{"ً":{"ٌ":12763,"ٍ":"مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"العقيدة/مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة - القفاري - ط طيبة 1-2","files":["00_3984.pdf|الغلاف","01_3984.pdf","02_3985.pdf"]},"ّ":"الكتاب: مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة\nالمؤلف: ناصر بن عبد الله بن علي القفاري\nدار النشر: دار طيبة للنشر والتوزيع\nالطبعة: الثالثة، ١٤٢٨ هـ\nعدد الأجزاء: ٢\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"قال مؤلف الكتاب حفظه الله في مقدمة بحثه:\n\n… وفي هذا العصر قامت محاولات كثيرة للتقريب بين أهل السّنة والشيعة، كمحاولة جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية في القاهرة وغيرها. وهذه المحاولات مبنيّة على: (أنه لا خلاف بين أهل السنّة والشيعة في شيء من أصول الإيمان، أو أركان الإسلام أو ما عُلم من الدين بالضرورة)؛ وإنما هو خلاف في بعض المسائل الفلسفية والآراء الكلاميّة التي لا صلة لها بأصول العقيدة، أو لا خلاف بينهم أصلًا إلا في بعض مسائل الفروع، والصراع والخلاف بينهما إنما صنعته الأوهام نتيجة العزلة الطويلة بين الطائفتين، وأخذ العدو يؤيد هذا الخلاف ويؤججه، والواقع أنه لا اختلاف بين الطائفتين عند الدراسة والتحقيق: (فمن الممكن أن يتقارب المسلمون فيعلموا أن هناك فرقًا بين العقيدة التي يجب الإيمان بها، وبين المعارف الفكرية التي تختلف فيها الآراء دون أن تمس العقيدة، ويومئذ يهون الأمر فنجتمع على ما نجمع عليه، وإذا اختلفنا لم يكن خلافنا إلا كما يختلف أهل المذاهب الفقهية دون خصام ولا اتهام ودون توجس واسترابة وسوء ظن مما يجعلنا متقاطعين في معاملاتنا ومصاهراتنا وثقافاتنا)، (والقطيعة بين المسلمين أوجدت حجبًا كثيفة لا بد لرفعها من دعوة تنظم الجهود، ودعاة مخلصين يبذلون غاية الجهد لتعريف كل طائفة بما عند غيرها..) .\nوبناء على هذا \"الحكم\" - بأنه لا خلاف بين الفريقين - طالب الشيعة باعتبار مذهبهم مذهبًا خامسًا، وأصدر شلتوت \"فتواه\" بجواز التعبد بالمذهب الجعفري، ونَشَر الشيعة في ديار السنّة بعض كتبهم الفقهية، ودعا بعض المنتسبين للسنّة برجوع السنّة إلى كتب الشيعة في الحديث كما يرجعون إلى صحيح البخاري وغيره من كتب السنّة، كما قام بعضهم بتحقيق بعض كتب الشيعة في ديار السنّة ونشرها. وقيل وفُعل الكثير في هذا الباب مما يطول وصفه وتسجيله. ولم يحصل شيء من ذلك في ديار الشيعة، وكأن التقصير في مسألة التقريب هو من جانب السنّة.\nوكان لا بد من دراسة \"مسألة التقريب\" دراسة علمية موضوعية توضح الرؤية وتبيّن الطريق.. ليكون التقريب - إن أمكن - على بيّنة ومنهج واضح.. وسبيل راشد.. فإن دعوى عدم وجود خلاف إنما هي أمل يرجوه كل مسلم، ويستبشر بحصوله كل مؤمن، وهؤلاء الدعاة للتقريب يزفون لنا البشرى بأنه لا وجود للخلاف الأساسي أصلًا.\nوما قاله علماء الفرق، وأئمة العقيدة والدين.. هو مجرد وهم من الأوهام.\nوكما أن الاجتماع والتآلف إنما هو كسب عظيم ونجاح كبير للأمة في حاضرها ومستقبلها، فإن دعوى عدم وجود خلاف أساسي على الرغم من وجوده أمر خطير، لأن هذه \"فتوى\" وحكم على الضلال والباطل بالإسلام. وهذا باب من أبواب الصد عن دين الله وشرعه؛ لأن أصحاب ذلك الضلال إذا ظنوا أن ما هم عليه من باطل هو الإسلام، ثم رأوا ذلك فاسدًا في العقل، شكوا في الإسلام كله.. وذهبوا يبحثون عن «مذاهب وعقائد» أُخرى.. ومن هنا فلا بد أن يكون هذا الحكم قائمًا على بيّنة.. لأن التستر على الخلاف لا يؤدي إلى إزالته، بل يؤدي لاستمراره واستفحاله.. ومحاولة المريض إيهام نفسه بالسلامة تجرُّه إلى مدرجة الهلكة، ودس الرؤوس في الرمال تعاميًا عن الحقيقة خير من مواجهتها مهما كانت صعبة مرة.. والدين النصيحة، لذا كان خير الطرق معرفة \"واقع الأمر\" و\"حقيقة المشكلة\" والبحث عن الحل لذلك.\nإنه من الضروري أن تتكاتف جهود الباحثين المخلصين لكشف أسباب الخلاف وأُصوله، وإماطة اللثام عن الباطل الذي حاول المغرضون التلبيس به على الناس، ورفع الستار عن الأعداء.. الذين يزرعون الخلاف ويبغون في الأمة الفرقة والفشل.\nلهذا سأحاول في هذه \"الدراسة\":\nالتعرف على أُصول الخلاف وأُسسه، ورأي دعاة التقريب في ذلك. وبعد ذلك سأعرض لمحاولات التقريب، والجهود المبذولة لرفع الخلاف مع التقويم لها، ثم أُبيّن هل هناك طريق ناجح لحل الخلاف.\nوقد بدأْت الدراسة لـ \"مسألة التقريب\" بالتعريف بأهل السنّة وبالشيعة، وبيان أُسس الخلاف بينهما ومظاهره، وهذا أمر أساسي في بحث \"مسألة التقريب\"، فالحكم على الشيء فرع عن تصوره، وكيف نحكم في مسألة التقريب ما لم نعرف السنّة والشيعة؟ وهل نستطيع أن نصل إلى معرفة حقيقية لإمكانية التقريب أو عدمه قبل دراسة أُصول الخلاف بين الاتجاهين؟\nفدراسة ذلك ركن أساسي في بحث \"مسألة التقريب\"، لهذا جعلت ذلك في بابين:\nالباب الأول: أهل السنّة ويشمل: التعريف بأهل السنّة ومصادرهم\nفي تلقي العقيدة، ومجمل عقائدهم التي خالفتها الشيعة؛ أدرس ذلك من خلال كتب أهل السنّة.\nوقد يقول قائل: إذا كانت الشيعة تحتاج إلى تعريف.. فهل يحتاج أهل السنّة إلى ذلك؟ وهل من المناسب جعل المتمسك بالحق مساويًا للمخالف المنشق، وجعل \"السنّة\" معادلة للنزعات التي انشقت عنها؟\nوأقول: إن مثل هذا القول قد يقوله \"شيعي\" أيضًا، فالشيعة يزعمون لأنفسهم أن مذهبهم هو الحق.. وقضية التعريف بالطائفتين، وبيان أُصول الخلاف بينهما لا تعني المعادلة والمساواة بحال، فلكلٍّ وجهة ولكلٍّ عقيدة.. والسنّة بحاجة إلى من يعرف بعقيدتها وبنشرها.. ولا سيما في هذا الزمن الذي استحكمت فيه غربة السنّة واستفحل الكيد لها.\nوقد يكون هذا التعريف ليس لأهل السنّة، بل للشيعة الذين يقرؤون عن صورة لأهل السنّة مغايرة للحقيقة.\nوقد يكون الحكم بأنه لا خلاف بين السنّة والشيعة بناء على \"تصوير خاطئ\" لأهل السنّة في كتب الشيعة، فكان لا بد من بيان الحقيقة ولو على سبيل الإيجاز.\nوفي الباب الثاني: درست الشيعة؛ بالتعريف بهم، وبيان نشأتهم وأصول فرقهم. ثم خصصت أُصول فرقهم المعاصرة \"الإسماعيلية، والزيدية، والاثني عشرية\" بالدراسة والتقويم، لأن كل طائفة من هذه الطوائف نادى بعض أتباعها بالتقريب.\nوانتهيت إلى اعتماد \"الاثني عشرية الرافضة\" بالدراسة التفصيلية لأنها استوعبت بمصادرها الثمانية في الحديث معظم آراء فرق الشيعة. كما سيأتي تفصيل ذلك. فضلًا عن أنها تمثل غالبية الشيعة حتى قيل أن\nمصطلح \"الشيعة\"، إذا أُطلق فلا ينصرف إلا إليهم.. وأنها هي الفئة التي نشطت في الدعوة للتقريب، وبثت دعاتها ونشرت كتبها، وأقامت بعض المراكز لهذا الغرض.\nفدرست عقيدة \"الرافضة\" في أصول الإسلام المتفق عليها بين المسلمين: الكتاب، والسنّة، والإجماع. ثم عقائدها الأخرى التي خالفت فيها أهل السنّة، وهي: الإمامة، والعصمة، والتقية، والرجعة، والغيبة، والبداء، واعتقادهم في الصحابة.\nثم في نهاية هذين البابين بينت \"النتيجة\" لدراستنا لأهل السنّة والشيعة وذلك بالحكم على \"مسألة التقريب\"، ولم أتوقف عند هذه \"النتيجة\" بل عقدت بابًا كاملًا لآراء دعاة التقريب في أصول الخلاف التي عرضت لها فيما يتصل بمذهب الشيعة، وفيما يتصل بمذهب أهل السنّة. وناقشت ذلك كله، وذلك لنرى هل تغير شيء من أصول الخلاف وأُسسه من خلال دعوة التقريب، بحيث أصبح لا يوجد خلاف بين الفريقين إلا في بعض مسائل الفروع؟ أم أن الأمر غير ذلك؟\nلهذا اعتمدت في هذا الباب على آراء المعاصرين كما اعتمدت فيما قبل ذلك - في الغالب - على أحاديثهم عن \"معصوميهم\" وأقوال علمائهم السابقين.\nوفي الباب الرابع: تحدثت في الفصل الأول عن أهم المحاولات القديمة والمعاصرة للتقريب، وقدمت تقويمًا موجزًا عن تلك المحاولات، على ضوء الدراسة السابقة.\nثم في الفصل الثاني عقدت مبحثًا بعنوان: \"هل من طريق للتقريب؟ \" عرضنا وناقشت فيه أهم الأقوال، والطرق المتصورة لتحقيق التقريب وإزالة الخلاف، ثم بينت \"الرأي المختار\" في ذلك.","ٓ":"1.0","ٔ":559,"ٕ":1,"ٖ":1770154844,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2"],"ٚ":[{"title":"القسم الأول","level":1,"page":1},{"title":"هذا الكتاب","level":2,"page":2},{"title":"مقدمة","level":2,"page":3},{"title":"الباب الأول: أهل السنة والجماعة","level":2,"page":18},{"title":"الفصل الأول: التعريف بأهل السنة والجماعة","level":3,"page":19},{"title":"(أ) التعريف بالسنة","level":4,"page":19},{"title":"السبب في تسميتهم بهذا الاسم","level":4,"page":22},{"title":"(ب) الجماعة","level":4,"page":24},{"title":"سبب تسمية أهل السنة بالجماعة","level":4,"page":28},{"title":"(ج) نشأة اسم أهل السنة والجماعة","level":4,"page":31},{"title":"أهل السنة هم الذين ليس لهم لقب يعرفون به؛ لا جهمي ولا قدري ولا رافضي","level":4,"page":31},{"title":"الفصل الثاني: مصادر أهل السنة في تلقي العقيدة","level":3,"page":44},{"title":"١- أولا: مصادر أهل السنة","level":4,"page":45},{"title":"٢- كشف حقيقة ما ينسبه «الروافض» من أحاديث إلى مصادر أهل السنة","level":4,"page":53},{"title":"أساليب وطرق الشيعة الخفية في الاحتجاج من طريق السنة","level":5,"page":56},{"title":"الفصل الثالث: مجمل لأهم عقائد أهل السنة التي خالفتها الشيعة","level":3,"page":79},{"title":"١- حفظ الله سبحانه لكتابه العظيم","level":4,"page":79},{"title":"٢- من أصول أهل السنة أن رسول الله - ﷺ - بين الدين كله وأعلن ذلك بين المسلمين","level":4,"page":85},{"title":"٣- من أصول أهل السنة محبة أصحاب رسول الله - ﷺ - والترضي عنهم","level":4,"page":88},{"title":"٤- اعتقاد أهل السنة في أهل البيت","level":4,"page":95},{"title":"٥- لا عصمة لأحد بعد رسول الله - ﷺ -","level":4,"page":103},{"title":"٦- أصول أحكام الشريعة (المتفق عليها بين المسلمين): الكتاب والسنة وإجماع السلف","level":4,"page":106},{"title":"٧- المعجزات لا يأتي بها أحد إلا الأنبياء ﵈","level":4,"page":107},{"title":"٨- لا يعلم الغيب إلا الله وحده سبحانه","level":4,"page":107},{"title":"٩- ما اختاره المسلمون من الأئمة","level":4,"page":108},{"title":"١٠- لزوم الجماعة وترك الشذوذ والفرقة استجابة لأمر الله","level":4,"page":108},{"title":"١١- الحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين","level":4,"page":109},{"title":"١٢- صلاة الأعياد والجماعات ولا يدعون الجمعة والجماع","level":4,"page":109},{"title":"١٣- لا يرجع أحد من الأموات قبل يوم البعث","level":4,"page":109},{"title":"الباب الثاني: الشيعة","level":2,"page":111},{"title":"الفصل الأول: تعريف الشيعة ونشأتهم وفرقهم","level":3,"page":112},{"title":"تعريف الشيعة","level":4,"page":112},{"title":"التعريف المختار للشيعة","level":4,"page":119},{"title":"أصل الشيعة ونشأتهم","level":4,"page":123},{"title":"الرأي المختار","level":4,"page":133},{"title":"فرق الشيعة","level":4,"page":136},{"title":"الإسماعيلية","level":5,"page":140},{"title":"الزيدية","level":5,"page":151},{"title":"فرق الزيدية","level":6,"page":156},{"title":"الرافضة","level":5,"page":161},{"title":"الفصل الثاني: اعتقادهم في مصادر التلقي أو في أصول الأحكام المتفق عليها بين المسلمين","level":3,"page":167},{"title":"١- اعتقادهم في كتاب الله","level":4,"page":167},{"title":"(أ) قولهم بتحريفه","level":5,"page":167},{"title":"١- كتب الشيعة التي روت أخبار التحريف","level":6,"page":170},{"title":"٢- النصوص الواردة في كتبهم","level":6,"page":179},{"title":"٣- معتقدهم في هذه الروايات","level":6,"page":195},{"title":"٤- بداية هذا (الافتراء عند الشيعة)","level":6,"page":199},{"title":"(ب) انحرافهم في تأويل القرآن","level":5,"page":204},{"title":"أول من وضع الأساس في التفسير عند الشيعة","level":6,"page":205},{"title":"تأويلهم لما ورد في كتاب الله عن القرآن الكريم","level":6,"page":206},{"title":"تأويلهم للآيات الواردة في الكفار والمنافقين","level":6,"page":221},{"title":"تأويلهم لآيات من القرآن بمهديهم المنتظر","level":6,"page":226},{"title":"تأويلهم لآيات من كتاب الله بمعتقدهم في التقية","level":6,"page":228},{"title":"تأويلهم لآيات من كتاب الله بعقيدة الرجعة عندهم","level":6,"page":229},{"title":"هل لهم «تفاسير» معتدلة ليس فيها هذا الغلو الباطني في التفسير","level":6,"page":233},{"title":"(ج) دعواهم تنزل كتب إلهية على الأئمة","level":5,"page":236},{"title":"١- مصحف فاطمة","level":6,"page":237},{"title":"٢- لوح فاطمة","level":6,"page":241},{"title":"٣- دعواهم نزول اثني عشر صحيفة من السماء تتضمن صفات الأئمة","level":6,"page":243},{"title":"٢- عقيدتهم في السنة","level":4,"page":244},{"title":"أولا: أقوال \"أئمتهم الإثني عشر\" هي عندهم كأقوال الله ورسوله","level":5,"page":244},{"title":"ثانيا: إيداع الشريعة عند الأئمة المعصومين - بعد وفاة الرسول ﷺ","level":5,"page":245},{"title":"ثالثا: ردهم لمرويات الصحابة","level":5,"page":251},{"title":"رابعا: تلقيهم السنة عن «حكايات الرقاع» وما يسمونه بالتوقيعات الصادرة عن الإمام","level":5,"page":252},{"title":"خامسا: انفصالهم عن جماعة المسلمين بمصادر خاصة لهم في تلقي السنة","level":5,"page":258},{"title":"عمدة الروافض في أحاديثهم","level":6,"page":258},{"title":"أصول الشيعة في الحديث","level":6,"page":264},{"title":"١- «بحار الأنوار الجامعة لدر أخبار الأئمة الأطهار»","level":7,"page":264},{"title":"٢- «وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة»","level":7,"page":266},{"title":"٣- «مستدرك الوسائل»","level":7,"page":266},{"title":"أسانيد الشيعة في كتبهم","level":7,"page":268},{"title":"٣- عقيدتهم في الإجماع","level":4,"page":273},{"title":"الفصل الثالث: عقائدهم الأخرى التي انفصلوا بها عن أهل السنة","level":3,"page":276},{"title":"١ - الإمامة","level":4,"page":276},{"title":"(أ) معنى الإمامة عند الشيعة","level":5,"page":277},{"title":"(ب) فضائل الأئمة وصفاتهم","level":5,"page":279},{"title":"(ج) غلوهم في قبور أئمتهم واتخاذها مزارات ومشاهد","level":5,"page":288},{"title":"(د) غلوهم في مجتهديهم","level":5,"page":295},{"title":"(هـ) كل حكومة غير حكومة الاثني عشر باطلة","level":5,"page":299},{"title":"(و) كل الإمامة ركن من أركان الدين","level":5,"page":301},{"title":"(ز) تكفيرهم لمن أنكر إمامة الأئمة الاثني عشر","level":5,"page":303},{"title":"(ح) منزلة من آمن بهؤلاء الأئمة الاثني عشر (وهم الشيعة)","level":5,"page":308},{"title":"٢ - عصمة الإمام","level":4,"page":311},{"title":"٣- التقية","level":4,"page":319},{"title":"٤- الرجعة","level":4,"page":328},{"title":"٥- البداء","level":4,"page":333},{"title":"٦- الغيبة","level":4,"page":338},{"title":"٧- معتقدهم في الصحابة","level":4,"page":350},{"title":"النتيجة للباب الأول والثاني","level":2,"page":363},{"title":"القسم الثاني","level":1,"page":380},{"title":"الباب الثالث: آراء دعاة التقريب في قضايا الخلاف ومناقشة ذلك","level":2,"page":381},{"title":"الفصل الأول: فيما يتصل بمذهب الشيعة","level":3,"page":381},{"title":"توطئة","level":4,"page":383},{"title":"١- في قول الشيعة بتحريف القرآن","level":4,"page":386},{"title":"المحور الأول","level":5,"page":387},{"title":"المحور الثاني ومناقشته","level":5,"page":397},{"title":"المحور الثالث","level":5,"page":399},{"title":"المحور الرابع","level":5,"page":400},{"title":"المناقشة","level":5,"page":403},{"title":"المحور الثامن والأخير","level":5,"page":409},{"title":"المناقشة","level":5,"page":412},{"title":"٢- في انحرافهم في تفسير القرآن","level":4,"page":414},{"title":"(أ) رأي مرجع الشيعة «الخوئي»","level":5,"page":415},{"title":"التعليق","level":6,"page":427},{"title":"٣- في دعواهم تنزل كتب إلهية بعد القرآن","level":4,"page":433},{"title":"٤- في انحرافهم في (السنة) عن جماعة المسلمين","level":4,"page":437},{"title":"٥- في إنكارهم للإجماع","level":4,"page":442},{"title":"٦- الإمامة","level":4,"page":444},{"title":"(أ) رأي دعاة التقريب فيما جاء في أمهات كتب الشيعة من غلو في الأئمة","level":5,"page":444},{"title":"(ب) رأيهم في الغلو في قبور أئمتهم","level":5,"page":451},{"title":"(ج) غلوهم في مجتهديهم","level":5,"page":454},{"title":"(د) رأي دعاة التقارب فيما جاء في أصولهم وكتبهم الأساسية من عدم شرعية أي حكومة إسلامية غير حكومة الاثني عشر","level":5,"page":456},{"title":"١- رأي آيتهم \"حسين الخراساني","level":6,"page":456},{"title":"٢- رأي آيتهم العظمى عبد الحسين الرشتي","level":6,"page":457},{"title":"٣- عبد الحسين شرف الدين الموسوي","level":6,"page":459},{"title":"مناقشة هذا الرأي","level":7,"page":459},{"title":"في زعمهم أن الإمامة ركن من أركان الدين ومنكرها كافر","level":6,"page":461},{"title":"مناقشة هذا الرأي","level":7,"page":463},{"title":"(و) في غلو الشيعة في مدح نفسها","level":5,"page":472},{"title":"٧- في العصمة","level":4,"page":472},{"title":"٨- في الرجعة","level":4,"page":475},{"title":"٩- في الغيبة","level":4,"page":478},{"title":"١٠- في البداء","level":4,"page":481},{"title":"١١- في الصحابة","level":4,"page":482},{"title":"المناقشة","level":5,"page":486},{"title":"١٢- في التقية","level":4,"page":497},{"title":"مناقشة هذا الرأي","level":5,"page":498},{"title":"الفصل الثاني: فيما يتصل بمذهب أهل السنة","level":3,"page":511},{"title":"الفريق الأول","level":4,"page":512},{"title":"الفريق الثاني","level":4,"page":513},{"title":"الباب الرابع: محاولات القريب","level":2,"page":518},{"title":"الفصل الأول: \"محاولات التقريب\" عرض وتقويم","level":3,"page":518},{"title":"تمهيد","level":4,"page":519},{"title":"المحاولات في القديم","level":4,"page":523},{"title":"ترجمة السويدي","level":4,"page":530},{"title":"مؤتمر النجف","level":4,"page":532},{"title":"المؤتمر في يومه الثاني (الخميس ٢٥ شوال ١١٥٦هـ)","level":4,"page":540},{"title":"تقويم مؤتمر النجف","level":4,"page":544},{"title":"المحاولات المعاصرة","level":4,"page":546},{"title":"(أ) محاولات جماعية","level":5,"page":546},{"title":"١- محاولة جماعة سمت نفسها \"جماعة الأخوة الإسلامية\"","level":6,"page":546},{"title":"٢- دار الإنصاف","level":6,"page":547},{"title":"٣- دار التقريب بين المذاهب الإسلامية","level":6,"page":548},{"title":"التقويم","level":6,"page":560},{"title":"(ب) محاولات فردية","level":5,"page":566},{"title":"١- من أهل السنة","level":6,"page":566},{"title":"(أ) محمد عبده","level":7,"page":567},{"title":"(ب) محمد رشيد رضا","level":7,"page":568},{"title":"(ج) مصطفى السباعي","level":7,"page":570},{"title":"(د) محاولة الشيخ موسى جار الله","level":7,"page":574},{"title":"موسى جار الله","level":7,"page":575},{"title":"محاولة الشيخ موسى جار الله للتقريب","level":7,"page":577},{"title":"٢- المحاولات الفردية للتقريب من الشيعة","level":6,"page":584},{"title":"١- «الفصول المهمة»","level":7,"page":586},{"title":"٢- «المراجعات»","level":7,"page":588},{"title":"أحمد الكسروي","level":7,"page":593},{"title":"محاولة الكسروي","level":7,"page":595},{"title":"تقويم للمحاولات الفردية","level":7,"page":601},{"title":"(ج) الخميني ودولته وفكرة التقريب","level":7,"page":604},{"title":"١- هوية الخميني المذهبية","level":8,"page":607},{"title":"(أ) الخميني من أي فرق الشيعة في حكم أئمة السنة؟","level":9,"page":607},{"title":"(ب) عقيدة الخميني في حكم كبار علماء الشيعة في القرن الرابع","level":9,"page":609},{"title":"٢- عقائد الخميني","level":8,"page":611},{"title":"(أ) في القرآن الكريم","level":9,"page":611},{"title":"(ب) في السنة المطهرة","level":9,"page":612},{"title":"(ج) الإمامة عند الخميني","level":9,"page":614},{"title":"(د) غلوه في مسألة النيابة عن الإمام","level":9,"page":616},{"title":"(هـ) منكر الإمامة عند الخميني","level":9,"page":617},{"title":"(و) اعتقاده في الصحابة","level":9,"page":618},{"title":"(ز) قضاة المسلمين عند الخميني","level":9,"page":619},{"title":"(ح) الغيبة أو المهدية عند الخميني","level":9,"page":620},{"title":"٣- دولة الخميني والتقريب","level":8,"page":624},{"title":"الفصل