{"ً":{"ٌ":1260,"ٍ":"التحرير في شرح صحيح مسلم - الأصبهاني","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/shmqwm/shmqwm.pdf"]},"ّ":"الكتاب: التحرير في شرح مسلم\n(قطعة تمثل النصف الثاني من الكتاب)\nالمؤلف: قِوَام السنة الأصبهاني، أبو القاسم إسماعيل بن محمد التيمي الشافعي (ت ٥٣٥ هـ)\nالمحقيق: إبراهيم أيت باخة\nالناشر: دار أسفار - الكويت\nالطبعة: الأولى، ١٤٤٢ هـ - ٢٠٢١ م\nعدد الصفحات: ٦٦٦\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":204,"ٕ":7,"ٖ":1770154144,"ٗ":105},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة التحقيق","level":1,"page":2},{"title":"مقدمة","level":2,"page":4},{"title":"الفصل الأول التعريف بكتاب التحرير وصاحبيه","level":2,"page":9},{"title":"المبحث الأول التعريف بصاحبي الكتاب","level":3,"page":10},{"title":"المطلب الأول التعريف بالأصبهاني الأب","level":4,"page":10},{"title":"المطلب الثاني التعريف بالأصبهاني الابن","level":4,"page":13},{"title":"المبحث الثاني اسم الكتاب","level":3,"page":17},{"title":"المبحث الثالث نسبة الكتاب إلى مؤلفه","level":3,"page":21},{"title":"المبحث الرابع تحديد القدر الذي أملاه الابن","level":3,"page":28},{"title":"المبحث الخامس القيمة العلمية للكتاب","level":3,"page":31},{"title":"المطلب الأول مكانة مؤلفه","level":4,"page":31},{"title":"المطلب الثاني زمان تأليفه","level":4,"page":33},{"title":"المطلب الثالث نقل العلماء عنه ورجوعهم إليه","level":4,"page":35},{"title":"المطلب الرابع مناقشة العلماء لاجتهاداته وتعقيبهم عليه","level":4,"page":41},{"title":"المبحث السادس موضوعه وسياقه التاريخي","level":3,"page":47},{"title":"الفصل الثاني منهج الإمام الأصبهاني في التحرير","level":2,"page":52},{"title":"المبحث الأول التبويب والترتيب وعدد الأحاديث","level":3,"page":53},{"title":"المطلب الأول تبويبه وترتيبه","level":4,"page":53},{"title":"المطلب الثاني عدد أحاديثه","level":4,"page":59},{"title":"المبحث الثاني منهجه في شرح الحديث","level":3,"page":60},{"title":"المبحث الثالث تقريراته العلمية في الكتاب","level":3,"page":64},{"title":"المطلب الأول تقريراته اللغوية","level":4,"page":64},{"title":"المطلب الثاني تقريراته الفقهية","level":4,"page":71},{"title":"١ - حكاية الخلاف العالي","level":5,"page":72},{"title":"٢ - التركيز على خلاف الشافعية والحنفية","level":5,"page":73},{"title":"٣ - تقرير مذهب الشافعية","level":5,"page":74},{"title":"٤ - تعظيم السنة والدليل","level":5,"page":74},{"title":"٥ - إعمال القواعد والأصول","level":5,"page":76},{"title":"المطلب الثالث تقريراته العقدية","level":4,"page":78},{"title":"المبحث الرابع مصادر المؤلف في الكتاب","level":3,"page":83},{"title":"المطلب الأول مصادره السمعية","level":4,"page":84},{"title":"المطلب الثاني المصادر النقلية التي صرح بها أو بأصحابها","level":4,"page":85},{"title":"المطلب الثالث المصادر النقلية التي لم يصرح بها، ويغلب على الظن نقله عنها","level":4,"page":87},{"title":"المبحث الخامس مقارنة بين كتاب التحرير ونظرائه","level":3,"page":89},{"title":"الفصل الثالث وصف المخطوط ومنهج التحقيق","level":2,"page":93},{"title":"المبحث الأول وصف المخطوط","level":3,"page":94},{"title":"المطلب الأول وصف المخطوط","level":4,"page":94},{"title":"المطلب الثاني تقدير ما وقع في المخطوط من السقط","level":4,"page":95},{"title":"المبحث الثاني منهج التحقيق وإخراج الكتاب","level":3,"page":102},{"title":"خلاصات ونتائج","level":4,"page":103},{"title":"من كتاب الزكاة","level":1,"page":105},{"title":"باب مقدار ما تجب فيه الزكاة","level":2,"page":105},{"title":"فصل استخرج واختصر من كلام بعض العلماء","level":3,"page":109},{"title":"ومن باب بعثة الإمام رجلا على أخذ الصدقة","level":2,"page":112},{"title":"ومن باب زكاة الفطر","level":2,"page":114},{"title":"فصل","level":3,"page":115},{"title":"فصل","level":3,"page":117},{"title":"ومن باب ما جاء فيمن لا يؤدي الزكاة","level":2,"page":118},{"title":"ومن باب بذل المال، وكراهة إمساكه ومنع حقه","level":2,"page":122},{"title":"ومن باب الترغيب في الصدقة وإخراج المال","level":2,"page":123},{"title":"ومن باب الكنازين للأموال والتغليظ عليهم","level":2,"page":124},{"title":"ومن باب الحث على النفقة","level":2,"page":125},{"title":"ومن باب فضل النفقة على الأهل والعيال","level":2,"page":127},{"title":"ومن باب الصدقة على الإخوان","level":2,"page":128},{"title":"ومن باب الصدقة على الزوج والولد","level":2,"page":128},{"title":"ومن باب الأجر في الصدقة على الأقارب وصدقة الأم على ولدها الأيتام","level":2,"page":129},{"title":"ومن باب الحث على صلة الرحم وإن كان ذو الرحم كافرا","level":2,"page":129},{"title":"ومن باب الصدقة على الميت بعد موته","level":2,"page":129},{"title":"ومن باب التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل","level":2,"page":130},{"title":"ومن باب الدعاء للمنفق بالخلف","level":2,"page":131},{"title":"ومن باب الترغيب في الصدقة قبل أن لا يوجد من يقبلها","level":2,"page":131},{"title":"ومن باب ما تخرج الأرضون من كنوزها","level":2,"page":133},{"title":"ومن باب التصدق من الكسب الطيب","level":2,"page":133},{"title":"ومن باب اتقوا النار ولو بشق تمرة","level":2,"page":135},{"title":"ومن باب الحث على الصدقة على ذوي الحاجة","level":2,"page":136},{"title":"باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوي إيمانه","level":2,"page":136},{"title":"ومن باب الخوارج","level":2,"page":139},{"title":"ومن باب لا تحل الصدقة للنبي ﷺ ولا لأهل بيته","level":2,"page":147},{"title":"ومن باب طلب الولاية","level":2,"page":147},{"title":"ومن باب الصدقة إذا تحولت هدية","level":2,"page":152},{"title":"ومن باب دعاء الإمام لمن جاءه بالصدقة","level":2,"page":152},{"title":"ومن باب إذا أتاكم المصدق","level":2,"page":153},{"title":"كتاب الصوم","level":1,"page":154},{"title":"ومن باب فضل شهر رمضان","level":2,"page":154},{"title":"ومن باب قوله: حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود","level":2,"page":162},{"title":"ومن باب: إن بلالا يؤذن بليل","level":2,"page":163},{"title":"ومن باب السحور","level":2,"page":164},{"title":"ومن باب تعجيل الفطر وتعجيل الصلاة","level":2,"page":166},{"title":"ومن باب إذا أقبل الليل وما جاء في الوصال","level":2,"page":166},{"title":"ومن باب القبلة للصائم","level":2,"page":168},{"title":"ومن باب من أصبح جنبا في رمضان","level":2,"page":169},{"title":"ومن باب كفارة من جامع أهله في نهار رمضان","level":2,"page":170},{"title":"ومن باب ما جاء في صوم المسافر وفطره","level":2,"page":173},{"title":"ومن باب ترك العيب على الصائم والمفطر في السفر","level":2,"page":173},{"title":"ومن باب ما جاء في صيام يوم عرفة","level":2,"page":174},{"title":"ومن باب صيام يوم عاشوراء","level":2,"page":175},{"title":"ومن باب النهي عن صوم يوم الفطر ويوم الأضحى","level":2,"page":177},{"title":"ومن باب كراهية صوم أيام التشريق","level":2,"page":178},{"title":"ومن باب النهي عن صيام يوم الجمعة","level":2,"page":178},{"title":"ومن باب وعلى الذين يطيقونه فدية","level":2,"page":178},{"title":"ومن باب تأخير قضاء رمضان إلى شعبان","level":2,"page":179},{"title":"ومن باب الصيام عن الميت","level":2,"page":179},{"title":"ومن باب إذا أصبح أحدكم صائما","level":2,"page":180},{"title":"ومن باب ما من عبد يصوم يوما في سبيل الله","level":2,"page":181},{"title":"ومن باب الأكل في صوم التطوع","level":2,"page":181},{"title":"باب صوم سرر الشهر","level":2,"page":182},{"title":"ومن باب ما جاء في ليلة القدر","level":2,"page":183},{"title":"ومن باب اعتكاف العشر الأوسط والآخر من رمضان","level":2,"page":184},{"title":"ومن باب كراهية صيام العشر من ذي الحجة","level":2,"page":188},{"title":"ومن باب فضل العشر الأواخر واجتهاد النبي ﷺ فيه","level":2,"page":188},{"title":"ومن باب شهر الله المحرم","level":2,"page":188},{"title":"فصل","level":3,"page":188},{"title":"كتاب الحج","level":1,"page":190},{"title":"ومن باب ما يجتنب المحرم من اللباس","level":2,"page":193},{"title":"ومن باب: تصنع في العمرة مثل ما تصنع في الحج","level":2,"page":193},{"title":"ومن باب مواقيت الإهلال بالحج","level":2,"page":196},{"title":"ومن باب الإهلال حين تنبعث به راحلته","level":2,"page":200},{"title":"ومن باب الطيب للإحرام","level":2,"page":201},{"title":"ومن باب كراهية لحم الصيد للمحرم","level":2,"page":201},{"title":"ومن باب ما يجوز قتله للمحرم من الدواب","level":2,"page":203},{"title":"ومن باب ما جاء في فدية الأذى","level":2,"page":204},{"title":"ومن باب الحجامة للمحرم","level":2,"page":205},{"title":"ومن باب إباحة التداوي للمحرم","level":2,"page":206},{"title":"ومن باب ما جاء في الاغتسال للمحرم","level":2,"page":206},{"title":"ومن باب غسل المحرم إذا مات","level":2,"page":207},{"title":"ومن باب الاشتراط عند الإهلال بالحج","level":2,"page":207},{"title":"ومن باب إهلال النفساء والحائض بالحج","level":2,"page":208},{"title":"ومن باب ما جاء في الإفراد والقران والتمتع","level":2,"page":208},{"title":"ومن باب حجة النبي ﷺ","level":2,"page":212},{"title":"ومن باب الإفاضة","level":2,"page":215},{"title":"ومن باب الجمع بين الحج والعمرة","level":2,"page":216},{"title":"ومن باب ما يفعل من صد عن البيت","level":2,"page":216},{"title":"ومن باب الطواف بالبيت والسعي قبل الوقوف بعرفة","level":2,"page":216},{"title":"ومن باب من أهل بالحج ولا يحل حتى يتم حجه ولا ينقض حجه بعمرة","level":2,"page":217},{"title":"ومن باب فسخ الحج في العمرة","level":2,"page":217},{"title":"ومن باب الإشعار والتقليد والتقصير","level":2,"page":217},{"title":"ومن باب من طاف بالبيت فقد حل","level":2,"page":220},{"title":"ومن باب الإهلال بالعمرة والحج","level":2,"page":220},{"title":"ومن باب ذكر عدد عمر النبي ﷺ","level":2,"page":220},{"title":"ومن باب ذكر الدليل على أن النبي ﷺ لم يحج بعد الهجرة إلا حجة واحدة","level":2,"page":222},{"title":"ومن باب ذكر دخول النبي ﷺ مكة","level":2,"page":223},{"title":"ومن باب المشي في الطواف والسعي في بطن المسيل","level":2,"page":224},{"title":"ومن باب استلام الحجر والركن اليماني","level":2,"page":225},{"title":"ومن باب إشعار الهدي","level":2,"page":227},{"title":"ومن باب وجوب السعي بين الصفا والمروة","level":2,"page":228},{"title":"ومن باب الصلاة بمزدلفة والتلبية حين يرمي جمرة العقبة","level":2,"page":228},{"title":"ومن باب التلبية والتكبير في الغد","level":2,"page":229},{"title":"ومن باب الإفاضة من جمع بليل","level":2,"page":230},{"title":"ومن باب تقديم الضعفة","level":2,"page":231},{"title":"ومن باب رمي جمرة العقبة","level":2,"page":231},{"title":"ومن باب الحلاق والتقصير","level":2,"page":232},{"title":"وباب الرمي ثم النحر ثم الحلق والبداية في الحلق بالشق الأيمن","level":2,"page":232},{"title":"ومن باب الحلق قبل النحر والنحر قبل الرمي","level":2,"page":233},{"title":"ومن باب النزول بالمحصب يوم النفر والصلاة به","level":2,"page":233},{"title":"ومن باب نزول الخيف","level":2,"page":234},{"title":"ومن باب المبيت بمكة ليالي منى","level":2,"page":234},{"title":"ومن باب الصدقة بلحوم البدن وجلودها","level":2,"page":234},{"title":"ومن باب اشتراك السبعة في البدنة والبقرة","level":2,"page":235},{"title":"ومن باب الدليل على أن الرجل لا يصير محرما ببعث الهدي ولا بالتقليد","level":2,"page":235},{"title":"ومن باب ركوب البدن عند الحاجة إليها","level":2,"page":236},{"title":"ومن باب ما يصنع بما عطب من البدن قبل أن يبلغ محلها","level":2,"page":236},{"title":"ومن باب طواف الوداع للحاج","level":2,"page":238},{"title":"ومن باب دخول الكعبة والصلاة فيها","level":2,"page":239},{"title":"ومن باب بنيان الكعبة واقتصار قريش عن أساس إبراهيم ﵇","level":2,"page":240},{"title":"ومن باب الحج عمن لا يستطيع","level":2,"page":241},{"title":"ومن باب فرض الحج على كل مسلم مرة واحدة","level":2,"page":241},{"title":"ومن باب لا تسافر المرأة ثلاثا إلا ومعها ذو محرم","level":2,"page":241},{"title":"ومن باب ما جاء في الدعاء عند الخروج إلى السفر والقفول","level":2,"page":242},{"title":"ومن باب مكة حرام","level":2,"page":243},{"title":"ومن باب دخول مكة والنهي عن حمل السلاح فيها","level":2,"page":244},{"title":"ومن باب تحريم النبي ﷺ المدينة","level":2,"page":244},{"title":"ومن باب إخبار النبي ﷺ بفتح الشام وفتح اليمن","level":2,"page":247},{"title":"ومن باب كان النبي ﷺ يأتي قباء راكبا وماشيا وباب المسجد الذي أسس على التقوى","level":2,"page":248},{"title":"كتاب النكاح","level":1,"page":249},{"title":"فصل","level":2,"page":250},{"title":"فصل","level":2,"page":251},{"title":"ومن باب من استطاع منكم الباءة فليتزوج","level":2,"page":251},{"title":"ومن باب كراهة ترك النكاح","level":2,"page":252},{"title":"ومن باب من رأى امرأة فليأت امرأته ترد نفسه","level":2,"page":253},{"title":"ومن باب ما جاء في متعة النساء","level":2,"page":253},{"title":"ومن باب ما جاء في النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها","level":2,"page":255},{"title":"ومن باب نكاح المحرم","level":2,"page":255},{"title":"ومن باب ما جاء في النهي عن خطبة الرجل على خطبة أخيه","level":2,"page":256},{"title":"ومن باب نكاح الشغار","level":2,"page":256},{"title":"ومن باب الشروط في النكاح","level":2,"page":257},{"title":"ومن باب لا تنكح الأيم حتى تستأمر","level":2,"page":257},{"title":"ومن باب الصغيرة يزوجها أبوها","level":2,"page":258},{"title":"ومن باب إباحة النظر إلى المرأة قبل النكاح","level":2,"page":259},{"title":"ومن باب ما جاء في التزويج على تعليم القرآن","level":2,"page":259},{"title":"ومن باب عتق النبي ﷺ صفية","level":2,"page":261},{"title":"ومن باب إذا دعي أحدكم إلى وليمة","level":2,"page":263},{"title":"كتاب الطلاق","level":1,"page":264},{"title":"ومن باب ما يقوله الرجل عند الجماع","level":2,"page":266},{"title":"ومن باب ما جاء في قوله تعالى ﴿نساؤكم حرث لكم﴾","level":2,"page":266},{"title":"ومن باب إذا هجرت المرأة فراش زوجها","level":2,"page":267},{"title":"ومن باب كراهية أن يحدث الرجل بإفضائه إلى أهله","level":2,"page":267},{"title":"ومن باب ما جاء في العزل","level":2,"page":267},{"title":"ومن باب ما جاء في الغيلة","level":2,"page":269},{"title":"ومن كتاب الرضاع","level":1,"page":271},{"title":"ومن باب ذكر العدد الذي يوقع التحريم بالرضاع","level":2,"page":272},{"title":"ومن باب ما ورد في أكثر عدد الرضعات","level":2,"page":272},{"title":"ومن باب ما جاء في رضاع الكبير","level":2,"page":273},{"title":"ومن باب الدليل على أن الرضاع لا يحرم إلا في الحولين","level":2,"page":273},{"title":"ومن باب قوله تعالى: ﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم﴾","level":2,"page":273},{"title":"ومن باب الحكم بالولد للفراش","level":2,"page":273},{"title":"ومن باب ما جاء في الحكم بالقيافة","level":2,"page":274},{"title":"ومن باب المقام عند البكر والثيب","level":2,"page":274},{"title":"ومن باب كان للنبي ﷺ تسع نسوة","level":2,"page":275},{"title":"ومن باب هبة المرأة يومها من زوجها لصاحبتها","level":2,"page":276},{"title":"ومن باب كان النبي ﷺ لا يقسم لنسائه إلا صفية بنت حيي","level":2,"page":276},{"title":"ومن باب الخصال التي تنكح لها النساء","level":2,"page":276},{"title":"ومن باب الحض على نكاح الأبكار","level":2,"page":277},{"title":"ومن باب (خلقت المرأة من ضلع)","level":2,"page":278},{"title":"ومن باب طلاق الحائض","level":2,"page":279},{"title":"ومن باب ذكر ما روي أن الثلاث للبكر واحدة","level":2,"page":282},{"title":"ومن باب في الحرام كفارة يمين","level":2,"page":283},{"title":"ومن باب ما جاء في التخيير","level":2,"page":284},{"title":"ومن باب اعتزال النبي ﷺ نساءه","level":2,"page":285},{"title":"ومن باب بطلان نفقة المبتوتة","level":2,"page":288},{"title":"ومن باب خروج المطلقة عن منزلها إذا خافت على نفسها","level":2,"page":291},{"title":"ومن باب ما جاء في عدة الحامل","level":2,"page":292},{"title":"ومن باب الإحداد على الميت","level":2,"page":293},{"title":"ومن باب اللعان","level":2,"page":295},{"title":"ومن باب إذا جاء ولد الرجل أسود لا ينفى منه","level":2,"page":298},{"title":"ومن كتاب العتق","level":1,"page":299},{"title":"ومن باب الولاء لمن أعتق","level":2,"page":300},{"title":"ومن باب النهي عن بيع الولاء وهبته","level":2,"page":303},{"title":"ومن باب لعن من تولى غير مواليه","level":2,"page":303},{"title":"ومن باب فضل من أعتق رقبة مؤمنة","level":2,"page":304},{"title":"ومن باب عتق الولد الوالد","level":2,"page":305},{"title":"باب النهي عن الملامسة والمنابذة","level":2,"page":306},{"title":"ومن باب بيع الحصاة وبيع الغرر","level":2,"page":306},{"title":"ومن باب النهي عن بيع حبل الحبلة","level":2,"page":307},{"title":"ومن باب النهي عن بيع بعضهم على بعض","level":2,"page":307},{"title":"ومن باب بيع النجش","level":2,"page":308},{"title":"ومن باب ما ورد في فساد البيع قبل القبض","level":2,"page":313},{"title":"ومن باب ما جاء في خيار المتبايعين","level":2,"page":315},{"title":"ومن باب ما ورد في نفي الخديعة","level":2,"page":316},{"title":"ومن باب النهي عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها","level":2,"page":316},{"title":"ومن باب بيع التمر بالتمر","level":2,"page":317},{"title":"ومن باب من باع نخلا مؤبرة","level":2,"page":319},{"title":"ومن باب النهي عن المحاقلة والمخابرة والمعاومة","level":2,"page":320},{"title":"ومن باب فضل من غرس غرسا أو زرع زرعا","level":2,"page":322},{"title":"ومن باب جائحة الثمر","level":2,"page":323},{"title":"ومن باب من أدرك سلعته عند مفلس","level":2,"page":324},{"title":"ومن باب فضل إنظار المعسر والتجاوز عن المعسر","level":2,"page":324},{"title":"ومن باب النهي عن بيع فضل الماء","level":2,"page":325},{"title":"ومن باب الأمر بقتل الكلاب","level":2,"page":326},{"title":"ومن باب الرخصة في أجرة الحجام","level":2,"page":326},{"title":"ومن باب تحريم بيع الخمر","level":2,"page":327},{"title":"باب ما جاء في تحريم الصرف","level":2,"page":328},{"title":"ومن باب إثبات الربا في بيع النقود ونسخ قوله: (إنما الربا في النسيئة)","level":2,"page":330},{"title":"ومن باب ما ورد من التغليظ في أكل الربا","level":2,"page":331},{"title":"ومن باب ما ورد في ذكر الحلال والحرام","level":2,"page":331},{"title":"ومن باب الشرط في البيع","level":2,"page":334},{"title":"ومن باب ما جاء في حسن التقاضي","level":2,"page":336},{"title":"ومن باب بيع العبد بالعبدين","level":2,"page":337},{"title":"ومن باب ما جاء في الرهون","level":2,"page":337},{"title":"ومن باب ما ورد في السلم","level":2,"page":338},{"title":"ومن باب الاحتكار","level":2,"page":338},{"title":"ومن باب النهي عن الحلف في البيوع","level":2,"page":339},{"title":"كتاب الشفعة","level":1,"page":341},{"title":"باب الشفعة فيما لم يقسم","level":2,"page":341},{"title":"ومن باب من ظلم شبرا من الأرض","level":2,"page":344},{"title":"ومن كتاب الفرائض","level":1,"page":347},{"title":"ومن كتاب الوصايا والصدقة والنهي عن الرجوع في الصدقة","level":1,"page":349},{"title":"ومن باب ما جاء في العمرى والرقبى","level":2,"page":350},{"title":"ومن باب الحث على الوصية","level":2,"page":352},{"title":"ومن باب الوصية بالثلث","level":2,"page":352},{"title":"ومن باب الصدقة عن الميت","level":2,"page":355},{"title":"ومن كتاب الأوقاف","level":1,"page":356},{"title":"ومن باب وصية النبي ﷺ","level":2,"page":357},{"title":"ومن كتاب النذور والأيمان","level":1,"page":359},{"title":"ومن باب أن نذر المعصية لا يلزم","level":2,"page":359},{"title":"ومن باب من نذر أن يمشي فلم يقدر فليركب","level":2,"page":361},{"title":"ومن باب النهي عن الحلف بغير الله","level":2,"page":362},{"title":"ومن باب كفارة من حلف باللات والعزى","level":2,"page":362},{"title":"ومن باب ما ورد في جواز الحنث قبل الكفارة","level":2,"page":362},{"title":"من كتاب الأقضية","level":1,"page":364},{"title":"من باب القضاء باليمين والشاهد","level":2,"page":364},{"title":"ومن باب ما جاء أن حكم الحاكم لا يحيل الأمر عما هو عليه","level":2,"page":364},{"title":"ومن باب ذكر وجوب الحكم على الغائب","level":2,"page":365},{"title":"ومن باب ما جاء في العذر للحاكم عند الاجتهاد","level":2,"page":365},{"title":"ومن باب الأمر بالاعتصام بحبل الله","level":2,"page":366},{"title":"ومن باب ترك الغضب للحاكم","level":2,"page":367},{"title":"ومن باب الحاكم يصلح بين الخصمين","level":2,"page":367},{"title":"ومن باب اللقطة","level":2,"page":368},{"title":"ومن باب النهي عن حلب مواشي الناس إلا بإذنهم","level":2,"page":369},{"title":"كتاب الجهاد","level":1,"page":370},{"title":"ومن باب معرفة حق الضيف","level":2,"page":370},{"title":"ومن باب ذكر إغارة رسول الله ﷺ على بني المصطلق","level":2,"page":371},{"title":"ومن باب وصية النبي ﷺ الأمير","level":2,"page":371},{"title":"ومن باب ما جاء في الأنفال","level":2,"page":374},{"title":"ومن باب إعطاء السلب بعض القاتلين بالاجتهاد","level":2,"page":377},{"title":"ومن باب إعطاء السلب أجمع للقاتل","level":2,"page":379},{"title":"ومن باب لا نورث ما تركناه صدقة","level":2,"page":381},{"title":"ومن باب للفرس سهمان وللرجل سهم","level":2,"page":382},{"title":"ومن باب الحكمة في الأسارى والقسمة وإمداد الملائكة يوم بدر","level":2,"page":382},{"title":"ومن باب المن على الأسارى","level":2,"page":383},{"title":"ومن باب الحكم فيمن حارب ونقض العهد","level":2,"page":384},{"title":"ومن باب من لزمه أمر فدخل عليه فيه أمر آخر","level":2,"page":385},{"title":"ومن باب رد المهاجرين على الأنصار بعد الفتح","level":2,"page":386},{"title":"ومن باب أخذ الطعام في أرض العدو","level":2,"page":387},{"title":"ومن باب كتاب النبي ﷺ إلى هرقل","level":2,"page":388},{"title":"ومن باب ذكر ما جاء في غزوة حنين","level":2,"page":389},{"title":"ومن باب قصة أهل الطائف","level":2,"page":392},{"title":"ومن باب غزوة بدر","level":2,"page":392},{"title":"ومن باب فتح مكة","level":2,"page":393},{"title":"ومن باب ذكر الحديبية","level":2,"page":394},{"title":"ومن باب ذكر يوم الأحزاب","level":2,"page":395},{"title":"ومن باب غزوة أحد","level":2,"page":395},{"title":"ومن باب دعاء رسول الله ﷺ على قريش","level":2,"page":396},{"title":"ومن باب ما لقي النبي ﷺ من أذى قومه","level":2,"page":397},{"title":"ومن باب ما ودعك ربك وما قلى","level":2,"page":398},{"title":"ومن باب صبره على أذى المنافقين","level":2,"page":398},{"title":"ومن باب قتل أبي جهل بن هشام","level":2,"page":399},{"title":"ومن باب قتل كعب بن الأشرف","level":2,"page":400},{"title":"ومن باب غزوة خيبر","level":2,"page":400},{"title":"ومن باب غزوة الأحزاب","level":2,"page":402},{"title":"ومن باب غزوة ذي قرد","level":2,"page":402},{"title":"ومن باب الغزو بالنساء","level":2,"page":405},{"title":"ومن باب عدد غزوات رسول الله ﷺ","level":2,"page":407},{"title":"ومن باب غزوة ذات الرقاع","level":2,"page":408},{"title":"ومن باب كراهية الاستعانة بالمشركين في قتال العدو","level":2,"page":409},{"title":"ومن باب فضل قريش","level":2,"page":409},{"title":"ومن باب الإمارة والخلافة","level":2,"page":409},{"title":"ومن باب كراهية الإمارة لمن سألها","level":2,"page":410},{"title":"ومن باب ما جاء في فضل الإمام العادل","level":2,"page":411},{"title":"ومن باب كلكم راع","level":2,"page":411},{"title":"ومن باب الأمير إذا لم ينصح للرعية وكان غاشا لهم","level":2,"page":411},{"title":"ومن باب تعظيم أمر الغلول","level":2,"page":412},{"title":"ومن باب الأمر بطاعة [الأمير إذا أطاع الله]؛ ورسوله","level":2,"page":413},{"title":"ومن باب ما ورد أن الطاعة إنما تجب للمخلوق إذا كانت طاعة الله","level":2,"page":415},{"title":"ومن باب البيعة على السمع والطاعة","level":2,"page":415},{"title":"ومن باب ما ورد في فضيلة الإمام","level":2,"page":416},{"title":"ومن باب الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن","level":2,"page":418},{"title":"ومن باب إثم من فارق الجماعة","level":2,"page":419},{"title":"ومن باب إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما","level":2,"page":421},{"title":"ومن باب بيعة الرضوان والمبايعة على ترك الفرار","level":2,"page":422},{"title":"ومن باب امتحان المؤمنات إذا هاجرن عند المبايعة","level":2,"page":424},{"title":"ومن باب البيعة على السمع والطاعة","level":2,"page":424},{"title":"ومن باب حد بلوغ الرجال","level":2,"page":424},{"title":"ومن باب ذكر حرمة القرآن وكراهية أن يسافر به إلى أرض العدو","level":2,"page":425},{"title":"ومن باب ما ورد في المسابقة","level":2,"page":425},{"title":"ومن باب الخيل في نواصيها الخير","level":2,"page":426},{"title":"ومن باب كراهية الشكال في الخيل","level":2,"page":426},{"title":"ومن باب فضل الجهاد والترغيب فيه","level":2,"page":427},{"title":"ومن باب غدوة في سبيل الله أو روحة","level":2,"page":430},{"title":"ومن باب فضل القتل في سبيل الله","level":2,"page":430},{"title":"ومن باب أن القتل في سبيل الله يكفر كل شيء إلا الدين","level":2,"page":432},{"title":"ومن باب أفضل الناس المجاهد بالمال والنفس","level":2,"page":432},{"title":"ومن باب الرجلين يقتل أحدهما الآخر","level":2,"page":434},{"title":"ومن باب من حمل على ناقة في سبيل الله","level":2,"page":434},{"title":"ومن باب الدال على الخير كفاعله","level":2,"page":435},{"title":"ومن باب فضيلة من جهز غازيا","level":2,"page":435},{"title":"ومن باب حرمة نساء المجاهدين","level":2,"page":436},{"title":"ومن باب: ﴿لا يستوي القاعدون﴾ [النساء: ٩٥]","level":2,"page":436},{"title":"ومن باب ذكر ما جاء في القتل في سبيل الله","level":2,"page":436},{"title":"ومن باب بعث العيون في الغزو","level":2,"page":437},{"title":"ومن باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا","level":2,"page":438},{"title":"ومن باب من قاتل للسمعة","level":2,"page":439},{"title":"ومن باب من طلب الشهادة صادقا","level":2,"page":440},{"title":"ومن باب من مات ولم ينو الجهاد","level":2,"page":440},{"title":"ومن باب الغزو في البحر","level":2,"page":440},{"title":"ومن كتاب الصيد والذبائح","level":1,"page":444},{"title":"ومن باب النهي عن لحوم الحمر الإنسية","level":2,"page":445},{"title":"ومن باب أكل لحوم الخيل","level":2,"page":446},{"title":"ومن باب أكل الضب","level":2,"page":446},{"title":"ومن باب ما جاء في أكل الأرنب","level":2,"page":447},{"title":"[ومن باب ما جاء في ذكر دباغ الأهب","level":2,"page":448},{"title":"ومن كتاب الأضاحي","level":1,"page":450},{"title":"ومن باب كراهية الذبح بالسن","level":2,"page":452},{"title":"ومن باب ما جاء في النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث","level":2,"page":453},{"title":"ومن باب إذا دخل العشر وأراد أن يضحي","level":2,"page":454},{"title":"ومن باب لا فرع ولا عتيرة","level":2,"page":454},{"title":"ومن باب النهي عن الذبح لغير الله","level":2,"page":455},{"title":"ومن كتاب الأشربة","level":1,"page":456},{"title":"ومن باب الخمر من البسر والتمر","level":2,"page":458},{"title":"ومن باب النهي عن الانتباذ في الدباء والمزفت","level":2,"page":458},{"title":"ومن باب من شرب الخمر في الدنيا","level":2,"page":459},{"title":"ومن كتاب الأطعمة","level":1,"page":462},{"title":"ومن باب النهي عن الأكل والشرب بالشمال","level":2,"page":462},{"title":"ومن باب النهي عن اختناث الأسقية","level":2,"page":463},{"title":"ومن باب إيكاء الآنية","level":2,"page":463},{"title":"ومن باب الشرب من زمزم قائما","level":2,"page":465},{"title":"ومن باب النهي عن التنفس في الإناء","level":2,"page":465},{"title":"ومن باب إعطاء فضل الشراب الأيمن فالأيمن","level":2,"page":465},{"title":"ومن باب ما ورد في لعق اليد","level":2,"page":466},{"title":"ومن باب من دعي إلى طعام فتبعه غيره","level":2,"page":467},{"title":"ومن باب دعاء النبي ﷺ على الطعام وجعل القليل كثيرا","level":2,"page":468},{"title":"ومن باب أكل الدباء والغدير","level":2,"page":470},{"title":"ومن باب الدعاء لصاحب الطعام","level":2,"page":470},{"title":"ومن باب إكرام الضيف","level":2,"page":473},{"title":"ومن كتاب اللباس","level":1,"page":476},{"title":"ومن باب لباس الإزار الغليظ والثوب الملبد","level":2,"page":479},{"title":"ومن باب فراش الأدم الذي حشوه ليف وباب لباس المرط المرحل وباب من جر ثوبه خيلاء","level":2,"page":482},{"title":"ومن باب كراهية الجرس في الرفقة","level":2,"page":484},{"title":"ومن باب النهي عن الجلوس في الطرق وباب النهي عن الوصل في الشعر","level":2,"page":485},{"title":"ومن باب ما ورد في تحريم التشبع","level":2,"page":488},{"title":"ومن باب كراهية أن يكنى بكنية النبي ﷺ وباب أحب الأسماء إلى الله","level":2,"page":488},{"title":"ومن باب أخنع الأسماء عند الله تعالى","level":2,"page":489},{"title":"ومن باب الدجال","level":2,"page":492},{"title":"ومن كتاب الاستئذان","level":1,"page":494},{"title":"ومن باب إنما جعل الاستئذان من أجل البصر","level":2,"page":495},{"title":"ومن باب نهي الرجل أن يبيت عند المرأة غير المحرم","level":2,"page":498},{"title":"ومن كتاب الطب","level":1,"page":501},{"title":"باب إباحة الرقى والعلاج","level":2,"page":501},{"title":"ومن باب ما جاء في كيفية سحر النبي ﷺ","level":2,"page":501},{"title":"ومن باب الرقية في الحمة والنملة والعين","level":2,"page":502},{"title":"ومن باب معالجة الحمى بالماء","level":2,"page":505},{"title":"ومن كتاب الطاعون","level":1,"page":511},{"title":"ومن باب العدوى والطيرة","level":2,"page":512},{"title":"ومن باب النهي عن تصديق الكهان","level":2,"page":513},{"title":"ومن باب الشؤم في الدار والمرأة والفرس","level":2,"page":514},{"title":"ومن باب رجوم الشياطين","level":2,"page":514},{"title":"ومن باب سقي البهائم","level":2,"page":516},{"title":"ومن باب لا تسبوا الدهر","level":2,"page":518},{"title":"ومن باب كراهية أن يقال للعنب كرم","level":2,"page":520},{"title":"ومن باب الريحان","level":2,"page":521},{"title":"ومن باب إنشاد الشعر","level":2,"page":522},{"title":"ومن كتاب الفضائل","level":1,"page":523},{"title":"ومن باب ذكر أبي عبيدة ﵁","level":2,"page":524},{"title":"ومن باب فضل الحسن والحسين ﵄","level":2,"page":524},{"title":"ومن باب فضل زيد بن حارثة ﵁","level":2,"page":526},{"title":"ومن باب فضل أسامة ﵁","level":2,"page":526},{"title":"ومن باب فضل عبد الله بن جعفر وعبد الله بن الزبير ﵁","level":2,"page":526},{"title":"ومن باب فضل خديجة ﵂","level":2,"page":526},{"title":"ومن باب فضائل عائشة ﵂","level":2,"page":527},{"title":"ذكر حديث أم زرع","level":2,"page":530},{"title":"ومن باب فضل فاطمة ﵂","level":2,"page":539},{"title":"ومن باب فضل أم سلمة ﵂","level":2,"page":540},{"title":"ومن باب فضل أم سليم ﵂","level":2,"page":541},{"title":"ومن باب فضائل بلال ﵁","level":2,"page":542},{"title":"ومن باب فضائل عبد الله بن مسعود ﵁","level":2,"page":542},{"title":"ومن باب فضيلة أبي بن كعب ﵁","level":2,"page":543},{"title":"ومن باب فضيلة سعد بن معاذ ﵁","level":2,"page":543},{"title":"ومن باب فضل عبد الله بن حرام والد جابر بن عبد الله ﵁، وفضل أبي دجانة ﵁","level":2,"page":543},{"title":"ومن باب فضل أبي ذر ﵁","level":2,"page":544},{"title":"ومن باب فضل جرير ﵁","level":2,"page":547},{"title":"ومن باب فضل عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر ﵂","level":2,"page":547},{"title":"ومن باب فضل أنس ﵁","level":2,"page":548},{"title":"ومن باب فضل عبد الله بن سلام","level":2,"page":548},{"title":"ومن باب فضل حسان بن ثابت","level":2,"page":549},{"title":"ومن باب فضل أبي هريرة ﵁","level":2,"page":549},{"title":"ومن باب ذكر حاطب بن أبي بلتعة","level":2,"page":550},{"title":"ومن باب ذكر أبي موسى ﵁","level":2,"page":550},{"title":"ومن باب فضل المهاجرين وأصحاب السفينة","level":2,"page":551},{"title":"ومن باب فضل سلمان وصهيب","level":2,"page":551},{"title":"ومن باب فضائل الأنصار","level":2,"page":551},{"title":"ومن باب غفار غفر الله لها","level":2,"page":553},{"title":"ومن باب ما جاء في معادن الناس","level":2,"page":554},{"title":"ومن باب تخصيص نساء قريش","level":2,"page":555},{"title":"ومن باب ما جاء في الحلف والمؤاخاة","level":2,"page":555},{"title":"ومن باب فضائل أصحاب النبي ﷺ ورضي عنهم","level":2,"page":556},{"title":"ومن باب فضل أويس القرني ﵁","level":2,"page":559},{"title":"ومن باب فضل مصر وعمان","level":2,"page":559},{"title":"ومن باب ما جاء في ثقيف","level":2,"page":560},{"title":"ومن باب فضل الفرس","level":2,"page":560},{"title":"ومن باب تجدون الناس كإبل مائة","level":2,"page":560},{"title":"ومن كتاب البر والصلة","level":1,"page":561},{"title":"ومن باب لا تقاطعوا ولا تدابروا","level":2,"page":564},{"title":"ومن باب لا ينظر إلى صوركم وأموالكم","level":2,"page":565},{"title":"ومن باب عرض الأعمال على الله ﷿ يوم الاثنين ويوم الخميس","level":2,"page":566},{"title":"ومن باب كفارة المرض","level":2,"page":570},{"title":"ومن باب النهي عن الظلم وتعظيم الأمر فيه","level":2,"page":571},{"title":"ومن باب كراهية اللعن","level":2,"page":574},{"title":"ومن باب أن الصدق يهدي إلى البر","level":2,"page":576},{"title":"ومن باب ما جاء في الرقوب والصرعة وذم الغضب","level":2,"page":577},{"title":"ومن باب ما ورد في تعذيب الذين يعذبون الناس","level":2,"page":578},{"title":"ومن باب ما زاد الله رجلا بعفو إلا عزا","level":2,"page":579},{"title":"ومن باب حق الجار","level":2,"page":580},{"title":"ومن باب التشفع لذوي الحاجات","level":2,"page":580},{"title":"ومن كتاب القدر","level":1,"page":581},{"title":"ومن باب ذكر احتجاج آدم وموسى ﵉","level":2,"page":581},{"title":"فصل يتعلق بباب القدر","level":3,"page":586},{"title":"ومن كتاب العلم","level":1,"page":589},{"title":"ومن باب ما روي في رفع العلم وأشراط الساعة","level":2,"page":590},{"title":"ومن باب كيفية رفع العلم","level":2,"page":591},{"title":"ومن باب الذكر والتسبيح والدعاء","level":2,"page":591},{"title":"ومن باب النهي عن تمني الموت","level":2,"page":592},{"title":"ومن باب ذكر من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه","level":2,"page":592},{"title":"ومن باب ذكر حسن الظن بالله وقرب العبد من ربه","level":2,"page":593},{"title":"ومن باب ذكر ما جاء في التعوذ","level":2,"page":594},{"title":"ومن باب الدعاء عند صياح الديكة ونهيق الحمار","level":2,"page":596},{"title":"ومن باب ما روي في فتنة النساء","level":2,"page":598},{"title":"ومن باب حديث الغار","level":2,"page":599},{"title":"ومن باب ما روي في التوبة","level":2,"page":600},{"title":"ومن باب ما روي في رحمة الله","level":2,"page":602},{"title":"ومن باب توبة كعب بن مالك ﵁","level":2,"page":605},{"title":"ومن باب حديث الإفك","level":2,"page":609},{"title":"شرح ما في حديث الإفك من الغريب","level":3,"page":618},{"title":"ومن باب ما جاء في ذكر المنافقين","level":2,"page":624},{"title":"ومن باب صفة القيامة","level":2,"page":626},{"title":"ومن باب ذكر المؤمن والمنافق","level":2,"page":629},{"title":"ومن باب تحريش الشيطان","level":2,"page":629},{"title":"ومن باب ذكر الجنة","level":2,"page":630},{"title":"ومن باب صفة جهنم","level":2,"page":631},{"title":"ومن باب الحشر وأحوال القيامة","level":2,"page":634},{"title":"ومن باب عذاب القبر","level":2,"page":636},{"title":"ومن باب يبعث كل عبد على ما مات عليه وباب ما جاء في الحساب يوم القيامة","level":2,"page":637},{"title":"ومن باب خروج يأجوج ومأجوج، وما جاء في الفتن","level":2,"page":637},{"title":"ومن باب ذكر الدجال","level":2,"page":640}],"ٛ":{"1,2":1,"1,5":2,"1,6":3,"1,7":4,"1,8":5,"1,9":6,"1,10":7,"1,11":8,"1,13":9,"1,15":10,"1,16":11,"1,17":12,"1,18":13,"1,19":14,"1,20":15,"1,21":16,"1,22":17,"1,23":18,"1,24":19,"1,25":20,"1,26":21,"1,27":22,"1,28":23,"1,29":24,"1,30":25,"1,31":26,"1,32":27,"1,33":28,"1,34":29,"1,35":30,"1,36":31,"1,37":32,"1,38":33,"1,39":34,"1,40":35,"1,41":36,"1,42":37,"1,43":38,"1,44":39,"1,45":40,"1,46":41,"1,47":42,"1,48":43,"1,49":44,"1,50":45,"1,51":46,"1,52":47,"1,53":48,"1,54":49,"1,55":50,"1,56":51,"1,57":52,"1,59":53,"1,60":54,"1,61":55,"1,62":56,"1,63":57,"1,64":58,"1,65":59,"1,66":60,"1,67":61,"1,68":62,"1,69":63,"1,70":64,"1,71":65,"1,72":66,"1,73":67,"1,74":68,"1,75":69,"1,76":70,"1,77":71,"1,78":72,"1,79":73,"1,80":74,"1,81":75,"1,82":76,"1,83":77,"1,84":78,"1,85":79,"1,86":80,"1,87":81,"1,88":82,"1,89":83,"1,90":84,"1,91":85,"1,92":86,"1,93":87,"1,94":88,"1,95":89,"1,96":90,"1,97":91,"1,98":92,"1,99":93,"1,101":94,"1,102":95,"1,103":96,"1,104":97,"1,105":98,"1,106":99,"1,107":100,"1,108":101,"1,109":102,"1,110":103,"1,111":104,"1,115":105,"1,116":106,"1,117":107,"1,118":108,"1,119":109,"1,120":110,"1,121":111,"1,122":112,"1,123":113,"1,124":114,"1,125":115,"1,126":116,"1,127":117,"1,128":118,"1,129":119,"1,130":120,"1,131":121,"1,132":122,"1,133":123,"1,134":124,"1,135":125,"1,136":126,"1,137":127,"1,138":128,"1,139":129,"1,140":130,"1,141":131,"1,142":132,"1,143":133,"1,144":134,"1,145":135,"1,146":136,"1,147":137,"1,148":138,"1,149":139,"1,150":140,"1,151":141,"1,152":142,"1,153":143,"1,154":144,"1,155":145,"1,156":146,"1,157":147,"1,158":148,"1,159":149,"1,160":150,"1,161":151,"1,162":152,"1,163":153,"1,165":154,"1,166":155,"1,167":156,"1,168":157,"1,169":158,"1,170":159,"1,171":160,"1,172":161,"1,173":162,"1,174":163,"1,175":164,"1,176":165,"1,177":166,"1,178":167,"1,179":168,"1,180":169,"1,181":170,"1,182":171,"1,183":172,"1,184":173,"1,185":174,"1,186":175,"1,187":176,"1,188":177,"1,189":178,"1,190":179,"1,191":180,"1,192":181,"1,193":182,"1,194":183,"1,195":184,"1,196":185,"1,197":186,"1,198":187,"1,199":188,"1,200":189,"1,201":190,"1,202":191,"1,203":192,"1,204":193,"1,205":194,"1,206":195,"1,207":196,"1,208":197,"1,209":198,"1,210":199,"1,211":200,"1,212":201,"1,213":202,"1,214":203,"1,215":204,"1,216":205,"1,217":206,"1,218":207,"1,219":208,"1,220":209,"1,221":210,"1,222":211,"1,223":212,"1,224":213,"1,225":214,"1,226":215,"1,227":216,"1,228":217,"1,229":218,"1,230":219,"1,231":220,"1,232":221,"1,233":222,"1,234":223,"1,235":224,"1,236":225,"1,237":226,"1,238":227,"1,239":228,"1,240":229,"1,241":230,"1,242":231,"1,243":232,"1,244":233,"1,245":234,"1,246":235,"1,247":236,"1,248":237,"1,249":238,"1,250":239,"1,251":240,"1,252":241,"1,253":242,"1,254":243,"1,255":244,"1,256":245,"1,257":246,"1,258":247,"1,259":248,"1,261":249,"1,262":250,"1,263":251,"1,264":252,"1,265":253,"1,266":254,"1,267":255,"1,268":256,"1,269":257,"1,270":258,"1,271":259,"1,272":260,"1,273":261,"1,274":262,"1,275":263,"1,277":264,"1,278":265,"1,279":266,"1,280":267,"1,281":268,"1,282":269,"1,283":270,"1,285":271,"1,286":272,"1,287":273,"1,288":274,"1,289":275,"1,290":276,"1,291":277,"1,292":278,"1,293":279,"1,294":280,"1,295":281,"1,296":282,"1,297":283,"1,298":284,"1,299":285,"1,300":286,"1,301":287,"1,302":288,"1,303":289,"1,304":290,"1,305":291,"1,306":292,"1,307":293,"1,308":294,"1,309":295,"1,310":296,"1,311":297,"1,312":298,"1,313":299,"1,314":300,"1,315":301,"1,316":302,"1,317":303,"1,318":304,"1,319":305,"1,321":306,"1,322":307,"1,323":308,"1,324":309,"1,325":310,"1,326":311,"1,327":312,"1,328":313,"1,329":314,"1,330":315,"1,331":316,"1,332":317,"1,333":318,"1,334":319,"1,335":320,"1,336":321,"1,337":322,"1,338":323,"1,339":324,"1,340":325,"1,341":326,"1,342":327,"1,343":328,"1,344":329,"1,345":330,"1,346":331,"1,347":332,"1,348":333,"1,349":334,"1,350":335,"1,351":336,"1,352":337,"1,353":338,"1,354":339,"1,355":340,"1,357":341,"1,358":342,"1,359":343,"1,360":344,"1,361":345,"1,362":346,"1,363":347,"1,364":348,"1,365":349,"1,366":350,"1,367":351,"1,368":352,"1,369":353,"1,370":354,"1,371":355,"1,373":356,"1,374":357,"1,375":358,"1,377":359,"1,378":360,"1,379":361,"1,380":362,"1,381":363,"1,383":364,"1,384":365,"1,385":366,"1,386":367,"1,387":368,"1,388":369,"1,389":370,"1,390":371,"1,391":372,"1,392":373,"1,393":374,"1,394":375,"1,395":376,"1,396":377,"1,397":378,"1,398":379,"1,399":380,"1,400":381,"1,401":382,"1,402":383,"1,403":384,"1,404":385,"1,405":386,"1,406":387,"1,407":388,"1,408":389,"1,409":390,"1,410":391,"1,411":392,"1,412":393,"1,413":394,"1,414":395,"1,415":396,"1,416":397,"1,417":398,"1,418":399,"1,419":400,"1,420":401,"1,421":402,"1,422":403,"1,423":404,"1,424":405,"1,425":406,"1,426":407,"1,427":408,"1,428":409,"1,429":410,"1,430":411,"1,431":412,"1,432":413,"1,433":414,"1,434":415,"1,435":416,"1,436":417,"1,437":418,"1,438":419,"1,439":420,"1,440":421,"1,441":422,"1,442":423,"1,443":424,"1,444":425,"1,445":426,"1,446":427,"1,447":428,"1,448":429,"1,449":430,"1,450":431,"1,451":432,"1,452":433,"1,453":434,"1,454":435,"1,455":436,"1,456":437,"1,457":438,"1,458":439,"1,459":440,"1,460":441,"1,461":442,"1,462":443,"1,463":444,"1,464":445,"1,465":446,"1,466":447,"1,467":448,"1,468":449,"1,469":450,"1,470":451,"1,471":452,"1,472":453,"1,473":454,"1,474":455,"1,475":456,"1,476":457,"1,477":458,"1,478":459,"1,479":460,"1,480":461,"1,481":462,"1,482":463,"1,483":464,"1,484":465,"1,485":466,"1,486":467,"1,487":468,"1,488":469,"1,489":470,"1,490":471,"1,491":472,"1,492":473,"1,493":474,"1,494":475,"1,495":476,"1,496":477,"1,497":478,"1,498":479,"1,499":480,"1,500":481,"1,501":482,"1,502":483,"1,503":484,"1,504":485,"1,505":486,"1,506":487,"1,507":488,"1,508":489,"1,509":490,"1,510":491,"1,511":492,"1,512":493,"1,513":494,"1,514":495,"1,515":496,"1,516":497,"1,517":498,"1,518":499,"1,519":500,"1,521":501,"1,522":502,"1,523":503,"1,524":504,"1,525":505,"1,526":506,"1,527":507,"1,528":508,"1,529":509,"1,530":510,"1,531":511,"1,532":512,"1,533":513,"1,534":514,"1,535":515,"1,536":516,"1,537":517,"1,538":518,"1,539":519,"1,540":520,"1,541":521,"1,542":522,"1,543":523,"1,544":524,"1,545":525,"1,546":526,"1,547":527,"1,548":528,"1,549":529,"1,550":530,"1,551":531,"1,552":532,"1,553":533,"1,554":534,"1,555":535,"1,556":536,"1,557":537,"1,558":538,"1,559":539,"1,560":540,"1,561":541,"1,562":542,"1,563":543,"1,564":544,"1,565":545,"1,566":546,"1,567":547,"1,568":548,"1,569":549,"1,570":550,"1,571":551,"1,572":552,"1,573":553,"1,574":554,"1,575":555,"1,576":556,"1,577":557,"1,578":558,"1,579":559,"1,580":560,"1,581":561,"1,582":562,"1,583":563,"1,584":564,"1,585":565,"1,586":566,"1,587":567,"1,588":568,"1,589":569,"1,590":570,"1,591":571,"1,592":572,"1,593":573,"1,594":574,"1,595":575,"1,596":576,"1,597":577,"1,598":578,"1,599":579,"1,600":580,"1,601":581,"1,602":582,"1,603":583,"1,604":584,"1,605":585,"1,606":586,"1,607":587,"1,608":588,"1,609":589,"1,610":590,"1,611":591,"1,612":592,"1,613":593,"1,614":594,"1,615":595,"1,616":596,"1,617":597,"1,618":598,"1,619":599,"1,620":600,"1,621":601,"1,622":602,"1,623":603,"1,624":604,"1,625":605,"1,626":606,"1,627":607,"1,628":608,"1,629":609,"1,630":610,"1,631":611,"1,632":612,"1,633":613,"1,634":614,"1,635":615,"1,636":616,"1,637":617,"1,638":618,"1,639":619,"1,640":620,"1,641":621,"1,642":622,"1,643":623,"1,644":624,"1,645":625,"1,646":626,"1,647":627,"1,648":628,"1,649":629,"1,650":630,"1,651":631,"1,652":632,"1,653":633,"1,654":634,"1,655":635,"1,656":636,"1,657":637,"1,658":638,"1,659":639,"1,660":640,"1,661":641,"1,662":642,"1,663":643,"1,664":644,"1,665":645,"1,666":646},"ٜ":{"1":[2,666]},"ٝ":["1,2","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,13","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,373","1,374","1,375","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,624","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,630","1,631","1,632","1,633","1,634","1,635","1,636","1,637","1,638","1,639","1,640","1,641","1,642","1,643","1,644","1,645","1,646","1,647","1,648","1,649","1,650","1,651","1,652","1,653","1,654","1,655","1,656","1,657","1,658","1,659","1,660","1,661","1,662","1,663","1,664","1,665","1,666"],"ٞ":{"2":[1],"4":[2],"9":[3],"10":[4,5],"13":[6],"17":[7],"21":[8],"28":[9],"31":[10,11],"33":[12],"35":[13],"41":[14],"47":[15],"52":[16],"53":[17,18],"59":[19],"60":[20],"64":[21,22],"71":[23],"72":[24],"73":[25],"74":[26,27],"76":[28],"78":[29],"83":[30],"84":[31],"85":[32],"87":[33],"89":[34],"93":[35],"94":[36,37],"95":[38],"102":[39],"103":[40],"105":[41,42],"109":[43],"112":[44],"114":[45],"115":[46],"117":[47],"118":[48],"122":[49],"123":[50],"124":[51],"125":[52],"127":[53],"128":[54,55],"129":[56,57,58],"130":[59],"131":[60,61],"133":[62,63],"135":[64],"136":[65,66],"139":[67],"147":[68,69],"152":[70,71],"153":[72],"154":[73,74],"162":[75],"163":[76],"164":[77],"166":[78,79],"168":[80],"169":[81],"170":[82],"173":[83,84],"174":[85],"175":[86],"177":[87],"178":[88,89,90],"179":[91,92],"180":[93],"181":[94,95],"182":[96],"183":[97],"184":[98],"188":[99,100,101,102],"190":[103],"193":[104,105],"196":[106],"200":[107],"201":[108,109],"203":[110],"204":[111],"205":[112],"206":[113,114],"207":[115,116],"208":[117,118],"212":[119],"215":[120],"216":[121,122,123],"217":[124,125,126],"220":[127,128,129],"222":[130],"223":[131],"224":[132],"225":[133],"227":[134],"228":[135,136],"229":[137],"230":[138],"231":[139,140],"232":[141,142],"233":[143,144],"234":[145,146,147],"235":[148,149],"236":[150,151],"238":[152],"239":[153],"240":[154],"241":[155,156,157],"242":[158],"243":[159],"244":[160,161],"247":[162],"248":[163],"249":[164],"250":[165],"251":[166,167],"252":[168],"253":[169,170],"255":[171,172],"256":[173,174],"257":[175,176],"258":[177],"259":[178,179],"261":[180],"263":[181],"264":[182],"266":[183,184],"267":[185,186,187],"269":[188],"271":[189],"272":[190,191],"273":[192,193,194,195],"274":[196,197],"275":[198],"276":[199,200,201],"277":[202],"278":[203],"279":[204],"282":[205],"283":[206],"284":[207],"285":[208],"288":[209],"291":[210],"292":[211],"293":[212],"295":[213],"298":[214],"299":[215],"300":[216],"303":[217,218],"304":[219],"305":[220],"306":[221,222],"307":[223,224],"308":[225],"313":[226],"315":[227],"316":[228,229],"317":[230],"319":[231],"320":[232],"322":[233],"323":[234],"324":[235,236],"325":[237],"326":[238,239],"327":[240],"328":[241],"330":[242],"331":[243,244],"334":[245],"336":[246],"337":[247,248],"338":[249,250],"339":[251],"341":[252,253],"344":[254],"347":[255],"349":[256],"350":[257],"352":[258,259],"355":[260],"356":[261],"357":[262],"359":[263,264],"361":[265],"362":[266,267,268],"364":[269,270,271],"365":[272,273],"366":[274],"367":[275,276],"368":[277],"369":[278],"370":[279,280],"371":[281,282],"374":[283],"377":[284],"379":[285],"381":[286],"382":[287,288],"383":[289],"384":[290],"385":[291],"386":[292],"387":[293],"388":[294],"389":[295],"392":[296,297],"393":[298],"394":[299],"395":[300,301],"396":[302],"397":[303],"398":[304,305],"399":[306],"400":[307,308],"402":[309,310],"405":[311],"407":[312],"408":[313],"409":[314,315,316],"410":[317],"411":[318,319,320],"412":[321],"413":[322],"415":[323,324],"416":[325],"418":[326],"419":[327],"421":[328],"422":[329],"424":[330,331,332],"425":[333,334],"426":[335,336],"427":[337],"430":[338,339],"432":[340,341],"434":[342,343],"435":[344,345],"436":[346,347,348],"437":[349],"438":[350],"439":[351],"440":[352,353,354],"444":[355],"445":[356],"446":[357,358],"447":[359],"448":[360],"450":[361],"452":[362],"453":[363],"454":[364,365],"455":[366],"456":[367],"458":[368,369],"459":[370],"462":[371,372],"463":[373,374],"465":[375,376,377],"466":[378],"467":[379],"468":[380],"470":[381,382],"473":[383],"476":[384],"479":[385],"482":[386],"484":[387],"485":[388],"488":[389,390],"489":[391],"492":[392],"494":[393],"495":[394],"498":[395],"501":[396,397,398],"502":[399],"505":[400],"511":[401],"512":[402],"513":[403],"514":[404,405],"516":[406],"518":[407],"520":[408],"521":[409],"522":[410],"523":[411],"524":[412,413],"526":[414,415,416,417],"527":[418],"530":[419],"539":[420],"540":[421],"541":[422],"542":[423,424],"543":[425,426,427],"544":[428],"547":[429,430],"548":[431,432],"549":[433,434],"550":[435,436],"551":[437,438,439],"553":[440],"554":[441],"555":[442,443],"556":[444],"559":[445,446],"560":[447,448,449],"561":[450],"564":[451],"565":[452],"566":[453],"570":[454],"571":[455],"574":[456],"576":[457],"577":[458],"578":[459],"579":[460],"580":[461,462],"581":[463,464],"586":[465],"589":[466],"590":[467],"591":[468,469],"592":[470,471],"593":[472],"594":[473],"596":[474],"598":[475],"599":[476],"600":[477],"602":[478],"605":[479],"609":[480],"618":[481],"624":[482],"626":[483],"629":[484,485],"630":[486],"631":[487],"634":[488],"636":[489],"637":[490,491],"640":[492]},"ٟ":[1,2,3,4,5,6,7,8,9,10,11,12,13,14,15,16,17,18,19,20,21,22,23,24,25,26,27,28,29,30,31,32,33,34,35,36,37,38,39,40,41,42,43,44,45,46,47,48,49,50,51,52,53,54,55,56,57,58,59,60,61,62,63,64,65,66,67,68,69,70,71,72,73,74,75,76,77,78,79,80,81,82,83,84,85,86,87,88,89,90,91,92,93,94,95,96,97,98,99,100,101,102,103,104],"numbers":{"1":106,"2":107,"3":111,"4":112,"5":114,"6":115,"7":116,"8":116,"9":118,"10":121,"11":122,"12":122,"13":123,"14":124,"15":125,"16":127,"17":127,"18":127,"19":128,"20":128,"21":129,"22":129,"23":129,"24":130,"25":130,"26":131,"27":131,"28":132,"29":132,"30":133,"31":133,"32":135,"33":135,"34":136,"35":136,"36":137,"37":139,"38":139,"39":144,"40":146,"41":147,"42":147,"43":147,"44":147,"45":152,"46":152,"47":152,"48":153,"49":154,"50":156,"51":156,"52":159,"53":160,"54":160,"55":161,"56":162,"57":162,"58":163,"59":164,"60":164,"61":164,"62":166,"63":166,"64":166,"65":166,"66":167,"67":167,"68":168,"69":169,"70":170,"71":173,"72":173,"73":174,"74":174,"75":174,"76":175,"77":175,"78":175,"79":177,"80":178,"81":178,"82":178,"83":179,"84":179,"85":180,"86":181,"87":181,"88":182,"89":183,"90":184,"91":185,"92":185,"93":185,"94":188,"95":189,"96":193,"97":193,"98":196,"99":196,"100":197,"101":197,"102":200,"103":200,"104":201,"105":201,"106":201,"107":201,"108":202,"109":202,"110":203,"111":203,"112":204,"113":205,"114":206,"115":206,"116":207,"117":207,"118":208,"119":208,"120":211,"121":211,"122":212,"123":214,"124":215,"125":215,"126":216,"127":216,"128":216,"129":216,"130":217,"131":217,"132":217,"133":217,"134":220,"135":220,"136":220,"137":222,"138":222,"139":222,"140":223,"141":223,"142":223,"143":223,"144":224,"145":224,"146":224,"147":225,"148":225,"149":225,"150":225,"151":226,"152":227,"153":228,"154":228,"155":229,"156":229,"157":229,"158":230,"159":231,"160":231,"161":232,"162":232,"163":233,"164":233,"165":233,"166":233,"167":234,"168":234,"169":234,"170":235,"171":235,"172":236,"173":236,"174":238,"175":238,"176":239,"177":239,"178":240,"179":241,"180":241,"181":241,"182":241,"183":242,"184":242,"185":243,"186":243,"187":244,"188":244,"189":245,"190":245,"191":245,"192":246,"193":246,"194":246,"195":246,"196":247,"197":247,"198":247,"199":247,"200":247,"201":248,"202":248,"203":248,"204":251,"205":252,"206":252,"207":253,"208":253,"209":253,"210":255,"211":255,"212":255,"213":256,"214":256,"215":256,"216":257,"217":257,"218":258,"219":259,"220":259,"221":259,"222":260,"223":261,"224":261,"225":263,"226":263,"227":264,"228":266,"229":266,"230":267,"231":267,"232":267,"233":268,"234":269,"235":269,"236":271,"237":271,"238":272,"239":272,"240":273,"241":273,"242":273,"243":274,"244":274,"245":275,"246":276,"247":276,"248":276,"249":276,"250":277,"251":278,"252":278,"253":278,"254":279,"255":279,"256":282,"257":283,"258":283,"259":284,"260":284,"261":285,"262":286,"263":288,"264":291,"265":291,"266":292,"267":292,"268":293,"269":294,"270":294,"271":295,"272":295,"273":296,"274":296,"275":297,"276":297,"277":297,"278":298,"279":298,"280":299,"281":299,"282":300,"283":303,"284":303,"285":304,"286":304,"287":305,"288":306,"289":306,"290":307,"291":307,"292":308,"293":308,"294":308,"295":313,"296":315,"297":316,"298":316,"299":316,"300":317,"301":319,"302":320,"303":321,"304":321,"305":322,"306":322,"307":322,"308":323,"309":323,"310":323,"311":323,"312":324,"313":324,"314":324,"315":324,"316":325,"317":325,"318":326,"319":326,"320":326,"321":327,"322":327,"323":327,"324":328,"325":328,"326":329,"327":329,"328":329,"329":330,"330":330,"331":330,"332":331,"333":331,"334":331,"335":334,"336":336,"337":337,"338":337,"339":338,"340":338,"341":339,"342":341,"343":344,"344":345,"345":346,"346":347,"347":348,"348":348,"349":349,"350":349,"351":350,"352":352,"353":352,"354":354,"355":355,"356":356,"357":357,"358":357,"359":358,"360":359,"361":359,"362":359,"363":361,"364":361,"365":362,"366":362,"367":362,"368":364,"369":364,"370":365,"371":365,"372":365,"373":366,"374":366,"375":367,"376":367,"377":367,"378":367,"379":368,"380":369,"381":370,"382":370,"383":370,"384":371,"385":371,"386":371,"387":372,"388":372,"389":373,"390":373,"391":373,"392":374,"393":374,"394":374,"395":374,"396":374,"397":375,"398":377,"399":378,"400":379,"401":380,"402":380,"403":380,"404":381,"405":382,"406":382,"407":383,"408":383,"409":384,"410":385,"411":386,"412":387,"413":388,"414":389,"415":389,"416":391,"417":392,"418":392,"419":393,"420":394,"421":394,"422":394,"423":395,"424":395,"425":396,"426":396,"427":397,"428":397,"429":398,"430":398,"431":399,"432":400,"433":400,"434":401,"435":402,"436":402,"437":402,"438":405,"439":406,"440":406,"441":407,"442":407,"443":408,"444":409,"445":409,"446":409,"447":409,"448":410,"449":410,"450":410,"451":411,"452":411,"453":411,"454":412,"455":412,"456":412,"457":413,"458":413,"459":414,"460":414,"461":415,"462":415,"463":416,"464":416,"465":417,"466":417,"467":418,"468":419,"469":420,"470":421,"471":421,"472":421,"473":421,"474":422,"475":422,"476":422,"477":423,"478":423,"479":424,"480":424,"481":424,"482":425,"483":425,"484":426,"485":426,"486":427,"487":428,"488":430,"489":431,"490":432,"491":432,"492":432,"493":434,"494":434,"495":434,"496":435,"497":435,"498":435,"499":436,"500":436,"501":436,"502":437,"503":437,"504":437,"505":438,"506":438,"507":439,"508":439,"509":439,"510":440,"511":440,"512":440,"513":441,"514":441,"515":442,"516":442,"517":442,"518":443,"519":444,"520":445,"521":445,"522":446,"523":446,"524":446,"525":446,"526":447,"527":448,"528":448,"529":448,"530":448,"531":449,"532":449,"533":449,"534":449,"535":449,"536":451,"537":451,"538":452,"539":452,"540":453,"541":454,"542":454,"543":455,"544":456,"545":457,"546":458,"547":458,"548":458,"549":459,"550":459,"551":460,"552":460,"553":460,"554":460,"555":462,"556":462,"557":462,"558":463,"559":463,"560":464,"561":464,"562":465,"563":465,"564":465,"565":465,"566":466,"567":466,"568":467,"569":467,"570":467,"571":467,"572":468,"573":469,"574":470,"575":470,"576":470,"577":470,"578":471,"579":471,"580":471,"581":471,"582":471,"583":472,"584":473,"585":473,"586":473,"587":473,"588":474,"589":474,"590":474,"591":476,"592":476,"593":477,"594":478,"595":478,"596":478,"597":479,"598":480,"599":480,"600":481,"601":481,"602":482,"603":482,"604":482,"605":482,"606":483,"607":483,"608":484,"609":484,"610":485,"611":485,"612":486,"613":486,"614":487,"615":487,"616":488,"617":488,"618":488,"619":488,"620":489,"621":490,"622":491,"623":491,"624":492,"625":492,"626":494,"627":495,"628":495,"629":495,"630":495,"631":495,"632":496,"633":496,"634":497,"635":497,"636":497,"637":497,"638":497,"639":498,"640":498,"641":498,"642":498,"643":499,"644":499,"645":499,"646":500,"647":500,"648":501,"649":501,"650":502,"651":502,"652":502,"653":503,"654":503,"655":503,"656":504,"657":504,"658":504,"659":505,"660":505,"661":505,"662":506,"663":508,"664":509,"665":509,"666":509,"667":511,"668":512,"669":512,"670":512,"671":513,"672":513,"673":514,"674":514,"675":514,"676":515,"677":515,"678":516,"679":516,"680":516,"681":516,"682":518,"683":520,"684":520,"685":520,"686":521,"687":521,"688":521,"689":522,"690":522,"691":523,"692":523,"693":523,"694":523,"695":524,"696":524,"697":525,"698":526,"699":526,"700":526,"701":526,"702":526,"703":527,"704":527,"705":527,"706":527,"707":528,"708":528,"709":530,"710":539,"711":540,"712":540,"713":541,"714":541,"715":541,"716":541,"717":541,"718":542,"719":542,"720":542,"721":542,"722":542,"723":542,"724":543,"725":543,"726":543,"727":543,"728":543,"729":544,"730":547,"731":547,"732":547,"733":547,"734":548,"735":548,"736":549,"737":549,"738":549,"739":549,"740":550,"741":550,"742":550,"743":550,"744":550,"745":550,"746":551,"747":551,"748":551,"749":552,"750":552,"751":552,"752":552,"753":553,"754":553,"755":553,"756":554,"757":554,"758":555,"759":555,"760":555,"761":556,"762":557,"763":557,"764":558,"765":558,"766":559,"767":559,"768":559,"769":560,"770":560,"771":560,"772":561,"773":561,"774":562,"775":562,"776":562,"777":563,"778":563,"779":563,"780":564,"781":564,"782":564,"783":565,"784":565,"785":566,"786":567,"787":567,"788":569,"789":569,"790":570,"791":570,"792":571,"793":571,"794":571,"795":572,"796":572,"797":573,"798":573,"799":573,"800":573,"801":573,"802":573,"803":573,"804":574,"805":574,"806":574,"807":574,"808":575,"809":575,"810":576,"811":576,"812":576,"813":577,"814":578,"815":578,"816":578,"817":578,"818":578,"819":579,"820":579,"821":579,"822":579,"823":580,"824":580,"825":581,"826":581,"827":583,"828":583,"829":583,"830":583,"831":586,"832":586,"833":588,"834":589,"835":589,"836":589,"837":589,"838":590,"839":590,"840":591,"841":591,"842":591,"843":591,"844":592,"845":592,"846":592,"847":593,"848":593,"849":593,"850":594,"851":594,"852":594,"853":595,"854":595,"855":595,"856":595,"857":596,"858":596,"859":596,"860":596,"861":597,"862":597,"863":598,"864":598,"865":598,"866":599,"867":599,"868":600,"869":600,"870":600,"871":600,"872":600,"873":601,"874":602,"875":602,"876":604,"877":604,"878":605,"879":609,"880":624,"881":624,"882":624,"883":625,"884":625,"885":625,"886":626,"887":626,"888":626,"889":626,"890":626,"891":626,"892":627,"893":627,"894":627,"895":627,"896":628,"897":628,"898":628,"899":628,"900":629,"901":629,"902":630,"903":630,"904":631,"905":631,"906":631,"907":631,"908":631,"909":632,"910":632,"911":632,"912":633,"913":633,"914":633,"915":634,"916":634,"917":634,"918":634,"919":635,"920":635,"921":636,"922":636,"923":636,"924":636,"925":637,"926":637,"927":637,"928":637,"929":638,"930":638,"931":638,"932":639,"933":639,"934":639,"935":640,"936":640,"937":640,"938":640,"939":640,"940":642,"941":642,"942":643,"943":643,"944":643,"945":645},"number_max":945,"number_pages":{"106":1,"107":2,"111":3,"112":4,"114":5,"115":6,"116":8,"118":9,"121":10,"122":12,"123":13,"124":14,"125":15,"127":18,"128":20,"129":23,"130":25,"131":27,"132":29,"133":31,"135":33,"136":35,"137":36,"139":38,"144":39,"146":40,"147":44,"152":47,"153":48,"154":49,"156":51,"159":52,"160":54,"161":55,"162":57,"163":58,"164":61,"166":65,"167":67,"168":68,"169":69,"170":70,"173":72,"174":75,"175":78,"177":79,"178":82,"179":84,"180":85,"181":87,"182":88,"183":89,"184":90,"185":93,"188":94,"189":95,"193":97,"196":99,"197":101,"200":103,"201":107,"202":109,"203":111,"204":112,"205":113,"206":115,"207":117,"208":119,"211":121,"212":122,"214":123,"215":125,"216":129,"217":133,"220":136,"222":139,"223":143,"224":146,"225":150,"226":151,"227":152,"228":154,"229":157,"230":158,"231":160,"232":162,"233":166,"234":169,"235":171,"236":173,"238":175,"239":177,"240":178,"241":182,"242":184,"243":186,"244":188,"245":191,"246":195,"247":200,"248":203,"251":204,"252":206,"253":209,"255":212,"256":215,"257":217,"258":218,"259":221,"260":222,"261":224,"263":226,"264":227,"266":229,"267":232,"268":233,"269":235,"271":237,"272":239,"273":242,"274":244,"275":245,"276":249,"277":250,"278":253,"279":255,"282":256,"283":258,"284":260,"285":261,"286":262,"288":263,"291":265,"292":267,"293":268,"294":270,"295":272,"296":274,"297":277,"298":279,"299":281,"300":282,"303":284,"304":286,"305":287,"306":289,"307":291,"308":294,"313":295,"315":296,"316":299,"317":300,"319":301,"320":302,"321":304,"322":307,"323":311,"324":315,"325":317,"326":320,"327":323,"328":325,"329":328,"330":331,"331":334,"334":335,"336":336,"337":338,"338":340,"339":341,"341":342,"344":343,"345":344,"346":345,"347":346,"348":348,"349":350,"350":351,"352":353,"354":354,"355":355,"356":356,"357":358,"358":359,"359":362,"361":364,"362":367,"364":369,"365":372,"366":374,"367":378,"368":379,"369":380,"370":383,"371":386,"372":388,"373":391,"374":396,"375":397,"377":398,"378":399,"379":400,"380":403,"381":404,"382":406,"383":408,"384":409,"385":410,"386":411,"387":412,"388":413,"389":415,"391":416,"392":418,"393":419,"394":422,"395":424,"396":426,"397":428,"398":430,"399":431,"400":433,"401":434,"402":437,"405":438,"406":440,"407":442,"408":443,"409":447,"410":450,"411":453,"412":456,"413":458,"414":460,"415":462,"416":464,"417":466,"418":467,"419":468,"420":469,"421":473,"422":476,"423":478,"424":481,"425":483,"426":485,"427":486,"428":487,"430":488,"431":489,"432":492,"434":495,"435":498,"436":501,"437":504,"438":506,"439":509,"440":512,"441":514,"442":517,"443":518,"444":519,"445":521,"446":525,"447":526,"448":530,"449":535,"451":537,"452":539,"453":540,"454":542,"455":543,"456":544,"457":545,"458":548,"459":550,"460":554,"462":557,"463":559,"464":561,"465":565,"466":567,"467":571,"468":572,"469":573,"470":577,"471":582,"472":583,"473":587,"474":590,"476":592,"477":593,"478":596,"479":597,"480":599,"481":601,"482":605,"483":607,"484":609,"485":611,"486":613,"487":615,"488":619,"489":620,"490":621,"491":623,"492":625,"494":626,"495":631,"496":633,"497":638,"498":642,"499":645,"500":647,"501":649,"502":652,"503":655,"504":658,"505":661,"506":662,"508":663,"509":666,"511":667,"512":670,"513":672,"514":675,"515":677,"516":681,"518":682,"520":685,"521":688,"522":690,"523":694,"524":696,"525":697,"526":702,"527":706,"528":708,"530":709,"539":710,"540":712,"541":717,"542":723,"543":728,"544":729,"547":733,"548":735,"549":739,"550":745,"551":748,"552":752,"553":755,"554":757,"555":760,"556":761,"557":763,"558":765,"559":768,"560":771,"561":773,"562":776,"563":779,"564":782,"565":784,"566":785,"567":787,"569":789,"570":791,"571":794,"572":796,"573":803,"574":807,"575":809,"576":812,"577":813,"578":818,"579":822,"580":824,"581":826,"583":830,"586":832,"588":833,"589":837,"590":839,"591":843,"592":846,"593":849,"594":852,"595":856,"596":860,"597":862,"598":865,"599":867,"600":872,"601":873,"602":875,"604":877,"605":878,"609":879,"624":882,"625":885,"626":891,"627":895,"628":899,"629":901,"630":903,"631":908,"632":911,"633":914,"634":918,"635":920,"636":924,"637":928,"638":931,"639":934,"640":939,"642":941,"643":944,"645":945}},"pages":[{"text":"أَسْفَار\nلِنَشر نَفِيس الكُتُبِ والرَّسَائِل العِلْمِيَّةِ\nدَولة الكُويت\n\nالتَّحرِيرُ فِي شَرح مُسلِم\nقِطْعَةٌ تُمثِّلُ النِّصْف الثَّانِي مِنَ الكِتَاب\n\nتَألِيفُ\nقِوَامِ السُّنَّةِ الأَصْبَهَانِيّ\nأَبِي القَاسِم إِسْمَاعِيل بن مُحمَّد التَّيْمِيّ الشَّافِعِيّ (ت ٥٣٥ هـ)\n\nتَحْقِيقُ\nإبرَاهِيم أيت بَاخة\n\nطبع بتمويل\nسَعْدِ مَنْصُور يُوسُفَ الخِلَيفِيّ\n\nغفرَ الله لهُ ولوَالديه","vol":"1","page":2},{"text":"﷽\nيسرُّ \"مشروع أسفار\" أنْ يقدِّمَ للقارئ الكريم الإصدارَ الحادي والأَربعين من إصدارات المشروع: (التَّحرير في شَرحِ مُسلِم)، لشيخِ الإسلام قِوام السنَّة إسماعيل التَّيميِّ الأصبهانيِّ (ت ٥٣٥).\nكتابُنا؛ دُرَّةٌ من بحورِ السنَّة النبوية، وجدناها بعدَ طُولِ غياب، واستَخرَجناها عن الاحتجاب، من عُيونِ شُروحِ صحيحِ \"الإمام مُسلِمِ بن الحجَّاج القُشيريِّ\" أملاهُ \"إمامُ وقتهِ، وأستاذُ علماءِ عَصرهِ، وقدوةُ أهلِ السنَّةِ في زمانهِ\" قوامُ السنَّة من \"جهابذةِ الحديثِ ونقَّادِهم\" و\"المسؤول عن الغَوامضِ والمشكِلات\"، كان مشاركًا في العلوم؛ نحويًّا، مفسِّرًا، محدِّثًا، فقيهًا، عالمًا بالتَّوحيد ومقالات الفِرَق، قال الحافظُ ابن كثير: \"ورَحَلَ وطوّف، وجَالَ وصنّف\"، انقطع للتَّدريس أكثر من ستينَ سنةً حتى تخرَّج به العلماء وصدروا عنه، وكان منهم ابنه الإمام محمد بن إسماعيل.\nفمن خَبَرِ الكتاب: أنَّ هذه الإملاءة تتميمٌ لما كتبه الإمامُ أبو عبد الله محمَّد بنُ إسماعيلَ (قوامِ السنَّة)، فقد شرَعَ في شرحِ مسلم وكتبَ حظًّا صالحًا من مبادئه، غير أنَّه قَضَى ﵀ ولم يتمَّه فأكمله أبوه، وقد اشتهر محمَّد بن إسماعيل بـ (شارحِ مُسلِم) بين المترجمين والنَّاقلين نظرًا لعنايتهِ به، لكن لم نقف عليه بعد، \"فالجزء الأوَّل من الشَّرح\" في حكم المفقود، وعليه تمحَّضَت هذه النُّسخة الخطيَّة التي ننشرها لقِوام السُّنةِ وحدَهُ؛ فهي القسم الثاني من الكتاب: تبدأ بـ \"كتاب الزَّكاة\" وتنتهي بـ \"باب ذكرِ الدجَّال\"، وقد كان شيخُ الإسلام الأصبهانيُّ ﵀ حفيًّا بشرحِ الكتاب وتكميله، فأولاه عنايتَهُ واهتمامه، وقصدَ نفعَ ولده بإتمامه.\nومِن مزايا كتاب \"التَّحرير\" ومَسلكِهِ: أنَّه يُعتبر من الشُّروح الأولى لصَحِيحِ مُسلم، فهو الثَّالث بعد شرحَيْ الإمامين: المازَري وعبد الغافر الفارسيِّ، ويُعدُّ من بواكيرِ عناية علماءِ المشرق بصَحيح الإمامِ مُسلِم، ومن أهميته كثرةُ إفادة الأئمة منه؛ كابن تيميَّة والفاكهاني وابن الملقن والعراقي وابن حجر العسقلاني وغيرهم من شرَّاح السنَّة، واعتمدهُ الإمامُ النَّووي ضمن مصادره العلميَّة في شرحه مسلمًا وبلغت الإحالات عليه","vol":"1","page":5},{"text":"\"خمسًا وخمسين\" موضعًا، وأمَّا مسالكهُ: فبيانُ غريب الحديث والاستشهادُ على لغته، ولم يستوعب جميع الأحاديث بالشرح وإنما كان ينتقي المحتاج منها للبيان ويراعي الاختصار، وأيضًا استنباط الأحكام والفقهيّات والفوائد والمعاني من الحديث، مع إعماله القواعد الأصولية، ولا يورد ألفاظ الأحاديثِ كاملة بل يقتصر على موطن الشَّاهد منها، أو يكتفي بالأطراف أو ما يدلُّ على القصَّة كـ (حديث أمِّ زَرع) أو الرَّاوي، ويورد الرِّوايات المختلفة للصَّحيح ويقارن بينها، ويستعينُ بذكر الشَّواهد من السنَّة النبويَّة إما لبيانِ المشكل أو دفعِ التَّعارض أو الاستشهادِ على فقهِ الحديثِ ولُغتِهِ، ولم تمنع رتابةُ الاختصَارِ المؤلِّفَ منَ الاستطرادِ في إيراد الفوائد المتنوِّعة حتى يستوفيَ القولَ فيها، كما لم يخل من النُّكت الحديثية المستجادة كإسنادِهِ بعض الأحاديثِ المشروحةِ عن شيوخه، وقد يذكر الحديث متأخِّرًا عن محلِّه على وجه التَّدارك، ومن مسلكهِ أيضًا: تقريرهُ لعقيدة أئمة السَّلفِ الرَّاسِخينَ في العلمِ ودفاعهُ عنها، وربما دَمَجَ بين الكتب أحيانًا: كـ \"الإمارة والجهاد\" و\"والذِّكر والتَّوبة والفِتَن ضمن كتاب العلم\".\nوقد بذل المحقِّقُ الفاضل جهدًا مشكورًا في قراءةِ المخطوط وتحقيقهِ، على رغمِ معوِّقاتِ النُّسخة الخطيَّة؛ فقد نالتْ منها العوادي والآفاتُ من بللٍ وسقوطِ بعضِ أوراقها، واختلافِ ترتيبها تقديمًا وتأخيرًا بعد إعادة ترميمها، فجزاه الله خيرًا، ومن مقاديرِ اللهِ سبحانه أنْ تكون نسختُنا من شرحِ مسلمٍ (ذات الخطِّ المغربيِّ) مرتحلةً إلى بلاد المشرِقِ مستقرَّةً بالشَّام، وأنَّ نسخةَ شرحِ البخاريِّ للأصبهاني (ذات الخطِّ المشرقيِّ) حطَّت رحالها في \"خزانة الجامع الكبير بمكناس\"، وألقَتْ عَصَا تَطوافها بالمغرب.\nوفي الختام: نشكرُ فضيلة الدكتور: \"مولاي بوجمعة أمدجار\" على جهوده الكريمة وتعاونه البنَّاء مع (أسفار) جزاه الله الجنَّة، ونسألُ الله تعالى المغفرة والرَّحمة والرِّضوان للعاملين بهذا المشروع ولمؤلِّف الكتاب ومحقِّقه، ولمن تحمَّل تمويل نشرِهِ: (سعد منصور يوسف الخليفي) أجزلَ الأجرِ والثَّواب، اللَّهم أجزهم خيرًا، وأسبِل عليهم بركتك، والحمد لله ربِّ العالمين.\n\nأسفار\nلِنَشْرِ نَفيس الكتب والرسائل العِلْمِيَّةِ\nدولة الكويت","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2>مقدمة</span>\nالحمد لله المحمود بآلائه، الممدوح على نعمائه، المشكور بجزيل عطائه، وأشهد أن لا إله إلا الله، ولي النعم كلها دون سواه، أحمده أبلغ حمد وأزكاه، وأشمله وأنماه، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده الذي ارتضاه، ونبيه الذي اختاره واجتباه، ورسوله الذي ائتمنه واصطفاه، ورفعه وأعلاه، وخصه بختم النبوة وحباه، وأبانه بأعلى منازل الفضل على كل آدمي عداه، صلى الله عليه وعلى آله الأطهار، وصحابته الغر الأخيار، وعلى التابعين لهم بإحسان ما تعاقب الليل والنهار.\nأما بعد:\nفمما لا شك فيه ولا مرية أن دواوين السنّة، من أعظم ما يَصرف لها العقلاء الأكياس عزيز الأوقات، وغُرر الأنفاس، وذلك لمسيس حاجة العلماء وطلبة العلم إليها، ولعظيم منزلتها السنِية العلية في بناء العلوم الشرعية وتأسيسها، إذ الحَدِيثُ بِمَنزِلَةِ الأَسَاسِ الَّذِي هُوَ الأَصلُ، وَالفِقهُ بِمَنزِلَةِ البِنَاءِ الَّذِي هُوَ لَهُ كَالفَرعِ، وَكُلُّ بِنَاءٍ لَم يُوضَع عَلَى قَاعِدَةٍ وَأَسَاسٍ فَهُوَ مُنهَارٌ، وَكُلُّ أَسَاسٍ خَلَا عَن بِنَاءٍ وَعِمَارَةٍ فَهُوَ قَفْرٌ وَخَرَابٌ (^١).\nوقد صرف الأسلاف هممهم لهذه الدواوين، وجعلوا النهل من رياضها\n_________\n(^١) معالم السنن، للإمام الخطابي (١/ ٣).","vol":"1","page":7},{"text":"ديدنهم وهِجِّيرَاهُم، فقضوا منها بدقيق النظر نَهمتهم، واتخذوا قَفوَ شواردها القلائد، وفوائدها الفرائد، بغيتهم.\nوكان من جملة تلكم الدواوين الجليلة، والمصادر الأصيلة الأثيلة، التي ضرب العلماء إلى أحاديثها أكباد الإبل، وحج الناس من كل صقع إلى مجالسها؛ صحيح الإمام مسلم بن الحجاج، نجم الأسانيد والرواية، وصاحب القدح المعلى في الدراية، الذي ذاع صيته وانتشر، وطَبَّقت شهرته أهل المدر والوبر، فكان كتابه لحملة الآثار وطلبة الفقه والعلم قبلة وشعلة؛ أقبلوا عليه إقبالا عز نظيره في الدواوين قبله، فلا تسل كم من شارح له ومنتصر، ومدرس له ومختصر …\nومن أجَلِّ لبنات هذه الجهود المباركة التي رامت خدمة هذا السفر العظيم، كتاب الإمام العلامة شيخ الإسلام وقوام السنة والدين أبي القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل التميمي الأصبهاني الشافعي ﵀، الموسوم بـ (التَّحرِير فِي شَرحِ مُسلِم).\nوقد رام بمرقومه ﵀ أن يكون مرجعا للمعتنين بصحيح مسلم في جانبي الفقه والغريب، من خلال تتبع ألفاظ الحديث، وضبطها واستيفاء الكلام عنها، بما يفتح مُغلقها ويزيل مشكلها، وييسر مدارك النظر في معانيها فقها واستنباطا.\nفكان سِفْرًا عظيما من نفيس الكتب الخادمة لصحيح مسلم، أطبق جهابذة العلماء بعده على النقل منه والرجوع إليه، كالإمام النووي؛ وابن تيمية؛ وشرف الدين الطيبي؛ والكِرماني؛ وابن المُلقِّن؛ وابن حجر، وأضراب هؤلاء من أساطين العلم وأعلام الأمة الكبار.\nوقد وفق الله تعالى مركز أسفار لطباعة نفيس الكتب، لإخراج هذا العمل،","vol":"1","page":8},{"text":"وإثراء المكتبة الإسلامية التراثية بهذا السفر النفيس، الذي يعد إخراجه إلى الوجود إحياء بعد موات، وأملا بعد قنوط، وصلة لرحم العلم بعد قطيعة استمرت لعقود.\nومع أن الذي وصلنا من الكتاب هو نصفه فقط، أو أكثر من النصف بقليل، إلا أنَّه غزير الفائدة، كثير العائدة، حافل بالنوادر اللغوية؛ والنكت العلمية؛ واللطائف المعرفية، والأحكام الفقهية، ولا عجب؛ فالإمام الأصبهاني قد آتاه الله تعالى قدرة فائقة على الفهم واستنباط المعاني الخفية؛ التي غالبا ما تحجبها ظواهر النصوص، وتخفيها المعاني الجلية الواضحة، فجمع من الخواطر والتأملات والإشارات ما لم يسبق إليه.\nوليتضح هذا أكثر، فقد قدمت بين يدي التحقيق بهذه المقدمة الدراسية، التي حاولت من خلالها أن أنبذ إلى القارئ نبذة عن الكتاب وصاحبه، وفيها:\nالفصل الأول: التعريف بكتاب التحرير وصاحبيه.\n* المبحث الأول: التعريف بصاحبي الكتاب.\nالمطلب الأول: التعريف بالأصبهاني الأب.\nالمطلب الثاني: التعريف بالأصبهاني الابن.\n* المبحث الثاني: اسم الكتاب.\n* المبحث الثالث: نسبة الكتاب إلى مؤلفه.\n* المبحث الرابع: تحديد القدر الذي أملاه الابن.","vol":"1","page":9},{"text":"* المبحث الخامس: القيمة العلمية للكتاب.\nالمطلب الأول: مكانة مؤلفه.\nالمطلب الثاني: زمان تأليفه.\nالمطلب الثالث: نقل العلماء عنه ورجوعهم إليه.\nالمطلب الرابع: مناقشة العلماء لاجتهاداته وتعقيبهم عليه.\n* المبحث السادس: موضوعه وسياقه التاريخي.\nالفصل الثاني: منهج الإمام الأصبهاني في التحرير\n* المبحث الأول: التبويب والترتيب وعدد الأحاديث.\nالمطلب الأول: تبويبه وترتيبه.\nالمطلب الثاني: عدد أحاديثه.\n* المبحث الثاني: منهجه في شرح الحديث.\n* المبحث الثالث: تقريراته العلمية في الكتاب.\nالمطلب الأول: تقريراته اللغوية.\nالمطلب الثاني: تقريراته الفقهية.\nالمطلب الثالث: تقريراته العقدية.\n* المبحث الرابع: مصادر المؤلف في الكتاب.\nالمطلب الأول: مصادره السمعية.","vol":"1","page":10},{"text":"المطلب الثاني: المصادر النقلية التي صرح بها أو بأصحابها.\nالمطلب الثالث: المصادر النقلية التي لم يصرح بها، ويغلب على الظن نقله عنها.\n* المبحث الخامس: مقارنة بين كتاب التحرير ونظرائه.\nالفصل الثالث: وصف المخطوط ومنهج التحقيق\n* المبحث الأول: وصف المخطوط وتقدير سقطه.\nالمطلب الأول: وصف المخطوط.\nالمطلب الثاني: تقدير ما وقع في المخطوط من السقط\n* المبحث الثاني: منهج التحقيق وإخراج الكتاب.\nخاتمة ونتائج.\n* * *","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3>الفصل الأول التعريف بكتاب التحرير وصاحبيه</span>\n* المبحث الأول: التعريف بصاحبي الكتاب.\n* المبحث الثاني: اسم الكتاب.\n* المبحث الثالث نسبة الكتاب إلى مؤلفه.\n* المبحث الرابع: تحديد القدر الذي أملاه الابن.\n* المبحث الخامس: القيمة العلمية للكتاب.\n* المبحث السادس: موضوعه وسياقه التاريخي.","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4>المبحث الأول التعريف بصاحبي الكتاب</span>\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-5>المطلب الأول التعريف بالأصبهاني الأب</span>\nهو: إسماعيل بن محمد بن الفضل بن علي بن أحمد بن طاهر الطلحي التيمي الأصبهاني (^١)، يكنى بأبي القاسم، ويلقب بشيخ الإسلام (^٢)، وبقوام السنة (^٣) وبها اشتهر كثيرا.\nكما لقب بالجُوزِي - بضم الجيم والواو الساكنة وفي آخرها الزاي - وهو الطير الصغير بلسان أهل أصبهان، ويقال بمَرْوٍ للفروج الصغير: جوزه بالعجمية (^٤).\nوقد كان يكره هذا اللقب ولا يحبه رغم اشتهاره به، قال تلميذه الإمام أبو سعد السمعاني ﵀: (وَسَمِعتُ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ هَذِهِ النِّسبَةَ … وَكَانَ أَهلُ أَصْبَهَانَ\n_________\n(^١) تنظر ترجمته في: الأنساب للسمعاني (٣/ ٤٠٧)، والتدوين في أخبار قزوين (٢/ ٣٠٢)، وتاريخ الإسلام (١١/ ٦٢٣)، وسير أعلام النبلاء (٢٠/ ٨٠)، تذكرة الحفاظ (٤/ ٥٠)، ومجمع الآداب في معجم الألقاب (٣/ ٤٨١)، والوافي بالوفيات (٩/ ١٢٥)، وغيرها.\n(^٢) سير أعلام النبلاء (٢٠/ ٨٠).\n(^٣) ينظر: تاريخ الإسلام ت بشار (١١/ ٦٢٣)، ومجمع الآداب في معجم الألقاب (٣/ ٤٨١).\n(^٤) ينظر: الأنساب للسمعاني (٣/ ٤٠٨).","vol":"1","page":15},{"text":"يَقُولُونَ شَيخ إِسْمَاعِيل جُوزِي يُعرَفُ بِذَلِكَ، وَلَولَا شُهَرَتُهُ بَينَ أَهْلِ بَلَدِهِ بِهَذِهِ النِّسبَةِ مَا ذَكَرتُهَا) (^١).\nوهو ﵀ قرشي النسب والحسب، من ذرية طلحة بن عبيد الله ﵁ أحد المبشرين بالجنة (^٢).\nولد ﵀ بأصبهان وإليها نُسِب، وذلك سنة ٤٥٧ هـ على قول أكثر المترجمين له، وقيل سنة: ٤٥٨ هـ (^٣)، وذكر الإمام الذهبي أن ولادته كانت تحديدا في التاسع من شهر شوالَ سنة سبعٍ وخمسين وأربعمائة (^٤).\nعاش ﵀ ونشأ في أسرة مشهورة بالعلم والصلاح، فوالده أبو جعفر محمد بن الفضل؛ كان آية في الزُّهْد والأمانة والورع، قال عنه أبو زكرياء يحيى بن منده: (أَبُو جَعفَرَ عَفِيفٌ، دَيِّنٌ، لَم نَرَ مِثْلَهُ فِي الدِّيَانَةِ وَالأَمَانَةِ فِي وَقتِنَا) (^٥)، وقال عنه أبو موسى المديني: (الشَّيخُ الصَّالِحُ حَقِيقَةً) (^٦).\nووالدته من ذرية طلحة بن عبيد الله ﵁، وهي بنت محمد بن مصعب (^٧)، وزوجه هي أم الضياء عاشوراء بنت الأديب أبي الحسين محمد بن الحسن الوركاني (^٨).\n_________\n(^١) المصدر السابق (٣/ ٤٠٨).\n(^٢) ينظر: التدوين في أخبار قزوين (٢/ ٣٠٢).\n(^٣) ينظر: التدوين في أخبار قزوين (٢/ ٣٠٢).\n(^٤) تاريخ الإسلام ت بشار (١١/ ٦٢٣).\n(^٥) تاريخ الإسلام ت بشار (١١/ ٦٢٤).\n(^٦) تاريخ الإسلام ت بشار (١١/ ٦٢٤).\n(^٧) تاريخ الإسلام ت بشار (١١/ ٦٢٤)، وسير أعلام النبلاء ط الرسالة (٢٠/ ٨١).\n(^٨) ينظر: اللباب في تهذيب الأنساب (٣/ ٣٦٢).","vol":"1","page":16},{"text":"وابنه العالم الشابُّ أبو عبد الله، نتحدث عنه لاحقا، وله ابنة تسمى سِتِّيتَة، لها رواية، حدثت بالإجازة عن ظفر بن دَاعِي بن مهدي العمريّ العلوي (^١).\nوكان أبوه أبو جعفر حريصا على تربية ولده تربية صالحة، فصرفه إلى مجالس العلم والسماع وهو حدث صغير لم يتجاوز عمره أربع سنين (^٢)، فأخذ عن مشايخ بلده كعائشة بنت الحسن الوركانية (^٣)، وأبي القاسم عليِّ بن عبد الرَّحمن المشهور بابن عُلَيِّك النيسابوري (^٤).\nثم رحل لطلب العلم - على عادة العلماء - إلى بلاد كثيرة، فرحل إلى بغداد ونيسابور ومكة المكرمة، وغيرها، حتى نال رياسة العلم، وإمامة الدين، قال عبد الجليل بن محمد: كُوتَاه: (سَمِعْتُ أَئِمَّةَ بَغدَادَ يَقُولُونَ: مَا رَحَلَ إِلَى بَغدَادَ بَعدَ الإِمَامِ أحمَدَ أَفضَلُ وَأَحفَظُ مِنَ الإِمَامِ إِسْمَاعِيل) (^٥).\nوبعد حياةٍ حافلةٍ بالعلم والتعليم، مات الحافظ أبو القاسم الأصبهاني عن عمر يناهز ثمانية وسبعين عامًا، سنة ٥٣٥ هـ.\nنقل الإمام الذهبي عن أبي موسى المديني قولَه: (أُصْمِتَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ أَربَعٍ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسِ مِائَةٍ، ثُمَّ فُلِجَ بَعدَ مُدَّةٍ، وَمَاتَ يَومَ النَّحْرِ، سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، وَاجْتَمَعَ فِي جَنازَتِه جَمعٌ لَم أَرَ مِثْلَهُم كثرَةً) (^٦).\n_________\n(^١) توضيح المشتبه (٥/ ٥٥).\n(^٢) سير أعلام النبلاء ط الحديث (١٤/ ٤٧٠).\n(^٣) ينظر: شذرات الذهب في أخبار من ذهب: (٥/ ٢٥٦).\n(^٤) نفسه: (٥/ ٢٩٢).\n(^٥) طبقات علماء الحديث: ٤/ ٥٢.\n(^٦) المصدر السابق، (٢٠/ ٨١).","vol":"1","page":17},{"text":"وكان من جملة كراماته بعد وفاته ما رواه محمد بن ناصر الحافظ قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن الحسن ابن أخي إسماعيل الحافظ، حدَّثني أحمد الأسواري الذي تولى غسل عمي - وكان ثقةً -: أنَّه أراد أن يُنحِّي عن سوأته الخِرقة لأجل الغَسل، قال: فجبذها إسماعيل بيده، وغطَّى فرجه، فقال الغاسل: (أَحَيَاةٌ بَعدَ مَوتٍ) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-6>المطلب الثاني التعريف بالأصبهاني الابن</span>\nهو: محمدُ بنُ إسماعيل بن محمدٍ بن الفضلِ بن عليٍّ بن أحمدَ بن طاهرٍ الطَّلحِي التَّيمِي الأصبهاني، المكنى بأبي عبد الله، كان من العلماء البارزين النابغين، إماما في اللغة وسائر العلوم، وكان أبوه يفضله على نفسه في اللغة وجريان اللسان (^٢)، مات صغيرا وعمره ستٌّ وعشرون سنةً.\nلم يحظ هذا الإمام النابغة بترجمة وافية تناسب منزلته العلمية السامقة، ولو جمع كل ما ورد عنه في كتب التراجم فلن يعدو صفحةً أو صفحتين يتيمتين على أقصى تقدير، فصارت أغلب تفاصيل حياته الشخصية والعلمية مجهولة، لا تسعفنا المصادر فيها بنقير ولا قطمير!!\nوشُحّ المعلومات في تراجم كثير من الأعلام أمرٌ مشهورٌ معروفٌ، ونظائر هذا الإمام في تاريخنا الإسلامي كثيرة لا تحصى ولا يمكن أن تستقصى، ومرد ذلك في الغالب إلى تفريط التلاميذ والأبناء في التأريخ لمشايخهم والتعريف بهم\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء ط الرسالة (٢٠/ ٨٤).\n(^٢) ينظر: سير أعلام النبلاء ط الرسالة (٢٠/ ٨٣).","vol":"1","page":18},{"text":"وبتراثهم، وقد كان ذلك سببا في ضياع علوم غزيرة ومصنفات عزيزة.\nبل إن هذا التفريط من التلاميذ أدى إلى اندثار مذاهب ومدارس فقهية كانت قبلُ قائمة بأصولها ومناهجها … وكلمة الشافعي في مذهب الليث ذائعة مشهورة: (اللَّيْثُ أَفَقَهُ مِن مَالِكِ إِلَّا أَنَّ أَصْحَابَه لَم يَقُومُوا بِهِ) (^١).\nثم إن من الأسباب الظاهرة بخصوص ترجمة الإمام أبي عبد الله محمد الأصبهاني - إضافة إلى ما تقدم - موته المبكر وهو في ريعان شبابه فلم يصل إلى عقده الثالث.\nوكان موته بهمذان، ففجع به أبوه، واشتد حزنه عليه، قال في شرح البخاري ناعيًا إياه: (ذَهَبَ بِطَرَائِه، وَأَوجَعَ القُلُوبَ، وَأَدمَعَ العُيُونَ ﵀ رَحمَةً وَاسِعَةً، وَبَلَّغَهُ دَرَجَةً عَالِيَةً فِيه) (^٢)، ولِبِرِّه بابنه وحبه ووفائه له، أخذ على عاتقه إتمامَ ما كان شرع فيه، من إملاء شرح الصحيحين، فأتمَّ الله مراده، وبلَّغه قصدَه، ورُوِي عنه أنَّه كان يملي شرح مسلم عند قبر ولَدِه، ولما أتمَّه عمِل مأدُبة، وصنع حلاوةً كثيرةً شكرا لله على أن مد له في العمر، حتى أتم ما بدأه ولده الذي فُجع فيه (^٣).\nومع صغر سنه فقد، بلغ مقام العلماء الكبار، وصنَّف تصانيف كثيرة في هذا السن، وكان شديد البرِّ بأبيه، قويَّ العلاقة به، فقد تتلمذ عليه، وأخذ عنه شرح الصحيحين، قال في مقدمته لشرح البخاري: (فإنَّ سيِّدنا وإمامَنا الوَالِد أبا القَاسِم\n_________\n(^١) مناقب الشافعي للبيهقي: ١/ ٥٢٤.\n(^٢) شرح صحيح البخاري لقوام السنة الأصبهاني (٢/ ١١٣).\n(^٣) تاريخ الإسلام: ٣٦/ ٣٧٢.","vol":"1","page":19},{"text":"حَرسَ الله تَعالى وآنَسَ بِبَقائِه رِبَاع العِلم نَبَّهَنِي عَلَى صُنُوفٍ مِنَ المُشكِلَاتِ، حَدانِي ذلكَ عَلَى أَن أَقرَأَ هَذَا الكِتَابَ … وأَستَفِيدَ مِنْهُ فَوَائِدَه) (^١).\nوقال: (فَزَادَ فِيَّ هَذَا حِرصًا، وَحَمَلَنِي عَلَى أَن أَسْتَأْنِفَ قِرَاءَةَ الكِتَابِ، وَأَتَفَقَّدَ ظَوَاهِرَهُ بِاسْتِقصَاءِ مَا فِيهَا مِنَ المَعَانِي الدَّقِيقَةِ عَنِ الفَهِمِ، فَعَلتُ حَتَّى تَمَّ لِي قِرَاءَةُ هَذَا الكِتَابِ عَلَيْهِ، فَمَا مِن حَدِيثٍ إِلَّا وَقَد أَطِلَعَنِي فِيهِ مِنَ الفَوَائِدِ عَلَى مِثلِ مَا ذَكَرَهُ لِي فِي المَثَالِ الَّذِي ذَكَرتُه، فَأَطَالَ الله بَقَاءَه، وَلَا حَرَم أَهْلَ العِلمِ غَزِيرَ بَحرِه، وَلَا أَخلَاهُم مِن فَوَائِدِ عِلمِهِ، وَسَائِحِ فِكرِهِ، فَهُوَ الجَامِعُ لِأَطْرَافِ العُلُومِ، المُسَيْطِرُ عَلَيْهَا، المُسَلَّطُ عَلَى بَيَانِ مَا فِيهَا مِنَ المُشْكِلَاتِ، المَرجُوعُ إِلَيهِ فِيمَا يَقَعُ فِي الدِّينِ مِنَ المُعضِلَاتِ) (^٢).\nقال عنه القفطي: (كَانَ شابًا، وَفَاقَ فِي الفَضلِ شُيوخَ أَهْلِ زَمانِهِ، لَكِنَّهُ استَوفَى أَنفاسَهُ وَطَوَى قِرطاسَهُ قَبْلَ أَوانِهِ، وَفُجعَ والده بِشَبابِه) (^٣)، وذكر له شعرا:\nأحقًا خليلي أنت أوّل ناكبٍ … عن العهد تجفوني وتهجر جانبي\nأترضى خليلي أن قلبي نُهبةً … تعاورها أيدي النوى والنوائب\nيدا الدهر لا صحَّت رمتني بأسهم … نسيت لها ما فوقت بالحواجبِ\nومنه:\nهوى البيض لا يجدي على المرء طائلًا … وإدمان شرب الراح يجني الغوائلا\n_________\n(^١) شرح صحيح البخاري (٢/ ٨).\n(^٢) شرح صحيح البخاري (٢/ ٩).\n(^٣) المحمَّدون من الشعراء للقفطي ص ١٢٨.","vol":"1","page":20},{"text":"وكم تبتغي أن تعذِل الدهر دائبًا … ودهرُك أولى أن يُرى لك عاذلا\nوما العمر والأيام إلا وسائطًا … جُعِلن إلى نيل المعالي وسائلا\nهذا ما أمكن ذكره هنا عن ترجمة الإمام الأصبهاني وولده، وفي بقية مباحث الدراسة شذرات؛ وإشارات؛ ومعالم أخرى عن الإمامين، آثرت أن أذكرها هناك تجنبا للتكرار.\n* * *","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7>المبحث الثاني اسم الكتاب</span>\n* * *\nالقدر الذي بين أيدينا من الكتاب؛ إنما هو الجزء الثاني الذي يبدأ من كتاب الزكاة، وقدر الله تعالى أن يُفقد الجزء الأول الذي هو مظِنَّة كثيرٍ من المعطيات حول هذا السِّفر؛ وبتقرير المؤلف نفسِه، إذ من المظنون أن يكون المؤلف قد وضع له مقدمة، يُبِين فيها عن منهجه، ودوافعِ تأليفه، وامتساسِ الحاجة إليه، وكذلك يكشف فيها عن الاسم الذي وضعه واختاره، كما جرت في مصنفاته الأخرى، كالحجة في بيان المحجة؛ والمغازي؛ والترغيب والترهيب، ودلائل النبوة وغيرها، وهو أثبت ما يُعتمَد عليه في إثبات أسماء التآليف وضبطها، لكن لا يتأتى لنا هذا بخصوص الكتاب؛ للسبب الذي ذكرناه.\nوحتى إن رجعنا إلى هذه المصنفات التي طبعت من آثاره، فلا نجد أي إشارة تقربنا من هذا الكتاب الذي نحن بصدد دراسته، لكن ثمة مظانَّ أخرى؛ يمكن أن نستعين بها للتعرف على اسم الكتاب:\n* أولا: المخطوطة: فقد كتب على الصفحة الأولى من الجزء المتوفر اسم الكتاب وهو: (التَّحرِيرُ فِي شَرحِ مُسلِم)، والأظهر - بعد مقارنة الخط - أن كاتبَ هذه اللوحة التي تحمل اسم الكتاب ومؤلفَه، هو نفسُه ناسخُ الكتاب، أقول هذا من باب الاحتراز فقط؛ من أن يكون كُتِب اسمه عليه لاحقا من باب الفهرسة والترتيب، فلا يكون ذا قيمة، خاصة في حالات المشاححة فيه والاختلاف في ضبطه.","vol":"1","page":22},{"text":"فإن كان الأمر على ما ذكرناه، فالناسخ نقل الاسم من الأصل الذي نسخ منه، فيجري عليه ما يجري على بقية الكتاب من حيث الصحةُ والثبوتُ، خاصة أن النسخة قُوبِلت على الأصل كما يظهر.\n* ثانيا: التنصيص عليه عند غيره ممن وقف على الكتاب ونقل عنه: فقد ذكره باسمه ثلة من العلماء بعده؛ ممن وقع بين يديه؛ فاعتمده ونهل منه ورجع إليه، وكلهم متفقون على تسميته بـ: (التَّحرِيرِ في شَرحِ مُسلِم)، وأحيانا بزيادة لفظ: (صَحيح)، وأحيانا يذكرونه بـ: (التَّحرِيرِ) اختصارا، ونذكر منهم:\n* الإمام النووي ﵀ (٦٧٦) هـ): فقد أكثر النقل عنه، وصرح باسم الكتاب في مواضع كثيرة، قال في كتاب الإيمان من شرح مسلم: (وَقالَ الإِمامُ أَبو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّد بنُ إِسماعِيلَ بن مُحَمَّدِ بن الفَضلِ التَّمِيمِي الأَصبَهَانِي الشَّافِعِي ﵀ في كِتابِه التَّحْرِيرِ فِي شَرحِ صَحِيحِ مُسلِم الإيمانُ فِي اللُّغَةِ هُوَ التَصدِيقُ) (^١).\nوقال في المجموع: (وَقالَ التَّمِيمِي مِن أصحابنا فِي كِتَابِهِ التَّحريرِ فِي شَرحِ صَحِيحِ مُسلِمٍ: مِنَ النَّاسِ مَن قالَ رَفعُ اليَدَينِ تَعَبُّدٌ لَا يُعقَلُ مَعناهُ) (^٢).\nوكذا ذكره في مواضعَ من كتاب تهذيب الأسماء واللغات (^٣).\n* الإمام تاج الدين الفاكهاني اللخمي ﵀ (٧٣٤ هـ): نقل عنه في كتابه: رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام، وذكره بنفس الاسم، حيث قال - وهو يذكر أقوال العلماء في معنى: الله أكبر: (قال صاحِبُ التَّحرِيرِ فِي شَرحِ مُسلِمٍ:\n_________\n(^١) شرح صحيح مسلم: ١/ ١٤٦.\n(^٢) المجموع شرح المهذب: ٣/ ٣١٠.\n(^٣) ينظر: ٢/ ٢٩١ - ٣/ ١٣ - ٣/ ١٤ - ٣/ ١٥٨.","vol":"1","page":23},{"text":"هَذَا أَحْسَنُ الأَقوالِ؛ لِمَا فِيهِ مِن زِيادَةِ المَعنَى) (^١).\n* وأما من ترجم له من العلماء، فقد اكتفوا بذكر موضوعه: (شَرحُ صحيحِ مُسلِمٍ) دون تمييزه بالاسم المذكور، كما وقع عند الذّهبي (^٢)، وابنِ كثيرٍ (^٣)، والسيوطي (^٤)، والداودي (^٥)، والزركلي (^٦)، وغيرهم، ويبدو أن مصدرهم واحد، وهو ما نقله الذهبي عن أبي موسى المديني.\nوعلى العموم؛ فهذا الكتاب قد استفاض ذكره باسم: التحرير في شرح مسلم، بلا خلاف في ذلك، ويكفي ما ذكرناه في إثباته وتعيينه.\nوتسميته بالتحرير إشارة إلى منهجه في الكتاب، وهو تتبعُ الألفاظ وضبطُها، وإتقانُها روايةً ودرايةً، واستيفاءُ الكلام عنها؛ وتبيينُ وجوه الإشكال والغرابة فيها، فكان كتابًا جديرا بهذا المعنى، خليقًا بأن يرجع إليه كل من التبست عليه ألفاظ الحديث، ورام تحرير القول فيها.\nواختار المؤلف لكتابه هذا الاسم، بعيدا عن السجع الذي نجده في أغلب التصانيف، خاصة ما تعلق منها بشروح دواوين السنة، والأمر راجع - في نظري - إلى أن المؤلف لم يكن ممن تستهويه هذه العناوين، وإن كان فعل ذلك في كتاب: (الحُجَّة فِي بَيانِ المَحَجَّة)، إلا أن بقية كتبه خِلوٌ من ذلك، يضاف إلى هذا واقع\n_________\n(^١) رياض الأفهام: ٢/ ١١٥.\n(^٢) تاريخ الإسلام: ١١/ ٦٢٣.\n(^٣) طبقات الشافعيين: ٥٩٢.\n(^٤) طبقات المفسرين: ٣٨.\n(^٥) طبقات المفسرين: ١/ ١١٥.\n(^٦) الأعلام: ١/ ٣٢٣.","vol":"1","page":24},{"text":"عصره؛ فإن الحركة العلمية حينها، لم تشهد، بعد هذا الانتشار الواسع لهذا الضرب من العناوين، كما حصل في بعض القرون المتأخرة، وإن وجد شيء من ذلك؛ حتى قبل عصره، كما نجد عند ابن عبد البر وغيره.\n* * *","vol":"1","page":25},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8>المبحث الثالث نسبة الكتاب إلى مؤلفه</span>\n* * *\nأشار غير واحد ممن ترجم للإمام الأصبهاني، ومن ذكر هذا الكتاب؛ إلى أن الذي ابتدأ تأليفه هو الابنُ: أبو عبد الله محمدُ بنُ إسماعيلَ الأصبهاني، لكن المنية اخترمته في وقت مبكر، فأتمه أبوه الإمامُ الحافظُ الأصبهاني؛ المعروف بقِوام السنة، قال ابن قاضي شهبة، وهو يعدد مؤلفاته: (وَشَرحُ صَحِيحِ البُخَارِي، وَصحِيحِ مُسلِمٍ، وَكَانَ ابنُه شَرَع فيهِما، فَمَاتَ فِي حَياتِه فَأَتَمَّها) (^١).\nوكم من كتابٍ نفيسٍ كتب الله ألَّا يكتمل، إما لوفاةٍ، أو فتور عزمٍ، أو انشغالٍ بما هو أنفسُ وأهمُّ، أو عذرٍ حال دون ذلك، وقد تكرر هذا عبر تاريخ الإسلام؛ نذكر - على سبيل التمثيل - بعض ما تعلق بشرح دواوين السنة:\n* التلخيص في شرح البخاري للنووي (٦٧٦ هـ): وصل إلى آخر كتاب الإيمان، وتوفي قبل إتمامه (^٢).\n* الإيجاز شرح سنن أبي داود للنووي أيضا: وصل فيه إلى أثناء الوضوء (^٣).\n_________\n(^١) طبقات الشافعية: ١/ ٣٠٢، وينظر كذلك: تاريخ الإسلام: ٣٦/ ٣٧٢، وطبقات الشافعيين: ص ٥٩٢، وشذرات الذهب: ٦/ ١٧٥.\n(^٢) ينظر المنهل العذب الروي: ص ٧، وهو مطبوع.\n(^٣) المصدر نفسه، وقد طبع بتحقيق أبي قتيبة نظر محمد الفاريابي عن دار طيبة؛ ٢٠٠٨ م.","vol":"1","page":26},{"text":"* النفح الشذي في شرح جامع الترمذي لابن سيد الناس (٧٣٤ هـ): بلغ فيه كتاب الصلاة فاخترمته المنية فجأة، فأتمه الحافظ العراقي (^١).\n* منهاج الابتهاج بشرح مسلم بن الحجاج للقسطلاني (٩٢٣ هـ): بلغ إلى نحو نصفه في ثمانية أجزاء كبار (^٢).\n* فتح الباري شرح صحيح البخاري؛ لابن رجب الحنبلي (٩٩٥ هـ): وصل فيه إلى كتاب الجنائز، وتوفي قبل إتمامه (^٣).\n* شرح الترمذي لابن حجر العسقلاني: شرع فيه ثم فتر عزمه عنه؛ كما ذكر تلميذه السخاوي (^٤).\nوغير هذا كثير، وفي مختلف العلوم والفنون، حتى صار إتمام الناقص من مقاصد التأليف، وهو من البر بأهل العلم، وإحياء ذكرهم، وإعلاء شأنهم، وحفظ آثارهم، ولوكانت الأعمار توهب؛ فهم أحق بذلك وأولى، فلا أقل من أن تصرف وتوهب لآثارهم؛ شرحا واختصارا وتعليقا وتنكيتا وتتميما كذلك.\nوقد قيض الله تعالى لكثير مما لم يكتمل منها - من الخلف الصالح - من ينسج على سَنَن أصحابها؛ فيتم ما نقص منها، إما أن يكون هذا الخلف تلميذا نجيبا، كالليث بن المظفر الكناني الذي أتم كتاب العين لشيخه الخليل بن أحمد الفراهيدي،\n_________\n(^١) ينظر: البداية والنهاية: ١٨/ ٣٧٢، ومقدمة تحقيق الكتاب للدكتور أحمد معبد عبد الكريم: ١/ ٦٦.\n(^٢) كشف الظنون: ١/ ٥٥٥.\n(^٣) كشف الظنون: ١/ ٥٥٠، والحطة: ص ١٨٩، وهو مطبوع متداول.\n(^٤) الجواهر الدرر: ٢/ ٦٧٦، ولا يعلم له وجود.","vol":"1","page":27},{"text":"وكالإمام السخاوي التي أتم كتاب نتائج الأفكار لشيخه ابن حجر العسقلاني.\nوإما أن يكون عالما وفيا، معظما لجهد غيره، راغبا في نشره وتمام خيره، ككتاب المهذب للإمام النووي، فقد أتمه تاج الدين السبكي، والنفح الشذي السالف الذكر، وتفسير الجلالين الذي بدأه جلال الدين المحلى، وأتمه السيوطي.\nوقد يكون ابنا بارا صالحا، جاريا على سنن أبيه في العلم والصلاح، ككتاب المحلى لابن حزم، فقد مات دون إتمامه، فأتمه ابنه أبو رافع من كتاب الإيصال، وكذلك رد المحتار لابن عابدين، أتمه ابنه محمد، وكتاب طرح التثريب في شرح التقريب للحافظ العراقي، فقد أتمه ابنه ولي الدين، وغيرها من المؤلفات.\nومن نكت هذا الضرب من التأليف، أن يتولى الأب ما بدأه الابن وهذا - بلا شك - من بر الوالد، بولده، ورضاه عنه، واعترافه له بالمكانة والفضل، خاصة إن كان الأب من العلماء الحفاظ المبرزين، ولم أجد لهذا إلا مثالين اثنين:\n* كتاب الدلائل في غريب الحديث، لأبي محمد القاسم بن ثابت العوفي السرقسطي (٣٠٢ هـ): وهو من أجل ما ألف في هذا العلم، جعله كالذيل على غريب أبي عبيد وغريب ابن قتيبة، وقد فاجأته المنية دون إتمامه، وعُمِّر أبوه الحافظ الكبير ثابت بن حزم السرقسطي (٣١٣) هـ)، فأتم الكتاب وأظهره للناس وحدث به (^١).\n* كتاب التحرير في شرح صحيح مسلم: وهو كتابنا هذا، فقد ابتدأه - كما\n_________\n(^١) ينظر: الديباج المذهب: ١/ ٣١٩، وإنباه الرواة: ١/ ٢٩٧، والرسالة المستطرفة: ص ١٥٥، وتاريخ الأدب العربي: ٨/ ١١٠، ومقدمة تحقيق الدلائل للدكتور محمد القناص.","vol":"1","page":28},{"text":"أسلفنا - أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الأصبهاني، وأتمه أبوه، ومعه شرح صحيح البخاري كذلك.\nوالذي يعنينا في هذا المبحث؛ ليس إثبات نسبه الكتاب إلى مؤلفه، فذلك ثابت على الوجه الذي ذكرناه من البدء والإتمام، وإنما يعنينا أن نتعرف على القدر الذي كتبه الابن وهل وصلنا منه شيء في المخطوطة التي بين أيدينا؟\nوالجواب - كما سنبين - أن الذي وصلنا من الكتاب كله للأب الحافظ قِوام السنة، ولم يصلنا شيء مما كتبه الابن والدليل على ذلك أمور:\n١ - الجزء المفقود من أول الكتاب هو من بداية الشرح إلى آخر كتاب الجنائز، وهو جزء لا بأس به، فيكون احتمال الضياع واردا على كل ما كتبه الابن لأنه لم يبلغ هذا القدر كما سنبين.\n٢ - في شرح الإمامين لصحيح البخاري نص نفيس، يمكن من خلاله أن نتبين صاحب الجزء الذي بين أيدينا، فقد نص فيه قوام السنة ﵀ على الموضع الذي أكمل منه شرح ولده؛ حيث قال: (وإليه انتهى مَا تولاه ولَدِي أبو عبد الله ﵀ ونوَّر قبرَه من شَرح الكتَاب، ومن هَاهُنا تَولَّيتُ أَنَا شَرحَه، فأقولُ وأَستَمِدُّ المعُونَة مِنَ الله، وأَسأَله أن يُجريَ في ذَلِك الصَّواب علَى لسَاني، وأن يُجزل الثَّوابَ لابني أبي عبدِ الله ﵀ لِسَبقه إلى هَذا الشَّرح، وشَرح كِتَاب مُسلمٍ) (^١).\nفأمكننا أن نقارن بين أسلوبي المؤلفين، لنتعرف على صاحب الجزء الذي وصلنا من صحيح مسلم، ثم إنه بهذا يفترض أن يكون قوام السنة ﵀؛ قد نص\n_________\n(^١) شرح صحيح البخاري لقوام السنة الأصبهاني (٢/ ١١٣).","vol":"1","page":29},{"text":"كذلك على الموضع الذي أكمل منه شرح مسلم، خاصة أن احتفاءه به أشد وأقوى، فقد ورد - كما مر - أنه دعا الناس يوم فراغه منه، وعمل مأدبة، وصنع حلاوة كثيرة (^١)، ولا نجد في الجزء الذي وصل إلينا شيئا من ذلك.\n٣ - بالمقارنة بين ما وصلنا من شرح مسلم، وما في شرح البخاري من إملاء الإمامين، نلمس تطابقا واضحا، وانسجاما كبيرا مع أسلوب قِوام السنة؛ وطريقة شرحه، بحيث لا يماري في هذا أحد، ولو بالنظرة العجلى في الكتابين، ففي أسلوب قِوام السنة معالم وإشارات لا تخفى، تميزه عن أسلوب ولده، ومن ذلك:\n* أن للأب عباراتٍ يُكثِر من استعمالها، لا نجدها إطلاقا في شرح الابن من ذلك تكراره لـ: (قَالَ صَاحِبُ المُجمَل)، (قَالَ أَهلُ اللُّغَة)، (قَالَ صَاحِبُ الغَرِيبَين)، وهو نفس ما تكرر في مواضع كثيرة في شرح مسلم.\n* أن الابن يسوق فقه الحديث مع المباحث اللغوية، سياقا واحدا، وأما الأب فقد سلك مسلكا آخر، وهو البداءة بفقه اللغة، ثم ذكر ما في الحديث أو بعضه من الفقه والأحكام، مشيرا إلى ذلك بقوله: (وَفِيهِ)، (وَمِن فِقهِ الحَدِيثِ)، (وَفِيهِ دَلَالَةٌ …)، وهو ما لا نجده في شرح الابن.\n* نجد فيما وصلنا أن المؤلف قد أسند، بعض الأحاديث، منها حديث طلب الولاية في بداية الجزء الذي بين أيدينا، حيث قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نَصرٍ مُحَمَّدُ بنُ سَهلٍ السرَّاج …)، ومعلوم أن أبا نصر توفي سنة ٤٨٣ هـ، وهو من شيوخ\n_________\n(^١) تاريخ الإسلام: ٣٦/ ٣٧٢.","vol":"1","page":30},{"text":"قوام السنة بنيسابور (^١)، فيتأكد، بهذا أن الشارح هو الأب لا الابن لأن هذا الأخير لم يدرك أبا نصر، فإنه لم يولد إلا في حدود الـ ٥٠٠ هـ، وكذلك أسند حديث الإفك عن الدَّشْتِي، وهو أبو سهل عبد الملك بن عبد الله الدَّشْتِي النيسابوري توفي سنة ٤٨٨ هـ، وأسنده كذلك عن النِّعالي، وهو أبو عبد الله الحسين بن أحمد النِّعالي البغدادي الحافظ، توفي سنة ٤٩٣ هـ (^٢).\n* الابن يطيل النفس في اللغة، ويغوص في أعماقها، ويورد مذاهب اللغويين، ويرجح، ويستدرك، ويناقش، ويذكر أخطاء العامة، ونحو ذلك، والأب لا يتعمق هذا التعمق الواسع.\n* يبحث الابن أسماء الصحابة من جهة اللغة؛ أولَ ما ترِد عليه، كقوله: (حَدِيثُ سَعدِ بن أَبِي وقَّاصٍ السَّعدُ: ضد النَّحْسِ، والوقَّاص: الكَثِيرُ الكَسْر، يُقالُ: من وَقَصت الشَّيء: إذا كَسَرته، واسمُ أبي وقَّاص: مَالِكُ بنُ أُهَيْب بن عَبد مَناف بن زُهرة بن كِلاب) (^٣)، وهكذا لبقية الصَّحابة، وليس لهذا نظير فيما وصلنا من شرح مسلم.\n* يستشهد الابن - أحيانا - بأقوال والده ومذهبه في بعض القضايا، كقوله: (وَذَكَر إمَامُنا الوَالدُ في هذه اللفظة وَجهًا آخرَ اسْتَحسَنه) (^٤)، ولم نجد إشارة من هذا القبيل في شرح مسلم.\n_________\n(^١) ينظر: سير أعلام النبلاء: ١٧/ ٧٢، وطبقات الشافعيين: ٥٩١.\n(^٢) ينظر: سير ١٩/ ١٠٣، أعلام النبلاء: ١٩/ ١٠٣، وسمي الحافظ لأنه كان يحفظ ثياب حمام بالكرخ.\n(^٣) شرح صحيح البخاري (٢/ ٨٧).\n(^٤) شرح صحيح البخاري (٢/ ٣٧).","vol":"1","page":31},{"text":"* من خلال ما نقله النووي مما أملاه الابن نلحظ أنَّه يستعمل ضمائر المتكلم: (لم نعثر، ولستُ، ذَكَرنَاه، ولَكِنَّا لَا نَتَمَسَّك، وَقَعَ لِي مَعنًى مَلِيحٌ)، كما نجده يناقش ويتعقب ويستدرك، وذلك كله دال على عنفوان الشباب، لا نلمس مثله في أسلوب الأب الهادئ.\nوبهذا نعلم أن ما بين أيدينا من شرح صحيح مسلم؛ كلُّه للإمام الحافظ قوام السنة، وهو نسَق واحد، ومنهج مطرد، لا يختلف أو يتخلَّف، وليس فيه شيء مما كتبه الابن، ولو كان لظهر من غير التباس.\n* * *","vol":"1","page":32},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9>المبحث الرابع تحديد القدر الذي أملاه الابن</span>\n* * *\nوأما القدر الذي شرحه محمدُ بنُ إسماعيلَ (الابن) من صحيح مسلم فقال الذَّهبي: (فَأَملَى فِي شَرحِ كلِّ وَاحِدٍ مِنهُما صَدْرًا صَالحًا) (^١)، والظاهر أنه كان يملي شرح الصحيحين جميعا، كأن له مجلسين يراوح بينهما، أحدهما لصحيح البخاري، والآخر لصحيح مسلم، ولو قدَّم أحدهما على الآخر لكان الأول تامًّا، أولم يكن قد شرع في الثاني.\nفيحتمل أن يكون مبلغه من شرح الصحيحين واحدًا متقاربًا، وهو كتاب الإيمان، فإنه توفي قبل أن يستوفيَ الكلام عن الحديث الثامن والأربعين من صحيح البخاري.\nولعل هذا الافتراض غيرُ مسلم، وإن بدا منطقيا، فقد نقل النووي في تهذيب الأسماء واللغات نقلًا نفيسًا عن كتاب التحرير، وهو من كتاب الصلاة، وفيه نفَس الأصبهاني الابن تقعيدًا وأسلوبًا، وزاده النووي تأكيدا بأن صدَّره باسم صاحبه فقال: (وَقَالَ الإمَامُ أَبو عبدِ الله صَاحِبُ التَّحرِيرِ فِي شَرحِ صَحِيحِ مُسلِمٍ: في آمين لغتان: فَتحُ الأَلِفِ مِن غَيْرِ مَدٍّ، وَالثَّانِيَةُ: بِالمَدِّ، وَهِيَ مَبنيّةٌ، قَالَ بَعضُهُم: بُنِيَت لِأَنَّها لَيسَت عَرَبِيَّة، أَو أَنَّها اسمُ فِعلٍ كَصَه ومَه، أَلَا تَرَى أَنَّ مَعنَاهَا: اللَّهُمَّ استَجِب، وَأَعطِنَا مَا سَأَلْنَاكَ، وَقَالُوا: إِنَّ مَجِيءَ آمِينَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَت عَرَبِيَّة،\n_________\n(^١) تاريخ الإسلام: ١١/ ٦٢٣.","vol":"1","page":33},{"text":"إِذ لَيسَ فِي كَلَامِ العَرَبِ فَاعِيلَ، فَأَمَّا آرَى فَلَيسَ بِفَاعِيل، بَل هُوَ عِندَ جَمَاعَةٍ: فَاعُول، وَعِندَ بَعضِهِم: فَاعَلَى، وَعِندَ بَعضِهِم: فَاعَى بِالنُّقْصَانِ، وَقَد قَالَ جَمَاعَةٌ إِنَّ آمِينَ - يَعنِي المَقصُورَة - لَمْ يَجِئ عَنِ العَرَب، وَالبَيتُ الَّذِي يُنشَدُ: آمِينَ فَزَادَ اللهُ مَا بَينَنَا بُعدًا؛ لَا يَصِحُّ عَلَى هَذَا الوَجهِ، وَإِنَّمَا هُوَ: فَآمِينَ زَادَ اللهُ مَا بَينَنَا بُعدًا، قال: وَكَثِيرٌ مِنَ العَامَّةِ يُشَدِّدُونَ المِيمَ مِنهَا، وَهُوَ خَطَأٌ لَا وَجْهَ لَهُ، هَذَا آخِرُ كَلَامِ صَاحِبِ التَّحرِيرِ) (^١).\nوالتنبيه على أخطاء العامة من أسلوب الابن فثبت بهذا؛ أن الإمام أبا عبد الله قد بلغ من شرح مسلم كتاب الصلاة، وربما أبعد منه، وهذا ملمح في غاية الأهمية، فإن فيه إشارة إلى تقديم مسلم على البخاري في الشرح والإملاء والحفاوة أيضا، وهو ما سار عليه أبوه بعدُ من التعظيم، فكان يُملي شرح مسلمٍ عند قبر ولده (^٢)، لما علم من مكانته عنده واحتفائه به، ولما فرغ منه أظهر الفرح بذلك، ودعا الناس كما أشرنا إليه قبل.\nولعل الباعث على إيثاره شرح مسلم، هو حاجة الناس إليه، فإنه لم يكن محلَّ عناية الشُّرَّاح من قبل، بخلاف صحيح البخاري؛ فقد، سبق إليه الإمام الخطابي (٣٨٨ هـ)، في أعلام الحديث، ولم يكن من جاء بعده بأقدرَ على معارضته، وهو سبب كافٍ لفتور العزائم عن مثله.\nلذلك قال عبد الغافر الفارسي؛ مبينا قيمة شرح الإمام الخطابي، وكفايتَه عن غيره: (قَد سَبَقَ غَيْرَهُ فِي تَصَانِيفِه فِي عُلُومِ الحَدِيثِ، وَزَادَ عَلَى المُتَقَدِّمِينَ، وَأَتعَبَ مَن بَعدَهُ مِنَ اللَّاحِقِينَ، لِوُفُورِ مَعرِفَتِهِ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا إِسنَادًا وَمَتنًا، وَتَمَامِ\n_________\n(^١) تهذيب الأسماء واللغات: ٣/ ١٣.\n(^٢) تذكرة الحفاظ: ٤/ ٥١.","vol":"1","page":34},{"text":"حَظِّهِ مِنَ العَرَبِيَّةِ وَمَجَارِي طُرُقِهَا، وَاحتِظائِهِ مِنَ الفِقهِ وَالأُصُولِ بِأَوفَرِ نَصِيبٍ، وَاحْتِصَاصِهِ مِنَ التَّأْلِيفِ وَالتَّصْنِيفِ بِأَعجَبِ عَجِيبٍ) (^١).\nبل حتى إمامنا الأصبهاني؛ لم يخرج عن قاعدة الفارسي: (أَتعَبَ مَن بَعدَهُ مِنَ اللّاحِقِين)، فإنه وإن اقتحم العقبة؛ وعزم على شرح البخاري، إلا أنه أشار في مقدمته، إلى شيء مما ذكره الفارسي فقال: (وَقَصدِي فِي ذَلِكَ تَجِنُّبُ مَا أَورَدَه الخَطَّابِي ﵀، إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَد ذَكَرَ شَيْئًا عَلَى سَبِيلِ الاختِصَارِ، فَأَبَسُطَ القَولَ فِيهِ، أَو يَكُونَ قَد ذَكرَ فِي حَدِيثٍ أَولَفظٍ وَجهًا، فَيَكُونُ عِندِي فِيهِ وجَهٌ آخَرَ فَأَذْكُرُه) (^٢)، ثم حقَّر من نفسه، وأعلى من شأن الإمام الخطابي، متمثِّلا قول جرير:\nوابنُ اللَّبُونِ إِذَا مَا لُزَّ فِي قَرَنٍ … لَم يَستَطِع صَولَةَ البُزْلِ القَنَاعِيسِ (^٣)\nوإنما قال هذا حتى لا يظن ظان أن استدراكه عليه من حسد أو بغض، وختم كلمته عنه بقوله: (أَخَذْنَا مَا أَخَذْنَا عَنهُ وَعَن أَمَثَالِه، واتَّخَذْنَاهُم قُدوَةً فِيمَا نَتَعَاطَاهُ مِن أُمُورِ الدِّينِ، رَجَاءَ أَن نَدخُلَ فِي غِمَارِهِم وَنُعَدّ مِن أَصحَابِهِم، وَإِن لَم نُعَدَّ مِن خِيَارِهِم).\nولأجل هذا؛ اتجهت عناية العلماء في القرن السادس إلى شرح صحيح مسلم، لِمسيس الحاجة إليه، ولأنه لم يُطرق من قبل، وهو ما يفسر ظهور أربعةٍ من الشروح المهمة النفيسة في هذا القرن، وهي: المعلم للمازري (٥٣٦ هـ)، والمفهم للفارسي (٥٢٩ هـ)، والتحرير للأصبهاني (٥٣٥ هـ)، والإكمال للقاضي عياض (٥٤٤ هـ).\n_________\n(^١) المفهم لصحيح مسلم (١/ ٤٠١ - ٤٠٢) ط. أسفار.\n(^٢) شرح صحيح البخاري (٢/ ٨).\n(^٣) ديوان جرير: ١/ ١٢٨، وينظر: فحولة الشعراء: ص ٩، والعقد الفريد: ٢/ ٣٣٠.","vol":"1","page":35},{"text":"<span data-type='title' id=toc-10>المبحث الخامس القيمة العلمية للكتاب</span>\n* * *\nكتاب التحرير؛ من نفيس ما أُلِّف من شروح صحيح مسلم، وأجَلِّ ما حفظ في بابه، مع ما نابه من عوادي الدهر ونوائب الزمان، وصنوف الآفات التي كادت أن تذهب به، إذ كان قاب قوسين أن يصير أثرًا بعد عين، وخبرًا بعد حقيقة، لكن شاء الله أن يتصل رحِم العلم، وأن يحفظه ذخرا للآخِرين، ولعل ما أسلفناه في المبحث السابق كفيل ببيان نفاسة هذا الكتاب، وقيمته العلمية، ومكانته بين الشروح، ومما يزيده نفاسة وقيمة: مكانة ممليه، وتقدم زمانه، واحتجاج العلماء به.\n\n<span data-type='title' id=toc-11>المطلب الأول مكانة مؤلفه</span>\nفهو الإمام الحافظ العلامة المتفنن، المتفق على جلالته وإمامته، اجتمعت فيه كل مقومات الرياسة والإمامة:\n* العلم: قال تلميذه الإمام أبو سعد السمعاني: (وَكَانَ إِمَامًا فِي فُنُونِ العِلمِ: فِي التَّفسِيرِ وَالحَدِيثِ وَاللُّغَةِ وَالأَدَبِ، حَافِظًا مُتقِنًا، كَبِيرَ الشَّأنِ، جَلِيلَ القَدرِ، عَارِفًا بِالمُتُونِ وَالأَسَانِيدِ، سَمِعَ الكَثِيرَ بِنَفْسِه وَنَسَخَ، وَوَهَبَ أَكْثَرَ أُصُولِهِ فِي آخِرِ عُمُرِه، وَأَمَلَى بِجَامِع أَصْبَهَانَ قَرِيبًا مِن ثَلَاثَةِ آلَافِ مَجْلِسٍ، وَكَانَ يَحضُرُ مَجْلِسَه","vol":"1","page":36},{"text":"جَمَاعَةٌ مِنَ الشَّيوخِ وَالشُّبَّانِ وَيَكتُبُونَ …) (^١).\n* قوة الحفظ والبديهة: قال أبو موسى: (أَمَلَى ثَلَاثَةَ آلَافٍ وَخَمْسِ مِائَةِ مَجْلِسٍ، وَكَانَ يُملِي عَلَى البَدِيهَة) (^٢).\n* الزُّهْد والعفاف: قال أبو موسى المديني: (وَكَانَ نَزِهَ النَّفْسِ عَنِ المَطَامِعِ، لَا يَدخُلُ عَلَى السَّلَاطِينِ، وَلَا عَلَى مَنِ اتَّصلَ بِهِم، قَد أَخلَى دَارًا مِن مُلْكِهِ لأَهلِ العِلمِ مَعَ خِفَّةِ ذَاتِ يَدِهِ، وَلَو أَعطَاهُ الرَّجُلُ الدُّنْيَا بِأَسرِهَا لَم يَرتفع عِندَهُ) (^٣).\n* التعبد والنسك كان ﵀ عابدا من العباد متنسكا مقبلا على مولاه بأنواع القربات والطاعات، قال أبو موسى: (سَمِعتُ مَن يَحكِي عَنْهُ فِي اليَومِ الَّذِي قَدِمَ بِوَلَدِهِ مَيِّتًا، وَجَلَسَ لِلتَّعزِيَةِ، أَنَّهُ جَدَّدَ الوُضُوءَ فِي ذَلِكَ اليَومِ مَرَّاتٍ نَحوَ الثَّلَاثِينَ، كُلُّ ذَلِكَ يُصَلِّي رَكَعَتَينِ) (^٤).\nوقال محمد بن عبد الواحد الدقاق: (كَانَ أَبُو القَاسِمِ عَدِيمَ النَّظِيرِ، لَا مِثلَ لَهُ فِي وَقتِهِ، كَانَ مِمَّن يُضْرَبُ بِهِ المَثَلُ فِي الصَّلَاحِ وَالرَّشَادِ) (^٥).\n* الحكمة: ومن أجلى صور الحكمة عند العلماء جمال الطريقة والأسلوب، وقلة الكلام إلا فيما يفيد، وقد اتصف بهما الإمام أبو القاسم الأصبهاني ﵀، قال الحافظ يحيى بن منده: (كَانَ أَبُو القَاسِمِ حَسَنَ الاعْتِقَادِ،\n_________\n(^١) الأنساب للسمعاني (٣/ ٤٠٨).\n(^٢) المصدر السابق، (٢٠/ ٨٢).\n(^٣) سير أعلام النبلاء ط الرسالة (٢٠/ ٨٢).\n(^٤) المصدر السابق، (٢٠/ ٨٣).\n(^٥) المصدر السابق، (٢٠/ ٨٥).","vol":"1","page":37},{"text":"جَمِيلَ الطَّرِيقَةِ، قَلِيلَ الكَلَامِ، لَيسَ فِي وَقتِه مِثلُهُ) (^١).\nوما زال العلماء يحتفون بما كتبه الأئمة الكبار، ممن استجمع هذه الصفات، ويقدمونه على غيره، لا لمجرد السمعة والمكانة الرمزية، بل لما يلزم من ذلك من جليل علمهم، وحسنِ فهمهم، وسلامةِ ما بثوه ونشروه في تضاعيف تصانيفهم، فهم أبعد عن الفهم السقيم، وأرفع عن الهوى والقول على الله بغير علم.\n\n<span data-type='title' id=toc-12>المطلب الثاني زمان تأليفه</span>\nتحدث الإمام الشاطبي في الموافقات عن تحصيل العلم من مصنفات أهل العلم، وذكر لذلك شروطا منها: (أَن يَتَحَرَّى كُتُبَ المُتَقَدِّمِينَ مِن أَهلِ العِلمِ المُرَادِ؛ فَإِنَّهُم أَقعَدُ بِهِ مِن غَيْرِهِم مِنَ المُتَأَخِّرِينَ، وَأَصلُ ذَلِكَ التَّجرِبَةُ وَالخَبَرُ، أَمَّا التَّجْرِبَةُ، فَهُوَ أَمْرٌ مُشَاهَدٌ فِي أَيِّ عِلمٍ كَانَ، فَالمُتَأَخِّرُ لَا يَبْلُغُ الرُّسُوخَ فِي عِلمٍ مَا يَبْلُغُهُ المُتَقَدِّمُ، وَحَسْبُكَ مِن ذَلِكَ أَهلُ كُلِّ عِلمٍ عَمَلِيٍّ أَو نَظَرِيٍّ؛ فَأَعْمَالُ المتَقَدِّمِينَ - فِي إِصْلَاحِ دُنيَاهُم وَدِينِهِم - عَلَى خِلَافِ أَعمَالِ المُتَأَخِّرِينَ، وَعُلُومُهُم فِي التَّحقِيقِ أَقعَدُ، فَتَحَقُّقُ الصَّحَابَةِ بِعُلُومِ الشَّرِيعَةِ لَيسَ كَتَحَقُّقِ التَّابِعِينَ، وَالتَّابِعُونَ لَيسُوا كَتَابِعِيهِم، وَهَكَذَا إِلَى الآنِ) (^٢).\nوإن كتاب التحرير من أوائل ما ألف في شرح مسلم، بل لم يسبقه إلى ذلك إلا عبد الغافر الفارسي (٥٢٩ هـ)، الذي كان من أقرانه ومعاصريه، وتوفي قبله\n_________\n(^١) المصدر السابق (٢٠/ ٨٢).\n(^٢) الموافقات: ١/ ١٤٧.","vol":"1","page":38},{"text":"بست سنوات فقط، وقد سمى كتابه: (المُفهِم لِصَحِيحِ مُسلِم).\nهذا إن جعلنا تاريخ الوفاة معيارا للسبق كما جرت العادة، وإلا فيمكن أن ينضاف إلى من سبقه من معاصريه: الإمام المازري المالكي (٥٣٦ هـ) صاحب كتاب: (المُعلِم بِفَوَائِدِ مُسلِمٍ)، وهو وإن توفي بعد الإمام الأصبهاني بسنة واحدة، غير أن إملاءه للكتاب كان قبل ذلك بزمان.\nفقد ورد في مقدمة المعلم: (هَذَا كِتَابٌ قُصِدَ فِيهِ إلى تَعلِيقِ مَا جَرَى فِي مَجَالِسِ الفَقِيهِ الإِمَامِ الجَلِيلِ أَبِي عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدِ بن عَلِيٍّ الْمَازِرِي ﵁ حِينَ القِرَاءَةِ عَلَيْهِ لِكِتَابِ مُسْلِمِ بن الحَجَّاجِ ﵀ فِي شَهرِ رَمَضَانَ المُكَرَّمِ؛ مِن سَنَةِ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَأَربَعمِائَة) (^١)، وذهب محقق الكتاب الشيخ محمد الشاذلي النيفر إلى أن إملاءه كله كان في رمضان من تلك السنة (٤٩٩ هـ)، معتمدا على ما ذكره ابن الأبار أن المازري قال: (إِنِّي لَم أَقصِد تَألِيفَه، وَإِنَّمَا كَانَ السَّبَبُ فِيهِ أَنَّهُ قُرِئَ عَلَيَّ كِتَابُ مُسلِمٍ فِي شَهرٍ رَمَضَانَ فَتَكَلَّمتُ عَلَى نُقَطٍ مِنهُ) (^٢).\nوأما كتاب المفهم للفارسي؛ فقد قدر محققه الدكتور مشهور بن مرزوق الحرازي زمن تأليفه ما بين عامي ٥٠٩ هـ و٥١٠ هـ، مستندا في ذلك على ما ذكره المؤلف عن نفسه، وهو يتحسر على أن فاتته رواية الصحيح عن جده: (ثُمَّ إِنِّي - مَعَ هَذَا - لَم أُرزَقِ العُلُوَّ فِي إِسْنَادِ هَذَا الكِتَابِ، لِتَأَخُّرِ مَولِدِي عَن وَفَاتِهِ، مَعَ قُربِهِ مِنْهَا، وإِنَّمَا سَمِعتُهُ مِن الرَّاوِينَ عَنهُ، وَفِي القَلبِ مِنْهُ حَسَرَةٌ، فَقَد نَاهَزتُ السِّتِّينَ) (^٣).\n_________\n(^١) المعلم بفوائد مسلم: ١/ ٢٦٩.\n(^٢) التكملة لكتاب الصلة: ٢/ ٣١٢، وينظر تحقيق كتاب المعلم: ١/ ١٩٣.\n(^٣) المفهم لصحيح مسلم: ١/ ٤٠٦، وينظر مقدمة التحقيق: ١/ ١٣٤، ١٦٧ - ١٧٠.","vol":"1","page":39},{"text":"وأما كتابنا هذا (التحرير)، فهو متأخر عنهما بزمن يسير، فإنه بما ثبت من إكماله بعد وفاة صاحبه، عُلم أنَّه إنما تم وانتُهِي منه ما بين سنةِ وفاة الابن: ٥٢٦ هـ، وسنة وفاة الأب: ٥٣٥ هـ، وأما ابتداء إملائه؛ فالظاهر أنه في ذات السنة التي توفي فيها الابن، أو قبلها بقليل، لأنه لم يمل منه إلا القدر اليسير، كما سبق بيانه.\nوعلى كلٍّ؛ فهذه الكتب الثلاث هي البواكير الأولى لشرح صحيح مسلم، لم يسبق إلى ذلك غيرهم، وهم من الأقران المتعاصرين، وليس لسبق بعضهم على بعض مزية تذكر، إذ الظاهر من خلال مقارنتها؛ أن المتأخر منهم لم يطلع على ما كتبه سابقه، فكل منهم ألف كتابه استقلالا.\n\n<span data-type='title' id=toc-13>المطلب الثالث نقل العلماء عنه ورجوعهم إليه</span>\nخلد الله سبحانه ذكر هذا الكتاب، فلا يكاد يخلو شرح من شروح الصحيحين وغيرهما من تقريراته وفوائده.\nوإذا كان منهاج الإمام النووي أجلَّ وأوعبَ الشروح، وأوسعَها انتشارا، وأكثرَها قبولا، فإنه لم يستغن عن كتاب التحرير، بل جعله - إلى جانب إكمال القاضي عياض - عمدة كتابه، فأكثر النقل عنه، والإحالة عليه.\nوباستقراء شرح الإمام النووي، فإن نقولاته التي نص عليها، وأحال فيها على صاحب التحرير، تبلغ خمسة وخمسين نقلا وإحالة؛ حسب ما يلي:\n* ستة وثلاثون نقلا من كتاب الإيمان.","vol":"1","page":40},{"text":"* نقل واحد من كتاب الطهارة.\n* نقل واحد من كتاب اللباس.\n* نقلان اثنان من كتاب الآداب.\n* نقل واحد من كتاب السلام.\n* أحد عشر نقلا من كتاب الفضائل.\n* نقل واحد من كتاب البر والصلة.\n* نقل واحد من كتاب التوبة.\n* نقل واحد من كتاب صفة القيامة.\nواحتج بكلام صاحب التحرير بعد النووي خلق كثير من الشراح والعلماء، منهم:\n* الإمام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية (٧٢٨ هـ)، في كتاب الإيمان (^١)، وكذلك في مجموع الفتاوى (^٢)، في مسألة إطلاق اسم المؤمن على السارق والزاني.\n* الإمام تاج الدين الفاكهاني اللخمي المالكي (٧٣٤ هـ)؛ في كتابه: (رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام في بيان معنى: (الله أكبر) (^٣).\n* الإمام الخازن أبو الحسن علي بن محمد الشيحي (٧٤١ هـ)، في تفسيره\n_________\n(^١) الإيمان الكبير: ص ٢٨٢.\n(^٢) مجموع الفتاوى: ٧/ ٣٥٩.\n(^٣) رياض الأفهام: ٢/ ١١٥.","vol":"1","page":41},{"text":"عند حديثه عن خلاف العلماء في رؤية النبي ﷺ لربه ليلة المعراج، فذكر ما أثبته صاحب التحرير من ذلك (^١).\n* الإمام شرف الدين الحسين بن عبد الله الطيبي (٧٤٣ هـ) في كتابه: شرح المشكاة المسمى (الكاشف عن حقائق السنن)، في أكثر من عشرة مواضع، وكذا حكى قوله في إثبات الرؤية في حاشيته على الكشاف (^٢).\n* الإمام شمس الدين محمد بن يوسف الكرماني (٧٨٦ هـ)، في كتابه (الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري) (^٣)، أورد رأيه الذي لم يوافق عليه، وهو استدلاله بقول النبي ﷺ: (أَوْ مُسلِمٌ) على نفي الإيمان عن فلان من المؤلفة قلوبهم، وفي بيان قوله في ﷺ له عن موسى: (جَعْدٌ)، وأنه يحتمل جعودة الشعر، وجعودة الجسم، وهي اكتنازه واجتماعه.\n* الإمام شمس الدين بن المحب الصامت (٧٨٩ هـ)، في كتابه (صفات رب العالمين)، نقله عنه نقلين نفيسين، أحدهما عن دخول الملائكة للبيت الذي فيه تصاوير، والآخر عن حديث الخلق ونفخ الروح من باب القدر، أنقلهما بالحرف لاحقا.\n* الإمام سراج الدين عمر بن علي بن الملقن (٨٠٤ هـ)، في كتابه: (التوضيح في شرح الجامع الصحيح) (^٤)، في معنى (المَعدُوم)، وفي معنى:\n_________\n(^١) تفسير الخازن: ٤/ ٢٠٧.\n(^٢) وهي المسماة: فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب، ينظر: ١٥/ ٨٤.\n(^٣) ينظر: ١/ ١٣٠ - ١٤/ ١٥.\n(^٤) تنظر المسائل بالترتيب: ٢/ ٢٧٩ - ٣/ ٢٠٩ - ٣/ ٢١٢ - ٢٩ - ٥٦٦.","vol":"1","page":42},{"text":" (الوَفْد)، وضبطِ الراء في قوله: (غَير خَزَايَا)، وفي رواية: (الحَنِين) بالحاء المهملة، وفي بيان معنى الأمانة في الحديث، وكذا استشهد، بكلامه في كتابه: (المعين على تفهم الأربعين) (^١)، في تذكير وتأنيث (تملآن)، وفي بيان قوله: (الصَّدَقَةُ بُرهَانٌ).\n* الإمام ولي الدين أبو زرعة أحمد بن عبد الرحيم العراقي (٨٢٦ هـ)، في تتميمه: (طرح التثريب في شرح التقريب) (^٢): ذكره في موضعين، كلاهما صرح بنقلهما عن النووي، وهما: ضبط محل (الجَهد) من الإعراب، وفي ضبط كلمة (سَوْرَة) (^٣) بالراء أو بالدال.\n* الإمام شمس الدين محمد بن عبد الدائم البرماوي (٨٣١ هـ)، في كتابه: (اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح) (^٤): ذكره في مسألة نفي الإيمان عن الرجل من المؤلفة قلوبهم، وفي حكاية الوجهين في (عرَّس) و(أعرس).\n* شهاب الدين أحمد بن حسين بن رسلان (٨٤٤ هـ)، في كتابه: (شرح سنن أبي داود) (^٥): في بيان معنى: (رَضِيتُ بالله)، وفي بيان معنى: (الجُرْم) نقلا عن النووي.\n* الإمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (٨٥٢ هـ)، في كتابه:\n_________\n(^١) ينظر: ص ٢٧٨، ص ٢٨١.\n(^٢) ينظر: ٤/ ١٨٨ - ٧/ ٥٥.\n(^٣) طرح التثريب: ٧/ ٥٥.\n(^٤) ينظر: ١/ ١٩٥ - ١٤/ ٧٠.\n(^٥) ينظر: ٧/ ٣٤٨ - ١٨/ ١٢٣.","vol":"1","page":43},{"text":" (فتح الباري شرح صحيح البخاري) (^١): ذكر قوله في تعيين وفد عبد القيس، واستدرك عليه، وفي إثبات ركوب الأنبياء للبراق، وفي ضبط: (حَوتِيَّة)، وفي بيان معنى: (مِنْ وَرَاءَ وَرَاءَ) في حديث الشفاعة، وفي مد (جَربَاء)، وفي بيان معني الأمانة في الحديث.\n* الإمام بدر الدين محمود بن أحمد العيني (٨٥٥ هـ)، في كتابه: (عمدة القاري شرح صحيح البخاري) (^٢): كذلك في إطلاق لفظ الإيمان، وفي معنى الوفد، وفي تعيين وفد عبد القيس، وفي تصحيف (سَوْرَة)، وفي معنى الجعد.\n* الإمام جلال الدين عبد الرَّحمن بن أبي بكر السيوطي (٩١١ هـ)، ذكره في مواضع من كتبه، يطول إيرادها: في (الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج)، وفي (التطريف في التصحيف)، وفي (عقود الزبرجد)، وفي (التوشيح على الجامع الصحيح)، وكلها نقولات لا تخرج عما أسلفنا ذكره.\n* الإمام شهاب الدين أحمد بن محمد القسطلاني (٩٢٣ هـ)، في كتابه: (إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري) (^٣): ذكره في تعيين وفد عبد القيس، وفي فعل (عرس) بالهمز، وفي بيان الأمانة، وفي قوله في تفسير: (العقال).\nوهكذا تناقل العلماء - وغير من ذكرت كثير - تقريرات صاحب التحرير، وتلقوها بالقبول، وارتضوا اجتهاداته، وأنزلوها منزلة الأقوال والمذاهب المنقولة عن السلف الأولين.\n_________\n(^١) فتح الباري: ١/ ١٣٠ - ٧/ ٢٠٧ - ١٠/ ٢٨١ - ١١/ ٤٣٤ - ١١/ ٤٧٠ - ١٣/ ٤٠.\n(^٢) عمدة القاري: ١/ ١٩٤ - ١/ ٣٠٤ - ١/ ٣٠٨ - ١٣/ ١٣٨ - ١٥/ ٢٤٦.\n(^٣) إرشاد الساري: ٦/ ٤٣٠ - ٨/ ٢٥٨ - ٩/ ٢٧٥ - ١٠/ ٣٠٦.","vol":"1","page":44},{"text":"هل وقف كل هؤلاء العلماء على كتاب التحرير؟\nاستقرأت تلك النقول، وتتبعتها في المصادر التي ذكرت، ثم قارنتها بما نقله الإمام النووي؛ إذ هو أكثرهم وأسبقهم نقلا، فوجدت أن مدارها جميعا عليه في المنهاج، وكنت توهمت أن الإمام الفاكهاني، ممن تفرد بالنقل عنه، لكن تبين أنَّه نقل أيضا بواسطة النووي في شرح المهذب (^١).\nولم أجد أحدا زاد على ذلك شيئا، إلا نقلين نفيسين عند ابن المحب الصامت في صفات رب العالمين، فصح نقله عن الكتاب من غير واسطة، وذلك في موضعين:\n* حديث نفخ الروح: ٢٦٤٤، فقد نقل عنه قوله: (ووجه الجمع بين خبر ابن مسعود وبين خبر حذيفة بن أسيد، أن التصوير يكون عند انقضاء ثنتين وأربعين ليلة، ونفخ الروح يكون بين انقضاء أربعة أشهر من وقت وقوع النطفة في الرحم) (^٢)، وهذا النقل من المواضع المفقودة من الكتاب.\n* حديث دخول الملائكة للبيت الذي فيه تصاوير برقم: ٢١٠٧، فقد نقل عنه أن هذا خاص بملائكة الوحي، وأن الملكين الموكلين بالإنسان فيدخلان معه كل موضع، ثم قال: (حكاه إسماعيل التيمي في شرح مسلم) (^٣)، وهو نص ثابت في هذا الشرح بلفظه.\nوعلى هذا يكون كتاب التحرير في شرح مسلم للإمام الأصبهاني، كتابا\n_________\n(^١) المجموع في شرح المهذب: ٣/ ٢٩٨، ويتعلق الأمر بنقله عنه في بيان معنى: (الله أكبر).\n(^٢) صفات رب العالمين: ٢٩٨.\n(^٣) صفات رب العالمين: ٣٤٣.","vol":"1","page":45},{"text":"عزيزا فريدا نادرا، لم يقف عليه - حسب هذا الاستقراء - إلا الإمام النووي، وابن المحب الصامت، ولم ينقل عنه غيرهما، حتى من عرف منهم بالتتبع والتحقيق كابن حجر ﵀، ومن عرف منهم بالإحاطة وتنوع الموارد كالسيوطي ﵀.\nوحتى نَقلُ النووي عن الكتاب يطرح إشكالا كبيرا، فقد كثر عنده النقل في كتاب الإيمان، ثم قل وانعدم في بقيتها، إلا كتاب الفضائل فقد تعدد فيه النقل من جديد، فهل يكون الإمام النووي؛ إنما وقف على أجزاء متفرقة منه؟ أم الأمر راجع إلى منهجيته في النقل؟ لا نستطيع الجزم بشيء.\n\n<span data-type='title' id=toc-14>المطلب الرابع مناقشة العلماء لاجتهاداته وتعقيبهم عليه</span>\nما زال العلماء يعقب بعضهم على بعض، ويستدرك بعضهم على بعض، وقد كانت عائشة ﵂ تستدرك على الصَّحابة، وكذلك العلماء عبر التاريخ، وذلك في حد ذاته اعتراف بالسبق والمكانة، كما قال الشاعر:\nمَن ذَا الَّذي تُرضى سَجاياه كلّها … كَفَى المرءَ نُبلًا أَن تُعَدَّ مَعَايِبُه (^١)\nسأحاول أن أنقل هاهنا؛ المواضع التي ناقش العلماء فيها اجتهادات الأصبهاني، واستدركوا فيها على اختياراته:\n١ - حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (مَن لَقِيتَ مِن وَرَاءِ هَذَا الحَائِطِ يَشْهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُستَيقِنًا بِهَا قَلْبُهُ، فَبَشِّرهُ بِالجَنَّةِ) (^٢)، وفيه: (فَإِذَا رَبِيعٌ\n_________\n(^١) ينسب إلى أبي يزيد المهلبي، ينظر الحماسة البصرية: ٢/ ١٢٤٧.\n(^٢) عند مسلم في كتاب الإيمان برقم: ٣١.","vol":"1","page":46},{"text":"يَدخُلُ فِي جَوفِ حَائِطِ مِن بِئرٍ خَارِجَةٍ)، اختلف في ضبط (بئر خارجة) على ثلاثة أوجه، ذكرها الأصبهاني:\n* بِئْرٍ خَارِجَةٍ، فتكون صفة للبئر.\n* بِئْرٍ خَارِجَهُ، بهاء الضمير.\n* بِئْرِ خَارِجَةَ، بالإضافة على أن خارجةَ اسم رجل، وهو اختيار الأصبهاني حيث قال: (وَالبِئرُ يَعنُونَ بِهَا البُستَانَ، وَكَثِيرًا مَا يَفْعَلُونَ هَذَا فَيُسَمُّونَ البَسَاتِينَ بِالآبَارِ الَّتِي فِيهَا، يَقُولُونَ بِئرُ أَرِيسٍ، وَبِئرُ بُضَاعَةَ، وَبِئْرُ حَاءٍ وَكُلُّهَا بَسَاتِينُ) (^١).\nعقب النووي ﵀ على اختياره فقال: (هَذَا كَلامُ صَاحِب التَّحْرِيرِ، وَأَكثَرُه أو كلُّه لَا يُوافَقُ عَلَيْهِ وَاللهُ أَعلَم، واختار الأول، وهو ما عليه القاضي عياض أيضا (^٢)، وما أثبته ابن الصلاح من الأصل بخط أبي عامر العبدري عن الجلودي (^٣)، وأسند ابن الصلاح إلى أبي موسى المديني الأصبهاني هذه الأوجه الثلاثة المذكورة.\n٢ - في نفس حديث أبي هريرة في قوله: (فَاحْتَفَزتُ كَمَا يَحتَفِزُ الثَّعْلَبُ)، اختلف الرواة هل هو بالزاي أم بالراء، والذي اختاره الأصبهاني أنه بالراء، قال النووي متعقبا: (وأمَّا صَاحِبُ التَّحرير فأنكرَ الزَّايَ وخطَّأ رُواتِها، واختَارَ الرَّاءَ، وليسَ اختِيارُه بمُختَارٍ واللهُ أعلَم) (^٤)، والذي اختاره الأصبهاني هو رواية عامة\n_________\n(^١) شرح النووي: ١/ ٢٣٥، وهو من الجزء المفقود من الكتاب.\n(^٢) مشارق الأنوار: ٢/ ٣٥٧.\n(^٣) صيانة صحيح مسلم: ص ١٨٨.\n(^٤) شرح مسلم: ١/ ٢٣٦.","vol":"1","page":47},{"text":"الرواة، قال القاضي عياض: (كذا هوَ عِند السَّمَرقَندِي بالزَّاي، وعندَ كافَّتهم بالرَّاء المُهمَلة، والأوَّلُ هو الصَّواب، ومعناه تَضَامَمْتُ واجتَمَعتُ) (^١).\nوقال ابن الصلاح: (هوَ بالرَّاءِ المُهمَلَة محقَّقًا فِي الأَصلِ المَأخُوذِ عَنِ الجَلودِي وَالأَصلِ الَّذِي بِخَط العَبدَرِي، وَهِي الرِّواية الأكثَر) (^٢)، لكن يرى أن الأقرب من حيث المعنى رواية الزاي.\n٣ - حديث سعد قال: قسم رسول الله ﷺ قَسما، فقلت: يا رسول الله، أعط فلانا فإنه مؤمن، فقال النبي ﷺ: (أَوْ مُسلِمٌ)، أقولها ثلاثا، ويرددها عليَّ ثلاثا: (أَوْ مُسلِمٌ)، الحديث (^٣).\nاستدل الأصبهاني بقول ﷺ: (أَوْ مُسلِمٌ) على أن ذلك الرجل لم يكن مؤمنا، ونوزع في ذلك، على أن المراد هو ترك القطع له بالإيمان، لأن الإيمان من أعمال الباطن، وأما الإسلام فمعلوم بحكم الظاهر، حتى قالوا إنما تركه النبي ﷺ ولم يعطه لأنه وكله إلى إيمانه، ﷺ بعد ذلك: (إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ، وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ)، لذلك خطأ النووي ما ذهب إليه الأصبهاني فقال: (وقَد زَعمَ صاحِبُ التَّحريرِ أَنَّ فِي هذا الحَديثِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الرَّجِلَ لَم يَكُن مُؤْمِنًا ولَيسَ كَمَا زعمَ بَل فيهِ إشارَةٌ إِلَى إيمانِهِ) (^٤).\n٤ - حديث بدء الوحي (^٥)، وفيه: (وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ)، اختلف في المقصود\n_________\n(^١) مشارق الأنوار: ١/ ٢٠٨.\n(^٢) صيانة صحيح مسلم: ص ١٩٠.\n(^٣) رواه مسلم برقم: ١٠٥.\n(^٤) شرح مسلم: ٢/ ١٨١.\n(^٥) عند مسلم برقم: ١٦٠.","vol":"1","page":48},{"text":"بالمعدوم، على وجهين:\n* المال النفيس النادر: ثم اختلفوا في المراد، فقيل: تعطي غيرك المال المعدوم تبرعا، وقيل: تُحَصِّلُ المال العظيم الذي يعجز عنه غيرك ثم تجود به في وجوه الخير، وهذا اختيار النووي.\n* الفقير المُعدمُ العاجز عن الكسب: فسمي معدوما لأنه كالميت.\nوالذي قواه ورجحه الأصبهاني هو التفسير الأخير، وإلى ذلك مال الخطابي أيضا، غير أنَّه قال: (صَوَابه: وَتكسِبُ المُعدِم) (^١)، فتعقبه الأصبهاني، وخطَّأه روايةً فقال: (مَا رَواهُ الرُّوَاة صوابٌ)، ووافقه درايةً، فقال: (تَكسِبُ المَعدُومَ أَي: تَسعَى فِي طَلَبِ عَاجزٍ تُنعِشُه، وَالكَسْب هو الاسِتفَادةُ).\nويظهر أن ابن حجر اقتنع بتوجيه الأصبهاني رواية ودراية، لذلك قال: (قُلتُ ولا يَمتنِعُ أَن يُطلَقَ عَلَى المُعدِم المعدُوم لكَونه كالمعدُومِ الميِّت الَّذِي لا تصرُّفَ لَهُ، وَالكَسبُ هُو الاستِفَادةُ) (^٢).\nوأما النووي فلم يرتض هذا التفسير، ورأى أن تفسيره بالمال أولى وأرجح، قال: (وَهذَا الَّذِي قَاله صَاحِبُ التَّحريرِ وَإن كانَ لهُ بَعضُ الاتِّجَاهِ كَما حرَّرتُ لفْظَه فَالصَّحِيحُ المُختَارُ مَا قدَّمتُه وَالله أَعلَم) (^٣)، وهذا تعقيب لطيف، ورد رفيق، لأن مذهب الأصبهاني له وجهه، إن لم نقل إنه الأنسب سياقًا، والأبلغ معنى.\nالأنسب سياقا، لأن خديجة ﵂ تتحدث عن جود النبي ﷺ وكرمه\n_________\n(^١) أعلام الحديث: ١/ ١٢٩.\n(^٢) فتح الباري: ١/ ٢٤.\n(^٣) أعلام الحديث: ١/ ١٢٩.","vol":"1","page":49},{"text":"المتعدي إلى الغير، فإنه يصل الرحم، ويحمل الكلَّ، ويقري الضيف، فالأشبه أن يكون المعدوم غيرا، وقد تنبه النووي لهذا، فغلَّط من فسره بمجرد كسب المال، فقال: (وأيُّ معنًى لهذا القَولِ في هذا المَوطِن) ثم أضاف إضافة حتى ينصلح المعنى، فقال: (إلَّا أنَّه يُمكن تصحِيحُه بِأن يُضم إليه زيادةٌ فيكون معناهُ: تَكسِبُ المالَ العَظيمَ الذِي يَعجزُ عنه غيرُك، ثمَّ تَجودُ، به في وُجوهِ الخيرِ وأبوَابِ المَكَارِم)، حتى ينسجم مع سابقه فقال: (كَمَا ذكَرَتْ منْ حمل الكَلِّ، وصِلةِ الرَّحم، وقِرَى الضَّيفِ، والإِعَانةِ على نوائِبِ الحَقّ) (^١)، فآل معنى كلامه في النهاية إلى ما قرره الأصبهاني.\nوأما كونه الأبلغ معنى، فقد وضحه التُّورِبِشتِي حيث قال: وأَجرَاهَا بعضُهم عَلَى الاتِّسَاعِ، فَرَأَى أَنَّه أَنزَلَ العَائِلَ مَنزِلَةَ المَعدُومِ مُبالغةً في العَجْزِ، كَقولِكُ للبخيلِ أو الجبانِ: ليسَ بِشيءٍ) (^٢).\n٥ - حديث عائشة، وفيه قولها: (مَا عَدَا سَوْرَةً مِنْ حِدَّةٍ كَانَتْ فِيهَا، تُسْرِعُ مِنْهَا الْفَيْئَةَ) (^٣)، وحديثها عن زينب ﵁ تمدحها، وتقصد أنَّها لا تنكر عليها شيئا، إلا حدَّة في طبعها، ومع ذلك تفيء وتهدأ سريعا، وسياق الكلام يزكي هذا المعنى.\nلكن الأصبهاني ﵀ صحف لفظ: (سَوْرَة) إلى (سَوْدَة)، فصار المعنى عنده: (أي: لم أَرَ امْرَأَةً قطُّ خيرًا في الدَّينِ مِن زَينَبَ، ثُمَّ استَثنَت من ذلك سودةَ بنتَ زمعة) (^٤)، قال النووي منبها: (وَقَد صحَّفَ صاحِبُ التَّحريرِ فِي هَذا الحديثِ\n_________\n(^١) شرح مسلم: ٢/ ٢٠١.\n(^٢) الميسر في شرح مصابيح السنة: ٤/ ١٢٦٣.\n(^٣) رواه مسلم برقم: ٢٤٤٢.\n(^٤) ص ٥٤٩ من هذا الكتاب (التحرير).","vol":"1","page":50},{"text":"تَصحِيفًا قَبيحًا جدًّا فقالَ: مَا عدَا سَودَة بالدَّال وَجَعَلَهَا سَودَةَ بِنتَ زَمعةَ وهَذَا مِنَ الغلط الفاحِش نبَّهتُ عَليهِ لئَلَّا يُغتَرَّ بهِ) (^١)، وقال العيني: (وهُوَ ظَاهِرُ الغَلط) (^٢).\n٦ - في حديث وفد عبد القيس، ذكر الأصبهاني أنهم أربعة عشر رجلا، وسمى منهم رجالا، ثم قال: (وَلَم نَعثُر بَعدَ طُولِ التَّتبُّع على أَسماءِ البَاقِين) (^٣).\nفاجتهد ابن حجر في تتبع الستة الباقين وهم: عقبَة بنَ جَروَةَ، وقَيسُ بنُ النُّعمانَ العَبديُّ، والجهمُ بنُ قُثَمٍ، والرُّستُم العَبديِّ، وجُوَيريَةُ العَبديُّ، والزَّارِعُ بنُ عَامِرٍ العَبدِيُّ، وكذا استدل على عددهم، ووفق بين قول صاحب التحرير إنهم أربعة عشر، وما صُرِّح به في بعض الروايات أنهم أقل من ذلك أو أكثر، ثم قال: (وَإِنَّما أطَلتُ فِي هَذا الفَصلِ لِقولِ صَاحِبِ التَّحرِيرِ إِنَّهُ لَمْ يَظفَر بَعدَ طُولِ التَّتَبّع إِلَّا بِمَن ذَكرَهُم) (^٤).\nوهذه أمثلة تبين مدى المكانة العلمية للإمامين الأصبهانيين، وكيف أسهمت اجتهاداتهما في إثراء النقاش الفقهي الحديثي، بغض النظر عن الراجح والمرجوح، وأشير قبل غلق هذا المبحث إلى أن كل هذه الأمثلة التي أوردناها، هي من تحرير الأصبهاني الابن سوى المثال الخامس فهو للأب.\n* * *\n_________\n(^١) شرح مسلم: ١٥/ ٢٠٦.\n(^٢) عمدة القاري: ١٣/ ١٣٨.\n(^٣) شرح النووي: ١/ ١٨١.\n(^٤) فتح الباري: ١/ ١٣١.","vol":"1","page":51},{"text":"<span data-type='title' id=toc-15>المبحث السادس موضوعه وسياقه التاريخي</span>\nأنزل الله ﷾ كتابه العزيز ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥]، وجعل نبيه الكريم ﷺ أفصح العرب لسانا، وأبلغهم بيانا، قال سبحانه: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، ولهذا فلا يمكن إدراك معاني الوحيين، ولا فهم مقاصد الشريعة، إلا بمعرفة اللغة العربية، قال الشاطبي ﵀: (فَإِذَا فَرَضْنَا مُبْتَدِئًا فِي فَهم العَرَبِيَّةِ فَهُوَ مُبْتَدِئٌ فِي فَهم الشَّرِيعَةِ، أَو مُتَوَسِّطًا؛ فَهُوَ مُتَوَسِّطٌ فِي فَهم الشَّرِيعَةِ وَالمُتَوَسِّطُ لَم يَبْلُغَ دَرَجَةَ النِّهَايَةِ، فَإِنِ انتَهَى إِلَى دَرَجَةِ الغَايَةِ فِي العَرَبِيَّةِ كَانَ كَذَلِكَ فِي الشَّرِيعَةِ) (^١).\nولما كان الصحابة أهل عربية أصلا وانتسابا، وتحدثوها وفهموها فطرة وسليقة، وارتضعوا أنساقها وأوضاعها ووجوهها، كما ارتضعوا حليب أمهاتهم، فإنهم كانوا أسلم الناس فهما، وأعلم الخلق بمراد الله ومراد رسوله ﷺ، وكذلك التابعون، وحذاق الأئمة المجتهدون.\nولما اتسعت رقعة الإسلام، وبلغت دعوته المشرق والمغرب، ودخل في دين الله أفواج العجم، تفطن العلماء إلى ضرورة حفظ اللغة العربية وتقعيدها، لأنها بوابة الدين، وسياج الشريعة، فظهرت مصنفات الأئمة في مختلف جوانبها وعلومها، أبرزها كتب معاجم اللغة.\n_________\n(^١) الموافقات: ٥/ ٥٣.","vol":"1","page":52},{"text":"ومن هذه العلوم؛ علم غريب الحديث، فمنذ أواخر القرن الثاني الهجري، ظهرت جهود حثيثة لخدمة الشريعة من هذا الجانب، وقد نُسب التصنيف في ذلك لمجموعة من جهابذة اللغة، كالنضر بن شُمَيلٍ (٢٠٣ هـ)، وقُطرُب (٢٠٦ هـ)، وأبي عُبَيدة معمر بن المثنى (٢١٠ هـ)، وأبي زيد الأنصاري (٢١٥ هـ)، والأصمعي (٢١٦ هـ)، وغيرهم (^١).\nغير أن عمدة هذا الفن، ومرجعَ اللاحقين بعدُ، هو كتاب: (غريب الحديث لأبي عبيد القاسم بن سلام (٢٢٤ هـ)، قال ابن قتيبة: (وَقَد كَانَ تعرُّفُ هَذَا وَأَشبَاهِه عَسِيرًا فِيمَا مَضَى عَلَى مَن طَلَبَه؛ لِحَاجَتِهِ إِلَى أَن يَسأَلَ عَنْهُ أَهْلَ اللُّغَة؛ وَمَن يَكمُلُ مِنهُم؛ لِيُفَسِّرَ غَرِيبَ الحَدِيثَ، وَفَتْقُ مَعَانِيهِ وَإِظْهَارُ غَوَامِضِه قَلِيلٌ، فَأَمَّا زَمَانُنَا هَذَا، فَقَد كُفِي حَمَلَةُ الحَدِيثِ فِيهِ مُؤنَةَ التَّفْسِيرِ وَالبَحثِ، بِمَا أَلَفَهُ أَبُو عُبَيدِ القَاسِمُ بنُ سَلَّامٍ) (^٢).\nثم نسج على منواله عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (٢٧٦ هـ)، متعقبا إياه، ومستدركا عليه، وسمى كتابه كذلك: (غريب الحديث)، فكان على شاكلته منزلة وعلما.\nولما طبقت شهرة الكتابين الآفاق، وانتشرا في بلاد الأندلس، انتدب الإمام السرقسطي العوفي (٣٠٢ هـ) نفسه للتذييل عليهما، واستدراك ما فاتهما، وسماه (الدلائل في غريب الحديث)، قال أبو الربيع بن سالم: (وَمِن تَآلِيفِ بِلَادِنَا كِتَابُ الدَّلائِلِ فِي الغَرِيبِ، مِمَّا لَم يَذكُرهُ أَبو عُبَيدٍ وَلَا ابن قُتيبَةَ) (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: حركة التأليف في غريب الحديث، ضمن كتاب منهج ابن الأثير في النهاية: ص ٦.\n(^٢) غريب الحديث لابن قتيبة: ١/ ١٥٠.\n(^٣) سير أعلام النبلاء: ١٤/ ٥٦٣.","vol":"1","page":53},{"text":"وقبل تمام القرن الرابع الهجري ظهر كتابان نفيسان، لا يستغنى عنهما بمن سبقهما، بل يرومان إتمام مسيرة الاستدراك والإكمال والتجويد، أولهما: (غريب الحديث لأبي سليمان الخطابي (٣٨٨ هـ)، الذي تتبع كتابي أبي عبيد وابن قتيبة، وشرح ما فاتهما.\nوثانيهما: (كتاب الغريبين في القرآن والحديث) لأبي عبيد أحمد بن محمد العبدي الهَرَوِيّ (٤٠١ هـ)، ورام فيه جمع ما في الكتب السابقة وزيادة، ورتبه على ترتيب المعجم، ولم يسبق إلى ذلك.\nوظل كتاب الغريبين في القرن الخامس الهجري وما بعده، عمدة هذا الفن ومنتهى هذا العلم، ومادة المصنفين والدارسين وعلى منواله صنف الإمام الزمخشري (٤٣٨ هـ) كتابه الفائق)، وعمد أبو موسى المديني (^١) (٥٨١ هـ) إلى تتبعه واستدراك ما فاته في كتابه: (المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث).\nوكذا فعل أبو الفرج بن الجوزي (٥٩٧) هـ)، فقد قصد بكتابه: (غريب الحديث) الاستدراك على الغريبين، قال في مقدمته: (وَرَأَيْتُهُ قَد أَخَلَّ بِأَشْيَاءَ وَذَكَرَ أَشْيَاءَ لَيسَت بِغَرِيبَةٍ، فَلَا تَحتَاجُ إِلَى تَفسِيرٍ، فَرَأَيْتُ أَن أَبذُلَ الوُسعَ فِي جَمعِ جَمِيعِ غَرِيبٍ حَدِيثِ رَسُولِ الله ﷺ وَأَصحَابِهِ وَتَابِعِيهم) (^٢).\nوهكذا استمرت حركة التصنيف والإفادة والاستدراك، إلى أن جاء ابن الأثير الجزري (٦٠٦ هـ)، فألف كتابه: (النهاية في غريب الحديث)، وهو كتاب\n_________\n(^١) وهو التلميذ المقرب لقوام السنة.\n(^٢) غريب الحديث له: ١/ ٤.","vol":"1","page":54},{"text":"له من اسمه أوفر نصيب، فحاول أن يجمع ما تفرق في ما سبق، وترسَّم خطى أبي عبيد في الغريبين، وأبي موسى في المجموع المغيث.\nوبموازاة مع حركة التصنيف في الغريب، اهتم الفقهاء من علماء الإسلام بشرح دواوين السنة، وبيان ما انطوت عليه من العقائد والفقه والأحكام، وكانت كتب الغريب بالنسبة لهم كالمفاتيح، إذ لم يتوقفوا عند امتلاكها، واطلاعهم عليها، وسماعها، وروايتها بل استثمروها، واستثمروا غيرها من القواعد والأصول وعلوم الآلة، فصنفوا في الفقه والتفسير والعقيدة والحديث.\nوأول من صنف في شرح كتاب مخصوص من كتب السنة الستة، هو الإمام أبو سليمان الخطابي (٣٨٨ هـ)، بكتابين نفيسين، وهما: أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري، ومعالم السنن في شرح سنن أبي دواد.\nثم ألف أبو جعفر أحمد الداودي التلمساني (٤٠٢ هـ)، كتاب النصيحة في شرح صحيح البخاري، وهو في حكم المفقود، وفي نهاية القرن الخامس وبداية القرن السادس الهجريين، ظهرت لأول مرة شروح صحيح الإمام مسلم.\nومن بين هذه الشروح كتاب: (التحرير في شَرحِ مُسلِم)، وهو شرح حاول فيه صاحبه - الذي كان إماما في اللغة والفقه - أن يسلك المسلكين معا، وأن يجمع في كتابه بين تفسير الغريب وفقه الحديث، وبين الغريبين لأبي عبيد، ومعالم الخطابي، إذ جعلهما من أهم مصادره في الكتاب.\nفالإمام الأصبهاني أراد بكتابه هذا؛ أن يسهم في الحركة العلمية، بالتصنيف على هذا الوجه المخصوص، الذي لم يسبقه إليه أحد من شراح مسلم،","vol":"1","page":55},{"text":"وهو الجمع بين الفنين، على نحو من الابتكار والإبداع، فإنه كلما تقدم الزمن بالتأليف؛ قل الاستدراك في المادة العلمية، واتجه أكثرَ إلى الترتيب والتنظيم وحسن التصنيف.\nوحتى نتعرف أكثر على هذا الكتاب، نخصص الفصل الموالي - من هذه الدراسة - للحديث عن منهج المؤلف في كتاب التحرير.\n* * *","vol":"1","page":56},{"text":"<span data-type='title' id=toc-16>الفصل الثاني منهج الإمام الأصبهاني في التحرير</span>\n* المبحث الأول: التبويب والترتيب وعدد الأحاديث.\n* المبحث الثاني: منهجه في شرح الحديث.\n* المبحث الثالث: تقريراته العلمية في الكتاب.\n* المبحث الرابع: مصادر المؤلف في الكتاب.\n* المبحث الخامس: مقارنة بين كتاب التحرير ونظرائه.","vol":"1","page":57},{"text":"<span data-type='title' id=toc-17>المبحث الأول التبويب والترتيب وعدد الأحاديث</span>\n<span data-type='title' id=toc-18>المطلب الأول تبويبه وترتيبه</span>\nصحيح مسلم؛ من المصنفات الحديثية المتقنة الصنعة، والمحكمة الترتيب، قال الزركشي ﵀: (اختَصَّ مُسلِمٌ بِأَنَّهُ أَحسَنُ الْأَحَادِيثِ مَسَاقًا، وَأَكمَلُ سِيَاقًا، وَأَقَلُّ تَكرَارًا، وَأَتَقَنُ اعْتِبَارًا، بِجَمعِهِ طُرُقَ الحَدِيثِ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ إِسْنَادًا وَمَتنًا، فَيَذكُرُ المُجمَلَ ثُمَّ المُبَيِّنَ لَهُ، وَالمُشكِلَ ثُمَّ المُوَضِّحَ لَهُ، وَالمَنسُوخَ ثُمَّ النَّاسِخَ لَهُ، فَيَسهُلُ عَلَى الطَّالِبِ النَّظَرُ فِي وُجُوهِهِ) (^١)، وهذ الذي حدا ببعض العلماء إلى تقديم مسلم على غيره.\nذلك ومع وقع اختلاف شديد، واضطراب كثير في تبويبات مسلم، وهذا الاختلاف إنما يتعلق بصياغتها ووضع تراجمها وإلا فإن مسلما قد رتب صحيحه، وصنعه على هيئة التبويب، ولكنه لم يضع تراجمه، لذلك قال ابن الصلاح ﵀: (إِنَّ مُسلِمًا ﵀ وَإِيَّانَا رَتَّبَ كِتَابَهُ عَلَى الْأَبْوَابِ، فَهُوَ مُبَوَّبٌ فِي الحَقِيقَةِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَذكُر فِيهِ تَرَاجِمَ الأَبْوَابِ، لِئَلَّا يَزدَادَ بِهَا حَجمُ الكِتَابِ، أو لِغَيرِ ذَلِكَ) (^٢).\n_________\n(^١) النكت على مقدمة ابن الصلاح: ١/ ١٦٧.\n(^٢) صيانة صحيح مسلم: ص ١٠٣.","vol":"1","page":59},{"text":"فمن ترجم إذن أبواب مسلم؟ قال النووي ﵀: (وَقَد تَرجَمَ جَمَاعَةٌ أَبْوَابَهُ بِتَرَاجِمَ بَعضُهَا جَيِّدٌ، وَبَعضُهَا لَيسَ بِجَيِّدٍ، إِمَّا لِقُصُورٍ فِي عِبَارَةِ التَّرجَمَةِ، وَإِمَّا لِرَكَاكَةِ لَفظِهَا، وَإِمَّا لِغَيرِ ذَلِكَ)، فيكون جماع المسألة أن مسلما ﵀ هبوب صحيحه من غير تراجم، فاجتهد الرواة والشراح والنساخ في صنعها منذ زمن المؤلف، إلى أن استقرت عند النووي، ولعل الباعث على إهمالها، ليس مجرد الخوف من التطويل، بل لعله كره إقحام فقهه وآرائه في الصحيح لأن التراجم لا تكاد تنفك عن فقه، واضعها، ولسبب آخر نشير إليه بعد، فترَك ذلك للناس.\nولو شئنا أن نعقد مقارنة بين تبويبات صاحب التحرير وغيره، كالفارسي في المفهم والقاضي في الإكمال والقرطبي في المفهم، والنووي في المنهاج (^١)، فإننا لا نكاد نجد توافقا في صياغة التراجم، لكن نسجل ما يلي:\n١ - باستثناء عبد الغافر الفارسي الذي اكتفى بالكتب دون الأبواب، فإن صاحب التحرير أقل هؤلاء في عدد الأبواب، والقرطبي أقربهم إليه، ويمكن ملاحظة ذلك في الجدول الآتي، الذي أدرجت فيه بعض الكتب من باب التمثيل:\n_________\n(^١) اعتمدت في هذه المقارنة، طبعة فؤاد عبد الباقي لصحيح مسلم، وطبعة يحي إسماعيل لإكمال المعلم، عن دار الوفاء مصر، وطبعة محي الدين مستو وآخرين لمفهم القرطبي عن دار ابن كثير دمشق، وطبعة مشهور الحرازي لمفهم الفارسي، عن دار أسفار (وفقها الله)، الكويت، وطبعة مازن السرساوي لمنهاج النووي؛ عن دار المنهاج القويم؛ سوريا.","vol":"1","page":60},{"text":" <table dir=rtl> <tr> <th>الكتاب </th> <th>التحرير للأصبهاني </th> <th>صحيح مسلم </th> <th>المفهم للفارسي </th> <th>الإكمال لعياض </th> <th>المفهم للقرطبي </th> <th>المنهاج للنووي </th> </tr> <tr> <td>الزكاة </td> <td>٢٨ </td> <td>٥٥ </td> <td>- </td> <td>٥٥ </td> <td>٣٠ </td> <td>٣٤ </td> </tr> <tr> <td>الصيام </td> <td>٢٨ </td> <td>٤٤ </td> <td>- </td> <td>٤٤ </td> <td>٢٩ </td> <td>٣٤ </td> </tr> <tr> <td>الحج </td> <td>٦٠ </td> <td>٩٧ </td> <td>- </td> <td>٩٧ </td> <td>٦٣ </td> <td>٩٤ </td> </tr> <tr> <td>الجهاد </td> <td>٧٥ </td> <td>١٠٧ </td> <td>- </td> <td>١٠٧ </td> <td>٧٤ </td> <td>١٠٠ </td> </tr> </table>\nملحوظة دمج المؤلف بين كتابي الصوم والاعتكاف، وكذلك بين الجهاد والإمارة، وفصل بينها الباقون، وقد راعيت ذلك في العد، حتى تكون المقارنة أكثر تعبيرا.\n٢ - من نتائج هذه المقارنة أن النووي ﵀، اعتمد بشكل كامل على ما ورد في تبويب القاضي عياض ﵀، وعمد إلى الاستغناء عن بعضها، ودمج بعضها، في بعض، وإعادة صياغة بعضها، وأما تبويبات الأصبهاني والقرطبي، فمختلفة تماما فيما بينها، وكذلك بمقارنتها مع تبويبات غيرهما، إلا من حيث الإجمالُ والعموم.\n٣ - في صياغة تراجم الكتب والأبواب: عند صاحب التحرير ما يوافق إلى حد كبير ما عند الفارسي في المفهم، فتُسبق عندهما -غالبا- بـ (مِنْ) التبعيضية، وقبلها الواو الدالة على الاستئناف، وأحيانا قليلة تتخلف هذه القاعدة، إما بإهمال الواو أو بإهمالهما معا، وهي عند الأصبهاني وفق ما يلي (^١):\n_________\n(^١) لا نستطيع عقد مقارنة إحصائية دقيقة، بسبب عدم اكتمال كتاب التحرير، فلا يمكن التخمين بعدد الكتب السابقة وبطبيعة تراجمها.","vol":"1","page":61},{"text":"ومن كتاب كذا … من كتاب كذا … كتاب كذا … مجموع الكتب\n١٩ كتابا … كتابان اثنان … ٧ كتب … ٢٨ كتابا\nوعندهما أيضا ورد التبويب بـ (حديث كذا): عند الأصبهاني في ثلاثة مواضع، وهي الأحاديث الطوال: (ذكر حديث أم زرع -ومن باب حديث الغار- ومن باب حديث الإفك)، وعند الفارسي في موضعين: حديث أم زرع، وحديث الإفك.\n* مناقشة:\n١ - اختلاف التراجم عند هؤلاء الأئمة؛ دليل على أن الإمام مسلما ﵀ لم يبوب، وإنما ترك ذلك لما سنذكره لاحقا، فبوب العلماء بعده للتقريب والتيسير على الناس.\n٢ - الإمام مسلم ﵀ عمد إلى ترتيب صحيحه ترتيبا يراعي جمع الأسانيد المختلفة للحديث الواحد، أكثر من مراعاة الوحدة الموضوعية، وبصيغة مختلفة: مراعاة الأسانيد بذكرها في مكان واحد دون تكرار؛ يضعف وحدة الموضوع، ويجعل ترتيبه على الفقه والأحكام أمرا في غاية الصعوبة، وإلى هذا ألمح الدكتور نور الدين عتر؛ حيث قال: (وَذَلِكَ أَنَّ مُسلِمًا لَم يَقصِد فِقهُ الحَدِيثِ، بَل قَصَدَ لإِبْرَازِ الفَوَائِدِ الإِسْنَادِيَّةِ فِي كِتَابِهِ، لِذَلِكَ فَإِنَّهُ يَروِي الحَدِيثَ فِي أَنسَبِ المَواضِعِ بِهِ، وَيَجْمَعُ طُرُقَهُ وَأَسَانِيدَهُ فِي ذَلِكَ الموضع) (^١).\nوإنما كرر البخاري ﵀ الأحاديث؛ إيثارا منه للترتيب الفقهي، فأمكنه\n_________\n(^١) منهج النقد في علوم الحديث: ص ٢٥٤.","vol":"1","page":62},{"text":"بذلك أن يترجم الأبواب، وكذلك فعل، فإذا اتضح هذا المعنى، ظهرت عبقرية الإمام مسلم الفذة، وحكمته البالغة في عدم التبويب، وأن من رام ذلك وقع في تكلف لمخالفته طبيعة الترتيب الذي وضعه صاحبه، ولهذا قال السيوطي ﵀: (وَكَانَ الصَّوَابُ تَركُ ذَلِكَ، وَلِهَذَا تَجِدُ النُّسَخَ القَدِيمَةَ لَيسَ فِيهَا أَبَوَابُ البَتَّةَ) (^١).\nوحتى عندما اجتهد العلماء في تبويبه، تيسيرا على طالب الفقه، لم تكن تلك سهلة يسيرة، فشاب المحاولات الأولى شيء من التكلف، والقصور، والتكرار ونحو ذلك، ما اضطرهم أحيانا إلى التقديم والتأخير، كما اعترف بذلك الإمام القرطبي، وهو من العلماء الذين خدموا صحيح مسلم، وأسهموا في الترجمة لأبوابه، قال ﵀: (وربما قدَّمت بعض الأحاديث وأخَّرتُ حيثما إليه اضطررت؛ حرصًا على ضمّ الشيء لمشاكله؛ وتقريبًا له على مُتَناوله) (^٢).\nولعل تبويبات التحرير في شرح مسلم، من الاجتهادات الأولى في هذا الاتجاه، سواء كانت من المؤلف، أو كانت منقولة من نسخ وروايات سابقة، وهي تراجم تتسم -في عمومها- بما يلي:\n* صياغتها بألفاظ قريبة، تبين عن معاني الأحاديث الواردة تحتها بشكل جد مبسط، كقوله مثلا: باب مقدار ما تجب فيه الزكاة باب الدعاء لصاحب الطعام .. ونحو ذلك، وهو الغالب على تراجمه.\n* بعضها يحمل أحكاما تكليفية ظاهرة، كقوله: باب كراهية الإمارة لمن سألها باب النهي عن الحلف بغير الله باب تحريم بيع الخمر باب إباحة النظر\n_________\n(^١) الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج: ص ٧٥.\n(^٢) المفهم ١/ ١٠٥.","vol":"1","page":63},{"text":"إلى المرأة قبل النكاح … ونحو ذلك.\n* بعضها لا يفصح عن حكم تكليفي، كقوله: باب ما جاء في الاغتسال للمحرم باب القبلة للصائم باب العدوى والطيرة، ونحو ذلك.\n* الترجمة أحيانا بنصوص الوحيين، كقوله: باب قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ باب: لا تسبوا الدهر باب: لا تقاطعوا ولا تدابروا باب: لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ونحو ذلك.\nويمكن أن ينتقد على هذه التراجم بالتالي:\n* كون بعضها غير منسجم مع الكتاب، فيحتاج مزيد بيان دفعا للالتباس، كقوله في كتاب الزكاة: باب طلب الولاية، وفيه أيضا: باب الخوارج.\n* التكرار في الترجمة، وحصل ذلك في قوله: باب الدجال، وفي موضع آخر: باب في ذكر الدجال.\n* عدم مناسبة الترجمة لجميع أحاديث الباب، ويصعب الحسم في هذه النقطة، لأن المؤلف لم يستوعب كل الأحاديث بالشرح، لكن حصل ذلك في الكتب فقد وقع فيها شيء من الدمج، كدمج أكثر كتاب الطلاق في كتاب الرضاع، ودمج كتاب الذكر والتوبة والفتن في كتاب العلم، فجعلها واحدًا.\nوعلى كل حال، فهذه التراجم تؤرخ لمسيرة التبويب التي بدأت منذ ألَّف الإمام مسلم كتابه، ورواه عنه الجم الغفير من العلماء والنقاد، فبذلوا أوقاتهم وأعمارهم لخدمته وتقريبه للناس، حتى استقر الأمر عند الإمام النووي، فنقح وعدل، وصنع هذه التراجم التي طبعت اليوم مع صحيح مسلم، وهي في الحقيقة","vol":"1","page":64},{"text":"ثمرة جهد مشترك، أسهم فيه ثلة من العلماء الكبار.\nولولا أن الأمر قد استقر، والتزمه الباحثون وطلبة العلم في التوثيق ونحو ذلك مما ذكرناه من عوائق ترجع إلى طبيعة الوضع الأول للكتاب، لقلنا إن صحيح مسلم يستحق جهدا أكبر، وعناية أبلغ بتراجمه وأبوابه، قال الشيخ شبير أحمد العثماني (^١)، وهو من العلماء المتأخرين الذي شرحوا صحيح مسلم: (وَالإِنصَافُ أَنَّهُ لَم يُتَرجَم إِلَى اليَوم بِمَا يَلِيقُ بِشَأنِ المُصَنَّفِ الجَلِيل، وَلَعَلَّ الله يُوَفِّقُ عَبْدًا مِن عِبَادِهِ لِمَا يُؤَدِّي حَقَّهُ) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-19>المطلب الثاني عدد أحاديثه</span>\nليس من شرط الشارح أن يستوعب كل أحاديث صحيح مسلم بالشرح، بل يأخذ منها ويدع، ولا نستطيع تحديد منهجه في ذلك، والغالب أن الأمر راجع إلى تقديره ونظره، فينتقي منها ما يراه بحاجة إلى البيان، ويمسك عما دون ذلك.\nوبمعاينة ما بين أيدينا من الكتاب، ومقارنة ما شرحه وما تركه، يمكن القول إنه تجاوز نصف أحاديث الصحيح بقليل، على وجه التقريب.\nفأبواب صحيح مسلم التي وصلنا شرحُها في التحرير؛ تحتوي على: ١٦٧٧ حديثًا، شَرَحَ منها: ٩٤٦ حديثًا، وهذا يعادل خمسةً وخمسين بالمئة من عدد أحاديث الصحيح، في ذلك القسم المحدد.\n_________\n(^١) شبير أحمد العثماني الديوبندي (١٣٦٩ هـ): من علماء الهند، أحد مؤسسي دار العلوم بديوبند، له موسوعة شرح فيها صحيح مسلم، سماها (فتح الملهم).\n(^٢) فتح الملهم: ص ٢٦٩.","vol":"1","page":65},{"text":"<span data-type='title' id=toc-20>المبحث الثاني منهجه في شرح الحديث</span>\nكتاب التحرير ليس شرحا محضا بالمعنى الذي استقرت عليه الشروح بعد ذلك، وإنما هو نوعٌ مخصوصٌ من الشرح، مائل إلى شرح الغريب، والغريب - كما أسلفنا - من العلوم التي ظهرت في وقت مبكر، وكان له أعلامه ورجاله، سئل أحمد عن كلمة في حديث فقال: (اسأَلُوا أَصْحَابَ الغَرِيبِ، فَإِنِّي أَكْرَهُ أَن أَتَكَلَّمَ فِي قَولِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالظَّنِّ) (^١).\nوهو كما عرفه ابن الصلاح: (عِبَارَةٌ عَمَّا وَقَعَ فِي مُتُونِ الأَحَادِيثِ مِنَ الأَلْفَاظِ الغَامِضَةِ البَعِيدَةِ مِنَ الفَهم، لِقلَّةِ استعمالها) (^٢)، وعرفه السخاوي بنحوه فقال: (مَا يَحْفَى مَعْنَاهُ مِنَ المُتُونِ؛ لِقِلَّةِ اسْتِعْمَالِهِ وَدَورَانِهِ، بِحَيثُ يَبعُد فَهمُهُ، وَلَا يَظهَرُ إِلَّا بِالتَّنقِيرِ عَنهُ مِن كُتُبِ اللُّغَةِ) (^٣).\nفعِلْم الغريب إذن لا يُعنَى بشرح المتون، بل بما وقع فيها من الألفاظ الغامضة، مما يقل دورانه واستعماله، وهذا في الغالب الأعم، وإلا فالأمر نسبي في بعض الألفاظ، فقد نجد في كتب الغريب إعراضا عن بعضها لوضوحها عند المؤلف أو في زمانه ومكانه، وفي المقابل قد يعمد إلى تفسير ألفاظ يظهر له أنها\n_________\n(^١) مقدمة ابن الصلاح: ص ٢٧٢.\n(^٢) نفس المصدر.\n(^٣) فتح المغيث لشرح ألفية الحديث: ٤/ ٢٤.","vol":"1","page":66},{"text":"تحتاج إلى ذلك، وهي واضحة جلية عند غيره، وهو من النادر القليل.\nوالإمام الأصبهاني في كتابه التحرير حاول -ما أمكنه ذلك- الجمع بين شرح غريب الحديث وحل ما استغلق من ألفاظه، وبين شرح المتون وبيان فقهها وأحكامها، فزاوج بهذا بين الأمرين، واستحق أن يكون شرحًا بالمعنيين.\n* شرح الغريب: منهج المؤلف في الكتاب أن يتتبع أحاديث صحيح مسلم فيبين غريبها، ويكشف غوامضها، مستعينا في ذلك بأهل اللغة والغريب، وبالروايات والأشعار، وبالنصوص والآيات، مع تفصيل دقيق، وتحقيق متين، وضبط عميق، يدل على علو الكعب في اللغة والحديث والفقه.\n* استخراج الأحكام: يحرص المؤلف على بيان الفقه والأحكام، وذكر الفوائد والمعاني التي يتضمنها الحديث، فمنه ما يجعله آخر الشرح، ومنه ما يُذكر مع بيان الغريب، ويحرص كذلك على صياغته بأسلوب قريب ومختصر، وعادة ما يصدره بقوله: (وَفِيهِ دَلَالَةٌ)، أو: (وَفِي الحَدِيثِ مِنَ الفِقهِ)، أو: (وَفِيهِ)، ونحو ذلك.\n* تقطيع الأحاديث: لا يورد المؤلف الحديث كاملا، وإنما يورد مواضعَ الشرح والشاهدَ منه، ويشير إلى الحديث المعني - بعد ترجمة الباب - إما بذكر مطلعه، كقوله: (حَدِيثُ: يَخْرُجُ فِي ثَقِيفٍ كَذَّابٌ وَمُبيرٌ)، أو بذكر راويه، كقوله: (وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ) ونحو ذلك، أو تسميته بما يعرف به، كقوله: (وَفِي حَدِيثِ الوِصَالِ)، وأحيانا قليلة يشرع في ذكر الغريب دون تعيين.\n* التتبع والاستقراء: يتتبع المؤلف الألفاظ المفردة في مختلف الاستعمالات","vol":"1","page":67},{"text":"والوجوه، ويذكر اشتقاقاتها، ويوظفها في سياقات وتعبيرات أخرى، ويذكر نظائرها في الآثار والأشعار والأمثال.\n* ذكر الروايات: يستعين المؤلف في الشرح والبيان، بالروايات إن وجدت، ويقارن بينها، ويوجه معانيها، وما بينها من الاختلاف، ويذكر المحفوظ والشاذ منها، وما في الصحيح منها وما في خارجه، ويشير أيضا إلى اختلاف النسخ.\n* ترتيب ألفاظ الغريب: لم يراع ترتيب الألفاظ في الحديث، بل يمكن أن يبين غريب آخر الحديث، ثم يرجع إلى غريب أوله أو وسطه، وكذلك في ترتيب أحاديث الباب، وهذا الذي ذكرناه ليس غالبا.\n* الاستطراد: أودع المؤلف في كتابه نكتا علمية ولغوية نفيسة، وقصصا من الأدب والتاريخ والسيرة وغيرها، فإنه أحيانا يتوسع في شرح بيت من الشعر وذكر مناسبته، أو ينبه على فائدة لغوية أو نحوية اقتضاها المقام (^١)، أو يتعمق في مناقشة مسألة فقهية أو عقدية، وكل ذلك يجعل القارئ منجذبا إليه، من غير ملل أو ضجر.\n* التقديم والتوطئة في بداية الكتب الكبرى؛ ككتاب الزكاة والصيام والحج والنكاح والجهاد وغيرها، يمهد المؤلف بتوطئة أو فصل يبسط فيها الكلام عن موضوع الكتاب، وأهم مسائله قبل الشروع في شرح أحاديثه.\n* الإسناد: أورد أحاديث قليلة بإسناده، وهي:\n_________\n(^١) كقوله: (قيل: حبَّ أصله حَبُبَ، ولم يأت عن العرب فَعُل مضعَّفًا إلا في أربعة أحرف: حَبُبتَ ولَبُبتَ وشَرُرتَ ودَمُمتَ)، وغيره هذا كثير.","vol":"1","page":68},{"text":"* حديث طلب الولاية في الزكاة؛ رواه عن أبي نصر السراج.\n* حديث: (إِنَّمَا الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ)، عنه أيضا.\n* حديث كريب في اختلاف المطالع، عنه أيضا.\n* حديث ابن عباس في رؤية الهلال: (إِنّ الله أَمَدَّهُ لِرُؤْيَتِهِ)، عنه أيضا.\n* حديث: (انْتَدَبَ اللهُ لِمَن خَرَجَ فِي سَبِيلِه)، في فضل الجهاد، رواه عن أحمد الفقيه.\n* حديث ابن مسعود: (أَرْوَاحُهُم كَطَيرٍ خُضر)، في فضل القتال، وهو أيضا عن محمد بن أحمد الفقيه.\n* حديث أم زرع رواه عن محمد بن ثابت بن الحسن، وكذلك عن عبد الرحمن بن إسماعيل الصابوني.\n* حديث ابن عباس: (أَوَّل مَا خَلَقَ اللهُ القَلَمَ)، رواه عن أبي المظفر السمعاني.\n* حديث الإفك، من طريقين: عن أبي سهل بن أبي القاسم الدشتي بنيسابور، وكذلك عن أبي عبد الله الحسين بن أحمد بن طلحة النعالي ببغداد.\nملحوظة: من يطالع كتاب التحرير يجد تقديما وتأخيرا في بعض الأحاديث، وأحيانا يُتم شرح غريب في الباب بعده، وكأن المؤلف يرجع ليبين ما أغفله حين تذكره، ويتأكد هذا إذا استحضرنا أن هذا الشرح كان إملاء ولم يكن تأليفا.","vol":"1","page":69},{"text":"<span data-type='title' id=toc-21>المبحث الثالث تقريراته العلمية في الكتاب</span>\n<span data-type='title' id=toc-22>المطلب الأول تقريراته اللغوية</span>\nعلم الغريب في حقيقته لا ينفك عن علم اللغة العربية، بل هما شيء واحد، وما حُفظت اللغةُ العربية، ولا قُعِّدَت، ولا عُنِي بنثرها وقريضها، وبيانها وبديعها، ولا أُلِّفت المعاجم والقواميس، إلا خدمةً لعلوم الشريعة، خاصة علم الغريبين.\nولذا فإن الإحاطة بوجوه اللغة واستعمالاتها، ومذاهب النحاة واللغويين واتجاهاتهم، وأدلة كل قوم، مع ضبط النقل قرآنا وحديثا وآثارا وأشعارا وأمثالا، شرط في المجتهد الذي يتصدر لتفسير غريب الحديث، وبيان مشكله، وهو ما استوفاه الإمام الأصبهاني ﵀ واتصف به، ويدل على ذلك ارتضاء العلماء لقوله، وتحكيمه في دقائق المسائل، وأذكر هنا مثالين، مثالا لقوام السنة، وآخر لوَلَدِه:\n* الأول: في حديث سهلِ بن سعدٍ عند مسلمٍ، أن المنذرَ بنَ أبي أُسَيدٍ أُتِي به إلى النبي ﷺ يوم وُلد، فوُضِع على فخذه، فَلَهِيَ النبي ﷺ بشيء، فاحتُمِل الصبيُّ من على فخذِ النبي ﷺ فأقلَبوه، فاستفاق رسولُ الله ﷺ فقال: (أَينَ الصَّبِي)، قال أبو أسيدٍ: أقلَبْنَاه يا رسول الله. الحديث (^١).\n_________\n(^١) الحديث رواه مسلم برقم: ٢١٤٩، وهو عند البخاري برقم: ٦١٩١، لكن بلفظ: (قلبناه) بلا همز.","vol":"1","page":70},{"text":"الشاهد قوله في الحديث: (فَأَقْلَبُوهُ) بالهمزة، وعلى هذا جميع روايات مسلم، وأنكر ذلك عامة أهل اللغة والغريب، وقالوا صوابه: (قَلَبُوه) بغير همز، قال الأصمعي: (ولا يُقالُ: أَقْلَبَتُه) (^١)، وقال القاضي عياض ﵀: (كَذَا جَاءَتْ فِيهِ الرِّوَايَاتُ فِي كِتَابٍ مُسلِم صَوَابُه فِي كُلِّ هَذَا قَلَبْناهِ، أَي: رَدَدْنَاهُ وَصَرَفنَاهُ، وَلَا يُقَالُ فِيهِ: أَقلَبَ) (^٢)، وقال ابن الأثير: (هَكَذَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ مُسلِمٍ، وَصَوَابه قَلَبنَاه: أي: رَدَدْناهُ) (^٣).\nوخالف في هذا الإمام الأصبهاني، وصحح هذه اللغة واعتبرها لغة قليلة، فقال: (وَقَولُهُ: فَأَقْلَبُوهُ، لُغَةٌ فِي: قَلَبُوهُ، وَهِيَ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ) (^٤)، وهو ما احتجَّ به الإمام النووي في إثبات الخلاف في هذا اللفظ، قال: (فِي جَمِيعِ نُسَخِ صَحِيحِ مُسلِمٍ فَأَقلَبُوه بِالأَلِفِ، وَأَنْكَرَهُ جُمْهُورُ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالغَرِيبِ وَشُرَّاحِ الحَدِيثِ، وَقَالُوا: صَوَابُه قَلَبُوه بِحَذفِ الأَلِفِ، قَالُوا: يُقَالُ: قَلَبَتُ الصَّبِيَّ وَالشَّيءَ: صَرَفتُه وَرَدَدتُه، وَلَا يُقَالُ: أقلَبتُه، وَذَكَرَ صَاحِبُ التَّحْرِيرِ أَنَّ أَقلَبُوهُ بِالْأَلِفِ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ، فَأَتْبَتَهَا لُغَةٌ، وَاللهُ أَعلَمُ (^٥).\nوكذا صنيع ابن حجرَ في الفتح حيث قال: (وَذَكَرَ ابن التِّينِ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَتِه أَقلَبنَاهُ، بِزِيَادَةِ هَمَزَةِ أَوَّلِهِ، قَالَ: وَالصَّوَاب حَذفها، وَأَثْبَتَهَا غَيْرُهُ لُغَةً) (^٦)،\n_________\n(^١) ينظر إكمال المعلم: ٧/ ٢٥، والمفهم: ٥/ ٤٧٠.\n(^٢) مشارق الأنوار: ٢/ ١٨٥.\n(^٣) النهاية ٤/ ٩٧.\n(^٤) ص ٥١٠ من هذا الكتاب (التحرير).\n(^٥) شرح مسلم: ١٤/ ١٢٨.\n(^٦) فتح الباري: ١٠/ ٥٧٦.","vol":"1","page":71},{"text":"يقصد صاحب التحرير.\nولولا مكانة الأصبهاني ﵀، واعتراف هؤلاء الأئمة برسوخ قدمه في علم اللغة، لما كان لخلافه اعتبار.\n* الثاني: قول أبي بكر ﵁ عن مانعي الزكاة: (وَاللَّهِ لَو مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لَقَاتَلَتُهُمْ عَلَى مَنعِهِ) (^١)، اختلف العلماء في المراد بالعِقَال، فقال بعضهم: العقال: زكاة العام، وهو قول النَّسائي والنضرِ بن شُمَيل وأبي عُبَيدةَ والمُبرِّد وغيرِهم من أهل اللغة، وقولُ جماعةٍ من الفقهاء، ولقولهم مستندٌ في اللغة، وقالوا: لا يُحمل العِقال على الحبل الذي يشد به البعير، لأن الزكاة لا تجب فيه.\nواختار الأصبهاني ﵀ (^٢) الله أن المراد به الحبلُ الذي يُعقَل به البعير، قال النووي ﵀: (وَهُوَ احْتِيَارُ صَاحِبِ التَّحْرِيرِ وَجَمَاعَةٍ مِن حُذَاقِ المُتَأَخِّرِينَ)، ثم نقل كلاما طويلا له يدل على سعة اطلاعه، وحسن توجيهه، حيث قال: (قَولُ مَن قَالَ: المُرَادُ صَدَقةُ عَامٍ تَعَسُّفٌ وَذَهَابٌ عَن طَرِيقَةِ العَرَبِ، لِأَنَّ الكَلَامَ خَرَجَ مَخرَجَ التَّضيِيقِ وَالتَّشْدِيدِ وَالمُبَالَغَةِ، فَتَقتَضِي قِلَّةَ مَا عَلَّقَ بِهِ الْقِتَالَ وَحَفَارَتَه، وَإِذَا حُمِلَ عَلَى صَدَقَةِ العَام لَم يَحصل هذَا المَعنَى)، وذكر كلاما جميلا مؤصلا، ينظر في محله (^٣)، ثم علَّق النووي على كلامه بما يدل على اقتناعه بتوجيهه وما استدل به فقال: (وهذا الَّذِي اختارَه هو الصَّحيحُ الَّذِي لَا ينبغي غيرُه) (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم: ٢٠، وهو عند البخاري برقم: ٧٢٨٤.\n(^٢) الأصبهاني هنا هو الابن: محمد بن إسماعيل، والنقل عن طريق النووي، وهو في الجزء المفقود من الكتاب.\n(^٣) نقلناه بتمامه في مبحث نقولات النووي عن كتاب التحرير.\n(^٤) ينظر شرح صحيح مسلم للنووي: ١/ ٢٠٨ وما بعدها.","vol":"1","page":72},{"text":"ويتلخص منهج المؤلف في تقريراته اللغوية، في مسالك:\n١ - الاستشهاد بالقرآن الكريم: يستشهد المؤلف كثيرا بالأساليب والسياقات اللغوية القرآنية، ويفسر على ضوئها ما عنَّ من غريب الحديث، لأن القرآن والحديث من مشكاة واحدة، وكلاهما وحي من عند الله تعالى، ولأن القرآن نزل على معهود العرب في الكلام، وهو أفضل ما يفسر به، ومن أمثلة ذلك عند المؤلف:\n <table dir=rtl> <tr> <th>الغريب </th> <th>شاهد من القرآن </th> </tr> <tr> <td>الزكاة </td> <td>﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] </td> </tr> <tr> <td>أَرصُدُه </td> <td>﴿وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [التوبة: ١٠٧] </td> </tr> <tr> <td>الصوم </td> <td>﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: الآية ٢٦] </td> </tr> <tr> <td>فآمرت </td> <td>﴿إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ [القصص: ٢٠] </td> </tr> <tr> <td>فليُصَلِّ </td> <td>﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] </td> </tr> <tr> <td>اللون </td> <td>﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ [الحشر: ٥] </td> </tr> <tr> <td>الأَوْلَى </td> <td>﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [القيامة: ٣٤] </td> </tr> <tr> <td>البائس </td> <td>﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ﴾ [الحج: ٢٨] </td> </tr> <tr> <td>أخلفهم </td> <td>﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ [الأعراف: ١٤٢] </td> </tr> <tr> <td>دَسَّتهُ </td> <td>﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ١٠] </td> </tr> </table>\nوغير هذا كثير جدا، يدل على إلمام المؤلف الواسعِ بالتفسير كذلك، قال تلميذه أبو موسى المديني: (صَنَّفَ أَبُو القَاسِمِ التَّفسِيرَ فِي ثَلَاثِينَ مُجَلَّدَةً كِبَارًا،","vol":"1","page":73},{"text":"وَسَمَّاهُ الجَامِع، وَلَهُ كِتَاب الإِيضَاح فِي التَّفْسِيرِ؛ أَربَع مُجَلَّدَاتٍ، وَكِتَاب: المُوَضِّح فِي التَّفسِير؛ ثَلَاثُ مُجَلَّدَاتٍ، وَكِتَاب: المُعْتَمَدُ فِي التَّفْسِيرِ؛ عَشرُ مُجَلَّدَاتٍ، وَكِتَابُ التَّفسِيرِ بِالأَصْبَهَانِي عِدَّة مُجَلَّدَاتٍ) (^١).\nويستعين المؤلف كذلك بالقراءات، كقوله في كتاب الزكاة: (ويقال: فلان زاكٍ: إذا كان كثيرَ المعروف، وقرئ: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ (^٢) [الكهف: ٧٤]، أي: كثيرةَ المعروف، وقرئ: (زَكِيَّةً) أي: طاهرةً بريئة من الذنوب) (^٣)، وقوله في شرح: (فَتَأَمَّمْتُ)، قال: (وَفِي قِرَاءَةِ عَبدِ اللَّهِ: (وَلَا تَأَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونُ» (^٤)، ولا عجب فقد قال أبو موسى عنه: (قَرَأَ عِدَّةَ خَتَمَاتٍ بِقِرَاءَاتٍ عَلَى جَمَاعَةِ) (^٥).\n٢ - الاستشهاد بالآثار وكذلك يستعين المؤلف في شرح الغريب بنظائره وأشباهه في الآثار المنقولة، سواء كانت من الأحاديث المرفوعة، أو الموقوفة، أو المقطوعة، ومثال ذلك:\n* استشهاده بالحديث المرفوع: (صُومُوا الشَّهرَ وَسِرَّه)، لبيان ما ورد في حديث مسلم: (أَصُمْتَ مِنْ سُرَرِ شَعْبَانَ؟)، واستشهاده بحديث: (نَهَى عَنِ اختِنَاثِ الأَسقِيَة)، لبيان معنى: (فَلَقَدِ انْخَنَثَ فِي حَجري) (^٦).\n_________\n(^١) تاريخ الإسلام: ٣٦/ ٣٧٢.\n(^٢) وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي جعفر وأبي عمرو.\n(^٣) ص ١١٦ من هذا الكتاب (التحرير).\n(^٤) ص ٦٢٨ من هذا الكتاب (التحرير).\n(^٥) تاريخ الإسلام: ٣٦/ ٣٧١.\n(^٦) المثال الأول: ص ١٩٣، والمثال الثاني: ص ٣٧٤ من هذا الكتاب (التحرير).","vol":"1","page":74},{"text":"* الاستشهاد بالحديث الموقوف على يزيد بن شجرة الرهاوي وله صحبة: (أَوَّلُ نَفحَةٍ مِن دَمِ الشَّهِيدِ) في بيان قوله في الحديث: (فَنَفَحَ فيه)، وبقول عائشة تصف أباها: (كَانَ وَقِيذَ الجَوَانِح)، بيانا لقوله في الحديث: (فَهُوَ وَقِيذٌ) (^١).\n* الاستشهاد بالمقطوع، كقول الحسن البصري لرجل: (يَا لُكَعُ)، في بيان قوله في الحديث: (أَثُمَّ لُكَعُ؟)، وما ورد في قصة الشعبي مع الأحنف بن قيس، وفيها: (فَمَا مَضَت إِلَّا تَوَّة حَتَّى قَامَ الأَحنَفَ مِن مَجلِسِه)، في بيان قوله في الحديث: (وَرَمي الحِمَارِ تَوٌّ) (^٢).\nاكتفيت بهذه الأمثلة للتمثيل فقط، وإلا فغيرها كثير، والملحوظ أن الأصبهاني ﵀ يتوسع في إطلاق لفظ الحديث على جميع الآثار والأخبار، وهو مذهب بعض المتقدمين (^٣).\n٣ - الاستشهاد بالأشعار والأمثال: لأن الشعر ديوان العرب ولسانها، وهو حجة في بيان معاني الوحيين، خاصة ما وقع منه قبل العجمة، أو ما يصطلح عليه العلماء بعصر الاحتجاج، وقد روي عن عمر ﵁ أنه قال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ تَمَسَّكُوا بِدِيوَانِ شِعرِكُم فِي جَاهِلِيَّتِكُم؛ فَإِنَّ فِيهِ تَفْسِيرَ كِتَابِكُم) (^٤)، وكذلك عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (إِذَا سَأَلْتُمُونِي عَن غَرِيبِ القُرآنِ فَالتَمِسُوه فِي الشِّعرِ\n_________\n(^١) المثال الأول: ص ١٣٣، والمثال الثاني: ص ٤٦٣ (التحرير).\n(^٢) المثال الأول: ص ٥٤٥، والمثال الثاني: ص ٢٤٢ من هذا الكتاب.\n(^٣) ينظر: نزهة النظر: ص ٣٥، وتدريب الراوي: ١/ ٢٩.\n(^٤) مسائل نافع بن الأزرق: ص ١٩، وينظر الموافقات: ١/ ٥٨.","vol":"1","page":75},{"text":"فَإِنَّ الشِّعرَ دِيوَانُ العَربِ) (^١).\nوقد سار على هذا المنوال صاحب التحرير، فنجده كثيرا ما يرجع إلى شعر العرب وأمثالها، نذكر على سبيل المثال:\n <table dir=rtl> <tr> <th>الغريب </th> <th>شاهده من الشعر أو الأمثال </th> </tr> <tr> <td>العمرة </td> <td>لقد سَمَا ابن مَعمَرَ حِينَ اعْتَمَر … مَعْزًى بعيدا من بعيدٍ وَضَبَر </td> </tr> <tr> <td>ثقل </td> <td>أَبَعْدَ ابْنِ عَمْرٍو مِنْ آلِ الرَّشِ … دِ حَلَّت بِهِ الْأَرْضِ أَثْقَالَهَا </td> </tr> <tr> <td>صُفِّحَت </td> <td>تَرَى جُثْوَتَينِ مِنْ تُرابٍ، عَلَيهِما … صَفَائحُ صُمٌّ مِنْ صَفيحٍ مُنَضَّدِ </td> </tr> <tr> <td>تُلْمِعُ </td> <td>لَهَا مِلْمَعانِ، إذا أَوْغَفَا … يَحُثَّانِ جُؤْجُؤَها بالوَحَى </td> </tr> <tr> <td>يَرُعنِي </td> <td>مَا رَاعَنِي إِلَّا جَنَاحٌ هَابِطًا … عَلَى البُيُوتِ فَوقَه العُلابِطا </td> </tr> <tr> <td>العَزلُ </td> <td>يا بَيتَ عائِكَةَ الَّذي أَتعزَّلُ … حَذَرَ العِدى وَبِهِ الفُؤادُ مُوَكَّلُ </td> </tr> <tr> <td>وَرَدَّتِنِي </td> <td>لَيسَ الجَمَالُ بِمِزَرٍ … فَاعلَم وإِن رُدِّيتَ بُردَا </td> </tr> <tr> <td>شَاهَتِ </td> <td>فهيَ شَوهاءُ كالجُوَالِقِ فُوها … مُستَجافُ يَضِلُّ فيها الشَّكيمُ </td> </tr> <tr> <td>الكيُّ </td> <td>مثل: آخِرِ الدَّاءِ الكَيُّ </td> </tr> <tr> <td>اشتَفَّ </td> <td>مثل: لَيْسَ الرِّيُّ عَن التَّشَافِّ </td> </tr> </table>\nوكتاب التحرير مكتنز عشرات الأشعار، لا يكاد يُخِلي بابا من شاهد أو أكثر، لشعراء من مختلف الطبقات، جاهليين ومخضرمين وإسلاميين، كما يحرص المؤلف على ضبط البيت، وشرح غريبه أيضا، وذكر مناسبته أحيانا.\n_________\n(^١) أخرجه ابن الأنباري في إيضاح الوقف والابتداء برقم: ٩٣.","vol":"1","page":76},{"text":"٤ - الاستشهاد بعلماء: اللسان يذكر المؤلف مذاهب اللغويين، ويستشهد بأعلام الغريب واللسان؛ كأبي عبيدة، والأصمعي، والخليل؛ والفراء، وثعلب، وأبي زيد، وقطرب، والأزهري، والزجاج، وأبي عبيد، والخطابي، وغيرهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-23>المطلب الثاني تقريراته الفقهية</span>\nسبق أن أشرنا إلى أن كتاب التحرير ليس كتاب غريب فحسب، بل فيه من الفقه والأحكام ما يضاهي ذلك، خاصة في أبواب العبادات والمعاملات، حيث يظهر قِوام السنة فقيها مكينا وإماما من أئمة الاجتهاد والترجيح، متضلعا في مسائل المذهب، حافظا لأقوال العلماء، مطلعا على اختلاف الأئمة الفقهاء، قال عنه الذهبي: (وأَمَّا عِلمُ الفِقهِ، فَقَد شُهِرَت فَتاويهِ فِي البَلدِ والرَّساتيقِ) (^١).\nوكان ﵀ من أئمة الشافعية، قال النووي ﵀: (وَقَالَ التَّمِيمِيُّ مِن أَصْحَابِنَا فِي كِتَابِهِ التَّحرِيرُ) (^٢)، وقال عن ابنه: (وقال الإمامُ أَبُو عَبْدِ الله مُحَمَّدُ بنُ إِسْمَاعِيلَ بن مُحَمَّدِ بن الفَضلِ التَّمِيمِيُّ الأَصبهَانِيُّ الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي كِتابهِ التَّحريرُ) (^٣)، كما تُرجم لقوام السنة في طبقات الشافعيين (^٤) لابن كثير، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (^٥)، ووصفه ابن القيم بقوله: (وَكَانَ إِمَامًا لِلشَّافِعِيةِ فِي وَقتِه رحمه الله تَعَالَى) (^٦).\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء: ٢٠/ ٨٣.\n(^٢) المجموع شرح المهذب: ٣/ ٣١٠.\n(^٣) شرح مسلم: ١/ ١٤٥.\n(^٤) ص ٥٩١.\n(^٥) ١/ ٣٠١.\n(^٦) اجتماع الجيوش الإسلامية: ٢/ ١٨٠.","vol":"1","page":77},{"text":"أسوق هنا مثالا حرر فيه مسألة صيام عاشوراء، وبين ثمرة الخلاف فيه، قال: (وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ العِلمِ، أَنَّ صَومَ يَومِ عَاشُورَاء لَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي وَقتِنَا، وَهَل كَانَ وَاجِبًا فِي أَوَّلِ الإِسلَامِ؟ الشَّافِعِيُّ ﵀ لا يُومِئُ فِي مَوضِعِ إِلَى أَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا ثُمَّ نُسِخَ، وَيُومِئُ فِي مَوضعِ إِلَى أَنَّهُ لَم يَكُن وَاجِبًا، وَالَّذِي يُشبِهِ مَذهَبَهُ أَنَّهُ لَم يَكُن وَاجِبًا، وَذَهَبَ أَبو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا ثُمَّ نُسِخَ، وَفَائِدَةُ الخِلَافِ أَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ لَهُم أَنَّ صَومَهُ كَانَ وَاجِبًا، ثَبَتَ جَوَازُ النِّيَةِ لِلصَّومِ الوَاجِبِ بِالنَّهَارِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ إِلَى أَهلِ العَوَالِي يَومَ عَاشُورَاءَ، فَأَمَرَهُم بِصَومِهِ، وَنَوَوا فِي تِلكَ الحَالَةِ، فَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (مَن لَم يَكُن أَكَلَ فَليَصُمْ وَمَن أَكَلَ فَلْيُمْسِك بَقِيَّةَ يَومِهِ) وَلَم يَأْمُرُهُ بِالقَضَاءِ، وَلَو كَانَ وَاجِبًا لأَمَرَ المُفطِرَ بِالقَضَاءِ، لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ وَقتَ الحَاجَةِ إِلَى البَيَانِ، قَالَ بَعضُ العُلَمَاءِ: وَالَّذِي أَختَارُ أَن يَصُومَهُمَا جَمِيعًا التَّاسِعَ وَالعَاشِرَ) (^١).\n* ويمكن تلخيص منهجه في تقريراته الفقهية فيما يلي:\n\n<span data-type='title' id=toc-24>١ - حكاية الخلاف العالي:</span>\nيحرص الأصبهاني ﵀ في تناوله لقضايا الفقه، وفروعه ومسائله، على ذكر مذاهب الصحابة والأئمة والعلماء، على طريقة ابن المنذر في الإشراف، وغيره ممن ألف في الخلاف العالي.\nفيذكر مذاهب الصحابة: كعمر وعلي وعمار وابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وعائشة وغيرهم، ومذاهب الأئمة والعلماء، كالحسن؛ وابن سيرين؛\n_________\n(^١) ص ١٨٧ من هذا الكتاب (التحرير).","vol":"1","page":78},{"text":"ومجاهد؛ والنخعي؛ والشعبي؛ وأبي حنيفة؛ والأوزاعي؛ والثوري؛ ومالك؛ والشافعي؛ وأحمد؛ وأبي ثور؛ وإسحاق؛ وصاحبي أبي حنيفة؛ وغيرهم.\nومن الأمثلة على ما ذكرنا، قوله في قضاء الصوم عن الميت: (حديث: أَرَأَيتِ لَو كَان عليها دَينٌ أَكُنتِ تَقضِينَهُ؟، قال أبو ثور: يُقضى عن الميت صومُ رمضان والنذر، وإن أطعم عن رمضان أجزأه، وأبى ذلك الشافعي ومالك، وذهب أحمد وإسحاق إلى جواز ذلك إذا كان نذرا) (^١).\nوقال في مسألة صيام يوم الشك: (واختَلَفَ النَّاسُ فِي يَومِ الشَّكِّ: فَمَذهَبُ الشَّافِعِيِّ ﵀ أَنَّهُ مَكْرُوهُ بِكُلِّ حَالٍ، إِلَّا أَن يَكُونَ الرَّجُلُ مِمَّن يَصُومُ الدَّهرَ، أَو يَعتَادُ أَيَّامًا فَوَافَقَ تِلكَ الأَيَّامَ يَومُ الشَّكِّ، فَلَا يُكرَهُ الصَّومُ، رُوِيَ هَذَا عَن عَلِيٍّ وعمارٍ ﵄، وَقَالَ ابن عُمَرَ ﵄: إِن كَانَ صَحوًا كُرِهَ صَومُهُ، وَإِن كَانَ غَيْمًا لَم يُكرَه، وَهُوَ قَولُ أَحمدَ، وَقَالَ الحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ: النَّاسُ تَبَعٌ لِلإِمَامِ، فَإِن صَامَ الإِمَامُ صَامَتِ الرَّعِيَّةُ، وَإِن أَفطَرَ الإِمَامُ أَفطَرُوا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِن صَامَهُ وَنَوَى بِهِ التَّطَوُّعَ لَم يُكرَه، وَإِن نَوَاهُ عَن رَمَضَانَ كُرِه).\n\n<span data-type='title' id=toc-25>٢ - التركيز على خلاف الشافعية والحنفية:</span>\nمعلوم في تاريخ المذاهب الإسلامية ما بين الحنفية والشافعية من السجالات والمناظرات والردود ما ليس بين بقية المذاهب، ولعل هذا راجع لنشوء وتطور المذهبين في بيئة واحدة، وهي العراق، فكان علماء المذهبين على اتصال وتوافر، فحصل بينهم من الردود والتعقبات؛ ما ظهر أثره في المصنفات\n_________\n(^١) ص ١٩٠ من هذا الكتاب (التحرير).","vol":"1","page":79},{"text":"وكتب الفقه، حتى ألف في ذلك (^١).\nوتجليات هذا الخلاف ظاهرة في كتاب التحرير، إذ غالب الخلاف الذي يورده المؤلف من هذا القبيل، ونجده يصرح بمذهبهم أحيانا، أو يذكرهم بما عرفوا به فيقول: (وقَالَ أَصحَابُ الرَّأيِ) أو: (وَقَالَ أَهلُ الكُوَفة)، ويبهمهم في مواضع أخرى، كأن يقول: (وَقَالَ بَعضُهُم).\n\n<span data-type='title' id=toc-26>٣ - تقرير مذهب الشافعية:</span>\nسبق أن أشرنا إلى أن المؤلف ﵀ الشافعي المذهب، وهو ما يظهر بجلاء في تقريراته الفقهية، فيذكر الشافعي ﵀ ويترضى عنه، ويبرز أقواله، ويوجه مذهبه، ويحتج له، فيقول أحيانا: (والصَّحِيحُ مَا ذَهَبَ إِلَيهِ الشَّافِعِيُّ)، أو (وَالحَدِيثُ حُجَّةٌ لِقَولِ الشَّافِعِي)، أو (وَقَولُ الشَّافِعِي صَحِيحٌ) أو (وَحُجَّتُه كذا، ونحو ذلك.\nكما يستعمل المؤلف مصطلحات الشافعية كثيرا، كلفظ (الأَصْحَاب)، ولفظ (الاخْتِيَار)، وغيرها.\nوإن كان في الغالب الأعم يحكي مذاهب الأئمة دون ترجيح.\n\n<span data-type='title' id=toc-27>٤ - تعظيم السنة والدليل:</span>\nلقب الأصبهاني ﵀ بقوام السنة أو قوام الدين، وهو لقب جدير به فهو\n_________\n(^١) ألف شيخ المؤلف الإمام السمعاني كتاب الاصطلام في الخلاف بين الإمامين الشافعي وأبي حنيفة، وقبله ألف الزمخشري كتاب رؤوس المسائل في المسائل الخلافية بين الحنفية والشافعية، وألف الغزالي في ذلك: تحصين المآخذ.","vol":"1","page":80},{"text":"معظم أشد التعظيم لسنة رسول الله لسنة رسول الله ﷺ، ولا يقدم عليها غيرها، يظهر ذلك في مواضع كثيرة من هذا الكتاب، ننقل بعضها:\nقال في مقدار زكاة الفطر: (وَيَحتَمِلُ أَن يَكُونَ العَامَّةُ تَسَاهَلُوا فِيهِ، فَرَأَوا مُدَّينِ مِنَ الحِنْطَةِ يَعْدِلَانِ صَاعَ شَعِيرٍ، فَلَا يَترُكِ السُّنَّةَ الثَّابِتَةَ لِذَلِكَ) (^١).\nوقال: (وَفِي هَذِهِ الأَحَادِيثِ: بَيَانٌ أَنَّ السُّنَّةَ تَقضِي عَلَى القُرْآنِ، وَأَنَّهَا إِذَا وَرَدَت مُبينَة عَن القُرآنِ فَبَيَانُهَا مَتبُوعٌ، وَفِيهِ أَنَّ كُلَّ نَهِي يَرِدُ عَنِ اللَّهِ ﷿؛ أَو عَن رَسُولِهِ ﷺ فَإِنَّهُ عَلَى المَنعِ؛ حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى خِلَافِ ذَلِك) (^٢).\nوقال في موضع آخر: (وَفِي الحَدِيثِ بَيَانٌ أَنَّ دِينَ الإِسْلَامِ تَعَبُّدٌ، فَمَا كُشِفَ لَنَا عَن دَلِيلِه فالدَّليلُ مَتبُوعٌ، وَمَا تَعَرَّى عَنِ الدَّلِيلِ؛ فَمَا عُقِل مِن ظَاهِرِهِ فَالعَمَلُ وَاجِبٌ بِذَلِك) (^٣).\nوقال بعد ذكر علة تحريم الحمر الأهلية: (وَالأمْرُ يَرِدُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لِعِلَّة وَلِغَيرِ عِلَّةٍ، وَعَلَى أَيِّ وَجهٍ كَانَ، يَجِبُ قَبُولُه وَالعَمَلُ بِه) (^٤)، وقال: (وَفِي الحَدِيثِ الرُّجُوعُ إِلى الخَبَرِ، وَتَركِ النَّظَرِ فِي مُقَابَلَتِه) (^٥)، وقال كذلك: (فِي الحَدِيثِ دَلَالَةٌ أَنَّ الرَّأيَ يُترَكُ إِذَا عَارَضَهُ النَّصُّ) (^٦)، وغيرها من النصوص.\n_________\n(^١) ص ١٢٧ من هذا الكتاب (التحرير).\n(^٢) ص ٢٩٧ من الكتاب.\n(^٣) ص ٣٢٧ من الكتاب.\n(^٤) ص ٤٦٤ من الكتاب.\n(^٥) ص ٣٠٦ من الكتاب.\n(^٦) ص ٤١١ من الكتاب.","vol":"1","page":81},{"text":"<span data-type='title' id=toc-28>٥ - إعمال القواعد والأصول:</span>\nكما نرى الإمام الأصبهاني في كتاب التحرير أصوليا ضليعا، يعمل مجموعة من القواعد والأصول، ما يدل على تمكنه من جميع أدوات الاجتهاد، وهو القائل في موضع من هذا الكتاب: (إِنَّمَا يَجُوزُ الاِجْتِهَادُ إذَا كَانَ عَالِمًا بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، أَو أَكثَرِهِمَا مِمَّا لَابُدَّ مِنْهُ، وَبِأَقَاوِيلِ الصَّحَابَةِ وَبِلِسَانِ العَرَبِ، وَكَانَ لَهُ مَعرِفَةٌ، يَفصِل بَينَ الصَّحِيحِ وَالسَّقِيمِ، وَبَينَ القَوِيِّ مِنَ الْأَقَاوِيلِ وَالضَّعِيفِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ثُمَّ حَكَمَ بِحُكمٍ؛ فَإِن كَانَ مُصِيبًا كَانَ لَهُ أَجْرَانِ، وَإِن كَانَ مُخطِئًا فَلَهُ أَجْرٌ عَلَى اجتهَادِه) (^١).\nومن الأمثلة على جملة ما ذكره من القواعد:\n* الاجتهاد والقياس: قال ﵀: (وَفِي الحَدِيثِ أَنّ الحَادِثَةَ يُطلَبُ حُكمُهَا مِنَ الكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ، فَإِن لَم يَأْتِ بهِ كِتَابٌ وَلَم تَمضِ بِهِ سُنَّةٌ، يُقَاسُ الأُمُور بَعضُهَا بِبَعضٍ، وَيُؤخَذُ بِأَقرَبِهَا شَبَهًا بِالحَقِّ، فَيُحكَمُ بِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّغلِيبِ؛ لَا عَلَى سَبِيلِ القَطعِ) (^٢)\n* الخاص والعام: قال ﵀: (وقَسْمُ شَعرِهِ بَينَ النَّاسِ دَلِيلٌ عَلَى طَهَارَةِ الشُّعُورِ، لأَنَّ الخُصُوصَ لَا يَخلُو مِن دَلِيلِ، وَإِذَا تَعَرَّى الخَبَرُ مِن دَلِيلِ الخُصُوصِ فَهُوَ عَلَى العُمُومِ) (^٣).\n_________\n(^١) ص ٣٨٤.\n(^٢) ص ٢٨٨ من هذا الكتاب.\n(^٣) ص ٣٢٨ منه.","vol":"1","page":82},{"text":"* المثبت مقدم على النافي: قال ﵀: (وَفِيهِ: أَنَّ حَدِيثَ بِلَالٍ أُولَى؟ مِن حَدِيثِ ابن عَبَّاس ﵄ أَنَّ النَّبِيَ ﷺ: (دَعَا وَلَم يُصَلِّ)، لِأَنَّ حَدِيثَ بِلَالٍ مُثبِتٌ، وَحَدِيثُ ابن عَبَّاسٍ نَافٍ، وَالمُثبِتُ أَولَى مِنَ النَّافِي) (^١).\n* دلالة الأمر على التكرار: قال ﵀: (في الحَدِيثِ دَلَالَةٌ أَنَّ الأَمَرَ بِالشَّيءِ يَقتَضِي مَرَّةً وَاحِدَةً، إِلَّا أَن يَقتَرِنَ بِهِ دِلِيلُ التَّرَادُفِ، وَالنَّهِيَ يَقتَضِي التَّأبِيدَ؛ إِلَّا أَن يَقتَرِنَ بِهِ دَلِيلُ المَرَّةِ الوَاحِدَة) (^٢).\n* الجمع أولى من الترجيح: قال ﵀: (وَسَبِيلُ الحَدِيثَينِ إِذَا اختَلَفَا في الظَّاهِرِ وَأَمَكَنَ التَّوفِيقُ بَينَهُمَا، أَلَّا يُحمَلَا عَلَى المُنَافَاةِ، وَلَا يُضَرَبَ بَعضُهَا بِبَعضٍ، لَكِن يُستَعمَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَوضِعِه) (^٣).\n* دلالة المفهوم: قال ﵀: (وَفِي الحَدِيثِ إِنْبَاتُ الشُّفْعَةِ فِي الشَّرِكَةِ، وَلَيسَ فِيهِ نَفْيُهَا عَن المَقسُومِ مِن جِهَةِ اللَّفْظِ، وَلَكِنَّ دَلَالَتَهُ مِن طَرِيقِ المَفهُومِ ألَّا شُفعَةَ فِي المَقسُوم) (^٤).\nوهذه نماذج فقط من القواعد التي أوردها المؤلف في سياق الشرح.\n* * *\n_________\n(^١) ص ٢٥٠ من هذا الكتاب (التحرير).\n(^٢) ص ٢٥٢ من الكتاب.\n(^٣) ص ٣٣٣ من الكتاب.\n(^٤) ص ٣٥٧ من الكتاب.","vol":"1","page":83},{"text":"<span data-type='title' id=toc-29>المطلب الثالث تقريراته العقدية</span>\nمعلوم أن الحافظ إسماعيل بن محمد بن الفضل التميمي الأصبهاني، من كبار علماء أهل السنة في زمانه، ومعلوم دفاعه عن عقيدة السلف، وتقريره لها، وألف في ذلك كتابه الشهير (الحجة في بيان المحجة)، قال في مقدمته: (رَأَيتُ أَن أُملِيَ كِتَابًا فِي السُّنَّةِ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ مَن قَصَدَ الاتِّبَاعَ وَجَانَبَ الإِبْتِدَاعَ، وَأُبَيِّنَ فِيهِ اعتِقَادَ أَئِمَّةِ السَّلَفِ، وَأَهلِ السُّنَّةِ فِي الأَمصَارِ، وَالرَّاسِخِينَ فِي العِلمِ فِي الأَقْطَارِ، لِيَلزَمَ المَرءُ اتِّبَاعَ الأَئِمَّةِ المَاضِينَ، وَيُجَانِبَ طَرِيقَة المُبْتَدِعِينَ) (^١).\nونعته تلميذه أبو موسى المديني بالسنة المثلى وطريقة السلف، والقول بما ورد من غير تكييف ولا تشبيه، ونقل عن الحافظ أبي زكريا ابن منده الأصبهاني قوله: (إِسْمَاعِيلُ بنُ مُحَمَّدٍ الحَافِظُ أَبو القَاسِم حَسَنُ الاعْتِقَادِ جَمِيلُ الطَّرِيقَةِ مَقبُولُ القَولِ، قَلِيلُ الكَلَامِ لَيْسَ فِي وَقتِه مِثْلُهُ) (^٢).\nوكان ﵀ شديد الاحتياط في باب الاعتقاد، لا يخوض فيه بالجدل والتوسع في الكلام، ومما يدل على ذلك ما نقله الذهبي: (سُئِلَ أَبُو القَاسِمِ التّيمِيُّ ﵀: هَل يَجُوزُ أَن يُقَالَ: للهِ حَدٌّ، أَو لا؟ وَهَل جَرَى هَذَا الخِلَافُ فِي السَّلَفِ؟\nفَأَجَابَ: هَذِهِ مَسأَلَةٌ أَسْتَعفِي مِنَ الجَوَابِ عَنهَا؛ لِغُمُوضِهَا، وَقِلَّةِ وُقُوفِي عَلَى غَرَضِ السَّائِلِ مِنْهَا، لَكِنِّي أُشِيرُ إِلَى بَعضٍ مَا بَلَغَنِي: تَكَلَّمَ أَهْلُ الحَقَائِقِ فِي تَفْسِيرِ الحَدِّ بِعِبَارَاتٍ مُختَلِفَةٍ، مَحصُولُهَا أَنَّ حَدَّ كُلِّ شَيءٍ مَوضِعُ بَينُونَتِهِ عَن غَيْرِهِ، فَإِن\n_________\n(^١) الحجة في بيان المحجة: ١/ ٩٤.\n(^٢) طبقات الشافعيين: ص ٥٩٢.","vol":"1","page":84},{"text":"كَانَ غَرَضُ القَائِلِ: لَيسَ لِلَّهِ حَدٌّ: لَا يُحِيطُ عِلمُ الحَقَائِقِ بِهِ، فَهُوَ مُصِيبٌ، وَإِن كَانَ غَرَضُهُ بِذَلِكَ: لَا يُحِيطُ عِلمُهُ تَعَالَى بِنَفْسِهِ، فَهُوَ ضَالٌّ، أَو كَانَ غَرَضُهُ: أَنَّ اللَّهَ بِذَاتِه فِي كُلِّ مَكَانٍ، فَهُوَ أَيْضًا ضَالٌّ) (^١)، فبين أن مذهبه الذي يرتضيه لنفسه الإمساك عن الخوض في ذلك، ولما أجاب أجاب بما يقتضيه تنزيه الله ﷾.\nوأما ما نسب إليه أنه كان يقول: (اللهُ يَنزِلُ بِذَاتِهِ) (^٢)، فلا أرى أنه يصح عنه، ولا يوافق منهجه في الصفات، وإن نُسب ذلك لبعض العلماء، قال الحافظ ابن عبد البر: (وَقَد قَالَت فِرقَةٌ مُنتَسِبَةٌ إِلَى السُّنَّةِ إِنَّهُ يَنزِلُ بِذَاتِهِ! وَهَذَا قَولٌ مَهجُورٌ) (^٣)، وإنما وقع، وإنما وقع ذلك ممن وقع منه؛ في سياق المحاججة والمناظرة وإرغام الخصم، ولم يكن الإمام الأصبهاني ممن يسلك هذا المسلك كما سيظهر في الأمثلة من كتاب التحرير.\nومما يدل على أن الأصبهاني لم يكن من أهل هذه المقالة، ما ذكره الإمام الذهبي عن ابن السمعاني في ترجمة الحافظ أبي مسعود كُوتَاه الأصبهاني، حيث قال: (لمَّا وردتُ أصبهانَ كانَ -يعني كوتاه- مَا يخرجُ من دارِه إِلَّا لحاجةٍ مهمّةٍ، كانَ شيخُه إسماعيلُ الحافظُ هجره، ومَنعه من حضورِ مجلسه لمَسأَلةٍ جرَت في النُّزولِ، وكان كوتاه يقولُ: النُّزولُ بالذَّات، فأنكَرَ إسماعيل هذا، وأمرَه بالرُّجوعِ عنه، فما فعل) (^٤).\nوعند ابن السمعاني بسند أعلى، وعبارة أوضح: (فَإِنَّ أَبَا مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء: ٢٠/ ٨٥.\n(^٢) مختصر الصواعق المرسلة: ص ٤٦٩.\n(^٣) الاستذكار: ٢/ ٥٣٠.\n(^٤) سير أعلام النبلاء: ٢٠/ ٣٣٠.","vol":"1","page":85},{"text":"فِي النُّزُولِ بِالذَّاتِ، وَالإِمَامُ إِسْمَاعِيلُ الحَافِظُ كَانَ يُنكِرُ عَلَيهِ وَيَقُولُ: إِنَّ السَّلَفَ مَا نُقِلَ عَنْهُم هَذَا) (^١).\nوكان كذلك ينكر حديث: (ينزل بذاته) (^٢)، ويضعفه، كما نقل عنه ابن تيمية (^٣)، وكتاب الحجة في بيان المحجة للمؤلف، كتاب تناول فيه عقيدة أهل السنة، وتعرض لمسألة النزول دون إشارة لهذه المقالة، فكيف يذكر على قائمة القائلين بها؟ والعجيب أن صاحب رسالة: (جهود الإمام الحافظ أبي القاسم في تقرير العقيدة والرد على المخالفين) لم يشر إلى هذه المسألة نهائيا، لا بالنفي ولا بالإثبات.\nفيظهر أن تلك المقالة نسبت إليه خطأ، أو فهم كلامه على غير وجهه، وإلا فهو كما علمنا شديد الاحتياط، قليل الكلام.\nوكان ابنه أبو عبد الله محمد بن إسماعيل، على ما كان عليه والده من حسن الاعتقاد، قال المديني وهو يرد على بعض من تكلم في الصفات: (فهلَّا عمِلَ كما عمِلَ الفَتى الإمامُ والهمامُ بنُ الهمَام أَبو عَبدِ الله مُحَمَّدُ بنُ أستاذِنا الإمامِ أبي القاسم إسماعيلَ بن مُحَمَّدٍ ﵁ حِينَ ذَكَرَ إمَرَارَ أحَادِيثِ الصِّفَاتِ على ظَاهِرِهَا، وتَركَ التَّأْوِيلِ والتَّكييف فيها)، ثم قال: (فإن سُئِلْنَا عَن ذَلِكَ يَومَ القِيَامَةِ، أَقْسَمنَا بِعَظَمَتِهِ إِنَّا كُنا لا نُحِيط عِلمًا بِأَمْثَالِ هَذَا الحَدِيثِ، فَوَكَلْنا عِلمَهُ إِلَى قَائِلِهِ ﷺ وَبَاعِثِهِ ﷿ (^٤).\n_________\n(^١) التحبير في المعجم الكبير: ١/ ٤٣٣.\n(^٢) روي عن طريق أنس في تاريخ أصبهان ٢/ ١٦٧، ينظر زهر الفردوس رقم: ٢٤٨، قال علي القاري في الأسرار المرفوعة رقم: ٢١: (مُحدِثُه دجال).\n(^٣) مجموع الفتاوى: ٥/ ٣٩٤.\n(^٤) صفات رب العالمين لابن المحب الصامت: ص ٢٧٩.","vol":"1","page":86},{"text":"وهذا الذي ذكرناه عن قوام السنة في باب الاعتقاد، خاصة في الصفات، هو ما سار عليه في كتاب التحرير، عند كلامه عن أحاديث الصفات، فإنه يمسك عن الخوض فيها بالعبارات المبتدعة، وينأى بنفسه عن تلك التقريرات الجدلية، التي توقع أحيانا في إطلاقات محدثة، فيكتفي ببيان وجوب الإيمان والتسليم بها، مع تمام التنزيه الله سبحانه، ومن أمثلة ذلك:\n١ - حديث: (مَرِضْتُ وَلَم تَعُدْنِي): قال في شرحه: (فِي هَذَا مَرتَبَةٌ عَظِيمَةٌ لِلمُؤمِنِ؛ إِذ جَعَلَ عِيَادَتَهُ كَعِيَادَةِ نَفْسِهِ تَعَالَى الرَّؤُوفُ عَن أَن يَكُونَ لَهُ مِثْلٌ) (^١).\n٢ - حديث: (فَتَرْبُو فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ): قال فيه: (يَجِبُ الإِيمَانُ بِهِ، وَيُترَكُ التَّعَرُّضَ لِتَأْوِيلِهِ) (^٢).\n٣ - حديث: (يَضْحَكُ اللهُ إِلَى رَجُلَيْنِ): قال فيه: (الضَّحِكُ فِي صِفَاتِ اللهِ ﷿ مِمَّا يَجِبُ الإِيمَانُ بِهِ وَالتَّسلِيمُ لَهُ) (^٣).\n٤ - حديث: (فَإِنَّ الله خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ)، قال فيه: (هَذَا مِمَّا يَجِبُ الإِيمَانُ بِهِ، وَلَا يُتَعَرَّضُ لَهُ بِالتَّأْوِيلِ المُستَكرَه) (^٤)، وقد ورد عن أبي موسى المديني أنه سمع الأصبهاني يقول: (أَخطَأَ ابن خُزَيمَةَ فِي حَدِيثِ الصُّورَةِ، ولَا يُطعَنُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، بَل لَا يُؤْخَذُ عَنهُ هَذَا فَحَسب) (^٥).\n_________\n(^١) ص ٥٩٠ من هذا الكتاب (التحرير).\n(^٢) ص ١٤٣ من الكتاب.\n(^٣) ص ٤٥٣ من الكتاب.\n(^٤) ص ٥٩٨ من الكتاب.\n(^٥) سير أعلام النبلاء: ٢٠/ ٨٨.","vol":"1","page":87},{"text":"٥ - وقال: (وَفِي هَذِهِ الأَحَادِيثِ ذِكرُ الفَرَح، وَهُوَ صِفَةٌ مِن صِفَاتِ اللهِ تَعَالَى، يَجِبُ الإِيمَانُ بِهَا وَالتَّسلِيمُ لَهَا) (^١).\n٦ - حديث: (حَتَّى يَضَعَ فِيهَا رَبُّ الْعِزَّةِ قَدَمَهُ): قال فيه: (هَذَا مِمَّا يَجِبُ الإِيمَانُ بِهِ، وَلَا يُكَيَّف) (^٢).\nوغيرها من الأحاديث الكثيرة، التي تُجرَى على اللائق بجلال الله، فسلك المؤلف في شرحها وبيانها مسلك الإيمان والإثبات من غير كيف.\nكما تعرض المؤلف لمسائل عقدية أخرى تتعلق بالقدرية والدهرية والخوارج، وأعمال الجاهلية ونحوها، وأصَّل تأصيلاتٍ عميقةً عند حديث محاججة آدم لموسى، وفي أحاديث الشؤم والطيرة، وفي حديث الفطرة وغيرها، تنظر في محلها؛ حتى لا نطيل بها هنا.\n_________\n(^١) ص ٦٢٢ من هذا الكتاب (التحرير).\n(^٢) ص ٦٥٢ منه.","vol":"1","page":88},{"text":"<span data-type='title' id=toc-30>المبحث الرابع مصادر المؤلف في الكتاب</span>\nلا شك أن المادة العلمية في كتاب التحرير مادة غزيرة، تتوزعها مختلف العلوم؛ من لغة؛ وفقه؛ وحديث؛ وتفسير؛ وأدب؛ وسيرة؛ وتاريخ؛ وغيرها، فدل هذا - أولا - على سعة اطلاعه وحفظه، و- ثانيا - على ضبطه وإتقانه، واعتماده على المصادر النقلية المتنوعة، فجمع بين النقل والسماع، وهما طريقا العلم، اللذان لا يغني أحدهما عن الآخر.\nوقد أشار في كتابه هذا إشارة لطيفة، لكنها تحمل دلالاتٍ عميقةً، تكشف عن رسوخه العلمي، وعن جمعه بين ضبط الصدر وضبط الكتاب، في معرض شرحه لحديث عبد المطلب بن ربيعة؛ والفضل بن عباس حينما طلبا أن يؤمرهما النبي ﷺ على الصدقات.\nفقد ورد في الحديث ذِكْرُ رجلٍ اسمه مَحمِيَّةُ بنُ جُزءٍ، قال الراوي: (وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ)، فعلق على ذلك الأصبهاني بقول: (أظنُّ أن الصَّوابَ من بني زُبَيْدٍ، ولم يحضرني في الوقت كتابٌ أنظر فيه فأتقنُه) (^١)، وهو، كما قال، فهو محمية بن جزء بن عبد يغوث بن عويج بن عمرو بن زبيد الأصغر الزبيدي، حليف بني جمح، أسلم قديما وهاجر إلى الحبشة، وتأخر رجوعه منها، وأول مشاهده المريسيع، وكان النبي ﷺ قد استعمله على الأخماس (^٢).\n_________\n(^١) ص ١٦١ من هذا الكتاب (التحرير).\n(^٢) وعلى هذا رواية أبي داود: ٢٩٨٥، وابن خزيمة: ٢٣٤٢، وينظر: إكمال المعلم: ٣/ ٦٢٧،=","vol":"1","page":89},{"text":"<span data-type='title' id=toc-31>المطلب الأول مصادره السمعية</span>\nصرح المؤلف في الكتاب بسماعه وأخذه عن مجموعة من شيوخه، سواء في أصبهان أو بغداد أو غيرهما، منهم أبو المظفر السمعاني، وأبو نصر السراج، ومحمد بن أحمد الفقيه، ومحمد بن ثابت بن الحسن، وعبد الرحمن بن إسماعيل الصابوني، وأبو سهل بن أبي القاسم الدشتي، وأبو عبد الله الحسين بن أحمد بن طلحة النعالي.\nولا شك أن من لم يصرح بهم في الكتاب خلق كثير، كما علم من ترجمته، ورحلاته في طلب العلم، لا بأس بذكر بعضهم هنا:\n١ - أبو عمرو عبد الوهاب بن الحافظ أبي عبد الله محمد بن إسحاق بن منده، العبديّ الأصبهاني، محدّث أصبهان ومسندها، وتوفي في جمادى الآخرة، سنة خمس وسبعين وأربعمائة (^١).\n٢ - أبو نصر محمد بن محمد بن علي الزّينبي الهاشمي، مسند العراق وكان ثقة خيّرا، توفي في جمادى الآخرة سنة تسع وسبعين وأربعمائة (^٢).\n٣ - القاضي أبو الفتح بن أحمد بن عبد الله بن سمكويه الأصبهاني، كان من فرسان الحديث والمكثرين منه، مات بنيسابور في ذي الحجة سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة (^٣).\n_________\n= والطبقات الكبرى: ٧/ ٤٩٧، والاستيعاب: ٤/ ١٤٦٣، وأسد الغابة: ٥/ ١١٣.\n(^١) نفسه (٥/ ٣٢١).\n(^٢) نفسه: (٥/ ٣٤٥).\n(^٣) شذرات الذهب في أخبار من ذهب: (٥/ ٣٥٢)، وسير أعلام النبلاء ط الحديث: (١٤/ ١٠٥).","vol":"1","page":90},{"text":"٤ - الشيخ المعمر أبو نصر عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن يوسف الأصبهاني السمسار، توفي في المحرم، سنة تسعين وأربعمائة (^١).\n٥ - عائشة بنت الحسن بن إبراهيم الوركاني، توفيت سنة ستين وأربعمائة (^٢).\n٦ - أبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب بن عبد العزيز بن الحارث التميمي البغدادي، الشيخ الإمام المعمر الواعظ، رئيس الحنابلة، توفي في نصف جمادى الأولى، سنة ثمان وثمانين وأربع مائة (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-32>المطلب الثاني المصادر النقلية التي صرح بها أو بأصحابها</span>\nصرح المؤلف في الكتاب بالنقل عن مجموعة من المصادر في مختلف العلوم:\n* مجمل اللغة؛ لابن فارس (٣٩٥ هـ): وهو المصدر الأكثر ورودا عنده، ولا يسمي صاحبه وإنما يقول: (قَالَ صَاحِبُ المُجمَل).\n* الغريبين في القرآن والحديث؛ لأبي عبيد الهروي (٤٠١ هـ): المصدر الثاني من حيث الورود، وكذلك يعبر عنه بصاحب الغريبين.\n* غريب الحديث؛ لأبي عبيد القاسم بن سلام (٢٢٤ هـ): ينقل عنه\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء ط الحديث (١٤/ ١١٤).\n(^٢) الأنساب للسمعاني (١٣/ ٣١٧).\n(^٣) سير أعلام النبلاء ط الحديث (١٤/ ٩٣).","vol":"1","page":91},{"text":"كثيرا، والنقل دال على ذلك، لكن لا يسمي الكتاب.\n* غريب الحديث؛ لابن قتيبة الدينوري (٢٧٦ هـ)، نفس ما قيل في أبي عبيد.\n* غريب الحديث لأبي سليمان الخطابي (٣٨٨ هـ)، مثلهما، لكن بدرجة أقل.\n* معالم السنن؛ لأبي سليمان الخطابي (٣٨٨ هـ)، أكثر النقل عنه، في مختلف الأبواب، خاصة العبادات، والنقل بلفظه دال على ذلك.\n* الفصيح؛ لأبي العباس أحمد بن يحيى المعروف بثعلب (٢٩١ هـ): صرح بالنقل عنه في كتاب البر والصلة، عند شرح: (المَلّ).\n* ديوان جرير؛ برواية وشرح محمد بن حبيب البغدادي (٢٤٥ هـ): صرح بالنقل عنه عند ذكر واقعة يوم زرود، وقال: (مِنَ الدِّيوَانِ الَّذِي فِيهِ شِعرُ جَرِيرٍ).\n* مدونة؛ الإمام مالك (١٧٩) هـ): ساق كثيرا من أقوال مالك ومذهبه، والنقل بلفظه دال على ذلك.\n* الأم؛ للإمام الشافعي (٢٠٤ هـ): المؤلف شافعي المذهب، وكتاب الأم عمدة الفقه الشافعي، والنقل بلفظه دال على النقل عنه.\n* * *","vol":"1","page":92},{"text":"<span data-type='title' id=toc-33>المطلب الثالث المصادر النقلية التي لم يصرح بها، ويغلب على الظن نقله عنها</span>\n* المصنفات الحديثية: لم يصرح المؤلف بشيء من كتب السنة؛ إلا صحيح مسلم، وفي نقله عن غيره يكتفي بقوله: (وَفِي خَارج الصَّحِيحِ)، ويقصد مختلف المصنفات من صحاح؛ وسنن؛ ومسانيد؛ ومعاجم؛ وغيرها، لدلالة النقل عليها.\n* العين؛ للخليل بن أحمد (١٧٠ هـ).\n* الرسالة؛ للإمام الشافعي (٢٠٤ هـ).\n* المختصر؛ لإسماعيل بن يحي المزني (٢٦٤ هـ).\n* العلل الكبير؛ للترمذي (٢٧٩ هـ).\n* شرح معاني الآثار؛ للطحاوي (٣٢١ هـ).\n* جمهرة اللغة؛ لابن دريد (٣٢١ هـ).\n* تهذيب اللغة؛ للأزهري (٣٧٠ هـ).\n* الإلزامات والتتبع؛ للدارقطني (٣٨٥ هـ).\n* أعلام الحديث؛ لأبي سليمان الخطابي (٣٨٨ هـ).\n* الصحاح للجوهري (٣٩٣ هـ).\n* تفسير الموطأ؛ للقنازعى (٤١٣ هـ).\n* الحاوي الكبير؛ للماوردي (٤٥٠ هـ).","vol":"1","page":93},{"text":"* المهذب؛ للشيرازي (٤٧٦ هـ).\n* شرح السنة؛ للبغوي (٥١٦ هـ).\nوهذه المصادر وغيرها مما لم يصرح به، لا نستطيع الحسم في نقلها عنها، إذ يمكن أن ينقل عنها بواسطة، لكن يرجح أنها من مصادره، لكونها مظان مادته العلمية، ولتوافق الألفاظ والنقول في بعضها.\n* * *","vol":"1","page":94},{"text":"<span data-type='title' id=toc-34>المبحث الخامس مقارنة بين كتاب التحرير ونظرائه</span>\n* * *\nتنوعت شروح صحيح مسلم، ولعل أشهرها شرح الإمام النووي، وقبله شرح المازري والقاضي عياض، وشرح القرطبي، وغيرها، وأرى أنه من غير المناسب أن نقارن كتاب التحرير بالمعلم وإكماله، وحتى بالمفهم للقرطبي، نظرا لاختلاف المسلكين، فالأول يعنى بالغريب أساسا، والأخرى تعنى بفقه الحديث وما تعلق به من مختلف العلوم.\nوكذلك لا يناسب أن نقارنه بشرح الإمام النووي، ومن جاء بعده، لطول العهد وفارق الزمن، ما يجعل المتأخر أكثر استيعابا، بالإضافة إلى طبيعة الشرح، فهو بالمعنى الأوسع، لا بمعنى الغريب.\nوتبقى المقارنة الأقرب للإنصاف أن نقارن بين التحرير للأصبهاني (٥٣٥ هـ)، والمفهم للفارسي (٥٢٩ هـ)، لاتحاد الموضوع والمسلك والزمن:\n١ - الاسم:: لا أحد منهما نص في اسم الكتاب على موضوع الغريب، لكنهما وظفا مفردات دالة على البيان والإفهام التحرير في شرح/ المفهم لـ).\n٢ - التراجم والأبواب: يتوفر كتاب التحرير على تراجم الكتب والأبواب، وليس في المفهم إلا تراجم الكتب، وبعض الأبواب التي هي جنسها، ويلحظ شيء من التوافق في صياغة الكتب، باستعمال (مِنْ) التبعيضية المسبوقة بواو الاستئناف.","vol":"1","page":95},{"text":"٣ - الاستيعاب لأحاديث الصحيح: لم يشترط أحد منهما استيعاب كل أحاديث صحيح مسلم، لكن يظهر أن صاحب التحرير أكثر استيعابا، لأن عدد الأحاديث التي شرحها -فقط- في الجزء الذي وصلنا فقط هو ٩٤٦ حديثًا، مع أن فيه سقطا في أثنائه وآخره، بالإضافة إلى الجزء الأول المفقود، وأما صاحب المفهم فجملة ما شرحه من الصحيح ١١٠٧ أحاديث.\n٤ - المنهج المتبع في الشرح: ثمة فرق ظاهر بين الكتابين، فصاحب التحرير يشرح الغريب، ويعرج على الفقه والأحكام والفوائد والمعاني، وقد يطيل النفس في ذلك؛ خاصة في أبواب العبادات والمعاملات، وأما الفارسي فقد اقتصر على بيان الغريب بشكل مقتضب، ولا يكاد يتعرض للفقه والأحكام، إلا لماما.\nوكذلك الفارسي يسوق الأحاديث بتمامها، أو قريبا من ذلك، ويكتفي الأصبهاني غالبا بذكر موضع الشاهد منها.\n٥ - التقريرات العلمية: يتفق المؤلفان - إلى حد ما - في طريقة تناولهما للمسائل اللغوية، وإن كان صاحب التحرير أكثر تعمقا، وأما التقريرات الفقهية فتتعذر المقارنة لعدم اهتمام الفارسي بها، وإن كانا شافعيين مذهبا، أما التقريرات العقدية، فبينهما اختلاف واضح، تبعًا لاختلاف مذهبهما العقدي، فالأصبهاني على اعتقاد السلف، والفارسي على اعتقاد الأشاعرة.\nوعلى العموم فمنهج الإمام الأصبهاني التوسع في اللغة والفقه والأحكام، بالإضافة إلى فوائد إعرابية وأدبية وعقدية ونحوها، حتى إن الحديث الواحد قد يستغرق بضع صفحات، وأما منهج الإمام الفارسي فالاقتصاد في ذلك، والتركيز","vol":"1","page":96},{"text":"على الغريب وما تعلق به من فوائد لغوية وبيانية وعقدية، كل ذلك بإيجاز واختصار، لا يتجاوز أوسعها شرحا نصف صفحة.\nوأسوق هنا مثالا، حرصت أن يكون تناولهما له متقاربا:\n <table dir=rtl> <tr> <th>التحرير في شرح مسلم </th> <th>المفهم لصحيح مسلم </th> </tr> <tr> <td>وفي حديث عائشة ﵂ (فَتَوَاطَأتُ أَنَا وَحَفْصَةُ أَنْ أَيَّتَنَا مَا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ فَلَتَقُلْ: إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ ريحًا)، وفي رواية: (رِيحَ مَغَافِيرَ)، (تَوَاطَأتُ): أي اتفقت أنا وحفصة، وقوله: (مَا دَخَلَ)، ما زائدة و(المَغَافِير): صمغ يسيل من الشجر، قيل: من شجر العرفط، وهو حلو كالناطف، وله ريح منكرة، و(العُرفُط): من شجر العضاه، والعضاه كل شجر له شوك، والنحل يأكل منها، ومعنى: (جَرَسَت نَحلُهُ العُرْفُطَ) أي: أكلت من هذه الشجرة، ويقال للنحل جوارس. <br>وكان النبي ﷺ يكره أن يوجد منه رائحة شيء من الأطعمة والأشربة، وكان يتوقاها لأجل الملَك، وفي </td> <td>وفي حديث عائشة: تخبر أن النبي ﷺ كان يمكث عند زينب بنت جحش؛ فيشرب عِندها عسلًا. قالت: (فتواطأت أنا وحفصة أن أيتنا ما دخل عليها النبي ﷺ فلتقل: إني أجد منك ريح مغافِير) وهو جمع مغفور؛ وهو مثل صمغ يخرج من الرمث؛ حلوٌ يؤكل وله رائحةٌ، والمغثور لغةٌ فيه، وفي حديثها: أنها قالت: (قِيل لي: أهدت لزينب امرأةٌ مِن قوِمها عكةً من عسل)، أي إناءٌ فيه عسلٌ، وكان ﷺ يشتُّد عليه أن يقال له: يوجد منك ريح. <br>وفي الحديث: أنه لما دنا من سودة قالت: (يا رسول الله! أكلت، مغافِير؟ قال: (لا)، قالت: فما هذه الريح؟ قال: سقتني حفصة شربة </td> </tr> </table>","vol":"1","page":97},{"text":" <table dir=rtl> <tr> <th>التحرير في شرح مسلم </th> <th>المفهم لصحيح مسلم </th> </tr> <tr> <td>الحديث دليل على الاحتراس من مكائد النساء، ودليل أن النبي ﷺ كان يحب الحلواء والعسل، و(العُكَّة): الزق الصغير، وفي الحديث دليل أن غيرة النساء على أزواجهن جِبلة. </td> <td>عسل) قالت: جَرَسَت نَحلُهُ العُرْفُطَ)؛ أي: أكلت نحله والنحل: زنابير العسل، يقال: جرست النحل؛ لأنها إذا أكلت سمع لها صوتٌ، وأصل الجرس الصوت، و(العرفط): شجر من العِضاهِ يسيل منه المغفور شبه صمغ، وورقته بيضاء مدحرجةٌ. </td> </tr> </table>","vol":"1","page":98},{"text":"<span data-type='title' id=toc-35>الفصل الثالث وصف المخطوط ومنهج التحقيق</span>\n* المبحث الأول: وصف المخطوط وتقدير سقطه.\n* المبحث الثاني: منهج التحقيق وإخراج الكتاب.","vol":"1","page":99},{"text":"<span data-type='title' id=toc-36>المبحث الأول وصف المخطوط</span>\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-37>المطلب الأول وصف المخطوط</span>\nنسخة فريدة، محفوظة بالمكتبة الظاهرية، تحت تصنيف: علم الحديث: (١٢٤٤)، فيلم رقم: (٣٧٩)، وهي الجزء الثاني فقط من الكتاب، تبدأ بأول كتاب الزكاة، وتنتهي بباب ذكر الدجال وصفته، من كتاب الفتن، وفيها سقط في أثنائها وآخرها، حيث يظهر أنه قد انفرط المخطوط ثم جُمع مع خلطٍ كثير في ترتيب أوراقه، وفقدٍ لبعضها.\nويقع المخطوط في ١٦٠ لوحة، كل لوحة من وجهين، عدد السطور في الوجه الواحد يتفاوت؛ بين ١٩ و٢٢، وخطُّه مغربي واضح منقوط، مضبوط بالشكل بنسبةٍ كبيرة، وقد أصابته الرطوبة في أغلب أوراقه، لكن لم تؤثر على قراءة النص، سوى في خمسة أوراق منه، وعليه بلاغاتٌ وتصحيحاتٌ كثيرةٌ مما يدل على أنه قوبل على أصله، وصُحِّح بعد نسخه، ولا يُعرف ناسخه، ولا تاريخ نسخه بسبب السقط في آخره.\nهذا الذي وصلنا من المخطوط للأسف الشديد، وسبق أن أشرنا في مبحث سابق، أن كل من نقل عن كتاب التحرير، إنما نقل بواسطة النووي، وكأن نسخ الكتاب ضاعت بعده واختفت عن متناول العلماء، إلا ما ورد عن ابن المحب الصامت.","vol":"1","page":101},{"text":"وقد عاش الإمام النووي في دمشق، وتربع على كرسي التدريس والعلم بدار الحديث الأشرفية، إلى أن توفي سنة ٦٧٦ هـ، وهي السنة التي أسس فيها الظاهر بيبرس المكتبة الظاهرية، فلعل هذه البيئة سمحت بتداول هذا الكتاب على وجه مخصوص، إلى أن استقر برفوف المكتبة الظاهرية.\n\n<span data-type='title' id=toc-38>المطلب الثاني تقدير ما وقع في المخطوط من السقط</span>\nأما المفقود فهو الجزء الأول منه، وهو من بداية الكتاب إلى آخر كتاب الجنائز، أي ما يلي:\nمقدمة الإمام مسلم: وبها ٧ أحاديث، وكتاب الإيمان: وبه ٢١٥ حديثا، وكتاب الطهارة: وبه ٧٠ حديثا، وكتاب الحيض: وبه ٨٤ حديثا، وكتاب الصلاة: وبه ١٤٣ حديثا، وكتاب المساجد: وبه ١٦٥ حديثا، وكتاب صلاة المسافرين: وبه ١٥٩ حديثا، وكتاب الجمعة: وبه ٤٠ حديثا، وكتاب صلاة العيدين: وبه ١٠ أحاديث، وكتاب صلاة الاستسقاء: وبه ٧ أحاديث، وكتاب الكسوف: وبه ١٥ حديثا، وكتاب الجنائز: وبه ٦٣ حديثا.\nأي ما مجموعه ٩٧٨ حديثا، وهو ما يعادل ثلث صحيح مسلم تقريبا، مع التنبيه إلى أن المؤلف لم يشترط الاستيعاب في كتابه، وإنما ينتقي من الأحاديث ما يراه بحاجة إلى بيان، ويترك غيره.\nوضمن هذا الجزء المفقود مقدمة الكتاب، لأن الذي جرت به عادة المؤلف في بقية كتبه أن يفتتحها بمقدمة يبين فيها أهمية الموضوع، ومنهجيته ونحو ذلك،","vol":"1","page":102},{"text":"سواء تعلق الأمر بالحافظ أبي القاسم، أو حتى بولده أبي عبد الله، كما نجد عنده في شرحه للبخاري.\nوتجدر الإشارة إلى أن هذا الذي أملاه الابن أبو عبد الله من مقدمة، وشرح لصدر الكتاب، كل ذلك ضمن هذا الجزء المفقود، كما بيناه سابقا.\nوأما الجزء الثاني، وهو الذي بين أيدينا موضوع الدراسة والتحقيق، فقد وقع فيه سقط في أثنائه وآخره، كما يلي:\n* السقط الأول: وقع في كتاب الزكاة، ما بين حديث جرير ﵁: (كُنَّا عِندَ النَّبِي ﷺ صَدرَ النَّهَارِ)، وهو عند مسلم برقم: ١٠١٧، وحديث أنس ﵁ في إعطاء النبي ﷺ المؤلفة قلوبهم دون الأنصار، وهو برقم: ١٠٥٩، فيكون مجموع الأحاديث الساقطة: ٤٢ حديثا.\n* السقط الثاني: وقع من كتاب الأيمان/ حديث أبي موسى الأشعري ﵁: (مَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ، وَاللهِ مَا أَحْمِلُكُمْ) برقم: ١٦٤٩، إلى كتاب الأقضية حديث ابن عباس ﵄: (أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ وَسَلَّمَ قَضَى بِيَمِينِ وَشَاهِدِ) برقم ١٧١٢، فيكون مجموع الأحاديث الساقطة: ٦٣ حديثا؛ حسب هذا التفصيل:\n- كتاب الأيمان: ٢٠ حديثا.\n- كتاب القسامة والمحاربين: ٢١ حديثا.\n- كتاب الحدود: ٢١ حديثا.\n- كتاب الأقضية: حديث واحد.","vol":"1","page":103},{"text":"* السقط الثالث: وقع في كتاب الصيد والذبائح، من حديث عدي بن حاتم ﵁: (إِذَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَكُل) برقم: ١٩٢٩، إلى حديث جابر ﵁: (هُوَ رِزْقٌ أَخْرَجَهُ اللهُ لَكُم) برقم: ١٩٣٥، فيكون مجموع الأحاديث الساقطة: ٧ أحاديث، باحتساب الغايتين.\n* السقط الرابع: وقع من كتاب الشعر/ حديث سعد ﵁: (لأَنْ يَمْتَلِيءَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا) برقم: ٢٢٥٨، إلى كتاب فضائل الصحابة حديث جابر ﵁: (لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيٌّ وَحَوَارِيَّ الزُّبَيرُ) برقم: ٢٤١٥، فيكون مجموع الأحاديث الساقطة: ١٦٧ حديثا، باحتساب الغايتين، والأحاديث المكررة، حسب هذا التفصيل:\n- كتاب الشعر: ٣ أحاديث.\n- كتاب الرؤيا: ١٥ حديثا.\n- كتاب الفضائل: ١٠٥ أحاديث، و٦ أحاديث مكررة.\n- كتاب فضائل الصحابة: ٣٦ حديثا، وحديثين مكررين.\n* السقط الخامس: وقع من آخر كتاب البر والصلة حديث أبي موسى ﵁: (اشْفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا) برقم: ٢٦٢٧، إلى كتاب القدر حديث أبي هريرة ﵁ (إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ) برقم: ٢٦٥١، فيكون مجموع الأحاديث الساقطة: ٢٧ حديثا، باحتساب الغايتين، وبالمكرر:\n- كتاب البر والصلة: ١٧ حديثا.\n- كتاب القدر: ١٠ أحاديث.","vol":"1","page":104},{"text":"* السقط السادس: وقع من كتاب الزهد والرقائق حديث سعد ﵁: (إن الله يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ، الْغَنِيَّ، الْخَفِيَّ) برقم: ٢٩٦٥، إلى آخر الكتاب أثر أبي سعيد ﵁ في كتاب التفسير برقم: ٣٠٣٣، فيكون مجموع الأحاديث الساقطة: ٧٢ حديثا، باحتساب الغايتين، وبحديثين مكررين:\n- كتاب الزهد والرقائق: ٥٠ حديثا، و٣ مكررة.\n- كتاب التفسير: ١٩ حديثا.\nومع ذلك فالقدر المتوفر الآن فيه من الفوائد والاستنباطات والأحكام، ما يروي الغليل، ويشفي العليل، ويشبع نهمة القارئ وطالب العلم، ولعل المستقبل يكشف لنا عن نسخ أخرى تامة، فتكتمل الفرحة، وتزدان المكتبة الإسلامية بهذا السفر النفيس، وما ذلك على الله بعزيز.","vol":"1","page":105},{"text":"أول المخطوط","vol":"1","page":106},{"text":"نموذج للطمس في المخطوط","vol":"1","page":107},{"text":"آخر المخطوط","vol":"1","page":108},{"text":"<span data-type='title' id=toc-39>المبحث الثاني منهج التحقيق وإخراج الكتاب</span>\nالغرض من التحقيق هو إخراج الكتاب على أقرب صورة من وضع المؤلف وصنعه، وقد يسر الله سبحانه إخراج هذا السفر - على ما فيه من سقط - بتوفيقه سبحانه وتسديده، على ما نظن أنه الأليق والأقرب، ويتلخص منهجي بخصوص ذلك في:\n* إثبات نص المؤلف كما في المخطوط، دون تصرف، وما احتاج منه إلى تقويم أو تنبيه، فإني أثبته في هامش الإحالات، ترسيخا لمبدإ الأمانة العلمية.\n* ترقيم أحاديث الصحيح التي تناولها المؤلف بالشرح والبيان، وتمييزها عن غيرها، وتوثيقها من صحيح مسلم أولا، ثم من كتب السنة الأخرى، تسهيلا على من أراد الرجوع إليها، خاصة أن المؤلف لا يذكرها بتمامها، فأجعل إحالة التوثيق عند أول مقطع منها أو إشارة إليها، ولا أعيد توثيقها عنده تقطيعه لها في الشرح.\n* إثبات ضبط الكلمات كما وردت في المخطوط لفظا أو خطا، وكذا ضبط كل ما يحتاج إلى ذلك، من خلال الرجوع إلى المعاجم والقواميس المعتمدة.\n* توثيق الآيات في المتن بإثبات اسم السورة ورقم الآية بين معقوفين، وكتابتها بالرسم القرآني، ووضعها بين قوسين مزهرين.","vol":"1","page":109},{"text":"* تخريج كل الآثار التي استشهد بها المؤلف، سواء تعلق الأمر بروايات الصحيح، أو الآثار الأخرى خارجه، ولا أشير إلى درجة الحديث عند العلماء، لاستشهاده بآثار كثيرة غير مسندة، ولأن سياق استشهاده غالبا يكون متعلقا باللغة، فلا يضر ضعفه.\n* توثيق الأشعار والأمثال التي أوردها المؤلف، والإحالة على مظانها، وبيان قائليها، وإتمام ما اكتفى المؤلف بصدره أو عجزه من الأبيات.\n* توثيق كل الأقوال والآراء الفقهية واللغوية وغيرها، مما أورد المؤلف حكاية عن صاحبه، وتصريحا بقائله، مع الحرص على التوثيق من كتب المتقدمين ما أمكن، مما يرجح أن المؤلف نقل منه.\n* التعليق على كل موضع، يظهر بحاجة ماسة إلى توضيح أو بيان، دون مبالغة أو تطويل، كشرح غريب في كلام المؤلف، أو تنبيه على مخالفة لفظه للفظ الصحيح، أو نحو ذلك.\n\n*<span data-type='title' id=toc-40> خلاصات ونتائج:</span>\nوقبل إغلاق هذه الدراسة المختصرة نذكر بأهم النتائج:\n* التحرير في شرح مسلم، كتاب أملى منه أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الأصبهاني، قدرا لا بأس به، وصل فيه على الأقل إلى كتاب الصلاة، فعاجله الموت، وأتمه أبوه الحافظ إسماعيل الأصبهاني.\n* نقل كثير من العلماء اجتهادات صاحب التحرير، وضمنوها شروحهم، لكن يبدو أن الجميع نقل بواسطة الإمام النووي.","vol":"1","page":110},{"text":"* التحرير من أوائل شروح مسلم، إلى جانب شرح المازري والفارسي.\n* سلك المؤلف في كتابه مسلك الجمع بين شرح الغريب وبيان فقه الحديث، ولم يشترط استيعاب كل أحاديث الصحيح.\n* ما بين أيدينا الكتاب الآن، هو الجزء الثاني الذي يبدأ من كتاب الزكاة إلى آخر الكتاب، مع سقط في وسطه وآخره.\n* عملُنا في التحقيق يقتصر على إخراج نص المؤلف وضبطه، وتوثيق جميع نقوله، وترقيم أحاديثه.\nهذا وقد بذلنا الوسع في إخراج الكتاب على الوجه المرضي، فإن وفقنا إلى ذلك - وهو المأمول - فبتوفيق الله سبحانه وعونه، وإن حصل منا أو خطأ أو نسيان، فنسأل الله تعالى أن يتجاوز عنا، وألا يحرمنا أجر الاجتهاد وصدق القصد، إنه عفو جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين.","vol":"1","page":111},{"text":"<span data-type='title' id=toc-41>من كتاب الزكاة</span>\n<span data-type='title' id=toc-42>باب مقدار ما تجب فيه الزكاة</span>\nقال أهل اللغة (^١) الزكاة زكاة المال، وإنما سُمِّيت بذلك؛ لأنه مما يُرجى به زكاة المال، وهو زيادتُه ونماؤُه، وقال قوم: سُمّيت زكاةً لأنها طُهرة، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣].\nويقال: زرعٌ زاكٍ: بَيِّنُ الزكاء، ويقال: إذا كثرت المؤتفكات - أي: الرياح - زكت الأرض؛ أي: كثُر رَيعُها، وزكت النفقة: إذا بُورك فيها، وقيل: سُمّيت الزكاة زكاةً؛ للبركة التي تظهر في المال بعدها (^٢).\nوقال ابن عرفة (^٣): سُميت زكاةً لأن مؤديها يتزكى إلى الله؛ أي: يتقرب إليه بها، وكل من تقرّب إلى الله بعملٍ صالح فقد تزكى إليه (^٤)، ومنه قوله: ﴿يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ [الليل: ١٨]، وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤]، أي: فاز بالبقاء الدائم؛ من تقرب إلى الله بالتقوى وكثرة العمل الصالح، ويقال: فلان زاكٍ: إذا كان كثير المعروف، وقرئ: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ (^٥) [الكهف: ٧٤]، أي: كثيرة\n_________\n(^١) ابن فارس في مجمل اللغة ص ٤٣٧.\n(^٢) الغريبين في القرآن والحديث لأبي عبيد ٣/ ٨٢٥.\n(^٣) يقصد نفطويه؛ فهو أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة الأزدي الواسطي (٣٢٣ هـ).\n(^٤) الغريبين ٣/ ٨٢٥.\n(^٥) وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي جعفر وأبي عمرو.","vol":"1","page":115},{"text":"المعروف، وقرئ: (زَكِيَّةً) (^١) أي: طاهرةً بريئة من الذنوب.\nوالزَّكا: الشَّفع، قال الراجز المنقري (^٢):\nفَلَا زَكَا عَدِيدُهُ وَلَا خَسَا … كَمَا شِرَارُ الْبَقْلِ أَطْرَافُ السَّفَا\nالخسا: الوتر، والسَّفا: شوك البُهْمَى (^٣).\n\n[١] وحديث أبي سعيد ﵁: (لَيسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوسُقٍ صَدَقَةٌ) (^٤) الحديث، قال أصحاب الشافعي ﵁ (^٥): ولا تجب الزكاة في ثمَر النخل والكرم؛ إلا أن تكون نصابًا، ونصابه خمسةُ أوسق؛ لحديث أبي سعيد ﵁، وهي ثلاثمائة (^٦) صاع، وذلك ألفٌ وستمائة رطل بالبغدادي.\nوالوسَق: حِمل البعير، فإذا بلغ يابسُه خمسة أوسق؛ وجب فيه الزكاة، وزكاته العشر فيما سقي بغير مُؤنة ثقيلة؛ كماء السماء والأنهار؛ وما يَشرَب بالعروق، ونصفُ العشر فيما سُقي بمُؤنة ثقيلة؛ كالنواضح والدواليب.\n_________\n(^١) قراءة حمزة وابن عامر وعاصم والكسائي.\n(^٢) الراجز رجل من بني سعد، ارتجز بهذا ردا على الأغلب العجلي، ينظر: طبقات فحول الشعراء ٢/ ٧٣٩، معجم الشعراء ٤٩٠، بشيء من الاختلافات في صدر البيت، وذكره كما عند المؤلف الطبري في التفسير ١/ ٥٧٣، والماوردي في الحاوي الكبير ٣/ ٧١، ومنه النقل.\n(^٣) نبت يشبه سنبل الشعير بلا حب.\n(^٤) أخرجه برقم: ٩٧٩، وكذلك البخاري: ١٤٤٧.\n(^٥) مختصر المزني: ٨/ ١٤٢، الحاوي الكبير للماوردي: ٣/ ٢١٠.\n(^٦) في الأصل: (ثلاثمائة مائة صاع).","vol":"1","page":116},{"text":"[٢] روي مسلم في الباب الذي بعد هذا، عن جابر بن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ قال: (فِيمَا سَقَتِ الأَنْهَارُ وَالغَيمُ العُشْرُ (^١)، وَفِيمَا سُقِيَ بِالسَّانِيَةِ نِصْفُ العُشْرِ) (^٢)، قوله: (وَالغَيْمُ)؛ يعني: المطرَ الذي ينزل من الغيم، و(السَّانِيَة): الناقة التي تسقي الأرض، يقال: سَنَت الناقةُ تَسْنو فهي سانيةٌ، ولا يجب العشر حتى يبدو الصلاحُ في الثمار، وبدوُّ الصلاح: أن يَحمَرَّ البُسْر ويَصْفَرَّ، ويتموَّهَ العنبُ، أي: يقع فيه الماء.\nوقوله: (خَمْسَةِ أَوسُقٍ)، قال أهل النحو (^٣): الجمع جمعان: قليل وكثير، والقليل: ما دون العشرة، والكثير: ما فوق العشرة، وسُمّي الأول الجمع القليل، ويسمى أدنى العدد، وهو على أربعة أبنية: أَفْعُل كأَوْسُق في جمع وَسَق، وأَفْعال كأوساق، وأَفْعِلة كأجربة في جمع جَريب، وفِعْلة كصبية في جمع صبي، فأما أَفْعُل وأفعال فالثلاثي، وأفعِلة وفِعلة لما زاد على الثلاثي، وليس في أدنى العدد أخفُّ من أَفْعُل، [فجُعل] (^٤) ذلك لجمع فَعْلٍ؛ لأن فَعْلا أخفُّ الأبنية الثلاثية، وجُعل أفعال لسائر الأبنية الثلاثية، وأَفْعِلة وفعلة ثقيلان؛ لمكان حرف التأنيث فيهما، فجُعلا لما زاد على الثلاثي.\n_________\n(^١) اللفظ عند مسلم: (العشُور) واختلفوا هل هو بالفتح أم بالضم، قال عياض ﵀ في الإكمال ٣/ ٤٦٧: (كذا رُوِّيناه عن عامة شيوخنا العَشور - بفتح العين المهملة - وهو اسم المخرج)، وقال النووي ﵀: (ضبطناه: العُشور بضم العين جمع عشر … وهو الصواب) شرح مسلم ٧/ ٥٤، وروي: (العشر) عند البخاري: ١٤٨٣.\n(^٢) أخرجه برقم: ٩٨١، وكذلك أبو داود: ١٥٩٧.\n(^٣) ينظر: الكتاب لسيبويه: ٣/ ٤٩٠، شرحه للسيرافي: ٤/ ٣٠٦، علل النحو لابن الوراق: ٥١٩، العدد في اللغة لابن سيده ٢٣.\n(^٤) في الأصل (فجمع) والسياق يقتضي المثبت.","vol":"1","page":117},{"text":"قال أهل اللغة (^١): يقال: لا أفعله ما وسقت عيني الماء، أي: حملته، وقال أهل اللغة (^٢): كل شيء حملته فقد وسقته، وقيل: الوسق: ضمك الشيء إلى الشيء، قال أهل التفسير (^٣) في قوله: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ [الانشقاق: ١٧]، أي: جَمَع وضَمَّ، والواسق: الذي يجمع الإبل، والوسيقة: الإبل التي يجمعها، وفي رواية: (فِيمَا دُونَ خَمْسٍ أَوسُقِ) (^٤) بلا هاء حملا على القطع، لأن كل وسق قطعة، وقوله: (وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسٍ ذَودٍ صَدَقَةٌ)، الذود: القطعة من الإبل ما بين [الثلاث] (^٥) إلى العشر، فإذا صارت عشرا فما فوق، قيل صِرْمَة من الإبل، فإذا بلغت أربعين قيل هَجْمَة، فإذا بلغت مائة قيل هُنَيدةُ غير مصروفة، قال الشاعر:\nأعْطَوْا هُنَيْدَةَ يحدُوها ثمانيةٌ … مَا فِي عَطَائِهِم مَنٌّ وَلَا سَرَفُ (^٦)\nأي: يحدوها ثمانية رعاة، ويقال: (الذَّودُ إلى الذَّودِ إِبل، والحَبّة إلى الحَبّة علفٌ) (^٧)، وقوله: (وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسٍ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ)، الأُوقية: أربعون درهمًا، وخمسُ أواقٍ: مائتا درهم، يقال: أُوقيةٌ وأواقيُّ بتشديد الياء، كأضحيةٍ وأضاحيٍّ،\n_________\n(^١) مجمل اللغة: ٩٢٥، الصحاح للجوهري: ٤/ ١٥٦٦.\n(^٢) ينظر تهذيب اللغة ٩/ ١٨٧، النهاية: ٥/ ١٨٥.\n(^٣) ينظر: تفسير الطبري: ٢٤/ ٣١٨، ابن أبي زمنين: ٥/ ١١٣، السمعاني: ٦/ ١٩١، البغوي: ٨/ ٣٧٥.\n(^٤) عند البخاري: ١٤٠٥، وأحمد: ١١٠٣٠، وغيرهما.\n(^٥) في الأصل: (الثلاثة)، والتصويب من: العين: ٨/ ٥٥، وغريب أبي عبيد: ١/ ٣١٤.\n(^٦) البيت لجرير يمدح عبد الملك بن مروان، ينظر: الشعر والشعراء لابن قتيبة: ١/ ٤٦٠، العقد الفريد لابن عبد ربه: ١/ ٣٣١.\n(^٧) من أمثال العرب، يراد به أن القليل إذا جمع إلى القليل كثر، ينظر: جمهرة الأمثال: ١/ ٤٦٢، الأمثال للهاشمي: ١/ ٩٤.","vol":"1","page":118},{"text":"ومن العرب من يقول: أواقٍ بحذف الياء تخفيفا.\nوفي الحديث: دليل على أن الفضة لا تُضم إلى الذهب، وإنما يعتبر نصابها بنفسها.\n\n<span data-type='title' id=toc-43>فصل استُخرج واختُصر من كلام بعض العلماء</span>\nالزكاة حق أوجبه الله على العباد في أموالهم، مواساةً لذوي الحاجة، وأكد التنبيه على هذا فقال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، فأخبر أن النبي ﷺ يطهرهم بما يأخذ من زكواتهم من أدناس الذنوب، ويعلي ذكرهم في المؤمنين، و[يجر] (^١) إليهم حسن الثناء به، ثم أمر بأن يدعوَ لهم، وأخبر أن في دعائه لهم تسكينا لقلوبهم، سكون ثقةٍ بإجابة ما يدعو به النبي ﷺ.\nوهذه المواساة: أن يُخرج الأغنياء من أموالهم ما يسد خلة فقرائهم، حتى يكون الفقراء مستغنين بالأغنياء، وقال النبي ﷺ: (أُمِرْتُ أَن آخُذَهَا مِنْ أَغْنِيَائِكُم وَأَرُدَّهَا فِي فُقَرَائِكُم) (^٢)، ثم جعل من يوضع فيهم الزكاة أصنافا فقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآية [التوبة:٦٠]، وعلَّق الوجوب ببعض المال دون بعض، وذلك ما يقتنى للتموُّل وطلب الفضل فيه، وجعل مقدار الواجب: ما لا يُؤَثِّر في غنى المُخرج تأثيرًا بيِّنا؛ في جنب المال الذي يخرجه منه، كخمسة دراهم في مائتي درهم، وشاة في خمس من الإبل، وشاة في أربعين شاة وتبيعٍ\n_________\n(^١) عدم وضوح في الأصل.\n(^٢) الحديث متفق عليه: البخاري: ١٣٩٥، مسلم: ١٩، غير أنه بلفظ: (إن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم)، ولفظ المؤلف رواية بالمعنى ورد في بعض كتب الفقه.","vol":"1","page":119},{"text":"في ثلاثين بقرة، وما أشبه هذا.\nثم لم يقتصر على هذا التخفيف، حتى جعل لهم أمدًا يجب الحقُّ عليهم بحلوله، ليتوسعوا في التصرف في المال، وذلك مضيُّ الحول على المال، فيبقى المال بعد أداء الحق منه، ويكون الحق بإزاء النماء الحاصل بالتصرف.\nثم جعل مال الزكاة ثلاثة أصناف: صنف منها: الذهب والفضة، وصنف: ما تنبته الأرض من أنواع النبات والأشجار، والثالث: ما يقتنى لطلب النماء فيه من الأنعام، فالذهب والفضة بهما يقع التعامل؛ وإليهما ترجع أصول الأموال كلِّها، ولم يدخل في ذلك الحديدُ والنحاسُ والصُّفرُ، وأما ما تنبته الأرض؛ فما كان قوتا تقوم به الأبدان كالبُر والشعير ونحوِها، ولا يدخل في ذلك البُقول والخضر والفواكه.\nوأما الأنعام: فالإبل والبقر والغنم؛ دون الحمير والبغال والخيل، جعل جميع ذلك فيما يكثر اقتناؤها ويَعُمُّ الانتفاع بها.\nفالذهب والفضة لا يجد أحدٌ منهما بدا، والأقوات يَعُمُّ الانتفاع بها، لامتِسَاس الحاجة إليها، وما يُؤْتَدَم به أو يُتَفَكَّه منحط عن هذه الدرجة في عموم الحاجة، وحاجة الناس إلى الإبل والبقر والغنم أعمُّ من حاجتهم إلى الخيل والحمير؛ التي لا تقتنى للنماء في أغلب الأحوال، وكذا الدور والعقار والثياب والمتاع والرقيق، لأن عظم المنفعة فيها: التزين والجمال؛ دون الاقتناء طلبا للأرباح،، فلا زكاة فيما هذا وصفُه، إلا أن يخرج عن أصله، فيصرف إلى الاقتناء لطلب الفضل بالتصرف فيه للتجارة، فحينئذ تجب فيه الزكاة.","vol":"1","page":120},{"text":"ولهذا المعنى شرط في المواشي أن تكون سائمةً لا معلوفة، لأن الماشية تنمى على السوم ما لا تنمى على العلف، وإنها إذا عُلِفت أحاط ثمنُ العلف بنمائها أو بأكثره، فيلحق بما يقل نماؤه من الحيوان؛ وهو الحمير والبغال والخيل.\nثم على هذه الجملة اختلاف قدر الزكاة فيما تخرجه الأرض؛ بما يسقى من ماء السماء والعيون، وما يسقى بالدلاء من النواضح، فخُفَّفَ في مقدار الحقِّ المُخْرَج؛ فجُعِل نصف العشر لكثرة المُؤنة، وفيما سُقِي بماء السماء العُشر لخفة المؤنة.\n\n[٣] وفي حديث أبي هريرة: (لَيسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ) (^١)، وفي رواية: (لَيسَ فِي الْعَبدِ صَدَقَةٌ إِلَّا صَدَقَةُ الْفِطرِ).\nقال أصحاب الشافعي ﵁: الزكاة إنما تجب في الأموال النامية، فلما كان العبد والفرس تحيط مؤنتهما بما يُنتفع به منهما، لم تجب فيهما صدقة (^٢).\nوفي قوله: (إِلَّا صَدَقَةُ الفِطرِ) معنى لطيف، وذلك أن معنى الاستثناء إذا كان آخر الكلام، فهو للكلام كله إلا بدليل، وهذا الاستثناء للعبد دون الفرس، فصار مخصوصا بما عُرف من معناه.\nوفي الحديث الذي قبل هذا الباب: (فِيمَا سَقَتِ الأَنْهَارُ وَالغَيمُ العُشْرُ)، إجمال، والمفسِّر له: الحديث الذي قبله: (لَيسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوسُقِ صَدَقَةٌ).\n_________\n(^١) أخرجه برقم: ٩٨٢، والبخاري برقم: ١٤٦٣.\n(^٢) ينظر الحاوي الكبير للماوردي: ٣/ ٨٨، المهذب للشيرازي: ١/ ٢٦٢ - ٢٦٣.","vol":"1","page":121},{"text":"<span data-type='title' id=toc-44>ومن باب بعثة الإمام رجلا على أخذ الصدقة</span>\n[٤] حديث أبي هريرة ﵁: (مَا يَنقِمُ ابن جَمِيلٍ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ الله) (^١)، ما ينقم؛ أي: ما ينكر وما يكره، أي: لم يكره من الإسلام شيئا؛ سوى إغناء الله إياه من فضله بالغنائم، وهذا مما لا يُنْقَم ولا يُنكر، وقوله: (إِلَّا أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا) يجوز أن يكون في موضع نصب مفعول ينقم، ويجوز أن يكون استثناء منقطعا، والتقدير: ما ينقم شيئا، لكنه بطر النعمة فمنع الزكاة؛ أي: جعل موضعَ شكر الغنى منع الزكاة.\nوقوله: (فَإِنَّكُم تَظْلِمُونَ خَالِدًا، فَقَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ)، قوله: (احتَبَسَ) لغة في أَحْبَسَ، ومعناه: وقف، و(الأعتَادُ): جمع العَتَد، والعَتَدُ: ما يُعد للحاجة وكذلك العتيد، وفي رواية: (حبَّس عبيده وكُراعه) (^٢)، حبَّس بتشديد الباء بمعنى: وقف، والعبيد: جمع العبد، والكُرَاع: الخيل.\nوفي الحديث ما يدل على وجوب زكاة التجارة في العروض، إذا اشتُرِيت بنية التجارة، وفيه دليل على سقوط الزكاة من الأوقاف، قيل: فإن طولب بالزكاة عن ثمن الأدراع والأعتاد، على معنى أنها كانت عنده للتجارة، فأخبر النبي ﷺ أن لا زكاة عليه فيها؛ إذ جعلها حبْسا في سبيل الله، وقيل: أجاز لخالد أن يحتسب بما قد احتبسه من الأدراع والأعتاد في سبيل الله في الصدقة التي أمر بقبضها منه، وذلك لأن أحد أصناف المستحقين للصدقات (سبيل الله)؛ وهم\n_________\n(^١) أخرجه برقم: ٩٨٣، وأبو داود: ١٦٢٣.\n(^٢) لم أقف على هذه الرواية، لكن ورد عند ابن خزيمة في صحيحه برقم: ٢٣٣٠ بلفظ: (أدراعه وأعبده).","vol":"1","page":122},{"text":"المجاهدون، فصرفها إليهم كصرف الأموال، وفي هذا دليل على جواز أخذ القِيَم من أعيان الأموال.\nوقوله: (وَأَمَّا العَبَّاسُ فَهِيَ عَلَيهِ، وَمِثْلُهَا مَعَهَا) (^١)، قيل: فيه دليل على أن للإمام أن يأخذ الصدقة؛ ومن منعها فله أن يُعَزِّرَه؛ على حسب ما يؤدي إليه اجتهاده: أضعَفَ الصدقة عليه على ضرب من التعزير.\nوقيل: للإمام أن يُؤخر الصدقة عمن تجب عليه، فقال: (هِيَ عَلَيْهِ، وَمِثْلُهَا مَعَهَا) أي: عليه صدقة هذا العام؛ والعام الذي قبله؛ دينا عليه؛ رفقا به، ليجد سعة فيؤدي.\nكأن الرجل الذي بعثه على أخذ الصدقة، ظن أنه مَنَع صدقة هذا العام، ولم يعلم أن عليه مع هذا صدقة العام الذي قبله، فقال النبي ﷺ هي عليه، يعني: الذي تعلمُه، وعليه سوى ما تعلمه، صدقةُ عامٍ آخر.\nوفي قوله: (يَا عُمَرُ، أَمَا شَعَرتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُل صِنْوُ أَبِيهِ؟) دليل على أنه موضعُ الرفق به، وأنه يجوز أن يُخَصَّ بشيء لا يُخَصُّ به غيرُه.\nوصِنْو الرجل: أخوه، أي: هو وأبي من أصل واحد، وأنا من ذلك الأصل، فاعرفوا ذلك له لمكاني منه، قال أهل اللغة: إذا خرج نخلتان من أصل واحد فكل واحدة منهما صنو الآخر (^٢).\n_________\n(^١) اللفظ عند مسلم: (فهي عليَّ ومثلها)، ولفظ (عليه) من رواية البخاري، وهو مشكل عند شراحه: ابن بطال ٣/ ٤٩٩ وابن حجر ٣/ ٣٣٤ وابن الجوزي في مشكل الصحيحين ٣/ ٥١٩. وحملوه على رواية مسلم لفظا أو معنى.\n(^٢) ينظر: العين: ٧/ ١٥٨، الصحاح: ٦/ ٢٤٠٤، تهذيب اللغة: ١٢/ ١٧٠، مجمل اللغة: ٥٤٢.","vol":"1","page":123},{"text":"<span data-type='title' id=toc-45>ومن باب زكاة الفطر</span>\n[٥] حديث ابن عمر ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَرَضَ زَكَاةَ الفِطرِ مِن رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ، صَاعًا مِن تَمرٍ، أَو صَاعًا مِن شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَو عَبْدٍ، ذَكَرٍ أَو أُنْثَى، مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (^١).\nقال أصحاب الشافعي (^٢) ﵁: زكاة الفطر واجبة لما روى ابن عمر ﵁، يعني: الحديث الذي ذكرناه، ولا يجب ذلك إلا على مسلمٍ، ومن وجب عليه فطرتُه، وجب عليه فطرة من تلزمه نفقتُه إذا كانوا مسلمين، ووجد ما يؤدي عنهم فاضلا عن النفقة.\nفيجب على الأب والأم، وعلى أبيهما وأمهما وإن علوا؛ فطرة ولدهما؛ وولد ولدهما وإن سفلوا، وعلى الولد وولد الولد (^٣) وإن سفلوا، فطرة الأب والأم وأبيهما وأمهما وإن علوا، إذا وجبت عليه نفقتها، ولا تجب حتى تَفْضُل الفطرة عن نفقته، ونفقة من تلزمه نفقتُه، لأن النفقة أهم، فوجبت البدايةُ بها، ولهذا قال النبي ﷺ: (ابْدَأَ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ) (^٤).\nوتجب بغروب الشمس من ليلة الفطر، لما روى ابن عمر ﵁: (أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ فَرَضَ صَدَقَةَ الفِطر مِن رَمَضَانَ)، والفطر من رمضان لا يكون إلا بغروب\n_________\n(^١) أخرجه برقم: ٩٨٤، والبخاري برقم: ١٥٠٤.\n(^٢) ينظر: المهذب للشيرازي: ١/ ٣٠١.\n(^٣) في الأصل: (وولد الوالد)، وهو تصحيف ظاهر.\n(^٤) مركب من حديثين: الأول: (ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلِأَهْلِكَ) رواه مسلم: ٩٩٧ وغيره، والثاني: (خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَابْدَأَ بِمَنْ تَعُولُ) متفق عليه: البخاري: ١٤٢٦، مسلم: ١٠٣٤.","vol":"1","page":124},{"text":"الشمس من ليلة العيد، ولأن الفطرة جعلت طهرة للصائم، وانقضاء الصوم بغروب الشمس، فإن رُزق ولدا، أو تزوج امرأة، أو اشترى عبدا، ودخل عليه الوقت وهم عنده، وجبت عليه فطرتهم، وإن رزق الولد؛ أو تزوج المرأة؛ أو اشترى العبد بعد دخول الوقت؛ لم تجب عليه فطرتهم.\n\n[٦] ويجوز تقديم الفطرة من أول رمضان، والمستحب أن يُخرجها قبل صلاة العيد، لما روى مسلم في كتابه عن ابن عمر الله ﵁ في باب إخراج زكاة الفطر قبل الخروج إلى المصلى: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ بِإِخْرَاجِ زَكَاةِ الفِطرِ، أَن تُؤَدَّى قَبلَ خُرُوج النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ) (^١).\nقال أصحاب الشافعي: ولا يجوز تأخيرها عن يومه لقوله ﷺ: (أَغْنُوهُم عَنِ الطَّلَبِ فِي هَذَا اليَوْم) (^٢) فإن أخره حتى خرج اليوم أثم (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-46>فصل</span>\nوالواجب: صاع بصاع رسول الله ﷺ، وذلك خمسة أرطال وثلث برَطل أهل العراق، وقال مسلم في حديث ابن عمر ﵁: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَرَضَ زَكَاةَ الفِطرِ مِن رَمَضَانَ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ مِنَ المُسلِمِينَ حُرٍّ، أَو عَبْدٍ، رَجُلٍ، أَوِ امْرَأَةٍ، صَغِيرٍ أَو كَبِيرٍ صَاعًا مِن تَمرٍ، أَو صَاعًا مِن شَعِيرٍ) وفي رواية قال: (فَعَدَلَ النَّاسُ بِهِ نِصْفَ صَاعٍ مِن بُرٍّ).\n_________\n(^١) أخرجه برقم: ٩٨٦، والبخاري برقم: ١٥٠٩.\n(^٢) أخرجه الدارقطني: ٢١٣٣، والبيهقي: ٧٧٣٩.\n(^٣) المهذب للشيرازي: ١/ ٣٠٣.","vol":"1","page":125},{"text":"[٧] وفي رواية عياض بن عبد الله؛ عن أبي سعيد الخدري ﵁: (كُنَّا نُخرِجُ زَكَاةَ الفِطرِ صَاعًا مِن طَعَامٍ، أَو صَاعًا مِن شَعِيرٍ، أَو صَاعًا مِن تَمرٍ، أَو صَاعًا مِن أَقِطٍ، أَو صَاعًا مِن زَبِيبٍ) (^١).\n\n[٨] وفي رواية: قال: (فَلَم نَزَل نُخرِجُهُ حَتَّى قَدِمَ عَلَيْنَا مُعَاوِيَةُ بنُ أَبِي سُفْيَانَ حَاجًّا، أَو مُعتَمِرًا فَكَلَّمَ النَّاسَ عَلَى المِنبَرِ، فَكَانَ فِيمَا كَلَّمَ بِهِ النَّاسَ أَن قَالَ: إِنِّي أُرَى مُدَّينِ مِن سَمْرَاءِ الشَّامِ، تَعدِلُ صَاعًا مِن تَمِرٍ، فَأَخَذَ النَّاسُ بِذَلِكَ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَمَّا أَنَا فَلَا أَزَالُ أُخْرِجُهُ كَمَا كُنْتُ أُخْرِجُهُ، أَبَدًا مَا عِشتُ) (^٢).\nقال صاحب المجمل (^٣): السَّمْراء: الحنطة.\nروى هذا الحديث مسلم من طريق معمر؛ عن إسماعيل بن أمية؛ عن عياض بن عبد الله، قال الدارقطني: خالفه سعيد بن مسلمة، فقال: عن إسماعيل أمية؛ عن الحارث بن أبي ذباب؛ عن عياض، والحديث محفوظ عن الحارث، ولا نعلم إسماعيل روى عن عياضٍ شيئا (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه برقم: ٩٨٥، وأخرجه البخاري برقم: ١٥٠٦.\n(^٢) أخرجه برقم: ٩٨٦، والبخاري برقم: ١٥٠٩.\n(^٣) مجمل اللغة: ٤٧٣.\n(^٤) الإلزامات والتتبع للدارقطني: ١/ ١٩٨.","vol":"1","page":126},{"text":"<span data-type='title' id=toc-47>فصل</span>\nفي هذه الأحاديث دلالة على أن زكاة الفطر، إنما يجوز إخراجها من القوت الذي يقتات الإنسان، وكان الأغلب من القوت بالمدينة التمر والشعير، فأوجب زكاة الفطر منها، ومنها: أن كل من يَمُونه الرجل فواجب أن يخرج الزكاة عنه، إذ قال: (عَلَى كُلِّ حُرٍّ وَعَبدٍ)، والعبد لا يملك، فإنما زكاته على سيده.\nومنها: أن الزكاة لا تجب إلا على المسلمين لقوله: (مِنَ الْمُسْلِمِينَ)، وفي قوله: (فَرَضَ صَدَقَةَ رَمَضَان) دليل على أن من ولد ليلة الفطر، فلا زكاة عليه.\nوقول عبد الله: (فَعَدَلَ النَّاسُ بِهِ نِصفَ صَاعٍ مِن بُرٍّ) لم يسم من فعل ذلك، ويحتمل أن يكون العامة تساهلوا فيه، فرأوا مُدَّين من الحنطة يَعْدِلان صاعَ شعير، فلا يترك السنة الثابتة لذلك.\nوفي قوله: (أَن تُؤَدَّى قَبلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ) دليل أن وقت أداء زكاة الفطر: قبل خروج الناس إلى صلاة العيد، وقوله: (مِن أَقِطٍ) و(مِن زَبيبٍ)، يحتمل أن من كان قوتُه أقِطًا أدى أقطًا، ومن كان قوته زبيبًا أدى زبيبًا، والأقط ليس بقوت عامِّ الناس، ومن العلماء من لم يره، واحتج بأن أبا سعيد ﵁ لم يحكه عن النبي ﷺ.\nوحديث: (مُدَّينِ مِن سَمْرَاءِ الشَّامِ) يحمل على التأويل، والعمل بالنص أولى.","vol":"1","page":127},{"text":"<span data-type='title' id=toc-48>ومن باب ما جاء فيمن لا يؤدي الزكاة</span>\n[٩] حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (مَا مِن صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ، لَا يُؤَدِّي مِنهَا حَقَّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَومُ القِيَامَةِ، صُفِّحَت لَهُ صَفَائِحُ مِن نَارٍ، فَأُحمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهِرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَت أُعِيدَت لَهُ، فِي يَومٍ كَانَ مِقدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقضَى بَينَ العِبَادِ، فَيُرَى سَبِيلَهُ، إِمَّا إِلَى الجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ).\nقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَالْإِبِلُ؟ قَالَ: (وَلَا صَاحِبُ إِبِلِ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، وَمِن حَقِّهَا حَلَبُهَا يَومَ وِردِهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَومُ القِيَامَةِ، بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرقَرٍ، أَوفَرَ مَا كَانَت، لَا يَفْقِدُ مِنهَا فَصِيلًا وَاحِدًا، تَطَؤُهُ بِأَحْفَافِهَا وَتَعَضُّهُ بِأَفْوَاهِهَا، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخرَاهَا، فِي يَومٍ كَانَ مِقدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقضَى بَيْنَ العِبَادِ، فَيُرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ).\nقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ؟ قَالَ: (وَلَا صَاحِبُ بَقَرٍ، وَلَا غَنَمٍ، لَا يُؤَدِّي مِنهَا حَقَّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَومُ القِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، لَا يَفْقِدُ مِنهَا شَيْئًا، لَيسَ فِيهَا عَقصَاءُ، وَلَا جَلحَاءُ، وَلَا عَضبَاءُ تَنطَحْهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخرَاهَا فِي يَومٍ كَانَ مِقدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقضَى بَينَ العِبَادِ، فَيُرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ).\nقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَالْخَيْلُ؟ قَالَ: (الخَيلُ ثَلَاثَةُ: هِيَ لِرَجُلٍ وِزرٌ، وَهِيَ لِرَجُلٍ سِترٌ، وَهِيَ لِرَجُلٍ أَجْرٌ (^١)، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا رِيَاءً وَفَخرًا وَنِوَاءً عَلَى أَهْلِ\n_________\n(^١) سقط من الحديث: (فَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ وِزْرٌ).","vol":"1","page":128},{"text":"الإِسلَامِ، فَهِيَ لَهُ وِزرٌ، وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ سِترٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ، ثُمَّ لَم يَنسَ حَقَّ اللهِ فِي ظُهُورهَا) وذكر الحديث (^١).\nقوله: (مَا مِن صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ، لَا يُؤَدِّي مِنهَا حَقَّهَا)، الضمير في الظاهر راجع إلى الفضة، ومن حيث المعنى، راجع إلى الذهب والفضة جميعا، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤]، قيل المعنى: الذين يكنزون الذهب ولا ينفقونه، والفضة ولا ينفقونها، اكتفى بضمير أحدهما عن الآخر، قال الشاعر:\nأَنْتَ بِمَا عِنْدَنَا وَنَحْنُ بِمَا … عندك راضٍ، والرّأي: مُختلفُ (^٢)\nوالمعنى: راضيان، وقوله: (صُفِّحَت لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ) الصَّفيحة: الحجارة العريضة، والجمع صفائح، و(صُفِّحَت) أي: عُرضت وجعلت عَريضة، قال طرفة:\nتَرَى جُثوَتَينِ مِنْ تُرابٍ، عَلَيهِما … صفائحُ صُمٌّ مِنْ صَفيحٍ مُنَضَّدِ (^٣)\nيصف قبرين جعل عليهما التراب، والجثوة: التراب المجموع.\nوقوله: (كُلَّمَا بَرَدَت)، كذا [في] (^٤) الكتاب، وفي نسخة (رُدَّت) (^٥)،\n_________\n(^١) أخرجه برقم: ٩٨٧، وأخرج البخاري طرفا منه: ٢٨٦٠.\n(^٢) حصل للمؤلف قلب في صدر البيت، وصوابه: (نَحنُ بما عندنا وأنتَ بما)، وهو لعمرو بن امرئ القيس الخزرجي، ينظر: جمهرة أشعار العرب: ٥٣١، البيان والتبيين: ٣/ ٦٩.\n(^٣) من معلقة طرفة بن العبد البكري، ينظر جمهرة أشعار العرب: ٣٢٨، شرح المعلقات السبع للزوزني: ١١٠.\n(^٤) عدم وضوح في الأصل.\n(^٥) في المفهم: ٣/ ٢٥ (وقوله: كلما بَرَدَت أُعِيدَت؛ كذا رواية السجزي، ولكافة الرواة: كلما رُدَّت، =","vol":"1","page":129},{"text":"والمحفوظ (نَفَذَت) (^١)، أي: مضت، يقال: نَفَذ الشيء نفاذًا، وهو نافذ في أمره، أي: ماض، ونفَذَ السهم في الرمية نفاذا، وأَنْفَذْتُه أنا.\nوقوله: (فَيُرَى سَبِيلَهُ)، سبيله نصب مفعول ما لم يسم فاعله، وضمير اسم ما لم يسم فاعله مستكن في يرى، أي: يعرف إما طريق الجنة، وإما طريق النار فيسلكُه، يعني: إن تفضل الله عليه وعفا؛ سلك طريق الجنة، وإن آخذه بذلك وعاقبه العقوبة الشديدة؛ سلك طريق النار.\nوقوله: (وَمِن حَقِّهَا حَلَبُهَا يَومَ وِردِهَا) فيه دليل على أن في المال حقوقا سوى الزكاة، منها: حلبها يوم وردها، يعني: يحلبُها على الماء يوم ترد الإبل الماء، فيسقي اللبن من يحضر الماء، وقوله: (بُطحَ لها)؛ أي: بُطِح صاحب الإبل للإبل، يقال: بَطَحْتُه: أي: ألقيته على وجهه، و(القَاعُ): المكان المستوي الذي ليس فيه ارتفاع ولا انخفاض، وجمعه: قِيعَان؛ وقِيعَة، و(القَرقَرُ): المكان الأملس، وقوله: (أَوْفَرَ مَا كَانَت) أي: أكثر ما كانت في الدنيا، وهو نصب على الحال، (لَا يَفْقِدُ مِنهَا فَصِيلًا) أي: لا يغيب عنه منها فَصيلٌ، والفَصيلُ: ولد الناقة.\nوقوله: (لَيسَ فِيهَا عَقصَاءُ)، أي: ملتويةَ القرن، (وَلَا جَلحَاء): وهي التي لا قرن لها، (ولَا عَصْبَاءَ): وهي المكسورة القرن، وقوله: (نِوَاء)؛ يقال: ناوأه مناوأة، ونوى أي: عاداه معاداة، أي: ربطها لمعاداة أهل الإسلام وليقاتلَهم عليها، و(المَرجُ): المرعى، و(الطِّوَلُ): الحبل الذي يُشد به الفرس، و(اسْتَنَّت)\n_________\n= والأول هو الصواب، فتأمله فإنه هو المناسب للمعنى).\n(^١) كذا في رواية ابن خزيمة: ٢٢٥١، والبيهقي في السنن الكبرى: ٧٢٨٤.","vol":"1","page":130},{"text":"أي: عدت ومرجت في الطِّوَل، وفرس سنين؛ أي نشيط، وقال أبو عبيدة (^١): الاستنان: أن يحضر وليس عليه فارس، وقوله: (شَرَفًا، أَو شَرَفَين)؛ أي: طلَقا أو طلَقين (^٢)، يقال: عدا طلَقا أو طلَقين، وقوله: (مَا أُنزِلَ عَلَيَّ فِي الحُمُرِ شَيءٌ، إِلَّا هَذِهِ الآيَةُ الفَاذَّةُ الجَامِعَةُ) يعني: المنفردة في معناها، الجامعة لأعمال البر كلِّها، دقيقها وجليلها، ولأعمال الشر دقيقها وجليلها.\nو(الآثار): جمع الأثر، يعني: آثارَ سيرها في الأرض، و(الأَروَاث) جمع روث، وفي الحديث الآخر: (فَلَا تُغَيِّبُ شَيئًا فِي بُطُونِهَا) يعني: من الكلإ والماء، وقوله: (فِي عُسرِهَا وَيُسرِهَا) أي: في حال قلّتها وكثرتها، وهُزالها وسِمَنها، وقوله: (بَذَخًا): كِبرا ورِئاء؛ أي: مراءاة.\n* * *\n\n[١٠] وفي رواية جابر: (لَيسَ فِيهَا جَمَّاءُ) (^٣) الجمَّاء: أي: التي لا قرن لها، و(الشُّجَاعُ): الحية الذَّكَر، و(الأَقرَعُ): الذي لا شعر على رأسه [لكثرة] (^٤) السُّم فيه، (فَيَقضَمُهَا)؛ أي: يعضُّها، يقال: قضمت الدابة شعيرها تقضَمُه، (وَإِعَارَةُ دَلْوِهَا)؛ أضاف الدلو إليها لأنه يستقي به لها، أي: يُعير الدلو الذي يستقي به الماء، ليستقي هو به أيضا؛ فيسقي إبله، (وَإِعَارَةُ فَحَلِهَا): لينزو على الأنثى، (وَمَنِيحَتُهَا): هو أن يعيرَ غيرَه ناقتَه ليحلُبَها مدة، وينتفعَ بلبنها ثم يردُّها، (وَحَمْلٌ عَلَيْهَا فِي سَبِيل الله) أي يحمل عليها الغزاة في سبيل الله.\n_________\n(^١) الغريبين في القرآن والحديث: ٣/ ٩٤١، نسبه لأبي عبيد.\n(^٢) (هو بالتحريك: الشوط والغاية التي تجري إليها الفرس) النهاية ٣/ ١٣٤.\n(^٣) أخرجه مسلم برقم: ٩٨٨، وأحمد برقم: ١٤٤٤٢.\n(^٤) في الأصل: (أكثره)، وهو تصحيف.","vol":"1","page":131},{"text":"وفي هذا الحديث تأكيد أمر الزكاة، وفيه: الإيعاد لمانع الزكاة، وقوله: (قَعَدَ لَهَا) المشهور: (أقعِدَ لَهَا) (^١)، ويحتمل أن يكون قعد لازما ومتعديا، ويحتمل أن يُعَدَّى بالتشديد، إن كانت رواية تساعده.\n\n[١١] وفي حديث جرير ﵁: (فَقَالُوا: إِنَّ نَاسًا مِنَ الْمُصَدِّقِينَ يَأْتُونَنَا فَيَظْلِمُونَنَا) (^٢)، المُصَدِّق: الساعي الذي يأخذ الصدقة، وفي الحديث: دليل على معرفة حق الولاة، وفي قوله: (أَرضُوا مُصَدِّقِيكُم) دليل على أن المتظلم لا يُقبل قوله، إلا بعد الوقوف على صحته.\n\n<span data-type='title' id=toc-49>ومن باب بذل المال، وكراهة إمساكه ومنع حقه</span>\n[١٢] حديث أبي ذر ﵁: قوله: (فلم أَتَقَارَّ) (^٣) أي: فلم أستقرَّ، يقال: تقارَرْتُ أتقارُّ، وهو تفاعلت من القرار، (الأَكثَرُونَ أَمْوَالًا) نصب على التمييز، (إلا من قال: هَكَذَا وَهَكَذَا) أي: إلا من أعطى عن اليمين وعن الشمال، وعن الخلف والقُدّام، لا يمنع ذا الحق حقه من أي وجه جاءه، وقوله: (كُلَّمَا نَفِدَت)؛ كذا في أكثر النسخ بالدال المهملة، أي: فِنيَت، ورُوي: (كُلَّمَا نَفذَت) (^٤) أي: جازت ومرت، و(الأُخرَى): تأنيث الآخر، و(الأُولَى): تأنيث الأول.\n_________\n(^١) رواية أخرى عند مسلم: ٩٨٨، وهي رواية أحمد: ١٤٤٢.\n(^٢) أخرجه برقم: ٩٨٩، وأبو داود برقم: ١٥٨٩.\n(^٣) أخرجه برقم: ٩٩٠، والبخاري برقم: بنحوه برقم: ١٤٦٠.\n(^٤) عند ابن خزيمة في صحيحه: ٢٢٥١، والبيهقي في السنن الكبرى: ٧٢٨٤.","vol":"1","page":132},{"text":"<span data-type='title' id=toc-50>ومن باب الترغيب في الصدقة وإخراج المال</span>\n[١٣] حديث أبي هريرة ﵁: (مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي أُحُدًا ذَهَبًا، تَأْتِي عَلَيَّ ثَالِثَةٌ) (^١) أي: ليلة ثالثة، وقوله: (أَرْصِدُهُ لِدَينِ عَلَيَّ) يقال: أرصدت الشيء إذا أعددته، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [التوبة: ١٠٧]، ومنه حديث الحسن بن علي ﵄: (ما خلَّفَ أبي من دنياكم؛ إلا ثلاثمائة درهم؛ كان أرصدها لشراء خادم) (^٢).\nوفي رواية: (أُمسِي ثَالِثَةً عِندِي مِنهُ دينارٌ) دينار: اسم، وعندي: خبره، وثالثةً: ظرف، وقوله: (إِلَّا أَن أَقُولَ بِهِ فِي عِبَادِ اللهِ هَكَذَا) يعني: إلا أن أفرقه في عباد الله هكذا، ثم بين قوله: (هَكَذَا) فقال: (حَثَا بَينَ يَدَيْهِ هَكَذَا عَن يَمِينِهِ، وَهَكَذَا عَن شِماله) وقوله: (سَمِعتُ لَغَطًا)؛ اللغط: الجَلَبَةُ، وقوله: (لَعَلَّ رَسُولَ اللهِ عُرِضَ لَهُ)؛ على فعل ما لم يسم فاعله، أي: عرض له عارض مكروه، وقوله: (لَا تَبرَح)؛ يقال: ما برح أي: لم يفارق مكانه، وقوله: (تَعَالَه) الهاء هاء الوقف.\nوقوله: (فَأَجْلَسَني في قاعٍ)؛ القاع: المكان المستوي، (فَنَفَحَ فيه) أي: أعطى، يعني: تصرف فيه بالعطاء، يقال: نفح الطيب: إذا سطعت رائحته، وفي الحديث: (أَوَّلُ نَفْحَةٍ مِنْ دَمِ الشَّهِيدِ) (^٣) أي: أول ما يبدو منه، وفي القرآن: ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ﴾ [الأنبياء: ٤٦]، أي: قطعة، و(الحَرَّة): الحجارة السود.\n_________\n(^١) أخرجه برقم: ٩٩١، وأحمد برقم: ٩٤٢٧.\n(^٢) النهاية في غريب الحديث والأثر: ٢/ ٢٢٦.\n(^٣) وقع عند الحاكم في المستدرك: (٦٠٨٧): بلفظ قريب من كلام يزيد بن شجرة الرهاوي: (فإنَّ أحدكم إذا أقبل كانت أول نفحة من دمه تحط عنه خطاياه كما تحط ورق الشجرة)، وأورد لفظ المؤلف صاحب الغريبين في القرآن والحديث ٦/ ١٨٦٧.","vol":"1","page":133},{"text":"وفي الحديث: ما يدل على الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة، [وأنه] (^١) كان لا يحب ﷺ أن يكون عنده دينار ثلاثة أيام، إلا أن يكون مرصدًا لدين والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-51>ومن باب الكنازين للأموال والتغليظ عليهم</span>\n[١٤] حديث أبي ذر ﵁ قال الأحنف: (إِذ جَاءَ رَجُلٌ أَخشَنُ الثِّيَابِ) (^٢) أي: خشن الثياب، وقوله: (وبَشِّرِ الْكَانِزِينَ) أي الذين يكنزون المال، قال بعض العلماء (^٣): الكنز: اسم المال المدفون، وهو عند العرب: اسم للمال الكثير؛ مدفونا كان أو غير مدفون، وقال بعضهم: المال عند العرب: الإبل، فأما الذهب والفضة فهما عندهم كنز، وقال الشافعي (^٤) ﵁: الكنز كل مال لم تؤد زكاته.\nوقوله: (بِرَضْفٍ) الرضف: الحجارة المحماة، وفي حديث حذيفة ﵁ حين ذكر الفتن فقال: (ثم التي تليها بالرَّضْفِ) (^٥) فشبه الفتنة في شدة حماها بالرضف.\n_________\n(^١) عدم وضوح في الأصل.\n(^٢) أخرجه برقم: ٩٩٢، والبخاري برقم: ١٤٠٧.\n(^٣) ذكر الماوردي أنه ابن داود، فإنه اعترض على الشافعي في معنى الكنز، وابن داود: هو أبو بكر بن دود الداودي الصيدلاني؛ شارح مختصر المزني، ينظر: الحاوي الكبير: ٣/ ٧٢.\n(^٤) أسند في كتابه الأم: (٢/ ٦٢) إلى ابن عمر ﵁، أنه سئل عن الكنز في الآية فقال: (هو المال الذي لا تؤدى منه الزكاة)، ثم استظهر ﵀ مذهبه فقال: (وهذا كما قاله ابن عمر إن شاء الله تعالى؛ لأنهم إنما عذبوا على منع الحق، فأما على دفن أموالهم وحبسها فذلك غير محرم عليهم، وكذلك إحرازها، والدفن ضرب من الإحراز، لولا إباحة حبسها ما وجبت فيها الزكاة في حول؛ لأنها لا تجب حتى تحبس حولا).\n(^٥) لفظ الأثر عند ابن أبي شيبة في المصنف: (٣٧١٣٢): عن حذيفة ﵁ في ذكر الفتن وتعاقبها: (تكون ثلاث فتن، الرابعة تسوقهم إلى الدجال التي ترمي بالنشف، والتي ترمي بالرضف، والمظلمة التي تموج كموج البحر). =","vol":"1","page":134},{"text":"و(حَلَمَةُ الثَّدي): الهنة الناتئة منه، (يَتَزَلْزَلُ): يتحرك ويضطرب، (فَنَظَرتُ مَا عَلَيَّ مِنَ الشَّمْسِ) أي ما بقي علي من الشمس، أي: فنظرت كم بقي من النهار، وقوله: (لَا تَعْتَرِيهِم) يقال: عراه واعتراه إذا قصده يطلب إليه حاجة، وفي القرآن: ﴿إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤]، أي: عرض لك ومسَّكَ بجنون، (قُبَيلُ): تصغير قبل، وهو مبني على الضم، (مَعُونَة): عون، (ثَمَنًا لِدينِك) أي: تبيع به دينك، أي: تقول قولا خلاف الحق لتصيب به دنيا.\nوفي الحديث: دليل على كراهية الكنز، ودليل أن كثرة المال مَشغلة عن أمر الآخرة، وفي الحديث الذي قبله: أن المكثرين هم المقلون، أي: من كثر ماله في الدنيا فاشتغل به عن أمر الآخرة؛ قَلَّ خيرُه وثوابه في الآخرة، وفي حديث: (وَإِن زَنَى وَإِن سَرَقَ) دليل أن التوحيد إذا خلص لصاحبه كان من ذلك خلاصه.\n\n<span data-type='title' id=toc-52>ومن باب الحث على النفقة</span>\n[١٥] حديث أبي هريرة ﵁: (أَنْفِقُ أُنْفِقُ عَلَيْكَ) (^١): (أَنفِق) أمر، (أُنفق) جزم جواب الأمر.\nوفيه: حث على السخاوة وتحقيق الخلف، وقوله: (يَمِينُ اللهِ مَلأَى) وفي رواية: (ملآن) (^٢)، واليمين في اللغة مؤنثة وصفتها ملأى، والتذكير فيه للحمل على المعنى، و(سَحًّا) (^٣) نصب على المصدر، والتقدير: تَسِحُّ سَحًّا، أو يَسِحُّ\n_________\n= وأخرجه الحاكم في المستدرك: (٨٤٣٥) بلفظ: (أتتكم الفتنة ترمي بالرضف، أتتكم الفتنة السوداء المظلمة، إن للفتنة وقفات ونقفات، فمن استطاع منكم أن يموت في وقفاتها فليفعل).\n(^١) أخرجه برقم: ٩٩٣، وأحمد برقم: برقم: ٧٢٩٨.\n(^٢) رواية ابن نمير في الصحيح برقم: (٩٩٣).\n(^٣) هذا في نسخة المؤلف وقال إنها الأكثر، وفي النسخ المطبوعة المعتمدة: (سحاء) بالمد،=","vol":"1","page":135},{"text":"سَحًّا؛ على وفق الروايتين هذا الأكثر، وروي: (سَحَّاءُ) بالمد على أن يكون تأنيث الأسَح، وإن لم يُستعمل الأسح، كما يقال: (ديمَةٌ هَطْلاء) (^١) وإن لم يُستعمل الأهطل، وقوله: (لَا يَغِيضُهَا) أي: لا ينقصها، يقال: غاض الماء وغِضْتُهُ أنا، وفي القرآن: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ [هود: ٤٤]، أي: غاضه الله فغيض، وقوله: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾ [الرعد: ٨]، أي: وما تنقص من التسعة الأشهر التي هي وقت الوضع.\nوفي الحديث: دليل أنا نتقلب في نعم الله ليلا ونهارا، وأن ما بنا من نعمة فمنه، و(سَحاء): لا ينصرف، و(اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) منصوبان على الظرف.\nوقوله: (لَم يَغِض مَا فِي يَمِينِهِ)؛ غاض […] (^٢) أي: لم ينقص عطاؤه، ويكون ما في موضع الرفع، ويجوز أن يكون ما في موضع النصب مفعول يَغِض، والفاعل الله، وغاض يكون متعديا، أي: ينقُص عطاؤه، وقوله: (وَبِيَدِهِ الأُخرَى القَبضُ) والبسط والقبض يوسع ويُقتر، وفي القرآن: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ [البقرة: ٢٤٥]، وقوله (يَرفَعُ وَيَخفِضُ) أي: يرفع قوما ويضع آخرين، ويجوز أن يكون المعنى: يرفع القسط ويخفضه، أي: يَنْصُرُ القسطَ وأهله وقتا، ويُسَلّط الظلمة وقتا.\n_________\n= قال القاضي عياض ﵀: كذا ضبطناه - أي سحاء - على القاضي أبي علي وغيره) [إكمال المعلم، ٣/ ٥٠٩]\n(^١) مطلع قصيدة لامرئ القيس:\nديمَةٌ هَطْلاء فيها وطَفٌ … طَبَقُ الأَرْضِ تَحَرَّى وَتَدُرّ\nوالدِّيمة الهطلاء: المطر الدائم الغزير، ينظر ديوان امرئ القيس: ص ٧٨.\n(^٢) محو في الأصل بقدر كلمتين.","vol":"1","page":136},{"text":"<span data-type='title' id=toc-53>ومن باب فضل النفقة على الأهل والعيال</span>\n[١٦] قوله: (يُعِفُّهُم) (^١) يقال: عفَّ: أي: أمسك عما يقبُح، وأعفه غيره، وقريب من معناه و(^٢) قوله: (ويُغنيهم).\n* * *\n\n[١٧] وفي هذا الحديث الذي بعده دليل أن الاشتغال بالفرض أولى من الاشتغال بالنفل، وذلك أن النفقة على العيال فرض، وقد أوعد النبي ﷺ من ضيع زوجته وما ملكت يمينه، فقال: (كَفَى بِالمَرءِ إِثْمًا أَن يَحبِسَ، عَمَّن يَمْلِكُ قُوتَهُ) (^٣).\nقوله: (وَالقَهرَمَان): القائم بأمر البيت، و(الرَّقِيقُ): المماليك، وقوله (أَعتَقَ غُلَامًا لَهُ عَن دُبُرِ)؛ هو أن يعتقه بعد موته، فيقول: أنت عتيق بعد موتي.\n* * *\n\n[١٨] وفي حديث أنس ﵁: (إِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرَحَى) (^٤) الأموال عند أهل المدينة: البساتين، و(بَيْرَحَى): بستان من بساتينها؛ وأكثر مياهها مالحة، وكان ماء هذا البستان طيبا، فلذلك كان من أنفس الأموال، ومن نفاسته أنها كانت قريبة من المسجد، وكانت في المدينة، وقوله: (مَالٌ رَابِحٌ) أي: ذو ربح، وفي بعض النسخ (بَرِيحَاء) (^٥)، والمحفوظ: .....\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم ٩٩٤، وأخرجه الترمذي برقم: ١٩٧٣.\n(^٢) في الأصل: (قوله) والسياق يقتضي حذفها.\n(^٣) أخرجه مسلم برقم: ٩٩٦.\n(^٤) أخرجه برقم: ٩٩٨، والبخاري برقم: ١٤٦١.\n(^٥) قال ابن الأثير في النهاية: ١/ ١١٤: (هذه اللفظة كثيرا ما تختلف ألفاظ المحدثين فيها، فيقولون: بيرحاء بفتح الباء وكسرها، وبفتح الراء وضمها والمد فيهما، وبفتحهما والقصر، وهي اسم مال=","vol":"1","page":137},{"text":"(بَيرَحَاء) (^١)، وفي نسخة: (بَارِيحَاء) (^٢)، وذلك أيضا غير محفوظ، وفي الحديث: حث على الصدقة، وبيان أن ما يقدمه المرء من المال؛ خير له مما يُخَلِّفُه بعده وأنفع له.\n\n<span data-type='title' id=toc-54>ومن باب الصدقة على الإخوان</span>\n[١٩] حديث ميمونة: (لَوْ أَعطَيْتِهَا أَخوَالَكِ، كَانَ أَعظَمَ لِأَجْرِكِ) (^٣)، فيه دليل على أن الصدقة على القرابة أفضل من العتق، لأنها صدقة وصلة رحم.\n\n<span data-type='title' id=toc-55>ومن باب الصدقة على الزوج والولد</span>\n[٢٠] حديث زينب امرأة عبد الله ﵂: (إِنَّكَ لَرَجُلٌ خَفِيفٌ ذَاتِ اليَدِ) (^٤) أي: قليل المال فقيرٌ، وقوله: (يَجزِي عَنِّي) أي: يقضي ويغني، وقوله: (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَد أُلْقِيَت عَلَيْهِ المَهَابَةُ) أي: الهيبة، فما يُكَلَّمُ هيبةً له، و(الزَّيَانِبُ): جمع زينب.\n_________\n= وموضع بالمدينة. وقال الزمخشري في الفائق: إنها فَيْعَلَى من البراح، وهي الأرض الظاهرة).\n(^١) قال الباجي ﵀: (قرأت هذه اللفظة على أبي ذر الهروي بنصب الراء على كل حال، وعليه أدركت أهل العلم والحفظ بالمشرق) المفهم: ٣/ ٤١.\n(^٢) كذلك عند أبي داود برقم: ١٦٨٩، والنسائي برقم في السنن الكبرى برقم: ٤٨٧٢، وغيرهما.\n(^٣) أخرجه برقم: ٩٩٩، والبخاري برقم: ٢٥٩٢.\n(^٤) أخرجه برقم: ١٠٠٠، والبخاري برقم: ١٤٦٦، والرواية (رجلٌ) بغير اللام.","vol":"1","page":138},{"text":"<span data-type='title' id=toc-56>ومن باب الأجر في الصدقة على الأقارب وصدقة الأم على ولدها الأيتام</span>\n[٢١] حديث أم سلمة ﵂ (وَلَستُ بتارِكتِهِم هَكَذَا وهَكَذَا) (^١) أي: متفرقين متحيرين، (فقال: نَعَم، لَكِ فيهِم أَجْرُ مَا أَنفَقْتِ عَلَيهِم)، في هذا الحديث والحديث الذي قبله: تجويز لصدقة المرأة على زوجها، ولصدقة الأم على ولدها الأيتام.\n\n<span data-type='title' id=toc-57>ومن باب الحث على صلة الرحم وإن كان ذو الرحم كافرا</span>\n[٢٢] حديث أسماء ﵂: (إِنَّ أُمِّي قَدِمَت عَلَيَّ وَهِيَ رَاغِبَةٌ، أَو رَاهِبَةٌ أَفَأَصِلُهَا؟ قَالَ: نَعَم) (^٢)، قوله: (أَو رَاهِبَةٌ) شك من الراوي وليس بمحفوظ، ومعنى: (وَهِيَ رَاغِبَةٌ) أي: راغبة في أن أتصدق عليها أو أحسن إليها.\nوفي الحديث: بيان أن فاعل الخير مشكور، وعلى الإحسان مأجور، أباح الإحسان إلى المشرك ليعلم أن المحسن محمود، وأن الإحسان لا يضيع.\n\n<span data-type='title' id=toc-58>ومن باب الصدقة على الميت بعد موته</span>\n[٢٣] حديث عائشة ﵂: (إِنَّ أُمِّيَ افتُلِتَت نَفْسَهَا) (^٣) بالنصب، وروي بالرفع (^٤) أي: افتلتت: ماتت فجأة فلتة، كل أمر فعل على غير تمكث فقد افتلت،\n_________\n(^١) أخرجه برقم: ١٠٠١، والبخاري برقم: ١٤٦٧.\n(^٢) أخرجه برقم: ١٠٠٣، والبخاري برقم: ٢٦٢٠.\n(^٣) أخرجه برقم: ١٠٠٤، والبخاري برقم: ١٣٨٨.\n(^٤) (معنى النصب افتلتها الله نفسَها، معدى إلى مفعولين، كما تقول اختلسه الشيء واستلبه إياه، ثم بني الفعل لما لم يسم فاعله فتحول المفعول الأول مضمرا وبقي الثاني منصوبا، وتكون التاء الأخيرة ضمير الأم، أي: افتلتت هي نفسَها، وأما الرفع فيكون متعديا إلى مفعول واحد أقامه مقام الفاعل، وتكون التاء للنفس أي: أُخذت نفسُها فلتة) النهاية: ٣/ ٤٦٧.","vol":"1","page":139},{"text":"فكان المعنى: افتلتها الله: أي: قبضها فجأة، يقال: افتلَتُّه كذا.\n\n<span data-type='title' id=toc-59>ومن باب التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل</span>\n[٢٤] الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صدقة، وقبله حديث حذيفة: (كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ) (^١)، فيه دليل: أن كل شيء تصل منفعته إلى الناس، فهو معروف؛ وهو صدقة، والمعروف ما يُعرَفُ أنه إحسان، و(السُّلَامَى) قال أبو عبيد: هو في الأصل عَظم يكون في فِرسِن البعير (^٢)، أي: في ظاهر خُفّه، فكان المعنى: على كل عظم من عظام ابن آدم صدقة.\nوفي الحديث: دليل على أن الصدقة أنواع: منها بإخراج المال، ومنها بالذكر، ومنها بالطاعة؛ حتى في غِشيانه امرأته؛ إذا كان تعففا عن محرم؛ وابتغاء لولد صالح، وقوله: (وَقَد زَحْزَحَ نَفْسَهُ أي: نحاها وأبعدها، وقوله: (يمشي) بالشين المعجمة، قال: أبو توبة (وَرُبَّمَا قُلتُ (^٣) يُمسي)، وفي الرواية الأخرى: (يَمشِي) أيضا بالشين.\n* * *\n\n[٢٥] وقوله: (فِي بُضع أَحَدِكُم) (^٤) البُضع الجماع، وقيل: البُضع الفرجُ، وفي الحديث: أن رسول الله ﷺ أمر بلالا يوم صبح خيبر: (أَلَا مَن أَصَابَ حُبلَى فَلَا يَقرَبَنَّهَا، فَإِنَّ البُضعَ يَزِيدُ فِي السَّمْعِ وَالبَصَر) (^٥)، معنى صبح خيبر؛ أي: غزاها\n_________\n(^١) أخرجه برقم: ١٠٠٥، والبخاري برقم: ٦٠٢١ من رواية جابر.\n(^٢) غريب الحديث: ٣/ ١٠.\n(^٣) الرواية في مسلم بلفظ: (قال).\n(^٤) حديث أبي ذر برقم: ١٠٠٦، ورواه أحمد برقم: ٢١٤٧٣.\n(^٥) غير مسند في كتب السنة، وإنما أورده أبو عبيد في الغريبين: ١/ ١٨٦، وابن الجوزي في غريب الحديث: ١/ ٧٤.","vol":"1","page":140},{"text":"وقت الصباح، قال الأزهري: هذا كقوله: (لَا يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ) (^١)، وقيل: يكون الولد مشتركا بين الواطئين، وقيل: البُضع الغشيان، وموضع الغشيان، والمباضعة: المباشرة، وفي الحديث: (يُسْتَأْمَرُ النِّسَاءُ فِي أَبْضَاعِهِنَّ) (^٢) أي: يقال لها: هل نزوجك من فلان؟، وقوله: (وَالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ) يعني: كلمة تَسُرُّ بها مسلما، و(يُمِيطُ الأَذَى) (^٣) أي: ينحيه، ويمسك عن الشر، كما أن إتيان الخير خير، فالإمساك عن الشر خير.\n\n<span data-type='title' id=toc-60>ومن باب الدعاء للمنفق بالخلف</span>\n[٢٦] حديث أبي هريرة ﵁: (مَا مِن يَومٍ يُصْبِحُ العِبَادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ يَنزِلَانِ) (^٤) في هذا الحديث دليل أن الخير يُكافأ به، وأن النفقة تُقابل بالخَلَف، وأن البخلَ والإمساك غير محمود، وصاحبه بعَرَضِ الندم، وماله بعَرَض التلف، فإن دعاء الملكين لا شك يستجاب.\n\n<span data-type='title' id=toc-61>ومن باب الترغيب في الصدقة قبل أن لا يوجد من يقبلها</span>\n[٢٧] حديث حارثة بن وهب: (تَصَدَّقُوا، فَيُوشِكُ الرَّجُلُ يَمْشِي بِصَدَقَتِهِ) (^٥)، (يُوشِكُ) أي: يسرع ويقرب، يقال: أوشك أن يكون كذا أي قرُب، يُوشِك بضم الياء وكسر الشين، قيل: كان هذا في أيام الصحابة ﵃، قال\n_________\n(^١) الحديث عند أحمد: ١٦٩٩٧، وأبي داود: ٢١٥٨، عن رويفع بن ثابت الأنصاري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول يوم حنين: (لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره) - يعني: إتيان الحبالى -، وقول الأزهري عند صاحب الغريبين: ١/ ١٨٦.\n(^٢) أخرجه البخاري برقم: ٦٩٤٦.\n(^٣) رواية مسلم برقم: ١٠٠٩، (تُميط) بالتاء.\n(^٤) برقم: ١٠١٠، وأخرجه البخاري برقم: ١٤٤٢.\n(^٥) برقم: ١٠١١، وأخرجه البخاري برقم: ١٤١١.","vol":"1","page":141},{"text":"صاحب المجمل: أوشك يوشك لا غير، وقيل: أوشك فلان خروجًا: من العجلة، ووَشكان ما كان ذاك: في معنى عجلان وأمرٍ وشيك (^١).\n* * *\n\n[٢٨] وفي حديث أبي موسى الله ﵁: (وَيُرَى الرَّجُلُ الوَاحِدُ) (^٢) بضم الياء ورفع اللام من الرجل، على أنه فعل ما لم يسم فاعله، و(تَرَى) بالتاء على الخطاب، الرجل نصب في رواية ابن بَّراد (^٣)، وقوله: (يَلُذنَ بِهِ) يَأْذَنَ على وزن يَقُلْنَ، وهو مستقبل فعل جماعة النساء، قال أهل اللغة: لاذ به، أي: التجأ إليه، قال الله ﷿: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾ [النور: ٦٣].\nوفي رواية أبي هريرة ﵁: (حَتَّى يَكثُرَ المَالُ وَيَفِيض) يقال: فاض الماء يفيض: إذا كثر، وفاض الإناء: إذا امتلأ، وقيل: إذا سال من شدة امتلائه، وفي القرآن: ﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [المائدة: ٨٣]، أي: تمتلئ ثم تسيل، وقوله: (حَتَّى تَعُودَ أَرضُ العَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا) يعني: مراعي ورياضًا.\n\n[٢٩] وفي حديث آخر عن أبي هريرة: (حَتَّى يَهُمَّ رَبُّ المَالِ مَن يَقْبَلُ مِنْهُ صَدَقَتَهُ) (^٤) وروي: (حَتَّى يُهِمَّ) بضم الياء، يقال: همه يهمه أي: أحزنه، وأهمه يهمه؛ أي: أقلقه، وأمر مهم، وفي القرآن: ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤]،\n_________\n(^١) ينظر مجمل اللغة لابن فارس: ص ٩٢٦.\n(^٢) برقم: ١٠١٢، وأخرجه البخاري برقم: ١٤١٤.\n(^٣) وكذا في الرواية الأخرى عند البخاري تعليقا، كتاب النكاح، باب يقل الرجال ويكثر النساء.\n(^٤) في النسخ المعتمدة: (صدقةً)، وفي طبعة دار التأصيل: ١/ ١٠٢٦، وكذا عند البخاري: ١٤١٢ وغيره ما يوافق رواية المؤلف: (صدقته).","vol":"1","page":142},{"text":"أي: شغلتهم أنفسهم وحملتهم على الهم، واشتد عليهم أمر أنفسهم، و(مَن يَقبَلُ) في موضع رفع فاعل يهم، و(رَبَّ المَالِ) مفعول مقدم (^١)، وقوله: (لَا أَرَبَ لِي فيه) أي: لا حاجة لي فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-62>ومن باب ما تخرج الأرضون من كنوزها</span>\n[٣٠] حديث أبي هريرة ﵁: (تَقِيءُ الأَرضُ أَفَلَاذَ كَبِدِهَا) (^٢)، تقيء أي: تتقيَّأُ، يقال: قاءت تقيء أي: تتقيأ فتطرح ما في بطنها من الكنوز على ظهرها، و(الأَفلَاذُ) جمع الفَلِذ وهو القطعة من اللحم أو الكبد، قال أهل اللغة: هذا ثوب يقيء الصَّبْغَ إذا كان مُشبعًا، وقوله: (فَيَجِيءُ القَاتِلُ فَيَقُولُ: فِي هَذَا قَتَلتُ)، فائدة الحديث أنَّ مالًا تكونُ عاقبته هذا، فالتخلي منه وتركه في أول الأمر أولى.\n\n<span data-type='title' id=toc-63>ومن باب التصدق من الكسب الطيب</span>\n[٣١] حديث: (مَا تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ مِن طَيِّبٍ) (^٣) أي: من حلال، وقوله: (فَتَربُو) أي: فتزيد، يقال: رَبَت تَرْبُو، وفي القرآن ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج: ٥]، وقوله: (فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ) ما يجب الإيمان به، ويترك التعرض لتأويله، وقوله: (كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُم فَلْوَهُ) بسكون اللام وتخفيف الواو، ولعلَّه لغةٌ، واللغة\n_________\n(^١) هذا على وجه الضم، قال النووي ﵀: (ضبطوه بوجهين أجودهما وأشهرهما: يُهِم بضم الياء وكسر الهاء ويكون رب المال منصوبا مفعولا والفاعل من وتقديره يحزنه ويهتم له، والثاني يَهُم بفتح الياء وضم الهاء، ويكون رب المال مرفوعا فاعلا وتقديره يهم رب المال من يقبل صدقته أي بقصده شرح صحيح مسلم: ٧/ ٩٧.\n(^٢) برقم: ١٠١٣، وأخرجه الترمذي برقم: ٢٢١٥.\n(^٣) حديث أبي هريرة برقم: ١٠١٤، وأخرجه البخاري برقم: ١٤١٠.","vol":"1","page":143},{"text":"الفصيحة: (فَلُوَّهُ) بضم اللام وتشديد الواو، وهو المُهر يفطم عن أمه، يقال: افْتَلَيْتُه أي: افتطمته وقطعته عن اللبن قال:\nولَيْسَ يَهْلَكَ مِنَّا سَيدٌ أَبَدًا … إِلَّا افْتَلَيْنَا غُلَامًا سَيِّدًا فِينَا (^١)\nأي: إذا مات منا سيد؛ قام مقامه آخرُ، ومثله:\nوَإِنِّي مِنَ القَوْمِ الَّذِي هُمُ هُمُ … إِذَا مَاتَ مِنْهُم سَيِّدٌ قَامَ صَاحِبُه (^٢)\nوفي قوله: (فَتَرْبُو فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ) دليل على تضعيف الثواب، ودليل على أن الصدقة تعظُم وتزيد، حتى يثقل بها الميزان، وقوله: (أَوْ قَلُوصَهُ) القلوص: الناقة الشابة قال:\nوعَطِّلْ قَلُوصي فِي الرِّكَابِ فَإِنَّهَا … سَتُبردُ أَكْبَادًا وَتُبْكِي بَوَاكِيَا (^٣)\nوفي قوله: (إِلَّا أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ) في اختصاص اليمين بالذكر هاهنا دلالة على حسن القَبول، وقوله: (أَوْ فَصِيلَهُ) الفصيل: الذي فُصل عن أمه، قال صاحب المجمل: الفصيل ولد الناقة إذا افتصل عن (^٤).\nوفي الحديث: دلالة أن الصدقة إذا كانت من الحرام لا تُقبل، وقوله:\n_________\n(^١) البيت لبشامة بن حزن النَّهْشَلِي في قصيدة يفخر فيها بقومه، ينظر: ديوان الحماسة: ص ٩٠، والكامل في اللغة والأدب: ١/ ٩٥، وعند ابن قتيبة في الشعر والشعراء: ٢/ ٦٢٣ غير أنه نسبه لنهشل بن حري النهشلي.\n(^٢) أبو الطمحان القيني، ينظر الكامل في اللغة والأدب: ١/ ٤٤، شرح ديوان الحماسة للأصفهاني: ص ٧٨، والرواية (الذين) بدل (الذي) وبها يستقيم وزن البيت.\n(^٣) من المرثية الشهيرة لمالك بن الريب المازني يرثي بها نفسه، تنظر - في جمهرة أشعار العرب لأبي زيد القرشي: ص ٦١٤، والاختيارين المفضليات والأصمعيات: ١/ ٦٢٣.\n(^٤) مجمل اللغة: ص ٧٢٢.","vol":"1","page":144},{"text":"(فَيَضَعُهَا فِي حَقِّهَا) أي: في مستحقها، وكذلك قوله: (فَيَضَعُهَا فِي مَوضِعِهَا).\n\n[٣٢] وفي حديث أبي هريرة: (إِنَّ الله طَيِّبٌ لَا يَقبَلُ إِلَّا طَيِّبًا) (^١) أي: إن الله متقدس طاهر لا يقبل إلا طيبا، إلا ما صفا وخلص، قيل: خلص من الرياء، وقيل: خلص من شَوْب الشبهة، وقوله: (وَغُذِيَ بِالحَرَام) أي: رُبِّي، يقال: غذوته أغذوه، وغُذِي فعل ما لم يسم فاعله، وقوله: (فَأَنَّى يُستَجَابُ لِذَلِكَ!) أي: إن الرجل وإن اجتهد كل الاجتهاد في العبادة وقوته حرام، فدعاؤه لا يستجاب.\n\n<span data-type='title' id=toc-64>ومن باب اتقوا النار ولو بشق تمرة</span>\n[٣٣] فيه تعظيمُ أمر الصدقة وإن قلَّتْ، وفي حديث عدي: (فَيَنظُرُ أَيمَنَ مِنْهُ) (^٢) أي: عن يمينه أي جهة اليمين، (وَيَنظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ) أي جهة الشمال، وأيمن وأشأم ظرفان، وكذلك (بَينَ يَدَيهِ) و(تِلقَاءَ وَجهِهِ)، وقوله: (وَلَوْ بِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ).\nفي الحديث: دليل على ما يستقبلُ الخلقَ من أهوال القيامة وشدة العذاب، وأن القليل من الصدقة تُرجى به النجاة، وفيه: أن من لا يجد ما يتصدق به يُظهر البشر للناس، ويخاطبهم بالكلام الطيب، وقوله: (أَشَاحَ): أشاح بوجهه أي: حَذِر عند ذكر النار، عما كان يعلمه من هول أمر النار، وفي الحديث: تخويف من النار، فكان يحذر هذا الحذَر، فكيف بمن لم يُؤَمَّن (^٣).\n_________\n(^١) برقم: ١٠١٥، وأخرجه أحمد برقم: ٨٣٤٨.\n(^٢) حديث الباب عن عدي بن حاتم أخرجه مكررا برقم: ١٠١٦، وأخرجه البخاري برقم: ١٤١٣ - ٦٣٣٩.\n(^٣) التقدير هنا: إن كان رسول الله ﷺ وهو الذي أمنه الله تعالى من العذاب يحذر كل هذا الحذر، فكيف بمن لم يُؤَمّن.","vol":"1","page":145},{"text":"<span data-type='title' id=toc-65>ومن باب الحث على الصدقة على ذوي الحاجة</span>\n[٣٤] حديث جرير ﵁: كُنَّا عِندَ النَّبِي ﷺ صَدرَ النَّهَارِ) (^١) صدرُ النهار أوَّلُه، و(حُفَاةٌ) جمع حافٍ هو الذي ليس في رجله نعل، و(عُرَاةٌ): جمع عار؛ وهو الذي ليس على بدنه [ثياب] .... (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-66>باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبُّر من قوي إيمانه</span>\n[٣٥] […] (^٣) أن يستغيثوا بالله وبالمسلمين، فيقولوا يَالله ويا لَلمسلمين (^٤)، وقوله: (عَمِيَّةٍ) (^٥): من العمى، يعني: الأمر الأعمى الذي لا يهتدى له، ولا يعلم ما وجهه (^٦)، يقال: عَميت ...........\n_________\n(^١) أخرجه برقم: ١٠١٧، والنسائي برقم: ٢٥٥٤.\n(^٢) تتمة هذا الباب ساقط من الأصل المخطوط، وكذلك ما بعده إلى باب المؤلفة قلوبهم.\n(^٣) ترجمة الباب وبدايته ساقط من الأصل، وحديث الباب أخرجه برقم: ١٠٥٩.\n(^٤) لعل المؤلف هنا في سياق الحديث عن نداء النبي ﷺ في حديث الباب: (يال المهاجرين، يال الأنصار)، ففيه دلالة على جواز الاستغاثة وطلب العون على الحق؛ وإعلاء كلمة الله، وإبطال العصبيات الجاهلية والتعزي بعزائها القائم على الظلم ونصرة الأحلاف والقبائل، كما في الحديث الآخر (دَعُوهَا، فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ) البخاري: ٤٩٠٥، مسلم: ٢٥٨٤.\n(^٥) لعل المؤلف يضبطها على خلاف المشهور: قال النووي ﵀: (هذه اللفظة ضبطوها في صحيح مسلم على أوجه، أحدها عِمِّيَّةٍ بكسر العين والميم وتشديد الميم والياء، قال القاضي: كذا رُوِّينا هذا الحرف عن عامة شيوخنا، قال: وفسر بالشدة، والثاني عُمِّيَّةٍ كذلك إلا أنه بضم العين، والثالث عَمِّيَّة بفتح العين وكسر الميم المشددة وتخفيف الياء وبعدها هاء السكت أي: حدثني به عمي) [٧/ ١٥٥].\n(^٦) يبدو أن المؤلف يفسر (عمية) بالمعنى الوارد في عمية الجاهلية، على أن يكون هذا تجوزا في الإطلاق، يقصد به الوجه المحمود، وهو الاستنصار بالقبيلة والاستقواء بالعصبية على الحق =","vol":"1","page":146},{"text":"[الأمر] (^١) تعمية، وفي حديث الزبير: (لِئَلَّا تَمُوتَ مِيتَةً عَمِيَّة) (^٢) أي: ميتة فتنة وجهل، وقوله: (أَنِ انكَشَفَت خَيلُنَا) أي: انهزمت.\n\n[٣٦] وفي حديث رافع بن خديج (^٣).\nأَتَجْعَلُ نَهْبِي وَنَهْبَ الْعُبَي … دِ بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَع\nفَمَا كَانَ بَدْرٌ وَلَا حَابِسٌ … يَفُوقَانِ مِرْدَاسَ فِي الْمَجْمَعِ\nوَمَا كُنْتُ دُونَ امْرِئٍ مِنْهُمَا … وَمَنْ تَخْفِضِ الْيَوْمَ لَا يُرْفَعِ\nأبو سفيان وصفوان وعيينة والأقرع من رؤساء العرب، ومن المؤلفة، وكذلك عباس بن مرداس، وهو الذي قال [الشاعر] (^٤)، و(العبيد): اسم فرسه، و(بدرٌ): جد عيينة، وروي: (فَمَا كَانَ حِصنٌ) (^٥) وحصن أبوه، هو عيينة بن حصن بن بدر الفزاري، وقوله: (مِردَاسَ) لم يصرفه لضرورة الشعر، وللشاعر عند الضرورة أن يصرف ما لا ينصرف، ويمنع الصرف ما ينصرف، قال الشاعر:\nوَممَّنْ وَلَدُوا عَامِرُ … ذُو الطَّول وَذُو العَرْضِ (^٦)\n(عَامِرُ): اسم رجل لأنه قال: ذو الطَّوْل، ولم يقل: ذاتُ الطَّوْل،\n_________\n= ونصرة المظلوم، كما في حديث: (انصر أخاك ظالما أو مظلوما).\n(^١) عدم وضوح في الأصل.\n(^٢) رواه الطبري في تاريخه: ٤/ ٢٣٦، في ذكره لقصة الشورى.\n(^٣) أخرجه برقم: ١٠٦٠.\n(^٤) كذا في الأصل، والأقرب للمعنى: (الشعر).\n(^٥) كما عند البيهقي في دلائل النبوة: ٥/ ١٧٨، وابن هشام في السيرة: ٢/ ٤٩٤.\n(^٦) وهو ذو الإصبع العدواني واسمه حرثان بن الحارث بن محرث، والبيت من شواهد منع الصرف للضرورة، ينظر الأصول في النحو لابن السراج: ٣/ ٤٣٨، شرح ديوان المتنبي للعكبري: ٣/ ١١١.","vol":"1","page":147},{"text":"و(تخفض): جزم بالشرط، وكسرت الضاد لالتقاء الساكنين، (لَا يُرفَعِ): جُزمِ جواب الشرط، وكُسِرت العين للقافية.\nقال أهل النسب: في قيس عباسان لا يعرف [فيها مثلهما] (^١): عباس بن ريطة وعباس بن مرداس، قال عباس بن مرداس:\nأكرّ على الكتيبة لا أُبالي … أفيها كَانَ حتفي أم سواهَا (^٢)\nعابوا بيت معدي كرب حيث قال:\nوجاشَتْ إليَّ النفْسُ أَوَّلَ مرَّةٍ … فرُدَّتْ عَلَى مَكْرُوهِهَا فَاسْتَقَرَّتِ (^٣)\nقالوا كَرِه من ذلك شيئا (^٤)، ورضوا شعر العباس، حيث لم يبالِ بذلك.\nكان العباس بن مرداس من بني سليم بن منصور، وقال رسول الله ﷺ: (أنا ابن العَوَاتِكِ مِن سُلَيم) (^٥) وهن ثلاث (^٦): عاتكة ابنة هلال (^٧) بن فالج بن\n_________\n(^١) عدم وضوح في الأصل.\n(^٢) عيون الأخبار لابن قتيبة ٢/ ٢١١، مجمع الأمثال للميداني ٢/ ٨٧، ديون الحماسة بشرح الأصفهاني ص ١١٨.\n(^٣) الأصمعيات ١٢٢، الحيوان للجاحظ ٦/ ٥٤٥، ديوان الحماسة بشرح التبريزي ١/ ٤٤.\n(^٤) في شرح الحماسة للأصفهاني ص ١١٧: (اعترض بعضهم فقال: لولا أنه جبن لما جاشت إليه النفس).\n(^٥) رواه البيهقي في الدلائل: ٥/ ١٣٦، الطبراني في الكبير: ٦٧٢٤، ابن عساكر في المعجم: ١٠٩٤. وحسنه الألباني في الصحيحة: ١٥٦٩.\n(^٦) العواتك جمع عاتكة، وتعني: المتضمخة بالطيب، وهن جدات النبي ﷺ ينتسبن جميعا إلى هلال بن فالج بن ذكوان بن ثعلبة بن بهثة بن سُليم بن منصور، قبيلة العباس بن مرداس، وهو ابن أبي عامر بن حارثة بن عبد بن عباس بن رفاعة بن الحارث بن بهثة بن سُليم بن منصور.\n(^٧) الصواب: عاتكة بنت مرة بن هلال.","vol":"1","page":148},{"text":"ذكوان أم هاشم بن عبد مناف، وعاتكة بنت الأوقص بن هلال (^١) بن فالج أم وهب بن عبد مناف بن زهرة أبي آمنة ابنة وهب أم النبي ﷺ، وعاتكة ابنة فالج (^٢).\n* * *\n\n[٣٧] وفي حديث عبد الله بن زيد ﵁: (وَعَالَةً، فَأَغْنَاكُمُ اللهُ بِي؟) (^٣) العالة: جمع عائل وهو الفقير، وقولهم: (اللهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ) أي: أعظمُ مِنَّةً وأكثرُ نعمة، وقوله: (الأَنْصَارُ شِعَارُ وَالنَّاسُ دِثَارٌ) الشِّعار: من اللباس: ما يلي الجسد، والدِّثار: ما يكون فوقَه، أي: هم أقرب الناس إليَّ، أي: هم في القُرب مني بمنزلة قميصي الذي يلي بدني، وفي حديث عبد الله: (حَتَّى كَانَ كَالصِّرفِ) قال ابن قتيبة: الصرف شيء أحمر يصبغ به الأديم (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-67>ومن باب الخوارج</span>\n[٣٨] (أَتَى رَجُلٌ بِالجِعْرَانَةِ) (^٥) الجِعرَانة: بسكون العين وتخفيف الراء: موضع (مُنْصَرَفَهُ) نصبت على الظرف، وقوله: (كَثُّ اللِّحيةِ) أي: مُجتمع اللحية، يقال: لحية كَثَّة: أي: مُجتمعة، و(نَاتِئُ الْجَبِينِ) أي: مُرتفع الجبين، وفي رواية: (نَاشِزُ الجَبْهَةِ) أي: مرتفع الجبهة، وقوله: (بِذَهَبَةٍ)؛ وفي رواية: (بذُهَيبَةٍ) (^٦) على التصغير، يقال: ذَهب وذَهبة، و(المَقرُوظُ): الذي دبغ بالقَرَظ،\n_________\n(^١) الصواب: الأوقص بن مرة بن هلال.\n(^٢) الثالثة هي: عاتكة بنت هلال بن فالج بن ذكوان أم عبد مناف بن قصي.\n(^٣) أخرجه برقم: ١٠٦١، والبخاري برقم: ٤٣٣٠.\n(^٤) الخطابي في غريب الحديث: ١/ ٢٤٢.\n(^٥) أخرجه برقم: ١٠٦٤، والبخاري برقم: ٤٣٥١.\n(^٦) قال القاضي عياض ﵀: (بعث بذهبة كذا لكافة رواة مسلم من شيوخنا عن الجلودي، وعند =","vol":"1","page":149},{"text":"وهو نبت يُدبغ به، وقوله: (فِي أَدِيمٍ مَقرُوظٍ) أي: في صُرَّة مدبوغة.\nقال صاحب المجمل (^١): الذهب معروف مُذَكَّر، وربما أُنِّث، فقيل: ذهبة، والجمع: أذهاب، وقوله: (لَمْ تُحَصَّل مِنْ تُرَابِهَا) يعني: الذَّهَبَةَ، أي: لم تُخَلَّص من ترابها، أي: هي مع ترابها مختلطة به، كما أخرجت من المعدن لم تُخَلَّص، ويقولون: ولم تُضرب.\nوقوله: (أَنْ أَنْقُبَ) يُقال: نَقَبتُ الحائط، والبَيطار يَنْقُب سُرَّة الدابة ليخرج منها ماء، وتلك الحديدة مِنْقَب (^٢).\nوقوله: (مِن ضِئضِئِ هَذَا) أي: من أصل هذا، وقبيلة هذا، وجنس هذا، وهو بالضاد المعجمة، وقوله: (وَهُوَ مُقَفَّى) (^٣) أي: مُوَلَّى، يقال: قَفَّى يُقَفِّي إذا ولاك قفاه، وقوله: (كَمَا يَخْرُجُ السَّهِمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ)؛ الرَّمِيَّة: فعيلة بمعنى مفعولة، وأُلْحِق بها الهاء لأنه مما أُفرد عن الموصوف فجعل اسما، ومثله البَنِيَّة للكعبة، والبَحِيرة والوَصِيلة، لأنهما بمعنى المبحورة والموصولة، و(الرِّصَافُ): جمع الرَّصَفة وهي العَقَب الذي يشد على فوق السهم، وعمل رصيف أي: محكم.\nوفي حديث أبي سعيد: (أَتَاهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ) والخُوَيصرة: تصغير الخاصرة،\n_________\n= ابن ماهان: بذهيبة على التصغير) إكمال المعلم: ٣/ ٥٩٨، وعند البخاري أيضا بالتصغير: ٣٣٤٤.\n(^١) مجمل اللغة ص ٣٦٥.\n(^٢) قال في لسان العرب: ١/ ٧٦٦: (والبَيْطارُ يَنْقُبُ فِي بَطْنِ الدَّابَّةِ بالمِنْقَبِ فِي سُرَّتِه حَتَّى يَسِيلَ مِنْهُ مَاءٌ أَصْفر).