الثاني: هل من طريق للتقريب؟","level":3,"page":628},{"title":"١- القول الأول","level":4,"page":629},{"title":"٢- القول الثاني","level":4,"page":633},{"title":"٣- القول الثالث","level":4,"page":639},{"title":"٤- القول الرابع","level":4,"page":643},{"title":"٥- القول الخامس","level":4,"page":646},{"title":"٦- المباهلة","level":4,"page":649},{"title":"الطريق المختار","level":4,"page":651},{"title":"١- عدم النص على علي ﵁","level":5,"page":661},{"title":"٢- ثناء الأئمة على الصحابة رضوان الله عليهم","level":5,"page":664},{"title":"الخاتمة","level":2,"page":672},{"title":"ملحق الوثائق والنصوص","level":3,"page":676},{"title":"فتوى الشيخ محمود شلتوت","level":4,"page":679},{"title":"فتوى شيخ الروافض محمد الخالصي","level":4,"page":680},{"title":"سورة الولاية المزعومة","level":4,"page":681},{"title":"أحد الكتب التي تزعم الشيعة نزولها من عند الله ﷿ والمسمى (لوح فاطمة)","level":4,"page":684},{"title":"دعاء صنمي قريش","level":4,"page":685},{"title":"بعض النصوص من كتاب (غاية المرام)","level":4,"page":686},{"title":"صفحات من كتاب (أحمد الكسروي)","level":4,"page":692},{"title":"حديث للشيخ حسنين مخلوف عن التقريب","level":4,"page":693},{"title":"حديث لأحد المفكرين العراقيين عن مسألة التقريب","level":4,"page":695},{"title":"نصوص هامة حول قضية التقريب","level":4,"page":698},{"title":"دليل المراجع","level":3,"page":699}],"ٛ":{"1,1":1,"1,3":2,"1,5":3,"1,6":4,"1,7":5,"1,8":6,"1,9":7,"1,10":8,"1,11":9,"1,12":10,"1,13":11,"1,14":12,"1,15":13,"1,16":14,"1,17":15,"1,18":16,"1,19":17,"1,21":18,"1,23":19,"1,24":20,"1,25":21,"1,26":22,"1,27":23,"1,28":24,"1,29":25,"1,30":26,"1,31":27,"1,32":28,"1,33":29,"1,34":30,"1,35":31,"1,36":32,"1,37":33,"1,38":34,"1,39":35,"1,40":36,"1,41":37,"1,42":38,"1,43":39,"1,44":40,"1,45":41,"1,46":42,"1,47":43,"1,49":44,"1,50":45,"1,51":46,"1,52":47,"1,53":48,"1,54":49,"1,55":50,"1,56":51,"1,57":52,"1,58":53,"1,59":54,"1,60":55,"1,61":56,"1,62":57,"1,63":58,"1,64":59,"1,65":60,"1,66":61,"1,67":62,"1,68":63,"1,69":64,"1,70":65,"1,71":66,"1,72":67,"1,73":68,"1,74":69,"1,75":70,"1,76":71,"1,77":72,"1,78":73,"1,79":74,"1,80":75,"1,81":76,"1,82":77,"1,83":78,"1,85":79,"1,86":80,"1,87":81,"1,88":82,"1,89":83,"1,90":84,"1,91":85,"1,92":86,"1,93":87,"1,94":88,"1,95":89,"1,96":90,"1,97":91,"1,98":92,"1,99":93,"1,100":94,"1,101":95,"1,102":96,"1,103":97,"1,104":98,"1,105":99,"1,106":100,"1,107":101,"1,108":102,"1,109":103,"1,110":104,"1,111":105,"1,112":106,"1,113":107,"1,114":108,"1,115":109,"1,116":110,"1,117":111,"1,119":112,"1,120":113,"1,121":114,"1,122":115,"1,123":116,"1,124":117,"1,125":118,"1,126":119,"1,127":120,"1,128":121,"1,129":122,"1,130":123,"1,131":124,"1,132":125,"1,133":126,"1,134":127,"1,135":128,"1,136":129,"1,137":130,"1,138":131,"1,139":132,"1,140":133,"1,141":134,"1,142":135,"1,143":136,"1,144":137,"1,145":138,"1,146":139,"1,147":140,"1,148":141,"1,149":142,"1,150":143,"1,151":144,"1,152":145,"1,153":146,"1,154":147,"1,155":148,"1,156":149,"1,157":150,"1,159":151,"1,160":152,"1,161":153,"1,162":154,"1,163":155,"1,165":156,"1,166":157,"1,167":158,"1,168":159,"1,169":160,"1,171":161,"1,172":162,"1,173":163,"1,174":164,"1,175":165,"1,176":166,"1,177":167,"1,178":168,"1,179":169,"1,180":170,"1,181":171,"1,182":172,"1,183":173,"1,184":174,"1,185":175,"1,186":176,"1,187":177,"1,188":178,"1,189":179,"1,190":180,"1,191":181,"1,192":182,"1,193":183,"1,194":184,"1,195":185,"1,196":186,"1,197":187,"1,198":188,"1,199":189,"1,200":190,"1,201":191,"1,202":192,"1,203":193,"1,204":194,"1,205":195,"1,206":196,"1,207":197,"1,208":198,"1,209":199,"1,210":200,"1,211":201,"1,212":202,"1,213":203,"1,214":204,"1,215":205,"1,216":206,"1,217":207,"1,218":208,"1,219":209,"1,220":210,"1,221":211,"1,222":212,"1,223":213,"1,224":214,"1,225":215,"1,226":216,"1,227":217,"1,228":218,"1,229":219,"1,230":220,"1,231":221,"1,232":222,"1,233":223,"1,234":224,"1,235":225,"1,236":226,"1,237":227,"1,238":228,"1,239":229,"1,240":230,"1,241":231,"1,242":232,"1,243":233,"1,244":234,"1,245":235,"1,246":236,"1,247":237,"1,248":238,"1,249":239,"1,250":240,"1,251":241,"1,252":242,"1,253":243,"1,254":244,"1,255":245,"1,256":246,"1,257":247,"1,258":248,"1,259":249,"1,260":250,"1,261":251,"1,262":252,"1,263":253,"1,264":254,"1,265":255,"1,266":256,"1,267":257,"1,268":258,"1,269":259,"1,270":260,"1,271":261,"1,272":262,"1,273":263,"1,274":264,"1,275":265,"1,276":266,"1,277":267,"1,278":268,"1,279":269,"1,280":270,"1,281":271,"1,282":272,"1,283":273,"1,284":274,"1,285":275,"1,287":276,"1,288":277,"1,289":278,"1,290":279,"1,291":280,"1,292":281,"1,293":282,"1,294":283,"1,295":284,"1,296":285,"1,297":286,"1,298":287,"1,299":288,"1,300":289,"1,301":290,"1,302":291,"1,303":292,"1,304":293,"1,305":294,"1,306":295,"1,307":296,"1,308":297,"1,309":298,"1,310":299,"1,311":300,"1,312":301,"1,313":302,"1,314":303,"1,315":304,"1,316":305,"1,317":306,"1,318":307,"1,319":308,"1,320":309,"1,321":310,"1,322":311,"1,323":312,"1,324":313,"1,325":314,"1,326":315,"1,327":316,"1,328":317,"1,329":318,"1,330":319,"1,331":320,"1,332":321,"1,333":322,"1,334":323,"1,335":324,"1,336":325,"1,337":326,"1,338":327,"1,339":328,"1,340":329,"1,341":330,"1,342":331,"1,343":332,"1,344":333,"1,345":334,"1,346":335,"1,347":336,"1,348":337,"1,349":338,"1,350":339,"1,351":340,"1,352":341,"1,353":342,"1,354":343,"1,355":344,"1,356":345,"1,357":346,"1,358":347,"1,359":348,"1,360":349,"1,361":350,"1,362":351,"1,363":352,"1,364":353,"1,365":354,"1,366":355,"1,367":356,"1,368":357,"1,369":358,"1,370":359,"1,371":360,"1,372":361,"1,373":362,"1,375":363,"1,376":364,"1,377":365,"1,378":366,"1,379":367,"1,380":368,"1,381":369,"1,382":370,"1,383":371,"1,384":372,"1,385":373,"1,386":374,"1,387":375,"1,388":376,"1,389":377,"1,390":378,"1,393":379,"2,1":380,"2,5":381,"2,6":382,"2,7":383,"2,8":384,"2,9":385,"2,10":386,"2,11":387,"2,12":388,"2,13":389,"2,14":390,"2,15":391,"2,16":392,"2,17":393,"2,18":394,"2,19":395,"2,20":396,"2,21":397,"2,22":398,"2,23":399,"2,24":400,"2,25":401,"2,26":402,"2,27":403,"2,28":404,"2,29":405,"2,30":406,"2,31":407,"2,32":408,"2,33":409,"2,34":410,"2,35":411,"2,36":412,"2,37":413,"2,38":414,"2,39":415,"2,40":416,"2,41":417,"2,42":418,"2,43":419,"2,44":420,"2,45":421,"2,46":422,"2,47":423,"2,48":424,"2,49":425,"2,50":426,"2,51":427,"2,52":428,"2,53":429,"2,54":430,"2,55":431,"2,56":432,"2,57":433,"2,58":434,"2,59":435,"2,60":436,"2,61":437,"2,62":438,"2,63":439,"2,64":440,"2,65":441,"2,66":442,"2,67":443,"2,68":444,"2,69":445,"2,70":446,"2,71":447,"2,72":448,"2,73":449,"2,74":450,"2,75":451,"2,76":452,"2,77":453,"2,78":454,"2,79":455,"2,80":456,"2,81":457,"2,82":458,"2,83":459,"2,84":460,"2,85":461,"2,86":462,"2,87":463,"2,88":464,"2,89":465,"2,90":466,"2,91":467,"2,92":468,"2,93":469,"2,94":470,"2,95":471,"2,96":472,"2,97":473,"2,98":474,"2,99":475,"2,100":476,"2,101":477,"2,102":478,"2,103":479,"2,104":480,"2,105":481,"2,106":482,"2,107":483,"2,108":484,"2,109":485,"2,110":486,"2,111":487,"2,112":488,"2,113":489,"2,114":490,"2,115":491,"2,116":492,"2,117":493,"2,118":494,"2,119":495,"2,120":496,"2,121":497,"2,122":498,"2,123":499,"2,124":500,"2,125":501,"2,126":502,"2,127":503,"2,128":504,"2,129":505,"2,130":506,"2,131":507,"2,132":508,"2,133":509,"2,134":510,"2,135":511,"2,136":512,"2,137":513,"2,138":514,"2,139":515,"2,140":516,"2,141":517,"2,143":518,"2,144":519,"2,145":520,"2,146":521,"2,147":522,"2,148":523,"2,149":524,"2,150":525,"2,151":526,"2,152":527,"2,153":528,"2,154":529,"2,155":530,"2,156":531,"2,157":532,"2,158":533,"2,159":534,"2,160":535,"2,161":536,"2,162":537,"2,163":538,"2,164":539,"2,165":540,"2,166":541,"2,167":542,"2,168":543,"2,169":544,"2,170":545,"2,171":546,"2,172":547,"2,173":548,"2,174":549,"2,175":550,"2,176":551,"2,177":552,"2,178":553,"2,179":554,"2,180":555,"2,181":556,"2,182":557,"2,183":558,"2,184":559,"2,185":560,"2,186":561,"2,187":562,"2,188":563,"2,189":564,"2,190":565,"2,191":566,"2,192":567,"2,193":568,"2,194":569,"2,195":570,"2,196":571,"2,197":572,"2,198":573,"2,199":574,"2,200":575,"2,201":576,"2,202":577,"2,203":578,"2,204":579,"2,205":580,"2,206":581,"2,207":582,"2,208":583,"2,209":584,"2,210":585,"2,211":586,"2,212":587,"2,213":588,"2,214":589,"2,215":590,"2,216":591,"2,217":592,"2,218":593,"2,219":594,"2,220":595,"2,221":596,"2,222":597,"2,223":598,"2,224":599,"2,225":600,"2,226":601,"2,227":602,"2,228":603,"2,229":604,"2,230":605,"2,231":606,"2,232":607,"2,233":608,"2,234":609,"2,235":610,"2,236":611,"2,237":612,"2,238":613,"2,239":614,"2,240":615,"2,241":616,"2,242":617,"2,243":618,"2,244":619,"2,245":620,"2,246":621,"2,247":622,"2,248":623,"2,249":624,"2,250":625,"2,251":626,"2,252":627,"2,253":628,"2,254":629,"2,255":630,"2,256":631,"2,257":632,"2,258":633,"2,259":634,"2,260":635,"2,261":636,"2,262":637,"2,263":638,"2,264":639,"2,265":640,"2,266":641,"2,267":642,"2,268":643,"2,269":644,"2,270":645,"2,271":646,"2,272":647,"2,273":648,"2,274":649,"2,275":650,"2,276":651,"2,277":652,"2,278":653,"2,279":654,"2,280":655,"2,281":656,"2,282":657,"2,283":658,"2,284":659,"2,285":660,"2,286":661,"2,287":662,"2,288":663,"2,289":664,"2,290":665,"2,291":666,"2,292":667,"2,293":668,"2,294":669,"2,295":670,"2,296":671,"2,297":672,"2,298":673,"2,299":674,"2,300":675,"2,301":676,"2,302":677,"2,303":678,"2,304":679,"2,306":680,"2,308":681,"2,309":682,"2,310":683,"2,314":684,"2,316":685,"2,320":686,"2,321":687,"2,322":688,"2,323":689,"2,324":690,"2,325":691,"2,326":692,"2,339":693,"2,340":694,"2,342":695,"2,343":696,"2,344":697,"2,345":698,"2,346":699},"ٜ":{"1":[1,393],"2":[1,346]},"ٝ":["1,1","1,3","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,21","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,393","2,1","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,306","2,308","2,309","2,310","2,314","2,316","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,339","2,340","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"3":[3],"18":[4],"19":[5,6],"22":[7],"24":[8],"28":[9],"31":[10,11],"44":[12],"45":[13],"53":[14],"56":[15],"79":[16,17],"85":[18],"88":[19],"95":[20],"103":[21],"106":[22],"107":[23,24],"108":[25,26],"109":[27,28,29],"111":[30],"112":[31,32],"119":[33],"123":[34],"133":[35],"136":[36],"140":[37],"151":[38],"156":[39],"161":[40],"167":[41,42,43],"170":[44],"179":[45],"195":[46],"199":[47],"204":[48],"205":[49],"206":[50],"221":[51],"226":[52],"228":[53],"229":[54],"233":[55],"236":[56],"237":[57],"241":[58],"243":[59],"244":[60,61],"245":[62],"251":[63],"252":[64],"258":[65,66],"264":[67,68],"266":[69,70],"268":[71],"273":[72],"276":[73,74],"277":[75],"279":[76],"288":[77],"295":[78],"299":[79],"301":[80],"303":[81],"308":[82],"311":[83],"319":[84],"328":[85],"333":[86],"338":[87],"350":[88],"363":[89],"380":[90],"381":[91,92],"383":[93],"386":[94],"387":[95],"397":[96],"399":[97],"400":[98],"403":[99],"409":[100],"412":[101],"414":[102],"415":[103],"427":[104],"433":[105],"437":[106],"442":[107],"444":[108,109],"451":[110],"454":[111],"456":[112,113],"457":[114],"459":[115,116],"461":[117],"463":[118],"472":[119,120],"475":[121],"478":[122],"481":[123],"482":[124],"486":[125],"497":[126],"498":[127],"511":[128],"512":[129],"513":[130],"518":[131,132],"519":[133],"523":[134],"530":[135],"532":[136],"540":[137],"544":[138],"546":[139,140,141],"547":[142],"548":[143],"560":[144],"566":[145,146],"567":[147],"568":[148],"570":[149],"574":[150],"575":[151],"577":[152],"584":[153],"586":[154],"588":[155],"593":[156],"595":[157],"601":[158],"604":[159],"607":[160,161],"609":[162],"611":[163,164],"612":[165],"614":[166],"616":[167],"617":[168],"618":[169],"619":[170],"620":[171],"624":[172],"628":[173],"629":[174],"633":[175],"639":[176],"643":[177],"646":[178],"649":[179],"651":[180],"661":[181],"664":[182],"672":[183],"676":[184],"679":[185],"680":[186],"681":[187],"684":[188],"685":[189],"686":[190],"692":[191],"693":[192],"695":[193],"698":[194],"699":[195]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"ـ[مسألةُ التّقريب بين أهْل السُّنة والشّيعَة]ـ\nالمؤلف: د. ناصر بن عبد الله بن علي القفاري\nالناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع\nعدد الأجزاء: ٢\nالطبعة: الثالثة، ١٤٢٨ هـ\n_________\n[الكتاب موافق للمطبوع، ومذيل بالحواشي]\n-أعده للشاملة: أسامة بن الزهراء؛ فريق عمل الشاملة -","vol":"1","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>هذا الكتاب </span>- في الأصل - رسالة علمية تقدَّم بها المؤلف لنيل درجة الماجستير، وأجيزت بتقدير ممتاز، وقد سجلت بتاريخ ٦/٧/١٣٩٨هـ فلا أثر للأحداث التي جرت على الساحة فيما بعد لاختياره. وقد آثر مؤلفه أن ينشره كما كتبه في حينه من غير تعديل، وهذا ليس تنصلًا من الآراء التي يُضمِنها أو تضمنها سطوره ولكنه تقرير لأمر واقع. كما أنه تأخر في نشره حتى لا تكون مادته وسيلة لتأييد الطغاة، ولا يفسر ما جاء فيه بأنه يجري في ركب السلاطين.","vol":"1","page":3},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>مقدمة</span>\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:\nفإن قضية التأليف بين فصائل الأمة، والسعي في إصلاح ذات بينها وجمع شملها على الحق والهدى، ورأب صدعها، والتقريب بين فئاتها المتنازعة من أعظم أصول الإسلام العظيمة، ومن أفضل أبواب الخير والجهاد في سبيل الله.\nوالأمة لم تؤت من ثغرة مثل ما أُتيت من جانب فرقتها وتنازعها، والصرع بينها. ولقد كان الأعداء هم الذين يؤججون هذا الصراع، ويحصدون نتائجه، والمسلمون لا يحصدون سوى الخيبة والفشل.. إذْ لم يستطع الأعداء أن يحققوا ما يريدون من تبديد الأمة، وتشتيت شملها؛ إلا بعد أن غرسوا فسائل الفتنة والخلاف بينها، وبعد أن أوجدوا أسباب الصراع والنزاع في صفوفها. ولقد كانت محاولاتهم قديمة بدأت في عهد الدولة الإسلامية الأولى بمحاولة التفريق بين الأوس والخزرج بإثارة النعرات القومية، وبعث الأحقاد التاريخية. ولكن محاولاتهم باءت بالفشل؛ فما كان للأمة أن تختلف وفيها رسول الله - ﷺ -.\nولقد رأى الأعداء أن كيد الإسلام - كما يقول الإمام ابن حزم -","vol":"1","page":5},{"text":"على الحيلة أنجع؛ لأنهم راموا كيد الإسلام بالمحاربة في أوقات شتى، وفي كل ذلك يظهر الله ﷾ الحق، فرأوا أن كيده عن طريق التخطيط والاحتيال والتآمر أجدى؛ فأظهر قوم منهم الإسلام، واستمالوا أهل التشيع بإظهار محبة أهل بيت رسول الله - ﷺ - واستشناع ظلم علي - ﵁ - (في زعمهم) ثم سلكوا بهم مسالك شتى حتى أخرجوهم عن الإسلام (١) .\nفخرجت كثير من الطوائف التي تتسمى بالإسلام وليس لها من الإسلام نصيب، ونادت بآراء وعقائد غريبة عن الإسلام وبعيدة عن كتاب الله وسنّة رسوله - ﷺ -. ولقد كان لظهور هذه الأفكار والعقائد والطوائف آثار بعيدة المدى في تفريق الأُمة، وإضعاف شأنها، لأنه (إذا ترك الناس بعض ما أنزل الله، وقعت بينهم العداوة والبغضاء؛ إذ لم يبق هنا حق جامع يشتركون فيه؛ بل (تَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) (٢» (٣) . وحقق الأعداء ما يريدون، وجنوا ثمرة تآمرهم ضد المسلمين.\nوكان أنكى صراع وأطول نزاع.. وأخطر اختلاف: ما حصل بين أهل السنّة والشيعة.. فلقد شهد التاريخ أحداثًا دامية تمثلت في الصراع العنيف الذي دار بين الطائفتين، واستمر قائمًا ... يزداد أو يخف على اختلاف المراحل التاريخية.. وإلى يومنا هذا، يشتد الصراع ويزداد لهيبه، ويبدو أن الأعداء يريدون أن يستثمروا الخلاف بين أهل السنّة والشيعة، بتوسيع نطاقه، وتأجيج حدته ليحققوا مكاسب أكبر.\n_________\n(١) انظر «الفصل»: (٢/١٠٨ - ١٠٩) .\n(٢) المؤمنون: آية ٥٣.\n(٣) «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية: (١٣/ ٢٢٧) .","vol":"1","page":6},{"text":"وقد عرف الأعداء أن فرصتهم لتحقيق مطامعهم وآمالهم الدموية لا تواتيهم إلاّ في جوٍّ تخيم عليه كآبة الفرقة، وتتطاول فيه ألسنة لهيب التصارع، لذلك دأبوا على مواصلة إمداد نيران النزاع بوقود الفتن. وإذا كانت محاولات التأليف بين الفرقاء قد نشطت من قديم فهي الأخرى لم تسلم من كيد الأعداء؛ إذ نجد أن مسألة التقريب والتأليف والوحدة استُغلت لإعطاء الباطل صفة الشرعية.. ومنح الدخيل من الأفكار صفة الأصيل، لتبقى بذور الفتنة وأُسس الخلاف بين الأُمة لتشتعل في أي لحظة يراد لها.\nولا شك أن الإسلام قد رسم للأُمة طريق وحدتها، قال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ...) (١)، فهو اعتصام بحبل الله واجتماع على هدى الله ... وما حصلت الفرقة إلا بالبعد عن هذا \"المنهج\".\nوقد بيّن القرآن الكريم المنهج الذي يلجأ إليه المسلمون عند التنازع والاختلاف، قال تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) (٢)، (قال العلماء: إلى كتاب الله وإلى نبيّه - ﷺ -، فإن قبض فإلى سنّته) (٣) .\nوإن نشب صراع وقامت معارك فالله يقول: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) (٤) .\nلكن هذا \"المنهج\" خاص بالمسلمين الذين يهتدون بهدى الله، أما من يتسمى بالإسلام وهو ضد الإسلام فإنه يجب كشفه لتعرف الأمة\n_________\n(١) آل عمران: آية ١٠٣.\n(٢) النساء: آية ٥٩.\n(٣) «التمهيد» لابن عبد البر: (٤/٢٦٤) .\n(٤) الحجرات: آية ٩.","vol":"1","page":7},{"text":"عداوته، ولا يجدي معه سلوك هذا السبيل.\nوفي هذا العصر قامت محاولات كثيرة للتقريب بين أهل السّنة والشيعة، كمحاولة جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية في القاهرة وغيرها. وهذه المحاولات مبنيّة على: (أنه لا خلاف بين أهل السنّة والشيعة في شيء من أصول الإيمان، أو أركان الإسلام أو ما عُلم من الدين بالضرورة) (١)؛ وإنما هو خلاف في بعض المسائل الفلسفية والآراء الكلاميّة التي لا صلة لها بأصول العقيدة (٢)، أو لا خلاف بينهم أصلًا إلا في بعض مسائل الفروع (٣)، والصراع والخلاف بينهما إنما صنعته الأوهام نتيجة العزلة الطويلة بين الطائفتين (٤)، وأخذ العدو يؤيد هذا الخلاف ويؤججه، والواقع أنه لا اختلاف بين الطائفتين عند الدراسة والتحقيق: (فمن الممكن أن يتقارب المسلمون فيعلموا أن هناك فرقًا بين العقيدة التي يجب الإيمان بها، وبين المعارف الفكرية التي تختلف فيها الآراء دون أن تمس العقيدة، ويومئذ يهون الأمر فنجتمع على ما نجمع عليه، وإذا اختلفنا لم يكن خلافنا إلا كما يختلف أهل المذاهب الفقهية دون خصام ولا اتهام ودون توجس واسترابة وسوء ظن مما يجعلنا متقاطعين في معاملاتنا ومصاهراتنا وثقافاتنا) (٥)، (والقطيعة بين المسلمين أوجدت\n_________\n(١) دعوة التقريب من خلال رسالة الإسلام: ص ٧.\n(٢) انظر فتوى شلتوت في ملحق الوثائق.\n(٣) محمد حسين آل كاشف الغطاء، «رسالة الإسلام»، السنة الأولى، العدد الأول: (ص ٢٢ - ٢٣) .\n(٤) مقدمة كتاب «الدعوة الإسلامية إلى وحدة أهل السنّة والإمامية» لمحمد جواد مغنية (والكتاب للخنيزي) .