\n(^٣) في النسخ المطبوعة: (مقفٍّ)، ولفظ المؤلف عند أبي نعيم: ٢٣٢٥، وكذلك في طبعة دار التأصيل.","vol":"1","page":150},{"text":"والخاصرة: الجَنْب، وفي حديثٍ بَعدَه: عن الضحاك المشرقي عن أبي سعيد: (مِشْرَق): بكسر الميم وفتح الراء بطن من هَمْدَان، وفي الرواية الأولى (^١): (الضحاك الهَمْدَاني)، وهَمْدان بسكون الميم قبيلة عظيمة، قال:\nفهل أنا في ذا يالَ هَمْدان ظالمُ (^٢)\nوقوله: (قَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ) (^٣) يعني: إني بعثت بالعدل، فإذا لم أعدل، ولم آمرك بالعدل، فقد خبتَ وخسرتَ، لأنك حينئذ تقول غير الحق، وتعمل بغير الحق، لأني أُمرتُ أن أقول الحق وأعملَ بالحق، وآمرَك بالعمل بالحق، والقول الحق، ومن أولى بالعدل مني؟ وقد بعثني الله إلى الخلق، وجعلني أمينًا، فإذا لم أكن عدلا شقيتَ أنت وخسرتَ.\nوقوله: (لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُم) التراقي: جمع التُّرْقُوة، والترقوة: ما فوق الصدر، ومعنى: (لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُم) أي: لا يُقبل منهم عملُهم، ولا يصعد فوق رؤوسهم، وفي رواية: (لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُم)؛ والحُنجُرة: أعلى الحلق، وقوله: (يَحْقِرُ أَحَدُكُم صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِم) أي: يجد عملَه حقيرًا بالإضافة إلى عملهم، وفي رواية: (يَحْقِرُ أَحَدُكُم صَلَاتَهُ إِلَى صَلَاتِهِمْ) (^٤)، ومعناه ما ذكرنا، أي:\n_________\n(^١) رواية حرملة لحديث الباب برقم: ١٠٦٤.\n(^٢) القائل عمرو بن براقة الهمداني، وصدر البيت (وكنتُ إذا قوم غزوني غزوتُهم)، ينظر: البيان والتبيين للجاحظ: ٢/ ٩٤، الكامل للمبرد: ١/ ٢١٥، أمالي القالي: ٢/ ١٢٢.\n(^٣) اعتمد المؤلف رواية الفتح، قال النووي ﵀ في شرحه ٧/ ١٥٩: (رُوِيَ بِفَتْحِ التَّاءِ فِي خِبْتَ وَخَسِرْتَ وَبِضَمِّهِمَا فِيهِمَا، وَمَعْنَى الضَّمِّ ظَاهِرٌ وَتَقْدِيرُ الْفَتْحِ خِبْتَ أَنْتَ أَيُّهَا التَّابِعُ إِذَا كُنْتُ لَا أَعْدِلُ لِكَوْنِكَ تَابِعًا وَمُقْتَدِيًا بِمَنْ لَا يَعْدِلُ، وَالْفَتْحُ أَشْهَرُ وَاللهُ أَعْلَمُ).\n(^٤) اللفظ الوارد عند مسلم: ١٠٦٦، وعند أبي داود: ٤٧٦٨ وغيرهما: (وَلَا صَلَاتُكُمْ إِلَى صَلَاتِهِمْ بِشَيْءٍ).","vol":"1","page":151},{"text":"بالإضافة إلى صلاتهم، وقول عمر بن الخطاب ﵁: (ائْذَن لِي فِيهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ) رأى قتله حين آذى النبي ﷺ، وقول النبي ﷺ: (دَعهُ) أي: لم أومر بقتل المنافقين، وقوله: (يَمْرُقُونَ) المُروق: خروج الشيء من غير مدَخلِه، و(الرَّمِيَّةِ): الصيدُ، وقوله: (ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى نَضِيِّهِ)؛ النَّضِيُّ: بفتح النون، والضاد المعجمة قِدْح السهم، وقال صاحب المجمل: هو ما جاوز الريش إلى النصل، سمي بذلك لأنه بُرِيَ حتى عاد نضوًا، ونَضِيُّ الرمح ما فوق المقبض من صدره، والنَّضِي العنق (^١)، وقيل: هو مَركب العنق، قال:\nوطُولِ أَنْضِيَةِ الأَعْناقِ واللِّمَم (^٢)\nوروي: (والأمم) (^٣) وهي جمع الأمة وهي القامة، وقوله: (إِلَى قُذَذِهِ)؛ القُذَةُ: جمع القُذَّة؛ وهي ريش السهم.\nوقوله: (سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ): أي: جاوز الفرث والدم، أي: لم يثبُت فيه، ولم يَعْلَق به من ذلك شيء، يقول: إن هذا الرامي أو الصائدَ رمى فأصاب سهمُه الصيدَ فنفَذ فيه بسرعة، حتى خرج منه، فلم يَعْلَق به من دمها شيء لسرعة نفوذه، فأخذ السهم الذي نفَذ في الصيد وخرج منه، فنظر إلى نصله فلم ير فيه أثر الدم، ثم نظر في الرِّصَاف - وهي العَقَب التي فوق الرُّعْظ، والرُّعْظُ مدخل النصل من السهم - فلم ير دمًا، وكذلك نظر في القُذَّة.\n_________\n(^١) مجمل اللغة: ص ٨٧١.\n(^٢) الشمردل بن شريك، وصدر البيت: (يشبّهون ملوكا من تجلّتهم)، ينظر الحيوان للجاحظ ٣/ ٤٥، الشعر والشعراء لابن قتيبة: ٢/ ٦٩٣، الكامل للمبرد: ١/ ٥١.\n(^٣) في الحيوان: ٣/ ٤٥، أمالي القالي: ١/ ٢٣٨، وذكرها ابن قتيبة: (والقمم) في الشعر والشعراء ٦/ ٦٩٣.","vol":"1","page":152},{"text":"وفي الحديث المتقدم: (فَيَتَمَارَى فِي الْفُوقَةِ، هَلْ عَلِقَ بِهَا مِنَ الدَّمِ شَيْءٌ)؛ الفُوقُ: موضع الوتر من السهم، وكأن (الْفُوقة) لغة، وقوله: (هَل عَلِقَ) أي: هل تعلق، وقوله: (فَيَتَمَارَى) أي: يشك، يعني: أن هذا الرامي تناول أول السهم إلى آخره، فلم ير فيه أثرا يدل على أنه أصاب الصيد، فلما نظر إلى الفُوقِ - وهو انتهاء نظره - وتأمله رأى أثرا غير بين، فشك في الإصابة، وهذا مَثَل، ومبالغة في خروج الخوارج من الدين، بحيث لا يكون لهم نصيب في ذلك، ولا تمسك بشيء منه، دخلوا فيه وخرجوا منه، فلم يتعلقوا بشيء منه، كما أن السهم حين نفَذ الصيد، لم يتعلق منه بشيء، أي: دخول هؤلاء في الإسلام ثم خروجهم منه ولم يعلق بهم شيء من الدين، كخروج السهم من الصيد الذي يرميه الصائد على هذه الصفة، ولم يعلق به من دم الصيد شيء، وفي رواية: (فَيَنظُرُ فِي النَّضِيِّ فَلَا يَرَى بَصِيرَةً) (^١) (البَصِيرَةُ) طريقة الدم، وقيل: البصيرة القطعة من الدم إذا وقعت استدارت، قال الأسعر:\nرَاحُوا بَصَائِرُهُمْ عَلى أكتافهم … وَبَصِيرَتِي يَعْدُو بِهَا عَتَدٌ وَأَى (^٢)\nوالبصيرة في غير هذا الموضع: التُّرْسُ، والبصيرة البرهان والاستبصار في الشيء، وكله من الوضوح.\nوفي رواية: (آيتُهُم رَجُلٌ أَسوَدُ) أي: علامتهم، يعني: آيتهم أن فيهم رجلا أسودَ، (إِحدَى عَضُدَيهِ مِثْلُ ثَدْيِ المَرأَةِ) يريد بذلك نقصانه وصغره، (أو مِثلُ\n_________\n(^١) برقم: ١٠٦٥، وأخرجه أحمد برقم: ١١٠١٨.\n(^٢) للأسعر بن أبي حمران الجعفيّ، ينظر الأصمعيات ١٤١، التذكرة الحمدونية ٥/ ٢٤٢.","vol":"1","page":153},{"text":"البَضعَةِ) يعني: القطعةَ من اللحم (تَدَردَرُ) أي: تتدردر، حُذفت منه إحدى التاءين تخفيفا، ومعناه تضطرب وتتحرك، وقوله: (عَلَى خَيرِ فِرقَةٍ مِنَ النَّاسِ) (^١) أي: على خير جماعة من الناس.\nوقوله: (سِيمَاهُم التَّحلِيقُ) (^٢) سيماهم أي: علامتهم. والتحليق: مصدر حَلَّق يُحَلِّقُ تحليقا، وكان الخوارج يحلقون ولا يتركون الشعر عليها (^٣)، إما ليتميزوا بذلك عن غيرهم، وإما ليجعلوا ذلك سِمَةً لهم، وقوله: (أَوْ قَالَ: الْغَرَضَ) الغرضُ: الهدف، وهو موضع مرتفع يُرمى إليه عند تعلم الرمي، و(مَارِقَةٌ): فاعلة من مرَق، وقوله: (عِندَ فُرقَةٍ) أي: عند افتراق.\n* * *\n\n[٣٩] وقوله: (فَإِنَّ الحَربَ خَدْعَةٌ) (^٤) بفتح الخاء، ومعناه: ينقضي أمرها بخدعة واحدة (^٥)، وأما (الخُدعة): بضم الخاء وسكون الدال: فما يخدع به، وأما (الخُدَعة): بضم الخاء وفتح الدال؛ فالخَدَّاعُ الذي يخدع الناس كثيرا (^٦)، وقيل: خُدَعة أي: يخدع، وقال أبو عبيد: سمعت الكسائي يقول: الحرب خُدَعة (^٧) بفتح الدال.\n_________\n(^١) هذه رواية النسائي في الكبرى: ٨٥٠٧، وأبي نعيم في المستخرج: ٢٣٧٧، وفي رواية مسلم: (حِينِ فُرْقَةٍ).\n(^٢) هذه رواية البخاري: ٧٥٦٢، أما رواية مسلم: ١٠٦٥ فهي بلفظ: (سِيمَاهُمْ التَّحَالُقُ).\n(^٣) أي: على رؤوسهم.\n(^٤) أخرجه برقم: ١٠٦٦ عن علي ﵁ في قتال الخوارج، والبخاري برقم: ٣٦١١.\n(^٥) (أي: من خدع فيها مرة لم يقل العثرة بعدها) غريب الحديث للخطابي ٢/ ١٦٦.\n(^٦) (كَمَا يُقَالُ: فلانٌ رَجُلٌ لُعَبة وضُحَكَة: أي: كَثِيرُ اللَّعِبِ والضَّحك) النهاية ٢/ ١٤.\n(^٧) تهذيب اللغة للأزهري: ١/ ١١١.","vol":"1","page":154},{"text":"وفي حديث: (فَإِذَا لَقِيتُمُوهُم فَاقْتُلُوهُمْ) يعني: فإذا لقيتموهم فقاتلوكم فاقتلوهم، وفي رواية: (رَجُل مُخْدَجُ اليَدِ)، أي: ناقص اليد، أَوْ مُودَنُ اليَدِ، أَو مُثَدَّنُ اليَدِ) (^١)، قال ابن الأنباري - في حديث ذي الثُّدَيَّة: أنه مُودَن اليد، وروي: مَودُون اليد -: فمن رواه مُودَن اليد، ومَوْدُون اليد فهو مأخوذ من قول العرب: وَدِنْتُ الشيءَ وأَوْدَنْتُه، إذا نقصتُه وصَغَّرتُه (^٢)، وقوله: (مُثَدَّنُ اليَدِ) وروي: (مَثدُونُ اليَدِ) ومعناه صغير اليد مجتمعُها بمنزلة ثُنْدُوَّةِ الثدي (^٣)، وأصله: (مُثَنَّدُ الْيَدِ) فقُلِب وقدم الدال على النون، كما قالوا: جبد وجذب، وعاث وعثا، قوله: (لَوْلَا أَن تَبطَرُوا) البَطَر: الطغيان عند النعمة، وقيل: البَطَر التكبر.\nوقوله: (ليسَ قِرَاءَتُكُم إِلَى قِرَاءَتِهِم بِشَيءٍ)، أي: مع قراءتهم، أو بالإضافة إلى قراءتهم، وقوله: (مَا قُضِيَ لَهُم عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُم) (^٤)، أي: ما حُكِم لهم بالثواب الجزيل، والأجر الكثير، (لَاتَّكَلُوا عَنِ الْعَمَل) (^٥)، أي: لَاتَّكَلوا على ذلك؛ مُعرضين عن العمل، يقال: رجل وَكِلٌ: إذا اتكل على غيره،\n_________\n(^١) قال القاضي ﵀: (رويناه في الأم: فيهم رجل مخدج اليد أو مودن اليد، أو مثدن اليد، كذا على الشك في هذه الحروف الثلاث لجميع الرواة، لكنه وقع عند العذري والطبري والباجي: مثدون) الإكمال ٣/ ٦١٨.\n(^٢) الغريبين في القرآن والحديث: ٦/ ١٩٨٩.\n(^٣) الثندوة والثندؤة للرجل كالثدي للمرأة.\n(^٤) الوارد في الصحيح وغيره: (عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِم).\n(^٥) في رواية زيد بن وهب عند أبي داود: ٤٧٦٨: (لَنَكلوا عن العمل)، قال القرطبي ﵀ في المفهم ٣/ ١١٩: (والرواية في ذلك اللفظ: لاتَّكلوا بلام ألف، وبالتاء باثنتين، من التوكُّل، وقد صحّفه بعضهم فقال: لنكلوا بالنون من النكول عن العمل؛ أي: لا يعملون شيئًا؛ اكتفاء بما حصل لهم من ثواب ذلك، وهذا معنى واضح لو ساعدته الرواية).","vol":"1","page":155},{"text":"وتواكل القوم أي: اتكل كل واحد منهم على الآخر، أي: اعتمد وترك العمل، وقوله: (وَأَغَارُوا فِي سَرحِ النَّاسِ) يعني في الإبل والنَّعم التي ترعى، و(حَرُورَاءَ): اسم جبل اجتمع به الخوارج، و(الرَّاسِبِيُّ): منسوب إلى بني راسب، قبيلة من الأزد، وقوله: (فَوَحَّشُوا بِرِمَاحِهِمْ) أي: رموا برماحهم، وفي حديث آخر: (وَحَّشُوا بأسلحتهم) (^١)، وقوله: (وَشَجَرَهُمُ النَّاسُ بِرِمَاحِهِمْ) يقال: تشاجر القوم بالرماح أي تطاعنوا، وشَجَر بين القوم: إذا اختلف الأمر بينهم، والشَّجْر مَفرَج الفم، وقوله: (إِحدَى يَدَيهِ طُبِيُ شَاةٍ) أو: مثل طُبْيِ شاة، الطُّبْيُ: واحد أَطْبَاء الناقة، وهي أخلافها، والأخلاف: جمع خِلْفٍ، والخِلْفُ: الضَّرع.\n* * *\n\n[٤٠] وقوله: (يَتِيهُ قَومٌ قِبَلَ المَشْرِقِ) (^٢) قِبَلَ نصب على الظرف، (مُحَلَّقَةً رُؤُوسُهُم) نصب على الحال، يقال: تاه الرجل إذا تحيَّر في دينه، وقوله: ﴿يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٢٦]، يقال: أرض تَيْهَاء إذا كانت يُتَاه فيها، أي: لا يُهتدى فيها بِعَلَم ولا طريق.\nومن هذه الأحاديث: دليل أن من أظهر الإسلام، لم يُكشف عما في ضميره، وفيه: دليل أن أهل البغي إذا امتنعوا من طاعة الإمام حَلَّ قتالهم.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الصغير: ٦٠٢.\n(^٢) عن سهل بن حنيف برقم: ١٠٦٨، البخاري برقم: ٦٩٣٤.","vol":"1","page":156},{"text":"<span data-type='title' id=toc-68>ومن باب لا تحل الصدقة للنبي ﷺ ولا لأهل بيته</span>\n[٤١] حديث أبي هريرة ﵁: (كِخْ كِخْ) (^١) تفسير الكلمة في الحديث: (ارْمِ بِهَا)، وقوله: (أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ؟) الصدقة لم تكن تَحِلُّ للنبي ﷺ لما رفع الله من قدره، ونزَّهه منه، لأنها أوساخ الناس.\n* * *\n\n[٤٢] وفي حديث: (فَأَجِدُ الثَّمَرَةَ سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي) (^٢) دليل أن الشبهاتِ يُتَوَرع منها، إذ قال: (أَخشَى أَن تَكُونَ صَدَقَةً) فألقاها.\n* * *\n\n[٤٣] وفي حديث أنس ﵁: (مَرَّ بِتَمرَةٍ فِي الطَّرِيقِ) (^٣)، وفي حديث أبي هريرة: (سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي) دليل على جواز طرح الفراش ولباسه.\n\n<span data-type='title' id=toc-69>ومن باب طلب الولاية</span>\n[٤٤] أخبرنا أبو نصر محمد بن سهل السرَّاج، أخبرنا عبد الملك بن الحسن الأزهري، حدثنا أبو عوانة الإسفرايني، حدثنا أبو داود الحراني، حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، وأخبرنا أبو بكر الصابوني، - ولفظ الحديث له - أخبرنا عبد الغافر بن محمد الفارسي، حدثنا محمد بن عيسى بن عمرويه، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء الضبعي، حدثنا جويرية، عن\n_________\n(^١) برقم: ١٠٦٩، وأخرجه البخاري برقم: ١٤٩١.\n(^٢) برقم: ١٠٧٠، وأخرج أحمد برقم: ٨٢١٣.\n(^٣) برقم: ١٠٧١، وأخرجه البخاري برقم: ٢٠٥٥.","vol":"1","page":157},{"text":"مالك، عن الزهري: أن عبد الله بن عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وفي رواية أبي عوانة عن عبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب حدثه، أن عبد المطلب بن ربيعة حدثه قال:\n(اجتمع ربيعة بن الحارث، والعباس بن عبد المطلب ﵄ فقالا: والله، لو بعثنا هذين الغلامين - قال لي وللفضل بن العباس - إلى رسول الله ﷺ فكلماه، فأَمَّرَهُما على هذه الصدقات، فأدَّيا ما يؤدي الناس، وأصابا ما يصيبه الناس، قال: فبينا هما في ذلك جاء علي بن أبي طالب ﵁، فوقف عليهما، فذكرا له ذلك، قال علي ﵁: لا تفعلا، فوالله، ما هو بفاعل، فانتحاه ربيعة بن الحارث فقال: والله، ما تصنع هذا إلا نفاسة منك علينا، فوالله، لقد نلتَ صهر رسول الله ﷺ فما نَفِسْنَاه عليك، قال علي ﵁: أرسلوهما، فانطلقا، واضطجع عَلِيٌّ ﵁، فلما صلَّى رسول الله ﷺ الظهر سبقناه إلى الحجرة، فقمنا عندها، حتى جاء فأخذ بآذاننا، ثم قال: (أَخْرِجَا مَا تُصَرِّرَانِ)، ثم دخل ودخلنا عليه، وهو يومئذ عند زينبَ بنتِ جحش، قال: فتواكلنا الكلام، ثم تكلم أحدنا فقال: يا رسول الله، أنت أبرُّ الناس وأوصل الناس، وقد بلغنا النكاح، فجئنا لِتُؤَمِّرَنا على بعض هذه الصدقات، فنؤدي إليك كما يؤدي الناس، ونصيب كما يصيبون، قال: فسكت طويلا حتى أردنا أن نكلمه، قال: وجعلت زينب تُلْمِعُ إلينا من وراء الحجاب ألا تكلماه، ثم قال: (إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنبَغِي لَآلِ مُحَمَّد)، وفي رواية أبي عوانة: (لَا يَنبَغِي لمحمد ولا لِآلِ مُحَمَّدٍ إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ، ادْعُوَا لِي مَحْمِيَةَ) وكان على الخمس، وفي رواية أبي عوانة: (والعشور)، (وَنَوْفَلَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ)، قال: فجاءاه، فقال لمَحْمِيَة: (أَنْكِحْ هَذَا الْغُلَامَ ابْنَتَكَ) - للفضل بن العباس - فأنكحه، وقال لنوفل بن الحارث: (أَنكِح هَذَا الغُلَامَ ابْنَتَكَ) - لي -","vol":"1","page":158},{"text":"فأنكحني، وقال لمحمية: (أَصدِق عَنهُمَا مِنَ الْخُمُسِ كَذَا)، وَكَذَا، قال الزهري: ولم يسمه لي) (^١).\nوفي رواية أبي عَوانة: (وَأَبَا سُفْيَانَ بنَ الحَارِثِ) بدل نوفل بن الحارث، وقال: أبو سفيان هو نوفل بن الحارث.\nوفي رواية يونس بن يزيد عن الزهري عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، وفيه: فألقى عَلِيٌّ رداءه ثم اضطجع عليه فقال: أنا أبو حسن القَرْمُ، وفي نسخة أنا أبو حسنٍ القَوْم، والله، لا أَرِيمُ مكاني حتى يرجع إليكما ابناكما، بِحَوْرِ ما بَعَثْتُما به، وفي هذه الرواية: فقال رسول الله ﷺ: (ادعُوَا لِي مَحمِيَّةَ بْنَ جَزءٍ)، وهو رجل من بني أسد، كان رسول الله ﷺ استعمله على الأخماس.\n(رَبِيعَةُ بنُ الْحَارِثِ): بن عبد المطلب ابن عم النبي ﷺ، و(العَبَّاسُ): عمه، و(عَبدَ الْمُطَّلِبِ): هو ابن ربيعة، و(الفَضلُ): هو ابن العباس، وهم جميعا من بني عبد المطلب، وصلِيبَةُ بني هاشم وبني المطلب حرمت عليهم الصدقة المفروضة، وجعل لهم نصيبهم من خمس الخمس عوضا منها.\nوقوله: (فَأَمَّرَهُمَا): من الإمرة؛ وهي الولاية، (فَأَدَّيَا مَا يُؤَدِّي النَّاسُ) يعني ما يكون للمسلمين من الحق في تلك الصدقات، (وَأَصَابَا مَا يُصِيبُهُ النَّاسُ) (^٢) يعني من أجر العمل، وقوله: (وَاللهِ، لَو بَعَثْنَا هَذَيْنِ الغُلَامَيْنِ) لفظه لفظ القسم، وليس بقسم، إذا أرادوا تأكيد الكلام أدخلوا فيه هذا اللفظ، وقوله: (قَالَ لِي) هذا كلام عبد المطلب بن ربيعة، أي: قال العباس، أو قال ربيعة هذا الكلام\n_________\n(^١) برقم: ١٠٧٢، وأخرجه أحمد برقم: ١٧٥٢٦، وأبو داود برقم: ٢٩٨٥.\n(^٢) اللفظ عند مسلم وغيره: (مَا يُصِيبُ).","vol":"1","page":159},{"text":"لأجلي وفي حقي، ولأجل الفضل وفي حقه، يعني: قولهما: (لَوْ بَعَثْنَا هَذَيْنِ الْغُلَامَيْنِ)، وأظن في نسخة: (قَالَا لِي وَلِلْفَضْلِ) (^١)، وقوله: (فَانْتَحَاهُ رَبِيعَةُ) أي: قصده بالكلام، وقوله: (إِلَّا نَفَاسَةً مِنْكَ عَلَيْنَا) التنافسُ: الحسد، وشيء مُنْفِسٌ ونفيس أي: يحسد به، وقوله: (نِلْتَ صِهْرَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الصِّهْرُ هاهنا بمنزلة المُصَاهَرة، قال:\nفَجئْت ابْن أَحْلَام النيام وَلم تَجِد … لصهرك إِلَّا نَفسها من تباعل (^٢)\nيقال لأهل بيت الخَتَنِ (^٣)، وأهل بيت المرأة جميعا: أصهار، وقوله فقال: (أَخْرِجَا مَا تُصَرِّرَانِ) أي: ما في قلوبكما، أي ما تَجْمعان في صدوركما، وكلُّ شيء جمعته فقد صَرَرْتَهُ، فإذا أردت التأكيد شددته فقلت صررته، وقوله: (وَقَدْ بَلَغْنَا النِّكَاحَ) أي: وقت النكاح، وقوله: (تُلْمعُ إلَيْنَا مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ) يقال: لمَعَ الطائر بجناحيه إذا خَفَق بهما، ولَمَع الرجل بيده إذا أشار بها، ويقال: للجناح مِلْمَعٌ، قال حُمَيْدُ:\nلَهَا مِلْمَعانِ، إِذا أَوْغَفَا … يَحُثَّانِ جُؤْجُؤَها بالوَحَى (^٤)\nيصف قَطاة (^٥)، يقول لها جناحان تحركهما إذا أسرعت الطيران، يحث\n_________\n(^١) كما في الطبعة التركية لصحيح مسلم: ٣/ ١١٨.\n(^٢) البيت للشاعر زُمَيل بن أُبَيْر الفزاري، ديوان الحماسة بشرح التبريزي ٢/ ١٧٨، وبشرح الأصفهاني ١٠٠٥.\n(^٣) قال الخليل بن أحمد: (ولا يقال لأهل بيت الختن إلا أختان، ولأهل بيت المرأة إلا أصهار. ومن العرب من يجعلهم كلهم أصهارا) العين ٤/ ٤٧١.\n(^٤) القائل حميد بن ثور الهلالي، المعاني الكبير لابن قتيبة: ١/ ٣٠٧، لسان العرب: ٨/ ٣٢٥، ديوانه: ص ٤٧.\n(^٥) (القطا: طائر معروف، سمي بذلك لثقل مشيه، واحدته قطاة). لسان العرب ٨/ ٣٢٥.","vol":"1","page":160},{"text":"ذلك الجناحان الصدرَ على موافقتهما، فيُسمعُ لذلك صوتٌ، ووَحْيُ الجناح حَفِيفُ صَوتِه.\nوقوله: (أَنْكِحْ هَذَا الْغُلَامَ ابْنَتَكَ - للفضل بن العباس) أي: قال ذلك لأجل الفضل بن العباس كما ذكرناه، وكذلك قوله: (ابْنَتَكَ - لي -)، وقوله: (أَنَا أَبُو حَسَنٍ الْقَوْمُ)؛ قوله: (الْقَرْمُ): قال أهل اللغة: القَرْم: السيد، وقال صاحب المجمل: القَرْم: السيد؛ شُبِّه بالقرم: وهو الفحل المكرم؛ لا يُحمل عليه؛ بل يترك للفحلة) (^١)، ومن رواه: (أَنَا أَبُو حَسَنِ الْقَوْمِ) (^٢) بالواو، كأنه جعل الكلمتين كلمة، وأخرجها من باب الكنية إلى باب الاسم، وأضافه إلى القوم، ومعناه: أنا رجل القوم، وأنا فطِن القوم، وأنا ذو رأي القوم، وقوله: (لَا أَرِيمُ مَكَانِي) أي: لا أبرح مكاني، وقوله: (بِحَوْرِ مَا بَعَثْتُمَا بِهِ) أي: بجواب ما بعثتما به، يقال: كلمته فما رجع إليّ حوارًا وحَوِيرًا وحَوْرًا ومَحُورَةً يعني: جوابًا، وقوله: (وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ)؛ أظن أن الصواب من بني زُبَيْدٍ، ولم يحضرني في الوقت كتابٌ أنظر فيه فأتقنُه (^٣).\n_________\n(^١) ابن فارس، مجمل اللغة: ٧٤٩.\n(^٢) وكذا عند أحمد ١٧٥١٨، وابن خزيمة: ٢٣٤٢، وهي رواية عند مسلم، قال عياض ﵀ بعد ذكر رواية: (القرم): ورواه عامة الرواة عن مسلم: أنا أبو حسن القَوْمِ بالواو وخفض الميم على الإضافة أي: رجل الجماعة وذو رأيها وكان أبو بحر يرفع الميم ويجعل القوم مبتدأ لما بعده) مشارق الأنوار: ٢/ ١٨٢، وقال ابن الجوزي ﵀: وقد رواه بعض المحدثين: أنا أبو حسن القوم، وهو غلط وقلة معرفة بالكلام) كشف المشكل من حديث الصحيحين ٤/ ١٨٠.\n(^٣) على هذا رواية أبي داود: ٢٩٨٥، وابن خزيمة: ٢٣٤٢، وفي إكمال المعلم: ٣/ ٦٢٧: (هكذا قال مسلم: هو رجل من بني أسد، والمحفوظ: من بني زبيد)، وهو محمية بن جزء بن عبد يغوث بن عويج بن عمرو بن زبيد الأصغر الزبيدي، حليف بني جمح، أسلم قديما وهاجر إلى الحبشة، وتأخر رجوعه منها، وأول مشاهده المريسيع، وكان النبي ﷺ قد استعمله على الأخماس،=","vol":"1","page":161},{"text":"وفي الحديث: دليل على جواز طلب الولاية إذا كانت بحق، ودليل على جواز طلب المعاش من حل، وجواز إعطاء العالة، ودليل أن خمس الخمس جُعل لأهل بيت النبي ﷺ عِوضا من الصدقة.\n\n<span data-type='title' id=toc-70>ومن باب الصدقة إذا تحولت هدية</span>\n[٤٥]-[٤٦] حديث جويرية ﵂: مَا عِنْدَنَا إِلَّا عَظْمٌ مِنْ شَاةٍ أُعْطِيَتْهُ (^١) مَوْلَاتِي مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ: (قَرِّبِيهِ فَقَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا) (^٢): فيه دليل أن حكم المال يتغير من انتقال الملِك، فحين كانت صدقة، كانت محرمة على النبي ﷺ، فلما صارت هدية حلت له، وهو معنى قوله: (فَقَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا)، ومعنى قوله: (هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-71>ومن باب دعاء الإمام لمن جاءه بالصدقة</span>\n[٤٧] حديث ابن أبي أوفى: (إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ، قَالَ: \"اللهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِمْ\") (^٤)، في هذا الحديث دليل أن النبي ﷺ كان يراعي الوحي فيأتي ما يأمره به الوحيُ، قال الله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، فكان يصلي على المتصدق تطييبًا لنفسه، وإدخالا للسرور عليه، يقال له: جعله الله لك\n_________\n= ينظر: الطبقات الكبرى: ٧/ ٤٩٧، الاستيعاب: ٤/ ١٤٦٣، أسد الغابة: ٥/ ١١٣.\n(^١) ضبط كذلك: (أَعْطَيْتُه) بصيغة المتكلم، وفيه إشكال الرجوع في العطية، لذلك وجهه القرطبي ﵀ بقوله: (إنما قال ذلك فيه لعلمه بطيب قلب المولاة بذلك، أو تكون المولاة قد أهدت ذلك لجويرية)؛ المفهم ٣/ ١٣٠.\n(^٢) أخرجه برقم: ١٠٧٣، وأحمد برقم: ٢٧٤٢٤.\n(^٣) أخرجه مسلم برقم: ١٠٧٤، وأخرجه البخاري برقم: ٢٥٧٧.\n(^٤) أخرجه برقم: ١٠٧٨، والبخاري برقم: ١٤٩٧.","vol":"1","page":162},{"text":"طهورا، وآجرك فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-72>ومن باب إذا أتاكم المصدق</span>\n[٤٨] فيه (^٢): دليل على إرضاء عُمَّال الصدقة، وإيفاءِ الحق الواجب، والخروج منه إليهم، من غير مماطلة ولا مدافعة، لأن ذلك مصروف إلى وجوه الحق، فإذا صَدر العامل راضيا بورك للمتصدق فيما أعطى وفيما أبقى.\n_________\n(^١) استحب الشافعي ﵀ في صفة الدعاء للمتصدق عند أخذ الصدقة منه، الأم: ٢/ ٦٤.\n(^٢) حديث الباب أخرجه ٩٨٩، والترمذي برقم: ٦٤٧.","vol":"1","page":163},{"text":"<span data-type='title' id=toc-73>كتاب الصوم</span>\n<span data-type='title' id=toc-74>ومن باب فضل شهر رمضان</span>\n[٤٩] حديث أبي هريرة ﵁: (إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ) (^١)، وفي رواية: (فَتِّحَت أَبْوَابُ الجَنَّةِ بالرَّحمَةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ)، التشديد في: (فُتِّحَتْ)؛ و(وَغُلِّقَتْ) لتكثير الفعل، وكذلك في (صُفِّدَتِ)، ومعنى صُفِّدَت قُيِّدت وغُلَّت، والصِّفَادُ: القيد؛ جمع صَفَد، والصَّفْدُ: التقييد، قال:\nفآبوا بالنهاب وبالسبايا … وأبنا بالملوك مصفدينا (^٢)\nوفي القرآن: ﴿مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ [إبراهيم: الآية ٤٩]، قيل: هي الأغلال، وصفَّدته وصفَدته - مخفف ومثقل - أي: أوثقته، ومعنى (سُلْسِلَتِ) شُدَّت بِالسَّلسِلة.\nقال بعض العلماء: الصوم من معاظم أمور الدين، وقد ذكر الله ﷿ في الكتاب ما نبه به على عظم قدره وجلالة موقعه، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: الآية ١٨٣] الآيات، فعرفنا أن الصوم كان شريعةً لمن قبلنا، وجائز أن يكون ذلك مع\n_________\n(^١) أخرجه برقم: ١٠٧٩، والنسائي برقم: ٢٠٩٧.\n(^٢) عمرو بن كلثوم التغلبي، ينظر: جمهرة أشعار العرب ٢٩٢، العقد الفريد ٦/ ٩٨، الأغاني ٩/ ٥٧.","vol":"1","page":165},{"text":"الاختلاف في تفصيله، كالصلاة المفروضة على من قبلنا، مع مخالفة ما شُرع لنا فيها في الأعداد والأوقات، وجائزٌ أن يكون على معنى استواء الصومين في عدد الأيام، وفي ذلك حثٌّ لنا على التزامها، لأن الشيء إذا استوى في التزام فعله العددُ الكثير، خف الأمر في احتمال ثِقلِه.\nثم قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، عرَّفَنَا أن الصومَ يورث التقوى، لأن في فعله كسرًا للنفس، وقمعًا لشهواتها، وفي ذلك تهوين لملاذِّ الدنيا، ومن هانت عليه الملاذُّ، وعصى الشهواتِ، سهُلت عليه الطاعات، فاستحق به الوصفَ بالتقوى، لأن حقيقة التقوى أن يخشى الله في أوامره أن تُترك، وفي نواهيه أن تُرتكب، وإلى هذا وقعت الإشارة بقول النبي ﷺ: (مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ) (^١).\nثم قال ﷿: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: الآية ١٨٤]، فعرَّفَنا أنه لم يفرضه علينا أيام الدهر، ولا أكثر أيامه، وإنما فرضه علينا أياما يسيرة، يخِفُّ احتمال المشقة فيها، ثم بين هذه الأيام بقوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: الآية ١٨٥]، والشهر إما ثلاثون، وإما تسعٌ وعشرون.\nثم قال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: الآية ١٨٤]، عرَّفَهم أنه خفف عنهم في هاتين الحالتين: في السفر والمرض.\nثم قال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ أي: ومن ثقُل عليه الصوم من المطيقين، فله تركُه إلى إطعام مسكين، وهذا إنما كان في الفرْض\n_________\n(^١) متفق عليه البخاري برقم ٥٠٦٥ واللفظ له، ومسلم برقم: ١٤٠٠.","vol":"1","page":166},{"text":"الأول، ثم نسخ التخيير بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: الآية ١٨٥]، وأعاد ذكر الرخصة للمريض والمسافر في الإفطار فقال: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ لئلا يَتَوَهَّم في الإفطار مُتَوهِّم أن الرخصة في هذا، إنما كانت حين كان للناس الخيار في فعل الصوم وتركه، في حال الإقامة والصحة.\nثم قال: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ الآية، وهي أيام شهر رمضان تتمونها صائمين ثم تكبرون الله على ما هداكم له هذه الشريعة، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: فإنكم إذا فعلتم ذلك، كنتم شاكرين الله على إنعامه عليكم بهذه الشريعة، فجعلهم في آخر الآية شاكرين الله بالصوم، كما جعلهم في أولها من المتقين، فثبت بهذا أن من قام بفرض الصوم، استحق أن يسمى متقيا شاكرا، ولا أَجَلَّ في صفاتِ العباد من هاتين الصفتين.\n* * *\n\n[٥٠ - ٥١] حديث عائشة ﵂: (لَمَّا مَضَتْ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً أَعُدُّهُنَّ، دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَتْ بَدَأَ بِي - فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ أَقْسَمْتَ أَنْ لَا تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْرًا، وَإِنَّكَ دَخَلْتَ مِنْ تِسْع وَعِشْرِينَ أَعُدُّهُنَّ، فَقَالَ: الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ) (^١) وفي رواية جابر ﵁ فقال: (إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ، ثُمَّ طَبَّقَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدَيْهِ ثَلَاثًا: مَرَّتَيْنِ بِأَصَابِع يَدَيْهِ كُلِّهَا، وَالثَّالِثَةَ بِتِسْعٍ مِنْهَا) (^٢) وفي رواية: (وَصَفَّقَ بِيَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَحَبَسَ إِصْبَعًا وَاحِدَةً فِي الْآخِرَةِ)، وفي نسخة:\n_________\n(^١) أخرجه برقم: ١٠٨٣ بلفظ: (إن الشهر ..)، والبخاري برقم: ٢٤٦٨ من حديث عمر ﵁.\n(^٢) أخرجه مسلم برقم: ١٠٨٤.","vol":"1","page":167},{"text":"(وخَنَسَ) (^١) بالخاء المعجمة والنون، وفي رواية سعد ﵁: (ثُمَّ نَقَصَ فِي الثَّالِثَةِ إِصْبَعًا).\nقال بعض العلماء (^٢): الأصل في وجوب الصوم قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: الآية ١٨٣]، ولم يُعيِّنْه في هذه الآية، وعَيَّنَه في الآية الأخرى، وهي قوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: الآية ١٨٥]، وما روى ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ، شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهِ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِنَاءِ الزَّكَاةِ وَصَوْمِ رَمَضَان وَحَجَّ البَيْتِ مَن اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) (^٣).\nفإذا ثبت هذا، فالصوم في اللغة هو الإمساك والكفُّ، فكل من أمسك عن شيء وكفَّ عنه يقال: هو صائم، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: الآية ٢٦]، أي: صمتا، وكذلك يُقال: صام النهارُ، إذا وقفت الشمس ولم تسر وقتَ الزوال، يقال: صامتِ الخيلُ: إذا وقفت ولم تسر، ومنه قول العجاج:\nخَيلٌ صيامٌ وخيلٌ غيرُ صائمةٍ … تَحْتَ العَجاجِ وأُخرَى تَعلُكُ اللُّجُمَا (^٤)\nفأما في الشرع: فالصوم هو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع دون غيره، فهو من الأسماء المنقولة من اللغة إلى الشرع، إلا أنه منقول إلى النقصان،\n_________\n(^١) كذلك رواية البخاري ١٩٠٨، وأبي داود ٢٣١٩، وعند أبي عوانة في مستخرجه على مسلم برقم: ٢٩٤٠.\n(^٢) الحاوي الكبير ٣/ ٣٩٤.\n(^٣) متفق عليه البخاري: ٨، مسلم: ١٦، والحديث بهذا اللفظ عند ابن عساكر في معجمه: ١٢.\n(^٤) البيت للنابغة الذبياني، وليس للعجاج، ينظر: الكامل للمبرد ٣/ ٦٧، الموازنة بين أبي تمام والبحتري للآمدي ١/ ٤٨٧.","vol":"1","page":168},{"text":"والنقل قد يكون تارة إلى النقصان وتارة إلى الزيادة.\nولا يجب صوم رمضان حتى يستيقن أن الهلال قد رُئِي، أو يستكمل شعبان ثلاثين يوما، فما لم يوجد أحد هذين الشرطين لا يجب الصوم، دليلنا ما رُوي عن النبي ﷺ إذ قال: (لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوا الهِلَالَ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ) (^١).\nواختلف الناس في يوم الشك: فمذهب الشافعي (^٢) ﵀ أنه مكروه بكل حال، إلا أن يكون الرجل ممن يصوم الدهر، أو يعتاد أياما فوافق تلكَ الأيام يومُ الشك، فلا يكره الصوم، روي عن عَلِيٍّ (^٣) وعمار (^٤) ﵄، وقال ابن عمر ﵁: إن كان صحوا كره صومه، وإن كان غيما لم يكره (^٥)، وهو قول أحمد (^٦)،\n_________\n(^١) متفق عليه: البخاري: ١٩٠٦، مسلم: ١٠٨٠، وهو عندهما بلفظ: (فإن غم عليكم فاقدروا له)، وورد لفظ المؤلف في مسند الشافعي: ٦٠٨، وسنن الدارقطني: ٢١٧٠، والسنن الكبرى للبيهقي: ٧٩٥١.\n(^٢) الحاوي الكبير: ٣/ ٤٠٩، المهذب للشيرازي: ١/ ٣٤٦.\n(^٣) روى ابن أبي شيبة: ٩٤٨٩: (كان علي، وعمر، ينهيان عن صوم يوم الذي يشك فيه من رمضان).\n(^٤) أخرج أبو داود برقم: ٢٣٣٤، والترمذي برقم ٦٨٦: عن صلة بن زفر، قال: كنا عند عمار بن ياسر فأتي بشاة مصلية، فقال: كلوا فتنحى بعض القوم، فقال: إني صائم، فقال عمار: \"من صام اليوم الذي يشك فيه الناس فقد عصى أبا القاسم ﷺ \".\n(^٥) روى أبو داود: ٢٣٢٠، عن نافع أن ابن عمر: (إذا كان شعبان تسعا وعشرين نظر له، فإن رئي فذاك، وإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب، ولا قترة أصبح مفطرا، فإن حال دون منظره سحاب، أو قترة أصبح صائما)، وينظر الإشراف لابن المنذر ٣/ ١١١.\n(^٦) سئل عن صيام يوم الشك فقال: (أكرهه إذا وضح) مسائل أحمد وإسحاق ٣/ ١٢٣٠، وينظر كذلك مسائل الإمام أحمد: ٣/ ٢٠٢: المسألة ١٦٨٤ رواية صالح، والمسألة: ٧٢٦ في رواية عبد الله.","vol":"1","page":169},{"text":"وقال الحسن (^١) وابن سيرين (^٢): الناس تبع للإمام، فإن صام الإمام صامت الرعية، وإن أفطر الإمام أفطروا، وقال أبو حنيفة (^٣): إن صامه ونوى به التطوع لم يكره، وإن نواه عن رمضان كُرِه.\nدليل أصحاب الشافعي قوله ﵇: (لَا تَسْتَقْبِلُوا الشَّهْرَ بِيَومٍ وَلَا يَومَينِ إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ يَوْمًا كَانَ يَصُومُهُ أَحَدُكُم، وَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الهِلَالَ وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ) (^٤)، فاقتضى الظاهرُ أنه لا يجوز صومه بحال، إلا ما استثناه الخبر.\n* * *\n\n[٥٢] أخبرنا أبو نصر محمد بن سهل السرَّاج، أخبرنا عبدُ الملكِ بن الحسنِ الأزهري، حدثنا أبو عَوَانة الإسفَرَايِني، حدثنا إسماعيلُ وَيوسف القاضيان، قالا: حدثنا سليمانُ بنُ حربٍ، حدثنا حمَّادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، عن نافعٍ عن ابن عمرَ ﵁ قال: قال رسول ﷺ: (إِنَّمَا الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ، إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِن أُغْمِيَ عَلَيْكُم فَاقْدِرُوا لَه) (^٥)، قال نافع: كان\n_________\n(^١) ينظر الإشراف لابن المنذر: ٣/ ١١١.\n(^٢) روى عبد الرزاق في مصنفه ٧٣٢٩: (عن أسماء بن عبيد قال: أتينا محمد بن سيرين في اليوم الذي يشك فيه فقلنا: كيف نصنع؟ فقال لغلامه: اذهب فانظر أصام الأمير أم لا - قال: والأمير يومئذ عدي بن أرطاة - فرجع إليه، فقال: وجدته مفطرا قال: فدعا محمد بغدائه فتغدى فتغدينا معه).\n(^٣) قال أبو حنيفة: (لَا يصام الْيَوْم الَّذِي يشك فِيهِ أَنه من رَمَضَان إِلَّا تَطَوّعا) الجامع الصغير وشرحه النافع الكبير ١٣٧، وينظر كذلك: المبسوط للسرخسي ٣/ ٦٣، بدائع الصنائع ٢/ ٧٨.\n(^٤) الحديث بنحوه في سنن الترمذي: ٦٨٤، ومسند أحمد: ١٠٤٥١، ومسند الشافعي: ٦٠٩، عن أبي هريرة بلفظ: (لا تقدموا)، وعند ابن خزيمة: ١٩١٢، وابن حبان: ٥٣٩٠ بلفظ: (لا تستقبلوا).\n(^٥) رواه المؤلف بإسناده إلى أبي عوانة، وهو في مستخرجه: ٢٩٣٤ - ٢٩٣٥، وعند مسلم برقم: ١٠٨٠.","vol":"1","page":170},{"text":"ابن عمر إذا مضى من شعبان تسع وعشرون، نظر له، فإن رُئي فذاك وإن لم ير، ولم يَحُل دون مَنْظَرِه سحاب ولا قَتَرَةٌ أصبح مفطرا، وإن حال دون منظره سحاب، أو قترة أصبح صائما، وكان يفطر مع الناس، ولا يأخذ بالحساب (^١).\n* * *\n\n[٥٣] قال: وحدثنا أبو عَوانةَ، حدثنا إبراهيم بنُ الحسين الهمداني، وأبو داودَ السجستاني، قالا: حدثنا أبو سلمةَ موسى بنُ إسماعيلَ، حدثنا إسماعيلُ بنُ جعفرَ، أخبرني محمدٌ - يعني: ابن أبي حَرْمَلةَ - وهو حُويطِبُ بنُ عبدِ العزى بن عامرِ بن لُؤي، أخبرني كُريبُ، أن أمَّ الفضلِ بنتِ الحارثِ بعثته إلى معاويةَ بن أبي سفيان ﵁ بالشام قال: قَدِمْتُ الشَّامَ فَقَضَيْتُ حَاجَتَهَا وَاسْتَهَلَّ عَلَيَّ رَمَضَانُ وَأَنَا بِالشَّامِ، فَرَأَيْنَا الْهِلَالَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فِي آخِرِ الشَّهْرَ، فَسَأَلَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁ ثُمَّ ذَكَرَ الْهِلَالَ فَقَالَ: مَتَى رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ؟ قُلْتُ: رَأَيْتُهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، فقَالَ: أَنْتَ رَأَيْتَهُ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، وَرَآهُ النَّاسُ، وَصَامُوا، وَصَامَ مُعَاوِيَةُ، قَالَ: لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ، فَلَا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نُكْمِلَ الثَّلَاثِينَ، فَقُلْتُ: أَلَا تَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ؟ قَالَ: لَا، هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ (^٢).\n* * *\n\n[٥٤] قال: وحدثنا أبو عَوانة، حدثنا يوسفُ بنُ سعيدِ بن مسلمٍ، وأبو حُميدٍ قالا: حدثنا حجَّاجُ، حدثنا شُعبةُ عن عمرِو بن مُرَّة، قال: سمعت أبا البُختري الطائي يقول: أهللنا هلال رمضان ونحن بذات عِرق، فأرسلنا إلى ابن عباس\n_________\n(^١) كذلك عند أبي عوانة في مستخرجه: ٢٩٣٥، وهو عند أبي داود: ٢٣٢٠، كما سبق تخريجه.\n(^٢) رواه مسلم برقم: ١٠٨٧، ورواية المؤلف عن أبي داود في سننه: ٢٣٣٢، وعن أبي عوانة في مستخرجه ٢٩٣٠.","vol":"1","page":171},{"text":"نسألُه فقال: قال رسول الله ﷺ: (إِنَّ الله أَمَدَّهُ لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَأَتِمُّوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ) (^١).\n* * *\n\n[٥٥] وفي كتاب مسلم: (إِنَّ الله أَمَدَّهُ لِلرُّؤْيَةِ، فَهُوَ لِلَّيلَة الَّتِي رَأَيْتُمُوهُ) (^٢).\nوفي كتاب مسلم: شك يحيى بن يحيى في تكتفي أو نكتفي، وفي كتاب مسلم: (خَرَجْنَا لِلْعُمَرَةِ، فَلَمَّا نَزَلْنَا بِبَطنِ نَحْلَةَ تَرَاءَينَا الهِلَالَ، فَقَالَ بَعضُ الْقَومِ: هُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ، وَقَالَ بَعضُ القَومِ: هُوَ ابْنُ لَيلَتَينِ، فَقَالَ: أي: لَيْلَةٍ رَأَيْتُمُوهُ؟ قُلْنَا: لَيْلَةَ كَذَا وَكَذَا)، وفي كتاب مسلم، في رواية محمد بن جعفر عن شعبة: (إِنَّ الله قَد أَمَدَّهُ لِرُؤيَتِهِ).\nقوله: (أَهلَلنَا) أي رأينا الهلال، يقال: أهللتُ الهلالَ، واستهلَّ إذا رُئي، قال:\nوَشَهْرٌ مُسْتَهِلٌّ بَعْدَ شَهْرِ … وَحَوْلٌ بَعْدَهُ حَوْلٌ جَدِيدُ (^٣)\nوفي حديث ابن عباس ﵁ دلالة على أن حكمَ الصيام يلزمُ برؤية أهل البلد للهلال، وقوله: (فَإِن أُغمِيَ عَلَيْكُمْ) أي: خَفِي فلم يُرَ، و(أُغمِيَ) فعلُ ما لم يُسَمَّ فاعله على وزن أُفْعِل، و(غُمَّ) فعل ما لم يُسَمَّ فاعله على وزن فُعِل، أي: غشَّ السحابُ، أو غيرُه موضعَ الهلال حتى لا يُرى، وقوله: (مدَّه) و(أَمدَّه) أي: زاده على تسعٍ وعشرين حتى كان تمامَ ثلاثين.\n_________\n(^١) عند مسلم برقم: ١٠٨٨، ورواية المؤلف عند أبي عوانة في مستخرجه ٢٩٥٧، بلفظ: (قد أمده).\n(^٢) برقم: ١٠٨٨، في النسخ المطبوعة: (مده للرؤية)، (لليلة رأيتموه).\n(^٣) بيت للمسجاح بن سباع الضبي، ينظر: ديوان الحماسة بشرح التبريزي ١/ ٤١٧، وشرح الأصفهاني ٧١٢.","vol":"1","page":172},{"text":"[٥٦] وحديث أبي بكرة ﵁: (شَهرَا عِيدٍ لَا يَنقُصَانِ) (^١) قيل في معناه (^٢): هما وإن نقص عدَدُهما لا ينقص أجرُهما، وقال بعضهم: لا ينقصان معًا، وهذا إن حُمِل على سنةٍ بعينها، أو على أغلب الأحوال جاز، فأما أن يُحمل على جميع الأزمنة، فالمشاهدة تدفع ذلك، لأنهما قد ينقصان، وقيل: إن نقص هذا لم ينقص الآخرُ، والاعتماد على القول الأول.\n\n<span data-type='title' id=toc-75>ومن باب قوله: حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود</span>\n[٥٧] المراد بذلك الليل والنهار، وقوله: (إِنَّ وِسَادَكَ لَعَرِيضٌ) (^٣)؛ أي: إنك إذا حمَلت الخيط الأبيض، والخيط الأسود على الظاهر، حتى تجعل تحت وسادتك عِقالين - وإنما هما الليلُ والنهار - إن وسادك إذا لعريض إذ كان يسع الليل والنهار، أي غلطت في حمل ذلك على ظاهر الخيط الأبيض، والخيط الأسود (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه برقم: ١٠٨٩، وكذلك البخاري ١٩١٢.\n(^٢) ينظر معالم السنن للخطابي: ٢/ ٩٥.\n(^٣) عن عدي بن حاتم برقم: ١٠٩٠، والبخاري برقم: ١٩١٦، ولفظهما (وسادتك)، وعند المؤلف (وسادك) ولعلها رواية من روايات مسلم، وهي عند أبي داود برقم: ٢٣٤٩، والوسادة المخدة، والوساد أعم فهو كل ما يتوسد ولو ترابا، ينظر لسان العرب ٦/ ٤٨٣٠.\n(^٤) أوضح القرطبي هذا المعنى بقوله: (حمله بعض الناس على الذمِّ له على ذلك الفهم، وكأنه فهم منه: أن النبي ﷺ نسبه إلى الجهل والجفاء وعدم الفقه، وربما عضدوا هذا بما روي: أنه ﷺ قال له: (إنك لعريض القفا)، وليس الأمر كذلك، فإنه حمل اللفظ على حقيقته اللسانية، إذ هي الأصل، إذ لم يتبين له دليل التجوز، ومن تمسَّك بهذا الطريق لم يستحق ذمًّا، ولا ينسب إلى جهل، وإنما عنى بذلك النبي ﷺ والله أعلم: إن وسادك إن غطى الخيطين اللذين أراد الله، اللذين هما الليل والنهار، فهو إذًا وساد عريض واسع، إذ قد شملهما وعلاهما) المفهم ٣/ ١٤٨ - ١٤٩.","vol":"1","page":173},{"text":"قيل: فلما أنزل الله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: الآية ١٨٧]، زال هذا الاحتمال، قيل: خيط الفجر بياضُ الصبح، أولَ ما يبدو يمتد كالخيط، ثم ينتشر، قال النابغة (^١):\nوَلَاحَ مِنَ الصُّبْحِ خَيْطٌ أَنَارَا (^٢)\n\n<span data-type='title' id=toc-76>ومن باب: إن بلالا يؤذن بليل</span>\n[٥٨] قوله: (ليَرجِعَ قَائِمَكُم وَيُوقِظَ نَائِمَكُم) (^٣) ليرجع قائمكم؛ أي: لينصرف المصلي من صلاة الليل، وقوله: (وَصَوَّبَ يَدَهُ وَرَفَعَهَا) وفي رواية: (وَجَمَعَ أَصَابِعَهُ، ثُمَّ نَكَسَهَا إِلَى الأَرْضِ - وَلَكِنِ الَّذِي يَقُولُ هَكَذَا - وَوَضَعَ الْمُسَبِّحَةَ عَلَى الْمُسَبِّحَةِ وَمَدَّ يَدَيْهِ -) أي: وفرج بين يديه.\nفي الحديث: بيان أن النبي ﷺ كان له مؤذنان، وبيان أن الأذان لصلاة الصبح بالليل، عند قرب الصبح جائز، وأن وقت السَّحور ما لم يطلع الفجرُ، وفيه دليل أن تأخير السَّحور مستحب، وفيه دليل أن الفجر فجران، أحدهما مستطير، وهو الذي لا يُحرِّم الطعام ولا الشراب على الصائم، ولا يُحِلُّ الصلاة، والآخر هو المستطيل المنتشر، وهو الذي يُحَرِّم الطعام والشراب على الصائم، ويُحِلُّ الصلاة (^٤).\n_________\n(^١) القائل هو أبو داود الإيادي وليس النابغة.\n(^٢) صدر البيت (فلمَّا أضاءَتْ لنَا سدفة) ينظر: الأصمعيات ١٩٠، والأزمنة والأمكنة ٤٢٨، وديوانه لأنوار محمود الصالحي وأحمد برقم: هاشم السمرائي، ص ١١٠.\n(^٣) حديث ابن مسعود برقم: ١٠٩٣، والبخاري برقم: ٦٢١.\n(^٤) وقع عكس للفجرين في كلام المؤلف، فإن الأول هو المستطيل والآخر هو المستطير، قال ﷺ: (لَا يَغُرَّنَّكُمْ مِنْ سَحُورِكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ، وَلَا بَيَاضُ الْأُفُقِ الْمُسْتَطِيلُ - هَكَذَا -، حَتَّى يَسْتَطِيرَ =","vol":"1","page":174},{"text":"<span data-type='title' id=toc-77>ومن باب السحور</span>\n[٥٩] حديث عمرو بن العاص ﵁: (فَضْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامٍ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَكْلَةُ السَّحَرِ) (^١).\n* * *\n\n[٦٠] وحديث زيد بن ثابت: (تَسَحَّرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ثُمَّ قُمْنَا إِلَى الصَّلَاةِ، قُلْتُ: كَمْ كَانَ قَدْرُ مَا بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: خَمْسِينَ آيَةً) (^٢)، قيل: كان أهل الكتاب لا يتسحرون، فَسَنَّ النبي ﷺ التَّسَحُّر، وفي حديث زيد بن ثابت ﵁ دليل على تأخير السُّحُور.\n\n[٦١] وفي حديث عمرو بن العاص ﵁: دليل على فضل السُّحُور، ودليل أن هذا الدين يُسر لا عُسر فيه، وكان الأمر في أول الإسلام أنهم إذا ناموا بعد الإفطار، لم يَحِلَّ لهم معاودةُ الأكل والشرب، ثم رَخَّصَ الله في الطعام والشراب إلى وقت الفجر، فقال: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: الآية ١٨٧]، ورُوي من حديث سَمُرَةَ بن جُندب: (لَا يَمْنَعْكُم مِنْ سَحُورِكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ، وَلَا بَيَاضُ الْأُفُقِ الْمُسْتَطِيلُ) (^٣)، وفي رواية: (وَلَا بَيَاضُ الْأَفْقِ الَّذِي هَكَذَا حَتَّى يَسْتَطِيرَ) (^٤)، قيل: يستطير أي: يعترض في الأفق، وينتشر ضوؤه هناك، قال الشاعر:\n_________\n= - هَكَذَا -) مسلم برقم: ١٠٩٤، ولعل هذا القلب حصل من الناسخ بدليل وجود إلحاق في النص.\n(^١) برقم: ١٠٩٦، وأبو داود برقم: ٢٣٤٣.\n(^٢) برقم: ١٠٩٧، والبخاري برقم: ٥٧٥.\n(^٣) رواه مسلم برقم: ١٠٩٤ بلفظ: (لا يَغُرَنَّكم).\n(^٤) رواية أبي داود برقم: ٢٣٤٦، وهي بلفظ: (لا يَمْنَعنَّ).","vol":"1","page":175},{"text":"لهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُوَيٍّ … حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ (^١)\nورُوي خارج الصحيح عن قيس بن طَلْقٍ عن أبيه قال: قال النبي ﷺ: (كُلُوا وَاشْرَبُوا، وَلَا يَهِيدَنَّكُمُ السَّاطِعُ الْمُصْعِدُ، وكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَعْتَرِضَ لَكُمُ الْأَحْمَرُ) (^٢)، قوله: (لَا يَهِيدَنَّكُمُ)؛ معناه: لا يَمْنَعنَّكم الأكل، وأصل الهِيدِ الزجر، يقال: هِدْتُ الرجل أَهِيدُه هَيْدًا، إذا زجرته، ويقال في زجر الدواب: هِيدٌ هِيدْ، و(السَّاطِعُ): المرتفِع، وسطوعُها ارتفاعُها (مُصْعِدا)، قبل أن تعترض، ومعنى: (الأَحْمَرُ) هاهنا: أن يستبطن البياض المعترض أوائل حُمرة، وذلك أن البياض إذا تتامَّ طلوعه، ظهرت أوائل الحُمرة، والعرب تشبه الصبح بالبَلَق في الخيل، لما فيه من بياض وحمرة، وقد جعله عمر بن أبي ربيعة شُقرَة، فقال (^٣):\nفَلَمَّا تقضى اللَّيْلِ إِلَّا أَقَلَه … وكَادَتْ توالي نجمه تتغورُ\nفَمَا رَاعَنِي إِلَّا مُنَادٍ تَحَمَّلُوا … وَقَدْ لَاحَ مَعْرُوفٌ مِنَ الصُّبْحِ أَشْقَرُ\n_________\n(^١) البيت لحسان بن ثابت ﵁ في إجلاء بني النضير وحرق نخيلهم، أورده البخاري تحت رقم ٢٣٢٦، ومسلم برقم: ١٧٤٦.\n(^٢) رواه أبو داود برقم: ٢٣٤٨، والترمذي برقم: ٧٠٥.\n(^٣) ينظر: الكامل في اللغة والأدب ٢/ ١٨٣، العقد الفريد ٦/ ٢٤٩، وفيهما (برحلة) بدل (تحملوا)، و(مفتوق) بدل (معروف)، والمؤلف قد نقل هذا الحديث وما تعلق به من شرح واستشهاد عن الخطابي في معالم السنن: ٢/ ١٠٥.","vol":"1","page":176},{"text":"<span data-type='title' id=toc-78>ومن باب تعجيل الفطر وتعجيل الصلاة</span>\n[٦٢] (لَا يَألُو) (^١) أي: لَا يُقَصِّر.\n* * *\n\n[٦٣] وقالوا: (مَا عَجَّلُوا الفِطرَ) (^٢)، ما هاهنا للمُدَّة، أي: مدة تعجيلهم الفطر.\n\n<span data-type='title' id=toc-79>ومن باب إذا أقبل الليل وما جاء في الوصال</span>\n[٦٤] قوله: (انزِل فَاجدَح لَنَا) (^٣) أي: اخلط السَّوِيق (^٤) بالماء وخُضَّه به، والمِجْدَحُ: ما يُخلط به السَّوِيق، وقوله: (فَقَد أَفطَرَ الصَّائِمُ) أي: ارتفع حكم صومه، وهذا إفطار ليس للصائم منه فعل، والإفطار يكون حكمه على وجوه: منها الإفطار بالجماع إذا كان صائما، وهو أغلظها، ومنها بالأكل والشرب، ومنها ما يكون ببطلان الأجر لا ببطلان الصوم كالغيبة والكذب.\n* * *\n\n[٦٥] وفي حديث الوصال (^٥): خصوصية لرسول الله ﷺ إذ كان يُطعَم طعام الآخرة وهو نائم، ولا يعلَمُ هذه الفضيلة الأحد قبله ﷺ، وفي الحديث: دليل أن أسباب القُربة يقع فيها التنافس بين أهل الخير، والزجرُ إذا ورد عنها أوهم بعضَهم\n_________\n(^١) حديث عائشة برقم: ١٠٩٩، وعند النسائي ٢١٦٠.\n(^٢) حديث سهل بن سعد برقم: ١٠٩٨، والبخاري برقم: ١٩٥٧.\n(^٣) حديث عبد الله بن أبي أوفى برقم: ١١٠١، ورواه البخاري برقم: ١٩٤١.\n(^٤) السويق: طَعَام يَتَّخذ من قَمح أو شعير ثمَّ يدق فَيكون شبه الدَّقيق، فَإِذَا احْتِيجَ إِلَى أكله ثُرَّد، أي: بل بِمَاء وَلبن أو رُبَّ وَنَحْو ذَلِك. [البطليوسي مشكلات موطأ مالك ص ٥٥]\n(^٥) حديث أبي هريرة برقم: ١١٠٣، ورواه البخاري برقم: ٦٨٥١.","vol":"1","page":177},{"text":"أنه على وجه الشفقة، فمن ها هنا واصلوا حتى واصل بهم النبي ﷺ.\nوقوله: (كَالْمُنَكِّلِ لَهُمْ): أي: كالمعاقب لهم، قال أهل اللغة (^١): التنكيل: إصابة الأعداء بعقوبة تُنَكِّل من ورائهم؛ أي: تجنبهم، وقيل: النِّكال: العقوبة التي تُنَكِّل الناس عن فعل ما جُعِلت هذه العقوبة له جزاء، وأَنْكَلْتُ الشيء ونَكَّلتُه دفعته فَنَكَل، أي: امتنع.\nوقوله: (فَاكلَفُوا مَا لَكُم بِهِ طَاقَةٌ)، يقال: كَلَّفْتُه الشيء أَي: حَمَّلْتُه فَكَلِفَه، أي: تَحمَّله، والكَلَفُ: الإيلَاعُ بالشيء، يقال: كَلِفَ بهذا الأمر، والكُلْفَة: ما يُتَكَلَّف في نائبة أو حق، والمُتَكَلِّفُ: العِرِّيضُ لما لا يعنيه.\nو(مَا تُطِيقُونَ): محله نصب مفعول اكْلَفُوا، (وإِيَّاكُم وَالوِصَالَ) نصب، والتقدير: واحذروا الوصال، و(مَا لَكُم بِهِ طَاقَةٌ) أيضا مفعولُ فاكْلَفوا.\n* * *\n\n[٦٦] وقوله: (كَهَيئِتِكُمْ) (^٢) أي: مثلَكم وعلى صفتكم.\n* * *\n\n[٦٧] وقوله: (جَعَلَ يَتَجَوَّزُ فِي الصَّلَاةِ) (^٣) أي: يخفف الصلاة، وقوله: (فَلَمَّا حَسَّ رَسُولُ الله ﷺ أَنَّا خَلْفَه) حسَّ بمعنى أحسَّ، والإحساس العلم بالشيء، والحواس ما يدرك به الشيءَ، ويقال: من أين حَسِسْتَ هذا الخبر، ومن أين حَسَيْتَه، أي من أين تَخَبَّرْتَهُ، وقوله: (لَوْ تَمَادَى الشَّهرُ) (^٤) أي: لو امتد\n_________\n(^١) الغريبين في القرآن والحديث ٦/ ١٨٨٧.\n(^٢) حديث ابن عمر برقم: ١١٠٢، ورواه البخاري برقم: ١٩٦٢.\n(^٣) حديث أنس بن مالك برقم: ١١٠٤، وأخرجه أحمد ١٣٠١٢.\n(^٤) ألفاظ مسلم: (لَوْ تَمَادَّ لِي) و(لو مُدَّ لنا)، وفي مستخرج أبي نعيم ٢٤٨٥ (لَوْ تَمَادَى بِيَ الشَّهْرُ).","vol":"1","page":178},{"text":"وطال، وقوله: (يَدَعُ الْمُتَعَمِّقُونَ) المتعمِّق المتكلِّف، يقال: تعمَّق فلان في كلامه، إذا أتى به بخلاف ما في طَبْعِه، وبئر عميقة بعيدة القَعر، وأعمقتُ القبر أي: بالغت في حفره، وقوله: (أَفَطِنْتَ؟) يعني: أَعَلِمت؟، يقال: فلان فَطِنٌ أي: عالم، والفِطنة ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-80>ومن باب القبلة للصائم</span>\n[٦٨] قولها: (وَأَيُّكُم يَمْلِكُ إِربَهُ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمْلِكُ إِربَهُ) (^١)، وفي رواية: (وَلَكِنَّهُ أَملَكُكُم لإِربِهِ) (^٢)، الإِرْبُ: العضوُ، ومعناه الفرْج، يقال: قطعته إربًا إربًا أي عضوا، وقيل: الإرب: الشهوة، قال بعض أهل العلم (^٣): الإِرْب بكسر الهمزة وسكون الراء: حاجة النفس ووَطَرُها، يقال: لفلان عند فلان إِرْبٌ وإِرْبَة ومَأْرَبَةٌ أي: حاجةٌ (^٤)، والإرب: العضو أيضًا.\nواختلف الناس في جواز القُبلة للصائم، فقال ابن عباس ﵁: يُكره ذلك للشاب، ويُرَخَّص فيه للشيخ (^٥)،\n_________\n(^١) حديث عائشة برقم: ١١٠٦، وأخرجه ابن ماجة برقم: ١٦٨٤.\n(^٢) (وقولها أيكم يملك إربه: يروى على وجهين: أحدهما الإرب مكسورة الألف والآخر الأرَب مفتوحة الألف والراء وكلاهما معناه وطر النفس وحاجتها، يقال لفلان عندي أَرَب وإِرْب أي: بغية وحاجة) معالم السنن: ١/ ٨٤.\n(^٣) الخطابي في معالم السنن: ٢/ ١١٣.\n(^٤) في لسان العرب ١/ ٢٠٨: (الإِرْبَةُ والإِرْبُ: الحاجة، وفيه لغات: إربٌ وإرْبَةٌ وأَرَبٌ ومَأرُبةٌ ومَأرَبَة).\n(^٥) في الموطإ ١٠٢٨، عن ابن عباس ﵁ أنه أرخص فيها للشيخ وكرهها للشاب، وعند الترمذي برقم: ٧٢٧.","vol":"1","page":179},{"text":"وإلى هذا ذهب مالك (^١)، وقال الثوري وأحمد: لا يُفَطِّرُه، والتنزُّه عنه أحب إِليَّ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-81>ومن باب من أصبح جنبا في رمضان</span>\n[٦٩] حديث عائشة وأم سلمة ﵄ قولهما: (كَانَ يُصبِحُ جُنُبًا مِن غَيْرِ حُلُمٍ ثُمَّ يَصُومُ) (^٣) قال العلماء: إذا أصبح جُنُبا في شهر رمضان، فإنه يُتِمُّ صومه ويجزئه، وفرق إبراهيم النخعي بين أن يكون ذلك منه في الفرض، وبين أن يكون في التطوع، فقال: يجزئه في التطوع، ويقضي في الفريضة (^٤)، وكان أبو هريرة ﵁ يفتي بأن من أصبح جُنبا فلا صوم له، وكان يرويه عن رسول الله ﷺ، فلما بلغه حديثُ عائشةَ وأمِّ سلمة ﵂ قال: (هُمَا أَعلَمُ) بذلك (^٥).\nقال بعض العلماء (^٦): ما رواه أبو هريرة ﵁ محمول على النسخ، وذلك أن الجماع كان في أول الإسلام محرما على الصائم في الليل بعد النوم، فلما أباح الله الجماع إلى طلوع الفجر، جاز للجنب إذا أصبح قبل أن يغتسل أن يصوم\n_________\n(^١) يشير إلى ما ذكره في موطئه من الأحاديث والآثار تحت باب ما جاء في الرخصة في القبلة للصائم، وباب ما جاء في التشديد في القبلة للصائم، والمشهور من مذهبه أنه يكره القبلة للصائم شابا أو شيخا سدا للذريعة، ينظر: المدونة ١/ ٢٦٨، النوادر والزيادات: ٢/ ٤٧.\n(^٢) الإشراف لابن المنذر: ٣/ ١٣٧.\n(^٣) أخرجه برقم: ١١٠٩، والبخاري برقم: ١٩٢٦.\n(^٤) المحلى: ٣/ ٣٥٤، الاستذكار: ٣/ ٢٩٠.\n(^٥) كما في حديث الباب أنه كان يقول: (مَن أَدرَكَهُ الفَجْرُ جُنُبًا فَلَا يَصُم)، وإنما أخذه عن الفضل بن العباس، لا عن رسول الله ﷺ كما صرح بذلك.\n(^٦) حكى ذلك الخطابي في معالم السنن: ٢/ ١١٥.","vol":"1","page":180},{"text":"ذلك اليوم، لارتفاع الحظر المتقدم، فيكون تأويل قوله: (مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَلَا يَصُومُ) (^١) أي: من جامع في ليل الصوم بعد النوم، فلا يحل له صوم غده، لأنه لا يصبح جنبا، إلا وله أن يطأ قبل الفجر بطَرْفَة عين، فكان أبو هريرة ﵁ يفتي بما سمعه من الفضل بن العباس ﵁ على الأمر الأول، ولم يعلم بالنسخ، فلما سمع خبر عائشةَ وأمِّ سلمة ﵄ صار إليه.\nوفي الحديث: من الفقه دخولُ الفقهاء على الأمراء، ومذاكرتُهم إياهم بالسنن، وفيه: البحثُ عن الصحيح من الأخبار، والأخذُ به، وتركُ الأخذ بالحديث الذي يخالف (^٢) ظاهرُه ما عليه الإجماع.\n\n<span data-type='title' id=toc-82>ومن باب كفارة من جامع أهله في نهار رمضان</span>\n[٧٠] حديث أبي هريرة ﵁: (فَأُتِي النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمَرٌ، فَقَالَ: تَصَدَّق بِهَذَا فَقَالَ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنَّا؟ فَمَا بَينَ لَابَتَيهَا أَهْلُ بَيتٍ أَحوَجُ إِلَيْهِ مِنَّا) (^٣)، قيل: العَرَق: القُفَّة الكبيرة، وقيل: السَّفِيفَة المنسوجة من الخُوصِ (^٤) وغيره، وقيل: العَرَقُ: الزِّنْبيل، وقيل: يقال لكل شيء مضفور: عرَق (^٥).\nفي الحديث: دليل على أن على المُجامِع متعمدا في نهار رمضان القضاءَ والكفارةَ، وفيه: أن من قدر على عتق الرقبة، لم يجزئه الصيام ولا الإطعام، لأنه\n_________\n(^١) رواية أحمد: ٧٣٨٨ لحديث أبي هريرة.\n(^٢) في الأصل: (الذي لا يخالف) ولا شك أنه معنى غير مراد.\n(^٣) أخرجه برقم: ١١١١ بلفظ: (قال: أفقر منا؟)، وعند البخاري برقم: ١٩٣٦ بلفظ: (أعلى أفقر منا).\n(^٤) السفيفة شيء ينسج من الخُوص كالقفة والزنبيل، والخُوصُ ورق النخل ونحوه.\n(^٥) ينظر غريب الحديث لأبي عبيد ١/ ١٠٥.","vol":"1","page":181},{"text":"قدَّم العتق ثم نَسَقَ عليه الصيام ثم الإطعام، وقال مالك: هو مخير بين عتق الرقبة وصوم شهرين والإطعام، وحكي عنه أنه قال: الإطعام أحب إليّ من العتق (^١).\nوفي قوله: (هَل تَجِدُ مَا تُطِعِمُ سِتِّينَ مِسكِينًا؟)، وقوله: (تَصَدَّق بِهَذَا) دلالة أن كفارة الإطعام لكل مسكين مدٌّ، لأن خمسة عشر صاعا (^٢) إذا قُسِمت بين ستين لم يخُصَّ كل واحد منهم أكثر من مد، وإلى هذا ذهب مالك والشافعي، وقال أصحاب الرأي: يُطعِم كلَّ مسكين نصفَ صاع (^٣).\nوفي رواية: (وَصُمْ يَومًا، وَاسْتَغْفِرِ الله) (^٤) فيه بيان أن صوم ذلك اليوم الذي هو القضاء، لا يدخل في صيام الشهرين.\nقيل: وقول الرجل: (أَصَبتُ أَهْلِي) سؤال عن حكمه وحكمها، وإذا كان هذا الفعل قد حصل منه ومنها معًا، ثم أجاب النبي ﷺ عن المسألة، فأوجب فيها كفارة واحدة على الرجل، دل أن ذلك يجزي عنهما (^٥).\nوقد اختلف الناس في تأويل قوله: (كُلهُ) و(أَطْعِمهُ أَهْلَكَ) فقال الزهري (^٦):\n_________\n(^١) خلافا للجمهور ينظر: الإشراف لابن المنذر ٣/ ١٢١، الإشراف للقاضي عبد الوهاب ١/ ٤٣٤، بداية المجتهد ٢/ ٦٧، النوادر والزيادات ٥/ ٥٢، مناهج التحصيل ٢/ ١٤٦.\n(^٢) حسب ما ورد عند أبي داود برقم: ٢٣٩٣: (فَأُتِيَ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ قَدْرُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا).\n(^٣) الحاوي الكبير ٢/ ٤٣٣، بداية المجتهد ٢/ ٦٧.\n(^٤) رواية أبي داود المشار إليها.\n(^٥) معالم السنن: ٢/ ١١٧.\n(^٦) عند أبي داود: ٢٣٩١: زاد الزهري، وإنما كان هذا رخصة له خاصة، فلو أن رجلا فعل ذلك اليوم لم يكن له بد من التكفير، وينظر: معالم السنن: ٢/ ١١٩، إكمال المعلم: ٤/ ٥٦، فتح الباري: ٤/ ١٧١.","vol":"1","page":182},{"text":"هذا خاص لذلك الرجل، وقال غيره: هذا منسوخ (^١)، وقال البويطي: وجبت عليه الرقبة، فلم يكن عنده ما يشتري به رقبة فقيل له: صم، فلم يطق الصوم، فقيل له: أطعم ستين مسكينا، فلم يجد ما يطعم، فأمر له النبي ﷺ بطعام ليتصدق به، فقال: ليس بالمدينة أحوج مني، فلم ير له أن يتصدق على غيره، ويتركَ نفسه وعيالَه، فلما نَقَص من ذلك، بقدر ما أطعم أهلَه لِقوت يومهم، صار طعاما لا يكفي ستين مسكينا، فسقطت عنه الكفارة في ذلك الوقت، وكانت في ذمته إلى أن يجدها، وصار كالمفلس يُمهَل ويؤجل (^٢).\nوقوله: (مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا) يريد حَرَّتَيْ المدينة، واحدتها لَابَةٌ، وفي رواية هشام بن سعد عن ابن شهاب خارج الصحيح: (فَأُتِيَ بِعَرَقٍ قَدْرَ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا) (^٣)، وقوله: (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَغَيْرَنَا؟) يعني: أَتُعْطِي غيرَنا، أو تريدُ بذلك غيرنا.\n_________\n(^١) ذكر هذا القول جملة من العلماء، ولعل القصد ما ذهب إليه سعيد بن جبير، والشعبي، والنخعي، وقتادة من عدم إيجاب الكفارة حتى على المجامع، وكأنهم يرون أن حكم الكفارة في الحديث منسوخ بالزيادة الواردة في آخره عند أبي داود برقم: ٢٣٩٣: (وصم يوما واستغفر الله)، وعند ابن ماجة برقم: ١٦٧١: (وصم يوما مكانه) ينظر: معرفة السنن والآثار ٨٦٩٤، شرح السنة للبغوي: ٦/ ٢٨٤، الإشراف لابن المنذر: ٣/ ١٢١.\n(^٢) نقل عنه ذلك الخطابي في معالم السنن: ٢/ ١١٩، وقال: (وأحسن ما سمعت فيه - أي: في تأويل الحديث - قول أبي يعقوب البويطي) وذكره، وفي أعلام الحديث له ٢/ ٩٦٥: أن أبا بكر الأثرم سأل عنه البويطي فأجابه بذلك.\n(^٣) سبق تخريجها من سنن أبي داود: ٢٣٩٣، وهي بهذا اللفظ عند الدارقطني: ٢٣٠٥.","vol":"1","page":183},{"text":"<span data-type='title' id=toc-83>ومن باب ما جاء في صوم المسافر وفطره</span>\n[٧١] حديث ابن عباس ﵁: (فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ) (^١) وفي رواية: (حَتَّى: وَصَلَ عُسْفَانَ، ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ فِيهِ شَرَابٌ، فَشَرِبَهُ نَهَارًا) (^٢).\n* * *\n\n[٧٢] وفي رواية: (فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ) (^٣) بالغين المعجمة، وهذه أسماء أمكنة قريبة من مكة، فالكَدِيدُ عقبة قريبة من الجُحفة، وقوله: (حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ، ثُمَّ شَرِبَ) إنما فعل ذلك لأنه أمرهم بالفطر، فلم يُفطروا، فلما رأوهُ شرب الماء أفطروا، وإنما فعل ذلك رفقًا بهم، وإبقاء عليهم.\nفي الحديث: دليل على أن الفِطر للمسافر مباح، وفي قوله: (أُولَئِكَ الْعُصَاةُ)؛ يعني: حين لم يقبلوا الرخصة، قيل: يعني حين شقَّ عليهم الصوم فلم يفطروا.\n\n<span data-type='title' id=toc-84>ومن باب ترك العيب على الصائم والمفطر في السفر</span>\n[٧٢] قيل: الصيامُ في السفر أفضلُ لمن قَوِيَ عليه، والفطرُ فيه أفضلُ لمن شَقَّ عليه الصيام، وقوله: (أَكْثَرُنَا ظِلًّا صَاحِبُ الكِسَاءِ، وَمِنَّا مَنْ يَتَّقِي الشَّمسَ بِيَدِهِ، فَسَقَطَ الصُّوَّامُ، وَقَامَ الْمُفْطِرُونَ، فَضَرَبُوا الْأَبنِيَةِ) (^٤) يعني: الخِيام، (وَسَقَوا الرِّكَابَ) يعني: الإبلَ، فقال ﷺ: (ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ اليَومَ بِالأَجْرِ)؛ يعني لقيامهم\n_________\n(^١) أخرجه برقم: ١١١٣ والبخاري برقم: ١٩٤٤.\n(^٢) رواية لنفس الحديث: ١١١٣، لكنها بلفظ: (حتى بلغ).\n(^٣) رواية جابر بن عبد الله برقم: ١١١٤، وعند الترمذي برقم: ٧١٠.\n(^٤) حديث أنس بن مالك برقم: ١١١٩ وأخرجه البخاري برقم: ٢٨٩٠.","vol":"1","page":184},{"text":"بخِدمة الأصحاب الذين ضَعُفوا عن الصوم بالعمل، وقوله: (فَتَحَزَّمَ الْمُفْطِرُونَ وَعَمِلُوا) (^١) أي: تشمَّروا، أو شَدُّوا أوساطهم.\n* * *\n\n[٧٣] وقوله: (وَهُوَ مَكْثُورٌ عَلَيهِ) (^٢) يريد زَحمة الناس، وكثرةَ اجتماعهم عليه.\n* * *\n\n[٧٤] وقوله: (أَسْرُدُ الصَّوْمَ) (^٣) أي: أُتابع، والسَّرد النَّظْمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-85>ومن باب ما جاء في صيام يوم عرفة</span>\n[٧٥] حديث: أم الفضل: (أَنَّ نَاسًا تَمَارُوا عِندَهَا) (^٤) أي: اختلفوا في صيام رسول الله ﷺ يوم عرفةَ يعني: بعرفةَ، إنما اختار رسول الله ﷺ فطرَ يوم عرفةَ بعرفةَ تيسيرًا على الناس، ورأى أن الصوم يُضعِف الإنسان، وأن الدعاءَ والذكرَ في ذلك اليوم أفضل، فاختار لهم الإفطار.\n_________\n(^١) قال عياض ﵀: (قوله: (فتحزم المفطرون): كذا لأكثر الرواة تحزم بالحاء المهملة، وبالزاي، وعند أبى سعيد السجزي: (فَتَخَدَّم) بالمعجمة، وبالدال، قالوا: وهو صواب الكلام إن شاء الله أي: خدموهم، وقاموا بمؤن الصُّوَّام) ولم يستبعد رواية (تحزم) وصحح معناها على وجوه: شد الحزام للخدمة، أو هي استعارة للجد والتشمير، أو هي من الحزم والقوة. [إكمال المعلم ٤/ ٧٢].\n(^٢) حديث أبي سعيد الخدري برقم: ١١٢٠، وأخرجه أبو داود برقم: ٢٤٠٦.\n(^٣) حديث عائشة برقم: ١١٢١، وأخرجه أبو داود برقم: ٢٤٠٢.\n(^٤) أخرجه برقم: ١١٢٣، وأخرجه البخاري برقم: ١٩٨٨.","vol":"1","page":185},{"text":"<span data-type='title' id=toc-86>ومن باب صيام يوم عاشوراء</span>\n[٧٦] قوله: (يُلبسُونَ النِّسَاءَ فِيهِ حُلِيَّهُم وَشَارَتَهُم) (^١)، وفي نسخة: (حُلَلَهم)، الشارة: الزينة والهيأة.\n* * *\n\n[٧٧] وقوله: (اللَّعْبَةَ مِنَ العِهنِ) (^٢) يعني: الصوف المصبوغ.\n* * *\n\n[٧٨] وقوله: (وَمَن كَانَ أَكَلَ، فَلْيُتِمَّ صِيَامَهُ إِلَى اللَّيلِ) (^٣) الصيام هاهنا الإمساك دون الصيام المشروع، له أجر المتشبه بالصائمين، وأما الصوم فلا ينعقد مع الأكل.\nقال أصحاب الشافعي ﵁: صوم يوم عاشوراء مستحب [للأجر] (^٤)، وذلك اليوم هو يوم العاشر من المحرم، وقال بعضهم: هو يوم التاسع (^٥).\nروي عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قدم المدينة وهم يصومون يوم عاشوراء - يعني: اليهود - فقيل لهم في ذلك، فقالوا: هذا اليوم الذي أظهر الله فيه موسى ﵇ على فرعون، فنحن نصومه تعظيما له، فقال النبي ﷺ: (نَحْنُ أَولَى بِمُوسَى مِنْكُم) (^٦) فصامه، وفي رواية: (فَأَمَرَ بِصَومِهِ).\n_________\n(^١) حديث أبي موسى برقم: ١١٣١، واللفظ: (يلبسون نساءهم …).\n(^٢) حديث الربيع بنت معوذ برقم: ١١٣٦، ورواه البخاري أيضا: ١٩٦٠.\n(^٣) حديث سلمة بن الأكوع برقم: ١١٣٥، وأخرجه البخاري برقم: ١٩٢٤.\n(^٤) في الأصل: (للجر)، ولعله تصحيف.\n(^٥) ينظر الحاوي الكبير ٣/ ٤٧٣، المهذب للشيرازي: ١/ ٣٤٤، البيان في مذهب الإمام الشافعي: ٣/ ٥٥٠، وكذا الإشراف لابن المنذر: ٣/ ١٥٥، وإكمال المعلم: ٤/ ٧٧.\n(^٦) رواه البخاري برقم ٣٩٤٣، ومسلم برقم: ١١٣٠.","vol":"1","page":186},{"text":"قالوا: واليوم الذي أظهر الله فيه موسى، هو يوم العاشر، فثبت بهذا أن اليوم العاشر هو الذي يستحب الصوم فيه.\nولا خلاف بين أهل العلم، أن صوم يوم عاشوراء ليس بواجب في وقتنا، وهل كان واجبا في أول الإسلام؟ الشافعي ﵁ يومئ في موضع إلى أنه كان واجبا ثم نسخ، ويومئ في موضع إلى أنه لم يكن واجبا، والذي يشبه مذهبه أنه لم يكن واجبا (^١).\nوذهب أبو حنيفة إلى أنه كان واجبا ثم نسخ، وفائدة الخلاف أنه إذا ثبت لهم أن صومه كان واجبا، ثبت جواز النية للصوم الواجب بالنهار، لأن النبي ﷺ بعث إلى أهل العوالي يوم عاشوراء، فأمرهم بصومه، ونووا في تلك الحالة (^٢).\nفالدليل على أنه غير واجب أن النبي ﷺ قال: (مَن لَمْ يَكُنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ وَمَنْ أَكَلَ فَلْيُمْسِكْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ) (^٣) ولم يأمره بالقضاء، ولو كان واجبا لأمر المفطر بالقضاء، لأن ذلك كان وقت الحاجة إلى البيان، قال بعض العلماء: والذي أختار أن يصومهما جميعا التاسع والعاشر (^٤).\n_________\n(^١) الحاوي الكبير: ٣/ ٣٩٦، المجموع للنووي: ٦/ ٣٨٣.\n(^٢) شرح مختصر الطحاوي للجصاص: ٢/ ٤٠٤، المبسوط: ٣/ ٦٧.\n(^٣) عند البخاري: ٢٠٠٧ بلفظ: (مَنْ كَانَ أَكَلَ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ)، ومسلم برقم: ١١٣٦ بنحوه.\n(^٤) بحر المذهب للروياني: ٣/ ٣٠٥، الشرح الكبير للرافعي: ٦/ ٤٦٩، وينظر: شرح مسلم للنووي ٨/ ١٢.","vol":"1","page":187},{"text":"<span data-type='title' id=toc-87>ومن باب النهي عن صوم يوم الفطر ويوم الأضحى</span>\n[٧٩] قوله: (إِنَّ هَذَينِ يَومَانِ، نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَن صِيَامِهِمَا، يَومُ فِطرِكُم مِنْ صِيَامِكُم، وَالآخَرُ يَوْمٌ تَأكُلُونَ فِيهِ مِن نُسُكِكُم) (^١) في هذا دليل أن من نذر صوم ذلك اليوم، لم يلزمه صيامه ولا قضاؤه، لأن هذا كالتعليل لوجوب الإفطار فيه، وقد وُسم هذا اليوم بيوم الفطر، والفطر مضاد للصوم، ففي إجازة صومه إبطال لمعنى اسمه.\nوذهب أهل العراق إلى أنه لو نذر صومهما للزمه قضاؤهما (^٢)، والنذر إنما يلزم في الطاعة دون المعصية، وصيام هذين اليومين معصية لنهي النبي ﷺ، فالنذر لا ينعقد فيه ولا يصح، كما لا يصح من الحائض لو نذرت أن تصوم أيام حيضها، وقوله: (إِنَّ هَذَيْنِ) أي: إن الأمر والشأن هذان يومان (^٣).\n_________\n(^١) خطبة عمر ﵁ برقم: ١١٣٧، وعند البخاري برقم: ١٩٩٠.\n(^٢) معالم السنن: ٢٢/ ١٢٨، عيون المسائل: ٦٠، المبسوط: ٣/ ٩٥.\n(^٣) (أجمع العلماء على تحريم صيام هذين اليومين بأي وجه كان، من تطوع أو نذر، أو دخول في صوم واجب متتابع، ثم اختلفوا فيمن نذرهما قاصدا لعينيهما هل عليه قضاؤهما؟ فذهب عامة العلماء إلى أنه لا يصومهما ولا يقضيهما، وهو قول مالك، وزفر، وأحد قولي الشافعي، قيل: عليه القضاء فيهما إلا أن يكون نوى ألا يقضيهما، وهو أحد قولي الأوزاعي، وذهب أبو حنيفة، وصاحباه، والشافعي، والأوزاعي - في أحد قوليهما - إلى وجوب قضائهما. واختلف قول مالك وأصحابه إذا لم يقصد تعينهما، وإنما نذر نذرا اشتمل عليهما، أو نذر يوم يقدم فلان فصادفهما، هل عليه فيهما قضاء أم لا قضاء عليه في ذلك، أم عليه القضاء إلا أن ينوى أن لا قضاء، أم ليس عليه حتى ينوي القضاء؟) إكمال المعلم ٤/ ٩٢.","vol":"1","page":188},{"text":"<span data-type='title' id=toc-88>ومن باب كراهية صوم أيام التشريق</span>\n[٨٠] حديث نُبَيْشَة الهُذلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ) (^١) قيل: وهذا أيضا كالتعليل في وجوب الإفطار فيها، وأنها مستحقة لهذا المعنى، فلا يجوز صيامها ابتداء تطوعا ولا نذرا، ولا عن صوم التمتع، إذا لم يكن المتمتع صام الثلاثة الأيام في العشر، وقال مالك والأوزاعي وإسحاق بن راهويه: يصوم المتمتع أيام التشريق إذا فاتته في العشر (^٢).\nونبيشة هذا يعرف بنبيشة الخير، وهو ابن عم سلمة بن المُحَبَّق الهُذَلي (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-89>ومن باب النهي عن صيام يوم الجمعة</span>\n[٨١] يعني إفراد يوم الجمعة بالصوم (^٤)، قيل: وجه النهي عن صومه، كراهة أن يُرى واجبا وليس بواجب.\n\n<span data-type='title' id=toc-90>ومن باب وعلى الذين يطيقونه فدية</span>\n[٨٢] التخيير بين الصوم والفدية منسوخ بالقرآن (^٥)، وهو قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: الآية ١٨٥].\n_________\n(^١) رواه برقم: ١١٤١، والترمذي برقم: ٧٧٣.\n(^٢) أشار إلى ذلك الترمذي بعد حديث الباب ٧٧٣، معالم السنن: ٢/ ١٢٨، فتح الباري: ٤/ ٢٤٢.\n(^٣) هذا لتعيينه ومعرفته، فقد وقع في نسخة ابن ماهان: (نبيشة الهذلية) ما يوهم أنه امرأة، ينظر: المعلم ٢/ ٥٩، إكمال المعلم ٤/ ٩٥.\n(^٤) حديث أبي هريرة برقم: ١١٤٤، وأخرجه البخاري برقم: ١٧٢٣.\n(^٥) حديث سلمة بن الأكوع برقم: ١١٤٥، وأخرجه البخاري برقم: ٤٥٠٧.","vol":"1","page":189},{"text":"<span data-type='title' id=toc-91>ومن باب تأخير قضاء رمضان إلى شعبان</span>\n[٨٣] حديث: (فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقضِيَهُ إِلَّا فِي شَعَبَانَ، الشُّغلُ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ، أَو بِرَسُولِ اللهِ ﷺ) (^١)، كأن المبتدأ محذوف، التقدير: المانع الشغل من رسول الله ﷺ، وفي رواية يحيى بن سعيد قال: (فَظَنَنتُ أَنَّ ذَلِكَ لِمَكَانِهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، - يَحْيَى يَقُولُه -)، المعنى هذا البيان من قول يحيى أو في رواية يحيى.\nوقوله: (فَمَا تَقدِرُ عَلَى أَن تَقضِيَهُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بيانه ما تقدم من قولها: (الشُّغلُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، في الحديث: دلالة لفضيلة شعبان على غيره من الشهور، إلا شهر رمضان، ودلالة أن كل عمل كلف الإنسان، ولم يكن مقيدا بشرط، أو مقرونا بوقت، أنه يجوز أداؤه على التراخى، مَنًّا من الله ﷿ وفضلا منه.\n\n<span data-type='title' id=toc-92>ومن باب الصيام عن الميت</span>\n[٨٤] حديث: (أَرَأَيتِ لَو كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ أَكُنتِ تَقضِينَهُ؟) (^٢)، قال أبو ثور: يقضى عن الميت صومُ رمضان والنذر، وإن أطعم عن رمضان أجزأه، وأبى ذلك الشافعي ومالك، وذهب أحمد وإسحاق إلى جواز ذلك إذا كان نذرا (^٣).\n_________\n(^١) حديث عائشة برقم: ١١٤٦، وأخرجه البخاري برقم: ١٩٥٠.\n(^٢) حديث ابن عباس برقم: ١١٤٨، وأخرجه البخاري برقم: ١٩٥٣.\n(^٣) مختصر اختلاف العلماء: ٢/ ٤٥، الاستذكار: ٣/ ٣٤٠، بداية المجتهد: ٢/ ٦٢، الحاوي الكبير: ٤/ ٦١.","vol":"1","page":190},{"text":"<span data-type='title' id=toc-93>ومن باب إذا أصبح أحدكم صائما</span>\n[٨٥] قوله: (فَلْيَقُل: إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ) (^١)، وجهه أن يتلفَّظ بهذا الكلام في جواب المُشاتِم ليردَّه عن نفسه، وتكرير القول: (إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ) يدل على هذا، لأنه أبلغُ في دفع المُشاتم، ولو كان المراد به رجوع الصائم إلى نفسه، وقوله في نفسه: (إِنِّي صَائِمٌ)، لم يكن لتكرير هذا الكلام كبيرُ فائدة.\nوقوله: (لَخُلفَةُ فَمِ الصَّائِمِ) (^٢) الخُلْفَة الخُلُوف (^٣)، والخُلُوف تغيرُ رائحة الفم، قال أهل اللغة (^٤): خَلَفَ فُوهُ خلفة وخُلوفا، وأخلف إخلافا، تغيرت رائحته.\nوقوله: (فَلَا يَرْفُثْ) الرفَثُ الأدنى: التكلُّم بالخنا، والرفَثُ الأعلى: الجماع، وهو الذي يُفسِد حقيقة الصوم، وقوله: (الصِّيَامُ جُنَّةٌ) أي: سِتْرٌ يستر به الصائم من النار، وقيل: من المأثم، وقوله: (وَأَنَا أَجْزِي بِهِ)، قال سفيان: لما كان الصوم عمل سر فيما بين الله وبين العبد، تولى الله أجره بما لا يعلمُه من الجزاء إلا هو ﵎، بخلاف سائر الأعمال الظاهرة من العبد، التي جعل الله ﷿\n_________\n(^١) حديث أبي هريرة برقم: ١١٥١، وأخرجه البخاري برقم: ١٨٩٤.\n(^٢) ضبطها القاضي عياض في مشارق الأنوار: ١/ ٢٣٩، والنووي في شرحه: ٨/ ٢٩، بضم الخاء، وضبطت في النهاية ٢/ ٦٧، واللسان: ٩/ ٩٣، بكسر الخاء، وأرجعوا أصلها إلى تجدد رائحة النبات، إذا نبت بعده غيره.\n(^٣) قال القاضي في الإكمال: ٤/ ١١١: (هكذا الرواية الصحيحة بضم الخاء، وكثير من الشيوخ يرونه بفتحها. قال الخطابي: وهو خطأ، وحكى عن القابسي فيه الفتح والضم، وقال: أهل المشرق يقولونه بالوجهين)، وفي المفهم: (بضم الخاء، ومن لا يحقق يقوله بفتح الخاء) ٣/ ٢١٥.\n(^٤) مجمل اللغة: ٣٠٠، الغريبين ٢/ ٥٨٧، الفائق في غريب الحديث: ١/ ٣٨٧.","vol":"1","page":191},{"text":"الحسنة منها بعشرِ أمثالها إلى سبعِمائة ضِعف (^١).\nقيل: (أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيح الْمِسْكِ)، يعني: لو تطيَّب في موضع، ندب فيه إلى التَّطَيُّب، كان هذا عند الله أطيبَ من ذلك، وقيل: كيفيةُ ذلك لا يُعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-94>ومن باب ما من عبد يصوم يوما في سبيل الله</span>\n[٨٦] في الحديث (^٢) دليل أن جهنم يُجاء بها يوم القيامة، ولها هول شديد، فمن كان أكثرَ طاعة، كان أبعدَ من جهنمَ، وأقربَ إلى الجنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-95>ومن باب الأكل في صوم التطوع</span>\n[٨٧] حديث: (مَا رَأَيْتُهُ صَامَ شَهْرًا كَامِلًا) (^٣) في هذه الأحاديث (^٤): دليل على إيثارُ اليسر على العسر، وفيها: بذلُ النصح، ومنها: فضلُ قَبول الرخصة، ومنها: أن الرجل إذا عمل طاعة، ثم فَتَرَ عنها، كان ذلك نَقِيصةً في دينه، ومنها: قراءةُ القرآن في كل شهر، ومنها: اختيار التواضع، إذ جلس النبي ﷺ على الأرض، وترك الوسادة، وفيها: فضيلةُ الفقراء، قال: (مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ).\nوقوله: (نَفِهَت) أي: أَعْيَت وكَلَّت، يقال للمُعيِي: نافه، وفي رواية مسعر:\n_________\n(^١) لم أقف على هذا النقل بلفظه، لكن روى البيهقي عن سفيان بن عيينة أنه قال في تفسير هذا الحديث: (هذا من أجود الأحاديث وأحكمها إذا كان يوم القيامة يحاسب الله ﷿ عبده ويؤدي ما عليه من المظالم من سائر عمله حتى لا يبقى إلا الصوم فيتحمل الله عنه ما بقي عليه من المظالم ويدخله بالصوم الجنة) السنن الكبرى: ٨٥١٠.\n(^٢) حديث أبي سعيد الخدري برقم: ١١٥٣، وأخرجه البخاري برقم: ٢٨٤٠.\n(^٣) حديث عائشة برقم: ١١٥٦، وأخرجه الترمذي برقم: ٧٦٨.\n(^٤) يقصد أحاديث عبد الله بن عمرو بن العاص في صومه وقيامه وقراءته للقرآن، ونصح النبي ﷺ إياه، أخرجها مسلم تحت رقم ١١٥٩، والبخاري برقم: ١٩٧٧.","vol":"1","page":192},{"text":"(نهفت) (^١) بتقديم الهاء على الفاء، وكأنه لغة نفهت، وفي رواية: (نَهِكَت) أي: ذابت وضَعُفت، وقوله: (هَجَمَت): أي: غارت، وقوله: (أَسْرُد) السرد: التتابع، وقوله: (فَإِنَّ بِحَسْبِكَ أَنْ [تَقُومَ] (^٢» أي: فإن حسبك أن [تقوم]، أي: يكفيك أن [تقوم]، يقال: حسبك كذا، أي كَافِيك، كذا، وقوله: (فَإِمَّا ذُكِرْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَإِمَّا أَرْسَلَ إِلَيَّ)، (إِمَّا) لأحد الشيئين، مكسورةٌ مشددةٌ، ومعناها الشك.\n\n<span data-type='title' id=toc-96>باب صوم سرر الشهر</span>\n[٨٨] حديث عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أَصُمْتَ مِنْ سُرَرِ شَعْبَانَ؟) (^٣) وفي رواية: (أصُمْتَ مِنْ سُرَرِ هَذَا الشَّهْرِ شَيْئًا؟) (^٤) قال أهل اللغة (^٥): سُرَرُ الشهر وسِراره وسَرَره آخره، وقال الأزهريُّ: لا أعرف السر في هذا المعنى، إنما يُقال: سِرَار الشهر وسَرَاره [وسَرَره] (^٦) ثلاث لغات (^٧).\n_________\n(^١) لعل هذا في نسخة المؤلف، أما النسخ المطبوعة فرواية مسعر بـ (نفهت)، وفي معرفة السنن والآثار ٥٤٣٩: (تفهت).\n(^٢) هكذا في الأصل، وفي الرواية: (أن تصوم).\n(^٣) أخرجه برقم: ١١٦١، وكذا البخاري برقم: ١٩٨٣.\n(^٤) الرواية بلفظ: (هل صمت ..).\n(^٥) غريب الحديث للخطابي: ٣/ ٤٣٨، الغريبين: ٣/ ٨٨٧، كشف المشكل من حديث الصحيحين: ١/ ٤٧٥.\n(^٦) ساقطة من الأصل.\n(^٧) السَّرَر بالفتح والكسر، وقيل بالضم، واختلف في المراد بها، وجمهور أهل اللغة والحديث والغريب أنها آخر الشهر على معنى استسرار الهلال، وقيل أوله لعدم ورود الندب إلى صيام آخر الشهر، وأول الخطابي الحديث على معنى الزجر والإنكار، وقيل وسط الشهر حملا على معنى السرة، ولما ورد من الندب إلى صيام الأيام البيض. ينظر: النهاية ٢/ ٣٥٩، شرح النووي: ٨/ ٥٣، لسان العرب: ٣/ ١٩٨٩.","vol":"1","page":193},{"text":"وفي الحديث: (صُومُوا الشَّهرَ وَسِرَّه) (^١) أراد وسطه، يعني: الأيامَ البيض، وقال الأوزاعي: سِرُّه أولُه، وقيل: العرب تسمى الهلال شهرا، قال ابن السكيت: سِرَار الشهر وسَرَاره بالكسر والفتح يعني: آخره، وقال الفراء: الفتح أجود (^٢)، وروي: (مِنْ سُرَّةِ هَذَا الشَّهْرِ) (^٣) أي: من وسطه.\n\n<span data-type='title' id=toc-97>ومن باب ما جاء في ليلة القدر</span>\n[٨٩] حديث ابن عمر: ﵁ (أَرَى رُؤيَاكُم قَد تَوَاطَأَت فِي السَّبعِ الأَوَاخِرِ) (^٤) أي: توافقت، وقوله: (تَحَرَّوا لَيْلَةَ القَدرِ) يقال: فلان يَتَحَرَّى الأمر أي: يَقْصده، وقوله: (فِي السَّبع الغَوَابِرِ) أي: البواقي، قال الله ﷿: ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾ [الشعراء: الآية ١٧١]، أي: الباقين، وفي رواية: (فَلَا يُغلَبَنَّ عَنِ السَّبْعِ البَوَاقِي) (^٥) وقوله: (تَحَيَّنُوا لَيْلَةَ القَدرِ) الحِينُ الزمان، قليلهُ وكثيرُه، وتَحَيَّنْتُه طلبت وقتَه، وحَيَّنْتُ الشاة جعلت لها وقتا في الحَلْبِ، قال:\nإذا أُفِنَتْ أَرْوَى عِيالَك أَفْنُها … وإن حُيِّنَت أَرْبَى على الوَطْبِ حِينُها (^٦)\nوالأَفْنُ: ألا يجعل لها وقتا للحلب، وحان حين كذا، أي: قَرُب، قالت:\nوَإِنَّ سلُوِّي عَنْ جَميلٍ لَساعَةٌ … من الدّهرِ ما حانَت وَلا حان حِينُها (^٧)\n_________\n(^١) رواه أبو داود برقم: ٢٣٢٩.\n(^٢) الغريبين: ٣/ ٨٨٦، وقوله الأوزاعي عند البيهقي في السنن الكبرى: ٧٩٧٠.\n(^٣) رواه مسلم برقم ١١٦١، أورده في الباب الذي قبل (باب صوم سرر شعبان).\n(^٤) أخرجه برقم: ١١٦٥، وكذا البخاري برقم: ٢٠١٥.\n(^٥) الرواية بلفظ: (على السبع)، وهي بلفظ المؤلف عند ابن حبان ٣٦٧٦.\n(^٦) للمخبل التميمي، ينظر: الفاخر لأبي طالب ١٣٧، الأزمنة والأمكنة للأصفهاني ٣٠٩.\n(^٧) لبثينة بنت حبأ القضاعية، يوم بلغها وفاة جميل بن معمر، ينظر: أمالي القالي ١/ ٢٠٢، الأغاني =","vol":"1","page":194},{"text":"<span data-type='title' id=toc-98>ومن باب اعتكاف العشر الأوسط والآخر من رمضان</span>\n[٩٠] حديث أبي سعيد ﵁: (ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ أُجَاوِرَ) (^١) يقال: بدا لي في هذا الأمر، بدا أي: تغير رأيي عما كان عليه، وقوله: (فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ) أي: قَطَر من سقفه ماءُ المطر.\nو(رَوْثَةُ أَنْفِهِ) أي طرف أنفه، و(القَزَعَة): القطعة من السحاب، و(جَرِيدُ النَّخْلِ): سَعَفُه، و(الخَمِيصَةُ): كساء أسودُ مُعَلَّمٌ، فإن لم يكن مُعَلَّما فليس بخميصة، وقيل: الخميصة: كساء أسودُ مُرَبَّعٌ له عَلَمَان، وقوله: (قَبْلَ أَنْ تُبَانَ لَهُ)؛ يقال: بان الشيء إذا ظهر، وأَبَنْتُه أي: أَظهرته، وفعل ما لم يسم فاعله منه: أُبينَ يُبَان، والتاء في قوله: (ثُمَّ أُبِينَتْ لَهُ) لتأنيث الليلة، وقوله: (فَقُوِّضَ) يقال: قوَّض الخيمة، وقَوَّض البناءَ: نَقَضَه، وقوله: (رَجُلَانِ يَحْتَقَانِ) أي: يختصمان.\nوقيل: إن خُزيمةَ بنَ طارقٍ التَّغْلِبيِّ أُسِر يومَ زَرُود، أسره أُسَيد السُّلَيطي وأُنَيْف الضَّبِّي فاحتَقَّا فيه إلى الحارثِ بن قُرَاد الرِّيَاحي، فحكم أن ناصيته لأسيد ولأُنيف ثلاثون بكرة (^٢)، من الديوان الذي فيه\n_________\n= ٨/ ٣٣١، مصارع العشاق ٢/ ٥٩.\n(^١) أخرجه برقم: ١١٦٧، وكذا البخاري برقم: ٢٠١٦.\n(^٢) يوم زَرُود الآخِر: واقعة بين بني يربوع وتغلِب، وسببها أن خزيمة بن طارق سيد تغلب أغار على بني يربوع وهم بزرود، فاستاق إبلهم، فاستصرخت بنو يربوع وحصلت مقتلة شديدة بين القبيلتين، انتهت برد ما غنم، وأسر خزيمة بن طارق، أسره أنيف بن جبلة الضبي، وأسيد بن حِنَّاءة السليطي، فتنازعاه، واحتكما إلى الحارث بن قراد، وحكم به لأنيف، على أن يدفع لأسيد مائة من الإبل، فقدى خزيمة نفسه بمائتي بعير وفرس. ينظر: العقد الفريد ٦/ ٤٩، العمدة لابن رشيق ٢/ ٢١٦، نهاية الأرب ١٥/ ٣٨٣.","vol":"1","page":195},{"text":"شعر جريرٍ (^١).\nوفي الحديث: دليل أن السجود في الصلاة على الجبهة والأرنبة، لقوله: (انْصَرَفَ وَعَلَى جَبْهَتِهِ وَأَرْنَبَتِهِ أَثَرُ المَاءِ وَالطِّينِ)، وفيه: دليل على الزهد في الدنيا لترك النبي ﷺ بناء المسجد على ما كان عليه من جريد النخل.\nوقوله: (وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ يَنْزِلُ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ) (^٢) أي: يجيء من خارج المدينة إلى المدينة.\n* * *\n\n[٩١] وقوله: (مِثْلُ شِقِّ جَفْنَةٍ) (^٣) شِقُّ الشيء نصفُه.\n* * *\n\n[٩٢] وقوله: (البِرَّ يُرِدنَ؟) (^٤) البر: نصب مفعول يردن، يريد بذلك نساءَه.\n\n[٩٣] وحديث عائشة ﵂: (كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ) (^٥) العشر\n_________\n(^١) نقل المؤلف القصة من ديوان جرير برواية وشرح محمد بن حبيب البغدادي (٢٤٥ هـ)، عند شرحه للقصيدة التي هجا بها جرير (اليربوعي) الأخطل (التغلبي)، عند قوله:\nراحت خُزيمة بالجياد كأنها … عُقبان مُدجنة نفضن طِلالا\nوفيه أن ناصيته لأسيد، ولأنيف ثلاثون بكرة، خلافا لما ذكرته المصادر أعلاه.\n(^٢) لم يرد هذا في أحاديث مسلم، وإنما ورد عند أبي داوود ١٣٨٠ وغيره، أن عبد الله بن أنيس سأل النبي ﷺ أن يُعَيِّن له ليلة من رمضان ينزل فيها إلى المسجد - وكان بعيدا يصلي في باديته -، فقال له: (انْزِلْ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ)، فكان يفعل ذلك، وأما حكاية ذلك عنه باللفظ الذي ساقه المؤلف فهي عند أبي نعيم في: معرفة الصحابة رقم ٤٠٠٠، والطبراني في الكبير ٢٤٣.\n(^٣) حديث أبي هريرة في ليلة القدر، أخرجه برقم: ١١٧٠.\n(^٤) حديث عائشة في الاعتكاف، أخرجه برقم: ١١٧٣، بلفظ: (آلبر تردن؟)، والبخاري برقم: ٢٠٣٣.\n(^٥) حديث عائشة، أخرجه برقم: ١١٧٤، وأخرجه البخاري برقم: ٢٠٢٤.","vol":"1","page":196},{"text":"رفع فاعل دخل، (أَحْيَا اللَّيْلَ) أي: ترك القوم، واشتغل طول الليل بالعبادة، (وَجَدَّ) يقال: جد فلان في الأمر، والجِدُّ الاجتهاد في الأمر، والمبالغة فيه، يقال: جَدَّ جِدًّا، وقوله: (وَشَدَّ المِئْزَرَ)، وفي رواية خارج الصحيح: (وَرَفَعَ المِئْزَرَ) (^١)، قال ابن قتيبة: هذا من لطيف الكِناية، يريد اعتزال النساء، وليس رفعُه المئزر أن يلقيَه عن نفسه، ولكنه يريد أنه شمَّره وشدَّه، وهو مثَلٌ ليس أن هناك مئزرا (^٢)، ومنه قول الأخطل:\nقَومٌ إذا حَارَبُوا شَدّوا مَآزِرَهُم … دُونَ النِّساءِ، وَلَوْ بَاتَتْ بِأَطْهَارِ (^٣)\nكأنهم كانوا قبل الحرب مطلقي المآزر للنكاح، فلما حاربوا شدّوها دون النكاح، ولهذا قيل للعفاف عن الزنا: إزار، كأنه شدَّ إزارا دون ذلك، قال عَدي بن زيد:\nأجْلِ أنّ الله قد فضّلكم … فَوق ما أحكي بصُلْب وإزارِ (^٤)\nفالصُّلب الحَسَب، والإزار العَفَافُ، والمعنى إني أحبكم من أجل أن الله قد فضّلكم بحَسَبٍ وعفاف، وقوله: فوق ما أحكي، أي: فوق ما أقول، ورُوي:\nفَوْقَ مَنْ أَحْكَأَ صُلْبًا بِإِزَار (^٥)\n_________\n(^١) رواية عند أحمد: ١١٠٣، وفي سنن البيهقي: ٨٥٦٢ من حديث علي: (شمَّر المئزر).\n(^٢) غريب الحديث لابن الجوزي: ٢/ ٣٨١، مشارق الأنوار: ١/ ٢٩.\n(^٣) ينظر الكامل في اللغة والأدب: ١/ ٢١٨، العقد الفريد: ٥/ ١٥٥، الأغاني: ١٥/ ٧٤.\n(^٤) ينظر: الشعر والشعراء: ١/ ١٦١، المعاني الكبير: ١/ ٤٨١، كلاهما لابن قتيبة، معجم ديوان الأدب: ١/ ١٤٩.\n(^٥) ينظر: جمهرة اللغة لابن دريد: ٢/ ١٠٨٨، تهذيب اللغة للأزهري: ٥/ ٨٥.","vol":"1","page":197},{"text":"أي: فوق من شدَّ صُلبا وأحكَمَه بإزار، أي: فضّلكم على الناس كلِّهم.\nوفي قوله: (رَفَعَ المِئْزَر) معنى آخر يريد به أنه اجتهد في العبادة، وهو من قولك: شددتُ لهذا الأمر مئزري: إذا جَدَدت فيه، كما قال الهُذلي:\nوَكُنتُ إِذَا جَارِي دَعَا لمَضُوفَة … أَشَمِّر حَتَّى يَنْصُفَ الساق مِئْزَرِي (^١)\nالمَضوفة: الأمر يُحذر ويُشفَق منه.\n[قال الخليل: احتق الرجلان إذا كان كل واحد منهما يقول: الحق بيدي] (^٢)\nقال أهل العلم: الاعتكاف: الإقامة بالمكان، وليس المقام في كل مكان يكون برا، فشرطه أن يكون في المسجد؛ لأن المساجد أفضل البقاع، وذكر الله أفضل الأذكار، فجُعل شرطا لذلك، وردُّ الاعتكاف إلى العشر الآخر؛ لأن فيها ليلة القدر، فالطاعة فيها أفضل.\nوفي قوله: (البِرَّ يرِدْنَ؟) دليل أن الطاعة إذا لم يرد بها وجه الله لم تقبل، وفيها ما دل على مداراة النساء؛ إذ لم يزجُر نساءه، ونقض الأبنية، وفيه: دليل أن الاعتكاف بغير صوم جائز؛ إذ اعتكف في شوال، ولم يرِد عنه أنه صام لاعتكافه.\n_________\n(^١) أبو جندب الهذلي، ينظر إصلاح المنطق لابن السكيت: ١٧٦، الحيوان: ٣/ ١٢٩، المعاني الكبير: ٢/ ٧٠٠.\n(^٢) ينظر: تهذيب اللغة ٣/ ٢٤٤، الغريبين ٢/ ٤٧٢، وهذا المقطع من كلام المؤلف متعلق بالحديث الأول من هذا الباب.","vol":"1","page":198},{"text":"<span data-type='title' id=toc-99>ومن باب كراهية صيام العشر من ذي الحجة</span>\n[٩٤] (^١) العشر لها فضيلة كبيرة وإنما ترك النبي ﷺ صومها؛ لئلا يوجبها الناس على أنفسهم؛ فيشق عليهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-100>ومن باب فضل العشر الأواخر واجتهاد النبي ﷺ فيه</span>\nفالنبي ﷺ مع أن الله غفر له ذنبه، وجاءه الأمن من ربه، كان يجتهد في هذه العشر الاجتهاد الكثير؛ طمعا في مرضاة الله، فغيره ممن لا يأمن أحق بالاجتهاد.\n\n<span data-type='title' id=toc-101>ومن باب شهر الله المحرم</span>\nقال أبو عبيد (^٢): أراه قد نسبه إلى الله، وقد علمنا أن الشهور كلَّها لله، ولكن إنما يُنسب إليه ﵎ كل شيء يعظم ويشرف، فهذه الإضافة على جهة التعظيم له، وذلك أن الله جعله حراما، لا يحل فيه قتال، ولا سفك دم، وفيه عاشوراء.\n\n<span data-type='title' id=toc-102>فصْل</span>\nقال أصحاب الشافعي ﵁: والاعتكاف في الجامع أولى؛ لأن فيه اقتداء برسول الله ﷺ؛ وخروجا من الخلاف، وتوفرا على الجماعات في الصلاة، فإن اعتكف في مسجد آخر تطوعا؛ خرج وصلى الجمعة ثم عاد (^٣).\nقال: وأحب أن يتبع رمضان بصوم ست من شوال، والأولى أن يكون ذلك\n_________\n(^١) حديث عائشة أخرجه برقم: ١١٧٦، وأبو داود برقم: ٢٤٣٩.\n(^٢) غريب الحديث: ٣/ ٤.\n(^٣) الحاوي الكبير ٣/ ٤٩١، المهذب للشيرازي ١/ ٣٥٠.","vol":"1","page":199},{"text":"متتابعا عقيب يوم الفطر، فإن أخر وصامه في شوال متتابعا ومتفرقا، فقد أتى بالفضيلة (^١).\n\n[٩٥] وذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنه مكروه (^٢)، والدليل على أنه ليس بمكروه: ما رواه مسلم من رواية أبي أيوب الأنصاري: (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، وأَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ) (^٣)، فإذا صام رمضان وستا من شوال فقد صام ستا وثلاثين يوما من السنة، وذلك عشرها، وقد وعد الله أن الحسنة بعشرة أمثالها، فيكون بمنزلة ما لو صام السنة.\n_________\n(^١) المهذب للشيرازي ١/ ٣٤٤، بحر المذهب ٣/ ٣٠٦.\n(^٢) المقدمات الممهدات ١/ ٢٤٣، بداية المجتهد ٢/ ٧١، اختلاف الأئمة العلماء ٢/ ٣٥٦.\n(^٣) أخرجه مسلم برقم: ١١٦٤ بلفظ: (ثم أتبعه سِتًّا من شوال)، وأبو داود برقم: ٢٤٣٣.","vol":"1","page":200},{"text":"<span data-type='title' id=toc-103>كتاب الحج</span>\nقال الله ﷿: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ الآية [آل عمران: ٩٧]، وقال: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ الآية [الحج: ٢٧]، قال أهل اللغة (^١): (حَجُّ البَيتِ): مأخوذ من قولك: حججت فلانا: إذا عدت إليه مرة بعد مرة، قال المخبَّل:\nوَأَشْهد من عَوْف حُلُولًا كَثِيرَة … يحجون سِبَّ الزِّبْرِقان المزعفرا (^٢)\nيعني: يأتون الزِّبرقان مرة بعد مرة لسؤدده، وسِبُّه: عمامته، والناس يحجون البيت أي: يأتونه في كل سنة، سنة بعد سنة؛ مرة بعد مرة، والعمرة الزيارة، يقال: أتانا فلان معتمرا: أي: زائرا، قال الشاعر:\nوَرَاكبٌ جاءَ مِن تَثلِيثَ مُعْتَمِرًا (^٣)\nأي: زائرا.\nو(الإهلالُ بالحَجّ): هو الإظهار لإيجابه؛ والتلبية، ومنه يقال: أهل الصبي واستهل: إذا صاح أو بكى حين يسقط إلى الأرض.\nو(الإحرَامُ): هو الدخول في التحريم، كأن الرجل يحرم على نفسه النكاح،\n_________\n(^١) ابن قتيبة في غريب الحديث ١/ ٢١٩.\n(^٢) المخبل السعدي: البيان والتبيين ٣/ ٦٧، المعاني الكبير ١/ ٤٧٨، الجليس الصالح ٢٨٣.\n(^٣) عجز بيت للشاعر أعشى باهلة يرثي المنتشر، وصدره: (فجاشت النفس لما جاء جمعهم)، ينظر: جمهرة أشعار العرب ٥٦٩، الكامل في اللغة والأدب ٤/ ٥٥، الأصمعيات ٨٨، الإمتاع والمؤانسة ٢٨٩.","vol":"1","page":201},{"text":"والطيب، وأشياء من اللباس، فيقال: أحرم أي دخل في التحريم، كما يقال: أشتى إذا دخل في الشتاء، وأربع إذا دخل في الربيع، وأقحط إذا دخل في القحط.\nو(الإحرام) أيضا: الدخول في أشهر الحرم، يقال: أحرم الرجل؛ إذا دخل في رجب، وأحلَّ إذا خرج منه؛ فدخل في شعبان، وحلّ من الإحرام بغير ألف.\nوأما (التَّلْبِيَة): فمأخوذة من قولك: ألبَّ فلان بالمكان؛ إذا لزمه، ومعنى (لبيك): أنا مقيم عند طاعتك؛ وعلى أمرك غير خارج عنه، وإنما ثنَّوه لأنهم أرادوا به إقامة بعد إقامة، وطاعة مع طاعة، كما قالوا: (حنانيك ربنا) أي: هب لنا رحمة بعد رحمة، أو رحمة مع رحمة، وكما قالوا: (سعديك) أي: سعدا مقرونا بسعد، ويقال: (لبيك إن الحمد والنعمة لك) بكسر (^١) وفتحها فمن كسر ابتدأ القول بها، ومن فتحها أراد لبيك بأن الحمد لك، أو لأن الحمد لك، واختار بعضهم الكسر (^٢).\nو(إشعَارُ الهَدي): هو أن يطعن في أسنمتها، وإنما سمِّى إشعارا؛ لأنه جُعل علامة لها؛ ودليلا على أنها الله، وكل شيء أعلمته بعلامة؛ فقد أشعرته، وشعائر الله من هذا؛ إنما هي أعلام طاعته.\nو(البَدَنَةُ): هي الناقة، سميت بدنة بالعظم، إما لسنمها أو لسنها، لأنه لا يجوز أن يُساق منها الصغار، وإنما يساق منها الثُّنيان وما فوق، وكل ما أسن منها\n_________\n(^١) هنا سقط، والتقدير: (بكسر إن وفتحها).\n(^٢) قال الخطابي في المعالم: ٢/ ١٧٣: (فيه وجهان كسر إن وفتحها وأجودهما الكسر)، وقال في الأعلام: ٢/ ٨٤٥: (الاختيار في (إِنَّ) الكَسْرُ، لأنه أَعمُّ وأَوسَعُ).","vol":"1","page":202},{"text":"وعظُم فهو أفضل، ويقال للرجل المسن: بَدَن، قال الأسود بن يُعفر:\nهَلْ لِشَبابٍ فاتَ منْ مَطلَبِ … أمْ ما بُكاءُ البَدَنِ الأشْيَبِ (^١)\nو(اسْتِلَامُ الحَجَر): هو افتعال في التقدير؛ مأخوذ من السِّلام: وهي الحجارة، واحداتها سلَمة، يقال: استلمت الحجر إذا لمسته، وهو افتعلت من السَّلَمة، كما نقول: اكتحلت إذا أصبت من الكُحل، وادهنت إذا أصبت من الدُّهن.\nو(الرَّمَلَ فِي الطَّوَافِ) الجَمز، والإسراع، ولذلك قيل لخفيف الشعر: رمل.\nو(المُلَبَّدُ): الذي لبَّد شعره؛ حتى لبَّد بلزوق يجعله فيه، ومنه قول الشاعر:\nيَحْمِلْنَ كُلَّ مُلَبَّدٍ مَأْجُورٍ (^٢)\nو(الضَّافِرُ): الذي فُتِل شعره كما يُضفر الخيل، و(العَاقِصُ): الذي لواه فأدخل أطرافه في أصوله، ومنه قيل للشاة الملتوية القرن: عقصاء، هذا آخر الألفاظ الغريبة التي تعرض في كتاب المناسك (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) ينظر: أدب الكاتب: ٣٤٥، سمط اللآلئ: ١/ ٩٣٩، تهذيب اللغة: ١٤/ ١٠٢.\n(^٢) ينظر: الحيوان: ٥/ ٢٠١، غريب ابن قتيبة: ١/ ٢٢١.\n(^٣) اعتمد المؤلف في غالب مادة هذا الفصل على ابن قتيبة في الغريب، وأبي عبيد في الغريبين، والخطابي في المعالم.","vol":"1","page":203},{"text":"<span data-type='title' id=toc-104>ومن باب ما يجتنب المحرم من اللباس</span>\n[٩٦] حديث ابن عمر ﵁: (لَا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ، وَلَا الْعَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ) (^١) السراويلات، نصب، وعلامة النصب فيه كسرة التاء؛ لأن جمع سلامة المؤنث يكون في حال النصب بالكسر، وقوله: (وَلَا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلَا الْوَرْسُ)، قيل: الورس: نبات أحمر قاني، ويقال لعروقه: الكُركُم، وله قوة صابغة وهو طيب.\n\n<span data-type='title' id=toc-105>ومن باب: تصنع في العمرة مثل ما تصنع في الحج</span>\n[٩٧] حديث يعلى بن مرة ﵁ قال: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ، عَلَيْهِ جُبَّةٌ وَعَلَيْهَا خَلُوقٌ - أَوْ قَالَ أَثَرُ صُفْرَةِ - فَقَالَ: كَيْفَ تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ فِي عُمْرَتِي؟) وذكر الحديث (^٢).\nفي أخبار هذا الباب والباب الذي قبله: دلالة على أن الإحرام أصله إظهار التذلل لله ﷿، واحتمالُ المشقة لمرضاته، سنة الإحرام؛ أن يَعرَى من الثياب المَخيطة، وأن يتوقَّى الطيب والثياب المُصبغة بالطيب.\nوفيه دليل أن الخَلوق لا ينبغي أن يَتضمَّخ به الرجال، رَوي عمران بن حصين عن النبي ﷺ: (أَلَا وَطِيبُ الرِّجَالِ رِيحٌ لَا لَونَ، أَلَا وَطِيبُ النِّسَاءِ لَونٌ لَا رِيحَ) (^٣)، ورُوي عن أنس ﵁ قال: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَيْهِ صُفْرَةٌ، فَلَمَّا\n_________\n(^١) أخرجه برقم: ١١٧٧، والبخاري برقم: ١٥٤٢.\n(^٢) أخرجه برقم: ١١٨٠، والبخاري برقم: ١٨٤٧.\n(^٣) رواه أحمد برقم: ١٩٩٧٥، وأبو داود برقم: ٤٠٤٨.","vol":"1","page":204},{"text":"قَامَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَو أَمَرْتُمْ هَذَا يَدَع هَذِهِ الصُّفْرَةَ) (^١)، وكان النبي ﷺ لا يواجه الرجل بشيء في وجهه.\nوروي عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لَا تُقبَلُ صَلَاةُ رَجُلٍ فِي جَسَدِهِ شَيْءٌ مِن خَلُوقٍ) (^٢)، وعن أنس ﵁ قال: (نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ التَّزَعفُرِ لِلرَّجَالِ) (^٣).\nوفي قوله: (اصْنَع فِي عُمرَتِكَ، مَا تَصنَعُ فِي حَجِّكَ) أي: اجتنب فيها ما يُجتنب في الحج، لا أن عليه في العمرة جميع ما عليه في الحج.\nوفيه دليل أن النسيان في الطيب واللُّبس لا يوجب فدية، إذ لم يوجب على من كان فعل ذلك، وفيه دليل على أن العورة ما بين السرة إلى الركبة.\nوقوله: (فَلَا تَلْبَسُوا ثَوبًا مَسَّهُ زَعفَرَانٌ أَو وَرسٌ) (^٤) قيل إذا غسل ذلك منه؛ ذهب المعنى الذي له كان النهي، وعاد الثوب إلى أصله الأول؛ قبل أن يصيبه ذلك الذي غسل منه، وهذا كالثوب الطاهر يصيبه النجاسة فينجس بذلك، ولا تجوز الصلاة به، فإذا غسل حتى يخرج منه النجاسة، طهُر وحلَّت الصلاة فيه، وقد روي عن النبي ﷺ الاستثناء من ذلك فقال: (إِلَّا أَنْ يَكُونَ غَسِيلًا) (^٥) رواه عبد الرحمن بن صالح الأزدي عن أبي معاوية عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر ﵁.\n_________\n(^١) رواه أحمد برقم: ١٢٥٧٣، وأبو داود برقم: ٤٧٨٩.\n(^٢) أخرجه أبو داود برقم: ٤١٧٨، ولفظه: (لا يقبل الله تعالى ..).\n(^٣) متفق عليه: البخاري: ٥٨٤٦، مسلم: ٢١٠١، واللفظ لأبي داود: ٤١٧٩.\n(^٤) من حديث ابن عمر أعلاه، غير أن اللفظ هنا للبخاري: ١٥٤٣.\n(^٥) رواه أحمد برقم: ٥٠٠٣ عن أبي معاوية.","vol":"1","page":205},{"text":"وفي قوله ﷺ: (انزع عَنكَ جُبَّتَكَ): دليل على أنه جائز أن ينزعه نزعا (^١)، بخلاف قول من قال: لا ينبغي أن يخلعه؛ كما يخلع الحلال قميصه، لأنه إذا فعل ذلك غطى رأسه، وذلك عليه حرام؛ بل يشقه (^٢)، واحتج برواية ابن لبيبة عن عبد الملك بن جابر عن جابر قال: (كنتُ عِندَ النَّبِيِّ ﷺ جَالِسًا فَقَدَّ قَمِيصَهُ مِنْ جَيبِهِ حَتَّى أَخْرَجَهُ مِن رِجلَيْهِ، وَقَالَ: إِنِّي أَمَرتُ بِبُدْنِي الَّتِي بَعَثْتُ بِهَا أَن تُقَلَّد اليَومَ وَتُشْعَر، فَلَبِسْتُ قَمِيصِي وَنَسيتُ فَلَمْ أَكُن لِأُخْرِجَ قَمِيصِي مِن رَأْسِي، وَكَانَ بَعَثَ بِبُدنِهِ وَأَقَامَ بِالمَدِينَة) (^٣)، وإسناد حديث يعلى أصح وأقوى من إسناد حديث جابر (^٤).\nو(التَّضَمُّحُ): التلطّخ، و(الغَطِيطُ): غطيط النائم، وهو كالصوت يخرج من حلقه، وقوله: (ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ) أي: كشف وزال عنه؛ ما اعتراه من شدة الوحي، وقوله: (خَمَّرَهُ عُمَرُ بِالثَّوْبِ) أي: غطاه، أي: جعل الثوب كالظُّلة له، وقوله: (كَغَطِيطِ الْبَكْرِ) أي: كصوت الفَتِيّ من الإبل.\nوفي الحديث: دليل أن المحرم منهي عن الطيب في ثيابه، كما هو منهي عنه في بدنه وفي معناها الطيب في طعامه؛ والاكتحال بالكحل الذي فيه الطيب.\n_________\n(^١) قال ابن عبد البر: (وممن قال ذلك مالك وأصحابه والشافعي ومن سلك سبيله وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والثوري وسائر فقهاء الأمصار وأصحاب الآثار). التمهيد ٢/ ٢٦٤.\n(^٢) (وممن قال بذلك الحسن والشعبي والنخعي وأبو قلابة وسعيد بن جبير على اختلاف عنه). الاستذكار ٤/ ٣٣.\n(^٣) رواه أحمد في مسنده: ١٥٢٩٨، والطحاوي في معاني الآثار: ٣٦٤٠، وقال محققو المسند: (إسناده ضعيف).\n(^٤) ينظر: التمهيد لابن عبد البر: ٢/ ٢٦٤، إكمال المعلم: ٤/ ١٦٦.","vol":"1","page":206},{"text":"وفي قوله: (وَانزع الجُبَّةَ): دليل على أنه إذا نزعها من رأسه؛ لم يلزمه لذلك فدية، وعمل العمرة عمل الحج، إلا أنه لا يجب فيها الوقوف بعرفة مع توابعه.\nوقوله: (لَا تَلْبَسُوا القَمِيصَ، وَلَا العَمَائِمَ) دخل في معناه كلُّ ما يغطي الرأس من قلنسوة أو عصابة يعصب بها رأسه، أو نحو ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-106>ومن باب مواقيت الإهلال بالحج</span>\n[٩٨] قوله: (وَمُهَلُّ أَهْلِ الشَّامِ مَهْيَعَةُ) (^١) وهي: الجُحفة، يقال: أهلَّ الرجل فهو مُهِلٌّ بكسر الهاء، والموضع الذي يُهل فيه: مُهَلٌّ بفتح الهاء، وإنما سميت مهيعةَ الجحفة؛ لأن العماليق أخرجوا إخوة عاد من يثرب، فنزلوا مهيعة، فجاء سيل فأجحفهم، فسميت الجحفة، ومعنى أجحفهم استأصلهم (^٢).\nو(قَرنٌ) بسكون الراء: جبل معروف كانت فيه وقعة لغطفان على بني عامر، يقال له: يوم قرن، و(يَلَملَم): اسم جبل، قيل إنما وقت النبي ﷺ مواقيت الحج رفقا بأمته؛ وتيسيرًا عليهم.\n* * *\n\n[٩٩] وقوله: (لَبَّيكَ اللهُمَّ، لَبَّيكَ) الحديث (^٣)، قال شراحيل بن القعقاع: سمعت عمرو بن معْدي كربَ يقول: لقد رأيتنا منذ قريب؛ ونحن إذا حججنا نقول:\nلَبَّيْكَ تَعْظِيمًا إِلَيْكَ عُذْرًا … هَذِي زَبِيدٌ قَدْ أَتَتْكَ قَسْرًا\n_________\n(^١) حديث عمر بن الخطاب: أخرجه برقم: ١١٨٢، والبخاري برقم: ١٥٢٧.\n(^٢) ينظر: معجم ما استعجم للبكري: ٢/ ٣٦٧، معجم البلدان: ٢/ ١١١.\n(^٣) حديث ابن عمر: أخرجه برقم: ١١٨٤، وأخرجه البخاري برقم: ١٥٤٩.","vol":"1","page":207},{"text":"تَعْدُو [بها] (^١) مُضْمَرَاتٌ شَزَرًا … يَقْطَعْنَ خَبْتًا وَجِبَالًا وَعْرَا\nقَدْ خَلَعُوا الْأَنْدَادَ خِلْوًا صِفْرَا\nونحن اليوم نقول كما علمنا رسول الله ﷺ، قال قلت وكيف علمكم؟ فقال لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك (^٢).\n* * *\n\n[١٠٠] وفي رواية ابن عباس ﵁: (كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ فَيَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: \"وَيْلَكُمْ، قَدْ قَدْ\" فَيَقُولُونَ: إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ، تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ) (^٣).\nقوله: (قَدْ قَدْ) أي: لا تزيدوا على هذا، لا تقولوا: (إلا شريكا هو لك)، فكرر اللفظ مرتين ليكون أوكد، قال أهل اللغة (^٤): قدك أي: حسبك، وقدني وقدي أي: حسبي، قال: قَدْنِيَ مِن نَصرِ الحُبَيبَينِ قَدِي (^٥).\n* * *\n\n[١٠١] وقوله: (بَيدَاؤُكُم هَذِهِ) (^٦) البيداء: المفازة، والجمع بيد، وهي البيداء التي قُدام ذي الحليفة في طريق مكة، و(فِيهَا) أي: في سببها، أي: تقولون: أحرم\n_________\n(^١) ما بين معقوفتين سقطت ولا يستقيم الوزن دونها.\n(^٢) رواه الطحاوي في معرفة الآثار: ٣٥٥٧، والطبراني في الكبير: ١٠٠، بألفاظ متقاربة.\n(^٣) أخرجه برقم: ١١٨٥.\n(^٤) مجمل اللغة: ٧٢٧.\n(^٥) القائل حميد بن الأرقط، وعجز البيت: (لَيْسَ أَمِيري بالشحيح الملحد)، ينظر: الكامل ١/ ١١٩، الجليس الصالح ٣٨٠، سمط اللآلئ: ١/ ٤٧٥.\n(^٦) حديث ابن عمر: أخرجه برقم: ١١٨٦، وأخرجه أبو داود برقم: ١٧٧١.","vol":"1","page":208},{"text":"النبي ﷺ من البيداء، وإنما أحرم من عند الشجرة، (والرُّغبَى) (^١) على وزن فُعلى الرغبة، وكذلك (الرَّغْبَاء) على وزن فعلاء، وقوله: (تَلَقَّيتُ التَّلْبِيَةَ) (^٢) وفي نسخة: (تَلَقَّفتُ التَّلْبِيةَ) ومعناهما واحد.\nقال قوم من أهل العلم (^٣): لا بأس للرجل أن يزيد على ما ورد في التلبية من الذكر لله ﷿، وقال آخرون (^٤): لا ينبغي أن يُزاد في التلبية على ما قد علمه رسول الله ﷺ الناس، وسمع سعد رجلا يلبي يقول: لبيك ذا المعارج لبيك، فقال سعد: (مَا هَكَذَا كُنَّا نُلَبِّي عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ (^٥)، وقد رُوي عن أبي هريرة ﵁ أنه كان يقول: (كَانَ مِن تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَبَّيكَ إِلَهَ الحَقِّ) (^٦) وروي عن ابن عمر ﵁ أنه كان يزيد في التلبية ما ذكره مسلم (^٧).\nوفي الحديث دليل على رفع الصوت بالتلبية لما فيها من التوحيد، وفي ذلك: اكتساب الأجر وطرد الشيطان، وفيه دلالة أن العبارة عما في الضمير أوكد\n_________\n(^١) ينظر: المسند المستخرج على صحيح مسلم لأبي نعيم (٣/ ٢٧٠)، وشرح النووي (٨/ ٨٨).\n(^٢) رواية السجزي لصحيح مسلم، جاء في إكمال المعلم ٤/ ١٧٧ (تلقفت التلبية من رسول الله ﷺ بالفاء، قال الإمام: أي أخذتها بسرعة، ويروى: (تلقنت) بالنون، قال القاضي: بالفاء رواية الكافة، وقد رويناها (تلقيت) بالياء من طريق السجزي، ومعانيها متقاربة).\n(^٣) الثوري وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد بن حنبل وأبو ثور، ينظر: الاستذكار ٤/ ٤٤، مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود: ١٧١، المبسوط ٤/ ١٨٧.\n(^٤) على هذا مالك والشافعي، ينظر الاستذكار: ٤/ ٤٤، الأم: ٢/ ٢٢٤.\n(^٥) رواه أحمد برقم ١٤٧٥، وابن أبي شيبة: ١٣٤٦٧، والطحاوي في معاني الآثار: ٣٥٦٢، واللفظ له.\n(^٦) رواه أحمد برقم: ٨٦٢٩، والنسائي برقم: ٢٧٥٢.\n(^٧) وهو قوله: (لبيك لبيك، وسعديك، والخير بيديك، لبيك والرغباء إليك والعمل)، أخرجه البخاري برقم: ١٥٤٠، ومسلم برقم: ١١٨٤.","vol":"1","page":209},{"text":"من السكوت عليه.\nوفيه دليل أن كلا من الصحابة ﵃ أدى ما سمع، ووجه الجمع بين خبر ابن عمر ﵁: (بَيدَاؤُكُم هَذِهِ الَّتِي تَكذِبُونَ فِيهَا) وبين خبر جابر ﵁: (ثُمَّ رَكِبَ القَصْوَاءَ، حِينَ اسْتَوَت بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى البَيدَاءِ فَأَهَلَّ) (^١) أن ابن عمر ﵁ شاهد النبي ﷺ يهل عند مسجد ذي الحليفة، فحكاه عنه، ورآه جابر يلبي لما استوت به ناقته على البيداء، [أو كلاهما] (^٢) صادق؛ وكل واحد من الخبرين ممكن، ومعنى: (تَكذِبُونَ) تغلطون، وفي زيادة ابن عمر ﵁ على ما سمع من النبي ﷺ من التلبية: دليل أن للرجل أن يزيد من الذكر ما يشاكل المسنون.\nو(الإهْلَالُ بِالحَجِّ): هو إحرام الحج، كما أن التكبيرة الأولى؛ التي عند رفع اليدين في ابتداء الصلاة: إحرام الصلاة، ومعنى: (التلبية): الاستجابة، أي: أنا مقيم عندك قد أجبتك، والتثنية فيها للتوكيد، وفي رواية: (يُهِلَّ مُلَبَّدا) (^٣) قيل: تَلِبيد الرأس: تلبيد الشعر بالشيء اللزج؛ كانوا إذا أرادوا البُقْيا على الشعر لئلا يتشعَّث؛ أخذوا شيئا لزجا كالصمغ ونحوه؛ فلبّدوا به شعر الرأس، وذلك لمن لم يرد أن يحلق رأسه للإحرام.\n* * *\n_________\n(^١) حديث جابر ﵁ الطويل في صفة الحج: أخرجه مسلم برقم: ١٢١٨، وأبو داود برقم: ١٩٠٥ - ١٩٠٩، وغيرهما.\n(^٢) كذا في الأصل، والأنسب للمعنى: (وكلاهما).\n(^٣) من روايات حديث ابن عمر؛ الذي سبق تخريجه برقم: ١١٨٤.","vol":"1","page":210},{"text":"<span data-type='title' id=toc-107>ومن باب الإهلال حين تنبعث به راحلته</span>\n[١٠٢] حديث ابن عمر ﵁ ﵁: (لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمَسُّ إِلَّا اليَمَانِيين) (^١) إنما قيل: (الْيَمَانِيَيْنِ) لأنهما من ناحية اليمن، وهو الركن الذي فيه الحجر الأسود، والركن الذي يتصل به من ناحية مغرب الشمس، وكان يمَسهما في الطواف.\nوقوله: (فَأَمَّا النِّعَالُ السِّبتِيَّةُ) السبت: جلود مدبوغة بقرظ، والسِّبتية منسوبة إليه، والسَّبْتُ: حلق الرأس (^٢)، وفي الحديث: (يَلْبَسُ النِّعَالَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌ، وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا) قيل كان يلبسها حين يتوضأ، وقوله: (وَأَمَّا الصُّفَرَةُ، فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَصْبُغُ بِهَا) الثياب لا الشعر، وقوله: (يَنبَعِثَ) (^٣) أي: يقوم، وقوله: (إِذَا وَضَعَ رِجلَهُ فِي الْغَرزِ) يعني: ركاب الناقة، ويكون من خشب، كما أن ركاب الفرس من حديد.\n* * *\n\n[١٠٣] وحديث ابن عمر ﵁: (بَاتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِذِي الْحُلَيفَةِ مَبْدَأَه) (^٤) يعني: وقت ابتدائه بالسفر؛ وخروجه إلى الحج.\n_________\n(^١) حديث ابن عمر: أخرجه برقم: ١١٨٧، وأخرجه البخاري برقم: ١٦٦.\n(^٢) ذهب الأزهري إلى تفسير (السبتية) بهذا المعنى، أي إنها محلوقة الشعر، من سَبَت شعره، وتعقبه القاضي بقوله: (والسين في جميع هذه الكلمات مكسورة، والأصح عندي أن يكون اشتقاقها وإضافتها إلى السبت؛ الذي هو الجلد المدبوغ، أو لدباغه بكسر السين في نسبتها، ولو كانت من السَّبت الذي هو الحلق كما قال الأزهري وغيره - كان سَبتية بالفتح، ولم يروها أحد في هذا الحديث ولا غيره ولا في الشعر فيما علمته إلا بالكسر). الإكمال: ٤/ ١٨٥.\n(^٣) الرواية: (تنبعث)؛ أي راحلته.\n(^٤) أخرجه برقم: ١١٨٨، وأخرجه النسائي برقم: ٢٦٥٩.","vol":"1","page":211},{"text":"<span data-type='title' id=toc-108>ومن باب الطيب للإحرام</span>\n[١٠٤] قوله: (لِحُرمِه حِينَ أَحْرَمَ) (^١) الحُرُمُ: الإحرام (^٢)، و(لحلِّه) حين حلَّ من إحرامه يَحِل حلًّا، وقولها: (بِذَرِيرَةِ) الذَّرِيرة: ضرب من الطِّيب.\n* * *\n\n[١٠٥] و(وَبِيصِ الطِّيبِ) (^٣) تلألؤه وبريقه، وقوله: (فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ) أي: في مَفرقه وما حوله.\n* * *\n\n[١٠٦] وقوله: (أنتضِحُ طيبًا) (^٤) يريد انتشار رائحته، وروي: (أنتضِحُ) بالخاء المعجمة ومعناه أُسيل، والنضخ فوق النضح.\n\n<span data-type='title' id=toc-109>ومن باب كراهية لحم الصيد للمحرم</span>\n[١٠٧] حديث الصعب بن جثّامة: (إِنَّا لَم نَرُدَّهُ عَلَيْكَ، إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ) (^٥)، وروي: (وَهُوَ بِبَطْنِ الغَمِيمِ) (^٦)، وروي: (وَهُوَ بِقَدِيدٍ) (^٧).\n_________\n(^١) حديث عائشة: أخرجه برقم: ١١٨٩، وأخرجه أحمد برقم: ٢٥٨٧٥.\n(^٢) (مضمومة الحاء، والحُرم الإحرام، فأما الحرم: بكسر الحاء فهو بمعنى الحرام يقال: حِرم وحرام، كما قيل حل وحلال) غريب الحديث للخطابي ٣/ ٢٤٥، وقال القاضي: (ضبطناه بالوجهين هنا، والضم أكثر). الإكمال ٤/ ١٨٨.\n(^٣) حديث عائشة أيضا: أخرجه برقم: ١١٩٠، وأخرجه البخاري برقم: ١٥٣٧.\n(^٤) حديث ابن عمر: أخرجه برقم ١١٩٢، وأخرجه البخاري برقم: ٢٦٧، واللفظ عندهما: (أنضخ) بالخاء، ورواية (أنضح) بالمهملة عند النسائي: ٢٧٠٥، وفي مستخرج أبي عوانة: ٣٦٧٨: (أنتضح).\n(^٥) أخرجه برقم: ١١٩٣، وأخرجه البخاري برقم: ١٨٢٥.\n(^٦) رواية البغوي في معجم الصحابة: ١٣١٠.\n(^٧) رواية أحمد برقم: ٣١٦٨، والنسائي برقم: ٢٨٢٢.","vol":"1","page":212},{"text":"[١٠٨] وفي رواية: (لَوْلَا أَنَّا مُحرِمُونَ، لَقَبِلنَاهُ مِنكَ) (^١).\n* * *\n\n[١٠٩] وفي حديث أبي قتادة: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالقَاحَةِ) (^٢) القاحة: موضع، وقوله: (يَتَرَاءَونَ شَيْئًا) هو يتفاعلون من الرؤية، و(الأَكَمَةُ): الرابية، (فَعَقَرْتُهُ) أي: جرحته، (ثُمَّ شَدَّ عَلَى الحِمَارِ) أي: حمل عليه، (فَطَعَنتُهُ فَأَثْبَتْهُ) أي: أسقطته، (وخَشِينَا أَن نُقْتَطَعَ) أي: يقطعنا العدو عنك، وقوله: (أَرْفَع فَرَسِي) وروي: (أُرَفِّع فَرَسِي) أي: أحمله على هذا النوع من العدو، و(الشَّأْو): غاية العدو وغاية السير، و(تَعْهِنْ) (^٣) موضع على وزن تفعل، ومن باب هذه الكلمة: (العهن): وهو الصوف المصبوغ.\nوقوله: (وَهُوَ قَائِلٌ السُّقيَا) أي: يقصد هذا المنزل، وقوله: (إِنِّي اصَّدْتُ) (^٤)، وفي نسخة: (اصْطَدْتُ)، واصاد واصطاد كلاهما افتعل من الصيد، وقوله: (وَمَعِي مِنْهُ فَاضِلَةٌ) أي بقية فضلت، وفي رواية: (أَنَّ عِندَنَا مِن لَحمِهِ فَاضِلَةً) بالنصب على أن يكون اسم أن.\n* * *\n_________\n(^١) رواية ابن عباس: أخرجها برقم: ١١٩٤، والنسائي برقم: ٢٨١٩.\n(^٢) أخرجه برقم: ١١٩٦، والبخاري برقم: ١٨٢٣ واللفظ له، والقاحة: مَوْضِعٌ بين الجحفة وقديد. [الأماكن للهمداني ٧٥٥]\n(^٣) (تعهن: بفتح التاء وكسرها وسكون العين. وقد سمع من العرب من يقول: بتُعَهِن فيضم التاء، ويفتح العين، ويكسر الهاء وروايتنا التقييد الأول). المفهم ٣/ ٢٧٧، وفي معجم البلدان ٢/ ٣٥: (بكسر أوله وهائه، وتسكين العين، وآخره نون: اسم عين ماء سمّي به موضع على ثلاثة أميال من السّقيا بين مكة والمدينة).\n(^٤) يروى كذلك بتخفيف الصاد: (أَصَدْتُ)، ينظر المشارق: ٢/ ٥٢.","vol":"1","page":213},{"text":"[١١٠] وفي حديث طلحة ﵁: (فَلَمَّا استَيْقَظَ طَلْحَةُ وَفَّقَ مَن أَكَلَهُ) (^١) أي: نسبه إلى التوفيق، قيل رَفع الفرس ركضُه، وقوله: (شَاوًا) أي: عَدوة واحدة.\nوقيل: إنما رد على الصعب بن جثّامة ما أهدى إليه، لأنه لم يأمن أن يكون شرَكه فيه محرم، أو كان مَصيدا لأجله، وأباح أكل ما صاده أبو قتادة، لأنه علم أنه لم يصده حرام، قال أهل العلم: الأصل في تحريم الصيد على المحرم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥].\n\n<span data-type='title' id=toc-110>ومن باب ما يجوز قتله للمحرم من الدواب</span>\n[١١١] (فَقُلْتُ لِلقَاسِمِ: أَفَرَأَيْتَ الحَيَّةَ؟ قَالَ: تُقتَلُ بِصُغرٍ لَهَا) (^٢) أي: بصَغار وهوان، و(الغُرَابُ الأَبَقَعُ): غراب ذو لونين، قال أهل اللغة (^٣): البقع: اختلاف اللونين، و(الحُدَيَّا) الحِدَأَة (^٤)، و(الكَلبُ العَقُورُ) الذي يجرح، قال الشعبي: (مَنْ حَلَّ بِكَ فاحْلِلْ بِهِ) (^٥) أي: من عرض لك فحلَّ بك، فكن أنت أيضا حلالا، وقيل الكلب العقور: كل سبع يَعقِر، ولم يخص به الكلب (^٦)، قال الله تعالى:\n_________\n(^١) أخرجه برقم: ١١٩٧، والنسائي برقم: ٢٨١٣.\n(^٢) حديث عائشة: أخرجه برقم: ١١٩٨، وأخرجه البخاري برقم: ١٨٢٩.\n(^٣) مجمل اللغة: ١٣٢.\n(^٤) الحدأة: بكسر الحاء مهموز، وهو طائر من الجوارح يصيد الجرذان، وأما لفظ: (الحديا) فقد ضبط في الروايات بصيغ متعددة: الحُديا - الحِدأ - الحُديثة - الحُديَّاة - الحديَّة، ينظر: مشارق الأنوار ١/ ١٨٤، لسان العرب: ١/ ٥٤.\n(^٥) رواه عبد الرزاق في مصنفه ٨٣٧٦ عن الشعبي بلفظ: (ما أحل بك من السباع فأحل به)، ورواه كذلك لابن عمر ﵁ ٨٣٧٧.\n(^٦) روي هذا عن سفيان بن عيينة، في سنن البيهقي: ١٠٠٥٢، ومذهبه مذهب جمهور العلماء، ينظر: الاستذكار: ٤/ ١٥١.","vol":"1","page":214},{"text":"﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة: ٤]، والمكلب اسم مشتق من الكلب، ودخل فيه الفهد، والبازي، والصقر.\nوفي المذكورات في هذا الباب: دلالة أنها لا تؤكل، وفيه رد على من يستبيح كل ما لم ينطق بتحريمه القرآن (^١)، وبيان أن كل ما لا يكون صيدا؛ وكان من جملة الخبائث - ما ذكر منها وما لم يذكر - فإنه في معنى النص، ولا جزاء على المحرم في قتلها.\n\n<span data-type='title' id=toc-111>ومن باب ما جاء في فدية الأذى</span>\n[١١٢] حديث كعب بن عجرة: (وَأَنَا أُوقِدُ تَحتَ بُرمَةٍ لِي) (^٢) البُرمة: القِدر من الحجارة، (وَالقَمَلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي) يعني: يتساقط، (فَقَالَ: أَيُؤذِيكَ هَوَامُّ رَأسِكَ؟): جمع هامَّة، والهامَّة التي تدب والهميم: الدبيب، وقوله: (أَو تَصَدَّق بِفَرَقٍ)، والفَرَق: مكيال يسع ثلاثة أصع.\nوفي رواية: (وَالْقَمَلُ يَتَهَافَتُ عَلَى وَجْهِي) (^٣)، التهافت: التساقط مع التتابع، وفي رواية: (فَقَمِلَ رَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ) أي: وقع فيها القمل.\nهذا الحديث بيان قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]، يعني: فحلق فعليه فدية من صيام، وهو مخير أيّ هذه الثلاثة فعل جاز، وأوجب هاهنا لكل مسكين نصف صاع، وسن النبي ﷺ لكل مسكين في\n_________\n(^١) إلى هذا ذهب مالك ﵀، وينقل عنه غير ذلك، ينظر: المعونة: ٧٠١، وبداية المجتهد: ٢٠/ ٣، والتوضيح: ٣/ ٢٢٤.\n(^٢) أخرجه برقم: ١٢٠١، وأخرجه البخاري برقم: ١٨١٤.\n(^٣) الرواية بلفظ: (على وجهه) بصيغة الغائب.","vol":"1","page":215},{"text":"كفارة المُجامع مدّا، وهذا المقدار من الطعام لا على معنى الكفاية في الأقوات، ألا ترى أنه قال: (ففدية) جعل الابتداء بذلك من غير علة تعلم.\nوفي الحديث دليل على أن الخطاب؛ قد يخرج على سبب بشرط لناس بأعيانهم، ثم يكون لهم ولغيرهم، كما في التخفيف في فرض قيام الليل لأصحاب الرسول ﷺ، ثم كان لهم ولجميع الأمة، وكالعرايا خرج تحليلها بسبب، ثم كانت مباحة لمن عُدم فيه السبب في المقدار المقرر، وهو أقل من خمسة أوسق.\nوقوله: (أو انسُك نَسِيكَةً): أي: اذبح ذبيحة، وفي رواية: (أو انسُك مَا تَيَسَّرَ)، قيل في التفسير: يعني: شاة، وقوله: (هَل عِندَكَ نُسُكٌ؟) أي: ما تذبحه، و(الحديبية): بتخفيف الياء.\n\n<span data-type='title' id=toc-112>ومن باب الحجامة للمحرم</span>\n[١١٣] حديث ابن بحينة: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احتَجَمَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، وَهُوَ مُحرِمٌ، وَسَطَ رَأْسِهِ) (^١)، وفي هذه الرواية خارج الصحيح: (احْتَجَمَ بِلَحي جَمَلٍ) (^٢) على لفظ الواحد، ورُوي (بِلَحيَي جَمَلٍ) (^٣) على لفظ التثنية، وهو اسم مكان.\nوفي الحديث دليل أن للمحرم أن يتعالج في إحرامه، ودليل أن الحجامة يستشفى بها.\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه برقم: ١٢٠٣، وأخرجه البخاري برقم: ١٨٣٦.\n(^٢) رواية البخاري برقم: ٥٦٩٨، والنسائي برقم: ٢٨٥٠.\n(^٣) رواية الموطأ: ٧٤.","vol":"1","page":216},{"text":"<span data-type='title' id=toc-113>ومن باب إباحة التداوي للمحرم</span>\n[١١٤] حديث: (حَتَّى إِذَا كُنَّا بِمَلَلٍ) (^١) بلامين، وهو اسم مكان، وقوله: (أَنِ اضمِدُهُمَا بِالصَّبِرِ) قيل: الضَّمْد العصب، والعصابة يقال لها: الضِّماد، وضمَّد بالتشديد أيضا، قال: (ضَمَّدَهَا بِالصَّبِرِ) (^٢)، يعني: هذا الدواء المُر.\nوفي الحديث دليل على إباحة العلاج للمحرم، ودليل أن الصفرة للمحرم لا تكره، وإن كانت زينة؛ ما لم تكن طيبا، و(الروحاء): موضع، و(الضِّماد): المَرهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-114>ومن باب ما جاء في الاغتسال للمحرم</span>\n[١١٥] حديث: (فَوَجَدْتُهُ يَعْتَسِلُ بَيْنَ القَرْنَين) (^٣)، يعني: عمودَي البئر، قال القتبي (^٤): القرنان: قرنا البئر، وهما منارتان يبنيان من حجارة أو مدَر؛ على رأس البئر في جانبيها، فإن كانتا من خشب فهما الزَّرنوقان، ويقال للزَّرنوق أيضا: القامة.\nوفي الحديث دليل على أن التنظف محمود في الإحرام وغيره، وقوله: (فَطَأطَأَهُ) أي: حطَّه شيئا، وقوله: (لَا أُمَارِيكَ)، أي: لا أخالفك ولا أجادلك.\n* * *\n_________\n(^١) حديث عثمان: أخرجه برقم: ١٢٠٤، وأخرجه أبو داود: ١٨٣٨.\n(^٢) رواية مسلم: (ضمدهما بالصبر) بالتثنية، ورواية الإفراد عند ابن حبان: ٣٩٥٤، وابن أبي شيبة: ١٣٢٧٢.\n(^٣) حديث أبي أيوب الأنصاري: أخرجه برقم: ١٢٠٥، وأخرجه البخاري: ١٨٤٠.\n(^٤) هو ابن قتيبة الدينوري، والنقل من كتابه: غريب الحديث ٢/ ٢٢٠.","vol":"1","page":217},{"text":"<span data-type='title' id=toc-115>ومن باب غسل المحرم إذا مات</span>\n[١١٦] حديث ابن عباس ﵁: (خَرَّ رَجُلٌ مِن بَعِيرِهِ) (^١)، أي: سقط، هي عنه (فَوُقِصَ) أي: انكسر عنقه، و(السِّدرُ): شجرة يغسل بورقها الرأس، (وَلَا تُخَمِّرُوا) أي: لا تغطوا، وفي رواية: (فَأَوْقَصَتْهُ) يعني: راحلتَه، واللغة الفصيحة فوقصته، وفي رواية: (فَأَقعَصَتْهُ)، قال أهل اللغة (^٢): ضربه فأقعصه أي: قتله مكانه، والقَعْص: الموت الوَحِيُّ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-116>ومن باب الاشتراط عند الإهلال بالحج</span>\n[١١٧] حديث عائشة ﵂: (وَأَنَا شَاكِيَةٌ) (^٤) أي: مريضة، وفي رواية: (وَاللهِ، مَا أَجِدُنِي إِلَّا وَجِعَةً) وفي رواية: (فَقَالَتْ - يعني ضباعة -: إِنِّي امْرَأَةٌ ثَقِيلَةٌ، وَإِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ، فَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: أَهِلِّي بِالْحَجِّ، وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي) (^٥).\nفي هذا الحديث من الفقه: أن الإنسان إذا كان وجيعا وأراد الحج؛ جاز له الاشتراط على ما في الحديث (^٦)، وإذا لم تكن به علة واشترط ذلك، فمن العلماء\n_________\n(^١) أخرجه برقم: ١٢٠٦، وأخرجه البخاري: ١٨٤٩.\n(^٢) مجمل اللغة لابن فارس: ٧٦١.\n(^٣) الوَحِيُّ: السريع.\n(^٤) أخرجه برقم: ١٢٠٧، وأخرجه النسائي: ٢٧٦٨.\n(^٥) في هذه الرواية عند مسلم: (تَحْبِسُني)، و(حَبَسْتَني) في الروايات الأخرى.\n(^٦) قال بصحة الاشتراط - وهو أن يشترط عند الإحرام التحلل حيث منعته علة أو حابس -: الشافعية والحنابلة، وأبطله الحنفية والمالكية، ينظر: الاستذكار: ٤/ ٤١٠، معالم السنن: ٢/ ١٥٩، الحاوي الكبير: ٤/ ٣٥٩، المبسوط: ٤/ ١٠٧.","vol":"1","page":218},{"text":"من أجازه (^١)، إذ لو لم يشترط فحبس بعلة؛ كان له أن يبعث بالهدي.\nوحديث ابن عمر في حصر العدو (^٢): أن المحرم إذا منع بعدو، أنه ينحر هديه ويحل حيث أحصر في حل أو حرم.\n\n<span data-type='title' id=toc-117>ومن باب إهلال النفساء والحائض بالحج</span>\n[١١٨] حديث: (نُفِسَت أَسْمَاءُ بِنتُ عُمَيسٍ بِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكرٍ بِالشَّجَرَةِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبا بكرٍ الصِّدِّيقِ ﵁، أَن تَعْتَسِلَ وَتُهِلَّ) (^٣)، نُفِست المرأة: إذا ولدت، ويقال لها إذا وضعت: نفَساء، وإنما أمرها بالغسل على وجه التنظُّف؛ لا على وجه إزالة الحدث، وفيه دلالة أن الإحرام لا يفسد بالنِّفاس، وإنما تمنع النفساء من الطواف بالبيت، فإنها لا تطوف حتى تطهر.\n\n<span data-type='title' id=toc-118>ومن باب ما جاء في الإفراد والقران والتمتع</span>\n[١١٩] حديث عائشة ﵂: (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَا نَذْكُرُ إِلَّا الحَجَّ) (^٤)، وفي حديث ابن شهاب عن عروة: (فَأَهْلَلَنَا بِعُمْرَةٍ)، وفي حديث عبد الرحمن بن القاسم: (وَنَحْنُ لَا نَنْوِي إِلَّا الْحَجَّ) (^٥)، أي: لا ننوي إلا ما\n_________\n(^١) يقصد التوسع في الاشتراط، بحيث يشترط من باب التوقع والاحتياط، وليس لحصول العلة حال الإحرام.\n(^٢) قال ابن عمر ﵁: (خرجنا مع النبي ﷺ معتمرين، فحال كفار قريش دون البيت، فنحر رسول الله ﷺ بدنه وحلق رأسه) رواه البخاري برقم: ١٨١٢.\n(^٣) حديث عائشة: أخرجه برقم: ١٢٠٩، وأخرجه أبو داود: ١٧٤٣.\n(^٤) أخرجه برقم: ١٢١١، وأخرجه البخاري: ٣٠٥.\n(^٥) هذه رواية ابن القاسم عند النسائي: ٢٧٤١، وأما عند مسلم فهي عنده بلفظ: (لا نذكر إلا الحج)، =","vol":"1","page":219},{"text":"فُرض علينا في الحج المفروض في كتاب الله ﷿.\nثم لما جاءت عائشة ﵂ إلى بيان النسك؛ فصلت فقالت: (أَهلَلَنَا بِعُمرَةٍ)، وسن النبي ﷺ وأن من كان معه هدي؛ وكان معتمرا؛ أن يُدخل الحج على عمرته، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا، وقولها: (حَتَّى جِئنَا سَرِفَ)، سَرِف: اسم موضع، (فَطَمِثْتُ) أي: حضت، والطامث الحائض، قال أهل اللغة (^١): طمِئت وطمَثت لغتان، والطَّمث: المس أيضا في غير هذا الموضع، يقال طمَث الرجل المرأة أي: مسَّها بالجماع.\nوقوله: (لَعَلَّكِ نَفِسْتِ؟ قُلتُ: نَعَم)، قيل: نَفِست المرأة: إذا حاضت بفتح النون، ونُفست المرأة غلاما إذا وضعته، تنفَس نِفاسا وهي منفوسة، ونفِسْتُ عليك بالشيء أنفس نفاسة أي: بخلت (^٢).\nوقول النبي ﷺ لعائشة ﵂: (انْقُضِي رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِي، وَأَمْسِكِي عُمْرَتِكِ) (^٣)، وفي رواية: (وَدَعِي العُمرَةَ) أي عملَ العمرة، إذ عملُها الطواف؛ ولا يجوز إلا بالطهارة، وقولها: (فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت)، وصفت حال المتمتعين: ألا ترى أنها قالت: (ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ) وهو طواف الزيارة، (بَعدَ أَن رَجَعُوا مِن مِنًى)، وذلك وقته.\n_________\n= وعنده في حديث حديث جابر ﵁ ١٢١٨: (لسنا ننوي إلا الحج) إلا أنه حديث آخر، غير حديث عائشة ﵂.\n(^١) مقاييس اللغة: ٣/ ٤٢٣، مجمل اللغة: ٥٨٦.\n(^٢) ينظر: النهاية: ٥/ ٩٥.\n(^٣) هذا لفظ البخاري: ٣١٦، ولفظ مسلم: (وأمسكي عن العمرة).","vol":"1","page":220},{"text":"وقوله ﷺ: (عَقْرَى حَلْقَى) العَقر: الجرح، يقال: عقرت الفرس بالسيف: إذا ضربت قوائمه، وقيل: العقر: أن يقطع رأس النخلة؛ فلا يخرج من ساقها شيء أبدا، ويقال: جدَعا لفلان وعقرًا وللمرأة: عقرى حلقى أي: عقر الله جسدها عقرا فأصابها بداء في حلقها، وكلبٌ عَقور.\nثم وصفت حال من جمع بالعمرة والحج أنهم لم يحلوا، وأنهم طافوا طوافا واحدا لحجهم وعمرتهم، وهو خلاف ما ذهب إليه أهل الرأي (^١): أن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين. وفي قول النبي ﷺ: (لولا أَنِّي أَهدَيتُ لأَهلَلتُ بِعُمرَةٍ)، اختيار التمتع، وكذلك قوله: (لَوِ اسْتَقبَلتُ مِن أَمرِي مَا اسْتَدبَرتُ مَا سُقت الهَدْيَ وَلَجَعَلْتُهَا عُمَرَةً) (^٢)، وقولها: (فَلَمَّا قَضَيتُ حَجَّتِي أَمَرَ عَبدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ فَأَعْمَرَنِي مِنَ التَّنْعِيمِ) (^٣) وكانت تلك عمرة مستحبة، ولم تكن عمرة قضاء، وقولها: (مَكَانَ عُمَرَتِي الَّتِي سَكَتُّ عَنهَا) (^٤) أي: التي تركت عملها للحيض.\nوفيه من الفقه أن أحدا لا يهل بعمرة من جوف مكة، فإنما يُهل لها من الحل، وأن المرأة لا تخرج إلى سفر - وإن قلَّت مسافته - إلا مع ذي محرم، و(التَّنعِيم): أدنى الحل.\n_________\n(^١) ينظر: المبسوط للسرخسي: ١/ ٢٧، معالم السنن: ٢/ ١٦٤، اختلاف الأئمة العلماء: ١/ ٢٨٢.\n(^٢) اللفظ لأبي داود: ١٩٠٥.\n(^٣) اللفظ لأحمد: ٢٥٣٠٧، وعند مسلم: (فأردفني فأعمرني …).\n(^٤) رواية مسلم: (أمسكت عنها)، وعند البخاري: ٣١٦: (نَسَكت)، وعند أحمد: ٢٦٣٤٥ - ٢٦٠٨٦: (تركت/ فاتتني)، وروي كذلك بلفظ المؤلف وألفاظ أخرى، ينظر: مشارق الأنوار: ٢/ ٢٧.","vol":"1","page":221},{"text":"و(لَيلَةُ الحَصبَةِ): ليلة ينفر الناس من منى، وقولها: إن النبي ﷺ: (أَفَرَدَ الحَجَّ) أي: أفرده عن العمرة بذكر التلبية.\n* * *\n\n[١٢٠] وقول جابر ﵁: (أَمَرَ النَّبِي ﷺ أَن يُحِلَّ [من] لَم يَكُن مَعَهُ هَديٌ) (^١) هذه سنة رآها النبي يا بغير علة.\n* * *\n\n[١٢١] وقول جابر: (أَهلَلنَا بِالحَجِّ خَالِصًا) (^٢) أي: أفردنا ذكر الحج في التلبية من العمرة، وقول النبي ﷺ: (المُتْعَةُ لِلْأَبَدِ) (^٣) أي: جائزة على الأبد، وقول علي ﵁: (أَهْلَلتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ) (^٤) فيه دليل أن الحج والعمرة مخصوصان بعللهما، إذ سائر الفرائض لا يجوز أداؤها إلا إذا نُويت بأعيانها، وجاز تعليق الإحرام بما لم يدر كيفيته، ولم يكن واقعا على صورته، ثم تم على إحرامه مؤديا لتوابعه على بيان النبي ﷺ.\nوالذين كانوا أفردوا الحج ففسخوه بالعمرة قضوا العمرة، ثم ابتدأوا الحج محرمين به يوم التروية.\nوقوله: (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا سَهْلًا، إِذَا هَوِيَتِ الشَّيءَ تَابَعَهَا عَلَيْهِ) أي: إذا أحبت عائشة ﵂ الشيء وأرادته وافقها عليه، وقوله: (أَمَرَنَا أَن نُفْضِيَ إِلَى نِسَائِنَا) أي: أن نصيب من نسائنا، وقوله: (فَقُلْنَا: حِلُّ مَاذَا؟) أي: نحل من\n_________\n(^١) أخرجه برقم: ١٢١٣، وأخرجه أبو داود برقم: ١٧٥٨، وفي الأصل: (بمن) بدل: (من).\n(^٢) أخرجه برقم: ١٢١٦، وأخرجه البخاري برقم: ٢٥٠٥.\n(^٣) لم يرد بهذا اللفظ، لكن سئل النبي ﷺ: (ألعامنا هذا أم لأبد؟ فقال: لأبد).\n(^٤) لفظ البخاري: ١٧٨٥.","vol":"1","page":222},{"text":"ماذا؟، (قَالَ الحِلُّ كُلُّهُ): أي: تحلون من كل شيء حرم عليكم.\nوقوله: (أَحسُرُ عَن عُنُقِي) (^١) أي: أكشف عن عنقي، وقوله: (فَيَضرِبُ رِجلِي بِعِلَّةِ الرَّاحِلَةِ) تعني عبد الرحمن بن أبي بكر؛ يشير إليها ألا تكشف عن عنقها، فيضرب رجلها بعلة ضرب الراحلة.\n\n<span data-type='title' id=toc-119>ومن باب حجة النبي ﷺ</span>\n[١٢٢] (فَقَامَ فِي سَاجَةٍ) (^٢) الساجَة: الطَّيلَسان، وقوله: (مُلتَحِفًا بِهَا) أي: متغطيا بها.\nوفي هذا الحديث دليل الرغبة في طلب العلم، وجواز رواية الأعمى، ودلالة أن وقت الحج متراخ، ومنها: إفراد الحج لمن أراده.\n(والمِشجَبُ): عيدان تجمع ثم تشد فتُنصب، أي: يغرز بعضها في بعض؛ فتوضع عليه الثياب، وقوله: (اعْتَسِلِي، وَاسْتَذفِرِي بِثَوبٍ) (^٣) وفي رواية: (واستَغفِرِي) (^٤) قيل: الاستثفار: يحتمل أن يكون مأخوذا من ثفْر الدابة، تشده كما يشد الثَّفْر تحت الذَّنَب، ويحتمل أن يكون مأخوذا من الثفر؛ أريد به الفرج، وإن كان أصله للسباع ثم استعير، يقال: استثفر الكلب؛ إذا أدخل ذنَبه بين رجليه،\n_________\n(^١) حديث عائشة السالف.\n(^٢) أخرجه برقم: ١٢١٨، وأخرجه أبو داود: ١٩٠٥، بلفظ: (نساجة)، قال القاضي ﵀: (الساجة: ثوب كالطيلسان وشبهه، وكذا في رواية الجمهور وهو الصواب، وعند الفارسي: نساجة، وفى كتاب ابن عيسى: نساجة، وكذا رواه أبو ذر: نساجة، وقال: تعنى ثوبا ملففا، وكذا قال بعضهم وهو خطأ وتصحيف) الإكمال: ٤/ ٢٦٦.\n(^٣) رواية أبي داود: ١٩٠٥.\n(^٤) وهي رواية مسلم.","vol":"1","page":223},{"text":"ثم يقال: استثفر الرجل إذا أدخل ذيله بين رجليه، ومنه حديث ابن مسعود ﵁: (فَإِذَا نَحنُ رِجَالٌ طِوالٌ مُستَثفِرين) (^١).\nوفي الحديث أنه أمر المستحاضة أن تستثفِر وتتلجَّم، هو أن تشدَّ فرجها بخِرقة عريضة توثق طرفيها في خيط تشده على وسطها؛ بعد أن تحتشي كُرسفا، فتمنع بذلك الدم، وقيل: الاستذفار بالذال بمعنى الاستثفار.\nوقوله: (ثُمَّ رَكِبَ القَصْوَاءَ) والقصواء: اسم ناقة النبي ﷺ، وهي التي قُطع طرف أذنها، وفي الحديث دلالة على إفراد الحج لمن أراده.\n[وقوله: (تَمَتَّعَ رَسُولُ ﷺ) أي: أمر به أمرا، (وَتَمَتَّعْنَا مَعَهُ) أي: فعلا، وتأويل نهي عمر ﵁ عن المتعة (^٢) أن الله قال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لله﴾ [البقرة: ١٩٦]، وأن الذي أمر به النبي ﷺ من المتعة كان مخصوصا؛ وقد ارتفع حكمه، وقيل: لم ينه عنها نهي تحريم، ولكنه كرهه لما خاف من مواقعة النساء في الإحرام] (^٣).\nوقوله: (فَرَقَى عَلَيْهِ) لغة قليلة، واللغة الفصحية: (فَرَقِيَ عَلَيهِ) بكسر\n_________\n(^١) يساق هذا الحديث شاهدا من الشواهد في القواميس والمعاجم، وله ألفاظ مختلفة، منها ما رواه الطبراني في المعجم الكبير ٢٥١، والشاشي في مسنده ٥٢: عن الزبير بن العوام في قصة لقاء النبي ﷺ الجن، وفيها قال: (فإذا رجال طوال كأنهم الرماح، مستذفرين ثيابهم)، وقريب منها رواية ابن مسعود بلفظ: (رأيتهم مستثفرين بثياب بعض) المطالب العالية ٣٧٦٧.\n(^٢) روي مسلم ١٢٤٩: عن أبي نضرة قال: كنت عند جابر بن عبد الله فأتاه آت فقال: إن ابن عباس وابن الزبير اختلفا في المتعتين، فقال جابر: (فعلناهما مع رسول الله ﷺ، ثم نهانا عنهما عمر، فلم نعد لهما).\n(^٣) هذا المقطع من كلام المؤلف متعلق بالباب الذي يأتي بعد: (باب الجمع بين الحج والعمرة).","vol":"1","page":224},{"text":"القاف، وقوله: (حَتَّى انصبَّت قَدَمَاهُ) الانصباب: الانحدار.\n\n[١٢٣] وفي الحديث دليل أن القوم كانوا حِراصا على أن يأخذوا عن النبي ﷺ هديه وسنته، وفيها سنة الرمَل وهو: الخَبب في الطواف، ومنها تثبيت أمر المتعة، وفيها دليل أن العمرة فرض لقوله: (دَخَلَت العُمرَةُ فِي الحَجِّ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ) (^١)، ومنها: إبطال أفعال الجاهلية، ومنها تحريم الربا ووضعه، ومنها: إثبات حق الزوجة على زوجها، وقوله: (فَإِنَّكُم أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاستَحلَلْتُم فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ)، يعني: بأمر الله، وقوله: (غَيرَ مُبَرِّحٍ) أي: غير شديد.\nومنها مباشرة ذبح الضحايا، وجواز الأكل منها إذا كان تطوعا، و(حبل الْمُشَاةِ): طريق في الرمل، وقوله: (حَتَّى غَابَ القُرص) أي: قرص الشمس، وقوله: (شَنَقَ لِلقَصَوَاءِ الزَّمَامَ) يقال: شنق الرجل بزمام ناقته؛ إذا فعل بها ما يفعل الفارس بفرسه.\nوقوله: (لَيُصِيبُ مَورِكَ رَحلِهِ) الوَرِك ما فوق الفخذ، وجلس متورِّكا أي: ألصق ورِكه بالأرض، وفي الحديث (^٢) أن يسجد الرجل متوركا؛ هو: أن يرفع ورِكه حتى يفحش في ذلك، وقيل: هو أن يلصق وركه بعقبيه في السجود، وقيل: المورك: ثوب أو شيء يكون بين يدي الرحل؛ يضع الرجل رجليه عليها، وهي المَورِكة أيضا، يقال: ورك عليها وورَّك بالتشديد والتخفيف.\nوقوله: (أَيُّهَا النَّاسُ السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ) السكينة: السكون، وهو نصب على\n_________\n(^١) حديث ابن عباس: رواه مسلم برقم: ١٢٤١، وأبو داود: ١٧٩٠.\n(^٢) يشير إلى ما رواه أحمد: ١٣٤٣٧: عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن الإقعاء والتورك في الصلاة.","vol":"1","page":225},{"text":"الإغراء، أي: الزموا السكينة، وقوله: (أَرضَى لَهَا قَلِيلًا) يعني أرخى للناقة زمامها إرخاء قليلا، وقوله: (حَتَّى أَتَى المُزدَلِفَةَ) ازدلف الرجل: أي: تقدم، ومزدلفة معناه: مزدلف فيها، كما يقال: ليل نائم أي: ينام فيه، قيل سميت بذلك لاقتراب الناس إلى منى بعد الإفاضة، والزُّلفى القربى، وعقبة زَلوف طويلة.\nوقوله: (مَرَّت ظَعُنٌ يَجرِينَ) أي: نساء يسرن، الظَّعينة: المرأة، والظُّعُن جمع، وقوله: (وَكَانَ رَجُلًا حَسَنَ الشَّعرِ أَبيض وَسِيمًا) الوسيم الجميل، والوسامة الحُسن، وقوله: (عَلَى حِمَارٍ عُريٍ) أي: لا إكاف عليه ولا شيء، وقوله: (يَدفَعُ بِهِمْ أَبُو سَيَّارَةَ) أي: يتقدمُهم ويدلُّهم على السير والدفع.\n\n<span data-type='title' id=toc-120>ومن باب الإفاضة</span>\n[١٢٤] (وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ الْحُمْسَ) (^١) الحُمس: جمع أحمس، وهو الشديد في دينه.\n* * *\n\n[١٢٥] وقوله: (رُوَيدَكَ بَعض فُتِيَاكَ) (^٢) الكاف للخطاب، و(بعضَ) نصب مفعول (رويد)، وهو هاهنا اسم الفعل، والمعنى: أروِد بعض فتياك، أي: كُفَّ بعض فتياك، وأمسك عن بعض فتياك، وقوله: (مَن كُنَّا أَفَتَيَنَاهُ فُتِيَا) فتيا: لا ينصرف لأنه فُعلى، وفيه لغة أخرى: (فتوى) بفتح الفاء والواو، وقوله: (فَليَتَّئِد) اتأد: افتعل من التُّؤَدة، وهو السُّكون، وقوله: (فَبِهِ فَائتَمُّوا) أي: فيه فاقتَدُوا، وقوله: (أَنْ تظَلُّوا مُعرِسِينَ بِهِنَّ)؛ يقال: عرس فلان بأهله: إذا بنى بها وغشيها.\n_________\n(^١) حديث عائشة: أخرجه برقم: ١٢١٩، وأخرجه البخاري: ٤٥٢٠.\n(^٢) حديث أبي موسى: أخرجه برقم: ١٢٢١، وأخرجه البخاري: ١٥٥٩.","vol":"1","page":226},{"text":"[١٢٦] وقوله: (فَعَلْنَاهَا وَهَذَا يَومَئِذٍ كَافِرٌ بِالْعُرُش) (^١) قيل: يعني: بيوت مكة، أي: كافرا ذلك الوقت، ومقيما بالعُرُش يعني: بمكة، وسماها عُرُشا لأن أكثر بيوتها مُعرَشة بالخشب.\n\n<span data-type='title' id=toc-121>ومن باب الجمع بين الحج والعمرة</span>\n[١٢٧] قوله: (ارتَأَى كُلُّ امرِئٍ، بَعْدُ مَا شَاءَ أَنْ يَرتَئِيَ) (^٢) ارتأى: افتعل من الرأي، وفي رواية: (قَالَ فِيهَا رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ)، وقول عمران بن حصين ﵁: (إِنَّهُ قَد سُلِّمَ عَلَيَّ) أي: سَلَّم علي الملائكة، وهذا من كراماته.\n\n<span data-type='title' id=toc-122>ومن باب ما يفعل من صد عن البيت</span>\n[١٢٨] فيه دليل أن من صد عن البيت وهو محرم، إما بحجة وإما بعمرة؛ فإنه يحل من إحرامه ويرجع إلى بلده، وقوله: (أَشْهِدُكُمْ أَنِّي قَد أَوجَبتُ الْحَجَّ مَعَ الْعُمْرَةِ) (^٣) هذا الإشهاد ليس بواجب؛ فإن النية تكفيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-123>ومن باب الطواف بالبيت والسعي قبل الوقوف بعرفة</span>\n[١٢٩] قوله: (قَد أَفتَنَتهُ الدُّنيا) (^٤) أفتن لغة قليلة، واللغة الفصيحة: فتن (^٥).\n* * *\n_________\n(^١) حديث سعد بن أبي وقاص: أخرجه برقم: ١٢٢٥، وأخرجه البخاري برقم: ١٥٥٩.\n(^٢) حديث عمران بن حصين: أخرجه برقم: ١٢٢٦، وأخرجه ابن ماجة برقم: ٢٩٧٨.\n(^٣) حديث ابن عمر: أخرجه برقم: ١٢٣٠، وأخرجه البخاري برقم: ٤١٨٤.\n(^٤) حديث ابن عمر: أخرجه برقم: ١٢٣٣، وأخرجه النسائي برقم: ٢٩٢٩.\n(^٥) قال القاضي عياض في الإكمال ٤/ ٣١١: (قد أفتنته الدنيا: كذا لجميعهم، وعند الهوزني: فتنته، وهما لغتان صحيحتان عندهم، وأنكر الأصمعي: أفتنته).","vol":"1","page":227},{"text":"<span data-type='title' id=toc-124>ومن باب من أهل بالحج ولا يحل حتى يتم حجه ولا ينقض حجه بعمرة</span>\n[١٣٠] حديث عروة بن الزبير: قال: (فَإِنَّهُ قَد كَذَبَ) (^١)، أي: قد أخطأ.\n\n<span data-type='title' id=toc-125>ومن باب فسخ الحج في العمرة</span>\n[١٣١] حديث أسماء ﵂: (كُلَّمَا مَرَّت بِالْحَجُونِ) (^٢) الحجون: موضع: بمكة، وقولها: (خِفَافُ الْحَقَائِبِ): هي جمع الحقيبة، وهي مثل العيبة (^٣)؛ يضع فيها الرجل ثيابه، ويجعلها خلف ظهره إذا ركب، وقوله: (قَلِيلٌ ظَهْرُنَا) يعني: الدواب.\n\n<span data-type='title' id=toc-126>ومن باب الإشعار والتقليد والتقصير</span>\n[١٣٢] (الإشعار) (^٤): أن تطعن في سَنام البَدَنة بمبضع أو غيره من الحديد؛ حتى يسيل الدم، وقوله: (وَسَلَتَ الدَّمَ) أي: مسحه، وقوله: (وَقَلَّدَهَا) وهو أن يقلدها خُربة القربة، وهي عروتها، أو نعلين أو غير ذلك من الجلود.\n* * *\n\n[١٣٣] و(التقصير) (^٥): أن يأخذ من أطراف الشعر بدل الحلاق، و(المشقص): نصل عريض، وقد يكون محددا يجزُّ الشعر به، قيل: قصر في عمرته يوم فتح مكة،\n_________\n(^١) حديث ابن عمر: أخرجه برقم: ١٢٣٥، وأخرجه البخاري برقم: ١٦١٤.\n(^٢) أخرجه برقم: ١٢٣٧، وأخرجه البخاري: ١٧٩٦.\n(^٣) العيبة: الوعاء الذي يُجعل فيه الشيء النفيس من الثياب.\n(^٤) حديث ابن عباس: أخرجه برقم: ١٢٤٣، وأخرجه أبو داود: ١٧٥٢.\n(^٥) حديث ابن عباس: أخرجه برقم: ١٢٤٦، وأخرجه البخاري: ١٧٣٠.","vol":"1","page":228},{"text":"ثم حلق في حجة الوداع، وقوله: (تَشَعَّفَت بِالنَّاسِ أو تَشَعَّبَت بِالنَّاسِ) أي: استحقتهم وذهبت بهم، من قوله: (قَدْ شَعَفَهَا حُبًّا) (^١) أي: ذهب بقلبها، ويجوز بالغين المعجمة (^٢)، وتشعَّبت بهم أي تفرقت بهم، وتفشَّعت فيهم أي: انتشرت فيهم، قال ساعدة الهذلي:\nهَجَرَت غَضُوبُ وَحُبَّ مَن يَتَجَنَّب … وَعَدَت عَوَادٍ دُونَ وَلْيكَ تَشْغَبُ (^٣)\nوروي (يشْعَبُ) بالعين المهملة، وروي (وحب) بفتح الحاء، والمعنى تركت هذه المرأةُ مكالمتنا ومحادثتنا وتجنَّبَتنا، ولقد حُبِبَ من يَتجنَّب، و(عَدت عَوادٍ) أي: صرفت صوارفُ (دون وَلْيِك) أي: دون قربِكِ أي: إن تلك العوادي قصرت عن الوَلْيِ؛ فلم تمتلكه ولم تبلغ مرادها منه.\nقيل: حبَّ؛ أصله حَبُبَ، ولم يأت عن العرب (فَعُل) مضعَّفًا إلا في أربعة أحرف (^٤): حَبُبتَ ولَبُبتَ وشَرُرتَ (^٥) ودَمُمتَ، وقوله: (من يتجنب) في موضع الفاعل لحَبَّ، وقيل حُبَّ مما نُقِلَ فيه الحركة من العين إلى الفاء، قال:\nوحُبَّ بِهَا مَقْتُولَة حين تُقْتَلُ (^٦)\n_________\n(^١) قراءة شاذة للآية: ٣٠ من سورة يوسف، قرأ بها الحسن البصري وأبو رجاء.\n(^٢) (تشغفت): وهي الرواية الأثبت التي عليها عامة الرواة والشراح، قال القاضي عياض: (روايتنا فيه هنا في الحرف الأول: تشغفت بالشين والغين المعجمتين، وبعدهما الفاء أخت القاف) الإكمال ٤/ ٣٢٣.\n(^٣) القائل ساعدة بن جؤية الهذلي، ينظر أمالي القالي: ٢/ ٢٢٩٦، تهذيب اللغة: ٨/ ٥٦، جمهرة الأمثال: ١/ ٣٨٣.\n(^٤) ينظر المنصف لابن جني: ٢٤٠.\n(^٥) كتبت في الأصل على ما يشبه: (شربت).\n(^٦) عجز بيت للأخطل، يمدح به خالد بن عبد الله بن أسيد، وصدره: (فقلت اقتلوها عنكم بمزاجها)،=","vol":"1","page":229},{"text":"وقيل: حببته فهو محبوب، وقوله: (حُبَّ) فعل: وهو فعل ما لم يسمَّ فاعله وأما (الشَّعْب) قيل: هو الإصلاح، وقيل: هو التفريق، قال:\nوإذا رأيت المرءَ يَشْعَبُ أَمْرَه … شَعْبَ العَصا ويلح في العِصْيانِ (^١)\nأي: إذا رأيته يفارق الجماعة، لأن (العصا) يراد به الجماعة، فمعنى البيت: تَشَعَّب أي: تفرق.\nومن رواه (^٢) بالغين المعجمة فالمعنى: أن تلك العوادي تدفع عن ورودها، فهي تكر بشغب، قال أهل اللغة: الشَّغْب: تهييج الشر، قال أبو عبيد: شغَبت على القوم وشغَبتهم وشعبت بهم (^٣).\nوشعفَه الحب كأنه غشي قلبه من فوق، وقوله: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ [يوسف: ٣٠] أي: بلغ الحب شغاف قلبها، وأما (الفشْغ) يقال: انفشخ الشيء وتفشَّغ أي: انتشر، وتفشَّغ فيه الشيب ظهر، وأفشَغْتُ الرجل بالسوط إذا ضربته به.\n* * *\n_________\n= ينظر: الأغاني: ١/ ٢٢٦، رسالة الغفران للمعري: ١٠٢، شرح المعلقات للزوزني: ٤٧.\n(^١) البيت لعلي بن الغدير الغنوي، ينظر البيان والتبيين: ٣/ ٥٥، أمالي القالي: ٢/ ٣١٢، تهذيب اللغة: ١/ ٢٨١.\n(^٢) يقصد بيت ساعدة الهذلي.\n(^٣) مجمل اللغة لابن فارس: ٥٠٦.","vol":"1","page":230},{"text":"<span data-type='title' id=toc-127>ومن باب من طاف بالبيت فقد حل</span>\n[١٣٤] كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁ يَقُولُ: (لَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ حَاجٌّ وَلَا غَيْرُ حَاجٍّ إِلَّا حَلَّ)، قَالَ ابن جُرَيج: قُلْتُ لِعَطَاءٍ مِنْ أَيْنَ يَقُولُ ذَلِكَ؟ قَالَ: مِنْ قَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]، قُلْتُ: فَإِنَّ ذَلِكَ بَعْدَ الْمُعَرَّفِ، فَقَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁ يَقُولُ: (هُوَ بَعْدَ الْمُعَرَّفِ وَقَبْلَهُ)، وَكَانَ يَأْخُذُ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَحِلُّوا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ (^١).\nقوله: (بَعْدَ الْمُعَرَّفِ) أي: بعد الوقوف بعرفة.\n\n<span data-type='title' id=toc-128>ومن باب الإهلال بالعمرة والحج</span>\n[١٣٥] حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُهِلَّنَّ ابْنُ مَرْيَمَ بِفَجِّ الرَّوْحَاءِ، حَاجًا أَوْ مُعْتَمِرًا، أَوْ لَيَثْنِيَنَّهُمَا) (^٢) الإهلال: رفع الصوت بالتلبية، وقوله: (أَوْ لَيَثْنِيَنَّهُمَا) أي: أو ليَجمَعنَّ بين الحج والعمرة، قيل: هذا عند نزوله ﷺ من السماء.\n\n<span data-type='title' id=toc-129>ومن باب ذكر عدد عُمَر النبي ﷺ</span>\n[١٣٦] في أحاديث الباب (^٣): دليل أن العمرة لا وقت لها؛ فمتى شاء الإنسان أن يعتمر في أي وقت من السنة جاز.\nوالعمرة في اللغة: القصد، يقال: اعتمر أي: قصد، قال:\n_________\n(^١) أخرجه برقم: ١٢٤٥، وأخرجه البخاري: ٤٣٩٦.\n(^٢) أخرجه برقم: ١٢٥٢، وأخرجه أحمد: ٧٢٧٣.\n(^٣) أخرجها تحت أرقام: ١٢٥٣ - ١٢٥٤ - ١٢٥٥، عن أنس، وزيد بن أرقم، وابن عمر.","vol":"1","page":231},{"text":"لقد سَمَا ابْنُ مَعمَرَ حِينَ اعْتَمَر … مَغزى بعيدا من بعيدٍ وَضَبَر (^١)\nابن معمر: هو عمر بن عبيد الله بن معمر كان أحد الأمراء من التابعين، غزا ففُتح عليه، فقال فيه هذا الشاعر يمدحه يقول: ارتفع شأنه وسما ذكره؛ حين قصد هذا المكان، وغزا هؤلاء القوم من مكان بعيد في مدة يسيرة، و(ضبر): أي: وثب وثْبا سريعا.\nقال صاحب المجمل (^٢): الاعتمار في الحج: أصله الزيارة، قال الشاعر وذكر فلاة:\nيُهلُّ بالفَرْقَدِ رُكْبَانُهَا … كَمَا يُهِلُّ الرَّاكِبُ المُعْتَمِرْ (^٣)\nيعني الزائر للبيت، وأما قول الآخر:\nوَرَاكبٌ جاءَ مِنْ تَثْلِيثَ مُعْتَمِرًا (^٤)\nقيل: المعتمر: المعتم، ويقال: إن العمار: الريحان، قال الأعشى:\nفلمَّا أتانا بُعَيْدَ الْكَرَى … سَجَدْنا له ورفعنا العَمَارا (^٥)\nوقيل: وراكب معتمر جاء من هذا المكان.\n_________\n(^١) البيت للعجاج التميمي أبي الشعثاء يمدح به ابن معمر القرشي، ينظر: معجم ديوان الأدب: ٢/ ١٥٦، تهذيب اللغة: ٢/ ٢٣٣، شرح ديوان المتنبي للعكبري: ٣/ ٢١١.\n(^٢) مجمل اللغة: ٦٢٩.\n(^٣) البيت لعمرو بن أحمر يصف مفازة لا يهتدى فيها ينظر: الحيوان: ٢/ ٢٧٠، معجم ديوان الأدب: ٣/ ١٦٤، شرح القصائد السبع الطوال: ١٥٦.\n(^٤) لأعشى باهلة، سبق توثيقه في مطلع كتاب الحج.\n(^٥) ينظر: المعاني الكبير: ١/ ٤٦٧، الأمثال لابن سلام: ٣٨٠، معجم ديوان الأدب: ١/ ٣٧٩.","vol":"1","page":232},{"text":"<span data-type='title' id=toc-130>ومن باب ذكر الدليل على أن النبي ﷺ لم يحج بعد الهجرة إلا حجة واحدة</span>\n[١٣٧] حديث زيد بن أرقم: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ غَزَا تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً، وَحَجَّ بَعْدَ مَا هَاجَرَ حَجَّةً لَمْ يَحُجَّ غَيْرَهَا) (^١)، وفي رواية قال أبو إسحاق: (وَبِمَكَّةَ أُخْرَى)، يعني حجة أخرى بمكة.\n\n[١٣٨] وقوله: (لَنَسْمَعُ ضَرْبَهَا بِالسِّوَاكِ تَسْتَنُّ) (^٢) أي: تستاك، وقوله: (أَيْ أُمَتَاهُ) يعني: أي أمي، كما تقول: يا أبتاه أي: يا أبي.\n* * *\n\n[١٣٩] وقوله: (وَتَرَكَ لَنَا نَاضِحًا نَنضِحُ عَلَيْهِ) (^٣) أي: نستقي عليه، والناضح: البعير الذي يُستقى عليه.\nوفي اقتصار النبي ﷺ على حجة واحدة دليل على أنه أراد بذلك الترفيه على أمته، إذ لو حج كل عام لتأولوا أن الواجب عليهم أكثر من حجة واحدة، وفي سؤالهم عائشة ﵂ عن العمرة بيان أن الجِدِّ في العلم وطلبه؛ والبحث عنه لازم، وفي قوله: (مَا مَنَعَكِ أَنْ تَحُجِّي مَعَنَا؟) دليل على أن الحثَّ على فعل الخير واجب، وفي قوله: (عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةٌ) دليل أن للعمل في رمضان فضلًا على العمل في غيره، وفي قولها: (وَتَرَكَ لَنَا نَاضِحًا نَنْضِحُ عَلَيْهِ) دليل على معاونة المرأة الزوجَ في أمر المعيشة.\n_________\n(^١) أخرجه برقم: ١٢٥٤، وكذلك البخاري: ٤٤٧١.\n(^٢) في الأصل: (أسمع وضربها)، وليس هذا في ألفاظ الحديث، ولا هو ظاهر المعنى، والحديث أخرجه مسلم برقم: ١٢٥٥.\n(^٣) حديث ابن عباس: أخرجه برقم: ١٢٥٦، وكذلك البخاري: ١٧٨٢.","vol":"1","page":233},{"text":"<span data-type='title' id=toc-131>ومن باب ذكر دخول النبي ﷺ مكة</span>\n[١٤٠] قوله: (دَخَلَ عَامَ الْفَتْحِ مِنْ كَدَاءٍ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ) قال هشام: (وَكَانَ أَبِي يَدْخُلُ مِنْهُمَا كِلتَيهِمَا) (^١).\n* * *\n\n[١٤١] وفي رواية ابن عمر ﵁: (كَانَ يَخرُجُ مِن طَرِيقِ الشَّجَرَةِ) (^٢) يعني يخرج من المدينة، وقوله: (ويَدخُلُ مِن طَرِيقِ الْمُعَرَّسِ) وفي رواية زهير: (دَخَلَ مِنَ الثَّنِيَّةِ العُلْيَا الَّتِي بِالبَطْحَاءِ، وَيَخْرُجُ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى)، قال هشام: (وَكَانَ أَبِي أَكْثَرَ مَا يَدخُلُ مِنْ كَدَاءٍ).\n* * *\n\n[١٤٢] وفي رواية ابن عمر ﵁: (بَاتَ بِذِي طَوًى حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ دَخَلَ مَكَّة) (^٣) وفي رواية: (كَانَ يَنزِلُ بِذِي طَوًى وَيَبِيتُ بِهِ حَتَّى يُصَلِّيَ الصُّبحَ) قيل: إنما فعل ذلك ليكون أروح نفسا؛ وأفرغ للطواف، وفي دخوله مكة من الثَّنية العليا التي بالبطحاء ويخرج من الثنية السفلى: دليل على أنه كان يرجو بذلك بركة مكة وخيَرها، وقيل: أراد أن يُعلم أن الدخول إليها من أي الطرق كان جائزا.\n* * *\n\n[١٤٣] وفي قوله: (اسْتَقْبَلَ فُرْضَتَي الْجَبَلِ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَبَلِ الطَّوِيلِ «^٤)، الفُرْضَة: الطريق والمَشْرَعة، وقوله: (عَلَى الْأَكَمَةِ السَّوْدَاءِ) الأَكَمة:\n_________\n(^١) حديث عائشة: أخرجه برقم: ١٢٥٨، وأخرجه البخاري: ١٥٧٨.\n(^٢) أخرجه برقم: ١٢٥٧، وأخرجه البخاري: ١٥٣٣.\n(^٣) أخرجه برقم: ١٢٥٩، وأخرجه البخاري: ١٥٧٤.\n(^٤) حديث ابن عمر: أخرجه برقم: ١٢٦٠، وأخرجه البخاري: ٤٩٢.","vol":"1","page":234},{"text":"الرَّابية، وهي المكان المرتفع، وفي الحديث دليل أنه إذا صلى في أي ناحية كان أجزأته؛ إذا كان متحرِّيا للقبلة.\n\n<span data-type='title' id=toc-132>ومن باب المشي في الطواف والسعي في بطن المسيل</span>\n[١٤٤] حديث: (أَنَّ الْحُمَّى وَهَنَتْهُم) (^١) أي: أضعفتهم في الحديث دليل على أن النبي ﷺ كان يجتهد بكل ما يمكن ما يغيظ الكفار، وكان دخل مكة على موادعة بينه وبين أهلها (^٢)، وكان السبب في الرمل ما أبان عنه ﷺ ثم بقي سُنَّة، وقوله: (لَيسَت بِسُنَّة) (^٣) أي: ليست بواجبة وجوبَ السُّنة في باب الفدية، ولو وجب كوجوبها كان في تركه الفدية.\nوفي الحديث دلالة على إظهار الجَلَد والقوة عند ملاقاة العدو في حرب وغيره، و(الأَشْوَاط): الطوفات، يقال: عدا شوطا أو شوطين.\n* * *\n\n[١٤٥] وقوله: (خَبَّ) (^٤) أي: أسرع، وقوله: (كَذَبُوا) أي: غلطوا.\n* * *\n\n[١٤٦] وقوله: (كَانُوا لَا يُدَعُّونَ عَنْهُ) (^٥) أي: لا يدفعون ومنه قوله ﷿: ﴿الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ [الماعون: ٢] أي: يدفعه، وقوله: (يُكْهَرُونَ)، يقال: كَهَره إذا زجره.\n_________\n(^١) حديث ابن عباس: أخرجه برقم: ١٢٦٦، وأخرجه البخاري: ١٦٠٢.\n(^٢) في عمرة القضاء، وكان ذلك بموجب صلح الحديبية.\n(^٣) رواه أبو داود: ١٨٨٥، ولفظه: (ارملوا بالبيت - ثلاثا - وليس بسنة).\n(^٤) حديث ابن عمر برقم: ١٢٦١.\n(^٥) حديث ابن عباس برقم: ١٢٦٥.","vol":"1","page":235},{"text":"[١٤٧] و(العَوَاتِقُ) (^١): جمع العاتق وهي الجارية التي لم تخرج من بيت أبيها إلى بيت زوجها.\n\n<span data-type='title' id=toc-133>ومن باب استلام الحجر والركن اليماني</span>\n[١٤٨] حديث عبد الله بن عمر ﵁: (لَم أَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمسَحُ مِنَ الْبَيتِ، إِلَّا الرُّكنَيْنِ الْيَمَانِيَين) (^٢)، اليمانيين: بالتخفيف تثنية يمان، والنسبة إلى اليمن يمني، إلا أنه حذفت إحدى ياءي النسب وأتي بالألف عوضا منه ونحوه شآم وتهام، وإنما قيل: الركن اليماني لأنه من جانب اليمن (^٣).\n* * *\n\n[١٤٩] وفي حديث عمر ﵁: (لَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قبَّلتُكَ) (^٤) فيه من الفقه أن سنن النبي ﷺ يؤتى بها كما سنَّها وفعلها؛ ما لم ينسخها بغيرها؛ أو يتركها الخلفاء ﵃ بعده لشيء علموه في ذلك.\n* * *\n\n[١٥٠] وقوله: (رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِكَ حَفِيًّا) (^٥) الحَفِيُّ: المستقصي أي: كان يبالغ ويستقصي في استلامك وتقبيلك، قال أهل اللغة (^٦): أحفى بصاحبه\n_________\n(^١) حديث ابن عباس برقم: ١٢٦٤.\n(^٢) أخرجه برقم: ١٢٦٧، ورواه البخاري برقم: ١٦٠٩.\n(^٣) جاء في لسان العرب: (وقولهم: رجل يمانٌ منسوب إلى اليمن كان في الأصل يمنيٌّ، فزادوا ألفا وحذفوا ياء النسبة، وكذلك قالوا: رجل شآم، كان في الأصل شأمي، فزادوا ألفا وحذفوا ياء النسبة، وتهامة كان في الأصل: تَهَمَةَ فزادوا ألفا وقالوا تهام) ١٣/ ٤٦٤.\n(^٤) أخرجه برقم: ١٢٧٠، ورواه البخاري برقم: ١٥٩٧.\n(^٥) حديث عمر: أخرجه برقم: ١٢٧١، ورواه النسائي ٢٩٣٦.\n(^٦) الغريبين في القرآن والحديث: ٢/ ٤٦٨.","vol":"1","page":236},{"text":"وتحفى به وحفي به إذا بالغ في بره، وفي حديث عمر ﵁: (فَأَنْزَلَ أُوَيْسَ القَرَنِي فَاحْتَفَاهُ وَأَكْرَمَهُ) (^١)، احتفاه أي بالغ في إلطافه ومسألته، وفي حديث علي: (أَنَّ الأَشْعَثَ سَلَّمَ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيْهِ بِغَيْرٍ تَحَفٍّ) (^٢)، وقيل في التفسير: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٧]، أي: كأنك فرح بسؤالهم عنها، وقال مجاهد (^٣): كأنك استحفَيت عنها السؤال حتى علمتها: أي: أكثرت المسألة عنها، و(الأُصَيلِع): تصغير الأصلع.\nوفي الحديث دليل أن الأخبار بعضها تعبُّد وبعضها يعلم علته، ولا يطلب لها علل إلا إذا كشفت عن عللها و(الاستِلَام): افتعال من السِّلام وهي الحجارة، وقيل: افتعال من السَّلام وهي التحية، قال أهل اللغة: استلمت الحجر إذا لمَسْته (^٤).\n* * *\n\n[١٥١] وفي حديث جابر: (يَستَلِمُ الحَجَرَ بِمِحْجَنهِ) (^٥)، المحجن: خشبة في طرفها انعقاف: أي اعوجاج، وقوله: (عَلَى رَاحِلَتِهِ) لأنْ يراه الناس، (ويستشرف) (^٦) يستشرف أي: يُشرف على الناس، وقد يكون الاستشراف بمعنى\n_________\n(^١) حديث وفود أويس على عمر عند مسلم برقم: ٢٥٤٢، وأما هذا اللفظ فإنما يتناقله أهل الغريب والشواهد اللغوية، ينظر الغريبين: ٢/ ٤٦٨، غريب الحديث لابن الجوزي: ١/ ٢٢٥، النهاية: ١/ ٤١٠.\n(^٢) نفس المصادر أعلاه.\n(^٣) تفسير الطبري: ١٣/ ٢٩٩.\n(^٤) الغريب لابن قتيبة: ١/ ٢٢١، الغريبين لأبي عبيد: ٣/ ٩٢٤.\n(^٥) أخرجه برقم: ١٢٧٣، ورواه أبو داود: ١٨٨٠.\n(^٦) المحفوظ: (وليشرف) عند مسلم وغيره.","vol":"1","page":237},{"text":"رفع البصر، يقال: استشرفتَ الشيء إذا رفعت بصرك تنظر إليه، والشَّرف: العُلو، والشَّريف: العالي، والمُشرف: الطويل العظيم من الخيل.\nوقوله: (غَشُوهُ): بضم الشين والتخفيف، وأصله: (غَشِبُوه) على فَعِلُوه بكسر العين، فنقلت ضمَّةُ الياء إلى الشين، وحُذفت الياء لالتقاء الساكنين؛ ومعناه: أتوه، يقال: غَشِيَه الناس أي أتوه، والغشيان من ذلك وهو إتيان الرجل المرأة.\n\n<span data-type='title' id=toc-134>ومن باب إشعار الهدي</span>\n[١٥٢] قوله: (فَأَشْعَرَهَا فِي صَفْحَةِ سَنَامِهَا الأَيْمَنِ، وَسَلَتَ الدَّمَ، وَقَلَّدَهَا) (^١)، يقال: سكتت المرأة خضابها عن يدها إذا مسحته عنها، ويقال: سلَت القصعة أي: مسحها من الطعام، وفي الحديث: (كَانَ يَحْمِلُهُ عَلَى عَاتِقِهِ ويَسْلُتُ خَشَمَه) (^٢) والخشم:: ما سال من الخياشيم، وفي حديث عائشة ﵂: (وسُئِلَت عَن الخِضَاب فَقَالَت اِسْلِتِيهِ وَأَرغِمِيهِ) (^٣) أي: اطرحيه وألقيه في التراب.\nو(الإِشْعَارُ): إشعار الهدي وهو إعلامه، ويقال: أشعره أي طعنه أي يطعن في سنامها ليُعلم أنها بَدَنة إذا سيقت إلى المنحر.\n* * *\n_________\n(^١) حديث ابن عباس: أخرجه برقم: ١٢٤٣، ورواه أبو داود: ١٧٥٢.\n(^٢) من الأحاديث الشواهد في كتب الغريب والمعاجم، ينظر الغريبين ٣/ ٩١٦، غريب الخطابي ٢/ ١١٤، النهاية: ٢/ ٣٥.\n(^٣) رواه البيهقي في الكبرى: ٣٦٤، وابن أبي شيبة في المصنف: ١٢٨٠","vol":"1","page":238},{"text":"<span data-type='title' id=toc-135>ومن باب وجوب السعي بين الصفا والمروة</span>\n[١٥٣] حديث عائشة: (مَا أَتَمَ اللهُ حَجَّ امرِئٍ وَلَا عُمرَتَهُ) (^١) في هذه الأحاديث دلالة على أن السعي بين الصفا والمروة فريضة، إذ قالت عائشة ﵂: (مَا أَتَمَّ اللهُ حَجَّ امْرِئٍ وَلَا عُمَرَتَهُ لَمْ يَسْعَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ) (^٢)، وقولها: (طَافَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَطَافَ الْمُسْلِمُونَ، فَكَانَت سُنَّةً) أي: بيانا أنه عن الله تعالى، و(المشَلَّل) بفتح الشين وتشديد اللام: موضع.\n\n<span data-type='title' id=toc-136>ومن باب الصلاة بمزدلفة والتلبية حين يرمي جمرة العقبة</span>\n[١٥٤] قوله: (غَدَاةَ جَمع) (^٣) يريد بالجمع المزدلفة، وقوله: (الشِّعبَ الأَيسر) يعني: الوادي الذي عن اليسار، وقوله: (الصَّلَاةُ أَمَامَكَ) يعني: سنةَ الصلاة في هذا الموضع بالمزدلفة.\nوفي هذه الأخبار: دلالة أن المحرم إذا رمى جمرة العقبة؛ بعد الوقوف بعرفة بعد الزوال؛ فقد قضى أكثر أعمال الحج، ولذلك ترك التلبية؛ وهي شعار الإحرام بالحج، ولذلك قال العلماء: إن المحرم إذا جامع أهله بعد الوقوف بعرفة؛ وبعد رمي جمرة العقبة أن عليه بَدَنة، ويتم باقي حجه ولا يفسد عليه، وفيها بيان كيفية الدفع من عرفات ومن المزدلفة.\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه برقم: ١٢٧٧، وكذلك البخاري: ١٧٩٠.\n(^٢) الثابت في الرواية: (لم يطف بين الصفا والمروة)، وعند ابن أبي شيبة ١٤٢٠٨: (لم يسع).\n(^٣) حديث أسامة بن زيد: أخرجه برقم: ١٢٨٠، وكذلك البخاري: ١٦٦٩.","vol":"1","page":239},{"text":"[١٥٥] وقوله: (عَلَيْكُم بِالسَّكِينَةِ) (^١) فيه التعليم لحسن الأدب، وقوله: (وَهُوَ كَافٌّ نَاقَتَهُ) يقال: كفَّه: أي: أمسكه، وقوله: (عَلَيكُم بِمِثْلِ حَصَى الخَذْفِ) (^٢) يعني الذي يُرمى بالإصبع.\n\n<span data-type='title' id=toc-137>ومن باب التلبية والتكبير في الغد</span>\n[١٥٦] قوله: (مِنَّا الْمُلَبِّي وَمِنَّا الْمُكَبِّرُ) (^٣) فيه دليل على لزوم الذكر على كل حال.\n* * *\n\n[١٥٧] وقوله: (فَمَا زَالَ يَسِيرُ عَلَى هِينَتِهِ) (^٤) أي: على سَجيَّة مشيه، والهيئة: الفِعلَة من الهوْن، قال صاحب المجمل: الهوْن: السكينة والوقار (^٥)، وقوله: (كَانَ يَسِيرُ العَنَقَ، فَإِذَا وَجَدَ فَجَوَةٌ نَصَّ) (^٦).\nمعنى الأحاديث: أنه كان يسير على حاله وعادته في إفاضته من عرفات، حتى إذا أتى جمعًا، كما في حديث ابن عباس ﵁: (وَإِذَا وَجَدَ فَجَوَةً) أي: متسعا\n_________\n(^١) حديث الفضل بن عباس: أخرجه برقم: ١٢٨٢، وأخرجه النسائي: ٣٠٢٠.\n(^٢) رواه أحمد في مسنده: ١٨٩٦، وعند مسلم: ١٢٩٩، عن جابر قال: (رأيت النبي ﷺ رمى الجمرة بمثل حصى الخذف)، وكذلك: (عَلَيْكُم بِحَصَى الخَذفِ) برقم: ١٢٨٢.\n(^٣) حديث ابن عمر: أخرجه برقم: ١٢٨٤، وأخرجه أبو داود: ١٨١٦.\n(^٤) حديث ابن عباس: أخرجه برقم: ١٢٨٦، وأخرجه أبو داود: ١٨١٦.\nقال القاضي ﵀ في مشارق الأنوار ٢/ ٢٧٤: (فما زال يسير على هِينَته بكسر الهاء، والنونُ مثل ما تقدم، ورواه بعضهم هنا هيئة بفتحها وهمزة والصواب هنا الوجه الأول)، وقال: (كذا ضبطناه عن شيوخنا) ٢/ ٢٧٥.\n(^٥) مجمل اللغة: ٨٩٥.\n(^٦) رواية أسامة بن زيد [بنفس الرقم ١٢٨٦]، وكان أسامة ردف النبي ﷺ في إفاضته من عرفات.","vol":"1","page":240},{"text":"لا زحام فيه، (نَصَّ) أي: حمل ناقته على أقصى ما تقدر عليه، يقال: نصَصْت الناقة: إذا فعلتَ بها ذلك، وأصل الكلمة من الدفع، ومنه المِنَصَّة وهي: ما تُرفع عليه العروس، ونصُّ الخبر من ذلك.\nقيل: حديث أسامة مستقصى، لأنه وصف الحالين، وأنه ﷺ كان يسير على ما اعتادته ناقته من السير إذا كان زحام، فإذا لم يكن زحام؛ حملها على الإسراع.\n\n<span data-type='title' id=toc-138>ومن باب الإفاضة من جمع بليل</span>\n[١٥٨] حديث عائشة ﵂: (اسْتَأْذَنَت سَودَةُ لَيلَةَ المُزدَلِفَةِ، فَدَفَعَت قَبلَهُ، وَقَبلَ حَطَمَةِ النَّاسِ) (^١) الحطمة: الزِّحام، وقولها: (وَكَانَت ثَبِطَةً) تفسيرها في الحديث: قال القاسم: (الثَّبِطَةُ الثَّقِيلَةُ)، وفي رواية: (كَانَت سَودَةُ امْرَأَةً ضَحْمَةً ثَبِطَةً).\nومن الباب الذي قبله: (فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا خَفِيفًا) (^٢)، فيه دليل أن الرجل إذا عجل به أمر؛ فتجوز في العبادة جاز، وفيه دلالة أن الخدمة لأهل العلم محمودة؛ إذا أريد بها وجه الله، وفي قوله: (رَدِفَهُ أُسَامَة) (^٣) استحباب التواضع، وقوله: (أَي هَنتَاه) كناية عن المرأة إذا أُريد ألا تُسمَّى.\n_________\n(^١) حديث عائشة: أخرجه برقم: ١٢٩٠، وأخرجه البخاري: ١٦٨١، واللفظ: عند مسلم: (تدفع قبله ..).\n(^٢) حديث أسامة، سبق تخريجه برقم: ١٢٨٠.\n(^٣) في الحديث أن أسامة ردف النبي ﷺ في الإفاضة من عرفات، وردفه الفضل بن عباس صباح الدفع من مزدلفة.","vol":"1","page":241},{"text":"وقوله: (قَد غَلَّسْنَا) التغليس: السير بالظلام، وقوله: (أَذِنَ لِظُعُنِهِ) والظُّعُن: جمع الظعينة، وسميت المرأة ظعينة؛ لأنها تكون في الهودج، والهودج يسمى الظعينة، وقوله: ﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾ [النحل: ٨٠]، أي: يوم ارتحالكم.\n\n<span data-type='title' id=toc-139>ومن باب تقديم الضعفة</span>\n[١٥٩] الضَّعَفة: جمع ضعيف، وقوله: (بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ثَقَل بِلَيلٍ) (^١) الثقل: آلات المسافر، وقوله: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: ٢]، يعني: ما في بطنها من الموتى؛ لأنها تثْقل بهم، وقيل: ما في بطنها من الكنوز، فالثَّقَل: ما يقدَّم من الأمتعة على الدابة.\n\n<span data-type='title' id=toc-140>ومن باب رمي جمرة العقبة</span>\n[١٦٠] قول عبد الله: (مِن هَا هُنَا، وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، رَمَاهَا الَّذِي أُنزِلَت عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ) (^٢) يعني النبي ﷺ، وإنما خص البقرة لأنها أول القرآن وأطول سورة منه، فكأن القسم أتى على جميع القرآن، وقوله: (فَاستَبطَنَ الوَادِي) أي: أتى بطن الوادي، وقوله: (فَاسْتَعرَضَها) أي: سيَّر ناقته عرضا.\nوقوله: (الاِستِجمَارُ تَوٌّ) يعني: الاستنجاء، والتَّوُّ: الوتر، (وَرَمي الحِمَارِ تَوُّ) أي: وِتر، يقال: جاء فلان توًّا أي قاصرا على العرج على شيء، وفي حديث النخعي: (فَمَا مَضَت إِلَّا تَوَّة حَتَّى قَامَ الأَحْنَفَ مِنْ مَجلِسه) (^٣) أي: إلا ساعة\n_________\n(^١) حديث ابن عباس: أخرجه برقم: ١٢٩٤، واللفظ: بعث بي رسول الله ﷺ بسحر من جمع في ثقل)، وأخرجه البخاري: ١٨٥٦.\n(^٢) حديث ابن مسعود: أخرجه برقم: ١٢٩٦، وأخرجه البخاري: ١٧٤٧.\n(^٣) هي قصة الشعبي مع الأحنف بن قيس، ذكرها الخطابي في غريب الحديث ١/ ١٠٢، نقلا=","vol":"1","page":242},{"text":"واحدة، وقيل التَّوُّ: الحبل يفتل طاقا واحدا، والجمع أتواء، يقال: جاء فلان توَّا أي: وحده، وإذا عقد بإدارة واحدة، يعني: بإدارة الحول، قيل: عقده بتوٍّ واحد.\n\n<span data-type='title' id=toc-141>ومن باب الحلاق والتقصير</span>\n[١٦١] (التقصير) (^١): الأخذ من أطراف الشعر.\n\n<span data-type='title' id=toc-142>وباب الرمي ثم النحر ثم الحلق والبداية في الحلق بالشق الأيمن</span>\n[١٦٢] قوله للحلاق: (هَاء - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ هَكَذَا -) (^٢) قوله: (هاء) (^٣) أي: خذ - بالمد، وفي رواية: (قَالَ لِلحَلاقِ خُذ)، وقوله: (فَوَزَّعَه) أي: قسَّمه، وفي وفي دعاء النبي ﷺ للمحلقين ثلاثا وللمقصرين مرة، لما في الحلق من عظيم الثواب؛ ليستوفي الحاج تمام أجره، والحلق من جلائل أمور النسك، والتقصير جائز ويخرج به من الإحرام، غير أن تضعيف الأجر في الحلق.\nوقسم شعره بين الناس دليل على طهارة الشعور، لأن الخصوص لا يخلو من دليل، وإذا تعرى الخبر من دليل الخصوص فهو على العموم.\n* * *\n_________\n= عن عمر بن شبة، ولعلها القصة التي أسندها الطبري في تاريخه ٦/ ٧٠: وفيها مفاخرة الشعبي لأهل البصرة بمجلس الأحنف بن قيس.\n(^١) يشير إلى حديث ابن مسعود: (اللهم ارحم المحلقين)، أخرجه برقم: ١٣٠١، وأخرجه البخاري: ١٧٢٧.\n(^٢) حديث أنس: أخرجه برقم: ١٣٠٥، وأخرجه أبو داود: ١٩٨١.\n(^٣) في النسخ المطبوعة: (ها) بدون همز، وفي طبعة دار التأصيل كما عند المؤلف.","vol":"1","page":243},{"text":"<span data-type='title' id=toc-143>ومن باب الحلق قبل النحر والنحر قبل الرمي</span>\n[١٦٣] قوله: (وَلَا حَرَجَ) (^١) أي: لا ضيق ولا إثم على فاعله؛ إذ حصل امتثال الفعل؛ وإن وقع التقديم والتأخير.\n\n<span data-type='title' id=toc-144>ومن باب النزول بالمحصب يوم النفر والصلاة به</span>\n[١٦٤] (التَّحصيبُ) (^٢): النزول بالمُحَصَّب وهو الأبطح، ويقال له: الحصبة أيضا.\n* * *\n\n[١٦٥] وقوله: (لَيسَ بِسُنَّةٍ) (^٣) أي: من أراد أن ينزله متبركا بنزوله لنزول رسول الله ﷺ به فله الفضل، ومن ترك النزول به؛ ولم يرد مخالفة فعله فليس بتارك للسنة.\n* * *\n\n[١٦٦] وقوله: (وَكَانَ أَبُو رَافِعٍ عَلَى ثَقَلِ النَّبِيِّ ﷺ) (^٤) يقال: ارتحل القوم بثقلهم أي: بأمتعتهم كلِّها، وقوله تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ [النحل: ٧]، قالـ[ـت] الشاعر [ة]:\nأَبَعْدَ ابْنِ عَمْرٍو مِن آلِ الرَّشِي … دِ حَلَّت بِهِ الْأَرْضِ أَثْقَالَهَا (^٥)\n_________\n(^١) حديث عبد الله بن عمرو: أخرجه برقم: ١٣٠٦، وأخرجه البخاري: ١٧٣٦.\n(^٢) حديث ابن عمر: أخرجه برقم: ١٣١٠.\n(^٣) حديث عائشة: أخرجه برقم: ١٣١١، ورواه الترمذي: ٩٢٣.\n(^٤) حديث أبي رافع: أخرجه برقم: ١٣١٣، ورواه أبو داود: ٢٠٠٩.\n(^٥) البيت للخنساء ترثي أخاها، ينظر الكامل للمبرد ٤/ ٤٣، الأغاني ٢/ ٥٥٠، المعاني الكبير ٢/ ٢٤٤.","vol":"1","page":244},{"text":"<span data-type='title' id=toc-145>ومن باب نزول الخيف</span>\n[١٦٧] حديث أبي هريرة ﵁: (نَحنُ نَازِلُونَ غَدًا بِخَيفِ بَنِي كِنَانَةَ، حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الكُفْرِ) (^١) خَيْف بني كنانة عند مسجد منى عند الصخرة، وأراد ﷺ بنزوله ذلك الموضع؛ [أن] (^٢) يمحو أثر الكفر، وأن تثبت له بنزوله به فضيلة، والخَيْف ما ارتفع عن مسيل الوادي؛ ولم يبلغ أن يكون جبلًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-146>ومن باب المبيت بمكة ليالي منى</span>\n[١٦٨] في هذا الحديث (^٣) من الخصوص للعباس: ترك البيتوتة بمنى، وفضل السقاية، وفضل العباس، ودليل أن قيامه على سقايته أفضل من البيتوتة، والبيتوتة في تلك الليالي من النسك، وكان ذلك النبيذ ماء ألقي فيه تمر؛ فصار حلوا غير مسكر، وإلا لم يشربه النبي ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-147>ومن باب الصدقة بلحوم البدن وجلودها</span>\n[١٦٩] حديث علي ﵁: (أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَن أَقُومَ عَلَى بُدنِهِ، وَأَن أَتَصَدَّقَ بِلُحُومِهَا وَجُلُودِهَا وَأَجِلَّتِهَا) (^٤)، الأجِلَّة: جمع الجُلّ، وهو كساء يطرح على ظهر البعير، وقوله: (وَلَا يُعطِيَ مِنْهَا (^٥) فِي جِزَارَتِهَا شَيْئًا)، الجزارة: فعل الجازر، والجزْر: القطع، وسميت الجزور جزورا لذلك، والجُزارة - بالضم -: أجرة الجازر، ويقال: أخذ الجازر جُزارته، أي أطراف البعير، فراسنه ورأسه،\n_________\n(^١) أخرجه برقم: ١٣١٤، ورواه البخاري: ١٥٩٠.\n(^٢) في الأصل: (أي).\n(^٣) حديث ابن عمر: أخرجه برقم: ١٣١٥، ورواه البخاري: ١٧٤٥.\n(^٤) أخرجه برقم: ١٣١٧، ورواه البخاري: ١٧١٨.\n(^٥) الرواية في مسلم؛ بتأخير: (منها) (ولا يعطي في جزارتها منها شيئًا).","vol":"1","page":245},{"text":"كما يقال: أخذ العامل عُمالته، وإذا قلت: فرس عبلُ الجزارة فإنما تريد غِلَظ اليدين والرجلين وكثرة عَصَبها، ولا يدخل الرأس في هذا، لأن عِظم الرأس في الخيل هجنة.\nوفي الحديث دليل أن المضحي والحاج إذا زاد على ما يلزمه؛ فالاختيار أن يفرقه في المساكين، فأما إذا كان لقران ومتعة؛ فقال الشافعي: لا يأكل القارن والمتمتع من لحم هديه شيئا قياسا على ما يلزمه من جزاء الصيد (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-148>ومن باب اشتراك السبعة في البدنة والبقرة</span>\n[١٧٠] في هذه الأحاديث: دليل أن الضحايا من الإبل يجوز الاشتراك فيها، وقوله: (وَيَجتَمَعَ النَّفَرُ مِنَّا فِي الهَدِيَّةِ) (^٢) الهَدِيَّة: الهدي، ويريد بها الإبل والبقر، وإذا ضحَّى رجل ببدنة؛ يكون ما زاد على السبع فضلا، وفيها أن سنة الإبل أن تنحر قياما معقولة.\n\n<span data-type='title' id=toc-149>ومن باب الدليل على أن الرجل لا يصير محرما ببعث الهدي ولا بالتقليد</span>\n[١٧١] حديث عائشة ﵂ (^٣): في الحديث دليل أن الرجل لا يصير محرما بالتقليد؛ كما قال أصحاب الرأي خلافا للحديث (^٤)، وفيه أن التقليد للمحرم من شعار الحج، و(العِهن): الصّوف، قال الله تعالى: ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ٥]،\n_________\n(^١) ينظر: مختصر المزني: ٨/ ١٧١، الحاوي الكبير: ٤/ ١٨٧، التمهيد: ٢/ ١١٣.\n(^٢) حديث جابر: أخرجه برقم: ١٣١٨، ورواه أحمد: ١٥٠٤٥.\n(^٣) أخرجه برقم: ١٣٢١، وأخرجه البخاري: ١٦٩٨.\n(^٤) ينظر: الحاوي الكبير ٤/ ٣٧٣، المبسوط للسرخسي ٤/ ١٣٩، الإشراف لابن المنذر ٣/ ١٨٩.","vol":"1","page":246},{"text":"و(التَّصفِيق): ضرب الكف على الكف.\n\n<span data-type='title' id=toc-150>ومن باب ركوب البدن عند الحاجة إليها</span>\n[١٧٢] (^١) المراد من البدنة التقرب إلى الله بنحرها أو ذبحها، وإذا اضطر إلى ركوبها فهو أملك بمنافعها من غيره، والاختيار ألا يركبها؛ إذا وجد غيرها؛ أو يركبها غير مضر بها.\n\n<span data-type='title' id=toc-151>ومن باب ما يصنع بما عطب من البدن قبل أن يبلغ محلها</span>\n[١٧٣] حديث موسى بن سلمة الهذلي قال: (انطَلَقْتُ أَنَا وَسِنَانُ بْنُ سَلَمَةَ، مُعتَمِرَينِ، وَانطَلَقَ سِنَانٌ مَعَهُ بِبَدَنَةٍ، فَأَرْحَفَت عَلَيْهِ بِالطَّرِيقِ، فَعَيِيَ بِشَأْنِهَا إِن هِيَ أُبدِعَت كَيْفَ يَأْتِي بِهَا فَقَالَ: لَئِن قَدِمتُ البَلَدَ لأَسْتَحفِيَنَّ عَن ذَلِكَ) (^٢)، قوله: (فَأَزحَفَتْ عَلَيْهِ) (^٣) أي: قامت من الإعياء، يقال: أزحف البعير؛ وأزحفه السير، ورُوي في حديث: (وإن راحلته أُزحفت) (^٤) - بضم الهمزة -، قال أهل اللغة: زحف القوم إلى القوم أي: مشوا إليهم وقاربوا الخطى.\n_________\n(^١) حديث أبي هريرة: (أن رسول الله ﷺ رأى رجلا يسوق بدنة، فقال: اركبها قال: يا رسول الله إنها بدنة، فقال: اركبها ويلك، في الثانية أو في الثالثة) أخرجه برقم: ١٣٢٢، وأخرجه البخاري: ١٦٨٩.\n(^٢) أخرجه برقم: ١٣٢٥، وأخرجه أبو داود: ١٧٦٣.\n(^٣) في مشارق الأنوار ١/ ٣١٤: (بفتح الهمزة وسكون الزاي وفتح الحاء المهملة والفاء، كذا رُويناه وهو صحيح، قال الهروي: معناه وقفت من الإعياء، يقال: ازحف البعير وأزحفه السير، وقال الخطابي: كذا يقول المحدثون، والأجود فأزحفت به بضم الهمزة على ما لم يسم فاعله).\n(^٤) حديث يستشهد به أهل اللسان والغريب، كما في الغريبين ٣/ ٨١٦، وغريب الخطابي ١/، ٤٣٢، والنهاية ٢/ ٢٩٨، واللسان ٩/ ١٣٩، والظاهر أنه ليس حديثًا آخر، وإنما هو حديث الباب روي بالمعنى في هذه المصادر.","vol":"1","page":247},{"text":"وقوله: (فَعَيِيَ بِشَأْنِهَا) أي: تحيَّر، وقوله: (إِن هِيَ أُبدِعَت)، قال أبو عبيد (^١): يقال للرجل إذا كلَّت ركابه أو عطَبَت وبقي منقطعا به: قد أُبدِع به، وقيل: الإبداع لا يكون إلا بظلَع، والظَّلَع: الغَمْز، ودابة طالع، يقال: عَرج يعرُج عرَجا، إذا غمَز من شيء أصابه، وعرِج بكسر الراء يعرَج عرْجا، إذا صار أعرج.\nوالعَطَب: الهلاك، يقال عطب يعطَب عطَبا، وفي الحديث: (إِنِّي أُبْدِعَ بِي فَاحْمِلْنِي (^٢) أي: وقفت دابتي فاحملني على بعير (^٣).\nوقوله: (لأَسْتَحفِيَنَّ عَن ذَلِكَ) أي: لأستقصين في السؤال عنه، وقوله: (عَلَى الخَبِيرِ سَقَطتَ) أي: أنا عالم بما تسأل عنه، قال صاحب المجمل: أبدعت الراحلة كلَّت وظلَعت (^٤).\nوفي الحديث: دلالة على وجوب السؤال عند الإشكال، ودلالة أن الرجل إذا جعل الشيء الله لم يجز أن يعود فيه.\nوفي قوله: (وَلَا يَأْكُلُ هُوَ، وَلَا أَهلُ رُفقَتِهِ) (^٥)، يعني لئلا يصير ذريعة إلى استباحته؛ فينحر من غير علة، ومنها: أن العِتق والحج؛ إذا قصد به المعتق\n_________\n(^١) الغريبين: ١/ ١٥٥.\n(^٢) رواه مسلم: ١٨٩٣، وأبو داود: ٥١٢٩.\n(^٣) القصد هنا التمييز بين هذه العيوب في لسان العرب: الإبداع والظلع والعرج والغمز والعطب، وخلاصة الكلام في هذا أن الظلع والغمز والعرج بمعنى واحد أو قريب، وهو ميلان واعوجاج وعدم اتزان في سير الدابة، سواء كان طارئا أو خلقيا، والإبداع: أن تكِل الدابة لتعب وإجهاد أو لعرج وظلع، والعطب الهلاك، أو الإشراف عليه.\n(^٤) مجمل اللغة: ١١٨، متعلق بالمعنى أعلاه.\n(^٥) هذا أقرب إلى لفظ الترمذي: ٩١٠، ولفظ مسلم: (ولا تأكل منها أنت ولا أحد من أهل رفقتك).","vol":"1","page":248},{"text":"والحاج أن يكون عن غيره جاز ذلك؛ ويؤجر المعتق عنه والمحجوج عنه.\n\n[١٧٤] ومعنى قوله: (إِن عَطِبَ مِنهَا شَيءٌ) (^١) أي: أشرف على العطَب فإن الهلاك إذا وقع بطَل الانتفاع، وقيل: في قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ [التوبة: ٢٩]، حتى يضمنوا أن يعطوا.\n\n<span data-type='title' id=toc-152>ومن باب طواف الوداع للحاج</span>\n[١٧٥] حديث: (أَحَابِسَتْنَا هِيَ؟ فَقِيلَ: إِنَّهَا كَانَت قَد أَفَاضَت وَطَافَت بِالبَيتِ، ثُمَّ حَاضَت بَعدَ الإِفَاضَةِ، قَالَ: فَلتَنفِر) (^٢) فيه دليل أن المرأة إذا حاضت بعد أن تطوف طواف الإفاضة تنفر ولا تنتظر طواف الوداع.\nوقوله: (عَقرَى حَلَقَى) تقول العرب للرجل منهم إذا دهمه أمر: عقرى حلقى، كما يقولون: (تربت يداك) (^٣)، ولا يريدون الدعاء عليه بالفقر، وكذا هذا في معنى: عقرك الله أو حلقك كما يحلق الشعر، وقد روي: (عقرًا حلقًا) (^٤) بالتنوين يجعلونهما مصدرين، أي: عقرك الله عقرا وحلقك حلقا.\nوفي الحديث دليل أن طواف الوداع سنة، إذ لو كان فرضا ما أباح لها\n_________\n(^١) حديث ابن عباس: أخرجه برقم: ١٣٢٦، وابن ماجة: ٣١٠٥.\n(^٢) حديث عائشة: أخرجه برقم: ١٢١١، والبخاري: ١٧٥٧.\n(^٣) ورد هذا عن رسول الله ﷺ في عدة مواضع، منها: حديث ما تنكح له المرأة: عند البخاري: ٥٠٩٠، ومسلم: ١٤٦٦.\n(^٤) صح هذا قياسا لا رواية، قال أبو عبيد: (إنما هو عندي عقرا وحلقا، وأصحاب الحديث يقولون: عقرى حلقى) الغريبين ٤/ ١٣٠٩، وهو بغير تنوين - على الرواية - صواب كذلك بمعنى: جعلها الله كذلك، فتكون الألف للتأنيث مثل: غضبى وحبلى، ينظر إكمال المعلم: ٤/ ٢٣٩.","vol":"1","page":249},{"text":"الخروج دونه، ألا ترى أنه حسب أنها لم تطف طواف الزيارة، فلما قيل: إنها أفاضت، قال لها: انفِري، رخص لها في ترك طواف الصدر (^١).\nوفي الحديث دلالة ألَّا وقت لطواف الزيارة؛ لا يجوز إلا فيه، وسنته يوم النحر، فإذا فات؛ فمتى جاء به أجزأه، [وقيل عقرى فعلى في معنى: مفعولة، كالحسرى بمعنى المحسورة] (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-153>ومن باب دخول الكعبة والصلاة فيها</span>\n[١٧٦] قوله: (فَأَجَافُوا عَلَيْهِم البَابَ طَوِيلًا) (^٣) أجاف الباب أي: ردَّه، وقوله: (وَاللهِ، لَتُعطِينِهِ أَو لَيَخرُجَنَّ هَذَا السَّيفُ مِن صُلبي) يعني: إن لم أُعطهم المفتاح أخذوا هذا السيف مني، ومنعوني أن أكون بهذه المنزلة، في الحديث فضيلة الكعبة، وفيه: أن دخول البيت سنة، وفيه أن الصلاة في الكعبة جائزة.\n* * *\n\n[١٧٧] وفيه أن حديث بلال أولى من حديث ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ: (دَعَا وَلَم يُصَلِّ) (^٤)، لأن حديث بلال مثبت، وحديث ابن عباس ناف، والمثبت أولى من النافي.\n* * *\n_________\n(^١) في بحر المذهب ٣/ ٥٣٢: (طواف الصدر: طواف الوداع، لأنه يصدر عنه بعد الطواف).\n(^٢) هكذا في الأصل، والأنسب ورود هذا الكلام في الموضع أعلاه عند بيان: (عقرى حلقى).\n(^٣) حديث ابن عمر: أخرجه برقم: ١٣٢٩، والبخاري: ١٥٩٨.\n(^٤) حديث ابن عباس يرويه عن أسامة بن زيد: أخرجه برقم: ١٣٣١، وفيه: (أن النبي ﷺ لما دخل البيت، دعا في نواحيه كلها، ولم يصل فيه حتى خرج)، وأخرجه البخاري: ٣٩٨.","vol":"1","page":250},{"text":"<span data-type='title' id=toc-154>ومن باب بنيان الكعبة واقتصار قريش عن أساس إبراهيم ﵇</span>\n[١٧٨] قوله: (لَوْلَا حَدَاثَةُ عَهْدِ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ) (^١) حداثة العهد قرب العهد، وقوله: (وَلَجَعَلتُ لَهَا خَلْفًا) أي: بابا آخر من خلفها، وقوله: (يُرِيدُ أَنْ يُجَرِّئَهُمْ) من الجرأة، أو (يُحَزِّبَهُم) (^٢) من التحزيب، وهو أن يجعلهم أحزابا، يريد: التفريق، وفي رواية: خارج الصحيح: (أَنْ يُحَرِّضَهُم) (^٣).\nوفي الحديث دليل على وجوب الرفق بالناس، وأنه لا ينبغي أن يعمل الإمام عملا ينفُر منه الناس، إذا كان لتركه مساغ، وفي الحديث دليل أن ما قال ابن عباس ﵁ يترك كما تركه النبي ﷺ، له وجه، وكذلك قوله: (لَنَقَضتُ الكَعْبَةَ) من نقضه، كان لنقضه وجه.\nوقيل (الخَلْف): الباب الذي يخلُف الباب الذي كان، (فَتَحَامَاهُ النَّاسُ) أي: حذره الناس، قال بعض أهل العلم (^٤): في الحديث من الفقه: مداراة من يُتّقى عليه تغيُّر حاله في دينه، والرفقُ بالجاهل ما لم يكن ذلك في معصية الله، وإنما منع الخلفاء بعد رسول الله ﷺ أن يبنوه اشتغالهم بالجهاد، وقوله: (لولا حِدْثَانُ قَوْمِكِ) حدثان مصدر حدث، كقولك: حرمته حرمانا.\n* * *\n_________\n(^١) حديث عائشة: أخرجه برقم: ١٣٣٣، وأخرجه البخاري: ١٥٨٥.\n(^٢) روي كذلك: (يجربهم) بدل (يجرئهم)، وروي: (يحربهم) بدل (يحزبهم)، ينظر مشارق الأنوار: ١/ ١٤٥.\n(^٣) يبدو أن هذا تصرف في الحديث بالمعنى، كما وقع عند ابن الأثير تاريخه: ٣/ ٢٢٢.\n(^٤) القنازعي في تفسير الموطأ: ٢/ ٦٣٣.","vol":"1","page":251},{"text":"<span data-type='title' id=toc-155>ومن باب الحج عمن لا يستطيع</span>\n[١٧٩ - ١٨٠] حديث: (أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: نَعَم، وَلَكِ أَجْرٌ) (^١) وحديث: (إِنَّ أَبِي شَيخٌ كَبِيرٌ) (^٢) في الحديث دلالة على جواز الحج عن الحي؛ إذا كان زمِنا أو معضوبا لا يرجى برؤه (^٣)، وفيه أن الحج عن الميت جائز؛ أوصى به أو لم يوص.\n\n<span data-type='title' id=toc-156>ومن باب فرض الحج على كل مسلم مرة واحدة</span>\n[١٨١] حديث: (فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟) (^٤) في الحديث دلالة أن الأمر بالشيء يقتضي مرة واحدة، إلا أن يقترن به دليل الترادف، والنهيَ يقتضي التأبيد؛ إلا أن يقترن به دليل المرة الواحدة، وفيه كراهة كثرة السؤال.\n\n<span data-type='title' id=toc-157>ومن باب لا تسافر المرأة ثلاثا إلا ومعها ذو محرم</span>\n[١٨٢] في الحديث (^٥): دليل أن المرأة عورة، ولا يحل لها أن تسافر إلا مع ذي محرم، واحتج جماعة بحديث ابن عمر وأبي سعيد وحديث أبي هريرة من رواية سهيل؛ بأن السفر الذي تقصر فيه الصلاة مبلغه ثلاثة أيام، سير الثقل ومشي الأقدام، ولم يوقتوا في ذلك بالفراسخ حدا، ولو جاز أن يكون ذلك وقتا؛ كان\n_________\n(^١) حديث ابن عباس: أخرجه برقم: ١٣٣٦، وأخرجه البخاري: ١٨٥٣.\n(^٢) حديث ابن عباس: أخرجه برقم: ١٣٣٥، وأخرجه أبو داود: ١٧٣٦.\n(^٣) ورجل معضوب: زمِن لا حراك به، كأن الزمانة عضبته ومنعته الحركة. [المصباح المنير: ع ض ب - ٢/ ٤١٤].\n(^٤) حديث أبي هريرة: أخرجه برقم: ١٣٣٧، وأخرجه النسائي: ٢٦١٩.\n(^٥) حديث الترجمة عن ابن عمر: أخرجه برقم: ١٣٣٨، وأخرجه البخاري: ١٠٨٧.","vol":"1","page":252},{"text":"حديث أبي هريرة ﵁ في البريد واليوم والليلة وقتا (^١).\n\n[١٨٣] وإنما معنى الخبر منع المرأة عن كل سفر يطول أو يقصر، إلا مع ذي محرم، وفيها أن على الولي أن يحج بوليته إذا كان قادرا عليه، ألا ترى أنه قال: (إِنَّ امْرَأَتِي خَرَجَت حَاجَةً، وَإِنِّي اكتُتِبتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: فَانطَلِق فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ) (^٢) رأى ذلك ألزم له من الخروج في الغزو.\n\n<span data-type='title' id=toc-158>ومن باب ما جاء في الدعاء عند الخروج إلى السفر والقفول</span>\n[١٨٤] قوله: (وَالحوْرِ بَعْدَ الكَوْن) (^٣) كان عاصم الأحول يرويه بالنون، وقيل إنما هو بالراء (^٤)، والحوْر: النقصان، والكوْر: الزيادة، وعلى رواية عاصم أي: النقصان بعد الكمال، و(وَعثَاءِ السَّفَرَ): مشقته وما يقاسى فيه، و(كَآبَةِ المُنقَلَبِ): أن ينقلب من سفره وقد حدث أمر يكتئب له، أي: يحزن، و(الفَدْفَد): المرتفع من الأرض، (وقَفَل) أي رجع، و(السَّرَايَا): جمع السَّرية.\n_________\n(^١) ينظر الاستذكار: ٢/ ٢٣٨، فتح الباري: ٢/ ٥٦٧، عمدة القاري: ٧/ ١١٩.\n(^٢) حديث ابن عباس: أخرجه برقم: ١٣٤١، وأخرجه البخاري: ١٨٦٢، بلفظ: (انطلق فحج مع امرأتك).\n(^٣) حديث عبد الله بن سرجس: أخرجه برقم: ١٣٤٣، وأخرجه الترمذي: ٣٤٣٩.\n(^٤) قال عياض ﵀: (نعوذ بك من الحور بعد الكور: كذا للعذري في كتاب الحج، ويروى: (بعد الكون)، وكذا للفارسي والسجزي وابن ماهان، وقد ذكر الروايتين مسلم، وقول عاصم في تفسيره يقال: حار بعدما كان، وهي روايته ويقال أن عاصما وهم فيه). مشارق الأنوار: ١/ ٣٤٩.","vol":"1","page":253},{"text":"<span data-type='title' id=toc-159>ومن باب مكة حرام</span>\n[١٨٥] حديث: (إِنَّ الحَرَمَ لَا يُعِيذُ عَاصِبًا، وَلَا فَارًّا بِدَمٍ، وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ) (^١)، الخَرْبة: الفساد، وفي حديث عبد الله: (وَلَا سَتَرْتَ الخَرَبَة) (^٢) يعني العورة، يقال: ما فيه خرَبة: أي: عيب، والخارب: اللصّ.\nوفي الحديث حجة للشافعي ﵀ أن ولي المقتول عمدا مخير بين القوَد والديّة (^٣).\n\n[١٨٦] وقوله: (بِخَيرِ النَّظَرَينِ) (^٤) أي: الاختيار له فإن رأى الفداء خيرا له أخذ، وإن رأى القود خيرا له اقتص (^٥)، وقوله: (حَبَسَ عَن مَكَّةَ الفِيلَ) يعني: الفيل الذي أتى به أبرهة ليخرِّب الكعبة.\nوفي الحديث دليل أن لُقطة مكة مخصوصة لا يحل لملتقطها منها شيء؛ إلا إنشادها وهو تعريفها؛ حتى يردها إلى صاحبها، وقوله: (لَا يُختَلَى) أي: لا يقطع، والخلى - مقصور -: الحشيش، قال صاحب المجمل (^٦): خلَيت دابتي أخلِيها خلْيا: إذا جززت لها الخلى، والخلاء - ممدود -: المكان الذي لا شيء\n_________\n(^١) حديث أبي شريح: أخرجه برقم: ١٣٥٤، وأخرجه البخاري: ١٨٣٢.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق: ١٣٥١٩، والطبراني في الكبير: ٨٥٧٢، والبيهقي في الكبرى: ١٧٦١٢، وفي رواية: (الخزية).\n(^٣) ينظر: الأم للشافعي: ٦/ ٩، الحاوي الكبير: ١٢/ ٦، مختصر المزني: ٨/ ٣٤٥.\n(^٤) حديث أبي هريرة: أخرجه برقم: ١٣٥٥، وأخرجه البخاري: ٢٤٣٤.\n(^٥) الأنسب أن يُذكر مذهب الشافعي في القتل العمد هنا، فالحجة حديث أبي هريرة لا حديث أبي شريح.\n(^٦) مجمل اللغة: ٢٩٨.","vol":"1","page":254},{"text":"به، والسيف يختلي أي: يقطع، و(الإِذْخِرُ): نبت.\n\n<span data-type='title' id=toc-160>ومن باب دخول مكة والنهي عن حمل السلاح فيها</span>\n[١٨٧] حديث: (دَخَلَ مَكَّةَ وَعَلَى رَأسِهِ مِعْفَرٌ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: ابن خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَستَارِ الكَعَبَةِ، فَقَالَ: اقْتُلُوهُ) (^١) قيل إنما أمر بقتله لأنه كان يسبه، قال بعض العلماء: لا يستتاب من سب النبي النبي ﷺ، ويقتل كما قتل ابن خطَل (^٢).\nوفي الحديث دليل أن الحدود تقام في الحرم.\n\n<span data-type='title' id=toc-161>ومن باب تحريم النبي ﷺ المدينة</span>\n[١٨٨] قوله: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ ﵇ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَحَرَّمتُ المَدِينَةَ) (^٣) في الحديث دليل أن العمل بذلك المُد الذي دعا فيه النبي ﷺ؛ أولى من مد أحدث بعده، وفيه دليل أن للمدينة حرمة أوكد من حرمة غيرها من البلاد، ولولا دلالة قامت على أنها حرم في معنى دون معنى، لكانت حرمتها مثل حرمة مكة، ولكن لما قال النبي ﷺ: (يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ) (^٤) دل ذلك على إباحة صيدها.\nوقوله: (لَا يُعضَدُ عِضَاهُهَا) (^٥) يعني: الأشجار النابتة بذاتها دون تنبيت\n_________\n(^١) حديث أنس: أخرجه برقم: ١٣٥٧، وأخرجه البخاري: ١٨٤٦.\n(^٢) هو مشهور مذهب مالك، وقول الليث والشافعي وأحمد برقم: وإسحاق وقال أبو حنيفة والثوري: تقبل توبته إذا تاب. ينظر: إكمال المعلم: ٧/ ٢٩٣، الإشراف لابن المنذر: ٨/ ٦٠، فتح الباري: ١٢/ ٢٨١.\n(^٣) حديث جابر: أخرجه برقم: ١٣٦٢.\n(^٤) متفق عليه البخاري برقم ٦١٢٩، مسلم ٢١٥٠.\n(^٥) هذا لفظ البخاري: ٢٤٣٣، ولفظ مسلم: (لا يقطع عضاهها).","vol":"1","page":255},{"text":"أحد إياها، قيل: إنما نهى عن قطعها لئلا تذهب أصلا فتنقطع منفعتها، ومن ذلك تأكيد الشفاعة لمن مات بالمدينة.\n\n[١٨٩] و(اللَّأْوَاء) (^١): الشدة.\n\n[١٩٠] و(المَأزَمَان) (^٢): الطريقان، و(اللَّابَتَان): الحرتان، وقوله: (وَإِنَّ عِيَالَنَا لَخُلُوفٌ) أي: لا رجال معهم.\n\n[١٩١] وقوله: (أُحُدٌ، جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ) (^٣) قيل: يجوز أن يخلق الله المحبة في الجبل؛ كما يكون منه التسبيح، فكما يسبح الجبل فكذلك يحب، قال الله ﷿: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]، قيل: دعا إبراهيم ﵇ أن يجعل الله ﷿ في مكة البركة، وأن يجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم يجلبون الأقوات، ودعا النبي ﷺ أن يبارك لأهل المدينة في الطعام المكيل بالصاع، والمد الذي به قوام الأبدان؛ بمثلي ما دعا به إبراهيم ﵇ لأهل مكة.\nوأما ما روي أن سعدا كان يسلُب من يجده يقطع شجرا، قيل يمكن أن يكون سمع سعد من رسول الله من رسول الله ﷺ حديثا أن من قطع شيئا من شجر المدينة على غير ما يجوز سلب، ففعل به ذلك لهذا المعنى (^٤).\n_________\n(^١) حديث سعد بن أبي وقاص: أخرجه برقم: ١٣٦٣، وأخرجه أحمد: ١٥٧٣.\n(^٢) حديث أبي سعيد: أخرجه برقم: ١٣٧٤.\n(^٣) حديث أبي حميد: أخرجه برقم: ١٣٩٢، وأخرجه البخاري برقم عن ابن عباس: ١٤٨٢، واللفظ له.\n(^٤) قصة سعد وحديثه عن رسول الله ﷺ عند أبي داود: ٢٠٣٨.","vol":"1","page":256},{"text":"[١٩٢] وفي الحديث دليل أن من غير سنة المدينة في الشريعة فهو ملعون، فيكون قوله ﷺ: (مَن أَحْدَثَ فِيهَا) (^١) أي: في سنتها، وقيل: من أحدث فيها أي: من ابتدع فيها، و(الصَّرفُ) النافلة، و(العَدلُ) الفريضة، وقوله: (ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَة) أي من أجار من المسلمين عبدا كان أو امرأة فإن جواره جائز، و(أَخْفَر) أي: نقض العهد، وخفر أي: حِفظ العهد.\n\n[١٩٣] وقوله: (مَا ذَعَرْتُهَا) (^٢) أي: ما أفزعتها.\n\n[١٩٤] و(دُبُرَ أُحُدٍ) (^٣) أي: خلف أحد، وفيه دليل أن المدينة محفوظة من دخول الدجال، يطأ الدجال جميع الأرض، فإذا وصل إلى المدينة منعه الملائكة من دخولها.\n\n[١٩٥] وقوله: (أُمِرْتُ بِقَريَةٍ تَأكُلُ القُرَى) (^٤) قال مالك: افتتحت القُرى بالسَّيف حتى مكة، وافتُتحت المدينة بالقرآن (^٥)، وفي هذا بيان أن المدينة أفضل من سائر البلدان، وقول النبي ﷺ: (يَقُولُونَ: يَثْرِبَ) أي: أن الناس يسمُّونها يثرب، إنما اسمها المدينة، وسمِّيت في القرآن يثرب على وجه الحكاية.\n_________\n(^١) حديث علي: أخرجه برقم: ١٣٧٠، والبخاري: ١٨٧٠.\n(^٢) حديث أبي هريرة: أخرجه برقم: ١٣٧٢، والبخاري: ١٨٧٣.\n(^٣) حديث أبي هريرة: أخرجه برقم: ١٣٨٠، والترمذي: ٢٢٤٣.\n(^٤) حديث أبي هريرة: أخرجه برقم: ١٣٨٢، والبخاري: ١٨٧١.\n(^٥) الجامع في السنن والآداب والمغازي والتاريخ لابن أبي زيد: ١٣٨، تفسير الموطأ للقنازعي: ٢/ ٧٣١.","vol":"1","page":257},{"text":"[١٩٦] و(الأَنقَاب) (^١): الطرق.\n* * *\n\n[١٩٧] و(يَنصَعُ) (^٢) أي: يخلُص، ويقال: لون ناصع أي خالص، وقوله: (أَقِلْنِي بَيْعَتِي) أي: أقلني ما بايعتك به من البقاء معك في المدينة، فأْذَن لي في الرجوع إلى وطني، فأبى عليه، فلما خرج وترك هجرته قال ﷺ: (إِنَّمَا المَدِينَةُ كَالكِيرِ، تَنفِي خَبَثَهَا أي: تنفي عنها من لا خير فيه.\n\n[١٩٨] وقوله: (بِدَهمٍ أو بِسُوءٍ) (^٣) الدَّهم: العدد الكثير، يعني: بجيش كثير يقصدونه، وقوله: (تَأكُلُ القُرَى) أي: تغلبها وتفتحها، يعني أهل هذه القرية، وهم الأنصار.\n\n<span data-type='title' id=toc-162>ومن باب إخبار النبي ﷺ بفتح الشام وفتح اليمن</span>\n[١٩٩] قوله: (يَبُسُّونَ) (^٤) هو أن يقال في زجر الدابة: بِسْ بِسْ، وهو صوت الزجر إذا سقت حمارا أو غيره، وهو من كلام أهل اليمن.\n\n[٢٠٠] وقوله: (مُذَلَّلَةً لِلعَوَافِ) (^٥) سقطت الياء من آخره، وكسرة الفاء تدل عليه، وهي جمع عافية، وهي السباع والذئاب والطير، قال:\n_________\n(^١) حديث أبي هريرة: أخرجه برقم: ١٣٧٩، والبخاري: ١٨٨٠.\n(^٢) حديث جابر: أخرجه برقم: ١٣٨٣، والبخاري: ٧٢٠٩.\n(^٣) حديث سعد بن مالك: أخرجه برقم: ١٣٨٧، وأحمد: ١٥٥٨.\n(^٤) حديث ابن أبي زهير: أخرجه برقم: ١٣٨٨، والبخاري: ١٨٧٥.\n(^٥) حديث أبي هريرة: أخرجه برقم: ١٣٨٩، وأحمد: ٨٩٩٩.","vol":"1","page":258},{"text":"لعزَّ علينا ونعِمَ الفتَى … مَصِيرُك يا عَمْرو للعافيه (^١)\nو(يَنعِقَانِ)؛ أي: يصوتان (وَحشًا): أي خالية، أو قد استبدلت بالناس الوحش.\n\n[٢٠١] وقوله: (رَوضَةٌ مِن رِيَاضِ الجَنَّةِ) (^٢) قيل: يُقتلع فيُدخل الجنة فيكون روضة، وقيل فضيلتها كفضيلة روضة من رياض الجنة، وقيل: من أقام بذلك المكان رغبة في جوار النبي ﷺ استوجب روضة من رياض الجنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-163>ومن باب كان النبي ﷺ يأتي قباء راكبا وماشيا وباب المسجد الذي أسس على التقوى</span>\n[٢٠٢ - ٢٠٣] في هذه الأحاديث (^٣): فضيلة مسجد النبي ﷺ، وفيه دلالة أن الرجل إذا نذر أن يصلي في مسجد فصلى في غيره؛ إذا كان مثله في الفضل أو أفضل منه، فإن ذلك جائز، وفيها إباحة لتفسير القرآن إذا كان على وجهه.\n_________\n(^١) البيت لثعلب، ينظر: الاشتقاق لابن دريد: ٥٩، شرح ديوان الحماسة للأصفهاني: ١١٥٧.\n(^٢) حديث عبد الله بن زيد: أخرجه برقم: ١٣٩٠، والبخاري: ١١٩٥.\n(^٣) حديث أبي سعيد: أخرجه ١٣٩٨، وحديث ابن عمر: أخرجه برقم: ١٣٩٩، والبخاري: ١١٩١.","vol":"1","page":259},{"text":"<span data-type='title' id=toc-164>كتاب النكاح</span>\nوقال بعض العلماء: الحاجة إلى النكاح ضرورية من جهة أن بقاء العالم إنما هو بالتناسل والتوالد، إذ لا يتوهم للدنيا التي جعلها الله دار محنة بقاء ولا ثبات، وهو ينقسم إلى محلل ومحرم، فلا خفاء في العقول بحسن النكاح، لأن في الزنا بطلان التعارف بالأنساب، واختلاط القرابات، مع ما في النكاح: من ثبوت الحرمات؛ والحقوق؛ والتآلف الذي يقع به الاجتماع على نصرة الحق؛ وإحياء الدين.\nقالت عائشة ﵂: (كَانَ النِّكَاحُ فِي الجَاهِلِيَّةِ عَلَى أَربَعَةِ أَنحَاءٍ: فَنِكَاحٌ مِنْهَا: نِكَاحُ النَّاسِ اليَومَ، يَخطُبُ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُل ابنَتَهُ فَيُصدِقُهَا، وَيَنكِحُهَا.\nوَنِكَاحٌ آخَرُ: كَانَ الرَّجُلُ يَقُولُ لامْرَأَتِهِ إِذَا طَهُرَت مِن طَمْثِهَا: أَرسِلِي إِلَى فُلَانٍ فَاسْتَبْضِعِي مِنهُ، وَيَعْتَزِلُهَا زَوجُهَا، لَا يَمَسُّهَا حَتَّى يَبِينَ حَمِلُهَا مِنْ ذَلِكَ الرَّجُل، فَإِذَا تَبَيَّنَ حَمْلُهَا أَصَابَهَا زَوْجُهَا إِنْ أَحَبَّ، وَإِنَّمَا يَصْنَعُ ذَلِكَ رَغْبَةً فِي نَجَابَةِ الْوَلَدِ، وَكَانَ هَذَا النَّكَاحُ يُسَمَّى نِكَاحَ الاسْتِبْضَاعِ.\nوَنِكَاحٌ آخَرُ: يَجْتَمِعُ الرَّهْطُ دُونَ الْعَشَرَةِ، فَيَدْخُلُونَ عَلَى الْمَرْأَةِ كُلُّهُمْ يُصِيبُهَا، فَإِذَا حَمَلَتْ وَوَضَعَتْ، وَمَرَّ لَهَا لَيَالٍ بَعْدَ أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا، أَرْسَلَتْ إِلَيْهِمْ فَلَمْ يَسْتَطِعْ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَنْ يَمْتَنعَ حَتَّى يَجْتَمِعُوا عِنْدَهَا، فَتَقُولُ لَهُمْ: قَدْ عَرَفْتُمُ الَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِكُمْ وَقَدْ وَلَدْتُ، وَهُوَ ابْنُكَ يَا فُلَانُ، فَتُسَمِّي مَنْ أَحَبَّتْ مِنهُم،","vol":"1","page":261},{"text":"فَتُلحِقُ بِهِ وَلَدَهَا، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْهُ الرَّجُل.\nوَالنِّكَاحُ الرَّابِعُ: يَجتَمَعُ النَّاسُ الكَثِيرُ، فَيَدخُلُونَ عَلَى الْمَرأَةِ وَلَا تَمْنَع مَنْ جَاءَهَا وَهُنَّ الْبَغَايَا، كُنَّ يَنْصِبْنَ عَلَى أَبْوَابِهِنَّ الرَّايَاتِ، فَمَن أَرَادَهُنَّ دَخَلَ عَلَيْهِنَّ، فَإِذَا حَمَلَتْ وَوَضَعَتْ حَمْلَهَا جُمِعُوا لَهَا، وَدَعَوْا الْقَافَةَ، وَأَلْحَقُوا وَلَدَهَا بِالَّذِي يَرَوْنَ فَالْتَاطَهُ، وَدُعِيَ أَبَاهُ لَا يَمتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ، قَالَت: فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى مُحَمَّدًا ﷺ بِالْحَقِّ هَدَمَ نِكَاحَ الْجَاهِلِيَّةِ كُلَّهُ، إِلَّا نِكَاحَ أَهْلِ الإِسْلَامِ اليَومَ) (^١).\nقال الفقهاء: والفروج إنما تستباح بشيئين: أحدهما نكاح، والثاني: ملك يمين، ولكل واحد من هذين أحكام يفترقان فيها ويتفقان، ولا يجوز في النكاح أن يجمع أكثر من أربع، ويجوز الجمع بين ما شاء من الإماء، ومنها: أن للمنكوحة حقوقا في العشرة والقسْم لا يلزم مثلها للأمة، والمنكوحة لا يلزمها أن تعول نفسها، والأمة يلزمها أن تكتسب ما تعول به نفسها.\n\n<span data-type='title' id=toc-165>فصل</span>\nوإذا رضيت المرأة بخاطب وأذنت فيه، لم يجز لغيره أن يخطبها حتى ينزع الأول، لما في خطبة الثاني من الإضرار بالأول، وقد وردت السنة بأن من أراد خطبة امرأة؛ وسعه أن ينظر إليها؛ وإلى وجهها وكفيها متغطية، قال النبي ﷺ للأنصاري (^٢): (انْظُرْ إِلَيْهَا، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤدَمَ بَيْنَكُمَا) (^٣) أي: أخلق أن يأتلف ما بينكما، كما إذا كنت على ثقة من وقوعها بقلبك.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم: ٥١٢٧، وأبو داود برقم: ٢٢٧٢.\n(^٢) هو المغيرة بن شعبة الله ﵁.\n(^٣) أخرجه الترمذي برقم: ١٠٨٧، والنسائي برقم: ٣٢٣٥، وأحمد برقم: ١٨١٣٧.","vol":"1","page":262},{"text":"<span data-type='title' id=toc-166>فصل</span>\nوخص الله تعالى النكاح بأشياء؛ يؤول معناها إلى الإشاعة والإذاعة، فمن ذلك الولي؛ والشاهدان؛ ورضى المنكوحة، أو رضى من هو موضوع للاختيار لها، وهم الآباء، فليس للمرأة أن تنكح زوجها، لكن يزوجها أقرب عصباتها، لأن لهؤلاء حقا في نفسها بألا تضع نفسها في غير كُفئها، فيلحقهم العار بسبب ذلك، وقيل: إن النساء جُبلن على الحرص على الرّجال، وعلى ضعف العقل فجعل أمر المرأة إلى وليها؛ حتى يعقد عليها مع من يختار، ولو كان إليها الاختيار والعقد، لم يؤمن وضعها نفسها في غير موضعها.\nوإذا لم يكن لها ولي عصبة؛ أنكحها السلطان؛ لأنه ولي من لا وليَّ له، وهو منصوب للنظر في المصالح واستيفاء الحقوق، وهكذا إذا غاب وليها إلى حيث يتعذر؛ أو يشق إحضاره أنكحها السلطان، وكذا إذا امتنع الولي من تزويجها بعد ظهور الكفء؛ وتبين موضع الصلاح للمرأة في مناكحته، فإن السلطان يزوجها.\n\n<span data-type='title' id=toc-167>ومن باب من استطاع منكم الباءة فليتزوج</span>\n[٢٠٤] فقه الحديث (^١): اختيار النكاح على العُزْبة؛ إذا وجد الرجل ما يتزوج به وينفق على المرأة المنكوحة؛ إذا تاقت نفسه إلى النكاح، وإذا لم تتق نفسه أو أُعسِر بما يلزمه من الصداق والنفقة، فالاختيار أن يتخلى لعبادة الله.\nو(البَاءَة): في أصل اللغة ممدودة؛ وهي: النكاح، وأصله الجماع،\n_________\n(^١) حديث ابن مسعود: (يا معشر الشباب): أخرجه برقم: ١٤٠٠، وأخرجه البخاري برقم: ١٩٠٥.","vol":"1","page":263},{"text":"و(الوِجَاءُ): قال أبو عبيد (^١): يقال للفحل إذا رُضَّت أنثياه قد وُجئ وِجاءً، أي: إن الصوم يقطع النكاح، وقال غير أبي عبيد الوجاء أن يوجأ العروق والأنثيان بحالهما، والخصاء: شق الخُصيين واستئصالهما، قال بعض أهل اللغة: الباءة والمباءة: المنزل، ثم قيل لعقد النكاح: باءة، لأن من تزوج امرأة بوأها منزلا، ويقال للجماع نفسه: باءة (^٢).\nوفي قوله: (فَعَلَيْهِ بِالصَّومِ): جواز الإغراء بالغائب، وقوله: (لَعَلَّهُ تُرجِعُ إِلَيكَ مِن نَفْسِكَ مَا كُنتَ تَعهَدُه) (^٣) يعني: حرص الشاب وتوقانه إلى النكاح، وفي الحديث دليل على أن العِنِّين لا ينبغي له أن يتزوج.\n\n<span data-type='title' id=toc-168>ومن باب كراهة ترك النكاح</span>\n[٢٠٥] حديث: (مَن رَغِبَ عَن سُنَّتِي فَلَيسَ مِنِّي) (^٤) في الحديث دلالة أن من سنة النبي ﷺ النكاح، وأن خير الدين الحنيفية السمحة، وألا يحمِّل نفسه ما لا تطيقه، ويترخص فيما رُخَّص له فيه، ويتورَّع عما حرم عليه؛ حتى تصح قدوته بالنبي ﷺ.\n\n[٢٠٦] و(التَّبَتُّل) (^٥): ترك النكاح، وقيل هو في هذا الحديث: الاختصاء، والتَّبْل: القطع، والتبتل في غير هذا الموضع: الانقطاع إلى الله بالإخلاص.\n_________\n(^١) غريب الحديث لأبي عبيد: ٢/ ٧٣.\n(^٢) الغريبين في القرآن والحديث: ٦/ ١٩٧١.\n(^٣) هذا لفظ أبي داود، ولفظ مسلم: (لعلها تذكرك بعض ما مضى من زمانك).\n(^٤) حديث أنس: أخرجه برقم: ١٤٠١، وأخرجه البخاري ٥٠٦٣.\n(^٥) حديث سعد بن أبي وقاص: أخرجه برقم: ١٤٠٢، وأخرجه البخاري ٥٠٧٣.","vol":"1","page":264},{"text":"<span data-type='title' id=toc-169>ومن باب من رأى امرأة فليأت امرأته ترد نفسه</span>\n[٢٠٧] قوله: (وَهِيَ تَمْعَسُ مَنِيئَةً لَهَا) (^١) قيل: معَس الرجل معْسا: إذا عرَك الأديم في الدِّباغ، و(المَنِيئَة): الجلد ما دام في الدباغ، وفي الحديث ما يبعث على الاحتيال لرفع مكائد الشيطان، وفيها: أن النساء أبلغ مصالي (^٢) الشيطان، قال بعضهم: معَس: ذلك، والمنيئة: الجلد في المدبغة لم تتم دباغته، وفي الحديث دلالة أن طبع الإنسان لا يتغير عما وضع عليه؛ يعجبه ما كان معجِبا، ويستدركه بالخشية والتمييز.\n\n<span data-type='title' id=toc-170>ومن باب ما جاء في متعة النساء</span>\n[٢٠٨ - ٢٠٩] حديث جابرٍ وسلمةَ بن الأكوع وسَبْرة الجهني ﵃ (^٣)، قوله: (كَأَنَّهَا بَكْرَةٌ عَطَاءُ) العيطاء: الطويلة العنق، وفي رواية: (مِثلُ البَكْرَةِ الْعَنَطْنَطَةِ) يعني: الحسنةَ الجسم، وفي رواية: (إِنَّ بُرْدَ هَذَا خَلَقٌ مَحٌّ) قال صاحب المجمل: محَّ الثوب، وثوب مَحٌّ أي: بال، وقال الأعيط الطويل العنق؛ والأنثى: عيطاء (^٤).\nوفي رواية: (فَآمَرَت نَفْسَهَا أي: شاورت نفسها، يقال: ائتمر القوم وتآمروا إذا شاور بعضهم بعضا، وفي القرآن: ﴿إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ [القصص: ٢٠]، قيل\n_________\n(^١) حديث جابر: أخرجه برقم: ١٤٠٣، وأخرجه أبو داود برقم: ٢١٥١.\n(^٢) المصالي واحدتها مِصلاة وهي: الفخ والشَّرَك، والقصد: ما يستفز به الناس من زينة الدنيا وشهواتها، وفي خطبة النعمان بن بشير: (إن للشيطان مصالي وفخوخا) الأدب المفرد: ٥٥٣.\n(^٣) حديث جابر وسلمة برقم ١٤٠٥، والبخاري برقم: ٥١١٧، وحديث سبرة برقم: ١٤٠٦، والنسائي برقم: ٣٣٦٨.\n(^٤) مجمل اللغة: ص ٨١٥، وص ٦٣٩.","vol":"1","page":265},{"text":"يعني: يأتمرون فيك، وقيل: يعني: يتشاورون بسببك؛ يؤامر بعضهم بعضا في قتلك، وفي حديث عمر ﵁: (الرِّجَالُ ثَلَاثَةٌ: رَجُلٌ إِذَا نَزَلَ بِهِ أَمْرٌ ائْتَمَرَ رَأْيَهُ) (^١) أي: شاور نفسه قبل مواقعة الأمر، وقيل: المُؤتَمِر: الذي يهم بالأمر يفعله، يقال بئس ما ائتمرت لنفسك، وكل من عمل برأيه فلا بد له من مواقعة الخطإ، قال النمر بن تولب:\nاعْلَمَنْ أَنْ كُلَّ مُؤْتَمِرٍ … مُخْطِئٌ فِي الرَّأْيِ أَحْيَانًا (^٢)\nوفي حديث آخر: (لَا يَأْتَمِرُ رُشْدًا) (^٣) أي لا يأتي برشد من ذات نفسه، يقال: لكل من فعل فعلا من غير مشاورة ائتمر، أي: أطاع نفسه فيما أمرَتْه به، قال:\nوَيَعْدُو عَلَى المَرْءِ مَا يَأْتَمِر (^٤)\nأي: ما يعمل من غير روية ولا تثبت، فلا محيص عن الندم، وفي\nالأحاديث: بيان على نسخ المتعة، غير أن فيها دلالة أنها أبيحت مرتين، وحرِّمت\nمرتين، فبقيت على تحريمها، إذ أخبر سبْرة بنُ معبد (^٥): أنه خرج مع رسول الله\nﷺ في حجة الوداع فأباح المتعة، ثم حرمها إلى يوم القيامة، فهذا ناسخ لما\nتقدمها من الأخبار الواردة في الرخصة.\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان: ٧١٣١، وابن شبة في تاريخ المدينة: ٢/ ٧٧١، عن عمر\nموقوفا.\n(^٢) ينظر: المعاني الكبير: ٣/ ١٢٦٥، تهذيب اللغة: ١٥/ ٣١١، فصل المقال للبكري: ٣٨٤\n(^٣) مصنف ابن أبي شيبة: ١٧١٤٧، وهو نفس الأثر السابق عن عمر.\n(^٤) عجز بيت لامرئ القيس، وصدره: (أحَارِ بنْ عَمْرٍو وكأنَّي خَمِرْ)، ينظر: المعاني الكبير:\n٣/ ١٢٥٩، جمهرة الأمثال: ٢/ ٤٢٨، الأزمنة والأمكنة: ٢٠٢.\n(^٥) الحديث عند مسلم برقم: ١٤٠٦.","vol":"1","page":266},{"text":"<span data-type='title' id=toc-171>ومن باب ما جاء في النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها</span>\n[٢١٠] وفي هذه الأحاديث (^١): بيان أن السنة تقضي على القرآن، وأنها إذا وردت مبينة عن القرآن فبيانها متبوع، وفيه: أن كل نهي يرِد عن الله ﷿؛ أو عن رسوله ﷺ فإنه على المنع؛ حتى يقوم الدليل على خلاف ذلك، وقوله: (لِتَكْتَفِئَ صَحْفَتَهَا) تكتفئ: تفتعل من كفأَتِ الصَّحفة إذا قلبَتْها، يعني: تقتصر على نصيبها من زوجها؛ ولا تؤذي زوجها إذا نكح، غيرها، أو تسرَّى جارية عليها.\nوقوله: (جِلْفٌ جَافٍ) يعني سيئ الأدب.\n* * *\n\n[٢١١] وقوله: (تَائِهٌ) (^٢) أي: عادل عن الصواب، قال بعض العلماء (^٣): من تمتع الآن نُكِّل به أشد النِّكال، وكذلك حُكم كل نكاح حرمته السنة (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-172>ومن باب نكاح المُحِرم</span>\n[٢١٢] حديث: (نَكَحَ مَيمُونَةَ وَهُوَ مُحرِمٌ) (^٥)، قيل: النكاح من الطيبات واللذات، والمُحْرِم شَعْثٌ تفِثٌ ضاحٍ؛ فلا يجوز له النكاح.\n_________\n(^١) أحاديث أبي هريرة تحت رقم: ١٤٠٨، وعند البخاري برقم: ٥١٠٩ - ٥١١٠.\n(^٢) حديث علي: أخرجه برقم: ١٤٠٧، وأخرجه البخاري برقم: ٥١١٥.\n(^٣) قاله ابن القاسم، ينظر: تفسير الموطأ للقنازعي: ١/ ٣٥٧.\n(^٤) موضع هذا الجزء من الكلام (من قوله جلف جاف) باب المتعة قبله.\n(^٥) حديث ابن عباس: أخرجه برقم: ١٤١٠، وأخرجه البخاري برقم: ١٨٣٧، بلفظ: (تزوج).","vol":"1","page":267},{"text":"[٢١٣] وفي الحديث (^١): إثبات لحدوث حال، فهو أولى من إخبار عن شيء معهود، وفي هذه الأحاديث: إبطال لنكاح المُحرِم، وأحاديث عثمان ﵁ قد انفردت بأحكامها من غير تعارض، والنهي في هذا على المنع المؤكد، وفي قول ابن عباس ﵁: (نَكَحَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ) إخبار عما شاهده عليه، وفي خبر عثمان نقل من المعهود، فهو أولى لأن فيه دليل الانتقال.\n\n<span data-type='title' id=toc-173>ومن باب ما جاء في النهي عن خطبة الرجل على خطبة أخيه</span>\n[٢١٤] (^٢) قيل: هو أن يخطب الرجل امرأة وتركن إليه ويتراضيان على صداق معلوم، فيجيء آخر فيخطبها، قال أهل العلم (^٣): إذا اتفق الخاطب والمخطوب إليه؛ فليس لثالث أن يخطب.\n\n<span data-type='title' id=toc-174>ومن باب نكاح الشغار</span>\n[٢١٥] (^٤) كان الرجل في الجاهلية يقول للرجل: شاغرني، أي: زوجني أختك على أن أزوجك أختي أو ابنتي؛ من غير مهر كان بينهما، فإذا عقد على هذا الوجه، فالعقد فاسد، وأصل الكلمة من شعر الكلب: وهو رفعه إحدى رجليه ليبول، فجُعل كناية للنكاح الذي صفته هذه، لأنه تصير الزوجة موهوبة من غير صداق.\n_________\n(^١) حديث عثمان: (إِنَّ الْمُحْرِمَ لَا يَنْكِحُ، وَلَا يُنْكَحُ) أخرجه برقم: ١٤٠٩، وأبو داود برقم: ١٨٤١.\n(^٢) حديث ابن عمر: أخرجه برقم: ١٤١٢، والبخاري برقم: ٥١٤٢.\n(^٣) ينظر: الإشراف: ٥/ ١٠، والتمهيد: ٨/ ١٢٦.\n(^٤) حديث أبي هريرة: أخرجه برقم: ١٤١٦، والنسائي برقم: ٣٣٣٨.","vol":"1","page":268},{"text":"<span data-type='title' id=toc-175>ومن باب الشروط في النكاح</span>\n[٢١٦] حديث: (إِنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَن يُوفَى بِهِ، مَا اسْتَحلَلْتُمْ بِهِ الفُرُوجَ) (^١)، وفي الحديث: تأكيد حرمة النكاح، والحث على الوفاء بشرطه، وقد أكد الله تعالى أمر النكاح فقال: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢١]، ورُوي عن النبي ﷺ: (أدُّوا العَلَائِقَ بَيْنَهُم) (^٢) يعني: المهور، جعله ﷺ أحق الشروط أن يوفى به، لأن في إتلاف البُضع إذا كان في غير حله غرامةً وحدًّا، وإذا كان في حله التذ به، وقد يكون سببا لنجاته.\n\n<span data-type='title' id=toc-176>ومن باب لا تنكح الأيم حتى تستأمر</span>\n[٢١٧] (^٣) جُعل السكوت في مواضع رضىً، منها: سكوت البكر إذا استُؤذنت في النِّكاح، ومنها: السكوت إذا بيع الشِّقص (^٤) فسكت عن طلب الشفعة، ومنها: الرجل يولد له الولد فيسكت عن النفي، ويمكِّنه الحاكم فلا يتحاكم إليه، فالنسب لازم له.\n_________\n(^١) حديث عقبة بن عامر: أخرجه برقم: ١٤١٨، وأبو داود برقم: ٢١٣٩، ولفظ مسلم: (أحق الشرط).\n(^٢) أخرجه بنحوه الدارقطني في سننه: ٣٦٠٠، والبيهقي في السنن الكبرى: ١٤٣٧٥.\n(^٣) حديث ابن عباس: أخرجه برقم ١٤٢١، وأخرجه البخاري برقم: ٥١٣٦، من حديث أبي هريرة.\n(^٤) الشقص: الجزء والنصيب في العين المشتركة.","vol":"1","page":269},{"text":"<span data-type='title' id=toc-177>ومن باب الصغيرة يزوجها أبوها</span>\n[٢١٨] حديث عائشة ﵂: (فَوُعِكتُ شَهرًا) (^١) أي: حمِمت، (فَوَفَى شَعرِي جُمَيْمَةً) أي: عاد جميمة، وهو تصغير الجُمّة، و(الأُرجُوحَة): التي يلعب بها الصبيان: حبل يعلق في سقف البيت، فيركبه الصبي ويرجِّح، وقولها: (فَقُلتُ: هَهُ هَهْ) حكاية صوت النفَس الغالب، (فَلَمْ يَرْعنِي إِلَّا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضُحًى، فَأَسْلَمْنَنِي إِلَيْهِ) قال أهل اللغة (^٢): رعتُه أي: أفزعته، قال الشاعر:\nمَا رَاعَنِي إِلّا جَنَاحٌ هَابِطَا … عَلَى البُيُوتِ فَوقَه العُلابِطا (^٣)\nأي رأيته بغتة، وقولها: (وَلُعَبُهَا مَعَهَا) اللُّعَب: البنات التي تلعب بها الجواري، و(زُفَّتْ إِلَيْهِ) يقال: زُفَّت العروس إلى زوجها، والزَّفيف: ضرب من السير.\nوفي الحديث دلالة على الترخص في اليسير من اللُّعب للصبيان، وكانت عائشة ﵂ يومئذ ابنة تسع، وفي الحديث: التهنئة بالزفاف، لقول نسوة الأنصار: (عَلَى الخَيرِ وَالبَرَكَة)، وفيه أن للأب أن يزوج ابنته الصغيرة، ومن العلماء من استدل على إدراك المرأة لتسع سنين (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه برقم: ١٤٢٢، والبخاري برقم: ٣٨٩٦.\n(^٢) مقاييس اللغة: ٢/ ٤٥٩.\n(^٣) البيت ينسب لشمر بن عمروا الحنفي، ينظر: النوادر للأنصاري: ٤٧٥، جمهرة اللغة لابن دريد: ٢/ ٩٢٥، الخصائص لابن جني: ٢/ ٢١٣، وقع عندهم جميعا بـ: (قوطه العلابطا).\n(^٤) يعني سن البلوغ والزواج، وعلى هذا اختلف العلماء في مسائل فرعية تتعلق بالبلوغ والتكليف والخيار والاستئذان في الزواج، والتكفين وغيرها من الأحكام المتعلقة بالمرأة، روي في هذا عن عائشة ﵂: (إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة الترمذي: ١١٠٩، ينظر: ابن بطال: ٧/ ٢٤٨، الاستذكار: ٥/ ٤٠٥، المفهم: ٤/ ١٢١، فتح الباري: ٥/ ٢٧٧.","vol":"1","page":270},{"text":"<span data-type='title' id=toc-178>ومن باب إباحة النظر إلى المرأة قبل النكاح</span>\n[٢١٩] قوله: (أَنَظَرْتَ إِلَيْهَا؟) (^١) في الحديث دليل أن النظر سبب للوَصلة، والوَصلة سبب للمحبة؛ ويستدام عقد النكاح بها، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١].\n\n[٢٢٠] وفي حديث عائشة ﵂: (تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي شَوَّالٍ) (^٢) فيه زجر عن التطير، ودليل أن الأشياء كلها بقدر الله، وكان أهل الجاهلية يجتنبون تزويج النساء والبناء بهن في شوال تطيرا من اسمه، لأن معناه من قول العرب: شالت الناقة، إذا خف لبنها.\nوفي قوله: (كَأَنَّمَا تَنحِتُونَ الفِضَّةَ مِن عُرضِ هَذَا الجَبَلِ) (^٣) فيه دلالة على استحباب تخفيف المهر، وكراهة تثقيله، وقيل: (فَإِنَّ فِي أَعْيُنِ الأَنْصَارِ شَيْئًا) أي: ملاحة.\n\n<span data-type='title' id=toc-179>ومن باب ما جاء في التزويج على تعليم القرآن</span>\n[٢٢١] في الحديث (^٤): دلالة على أن النكاح جائز على تعليم القرآن، وعلى كل عمل معلوم، قال الله تعالى حكاية عن شعيب: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧]، ولا فرق بين التعليم والعمل بالأجر، وفيه دليل أن الخاتم من الحديد يجوز أن يكون مهرا؛ خلافًا\n_________\n(^١) حديث أبي هريرة: أخرجه برقم: ١٤٢٤، والنسائي برقم: ٣٢٤٦.\n(^٢) أخرجه برقم: ١٤٢٣، والترمذي برقم: ١٠٩٣.\n(^٣) حديث أبي هريرة المتقدم عن إباحة النظر للمخطوبة.\n(^٤) حديث سهل بن سعد الساعدي: أخرجه برقم: ١٤٢٥، والبخاري برقم: ٥٠٣٠.","vol":"1","page":271},{"text":"لقول من يقول: لا يجوز أن يكون الصداق أقلَّ من عشْرة دراهم (^١).\nوقوله: (عَن ظَهرِ قَلب) (^٢) أي: حفظًا، وقوله: (صَعَّدَ النَّظَرَ فِيهَا وَصَوَّبَهُ) أي: نظر إلى رأسها، ونظر إلى رجلها.\n\n[٢٢٢] وقوله: (رَأَى عَلَى عَبدِ الرَّحْمَن أَثَرَ صُفْرَةٍ) (^٣) لم ينكر عليه النبي ﷺ الصُّفرة لما ذكر التزويج، وكانوا يرخِّصون في ذلك للشاب أيام العرس، وكانت الصُّفرة في ثوبه، وفي قوله: (عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِن ذَهَبٍ) قال أبو عبيد: النواة: خمسة دراهم (^٤).\nولم ينكر عليه النبي ﷺ ذلك، وهذا يرد قول من قال: لا يجوز أن يكون الصداق أقلَّ من عشرة دراهم، وقوله: (أَولِم بِشَاةٍ) (^٥) أي: أطعم في عرسك شاة، قيل: أُمِر بالوليمة لينتشر أمر النكاح، وقد روي: (أَعلِنُوا هَذَا النِّكَاحَ) (^٦) قيل: يعني اضربوا بالدف، وقوله: (وَعَلَيَّ بَشَاشَةُ العُرسِ) قيل: البشاشة: طلقة الوجه والاستبشار.\n_________\n(^١) وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، ينظر: الاستذكار: ٥/ ٤١٠، والإشراف لابن المنذر: ٥/ ٣٥، المبسوط: ٥/ ٨١.\n(^٢) لفظ مسلم: (عن ظهر قلبك).\n(^٣) حديث أنس: أخرجه برقم: ١٤٢٧، وأخرجه البخاري برقم: ٥١٥٥.\n(^٤) غريب الحديث: ٢/ ١٩٠.\n(^٥) لفظه: (أولم ولو بشاة).\n(^٦) رواه الترمذي برقم: ١٠٨٩، والنسائي برقم: ١٨٩٥.","vol":"1","page":272},{"text":"<span data-type='title' id=toc-180>ومن باب عتق النبي ﷺ صفية</span>\n[٢٢٣] (الخَمِيسُ) (^١): الجيش، و(العَنوَة): القهر، في الحديث دلالة على التغليس بالفجر، وقوله: (فَأَجرَى نَبِيُّ اللهِ) يعني فرسه، (فِي زُقَاقٍ خَيْبَرَ) الزقاق: السِّكَّة والطريق، وفي الحديث دليل أن البلاد إذا أُخذت عَنوة ملكها الموجفون (^٢)، وفيها: أن للإمام أن يُنفِل من رأس الغنيمة، وفيها: سنة الوليمة.\nوقوله: (مَا أَصدَقَهَا؟ قَالَ: نَفْسَهَا) قال الشافعي: ذلك خاص للنبي ﷺ (^٣)، وفي رواية ابن علية وشعبة: أن النبي ﷺ وأعتق ثم تزوج (^٤)، والمذهب: أن الرجل إذا تزوج أمته لم يقع النكاح، فالعتق أولا؛ ثم التزويج، وإذا مات الرجل عن زوجته ولم يسم لها صداقا؛ ثبت لها الصداق (^٥).\n* * *\n\n[٢٢٤] وفي هذه الأحاديث (^٦): دليل أن التصريح بالخطبة؛ إنما يجوز بعد انقضاء العدة، وفيها كراهية التثقيل والإفراط في الأنس، وفيها ما يجب على المرأة من الصبر والرضا إذا تزوج عليها زوجها امرأة أخرى، وفيها: الرخصة في\n_________\n(^١) حديث أنس في فتح خيبر: أخرجه برقم: ١٣٦٥، وأخرجه البخاري برقم: ٣٧١.\n(^٢) هم المقاتلة، والإيجاف: سرعة السير، والإغارة بالخيل والركاب.\n(^٣) مختصر المزني: ٨/ ٢٦٥، الحاوي الكبير: ٩/ ٨٥، وينظر: ابن بطال: ٧/ ١٧٧.\n(^٤) وقع التصريح بذلك في رواية شعبة عند الدارقطني: ٣٧٤٣.\n(^٥) مختصر المزني: ٨/ ٢٨٣، الحاوي الكبير: ٩/ ٤٧٩، بحر المذهب: ٠٩/ ٤٦٠.\n(^٦) حديث الزواج بزينب عن أنس: أخرجه مسلم برقم: ١٤٢٨، والبخاري برقم: ٥١٦٦، والنسائي برقم: ٣٢٥١.","vol":"1","page":273},{"text":"مدح المرأة للذي يريد خطبتها.\nوقوله: (يَتَرَاءَيْنَهَا): من الرؤية، و(التَّورُ): شبه الطاس الكبير، و(زُهاءُ ثَلَاثِمائَة): قرْب ثلاثمائة، و(الحَيسُ) الأقط والتمر، أو السمن والتمر يخلط أحدهما بالآخر، وقوله: (اشتَدَّ النَّهَارُ) وفي نسخة: (امتَدَّ النَّهَارُ) ومعناهما قريب.\nو(وَيَشمَتنَ بِصَرعَتِهَا): من الشماتة، وهو الفرح بمكاره الغير، وقوله: (فَعَثَرَتْ مَطِيَّتُه) أي: خرت لوجهها يعني الناقة، وقوله: (هَشِّنَا إِلَيْهَا) كذا في النسخة، والمعروف في اللغة إظهار التضعيف في هذا الباب: (هَشِشْنَا) (^١) والهشاشة: الفرح والاستبشار، وقوله: (سَوَادًا حَيْسًا) أصل السواد الشخص، ومعناه: شيئا كثيرا، و(المَقْسَمُ): الشيء المقسوم، يعني النصيب، و(الأَفَاحِيصُ): جمع أفحوص، وهي الأرض تُفحص أي تُحفر، و(الفُؤُسُ): جمع فأس، و(المَكَاتِل): جمع المكتل، وهو الزَّنْبِيل الكبير، و(المُرُورُ): جمع المَر، وهي المسحاة (^٢).\n_________\n(^١) في إكمال المعلم: ٤/ ٥٩٦: (قوله: هششنا إليها كذا عند أبى سعيد السجزي، وعند غيره: (هشنا إليها) بتشديد الشين، وكلاهما، صواب، وهو بكسر الشين في الماضي وفتحها في المستقبل، كذا قيدته في كتاب الهروي على أبى الحسين، ونحوه في كتاب العذري).\n(^٢) جمع المؤلف في هذا البيان غريب الحديثين.","vol":"1","page":274},{"text":"<span data-type='title' id=toc-181>ومن باب إذا دعي أحدكم إلى وليمة</span>\nفي الحديث (^١): استحباب اتخاذ الطعام لوليمة العرس، وفيه كراهة التثقيل، وفيه استحباب الهدية للعرس، وفيه إباحة الاعتذار، وفيه دلالة النبوة إذ لم ينقص الطعام من أكلهم بدعاء النبي ﷺ ومنه فضيلة الحياء.\n* * *\n\n[٢٢٥] وقوله: (بِئسَ الطَّعَامُ) (^٢)، وفي نسخة: (شَرُّ الطَّعَامِ)، إنما جعلها شر الطعام لما يخالطه من الرِّياء، ثم جعل من لم يجب عاصيا، لما في الإجابة من الألفة والاجتماع على الخير.\n\n[٢٢٦] وقوله: (فَإِن كَانَ صَائِمًا، فَليُصَلِّ) (^٣) أي فليدع، قال الله ﷿: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، أي: ادع لهم.\n_________\n(^١) حديث الزواج بزينب.\n(^٢) حديث أبي هريرة: أخرجه برقم: ١٤٣٢، والبخاري برقم: ٥١٧٧.\n(^٣) حديث أبي هريرة: أخرجه برقم: ١٤٣١، وأخرجه أبو داود برقم: ٢٤٦٠.","vol":"1","page":275},{"text":"<span data-type='title' id=toc-182>كتاب الطلاق</span>\n[٢٢٧] وفي الحديث: (جَاءَتِ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ) (^١) قال بعض العلماء: شرع الله تعالى للأزواج إباحة الطلاق، وذلك لأنه وإن كان المقصود من النكاح استدامة الصحبة، فلا يؤمن حدوث ما يقتضي قطعها، ولو أُجبر على إمساكها في هذا الحال، كان فيه إبطال لما بُني عليه النكاح من التآلف، ولعلهما إذا تفرقا صلُحت قلوبهما ونازعتهما أنفسهما إلى الاجتماع، لأنه قد يكون ما يُفسد الحال بينهما الملال، فإذا تفرقا مدة؛ انقطعت مواد الملال، والافتراق عند الملال؛ أقرب إلى الصلاح من إكراهها على المقام على التباغض والتنافر.\nثم وجوه الطلاق منقسمة منها طلاق سنة، ومنها طلاق بدعة: فالسنة: أن يطلقها طاهرا من غير جماع، والبدعة: أن يطلقها حائضا، أو في حال طهر جامعها فيه.\nوليس في عدد الطلاق سنة ولا بدعة، إنما الأمر فيه على الإباحة، وإنما قيل: طلاق بدعة؛ لأنها إذا كانت حائضا لم تعتد بأيام حيضها؛ من عدتها التي هي ثلاثة قروء، فتطول العدة عليها، وفي هذا إضرار بها، وإذا طلقها في طهر جامعها فيه؛ لم يؤمن أن تكون قد علقت من ذلك الجماع بولد؛ لو علم به الزوج لم يطلقها، وذلك أن الرجل قد يرغب في طلاق امرأته إذا لم يكن بينهما ولد، ما لا يرغب يرغب في ذلك إذا كان لها منه ولد، فإذا طلقها في هذه الحال؛ ثم ظهر بها\n_________\n(^١) حديث عائشة: أخرجه برقم: ١٤٣٣، وأخرجه البخاري برقم: ٢٦٣٩.","vol":"1","page":277},{"text":"حمل ندم على طلاقها.\nففي الطلاق في الحيض سوء نظر للمرأة، وفي الطلاق في طهر قد جومعت فيه سوء نظر للزوج، وإذا طلقت في طهر لم تُجامع فيه أُمن هذان الأمران، لأنها تعتد عقيب طلاقه فتجزئ في الثلاثة القروء، والرجل أيضا يأمن من اشتمالها على ولد منه.\nوقولها: (قَبَتَّ طَلَاقِي): أصل البت القطع، يقال: طلقها ثلاثة بتة أي: قاطعة، وصدقة بتَّة بَتْلة أي: منقطعة الأملاك، وروي: (لَا صِيَامَ لِمَن لَم يُبَيِّت الصَّومَ مِنَ اللَّيْلِ) (^١)، أي لمن لم ينوه ولم يقطعه.\nوقوله: (حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ)، قال أحمد بن يحيى (^٢): هذا كناية عن حلاوة الجماع، كما تقول: كنا في لحمة ونبيذة وعسلة ونحو ذلك، قيل: شبه لذة الجماع بالعسل، وإنما أُنث لأنه أراد قطعة من العسل، كما قيل: ذو الثدية، فأُنت على معنى: قطعة من الثدي، وقيل أُنث على معنى النطفة، وهي مؤنثة، ويقال: العسيلة تصغير العسل، والعسل يذكر ويؤنث، فمن أنثه قال في تصغيره: عسيلة (^٣).\nوقولها: (وإِنَّمَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوبِ)، (وَأَخَذَتْ بِهُدَبَةٍ مِن جِلْبَابِهَا): أرادت ضَعفه عن الجماع، في الحديث دلالة على حسن خلق رسول الله ﷺ، وحرصه على بيان ما بالأمة إليه الحاجة، وفي الحديث بيان لقوله تعالى:\n_________\n(^١) أخرجه النسائي برقم: ٢٣٣١، وغيره كذلك بلفظ: (يبيت) وهو الذي في الأصل، والسياق يقتضي: (يَبُتَّ)، وقد ورد به في بعض كتب الغريب، ينظر: غريب ابن قتيبة: ١/ ٣٠٠، غريب الخطابي: ٣/ ٢٣٩.\n(^٢) المشهور بثعلب: وهو إمام النحو أبو العباس أحمد بن يحيى بن يزيد الشيباني البغدادي، توفي ٢٩١، ينظر قوله في: الغريبين: ٤/ ١٢٧٧، المعلم للمازري: ٢/ ١٥٤.\n(^٣) ينظر: الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي: ٢١٦، الغريبين: ٤/ ١٢٧٧، النهاية: ٣/ ٢٣٧.","vol":"1","page":278},{"text":"﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا﴾ [البقرة: ٢٣٠]، جاءت السنة مبينةً لحكم الآية، وهو أن الرجل إذا نكح امرأة مطلقة ثلاثة؛ فما لم يدخل بها ويطلقها وتعتد منه عدة كاملة؛ لم يحل لها الرجوع إلى زوجها الأول.\nومعنى قوله: (يَذُوقَ عُسَيْلَتَهَا) أي: يجامعها، والعُسيلة: تصغير العسل، والعسل يذكر ويؤنث، قال الشاعر:\nبِهَا عَسَلٌ طَابَت يَدًا مَن يَشُورُها (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-183>ومن باب ما يقوله الرجل عند الجماع</span>\n[٢٢٨] حديث ابن عباس ﵁: (لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى امْرَأَتَهُ) (^٢).\nفي هذا الحديث: بيان أن الشيطان موكَّل بالإنسان، فيحتاج إلى أن يكون حذرا منه، ولا شيء أبلغ في قهر الشيطان من ذكر الله تعالى، والدعاء من أحرز ما يَتحصَّن به المسلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-184>ومن باب ما جاء في قوله تعالى ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾</span>\n[٢٢٩] قوله: (إن شَاءَ مُجَبِّيَّةٌ) (^٣)، قيل: التَّجبية: الانحناء، وقيل: البروك، وقوله: (غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي صِمَامٍ وَاحِدٍ)، صِمام القارورة معروف، ومعناه هاهنا: الفرْج.\n_________\n(^١) عجز بيت للشماخ بن ضرار الذبياني، وصدره: (كأن عيون الناظرين تشوفها)، ينظر: المعاني الكبير: ٢/ ٦١٦، تهذيب اللغة: ٢/ ٥٧، حلية الفقهاء: ٢/ ٦١٥.\n(^٢) أخرجه مسلم برقم: ١٤٣٤، والبخاري برقم: ١٤١، غير أن اللفظ الذي ذكره المؤلف لفظ ابن ماجة برقم: ١٩١٩، وأما لفظ مسلم: (لو أن أحدهم إذا أراد أن يأتي أهله).\n(^٣) حديث جابر: أخرجه مسلم برقم ١٤٣٥، والبخاري برقم: ٤٥٢٨.","vol":"1","page":279},{"text":"وفي الحديث دليل أن للرجل أن يتمتع بامرأته إذا اتقى موضع الأذى على أي وجه شاء.\n\n<span data-type='title' id=toc-185>ومن باب إذا هجرت المرأة فراش زوجها</span>\n[٢٣٠] في هذ الحديث (^١) بيان لتأكيد حق الزوج على امرأته، وأن عليها طاعته.\n\n<span data-type='title' id=toc-186>ومن باب كراهية أن يحدث الرجل بإفضائه إلى أهله</span>\n[٢٣١] قوله: (يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ) (^٢)، أي: يباشرها في السر.\n\n<span data-type='title' id=toc-187>ومن باب ما جاء في العزل</span>\n[٢٣٢] قوله: (غَزْوَةَ بَلمُصطَلِقِ) (^٣)، أراد: بني المصطلق، فحذف النون تخفيفا، ولذلك لم ينون القاف، لأن (بني) مضاف إلى المصطلق، كما يقال: بلْعَنبر، وقوله: (فَلَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا)، قال الحسن: والله لكأن هذا زجر، يعني: معناه: لا تفعلوا، وقال محمد بن سيرين قوله: (لا عَلَيْكُمْ) أقرب إلى النهي (^٤).\nوفي قوله: (وَرَغِبَنَا فِي الفِدَاءِ) دليل أن أم الوليد لا تباع، أي: أحببنا ألا تحمل منا حتى نبيعها أو تُفدى بالمال، وقوله: (مَا كَتَبَ اللهُ خَلَقَ نَسَمَةٍ) النَّسَمة:\n_________\n(^١) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ١٤٣٦، والبخاري برقم: ٥١٩٤.\n(^٢) حديث أبي سعيد: أخرجه مسلم برقم: ١٤٣٧، وأبو داود برقم: ٤٨٧٠.\n(^٣) حديث أبي سعيد: أخرجه مسلم برقم ١٤٣٨، والبخاري برقم: ٥٢١٠.\n(^٤) قول الحسن وابن سيرين أيضا في رواية مسلم.","vol":"1","page":280},{"text":"النفس، قال أهل اللغة (^١): كل دابة فيها روح فهي نسمة، وفي الحديث: (وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ) (^٢).\nوقوله: (فَطَالَت عَلَيْنَا العُزْبَةُ)، العزَب الذي لا أهل له، والعُزبة: مصدر، يقال: طالت عُزبته وعُروبته، و(العَزِلُ): حبس الماء عن المرأة، يقال: عزلتُه أي نحَّيته، واعتزلت البيت وتعزَّلته، أي: تركته، قال:\nيا بَيتَ عائِكَةَ الَّذي أَتعزَّلُ … حَذَرَ العِدى وَبِهِ الفُؤادُ مُوَكَّلُ (^٣)\nوالسبي معروف، والسبِيَّة: الجارية تُسبى، والجمع سبايا، وفي الحديث دليل أن الإمام إذا غلب على أهل الحرب عَنوة ملكهم، وأن الغزاة إذا أرادوا أن يبيعوا السبي بعد استقرار ملكهم عليه كان لهم ذلك، وكذلك إذا أرادوا أن يطؤوا؛ ومن الورع ألا يعزل عنها، وفيه دليل أن العُلوق (^٤) بقضاء من الله وقدر.\n\n[٢٣٣] وقوله: (هِيَ خَادِمُنَا) (^٥)، يقال للرجل والمرأة: خادم بغير هاء، وقوله: (وَسَانِيَتُنَا)، وفى نسخة: (وَسَائِسَتُنا) (^٦) السانية يعني: الساقية التي تستقي الماء، وأكثر ما يستعمل في الناقة، يقال: سنت الناقة تسنو، وسنا القوم إذا\n_________\n(^١) الغريبين: ٦/ ١٨٣٣، غريب ابن الجوزي: ٢/ ٤٠٥.\n(^٢) متفق عليه البخاري برقم: ٣٠٤٧، مسلم: ٧٨.\n(^٣) البيت للأحوص الأنصاري، ينظر: عيون الأخبار: ١/ ١١٤، الأغاني: ٢١/ ٦٨، الجليس الصالح: ٥٥٠.\n(^٤) علقت المرأة بالولد، وكل أنثى تعلَق، من باب تعب أيضا حبِلت، والمصدر: العُلوق. النهاية: ٢/ ٤٢٥.\n(^٥) حديث جابر: أخرجه مسلم برقم ١٤٣٩، وأبو داود برقم: ٢١٧٣.\n(^٦) عند ابن الحذَّاء: (سائستنا): اسم فاعل من: ساس الفرس، يسوسه: إذا خدمه. [المفهم: ٤/ ١٦٩].","vol":"1","page":281},{"text":"استقوا، والسائس من قولهم سُست القوم أسوسهم سياسة، إذا قمت بإصلاح أمرهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-188>ومن باب ما جاء في الغيلة</span>\n[٢٣٤] قوله: (بِامْرَأَةٍ مُجِحٍّ) (^١)، المُجِحّ: المُقْرِب للولادة، و(الفُسطاط): الخيمة، قال أبو عبيد (^٢): المُجِحّ: الحامل المُقرب.\n\n[٢٣٥] والغِيلَة والغِيلُ (^٣): وطء المرضع فتحمل، فإذا حملت فسَد اللبن على الصبي؛ ويُفسد له جسده، وتضعف له قوتُه، وفي رواية خلف: (جُذَامَة) بالذال المعجمة، والصحيح ما رواه يحيى بن يحيى بالدال غير المعجمة، و(الوَأْدُ): دفن الابنة حية.\nوفي الحديث (^٤) دلالة أن الملك في الإماء؛ يقوم مقام النكاح في الحرائر، وأنه إذا أقر بالوطء لزمه الولد، وهذا الوعيد إنما جاء عن النبي ﷺ لأنه رآها حبلى، فخاف أن سيدها لا يعترف بالولد فيُحرم الميراث، وينقطع النسب، أو يكون أصابها غيره وقد أقر؛ فيورث، ولا يحل له الميراث، وقيل: إن تلك الأمة كانت من السبايا، وكانت قد حملت؛ فوطأها قبل الاستبراء ووضع الحمل، فقال: كيف يورِّثه وهو من غيره، أو كيف يستخدمه وهو لا يحل له، أي: لعله يحسبها حبلى وليست بحبلى، فيكون الحمل منه، ولا يحل له أن يستخدمها على\n_________\n(^١) حديث أبي الدرداء: أخرجه مسلم برقم: ١٤٤١، وأبو داود برقم: ٢١٥٦.\n(^٢) الغريبين: ١/ ٣١٤.\n(^٣) حديث عائشة: أخرجه مسلم برقم: ١٤٤٢، وأبو داود برقم: ٣٨٨٢.\n(^٤) حديث أبي الدرداء في وطء الحبلى المسبية.","vol":"1","page":282},{"text":"وجه التملُّك، وفي هذا دلالة على النهي عن وطء الحوامل.\nوقوله: (فَإِذَا هُم يُغِيلُونَ)، قال صاحب المجمل (^١): تقول لإرضاع الصبي على الحبل: غيل وغيلة، يقال: أغالت المرأة، وأَغْيَلت، إذا فعلت به ذلك.\nوفي الحديث: (لَقَد هَمَمتُ أَنْ أَنْهَى عَنِ الغِيلَةِ)، وقيل: الغيلُ أن يجامع الرجل امرأته وهي مرضع، وقوله: (لَعَلَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُلِمَّ بِهَا) يعني أن يجامعها.\nوفي الحديث دليل أن للرجل التمتع بأهله على الأحوال كلها، إلا ما قام الدليل على النهي عنه، وكان عند النبي ﷺ أن الغيلة تضر بالولد، حتى سمع أن ذلك لا يضر؛ فترك النهي.\nيقال: أغال الرجل ولده، إذا أتى أمه وهي ترضعه، فحمَلت به، والولد مُغال، وأَغْيَل لغة، والولد مغيل، وفي غير رواية ابن نمير: (إِنْ كَانَ ذَلِكَ فَلَا، مَا ضَارَ ذَلِكَ فَارِسَ وَالرُّوم) يقال: ضارَه يضيرُه ضَيْرًا، وضَرَّه يَضُرُّه ضُرًّا (^٢).\nوقوله: (ذَلِكَ الْوَأْدُ الْخَفِيُّ) يعني: إذا قصد من يعزلُ إلى إزالة قدر الله، فأما من فعل ذلك على أنه يرى القدر واقعا كما يشاء الله، لا يدخل في هذا، وفي الحديث نهي عن إسقاط النسب؛ وتوريث الولد بالشبهة.\n_________\n(^١) مجمل اللغة: ٦٨٩.\n(^٢) ينظر: غريب القاسم بن سلام ٢/ ١٠٠، النهاية: ٣/ ٤٠٣ - ٣/ ١٠٥.","vol":"1","page":283},{"text":"<span data-type='title' id=toc-189>ومن كتاب الرضاع</span>\nفي الأحاديث من الفقه: أن الرضاع يوجب التحريم، وله حرمة كحرمة النسب، وفيها: أن الحكم في ذلك من قبل الرجل والمرأة واحد.\n\n[٢٣٦] وقوله: (مَا لَكَ تَتُوقُ فِي قُرَيْشٍ) (^١) يقال: تاقت نفسه إلى كذا إذا اشتهته.\n\n[٢٣٧] وقولها (لَستُ لَكَ بِمُخلِيَةٍ) (^٢) أي: بمنفردة، أي: لك غيري من النساء، (وَأَحَبُّ مَن شَرِكَنِي فِي الْخَيْرِ أُختِي) يعني: وأحب من تتزوج به؛ فيشاركني في الخير أختي، وقوله: (فَلَا تَعرِضْنَ) خطاب لجماعة المؤنث، وفي نسخة: (فَلَا تَعرِضُنَّ) على أن يكون خطاب جماعة المذكر، غير أن قوله: (بَنَاتِكُنَّ) يُضْعِف هذا.\nوفي الحديث دليل أن الصهر يوجب حرمة، وقد يكون سببا لاشتباك الرحم، وفيه: أن الأخوة في الرضاع كالأخوة في النسب، ومنها: الاعتذار إلى النساء تطييبا لأنفسهن، ومنها: الإخبار عما لم يشاهد من الأمور؛ إذا صح ذلك بخبر الثقة.\n_________\n(^١) حديث علي: أخرجه مسلم برقم: ١٤٤٦، والنسائي برقم: ٣٣٠٤، والأشهر أن يروى بلفظ: (تنَوَّقُ) بمعنى تختار، قال في إكمال المعلم: ٤/ ٦٣١: (كذا رواية هذا الحرف عند أكثرهم - أي: تنوق -، ووقع عند العذري والهروي وابن الحذاء: (تَتُوق) بضم التاء، ومعناه: تميل وتشتهى).\n(^٢) حديث أم حبيبة: أخرجه برقم: ١٤٤٩، والبخاري برقم: ٥١٠١.","vol":"1","page":285},{"text":"<span data-type='title' id=toc-190>ومن باب ذكر العدد الذي يوقع التحريم بالرضاع</span>\n[٢٣٨] حديث: (لَا تُحَرِّمُ الإِمْلَاجَةُ وَالإِمْلَاجَتَانِ) (^١) قيل: الإملاجَة: الرَّضعة، وقيل: المصة، يقال: أملج الصبي أمه، إذا رضعها، وقيل: أملجت الأم الصبي إذا أرضعته فملجها، أي رضعها، وروي خارج الصحيح: (لَا تُحَرِّمُ المَلْجَة وَلَا المَلْجَتَان) (^٢)، و(الحُدْثَى): تأنيث الأحدث.\nوفي هذه الأحاديث دليل أن قليل الرضاع لا يحرِّم، وإذا زاد عليه حرَّم، لأن العدد يوجب كون الحكم بعد الغاية خلاف الحكم قبل الغاية، غير أن في خبر معاذ بن هشام (^٣): دلالة أن هذا خرج جوابا عن سؤال، فلم يجز أن يجعل غاية.\n\n<span data-type='title' id=toc-191>ومن باب ما ورد في أكثر عدد الرضعات</span>\n[٢٣٩] فيه حديث عائشة ﵂ (^٤): احتج الشافعي (^٥) ﵀ بهذا الخبر، وخرج على قوله النسخ على ثلاثة أوجه منها ما يكون رفعا للحكم مع بقاء التلاوة، مثل قوله تعالى ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، نسخ بقوله: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، ومنه: ما أثبت حكمه ورفع خطه، مثل آية\n_________\n(^١) حديث أم الفضل: أخرجه برقم: ١٤٥١، والنسائي برقم: ٣٣٠٨.\n(^٢) الطبراني في الكبير برقم: ٢٧، وعبد الرزاق في المصنف: ١٣٩٢٦، وعند النسائي ٣٣١: (الخطفة ولا الخطفتان).\n(^٣) عند مسلم برقم: ١٤٥١، وفيه أن رجلا من بني عامر بن صعصعة، قال: يا نبي الله، هل تحرم الرضعة الواحدة؟ قال: \"لا\".\n(^٤) أخرجه برقم: ١٤٥٢، وأبو داود برقم: ٢٠٦٢.\n(^٥) ينظر: الحاوي الكبير: ١٣/ ١٩٠، البيان في مذهب الإمام الشافعي: ١١/ ١٤٦.","vol":"1","page":286},{"text":"الرجم، ومنه: ما رفع خطه ونسخ حكمه، مثل ما روي عن عائشة ﵂، فالخمس المنسوخة غير موجودة في الخط، ولا مستعملة في الحكم.\n\n<span data-type='title' id=toc-192>ومن باب ما جاء في رضاع الكبير</span>\n[٢٤٠] حديث سهلة بنت سهيل (^١): هذا الحديث مخصوص، والدليل على خصوصه: إجماع العلماء أن رضاع الكبير لا يحرِّم.\n\n<span data-type='title' id=toc-193>ومن باب الدليل على أن الرضاع لا يحرم إلا في الحولين</span>\nقوله: (يَدْخُلُ عَلَيْكِ الْغُلَامُ الْأَيْفَعُ)، قيل: هو الذي له عشر سنين، وقوله لسَهلة: (أَرْضِعِيهِ): لم يرد ضعي ثديك في فيه، ولكن أراد أحلبي له من لبنك شيئا، ثم ادفعيه إليه ليشربه، ولا يحل لسالم أن ينظر إلى ثديها وقت الرضاع، وقوله: (وَلَا رَائِينَا) النون والألف محله جر بإضافة رائي إليه ورائي: فاعل رأى.\n\n<span data-type='title' id=toc-194>ومن باب قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾</span>\n[٢٤١] حديث أبي سعيد الخدري ﵁ (^٢) (أَوْطَاس): من أرض هوازن (فَظَهَرُوا عَلَيْهِمْ) أي غلبوهم، (تَحَرَّجُوا) أي: خافوا الوقوع في الحرج.\n\n<span data-type='title' id=toc-195>ومن باب الحكم بالولد للفراش</span>\n[٢٤٢] حديث عبد بن زمعة (^٣): (العَاهِر): الزاني، ومعنى قوله: (لِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ) أي: لا شيء له في النسب، وقيل: يرجم بالحجر إذا كان محصنا.\n_________\n(^١) أخرجه برقم: ١٤٥٣، والبخاري: ٤٠٠٠، وأبو داود: ٢٠٦١.\n(^٢) أخرجه برقم: ١٤٥٦، وأبو داود: ٢١٥٥.\n(^٣) أخرجه برقم: ١٤٥٧، وأخرجه البخاري: ٢٢١٨.","vol":"1","page":287},{"text":"وفي الحديث أن الحادثة يطلب حكمها من الكتاب أو السنة، فإن لم يأت به كتاب ولم تمض به سنة، يقاس الأمور بعضها ببعض، ويؤخذ بأقربها شبها بالحق؛ فيحكم به على سبيل التغليب؛ لا على سبيل القطع، لأن النبي ﷺ حكم بالولد للفراش لزَمعة، ولم يقطع به؛ لقوله لسودة: (احتَجِبِي مِنْهُ)، ألحقه بها أخا وأمرها بالحجاب، لما رأى من شبهه بعتبة، وفيه دليل أن الأمة قد تكون فراشا، وإذا أقر بوطء أمته؛ لم يسعه نفي ولدها، وقال: (احتَجِبِي) وإن كانت الأخوة ثابتة في ظاهر الحكم، وذلك أقرب إلى الورع.\n\n<span data-type='title' id=toc-196>ومن باب ما جاء في الحكم بالقيافة</span>\n[٢٤٣] حديث: (أَلَم تَرَي أَنَّ مُجَزِّزًا نَظَرَ آنِفًا) (^١) أي: الساعةَ، و(مجزِّز) بكسر الزاي والتشديد، وفي الحديث بيان إثبات حكم القِيافة (^٢)، وأنها تقوم مقام الشهادة في بعض الأحوال؛ استدلالا بالشبه، وسكوت النبي ﷺ عن مثل هذا دال على الرضا به، وسروره لا يكون إلا بالحق.\n\n<span data-type='title' id=toc-197>ومن باب المقام عند البكر والثيب</span>\n[٢٤٤] حديث: (لَيسَ بِكِ عَلَى أَهْلِكِ هَوَانٌ) (^٣) أي: إنكِ عزيزة عند زوجك، (إِن شِئتِ سَبَّعتُ لَكِ)، أي: أقمت عندك سبع ليال، (وَإِن سَبَّعْتُ لَكِ، سَبَّعْتُ لِنِسَائِي)، أي: وإن أقمت عندك سبعا أقمت عند نسائي سبعا.\nوفي الحديث: (لِلبِكرِ سَبْعٌ، وَلِلثَّيِّبِ ثَلَاثٌ) معناه: أن الرجل يجب عليه\n_________\n(^١) حديث عائشة: أخرجه برقم: ١٤٥٩، وأخرجه البخاري: ٦٧٧٠.\n(^٢) القيافة: تتبع الآثار، ومعرفة شبه الرجل بأخيه وأبيه. [النهاية: ٤/ ١٢١].\n(^٣) حديث أم سلمة: أخرجه برقم: ١٤٦٠، وأخرجه أبو داود: ٢١٢٢.","vol":"1","page":288},{"text":"أن يعدل بين نسائه في القسْم، فيقيم عند كل واحدة مثل ما يقيم عند صواحباتها، وأباحت السنة أنه إذا دخل بامرأة بكر، أن يقيم عندها سبعة أيام؛ لا يحسبها عليه نساؤه في القسْم، وأما الثيب فلها ثلاثة أيام، وقوله: (وَإِن شِئتِ ثَلَّثتُ، ثُمَّ دُرتُ، قَالَت: ثَلِّث) أي: أقم عندي ثلاثًا ودر، وهذه الأيام إنما فضلت بها المنكوحة في أول زفافها؛ لتكون أعز، والكرامة عليها أكثر، وقيل: ليكمُل تمتع الناكح بالكون عندها هذه المدة، والسنة فيه أن الرجل إذا بنى بالبكر؛ أقام عندها سبعًا ثم دار، وإذا بنى بالثيب؛ أقام عندها ثلاثًا ثم دار، فإن شاءت الثيب أن يقيم عندها سبعًا؛ عندها؛ ثم أقام عند كل واحدة من نسائه سبعًا ثم دار، وهو معنى قوله ﷺ: (زِدتُكِ، وَحَاسَبتُكِ بِهِ).\n\n<span data-type='title' id=toc-198>ومن باب كان للنبي ﷺ تسع نسوة</span>\n[٢٤٥] حديث أنس ﵁: (فَكَانَ إِذَا قَسَمَ بَينَهُنَّ، لَا يَنتَهِي إِلَى المَرأَةِ الأُولَى إِلَّا فِي تِسعٍ) (^١)، في هذا الحديث دليل أن الرجل إذا جمع بين نسوة في النكاح؛ لزمه القسْم بينهن على العدل، وقوله: (فَتَقَاوَلَنَا): تفاعلنا من القول، أي: أكثرتا القول، (حَتَّى اسْتَحْيَنَا) (^٢) من الحياء، وفي نسخة: (حَتَّى اسْتَخَبَنَا) من السخب، والسخب والصخب: رفع الصوت بالخصومة، ووزنه: افتعلتا، وفي الحديث دليل على مداراة النساء.\n_________\n(^١) حديث أنس: أخرجه برقم: ١٤٦٢.\n(^٢) (استَخَبَتا: فهو بخاء معجمة ثم باء موحدة مفتوحتين ثم تاء مثناة فوق … هكذا هو في معظم الأصول، وكذا نقله القاضي عن رواية الجمهور، وفي بعض النسخ: (استخبثتا) بثاء مثلثة أي: قالتا الكلام الرديء، وفي بعضها: (استحيتا) من الاستحياء، ونقل القاضي عن رواية بعضهم: (استحثتا) بمثلثة ثم مثناة، قال: ومعناه - إن لم يكن تصحيفا -: أن كل واحدة حثت في وجه الأخرى التراب) شرح النووي: ١٠/ ٤٧، الإكمال: ٤/ ٦٦٤.","vol":"1","page":289},{"text":"<span data-type='title' id=toc-199>ومن باب هبة المرأة يومها من زوجها لصاحبتها</span>\n[٢٤٦] حديث عائشة ﵂: (مَا رَأَيتُ امْرَأَةَ أَحَبَّ إِلَيَّ أَن أَكُونَ فِي مِسلَاخِهَا مِنْ سَودَةَ بنتِ زَمعَةَ) (^١)، مسلاخها: جلدها، وقولها: (مِن امْرَأَةِ فِيهَا حِدَّةٌ) أي: مع حدة فيها، وفيه دليل أن هبة الحق - وإن لم يكن معينا - جائزة إذا كان معلوما، وقيل: نزلت قوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١]، في هذا.\n\n[٢٤٧] وقوله: (مَا أُرَى رَبَّكَ إِلَّا يُسَارِعُ لَكَ فِي هَوَاكَ) (^٢) أي: ينزل القرآن على وَفق مرادك.\n\n<span data-type='title' id=toc-200>ومن باب كان النبي ﷺ لا يقسم لنسائه إلا صفية بنت حيي</span>\n[٢٤٨] حديث قال ابن عباس ﵁ الله: (فَإِذَا رَفَعتُم نَعشَهَا، فَلَا تُزَعزِعُوا، وَلَا تُزَلزِلُوا) (^٣)، الزعزعة والزلزلة: شدة الحركة، والنعش: سرير الميت، وارفقوا: من الرفق، قال عطاء (^٤): كانت آخرهن موتا، ماتت بالمدينة.\n\n<span data-type='title' id=toc-201>ومن باب الخصال التي تنكح لها النساء</span>\n[٢٤٩] حديث أبي هريرة ﵁ (^٥): في الحديث دليل على اختيار الناس ذلك، وأن المرغوب فيه - في أكثر الأحوال - من المناكح ذلك، وقوله: (تربَتْ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم: ١٤٦٣.\n(^٢) حديث عائشة: أخرجه مسلم برقم: ١٤٦٤، وأخرجه البخاري برقم: ٤٧٨٨.\n(^٣) حديث ابن عباس: أخرجه مسلم برقم: ١٤٦٥، والبخاري برقم: ٥٠٦٧.\n(^٤) عند مسلم في الحديث نفسه.\n(^٥) أخرجه مسلم برقم: ١٤٦٦، وأخرجه البخاري برقم: ٥٠٩٠.","vol":"1","page":290},{"text":"يَدَاكَ) قيل: معناه افتقرتا إن خالفت ذات الدين؛ واخترتَ ضدها، وقيل: هذا على عادة العرب إذا دعت لرجل شجاع قالت: قاتله الله ما أشجعه.\n\n<span data-type='title' id=toc-202>ومن باب الحض على نكاح الأبكار</span>\n[٢٥٠] حديث جابر ﵁: (قَالَ: فَهَلَّا بِكْرًا) (^١)، هلَّا: كلمة تحضيض، بكرا: نصب بإضمار فعل، أي: فهلا تزوجت بكرًا، وقوله: (إِنَّ لِي أَخَوَاتٍ) نصب اسم إن، لأن جمع سلامة المؤنث يكون في حال النصب بالكسر، وقوله: (فَذَاكَ إِذَن) أي: إن كان الأمر كما قلت؛ فذاك صواب حينئذ.\nوقوله: (فَأَينَ أَنتَ مِنَ الْعَذَارَى) العذارى: جمع عذراء يعني: البكر، وقوله: (ولِعَابِهَا) بكسر اللام يعني: الملاعبة، وهو مصدر لاعب، والمصدر يضاف إلى الفاعل؛ ويضاف إلى المفعول، يجوز أن يريد: وملاعبتها إياك، ويجوز أن يريد وملاعبتك إياها، وقوله: (إِنِّي كَرِهْتُ أَن آتِيَهُنَّ أَوْ أَجِيئَهُنَّ بِمِثْلِهِنَّ)، يعني: بامرأة لم تمارس خدمة البيت، ولم تتعود القيام بمصلحة البيت، وفي الحديث إباحة ملاعبة العيال.\nوفيه: استحباب النظر في مصالح المعيشة، وفيه: النظر في أمر الأيتام والقيام بمصالحهم، وقوله: (عَلَى بَعِيرٍ لِي قَطُوفٍ) يقال: قَطَفَت الدابة، إذا كان بطيء السير، ودابَّة قَطوف، وقوله: (فَنَخَسَ بَعِيرِي) يقال: نخَسْت الدابة بعود أو غيره نخسًا، ومن ذلك سمِّي النخَّاس للذي يبيع الدواب، وقوله: (كَأَجوَدِ مَا أَنتَ رَاءٍ مِنَ الإِبِلِ) هو فاعل من رأيت الشيء أي: أبصرته.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم: ٧١٥، وأخرجه البخاري برقم: ٢٠٩٧.","vol":"1","page":291},{"text":"وقوله: (فَقَال: مَا يُعجِلُكَ) أي: ما يحملك على العجلة، و(الشَّعِثَةُ): التي طال عهدها بالدَّهن والمَشط، و(الاستِحدَاد): استعمال الحديد، و(الْمُغِيبَةُ): التي غاب زوجها، وقوله: (فَالكَيسَ الكَيسَ) نصب بإضمار فعل، أي: فالزم الكيس، والكَيْس: الجد في الأمر، يريد أمر الصحبة والجماع، وقوله: (فَحَجَنَهُ بِمِحْجَنهِ) أي: فضربه بعصا معوجة الرأس، وقوله: (أَكُفُّهُ) أي: أزجره، و(الأُوقِيَة): أربعون درهما، وقوله: (عَلَى نَاضِحٍ) أي: بعير يستقى عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-203>ومن باب (خلقت المرأة من ضلع)</span>\n[٢٥١] فيه (^١): مداراة النساء والصبر على مرارتهن؛ لأنها فيهن جِبلَّة. وأنه إذا سخِط منها خَلَّة واحدة فصبر عليها؛ ربما كفي مؤنة الخِلال الكثيرة.\n\n[٢٥٢] وقوله: (لَا يَفرَك مُؤمِنٌ مُؤمِنَةً) (^٢) أي: لا يبغض، والفَرك: البغض، وهذه اللفظة مخصوصة بين الزوجين، والعوج في النساء جِبِلة، (فَاسْتَوصُوا) أي: اقبلوا الوصية، وقيل: (استَوصُوا) بمعنى: أوصوا.\n\n[٢٥٣] وحديث: (الدُّنيا مَتَاعٌ) (^٣) أي: بُلغة، والكفاف منها يكفي، والمرأة خير متاعها إذا كانت صالحة.\n_________\n(^١) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ١٤٦٨، وأخرجه البخاري برقم: ٣٣٣١.\n(^٢) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ١٤٦٩، وأخرجه أحمد برقم: ٨٣٦٣.\n(^٣) حديث عبد الله بن عمرو: أخرجه مسلم برقم: ١٤٦٧، وأخرجه النسائي برقم: ٣٢٣٢.","vol":"1","page":292},{"text":"[٢٥٤] وحديث: (لَولَا بَنُو إِسْرَائِيلَ، لَم يَخبُثِ الطَّعَامُ، وَلَم يَخنَزِ اللَّحمُ) (^١)، يقال: خنِز اللحم إذا أنتن، وقوله: (وَلَولَا حَوَّاءُ لَم تَخُن أُنثَى زَوجَهَا)، فيه دليل أن الأمور صائرة إلى ما قضاه الله وقدره، واللوم لاحق بالمسيء.\n\n<span data-type='title' id=toc-204>ومن باب طلاق الحائض</span>\n[٢٥٥] حديث ابن عمر ﵁ (^٢): في الحديث دليل على أن الأقراء التي يعتد بها هي الأطهار دون الحيض، وذلك أن قوله: (فَتِلْكَ) إشارة إلى ما تقدم من ذكر الحيض، فلم يعلق الحكم عليه، ثم أتبعه ذكر الطهر، وقال عند ذلك: (فَتِلْكَ الْعِدَّةُ) فعلم أنه وقت العدة وزمان العدة.\nومعنى اللام في قوله: (لَها) معنى: في، يريد أنها العدة التي تُطلَّق فيها النساء، كما يقول القائل: كتبت لخمس خلون من الشهر، أي وقت خلا فيه من الشهر خمس ليال، وإذا كان وقت الطلاق الطهر، ثبت أنه محل العدة، وهو معنى قوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، أي: في وقت عدتهن، وبيان ذلك قوله: ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق: ١]، فعلم أن العدة التي أمر أن يطلق لها النساء، العدة التي تحصيها.\nومما يؤكد ذلك قوله: (ثُمَّ إِن شَاءَ أَمْسَكَ بَعدُ، وَإِن شَاءَ طَلَّقَ قَبلَ أَن يَمَسَّ)، فدل أن الطهر هو المعتد به في الأقراء، فلولا أنه كذلك لأمره أن يمهل حتى يكون آخر وقت الطهر، فيقول له حينئذ: طلق، لأنه إنما نهى عن الطلاق\n_________\n(^١) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ١٤٧٠، وأخرجه البخاري برقم: ٣٣٩٩.\n(^٢) أخرجه مسلم برقم: ١٤٧١، وأخرجه البخاري برقم: ٥٢٥١.","vol":"1","page":293},{"text":"في الحيض لئلا تطول عليها العدة، فلم يكن ليجوِّزه في هذا، وذلك المعنى بعينه موجود.\nوفي الحديث دليل على أن الطلاق في الحيض بدعة، وأن من طلق في الحيض وكانت المرأة مدخولا بها؛ وقد بقي من طلاقها شيء؛ فإن عليه أن يراجعها.\nوفي قوله: (وَإِن شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَن يَمَسَّ) دليل على أن من طلق امرأته في طهر كان أصابها فيه، فإن عليه مراجعتها، لأن كل واحد منهما مطلق لغير السنة، وإذا اجتمعا في هذه العلة؛ وجب أن يجتمعا في وجوب حكم الرجعة، وهذا على معنى وجوب استعمال حكم السنة فيه، وقال مالك ابن أنس ﵁: يلزمه مراجعتها، وجوبا، لا يسعه غير ذلك (^١).\nوفيه دليل على أن طلاق البدعة يقع على الحائض كوقوعه على الطاهر، إذ لو لم يكن واقعا لم يكن لمراجعته إياها معنى، وقالت الخوارج والروافض: إذا طلق في وقت الحيض لم تطلق (^٢)، وقال الشافعي: السنة في الوقت دون العدد، وله أن يطلقها واحدة وثنتين وثلاثا (^٣)، قال أصحاب الشافعي: إنما منعه من طلاقها في ذلك الطهر لئلا تطول عليها العدة، لأن المراجعة لم يكن تنفعها\n_________\n(^١) هذا عند مالك فيمن طلق امرأته في الحيض، فإنه يجبر على المراجعة بناء على ما في الحديث، ينظر التمهيد: ١٥/ ٦٧، وأما الطلاق في طهر مسها فيه، فقد ورد عن مالك في المدونة: ٢/ ٦: (لا يؤمر بمراجعتها، وهو قرء واحد، وإنما كان الصواب أن يطلق في طهر لم يجامع فيه.\n(^٢) ينظر معالم السنن: ٣/ ٢٣٢.\n(^٣) الحاوي الكبير: ١٠/ ١٢١، بحر الذهب: ١٠/ ٣٠، البيان في مذهب الشافعي: ١٠/ ١٣٩، المجموع: ١٧/ ١٥٩.","vol":"1","page":294},{"text":"حينئذ، فإذا كان كذلك كان يجب عليه أن يجامعها في الطهر؛ ليتحقق معنى المراجعة، فإذا جامعها لم يكن له أن يطلق، لأن طلاق السنة هو الذي يقع في طهر لم يجامع فيه (^١).\nوفي الحديث دليل أن الاعتداد بالأطهار، إذ أمره بالطلاق في الطهر، ثم قال: (فَتِلكَ العِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ ﷿ أَن يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ)، وفي تغيظ النبي ﷺ إذ طلقها في الحيض دليل أن الطلاق في الحيض بدعة.\nومعنى قوله: (استَحمَقتُ) أي: تحامقت، وقوله: (فَمَه، أَرَأَيْتَ إِن عَجَزَ) (^٢) أي: أيُّ شيء يكون إذا لم يعتد بها، إنكارا منه لقول يونس: (أَفَتَعتَدُّ بِهَا)، فكأنه قال: وهل من ذلك بد؟ أرأيت لو عجز واستحمق فلم يفعل ذلك، أكان يعذر فيه؟ وفي قوله ﷿: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، أمر أن يطلق النساء في وقتٍ يبتدئن فيه بالعدة في طهر لم يمَسَّ فيه، وحديث أبي الزبير: (فَرَدَّهَا عَلَيَّ، وَلَمْ يَرَه شَيْئًا) (^٣) أي شيئا مفرقا للعصمة، إذ جعل له الرجعة، وبيانه في حديث ابن أبي ذئب عن نافع إذ قال: (فليراجعها، وهي تطليقة) (^٤)، ولأنه لو لم تقع الفرقة، لم يكن للارتجاع معنى.\n_________\n(^١) معالم السنن: ٣/ ٢٣٣، الحاوي الكبير: ١٠/ ٨.\n(^٢) في رواية: (فمه أوَ إن عجز)، وفي أخرى (أرأيت إن عجز).\n(^٣) رواية أبي الزبير عند أبي داود برقم: ٢١٨٥، بلفظ قريب.\n(^٤) الرواية عند الدارقطني: ٣٩١٢: قال ابن أبي ذئب في حديثه: (هي واحدة فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء)، وعنده كذلك: ٣٨٩٣: (قال: فقال عمر: يا رسول الله أفتحتسب بتلك التطليقة؟، قال: نعم).","vol":"1","page":295},{"text":"<span data-type='title' id=toc-205>ومن باب ذكر ما روي أن الثلاث للبكر واحدة</span>\n[٢٥٦] قيل: الحديث (^١) منسوخ باتفاق الصحابة ومن بعدهم من العلماء، قال علقمة: جاء رجل إلى عبد الله ﵁ فقال: طلقت امرأتي تسعة وتسعين، فقال: ثَلَاثٌ تُبينُهُنَّ وَسَائِرُهُنَّ عُدْوَان) (^٢)، وقال زيد بن وهب: كان لعاب بالمدينة، فطلق امرأته ألفا، فأتى عمر ﵁ فقال: إنما كنت ألعب فرفع عليه الدرة وقال: (كَانَ يَكْفِيكَ مِنْ ذَلِكَ ثَلَاثٌ) (^٣)، وقال عطاء بن يسار: كنت عند عبد الله بن عمرو ﵁ فسئل عن رجل طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها، فقلت أنا مجيبا، فقلت: إن الثلاث للبكر واحدة، فقال لي عبد الله بن عمرو: (اسْكُتْ يا ابْنَ يَسَارٍ؛ فَإِنَّمَا أَنْتَ قَاصٌّ وَلَسْتَ بِمُفْتٍ، الوَاحِدَةُ تَبِينُهَا، والثَّلَاثَةُ تُحَرِّمُهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) (^٤).\nوفي رواية ابن طاووس (^٥) عن أبيه: (فَقَالَ عُمَر ﵁: إِنَّ النَّاسَ قَدِ اسْتَعْجَلُوا في أَمرٍ قَد كَانَ لَهُم فِيهِ أَنَاةٌ، فَلَو أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِم، فَأَمضَاهُ عَلَيْهِم)، أي حكم بأنه إذا طلقها ثلاثا لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، و(الأَنَاة): الرفق، وفي رواية عن طاووس أن أبا الصهباء قال لابن عباس ﵁: (هَنَاتٌ مِنْ هَنَاتِك) (^٦)، أي زلة من زلاتك، أنكر عليه الحكم بإيقاع الثلاث، وقوله: (تَتَابَعَ النَّاسُ) (^٧) أي:\n_________\n(^١) حديث ابن عباس: أخرجه مسلم برقم: ١٤٧٢، وأخرجه أبو داود برقم: ٢٢٠٠.\n(^٢) مصنف عبد الرزاق: ١١٣٤٣، شرح معاني الآثار: ٤٤٨٥.\n(^٣) رواه الدارقطني: ٣٩٢٤، وعبد الرزاق في المصنف: ١١٣٤٠.\n(^٤) مصنف ابن أبي شيبة: ١٧٨٥٤، وسنن سعيد بن منصور:١٠٩٥.\n(^٥) روايته لحديث الباب عند مسلم.\n(^٦) هكذا عند المؤلف، واللفظ عند مسلم وغيره، وفي مختلف النسخ: (هاتِ من هناتك).\n(^٧) (تتابع الناس في: (الطلاق)، كذا عند ابن أبي جعفر بباء بواحدة أيضا، وعند سائرهم: تتايع بياء =","vol":"1","page":296},{"text":"تهافتوا، يعني في الطلاق؛ وأكثروا الطلاق.\n\n<span data-type='title' id=toc-206>ومن باب في الحرام كفارة يمين</span>\n[٢٥٧] حديث ابن عباس ﵁ قال: (إِذَا حَرَّمَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ عَلَيْهِ، فَهِيَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا) (^١)، اختلف العلماء في الرجل يقول لامرأته: أنت علي حرام، فقال جماعة: إنها ثلاث، وقال جماعة: إن ذلك كذب، وقال قليلون: إنه على نية الرجل، والصحيح في تأويل الآية (^٢): ما رواه ابن عباس ﵁ (^٣)، وأخبر به عن فعل النبي ﷺ في بيان قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، أي: ذلك يمين إذا لم ينو الطلاق، وقيل: هو يمين إن نوى أو لم ينو، قال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١].\n\n[٢٥٨] وفي حديث عائشة ﵂: (فَتَوَاطَأتُ أَنَا وَحَفْصَةُ أَنَّ أَيَّتَنَا مَا دَخَلَ عَلَيهَا النَّبِيُّ ﷺ فَلَتَقُلْ: إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحًا) (^٤)، وفي رواية: (رِيحَ مَغَافِيرَ)، (تَوَاطَأتُ): أي اتفقت أنا وحفصة، وقوله: (مَا دَخَلَ)، ما زائدة و(المَغَافِيرَ):\n_________\n= باثنتين تحتها، والكلمتان بمعنى، وأهل اللغة يفرقون فيقولون: بالباء بواحدة في الخير، وباثنتين في الشر). مشارق الأنوار: ١/ ١١٩.\n(^١) أخرجه مسلم برقم: ١٤٧٣، وأخرجه البخاري برقم: ٤٩١١.\n(^٢) تنظر المسألة ومذاهب العلماء فيها: الاستذكار: ٦/ ١٦، اختلاف الفقهاء: ٣٨٤، الإشراف: ٥/ ٢٠٠، مختصر اختلاف العلماء: ٢/ ٤٨٧، ابن بطال: ٧/ ٤٠٠، عمدة القاري: ٢٠/ ٢٣٩.\n(^٣) روى مسلم في نفس حديث الباب: أن ابن عباس يعتبر ذلك يمينا، ويقول: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)، وعند البيهقي: ١٥٠٥٦: عنه أن النبي ﷺ حرم جارية فكفر عن يمينه.\n(^٤) أخرجه مسلم برقم: ١٤٧٤، وأخرجه البخاري برقم: ٥٢٦٧.","vol":"1","page":297},{"text":"صمغ يسيل من الشجر، قيل: من شجر العرفط، وهو حلو كالناطف، وله ريح منكرة، و(العُرفُط): من شجر العضاه، والعضاه: كل شجر له شوك، والنحل يأكل منها، ومعنى: (جَرَسَت نَحلُهُ العُرْفُطَ) أي: أكلت من هذه الشجرة، ويقال للنحل جوارس.\nوكان النبي ﷺ يكره أن يوجد منه رائحة شيء من الأطعمة والأشربة، وكان يتوقاها لأجل الملَك، وفي الحديث دليل على الاحتراس من مكائد النساء، ودليل أن النبي ﷺ كان يحب الحلواء والعسل، و(العُكَّة): الزق الصغير، وفي الحديث دليل أن غيرة النساء على أزواجهن جِبلة.\n\n<span data-type='title' id=toc-207>ومن باب ما جاء في التخيير</span>\n[٢٥٩] حديث عائشة ﵂ (^١): في الحديث دليل على الرجل إذا خير امرأته فاختارت زوجها؛ لم يكن ذلك طلاقا، وفيه دليل أن الخيار إنما يكون للمرأة ما دامت في مجلسها، إذ قال: (لَا عَلَيكِ أَن لَا تَعجَلِي حَتَّى تَستَأْمِرِي أَبَوَيكِ).\n\n[٢٦٠] وفي حديث عائشة (^٢): ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١] دليل أن النبي ﷺ كان مخصوصا بأشياء لم يشاركه فيها أمَّتُه، وفي الحديث دليل على التسوية بين النساء؛ دون البخس بحق واحدة منهن.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم: ١٤٧٥، وأخرجه البخاري برقم: ٤٧٨٥.\n(^٢) أخرجه مسلم برقم: ١٤٧٦، وأخرجه البخاري برقم: ٤٧٨٩.","vol":"1","page":298},{"text":"<span data-type='title' id=toc-208>ومن باب اعتزال النبي ﷺ نساءه</span>\n[٢٦١] حديث جابر ﵁ قوله: (فَوَجَدَ النَّبِيَّ ﷺ جَالِسًا وحَولَهُ نِسَاؤُهُ، وَاجِمًا سَاكِتًا) (^١)، (وَاجِمًا) أي: متغيرا حزينا، وفي حديث أبي بكر ﵁ أنه قال الطلحة ﵁: (مَا لِي أَرَاكَ وَاجِمًا) (^٢) أي مهتما، قال أهل اللغة: وجَم يجِم وُجوما، إذا حزن (^٣).\nوقوله: (يَا رَسُولَ اللهِ، لَو رَأَيتَ بِنتَ خَارِجَةَ - هي امرأة أبي بكر ﵁ سَأَلَتِنِي النَّفَقَةَ، فَقُمتُ إِلَيْهَا، فَوَجَأتُ عُنُقَهَا، فَضَحِكَ النَّبِي ﷺ)، وجأته: أي ضربته، قال صاحب المجمل (^٤): وجأت عنقه، وتوجَّأته، أي: ضربته بيدي، ويقال: وجأ يجأ وجأً.\nوقوله: (إِنَّ الله لَم يَبعَثنِي مُعَنِّتًا، وَلَا مُتَعَنِّتًا)، أصل العنت: المشقة، والمُعَنِّت: هو الذي يحمل على الناس المشقة، والمتَعَنِّت: الذي يتكلف العنت، يحمل على نفسه فوق طاقته، وأكَمة عَنُوتٌ، أي: طويلة، وفي رواية: (فَقَالَ عُمَر يَا رَسُولَ الله لَو رَأَيْتَ ابْنَةَ زَيْدٍ - هِيَ امْرَأَةُ عُمَر ﵁ تَسْأَلُنِي النَّفَقَةَ آنِفًا فَوَجَأْتُ عُنُقَها) (^٥)، وفي رواية: (لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنِّفًا) (^٦) بالفاء، التعنيف: مأخوذ من العُنف، والعنف ضد الرفق.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم: ١٤٧٨، ورواه أحمد برقم: ١٤٥١٥.\n(^٢) مسند أبي يعلى الموصلي: ١٠٢.\n(^٣) الغريبين: ٦/ ١٩٧٤.\n(^٤) مجمل اللغة:٩١٧.\n(^٥) رواية أحمد برقم: ١٤٥١٥، والنسائي في الكبر: ٩١٦٤.\n(^٦) كذلك رواية أحمد، والنسائي.","vol":"1","page":299},{"text":"[٢٦٢] وفي رواية: (فَإِذَا أَنَا بِرَبَاحٍ غُلَامِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَاعِدٌ عَلَى أُسْكُفَّةِ الْمَشْرُبَةِ، مُدَلٍّ رِجْلَيْهِ عَلَى نَقِيرٍ مِنْ خَشَبٍ) (^١)، (الْمَشْرُبَةِ): الغرفة، (مُدَلٍّ) أي: مرسل، و(النَّقِير): جذع ينقر فيجعل له مراق يُرقى عليه كالسلَّم، ونقير فعيل بمعنى مفعول، قال صاحب المجمل: المشارب: الغرف (^٢).\nوقوله: (وَمِثْلِهَا قَرَظًا) القرَظ: نبت يُدبغ به، وقوله: (وَإِذَا أَفِيقٌ مُعَلَّقٌ) الأفِيق: الجلد الذي في الدِّباغ، وقوله: (فَابْتَدَرَت عَيْنَايَ) أي: سال منهما الدمع، وقوله: (فَنَزَلتُ أَتَشَبَّثُ بِالجِذْعِ) أي: أتمسك، وقوله: (يُرقَى إِلَيْهَا بِعَجَلَةٍ) (^٣)، العجلة: سُلَّم من خشب، قال صاحب المجمل: العجلة: خشبة معترضة على نعامة البئر، والغرب معلق بها (^٤).\nقيل: النعامة: شبه المظلة، والنعائم: خشبات تنصب على الرَّكية، يعلق عليهن القامة؛ إذا لم يكن للرَّكِية زرانق (^٥).\nوفي رواية: (وَإِنَّ عِندَ رِجْلَيهِ قَرَطًا مَضبُورًا)، المضبور: المجموع، وفي نسخة: (مَصبُورًا) (^٦) بالصاد غير المعجمة، أصل الضَّبر: الجمع، يقال: ضبر\n_________\n(^١) حديث عمر: أخرجه برقم: ١٤٧٩.\n(^٢) مجمل اللغة: ٥٢٨.\n(^٣) لفظ مسلم: (يرتقى).\n(^٤) مجمل اللغة: ٦٤٩.\n(^٥) مجمل اللغة: ٨٧٤.\n(^٦) في مستخرج أبي عوانة: ٣٤٨٨، وكذا في طبعة دار التأصيل لصحيح مسلم، وعند البخاري برواية أبي ذر كما أشار إلى ذلك ابن حجر: ٩/ ٢٨٨، وعند الإسماعيلي: (مصبوبا). فتح الباري: ٨/ ٦٥٨.","vol":"1","page":300},{"text":"الفرس إذا جمع قوائمه ووثب، والإضبارة من الكتب من ذلك، وأما الصبر بالصاد غير المعجمة فهو الحبس، وبالضاد المعجمة أشبه، وقوله: (عَلَيْكَ بِعَيْبَتِكَ) أي: بأهلك وخاصتك، أي: لا تدخل فيما بين النبي ﷺ وبين أهله، أي: غيِّر ما كرهت على أهلك الذين ينفُذ فيهم حكمك دون سائرهن.\nوقوله: (أَن كَانَتْ جَارَتُكِ هِيَ أَوْسَمُ مِنكِ) أي: أحسن منك، والوسامة: الحسن، والجارة: الضَّرَّة، وقوله: (فَقُلتُ: أَسْتَأنِسُ) الاستئناس: طلب الأنس، والانبساط، و(غَسَّان): قبيلة بالشام، وقوله: (تُنعِلُ الْخَيلَ) يقال: أَنْعَلت الدابة، هذه اللغة الفصيحة، ونَعَلت ليست بفصيحة، وفرس مُنعَل: إذا كان بياضه في أسفل رسغه، وقوله: (عَلَى رَملِ حَصِيرٍ) يقال: رمَلت السرير، إذا شددته بشريط أو غيره، وأرملت النسيج، قال:\nكَنَسِيجِ الْعَنْكَوتِ المُرْمَلِ (^١)\nأي: المنسوج، وروي (فَإِذَا عُمَرُ ﵁ جَالِسٌ عَلَى رُمَالِ حَصِيرٍ) (^٢)، رُمال: بالضم بمعنى: رَمِيل، كعجاب بمعنى عجيب، وفي الكسر جمع رمل بمعنى مرمول، يريد نسيجًا في وجه السرير من السَّعف، أو من الشريط، يقال: رملته أرمله وأرملته أرمله، وقوله: (فَأَخَذَتِنِي أَخذًا) يعني: بلسانها، (كَسَرَتني) أي: أسكنتني.\n_________\n(^١) جُفَالَة الأَجْنِ كَحَمِّ الجُمَّل … كَأَنَّ نَسْجَ العَنْكَبُوتِ المُرْمَل\nالبيت للعجاج التميمي، ينظر: المعاني الكبير: ١/ ٥٤٤، الخصائص للموصلي: ٣/ ٢٢٤، تهذيب اللغة: ١٥/ ١٥٠، وكذلك ينظر ديونه برواية الأصمعي: ص ١٨٢.\n(^٢) لعل هذا سهو، فالجالس على الحصير إنما هو رسول الله ﷺ، واللفظ الذي أشار إليه عند البخاري برقم: ٢٤٦٨، وأحمد برقم: ٢٢٢.","vol":"1","page":301},{"text":"وفيه دليل على إباحة الاحتجاب من الناس لسبب يحدث أو علة تَعرِض، وفيه دليل أن للإمام أن يختص البعض من أصحابه بكرامة دون البعض، إذ أذن لأبي بكر وعمر ﵄ دون الناس، وفي قول أبي بكر وعمر ﵄: (يَا رَسُولَ اللهِ، لَو رَأَيْتَ بِنتَ خَارِجَةَ) و(يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ رَأَيتَ بِنتَ زَيدٍ) دليل على استحباب تطييب نفس الإمام.\nوفيه دليل على تأديب النساء، وفيه دليل أن الرجل إذا كان معدَما لا يطالب بما لا يطيقه، وفيه جواز اتخاذ الآذن، وأنه لا ينبغي للآذن أن يأذن حتى يستأذن، وفيه دليل أن الإشارة تقوم مقام الكلام، وفيه اختيار الزهد إذ كان في خزانة النبي ﷺ ما ذكر من الأَفِيق، وفيه اختيار الجمال على القبح، وفيه ما يبيح الانبساط إذا عرف لنفسه تلك المنزلة.\n\n<span data-type='title' id=toc-209>ومن باب بطلان نفقة المبتوتة</span>\n[٢٦٣] حديث فاطمة بنت قيس ﵂: (أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ طَلَقَهَا البَتَّةَ) (^١)، قوله: (أَمَّا أَبو جَهِمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَن عَاتِقِهِ)، يريد بذلك غلظته وخشونته، وقوله: (وَأَمَّا مُعَاوِيَةٌ فَصُعلُوكٌ) أي: فقير.\nوفي الحديث دليل على أن المطلقة ثلاثا لا نفقة لها، وقد اختلف العلماء في ذلك فقالت طائفة: لا نفقة لها ولا سكنى إلا أن تكون حاملا، روي ذلك عن ابن عباس ﵁، وإليه ذهب أحمد بن حنبل (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه برقم: ١٤٨٠، وأخرجه أبو داود برقم: ٢٢٨٤.\n(^٢) أثر ابن عباس: عند سعيد بن منصور: ١٣٦٣، وقول أحمد: مسائل الإمام أحمد برقم: ١٣٢٢، المغني لابن قدامة: ٧/ ١٩٠، وينظر: الاستذكار: ٦/ ١٤٨، الإشراف: ٥/ ٣٤٠، ابن بطال: =","vol":"1","page":302},{"text":"وقالت طائفة: لها السكنى والنفقة؛ حاملا كانت أو غير حامل، روي ذلك عن عمر ﵁، وإليه ذهب سفيان الثوري وأصحاب الرأي (^١).\nوقالت طائفة ثالثة: لها السكنى ولا نفقة لها، وإليه ذهب مالك والشافعي (^٢)، وحجتهم قوله ﷿: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ [الطلاق: ٦]، فأوجب السكنى عاما، وأما نقل النبي ﷺ إياها من بيت أحمائها إلى بيت ابن أم مكتوم؛ ففيه اختيار موضع السكني؛ لا إبطال السكنى.\nوقد اختلفوا في سبب ذلك فقالت عائشة ﵂: (كَانَت فَاطِمَة فِي مَكَانٍ وَحشٍ، فَخِيفَ عَلَيْهَا فَرَخَّصَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ في الانتِقَالِ) (^٣)، وقال سعيد بن المسيب: إنما نقلت عن بيت أحمائها لطول لسانها (^٤)، ومعنى قولها: (البَتَّةَ)، أي: الثلاثة، وقد روي أنها كانت آخر تطليقة بقيت لها من الثلاث.\nوفي الحديث من الفقه أن خطبة النبي ﷺ إياها لأسامة على خطبة معاوية وأبي الجهم؛ أن الركون منها إليهما لم يوجد، وفي حديث النبي ﷺ: (لَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ) (^٥)، يعني إذا أذنت المخطوبة في إنكاح رجل بعينه؛ فلا يحل لأحد أن يخطبها في تلك الحال؛ حتى يأذن الخاطب الأول.\n_________\n= ٧/ ٤٨٩، فتح الباري: ٩/ ٤٨٠.\n(^١) قول عمر: عند مسلم ١٤٨٠، وقول الحنفية المبسوط: ٥/ ٢٠١، بدائع الصنائع: ٣/ ٢٠٩، وتنظر المراجع أعلاه.\n(^٢) المدونة:٢/ ٤٨، بداية المجتهد: ٣/ ١١٣، الأم: ٥/ ٢٥٣، الحاوي: ١١/ ٤٦٠، وتنظر المراجع أعلاه.\n(^٣) أخرجه البخاري برقم: ٥٣٢٥، وأبو داود برقم: ٢٢٩٢.\n(^٤) سنن أبي داود: ٢٢٩٦، السنن الكبرى للبيهقي برقم: ١٥٧٢٦.\n(^٥) متفق عليه البخاري برقم: ٥١٤٢، ومسلم: ١٤٠٨.","vol":"1","page":303},{"text":"وفي الحديث دليل أن المال معتبر في بعض أنواع الكفاءة، ودليل على جواز نكاح المولى القرشية، ودليل على جواز تأديب الرجل امرأته، ودليل أن ذكر الخاطب بعيب فيه على وجه النصيحة؛ وإرشاد المرأة إلى ما فيه حظها ليس بغِيبة.\nوقيل في قوله: (لَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ): التأديب والضرب، وقيل: كثرة الأسفار والظَّعن عن الوطن، وفيه أن المفلس لا يكون كفؤا للمرأة الغنية.\nقال بعض العلماء: كان أبو جهم كثير الصوم والصلاة، ولكنه لما عرف بضرب النساء نسب إليه، وفي الحديث جواز الجَرح والتعديل، وفيه أن المستشار مؤتمن، وفيه: أن تزار المرأة الصالحة في بيتها، وقوله: (لَا تَفُوتِينَا بِنَفْسِكِ) أي: لا تسبقينا، أي: لا تنكحي من غير إذننا ورأينا.\nو(رُطَبِ ابن طَابٍ) نوع من الرطب منسوب (^١)، و(سَوِيقَ سُلْتٍ) السُّلت: نوع من الشعير، وقوله: (فَحَصَبَهُ بِهِ) أي: رماه به، وقوله: (وأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَرَجُلٌ تَرِبٌ) أي: فقير، يقال: ترِب إذا افتقر، وأَترَب إذا استغنى، وقوله: (فَاغْتَبَطْتُ) أي: صِرتُ بحال الغبطة، و(آصع) جمع صاع [.....] (^٢)، (نَجرَان): بالنون والجيم، (فَتَزَوَّجتُهُ، فَشَرَّفَنِي اللهُ بِابْنِ زَيدِ) تعني: بأسامة بن زيد، وفي رواية: (بأبي زَيدٍ) (^٣) وهو كنية أسامة، وفي التكنية نوع إكرام، وقوله: (طَلاقًا بَاتًّا) أي: ثلاثا.\n_________\n(^١) نوع من أنواع تمر المدينة منسوب إلى ابن طاب: رجل من أهلها، يقال: عذق ابن طاب، ورطب ابن طاب، وتمر ابن طاب. [النهاية: ٣/ ١٤٩]\n(^٢) سقط بقدر كلمة.\n(^٣) ورد: (بابن زيد) لكافة رواة مسلم، وفي رواية السمرقندي: (بأبي زيد). ينظر: إكمال المعلم: ٥/ ٦١، المفهم: ٤/ ٢٧٨.","vol":"1","page":304},{"text":"<span data-type='title' id=toc-210>ومن باب خروج المطلقة عن منزلها إذا خافت على نفسها</span>\n[٢٦٤] قولها: (وَأَنَا أَخَافُ أَنْ يُقتَحَمَ عَلَيَّ) (^١) الاقتحام: الدخول بكُره.\n\n[٢٦٥] وقولها: (فَأَرَادَت أَن تَجُدَّ نَخلَهَا) (^٢)، جِداد (^٣) النخل وصِرامها: قطع ثمرها، يقال: جديد، والأمر منه للمؤنث: جُدِّي - بضم الجيم، وفي الحديث: (نَهَى عَن جِدَادِ اللَّيلِ) (^٤) قيل: إنما نهى عن ذلك لأنهم يحضرون فيتصدق عليهم منه (^٥)، وفي حديث أبي بكر ﵁: (إِنِّي كُنتُ نَحَلْتُك جَادَّ عِشْرِينَ وَسِقًا مِنَ النَّخلِ، وَبِوِدِّي أَنَّكِ كُنتِ حُزتِيهِ فَأَمَّا اليَومَ فَهُوَ مَالُ الوَارِثِ) (^٦) يعني: نحلها في صحته نخلًا كان يَجُدُّ منه في كل صِرام عشرين وسقا، ولم يكن أقبضها ما نحلها، فلما مرض رأى النخل وهو غير مقبوض غير جائز، فأعلمها أن ورثته شركاؤها فيه.\nوفي الحديث دليل أن للمعتدة من الطلاق أن تخرج بالنهار، ولا يُجَدُّ النخل في غالب العرف إلا نهارا، ونخل الأنصار قريب من دورهم، فهي إذا خرجت بُكرة للجِداد، أمكنها أن تمسي في بيتها لقرب المسافة، وهذا في المعتدة من التطليقات الثلاث، فأما الرجعية فإنها لا تخرج ليلا ولا نهارا، وقال أبو حنيفة: لا تخرج المبتوتة ليلا ولا نهارا كالرجعية، وقال الشافعي: تخرج نهارا\n_________\n(^١) حديث فاطمة بنت قيس: أخرجه برقم: ١٤٨٢، وأخرجه النسائي برقم: ٣٥٤٧.\n(^٢) حديث جابر: أخرجه برقم: ١٤٨٣، وأخرجه أبو داود برقم: ٢٢٩٧.\n(^٣) والجداد بفتح الجيم وكسرها، هو صرام النخل [طلبة الطلبة للنسفي: ١٠٦].\n(^٤) السنن الكبرى للبيهقي برقم: ١٩٢٠٠.\n(^٥) أي: المساكين، يحضرون صرام النخل بالنهار.\n(^٦) رواه مالك في الموطأ: ٢٧٨٣، والبيهقي في السنن الكبرى: ١١٩٤٨.","vol":"1","page":305},{"text":"ولا تخرج ليلا (^١).\nوفي الحديث: الرخصة في عمل المعاش، وفيه: استحباب المعروف والصدقة.\n\n<span data-type='title' id=toc-211>ومن باب ما جاء في عدة الحامل</span>\n[٢٦٦] حديث سُبيعة بنت الحارث: قوله: (فَلَمَّا تَعَلَّت مِن نِفَاسِهَا) (^٢) معناه: طهرت، وهو تفَعَّلت من العلو، وفيه لغة أخرى: تعالت، وهو تفاعلت من العلو، وقوله: (تَجَمَّلَتْ لِلْخُطَّابِ) أي: تزينت لمن يخطبها، (فَلَم تَنشَب): فلم تلبث، (ابن بَعْكَكِ): بكافين.\n\n[٢٦٧] (نُفِسَتْ) (^٣) بضم النون، تنفس بضم التاء مستقبل.\nوفي الحديث دليل على استحباب طلب العلم؛ لما جرى بينهم من المناظرة في هذه المسألة (^٤)، وفي الحديث الرجوع إلى الخبر وترك النظر في مقابلته.\n_________\n(^١) الأم للشافعي: ٥/ ٢٥١، المبسوط للسرخسي: ٦/ ٣٢، وينظر: معالم السنن: ٣/ ٢٨٥، الاستذكار: ٦/ ١٥٩، عمدة القاري: ٢٠/ ٣٠٨، مختصر اختلاف العلماء: ٢/ ٣٩٥.\n(^٢) أخرجه برقم: ١٤٨٤، وأخرجه البخاري برقم: ٥٣١٩.\n(^٣) حديث أم سليم: أخرجه برقم ١٤٨٥، وأخرجه البخاري برقم: ٤٩٠٩.\n(^٤) حيث تنازع كل من ابن عباس وأبي هريرة وأبي سلمة عن المرأة تضع بعد وفاة زوجها، فأرسلوا إلى أم سلمة فأخبرتهم بخبر سبيعة الأسلمية.","vol":"1","page":306},{"text":"<span data-type='title' id=toc-212>ومن باب الإحداد على الميت</span>\n[٢٦٨] حديث أم حبيبة ﵂ (^١) اختلف العلماء فيما تجتنبه المُحِدُّ من الثياب: فقال الشافعي ﵀: كل صبغ كان زينة، أو وشي كان لزينة في ثوب، أو تلميع كان زينة من العصب، والحِبَرة، فلا تلبسه المُحِدّ غليظا كان أو رقيقا (^٢).\nوقال مالك: لا تلبس ثوبا مصبوغا بشيء من الصَّبغ، إلا بالسواد، وقال الثوري: تتقي الزينة والثوب المصبوغ، وقال أصحاب الرأي: لا تلبس ثوبا مصبوغا بعُصفُر أو ورس أو زعفران، وقالوا لا تلبس شيئا من الحلي، وقال مالك: لا تلبس خاتما ولا خلخالا، والخضاب مكروه في قول الأكثر (^٣).\nقال أهل اللغة: العَصْبُ من الثياب: ما عُصب غزله فصبغ قبل أن ينسج، وذلك كالبُرود والحِبَر ونحوها (^٤)، والمُمَشَّق: ما صبغ بالمشق، وهو يشبه المَغْرَة (^٥).\nقال الشافعي: كل كحل كان زينة فلا خير فيه، مثل الإثمد وغيره مما يَحسُن موقعُه في عينها، فأما الكحل الفارسي وما أشبهه إذا احتاجت إليه [فلا] (^٦) بأس به لأنه ليس فيه زينة، بل يزيد العين مرها وقبحا (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه برقم: ١٤٨٦، وأخرجه البخاري برقم: ١٢٨٠.\n(^٢) الأم للشافعي: ٥/ ٢٤٨، مختصر المزني: ٨/ ٣٢٩، الحاوي الكبير: ١١/ ٢٨٠.\n(^٣) مدونة الإمام مالك: ٢/ ١٤، المبسوط: ٦/ ٥٩، معالم السنن: ٣/ ٢٨٨، عمدة القاري: ٢١/ ٧، ابن بطال: ٧/ ٥١٢.\n(^٤) الزاهر: ٨٠، الغريب للحربي: ١/ ٣٠٤، معالم السنن: ٣/ ٢٨٨.\n(^٥) غريب أبي عبيد: ٤/ ١١، مجمل اللغة: ٨٣١.\n(^٦) في الأصل: (ولا)، والتصويب من الأم للشافعي ٥/ ٢٤٧ وهو المناسب للسياق.\n(^٧) الأم: ٥/ ٢٤٧.","vol":"1","page":307},{"text":"وقال مالك: إذا اشتكت عينها فلا بأس أن تتداوى بالكحل الأسود (^١)، قال أهل العلم: كحل الجلاء هو الإثمد، وسمي جلاء لأنه يجلو البصر.\nوفي الحديث أنهم تمسكوا بظاهر ما علموا؛ حتى نقلهم النبي ﷺ إلى حكم غيره، وسنة النبي ﷺ بيان عن الله تعالى، ألا ترى أنها تطيبت عن غير حاجة منها إليه لتعلمهم السنة، وأنه لا ينبغي الإحداد على غير الزوج.\nو(الإحْدَادُ): ترك الزينة وما كان مصبوغا يدعو إلى شهوة، والاكتحال والطيب وإذهاب الشعث بالدهن من ذلك.\n\n[٢٦٩] و(الحِفْشُ) (^٢): البيت الصغير، و(تَفْتَضّ): بالفاء والضاد المعجمة تفتعل من فض أي كسر، أي تكسر عدتها وتخرج منها، بأن تضرب تلك الدابة بشيء من بدنها تريد بذلك الخروج من العدة، وكانت العادة جرت بقضاء الله أن المضروب بذلك الشيء يموت، وقد روي: (فَقَلَّمَا تَقْبصُ) (^٣): بالقاف والباء والصاد المهملة، والقبص: القرص بأطراف الأصابع.\n\n[٢٧٠] و(الأَحلاس) (^٤): جمع الحِلْس، والحِلْسُ: كساء خلق، وقولها: (تُوُفِّيَ حَمِيمٌ لِأُمِّ حَبِيبَةَ) أي: قريب.\n_________\n(^١) المدونة: ٢/ ١٥ ..\n(^٢) أخرجه برقم: ١٤٨٩، وأخرجه البخاري برقم: ١٢٨٠.\n(^٣) مسند الشافعي: ص ٣٠٠، كتاب العدد، وفي طبعتي ترتيب السندي وسنجر للمسند: (تقبض)، ولعله تصحيف.\n(^٤) أخرجه برقم: ١٤٨٨، وأخرجه البخاري برقم: ٥٣٣٨.","vol":"1","page":308},{"text":"[٢٧١] و(العَصْبُ) (^١): جنس من البرود يصبغ غزله ثم ينسج، و(النُّبذَةُ): الشيء اليسير، و(قسطٍ وأَظفَارٍ): شيئان معروفان من متاع الصيادلة، و(الإِحدَادُ): الامتناع من الزينة، يقال: أحدَّت المرأة وحَدَّت، وذلك في عدة الزوج.\n\n<span data-type='title' id=toc-213>ومن باب اللعان</span>\n[٢٧٢] حديث سهل بن سعد ﵁: قول عاصم لعويمر: (لَم تَأْتِنِي بِخَيْرٍ، قَد كَرِهَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المَسأَلَةَ الَّتِي سَأَلْتُهُ عَنهَا؟) (^٢) فيه دلالة على ترك الاستقصاء في المسألة، وفي قوله: (فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا) دلالة أن الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا في طهرها كان مطلقا للسنة، إذ لو لم يجز لزجر عنه النبي ﷺ.\nقيل: إنما أظهر رسول الله ﷺ الكراهة في ذلك إيثارا لستر العورات، وكراهة لهتك الحرمات، والمسألة إذا كانت فيما يلزم الحاجة إليه من أمر الدين فمباحة، وما كان على طريق التكلف والتعنت فمكروه، قال الله ﷿: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥]، وقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ [النازعات: ٤٢ - ٤٣]، وعاب مسألة بني إسرائيل في قصة البقرة، وقوله: (فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المَسَائِلَ وَعَابَهَا)، (فَقَالَ عُوَيمِرٌ: وَاللهِ، لَا أَنتَهِي حَتَّى أَسأَلَهُ عَنْهَا) وسكوت النبي ﷺ عن جواب السائل زجر له عن المسألة، وجوابه في الحالة الثانية عقوبة وتغليظ.\nوفي الحديث دلالة أن الإمام لا يلاعن بين الزوجين؛ إلا بمحضر من جماعة الناس، قال بعض العلماء: الفرقة لا تقع بنفس اللعان؛ حتى يفرق بينهما\n_________\n(^١) حديث أم عطية: أخرجه برقم: ٩٣٨، وأخرجه البخاري برقم: ٥٣٤٣.\n(^٢) أخرجه برقم: ١٤٩٢، وأخرجه البخاري برقم: ٥٣٠٨.","vol":"1","page":309},{"text":"الحاكم، ولولا ذلك كذلك لم يكن للتطليقات الثلاث معنى، وقال جماعة: لو لم تكن الفرقة واقعة باللعان لكانت المرأة في حكم المطلقات ثلاثا (^١).\nوقد أجمعوا على أنها ليست في حكم المطلقات ثلاثا، فدل أن الفرقة واقعة قبل، قال بعض العلماء: لما قيل له: (لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا)، وجد من ذلك في نفسه فقال: (كَذَبْتُ عَلَيْهَا إِن أَمْسَكْتُهَا هِيَ طَالِقٌ ثَلاثًا)، يريد بذلك تحقيق ما مضى من الفرقة، وقوله: (فَكَانَ ذلكَ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَينِ) يريد التفرقة بينهما.\nوقد اختلفوا في الوقت الذي تقع فيه الفرقة؛ وإن لم تكن المرأة التعنت بعد، وقال أصحاب الرأي: الفرقة إنما تقع بتفريق الحاكم بينهما بعد أن يتلاعنا معا (^٢).\n\n[٢٧٣] وفي حديث سعيد بن جبير: (سُئِلْتُ عَنِ المُتَلَاعِنَينِ فِي إِمْرَةِ مُصعَبٍ، فَمَضَيتُ إِلَى مَنزِلِ ابن عُمَرَ ﵁ بِمَكَّةَ، فَقُلْتُ لِلغُلَامِ: استَأْذِنَ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَائِل) (^٣) يعني من القيلولة، و(الإِمرَة): الإمارة، و(البَرذَعَةِ): كساء محشو يلقى على ظهر الدابة، وقوله: (فَوَاللهِ، مَا جَاءَ بِكَ هَذِهِ السَّاعَةَ إِلَّا حَاجَةٌ) حاجة: رفع فاعل جاء، والساعة: نصب على الظرف.\nواللعان المجتمع عليه: أن يدعي الزوج رؤية كالمِروَد في المِكحلة، أو ينفي حملا يدعي فيه الاستبراء بحيضة، واللعان المختلف فيه: أن يقذفها ولا يدعي رؤية، ولا ينفي حملا، يحد ولا يلاعن.\n\n[٢٧٤] وقوله: (فَإِن جَاءَت بِهِ أَبْيَضَ سَبِطًا قَضِيءَ العَينَينِ فَهُوَ لِهِلَالِ بن\n_________\n(^١) معالم السنن: ٣/ ٢٦٥، ابن بطال: ٧/ ٤٧٥، الاستذكار: ٦/ ٩٧، فتح الباري: ٩/ ٤٤٧.\n(^٢) تنظر المسألة في المراجع أعلاه.\n(^٣) أخرجه برقم: ١٤٩٣، وأخرجه الترمذي برقم: ١٢٠٢.","vol":"1","page":310},{"text":"أُمَيَّةَ، وَإِن جَاءَت بِهِ أَكحَلَ جَعِدًا حَمْشَ السَّاقَينِ فَهُوَ لِشَرِيكِ بن السَّحمَاءَ) (^١) قال أهل اللغة: قضى الثوب قضاء فسد، وقضئت العين فسدت، وقضُؤ الخشب قضاءة دخله عيب، قال صاحب المجمل: القضُأة: العيب والفساد، يقال: في عينه قضُأة أي فساد (^٢)، و(حَمشَ السَّاقَيْنِ): دقيق الساقين، و(السَّبِطُ): المسترسل الشعر، و(الجَعدُ): ضد ذلك، و(الأَكحَلُ): الشديد سواد العين.\nوفي الحديث من الفقه: أن المتلاعنين يوعَظان، وفيه أنهما إذا تلاعنا افترقا، ثم لا يجتمعان أبدا، لقوله: (لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا).\n\n[٢٧٥] وقوله: (فَرَّقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (^٣) إنما هو تفريق حكم، لا تفريق قول، والدليل على ذلك أنه قال: (وَأَلْحَقَ الوَلَد بِالأُمِّ) (^٤)، والولد يلحق بها وإن لم يُلحقه الإمام.\n\n[٢٧٦] وقوله: (خَدْلًا) (^٥) الخدل: الممتلئ الساقين.\n\n[٢٧٧] وقوله: (لَضَرَبتُهُ بِالسَّيفِ غَيْرُ مُصفِحٍ) (^٦)، صَفْحُ كل شيء: وجهه وناحيته، أي بحدِّه لا بعرضه، هذا إذا روي بفتح الفاء، ويكون حالا للسيف، وإذا روي بكسر الفاء يكون حالا للرجل، أي: غير ضارب بوجه السيف، قال\n_________\n(^١) حديث أنس: أخرجه برقم: ١٤٩٦، وأخرجه النسائي برقم: ٣٤٦٨.\n(^٢) مجمل اللغة: ٧٥٧.\n(^٣) حديث ابن عمر: أخرجه برقم: ١٤٩٤، وأخرجه البخاري برقم: ٥٣١٢.\n(^٤) ولفظ مسلم: (بأمه).\n(^٥) حديث ابن عباس: أخرجه برقم: ١٤٩٧، وأخرجه البخاري برقم: ٥٣١٠.\n(^٦) حديث المغيرة بن شعبة: أخرجه برقم: ١٤٩٩، وأخرجه البخاري برقم: ٦٨٤٦.","vol":"1","page":311},{"text":"أهل اللغة صَفْحَا السيف وجهاه، وغِراراه حدَّاه (^١).\nوقوله: (كَانَت تُظهِرُ فِي الإِسلَامِ السُّوءَ) (^٢) يعني: الفاحشة.\n\n<span data-type='title' id=toc-214>ومن باب إذا جاء ولد الرجل أسود لا ينفى منه</span>\n[٢٧٨] حديث أبي هريرة ﵁: (هَل فِيهَا مِن أَورَقَ؟) (^٣)، (قَالَ: إِنَّ فِيهَا لَوُرقًا) الأورق الذي لونه لون الرماد والجمع: وُرق.\nوقوله: (عَسَى أَن يَكُونَ نَزَعَهُ عِرقٌ) فيه دلالة أن العرق ينزع، والشبه يكون للأغلب، وفي حديث اللعان: لما كان الذي ادعى عليه خَدْلًا ضخما؛ استدل به على نزوع الشبه، وحكم بالظاهر ولم يستعمل دلالة صدقه، ولو جاز الحكم في ذلك بالدلالة لكان الحد واجبًا.\n\n[٢٧٩] وفي قول سعد: (إِن كُنتُ لأُعَاجِلهُ بِالسَّيْفِ) (^٤) دليل على أنه ربما يستوجب القتل، بأن يكون محصنا فيزني، ولم يأذن له فيه؛ لأنه ربما نال منها ما لا يستحق القتل به، فلا ينبغي أن يقتله.\nوفي حديث المغيرة: دليل على استحباب الغيرة في المحارم، وفيه دليل أن الاعتذار إلى الله من الذنب مما يتقرب به إلى الله، وفيه دليل أن ذكر محامد الله مما يتقرب به إلى الله، وفي غيره من الأخبار: أن التعريض لا يوجب الحد، وأن الكاذب في اللعان يستوجب النار، وأن النسب لا يثبت بالألوان.\n_________\n(^١) غريب الصحيحين للحميدي: ٤٢٢، المخصص: ٢/ ١٥، المعلم: ٢/ ٢١٧.\n(^٢) حديث ابن عباس أعلاه.\n(^٣) أخرجه برقم: ١٥٠٠، وأخرجه البخاري برقم: ٥٣٠٥.\n(^٤) أخرجه برقم: ١٤٩٨.","vol":"1","page":312},{"text":"<span data-type='title' id=toc-215>ومن كتاب العتق</span>\n[٢٨٠] حديث ابن عمر ﵁: (مَن أَعتَقَ شِركًا لَهُ فِي عَبدٍ) (^١)، ذهب الشافعي ﵀ ومالك وأحمد ﵀ إلى ظاهر هذه الأحاديث، وأن المُعتق إذا كان موسرا فأعتق نصيبه عَتَقَ كلُّه؛ وضمن قيمة نصيب شريكه، وإن كان معسرا عتق نصيبه، ورق نصيب شريكه (^٢).\nوذهب الثوري وأصحاب الرأي إلى أنه وإن كان معسرا، سعى فيما بقي منه بقيمته (^٣).\n\n[٢٨١] ومن حجتهم: حديث سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في السعاية (^٤)، وقد تفرد سعيد بهذه اللفظة (^٥)، وقيل: إنه اختلط في آخر عمره (^٦)، قال الدارقطني: لا يصح الاستسعاء عن النبي ﷺ وهو من رأي قتادة، ورواه همام عن قتادة\n_________\n(^١) حديث ابن عمر: أخرجه برقم: ١٥٠١، وأخرجه البخاري برقم: ٢٥٢٢.\n(^٢) المدونة: ٢/ ٤١٨، النوادر والزيادات: ١٢/ ٢٨٤، المعونة: ١٤٣٣، الأم: ٧/ ٢٠٨، الحاوي الكبير: ١٨/ ٥، مسائل الإمام أحمد وإسحاق: ٨/ ٤٤٣٤، المغني: ١٠/ ٢٩٨، وينظر: الإشراف لابن المنذر: ٨/ ٨٢.\n(^٣) الجامع الصغير وشرحه: ٢٤٤، المبسوط ٧/ ١٠٨، وينظر اختلاف العلماء: ٢/ ٤٣١، الإشراف: ٨/ ٨٢.\n(^٤) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ١٥٠٣، وأخرجه البخاري برقم: ٢٥٠٤.\n(^٥) وهي قوله في الحديث: (فإن لم يكن له مال، استسعي العبد غير مشقوق عليه).\n(^٦) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ١٥٠٣، وأخرجه البخاري برقم: ٢٥٠٤.","vol":"1","page":313},{"text":"وفصل الاستسعاء من الحديث، فجعله من رأي قتادة وقوله، لا من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ (^١).\nو(الاِستِسعَاء): من السعي، وهو طلب الكسب، و(مَشقُوقٌ عَلَيْهِ): من المشقة، و(الشِّقصُ) و(الشَّقِيصُ): النصيب، و(الشِّركُ) و(الحِصَصُ): جمع حصة، وهي وهي النصيب.\n\n<span data-type='title' id=toc-216>ومن باب الولاء لمن أعتق</span>\n[٢٨٢] حديث بريرة (^٢): في الحديث دليل على إباحة قبول هدية الفقير؛ وإن كان أصلها صدقة، وفيه: أن بيع الأمَة ذات الزوج ليس بطلاق لها، وقال بعض العلماء: إن بريرة عجزت؛ فلذلك استجيز بيعها (^٣).\nوقيل معنى: (وَاشتَرِطِي لَهُمُ الوَلَاءَ)؛ أي: عليهم، ومثله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [الرعد: ٢٥] أي: عليهم اللعنة، وفيه دليل أن الولاء لمن يعتق، وإذا ثبت فلا يجوز تحويله، ولا هبته، وفيه أن الشرط إذا كان مع العتق فإنه لا يفسده، وفيه: أن الأمَة إذا أعتقت تحت حر؛ لم يكن لها خيار.\nوفي حديث هشام بن عروة: (وَلَو كَانَ حُرًّا لَم يُخَيِّرْهَا) بيان شاف ألا خيار لها إذا كانت تحت الحر، وفيه: أن المكاتب إذا اعترف بالعجز عن أداء الكتابة؛ جاز له فسخ الكتابة، وقيل: قوله: (اشْتَرِطِي لَهُمُ) أمر بمعنى الإيعاد (^٤)، وفيه:\n_________\n(^١) الطبقات الكبرى: ٧/ ٢٠٢، الضعفاء لابن الجوزي: ١/ ٣٢٣، تهذيب التهذيب: ٤/ ٦٤.\n(^٢) حديث عائشة: أخرجه مسلم برقم: ١٥٠٤، وأخرجه البخاري برقم: ٢٥٦١.\n(^٣) هذا تأويل حديث بريرة لبعض من لم ير بيع المكاتب، ونسبه ابن مزين الأندلسي في تفسير الموطأ لعيسى بن دينار، ينظر: تفسير الموطأ للقنازعي: ١/ ٤٠٣.\n(^٤) الإيعاد في كلام المؤلف بمعنى: الوعد؛ من باب التجوز.","vol":"1","page":314},{"text":"أن الشرط في العتق جائز، وذلك مخصوص، وفيه أن الصدقة لم تكن تحل للنبي ﷺ، وفيه: أن المكاتب يوضع عنه شيء لا بد منه، وفي قولها: (كَاتَبتُ أَهْلِي عَلَى تِسع أَوَاقٍ) دلالة على إجازة الكتابة معلومة، وقوله: (كُلّ سَنَةٍ أُوقِيَّةٌ) أي: يكون الأداء مقرونا بانقضاء كلِّ سنة.\nوفي الحديث دلالة على معونة المكاتب، والدليل عليه قبوله وفك الرقبة، وفي اختلاف بريرة إلى عائشة ﵂ وإلى مواليها مساوِمة بنفسها؛ دلالة على رضاها بالعيب، ودلالة على أنها إذا رضيت بأن تباع جاز، ويكون رضاها دليل (^١) على العجز، وفيه: أن شرط العتق في الشراء جائز، وفيه: إجازة أخذ نجوم المكاتب (^٢) من مسألة الناس؛ لترك النبي ﷺ زجر بريرة عن سؤال عائشة ﵂.\nوفي قوله: (كُلُّ شَرطٍ لَيسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ) (^٣) الزجر عن اشتراط ما لا يجوز شرطه، وفيه: أن كل ما حكم به نبي الله ﷺ فجائز أن يقال إنه حكم الله تعالى وقضاؤه.\nوفي بيع المكاتب دليل أن المكاتب عبد، وفيه دليل أنه لا يجوز له الجمع بين أربع نسوة، ولا يجوز له أن يتسرى، كما لا يجوز للعبد، وفيه: أن المكاتب إذا قُذف لم يكن على قاذفه حد، لما روي عن النبي ﷺ قال: (مَن قَذَفَ مَملُوكَه ضُرِبَ لَهُ الحَدُّ يَومَ القِيَّامَة) (^٤) فلو ضُرب في الدنيا لم يُثَنَّ عليه في الآخرة.\n_________\n(^١) هكذا في الأصل، وسياق الكلام يقضي بكونه خبرا منصوبا.\n(^٢) من تنجيم الدين، وهو جعله أقساطا ومقادير، وأصله أن العرب كانت تجعل مطالع منازل القمر ومساقطها مواقيت حلول الديون، ينظر: النهاية: ٥/ ٢٤، اللسان: ١٢/ ٥٧٠.\n(^٣) هذا لفظ النسائي برقم: ٣٤٥١، ولفظ مسلم: (ما كان من شرط ليس في كتاب الله ﷿ فهو باطل).\n(^٤) رواه مسلم برقم: ١٦٦٠، بلفظ قريب (من قذف مملوكه بالزنا، يقام عليه الحد يوم القيامة)،=","vol":"1","page":315},{"text":"وفيه: إجازة بيع الأمَة في العتق دون ولدها، لأن في خبر ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إِنَّهُ أَبُو وَلَدِكِ) (^١) يريد زوج بريرة، وإذا لم يكن الشراء بشرط العتق؛ لم يجز بيعها دون ولدها.\nوفي قول النبي ﷺ: (شَرْطُ اللهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ) دلالة ألا حق لأحد مع شرط الله تعالى بخلاف شرطه، وفيه دلالة أن كل لحم يشتريه مسلم من مسلم؛ فجائز أكله من غير أن يسأل: أذكاة مسلم أم مجوسي؟ (^٢)، وفيه: قبول رواية المرأة؛ لما ذكر أن عائشة ﵂ قالت: (أُهْدِيَ لِبَرِيرَة) (^٣).\nوفي سؤال النبي ﷺ لبريرة أن تَقرَّ عند زوجها بعد الحرية، دلالة على إباحة تزويج العبد الحرة، وفيه دلالة أن الإمام إذا أراد عظة رعيته قدم قبلها حمد الله والثناء عليه، وفيه: أن الأمَة إذا بيِعت لم تُطلَّق من زوجها، لأن بريرة بيعت ولها زوج، فخيَّرها النبي ﷺ بعد البيع، واختلفت الرواية في خبر عائشة، ﵂ فروى أهل العراق أنه كان حرًّا (^٤)، وروى أهل الحجاز أنه كان عبدًا (^٥)، فإن صحت الروايتان تعارضتا وسقطتا، وانفرد الحكم لحديث ابن عباس ﵁\n_________\n= والبخاري بنحوه: ٦٨٥٨.\n(^١) رواه النسائي برقم: ٥٤١٧، وابن ماجة برقم: ٢٠٧٥.\n(^٢) في حديث بريرة أنها أهدت عائشة لحما، فأكل منه النبي ﷺ.\n(^٣) اللفظ عند مسلم: (تصدق به على بريرة): أي اللحم.\n(^٤) عند البخاري برقم: ٦٧٥٨، مسلم برقم: ١٥٠٤، أبو داود برقم: ٢٢٣٥.\n(^٥) مسلم برقم: ١٥٠٤، أبو داود برقم: ٢٢٣٣، قال النووي: (والروايات المشهورة في صحيح مسلم وغيره أن زوجها كان عبدا، قال الحفاظ ورواية من روى أنه كان حرا غلط، وشاذة مردودة لمخالفتها المعروف في روايات الثقات) شرح مسلم: ١٠/ ١٤١، وينظر في مقارنة الروايات: فتح الباري: ٩/ ٤١٠.","vol":"1","page":316},{"text":"أنه كان عبدا (^١).\nوفيه: أن اختيارها الفراق فسخ غير طلاق، وفيه أن للحاكم: أن يشفع فيما كان قد بان له الحكم فيه بترك ما قد وَجب؛ إذا كان مما يحل تركه، إذ قال النبي ﷺ (لَوْ رَاجَعْتِيهِ) (^٢)، وفيه: أن الزوج لا يملك بعد الفسخ الرجعة، وفيه: أن الكتابة عقد على غرر معفو عنه؛ إذ شرط العقود بين المتعاقدين أنه لا ينفسخ إلا باتفاقهما على الفسخ.\n\n<span data-type='title' id=toc-217>ومن باب النهي عن بيع الولاء وهبته</span>\n[٢٨٣] حديث ابن عمر ﵄: (نَهَى عَن بَيعِ الْوَلَاءِ وَهِبَتِهِ) (^٣)، فيه بيان ثبوت\nالولاء، وفيه: أن الولاء لا يوهب ولا يحول، فإنه ثابت كالنسب.\n\n<span data-type='title' id=toc-218>ومن باب لعن من تولى غير مواليه</span>\n[٢٨٤] حديث جابر ﵁: (كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ: عَلَى كُلِّ بَطنٍ عُقُولَهُ) (^٤)، البطن: القبيلة، والعُقُول: جمع العقل، وهو الدِّيَّة، وذلك أن الرجل إذا جنى على آدمي جناية خطأ، فإنها تكون على عاقلته، وهم العصبة لا يُنقل عنهم ما كان فيهم من يحملها.\n_________\n(^١) رواه البخاري برقم: ٥٢٨٢، وأبو داود برقم: ٢٢٣٢.\n(^٢) عند البخاري برقم: ٥٢٨٣، والنسائي برقم: ٥٤١٧.\n(^٣) أخرجه برقم: ١٥٠٦، وأخرجه البخاري برقم: ٢٥٣٥.\n(^٤) أخرجه برقم: ١٥٠٧، وأخرجه النسائي برقم: ٤٨٢٩.","vol":"1","page":317},{"text":"[٢٨٥] وفي حديث علي ﵁: (وَذِمَّة المُسلِمِينَ وَاحِدَةٌ، يَسعَى بِهَا أَدْنَاهُم، وَمَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، أَوِ انتَمَى إِلَى غَير مَوَالِيهِ، فَعَلَيهِ لَعَنَةُ اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقبَلُ اللهُ مِنهُ يَومَ القِيَامَةِ صَرفًا، وَلَا عَدلًا) (^١) في الحديث: إيعاد لمن انتقل بولاية عمن له الولاء إلى غيره، وإيعاد لمن لم ينصر أهل ولايته، وفيه أن من أمَّنَ من المسلمين؛ فأمانه جائز عبدا كان أو امرأة، وفيه: أن الإحداث في المدينة يوجب عظيم العقوبة.\nو(الصَّرفُ): قيل: النافلة، و(العَدلُ): الفريضة، وقيل: الصرف: الكسب، قال الشاعر:\nقَد يُرْزَقُ الجِلْفُ الهدَانُ الجَافِي … بِغَير لَا عَسْفٍ وَلَا اصْطِرَافِ (^٢)\nالهِدَانُ: الأحمق الخامل، والاصطراف: الاكتساب.\n\n<span data-type='title' id=toc-219>ومن باب فضل من أعتق رقبة مؤمنة</span>\n[٢٨٦] حديث أبي هريرة ﵁: (أَعتَقَ اللهُ بِكُلِّ إِربٍ مِنه إربًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ) (^٣) الإرب: العضو، وفي الحديث: فضيلة العتق، وفيه فكاك من النار.\n_________\n(^١) أخرجه برقم: ١٣٧٠، وأخرجه البخاري برقم: ٧٣٠٠.\n(^٢) بيت للعجاج التميمي، ورد في أكثر المصادر:\nقد يكسب المال الهدانُ الجافي … بغير لا عصف ولا اصطراف\nينظر العين: ٤/ ٢٦، الأضداد لابن الأنباري: ٢١٤، تهذيب اللغة: ٦/ ١١٥، ديوانه برواية الأصمعي: ١٤٧.\n(^٣) أخرجه برقم: ١٥٠٩، وأخرجه البخاري برقم: ٢٥١٧، ولفظ مسلم: (إرب منها) أي: الرقبة.","vol":"1","page":318},{"text":"<span data-type='title' id=toc-220>ومن باب عتق الولد الوالد</span>\n[٢٨٧] حديث أبي هريرة ﵁: (لَا يَجزِي وَلَدٌ وَالِدًا) (^١)، وفي رواية ابن أبي شيبة: (وَلَدٌ وَالِدَه) (^٢)، في الحديث دليل أن الرجل إذا ملك أباه أو ابنه عُتِق عليه، وقوله: (فَيَشتَرِيَهُ فَيُعتِقَهُ): أي: يُعتَق باشترائه إياه، فيكون ذلك سببا لعتقه، وإذا كان كذلك كان هو المعتق، ومِلك الولد لا يستقر على الوالد، لأن بعضهما من بعض.\n_________\n(^١) أخرجه برقم: ١٥١٠، وأخرجه الترمذي برقم: ١٩٠٦.\n(^٢) عند مسلم في حديث الباب، وفي مصنف ابن أبي شيبة: ٢٥٣٩٨، واللفظ عند غيرهما.","vol":"1","page":319},{"text":"<span data-type='title' id=toc-221>باب النهي عن الملامسة والمنابذة</span>\n[٢٨٨] قد ذكر مسلم تفسير الحديث (^١) بالإسناد: قال أهل العلم: (المُلَامَسَةُ: أَن يَلْمِسَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَوبَ صَاحِبِهِ مِن غَيرِ تَأَمُّلٍ، وَالمُنَابَذَةُ: أَن يَنبِذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَوبَهُ إِلَى الْآخَرِ، وَلَمْ يَنظُر كُل وَاحِد مِنْهُمَا إِلَى ثَوبِ صَاحِبه) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-222>ومن باب بيع الحصاة وبيع الغرر</span>\n[٢٨٩] فمن (بيع الغَرَر) (^٣): أن يبيعه شيئا مجهولا لا يعرفانه، ومنه: أن يبيع الشيء ولا يمكنه تسليمه، ومثله العبد الآبق يباع، والسمك في الماء لا يوصل إليه إلا بالاصطياد، والشيء يباع بغير إذن صاحبه.\nو(بَيعُ الحَصَاةِ): البيع بالحصاة، وذلك أنهم كانوا يتراضون على أن أحدهما إذا نبذ الحصاة إلى صاحبه الذي يساومه بالسلعة، فقد وجب البيع بينهما.\n_________\n(^١) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ١٥١١، وأخرجه البخاري برقم: ١٩٩٣.\n(^٢) رواه مسلم في حديث الباب، وكذلك البخاري.