\n(٥) رسالة الإسلام «مجلة دار التقريب» السنة الأولى، العدد الأول، ١٣٦٨ هـ، مجلد ١ ص ٩٣ (صوت التقريب) .","vol":"1","page":8},{"text":"حجبًا كثيفة لا بد لرفعها من دعوة تنظم الجهود، ودعاة مخلصين يبذلون غاية الجهد لتعريف كل طائفة بما عند غيرها..) (١) .\nوبناء على هذا \"الحكم\" - بأنه لا خلاف بين الفريقين - طالب الشيعة باعتبار مذهبهم مذهبًا خامسًا، وأصدر شلتوت \"فتواه\" بجواز التعبد بالمذهب الجعفري (٢)، ونَشَر الشيعة في ديار السنّة بعض كتبهم الفقهية، ودعا بعض المنتسبين للسنّة برجوع السنّة إلى كتب الشيعة في الحديث كما يرجعون إلى صحيح البخاري وغيره من كتب السنّة، كما قام بعضهم بتحقيق بعض كتب الشيعة في ديار السنّة ونشرها. وقيل وفُعل الكثير في هذا الباب مما يطول وصفه وتسجيله. ولم يحصل شيء من ذلك في ديار الشيعة، وكأن التقصير في مسألة التقريب هو من جانب السنّة.\nوكان لا بد من دراسة \"مسألة التقريب\" دراسة علمية موضوعية توضح الرؤية وتبيّن الطريق.. ليكون التقريب - إن أمكن - على بيّنة ومنهج واضح.. وسبيل راشد.. فإن دعوى عدم وجود خلاف إنما هي أمل يرجوه كل مسلم، ويستبشر بحصوله كل مؤمن، وهؤلاء الدعاة للتقريب يزفون لنا البشرى بأنه لا وجود للخلاف الأساسي أصلًا.\nوما قاله علماء الفرق، وأئمة العقيدة والدين.. هو مجرد وهم من الأوهام.\nوكما أن الاجتماع والتآلف إنما هو كسب عظيم ونجاح كبير للأمة في حاضرها ومستقبلها، فإن دعوى عدم وجود خلاف أساسي على الرغم من وجوده أمر خطير، لأن هذه \"فتوى\" وحكم على الضلال\n_________\n(١) محمد تقي القمي في مقدمته لكتاب «بين السنّة والشيعة» للدكتور سليمان دنيا.\n(٢) انظرها في ملحق الوثائق.","vol":"1","page":9},{"text":"والباطل بالإسلام. وهذا باب من أبواب الصد عن دين الله وشرعه؛ لأن أصحاب ذلك الضلال إذا ظنوا أن ما هم عليه من باطل هو الإسلام، ثم رأوا ذلك فاسدًا في العقل، شكوا في الإسلام كله.. وذهبوا يبحثون عن «مذاهب وعقائد» أُخرى.. ومن هنا فلا بد أن يكون هذا الحكم قائمًا على بيّنة.. لأن التستر على الخلاف لا يؤدي إلى إزالته، بل يؤدي لاستمراره واستفحاله.. ومحاولة المريض إيهام نفسه بالسلامة تجرُّه إلى مدرجة الهلكة، ودس الرؤوس في الرمال تعاميًا عن الحقيقة خير من مواجهتها مهما كانت صعبة مرة.. والدين النصيحة، لذا كان خير الطرق معرفة \"واقع الأمر\" و\"حقيقة المشكلة\" والبحث عن الحل لذلك.\nإنه من الضروري أن تتكاتف جهود الباحثين المخلصين لكشف أسباب الخلاف وأُصوله، وإماطة اللثام عن الباطل الذي حاول المغرضون التلبيس به على الناس، ورفع الستار عن الأعداء.. الذين يزرعون الخلاف ويبغون في الأمة الفرقة والفشل.\nلهذا سأحاول في هذه \"الدراسة\":\nالتعرف على أُصول الخلاف وأُسسه، ورأي دعاة التقريب في ذلك. وبعد ذلك سأعرض لمحاولات التقريب، والجهود المبذولة لرفع الخلاف مع التقويم لها، ثم أُبيّن هل هناك طريق ناجح لحل الخلاف.\nوقد بدأْت الدراسة لـ \"مسألة التقريب\" بالتعريف بأهل السنّة وبالشيعة، وبيان أُسس الخلاف بينهما ومظاهره، وهذا أمر أساسي في بحث \"مسألة التقريب\"، فالحكم على الشيء فرع عن تصوره، وكيف نحكم في مسألة التقريب ما لم نعرف السنّة والشيعة؟ وهل نستطيع أن نصل إلى معرفة حقيقية لإمكانية التقريب أو عدمه قبل دراسة أُصول الخلاف بين الاتجاهين؟\nفدراسة ذلك ركن أساسي في بحث \"مسألة التقريب\"، لهذا جعلت ذلك في بابين:\nالباب الأول: أهل السنّة ويشمل: التعريف بأهل السنّة ومصادرهم","vol":"1","page":10},{"text":"في تلقي العقيدة، ومجمل عقائدهم التي خالفتها الشيعة؛ أدرس ذلك من خلال كتب أهل السنّة.\nوقد يقول قائل: إذا كانت الشيعة تحتاج إلى تعريف.. فهل يحتاج أهل السنّة إلى ذلك؟ وهل من المناسب جعل المتمسك بالحق مساويًا للمخالف المنشق، وجعل \"السنّة\" معادلة للنزعات التي انشقت عنها؟\nوأقول: إن مثل هذا القول قد يقوله \"شيعي\" أيضًا، فالشيعة يزعمون لأنفسهم أن مذهبهم هو الحق.. وقضية التعريف بالطائفتين، وبيان أُصول الخلاف بينهما لا تعني المعادلة والمساواة بحال، فلكلٍّ وجهة ولكلٍّ عقيدة.. والسنّة بحاجة إلى من يعرف بعقيدتها وبنشرها.. ولا سيما في هذا الزمن الذي استحكمت فيه غربة السنّة واستفحل الكيد لها.\nوقد يكون هذا التعريف ليس لأهل السنّة، بل للشيعة الذين يقرؤون عن صورة لأهل السنّة مغايرة للحقيقة.\nوقد يكون الحكم بأنه لا خلاف بين السنّة والشيعة بناء على \"تصوير خاطئ\" لأهل السنّة في كتب الشيعة، فكان لا بد من بيان الحقيقة ولو على سبيل الإيجاز.\nوفي الباب الثاني: درست الشيعة؛ بالتعريف بهم، وبيان نشأتهم وأصول فرقهم. ثم خصصت أُصول فرقهم المعاصرة \"الإسماعيلية، والزيدية، والاثني عشرية\" بالدراسة والتقويم، لأن كل طائفة من هذه الطوائف نادى بعض أتباعها بالتقريب.\nوانتهيت إلى اعتماد \"الاثني عشرية الرافضة\" بالدراسة التفصيلية لأنها استوعبت بمصادرها الثمانية في الحديث معظم آراء فرق الشيعة. كما سيأتي تفصيل ذلك. فضلًا عن أنها تمثل غالبية الشيعة حتى قيل أن","vol":"1","page":11},{"text":"مصطلح \"الشيعة\"، إذا أُطلق فلا ينصرف إلا إليهم.. وأنها هي الفئة التي نشطت في الدعوة للتقريب، وبثت دعاتها ونشرت كتبها، وأقامت بعض المراكز لهذا الغرض.\nفدرست عقيدة \"الرافضة\" في أصول الإسلام المتفق عليها بين المسلمين: الكتاب، والسنّة، والإجماع. ثم عقائدها الأخرى التي خالفت فيها أهل السنّة، وهي: الإمامة، والعصمة، والتقية، والرجعة، والغيبة، والبداء، واعتقادهم في الصحابة.\nثم في نهاية هذين البابين بينت \"النتيجة\" لدراستنا لأهل السنّة والشيعة وذلك بالحكم على \"مسألة التقريب\"، ولم أتوقف عند هذه \"النتيجة\" بل عقدت بابًا كاملًا لآراء دعاة التقريب في أصول الخلاف التي عرضت لها فيما يتصل بمذهب الشيعة، وفيما يتصل بمذهب أهل السنّة. وناقشت ذلك كله، وذلك لنرى هل تغير شيء من أصول الخلاف وأُسسه من خلال دعوة التقريب، بحيث أصبح لا يوجد خلاف بين الفريقين إلا في بعض مسائل الفروع؟ أم أن الأمر غير ذلك؟\nلهذا اعتمدت في هذا الباب على آراء المعاصرين كما اعتمدت فيما قبل ذلك - في الغالب - على أحاديثهم عن \"معصوميهم\" وأقوال علمائهم السابقين.\nوفي الباب الرابع: تحدثت في الفصل الأول عن أهم المحاولات القديمة والمعاصرة للتقريب، وقدمت تقويمًا موجزًا عن تلك المحاولات، على ضوء الدراسة السابقة.\nثم في الفصل الثاني عقدت مبحثًا بعنوان: \"هل من طريق للتقريب؟ \" عرضنا وناقشت فيه أهم الأقوال، والطرق المتصورة لتحقيق التقريب وإزالة الخلاف، ثم بينت \"الرأي المختار\" في ذلك.","vol":"1","page":12},{"text":"وفي بداية دراستي تلمست ما أمكنني من وسائل للوصول إلى المصادر الأصيلة للموضوع، والتعرف على حقائقه من أصولها. ولقد لاقيت صعوبات فيما يتصل بالوصول إلى مراجع الشيعة وكتبها المعتبرة، فكان عليَّ أن أسافر لهذا الغرض وغيره. فسافرت إلى مصر حيث \"دار التقريب\" وتمكنت - بواسطة فضيلة الشيخ عبد العزيز عيسى وزير الأزهر سابقًا، ومدير مجلة دار التقريب \"دراسة الإسلام\" - من دخول دار التقريب التي كانت موصدة الأبواب، ولا أثر لأي نشاط فيها - إبّان زيارتي لها - وقد أفدت من مكتبتها. ولبثت أتردد عليها أيامًا. كما أهدى إليَّ فضيلة الشيخ بعض منشورات الدار مثل \"قصة التقريب\" و\"معالم التقريب\" و\"دعوة التقريب\" كما أعارني كافة مجلدات رسالة الإسلام \"مجلة دار التقريب\" البالغة ستة عشر مجلدًا، وقد أفدت من ذلك في الحديث عن محاولة دار التقريب وتقويمها - فجزى الله عني الشيخ خيرًا -.\nكما حاولت أن ألتقي ببعض شيوخ مصر الذين عايشوا حركة التقريب سواء كانوا مؤيدين أو معارضين، فكما التقيت بالشيخ عبد العزيز عيسى مدير مجلة دار التقريب زرت الشيخ محمد حسنين مخلوف - مفتي مصر سابقًا - وهو من المعارضين. وقد أملى عليّ رأيه في ذلك. كما زرت مكتبة الشيخ محب الدين الخطيب الذي كان - ﵀ - الوجه المعارض بشدة لهذه القضية واطلعت على ما في مكتبته من كتب الشيعة.\nكما زرت \"الأزهر\" و\"مجمع البحوث الإسلامية\" للإفادة منهما فيما يتصل بموضوعي.\nوسافرت إلى الكويت، وزرت بعض الجمعيات الشيعية هناك، وكان","vol":"1","page":13},{"text":"لي جلسة طويلة مع مجموعة كبيرة من أعضائها وأهدوا إليّ بعض نشراتهم في هذا المجال، كما زرت بعض مكتبات المساجد الخاصة بالشيعة في الكويت، وكما حصلت على ما يوزعونه من كتب للدعاية لمذهبهم.\nومن الكويت اتجهت إلى العراق، وهناك أفدت كثيرًا حيث حصلت واطلعت على طائفة من كتب الشيعة المعتمدة، أمثال كتب: الكليني، والقمي، والحر العاملي، والمجلسي وغيرهم. كما حصلت على صورة من النسخة الخطيّة لكتاب «فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب»، وتوفر لدي هناك طائفة من كتابات شيوخ الشيعة ومراجعها المعاصرين، أمدتني بمعلومات مهمة فيما يتصل بالباب الثالث وهو \"آراء دعاة التقريب في أسس الخلاف\"، كما حصلت على مجموعة من النسخ الخطيّة المصورة لعلماء أهل السنّة مثل: «التحفة الاثني عشرية» - الأصل، وهو في أكثر من ألف صفحة - و«السيوف المشرقة» و«نقض عقائد الشيعة» و«كشف غياهب الظلمات» وغيرها.\nكما زرت أماكن تعبُّد الشيعة في \"الكاظمية\" و\"النجف\" وغيرهما.\nوزرت مكتبة شيخ الشيعة الخالصي الذي يتزعم الدعوة للوحدة الإسلامية والتقيت ببعض أولاده، وأهدوا إليّ نشرات أبيهم في هذا الموضوع.\nومن العراق سافرت إلى باكستان والتقيت ببعض علماء السنّة المعنيّين بقضية الشيعة في كراتشي، ولاهور، وفيصل آباد. وأخص منهم بالذكر والشكر العلامة محمد عبد الستار (١) الذي فتح لي مكتبته\n_________\n(١) المشهور بصاحب تونسوي، وقد ألف مجموعة من الرسائل في الرد على الشيعة من خلال كتبها باللغة الأردية مثل: «رسالة شان صديق أكبر»، و«شان فاروق أعظم» وغيرهما.","vol":"1","page":14},{"text":"الخاصة بالشيعة، وأطلعني على الفهرس الخاص الذي وضعه لها والمتضمن لركائز الغلو عند الشيعة - والرد عليها من خلال كتبهم، كما أهدى إليّ رسائله في الرد على الشيعة فجزاه الله خيرًا -.\nهذه لمحة عما قمت به في محاولة استكمال المادة العلمية لهذا الموضوع الخطير.\nأما الدراسة التحليلية للمصادر فإن ضيق المجال، وتضخم البحث واتساع شعبه، يحول دون استعراضه. وحسبي أن أقول: إنني درست الشيعة من خلال مصادرهم الخاصة بهم والمعتبرة عندهم، وذلك من أجل الوصول إلى تصور سليم عنهم، وفق منهج عادل غير متحامل عليهم ولا متعصب لغيرهم، وهذا هو مقتضى العدل والإنصاف.\nوالمسلم مأمور بالتزام العدل حتى مع طوائف الكفر وإن وجد في نفسه ما وجد (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (١) كما أن هذا هو ما يفرضه \"المنهج العلمي\" وأداء الأمانة على وجهها..\nوقد أخذ سلفنا الصالح بمبدأ العدل مع طوائف البدع وغيرها. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: (أهل السنّة يستعملون معهم - يعني الروافض - العدل والإنصاف ولا يظلمونهم، فإن الظلم حرام مطلقًا، بل أهل السنّة لكل طائفة من هؤلاء - يعني طوائف البدع - خير من بعضهم لبعض، بل هم للرافضة خير وأعدل من بعض الرافضة لبعض. وهذا ما يعترفون هم به، ويقولون: أنتم تنصفوننا ما لا ينصف\n_________\n(١) المائدة: آية ٨.","vol":"1","page":15},{"text":"بعضنا بعضًا) (١)، وهذا ما تعترف به بعض كتب الشيعة المعتمدة عندهم، جاء في «الكافي» أن أحد الشيعة - ويسمى عبد الله بن كيسان - قال لإمامهم: (إني.. نشأت في أرض فارس، وإنني أخالط الناس في التجارات وغير ذلك فأُخالط الرجل فأرى له حسن السمت، وحسن الخلق، وكثرة أمانة، ثم أفتشه فأتبينه عن عداوتكم - يعني أنه من أهل السنّة - وأخالط الرجل فأرى منه سوء الخلق، وقلة أمانة، وزعارة (٢)، ثم أفتشه فأتبينه عن ولايتكم..) (٣) - يعني من الشيعة -.\nولقد قمت بدراسة للشيعة من خلال كتبها الأساسية، ولم أستق من كتاب لهم إلا وقدمت بين يديه توثيقًا له من كتب الشيعة نفسها، كما أنني أذكر - إن وجدت - ما يراه شيوخهم في «الحديث» الذي يروونه عن معصوميهم؛ ما يرون فيه من الصحة أو الضعف بناءً على مقاييسهم الخاصة بهم في ذلك، وإن كان بعض شيوخهم يوثق كل ما ورد في كتبهم الأربعة عن معصوميهم وهم الذين يسمون بالإخباريين، ولكن كثرة الشيعة وهم الأصوليون لا يعتقدون في صحتها كلها.\nوالحقيقة أن مسلك التصحيح والتضعيف في كتب الشيعة غير يسير في الغالب، فأنت إذا أردت أن تصحح حديثًا لهم بناءً على دراسة سنده من خلال كتب الرجال عندهم كرجال الكشي، أو تنقيح المقال للممقاني؛ ترى أن فيها ما هو غير مكتمل السند!، وفيها ما لا سند له\n_________\n(١) «منهاج السنّة»: (٣/٣٩) .\n(٢) الزعارة: سوء الخلق، وفي بعض النسخ: (الدعارة. وهو الفساد والفسوق والخبث) . عن هامش «الكافي»: (٢/٤) .\n(٣)","vol":"1","page":16},{"text":"مطلقًا! مثل كتاب «الاحتجاج»، ومع ذلك هو مقبول وموثق عندهم، وتجد أن منها ما ينقل من كتب لهم معظمها غير موجود ويكتفى بالقول بأن الكتب التي نقل عنها معتبرة عندهم، ومن كتبهم التي سلكت هذا المسلك «البحار» للمجلسي، و«الوسائل» للحر العاملي، وغيرهما.\nلهذا اتبعت أُسلوب صحة الحديث في نظرهم إِن وجدت ذلك، أو توثيق الكتاب عندهم، أو بيان أن هذه الروايات متواترة عندهم ببيان عدد أحاديثها ورواياتها في كتبهم وما أُلف بصددها.\nكل هذه الطرق استعملناها لتوثيق ما ننقل عنهم، ولعل في سلوكنا لهذا المنهج استجابة لما يطلبون وتحقيقًا لما يرغبون، يقول أحد أعلامهم المعاصرين - ويلقبونه بـ «حجة الإسلام» ـ: و«..نصيحتنا لهم - أي لأهل السنّة - ألاّ يكتبوا عن الشيعة بعد اليوم إلا ما يأخذونه عن الشيعة أنفسهم، وليس لهم أن يستقوا أخبارهم من منابع الأغيار الذين كذبوا على الشيعة جهدهم وألصقوا بها من الشنائع ما الله به عليم» (١) .\nوإن كان بعض المفكرين قد أخذ بهذه النصيحة وكتب عن الشيعة من خلال كتبهم المعتبرة، ونقد بعض آرائهم نقدًا عقليًّا نزيهًا مستندًا إلى نصوصهم المعتمدة، ومع ذلك لم يسلم من غضبهم ونقدهم، وكاد يدفع حياته ثمنًا لذلك (٢)، هذا وإنني بسلوكي للمنهج السالف الذكر قد لا أُغفل في عرضي مادة الشيعة \"وجهة النظر الأخرى\" عنهم، ولكن بعد أن أذكر أولًا ما في كتب الشيعة المعتمدة كما قد أفعل ذلك بالنسبة\n_________\n(١) من مقدمة كتاب «تحت راية الحق» في الرد على الجزء الأول من «فجر الإسلام»: ص ١٣، والمقدمة لمرتضي آل يس الكاظمي والكتاب لعبد الله السبيتي، وانظر أيضًا: محمد جواد مغنية «الشيعة في الميزان»: ص ١٤.\n(٢) وهو أحمد أمين، وقد ذكر ذلك في كتابه «حياتي»: (ص ٢٢٩ - ٢٣٠) .","vol":"1","page":17},{"text":"لمادة السنّة، وأظنني بهذا لا أخرج عن المنهج المطلوب.\nوقضية التقريب لم أر من كتب عنها بمثل هذا المنهج، ولم أجد من درسها دراسة تحليلية تلتمس وجه الصواب فيها من خلال عرض أصول الفريقين وبطريقة موضوعية بعيدة عن التحيز والانفعال.. والكتابات في هذا الموضوع إما كتب تدعو للتقريب بطريقة عاطفية وأُسلوب معتمد على الجهل أو التجاهل للحقائق القائمة، مثل كتاب «بين السنّة والشيعة» للدكتور سليمان دنيا و«الإسلام بين السنّة والشيعة» لهاشم الدفترادار، ومحمد علي الزعبي.\nوإما كتب تتحدث عما في كتب الشيعة من كفر وضلال مثل «الخطوط العريضة» لمحب الدين الخطيب، و«الوشيعة» للشيخ موسى جار الله، و«السنّة والشيعة» لإحسان إلهي ظهير، و«تبديد الظلام» للأستاذ إبراهيم الجبهان.\nأما الدراسة العلمية والموضوعية المتكاملة لهذه المسألة فلم أجد في المكتبة الإسلامية شيئًا منها.\nلذا جاءت كتابتي في هذا الموضوع بداية، وكل بداية لا بد فيها من قصور.. ولا سيما في هذا الموضوع الخطير، الذي يتطلب جهودًا جماعية ومدة زمنية طويلة.\nولقد حاولت قدر الإمكان.. أن أسلك المنهج الذي آمل أن يكون منهجًا عادلًا وسليمًا.. في نقاش هذه القضية.. ذلك المنهج الذي وضع أيدينا على نقاط مهمة، وكشف لنا عن حقائق خطيرة في مسألة التقريب، لا سيما أن في هذا البحث قضايا جديدة لم تدرس من قبل، مثل: عرض","vol":"1","page":18},{"text":"\"آراء دعاة التقريب في مسائل الخلاف ومناقشتها\" ذلك الذي أخذ من هذه الرسالة الباب الثالث، وكذلك محاولات التقريب وتقويمها في القديم والحديث، وكذلك دراسة الآراء والطرق المتصورة لحل الخلاف، تلك التي لم تنل العناية قبل ذلك. وكانت الدراسة منصبة في هذه المسألة (الأخيرة) على رد شبه الشيعة واستدلالها من كتب السنّة، وكذلك في مبحث عقائد الشيعة عرضنا لمسائل جديدة مثل تصحيح أحاديثهم حسب مقاييسهم الخاصة بهم، ومحاولة حصر الأحاديث الواردة في كل قضية وعقيدة من عقائدهم وما ألف فيها - ما وجدت إلى ذلك سبيلًا - ثم دراسة مسألة السند عند الشيعة، ومتى وضع، والسبب في وضعه، وكشف ما زيد على بعض كتب الشيعة من أحاديث وأبواب، ودراسة أول كتاب ألفه الشيعة، واحتوى على جملة كبيرة من عقائدهم وهو كتاب «سليم بن قيس الهلالي» إلى غير ذلك من المسائل. ولقد تطلب كل ذلك قراءة طويلة في كتب الشيعة.\nنسأل الله سبحانه أن يسدد أعمالنا وأقوالنا وأن يهدينا سواء السبيل.\nوختامًا أشكر الله سبحانه على ما هيأ لي من خير ويسر لي من أُمور.\n\"وإنني\" لأشكر كل من مدّ لي يد المساعدة في هذا البحث وأدعو الله ﷿ أن يثيبهم ويجزيهم كل خير.\nوصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>الباب الأول: أهل السنة والجماعة</span>\n\nالفصل الأول: التعريف بأهل السنة والجماعة.\nالفصل الثاني: مصادرهم في تلقي العقيدة (أصولهم في الاعتقاد) .\nالفصل الثالث: مجمل لأهم عقائدهم التي شذت عنها (الشيعة) .","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>الفصل الأول: التعريف بأهل السنة والجماعة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>(أ) التعريف بالسنّة:</span>\nالسُّنَّة بالضم وفتح النون المشددة في اللغة: الطريقة، والسنة: السيرة حميدة كانت أم ذميمة، والجمع سُنن (١) . ومنه قوله (: «من سنَّ في الإسلام سنَّة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء، ومن سنَّ في الإسلام سنَّة سيئة.. الحديث» (٢) .\nوتطلق السنَّة ويراد بها: الطريقة المحمودة، فقد جاء في اللسان: (السنة: الطريقة المحمودة المستقيمة؛ ولذلك قيل فلان من أهل السنة معناه: من أهل الطريقة المستقيمة المحمودة) (٣) .\nوالسنة في الشرع تطلق على عدة معان:\nتطلق على سيرة الرسول - ﷺ -، يقول ابن\n_________\n(١) انظر: «المصباح المنير» مادة سن: (١/٣١٢) .\n(٢) رواه مسلم في كتاب العلم، باب (من سن سنّة حسنة أو سيئة): (٨/٦١) .\n(٣) «لسان العرب» مادة سن: (١٧/٩٠) .","vol":"1","page":23},{"text":"فارس (١): (وسنة رسول الله - ﷺ - وسيرته) (٢) .\nوتطلق في اصطلاح المحدثين على (ما جاء عن النبي - ﷺ - من أقواله وأفعاله وتقريره وما همَّ بفعله) (٣) .\nوللسنّة عند الأصوليين اصطلاح (٤)، وعند الفقهاء اصطلاح ... (٥) .\nومرد هذا الاختلاف في الاصطلاح إلى اختلاف الأغراض والتخصصات التي تعني بها كل فئة من أهل العلم.\nولا يعنينا تتبع جميع تلك الاصطلاحات، إنما يعنينا أن نعرف بمصطلح «السنة» أو «أهل السنة» كدلالة على اتجاه معين في الاعتقاد.\nيقول ابن رجب (٦) - ﵀ -: (السنة: طريقة النبي - ﷺ - التي كان عليها هو وأصحابه السالمة من الشبهات والشهوات،\n_________\n(١) أحمد بن فارس بن زكريا القزويني الرازي أبو الحسين، من أئمة اللغة والأدب، له تصانيف، منها: «مقاييس اللغة»، و«جامع التأويل في تفسير القرآن»، كان مولده سنة ٣٢٩هـ، وتوفي سنة ٣٩٥هـ. انظر «وفيات الأعيان» لابن خلكان: (١/١١٨، ١١٩) .\n(٢) «معجم مقاييس اللغة» مادة سن: (٣/٦١)، «مختار الصحاح»: ص ٣١٧.\n(٣) ابن حجر: «فتح الباري»: (١٣/٢٤٥)، الجزائري: «توجيه النظر»: ص ٣.\n(٤) انظر: الفتوحي «مختصر التحرير»: ص ٣٠، الشوكاني: «إرشاد الفحول»: ص ٣٣.\n(٥) انظر: «تهذيب الأسماء واللغات» للنووي: قسم ٢ جـ١ ص ١٥٦، «شرح الكوكب المنير»: (ص ١٢٥، ١٢٦) .\n(٦) هو عبد الرحمن بن أحمد بن رجب السلامي البغدادي ثم الدمشقي أبو الفرج زين الدين، حافظ للحديث من كبار العلماء، ولد في بغداد سنة ٧٠٦هـ، وتوفي في دمشق سنة ٧٩٥هـ، ومن آثاره «القواعد الفقهية» و«ذيل طبقات الحنابلة»: انظر: ابن حجر «الدرر الكامنة»: (٢/٤٢٨، ٤٢٩)، «الإعلام»: (٣/٦٧) .","vol":"1","page":24},{"text":"ثم صار معنى السنة في عرف كثير من العلماء المتأخرين (١) من أهل الحديث وغيرهم: عبارة عما سلم من الشبهات في الاعتقادات خاصة في مسائل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وكذلك في مسائل القدر وفضائل الصحابة، وصنفوا في هذا العلم تصانيف وسموها كتب السنة (٢)، وإنما خصوا هذا العلم باسم السنة لأن خطره عظيم، والمخالف فيه على شفا هلكة) (٣) .\nوكذا قال الألوسي (٤) - ﵀ -: (السنة في الأصل تقع على ما كان عليه رسول الله - ﷺ -، وما سنه أو أمر به من أصول الدين وفروعه حتى الهَدْي والسمت، ثم خصت في بعض الإطلاقات بما كان عليه أهل السنة من إثبات الأسماء والصفات خلافًا للجهمية المعطلة النفاة، وخصت بإثبات القدر ونفي الجبر خلافًا للقدرية النفاة وللقدرية الجبرية العصاة.\nوتطلق - أيضًا - على ما كان عليه السلف الصالح في مسائل الإمامة والتفضيل، والكف عما شجر بين أصحاب رسول الله - ﷺ -.\n_________\n(١) يلاحظ أن تخصيص مفهوم السنّة في أصول الاعتقاد بدأ في عصر متقدم؛ فالإمام ابن أبي عاصم (المتوفى سنة ٢٨٧هـ) يعرف السنة بمسائل العقيدة، انظر: «السنة» لابن أبي عاصم: (٢/٦٤٥، ٦٤٧) .