\n(^٣) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ١٥١٣، وأخرجه أبو داود برقم: ٣٣٧٦.","vol":"1","page":321},{"text":"<span data-type='title' id=toc-223>ومن باب النهي عن بيع حبل الحبلة</span>\n[٢٩٠] قيل: (بَيعِ حَبَلِ الحَبَلَةِ) (^١): أن يباع ما ينتج جنين هذه الناقة بهذا البعير، أو بهذا الشيء فيفترقان على ذلك، أو يبيع ما يلده نتاج نتاج هذه الناقة، ولا يدري أتلد أو لا تلد، وقال ابن عمر ﵁: (كَانَ أَهلُ الجَاهِلِيَّةِ يَتَبَايَعُونَ لَحمَ الجَزُورِ إِلَى حَبَلِ الحَبَلَةِ، وَحَبَلُ الحَبَلَةِ أَن تُنْتَجَ النَّاقَةُ ثُمَّ تَحْمِلَ الَّتِي نُتِجَتْ) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-224>ومن باب النهي عن بيع بعضهم على بعض</span>\n[٢٩١] حديث: (لَا يَبع الرَّجُلُ عَلَى بَيع أَخِيهِ) (^٣)، وفي رواية أبي هريرة: ﵁ (لَا يَسُمِ الْمُسْلِمُ عَلَى سَوْمِ المُسْلِم) (^٤) وفي رواية: (نَهَى أَنْ يَسْتَامَ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ) (^٥) وفي رواية: (عَلَى سِيمَةِ أَخِيهِ) (^٦).\nقال أهل اللغة (^٧): استام الرجل يستام استياما، إذا طلب بسلعته ثمنا، وفي الحديث: (نَهَى عَن السَّوم قَبلَ طُلُوعِ الشَّمسِ) (^٨)، قال الزجاج: السوم أن يساوم سلعته في ذلك الوقت لأنه وقت ذكر الله لا يشتغل فيه بشيء (^٩) قيل: إذا ركن\n_________\n(^١) حديث ابن عمر: أخرجه مسلم برقم: ١٥١٤، وأخرجه البخاري برقم: ٢١٤٣.\n(^٢) حديث الباب.\n(^٣) حديث ابن عمر أخرجه مسلم برقم: ١٤١٢، وأخرجه البخاري برقم: ٢١٣٩.\n(^٤) أخرجه مسلم برقم: ١٥١٥ بلفظ: (على سوم أخيه)، وأخرجه الترمذي برقم: ١٢٩٢.\n(^٥) رواية البخاري برقم: ٢٧٢٧، والنسائي برقم: ٤٤٩١.\n(^٦) رواية الدورقي: ذكرها مسلم في الباب نفسه، وكذا عند أحمد برقم: ١٠٨٥٠.\n(^٧) الغريبين: ٣/ ٩٥٥، تفسير غريب ما في الصحيحين: ٢٨٧.\n(^٨) رواه ابن ماجة عن علي: ٢٢٠٦.\n(^٩) الغريبين: ٣/ ٩٥٥، غريب ابن الجوزي: ١/ ٥١٠.","vol":"1","page":322},{"text":"البائع إلى السائم، وجعل يشترط وزن الذهب، ويتبرأ من العيوب وما أشبه هذا؛ مما يعرف به أن البائع قد أراد مبايعة السائم، هذا هو السوم المنهي، وما كان قبل ذلك فلا بأس به.\n\n<span data-type='title' id=toc-225>ومن باب بيع النجش</span>\n[٢٩٢] حديث: (وَلَا تَنَاجَشُوا) (^١)، النجش: أن يعطي الرجلُ بالسلعة ثمنا: كثيرا وهو لا يريد [شراءها] (^٢) ليغر به غيره، فيعطي ذلك الثمن، وذلك خيانة، فمن باع على النجش فللمشتري رد السلعة.\nوأما (التَّصْرِيَة) فمن قولك: صرَّيت الشيء، أي جمعته، قال صاحب المجمل: صرَّى الماء يُصرِّيه إذا جمعه، وماء صَرًى مجموع، وكأن الصَّرَاة منه، وسُمّيت المُصَرَّاة من الشاء لاجتماع اللبن في ضرعها (^٣).\n\n[٢٩٣] وحديث: (المُصَرَّاة) (^٤) أصل في الرد بالعيوب في الحيوان.\n\n[٢٩٤] وحديث: (دَعُوا النَّاسَ يَرزُقِ اللهُ بَعضَهُم مِن بَعض) (^٥)، هذا نظر من النبي ﷺ لأهل الحاضرة على أهل البادية، يفضلهم عليهم لإقامتهم\n_________\n(^١) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ١٥١٥، وأخرجه البخاري برقم: ٢١٤٠.\n(^٢) في الأصل: شراءه، والمثبت أليق بالسياق والمعنى.\n(^٣) مجمل اللغة: ٥٥٥.\n(^٤) حديث أبي هريرة: (من اشترى شاة مصراة فلينقلب بها، فليحلبها، فإن رضي حلابها أمسكها، وإلا ردها ومعها صاع من تمر): أخرجه مسلم برقم: ١٥٢٤، وأخرجه البخاري برقم: ٢١٤٨.\n(^٥) حديث جابر: أخرجه مسلم برقم: ١٥٢٢، وأخرجه أبو داود برقم: ٣٤٤٢.","vol":"1","page":323},{"text":"الجماعات، ولعلمهم بالسنن، قال بعض العلماء: لا بأس أن يشتري حاضر لباد، وأما إذا باع حاضر لباد لم يجز (^١).\nقال بعض العلماء: قوله: (لا يَبع) أي: لا يشتر (^٢)، وقيل: معناه: لا يساوم (^٣)، وقال الشافعي: هو أن يتبايع الرجلان السلعة، ولم يتفرقا فيجيء رجل فيعرض على المشتري سلعة أجود مما اشتراه بأقل من ثمنها، فيفاسخه البيع، ويشتري هذه الرخيصة، فهو عاص؛ لنهي رسول الله ﷺ (^٤).\nوفي الحديث دليل على تحريم الخديعة والغرور، وأما: (تَلَقِّي الرُّكبَانِ): كانوا إذا أشرفوا على بلدة بسلعهم؛ ولا يعرفون سعرها؛ يتلقاهم متلقٍّ فيشتريها منهم بالغبن فنهى النبي ﷺ عن ذلك، لئلا يُخدعَ مسلم، ثم جعل له الخيار إذا قدم السوق.\nوأما: (بَيعُ الحَاضِرِ لِلْبَادِ)، فإن العرب إذا قدموا بسلعهم الأسواق؛ ولم يكن لهم من يتوكل لهم في البيع؛ لم يتربصوا بها وباعوها بسعر يومها، فأصاب الناس ربحا، وإذا تربصوا بها بطَل هذا المعنى، وهذا النهي على معنى الاختيار: (دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقِ اللهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ) فلو لم يجز البيع؛ لم يكن في ذلك ما\n_________\n(^١) الكلام الأول لابن أبي أويس، والآخر لعيسى بن دينار، ينظر: تفسير الموطأ للقنازعي: ٢/ ٤٩٠.\n(^٢) قال الباجي: يريد، والله أعلم لا يشتر، وقال ابن حبيب: إنما النهي للمشتري دون البائع، ينظر: المنتقى: ٥/ ١٠٠، وينظر كذلك: مجمل اللغة: ١٤٠، ابن بطال: ٦/ ٢٦٧.\n(^٣) وهو ما تشير إليه رواية أبي هريرة: (لا يسم)، وفسر مالك ﵀ البيع في الحديث بقوله: (أن يسوم الرجل على سوم أخيه) الموطأ: كتاب البيوع: ٩٦، وينظر: مشارق الأنوار: ١/ ١٠٧.\n(^٤) الأم للشافعي: ٣/ ١٠، مختصر المزني: ٨/ ١٨٦، الحاوي الكبير: ٥/ ٣٤٣.","vol":"1","page":324},{"text":"يمنع الرزق، فاستُدِل بذلك على أن البيع جائز، والإثمَ حاصل.\nقال بعض العلماء (^١): (أصل الغرر هو ما طوي عنك علمه، وخفي عليك باطنه وسرُّه، وهو مأخوذ من قولهم: طويت الثوب على غِرِّه، أي: على كسره الأول، فكل بيع كان المقصود منه مجهولا غير معلوم، أو معجوزا عنه غير مقدور عليه فهو غرر، وذلك مثل: أن يبيعه سمكا في الماء، أو طيرا في الهواء، أو لؤلؤة في البحر، أو عبدا آبقا، أو جملا شاردا، أو ثوبا في جراب لم يره، ولم ينشره، أو طعاما في بيت لم يفتحه، أو ولد بهيمة لم يولد، أو ثمرة شجرة لم تثمر، في نحوها من الأمور التي لا تعلم، ولا تُدرى هل تكون أم لا، فإن البيع فيها مفسوخ.\nوإنما نهى النبي ﷺ عن هذه البيوع، تحصينا للأموال أن تضيع، وقطعا للخصومة، وجماع الأمر: الغرر ما دخل المقصود منه الجهل، ومن ذلك: بيع الحصاة، وهو أن يعترض الرجل القطيع من الغنم فيرمي فيها بحصاة، فأية شاة منها أصابت الحصاةُ فقد استحقها البيع).\nوأما (المُصَرَّاة): فقال الشافعي: التَّصرية: أن يربط أخلاف الناقة أو الشاة، وتُترك من الحلب يومين أو ثلاثة حتى يجتمع لها لبن؛ فيراه مشتريها كثيرا، فيزيد في ثمنها لما يرى من كثرة لبنها، فإذا حلبها بعد تلك الحَلْبة حَلْبة أو حَلْبتين، عرف أن ذلك ليس بلبنها، وهذا غرور (^٢).\nقال أهل اللغة: أصل التَّصرية: حبس الماء وجمعه، والشاة المُصَرَّاة: التي\n_________\n(^١) الخطابي في معالم السنن: ٣/ ٨٨.\n(^٢) مختصر المزني: ٨/ ١٨٠، الحاوي الكبير: ٥/ ٢٣، البيان في مذهب الإمام الشافعي: ٥/ ٢٦٥.","vol":"1","page":325},{"text":"قد صُرِّي اللبن في ضرعها، يعني: حُقِن وجُمع فلم يحلب، وسميت الصَّراة صَراةً لأنها مياه اجتمعت، قال أبو عبيد: ولو كان من الربط لكانت مصرورة أو مصرَّرة (^١).\nوقول الشافعي صحيح، والعرب تَصُرُّ ضروع الحَلوبات إذا أرسلتها تسرح، ويسمون ذلك الرباط صِرارًا، فإذا راحت حُلَّت تلك الأَصِرَّة وحلبت، ومن هذا حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر يحل صرار ناقة بغير إذن صاحبها، فإنه خاتم أهلها عليها) (^٢)، ومن هذا قول عنترة:\nالعَبْدُ لا يحُسنُ الكَرَّ … إنما يُحسن الحَلْبَ والصَّرَّ (^٣)\nوقال مالك بن نويرة - وكان بنو يربوع جمعوا صدقاتهم ليوجهوا بها إلى أبي بكر ﵁، فمنعهم من ذلك، ورد على كل رجل منهم صدقته، وقال: أنا جنة لكم مما تكرهون - وقال:\nوقُلْتُ خُذُوها هذِهِ صَدَقاتكُمْ … مُصَوَّرَة أَخْلَافُها لَمْ تُجَرَّدِ\n_________\n(^١) غريب الحديث: ٢/ ٢٤١.\n(^٢) رواه أحمد برقم: ١١٤١٩، والبيهقي في الكبرى: ١٩٦٥٦.\n(^٣) ذكر في كتب الأدب أن هذا البيت كان سببا في الاعتراف بنسب عنترة إلى بني عبس، وقد كان في عداد العبيد لأن أمه كانت أمة حبشية فألحق بها، فظل الأمر كذلك إلى أن أغارت طيء على بني عبس فأصابوا منهم واستاقوا إبلا، فتبعهم العبسيّون فلحقوهم فقاتلوهم عمّا معهم، وعنترة يومئذ فيهم؛ فقال له أبوه: كرّ يا عنترة، فقال عنترة: العبد لا يحسن الكرّ .. (البيت)، فقال له: كر وأنت حر، فكر واسترد الأموال، فألحقه أبوه به، ينظر: الشعر والشعراء: ١/ ٢٤٣، الأغاني: ٨/ ٣٨٧، شرح المعلقات التسع للشيباني: ٢١٤.","vol":"1","page":326},{"text":"سأَجْعَلُ نَفْسِي دُونَ مَا تَحْذَرُونه … وأَرْهَنُكُمْ يَوْمًا بِمَا قُلْتُهُ يَدِي (^١)\nقيل: يحتمل أن يكون أصل المُصَرَّاة: المُصَرَّرَة، أبدل إحدى الراءين ياء كقولهم: تقضى البازي، وأصله تقضض، كرهوا اجتماع ثلاثة أحرف من جنس واحد في كلمة واحدة، فأبدلوا حرفا منها بحرف آخر ليس من جنسها، قال العجاج:\nتَقَضِّيَ البازِي إِذا البازِي كَسَرْ (^٢).\nوممن قال بظاهر الحديث، وقال يردها ويرد معها صاعا من تمر: مالك والشافعي وأحمد، وأبو عبيد (^٣)، وقال أبو حنيفة: إذا حلب الشاة فليس له أن يردها، ولكن يرجع على البائع بأرشها ويمسكها (^٤)، لأن فيه تقويم المتلف بغير النقود، وإبطال رد المثل في ما له مثل، وتقويم القليل والكثير من اللبن بقيمة واحدة وبمقدار، واحتجوا بقوله ﷺ: (الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ) (^٥)، وقال أبو يوسف: يرد قيمة اللبن (^٦).\nوفي الحديث بيان أن دين الإسلام تعبد، فما كشف لنا عن دليله فالدليل\n_________\n(^١) الأبيات لمالك بن نويرة يحرض قومه بني يربوع على منع الصدقة، ينظر: كتاب الردة للواقدي: ١٠٨، معالم السنن: ٣/ ١١٢.\n(^٢) عجز بيت للعجاج التميمي، وصدره: (دَانِي جَنَاحَيْه من الطّور فَمَرّ) وأروده بعضهم بغير هذا، ينظر: الكامل للمبرد: ١/ ٢٦٩، أدب الكاتب: ٤٨٧، أمالي القالي: ٢/ ١٧١، ديوانه برواية الأصمعي: ٨٣.\n(^٣) المدونة: ٣/ ٣٠٩، مختصر المزني: ٨/ ١٨٠، المغني: ٤/ ١٠٤، الإشراف: ٦/ ٣٦، الاستذكار: ٦/ ٥٣٣.\n(^٤) المبسوط: ١٣/ ٣٨، عمدة القاري: ١١/ ٢٧٢، والأرش: ما يؤخذ عوضا عن العيب.\n(^٥) رواه أبو داود برقم: ٣٥٠٨، والترمذي برقم: ١٢٨٥.\n(^٦) شرح مختصر الطحاوي: ٣/ ٦٢، الإشراف: ٦/ ٣٦.","vol":"1","page":327},{"text":"متبوع، وما تعرى عن الدليل؛ فما عقل من ظاهره فالعمل واجب بذلك، فلما كانت ألبان الإبل والبقر والغنم تختلف لا محالة، وجعل النبي ﷺ قيمة الزيادة التي حدثت في الضروع بالتصرية صاع تمر لا سَمْراء، علم أن ذلك تعبد لا لعلة، وهو مسَلَّم لحكمه لا اعتراض عليه بالعلل.\nوقول أهل العراق: إنه يرجع على بائعها بنقصان عيبها، وليس له ردها، قال بعض العلماء التصرية: جمع اللبن في الضرع بترك الحِلاب، والتحفيل - كذلك -: يقال شاة محفّلة.\n\n<span data-type='title' id=toc-226>ومن باب ما ورد في فساد البيع قبل القبض</span>\n[٢٩٥] حديث ابن عباس: قال طاووس فقلت له: وكيف ذاك؟ قال: (دَرَاهِمُ بِدَرَاهِمَ وَالطَّعَامُ مُرجَأٌ) (^١)، قال أهل العلم: لا يجوز بيع الطعام قبل القبض، واختلفوا فيما عداه من الأشياء، فقال أبو حنيفة: ما عدا الطعام بمنزلة الطعام، إلا الدور والأرضين؛ فإن بيعها قبل قبضها جائز (^٢).\nوقال الشافعي: الطعام وغير الطعام من السلع والدور والعقار في هذا سواء؛ لا يجوز بيع شيء منها حتى يقبض (^٣)، وهو قول ابن عباس ﵁ (^٤)، قيل: قاس\n_________\n(^١) حديث: (من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يكتاله) وفي رواية: (حتى يقبضه): أخرجه مسلم برقم:\n١٥٢٥، وأخرجه البخاري برقم ٢١٣٢، ولفظ المؤلف عنه، وأما لفظ مسلم فقال ابن عباس\n﵁: (ألا تراهم يتبايعون بالذهب والطعام مرجأ).\n(^٢) المبسوط: ١٣/ ٨، الإشراف: ٦/ ٥١.\n(^٣) الأم: ٣/ ٧٠، مختصر المزني: ٨/ ١٧٩، الحاوي الكبير: ٥/ ٢٢٠.\n(^٤) قال ﵁: (وأحسب كل شيء بمنزلة الطعام) رواه البخاري برقم: ٢١٣٥، ومسلم برقم: ١٥٢٥.","vol":"1","page":328},{"text":"ما عدا الطعام على الطعام بعلة أنه عين مبيعة لم يقبض، أو لأنه بلغه أن النبي ﷺ نهى عن ربح ما لم يضمن (^١)، والشيء المبيع ضمانه قبل القبض على البائع، فلم يجز للمشتري ربحه.\nوقال أحمد بن حنبل: يجوز بيع كل شيء منها ما خلا المكِيل والموزون (^٢).\nوفي هذه الأخبار بيان أن من ابتاع شيئا لم يجز له بيعه حتى يقبضه، لأن ملك المشتري عليه لم يتكامل عليه، وجعل أحمد الحديث مخصوصا في المكيل والموزون.\nوالقبض يختلف: فقبض ما يحول: بالنقل من موضع البائع إلى موضع المشتري، وقبض ما لا يحول من العقار: وأن (^٣) يُسلم بلا حائل دونه.\nواحتج بعض من ذهب إلى جواز بيع ما عدا الطعام قبل أن يقبض، بخبر ابن عمر ﵁ أنهم كانوا في عهد رسول الله ﷺ يبيعون الإبل بالبقيع بالدنانير؛ فيأخذون الدراهم، وبالدراهم فيأخذون الدنانير، فأجازه رسول الله ﷺ إذا وقع التقابض قبل التفرق (^٤)، وهذا بيع للثمن الذي وقع به العقد قبل قبضه، فدل أن النهي مقصور على الطعام وحده.\n_________\n(^١) الحديث عند أبي داود برقم: ٣٥٠٤، والترمذي برقم: ١٢٣٤، عن عبد الله بن عمرو.\n(^٢) مسائل الإمام أحمد وإسحاق: ٦/ ٢٥٦٣، المغني: ٤/ ٨٤.\n(^٣) هكذا في الأصل، وحذف الواو أليق بالمعنى: أن غير المنقول يقبض بالتخلية، وهي أن يخلى بينه وبين المبيع.\n(^٤) فقال ﷺ: (لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء) رواه أبو داود برقم: ٣٣٥٤، والترمذي برقم: ١٢٤٢.","vol":"1","page":329},{"text":"ومن العلماء من جعل البيع كافلا بوجوب الصفقة، وقالوا: إن الملك ينتقل بنفس العقد؛ بدليل أن المبيع لو كان عبدا فأعتقه المشتري قبل القبض عتق، وإذا ثبت الملك جاز التصرف ما لم يكن فيه إبطال حق لغيره، قيل: ومقتضي الدراهم عن الدنانير لا يقصد به الربح، فلم يدخل تحت النهي عن ربح ما لم يضمن (^١).\nقال أهل اللغة (^٢): أرجيت الشيء ورجَّيته: أخرته، ويُتكلم به مهموزا وغير مهموز، فقوله: (مُرْجَأٌ) أي: مؤخرا عن التسليم غير حاضر، وهو من باب السلف، وذلك أن يشتري منه طعاما إلى أجل، فيبيعه قبل أن يقبضه منه بدينارين، وهو غير جائز لأن في التقدير بيع ذهب بذهب، والطعام مؤجل غائب غير حاضر، وإنما صار ذلك بيع ذهب بذهب، لأن المسْلِف إذا باعه الطعام الذي لم يقبضه، وأخذ منه ذهبا؛ فقد تقابل الذهبان في التقدير، فكأنه إنما باعه ديناره الذي كان أسلفه الطعام؛ بدينارين وهو فاسد.\n\n<span data-type='title' id=toc-227>ومن باب ما جاء في خيار المتبايعين</span>\n[٢٩٦] فيه حديث ابن عمر ﵄: في هذه الأحاديث بيان أن التفرق بالبدن لا بالكلام، وذلك واضح في حديث الليث بن سعد إذ قال: (فَإِن خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، فَقَد وَجَبَ البَيْعُ، وَإِن تَفَرَّقَا بَعدَ أَن تَبَايَعَا وَلَم يَتْرُك وَاحِدٌ مِنْهُمَا البَيعَ، فَقَد وَجَبَ البَيعُ) (^٣)، فهذا التفرق بعد البيع ليس التفرق نفسه، وذلك أنهما يكونان متساومين، ثم يكونان متبايعين.\n_________\n(^١) معالم السنن: ٣/ ١٣٦، فتح الباري: ٤/ ٣٥٢.\n(^٢) الغريبين: ٣/ ٧٢٤، غريب ابن قتيبة: ١/ ٢٥٣، عريب الخطابي: ٢/ ٤٥٦.\n(^٣) أخرجه مسلم برقم: ١٥٣١، والبخاري برقم: ٢١١٢، وفيه عند مسلم: (فإن خير أحدهما الآخر، فتبايعا على ذلك ..).","vol":"1","page":330},{"text":"وفي حديث عبد الله بن دينار: (كُلُّ بَيِّعَيْنِ فَلَا بَيعَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَتَفَرَّقَا، إِلَّا بَيعُ الخِيَارِ) فنفى البيع إلا بعد أن يتفرقا، فعلم أن التفرق غيره.\n\n<span data-type='title' id=toc-228>ومن باب ما ورد في نفي الخديعة</span>\n[٢٩٧] حديث: (فَقُل: لَا خِلَابَةَ) (^١) قوله: (لَا خِلَابَةَ) أي: لا خداع، وفيه: إبطال الخداع، وأن البيع إذا وقع على ذلك بطَل، وفيه: أن الغبن الفاحش لا يجوز.\n\n<span data-type='title' id=toc-229>ومن باب النهي عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها</span>\n[٢٩٨] فيه حديث ابن عمر ﵁ (^٢): في هذه الأحاديث: بيان أن بيع الثمار لا يجوز إذا لم تكن مدركة أو مُزهِية، وفيها: أنه إذا باعها على أن يقطعها من ساعته؛ أن البيع جائز لأن النهي عما يستبقى إلى وقت الإدراك، بدليل قوله: (أَرَأَيْتَ إِذَا مَنَعَ اللهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ) (^٣)، فإذا قطعه من وقته أمن من الآفة.\n\n[٢٩٩] وقوله: (حَتَّى يُحزَرَ) (^٤): من الحَزْر: الذي هو الخَرْص (^٥).\n_________\n(^١) حديث ابن عمر: أخرجه مسلم برقم ١٥٣٣، والبخاري برقم: ٢١١٧.\n(^٢) حديث ابن عمر: (نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحها) أخرجه مسلم برقم: ١٥٣٤، والبخاري برقم: ٢١٩٤.\n(^٣) رواه البخاري برقم: ٢١٩٨، واللفظ له، ومسلم: ١٥٥٥.\n(^٤) حديث ابن عباس: أخرجه مسلم برقم: ١٥٣٧، والبخاري برقم: ٢٢٤٦، ووقع عنده: (حتى يحرز) أي: يحفظ.\n(^٥) وهو التقدير بالحدس والتخمين.","vol":"1","page":331},{"text":"<span data-type='title' id=toc-230>ومن باب بيع التمر بالتمر</span>\n[٣٠٠] حديث ابن عمر ﵁ (^١) وفيه ذكر المزابنة والعَرِيَّة، قيل: بيع المزابنة: بيع جزاف، وقيل: بيع العرايا رخصة، والعرايا تتصرف على وجوه، منها: أن يقول الرجل للرجل: أعريتك ثمر هذه النخلة، أي: جعلت لك ثمرها هذا العام، ومنه الحديث: (إِنَّ فِي الْمَالِ الْعَرِيَّةِ وَالْوَصِيَّة) (^٢).\nوالوجه (^٣): أن يكون للرجل النخلة الواحدة وسط نخل كثير لرجل آخر، فيمر إلى تلك النخلة وسط نخل هذا، فيتأذى بمروره عليه، فرخص له إذا كانت ضرورة؛ أن يبيعها بخرصها تمرا.\nوالوجه الثالث: أن الرخصة جاءت على سبب، ثم صارت مطلقة في المقدار، وصار خبر داود بن الحصين (^٤) مفسرا للأخبار المجملة، قال الخطابي: (أصل العرايا في اللغة من قول القائل: أعريت الرجل النخلة، أي: أطعمته ثمرها يعروها متى شاء، أي: يأتيها فيأكل رطبها، يقال: عروتَ الرجل إذا أتيته تطلب معروفه، كما يقال: طلب إلي فأطلبته، وسألني فأسألته.\nوقيل: سميت عريَّة لأن الرجل يعريها من جملة نخله، لا يبيعها مع النخل، فربما أكلها، وربما وهبها لغيره، فهي مستثناة من جملة النهي عن المزابنة، والمزابنة: بيع الرطب بالتمر، ألا تراه يقول: (وَرَخَّصَ فِي بَيْعِ العَرَايَا)، والرخصة\n_________\n(^١) أخرجه برقم: ١٥٣٩، والبخاري برقم: ٢١٨٣.\n(^٢) مصنف ابن أبي شيبة: ١٠٥٦٢.\n(^٣) الوجه الثاني من وجوه العرايا.\n(^٤) عند مسلم في الباب: (رخص في بيع العرايا بخرصها فيما دون خمسة أوسق).","vol":"1","page":332},{"text":"إنما تقع بعد الحظر، وورود الخصوص على العموم لا ينكر في أصل الدين.\nوسبيل الحديثين إذا اختلفا في الظاهر وأمكن التوفيق بينهما، ألا يُحملا على المنافاة، ولا يُضرب بعضها ببعض، لكن يستعمل كل واحد منهما في موضعه، وبهذا جرت قضية العلماء في كثير من الحديث: ألا ترى أنه لما نهى حكيما عن بيع ما ليس عنده (^١)، ثم أباح السَّلَم، كان السلم عند جماعة الفقهاء محله مباحا، في وبيع ما ليس عند المرء محظورا في محله، وذلك أن أحدهما - وهو السَّلَم - من بيوع الصفات، والآخر من بيوع الأعيان، فإنما جاء تحريم المزابنة فيما كان من التمر موضوعا على وجه الأرض، وجاءت الرخصة في بيع العرايا فيما كان منها على رؤوس الشجر؛ في مقدار معلوم منه بكمية لا يزاد عليها وذلك من أجل ضرورة أو مصلحة، فليس أحدهما مناقضًا للآخر ولا مبطلا له) (^٢).\nقال أهل اللغة: الزَّبْن: الدفع، وأصله أن المتبايعين إذا وقفا فيه على الغبن فأراد المغبون أن يفسخ البيع، وأراد الغابن أن يمضيه تزابنا، أي: تدافعا واختصما، ومنه قيل: زبانية أهل النار، لأنهم يدفعون أهلها فيها (^٣).\nقال بعض العلماء (^٤): بيع المزابنة: بيع على وجه المكايسة والتجارة، وبيع العرايا: بيع على وجه المعروف لا مكايسة فيها، قال مالك: المزابنة: بيع جزاف بكيل من صنفه من التمر؛ مما لا يجوز فيه التفاضل في الكيل (^٥).\n_________\n(^١) عند أبي داود برقم: ٣٥٠٣، والترمذي برقم: ١٢٣٢.\n(^٢) معالم السنن: ٢/ ٧٩، بتصرف يسير.\n(^٣) غريب الحديث لابن قتيبة: ١/ ١٩٣، الغريبين: ٣/ ٨١٣.\n(^٤) مالك بن أنس في الموطأ: كتاب البيوع: ٥٥.\n(^٥) المدونة: ٣/ ١٥٩.","vol":"1","page":333},{"text":"<span data-type='title' id=toc-231>ومن باب من باع نخلا مؤبرة</span>\n[٣٠١] فيه حديث ابن عمر ﵁ (^١): في الحديث من الفقه: أن الثمار والزروع ليست بتابعة للأرضين والكروم، وأنها لا تدخل في البيع إلا بالشرط، والأشجار تابعة للأرض؛ اشترطت أو لم تشترط، وأما مال العبد فإنه ملك للسيد، وإضافته إلى العبد كإضافة السَّرج إلى الفرس، فما لم يكن مما يجزئ فيه الصرف - فاشترط في البيع وهو حاضر أو معلوم - فالبيع جائز.\nقال أهل اللغة (^٢): الإبَّار: تلقيح النخل، يقال: نخلة مأبورة ومؤبرة، وتأبر النخل: قبل الإبار، وقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] أي: تلقح بما تمر عليه؛ كما تلقح الأنثى إذا حملت، وفي الحديث: (خَيْرُ المَالِ: مُهرَةٌ مَأْمُورَةٌ، أو سِكَّةٌ مَأبُورَةٌ) (^٣)، المأبورة: الملقحة، يقال: أبَّرتُ النخل، وائتبرتُ غيري: إذا سألتَه أن يأْبُر لك نخلك، قال طرفة:\nوَلِي الأَصلُ الَّذِي فِي مثلِه … يُصلحُ الآبِرُ زَرْعَ المؤتَبِرْ (^٤)\nفالآبر: العامل، والمؤتبر: رب الزرع، والمعنى: إني عريق في الكرم، لأن أبي كان أصلا لكل مكرمة.\n_________\n(^١) أخرجه برقم: ١٥٤٣، والبخاري برقم: ٢٢٠٤.\n(^٢) مجمل اللغة: ٨٣.\n(^٣) أخرجه أحمد برقم: ١٥٨٤٥، عن سويد بن هبيرة.\n(^٤) طرفة بن العبد البكري، ينظر البيت في: المعاني الكبير: ١/ ٥٥١، شرح ديوان الحماسة للأصفهاني: ١٥٠، معجم ديوان الأدب: ٤/ ٢٣٣، ديوانه بشرح الأعلم الشنتمري: ٧١.","vol":"1","page":334},{"text":"<span data-type='title' id=toc-232>ومن باب النهي عن المحاقلة والمخابرة والمعاومة</span>\n[٣٠٢] (المُحَاقَلَةُ) (^١): بيع الزرع بالحنطة، وقيل: المحاقلة: المزارعة بالثلث والربع، مأخوذ من الحقل وهو القراح.\nوأما (المُخَابَرَةُ): فالمزارعة على الثلث والربع، قيل: هي مأخوذة من الخُبرة، والخُبرة: النصيب، قال الشاعر:\nإذا ما جَعَلْتَ الشَّاة لِلنَّاسِ خُبْرَةً … فَشأنَكَ إِنِّي ذَاهِبٌ لِشُؤُونِي (^٢)\nوقيل: هي من الخَبَار، والخَبار: أرض لينة، وكان ابن الأعرابي يقول: أصل المخابرة من خيبر، لأن رسول الله ﷺ كان أقرها في أيدي أهلها على النصف، فقيل: خابرهم أي: عاملهم في خيبر، ثم تنازعوا فنهي عن ذلك، ثم جازت بعد (^٣)، وقيل: هو مأخوذ من الخبير، يقال للزارع الخبير.\nوأما (المُعَاوَمَةُ): فهي: بيع السنين، وهو بيع ما تحمل النخل أو الشجر سنين، وذلك غرر أو مجهول، لأنه ربما حملت وربما لم تحمل، ولا يُدرى كم الذي تخرجه من الثمر.\nقال بعض العلماء: المحاقلة: بيع الحنطة في السنبل بحنطة حاضرة، والمزابنة: بيع الرطب المعلق في رؤوس النخلة بتمر يابس، وذلك إما يقع متفاضلا، أو مجهولا.\n_________\n(^١) حديث جابر: أخرجه برقم: ١٥٣٦، والبخاري برقم: ٢١٨٩.\n(^٢) البيت للشاعر الجاهلي عروة بن الورد العبسي الملقب بأمير الصعاليك، ينظر: المعاني الكبير: ٢/ ٦٨٤، الغريبين: ٢/ ٥٢٨، الغريب لابن قتيبة: ١/ ٣٠.\n(^٣) غريب الحديث لابن قتيبة: ١/ ١٩٦، الغريبين: ٢/ ٥٢٥.","vol":"1","page":335},{"text":"والجائحة: أن تصيب الثمرةَ آفة تجتاحها، من العلماء (^١) من قال في قال في ذلك: يوضع الثلث فما فوقه، ولا يوضع ما دونه، والجائحة المستأصلة.\nو(الإِشقَاحُ): أن يحمرَّ البسر أو يصفرَّ، وفي رواية أبي الوليد المكي: (وَالإِشقَاهُ: أَن تحمَرَّ، أَو تصفَرَّ)، وكأنه لغة في الإشقاح.\nوقوله: (وَعَنِ الثُّنيَا): الثُّنْيَا: أن يبيع الشيء ويستثني منه شيئا مجهولا.\n\n[٣٠٣] وقوله: (كَانُوا يُؤَاجِرُونَ عَلَى المَاذِيَانَاتِ، وَأَقْبَالِ الجَدَاوِلِ) (^٢)، قيل: المَاذِيَانَات: ما نبت في رؤوس الخطوط من الزرع، والجَدَاوِلُ: جمع الجدول، وهو النهر الصغير، وأَقْبَالهُا: ما تقدم منها، والحقل: القراح والزرع أيضا.\n\n[٣٠٤] وقوله: (نُؤَاجِرُهَا عَلَى الرَّبيع) (^٣) والربيع: النهر، قال الشاعر:\nفُوهُ رَبيعٌ وكَفُّه قَدَحٌ … وبَطْنُه، حِينَ يَتَّكِي، شَرَبَهْ\nيَسَّاقَطُ الناسُ حَوْلَهُ مَرَضًا … وهو صَحِيحٌ، مَا إِنْ بِهِ قَلَبَهْ (^٤)\nالقَلَبة: الداء، والشَّرَبة: الحوض، أراد بقوله: (فوه ربيع) أي: نهر لكثرة شربه، وجمعه أربعاء، ومنه الحديث: (كَانُوا يُكْرُونَ الْأَرْضِ بِمَا يَنبُت\n_________\n(^١) مالك ﵀ في الموطأ: كتاب البيوع: باب الجائحة في الثمار: ١٦.\n(^٢) حديث رافع بن خديج: أخرجه برقم: ١٥٤٧، والبخاري برقم: ٢٣٣٠.\n(^٣) حديث رافع بن خديج: أخرجه برقم: ١٥٤٨، والبخاري برقم: ٢٣٣٩.\n(^٤) ينظر من غير نسبة في: تهذيب اللغة: ٢/ ٢٢٨، حلية المحاضرة: ١٧٧، شمس العلوم: ٤/ ٢٣٨٧.","vol":"1","page":336},{"text":"عَلَى الأَرْبِعَاءِ) (^١).\n\n[٣٠٥] وقوله: (وَمِنهُنَّ مَن اختَارَ الأَوسَاقَ) (^٢) الأَوْسَاقُ: جمع وسق، وهو الحمل، وقوله: (حِينَ ظُهِرَ عَلَيْهَا) أي: غلب عليها، وقوله: (عَلَى أَن يَكفُوا عَمَلَهَا) أي: يقوموا بسقيها وزراعتها، وعمارتها، و(السُّهمانِ): جمع سهم.\n\n[٣٠٦] وقوله: (يَمنَحَهَا أَخَاهُ) (^٣) يعني: يعيرها، وقوله: (خَرْجًا مَعْلُومًا) أي: أجرة معلومة.\nوقوله: (فَرُبَّمَا أَخرَجَت هَذِهِ، وَلَمْ تُخرِج هَذِهِ) (^٤) أي: أنبتت هذه الأرض؛ ولم تُنبت هذه الأرض، وقوله: (أو أَزرِعُوهَا) بقطع الألف، أي: أعطوها من يزرعها، أي: أعيروها من يزرعها، و(البَلاط): موضع بالمدينة.\n\n<span data-type='title' id=toc-233>ومن باب فضل من غرس غرسا أو زرع زرعا</span>\n[٣٠٧] قوله: (وَلَا يَرْزَؤُهُ أَحَدٌ) (^٥) أي: لا يصيبه.\n_________\n(^١) رواه البخاري برقم: ٢٣٤٦، والنسائي برقم: ٣٨٩٨، عن رافع بن خديج.\n(^٢) حديث ابن عمر: أخرجه برقم: ١٥٥١، والبخاري برقم: ٢٣٢٨.\n(^٣) حديث ابن عباس: أخرجه برقم: ١٥٥٠، والبخاري برقم: ٢٣٣٠.\n(^٤) حديث: ١٥٤٧ السابق.\n(^٥) حديث جابر: أخرجه برقم: ١٥٥٢، وأحمد برقم: ١٥٢٠١٠.","vol":"1","page":337},{"text":"<span data-type='title' id=toc-234>ومن باب جائحة الثمر</span>\n[٣٠٨] حديث: (فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ) (^١) يقال: جاح الشيء يجوحه: أي: استأصله.\n\n[٣٠٩] وفي حديث كعب: (ضَع الشَّطْرَ) (^٢)، هذا على وجه الندب؛ لا على وجه الوجوب، وكذلك وضع الجوائح.\n\n[٣١٠] وقوله: (فَبِمَ) (^٣) حذفت منه الألف تخفيفا، والأصل: (فبما)، وهو استفهام على وجه الإنكار.\n\n[٣١١] وقوله: (فَلَهُ أَيُّ ذَلِكَ أَحَبَّ) (^٤) أي: إن شاء وضعت عن أصل الدين، وإن شاء أنظرته إلى مدة، و(المُتَألِّي): الحالف.\nو(سجْفُ الحُجْرَةِ) (^٥): ستر الحجرة.\n_________\n(^١) حديث جابر: أخرجه برقم: ١٥٥٤، وأبو داود برقم: ٣٤٧٠.\n(^٢) أخرجه برقم: ١٥٥٨، والبخاري برقم: ٢٧٠٦.\n(^٣) حديث أنس: (فبم يستحل أحدكم مال أخيه؟) أخرجه برقم ١٥٥٥، والبخاري برقم: ١٤٨٨.\n(^٤) حديث عائشة: أخرجه برقم: ١٥٥٧، والبخاري برقم: ٢٧٠٥.\n(^٥) حديث ١٥٥٧ أعلاه.","vol":"1","page":338},{"text":"<span data-type='title' id=toc-235>ومن باب من أدرك سلعته عند مفلس</span>\n[٣١٢] حديث أبي هريرة ﵁ (^١): فقه الحديث أن الرجل إذا باع شيئا فأفلس المشتري؛ فوجد البائع متاعه بعينه، فهو أحق به من غيره.\n\n<span data-type='title' id=toc-236>ومن باب فضل إنظار المعسر والتجاوز عن المعسر</span>\n[٣١٣] حديث حذيفة ﵁ قال: قَالَ الله ﷿: تَجَوَّزُوا عَنْهُ) (^٢)، أي: تجاوزوا عنه، وفي الحديث الآخر: (فَكُنتُ أَقْبَلُ المَيسُورَ) أي: ما تيسر، (وَأَتَجَاوَزُ عَنِ المَعسُورِ) أي: عما تعسَّر وشق عليه أداؤه، (وَأَتَجَاوِزُ فِي السِّكَّةِ) أي: أسامح في النقد، وقوله: (فَآمُرُ فِتْيَانِي) أي: غلماني.\n\n[٣١٤] وكذلك قوله: (فَكَانَ يَقُولُ لِفَتَاهُ) (^٣) أي: لغلامه.\n\n[٣١٥] وقوله: (قَالَ: آللهِ؟) (^٤) بالكسر، حذف منه حرف القسم، واعتمد على حرف الاستفهام، وقوله: (فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ) أي: فليخفف ولْيُرفِّه.\nوفي هذه الأحاديث دلالة على أن السماحة سبب للمغفرة، وفيه حث على اصطناع المعروف.\n_________\n(^١) حديث أبي هريرة: أخرجه برقم: ١٥٥٩، والبخاري برقم: ٢٤٠٢.\n(^٢) أخرجه برقم: ١٥٦٠، والبخاري برقم: ٢٠٧٧.\n(^٣) حديث أبي هريرة: أخرجه برقم: ١٥٦٢، والبخاري برقم: ٢٠٧٨.\n(^٤) حديث أبي قتادة: أخرجه مسلم برقم: ١٥٦٣.","vol":"1","page":339},{"text":"<span data-type='title' id=toc-237>ومن باب النهي عن بيع فضل الماء</span>\n[٣١٦] (^١) قيل: هذا في الرجل له بئر، وقربها مرعى، فإذا عطشت الماشية فجاءت لترد الماء منعها، كان كأنه منعها الكلأ (^٢)، لأنها لا تجتزئ بالكلإ عن الماء، فتكون ممنوعة عن الكلإ بمنعها عن الماء، وقيل: بيع فضل الماء إذا كان مجهولا غير محرر غير جائز.\n\n[٣١٧] (^٣) وأما كسب الحجام فمكروه، أعطى النبي ﷺ أبا طيبة صاعا من تمر (^٤)، ولو كان حراما لم يعطه، وروي: اعْلِفهُ نَاضِحَكَ، أَطْعِمْهُ رَقِيقَكَ) (^٥).\nومهر البغي حرام، وثمن الكلب حرام، وأما ثمن السنَّور وزجر النبي ﷺ عن ذلك: قيل: ذلك مقيد بشرط عدم الملك.\n_________\n(^١) حديث جابر: أخرجه مسلم برقم: ١٥٦٥، والنسائي برقم: ٤٦٦٠.\n(^٢) كما ورد في رواية أبي هريرة في الباب: (لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلأ).\n(^٣) حديث رافع بن خديج: (شر الكسب مهر البغي، وثمن الكلب، وكسب الحجام)، أخرجه مسلم برقم: ١٥٦٨، وأبو داود برقم: ٣٤٢١.\n(^٤) رواه البخاري برقم: ٢١٠٢، ومسلم برقم: ١٥٧٧.\n(^٥) عند أبي داود برقم: ٣٤٢٢، والترمذي: ١٢٧٧، عن محيصة أنه استأذن النبي ﷺ في إجارة الحجام فنهاه ثم قاله له: (الحديث).","vol":"1","page":340},{"text":"<span data-type='title' id=toc-238>ومن باب الأمر بقتل الكلاب</span>\n[٣١٨] في هذه الأحاديث (^١) بيان لإباحة اقتناء الكلب للاقتناص، وحراسة الغنم، واقتناء المزارع.\n\n[٣١٩] وفي الحديث (^٢) دليل أن العمل قد يَحبَط عن العبد بعد القبول؛ إذا ركب ما يُحبطه من الذنوب.\n\n<span data-type='title' id=toc-239>ومن باب الرخصة في أجرة الحجام</span>\n[٣٢٠] حديث: (حَجَمَهُ أَبو طَيْبَةَ) (^٣)، وقوله: (استَعَطَ)، يقال: أسعطَته الدواء فاستعطَ - بتخفيف الطاء، والمُسْعَط: الذي يجعل فيه الدواء، والسَّعوط: الدواء الذي يجعل في المُسْعَط (^٤)، و(القُسْطُ البَحرِيُّ): شيء يؤتى به من البحر يُتَداوى به، ويقال: (الكُسْت) بالكاف والتاء أيضا، وقوله: (ولَا تُعَذِّبُوا صِبْيَانَكُم بِالغَمز) هو: أن يدفع حَنك الصبي لوجع الحلق، و(الضَّرِيبَةُ): الأجرة.\n_________\n(^١) حديث ابن عمر: أخرجه مسلم برقم: ١٥٧١، والترمذي برقم: ١٤٨٨.\n(^٢) حديث ابن عمر: أخرجه مسلم برقم: ١٥٧٤، والبخاري برقم: ٥٤٨٠.\n(^٣) حديث أنس المذكور قريبا: أخرجه مسلم برقم: ١٥٧٧، والبخاري برقم: ٢١٠٢.\n(^٤) المُسْعَط: الإناء يجعل فيه السَّعوط ويصب منه في الأنف، قياسه أن يكون بالكسر: (المِسْعَط)، لكنه مما شد عن القاعدة فجاء بالضم وهو قليل، كالمنخل والمشط والمكحلة، ينظر: المصباح المنير:٢/ ٦٩٤، لسان العرب: ٧/ ٣١٥.","vol":"1","page":341},{"text":"<span data-type='title' id=toc-240>ومن باب تحريم بيع الخمر</span>\n[٣٢١] حديث أبي سعيد الخدري ﵁ (^١).\n\n[٣٢٢] قوله: (يَستَصبِحُ بِهَا النَّاسُ) (^٢) أي: يستضيء بها الناس في مصابيحهم، وقوله: (جَمَلُوهُ) أي: أذابوه، و(أَجْمَلُوهُ) (^٣) لغة قليلة، في الحديث دلالة على تحريم الحيل الفاسدة، ولعنوا في استباحة منافع الشحم بالإذابة.\n\n[٣٢٣] وكذلك حديث سَمُرة (^٤): لما كان مُحرَّما كان بيعه والانتفاع به مُحرَّما.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم: ١٥٧٨، وهو حديث التعريض بتحريم الخمر.\n(^٢) حديث جابر: أخرجه برقم: ١٥٨١، وأخرجه البخاري برقم: ٢٢٣٦.\n(^٣) هكذا في النسخ المطبوعة لصحيح مسلم، و(جملوه) عند البخاري برقم: ٢٢٣٦.\n(^٤) أخرجه برقم: ١٥٨٢، وهو حديث ابن عباس، وفيه ذكر سمرة.","vol":"1","page":342},{"text":"<span data-type='title' id=toc-241>باب ما جاء في تحريم الصرف</span>\n[٣٢٤] قوله: (وَلَا تُشِفُّوا بَعضَهَا عَلَى بَعضٍ) (^١) أي: لا تفضلوا، والشِّفُّ: النقصان، والشِّفُّ: الزيادة، وفي الحديث: (نَهَى عَن شِفِّ مَا لَم يُضْمَن) (^٢) أي: ربح ما لم يضمن، وفي حديث الصرف: (فَشَفَّ الْخَلْخَالَانِ نَحْوًا مِن دَانِقٍ فَقَرَضَه) (^٣) فَشَفَّ أَي: فزاد.\nوفي هذه الأحاديث: منع التفاضل في الجنسين المتماثلين، وفيها: أن الصرف لا يجوز إلا بالتقابض قبل الافتراق من المجلس، وقوله: (وَلَا تَبِيعُوا غَائِبًا بِنَاجِزٍ) أي: بحاضر، وذلك أن يكون الذهب حاضرا؛ والفضة غائبة، أو الفضة حاضرة؛ والذهب غائب.\n\n[٣٢٥] وقوله: (هَاءَ وَهَاءَ) (^٤) ممدود، وروي بغير المد (^٥)، قال أهل اللغة (^٦): يقال: هاء أي خذ بالمد، وفي الحديث: (لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا\n_________\n(^١) حديث أبي سعيد: أخرجه برقم: ١٥٨٤، وأخرجه البخاري برقم: ٢١٧٧.\n(^٢) رواه ابن ماجة برقم: ٢١٨٩، عن عتاب بن أسيد لما بعثه النبي ﷺ على مكة.\n(^٣) المنتخب من مسند عبد بن حميد: ٦ عن أبي رافع.\n(^٤) حديث عمر بن الخطاب: أخرجه برقم: ١٥٨٦، وأخرجه البخاري برقم: ٢١٣٤.\n(^٥) قال الخطابي: (أصحاب الحديث يقولون: ها وها مقصورين، والصواب مدهما ونصب ألألف منهما). معالم السنن: ٣/ ٦٨، وفيها خمس لغات تنظر في: إكمال المعلم: ٥/ ٢٦٢.\n(^٦) الغريبين في القرآن والحديث: ٦/ ١٩٠٧.","vol":"1","page":343},{"text":"هَاءً وَهَاءً) (^١) ومعناه: أن يقول كل واحد من البيِّعين: (هاء)، فيعطيه ما في يده، وهو مثل الحديث الآخر: (إِلَّا يَدًا بِيَدٍ).\nقيل: (هَاءَ وَهَاءَ) إنما هو قول الرجل لصاحبه إذا ناوله الشيء: هاك، أي: خذ، فأسقطوا الكاف عنه، وعوضوا المَدَّة بدلا من الكاف، وللاثنين: هاؤما، وللجمع هاؤم، وفي القرآن: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩]، ومعنى الكلمة إشارة إلى التقابض قبل الافتراق، وفي الحديث بيان أن الربا فيما يؤكل ويشرب في الجنس، وليس العلة في التحريم: الكيل والوزن.\n\n[٣٢٦] وقوله: (بتمرٍ بَرنيٍّ) (^٢) هو جنس من التمر منسوب إلى بَرْن، وهو موضع بالبحرين.\n\n[٣٢٧] وفي حديث فضالة (^٣) حجة لقول الشافعي ﵀: أنه لا يجوز بيع شيء محلى بفضة بدراهم (^٤)، وقوله: (حَتَّى تُفَصَّلَ) يعني بين الجنس وغيره.\n\n[٣٢٨] وقوله: (فإنِّي أَخَافُ أَن يُضَارعَ) (^٥)، أي: يشبه بعضه بعضا، ويقارب بعضه بعضا.\n_________\n(^١) هو حديث الباب، ورد في بعض كتب الغريب واللغة بهذا اللفظ، وهو تلفيق بين حديثين.\n(^٢) حديث أبي سعيد أخرجه برقم: ١٥٩٤، وأخرجه البخاري برقم: ٢٣١٢.\n(^٣) أخرجه برقم: ١٥٩١، وأبو داود: ٣٣٥١، وفيه أن النبي ﷺ أتي بقلادة يوم خيبر فيها خرز وذهب، فأمر بأن تفصل.\n(^٤) الحاوي الكبير: ٥/ ١١٣.\n(^٥) حديث معمر بن عبد الله: أخرجه برقم: ١٥٩٢، وأحمد: ٢٧٢٥٠.","vol":"1","page":344},{"text":"[٣٢٩] وقوله: (بِتَمرٍ جَنِيبٍ) (^١) أي نوع من التمر جيد، وكأن معنى الجَنِيب: الغريب الذي لا يعرفونه في تمورهم، ويمكن أن يكون الجنيب بمعنى المنقَّى، أي: نُحِّي، وجُنِّب ألوان التمور لجودته، و(الجَمْعُ): نوع يجمع الرديء والجيد.\n\n<span data-type='title' id=toc-242>ومن باب إثبات الربا في بيع النقود ونسخ قوله: (إنما الربا في النسيئة)</span>\n[٣٣٠] حديث: (كُنَّا نُرزَقُ تَمَرَ الجَمْعِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَهُوَ الخِلطُ مِنَ التَّمْرِ) (^٢) يعني: التمر الذي خلط بعضه ببعض؛ خَلْط الجيد بالرديء.\n\n[٣٣١] وقوله: (وَكَانَ تَمْرُ النَّبِيِّ ﷺ هَذَا اللُّونَ) (^٣)، اللون: النخل، كأنه ما خلا البَرْني والعَجوة، ويسمى الألوان وفي القرآن: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ [الحشر: ٥]، وأصلها: (لِوْنَة) قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، وفي حديث عمر بن عبد العزيز: (أنَّه كَتَب فِي صَدَقَةِ التَّمْرِ أَن يُؤخَذ في البَرني من البَرني، وَفي اللَّوْنِ مِن اللَّوْنِ) (^٤)، قيل: اللون: الدَّقَل، والجمع: الألوان (^٥).\nوقوله: (لَا صَاعَي تمرٍ) حذفت النون منه للإضافة وانتصب بلا، وقوله: (نُرزَقُ) أي: نطعم، وقوله: (أَضعَفتَ، أَرْبَيتَ) أي: أخذت الزيادة فأضعفت؛\n_________\n(^١) حديث أبي سعيد وأبي هريرة: أخرجه برقم: ١٥٩٣، والبخاري برقم: ٢٢٠١.\n(^٢) حديث أبي سعيد: أخرجه برقم: ١٥٩٥، والبخاري برقم: ٢٠٨٠.\n(^٣) رواية أخرى لحديث أبي سعيد: أخرجه برقم: ١٥٩٤، والبخاري برقم: ٢٠٨٠.\n(^٤) مصنف عبد الرزاق: ٧٢١٤.\n(^٥) الغريبين: ٥/ ١٧١٢.","vol":"1","page":345},{"text":"من الضِّعف، وأربيت من الربا، وقوله: (رَابَكَ مِن تَمرِكَ شَيءٌ) أصل الريب الشك، والمعنى: إن لم يوافقك ولم تُرِده.\n\n[٣٣٢] وخبر أسامة يحتمل أن يكون النبي ﷺ سئل عن صنفين مختلفين مثل ذهب بفضة متفاضلا، فقال: لا بأس (إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ) (^١)، فحفظ أسامة الجواب ولم يحفظ السؤال.\n\n<span data-type='title' id=toc-243>ومن باب ما ورد من التغليظ في أكل الربا</span>\n[٣٣٣] حديث عبد الله ﵁: (لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ آكِلَ الرِّبَا ومُؤْكِلَهُ) (^٢)، آكل الربا الذي يأخذ الزيادة على رأس المال، ومؤكل الربا: الذي يعطي الزيادة.\nوفي الحديث بيان أن المذنب والمعين في الذنب يشتركان في الإثم، قيل: آكله أعظم إثما، إلا أنهما يستويان في أن كل واحد منهما آثم.\n\n<span data-type='title' id=toc-244>ومن باب ما ورد في ذكر الحلال والحرام</span>\n[٣٣٤] حديث النعمان بن بشير ﵁: (فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرضِهِ) (^٣)، استبرأ: أي طلب البراءة، وفي الحديث دليل أن الله تعالى بين الحدود والفرائض؛ نصا ودليلا وبيانا على لسان رسول الله ﷺ، وأحل البيع وحرم الربا،، فصارت الشبهة متخللة بين المحظور والمباح، فهي مضارعة لهما، فمن تركها سلِم من الحرام، ومن ركبها دخل في باب الاحتمال، وفيه مخاطرة\n_________\n(^١) أخرجه برقم: ١٥٩٦، والبخاري برقم: ٢١٧٨.\n(^٢) في الأصل: (أو مؤكله)، وهو خطأ. أخرجه برقم: ١٥٩٧، وأبو داود برقم: ٣٣٣٣.\n(^٣) أخرجه برقم: ١٥٩٩، والبخاري برقم: ٢٠٥١.","vol":"1","page":346},{"text":"بالدين، وهذا الحديث أصل في الورع، وفيما يلزم الإنسان اجتنابه من الشبه.\nوقوله (وَبَيْنَهُمَا مُشبَّهَاتٌ) (^١) وفي رواية: (مُشْتَبِهَاتٌ) (^٢)، فالمشبَّهات: جمع مشبَّهة، والمشتبهات جمع مشتبهة، وفي القرآن: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٧٠] أي اشتبه فلا نقف على المراد، وفيه: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥]، أي: يشبه بعضه بعضا في المنظر، ويختلف في الطعم، وفيه: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣]، أي: يشبه بعضه بعضا؛ لا تناقض فيه ولا اختلاف، وفي حديث حذيفة ﵁ وذكر فتنة فقال: (تُشَبِّه، مُقْبِلة، وتُبَيِّن مُدْبِرة) (^٣) أي: إن الفتنة إذا أقبلت شبَّهت على القوم وأرتهم أنهم على الحق حتى يدخلوا فيها ويركبوا منها ما لا يحل، فإذا أدبرت وانقضت بان أمرها، فعلم من دخل فيها أنه كان على الحق (^٤).\nوالمعنى: أنها تشتبه على كثير من الناس، وقد جعل الله ﷿ للأمور الشرع بيانا، ونصب عليها دليلا، غير أن من البيان ما هو خفي لا يعرفه إلا الراسخ في العلم، يدل على هذا قوله: (لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ)، فالواجب على من اشتبه عليه أن يتوقف ويستبرئ الشك، فإنه إذا أقدم على الشيء قبل التبين، لم يأمن أن يقع في المحرم عليه، وذلك معنى الحمى؛ وضربه المثل به.\nففي قوله: (الْحَلَالُ بَيِّنُ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ) دليل على أن الأحكام إذا وقعت\n_________\n(^١) هذا يقوي رواية مسلم الحديث بهذا اللفظ، وهو ما أشار إليه ابن حجر في الفتح:١/ ١٢٧، والعيني في عمدة القاري: ١/ ٢٩٧، خلافا للنسخ الموجودة.\n(^٢) ذكر العيني: ١/ ٢٩٧، أن الحديث ورد بخمس روايات مُشْتَبِهَات، مُتَشَبِّهَات، مُشَبَّهَات، مُشَبِّهَات بالكسر، مُشْبِهَاتٌ، وثمة رواية سادسة عند الطبراني في الكبير برقم: ٦: مُتَشَابِهَات، ورواية سابعة عنده برقم ٦: شُبُهات، وثامنة عند البخاري بالإفراد: مُشْتَبِهة.\n(^٣) جامع معمر بن راشد برقم: ٢٠٧٤٠، ومستدرك الحاكم برقم: ٨٣٨٥.\n(^٤) هكذا في الأصل، والصواب: فعلم من دخل فيها أنه كان على غير الحق، أو نحوه.","vol":"1","page":347},{"text":"فيها الشبهة ينظر في ذلك، فإن كان لذاك الشيء أصل في التحليل أو التحريم، فإنه يتمسك به حتى يزيل الشبهة يقينُ العلم، والمثال في الحلال: الزوجة تكون للرجل، والجارية تكون عنده يتسراها ويطؤها فيشك هل طلق تلك أو أعتق هذه، فهما عنده على أصل التحليل حتى يتيقن وقوع الطلاق، أو وقوعَ عتق، وكذلك الماء يكون عنده؛ وأصله الطهارة، فيشك هل وقعت فيه نجاسة أم لا، فهو على أصل الطهارة حتى يتيقن أنه قد حلته نجاسة، ومثل هذا كثير.\nوأما الشيء إذا كان أصله الحظر، وإنما يستباح بشرائط: كالفروج لا تحل إلا بعد نكاح أو ملك يمين، وكالشاة لا يحل لحمها إلا بذكاة، فإنه مهما شك في وجود تلك الشرائط؛ كان باقيا على أصل الحظر، ولو اختلطت امرأته بنساء أجنبيات، أو اختلطت مذكاة بميتات، ولم يميزها بعينها وجب عليه أن يجتنبها كلها ولا يقربها، وهذان القسمان حكمهما الوقوف واللزوم.\nوهاهنا قسم ثالث: وهو أن يوجد الشيء ليس يعرف له أصل متقدم في التحليل ولا في التحريم، وقد استوى وجها الإمكان فيه حِلّا أو حرمة، فإن الورع فيما هذا سبيله: الترك والاجتناب، وهذا كما روي أن النبي ﷺ مر بتمرة ملقاة في الطريق فقال: (لَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً لأَكَلْتُهَا) (^١)، وقدم إليه الضب فلم يأكله وقال: (إِنَّ أُمَّةً مُسِخَت فَلَا أَدْرِي لَعَلَّهُ مِنْهَا) (^٢)، ثم إن خالد بن الوليد أكله بحضرته فلم ينكره (^٣)، ويدخل في هذا الباب معاملة من كان في ماله شبهة، فإن الاختيار تركها، فإذا تيقن أن عينه حرام؛ فحينئذ يجب عليه اجتنابها.\n_________\n(^١) متفق عليه البخاري برقم ٢٤٣١، مسلم برقم: ١٠٧١.\n(^٢) رواه النسائي برقم: ٤٣٢١، وابن ماجة برقم: ٣٢٤٠.\n(^٣) رواه البخاري برقم: ٥٣٩١، ومسلم برقم: ١٩٤٦.","vol":"1","page":348},{"text":"وفي الحديث دلالة على أن من لم يتوق الشبهة في كسبه ومعاشه؛ فقد عرض دينه وعرضه للطعن، وهو أصل في باب الجرح والتعديل، وقوله: (مَن وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ): أي: من اعتادها واستمر عليها أدته إلى الوقوع في الحرام؛ بأن يتجاسر عليه فيواقعه، يقول: فليتق الشبه ليسلم من الوقوع في الحرام (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-245>ومن باب الشرط في البيع</span>\n[٣٣٥] حديث جابر ﵁: (فَأَرَادَ أَن يُسَيِّبَهُ) (^٢) يعني: أن يخلِّيه، و(الوُقِيَّةُ): لغة في الأوقية، و(الحُملَانُ) الحَمل، قال صاحب المجمل (^٣): حملت الشيء أحمله حَمْلًا، وحملان الإبل: الركوب عليها، و(مَاكَسْتُكَ): من المِكاس، والمِكاس: انتقاص الثمن، والمماكسة: الاستنقاص، و(النَّاضِحُ): البعير يستقى عليه، و(العَرُوسُ): الحديث العهد بالبناء بالمرأة، وقوله: (عَلَى أَنَّ لِي فَقَارَ ظَهْرِهِ) أي: ركوبه، وقوله: (فَلَمَّا قَدِمَ صِرَارًا أَمَرَ بِبَقَرَةٍ فَذُبِحَتْ)، صرار بالصاد غير المعجمة والكسر - (^٤): موضع قريب من المدينة، وإليه ينسب محمد بن عبد الله الصراري (^٥)؛ الذي يروي عن ابن أبي حسين، وقال بعض الأنصار:\n_________\n(^١) ينظر معالم السنن: ٣/ ٥٧.\n(^٢) أخرجه مسلم برقم: ٧١٥، والبخاري برقم: ٢٣٨٥.\n(^٣) مجمل اللغة: ص ٢٥٢.\n(^٤) وروي: (ضرار) بالضاد المعجمة، قال القاضي: (ورواه أكثر الرواة في الصحيحين وعند العذري والمستملي والحموي وابن الحذاء بالضاد المعجمة وهو وهم) مشارق الأنوار: ٢/ ٥٤، وكذا وقع في نسبة الصراري، وبيت الأنصاري؛ الذي يذكره بعد.\n(^٥) يروي عنه يزيد بن الهاد، وهو عن ابن أبي حسين عن عطاء عن أنس، بهذا أخرج له البخاري في التاريخ الكبير برقم: ٣٨٤، والحاكم في المستدرك برقم: ٧٢٨١، وابن الأعرابي برقم:=","vol":"1","page":349},{"text":"لَعَلَّ صِرَارًا أَن تَعِيشَ بِيَارُها … وَتَسْمَعَ بِالرَّيَّانِ تَعْوِي ثَعَالِبُهْ (^١)\nوفي الحديث: جواز استحثاث الدابة في المسير، وفيه سؤال من يصحبك عن حاله، وفيه: إباحة ضرب الدابة عند الحاجة إليه، وفيه دلالة النبوة، وفيه: فضيلة البِكر على الثيب في النكاح، وفيه إباحة التجارة بالبيع والشراء لتارك الدنيا، وفيه: فضيلة الجود والسخاء، وفيه: أن الشرط إذا تقدم عقد البيع أو تأخر لم يفسد البيع؛ وإن كان الشرط فاسدا، وفيه التبرك بالصلاة عند القدوم من السفر.\nوقوله: (فَنَخَسَهُ) يقال: نخست الدابة بعود أو غيره نخسًا، واختلاف ألفاظ الثمن (^٢) يدل على أن معنى اشتري: استام، قيل: وقع العقد على عشرين دينارا،\n_________\n= ١٦٦، والطحاوي في مشكل الآثار برقم: ٣٠٧١، عن النبي ﷺ قال: (مَن سَرَّه أَن يُنْسَأ له في أثره، ويُوسَّع عليه في رزقه، فليصل رَحِمه)، ووقع عند الطحاوي: (محمد بن إبراهيم الصراري).\n(^١) ورد هذا البيت في حديث رافع بن خديج في المزارعة عند أبي نعيم في معرفة الصحابة: ١٠٦٧، والأنصاري هو إساف بن نهيك، قال ذلك ردا على إساف بن أنمار الذي هجا الأنصار بقوله:\nلعل صرارًا أن تبيد بيارها … وتسمع بالريان تعوي ثعالبه\nفرد عليه الأنصاري:\nلعل صرارا أن تعيش بيارها … وتسمع بالريان تبنى مشاربه\nوالبيت عند المؤلف مركب من صدر الثاني وعجز الأول، ينظر كذلك: المؤتلف والمختلف للدراقطني: ٣/ ١٤٦٧.\n(^٢) ورد بألفاظ مختلفة منها: أوقية، خمس أواقي، أوقيتان ودرهم أو درهمان، أربعة دنانير، أربعون درهما، مائة درهم عشرون دينارا، مائتا درهم …، ينظر: فتح الباري: ٥/ ٣٢١، عمدة القاري: ١١/ ٢١٦.","vol":"1","page":350},{"text":"والدليل على أن البيع يكون بمعنى السوم قول الشاعر:\nفَوَافَى بِهَا أَهْلَ المَوَاسِمِ فَانْبَرَى … لَهَا بَيِّعٌ يُغْلِي لَهَا السَّوْمَ رَائِزُ (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-246>ومن باب ما جاء في حسن التقاضي</span>\n[٣٣٦] حديث أبي رافع (^٢): في الحديث دلالة على جواز تقديم الزكاة، وجواز استقراض الحيوان، وإباحة الزيادة في القرض إذا رد على غير شرط، وفيه وجوب الحمد عند الإحسان، وفيه وجوب قضاء الدين على من عنده وفاء به، وفيه جواز بيع الحيوان واحد باثنين.\nوقوله: (خِيَارًا رَبَاعِيًا): قال أهل اللغة: إذا طعَن البعير في السنة الخامسة فهو جَذَع، فإذا طعن في السادسة فهو ثَنِيٌّ، فإذا طعن في السابعة فهو رَباع، والأنثى رباعية، فإذا طعن في الثامنة فهو سَدَس وسَدِيس، فإذا طعن في التاسعة فهو بازِل (^٣).\nوقال أبو عبيد: لا يزال الثَّنِيّ من الإبل ثَنِيًّا حتى تمضي السادسة، فإذا مضت ودخل في السابعة فهو حينئذ رَباع، والأنثى رَباعية، ولا يزال كذلك حتى تمضي السابعة، فإذا مضت ودخل في الثامنة؛ وألقى السن التي بعد الرَّباعية؛ فهو حينئذ سَديس وسدَس (^٤).\n_________\n(^١) البيت للشماخ بن ضرار الذبياني يصف رجلا باع قوسا، ينظر جمهرة أشعار العرب: ٦٦٨، تهذيب اللغة: ٣/ ١٥١، لسان العرب: ٨/ ٢٤، ديوانه: ص ١٨٧.\n(^٢) أخرجه مسلم برقم: ١٦٠٠، وأبو داود برقم: ٣٣٤٦، وهو عند البخاري برقم: ٢٣٩٢، برواية أبي هريرة.\n(^٣) تهذيب اللغة للأزهري: ٢/ ٢٢٧.\n(^٤) غريب الحديث لأبي عبيد: ٣/ ٧٣.","vol":"1","page":351},{"text":"<span data-type='title' id=toc-247>ومن باب بيع العبد بالعبدين</span>\n[٣٣٧] حديث جابر ﵁: (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: بِعِنِيهِ؛ فَاشتَرَاهُ بِعَبْدَينِ أَسْوَدَينِ) (^١)، في هذا الحديث: جواز بيع عبد بعبدين.\n\n<span data-type='title' id=toc-248>ومن باب ما جاء في الرهون</span>\n[٣٣٨] حديث عائشة ﵂: (اشْتَرَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا، وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ) (^٢)، هذا الحديث يدل على جواز الرهن، قال الله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، واختلفوا في الانتفاع بالرهن (^٣)، فقال الشافعي ﵀: يجوز للراهن أن ينتفع بالرهن (^٤)، وحجته ما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: (الظَّهرُ يُرْكَبُ إِذَا كَانَ مَرهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشرَبُ إِذَا كَانَ مَرَهُونًا، وَعَلَى الَّذِي يَركَبُ وَيَشْرَبُ نَفَقَتُهُ) (^٥).\nوقال أهل الكوفة (^٦): لا ينتفع من الرهن بشيء، وإنه إذا تلف أو ضاع من غير تضييع، فإن كان مثل الحق أو أكثر منه فهو بما فيه، وإن كان أنقص؛ رد الراهن تمام الحق على المرتهن، وقال الشافعي: المرتهن مؤتمن؛ ولا ضمان عليه إلا أن يتعدى (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم: ١٦٠٢، وأبو داود برقم: ٣٣٥٨.\n(^٢) أخرجه مسلم برقم: ١٦٠٣، والبخاري برقم: ٢٠٦٨.\n(^٣) الإشراف: ٦/ ١٨٩، شرح ابن بطال: ٧/ ٢٩، اختلاف العلماء: ١/ ٤١٦، فتح الباري: ٥/ ١٤٤.\n(^٤) الأم: ٣/ ٥٨، مختصر المزني: ٨/ ١٩٧، الحاوي الكبير: ٦/ ٢٠٣.\n(^٥) حديث مرفوع: عند البخاري برقم: ٢٥١٢، وأبي داود برقم: ٣٥٢٦، واللفظ للترمذي برقم: ١٢٥٤.\n(^٦) المبسوط للسرخسي: ٢١/ ١٠٦، شرح مختصر الطحاوي: ٣/ ١٤٩، بدائع الصنائع: ٦/ ١٤٥.\n(^٧) مسألة الضمان: الأم: ٣/ ١٠٧، مختصر المزني: ٨/ ١٩٩، المبسوط: ٢١/ ٩٠، شرح مختصر =","vol":"1","page":352},{"text":"<span data-type='title' id=toc-249>ومن باب ما ورد في السلم</span>\n[٣٣٩] حديث ابن عباس ﵁: (قَدِمَ رَسُولُ الله ﷺ وَهُم يُسْلِفُونَ فِي الثِّمَارِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَينِ) (^١)، أجاز الشافعي السَّلَم حالًّا، وقال: السَّلَم بيع من البيوع، والبيوع جائزة حالَّة ومؤجلة، فكذلك السَّلَم (^٢)، ومعنى ذكر الأجل في الحديث: إذا جعلاه واتفقا عليه كالبيع.\nوحديث حكيم بن حزام (^٣) تأويله: إذا باع الرجل من الرجل ملك غيره، ثم اشتراه له، يدل على هذا ما روى يوسف بن ماهك عن حكيم بن حزام: قلت يا رسول الله يأتيني الرجل يسألني البيع ليس عندي، أبيعه منه، ثم أبتاعه له من السوق، فقال: (لَا تَبع مَا لَيسَ عِندَكَ) (^٤)، ولأن الأجل لو كان شرطا لجواز السَّلَم؛ لما جاز حتى يجتمع فيه الكيل والوزن والأجل، فلما أجيز السَّلَم في الكيل وحده؛ والوزن وحده؛ علم أن الأجل فيه ليس بشرط.\n\n<span data-type='title' id=toc-250>ومن باب الاحتكار</span>\n[٣٤٠] حديث معمر بن عبد الله (^٥): وهو ابن نَضلة، وفي رواية: معمر بن أبي معمر، قال أهل العلم: الحُكْرَة إذا أضرَّت بالناس فإن للإمام أن يحتاط في ذلك على ما هو أصلح، وإذا لم تضر بالناس لم يمنع منها في الحكم، وإذا كان\n_________\n= الطحاوي: ٣/ ١٥١.\n(^١) أخرجه مسلم برقم: ١٦٠٤، والبخاري برقم: ٢٢٣٩، وفيه: (قدم رسول الله ﷺ المدينة ..).\n(^٢) الأم: ٣/ ٩٤، الحاوي الكبير: ٥/ ٣٨٨ - ٣٨٩.\n(^٣) الحديث الآتي.\n(^٤) أخرجه أبو داود برقم: ٣٥٠٣، والترمذي برقم: ١٢٣٢.\n(^٥) حديث (من احتكر فهو خاطئ) أخرجه برقم: ١٦٠٥، وأخرجه أبو داود برقم: ٣٤٤٧.","vol":"1","page":353},{"text":"المحتكر ناويا بذلك ما يضر بالناس فهو آثم، وإذا أضر فإن للحاكم منعه من ذلك (^١).\nوالاحتكار المذموم: إذا كان فيما فيه قوت الناس، فأما الإدام وغير ذلك فإن الأمر فيه أهون، روي عن سعيد بن المسيب أنه كان يحتكر الزيت، وروي عن معمر راوي هذا الخبر كذلك (^٢)، قال بعض العلماء: إذا امتنع من بيع الطعام من أهل الحاجة إليه؛ إذا قل الطعام بسعر مثله أو بسعر قريب مما أبتاعه به فذلك مذموم، فأما إذا كثر الطعام في الأسواق فالأمر حينئذ أسهل.\n\n<span data-type='title' id=toc-251>ومن باب النهي عن الحلف في البيوع</span>\n[٣٤١] حديث: (إِيَّاكُم وَكَثرَةَ الحلِفِ فِي البُيوعِ، فَإِنَّهُ يُنَفِّقُ، ثُمَّ يَمحَقُ) (^٣)، وروي: (مَنفَقَة)؛ (مَمحَقَة لِلرِّبح) مَنْفَقَة: أي: سبب لنَفَاق السلعة، مَمْحَقَةٌ للرِّبحِ: أي سبب لهلاك الربح، ورواه بعضهم: (مُنَفِّقة) (^٤)، (مُمحِقة) بضم الميم والتشديد، ومعناه: أن المشتري يغتر بحلِف الكاذب فيشتريه، ولا يبارَك له في ثمن السلعة.\nقال أهل اللغة (^٥): نَفَقَ البيع ينفُق نَفَاقا، إذا كثرت الرغبة فيه، وكثر المشترون،\n_________\n(^١) ينظر: ابن بطال: ٦/ ٢٥٩، مختصر اختلاف العلماء: ٣/ ٤٢٢.\n(^٢) الترمذي برقم: ١٢٦٧.\n(^٣) حديث أبي قتادة: أخرجه برقم: ١٦٠٧، وأخرجه النسائي برقم: ٤٤٦٠.\n(^٤) قال القاضي عياض: (بفتح النون وشد الفاء كذا ضبطناه، وهو أولى من التخفيف). مشارق الأنوار: ٢/ ٢١.\n(^٥) الغريبين في القرآن والحديث: ٦/ ١٨٧٣.","vol":"1","page":354},{"text":"وفي حديث ابن عباس ﵁: (لَا يُنَفِّقُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ) (^١) أي: لا يقصد أن ينفِّق سلعته على جهة النجش، وقوله ﷿: ﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١]، أي: خشية الفناء والنفاد، يقال: نفَق الزاد ينفُق: إذا نفد، وأنفقه صاحبه: إذا أنفده، وأنفق القوم فنى زادهم.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي برقم: ١٢٦٨.","vol":"1","page":355},{"text":"<span data-type='title' id=toc-252>كتاب الشفعة</span>\n<span data-type='title' id=toc-253>باب الشفعة فيما لم يقسم</span>\n[٣٤٢] فيه حديث جابر ﵁: (مَن كَانَ لَهُ شَرِيكٌ فِي رَبْعِهِ) (^١) وفي نسخة: (فِي رَبعَة) (^٢)، وفي رواية: (مَنْ كَانَ لَهُ شِرْكٌ فِي أَرضٍ أَوْ رَبْعَة) (^٣) قيل: الرَّبْعُ والرَّبْعَةُ: المنزل الذي يَرْبَع به الإنسان، أي: يقيم به ويتوطَّنه، يقال: هذا رَبع، وهذه رَبعة، كما قالوا: دار ودارة.\nوفي الحديث إثبات الشفعة في الشركة، وليس فيه نفيها عن المقسوم من جهة اللفظ، ولكن دلالته من طريق المفهوم ألا شفعة في المقسوم، كقوله: (الوَلَاء لِمَن أَعْتَق) (^٤) دلالته ألا ولاء إلا للمعتق، وفيه دليل على أن الشفعة لا تجب إلا في أرض أو عقار، دون غيرهما من العروض والأمتعة والحيوان.\nوفي حديث أبي سلمة عن جابر ولم يخرجه مسلم: (إِنَّمَا جَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الشُّفعَةَ فِي كُلِّ مَالٍ لَمْ يُقْسَم) (^٥)، وفي رواية: (فِي كُلِّ مَا لَم يُقسَمْ، فَإِذَا\n_________\n(^١) أخرجه برقم: ١٦٠٨، وأخرجه أحمد برقم: ١٤٣٤٠.\n(^٢) وهو اللفظ الوارد في مختلف النسخ المطبوعة، وورد بـ (رَبْعِه) في مستخرج أبي عوانة برقم: ٥٩٦٠، طبعة الجامعة الإسلامية، وكذا ضبط ابن حجر رواية ابن حبان، خلافا للنسخة المطبوعة، ينظر إتحاف المهرة: ٣/ ٣٩٣.\n(^٣) مصنف ابن أبي شيبة: ٢٢٧٣٠.\n(^٤) أخرجه البخاري برقم: ٢٥٦١، ومسلم برقم: ١٥٠٤.\n(^٥) رواية أحمد برقم: ١٤١٥٧، وأصله عند البخاري برقم: ٢٢١٣.","vol":"1","page":357},{"text":"وَقَعَتِ الحُدُودُ، وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفَعَةَ) (^١)، سئل أحمد بن حنبل ﵀: ما تقول في حديث أبي سلمة عن جابر، قال: ثبت، فَرَفَع منه واعتد برواية معمر، واحتج برواية مالك، قيل له: من أين يثبت؟ قال: رواه صالح بن أبي الأخضر، قيل: وصالح نحتج به؟، قال: يدل ويعتبر به، وأنكر يحيى بن معين رفعه (^٢).\nوحديث أبي سلمة عن جابر أبين في الدلالة على نفي الشفعة لغير الشريك، واحتج من لم ير الشفعة في المقسوم بقوله: (فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ)، واحتج من أثبت الشفعة بالطريق بقوله: (وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ) قيل: وإنما هو الطريق إلى المشاع دون المقسوم، فأما إذا قسم العقار بينهم، منع كل واحد منهم أن يدخل إلى ملكه إلا من حيث جعل له، فهذا معنى صَرْف الطرق، ولأنه علق الحكم فيه بمعنيين: بوقوع الحدود، وصَرْف الطرق؛ فلا يجوز إثباته بأحدهما.\nوفي حديث أبي هريرة ﵁: (إِذَا قُسِّمَتِ الْأَرْضِ وَحُدَّتْ، فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا)، ولم يخرجه مسلم (^٣)، فيه بيان أن الشفعة تبطل بنفس القسمة، والتمييز بين الحصص بوقوع الحدود، قال بعض العلماء: المعنى الموجب للشفعة: دفع الضرر بسوء المشاركة، والدخول في ملك الشريك، وهذا المعنى يرتفع بالقسمة.\nوأما حديث أبي رافع: (الجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ) (^٤)، فليس من شرط مسلم، غير أن العلماء اتفقوا على أن الشفعة واجبة للشريك، والسَّقَب: القرب، يقال بالسين\n_________\n(^١) رواية البخاري برقم: ٢٢٥٧، وأبي داود برقم: ٣٥١٤.\n(^٢) تاريخ أبي زرعة الدمشقي: ص ٤٦٤، والسائل لهما أبو زرعة.\n(^٣) أخرجه أبو داود برقم: ٣٥١٥.\n(^٤) أخرجه البخاري برقم: ٢٢٥٨، وأبو داود برقم: ٣٥١٦.","vol":"1","page":358},{"text":"والصاد جميعا، قال الشاعر:\nلا أممٌ دَارُهَا وَلَا صَقبُ (^١).\nوقيل: المعنى أنه أحق بالبر والمَعونة، وقيل: المعنى إذا كان شريكا؛ ليتفق الحديثان، واسم الجار قد يقع على الشَّريك، لأنه قد يُجاور شريكه ويُساكنه في الدار المشتركة بينهما، كالمرأة تسمى جارةً لهذا المعنى، قال الأعشى لزوجته:\nأَيا جَارَتَا بِيِني فإِنَّكِ طَالِقَهْ … كَذَاكَ أُمُورُ النَّاسِ تَغْدُو وَطَارِقَهْ (^٢)\nوقد تكلم أهل الحديث في إسناد حديث أبي رافعٍ، واضطرب الرواة فيه، والأحاديث التي جاءت في ألَّا شُفعة إلا للشريك، أسانيدُها جِيَاد ليس في شيء منها اضطرابٌ، وأما ما رَوى هُشَيْمٌ عن عبدِ الملك عطاء عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (الْجَارُ أَحَقُّ بِشُفَعَةِ جَارِهِ يُنتَظَرُ بِهَا، وَإِن كَانَ غَائِبًا إِذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا) (^٣)، قد تكلم الناس في هذا الحديث، قال الشافعي ﵀: نخاف ألا يكون محفوظا، وأبو سلمة حافظ، وكذلك أبو الزبير، ولا يُعارض حديثهما بحديث عبد الملك بن أبي سليمان (^٤).\nوحكي عن شعبة أنه أنكر هذا الحديث، وقال: إن روى عبد الملك حديثا\n_________\n(^١) عجز بيت لعبيد الله بن قيس الرقيات، وصدره: (كوفيّة نازح محلّتها)، ينظر: الأغاني: ٥/ ٥٤، الجليس الصالح: ٨٥، تهذيب اللغة: ٨/ ٢٩٦.\n(^٢) ينظر: أدب الكاتب: ٢٩٥، الأغاني: ٩/ ٨٤، تهذيب اللغة: ٩/ ١٨، ديوانه: ٢٦٣.\n(^٣) أخرجه أبو داود برقم: ٣٥١٨، والنسائي برقم: ٦٢٦٤.\n(^٤) اختلاف الحديث للشافعي: ٨/ ٦٤٧، معرفة السنن والآثار للبيهقي: ٨/ ٣١٢، السنن الكبرى له: ١١٦٩٤.","vol":"1","page":359},{"text":"آخر مثل هذا تركت حديثه (^١)، وجعله بعضهم رأيًا لعطاء أدرجه عبد الملك في الحديث (^٢).\nوقال أبو عيسى الترمذي: قلت لمحمد بن إسماعيل في هذا فقال: تفرد به عبد الملك، ويروى عن جابر خلاف هذا (^٣).\nوحُكي عن أميةَ بن خالدٍ عن شعبةَ قال: قلت له: مالكَ لا تحدث عن عبد الملك؛ وأنت تحدث عن محمد بن عبيد الله العَرْزمي، وعبد الملك كان حسَن الحديث، فقال: من حسنه فررت، وقيل: من حسنه فَرِقت (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-254>ومن باب من ظلم شبرا من الأرض</span>\n[٣٤٣] حديث سعيد بن زيد: قوله: (طُوِّقَهُ مِن سَبع أَرَضِينَ) (^٥)، قيل: يكلف نقل ما ظَلَم منها في القيامة إلى المَحْشر؛ فيكون ذلك كالطَّوق في عنقه، وقد رُوِي معنى ذلك في الحديث (^٦)، وقيل: يُعاقَب بالخَسْفِ، رُوي عن ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ: قال: (خُسِفَ بِهِ يَومَ القِيَامَةِ إِلَى سَبعِ أَرَضِينَ) (^٧)، وفيه دليل\n_________\n(^١) تاريخ بغداد ١٢/ ١٣٢، الضعفاء للعقيلي: ٣/ ٣١.\n(^٢) معالم السنن: ٣/ ١٥٥.\n(^٣) العلل الكبير للترمذي: ص ٢١٦، رقم: ٣٨٥.\n(^٤) معرفة السنن والآثار ٨/ ٣١٢، الجرح والتعديل: ١/ ١٤٦، حلية الأولياء: ٧/ ١٥٥.\n(^٥) أخرجه برقم: ١٦١٢، وأخرجه البخاري برقم: ٢٤٥٣.\n(^٦) جاء ذلك في رواية عند الإمام أحمد برقم: ١٧٥٧١، وفيها: (كلَّفه الله ﷿ أن يحفره حتى يبلغ آخر سبع أرضين، ثم يطوقه إلى يوم القيامة)، وعند الطبراني في الكبير برقم: ٦٩٢: (كلفه الله أن يحضره)، وكذلك برقم: ٣١٧٢: (يحمله).\n(^٧) أخرجه البخاري برقم: ٢٤٥٤.","vol":"1","page":360},{"text":"على أن من ملك أرضًا ملك أسفلها، وأن له أن يمنع من يحفر تحتها سرَبًا (^١)؛ أو بئرًا؛ أو نحو ذلك.\n\n[٣٤٤] وحديث أبي هريرة ﵁ في غرز الخشب في جدار الجار (^٢): في هذا الحديث دلالة على التعاون على الخير، والتَّبَاذُل واستعمال المروءة، وأن الرجل إذا وثق بأخيه ارتفق بجداره بإذنه وغير إذنه، وهذا على وجه الندب، فإن امتنع صاحب الجدار لم يجبر على ذلك، لقوله: (إِنَّ دِمَاءَكُم وَأَمْوَالَكُم حَرَامٌ عَلَيكُم) (^٣).\nوقال قوم من العلماء: يلزمه ذلك شاء أو أبى (^٤)، ومعنى قول الشافعي (^٥): إنما أمر به لمعنى ضرورة الجار، كما روي: (لَا يُمْنَعُ فَضلُ المَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الكَلأُ) (^٦): وذلك أن يكون للرجل بقعةٌ ضيِّقةٌ بين بناء رجلٍ؛ ليس لمالك البقعة إلا جدارٌ واحدٌ، ويكون جدار الجار محتملًا لخشب الجار، ولا يكون له أن يمنعه ما لا ضرر له فيه، وإن كان جداره ضعيفا يُضرُّ به خشبه ضررا بيِّنا؛ فلا يجوز له أن يغرزها في جداره، وإن كانت عرصَته التي بين ظهراني بناءٍ غير واسعة لم يكن له ذلك، ويبني لنفسه إن شاء أو يدع.\n_________\n(^١) النَّفَق في الأرض.\n(^٢) أخرجه مسلم برقم: ١٦٠٩، والبخاري برقم: ٢٤٦٣، وهو قول النبي ﷺ: (لَا يَمْنَعْ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ).\n(^٣) رواه البخاري برقم ١٧٤١، ومسلم برقم: ١٢١٨.\n(^٤) أحمد، وداود، وأبو ثور، وابن حبيب من المالكية، والشافعي في القديم، وذلك إن لم تكن مضرة بيئة بالجدار، ينظر: ابن بطال: ٦/ ٥٨٦، الاستذكار: ٧/ ١٩٣، عمدة القاري: ١٣/ ١٠.\n(^٥) معرفة السنن والآثار: ٩/ ٣٤، وغرض المؤلف أن يبين مراد الشافعي ﵀ من الإلزام بالحديث.\n(^٦) رواه البخاري برقم: ٢٣٥٣، ومسلم برقم: ١٥٦٦.","vol":"1","page":361},{"text":"[٣٤٥] وحديث: (إِذَا اختُلِفَ فِي الطَّرِيقِ، جُعِلَ عَرضُهُ سَبعَ أَذْرُعٍ) (^١)، اختلف العلماء في الطريق إذا اختُلف فيه، فقال قوم (^٢): إنه على قدر عرض الباب؛ الذي يتطرق فيه إلى الموضع الذي جعل الطريق له، ومعنى ذلك: أنه مُرتفِق لصاحب الطريق، ويصل بذلك إلى مبتغاه من المنافع، ومعنى الحديث: أن هذه الذُّرْعان إذا وقع الاتفاق عليها، ففيه حصول كمال البُغية من التطرق؛ لأنها تسع الأحمال.\n_________\n(^١) حديث أبي هريرة: أخرجه برقم: ١٦١٣، وأحمد برقم: ٩٥٤٢، بلفظ: (إذا اختلفتم) عندهما، وخرجه أبو عوانة: ٥٥٤٤، كما عند المؤلف.\n(^٢) الحنفية: ينظر: المبسوط للسرخسي: ١٥/ ٢٠، بدائع الصنائع: ٧/ ٢٠.","vol":"1","page":362},{"text":"<span data-type='title' id=toc-255>ومن كتاب الفرائض</span>\n[٣٤٦] وقوله: (مَن تَرَكَ كَلًّا فَإِلَينَا) (^١)، وقوله: (مَن تَرَكَ دَينًا، أَو ضَيَاعًا فَأَنَا مَولَاهُ)، الضياع: أصله المصدر من قولك: ضاع الشيء ضياعا، وفي رواية (فَأَيُّكُم مَا تَرَكَ دَينًا، أو ضَيعَةً)، وهو مصدر أيضا من قولك: ضاع الشيء يضيع ضَيْعَةً، ثم جعل ذلك اسما لكل ما هو بصدد أن يضيع؛ من ولد وعيال لا كافلَ لهم، ولا قيِّم بأمرهم، و(الكَلُّ): العيال، ومن لا يكفي نفسه من ضعفة الأهل.\nوقوله: (فَأَنَا مَولَاهُ)، يريد فأنا وليُّه والكافل له، والمولى يقع على وجوه، منها: الناصر، ومنها: الحليف، ومنها ابن العمِّ، ومنها: المولى المُعتق، والمولى المُعتق، ومنها: الولي القيم بالأمر، وروي: (أَيُّمَا امْرَأَةٍ تَزَوَّجَت مِن غَيرِ إِذنِ مَوْلَاهَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ) (^٢)، يريد: وليَّها الذي يلي العقد عليها من عصبتها (^٣).\nوقوله: (وَمَن تَرَكَ كَلًّا وَلِيتُهُ) أي: تولَّيت القيام بأمره، وقوله: (فَادعُونِي فَأَنَا وَلِيُّهُ) أي: استعينوا بي، والتجئوا إلي في ذلك، فأنا أقوم بذلك، وقوله: (إن عَلَى الأَرضِ) أي: ما على الأرض، وقوله: (أَنَا أَولَى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أَنفُسِهِم)، أولى أي: أحقُّ.\n_________\n(^١) حديث أبي هريرة: أخرجه برقم: ١٦١٩، وأخرجه البخاري برقم: ٦٧٦٣.\n(^٢) وقع بهذا اللفظ عند النسائي في السنن الكبرى: ٥٣٧٣، وعند أبي داود برقم: ٢٠٨٣: (مواليها).\n(^٣) أعلام الحديث: ٢/ ١١٩٣.","vol":"1","page":363},{"text":"[٣٤٧] وقوله: (فَلِأُولَى رَجُلٍ ذَكَرٍ) (^١) الأولى هاهنا بمعنى: الأدنى والأقرب في النسب، قال أهل اللغة في معنى قوله ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [القيامة: ٣٤]، معناه: قاربك ما تكره فاحذَره، مأخوذ من الوَلْي، وهو القُرْبُ (^٢)، وقوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣]، أي: يقربون منكم، وفلان وليُّ فلان، أي: يلاصقه بالنُّصرة، وقوله: ﴿وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١]، أي: لا وليَّ لهم، وقول النبي ﷺ: (مَن كُنتُ مَولَاهُ فَعَلِيٌّ مَولَاهُ) (^٣) أي: وليَّه، وقوله: (مُزَيْنَة وجُهَيْنَة وَأَسْلَمَ وغِفَار مَوَالِي الله وَرَسُولِه) (^٤)، قال يونس: أي: أولياء الله (^٥)، وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [محمد: ١١]، أي: وليُّهم والقائم بأمورهم، وكل من ولي عليك أمرك فهو مولاك.\n\n[٣٤٨] وقوله: (أَلَا يَكفِيكَ آيَةُ الصَّيفِ) (^٦) يعني الآية التي نزلت في الصيف، يشير بذلك إلى قرب نزولها، ويعرفه الحال فيه.\n_________\n(^١) حديث ابن عباس: أخرجه برقم: ١٦١٥، وأخرجه البخاري برقم: ٦٧٣٥.\n(^٢) قال ذلك الأصمعي، ينظر: الغريبين عن: ٦/ ٢٠٣٦، تهذيب اللغة: ١٥/ ٣٢٢.\n(^٣) أخرجه الترمذي برقم: ٣٧١٣، وابن ماجة برقم: ١٢١.\n(^٤) رواه أحمد في مسنده: ١٠٢٤٥، وأصله عند البخاري برقم: ٣٥٠٤، ومسلم برقم: ٢٥٢٠، بلفظ: (مَوَاليَّ).\n(^٥) الغريبين: ٦/ ٢٠٣٥، تهذيب اللغة: ١٥/ ٣٢٣، ويونس هو: يونس بن حبيب الضبي: إمام النحاة بالبصرة في عصره، أخذ عنه سيبويه والكسائي وأبو عبيدة والفراء، توفي سنة ١٨٣ هـ، [سير أعلام النبلاء: ٨/ ١٩٢].\n(^٦) أخرجه مسلم برقم: ١٦١٧، وأبو داود برقم: ٢٨٨٩.","vol":"1","page":364},{"text":"<span data-type='title' id=toc-256>ومن كتاب الوصايا والصدقة والنهي عن الرجوع في الصدقة</span>\n[٣٤٩] في هذه الأحاديث (^١): دليل أن الهبة إذا قُبِضَت لم يسع الواهب الرجوع فيها، وأن الرجل إذا تصدق بشيء وأخرجه من ماله الله؛ كان الاختيار له إلا يرجع فيه، وفيها دلالة أن الهبة إذا قُبِضت تمَّ الملك للموهوب له، ولا يحل الرجوع فيها؛ كما لا يحل الرجوع في الفيء، قال الشافعي (^٢): إلا ما خُصَّ به الأب من الرجوع فيما يهبه لولده؛ إن صح الحديث، يعني: حديث عمرو بن شعيب عن: طاوس: (لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ يُعطِي عَطِيَّةً ثم يَرجِع فِيهَا إِلَّا الوَالِدَ فِيمَا يُعطِي وَلَدَهُ) (^٣).\n\n[٣٥٠] وفي حديث النعمان بن بشير (^٤) فوائد منها: الحثُّ على التسوية بين الأولاد، ومنها: سنة الإشهاد على العقود، وإزالة الأملاك وغيرها، ومنها: أن الأب إذا فضل بعض ولده على بعض في العطية جاز في الحكم.\nقال بعض العلماء يدل قوله: (أُردُدهُ) على جواز ذلك (^٥)، لأنه لا يُرَدُّ إلا\n_________\n(^١) حديث عمر برقم: ١٦٢٠ - ١٦٢١، وحديث ابن عباس برقم: ١٦٢٢.\n(^٢) ينظر: مختصر المزني: ٨/ ٢٣٤، الحاوي الكبير: ٧/ ٥٤٥.\n(^٣) رواه أبو داود برقم: ٣٥٣٩، والترمذي برقم: ٢١٣٢.\n(^٤) أخرجه برقم: ١٦٢٣، والبخاري برقم: ٢٥٨٦.\n(^٥) أي: رجوع الوالد عن عطيته لولده.","vol":"1","page":365},{"text":"ما قد جاز، لأنه لو لم يجز لكان الجواب أن يقول: لا يجوز هذا، ويدل عليه أن أبا بكر ﵁ خص بعض ولده دون بعض، فنَحَل عائشة ﵂ جاد عشرين وسقا (^١)، والمستحب أن يُسَوِّي بينهم، ومن فوائد الحديث: أن للوالد أن يرجع في النُّحْل الذي نحله ولده.\nومنها: أن الجور على وجهين: أحدهما: العدول عن الواجب، وذاك مردود، والآخر: ترك المختار، وذلك نافذ في الحكم، غير محمود في الورع، فقوله: (لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ)، يحتمل أنه على معنى ترك المستحب، وقيل: جور على ترك الاختيار، يدل على ذلك (أَتُحِبُّ أَنْ يَكُونُوا فِي البِرِّ سَوَاء) (^٢)، وفي حديث أبي الضحى (^٣) دلالة أن الإشارة بالشيء إذا صارت عادة معروفة؛ قامت مقام الإقرار.\n\n<span data-type='title' id=toc-257>ومن باب ما جاء في العمرى والرقبى</span>\n[٣٥١] (^٤) اتفق أكثر العلماء على أن العُمْرَى (^٥) عطاء باتٌّ، وإن لم يشترطها المُعْمِرُ بعقب المُعْمَر، وقال مالك (^٦): إذا جعل له حياته كان له ما دام حيا، فإذا مات رجع إلى المعمر، قال القاسم بن محمد: (مَا أَدرَكتُ النَّاسَ إِلَّا وَهُم عَلَى شُرُوطِهِم فِي أَمْوَالِهِم، وَفِيمَا أُعطُوا) (^٧)، والصحيح ما ذهب إليه ....\n_________\n(^١) رواه مالك في الموطأ: ٢٧٨٣، والبيهقي في السنن الكبرى: ١١٩٤٨.\n(^٢) لفظه: (أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء؟).\n(^٣) رواية عند أحمد برقم: ١٨٤٢٩، وفيها: (فقال له النبي ﷺ هكذا أي: سَوِّ بينهم).\n(^٤) حديث جابر: أخرجه برقم: ١٦٢٥، والبخاري برقم: ٢٦٢٥.\n(^٥) العمرى: أن يقول الرجل لآخر: أعمرتك هذه الدار، أي: جعلتها لك عمري أو عمرك.\n(^٦) المدونة: ٤/ ٤٥١.\n(^٧) الموطأ: ٢٧٩٨.","vol":"1","page":366},{"text":"الشافعي (^١): إذا قال رجل لرجل: جعلت داري الفلانية لك عمرَك أو حياتَك، أو عمري، وسلَّمها إليه، ملكها في حياته، وملكها ورثتُه بعد وفاته، وبطَل الشّرط.\nوالرُّقبَى: أن يقول: جعلت هذه الدار لك رُقبَى، فإن مِتَّ قبلي رجعت إلي، وإن مِتُّ قبلك فهي لك، أو يقول: هي لآخرنا موتًا، وكان أبو حنيفة يجيز العمرى؛ ويقول: الرقبي ترجع إلى صاحبه (^٢)، وسنة النبي ﷺ أولى من قوله، قال بعض العلماء: الرُّقْبى موروثة كالعمرى، وهو حكم ظاهر الحديث، وهو قول الشافعي ﵁.\nوالرُّقْبَى: أن يرقُب كل واحد منهما موت صاحبه، فتكونُ الدار التي جعلها رُقْبى لآخرِ من بقي منهما، ولا عذر لمالكٍ بعد ما رواه الزُّهري عن أبي سلمةَ عن جابرٍ (^٣)، روي عن مالك قال: العمرى تمليك المنفعة دون الرقبة، فإن جعلها له ولعقبه بعده؛ كانت منفعتها ميراثا لأهله، وقال أبو حنيفة: الرقبى عارية (^٤).\n_________\n(^١) الأم: ٧/ ٢٢٨، الحاوي الكبير: ٧/ ٥٤١.\n(^٢) ينظر: المبسوط: ١٢/ ٨٩، اختلاف الأئمة العلماء: ٢/ ٥٩، فتح الباري: ٥/ ٢٤٠.\n(^٣) حديث الباب: (أَيُّمَا رَجُلٍ أُعْمِرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ، فَإِنَّهَا لِلَّذِي أُعْطِيَهَا).\n(^٤) ينظر مذهب مالك وأبي حنيفة في المصادر أعلاه وكذلك: معالم السنن: ٣/ ١٧٤، الاستذكار: ٧/ ٢٣٩، ابن بطال: ٧/ ١٤٣، فتح الباري: ١/ ٤٧١.","vol":"1","page":367},{"text":"<span data-type='title' id=toc-258>ومن باب الحث على الوصية</span>\n[٣٥٢] حديث ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (مَا حَقُّ امرِئٍ مُسلِمٍ، لَهُ شَيءٌ يُرِيدُ أَن يُوصِيَ فِيهِ، يَبِيتُ لَيلَتَينِ، إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِندَهُ) (^١)، وليس في حديث ابن نمير: (يُرِيدُ أَن يُوصِيَ فِيهِ) (^٢)، قال ابن عمر ﵁: (مَا مَرَّت عَلِيَّ لَيلَةٌ مُنذُ سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ ذَلِكَ، إِلا وَوَصِيَّتِي عِندِي) (^٣)، وفي رواية: (مَا مَرَّت عَلَيَّ ثَلَاثٌ قَطُّ إِلَّا وَوَصِيَّتِي عِندِي) (^٤)، وفي رواية: (يَبِيتُ ثَلَاثَ لَيَالٍ).\nفي هذه الأحاديث: حث على الأخذ بالحزم والاحتياط، لأن قوله: (مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسلمٍ) معناه: الحزم لامرئ، هذا وقيل: معناه: ما الواجب عليه إلا أن يوصي؛ إذا علم أن عليه دينًا، أو عنده مظلمة ليخرج من المظالم.\n\n<span data-type='title' id=toc-259>ومن باب الوصية بالثلث</span>\n[٣٥٣] حديث سعد ﵁: قوله: (أَشفَيتُ مِنْهُ عَلَى المَوتِ) (^٥)، أي: أَشْرَفتُ، يقال: أَشْفَى فلان على الهلاك، وأشفى على الموت، أي: قاربه، وفي حديث: (إِذَا اؤْتُمِنَ أَدَّى، وَإِذَا أَشْفَى وَرعَ) (^٦)، يقول: إذا أشرف على مال يأخذه\n_________\n(^١) أخرجه برقم: ١٦٢٧، والبخاري برقم: ٢٧٣٨.\n(^٢) وفيه: (وَلَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ)، ذكر هذا مسلم في الباب.\n(^٣) عند مسلم: (إلا وعندي وصيتي)، ولفظ المؤلف عند أبي عوانة: ٦١٧٧.\n(^٤) مسند عبد بن حميد ٧٢٧، مسند أبي يعلى: ٥٥٤٦.\n(^٥) أخرجه برقم: ١٦٢٨، والبخاري برقم: ٤٤٠٩.\n(^٦) من قول عمر ﵁: الزهد لأبي داود برقم: ٦٤، السنن الكبرى للبيهقي برقم: ١٢٦٩٣.","vol":"1","page":368},{"text":"كَفَّ، أو على معصية ورع، ومنه الحديث: (لَا تَنْظُرُوا إِلَى الرَّجُلِ وَصَلَاتِهِ وَلَكِن انْظُرُوا إِلَى وَرَعِهِ إِذَا أَشْفَى) (^١)، يريد: إذا أشرف على الدنيا، قال القتيبي: لا يكاد يقال: أشفى إلا في الشر (^٢).\nوقوله: (إِنَّكَ أَن تَذَرَ)، يعني: لأن تذر؛ أي: تترك، و(عَالَة): جمع عائل وهو الفقير، وقوله: (يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ)؛ أي: يأخذونه بأكفهم، وفي الحديث: (أن رجلًا رأَى فِي المَنَامِ كَأَنَّ ظُلَّة تَنْطِف منَ السَّمَاءِ سَمْنًا وعَسَلًا وكَأَن النَّاسَ يَتَكَفَّفُونَه) (^٣)، أي: يأخذونه بأكفهم.\nوقوله: (حَتَّى اللقمَةُ) يعني: حتى إلى اللقمة، وقوله: (فِي فِي امْرَأَتِكَ) يقال: هذا فُو زيدٍ، ورأيت فما زيدٍ، ونظرت إلى في زيدٍ، أي: إلى فم زيدٍ، وقوله: (يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ) (^٤) وفي رواية: (رَثَى لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ) (^٥) يقال: رَثَى له أي: رحمه، قال صاحب المجمل (^٦): رثيت لفلان إذا رققت عليه، وفي الحديث أن فلانة بعثت إليه عند فطره بقدح لبن وقالت: (يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّمَا بَعَثْتُ بِهِ إِليكَ مُرْثِيَّةً لَكَ مِن طُولِ النَّهَارِ وَشِدَّةِ الحَرِّ) (^٧) أي تَوَجُّعًا، قال بعض أهل\n_________\n(^١) الأثر السابق، وهو بهذا اللفظ في: شرح مشكل الآثار: ٤٢٨٩، وروي عن ابن عمر عند البيهقي في الشعب: ٤٨٩٥.\n(^٢) غريب الحديث: ١/ ٤٨٣.\n(^٣) الحديث عند أحمد برقم: ٢١١٣، ومحل الشاهد في لفظ النسائي في السنن الكبرى: ٧٥٩٣.\n(^٤) رواية البخاري برقم: ١٢٩٥.\n(^٥) رواية مسلم لحديث الباب.\n(^٦) مجمل اللغة: ٤٢٠.\n(^٧) المستدرك على الصحيحين: ٧١٥٩.","vol":"1","page":369},{"text":"العربية (^١): رئيت للحي: مَرثَاة، وللميت: مَرْثِيَة، وترثَّى تفعَّل منه.\nوقوله: (لَكِنِ البَائِسُ) البائس: الذي أصابه مكروه، والمُبتئس: الكاره الحزِن، قال حسان:\nمَا يَقسِمُ اللهُ أَقْبَلْ غيرَ مُبْتَئسٍ … مِنْهُ وأَقْعُدْ كَريمًا ناعم البال (^٢)\nيقال للرجل إذا لقيته بحال يكرهه: البائس، ويقال للفقير: البائس، قال الله ﷿ ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ﴾ [الحج: ٢٨]، يقال: بَؤُس يَبْؤُس فهو بئيس: إذا اشتد، وبئِس يَبأس فهو بائسٌ: إذا افتقر.\nوفي الحديث دليل أنه لا يجوز للمريض أن يوصي بماله فوق الثلث، وفيه دليل أن التقرب إلى الله بالصدقة؛ من وجوه البر، وفيه فضلُ الغِنى، وفيه ذمُّ السؤال والتعرض للناس، وفيه دليل أن طول العمر للمحسن حسنٌ محبوبٌ.\n\n[٣٥٤] وقوله: (غَضُّوا مِنَ الثُّلُثِ) (^٣) أي: نقصوا، قال أهل التفسير في قوله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]، أي: ينقصوا من نظرهم عما حرم عليهم، وقال بعض أهل العربية: (من) زائدة، والمعنى: يغضوا أبصارهم (^٤).\nوالمشهور أن يقال: غَضَّ منه، أي: نقصه وقصَّر به، وفي الحديث: (كَانَ\n_________\n(^١) الغريبين في القرآن والحديث: ٣/ ٧١٥.\n(^٢) ينظر: معجم ديوان الأدب: ٤/ ٢٣٥، تهذيب اللغة: ١٣/ ٧٤، ديوانه: ١٩٢.\n(^٣) حديث ابن عباس: أخرجه برقم: ١٦٢٩، والبخاري برقم: ٢٧٤٣.\n(^٤) تفسير ابن أبي حاتم: ١٣/ ٧٢٦.","vol":"1","page":370},{"text":"رَسُولُ الله ﷺ إِذَا فَرِحَ غَضَّ طَرْفَه) (^١)، وإنما يفعل ذلك ليكونَ أبعدَ من الأشَرِ (^٢)، والناسُ إذا فرحوا نظروا بملء أعينهم، فكان رسول الله ﷺ يفعل خلافَه.\nوفي الحديث: استحباب الدعاء في المغيب، ومنها: كراهة المقام بمكة لمن كان هاجر منها، ومنها: أن كل نفقة ينفقها المسلم يبتغي بها وجه الله فإنه عليها مأجور، ومنها: الدعاء للمريض لما يرجى له من البُرء.\n\n<span data-type='title' id=toc-260>ومن باب الصدقة عن الميت</span>\n[٣٥٥] حديث عائشة ﵂: (إِنَّ أمِّي افتُلِتَت نَفْسَهَا) (^٣) هو مأخوذ من الفَلْتَةِ، وهو موت الفجأة، وفي الحديث أن بيعة أبي بكر كانت فَلْتةً (^٤)، الفَلْتَةُ: كل شيء فُعل على غير روِيَّة، وإنما عُوجل مبادرة انتشار الأمر، وفي الحديث دلالة أن التصدُّق عن الميت جائز، وأن الواجب إذا قُضي عنه بعد وفاته جاز.\n_________\n(^١) المعجم الكبير للطبراني برقم: ٤١٤، شعب الإيمان: ١٣٦٢.\n(^٢) الأشر: البطر.\n(^٣) أخرجه برقم: ١٠٠٤، والبخاري برقم: ١٣٨٨.\n(^٤) في البخاري برقم: ٦٨٣٠، وأحمد برقم: ٣٩١.","vol":"1","page":371},{"text":"<span data-type='title' id=toc-261>ومن كتاب الأوقاف</span>\n[٣٥٦] حديث عمر ﵁: (إِنِّي أَصَبتُ أَرضًا بِخَيْبَرَ، لَم أُصِب مَالًا قَطُّ: هُوَ أَنفَسُ عِندِي مِنه) (^١) فيه تجويز الصدقات الموقوفة على من أراد الواقف؛ من غني أو فقير، لأن قوله: (وَفِي القُربَى) دليل أن فيهم الغني والفقير.\nوفي الحديث: اختيار نَصْبِ القُوَّام في الوقوف وإخراجها إليهم (^٢)، وفيه: أن الواقف إذا اشترط فيها شرطا غير مبطل لأصل الوقف أنه جائز، وإذا أجرى للقَيِّم رزقا على ما يستحقه؛ ويحتمله غلَّة الوقف جاز.\nوحكم الوقف إنما ثبت بالسنة واتفاق أكثر الصحابة على ذلك، من حيث لا مخالف لمن قال، وله نظائر من الأحكام، من ذلك أن يعتق الرجل عبده، فقد أخرج ملكه إلى غير مالك، وجاز ذلك باتفاق.\nوقوله: (أَنفَسُ عِندِي)، أي: أعز عندي، يقال: شيء نفيس أي: خطير يتنافس فيه، وهذا مال منفس ونفيس؛ أي: مرغوب فيه، وقوله: (غَيرَ مُتَأَثِّلٍ) أي: غير متخذ أصل مال، وقيل: غير جامع، وكلُّ شيء له أصل قديم، أو جُمِع حتى صار له أصل فهو مؤثَّل.\n_________\n(^١) أخرجه برقم: ١٦٣٢، والبخاري برقم: ٢٧٣٧.\n(^٢) يشير إلى الخلاف بين العلماء في اشتراط إخراج الموقوف من يد الواقف، فذهب المالكية إلى أن الوقف لا يتم إلا بحيازة الموقوف وخروجه من يد الواقف، والمفتى به عند الحنفية، والمشهور عند الشافعية والحنابلة أن الوقف يتم باللفظ، ولا يفتقر إلى القبض أو الخروج، ينظر: المعاملات المالية أصالة ومعاصرة: ٢١٥.","vol":"1","page":373},{"text":"وقوله: (غَيرَ مُتَمَوِّلٍ)، يقال: موَّلتُ فلانًا فتموَّلَ؛ أي: جعلتُه صاحبَ مالٍ؛ فصار صاحب مالٍ، قال صاحب المجمل (^١): تموَّل الرجل اتخذ مالًا، ومالَ يَمالُ: إذا كثر ماله، يعني: يتخذ لنفسه أصل مال من ذلك؛ من حيث لا يستوجبه.\n\n[٣٥٧] وقوله: (فَلَقَدِ انخَنَثَ فِي حَجرِي) (^٢) أي: استرخي حين توفي ﷺ، وفي الحديث: (نَهَى عَنِ اختِنَاثِ الأَسقِيَّة) (^٣)، وهو أن تثنِيَ أفواهها؛ ثم تشرب ماءها، فمعنى انخنث أي: انثنى.\n\n<span data-type='title' id=toc-262>ومن باب وصية النبي ﷺ </span>-\n[٣٥٨] (مَا شَأْنُهُ أَهَجَرَ؟ استفهمُوهُ) (^٤)، قال أهل اللغة (^٥): هَجَر: إذا تكلم بما لا فائدة فيه، الألف حرف الاستفهام، لأن الإهجار: الإفحاش، (أَهَجَرَ؟) يعني: أتكلم كلام المريض الذي يُغشى عليه ويُفيق، يقال: هَجَر المريض على وزن فعل؛ يهجر بفتح الياء.\nوفي الحديث: أن الإمام إذا أمر بأمر، أو فُعِل عن أمره فعل، كان ذلك منسوبا إليه، وفيه: أن الواجب على الرعية اتباع إمامهم؛ ليس لهم أن يختلفوا عليه، وفيه: أن النبي ﷺ لم يُخلِّف مالًا فيورث، وأن الذي كان بيده كان مُرصدًا لمصالح المسلمين.\n_________\n(^١) مجمل اللغة: ٨١٩.\n(^٢) حديث عائشة: أخرجه برقم: ١٦٣٦، والبخاري برقم: ٢٧٤١.\n(^٣) أخرجه البخاري برقم: ٥٦٢٥، ومسلم برقم: ٢٠٢٣.\n(^٤) حديث ابن عباس: أخرجه برقم: ١٦٣٧، والبخاري برقم: ٢٧٤١.\n(^٥) مجمل اللغة: ٨٩٩، غريب الحديث لأبي عبيد: ٢/ ٦٣.","vol":"1","page":374},{"text":"[٣٥٩] وفي قوله: (أَوصَى بِكِتَابِ اللهِ) (^١)، كل ما أوجبه ظاهر الكتاب فهو واجب.\nوفي الحديث: سنة إثبات الوصية واكتتابها لقوله: (ائْتُونِي بِالكَتِفِ وَالدَّوَاةِ)، و(الرَّزِيَّة): المصيبة، و(اللَّغَط): كثرة الكلام، و(اللغو): ما لا يُحتاج إليه، و(أَجِيزُوا الوَفد) من الجائزة، يقال: أجازه السلطان بجائزة سنِيَّة، يعني: العطية، و(الوَفدُ): القوم الذين يخرجون من بين الجماعة لقضاء حوائجهم؛ يفدون على ملك، أو ذي أمر فيعرضون الحال عليه.\nوقوله: (مِن جَزِيرَةِ العَرَبِ) قال مالك بن أنس ﵀: جزيرة العرب: المدينة (^٢)، وقال أبو عبيد (^٣): جزيرة العرب: ما بين حفر أبي موسى إلى أقصى اليمن في الطول، وما بين رمل يبرين إلى منقطع السماوة في العرض، السماوة: بادية في طريق الشام، وفي الحديث: (إِنَّ الشَّيْطَانَ يَئِسَ أَن يُعبَدَ فِي جَزِيرَةِ العرب) (^٤).\n_________\n(^١) حديث ابن أبي أوفى: أخرجه برقم: ١٦٣٤، والبخاري برقم: ٢٧٤٠.\n(^٢) السنن الكبرى للبيهقي برقم: ١٨٧٦١، وفي كلام مالك أن جزيرة العرب تشمل أيضا: مكة واليمن.\n(^٣) روي عن أبي عبيدة، ينظر: السنن الكبرى للبيهقي برقم: ١٨٧٥٦، غريب الحديث لأبي عبيد: ٢/ ٦٧.\n(^٤) رواه مسلم برقم: ٢٨١٢، واللفظ لأحمد برقم: ١٧١٤٠.","vol":"1","page":375},{"text":"<span data-type='title' id=toc-263>ومن كتاب النذور والأيمان</span>\n[٣٦٠ - ٣٦١] حديث سعد بن عبادة (^١)، وحديث عبد الله بن عمر ﵄ (^٢) - في هذه الأحاديث بيان أن النذر إذا ثبت وجب القيام به، قال الله ﷿: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]، وإنما يجب فيما يكون تبرُّرًا يُراد به وجه الله، وإذا وجب على رجل نذرٌ فمات؛ نُظِر فإن كان ذلك مالًا؛ وترك وفاء؛ لزِم الوارثَ أو الوصيَّ قضاءُ النَّذر عنه، فإن كان فعل البدن لم يلزمه، وقوله: (يُستَخرَجُ بِهِ مِنَ البَخِيل) أراد: إذا كان ذلك تبرُّعا، فأما إذا نذر إخراج شيء من ماله؛ لزمه ذلك لزوم الزكاة.\n\n<span data-type='title' id=toc-264>ومن باب أن نذر المعصية لا يلزم</span>\n[٣٦٢] حديث عمران بن حصين ﵁ (^٣): في هذا الحديث، وفي الذي بعده من الفقه: أن الكافر الحربيَّ إذا أُخِذ قهرا مُلك، وكذلك كل ما تحويه يده؛ يكون مِلكا لمن يغلُب عليه من المسلمين، وقوله: (نَأْخُذُكَ بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِكَ) (^٤)، الجريرة: الذنْب، وذنبه أنه في الكفر، مثل ذنب حلفائه، فأضاف الجريرة إليهم؛ وهو في مثل حالهم، وكان مأخوذا بجريرة نفسه.\nوقوله: (أَنَا مُسلِم) أي: مستسلم، وقول النبي ﷺ: (لَو قُلْتَهَا وَأَنتَ تَمْلِكُ\n_________\n(^١) أخرجه برقم: ١٦٣٨، والبخاري برقم: ٢٧٦١.\n(^٢) أخرجه برقم: ١٦٣٩، والبخاري برقم: ٦٦٠٨.\n(^٣) أخرجه برقم: ١٦٤١، وأبو داود برقم: ٣٣١٣.\n(^٤) هذا لفظ أبي داود، ولفظ مسلم: (أَخَذْتُكَ بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِكَ).","vol":"1","page":377},{"text":"أَمرَكَ)، أي: لو قلتها طوْعا، لا على الوجه الذي اضطَرت إليه من خوف القتل، (أَفَلَحتَ كُلَّ الفَلاح)، أي: أصبتَ مرادك من الدنيا والآخرة، ولو كان مؤمنا ما فودي بالرجلين، وقوله: (لَا وَفَاءَ لِنَذرٍ فِي مَعصِيَةِ الله)، معناه: أن النذر إنما يوفى به ليطاع الله به، فإذا كان معصيةً، كان الوفاء به معصية فلا يجب، ولا يجب النذر على أحد فيما لا يملكه، لأنه ممنوع منه، فإذا كان كذلك، لم يتهيأ للناذر التبسط في الممنوع، فبطَل من أجل ذلك.\nوقوله: (نَاقَةٍ مُجَرَّسَةٍ) أي: مُجرَّبة في الركوب والسير، وفي رواية: (مُدَرَّبَةٌ) والدُّربة: العادة، ومعناه: معتادة للسير، قال صاحب المجمل (^١): الدُّربة، التجربة، يقال: درب يدرب، وفي رواية: (عَلَى نَاقَةٍ ذَلُولٍ مُجَرَّسَةٍ) (^٢) أي: مُذلَّلة بالعمل، معتادة للركوب، وقوله: (فَلَم تَرغُ) أي: لم تُصَوِّت، والرُّغاء: صوت الناقة، يقال: ما له ثاغية ولا راغية (^٣) أي: شاة ولا ناقة، وأتيته فما أثغى ولا أرغى، أي: لم يعط شاةً ولا ناقةً، وأَرْغَيتُ الجمل: حملته على الرُّغاء، قال:\nأيَبْغِي آلُ شَدَّادٍ عَلَيْنَا … وَمَا يُرْغى لِشَدَّادٍ فَصِيلُ (^٤)\nيقول: هم أشِحَّاء ما فرقوا قطّ بين فصيلٍ وأمِّه؛ بنحرٍ ولا هبة، وقوله: (يُرِيحُونَ نَعَمَهُمْ)، يقال: أرَحنا إبلَنا: أي رددناها إلى مواضعها بالعشيّ، و(سَابِقَةَ الحَاجِّ) أي: مُقدِّمة الحاج؛ كانت تسبق النوق، و(العَضبَاء): اسم ناقة\n_________\n(^١) مجمل اللغة: ٣٢٤.\n(^٢) كذا عند مسلم وغيره.\n(^٣) مثل عربي، ينظر: أمالي القالي: ١/ ٩٠، جمهرة الأمثال: ٢/ ٢٦٧، مجمع الأمثال: ٢/ ٢٨٤.\n(^٤) البيت لسبرة بن عمرو الفقعسي، ينظر: معجم الشعراء: ٢١٦، ديوان الحماسة بشرح التبريزي: ١/ ٨١، وبشرح الفارسي: ٢/ ١٦١.","vol":"1","page":378},{"text":"النبي ﷺ، وقوله: (وَنَذِرُوا بِهَا) بكسر الذال أي: عملوا بها، وقوله: (فَأَعجَزَتهُم) أي: سبقتهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-265>ومن باب من نذر أن يمشي فلم يقدر فليركب</span>\n[٣٦٣] حديث أنس ﵁: (فرَأَى شَيخًا يُهَادَى بَينَ اثْنَين) (^١)، يقال: جاء فلان يهادى بين اثنين، إذا مشى بينهما معتمدا عليهما، وفي الحديث: خرج في مرضه يهادى بين اثنين (^٢)، قال أبو عبيد (^٣): معناه أنه كان يعتمد عليهما من ضَعفه وتمايُله، وكلُّ من فعل ذلك بأحد فهو يهاديه، وتهادت المرأة في مشيتها: إذا تمايلت.\n\n[٣٦٤] في الحديث (^٤): دليل أن من نذر نذرا مثل المشي إلى بيت الله الحرام، فإن كان قادرا وجب عليه الوفاءُ به، وإن لم يكن قادرًا ونوى به يمينا؛ كفر كفارة يمين، وإن لم يكن عنده ما يكفر؛ أجزأه صوم ثلاثة أيام متتابعة، وهو تأويل قوله: (وَلتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) (^٥)، (والمُخْتَمِرَة): لابسة الخمار، و(الحَافِيَة): ضد الناعلة.\n_________\n(^١) أخرجه برقم ١٦٤٢، والبخاري برقم: ١٨٦٥، واللفظ عندهما: (يهادى بين ابنيه)، ولفظ المؤلف عند النسائي برقم: ٣٨٥٣.\n(^٢) يشير إلى حديث مرض النبي ﷺ الذي مات فيه: أخرجه البخاري برقم: ٦٦٤، ومسلم برقم: ٤١٨، وفيه: (فَوَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ).\n(^٣) غريب الحديث: ٢/ ١٦٥.\n(^٤) يقصد حديث عقبة بن عامر، حين استفتى النبي ﷺ عن أخته التي نذرت أن تحج حافية، فقال: ﷺ (لِتَمْشِ، وَلْتَرْكَبْ)، أخرجه مسلم برقم: ١٦٤٤، والبخاري برقم: ١٨٦٦، غير أن المؤلف أورد هنا رواية أبي داود.\n(^٥) هذا في رواية أبي داود برقم: ٣٢٩٣، والترمذي برقم: ١٥٤٤، وكذلك قوله: (مُخْتَمِرة).","vol":"1","page":379},{"text":"<span data-type='title' id=toc-266>ومن باب النهي عن الحلف بغير الله</span>\n[٣٦٥] حديث: (لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ) (^١)، كره النبي ﷺ أن يحلف الرجلُ بأبيه، من أجل أنّ من حلف بشيءٍ فقد قصد تعظيمَه، ولا ينبغي أن يعظَّم غيرُ الله ﷿ ولا يُبتغى النفعُ إلا منه، ولا يُتوقّى الضُّر إلا به، وفيه: أن النهي إذا ورد عن النبي ﷺ فإنه يُتلقى بواجبه، ولا يُتعدى نهيه، كما فعل عمر ﵁ وقوله: (وَلَا آثِرًا) يقول: لا أحلف بأبي ولا آثرُه، أي: لا أَروي ذلك عن حالفٍ حلف بأبيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-267>ومن باب كفارة من حلف باللات والعزى</span>\n[٣٦٦] فيه (^٢) دليل أن من زل لسانه فنطق بما لا يجوز؛ كان عليه أن يتلافاه بذكر الله والتوحيد، حتى يكفِّر ما بدر منه، قال مسلم بن الحجاج: (قولهُ: تَعَالَ أُقَامِركَ فَلْيَتَصَدَّق، لَا يَروِيهِ أَحَدٌ غَيْرُ الزُّهْرِيِّ، وَلِلزُّهرِيِّ نَحْوٌ مِنْ تِسْعِينَ حَدِيثًا يَروِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، لَا يُشَارِكُهُ أَحَدٌ بِأَسَانِيدَ جِيَادٍ) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-268>ومن باب ما ورد في جواز الحنث قبل الكفارة</span>\n[٣٦٧] حديث أبي موسى ﵁ (^٤): في الحديث: جواز سؤال الإمام فيما يقع من حاجةٍ للعام والخاص، وفيه أن للإمام أن يحمل على دواب الفيء، أو على إبل الصدقة؛ إذا كان السائل محتاجا، وفيه إجلال حق الإمام والعالم.\n_________\n(^١) حديث عمر: أخرجه مسلم برقم: ١٦٤٦، والبخاري برقم: ٣٨٣٦.\n(^٢) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ١٦٤٧، والبخاري برقم: ٦٦٥٠.\n(^٣) في صحيحه عند حديث الباب.\n(^٤) أخرجه مسلم برقم: ١٦٤٩، والبخاري برقم: ٦٦٢٣.","vol":"1","page":380},{"text":"وقوله: (بَلِ الله حَمَلَكُم) (^١) أي: بأمره أعطيتكم، وفيه دلالة أن الدجاجة وإن أكلت العذِرة؛ فإنها لا تحرم، وفيه: أن الحالف إذا حلف على شيء؛ فرأى الحِنْث خيرا من الثبات على اليمين؛ حنث وكفَّر عن يمينه، وقوله: (تَغَفَّلْنَا رَسُولَ اللهِ) (^٢) أي: سألناه في وقت شُغله، يقال: تغفَّلتُه: إذا [طلب] (^٣) غفلته.\nوقوله: (وَتَحَلَّلْتُهَا)، قال أهل اللغة (^٤): حلَّلَ يمينَه وتحلَّلَها: إذا حلف ثم استثنى، وقيل: تحللتها: أي: كفَّرت عنها حتى تنحل، وقوله: (غُرِّ الذُّرَى) أي: بيض الأسنمة، والغُرُّ: جمع الأغر، والأَغَرّ: الأبيض، وقيل: (غُرِّ الذُّرَى): غر الرؤوس، والذُّرَى: جمع ذِروة، وذِروة الشيء: أعلاه، وفي رواية: (بُقع الذُّرَى)، والبُقْعُ: جمع الأبقع، وهو الذي له لونان، وتلكأ الرجل يتلكأ. […] (^٥).\n_________\n(^١) لفظ مسلم: (وَلَكِنَّ الله حَمَلَكُمْ).\n(^٢) هذا لفظ البخاري برقم: ٥٥١٨، ولفظ مسلم: (أغفلنا).\n(^٣) الأنسب: طلبتُ.\n(^٤) تهذيب اللغة: ٣/ ٢٨١.\n(^٥) سقط في الأصل، وتلكأ الرجل بمعنى: تباطأ في الأمر وتردد فيه أو توقف.","vol":"1","page":381},{"text":"<span data-type='title' id=toc-269>من كتاب الأقضية</span>\n<span data-type='title' id=toc-270>من باب القضاء باليمين والشاهد </span>(^١)\n[٣٦٨] […] (^٢) الشهود إلا رجل واحد حلف مع شاهده واستحق الدعوى، وقال أهل الرأي (^٣): إن الحاكم لا يحكم بالشاهد الواحد حتى يكونا اثنين، قالوا: والحكم بالشاهد الواحد خلاف القرآن، وليس كما ذكروا، بل فيه زيادة بيان؛ ولو كان كل ما ليس بمنصوص في كتاب الله مخالفا للقرآن، لما جاز أن يُحكم بشهادة النساء في الاستهلال والعذرة وعيوب النساء.\n\n<span data-type='title' id=toc-271>ومن باب ما جاء أن حكم الحاكم لا يحيل الأمر عما هو عليه</span>\n[٣٦٩] حديث أم سلمة ﵂: (إِنَّكُم تَختَصِمُونَ إِلَيَّ) (^٤)، فيه دلالة أن الأحكام على ظاهرها، وأن الحاكم إذا حكم بحكم على ما صح عنده في الظاهر؛ وكان باطنه على خلاف ذلك، كان الباطن أولى به.\n_________\n(^١) نظرا لوجود سقط في الأصل وضعت هذا العنوان وكذا عنوان الكتاب أعلاه؛ من باب الترتيب والتنظيم، وفصلا بين الموضعين، وعدد الأحاديث الساقطة حوالي ٦٠ حديثا؛ تتعلق بالأيمان والقسامة والمحاربين والقصاص والديات والحدود وبداية الأقضية، على أن المعروف من منهج المؤلف عدم تتبعه لجميع الأحاديث، بل لأغلبها.\n(^٢) المؤلف في سياق الكلام عن حديث ابن عباس: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَسَلَّمَ قَضَى بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ)، أخرجه مسلم برقم: ١٧١٢، وكذلك أبو داود برقم: ٣٦٠٨، وهو من الجزء الساقط المشار إليه.\n(^٣) المبسوط للسرخسي: ١٦/ ١١٤، شرح مختصر الطحاوي: ٨/ ٦٩، بدائع الصنائع: ٦/ ٢٢٥.\n(^٤) أخرجه مسلم برقم: ١٧١٣، وأخرجه البخاري برقم: ٧١٨٥.","vol":"1","page":383},{"text":"<span data-type='title' id=toc-272>ومن باب ذكر وجوب الحكم على الغائب</span>\n[٣٧٠] حديث: (إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مِسِّيكٌ) (^١) بكسر الميم وتشديد السين، ورواه بعضهم: (مَسِيكٌ) (^٢) بفتح الميم وتخفيف السين، ففِعِّيل: يجيء للمبالغة ولكثرة الفعل، وفَعيل: قد يجيء بمعنى مُفْعِل كبَدِيع بمعنى مُبدع، وأليم بمعنى مؤلم.\nومن الحجة على جواز الحكم على الغائب: أن النبي ﷺ لو لم ير الحكم إلا على الحاضر دون الغائب لبَيَّنَهُ، فلما لم يفرق بينهما عُلم أنه على الإطلاق.\n\n[٣٧١] و(الجَلَبَة) (^٣): الصياح، وفي رواية: (لَجَبَة خَصْمٍ)، يقال: جيش لَجِبٌ وجيش ذو لَجَبٍ، وبحر ذو لَجَبٍ: إذا سُمِع اضطرابُ أمواجه.\n\n<span data-type='title' id=toc-273>ومن باب ما جاء في العذر للحاكم عند الاجتهاد</span>\n[٣٧٢] حديث عمرو بن العاص ﵁: (إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ) (^٤)، إنما يجوز الاجتهاد إذا كان عالما بالكتاب والسنة، أو أكثرهما مما لابد منه، الصحابة وبأقاويل الصحابة وبلسان العرب، وكان له معرفةٌ؛ يفصل بين الصحيح والسقيم، وبين القوي من الأقاويل والضعيف، فإذا كان كذلك ثم حكم بحكم؛ فإن كان مصيبا\n_________\n(^١) حديث عائشة: أخرجه مسلم برقم: ١٧١٤، وأخرجه البخاري برقم: ٣٨٢٥.\n(^٢) قال عياض ﵀: (وقولها: إن أبا سفيان رجل مسيك، أكثر الرواة يضبطونه بكسر الميم وتشديد السين، للمبالغة في البخل، مثل شِرِّيب وخِمِّير، ورواية المتقنين وأهل العربية فيه: مَسِيكٌ، بفتح الميم وكسر السين، وكذا ضبطه المستملي، وكذا قيدناه عن أبي بحر في مسلم، وبالوجهين قيدناه عن أبي الحسين، والمسيك: البخيل)، مشارق الأنوار: ١/ ٣٨٧.\n(^٣) حديث أم سلمة السابق.\n(^٤) أخرجه مسلم برقم: ١٧١٦، وأخرجه البخاري برقم: ٧٣٥٢.","vol":"1","page":384},{"text":"كان له أجران، وإن كان مخطئا فله أجر على اجتهاده.\n\n<span data-type='title' id=toc-274>ومن باب الأمر بالاعتصام بحبل الله</span>\n[٣٧٣] حديث أبي هريرة: (إضَاعَة المَالِ) (^١)، فيه وجهان: أحدهما: أن يُنْفَق في معاصي الله، وهو السرف الذي عابه الله ونهى عنه، والوجه الآخر: دفع المال إلى ربه وليس بموضع، ألا تراه قال: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]، قال مجاهد: الرشد: العقل (^٢).\nوأما: (كَثرَةَ السُّؤَالِ) فيحتمل أنه سؤال الناس أموالَهم، ويحتمل أن يكون من السؤال عن الأمور وكثرة البحث عنها؛ كما قال: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١].\nوالاعتصام بحبل الله يجمع جميع الخيرات، ومناصحةُ الولاة تجمع القيام بالواجب والمندوب إليه.\n\n[٣٧٤] و(عُقُوقُ الأُمَّهَاتِ) (^٣): الامتناع من طاعتهن فيما يحسُن، و(وَأْدُ البَنَاتِ): دفنهن في صغرهن وهن أحياء، و(مَنْعًا وَهَاتٍ): هو أن يمنع الواجبَ، ويطلب ما لا حق له فيه.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم: ١٧١٥، وأخرجه أحمد برقم: ٨٣٣٤.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه: ٢٥٩٤٥، ينظر: تفسير الطبري: ٧/ ٥٧٧، تفسير ابن المنذر: ٢/ ٥٦٨.\n(^٣) حديث المغيرة بن شعبة: أخرجه في الباب برقم: ٥٩٣، وعند البخاري برقم: ٢٤٠٨.","vol":"1","page":385},{"text":"<span data-type='title' id=toc-275>ومن باب ترك الغضب للحاكم</span>\n[٣٧٥ - ٣٧٦] حديث أبي بكرة ﵁ (^١)، وحديث: (مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ) (^٢)، فيه أن الحاكم إذا خالف الأئمة في حكمه رُدّ حكمه عليه.\n\n[٣٧٧] وفي حديث المرأتين اللتين أتتا داود ﵇ (^٣): فيه بيان أن الباطن إذا صح كان أولى من الظاهر؛ إذ حكم سليمان ﵇ بما صح عنده من باطن أمر المرأتين، وفيه: أن للحاكم أن يتهدد الظالم بما لا يريد أن يفعله؛ ليرجع إلى الحق.\n\n<span data-type='title' id=toc-276>ومن باب الحاكم يصلح بين الخصمين</span>\n[٣٧٨] حديث: (اشتَرَى رَجُلٌ مِن رَجُلٍ عَقَارًا) (^٤) احتمل أن يكون اشتراها بذهب مع الذهب الذي فيها؛ فلم يجز البيع، واحتمل أن يكون اشتراها بفضة وتقابضا قبل التفرق، فلما وقع الإشكال؛ كان الوجه أن يتفقا على شيء؛ كما فعلا لترتفع الشبهة.\n_________\n(^١) أخرجه برقم: ١٧١٧، وعند البخاري برقم: ٧١٥٨، وهو قوله ﷺ: (لَا يَحْكُمْ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ).\n(^٢) حديث عائشة: أخرجه برقم: ١٧١٨، وأخرجه البخاري برقم: ٢٦٩٧.\n(^٣) حديث أبي هريرة: أخرجه برقم: ١٧٢٠، والبخاري برقم: ٦٧٦٩.\n(^٤) حديث أبي هريرة: أخرجه برقم: ١٧٢١، وأخرجه البخاري برقم: ٣٤٧٢.","vol":"1","page":386},{"text":"<span data-type='title' id=toc-277>ومن باب اللقطة</span>\n[٣٧٩] حديث زيد بن خالد الجهني ﵁ (^١): (العِفَاصُ): الوعاء الذي يكون فيه النفقة من جلد أو خِرقةٍ، و(الوِكَاء): الخيط الذي يشد به.\nأمر الواجدَ لها أن يحفظ عِفاصَها ووِكاءَها؛ ليكون ذلك علامة للُّقطَة، فإن جاء من يعرفها بتلك الصفة دُفعت إليه، وهذه سنة في اللُّقطة خاصّة، لا يشبهها شيء من الأحكام، يستحقها صاحبها بغير بينة ولا يمين، إلا بمعرفة صفتها، وأما ضالَّة الإبل، وكلُّ ما شاكلها مثل البقر والبغال والحمير وما يستقل منها بنفسه ويقطعُ البلاد؛ فحكمه في الحديث، وأما الغنم فلا تقوى ذلك، فإذا كان بعيدا من القرى حلت لمن وجدها.\nوفي الحديث الآخر: (ضَالَّةُ المُسْلِمِ حَرَقُ النَّارِ) (^٢) يعني: ضالَّةَ الإبل، و(حِذَاؤُهَا) أخفافها، يقول: إنها تقوى على السير، وقوله: (مَعَهَا سِقَاؤُهَا) أي: تقوى على ورود الماء فتشرب، وقيل: إنما أمر بحفظ الوعاء والوكاء ليؤدي ذلك مع اللقطة إذا جاء صاحبها.\nوفقه الحديث: أن ما خيف تلفه من الحيوان وغيره جاز الانتفاع به معجَّلا، وما لا يُخاف هلاك عينِه انتُظِر به سنة، وأما لُقطة الحاج ففيه خصوصية على غيرها؛ لا يحل منها إلا إنشادها، قال بعض العلماء: إذا كان الحاج بمكة فضاع له شيء فحكمه ما في الحديث، فأما إذا كان بغيرها فحكمها وحكم غيرها من اللقطة واحدٌ، وأما إيواء الضالة من الإبل والبقر فلا يحل.\n_________\n(^١) أخرجه برقم: ١٧٢٢، وأخرجه البخاري برقم: ٢٤٢٩.\n(^٢) رواه الترمذي برقم: ١٨٨١، وابن ماجة برقم: ٢٥٠٢.","vol":"1","page":387},{"text":"<span data-type='title' id=toc-278>ومن باب النهي عن حلب مواشي الناس إلا بإذنهم</span>\n[٣٨٠] حديث ابن عمر ﵁ (^١) (المَشرَبَة): الغُرفة، وفي الحديث دلالة أن اللبن في الضرع محظور، له حرمة كحرمة الأموال غيره، وشبه الضرع بالمَشْرَبة؛ وهي الغرفة، وأخبر ﷺ أن اللبن طعام يغتذى به، وقوله: (يُنتَثَل) أي: يُستخرج، والنَّثِيلَة: التراب الذي يُستخرج من البئر، وأما (يُنتَقَل) بالقاف فهو من النقل افتعال منه.\n_________\n(^١) حديث ابن عمر: أخرجه برقم: ١٧٢٦، وأخرجه البخاري برقم: ٢٤٣٥.","vol":"1","page":388},{"text":"<span data-type='title' id=toc-279>كتاب الجهاد</span>\n<span data-type='title' id=toc-280>ومن باب معرفة حق الضيف</span>\n[٣٨١] حديث أبي شريح ﵁: (قَالُوا: وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: يَومَهُ وَلَيلَتَهُ) (^١)، ويجوز أن يروى بالرفع والنصب، بالنصب على الظَّرف، وبالرفع على حذف المضاف، أي: جائزة يومه وليلته، أي: ما يجوز به مسافة يومٍ وليلة، أي: من مَنهل إلى مَنهل، و(الجَائِزَة) العطية، يقال: أجازه السلطان بجائزة سَنِيَّة، قيل: وهذا أقل الواجب في المعروف.\n\n[٣٨٢] و(الظَّهِرُ) (^٢): الرِّكاب، و(فَضلُ ظَهرٍ) أي: ما يَفضُل عن حاجته إليه، وقوله: (فَليَعُد بِهِ عَلَى مَن لَا ظَهرَ لَهُ)، العائدة: الهبة، فقوله: (فَليَعُد بِهِ) أي: فليُؤثِر به من هو محتاج إليه، وقوله: (فَإِن لَم يُعطُوا الحَقَّ المُوَظَّف عَلَيهِم) (^٣)، يعني الذي وظفه النبي ﷺ لابن السبيل أو الغازي، فخذوا منهم حقَّ الضيف الذي وظفَّه عليهم.\n\n[٣٨٣] وقوله: (فَتَطَاوَلتُ) (^٤) أي: رفعت عنقي، (لأَحزرَهُ) أي: لأَقَدِّره\n_________\n(^١) أخرجه برقم: ٤٨، وأخرجه البخاري: ٦٠١٩.\n(^٢) حديث أبي سعيد: أخرجه برقم: ١٧٢٨، وأخرجه أبو داود: ١٦٦٣.\n(^٣) لفظ الحديث عند مسلم وغيره: (فَإِن لَم يَفْعَلُوا، فَخُذُوا مِنهُم حَقَّ الضَّيفِ الَّذِي يَنبَغِي لَهُمْ).\n(^٤) أخرجه برقم: ١٧٢٩.","vol":"1","page":389},{"text":"وأعلم كِمِّيته، (فَحَزَرتُهُ كَرَبضَةِ العَنزِ) أي: قدْر مكانِ العنز الذي يربض فيه، وقوله: (فَنُدَغفِقُهُ دَغفَقَةً) الدَّغْفَقَة: الصبُّ الكثير، وقوله: (تَزْوَادَنَا) (^١) أي: ما تزودناه، يعني: ما في المزاود.\n\n<span data-type='title' id=toc-281>ومن باب ذكر إغارة رسول الله ﷺ على بني المصطلق</span>\n[٣٨٤] (وَهُمْ غَارُّونَ) (^٢) أي: غافلون.\n\n<span data-type='title' id=toc-282>ومن باب وصية النبي ﷺ الأمير</span>\n[٣٨٥] قوله: (وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغدِرُوا، وَلَا تَمْثُلُوا) (^٣)، الغُلول: الخيانة، والغدر: نقض العهد، والمُثْلَة: جَدع الأذن والأنف؛ وقطع الأعضاء، وقوله: (إِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ)، هذا في أهل الكتاب؛ الذين يحل أخذ الجزية منهم عند الاستسلام، وقوله: (أَنْ تُخْفِرُوا)، الإخفار: نقض العهد، والخفارة: مصدر خفرتُه أخفِره أي: أجرته.\n\n[٣٨٦] وقوله: (تَطَاوَعَا) (^٤) قال أهل اللغة (^٥): طاع يطوع: إذا انقاد، وقد طاوع فلان فلانا: إذا وافقه.\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: (مزاودنا)، قال القاضي عياض: (وروايتنا فيه: تزوادنا، وفي رواية: مزاودنا، فإن كان تزوادنا محفوظًا فهو اسم من الزاد على تَفعال بالفتح كالتَّسيار، أو بالكسر كالتِّمثال)، إكمال المعلم: ٦/ ٢٥.\n(^٢) أخرجه برقم: ١٧٣٠، وأخرجه البخاري برقم: ٢٥٤١.\n(^٣) أخرجه برقم: ١٧٣١، وأخرجه أبو داود: ٢٦١٣.\n(^٤) حديث بردة: أخرجه برقم: ١٧٣٣، وأخرجه البخاري: ٧١٧٢.\n(^٥) العين: ٢/ ٢٠٩، مقاييس اللغة: ٣/ ٤٣١.","vol":"1","page":390},{"text":"[٣٨٧] وقوله: (يُرْفَعُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ) (^١)، الغدر: نقض العهد، قال الحويدرة:\nأَسْمَيُّ وَيْحَكِ هل سمعتِ بِغَدْرَةٍ … رُفع اللِّوَاءُ لَنَا بِها في مجمع (^٢)\nوَيْحَ: كلمة ترحُّم، وانتصابه على المصدر، أخبر أنه يعِف عن جيرانه ويفي بذمته، يقول: هل كان منا فيه فضيحة؟ وقال زهير:\n… ... .... وَيُنْصِبْ … لَكُمْ فِي كُلِّ مَجْمَعَةٍ لِوَاءُ (^٣)\nقيل كان الرجل في الجاهلية إذا غدر رفع له لواء أيام الموسم؛ فيتجنبه الناس، المعنى: أنه يفضح يوم القيامة.\n\n[٣٨٨] وقوله: (بِقَدْرِ غَدْرِهِ) (^٤) أي: كلما عظُم الغدر؛ عظم الفضيحة، وقوله: (مِنْ أَمِيرِ عَامَّةٍ) يعني: الإمام والسلطان، يجوز أن يكون المعنى: مِن غَدْر أمير عامَّة، ويكون الأمير غادرا فاعلا، ويجوز أن يكون مفعولًا، ويكون الغدر من الرعية.\n_________\n(^١) حديث ابن عمر: أخرجه برقم: ١٧٣٥، وأخرجه البخاري: ٣١٨٨.\n(^٢) قطبة بن أوس الفزاري الغطفاني، شاعر جاهلي لقب بالحادرة أو الحويدرة، ينظر بيته هذا في: المفضليات: ٢٥، الاختيارين المفضليات والأصمعيات: ١/ ٦٧، محاضرات الأدباء: ١/ ٣٥٤، التذكرة الحمدونية: ٣/ ٣٩٣.\n(^٣) البيت لزهير بن أبي سلمى، وصدره: (وتوقد ناركم شزرًا وينصب)، ينظر: حماسة البحتري: ٧٥، شرح ديوان الحماسة للأصفهاني: ١٢٥٥، ديوانه: ٢١.\n(^٤) حديث أبي سعيد: أخرجه برقم: ١٧٣٨، وأخرجه الترمذي: ٢١٩١.","vol":"1","page":391},{"text":"[٣٨٩] وحديث ابن أبي أوفى (حَتَّى إِذَا مَالَتِ الشَّمْسُ) (^١)، فيه دلالة أن وقت زوال الشمس يرجى إجابة الدعوة، وفيه: أنه لا ينبغي للرجل أن يستقبل البلاء، ولكن عليه أن يحذر، وفيه: أن على المسلم أن يصابر الكافر في الحرب إذا لقيه، وقوله: (تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ): أي: يستوجب بالقتال بها الجنة، وفي حديث ابن أبي أوفى: دلالة الاستظهار على العدو بالدعاء.\n\n[٣٩٠ - ٣٩١] وقوله: (فَأَنكَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَتلَ النِّسَاءِ وَالصِّبَيَانِ) (^٢)، وفي حديث الصعب بن جَثَّامَة: (هُم مِنْهُمْ) (^٣)، وكان سفيان يذهب إلى أن حديث ابن أبي الحُقيق (^٤) - يعني في النهي عن قتل النساء والصبيان - ناسخ (^٥)، وقال الشافعي ﵀ (^٦): إنما معناه أن يقصد قصدهم وهم متميزون من الرجال، لأن في حديث بني المُصطلق: (وَهُم غَارُّونَ)، ومعلوم أن الغارة والبَيات إذا حل بقوم؛ أصاب ذلك النساء والولدان، وقوله: (هُم مِنْهُمْ) أي: يَسقُط الإثم والكفارة والعقل عمَّن أصابهم؛ لأنه أباح البيات، ولا يجوز قتلهم وهم متميزون.\nقال أصحاب الشافعي: وإنما نهي عن قتل الولدان لأنهم لم يبلغوا فيعملوا بالكفر، وقيل: نهي عن قتل الولدان والنساء لأنهم يُتَخوَّلون (^٧) فيكونون قوة\n_________\n(^١) أخرجه برقم: ١٧٤٢، وأخرجه البخاري: ٧٢٣٧.\n(^٢) حديث ابن عمر: أخرجه برقم: ١٧٤٤، وأخرجه البخاري: ٣٠١٥.\n(^٣) أخرجه برقم: ١٧٤٥، وأخرجه البخاري: ٣٠١٥.\n(^٤) رواه أحمد: ٦٦، السنن الكبرى للبيهقي: ١٨٠٩٢.\n(^٥) الرسالة للشافعي: ١/ ٢٩٧، معرفة السنن والآثار: ١٣/ ٢٢٩.\n(^٦) الرسالة: ١/ ٢٩٧، الأم: ٤/ ٢٥٢.\n(^٧) من الخول: الخدم والحشم والعبيد.","vol":"1","page":392},{"text":"لأهل الإسلام (^١).\n\n[٣٩٢] وفي حديث قطع نخل بني النضير (^٢): فيه أن للإمام إذا غلب على المشركين أن يقطع شجرهم ويحرقها للنكاية فيهم.\n\n[٣٩٣] وفي حديث (غَزَا نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ) (^٣) دلالة أن فرض الغزو على الكفاية؛ ما لم يقع نفيرٌ، لأنه أباح لهم التخلُّف عن الغزو بسبب ما ذكر في الحديث، ولو كان فرضا لم يسوِّغ لهم، وفيه: آية النبوة لحبس الشمس، وفيه دليل أن الغُلول عظيم أمره في كل وقت، وفيه فضيلة هذه الأمة بما أحل لهم من الغنائم، وفيه فضيلة الغنى والمال إذا أُنفق في سبيل الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-283>ومن باب ما جاء في الأنفال</span>\n[٣٩٤] حديث سعد ﵀: (أَؤُجْعَلُ كَمَنْ لَا غَنَاء لَهُ؟) (^٤)، الغناء: الكفاية، يعني: القوة والقتال.\n\n[٣٩٥] و(السُّهْمَان) (^٥): جمع سهم، وهو النَّصيب.\n\n[٣٩٦] و(الشَّارِفُ) (^٦): المُسِن من الإبل.\n_________\n(^١) الرسالة للشافعي: ١/ ٢٩٧.\n(^٢) حديث ابن عمر: أخرجه برقم: ١٧٤٦، وأخرجه البخاري: ٤٠٣١.\n(^٣) حديث أبي هريرة: أخرجه برقم ١٧٤٧، وأخرجه البخاري: ٣١٢٤.\n(^٤) حديث أبي هريرة: أخرجه برقم: ١٧٤٨، وأخرجه أبو داود: ٢٧٤٠.\n(^٥) حديث ابن عمر: أخرجه برقم: ١٧٤٩، وأخرجه أبو داود: ٣١٣٤.\n(^٦) حديث ابن عمر: أخرجه برقم: ١٧٥٠.","vol":"1","page":393},{"text":"[٣٩٧] وقوله: (فَاستَدَرتُ إِلَيهِ) (^١) أي: دُرت، (فَضَرَبْتُهُ عَلَى حَبْلٍ عَاتِقِهِ) يعني: عرق العاتِق وما يتصل به، وقوله: (وَجَدتُ مِنهَا رِيحَ الْمَوتِ) أي: كدت أذوق من تلك الضَّمة الموت، والريح هاهنا استعارة، وقوله: (لَا هَا الله) هذا قسم؛ لا حرف نفي، و(ها): تنبيه، و(الله): جر بحرف القسم المحذوف، والهاء بدل منه، وقوله: (إِذًا لَا يَعْمِدُ) المشهور من كلام العرب: (لا ها الله ذا) ومعناه: لا والله لا يكون، والذي في الحديث: (إذًا)، والمعنى: لا والله لا يفعل هذا إذًا، (لَا يَعْمِدُ)؛ أي: إن فعل ذلك كان عامِدا، (إِلَى أَسَدٍ مِن أُسُدِ اللَّهِ، يُقَاتِلُ عن اللهِ فَيُعطِيكَ سَلَبَهُ)، ولا يفعل هذا لأن هذا جور، و(المَخْرَفُ): البستان، و(تَأَثَّلْتُهُ) أي: جعلته أصل مال.\nوفي حديث الليث: (كَلَّا لَا يُعْطِيهِ، أُصَيبْغَ مِنْ قُرَيْشٍ وَيَدَعُ أَسَدًا مِنْ أُسُدِ اللهِ) أُصَيبِغ: تصغير أَصْبَغ، والأَصْبَغ: ما يكون له لونان، وفي الحديث: (كَمَا تَنْبُتُ الْحَبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، هَلْ رَأَيْتُمُ الصَّبْغَاء؟) (^٢) قيل: الصبغاء: نبت يطلع وما يلي الشمس من أعاليها أخضر، وما يلي الظلَّ أبيض، قال أهل اللغة (^٣): الأَصْبَغ: الفرس في طرف ذنَبه بياض، ورواه: (أُضَيْبع) (^٤) بالضاد المعجمة والعين المهملة، وقيل: هو تصغير ضبع صغر على غير قياس مُكَبَّره، والمحفوظ\n_________\n(^١) حديث أبي قتادة: أخرجه برقم: ١٧٥١، وأخرجه البخاري: ٣١٤٢.\n(^٢) حديث وصف جهنم رواه أحمد: ١١٢٠٠، والنسائي في الكبرى: ١١٢٦٤.\n(^٣) تهذيب اللغة: ١/ ٢٧٤، المخصص: ٢/ ٩٢.\n(^٤) قال القاضي: (قوله: فتعطيه لأصيبغ قريش، كذا للأصيلي والنسفي وأبي زيد والسمرقندي بالصاد المهملة والغين المعجمة، قيل معناه: أُسَيوِد، كأنه عيره بلونه، وللباقين: أضيبع بالضاد المعجمة والعين المهملة، وكذا جاء للقابسي مرة، ولعبدوس، ولأبي ذر مرة، وكذا للعذري، وابن الحذاء، والسجزي، كأنه تصغير ضبع على غير قياس تحقيرا له، وهو أشبه بمساق الكلام لقوله وتدع أسدا ومقابلة ضبع له)، مشارق الأنوار: ٢/ ٣٩.","vol":"1","page":394},{"text":"ما ذكرناه قبل، كأن المراد من الكلمة: ضعف المذكور وشيبه، وقوة الآخر وشبابه.\nوفي الحديث من الفقه: السلب للقاتل، وأما التنقيل: فالسرية إذا انفصلت من الجيش فجاءت بغنيمة، فإنها تكون مشتركة بينهم وبين الجيش، لأنهم ردء لهم.\nوأما قوله: (فنَفَّلَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعِيرًا بَعِيرًا) (^١)، فاختلفوا في هذه الزيادة التي هي النفل، من أين أعطاهم؟ فكان ابن المسيب يقول: إنما ينفل الإمام من الخمس، وهو خمس الخمس من الغنيمة (^٢)، وإلى هذا ذهب الشافعي ﵀، وذلك أن النبي ﷺ كان يضعه حيث أراه الله من مصالح أمر الدين ومعاون المسلمين، قال: فإذا كثر العدو واشتدت شوكتهم؛ وقل من بإزائهم من المسلمين نفل منه الإمام اتباعًا للسنة، وإذا لم يكن ذلك لم يُنفِل (^٣).\nوقال أبو عبيد (^٤): الخمس مفوض إلى الإمام يُنْفِل منه إن شاء، ومن ذلك قول النبي ﷺ: (مَا لِي مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْكُم إِلَّا الخُمُسِ، وَالخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُم) (^٥)، وقيل كان النبي ﷺ يُنفلهم من الغنيمة التي يَغنمونها، كما نفل القاتل السلب من جملة الغنيمة؛ وعلى هذا أكثر الأخبار؛ أنه إنما أعطاهم من جملة الغنيمة؛ لا من الخمس الذي هو سهمه ونصيبه، وظاهر حديث ابن عمر ﵁ (^٦)\n_________\n(^١) رواه البخاري: ٣١٣٤، ومسلم: ١٧٤٩.\n(^٢) ينظر: الإشراف لابن المنذر: ٤/ ٨٥، مختصر اختلاف العلماء: ٣/ ٤٦٠.\n(^٣) الأم: ٤/ ١٥٠، الحاوي الكبير: ٨/ ٤٠٠.\n(^٤) الأموال لأبي عبيد: ٤٠٢.\n(^٥) أخرجه أبو داود: ٢٦٩٤، والنسائي: ٤١٣٨.\n(^٦) حديث رقم: ١٧٤٩، وكذلك: ١٧٥٠.","vol":"1","page":395},{"text":"أنه أعطاهم هذا النفل قبل الخمس، كما نفَّلهم السلَب قبل الخمس، وإلى هذا ذهب أبو ثور (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-284>ومن باب إعطاء السلب بعض القاتلين بالاجتهاد</span>\n[٣٩٨] حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁: (فَتَمَنَّيتُ لَوْ كُنتُ بَينَ أَضلَعَ مِنْهُمَا) (^٢)، يعني أقوى منهما، والضَّلاعة: القوة، وقوله: (لَا يُفَارِقُ سَوَادِي سَوَادَهُ) أي شخصي شخصه، (حَتَّى يَمُوتَ الأَعجَلُ مِنَّا) أي: الأعجل منا موتًا.\nوفي حديث أبي قتادة (^٣) دليل أن سلَب القتيل لا يُسَلّم إلى مدعيه إلا بحجة، وفيه: أن السلب لا يُخمَّس، وأنه يجعل للقاتل قبل أن تقسم الغنيمة، وقال الشافعي ﵀ (^٤): إنما السلب لمن قتل والحرب قائمة، والمشرك مقبل غير مدبر، لأنه عطية أعطاها إياه لإبلائه في الحرب، وقال أحمد بن حنبل ﵀: إنما يُعطى السَّلبَ من بارز فقتل قرنه، دون من لم يبارز (^٥).\nوقال مالك: لا يكون السَّلَب له إلا بإذن الإمام، ولا يكون ذلك من الإمام إلا على وجه الاجتهاد (^٦)، وقال أبو يوسف: إذا قال الإمام - يعني: وأمر بالنداء -: (من قتل قتيلا فله سلبُه، ومن أسر أسيرا فله سلبُه) فهو جائز، وهذا\n_________\n(^١) ينظر: معالم السنن: ٢/ ٣١١، فتح الباري: ٦/ ٢٤٠.\n(^٢) أخرجه برقم: ١٧٥٢، وأخرجه البخاري: ٣١٤١.\n(^٣) الحديث السابق.\n(^٤) الأم للشافعي: ٤/ ١٩٤، مختصر المزني: ٨/ ٢٤٩.\n(^٥) مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود: ١٥٤٥.\n(^٦) المدونة: ١/ ٥١٧.","vol":"1","page":396},{"text":"هو النفل، وقال أبو حنيفة: لا ينبغي للإمام أن يُنفله سلبَه لأنه صار في الغنيمة (^١).\nوقال الأوزاعي: للقاتل فرسه الذي قاتل عليه، وسلاحُه وسرجُه، ومِنطَقته وخاتمه، وما كان في سرجه وسلاحه من حلية، وقال الشافعي ﵀: للقاتل كل ثوب عليه، وكل سلاح، ومِنطَقة، وفرسه الذي هو راكبه، أو ممسكه، وقال أحمد بن حنبل في المنطقة فيها الذهب والفضة: هي من السلَب، وسئل عن السيف فقال: لا أدري، وقيل للأوزاعي: يسلبون حتى يتركوا عراة؟ فقال: أبعد الله عورتهم، وكره الثوري أن يتركوا عراة (^٢).\nوفي حديث عبد الرحمن بن عوف: أن النبي ﷺ جعل السلَب لأحد القاتلَين، وذلك يومَ بدر، وكانت الغنيمة والأسلاب للنبي ﷺ في ذلك الوقت؛ يضعها حيث أحبّ، وقيل: استئثاره إياه إنما كان بإذن صاحبه.\n\n[٣٩٩] وأما حديث عوف بن مالك وقوله: (لَا تُعْطِهِ يَا خَالِدُ) (^٣)، ففيه دليل أنه كان للنبي ﷺ، وكان يصرفه حيث أراد.\nفي الحديث من الفقه أن السلَب ما كان قليلا أو كثيرا فإنه للقاتل لا يُخَمَّس، لأنه أمر خالدا برده عليه مع استكثاره إياه، وإنما رده على خالد بعد الأمر الأول، زجرًا لعوف لِئلا يتجرأ الناس على الأئمة، ولا يتسرعوا إلى الوقيعة فيهم، وكان خالد ﵀ مجتهدا في صنيعه ذلك، لأنه قد استكثر السلب فأمضى\n_________\n(^١) الأصل للشيباني: ٧/ ٤٤٣، المبسوط: ١٠/ ٤٧.\n(^٢) تنظر هذه الأقوال، وما يستحقه القاتل من سلب القتيل في: الإشراف لابن المنذر: ٤/ ٩٠، معالم السنن: ٢/ ٣٠٢ الاستذكار: ٥/ ٦٨.\n(^٣) أخرجه برقم: ١٧٥٣، وأخرجه أبو داود: ٢٧١٩.","vol":"1","page":397},{"text":"له رسول الله ﷺ اجتهاده؛ لما رأى في ذلك من المصلحة العامة؛ بعد أن كان خطَّأه في رأيه الأول، واليسير من الضرر محتمَل للكثير من الصلاح.\nوفيه دليل على أن نسخ الشيء قبل الفعل جائزٌ، وقوله: (هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُوا لِي أُمَرَائِي؟) (^١) فصل من المضاف والمضاف إليه بالجار والمجرور، وقوله: (ثُمَّ تَحَيَّنَ سَقيَهَا) أي: طلب وقت سقيها، و(المَدَدِيُّ): الذي يأتي مددًا وقوةً للجيش، وأما ما روي (لَم يُخَمِّسِ السَّلَبَ) (^٢)، قيل: لم يأخذ خمسه؛ ولكن تركه للقاتل، وفي حديث عوف دلالة أن على الرعية أن يطيعوا السلطان.\n\n<span data-type='title' id=toc-285>ومن باب إعطاء السلب أجمع للقاتل</span>\n[٤٠٠] حديث سلمة بن الأكوع: (ثُمَّ انتَزَعَ طَلَقًا) (^٣) الطَّلَق - بفتح اللام -: الحبْل، وقوله: (مِنْ حَقَبِهِ) الحَقَبُ - بفتح القاف -: حبل يُشدّ على حِقوِ البعير، وفي حديث عبادة ﵁: (فَرَكِبتُ الفَحْل فَحَقِب فتفَاجَّ يَبُول) (^٤)، قيل (^٥): الحَقِب: الذي قد دنا الحَقَب من ثِيلِه فمنعه من أن يبول.\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: (تاركون)، واللفظ الذي أثبته المؤلف عند أحمد: ٢٣٩٨٧، قال النووي: (بغير نون، وفي بعضها: تاركون بالنون، وهذا هو الأصل، والأول صحيح أيضا، وهي لغة معروفة). شرح مسلم: ١٢/ ٦٥.\n(^٢) عند أحمد: ٢٣٩٨٨، وأبي داود: ٢٧٢١.\n(^٣) أخرجه برقم: ١٧٥٤، وأخرجه أبو داود: ٢٦٥٤.\n(^٤) الخبر أخرجه ابن سعد في الطبقات: ٣٧٥٩، وهو لعُمارة بن أحمر المازني: مذكور في الصحابة لا يعرف له غير هذا الحديث، ينظر: الاستيعاب: ٣/ ١١٤١، أسد الغابة: ٣/ ٦٣٢، وقد وهم فيه المؤلف تبعا لصاحب الغريبين، ولابن قتيبة في الغريب، حيث ذكراه باسم عبادة، وقد أورده ابن عساكر في تاريخ دمشق: ٤٣/ ٢٩٨، من طريق ابن قتيبة، ثم تعقبه فقال: (كذا قال والصواب عمارة).\n(^٥) الغريبين في القرآن والحديث: ٢/ ٤٧٠.","vol":"1","page":398},{"text":"وقوله: (عَلَى نَاقَةٍ وَرْقَاءَ) أي: سوداء، و(اشْتَدَّ) أي: عدا، و(أَثَارَه) أي: هيَّجَه وأقامه، و(اخْتَرَطْتُ سَيْفِي) أي: سلَلْته، (فَنَدَرَ) أي: فسقط.\n\n[٤٠١] وقوله: (فَعَرَّسْنَا) (^١) أي: نِمْنا ليلا، وأكثر ما يكون ذلك بعد نصف الليل، وقوله: (شَنَّ الغَارَةَ) أي: صبَّها وفرَّقها، و(القَشْعُ): ثوب من أديم، وقوله: (وَمَا كَشَفْتُ لَهَا ثَوْبًا) أي ما قرَبتها، وقوله: (لِلَّهِ أَبُوك): كلمة مدح.\n\n[٤٠٢] وفي حديث أبي هريرة ﵁ (^٢): دليل أن الموجفين يملكون ما أوجفوا عليه بعد إخراج الخمس منه.\n\n[٤٠٣] وفي حديث مالك بن أوس: (تَعَالَى النَّهَارُ) (^٣) أي: ارتفع، و(رُمَاله): شريطه، و(يَا مَالُ) نداء مُرَخَّم، ومعناه يا مالك، وقوله: (دَفَّ أَهْلُ أَبْيَاتٍ)، يقال: دقَّت علينا من بني فلان دافَّة تَدِفُّ دفيفا أي: سيرًا في لين، والدَّفِيف: دفيف الطائر على وجه الأرض؛ يحرك جناحيه؛ ورجلاه في الأرض، وقوله: (اتَّئِدَا) من التؤدة، وهي السكون؛ يخاطب اثنين.\n_________\n(^١) حديث سلمة: أخرجه برقم: ١٧٥٥، وأخرجه أبو داود: ٢٦٩٧.\n(^٢) أخرجه برقم: ١٧٥٦، وأخرجه أبو داود: ٣٠٣٦.\n(^٣) أخرجه برقم: ١٧٥٧، وأخرجه البخاري: ٢٩٠٤.","vol":"1","page":399},{"text":"<span data-type='title' id=toc-286>ومن باب لا نورث ما تركناه صدقة</span>\n[٤٠٤] حديث عائشة ﵂ (^١): (فَدَك) قرية، و(خَيْبَر): قرى مجتمعة، و(يَرْفَا) (^٢): اسم غلام عمر ﵁، وقوله: (لِحُقُوقِهِ الَّتِي تَعْرُوهُ) يقال: عَرَانِي الأمر يعروني: إذا غشِيَني، واعتراني يعتريني أيضا، و(النَّوَائِبُ): جمع نائبة، يقال: نابَه هذا الأمر ينوبه: إذا أتاه مرّة بعد مرّة، وقوله: (أَنْ أَزِيغَ) أي: أميلَ عن الحق، وقوله: (مَا تَرَكنَا صَدَقَةٌ) مبتدأ وخبر.\nوقوله: (وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى عَلِيٍّ قَرِيبًا حِينَ رَاجَعَ الْأَمْرَ الْمَعْرُوفَ) أي: طابت قلوبهم حين سلم ذلك الذي وقعت فيه المنازعة من أمر فدك وخيبر، وقوله: (شَجَرَ بَينِي وَبَيْنَكُم) يعني: المنازعة في ذلك أيضًا، و(لَمْ آلُ فِيهَا عَنِ الْحَقِّ) أي: لم أُقصِّر، وقوله: (وَكُنَّا نَحنُ نَرَى حَقًّا لِقَرَابَتِنَا مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ)، إنما كان يرى ذلك قبل أن صح عنده أن النبي ﷺ قال: (لَا نُورَثُ)، وقوله: (لَمْ نَنْفَسٌ) أي: لم نحسُد، وقوله: (جِهَةٌ) أي: وَجهٌ وَجَاهٌ، وقوله: (حَيَاةَ فَاطِمَةَ ﵂) نصب على الظرف، أي: مدة حياتها.\nوفي الحديث من الفقه أن النبي ﷺ لم يورث، وأن الذي كان بيده من المال كان مُرصدًا لمصالح المسلمين، وفيه أن للرجل أن يأخذ لنفسه ولعياله قوت سنة، ومنها: أن الصدوق إذا قال قولا؛ جاز أن يستشهد على صحة قوله الثقات احتياطًا.\n_________\n(^١) أخرجه برقم ١٧٥٩، وأخرجه البخاري: ٣٠٩٢.\n(^٢) ذكر في الحديث السابق: ١٧٥٧.","vol":"1","page":400},{"text":"وقول عمر ﵁: (إِنَّ الله خَصَّ رَسُولَهُ بِخَاصَّة) (^١) أراد أنه أقامه مقام الموجفين في الفيء، ثم قال: ومع هذا كان يقسمه في مصالح المسلمين من الكُراع والسِّلاح وغير ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-287>ومن باب للفرس سهمان وللرجل سهم</span>\n[٤٠٥] قوله: (لِلفَرَسِ سَهِمَان) أو (قَسَمَ لِلفَرَسِ سَهمين) (^٢)، فقه الحديث: أنه أعطى الفارس ثلاثة أسهم: سهما له؛ وسهمين لفرسه؛ لغنائه في الحرب، ولما يلزمه من مؤنته، لأن مؤونة الفرس متضاعفة على مؤونة صاحبه، فضوعف له العِوَض من أجله.\n\n<span data-type='title' id=toc-288>ومن باب الحكمة في الأسارى والقسمة وإمداد الملائكة يوم بدر</span>\n[٤٠٦] حديث عمر بن الخطاب ﵁ (^٣): وفي الحديث دليل على ترداد الدعاء رجاء الإجابة، وفيه مدد الملائكة للنبي ﷺ عند محاربة الكفار، ومنه سنة مشاورة أهل المعرفة والتمييز من الأصحاب.\nوقوله: (أَقدِم حَيزُومُ) أي: تقدم، يقال: قدم يقدُم إذا تقدَّم، وحَيْزُوم: اسم فرس جبريل ﵇، وفي الحديث مضموم مبني على الضم لأنه منادى مفرد، ورواه بعضهم: (أَقْدَمُ) بفتح الدال؛ على أنه مستقبل قدِم يقدم (^٤)، يقال: قدِم فلان من سفره يقدم.\n_________\n(^١) من حديث مالك بن أوس السابق: ١٧٥٧.\n(^٢) حديث ابن عمر: أخرجه برقم: ١٧٦٢، وأخرجه البخاري: ٢٨٦٣.\n(^٣) أخرجه برقم: ١٧٦٣، وأخرجه الترمذي: ٣٠٨١.\n(^٤) لا يخلو كلام المؤلف من إشكال من حيث الرواية واللغة؛ انظر: إكمال المعلم ٦/ ٩٥.","vol":"1","page":401},{"text":"وفي الحديث من الفقه: استحباب سلامة الصدر من الغش للناس، ومنه: البكاء عند خوف العقوبة، وقوله: (كَذاكَ مُنَاشَدَتكَ رَبَّكَ) أي: ألِحَّ في السؤال والدعاء وبالغ فيه، فإن الله يستجيب لك، وقال ابن قتيبة (^١): (كَذاكَ) معناه: حسبك، ورواه غيره: (كَفَاكَ) (^٢) بالفاء.\nوفي الحديث خصوصية النبي ﷺ بإحلال الغنيمة، وفيه: أن للإمام أن يقتل الأسير أو يفديَ أو يَمُنّ، ومنها: أن الكفار إذا انجلوا من بلادهم قام النبي ﷺ في الفيء مقام الموجفين، ومنها: أن مقام أربعٍ للمسافر؛ مقام يُتِمّ صلاته: فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-289>ومن باب المن على الأسارى</span>\n[٤٠٧] حديث ثمامة بن أثال (^٣): وفيه دليل أن للإمام أن يمُنّ على الأسير، وقوله: (إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ) كأنه قتل إنسانا؛ وهو يقول: إن قتلتني فأنا مستحق للقتل.\n* * *\n\n[٤٠٨] وقوله: (لأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ، وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ) (^٤)، فيه سنة النبي ﷺ بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، وقوله: ﴿حَتَّى يُثْخِنَ\n_________\n(^١) ينظر: مشارق الأنوار: ١/ ٣٣٨.\n(^٢) في المفهم: ٣/ ٥٧٦: (وقوله: كفاك مناشدتك ربك؛ هكذا رواية العذري: كفاك - بالفاء ورواية الكافة: كذاك مناشدتك ربك، ورواه البخاري: حسبك، وكلها متقاربة، إلا أن: كذاك، بابها باب الإغراء، كإليك).\n(^٣) حديث أبي هريرة: أخرجه برقم: ١٧٦٤، وأخرجه البخاري: ٤٣٧٢.\n(^٤) حديث عمر: أخرجه برقم: ١٧٦٧، وأخرجه أبو داود: ٣٠٣٠.","vol":"1","page":402},{"text":"فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧]، أي: حتى يغلب على أعدائه، قيل: جزيرة العرب ما بين حفر أبي موسى إلى أقصى اليمن في الطول، وأما في العرض فما بين رمل يبرين إلى منقطع السماوة (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-290>ومن باب الحكم فيمن حارب ونقض العهد</span>\n[٤٠٩] حديث أهل قريظة: قوله: (رَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشِ يُقَالُ لَهُ حِبَّانُ بنُ الْعَرِقَةِ) (^٢)، المحفوظ: حِبَّان بكسر الحاء، والعَرِقة بالعين المهملة، و(الأَكْحَلِ): عِرق معروف، وقوله: (فَإِذَا سَعْدٌ جُرْحُهُ يَغْذُو دَمًا) (^٣) أي: يسيل، قال:\nوطعن كفم الزّقّ … غذا والزّقّ ملآن (^٤)\nوقوله: (تَحَجَّرَ كَلْمُهُ لِلْبُرْءِ) يقال: للشيء الصُّلب مُتحَجِّر، والكَلْمُ: الجراح، وأما قوله: (لَقَدْ تَحَجَّرْتَ وَاسِعًا) (^٥) أي: ضيَّقت ما وسَّعه الله، ويمكن أن يكون (تَحَجَّرَ) كَلْمُهُ) أي: التأم وضاق بعدما كان واسعًا، وقوله: (كَمَا ثَقُلَتْ بمِيطَانَ الصُّخُورُ) مِيطَان (^٦) - بكسر الميم -: اسم موضع، والأبيات التي فيها\n_________\n(^١) السنن الكبرى للبيهقي: ١٨٧٥٦، غريب الحديث لأبي عبيد: ٢/ ٦٧.\n(^٢) حديث عائشة: أخرجه برقم: ١٧٦٩، وأخرجه البخاري: ٤٦٣، وليس في مسلم ذكر اسم ابن العرقة: (حبان).\n(^٣) عند مسلم وغيره: (يَغِذُّ دما)، ولعل ما ذكره المؤلف رواية أخرى؛ وهي عند أبي عوانة: ٧١٥٦.\n(^٤) البيت للشاعر الجاهلي الفِنْد الزماني، ينظر: الحيوان: ٦/ ٥٣٨، الأغاني: ٢٤/ ٢٤٨، أمالي القالي: ١/ ٢٦٠.\n(^٥) رواه البخاري: ٦٠١٠، وأبو داود: ٨٨٢، واللفظ له.\n(^٦) قال في إكمال المعلم: ٦/ ١٠٨: (ضبطناه عن رواية الفارسي والسجزي بالميم المفتوحة بعدها باء باثنتين تحتها، وكذا ذكرها أبو عبيد البكري في المعجم، إلا أنه ضبطه بكسر الميم، قال: وهو من بلاد مزينة من أرض الحجاز).","vol":"1","page":403},{"text":"هذه الكلمات:\nأَلَا يَا سَعْدُ سَعْدَ بَنِي مُعَاذٍ … لما فَعَلَتْ قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ\nلَعَمْرُكَ إِنَّ سَعْدَ بَنِي مُعَاذٍ … غَدَاةَ تَحَمَّلُوا لَهُوَ الصَّبُورُ\nتَرَكْتُمْ قِدْرَكُمْ لَا شَيْء فِيهَا … وَقِدْرُ الْقَوْمِ حَامِيَةٌ تَفُورُ\nوَقَدْ قَالَ الْكَرِيمُ أَبُو حُبَابٍ … أَقِيمُوا قَيْنُقَاعُ وَلَا تَسِيرُوا\nوَقَدْ كَانُوا بِبَلْدَتِهِمْ ثِقَالًا … كَمَا ثَقُلَتْ بِمِيطَانَ الصُّخُورُ\nورواه بعضهم: (بمِيدَان) (^١) بالدال، وفي الحديث من الفقه: أن للإمام أن يُحَكِّم حَكَمًا بين الناس إذا كان يصلح لما جعل له، ومنها: ركوب الشريف الحمار، ومنها: القيام لسيد القوم وعالمهم، ومنها: أن أهل الحرب إذا قهروا؛ فللإمام أن يقتل المقاتلة ويسبيَ الذرية، ويَقسم المال، ومنها: معرفة حق الصديق والقيامُ به، ومنها: أن الملائكة كانوا يحملون السلاح، ومنها: أن الآخرة لمن اتقى الله خير من الدنيا، لأن سعدا سأل أن يكون موتُه فيها، وقوله: (فَافْجُرْهَا) أي: افتحها، يقال: انفجرت العين أي: انفتحت.\n\n<span data-type='title' id=toc-291>ومن باب من لزمه أمر فدخل عليه فيه أمر آخر</span>\n[٤١٠] فيه حديث ابن عمر ﵁: (فَتَخَوَّفَ نَاسٌ فَوْتَ الْوَقْتِ، فَصَلَّوْا دُونَ بَنِي قُرَيْظَةَ) (^٢)، وفي آخره: (فَمَا عَنَّفَ وَاحِدًا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ)، التعنيف: الملامة.\nوفقه الحديث: أن النبي ﷺ أمرهم بالصلاة في بني قريظة، وكان الأمر قد\n_________\n(^١) لم أقف على من ذكر هذا اللفظ، لكن ذكر القاضي عياض في الإكمال: ٦/ ١٠٨، أن في رواية العذري: (بميطار) بالراء مكان النون، وفى رواية ابن ماهان (بحيطان) بالحاء مكان الميم.\n(^٢) أخرجه مسلم برقم: ١٧٧٠، وأخرجه البخاري: ٦٤٦.","vol":"1","page":404},{"text":"سبق بأداء الصلوات في أوقاتها عن الله ﷿ وعن رسوله ﷺ، فمن خاف فوْت الوقت فأداها في وقتها كان آخذًا بالأمر، ومن صلّاها في بني قريظة كان جمع بين أمرين، وكِلا الفريقين كانوا مصيبين في اجتهادهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-292>ومن باب رد المهاجرين على الأنصار بعد الفتح</span>\n[٤١١] (مَنَائِحَهُمُ) (^١) المَنَائح: جمع المنيحة، وهي العَطية، قال أبو عبيد (^٢): المِنحة عند العرب على معنيين: أحدهما: أن يعطي الرجل صاحبه صلة فتكون له، الأخرى: أن يمنحه ناقة أو شاة ينتفع بلبنها ووبرها زمانا، ثم يردها، وهو تأويل قوله: (الْمِنْحَةُ مَرْدُودَةٌ) (^٣)، والمنحة قد تكون في الأرض، وذلك أن يمنح الرجل أخاه أرضه ليزرعها، ومنه الحديث: (مَنْ كَانَت لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَو يَمْنَحْها أَخَاه) (^٤)، قال الفرّاء (^٥): يقال منحته أمنَحُه وأمنِحه.\nوفي مقاسمة الأنصار المهاجرين دليل على ما يجب من حق الإسلام، وحفظ الأخوة به، وبيان أنه لا يحل لمسلم أن يُضَيّع مسلما، ولا إذا وجده في مَهْلكة فأمكنه إنقاذه منها إلا أنقذه، وكانت تلك الهبات لمعنى الحاجة، فلما استغنوا بغيرها رَدّوها واقتصروا على الكفاية.\nو(العِذَاقُ): جمع العِذْق، والعَذْق - بالفتح -: النخلة، والعِذق: الكِبَاسة،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم: ١٧٧١، وأخرجه البخاري: ٢٦٣٠.\n(^٢) غريب الحديث لأبي عبيد: ١/ ٢٩٢.\n(^٣) رواه أبو داود: ٣٥٦٥، والترمذي: ٢١٢٠.\n(^٤) متفق عليه: البخاري: ٢٣٤١، مسلم: ١٥٣٦.\n(^٥) الغريبين: ٦/ ١٧٧٩.","vol":"1","page":405},{"text":"يعني: الغصن، وفي حديث عمر ﵁: (لَا قَطْعَ فِي عِذْقٍ مُعَلَّق) (^١)، يقول: إذا كانت الكِباسة مُعلّقة لم يُحْرَز ثَمَرها في الجُوخَان (^٢)، فلا قطع على آخذه، وهو كقوله: (لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ، وَلَا كَثَرٍ) (^٣) أي: في ثَمَر لم يُصرم ولم يُحرز، قال صاحب المجمل (^٤): الكِباسة العِذق التامّ.\nوفي محادثة أم أيمن أنسًا ﵄ دلالة أنه كان عندها أن تلك العَطية بَنَات؛ حتى أتت النبي ﷺ، فلما عوّضها مما كان جعل لها رضيت بذلك، وقوله: (وكَانَتْ أُمُّ أَيْمَنَ تَحْضُنُهُ)، أي: كانت حاضنة النبي ﷺ، قال أهل اللغة (^٥): حضَنْتُه واحتَضَنْتُه، أي: ضَمَمْتُه إِليّ وإلى حِضني، والحِضنان: الجَنبان، و(الوَصِيفَة): الجارية المملوكة.\n\n<span data-type='title' id=toc-293>ومن باب أخذ الطعام في أرض العدو</span>\n[٤١٢] حديث عبد الله بن مُغفّل: (رُمِيَ إِلَيْنَا جِرَابٌ فِيهِ طَعَامٌ وَشَحْمٌ يَوْمَ خَيْبَرَ) (^٦)، فيه من الفقه: إباحة الانتفاع بالمأكول، فإنّ الذي يُعدُّ مالًا ويُدّخر لا يجوز أخذُه دون الجماعة، وفي تبسُّم النبي ﷺ وسكوتِه دلالة على أن المأكول مباحٌ أخذُه.\n* * *\n_________\n(^١) مصنف ابن أبي شيبة: ٥/ ٥٢١.\n(^٢) البيدر أو المربد.\n(^٣) رواه أبو داود: ٤٣٨٨، والترمذي: ١٤٤٩.\n(^٤) مجمل اللغة: ٧٧٦.\n(^٥) جمهرة اللغة: ١/ ٥٤٧، الغريبين: ٢/ ٤٥٩.\n(^٦) أخرجه مسلم برقم: ١٧٧٢، وأخرجه البخاري: ٣١٥٣.","vol":"1","page":406},{"text":"<span data-type='title' id=toc-294>ومن باب كتاب النبي ﷺ إلى هرقل</span>\n[٤١٣] قوله: (فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الْأَرِيسِيِّينَ) (^١)، وفي نسخة: (الأَرِيسِين) (^٢)، قيل: هم الأتباع والخَوَل معناه: إن أسلمت أنت أسلم أتباعك وخوَلُك وحَشَمُك، وإن أبيتَ الإسلام بقيَ أتباعك على دينهم وكفرهم، فكان عليك إثمُهم إذا لم يسلموا واتَّبعوك على الكفر، وقيل: الأَريس: الأجير.\nوقوله: (لَقَد أَمِرَ أَمرُ ابن أَبِي كَبِشَةَ)، أَمِر معناه: كثُر وارتفع، عَيَّرَه بذلك، لم يجد له عيبًا غيره، وأَبُو كَبْشة: رجل من خُزاعة خالف قريشًا فعبَد الشِّعرى العَبُور، فلما خالفهم النبي ﷺ في عبادتهم ودعاهم إلى عبادة الله ﷿، قالوا هذا ابن أبي كبشة، تشبيهًا به، وقيل: كان وهبُ بنُ عبدِ مناف بن زُهرة جدّ النبي ﷺ لأمه؛ ابنةِ أبي كبشة، فكان جدَّ جدٍّ للنبي ﷺ لأمه، (وبَنُو الأَصفَر): هم الروم.\nوقوله: (إِذَا خَالَطَت بَشَاشَتُه القُلُوبَ) (^٣)، البَشاشة: الفرح، يقال: بَشِشْتُ به أَبَشُّ، و(إِيليَاء): بيت المقدس، و(دَاعيَةُ الإِسلَام): مصدر بمعنى: الدّعوة، و(التُّرجُمان): الذي يُعبِّر عن لسانٍ بلسانٍ آخر، و(كَذَبَنِي) - بالتخفيف - أي: قال ليَ الكذب، (فَكَذِّبُوهُ) أي: قولوا له: كَذَبْتَ، (وَايمُ اللهِ): قسم، وقوله: (أَن يُوْثَرَ) أي: أن يُرْوى، يقال أَثَرت الحديث، أي: رَويتُه، وقوله: (سِجَالًا)\n_________\n(^١) حديث ابن عباس: أخرجه برقم: ١٧٧٣، وأخرجه البخاري: ٢٩٤١.\n(^٢) جمع أريس، وعلى هذا أهل اللغة كابن الأعرابي وأبي عبيد، خلافا للمحدثين الذين يروونه بألفاظ، منها: (الأَرِيسيِّين)، (واليَرِيسيِّين)، ينظر: شرح مشكل الآثار: ٥/ ٢٢٩، إكمال المعلم: ٦/ ١٢٠، فتح الباري: ٨/ ٢٢١.\n(^٣) اللفظ عند مسلم: (وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ إِذَا خَالَطَ بَشَاشَةَ الْقُلُوبِ).","vol":"1","page":407},{"text":"أراد: نُدالُ عليه مرّة؛ ويُدالُ علينا أخرى، وأصله: أن المستقيين بالسَّجْل (^١) يكون لكل واحد منهما سَجْل.\n\n<span data-type='title' id=toc-295>ومن باب ذكر ما جاء في غزوة حنين</span>\n[٤١٤ - ٤١٥] حديث عباس ﵁: (فَلَزِمتُ أَنَا وَأَبُو سُفْيَانَ بنُ الحَارِثِ بن عَبدِ المُطَّلِبِ رَسُولَ اللهِ ﷺ) (^٢)، قوله: (خَرَجَ شُبَّانُ أَصحَابِهِ، وَأَخِفَّاؤُهُم) (^٣)، أخِفَّاؤُهُم: جمع خفيف كشديدٍ وأشدّاء، وقوله: (حُسَّرًا): هو جمع حاسر، والحَاسِر: الذي لا سلاح معه، وقوله: (هَذَا حِينَ حَمِيَ الْوَطِيسُ) أي: اشتد أمر الحرب، والوَطِيسُ: التَّنُّور، قال صاحب المجمل: الوطيس: التَّنُّور، أُخِذَ من الوَطْس، وهو الكَسر لأنه هَزْم في الأرض، قال أبو عبيد: وَطَسْتُ: كسرت (^٤).\nقال الشاعر:\nتَطِسُ الإِكامَ بِذاتِ خُفٍّ مِيثَمِ (^٥)\nوقيل: الوَطيس: شدة الأمر، وأَوْطَاس: موضعٌ، وقوله: (فَرَشَقُوهُمْ رَشْقًا) أي: رمَوهم وجهًا من الرّمي، قال صاحب المجمل (^٦): الرَّشق مصدر رشَق\n_________\n(^١) السجل: الدلو.\n(^٢) أخرجه مسلم برقم: ١٧٧٥، وأخرجه أحمد: ١٧٧٥.\n(^٣) حديث البراء: أخرجه مسلم برقم: ١٧٧٦، وأخرجه البخاري: ٢٩٣٠.\n(^٤) مجمل اللغة لابن فارس: ٩٢٩.\n(^٥) عجز بيت لعنترة بن شداد العبسي، وصدره (خطارة غب السرى زيافة)، ينظر: جمهرة أشعار العرب: ٣٥٦، شرح المعلقات التسع: ٣٥٦، أمالي القالي: ٢/ ٢٨.\n(^٦) مجمل اللغة: ٣٧٨.","vol":"1","page":408},{"text":"بالسّهم رشقًا، والرِّشق: الوجه من الرّمي إذا رَمى القوم بأجمعهم، قالوا: رَمَينا رِشقًا، قال أبو زبيد:\nكلَّ يَوْمٍ تَرْمِيهِ مِنها بِرِشْقٍ … فَمُصِيبٌ أَو صافَ غيرَ بَعِيدِ (^١)\nصَافَ: أي: عدل، و(أَصْحَابَ السَّمُرَةِ): أصحاب البيعة تحت الشجرة، و(فَروَةُ بنُ نُفَاثَةَ) - بالنون المضمومة والثاء المعجمة بثلاث -: أحد ملوك العرب، وفي رواية معمر عن الزهري: (فَروَةُ بنُ نَعَامَة) بفتح النون والعين، والصحيح الأول، وقوله: (أَي عَبَّاسُ): أي: حرف النداء، وعبَّاسُ: منادى مفرد مبني على الضم، وقوله: (وَكَانَ رَجُلًا صَيِّتًا) أي: جَهِير الصّوت، عاليَ الصّوت، وقوله: (لَكَأَنَّ عَطَفَتَهُم) أي: كرَّتهم وإقبالَهم، وقوله: (إِرَادَةَ أَن لَا تُسْرِعَ) إرادة: نصب مفعول له، أي: لإرادة أن لَا تسرع.\nوقوله: (وَالدَّعوَةُ فِي الأَنصَارِ) الدّعوة: الادِّعاء، والادِّعاء في الحرب: الاعتزاء، وهو أن يقول: يا لَفُلان، والادِّعاء في الحرب أيضا: أن يقول: أنا فلان بن فلان، والدَّعوى: اسم يقوم مقام الادِّعاء، ويكون بمعنى الدُّعاء، يقال: (اللهم أشركنا في صالح دعاء المسلمين ودعواهم).\nوالدّعوة: الاستغاثة أيضا، يقال: دعوته أي: استغثْت به، وقيل: في قوله تعالى: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣]، أي: استغيثوا بآلهتكم، وقيل: الدُّعاء الغوث، وقوله ﷿: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، أي: استغيثوا؛ أي: إذا نزلت بكم ضراء أستَجب لكم دعاءكم، أي: غوثكم، ومنه\n_________\n(^١) البيت لأبي زُبيد الطائي يصف المنية، ينظر: جمهرة اشعار العرب: ٥٨٢، الفاخر: ٢٦٨، أمالي اليزيدي: ٧.","vol":"1","page":409},{"text":"دعوى الجاهلية، وهو قولهم: يالَ فلان، وقوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا﴾ [فاطر: ١٨]، أي: وإن تستغث نفس أثقلتها ذنوبها، إلى أن يُحمَل عنها شيء من ذلك؛ لم يحكم لها به.\nوقوله: (فَمَا زِلتُ أَرَى حَدَّهُم كَلِيلًا)، يقال: شوْكَة الحرب وحَدُّ الحرب، أي: عُدَّتها وسلاحها.\nو(رِجلٌ مِن جَرَادٍ) أي: جماعة من جراد، وقوله: (إِذَا احمَرَّ البَأسُ) أي: اشتدّ القتال، يقال: موت أحمرُ؛ أي: شديد، وسَنَة حمراءُ؛ أي: شديدة، ويقولون: الحُسْن أحمرُ؛ أي: شاقٌّ، فمن أحبّ الحُسْن احتمل المشقّة، وقوله: (نَتَّقِي بِهِ) أي: نستقبل به العدو؛ أي: نجعله جُنَّة لنا، و(إِنَّ الشُّجَاعَ مِنَّا لَلَّذِي يُحَاذِيه) أي: يُقابله ويقوم مَقامه، وقوله: (انكَشَفَ) أي: انهزم.\n* * *\n\n[٤١٦] وقوله: (فَأَعلُو ثَنِيَّةً) (^١) أي: فأصعدُ ثنية، وقوله: (فَاستَطلَق إِزَارِي) أي: انحلّ، وقوله: (فَلَمَّا غَشُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ) أي: قرُبوا منه، وقوله: (شَاهَتِ الوُجُوهُ) أي: قبُحت، قال ابن الأعرابي (^٢): الشوهاء: القبيحة، وقيل: الشوهاء: الواسعة الفم، قال الشاعر:\nفهْيَ شَوهاءُ كالجُوَالِقِ فُوها … مُستَجافٌ يَضِلُّ فيها الشَّكيمُ (^٣)\nيصف فرسًا بِسعة مشقّ الفم، وأنه يشبه جُوالقًا في سعته، والمُستَجاف:\n_________\n(^١) حديث سلمة بن الأكوع: أخرجه مسلم برقم: ١٧٧٧.\n(^٢) الغريبين: ٣/ ١٠٤٣.\n(^٣) لأبي داود الإيادي، ينظر: المعاني الكبير: ١/ ١٢٤، أدب الكاتب: ١١٢، محاضرات الأدباء: ٢/ ٦٨٢، ديوانه: ١٥٥.","vol":"1","page":410},{"text":"الواسع، والجُوالق بالضّمّ، وفي الجمع: الجَوالق بالفتح، ومثله: غُرانق وغَرائق؛ وهو الشابّ الناعم.\n\n<span data-type='title' id=toc-296>ومن باب قصة أهل الطائف</span>\n[٤١٧] حديث عبد الله بن عمر ﵁: (حَاصَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَهْلَ الطَّائِفِ، فكأنه لَمْ يَنَلْ مِنْهُمْ شَيْئًا) (^١)، في الحديث دلالة أن الرأي يُترك إذا عارضه النص.\n\n<span data-type='title' id=toc-297>ومن باب غزوة بدر</span>\n[٤١٨] حديث أنس ﵁: (بَرْكِ الْغِمَادِ) (^٢) بكسر الغين: موضع بقرب الحبشة، وقوله: (أَنْ نُخِيضَهَا الْبَحْرَ) يقال: خاضت الخيل البحر، وأخضتُها أنا، قال صاحب المجمل (^٣): خضت الماء وغيرَه؛ أخوضه خوضًا، وأخضتُ فيه دابتي، و(الرَّوَايَا): جمع راوية، والرَّاوِيَة: الجمل يستقي الماء؛ وبه سميت المَزَادة رَاوِيةً، وجعل الشاعر القطا روايا لفراخها (^٤)، وقوله (فَمَا مَاطَ أَحَدٌ) (^٥)، أي: ما تَنَحَّى، قال:\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم: ١٧٧٨، وأخرجه البخاري: ٤٣٢٥.\n(^٢) أخرجه مسلم برقم: ١٧٧٩، وأخرجه أبو داود: ٢٦٨١.\n(^٣) مجمل اللغة: ٣٠٦.\n(^٤) صورة متداولة بين الشعراء، من ذلك قول ذي الرمة:\nوماءٍ هتكت اللّيلَ عنهُ ولم يَرِدْ … روايا الفراخِ والذّئابُ اللَّعاوسُ\nينظر: العين: ١/ ٣٣٤، تهذيب اللغة: ٢/ ٥٩، اللسان: ٦/ ٢٠٨، ديوان ذي الرمة: ٢/ ١١٣٢.\n(^٥) اللفظ عند مسلم: (فما ماط أحدهم).","vol":"1","page":411},{"text":"فَمِيطِي بِمَيَّاطِ ..... … ............ (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-298>ومن باب فتح مكة</span>\n[٤١٩] حديث أبي هريرة ﵁، قوله: (أَوبَاشًا) (^٢)، قال أبو عبيد: (^٣)، الأَوْباش: الأخلاط من الناس، وقوله: (فَبَعَثَ الزُّبَيرَ عَلَى إِحْدَى الْمُجَنِّبْتَينِ) قيل: المُجَنِّبة اليمنى هي المَيْمَنة، والمُجَنِّبة اليسرى هي المَيْسَرة، قال ابن الأعرابي (^٤): أرسلوا مُجَنِّبَتين، أي: كَتيبتين أخذتا ناحتَيْ الطريق، وقوله: (وَبَعَثَ أَبَا عُبَيدَةَ عَلَى الْحُسَّرِ)، الحُسَّر: جمع حاسر؛ وهو الذي لا سلاح معه.\nوقوله: (أُبِيحَت خَضرَاءُ قُرَيشٍ) يقال: كتيبةٌ خضراءُ: إذا عَلِيَها سواد الحديد، والعرب تسمي الأسود أخضر؛ والأخضر أسود، ومنه قوله تعالى: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٤]، أي: خضراوتان من الرِّي، وفي الحديث: (ومَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي كَتِيبَتِهِ الخَضرَاءِ) (^٥).\nوقوله: (سِيَةِ القَوْسِ) أي: طَرَفها، وقوله: (احصُدُوهُمْ حَصدًا) أي:\n_________\n(^١) مطلع صدر بيت لأوس بن حجر يقول فيه:\nفَمِيطِي بمَيّاطٍ، وإِنْ شِئْتِ فانْعِمِي … صباحًا، ورُدِّي بَيْنَنَا الوَصْلَ، واسْلَمي\nينظر في: التقفية في اللغة للبندنيجي: ٥١٣، كتاب الأفعال لابن الحداد: ٤/ ١٤٣، اللسان: ٧/ ٤١٠.\n(^٢) أخرجه مسلم برقم: ١٧٨٠، وأخرجه أحمد: ١٠٩٤٨.\n(^٣) غريب الحديث: ٣/ ١٨٩.\n(^٤) الغريبين: ١/ ٣٧٤.\n(^٥) في فتح مكة، أخرجه الطبراني في الكبير: ٧٢٦٤، والطحاوي في شرح معاني الآثار: ٥٤٥٠، والبيهقي في الدلائل: ٥/ ٣٢، ينظر: مغازي الواقدي: ٢/ ٨٢١، سيرة ابن هشام: ٢/ ٤٠٤.","vol":"1","page":412},{"text":"اقتلوهم قتلًا، يقال: حَصَدتُ الزَّرع وغيرَه حصدًا، وقوله: (فَمَا اسْمِي إِذًا؟ كَلَّا إِنِّي عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ) أي: إني لا أغدر؛ ولا أخالف الوَعد، (هَاجَرْتُ إِلَى اللهِ تَعَالَى وَإِلَيكُم، المَحيَا مَحيَاكُم، وَالمَمَاتُ مَمَاتُكُم) أي: أكون معكم حيّا وميِّتا، وقوله: (مَا قُلْنَا الَّذِي قُلْنَا إِلَّا الضِّنَّ بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ) أي: إلا للضن بالله وبرسوله، أي: نفاسة، وقوله: (فَمَا أَشْرَفَ لَهُم أَحَدٌ إِلَّا أَنَامُوهُ)، أي: قتلوه، وقوله: (أُبِيدَت خَضَرَاءُ قُرَيشٍ) أي: أُهْلِكت.\n\n<span data-type='title' id=toc-299>ومن باب ذكر الحديبية</span>\n[٤٢٠] (جُلُبَّانَ السِّلَاحِ) (^١)، قال أبو إسحاق: يعني: (القِرَابِ وَمَا فِيهِ)، وفي الحديث من الفقه: أنه ينبغي للإمام أن يتخذ كاتبا ثقةً، ومنه: استحباب الصُّلح عند هَيَجان الحرب، ومنه: المُسامحة بمراد الخصم؛ إذا كان في ذلك خير أو صلاح، ومنها: أن الثّلاث لا تكون مقاما.\n* * *\n\n[٤٢١] (^٢) وإنما شرط معهم ردّ المُسلم إليهم؛ لعلمه بالظَّفَر بهم، وفيه: الوفاء للمشركين بالعهد.\n* * *\n\n[٤٢٢] (^٣) وقول سَهْلِ بن حُنَيْف يدل على استصواب الاحتراز من الفتنة، والحُدَيْبِيَّة والجِعْرَانَة: مُخففان، وفي الحديث دلالة على فضيلة هذه الأمة؛ إذ وعد الله ﷿ إدخالَ المؤمنين الجنّة، و(الخُصْمُ): الجانب.\n_________\n(^١) حديث البراء: أخرجه مسلم برقم: ١٧٨٣، وأخرجه البخاري: ٢٦٨٩.\n(^٢) حديث أنس: أخرجه مسلم برقم: ١٧٨٤، وأخرجه أحمد: ١٣٨٢٧.\n(^٣) أخرجه مسلم برقم: ١٧٨٥، وأخرجه البخاري: ٣١٨١.","vol":"1","page":413},{"text":"<span data-type='title' id=toc-300>ومن باب ذكر يوم الأحزاب</span>\n[٤٢٣] قوله: (وَفَرَغتُ قُرِرتُ) (^١)؛ أي: أصابني القَرّ، أي: البرد، وقوله: (يَا نَوْمَانُ)؛ أي: يا كثيرَ النوم، وهو فَعْلانٌ منه، وقوله: (يَصلِي ظَهرَهُ بِالنَّارِ)؛ أي: يُدفئ ويحمي، وقوله: (لَا تَذعَرهُم) من الذعر؛ وهو المَخافة، وقوله: (وَأَنَا أَمشِي فِي مِثلِ الحَمَّامِ)؛ أي: لِمَا نالني من الحرِّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-301>ومن باب غزوة أحد</span>\n[٤٢٤] قوله: (فَلَمَّا رَهِقُوهُ) (^٢)، أي: قرُبوا منه ودَنَوا، وقوله: (مَا أَنصَفَنَا؛ أَصحَابُنَا) - بفتح الفاء وضم الباء - على أن يكون الأصحاب فاعلين، أي: ما صبروا عند اللقاء (^٣).\nوفي هذه الأحاديث دليل على أن المرء يجوز أن يحتال في أموره؛ ولا يلقي بيديه اتِّكالًا على المقدور، وفيها ما يدل على الصبر في الله، وفيها ما يوجب احتمال الأذى، وفيها: وجوب الوفاء بالعهد، وفيها: الاحتراز من العدو بالوقوف على أحوالهم، وفيها: مواساة الأصحاب بالمُتيسِّر في ذلك، وفيها: إباحة المداواة عند حدوث العلّة، وفيها مصابرة العدو لوجه الله انتظارًا للفرج، وفيها\n_________\n(^١) حديث حذيفة: أخرجه مسلم برقم: ١٧٨٨.\n(^٢) حديث أنس: أخرجه مسلم برقم: ١٧٨٩، وأحمد: ٤٤١٤.\n(^٣) وعلى هذا التفسير فالأصحاب هم الذين فروا، لا السبعة الذين قاتلوا، قال القرطبي ﵀: (وقد رواه بعض شيوخنا: ما أنصفَنا أصحابُنا - بفتح الفاء، وضم الباء من: أصحابنا - وهذا يرجع إلى من فرَّ عنه وتركه، المفهم: ٣/ ٦٤٩، وثمة رواية أخرى، وهي الأشهر، قال القاضي ﵀: (ما أنصفْنا أصحابَنا: كذا رُوّيناه عن الأسدي بسكون الفاء وفتح الباء، ورواه بعضهم: أنصفَنا أصحابُنا بفتح الفاء ورفع الباء، والصواب الرواية الأولى)، المشارق: ٢/ ٣٥٧.","vol":"1","page":414},{"text":"ترك الدعاء على من يظلمك رجاء لفَيْئته وارْعِوائه.\n* * *\n\n[٤٢٥] وقوله: (يَسْلُتُ) الدَّمَ) (^١) ; أي: يمسحه، و(الهَشْمُ): الكسر، و(المِجَنُّ): التُّرس، و(الشَّجُّ): شَجُّ الرأس.\n\n<span data-type='title' id=toc-302>ومن باب دعاء رسول الله ﷺ على قريش</span>\n[٤٢٦] حديث ابن مسعود ﵁: (أَيُّكُم يَقُومُ إِلَى سَلَا جَزُورِ بَنِي فُلَانٍ) (^٢)؛ السلا: الذي يكون فيه الوَلد، وقوله: (لَو كَانَت لِي مَنَعَةٌ) المَنَعَة: الامتناع، يقال: فلان ذو منَعة؛ أي: عزيز ممتنعٌ على من يريده، ومكان منيع، وقد منع، و(صَرعَى): جمع صريع، و(القَلِيبُ): البئر.\nوفي حديث زكرياء عن أبي إسحاق: (وَالوَلِيدِ بن عُقبَةَ)، قال مسلم: (الوَلِيدُ بنُ عُقبَةَ غَلَطٌ فِي هَذَا الحَدِيثِ) (^٣)، وفي رواية شعبة عن أبي إسحاق: (وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ أَو أُبَيَّ بنَ خَلَفٍ - شُعَبَةُ الشَّاكُّ -)، والصحيح: أُمَيَّة، فإن أُبَيَّ بنَ خَلَفَ قُتِل يوم أحد؛ قتله رسول الله ﷺ بيده، والصحيح: الوليد بن عُتبة بدل الوليد بن عُقبة (^٤).\n_________\n(^١) حديث أنس: أخرجه مسلم برقم: ١٧٩١، وأحمد: ١٣٦٥٧.\n(^٢) أخرجه مسلم برقم: ١٧٩٤، وأخرجه البخاري: ٢٩٣٤.\n(^٣) هو قول أبي إسحاق عند مسلم.\n(^٤) لأن الوليد بن عقبة بن أبي معيط كان صغيرا زمن القصة أو لم يولد بعد، وعاش بعد بدر، فهو من مسلمة الفتح، وولاه عثمان ﵁ في خلافته على الكوفة، ينظر: إكمال المعلم: ٦/ ١٦٧، سير: أعلام النبلاء: ٤/ ٢٢٧.","vol":"1","page":415},{"text":"وفي الحديث: (وَذَكَرَ السَّابِعَ وَلَمْ أَحْفَظْهُ) (^١)؛ هذا قول أبي إسحاق، وفي رواية زهير: (فَدَعَا عَلَى سِتَّةِ نَفَرٍ، فِيهِمْ أَبُو جَهْلٍ، وَأُمَيَّةُ، وَعُتْبَةُ، وَشَيْبَةُ، وَعُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ)، ولم يذكر السادس، وفي رواية سفيان عن أبي إسحاق: (الوَلِيد بنَ عُتْبَة) وقوله: (تَقَطَّعَتْ أَوْصَالُهُ) أي: أعضاؤه، يعني حين سُحب إلى القليب لِسِمَنه.\n\n<span data-type='title' id=toc-303>ومن باب ما لقي النبي ﷺ من أذى قومه</span>\n[٤٢٧] حديث عائشة ﵂ (ابن عَبدِ يَالِيلَ بن عَبْدِ كُلَالٍ) (^٢) من الطائف؛ ثقفي، و(قَرْن الثَّعَالِبِ): موضع، و(الأَخْشَبَان): ثنية الأخشَب، والأخشَب: الجبل، ومنه قوله ﷺ في مكة: (لَا تَزُولُ حَتَّى تَزُولَ أَخْشَبَاهَا) (^٣) أي: جبلاها، وفي الحديث من الآيات: اشتغال النبي ﷺ بالسجود، وإعراضه عن الكفار، وفيه: أن امتناع الكفار عن الإجابة إلى الإسلام كان أشد عليه مما آذوه به من طرح السلا عليه، ومنها: أن المَلَك سُخّر للنبي ﷺ ليأمره بما أحب؛ ولو أمره أن يقلب مكة عليهم لفعل.\n* * *\n\n[٤٢٨] وفي حديث جندب: (وَفِي سَبِيلِ اللهِ مَا لَقِيتِ) (^٤) أي: بعد أن كانت النكبة في سبيل الله؛ فالواجب الصّبرُ.\n_________\n(^١) سُمّي في رواية البخاري: ٥٢٠، وهو عُمارة بن الوليد، ويشكل عليه أنه مات بالحبشة ولم يمت ببدر، لكن وجه القاضي عياض ذلك في الإكمال: ٦/ ١٦٨، بأن الحديث خرج مخرج الغالب، بدليل أن عقبة أيضا حمل أسيرا ثم قتل.\n(^٢) أخرجه مسلم برقم: ١٧٩٥، وأخرجه البخاري: ٣٢٣١.\n(^٣) أخرجه الأزرقي في أخبار مكة: ١/ ٧٨، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير برقم: ٢٨٤.\n(^٤) أخرجه مسلم برقم: ١٧٩٦، وأخرجه البخاري: ٢٨٠٢.","vol":"1","page":416},{"text":"<span data-type='title' id=toc-304>ومن باب ما ودعك ربك وما قلى</span>\n[٤٢٩] فيه (^١) أنهم كانوا لا يألُون في تنقُّص النبي ﷺ، والقولِ السيءِ فيه، والنبيُّ ﷺ يحتمل ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-305>ومن باب صبره على أذى المنافقين</span>\n[٤٣٠] حديث أسامة: و(تَحتَهُ قَطِيفَةٌ فَدَكِيَّةٌ) (^٢)، القطيفة: الكساء، وفَدَكية: منسوبة إلى فَدَك، أي: عُمِلت بفَدَك، و(عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ): الغُبار الذي يثور من حافرها، و(خَمَّرَ) أي: غطى، وقوله: (لَا أَحسَنَ مِن هَذَا) أي: أليس أحسن من هذا؟ كأنه يستهزئ، وقوله: (اغشَنَا) أمر من قولك: غَشِيتُه؛ أي: نزلتُ به وقرُبت منه.\nو(البُحَيرَةِ): تصغير البَحرة والبَحْرَة: البلدة، قال صاحب الغريبين (^٣): وفي بعض الحديث: (بِهَذِهِ البُحَيْرَة) (^٤)؛ يعني: مدينة رسول الله ﷺ، ومنه قول سعد لرسول ﷺ حين شكا إليه عبدَ الله بنَ أُبيّ، فقال: (يَا رَسُولَ اللهِ اعْفُ عَنْهُ فَلَقَد كَانَ اصْطَلَحَ أَهْلُ هَذِهِ البَحْرَةِ عَلَى أَنْ يُعَصِّبُوهُ قَبْلَ مَقْدَمِكَ إِيَّاهَا) (^٥)، قوله: (يُعَصِّبُوهُ) أي: يشدوا عصابة الرئاسة على رأسه، أي: يجعلوه رئيسا، وقيل: البَحْر: القرى، قيل في تفسير قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الروم: ٤١]،\n_________\n(^١) حديث جندب: أخرجه مسلم برقم: ١٧٩٧، وأخرجه البخاري: ٤٩٥٠.\n(^٢) أخرجه مسلم برقم: ١٧٩٨، وأخرجه البخاري: ٢٩٨٦.\n(^٣) الغريبين: ١/ ١٤٦.\n(^٤) لعله الحديث اللاحق نفسه.\n(^٥) أخرجه البخاري: ٦٢٠٧، وأخرجه مسلم، هو حديث الباب.","vol":"1","page":417},{"text":"أريد بالبحر القُرى، والعرب تسمي القرى: البحار، قال أبو دواد:\nوَلَنَا البَدوُ كُلُّه والبِحَارُ (^١)\nيعني القرى، وقوله: (يُخَفِّضُهُم)؛ أي: يُسكِّنُهم، وقوله: (شَرِقَ بِذَلِكَ)؛ يقال: شَرِق بالماء؛ أي: غَصَّ به شرَقًا، والمعنى: لم يَتمَّ أمرُه فكره هذا، و(العِصَابَة): ما يُعْصَب به الرأس، يقال: عصَّب رأسه بالعصابة؛ واعتصب فلان بالتاج والعمامة، وعصبت فخذ الناقة لتدرَّ، وعَصَب القومُ بفلانٍ: أحاطوا به، وبه سُمّيت العُصْبة، وناقةٌ عَصوبٌ: لا تُدرّ حتى تُعْصَب.\nوفي الحديث دلالة على كفر المنافقين؛ وأنهم إنما كانوا يتسترون بالإسلام، وفي بعض روايات مسلم: (وذَلِكَ قَبلَ أَنْ يُسلِمَ عَبدُ اللهِ بنُ أُبَي).\n\n<span data-type='title' id=toc-306>ومن باب قتل أبي جهل بن هشام</span>\n[٤٣١] حديث أنس ﵁: (قَالَ أَبُو جَهلٍ: فَلَو غَيْرُ أَكَّارٍ قَتَلَنِي) (^٢) يريد الأنصاريَ الذي قتله، وكانت الأنصار أصحاب نخلٍ وزرعٍ، والذي قتل أبا جهل ابنا عفراء، وقوله: (حَتَّى بَرَدَ) (^٣) أي مات، وفي قوله: (مَنْ يَعْلَمُ لِي مَا فَعَلَ أَبُو جَهْلٍ)؛ فيه دليل على جواز الفرح بهلاك العدوّ.\n_________\n(^١) عجز بيت لأبي دواد جارية بن الحجاج الإيادي، روي بألفاظ متقاربة، منها: (لهم الخيل كلها والبحار)، وصدره: (بَعدَما كَانَ سَرب قومي حينا)، ينظر: تهذيب الآثار: ٣/ ٨٧، الغريبين: ١/ ١٤٦، ديوان أبي دواد: ٩٨.\n(^٢) أخرجه مسلم برقم: ١٨٠٠، وأخرجه البخاري: ٤٠٢٠.\n(^٣) عند مسلم: (حَتَّى بَرَكَ)، وما ذكره المؤلف هي رواية الكافة، ووقعت كذلك في لفظ البخاري، ورواية: (حَتَّى بَرَكَ)، هي رواية السمرقندي، وهي أنسب للمعنى، لأن أبا جهل لم يمت من ضربة الغلامين، إلا أن يكون معنى (برد): فتر وسكن، ينظر مشارق الأنوار: ١/ ٨٦.","vol":"1","page":418},{"text":"<span data-type='title' id=toc-307>ومن باب قتل كعب بن الأشرف</span>\n[٤٣٢] قوله: (ائذَن لِي، فَلأَقُل) (^١) أو قال: (فَأَقُل)؛ فيه دليل على أن الرجل إذا أراد قضاء حاجة في رضى الله؛ جاز أن يُعَرِّض بكلام على خلاف ما في قلبه؛ ليصل إلى الحاجة.\nفي الحديث دليل أن أخوة الإسلام ناسخة لكل أخوة ومودّة، وفيه: أن العطر للنساء محمود، وفيه: أنه يجوز أن تخدع العدوّ، و(الوَسَقُ): حِمل البعير، وقوله: (إِنَّمَا هَذَا مُحَمَّدُ - يعني ابن مسلمة - وَرَضِيعُهُ، وَأَبُو نَائِلَةَ)؛ كذا في الكتاب بالواو، والصواب: (وَرَضِيعُه أَبُو نَائِلَة) (^٢) بغير واو، واسم أبي نائلة: سَلكان بنُ سلمة، والأمر من شممت: (شَمَّ) (^٣) بفتح الشين، و(اسْتَمْكَن) أي: تمكن، و(دُونَكُم) أي خذوه، ورهنته أفصح من أرهنته، (وَقَدْ عَنَّانَا) أي: أتعبنا، (قَالَ: وَأَيْضًا، وَاللهِ لَتَمَلُّنَّهُ) أي: تزيدون ملالة منه في المستقبل، ظن أن محمد بن مسلمة يقول ما يقول ملالة من الإسلام.\n\n<span data-type='title' id=toc-308>ومن باب غزوة خيبر</span>\n[٤٣٣] قوله: (مُحَمَّدٌ وَالخَمِيسَ) (^٤) أي: ومعه الجيش، و(المُرُورُ): جمع المَرّ وهو المِصحاة (^٥)، و(المَكَاتِل): جمع المِكْتَل؛ وهو الزَّنْبيل، و(الفُؤُوسُ): جمع الفأس، وفي الحديث: استحباب الرديف إذا كان في الظَّهر قلة.\n_________\n(^١) حديث جابر: أخرجه مسلم برقم: ١٨٠١، وأخرجه البخاري: ٢٥١٠.\n(^٢) وعلى هذا رواية البخاري: ٤٠٣٧، ورواية النسائي في الكبرى: ٨٥٨٧.\n(^٣) المعروف أن الأمر من فعل شَمَّ، يكون بضم الشين: (شُمَّ).\n(^٤) حديث أنس: أخرجه مسلم برقم: ١٣٦٥، وأخرجه البخاري: ٦١٠.\n(^٥) يريد المسحاة، أما المصحاة فإناء للشرب، ينظر العين: ٣/ ٢٦٨.","vol":"1","page":419},{"text":"[٤٣٤] وقوله: (مِنْ هُنَيَّاتِكَ) (^١)، وفي نسخة: (مِنْ هُنَيهَاتِك) (^٢)، يقال للشيء اليسير الحقير هَنَة، والتصغير: هُنَيَّة، والجمع: هُنَيَّات، والأصل: هَنْهَة، والتصغير هُنَيْهَة، والجمع: هُنَيْهَاتٌ، يريد بذلك الرَّجز والشعر الذي ليس بطويل.\nوقوله: (مَاتَ جَاهِدًا مُجَاهِدًا)؛ جاهدا: أي: جاهدا نفسه، مجاهدا: يعني: عدوَّه، وقوله: (إِنَّا إِذَا صِيحَ بِنَا أَتَينَا) أي: إذا دُعينا إلى القتال أجبنا، وفي نسخة: (لَبَّينَا) بالباء، ومعناه امتنعنا عن التخلُّف عن القتال وصبرنا، و(عَوَّلُوا) أي: اعتمدوا، و(عَنوَة) (^٣) أي: قهرًا، وقوله: (فِدًا لَكَ مَا اقتَفَينَا) (^٤)، يقال قَفَوتُه واقتفيته: إذا اتَّبعته، والقَفِيُّ: ما يُدّخر من الطعام لمن تريد تكرُمته، وفلان قِفْوَتي أي: خِيرَتي، كأنه يقول: ما اخترناه لأنفسنا، وقوله: (أَو ذَاكَ) يعني: أو تهريقون وتغسلون، و(تَصَافَّ القَومُ) تفاعل من الصفّ، و(ذُبَابُ السَّيْفِ): حدّه، وقوله: (قَلَّ عَرَبِيٌّ مَشَى بِهَا مِثْلَهُ) أي بالمدينة، أي: لا يشبهه عربي جاء من البدو إلى المدينة مهاجرًا.\n* * *\n_________\n(^١) حديث سلمة: أخرجه مسلم برقم: ١٨٠٢، وأخرجه البخاري: ٤١٩٦، وهذا اللفظ وقع في بعض روايات مسلم، ووقع كذلك عند أحمد: ١٥٥٥٦، ومستخرج أبي عوانة: ٦٨٣١.\n(^٢) رواية أخرى لمسلم، وهي رواية البخاري كذلك.\n(^٣) من ألفاظ الحديث السابق؛ حديث أنس.\n(^٤) عند مسلم وغيره: (فداء)، وعند البيهقي في الدلائل: ٤/ ٢٠١: (فدا)، وروي مقصورا.","vol":"1","page":420},{"text":"<span data-type='title' id=toc-309>ومن باب غزوة الأحزاب</span>\n[٤٣٥] (إِنَّ المَلَا قَد أَبَوا عَلَينَا) (^١)، يريد الملأ فخفف، ورُوي: (إِنَّ الأُلَى قَد أَبَوا عَلَينَا) أي: إن هؤلاء أبوا علينا.\nوفي رواية خارج الصحيح: (نَشَأَ بِهَا مِثْلَهُ) (^٢) بالنون (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-310>ومن باب غزوة ذي قرد</span>\n[٤٣٦] حديث سلمة بن الأكوع (^٤): (ذُو قَرَدٍ) اسم ماء، و(اللِّقَاحُ): النّوق التي لها لبن و(جَبَا البِئْر) (^٥) بفتح الجيم مع القصر ما حول فم البئر.\n* * *\n\n[٤٣٧] وقوله: (لَقِيَنِي عَامِرٌ عَزِلًا) (^٦) كذا في الكتاب، والمشهور: أعزل، وهو الذي لا سلاح معه، و(الحَجَفَة): الدَّرَقة، وقوله: (أَبْغِنِي) أي: ابغ لي، يقال: بغيتُه الشيء؛ بمعنى: بغيت له، وقوله: (تَبِيعًا) أي: تابعا وأجيرا، وقوله: (أَحُسُّهُ)؛ الحَسّ: حَسُّ الغبار عن الدابة، وهو نفضه وإزالته، ويقال لتلك الحديدة: مِحَسَّة، قال: (أَسْقِي فَرَسَهُ، وَأَحُسُّهُ).\nو(بَدْءُ الْفُجُورِ): أولُّه، و(ثِنَاهُ): ثانيه، و(المُجَفَّفُ): من قولك جفَّفتُ\n_________\n(^١) حديث البراء: أخرجه مسلم برقم: ١٨٠٣، وأخرجه البخاري: ٢٨٣٦.\n(^٢) رواية البخاري: ٦١٤٨.\n(^٣) هكذا في الأصل، وموضعه حديث خيبر السابق.\n(^٤) أخرجه مسلم برقم: ١٨٠٦، وأخرجه البخاري: ٣٠٤١.\n(^٥) اللفظ عند مسلم: (جَبَا الرَّكِيَّةِ).\n(^٦) حديث سلمة: أخرجه مسلم برقم: ١٨٠٧.","vol":"1","page":421},{"text":"الخيل، أي: ألبسته التَّجْفَاف، و(الضِّغْثُ): الحزمة من الحشيش، و(شَدَدتُ) أي: حملت، (ويَالَ المُهَاجِرينَ): استغاثة، و(الْعَبَلَاتِ): قبيلة، وقوله: (أُبَدِّيهِ) (^١): من بَدَّيتُه؛ أي: حملته إلى البادية وسقته إليه.\nو(اليَومُ يَومُ الرُّضَّعِ) أي: يوم هلاك الرُّضَّع، والرُّضَّع: جمع راضع؛ وهو اللئيم، وقوله: (فَأَصُكُّ سَهْمًا)، الصَّكُّ: الضرب، وقوله: (فأَعْقِرُ بِهِمْ) يعني: أفراسَهم، وقوله: (يَسْتَخِفُّونَ)؛ أي: يطلبون الخِفّة؛ فيطرحون ما معهم لئلا يتخلفوا، و(يَتَضَحَّونَ): من الضَّحَاء وهو الغداء، و(القَرنُ): الجبل المنفرد، و(البَرحُ): الشِّدّة.\nوقوله: (مُنذُ غَبَش) (^٢) كذا في الكتاب بضم الشين وكأنه مبني، والغَبَشُ: الظلام، وقوله: (أَنَا أَظُنّ) أي: أتيقّن، (وَأَردَوا فَرَسَينِ) يقال: رَدِيَ إذا هلك؛ وأرديته أنا، وقوله: (يَا ثَكِلَتْهُ) أي: يا قوم؛ ثَكِلَتْهُ أمّه، (أَكوَعُهُ بُكْرَةَ؟) يريد سلمةَ بنَ الأكوع؛ أضافه إلى نفسه لأنه كان يتبعه ويُلازمه، (بُكرَةَ): مبني على الفتح،\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: (أُنَدِّيهِ)، قال القاضي: (أُبَدِّيهِ: كذا رواه بالباء بعضهم عن ابن الحذاء، وكذا قاله ابن قتيبة، أي: أخرجه إلى البدو، وأبرزه إلى موضع الكلأ، وكل شيء أظهرته فقد أبديته، ورواه سائرهم: أُنَدِّيه بالنون والدال مشددة، وهو قول أبي عبيد، وهو أن تورد الماشية الماء فتبقى قليلا ثم ترد إلى الرعي ساعة ثم ترد إلى الماء) مشارق الأنوار: ١/ ٨١.\n(^٢) لفظ الحديث عند مسلم وغيره: (مُنْذُ غَلَسٍ)، وما أثبته المؤلف رواية أخرى، وقعت كذلك عند الإشبيلي في الجمع بين الصحيحين: ٣/ ١٠٦، ولعلها رواية العذري التي أشار إليها القاضي عياض في المشارق، وإن كانت بلفظ: (غبس)، وغالب الظن أن هذا مجرد تصحيف من الناسخين أو المحققين، لأن سياق كلام القاضي يدل على أنه يقصد: (غبش) بالشين، فقد قال: (ويجوز الغبش بالمعجمة في أول الليل، وفي كتاب مسلم في حديث سلمة: ما فارقنا منذ غبس، كذا للعذري، ولغيره غلس) ٢/ ١٢٨.","vol":"1","page":422},{"text":"أي: بكرةَ يومي، قال: (أَكْوَعُك بُكرَةَ) أي: أنا الذي خلفك من بكرة اليوم، و(السَّطِيحَةُ): القِرْبَة، و(حَلَّيتُهُم) (^١): كذا في الكتاب بغير همزٍ، والمحفوظ: (حَلَّأتُهُم) بالهمز (^٢) ; أي: طردتهم وأخّرتهم، وقوله: (إِنَّهُمُ الآنَ لَيُقرَونَ) أي: يُضَافون؛ من القِرَى وهو الضيافة، يقال: قَرَيتُه أَقْرِيه قِرىً، و(الرَّجَّالَة): جمع راجل، و(العَضبَاء): اسم ناقة رسول الله ﷺ، وقوله: (شَدَّا) أي: عَدَوَا، (فَطَفَرتُ) أي: وثبتُ.\nوقوله: (فَرَبَطتُ عَلَيهِ شَرَفًا أَوْ شَرَفَينِ) أي: كففت نفسي عنه حتى عدا عَدوة أو عَدوتين، يعني: عدوتُ على سكونٍ، (أَسْتَبقِي نَفَسِي)؛ لئلَّا يغلبَني نفسي؛ فيقع عليَّ البُهْرُ (^٣) فأضعُف عن العَدْوِ، وقوله: (يَخطِرُ بِسَيفِهِ) أي: يتبختر بسيفه، وقوله: (شَاكِي السِّلَاحِ) أي: تامّ السلاح، و(المُغَامِرُ): الذي يلقي نفْسه في المهالك، وقوله: (يَسْفُلُ لَهُ) أي: يقصِده من أسفله، و(الحَيدَرَةُ): الأسد، و(السَّندَرَةُ): مكيالٌ أو كيَّالٌ.\nوفي الحديث من الفقه: أن للغازي أن يواقع الكفار بغير إذن الإمام، وفيه: أن للمسلم أن يُنكئ في العدو بأبلغ ما يقدر عليه؛ من المخاتلة (^٤)؛ والمبالغة في الشجاعة؛ وتقريع العدو، والانتماء إلى النسب الشريف، وإظهار عيوب العدو، وفيه فضل الشهداء، وفيه: أن للإمام أن يستبيح الطعام قبل القسمة.\n_________\n(^١) قال عياض ﵀: (كذا روايتنا فيه غير مهموز؛ مشدد اللام بحاء مهملة)، الإكمال: ٦/ ١٩٩.\n(^٢) قال النووي ﵀: (كذا هو في أكثر النسخ: حلأتهم بالحاء المهملة والهمز، وفي بعضها: حليتهم عنه بلام مشددة غير مهموز)، شرح مسلم: ١٢/ ١٨١.\n(^٣) البهر: تتابع النفس من الإعياء، وما يصب الإنسان من الإجهاد وضيق النفس عند العدو.\n(^٤) المداراة والمخادعة.","vol":"1","page":423},{"text":"وفي رواية: (مَا فَارَقَنَا مُنْذُ غَلَسٍ)؛ والغَلَس: بقية الظلام، وفيه سنة المسابقة، وقوله: (فَرَدَّيْتُهُم بِالحَجَر) (^١) أي: رميتهم، وقوله: (يَكْشِطُونَ جَلْدَهَا) (^٢) أي: يَسلُخونها، وقوله: (فَرَبَطْتُ عَلَيْهِ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ) أي: حبست نفْسي مقدار طلَقٍ أو طَلَقَين مُسْتَروحًا، وفي نسخة: (فَجَلَّيْتُهُم عَنْه) (^٣)، وقال يعني: أجليتهم، و(الآرَامُ): العلامات، وقوله: (فَأَخَذَهُمْ سِلْمًا) أي: انقيادًا منهم من غير قتال، (فَاسْتَحْيَاهُم) أي: استبقاهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-311>ومن باب الغزو بالنساء</span>\n[٤٣٨] قولها: (إِن دَنَا مِنِّي أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، بَقَرتُ بَطْنَهُ) (^٤)، أي: شققت، وفي غير هذه الرواية: (بَعَجْتُ) (^٥)، وقولها: (اقْتُل مَن بَعدَنَا مِنَ الطُّلَقَاءِ) يعني: أهل مكة الذين أسلموا يوم الفتح؛ سماهم النبي ﷺ طلقاءَ احترامًا أن يقال لهم: عتقاء، وفي ذلك بعض الغضاضة.\nوفي الحديث من الفقه: غزو النساء للحاجة إليهن، والنساء لا غزو عليهن، إلا أن تقع ضرورةٌ، لأن النبي ﷺ قال: (إِنَّ الله قَدْ كَفَى وَأَحْسَنَ).\n* * *\n_________\n(^١) لفظ الصحيح: (أُرَدِّيهِم بِالحِجَارَة)، وعند أحمد: ١٦٥٣٩ بنحو رواية المؤلف.\n(^٢) في النسخ المطبوعة: (فَلَمَّا كَشَفُوا جِلْدَهَا)، ورواية المؤلف عند أحمد: ١٦٥٣٩.\n(^٣) وفي الرواية الأخرى: (فحليتهم)، وقد سبقت الإشارة إليها.\n(^٤) حديث أنس: أخرجه مسلم برقم: ١٨٠٩، وأبو داود: ٢٧١٨.\n(^٥) كذلك عند ابن حبان: ٧١٨٥، والحاكم: ٦٩١٧، وعند أبي داود: (أَبْعَجُ به بطنه).","vol":"1","page":424},{"text":"[٤٣٩] وقوله: (وَأَبُو طَلحَةَ مُجَوِّبٌ عَلَيْهِ بِحَجَفَةٍ) (^١)؛ الجَوْب: التُّرس، أي: جعل التُّرس جُنَّة له كالظُّلة عليه حتى لا تصيبَه السِّهام، وقوله: (وَكَانَ رَجُلًا رَامِيًا، شَدِيدَ النَّزْعِ) أي: شديد النزع [عند جذب] (^٢) الوتر، يقال: (عَادَ الرّمي إِلَى النَّزَعَة) (^٣)، أي: رجع الحق إلى أهله.\n* * *\n\n[٤٤٠] وفيه (^٤) الفقه: أن صبيان الكفار تحت مشيئة الله، وفيه إباحة من المداواة، وفيه أن اليتم ينقطع إذا [......] (^٥) على ما يملكه، و(الخَدَمُ): الخلاخل، الواحدة: خَدَمَةٌ [........] (^٦)، (نَحْرِي دُونَ نَحْرِكَ)؛ أي: أفدي بنحري نحرك، وفي الحديث من الفقه: أن الموافق والمخالف إذا سأل عن العلم؛ أجيب عنه، لأن نجدة الخارجي كتب إلى ابن عباس ﵁ يسأله عن مسائل؛ فكتب إليه جوابها، وقوله: (يُحْذَيْنَ)؛ أي: يُعْطَين، يقال: أَحْذَيْتُه إِحْذَاءً؛ وهي الحُذَيَّاء، وفي الحديث: (مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ مَثَلُ الدَّارِيِّ، إِنْ لَمْ\n_________\n(^١) حديث أنس: أخرجه مسلم برقم: ١٨١١، والبخاري: ٣٨١١.\n(^٢) لعله اللفظ الذي طُمس في الأصل.\n(^٣) ينظر: الأمثال لأبي عبيد: ٢٧١، والأمثال للهاشمي: ١/ ١٦٥، ومجمع الأمثال للميداني: ٢/ ١٨، والنَّزَعَةُ: الرماة، والرمي: مصدر رمى، ويضبط: الرَّمِيّ: وهو المَرْمِيُّ؛ ويقصد بالمثل: رجوع الظلم على الظالم، أو الحق إلى صاحبه.\n(^٤) حديث ابن عباس: أخرجه مسلم برقم: ١٨١٢، وأبو داود: ٢٧٢٧.\n(^٥) طَمس في الأصل، ومعنى ما طمس ظاهر، وهو أن انقطاع اليتم يكون بالاحتلام والقدرة على التصرف فيما يملكه، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة، وجمهورهم: مالك والشافعي وأحمد، على ما ذكر المؤلف، وذهب أبو حنيفة إلى أن اليتم يرتفع ببلوغ خمسة وعشرين سنة، وإن لم يكن ضابطا لماله، ينظر: معالم السنن: ٤/ ٨٦، إكمال المعلم: ٦/ ٢٠٧.\n(^٦) طَمس في الأصل.","vol":"1","page":425},{"text":"يُحْذِكَ مِنْ عِطْرِهِ عَلَقَكَ مِنْ رِيحِهِ) (^١)؛ أي: إن لم يعطِك، وقوله: (لَوْلَا أَنْ يَقَعَ فِي أُحْمُوقَةٍ)، أُفْعُولَة من الحمق، يعني: الحماقة.\n* * *\n\n[٤٤١] وحديث أم عطية الأنصارية: (أَخْلْفُهُمْ فِي رِحَالِهِمْ) (^٢)؛ يقال: خَلَفتُ فلانًا، أي: أقمت بعده، وقوله: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ [الأعراف: ١٤٢]، أي: كن خليفتي، وقوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [مريم: ٥٩]، أي: جاء بعدهم قومٌ، وقوله: (فَلْيَنْفُضْ فِرَاشَهُ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا خَلَفَهُ عَلَيْهِ) (^٣)، يقول: لعل هامَّة صارت فيه بعده، و(الرِّحَالُ): جمع الرَّحل.\n\n<span data-type='title' id=toc-312>ومن باب عدد غزوات رسول الله ﷺ </span>-\n[٤٤٢] (فَقُلتُ: فَمَا أَوَّلُ غَزاةٍ غَزَا؟ قَالَ: ذَاتُ العُسَيرِ أَوِ العُشَيْرِ) (^٤)؛ وفي نسخة: (ذَاتِ العُسَيرَاءِ أَوِ العُشَيرَاء) (^٥)؛ وفي بعض الروايات: (ذُو العُشَير أَو ذُو العَشِيرة) (^٦).\n_________\n(^١) متفق عليه البخاري: ٢١٠١، مسلم: ٢٦٢٨، واللفظ الذي ساقه المؤلف في مسند الشهاب للقضاعي: ١٣٧٧.\n(^٢) أخرجه مسلم أيضا برقم: ١٨١٢، وابن ماجة: ٢٨٥٦.\n(^٣) متفق عليه: البخاري: ٦٣٢٠، مسلم: ٢٧١٤.\n(^٤) حديث زيد بن أرقم: أخرجه مسلم برقم: ١٢٥٤، وأخرجه البخاري: ٣٩٤٩، واللفظ عند مسلم: (غزاها).\n(^٥) يفيد هذا اختلاف نسخ الصحيح في ضبط هذه الكلمة، وإن كان النووي ﵀ قد قال في شرحه: (قال: ذات العسير أو العشير، هكذا في جميع نسخ صحيح مسلم) ١٢/ ١٩٥.\n(^٦) في مشارق الأنوار: (وكذا ذكره مسلم: ذات العُشَير أو العُسَير مصغَّرين بغير هاء، والشين مقدمة، والمعروف فيها العُشَيْرَة مصغرة بالشين المعجمة والهاء، وكذا ذكرها ابن إسحاق، وهي من أرض بني مُدْلِج) ١/ ٢٧٦.","vol":"1","page":426},{"text":"<span data-type='title' id=toc-313>ومن باب غزوة ذات الرقاع</span>\n[٤٤٣] قوله: (فَنَقِبَت أَقدَامُنَا) (^١)، قال أهل اللغة (^٢): نَقَبَ الخفُّ إذا تخرَّق، قال:\nأَقْسَمَ باللهِ أَبو حَفْصٍ عُمَرْ … مَا مَسَّها مِنْ نَقَبٍ وَلَا دَبَرْ\nفَاغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ فَجَرْ (^٣)\nأي: إن قال في ناقتي غيرَ ما بها، وفي بعض الروايات: (فَحَفِيَتْ أَقدَامُنَا)؛ في هذه الأحاديث من الفقه: أن النبي ﷺ كان كُلِّف محاربةَ الكفار، وكان في الأسلحة قلَّة، وفي الزاد قلَّة، ولم يكن يترك الواجب مع القلة، وفيه: أن الرجل إذا أخبر بمحاسن أفعاله ليُقْتَدَى به فيها جاز، وفيه أن المؤمن إذا احتمل البلوى أدَّاه ذلك إلى الغنى، فإن أصحاب النبي ﷺ أصابوا بعد النبي ﷺ رخاءً من العيش.\n* * *\n_________\n(^١) حديث أبي موسى: أخرجه برقم: ١٨١٦، وأخرجه البخاري برقم: ٤١٢٨.\n(^٢) مجمل اللغة لابن فارس: ٨٨٠.\n(^٣) الرجز لأعرابي؛ قيل: اسمه عبد الله بن كَيْسَبَة النهدي [الإصابة: ٥/ ٧٥]، وفد على عمر يستحمله ويشكو من إبله عَجَفًا ودَبَرًا، فرده عمر وقال: إني لأظنها صِحاحا سِمانا، فولى ابن كيسبة يرتجز به، وقد روى هذه القصة: ابن زنجويه في الأموال: ٢٢٥٥، وابن شبة في تاريخ المدينة: ٢/ ٧٩٠، والحارث بن أبي أسامة في مسنده: ٩٧١.","vol":"1","page":427},{"text":"<span data-type='title' id=toc-314>ومن باب كراهية الاستعانة بالمشركين في قتال العدو</span>\n[٤٤٤] حديث عائشة ﵂: (لَمَّا كَانَ بِحَرَّةِ الوَبَرَةِ) (^١)؛ الوبرة - بفتح الباء - (^٢): وهي في اللغة معروفة، يقال: [كُرْزٌ من وبر، أي: الجُوَالق] (^٣)، و(الحَرَّةُ): الحجارة السُّود، و(النَّجدَةُ): الشجاعة، و(الجُرأَةُ) من قولهم جَرُؤ فلان فهو جَرِيء.\nوفي الحديث دلالة أنه لا يجوز الاستعانة بالمشركين في أمر يعرض للمسلمين، لأنهم أعداء الإسلام.\n\n<span data-type='title' id=toc-315>ومن باب فضل قريش</span>\n[٤٤٥] فيه حديث أبي هريرة: (النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي هَذَا الشَّأْنِ) (^٤)؛ فيه دلالة أن الخلافة في قريش، فلا تُنقل عنهم لمكان النبي ﷺ وقرابتهم منه.\n\n<span data-type='title' id=toc-316>ومن باب الإمارة والخلافة</span>\n[٤٤٦] حديث: (مَا بَقِيَ مِنَ النَّاسِ اثْنَانِ) (^٥)؛ في الحديث دلالة أن ولاية قريش تدوم في هذه الأمة، وأن الخلافة فيهم إلى انتهاء المدة.\n* * *\n\n[٤٤٧] و(الفَرَطُ) (^٦): السابق.\n_________\n(^١) أخرجه برقم: ١٨١٧، وأخرجه الترمذي برقم: ١٥٥٨.\n(^٢) قال في إكمال المعلم: (كذا هو بفتح الباء هنا عندنا، وكذا ضبطناه عن شيوخنا في كتاب مسلم، وقد ضبطه بعضهم بسكون الباء، وهو موضع على نحو أربعة أميال من المدينة) ٦/ ٢١٣.\n(^٣) لعلها العبارة المطموسة في الأصل.\n(^٤) أخرجه برقم: ١٨١٨، وأخرجه البخاري برقم ٣٤٩٥.\n(^٥) حديث ابن عمر: أخرجه برقم: ١٨٢٠، وأخرجه البخاري برقم: ٣٥٠١.\n(^٦) حديث جابر بن سمرة: أخرجه برقم: ١٨٢٢، وأخرجه أحمد برقم: ٢٠٨٣٠.","vol":"1","page":428},{"text":"[٤٤٨] وفي حديث حفصة (^١)، دلالة أن أبا بكر ﵁ تعرف أحوال الصحابة؛ فلم يجد فيهم أحدا أفضل من عمر ﵁، فاختاره للأمة.\n\n<span data-type='title' id=toc-317>ومن باب كراهية الإمارة لمن سألها</span>\n[٤٤٩] حديث أبي موسى ﵁: (فَقَالَ: إِنَّا لَا نُوَلِّي عَلَى هَذَا الْعَمَلِ أَحَدًا سَأَلَهُ، وَلَا أَحَدًا حَرَصَ عَلَيْهِ) (^٢)، في الحديث من الفقه: كراهية التعرض للولاية وطلب الرئاسة؛ إذا كان [......] (^٣)، شاغلا لطالبها عن الآخرة، وفيه: أن الإمام لا يولي أحدا […] (^٤) الولاية، وفيه: إنفاذ الولاة لمصالح المسلمين. [.......] (^٥)؛ وفيه: أن التهجد الحقيقي إنما هو بعد النوم [...... .] (^٦)؛ يُرجى له الأجر في نومه؛ كما يرجى له في يقظته.\n* * *\n\n[٤٥٠] وفي حديث أبي ذر: (قَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا) (^٧)، فيه دلالة أن الولاية لا يستحقها الضعيف، وفيه دلالة على أن الاختيار ترك [......] (^٨)؛ الولاية، وقوله: (لَا تَأَمَّرَنَّ): (وَلَا تَوَلَّيَنَّ)؛ النون الثقيلة تدخل الكلام للتأكيد، وتَأَمَّرنَّ، وتَوَلَّيَنَّ من قولك: أَمَّرتُه فتأمَّر، ووَلَّيْته فتولَّى.\n_________\n(^١) أخرجه برقم: ١٨٢٣، وأخرجه أبو داود برقم: ٢٩٣٩.\n(^٢) أخرجه برقم: ١٧٣٣، وأخرجه البخاري برقم: ٧١٤٩.\n(^٣) طمس في الأصل؛ بقدر ثلاث كلمات، والمعنى مستقيم.\n(^٤) طمس في الأصل؛ بقدر كلمتين، والمعنى واضح، أن الإمام لا يولي من طلب الولاية.\n(^٥) طمس في الأصل؛ بقدر خمس كلمات.\n(^٦) طمس في الأصل؛ بقدر ست كلمات.\n(^٧) أخرجه برقم: ١٨٢٦، وأخرجه أبو داود برقم: ٢٨٦٨.\n(^٨) طمس في الأصل؛ بقدر كلمتين.","vol":"1","page":429},{"text":"<span data-type='title' id=toc-318>ومن باب ما جاء في فضل الإمام العادل</span>\n[٤٥١] في الحديث (^١)؛ من الفقه: أن المُقسِط يكون معروفا يوم القيامة بما أظهر في الناس من قسطه وعدله، وفيه: أن للإمام أن يتعرف أحوالَ جنده؛ فيحمل المنقطع به، ويزوِّد من بعُد زاده، وفيه: أن من عدل من الولاة؛ فإنه يرجى له التجاوز عنه والرفق به، ومن جار فخلاف ذلك، وقوله: (وَكِلتَا يَدَيهِ يَمِينٌ): كلمة تعظيم؛ وصفة مدح.\n\n<span data-type='title' id=toc-319>ومن باب كلكم راع</span>\n[٤٥٢] فيه (^٢)؛ دلالة أن الله تعالى لم يترك خلقه سُدىً، بل تعبَّدهم بما شاء من أمره ونهيه؛ فمنهم من كُلِّف خاصةَ نفسه، ومنهم من كلِّف أمرَ نفسه وأمرَ رعيته، فينبغي لكل امرئ أن ينظر في نفسه؛ وما ألزم من شرائع [....] (^٣)؛ ويلزم في ذلك على الكفاية، وكفى شغلًا لمن استرعي [.....] (^٤)؛ ما كلف من رعايتهم، والقيام بأمورهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-320>ومن باب الأمير إذا لم ينصح للرعية وكان غاشا لهم</span>\n[٤٥٣] فيه حديث معقل بن يسار (^٥): وفيه وعد شديد لمن غش الرعية؛ ولم ينصح لهم.\n* * *\n_________\n(^١) حديث عبد الله بن عمرو: أخرجه برقم: ١٨٢٧، وأخرجه النسائي برقم: ٥٣٧٩.\n(^٢) حديث ابن عمر: أخرجه برقم: ١٨٢٩، وأخرجه البخاري برقم: ٨٩٣.\n(^٣) طمس في الأصل؛ بقدر كلمة واحدة.\n(^٤) طمس في الأصل؛ بقدر كلمة واحدة.\n(^٥) أخرجه برقم: ١٤٢، وأخرجه البخاري برقم: ٧١٥٠.","vol":"1","page":430},{"text":"[٤٥٤] وفيه (^١): أن من صحب النبي ﷺ كان مَرضيا، و(النُّخَالَةُ)؛ [.......] (^٢)، والحُطَمَةُ من الرعاة: العَنِيف السَّوقِ، قال الشاعر:\nقَدْ لَفَّهَا اللَّيْل بسَوَّاقٍ حُطمْ … لَيْسَ براعِي إبلٍ وَلَا غنمْ (^٣)\n\n<span data-type='title' id=toc-321>ومن باب تعظيم أمر الغلول</span>\n[٤٥٥ - ٤٥٦] فيه حديث أبي هريرة ﵁ (^٤)؛ وحديث أبي حميد ﵁ (^٥): في هذه الأحاديث من الفقه: أن مانع الواجب عليه في السائمة، يؤتى بالواجب عليه بعينه فيعاقب به؛ ليكون أبلغ في العقوبة، وليعلم أن ذلك لمنعِ الزكاة، ومنعِ الزكاة في الفرس إذا كان اشتري للتجارة، وقيل: إذا كان سرق (^٦).\nوفي حديث أبي حُمَيدٍ ﵁: دلالة لتحريم الرِّشوة، وأن الرِّشوة على وجوه؛ منها: أن يرشى الإنسان ليعين في حق؛ فهذا مكروه، ومنها: أن يرشى ليعين في باطل فهذا حرام، ومنها: أن يرشى ليمنع عن ظلم فهذا مكروه.\nومنها: أن للحاكم أن يحاسب أمناءه وقُوَّامه، وفيه: أن من كان مُوَّلًّى فلا\n_________\n(^١) حديث عائذ بن عمرو: أخرجه برقم: ١٨٣٠، وأخرجه أحمد برقم: ٢٠٦٣٧.\n(^٢) طمس في الأصل؛ بقدر ثلاث كلمات، والنخالة: ما بقي من قشور الطعام بعد غربلته. [مشارق الأنوار: ٢/ ٦].\n(^٣) قيل للأغلب العجلي، ينظر الكامل: ١/ ٢٩٨، والعقد الفريد: ٤/ ٢٠٨.\n(^٤) أخرجه برقم: ١٨٣١، وأخرجه البخاري برقم: ٣٠٧٣.\n(^٥) أخرجه برقم: ١٨٣٢، وأخرجه البخاري برقم: ٢٥٩٧.\n(^٦) لأن الحنفية استدلوا بحديث أبي هريرة هذا على إيجاب الزكاة في الخيل، فبين المؤلف أن ورود الخيل في الحديث محمول على كونها للتجارة أو كونها مسروقة، تنظر المسألة في: شرح معاني الآثار: ٢/ ٢٩، الاستذكار: ٣/ ٢٣٧، فتح الباري: ٣/ ٣٢٧، عمدة القاري: ٩/ ٣٦.","vol":"1","page":431},{"text":"ينبغي أن يقبل الهدية، لما روي عن النبي ﷺ: (هَدَايَا الْأُمَرَاءِ غُلُولٌ) (^١)؛ و(رُغَاءُ البَعِير)؛ و(ثُغَاءُ الشَّاةِ)؛ و(خُوَارُ البَقَرَة)؛ و(يَعَارُ الشَّاةِ): أصواتها، و(الغُلُولُ): الخيانة في المَعْنَم، و(السَّوَادُ): كل شخص من متاعٍ وغيره، و(رِقَاعٌ): أي: صِكاك بالمال، وقيل: خِرَقٌ وقطعٌ من الثياب، و(تَخْفِقُ): أي: تضطرب وتتحرك، و(الصَّامِتُ): من الذهب أو الفضة، و(نَفسُ): أي: آدمي؛ يريد عبدًا أو أمةً، و(العُفرَةُ): البياض؛ وليس بالبياض الناصع الشديد؛ ولكنه لون الأرض، ومنه قيل: للظَّباء عفراء؛ إذا كانت ألوانها كذلك، و(ابن اللُّتبِيَّة) (^٢): كأنه منسوب إلى أمِّه، وفي رواية: (يُدعَى الأُتْبِيَّة) (^٣) بالهمز، وكأن: (اللُّتْبِيَّة)؛ مما ألقي منه الهمزة على اللام، و(تَيْعَر): مستقبل يَعَرَت الشاة تَيْعَر، وقوله: (تَعْلَمُنَّ وَاللهِ)؛ النون للتأكيد، وضمت الميم للدلالة على الجمع.\n\n<span data-type='title' id=toc-322>ومن باب الأمر بطاعة [الأمير إذا أطاع الله] (^٤)؛ ورسوله</span>\n[٤٥٧] فيه حديث أبي هريرة ﵁ (^٥): في الحديث من الفقه: أن طاعة النبي ﷺ واجبة فيما شرَع، ومن ولَّاه الأمرَ كانت طاعته واجبة.\n* * *\n\n[٤٥٨] وفي حديث ابن عمر ﵁ (^٦): دلالة على أن طاعة السلطان واجبة إذا\n_________\n(^١) رواه ابن أبي شيبة في المصنف: ٢١٩٥٨، والطبراني في الأوسط: ٤٩٦٩.\n(^٢) اسمه عبد الله بن اللتبية، من بني لُتْبٍ، وهو بطن من الأزد، وضبْطُه بضم اللام وسكون التاء هو الصواب، كما حقق ذلك القاضي عياض ﵀، ينظر: مشارق الأنوار: ١/ ٧٠، إكمال المعلم: ٦/ ٢٣٦، فتح الباري: ١٣/ ١٦٥.\n(^٣) الرواية: (يدعى ابن الأتبية).\n(^٤) طمس في الأصل، لا تظهر منه إلا حروف يسيرة؛ تعين على هذا الافتراض.\n(^٥) أخرجه برقم: ١٨٣٥، وأخرجه البخاري برقم: ٧١٣٧.\n(^٦) أخرجه برقم: ١٨٣٩، وأخرجه البخاري برقم: ٢٩٥٥.","vol":"1","page":432},{"text":"أقام كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فإن خالف الكتاب؛ أو أمر بالمعصية فلا طاعة له في المعصية.\n* * *\n\n[٤٥٩] وفيه (^١): أن الإمام وإن استأثر عليك فعليك طاعته؛ إلا في معصية الله ﷿، و(الأَثَرَةُ): الاستئثار، وفي الحديث: (إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً) (^٢)؛ أي: يستأثر عليكم، فيُفَضِّل غيرُكم نفسَه عليكم في الفيء، قال الحطيئة في عمر ﵁:\nما آثروك بِهَا إِذ قدَّموك لَهَا … لكِنْ لأَنْفُسِهِمْ كَانَتْ بِكَ الأَثَرُ (^٣)\nقوله: (بها)؛ يعني: بالخلافة.\n* * *\n\n[٤٦٠] (^٤): وقوله: (كَهَيْئَةِ الجُمْعِ) (^٥)، الجُمْعُ: الكفُّ إذا جُمع، قال صاحب المجمل (^٦): ضربته بجُمْع كفِّي، وجَمَعت الشيء جَمْعًا، وجَمْعُ مكة: لاجتماع الناس لها، ويوم الجمعة: لاجتماع الناس فيه، و(الغُضْرُوفُ): غضروف\n_________\n(^١) حديث عبادة: أخرجه برقم: ١٧٠٩، وأخرجه البخاري برقم: ٧١٩٩.\n(^٢) متفق عليه: البخاري: ٣٧٩٣، مسلم: ١٠٦١.\n(^٣) البيت مما كتبه الحطيئة إلى عمر يطلب عفوه، في قصته المشهورة مع الزبرقان بن بدر، لما هجاه بقوله:\nدع المكارم لا ترحل لبغيتها … واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي\nفسجنه عمر تعزيرا، ينظر: الكامل: ٢/ ١٤٣، العقد الفريد: ٦/ ١٦٧، ديوان المعاني: ١/ ٦٩.\n(^٤) حديث أم الحصين: أخرجه برقم: ١٨٣٨ - ٤، وأخرجه النسائي برقم: ٤١٩٢.\n(^٥) لم يرد هذا اللفظ في رواية مسلم، لكن ورد في الحديث ذاته عند أبي عوانة: ٤٠١١.\n(^٦) مجمل اللغة: ١٩٨.","vol":"1","page":433},{"text":"الكتف؛ وهو رأسها.\n\n<span data-type='title' id=toc-323>ومن باب ما ورد أن الطاعة إنما تجب للمخلوق إذا كانت طاعة الله</span>\n[٤٦١] فيه حديث علي ﵁ (^١): وفيه دلالة على أن الوالي إذا أمر بخلاف الشرع؛ فطاعته غير واجبة.\n\n<span data-type='title' id=toc-324>ومن باب البيعة على السمع والطاعة</span>\n[٤٦٢] حديث عبادة بن الصامت ﵁: (بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا) (^٢)، أي: فيما نحب ونكره، و(المَنْشَطُ): مفعل من النَّشاط، و(المَكْرَهُ): مفعل من الكُره، وفي هذا الحديث: تأكيد طاعة الإمام في المحبوب والمكروه، وترك منازعة السلطان، والقيامُ بالحق حيث كان، وقوله: (كُفْرًا بَوَاحًا)؛ بالواو؛ أي: صُراحًا، من قولك: باح بسرَّه، وروي: (بَرَاحًا) (^٣)، بالراء؛ من قولهم: برِح الخفاء، أي: وضَح الأمر، و(الإِثْرَةُ): الاستئثار، وفي بعض الروايات: و(أُثْرَة)؛ على وزن فُعْلة بالضم، قال صاحب المجمل (^٤): آثرت الرجل قدَّمته، وقال صاحب الغريبين (^٥): الإِثْرَة: الاستئثار، والجمع الإِثَر، وقال غيره: أَثْرَةٌ وإِثَرٌ نحو بَدْرَةٍ وبِدَرٍ.\n_________\n(^١) أخرجه برقم: ١٨٤٠، وأخرجه البخاري برقم: ٤٣٤٠.\n(^٢) سبق أعلاه، برقم: ١٧٠٩.\n(^٣) قال عياض ﵀: (قوله في كتاب مسلم: إلا أن تروا كفرا براحا؛ كذا قرأته على الخشني، وكذا كان في كتابه، وعند غيره من شيوخنا: بواحا؛ بالواو، ومعناهما سواء أي: ظاهر بَيِّن)، مشارق الأنوار: ١/ ٨٦.\n(^٤) مجمل اللغة: ٨٦.\n(^٥) الغريبين: ١/ ٤٤.","vol":"1","page":434},{"text":"وروي: (كَانَتْ بِكَ الإثَرُ) (^١) بكسر الهمزة، ورواه بعضهم بفتحها، وبعضهم بضمها كأنه جمع أَثْرَة.\nوروي: (سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً)؛ المحفوظ بفتح الهمزة وفتح الثاء، وهو اسم من آثر يؤثر إيثارا (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-325>ومن باب ما ورد في فضيلة الإمام</span>\n[٤٦٣] قوله: (إِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ) (^٣)؛ فيه من الفقه: الوفاء ببيعة الخلفاء، وقوله: (كَانَ عَلَيْهِ مِنْهُ)؛ أي: كان عليه الوِزر، وقوله: (مِنْهُ)؛ أي: من الأمر بغير العدل، وفيه: أن على الإمام أكثر مما على الرعية؛ لأنه يقتدى به؛ ويلحقه ما استنَّ من خير وشر.\n* * *\n\n[٤٦٤] وقوله: (فُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ) (^٤)؛ هو أمر من قولهم: وفَى يَفِي، كالأمر من وقَى يقي، وفي القرآن: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [التحريم: ٦]، قال أهل اللغة (^٥): يقال: وفي بعهده؛ وأوفى؛ وفَى يفي وفاءً، وأوفى يوفي إِيفاءً، وقوله: (خَلَفَهُ نَبِيٌّ)؛ بتخفيف اللام، أي قام مقامَه، وقوله: (تَسُوسُهُمُ)؛ من قولهم: سُسْت القومَ؛ أسوسهم سيّاسةً.\n* * *\n_________\n(^١) يقصد بيت الحطيئة.\n(^٢) ينظر: مشارق الأنوار: ١/ ١٨.\n(^٣) حديث أبي هريرة: أخرجه برقم: ١٨٤١، وأخرجه البخاري برقم: ٢٩٥٧.\n(^٤) حديث أبي هريرة: أخرجه برقم: ١٨٤٢، وأخرجه البخاري برقم: ٣٤٥٥.\n(^٥) جمهرة اللغة: ١٢/ ٢٤٤، مجمل اللغة: ٩٣٢.","vol":"1","page":435},{"text":"[٤٦٥] وفي حديث عبد الله بن عمرو: (وَمِنَّا مَنْ يَنْتَضِلُ) (^١)؛ الانتضال والنضال: المُراماة، يقال: ناضلت فلانًا فنضلته، وفلانٌ يناضل عن فلانٍ؛ إذا تكلم عنه بعذره، وقوله: (فِي جَشَرِهِ)؛ يقال: جَشَرنا دوابَّنا؛ أي: أخرجناها من القرية ترعى قريبًا منها، وأصبح بنو فلانٍ جشرًا، أي: باتوا مع إبلهم؛ ولم يرجعوا إلى البيوت، ومالٌ جَشِر: إذا كان لا يأوي إلى أهله، روي عن أبي الدرداء ﵁: (مَنْ تَرَكَ الْقُرْآنَ شَهْرًا لمْ يَقْرَأَهُ فَقَد جَشَرَهٌ) (^٢)؛ أي: تباعد منه.\nوفي الحديث من الفقه: التسليم للحق، وترك المجاذبة فيما يجب لك، ومسألة الله ذلك فإنه يعطي من حيث لا يحتسب، وفيه: أن للرجل أن يشتغل لمعايشه في الوقت الذي لا فرض عليه، وفيه: الحثُّ على مكارم الأخلاق، وفيه: إثباتُ الحوض، وفيه: وجوب النُّصح لجماعة المسلمين.\nوقوله: (أَعطَاهُ صَفقَةَ يَدِهِ)، أي: بيعتَه، وقوله: (وَثَمَرَةَ قَلبِهِ)؛ أي: خالص الود من قلبه، و(الأَثَرَةُ): الإيثار فوق الاستحقاق.\n* * *\n\n[٤٦٦] وفيه (^٣): تأكيد طاعة الإمام، وإن منع الحقّ، لقوله: (فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمَّلُوا، وَعَلَيْكُمْ مَا حُمَّلْتُمْ).\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم: ١٨٤٤، وأخرجه أبو داود: ٤٢٤٨.\n(^٢) لم أقف على هذا الأثر في كتب السنة المسندة، وإنما يذكر من الشواهد اللغوية في كتب الغريب واللغة، كالمجموع المغيث: ١/ ٣٣٠، والنهاية: ١/ ٢٧٣، ولسان العرب: ٤/ ١٣٧.\n(^٣) حديث وائل الحضرمي: أخرجه مسلم برقم: ١٨٤٦، وأخرجه الترمذي: ٢١٩٩.","vol":"1","page":436},{"text":"<span data-type='title' id=toc-326>ومن باب الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن</span>\n[٤٦٧] فيه حديث حذيفة ﵁ (^١): قال أبو عبيد (^٢): الدَّخَن: لون يضرب إلى السَّواد، ولا أحسب أخذ إلا من الدخان، أي: إن القلوب لا يصفو بعضها لبعض.\nروي أن حذيفة ﵁ لما نزل به الموت قال: (حبِيبٌ جَاءَ عَلَى فَاقَةٍ لَا أَفْلَحَ مَنْ نَدِم، الحَمْدُ للهِ الَّذِي سَبَقَ بِي عُلُوجَ الفِتْنَةِ وقَادَتَها) (^٣)؛ تقول العرب للرجل العَجَمِي: العِلْجَ، واشتقاقه من المعالجة؛ وهي مزاولة الشيء، وفلان عِلْج مالٍ؛ أي: يعمل فيه ويقوم بإصلاحه، ورجل علجٌ؛ أي: شديدٌ، والعِلْج: حمار الوحش، وفي حديث علي ﵁: (وَبَعَثَ رَجُلَينِ وَقَالَ لهَمُا إِنَّكُمَا عِلْجَان فَعَالِجَا) (^٤)، العلج: الرجل العبلُ القويُّ الضَّخمُ، و(عَالِجَا)؛ أي: مارِسا العمل وزاوِلاه، وكان حذيفة ﵁ يخاف الفتنة على دينه، فلما جاءه الموت لم يكره ذلك.\nوفي الحديث: الحثُّ على لزوم الإجماع، واختيارُ العزلة من أهل الفساد، وفيه: الحثُّ على طاعة السلطان؛ وإن كان ظلوما؛ ما لم يفسد الدين، وفيه: أن قلوبَ رجالٍ تمسخ حتى تكون كقلوب الشياطين، وفي تفسيره الدخن: دليل أنه العدولُ عن سنته؛ والانحرافُ عن هديه وسيرته.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم: ١٨٤٧، وأخرجه البخاري: ٣٦٠٦.\n(^٢) غريب الحديث: ٢/ ٢٦٢.\n(^٣) رواه البغوي في معجم الصحابة: ٤١٨، وبنحوه رواه ابن أبي شيبة في المصنف: ٣٧٢٠٣، وعند البيهقي في الطبقات الكبرى ٤/ ٢٥٢، وعنده أن حذيفة قال ذلك ثم أعقبه بحديث الفتن.\n(^٤) رواه أحمد: ٨٤٠، وأبو داود: ٢٢٩.","vol":"1","page":437},{"text":"و(الجُثمَانُ): الجسم، وقوله: (مِن جِلدَتِنَا)؛ أي: من أصلنا، يقال: فلان عظيم الأجلاد وعظيم التجاليد، وما أشبه أجلاده بأجلاد أبيه، يريد جسمَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-327>ومن باب إثم من فارق الجماعة</span>\n[٤٦٨] فيه: حديث أبي قيس بن رِياح - بكسر الراء -، واسمه: زياد؛ عن أبي هريرة ﵁: (مَن خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ، وَفَارَقَ الجَمَاعَةَ فَمَاتَ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، وَمَن قُتِلَ تَحتَ رَايَةٍ عَمِيَّةٍ يَغضَبُ لِعَصَبَةٍ، ويَدعُو إِلَى العَصَبَةِ، أَوْ يَنصُرُ عَصَبَةً، فَقُتِلَ، فَقِيلَةٌ جَاهِلِيَّة) (^١)؛ وفي نسخة: (فَقِتلَتُه جَاهِلِيَّة)؛ وفي رواية: (لَا يَتَحَاشَى مِن مُؤمِنِهَا)؛ وفي نسخة: (لَا يَنحَاشُ مِن مُؤمِنِهَا).\n(العَمِيَّة) (^٢): الجهالة، قال أحمد بن حنبل: هو الأمر الأعمى؛ كالعصبية لا يستبينُ ما وجهُه، وقال إسحاق: هذا في تَخَارُج القوم؛ وقَتلِ بعضهم بعضًا (^٣)؛ وكأن أصله من التَّعمِية وهو التلبيس، وفي حديث الزبير: (لِئَلَّا تَمُوتَ مِيتَةً عَمِيَّة) (^٤)؛ أي: ميتةَ فتنةٍ وجهلِ.\nورواه بعضهم: (عِمِّيَّة) (^٥)، بكسر العين، وتشديد الميم، فإن صح فوزنه:\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم: ١٨٤٩، وأخرجه النسائي: ٤١١٤، وهذه الرواية عند مسلم بلفظ: (ومن قاتل).\n(^٢) من خلال كلام المؤلف يظهر أنه يضبط هذه اللفظة: (عَمِيَّة) من العمى، وذكر غيره أن الرواية في مسلم ضبطت على ثلاثة أوجه: عُمَّية، عِمِّيَّة، عَمَّيَة، ينظر: مشارق الأنوار: ٢/ ٨٨، مطالع الأنوار: ٤/ ٤٥٩.\n(^٣) مسائل أحمد وإسحاق: ٢٤٠٧، شرح السنة للبغوي: ٢٤٦١.\n(^٤) رواه الطبري في تاريخه: ٤/ ٢٣٦، في ذكره لقصة الشورى.\n(^٥) قال القاضي ﵀: (كذا ضبطناه عن أشياخنا في صحيح مسلم بكسر العين والميم وتشديد الياء =","vol":"1","page":438},{"text":"(فِعْلِية)؛ من عَمَّ يَعُمُّ، و(عَمِيَّة): فعيلة من عَمِيَ الأمر: إذا اشتبه.\nوقوله: (لَا يَتَحَاشَى)؛ قال صاحب المجمل (^١): ما ينحاش فلان من شيء إذا لم يكترث له، وقيل: الحَوَاشَة: الاستحياء، وقول النابغة:\nوَمَا أُحَاشِي مِنَ الأَقوَامِ مِن أَحَدِ (^٢)\nمن الحشا؛ وهي الناحية، وتحاشى عن الشيء؛ أي: تنحى عنه، قال صاحب المجمل: تحوش القوم عني أي: تحول (^٣).\nوفي الحديث دليل على النهي عن الافتراق، وحثٌّ على لزوم الجماعة، وإخبارٌ عن حال من نزع يده عن الطاعة، وأظهر العصبية، وأنها كيف تكون.\nوقيل: العَمِيَّة والعَمياء: الحيرة في الأمر، و(القِتلَةُ)؛ - بكسر القاف -: القتل، كالجِلسة بمعنى الجُلوس، والرِّكْبة بمعنى الركوب، وكذلك المِيتَة بمعنى الموت.\n* * *\n\n[٤٦٩] وقوله: (وَلَيسَ فِي عُنُقِهِ بَيعَةٌ) (^٤)؛ قيل: بيعة الإمام، وقيل: بيعة الإسلام.\n_________\n= وفتحها) مشارق الأنوار: ٢/ ٨٨.\n(^١) مجمل اللغة: ٢٥٧.\n(^٢) عجز بيت للنابغة الذبياني، وصدره: (ولا أرى فاعلًا في الناس يشبهه)، ينظر: الفاخر لأبي طالب ٢٧٠، شرح المعلقات التسع: ٩١، البصائر والذخائر للتوحيدي: ٥/ ٢٠١، ديوانه: ص ٢٠.\n(^٣) مجمل اللغة: ٢٥٧، وعنده (تحوش القوم عني؛ أي: تنحوا)، والمعنى قريب.\n(^٤) حديث ابن عمر: أخرجه مسلم برقم: ١٨٥١.","vol":"1","page":439},{"text":"[٤٧٠] وقوله: (فَمَن أَرَادَ أَن يُفَرِّقَ أَمَرَ هَذِهِ الأُمَّةِ) (^١)؛ يعني: التفريق بينهم من قِبَل الدين، وذلك إذا أظهر خلاف ما عليه المسلمون، و(الهَنَاتُ): الشدائد والفتن، وقوله: (وهُم جَمِيعٌ) (^٢)، أي: مجتمعون متفقون، وأصل العصب: اللَّيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-328>ومن باب إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما</span>\n[٤٧١] (^٣): إذا أجمع المسلمون على خليفة ونصَّبوه للإسلام وأهلِه، ثم نقض البيعةَ جماعةٌ وعقدوا لخليفة آخر؛ قتلوا حتى يفيئوا إلى أمر الله، وأما الإمام فلا يقاتل ما دام مقيما للصلاة، وإن كان ظالما.\n* * *\n\n[٤٧٢] وفي حديث أم سلمة ﵂ (^٤): دليل أن إنكار المنكر يكون بالقول واليد والقلب؛ وذلك أضعفُه، وإذا رضيَ بالمنكر ساكتٌ عنه فهو آثم عاصٍ.\nوقيل: (لَا يَنحَاش): لا يمتنع، و(لَا يَتَحَاشَى): لا يستبقي، يقال: ما حاشيت منهم أحدا (^٥).\n* * *\n\n[٤٧٣] وقوله: (أَفَلَا تُنَابِذُهُم) (^٦)، المنابذة: المقاتلة، وفي حديث عوف بن مالك: دليل أن المحبة تكون عن الإحسان، فإذا أحسن الوالي إلى الرعية بحسن\n_________\n(^١) حديث عرفجة: أخرجه مسلم برقم ١٨٥٢، وأبو داود: ٤٧٦٢.\n(^٢) هذا لفظ أبي داود، ولفظ مسلم: (وهي جميع).\n(^٣) حديث أبي سعيد: أخرجه مسلم برقم: ١٨٥٣.\n(^٤) أخرجه مسلم برقم: ١٨٥٤، وأخرجه أبو داود: ٤٧٦٠.\n(^٥) هذا الكلام متعلق بالحديث السابق أعلاه رقم: ١٨٤٩.\n(^٦) حديث عوف بن مالك: أخرجه مسلم برقم: ١٨٥٥، وأحمد: ٢٣٩٨١، واللفظ عندهم: (ننابذهم).","vol":"1","page":440},{"text":"النظر في السياسة أحبُّوه، وإذا أحبُّوه أظهروا له الطاعة فأحبَّهم، وإذا عنفوا وجاروا أبغضوهم، وإذا أبغضوهم اختلفوا عليهم، وفيه دليل أن السلطان لا يُخلع إلا بما يوجبه.\n\n<span data-type='title' id=toc-329>ومن باب بيعة الرضوان والمبايعة على ترك الفرار</span>\n[٤٧٤] في الحديث (^١)؛ دليل على سنة بيعة الإسلام، ودليل فضيلة الموضع إذا كان معتادا للخير، وفيه دلالة النبوة لنبوع الماء من أصابعه ﷺ.\n* * *\n\n[٤٧٥] وقوله: (وَكَانَتْ أَسْلَمُ ثُمْنَ الْمُهَاجِرِينَ) (^٢)؛ بنصب النون، أَسْلَم: اسم القبيلة.\nوقوله: (خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً)؛ أي: خمس عشرة مرة مائة، وفسره بقوله: (أَلْفٌ وَخَمْس مِائَةٍ)؛ وفي الحديث دليل أن البيعة كانت على وجوه: منهم من بايع على ألا يفر، ومنهم من بايع على الموت، ومنهم من بايع على السمع والطاعة، فأما الاختلاف في الثلاثمائة والأربعمائة، فإنما كان لأنهم حَزَروه حزرًا، ولم يَعُدّوه عدًّا.\n* * *\n\n[٤٧٦] وقوله: (أَذِنَ لِي فِي الْبَدوِ) (^٣)؛ دلالة على إباحة سكنى البادية بعد الهجرة، وقيل: هو خاص لسَلَمة.\n_________\n(^١) حديث جابر: أخرجه مسلم برقم: ١٨٥٦، والبخاري: ٤٨٤٠.\n(^٢) حديث ابن أبي أوفى: أخرجه مسلم برقم: ١٨٥٧، والبخاري: ٤١٥٣.\n(^٣) حديث سلمة بن الأكوع: أخرجه مسلم برقم: ١٨٦٢، والبخاري: ٧٠٨٧.","vol":"1","page":441},{"text":"[٤٧٧] وقوله: (لَا هِجْرَةَ بَعدَ الفَتحِ) (^١)؛ الهجرة في الأصل كانت تركه مكة والخروج منها إلى المدينة، ثم صارت الهجرة بعد ذلك هجرة المعصية، ولذلك قال: (جِهَادٌ وَنِيَّةٌ)؛ وفيه دليل أن النفير إذا وقع؛ وجب على المطيق جهادُ العدو، لقوله: (فَانفِرُوا).\n* * *\n\n[٤٧٨] وقوله ﷺ: (إِنَّ شَأنَ الهِجرَةِ لَشَدِيدٌ) (^٢)؛ أي: الانقطاع إلى الله بالطاعة من المعصية، قيل: كان عَظُم الخوف في أول الإسلام من قريش؛ وهم أهل مكة، فلما فُتِحت مكة؛ وأسلم أهلها؛ ارتفع وجوبُ الهجرة، وعاد الأمر فيها إلى النّدب والاستحباب.\nوقوله: (وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا) (^٣)، فيه إيجاب النفير والخروج إلى العدو إذا وقعت الدعوة، وهذا إذا لم يكن فيمن بإزاء العدو كفاية؛ كان ذلك فرضا، والاختيار: للمطيق مع وقوع الكفاية بغيره؛ أن لا يقعد عن الجهاد، قال الله ﷿: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ [النساء: ٩٥].\nقوله: (فَاعمَل مِن وَرَاءِ البِحَارِ) (^٤)؛ أي: فاعمل أقصى ما يمكنك من العمل بطاعة الله،: (فَإِنَّ الله لَن يَتِرَكَ مِن عَمَلِكَ شَيئًا)؛ أي: يضعه يوم القيامة في ميزانك وافيًا وافرًا، وفي الحديث دليل على الأمر بعمل الخير لمن اشتدت عليه الهجرة، وفي نسخة: (لَن يَتَّرِكَ)؛ وهو يفتعل من التَّرك (^٥).\n_________\n(^١) حديث عائشة: أخرجه مسلم برقم: ١٨٦٤، والبخاري: ٢٧٨٣، من رواية ابن عباس.\n(^٢) حديث أبي سعيد: أخرجه مسلم برقم: ١٨٦٥، والبخاري: ٣٩٢٣.\n(^٣) الحديث: ١٨٦٤.\n(^٤) الحديث: ١٨٦٥.\n(^٥) ينظر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري ٩/ ١٥.","vol":"1","page":442},{"text":"<span data-type='title' id=toc-330>ومن باب امتحان المؤمنات إذا هاجرن عند المبايعة</span>\n[٤٧٩] قوله: (يُمْتَحَنَّ) (^١)؛ بضم الياء وتشديد النون، وهو مستقبل: (امتُحِنَّ)؛ بضم التاء وتشديد النون، والمعنى: يُخْتَبَرن بظاهر ما يُمَكِّن مِن تَعَرُّف أحوالهن، وذلك الظاهر من الإسلام، وقوله: (مَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ)، فيه دلالة على توقِّي أمر النساء خوف الافتتان بهن.\n\n<span data-type='title' id=toc-331>ومن باب البيعة على السمع والطاعة</span>\n[٤٨٠] فيه (^٢)؛ دليلٌ على أن الطّاعة واجبة، وأن التّكليف مقرونٌ بالطّاقة.\n\n<span data-type='title' id=toc-332>ومن باب حد بلوغ الرجال</span>\n[٤٨١] فيه حديث ابن عمر ﵁ (^٣): في الحديث دلالة على الفرق بين الصّغير والبالغ، وأن من استكمل خمسَ عشْرة سنة فقد أدرك، ورواية حمَّاد بن زيدٍ وابنِ إدريسَ وابنِ نُمَير متفقةٌ (^٤)، أن الإجازة كانت وهو مستكمل خمسَ عشْرةَ سنة.\n* * *\n_________\n(^١) حديث عائشة: أخرجه مسلم برقم: ١٨٦٦، والبخاري: ٥٢٨٨.\n(^٢) حديث ابن عمر: أخرجه مسلم برقم: ١٨٦٧، والنسائي: ٤١٨٧.\n(^٣) أخرجه مسلم برقم: ١٨٦٨، والبخاري: ٢٦٦٤.\n(^٤) روايتا ابن إدريس وابن نمير عند مسلم في حديث الباب، ورواية حماد بن زيد عند البيهقي الكبرى: ١٧٨٠٨.","vol":"1","page":443},{"text":"<span data-type='title' id=toc-333>ومن باب ذكر حرمة القرآن وكراهية أن يسافر به إلى أرض العدو</span>\n[٤٨٢] في الحديث (^١)؛ دلالة أن القرآن موجودٌ حاضرٌ غير غائبٍ، وأن المكتوب في المصحف قرآن، وسُمّي المصحفُ قرآنًا لتضمُّنه القرآن.\n\n<span data-type='title' id=toc-334>ومن باب ما ورد في المسابقة</span>\n[٤٨٣] حديث ابن عمر ﵁ (^٢): في الحديث: سنة تعلُّم الفروسية؛ ليكون أقوى على العَدُوّ وأبلغ في نكايته، وللإمام أن يُسَبِّق (^٣)؛ بين الخيل؛ فيجعلَ للسابق شيئا معلوما، و(تَضْمِيرُ الخَيْل): أن تُعلفَ حتى تسمَن، ثم تغشى بالجِلال (^٤)، وتترك حتى تَحمى وتَعرق، ولا تُعلف إلا قوتًا؛ حتى تَضْمر ويذهبَ رهَلها فتخِفّ، فإذا فعل ذلك بها فهي مُضمرة، ومن العرب من يُطعمها اللّحم واللبن في أيام التضمير.\nوقوله: (وَكَانَ أَمَدُهَا ثَنِيَّةَ الوَدَاعِ)؛ الأمَد: الغاية، قال النابغة:\nسَبقَ الجَوادَ إِذا اِسْتَولى عَلَى الأَمَدِ (^٥)\nيريد جعل الغاية غاية ما ضُمِّر منها؛ أبعد من غاية ما لم يُضَمَّر منها، وقوله:\n_________\n(^١) حديث ابن عمر: أخرجه مسلم برقم: ١٨٦٩، والنسائي: ٢٩٩٠.\n(^٢) أخرجه مسلم برقم: ١٨٧٠، والبخاري: ٤٢٠.\n(^٣) أن يسبِّق: أن يجعل السبَق بين المتسابقين، والسبَق: ما يجعل من الخطر والرهان.\n(^٤) ما تغطى به الخيل.\n(^٥) صدر البيت: (ألا لمثلكَ أو مَن أنتَ سابقهُ) ينظر: المعاني الكبير: ٢/ ٨٥٣، العقد الفريد: ٥/ ١٦، ديوان المعاني: ١/ ١٩.","vol":"1","page":444},{"text":"(طَفَّفَ بِي الفَرَسُ)؛ قال صاحب المجمل (^١): طفَّفْتُ بفلانٍ موضع كذا؛ أي: رفعته إليه وحاذيته به، وفي الحديث: (فَطَفَّفَ بِي الفَرَسُ مَسجِدَ بَنِي زُرَيقٍ) (^٢)؛ يريد وثب حتى كاد يساوي المسجد، وقال صاحب الغريبين (^٣): في الحديث: (كُلُّكُم بَنُو آدَمَ، طَفُّ الصَّاعِ) (^٤)؛ أي: قريب بعضكم من بعض، لأن طف الصاع: قريب من ملئه، فليس لأحد فضل على أحد إلا بالتقوى، وقيل: طفُّ الشيء: جانِبه.\n\n<span data-type='title' id=toc-335>ومن باب الخيل في نواصيها الخير</span>\n[٤٨٤] (^٥): المعنى: أن غلبة المشركين إنما تكون في الأغلب بالخيل عليهم، ويكون ذلك سببا للخير والأجر، وذريعةً إلى إحراز مال العدو، وإذا كان الخير في نواصيها؛ كان فيها نفسها، والعرب تكني بالناصية عن صاحبها.\n\n<span data-type='title' id=toc-336>ومن باب كراهية الشكال في الخيل</span>\n[٤٨٥] (^٦): (الشِّكَالُ): أن يكون في رجله (^٧) اليمنى ويده اليسرى؛ وفي يده اليمنى ورجله اليسرى بياضٌ، قيل: إنما كره ذلك لئلا يأثم صاحبه للتشؤُّم به، كما قال: (لَا يُورِدَنَّ ذُو عَاهَةٍ عَلَى مُصِحّ) (^٨): أي: إذا أصاب إبلَ المصح آفةٌ من\n_________\n(^١) مجمل اللغة: ٥٨٠.\n(^٢) مسند أحمد: ٤٤٨٧، سنن الدارقطني: ٤٨٢٠.\n(^٣) الغريبين: ٤/ ١١٧٣.\n(^٤) أخرجه أحمد: ١٧٣١٣.\n(^٥) حديث ابن عمر: أخرجه مسلم برقم: ١٨٧١، والبخاري: ٢٨٤٩.\n(^٦) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ١٨٧٥، وأبو داود: ٢٥٤٧.\n(^٧) في المخطوط: (رجلها)، وما أثبتناه هو الوارد في الرواية في حديث الباب عند مسلم.\n(^٨) رواه البخاري: ٥٧٧٠، ومسلم: ٢٢٢١.","vol":"1","page":445},{"text":"أمر الله؛ ظن أن الجَرباء أعْدَتها، فيأثم بذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-337>ومن باب فضل الجهاد والترغيب فيه</span>\n[٤٨٦] حديث أبي هريرة ﵁: (تَضَمَّنَ اللهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ) (^١)، أخبرنا محمد بن أحمد بن علي الفقيه؛ أخبرنا أبو بكر بن مَرْدَويه؛ حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل؛ حدثني أبي؛ قال أبو بكر: وحدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم؛ حدثنا موسى بن إسحاق؛ حدثنا أبو بكر؛ حدثنا ابن فضيل؛ قال أبو بكر بن مردويه: وحدثنا دعلج؛ حدثنا عبد الله بن محمد؛ حدثنا إسحاق بن إبراهيم؛ حدثنا جرير؛ كلاهما عن عمارة بن القعقاع؛ عن أبي زرعة؛ عن أبي هريرة ﵁ قال:\nقال رسول الله ﷺ: (انتَدَبَ اللهُ لِمَن خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ، لَا يَخرجُ إِلَّا جِهَادًا فِي سَبِيلِي، وَإِيمَانًا بِي، وَتَصدِيقَ رَسُولِي، فَهُوَ عَلَيَّ ضَامِنٌ أَن أُدخِلَهُ الجَنَّةَ، أَو أَرجِعَهُ إِلَى مَسكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنهُ، نَائِلًا مَا نَالَ مِن أَجرٍ أَو غَنِيمَة.\nوَالَّذِي نَفسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، مَا مِن كَلمٍ يُكلَمُ فِي سَبِيلِ اللهِ، إِلَّا جَاءَ يَومَ القِيَامَةِ كَهَيئَتِهِ يوم كُلِمَ، لَونُهُ لَونُ دَمٍ، وَرِيحُهُ رِيحُ مِسكٌ.\nوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْلَا أَن أشق عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَا فَعَدتُ خِلَافَ سَرِيَّةٍ تَغزُو فِي سَبِيلِ اللهِ أَبَدًا، وَلَكِن لَا أَجِدُ سَعَةً فَأَحْمِلَهُم، وَلَا يَجِدُونَ سَعَة فيتبعوني، وَلَا تَطِيبُ أَنفُسُهُم، فَيَتَخَلَّفُونَ بَعدِي.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم: ١٨٧٦، والبخاري: ٣٦.","vol":"1","page":446},{"text":"وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوَدِدتُ أَنِّي أَغزُو فِي سَبِيلِ اللهِ فَأُقتَلُ، ثُمَّ أَغزُو فَأُقتَلُ، ثُمَّ أَغزُو فَأُقتَلُ) (^١).\n* * *\n\n[٤٨٧] قال: وأخبرنا أبو بكر بن مردويه؛ حدثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم؛ حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو خالد الأحمر؛ عن شعبة؛ عن قتادة وحميد؛ عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: (مَا مِن نَفسٍ تَمُوتُ، لَهَا عِندَ اللهِ خَيرٌ، يَسُرُّهَا أَنَّهَا تَرجِعُ إِلَى الدُّنيَا، وأَنَّ لَهَا الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، إِلَّا الشَّهِيدُ يَتَمَنَّى أَن يَرجِعَ، فَيُقتَلَ فِي الدُّنيَا لِمَا يَرَى مِن فَضْلِ الشَّهَادَة) (^٢).\nقال: وحدثنا أبو بكر؛ حدثنا دعلج؛ حدثنا محمد بن علي بن زيد؛ حدثنا سعيد بن منصور؛ حدثنا عبد الله بن وهب؛ أخبرني أبو هانئ الخولاني؛ عن أبي عبد الرحمن الحبلي؛ عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (يَا أَبَا سَعِيدٍ، مَن رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسلَامِ دِينًا، وَمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَجَبَت لَهُ الجَنَّةُ)؛ فَعَجِبَ لَهَا أَبُو سَعِيدٍ، فَقَالَ: أَعِدهَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ الله، فَفَعَل، ثُمَّ قَالَ: (وَأُخرَى يُرفَعُ بِهَا العَبدُ مِائَةَ دَرَجَةٍ فِي الجَنَّةِ، مَا بَينَ دَرَجَتَينِ كَمَا بَينَ السَّمَاءِ وَالأَرضِ)، قَالَ: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قال: (الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ) (^٣).\n_________\n(^١) الحديث بأسانيد المؤلف، وهو عند مسلم بتمامه لكن بلفظ: (تضمن الله)، وأسنده كذلك إلى أحمد بن حنبل، وهو في مسنده: ٧١٥٧.\n(^٢) أخرجه مسلم برقم: ١٨٧٧، وأسنده إلى أحمد بن حنبل، وهو في مسنده: ١٣٩٦٤.\n(^٣) أخرجه مسلم برقم: ١٨٨٤، وأخرجه النسائي: ٣١٣١، وعندهما كرر آخر الحديث مرتين.","vol":"1","page":447},{"text":"قال أهل اللغة (^١): النَّدب: أن تدعو الرجل لأمر خطر، وانتَدَب هو، أي: أجاب، قال صاحب الغريبين (^٢): يقال نَدَبته للجهاد وغيره فانْتَدَب له، أي: أجاب.\nوقوله: (انتَدَبَ اللهُ لِمَن يَخرُج فِي سَبِيل الله)؛ أي: أجابه إلى غفرانه، وفي رواية: (تَضَمَّنَ اللهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ) (^٣)، وفي رواية: (تَكَفَّلَ اللهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ) (^٤)؛ قال أهل اللغة (^٥): ضَمِنْت ضَمَانًا: كَفَلْتُ به، وكلُّ شيء جعلته في وعاءٍ فقد ضَمَّنتَه إياه، والكقيل: الضَّامن، يقال: كفَل يكفُل كَفَالة، وأكْفَلتُه المال: ضمَّنْتُه إياه، وللكافل الذي يكفل إنسانا: يعوله.\nوقوله: (فَهُوَ عَلَيَّ ضَامِنٌ)؛ كأن قوله: (ضَامِنٌ)؛ تفسير قوله: (فَهُوَ عَلَيَّ)؛ أي: أنا ضامنٌ من أن أدخله الجنة، أي ضمِنْت أن أدخله الجنة، و(الكَلْمُ): الجِراحة، يقال: رجلٌ كليمٌ؛ أي: جريحٌ، والقوم كَلْمى.\nوفقه الحديث: أن تفجُّر كلْم الشهيد في القيامة زيادة كرامة له ليعلم أنه شهيد، وفي الحديث: فضيلة المجاهد في سبيل الله؛ إذا كان جهاده الله، وقوله: (أَوْ أَرْجِعَهُ)؛ رجع هاهنا متعدٍّ، و(العَرفُ) (^٦)؛ - بفتح العين وسكون الراء -: الرائحة، وقوله: (خِلَافَ سَرِيَّةٍ)؛ أي: خَلْف سرية، وقوله: (وَجُرحُهُ يَثعَبُ)؛\n_________\n(^١) مجمل اللغة: ٨٦٢.\n(^٢) الغريبين: ٦/ ١٨٢٠.\n(^٣) رواية مسلم وغيره.\n(^٤) كذلك عند مسلم، في حديث الباب، لكن بلفظ: (لمن جاهد).\n(^٥) مجمل اللغة: ٥٦٦، تهذيب اللغة: ١٢/ ٣٦، جمهرة اللغة: ٢/ ٩١١.\n(^٦) في رواية عند مسلم: (والعرف عرف المسك).","vol":"1","page":448},{"text":"أي: يسيل، قال صاحب المجمل (^١): انثَعَب الدم من الأنف، ومَثْعَب المطر من ذلك، والثَّعْبُ: مسيل الماء في الوادي.\nوفي الحديث دلالة أن الشهيد لا يألَمه القتل، ودلالة أنه يُحب القتل مرة بعد أخرى؛ لما يرى من الثواب والدرجات بسبب الشهادة، وفيه بيان أن النبي ﷺ كان يتخلَّف عن الغزوِ شفقةً على أصحابه، و(ضَامِنٌ)؛ يحتمل أن يكون مصدرًا بمعنى الضَّمان، وقوله: (لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا إِيمَانًا وَتَصْدِيقًا)؛ كان المعنى: لا يخرجه الجهادُ إلا إيمانًا وتصديقًا، فالفاعل مقدَّر، وانتصب: (إيمَانًا)؛ على أنه مصدر لعلَّة.\n\n<span data-type='title' id=toc-338>ومن باب غدوة في سبيل الله أو روحة</span>\n[٤٨٨] (غَدْوَةٌ) (^٢): فَعْلَة من غدا يغدو، و(رَوْحَة): من راح يروح، يقال: غدا يغدو غُدُوَّا، والغَدْوَةُ: المرة الواحدة، والغَدْوَة: اسم الوقت، والغَادِية: سحابة تنشأ صباحًا، والرَّوَاح: السير آخر النهار، والغَدْوُ: السير أول النهار.\n\n<span data-type='title' id=toc-339>ومن باب فضل القتل في سبيل الله</span>\nأخبرنا محمد بن أحمد بن علي؛ أخبرنا أبو بكر بن مردويه؛ حدثنا أحمد بن الحسن؛ حدثنا عبد الله بن محمد؛ حدثنا إسحاق بن إبراهيم؛ قال: أخبرنا جرير وعيسى بن يونس؛ عن الأعمش؛ عن عبد الله بن مرة؛ عن مسروقٍ؛ عن عبد الله بن مسعود: أنه سُئِلَ عَن أَروَاحِ الشُّهَدَاءِ فَقَالَ: قَد سَأَلنَا عَن ذَلِكَ فَقَالَ:\n_________\n(^١) مجمل اللغة: ١٥٩.\n(^٢) حديث أنس: أخرجه مسلم برقم: ١٨٨٠، وأخرجه البخاري: ٢٧٩٢.","vol":"1","page":449},{"text":"(أَروَاحُهُم كَطَيْرٍ خُضْرٍ، وَلَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَة في العَرشِ، تَسرَحُ حَيثُ شَاءَت، ثُمَّ تَأوِي إِلَى قَنَادِيلِهَا، فَبَينَا هُم عَلَى ذَلِك إِذ طَلَعَ عَلَيهِم رَبُّكَ إِطلَاعَةً، فَيَقُولُ: مَا تَشتَهُونَ، فَيَقُولُونَ: وَمَا نَشتَهِي وَنَحْنُ نَسرَحُ فِي الجَنَّةَ حَيثُ شِئنَا، فَإِذَا رَأَوا أَن لَابُدَّ مِن أَن يَسأَلُوا، قَالُوا: تَرُدُّ أَرواحَنَا فِي أَجسَادِنا فَنُقَاتِل فِي سَبِيلٍ الله، فَنُقْتَل مَرَّة أُخرَى، فَإِذَا رَأَى أَن لَا يَسأَلُوا شَيئًا تَرَكَهُم) (^١).\n* * *\n\n[٤٨٩] وفي كتاب مسلم: (أَروَاحُهُم فِي جَوفِ طَيرٍ خُضر)؛ وفيه: (قَالُوا: أَيُّ شَيْءٍ نَشتَهِي وَنَحْنُ نَسرَحُ مِنَ الجَنَّةِ حَيثُ شِئنَا، فَفَعَلَ بِهِم ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا رَأَوا أَنَّهُم لَم يُترَكُوا مِن أَن يُسأَلُوا، قَالُوا: يَا رَبِّ، نُرِيدُ أَن تَرُدَّ أَروَاحَنَا فِي أَجسَادِنَا حَتَّى نُقتَلَ فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخرَى، فَلَمَّا رَأَى أَن لَيسَ لَهُم حَاجَةٌ تُرِكُوا) (^٢).\nفي الحديث دلالة أن الشهادة أفضل الأسباب الموجبة للجنة، إذ يتمنى الشهيد القتل مرة أخرى؛ مع ما في ذلك من الألم لفضل الشهادة، في هذا الحديث: خصوصية للشهداء بأن أرواحهم تسرح في الجنة حيث شاءت، وأنها تُصَوَّر في صورة طيرٍ خضر؛ حتى ترد إلى أجسادها؛ فيكمُل لها ثوابها.\n* * *\n_________\n(^١) لفظ الحديث عند النسائي: ٢٨٠١، وأصله عند مسلم؛ وهو الحديث الآتي.\n(^٢) حديث ابن مسعود: أخرجه مسلم: ١٨٨٧، وأبو داود: ٢٥٢٠.","vol":"1","page":450},{"text":"<span data-type='title' id=toc-340>ومن باب أن القتل في سبيل الله يكفر كل شيء إلا الدين</span>\n[٤٩٠] فيه حديث عبد الله بن عمرو (^١): ومن طريق عياشٍ بن عبّاسٍ القِتْبَانِي، عَيَّاشٌ: بالشين المعجمة، وأبوه عبَّاسٌ: بالسين المهملة، والقِتَبَاني: بكسر القاف وبعدها تاء فوقها نقطتان، وبعد التاء باء تحتها نقطة، وقِتْبَان: قبيلة من قبائل اليمن؛ انتقلوا إلى مصر، وفي الحديث: تعظيم أمر الدَّيْن وتشديده؛ إذ لا كفارة له؛ إلا الإبراءَ والأداء.\n\n<span data-type='title' id=toc-341>ومن باب أفضل الناس المجاهد بالمال والنفس</span>\n[٤٩١ - ٤٩٢] فيه حديث أبي سعيد الخدري ﵁ (^٢)، وحديث بَعجة - بالباء -، عن أبي هريرة ﵁ (^٣)؛ قال أبو عبيد (^٤): (الهَيعَة): الصوت [الذي] (^٥) تفزع منه وتخافه من عدُوّ، وقوله: (طَارَ عَلَيْهِ)؛ أي: أسرع، قال:\nطارُوا إِليه زُرَافاتٍ ووُحْدانا (^٦)\nوقوله: (فِي رَأسِ شَعَفَةٍ مِن هَذِهِ الشَّعَفِ)؛ الشَّعَفَةُ: رأس الجبل، والجمع: شعَفات وشَعَفٌ، ويقال: ضُرب فلانٌ على شَعَفات رأسه؛ أي: أعالي رأسه،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم: ١٨٨٦، وأحمد: ٧٠٥١.\n(^٢) أخرجه مسلم: ١٨٨٨، والبخاري: ٢٧٨٦.\n(^٣) أخرجه مسلم ١٨٨٩، وابن ماجة: ٣٩٧٧.\n(^٤) غريب الحديث: ١/ ٦.\n(^٥) في الأصل: (التي).\n(^٦) عجز بيت لقُريظ بْن أُنَيف العنبري، وصدره: (قَوْمٌ إِذا الشَّرُّ أبْدَى ناجِذَيه لهم)، ينظر: عيون الأخبار لابن قتيبة: ١/ ٢٨٥، العقد الفريد: ٢/ ٣٣٢، شرح ديوان الحماسة للتبريزي: ١/ ٤.","vol":"1","page":451},{"text":"وشَعَفة القلب: رأسه عند مُعَلَّق النِّياط، ولذلك يقال: شَعَفَه الحُبّ؛ كأَنه غَشِيَ قلبَه من فوق.\nوفي رواية أسامة بن زيد؛ عن بعجة: (في شِعبٍ مِنَ الشِّعَابِ) (^١)؛ قال أهل اللغة (^٢): الشَّعب: ما انفرج بين الجبلين.\nوفي رواية أبي حازم: (فِي شِعبَةٍ مِن هَذِهِ الشِّعَابِ)؛ كأن الشِّعْبَة والشِّعْب لغتان، وقوله: (يَبتَغِي القَتلَ وَالمَوتَ مَظَانَّهُ)؛ مظانَّه: نصب على الظرف، أي: في مظانِّه، مظانه، يعني: في يعني: في معدنه وموضعه، قال أبو عبيد قال أبو عبيد (^٣): المَظنَّة: المنزل المُعَلَّم، وقال صاحب المجمل (^٤): مَظِنَّة الشيء: موضعه؛ ومَأْلفه، قال الشاعر:\nفَإِنَّ مَظِنَّةَ الجَهْلِ الشَّبَابُ (^٥)\nوفي الحديث دليل على فضل العزلة [وحب] (^٦)؛ الانقطاع عن الخلق، والهاء في قوله: (مَظَانَّهُ)؛ راجعة إلى القتل والموت، أي: يبتغي القتل أو الموت في موضع الشهادة، وفي الحديث دليل أن الجهاد أفضل الأعمال؛ إذا أريد به وجه الله، وقوله: (عَلَى مَتنِهِ)؛ أي: على ظهره، وقوله: (حَتَّى يَأْتِيَهُ اليَقِينُ)؛ أي:\n_________\n(^١) حديث أبي هريرة أعلاه: (١٨٨٨)، وأسامة بن زيد هو الليثي مولاهم المدني، أحد الرواة التابعين؛ توفي سنة ١٥٣ هـ، ينظر: الطبقات الكبرى: ٥/ ٤٤٩، تهذيب الكمال: ٢/ ٣٤٧.\n(^٢) مجمل اللغة: ٥٠٤، مقاييس اللغة: ٣/ ١٩٢، تهذيب اللغة: ١/ ٢٨٣.\n(^٣) مجمل اللغة: ٥٩٩، المخصص: ١/ ٥٠٣.\n(^٤) ابن فارس: نفس المصدر.\n(^٥) عجز بيت للنابغة الذبياني، وصدره: (فَإِن يَك عامر قد قَالَ جهلا)، ينظر: الشعر والشعراء: ٢/ ٨١٨، تحسين القبيح للثعالبي: ٦٢، اللسان: ١٣/ ٢٧٤.\n(^٦) غير واضحة في الأصل.","vol":"1","page":452},{"text":"الموت، وقوله: (ليسَ مِنَ النَّاسِ إِلَّا فِي خَير)؛ أي: لا يناله منهم أذىً؛ ولا ينالهم منه أذىً، لا يأثم بسببهم؛ ولا يأثمون بسببه.\n\n<span data-type='title' id=toc-342>ومن باب الرجلين يقتل أحدهما الآخر</span>\n[٤٩٣] فيه حديث أبي هريرة ﵁ (^١): الضحك في صفات الله ﷿ مما يجب الإيمان به والتسليم له.\n* * *\n\n[٤٩٤] وقوله: (ثُمَّ سَدَّدَ) (^٢)؛ أي: صار سديدا؛ أي: مستقيم القول والفعل، وفي حديث أبي بكر ﵁: وسئل عن الإزار فقال: (سَدِّد وَقَارِب) (^٣)؛ سَدِّدْ: من السَّداد؛ وهو القدر الذي لا يعاب، وقَارِبْ: أي: لا تُرْخ إزارك فتُفرط في إسباله، ولا تُقَلِّصه فتُفرط في تشميره، ولكن بين ذلك، وسدّد لازم ومتعدٍّ، يقال: سدَّده؛ أي: حمله على السداد، وسدَّد هو؛ أي: استعملَ السّداد؛ وهو القصد، والقصد: الواسطة بين الأمرين؛ لا غالٍ ولا جافٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-343>ومن باب من حمل على ناقة في سبيل الله</span>\n[٤٩٥] في الحديث (^٤)، دلالة على تضعيف النفقة في سبيل الله، وأن لسبيل الله خصوصيةً على غيره من أعمال البر.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم: ١٨٩٠، وأحمد برقم: ٨٢٢٤.\n(^٢) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم: ١٨٩١، وأبو داود: ٢٤٩٥، والنسائي: ٣١٠٩.\n(^٣) أخرجه أبو نعيم في الحلية: ٤/ ٣٦٠.\n(^٤) حديث أبي مسعود الأنصاري: أخرجه مسلم: ١٨٩٢، والنسائي: ٣١٨٧.","vol":"1","page":453},{"text":"<span data-type='title' id=toc-344>ومن باب الدال على الخير كفاعله</span>\n[٤٩٦] فيه حديث أبي مسعود الأنصاري (^١): قوله: (إِنِّي أُبَدعَ بِي فَاحْمِلني)؛ قال أبو عبيد: يقال للرجل إذا عَطِبت رِكابه؛ وبقي منقطعًا به في سفره: قد أُبْدِع به (^٢).\nوفي الحديث دليل أن من انقطع به من الغُزاة؛ فعلى الإمام حملُه من بيت المال، وفيه فضل الدلالة على الخير؛ فإن الدَّالّ والفاعل شريكان في الأجر.\n\n<span data-type='title' id=toc-345>ومن باب فضيلة من جهز غازيا</span>\n[٤٩٧] حديث زيد بن خالد الجهني ﵁ (^٣): يقال: جهَّزت فلانًا؛ أي: هيّأت جِهاز سفره، وهو المركوب وآلات السفر، وقوله: (خَلَفَهُ فِي أَهْلِهِ)؛ يقال: خَلَفَ فلانٌ فلانًا: إذا سافر هو؛ فأقام هذا بعده.\nوفيه من الفقه: أن من وجب عليه الجهاد؛ لم يجز له التخلُّف عنه، فإن عرضت له علة، فجهز غازيًا، كان له من الأجر كأجر من غزا.\n* * *\n\n[٤٩٨] وقوله: (لِيَنَبعِث) (^٤)؛ أي: ليخرج، يقال: بَعَثْه فانبَعَث؛ أي: أشخصته فشخص.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم: ١٨٩٣، وأبو داود: ٥١٢٩.\n(^٢) غريب الحديث: ١/ ٩ ونسبه لأبي عبيدة، وينظر كذلك تهذيب اللغة: ٢/ ١٤٣، والصحاح: ٢/ ٥٠٣.\n(^٣) أخرجه مسلم: ١٨٩٥، والبخاري: ٢٨٤٣.\n(^٤) حديث أبي سعيد: أخرجه مسلم: ١٨٩٦، وأبو داود: ٢٥١٠.","vol":"1","page":454},{"text":"<span data-type='title' id=toc-346>ومن باب حرمة نساء المجاهدين</span>\n[٤٩٩] قوله: (يَخلُفُ رَجُلًا مِنَ المُجَاهِدِينَ فِي أَهلِهِ) (^١)؛ يخلف مستقبل خَلَف، بتخفيف اللام، و(يَخُونُ): مستقبل خان.\nوكذلك: (خَلَفَ الخَارِجَ فِي أَهلِهِ) (^٢)؛ بتخفيف اللام، قوله: (الخارج)؛ نصب مفعول خلف، و(لِحيَان)، بكسر اللام قبيلة، و(المَهرِي)؛ منسوب إلى مَهْرَة وهي قبيلة.\nوفي الحديث خصوصية في حق المجاهد إذا خانه القاعد عن الجهاد في أهله، بأنه يوقَف فيؤخذ من حسناته، ولم يرد هذا في حقِّ غير المجاهد.\n\n<span data-type='title' id=toc-347>ومن باب: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ﴾ [النساء: ٩٥]\n[٥٠٠]</span> (الضَّرَارَةُ) (^٣): مصدر الضَّرير، وفي الحديث: دلالة على إباحة وجوه القراءات، وأن القرآن كان يعرض على النبي ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-348>ومن باب ذكر ما جاء في القتل في سبيل الله</span>\n[٥٠١] فيه حديث البراء ﵁: (جَاءَ رَجُلٌ مِن بَنِي النَّبِيتِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ (^٤)، النَّبِيتُ - بفتح النون بعدها باء تحتها نقطة واحدة، وبعد الباء ياء تحتها نقطتان وبعدها تاء فوقها نقطتان -: قبيلة من الأنصار، وفي الحديث دليل أن الأعمال\n_________\n(^١) حديث بريدة: أخرجه مسلم: ١٨٩٧، وأبو داود: ٢٤٩٦.\n(^٢) حديث أبي سعد قبله.\n(^٣) حديث البراء: أخرجه مسلم: ١٨٩٨، والبخاري: ٢٨٣١.\n(^٤) أخرجه مسلم: ١٩٠٠، والبخاري: ٢٨٠٨.","vol":"1","page":455},{"text":"بالخواتيم، ويجب على المرء أن يكون حذرًا من خاتمة أمره.\n\n<span data-type='title' id=toc-349>ومن باب بعث العيون في الغزو</span>\n[٥٠٢] فيه حديث أنس ﵁: (بَعَثَ النَّبي ﷺ بُسَيسَةَ عَيْنًا) (^١)؛ بُسَيْسَةً: بضم الباء؛ وبعدها سين مهملة؛ وبعد السين ياء تحتها نقطتان؛ وبعد الياء سين مهملة، و(الظَّهرُ): الرِّكاب، والجمع الظُّهران، و(عُلوِ المَدِينَةِ): أعلاها، وقوله: (إِنَّ لَنَا طَلِبَةً)؛ أي حاجةً نطلُبها؛ أي: مطلوبًا، وقوله: (حَتَّى أَكُونَ أَنَا دُونَهُ)، أي: قُدَّامه.\nوقوله: (عُمَيرُ بنُ الحُمَامِ): بضم الحاء وتخفيف الميم، وقوله: (إِلَّا رَجَاءَةَ أَن أَكُونَ)؛ أي: رجاءَ أن أكون، يقال: رَجا يرجو رجاءً ورجاءةً.\nوفي هذا الحديث: سنة إنفاذ الطَّلائع، وفضيلةُ الجهاد؛ واتّباعِ أمر الإمام، والمخاطرةُ بالنّفس رجاء الفوز.\n* * *\n\n[٥٠٣] وقوله: (تَحتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ) (^٢)؛ أي: من جاهد العدوَّ بسيفه استوجب الجنة بفعله، فإذا نالها بذلك؛ كانت كأنها تحت ظِلال السيوف.\n* * *\n\n[٥٠٤] وفي حديث أنس ﵁ قال: (وَأَتَى رَجُلٌ حَرَامًا، خَالَ أَنَسٍ ﵄ مِن خَلفِهِ، فَطَعَنَهُ بِرُمحٍ حَتَّى أَنفَذَهُ، فَقَالَ حَرَامٌ فُرْتُ وَرَبِّ الكَعْبَةِ) (^٣)؛ قال أهل\n_________\n(^١) أخرجه مسلم: ١٩٠١، وأحمد: ١٢٣٩٨.\n(^٢) حديث عبد الله بن قيس: (أبو موسى الأشعري): أخرجه مسلم: ١٩٠٢، والترمذي: ١٦٥٩.\n(^٣) أخرجه مسلم: ٦٧٧، وأحمد: ١٣٨٥٤.","vol":"1","page":456},{"text":"اللغة (^١): نَفَذَ السهم في الرَّمِية: إذا وقع فيها، وأَنفَذته أنا، وقوله: (فُرْتُ)؛ أي: نجوتُ، يقال: فاز يفوز فوزًا، أي: نجوت من محن الدنيا؛ وعذابِ الآخرة.\n* * *\n\n[٥٠٥] وفي حديث أنس بن النضر: (وَاهًا لِرِيحِ الجَنَّةِ) (^٢)؛ قال أهل اللغة (^٣): وَاهًا: كلمة تعجُّب، قال أبو النَّجم:\nواهًا لِرَيَّا ثُمَّ وَاهَا وَاهَا\nيَا لَيْتَ عَيْنَيْهَا لَنَا وَفَاهَا\nبِثَمَنٍ نُّرْضِي بِهِ أَبَاهَا (^٤)\nو(البَنَانُ): أطراف الأصابع، وقوله: ﴿قَضَى نَحْبَهُ﴾ [الأحزاب: ٢٣]، النَّحبُ: النَّذر، أي: وَفَى بعهده.\n\n<span data-type='title' id=toc-350>ومن باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا</span>\n[٥٠٦] في الحديث (^٥)؛ دلالة أن كل عملٍ من الطاعة؛ عُمِل لينال به دنيا؛ لم ينفع صاحبه، إنما ينفعُه ما أراد به الله، وقوله: (يُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ)؛ أي: لِتُعرفَ شجاعته، وقوله: (لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ أَعلَى)؛ يعني: دِينَه، وقوله: (وَيُقَاتِلُ\n_________\n(^١) مجمل اللغة: ٨٧٨، تهذيب اللغة: ١٤/ ٣١٤.\n(^٢) حديث أنس: أخرجه مسلم: ١٩٠٣، والترمذي: ٣٢٠٠.\n(^٣) تهذيب اللغة: ٦/ ٢٥٥، مجمل اللغة: ٩١٣، الصحاح: ٢/ ٢٢٥٧.\n(^٤) الرجز لأبي النجم الفضل بن قدامة العجلي: (١٣٠ هـ)، ورجزه هذا مشهور في كتب اللغة والأدب، خاصة في الشواهد اللغوية، ينظر: إصلاح المنطق: ٢٠٩، أمالي القالي: ١/ ٧٧، مجمع الأمثال للنيسابوري: ٢/ ٩٢، وديوانه: ٤٤٩.\n(^٥) حديث أبي موسى: أخرجه مسلم: ١٩٠٤، والبخاري: ٢٨١٠.","vol":"1","page":457},{"text":"ريَاءً)؛ فيه دلالة أن الرياء يُبطِل العمل.\n\n<span data-type='title' id=toc-351>ومن باب من قاتل للسمعة</span>\n[٥٠٧] فيه حديث أبي هريرة ﵁: (فَقَالَ لَهُ نَاتِلُ؛ أَحَدٌ أَهلِ الشّامِ) (^١):، وفي رواية: (أَخُو أَهْلِ الشّامِ) (^٢)؛ يقول: العرب: يا أخا العرب، أي: يا واحدًا من العرب، و(نَاتِلٌ): بالنون والتاء المعجمة بنقطتين من فوقها.\nفي الحديث دلالة على فضيلة تعليم القرآن، ووعيد لمن تعلَّم وعلَّم رياءً.\n* * *\n\n[٥٠٨] وفي حديث: (مَا مِن غَازِيَةٍ تغزو، أَو سَرِيَّةٍ تُخفِقُ وَتُصَابُ، إِلَّا تَمَّ أُجُورُهُمْ) (^٣)؛ الإخْفَاقُ: أن تغزو فلا تغنم شيئًا، يقال: أخفق الصائد: إذا لم يُدرك صيدًا، وقوله: (تُصَابُ)؛ أي: تُقْتَل.\n* * *\n\n[٥٠٩] وحديث: (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ) (^٤)؛ فيه دلالة أن كل عمل تعرَّى من النية فهو باطل، وهو على العموم.\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه مسلم: ١٩٠٥، وهي رواية ابن ماهان الصحيح مسلم، وفي النسخ المطبوعة: (ناتل أهل الشام)، وناتل: هو ناتل بن قيس الجذامي أحد التابعين، ينظر: مشارق الأنوار: ٢/ ٣٥، والحديث عند البخاري أيضا برقم: ٢٨١٠.\n(^٢) عند الحاكم في المستدرك برقم: ٣٦٤، والبيهقي في السنن الكبرى برقم: ١٨٥٨٩.\n(^٣) حديث عبد الله بن عمرو: أخرجه مسلم: ١٩٠٦، وأبو داود: ٢٤٩٧.\n(^٤) حديث عمر: أخرجه مسلم: ١٩٠٧، والبخاري: ١.","vol":"1","page":458},{"text":"<span data-type='title' id=toc-352>ومن باب من طلب الشهادة صادقا</span>\n[٥١٠] فيه (^١)؛ دلالة أن الثواب بقدر النّية، وأن من انقطع إلى الله؛ لم يَحْرِمه الله أجر ما نوى.\n\n<span data-type='title' id=toc-353>ومن باب من مات ولم ينو الجهاد</span>\n[٥١١] فيه (^٢)؛ دلالة على التغليظ في ترك الغزو، وحثٌّ على الجهاد، وقوله: مَاتَ عَلَى شُعَبَةٍ مِن نِفَاقٍ؛ أي: أن الجهاد على كل مسلم؛ إما وجوبًا وإما اختيارًا، فمن ترك ذلك؛ لم يُؤْمَن عليه النفاق، وقال عبد الله بن المبارك: (نُرَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-354>ومن باب الغزو في البحر</span>\n[٥١٢] حديث أم حرام بنت ملحان قوله: (يَركَبُونَ ثَبَجَ هَذَا البَحرِ) (^٤)؛ أي: ظهرَ هذا البحر، في الحديث دليل أن الغازيَ إذا كان طريقه على البحر؛ جاز له ركوب البحر، قال الخطابي (^٥): وقال غير واحد من العلماء، أن عليه ركوب البحر في الحج؛ إذا لم يكن له طريق غيره، وقال الشافعي ﵁ (^٦): لا يَبِين لي أن ذلك يلزمه، وحديث: (لَا تَرْكَبِ البَحْرَ إِلَّا حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًّا أَوْ\n_________\n(^١) حديث أنس: أخرجه مسلم: ٩٠٨\n(^٢) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم: ١٩١٠، وأبو داود: ٢٥٠٢.\n(^٣) عند مسلم في حديث الباب، عن ابن سهم شيخه عن ابن المبارك.\n(^٤) أخرجه مسلم: ١٩١٢، والبخاري: ٢٧٨٨.\n(^٥) معالم السنن: ٢/ ٢٣٧.\n(^٦) الأم: ٢/ ١٣٢، مختصر المزني: ٨/ ١٥٨، الحاوي الكبير: ٤/ ١٨.","vol":"1","page":459},{"text":"غَازِيّا) (^١)؛ ضعف أصحاب الحديث إسناده (^٢).\nوقوله: (تَفلِي رَأسَهُ)؛ كانت من خالات النبي ﷺ، ولذلك استجاز النبي ﷺ أن تفلي رأسه، قال أصحاب التواريخ (^٣): قبرها بقُبرس، وأهل قُبرسَ يستسقون به، ويسمُّون قبرَها قبر المرأة الصالحة، و(الأسِرَّةُ): جمع السّرير، وفي مدح النبي ﷺ شهداء البحر دلالة على جواز ركوب الغُزاة البحر، وفضيلةٌ للغُزاة في البحر.\n* * *\n\n[٥١٣] وفي حديث أبي هريرة ﵁: (المَطعُونُ، وَالمَبْطُونُ، وَالغَرقُ، وَصَاحِبُ الهَدم، وَالشَّهِيدُ فِي سَبيل الله) (^٤)؛ المَطْعُونُ: الذي أصابه الطَّاعون، والمَبْطُونُ: الذي أصابه علَّةُ البطن.\n* * *\n\n[٥١٤] وقوله: في حديث عقبة بن عامر: (فَلَا يَعْجِزُ أَحَدُكُم أَن يَلهُوَ بِأَسْهُمِهِ) (^٥)، فيه دلالة على استحباب الرمي، وتعلمه لجهاد العدوِّ، وروي عن\n_________\n(^١) رواه أبو داود: ٢٤٨٩؛ عن سعيد بن منصور؛ وهو في مسنده: ٢٣٩٢، ورواه الطبراني في الكبير: ١٤٤٩٩.\n(^٢) قال ابن عبد البر: (هو حديث ضعيف مظلم الإسناد لا يصححه أهل العلم بالحديث لأن رواته مجهولون لا يعرفون) التمهيد: ١/ ٢٤٠، وقال ابن الملقن في خلاصة البدر المنير: ١/ ٣٤٤: (هو ضعيف باتفاق الأئمة، قال البخاري: ليس بصحيح، وقال: أحمد: غريب، وقال أبو داود: رواته مجهولون، وقال الخطابي: ضعفوا إسناده، وقال صاحب الإلمام: اختلف في إسناده)، وينظر: السلسلة الضعيفة للألباني رقم: ٤٧٨.\n(^٣) ينظر: تاريخ خليفة بن خياط: ١٦٠، فتوح البلدان للبلاذري: ١٥٤، تاريخ دمشق لابن عساكر: ٧٠/ ٢٧٠، سير أعلام النبلاء: جزء الخلفاء / ١٧٠.\n(^٤) أخرجه مسلم: ١٩١٤، والبخاري: ٦٥٢.\n(^٥) أخرجه مسلم: ١٩١٨، والترمذي: ٣٠٨٣.","vol":"1","page":460},{"text":"عقبة بن عامرٍ خارج الصحيح قال: قال رسول الله ﷺ: (كُلُّ شَيء يَهُو بِهِ الرَّجُلُ\nبَاطِلٌ، إِلَّا رَميَهُ بِقَوسِهِ، وَتَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ، وَمُلَاعَبَتَهُ امْرَأَتَهُ، فَإِنَّهُنَّ مِنَ الحَقِّ) (^١)؛\nبين ﷺ أن جميع أنواع اللهو محظورٌ، إلا هذه الثلاثة: فالرميُ يُتقَوَّى به على جميع مجاهدة العدوّ، وتأديبُ الفرس يُستعان به أيضا على ذلك، ومُداعبةُ الأهل من اللهو المباح.\n* * *\n\n[٥١٥] وفي حديث عبد الله بن عمرو ﵁: (يَبْعَثُ اللهُ رِيحًا كَرِيحَ الْمِسْكِ مَسُّهَا مَسُّ الْحَرِيرِ، فَلَا تَترُكُ نَفْسًا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنَ إِيمَانٍ إِلَّا قَبَضَتهُ، ثُمَّ يَبقَى شِرَارُ النَّاسِ عَلَيهِم تَقُومُ السَّاعَةُ، وَهُم عَلَى ذَلِكَ) (^٢)؛ فقال عبد الله بن عمرو: (أَجَل؛ ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ رِيحًا كَرِيح المسكِ)؛ وذكر الحديث، وفي الحديث دليل أن نزع روح المؤمن قد يهون عليه.\n* * *\n\n[٥١٦] وقوله: (فَبَادِرُوا بِهَا نِقيَهَا) (^٣)؛ النِّقْيُّ: الشَّحم والمُخّ.\n* * *\n\n[٥١٧] وفي حديث: (لَا يَأْتِيَنَّ أَهْلَهُ طُرُوقًا) (^٤)؛ الطُّرُوقُ: المجيء بالليل خاصّةً، والاسْتِحْدَادُ: الاستحلاق، وقوله: (أَن يَتَخَوَّنَهُم)؛ أي: أن يتعهَّدَهم\n_________\n(^١) رواه أبو داود: ٢٥١٣، والترمذي: ١٦٣٧ بنحو هذا اللفظ.\n(^٢) أخرجه مسلم: ١٩٢٤، مسلم: ١٩٢٤، وذكر: (وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ) في آخر الحديث سهو، وإنما ذلك في أصل الحديث قبله، وهو قول النبي ﷺ: (لَا تَزَالُ عِصَابَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ، قَاهِرِينَ لِعَدُوِّهِمْ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ).\n(^٣) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم: ١٩٢٦، والترمذي: ٢٨٥٨.\n(^٤) حديث جابر: أخرجه مسلم: ٧١٥، والبخاري: ٥٢٤٣.","vol":"1","page":461},{"text":"لطلب رِيبَةٍ.\n* * *\n\n[٥١٨] وقوله: (فَليُعَجِّل إِلَى أَهْلِهِ) (^١)؛ فيه دليل أن المسافر لا يخلو من نقص يلحقه في الواجب عليه، والنهي عن الطُّروق إنما هو لِئلا يصادفَ منها حالةً مكروهةً.\n* * *\n_________\n(^١) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم: ١٩٢٧، والبخاري: ١٨٠٤.","vol":"1","page":462},{"text":"<span data-type='title' id=toc-355>ومن كتاب الصيد والذبائح</span>\n[٥١٩] حديث عدي بن حاتم ﵁: (المعراضُ) (^١): سهم بلا ريش ولا نصل؛ ويصيب بعرض عوده دون حدِّه، وقوله: (فَخَزَقَ)؛ أي: فأصاب الصيد بِشَقّ، يقال: خَزَق السهمُ القرطاس، وخَسَق بالسين أيضا: إذا أصابه ودخل فيه.\nوقوله: (فإِن أَصَابَهُ بِعَرْضِ، فَلَا تَأكُلهُ) (^٢)؛ وفي رواية: (فَهُوَ وَقِيذٌ)؛ الوَقْذُ: شدّة الضّرب، وشاة مَوْقُوذَة: قُتلت بالخشب، قال أهل التفسير (^٣): المَوْقُوذَة: التي تقتل بما لاحد له؛ فتموت بلا ذكاة، وفي حديث: (فَوَقَذَ النِّفَاقَ) (^٤)، أي: دمغه وكسره، وقالت عائشة ﵂ في صفة أبيها ﵁: (كَانَ وَقِيلَ الجَوَانِحِ) (^٥)؛ أي: محزون القلب؛ كأن الحزن قد ضعفه وكسره، والجوانح تُجِنُّ القلب.\nقال أصحاب الشافعي ﵀ (^٦): يصاد الصيد بأشياء، فمنها كلب معلم؛ ومنها جارح مكلب؛ ومنها سهم مرسل، فكل ما كان ....\n_________\n(^١) أخرجه مسلم: ١٩٢٩، والبخاري: ٥٤٧٧.\n(^٢) في النسخ الأخرى: (بعرضه)، وفي هامش الطبعة التركية: ٦/ ٥٦ إشارة إلى ما أثبته المؤلف.\n(^٣) ينظر تفسير الطبري: ٩/ ٤٩٦، تفسير الماوردي: ٢/ ١١، تفسير البغوي: ٢/ ١٠.\n(^٤) من خطبة عائشة ﵂ في أهل البصرة تصف أباها، أخرج القصة ابن طيفور في بلاغات النساء: ص ٨، وكذلك أخرجها اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد: ٢٤٧٣.\n(^٥) أخرجه الطبراني في الكبير: ٣٠٠.\n(^٦) ينظر: الحاوي الكبير: ١٥/ ٦، المهذب للشيرازي: ١/ ٤٦٠.","vol":"1","page":463},{"text":"[...................] (^١)\n* * *\n\n[٥٢٠] ......... أنواعه فإن الطافي منه حلال (^٢)؛ و(الجَزَائِر) (^٣): جمع الجزور، و(سِيفِ الْبَحْرِ): شاطئه - بكسر السين -.\n\n<span data-type='title' id=toc-356>ومن باب النهي عن لحوم الحمر الإنسية</span>\nهذه الأحاديث: دلالة أن الحُمُر إنما حرمت لما خيف من فَنائها، وضِيقِ الأمر فيها على النّاس، والأمرُ يردُ عن النبي ﷺ لعلّة ولغير علّة، وعلى أي: وجهٍ كان؛ يجب قبولُه والعملُ به.\n* * *\n\n[٥٢١] وقوله: (أَنِ اكفَئُوا القُدُورَ) (^٤)؛ بوصل الألف وفتح الفاء، من قولك: كَفَأْت الإناء: إذا قَلَبتَه، قال ابن السِّكِّيت (^٥): كَفَأْتُ الشيء بلا ألف، وقال غير ابن السّكّيت: أَكْفَأت الشيء: إذا أمَلْتُه، وقوله: (لَم تُخَمَّس)؛ أي: لم يؤخذ منها الخُمُس.\n_________\n(^١) سقط في الأصل؛ من الحديث ١٩٢٩ إلى الحديث ١٩٣٥، حوالي ستة أحاديث.\n(^٢) المؤلف في سياق الحديث عن ميتة البحر، وما ورد عن ذلك في حديث سرية الخَبَط، وقد حصل نقاش بين الفقهاء في حكم الطافي، وهو ما مات حتف أنفه في البحر وطفا على الماء، فمذهب الحنفية التحريم؛ وحده عندهم أن يكون بطنه لأعلى، وذهب الجمهور؛ منهم الشافعية إلى جواز ميتة البحر ولو طافية، ينظر البدائع: ٩/ ٣٥، المدونة: ١/ ٤٥٢، الأم: ٢/ ٢٥٢، المغني: ٩/ ٣٩٤.\n(^٣) حديث جابر: أخرجه مسلم: ١٩٣٥، والبخاري: ٤٣٦١.\n(^٤) حديث ابن أبي أوفى: أخرجه مسلم: ١٩٣٧، والبخاري: ٣١٥٥.\n(^٥) ينظر: مجمل اللغة: ٧٨٨، تهذيب اللغة: ١٠/ ٢١٠، الصحاح: ١/ ٦٨.","vol":"1","page":464},{"text":"[٥٢٢] و(الحَمُولَةُ) (^١)؛ - بفتح الحاء -: الدوابّ التي يُحمل عليها.\n\n<span data-type='title' id=toc-357>ومن باب أكل لحوم الخيل</span>\n[٥٢٣] في هذه الأحاديث (^٢): دلالة على إباحة لحوم الخيل، ولم يرِد في تحريمه خبرٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-358>ومن باب أكل الضب</span>\n[٥٢٤ - ٥٢٥] (الأُضُبُّ) (^٣): جمع الضَّب، و(التَّقَذُّرُ): التجنُّب؛ من القَذَر، و(أَعَافُهُ) (^٤)؛ أي: أكرهه، وفي الحديث دلالة على إباحة اتِّخاذ الموائد، وفيه دليل أن من المطاعم طيّبًا وغير طيّبٍ، والضَّبّ غيرُ طيّب، إلا أنه لم ينزل فيه تحريم، يقال: قَذِرت الشيء واستقذرته، والقَذَرُ: ضد النظافة، قال صاحب المجمل (^٥): قَذِرت الشيء قَذَرًا إذا كرهته، قال: (وقَدَرِي مَن لَيْسَ بِالمَقْذُورِ) (^٦)؛ ورجل مُقَذَّرٌ: يجتنبه الناس، وهو في شعر الهُذلي (^٧).\n_________\n(^١) حديث ابن عباس: أخرجه مسلم: ١٩٣٩، والبخاري: ٤٢٢٧.\n(^٢) منها حديث جابر: أخرجه مسلم: ١٩٤١، والبخاري: ٤٢١٩.\n(^٣) حديث ابن عباس: أخرجه مسلم: ١٩٤٧، والبخاري: ٢٥٧٥.\n(^٤) حديث ابن عباس: أخرجه مسلم: ١٩٤٦، والبخاري: ٥٥٣٧.\n(^٥) مجمل اللغة: ٧٤٧.\n(^٦) من أرجوزة للعجَّاج، وهي بـ (ما) بدل: (من)، ينظر العين: ٥/ ١٣٤، تهذيب اللغة: ٢/ ٦٩٤، ديوانه ص ٢٢٧.\n(^٧) يقصد قول أبي كبير الهذلي:\nونُضِيتُ عمّا تعلمين فأصبحتْ … نفسي إلى إخوانها كالمُقْذَرِ\nينظر جمهرة اللغة: ٢/ ٦٩٤، ديوان الهذليين: ٢/ ١٠١.","vol":"1","page":465},{"text":"و(المَحنُوذُ): النَّضيج، قال صاحب المجمل (^١): شواء حنيذ: مُنْضَج، أي: تُحمى الحجارة وتوضع عليه حتى تُنْضِج، ويقولون: حنَّذتنا الشمسُ؛ أي: أحرقتنا، و(أُمُّ حُفَيدٍ)؛ بالحاء غير المعجمة، والفاء؛ والدال غير المعجمة، وفي رواية: (أُمُّ حُفَيدَة)؛ بالهاء (^٢).\nو(أَرضٌ مَضَبَّة) (^٣): كثيرة الضّبّ على وزن: مَفْعَلَة، الهاء لازمة له والفتحة، يقال: أَرْضٌ مَسْبَعَةٌ؛ وَمَذْأَبَةٌ، وَمَفْعَاةٌ، وَمَحْيَاةٌ: إذا كثر فيها السِّباع؛ والذِّئاب؛ والأفاعي؛ والحيَّات، و(الغَائِطُ): المنخفض من الأرض.\n\n<span data-type='title' id=toc-359>ومن باب ما جاء في أكل الأرنب</span>\n[٥٢٦] قوله: (فَاسْتَنفَجْنَا أَرنَبًا) (^٤)، يقال: نَفَجَتِ الأرنب: إذا وثبت، واستَنْفَجْتُها أنا وأنفجتها، قال صاحب المجمل (^٥): نفج اليّربوع ثار، وأنفجه صائده أثاره، وقوله: (لَغَبُوا)، أي: أَعْيَوا.\n* * *\n_________\n(^١) مجمل اللغة: ٢٥٣، وينظر: مقاييس اللغة: ٢/ ١٠٩، جمهرة اللغة: ١/ ٥٠٩.\n(^٢) اضطربت الرواية فيها: أم حُفيد، أم حُفيدة، حُفيدة، أم حُميد، أم جُعيد، قال القاضي عياض بعد ذكر هذه الروايات: (وَكله وهم وَالصَّوَاب الأول: أُمُّ حُفَيْد) مشارق الأنوار: ١/ ١٧٣، وهي خالة ابن عباس ﵁: صحابية واسمها هُزَيلة بنت الحارث الهلالية؛ أخت أم المؤمنين زينب بنت الحارث ﵂، وأخت أم الفضل ﵂ أم ابن عباس ﵁، ينظر: الاستيعاب: ٤/ ١٩٢٠، أسد الغابة: ٧/ ٢٧٥، فتح الباري: ١٣/ ٣٣٢.\n(^٣) وتضبط كذلك بضم الميم وكسر الضاد، والوجه الآخر أشهر، ينظر: مشارق الأنوار: ٢/ ٥٥، النووي: ١٣/ ١٠٢.\n(^٤) حديث أنس: أخرجه مسلم: ١٩٥٣، والبخاري: ٢٥٧٢.\n(^٥) مجمل اللغة: ٨٧٨، وينظر: مقاييس اللغة: ٥/ ٤٥٧.","vol":"1","page":466},{"text":"[٥٢٧] وقوله: (فَقَالَ لَهُ: لَا تَحْذِف) (^١)؛ الخَذْفُ - بالخاء المعجمة -: الرمي، والمِخْذَفَة: المِقلاع، وخَذَفْتُ الحصاة: رميتها من بين أُصبعيَّ، وقوله: (وَلَا يَنكَأُ به العَدُوَّ)؛ يقال: نَكَيْتُ في العدوّ؛ وأنكِي نكاية: إذا بالغت في إيصال المكروه إليه.\n* * *\n\n[٥٢٨] و(القِتلة) (^٢)؛ - بكسر القاف -: القتل، و: (لِيُرِح): من الراحة.\n* * *\n\n[٥٢٩] و(أَن تُصبَرَ البَهَائِمُ) (^٣)؛ أي: تُوقَف وترمى، وفي الحديث دليل أن اللّعب كلَّه منهي منهي عنه، إلا ما دعت الحاجة إليه، ولذلك نَهى عن الخذف.\n\n<span data-type='title' id=toc-360>[ومن باب ما جاء في ذكر دباغ الأُهُب</span>\nفي الحديث دليل أن كل إهاب ميتة دبغ؛ فإنه طاهر، إلا ما قام الدليل عليه؛ من جلد الكلب والخنزير] (^٤).\n* * *\n\n[٥٣٠] وقوله: (يَتَرَمَّونَهَا) (^٥)، تَرَمَّى: تَفَعَّل من الرمي.\n* * *\n_________\n(^١) حديث عبد الله بن المغفل: أخرجه مسلم: ١٩٥٤، والبخاري: ٥٤٧٩.\n(^٢) حديث شداد بن أوس: أخرجه مسلم: ١٩٥٥، وأبو داود: ٢٨١٥.\n(^٣) حديث أنس: أخرجه مسلم: ١٩٥٦، والبخاري: ٥٥١٣.\n(^٤) هذا الباب والحديث المتعلق به عن دباغ الإهاب، محله كتاب الطهارة، وهو من الجزء الساقط من الأصل.\n(^٥) حديث ابن عمر: أخرجه مسلم: ١٩٥٨، والبخاري: ٥٥١٥، ووردت هذه اللفظة كذلك في بعض نسخ مسلم: (يَتَرَامَوْنَهَا)، ينظر: مشارق الأنوار: ١/ ٢٩٢.","vol":"1","page":467},{"text":"[٥٣١] وقوله: (لَا تَتَّخِذُوا شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا) (^١)؛ فيه النهي عن تعذيب ذوات الأرواح.\n* * *\n\n[٥٣٢] و(صَبرُ الدَّوَابّ) (^٢): حبسها لترمى وهي حيّة، منع الله تعالى ورسوله قتل الحيوان المأكولة؛ إلا لمأكلةٍ، وأمر بتحديد الشَّفرة والرفق بها في التذكية، وسمّى ذلك إحسانًا.\n_________\n(^١) حديث ابن عباس: أخرجه مسلم: ١٩٥٧، والترمذي: ١٤٧٥.\n(^٢) حديث جابر: أخرجه مسلم: ١٩٥٩، وابن ماجة: ٣١٨٨.","vol":"1","page":468},{"text":"<span data-type='title' id=toc-361>ومن كتاب الأضاحي</span>\n[٥٣٣ - ٥٣٥] حديث جُندُبَ بن سفيان (^١)؛ وحديث البراء (^٢) ﵄، وحديث أنس ﵁ (^٣): (وَذَكَرَ هَنَةً مِن جِيرَانِهِ)؛ الهَنَةُ: كنايةٌ عن الشيء الحقير، وقوله: (فَانكَفَأَ)؛ أي: فانصرف، و(غُنَيمةٍ): تصغير غَنمٍ، و(تَوَزَّعُوهَا)؛ أي: اقتسموها، وكذا: (تَجَزَّعُوهَا)؛ قال أهل اللغة (^٤): التوزيع: القِسمة، يقال: وزَّعته وتَوزَّعته، وقوله: (تَجَزَّعُوهَا)؛ من قولهم: انجَزَع الحبل؛ أي: انقطع، وجَزَعْتُ الرملة؛ أي: قطعتها.\nواختلفوا في وجوب الضّحية (^٥): فقال أكثر أهل العلم: إنها ليست بواجبةٍ؛ ولكنّها مندوبٌ إليها، وقال أبو حنيفة: هي واجبةٌ، وقال محمد بن الحسن: هي واجبةٌ على المَيَاسر (^٦).\nو(الأَملَحُ): الذي في لونه سواد وبياض، وقوله: (وَلَن تَجْزِيَ)؛ أي: لن تقضي، يقال: جزئ عنّي هذا الأمرَ، أي: قضى، وقيل: أجزأني الشيء، ولغة\n_________\n(^١) أخرجه مسلم: ١٩٦٠، والبخاري: ٩٨٥.\n(^٢) أخرجه مسلم: ١٩٦١، والبخاري: ٩٦٥.\n(^٣) أخرجه مسلم: ١٩٦٢، والبخاري: ٥٥٦١.\n(^٤) ينظر: تهذيب اللغة: ٣/ ٦٤، مجمل اللغة: ٩٢٤، الصحاح: ٣/ ١٢٩٧.\n(^٥) ينظر: الإشراف: ٣/ ٤٠٣، ابن بطال: ٦/ ٥، الاستذكار: ٥/ ٢٢٨، بداية المجتهد: ٢/ ١٩١، فتح الباري: ١٠/ ٣.\n(^٦) ينظر قول أبي حنيفة وأبي الحسن في: شرح مختصر الطحاوي: ٧/ ٣٠٥، المبسوط: ١٢/ ٨.","vol":"1","page":469},{"text":"قليلة: أجزأ عني الشيء، قال أهل اللغة (^١): أجْزَأْتُ عنك مُجزَأَ فلانٍ ومُجزَأَةَ فلانٍ؛ أي: أغنيتُ عنك.\nوفي الحديث دلالة أن الأضحية لا تجوز قبل صلاة الإمام، والاعتبار في هذا بفعل النبي ﷺ، وذلك حين تَحِلُّ الصلاة، و: (العَنَاقُ): الأنثى من أولاد المعز، وقوله: (لَنْ تُوفِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ) (^٢)؛ أي: لن تَجْزِيَ وتُغْنِيَ، وقوله: (هَذَا يَومٌ اللَّحمُ فِيهِ مَكْرُوهٌ)؛ أي: يشقّ الوصول فيه إلى اللحم في ابتداء النّهار؛ لانشغال الناس بالصلاة وأسبابها.\n* * *\n\n[٥٣٦] وقوله: (وَلَا تنحَرُوا حَتَّى يَنحَرَ النَّبِيُّ ﷺ) (^٣)؛ أي: حتى ترتفع الشمس طالعةً.\n* * *\n\n[٥٣٧] و(العَتُودُ) (^٤) الجدي الذي قد قوي، قال صاحب المجمل (^٥): العتود من أولاد المعز ما رعى وقوي.\n* * *\n_________\n(^١) ينظر: مجمل اللغة: ١٨٨، الصحاح: ١/ ٤٠، المخصص: ٣/ ٣٧٧.\n(^٢) وقع هذا اللفظ عند البخاري، وعند مسلم: (تجزي).\n(^٣) حديث جابر: أخرجه مسلم: ١٩٦٤، وأحمد: ١٤٤٧١، واللفظ عندهما: (ولا ينحروا)، ولعل ما أثبت المؤلف هنا رواية أخرى، وقد وقع ذلك أيضا عن المازري والقاضي رحمهما الله.\n(^٤) حديث عقبة بن عامر: أخرجه مسلم: ١٩٦٥، والبخاري: ٢٣٠٠.\n(^٥) مجمل اللغة: ٦٤٤، وينظر: العين: ٢/ ٢٩، الصحاح: ٢/ ٥٠٥.","vol":"1","page":470},{"text":"<span data-type='title' id=toc-362>ومن باب كراهية الذبح بالسن</span>\n[٥٣٨] (المُدَى) (^١): جمع مُدْيَة؛ وهو السكين، وقوله: (قَالَ: أَعْجِل أو أَرِني)؛ الشك من الراوي، ومعنى قوله: (أَرِنِي) (^٢)؛ أيضا أعجل، ومنهم من يسكّن الراء، ومنهم من يحذف الياء من آخر الكلمة.\nو(الأَوَابِدُ): التي قد توحشت ونفرت من الإنس، يقال: أَبَدَت تأبِد وتأبُد أُبُودًا، وقوله: (فَنَدَّ)، أي: نفر، وقوله: (مَا أَنهَرَ الدَّمَ)؛ أي: سيَّله، وقوله: (لَيسَ السِّنَّ)؛ ليس كلمة استثناء ومعناه إلا السِّن، قال أبو عبيد (^٣): يعني: السنَّ المركبةَ في فم الإنسان، والظُّفرَ المركبَ في أصبعه ليس بمنزوع،، لأنه إذا ذبح بذلك فهو خَنْقٌ ولا تقع الذّكاة بها.\nوفي هذه الأحاديث دلالة أن المال إذا كان مشتركا؛ لم يكن لواحد منهم أن يأخذ منه دون شركائه، ومنه: أن الإنسي من الإبل إذا تأبَّد وتوحَّش؛ صار حكمه حكمَ الصيد في باب الذبح، ومنها: أن البعير وغيرَه إذا تردَّى في بئرٍ؛ جاز قتله بأي: وجهٍ تهيأ ذلك، فيقومُ مقام الذبح.\n* * *\n\n[٥٣٩] وقوله: (يَطَأُ فِي سَوَادٍ، وَيَبْرُكُ فِي سَوَادٍ) (^٤)؛ أي: إن أظلافه ومواضع البروك منه سُودٌ، وكذلك ما أحاط بعينيه من وجهه أسودُ، وسائر بدنه أبيض،\n_________\n(^١) حديث رافع بن خديج: أخرجه مسلم: ١٩٦٨، والبخاري: ٢٤٨٨.\n(^٢) من الألفاظ التي اضطربت فيه الروايات أرِنْ، أرني، أرني، أزن، آرن، ينظر: غريب الحديث للخطابي: ١/ ٣٨٥، إكمال المعلم: ٦/ ٤١٥، فتح الباري: ١/ ٧٨.\n(^٣) غريب الحديث: ٢/ ٥٥.\n(^٤) حديث عائشة: أخرجه مسلم: ١٩٦٧، وأبو داود: ٢٧٩٢.","vol":"1","page":471},{"text":"وقوله: (هَلُمِّي المُديَة)؛ أي هاتي الشفرة، وقوله: (اشحَذِيهَا)؛ أي: حدِّدِيها.\nوفي هذه الأحاديث دلالة أنه لا يجوز في الأضحية؛ إلا الثَّنِيَّة من المعز؛ والجَذَعة من الضّأن، وأمره بذبح العَتُود - وهي الجذعة من المعز - يدل على الخصوص، أو أن ذلك صدقة، وفيه دليل أن الكبشَ أفضل من غيره، والأقرن أفضل من الأجَمّ، وفيه دليل أن الضحية إذا لم تكن واجبةً؛ جاز أن يُتَصدّق بها عن الميت على سبيل القُربة؛ لا على سبيل الأضحية.\nوقوله: (فَرَمَيْنَاهُ بِالنَّبِل حَتَّى وَهَصَنَاهُ) (^١)؛ قال أهل اللغة (^٢): وهصت العظم: كسرته، وقوله: (فَذَكِّي بِاللِّيطِ)؛ اللِّيطُ: جمع لِيطَة، وهي قِشر القصبة، وقوله: (فَكُفِئَت)؛ أي: قُلبت.\n\n<span data-type='title' id=toc-363>ومن باب ما جاء في النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث</span>\n[٥٤٠] حديث عمر بن الخطاب ﵁ (^٣)، وابن عمر ﵁ (^٤)، قوله: (دَفَّ؛ أَهلُ أَبَيَاتٍ) (^٥)؛ أي: أقبلوا من البادية، والدَّفّ: سير سريعٌ يقارَب فيه بين الخطئ، يقال: دَفّ دفيفًا، و(الدَّافَّة): الجماعة يدِفُّون، وإنما أراد قومًا أقحمتهم السَّنة؛ وأقدمتهم المجاعة، يقول: إنما حرمت عليكم الادخار فوق ثلاثٍ؛ لتواسوهم وتتصدقوا عليهم، فأما وقد جاء الله بالسَّعة، فادخروا ما بدالكم.\n* * *\n_________\n(^١) حديث رافع قبله.\n(^٢) غريب الحديث لأبي عبيد: ٣/ ٣٦١، مجمل اللغة: ٩٣٩، مقاييس اللغة: ٦/ ١٤٨.\n(^٣) أخرجه مسلم: ١٩٦٩، والبخاري: ٥٥٧٣.\n(^٤) أخرجه مسلم: ١٩٧٠، والترمذي: ١٥٠٩.\n(^٥) حديث عائشة: أخرجه مسلم: ١٩٧١، وأبو داود: ٢٨١٢.","vol":"1","page":472},{"text":"<span data-type='title' id=toc-364>ومن باب إذا دخل العشر وأراد أن يضحي</span>\n[٥٤١] اختلف العلماء في القول بظاهر هذا الخبر (^١)؛ فكان سعيد بن المسيب يقول به ويمنع المضحيَ من أخذ أظفاره وشعره أيام عشرِهِ، وإليه ذهب أحمد بن حنبل (^٢)؛ وكان مالك والشافعي يحملان ذلك على الاستحباب (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-365>ومن باب لا فرع ولا عتيرة</span>\n[٥٤٢] (^٤): قال أبو عبيد (^٥): الفَرَعُ: أول ما تضعه أمه، كانوا يذبحونه وفيه ثلاث خصال من الكراهة إحداهن: أنه لا ينتفع بلحمها، والثانية: إذا ذهب ولدها ارتفع لبنها، والثالثة: أنك تفجعها به فيكون إثما، أي: دعه حتى يكون ابن مخاض، وهو ابن سنة؛ فينتفع بلحمه، وأما: (العَتِيرَة)؛ فذبيحة كانوا يذبحونها في رجب، وفي رواية: (اذْبَحُوا لِلَّهِ فِي أي شَهرٍ ما كَانَ) (^٦)؛ أطلق الإحسان في أي وقت كان، (وَبَرُّوا الله) (^٧)؛ تقول العرب: فلان يَبَرّ ربه؛ أي: يطيعه ويعبده، ويتقرب إليه.\n* * *\n_________\n(^١) حديث أم سلمة: أخرجه مسلم: ١٩٧٧، وأبو داود: ٢٧٩١.\n(^٢) ينظر: الإشراف: ٣/ ٤١٢، المغني لابن قدامة: ٩/ ٤٣٦.\n(^٣) ينظر: البيان والتحصيل: ١٨/ ١٦٦، الحاوي الكبير: ١٥/ ٧٤.\n(^٤) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم ١٩٧٦، والبخاري: ٥٤٧٤.\n(^٥) غريب الحديث: ٣/ ٩٤.\n(^٦) رواه أبو داود: ٢٨٣٠، والنسائي: ٤٢٢٨.\n(^٧) الحديث نفسه.","vol":"1","page":473},{"text":"<span data-type='title' id=toc-366>ومن باب النهي عن الذبح لغير الله</span>\n[٥٤٣] فيه حديث علي بن أبي طالب ﵁ (^١): (لَعَنَ اللَّهُ مَن ذَبَحَ لِغَيرِ اللَّهِ)؛: (وَلَعَنَ اللهُ مَن غَيَّرَ المَنَارَ)، وفي رواية: (ولَعَنَ اللهُ مَن سَرَقَ مَنَارَ الأَرضِ، وَلَعَنَ اللهُ مَن لَعَنَ وَالِدَهُ)؛ منار الأرض حدها، ولعنُ الوالدِ أن يلعن والدَ غيرِه؛ فيلعن هو والدَه، وقوله: (مَن ذَبَحَ لِغَيرِ اللهِ)؛ أي: للصنم، و(المُحدِثُ): المبتدع.\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه مسلم: ١٩٧٨، والنسائي: ٤٤٢٢.","vol":"1","page":474},{"text":"<span data-type='title' id=toc-367>ومن كتاب الأشربة</span>\n[٥٤٤] فيه حديث علي بن أبي طالب ﵁: (أَصَبْتُ شَارِفًا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ) (^١)؛ الشَّارف: الناقة المُسنة، و(الإذخِرُ): نبت، و(القَينَة): المُغَنّية، وقوله: (أَلَا يَا حَمْزُ لِلشُّرُفِ النِّوَاءِ) (^٢)؛ الشُّرُف: جمع شارف، والنِّوَاء: جمع ناوية، وهي السّمينة،: (فَثَارَ إِلَيهِمَا)؛ أي: قام، (فَجَبَّ أَسْنِمَتَهَا)؛ أي: قطعها حتى سوّى موضعَها بالظّهر،: (وَبَقَرَ)؛ أي: شقّ، و(الخَوَاصِر): جمع خاصرةٍ؛ وهي الجَنْب، و(أَفطَعَنِي)؛ أي: ثَقُل عليّ واشتدّ، وقوله: (يُقَهقِرُ)؛ أي: يمشي القهقرى، وهو أن يمشيَ إلى ورائه، و(الصَّوَّاغُ): الصائغ، و(الأَقْتَابُ): جمع القَتَب، و(الغَرَائِرُ): جمع الغِرارة، و(الحِبَالُ): جمع الحبل، و(اجْتَبَّ): افتعل من الجَبِّ، و(الشَّرْبُ): جمع شارب، و(الثَّمِلُ): السّكران.\nوفي هذا الحديث دلالة أن الخمر كانت مباحةً، ثمّ حُرّمت لِمَا عظم من فسادها، وفيه من الفقه: أن خبر الواحد مقبولٌ، وأن الخمر تهراق ولا تُستبقى، وفيه: أن الخمر لا يجوز اتخاذها خَلّا، وروى بعضهم: (أَلَا يَا حَمْنُ ذِي الشَّرَفِ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم: ١٩٧٩، والبخاري: ٤٠٠٣.\n(^٢) من غناء القينة، ونسب هذا الشعر لعبد الله بن السائب المخزومي [ينظر تاريخ دمشق: ٥٥/ ١٠٤]:\nأَلَا يَا حَمْزُ لِلشُّرُفِ النَّوَاءِ … وَهُنَّ مُعَقَّلَاتٌ بِالْفِنَاءِ\nضَع السِّكِّينَ فِي اللَّبَاتِ مِنْهَا … وضرجهن حمزة بِالدِّمَاءِ\nوَعَجِّلْ مِنْ أَطَايبهَا لِشَرْبٍ … قَدِيدًا مِنْ طَبِيخٍ أَوْ شِوَاءِ","vol":"1","page":475},{"text":"الثَّوِي) (^١)؛ بفتح الشين والثاء المنقوطة بثلاث، والثَّوِي: المُقِيم في اللغة، يريد الشرف القديم.\n* * *\n\n[٥٤٥] وقوله: (سُئِلَ عَنِ الْخَمْرِ تُتَّخَذُ خَلًّا، قَالَ: لَا) (^٢)؛ فيه دليل أن معالجة الخمر حتى تصير خلا غير جائز، ولو كان إلى ذلك سبيل لكان مال اليتيم أولى الأموال به (^٣)؛ لما يجب من حفظه وتثميره، وقد نهى رسول الله ﷺ عن إضاعة المال (^٤)؛ وفي إراقته إضاعته، فعلم بذلك أن معالجته لا تطهره، ولا ترده إلى المالية بحال، وإليه ذهب الشافعي ﵀ وأحمد، وأرخص في ذلك أبو حنيفة (^٥).\n* * *\n_________\n(^١) قريب من هذه الرواية ما نقل عن الطبري أنه رواه: (ذا الشَّرف النَّواء)، بمعنى: صاحب الشَّرف البعيد، قال الخطابي متعقبا: (والرواية والتفسير معا غلط وإنما هو النِّواء: مكسورة النون ممدودة الألف) غريب الحديث: ١/ ٦٥٢، وقال ابن حجر في الفتح: ٦/ ٢٠٠: (حكى الإسماعيلي أن أبا يعلى حدثه به من طريق بن جريج فقال: الثواء؛ بالثاء المثلثة، قال فلم نضبطه، ووقع في رواية القابسي والأصيلي: النوى؛ بالقصر وهو خطأ أيضا، وقال الداودي النواء: الخباء؛ وهذا أفحش في الغلط).\n(^٢) حديث أنس: أخرجه مسلم: ١٩٨٣، وأبو داود: ٣٦٧٥.\n(^٣) يشير إلى حديث أنس أن أبا طلحة، سأل النبي ﷺ عن أيتام ورثوا خمرا، قال: (أهرقها)؛ قال: أفلا أجعلها خلًّا؟ قال: (لا) رواه أبو داود: ٣٦٧٥.\n(^٤) حديث متفق عليه البخاري: ٦٤٧٣، مسلم: ٥٩٣.\n(^٥) ينظر: الإشراف للمنذري: ٨/ ٢١٤، مختصر اختلاف العلماء: ٤/ ٣٥٩، الحاوي الكبير: ٦/ ١١٢، شرح مختصر الطحاوي: ٦/ ٣٨٧، المبسوط: ٢٤/ ٧، المغني: ٩/ ١٧٣.","vol":"1","page":476},{"text":"<span data-type='title' id=toc-368>ومن باب الخمر من البسر والتمر</span>\n[٥٤٦] (^١): ذهب غير واحد من أهل العلم إلى تحريم الخليطين (^٢)؛ وإن لم يكن الشراب المتخذ منهما مُسكرا، وقالوا من شرب الخليطين قبل حدوث الشِّدة فيه؛ فهو آثم من جهة واحدة، وإذا شرب بعد حدوث الشِّدة؛ فهو آثم من جهتين: إحداهما: شرب الخليطين، والأخرى: شرب المُسكر، ورخَّص فيه سفيان الثوري (^٣)؛ وأصحاب الرأي (^٤)؛ وقال الليث بن سعدٍ (^٥): إنما جاءت الكراهة أن يُنبذا جميعًا؛ لأن أحدهما يشدُّ صاحبَه.\n* * *\n\n[٥٤٧] و(الفَضِيحُ) (^٦): رُطَب يُشدَخ ويُنبَذ، يقال: فَضَحْت الرُّطَبَة وغيرَها: إذا شَدَختُه، وتَفَضَّخ الشيء: انشقّ، وقوله: (فَأَكفَأَنَاهَا)؛ لغة، ومعناه: قلبناها.\n\n<span data-type='title' id=toc-369>ومن باب النهي عن الانتباذ في الدباء والمزفت</span>\n[٥٤٨] (^٧) قيل إنما نهى النبي ﷺ عن الانتباذ في الدباء والمزفت؛ من أجل أن الفساد يعجل إلى ما ينتبذ فيهما، بخلاف أواني الفخَّار غير المزفتة.\n_________\n(^١) حديث جابر: أخرجه مسلم: ١٩٨٦، والبخاري: ٥٦٠١.\n(^٢) وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وعامة أهل الحديث، ينظر: معالم السنن: ٤/ ٢٦٩، الاستذكار: ٨/ ١٨، مختصر اختلاف العلماء: ٤/ ٣٧٠.\n(^٣) ينظر الإشراف لابن المنذر: ٨/ ٢٠٢.\n(^٤) ينظر: الإشراف لابن المنذر: ٨/ ٢٠٢، المبسوط: ٢٤/ ٥.\n(^٥) ينظر أيضا: اختلاف العلماء للطحاوي: ٤/ ٣٧٠.\n(^٦) حديث أنس: أخرجه مسلم: ١٩٨٠، والبخاري: ٢٤٦٤.\n(^٧) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم: ١٩٩٣، والنسائي: ٥٦٤٦.","vol":"1","page":477},{"text":"[وقوله: (كَتَبَ إِلَى أَهلِ جُرَشَ)؛ جُرَش: قبيلة، وقيل: بلدة باليمن] (^١).\nو(المَزَادَةُ المَجبُوبَةُ)؛ قيل: التي يَخِيط بعضَها إلى بعضٍ، وكانوا ينتبذون فيها حتى تُضَرَّى (^٢)؛ وقيل: هي المزادة المغطاة، قال صاحب المجمل (^٣): جبَّه: إذا غلبه، وخصي: مَجْبُوب.\n\n<span data-type='title' id=toc-370>ومن باب من شرب الخمر في الدنيا</span>\n[٥٤٩] في هذا الحديث (^٤): تغليظ في شرب الخمر وتشديد.\n* * *\n\n[٥٥٠] قوله: (عزلاء) (^٥)؛ عزلاء القربة: فمها.\nو(الدُّبَّاء) (^٦): القَرْعُ، جاء بيان ذلك في حديث أبي بكرة ﵁ قال: (أمَّا الدُّبَّاءُ فَإِنَّا كُنَّا مَعَاشِرَ ثَقِيفٍ بِالطَّائِفِ نَأْخُذُ الدُّبَّاءَةِ فَنَخْرِطُ فِيهَا عَنَاقِيدَ العِنَبِ ثُمَّ نَدفِنُهَا حَتَّى تَهدُرَ ثُمَّ تَمُوتُ) (^٧)؛ قال أهل اللغة (^٨): خَرَطْتُ الورَق: حَتَتُّه، وقوله: حَتَّى تَهْدُر؛ أي: تغلي، وأما: (النَّقِيُر): فكانوا ينقرون أصل النخلة، ثم ينبذون فيه، و(الْحَنْتَمُ): جرارٌ خُضْرٌ، و(المُزَفَّتُ): المَطْلِي بالزِّفت، وهو شِبه القَارِ.\n_________\n(^١) تابع للحديث قبله.\n(^٢) أي: حتى تعودت الانتباذ، وغلب عليها.\n(^٣) مجمل اللغة: ١٧٥.\n(^٤) حديث ابن عمر: أخرجه مسلم: ٢٠٠٣، وأبو داود: ٣٦٧٩.\n(^٥) حديث عائشة: أخرجه مسلم: ٢٠٠٥، وأبو داود: ٣٧١١.\n(^٦) عودة لأحاديث النهي عن الانتباذ في بعض الآنية.\n(^٧) مسند الطيالسي: ٩٢٣، السنن الكبرى للبيهقي: ١٧٤٧٩.\n(^٨) ينظر العين: ٤/ ٢١٥، مجمل اللغة: ٢٨٣، الصحاح: ٣/ ١١٢٢، تهذيب اللغة: ٧/ ١٠٤.","vol":"1","page":478},{"text":"[٥٥١] وإنما نهى عن هذه الأوعية؛ لأن لها ضراوةً يشتدُّ فيها النبيذ، ولا يشعر بذلك صاحبها؛ فيكون على غَررٍ من شربها، هذا كان في صدر الإسلام؛ ثم نسخ بقوله: (كُنْتُ نَهَيْتُكُم عَنِ الأَوْعِيَةِ فَاشْرَبُوا فِي كُلِّ وِعَاءٍ وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا) (^١)؛ وقال قوم: الحظر باق؛ وكرهوا أن ينبذوا في هذه الأوعية، وإليه ذهب مالكٌ وأحمد (^٢).\nقال الخطابي: المزادة المجبوبة: هي التي ليس لها عزلاءُ من أسفلها؛ يتنفس فيها، فالشراب يتغير فيها؛ ولا يشعر بها صاحبها (^٣).\n* * *\n\n[٥٥٢] وقوله: (أَتيتُ النَّبِيَّ ﷺ بِقَدَحٍ مِن لَبَنٍ مِنَ النَّقِيعِ) (^٤)؛ النَّقِيعُ - بالنون -: موضع.\n* * *\n\n[٥٥٣] وقوله: (ادعُ لِي وَلَا أَضُرُّكَ) (^٥)، وفي رواية: (وَلَا أَضِيرُكَ)؛ يقال: ضارَهُ يَضيره؛ بمعنى: ضَرَّه يَضُرّه.\n* * *\n\n[٥٥٤] وقوله: (أَمَاثَتهُ فَسَقَتَهُ) (^٦)؛ أَمَاثَتَهُ؛ أَي: خَلطَته، ....................\n_________\n(^١) أخرجه مسلم: ١٩٩٩ بلفظ: (كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ الْأَشْرِبَةِ فِي ظُرُوفِ الْأَدَمِ ..)، وأخرجه النسائي بنحوه: ٥٦٥٤.\n(^٢) ينظر: المدونة: ٤/ ٥٢٤، بداية المجتهد: ٣/ ٢٧، مسائل الإمام أحمد وإسحاق: ٨/ ٤٠٦٩، المغني: ٩/ ١٧١.\n(^٣) معالم السنن: ٤/ ٢٦٩.\n(^٤) حديث جابر: أخرجه مسلم: ٢٠١٠، والبخاري: ٥٦٠٥.\n(^٥) حديث البراء: أخرجه مسلم: ٢٠٠٩، والبخاري: ٣٣٥٨، بلفظ: (ادع الله لي ..).\n(^٦) حديث سهل بن سعد: أخرجه مسلم: ٢٠٠٦، والبخاري: ٥١٨٢.","vol":"1","page":479},{"text":"قال أهل اللغة (^١): مَاثَه بغير ألف؛ يَمِينُه مَيثًا: إذا خلطه بالماء.\nوقوله: (كُثبَةً مِن لَبَنٍ) (^٢)؛ الكُثْبَة: القطعة من الشيء، سُمِّي بذلك لاجتماعه، والكَثِيبُ: كَثِيبُ الرَّمل، وقوله: (أَلَا خَمَرتَهُ) (^٣)، أَلَا: كلمة تحضيضٍ، و(خَمَّرتَهُ)؛ أي: غطيته، (وَلَو تَعرُضُ عَلَيهِ)، أي: تَنصِب عليه بالعَرْض عودًا.\nقال بعض العلماء: البلح: الذي بدأ فيه الإرطاب، والزهو الذي قد احمر واصفر (^٤).\nوفي هذه الأخبار دلالة على تغليظ الأمر في تحريم المُسكر، وهذه الأواني نُهِي عنها كراهية أن يترك العصير فيها حتى يَغلي فيشتد ثم يشرب، فالحظر والإباحة تتعلق بما في هذه الظُّروف لا بالظُّروف، فالعصير إنما يطيب ما لم يغل، فإذا غلى فهو خمرٌ، وكان النبي ﷺ يتوقاه لهذه العلة.\nوفيه دلالة أن كلّ مسكرٍ حرامٌ، وأن الشّراب لا يُنظر إلى اسمه؛ ولكن ينظر إلى معناه، فإذا كان السُّكر موجودًا فيه حرُم، وفيها ما يستحب للمرأة من ابتذالها في الخدمة لزوجها؛ ولمن ينتابها من ذوي رحمها، وفيها ما يدل على أن من لم يحبَّ مقاربتَك ومواصلتَك؛ فاجتنابه خير لك من طلب وصلِه، وفيها ما يبعث على النّظر في عواقب الأمور؛ لِئلا تلحقه الندامة.\n* * *\n_________\n(^١) مجمل اللغة: ٨٢٠.\n(^٢) سبق برقم: ٢٠٠٩.\n(^٣) سبق برقم: ٢٠١٠.\n(^٤) ينظر: أعلام الحديث للخطابي: ٢/ ١٠٧٩.","vol":"1","page":480},{"text":"<span data-type='title' id=toc-371>ومن كتاب الأطعمة</span>\n[٥٥٥] حديث حذيفة ﵁: (كُنَّا إِذَا حَضَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ طَعَامًا لَمْ نَضَعْ أَيْدِيَنَا حَتَّى يَبْدَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَيَضَعَ يَدَهُ) (^١)؛ وذكر الحديث، في الحديث: فضل ذكر اسم الله على الطعام، وقوله: (كَأَنَّهَا تُدْفَعُ)؛ أي: تساق إلى ذلك المكان، وقوله: (لَيَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ) (^٢): لَيَستبيحُ وينتهبُ، وفي رواية: (كَأَنَّمَا تُطرَدُ).\n* * *\n\n[٥٥٦] وقوله: (لَا مَبِيتَ لَكُمْ، وَلَا عَشَاءَ) (^٣)؛ يعني: أن الشيطان يهرب من البيت الذي يذكر الله فيه عند الدخول والطعام، فلا يصل إلى طعام أهل ذلك البيت، ولا يتمكن من البيتوتة في البيت، وإذا لم يُذكرِ الله عند الدخول وعند الطعام؛ وصل إلى طعامهم؛ وتمكن من البيتوتة في بيتهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-372>ومن باب النهي عن الأكل والشرب بالشمال</span>\n[٥٥٧] الظاهر من الحديث (^٤) إنما هو الأكل حقيقةً؛ الذي هو المضغ والبلع، وقال بعض العلماء (^٥): طعامهم الرِّمّة وهي العظام، وشرابهم الجَدَف وهي الرَّغوة\n_________\n(^١) أخرجه مسلم: ٢٠١٧، وأبو داود: ٣٧٦٦.\n(^٢) رواية مسلم: (يَستحل الطعام).\n(^٣) حديث جابر: أخرجه مسلم: ٢٠١٨، وأبو داود: ٣٧٦٥.\n(^٤) حديث ابن عمر: أخرجه مسلم ٢٠٢٠، وأبو داود: ٣٧٧٦.\n(^٥) ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث: ٤٥٩.","vol":"1","page":481},{"text":"والزَّبَد، وليس تنال من ذلك إلا الروائح؛ فيقوم لها مقام المضغ والبلع، وفي حديث نافع (^١): (وَلَا يَأْخُذُ) يعني: بشماله: (وَلَا يُعْطِي)؛ يعني بها.\n\n<span data-type='title' id=toc-373>ومن باب النهي عن اختناث الأسقية</span>\n[٥٥٨] قال معمر عن الزهري: (وَاخْتِنَاثُهَا: أَن تقلِبَ رَأسَهَا ثُمَّ تَشْرَبَ مِنْهُ) (^٢)؛ قال بعض العلماء (^٣): معنى الاخْتِنَاث: أن يثني رؤوسها ويعطفها؛ ثم يشرب منها، قيل: النهي عن ذلك لأن الشُّرب إذا دام فيها تغيرت رائحتها، وقيل: النهي إنما ورد عن الشرب من السِّقاء الكبير؛ دون الإداوة ونحوها؛ لسَعة فم السِّقاء، لِئلا يَنْصَبّ عليه الماء.\nفي الحديث (^٤) دلالة على التبرك باسم الله، وأن لذكره نورًا يطرد الشيطان به عند الدخول؛ وعند الطعام، وعلى الأحوال كلها، وقوله: (كَأَنَّمَا يطرَدُ)؛ أي: يجيء قاصدا على وجهه.\n\n<span data-type='title' id=toc-374>ومن باب إيكاء الآنية</span>\n[٥٥٩] (الإيكَاءُ) (^٥): الشَّدّ، و(التَّخْمِيرُ): التغطية، والخَمَر: ما واراك من الشجر، وقوله: (تَعْرُضُهُ) (^٦)، كان الأصمعي يرويه بضم الراء، وغيرُه بكسر\n_________\n(^١) نفس حديث الباب.\n(^٢) أخرجه مسلم: ٢٠٢٣.\n(^٣) الخطابي في معالم السنن: ٤/ ٢٧٣.\n(^٤) الحديث السابق: ٢٠١٧.\n(^٥) حديث جابر: أخرجه مسلم: ٢٠١٢، والبخاري: ٣٢٨٠.\n(^٦) هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: (ولو أن تعرُضوا)، (يعرُض) ..","vol":"1","page":482},{"text":"الراء، وقوله: (اكْفِتُوا صِبْيَانَكُمْ) (^١)؛ أي: ضُمّوهم إليكم؛ وأدخلوهم البيوت، وفي هذه الأحاديث دلالةٌ على التحرُّز من الآفات الممكنِ وقوعُها؛ وفيه نوعٌ من الأدب، وفيه كراهيةُ ترك النار عند النوم.\nوفيما تقدم من الأحاديث ذكر (الكُثْبَة) (^٢)، وهي القليل من اللبن.\n* * *\n\n[٥٦٠] وقوله: (لَا تُرسِلُوا فَوَاشِيَكُمْ) (^٣)، يعني: الدوابَّ المنتشرةَ وغيرَها، من قولهم: فشى يفشو إذا ظهر.\n* * *\n\n[٥٦١] وقوله: (فَإِنَّ فِي السَّنَةِ يَوْمًا يَنْزِلُ فِيهِ وَبَاءٌ، قَالَ اللَّيْثُ: وَالْأَعَاجِمُ عِنْدَنَا يَتَّقُونَ ذَلِكَ فِي كَانُونَ الْأَوَّلِ) (^٤)، وعلى حاشية النسخة كانون: [حنبر] (^٥)، وفي ذلك دلالة على إباحة المعالجة والتداوي، وفيه التحرُّز من الأمور المَخُوفة، والتحرُّزُ من الشيطان، والتحرُّزُ من الآفات.\nو(فَحْمَةُ الْعِشَاءِ) (^٦): شدَّة ظلامِه، وفي قوله: (بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ، وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ) (^٧)؛ دلالة على فضل اللّبن.\n* * *\n_________\n(^١) هذا لفظ البخاري، وعند مسلم: (فكفوا صبيانكم).\n(^٢) سبق برقم: ٢٠٠٩.\n(^٣) حديث جابر: أخرجه مسلم برقم: ٢٠١٣، وأبو داود: ٢٦٠٤.\n(^٤) حديث جابر: أخرجه مسلم برقم: ٢٠١٤.\n(^٥) هكذا في الأصل، ولعله: دجنبر، وهو ما يوافق كانون الأول.\n(^٦) من الحديث قبله.\n(^٧) رواه البخاري: ٣٨٨٧، ومسلم: ١٦٢، في قصة المعراج.","vol":"1","page":483},{"text":"<span data-type='title' id=toc-375>ومن باب الشرب من زمزم قائما</span>\n[٥٦٢] (^١) الأحسن في الأدب أن يأكلَ ويشرب قاعدًا، فإن وقعت ضرورةٌ واحتِيجَ إلى الأكل والشرب من قيامٍ؛ أبيح ذلك.\n* * *\n\n[٥٦٣] وقوله: (فَلْيَسْتَقِئ) (^٢)، بالهمز، من القيء.\n\n<span data-type='title' id=toc-376>ومن باب النهي عن التنفس في الإناء</span>\n[٥٦٤] قيل: فيه معنى الأدب؛ ومعنى الطبِّ جميعًا، والنهي عن النفخ في الشراب كراهيةَ أن يمازجه بُزاقُ النافخِ، فيَقْذَرُه الشّارِبُ، وقوله: (كَانَ ﷺ يَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ ثَلَاثًا) (^٣)؛ أي: يتنفَّس ثلاث مرّاتٍ إذا شرِب؛ لا أنه كان يتنفّس في الإناء، وفي رواية قال: (فَأَبِنِ الإِناءَ عَن فِيكَ ثُمَّ تَنَفَّسْ) (^٤)؛ معنى: أَبِن؛ أي: نَحِّ، قيل: وفي الشرب ثلاثا تخفيفٌ على المعدة، وتَوفِيةٌ للري.\n\n<span data-type='title' id=toc-377>ومن باب إعطاء فضل الشراب الأيمن فالأيمن</span>\n[٥٦٥] قوله: (شِيبَ) (^٥)، أي: خُلط ومُزج، وقوله: (الأَيْمَنَ فَالأَيْمَنَ)؛ نصب بإضمار فعل، أي: أعطِ الأيمنَ فالأيمنَ، وقوله: (يَحثُثنِي) (^٦): من الحثّ؛\n_________\n(^١) حديث ابن عباس: أخرجه برقم: ٢٠٢٧، وأخرجه البخاري: ١٦٣٧.\n(^٢) حديث أبي هريرة: أخرجه برقم: ٢٠٢٦\n(^٣) حديث أنس: أخرجه برقم: ٢٠٢٨، وأخرجه البخاري: ٥٦٣١.\n(^٤) أخرجه مالك في الموطأ: باب النهي عن الشرب في آنية الفضة: ١٢، وأحمد: ٧٩١١٢.\n(^٥) حديث أنس: أخرجه برقم: ٢٠٢٩، وأخرجه البخاري: ٥٦١٩.\n(^٦) لفظ مسلم بنونين.","vol":"1","page":484},{"text":"وهو مستقبل حَتَفْنَ، وقوله: (الأَيْمَنُونَ فَالأَيْمَنُونَ) (^١)؛ رفع بالابتداء؛ والخبر محذوف، والتقدير: الأيمنون فالأيمنون أولى بالشُّرب.\nوفي الحديث دلالة لفضل اليمين على الشمال، وفيه أن جماعة إذا شربوا من إناء واحد؛ فإنه مباحٌ حسن.\n* * *\n\n[٥٦٦] وقوله: (فَتَلَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي يَدِهِ) (^٢)؛ أصل التَّل: الدفع، وفي الحديث: (بَينَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِمَفَاتِيح خَزَائِنِ الْأَرْضِ فَتُلَّتْ فِي يَدِي) (^٣)؛ قال ابن الأنباري (^٤): أي: فأُلقيت في يدي، يقال: تَلَلْتُ الرجل: إذا ألقيته، وتَلَلْته: إذا صرعتُه، وفي حديث أبي الدرداء: (وَتَرَكُوكَ لِمَتَلِّكَ) (^٥)؛ أي: لمصرعك.\n\n<span data-type='title' id=toc-378>ومن باب ما ورد في لعق اليد</span>\n[٥٦٧] حديث: (حَتَّى يَلْعَقَهَا أَو يُلعِقَهَا) (^٦)؛ في هذه الأحاديث تعليم الأكل، وما يحسُن فيه من الأدب، والوجه في ذلك أن يأكل بثلاث أصابعَ؛ فإذا فرغ من الأكل لَعِقَها أو ألعقها صاحبَه؛ لئلا يقع فيه السرف، ولا يُتلف الطعام\n_________\n(^١) عند مسلم والبخاري: (الأيمنون الأيمنون).\n(^٢) حديث سهل بن سعد: أخرجه برقم: ٢٠٣٠، وأخرجه البخاري: ٢٤٥١.\n(^٣) رواه أحمد: ١٠٥١٧، وهو عند البخاري: ٢٩٧٧، ومسلم: ٥٢٣؛ لكن بلفظ: (فوضعت في يدي).\n(^٤) ينظر: الغريبين: ١/ ٢٥٩.\n(^٥) ورد هذا اللفظ في كتب الغريب واللغة، والأثر عند ابن أبي شيبة: ١٢٥١، بلفظ: (ثم تركوك لمثل ذلك)، ورواه يحيى بن معين في تاريخه: ٣٧٠٨، بلفظ: (لِمَتَلِّكَ)، وتعقب رواية شعبة التي عند ابن أبي شيبة، واعتبرها تصحيفا.\n(^٦) حديث ابن عباس: أخرجه برقم: ٢٠٣١، وأخرجه البخاري: ٥٤٥٦.","vol":"1","page":485},{"text":"على غير وجهه، وأمر بأكل اللقمة إذا سقطت في التراب؛ بعد تنحية الأذى عنها؛ لئلّا يفسد، وأخبر أن الطعام قد يبارك للإنسان فيه، والبركة مُغَيّبة.\n* * *\n\n[٥٦٨] و(سَلتُ القَصْعَةِ) (^١): الاستقصاء في أكل ما فيها من الطعام، وأصل السَّلْتِ النَّزعُ، يقال: امرأة سَلْتاء إذا نزعت خِضابها من يدها.\n\n<span data-type='title' id=toc-379>ومن باب من دعي إلى طعام فتبعه غيره</span>\n[٥٦٩] حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: (كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنصَارِ يُقَالُ لَهُ: أَبو شُعَيبٍ، وَكَانَ لَهُ غُلَامٌ لَحَّامٌ) (^٢)؛ في هذا الحديث كراهة التطفُّل.\n* * *\n\n[٥٧٠] وفي الحديث الذي بعده: (فَقَامَا يَتَدَافَعَانِ) (^٣)؛ يعني: النبي ﷺ وعائشة ﵂، ومعناه: يمشيان.\n* * *\n\n[٥٧١] وفي الحديث الآخر: (إِيَّاكَ، وَالحَلُوبَ) (^٤)؛ في الحديث دليل أن الرسل كان يعتريهم ما يعتري غيرهم من الجوع، وفيه: أنه كان يجيب إذا دُعي إلى الضيافة، وفيه: أن العبد [مخاطب] (^٥) بما أعطي من النِّعم؛ ومسؤول هل أدى شكرها، و(الحَلُوبَ): التي لها لبنٌ، يقال: شاة حَلوب أي: كثيرة اللبن\n_________\n(^١) حديث أنس: أخرجه برقم: ٢٠٣٤، وأخرجه أبو داود: ٣٨٤٥.\n(^٢) حديث أبي مسعود الأنصاري: أخرجه برقم: ٢٠٣٦، وأخرجه البخاري: ٢٤٥٦.\n(^٣) حديث أنس: أخرجه برقم: ٢٠٣٧، وأخرجه النسائي: ٣٤٣٦.\n(^٤) حديث أبي هريرة: أخرجه برقم: ٢٠٣٨، وأخرجه ابن ماجة: ٣١٨٠.\n(^٥) غير واضحة في الأصل.","vol":"1","page":486},{"text":"وناقة ذلول: مُذَلّلة للركوب، و(العِدْقُ): القِنْو المعلق الذي عليه الثمر، وفي حديث عمر ﵁: (لَا قَطعَ فِي عِذْقٍ مُعَلَّق) (^١)؛ يقول: إذا كانت الكباسة معلقةً لم يحرز ثمرها في البيدر؛ فلا قطع على آخذه، و(المُديَة): السِّكين، و(يَستَعذب)؛ أي: يطلب الماء العذب، وقوله: (لأَخرَجَنِي)؛ لام التأكيد تدخل في جواب القسم.\n\n<span data-type='title' id=toc-380>ومن باب دعاء النبي ﷺ على الطعام وجعل القليل كثيرا</span>\n[٥٧٢] قوله: (رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَميصًا) (^٢)؛ الخميص والخامص: الضّامر، يقال: خَمُص وخمِص خَمصا وخُمصا، والمَخْمَصَة: المجاعة، وقوله: (فَإِنِّي رَأَيتُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ خَمْصًا) (^٣)؛ أي: جوعا، وفي الحديث: (خِمَاصُ الْبُطُونِ، خِفَافُ الظُّهُورِ) (^٤)؛ الخِمَاص: جمع الخميصِ البطنِ، وهو الضّامر؛ أي: إنهم أعِفَّاء عن أموال الناس، وفي الحديث: (تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا) (^٥)، والأخمص من القدم: الذي لا يَلصَق بالأرض في الوطء من باطنها، سُمّي كذلك لضموره ودخوله في الرِّجل، وامرأة حُمْصَانة: أي: ضامرةُ البطن.\n_________\n(^١) مصنف ابن أبي شيبة: ٥/ ٥٢١.\n(^٢) حديث جابر: أخرجه برقم: ٢٠٣٩، وأخرجه البخاري: ٣٠٧١، وهو بلفظ: (رَأَيْتُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ خَمَصًا)، وأشار القاضي عياض ﵀ إلى وروده بلفظ المؤلف، ينظر: مشارق الأنوار: ١/ ٢٤١.\n(^٣) ضبط في الأصل بالسكون، والأشهر فيها الفتح، ينظر: مشارق الأنوار: ١/ ٢٤١، عمدة القاري: ١٧/ ١٨١.\n(^٤) مصنف ابن أبي شيبة: ٣٧١٢٨، المستدرك: ٨٤٥٢، السنن الكبرى للبيهقي: ١٦٨١٠.\n(^٥) سنن الترمذي: ٢٣٤٤، وابن ماجة: ٤١٦٤.","vol":"1","page":487},{"text":"وقوله: (فَانكَفَيتُ)؛ كذا في الحديث بترك الهمز (^١)، و(البهيمة): تصغير البهمة، و(الدَّاجِنُ) الذي يعتلف في البيت، وقوله: (فَفَرَغَتْ إِلَى فَرَاغِي)؛ أي: مع فراغي، وقوله: (يَا أَهلَ الخَندَقِ، إِنَّ جَابِرًا قَد صَنَعَ لَكُم سُورًا)؛ السُّورُ بالفارسية: الضِّيافة، وإنما استتبع النبي ﷺ الناس إلى دعوة جابرٍ، لأنه وثِق بالله في الزيادة، ولم يكن ذلك في ملك جابر، وقال في حديث أبي مسعود: (إن شِئتَ أَن تَأْذَنَ لَهُ، وَإِن شِئتَ رَجَعَ) (^٢)؛ إنما قال ذلك لأنه علِم أنه ربما لا تَطِيب نفسُه بحضور المتطفِّل، والمتطفِّل لا يحل له أن يأكلَ حتّى يأذنَ له صاحبُ الطعام، و(العَجِينَةُ)؛ كالذّبيحة والنّطيحة، وقوله: (وَإِنَّ بُرمَتَنَا لَتَغِطُّ)؛ أي: وإن قِدْرَتنا على النار لَتغلي.\n* * *\n\n[٥٧٣] وقوله: (دَسَّتهُ) (^٣)؛ أي: أَخْفَتْه، قيل: في قوله: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ١٠]؛ أي: أخفاها وأخملها وأقل حظها، وقيل: أصل دس: دَمَّسَ، (وَرَدَّتِنِي)؛ أي: ألبستني كالرداء، يقال: رَدَّيتُه فارتدى، قال:\nلَيسَ الجَمَالُ بِمِئزَرٍ … فَاعلَم وإِن رُدِّيتَ بُردَا (^٤)\nوقوله: (فَأَدَمَتهُ)؛ أي جعلته إدامًا، يقال طعام مأدومٌ، قال صاحب المجمل (^٥): الإدامُ ما يَطيُب به الطعام، وفي الحديث دليل على معجزة النبي ﷺ\n_________\n(^١) وأصله بالهمز، وهو كذلك في بعض النسخ، وفي نسخ أخرى: (فانكفيت)، ينظر: شرح النووي: ١٣/ ٢١٥، فتح الباري: ٧/ ٣٩٩، عمدة القاري: ١٧/ ١٧١.\n(^٢) سبق تخريجه أعلاه برقم: ٢٠٣٦.\n(^٣) حديث أنس: أخرجه برقم: ٢٠٤٠، وأخرجه البخاري: ٣٥٧٨.\n(^٤) البيت لعمرو بن معد يكرب، ينظر: حماسة البحتري: ٤١٥، شرح ديوان الحماسة للأصفهاني: ٨٣، التمثيل والمحاضرة: ٦٥.\n(^٥) مجمل اللغة: ٩٠.","vol":"1","page":488},{"text":"وصحة نبوته، وقوله: (وَقَد عَصَّبَ بَطْنَهُ بِعِصَابَةٍ)؛ أي: شَدّه، قيل: وضع حجرًا على بطنه، ثم شدَّه بالعصابة من الجوع.\n\n<span data-type='title' id=toc-381>ومن باب أكل الدباء والغدير</span>\n[٥٧٤] حديث أنس ﵁ قال: (فَلَمَّا رَأَيتُ ذَلِكَ جَعَلتُ أُلقِيهِ إِلَيْهِ وَلَا أَطْعَمُهُ) (^١)؛ فيه الإيثار على النفس، وفيه إكرام الضيف.\n\n<span data-type='title' id=toc-382>ومن باب الدعاء لصاحب الطعام</span>\n[٥٧٥] فيه حديث عبد الله بن بسر ﵁ (^٢)، وفيه بيان الأدب في أكل التمر، وأن على الرجل أن يتقي ما يتَقذّر منه ويكره.\nوفي حديث الدباء (^٣): من الطب أن القرع ليِّن، وكان الغالب على أهل المدينة اليُبُوسَة، فكان ذلك ملائما لطباعهم.\n* * *\n\n[٥٧٦] وفي حديث أكل القثاء بالرطب (^٤): دليل على إباحة ألوان الأطعمة.\n* * *\n\n[٥٧٧] وفي قوله: (فَجَعَلَ يَقْسِمُهُ) (^٥) دليل أن الطعام إذا قل يُقدَّر ويقوَّت حتى يكون أكثر بركة، وقوله: (مُقعِيا)؛ الإقعاء أن يقعد على ألْيَته،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم ٢٠٤١، وأخرجه البخاري: ٢٠٩٢.\n(^٢) أخرجه مسلم برقم ٢٠٤٢، وأخرجه أبو داود: ٣٧٢٩.\n(^٣) حديث الباب قبله.\n(^٤) حديث عبد الله بن جعفر: أخرجه مسلم برقم: ٢٠٤٣، وأخرجه البخاري: ٥٤٤٠.\n(^٥) حديث أنس: أخرجه مسلم برقم: ٢٠٤٤، وأخرجه أحمد: ١٣١٠١.","vol":"1","page":489},{"text":"و(الاحتِفَازُ)؛ قال صاحب المجمل (^١): الرجل يَحْتَفِز في جلوسه: إذا أراد القيام، وحَفَزْت الرجل حَثَثْتُه من خلفه، والليل يحفز النهار أي: يسوقه، وقوله: (أَكْلًا ذَريعًا)؛ أي: سريعًا.\n* * *\n\n[٥٧٨] وقوله: (جِيَاعٌ أَهْلُه) (^٢)؛ فيه دليل أن التمر قوت.\n* * *\n\n[٥٧٩] وفي حديث الكمأة (^٣) دليل على إباحة المعالجة، و(المَنُّ)؛ يعني: المَنَّ الذي أنزل الله على بني إسرائيل.\n* * *\n\n[٥٨٠] و(الكَبَاثُ) (^٤): ثمر الأراك، وفيه دليل على إباحة طلب المعاش، إذ كان النبي ﷺ يرعى ويجني أي: يقطف، والكَبَاث يؤكل ما دام رطبًا.\n* * *\n\n[٥٨١] وفي حديث: (نِعمَ الإِدَامُ الخَلُّ) (^٥)؛ دليل أن كل شيء يُصطبَغ به فهو إدام، وفيه دليل أن الأحسن بالرجل أن يَرضى بالمُتَيسِّر.\n* * *\n\n[٥٨٢] وقوله: (فَوُضِعْنَ عَلَى بَتَّيٍّ) (^٦)، كذا في نسخة، فإن كان محفوظا؛\n_________\n(^١) مجمل اللغة: ٢٤٤.\n(^٢) حديث عائشة: أخرجه مسلم برقم: ٢٠٤٦، وأخرجه أبو داود برقم: ٣٨٣١.\n(^٣) حديث سعيد بن زيد: أخرجه مسلم برقم: ٢٠٤٩، وأخرجه البخاري برقم: ٤٦٣٩\n(^٤) حديث جابر: أخرجه مسلم برقم: ٢٠٥٠، وأخرجه البخاري برقم: ٥٤٥٣.\n(^٥) حديث عائشة: أخرجه مسلم برقم: ٢٠٥١، وأخرجه الترمذي برقم: ١٨٤٠.\n(^٦) حديث جابر: أخرجه مسلم برقم: ٢٠٥٢، وأخرجه الترمذي برقم: ١٨٤٠.","vol":"1","page":490},{"text":"فالبَتُّ: الكساء، قال:\nمَنْ يَكُ ذَا بَتٍّ فَهَذَا بَتِّي … مُقَيِّظٌ مُصَيِّفٌ مُشَتِّ (^١)\nوفي بعض النسخ: (عَلَى نَبِيّ) (^٢)؛ والنَّبِي: المشرف من الشيء، قال أهل اللغة (^٣): النَّبِي: ما ارتفع من الأرض واحدودب، قال صاحب الغريبين (^٤): ومنه الحديث: (لَا تُصَلُّوا عَلَى النَّبِي) (^٥)؛ يقول: لا تصلوا على الأرض المرتفعة المُحدَودِبة، وقيل على الطرق، وقيل: النَّبِي: الطَّبَق؛ أو شبيهٌ بالطبق، و(الأَقرِصَة)؛ جمع قُرص.\n* * *\n\n[٥٨٣] وفي حديث الثوم (^٦): دليل على ترك جميع ما يَتأذى به الناس، وإن كان مباحًا.\n_________\n(^١) البيت للعجاج، ينظر: مجاز القرآن لأبي عبيد: ٢/ ٢٤٧، تهذيب اللغة: ٩/ ٢٠٢، معجم الأدباء: ٣/ ١٣١٢.\n(^٢) وهو لفظ النسخ المطبوعة، ينظر الاختلاف في هذا اللفظ مشارق الأنوار: ١/ ٧٧، مطالع الأنوار: ١/ ٤٤٤.\n(^٣) ينظر الصحاح: ٦/ ٢٥٠٠، مجمل اللغة: ٨٥٣، تهذيب اللغة: ١٥/ ٣٤٩.\n(^٤) الغريبين: ٦/ ١٨٠٣.\n(^٥) لم أجده مسندا، وورد في كتب المعاجم واللغة والغريب، ينظر: غريب الحديث للخطابي: ٣/ ١٩٣، الغريبين: ٦/ ١٨٠٣، النهاية: ٥/ ١١.\n(^٦) حديث أبي أيوب: أخرجه مسلم برقم: ٢٠٥٣، وأخرجه الترمذي برقم: ١٨٠٧.","vol":"1","page":491},{"text":"<span data-type='title' id=toc-383>ومن باب إكرام الضيف</span>\n[٥٨٤] حديث أبي هريرة ﵁: (عَجِبَ اللهُ مِنْ صَنِيعِكُمَا) (^١)؛ فيه دليل على أن إيثار الضيف على النفس محمودٌ في الدين والمروءة.\n* * *\n\n[٥٨٥] وفي حديث المقداد بن الأسود (^٢): وجوب حقِّ الضيف، وإباحة طعام الصديق؛ ومن يثق به عند الحاجة إليه، وفيه: الخوف من عقوبة الذنب، وفيه: الدعاء لمن يحسن إليك، وفيه دلالة النبوة؛ إذ اجتمع في الضَّرع ما لم يكن قبل ذلك، وفيه: استحباب الفرح عند إصابة الخير.\n* * *\n\n[٥٨٦] وفي حديث عبد الرحمن بن أبي بكر (^٣): (يَا غَنْثَرُ)؛ وفي رواية: (يَا غُنْثَرُ) (^٤)، بضم الغين، والنون فيه زائدة، وأصله من الغَثْرِ، ومنه سمي الغوغاء: الغَثرة والغَثر والغُثر، وكأن معنى الغَنثر: الجاهل بالأمر المتثاقل عن الحق؛ المتهور.\n* * *\n\n[٥٨٧] و(مُشْعَانٌّ) (^٥) بتشديد النون، قال صاحب المجمل (^٦): يقال: فلان\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم: ٢٠٥٤، وأخرجه البخاري برقم: ٣٧٩٨.\n(^٢) أخرجه مسلم برقم ٢٠٥٥، وأخرجه أحمد برقم: ٢٣٨٠٩.\n(^٣) أخرجه مسلم برقم: ٢٠٥٧، وأخرجه البخاري برقم: ٦٠٢.\n(^٤) ورواه الخطابي: (يا عَنْتَر)، أعلام الحديث: ١/ ٤٥٥، غريب الحديث له: ٢/ ٦، وينظر: مشارق الأنوار: ٢/ ١٣٦.\n(^٥) حديث عبد الرحمن بن أبي بكر: أخرجه مسلم برقم: ٢٠٥٦، وأخرجه البخاري برقم: ٢٢١٦.\n(^٦) مجمل اللغة: ٥٠٤.","vol":"1","page":492},{"text":"مشعان الرأس: إذا كان ثائر الرأس.\nوقوله: (فَجَدَّعَ) (^١)؛ أي: قال يا أجدع الأنف، أو يا أجدَع الأذن، وهي كلمة ذمّ، وقوله: (فَاخْتَبَيْتُ) (^٢)، ترك همزه، وفيه دلالة على الحنث في اليمين؛ إذا كان ذلك خيرًا للحالف، وقوله: (يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاس)؛ كانت امرأته فراسيةً، أي: يا واحدة من هذه القبيلة.\n* * *\n\n[٥٨٨] وفي حديث: (طَعَامُ الوَاحِدِ يَكفِي الإِثنَينِ) (^٣)؛ بيان أن الكفاية دون الشِّبَع، وأن شِبَع الواحد، يكتفي به الاثنان، وكذلك الثلاثة والأربعة، وفيه ما يبعث على حسُن المعاشرة.\n* * *\n\n[٥٨٩] وفي قوله: (الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ) (^٤)؛ قيل: هذا في رجلٍ بعينه كان يُكثر الأكل؛ فلما أسلم قلَّ أكلُه، فأطلق الكلام عليه، وقيل: قلة الأكل في الكافر نادر، وقيل: كثرة الأكل مذمومة.\n* * *\n\n[٥٩٠] وقوله: (يُجَرجِرُ فِي بَطنِهِ نَارًا مِن جَهَنَّمَ) (^٥)؛ كذا في الكتاب: (نَارًا) بالنصب، ومعناه: يدور، وقيل: يلقي، وروي (نَارٌ) (^٦) بالرفع، ويكون معنى\n_________\n(^١) تابع للحديث قبله.\n(^٢) هذه رواية الكافة، ورواية ابن ماهان بغير همز، وهي التي في النسخ المطبوعة، ووقع عند القابسي: (فَاجْتَذَبْتُ)، قال القاضي: هي وهم ينظر: مشارق الأنوار: ١/ ١٤٠.\n(^٣) حديث جابر: أخرجه مسلم برقم: ٢٠٥٩، وأخرجه الترمذي برقم: ١٨٢٠.\n(^٤) حديث ابن عمر: أخرجه مسلم برقم: ٢٠٦٠، وأخرجه البخاري برقم: ٥٣٩٣.\n(^٥) حديث أم سلمة: أخرجه مسلم برقم: ٢٠٦٥، وأخرجه البخاري برقم: ٥٦٣٤.\n(^٦) ينظر الاختلاف في ذلك: إصلاح غلط المحدثين للخطابي: ٧٠، مشارق الأنوار: ١/ ١٤٤،=","vol":"1","page":493},{"text":"يجرجر: يُصَوِّت، قال الأزهري: أراد بقوله: يجرجر في جوفه؛ أي: يحدر فيه نار جهنم، وقال الزجاج: يجرجر في جوفه؛ أي: يرده فيه، وقيل: الجَرْجَرة: صب الماء في الحلق، وقيل: الجَرجرة صوت وقوع الماء في الجوف (^١).\n[قال صاحب المجمل: يقال: فلان مشعان الرأس إذا كان ثائر الرأس بتشديد النون] (^٢).\n_________\n= المفهم: ٥/ ٣٤٥.\n(^١) ينظر الغريبين: ١/ ٣٣٢.\n(^٢) سبق هذا المعنى قريبا.","vol":"1","page":494},{"text":"<span data-type='title' id=toc-384>ومن كتاب اللباس</span>\n[٥٩١] (الْمَيَاثِر) (^١)؛ جمع المِيثَرة، وهي ما يسوى به السَّرج من قولهم: فراش وَثير؛ أي: وطيء، وقيل: المَيَاثِر: ثياب حُمْر؛ كانت من مراكب العجم، وفي الحديث: (نَهَى عَن مِيثَرَةِ الأَرْجُوَان) (^٢)؛ وهي مُرْفَقَة تُتخَذ كصُفَّة السَّرج، وكانوا يخمرونها، والأُرْجُوان: صبغ أحمر، قال صاحب المجمل (^٣): الصُّفَّة للسَّرج، والبنيان معروفان.\n* * *\n\n[٥٩٢] و(حُلَّةً سِيَرَاءَ) (^٤)، مُخَطَّطة، قال صاحب المجمل (^٥): السِّيرَاء: ضرب من البُرود، وقيل: برد مُسَيَّر: فيه خطوط مختلفة، وفي هذه الأحاديث دليل على تحريم الانتفاع بالحرير للرجال، وإباحته للنساء.\nو(الْقَسِّيِّ)؛ ثياب يؤتى بها من مصر فيها حرير، ويقال: إنها منسوبة إلى بلاد يقال لها: القَسُّ؛ مفتوحة القاف مشددة السين، ورُوي عن عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لَا أَرْكَبُ الْأَرْجُوَانَ، وَلَا أَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ) (^٦)، قيل: أراد بالأُرجوان: المَيَاثرَ الحُمر، وقد تُتخَذ من ديباجٍ وحريرٍ، والنهي ورد في ذلك لما\n_________\n(^١) حديث البراء: أخرجه مسلم برقم: ٢٠٦٦، وأخرجه البخاري برقم: ١٢٣٩.\n(^٢) سنن الترمذي: ٢٧٨٨.\n(^٣) مجمل اللغة: ٥٣٠.\n(^٤) حديث عمر: أخرجه مسلم برقم: ٢٠٦٨، وأخرجه البخاري برقم: ٨٨٦.\n(^٥) مجمل اللغة: ٤٨٠.\n(^٦) رواه أبو داود: ٤٠٤٨، وأحمد: ١٩٩٧٥.","vol":"1","page":495},{"text":"فيه من السَّرَف، وليست من لباس الرجال، قيل: سميت مياثر لوَثارتها ولِينها.\nوفي هذه الأحاديث من الفقه: أن من الأشياء ما يجوز ملكه، ولا يجوز الانتفاع به، وفي قَطع الثياب على وجه الإصلاح جوازٌ، إذ شققها علي ﵁ خُمُرًا بين النساء (^١).\n* * *\n\n[٥٩٣] وقوله: (فَأَطَرْتُهَا بَيْنَ نِسَائِي) (^٢)، أي: شققتها وقطعتها، يقال: طار لفلان سهم كذا؛ أي: أصابه، وصار له في القَسْم، وأطرته أنا؛ أي: صيَّرته في قسْمي، قال صاحب الغريبين (^٣): طيَّرت المال بين القوم؛ فطار لفلان كذا؛ ولفلان كذا؛ أي: صار، وفي الحديث: (فَأَطَرتُ الحُلَّة بَينَ نِسَائِي) (^٤)؛ أي: قسمتها بينهن، وطائر الإنسان ما طار له في علم الله مما قدر له، وقولهم: (بالمَيْمُونِ طَائِرُه) (^٥)، أي: بالمبارك حظُّه، ويقال: اقتسموا دارا؛ فطار لفلان سهم في ناحيتها، أي: خرج وجرى.\nوفي الحديث دليل أنه إذا استحل الحرير حُرِمه في الجنة؛ ومنع دخولها، وإذا لبسه غيرَ مستحلٍّ فهو ذنب؛ يجوز أن يغفر له؛ ويُحْرَمَه في الآخرة؛ ويجوز\n_________\n(^١) ورود ذلك في الحديث أعلاه؛ برقم: ٢٠٦٨، ومعناه كذلك في الحديث الذي يلي في هذا الشرح.\n(^٢) أخرجه مسلم برقم: ٢٠٧١، وأخرجه أبو داود برقم: ٤٠٤٣.\n(^٣) الغريبين: ٤/ ١١٩٥.\n(^٤) الحديث نفسه، وقع بمعناه في كتب اللغة والغريب.\n(^٥) من بيت لرُقَيْقَة بنتِ صيفي، تصف عبد المطلب؛ في قصة الجدب واستسقائه لقريش، وتقول:\nمَنًّا مِنَ اللهِ بِالمَيْمُونِ طَائِرُه … وَخَيْرِ مَنْ بُشِّرَتْ يَوْمًا بِهِ مُضَرُ\nينظر: المعجم الكبير للطبراني رقم: ٦٦١، دلائل النبوة: ٢/ ١٧.","vol":"1","page":496},{"text":"أن يعطاه إذا غُفر له ذنبه، وفيه دلالة الرخصة في لُبس الحرير لمن به علَّة أو حَكّة.\n* * *\n\n[٥٩٤] و(الفَرُّوجُ) (^١)، قِباء له فُرجة.\nوقوله: (شَقِّقَهُ خُمُرًا بَينَ الفَوَاطِمِ)؛ بين فاطمةَ بنتِ رسول الله ﷺ، وبين فاطمةَ بنتِ أسدٍ أم علي ﵁، وعنها، وبين فاطمةَ بنتِ حمزةَ بن عبد المطلب ﵁، و(أُكَيْدِرَ دُومَةَ)؛ أصحاب الحديث يقولون بفتح الدال، وأصحاب اللغة يقولون بضمها (^٢)، و(أُكَيْدِرَ دُومَةَ): ملك هذه البلدة، ويقال لها: دُومةَ الجندل؛ بين العراق والشام.\n* * *\n\n[٥٩٥] وقوله: (قَدْ أَوْشَكَ مَا نَزَعْتَهُ) (^٣)؛ أي: أسرعَ ما نزعته.\n* * *\n\n[٥٩٦] وقوله: (نَهَى عَنِ الْحَرِيرِ إِلَّا هَكَذَا إِصْبَعَيْنِ) (^٤)؛ فيه دليل أن القليل من الحرير قد يحل للرجال عند الضرورة، و(قَالَ أَبُو عُثْمَانَ: فَمَا عَتَمْنَا أَنَّهُ يَعْنِي الْأَعْلَامَ)؛ أي: فما أبعدنا أنه يريد بقدر الأصبعين: الأعلام، قال صاحب المجمل (^٥): عتَّم عن الأمر إذا كف، وغرست الودي فما عَتَّم منها شيء، وروي:\n_________\n(^١) حديث عقبة بن عامر: أخرجه مسلم برقم: ٢٠٧٥، وأخرجه البخاري برقم: ٣٧٥.\n(^٢) نقل عن ابن دريد أنه كان يغلط المحدثين في قولهم بالفتح، وقال غيره بصحة الوجهين، ينظر: إصلاح غلط المحدثين: ٣٩، الزاهر: ٢٦٠، مشارق الأنوار: ١/ ٢٦٥، المفهم: ٥/ ٣٩٤، شرح النووي: ١٤/ ٤٩.\n(^٣) حديث جابر: أخرجه مسلم برقم: ٢٠٧٠، وأخرجه النسائي برقم: ٥٣٠٣\n(^٤) أخرجه مسلم برقم: ٢٠٦٩، وأخرجه البخاري برقم: ٥٨٢٥.\n(^٥) مجمل اللغة: ٦٤٦.","vol":"1","page":497},{"text":"(لَا أَلْبَسُ الْقَمِيصَ الْمُكَفَّفَ بِالْحَرِيرِ) (^١)، يعني: ما اتخِذ جيبُه من حرير، وكان لذيله وأكمامه كِفاف منه.\n[قال أهل اللغة: طار لفلان في القسمة سهم كذا؛ أي: صار له، ووقع في نصيبه، قال الشاعر: فما طار لي في القسم إلا ثمينها] (^٢).\nوفي حديث أسماء: (فَأَخرَجَتْ إِلَيَّ جُبَّةَ طَبَالِسَةٍ كِسَرَوَانِيَّةٍ لَهَا لِبَنَةُ دِيبَاجٍ، وَفَرجَيهَا مَكفُوفَينِ بِالدِّيباجِ، فَقَالَت هَذِهِ كَانَت عِندَ عَائِشَةَ ﵂ حَتَّى قُبِضَت، فَلَمَّا قُبِضَت قَبَضتُهَا، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَلْبَسُهَا، فَنَحْنُ نَعْسِلُهَا لِلمَرْضَى يُستَشْفَى بِهَا) (^٣)؛ الفَرْجُ: الشَّق.\n\n<span data-type='title' id=toc-385>ومن باب لباس الإزار الغليظ والثوب الملبد</span>\n[٥٩٧] حديث أبي بردة: (دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ ﵂، فَأَخْرَجَتْ إِلَيْنَا إِزَارًا غَلِيظًا مِمَّا يُصْنَعُ بِاليَمَنِ، وَكِسَاءً مِنَ الَّتِي يُسَمُّونَهَا المُلَبَّدَةَ، فَأَقسَمَت بِاللهِ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قُبِضَ فِي هَذَينِ الثَّوبَينِ) (^٤)، قال صاحب الغريبين (^٥): في الحديث أن عائشة ﵂: أخرجت كساء النبي ﷺ ملبدا؛ أي: مُرقَّعًا، وقد لبَّدت الثوب ولَبَدْتُه وأَلْبَدْتُه، والرقعة التي يرقع بها صدر القميص: اللِّبْدَة، وقوله تعالى:\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود: ٤٠٤٨، وأحمد: ١٩٩٧٥.\n(^٢) موضعه أعلاه، عند شرح حديث علي: (فأطرتها بين نسائي)، وهو برقم: ٢٠٧١، والبيت الوارد فيه لأبي الجراح، وصدره: (وألْقَيْتُ سَهْمِي وَسْطَهِم حِينٍ أَوْخَشُوا)، ينظر: طبقات فحول الشعراء: ٢/ ٧٨٠، أدب الكاتب: ٥٦٦، معجم ديوان العرب: ٣/ ٢٦٧.\n(^٣) من روايات الحديث: ٢٠٦٩ أعلاه.\n(^٤) أخرجه مسلم برقم: ٢٠٨٠، وأخرجه البخاري برقم: ٣١٠٨.\n(^٥) الغريبين: ٥/ ١٦٦٨.","vol":"1","page":498},{"text":"﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩]؛ أي: يركب بعضُهم بعضًا، وكلُّ شيءٍ ألصقته بشيء فقد لَبَّدتَه.\n* * *\n\n[٥٩٨] وحديث أنس: (أَيُّ اللِّبَاسِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ؟ قَالَ: الحِبَرَةُ) (^١)؛ والحِبَرَةُ من برود اليمن، والحَبَارُ في اللغة: الأثر، والحَبْرة: النِّعمة، والحِبْرُ: الجمال والهيئة، وحَبَّرْتُ الشيء حسنتُه.\n* * *\n\n[٥٩٩] وقوله: لعبد الله بن عمرو: (بَلْ أَحْرِقْهُمَا) (^٢)، أي: أنفقهما (^٣)، روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: هَبَطنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن ثَنِيَّةٍ، فَالتَفَتَ إِلَيَّ وَعَلَيَّ رَيطَةٌ مُضَرَّجَةٌ بِالْعُصْفُرِ، فَقَالَ: (مَا هَذِهِ الرَّيطَةُ عَلَيكَ؟) فَعَرَفْتُ مَا كَرِهَ، فَأَتَيْتُ أَهلِي وَهُمْ يَسجُرُونَ تَنُّورًا لَهُم، فَقَذَفْتُهَا فِيهِ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ مِنَ الغَدِ، فَقَالَ: (يَا عَبدَ اللهِ، مَا فَعَلَتِ الرَّيطَةُ؟) فَأَخبَرتُهُ، فَقَالَ: (أَفَلَا كَسَونَهَا بَعضَ أَهْلِكَ، فَإِنَّهُ لَا بَأسَ بِهِ لِلنِّسَاءِ) (^٤)؛ المُضَرَّجُ: الذي ليس صبغه بالمشبع، والرَّيطَة: المُلَاءة.\nوقال البراء: (رَأَيتُ النَّبِي ﷺ فِي حُلَّةٍ حَمَرَاءَ لَم أَرَ شَيْئًا قَطُّ أَحسَنَ مِنْهُ) (^٥)،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم: ٢٠٧٩، وأخرجه البخاري برقم: ٥٨١٢.\n(^٢) أخرجه مسلم برقم: ٢٠٧٧، وأخرجه أحمد برقم: ٦٥١٣.\n(^٣) أي إفناءهما وإعدامهما ببيع أو هبة أو نحو ذلك، أو أراد التغليظ والزجر؛ لا حقيقة الإحراق، والدليل الرواية التالية.\n(^٤) أخرجه أبو داود: ٤٠٦٦، وابن ماجة: ٣٦٠٣.\n(^٥) أخرجه البخاري: ٣٥٥١، ومسلم: ٢٣٣٧.","vol":"1","page":499},{"text":"وقد نهى ﷺ عن لبس المعصفر، وكره للرجال الحمرة في اللباس (^١)، قيل: ذاك مُنصرِفٌ إلى ما صُبِغ بعد النَّسج، فأما ما صبغ غزلُه ثم نسج فغيرُ داخلٍ في النهي، وبُرود اليمن يصبغ غزلُه ثم يُنسَج، وهي العَصْبُ، وإنما سمي عَصْبًا لأن غزلَه يُعصَب ثمّ يُصبَغ ثمّ يُنسَج، والتختم بالذهب للرجال حرامٌ، والنهي عن المعصفر للرجال لشُهرتِه، ولأنه من زِيِّ النساء، والقراءةُ في الركوع مَنهيّ عنها، لأن الركوع موضع التسبيح.\n* * *\n\n[٦٠٠] و(المِرْطُ المُرَحَّل) (^٢): الأسود الذي فيه خطوط.\n* * *\n\n[٦٠١] وفي قوله: (كَانَ وِسَادُ النَّبِيَّ ﷺ مِنْ أَدَمِ حَشْوُهِ لِيفٌ) (^٣)؛ دلالة على اختيار الزهد في الدنيا؛ إذ كان ﷺ خيرَ الخلق، وكان يُنزِل نفسه الدنيا هذه المنزلة.\n_________\n(^١) يشير إلى ما رواه النسائي: ٥٢٦٦؛ عن ابن عباس قال: نهيت عن الثوب الأحمر، وخاتم الذهب، وأن أقرأ وأنا راكع).