\n(٢) سيأتي - إن شاء الله - ذكره لهذه الكتب في مبحث مصادر أهل السنّة.\n(٣) ابن رجب: «كشف الكربة»: (ص ١١، ١٢) .\n(٤) هو علامة العراق في زمنه، أبو المعالي محمود شكري بن عبد الله بن شهاب الدين محمود الألوسي الحسيني، مؤرخ وعالم بالدين والأدب، ومن الدعاة إلى الإصلاح. ولد في رصافة بغداد عام ١٢٧٣هـ، وتوفي ببغداد عام ١٣٤٢هـ. له ٥٢ مصنفًا بين كتاب ورسالة، منها: «بلوغ الأرب في أحوال العرب»، و«المسك الأذفر»، و«غاية الأماني» وغيرها. انظر: «أعلام العراق»: (ص ٨٦ - ٢٤١)، «الأعلام»: (٨/٤٩، ٥٠) .","vol":"1","page":25},{"text":"وهذا من إطلاق الاسم على بعض مسمياته؛ لأنهم يريدون بمثل هذا الإطلاق التنبيه على أن المسمى ركن أعظم وشرط أكبر كقوله (: «الحج عرفة» (١) أو لأنه الوصف الفارق بينهم وبين غيرهم، لذلك سمى العلماء كتبهم في هذه الأصول كتب السنة) (٢) .\nوأهل السنة: هم المتبعون للسنة المتمسكون بها، وهم: الصحابة ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. يقول ابن حزم (٣): (وأهل السنة.. أهل الحق، ومن عداهم فأهل البدعة (٤)؛ فإنهم الصحابة (ومن سلك نهجهم من خيار التابعين - رحمة الله عليهم -، ثم أصحاب الحديث ومن اتبعهم من الفقهاء جيلًا فجيلًا إلى يومنا هذا، ومن اقتدى بهم من العوام في شرق الأرض وغربها - رحمة الله عليهم-) (٥) .\nوالسبب في تسميتهم بأهل السنة هو كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (٦): (وإنما سموا أهل السنة لاتباعهم سنته () (٧) .\n_________\n(١) رواه أبو داود في كتاب (رقم ١٩٤٩)، والترمذي في كتاب تفسير القرآن (رقم ٢٩٧٩) وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، ورواه ابن ماجه في المناسك (رقم ٣٠١٥) .\n(٢) الألوسي: «غاية الأماني»: (١/٤٢٨) .\n(٣) أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري، عالم الأندلس في عصره، فقيه أديب أصولي محدث، حافظ متكلم، ولد بقرطبة سنة ٣٨٤هـ أو ٣٨٣هـ، وتوفي في الأندلس سنة ٤٥٦هـ، ومن جملة مؤلفاته: «المحلى» و«الفصل» وغيرهما. انظر: المقري: «نفح الطيب»: (٢/٢٨٣ - ٢٨٩)، وانظر: «الأعلام»: (٥/٥٩) .\n(٤) يقول ابن تيمية: البدعة في الدين هي ما لم يشرعه الله ورسوله.. انظر: «الفتاوى»: (٤/١٠٧، ١٠٨)، وانظر في موضوع البدعة: «الباعث على إنكار البدع والحوادث» لأبي شامة، «الاعتصام» للشاطبي، «البدعة تحديدها وموقف الإسلام» للدكتور عزت عطية.\n(٥) «الفصل»: (٢/١٠٧)، وانظر: ابن الجوزي: «تلبيس إبليس»: ص ١٦.\n(٦) أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله ابن تيمية الحراني ثم الدمشقي، قال الذهبي: كان من بحور العلم ومن الأذكياء المعدودين، اثني عليه الموافق والمخالف، وسارت في تصانيفه الركبان، لعلها ثلاثمائة مجلد، ومن مؤلفاته: «مجموعة فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية» في ٣٧ مجلد، وغيرها كان مولده بحران سنة ٦٦١هـ، وتوفي سنة ٧٢٨هـ. انظر: الذهبي: «تذكرة الحفاظ»: (٤/١٤٩٦ - ١٤٩٨)، ابن كثير: «البداية والنهاية»: (١٤/١٣٢ - ١٤١) .\n(٧) المنتقى ص ١٨٩.","vol":"1","page":26},{"text":"وكذلك يرجع أبو المظفر الإسفراييني (١) سبب تسميتهم بأهل السنة إلى: اتباعهم لسنة الرسول - ﷺ -، فيقول: (وليس في فرق الأمة أكثر متابعة لأخبار الرسول - ﷺ -، وأكثر تبعًا لسنته من هؤلاء؛ ولهذا سُمّوا بأهل السنة.\nثم قال لما سئل الرسول - ﷺ - عن الفرقة الناجية قال: «ما أنا عليه وأصحابي» (٢) . وهذه الصفة تقررت لأهل السنة، لأنهم ينقلون الأخبار والآثار عن الرسول - ﷺ - والصحابة (، ولا يدخل في تلك الجملة من يطعن في الصحابة من الخوارج والروافض) (٣) .\n_________\n(١) أبو المظفر شهفور بن طاهر بن محمد الإسفراييني، الإمام الأصولي الفقيه المفسر، له تصانيف، منها: «التفسير الكبير» و«التبصير في الدين»، توفي عام ٤٧١هـ، انظر: «طبقات الشافعية»: (٥/١١)، «الأعلام»: (٣/٢٦٠) .\n(٢) هذا جزء من حديث رواه الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص في كتاب الإيمان، باب ما جاء في افتراق هذه الأمة: (٧/٢٩٧ رقم ٢٦٤٣)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وفي بعض نسخ الترمذي: حديث غريب. قال الصدر المناوي: وفيه عبد الرحمن بن زياد الأفريقي؛ قال الذهبي: ضعفوه. «فيض القدير»: (٥/٣٤٧) . قال المباركفوري: (فتحسين الترمذي له لاعتضاده بأحاديث الباب) . «تحفة الأحوذي»: (٧/٤٠٠)، ورواه الحاكم في «مستدركه» وذكر أن هذا الحديث روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص بإسناد تفرد به عبد الرحمن بن زياد الأفريقي فلا تقوم به الحجة، ووافقه الذهبي. انظر: «المستدرك»: (١/١٢٨، ١٢٩) .\n(٣) الإسفراييني: «التبصير في الدين»: ص ١٦٧.","vol":"1","page":27},{"text":"(ب) ويطلق على أهل السنة: الجماعة (١):\nفيقال: أهل السنة والجماعة، وقد ورد تفسير الجماعة في بعض الأحاديث بأنها: جماعة المسلمين التي هي على مثل ما كان عليه رسول الله - ﷺ - وأصحابه؛ ففي حديث حذيفة بن اليمان (أن رسول الله - ﷺ - قال: «... تلزم جماعة المسلمين وإمامهم ... الحديث» (٢) فبيّن أن المراد بالجماعة: جماعة المسلمين (٣) . وعن عبد الله بن عمرو - ﵄- قال: قال رسول (الله حينما سئل عن الفرقة الناجية من هي؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي» (٤) . وقد ورد عن ابن مسعود\n_________\n(١) الجماعة في اللغة: قال عنها صاحب المحكم: (الجماعة، والجميع والمجمع والمجمعة كالجمع، وقد يستعملون ذلك في غير الناس حتى قالوا: جماعة الشجر وجماعة النبات، والجمع وجمعه جمع: المجتمعون) . «المحكم» لابن سيدة: جـ١ مادة جمع.\nوالجمع كالمنع تأليف: المفرق. «تاج العروس»: جـ٥ مادة جمع. والجيم والميم والعين أصل واحد يدل على تضام الشيء. «معجم مقاييس اللغة»: جـ١ مادة جمع، وجامعت الرجل على الأمر مجامعة وجماعًا إذا مالأته عليه، والجمعة مشتقة من اجتماع الناس فيها للصلاة، ونادوا الصلاة جامعة: أي اجتمعوا لها، وفلاة مجمعة: يجتمع فيه القوم، ولا يفترقون خوف الضلال. «جمهرة اللغة» لابن دريد: جـ٢ مادة جمع.\n(٢) رواه البخاري: (٨/٩٣)، مسلم: (٦/٢٠) .\n(٣) وعلى هذا التعريف للجماعة اقتصرت (دائرة المعارف الإسلامية) ونبهت إلى ملاحظة التفريق بين (الإجماع) الذي يعني اتفاق فقهاء الإسلام في عصر من العصور.. وبين (الجماعة) التي هي جماعة المسلمين المخالفة للمارقين والخارجين. انظر: «دائرة المعارف الإسلامية»: (٧/٩٤) .\n(٤) تقدم تخريج هذا الحديث ص ٢٧ من هذه الرسالة.\nوقد قال الشاطبي عن هذا الحديث: (فأجاب (بأن الفرقة الناجية من اتصف بأوصافه ﵊ وأوصاف أصحابه، وكان ذلك معلومًا عندهم غير خفي فاكتفوا به، وربما يحتاج إلى تفسيره بالنسبة إلى من بعد تلك الأزمان. وحاصل الأمر أن الصحابة كانوا مقتدين به، مهتدين بهديه، وقد جاء مدحهم في القرآن الكريم، وأثنى عليهم متبوعهم محمد (، وإنما خُلقه (القرآن.. فالقرآن إنما هو المتبوع على الحقيقة، وجاءت السنّة مبينة له، فالمتبع للسنّة متبع للقرآن، والصحابة كانوا أولى الناس بذلك، فكل من اقتدى بهم فهو من الفرقة الناجية.. وهو معنى قوله ﵊: «ما أنا عليه وأصحابي» . فالكتاب والسنة هما الطريق المستقيم، وما سواهما من الإجماع وغيره فناشئ عنهما، هذا هو الوصف الذي كان عليه النبي - ﷺ - وأصحابه، وهو معنى ما جاء في الرواية الأخرى من قوله: «وهي الجماعة»، لأن الجماعة في وقت الإخبار كانوا على ذلك الوصف) «الاعتصام»: (٢/٢٥٢) .","vol":"1","page":28},{"text":"(موقوفًا تفسير لمفهوم الجماعة حيث قال: «... الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك» (١) . ويأخذ أبو شامة (٢) بهذا التفسير ويؤكده، فيقول: (حيث جاء الأمر بلزوم الجماعة، فالمراد به لزوم الحق واتباعه، وإن كان المتمسك بالحق قليلًا، والمخالف له كثيرًا، لأن الحق هو الذي كانت عليه الجماعة الأولى من عهد النبي - ﷺ - وأصحابه، ولا نظرة إلى كثرة أهل الباطل بعدهم) (٣) .\nفالجماعة - هنا - تعني موافقة الحق.\nومن الملاحظ أن (لفظ السنة في كلام السلف يتناول السنة في العبادات وفي الاعتقادات) (٤)، ثم خص بقضايا العقيدة ولا سيما المسائل\n_________\n(١) رواه اللالكائي بسنده عن ابن مسعود في كتاب السنّة، باب سياق ما روي عن النبي - ﷺ - في الحث على اتباع الجماعة والسواد الأعظم. انظر: اللالكائي: «كاشف الغمة في اعتقاد أهل السنّة»: ص ٩ (مخطوط)، وانظر: «الباعث على إنكار البدع والحوادث» لأبي شامة: ص ٢٢، و«إغاثة اللهفان» لابن القيم: (١/٧٠) .\n(٢) عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي الدمشقي أبو القاسم شهاب الدين المعروف بأبي شامة، محدث حافظ مؤرخ مفسر فقيه أصولي متكلم مقرئ نحوي، ولد بدمشق سنة ٥٩٩هـ، وبها منشأه ووفاته سنة ٦٦٥هـ، ومن آثاره: كتاب «الروضتين في أخبار الدولتين»، و«الباعث على إنكار البدع والحوادث» وغيرهما. انظر: ابن كثير: «البداية»: (١٣/٢٥٠)، «شذرات الذهب»: (٥/٣١٨)، «الأعلام»: (٤/٧٠) .\n(٣) أبو شامة: «الباعث»: ص ٢٢.\n(٤) ابن تيمية: «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» بتحقيق: صلاح الدين المنجد: ص ٧٧.","vol":"1","page":29},{"text":"التي خالف فيها أهل البدع كما سبق. كذلك نجد لفظ الجماعة يعني: حسب ما جاء عن ابن مسعود - موافقة الحق على وجه العموم، ثم نراه يخصص بمسائل العقيدة التي انحرف عنها المبتدعة؛ فنجد الإمام أبا حنيفة يعرف الجماعة على هذا الوجه؛ فيقول - ﵀ -: (الجماعة: أن تفضل أبا بكر وعمر، وعليًّا، وعثمان (١)، ولا تنتقص أحدًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - ولا تكفر الناس بالذنوب وتصلي على من يقول لا إله إلا الله وخلف من قال: لا إله إلا الله، وتمسح على الخفين..) (٢) . ونجد فيما بين أيدينا من مصادر عدة تعاريف للجماعة تعرف بها من خلال بعض مبادئها وأصولها، فكما عرف أبو حنيفة الجماعة ببعض أصولها نجد شيخ الإسلام ابن تيمية يجعل الالتزام بمصادر أهل السنة في التلقي هو الفيصل بين أهل السنة والجماعة ومن عداهم، فيقول: (فمن قال بالكتاب والسنّة والإجماع كان من أهل السنّة والجماعة) (٣) ويقول: (لأن الجماعة هي الاجتماع وضدها الفرقة ... وهم يزنون بهذه الأصول الثلاثة جميع ما عليه الناس من أقوال وأعمال.. مما له تعلق بالدين) (٤) .\n_________\n(١) قال شارح الطحاوية: (روي عن أبي حنيفة تقديم علي على عثمان، ولكن ظاهر مذهبه تقديم عثمان على علي، وعلى هذا عامة أهل السنّة) «شرح الطحاوية»: ص ٤٨٦، وانظر: الخطابي: «معالم السنن»: (٤/٣٠٢، ٣٠٣)، ملا علي القاري: «شرح الفقه الأكبر»: ص ١١٩.\nوقال ابن تيمية: (وهذه المسألة - مسألة عثمان وعلي - ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها) «الفتاوى»: (٣/١٥٣) .\n(٢) ابن عبد البر: «الانتقاء»: ص ١٦٣، ١٦٤.\n(٣) «الفتاوى»: (٣/٣٤٦) .\n(٤) المصدر السابق: (٣/١٥٧) .","vol":"1","page":30},{"text":"ولما كان من \"أصول أهل السنة والجماعة لزوم الجماعة وترك قتال الأئمة.. بخلاف أهل الأهواء الذين يرون القتال للأئمة من أصول دينهم\" (١) . نجد من يفسر الجماعة بأنها جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير (٢) . وبهذا المعنى روى الطبري بسنده أن عمرو بن حريث سأل سعيد بن زيد قال: «فمتى بويع أبو بكر؟ قال: يوم مات رسول الله - ﷺ -؛ كرهوا أن يبقوا بعض يوم وليسوا في جماعة» (٣) .\nومن أصول أهل السنّة الاعتصام بحبل الله جميعًا، وعدم التفرق والتنازع، وفي المعنى روى البخاري عن عليٍّ (قال: «اقضوا كما كنتم تقضون، فإني أكره الاختلاف حتى يكون الناس جماعة» (٤) .\nقال ابن حجر (٥): قوله «فإني أكره الاختلاف» أي: الذي يؤدي إلى النزاع. قال ابن التين: يعني مخالفة أبي بكر وعمر، وقال غيره: المراد المخالفة التي تؤدي إلى النزاع والفتنة، ويؤيده قوله بعد ذلك «حتى يكون الناس جماعة» (٦) .\nوبهذا المعنى سمي العام الذي تنازل فيه الحسن لمعاوية - رضي الله\n_________\n(١) ابن تيمية: «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»: ص ٢٠.\n(٢) الشاطبي: «الاعتصام»: (٢/٢٦٤)، وانظر: الخطابي: «معالم السنن»: (٤/٣١١) .\n(٣) «تاريخ الطبري»: (٢/٤٤٧) .\n(٤) «صحيح البخاري» مع «فتح الباري»: (٧/٧١) .\n(٥) أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني، أبو الفضل شهاب الدين، ابن حجر، حافظ الإسلام في عصره.. وتصانيفه كثيرة جليلة منها «فتح الباري في شرح صحيح البخاري»، و«لسان الميزان»، و«تهذيب التهذيب» وغيرها. توفي سنة ٨٥٢هـ وكان مولده سنة ٧٧٣هـ. انظر «الضوء اللامع»: (٢/٣٦)، «البدر الطالع»: (١/٨٧)، «الأعلام»: (١/١٧٣) .\n(٦) «فتح الباري»: (٧/٧٣) .","vol":"1","page":31},{"text":"عنهما - عام \"الجماعة\"، قال ابن بطال (١) سلم الحسن لمعاوية الأمر وبايعه على إقامة كتاب الله وسنة نبيه ودخل معاوية الكوفة وبايعه الناس، فسميت سنة الجماعة لاجتماع الناس وانقطاع الحرب (٢) .\nأما<span data-type=\"title\" id=toc-9> سبب تسمية أهل السنّة بالجماعة</span>، فيرى عبد القاهر البغدادي (٣) - ﵀ - أن \"أهل السنّة لا يكفر بعضهم بعضًا، وليس بينهم خلاف يوجب التبرؤ والتكفير، فهم إذًا أهل الجماعة القائمون بالحق والله تعالى يحفظ الحق وأهله، فلا يقعون في تنابذ وتناقض، وليس فريق من فرق المخالفين إلا وفيهم تكفير بعضهم لبعض وتبرؤ بعضهم من بعض كالخوارج والروافض والقدرية؛ حتى اجتمع سبعة منهم في مجلس واحد فافترقوا عن تكفير بعضهم بعضًا..\" (٤) .\nويقول ابن تيمية - كما مر -: (وسموا أهل الجماعة لأن الجماعة هي الاجتماع، وضدها الفرقة، وإن كان لفظ الجماعة قد صار اسمًا لنفس القوم المجتمعين؛ و\"الإجماع\" هو الأصل الثالث الذي يعتمد عليه في العلم والدين. وهم يزنون بهذه الأصول الثلاثة - يعني الكتاب والسنّة\n_________\n(١) أبو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك بن بطال البكري القرطبي المالكي محدث فقيه، توفي سنة ٤٤٩هـ، من آثاره: «شرح الجامع الصحيح للبخاري» في عدة أسفار، و«الاعتصام في الحديث» . ابن بشكوال: «الصلة»: ص ٤١٤، «معجم المؤلفين»: (٧/٨٧) .\n(٢) «فتح الباري»: (١٣/٦٣)، وانظر: «تاريخ خليفة بن خياط»: ص ٢٠٣، الخطابي: «معالم السنن»: (٤/٣١١) .\n(٣) عبد القاهر بن طاهر بن محمد بن عبد الله البغدادي التميمي الإسفراييني أبو منصور، كان صدر الإسلام في عصره يدرس في سبعة عشر فنًّا، توفي في إسفرائين سنة ٤٢٩هـ، ومن آثاره: «أصول الدين» و«الفرق بين الفرق»، انظر: السبكي: «طبقات الشافعية»: (٥/١٣٦ - ١٤٥)، القفطي: «إنباه الرواة»: (٢/١٨٥، ١٨٦)، السيوطي: «بغية الوعاة»: (٢/١٠٥) .\n(٤) البغدادي: «الفرق بين الفرق»: ص ٣٦١.","vol":"1","page":32},{"text":"والإجماع - جميع ما عليه الناس من أقوال وأعمال ... مما له تعلق بالدين) (١) .\nفابن تيمية - هنا - يلحظ في التسمية بالجماعة معنى الاجتماع، وعدم الفرقة، وأن الإجماع أصل من أصول أهل السنّة، وأنهم اجتمعوا على كتاب الله وسنّة رسوله - ﷺ -، وما أجمع عليه السلف الصالح، وبهذه الأصول يزنون ما عليه الناس.\nوملخص القول:\nأن الجماعة تعني الحق من الاعتقاد أو أصحاب الاعتقاد الحق، وقد يعبر عن معنى الجماعة بأصل من أصولها (٢)؛ - كما رأينا - فهي بهذا توافق السنة، وعلى هذا يمكن أن يقال: أن لفظ السنّة والجماعة إذا افترقا اجتمعا في المعنى، وإذا اجتمعا افترقا؛ فإذا افترقا بأن ذكر أحدهما فقط دخل فيه الآخر، وصار معناهما واحدًا، ولهذا كثيرًا ما يستخدم لفظ «أهل السنة» فقط ويؤدي الدلالة والتعريف للفظين. أما إذا ذكرا معًا افترقا وصار لكل واحد منهما معنى يخصه، يفسر ذلك\n_________\n(١) «الفتاوى»: (٣/١٥٧) .\n(٢) في «الاعتصام» للشاطبي وردت خمسة أقوال في معنى الجماعة الواردة في بعض الأحاديث وهي لا تخرج في الغالب عن عموم ما سبق. يقول: اختلف الناس في معنى الجماعة.. على خمسة أقوال:\n١- أنها السواد الأعظم.\n٢- أنها جماعة العلماء المجتهدين.\n٣- أن الجماعة هم الصحابة على الخصوص.\n٤- أن الجماعة هي جماعة أهل الإسلام إذا اجتمعوا على أمر.\n٥- أن الجماعة جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير.\nوبيّن بعد كل قول من هذه الأقوال من قال به، وأوضح خروج أهل البدع عن مدلول كل قول من هذه الأقوال. انظر: «الاعتصام»: (٢/٢٦٠ - ٢٦٥) .","vol":"1","page":33},{"text":"شارح الطحاوية (١) - ﵀ - بقوله: (السنّة: طريقة الرسول - ﷺ -، والجماعة: جماعة المسلمين، وهم الصحابة والتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين) (٢) .\nفعلى هذا تأخذ السنّة معنى الاعتقاد الحق - كما هو مصطلح المتأخرين - أو الاتجاه الحق في الاعتقاد وغيره - كما هو مفهوم السنّة عند السلف - وتأخذ الجماعة معنى أصحاب ذلك الاعتقاد أو الاتجاه الصحيح.\nوعلى العموم فإن لفظ «أهل السنة والجماعة» يعطي المعنى والتعريف لأصحاب ذلك الاتجاه بلا فصل بين اللفظين في المعنى، حتى أصبح كأنه مصطلح واحد، فقد صار مصطلحًا شائعًا يؤدي المعنى بغير بحث تفصيلي عن معنى الكلمتين، كما أنه قد يكتفى بأحد اللفظين فيؤدي المعنى بانفراد (٣)، وإنما حللنا هذين المصطلحين لأن ذلك من متطلبات وضرورات البحث - ولهذا نجد كثيرًا من أصحاب المقالات والفرق لا يعرفون به لشيوعه وذيوعه، ولهذا لما سئل الإمام مالك - ﵀ -\n_________\n(١) شارح الطحاوية غير معروف الاسم في الطبعة الأولى للكتاب، فلما قام الشيخ أحمد شاكر بتحقيقه استظهر أن شارح الطحاوية هو: علي بن علي بن محمد بن أبي العز الحنفي، وذلك اعتمادًا على ما أرشده إليه الشيخ محمد نصيف - ﵀ - من أن السيد مرتضى الزبيدي نقل من هذا الكتاب قطعة في «شرح الإحياء»: (٢/١٤٦) . وعزاها إلى ابن أبي العز المذكور.\n(٢) «شرح الطحاوية»: ص ٤٣٠، وانظر: «الدين الخالص»: (٣/٤٤) .\n(٣) وقد جاء في حديث لأبي هريرة عنه (ما يؤخذ منه أن الجماعة ترادف السنّة ونصه: (.. وأما ترك السنة فالخروج عن الجماعة) . رواه أحمد، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح. ورواه الحاكم بنحوه عن أبي هريرة في «المستدرك»: (١/١١٩ - ١٢٠) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، انظر «المسند»: (١٢/٩٨ - ١٠١) .","vol":"1","page":34},{"text":"عن السنّة قال: (هي ما لا اسم له غير السنّة، وتلا: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ... الآية) (٣» (٤) .\nولما سئل - أيضًا - عن أهل السنة قال: (أهل السنّة الذين ليس لهم لقب يعرفون به؛ لا جهمي ولا قدري ولا رافضي) (٥) . فأهل السنّة ليس لهم لقب يعرفون به لأنهم الأصل الذي انشق عنه كل المخالفين، والمخالف هو الذي سرعان ما يشتهر ببدعته حينما يتنكب السبيل، والأصل لا يحتاج إلى سمة خاصة تميزه؛ إنما الذي يحتاج لاسم هو الفرع المنشق، وأهل السنّة هم أصحاب الطريق الوسط السائرون على الصراط المستقيم المخالفون لأهل البدع (٦) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>(ج) نشأة اسم أهل السنة والجماعة:</span>\nوأعني بالنشأة: بداية التمييز باسم السنّة والجماعة، كدلالة على\n_________\n(٣) الأنعام: آية ١٥٣.\n(٤) «الاعتصام» للشاطبي: (١/٥٨) .\n(٥) «الانتقاء» لابن عبد البر: ص ٣٥.\n(٦) مما يجدر التنبيه عليه أنه بعد تعدد الفرق وظهور الاتجاهات الكلامية، أصبح مصطلح أهل السنّة يطلق في بعض الأحيان على فرق لا تمثل الاتجاه السني كل التمثيل، ولكن يطلق عليها (أهل السنة) لأنها قالت بأقوال أهل السنة في بعض مسائل العقيدة، لا لأنها تمثل أهل السنة في كل شيء.\nفيطلق لفظ (أهل السنة) ويراد به من أثبت خلافة الخلفاء الثلاثة فيدخل في ذلك ... جميع الطوائف إلا الرافضة.\nوقد يراد به أهل الحديث والسنة المحضة، فلا يدخل فيه إلا من يثبت الصفات لله تعالى، ويقول: إن القرآن غير مخلوق، وأن الله يُرى في الآخرة، ويثبت القدر، وغير ذلك من الأمور المعروفة عند أهل الحديث والسنّة. انظر: «منهاج السنة» لابن تيمية: (٢/١٦٣) بتحقيق: رشاد سالم.","vol":"1","page":35},{"text":"اتجاه معين، واعتقاد متميز..\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وطريقتهم - أي أهل السنّة - هي دين الإسلام، لكن لما أخبر النبي - ﷺ -: أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة (١) .\n_________\n(١) انظر: أبو داود في أول كتاب (السنة) . «عون المعبود»: (١٢/٣٤١، ٣٤٢، رقم ٤٥٧٣)، والدارمي: (٢/٢٤١)، وأحمد: (٤/١٠٢)، والحاكم: (١/١٢٨)، والآجري في «الشريعة»: ص ١٨.\nوصححه الحاكم ووافقه الذهبي. «المستدرك»: (١/١٢٨)، وقال المقبلي: (حديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة رواياته كثيرة يشد بعضها بعضًا بحيث لا يبقى ريبة في حاصل معناها) . «العلم الشامخ»: ص ٤١٤، وقال ابن تيمية: (الحديث - يعني حديث افتراق الأمة - صحيح مشهور في السنن والمسانيد..) «الفتاوى»: (٣/٣٤٥) . وقد استشكل بعض الأئمة لفظة «كلها في النار إلا واحدة» قال الشوكاني: (أما زيادة كونها في النار إلا واحدة، فقد ضعفها جماعة من المحدثين؛ بل قال ابن حزم: أنها موضوعة) .\nوقد ناقش الألباني كلام الشوكاني هذا، فقال: (.. فإني لا أعلم أحدًا من المحدثين المتقدمين ضعف هذه الزيادة، بل إن الجماعة قد صححوها.. وأما ابن حزم فلا أدري أين ذكر ذلك؟ وأول ما يتبادر للذهن أنه في كتاب «الفصل» وقد رجعت إليه، وقلبت مظانه فلم أعثر عليه، ثم إن النقل عنه مختلف، فابن الوزير قال عنه: لا يصح والشوكاني قال عنه: أنها موضوعة، وشتان بين النقلين) «سلسلة الأحاديث الصحيحة»: (٣/١٨، ١٩) .\nوقد رجعت لكتاب «الفصل»، فوجدت النص الذي شك فيه الألباني - وفقه الله - في مبحث (الكلام فيمن يكفر ولا يكفر) جـ٤ ص ١٦ حيث قال ابن حزم: (ذكروا حديثًا عن رسول الله - ﷺ - أن «القدرية والمرجئة مجوس هذه الأمة»، وحديث آخر: «تفترق هذه الأمة على بضع وسبعين فرقة كلها في النار حاشا واحدة فهي في الجنة»، قال أبو محمد: هذان حديثان لا يصحان أصلًا من طريق الإسناد، وما كان هكذا فليس حجة عند من يقول بخبر الواحد، فكيف من لا يقول به) ومع أن ابن حزم يحكم بعدم صحة هذا الحديث إلا أنه يحتج في إبطال القياس بحديث «تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة، أعظمها فتنة على أمتي قوم يقيسون الأمور برأيهم، =","vol":"1","page":36},{"text":"صار المتمسكون بالإسلام المحض الخالص عن الشوب هم أهل السنّة والجماعة (١) .. فهذا يدل على أن التميز باسم أهل السنّة والجماعة حصل لما حدث الافتراق الذي أخبر عنه النبي - ﷺ -، لأنه قبل ذلك الافتراق لم يكن قد ظهر شيء من تلك المصطلحات: التسنن أو التشيع.. كان الإسلام والمسلمون هو الاسم والمسمى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ... الآية) (٢) .\n_________\n= فيحلون الحرام، ويحرمون الحلال» . «ملخص إبطال القياس» لابن حزم: ص ٦٩ بتحقيق: سعيد الأفغاني.\nوقد قال الألباني في رد كلام ابن حزم: (فإن صح ذلك عن ابن حزم - وهو صحيح كما بينا - فهو مردود من وجهين:\nالأول: أن النقد العلمي الحديثي قد دل على صحة هذه الزيادة فلا عبرة بقول من ضعفها.\nالثاني: أن الذين صححوها أكثر وأعلم بالحديث من ابن حزم؛ لا سيما وهو معروف عند أهل العلم بتشدده في النقد، فلا ينبغي أن يحتج به إذا تفرد عند عدم المخالفة، فكيف إذا خالف؟) «سلسلة الأحاديث الصحيحة»: (٣/١٩) . وقد استشكل بعضهم هذه الزيادة من ناحية المعنى حيث إن هذه الأمة خير الأمم وأن المرجو أن يكونوا نصف أهل الجنة؛ مع أنهم في سائر الأمم كالشعرة البيضاء في الشعر الأسود، فكيف يتمشى هذا؟! وقد رفع هذا الإشكال وأجاب عليه العلامة المقبلي في «العلم الشامخ»: ص ٤١٤ مما لا مجال لذكره.\nومما ينبغي ذكره أن أحاديث افتراق الأمة منها: ما لا نص فيه على الهالك؛ وهذه قد أخرجها أكثر المحدثين، منهم أصحاب السنن إلا النسائي وغيرهم، ومنها: ما فيه بيان أن واحدة منها ناجية، والباقين هلكى؛ وهذه لم يخرجها من أصحاب السنن إلا أبا داود، وقد أخرجها أحمد وغيره - كما سبق -، ومنها: ما تحكم بنجاة كل الفرق سوى واحدة؛ وهي الزنادقة، وقد حكم عليها بالوضع. انظر: «كشف الخفاء»: (١/٣٦٩)، «الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة»: ص ١٦١.\n(١) ابن تيمية: «الفتاوى»: (٣/١٥٩) .\n(٢) آل عمران: آية ١٩.","vol":"1","page":37},{"text":"أما تحديد بداية هذا التميز، فيرى - بحق - الدكتور مصطفى حلمي أن أصول التاريخ الإسلامي لم تعين السَّنة التي ظهر فيها هذا المصطلح (١) .\n(كان المسلمون على ما بعث الله به رسوله من الهدى ودين الحق الموافق لصحيح المنقول وصريح المعقول، فلما قتل عثمان بن عفان - رضي الله تعالى عنه وأرضاه - ووقعت الفتنة فاقتتل المسلمون بصفين، مرقت المارقة (٢) التي قال النبي - ﷺ -: «تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين يقتلهم أولى الطائفتين بالحق» (٣) . وكان مروقها لما حكم الحكمان وافترق الناس على غير اتفاق) (٤) .\nوهذا أول صدع في وحدة العقيدة في الجماعة المسلمة، فقد كانت الجماعة محافظة على وحدتها في العقيدة، فحركة الخوارج تعتبر أقدم انشقاق ديني حدث في صفوفها (٥) . ثم حدث بعد بدعة الخوارج بدعة\n_________\n(١) «نظام الخلافة في الفكر الإسلامي»: ص ٢٨٤.\n(٢) المارقة: لقب يطلق على الخوارج، والخوارج: هم الذين خرجوا على علي - ﵁ - بعد التحكيم، فقاتلهم علي يوم النهروان، وقد أمر النبي - ﷺ - بقتالهم في الأحاديث الصحيحة؛ ففي «الصحيحين» عشرة أحاديث فيهم، أخرج البخاري منها ثلاثة، وأخرج مسلم سائرها. «شرح الطحاوية»: ص ٥٣٠. وساقها جميعها ابن القيم في «تهذيب السنن»: (٧/١٤٨ - ١٥٣)، وانظر: في عقائدهم وفرقهم «الفرق بين الفرق»: ص ٧٢ وما بعدها، «الملل والنحل»: (١/١٤٦) وما بعدها، «الفصل»: (٥/٢٩) وما بعدها.\n(٣) انظر: «صحيح مسلم» (بشرح النووي) كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم: (٧/١٦٨) .\n(٤) ابن تيمية: «منهاج السنّة»: (١/٢١٨، ٢١٩) .\n(٥) دلت بعض الأحاديث على أن بذرة الخوارج وجدت في عهد الرسول - ﷺ -، كما في قصة الرجل الذي قال للرسول (وهو يوزع بعض الغنائم: (اعدل يا محمد..) . انظر: الحديث في ذلك في «صحيح البخاري» (مع فتح الباري): (١٢/٢٩٠)، و«صحيح مسلم» (بشرح النووي): (٧/١٦٥، ١٦٦) .","vol":"1","page":38},{"text":"التشيع (١) كالغلاة المدعين الألوهية في علي، والمدعين النص على علي - ﵁ -، السابين لأبي بكر وعمر - ﵄ - فعاقب أمير المؤمنين علي - رضي الله تعالى عنه - الطائفتين \"الخوارج ومبتدعة التشيع\"، قاتل المارقين، وأمر بإحراق أولئك الذين ادعوا فيه الألوهية (٢) .\nوأما السبابة الذين يسبون أبا بكر وعمر، فإن عليًّا لما بلغه ذلك طلب ابن السوداء (٣) الذي بلغه ذلك عنه، وقيل: إنه أراد قتله فهرب منه..\nوأما المفضلة الذين يفضلونه على أبي بكر وعمر، فروي عنه أنه قال: لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا ضربته حد المفتري. وقد تواتر عنه أنه كان يقول على منبر الكوفة: «خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر» وروي هذا عنه من ثمانين وجهًا (٤)، فهاتان البدعتان: بدعة الخوارج والشيعة حدثتا في ذلك الوقت لما وقعت الفتنة (٥) .\nولا شك أن هذا الابتداع لم يؤثر - في البداية - في الغالبية العظمى والقاعدة العريضة من المسلمين؛ وهم من التزم بسنّة رسول الله - صلى الله عليه\n_________\n(١) يرى ابن حزم أن فرقة الشيعة منفصلة عن الخوارج. ابن حزم: «رسالة الرد على الكندي الفيلسوف» (ضمن مجموع): ص ٢٢٧.\n(٢) بعد أن استتابهم ثلاثة أيام فلم يرجعوا، وقتْل هؤلاء واجب بالاتفاق، لكن في جواز تحريقهم خلاف. فعلي - ﵁ - رأى تحريقهم وخالفه ابن عباس (في ذلك. انظر: ابن تيمية: «منهاج السنة»: (١/٢١٩) .\n(٣) يعني: عبد الله بن سبأ، وسيأتي الحديث عنه في مبحث نشأة الشيعة.\n(٤) وانظر من الروايات في هذا المعنى: «صحيح البخاري» (مع فتح الباري) (٧/٢٠)، مسند الإمام أحمد (بتحقيق أحمد شاكر) رقم ٨٣٣، ٨٣٤، ٨٣٥، ٨٣٦، ٨٣٧، ٨٧١، ٨٧٨، ٨٧٩، ٨٨٠، ١٠٥٤ جـ٢ ص ١٤٨، ١٤٩، ١٦١، ١٦٤، ٢٣٣.\n(٥) ابن تيمية: «منهاج السنّة»: (١/٢١٩، ٢٢٠) بتحقيق رشاد سالم.","vol":"1","page":39},{"text":"وسلم - ولزم الجماعة.. «أهل السنّة والجماعة»، فلم يكونوا بحاجة في بادئ الأمر إلى التميز؛ ذلك أنهم الأصل الذي انشق عنه المخالفون، والأصل ليس بحاجة إلى ما يميزه؛ إنما الذي يحتاج لاسم هو الفرع المنشق الذي سرعان ما يشتهر ببدعته حينما يتنكب السبيل، وقد مر بنا قول الإمام مالك - ﵀ - حينما سئل عن أهل السنة فأجاب: (أهل السنة الذين ليس لهم لقب يعرفون به، لا جهمي، ولا قدري، ولا رافضي) .\nمن هنا نوافق الدكتور مصطفى حلمي في قوله: (إن أهل السنّة والجماعة هم الامتداد الطَبِعيّ للمسلمين الأوائل الذين تركهم رسول الله - ﷺ - وهو عنهم راض، ولا نستطيع أن نحدد لهم بداية نقف عندها كما نفعل مع باقي الفرق، والسؤال عن نشأة أهل السّنة والجماعة ليس له موضع، كما هو الحال إذا تساءلنا عن منشأ الفرق الأخرى) (١) .\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (ومذهب أهل السنّة والجماعة مذهب قديم معروف قبل أن يخلق الله أبا حنيفة ومالكًا والشافعي وأحمد، فإنه مذهب الصحابة الذين تلقوه عن نبيهم، ومن خالف ذلك كان مبتدعًا عند أهل السنّة والجماعة.. وأحمد بن حنبل وإن كان قد اشتهر بإمامة السنّة.. فليس ذلك لأنه انفرد بقول أو ابتدع قولًا؛ بل إن السنّة كانت موجودة معروفة قبله علمها ودعا إليها، وصبر على من امتحنه ليفارقها، وكان الأئمة قبله قد ماتوا قبل المحنة.. وثبت الإمام أحمد بن حنبل على ذلك الأمر (٢) فصار إمامًا من أئمة السنّة، وعلمًا من أعلامها،\n_________\n(١) «نظام الخلافة في الفكر الإسلامي»: ص ٢٩٢.\n(٢) «منهاج السنة»: (٢/٤٨٢، ٤٨٣)، بتحقيق: الدكتور رشاد سالم.","vol":"1","page":40},{"text":"لقيامه بإعلامها وإظهارها، واطلاعه على نصوصها وآثارها، وبيانه لخفي أسرارها، لا لأنه أحدث مقالة أو ابتدع رأيًا) (١) .\nولهذا نرى الإمام اللالكائي (٢) - ﵀ - يفتتح كتابه القيّم: «شرح أو حجج أُصول اعتقاد أهل السنّة» (٣) بذكر أئمة السنّة الذين ترسموا بالإمامة بعد رسول الله - ﷺ -، فيبدأ بذكر أبي بكر والخلفاء الثلاثة بعده، وبقية أئمة العلم والدين من الصحابة ومن تبعهم بإحسان إلى زمنه - ﵀ -، وقد ذكر كثيرًا من أئمة أهل السنّة في معظم الأمصار الإسلامية (٤)، وكذلك نرى البغدادي وهو يشير إلى مواجهة أهل السنّة لطلائع البدع يبتدئ بذكر أئمة السنّة من الصحابة والتابعين لهم ممن واجه الابتداع \"لحدوثه في حياته'' (٥) فيقول: (فأول متكلميهم من الصحابة عليّ بن أبي طالب - كرّم الله وجهه - حيث\n_________\n(١) المصدر السابق: (٢/٤٨٦) .\n(٢) هو الإمام أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري الرازي الحافظ الفقيه، محدث بغداد، قال الخطيب: كان يفهم ويحفظ وصنف كتابًا في السنّة، وكتابًا في رجال الصحيحين، وكتابًا في السنن، وتوفي في رمضان سنة ٤١٨هـ. انظر: الخطيب البغدادي: «تاريخ بغداد»: (١٤/٧٠، ٧١)، «تذكرة الحفاظ» للذهبي: (٣/١٠٨٣) .\n(٣) وهو (مخطوط) يوجد منه نسخة في المكتبة الظاهرية بدمشق، ونسخة في ألمانيا، ونسخة في الهند. انظر: «تاريخ التراث» لفؤاد سزكين: (٢/١٩٤)، «فهرس المخطوطات» للألباني: ص ٣٨٤.\n(٤) انظر: «كاشف الغمة في اعتقاد أهل السنة»: ص١ وما بعدها (مخطوط) .\n(٥) ذكر البغدادي أئمة السنّة من الصحابة الذين حدثت البدعة وظهرت الفرقة وهم أحياء، فواجهوا المبتدعة، وناظروا المبتدعين وحاولوا إرجاعهم إلى السنّة والصراط المستقيم، ولهذا لم يذكر أبا بكر وعمر وعثمان الذين لم يحدث الابتداع والافتراق في حياتهم ومن ماثلهم من الصحابة. من هنا أرى أن د. علي سامي النشار لم يعبر التعبير السليم في قوله: (ويرى أهل السنّة والجماعة أن سند مذهبهم إنما يعود إلى علي بن أبي طالب، ويعتبرونه أول متكلميهم..) «نشأة الفكر الفلسفي»: (١/٢٤٤) - وذلك =","vol":"1","page":41},{"text":"ناظر الخوارج في مسائل الوعد والوعيد، وناظر القدرية في المشيئة والاستطاعة والقدر، ثم عبد الله بن عمر ﵄ حيث تبرأ من معبد الجهني (١) في نفيه القدر، ثم يتدرج البغدادي من عبد الله بن عمر إلى عمر بن عبد العزيز فزيد بن علي وكذلك الشعبي والزهري، ومن بعد هذه الطبقة جعفر بن محمد \"الصادق\" ويذكر أن له كتاب «الرد على القدرية»، وكتاب «الرد على الخوارج» و«رسالة في الرد على الغلاة من الروافض») (٢) .\nمن هنا نقول أن السؤال عن نشأة مذهب أهل السنّة كما يُسأل عن نشأة سائر الفرق لا مكان له، لأن مذهبهم هو مذهب الصحابة الذين تلقوه عن نبيهم، لكن السؤال ينبغي أن يتوجه إلى \"بداية التسمي بذلك الاسم\". \"لا نشأة المسمى\" وهو المذهب وأهله، ومن الخطأ الخلط في ذلك.\nإن الأصل في التسمي بأهل السنّة هو ما ورد من النصوص التي تأمر باتباع السنّة، ولزوم الجماعة، فالتسمية مأثورة في السنّة وواردة في\n_________\n= اعتمادًا على ما قاله البغدادي على الرغم من أن كلام البغدادي لا يوحي بذلك، وما أدري كيف تجرأ النشار على هذا الحكم من غير بينة. وقد تابعه على هذا الخطأ د. جلال محمد موسى، حيث يقول: (ويرى أهل السنّة أن سند مذهبهم إنما يعود إلى علي بن أبي طالب..) انظر: «نشأة الأشعرية»: ص ٢٠ وهو رأي غريب.. ويبدو أنهما أخذا كلام البغدادي على وجه غير سليم.\n(١) معبد بن عبد الله بن عويم الجهني البصري - قال الذهبي: (صدوق في نفسه ولكنه سنّ سنة سيئة فكان أول من تكلم في القدر. ونهى الحسن الناس عن مجالسته وقال: هو ضال مضل) - قتله الحجاج صبرًا لخروجه مع ابن الأشعث سنة ٨٠هـ. انظر: «ميزان الاعتدال»: (٤/١٤١)، البخاري في كتاب «الضعفاء الصغير»: ص ١١٠، الرازي: «الجرح والتعديل»: (٨/٢٨٠) .\n(٢) «الفرق بين الفرق»: ص ٣٦٣.","vol":"1","page":42},{"text":"كلام السلف، إنما قصدنا ببداية التسمي هو متى بدأ إطلاق هذه التسمية على الاتجاه المتبع للسنّة والملتزم للجماعة، وهو مبحث ليس ذا أهمية كبيرة وإنما طرقناه لأنه كثيرًا ما يخلط بين الحديث عن بداية التسمية ونشأة المسمى \"وهو المذهب أو أهله\"، وحتى رأينا من يتحدث عن السنّة كأنها فرقة أو طائفة طارئة في الإسلام (١)، كسائر الفرق الأُخرى التي انشقت عنها.\nفكان من الضروري بيان هذا الأمر وتوضيحه.\nوسنرى الآن في عرضنا للآراء في نشأة التسمية شيئًا من قصور في الرؤية وغبش في التصور حيال هذه المسألة.\n١- فمن أغرب الآراء في بداية التسمية رأي للدكتور مصطفى الشكعة يزعم فيه أن (تسمية جمهرة المسلمين بأهل السنّة تسمية متأخرة، يرجع تاريخها إلى حوالي القرن السابع الهجري - أي بعد الإمام أحمد بأربعة قرون ـ) (٢) .\nوهو يطلق هذا القول ولا يقدم ما يؤيده، وهذا كاف في عدم الاعتداد به، ومعلومات الوثائق والنصوص المأثورة تدل على خلاف هذا\n_________\n(١) يشير الأستاذ أنور الجندي إلى (الدعاوى الباطلة التي يدعيها بعض الجاهلين أو المتجاهلين من أن السنّة فرقة أو طائفة طارئة ويرد على هذا ويبين أن: السنة ليست مذهبًا معينًا بين المذاهب وليس طرفًا من الأطراف ويسميها: «مدرسة الأصالة الإسلامية» التي تجمع خير ما في الفرق وتحكم بينها، ويورد في هذا كلامًا لابن القيم في أن: أهل السنّة ليسوا مع هؤلاء وليسوا مع هؤلاء بل هم مع هؤلاء فيما أصابوا فيه وهم مع هؤلاء فيما أصابوا فيه، فكل حق مع طائفة من الطوائف فهم يوافقونهم فيه وهم براء من باطلهم، فمذهبهم حق جميع الطوائف بعضه إلى بعض) . انظر: «المؤامرة على الإسلام» أنور الجندي: ص ٢٦٦.\n(٢) «إسلام بلا مذاهب»: ص ٢٨١، وقد راق هذا الرأي الذي لا دليل عليه لبعض أهل البدع فنقلوه في كتبهم \"كرأي\" مسلّم به..!! انظر: علي يحيى معمر (من الأباضية)، «الأباضية بين الفرق الإسلامية»: ص ٢٤٣.","vol":"1","page":43},{"text":"الرأي، وأن نظرة لأسماء الكتب التي كتبها علماء السلف من أهل القرن الثالث والرابع التي سموها باسم \"السنة\" (١) لكافية في الدلالة على أن التسمية بأهل السنّة كانت مستفيضة في ذلك الزمن المتقدم وقبله كما سنرى.\nونجد ما يدل على أن التسمية بأهل السنّة شائعة في العصور الأولى بعد بدء الفتنة واستفحال شأن المبتدعة؛ ومن ذلك قول محمد بن سيرين (٢): لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنّة فيؤخذ حديثهم وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم (٣) .\nفهذا يدل على أن الفتنة في عهد عثمان ﵁ كانت بداية التميز بين أهل السنّة وغيرهم.\nويصور لنا معنى هذا التميز ما رواه ابن جرير الطبري عن مصعب بن عبد الله الزبير أن أباه عبد الله بن مصعب أخبره أن الرشيد قال له: ما تقول في الذين طعنوا على عثمان؟ قال: قلت: يا أمير المؤمنين طعن عليه ناس وكان معه ناس، فأما الذين طعنوا عليه فتفرقوا عنه وهم أنواع الشيع وأهل البدع وأنواع الخوارج، وأما الذين كانوا معه فهم أهل الجماعة اليوم، فقال لي - أي الرشيد -: ما أحتاج أن أسأل بعد هذا اليوم عن هذا (٤) .\n_________\n(١) سيأتي ذكر لهذه الكتب في مبحث \"مصادر أهل السنّة\".\n(٢) محمد بن سيرين البصري الأنصاري بالولاء، (أبو بكر) إمام وقته، كان ثقة مأمونًا فقيهًا إمامًا كثير العلم ولد سنة ٣٣هـ وتوفي بالبصرة سنة ١١٠هـ. انظر: «تهذيب التهذيب»: (٩/٢١٥، ٢١٧)، «تاريخ بغداد»: (٥/٣٣١)، «الوافي بالوفيات»: (٣/١٤٦) .\n(٣) رواه مسلم في «صحيحه»: (١/١١)، وانظر: الخطيب: «الكفاية»: (/١٢٢) .\n(٤) «تاريخ الطبري»: (في حوادث سنة ١٩٣ جـ ٨ ص ٣٥٣) .","vol":"1","page":44},{"text":"٢- ويقابل رأي \"الشكعة\" ما يذهب إليه د. محمد عبد الحميد مرسي من القول بأنه (قد أصبح لفظ السنّة والجماعة مصطلحًا فنّيًا \"هكذا! \" شاع، استعماله من عهد الصحابة إلى أن اختص به الأئمة الأربعة؛ أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد) (١) .\nولم يذكر ما اعتمد عليه في هذا القول، وأرى أنه إن كان يعني بهذا الرأي \"ظهور اسم السنّة والجماعة\" فهذا معروف لأنه مأثور في السنّة وفي كلام السلف - كما بينا - وإن كان يعني به بداية التسمي والتميز بهذا الاسم فهذا - فيما أرى - لا يصح على إطلاقه، بل ينبغي أن يقيد بوقت بدء الفتنة وظهور شأن المبتدعة.\n٣- ويذكر أمير علي (٢): أن (اسم أهل السنّة والجماعة إنما عرف في عهد المنصور العباسي والرشيد) (٣) .\nوكما قلنا فإن الاسم معروف ومشهور، فالأمر بالتمسك بالسنّة وبالجماعة قد وردت به النصوص ولكن بداية إطلاق التسمية على الاتجاه غير المبتدع؛ هذا إنما هو موضع البحث.\nولم يذكر أمير علي عمدته فيما ذهب إليه.. وقد بينّا أن بداية التميز كانت قبل ذلك.\nلكن إذا حمل هذا الرأي على أنه في تلك الفترة كان هناك وضوح التميز واشتهار التسمي لاستفحال البدعة وبروز شأن المبتدعة أكثر من ذي قبل فهذا واقع، لأن (السنة - كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -\n_________\n(١) «نشأة الأشعرية»: ص ١٨.\n(٢) شيعي معاصر يوصف بأنه معتدل.\n(٣) «روح الإسلامي»: (٢/٢٠١) .","vol":"1","page":45},{"text":"كانت قبل دولة بني العباس أظهر منها وأقوى في دولة بني العباس، فإن دولة بني العباس دخل فيها كثير من الشيعة وغيرهم من أهل البدع) (١) .\nوهكذا فإنه كلما هبت \"أعاصير\" البدع تجلى \"التميز\" للسنّة بجهود أئمة السنّة في المنافحة عنها، ومن الأمثلة على ذلك ما وقع في عهد المأمون ولعل الرسالة التي بعث بها المأمون (٢) إلى نائبه على بغداد إسحاق بن إبراهيم الخزاعي ابن عم طاهر بن الحسين في مسألة خلق القرآن وامتحان العلماء في ذلك - لعل تلك الرسالة تمثل ما نشير إليه؛ فقد جاء فيها قول المأمون عن الإمام أحمد ومن تبعه: (.. ونسبوا أنفسهم إلى السنّة أهل الحق والجماعة..) وقد جاء في هذه الرسالة ما يفيد أن المنتمين للسنّة يمثلون الجمهور الأعظم والسواد الأكبر وهو قوله: (وقد عرف أمير المؤمنين أن الجمهور الأعظم والسواد الأكبر من حشو الرعية ... إلخ) (٣) .\nفهذه المرحلة التي استعملت فيها \"البدعة\" ظهر فيها أمر السنّة للدور العظيم الذي قام به الإمام أحمد، ومن يقرأ تاريخ تلك المرحلة يظن أن بداية التسمي بالسنّة كان من تلك \"الحقبة\" والأمر خلاف ذلك، حتى ذهب بعضهم إلى القول بأن بداية التسمي بالسنّة كانت على يد أبي الحسن الأشعري (٤) وهو خلاف الواقع، ولكن ظهور أثر أبي الحسن الأشعري\n_________\n(١) «منهاج السنّة»: جـ٢ ص ١٧٨ (الطبعة الأميرية) .\n(٢) عصر المأمون يقع ما بين ١٩٨هـ - ٢١٨هـ.\n(٣) انظر الرسالة بتمامها في «تاريخ الطبري»: (٨/٦٣١ - ٦٣٢)، وانظر: «مفتاح السعادة»: (٢/١٦٩ - ١٧٠) .\n(٤) أبو الحسن علي بن إسماعيل بن إسحاق الأشعري من أئمة الإسلام، قيل: بلغت مصنفاته (٣٠٠) كتاب. =","vol":"1","page":46},{"text":"- في نظره - أعطى هذه الدلالة..\nولا شك أن التأمل العقلي - أيضًا - يرشدنا إلى أن بداية التسمية كانت عند استفحال أمر البدعة وازدياد خطر الفرقة، وحينذاك بدأ أئمة السنّة يواجهون البدعة بالدعوة إلى السنّة ويجابهون الفرقة بالالتزام بالجماعة. وتبيّن من التزم بالسنّة والجماعة ومن ضلت به السبل، وهذا مصداق ما جاء في حديث افتراق الأمة الذي صدّرنا به هذا المبحث (١) .\n_________\nوقد مر ﵀ بثلاث مراحل في حياته:\n١- مرحلة الاعتزال.\n٢- مرحلة الأخذ بطريقة الجدل والتأويل مع طريقة السلف.\n٣- ثم محض طريقته بالرجوع الكامل لمعتقد السلف وكتب بذلك كتابه «الإبانة» الذي نص مترجموه على أنه من آخر كتبه. انظر: «تاريخ بغداد»: (١١/٣٤٦)، «البداية والنهاية»: (١١/١٨٧)، محب الدين الخطيب، حاشية «المنتقى»: ص ٤١.\n(١) كتب د. الزغبي كتابًا في التقريب وضع له هذا العنوان «لا سنة ولا شيعة» ولعل فيما كتبناه في هذا المبحث ما يحمل الإجابة على هذا العنوان، ولا شك أن كل مسلم يتمنى أن تختفي البدع وأن تعود الأمة إلى إسلامها وتلفظ تلك العقائد الدخيلة والأفكار الوافدة، وتختفي تلك المصطلحات التي ظهرت في محيط الأمة لظهور البدعة واستفحال الفرقة ...","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>الفصل الثاني: مصادر أهل السنة في تلقي العقيدة</span>\nسنتناول في هذا المبحث جانبين:\nالأول: الإشارة إلى مصادر أهل السنة في اعتقادهم (١) .\nالثاني: كشف المصادر المنسوبة لأهل السنّة وهي ليست كذلك، وتعرية مسالك الروافض في استدلالهم من طريق السنّة (٢) .\n_________\n(١) غرضنا من عقد هذا المبحث مع شهرته وذيوعه فضلًا عن بدهيته ما يلي:\nأولًا: أننا - كما بينا في المقدمة - نرى ضرورة التعريف بكل اتجاه على حدة ومعرفة أسس الخلاف بينهما، ولا شك أن الاتفاق في أصول التلقي هو الأصل الجامع للأمة، وعكسه في النتيجة الافتراق.\n(٢) ثانيًا: أن من يطالع ما يكتبه كثير من الشيعة في القديم والحديث يرى أن كتاباتهم قد تضمنت طائفة كثيرة من الأحاديث والأقوال التي يزعمون أنهم أخذوها من طريق السنّة الصحيح ومن كتب السنّة المعتبرة في زعمهم. وبنوا على ذلك أن في \"مصادر أهل السنة\" ما يؤيد مذهب الشيعة ويؤكد أحقيته، ومن هنا زعموا أنه لا خلاف بين الاتجاهين، فهل هذه المصادر معتبرة لدى أهل السنّة؟ وهل ما يزعمه الشيعة في هذا الباب صحيح؟ هذا ما سندرسه في هذا \"المبحث\".","vol":"1","page":49},{"text":"أولًا: مصادر أهل السنة:\nقال الإمام البيهقي: (١) (فأما أهل السنّة فمعولهم فيما يعتقدون الكتاب والسنّة) وقدوتهم العملية صحابة رسول الله - ﷺ -، قال الإمام أحمد: (أصول السنّة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله - ﷺ - والاقتداء بهم وترك البدع) (٢) .\nوكثير من طوائف البدع يدعون الرجوع إلى الكتاب والسنّة لكن الادعاء غير الواقع ذلك أنهم اختلقوا كثيرًا من الأحاديث فسَّروا في ضوئها كتاب الله.. وتأولوا كثيرًا من آيات الله على غير وجهها، فنتج عن تفسيرهم المنحرف وتأويلهم المتعسف قرآن آخر غير الذي في أيدي المسلمين.\nوبعض أهل البدع يركن في تلقي عقيدته إلى العقل ولا يعول على النصوص أو يلتفت إليها (٣) .\nوتنفرد طائفة الشيعة بأنها تتلقى السنّة من أئمة مع الرسول - ﷺ -، فالسنّة عندهم هي قول \"المعصوم\"، والمعصوم ليس رسول الله - ﷺ - فحسب - كما هو اعتقاد أهل السنّة - بل ادعوا العصمة لآخرين تختلف أعدادهم وأعيانهم باختلاف الفرق الشيعية.\n_________\n(١) البيهقي: «مناقب الشافعي»: ص ٤٦٢.\n(٢) «كاشف الغمة في اعتقاد أهل السنّة»: ص ٢٠ (مخطوط) .\nانظر: «طبقات الحنابلة»: (١/٢٤١، ٢٤٦)، «المدخل إلى مذهب الإمام أحمد»: ص ١٩.\n(٣) وإذا انحرف بعض المنتسبين لأهل السنّة وسلك هذا المسلك فلا يحتج بذلك على أهل السنّة، فليس الانتماء لأهل السنّة بالوراثة والنسب أو الادعاء والتسمي ولكنه ما صدقه الواقع وحققه العمل. والقدوة في ذلك رسول الله - ﷺ -. ورصيد التجربة المثلى في هذا مجتمع الصحابة رضوان الله عليهم.","vol":"1","page":50},{"text":"أما أهل السنّة فالمصدر الأول في التلقي عندهم هو كتاب الله، وقد أجمعوا على حفظ الله له من النقص والزيادة والتحريف على ما هو صريح قول الله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (١) - وسيأتي لهذا تفصيل - وسلكوا في تفسير كتاب الله المسلك الشرعي وابتعدوا عن التأويلات البعيدة.. والتكلفات الغريبة على ما لا تسيغه بلاغة القرآن وأسرار الشريعة ولغة العرب.\nوقالوا: (وأحسن الطرق في التفسير تفسير القرآن بالقرآن، وإلا فبالسنّة، وإلا فبالصحيح من أقوال الصحابة، وإلا فبما أجمع التابعون عليه) (٢) .\nوحذروا من قبول المرويات الضعيفة في التفسير فقالوا: (يجب الحذر من الضعيف والموضوع فإنه كثير) (٣) . (والمنقولات التي يحتاج إليها في الدين قد نصب الله الأدلة على بيان ما فيها من صحيح وغيره) (٤) .\nوالمصدر الثاني «السنّة»، وهي المبينة للكتاب؛ إذ هي سنّة المعصوم رسول الله - ﷺ - وليس لأحد عصمة بعده - ﷺ -.\nوقد تلقى الصحابة رضوان الله عليهم ما جاء به - ﷺ - ونقلوه إلى الأمة.\nويتمثل وجود السنّة في دواوين الإسلام المعروفة والمشهورة مثل صحيح البخاري ومسلم وكتب السنن كسنن أبي داود والترمذي\n_________\n(١) الحجر: آية ٩.\n(٢) راجع في هذا الموضوع مقدمة التفسير لابن تيمية في «الفتاوى»: (١٣/٣٦٣) وما بعدها.\n(٣) انظر الزركشي، «البرهان»: (٢/١٥٦) .\n(٤) ابن تيمية «الفتاوى»: (١٣/٣٤٦) .","vol":"1","page":51},{"text":"والنسائي وابن ماجه، وسنن الدارمي، وموطأ مالك، ومثل المسانيد المعروفة كمسند الإمام أحمد وغيره، إلى غير ذلك من مدونات الحديث النبوي والتي هي أشهر من أن يعرف بها.\nوهناك مدونات خاصة بالعقيدة اقتصر جامعوا أحاديثها على مسائل الاعتقاد.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وقد جمع طوائف من العلماء الأحاديث والآثار المروية في عقائد أهل السنّة مثل حماد بن سلمة (١)، وعبد الرحمن بن مهدي (٢)، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي (٣)، وعثمان بن سعيد الدارمي (٤) وغيرهم في طبقتهم.\n_________\n(١) الإمام الحافظ شيخ الإسلام أبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار البصري، قال الذهبي: هو أول من صنف التصانيف مع ابن أبي عروبة. وقال البيهقي: هو أحد أئمة المسلمين إلا أنه لما كبر ساء حفظه فلذا تركه البخاري، وأما مسلم فاجتهد وأخرج من حديثه عن ثابت ما سمع منه قبل تغيره. توفي سنة سبع وستين ومائة وقد قارب الثمانين. انظر: «تذكرة الحفاظ»: (١/٢٠٢ - ٢٠٣)، و«تهذيب التهذيب»: (٣/١٤) .\n(٢) عبد الرحمن بن مهدي بن حسان بن عبد الرحمن العنبري البصري اللؤلؤي الحافظ الإمام العلم، قال علي بن المديني: أعلم الناس بالحديث عبد الرحمن بن مهدي، وقال الشافعي: لا أعرف له نظيرًا في الدنيا، وقال ابن حبان: كان من الحفاظ المتقنين وأهل الورع في الدين ممن حفظ وجمع وتفقه وصنف وحدث وأبى الرواية إلا عن الثقات، ولد سنة ١٣٥هـ وتوفي سنة ١٩٨هـ. انظر: «تهذيب التهذيب»: (٦/٢٧٩)، «حلية الأولياء»: ص ٣٧٩ وما بعدها.\n(٣) الإمام الحافظ شيخ الإسلام بسمرقند أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام التميمي الدارمي السمرقندي صاحب المسند العالي الذي في طبقة مسند عبد بن حميد، حدث عنه مسلم وأبو داود والترمذي وغيرهم، صنف «المسند» و«التفسير» وكتاب «الجامع»، وتوفي سنة ٢٥٥هـ وكان مولده سنة ١٨١هـ. انظر: «تذكرة الحفاظ»: (٢/٣٥٤) وما بعدها، «تهذهيب التهذيب»: (٥/٢٩٤ - ٢٩٦)، وانظر: فؤاد سيزكين: (١/١٧٢) .\n(٤) عثمان بن سعيد بن خالد بن سعيد السجستاني الدارمي، أبو سعيد الحافظ محدث هراة =","vol":"1","page":52},{"text":"ومثل ما بوب عليه البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم في كتبهم مما يتعلق بالعقيدة.\nومثل مصنفات الأثرم (١) وعبد الله بن أحمد (٢)، وأبي بكر الخلال (٣) وأبي القاسم الطبراني (٤)، وأبي الشيخ الأصبهاني (٥)، وأبي بكر\n_________\n= وأحد الأعلام الثقات، ومن مصنفاته «كتاب في الرد على الجهمية» و«كتاب في الرد على بشر المريسي» و«مسند كبير» وتوفي سنة ٢٨٠هـ، وكان مولده سنة ٢٠٠هـ. وانظر: «طبقات الشافعية»: (٢/٣٠٢) وما بعدها، «مرآة الجنان»: (٢/١٩٣)، وانظر: «تاريخ التراث»: (٢/٣٧٠ - ٣٧١) .\n(١) الحافظ الكبير العلامة أبو بكر أحمد بن محمد بن هاني الإسكافي صاحب الإمام أحمد، حدث عنه النسائي في السنن وغيره، قال الذهبي: صنف التصانيف.. له كتاب في العلل وله كتاب نفيس في السنن يدل على إمامته وسعة حفظه، وله كتاب «التاريخ» .. وتوفي بعد الستين ومائتين. انظر: «تذكرة الحفاظ»: (٢/٥٧٠، ٥٧١)، «تاريخ بغداد»: (١١٠ - ١١٢)، «شذرات الذهب»: (٢/١٤١، ١٤٢)، وانظر: «تاريخ التراث»: (٢/٢٠٩) .\n(٢) أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني البغدادي الإمام الحافظ الحجة.. من تصانيفه كتاب «السنة»، و«فضائل عثمان بن عفان» وغيرهما، توفي سنة ٢٩٠هـ وكان مولده سنة ٢١٣هـ. انظر: «طبقات الحنابلة»: (١/١٨٠) وما بعدها، «تهذيب التهذيب»: (٥/١٤١ - ١٤٣)، «تاريخ التراث»: (٢/٢٠٠) .\n(٣) الفقيه العلامة المحدث أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون البغدادي الحنبلي المشهور بالخلال، صنف كتاب «السنة» في ثلاثة مجلدات وكتاب «العلل» في عدة مجلدات وكتاب «الجامع» وهو كبير جدًّا.. توفي سنة ٣١١هـ وكانت ولادته سنة ٢٣٤ أو ٢٣٥هـ، انظر: «تذكرة الحفاظ»: (٣/٧٨٦)، «البداية والنهاية»: (١١/١٤٨)، «تاريخ بغداد»: (٥/٣١٢، ٣١٣)، «تاريخ التراث»: (٢/٢١٢ - ٢١٣) .\n(٤) الحافظ الإمام الحجة أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير الطبراني، صنف «المعجم الكبير»، و«المعجم الأوسط»، و«المعجم الصغير»، وله كتاب «السنة»، وكتاب «دلائل النبوة»، وكتاب «الرد على الجهمية» وله تفسير كبير وآثار كثيرة. توفي سنة ٣٦٠هـ، وكان مولده سنة ٢٦٠هـ. انظر: «تذكرة الحفاظ»: (٣/٩١٢) وما بعدها، «وفيات الأعيان»: (٢/٤٠٧)، «النجوم الزاهرة»: (٤/٥٩، ٦٠)، «تاريخ التراث»: (١/٢١٨) .\n(٥) حافظ أصبهان الإمام أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حبان الأنصاري يعرف بأبي الشيخ كان مفسرًا مشهورًا ومحدثًا ثقة.. من مؤلفاته كتاب «العظمة» أو «عظمة الله =","vol":"1","page":53},{"text":"الآجري (١)، وأبي الحسن الدارقطني (٢) وأبي عبد الله بن منده (٣)، وأبي القاسم اللالكائي (٤)، وأبي عبد الله بن بطه (٥)، وأبي عمر\n_________\n= ومخلوقاته»، وكتاب «النوادر والنتف»، و«أخلاق النبي - ﷺ -»، و«عوالي حديث أبي الشيخ»، و«أحاديث أبي الزبير» وغيرها. توفي سنة ٣٦٩هـ، وكان مولده سنة ٢٧٤هـ، انظر: «طبقات الحفاظ»: (٣/٩٤٥)، «النجوم الزاهرة»: (٤/١٣٦)، «شذرات الذهب»: (٣/٦٨)، «تاريخ التراث»: (١/٣٢٦) .\n(١) الإمام المحدث القدوة أبو بكر محمد بن الحسين بن عبد الله البغدادي مصنف كتاب «الشريعة»، و«التصديق بالنظر إلى الله في الآخرة» وغيرهما، توفي سنة ٣٦٠هـ. انظر: «تذكرة الحفاظ»: (٣/٣٩٦)، «تاريخ بغداد»: (٢/٢٤٣)، «البداية والنهاية»: (١١/٢٧٠)، «تاريخ التراث»: (١/٣١٤) .\n(٢) الإمام شيخ الإسلام أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي البغدادي الحافظ الشهير صاحب السنن، قال القاضي أبو الطيب الطبري: الدارقطني أمير المؤمنين في الحديث، ومن آثاره: «كتاب الصفات» أو «أحاديث الصفات»، و«أحاديث النزول»، «فضائل الصحابة ومناقبهم»، «كتاب فيه ما ورد من النصوص المتعلقة برؤية الباري» وغيرها، توفي سنة ٣٨٥، وكان مولده سنة ٣٠٦هـ أو ٣٠٥هـ. «تاريخ بغداد»: (١٢/٣٤) وما بعدها، وانظر: «تذكرة الحفاظ»: (٣/٩٩١)، «غاية النهاية»: ص ٥٥٨، ٥٥٩، «تاريخ التراث»: (١/٥٠٩) .\n(٣) الإمام الحافظ محدث العصر أبو عبد الله محمد بن الشيخ أبي يعقوب إسحاق بن الحافظ أبي عبد الله محمد بن أبي زكريا يحيى بن منده الأصفهاني، تلقى العلم عن ١٧٠٠ شيخ في أقطار العالم الإسلامي، ومن آثاره: «الرد على الجهمية»، و«كتاب التوحيد ومعرف أسماء الله وصفاته»، و«معرفة الصحابة» وغيرها، ولد سنة ٣١٠هـ وقيل غير ذلك، توفي سنة خمس وتسعين وثلاثمائة. انظر: «تذكرة الحفاظ»: (٣/١٠٣١)، و«تاريخ التراث»: (١/٣٥٣) وما بعدها، «الوافي بالوفيات»: (٢/١٩٠ - ١٩١)، «لسان الميزان»: (٥/٧٠ - ٧٢) .\n(٤) ومضت ترجمته ص ٤١.\n(٥) عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان بن عمر بن عيسى بن إبراهيم بن سعد بن عتبة بن فرقد صاحب رسول الله - ﷺ - أبو عبد الله العكبري المعروف بابن بطة، ومن آثاره: «الإبانة الكبيرة»، و«الإبانة الصغيرة»، «السنن والمناسك» وغيرها، توفي سنة سبع وثمانين وثلاثمائة وكان مولده سنة ٣٠٤، انظر: «طبقات الحنابلة»: (٢/١٣٤ - ١٥٣)، وانظر: «المنهج الأحمد»: ص ٦٩ - ٧٣ (وسماه فيه عبد الله) .","vol":"1","page":54},{"text":"الطلمنكي (١) وأبي نعيم الأصبهاني (٢)، وأبي ذر الهروي (٣)، وأبي بكر البيهقي (٤) (٥) وغيرهم.\nوقد سمى كثير منهم \"مدوناتهم\" في هذا الباب باسم السنّة أي كتاب «السنّة» (٦) .\n_________\n(١) الحافظ الإمام المقرئ أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد الله بن يحيى المعافري الأندلسي الطلمنكي نسبة إلى \"طلمنكة\" من ثغر الأندلس الشرقي.. وهو عالم أهل قرطبة، روى عنه أبو عمر بن عبد البر وأبو محمد بن حزم وغيرهما، قال ابن بشكوال:.. وكان سيفًا مجردًا على أهل الأهواء والبدع. ومن آثاره: «الدليل إلى معرفة الأصول»، و«فضائل مالك»، و«رجال الموطأ» وغيرها، توفي سنة تسع وعشرين وأربعمائة وكان مولده سنة ٣٣٩هـ انظر: «الديباج المذهب»: ص ٣٩ - ٤٠، و«طبقات الحفاظ»: (٣/١٠٩٨)، و«بغية الملتمس»: ص ١٥١، و«شذرات الذهب»: (٣/٢٤٣ - ٢٤٤) .\n(٢) الحافظ الكبير محدث العصر أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى الأصبهاني، من آثاره: «حلية الأولياء»، وكتاب «المعتقد»، و«فضائل الصحابة»، وكتاب «دلائل النبوة» وغيرها، توفي ٤٣٠هـ وكانت ولادته سنة ٣٣٦هـ أو ٣٣٤هـ. انظر: «تذكرة الحفاظ»: (٣/١٠٩٢)، «لسان الميزان»: (١/٢٠١ - ٢٠٢)، «البداية والنهاية»: (١٢/٤٥) .\n(٣) الإمام العلامة الحافظ أبو ذر عبد بن أحمد بن محمد بن عبد الله الأنصاري الهروي، ومن آثاره: كتاب «السنة والصفات»، وكتاب «الجامع»، وكتاب «فضائل القرآن»، و«دلائل النبوة» وغيرها، توفي في سنة ٤٣٤هـ، انظر: «تذكرة الحفاظ»: (٣/١١٠٣)، «تاريخ التراث»: (١/٣٨٨) .\n(٤) الإمام الحافظ العلامة شيخ خراسان أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن موسى البيهقي، قال الذهبي: عمل كتبًا لم يسبق إلى تحريرها منها: «الأسماء والصفات» وهو مجلدان، و«السنن الكبير» عشر مجلدات، و«السنن والآثار»، و«شعب الإيمان»، و«دلائل النبوة»، و«السنن الكبير» عشر مجلدات، و«السنن والآثار»، و«شعب الإيمان»، و«دلائل النبوة»، و«السنن الصغيرة»، و«البعث والمعتقد» .. وغيرها، توفي سنة ٤٥٨هـ، وكان مولده في سنة ٣٨٤. انظر: «تذكرة الحفاظ»: (٣/١١٣٢)، وانظر: «طبقات الشافعية»: (٤/٨ - ١٦)، «مرآة الجنان»: (٣/٨١ - ٨٢)، «شذرات الذهب»: (٣/٣٠٤، ٣٠٥) .\n(٥) ابن تيمية: «عقيدة أهل السنّة» تعليق الشيخ عبد الرزاق عفيفي: ص ١٩ - ٢٠.\n(٦) وممن سمى كتابه باسم السنّة: ابن شيبة أبو بكر عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن =","vol":"1","page":55},{"text":"ومما تنبغي الإشارة إليه والتنبيه عليه أنه - كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -: (قد يقع في هذه المصنفات من الأحاديث الضعيفة ما يعرفه أهل المعرفة. وقد يروي كثير من الناس في الصفات وسار أبواب الاعتقادات وعامة أبواب الدين أحاديث كثيرة تكون موضوعة مكذوبة على رسول الله - ﷺ -) (١) .\nوقد أقام الله سبحانه من يحفظ سنّة نبيه ويعنى بتمييز صحيحها من غيره ويضع المقاييس والضوابط لذلك، وقامت دراسات دقيقة ومحكمة لمتون الأحاديث وأسانيدها حتى أصبحت هناك إمكانية لمعرفة الأحاديث\n_________\n= عثمان العبسي، توفي سنة ٢٢٥هـ، وأبو بكر الأثرم (المتقدم ذكره) وأبو داود السجستاني (صاحب السنن)، وأبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم البصري توفي سنة ٢٧٥هـ، وأبو بكر أحمد بن علي سعيد المروزي توفي سنة ٢٩٢هـ، وأبو بكر الخلال (المتقدم ذكره)، وأبو أحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم الأصبهاني العسال توفي سنة ٣٤٩هـ، وأبو القاسم الطبراني (السابق ذكره)، وأبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حبان ويقال ابن حبان توفي سنة ٤٣٤هـ، وأبو ذر الهروي (السابق ذكره) وغيرهم، وقد يسمون تلك المصنفات بأسماء أخرى ... انظر: ابن تيمية، «الفتوى الحموية الكبرى»، بتحقيق محمد عبد الرزاق حمزة: ص ١٧ - ٢٠، «منهاج السنّة»، بتحقيق محمد رشاد سالم: (٢/٢٨٣)، السفاريني: «لوامع الأنوار البهية»: (١/٢١، ٢٢)، «الرسالة المستطرفة»: (ص ٢٩- ٣٠)، وانظر: علي سامي النشار مقدمة «عقائد السلف»: (ص ٥- ٧) .\nوأقول - مع بالغ الأسف - إن هذه المدونات المهمة لم تأخذ العناية من المؤسسات التعليمية والباحثين في مجال العقائد الإسلامية، وأصبح اعتماد كثير من المؤسسات الثقافية في العالم الإسلامي على كتب المتأخرين المشوبة بكثير من الأفكار الغريبة والآراء الدخيلة، مع أن الواجب الشرعي والمنهج العلمي يقتضي أن نرجع إلى الأصول قبل كل شيء، وإنه لمن الضروري العناية بهذه الأصول وإخراج هذه الكنوز وتحقيقها، تلك التي قد ضاع بعضها وبعضها قابع في مراكز المخطوطات في العالم وقليل منها بين أيدي الناس ...\n(١) ابن تيمية: «عقيدة أهل السنّة» بتعليق الشيخ عبد الرزاق عفيفي: ص ٢٠.","vol":"1","page":56},{"text":"الصحيحة من غيرها، واطمأن المسلمون على سنّة نبيهم حتى إن الخليفة هارون الرشيد رد على الزنادقة حين تحداه بقوله: (فأين أنت عن ألف حديث وضعتها ونسبتها إلى رسول الله - ﷺ - ما فيها حرف نطق به رسول الله - ﷺ -؟) فكان جواب الرشيد لهذا الزنديق: (فأين أنت يا عدو الله من أبي إسحاق الغزاري، وعبد الله بن المبارك ينخلانها نخلًا فيخرجانها حرفًا حرفًا) (١) .\nولقد كان الأئمة في الحديث يعرفون الأحاديث بطرقها وأسانيدها بحيث لو روي حديث بغير سنده وطريقه لعرفوا أنه قد حرف عن موضعه، كما وقع مثل ذلك للإمام محمد ابن إسماعيل البخاري حين ورد إلى بغداد وقصد المحدثون امتحانه فسألوه عن أحاديث قلبوا أسانيدها فقال: لا أعرف هذه ولكن حدثني فلان، ثم أتى بجميع تلك الأحاديث على الوضع الصحيح وردّ كل متن إلى سنده (٢) .\nولقد اعترف \"الشيعة\" بتثبيت أئمة السنّة في رواية الحديث، جاء في كتاب «السرائر» - وهو من كتبهم المعتبرة (قال صاحب البحار: «كتاب السرائر لا يخفي الوثوق عليه وعلى مؤلفه على أصحاب السرائر» (٣» - جاء في هذا الكتاب حديثهم التالي عن بعض أصحابنا\n_________\n(١) ياقوت الحموي «معجم الأدباء»: (جـ١/ ٢١٢ - ٢١٣) .\n(٢) انظر ابن حجر: «هدي الساري»: ص ٤٨٦، ابن خلدون، «المقدمة»: (٣/٩، ١٠) قال الصنعاني في «توضيح الأفكار» عن قصة البخاري مع علماء الحديث في بغداد، (وهي مشهورة أخرجها ابن عدي عن مشائخ البخاري، وأخرجها أبو بكر الخطيب في «التاريخ» في غير موضع وساقها الحافظ ابن حجر في نكته على ابن الصلاح بإسناده) . «توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار» (ص ١٠٣ - ١٠٤) .\n(٣) «البحار»: (جـ١/ص ٣٣)، ووصفوا مؤلف السرائر بـ \"الإمامة العلامة حبر العلماء والفقهاء وفخر الملة والحق والدين شيخ الفقهاء رئيس المذهب الفاضل الكامل عين =","vol":"1","page":57},{"text":"يرفعه إلى أبي عبد الله - يعنون: جعفر الصادق - وفيه قال - أي راوي الحديث يسأل أبا عبد الله -: «هؤلاء - يعني بهم أئمة السنّة - يأتون بالحديث مستويًا كما يسمعونه، وإنا ربما قدّمنا وأخرنا وزدنا ونقصنا» (١) .\nفهذا إقرار منهم بخيانتهم في نقل النصوص، وأمانة أهل السنّة ودقتهم في ذلك.\nوجهود أئمة السنّة لا تحتاج لهذا الاعتراف، ولكن أوردنا هذا الاعتراف لأنه صادر من \"المخالف\" وإنصاف المخالف أشد وقعًا في النفس من إنصاف الموافق.. ولأن في هذا وأمثاله ما \"يلجم\" محاربي السنّة من الروافض المعاصرين من \"كتبهم\".\n٢- الجانب الثاني: ويتضمن كشف حقيقة ما ينسبه \"الروافض\" من أحاديث وروايات إلى مصادر أهل السنّة.\nذلك بأن المطالع لكتب الشيعة ورسائلهم قديمها وحديثها يرى ذلك \"الحشد\" الكبير من النصوص التي يزعمون أنهم أخذوها من مصادر أهل السنّة، وهي تؤيد مذهب الشيعة وتطعن في مذهب أهل السنّة، ويحتجون بها لصحة مذهبهم على أهل السنّة ويقنعون بواسطتها المتشككين والحائرين من بني مذهبهم.\nوقد أشار ابن خلدون (٢) إلى هذه الظاهرة بقوله: (إنهم يستدلون\n_________\n= الأعيان ونادرة الزمان..\" انظر: «منتهى المقال»: ص ٢٦، «المقابس»: ص ١٥، عن مقدمة «البحار»: (جـ١/ص ١٦٣) .\n(١) ابن إدريس: «السرائر»: ص ٤٧٦.\n(٢) عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسن الحضرمي الإشبتلي الأصل المعروف =","vol":"1","page":58},{"text":"على مذهبهم بنصوص ينقلونها ويؤولونها على مقتضى مذهبهم لا يعرفها جهابذة السنّة ولا نقلة الشريعة، بل أكثرها موضوع أو مطعون في طريقه أو بعيد عن تأويلاتهم الفاسدة) (١) .\nولهم في ذلك وسائل وطرق متعددة حتى وصفها صاحب «مختصر التحفة الاثني عشرية» بأنها كثيرة جدًّا لا تدري اليهود بعشرها (٢) .\nولقد قام شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - بكشف كثير من النصوص التي ينسبها الروافض لمصادر أهل السنّة، وأماط اللثام عن صحة تلك النسبة أو خطئها وعن سلامة التأويل لها من فساده، وذلك في كتابه منهاج السنّة ولا سيما في المجلد الأخير منه (٣) .\nأما عملية كشف الوسائل التي يتخذها الروافض في الاحتجاج لمذهبهم من طريق السنّة فقد تولى شرحها علامة الهند شاه عبد العزيز الدهلوي (٤) في كتابه «التحفة الاثني عشرية» الذي ألفه بالفارسية، ونقله إلى العربية الشيخ الحافظ غلام محمد بن محيي الدين بن عمر الأسلمي\n_________\n= بابن خلدون (ولي الدين أبو زيد)، عالم، أديب، مؤرخ، اجتماعي حكيم، ولد بتونس سنة ٧٣٢هـ وتوفي بالقاهرة سنة ٨٠٨ هـ، من مصنفاته «العبر»، «تاريخ ابن خلدون»، و«لباب المحصل» وغيرها. انظر: السخاوي: «الضوء اللامع»: (٤/١٤٥، ١٤٩)، ابن العماد: «شذرات الذهب»: (٧/٧٦ - ٧٧)، وانظر: «معجم المؤلفين»: (٥/١٨٨ - ١٨٩) .\n(١) ابن خلدون: «المقدمة»: (٢/٥٢٧) بتحقيق د. علي عبد الواحد وافي.\n(٢) «مختصر التحفة الاثني عشرية»: ص ٢٥.\n(٣) من الطبعة الأميرية سنة ١٣٢٢هـ، ويقوم أستاذنا محمد رشاد سالم بتحقيقه، وخرج منه حتى الآن جزءان.\n(٤) هو: عبد العزيز بن أحمد (ولي الله) بن عبد الرحيم العمري الفاروقي الملقب سراج الهند، توفي عام ١٢٣٩هـ ومن مؤلفاته، «فتح العزيز» في التفسير ولم يتمه و«بستان المحدثين» و«التحفة الاثني عشرية»، انظر: «الأعلام»: (جـ٤/ ص ١٣٨) .","vol":"1","page":59},{"text":"والكتاب المعرب لا يزال مخطوطًا (١) ولكن مختصره للشيخ الألوسي مطبوع ومشهور، وقد حوى جزءًا من تلك الوسائل.