\n(^٢) حديث عائشة: أخرجه مسلم برقم: ٢٠٨١، وأخرجه أبو داود برقم: ٤٠٣٢.\n(^٣) حديث عائشة: أخرجه مسلم برقم: ٢٠٨٢، وأخرجه أبو داود برقم: ٤١٤٦.","vol":"1","page":500},{"text":"<span data-type='title' id=toc-386>ومن باب فراش الأدم الذي حشوه ليف وباب لباس المرط المرحل وباب من جر ثوبه خيلاء</span>\n(المِرْطُ): كساء فيه خطوط، و(المُرَحَّلُ): الذي عليه تصاوير رحلٍ أو نحوه.\n\n[٦٠٢] وفي الأحاديث (^١) دليل أن الواجب على المسلم أن يتواضع في لباسه وفي أحواله، وأن الخُيلاء يجرُّ إلى العُجب، والعُجب يدعو إلى الكِبْر، والكِبْر يدعو إلى النّار، فأما من يسترخي إزارُه ولا يقصد به الخيلاء؛ فلا عَتْب عليه، وكان أبو بكر ﵁ نحيفا؛ قليل اللحم؛ لا يستمسك إزاره إذا شدَّه على حِقوه، فرخَّص له رسول الله ﷺ في ذلك وعذَرَه (^٢).\n* * *\n\n[٦٠٣] وقوله: (إِذْ خُسِفَت بِهِ الْأَرْضِ) (^٣)؛ يعني: لأجل تبختره وخيلائه.\n* * *\n\n[٦٠٤] و(النَّمَطُ) (^٤): الثياب التي تفرش، والجمع أنماط.\n* * *\n\n[٦٠٥] و(الرَّقْمُ) (^٥): الخط والعَلَم، وأصل الرَّقم: الكتابة، قال الشاعر:\n_________\n(^١) روايات حديث ابن عمر: أخرجه مسلم برقم: ٢٠٨٥، وأخرجه البخاري برقم: ٥٧٨٣.\n(^٢) البخاري: ٣٦٦٥، وأبو داود: ٤٠٨٥.\n(^٣) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٠٨٨، وأخرجه البخاري برقم: ٥٧٨٩.\n(^٤) حديث جابر: أخرجه مسلم برقم: ٢٠٨٣، وأخرجه البخاري برقم: ٣٦٣١.\n(^٥) حديث أبي طلحة: أخرجه مسلم برقم: ٢١٠٦، وأخرجه البخاري برقم: ٥٩٥٨.","vol":"1","page":501},{"text":"سأَرْقُم فِي الْمَاءِ القَراحِ إِليكُم … عَلَى بُعْدِكُمْ، إِن كَانَ لِلْمَاء رَاقِمُ (^١)\nوفي الحديث: (وَمَا أَنَا وَالدُّنْيَا؟ وَمَا أَنَا وَالرَّقْمَ؟) (^٢).\n* * *\n\n[٦٠٦] و(الدُّرْنُوكُ) (^٣): الطَّنفسة الصغيرة، وقد يقع على الستر، و(القِرَامُ): الستر الرقيق؛ فإذا خيط وصار كالبيت فهو كِلَّةٌ، و(السَّهْوَة): كالصُّفَّة تكون بين يدي البيت، وقيل: السَّهوة: بيت صغير.\nوقوله: (يُضَاهُونَ)؛ أي: يشابهون، قال ابن عرفة (^٤): المُضاهاة: معارضة الفعل بمثله، أي: يعارضون الله في فعله، يقال: ضاهَيْتُه، أي: فعلت مثل فعله، له: (لَا تَدخُلُهُ المَلَائِكَةُ)؛ قيل: هذا خاص في ملائكة الوحي، فأما الملكان الحافظان الموكَّلان بابن آدم؛ فإنهما يدخلان معه كلَّ موضع.\n* * *\n\n[٦٠٧] وقوله: (إِنَّ مِن أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا المُصَوِّرُونَ) (^٥)، من النحويين من يجعل (مِنْ) زائدة، ويكون التقدير: إن أشدَّ النَّاس عذابًا المُصَوِّرُون.\nوفي هذه الأحاديث دلالة على تحريم الانتفاع بالذهب للرجال على أي وجه كان.\n_________\n(^١) البيت لأوس بن حجر، ينظر: التمثيل والمحاضرة: ٢٥٥، تهذيب اللغة، غريب الخطابي: ١/ ٦٨، مجمع الأمثال: ٢/ ٣٩٨، ديوانه: ١١٦.\n(^٢) أخرجه أبو داود: ٤١٤٩، وأحمد: ٤٧٢٧.\n(^٣) حديث عائشة: أخرجه مسلم برقم: ٢١٠٧، وأخرجه البخاري: ٥٩٥٥.\n(^٤) ابن عرفة المشهور بنفطويه: إبراهيم بن محمد بن عرفة الأزدي (٣٢٣ هـ)، وينظر قوله في الغريبين في القرآن والحديث: ٤/ ١١٤٧.\n(^٥) حديث ابن مسعود: أخرجه مسلم برقم: ٢١٠٩، وأخرجه البخاري برقم: ٥٩٥٠.","vol":"1","page":502},{"text":"<span data-type='title' id=toc-387>ومن باب كراهية الجرس في الرفقة</span>\n[٦٠٨] فيه حديث أبي بشير الأنصاري (^١): قال أبو عبيد: كانوا يُقلِّدونها الأوتار لئلا تصيبها العين؛ فأمرهم النبي - صلى الله عليه وسل -، بقطعها؛ يعلمهم أن الأوتار لا تَردُّ من أمر الله شيئًا، وقال النضر (^٢): أي: لا تطلبوا عليها الذُّحول (^٣) التي وُتِرتُم بها في الجاهلية، وقال محمد بن الحسن (^٤): لا تقلدوها أوتار القَسِّي فتختنق.\n* * *\n\n[٦٠٩] وقوله: (خَمِيصَةٌ جَونِيَّة) (^٥)، هذه الكلمة مضطربة في النسخ (^٦)، ففي بعضها: (جَوْنِيَّة)، بالجيم والنون، وفي بعضها: (حُوتِيَّة) بالحاء والتاء؛ وفي رواية خارج الصحيح: (حُريثَيَّة) (^٧)، فالكلمات منسوبة: إما إلى الجَوْن؛ وهو الأسود، أو إلى الحُوت؛ وهو قبيلة أو موضع، وإما إلى حُرَيْث: اسم رجل، وفي رواية: (حَوْتَكِيَّة) (^٨)؛ أي: صغيرة، يقال: رجل حَوْتَكِيّ أي: صغير، و(الخَمِيصَة):\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم: ٢١١٥، وأخرجه البخاري برقم: ٣٠٠٥.\n(^٢) النَّضر بنُ شُمَيل: من أعلام النحو والغريب والشعر والحديث، وممن أخذوا عن الخليل، توفي سنة ٢٠٣ هـ، وينظر قوله في: غريب الحديث لأبي عبيد: ٢/ ١، الغريبين: ٦/ ١٩٦٨، تهذيب اللغة: ١٤/ ٢٢٤، غريب ابن الجوزي: ٢/ ٤٥١.\n(^٣) الذحول الثارات.\n(^٤) ينظر: غريب الحديث لأبي عبيد: ٢/ ٢، وعنه: الأزهري في تهذيب اللغة: ١٤/ ٢٢٤، وغيره.\n(^٥) حديث أنس: أخرجه مسلم برقم: ٢١١٩، وأخرجه البخاري برقم: ٥٨٢٤.\n(^٦) ذكر القاضي عياض أنها رويت جَونية؛ وحَونية؛ وحوتنية؛ وحُريثية؛ وخيبرية، ثم وهنها جميعا؛ إلا: جونية وحريثية، ينظر: مشارق الأنوار: ١/ ١٦٦، وذكر النووي ألفاظا أخرى؛ ينظر شرحه على مسلم: ١٤/ ٩٩.\n(^٧) عند البخاري: ٥٨٢٤.\n(^٨) عند البيهقي في السنن: ١٣٢٥٦.","vol":"1","page":503},{"text":"ثياب من صوف لها أعلام، وقيل: الخميصة ثوب خز، و(المربَدُ): موضع الغنم، و(المِيسَمُ): حديدة يكوى بها الإبل، قال أهل اللغة (^١): المِربَد: كل موضع يحبس به الإبل، والمربَد: سوق الإبل، والمِرْبَد: موضع التمر، و(التَّحْنِيكُ): أن يُمضغ التمر فيلصقَ بحَنَك الصَبي.\n* * *\n\n[٦١٠] وقوله: (فَكُوِيَ فِي جَاعِرَتَيْهِ) (^٢)؛ يعني: موضعَ الرَّقْمتين من مُؤخر الدابة، قال أهل اللغة (^٣): وَسَمْتُ الشيء وسمًا: إذا أثرت به سِمةً، والوَسْمِي: أول مطر، لأنه يَسِم الأرض بالنبات، ومَوسِم الحاجّ: سمي بذلك لأنه مَعلم يُجتمع إليه، وفلان مَوْسُوم بالخير.\n\n<span data-type='title' id=toc-388>ومن باب النهي عن الجلوس في الطرق وباب النهي عن الوصل في الشعر</span>\n[٦١١] (العُرَيِّسُ) (^٤): تصغير العروس، و(الحَصْبَة): بَثْر يخرج في الجسد، وقوله: (فَتَمَرَّطَ شَعْرُهَا)؛ يقال: تَمَرَّط الشعر: إذا تحاتَّ، والأَمْرَط من السهام: الذي سقط قُذَذه، وفي رواية: (فَتَمَرَّقَ)؛ يقال: مَرَقتُ الإهاب: إذا حلقتُ عنه صوفَه، وقوله: (يَسْتَحِثْنيها) (^٥)، تريد الاستعجال، و(الوَاصِلَةُ): التي تصل شعر؛\n_________\n(^١) غريب الحديث لأبي عبيد: ١/ ٣٧٣، الغريبين: ٣/ ٧٠١، تهذيب اللغة: ١٤/ ٧٧، غريب ابن الجوزي: ١/ ٣٧٣.\n(^٢) حديث ابن عباس: أخرجه مسلم برقم: ٢١١٨.\n(^٣) مجمل اللغة: ٩٢٥، جمهرة اللغة: ٢/ ٨٦٢.\n(^٤) حديث أسماء: أخرجه مسلم برقم: ٢١٢٢، وأخرجه البخاري: ٢٩٣٦.\n(^٥) في النسخ المطبوعة: (يستحسنها)، قال القاضي ﵀: (يستحثنيها؛ كذا للكافة، وعند بعض الرواة: يَسْتَحْسِنها، وهو تصحيف، والأول الصواب) مشارق الأنوار: ١/ ١٨١.","vol":"1","page":504},{"text":"المرأة بشعر آخر، و(المُسْتَوْصِلَة) التي تطلب أن يُفعل بها ذلك.\n* * *\n\n[٦١٢] و(الوَاشِمَةُ): الوشم في اليد: أن يغرز ظهر كف المرأة ومعصمها بإبرة، ثم يُحشى بالكحل أو بغيره، و(المُسْتَوْشِمَةُ): التي يُفعل بها ذلك، وأما: (المُتَنَمِّصَاتُ)؛ فالنامصة التي تنتف الشعر من الوجه، و(المُتَنَمِّصَة): التي يُفعل بها ذلك.\nوقوله: (لَمْ نُجَامِعَهَا) (^١)؛ أي: لم نصاحبها؛ ولم نجتمع معها، وقوله: (وَالْمُتَفَلِّجَاتِ)؛ الفلج: فرجة بين الثَّنايا، والمُتَفَلِّجَة: التي تُفرِّج ما بين الثَّنِيَّتَين، وقوله: (لِلْحُسْنِ)؛ أي: لأجل الحُسن، أي: إنما تفعل ذلك لتزيد في حسنها؛ لا لعلَةٍ أخرى.\n* * *\n\n[٦١٣] و(قُصَّةُ الشَّعْر) (^٢)؛ شعر مقدم الرأس، وقيل: شعر الناصية، وقيل: شعرٌ مقصوص، و(الحَرَسِيُّ) كالشرطي، و(كُبَّةً مِنْ شَعَرِ)؛ أي: مجموع من شَعْرٍ.\nوفي هذه الأحاديث دلالة أن الكلب لا يجوز اقتناؤه إلا للصيد أو ماشية، وفي التصوير التعرض في التشبه بالخالق.\nقال أهل اللغة: الوَسْم: الكيُّ، وفي الحديث بيان فضيلة الوجه على سائر أعضاء البدن، و(الجَاعِرَتَانِ) (^٣): ما عن يمين الذَّنَب وعن شِماله.\n_________\n(^١) حديث ابن مسعود: أخرجه مسلم برقم: ٢١٢٥، وأخرجه البخاري برقم: ٤٨٨٦.\n(^٢) حديث معاوية: أخرجه مسلم برقم: ٢١٢٧، وأخرجه البخاري برقم: ٥٩٣٢.\n(^٣) سبق أعلاه برقم: ٢١١٨.","vol":"1","page":505},{"text":"[٦١٤] وقوله: (الْجَرَسُ مَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ) (^١)، أي: إنه ضربٌ من الملاهي.\nوفي حديث الواصلة: بيان أن الغرور حرام، وأن المرأة إذا وصلت شعرها بشعر غيرها لتَخدعَ به كان غرورًا، و(التَّنَمُّصُ): نتفُ الشعر عن الجَبين؛ وتزجيج الحاجب، وذلك غرور، وكذلك تفليج الأسنان ووَشْرُها، كل ذلك خيانةٌ وخديعة، و(الوَشْرُ) (^٢) تحديد الأسنان لتبرق وتحسن، قال أبو عبيد (^٣): الواشرة: التي تشر أسنانها حتى يكون لها أُشُر؛ أي: تحدُّد ورقّة، تفعله المرأة الكبيرة فتَشَبَّه بالأحداث؛ لأن في أطراف أسنان الأحداث رقةً وتحزيزًا.\nوفي الأحاديث دلالة على تأكيد أمر السنن، وأن الائتمار بها استسلام الله ﷿.\n* * *\n\n[٦١٥] وفي قوله: (كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ) (^٤)؛ يعني: التَّعَريَّ من الثياب؛ بلبس الغلائل والثياب الرقيقة التي تبدي ظاهر الجلد، وقوله: (رِجَالٌ بِأَيْدِيهِم سِبَاطٌ) (^٥)، يعني: الشُّرَط الذين يظلمون الناس، ويضربونهم ويخيفونهم.\n* * *\n_________\n(^١) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢١١٤، وأخرجه أبو داود برقم: ٢٥٥٦.\n(^٢) ورد النهي عنه في حديث عند أبي داود: ٤٠٤٩، والنسائي: ٥٠٩١.\n(^٣) غريب الحديث: ١/ ١٦٦.\n(^٤) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢١٢٨، وأخرجه أحمد برقم: ٨٦٦٥.\n(^٥) لفظ مسلم: (قَوْمُ مَعَهُم سِيَاطٌ)، واللفظ الذي أورده المؤلف رواه ابن حبان في المجروحين:\n١/ ١٧٧.","vol":"1","page":506},{"text":"<span data-type='title' id=toc-389>ومن باب ما ورد في تحريم التشبع</span>\n[٦١٦] (^١) قال أبو عبيد (^٢): المُتَشبِّع بما لا يملك؛ يعني: المُتَزيِّن بأكثر مما عنده، يَتكثَّر بذلك؛ ويتزين بالباطل، (كَلَابِسِ ثَوْبَي زُورٍ)؛ قال: إنه عندنا الرجل يلبس الثياب تشبه لباس أهل الزهد؛ يريد بذلك الناس؛ يُظْهِر من التخُّشع أكثر مما في قلبه، فهذه ثياب الزور والرياء.\nفي الحديث دلالة على استحباب الاقتصاد، وأن الرجل إذا تكثَّر بشيء وهو عادم له أو لبعضه؛ كان كلابس ثوبَيْ زورٍ، قيل: كان كمن لبس ثوبين لغيره؛ وهو يُرِي الناسَ أنهما له، فهو كاذب في كليهما.\n\n<span data-type='title' id=toc-390>ومن باب كراهية أن يكنى بكنية النبي ﷺ وباب أحب الأسماء إلى الله</span>\n[٦١٧ - ٦١٩] فيه حديث أنس (^٣) وابن عمر (^٤) ﵄، قوله: (أَسْم ابْنَكَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ) (^٥)، هو أمر من أَسْمَيْتُه، وسَمَّيْتُه وأَسْمَيتُه: لغتان، يقال: سمَّيته فتسمَّى، وكنَّيتُه فتكنَّى، وكنَّوتُه فاكْتَنَى، ورُوي: (لَا تَكْتَنُوا) و(لَا تَكَنَّوْا)؛ وقوله: (وَلَا نُنعِمُكَ عَيْنًا)؛ أي: لا تَقَرّ عينك بهذا، يقال: نَعِم فلانٌ بفلانٍ عينًا، وأنعم الله بك عينًا.\n_________\n(^١) حديث أسماء: أخرجه مسلم برقم: ٢١٣٠، وأخرجه البخاري برقم: ٥٢١٩.\n(^٢) غريب الحديث: ٢/ ٢٥٣.\n(^٣) وهو حديث النهي عن التكني بكنية النبي ﷺ: أخرجه مسلم برقم: ٢١٣١، وأخرجه البخاري برقم: ٢١٢٠.\n(^٤) وهو حديث أحب الأسماء إلى الله: أخرجه مسلم برقم: ٢١٣٢، وأخرجه أبو داود برقم: ٤٩٤٩.\n(^٥) حديث جابر: أخرجه مسلم برقم: ٢١٣٣، وأخرجه البخاري برقم: ٦١٨٩.","vol":"1","page":507},{"text":"<span data-type='title' id=toc-391>ومن باب أخنع الأسماء عند الله تعالى</span>\n[٦٢٠] (^١) قال أبو عبيد (^٢): أخنع الأسماء، أي: أشدُّ الأسماء ذُلًّا، وأوضعُها عند الله، والخانع: الذليل الخاضع، ومن رواه: (أَنْخَعَ الأَسْمَاءِ) (^٣)؛ فالمراد أقتل الأسماء وأهلكها له، والنَّخْعُ: هو القتل الشديد، ومنه النَّخْع في الذبيحة، وهو أن يجوزَ بالذّبح إلى النُّخاع، والنُّخاع: عرق أبيضُ ضخمٌ مستبطنٌ فَقَار العنق يتصل بالدِّماغ، والمَنْخَعُ: مَفْصِل الفَهْقة من العنق والرأس من باطن.\nوقال مسلم: (قَالَ ابن حَنْبَلٍ، سَأَلتُ أَبَا عَمرٍو - وهو الشيبانيُّ اللغويُّ صاحبُ الغريب - عَن أَخْنَعَ، فَقَالَ: أَوضَعَ) (^٤)، وقال سفيان (^٥): هو أن يتسمى الرجل بأسماء الله ﷿، كالعزيز والحكيم، وقيل: (شَاهَا نَشَاه) (^٦).\nوفي رواية أبي هريرة ﵁: (أَغيَطُ رَجُلٍ عَلَى اللَّهِ يَومَ القِيَامَةِ، وَأَخْبَثُهُ وَأَعْيَظُهُ عَلَيْهِ)؛ الغَيْظُ: ما يَغتاظ الإنسان منه، يقال: غاظني الشيء يغيظني، وأما\n_________\n(^١) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢١٤٣، وأخرجه البخاري برقم: ٦٢٠٦.\n(^٢) غريب الحديث: ٢/ ١٨.\n(^٣) لم أجد من نقل هذا الوجه، رواية، ولكن ذكره عامة أهل اللغة والغريب، ينظر: العين: ١/ ١٢٢، غريب الحديث لأبي عبيد: ٢/ ١٧، جمهرة اللغة: ١/ ٦١٤، وعن أبي عبيد نقل كثير من شراح الحديث؛ كالقاضي والنووي وابن حجر.\n(^٤) وهو كذلك في مسنده برقم: ٧٣٢٩.\n(^٥) الظاهر أن هذا القول ليس لسفيان، وإنما لغيره، ينظر: غريب الحديث لأبي عبيد: ٢/ ١٨، مشارق الأنوار: ١/ ٢٤٢.\n(^٦) من قول سفيان عند مسلم في حديث الباب، ونسبه سفيان لغيره عند البخاري: ٦٢٠٦، قال ابن حجر: (فلعل سفيان قاله مرة نقلًا ومرة من قبل نفسه فتح الباري: ١٠/ ٥٩٠، وورد كذلك عند البخاري أن سفيان فسره بقوله: (أَخنَع الأسمَاءِ عِندَ الله رجلٌ تسمَّى بِمَلِك الأَملَاكِ).","vol":"1","page":508},{"text":"الغنظ (^١) بالنون: - ولا أراه محفوظا فإن كان محفوظًا؛ فهو من قولهم: غَنَظَه هذا الأمر، أي: ساءه وكرهه وشقّ عليه، وفي رواية: (لَا مَالِكَ إِلَّا اللهُ) (^٢).\n* * *\n\n[٦٢١] وقوله: (فَلَاكَهُنَّ) (^٣)؛ أي: مضغهن: (ثُمَّ فَغَرَ فَا الصَّبِيّ)؛ أي: فتح فمه،: (فَمَجَّهُ فِي فِيهِ)؛ المَجُّ: الصَّبّ، والعسل: مُجَاج النَّحل، وقوله: (فَجَعَلَ الصَّبِيُّ يَتَلَمَّظُهُ)؛ يقال: تَلَمّظ الحية: أخرجت لسانها كتَلَمُّظِ الآكل، ويقولون: شرب الماء لِمَاظًا: إذا ذاقه بطرف لسانه، وقوله: (حُبُّ الْأَنْصَارِ التَّمْرَ)؛ مبتدأ؛ وخبره محذوف، والتقدير: حب الأنصار التمر أي هكذا: حُبّ الأنصار التمرَ طبعٌ وعادةٌ، ويجوز: (حُبُّ الْأَنْصَارِ التَّمْرُ) بالرفع؛ ويكون المعنى: محبوبُ الأنصارِ التّمرُ، ويكون مصدرًا بمعنى المفعول.\nوقوله: (وَارُوا)؛ أمر من وَارَيْتُه؛ ومعناه: ادْفِنُوا، وقوله: (أَعْرَسْتُمُ اللَّيْلَةَ؟)؛ الألف ألف (أَفْعَلَ)؛ ومعنى الكلام الاستفهام، قال أهل اللغة (^٤): أعرَس الرجلُ: صار عروسًا، والعِرْسُ: امرأة الرجل، ورجل عَرُوس وامرأة عَرُوس، فالعروس نعت قد استوى فيه الرجل والمرأة، يقال: أعرس فلان بأهله: إذا بنى بها وغشِيَها.\n_________\n(^١) بسبب تكرار (أغيظ) في الرواية؛ قال بعض العلماء: إنه لا معنى للتكرار هنا مع قرب في الكلام، فقالوا لعل إحداهما: (أغنظ)، نقل القاضي عياض ﵀ ذلك في مشارق الأنوار: ٢/ ١٤٣؛ عن أبي الوليد الكناني، لكنه ضبطها بالطاء المهملة، وكونها بالظاء - كما ذكر المؤلف - أثبت من حيث اللغة، ينظر العين: ٤/ ٣٩٨، الغريب لأبي عبيد: ٤/ ٤١٩.\n(^٢) رواية ابن أبي شيبة ذكرها مسلم في الحديث.\n(^٣) حديث أنس: أخرجه مسلم برقم: ٢١٤٤، وأخرجه أبو داود برقم: ٤٩٥١.\n(^٤) ينظر العين: ١/ ٣٢٨، مجمل اللغة: ٦٥٨، مقاييس اللغة: ٤/ ٢٦٢.","vol":"1","page":509},{"text":"ورُوي: (أَعَرَّسْتُم اللَّيْلَةَ؟)، بتشديد الراء، ويكون الألف ألف الاستفهام، والمصدر منه التعريس، قال أهل اللغة (^١): أعْرَسَ أفصحُ من عَرَّسَ، وقيل للرجل والمرأة: عروس؛ ما داما في تعريسهما أياما، وذلك إذا عرَّس أحدهما بالآخر، وعرس به بكسر الراء؛ أي: لزمه، ورجل عَرِسٌ: إذا لم يبرَح القتال، والعِريّس مأوى الأسد، ويقال: أعرس فلان أي: اتخذ عُرْسًا، والعُرْسُ: طعام الوليمة.\n* * *\n\n[٦٢٢] و(التَّحْنِيكُ) (^٢): أن يمضغ التمر؛ ثم يدلك بحنك الصبي داخل فمه، وقوله: (بَرَّكَ عَلَيْهِ): أي: قال: بارك الله عليك، و(تَفَلَ)؛ أي: بَزَق.\n* * *\n\n[٦٢٣] وقوله: (فَاسْتَفَاقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (^٣)، أي: فرغ مما كان مشغولًا به، وقوله: (فَلَهَى) (^٤) لغة في: (لَهِيَ)، يقال: لَهَيْتُ عنه؛ أي: شُغلت عنه، ويقال: (إِذَا اسْتَأْثَر الله بِشَيءٍ فَالْهَ عَنْهُ) (^٥)، وقوله: (فَأَقْلَبُوهُ)؛ لغة في: (قَلَبُوهُ) (^٦)، وهي\n_________\n(^١) أشار إلى هذا الخليل بن أحمد في العين: ١/ ٣٢٨، وقال الجوهري في الصحاح: ٣/ ٩٤٨: (وأَعْرَسَ بأهله، إذا بنى بها، وكذلك إذا غَشيها، ولا تقل عرَّس؛ والعامة تقوله)، وتنظر المصادر أعلاه بخصوص بقية المعاني.\n(^٢) حديث أسماء: أخرجه مسلم برقم: ٢١٤٦، وأخرجه البخاري برقم: ٣٩٠٩.\n(^٣) حديث سهل بن سعد: أخرجه مسلم برقم: ٢١٤٩، وأخرجه البخاري برقم: ٦١٩١.\n(^٤) في النسخ المطبوعة لمسلم: (فَلَهِيَ)، وفي طبعة دار التأصيل كما ذكر المؤلف.\n(^٥) من الحكم والأمثال السائرة، وقد رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق: ٣١/ ١٥٤؛ بسنده إلى ابن عمر يوم دفن أبيه، وعده بعض أهل اللغة والغريب حديثًا، ولعلهم يقصدون هذا الأثر الموقوف؛ على طريقتهم في إطلاق الحديث على مختلف الأخبار، ونسبه المبرد في الكامل: ٤/ ٣٢؛ لعمر بن عبد العزيز.\n(^٦) وهي اللغة الأكثر والأشهر، وبها ورد الحديث في رواية البخاري.","vol":"1","page":510},{"text":"لغة قليلة (^١).\n* * *\n\n[٦٢٤] وقوله: (مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ) (^٢)؛ قيل: النُّغير: طائر أحمرُ المنقار، وفي الحديث دلالة على حسن خُلُق النبي ﷺ مع الصبيان.\nوفي الأحاديث: فضيلة التمر؛ وفضيلة الصبر عند صدمة المصيبة، وذلك أن عاقبة الصبر محمودةٌ، ودليل نيلِ الخَلَف عَقِيب الصّبر، وفيها: سنة التسمية، واستحبابُ تسمية المولود عبدَ الله، واستحبابُ مسح المولود حين يولد؛ والدعاءِ له، و(المُتِمُّ) (^٣): التي قرُب وِلادها، وفيه وضع الصبي في الحجر، وفيه: إباحة صيد المدينة.\n\n<span data-type='title' id=toc-392>ومن باب الدجال</span>\n[٦٢٥] قوله: (وَمَا يُنْصِبُكَ مِنْهُ؟) (^٤)؛ أي: وما يشُقّ عليك منه، يقال: أنْصَبَني الشيء؛ أي: شقّ عليّ، والنصب التّعَب، وقوله: (لَنْ يَضُرَّكَ)؛ فيه دليل أن الدجَال لا يضرُّ المؤمن.\nوفي حديث أنس ﵁: (فِي عَبَاءَةٍ يَهْنَأُ بَعِيرًا لَهُ) (^٥)، دلالة أن النبي ﷺ\n_________\n(^١) رواية الكافة عند مسلم: (فَأَقْلِبُوه)، وعامة اللغويين ينكرون هذه اللغة، وقالوا بأن الفعل ثلاثي مخفف، ينظر: مشارق الأنوار: ٢/ ١٥٨، المفهم: ٥/ ٤٧٠، النهاية في غريب الحديث: ٤/ ٩٧، النووي: ١٤/ ١٢٨.\n(^٢) حديث أنس: أخرجه مسلم برقم: ٢١٥٠، وأخرجه البخاري برقم: ٦١٢٩.\n(^٣) حديث أسماء: سبق أعلاه.\n(^٤) حديث المغيرة: أخرجه مسلم برقم: ٢١٥٢، وأخرجه البخاري برقم: ٧١٢٢.\n(^٥) سبق أعلاه برقم: ٢١٤٤.","vol":"1","page":511},{"text":"كان يباشر الأعمال بنفسه؛ إذا كان فيه مصلحته؛ ومصلحة المسلمين، والوسم (^١): الكي، وإنما كان يَسِمها لتتبيّن إبل الجزية من إبل الصدقة، لأن مَصرفهما مختلف، و(العَبَاءَةُ): كساء صغير، و(يَهْنَأُ): يَطْلي، يقال: هَنَاتُ الإبل؛ أي: طَلَيتُه بالدواء، ويقال لذلك الدواء: الهِناء، قال:\nمَا إِن رَأَيْت وَلَا سَمِعت بِمثله … كَالْيَوْمِ هَانِي أينقٍ جُرْبِ\nمتبذلًا تبْدُو مَحَاسِنُه … يضع الهناء مَوَاضِع النُّقْبِ (^٢)\nالنُّقْبُ: الجَرَبُ، والجُرْبُ: جمع أجرَب.\n* * *\n_________\n(^١) يشير إلى حديث وسم النبي ﷺ الإبل الصدقة؛ (سبق برقم: ٢١١٩)، ليبين أن ذلك كان لحاجة؛ واستثناء من الأصل الذي يشير إليه هذا الحديث؛ وهو الرفق بالحيوان ورعايته ومعالجته.\n(^٢) البيتان لدريد بن الصِّمّة؛ يصف الخنساء؛ وقد رآها تهنأ الجربي من إبلها، ينظر: البيان والتبيين: ١/ ١٠٧، الشعر والشعراء: ١/ ٣٣١، أمالي القالي: ٢/ ١٦١.","vol":"1","page":512},{"text":"<span data-type='title' id=toc-393>ومن كتاب الاستئذان</span>\n[٦٢٦] فيه حديث أبي سعيد الخدري ﵁ (^١): قوله: (فَلَو مَا اسْتَأَذَنتَ)؛ بمعنى: لولا استأذنت، وهي كلمة تحضيض تتضمن الأمر بالاستئذان، وقوله: (وَإِلَّا، لأَجْعَلَنَّكَ عِظَةً)؛ يعني: إن ظهر لي أنك تهاونت فيما قلت؛ ولم تحفظه من رسول الله ﷺ؛ شهَّرتك عند الناس؛ وأعلمتهم أنك غيُر متثَبِّت في الرواية، وفي رواية (^٢): (إِنْ كَانَ هَذَا شَيْئًا حَفِظْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَهَا)؛ يعني: فأت بالبيِّنة، (ها) في العربية: تنبيه، قال الشاعر:\nهَا إِنَّ تَا عِذْرَةٌ إِلَّا تَكُنْ نَفَعَتْ … فَإِن صَاحِبَهَا قَدْ تَاهَ فِي البَلَد (^٣)\n(ها): زجر، وقوله: (أَلْهَانِي عَنْهُ الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ)؛ ألهاني: أي: شغلني، وقوله: (عَنْه): عن هذا الحديث وسماعه من رسول الله ﷺ، و(الصَّفْقُ): البيعُ والشِّراء.\nوفي الحديث دليل على جواز الاستشهاد على الدَّعوى، وفيه الأخذ بالسُّنة والاقتصار عليها؛ إذ لم يزد أبو موسى ﵁ على ثلاث، وفيه سنة الاستئذان بالسّلام، وفيه القول بالحق عند السُّلطان، وفيه حسن السِّياسة، وقول عمر ﵁:\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم ٢١٥٣، وأخرجه البخاري برقم: ٦٢٤٥.\n(^٢) لمسلم أيضا ..\n(^٣) البيت للنابغة الذبياني؛ ينظر العين: ٤/ ١٠٣، شرح المعلقات التسع: ٩٨، غريب الخطابي: ٢/ ١٢٢، ديوان النابغة: ص ٢٨ بعجز: (فإن صاحبها مشارك النكد)، وقد أشار إلى هذا الاختلاف في شرح المعلقات، والأول أشهر.","vol":"1","page":513},{"text":"(إِنَّمَا سَمِعتُ شَيئًا، فَأَحبَبتُ أَنْ أَتَثَبَّتَ)، فيه دلالة على الاستقصاء والتثبت في أخذ الحديث، وفيه أن رواية الاثنين أثبتُ من رواية الواحد.\n\n<span data-type='title' id=toc-394>ومن باب إنما جعل الاستئذان من أجل البصر</span>\n[٦٢٧] (^١) فيه دليل على التشديد في الاحتراز من الاطلاع على حُرُم المسلمين، و(المِدْرَى): حديدةٌ يسوى به الشعر، يقال: تَدَرَّت المرأة: سرَّحت شعرها.\n* * *\n\n[٦٢٨] و(المِشْقَصُ) (^٢): نصل السهم.\n* * *\n\n[٦٢٩] و(خَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ) (^٣) بالخاء؛ أي: رميته.\n* * *\n\n[٦٣٠] وقوله: (فَأَمَرَنِي أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِي) (^٤)؛ فيه دلالة على التشديد في النظر إلى المُحَرَّم، وأمْرٌ بصرفِ البصر عنه، ونهيٌ أن يُملأ النظر منه.\n* * *\n\n[٦٣١] وفي حديث: (إِيَّاكُم وَالْجُلُوسَ بِالطُّرُقَاتِ) (^٥)؛ يقال: طريق وطُرُق وطرقات، وفي رواية: (الصُّعُدَات)؛ يقال: صعيد، وصُعُد وصُعُدات، قال صاحب المجمل (^٦): الصُّعُدَات: الطرق، الواحد صعيد، وصُعُد، والصَّعِيد:\n_________\n(^١) حديث سهل بن سعد: أخرجه مسلم برقم: ٢١٥٦، وأخرجه البخاري برقم: ٥٩٢٤.\n(^٢) حديث أنس: أخرجه مسلم برقم: ٢١٥٧، وأخرجه البخاري برقم: ٦٢٤٢.\n(^٣) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢١٥٨، وأخرجه البخاري برقم: ٦٩٠٢.\n(^٤) حديث جرير بن عبد الله: أخرجه مسلم برقم: ٢١٥٩، وأخرجه البخاري برقم: ٢١٤٨.\n(^٥) حديث أبي سعيد: أخرجه مسلم برقم: ٢١٦١، وأخرجه البخاري برقم: ٢٤٦٥.\n(^٦) مجمل اللغة: ٥٣٤.","vol":"1","page":514},{"text":"التراب، والصَّعيد: الأرض المستوية، وقوله: (إِنَّمَا قَعَدنَا لِغَيرِ مَا بَاسٍ)؛ ما: زائدة، والمعنى لغير بأس، وقوله: (إِمَّا لَا) بالإمالة؛ أي: إن لا تفعلوا هذا؛ أي: إن امتنعتم من [تَرْكِ] (^١) الجلوس إلى الصُّعدات، و(الأفنية): جمع الفِناء، يقال: فِناء الدار: ما امتد مع الدار من جوانبها، والجمع: أفنية.\n* * *\n\n[٦٣٢] (وَتَشْمِيتُ الْعَاطِس) (^٢)؛ بالشين: الدعاء، وهو أن يقول له: يرحمك الله، وبالسين لغة.\nوفي الحديث دليل أن الجلوس على الطريق الذي يمرُّ الناسُ عليه مكروهٌ، فإذا جلس للضرورة؛ وجب أداء حقه.\nوفي حديث أبي هريرة ﵁: بيان ما يجب من حق أخوة الإسلام، فإن السلام سنة، وردُّ السلام فرضٌ، والزيادة سنةٌ، و(الاسْتِنصَاحُ): طلب النصيحة.\n* * *\n\n[٦٣٣] وقوله: (فَقُولُوا: عَلَيْكُم) (^٣)، وفي رواية: (فَقُولُوا: وَعَلَيكُم) (^٤)، يجوز أن يكون الواو واو الابتداء، والمعنى: وعليكم ما تستحقون، ويجوز أن يكون مجازاة، وهذا في حق أهل الذّمة، وقوله: (عَلَيكُم) بلا واو؛ أي: عليكم السَّام.\n_________\n(^١) الزيادة لمقتضى استقامة المعنى.\n(^٢) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢١٦٢، وأخرجه البخاري برقم: ١٢٤٠.\n(^٣) قال الخطابي: (وكان سفيان بن عيينة يرويه: عليكم بحذف الواو وهو الصواب، وذلك أنه إذا حُذف الواو صار قولهم الذي قالوه بعينه مردودًا عليهم، وبإدخال الواو يقع الاشتراك معهم والدخول فيما قالوه، لأن الواو حرف العطف والجمع بين الشيئين) معالم السنن: ٤/ ١٥٤.\n(^٤) حديث أنس: أخرجه مسلم برقم: ٢١٦٣، وأخرجه البخاري برقم: ١٢٤٠.","vol":"1","page":515},{"text":"[٦٣٤] روي: (إِنَّ اليَهُودَ إِذَا سَلَّمُوا عَلَيْكُم يَقُولُ أَحَدُهُمُ السَّامُ عَلَيكُم) (^١): السام: الموت، كانوا يوهمون المسلمين أنهم يسلمون عليهم، وكانوا يسبونهم ليًّا بألسنتهم؛ وإخفاء باللسان، وقيل: السأم بالهمز: من السآمة، أي: مللتم دينكم، وفي الحديث: استحباب الرفق، وفيه: أن دعوة المسلم مُجابة.\n* * *\n\n[٦٣٥] و(الذَّامُ) (^٢): العيب.\n* * *\n\n[٦٣٦] وقوله: (فَاضطَرُّوهُ إِلَى أَضيَقِهِ) (^٣): فيه اضطرار الكافر إلى مضايق الطرق، وفي ذلك استهانة بهم واستذلال.\n* * *\n\n[٦٣٧] وقوله: (وَأَنْ تَسْمَعَ سِوَادِي) (^٤)، السَّواد: السرار، وفيه فضيلة عبد الله بن مسعود ﵁.\n* * *\n\n[٦٣٨] وقوله: (وَكَانَتِ امْرَأَةً جَسِيمَةً تَفَرَعُ النِّسَاءَ جِسمًا) (^٥)، تَفْرَع: أي تعلو، […] (^٦) (فَانكَفَت رَاجِعَةً) (^٧): تُرِك همزه، ومعناه: انصرفت، وقوله:\n_________\n(^١) حديث ابن عمر: أخرجه مسلم برقم: ٢١٦٤، وأخرجه أبو داود برقم: ٥٢٠٦.\n(^٢) حديث عائشة: أخرجه مسلم برقم: ٢١٦٥، وأخرجه أحمد برقم: ٢٥٩٢٤.\n(^٣) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢١٦٧، وأخرجه الترمذي برقم: ١٦٠٢.\n(^٤) حديث ابن مسعود: أخرجه مسلم برقم: ٢١٦٩، وأخرجه ابن ماجة برقم: ١٣٩، ولفظ مسلم: (تستمع).\n(^٥) حديث عائشة: أخرجه مسلم برقم: ٢١٧٠، وأخرجه البخاري برقم: ١٤٧.\n(^٦) كلمة غير مقروءة في الأصل.\n(^٧) في نسخ مسلم: (فانكفأت راجعة)، وعند الأصيلي كما عند المؤلف، ينظر: مشارق الأنوار: ١/ ٣٤٦.","vol":"1","page":516},{"text":"(أُذِنَ لَكُنَّ أَنْ تَخرُجْنَ لِحَاجَتِكُنَّ)؛ يعني: الخروج إلى البَرَاز لقضاء الحاجة، وقوله: (فَإِنَّ العَرقَ فِي يَدِهِ)؛ يعني: العَظمَ الذي عليه اللَّحم، و(المَنَاصِع): موضع، و(صَعِيدٌ أَفْيح)؛ أي: مكان واسع.\n\n<span data-type='title' id=toc-395>ومن باب نهي الرجل أن يبيت عند المرأة غير المحرم</span>\n[٦٣٩] (أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ؟) (^١)؛ وروي: (الحَمْؤ) (^٢)، بالهمز، الحمؤ: أخ الزوج، وقوله: (الحَمْوُ المَوْتُ)؛ أي: لا يجوز أن يدخل على النساء أقاربُ الزوج؛ كأخيه وابن عمه، فإن ذلك في الكراهة كالموت، أي: احترز من ذلك كما يُحترز من الموت.\n* * *\n\n[٦٤٠] و(المُغِيبَة) (^٣): المرأة التي زوجها غائب.\n* * *\n\n[٦٤١] وقوله: (فَقَالَ: يَا فُلَانُ هَذِهِ زَوْجَتِي) (^٤)، فيه دلالة على توقي المرء الأسباب التي يُتّهم لأجلها، والمواضع التي يُتّهم بكونه فيها.\n* * *\n\n[٦٤٢] وفي حديث أبي واقد الليثي (^٥) دليل على استحباب المبادرة إلى\n_________\n(^١) حديث عقبة بن عامر: أخرجه مسلم برقم: ٢١٧٢، وأخرجه البخاري برقم: ٥٢٣٢.\n(^٢) وهذا يؤيد ما ذهب إليه القرطبي من أن الثابت في الحديث كونه بالهمز [المفهم: ٥/ ٥٠١] وعامة العلماء يروونه بلا همز، ومن جهة اللغة ينظر العين: ٣/ ٣١١، مشارق الأنوار: ١/ ١٩٩، مطالع الأنوار: ٢/ ٢٩٨.\n(^٣) حديث عبد الله بن عمرو: أخرجه مسلم برقم: ٢١٧٣، وأخرجه أحمد برقم: ٦٥٩٥.\n(^٤) حديث أنس: أخرجه مسلم برقم: ٢١٧٤، وأخرجه أحمد برقم: ١٢٥٩٢.\n(^٥) أخرجه مسلم برقم: ٢١٧٦، وأخرجه البخاري برقم: ٦٦.","vol":"1","page":517},{"text":"الخير، وأن التباطؤ عنه غير محمود.\n* * *\n\n[٦٤٣] وفي حديث: (لَا يُقِيمَنَّ أَحَدُكُمُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ) (^١)؛ دليل على تساوي أحوال المسلمين في الحقوق، وفيه الاحتراز من أذى المسلم، وفي إقامة الرجل أخاه إدخال الذلِّ عليه.\n* * *\n\n[٦٤٤] وفي حديث بنت غيلان (^٢): منعُ الرجال غيرِ ذوي المحارم عن الدخول على النساء، وذلك أن المُخنَّث كان عندهم من غير أولي الإربة، فلما ذكر بنت غَيْلَانَ بما ذكر؛ وعرف أنه مطلع على أحوال النساء؛ أمر بمنعه عن الدخول على النساء في قوله: (تُقبِلُ بِأَربَعٍ وَتُدبِرُ بِثَمَانٍ)؛ أي: بأربع عُكَنٍ، وتُدير بثمانٍ، يعني: أَطْرافَ العُكَن (^٣).\n* * *\n\n[٦٤٥] وفي حديث أسماء بنت أبي بكر: (وَأَخرُزُ غَرَبَهُ) (^٤)؛ الخرز: الخياطة، والغَرْبُ: الدلو العظيم، وقوله: (وكُنَّ نِسوَةَ صِدقٍ)؛ أي: كنَّ موصوفاتٍ بالخير، قوله: (إخْ إِخْ)؛ يقال عند إناخة البعير: إخْ إخْ، وفي الحديث دليل على استحباب الغيرة، واستحباب الحياء في حق النساء، قوله: (أَحتَشُّ)؛ أي: أقطع الحشيش، وفي قوله: (اطلُب إِلَيَّ، وَالزُّبَيرُ شَاهِدٌ)؛ احتيال في طلب المعروف والإحسان، وفيه بيان الإقطاع.\n_________\n(^١) حديث ابن عمر: أخرجه مسلم برقم: ٢١٧٧، وأخرجه البخاري برقم: ٦٢٦٩.\n(^٢) حديث أم سلمة: أخرجه مسلم برقم: ٢١٨٠، وأخرجه البخاري برقم: ٤٣٢٤.\n(^٣) هذا توجيه لقوله: (ثمان) بدل (ثمانية)، والعكن: الطي في البطن من السمن.\n(^٤) أخرجه مسلم برقم: ٢١٨٢، وأخرجه البخاري برقم: ٥٢٢٤.","vol":"1","page":518},{"text":"[٦٤٦] وفي حديث: (لَا يَتَنَاجَى اثنَانِ) (^١) نهي عن إدخال سوء الظن على المسلم، وكراهية تعاطي ما يسوؤه، قال أهل اللغة (^٢): انتجى القوم وتناجوا: إذا سارَّ بعضهم بعضًا، والنجوى: اسم المناجاة، وقوله: (فَإِنَّ ذَلِكَ يُحزِنُهُ)؛ يُروى بضم الياء وفتحها، قال أهل اللغة (^٣): حَزَنَه وأحزنه لغتان.\nوقولها: (حَتَّى أَرْسَلَ إِلَيَّ بِخَادِم) (^٤)؛ أي: بجارية، يقال للأمة التي تخدم: خادم بلا هاء.\n* * *\n\n[٦٤٧] وقوله: (يُبْرِيكَ) (^٥)؛ أصل الكلمة الهمز؛ فترك همزه، يقال: برأ المريض وأبرأه الله.\n* * *\n_________\n(^١) حديث ابن مسعود: أخرجه مسلم برقم: ٢١٨٤، وأخرجه البخاري برقم: ٦٢٩٠.\n(^٢) ينظر: العين: ٦/ ١٨٧، الصحاح: ٦/ ٢٥٠٣، مجمل اللغة: ٨٥٧، مقاييس اللغة: ١/ ٢٨٦.\n(^٣) ينظر: العين: ٣/ ١٦٠، الصحاح: ٥/ ٢٠١٨، جمهرة اللغة: ١/ ٥٢٩.\n(^٤) تابع لحديث أسماء قبله.\n(^٥) حديث عائشة: أخرجه مسلم برقم: ٢١٨٥، والأنسب بهذا الحديث كتاب الطب الآتي بعده.","vol":"1","page":519},{"text":"<span data-type='title' id=toc-396>ومن كتاب الطب</span>\n<span data-type='title' id=toc-397>باب إباحة الرقى والعلاج</span>\n[٦٤٨] قوله: (العَينُ حَقٌّ)، (وَإِذَا اسْتُعْسِلْتُم فَاغسِلُوا) (^١)؛ فيه دلالة أن الغسل ينفع من العين ووجه ذلك أن يغسل العائن أطراف يديه؛ ورجليه؛ ومذاكيره، ويجمع ذلك الماء ويُؤتى به المَعِين، فيُصَبّ عليه من خلفه صبّةً واحدة، وفيه دليل أن العين تصيب الإنسان، وأن العين حق.\n\n<span data-type='title' id=toc-398>ومن باب ما جاء في كيفية سحر النبي ﷺ</span>\n[٦٤٩] فيه حديث عائشة ﵂: قوله: (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ) (^٢)، أي: يظن، و(المَطْبُوبُ): المسحور، و(المُشَاطَةُ): ما يقع من شعر الرأس بالمَشْط، و(الجُفُّ): الوعاء الذي يكون فيه طلع النخل، وقد يكون الطلع ذكرًا وأنثى، وقوله: (فِي بِئرِ ذِي أَروَان): بئر في بستان بالمدينة، ورُوي: (فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ) (^٣).\nو(نُقَاعَةُ الحِنَّاءِ): الماء الذي ينقع فيه الحناء، وفي رواية: (فِي مُشُطٍ وَمُشَاقَةٍ) (^٤)، المُشَاقَة: ما يُتخذ منه الكتانُ، وفيه تحقيق وقوع السحر بالنبي ﷺ\n_________\n(^١) حديث ابن عباس: أخرجه مسلم برقم: ٢١٨٨، وأخرجه الترمذي: ٢٠٦٢.\n(^٢) أخرجه مسلم برقم: ٢١٨٩، وأخرجه البخاري: ٥٩٦٣.\n(^٣) كذا رواية البخاري، وورد بألفاظ قريبة، وصوب القاضي عياض تبعا لابن قتيبة رواية مسلم: (ذي أروان)، ينظر: مشارق الأنوار: ١/ ٢٧٥، إصلاح غلط المحدثين: ٣٩.\n(^٤) رواية البخاري.","vol":"1","page":521},{"text":"وفيه إطلاع الله نبيه على من فعله، وفيه سكوت النبي ﷺ عن الانتقام ممن فعله.\nوقوله: (أَفَلَا أَحْرَقْتَهُ؟ قَالَ: لَا أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَافَانِي اللَّهُ، وَكَرِهْتُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى النَّاس شَرًّا)؛ قيل: لو أحرقه لاقتدى به الناس؛ فكانوا يتسارعون إلى إحراق مثله، وقيل: لو نشره عن نفسه أصاب فاعله ما أصاب النبي ﷺ، قيل: كان تغيُّر الماء لأجل المدفون، وإنما شبه بالشياطين لقبحه، قيل: النُّشرة التي ينشر بها العلة مباحة، فأما النُّشرة التي يُؤخذ بها المرء عن زوجته فحرام.\n\n<span data-type='title' id=toc-399>ومن باب الرقية في الحمة والنملة والعين</span>\n[٦٥٠] (الحُمَةُ) (^١): سُمُّ الحية والعقرب، و(النَّمْلَة): قروح تخرج في الجنب وغيره.\n* * *\n\n[٦٥١] وفي قوله: (تُربَةُ أَرضِنَا بِرِيقَةِ بَعضنا) (^٢)؛ دلالة على جواز الرقية باسم الله؛ وبتربة الأرض والرّيق، وقوله: (لِيُشفَى سَقِيمُنَا)؛ وفي نسخة: (لِيَشفِي سَقِيمَنَا)؛ على أن يكون اسم الله الفاعل، وفي نسخة: (لِنَشْفِي بِهَا سَقِيمَنَا)؛ بالنون.\n* * *\n\n[٦٥٢] وقوله: (رَأَى بِوَجْهِهَا سَفعَةً، فَقَالَ: إِنَّ بِهَا نَظرَةٌ) (^٣)؛ أي: عينًا [أصابته] (^٤)، وقيل: معناه: بها علامةٌ من الشيطان، وفي حديث النخعي:\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم: ٢١٩٦، وأخرجه البخاري برقم: ٥٧١٩.\n(^٢) حديث عائشة: أخرجه مسلم برقم: ٢١٩٤، وأخرجه البخاري: ٥٧٤٥.\n(^٣) حديث أم سلمة: أخرجه مسلم برقم: ٢١٩٧، وأخرجه البخاري: ٥٧٣٩.\n(^٤) كذا في الأصل، والصواب: أصابتها.","vol":"1","page":522},{"text":"ولَقِيتُ غُلَامًا أَسْفَعَ أَحْوَى) (^١)؛ قال القتيبي (^٢): الأسفع: الذي أصاب خدَّه لونٌ يخالف سائر لونه من سواد.\n* * *\n\n[٦٥٣] وقوله: (مَا لِي أَرَى أَجْسَامَ بَنِي أَخِي ضَارِعَةً) (^٣)، أي: نحيفة، وقال الحجاج لمسلم بن قتيبة: (مَا لِي أَرَاكَ ضَارِعَ الجِسْمِ) (^٤)\nفي هذه الأحاديث: بذل الوُسع في منافع المسلمين، إذ كان ﷺ يضع يده على المكان الوجع؛ ثم يدعو، وفيه أن الله يفعل ما يشاء من القبض والبسط وغير ذلك.\n* * *\n\n[٦٥٤] وفي حديث الشاة المسمومة (^٥): ما يدل على ترك الانتقام، وفيه أن ما خلق ضارا؛ ضرَّ إلا من خصه الله بالسلامة منه.\n* * *\n\n[٦٥٥] وقوله: (مَا كُنَّا نَأبِنُهُ بِرُقيةٍ) (^٦)، أي: نتهمه، وقال أبو الدرداء: (إِنْ نُؤْبَن بِمَا لَيْسَ فِينَا، فَرُبَّمَا زُكِّينَا بِمَا لَيْسَ فِينَا) (^٧)؛ أي: إن نُتَّهَم ونُنْسَب إلى قبيح\n_________\n(^١) رواه بنحوه ابن شبة في تاريخ المدينة: ٣/ ١١٤٥، وابن الأثير في أسد الغابة: ١٧٤١.\n(^٢) غريب الحديث: ١/ ٥٠٩.\n(^٣) حديث جابر: أخرجه مسلم برقم: ٢١٩٨، وأخرجه أحمد: ١٤٥٧٣.\n(^٤) ينظر: الدلائل في غريب الحديث: ٢/ ٨٢٠، تهذيب اللغة: ١/ ٢٩٨.\n(^٥) حديث أنس: أخرجه مسلم برقم: ٢١٩٠، وأخرجه البخاري: ٢٦١٧.\n(^٦) حديث أنس: أخرجه مسلم برقم: ٢٢٠١، وأخرجه البخاري: ٥٠٠٧.\n(^٧) نسب لأبي الدرداء، وروي كذلك عن أم الدرداء الفقيهة الصغرى (ت) ٨١ هـ)؛ حينما جاءها من يقول لها: إن فلانا نال منك عند عبد الملك بن مروان؛ فذكرته، رواه البخاري في الأدب المفرد: ٤٢٠.","vol":"1","page":523},{"text":"من الفعال.\n* * *\n\n[٦٥٦] وقوله: (ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ خِنْزَبُ) (^١)؛ جنزب بكسر الخاء على وزن فِنْعَل، قال أهل اللغة (^٢): خَزِبَت الناقة خَزَبًا: إذا ورم ضرعها.\nوفي الحديث: استحباب السعي في مصالح الناس، وإباحة الاسترقاء وفيه أن الرُّقى إذا كانت بكتاب الله وسنة النبي وسنة النبي ﷺ فلا بأس به، وأما الرقى بما لا يُدرى ما هو فلا يجوز.\n* * *\n\n[٦٥٧] وقوله: (أَوْ لَذْعَةٍ بِنَارٍ) (^٣)؛ لذعه: أي: أحرقه، يريد: الكي، و(شَرطَةُ المِحجَمِ): الحجامة، والمِشْرَط: حديدة يقطع بها العرق.\n* * *\n\n[٦٥٨] وقوله: (فَحَسَمَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ بِمِشْقَص) (^٤)؛ الحسم كي العروق بالنار لينقطع الدم، وفي الحديث أنه: (أَتِيَ بِسَارِقٍ فَقَالَ: اقْطَعُوهُ ثُمَّ احْسِمُوهُ) (^٥)، أي: اقطعوا عنه الدم بالكي، و(المِشْقَصُ): نصل عريض، وقوله: (اسْتَعَطَ)؛ بتخفيف الطاء هو افتعل من السُّعوط، يقال: أسعطتُه الدواء فاستعط، والمُسْعَط: الذي يجعل فيه السَّعوط: وهو الدواء الذي يجعل في الأنف.\n* * *\n_________\n(^١) حديث أنس: أخرجه مسلم برقم: ٢٢٠٣، وأخرجه البخاري: ٥٠٠٧.\n(^٢) ينظر: تهذيب اللغة: ٧/ ٧٩، ومقاييس اللغة: ٢/ ١٧٩، والصحاح: ١/ ١١٩.\n(^٣) حديث أنس: أخرجه مسلم برقم: ٢٢٠٥، وأخرجه البخاري: ٥٦٨٣.\n(^٤) حديث جابر ﵁: أخرجه مسلم برقم: ٢٢٠٨، وأخرجه الترمذي: ١٥٨٢.\n(^٥) رواه الحاكم في المستدرك برقم: ٨١٥٠، والدارقطني في السنن برقم: ٣١٦٣.","vol":"1","page":524},{"text":"<span data-type='title' id=toc-400>ومن باب معالجة الحمى بالماء</span>\n[٦٥٩] فيه حديث ابن عمر ﵁ (^١) وفيه دلالة على إباحة طلب المخرج من المكاره، وفيه طلب الشفاء من الله عند حدوث الداء بالأسباب التي وضع الله\nله.\n* * *\n\n[٦٦٠] و(المَوعُوكَة) (^٢)؛ المحمومة، و(فَيحُ جَهَنَّم)؛ مصدر فاح، قيل: الأصل في الباب هو الواو، يقال: فاحت الريح فَوْحًا، وفاحت القدر: غلت، وقوله: (صَبَّتِ الْمَاءَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ جَيْبِهَا)، بالباء.\n* * *\n\n[٦٦١] و(الفَورُ) (^٣): الغليان، يقال: فارت القدر تفور فَوْرًا، وفار الغضب: إذا جاش، وفَعَلَه من فَورِه؛ أي قبل أن يسكن، ويقال للغضبان: فائره (^٤)، وقوله: (فَابرِدُوهَا عَنكُم بِالمَاءِ)؛ بألف الوصل من قوله: بَرَدَ الماء حرارة جوفي، قال الشاعر:\nوعَطَّلْ قَلُوصي فِي الرِّكَابِ فإنها … سَتَبْرُدُ أَكبادًا، وتُبْكِي بَواكيا (^٥)\nويقال: بَرَدْتُ عَينَه بِالبَرُودِ؛ بفتح الباء، والبَرْدُ: خلاف الحر.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم ٢٢٠٩، وأخرجه البخاري: ٥٧٢٣.\n(^٢) حديث أسماء: أخرجه مسلم برقم: ٢٢١١، وأخرجه البخاري برقم: ٥٧٢٤.\n(^٣) حديث رافع: أخرجه مسلم برقم: ٢٢١٢، وأخرجه البخاري برقم: ٣٢٦٢.\n(^٤) لعلها: (فَارَ فَائِرُه)، ينظر: تهذيب اللغة: ١٢/ ١٤، والصحاح: ٢/ ٧٨٣.\n(^٥) من مرثية مالك بن الريب، ينظر جمهرة أشعار العرب: ٦١٤، وأمالي اليزيدي: ٤٣، والاختيارين: ٦٢٨.","vol":"1","page":525},{"text":"[٦٦٢] وقولها: (لَدَدْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ) (^١)، اللَّدود: ما يُصب في الفم من الدواء، والسَّعُوط ما يجعل في الأنف من الدواء، قال صاحب المجمل (^٢): اللَّدود: ما سقي الإنسان من دواء في أحد شقي فمه، يقال: لَدَدْتُ المريض؛ والْتَدَدْتُ أنا، قال الشاعر:\nشَرِبْتُ الشُّكَاعَى والتَدَدْتُ أَلِدَّةً … وأَقْبَلْتُ أَفْواهَ العُروقِ المَكاوِيا (^٣)\nقال صاحب المجمل (^٤): أسعَطْتُه [الدواء] (^٥) فاسْتَعَط، وطعنته فأسعطته الرمح، والمُسْعَط: الذي يجعل فيه السَّعوط.\nوفي هذه الأحاديث إباحة قطع العِرق عند غلبة الدم، وشرب العسل عند غلبة الرطوبة، والسَّعوط لترطيب الدماغ، وقوله: (فَحَسَمَه)؛ يقال حسم الداء أي قطعه، وفيه دليل على حسم العرق عند سيلان الدم، قال صاحب المجمل (^٦): الحسم أن تحسم عرقا فتكويه بالنار، قيل: إن الحمى إذا كانت من حرارة مفرطة فبُرَّد بالماء نفعها ذلك بإذن الله، وفيه دليل أن أخذ الأجرة على الحجامة جائز، وفي قوله: (إِنَّ الله لَمْ يُنْزِلْ دَاءً) (^٧)؛ دلالة أن الله الأمور، وكما خلق الداء خلق الدواء، ولا شفاء إلا بإذن الله.\n_________\n(^١) حديث عائشة: أخرجه مسلم برقم: ٢٢١٣، وأخرجه البخاري برقم: ٥٧٠٩.\n(^٢) مجمل اللغة: ٧٩٢.\n(^٣) لعمرو بن أحمر الباهلي، ينظر: الشعر والشعراء: ١/ ٣٤٥، والمعاني الكبير: ٣/ ١٢٢٠، سمط اللالئ: ١/ ٧٧٨.\n(^٤) مجمل اللغة: ٤٦٢.\n(^٥) في الأصل: (الداء) وهو خطأ، وما أثبت هو ما عند صاحب المجمل.\n(^٦) مجمل اللغة: ٢٣٢.\n(^٧) أخرجه البخاري بلفظ قريب برقم: ٥٦٧٨، وأخرجه مسلم بلفظ: (لكل داء دواء) برقم: ٢٢٠٤.","vol":"1","page":526},{"text":"وأما الكي فكوى النبي ﷺ سعد ليرقأ الدم عن جرحه (^١)، خاف أن ينزف فيهلك، والكيُّ من العلاج الذي يستعمله العرب كثيرا فيما يعرض لها من الأدواء، وقالوا: آخر الدَّاءِ الكَيُّ (^٢)؛ قال شاعرهم:\nإِذَا كَوَيْتَ كَيَّةً فَأَنْضِجِ … تُشْفِ بِهَا الدَّاءَ وَلَا تُلَهوِجِ (^٣)\nوأما حديث عمران بن حصين ﵁ في النهي عن الكي (^٤)، فإنما نهي عنه لئلا يروا أنه يبرئ ويذهب الداء، وإذا لم يفعل ذلك هلك صاحبه، نهاهم عن ذلك لأجل هذا، وحيث أباح لهم استعماله أباحه على معنى التوكل على الله سبحانه؛ والترجي للبرء بما يُحدث الله ﷿ من صنعه فيه، فيكون الكي والدواء سببا لا علة، وكثيرا ما نسمع الناس يقولون: لو أقام فلان بأهله وبلده لم يهلك، وإن شرب الدواء لم يَسقم، ونحوَ ذلك من تجويز إضافة الأمور إلى الأسباب؛ دون تغليب المقادير فيها، والأسباب أمارات لا موجبات، وقد قال الله في كتابه: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨]، وقال حكاية عن الكفار: ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦]، وقد أصاب أبو ذؤيب في قوله:\nيَقُولُونُ لِي لَو كَانَ بِالرَّملِ لَم يَمُت … نَشِيبَة وَالكُهَان يَكْذِبُ قِيلُها\nوَلَو أَنَّني استودعته الشمسَ لارْتَقَت … إِليْهِ المَنايا عَينُها ورسولُها (^٥)\n_________\n(^١) سبق، وهو حديث الحسم.\n(^٢) وضُعفت رواية: (آخر الدَّاء الكي) مقابل: (آخر الدَّواء)؛ ينظر: إصلاح المنطق: ٢٢٢، والصحاح ٦/ ٢٤٧٧، وجمهرة الأمثال ١/ ٩٧، والمستقصى في أمثال العرب: ١/ ٥.\n(^٣) لم ينسب، ينظر: معالم السنن: ٤/ ٢١٨، والمجموع المغيث: ٣/ ٩٠.\n(^٤) أخرجه أبو داود برقم: ٣٨٦٥، والترمذي برقم: ٢٠٠٩.\n(^٥) ينظر: حماسة البحتري: ٢١٠، والفاخر: ٤٤، وزهر الآداب: ٤/ ١٠٤٨.","vol":"1","page":527},{"text":"يريد بالكهان الأطباء، ونَشِيبَة: ولد أبي ذؤيب، وكان قد مات.\nوقيل: النهي عن الكي؛ هو أن يفعله احترازا عن الداء قبل نزول البَلِيَّة، وذلك مكروه، وإنما أبيح العلاج والتداوي عند وقوع الحاجة، ألا ترى أنه كوى سعدًا حين خاف عليه الهلاك من النزف.\n* * *\n\n[٦٦٣] وقوله: (وَقَد أَعلَقتُ عَلَيْهِ مِنَ العُذْرَةِ) (^١)؛ العُذْرَة: وجع يهيج في الحلق من الدم، وقوله: (عَلَامَه تَدغَرنَ أَولَادَكُنَّ)؛ هذه الهاء تزاد في الوقف، وزيدت هاهنا في الوصل، والدغر أن ترفع المرأة ذلك الموضع بإصبعها.\nو(الإعْرَاقُ) (^٢): رفع اللهاة، والعُذْرَة قريبة من اللهاة، وقيل: اللغة الفصيحة: أعلقت عنه (^٣)، والمحفوظ عند أصحاب الحديث: (فَأَعْلَقْتُ عَلَيْهِ)، قال الأصمعي (^٤): أن ترفع العُذرة باليد، وروي: (عَلَامَ تَدْغَرْنَ أَوْلَادَكُنَّ بِهَذَا العُلُقِ؟)؛ العُلُقُ: جمع العلاق، وهي الداهية والشدة، والإعلاق: معالجة عُذرة الصبي، وقيل: العُلُقُ: المنايا، وقيل: أَعلقت عليه بمعنى أعلقت عنه، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ﴾ [المطففين: ٢]، أي: عن الناس، و(العُود الهِنْدِيّ)؛ الكست، ويقال: القُسط، و(ذَاتُ الجَنْبِ): علة.\n* * *\n_________\n(^١) حديث أم قيس: أخرجه مسلم برقم: ٢٢١٤، وأخرجه البخاري برقم: ٥٧١٣.\n(^٢) الصواب الإعلاق.\n(^٣) وهي رواية عند البخاري برقم: ٥٧١٣.\n(^٤) ينظر: معالم السنن: ٤/ ٢٢٥، وكشف المشكل من حديث الصحيحين: ٤/ ٤٦٢.","vol":"1","page":528},{"text":"[٦٦٤] و(التَّلْبِينَة) (^١): حَسَاء يُعمل من دقيق أو نُخالة، وربما جُعل فيها عسل، قال صاحب الغريبين (^٢): سميت تلبينة تشبيها باللبن لبياضها ورقتها، ويقال له بالفارسية: السَّبُوسَاب، وقوله: (مَجَمَّةٌ لِفُؤَادِ المَريض)؛ أي: يسْرُو عنه همّه.\nوفي حديث طلحة ﵁: رمى إلى رسول الله ﷺ وقال: (دُونَكَهَا فَإِنَّهُ تُجِمُّ الْفُؤَادَ) (^٣)؛ أي: تريحه وتقوي نشاطه، ودُونَكَهَا، أي: خذها، و(مَجَمَّةٌ): مَفْعَلة، ومعناه: سبب الجَمَام، قال صاحب المجمل (^٤): الجَمَام: الراحة.\n* * *\n\n[٦٦٥] وقوله: (اسْتَطلَقَ بَطنُهُ) (^٥)؛ يريد: الإسهال، وقوله: (عَرِبَ بَطنه)؛ يقال: عَرِبَت معدتُه: إذا فسدت، والعَرْبُ والدَّرْبُ: إطلاق البطن.\nوقوله: (لَا يَبقَى مِنكُم أَحَدٌ إِلَّا لُدَّ، غَيْرُ العَبَّاسِ، فَإِنَّهُ لَم يَشْهَدكُم) (^٦) لَدُّ؛ النبي ﷺ إياهم كان أدبا لهم، إذ تطببوا ولم يعلموا الطب، وعفى عن عمه العباس إجلالا لقدره، ولأنه لم يحضرهم ولم يعاونهم.\n* * *\n\n[٦٦٦] وقوله: (فِي الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ) (^٧)؛ يعني: الشونيز، فيه دليل أن الأقوات\n_________\n(^١) حديث عائشة: أخرجه مسلم برقم: ٢٢١٦، وأخرجه البخاري برقم: ٥٦٨٩.\n(^٢) الغريبين: ٥/ ١٦٧٢.\n(^٣) أي سفرجلة رماها النبي ﷺ الطلحة، أخرجه ابن ماجة برقم: ٣٣٦٩، والحاكم في المستدرك برقم: ٥٥٩٢، والطبراني في الكبير برقم: ٢١٩.\n(^٤) مجمل اللغة: ١٧٤.\n(^٥) حديث أبي سعيد: أخرجه مسلم برقم: ٢٢١٧، وأخرجه البخاري برقم: ٥٦٨٤.\n(^٦) سبق قبله من حديث عائشة برقم: ٢٢١٣.\n(^٧) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٢١٥، وأخرجه البخاري برقم: ٥٦٨٨.","vol":"1","page":529},{"text":"المخلوقة لبني آدم منها ضار من جهة، ونافع من جهة أخرى، والشونيز نافع لخفته وحرارته، والعسل حار نافع للبُلغم.\nوقوله: (صَدَقَ اللهُ، وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ)؛ يعني: أن الخلل إنما جاء من جهة بطن أخيك، فأما ما وصفت من مداواته فوحي من الله؛ ولا خلل فيه، ثم حين زال الخلل [الذي] (^١)، نجع فيه العسل وبرأ.\n* * *\n_________\n(^١) هكذا في الأصل، فإما أن تكون زائدة، أو سقط بعض الكلام.","vol":"1","page":530},{"text":"<span data-type='title' id=toc-401>ومن كتاب الطاعون</span>\n[٦٦٧] الطاعون الموت الذريع، وفيه أنه عذاب لقوم؛ ورحمة لهذه الأمة، إذ جُعِل للمطعون شهادة، وفيه أن القدوم عليه لا يجوز، مخافة أن يحل به من قدر الله أمر؛ فيحسب أن ذلك لقدومه تلك البلدة، ولو لم يقدَمها لم يصبه، وكذلك إذا خرج فرارا من الطاعون؛ فسلم حسب أن ذلك بخروجه، فهو مثل الأول في الإثم.\nوفي قول عمر ﵁ (^١) إثبات للقدر؛ إذ رأى تصرف الأحوال كلها بقدر الله، و(سَرْغ)؛ بالسين المهملة والراء المهملة الساكنة والغين المعجمة موضع بالشام، و(عُدوَة الوَادِي): جانبه، وفيه تلقي السنن بالقبول؛ لأنه لما سمع عبد الرحمن بن عوف ﵁ يخبر عن رسول الله ﷺ قبله وصار إليه، وقوله: (وَلَا تُقدِمَهُمْ)؛ يقال: قَدَم هو عليه، وأَقدَمْتُه أنا عليه، وقوله: (إِنِّي مُصبحٌ عَلَى ظَهرٍ)؛ أي: على ظهر الدابة، أي راكب ومرتحل صبيحة غد؛ فاركبوا عليها وارتحلوا، فقوله: (مُصْبِحٌ عَلَى ظهرٍ)؛ أي: على ظهر الظهر، حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وقوله: لأبي عبيدة: (لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا): جواب لو محذوف، والتقدير: لأدبته، ويجوز أن يكون التقدير: لم أتعجب منه، ولكني تعجبت منك، وأنت أنت في الفضل تقول هذا، وقوله: (مُعَجَّزَهُ)؛ أي: تنسبه إلى العجز، و(الْجَدِبَةُ) و(الْخَصِبَةُ): بكسر الدال والصاد بمعنى: الجَدِيبَة والخَصِيبَة،\n_________\n(^١) حديث ابن عباس: أخرجه مسلم برقم: ٢٢١٩، وأخرجه البخاري برقم: ٥٧٢٩.","vol":"1","page":531},{"text":"ويجوز بسكون الدال، والصاد ويكون بمعنى: الجَدب والخصب، والتقدير مكان الجدب والخصب.\n\n<span data-type='title' id=toc-402>ومن باب العدوى والطيرة</span>\n[٦٦٨] في هذه الأحاديث: إثبات للقدر ونفي لما كان يقول أهل الشرك: إنَّ الجَرَب يعدي، فقال: (لَا عَدْوَى) (^١)؛ أي: لا يعدِي الجَربي الصَّحاح، وقوله: (لَا صَفَرَ)؛ قيل: الصَّفَر: دواب البطن نحو الدود، يقال: إنها تشتد على الإنسان إذا جاع وتؤذيه، وأما: (الهَامَة): فإن العرب كانت تقول: إن عظام القتلى تصير هامة فتطير؛ وتقول: اسقوني حتى يؤخذ بثأر المقتول فتسكت، فأبطل رسول الله ﷺ ذلك من قولهم، فقال: (لَا هَامَة)؛ نفى أن يكون ما يقولونه.\nوفي قوله: (فَمَن أَعدَى الأَوَّلَ؟)؛ قطع لقول أهل الشرك، وذلك أن الجَرَب أولَ ما يبدو؛ فإنه بقضاء الله ليس هناك شيء يمكن أن يقال إنه بسببه.\n* * *\n\n[٦٦٩] وقوله: (لَا غُولَ) (^٢)؛ أي: ليس في وسع الغول أن يغوي الناس؛ أي: إن الجن لا تختطف الناس، وقوله: (لَا نَوءَ) من قول العرب: مُطرنا بِنَوء كذا.\n\n[٦٧٠] وقوله: (لَا طِيَرَةَ) (^٣)؛ يعني ما كانت العرب تفعله: تُنَفِّر الظباء؛ فإذا أَخَذت اليمين مضت، فإذا أخذت الشمال رجعت، ويقال: إنها كانت تثير الطير فتتيمن بما أخذت اليمين، وتتشاءم بما أخذت الشمال، فنفى الله ذلك كلَّه؛\n_________\n(^١) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٢٢٠، وأخرجه البخاري برقم: ٥٧٥٧.\n(^٢) أخرجه مسلم برقم: ٢٢٢٢.\n(^٣) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٢٢٣، وأخرجه البخاري برقم: ٥٧٧٦.","vol":"1","page":532},{"text":"وأبطله ليكون تثبيتا للقدر؛ أن خيره وشره من الله، و(الفَألُ): الكلمة الصالحة يتفاءل به الرجل؛ راجيا بذلك نجاح الطلبة من الله.\n* * *\n\n[٦٧١] وقوله: (لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ) (^١)؛ المُمْرِض: الذي إبله مراض والمُصِح: الذي إبله، صحاح، يقول: لا يورد إبله المرضى على إبله الصحاح، فربما أصابها ذلك الداء بقدر من الله؛ فيحسب أن المراض أعدتها؛ فيأثم بذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-403>ومن باب النهي عن تصديق الكهان</span>\n[٦٧٢] قوله: (وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ) (^٢): في هذه الأخبار بيان أن الغيب لا يعلمه أحد إلا الله، والتطير لا يضر ولا ينفع، قال بعض العلماء: النهي عن إتيان الكاهن لأجل أن من يسمع كلام الكاهن يحسب أنه حق، فربما يقع في قلبه تصديقه؛ فيكون قد صدقه على علم استأثر الله به، فلا يأمن الكفر إذا صدقه، وأما الخط؛ فإنهم كانوا يخطون ويتكهنون على ذلك الخط بما لا يعلم؛ هل يصح أم يبطل.\nوقوله: (كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ)؛ النبي الذي كان يخط؛ إنما كان يخط عن وحي أو إلهام من الله تعالى، وقوله: (فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ)، أي: فمن عَلِم كعلمه: (فَذَاكَ)؛ أي: فليخطَّ، أي: لا يُعطى أحد علم ذلك، لأن علم ذلك بالنبوة، ولا نبوة لغير الأنبياء، وقوله: (ذَلكَ شَيْءٍ يَجِدُهُ أَحَدُكُمْ)؛ أي: يخطر بباله عن غير حقيقة، فلا يمنعنَّه ذلك من المُضِيّ لحاجته.\n_________\n(^١) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٢٢١، وأخرجه البخاري برقم: ٥٧٧١.\n(^٢) حديث معاوية بن الحكم: أخرجه مسلم برقم: ٥٣٧، وأخرجه أبو داود برقم: ٩٣٠.","vol":"1","page":533},{"text":"<span data-type='title' id=toc-404>ومن باب الشؤم في الدار والمرأة والفرس</span>\n[٦٧٣ - ٦٧٤] قوله: (فإن كَانَ فِي شَيءٍ فَفِي الرَّبِعِ، وَالخَادِمِ، وَالفَرَسِ) (^١)؛ قوله: (فإن كَانَ فِي شَيء)؛ وفي رواية ابن عمر ﵁: (إِنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةِ: الْمَرْأَةِ، وَالْفَرَس، وَالدَّارِ) (^٢)؛ الرَّبع: المنزل، قال صاحب المجمل (^٣): الرَّبع: محلة القوم، والمراد بالرَّبع في الحديث: المسكن، وإنما يستحق بقاع الأرض الذم والمدح لأجل سكانها الذين [يعملون] (^٤) فيها بمرضاة الله، أو بسخط الله، وقيل: الشؤم في الدار ضيقها وأذى جيرانها، وفي المرأة: سلاطتها وتعرضها لما يشينها، وشؤم الدّابة: حرانها وغلاء ثمنها وشؤم الخادم - والمراد به الخادمة -: سوء خلقها؛ وقلة تعهدها لما هو مفوض إليها.\n\n<span data-type='title' id=toc-405>ومن باب رجوم الشياطين</span>\n[٦٧٥] (وَلَكِنَّهُم يَقرِفُونَ فِيهِ وَيَزِيدُونَ) (^٥)؛ القَرْف: الكذب، يقال: مَن قرْفَتُكَ مِن القوم؛ أي من [تهمتك] (^٦)، قال أهل اللغة: قَرَف الذنب؛ واقترفه: إذا عمله، قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾ [الشورى: ٢٣]، أي: يكتسب، وفي الحديث: (أَو رَجُل قَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ ذُنُوبًا) (^٧)؛ أي: كسبها، وفي رواية: (يَرقُونَ\n_________\n(^١) حديث جابر: أخرجه مسلم برقم: ٢٢٢٧، وأخرجه أحمد برقم: ١٤٥٧٤.\n(^٢) أخرجه مسلم برقم: ٢٢٢٥، وأخرجه أحمد برقم: ٥٠٩٣.\n(^٣) مجمل اللغة: ٤١٤.\n(^٤) في الأصل: (يعلمون)، ولا شك أنه تصحيف.\n(^٥) حديث ابن عباس ﵄: أخرجه مسلم برقم: ٢٢٢٩، وأخرجه أحمد برقم: ١٨٨٢.\n(^٦) هكذا في الأصل، والذي في كتب اللغة من قِرْفَتك: من تَتَّهم من الناس.\n(^٧) أخرجه أحمد في مسنده برقم: ١٧٦٥٧، والطبراني في الكبير برقم: ٣١٠.","vol":"1","page":534},{"text":"فيه)؛ وأكثر ظني أنه سقط منه حرف، لأن الروايات كلها متفقة على: (يَقرِفُونَ) فسقط منه القاف؛ ثم جعل الفاء التي بعد الراء قافا، ومعنى: (يَرقُونَ)؛ يعلون ويصعدون، مِن رَقِيَ يرقى رُقِيّا، وفي القرآن ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾ [الإسراء: ٩٣]، وفي نسخة: (يُرَقَّونَ)؛ بتشديد القاف وضم الياء ويكون التقدير للتكثير أو للتعدية، يقال: رَقَى؛ فإذا عدَّيته إلى مفعولين قلت: رَقَّيته، ويكون معناه الزيادة في الكلام.\n* * *\n\n[٦٧٦] وأما حديث: (ذِي الطُّفْيَتَيْنِ) (^١)؛ معناه ذو الخطين، والطُّفية: خُوصُ المقل؛ وجمعها: طُفْي، شبه الخطين اللذين على ظهره بخُوصَتين من خُوص المقْل، و(الأَبْتَر): القصير الذنب، و(عَوَامِرِ البُيُوتِ): الجن التي تسكن البيوت، لا تكاد تفارقها، وقتل الحية مأمور به؛ لأنها عدو بني آدم، لقوله تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ﴾ البقرة: ٣٦]، فالواجب قتل هذا الجنس، وإذا رؤيت الحية في البيت آذنها؛ أي: أعلمها بالخروج، فإن ظهر بعد ذلك فله قتله، و(اسْتِسْقَاطُ الحبَل) قيل: الحامل إذا خافت من هذا الجنس من الحيات، فالأغلب أن تسقط الحبَل.\n* * *\n\n[٦٧٧] و(الوَزَغُ) (^٢): دابة تلسع الدابة فربما مات منه، أمر بقتلها لأنها من المؤذيات.\n* * *\n_________\n(^١) حديث ابن عمر: أخرجه مسلم برقم: ٢٢٣٣، وأخرجه البخاري برقم: ٣٢٩٧.\n(^٢) حديث أم شريك: أخرجه مسلم برقم: ٢٢٣٧، وأخرجه البخاري برقم: ٣٣٠٨.","vol":"1","page":535},{"text":"[٦٧٨] و(النَّملة) (^١) إذا آذت فلا إثم في قتلها، وإذا لم تؤذ فلا يجوز القصد إلى قتلها، وفي الحديث بيان أن كل جيل أمة، وكل أمة من الأمم تُسَبح، وقَريَة النَّمل): مكانها وكل موضع يُجتمع فيه فهو قرية، يقال: قَرَيت الماء في الحوض: إذا جمعته.\nوقوله: (وَأَنَا أُطَارِدُهَا) (^٢)؛ أي: أقاتلها، و(الحَبَالَى): جمع الحُبْلى.\n\n<span data-type='title' id=toc-406>ومن باب سقي البهائم</span>\n[٦٧٩ - ٦٨٠] (قَد أَدلَعَ لِسَانَهُ مِنَ العَطَش) (^٣)؛ أي: أخرجه، و(الرَّكِيَّة): البئر، و(يُطِيفُ)؛ بمعنى: يطوف، و(يَلهَثُ) (^٤)؛ اللَّهث: أن يُدلع الكلب لسانه من العطش، و(المُوقُ)، الخف.\n* * *\n\n[٦٨١] و(خَشَاسُ الأَرض) (^٥)؛ يعني: الحشرات ودواب الأرض، قال صاحب الغريبين (^٦): خشاش الأرض: هوامها، وقال صاحب المجمل (^٧): خشاش الأرض بالفتح، دوابُّها، قيل: هو من قولك: خَشَّ فيه أي دخل فيه، يعني: الهوامَّ التي تدخل الجحرة كالفأر وغيرها، وقيل أصل الخَشّ الحركة، والخَشَاش\n_________\n(^١) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٢٤١، وأخرجه البخاري برقم: ٣٣١٩.\n(^٢) حديث ذي الطفيتين قبله.\n(^٣) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٢٤٥، وأخرجه البخاري برقم: ٣٤٦٧.\n(^٤) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٢٤٤، وأخرجه البخاري برقم: ٢٣٦٣.\n(^٥) حديث ابن عمر: أخرجه مسلم برقم: ٢٢٤٢، وأخرجه البخاري برقم: ٣٤٨٢.\n(^٦) الغريبين: ٢/ ٥٥٦.\n(^٧) مجمل اللغة: ٢٧٤.","vol":"1","page":536},{"text":"والخَشْخَشة من ذلك، قوله: (فِي هِرَّة)؛ أي: في سبب هرة، وفي رواية خارج الصحيح: (مِن جَرَّى هِرَّة) (^١)، بالقصر، وفي رواية: (تَرُمَّ مِن خَشَاشِ الأَرضِ) (^٢)؛ الرَّمّ: الأكل، ومنه مِرَمَّةُ ذوات الأظلاف، وهي بمنزلة الفم من الإنسان، وفي الحديث: (عَلَيْكُم بِأَلْبَانِ البَقَرِ فَإِنَّها تَرُمَ مِن كُلِّ الشَّجَر) (^٣)؛ ويروى: (تَرْتَمُ) (^٤)؛ والارتمام الأكل أيضا، وقوله: (فَتَأكُلَ مِن خَشَاشِ الأَرْضِ) (^٥)؛ بنصب اللام لأنه جواب النفي بالفاء.\nوقوله: (فَهَلًا نَمْلَةً وَاحِدَةً) (^٦) نصب بفعل مضمر؛ أي: هلا أحرقت نملة واحدة، وفي الحديث دلالة أنه لا ينبغي للمرء أن يحتقر شيئا من ذنوبه، وإن كان عنده أنه صغير؛ فإن الله قد يأخذ بالصغير، ويعفو عن الكبير، وقال بلال بن سعد: (لَا تَنْظُر إِلَى صِغَر الخَطِيئَة، وَلَكِن انْظُر مَن عَصَيْت) (^٧)؛ وفيه دليل أن كل ذي حياة يُسَبح الله تعالى ولا يؤذي؛ فلا يحل قتله ولا تعذيبه.\nو(البَغيّ): الفاجرة، و(المُوقُ): أصغر من الخف، و(أَدْلَعَ لِسَانَه): أخرجه من فيه حتى تَدَلّى، وفيه دلالة أن رقة القلب محمودة، وهي علامة السعادة، وفيه أن الإحسان يُغتَنم إلى من كان، واليسير منه لا يحتقر؛ فإنه ربما كان سببا\n_________\n(^١) في صحيح مسلم برقم: ٢٦١٩، من رواية أبي هريرة: (من جَرَّاء هرة)، وما ذكره المؤلف لغة فيه، ينظر: إكمال المعلم: ١/ ٤٢٧.\n(^٢) عند أحمد برقم: ٨١٨٦، وأبي عوانة، وأبي عوانة برقم: ٩٩١٥.\n(^٣) أخرجه أحمد برقم: ١٨٨٣١، والطبراني في الكبير برقم: ٩١٦٣.\n(^٤) ذكر هذا في بعض كتب الغريب، ينظر: غريب الحديث للحربي: ١/ ٦٩.\n(^٥) على رواية أحمد برقم: ٧٥٣٨، وأبي عوانة برقم: ٩٩١٠.\n(^٦) تابع لحديث أبي هريرة برقم: ٢٢٤١.\n(^٧) ينظر الزهد للإمام أحمد رقم: ٢٢٦٧، والسنن الكبرى للنسائي برقم: ١١٨٥٤.","vol":"1","page":537},{"text":"للمغفرة، وفيه حث على اصطناع المعروف وإن قل، لأن المرأة الفاجرة نجت بسقيها كلبًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-407>ومن باب لا تسبوا الدهر</span>\n[٦٨٢] وقال أبو عبيد (^١): هذا مما لا ينبغي لأحد من أهل الإسلام أن يجهل وجهه، لأن أهل التعطيل يحتجون به على المسلمين، وقد رأيت من نتَّهِم بالزندقة والدهرية؛ يحتج بهذا الحديث، يقول: ألا تراه يقول: (فَإِنَّ الله هُوَ الدَّهْرُ) (^٢)؛ فقلت: وهل كان أحد يسب الله في آباد الدهر، قد قال الأعشى:\nاسْتَأْثَرَ الله بالوفاءِ وبالْـ … ـحَمْدِ وَوَلَّى المَلامَةَ الرَّجُلا (^٣)\nوإنما تأويله عندي - والله أعلم - أن العرب كان شأنها أن تذم الدهر وتسبه عند المصائب التي تنزل بها؛ من موت؛ أو هرم؛ أو تلف مال؛ أو غير ذلك، فيقولون: أصابتهم قوارع الدهر وأبادهم الدهر، فيجعلونه الذي يفعل ذلك؛ فيذمونه عليه، وقد ذكروه في أشعارهم، قال الشاعر يذكر قوما هلكوا:\nفَاسْتَأْثَرَ الدَّهْرُ الْغَدَاةَ بِهِمْ … وَالدَّهْرُ يَرْمِينِي وَلَا أَرْمِي\nيَا دَهْرُ قَدْ أَكْثَرْتَ فَجْعَتَنَا … بِسَرَاتِنَا وَوَقَرْتَ فِي الْعَظْمِ\nوَسَلَبْتَنَا مَا لَسْتَ تُعْقِبُنَا … يَا دَهْرُ مَا أَنْصَفْتَ فِي الْحُكْمِ (^٤)\n_________\n(^١) غريب الحديث: ٢/ ١٤٥.\n(^٢) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٢٤٦، وأخرجه البخاري برقم: ٦١٨٢.\n(^٣) ينظر: الشعر والشعراء: ١/ ٧٠، والعقد الفريد: ٢/ ٢١٨، والحيوان: ٣/ ٢٣٣، ومعجم الشعراء: ٤٠١.\n(^٤) الأبيات لزهير، ونسبت للأعشى، ينظر: حماسة البحتري: ٢٢٢، ومقاييس اللغة: ٢/ ٨٤٨،=","vol":"1","page":538},{"text":"وقال عمرو بن قميئة (^١):\nرَمَتْنِي بَنَاتُ الدَّهْرِ مِنْ حَيْثُ لَا أَرَى … فَكَيْفَ بِمَنْ يُرْمَى وَلَيْسَ بِرَامِ\nفَلَو أَنَّهَا أنبل (^٢) إِذًا لَاتَّقَيتُهَا … ولكنَّما أُرمَى بِغَيْر سِهَامِ\nعَلَى الرَّاحَتَين مرّة وعَلَى الْعَصَا … أَنُوء ثَلَاثًا بَعدَهُن قِيَامِي\nفأخبر أن الدهر فَعَل ذلك، يصف الهَرَم، وقد أخبر الله تعالى بذلك عنهم في كتابه، ثم كذبهم بقولهم، فقال: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤]، قال الله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [نفس الآية]، فقال النبي ﷺ: (لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ) على تأويل: لا تسبوا الذي يفعل بكم هذه الأشياء، ويصيبكم بهذه المصائب، فإنكم إذا سببتم فاعلها؛ فإنما يقع السب على الله تعالى؛ لأنه هو الفاعل لها، لا الدهر، فهذا وجه الحديث إن شاء الله تعالى، لا أعرف له وجها غيره.\nقال بعض العلماء: الدهر مرور الأيام، ولا فعل له على الحقيقة، إنما الفعل الله الذي خلق الدهر، وقد ذم الله من أثبت للدهر فعلًا، وفي الحديث دلالة أن الذي يخلق ويحيي ويميت ويفني هو الله ﷿.\n* * *\n_________\n= لأزمة والأمكنة: ٧٠.\n(^١) ينظر جمهرة أشعار العرب: ٣٩، الشعر والشعراء: ١/ ٣٦٥، وحماسة البحتري: ٣٩٧، وديوان عمرو بن قمئة: ٣٩.\n(^٢) في الأصل: (انبل)، والصواب: (فلو أنها نَبْلٌ).","vol":"1","page":539},{"text":"<span data-type='title' id=toc-408>ومن باب كراهية أن يقال للعنب كرم</span>\n[٦٨٣ - ٦٨٤] حديث أبي هريرة ﵁ (^١): الكَرْمَ على الحقيقة هو قلب المؤمن، وأن الكَرْم إنما هو لقلب المؤمن؛ لما جعل الله فيه من الهدى والنور الذي يؤدي إلى الكرم الدائم، والعز المقيم، و(الحَبْلَة) و(الحَبَلَة)؛ بسكون الباء وفتحها: الكَرْم، وأما: (الحُبْلة) بضم الحاء وسكون الباء فثَمَر العَضَاه، وفي حديث أنس ﵁ أنه كان له حبلة تَحْمِل كُرًّا، وكان يسميها أمَّ العِيال (^٢)، قال صاحب الغريبين (^٣): الحبلة هي الأَصَلَة من الكرْم، يقال: حَبَلَة مخففة، وحَبَلَة مثقلة.\nقال ابن الأنباري (^٤): الكرْمُ كرمًا لأن الخمر المتخذة منه تحث على السخاء والكَرَم، فاشتقوا اسما للكرْم من الكَرَم الذي يتولد منه، فكره النبي ﷺ أن يسمى الخمر باسم مأخوذ من الكرم، وجعل المؤمن أولى بهذا الاسم الحسن، فأسقط الخمر عن هذه الرتبة تحقيرا لها؛ وتأكيدا لحرمته.\n* * *\n\n[٦٨٥] وفي حديث (لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ عَبْدِي وَأَمَتِي) (^٥)؛ أي: العُبُودة والأُمُوَّة موجودتان في كل ذي روح من البشر، إذ كلهم مستعبد، وذلك في كل إنسان على الحقيقة، وأما ما يحدث في بعض الناس بسبب الاسترقاق فذلك مجاز.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم: ٢٢٤٧، وأخرج حديث: (الحبلة) برقم: ٢٢٤٨.\n(^٢) نقل هذا في كتب الغريب، ينظر تهذيب اللغة: ٥/ ٥٢، والغريبين: ٢/ ٤٠٣، والفائق: ١/ ٢٥٤.\n(^٣) الغريبين: ٢/ ٤٠٣.\n(^٤) الزاهر في معاني كلمات الناس: ٢/ ٢٨٢.\n(^٥) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٢٤٩، وأخرجه البخاري برقم: ٢٥٥٢.","vol":"1","page":540},{"text":"[٦٨٦] وقوله: (لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُم خَبُثَت نَفْسِي، وَلَكِن لِيَقُل لَقِسَتْ نَفسِي) (^١)؛ هذا تعليم منه ﷺ على وجه الأدب، كره لفظ الخُبْث وذلك أن الخُبْث يكون بمعنى النجاسة، يقال: شيء خبيث أي: نجس، ويكون بمعنى يقال: فلان يَخْبُث بفلانة أي: يزني، ويكون بمعنى الخُلُق المذموم، يقال: فلان خبيث الخُلُق، فلما تصرف على هذه الوجوه، ولم يكن لقوله: (لَقِسَتْ) إلا وجه واحد، وهو: غثيان النفس، كان هذا أحسن وأقرب إلى فهم المخاطب.\n* * *\n\n[٦٨٧] وفي حديث: (فَاتَّخَذَتْ رِجْلَيْنِ مِنْ خَشَبٍ، وَخَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ مُغْلَقٌ مُطْبَق) (^٢)؛ فيه دلالة أن المسك حلال، وأنه أطيب الطيب، وإن كان يسقط من [كي] (^٣)، وأن استعماله في وجهه لا يكون سرفًا، وفيه كراهية التشبع بما لم يعط، وذم التبرج بالزينة، والتزين والتعطر لغير الزوج.\n\n<span data-type='title' id=toc-409>ومن باب الريحان</span>\n[٦٨٨] قوله: (بِألُوَّةِ غَيْرَ مُطَرَّاةٍ) (^٤)؛ قال الأصمعي (^٥): الألوة العود الذي يتبخر به، وأراها فارسية عربت، وفيها لغتان، أَلُوَّة وأَلُوَّة بفتح الألف وضمها، وقوله: (بِألُوَّةِ غَيْرَ مُطَرَّاةٍ؛ أي: بعودٍ بحت لا يخالطه كافور، و(اسْتَجْمَر)؛ استفعل من المَجْمَرَة، وفي الحديث: (وَمَجَامِرُهُمُ الْأَلُوَّةُ) (^٦)، أراد: وبخورهم\n_________\n(^١) حديث عائشة: أخرجه مسلم برقم: ٢٢٥٠، وأخرجه البخاري برقم: ٦١٧٩.\n(^٢) حديث أبي سعيد: أخرجه مسلم برقم: ٢٢٥٢، وأخرجه أحمد برقم: ١١٣٦٤.\n(^٣) هكذا في الأصل، ولعل الصواب: (من حَيٍّ).\n(^٤) حديث ابن عمر: أخرجه مسلم برقم: ٢٢٥٤، ولفظه: (بالألوة غير مطراة).\n(^٥) غريب الحديث لأبي عبيد: ١/ ٥٤.\n(^٦) أخرجه البخاري برقم: ٣٢٤٥، ومسلم برقم: ٢٨٣٤.","vol":"1","page":541},{"text":"العود غير مطرّى.\n\n<span data-type='title' id=toc-410>ومن باب إنشاد الشعر</span>\n[٦٨٩] في الحديث (^١) دليل على الترخيص في رواية الشعر، إذ كان النبي ﷺ يستنشد، وفيه إباحة هجاء أعداء الله، وقوله: (هيه)؛ أي: زد، وفيه لغة أخرى: (إيهِ)؛ وأما: (إيهًا)؛ بنصب الهاء فمعناه أمسك، وقوله: (أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ)، صدق قول الشاعر، لأن كل مخلوق يفنى، وكل شيء لا يكون الله؛ ولا يراد به وجه الله؛ فهو باطل.\n* * *\n\n[٦٩٠] وقوله: (حَتَّى يَرِيَه) (^٢)؛ يقال: وَرَّى الجرح جوفه يَرِيهِ، وانتصب: (يَرِيَه) بحتى، قال عبد بني الحسحاس:\n[...............] (^٣).\n_________\n(^١) حديث الشريد: أخرجه مسلم برقم: ٢٢٥٥، وأخرجه ابن ماجة برقم: ٣٧٥٨.\n(^٢) حديث سعد: أخرجه مسلم برقم: ٢٢٥٨، وأخرجه البخاري برقم ٦١٥٥، دون لفظ: (حتى) عندهما.\n(^٣) سقط في الأصل، والبيت المراد قوله:\nوراهُنَّ رَبِّي مثل ما قد وَرَيْنَنِي … وأحمَى عَلَى أكبادِهن المكاويا\nينظر: الغريب لأبي عبيد: ١/ ٣٦، والكامل: ٣/ ٩٤، جمهرة اللغة: ٢/ ٨٠٩.","vol":"1","page":542},{"text":"<span data-type='title' id=toc-411>ومن كتاب الفضائل</span>\n[......................] (^١).\n\n[٦٩١] [....] الناصر (^٢).\n* * *\n\n[٦٩٢] وقوله: (فِي أُطُمِ حَسَّانَ) (^٣) يعني: حِصن حسان، (فَكَانَ يُطَأْطِئُ لِي)؛ يعني: ظهره؛ فأصعد فأنظر.\n* * *\n[٦٩٣ - ٦٩٤] (فكَانَ أَبَوَاكَ مِنَ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ) (^٤) يعني: أبا بكر والزبير، وفي نسخة: (كَانَ أَبُوكَ) (^٥)، وفي هذه الأحاديث دلالة أن كل من كان أسرع إجابة إلى الخير كان أفضل، وفيها دليل أن المذكورين في حديث أبي هريرة ﵁ (^٦) مغفور لهم.\n_________\n(^١) سقطٌ في الأصل يقدر بـ ١٦٧ حديثا، تشمل كتاب الشعر والرؤيا، وكتاب فضائل الأنبياء، وبداية كتاب فضائل الصحابة: أبي بكر؛ وعمر؛ وعثمان؛ وعلي؛ وسعد؛ وطلحة.\n(^٢) المؤلف في صدد الكلام عن فضائل الزبير بن العوام ﵁، وقوله: (الناصر) بيان لمعنى: (الحواري) الوارد في حديث جابر ﵁: (لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيٌّ وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ)، أخرجه مسلم برقم: ٢٤١٥، والبخاري: ٢٨٤٧.\n(^٣) حديث عبد الله بن الزبير: أخرجه مسلم برقم: ٢٤١٦، وأخرجه البخاري: ٣٧٢٠.\n(^٤) أثر عائشة: أخرجه مسلم برقم ٢٤١٨، وأخرجه ابن ماجة برقم: ١٢٤.\n(^٥) رواه كذلك بهذا اللفظ الإمام أحمد في كتاب الزهد برقم: ٧٧٩.\n(^٦) يقصد حديث قول النبي ﷺ لجبل حراء: (اهدَأْ فمَا عَلَيكَ إِلَّا نَبِيّ، أَو صِدِيقِ، أَوْ شَهِيدٌ)، =","vol":"1","page":543},{"text":"وقيل: (الحَوَارِي) (^١): المُخْلص في النصرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-412>ومن باب ذكر أبي عبيدة ﵁ </span>-\n[٦٩٥] في حديث أبي عبيدة (^٢): دليل أن الاختيار؛ أن يُختار لنشر العلم وللنظر في أمور المسلمين من كان أمينًا، وفي قوله: (فَاسْتَشرَفَ لَهَا النَّاسُ) دلالة على طلب نباهة الذِّكر، واستحباب الذِّكر الجميل.\n\n<span data-type='title' id=toc-413>ومن باب فضل الحسن والحسين ﵄ </span>-\n[٦٩٦] في هذه الأحاديث (^٣) دلالة وحث على ما يبعث على حبِّ أهل بيت النبي ﷺ، إذ دعا النبي ﷺ لمن يحبهم، وفيه الرخصة في تقبيل الصبي، وفيه استحباب التواضع إذ أردف خلفه أحدهما والآخر قدامه، و(السِّخَابُ): خيط يُنظَم فيه خرز؛ ويلبسه الصبيان والجواري؛ وجمعه سُخُب، قال الزبير: (كَأَنَّهُم صِبْيَانُ يَمْرُثُونَ سُخُبَهُم) (^٤).\nوقوله: (أَثَمَّ لُكَعُ؟) يعني: حَسَنًا ﵁، قال صاحب الغريبين (^٥): سئل بلال\n_________\n= وكان عليه معه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير أخرجه مسلم برقم: ٢٤١٧، والترمذي برقم: ٣٦٩٦.\n(^١) تابع لحديث جابر ﵁ قبله.\n(^٢) حديث حذيفة: أخرجه مسلم برقم: ٢٤٢٠، وأخرجه البخاري برقم: ٤٣٨١.\n(^٣) منها حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٤٢١، وأخرجه البخاري برقم: ٥٨٨٤.\n(^٤) من كلام ابن الزبير في قصة مناظرته للخوارج، يصف حالهم بعد أن بهتوا، رواه البلاذُري في أنساب الأشراف برقم: ١٢٦٨، والسرقسطي في الدلائل برقم: ٢٧٩، وابن عساكر في تاريخ دمشق: ٣٩/ ٤٩٧.\n(^٥) الغريبين: ٥/ ١٧٠٣.","vol":"1","page":544},{"text":"بن جريرٍ عن لكع، فقال: هو في لغتنا الصغير، وإلى هذا ذهب الحسن حين قال الإنسان: يا لكع، أي: يا صغيرا في العلم (^١).\n* * *\n\n[٦٩٧] و(مِرْطٌ مُرَحَلٌ) (^٢)؛ أي: كساء مُعَلّم.\nوقوله: (وأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ) (^٣)؛ فيه دلالة أن العلم الأعظم كتاب الله، وعلى المسلمين اتباعه وتعليمه، ولقرابة النبي الله فضيلة لاتصالهم به، وفي هذا الحديث بيان أن الصدقة المفروضة [محرمة] (^٤) على أهل بيته، قيل تقول العرب لكل شيء نفيس مصون له خطر: (ثَقَلٌ)؛ وأصله في بيض النعام المصون، قال ثَعْلَبَةُ بنُ صُعَير المازِني:\nفَتَذَكَّرَا ثَقَلًا رئيدًا بَعْدَمَا … أَلْقَتْ ذُكَاءُ يَمِينَها فِي كَافِر (^٥)\nأي تذكرا، بيضهما، وإذا تذكراه كان عدوهما أسرع، والرثيد: المرثود، وهو المنضود بعضه فوق بعض.\n_________\n(^١) نقل عن الحسن البصر ﵀ هذا القول في مواضع مختلفة، وكلها بنفس المعنى، فجرى ذلك على كلامه، وصار مذهبا له، ومن ذلك أن الحسن قال لفرقد السبخي: بلغني أنك لا تأكل الفَالَوْذَج، قال: أخشى ألا أؤدي شكره، فقال الحسن: يا لكع؛ وهل تؤدي شكر الماء البارد؟!.\n[المجالسة وجواهر العلم رقم: ٦٤١].\n(^٢) حديث عائشة: أخرجه مسلم برقم: ٢٤٢٤.\n(^٣) حديث زيد بن أرقم: أخرجه مسلم برقم: ٢٤٠٨، وأخرجه أحمد برقم: ١٩٢٦٥.\n(^٤) الكلمة مطموسة في الأصل، والمثبت من مقتضى السياق.\n(^٥) يريد أن الظليم والنعامة تذكرا بيضهما بعدما أوشكت الشمس على المغيب، الذُّكاء: الشمس، الكافر: الليل، ينظر: المفضليات: ١٣٠، الحيوان ٥/ ٧٢، الشعر والشعراء: ١/ ٢٧٧، أمالي القالي: ٢/ ١٤٥.","vol":"1","page":545},{"text":"<span data-type='title' id=toc-414>ومن باب فضل زيد بن حارثة ﵁ </span>-\n[٦٩٨] فيه (^١) بيان أن على الرجل أن لا ينتسب إلا إلى نسبه.\n\n<span data-type='title' id=toc-415>ومن باب فضل أسامة ﵁ </span>-\n[٦٩٩] في الحديث (^٢) سنة بعث الجيوش، وعقد الألوية، وفيه أن الحسد والطعن قد كان قديما، والنبي ﷺ لم يرض ذلك، وفيه أن أحسن الوعظ التعريض إذ لم يكشف عن الطاعن، وفيه فضيلة بيِّنة لزيد وابنه.\n\n<span data-type='title' id=toc-416>ومن باب فضل عبد الله بن جعفر وعبد الله بن الزبير ﵁ </span>-\n[٧٠٠] فيه (^٣) تلقِّي القادم من سفره بالصبيان، وفيه ما يُستحب من إكرام الصبيان بالركوب، وفي الإرداف دلالةٌ على استحباب التواضع، وفي الحديث إباحة التفاخر بالخير إذا كان على وجه تعداد المنة من الله ﷿؛ لقوله: (فَحَمَلَنَا وَتَرَكَكَ)، وفيه جواز ركوب ثلاثة على دابة.\n\n<span data-type='title' id=toc-417>ومن باب فضل خديجة ﵂ </span>-\n[٧٠١ - ٧٠٢] في الحديث (^٤) استحباب نشر الجميل عن الميت، وفيه بشارة خديجة من ربها، وقوله: (مِنْ قَصَبٍ) (^٥)؛ قيل: من قصب الدُّر، وقيل: من قصبٍ\n_________\n(^١) حديث ابن عمر: أخرجه مسلم برقم: ٢٤٢٥، وأخرجه البخاري برقم: ٤٧٨٢.\n(^٢) حديث ابن عمر: أخرجه مسلم برقم: ٢٤٢٦، وأخرجه البخاري برقم: ٦٦٢٧.\n(^٣) حديث عبد الله بن جعفر: أخرجه مسلم برقم: ٢٤٢٨، وأخرجه أبو داود برقم: ٢٥٦٦.\n(^٤) حديث عائشة: أخرجه مسلم برقم: ٢٤٣٥، وأخرجه البخاري برقم: ٦٠٠٤.\n(^٥) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٤٣٢، وأخرجه البخاري برقم: ٣٨٢٠.","vol":"1","page":546},{"text":"من ذهبٍ منظومٍ بالجواهر، وقوله: (لَا صَخَبَ فِيهِ)؛ أي: ليس فيه ما يؤذي ساكنه، والصخب: الجَلَبَة، وقوله: (وَلَا نَصَبَ؛ أي: ولا تعب، أي: لا يَلحَق ساكن هذا البيت تعبٌ، وفيه دليل أن علامة محبة الإنسان إكرامُ صديقه.\nوفيه أن إتمام إكرام المرأة أن لا ينكح زوجها عليها، و(الخَلَائِلُ): جمع الخليلة، وهي الصديقة، وقوله: (إِنِّي رُزِقُتُ حُبَّهَا)، فيه شكر المُحْسِن والثناءُ عليه، و(غِرْتُ) من الغيرة.\n* * *\n\n[٧٠٣] و(هَالَةُ) (^١): اسم أختِ خديجة.\n\n<span data-type='title' id=toc-418>ومن باب فضائل عائشة ﵂ </span>-\n[٧٠٤] قوله: (فِي سَرَقَةٍ مِن حَرِيرِ) (^٢) بفتح الراء، قال أهل اللغة (^٣): السَّرقة: الشُّقّة من الحرير، وقوله: (فَأَقُولُ: إِن يَكُن مِن عِندِ اللهِ، يُمضِهِ) (^٤) أي: يُتمِمه.\n* * *\n\n[٧٠٥] وفي حديث (كُنتُ أَلْعَبُ بِالبَنَاتِ) (^٥)؛ فيه الرخصة في اللعب للصغائر من النساء بلعب البنات.\n* * *\n\n[٧٠٦] وفي حديث: (يَنشُدنَكَ العَدلَ) (^٦)، أي: يسألنك بالله ويطلبن.\n_________\n(^١) حديث عائشة: أخرجه مسلم برقم: ٢٤٣٧، وأخرجه البخاري برقم: ٣٨٢١.\n(^٢) حديث عائشة: أخرجه مسلم برقم ٢٤٣٨، وأخرجه البخاري برقم: ٥١٢٥.\n(^٣) ينظر تهذيب اللغة: ٨/ ٣٠٧، مقاييس اللغة: ٣/ ١٥٤، الغريبين: ٣/ ٨٩٠.\n(^٤) لفظه عند مسلم: إن يك هذا.\n(^٥) أخرجه مسلم برقم: ٢٤٤٠، وأخرجه البخاري برقم: ٦١٣٠.\n(^٦) أخرجه مسلم برقم: ٢٤٤٢، وأخرجه البخاري برقم: ٢٥٨١.","vol":"1","page":547},{"text":"[٧٠٧] وفي قوله: (وَارحَمنِي، وَأَلحقنِي بِالرَّفِيقِ) (^١)، دليل أنه ﷺ خير بين التعمير في الدنيا وبين الآخرة؛ فاختار الآخرة.\nوقوله: (يُسَرِّبُهُنَّ) (^٢)، أي: يرسلهن ويوجههن نحوي، وقوله: (يَنقَمِعنَ)؛ و(يَتقَمَّعْنَ) (^٣) أي: يستترن، قال صاحب الغريبين (^٤): وفي حديث عائشة ﵂: (فَإِذَا رَأَيْنَ رَسُولَ ﷺ انْقَمَعْنَ)؛ تعني: جواري يُلاعِبْنَها، ومعنى القمعن؛ أي: تغيَّين، وقيل: انقماعهن دخولهن في بيتٍ أو ستر.\nوقولها: (وَهِيَ الَّتِي كَانَت تُسَامِينِي)؛ يعني: تفاخرني وتباريني، يقال: سما يسمو؛ أي: ارتفع، وسمِّي السماء سماءً لعلوه وارتفاعه، يقال: سما بصره؛ أي: علا، والمساماة: المفاعلة منه، وقوله: (لَم أَنشَبهَا)؛ أي: لم ألبِّثْها، يقال: نَشَبَ الشيءُ في الشيء يَنْشَب؛ كالشوك وغيره، ونَشَبَتِ الحرب بينهم نشوبًا: إذا اشتبكت، وقوله: (أَن أَنْخَنتُها)؛ يعني هزمتها، يقال: أثخنته الجِراحة؛ أي: أضعفته، ويقال للأعزل الذي لا سلاح معه: أعزلُ شَخِينٌ.\n* * *\n\n[٧٠٨] وقوله: (أَينَ أَنَا اليَومَ؟ أَينَ أَنَا غَدًا؟) (^٥)؛ فيه خصوصية في فضل عائشة ﵂ لاشتياق النبي ﷺ إليها، وإلى يوم نوْبتها.\nوفي حديث سرقة الحرير دليل أنه رآها في النوم فأحبَّها، وقوله: (أَيْ بُنَيَّةُ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم: ٢٤٤٤، وأخرجه البخاري برقم: ٤٤٤٠.\n(^٢) أخرجه مسلم برقم: ٢٤٤٤، وأخرجه البخاري برقم: ٤٤٤٠.\n(^٣) لفظ البخاري برقم: ٦١٣٠.\n(^٤) تابع الحديث: ٢٤٤٠ قبله.\n(^٥) أخرجه مسلم برقم: ٢٤٤٣، وأخرجه البخاري برقم: ٣٧٧٣.","vol":"1","page":548},{"text":"أَلَسْتِ تُحِبِّينَ مَا أُحِبُّ؟) (^١)، فيه أمره فاطمة ﵂ بمحبتها، وقولها: (بَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي) (^٢)؛ السَّحْر: الرئة؛ بمعنى موضع السَّحر، يقال للجبان: انتفخ سَحْرُه، وقال صاحب المجمل (^٣): السحر ما لصق بالحلقوم والمريء من أعلى البطن والنحر: الصدر، وفي موته ﷺ بين سَحْرها ونحرها عند آخر العهد من الدنيا؛ خصوصية لها وفضيلة بيِّنة، ومن فضائلها نزول عذرها من السماء (^٤)،، وتسليم جبريل ﵇ عليها (^٥).\nوقوله: (مَا عَدَا سَوْدَة) (^٦) أي: إلا سودَةَ، أي لم أر امرأة قط خيرا في الدين من زينب، ثم استثنت ذلك سودة بنت زمعة، وقوله: (مِن حِدَّةٍ كَانَت فِيهَا) (^٧)، أي: مع حدة كانت فيها، أي: على أنها كانت تحتد وتغضب، (فتُسرِعُ مِنهَا الْفَيئَةَ)، يعني الرجوع عن الغضب، أي: كانت تغضب كثيرا، وترجع منه سريعا، وقوله: (حِينَ أَنْحَيْتُ عَلَيْهَا)؛ أي: حين أقبلت عليها بالكلام.\n_________\n(^١) تابع الحديث: ٢٤٤٢.\n(^٢) تابع الحديث: ٢٤٤٣.\n(^٣) مجمل اللغة: ٤٨٧، وأصله عند أبي عبيد عن أبي عبيدة، ينظر: الغريب المصنف: ١/ ٣١٥، تهذيب اللغة: ٤/ ١٧٢.\n(^٤) في قوله تعالى في سورة النور: الآية:١١: (﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾، وفي حديث الإفك: أخرجه البخاري: ٢٦٦١، ومسلم: ٢٧٧٠.\n(^٥) في الحديث المتفق عليه: البخاري: ٣٢١٧، مسلم: ٢٤٤٧.\n(^٦) اللفظ المحفوظ: (سَوْرَة) بمعنى الثوران وسرعة الغضب، وقد تعقب النووي رحه الله المؤلف في هذه الكلمة فقال: (وقد صحَّف صاحبُ التحرير في هذا الحديث تصحيفًا قبيحًا جدا، فقال: ما عدا سَوْدَة بالدال، وجعلها سودة بنت زمعة، وهذا من الغلط الفاحش، نبهت عليه لئلا يغتر به) شرح النووي: ١٥/ ٢٠٦.\n(^٧) وفي لفظ: (من حدٍّ)؛ ينظر: إكمال المعلم: ٧/ ٤٥٠.","vol":"1","page":549},{"text":"<span data-type='title' id=toc-419>ذكر حديث أم زرع</span>\n[٧٠٩] أخبرنا محمد بن ثابت بن الحسن؛ أخبرنا والدي؛ حدثنا القاضي أبو الحسن الجراحي ببغداد إملاء؛ حدثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث إملاء؛ حدثنا علي بن صدقة الأذني، وعلي بن جميل الرَّقي قالا: حدثنا عيسى بن يونس.\nقال ثابت: وأخبرنا إسماعيل بن محمد الخلالي، حدثنا محمد بن الحسن بن قتيبة، حدثنا يزيد بن موهب.\nقال الخلالي: وأخبرنا الحسين بن عبد الله القطان، حدثنا هشام بن عمار؛ قالا: حدثنا عيسى بن يونس.\nقال ثابت: وحدثنا عبد الله بن محمد بن زياد، حدثنا محمد بن إسماعيل بن مهران، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا عيسى بن يونس، حدثنا هشام بن عروة.\nوأخبرنا عبد الرحمن بن إسماعيل الصابوني، أخبرنا عبد الغافر الفارسي، حدثنا محمد بن عيسى، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا علي بن حجر السعدي وأحمد بن جَناب؛ حدثنا كلاهما عن عيسى، واللفظ لابن حُجر، حدثنا عيسى بن يونس، حدثنا هشام بن عروة، عن أخيه عبد الله بن عروة، عن عروة، عن عائشة ﵂ أنها قالت:\n(جَلَسَ إِحدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً، فَتَعَاهَدنَ وَتَعَاقَدنَ أَن لَا يَكتُمنَ مِن أَحْبَارِ أَزْوَاجِهِنَّ شَيْئًا قَالَتِ الْأُولَى: زَوجِي لَحْمُ جَمَلٍ غَثٍّ، عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ؛ لَا سَهِلٌ فَيُرتَقَى، وَلَا سَمِينٌ فَيُنتَقَلَ.","vol":"1","page":550},{"text":"قَالَتِ الثَّانِيَةُ: زَوجِي لَا أَبَثُّ خَبَرَهُ، إِنِّي أَخَافُ أَن لَا أَذَرَهُ، إِن أَذكُرهُ أَذْكُر عُجَرَهُ وَبُجَرَهُ.\nقَالَتِ الثَّالِثَةُ: زَوجِي العَشَنَّقُ، إِن أَنطِق أُطَلَّق، وَإِن أَسكُت أُعَلَّق.\nقَالَتِ الرَّابِعَةُ: زَوجِي كَلَيلِ تِهَامَةَ لَا حَرَّ وَلَا قُرَّ، وَلَا مَخَافَةَ وَلَا سَآمَةَ.\nقَالَتِ الخَامِسَةُ: زَوجِي إِن دَخَلَ فَهِدَ، وَإِن خَرَجَ أَسِدَ، وَلَا يَسأَلُ عَمَّا عَهِدَ.\nقَالَتِ السَّادِسَةُ: زَوجِي إِن أَكَلَ لَفَّ، وَإِن شَرِبَ اشْتَفَّ، وَإِنِ اصْطَجَعَ التَفَّ، وَلَا يُولِجُ الْكَّفَّ لِيَعلَمَ البَثَّ.\nقَالَتِ السَّابِعَةُ: زَوجِي غَيَايَاءُ أَو عَيَايَاءُ طَبَاقَاءُ، كُلُّ دَاءٍ لَهُ دَاءٌ، شَجَّكِ أَو فَلَّكِ أَو جَمَعَ كُلًّا لَكِ.\nقَالَتِ الثَّامِنَةُ: زَوجِي الرِّيحُ رِيحُ زَرنَبٍ، وَالمَسُّ مَسُّ أَرنَبٍ.\nقَالَتِ التَّاسِعَةُ: زَوجِي رَفِيعُ العِمَادِ، طَوِيلُ النَّجَادِ، عَظِيمُ الرَّمَادِ، [قَرِيبُ] (^١) البَيتِ مِنَ النَّادِي.\nقَالَتِ العَاشِرَةُ: زَوجِي مَالِكٌ، وَمَا مَالِكٌ؟ مَالِكٌ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ، لَهُ إِبِلٌ كَثِيرَاتُ المَبَارِكِ، قَلِيلاتُ المَسَارح، إِذَا سَمِعنَ صَوتَ المِزهَرِ أَيقَنَّ أَنَّهُنَّ هَوَالِكُ.\nقَالَتِ [الحَادِي عَشَرَةَ] (^٢): زَوجِي أَبو زَرعٍ، وَمَا أَبُو زَرعٍ؟ أَنَاسَ مِن حُلِيٍّ\n_________\n(^١) في الأصل: (قليل)، وهو تصحيف.\n(^٢) الصواب: (الحادية عشرة)، قال القاضي عياض: (ووقع لبعضِ شيوخِنا في رواية هذا الحديث: قالت الحادي عشرة، ولبعضِهم: الحادية عشر، وهذا كلَّه خطأٌ، لا مخرجَ لَهُ إِلَّا على بعدٍ وتكلُّفِ وجهٍ) بغية الرائد: ٢١٩.","vol":"1","page":551},{"text":"أُذُنَيَّ، وَمَلأَ مِن شَحِمٍ عَضُدَيَّ، وَبَجَّحَنِي فَبَجِحَت إِلَيَّ نَفْسِي، وَجَدَنِي فِي أَهلِ غُنَيْمَةٍ بِشِقٍّ، فَجَعَلَنِي فِي أَهْلِ صَهِيلٍ وَأَطِيطٍ وَدَائِسٍ وَمُنَقٍّ، فَعِندَهُ أَقُولُ فَلَا أُقَبَّحُ، وَأَرْقُدُ فَأَتَصَبَّحُ، وَأَشْرَبُ فَأَتَقَنَّحُ.\nأُمُّ أَبِي زَرعٍ، فَمَا أُمُّ أَبِي زَرعٍ؟ عُكُومُهَا رَدَاحٌ وَبَيْتُهَا فَسَاحٌ، ابن أَبِي زَرِعٍ، فَمَا ابْنُ أَبِي زَرعٍ؟، مَضجَعُهُ كَمَسَلِّ شَطْبَةٍ، وَتُشْبِعُهُ ذِرَاعُ الجَفْرَةِ، بِنتُ أَبِي زَرعٍ، فَمَا ابنَةُ أَبِي زَرعٍ؟ طَوعُ أَبِيهَا، وَطُوعُ أُمِّهَا، وَمِلءُ كِسَائِهَا، وَغَيظُ جَارَتِهَا، جَارِيَةُ أَبِي زَرعٍ، فَمَا جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ؟ لَا تَبُثُّ حَدِيثَنَا تَبثِيثًا، وَلَا تُنَقِّثُ مِيرَتَنَا تَنقِيثًا، وَلَا تَملأُ بَيتَنَا تَعشِيشًا.\nقَالَت: خَرَجَ أَبُو زَرعٍ وَالأَوطَابُ تُمخَضُ، فَلَقِيَ امْرَأَةً مَعَهَا وَلَدَانِ لَهَا كَالفَهدَينِ، يَلْعَبَانِ مِن تَحتِ خَصرِهَا بِرُمَّانَتَين، فَطَلَّقَنِي وَنَكَحَهَا، فَنَكَحتُ بَعدَهُ رَجُلًا سَرِيًّا، رَكِبَ شَرِيًّا، وَأَخَذَ خَطِّيًّا، وَأَرَاحَ عَلَيَّ نَعَمًّا ثَرِيًّا، وَأَعْطَانِي مِنْ كُلِّ رَائِحَةٍ زَوجًا، قَالَ: كُلِي أُمَّ زَرعٍ وَمِيرِي أَهْلَكِ، فَلَو جَمَعتُ كُلَّ شَيْءٍ أَعْطَانِي؛ مَا بَلَغَ أَصْغَرَ آنِيَةِ أَبِي زَرْعٍ.\nقَالَت عَائِشَةُ ﵄: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كُنتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمَّ زَرعٍ\" (^١).\nقال مسلم بن الحجاج: (وحَدَّثَنِيهِ حَسَنُ الحُلَوَانِيُّ، حدثنا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، حدثنا سَعِيدُ بنُ سَلَمَةَ، عَن هِشَامِ بن عُرْوَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: عَيَايَاءُ طَبَاقَاءُ، بِغَيرِ شَكٍّ، وَقَالَ: قَلِيلاتُ المَسَارج، وَقَالَ: وَصِفْرُ رِدَائِهَا، وَخَيْرُ نِسَائِهَا، وَعَمْرُ جَارَتِهَا وَقَالَ: وَلَا تَنقُثُ مِيرَتَنَا تَنقِيثًا، وَقَالَتْ: وَأَعْطَانِي مِن كُلِّ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم: ٢٤٤٨، وأخرجه البخاري: ٥١٨٩.","vol":"1","page":552},{"text":"ذي رائحة زَوجًا) (^١).\nفي قوله ﷺ لعائشة ﵂: (كُنتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرعٍ) فضيلة بيِّنة، و(الغَثَّ): المهزول، وقوله: (وَلَا سَمِينٌ فَيُنْتَقَلَ) باللام، من الانتقال الذي هو الافتعال من النقل، وهو أن يُنقل من مكان إلى مكان، وفي غير هذه الرواية: (فَيُنْتَقَى) (^٢)؛ أي: ليس له نَقْيٌ فيستخرج، والنَّقْيُ: المخ، يقال: انتقيت العظم: استخرجت منه النَّقْيَ، تصف قلة خيره، وبعده مع القلة، تقول: إن زوجها قليل الخير؛ كالشيء في رأس جبل وعر لا ينال.\nوقولها: (لَا أَبُثَّ خَبَرَه) أي: لا أنشر خبره، (إِنِّي أَخَافُ أَلَّا أَذَرَه) أي: ألا أترك من خبره شيئا، و(العُجَرُ وَالبُجَرُ): عبارة عن العيوب، والعُجَرُ: أن يتعقد العَصَب أو العروق؛ حتى تراها ناتئة من الجسد، والبُجَرُ: مثلها؛ إلا أنها في البطن خاصة، يقال: رجل أَبْجَر؛ وامرأة بجراء: إذا كان عظيم البطن ناتئ السرة.\nو(العَشَنَّقُ): الطويل، تقول: ليس عنده أكثر من طوله بلا نفع، فإن ذكرتُ ما فيه من العيوب طلقني، وإن سكتُّ تركني مُعلّقة، لا أيِّما ولا ذات بعل، وقول الرابعة: (زَوجِي كَلَيلِ تِهَامَة): ليالي تهامة تذكر بالطِّيب، أي: ليس عنده أذىً ولا مكروهٌ، وهذا مثلٌ، لأن الحر والبرد كلاهما فيه أذىً إذا اشتد، وقوله: (وَلَا مَخَافَةَ)؛ أي: ليس عنده غائلة ولا شر أخافه ولا سآمة، تقول: لا يسأمُني فيمَلُّ صُحبتي.\nوقول الخامسة: (إن دَخَلَ فَهِدَ)؛ تمدحه بكثرة النوم والغفلة في منزله، أي:\n_________\n(^١) في النسخ المطبوعة: (قليلات المسارح)، (من كل ذابحة).\n(^٢) عند بعض رواة البخاري ومسلم، ينظر: مشارق الأنوار: ٢/ ٢٤.","vol":"1","page":553},{"text":"ليس يتفقَّد ما ذهب من ماله، وقولها: (وَإِن خَرَجَ أَسِدَ)؛ تصفه بالشجاعة، وقول السادسة: (إِن أَكَلَ لَفَّ) اللف في المطعم: الإكثار منه؛ حتى لا يُبقي منه شيئا، و(الاشْتِفَافُ فِي المَشْرَب): أن يستقصي ما في الإناء، أُخِذ من الشُّفَافة؛ وهي البقية تبقى في الإناء من الشراب، فإن شربها صاحبها؛ قيل اشتفها وتشافَّها، ويقال في مثلٍ: (لَيْسَ الرِّيُّ عَنِ التَّشَافِّ) (^١)، أي ليس من لا يشتف لا يروى، أي: قد يكون الرِّي قبل ذلك، وقولها: (وَلَا يُولِجُ الكَفَّ لِيَعْلَمَ البَثَّ) قيل: البَثُّ: الحزن، قيل: كان بجسدها عيب أو داء، تكتئب به، فكان لا يدخل يده في ثوبها ليمس ذلك العيب، فيشق عليها، تصفه بالكرم.\nوقول السابعة: (زَوجِي غَيَايَاءُ أَو عَيَايَاءُ)؛ الغين لا معنى (^٢)، وإنما هو بالعين، والعياياء من الإبل: الذي لا يَضْرِبُ ولَا يُلْقِح، وكذلك من الرجال (^٣)، و(الطَّبَاقَاءُ): الغبي الأحمق الفَدْمُ (^٤)، قال جميل:\nطَباقاءُ لم يَشْهِدْ خُصومًا ولم يَقُدْ … رِكابًا إِلَى أكوارِها حِين تُعكَف (^٥)\n_________\n(^١) يضرب مثلا للقناعة ببعض الحاجة، أي ليس قضاء الحاجة أن تدركها إلى أقصاها؛ بل في معظمها مقنع، ينظر: جمهرة الأمثال: ٢/ ١٩٠، الأمثال للهاشمي: ١/ ٢٠٤، مجمع الأمثال: ٢/ ١٩٠.\n(^٢) هذا مذهب أبي عبيد في غريب الحديث: ٢/ ٢٩٤؛ قال: (فَأَما غياياء بالغين مُعْجَمَة فَلَا أعرفهَا وَلَيْسَت بِشَيْء)، وتعقبه القاضي عياض وغيره بأن لها وجها، وهو اشتقاقها من الغياية؛ وهو كا ما أظل الإنسان، فكأنها وصفته بثقل الروح، كالظل المتكاثف المظلم، أو هي مشتقة من الغي؛ وهو الانهماك في الشر، ينظر: المعلم: ٧/ ٤٦٠، النهاية: ٣/ ٤٠٤.\n(^٣) العنين الذي يضعف عن مباضعة النساء.\n(^٤) قال ابن سيده في المحكم والمحط: ٩/ ٣٥٩: (الفَدْمُ: العيِيُّ عن الحجة والكلام مع ثقل ورخاوة وقلة فهم، وهو أيضا الغليظ السمين الأحمق الجافي).\n(^٥) البيت لجميل بن معمر، ينظر: معجم ديوان الأدب: ١/ ٤٧٤، الحيوان: ١/ ٨٧، البيان والتبيين: ١/ ١٠٩.","vol":"1","page":554},{"text":"وقولها: (كُلُّ دَاءٍ لَهُ دَاءٌ)؛ أي: كل شيء من أدواء الناس فهو فيه، و(الزَّرْنَبُ): نوع من الطِّيب، تريد طيبَ ريح جسده، وقولها: (رَفِيعُ العِمَادِ)؛ تصفه بالشَّرف في سناء الذكر، وقولها: (طَوِيلُ النِّجَادِ)؛ تصفه بامتداد القامة والنجاد: حمائل السيف، قال:\nقَصُرَتْ حَمَائِلُهُ عَلَيْهِ فَقَلَّصَتْ … وَلَقَدْ تَحَفَّظَ قَيْنُهَا فَأَطَالَهَا (^١)\nوقولها: (عَظِيمُ الرَّمَادِ) تصفه بكثرة الضِّيافة، وقولها: (قَرِيبُ البَيتِ مِنَ النَّادِي) وفي رواية: (مِنَ النَّاد) (^٢) بلا، ياء، والنادي: المجلس، أي: ينزل بين ظهراني الناس؛ ليُعلَم به؛ فينزل به الأضياف، قال زهير:\nيَسِطُ البُيوتَ لِكَي يكونَ مَظِنَّةً .... مِنْ حَيْثُ يُوضعُ جَفْنَةُ المُسْتَرْفِدِ (^٣)\nيَسِط البيوت؛ أي: يتوسط البيوت، والمَظِنَّة: المَعْلَم، وقولها: (قَليلَاتُ المَسَارِحِ، كَثِيرَاتُ المَبَارِكِ) (^٤)، أي: لا يُوجِّههن ليَسرحن نهارا إلّا قليلا، ولكنَّهن يَبركُن بفِنائه، فإن نزل به ضيف لم تكن الإبل غائبة عنه، فيطربه من ألبانها ولحومها، و(المِزْهَرُ): العود الذي يضرب به، أرادت أن زوجها قد عوَّد إبله نحرها عند نزول الضِّيفان، فهن إذا سمعن صوت المِزْهَر تيقَّنَّ أنهن\n_________\n(^١) البيت لمروان ابن أبي حفصة، ينظر الكامل: ٣/ ١٠٢، غريب أبي عبيد: ٢/ ٢٩٧، الغريبين: ٦/ ١٨٠٩، الحماسة البصرية: ١/ ١٩٣.\n(^٢) قال النووي ﵀ في شرح مسلم: ١٥/ ٢١٥: (في النسخ النادي بالياء وهو الفصيح في العربية، لكن المشهور في الرواية حذفها ليتم السجع).\n(^٣) زهير بن أبي سلمى، ينظر: المعاني الكبير: ١/ ٤٠٩، شرح ديوان الحماسة للأصبهاني: ٦٨٠، تهذيب اللغة: ١٤/ ٢٦١.\n(^٤) في الرواية: (كثيرات المبارك؛ قليلات المسارح).","vol":"1","page":555},{"text":"منحوراتٌ، وذلك قولها: (أَيْقَنَّ أَنَّهُنَّ هَوَالِكٌ).\nوقولها: (أَنَاسَ مِن حُلِيٍّ أُذُنَيَّ)؛ النَّوسُ: تحرُّك الشيء المتدلي، يقال: ناس الشيء ينوس وأنسته أنا، أي: حركته؛ أي: حلَّاني قِرَطَةً وشُنُوفًا؛ فهي تنوس؛ أي: تتحرك، وقولها: (وَمَلأَ مِنْ شَحْم عَضُدَيَّ)؛ أي: أسمنني، وقولها: (بَجَّحَنِي فَبَجِحَتْ)؛ أي: فرحني ففرحت، قال الشاعر:\nومَا الفَقْرُ مِنْ أَرْضِ العَشِيرَةِ سَاقَنَا … إِلَيْكَ وَلَكِنَّا بِقُرْبَاكَ نَبْجَحُ (^١)\nيقال: بَجَح وبَجِح بالفتح والكسر جميعا، و(شَق): موضع بفتح الشين، قال أبو عبيد (^٢): والمحدثون يقولون بِشِقّ، أرادت أن أهلها كانوا أصحاب غنم لا خيل، فذهب بها إلى أهله وهم أهل خيل وإبل، لأن الصَّهيل للخيل، والأَطِيطَ للإبل، قال الأعشى:\nوَلَسْتَ ضَائِرَهَا مَا أَطَّتِ الْإِبِلُ (^٣)\nأي: حنَّت وصوَّتت، و(الدَّائِسُ): من داس الطعام يدوسه، و(مُنَقّ)؛ من التنقية، قال أبو عبيد (^٤): وأما قول المحدثين: مُنِقّ؛ فلا أدري ما معناه، تقول:\n_________\n(^١) البيت للراعي النميري، ينظر: اللامع العزيزي: ٤٧٣، الغريبين: ١/ ١٤٢، تهذيب اللغة: ٤/ ٩٩، ديوانه: ٤٣.\n(^٢) مذهب أبي عبيد أنه موضع بعينه وهو بالفتح، وقال غيره: هو بالفتح والكسر موضع أيضا، وقال آخرون: هو بالفتح بمعنى الشَّق في الجبل كالغار ونحوه، وآخرون بالكسر بمعنى ناحية الجبل، وقال ابن قتيبة ونفطويه هو بالكسر بمعنى شظف العيش، واستظهر هذا القاضي عياض ﵀، ينظر: الغريب لأبي عبيد: ٢/ ٣٠١، مشارق الأنوار: ٢/ ٢٥٨.\n(^٣) هذا عجز البيت؛ وصدره: (أَلَسْتَ مَنْتَهِيًا عَنْ نَحْتِ أَثْلَتِنَا)، ينظر: المعاني الكبير: ٢/ ٨٥٤، شرح المعلقات التسع: ٣١، أمالي القالي: ١/ ٢٣٣.\n(^٤) غريب الحديث: ٢٢/ ٣٠٣، وأما رواية المحدثين بالكسر، فقد حملها بعضهم على أصوات=","vol":"1","page":556},{"text":"إن له زرعًا يدوسه ويُنقِّيه.\nوقولها: (أَقُولُ فَلَا أُقَبَّحُ)؛ أي: يَقبل قولي مني، وقولها: (وأَشْرَبُ فَأَتَقَمَّحُ) (^١) بالميم؛ أي: أروى حتى أترك الشرب، وروي: (فَأَتَقَنَّحْ) (^٢) بالنون، قال أبو عبيد (^٣): ولا أعرف هذا الحرف، وقال غيره (^٤): التقنح: شرب الرِّي بعد الرِّي، أي: أشرب بعد الرِّي مع عزة الماء عندنا، و(العُكُومُ): الأحمال، و(الرَّدَاحُ): العظام، و(الفَسَاحُ) والفسيح: الواسع، وقولها: (كَمَسَلِّ شَطْبَةٍ)؛ أخبرت أنه مهفهف، ضَرْب اللحم (^٥)، مثل ما شطب من جريد النخل، و(الجَفْرَةُ): الأنثى من أولاد الغنم، تمدحه بقلة الطُّعم.\nوقولها: (لَا تَبُثُّ حَدِيثَنَا تَبْثِيثًا)؛ يقال: بث الخبر: إذا أشاعه، أي: لا تظهر سرَّنا، وقولها: (تَبْثِيثًا) مصدر من غير لفظ: تبث (^٦)، كقوله: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا) [المزمل: ٨]، وكذلك: (لَا تُنَقِّثُ مِيرَتَنَا تَنقِيثًا) وروي: (تُنَقِّثُ) بالتشديد، وروي: (وَلَا تَنْقُلُ) (^٧) باللام، أي لا تأخذه فتذهب به، و(التَّعشِيشُ): من العَشّ، أي:\n_________\n= الحيوانات والمواشي، كأنه من نقيق الدجاج ونحوه، وتعقب القرطبي ذلك بأن الدجاج ليس من المال الذي تمتدح به العرب، وقال عبد الملك بن سراج الأندلسي بإسكان النون؛ على معنى أنها ذات نقي أي سمان، والجمهور على معنى الفتح، ينظر إكمال المعلم: ٧/ ٤٦٤، مشارق الأنوار: ٢/ ٢٥، النهاية: ٥/ ١١٠، المفهم: ٦/ ٣٤٤، شرح النووي: ١٥/ ٢١٨.\n(^١) رواية عند البخاري: ٥١٨٩، قال: (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَأَتَقَمَّحُ بِالْمِيمِ وَهَذَا أَصَحُّ).\n(^٢) وهي رواية مسلم، وعند البخاري كذلك.\n(^٣) غريب الحديث: ٢/ ٣٠٤.\n(^٤) نقل ذلك عن أبي زيد الأنصاري النحوي (٢١٥) هـ)، ينظر: تهذيب اللغة: ٤/ ٤٢.\n(^٥) خفيف الجسم.\n(^٦) بمعنى أن المصدر هنا جاء على غير أصل فعله، لأن القياس: تبث بثا.\n(^٧) كذا وقع عند أبي عوانة: ١٠٧٨٩، وفي مسند أبي يعلى الموصلي: ٤٧٠١.","vol":"1","page":557},{"text":"لا تترك في كل موضع منه قُمامة، وروي بالغين (^١) من الغش؛ فكأنه غير محفوظ.\nوقولها: (يَلعَبَانِ مِن تَحتِ خَصرِهَا بِرُمَّانَتَينِ)؛ قال أبو عبيد (^٢): يعني أنها ذات كَفَلٍ عظيم، فإذا استَلْقت نتأ الكفل بها من الأرض حتى يصير تحتها فجوة يجري فيها الرمان، و(السَّرِيُّ): الفرس يستشري في سيره، أي: يلج ويمضي فيه بلا فتور ولا انكسار، و(الخَطِّيُّ): الرمح، و(الثَّرِيّ): الكثير، وقولها: (وَأَعْطَانِي مِن كُلِّ رَائِحَةِ زَوجًا)؛ الرائحة المال التي تروح من الإبل والغنم، فاعلة من راحت تروح، ولا معنى لقوله: (مِن كُلِّ ذِي رَائِحَة) (^٣).\nوقولها: (وَصِفرُ رِدَائِهَا)؛ أي: هي دقيقة الخِصر، والخِصر: موضع الرداء، و(مِلءُ كِسَائِهَا)؛ أي: عظيمة الكَفَل، والكَفَل: موضع الكِساء الذي يتزر به، (وَعَقرُ جَارَتِهَا) وفي رواية: (وغَيظُ جَارَتِهَا)؛ أي تغيظها لِما ترى من حسنها، و(عَقْرُ جَارَتِهَا)؛ أي: تسوء جارتَها؛ فتتركها كأنها معقورة، وفي رواية: (وَعَبْرُ جَارَتِهَا) (^٤)؛ أي: إذا رأتها دمعت عيناها، وفي رواية: (طُوعُ أَبِيهَا)؛ يقال: قوس طوع العِنان، إذا كان سلسا منقادا إلينا، وفلان طوع يديك؛ أي: منقاد لك، وفي رواية ثابت: (قالت الحادية عشرة)، وفي رواية: (وَبَيْتُهَا فَيَّاحٌ) (^٥) ومعناه: واسع أيضا.\n_________\n(^١) رواها البخاري تعليقا عن سعيد بن سلمة عن هشام، ينظر: فتح الباري: ٩/ ٢٧٢.\n(^٢) غريب الحديث: ٢/ ٣٠٨.\n(^٣) وجهها القاضي في بغية الرائد بقوله: (ومن رواه: من كل ذي رائحة، فعلى قوله: ذا صباح، وذات يوم، كأنه دعم للكلام وصلة له) ص ٢٩٨، وينظر كذلك إكمال المعلم: ٧/ ٤٦٩.\n(^٤) هي رواية الهيثم بن عدي، ينظر: فتح الباري: ٩/ ٢٧٠، وكذا وقع هذا اللفظ في مسند إسحاق برقم: ٧٤٤.\n(^٥) لم أقف عليها مسندة، ووردت عند أكثر شراح الغريب، ينظر: غريب أبي عبيد: ٢/ ٢٨٨، تهذيب اللغة: ١/ ٢١٢، الفائق: ٣/ ٤٩، غريب ابن الجوزي: ٢/ ١٩٣.","vol":"1","page":558},{"text":"<span data-type='title' id=toc-420>ومن باب فضل فاطمة ﵂ </span>-\n[٧١٠] (فَإِنَّمَا ابْنَتِي بَضْعَةٌ مِنِّي) (^١): فيه دليل أن الولد بعض الوالد، وإذا كان بعضَ الوالد، لم يستقر ملك الوالد عليه، كما لا يستقر ملكه على نفسه، وقوله: (يَرِيبُنِي) يقال: رَابَنِي هذا الأمر: إذا أدخل عليك شكَّا وخوفًا، ورَيْب الدهر: صروفه، والرَّيْبُ: الحاجة، قال الشاعر:\nقَضَيْنا مِنْ تِهامةَ كُلَّ رَيْبٍ … وخَيْبَرَ، ثُمَّ أَجْمَمْنا السُّيُوفا (^٢)\nقال صاحب المجمل (^٣): رابني بغير ألف: إذا استيقنت، منه الرِّيبة، وأرابني؛ أي: أوهمني الرِّيبة، قال:\nأخوكَ الَّذِي إنْ رِبْته قَالَ إِنَّمَا … أَرَبْتَ وَإِن عاتَبْتَه لانَ جانِبُه (^٤)\nأي: إن أصبته بحادث قال: أرَبْتَ، أي: أوهمت، ولم تحقق على سبيل المراقبة، وقال الفراء (^٥): راب وأراب بمعنى.\nومن فائدة الحديث: أن على الوالد أن ينفق على الولد، كما عليه أن ينفق على نفسه، وفيه: أن ترك المباح جائز؛ إذا خِيف منه الفتنة، وفيه: أن للمُتأذِّي أن يشكوَ ما يَتأذَّى به، ويحتالَ في إزالته، وأنّ المباح إذا خِيف من ركوبه الفتنة\n_________\n(^١) حديث المسور بن مخرمة: أخرجه مسلم برقم ٢٤٤٩، وأخرجه البخاري برقم: ٥٢٣٠.\n(^٢) من قصيدة كعب بن مالك ﵁ في مسير النبي ﷺ إلى الطائف، ينظر: جامع معمر بن راشد: ٢٠٥٠١، مغازي الواقدي: ٢/ ٨٠٢، سيرة ابن هشام: ٢/ ٤٧٩.\n(^٣) مجمل اللغة: ٤٠٨، وينظر: تهذيب اللغة: ١٥/ ١٨٢، جمهرة اللغة: ٣/ ١٢٥٨.\n(^٤) ينسب البيت لبشار بن برد، ينظر طبقات الشعراء: ٢٧، عمدة الكتاب: ٣٩٨، الحماسة البصرية: ٢/ ٣٤.\n(^٥) ينظر الغريبين في القرآن والحديث: ٣/ ٨٠٣.","vol":"1","page":559},{"text":"تُرك، وفيه: أن الإحسان مشكورٌ، وفيه: سرور فاطمة ﵂ بلحوقها بأبيها؛ إذ علمت أنها تُفضي إلى خير مما كانت فيه.\nوقوله (هَلْ أَنْتَ مُعْطِيَّ)؛ بتشديد الياء، أدغمت لام الفعل في ياء الإضافة، وقوله: (لَا يُخْلَصُ إِلَيْهِ)؛ أي: لا يوصل إليه، و(الصِّهرُ): الخَتَن، قال الخليل (^١): لا يقال لأهل بيت الختن إلا أختان ولأهل بيت المرأة إلا أصهار، ومن العرب من يجعلهم أصهارا كلهم، قال ابن الأعرابي (^٢): الإصهار: التَّحَرُّم بجوارٍ أو نسبٍ أو تزَوُّجٍ، يقال: هو مُصهِر بنا، وفي الحديث: (كَانَ يُؤَسِّسُ مَسْجِدَ قُبَاء فَيَصْهَرُ الحَجَرَ العَظِيمَ إِلَى بَطْنِه) (^٣)، ويروى: (فَيُصْهِر) بضم الياء؛ ومعناه: يدنيه، يقال: صَهَرَه وأْصْهَرَه: إذا قرَّبه، ومنه: المصاهرة في النكاح؛ وهي المقاربة.\n\n<span data-type='title' id=toc-421>ومن باب فضل أم سلمة ﵂ </span>-\n[٧١١] من فضائلها رؤيتها جبريل ﵇ (^٤).\n\n[٧١٢] وفي تطاولهن أيتهن أطول يدا رجاؤهن سرعة اللحقوق بالنبي ﷺ (^٥) وفي الحديث محبة النبي ﷺ للخلوة بأهله.\n_________\n(^١) العين: ٣/ ٤١١.\n(^٢) ينظر مجمل اللغة: ٥٤٣، مقاييس اللغة: ٣/ ٣١٥.\n(^٣) رواه بنحوه الطبراني في الكبير برقم: ٨٠٢، وعنده كذلك: ٨٠١؛ بلفظ: (فينهره إلى بطنه)، ورواه ابن أبي عاصم في الآحاد ٣٤٨٨؛ بلفظ: (فصهده إلى بطنه).\n(^٤) حديث سلمان: أخرجه مسلم برقم: ٢٤٥١، وأخرجه البخاري برقم: ٣٦٣٤.\n(^٥) حديث عائشة: أخرجه مسلم برقم: ٢٤٥٢، وأخرجه البخاري برقم: ١٤٢٠.","vol":"1","page":560},{"text":"[٧١٣] وقوله: (تَصخَبُ) (^١) من الصخب وهو الصياح، و(تَذَمَّرُ)؛ قال صاحب المجمل (^٢): يقال: أقبل فلان يَتَذَمَّر: كأنه يلوم نفسه على فائتٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-422>ومن باب فضل أم سليم ﵂ </span>-\n[٧١٤] قوله: (إِنِّي أَرْحَمُهَا قُتِلَ أَخُوهَا مَعِي) (^٣)؛ يعني حرامَ بنَ ملحان.\n\n[٧١٥] وقوله: (فَقَالُوا: هَذِهِ الْغُمَيْصَاءُ بِنْتُ مِلْحَانَ) (^٤)؛ يعني: أمَّ سليم، كان يقال لها: الغُمَيْصَاء، وهي أم أنس بن مالك ﵂ و(الخَشَفَةُ): الصوت الخفي.\n\n[٧١٦] و(الخَشْخَشَة) (^٥): حركة معها صوت.\n\n[٧١٧] (فِي غَابِرِ لَيلَتِكُمَا) (^٦)، أي: في ماضي ليلتكما، و(الطُّرُوقُ): إتيان الأهل ليلا، و(المَخَاضُ) وجع الولادة، و(المِيسَمُ): حديدة يكوى بها، و(العَجْوَةُ): نوع من التمر؛ وهو من خيار التمر، (يَتَلَمَّظُهَا): يقال: تلمظ: إذا حرك لسانه عند الأكل.\n_________\n(^١) حديث أنس: أخرجه مسلم برقم: ٢٤٥٣.\n(^٢) مجمل اللغة: ٣٦٠.\n(^٣) حديث أنس: أخرجه مسلم برقم: ٢٤٥٥، وأخرجه البخاري برقم: ٢٨٤٤.\n(^٤) حديث أنس: أخرجه مسلم برقم: ٢٤٥٦، وأخرجه أحمد برقم: ١٢٠٣٥.\n(^٥) حديث جابر: أخرجه مسلم برقم: ٢٤٥٧، وأخرجه البخاري برقم: ٣٦٧٩.\n(^٦) حديث أنس: رواه مسلم برقم: ٢١٤٤، ورواه البخاري برقم: ١٣٠١.","vol":"1","page":561},{"text":"<span data-type='title' id=toc-423>ومن باب فضائل بلال ﵁ </span>-\n[٧١٨] وقوله: (خَشفَ نَعلَيكَ) (^١)؛ أي: صوت نعليك.\nوفي حديث أم سليم: (فَمَسَحَ وَجْهَهُ)؛ فيه سنة مسح وجه الصبي، وفي رواية: (فَإِذَا هِيَ الرُّمَيْصَاء بِنْتُ مِلْحَان) (^٢)، والرميصاء والغميصاء تصغير الرمصاء والغمصاء، وهي التي بعينها علّة.\n\n[٧١٩] ومن فضيلة أم أيمن ﵂ أن النبي ﷺ كان يزورها وأبو بكر وعمر ﵂ بعده (^٣).\nوفي حديث بلال: فضل الطهور والصلاة على إثره، وفي حديث أم سليم: إجابة الدعاء عند الصدق، وسنة التهنئة بالحادث من السرور، وفضيلة أم سليم لصبرها على ولدها، وتعزيتها زوجها؛ وهي شريكته في المصيبة.\n\n<span data-type='title' id=toc-424>ومن باب فضائل عبد الله بن مسعود ﵁ </span>-\n[٧٢٠ - ٧٢٣] قوله: (قِيلَ لِي أَنْتَ مِنْهُمْ) (^٤)؛ دخوله في جملة المحسنين، والله تعالى يحب المحسنين، ومنه كثرة دخوله على النبي ﷺ، ولزومه له (^٥)، ومنها حث النبي ﷺ الناس على أخذ القراءة عنه (^٦)، ومنها علمه بكتاب الله تعالى (^٧).\n_________\n(^١) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٤٥٨، وأخرجه البخاري برقم: ١١٤٩.\n(^٢) عند أحمد في مسنده: ١٣٥١٤.\n(^٣) حديث أنس: أخرجه مسلم برقم: ٢٤٥٤، وأخرجه ابن ماجة برقم: ١٦٣٥.\n(^٤) حديث ابن مسعود: أخرجه مسلم برقم: ٢٤٥٩، وأخرجه الترمذي برقم: ٣٠٥٣.\n(^٥) حديث أبي موسى: أخرجه مسلم برقم: ٢٤٦٠، وأخرجه البخاري برقم: ٤٧٦٣.\n(^٦) حديث عبد الله بن عمرو: أخرجه مسلم برقم: ٢٤٦٤، وأخرجه البخاري برقم: ٤٩٩٩.\n(^٧) حديث ابن مسعود: أخرجه مسلم برقم: ٢٤٦٣، وأخرجه البخاري برقم: ٥٠٠٢.","vol":"1","page":562},{"text":"<span data-type='title' id=toc-425>ومن باب فضيلة أبي بن كعب ﵁ </span>-\n[٧٢٤] من ذلك أمر الله النبي ﷺ أن يقرأ عليه، وقيل في قوله: (فَبَكَى) (^١)؛ إنما بكى خشية التقصير فيما لزمه من شكر هذه النعمة.\n\n<span data-type='title' id=toc-426>ومن باب فضيلة سعد بن معاذ ﵁ </span>-\n[٧٢٥ - ٧٢٦] قوله: (مَنَادِيلُ سَعدٍ فِي الجَنَّةِ خَيْرٌ مِن هَذَه) (^٢)؛ أثبت له الجنة بما وصف له من الكرامة في الجنة، واهتزاز العرش (^٣): تحركه، قيل: على وجه الفرح بقدوم روحه.\n\n<span data-type='title' id=toc-427>ومن باب فضل عبد الله بن حرام والد جابر بن عبد الله ﵁، وفضل أبي دجانة ﵁ </span>-\n[٧٢٧] (أَحجَمَ الْقَوْمُ) (^٤) ; أي: كفُّوا، (فَفَلَقَ بِهِ): فشَقَّ به.\n\n[٧٢٨] (مُسَجًّى) (^٥): مغطى، (قَدْ مُثِّلَ بِهِ)؛ أي: جُدِع أنفُه وأذنُه، وفي رواية: (جِيءَ بِهِ مُجَدَّعًا) (^٦).\n_________\n(^١) حديث أنس: أخرجه مسلم برقم: ٧٩٩، وأخرجه البخاري برقم: ٣٨٠٩.\n(^٢) جُمِعُ هنا ألفاظ بين ألفاظ حديثي أنس والبراء: أخرجهما مسلم برقم: ٢٤٦٨ و٢٤٦٩، وأخرجه البخاري برقم: ٥٩٣٦.\n(^٣) حديث أنس: أخرجه مسلم برقم: ٢٤٦٧، وأخرجه أحمد برقم: ١٣٤٥٤.\n(^٤) حديث أنس: أخرجه مسلم برقم: ٢٤٧٠، ٢٤٧٠، وأخرجه أحمد برقم: ١٢٢٣٥.\n(^٥) حديث جابر: أخرجه مسلم برقم: ٢٤٧١، وأخرجه البخاري برقم: ١٢٩٣.\n(^٦) عند مسلم أيضا في الباب بلفظ: (جِيءَ بِأَبِي يَوْمَ أُحُدٍ مُجَدَّعًا).","vol":"1","page":563},{"text":"<span data-type='title' id=toc-428>ومن باب فضل أبي ذر ﵁ </span>-\n[٧٢٩] قوله: (فَنَافَرَ أُنَيسٌ عَن صِرمَتِنَا) (^١)؛ نافر بمعنى: حاكم وراهن، والصِّرْمَة: القطعة من الغنم؛ والقطعة من الإبل، والصَّرْمُ بلا هاء: قوم ينزلون بإبلهم ناحية من الماء، قال ابن قتيبة (^٢): (أَقْرَاءُ الشِّعرِ): أنواعه وطرقُه، يقال: هذا الشعر على قَرِيِّ هذا، وقوله: (شَنِفُوا لَهُ) أي: أبغضوه، والشَّيفُ: الشانئ المبغض.\nوقوله: (رَاثَ)؛ أي: أبطأ، يقال: راث عليَّ خبرُك رَيْثًا، وفي المثل: (رُبَّ عَجَلةٍ تَهبُ ريثًا) (^٣)، أي: إن المستعجل غيرَ المتأني؛ ربما ألقاه استعجاله في بطء، (فَتَضَعَّفْتُ رَجُلًا)؛ أي: استضعفته، وقد يجيء تفعل بمعنى استفعل، نحو: تعظَّم واستعظم، وتكبَّر واستكبر، وتيقَّن واستيقن، وتثبَّت في الأمر واستثبت، و(النُّصُبُ): الصنم؛ أو الحجر، كانت الجاهلية تنصبه؛ وتذبح عنده فيحمر بالدم، يريد أنهم أدموه، قال الأعشى:\nوذا النُّصُبَ المَنْصُوبَ لا تَنْسُكَنَّهُ … لِعَاقبةٍ، والله رَبَّكَ فاعبدا (^٤)\nأراد: فاعبدنَّ، فجعله ألفا، و(السُّخفَةُ) الخفة، يقال: هو سخيف الأمر، وقوله: (فِي لَيْلَةٍ قَمرَاءَ)؛ أي: بيضاء، يقال: قعدنا في القمراء، أي في القمر،\n_________\n(^١) حديث أبي ذر: أخرجه مسلم برقم: ٢٤٧٣، وأخرجه أحمد برقم: ٢١٥٢٥.\n(^٢) غريب الحديث: ٢/ ١٨٧.\n(^٣) ينظر: الأمثال لأبي عبيد: ٢٣٢، جمهرة الأمثال: ١/ ٤٨٢، الأمثال للهاشمي: ١/ ١٣٥، مجمع الأمثال: ١/ ٢٩٤.\n(^٤) ينظر: معجم ديوان الأدب: ١/ ٢٥٩، تهذيب اللغة: ١٢/ ١٤٧، جمهرة اللغة: ٢/ ٨٥٧، اللسان: ٤٢٩/ ١٣.","vol":"1","page":564},{"text":"قال الراجز:\nيَا حَبَّذَا الْقَمْرَاءُ وَاللَّيْلُ السَّاجْ … وَطُرُقٌ مِثْلُ مُلَاءِ النُّسَّاجْ (^١)\nو(الإِضحِيَّان): المضيء، و(الخِفَاءُ): الكساء، قال الشاعر:\nذَاتُ أَهْدَامٍ وَأَخْفِيَةٍ (^٢)\nالأهدام: جمع الهِدْم؛ وهو الثوب الخَلِق، والأخفية: جمع الخفاء؛ وهي الأكسية، وقوله (عَلَى أَسمِخَتِهِم)؛ كذا في الصحيح بالسين، والمشهور بالصاد (^٣)، وهو جمع صِماخ الأذن، وهو الخَرْق الذي يفضي إلى الرأس، أي: إنهم ناموا، قال الله ﷿: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ﴾ [الكهف: ١١]؛ أي: أَنَمْنَاهم، وقولهما: (كَلِمَةً تَمْلأُ الْفَمَ)؛ يقال ذلك لكل كلمةٍ عظيمةٍ، وقال بعضهم (^٤): والله الذي لا إله إلا هو؛ فإنها تملأ الفم؛ وتَحْقِن الدم.\n_________\n(^١) ينظر: الأزمنة وتلبية الجاهلية لقطرب: ١٨، الكامل في اللغة والأدب: ١/ ٢٢٦، شرح ديوان الحماسة للأصبهاني: ٢٢٣، الأزمنة والأمكنة: ٢٩٥، ونسبه في اللسان: ١٤/ ٣٧١؛ للحارثي.\n(^٢) لعله يقصد قول ذي الرمة: (عَلَيْهِ زادٌ وأَهْدامٌ وأَخْفِيَة قَدْ كَادَ يَجْتَرُّها عَنْ ظَهْرِهِ الحَقَب)؛ ينظر: ديوان ذي الرمة بشرح الباهلي: ١/ ١٢٤، جمهرة أشعار العرب ٧٧٧، المعانير الكبير: ١/ ٣٣٠.\n(^٣) يقصد في اللغة، أو خارج الصحيح، فقد رواها بالصاد: أحمد برقم: ٢١٥٢٥، ابن أبي شيبة برقم: ٣٦٥٩٨، وابن سعد في الطبقات: ٤/ ٢٢٠، والبزار برقم: ٣٩٤٨، وأبو عوانة برقم: ١٠٨٧٠، وأما عند مسلم فهي بالسين عند الكافة كما قال النووي، وخطأها القرطبي وقال إنما هي بالصاد، وأعرض القاضي عياض عن رواية السين؛ واكتفى بذكرها بالصاد، ينظر: إكمال المعلم: ٧/ ٥٠٧، المفهم: ٦/ ٣٩٥، شرح النووي: ٢٩/ ١٦.\n(^٤) يقصد حديث: (أمرت أن أقاتل الناس)، ينظر: غريب ابن قتيبة: ٢/ ١٩١، تهذيب اللغة: ١٥/ ٣٦.","vol":"1","page":565},{"text":"وقوله: (فَقَدَعَنِي عَنْهُ) (^١)؛ أي: كفَّني، وفي رواية: (مِنْ أَنْفَارِنَا) (^٢) يريد: من قومنا، كأنه جمع نَفَرٍ، يقال: هؤلاء نفر فلانٍ؛ أي: رهطه، قال امرؤ القيس يذكر راميا مصيبا:\nفَهْوَ لَا يَنْمِي رَمِيَّتُهُ … مَا لَهُ لَا عُدَّ مِنْ نَفَرِهْ (^٣)\nيقول: إذا عُدَّ قومه لم يُعَدَّ منهم، يريد أماته الله (^٤)؛ ولم يرد وقوع الأمر، ولكن هذا كما يقال: قاتله الله؛ وأخزاه الله، إذا استجيد عمله.\nو(إِسَافٌ وَنَائِلَة): صنمان؛ روي: أنهما كانا إنسانين من بني عبد الدار، طافا بالكعبة، فصادفا منها خلوة، فأراد أحدهما صاحبه، فنكسهما الله نحاسًا (^٥).\nوفي الحديث من الفقه ما يبعث على احتمال الأذى في الإسلام؛ إذ مكث ثلاثين يومًا بلا طعام، وفيه ما يدل على أن الله تعالى يكفي من وَثِق به، وانقطع إليه.\nقوله: (فَنَافَرَ أُنَيسٌ عَن صِرمَتِنَا وَعَن مِثْلِهَا)؛ أي: تحاكما إلى الكاهن أيهما أشعر، فمن كان أشعرَ أخذ صِرمة صاحبه، فكان شعر أخي أجود، فأخذ صرمة صاحبه، فرجع بصرمته وصرمة صاحبه، وقوله: (عُكَنُ بَطْنِي)؛ العُكَنُ: جمع عُكْنَة، وهي الطيُّ في البطن من السمن، (فَمَا تَنَاهَتَا)؛ أي: ما انتهتا، يقال:\n_________\n(^١) في الرواية: (فقدعني صاحبه).\n(^٢) كأن نسخة المؤلف على الرواية الأخرى: (من أنصارنا)، وهي رواية السمرقندي، ينظر المشارق: ٢/ ٢٠.\n(^٣) ينظر: المعاني الكبير: ٢/ ١٠٤٩، العقد الفريد: ٣/ ٢٣، ديوان امرئ القيس: ١٠١.\n(^٤) يقصد دعاء الشاعر على نفسه: لا عد من نفره).\n(^٥) ينظر: مغازي الواقدي: ٢/ ٨٤١، سيرة ابن هشام: ١/ ٧٧، أخبار مكة للأزرقي: ١/ ٨٨.","vol":"1","page":566},{"text":"تناهى وانتهى.\nوقوله: (فَنَثَا عَلَيْنَا)؛ بتقديم النون على الثاء، قال صاحب المجمل (^١): نَثَوت الكلام نثوا: إذا أظهرته، والنَّثَا: الذكر القبيح، و(الصَّرْمَة): القطيع من الإبل و(تَجَهَّمَ)؛ أي كره، وقوله: (أمَا آنَ لِلرَّجُلِ؟)؛ أي: أما حان للرجل؟، يقال: أني يأني، وأن يئين، (يَقْفُوهُ): يتبع أثره.\n\n<span data-type='title' id=toc-429>ومن باب فضل جرير ﵁ </span>-\n[٧٣٠ - ٧٣١] (ذُو الْخَلَصَةِ) (^٢): بيت كان فيه أصنام تعبد باليمن، وفي الحديث إكرام الصديق بترك الاحتجاب عنه، وفيه إباحة الضحك إذا كان على وجهه، وفيه من فضيلة جرير أن النبي ﷺ دعا له بأن يكون هاديا مهديا (^٣)، وقوله: (فَنَفَرْتُ)؛ يقال: استنفرني الأمير؛ أي: دعاني إلى الغزو فنفرت، أي: خرجت، وقوله: (كَأَنَّهَا جَمَلٌ أَجْرَبُ)؛ فيها ما يدل على الاجتهاد في النكاية في العدو.\n\n<span data-type='title' id=toc-430>ومن باب فضل عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر ﵂ </span>-\n[٧٣٢] قوله: (اللهُمَّ فَقِّهْهُ) (^٤)؛ فيه فضيلة الفقه؛ إذ دعا النبي ﷺ بذلك.\n\n[٧٣٣] وفي حديث ابن عمر (^٥) فضل صلاة الليل، وفضل ابن عمر ﵁؛\n_________\n(^١) مجمل اللغة: ٨٥٥.\n(^٢) حديث جرير: أخرجه مسلم برقم: ٢٤٧٦، وأخرجه البخاري برقم: ٤٣٥٦.\n(^٣) حديثه: أخرجه مسلم برقم: ٢٤٧٥، وأخرجه البخاري برقم: ٣٠٢٠.\n(^٤) حديث ابن عباس: أخرجه مسلم برقم: ٢٤٧٧، وأخرجه البخاري برقم: ١٤٣.\n(^٥) أخرجه مسلم برقم: ٢٤٧٩، وأخرجه البخاري برقم: ١١٢١.","vol":"1","page":567},{"text":"إذ أثنى عليه النبي ﷺ بالصلاح، وفيه إباحة النوم في المسجد، وفيه تحقيق الرؤيا إذا كانت صادقة.\n\n<span data-type='title' id=toc-431>ومن باب فضل أنس ﵁ </span>-\n[٧٣٤] فيه (^١) أن الدعاء ينفع، وفيه أن النبي ﷺ كان مجاب الدعاء، وفيه الفضيلة لأنس ﵁؛ إذ دعا له فأجيب فيه، ومنه سنة صلاة التطوع في الجماعة، ومنه أن المال الحلال محمود؛ إذ دعا به النبي ﷺ، ومنه الفضيلة في خدمة العالم، ومنه ما يجب من حفظ السر (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-432>ومن باب فضل عبد الله بن سلام</span>\n[٧٣٥] (الجَوَاد) (^٣): جمع جادَّة، وهي: الطرق، و(المَنهَجُ): الطريق الواضح، وقوله: (فَزَجَلَ بِي)؛ أي: فَرَمَى بي، و(المِنصَفُ): الخادم، قال أهل اللغة (^٤): الناصف: الخادم، [وتَنصَّفَ؛ أي] (^٥): خدم، وتنصفته؛ أي: استخدمته، قال:\nإِذَا نَحْنُ فِيهِمْ سُوقَةٌ نَتَنَصَّفُ (^٦)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم: ٢٤٨٠، وأخرجه البخاري برقم: ٦٣٣٨.\n(^٢) أخرجه مسلم برقم: ٢٤٨٢، وأخرجه البخاري برقم: ٦٢٨٩.\n(^٣) حديث عبد الله بن سلام: أخرجه مسلم برقم: ٢٤٨٤، وأخرجه البخاري برقم: ٣٨١٣.\n(^٤) ينظر مجمل اللغة: ٨٦٩، تهذيب اللغة: ١٢/ ١٤٢، الصحاح: ٤/ ١٤٣٢.\n(^٥) غير واضحة، والاستدراك من كتب اللغة، ينظر الصحاح: ٤/ ١٤٣٤.\n(^٦) عجز بيت للحُرَقة بنتِ النعمان، وصدره: (فَبينا نسوسُ النّاس وَالْأَمر أمرنا)، ينظر: المحاسن والأضداد: ١٦٢، الجليس الصالح: ١٢٤، شرح ديوان الحماسة للأصبهاني: ٨٤٥، وشرحه للتبريزي: ٢/ ٥٣.","vol":"1","page":568},{"text":"وفيه دليل أنه استوجب الجنة بدخوله في شريعة الإسلام؛ وخروجه من اليهودية، وفيه أن من تقلد حكم الشريعة؛ كان كالمرتقي في روضةٍ ذات أزهارٍ وأنوارٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-433>ومن باب فضل حسان بن ثابت</span>\n[٧٣٦] (حَصَانٌ) (^١) بفتح الحاء: مُحْصَنَة، (رَزَانٌ): رزينة، (مَا تُزَنُّ): ما تُتَّهم، (وَتُصبِحُ غَرثَى مِنْ لُحُومِ الغَوَافِلِ)؛ أي: لَا تُغْتَاب، (يُنَافِحُ): يدافع.\n\n[٧٣٧] (الرَّشْقُ) (^٢): الرمي، (أَدْلَعَ)؛ أي: أخرج، (لأَفْرِيَنَّهُم): لأقطعنهم، (فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ)؛ أي: ووالد أبي؛ يعني جده، (والنَّقْعُ): الغبار، و(كَدَاءُ) كأنه مبني على الضم، و(الظِّمَاءُ): جمع الظمأ، و(الخُمُرُ): جمع الخمار، (مُتَمَطِّرَاتٌ): مُسرِعات، (قَدْ يَسَّرْتُ)؛ أي: هيأت، (عُرضَتُهَا)؛ أي: قصدُها وطلبُها، (لَيْسَ لَهُ كِفَاءُ)؛ أي: مثل.\nوفيه من الفقه أن الجهاد يكون باللسان؛ ويكون بالقتال، وأن هجاءَ المشركين كان أبلغَ فيهم من القتال.\n\n<span data-type='title' id=toc-434>ومن باب فضل أبي هريرة ﵁ </span>-\n[٧٣٨ - ٧٣٩] (الصَّفقُ بِالْأَسْوَاقِ) (^٣): ضرب اليد على اليد عند عقد البيع، كان أبو هريرة ﵁ أكثر الصحابة حديثا عن النبي ﷺ، أدركته دعوة النبي ﷺ\n_________\n(^١) حديث عائشة: أخرجه مسلم برقم: ٢٤٨٨، وأخرجه البخاري برقم: ٤١٤٦.\n(^٢) حديث عائشة: أخرجه مسلم برقم: ٢٤٩٠.\n(^٣) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٤٩٢، وأخرجه البخاري: ١١٨.","vol":"1","page":569},{"text":"فلم ينس شيئا حفظه عنه، وفي دعاء النبي ﷺ وفي دعاء النبي ﷺ أن يحببه وأمه إلى المؤمنين فضيلة عظيمة (^١).\n\n[٧٤٠] وقوله: (وَكُنتُ أُسَبِّحُ) (^٢)؛ أي: أصلي صلاة التطوع؛ إما الضحى؛ وإما غيرها، و(سَرْدُ الحَدِيثِ): أن يتبع بعضه بعضا.\n\n<span data-type='title' id=toc-435>ومن باب ذكر حاطب بن أبي بلتعة</span>\n[٧٤١] فيه (^٣) فضل أهل بدرٍ، وفيه سُنّة بعث الطلائع عند المحاربة، ومنه كراهية الاحتيال فيما يضر بالدين، ومنه أن التأويل يعذر فيه الإنسان، و(رَوْضَةُ خَاخ) بخاءين: موضع و(الظَّعِينَةُ) [المرأة، وفيه دليل أن القتل يدرأ بالتأويل] (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-436>ومن باب ذكر أبي موسى ﵁ </span>-\n[٧٤٢ - ٧٤٥] في هذه الأحاديث فضائل لأبي موسى وقومه: منها بشارة النبي ﷺ إياه في أمره؛ بشربه الماء الذي خالطه ريقه، وإفراغه على وجهه، ونحوُه فضيلة بيِّنة (^٥)، ومنه استغفار النبي ﷺ (^٦)، ومنه فضيلة قراءة القرآن؛ إذ\n_________\n(^١) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٤٩١، وأخرجه أحمد: ٨٢٥٩.\n(^٢) حديث عائشة: أخرجه مسلم برقم: ٢٤٩٣، وأخرجه البخاري: ٣٥٦٨.\n(^٣) حديث علي: أخرجه مسلم برقم: ٢٤٩٤، وأخرجه البخاري: ٣٠٠٧.\n(^٤) شبه طمس في الأصل، وما أثبته هنا؛ يظهر - بعد التأمل - أنه المطموس إن شاء الله.\n(^٥) حديث أبي موسى: أخرجه مسلم برقم: ٢٤٩٧، وأخرجه البخاري: ٤٣٢٨.\n(^٦) حديث أبي موسى: أخرجه مسلم برقم: ٢٤٩٨، وأخرجه البخاري: ٢٨٨٤.","vol":"1","page":570},{"text":"مدحهم النبي ﷺ بها (^١)، ومنها تفضيل النبي ﷺ إياهم بمساواة بعضهم بعضا (^٢)، و(رِمَالُ السَّرِيرِ): شُرُطُه: جمع شريط، و(المُرْمَلُ): المعقود بالشُّرُط.\n\n<span data-type='title' id=toc-437>ومن باب فضل المهاجرين وأصحاب السفينة</span>\n[٧٤٦] فيه (^٣) دلالة أن الهجرة في أول الإسلام كانت من كمال الدين، وهي اليوم ترك السوء، وهي من تمام التوبة، وفيه أن التنافس بالخير محمودٌ، وفيه أن من سبق بالطاعة فقد فاز بالنصيب الأوفى، ومن تمام الفضيلة لهم؛ أن جعل لهم هجرتين، ومنه أن المسلم إذا كان محببا قريبا من قلوب الناس؛ كان أرجى له، وفيه أن المرأة الستيرة الحسناء؛ نعمة عظيمة من الله ﷿.\n\n<span data-type='title' id=toc-438>ومن باب فضل سلمان وصهيب</span>\n[٧٤٧] في الحديث (^٤) فضيلة لهؤلاء إذ رضي قولهم، وحذر أبا بكر إسخاطهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-439>ومن باب فضائل الأنصار</span>\n[٧٤٨] فيه حديث زيد بن أرقم (^٥): وفيه خصوصية للأنصار؛ إذ دعا لهم النبي ﷺ ولأبنائهم وأبناء أبنائهم، وفيه إظهار محبة النبي ﷺ لهم.\n_________\n(^١) حديث أبي موسى: أخرجه مسلم برقم: ٢٤٩٩، وأخرجه البخاري: ٤٢٣٢.\n(^٢) حديث أبي موسى: أخرجه مسلم برقم: ٢٥٠٠، وأخرجه البخاري: ٢٤٨٦.\n(^٣) حديث أبي موسى: أخرجه مسلم برقم: ٢٥٠٢، وأخرجه البخاري: ٣١٣٦.\n(^٤) حديث عائذ بن عمرو: أخرجه مسلم برقم: ٢٥٠٤، وأخرجه أحمد: ٢٠٦٤٠.\n(^٥) أخرجه مسلم برقم: ٢٥٠٦، وأخرجه أحمد: ٤٩٠٦.","vol":"1","page":571},{"text":"[٧٤٩] وفيه (^١) الرخصة في إتيان العرس، إذ لم ينههم النبي ﷺ، قال أهل اللغة (^٢): مَثُل الرجل قائما؛ أي: انتصب، ومثَّل بالتشديد للمبالغة في القيام والانتصاب، والذي في الحديث فاعل هذا الفعل، قال: (فَقَامَ مُمْثِلًا)، وفي الحديث: (مَن سَرَّهُ أَنْ يَمْثْلَ لَهُ النَّاسُ فَلْيَتَبَوَّأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) (^٣)، أي: يقومون على رأسه.\n\n[٧٥٠] وقوله: (فَخَلَا بِهَا) (^٤)؛ أي: كلَّمَها خاليًا.\n\n[٧٥١] وقوله: (كَرِشِي وَعَيبَتِي) (^٥)؛ المعنى: جماعتي وصحابتي الذين أثق بهم، وأعتمدهم في أموري.\n\n[٧٥٢] وقوله: (وَفِي كُلِّ دُورِ الأَنصَارِ خَيْرٌ) (^٦)، الدور: القبائل، قال صاحب الغريبين (^٧): الدور هاهنا قبائل اجتمعت في مَحَلَّة، فسميت المَحَلة دارا، وفي الحديث: (مَا بَقِيَت دَارٌ إِلَّا وَبُنِي فِيهَا مَسْجِدٌ) (^٨)، أي: ما بقيت قبيلة، وقول\n_________\n(^١) حديث أنس: أخرجه مسلم برقم: ٢٥٠٨، وأخرجه أحمد: ١٢٧٩٧.\n(^٢) ينظر: العين: ٨/ ٢٢٩، الصحاح: ٥/ ١٨١٦، مقاييس اللغة: ٥/ ٢٩٧، جمهرة اللغة: ١/ ٤٣٢.\n(^٣) أخرجه بنحوه: أبو داود: ٥٢٢٩، وأحمد: ١٦٨٣٠.\n(^٤) حديث أنس: أخرجه مسلم برقم: ٢٥٠٩، وأخرجه البخاري: ٣٧٣٦.\n(^٥) حديث أنس: أخرجه مسلم برقم: ٢٥١٠، وأخرجه البخاري: ٣٧٩٩.\n(^٦) حديث أبي أسيد: أخرجه مسلم برقم: ٢٥١١، وأخرجه البخاري: ٣٧٨٩.\n(^٧) الغريبين: ٢/ ٦٥٦.\n(^٨) حديث متداول في كتب الغريب، ولم أجده مسندا بهذا اللفظ، ولعله رواية بالمعنى لحديث: (أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ) أخرجه أبو داود برقم: ٤٥٥.","vol":"1","page":572},{"text":"سعد: (مَا أَرَى رَسُولَ اللهِ ﷺ إِلَّا قَد فَضَّلَ عَلَيْنَا)، أي: قدم علينا بني النجار؛ وبني عبد الأشهل، (فَقِيلَ: قَد فَضَّلَكُم عَلَى كَثِيرٍ) أي: إن قدم هؤلاء عليكم، فقد قدمكم على كثير، أي: على كثير لم يذكرهم قبلكم.\nوقوله: (وَاللَّهِ لَو كُنتُ مُؤثِرًا بِهَا أَحَدًا لَآثَرْتُ بِهَا عَشِيرَتِي)، كان أبو أُسَيد من بني ساعدة، فلما روى عن النبي ﷺ ذكر بني ساعدة؛ لم يقدمهم على من قدمهم رسول الله ﷺ، أي: لو كنت أجيز التقديم والتأخير؛ لآثرت تقديم قومي؛ فبدأت بهم، وقول سعد بن عُبادة: (خُلِّفْنَا) أي: أُخِّرْنا في الذكر.\n\n<span data-type='title' id=toc-440>ومن باب غفار غفر الله لها</span>\n[٧٥٣] (غِفَارُ) (^١): قبيلة أبي ذر الغفاري ﵁، وقد جعل رسول الله ﷺ الفضيلة لهذه القبائل على غيرهم من الأعراب؛ لتقدُّم إسلامهم، وفيه أن النبي ﷺ أخذ من أسمائهم ما دعا به لهم: أخذ لفظ المغفرة من لفظ غفار؛ فدعا لهم بذلك اللفظ، وفي قوله: (وَلَكِنْ قَالَهَا (الله) دلالة أنه كان إذا قال شيئا؛ قاله عن الله ﷿.\n\n[٧٥٤] وقوله: (وَاللهُ وَرَسُولُهُ مَولَاهُم) (^٢)؛ أي: وَلِيُّهم، والمولى يقع على المُنعِم بالعتق، وعلى المنعَم عليه.\n\n[٧٥٥] وفي قوله: (اللهُمَّ اهْدِ دَوْسًا) (^٣) دلالة للنبي ﷺ على جواز الدعاء\n_________\n(^١) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٥١٦، وأخرجه أحمد: ١٠٠٧٠.\n(^٢) حديث أبي أيوب: أخرجه مسلم برقم: ٢٥١٩، وأخرجه الترمذي: ٣٩٤٠.\n(^٣) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٥٢٤، وأخرجه الترمذي: ٢٩٣٧.","vol":"1","page":573},{"text":"للكفار بالهداية، والله يفعل ما قضى في سابق علمه.\n\n[٧٥٦] وفي قوله: (أَعتِقِيهَا فَإِنَّهَا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ) (^١)، دليل أن العربي يجوز استرقاقه، وهو أحد قولي الشافعي ﵁ (^٢)، و(السَّبِيَّةُ): بمعنى المَسْبِية، وقوله: (فِي الْمَلَاحِم)؛ هي جمع المَلْحَمة؛ وهي القتال، وفي حديث مؤتة: (أَخَذَ جَعْفَرٌ الرَّايَةَ فَقَاتَلَ بِهَا إِلَى أَنْ أَلْحَمَهُ القِتَال) (^٣)، يقال: أُلْحِم الرجل: إذا نشب في الحرب، فلم يجد مخلصا، ولُحِم: إذا قتل؛ فهو ملحوم.\n\n<span data-type='title' id=toc-441>ومن باب ما جاء في معادن الناس</span>\n[٧٥٧] في الحديث (^٤): بيان أن الناس خلقوا على طبقات: فمنهم من كان طيب الأصل والفرع، وكان محسنا في إسلامه؛ غير ظالم في جاهليته، فإذا توقى الإساءة في كفره طبعا، توقاها في إسلامه اعتقادا، وقوله: (إِذَا فَقُهُوا)؛ أي: علموا ما عليهم وما لهم، وفي قوله: (أَشَدَّهُمْ لَهُ كَرَاهِيَةً)، دلالة أن المصلح يحذر الشروع في أمور العامة؛ لما فيها من المخاطرة، فإذا وقع فيها، تشمر لها وأحسن السيرة، وفي حديث (^٥): (مِنْ شِرَارِ النَّاسِ)؛ دليل أن شر الناس المغشوش القلبِ، ولفساد دِخْلته؛ يلقى هذا بوجه وهذا بوجه، ويختلف فعله وقوله.\n_________\n(^١) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٥٢٥، وأخرجه البخاري: ٢٥٤٣.\n(^٢) ينظر: الحاوي الكبير: ٩/ ٢٤٤، عمدة القاري: ١٣/ ١٠٠، الإشراف: ٨/ ١١٦.\n(^٣) أخرجه أبو داود: ٢٥٧٣، ولفظ المؤلف عند الطبراني في الكبير: ٤٢٨.\n(^٤) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٥٢٦، وأخرجه البخاري: ٣٤٩٣.\n(^٥) نفسه.","vol":"1","page":574},{"text":"<span data-type='title' id=toc-442>ومن باب تخصيص نساء قريش</span>\n[٧٥٨] فيه حديث أبي هريرة ﵁ (^١): وفيه بيان أن فضل النساء إنما يثبت بتعطفهن على أولادهن، وحفظ أملاك أزواجهن، وفي حديث طاووس والأعرج: (أَحْنَاهُ عَلَى يَتِيمٍ) (^٢)، وفيه دلالة أن من أقامت على صغير ولدها، ولم تنكح بعد وفاة زوجها، كان ذلك فضيلة لها، وقوله: (وأحنَاهُ) أي: أعطفه، يقال: فلان يحنو على فلان؛ أي: يتعطّف عليه، وفي الحديث: (أَنَا وَسَفْعَاءُ الخَدَّينِ الحَانِيَةُ عَلَى وَلَدِهَا كَهَاتَيْنِ يَومَ القِيَامَةِ) (^٣)، الحانية: التي تقيم على ولدها لا تتزوج، وقيل: (أَحنَاهُ)؛ أي: أشفقه، يقال: حنا عليه يحنو: إذا أشفق عليه وعطف، والضمير في قوله: (أحنَاهُ) راجع إلى المعنى.\n\n<span data-type='title' id=toc-443>ومن باب ما جاء في الحلف والمؤاخاة</span>\n[٧٥٩] حديث: (آخَى بَينَ أَبِي عُبَيدَةَ، وَبَينَ أَبِي طَلْحَةَ) (^٤)؛ فيه سنة المؤاخاة.\n\n[٧٦٠] وقوله: (قَد حَالَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَينَ قُرَيشٍ وَالْأَنْصَارِ) (^٥) يريد: آخى، وقوله: (لَا حِلَفَ فِي الإِسلَامِ)، قيل (^٦): كان الرجل في الجاهلية إذا\n_________\n(^١) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٥٢٧، وأخرجه البخاري برقم: ٥٣٦٥.\n(^٢) وفي الرواية الأخرى لنفس الحديث: (أحناه على طفل، وأرعاه على زوج في ذات يده).\n(^٣) الحديث رواه أبو داود في سننه: ٥١٤٩، وأحمد: ٢٤٠٠٦، دون ذكر: (الحانية)، ووقع عند الطبراني في الكبير: ٧٨٣٦: (سفعاء الخدين إذا أحنت على ولدها).\n(^٤) حديث أنس: أخرجه مسلم برقم: ٢٥٢٨، وأخرجه أحمد برقم: ١٢٥٤٥.\n(^٥) حديث أنس: أخرجه مسلم برقم: ٢٥٢٩، وأخرجه البخاري برقم: ٦٠٨٣.\n(^٦) ينظر: المنمق في أخبار قريش: ٥٠، وسيرة ابن هشام: ١/ ١٢، والطبقات الكبرى: ١/ ٧٧.","vol":"1","page":575},{"text":"تحالفوا أحضروا طيبا وتطيبوا به، وتعاقدوا على أن يتناصروا ولا يتخاذلوا، وكان رسول الله ﷺ وأبو بكر من المطَّيِّبين، وكان عمر ﵁ من الأحلاف، قال ابن الأعرابي (^١): الأحلاف ست قبائل: عبد الدار؛ وجُمح؛ وسَهُم؛ ومَخْزوم؛ وَعَدي؛ وَكَعْب، سموا بذلك لأنه لما أرادت بنو عبد مناف أخذ ما في أيدي بني عبد الدار من الحجابة والرِّفادة (^٢) - يعني: حجابة البيت؛ أي: خدمة البيت، ويعني بالرفادة ما كانت تفرق قريش على الحجاج من الطعام والزبيب، واللواء: يعني اللواء في الحرب، والسقاية: يعني: سقاية زمزم - وأبته بنو عبد الدار، عقَد كل قوم على أمرهم حلفًا مؤكدا على أن لا يتخاذلوا، فأخرجت بنو عبد مناف جفنة مملوءة طيبا، فوضعتها لأحلافهم في المسجد عند الكعبة، ثم غمس القوم أيديهم فيها، وتعاقدت بنو عبد الدار وحلفاؤها حلفًا آخر مؤكدا، على أن لا يتخاذلوا؛ فسموا أحلافا، قيل: كان الرجل إذا حالف صاحبه في الجاهلية قال: دمي، دمك، وهدمي هدمك.\n\n<span data-type='title' id=toc-444>ومن باب فضائل أصحاب النبي ﷺ ورضي عنهم</span>\n[٧٦١] (أَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ) (^٣)، في الحديث دليل على أن الله أنشأ للحوادث أسبابا على ما أراد، وقد تحقق ما قال بوقوع الفتن بعد انقراض أصحابه، وفيه دليل أن لهم فضلًا على سائر الناس.\n_________\n(^١) ينظر: الغريبين: ٤/ ١١٩٤، وتهذيب اللغة ٥/ ٤٤، والزاهر: ١٩٢، وغريب ابن الجوزي: ١/ ٢٣٤.\n(^٢) في كلام ابن الأعرابي: (.. من الحجابة والرفادة واللواء والسقاية …)، وهو ما سيأتي شرحه في كلام المؤلف.\n(^٣) حديث أبي موسى: أخرجه مسلم برقم: ٢٥٣١، وأخرجه أحمد برقم: ١٩٥٦٦.","vol":"1","page":576},{"text":"[٧٦٢] وفي الحديث (^١) الذي بعده دليل على فضل من صحب الصحابة، ثم من صحب القرن الثاني، ثم عاب القرن الذين مالوا إلى الدنيا واختاروا الهوى على العلم، [ولم يتوقَّوا] (^٢) الشبهة ولم يتورعوا، و(الفِئَامُ): الجماعة، قال صاحب المجمل (^٣): الفئام جماعة الناس، و(البَعْثُ): الجيش.\n\n[٧٦٣] وفي حديث ابن عمر ﵄: (فَإِنَّ عَلَى رَأسِ مِائَةِ سَنَةٍ مِنهَا) (^٤)، نبه هذا الحديث على قلة عمر أصحابه ﷺ، ونبه بذلك على الجد في مرضاة الله، لأنه إذا كان أولئك عمروا هذا العمر، كان من بعدهم أقل عمرا وأقصر، وقوله: (يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يَنْخَرِمَ ذَلِكَ الْقَرْنُ)، وفي غير هذه الرواية: (يُرِيُد بِذَلِكَ: تَخْرِمُ ذَلِكَ القَرْنَ) (^٥)، التَّخَرُّم: التَّصَرُّم، يريد انقراض أهل ذلك العصر، قال صاحب المجمل (^٦): اخترمه الدهر، وقال أهل اللغة (^٧): الخَرْمُ: القطع، وفي حديث سعد: (مَا خَرَمْتُ مِنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ شَيْئًا) (^٨)؛ أي: ما نَقَصْت.\nوقوله: (فَوَهَلَ النَّاسُ) (^٩)، قال صاحب المجمل (^١٠): وهلت الشيء: ذهب\n_________\n(^١) حديث أبي سعيد: أخرجه مسلم برقم: ٢٥٣٢، وأخرجه البخاري برقم: ٢٨٩٧.\n(^٢) في الأصل: (ولم يتوقفوا).\n(^٣) مجمل اللغة: ٧١.\n(^٤) أخرجه مسلم برقم ٢٥٣٧، وأخرجه البخاري برقم: ٥٦٤.\n(^٥) رواية البخاري برقم: ٦٠١\n(^٦) مجمل اللغة: ٢٨٥.\n(^٧) ينظر: العين: ٤/ ٢٥٩، ومقاييس اللغة: ٢/ ١٧٣، والصحاح: ٥/ ١٩١٠، وتهذيب اللغة: ٧/ ١٥٩.\n(^٨) أخرجه أحمد برقم: ١٨٣٢٤.\n(^٩) ضبط بالفتح والكسر، ينظر مشارق الأنوار: ٢/ ٢٩٧.\n(^١٠) مجمل اللغة: ٩٣٩.","vol":"1","page":577},{"text":"وهمي إليه، وقال أبو زيد (^١): وهِلْت في الشيء، وعنه أَيْهَل وَهَلًا: إذا نسيته وغلطت فيه، وقال صاحب الغريبين (^٢): يقال: توهَّلت فلانًا؛ أي: عرَّضته لأن يَهِل؛ أي: يغلط، يقال: وَهِلَ إلى الشيء يَهِل، إذا ذهب وهمه إليه، ومنه قول ابن عمر ﵁: (وَهِلَ أَنَسٌ ﵁) (^٣) أي: غلط، يقال: وهل إلى الشيء يَهِلُ، وَوَهِم إلى الشيء يَهِمُ وهلا ووهما، وفي الحديث (كَيفَ أَنتَ إِذَا أَتَاكَ مَلَكَانِ فَتَوَهَّلَاكَ) (^٤)؛ أي: تعرضا لك لتغلط.\n\n[٧٦٤] وقوله: (مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ) (^٥)، قوله: (مَنْفُوسَةٍ)؛ أي: مولودة، يقال: نُفِسَ الغلام يُنْفَسُ فهو منفوس، ويقال: كان هذا قبل أن يُنْفَسَ فلان، أي: قبل أن يولد، ويقال: نُفِسَت المرأة غلاما فهي نُفَسَاء.\n\n[٧٦٥] في حديث: (لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي) (^٦) وعيد شديد لمن يبغض أصحاب النبي ﷺ ورضي عنهم، وفيه ما يدل على عظم أقدارهم، إذ كانوا يؤجرون هذا الأجر؛ حتى لا يدرك غيرهم مد أحدهم ولا نصيفه، و(النَّصِيفُ): النصف.\n_________\n(^١) ينظر: تهذيب اللغة: ٦/ ٢٢١، ومجمل اللغة: ٩٣٩، ومقاييس اللغة: ٦/ ١٤٩.\n(^٢) الغريبين: ٦/ ٢٠٣٩.\n(^٣) أخرجه أحمد برقم: ٤٩٩٦.\n(^٤) ينقل في كتب الغريب، ينظر الغريبين: ٦/ ٢٠٣٩.\n(^٥) حديث جابر: أخرجه مسلم برقم: ٢٥٣٨، وأخرجه الترمذي برقم: ٢٢٥٠.\n(^٦) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٥٤٠، وأخرجه ابن ماجة برقم: ١٦١، وأخرج مسلم رواية أبي سعيد برقم: ٢٥٤١، وكذا البخاري برقم: ٣٦٧٣.","vol":"1","page":578},{"text":"<span data-type='title' id=toc-445>ومن باب فضل أويس القرني ﵁ </span>-\n[٧٦٦] (قَرَنٌ): بفتح الراء، قبيلة باليمن، وفي الحديث (^١) دلالة أن خيار عباد الله أكثرُهم أخفياء، وفيه دلالة أنه لا يجوز احتقار أحد من المسلمين، وفيه أن الشهرة من الثياب تُكره، وفيه: أن الإحسان إذا كُتِم كان أرجى، والعزلة خير من المخالطة، وفيه: أن الاستغفار مرغوب فيه من الرجل الصالح.\nوقوله: (رَثَّ البَيتِ) يريد قلة ما فيه، يقال: ثوب رثٌّ، وبيت رثٌّ، وهذه الكلمة تدل على القلة في الضعف والعجز، يقال: امرأة رثَّة: أي: قليلة العقل، والرِّثَّة بكسر الراء: سقط البيت، و(غَبَرَاء النَّاسِ): فقراؤهم، وبنو غبراء في شعر طرفة (^٢): المحاويج.\n\n<span data-type='title' id=toc-446>ومن باب فضل مصر وعمان</span>\n[٧٦٧] عُمَانُ: بتخفيف الميم، وفي قوله: (مَا سَبُّوكَ) (^٣) مدح لهم وثناء عليهم ودلالة على حِلمهم.\n\n[٧٦٨] وفي قوله: (إِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا) (^٤) أثبت لهم حرمة القرابة؛ لأن\n_________\n(^١) حديث عمر: أخرجه مسلم برقم: ٢٥٤٢.\n(^٢) يقصد قوله:\nرَأَيْتُ بَنِي غَبْرَاءَ لَا يُنْكِرُونَنِي … وَلَا أَهْلُ هَذَاكَ الطِّرَافِ الْمُمَدَّدِ\nينظر: جمهرة أشعار العرب: ٢٥، وشرح المعلقات التسع: ٦٢، المعاني الكبير: ٣/ ١٢٤٨، ديوان طرفة: ٢٥.\n(^٣) حديث أبي برزة: أخرجه مسلم برقم: ٢٥٤٤، وأخرجه أحمد: ١٩٧٩٨.\n(^٤) حديث أبي ذر عن فضل مصر: أخرجه مسلم برقم: ٢٥٤٣، وأخرجه أحمد: ٢١٥٢٠.","vol":"1","page":579},{"text":"هاجر أم إسماعيل كانت منهم، و(الذِّمَّة): الحرمة.\n\n<span data-type='title' id=toc-447>ومن باب ما جاء في ثقيف</span>\n[٧٦٩] حديث: (يخرج في ثقيفٍ كذابٌ ومُبير) (^١)، فيه تحذير لما يجب الحذر منه، و(المُبيرُ): القَتَّال؛ إشارة إلى الحَجَّاج، و(الكَذَّابُ): إشارة إلى المختار بن أبي عُبيد؛ كان يدَّعي أن جبريل ﵇ يأتيه، وقوله: (يَتَوَذَّفُ)؛ أي: يتبختر، و(القُرُونُ): جمع القرن، وهو الشعر، و(سِبْتَيَّ): تثنية السِّبت، وهو النعل.\n\n<span data-type='title' id=toc-448>ومن باب فضل الفرس</span>\n[٧٧٠] حديث: (لَوْ كَانَ الإِيمَان عِندَ الثُّرَيَّا) (^٢) فيه فضيلة لأهل فارس، ودلالة أن من تمسك بالدين شرُف وفاز.\n\n<span data-type='title' id=toc-449>ومن باب تجدون الناس كإبل مائة</span>\n[٧٧١] فائدة الحديث (^٣) أن أكثر الناس مجبولون على الحرص على الدنيا، والسعي في تحصيلها، لا تكاد تجد أحدا يصلح للسعي في الدين؛ والجد فيه؛ إلا النادر منهم.\n_________\n(^١) حديث أسماء: أخرجه مسلم برقم: ٢٥٤٥، وأخرجه أحمد: ٥٦٠٧، ولفظه: (إِنَّ فِي ثَقِيفٍ كَذَّابًا وَمُبيرًا).\n(^٢) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٥٤٦، وأخرجه البخاري: ٤٨٩٧.\n(^٣) حديث ابن عمر: أخرجه مسلم برقم: ٢٥٤٧، وأخرجه الترمذي: ٢٨٧٢.","vol":"1","page":580},{"text":"<span data-type='title' id=toc-450>ومن كتاب البر والصلة</span>\n[٧٧٢] حديث أبي هريرة ﵁ قال: (أُمَّكَ) (^١) نصب (أمك) بإضمار فعل، والتقدير: بِرَّ أمَّك، وقوله: (فَقَالَ: نَعَم، وَأَبِيكَ)، قوله: (وَأَبِيكَ): لفظه لفظ القسم، وحقيقته ما يجري على ألسنة العرب في خلال الكلام من ذلك، ولا يريدون به القسم، وقوله: (لَتُنَبَّأَنَّ)؛ أي: لَتُخْبَرَنّ، أي: أُخبِرك بذلك.\nوفي هذه الأحاديث دلالة على فضل بر الوالدين، ففيما روى محمد بن فضيل جعل للأم الثلثين من البر، وللأب الثلث، وجعل فيما روى شَريك وغيره للأم ثلاثة أرباع البر، وللأب الربع (^٢)، وفيها من الفقه: أن طاعة الوالدين وبرَّهما خير من الجهاد، وفيها أن بر الرجل صديقَ أبيه مما يكون سببا لرضى أبيه.\n\n[٧٧٣] وفي حديث جريج: (^٣) دليل أن طاعة الوالدين أفضل من النوافل،\n_________\n(^١) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٥٤٨، وأخرجه البخاري: ٥٩٧١، وضبطت في النسخ المطبوعة بالضم.\n(^٢) لا يظهر هذا المعنى في روايات الصحيح - حسب بعض الطبعات - فما رواه محمد بن فضيل؛ وما رواه شريك متفق على ذكر الأم ثلاثا، لكن يبدو أن الأثبت في رواية ابن فضيل ذكر الأم مرتين فقط، وعلى هذا الطبعة التركية، وكذلك طبعة دار التأصيل، ومما يؤكد هذا قول ابن حجر ﵀: (وسئل الليث يعني عن المسألة بعينها فقال أطع أمك فإن لها ثلثي البر، وهذا يشير إلى الطريق التي لم يتكرر ذكر الأم فيه الأمرتين وقد وقع كذلك في رواية محمد بن فضيل عن عمارة بن القعقاع عند مسلم) فتح الباري: ١٠/ ٤٠٢.\n(^٣) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٥٥٠، وأخرجه البخاري: ١٢٠٦.","vol":"1","page":581},{"text":"و(المُومِسَاتُ): الفواجر، و(البَغِيُّ): الفاجرة، و(الشَّارَةُ): الهيئة، (فَصَادَفُوهُ): فوجدوه، وفي قوله: (أعيدوه ترابا كما كان) بيان لاختيار الزهد.\n\n[٧٧٤] وفي حديث: (رَغِمَ أَنْفُ) (^١) الرَّغْمُ في اللغة: أن يُفعلَ بالإنسان ما يَكرهه، وَرَغِم فلان: لم يقدر على مراده، ورَاغَم الرجلُ الرجلَ: غاضبه، وأرْغَم الله أنفَه؛ أي: أذلَّه، وأصله من الرَّغَام، وهو التراب، أي: ألصق الله أنفَه بالتراب.\n\n[٧٧٥] وقوله: (وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدرِكَ) (^٢)، قال الليث (^٣): الحَيْكُ: أن يأخذ القولُ قلبَك، يقال: ما يَحيك كلامُك في فلان، وحاك الفأسُ في الشجرة: أي أثَّر فيها، وحاك في قلبي شيء أي: أهمَّني.\n\n[٧٧٦] وفي حديث: (قَامَتِ الرَّحِمُ) (^٤)، وحديث: (الرَّحِمُ شُجْنَةٌ مِنَ الرَّحمَن) (^٥)، قوله: (قَامَتِ الرَّحِمُ): هذا مما يجب الإيمان به، وقيل: يصورها الله صورة كما يصور أعمال بني آدم، وفي الأحاديث تأكيد لما يجب من رعاية الرحم، والشُّجْنَة في اللغة: من قولهم شجرة مَتَشَجِّنة؛ أي: متصلة الأغصان بعضها ببعض، قال صاحب المجمل (^٦): الشُّجْنَة: الشجر الملتف، وبيني وبينه\n_________\n(^١) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٥٥١، وأخرجه أحمد: ٨٥٥٧.\n(^٢) حديث النواس بن سمعان: أخرجه مسلم برقم: ٢٥٥٣، وأخرجه الترمذي: ٢٣٨٩.\n(^٣) ينظر: تهذيب اللغة: ٥/ ٨٤، والغريبين: ٢/ ٥١٨، والمعلم: ٣/ ٢٨٦.\n(^٤) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٥٥٤، وأخرجه الترمذي: ٤٨٣٠.\n(^٥) رواه البخاري برقم: ٥٩٨٨، والترمذي برقم: ١٩٢٤.\n(^٦) مجمل اللغة: ٥٢٢.","vol":"1","page":582},{"text":"شُجْنَة رحم، قيل: شجنة من الرحمن؛ أي: مشتقة من لفظ الرحمن، وفي ذلك ما يجب من تعظيم حرمتها.\n\n[٧٧٧] وقوله: (لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ) (^١)، أي: من قطعها مستحلًا للقطيعة مُستخِفًّا بحقها.\n\n[٧٧٨] وقوله: (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ) (^٢) فيه دليل أن صلة الرحم تزيد في الرزق والعمر، والله يفعل ما يشاء، لا رادَّ لمشيئته.\n\n[٧٧٩] وقوله: (كَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ) (^٣)، يقال: سَفَفْتُ الدواء أسُفُّه، وسَفَفْتُ غيري وأسْفَفْتُه، وأسَفَّ وجهه: إذا ذُرَّ عليه شيء، قال ضابئ الشاعر يذكر ثورا:\nشَدِيدُ بَرِيقِ الْحَاجِبَينِ كَأَنَّمَا … أُسِفَّ صَلَى نَارٍ فَأَصْبَحَ أَكْحَلَا (^٤)\nو(المَلُّ): جمع المَلَّة: وهي التراب الحار أو الرَّماد، يقال: مَلَلْت الخبزةَ في النار أمُلُّها (^٥) ملًّا، قال صاحب الفصيح (^٦): يقال: أطعمنا خبزَ مَلَّةٍ؛ وخبزةً\n_________\n(^١) حديث جبير بن مطعم: أخرجه مسلم برقم: ٢٥٥٦، وأخرجه البخاري: ٥٩٨٤.\n(^٢) حديث أنس: أخرجه مسلم برقم: ٢٥٥٧، وأخرجه البخاري: ٢٠٦٧.\n(^٣) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٥٥٨، وأخرجه أحمد: ٧٩٩٢.\n(^٤) لضابئ بن الحارث البُرْجُمِيِّ، ينظر: الأصمعيات: ١٨٣، المعاني الكبير: ٢/ ٧٣٥، مقاييس اللغة: ٣/ ٥٨.\n(^٥) في الأصل: (أمُلُّه)، والأنسب التأنيث، ينظر العين: ٨/ ٣٢٤، ومقاييس اللغة: ٥/ ٢٧٥.\n(^٦) أبو العباس أحمد بن يحيى بن سيار الشيباني؛ المعروف بثعلب، ينظر قوله في الفصيح: ص ٣١٨.","vol":"1","page":583},{"text":"مَلِيلًا، وقيل: المَلِيلَة: الحمى في العظام.\n\n<span data-type='title' id=toc-451>ومن باب لا تقاطعوا ولا تدابروا</span>\n[٧٨٠] في هذه الأحاديث (^١): نهي عن التباغض والتحاسد، وأمر بأن يكونوا إخوانا على معنى أن تكون المعاملة بينهم والمعاشرة على ما يوجبه حكم الأخوة؛ من صفاء القلب والنصيحة بظهر الغيب.\n\n[٧٨١] وفي قوله: (لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) (^٢) ترك الهجرة في هذه المدة، وترك التدابر - وهو الإعراض - لأن الثلاثة داخلة في حد القلَّة، ولا يتبين فيها الهجران حتى يتطاول، فأما هُجران أهلِ البدع؛ والمجاهرِ بالكبائر الذي لا يستحيي من الله ولا من الناس؛ أو الظالمِ الذي يظلم الناس؛ ولا يراقب الله فيهم، فهجرتهم مباحة؛ وغِيبَتهم حلال.\n\n[٧٨٢] و(التَّجَسُّسُ) (^٣): البحث عن أخبار الناس؛ وسوءُ الظن بهم، و(التَّحَسُّسُ) بالحاء: أن يرسلَ من يسأل له عن حال غيره، ومعنى الكلمة: التتبُّع وطلبُ المعايب، وقوله تعالى: ﴿اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٧]؛ أي: اطلبوا علم خبرِ يوسف، قيل: التحَسُّسُ والتَّجَسُّسُ متقاربان في المعنى، وقيل: التَّجَسُّسُ: البحث عن عورات الناس، والتَّحَسُّسُ: الاستماع لحديث القوم.\n_________\n(^١) يقصد روايات حديث أنس: أخرجه مسلم برقم: ٢٥٥٩، وأخرجه البخاري: ٦٠٧٦.\n(^٢) حديث أبي أيوب: أخرجه مسلم برقم: ٢٥٦٠، والبخاري برقم: ٦٠٧٧، ولفظه: (ثلاث ليال).\n(^٣) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم ٢٥٦٣، والبخاري برقم: ٦٠٦٦.","vol":"1","page":584},{"text":"وقيل: (لَا تَدَابَرُوا) أي: لا يُعرِض أحدكم عن أخيه المسلم بوجهه استثقالا له؛ بل يستقبله بوجه طلْقٍ؛ وخلُق حسنٍ، وفي قوله: (وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَام) دليل أن خير المتصارمَين من بدأ بالسلام، وذلك أنه لا يبدأ بالسلام إلا بعد قمع الهوى وردِّ الشيطان.\nوقوله: (وَلَا تَنَاجَشُوا)؛ النَّجَشُ: الزيادةُ في ثمن المعروض على البيع، وهو لا يريد أن يعطيها، ولكن يريد أن يغُرَّ بذلك غيرَه.\n\n[٧٨٣] وقوله: (لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخذُلُهُ) (^١)؛ أي: إن المسلم إذا استعان به مسلم في أمر تُمكِنُه معونتهُ، أو طلب منه نصرةً على ظالمه؛ فعليه أن ينصره ويعينه، وقوله: (التَّقوَى هَاهُنَا)؛ أي: إن العبد لا يتقرب إلى الله بالعمل الظاهر من غير أن يوافق الباطن.\n\n<span data-type='title' id=toc-452>ومن باب لا ينظر إلى صوركم وأموالكم</span>\n[٧٨٤] فيه (^٢) دلالة أن القلب هو الباعث على الخير والشر، وبيانٌ أن الحواس تبع للقلب؛ فإذا صفا صفت الأعمال، وإذا فسَد فسدت الأعمال.\n_________\n(^١) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٥٦٤، والترمذي برقم: ١٩٢٧.\n(^٢) هو نفسه الحديث أعلاه، لكن بزيادة في بعض رواياته، منها: رواية أسامة بن زيد عن أبي سعيد مولى عبد الله بن عامر بن كريز عن أبي هريرة.","vol":"1","page":585},{"text":"<span data-type='title' id=toc-453>ومن باب عرض الأعمال على الله ﷿ يوم الاثنين ويوم الخميس</span>\n[٧٨٥] في هذه الأحاديث (^١): دلالة وترغيبٌ على التَّحابِّ، وزجرٌ عن المعاداة، وأن العداوة تورث البغضاء، وفي ذلك ما يُشغِل القلب عن الله؛ فلا ينبغي للمسلم أن يعادي مسلما، قال أهل اللغة (^٢): الشحناء: العداوة، وشَحَنْتُ السفينة: ملأتها، قال صاحب المجمل (^٣): يقال للشيء الشديد الحموضة: إنه ليَشحَن الذِّبَّان؛ أي: يطردها، والشَّحْنُ: الطرد، وقيل: المتشاحنان: المتعاديان.