\nوكذلك فعل - شيخ العلماء الأعلام فريد دهره ووحيد عصره - كما يصفه الألوسي (٢) الشيخ محمد الشهير بخواجة نصر الله الهندي المكي (٣)، فأماط اللثام عن كثير من تلك الوسائل والمعابر التي يتقنع بها الروافض لتمرير الأفكار الأجنبية تحت ستار الاحتجاج من مصادر أهل السنّة، وذلك في كتابه «الصواقع المحرقة»، وقد اختصره الشيخ محمود الألوسي وسماه «السيوف المشرقة في مختصر الصواقع المحرقة»، والشيخ السويدي (٤) ﵀ قد كشف أيضًا مجموعة من تلك المحاولات الرافضية في رسالة له بعنوان «نقض عقائد الشيعة» لا تزال مخطوطة لم تطبع (٥) .\nوالموضوع بحاجة إلى دراسة وعناية ولا يكفي هذا الحيز له، وحسبنا أن نشير إلى شيء من وسائلهم ونؤكد في البداية على أهمية الدراسة الواعية المستوفية لهذه المسألة وإبراز هذه الوسائل بالأرقام والوقائع.. وذلك لمواجهة مسيرة الافتراء والتفريق وإثارة الأحقاد والفتن التي كنا نظن أنها قد ولت، فإذا بنا نفاجأ بها مستمرة.. على صورة أشد وأنكى مما كانت..\n_________\n(١) يوجد منه نسخة في مكتبة \"الأوقاف\" ببغداد برقم (٥٠٣٥)، وأخرى برقم (٦٨١٢)، انظر فهرس مكتبة الأوقاف ببغداد.\n(٢) مقدمة «السيوف المشرقة» (مخطوط) .\n(٣) لم أجد له ترجمة فيما اطلعت عليه من المصادر العربية.\n(٤) ستأتي ترجمته في محاولات التقريب.\n(٥) يوجد منها نسخة في مكتبة الأوقاف ببغداد برقم (١/١٣٧٨٥) مجاميع.","vol":"1","page":60},{"text":"ومطابع الروافض تقذف سنويًا مجموعة كبيرة من الكتب والرسائل التي تحوي فيما تحوي ذلك اللون؛ وهو: الاحتجاج لمذهب الشيعة من طريق السنة، وبهذه الوسيلة يضلون قومهم عن سواء السبيل.\nأما وسائلهم وطرقهم الخفية في الاحتجاج من طريق السنّة وتلك نبه إليها العلماء الأعلام - كما أسلفنا - فهذا ما سنشير إلى بعضه فيما يلي:\n١- يقول الشيخ عبد الله السويدي - ﵀ -:\nإن بعض علمائهم اشتغلوا بعلم الحديث وسمعوا الأحاديث من ثقات المحدثين من أهل السنّة وحفظوا أسانيد أهل السنّة الصحيحة، وتحلّوا في الظاهر بحلي التقوى والورع، بحيث كانوا يعدون من محدثي أهل السنّة، فكانوا يروون الأحاديث صحاحًا وحسانًا، ثم أدرجوا في تلك الأحاديث موضوعات مطابقة لمذهبهم، وقد ضل بذلك كثير من خواص أهل السنّة فضلًا عن العوام، ولكن قيض الله بفضله أئمة أهل الحديث فأدركوا الموضوعات فنصوا على وضعها فتبين حالها حينئذ والحمد لله على ذلك.\nوقد أقرت طائفة منهم بالوضع بعدما انكشف حالهم.. وتلك الأحاديث الموضوعة موجودة إلى الآن في المعاجم والمصنفات وقد تمسك بها أكثر التفضيلية (١) والمتشيعة (٢) .\nويذكر الألوسي في حديثه عن هذه الوسيلة في كتابه «السيوف\n_________\n(١) التفضيلية أو المفضلة هم الذين يفضلون عليًّا على أبي بكر وعمر من الزيدية وغيرهم انظر التسعينية: لابن تيمية: ص ٤٠.\n(٢) عبد الله السويدي «نقض عقائد الشيعة» وهو مخطوط غير مرقم الصفحات وبالعد ينظر ص ٢٥ - ٢٦ وانظر: «مختصر الصواعق»: ص ٥٠ (مخطوط) و«مختصر التحفة»: ص ٣٢.","vol":"1","page":61},{"text":"المشرقة» أن ممن استخدم هذه الوسيلة \"جابر الجعفي\" (١)، وأنه قد روى عنه في بعض كتب السنّة كسنن الترمذي وأبي داود والنسائي (٢) روايات لم ينفرد هو بها (٣) .\n٢- ويقول الألوسي في «مختصر التحفة الاثني عشرية»:\n(ومن مكايدهم أنهم ينظرون في أسماء المعتبرين عند أهل السنّة، فمن وجدوه موافقًا لأحد منهم في الاسم واللقب أسندوا رواية حديث ذلك الشيعيّ إليه، فمن لا وقوف له من أهل السنّة يعتقد أنه إمام من أئمتهم فيعتبر قوله ويعتد بروايته، كالسدي: فإنهما رجلان: أحدهما السدي الكبير، والثاني السدي الصغير، فالكبير (٤) من ثقات أهل السنّة، والصغير من الوضاعين الكذابين وهو رافضي غال (٥)، وكابن قتيبة\n_________\n(١) جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي الكوفي أحد علماء الشيعة، توفي سنة سبع وستين ومائة، قال ابن حبان: كان سبئيًا من أصحاب عبد الله بن سبأ، كان يقول إن عليًّا يرجع إلى الدنيا، وروى العقيلي بسنده عن زائدة أنه قال: جابر الجعفي رافضي يشتم أصحاب رسول الله - ﷺ -، وقال النسائي وغيره: متروك، وقال يحيى: لا يكتب حديثه ولا كرامة. انظر: «ميزان الاعتدال»: (جـ١/ ص ٣٧٩) وما بعدها.\n(٢) وفي «ميزان الاعتدال» أشار إلى أنه روى له (أبو داود والترمذي وابن ماجه، ولم يذكر النسائي، كما ذكر أن أبا داود لم يخرج له إلا حديثًا واحدًا في باب سجود السهو)، «ميزان الاعتدال»: (جـ١/ص ٣٧٩، ٣٨٣) ترجمة جابر الجعفي، الذهبي: «الكاشف»: (١/٧٧)، ابن حجر: «تقريب التهذيب»: (١/١٢٣) .\n(٣) الألوسي: «السيوف المشرقة»: ص ٥٠ (مخطوط) .\n(٤) إسماعيل بن عبد الرحمن السدي، تابعي، حجازي، سكن الكوفة أخرج له مسلم وأصحاب السنن، توفي سنة ١٢٧هـ. انظر: الخلاصة: ص ٣٥، «الكاشف»: (١/١٢٧) .\n(٥) محمد بن مروان بن عبد الله بن إسماعيل بن عبد الرحمن الكوفي، وهو كذاب وضاع عند أهل السنّة. انظر: «الجرح والتعديل»: (٨/٨٦)، «تقريب التهذيب»: (٢/٢٠٦)، الخلاصة: ص ٣٥٨، وانظر ترجمته في كتب الروافض مثل: «الكنى والألقاب»، للقمي: (٢/٢٨٤، ٢٨٥) .","vol":"1","page":62},{"text":"رجلان: أحدهما: عبد الله بن قتيبة رافضي غال، وعبد الله بن مسلم بن قتيبة (١) من ثقات أهل السنّة، وقد صنف كتابًا سماه بـ «المعارف» فصنف ذلك الرافضي كتابًا وسماه بـ «المعارف» أيضًا قصدًا للإضلال) (٢) .\nومن ذلك محمد بن جرير الطبري رجلان أحدهما الإمام السنّي المشهور صاحب التفسير والتاريخ (٣) والآخر محمد بن جرير بن رستم الطبري من أئمة الروافض (٤)، وهناك رافضي آخر يسمى بأبي\n_________\n(١) هو: أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، توفي ببغداد عام ٢٧٦هـ وكان مولده سنة ٢١٣هـ، له مؤلفات كثيرة منها، «تأويل مختلف الحديث» و«المعارف»، و«الرد على الشعوبية»، و«مشكل القرآن» وغيرها. انظر: «تاريخ بغداد»: (١٠/١٧٠ - ١٧١)، «إنباه الرواة»: (٢/١٤٣ - ١٤٧)، «الأعلام»: (٤/٢٨٠) .\n(٢) «مختصر التحفة الاثني عشرية»: ص ٣٢ (بتصرف يسير)، وانظر: «مختصر الصواقع»: ص ٥١ (مخطوط)، والسويدي «نقض عقائد الشيعة»: ص ٢٥ (مخطوط) .\n(٣) محمد بن جرير زيد الطبري أبو جعفر، المؤرخ المفسر الإمام، ولد في آمل طبرستان في ٢٢٤هـ واستوطن ببغداد وتوفي بها في ٣١٠هـ، ومن مؤلفاته «جامع البيان في تفسير القرآن» والمشهور «بتفسير الطبري»، و«أخبار الرسل والملوك» والمعروف بـ «تاريخ الطبري»، و«اختلاف الفقهاء» وغيرها، انظر ترجمته في «تاريخ بغداد»: (٢/١٦٢)، «البداية والنهاية»: (١١/١٤٥)، «الأعلام»: (٦/٢٩٤) .\n(٤) محمد بن جرير بن رستم بن جرير الطبري الآملي - أبو جعفر من علماء الإمامية توفي ببغداد عام ٣١٠هـ ومن آثاره: «المسترشد في الإمامة»، «نور المعجزات في مناقب الأئمة الاثني عشر» وغيرها: «معجم المؤلفين»: (٩/١٤٦)، وانظر: مقدمة «البحار»: (جـ١/ص ١٧٧)، «تنقيح المقال»: (٢/٩١)، «لسان الميزان»: (٥/١٠٣)، وانظر في التفرقة بين الرجلين مجلة المجمع العلمي العراقي المجلد التاسع ١٣٨١هـ ص ٣٤٥ مطبعة المجمع.\nولقد ألحق هذا التشابه الاسمي بابن جرير - ﵀ - بعض الإساءة؛ فيذكر ابن كثير أن بعض العوام اتهمه بالرفض وطعن عليه بالإلحاد، وأشار إليه أنه نسب إليه كتاب عن حديث \"غدير خم\" يقع في مجلدين، ونسب إليه القول =","vol":"1","page":63},{"text":"جعفر الطبري وهو أبو جعفر محمد بن أبي القاسم بن علي الطبري من علماء الإمامية في القرن السادس (١) .\nوهناك ابن بطة اثنان: ابن بطة السنّي وينطق بفتح الباء (٢) وابن بطة الشيعي وهو بضم الباء (٣) .\n_________\n= بجواز (مسح القدمين في الوضوء)، ثم قال ابن كثير: (ومن العلماء من يزعم أن ابن جرير، اثنان أحدهما شيعي وإليه ينسب ذلك وينزهون أبا جعفر عن هذه الصفات) «البداية والنهاية»: (جـ١/ص ١٤٧) . وهذا الرأي الذي نقله ابن كثير عن بعض العلماء هو الحقيقة عينها كما دلت على ذلك الدراسات في الرجال، وما تبين من خلال كتب الشيعة التي ظهرت في هذا العصر ويكفي ما تركه الإمام السني صاحب التفسير والتاريخ من آثار لتنفي عنه ما نسب إليه. انظر: مثلًا: «جزء في الاعتقاد» لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري: ص ٦ - ٧.\n(١) وقد خلط فؤاد سيزكين في «تاريخ التراث» بين هذا الرافضي والذي قبله، فنسب كتاب «بشارة المصطفى» وهو لهذا (ابن أبي القاسم) نسبه للأول (ابن رستم)، في حين أن بين الرجلين أكثر من قرنين.. «تاريخ التراث»: (٢/٢٦٠)، وهذا الطبري قد نشرت له جريدة \"المدينة\" حكاية موضوعة بعنوان (عقد الزهراء) وما كانت هذه القصة لتأخذ طريقها للنشر لولا الاشتباه في الاسم (جريدة المدينة عدد ٤٦٢١ - الثلاثاء ٢٤ رجب ١٣٩٩هـ ص ٧ - اختيار: محمد سالم محمد نقلًا عن كتاب بشارة المصطفى)، وقد اطلعت على كتاب «بشارة المصطفى» فوجدته قد جمع من الكذب والضلال فأوعى.. ففيه تأويل الجبت والطاغوت بأبي بكر وعمر ص ٢٣٨ وأن زيارة علي تعادل ألف ألف حجة.. ص ٢٧، وفيه زعمه أن الرسول - ﷺ - قال: (ولا تفضلوا عليه - أي علي- أحدًا فترتدوا) ص ٥٢. ويغلو المؤلف أكثر من هذا فيقول: (من شك في تقديمه وتفضيله ووجوب طاعته وولايته محكوم بكفره وإن أظهر الإسلام وجرت عليه أحكامه) ص ٥١ ... إلخ.\n(٢) مضت ترجمته ص ٤٦.\n(٣) محسن الأمين، «أعيان الشيعة»: (٦/٥٦)، عباس القمي: «الكنى والألقاب»: (١/٢٢) .","vol":"1","page":64},{"text":"وطَبَعِيٌّ أن تتشابه الأسماء والكنى والألقاب، ولكن من غير الطَّبَعِيِّ أن يستغل هذا التشابه في القيام بدس فكري رخيص.. يفرق الأمة.. ويبعث النزاع.. ويضلل الباحثين المخلصين عن الحق..\nوهذا المسلك وما قبله يحاول أن يضع بالسند الصحيح أو بالإسناد الذي يوافق الإسناد الصحيح في أسماء الرجال؛ يحاول أن يضع متنًا موضوعًا يخدم به فكرة معينة.\nولكن هذا المسلك سرعان ما ينكشف وتتبين حقيقته بظهور القرائن على كذبه، إما لمخالفته لصريح القرآن أو لمناقضته لما جاءت به السنّة الصحيحة مناقضة بيّنة أو لما سوى ذلك من قرائن وبراهين.\nفإن أئمة الحديث كما اعتنوا بإسناد الحديث اعتنوا بمتنه ووضعوا علامات لمعرفة الحديث الموضوع بدون نظر لإسناده، وعامة كتب علوم الحديث تعرضت لذلك؛ قال ابن الجوزي (١): (ما أحسن قول القائل إذا رأيت الحديث يباين المعقول، أو يخالف المنقول، أو يناقض الأُصول فاعلم أنه موضوع) (٢) .\nوقال ابن الصلاح (٣): (وإنما يعرف كون الحديث موضوعًا\n_________\n(١) هو: عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي - ﵁ - أبو الفرج) التيمي البكري البغدادي المعروف بابن الجوزي، محدث، حافظ، مفسر، فقيه، واعظ، أديب، مؤرخ.. ولد ببغداد سنة ٥١٠هـ تقريبًا وتوفي بها عام ٥٩٧، من مؤلفاته: «جامع المسانيد» في سبع مجلدات، «المنتظم في تاريخ الأمم» وغيرها. انظر: اليافعي: «مرآة الجنان»: (٣/٤٨٩ - ٤٩٢)، ابن العماد: «شذرات الذهب»: (٣٢٩ - ٣٣١)، «معجم المؤلفين»: (٥/١٥٧) .\n(٢) ابن الجوزي: «الموضوعات»: (١/١٠٦)، «تدريب الراوي»: (١/٢٧٧) .\n(٣) عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن موسى الكردي الموصلي المعروف بابن الصلاح =","vol":"1","page":65},{"text":"بإقرار واضعه أو ما يتنزل منزلة إقراره، وقد يفهمون الوضع من قرينة حال الراوي أو المروي، فقد وضعت أحاديث طويلة يشهد بوضعها ركاكة ألفاظها ومعانيها) (١) .\nوقال ابن دقيق العيد (٢): (وأهل الحديث كثيرًا ما يحكمون بالوضع باعتبار أمور ترجع إلى المروي وألفاظ الحديث. وحاصله يرجع إلى أنه حصلت لهم لكثرة محاولة ألفاظ الرسول - ﷺ - هيأة نفسانية أو ملكة يعرفون بها ما يجوز أن يكون من ألفاظ من النبي - ﷺ - وما لا يجوز أن يكون من ألفاظه) (٣) .\nوقال أبو الحسن علي بن عروة الحنبلي (٤): (القلب إذا كان تقيًّا نظيفًا زاكيًا كان له تمييز بين الحق والباطل، والصدق والكذب،\n_________\n= (تقي الدين أبو عمرو)، محدث، مفسر، فقيه، أصولي، ولد في ٥٧٧هـ - وتوفي بدمشق في ٦٤٣هـ، من مؤلفاته: «علوم الحديث»، «معرفة المؤتلف والمختلف» وغيرهما. «شذرات الذهب»: (٥/٢٢١ - ٢٢٢)، «تذكرة الحفاظ»: (٤/١٤٣٠)، «معجم المؤلفين»: (٦/٢٥٧) .\n(١) «علوم الحديث» لابن الصلاح: ص ٨٩.\n(٢) محمد بن علي بن وهب بن مطيع أبو الفتح تقي الدين القشيري المعروف بابن دقيق العيد (كأبيه وجده) شيخ الإسلام الحافظ المجتهد.. ولد في ينبع (على ساحل البحر الأحمر) عام ٦٢٥ وتوفي بالقاهرة سنة ٧٠٢هـ، ومن آثاره: «أحكام الأحكام»، و«الاقتراح في بيان الاصطلاح»، و«الإلمام في أحاديث الأحكام» وغيرها. «طبقات الشافعية»: (٩/٢٠٧ - ٢٤٩)، «الدر الكامنة»: (٤/٢١٠ - ٢١٤) .\n(٣) ابن دقيق العيد: «الاقتراح»: ص ١١ (مخطوط) .\n(٤) علي بن حسين بن عروة العلاء أبو الحسن المشرقي ثم الدمشقي الحنبلي ويعرف بابن زكنون (بفتح أوله)، محدث فقيه، ولد قبل سنة ٧٦٠هـ وتوفي في دمشق سنة ٨٣٧هـ، ومن تصانيفه، «الكواكب الدراري في ترتيب مسند الإمام أحمد على أبواب البخاري» في ١٢٠ مجلدًا. انظر: السخاوي: «الضوء اللامع»: (٥/٢١٤ - ٢١٥) .","vol":"1","page":66},{"text":"والهدى والضلال، ولا سيما إذا كان قد حصل له إضاءة وذوق من النور النبوي، فإنه حينئذ تظهر له خبايا الأمور، ودسائس الأشياء، والصحيح من السقيم، ولو ركّب على متن ألفاظ موضوعة على الرسول إسناد صحيح أو على متن صحيح إسناد ضعيف لميز ذلك وعرفه.. فإن ألفاظ الرسول لا تخفى على عاقل ذاقها..) (١) .\nوقال الربيع بن خثيم (٢) - التابعي الجليل: (إن من الحديث حديثًا له ضوء كضوء النهار يعرف، وإن من الحديث حديثًا له ظلمة كظلمة الليل ننكره) (٣) .\nوقد سئل الإمام ابن القيم (٤) - ﵀ - هل يمكن معرفة الحديث الموضوع بضابط من غير أن ينظر في سنده؟ فقال: (هذا سؤال عظيم القدر، وإنما يعلم ذلك من تضلّع في معرفة السنن الصحيحة، واختلطت بلحمه ودمه، وصار له اختصاص شديد بمعرفة السنن والآثار، ومعرفة سيرة رسول (وهديه،\n_________\n(١) جمال الدين القاسمي: «قواعد التحديث»: ص ١٦٥ (وقد نقل ذلك عن كتاب «الكواكب الدراري» لابن عروة) .\n(٢) الربيع بن خثيم (بضم المعجمة وفتح المثلثة) بن عائذ بن عبد الله الثوري أبو يزيد الكوفي، ثقة عابد، قال ابن مسعود: لو رآك رسول (لأحبك، مات سنة إحدى وقيل ثلاث وستين، أخرج له البخاري ومسلم وغيرهما «تقريب التهذيب»: (١/٢٤٤) .\n(٣) رواه الخطيب البغدادي في «الكفاية»: ص ٦٠٥.\n(٤) محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن جرير الزرعي المعروف بابن قيّم الجوزية الإمام العلامة.. من أركان الإصلاح الإسلامي وأحد كبار العلماء، ألف تصانيف كثيرة منها: «أعلام الموقعين»، «زاد المعاد»، «هداية الحيارى» وغيرها توفي سنة ٧٥١هـ، وكانت ولادته سنة ٦٩١هـ. انظر: «الوافي بالوفيات»: (٢/٢٧٠-٢٧٢)، «جلاء العينين»: ص ٣٠، «الأعلام»: (٢٨٠ - ٢٨١) .","vol":"1","page":67},{"text":"فيما يأمر به وينهى عنه، ويخبر عنه، ويدعو إليه، ويحبه ويكرهه، ويشرعه للأمة بحيث كأنه مخالط للرسول (كواحد من أصحابه.\nفمثل هذا يعرف من أحوال رسول الله - ﷺ - وهديه وكلامه، وما يجوز أن يخبر به وما لا يجوز، ما لا يعرفه غيره..) (١) .\nوقد أورد - ﵀ - عدة قواعد في هذا الشأن بلغت (٤٤) قاعدة، ومثل لها بـ (٢٧٣) حديثًا وبين وجه وضعها من خلال نقد المتن فقط بغير نظر إلى السند وذلك في كتابه «المنار المنيف» .\n٣- يذكر شاه عبد العزيز الدهلوي أن من وسائلهم أيضًا:\n(أنهم ينسبون بعض الكتب لكبار علماء السنّة مشتملة على مطاعن في الصحابة، وبطلان مذهب أهل السنّة، ويمثل لذلك بكتاب «سر العالمين» ويقول: إنهم نسبوه إلى الإمام أبي حامد الغزالي - ﵀ - وشحنوه بالهذيان، وذكروا في خطبته عن لسان الإمام وصيته بكتمان هذا السر وحفظ هذه الأمانة، ما ذكر في هذا الكتاب فهو عقيدتي وما ذكر في غيره فهو للمداهنة) (٢) .\nوقد رأيتهم في بعض مؤلفاتهم المعاصرة يرجعون لهذا الكتاب ويحتجون ببعض ما فيه على أهل السنّة (٣) .\n_________\n(١) «المنار المنيف»: ص ٤٤.\n(٢) «مختصر التحفة الاثني عشرية»: ص ٣٣، وانظر: السويدي: «نقض عقائد الشيعة»: ص ٢٥ (مخطوط) .\n(٣) انظر مثلًا (مصادر كتاب كشف الاشتباه) للرافضي عبد الحسين الرشتي والمطبوع في المطبعة العسكرية بطهران في ١٣٦٨هـ.","vol":"1","page":68},{"text":"وقد طبع هذا الكتاب عدة طبعات في بومباي سنة ١٣١٤هـ، القاهرة سنة ١٣٢٤هـ، وسنة ١٣٢٧هـ، طهران بغير تاريخ (١) .\nويشير د. عبد الرحمن بدوي إلى أن ثلاثة من المستشرقين ذهبوا إلى القول بأن الكتاب منحول: (جولد تسيهر) (بويج) (مكرونالد) (٢)، ويذهب عبد الرحمن بدوي إلى هذا الرأي ويقطع به ويحتج لذلك فيقول: «والأمر الذي يقطع بأن الكتاب ليس للغزالي هو ما ورد في ص ٨٢ من قوله: (أنشدني المعري لنفسه وأنا شاب في صحبته يوسف بن علي شيخ الإسلام) (٣) فإن المعري توفي سنة ٤٤٨ بينما ولد الغزالي سنة ٤٥٠ فكيف ينشده لنفسه» (٤) .\nوهذا الأسلوب في الوضع له خطورته.. ويذكر السويدي أنه على هذه الطريقة نسبت كتب كثيرة، ولا يعرفها إلا من كان عارفًا بمذاق كلام أهل السنة (٥) .\nوقد عقد الشوكاني (٦) في كتابه «الفوائد المجموعة» مبحثًا بعنوان\n_________\n(١) عبد الرحمن البدوي: «مؤلفات الغزالي»: ص ٢٢٥.\n(٢) المصدر السابق: ص ٢٧١.\n(٣) والغريب أني رأيت الذهبي - ﵀ - ينسب هذا الكتاب إلى أبي حامد الغزالي «ميزان الاعتدال»: (جـ١/ص ٥٠٠) ترجمة الحسن بن الصباح الإسماعيلي. فإما أن يكون هذا الأمر قد فات على الإمام الذهبي.. وإما أن يكون للإمام الغزالي كتاب بهذا العنوان قد فُقد، فألف الروافض كتابًا يحمل اسم ذلك الكتاب المفقود ونسبوه للغزالي.\n(٤) «مؤلفات الغزالي» د. عبد الرحمن بدوي: ص ٢٧١.\n(٥) «نقض عقائد الشيعة» (مخطوط): ص ٢٥.\n(٦) محمد بن علي بن محمد بن عبد الله بن الحسن الشوكاني الخولاني ثم الصنعاني، مفسر، محدث، فقيه، أصولي، مؤرخ، من تصانيفه: «فتح القدير»، «نيل الأوطار» =","vol":"1","page":69},{"text":"\"النسخ الموضوعة\" وبعد عرضه إياها ذكر أن أكثرها من وضع الرافضة، وهي موجودة عند أتباعهم (١) .\n٤- ومن أساليبهم في طريقة احتجاجهم من كتب أهل السنّة: ما ذكره صاحب مختصر الصواقع:\nمن (أنهم ينقلون ما يدل على مطاعن الصحابة وما يستدل به على بطلان مذهب غير الرافضة عن كتاب يعزون تأليفه إلى بعض كبراء أهل السنّة، وذلك الكتاب لا يوجد تحت أديم السماء) (٢) ..\nأو أنهم ينقلون أخبارًا دالة على مطاعن الصحابة عن كتب عزيزة الوجود لأهل السنّة ليس في تلك الكتب منها أثر.. والأردبيلي أكثر ما ينقل في «كشف الغمة» من هذا القبيل وكذا الحلي في الألفين وابن طاوس وغيرهم (٣) .\nهذا ما ذكره صاحب «مختصر الصواقع» ولم يتيسر لي الاطلاع على هذه الكتب التي مثل بها، ولكني اطلعت على كتب أخرى تحمل هذا المعنى الذي ذكره، ومن أحقها بهذا الوصف كتاب «غاية المرام في حجة الخصام عن طريق الخاص والعام» لمؤلفه: هاشم بن سليمان بن إسماعيل البحراني (ت ١١٠٧ أو ١١٠٩) .\nوالكتاب في مجلد ضخم رتبه مؤلفه على مجموعة مقاصد، كل\n_________\n= وغيرهما، توفي سنة ١٢٥٠هـ وكانت ولادته سنة ١١٧٣هـ: انظر: «البدر الطالع»: (٢/٢١٤ - ٢٢٥)، «نيل الوطر»: ص ٢٩٧، «معجم المؤلفين»: (١١/٥٣) .\n(١) «الفوائد المجموعة»: ص ٤٢٥.\n(٢) و(٣) «مختصر الصواعق»: ص ٥١ (مخطوط) . وانظر: السويدي: «نقض عقائد الشيعة»: ص ٢٥ (مخطوط) .","vol":"1","page":70},{"text":"مقصد يضم عددًا كبيرًا من الأبواب، وكل باب يحوي طائفة ضخمة من الأحاديث من طريق ما يسميهم بالعامة، ويعني بهم أهل السنّة، ومن طريق ما يسميهم بالخاصة وهم الشيعة - في زعمه - ويعني بهم الإمامية، لأن المؤلف إمامي اثنا عشري كما يظهر من كتابه، والمقصود أن كثيرًا من الأحاديث التي ينسبها لأهل السنّة ليس لها وجود ولا أثر في مصادر السنّة المعتبرة.\nويرى الأستاذ موسى جار الله (١) - بحق - أن هذا الكتاب يعتبر (عارًا وسبة للشيعة الإمامية) (٢) .\nولكننا مع الأسف نجد بعض مراجع الشيعة اليوم ترى أن هذا الكتاب موضع الفخر (٣) ويأخذون منه ويحتجون به على أهل السنّة (٤) على الرغم من أن عنصر الكذب في هذا الكتاب لا يخفى على صغار المتعلمين.\nوأجدني لست بحاجة إلى النقل من أحاديثه الكاذبة فهي لا حدَّ لها، وأكتفي بأن أشير إلى طائفة من أبوابه الخاصة بالأحاديث التي جاءت عن طريق من يسميهم بالعامة ليرى القارئ إلى أي مدى وصل الكذب والافتراء على السنّة ومصادرها.\nالباب السادس والأربعون: في أن الأئمة الاثني عشر أركان الإيمان ولا يقبل الله (الأعمال من العباد إلا بولايتهم ﵈، من طريق العامة وفيه ستة عشر حديثًا.\n_________\n(١) ستأتي ترجمته في (مبحث محاولات التقريب) .\n(٢) «الوشيعة» ص (م ط) .\n(٣) «الشيعة بين الحقائق والأوهام»: محسن الأمين: ص ١٢٤.\n(٤) انظر مثلًا: عبد الحسين الموسوي «المراجعات»: ص ٦٧ هامش رقم (١) .","vol":"1","page":71},{"text":"يقول البحراني: الباب الرابع والعشرون: في أن الأئمة بعد رسول الله اثنا عشر بالنص من رسول الله إجمالًا وتفصيلًا، وهم علي وبنوه الأحد عشر وهم الأئمة الاثنا عشر من طريق العامة وفيه ثمانية وخمسون حديثًا.\nالباب الأول: في أنه لولا الخمسة الأشباح (كذا) محمد رسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين ما خلق الله - ﷿ - آدم ولا النار ولا العرش ولا الكرسي ولا السماء ولا الأرض ولا الملائكة ولا الإنس ولا الجن. وأن رسول الله وعليًّا أمير المؤمنين خلقا من نور واحد، وخل ملائكته من نور وجه علي. من طريق العامة وفيه تسعة عشر حديثًا.\nالباب الحادي عشر: في أن رسول الله - ﷺ - والأئمة الاثني عشر حجج الله تعالى على خلقه. من طريق العامة وفيه تسعة أحاديث (١) .