\nوفي الحديث ما يبعث على الخوف الدائم، والحذرِ من عَرض الأعمال؛ لتكون على وجه يرضاها الله في وقت العرض، و(المُهتَجِرَينِ) و(المُتَهَاجِرَينِ) بمعنى، كالمُخْتَصِمين والمُتَخَاصمين، و(أنظرُوا) بقطع الألف أي: أخروا، وقوله: (حَتَّى يَفِيئَا)؛ أي يرجعا، يعني يصطلحا، وقوله: (إِلَّا المُتَهَاجِرَيْنِ)؛ قيل: الهُجران مانعٌ من الغُفران؛ لمن يتمادى في الهجران، يعني بعد ثلاثٍ.\nوقوله: (ارْكُوا هَذَينِ)، أكثر الروايات: (اتْرُكُوا)، وفي بعض الروايات: (ارْكُوا) (^٤)، قال صاحب الغريبين (^٥): وفي الحديث للمتشاحنين: ارْكُوا هذين حتى يصطلحا، يقول: أخروهما، قال ابن الأعرابي (^٦): يقال: رَكَاه يَرْكُوه: إذا\n_________\n(^١) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٥٦٥، وأبو داود برقم: ٤٩١٦.\n(^٢) ينظر العين: ٣/ ٩٥، مقاييس اللغة: ٣/ ٢٥٢، تهذيب اللغة: ٤/ ١١٠، الصحاح: ٥/ ٢١٤٣.\n\n(^٣) مجمل اللغة: ٥٢٣.\n(^٤) وردتا عند مسلم معا، ينظر مشارق الأنوار: ١/ ٢٩٠.\n(^٥) الغريبين: ٣/ ٧٧.\n(^٦) ينظر: تهذيب اللغة: ١٠/ ١٩٠، غريب الخطابي: ٢/ ٤٣٧، الغريبين: ٣/ ٧٧٦.","vol":"1","page":586},{"text":"أخره، ويجوز أن يروى: (أرْكُوا) (^١) بقطع الألف، قال بعض أهل اللغة (^٢): أَرْكَيتُ الأمر أي: أخرته.\n\n[٧٨٦] وقال: (قَفْدَةً) (^٣)؛ أي: ضرب رأسه بباطن الكف.\n\n[٧٨٧] وقوله: (فَأَرصَدَ اللهُ عَلَى مَدرَجَتِهِ) (^٤)؛ أي: على طريقه؛ مَفْعَلَة من دَرَج يدْرُج، قال صاحب المجمل (^٥): دَرَج الشيء: مضى لسبيله، ويقال: (أكْذَبُ مَنْ دَبَّ وَدَرَجَ) (^٦)، أي: أكذب الأحياء والأموات، قال:\nقَبِيلَةٌ كَشِرَاكِ النَّعلِ دَارِجَةٌ … إِن يَهبِطُوا الْعَفْوَ لَا يُوجَد لَهُم أَثَرُ (^٧)\nومن كلامهم: (رَجَعَ أَدْرَاجَه؛ وَعَادَ عَلَى أَدْرَاجِه) (^٨)، أي: عاد إلى المكان الذي جاء منه، ويقال: درج قرن بعد قرن؛ أي: مضوا وفنوا، والأَدْرَاج: الطرق، وقال عبد الله ذو البجادين يخاطب ناقة النبي ﷺ:\nتَعَرَّضِي مَدَارِجًا وَسُومِي (^٩)\n_________\n(^١) بضم الهمزة، أو بفتحها، ينظر المشارق: ١/ ٢٩٠.\n(^٢) أبو عبيدة، ينظر تهذيب اللغة: ١٠/ ١٩٠.\n(^٣) حديث ابن عباس: أخرجه مسلم برقم: ٢٦٠٤، وإيراده هنا تقديم له عن موضعه.\n(^٤) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٥٦٧.\n(^٥) مجمل اللغة: ٣٢٥.\n(^٦) ينظر: جمهرة الأمثال: ٢/ ١٧٣، الأمثال: ٢/ ١٦٧.\n(^٧) قاله الأخطل، ينظر البيت في: المعاني الكبير: ١/ ٤٩١، معجم ديوان العرب: ٤/ ٤، الفاخر: ٤٢، ديوانه: ١٩٢.\n(^٨) ينظر الغريبين: ٢/ ٦٢٨، مجمع الأمثال: ١/ ٢٩٥، النهاية: ٢/ ١١١.\n(^٩) من رجز نسب لعبد الله ذي البجادين، روي أنه ارتجز به في هجرة النبي ﷺ، وكان ممن ساق =","vol":"1","page":587},{"text":"أي: خذي يمينا وشمالا في السير، وسُومِي؛ أي: سيري سيرا في سكون، والسَّومُ: سير في سكون [وتمامٍ] (^١)، وتمامُ البيت:\nتَعَرُّضَ الْجَوْزَاءِ لِلنُّجُومِ\nهَذَا أَبُو الْقَاسِمِ فَاسْتَقِيمِي\nوالمَدَارِج: الثَّنَايَا الغليظة، واحدتها مَدْرَجَة، وفي خطبة الحجاج: (لَيْسَ هذا بِعُشِّكِ فَادْرُجِي) (^٢)، أي: امضي، يضرب مثلًا للمطمئن في غير وقته، فيؤمر بالجد والخُفُوف، وفي الحديث: (أَدْرَاجَكَ يَا مُنَافِقُ مِنْ مَسْجِدِ رَسُولِ الله ﷺ) (^٣)؛ أي: خذ طريقك الذي جئت منه، وقال:\nوَضَعْتُ بُرْدِي وَاسْتَمْرَرْتُ أَدْرَاجِي (^٤)\nأي: رجعت في الطريق الذي جئت منه، ودرج الصبي: مشى.\nوقوله: (هَل لَه عَلَيكَ مِن نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا؟) (^٥)، في الحديث دليل أن محبة المؤمن توجب الثواب الجزيل.\n_________\n= ناقته في بعض الطريق، روى الخبر ابن شبة في تاريخ المدينة: ١/ ١٢٣، والبلاذري في أنساب الأشراف: ١١/ ٣٥١.\n(^١) هكذا في الأصل، ولعله ناتج عن تكرار من الناسخ.\n(^٢) من خطبة الحجاج بن يوسف الثقفي في أهل الكوفة، ينظر: أنساب الأشراف: ٧/ ٢٧٤، تاريخ دمشق: ١٢/ ١٣٠.\n(^٣) من كلام أبي أيوب الأنصاري في قصة طرد المنافقين من مسجد رسول الله ﷺ، أوردها أهل السير، ينظر: سيرة ابن هشام: ١/ ٥٢٨.\n(^٤) عجز بيت للراعي النميري الشاعر، وصدره: (لما دعا الدعوة الأولى فأسمعني)، ينظر: التقفية في اللغة: ٢٥٣، الكامل: ١/ ٢٢٤، الفائق في غريب الحديث: ٣/ ٢٩٤.\n(^٥) كذا رواية أحمد برقم: ٩٢٩١، ورواية مسلم: (هل لك عليه).","vol":"1","page":588},{"text":"[٧٨٨] وقوله: (الْمُتَحَابُّونَ بِجَلَالِي) (^١) أي لأجل جلالي، كما قال ﷿: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١٠٠]؛ أي من أجله.\nوقوله: (تَرُبُّهَا) من قولهم: ربَّيتُه أرُبُّه، قال صاحب الغريبين (^٢): يقال لكل من قام بإصلاح شيء وإتمامه: قد ربَّه يَرُبُّه، فقوله: يَرُبُّها؛ أي: يقوم بشكرها، قال ثعلب (^٣): إنما قيل للعلماء ربانيون لأنهم يَرُبُّون العلم، أي: يقومون به، وسمي ابن امرأة الرجل ربيبا؛ لأنه يقوم بأمره.\n\n[٧٨٩] وقوله: (لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الْجَنَّةِ) (^٤)؛ أي: حيث يَخْتَرِف الجَنَى من الجنة، المعنى: يُؤديه ذلك إلى الجنة، واجتناء ثمرِ الجنة، قال صاحب الغريبين (^٥): في الحديث (عَائِدُ المَرِيضِ فِي خِرَافَةِ الجَنَّةِ) (^٦)، قال ابن الأنباري (^٧): أي: في اجتناء ثمرِ الجنة، شبه رسول الله ﷺ ما يحوزه عائد المريض من الثواب؛ بما يحوزه المُخْتَرف من الثمر، وفي رواية: (فِي مَخرَفَةِ الجَنَّةِ) (^٨) قال شَمِرٌ (^٩): المَخْرَفَة: سِكَّة بين صفَّين من نخل؛ يخترف من أيِّهما\n_________\n(^١) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٥٦٦، وأحمد برقم: ٧٢٣١.\n(^٢) الغريبين: ٣/ ٦٩٨.\n(^٣) ينظر: الغريبين: ٣/ ٦٩٨، تهذيب اللغة: ١٥/ ١٣٠، غريب القرآن للسجستاني: ٢٣٦.\n(^٤) حديث ثوبان: أخرجه مسلم برقم: ٢٥٦٨، والترمذي برقم: ٩٦٧.\n(^٥) الغريبين: ٢/ ٥٤٦.\n(^٦) لفظ البيهقي في السنن الكبرى برقم: ٦٥٨٢.\n(^٧) ينظر: الغريبين: ٢/ ٥٤٦، شرح السنة للبغوي: ٥/ ٢١٦.\n(^٨) رواية مسلم.\n(^٩) هو شمر بن حمدويه الهروي، اللغوي الكبير، لقي كبار علماء اللغة كأبي عبيدة وابن الأعرابي والفراء والأصمعي، توفي سنة: (٢٥٥ هـ)، تنظر ترجمته في إنباه الرواة: ٢/ ٧٧، وينظر=","vol":"1","page":589},{"text":"شاء، وقال غيره: المَخْرَفَة: الطريق، أي: إنه على طريق من طرق الجنة، أو على طريق يُؤديه إلى الجنة، ومنه قول عمر ﵁: (تُرِكْتُم عَلَى مِثْلِ مَخْرَفَة النَّعَم) (^١)؛ أي: على مثل طرقها.\nقال أهل اللغة: الخُرْفَةُ: ما يُخْتَرَف من النخل حين يُدرك ثمرُه، قال صاحب المجمل (^٢): الخريف: الزمان الذي تخترف فيه الثمار، واخترفْتُ الثَّمَرة: اجتنيتها، والمِخْرَف؛ بكسر الميم: الذي يجتنى فيه، والمَخْرَف؛ بفتح الميم: جماعة النخل.\n\n[٧٩٠] وقوله: (مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي) (^٣)، في هذا مرتبة عظيمة للمؤمن؛ إذ جعل عيادته كعيادة نفسه، تعالى الله الرؤوف عن أن يكون له مثل.\n\n<span data-type='title' id=toc-454>ومن باب كفارة المرض</span>\n[٧٩١] في الباب بيان رحمة الله بخلقه، ومن رحمته بهم: جعل المرض؛ والوجع؛ والهم كفارة للذنوب؛ والصبر على ذلك حسنة، وأخبر أن الصبر على الشدة؛ خير للمبتلى في الآخرة من كشفها عنه، وقوله: (يُشَاكُ شَوْكَةً) (^٤)، يقال: شيك يشاك إذا دخل الشوك في رجله، قال صاحب المجمل: الشوك معروف، وشاكني الشوك معناه: دخل في رجلي الشوكُ.\n_________\n= قوله في: الغريبين: ٢/ ٥٤٦.\n(^١) من وصية عمر عند موته، أخرجها البيهقي في السنن الكبرى برقم: ٢٠٤٥٣.\n(^٢) مجمل اللغة: ٢٨٤.\n(^٣) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٥٦٩.\n(^٤) حديث عائشة: أخرجه مسلم برقم: ٢٥٧٢.","vol":"1","page":590},{"text":"[٧٩٢] وقوله: (مَا لَكِ تُزَفْزِفِينَ؟) (^١) بالزاي المعجمة؛ أي: تَرْتَعِدين، وروي: (تُرَفْرِفِينَ) (^٢) بالراء، قال أهل اللغة (^٣): رَفْرَفُ الأيكة: ما تَهَدَّل من أغصانها، وقال صاحب المجمل (^٤): الرَّفْرَفَة: تحريك الطائر جناحيه، والرَّفْرَافُ: الظَّلِيم يرفرف جناحيه، ثم يعدو، وقال في باب الزاي (^٥): زَفُّ الطائرِ: صغارُ ريشه، وزَفَّ الظليم زفيفا: أسرع حتى يُسْمَعَ لجناحيه زفيف، يقال للطائشِ الحِلْمِ: قد زفَّ رَأْلُه، والزفزافة: الريح الشديدة لها زفزفة.\n\n<span data-type='title' id=toc-455>ومن باب النهي عن الظلم وتعظيم الأمر فيه</span>\n[٧٩٣] حديث أبي ذر ﵁ (^٦): وفيه بيان تحريم الظلم، وبيان أن الهدى عطية من الله، وأن الرزق من قِبَلِه، ومنها: استغناء الرب عن المخلوقين، ومنها: أن خزائن الله لا تنقص أبدًا، ومنها: أن الناس مجزيون بأعمالهم لا ظلم عليهم، ومنها: أن الظلم مهلك للظالم إذا سلب النور في الآخرة، ومنها: أن الإفلاس الحقيقي هو في الآخرة.\n\n[٧٩٤] ومنها أن الله حليم لا يعاجل العاصي، وإذا أخذ بالعقوبة لم يمكنه\n_________\n(^١) حديث جابر: أخرجه مسلم برقم: ٢٥٧٥.\n(^٢) وقع اللفظ أيضا عند أبي عوانة برقم: ١١٢٤٣، وابن حبان برقم: ٢٩٣٨، وأشار القاضي عياض إلى وقوعه بالراء والقاف: (ترقرقين)، وإقال إنهما بمعنى واحد، ينظر المشارق: ١/ ٣١٢.\n(^٣) ينظر: تهذيب اللغة: ١٥/ ١٢٥، غريب ابن قتيبة: ٢/ ٢٣٦.\n(^٤) مجمل اللغة: ٣٦٧.\n(^٥) ص: ٤٣١.\n(^٦) أخرجه مسلم برقم: ٢٥٧٧، وأخرجه أحمد برقم: ٢١٤٢٠.","vol":"1","page":591},{"text":"الإفلات والهرب، قال أهل اللغة (^١): يقال: أفْلَتَه: خَلَّصه، وأَفْلَتَه: تخَلَّص منه، فقوله: (لَمْ يُفْلِتْهُ) (^٢)، يمكن أن يكون الضمير راجعا إلى الله، ويكون الفعل للعبد، ومعناه: لا يمكنه التَّخَلُّص منه، ويمكن أن يكون راجعا إلى العبد، ويكون معنى لم يفلته: لم يُخَلِّصه، يقال: أفلتُّه كذا فأفلت.\n\n[٧٩٥] وقوله: (حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ) (^٣)؛ يعني: التي لا قرن لها، قال أهل اللغة (^٤): الجَلَحُ: ذهابُ شعرِ مُقدم الرأس، والأجْلَحُ من الهوادج: التي لا قبة لها، وفي رواية: (لِلشَّاةِ الجَمَّاء) (^٥)؛ قال أهل اللغة (^٦): شاة جماء: لا قرن لها، والأَجَمُّ: الرجل الذي لا رمح معه في الحرب.\n\n[٧٩٦] وقوله: (فَكَسَعَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ) (^٧)؛ قال أهل اللغة (^٨): الكَسْعُ: أن تضرب برجلك على دبر شيء، ويقال: تبع آثارهم يَكْسِعهم بالسيف، وقوله: (يَالَ الأَنصَارِ): يا: حرف نداء، واللام لام الاستغاثة، وقوله: (دَعُوهَا، فَإِنَّهَا مُنتِنَةٌ؛ أي: دعوا هذه الكلمة، يعني دعوى القبائل والاستغاثة بهم؛ فإنها شَنِعةٌ\n_________\n(^١) ينظر: العين: ٨/ ١٢٢، ومقاييس اللغة: ٤/ ٤٤٨.\n(^٢) حديث أبي موسى: أخرجه مسلم برقم: ٢٥٨٣، وأخرجه أحمد برقم: ٤٦٨٦.\n(^٣) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٥٨٢، وأخرجه الترمذي برقم: ٢٤٢٠.\n(^٤) ينظر: العين: ٣/ ٨٠، ومقاييس اللغة: ١/ ٥١٢، والصحاح: ١/ ٣٥٩.\n(^٥) رواية أحمد في مسنده برقم ٧٢٠٤، وابن حبان: ٧٣٦٣، والحاكم: ٨٧١٦، والطبراني في الأوسط: ٥٤٧٧.\n(^٦) ينظر العين: ٦/ ٢٧، وتهذيب اللغة: ١٠/ ٢٧٥، ومقاييس اللغة: ١/ ٤٢١.\n(^٧) أخرجه مسلم برقم: ٢٥٨٤، وأخرجه البخاري برقم: ٤٩٥٠.\n(^٨) ينظر العين: ١/ ١٩٢، وجمهرة اللغة: ٢/ ٦٥٨، والصحاح: ٣/ ١٢٧٦.","vol":"1","page":592},{"text":"لا خير فيها، قبيحةٌ لا معنى لها.\n\n[٧٩٧] وقوله: (تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ) (^١)، يقال: تداعت الحيطان؛ أي: تهادَمت، أي: قاربت السُّقوط، في الحديث النهي عن دعوى الجاهلية، ووجوب حكم الإسلام على الظاهر، وترك التفاخر إلا بالإسلام، وفيه أن إسلام الرجل إذا ظهر؛ لم يقتل إلا بما يوجب القتل، ومنها أن الظالم إذا مُنِع من الظلم؛ كان ذلك نصرة له.\n\n[٧٩٨] وفي قوله: (الْمُؤْمِنُ) (^٢) من أهل الإيمان بيان تأكيد حقوق المؤمنين، وما يجب لبعضهم على بعض من النصرة؛ والمعونة؛ والمشاركة في الأحوال، ومنها أن قوة المؤمن بالتعاون، وإقامة الشرائع بالتعاون.\n\n[٧٩٩] وفي قوله: (الْمُسْتَبَّانِ مَا قَالَا) (^٣): نهى عن السَّب وإدخال الأذى على المسلم.\n[٨٠٠ إلى ٨٠٣] وفي حديث عائشة ﵂: (إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ) (^٤) استحباب الرفق، واختيار المداراة، وبيان أن الاحتمال أزين بالمرء من العجلة والخُرق، وأن الرفق يؤدي إلى نجاح الطِّلْبَة، وفيه (^٥) دليل أن من\n_________\n(^١) حديث النعمان بن بشير: أخرجه مسلم برقم: ٢٥٨٦، وكذا أخرجه البخاري برقم: ٦٠١١.\n(^٢) حديث أبي موسى: أخرجه مسلم برقم: ٢٥٨٥، وكذا أخرجه البخاري برقم: ٦٠٢٦.\n(^٣) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٥٨٧، وكذا أخرجه أبو داود برقم: ٤٨٩٤.\n(^٤) أخرجه مسلم برقم: ٢٥٩٤، وكذا أخرجه أبو داود برقم: ٢٤٧٨.\n(^٥) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٥٩٠.","vol":"1","page":593},{"text":"ستر على مسلم زلته؛ ستر الله عليه يوم القيامة، وفيه (^١) تحريم الاغتياب وإن كان صادقا فيه، وفي قوله: (بِئْسَ أَخُ العَشِيرَةِ) (^٢) دليل على أن إظهار أمر الخائن؛ والمتهم في الرواية جائز، وفيها استحباب الرفق في المعاملة وأسباب المعيشة.\n\n<span data-type='title' id=toc-456>ومن باب كراهية اللعن</span>\n[٨٠٤ - ٨٠٥] حديث عمران بن حصين ﵁ (^٣): فيه دليل أن على المسلم أن يحفظ لسانه، ولا يلعن أحدا من المسلمين، ولا شيئا من الحيوان، فإن ذلك ربما يستجاب في المدعو عليه فيهلَك، وقوله: (لَا يَكُونُ اللَّعَّانُونَ شُفَعَاءَ وَلَا شُهَدَاء) (^٤)؛ أي لا يشفعون يوم القيامة، ولا يرزقون الشهادة في الدنيا، وقيل: لا تقبل شهادتهم، و(الوَرقَاءُ): السوداء، قال صاحب المجمل (^٥): الأورق: البعير لونه لون الرماد، والحمامة ورقاء؛ سميت للونها، و(ايْمُ اللهِ): قسم.\n\n[٨٠٦ - ٨٠٧] وفي هذه الأحاديث دلالة أن لعن النبي ﷺ دعاء له، وفي ذلك بيان لرجاحة فضل النبي ﷺ على غيره من الأنبياء؛ إذ كان يشارط ربه تعالى أنه إن دعا على من لا يستوجب؛ أن يحوله إلى ضده، وقوله: (فَحَطَأَنِي حَطأَةً) (^٦)؛\n_________\n(^١) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٥٨٩، وأخرجه أبو داود برقم: ٤٨٧٤.\n(^٢) حديث عائشة: أخرجه مسلم برقم: ٢٥٩١، بألفاظ منها: (بئس أخو القوم وابن العشيرة)، وأخرج لفظ المؤلف البخاري برقم: ٦٠٥٤.\n(^٣) أخرجه مسلم برقم: ٢٥٩٥، وكذا أخرجه أبو داود برقم: ٢٥٦١.\n(^٤) حديث أبي الدرداء: أخرجه مسلم برقم: ٢٥٩٨، وكذا أخرجه أبو داود برقم: ٤٩٠٧.\n(^٥) مجمل اللغة: ٩٢٢.\n(^٦) حديث ابن عباس: أخرجه مسلم برقم: ٢٦٠٤، وكذا أخرجه أحمد برقم: ٢١٥٠.","vol":"1","page":594},{"text":"قال صاحب المجمل (^١): حَطَأَتُ الرجل بالأرض: ضربته، وقال في قوله: (فَحَطَأَنِي حَطْأَةً) أي: دَفَعنِي دَفعَة، وقال المغيرة لمعاوية ﵄ حين ولى عمروا: والله ما لبَّثَك السهمي أن حطأ بك (^٢)، أي: دفعك، وحطأت القِدر بزبدها رَمَته، وقوله: (لَا أَشبَعَ اللهُ بَطَنَك) (^٣) دعاء له بالضد، لقوله ﷺ: (فَاجعَلهُ لَهُ زَكَاةً وَأَجْرًا) (^٤)، وفي رواية: (قَالَ ابن المُثَنَّى: قُلتُ لِأُمَيَّةَ: مَا حَطَأَنِي؟ قَالَ: قَفَدَنِي قَفدَةً)، قال صاحب المجمل (^٥): القَفْدُ: التواء رصغ اليد إلى الوحشي، فعلى هذا؛ القَفْدُ: نوع من اللَّيِّ والحطِّ.\n\n[٨٠٨] وقوله: (أَلَا أُنَبِّئُكُم مَا العَضُهُ؟) (^٦)، قيل: العَضُهُ: النميمة، قال صاحب الغريبين (^٧): وفي الحديث: (أَلَا أُنبِّئُكُم مَا العَضُهُ؟)؛ هي: النميمة، والعَضِيهَة: البهتان، وسُمّي السحر عَضُهًا؛ لأنه كذب وإفك وتخييل لا حقيقة له.\n\n[٨٠٩] وقوله: (تَلُوثُ) (^٨)، يقال: لَاثَ العِمامة يلوثها لوثًا: إذا أدارها على رأسه، والمَلَاتُ: الموضع يُلاثُ عليه الثوب، وقوله: (آنتِ هِيَهُ؟): الهاء هاء\n_________\n(^١) مجمل اللغة: ٢٤١.\n(^٢) ينظر: مجمل اللغة: ٢٤١، والغريبين: ٢/ ٤٦٢، والفائق: ١/ ٢٩٢.\n(^٣) لفظه: (لا أشبع الله بطنه)؛ بضمير الغائب.\n(^٤) حديث عائشة: أخرجه مسلم برقم: ٢٦٠٠، وأخرجه أحمد برقم: ٢٤١٩٧.\n(^٥) مجمل اللغة: ٧٦٢.\n(^٦) حديث ابن مسعود: أخرجه مسلم برقم: ٢٦٠٦ وأخرجه أحمد برقم: ٢٤١٩٧، وضبط لفظ (العضه) على وزن الوجه، وكذلك على وزن العدة، ينظر مشارق الأنوار: ٢/ ٩٦.\n(^٧) الغريبين: ٤/ ١٢٩٣.\n(^٨) حديث أنس: أخرجه مسلم برقم: ٢٦٠٣، وأخرجه أحمد برقم: ٢٤١٩٧.","vol":"1","page":595},{"text":"الوقف، وقوله: (تَلُوثُ خِمَارَهَا)؛ أي: تلويه على رأسها، وفي الحديث بيان أن النبي ﷺ كان يغضب إذا كره أمرا، و(القَرْنُ): السِّن، يقال فلان على قرنِ فلان؛ أي: على سِنِّه.\n\n<span data-type='title' id=toc-457>ومن باب أن الصدق يهدي إلى البر</span>\n[٨١٠] في هذا الباب بيان أن شر الناس المنافقُ، ومن كان ذا وجهين كان منافقا، أو كان فيه طرف من النفاق، وقوله: (النَّاسُ مَعَادِنُ) (^١)؛ أي: منهم من خُلق من طينٍ طيّبٍ، ومنهم من خُلق من طين خبيثٍ، ومن طاب عنصرُه طاب عملُه، ومن خبُث أصلُه خبُث عملُه.\n\n[٨١١] وقوله: (أَوْ نَمَى خَيْرًا) (^٢)؛ أي: قال ما يؤدي إلى الخير، ومعنى نَمَى: رَفَع؛ أي: بلَّغ الحديث (^٣) على وجهٍ يوجب الموافقة والمحبة.\n\n[٨١٢] وفي الباب دليل أن الرجل إذا اعتاد الكذب كتب عند الله كذابا، وإذا اعتاد الصدق كتب عند الله صدّيقا (^٤).\n_________\n(^١) من حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٥٢٦، وأخرجه البخاري برقم: ٧١٧٩.\n(^٢) حديث أم كلثوم بنت عقبة: أخرجه مسلم برقم ٢٦٠٥، بلفظ: (وينمي خيرا)، وأخرجه البخاري برقم: ٢٦٩٢.\n(^٣) حديث الناس، ينقله على وجه الإصلاح.\n(^٤) حديث ابن مسعود: أخرجه مسلم برقم: ٢٦٠٧، وأخرجه البخاري برقم: ٦٠٩٤.","vol":"1","page":596},{"text":"<span data-type='title' id=toc-458>ومن باب ما جاء في الرقوب والصرعة وذم الغضب</span>\n[٨١٣] (الرَّقُوب) (^١) تفسيره في الحديث أنه: (الَّذِي لَم يُقَدِّم مِن وَلَدِهِ شَيئًا)، وكان عندهم أن الرَّقوب هو الذي لم يقدم من ولده شيئا (^٢)، قال أبو عبيد (^٣): معناه في كلامهم؛ إنما هو على فقد الأولاد في الدنيا، فجعلها رسول الله ﷺ فقدتهم في الآخرة، وليس هذا بخلاف ذلك، ولكنه تحويل الموضع إلى غيره، نحو الحديث الآخر: (إِنَّمَا المَحْرُوبُ مَنْ حُرِبَ دِينَهُ) (^٤)، وليس هذا على أن يكون من سلب ماله ليس بمسلوب (^٥).\nقيل: كان الرقوب من المراقبة، والذي يفقد ولده بعد حدوثه؛ يرقب موته (^٦)، فسمي رقوبا بذلك، فصرفه النبي ﷺ إلى أن من لم يقدم ولده فهو رقوب، يرقب تقديم ولده ليؤجر على ذلك.\n_________\n(^١) حديث ابن مسعود: أخرجه مسلم برقم: ٢٦٠٨.\n(^٢) هنا تكرار لنفس المعنى، وإنما القصد أن العرب كان يعدون الرقوب: من فقد أولاده في الدنيا أولم يولد له، فحول النبي ﷺ ذلك إلى عكسه، فجعل الرقوب: من لم يفقد أحدا من أولاده في الدنيا، فيحرم أجره يوم القيامة.\n(^٣) غريب الحديث: ٣/ ١٠٩.\n(^٤) موقوف على جندب بن عبد الله البجلي؛ كما عند ابن أبي شيبة في المصنف برقم: ٣٥١٦٢، وأحمد في كتاب الزهد برقم: ١١٢٥، وابن أبي عاصم في الآحاد برقم: ٢٣١٥، والبيهقي في شعب الإيمان برقم: ١٨٧٣، ورفعه ابن وهب إلى النبي ﷺ ينظر: تفسير القرآن من الجامع لابن وهب؛ رقم: ٥٨.\n(^٥) لأن في تتمة الأثر: (والمسلوب من سلب دينه).\n(^٦) أي إذ حدث أن مات ولده؛ صار يرقب ذلك فيمن بعد؛ ويخافه ويرصده، ينظر الفائق: ٢/ ٧٦.","vol":"1","page":597},{"text":"[٨١٤] و(الصُّرَعَة) (^١): بنصب الراء: فالذي يَصْرَع الرجال، فأما بسكون الراء، فالذي يصرعه الرجال، جعل النبي ﷺ القوة في المصارعة؛ أن يغلب غضبه.\n\n[٨١٥] وقوله: (خُلِقَ خَلقًا لَا يَتَمَالَكُ) (^٢)؛ أي: لا يملك نفسه، ولا يقدر على دفع وساوسه.\n\n[٨١٦] وقوله: (فَإِنَّ الله خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ) (^٣)، هذا مما يجب الإيمان به، ولا يتعرض له بالتأويل المستكره.\n\n<span data-type='title' id=toc-459>ومن باب ما ورد في تعذيب الذين يعذبون الناس</span>\n[٨١٧ - ٨١٨] فيه حديث هشام بن حكيم (^٤): وفيه بيان أن كل مسلم على كل مسلم حرام، فإذا عذبه أو تنقصه فهو مأخوذ به، وفي قوله: (خُذ بِنِصَالِهَا) (^٥) نهي عن الإشارة بالسلاح إلى المؤمن، وتأكيد لحق المسلم، فإذا أشار إلى أخيه بالحديدة لعنته الملائكة (^٦)؛ فكيف إذا ضربه بها أو جرحه.\n_________\n(^١) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٦٠٨، وأخرجه البخاري برقم: ٦٠٩٤.\n(^٢) حديث أنس: أخرجه مسلم برقم: ٢٦١١، وأخرجه أحمد برقم: ١٢٥٣٩.\n(^٣) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٦١٢، وأخرجه البخاري برقم: ٦٢٢٧.\n(^٤) أخرجه مسلم برقم: ٢٦١٣، وأخرجه أبو داود برقم: ٣٠٤٥.\n(^٥) حديث أبي موسى: أخرجه مسلم برقم: ٢٦١٤ بلفظ: (أمسك بنصالها)، وأخرج البخاري نحوه من رواية جابر برقم: ٤٥١، وهي رواية كذلك عند مسلم برقم: ٢٦١٤.\n(^٦) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٦١٦.","vol":"1","page":598},{"text":"[٨١٩ - ٨٢٠] وفي حديث أبي برزة (^١)، وأبي هريرة (^٢) ﵄: ثواب إماطة الأذى عن الطريق، وبيان كرامة المؤمن على الله؛ إذ يؤجر من أزال الأذى عن طريقهم هذا الأجر.\nوفي حديث: (مِنْ جَرَّى هِرَّةٍ) (^٣)؛ بقصر الألف (^٤)، أي: من أجل هرة، في هذا الحديث الوعيد في تعذيب الهرة، وأنه ينبغي للمؤمن ألا يحتقر الذنب؛ وإن كان عنده يسيرا، إذ عذبت المرأة بتعذيب الهرة، وإن كان صغيرا عندها.\n\n<span data-type='title' id=toc-460>ومن باب ما زاد الله رجلا بعفو إلا عزا</span>\n[٨٢١] في الباب النهي عن الكبر وتحريم التكبر، وأن من تكبر فقد أتى كبيرة، وقوله: (مَدْفُوعٍ بِالأَبْوَابِ) (^٥)؛ أي: مطرود غير مأذون له بالدخول.\n\n[٨٢٢] وفي حديث: (يَتَأَلَّى عَلَيَّ) (^٦): دليل أن رحمة الله مُغَيَّبة عن علم المخلوقين، فكم من مسيء عند الناس؛ مغفور له عند الله، ومحسن عندهم؛ مأخوذ لعلم الله فيه، وليس لأحد أن يتحكم على الله ﷿، ومنها أن السعادة ليست في كثرة المال، وكثرة البنين، وإصابة المُنى من الدنيا، فإنه رب مدفوع: أي ممنوعٌ الأبواب؛ لو أقسم على الله في شيء لأبر قسمه؛ لمنزلته عنده ورضاه عنه.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم: ٢٦١٨، وأخرجه ابن ماجة برقم: ٣٦٨١.\n(^٢) أخرجه مسلم برقم ١٩١٤، وأخرجه البخاري برقم: ٢٤٧٢.\n(^٣) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٦١٩، وأخرجه أحمد برقم: ٨٢٠١.\n(^٤) ويمد كذلك: (جرَّاء)، ينظر إكمال المعلم: ٨/ ٩٩، والمفهم: ٦/ ٦٠٥.\n(^٥) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٦٢٢.\n(^٦) حديث جندب: أخرجه مسلم برقم: ٢٦٢١.","vol":"1","page":599},{"text":"[٨٢٣] وحديث أبي هريرة: (إِذَا قَالَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ) (^١)؛ هذا أيضا تحكم لا يصلح، لأنه لا يدري هل هم كذلك عند الله أم لا، ولو اشتغل بإصلاح نفسه؛ وما فيه من المعايب لم يتفرغ إلى غيره.\n\n<span data-type='title' id=toc-461>ومن باب حق الجار</span>\n[٨٢٤] في هذه الأحاديث (^٢): بيان حق الجار، وحثٌّ على اصطناع المعروف، ومن حق الجار: حفظه في المشهد والمغيب، ومعونتُه بالمال والجاه، وتصفيةُ القلب من إرادة السوء به، وفيه بيان أن صنائع المعروف تنفع في الدنيا والآخرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-462>ومن باب التشفع لذوي الحاجات</span>\n[…] (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم: ٢٦٢٣، وأخرجه أبو داود برقم: ٤٩٨٣.\n(^٢) منها حديثا ابن عمر وأبي ذر: أخرجهما مسلم برقم: ٢٦٢٥، وأخرج البخاري حديث ابن عمر برقم: ٦٠١٥، وأخرج الترمذي حديث أبي ذر برقم: ١٨٣٣.\n(^٣) سقط من الأصل بقية كتاب البر والصلة، وبداية كتاب القدر، أي حوالي ٢٧ حديثا، منها ١٧ حديثا في آخر البر والصلة، و١٠ أحاديث من بداية القدر.","vol":"1","page":600},{"text":"<span data-type='title' id=toc-463>ومن كتاب القدر</span>\n[…] (^١).\n\n[٨٢٥] (^٢) بمعانيها، وأخبر أنه إنما أمرهم بالعمل؛ ليكون أمارةً في الحال العاجلة لما يصيرون إليه في الحال الآجلة، فمن تيسَّر له العمل الصالح، كان مأمولا له الفوز، ومن تيسَّر له خلاف ذلك؛ كان مَخُوفا عليه الهلاك.\n\n<span data-type='title' id=toc-464>ومن باب ذكر احتجاج آدم وموسى ﵉</span>\n[٨٢٦] فيه (^٣) دليل أن الشيء إذا وجد بسبب شيء؛ جاز أن يضاف الفعل إليه، إذ قال: (أَخْرَجْتَ ذُرِّيَّتَكَ مِنَ الجَنَّةِ) (^٤)، ولم يكن هو المخرج في الحقيقة، ويجوز أن تطلق هذه اللفظة لمن لم يكن قط في الشيء، فيقال: إنك خارج منه، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]؛ ولم يكونوا قط في نور، وفي قوله: (فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى) دليل على تقديم علم الله تعالى بما يكون من أفعال العباد وأكسابهم، وصدورها عن تقدير منه؛\n_________\n(^١) سقط من الأصل - كما أشرنا - عنوان الباب، وكذا بدايته.\n(^٢) والمؤلف هنا في سياق شرح حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ يُخْتَمُ لَهُ عَمَلُهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، ثُمَّ يُخْتَمُ لَهُ عَمَلُهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ)؛ أخرجه مسلم برقم: ٢٦٥١، وأخرجه أبو داود برقم: ٢٨٦٧.\n(^٣) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٦٥٢، وأخرجه البخاري برقم: ٦٦١٤.\n(^٤) هذا لفظ البخاري برقم: ٧٥١٥، ولفظ مسلم: (وأَخْرَجْتَنَا مِنَ الجَنَّة)، وله ألفاظ أخرى قريبة.","vol":"1","page":601},{"text":"وخَلْقٍ لها: خيرها وشرها.\nوليس معنى القدر من الله إجبارٌ وقهرٌ للعبد على ما قضاه وقدره، والقدر اسم لما صدر مقدرا عن فعل القادر، وإذا كان الأمر على ذلك، فقد بقي عليهم من وراء علم الله تعالى فيهم؛ أفعالهم وأكسابهم ومباشرتهم تلك الأمور، وملابستهم إياها عن قصد وتعمد، وتقديمِ إرادة واختيار، والحجة إنما تلزم بها، وجملة القول أنهما أمران لا ينفك أحدهما عن الآخر، لأن أحدهما بمنزلة الأساس، والآخر بمنزلة البناء، فمن رام الفصل بينهما، فقد رام هدم البناء ونقضَه، وإنما كان موضع الحجة لازما على موسى أن الله سبحانه إذا كان قد علم من آدم أنه يتناول الشجرة، ويأكل منها، فكيف يمكنه أن يردَّ علم الله فيه، وأن يبطله بضد ذلك، وإنما أدلى آدم بالحجة على هذا المعنى، ودفع لائمة موسى عن نفسه بهذا الوجه.\nفإن قيل: فعلى هذا يجب أن يَسقط اللوم عنه أصلا، قيل: اللوم ساقط عنه من قبل موسى ﵇، إذ ليس لأحد أن يعير أحدا بذنب كان منه، لأن الخلق كلهم تحت العبودية سواء، وقد روي: (لَا تَنْظُرُوا إِلَى ذُنُوبِ العِبَادِ كَأَنَّكُم أَرْبَابٌ، وَانْظُرُوا إِلَيهِم كَأَنَّكُم عَبِيدٌ) (^١)، ولكن اللوم لازم لآدم ﵇ من قِبَل الله، إذ كان قد أمره ونهاه، فخرج إلى معصيته، وباشر المَنْهِيَ عنه، والله الحجة البالغة ﷾ لا شريك له.\nوقول موسى ﵇ وإن كان منه في النفوس شبهة، وفي ظاهره مُتَعَلَّق؛\n_________\n(^١) حكي هذا من كلام عيسى ﵇، رواه الإمام مالك بلاغا في موطئه برقم: ٨ من كتاب الكلام، ومن طريقه ابن المبارك في كتاب الزهد برقم: ١٣٥، وكذلك رواه أحمد في كتاب الزهد برقم: ٣١١.","vol":"1","page":602},{"text":"لاحتجاجه بذكر السبب الذي قد جُعل أمارة خروجه من الجنة، فقول آدم ﵇ في تعلقه بالسبب الذي هو بمنزلة الأصل أرجح.\n\n[٨٢٧] وحديث أبي هريرة ﵁: (إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا) (^١)؛ فيه دلالة أن من رُكِّبت فيه شهوة النساء قلَّ ما يسلم من زنًا ظاهرٍ أو خفيٍّ، فالنظر إلى المحرم؛ والمشي إليه من دواعي الزنا، وجاز إذ كان سببا للزنا أن يسمى زنًا، فإن حقَّق ذلك بالفرج كان زنًا حقيقيا.\n\n[٨٢٨ - ٨٢٩] وحديث: (مَا مِن مَولُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطرَةِ) (^٢)، احتج أهل القدر بهذا الحديث وبحديث عياض بن حمار: (إِنِّي خَلَقَتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُم)، وهو في صحيح مسلم (^٣)، قال أبو عبيد (^٤): سألت محمد بن الحسن عن معنى هذا الحديث فقال: كان هذا في أول الإسلام قبل أن تنزل الفرائض، وقبل أن يؤمر المسلمون بالجهاد، كأنه يذهب إلى أنه لو كان يولد على الفطرة، ثم مات قبل أن يهوده أبواه أو ينصرانه، ما ورثهما ولا ورثاه، لأنه مسلم وهما كافران، وما كان يجوز أن يسبى، فلما نزلت الفرائض، وحُدت السنن بخلاف ذلك، علم أنه يولد على دينهما.\n\n[٨٣٠] وأما عبد الله بن المبارك فقال (^٥): تأويله الحديث الآخر أن النبي ﷺ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم: ٢٦٥٧، وأخرجه البخاري برقم: ٦٦١٢.\n(^٢) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٦٥٨، وأخرجه البخاري برقم: ١٣٥٨.\n(^٣) أخرجه برقم: ٢٨٦٥.\n(^٤) غريب الحديث لأبي عبيد: ٢/ ٢١.\n(^٥) نفس المصدر: ٢/ ٢٢.","vol":"1","page":603},{"text":"سئل عن أطفال المشركين فقال: (اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ) (^١)، يذهب أنهم إنما يولدون على ما يصيرون إليه من إسلام أو كفر، فمن كان في علم الله أنه يصير مسلما، فإنه يولد على الفطرة، ومن كان في علمه أنه يموت كافرا، ولد على الكفر، وذهب بعض أهل العلم (^٢) أن الفطرة هاهنا؛ هي الفطرة الغريزية التي هي موجودة في كل إنسان، فإن كل أحد رجع إلى الفطرة الغريزية عرَف خالقَه، وذلك معنى قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]؛ وهذه المعرفة؛ هي المعرفة التي أخبر الله تعالى بوجودها من الكفار، وذلك في قوله: ﷾ ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٣٨]؛ وقال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]؛ فحين ظهرت لهم حال الضرورة، وانقطعوا عن أسباب الخلق، ولم يبق لهم تعلقٌ بأحد، ظهرت فيهم المعرفة الغريزية، إلا أنها غير نافعة، وإنما النافعة هي المعرفة الكَسبية، إلا أن الله فطر الناس على المعرفة الغريزية، وطلب منهم المعرفة الكسبية، وعلق الثواب بها والعقاب على تركها، وكذلك قوله: (خَلَقتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ) (^٣) فهو إشارة إلى المعرفة الغريزية التي هي مركبة فيهم.\nوقوله: (يُهَوِّدَانِه)؛ قيل: يدعوانه إلى اليهودية، لا أنهما يجعلانه يهوديا، إلا أنه إن أجاب إلى ذلك دخل في جملتهم، وعُلِم أنه كان على فطرة الكفر، وإن\n_________\n(^١) متفق عليه: مسلم برقم: ٢٦٦٠، البخاري برقم: ٦٥٩٨.\n(^٢) نقل المؤلف هذا التوجيه عن شيخه أبي المظفر السمعاني عن بعض العلماء؛ كما في كتابه الحجة: ٢/ ٤١، وذكره قبلهما الخطابي في أعلام الحديث: ١/ ٧١٦، ورجحه ابن عبد البر في الاستذكار: ٣/ ١٠١، وينظر كذلك: درء تعارض العقل والنقل: ٨/ ٣٥٩، فتح الباري: ٣/ ٢٥٠.\n(^٣) سبق تخريجه قبله.","vol":"1","page":604},{"text":"ثبت على الخلقة التي خُلق عليها من إسلام؛ عُلم أنه على الإسلام، فالفطرة على هذا الخِلقة التي خلق عليها من إسلام وضدِّه، وقوله: (جَمْعَاء)؛ أي: سليمة، سميت جَمْعَاء لاجتماع السلامة في أعضائها، وقوله: (هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا)؛ أي: تبصرون فيها، (مِنْ جَدْعَاءَ)؛ أي مقطوعة الأنف، يقول: إن البهيمة أول ما تولد تكون سليمة من الجدع والخرم ونحو ذلك من العيوب، حتى يُحْدِث فيها أربابُها هذه النقائص، كذلك الطفل يولد مجبولًا على خِلقة لو ترك عليها لسَلِم من الآفات، إلا أن والديه يُزَيِّنان له الكفر، ويحملانه عليه، وليس في هذا ما يوجب حكم الإيمان له، إنما هو ثناء على هذا الدين، وإخبار عن حسن موقعه من النفوس.\nقال الخطابي في قوله: (اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ) (^١)، وقول عبد الله بن المبارك في ذلك يريد والله أعلم: أن كل مولود من البشر إنما يولد على فطرته التي جبل عليها من السعادة أو الشقاوة، وعلى ما سبق له من قدَرِ الله ومشيئته فيه من كفرٍ أو إيمانٍ، فكلٌّ صائر منهم في العاقبة إلى ما فُطِر عليه، وخُلق له، وعامِلٌ في الدنيا بالعمل المُشَاكِل لفطرته في السعادة أو الشقاوة، فمِن أماراتِ الشقاوة للطفل أن يولد بين أبوين يهوديين أو نصرانيين؛ فيحملانه لشقاوته على اعتقاد دين اليهود والنصارى، أو يُعلِّمانه اليهودية والنصرانية، أو يموت قبل أن يعقل؛ فيصف الدين؛ فهو محكوم له بحكم والديه، إذ هو في حكم الشريعة تبع لوالديه، وذلك معنى قوله: (فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ) (^٢).\n_________\n(^١) متفق عليه سبق تخريجه قريبا.\n(^٢) الحديث حديث الباب، وينظر كلام الخطابي في معالم السنن: ٤/ ٣٢٦.","vol":"1","page":605},{"text":"[٨٣١ - ٨٣٢] ويشهد لهذا المعنى حديث عائشة ﵂: طُوبَى لِهَذَا لَم يَعْمَل شَرًّا وَلَمْ يَدرِ بِه، قَالَ: (أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْجَنَّةَ وَخَلَقَ لَهَا أهلًا)؛ وذكر الحديث (^١)، وحديث أبي بن كعب في قوله: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ [الكهف: ٨٠]: (وَكَانَ طُبعَ يَوْمَ طُبعَ كَافِرًا) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-465>فصْل يتعلق بباب القدر</span>\nأخبرنا أبو المظفر السَّمعاني؛ أخبرنا أبو علي الشافعي؛ أخبرنا ابن فراس؛ حدثنا الديبلي؛ حدثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي؛ عن سفيان؛ عن الأعمش؛ عن أبي ظبيان؛ عن ابن عباس ﵁ قال: (أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللهُ القَلَمُ؛ قَالَ اكْتُب، قَالَ وَمَا أَكْتُبُ، قَالَ اكْتُب مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، فَالنَّاسُ يَجْرُونَ فِي مَقَادِيرِهِم) (^٣)، وعن ابن عباس ﵁ قال: (كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ، حَتَّى وَضْعِكَ يَدَكَ عَلَى خَدِّكَ) (^٤).\nوأخبرنا أبو المظفر السمعاني؛ أخبرنا أبو الحسين بن النقور؛ حدثنا عيسى بن علي الوزير؛ حدثنا ابن بنت منيع؛ حدثنا أبو الأشعث؛ قال: سمعت معتمرا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم: ٢٦٦٢، واللفظ لأبي داود برقم: ٤٧١٣، ورواه النسائي برقم: ١٩٤٧.\n(^٢) أخرجه مسلم برقم: ٢٦٦١، واللفظ لأبي داود برقم: ٤٧٠٦.\n(^٣) أخرجه الطبراني في الكبير برقم: ١٢٥٠٠، والحاكم في المستدرك برقم: ٣٦٩٣، وهو عند أبي داود برقم: ٤٧٠٠؛ من رواية عبادة بن الصامت، والترمذي كذلك برقم: ٣٣١٩، وأشار إلى رواية ابن عباس.\n(^٤) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير برقم: ٩٩٨، وفي خلق أفعال العباد: ص ٤٧، وأخرجه الخلال في السنة: ٩١٦.","vol":"1","page":606},{"text":"يحدث عن مرحومٍ العطار قال: أتاني رجل فقال: يا أبا محمد إن أخي هذا أراد شراء جارية من فلان، وقد أحب أن يستعين برأيك، فقم معنا إليه، فانطلقنا إليه، فإذا رجل سَرِي، فبينا نحن عنده، قلنا: جاريتك فلانة؛ أراد هذا الرجل أن تعرضها، قال: نعم، قد حضر الغداء فتغدَّوا، وأُخْرِجها إليكم، قلنا: هات غداءك؛ فتغدينا؛ ثم قال: لا يسقيكم الماء إلا من أردتم أن تعرضوه، ادعوا فلانة، فجاءت جارية وضيئة؛ فقال لها: اسقيني، فجاءت بقدح زجاج، فصبت له فيه ماء، فوضعته على راحته، ثم رفعه إلى فيه، ثم قال: يا أبا محمد يزعم ناس أني لا أستطيع أشرب هذا، تَرى ها هنا حائلا؟ ترى ها هنا مُكرِهًا؟ ثم قال: هي حرة إن لم أشربها، فضربت القدح بردن قميصها، فوقع القَدَح وانكسر، وأُهريق الماء، فخرجت مُتَقَنِّعة مُعتَقة، فكانت بعد تدعى مولاة السنة (^١).\nقالا: حدثنا الإمام أبو المظفر: وقد كنا ذكرنا في ابتداء الباب؛ أن سبيل معرفة هذا الباب التوقيف من قبل الكتاب والسنة؛ دون محض القياس، ومجرد المعقول، فمن عَدَل عن التوقيف في هذا الباب، ضلّ وتاه في بحار الحيرة، ولم يبلغ شفاء النفس، ولا وصل إلى ما يطمئن به القلب، وذلك لأن القَدَر سرٌّ من أسرار الله، وعلمٌ من علمه، ضُربت دونه الأستار، وكُفّت دونه الأزرار، اختص الله به علامُ الغيوب، وحجبه عن عقول البشر ومعارفهم، لما علمه من الحكمة، وسبيلنا أن ننتهي إلى ما حُدّ لنا منه، وألا نتجاوز إلى ما وراءه، فالبحث عنه تكلف، والاقتحام فيه تعمق وتهور.\nوجماع هذا الباب أن يُعلم أن الله ﵎، طوى عن العالم علم ما قضاه وقدره\n_________\n(^١) أخرج القصة كذلك اللالكائي في اعتقاد أهل السنة والجماعة برقم: ١٣٤٠، وذكرها المؤلف في كتابه الحجة في بيان المحجة: ٢/ ٢٨.","vol":"1","page":607},{"text":"على عباده، فلم يطلع عليه نبيا مرسلا، ولا ملكا مقربا، لأنه خلقهم ليتعبدهم ويمتحنهم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، وقد نقلنا عن علي ﵁ أنه خلقهم ليأمرهم بالعبادة (^١)، فلو كشف لهم عن سر ما قضى وقدر لهم وعليهم في عواقب أمورهم، لافتتنوا وفَتروا عن العمل، واتكلوا على مصير الأمر في العاقبة، فيكون قُصَاراهم عند ذلك أمنٌ أو قنوطٌ، وفي ذلك بطلان العبادة، وحَجَب عليهم علم القضاء والقدر، وعلَّقهم بين الخوف والرجاء والطمع والوجل، ليبلُوَ سعيَهم واجتهادَهم، وليَمِيز الخبيث من الطيب، والله الحجة البالغة (^٢).\nوقد روي أن سر القدر لا يكشف للخلق، حتى إذا دخلوا الجنة فعند ذلك يطلعون عليه، وذلك أنها دار الخلود، والبلوى زائلة، والتعبد عن أهلها موضوع، والله لطيف بعباده، وهو الجواد الكريم.\n\n[٨٣٣] وحديث أبي هريرة ﵁: (وَاسْتَعِن بِاللهِ وَلَا تَعجَز) (^٣)؛ فيه نفي لقول القدرية، إذ قال: (استَعِن بِاللهِ)، وفيه الأمر بالتسليم لأقدار الله إذ قال: (فَلَا تَقُل لَو أَنِّي فَعَلتُ لكَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُل قَدَرُ اللهِ)؛ أي: مضى بقدر الله.\n_________\n(^١) يقصد أبو المظفر السمعاني ما سبق له نقله عن علي ﵁ في تفسير هذه الآية، حيث قال: (ليعبدون)؛ أي: لأمرهم بالعبادة، ينظر تفسير السمعاني: ٥/ ٢٦٤.\n(^٢) ينظر كذلك كتاب الحجة للمؤلف: ٢/ ٣٠.\n(^٣) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٦٦٤، وأخرجه ابن ماجة برقم: ٧٩.","vol":"1","page":608},{"text":"<span data-type='title' id=toc-466>ومن كتاب العلم</span>\n[٨٣٤] فيه حديث عائشة ﵄ قالت: (تَلَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ٧]) (^١)، فيه النهي عن الجدال في الدين، وطلبِ المتشابه، والاحترازُ من أهل البدع.\n\n[٨٣٥] وفي حديث جندب (^٢): قراءة القرآن على الاتفاق، ومنها: أن الخصومة مكروهةٌ في الدين.\n\n[٨٣٦] وفي حديث أبي سعيد (^٣): دلالة أن هذه الأمة تركب من البدع والذنوب ما ركبه من كان قبلهم، وفي الحديث دلالة على كراهة النبي ﷺ للاختلاف في الدين.\n\n[٨٣٧] و(الْمُتَنَطِّعُونَ) (^٤): المتكلفون في القول، المتعمقون في الكلام، لا يبالون بما يجري على ألسنتهم.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم: ٢٦٦٥، وأخرجه البخاري برقم: ٤٥٤٧.\n(^٢) أخرجه مسلم برقم: ٢٦٦٧، وأخرجه البخاري برقم: ٧١٩.\n(^٣) أخرجه مسلم برقم: ٢٦٦٩، وأخرجه البخاري برقم: ٣٤٥٦.\n(^٤) حديث ابن مسعود: أخرجه مسلم برقم: ٢٦٧٠، وأخرجه أبو داود برقم: ٤٦٠٨.","vol":"1","page":609},{"text":"<span data-type='title' id=toc-467>ومن باب ما روي في رفع العلم وأشراط الساعة</span>\n[٨٣٨] قوله: (وَيَكْثُرُ فِيهَا الْهَرْجُ) (^١)، قال أهل اللغة (^٢): الهَرْجُ: كثرة النكاح؛ وكثرة الحديث؛ وكثرة القتال، والذي في الحديث إنما هو كثرة القتل والقتال، قال ابن قيس الرُّقَيَّات:\nلَيْتَ شِعْرِي أَأَوَّلُ الْهَرْجُ هَذَا … أَمْ زَمَانٌ مِنْ فِتْنَةٍ غَيْرِ هَرْجٍ (^٣)\nأي: ليت شعري أهذه فتنة لم يكن مثلها ما مضى من الشدة؟ أم هي فتنة صغيرة في جنب ما مضى من الفتن؟ وقيل يعني: أهي التي أخبر بها النبي ﷺ؟ أم هي غيرها؟ أي زمان من أزمنة فتنة غير كبيرة.\n\n[٨٣٩] وقوله: (وَيُلْقَى الشُّحُّ) (^٤) أي: يكثر البخل.\nوفي هذه الأحاديث علامة لاقتراب الساعة: من رفع العلم؛ وظهور الجهل؛ وشرب الخمر؛ وظهور الزنا؛ وكثرة النساء؛ وكثرة القتل؛ و(الأَشرَاطُ): العلامات، و(يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ) يعني: يقرب من القيامة.\n_________\n(^١) حديث عبد الله وأبي موسى: أخرجه مسلم برقم: ٢٦٧٢، وأخرجه البخاري برقم:٧٠٦٢.\n(^٢) ينظر: غريب الخطابي: ٢/ ٨٤، الصحاح: ١/ ٣٥٠، النهاية: ٥/ ٢٥٧.\n(^٣) ينظر: معجم ديوان الأدب: ٢/ ١٥٠، والأغاني: ١٩/ ٣٩، وإصلاح المنطق: ٦٤، والتقفية في اللغة: ٢٣٦، وجمهرة اللغة: ١/ ٤٦٩، وهو في ديوانه: ص ١٧٩.\n(^٤) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ١٥٧، وأخرجه البخاري برقم: ٦٠٣٧.","vol":"1","page":610},{"text":"<span data-type='title' id=toc-468>ومن باب كيفية رفع العلم</span>\n[٨٤٠] حديث: (إِنَّ الله لَا يَقبضُ العِلمَ) (^١)، أخبر أن رفع العلم ذهابُ أهله، وفيه دلالة أن العلم سببٌ يُوصَل به إلى الهدى، وأن العلماء إذا ذهبوا ضلَّ العامة، وفيه حثٌّ على تعلُّم العلم حتى لا يَضلوا، وفيه تحذيرٌ للناس أن يتخذوا رؤساء جُهالا.\n\n[٨٤١] وفي حديث جرير: (مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً) (^٢)، في الحديث دلالة على الحث على الصدقة؛ والاهتمام بأمر الضعفاء من المسلمين، وفيه سنةُ جمع الصدقة، ثم تَفرِقتُها، وفيه أن السنة في الخير والشر مأجورٌ عليها، ومأخوذٌ بها التابعُ والمتبوع.\n\n<span data-type='title' id=toc-469>ومن باب الذكر والتسبيح والدعاء </span>(^٣)\n[٨٤٢ - ٨٤٣] حديث أنس وأبي هريرة ﵄: قوله: (سِيرُوا هَذَا جُمْدَانُ) (^٤)؛ جُمْدَان: بضم الجيم جبل، ولم يدخله التنوين لأن فيه التعريف والتأنيث، وقوله: (سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ): هم الذين هلك لِدَاتُهم (^٥)، وبقوا هم مقيمين على طاعة الله حتى هرِموا.\n_________\n(^١) حديث عبد الله بن عمرو: أخرجه مسلم برقم: ٢٦٧٣، وأخرجه البخاري برقم:١٠٠.\n(^٢) أخرجه مسلم برقم: ١٠١٧، وأخرجه النسائي برقم: ٢٥٥٤.\n(^٣) هذا الباب بداية لكتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، ولم يفصله المؤلف عن كتاب العلم.\n(^٤) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٦٧٦، وأخرجه أحمد برقم: ٩٣٣٢.\n(^٥) اللِّدَاتُ: الأتراب؛ أي الأشباه والأقران، ومفرده: لِدَة، ينظر: العين: ٨/ ٧١، والنهاية: ٤/ ٢٤٦.","vol":"1","page":611},{"text":"وفيه (^١) دليل أن العبد إذا وثِق بربه في دعائه أسرعت إجابته، وذلك إذا كان مستيقنا بقدرة الله على ما يشاء، غير شاكٍّ ولا مرتابٍ في ذلك، عالما أن الله تعالى إذا أراد شيئا لا يرده شيء، ولا يُكْرِهه أحد.\n\n<span data-type='title' id=toc-470>ومن باب النهي عن تمني الموت</span>\n[٨٤٤ - ٨٤٥] حديث أنس (^٢) وحديث خباب (^٣) ﵄: في هذه الأحاديث دلالة أن عمر المؤمن خير كلُّه، يعبد ربه فيأجره، ويتقي فيزداد قُربة، ويُحسِن فيزدادُ درجةً، وإذا مات انقطع ذلك عنه.\n\n<span data-type='title' id=toc-471>ومن باب ذكر من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه</span>\n[٨٤٦] قيل لقاء الله: رؤيته، وقيل لقاء الله: الوصول إلى ثواب الله، فمن أحب ذلك عمل للوصول إليه، ومن لا يحب ذلك ركن إلى الدنيا، واغتر بها وانقطع إليها، وقوله: (وَتَشَنَّجَتِ الأَصَابِعُ) (^٤) أي: تقبضت، قال أهل اللغة (^٥): التَّشَنُّجُ: التقبض في الجلد وغيره، وقوله: (وَحَسْرَجَ الصَّدرُ) الحَشْرَجَة: تردد النفس في الحلق والصدر.\n_________\n(^١) حديث أنس: أخرجه مسلم برقم: ٢٦٧٨، وأخرجه البخاري برقم: ٦٣٣٨.\n(^٢) أخرجه مسلم برقم: ٢٦٨٠، وأخرجه البخاري برقم: ٦٣٥١.\n(^٣) أخرجه مسلم برقم: ٢٦٨١، وأخرجه البخاري برقم: ٦٣٤٩.\n(^٤) حديث أبي هريرة وعائشة: أخرجه مسلم برقم: ٢٦٨٥، وأخرجه النسائي برقم: ١٨٣٤.\n(^٥) ينظر العين: ٦/ ٣٧، والصحاح: ١/ ٣٢٥، ومقاييس اللغة: ٣/ ٢١٨، ومجمل اللغة: ٥١٣.","vol":"1","page":612},{"text":"<span data-type='title' id=toc-472>ومن باب ذكر حسن الظن بالله وقرب العبد من ربه</span>\n[٨٤٧] قيل: تقريب العبد على قدر ما يعلم من تقرُّبِ عبدِهِ إليه بالطاعة (^١).\n\n[٨٤٨] وحديث أبي هريرة ﵁: (إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً سَيَّارَةً فُضُلًا) (^٢) بضم الفاء، ورواه بعضهم (فَضْلًا) (^٣) بفتح الفاء، أي: فضلًا عن كُتَّاب الناس، أي: هم ملائكة غير الملائكة الذين وُكِّلوا بكتاب أعمال الناس، وفي الحديث دلالة على اجتماع الملائكة في مجالس الذكر، وغفران جليس الذاكر؛ وإن كان الجليسُ مذنبا، لنزول الرحمة على الذاكرين، وفيه: أن أفضل الأذكار سوى قراءة القرآن: التسبيح والتكبير، والتمجيد والتهليل.\nوفي هذه الأحاديث (^٤): دلالة على عجز من لا يظن بربه خيرًا، وأي قوة أعونُ على ما يريده العبد من الخير؛ من أن يكون الله معه، وفي هذه الدعوات خير كثير لمن داوم عليها.\n\n[٨٤٩] وقوله: (لَيْغَانُ عَلَى قَلْبِي) (^٥) قال: أبو عبيد (^٦): يعني أنه يتغَشَّى القلبَ\n_________\n(^١) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٦٧٥، وأخرجه البخاري برقم: ٧٤٠٥.\n(^٢) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٦٨٩، وأخرجه البخاري برقم: ٦٤٠٨.\n(^٣) ذكر القاضي عياض أن هذا الوجه هو رواية الجمهور وعامة الشيوخ، وضبطت اللفظة على غير ذلك، من ذلك: فُضُلًا: وهو ما رجحه النووي وقال: إنه الأشهر ببلادنا، ومنه: فَضْلًا، ومنه: فُضْلٌ على أنه خبر مبتدإ محذوف، ومنه: فُضَلَاء، ينظر: مشارق الأنوار: ٢/ ١٦٠، وشرح النووي: ٢/ ١٦٠، وشرح النووي: ١٧/ ١٤.\n(^٤) أحاديث الدعوات والأذكار عند مسلم: من ٢٦٩٠ إلى: ٢٦٩٨.\n(^٥) حديث الأغر المزني: أخرجه مسلم برقم: ٢٧٠٢، وأخرجه أبو داود برقم: ١٥١٥.\n(^٦) غريب الحديث: ١/ ١٣٧.","vol":"1","page":613},{"text":"ما يُلبِسُه، يقال: غَيِنَت السماء غَيْنًا، وهو: إطباق الغيمِ السماءَ، والغيمُ والغَيْنُ واحد.\n\n[٨٥٠] وفي حديث أبي هريرة ﵁: (مَن نَفَّسَ عَن مُؤْمِنٍ كُرَبَةً) (^١)؛ فيه دلالة على ثواب تنفيس الكربة عن المسلمين ومَعُونتهم.\n\n[٨٥١] وفي الأحاديث: فضل طالب العلم، وفيها ما يستفاد بدرس كتاب الله ﵎ من مجالسة الملائكة، وفيها: نفي الخواطر الشاغلة عن أمر الآخرة بالاستغفار، وذلك أن يردها حين يحس بها؛ قبل أن تستقر في القلب وتستمكن؛ وذلك زيادة في الكرامة، وفي قوله: (لَا تَدعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا) (^٢) نهي عن رفع الصوت بالذكر، وقوله: (وَالَّذِي تَدعُونَهُ أَقرَبُ إِلَى أَحَدِكُم مِن عُنُقِ رَاحِلَةِ أَحَدِكُم)؛ يعني: القرب بالعلم، أي: علمه محيط بجميع المخلوقات.\n\n<span data-type='title' id=toc-473>ومن باب ذكر ما جاء في التعوذ</span>\n[٨٥٢] (وَعثَاءِ السَّفَرِ) مشقته، و(وَكَآبَةِ المُنقَلَبِ) أن يرجع من سفره إلى أهله، غير فرح ولا مسرور، و(سُوءِ المَنظَرِ فِي المَالِ وَالأَهلِ): أن يرى فيهم ما يسوؤه، وقوله: (وَالحَوْرِ بَعْدَ الكَوْن) كذا رواه عاصم الأحول بالنون، وقيل: الصواب بالراء، ومعناه من النقصان بعد الزيادة (^٣).\n_________\n(^١) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٦٩٩، وأخرجه أبو داود برقم: ٤٩٤٦.\n(^٢) حديث أبي موسى: أخرجه مسلم برقم: ٢٧٠٤، بلفظ: (ليس تدعون)، وأخرجه البخاري برقم: ٢٩٩٢.\n(^٣) الحديث برقم: ١٣٤٣، وقد سبق في كتاب الحج، باب ما جاء في الدعاء عند الخروج إلى=","vol":"1","page":614},{"text":"[٨٥٣] وفي الأحاديث دليل أن من تعوذ بكلمة الله موقنا بأن شيئا لا يضره معها كفاه الله ذلك، وقوله: (أَنتَ الظَّاهِرُ فَلَيسَ فَوقَكَ شَيءٌ) (^١) قيل: الظاهر؛ أي: الغالب، و(البَاطِنُ): أي العالم بما بَطَن، وقوله: (فَلَيسَ دُونَكَ شَيءٌ)؛ أي: ليس دون علمك شيء.\n\n[٨٥٤] وفي حديث ابن عباس ﵁: (اللهُمَّ لَكَ أَسْلَمتُ، وَبِكَ آمَنتُ) (^٢)، في الحديث تعريف كيفية الانقطاع إلى الله سبحانه، ودلالةٌ أن الإضلال والهداية من الله تعالى.\n\n[٨٥٥] وقوله: (سَمِعَ سَامِعٌ بِحَمدِ اللهِ وَحُسنِ بَلَائِهِ عَلَينَا) (^٣)؛ لفظه خبر، ومعناه أمر، والمعنى: ليسمع سامع، ومثله (^٤): أنجز حر ما وعد، أي: لينجز الأحرار مواعيدهم، أي ليسمع السامعون أنا نحمد الله؛ ونشكره على إحسانه علينا، وكثرة نعمه عندنا، وقوله: (رَبَّنَا): منادى مضاف، (صَاحِبَنَا): دعاء، (وَأَفضل عَلَينَا): دعاء، ومعناه: أنعم علينا، (عَائِذًا بِاللهِ): نصب بإضمار فعل؛ أي: عذت عائذا بالله.\n\n[٨٥٦] وقوله: (وَاجْعَلْ حَيَاتِي (^٥) زِيَادَةً فِي كُلِّ خَيْرٍ، والمَوتَ رَاحَةً لِي مِن\n_________\n= السفر والقفول، وشرح ألفاظه، وإنما أتى به هنا لما فيه من فضل التعوذ.\n(^١) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٧١٣، وأخرجه أبو داود برقم: ٥٠٥١.\n(^٢) أخرجه مسلم برقم: ٢٧١٧، وأخرجه البخاري برقم: ٧٣٨٣.\n(^٣) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٧١٨، وأخرجه أبو داود برقم: ٥٠٨٦.\n(^٤) أي التمثيل لما يأتي بلفظ الخبر وهو للأمر.\n(^٥) لفظ مسلم بالتحلية بـ \"أل\" بدل الإضافة، وما أورده المؤلف فعند البزار: ٩٨٦، والطبراني=","vol":"1","page":615},{"text":"كُلِّ شَرٍّ) (^١)، فيه دليل أن الموت قد يكون راحة من كل مكروه.\n\n[٨٥٧] وقوله: (وَأَعُوذُ بِكَ مِن عِلمٍ لَا يَنفَعُ) (^٢)؛ فيه دليل أن العلم إذا لم يعمل به حامله؛ ولم يُعَلِّمه لم ينفعه، وكان وبالًا عليه، وفيه: أن القلب إذا لم يخشع دخله الكبر، وفيه: أن النفس إذا لم تشبع اتبعت المطامع من الحرام والشبهات.\n\n[٨٥٨] وقوله: (وَاذكُر بِالسَّدَادِ تَسدِيدَ السَّهم) (^٣)؛ أي: اذكر بالاستقامةِ إذا وُفِّقت لها تسديد السهم، يريد شدة الاستقامة والمبالغة فيها، وكذلك واذكر بالهدى هداية الطريق.\n\n[٨٥٩] وقوله: (مِدَادَ كَلِمَاتِه) (^٤)؛ أي: هي متتابعة لا تنفد.\n\n<span data-type='title' id=toc-474>ومن باب الدعاء عند صياح الديكة ونهيق الحمار</span>\n[٨٦٠] حديث أبي هريرة ﵁ (^٥).\n_________\n= في الدعاء: ١٤٥٥.\n(^١) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٧٢٠، بلفظ: (واجعل الحياة زيادة لي).\n(^٢) حديث زيد بن أرقم: أخرجه مسلم برقم: ٢٧٢٢، وأخرجه البخاري برقم: ٢٨٢٣.\n(^٣) حديث علي: أخرجه مسلم برقم: ٢٧٢٥، ولفظه: (سَدَادَكَ السَّهم)، وأخرجه أحمد برقم: ٦٦٤، بما يوافق لفظ المؤلف.\n(^٤) حديث ابن عباس: أخرجه مسلم برقم: ٢٧٢٦، وأخرجه البخاري برقم: ٣٥٥٥.\n(^٥) وهو قول النبي ﷺ: (إِذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ، فَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ، فَإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكًا، وَإِذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الْحِمَارِ، فَتَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّهَا رَأَتْ شَيْطَانًا): أخرجه مسلم برقم: ٢٧٢٩، وأخرجه البخاري برقم: ٣٣٠٣، ولم يشر المؤلف إلى شيء من غريبه وفقهه.","vol":"1","page":616},{"text":"[٨٦١] وفي حديث فاطمة ﵁ (^١) ما يدل على الزهد في الدنيا؛ إذ سألته خادما، فدلها على ما يزيدها درجاتٍ عندَ الله، وفيها ما يدل على أن الأحسن بالمرأة أن تعمل في بيت زوجها، إذ جرَّت الرَّحى، قال:\nقَد كَلَّفَتْنِي الجَرَّ وَالجَرُّ عَمَل … وَالجَرّ لَا يَسطِيعُهَا إِلَّا الجَمَل (^٢)\nيريد استقاء الماء بالحبل، والجرُّ قد يكون بمعنى الطَّحن، وقوله: (مَجَلَتْ يَدُهَا) (^٣)، قال صاحب الغريبين: في الحديث أن فاطمة ﵁ شكت إلى علي ﵁ مَجْلَ يديها من الطَّحن، قال الأصمعي: مجلت يد فلان تمجُل مَجْلًا، ومجِلت تمجَل مَجَلًا: إذا خرج فيها مثل البَثْرِ من عمل بفأس أو ما أشبهه (^٤).\nوقيل: المَجْلُ: يشبه البَثْرَ من أثر العمل.\n\n[٨٦٢] وفي حديث أنس ﵁: (إِنَّ الله يَرضَى عَنِ العَبدِ أَن يَأْكُلَ الأَكلَةَ)؛ (أَو يَشْرَبَ الشَّربَةَ) (^٥).\n_________\n(^١) حديث عائشة: أخرجه مسلم برقم: ٢٧٢٧، وأخرجه البخاري برقم ٦٣١٨، وموضعه غير هذا الباب.\n(^٢) الرجز من غير نسبة، ينظر: المخصص: ٣/ ٩٦، والمحكم والمحيط: ٧/ ١٩٨، واللسان: ٤/ ١٢٨.\n(^٣) لفظ مسلم: (ما تَلْقَى مِنَ الرَّحَى فِي يَدِهَا)، وجاء لفظ المَجْلِ عند الترمذي برقم: ٣٤٠٨، وأحمد برقم: ٢٦٥٥١، والطبراني في الكبير برقم: ٧٨٧، وعند أبي داود برقم: ٢٩٨٨: (جَرَّتْ بالرحى حتى أثّر في يدها)، وهو ما ذكره المؤلف أيضا.\n(^٤) الغريبين ٦/ ١٧٣٠.\n(^٥) حديث أنس: أخرجه مسلم برقم: ٢٧٣٤، وأخرجه الترمذي برقم: ١٨١٦.","vol":"1","page":617},{"text":"[٨٦٣] وفي حديث أبي الدرداء ﵁ في دعاء المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب، وفي رواية حدثتني أم الدرداء ﵂ قالت: (حَدَّثَنِي سَيِّدِي) (^١)؛ تريد أبا الدرداء ﵁، وتريد بسيدها زوجها، قال الله ﷿: ﴿وَأَلْفَيَا سَيْدَهَا لَدَا الْبَابِ﴾ [يوسف: ٢٥])، يعني زوجها، وفي الحديث ما يدل على رعاية الحقوق، وأن المرء المسلم إذا دعا لأخيه في الغيب بالخير استجيب له فيه.\nوفي قوله: (لَيَرضَى عَنِ العَبدِ) (^٢) دليل أن رضى الله ﵎ مُغَيَّب عنا، ولا يدري العبد في أيّ إحسانه يكون رضى الله ﷿.\n\n[٨٦٤] وقوله: (يَسْتَحْسِر) (^٣)؛ يقال: حَسَرَت الدابة واستَحْسَرَت، أي: أعيت، وروي: (ادْعُوا الله وَلَا تَسْتَحْسِرُوا) قال النضر: أي لا تملوا (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-475>ومن باب ما روي في فتنة النساء</span>\n[٨٦٥] فيه حديث أسامة - ضي الله عنه -، قوله: (فإذَا أَصْحَابُ الجَدِّ) (^٥)؛ يعني: الغنى، يريد الأغنياء، وفي الحديث دلالة على فضيلة النبي ﷺ على غيره من الأنبياء صلوات الله عليهم، إذ كان ينبأ عيانا أو رؤيا كيف يكون حال أمَّته، وفيه فضيلة الفقراء، ومنقصة الأغنياء.\n_________\n(^١) حديث أبي الدرداء: أخرجه مسلم برقم: ٢٧٣٢، وأخرجه أبو داود برقم: ١٥٣٤.\n(^٢) حديث أنس قبله.\n(^٣) حديث أبي هريرة أخرجه مسلم برقم: ٢٧٣٥، قبله.\n(^٤) لم أجد الحديث مسندا، وأورده أصحاب الغريب والمعاجم، ينظر: تهذيب اللغة: ٤/ ١٦٩، والغريبين: ٢/ ٤٣٩.\n(^٥) أخرجه مسلم برقم: ٢٧٣٦، وأخرجه البخاري برقم: ٥١٩٦.","vol":"1","page":618},{"text":"[٨٦٦] وفي قوله: (مَا تَرَكتُ بَعْدِي فِتْنَة [هِيَ أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ] (^١) مِن فِتْنَة النِّسَاء) (^٢) أن الرجل ربما ينظر إلى المرأة وتعجبه، فيفتتن بها ولا يتمالك، وإن كان صالحا غالبا لشهوته.\n\n<span data-type='title' id=toc-476>ومن باب حديث الغار</span>\n[٨٦٧] (نَأَى بِي) (^٣)؛ أي: بَعُد بي، و(الحِلَابُ): القَدَح الذي يُحلب فيه، و(الصِّبْيَة): الصبيان، (يَتَضَاغَوْنَ): يصيحون، (دَأَبِي وَدَأبَهُم)؛ أي: شأني وشأنهم، وفي الحديث من الفقه اصطحاب الجماعة في السفر، و(الغَبُوقُ) (^٤): طعام العَشِي، وشراب العَشي، والصَّبوح: طعام الغداة، وشراب الغداة، وفيه دليل أن الرجل إذا ذكر أحسن أعماله لربه تعالى عند سؤال حاجةٍ؛ كان ذلك سببا لقضائها، وفيه أن المرء إذا وقع في بلية يتخلص بخيرٍ عَمِلَه وقدَّمه، وفيه أن المرء يمتحن وإن كان صالحا، ثم يُفَرِّج الله عنه، و(الفَرَقُ): قيل: هو ثلاثة آصعٍ، وفي الحديث سنة الإجارة، وفيه أن من أخذ مالا لإنسانٍ؛ فتصرف فيه حتى كثر، أن ذلك لصاحب المال، وفيها أن الرجل إذا قدر على ذنب فتركه؛ كان بعرَض المغفرة.\nوقوله: (خُذ ذَلِكَ البَقَرَ وَرِعَاءَهَا) يعني: عبيدا اشتراهم بماله يرعَون بقره، وقوله: (فَارْتَعَجَتْ): أي كثرت، قال صاحب الغريبين (^٥): فخرجت قريش ولهم\n_________\n(^١) سقط من الأصل، وعلى موضعه علامة الإلحاق بلا إلحاق.\n(^٢) حديث أسامة بن زيد: أخرجه مسلم: ٢٧٤٠، بلفظ (على الرجال من النساء)، وأخرجه البخاري: ٥٠٩٦.\n(^٣) حديث ابن عمر: أخرجه مسلم: ٢٧٤٣، وأخرجه البخاري: ٢٣٣٣.\n(^٤) ورد عند مسلم بصيغة الفعل: (لَا أَغْبِقُ قَبْلَهُمَا أَهْلًا)، وعند البخاري: (فَشَرِبَا غَبُوقَهُمَا).\n(^٥) الغريبين: ٣/ ٧٥٢.","vol":"1","page":619},{"text":"ارتعاج، أي: كثرة، يقال: ارتعج ماله؛ أي: كثُر، وقيل: لهمُ ارْتِعَاجٌ؛ أي: بريق وتلألؤ، يقال: ارتعج البرق: إذا تألق، وفي رواية غير الصحيح: (فَثَمَّرتُ أَجْرَهُ) (^١) ; أي: كَثَّرتُه بالتصرف فيه، وفي رواية: (فَانصَاحَتِ الصَّخرَةُ) (^٢)؛ أي: انشقت، وفي رواية: (بِفَرَقِ ذُرَةٍ) (^٣) بدل قوله: (بِفَرَقِ أَرُزٍّ)، وفي رواية: (وَلَا تَفُضَّ الخَاتَمَ) (^٤) بدل قوله: (وَلَا تَفْتَحِ الخَاتَمَ)، والفض: الكسر، وفي رواية: (حَتَّى أَلَمَّتْ بهَا سَنَةٌ) (^٥)؛ أي: نزلت بها سَنَة شديدة، وفي رواية: (حَتَّى بَرَقَ الفَجرُ) (^٦)؛ أي: طَلَعَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-477>ومن باب ما روي في التوبة</span>\n[٨٦٨ - ٨٧٢] حديث: (وَاللهِ لَلَّهُ) (^٧) اللام: جواب القسم، وهو في موضع الابتداء، وخبره أفرح، و(الدَّوِّيَّةُ) (^٨) بتشديد الياء والواو: منسوبة إلى الدَّوِّ، وهي أرض ليس بها عَلَم، و(الدَّاوِيَّة) مثلها، قال:\n_________\n(^١) بل هي رواية الصحيحين: مسلم في حديث الباب، والبخاري برقم: ٢٢٧٢.\n(^٢) عند أبي عوانة في مستخرجه برقم: ٥٥٥٤، بلفظ: (فانساخت) بالسين، وقد خطأ بعض العلماء رواية الصاد مع الخاء، وقالوا إنما هي: (انصاحت) بالحاء، قال ابن الأثير: (ولو قيل إن الصاد فيها مبدلة من السين، لم تكن الخاء غلطا، يقال: ساخ في الأرض يسوخ ويسيخ: إذا دخل فيها) النهاية: ٣/ ٦٥.\n(^٣) عند أبي عوانة في مستخرجه برقم: ٥٥٥٣، والبيهقي في السنن الكبرى برقم: ١١٦٤٠.\n(^٤) رواية البخاري برقم: ٢٢١٥.\n(^٥) رواية مسلم في حديث الباب، والبخاري برقم: ٢٢٧٢.\n(^٦) عند البخاري برقم: ٢٣٣٣، وعند مسلم: (طلع الفجر).\n(^٧) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٦٧٥.\n(^٨) رواية ابن مسعود: أخرجها مسلم برقم: ٢٧٤٤، وأخرجها البخاري برقم: ٦٣٠٨.","vol":"1","page":620},{"text":"إذا عَرَضَتْ داوِيَّةٌ مُدْلَهِمَّةٌ … وغرَّدَ حَادِيهَا فَرَيْنَ لها فِلْقا (^١)\nو(مَهْلِكَةٍ) بفتح الميم، و(القَائِلَة) (^٢) وقت انتصاف النهار، وقوله: (فَقَالَ تَحْتَ شَجَرَةٍ): هو من القيلولة، وقوله: (فَانسَلَّ بَعِيرُهُ) انسل؛ أي: ذهب على وجهه، وقوله: (فَسَعَى شَرَفًا)؛ أي قدرا من العدو حتى أعيى، ثم فعل مثل ذلك ثانيا، و(القَفْرُ): المكان الخالي، و(جِذْلِ الشَّجَرَة) (^٣): أصلها، وقوله: (اللهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ) (^٤) أراد أن يقول: أنت ربي وأنا عبدك، فأخطأ لسانه من شدة فرحه بوجدان بعيره.\n\n[٨٧٣] وفي حديث حنظلة الأُسَيِّدي (^٥)، ويجوز: الأُسَيْدي بتخفيف الياء، وهو منسوب إلى أُسَيْد قبيلة من قبائل العرب، قال:\nسائِل أُسَيِّدَ هَلْ ثَأَرْتُ بِوائلٍ … أم [هل] (^٦) شَفَيْتُ النَّفْسَ مِن بَلْبَالها (^٧)\nوقوله: (عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ)، قال أهل اللغة (^٨): المُعَافَسَة: المداعبة، وقيل: المُعَافَسَة: المعالجة، واعْتَفَسَ القوم: اصطرعوا، و(الضَّيْعَاتِ): جمع الضَّيعَة؛\n_________\n(^١) لسُوَيد بن كُرَاعَ العُكْلي، ينظر: المعاني الكبير: ٢/ ٨٥٨، والكامل: ١/ ٩٢، والفاخر: ٣٠٩.\n(^٢) رواية النعمان بن بشير: أخرجها مسلم برقم: ٢٧٤٥، وأخرجها أحمد برقم: ١٨٤٢٣.\n(^٣) رواية البراء: أخرجها مسلم برقم: ٢٧٤٦، وأخرجها أحمد برقم: ١٨٤٩٢.\n(^٤) رواية أنس: أخرجها مسلم برقم: ٢٧٤٧.\n(^٥) أخرجه مسلم برقم: ٢٧٥٠، وأخرجه البخاري برقم: ٢٥١٤.\n(^٦) الزيادة من المصادر، وهي لإقامة وزن البيت.\n(^٧) البيت لِبَاعِثِ بن صُرَيم، ينظر: العقد الفريد: ٦/ ٦٨، وسمط اللآلئ: ١/ ٤٧٦، وشرح ديوان الحماسة للأصفهاني: ٣٧٥، وللتبريزي: ١/ ٢٠٧.\n(^٨) ينظر: العين: ١/ ٣٣٩، وتهذيب اللغة: ٢/ ٦٤، والصحاح: ٣/ ٩٥١، ومقاييس اللغة: ٤/ ٦٨.","vol":"1","page":621},{"text":"يريد أسباب الدنيا، وقوله: (كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ)؛ أي: كأنا نراهما رأي عين.\nوفي هذه الأحاديث (^١) ذكر الفرح، وهو صفة من صفات الله تعالى، يجب الإيمان بها والتسليم لها، وفي الأحاديث (^٢) دلالة أن العبد لا يدوم على حالة واحدة، يتفكر فيصفوا قلبه، ويغفل فتستولي عليه الغفلة؛ حتى يتذكر فيذكر الله، فتذهبُ غفلته وقسوةُ قلبه.\n\n<span data-type='title' id=toc-478>ومن باب ما روي في رحمة الله</span>\n[٨٧٤] وفي حديث: (إِنَّ لِلَّهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ) (^٣) ما يدل على سعة رحمة الله تعالى، وأنه الذي أنشأ الأسباب، وجعل الرحمة بين الخلق، وفي هذه الأحاديث دلالة أن الله تعالى رحيم، ودلالة أن رحمته أبلغُ مما نعلم، ودلالة أنه رحيم بعباده، فما لم يتجاسر عليه عبده بكثرة المعاصي؛ لم يعاقبه.\n\n[٨٧٥] وفي حديث أبي سعيد ﵁: (أَنَّ رَجُلًا مِنَ النَّاسِ رَغَسَهُ اللهُ مَالًا) (^٤)، وفي رواية: (رَأَسَهُ اللهُ مَالًا) بالهمز؛ وليس بمحفوظ (^٥)، قال أهل اللغة (^٦):\n_________\n(^١) أحاديث فرح الله بتوبة العبد.\n(^٢) روايات حديث حنظلة.\n(^٣) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٧٥٢، وأخرجه البخاري برقم: ٦٤٦٩.\n(^٤) أخرجه مسلم برقم: ٢٧٥٧، وأخرجه البخاري برقم: ٣٤٧٨.\n(^٥) هي رواية الفارسي:: خطأها الخطابي، والقاضي عياض، وابن التين، وصوبوا رواية العذري والسجزي: (راشه)؛ بمعنى الإنعام والحال الحسنة، ينظر: أعلام الحديث: ٣/ ١٥٧٣، ومشارق الأنوار: ١/ ٢٧٧، وفتح الباري: ٦/ ٥٢١.\n(^٦) ينظر: العين: ٤/ ٣٧٦، وتهذيب اللغة: ٨/ ٦٧، والصحاح: ٣/ ٩٣٥، ومقاييس اللغة: ٢/ ٤١٧.","vol":"1","page":622},{"text":"الرَّغْسُ: البركة والنماء والخير، قال:\nحَتَّى رَأَيْنَا وَجْهَكَ المَرْغُوسَا (^١)\nقال صاحب المجمل (^٢): وفي الحديث أن رجلًا رَغَسَه الله مالًا، أي: أعطاه إياه، وبارك له فيه، قال:\nإِمَامَ رَغْسٍ فِي نِصَابِ رَغْسِ (^٣)\nوقوله: (فَإِنَّه لَم يَبتَئِر عِندَ اللهِ خَيرًا) أي: لم يقدم خبيئةَ خيرٍ لنفسه؛ ولم [يدخرها] (^٤)، يقال: بَأَرْتُ الشيء وابتأَرتُه: إذا ادخرته وخبَّأته، والبَئِيرَة على وزن فعيلة: الذخيرة، والبُؤْرَة على وزن فُعلة: الحفرة، وفيه لغة أخرى: ائْتَبَر بتقديم الهمز على الباء، قال:\nإِذَا لَم تَأْتَبِرْ رُشْدًا قُرَيْشٌ … فَلَيْسَ لِسَائِرِ النَّاسِ ائْتِبَارُ (^٥)\nوروي: إيتبار، وفي رواية في الصحيح: (فَإِنِّي لَم أَبْتَهِر عِندَ اللَّهِ) بالهاء، ويمكن أن تكون الهاء مبدلة من الهمزة، وقوله: (ثُمَّ اسحَقُونِي، وَاذرُونِي) قال ابن قتيبة (^٦): ذَرَّوتُه وأَذْرَيتُه، والرواية: (وَاذْرُونِي) بوصل الألف، وفي القرآن:\n_________\n(^١) من رجز رؤبة بن العجاج، ينظر: كتاب الألفاظ: ٨، وأمالي القالي: ١/ ١٤٦، وتهذيب اللغة: ٨/ ٦٧.\n(^٢) مجمل اللغة: ٣٨٩.\n(^٣) من رجز العجاج، ينظر: الشعر والشعراء: ٢/ ٥٧٩، ونوادر أبي مسجل: ١٨، وغريب أبي عبيد: ١/ ١٧١.\n(^٤) في الأصل: (ادخرها).\n(^٥) منسوب للقطامي، ينظر: غريب الحديث لأبي عبيد: ١/ ١٤٧، واللسان: ٤/ ٥، ديوانه: ١٤٢.\n(^٦) ينظر أدب الكاتب: ٤٤٢.","vol":"1","page":623},{"text":"﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ [الكهف: ٤٥]، قال بعض أهل العلم (^١): في قوله: (لَئِن قَدَرَ اللهُ عَلَيَّ)، أي: ضَيَّق علي، وناقشني الحساب ليعذبني عذابا شديدا، قيل: لم يجهل إحياء الموتى، ولكنه ابتدع بدعة في إحراقه نفسه، معتقدا أن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، قيل: ولإيقانه بوحدانية الله، ولخوفه من ربه؛ أمر ولده أن يحرقوه، وحَسِب أن ذلك غايةُ الخوف، فلذلك غفر له ربه، ولو كان شاكا ما غفر له.\n\n[٨٧٦] وقوله: (أَذنَبَ عَبدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذُّنبَ) (^٢)، فيه دلالة أن المذنب ما دام معترفا بوحدانية الله؛ يغفر الله ذنبه على ما كان فيه، وقوله: (اعْمَل مَا شِئتَ)، على أنه لا يعمل ذنبا بعد المغفرة؛ إذ وفقه للتوبة والطاعة، وإذا عمِل عمِلَ بالواجب، وهذا حديث مرجو.\nوقوله: (وَاللهُ أَشَدُّ غَيرًا) (^٣)، أي: غيرة، يقال: غار على أهله يغار غَيْرَةً [وغَيْرًا]، والغَيْرَة في صفات الله تعالى مما لا يُكَيَّف.\n\n[٨٧٧] وقوله في حديث التوبة (^٤): (فَنَاءَ بِصَدرِه) (^٥) أي: نهض، يقال: ناء فلان بحمله: إذا نهض به متثاقلا.\n_________\n(^١) ينظر: تفسير الموطأ للقنازعي: ١/ ٣٠٦، وكذلك شرح ابن بطال: ١٠/ ١٩٢.\n(^٢) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٧٥٨، وأخرجه البخاري برقم: ٧٥٠٧.\n(^٣) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٧٦١.\n(^٤) حديث أبي سعيد: أخرجه مسلم برقم: ٢٧٦٦، وأخرجه البخاري برقم: ٣٤٧٠.\n(^٥) لفظ مسلم: (نَأَى بِصَدْرِه)، قال النووي: (ويجوز تقديم الألف على الهمزة وعكسه) شرح مسلم: ١٧/ ٨٤.","vol":"1","page":624},{"text":"<span data-type='title' id=toc-479>ومن باب توبة كعب بن مالك ﵁ </span>-\n[٨٧٨] في حديث كعب بن مالك (^١): (حِينَ تَوَاثَقَنَا عَلَى الإِسلام)؛ أي: بايعنا وأكدنا البيعة، وقوله: (فَجَلَا لِلمُسلِمِينَ أَمَرَهُم)؛ أَي بَيَّن، (فَأَخبَرَهُم بِوَجهِهِم)؛ أي: بقصدهم وسفرهم، وقوله: (فَأَنَا إِلَيْهَا أَصْعَرُ)؛ أي: أميل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ [لقمان: ١٨]، وفي الحديث: (يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَيْسَ فِيهِم إِلَّا أَصْعَر أَوْ أَبْتَر) (^٢)؛ يريد قلة دينهم، وإعراضهم عن الحق.\nوقوله: (حَتَّى اسْتَمَرَّ بِالنَّاسِ الجِدُّ)؛ يعني: حتى جَدَّ أمر الخروج، وقوله: (وَتَفَارَطَ الغَزْوُ)؛ يقال: فَرَطَ يَفْرُطُ: إذا تقدم، وفرط مني أمر أي: بدر، وتفارط الغزو وتفرط أي: فات وتقدم، وفي الدعاء في الصلاة على الطفل الميت: (اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا فَرَطًا) (^٣)؛ أي: أجرا يتقدمنا، وفي الحديث: (أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ) (^٤)؛ أي: أتقدمكم إليه، وفي الحديث: (أَنَا وَالنَّبِيئُونَ قُرَّاطٌ لَقَاصِفِينَ) (^٥)، القاصفون: الذين يزدحمون، يقول: نحن نتقدم الأمم إلى الجنة، وهم على أثرنا يزدحمون، حتى يكسر بعضهم بعضا بِدَارًا إليها.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم: ٢٧٦٩، وأخرجه البخاري برقم: ٤٤١٨.\n(^٢) لم أقف على هذا الحديث بهذا اللفظ مسندا، وهو مما تناقله أهل الغريب واللغة، ينظر: العين: ١/ ٢٩٨، وتهذيب اللغة: ٢/ ١٨، والغريبين: ٤/ ١٠٧٨، وغريب ابن الجوزي: ١/ ٥٩٠، والنهاية: ٣/ ٣١، وورد مسندا موقوفا على عبد الله بن عمرو بلفظ: (يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَجْتَمِعُونَ فِي الْمَسَاجِدِ لَيْسَ فِيهِم مُؤْمِنٌ)، رواه الحاكم في المستدرك برقم: ٨٣٦٥، وهو عند الخلال في السنة برقم: ١٦٠٩، والآجري في الشريعة برقم: ٢٣٦.\n(^٣) من قول الحسن، أخرجه البخاري في باب قراءة فاتحة الكتاب على الجنازة.\n(^٤) متفق عليه البخاري برقم ٦٥٧٥، ومسلم برقم: ٢٢٨٩.\n(^٥) أخرجه الطبراني في الكبير برقم: ٩٣٣.","vol":"1","page":625},{"text":"وقوله: (أَنِّي لَا أَرَى لِي أُسوَةٌ)؛ أي: أحدًا فعل مثل فِعْلي فأتأسى به، (إِلَّا رَجُلًا مَغمُوصًا عَلَيهِ فِي النِّفَاقِ)؛ يقال: غَمِصَ فلانٌ الناس؛ أي: احتقرهم، فقوله: (إِلَّا مَغمُوصًا عَلَيهِ)؛ أي: إلا من يحتقره المسلمون لنفاقه، وفي حديث عمر ﵁: (أَتَغْمِصُ الفُتْيَا) (^١): أي: أتستهين به وتحقره؟، وفي حديث علي ﵁ لما قتل ابن آدم أخاه: (غَمِصَ الله الخَلْقَ) (^٢)؛ قيل: نقصهم من الطول والعرض، والقوة والبطش.\nوقوله: (حَبَسَهُ بُردَاهُ وَالنَّظَرُ فِي عِطَفَيهِ)؛ يعني إعجابه بنفسه ولباسه، وإيثار الدَّعَة والراحة، وقوله: (رَأَى رَجُلًا مُبيَضًّا)، أو: (مُبَيِّضًا) (^٣)؛ أي: عليه ثيابُ بَيَاضٍ، (يَزُولُ بِهِ السَّرَابُ)؛ أي: يظهر خياله، أي: يَبِينُ أثر مشيه وركوبه في السّراب، وقوله: (كُنْ أَبَا خَيْثَمَةَ)؛ لفظه أمرٌ؛ ومعناه خبرٌ، أي: هو أبو خيثمة، ويجوز أن يكون المعنى: اللهم اجعله أبا خيثمة، وقوله: (لَمَزَهُ المُنَافِقُونَ)؛ أي: عابوه، وقوله: (حَضَرَنِي بَثِّي)؛ أي: حزني، وقوله: (زَاحَ عَنِّي الْبَاطِلُ)؛ أي: ذهب وزال، وقوله: (فَأَجمَعتُ صِدقَهُ)؛ أي عزمت على أن أَصْدُقَه، وقوله: (صَبَّحَ قَادِمًا)؛ صَبَّحَ: من الصباح؛ وهو نور النهار، يقال: صَبَّحَ؛ أي: أتى وقت الصّباح، وأنا آتيه أُصبُوحَة كلِّ يوم، وأتانا لِصُبْحِ خامسةٍ، ولقيته ذا صَبَاحٍ؛ أي:\n_________\n(^١) قصة قبيصة بن جابر مع عمر، أخرجها الطبري في التفسير برقن: ١٢٦٨٦، وهي كذلك عن الطبراني في الكبير برقم: ٢٥٨، لكن بلفظ: (وتتعد الفتيا)، والبيهقي بذلك في السنن الكبرى برقم: ٩٨٦١.\n(^٢) لم أقف عليه مسندا، وهو في كتب الغريب واللغة، ينظر: غريب ابن قتيبة: ١٤١/ ٢، والغريبين: ١٣٨٨/ ٤، والفائق: ٧٧/ ٣.\n(^٣) قال عياض ﵀: (وقوله: رأى رجلا مُبَيِّضا: بفتح الباء وكسر الياء، كذا ضبطناه على أبي بحر؛ أي: لابس بياض، قال ثعلب: يقال: هم المُبَيِّضَة والمُسَوِّدَة، وضبطه غيره: مُبْيَضًّا، وهو أوجه هنا، لأنه إنما قصد إلى صفته في ذاته)؛ مشارق الأنوار: ١/ ١٠٧.","vol":"1","page":626},{"text":"وقتَ الصباح.\nوقوله: (لَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلًا)؛ أي: لقد رُزِقت القدرةَ على الكلام، والتَّفَصِّي (^١) من عهدة ما يُنسب إليّ، وقوله: (تَجِدُ عَلَيَّ)، أي: تغضب، و(عُقْبَى الله)؛ أي: ثواب الله في الآخرة، وقوله: (يُؤَنِّبُونِنِي)؛ أي: يَلُومُونني أَشدَّ اللَّوم، وقوله: (فَاجتَنَبَنَا النَّاسُ)؛ أي: تجنبونا وتركوا مجالسَتنا، (حَتَّى تَنَكَّرَت لِي فِي نَفْسِيَ الأَرض)، أي: تغير لنا كل شيء، حتى الأرض صارت كأنها مظلمة في عيني، وقوله: (فَأَمَّا صَاحِبَايَ فَاسْتَكَانَا)؛ أي: خضعا وقعدا في بيتهما؛ ولم يكثرا الدخول والخروج، وقوله: (حَتَّى تَسَوَّرتُ)؛ أي: صعدت، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: ٢١]، قال صاحب المجمل (^٢): سار: إذا وثب وثار.\nوفي الحديث ما يدل على الاحتراز من كيد الشيطان، وهوى النفس، إذ تخلف كعب بن مالك ﵁ اختيارا للدّعة والراحة، وقوله: (بِدَارِ هَوَانٍ وَلَا مَضيَعَةٍ)؛ أي: موضع ضَيْعَة، وقوله: (نُوَاسِكَ)؛ أي: نعاونك، (فَتَيَمَّمْتُ بِهَا التَّنُّورَ) (^٣)، أي: قصدت، قال:\nتَيَمَّمَتِ العَينَ الَّتِي عِندَ ضَارِجٍ … يَفِيءُ عَلَيْهَا الظِّلُّ عَرمَضُهَا طَامِ (^٤)\n_________\n(^١) التفصي: الخروج من الشدة والضيق إلى السعة، ينظر: تهذيب اللغة: ١٢/ ١٧٥، والنهاية: ٣/ ٤٥٢.\n(^٢) مجمل اللغة: ٤٧٨.\n(^٣) كذا أورده القاضي عياض أيضا: (تَيَمَّمْتُ)، وفي موضع آخر قال: (ولمسلم: تَأَمَّمْتُ)، وفي النسخ المطبوعة: (فَتَيَامَمْتُ)، قال النووي: (فتياممت بها التنور فسجرتها، هكذا هو في جميع النسخ ببلادنا) شرح مسلم: ١٧/ ٩٤، وينظر مشارق الأنوار: ١/ ٣٨، وأيضا: ٢/ ٣٠٤.\n(^٤) بيت لامرئ القيس يصف الحمر الوحشية: ينظر: الشعر والشعراء: ١/ ١١٣، والأغاني: ٨/ ٣٦٠، والجليس الصالح: ٨٣، وديوانه: ١٥٥.","vol":"1","page":627},{"text":"وفي نسخة: (فَتَأَمَّمتُ) (^١)؛ وهي لغة في تيممت، وفي الحديث: (كَانُوا يَتَأَمَّمُونَ شِرَارَ ثِمَارِهِم فِي الصَّدَقَة) (^٢)؛ أي: يتعمدون، وفي قراءة عبد الله: (وَلَا تَأَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ) (^٣)؛ قال أهل اللغة (^٤): أمَّ وتيمَّمَ وتَأَمَّمَ بمعنى واحد، وقوله: (سَجَرْتُ بِهَا التَّنُّورَ) (^٥)، أي: أوقدته، والسَّجُور: ما يُسْجَر به التنور، وفي قوله: (مَا رَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ)، وقوله: (فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ إِلَيَّ)؛ في ذلك دليل على تجنب المسيء والتجهم له، والإعراض عنه حتى يعود إلى الحق، وفيه التعزيرُ والتأديب عند الزّلّة، ومنها: التحزُّن على الذنب، والسرورُ بالتوبة، ومنها: اختيار الصدق على كل حال.\nو(أَوْفَى): أشرف، و(سَلْع): جبل، وقوله: (إِنَّ مِن تَوَبَتِي أَن أَنخَلِعَ مِن مَالِي)؛ أي: أخرج منه وأتصدق به، وفي الحديث سنة الاعتذار من الذنب، وسنةُ الركعتين للقادم من السفر، ومنها التقرب إلى الله تعالى بالصدقة، وفي قوله: (أَمسِك بَعض مَالِكَ)؛ اختيار بالتصدق ببعض المال، وإمساك البعض؛ لئلا يحتاج إلى الناس.\nوفي الحديث فضل الله على العبد بالعفو عنه، ووقبول التوبة وإن عظُم\n_________\n(^١) تأممت وتيممت بمعنى واحد، لأن الفرق بينهما إنما هو تحقيق الهمزة وتسهيلها، وهذا كثير في اللغة العربية، ينظر: إكمال المعلم: ٨/ ٢٨٠، والمخصص: ٤/ ٥٥.\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير برقم: ٥٥٦٦، والحاكم في المستدرك برقم: ١٤٦٣، والبيهقي في السنن الكبرى برقم: ٧٥٢٥، وكلهم بلفظ: (يتيممون)، ولعل ما ذكره المؤلف من ألفاظ هذا الحديث، كما يذكر ذلك أهل اللغة.\n(^٣) ينظر تفسير الطبري: الآية ٢٦٧ من سورة البقرة، وإعراب القرآن للنحاس: ١/ ١٣٠.\n(^٤) ينظر: الغريبين: ١/ ١٠٩، والصحاح: ٥/ ١٨٦٥، والمحكم والمحيط: ١٠/ ٥٧١، والنهاية: ١/ ٦٩.\n(^٥) اللفظ: (فَتَيَامَمْتُ بِهَا التَّنُّورَ فَسَجَرْتُهَا بِهَا).","vol":"1","page":628},{"text":"الذنب، وقوله: (إِلَّا وَرَّى بِغَيرِهَا)؛ أي: سَتَر تلك الغزوة ولم يظهرها؛ وأظهر غيرها، قال أهل اللغة (^١): أصل الكلمة من الوراء، أي: ألقى التبْيِين وراء ظهره، أي: وهَّم أنه يريد غزوةً غيرها.\n\n<span data-type='title' id=toc-480>ومن باب حديث الإفك</span>\n[٨٧٩] أخبرنا أبو سهل بن أبي القاسم الدشتي بنيسابور؛ أخبرنا أبو القاسم السراج؛ أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد الكارزي؛ قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز؛ حدثنا حجاج بن منهال؛ حدثنا عبد الله بن عمر النميري؛ حدثنا يونس بن يزيد الأيلي؛ قال: سمعت الزهري؛ قال: سمعت عروة بن الزبير؛ وسعيد بن المسيب؛ وعلقمة بن وقاص؛ وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة؛ عن حديث عائشة زوج النبي ﷺ و﵂ حين قال لها أهل الإفك ما قالوا.\nوأخبرنا أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن طلحة النِّعالي ببغداد؛ أخبرنا أبو الحسن بن رزقويه؛ قال: أخبرنا عمر بن أحمد بن السماك؛ وحمزة بن محمد بن الحارث الدهقان؛ وأحمد بن خلف السابح؛ قالوا: حدثنا عبد الكريم بن الهيثم؛ حدثنا إبراهيم بن بشار الرمادي؛ حدثنا سفيان؛ عن محمد بن إسحاق؛ عن وائل بن داود؛ عن الزهري قال: حدثني أربعة: عروة بن الزبير؛ وسعيد بن المسيب؛ وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة؛ وعلقمة بن وقاص الليثي؛ عن حديث عائشة ﵂ حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها الله مما قالوا، وكلهم قد حدثني بطائفة من حديثها.\nوفي رواية الدشتي: وكلٌّ حدثني طائفةً من الحديث الذي حدثني عن\n_________\n(^١) ينظر: غريب أبي عبيد: ١/ ١٩٧، والغريبين: ٦/ ١٩٩٢، وتهذيب اللغة: ١٥/ ٢١٨.","vol":"1","page":629},{"text":"عائشة، وبعض حديثهم يُصدِّق بعضًا، وإن كان بعضهم أوعى له من بعضٍ، وفي رواية النِّعالي: وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض؛ وأشد اقتصاصا، وقد وَعَيت عن كل واحد منهم الحديث الذي حدثني أن عائشة ﵂ قالت:\n(كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهِمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَه، قَالَت فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا، - قال إبراهيم: قال سفيان: أراه قال: فِي غَزْوَةِ بَنِي المُصطَلِق - فَخَرَجَ سَهمِي، فَأَخْرَجَنِي مَعَه، وَذَاكَ بَعْدَمَا أُنزِلَ الحِجَابُ، وَكُنتُ أُحمَلُ فِي هَودَجِي، وَأَنزَلُ فِيهِ، وَكَانَ النِّسَاءُ إِذ ذَاكَ خِفَافًا، لَمْ يُهَبَّلنَ وَلَم يَعْشَهُنَّ السِّمَن).\nوفي رواية الدشتي: (حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ غَرَوَتِهِ تِلكَ، فَدَنَونَا مِنَ المَدِينَةِ قَافِلِينَ، فَآذَنَ لَيلَةً بِالرَّحِيلِ، فَقُمْتُ حِينَ آذَنَ بِالرَّحِيلِ لِحَاجَتِي، فَلَمَّا قَضَيتُ شَأْنِي أَقبَلتُ إِلَى رَحلِي).\nوفي رواية النعالي: (فَقُمتُ لِأَقضي شَأْنِي، فَمَشَيتُ حَتَّى جَاوَزْتُ الْجَيشَ، فقَضَيتُ حَاجَتِي ثُمَّ أَقبَلتُ إِلَى الرَّحلِ، فَلَمَستُ بِيَدِي صَدرِي فَإِذَا عِقدٌ كَانَ عَلَيَّ مِنْ جَزع أَظفَارٍ قَد سَقَطَ، فَرَجَعْتُ ألتَمِسُه فَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ، وَأَقْبَلَ النَّفَرُ الَّذِينَ يَشُدُّونَ هَودَجِي).\nوفي رواية الدشتي: (وأَقبَلَ الرَّهْطُ الَّذِينَ كَانُوا يَرْحَلُونَ لِي، فَاحْتَمَلُوا هَودَجِي، فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِيَ الَّذِي كُنتُ أَركَبُه).\nوفي رواية النعالي: (وَهُم يَحسِبُونَ أَنِّي فِيهِ، وَكُنتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ، وَكُنَّ النِّسَاءُ إِذ ذَاكَ خِفَافًا، إِنَّمَا كُنَّ يَأْكُلنَ الغُفَّةَ مِنَ الطَّعَامِ).","vol":"1","page":630},{"text":"وفي رواية الدشتي: (يَأْكُلنَ العُلقَةَ مِنَ الطَّعَامِ، فَلَم يُنكِرِ القَومُ خِفَّةَ الهَودَجِ، فَبَعَثُوا الْجَمَلَ وَسَارُوا، فَوَجَدتُ عِقدِي بَعدَمَا اسْتَمَرَّ الجَيشُ، فَجِئْتُ مَنَازِلَهم فلَيسَ بِهَا دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ، فَتَيَمَّمتُ مَنزِلِي الَّذِي كُنتُ فِيهِ، فَجَلَستُ، وَظَنَنتُ أَنَّ القَومَ سَيَفْقِدُونِي ويَرْجِعُونَ فِي طَلَبِي، فَبَينَما أَنَا جَالِسَةٌ فِي مَكَانِي، إِذ غَلَبَتِنِي عَيْنَايَ فَنِمْتُ، وَكَانَ صَفْوَانُ بنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ؛ ثُمَّ الذَّكَوَانِيُّ، مِن وَرَاءِ الجَيشِ).\nوفي رواية النعالي: (قَد عَرَّسَ مِن وَرَاءِ الجَيشِ فَادَّلَجَ، فَأَصْبَحَ فِي المَنزِل؛ فَرَأَى سَوَادَ إِنسَانٍ، فَأَتَانِي فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي، وَكَانَ يَرَانِي قَبْلَ أَن يُضَرَبَ عَلَينا الحِجَابُ، فَلَمَّا رَآنِي اسْتَرْجَع وقال: إِنَّا لِله وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ، عِرْسُ رَسُولِ الله، ﷺ فَاسْتَيْقَظتُ بِاستِرجَاعِهِ، فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلبَابِي، فَوَاللَّهِ مَا كَلَّمَنِي بِكَلِمَةٍ؛ وَلَا سَمِعتُ مِنْهُ شَيْئًا غَيْرَ اسْتِرجَاعِهِ، حَتَّى جَاءَ بِبَعِيرِهِ فَأَنَاخَه، ثُمَّ وَطِئَ عَلَى يَدِهِ فَرَكِبتُه، وَأَخَذَ بِخِطَامِهِ؛ وَجَعَلَ يَقُودُه حَتَّى أَتَيْنَا الجَيشَ بَعدَمَا نَزَلُوا فِي نَحرِ الظَّهِيرَةِ، فَأَفَاضَ أَهلُ الإِفكِ فِي قَولِهم؛ فَهَلَكَ فِي شَأْنِي مَن هَلَكَ، فَدَخَلْنَا المَدِينَة فَمَرِضْتُ؛ فَلَبِثْتُ شَهرًا فِي وَجَعِي، وَأَهلِ الإِفْكِ يُفِيضُونَ فِي قَولِهم، وَلَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِن الشَّرِّ، وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى كِبَرَهُ مِنهُم عَبدُ اللَّهِ مِنْ أُبَيٍّ ابن سَلُولَ، وَكَانَ لَا يَرِيبُنِي مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ شَيْءٌ).\nوفي رواية الدشتي: (وَإِنَّمَا يَرِيبُنِي فِي وَجَعِي أَنِّي لَا أَعْرِفُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اللُّطفَ الَّذِي كُنتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَشْتَكِي، إِنَّمَا يَدخُلُ عَلَيَّ فَيَقُولُ: كَيْفَ تِيكُم؟ ثُمَّ يَنصَرِف، فَذَلكَ الَّذِي يَرِيبُنِي؛ وَلَا أَشْعُرُ بِالشَّرِّ).","vol":"1","page":631},{"text":"وفي رواية النعالي: (فَلَمَّا نَقَهتُ مِن وَجَعِي خَرَجْتُ قِبَلَ المَنَاصِعِ أَنَا وَأُمُّ مِسطح بن أَثَاثَة، وَكَانَ مُتَبَرَّزَنَا).\nوفي رواية الدشتي: (وَكُنَّا لَا نَخْرُجُ إِلَّا لَيْلًا إِلَى لَيلٍ وَذَلِكَ قَبْلَ أَن نَتَّخِذَ الكُنُفَ قَرِيبًا مِن بُيُوتِنَا، وَأَمرُنَا أَمرُ العَرَبِ الأَوَلِ فِي التَّنَزُّهِ قِبَلَ الغَائِط، وَكُنَّا نَتَأَذَّى بالكُنُفِ أَن نَتَّخِذَهَا عِندَ بُيُوتِنَا).\nوفي رواية النعالي: (فَلَمَّا قَضَيتُ شَأْنِي فَرَجَعْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسطَحٍ قِبَلَ المَنزِل).\nوفي رواية الدشتي: (وَهِيَ ابْنَةُ أَبِي رُهم بن الْمُطَّلِبِ بن عَبدِ مَنَافٍ، وَأُمُّهَا بِنتُ صَخرِ بن عَامِرٍ، جَدَّةُ أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ ﵁، وَابْنُهَا مِسطَحُ مِنْ أُثَاثَةَ بن عَبدِ الْمُطَّلِبِ، فَعَثَرَت أُمُّ مِسطحٍ في مرطهَا، فَقَالَت: تَعِسَ مِسطَحٌ؛ فَقُلْتُ: سُبحَانَ اللَّهِ أَتَسُبِّينَ رَجُلًا شَهِدَ بَدْرًا، قَالَت: يَا هَنَاهِ؛ إِنَّكِ لَمِنَ الْمُؤْمِنَاتِ الغَافِلَاتِ).\nوفي رواية الدشتي: (فَقَالَت يَا هَنْتَاه، أَوَلَم تَسمَعِي مَا قَالَ؟ قَالَت قُلتُ: وَمَا قَال؟).\nوفي رواية النعالي: (قُلتُ: وَمَا قَالَ مِسطَح؟ فَأَخبَرَتِنِي بِقَولِ أَهْلِ الإِفْكِ؛ فَازدَدتُ وَجَعًا عَلَى وَجَعِي، وَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: كَيْفَ تِيكُم؟).\nوفي رواية الدشتي: (وَدَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: كَيفَ تِيكُم؟ فَقُلتُ لَه: أَتَأْذَنُ لِي أَن آتِيَ أَبَوَيَّ؟ وَأَنَا حِينَئِذٍ أُرِيدُ أَن أَستَيقِنَ الْخَبَرَ مِن قِبْلِهِمَا).\nوفي رواية النعالي: (فَأَذِنَ لِي، فَأَتيتُ أَبَوَيَّ؛ فَقُلتُ لِأُمِّي: يَا أُمَّه).\nوفي رواية الدشتي: (يَا أُمَّتَاه؛ مَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟ فَقَالَت: يَا بُنَيَّةُ هَوِّنِي عَلَيْكِ).","vol":"1","page":632},{"text":"وفي رواية النعالي: (مَا هَذَا الَّذِي يَتَحَدَّثُ النَّاسُ بِهِ؟ قَالَت: هَوِّنِي عَلَيكِ يَا بُنَيَّةُ، فَقَلَّ امْرَأَةٌ حَظِيَّةٌ كَانَت عِندَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا إِلَّا أَكْثَرْنَ عَلَيْهَا القَولَ).\nوفي رواية الدشتي: (فَوَاللَّهِ لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأَة قَطُّ وَضِيئَةٌ عِندَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا، لَهَا ضَرَائِرُ، إلَّا أكثرنَ عَلَيْهَا القَولَ: قَالَت فقُلتُ: سُبحَانَ اللهِ؛ وَلَقَد تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَذَا؟ فَبَكَيتُ تلك الليلَةَ حَتَّى أَصبَحتُ).\nوفي رواية النعالي: (فقُلتُ: سُبْحَانَ اللهِ أو يَتَحَدَّثُ النَّاسُ بِهَذَا؟ قَالَت: نعم، فَمَكَثتُ يَومِي ذَلِكَ، وَلَيلَتِي المُقبِلَة؛ لَا يَرْقَأُ لِي دَمَعٌ وَلَا أَكتَحِلُ بِنَومٍ، وَظَنَّ أَبَوَايَ أَنَّ الْبُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي، وَمَا دَخَلَ عَلَى أَهْلِ بِيتٍ مِنَ العَرَبِ مَا دَخَلَ عَلَى آلِ أَبي بكر، قَالَت وَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأُسَامَةَ بن زَيدٍ يَستَشِيرهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ؛ حِينَ اسْتَلَبَثَ الوَحيُ عَلَيْهِ شَهِرًا، لَا يُوحَى إِلَيْهِ فِي أَمرِي شيءٌ، فَأَمَّا أُسَامَهُ فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالَّذِي يَعلَمُ مِن بَرَاءَةِ أَهلِهِ، وَالَّذِي فِي نَفْسِهِ مِنَ الوُدِّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ هُم أَهلُكَ وَلَا نَعلَمُ إِلَّا خَيرًا، قَالَت: وَأَمَّا عَلِيٌّ ﵁ فَقَالَ: لَمْ يُضَيَّقِ اللهُ عَلَيكَ؛ النِّساء سِوَاهَا كَثِيرٌ، وَأَرسِل إِلَى الجَارِيَةِ تُخبِركَ).\nوفي رواية الدشتي: (وَإِن تَسأَلِ الخَادِمَ تَصدُقكَ، قَالَت: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَرِيرَةَ، فَقَالَ لَهَا: أَي بَرِيرَةُ؛ هَلْ رَأَيتِ مِن شَيْءٍ يَرِيبُكِ؟).\nقال النعالي: (أَوْ رَأَيتِ شَيْئًا تَكرَهِينَهُ؟ قَالَتْ: أَحمِي سَمعِي وَبَصَرِي، عَائِشَةُ أَطيبُ مِن طِيبِ الذَّهَبِ).\nوفي رواية الدشتي: (وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا أَغمِصُهُ عَلَيْهَا","vol":"1","page":633},{"text":"أَكثَرَ مِن أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، تَنَامُ عَن عَجِين أَهْلِهَا، فَتَأتِي الدَّاجِنُ فَتَأكُلُهُ).\nقال النعالي: (قَالَت: وَسَأَلَ رَسُولُ الله ﷺ زَيْنَبَ عَن أَمرِي، وَكَانَت هِيَ الَّتِي تُسَامِينِي مِن أَزْوَاجِ النَّبِي ﷺ، فَقَالَ: هَل عَلِمَتِ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ مِن شَيْءٍ تَكرَهِينَه؟، فَعَصَمَهَا اللهُ ﷿ بِالوَرَعِ، فَقَالَت يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى عَائِشَةَ ﵁ مِن شَيْءٍ أَغمِصُهُ عَلَيْهَا، قَالَت: وَطَفِقَت حَمَنَةُ بِنتُ جَحِشٍ تُحَارِبُ لَهَا).\nقال الدشتي: (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى المِنبَرِ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ؛ مَن يَعذُرُنِي مِن رَجُلٍ قَد بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِ بَيْتِي؟).\nوفي رواية النعالي: (وَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَاسْتَعَذَرَ إِلَى النَّاسِ مِن عَبدِ اللَّهِ بن أُبَيٍّ [بن] سَلُولٍ، وَكَانَ هُوَ الَّذِي تولَّى كِبَرَهُ، فَقَامَ عَلَى المَنبَرِ، فَقَالَ: يَا مَعَاشِرَ النَّاسِ، مَن يَعْذُرُنِي مِن رجلٍ قَد بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى؟ فِي أَهْلِي، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمتُ مِن أَهلِي إِلَّا خَيرًا، وَلَقَد ذَكَرُوا رَجُلا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلا خَيْرًا، وَمَا كَانَ يَدخُلُ [عَلَى] (^١) أَهلِي إِلا مَعِي).\nوفي رواية الدشتي: (وَمَا كَانَ يَدخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي، فَقَامَ سَعدُ بْنُ مُعَادٍ - وَهُوَ سَيِّدُ الأَوسِ - فَقَالَ: أَنَا أَعذُرُكَ مِنْهُ يَا رَسُولَ اللهِ، إِن كَانَ مِنَ الْأُوسِ ضَرَبتُ عُنُقَهِ، وَإِن كَانَ مِن إِخْوَانِنَا مِنَ الخَرْرَجِ أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا أَمَرَكَ).\nوفي رواية النعالي: (وَإِن كَانَ مِنَ الخَزرجِ أَتَينَا بِرَأْسِهِ؛ فَقَامَ سَعدُ بنُ عُبَادَةَ - وكَانَ سَيِّد الخَزرَج - فَقَالَ: كَذَبْتَ لَعَمرُ اللهِ، وَاللَّه إِن كَانَ مِنَ الخَزرَجِ لَا تَقْتُلُهُ؛\n_________\n(^١) في الأصل: (إلى).","vol":"1","page":634},{"text":"وَلا تَقدِرُ عَلَى قَتْلِهِ، وَكَانَ قَبلَ ذَلِكَ رَجُلا صَالِحًا، وَلَكِنِ احْتَمَلَتْهُ الحَمِيَّة، فَقَامَ أُسَيدُ بنُ حُضَيرٍ - وَهُوَ ابْنُ عَمِّ سَعِدِ بن مُعَاذٍ - فَقَالَ: كَذَبْتَ لَعَمرُ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَنَقْتُلَنَّه إِن كَانَ مِنَ الخَزْرَج، فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ المُنَافِقِينَ، وَثَارَ الحَيَّانِ: الأَوسُ وَالخَزرَجُ، حَتَّى هَمُّوا أَن يَقتَتِلُوا).\nوفي رواية الدشتي: (فَتَثَاوَرَ الحَيَّانِ: الأوسُ وَالخَزرَجُ، حَتَّى هَمُّوا أَن يَقتَتِلُوا، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ عَلَى المنبرِ يُخَفِّضُهُم حَتَّى سَكَتُوا).\nوفي رواية النعالي: (يُخَفِّضُهُمْ وَيُسكِتُهُم حَتَّى سَكَتُوا، وَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، قَالَتْ: فَبَينَا أَنَا أَبكِي إِذا استأذنَت عَلَيَّ امْرَأَة مِنَ الْأَنْصَارِ مِنَ الضَّعَفَة، فَأَذنتُ لَهَا، فَجَلَسَت مَعِي تَبكي).\nوفي رواية الدشتي: (فَجَلَسَت تَبكِي مَعِي).\nوفي رواية النعالي: (قَالَت: فَإِنَّا لجلوسٌ وَنَحْنُ عَلَى تِلكَ الحَالَ، دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَجَلَسَ إِلَى جَنبِي).\nوفي رواية الدشتي: (قَالَت: وَلَم يَجلِس عِندِي مُنذُ قِيلَ لِي مَا قِيلَ).\nوفي رواية النعالي: (مُنذُ قِيلَ فِي مَا قِيلَ).\nوفي رواية الدشتي: (وَقَدْ لَبِثَ شَهِرًا لَا يُوحَى إِلَيهِ فِيَّ شَيْءٌ، قَالَت: فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ جَلَسَ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعدُ يَا عَائِشَةُ فَإِنَّهُ قَد بَلَغَنِي عَنكِ كَذَا وَكَذَا، فَإِن كُنتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللهُ).\nوفي رواية النعالي: (فَإِن كُنتِ بَرِيئَةً فَإِنَّ الله ﷿ سَيُبَرِّئُكِ، وَإِن كُنتِ","vol":"1","page":635},{"text":"أَلْمَمتِ بِذَنبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ، وَتُوبِي إِلَيهِ، فَإِنَّ التَّوبَةَ مِنَ الذَّنبِ: النَّدَمُ وَالاستِغفَار).\nوفي رواية الدشتي: (فَإِنَّ العَبدَ إِذَا اعتَرَفَ بِذَنْبِهِ ثُمَّ تَابَ إِلَى اللَّهُ تَابَ اللهُ عَلَيهِ).\nوفي رواية النعالي: (فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَقَالَتَه قَلَصَ دَمِعِي حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطرَةً. فَقُلتُ لأُمِّي: يَا أُمَّه؛ أَجِيبي عَنِّي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيمَا قَالَ، فَقَالَت لي: يَا بُنَيَّة، وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ لأَبِي: يَا أَبَتِ أَجِب عَنِّي رَسُولَ اللهِ ﷺ فيما قَالَ. فَقَالَ: يا بُنَيَّةُ؛ وَالله مَا أَدرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ).\nوفي رواية الدشتي: (قَالَت قُلتُ - وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ لَا أَقْرَأُ كَثِيرًا مِنَ الْقُرآنِ -: إِنِّي وَاللهِ لَقَد عَلِمتُ أَنَّ هَذَا الأَمرَ قَد بَلَغَكُم وَاستَقَرَّ فِي أَنفُسِكُم).\nوفي رواية الدشتي: (لَقَد سَمِعْتُمْ هَذَا الحَدِيثَ حَتَّى اسْتَقَرَّ فِي أَنْفُسِكُم وَصَدَّقْتُم بِهِ، وَلَئن قُلتُ لَكُم إِنِّي بَرِيئَةٌ، وَاللهُ يَعلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ؛ لَا تُصَدِّقُونِي بِذَلِكَ، وَلَئِنِ اعتَرَفتُ لَكُم بِأَمرٍ يَعلَمُ اللهُ أَنِّي بَرِيئَةٌ مِنهُ لَتُصَدِّقُونِي).\nوفي رواية الدشتي: (لَتُصَدِّقُنَّنِي، وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَجِدُ لِي وَلَكُم مَثَلًا، إِلَّا أَبَا يُوسُفَ).\nوفي رواية النعالي: (إِلَّا كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُف -[واختلف عَلَيَّ] (^١) اسمُ يَعقُوبَ - ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]، ثُمَّ تَحَوَّلتُ\n_________\n(^١) غير واضحة، ولكنها الأقرب معنى ورسما.","vol":"1","page":636},{"text":"وَاصْطَجَعتُ عَلَى فِرَاشِي، وَاللهُ يَعْلَمُ حينئذٍ أَنِّي بريئةٌ).\nوفي رواية الدشتي: (وَأَنَا وَاللَّهِ حِينَئِذٍ أَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ وَأَنَّ الله ﷿ سَيُبَرِّئُنِي، وَلَكِنْ مَا كُنْتُ أَنْتَظر أَنَّ الله يُنْزِلُ فِي شَأْنِي وَحْيًا يُتْلَى، وَلَشَأنِي فِي نَفْسِي كَانَ أَحقَرَ).\nوفي رواية الدشتي: (وَلَشَأنِي كَانَ أَحْقَرَ فِي عَيْنِي وَأَصْغَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللهُ ﷿ في شيءٍ مِن شَأْنِي بِشَيءٍ، وَلَكِنْ رَجَوْتُ أَنَّ اللَّهَ ﷿ يُرِي نَبِيَّهُ فِي مَنَامِهِ رُؤيَا يَذْهَبُ بِما فِي نَفْسِهِ عَلَيَّ).\nوفي رواية الدشتي: (وَلَكِنْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللهُ بِهَا، قَالَتْ: فَوَاللَّهِ مَا قامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ.\nوفي رواية النعالي: (مَا رَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِن مَجْلِسِهِ، وَلَا خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ؛ حَتَّى نُزِّلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَخَذَهُ مِنَ الْبُرَحَاءِ مِثْلَ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ عِندَ نُزُولِ الوَحيِ؛ حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ مِنَ الْعَرَقِ فِي الْيَوْمِ الشَّاتِي مِنْ ثِقَلِ الوَحي).\nوفي رواية الدشتي: (فِي الْيَوْمِ الشَّاتِي، مِنْ ثِقَلِ القُرآنِ الَّذِي يَنْزِلُ عَلَيْهِ، قَالَت فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وكَانَ أَوَّلُ شيءٍ تَكَلَّمَ بِهِ - وَهُوَ يَضْحَكُ -: أَبْشِرِي يَا عَائِشَةُ، أَمَّا الله تعالى فَقَد بَرَّأَكِ، قَالَت وَتَلا عَلَيَّ هَذا العشر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور: ١١]، فقَالَت أُمِّي: قُومِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَبِّلِي رَأْسَهُ. فَقُلتُ: لا أَقُومُ إِلَيْهِ، وَلا أَحمدُ إلا الله ﷿، هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ بَرَاءَتِي مِنَ السَّمَاءِ.","vol":"1","page":637},{"text":"فَقُلتُ لأَبي: يَا أَبَتِ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَعذُرَنِي عِندَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَالَ أَهْلُ الإفكِ مَا قَالُوا؟ قَالَ: يَا بُنَيَّةُ، وَكَيْفَ أَعْذُرُكِ بِمَا لا أَعلَمُ، وَأَيُّ أَرضِ تُقِلُّنِي، وَأَيُّ سماءٍ تُظِلُّنِي؛ إِذَا قُلتُ مَا لَا أَعْلَمُ؟ قَالَت: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ يُنفِقُ عَلَى مِسطَحِ بن أُثَاثَةَ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَفَقرِهِ، فَحَلَفَ أَن لا يُنفِقَ عَلَيْهِ حِينَ قَالَ فِي عَائِشَةَ ﵁ مَا قَالَ، فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]، فقَالَ أَبُو بَكرٍ ﵁: بَلَى وَاللَّهِ، لأُحِبُّ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لِي، فَرَجَعَ إِلَى مِسطَحَ النَّفَقَة الَّتِي كَانَ يُنفِقُ).\nوفي رواية النعالي: (وَقَالَ: لا أَنزَعُهَا مِنهُ أَبَدًا، قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَهَذَا مَا انْتَهَى إِلَيْنَا مِنْ حَدِيثِ هَؤُلاءِ الرَّهْطِ) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-481>شرح ما في حديث الإفك من الغريب</span>\nقوله: (طَائِفَةً مِنَ الحَدِيثِ)؛ الطائفة من الشيء: بعضُه، وقوله: (كَانَ أَوعَى)؛ أي: أحفظَ، يقال: وَعَيتُ العلم: إذا حَفِظتُه، وقوله: (اقتِصَاصًا)؛ أي: اتِّباعًا، قال صاحب المجمل (^٢): اقتَصَصْت الحديث: إذا رويته على ما علمته، وهو من: اقتَصَصْت الأثر: إذا تتبَّعتُه، و(الهَودَجُ): مركب من مراكب النساء، يقال: تَهَدَّجت الناقة: ارتفع سِنامها كأنه هودجٌ، والهدجان: مشية الشيخ، وهدجت الريح حنت، والتَّهَدُّجُ: تقطُّع الصوت، وهدج الظليم: مشى في\n_________\n(^١) الحديث أخرجه مسلم برقم: ٢٧٧٠، والبخاري برقم: ٤٧٥٠.\n(^٢) مجمل اللغة: ٧٢٨.","vol":"1","page":638},{"text":"ارتعاشٍ، وقوله: (وَلَم يُهَبَّلَنَ)؛ المُهَبَّلُ: الرجل الثقيل الكثير اللحم، قال: فَشَبَّ غَيْرَ مُهَبَّلِ (^١).\nوفي رواية: (لَمْ يُهَبِّلُهُنَّ اللَّحْمُ) (^٢)؛ أي لم يكثُر عليهنَّ اللحمُ، وفي رواية: (وَأَنَا يَومَئِذٍ جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنّ لَم أَحمِل اللَّحمَ)، وقوله: (أَقرعَ بَينَ نِسَائِهِ)؛ فيه سنة القُرعة بين النساء إذا أراد الزوج السفر، ولا يحتسب على المرأة أيام السفر إذا رجعت من سفرها، ومن فقه الحديث أن القلة في الطّعم محمودة لأنها قالت: (إِنَّمَا كُنَّا نأكُل العُلْقَةَ)؛ العُلْقَة: اليسير من الطعام، أي: تتماسك به دون الشِّبع، وفي المثل: لَيْسَ المُتَعلِّقُ كالمتأنِّقِ (^٣)، أي: ليس من يتبلغ بالشيء اليسير؛ كمن يتأنق يأكل ما شاء، ويقال: ما يأكل فلان إلا عُلْقَة، أي: ما يمسك به نفسه، ويقال: بل العُلْقَة ما يأكله بُكرة قبل الغَداء، والعَلَاق أيضا؛ والعَلَق: ما تتبلغ به الماشية من الشجر، وهي العلقة، ويتبلغ: أي يتجزأ، قال الشاعر:\nوفَلاةٍ كأنها ظَهْرُ تُرْسٍ … ليس إلا الرَّجيعَ فيها عَلاقُ (^٤)\nيقول لا تجد الإبل فيها عَلاقا، إلا ما تردده من جرتها، والظبية تعلق: إذا تناولت الشجر، وفي الحديث في ذكر الشهداء أن أرواحهم في أجواف طيرٍ خُضرٍ، تَعْلُقُ من ورق الجنة (^٥).\n_________\n(^١) من عجز بيت لأبي كبير الهذلي، وتمام البيت:\nمِمَّنْ حَمَلْنَ بِهِ وَهُنَّ عَوَاقِدٌ … حُبُكَ الثِّيَابِ فَشَبَّ غَيرَ مُهَبَّلِ\nينظر الكامل: ١/ ١١٣، والعقد الفريد: ٧/ ١٢٧، ونقد الشعر: ٢٩، وتهذيب اللغة: ٦/ ١٦٤.\n(^٢) عند الطبراني في الكبير برقم: ١٤١.\n(^٣) ينظر مجمع الأمثال: ٢/ ١٩٥، والأمثال للهاشمي: ١/ ٢٠٤.\n(^٤) البيت للأعشى، ينظر العين: ١/ ١٦٤، وتهذيب اللغة: ١/ ١٦٤، والصحاح: ٤/ ١٥٣١.\n(^٥) أخرجه الترمذي برقم: ١٦٤١، وابن ماجة برقم: ١٤٤٩.","vol":"1","page":639},{"text":"وقوله: (أَذِنَ لَيلَةً بِالرَّحِيلِ)، وروي: (آذَنَ)؛ أي: أعلم، قال أهل اللغة (^١): آذنته أعلمته، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٧]، وقوله تعالى: ﴿فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنبياء: ١٠٩]، أي: أعلمتكم ما ينزل علي من الوحي لتستووا في الإيمان به، وقوله: (وَقَفَلَ)؛ أي: رجع من الغزو، والقافلة: الراجعة من السفر، وقولها: (أَقْبَلْتُ إِلَى الرَّحلِ)؛ الرَّحْلُ: منزل الرجل ومأواه، وقوله: (مِنْ جَزْعِ أَظْفَارٍ)؛ الجَزْعُ: الخرز، وأظفار […] (^٢) عود؛ وكأنه يثقب ويجعل في القلادة، و(العِقْدُ): القلادة، وروي: (مِنْ جَزْعِ ظفارِ)؛ وظفار بكسر الراء من غير تنوين: مدينة باليمن ينسب إليها هذا الجَزع، وفي المثل: مَنْ دَخَلَ ظفارِ حَمَّرَ (^٣)، أي: من دخل هذه المدينة تكلم بالحِميَرِية، وفي رواية خارج الصحيح: (إِنَّمَا كُنَّ يَأْكُلْنَ الغُفَّةَ مِنَ الطَّعَامِ) (^٤) الغُفَّة: البُلغة من العيش، يعني: اليسير، قال:\nوغُفّةٌ مِن قِوَامِ العَيشِ تكفِيِني (^٥)\nوقولها: (حِينَ رَحَلُوهُ)؛ أي: وضعوه على البعير، قال أهل اللغة (^٦): رَحَلَه: إذا أظعنه من مكانه، وقولها: (فَبَعَثُوا الجَمَلَ)؛ أي: أقاموه، (وَاسْتَمَرَّ الجَيشُ)؛ أي مَرُّوا، (فَتَيَمَّمْتُ)؛ أي: قصدت، قال:\n_________\n(^١) ينظر تهذيب اللغة ١٥/ ١٥، والزاهر: ٢٤٥.\n(^٢) طمس في الأصل بقدر ثلاث كلمات.\n(^٣) ينظر: مجمع الأمثال: ٢/ ٣٠٦، والأمثال للهاشمي: ١/ ٢٣٨.\n(^٤) لم أجد من روى الحديث بهذا اللفظ.\n(^٥) عجز بيت لثابت قطنة العتكي، وصدره: (لا خير في طمع يدني إلى طَبَع)، ينظر: معجم ديوان العرب: ٣/ ٢٦، وحماسة البحتري: ٢٧٩، وأمالي الزجاجي: ٢٠٢.\n(^٦) ينظر: مقاييس اللغة: ٢/ ٤٩٧.","vol":"1","page":640},{"text":"تَيمَّمْتُ قَيْسًا، وَكَمْ دُونَهُ … مِنَ الأَرض مِن مَهْمَهٍ ذِي شَزَنْ (^١)\nوقولها: (سَيَفقِدُونِي)؛ أي: يطلبوني فلا يجدوني فيسعون في طلبي، وقولها: (قَد عَرَّسَ)؛ أي: نزل وقت السحر، وقولها: (فَادَّلَجَ) يقال: أَدْلَج القوم: إذا قطعوا الليل كلَّه سيرًا، وادَّلجوا إذا خرجوا من آخر الليل بتشديد الدال، وقولها: (فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِه)؛ تعني قوله إنا لله وإنا إليه راجعون، وقولها: (فَرَأَى سَوَادَ إِنسَانٍ)؛ أي شخص إنسانٍ (فَخَمَّرْتُ وَجْهِي)؛ أي: سترت، (بجِلبَابي)؛ أي بردائي، (أَنَاخَ): أي: أبرك، (ثُمَّ وَطِئ عَلَى يَدِهَا)؛ أي: وضع رجله على يد الراحلة؛ لئلا تقوم قبل أن أركب.\nوقولها: (مُوغِرِينَ): الوَغْرَة: شدة الحر، وأوغر دخل في وقت شدة الحر، وأوغر صدره؛ أي أحماه من الغيظ، ووَغَر صدرُه عليه يَوْغَرُ: إذا اغتاظ، والوَغِيرُ: لحم يُشوى على الرَّمضاء، و(نَحْرُ الظَّهِيرَة): أولها، وقولها: (فَأَفَاضَ أَهلُ الإِفْكِ فِي قولِهِم) (^٢) وفي الصحيح: (والناس يفيضون في قول أهل الإفك)؛ يقال: أفاض في الحديث، أي: أخذ فيه ودفع، وقولها: (يَرِيبُنِي) أي: يشككني، قال خالد بن زهير الهذلي (^٣):\nيَا قَوْمِ مَالِي وأَبا ذُؤَيبِ … كنتُ إِذا أَتَوْتُه مِنْ غَيْبِ\nيَشَمُّ عِطْفِي ويَبُزُّ ثَوْبي … كأَنَّما أَرَبْتُه بِرَيْبِ\nقيل كان أبو ذؤيب يرسل بخالد - وهو ابن أخته - إلى امرأة يهواها يقال\n_________\n(^١) البيت للأعشى، ينظر: غريب أبي عبيد: ٢/ ١٢٥، وتهذيب اللغة: ١٥/ ٤٥٩، الجليس الصالح: ٨٤.\n(^٢) لفظ رواية المؤلف.\n(^٣) ينظر ديوان الهذليين: ١/ ١٦٥.","vol":"1","page":641},{"text":"لها أم عمرو، فراودت أمُّ عمرٍو خالدا عن نفسه، فأبى ذلك حينًا، ثم طاوعها، فلما رجع إلى أبي ذؤيب، قال: والله إني لأجد ريح أم عمرٍو منك، ثم جعل لا يأتيه إلا استراب، وقال خالد هذا الشعر، وله معه حديث طويل (^١).\nوالغَيْبُ: ما استتر، والعِطف: الجانب، ويَبُزُّ ثوبي: أي يجذبه إليه، وأَرَابَ: إذا ظهر منه ما يُتَّهم به، والرَّيْبُ: الشك، يقال: رابني هذا الأمر: إذا أدخل عليك شكا.\nو(نَقَهْتُ مِنَ المَرَضِ) بفتح القاف؛ أي برأت، وقولها: (وَكَانَ مُتَبَرَّزَنَا)؛ أي: الموضع الذي نبرز إليه لقضاء الحاجة، والمَنَاصِعُ): اسم بَرِّيَة بباب المدينة، و(الكُنُفُ): جمع الكنيف، و(التَّنَزُّه): الخروج إلى الصحراء لحاجة، و(المِرْطُ): الإزار المخطط، وقولها: (تَعِسَ مِسْطَحٌ): دعاء عليه، وقولها: (قَالَت: أَيْ هَنْتَاهُ)، يقال: في الكناية عن الشخص المذكر: ياهَنَاه، وعن المؤنث: يا هَنْتَاه، وأي: حرف نداء، و(تِيكُم): إشارة إلى مؤنث، وخطاب إلى جماعة، و(الحَظِيَّة) (^٢): الوجيهة ذات المنزلة، و(الوَضِيئَة): الجميلة الحسنة، و(الضَّرَائِرُ): جمع الضَّرَّة، والضَّرَّة: المرأة التي تُنكح على امرأة كانت قبلها، ثم يقع هذا الاسم عليهما جميعا، و(لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ)؛ أي: لا ينقطع، (وَلَا أَكْتَحِل بِنَومٍ)؛ أي: لا أنام، و(اسْتَلْبَثَ الوَحْيُ)؛ أي: لبث ووقف ولم ينزل، وقوله: (تَصْدُقْكَ): أي تقل لك الصدق، و(أَغْمِصُه)؛ أي: أعيبه، يقال: غَمِصته أغمصه، وفي لغة أخرى: غَمَصته بفتح الميم أعْمَصه، وقولها: (أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي)؛ أي أصون سمعي وبصري من أن أقول سمعت ولم أسمع، وبصرت ولم أبصر، و(الدَّاجِنُ):\n_________\n(^١) ينظر: عيون الأخبار: ٤/ ١٠٧، وأخبار النساء لابن الجوزي: ١٥٢.\n(^٢) رواية ابن ماهان لصحيح مسلم، ينظر: إكمال المعلم: ٨/ ٢٩٧، وشرح النووي: ١٧/ ١٠٨.","vol":"1","page":642},{"text":"الشاة التي تألف البيت ولا تخرج إلى المرعى.\nو(تُسَامِينِي): من المساماة، مفاعلة وهي من السُّمُو، أي: تفاخرني وتجاريني، و(طَفِقَت حَمْنَة تُحَارِبُ لَها)؛ أي: أخذت في المحاربة لها، أي: لأجل أختها، كانت زينب ضرة عائشة ﵂، فكانت لا تقول في حق عائشة ﵂ إلا الجميل، وكانت أختها حَمْنَة تتعصب لأختها، فتسمع ما يذكر الناس وتقوله.\nوفي الحديث ترك الخوض فيما لا يُستيقن، والاحتراز من البهت والكذب والقذف، وفي الحديث أن المكذوب عليه يتوجع مما يقال فيه، وفيه أن على الزوج أن لا يقبل قول الحاسد في امرأته، وفيه أن الذنب وإن عظُم، فإن الندم والاستغفار يكفرانه، لقوله ﷺ: (إن كُنتِ ألمَمتِ بِذَنْبٍ فَاستَغفِرِي الله)؛ أي: (إِن إن كنت أصبت ذنبا، وأصله من اللّمَم، واللمم: مقاربة المعصية من غير مواقعة، وألممت بالرحل إلماما إذا نزلت به، وقاربته والمُلِمَّة: النازلة تنزل بالمرء، قال (^١):\nإِنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا … وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ لَا أَلَمَّا\nوقوله: (مَا رَامَ مَجْلِسَه)؛ أي: ما برح، وقوله: (فَتَثَاوَرَ الحَيَّانِ) (^٢)؛ أي تواثبا، وقوله: (يُخَفِّضُهُمْ)؛ [أي: يقول لهم: اخفضوا] (^٣) أصواتكم و(يُسْكِتُهُم) (^٤)؛ أي: يقول لهم: اسكتوا، و(قَلَصَ دَمعِي)؛ أي: ارتفع، (حَتَّى مَا\n_________\n(^١) البيت لأمية بن أبي الصلت وينسب لأبي خراش الهذلي ينظر: طبقات فحول الشعراء: ١/ ٢٦٧، والأزمنة والأمكنة: ٤٤، وقد أنشده النبي ﷺ كما عند الترمذي برقم: ٣٢٨٤.\n(^٢) رواية البخاري برقم: ٤٧٥٠، وعند مسلم: (فثار الحيان).\n(^٣) مكررة في الأصل، ولعله سهو.\n(^٤) رواية الطبراني في الكبير برقم: ١٤٧.","vol":"1","page":643},{"text":"أُحِسُّ)؛ أي: ما أجد و(البُرَحَاء) شدة الحمى، (لَيَتَحَدَّرُ): لَيَتصبب، و(الجُمَانُ): الدُّر، شبَّه قطراتِ العَرَق بالدُّر، وقوله: (استَعذَر)؛ أي: طلب من القوم أن يعذروه إذا عاقب الذين تكلموا في حديث الإفك، وكذا معناه: (مَن يَعذُرُني)؛ أي: من يقيم عذري إذا أحللت بأهل الإفك ما يستوجبونه، و(اليَوم الشَّاتِي): يوم الشتاء، وقوله: (أَيُّ أَرضٍ تُقِلُّنِي)؛ أي: تحملني، و(أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي)؛ أي: تكون ظلًّا لي، وفي رواية: (اجتَهَلَته الحَمِيَّة)، كأن معناه: معنى استجهلته، أي: حملته على الجهل، وطلبت منه الجهل، و(لَعَمْرُ الله) قسم، وفي رواية: (فَهُوَ الَّذِي كَانَ يَسْتَوْشِيه)، يقال: استوشيت الحديث، أي: استخرجته، أي: كان يسأل الناس ويُفْشِيه، وقوله: (وَأَبَنُوهُم)؛ أي: اتهموهم، وقوله: (عَن كَنَفِ أُنْثَى)؛ أي: عن [ثيابها] (^١)، أي: ما خالطت امرأة قط.\n\n<span data-type='title' id=toc-482>ومن باب ما جاء في ذكر المنافقين</span>\n[٨٨٠] حديث زيد بن أرقم: (فَاجْتَهَدَ يَمِينَهُ) (^٢)؛ أي: بالغ في يمينه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [الأنعام:١٠٩].\n\n[٨٨١ - ٨٨٢] وفي حديث: (أَتَى قَبْرَ عَبْدِ اللهِ بن أُبَيّ) (^٣)، وحديث تكفينه في قميصه (^٤)، وما بعده من الأحاديث كان النبي ﷺ يقبل الظاهر من إسلامهم، ويقبل اعتذارهم، وكان ﷺ إذا سئل حاجة، وأمكنه أن يقضيها لم يردها، وإنما\n_________\n(^١) في الأصل: (ثيابه).\n(^٢) أخرجه مسلم برقم: ٢٧٧٢، وأخرجه البخاري برقم: ٤٩٠٣.\n(^٣) حديث جابر: أخرجه مسلم برقم: ٢٧٧٣، وأخرجه البخاري برقم: ٣٠٠٨.\n(^٤) حديث ابن عمر: أخرجه مسلم برقم ٢٧٧٤، وأخرجه البخاري برقم: ٤٦٧٠.","vol":"1","page":644},{"text":"كان ابنه سأله أن يعطيه قميصه فأعطاه، فكفنه فيه، وكان ابنه عبدُ الله من خيار المسلمين، فأكرمه النبي ﷺ بذلك.\n\n[٨٨٣] وقوله: (ثَمَانِيَةٌ مِنْهُمْ تَكْفِيهِمُ الدُّبَيْلَةُ) (^١)؛ الدُّبَيلَة: طاعون وخراج يخرج بالإنسان، وهو في هذا الحديث عقوبة للمنافقين، و(نَارٍ يَظْهَرُ فِي أَكتافِهِم حَتَّى يَنجُمَ مِنْ صُدُورِهِم)؛ أي: يبدو ويظهر، والكلمة مأخوذة من قولهم: دَبَلْت الشيء جمعته، ودَبَلْتُ اللقمة بأصابعي، ودَبَلَهُم أمر شديد وشر، ودَبِلَ البعير دَبلًا: إذا امتلأ لحما، ويقولون: دبلًا ديبلًا؛ أي: داهية وشدة، قال:\nطِعَانَ الْكُمَاةِ وَرَكْضَ الْجِيَادِ … وَقَوْلَ الْحَوَاضِنِ دِبْلًا دَبِيلًا (^٢)\nوهو دعاء عليهم، وقوله: (كُنَّا نُخْبَرُ أَنَّهُمْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ)، كأن هذا العدد يختص رؤساءهم.\n\n[٨٨٤] وقوله: (ثَنِيَّةَ الْمُرَارِ) (^٣) بضم الميم، قيل: المرار شجر مر.\n* * *\n\n[٨٨٥] وقوله: (بُعِثَتْ هَذِهِ الرِّيحُ لِمَوْتِ مُنَافِقٍ) (^٤)؛ أي: إنما بعثت عقوبة له وعلامة لموته.\n_________\n(^١) حديث حذيفة: أخرجه مسلم برقم: ٢٧٧٩، ولفظه: (تكفيكهم)، لكن ذكر القاضي لفظ المؤلف ضمن روايات مسلم، ينظر المشارق: ١/ ٣٤٧، وأخرج الحديث أيضا أحمد برقم: ١٨٨٨٥.\n(^٢) بيت كثير بن الغريزة النهشلي، ينظر: الألفاظ لابن السكيت: ٤٢٥، الصحاح: ٤/ ١٦٩٤، مقاييس اللغة: ٢/ ٣٢٧.\n(^٣) حديث جابر: أخرجه مسلم برقم: ٢٧٨٠.\n(^٤) حديث جابر: أخرجه مسلم برقم: ٢٧٨٢، وأخرجه أحمد برقم: ١٤٧٣٢.","vol":"1","page":645},{"text":"[٨٨٦] وقوله: (فَأَصْبَحَتِ الْأَرْضُ قَدْ نَبَذَتْهُ) (^١)؛ أي: طرحته على وجهها، وذلك عقوبة له، فإن الأرض تقبل المنافق والكافر.\n\n[٨٨٧ - ٨٨٨] وقوله: (الرَّاكِبَينِ المُقَفِّيَينِ) (^٢) يعني المُوَلِّيين، وحديث: (كَمَثَلُ الشَّاةِ العَائِرَةِ بَينَ الغَنَمَينِ) (^٣)؛ أي: المترددة؛ لا تهتدي إلى هذه ولا إلى هذه.\n\n<span data-type='title' id=toc-483>ومن باب صفة القيامة</span>\n[٨٨٩] أمر القيامة من أمور الغيب التي أمرنا بالإيمان بها، وحديث: (يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ) (^٤) مما يجب الإيمان به، ولا يتصرف فيه بالمعقول.\n\n[٨٩٠] وقوله: (ثُمَّ يَطوِي الأَرَضِينَ بِشِمَالِهِ) (^٥)، روي: (كِلتَا يَدَيهِ يَمِينٌ) (^٦) أي: ما هو عند الناس شمال، فهو يمين على الحقيقة.\n\n[٨٩١] وقوله: (عَلَى أَرضٍ بَيضَاءَ عَفرَاءَ، كَقُرصَةِ النَّقِيِّ) (^٧)؛ يعني الحُوَّارَى (^٨)، وقوله: (لَيسَ فِيهَا عَلَمٌ لِأَحَدٍ)؛ أي ليس فيها بناء وتصرف لأحد،\n_________\n(^١) حديث أنس: أخرجه مسلم برقم: ٢٧٨١، وأخرجه أحمد برقم: ١٣٣٢٤.\n(^٢) أخرجه مسلم برقم: ٢٧٨٣.\n(^٣) حديث ابن عمر: أخرجه مسلم برقم: ٢٧٨٤، وأخرجه النسائي برقم: ٥٠٣٧.\n(^٤) حديث ابن مسعود: أخرجه مسلم برقم: ٢٧٨٦، وأخرجه البخاري برقم: ٤٨١١.\n(^٥) حديث ابن عمر: أخرجه مسلم برقم: ٢٧٨٨، وأخرجه البخاري برقم: ٧٤١٣.\n(^٦) أخرجه مسلم برقم: ١٨٢٧، وأخرجه النسائي برقم: ٥٣٧٩.\n(^٧) حديث سهل بن سعد: أخرجه مسلم برقم: ٢٧٩٠، وأخرجه البخاري برقم: ٦٥٢١.\n(^٨) خبز من الدقيق المنخول.","vol":"1","page":646},{"text":"وفي رواية: (لَيْسَ فِيهَا مَعْلَمٌ لِأَحَدٍ) (^١) قال أبو عبيد (^٢): المَعْلَم: الأثر، وقيل: المَعْلَم: ما جعل علامة للطرق، مثل أعلام الحَرَم؛ ومعالمه المضروبة عليه.\nوقوله: (يَكْفَؤُهَا) (^٣) أي: يقلبها، وقوله: (تَكُونُ الْأَرْضِ خُبْزَةً وَاحِدَةً)، قيل: يجعلها الله خبزة تؤكل، وقيل لم يزجر النبي ﷺ اليهودي عن قوله ذلك، ولو كان باطلا لنهاه.\n\n[٨٩٢] وقوله: (النَّاسُ عَلَى الصِّرَاطِ) (^٤)، هو على ما قال لا خُلف فيه.\n\n[٨٩٣] وفي سكوت النبي ﷺ عن تفسير الروح، دليل على أن علم ذلك عند الله، لا يعلم كيفيته الخلق، وقوله: (مَا رَابَكُمْ) (^٥)؛ أي: ما أحوجكم، و(العَسِيبُ): الغصن.\n\n[٨٩٤] وقوله: (لَوْ تَابَعَنِي عَشَرَةٌ مِنَ الْيَهُودِ) (^٦)؛ يعني: عشرة من أحبارهم.\n\n[٨٩٥] وقوله في حديث أبي جهل: (وَهُوَ يَنْكُصُ عَلَى عَقِبَيْهِ) (^٧)؛ دليل أن من كان الله ناصره لم يضره كيد كائد، ولا مكر ماكر، وفيه دلالة لنبوته ﷺ، وفي\n_________\n(^١) رواية البخاري برقم: ٦٥٢١.\n(^٢) غريب الحديث: ٣/ ١٧٧.\n(^٣) حديث أبي سعيد: أخرجه مسلم برقم: ٢٧٩٢، وأخرجه البخاري برقم: ٦٥٢٠.\n(^٤) حديث عائشة: أخرجه مسلم برقم: ٢٧٩١، وأخرجه الترمذي برقم: ٣١٢١.\n(^٥) حديث ابن مسعود: أخرجه مسلم برقم: ٢٧٩٤، وأخرجه البخاري برقم: ١٢٥.\n(^٦) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٧٩٣، وأخرجه البخاري برقم: ٣٩٤١.\n(^٧) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٧٩٧، وأخرجه أحمد برقم: ٨٨٣١.","vol":"1","page":647},{"text":"انشقاق القمر آية عظيمة، ودلالة على صحة نبوته.\n\n[٨٩٦] وفي حديث أبي موسى ﵁: (لَا أَحَدَ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى يَسْمَعُهُ مِنَ اللهِ ﷿ (^١)؛ دلالة على حلم الله، وأنه لا يعجل بالعقوبة، لأنه لا يخاف الفوت، فهو يأخذ به إذا شاء.\n\n[٨٩٧] وفي حديث أنس ﵁: (يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ) (^٢)؛ فيه دليل أن النِّعم والسرور يُنسى عند دخول النار، وأن المحن والأحزان تُنسى عند دخول الجنة.\n\n[٨٩٨] وقوله في حديث أبي عمران الجَوْنِي: (قَدْ أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ هَذَا وَأَنْتَ فِي صُلْبِ آدَمَ) (^٣) دليل على أن الذرية لما دعوا إلى التوحيد؛ لم يجيبوا كلهم.\n\n[٨٩٩] وفي حديث ابن مسعود ﵁: (إِلَى قَولِه: ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥]) (^٤) دليل أن الرجل إذا أصابته عقوبة بذنب؛ فلم يعتبر بذلك، ردفته عقوبة أكبر منها.\n_________\n(^١) حديث أبي موسى: أخرجه مسلم برقم: ٢٨٠٤، وأخرجه البخاري برقم: ٧٣٧٨.\n(^٢) حديث أنس: أخرجه مسلم برقم: ٢٨٠٧، وأخرجه أحمد برقم: ١٣١١٢.\n(^٣) حديث أنس: أخرجه مسلم برقم: ٢٨٠٥، وأخرجه البخاري برقم: ٣٣٣٤.\n(^٤) أخرجه مسلم برقم: ٢٧٩٨، وأخرجه البخاري برقم: ٤٨٠٩.","vol":"1","page":648},{"text":"<span data-type='title' id=toc-484>ومن باب ذكر المؤمن والمنافق</span>\n[٩٠٠] حديث كعب بن مالك ﵁ فيه (^١): مَثَّلَ المؤمنَ في كثرة ما يصيبه من المصائب بـ (الْخَامَةِ مِنَ الزَّرْعِ)؛ وهي: الغَضَّة الناعمة يصيبها الريح؛ فيميلها يمينا وشمالا، فالمؤمن مرزأ تصيبه الشدائد من جهات كثيرة، والمنافق يبقى على حالة واحدة حتى تأتيه منيته، قال:\nإِنَّمَا نَحْنُ مِثْلُ خَامَةِ زَرْعٍ … فَمَتَى يَأْنِ يَأْتِ مُحْتَصِدُهُ (^٢)\nو(يُفيئهَا): يُمِيلها، و(الْأَرْزَةِ): شجر الصنوبر، و(الْمُجْذِيَةِ): الثابتة، (لَا يُقِلُّهَا) (^٣) أي: لا يرفعها من الأرض، و(انْجِعَافُهَا): انقلاعها.\n\n<span data-type='title' id=toc-485>ومن باب تحريش الشيطان</span>\n[٩٠١] قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦]، فالشيطان لا يألو ابن آدم خبالًا، إلا أن الله تعالى يعصم من شاء من عباده، فقد يئس من ضلالة المصلين، فلا يملك إلا وسوستهم، فإذا ذُكِر الله عند وسوسته هرب، قيل: هو محبوس في جزيرة من جزائر البحر، يبعث الجنود ليفتنوا الناس ويوقعوهم في المعاصي، وقوله: (إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ) (^٤).\nفي الحديث ما يبعث على الاحتراز من الشيطان، وقوله: (فَأَسْلَمَ)؛ أي:\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم: ٢٨١٠، وأخرجه البخاري برقم: ٥٦٤٣.\n(^٢) البيت الطِّرِمَّاح بن حكيم الطائي، ينظر: غريب أبي عبيد: ١/ ١١٨، وحماسة البحتري: ١٨٧، وتهذيب اللغة: ٧/ ٢٤٧، ومقاييس اللغة: ٢/ ٢٣٧.\n(^٣) لفظ عند أحمد برقم: ٢٧١٧١، وابن أبي شيبة برقم: ٤٩٧.\n(^٤) حديث ابن مسعود: أخرجه مسلم برقم: ٢٨١٤، وأخرجه أحمد برقم: ٣٧٧٩.","vol":"1","page":649},{"text":"استسلم وانقاد وكف وسوستَه، ويجوز أن يكون معناه: دخل في الإسلام؛ حتى سلمت منه، وروي: (فَأَسْلَمُ) (^١) برفع الميم، أي: فأَسْلم أنا منه، وفي الحديث دليل أن الشيطان موكل بابن آدم، قال أبو حازم: (وَمَا إِبْلِيسُ؟ لَقَد أُطِيعَ فَمَا نَفَع، وَعُصِي فَمَا ضَرَّ) (^٢).\n\n[٩٠٢] وفي حديث عبد الله ﵁: (كَانَ يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ) (^٣) أي: يتعهدنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-486>ومن باب ذكر الجنة</span>\n[٩٠٣] (بَلْهَ مَا أَطْلَعَكُمُ عَلَيْهِ) (^٤)؛ أي: دع ما أطلعكم عليه، واتركه فإن سوى ذلك ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وقال: بَلْهَ الجِلَّة النُّجَبَا (^٥)، وقيل: بَلْهَ بمعنى غير، قال:\nبَلْهَ الأكُفِّ كَأَنَّهَا لم تُخلَقِ (^٦).\n_________\n(^١) ينظر مشارق الأنوار: ٢/ ٢١٨.\n(^٢) أبو حازم سلمة بن دينار، أسنده الجوهري في مسند الموطأ برقم: ٤١٣، وكذلك أبو نعيم في الحلية برقم: ٣/ ٢٤٥.\n(^٣) حديث ابن مسعود: أخرجه مسلم برقم: ٢٨٢١، وأخرجه البخاري برقم: ٧٠.\n(^٤) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٨٢٤، وأخرجه البخاري برقم: ٤٧٨٠.\n(^٥) من عجز بيت لابن هرمة، وتمامه:\nتَمْشي القَطُوفُ، إِذا غَنَّى الحُدَاةُ بِهَا … مَشْيَ النجيبةِ، بَلْهَ الجِلَّةَ النُّجُبا\nينظر: غريب الحديث لأبي عبيد: ١/ ١٨٧، كتاب الشعر للفارسي: ١/ ٩٥، الزاهر: ١/ ٢٥٩.\n(^٦) بيت لكعب بن مالك ﵁، ينظر: سيرة ابن هشام: ٢/ ٢٦٢، غريب أبي عبيد: ١/ ١٨٦، وتهذيب اللغة: ٦/ ١٦٧.","vol":"1","page":650},{"text":"[٩٠٤] وقوله: (يَسِيرُ الرَّاكِبُ الْجَوَادَ الْمُضَمَّرَ السَّرِيعَ، مِائَةَ عَامٍ) (^١)؛ تضمير الخيل: أن يلقي عليها الجِلال حتى يعرق ويَقِلَّ لحمه، فيخف عند العدو، يقال: ضمر الفرس ضُمُورًا، وذلك من الهزال وخفة اللحم، وَالِمضْمَار: الموضع الذي يضمر فيه الخيل.\n\n[٩٠٥] وقوله: (وَمَجَامِرُهُمُ الأَلُوَّةُ) (^٢) المَجَامِر: جمع المِجْمَرة، ومعناه: عُودُ مَجَامِرِهم الأُلُوَّة، يقال: تجمَّرت المرأة: إذا وضعت تحت ثيابها مِجْمَرة، قال محمد بن ثور في صفة امرأة:\nلَا تَصطَلي النارَ إِلا مِجْمَرًا أَرِجًا … قَدْ كَسَّرَت مِن يَلَنجُوجٍ لَهُ وَقَصا (^٣)\nأي: لَا تصطَلي النار وحدها، حتى يكون على النار ما يُتَبخّر به، والمِجمَر: المجمرة، والأَرِج: الطيب الريح، اليَلَنْجُوج والأَلَنْجُوج: العود، والوَقَصُ: دقاق العود أي: قد كسرت من العود قطعا صغارا؛ وجعلته موضع الحطب، (وَرَشحُهُمُ)؛ أي: عَرَقهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-487>ومن باب صفة جهنم</span>\n[٩٠٦ - ٩٠٨] (إِذ سَمِعَ وَجَبَةً) (^٤) أي: صوتا، وقوله: (إِلَى حُجزَتِهِ) (^٥)؛ أي: مَشَدَّ السراويل على الجَنْب، وقوله: (حِقوَيهِ) أي: جَنْبيه، وقول: (قَطْ\n_________\n(^١) حديث أبي سعيد: أخرجه مسلم برقم: ٢٨٢٨، وأخرجه البخاري برقم: ٦٥٥٢.\n(^٢) أخرجه مسلم برقم: ٢٨٣٤، وأخرجه البخاري برقم: ٣٢٤٥.\n(^٣) ينظر: إصلاح المنطق: ٦٢، ومعجم ديوان الأدب: ١/ ٢٩٢، والصحاح: ١/ ٣٣٨، اللسان: ٢/ ٣٥٥.\n(^٤) أخرجه مسلم برقم: ٢٨٤٤.\n(^٥) حديث سمرة: أخرجه مسلم برقم ٢٨٤٥، وأخرجه أحمد برقم: ٢٠١٠٣.","vol":"1","page":651},{"text":"قَطْ) (^١) وروي: (قَطِ قَطِ) بكسر الطاء والتخفيف، وروي بالتشديد، وهو حكاية صوت الانزواء، وقَطِ بكسر الطاء والتخفيف، بمعنى: قَطِي؛ أي: حسبي.\nوفي هذه الأحاديث ما يبعث على شدة الخوف من نار جهنم، وفي جرِّها بالأَزِمَّة هول هائل، تُقلَع مع عِظَمها من أصلها، فتخِرُّ بإذن الله ﷿، وقوله: (مِنهُم مَن تَأخُذُه إِلَى كَذَا وَمِنهُم إِلَى كَذَا)؛ يعني: المؤمنين المذنبين؛ على قدر جرائمهم، وقوله: (حَتَّى يَضَعَ فِيهَا رَبُّ الْعِزَّةِ قَدَمَهُ): هذا مما يجب الإيمان به، ولا يُكَيَّف.\n* * *\n\n[٩٠٩] وقوله: (فَيَشرَئِبُّونَ) (^٢)، أي: فيرفعون أعناقهم، وقوله: (كَبشٌ أَملَحُ)؛ أي أبيض.\n* * *\n\n[٩١٠] وقوله: (مَا بَينَ مَنكِبَيِ الكَافِرِ مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) (^٣)؛ هذا كله مما يجب الإيمان به، وكل شيء تستبعده أفهامنا؛ فإذا وقع وصار موجودا؛ قرب من أفهامنا، وإنما يَعظُم الكافر في النار؛ ليكون أبلغَ في وجعه، وأشدَّ لألمه.\n* * *\n\n[٩١١] وقوله: (كُلُّ جَوَّاظٍ) (^٤)؛ قيل: الجَوَّاظ: المختال، و(الزَّنِيمُ): الدعي، و(المُستَكبِر): الذي لا يقبل الحق، وقوله: (رُبَّ أَشْعَثَ مَدفُوعٍ\n_________\n(^١) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٨٤٦، وأخرجه البخاري برقم: ٤٨٤٩.\n(^٢) حديث أبي سعيد: أخرجه مسلم برقم: ٢٨٤٩، وأخرجه البخاري برقم: ٤٧٣٠.\n(^٣) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٨٥٢، وفيه: (.. الكافر في النار ..) وأخرجه البخاري برقم: ٦٥٥١.\n(^٤) حديث حارثة بن وهب: أخرجه مسلم برقم: ٢٨٥٣، وأخرجه البخاري برقم: ٤٩١٨.","vol":"1","page":652},{"text":"بِالأَبْوَابِ)؛ فيه دليل أن من كان خامل الذكر، حسنَ السيرة؛ يكون مستجاب الدعوة.\n* * *\n\n[٩١٢] وقوله: (يَجُرُّ قُصْبَهُ) (^١)، يعني: أمعاءه.\n* * *\n\n[٩١٣] وقوله: (انبَعَثَ لَها رَجُلٌ مَنِيعٌ فِي رَهْطِهِ) (^٢)؛ فيه دليل أن العزيز إذا ركب الذنب العظيم، كان أشد العقوبته، وفيه زجرٌ عن ضرب المرأة في غير موضعه.\n* * *\n\n[٩١٤] وفي حديث سهيل (^٣): إيعاد شديد لمن يضرب المملوك، ويظلم الناس، وللنساء اللواتي يلبسن الغلائل والشُّفوف، ويتراءين لغير أزواجهن ومحارمهن، وقد زيَّنَّ أنفسهن بالشهوات في غير حِلِّها، وفيه تحقير لأمر الدنيا، فلم تبلغ كل ما فيها من نعيم الآخرة؛ إلا المقدار الذي وصفه، وقوله: (مَائِلَاتٌ)؛ يعني في مشيهن، (مُمِيلَاتٌ)؛ أي: يُمِلْنَ أكتافهن وأعطافهن، وقوله: (رُؤُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ البُخْتِ)؛ أي: يُعَظَّمن رؤوسهن بالخُمُر والمقانع؛ حتى يشبه أسنمة الإبل البُخت.\n* * *\n_________\n(^١) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٨٥٦، وأخرجه البخاري برقم: ٤٦٢٣.\n(^٢) حديث عبد الله بن زمعة: أخرجه مسلم برقم: ٢٨٥٥، ولفظه: (انْبَعَثَ بِهَا رَجُلٌ عَزِيزٌ عَارِمٌ مَنِيعٌ فِي رَهْطِهِ)، وأخرجه البخاري برقم: ٤٩٤٦.\n(^٣) أخرجه مسلم برقم: ٢١٢٨، وأخرجه أحمد برقم: ٨٦٦٥.","vol":"1","page":653},{"text":"<span data-type='title' id=toc-488>ومن باب الحشر وأحوال القيامة</span>\n[٩١٥] حديث المستورد: (فَليَنظُر بِمَ يَرجِعُ؟) (^١) بالياء؛ أي: بِمَ يرجع أحدكم، وبالتاء؛ أي: بم ترجع الأصبع، يعني ترجع ولا يعلق بها شيء من الماء، وقوله: (بِالبَهَامِ) (^٢): لغة في الإبهام، وهي لغة غير فصيحة، وهي لغة الراوي.\n* * *\n\n[٩١٦] و(حُفَاة) (^٣): جمع حاف؛ وهو الذي لا خُفّ في قدمه ولا نعل، و(عُرَاة): جمع عار، و(غُرلٌ): جمع أَغْرَل؛ وهو الأقلف الذي لم يختن بعد، وفي الأثر: (لأَن أَحْمِلَ عَلَيه - يعني الفرس - غُلَامًا رَكِبَ الخَيلَ عَلَى غُرْلَتِهِ - أي في صغره أَحَبُّ إِلَيَّ مِن أَن أَحْمِلكَ عَلَيْهِ) (^٤).\n* * *\n\n[٩١٧] وقوله: (فَيُؤخَذُ بِهِم ذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي) (^٥)؛ قيل: هم المنافقون والذين ارتدوا.\n* * *\n\n[٩١٨] وقوله: (اثنَانِ عَلَى بَعِيرٍ، وَثَلَاثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ) (^٦)؛ قيل: لعلهم يشتهون ذلك للمرافقة والأنس، قيل: هذا قبل النفخ في الصور، بدليل قوله: (وَيحشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النَّارُ).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم: ٢٨٥٨، وأخرجه ابن ماجة برقم: ٤١٠٨.\n(^٢) هي رواية السمرقندي للصحيح، وعدها القاضي عياض تصحيفا، ينظر مشارق الأنوار: ١/ ١٥.\n(^٣) حديث عائشة: أخرجه مسلم برقم: ٢٨٥٩، وأخرجه البخاري برقم: ٦٥٢٧.\n(^٤) ينظر: الطبقات الكبرى: ٥/ ١٧٨، مسند أبي بكر للمروزي رقم: ٩١، وتاريخ دمشق: ٦٠/ ٣٠.\n(^٥) حديث ابن عباس: أخرجه مسلم برقم: ٢٨٦٠، وأخرجه البخاري برقم: ٧٥٢٦.\n(^٦) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٨٦١، وأخرجه البخاري برقم: ٦٥٢٢.","vol":"1","page":654},{"text":"[٩١٩] وقوله: (تُدنَى الشَّمسُ يَومَ القِيَامَةِ) (^١)، قال سليم بن عامر: (فَوَالله مَا أَدْرِي مَا يَعْنِي بِالميلِ: مَسَافَة الأَرْضِ، أَوِ الِميلِ الذِي يُكْحَلُ بِه العَينُ) (^٢)؛ وحمله على المسافة أولى، لأن الميل إنما يستعمل في المسافة في العرف في مثل هذا الموضع.\n* * *\n\n[٩٢٠] وفي حديث عياض بن حمار: (وَأَنزَلتُ عَلَيكَ كِتَابًا لَا يَغسِلُهُ المَاءُ) (^٣)؛ يعني: إذا محي في موضع؛ تَعَذَّر ذلك في كل موضعٍ، فلا سبيل إلى محوه، أي: هو محفوظ في صدور الرجال، فإن محي لم يذهب كما ذهب كثير من كتب الله ﷿، و(الشِّنظِيرُ): الفاحش، قال الشاعر:\nيُشَنْظِر بالقَوْمِ الكِرام ويَعْتَزِي … إِلَى شَرِّ حافٍ فِي البِلاد وناعِلِ (^٤)\nيشنظر بهم: يُفْحِش القولَ فيهم، وقوله: (إِنَّ كُلَّ مَالٍ نَحَلْتُه عَبْدِي فَهُوَ حَلَالٌ لَه) (^٥)، أراد أنهم حرموا على أنفسهم البحائر؛ والسُّيَّب؛ والحامي؛ ولم تحرم بتحريمهم، وقوله: (خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ)؛ أي: مسلمين، وهذا كقوله: (كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ) (^٦)، وقيل: هذا فيمن يكون كذلك، ويكون معناه الخصوص.\n_________\n(^١) حديث المقداد بن الأسود: أخرجه مسلم برقم: ٢٨٦٤، وأخرجه الترمذي برقم: ٢٤٢١.\n(^٢) عند مسلم في حديث الباب.\n(^٣) أخرجه مسلم برقم: ٢٨٦٥، وأخرجه أحمد برقم: ١٧٤٨٤.\n(^٤) البيت لابن ميادة، ينظر: تهذيب اللغة: ١١/ ٣٠٩، والمخصص: ١/ ٣٥٠، واللسان: ١١/ ٢٦٨.\n(^٥) لفظ مسلم: (كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلَالٌ)، ولفظ المؤلف أقرب إلى لفظ أحمد: ١٨٣٣٨، والطبراني في الكبير: ٩٩٢.\n(^٦) متفق عليه: البخاري برقم: ١٣٨٥، ومسلم برقم: ٢٦٥٨.","vol":"1","page":655},{"text":"وقوله: (فَاجتَالَتهُم عَن دِينِهِم)؛ أي: أزالتهم عن دينهم بتزيينه ووسوسته، وقوله: (يَثلَغُوا رَأْسِي)؛ أي: يشدخوا، وروي: (يَفْلَغُوا) (^١) بالفاء، ولا معنى له، وقوله: (فَيَدَعُوهُ خُبْزَةً)، أي: كالخبزة المتهشمة، وقوله: (لَا زَبْرَ لَهُ)؛ أي: لا؛ رأي، يقال: ما له زَبْرٌ، أي: ما له عقل.\n\n<span data-type='title' id=toc-489>ومن باب عذاب القبر</span>\n[٩٢١] (إِذْ حَادَتْ بِهِ) (^٢)؛ أي: نفرت به؛ يعني البغلة، وفي الأحاديث تثبيت عذاب القبر، ودلالة على أن المؤمن مثاب في الآخرة، والكافر معذب، ودلالة أن الله تعالى يعذب المجرم بما شاء من أنواع عذابه في القبر؛ وخارج القبر، وإن شاء رد الروح إلى الجسد فعذبهما معًا، وإن شاء عذب كل واحد منهما مفردا، والإيمان بذلك كلِّه واجب.\n* * *\n[٩٢٢ إلى ٩٢٤] ومُنْكَر ونَكِير: ملكان موكلان بسؤال الخلق، وقوله: (خَفْقَ نِعَالِهِمْ) (^٣) أي صوت نعالهم، و(الرَّيْطَة) (^٤): رداء، وفي حديث (مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ) (^٥)؛ قيل: رد الله إلى أجسادهم أرواحها؛ لما أراد بهم من عقابها، وفي إخبار النبي ﷺ بمصارعهم قبل قتلهم دلالة لنبوته ﷺ، وقوله: (وَقَدْ جَيَّفُوا)؛ أي: صاروا جيفا.\n_________\n(^١) أثبت له القاضي عياض معنى الأول، وذكر أنه روي بغيرهما، ينظر المشارق: ١/ ١٣٠.\n(^٢) حديث أبي سعيد: أخرجه مسلم برقم ٢٨٦٧، وأخرجه أحمد برقم: ٢١٦٥٨.\n(^٣) حديث أنس: أخرجه مسلم برقم: ٢٨٧٠، وأخرجه أبو داود برقم: ٤٧٥٣.\n(^٤) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٨٧٢، وأخرجه البخاري برقم: ٣٩٧٦.\n(^٥) حديث أنس: أخرجه مسلم برقم: ٢٨٧٤، وأخرجه النسائي برقم: ٢٠٧٥.","vol":"1","page":656},{"text":"<span data-type='title' id=toc-490>ومن باب يبعث كل عبد على ما مات عليه وباب ما جاء في الحساب يوم القيامة:</span>\n[٩٢٥] في هذه الأحاديث (^١) دلالة أن من نوقش الحساب لم يسلم من العذاب؛ لتقصير أكثر العباد فيما كُلِّفوه، وتفريطهم فيما أمروا به، ومن تلافاه الله ﷿ برحمته فاز ونجا، و(المُنَاقَشَة): الاستقصاء في الحساب.\n* * *\n\n[٩٢٦ - ٩٢٧] وفي حديث جابر (^٢) وابن عمر (^٣) ﵁ دلالة أن حسن الظن بالله سبب موجب للجنة، وأن البريء والسقيم يدخلون في الهلكة، ثم يخلص أهل الجنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-491>ومن باب خروج يأجوج ومأجوج، وما جاء في الفتن</span>\n[٩٢٨] قوله: (زَوَى لِي الأَرضَ) (^٤)؛ معناه قبضها وجمعها، يقال: انزوى الشيء إذا تقبض واجتمع، والمعنى: أن الأرض زويت له جملتها مرة واحدة؛ فرآها، ثم هي تُفتح له جزءا فجزءا، حتى يأتي عليها كلها، فيكون في قوله: (مِنهَا) معنى التبعيض، و(الكَنزَانِ): الذهب والفضة، و(السَّنَة): القحط، وقوله: (بِعَامَّة) (^٥)، وروي: (بِسَنَةٍ عَامَّة)؛ أي: سنة تَعُمّهم وتشملهم، أي: دعا بأن لا تعمهم السنة كافة؛ فيهلكوا عن آخرهم، فأما أن يجدب قوم ويخصب قوم،\n_________\n(^١) منها حديث عائشة: أخرجه مسلم برقم: ٢٨٧٦، وأخرجه البخاري برقم: ٤٩٣٩.\n(^٢) أخرجه مسلم برقم: ٢٨٧٧، وأخرجه أبو داود برقم: ٣١١٣.\n(^٣) أخرجه مسلم برقم: ٢٨٧٩، وأخرجه البخاري برقم: ٧١٠٩.\n(^٤) حديث ثوبان: أخرجه مسلم برقم: ٢٨٨٩، وأخرجه أبو داود برقم: ٤٢٥٢.\n(^٥) كذا في رواية أبي داود.","vol":"1","page":657},{"text":"فإنه خارج عن الدعوة، وقد كان عام الرمادة في زمان عمر ﵁، ووقع الغلاء بالبصرة، ووقع ببغداد أيضا، فهلك خلق كثير من الجُوع، إلا أن ذلك لم يكن على سبيل العموم لكافة الأمة، فلم يكن في شيء منها خُلْف في الخبر.\n* * *\n\n[٩٢٩] و(الأُطُمُ) (^١): بناء عظيم كالقصر، وفي هذه الأحاديث تحذير من الفتن وإنذار بوقوعها، ومنها أن الله تعالى كان أعلم محمد ﷺ بها.\n* * *\n\n[٩٣٠] وحديث جابر: (يُوشِكُ أَهْلُ الْعِرَاقِ أَنْ لَا يُجْبَى إِلَيْهِمْ دِينَارٌ وَلَا مُدْيٌ) (^٢)؛ المُدْيُ: مكيال.\n* * *\n\n[٩٣١] وقوله: (صِغَارَ الْأَعْيُنِ ذُلْفَ الْآنُفِ) (^٣) الآنف: جمع الأنف، وذُلْف: جمع أذلف، وهو الذي فيه غِلَظٌ وانبطاح، و(المَجَانُّ): جمع المِجَنّ، وهو التُّرْس، و(المُطْرَقَةُ) التي أُطْرِقَت بِالعَقَب، يقال: طَارَقَ النَّعْلَ: إذا خصف البعضَ على البعض، قال صاحب المجمل (^٤): ترس مُطْرَقٌ: إِذا قُدِّرَ على قَدْرِ جلدٍ فَطُورِق، ونعل مُطَارَقة: إذا كانت مخصوفة، وقيل: الطِّراق: الجلد الذي يَغشى الترس، شبه وجوههم - يعني وجوه الترك - في عرضها ونتوء وجناتها؛ بالترسة التي ألبست الأطرقة.\n_________\n(^١) حديث أسامة: أخرجه مسلم برقم: ٢٨٨٥، وأخرجه البخاري برقم: ١٨٧٨.\n(^٢) أخرجه مسلم برقم: ٢٩١٣، واللفظ: (قفيز ولا درهم)، والدينار والمدي جاءا في ذكر أهل الشام في نفس الحديث.\n(^٣) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٩١٢، وأخرجه البخاري برقم: ٣٥٩١.\n(^٤) مجمل اللغة: ٥٩٥.","vol":"1","page":658},{"text":"[٩٣٢] وفي حديث أبي هريرة ﵁: (وَمَنَعَت مِصرُ إِردَبَّهَا وَدِينَارَهَا، وَعُدتُمْ مِنْ حَيثُ بَدَأَتُمْ) (^١)، قال أهل اللغة (^٢) الإردب: مكيال ضخم، قال الأخطل:\nوَالْخبْز كالعَنْبرِ الهنديّ عندهمُ … والقَمْحُ سَبْعُونَ إردبًّا بِدِينَار (^٣)\nيصفهم بالبخل، يقول: إن الخبز لا يوجد عندهم، وهو في عزته عندهم كالعنبر الهندي، والواو في قوله: والقمح: واو الحال، أي: في الحال التي فيها سعر البُرِّ سبعون إرْدَبًّا بدينار.\n* * *\n\n[٩٣٣] وقول عمر ﵁: (الَّتِي تَمُوجُ كَمَوجِ البَحرِ) (^٤) أي: التي لا يتهيأ تسكينها من تفاقمها، وكان الباب الحاجز بينها وبين الناس عمرُ بن الخطاب ﵁، فلما قتل هاجت الفتنة، وكان عثمان ﵁ يجتهد في تسكينها، فلما قتل هاجت فتن لا تطاق.\nوفي قوله: (مَنَعَتِ الْعِرَاقُ دِرْهَمَهَا)؛ دلالة أنهم يرتدون عن الإسلام؛ وعن أداء الجزية، وظهور الذهب من الفتن، إذ يكون سببا للقتل؛ حتى يفنى الناس لأجله، وقوله: (عُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ)؛ أي: ألقيتم الإسلام وراء ظهوركم؛ كما فعلتم قبل الإسلام.\n* * *\n\n[٩٣٤] و(الأَعْمَاقُ) و(دَابِقُ) (^٥): موضعان.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم: ٢٨٩٦، وأخرجه أبو داود برقم: ٣٠٣٥.\n(^٢) ينظر: تهذيب اللغة: ١٤/ ٧٣، والصحاح: ١/ ١٣٥، الغريبين: ٣/ ٧٣١.\n(^٣) ينظر: معجم ديوان العرب: ١/ ٢٧٩، والموشح: ١٨٦، وحياة الحيوان: ٢/ ٤٢٠.\n(^٤) أخرجه مسلم برقم: ١٤٤، وأخرجه البخاري برقم: ١٤٣٥.\n(^٥) حديث أبي هريرة: أخرجه مسلم برقم: ٢٨٩٧.","vol":"1","page":659},{"text":"<span data-type='title' id=toc-492>ومن باب ذكر الدجال</span>\n[٩٣٥ - ٩٣٨] حديث ابن صائد: (فَجَاءَ بِعُسٍّ) (^١)؛ العس: القَدَح، وقوله: (دَرمَكَةٌ بَيضَاءُ) (^٢) يعني الخبز الحوَّارَى، وقوله: (قَد نَاهَزَ الْحُلُمَ) (^٣)؛ أي: قارب الحلم، وقوله: (وَقَد نَفَرَت عَينُهُ) (^٤)؛ أي: ورمت وخرجت من [موضعها] (^٥)، وقوله: (فَنَخَرَ) أي: صاح صيحة منكرة.\n* * *\n\n[٩٣٩] وحديث النواس بن سمعان في صفة الدجال (^٦)، قال ابن قتيبة (^٧): الغرقد: شجر من شجر العَضَاه، والعَضَاه: كل شجر له شوك؛ مثل الطلح والسمر والسدر، وإنما قيل لمدفن أهل المدينة: بقيع الغرقد؛ لأنه كان فيه غرقد، قال ذو الرمة:\nأَلِفْنَ ضَالًا نَاعِمًا وغَرْقَدا (^٨)\nوقوله: (تُنْزَعُ حُمَةُ كُلِّ دَابَّة) (^٩)، يعني: سَمَّها وضُرَّها، وقوله: (كَفَاثُورِ\n_________\n(^١) حديث أبي سعيد: أخرجه مسلم برقم: ٢٩٢٧.\n(^٢) حديث أبي سعيد: أخرجه مسلم برقم: ٢٩٢٨.\n(^٣) حديث ابن عمر: أخرجه مسلم برقم: ٢٩٣٠، وأخرجه البخاري برقم: ٧١٢٧.\n(^٤) حديث ابن عمر: أخرجه مسلم برقم: ٢٩٣٢.\n(^٥) في الأصل: (موضعه).\n(^٦) أخرجه مسلم برقم: ٢٩٣٧، وأخرجه أبو داود برقم: ٤٣٢١.\n(^٧) غريب الحديث: ١/ ٢٧٣.\n(^٨) رجز: ينظر: غريب ابن قتيبة: ١/ ٢٧٤، وتهذيب اللغة: ٨/ ١٩٠، وديوان ذي الرمة: ١/ ٢٩٣.\n(^٩) ورد هذا في ذكر الدجال؛ عند نعيم بن حماد في الفتن برقم: ١٥٨٩، والطبراني في الطوال برقم: ٤٨.","vol":"1","page":660},{"text":"الفِضَّة) (^١) قيل: إنه الجَام (^٢)، قال لبيد:\nحَقائِبُهمْ راحٌ عَتِيقٌ ودَرْمَكٌ … ورَيْطٌ وفاثُورِيّةٌ وسَلاسِلُ (^٣)\nقيل: الفاثورية الخِوان، وقيل: الجَامُ، والدَّرْمَك: الحوَّارِي، والسلاسل: ما يتسلسل من صفائه، أراد أن الأرض تُنَقَّى من كل دَغَل وشوك، حتى تعود إلى حالها في زمن آدم ﵇، لأنه يروى في الحديث: أن الأرض أنبتت الشوك بعد قتل ابن آدم أخاه (^٤).\nوروي أن النبي ﷺ سأل ابن صائد عن تربة الجنة فقال: (دَرْمَكَةٌ بَيْضَاءُ مِسْكٌ خَالِصٌ) ويقال: دَرْمَك أيضا، وروي: أنَّ الناس يحشرون على أرضٍ بيضاءَ كقُرصَة النَّقِي (^٥)، يريد الحوَّارِي.\nوالقِطف [بالكسر] (^٦)، والقَطف بالفتح: مصدر قطفت، ومثل ذلك الذَّبح والذِّبح: فالذَّبح: مصدر ذبحت، والذِّبح: المذبوح، والرَّعي: مصدر رعيت، والرِّعى الكلأ، ومثل هذا كثير.\nوفي حديث يأجوج ومأجوج: (فَيُرسِلُ عَلَيْهِمُ النَّغَفَ فِي رِقَابِهِم)؛ النَّغَف: دود يكون في أنوف الإبل، واحدتها نَغَفَة، ويقال للرجل تحتقره: إنما أنت نَغَفَة،\n_________\n(^١) عند نعيم في الفتن أيضا.\n(^٢) إناء يستعمل للشرب ونحوه.\n(^٣) ينظر: المعاني الكبير: ١/ ٤٦٤، تهذيب اللغة: ١٢/ ٢٠٧، وديوان لبيد بن ربيعة: ٨٧.\n(^٤) لم أقف عليه مسندا، ينظر غريب ابن قتيبة: ١/ ٢٧٥.\n(^٥) سبق أعلاه.\n(^٦) تآكل في الأصل، ولعل المثبت هو ما سقط، بدليل الكسرة تحت القاف.","vol":"1","page":661},{"text":"وقوله: (فَيُصبِحُونَ فَرْسَى)؛ أي: قتلى؛ جمع فريس، بمعنى مفروس، يقال: فَرَسَ الذئب الشاة فرسا؛ أي قتلها، وأصل الفَرْس: دق العنق، وفَرَسَتْه الأُسْد من ذلك، وقوله: (حَتَّى يَتْرُكَهَا كَالزَّلْفَةِ) الزلفة: مَصْنَعة الماء؛ وجمعها زَلَف، قال لبيد وذكر سانية تسقي زرعا:\nحَتَّى تَحَيَّرَتِ الدِّبَارُ كأَنَّهَا … زَلَفٌ وأُلْقِيَ قِتْبُها المَحْزُومُ (^١)\nالدِّبَار: المشارات، تحيرت من كثرة الماء حين لم يجد الماء منفذا، وألقي قِتْب الناقة عند فراغها، يعني: القَتَب، وهما لغتان قِتْب وقَتَب، وأراد أن المطر يكثر حتى تصير الأرض كأنها مصنعة من مصانع الماء، وقيل: الزَّلفة: المحارة؛ وهي الصَّدَفة، وقيل: سمي الغدير محارة؛ لأن الماء يحور إليه، ويجتمع فيه، وقوله: (يَتَهَارَجُونَ فِيهَا تَهَارُجَ الحُمُر) الهرج: الاختلاط، يقال: هرج الناس يهرجون هرجا: إذا اختلطوا، وهرج الفرس يَهْرِج: إذا كثر جَرْيه.\n* * *\n\n[٩٤٠] وقوله: (فَيَقتُلُهُ ثُمَّ يُحيِيهِ) (^٢)، قيل: هو الخضر ﵇.\n* * *\n\n[٩٤١] وقوله: (أَصغَى لِيتًا) (^٣) اللِّيت: صفحة العنق، وأصغى: أمال، وقوله: (يَلُوطُ حَوْضَ إِبِلِهِ)؛ أي: يصلحه.\n* * *\n_________\n(^١) ينظر: معجم ديوان الأدب: ١/ ١٧٧، تهذيب اللغة: ٥/ ١٥٠، وديوان لبيد: ١٠١.\n(^٢) حديث أبي سعيد: أخرجه مسلم برقم: ٢٩٣٨، وأخرجه البخاري برقم: ٧١٣٢.\n(^٣) حديث عبد الله بن عمرو: أخرجه مسلم برقم: ٢٩٤٠.","vol":"1","page":662},{"text":"[٩٤٢] ومن حديث تميم الداري ﵁ في صفة الدجال (^١): (فِي أَقْرُبِ السَّفِينَةِ)؛ القَارِب: سفينة صغيرة تجري مع السفينة الكبيرة، (اغْتَلَمَ البَحْرُ): هاج، وقوله: (بِيَدِهِ السَّيْفُ صَلْتًا)، أي: جردا.\n* * *\n\n[٩٤٣] وفي حديث أبي هريرة ﵁: (وَالرَّجُلُ يَلِطُ فِي حَوضِهِ) (^٢) كذا في الكتاب، والمحفوظ: (يَلُوطُ حَوضَه)؛ أي: يُطَيِّنه ويصلحه.\n\n[٩٤٤] ومن حديث أن ثلاثة [....] (^٣)\n..... بها من (البَلَاغ): وهو الكفاف، وقوله: (كَابِرًا عَن كَابِرٍ): أبًا عن أب، وقوله: (فَأُنتِجَ هَذَا وَوَلَّدَ هَذَا) أي: نتجت ناقة هذا، وولدت شاة هذا، وقوله: (لَا أَجْهَدُكَ اليَومَ شَيئًا) أي: لا أجهدك اليوم جَهدا، ثم ابتدأ فقال: (أَخَذتَهُ لِلَّهِ)؛ أي: لم أشق عليك في شيء تأخذه الله، وفي رواية: (لَا أُحمِدُك) (^٤) بالحاء والميم، فإن حفظت بضم الهمزة وكسر الميم؛ [كان له وجه] (^٥)، فيكون معناه: لا أكلفك الحمد، أي: لا أريد منك الشكر على ما أعطيك، قال الله ﷿: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٩]).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم برقم: ٢٩٤٢، وأخرجه أبو داود برقم: ٤٣٢٦.\n(^٢) أخرجه مسلم برقم: ٢٩٥٤.\n(^٣) سقط في الأصل، والحديث المراد: حديث الأقرع والأبرص والأعمى، أخرجه مسلم برقم: ٢٩٦٤.\n(^٤) رواية ابن ماهان لصحيح مسلم، وكذا في روايات البخاري، ينظر: مشارق الأنوار: ١/ ١٦٢، الجمع بين الصحيحين برقم: ٥١١٤.\n(^٥) إلحاق في الأصل، ولعل هذا موضعه.","vol":"1","page":663},{"text":"ومن بقية الألفاظ المشكلة المستدركة؛ قوله في حديث الدجال: (فَعَاثَ يَمِينًا وَعَاثَ شِمَالًا)؛ عاث أي: أفسد، يقال: عاث يعيث عيْثا، قال الحارث بن حِلِزَّة:\nيتركُ ما رقَّحَ من عيشِهِ … يعيثُ فيه هَمَجٌ هامِجُ (^١)\nيقال: رقَّح معيشته؛ أي: أصلحها، ويعني بهمج هامج: قوما لا خير فيهم من الورثة؛ من النساء والصبيان، أي: يموت ويترك ماله يعيث فيه الورثة، أي: يتصرف بالفساد فيه.\nورواه بعضهم: (فَعَاثٍ) بكسر الثاء والتنوين، وهو اسم الفاعل من عثا يعثو، يقال: عَثَى وَعَثِيَ يَعثَى؛ بمعنى عاث يعيث؛ إذا أفسد.\nوفي أحاديث الدجال عجائب منها: إنذار الأنبياء ﵈ خروجه، ومنها: أن الله ﷿ يبعثه عقوبة على الخلق للابتلاء، ومنها: أنه يدعي الإلهية والنبوة كفرا وعنادا، والدلالة على كذبه أنه أعور، وإن الله بصير، وفيها إثبات نزول عيسى ﵇ لإهلاك الدجال.\nوقوله: (فَامْرُؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهِ)؛ أي: يحاجج عن نفسه، ومن العجائب: مسيره في الأرض كمسير السحاب [....] (^٢) وفيها أن من قرأ سورة الكهف مداوما على قراءتها كُفِيَ فتنته إن أدركه.\n* * *\n_________\n(^١) ينظر: المعاني الكبير: ٢/ ٦٠٨، والحيوان: ٣/ ٢١٤، ومعجم ديوان الأدب: ١/ ٣٤٦، ديوانه: ١١١.\n(^٢) محو بقدر كلمة.","vol":"1","page":664},{"text":"[٩٤٥] وقوله: (وَلَيسَ نَقبٌ مِن أَنقَابِهَا) (^١)؛ أي: طريق من طرق المدينة، [....] (^٢) المدينة، وقوله: (فَتَرجُفُ المَدِينَةُ)؛ أي: تتحرك، و(المخصَرَة): عصا صغيرة.\n* * *\n\n[٩٤٦] و(عَينُ زُغَر) (^٣)؛ بضم الزاي وفتح الغين المعجمة: من عيون الشام، و(بَيسَان): من نواحي الشام، ولخم وجذام: قبيلتان، وقوله: (ثُمَّ ارفُوا إِلَى جَزِيرَة) أصل الكلمة مهموزة، فترك همزها، يقال: أرفأتُ السفينة أي: قربتها من الساحل، ومرفأ السفينة: الموضع الذي يقرب من الساحل، و(الجَسَّاسَة): الذي يبحث عن الأخبار ويتتبعها ويسأل عنها، ويمكن أن تكون الهاء فيه للتأنيث [مثل] (^٤) المرأة، ويمكن أن يكون للمبالغة كالعلَّامة والنسَّابة، ويكون [....] (^٥) يتجسس الأخبار ويتعرفها لأجل الدجال.\nوالدجال سمي دجالا لتمويهه على الناس وتلبيسه، يقال: دجَّل: إذا موه ولبس، وقال ابن الأنباري: قال ثعلب سمّي دجالًا لضربه في الأرض وقطعه أكثر نواحيها، يقال: دَجَّل الرجل: إذا فعل ذلك، وقيل الدَّجْل: طلي البعير الأجرب بالقطران، قيل: دجل فلان الحق بباطله، وقيل: الدجل السحق.\nوسمي مسيحا لأنه ممسوح إحدى العينين، وقيل: سمي عيسى ﵇ ميسحا\n_________\n(^١) حديث أنس: أخرجه مسلم برقم: ٢٩٤٣، وأخرجه البخاري برقم: ١٨٨١.\n(^٢) محو في الأصل بقدر كلمتين.\n(^٣) حديث الجساسة: أخرجه مسلم برقم: ٢٩٤٢.\n(^٤) محو في الأصل، والسياق يدل عليها.\n(^٥) محو في الأصل بمقدار كلمة.","vol":"1","page":665},{"text":"لأنه مسح بالبركة، وسمي الدجال مسيحا لأنه مسح باللعنة، فمسيح هنا: فعيل بمعنى مفعول، وقيل: سمي عيسى مسيحا؛ لأنه كان يمسح الأرض، أي: يقطعها، وكذلك الدجال سمي بذلك، فمسيحٌ على هذا فعيل بمعنى الفاعل، وكذلك إذا قيل: كان ﷺ لا يمسح ذا عاهة إلا برأ، ومن ذلك صرف الدجال عن مكة والمدينة، فيه دلالة على فضل النبي ﷺ[لكونه] (^١) منهما ومن ذلك إبراء الخلق [....] (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) غير واضحة.\n(^٢) هذا آخر ما وجد من مخطوطة الكتاب.","vol":"1","page":666}]}