\nوعلى هذا المنوال تسير قافلة الكذب، وتستمر مؤامرة الافتراء والتزوير في أبواب كثيرة بلغت أكثر من خمسين وأربعمائة بابٍ تعج بالفضائح وتمتلئ بالكذب والبهتان، ولو تفرغ متفرغ لدراسة هذا الكتاب وأمثاله لاستخرج صفحات سوداء تنضح بالخزي والعار وتكشف أولئك \"السبأيين\" الذين كانوا وراء هدم مبدأ التشيع الحقيقي لآل البيت ومحبتهم لِـ \"الرفض\" و\"الغلو\" لإبعاد الشيعة عن حظيرة الجماعة والعمل على تفرقة الأمة وتفتيت وحدتها.\n_________\n(١) انظر: فهرس الكتاب المذكور.","vol":"1","page":72},{"text":"والذي يتبدَّى لي أن هذا الكتاب وأمثاله إنما هو مؤامرة مدبرة من مشايخ السوء الذين يدعون التشيع لآل البيت وليس لهم منه نصيب والذين استغلوا التشيع لهدم الإسلام، هو مؤامرة الهدف منها حماية أتباعهم من التطلع لمذهب أهل السنّة، والبحث عن الحق فيه، فيتوهم \"الأتباع الأغرار\" أن ما عند الجميع واحد، وأن هذا هو الإسلام لاتفاق الفريقين عليه، وقد ذكر ابن تيمية ﵀ أن هذا الوهم والتصور كان من أسباب إلحاد الزنادقة لأنهم ظنوا أن ما هم عليه من \"باطل\" هو الإسلام \"فشكوا في الإسلام\".\nإن هدف مؤلف الكتاب الآنف الذكر إثبات أن تلك العقائد التي تدعيها الشيعة وتخالف بها جمهور المسلمين متفق عليها في كتب الفريقين، فهو يقول مثلًا في تعليقه على بعض الأحاديث المفتراة على أهل السنّة: (انظر أيها الأخ إلى ما يرويه المخالفون النواصب ما هو عين مذهب الإمامية الاثني عشرية، وهذا يعطيك أن المخالفين العامة على ضلال مبين وخسران عظيم بعد العلم منهم والمعرفة بصحة معتقد الإمامية الاثني عشرية..) (١) .\nولا بد لتحقيق هذا الهدف من ركوب \"مطايا\" الكذب.\nوإنني أرى أن هذا الكتاب وأمثاله سيعطي من يقرأه بعقل وإنصاف عكس ما يراد منه، فالقارئ حينما يقرأ ذلك الحشد من\n_________\n(١) «غاية المرام»: ص ٣٦.\nيقول علماؤهم المعاصرون - كما سيأتي - (أنه ليس بيننا وبين السنّة خلاف إلا في الفروع) يقولون ذلك بناء على هذا \"الوهم\" الذي بنوه في كتبهم وصدقهم بعض مغفلي السنّة وأخذوا يرددون هذه الكلمة، ولم يعلموا أن وراء الأكمه ما وراءها.","vol":"1","page":73},{"text":"النصوص التي زعم المؤلف أنه جاء بها عن طريق السنّة ويبحث عنها في كتب السنّة المعتبرة فلا يرى لها وجودًا ولا أثرًا - سيخرج من ذلك بالشك في كل ما يأتي به القوم.\nولا أظن أن عاقلًا سينخدع بهذه الوسيلة إلا من أعمى الله قلبه بالتعصب والهوى، وما كنا سنعير هذا الكتاب أي اهتمام لولا أن بعض مجتهدي الشيعة المعاصرين اعتبره موضع الفخر (١) .\nوقد رأيت من مؤلفاتهم \"المعاصرة\" كتابًا يسمى «الغدير»، ويقع في أحد عشر مجلدًا لعبد الحسين الأميني النجفي من علمائهم المعاصرين، ويصفونه بـ \"الحبر العلم الحجة المجاهد\"، والكتاب متوج بالثناء والمديح من عدد من آياتهم المعاصرين (محسن الحكيم (٢) عبد الحسين شرف الدين الموسوي (٣)، السيد حسن الموسوي (٤» .\nوهذا الكتاب يشبه إلى حد بعيد الكتاب الآنف الذكر، فهو يروي أخبارًا عن نكرات تفوح منها رائحة الكذب ويجعلها هي الأصل ويخطِّئ على ضوئها علماء الأمة، فابن كثير عنده يحرف الكلم عن مواضعه ويقذف الراوي بالضعف بغير دليل (٥) .\n_________\n(١) وإذا أراد القارئ أن يرى مثالًا للأحاديث التي ينقلها عن طريق السنّة كما يدعي.. فلينظر ذلك في ملحق «الوثائق والنصوص» .\n(٢) انظر تقريظه في جـ٧ ص ز.\n(٣) انظر تقريظه في جـ٧ ص هـ و.\n(٤) انظر تقريظه في جـ٩ ص ب.\n(٥) انظر «الغدير»: (١/٢٠٩) .","vol":"1","page":74},{"text":"ويقول عن الإمام الطبري: إنه (يروي الأخبار محرفة في تفسيره) (١) .\nويقول عن الإمام البخاري: إنه يخرم الحديث (ويعني بذلك حديثًا أورده هذا الرافضي يتضمن الطعن في عمر ﵁) صونًا لمقام عمر (٢) .\nويقول عن الإمام البيهقي: (وذكره - أي الحديث - البيهقي محرفًا) (٣) .\nوعن البغوي يقول: (وأخرجه البغوي في المصابيح.. غير أنه حذف صدر الحديث) (٤) .\nوعن الذهبي يقول: (وذكره الذهبي في تذكرته.. محرفًا) (٥) وهكذا..\nثم يحكم على البخاري ﵀ - لأن صحيحه كشف كذبه - بقوله: (وكم وكم في صحيح البخاري من أحاديث لعبت بها يد تحريفه) (٦) .\nهؤلاء أعلام الأمة هذا وزنهم عند هذا المتجني ومن شايعه، لأنهم لم يوافقوا جهلة الروافض على كذبهم، وتحريفهم للأحاديث..\n_________\n(١) انظر المصدر السابق: (١/ ٢٠٧) .\n(٢) انظر المصدر السابق: (جـ٦/ص ٨٤) .\n(٣) المصدر السابق: (جـ٦/ص ٨٤) .\n(٤) المصدر السابق: (جـ٦/ص ٨٤) .\n(٥) المصدر السابق: (جـ٦/ص ٨٤) .\n(٦) المصدر السابق: (جـ٦/ص ١٠١) .","vol":"1","page":75},{"text":"هذا \"مثال معاصر\" (١) اكتفينا بالإشارة إليه.. ولا مجال للاسترسال.\n٥- ومن أساليبهم:\nأنهم يعمدون إلى (نص متداول ومشهور فيزيدون عليه ما لا أصل له، كما زادوا على النص في استخلاف علي على المدينة في غزوة تبوك زيادة موضوعة وهي «ولا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي في المدينة» (٢) .\nوهذه الزيادة علاوة على أنها كذب على رسول الله - ﷺ - هي من كذب الجهال، ووضع من لا يحسن الوضع، فإن النبي - ﷺ - ذهب غير مرة وخليفته على المدينة غير علي، كما اعتمر عمرة الحديبية وعلي معه وخليفته غيره، وغزا بعد ذلك خيبر ومعه علي وخليفته بالمدينة غيره، وغزا غزوة الفتح وعلي معه وخليفته بالمدينة غيره، وغزا حنينًا والطائف وعلي معه وخليفته بالمدينة غيره، وحج حجة الوداع وعلي معه وخليفته بالمدينة غيره\n_________\n(١) قد (صدر المؤلف) الجزء السابع من كتابه \"بتقريظ\" من أحد الكفار يؤيد هذا الكافر حملة المؤلف المسعورة ضد الصحابة، ولا سيما الخليفة الراشد عمر - والمؤلف يبادله الثناء والشكر ويتوج كتابه بتقريظه، يقول المؤلف: (أتانا من بحاثة المسيحيين القاضي الحر والشاعر النبيل الأستاذ بولس سلامة.. الخالد الذكر فشكرًا له ثم شكرًا) ويقول بولس: (وقد شرفتموني بإدراج رسالتي في المقدمة. وقد اطلعت على هذا السفر النفيس فحسبت أن لآلئ البحار قد اجتمعت في غديركم.. ولقد لفت نظري على الأخص ما ذكرتموه بشأن الخليفة الثاني فلله درّكم، ما أقوى حجتكم..) «الغدير»: جـ٧ ص ح!!!.\n(٢) «منهاج الكرامة» لابن المطهر الحلي: ص ١٢٣، المطبوع مع «منهاج السنّة»: جـ١ تحقيق محمد رشاد سالم.","vol":"1","page":76},{"text":"وغزا غزوة بدر ومعه علي وخليفته بالمدينة غيره، وكل هذا معلوم بالأسانيد الصحيحة وباتفاق أهل العلم بالحديث (١) . وأمثلة هذا الأسلوب كثيرة جدًا.\nكما أن من أساليبهم أنهم يوردون الحديث من كتب السنّة بجميع طرقه ورواياته ويذكرون في الأخير من أخرجه من المحدثين بلا تحديد للألفاظ التي وردت عند كل محدث، ليوهموا القارئ أن هذا النص الذي جمّعوه من كتب أهل السنّة قد ورد بهذه الصيغة التي أخرجوها عند كل محدث من محدثي أهل السنّة، وأنه صحيح لاتفاق محدثي أهل السنّة على إخراجه بهذه الألفاظ والروايات.\nومن أمثلة هذا الأسلوب كتاب «حديث الثقلين» الذي أصدرته دار التقريب بالقاهرة، وسلكت فيه ذلك المسلك الذي أشرنا إليه (٢)، حيث ذكرت الأحاديث الواردة بكل طرقها وروايتها وفي الأخير ذكرت من أخرجه من المحدثين بلا تحديد للألفاظ الواردة عند كل محدث، وهو لا يصح في كل رواياته (٣) .\n_________\n(١) «منهاج السنة»: (٣/٩٠٨) وانظر من نفس المصدر السابق: (جـ٣/ص ١٦)، (جـ٤/ص ٩٤) .\n(٢) محمد قوام الدين القمي: «حديث الثقلين»، نشر: دار التقريب بين المذاهب.\n(٣) والذي جاء في صحيح مسلم منه هو قوله (كما رواه زيد بن أرقم: «... أما بعد، ألا أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وإني تارك فيكم ثقلين؛ أولهما كتاب الله فيه الهدي والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال: وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي..» رواه مسلم في فضائل أصحاب النبي - ﷺ - باب فضائل علي - ﵁ -: (٧/١٢٢ - ١٢٣)، هذه رواية مسلم للحديث، وقد أجاب ابن تيمية على احتجاج الرافضة بهذا الحديث وأجاب عما يحتجون به من بعض الروايات الضعيفة التي جاءت من طريق الجمهور، انظر «منهاج السنّة»: (٤/١٠٤)، و«المنتقى»: ص ٤٧٥.","vol":"1","page":77},{"text":"٦- ومن طرقهم ما يذكره صاحب مختصر التحفة:\nمن (أنهم يذكرون أحد علماء المعتزلة أو الزيدية أو نحو ذلك ويقولون أنه من متعصبي أهل السنّة، ثم ينقلون عنه ما يدل على بطلان مذهب أهل السنّة وتأييد مذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية ترويجًا لضلالهم، كالزمخشري صاحب «الكشاف» الذي كان معتزليًّا تفضيليًّا (١)، والأخطب الخوارزمي، فإنه زيدي غال، وابن قتيبة صاحب المعارف الذي هو رافضي عنيد، وابن أبي الحديد شارح «نهج البلاغة» الذي هو من الغلاة، على قول، ومن المعتزلة على قول آخر، وهشام الكلبي الذي هو من الغلاة وكذلك المسعودي صاحب «مروج الذهب»، وأبو الفرج الأصفهاني صاحب كتاب الأغاني وغيرهم. وقصدوا بذلك إلزام أهل السنّة بما لهم من الأقوال مع أن حالهم لا تخفى) (٢) .\nوكذا بعض المتصوفة أو غيرهم الذين دخلوا في سلك الروافض في الاعتقاد وإن كانوا يحملون لقب الانتساب لأحد المذاهب الأربعة، فإنه (قد يوجد في بعض المنتسبين إلى مذاهب الأئمة الأربعة من هو في الباطن رافضي) (٣) .\nومن أمثلة ذلك \"سليمان الحنفي النقشبندي\" الذي يؤول حديث مسلم أن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر\n_________\n(١) انظر: ص ٦١ من هذه الرسالة هامش رقم (١) .\n(٢) «مختصر التحفة»: ص ٣٣.\n(٣) «منهاج السنّة»: (٢/١٧٩)، الطبعة الأميرية.","vol":"1","page":78},{"text":"خليفة \"كلهم من قريش\" (١)، يؤول هذا بالأئمة الاثني عشر.\nويستشهد \"الشيعي: محمد حسين الزين\" في كتابه «الشيعة في التاريخ» بهذا الرأي ليسند عقيدته برأي سنّي حنفي (٢) .\nوالواقع أنه كما يعترف الشيعي د. مصطفى كامل الشيبي: (لا دخل لأهل السنّة بهذا التوثيق وإنما هي الصوفية المتشيعة التي ينتمي إليها النقشبندي) (٣) .\n٧- ومن طرقهم كما يذكر صاحب التحفة:\nأنهم يؤلفون كتابًا في فضائل الخلفاء الأربعة ويضمنونه أحاديث صحاحًا من طرق أهل السنّة تبين فضائلهم ومناقبهم، ويضعون في \"فضائل علي\" ما يوجب القدح في الخلفاء الثلاثة وضعًا أو نقلًا من كتبهم، فإذا قرأ القارئ فضائل الخلفاء الثلاثة ظن أن مؤلفه سنّي حسن العقيدة ثم إذا وصل إلى فضائل الخليفة الرابع ورأى فيها ما يطعن في الخلفاء الثلاثة ظن أن في تصانيف أهل السنّة ما يوجد من الأحاديث القادحة في الخلفاء الثلاثة (٤) .\n٨- ومن أساليبهم الشائعة:\nأنهم يستقون مادة احتجاجهم من المصادر التي تحوي الضعيف والموضوع ويدعون أنهم أخذوها من مصادر أهل السنّة المعتبرة، فضلًا عن\n_________\n(١) «صحيح مسلم»، كتاب الإمارة، باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش جـ٦ ص٣.\n(٢) «الشيعة في التاريخ»: ص ١١٨.\n(٣) «الصلة بين التصوف والتشيع»: ص ١١٠.\n(٤) انظر: «التحفة الاثني عشرية»: ص ٤٦ (مخطوط) .","vol":"1","page":79},{"text":"أنهم يزعمون في بعض الأحاديث الموضوعة أنها مما اتفقت عليه مصادر السنّة والواقع خلاف ذلك.\nوأقرب مثال على هذا كتاب «منهاج الكرامة» لابن المطهر الحلي؛ حيث نجده يدعي في كتابه أنه لا يأخذ إلا من المصادر المعتبرة، ومن الصحيح منها. يقول: (ونحن نذكر هنا شيئًا يسيرًا مما هو صحيح عندهم ونقلوه في المعتمد من كتبهم) (١) .\nومع هذا \"الادعاء\" فهو يورد كثيرًا من الأحاديث الموضوعة ومن مصادر غير معتمدة.\nفهو يستقي أحاديثه من تفسير الثعلبي (٢) والحلية لأبي نعيم (٣) ومما رواه أخطب خوارزم (٤) وصاحب الفردوس (٥) والفقيه المغازلي الشافعي (٦) وغيرهم.\nويروي أحاديث موضوعة من الحلية لأبي نعيم ونحوه ويدعي أنها مما (أجمع المفسرون عليه) (٧) .\n_________\n(١) «منهاج الكرامة»: ص ١١٩ المطبوع مع كتاب «منهاج السنّة» بتحقيق د. رشاد سالم.\n(٢) انظر: «منهاج الكرامة»: في عدة مواضع ص ١٤٩، ١٥٨، ١٦١، ١٦٢.\n(٣) المصدر السابق: في عدة مواضع ص ١٥٠، ١٥٥، ١٥٦، ١٥٧، ١٦٠، ١٦١، ١٦٣، ١٦٤، ١٦٥.\n(٤) المصدر السابق في عدة مواضع ص ١٢٤، ١٧٣.\n(٥) انظر: «منهاج الكرامة»: وفي أكثر من موضع ص ١٥٥، ١٦٦.\n(٦) انظر: «منهاج الكرامة»: وفي أكثر من موضع ص ١٥٤، ١٥٥.\n(٧) انظر مثلًا: ص ١٦٦ حيث ذكر تفسير (صالح المؤمنين (في قوله ﷾: (وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين (ذكر أن المراد به \"علي\" وقال: (أجمع المفسرون على أن صالح المؤمنين هو علي)، ثم أورد رواية في تفسيرها بذلك عزاها لأبي نعيم. ورد على ذلك ابن تيمية في (جـ٤/ص ٧٩) من «منهاج السنة» وكذبه في دعوى الإجماع، وبيّن أن هذه الرواية موضوعة ...","vol":"1","page":80},{"text":"وينسب لبعض السنن والمسانيد أخبارًا ضعيفة أو موضوعة ويزعم إجماع الجمهور على صحتها، وقد ينسب إليها ما ليس فيها، وهذه طريقة الروافض (١) .\nوقد كشف شيخ الإسلام ابن تيمية ذلك في منهاجه ولا سيما في المجلد الأخير. وأورد تقويم أهل السنة لهذه الكتب التي ينقل منها الرافضي وأمثاله (٢) ولا شك أن المرجع في تمحيص وتحقيقه \"المنقول\" إنما يكون إلى (أُمناء حديث رسول الله - ﷺ -، كما أن المرجع في النحو إلى أربابه، وفي القراءات إلى حذاقها، وفي اللغة إلى أئمتها، وفي الطب إلى علمائه. فلكل فن رجال. وعلماء الحديث أجل وأعظم تحريًا للصدق من كل أحد علم ذلك من علمه، فما اتفقوا على صحته فهو الحق، وما أجمعوا على تزييفه وتوهينه فهو ساقط، وما اختلفوا فيه نُظر فيه بإنصاف وعدل فهم العمدة: كمالك وشعبة والأوزاعي والليث\n_________\n(١) قال ابن تيمية: (ورأيت كثيرًا من ذلك المعزو عزاه أولئك - يعني بهم شيوخ الروافض الذين اطلع على كتبهم - إلى المسند والصحيحين وغيرهما باطلًا لا حقيقة له..) انظر: «منهاج السنّة»: (جـ٤/ ٢٧) .\n(٢) من أمثلة ذلك ما يلي:\nقال ابن تيمية عن الثعلبي: (علماء الجمهور متفقون على أن ما يرويه الثعلبي وأمثاله لا يحتجون به.. إلا أن يعلم ثبوته بطريقة) «منهاج السنة»: (٤/ ٢٥) . وقد تكرر الكلام من ابن تيمية عن الثعلبي وتفسيره في عدة مواضع، انظر: «منهاج السنة»: (جـ٤/ص ١٨ و٢٨ و٣١ و٤٦، ٤٨ و٨٤ و٩٥، ١٠٥ و١١٥ وغيرها) وقال ابن تيمية: (وإذا كان الحديث في بعض كتب التفسير التي ينقل فيها الصحيح والضعيف مثل تفسير الثعلبي، والواحدي، والبغوي، بل وابن جرير، وابن أبي حاتم لم يكن مجرد رواية واحد من هؤلاء دليلًا على صحته باتفاق أهل العلم) «منهاج السنة»: (جـ٤/ص ٨٠)، وقال: =","vol":"1","page":81},{"text":"والسّفيانيْن والحمّادين وابن المبارك ويحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي ووكيع وابن علية والشافعي وعبد الرزاق والفريابي وأبي نعيم والقعنبي والحميدي وأبي عبيد وابن المديني وأحمد وإسحاق وابن معين وأبي بكر بن أبي شيبة والذهلي والبخاري وأبي زرعة وأبي حاتم وأبي\n_________\n= (وما يرويه أبو نعيم في الحلية أو في فضائل الخلفاء والنقاش والثعلبي والواحدي ونحوهم في التفسير قد اتفق أهل المعرفة بالحديث على أن فيما يروونه كثيرًا من الكذب الموضوع) «المصدر السابق»: (٤/١٠) . وقال عن ابن المغازلي الواسطي: (..قد جمع في كتابه من الأحاديث الموضوعة ما لا يخفى أنه كذب على من له أدنى معرفة بالحديث): (٣/٤، ٥)، وقال: (كتاب الفردوس للديلمي فيه موضوعات كثيرة..): (٤/ ٣٨)، وقال عن رزين بن معاوية وكتابه «التجريد للصحاح الستة»: (ورزين قد ذكر في كتابه أشياء ليست في الصحاح): (٤/٤٣) وقال - عن زيادات القطيعي على مسند أحمد -: (زيادات القطيعي التي فيها من الكذب الموضوع ما اتفق أهل العلم على أنه كذب موضوع): (٤/٧٥) .\nوقال: (وأما رواية ابن خالويه فلا تدل على أن هذا الحديث صحيح باتفاق أهل العلم، وكذلك رواية أخطب خوارزم، فإن في روايته من الأكاذيب المختلفة ما هو أقبح من الموضوعات باتفاق أهل العلم): (٤/١٠٦) .\nوقال: (النسائي في خصائص علي ذر فيها عدة أحاديث ضعيفة.. والترمذي في جامعه روى أحاديث كثيرة في فضائل علي كثير منها ضعيف.. وأصحاب السير كابن إسحاق وغيره يذكرون من فضائله أشياء ضعيفة): (٤/٤٨) .\nوقال: (ومن الناس من يكون قصده رواية كل ما روى في الباب من غير تمييز بين صحيح وضعيف كما فعله أبو نعيم في فضائل الخلفاء، وكذلك غيره ممن صنف في الفضائل، ومثل ما جمعه أبو الفتح بن أبي الفوارس وأبو علي الأهوازي وغيرهما في فضائل معاوية، ومثل ما جمعه النسائي في فضائل علي وكذلك ما جمعه أبو القاسم بن عساكر في فضائل علي وغيره..): (٤/٨٤) .","vol":"1","page":82},{"text":"داود ومسلم وموسى بن هارون والنسائي وابن خزيمة وأبي أحمد بن عدي وابن حبّان والدارقطني وأمثالهم من أهل العلم بالنقل والرجال والجرح والتعديل) (١) .\nمن هنا نقول أنه لا يمكن الاعتماد على نقل الروافض من كتب أهل السنّة ما لم يكن هذا النقل صحيح النسبة للمنقول منه وموثق من رجاله المختصين به.\n_________\n(١) «المنتقى»: ص ٤٢٧.","vol":"1","page":83},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>الفصل الثالث: مجمل لأهم عقائد أهل السنة التي خالفتها الشيعة</span>\nنكتفي في هذا الفصل بذكر أهم العقائد لأهل السنّة التي خالفتها الشيعة - كما ذكرت ذلك كتب السنّة -.\nأما الحديث عن اعتقاد أهل السنّة بكل جوانبه فهذا - في نظري - لا داعي له هنا والحديث المستقصى للاعتقاد ولو على سبيل الإجمال يخرج بنا عن المنهج الطبعي للبحث، وهناك كتب تخصصت في هذا الشأن، ولهذا سنتناول بالحديث المسائل التالية:\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>١- حفظ الله سبحانه لكتابه العظيم:</span>\nأجمع أهل السنّة والمسلمون جميعًا على صيانة كتاب الله (من التحريف والزيادة والنقص، فهو محفوظ بحفظ الله له، قال تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون «١) .\nولا يوجد في كتب أهل السنّة المعتمدة رواية واحدة صحيحة تخالف هذا.\n_________\n(١) الحجر: آية ٩.","vol":"1","page":85},{"text":"وقد ذكر مفسرو أهل السنّة عند قوله سبحانه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) أن القرآن محفوظ من أي تغيير أو تبديل أو تحريف (١) .\nوصرح كبار علمائهم أن من اعتقد أن القرآن غير محفوظ فقد خرج من دين الإسلام.\nوهذه العقيدة عند أهل السنّة من الشهرة والتواتر بحيث أنها لا تحتاج إلى من يقيم أدلة عليها، بل هذه العقيدة من المتواترات عند المسلمين.\nيقول القاضي عياض (٢) - ﵀ -: (وقد أجمع المسلمون أن القرآن المتلو في جميع أقطار الأرض المكتوب في المصحف بأيدي المسلمين مما جمعه الدفتان من أول (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) - إلى آخر - (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) أنه كلام الله ووحيه المنزل على نبيه محمد (، وأن جميع ما فيه حق وأن من نقص منه حرفًا قاصدًا لذلك أو بدله بحرف آخر مكانه أو زاد فيه حرفًا مما لم يشتمل عليه المصحف الذي وقع الإجماع\n_________\n(١) انظر القرطبي: «جامع أحكام القرآن»: (١٠/٦٥)، النسفي: «مدارك التنزيل»: (٢/١٧٩)، «تفسير الخازن»: (٤/٤٧)، «تفسير ابن كثير»: (٢/٥٩٢)، البيضاوي: «أنوار التنزيل»: (١/٥٣٨)، الألوسي: «روح المعاني»: (١٤/١٦)، صديق خان: «فتح البيان»: (٥/١٦٨ - ١٦٩)، الشنقيطي: «أضواء البيان»: (٣/١٢٠) .\n(٢) عياض بن موسى بن عمرون اليحصبي السبتي أبو الفضل، عالم المغرب وإمام أهل الحديث في وقته، من مصنفاته: «الشفاء»، «مشارق الأنوار»، «الإلماع» وغيرها. توفي بمراكش سنة ٥٤٤هـ وكان مولده عام ٤٧٦هـ، انظر في ترجمته: الضبي: «بغية الملتمس»: ص ٤٣٧، النباهي: «تاريخ قضاة الأندلس»: ص ١٠١.","vol":"1","page":86},{"text":"عليه وأجمع على أنه ليس من القرآن عامدًا لكل هذا؛ أنه كافر ...) (١) .\nوينقل القاضي عياض عن أبي عثمان الحداد أنه قال: (جميع من ينتحل التوحيد متفقون على أن الجحد لحرف من التنزيل كفر) (٢) .\nوقال ابن قدامة (٣): (ولا خلاف بين المسلمين في أن من جحد من القرآن سورة أو آية أو كلمة أو حرفًا متفقًا عليه أنه كافر) (٤) .\nويقول البغدادي: (وأكفروا - أي أهل السنّة - من زعم من الرافضة أن لا حجة اليوم في القرآن لدعواه أن الصحابة غيروا بعض القرآن وحرفوا بعضه) (٥) .\nويقول القاضي أبو يعلى (٦): (والقرآن ما غُيّر ولا بُدِّل ولا نقص منه ولا زيد فيه، خلافًا للرافضة القائلين أن القرآن قد غير وبدل وخولف بين نظمه وترتيبه - ثم قال - إن القرآن جمع بمحضر من\n_________\n(١) و(٢) «الشفاء»: (٢/٣٠٤ - ٣٠٥) .\n(٣) عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي ثم الدمشقي أبو محمد موفق الدين، من كبار أئمة السنّة وفقهاء الأمة، له تصانيف منها: «المغني»، و«فضائل الصحابة»، و«القدر» وغيرها. توفي بدمشق سنة ٦٢٠هـ، وكان مولده في جماعيل (من قرى نابلس بفلسطين) سنة ٥٤١. انظر: «مختصر طبقات الحنابلة»: ص ٤٥- ٤٧، وانظر: «الأعلام»: (٤/١٩١ - ١٩٢) .\n(٤) ابن قدامة: «لمعة الاعتقاد»: ص ٢٠.\n(٥) «الفرق بين الفرق»: ص ٣٢٧.\n(٦) محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن الفراء أبو يعلى، عالم عصره في الأصول والفروع، من تصانيفه: «الأحكام السلطانية» . ولد عام ٣٨٠ هـ وتوفي عام ٤٥٨هـ. «طبقات الحنابلة»: (٢/١٩٣ - ٢٣٠)، «الأعلام»: (٦/٣٣١) .","vol":"1","page":87},{"text":"الصحابة - ﵃ - (وأجمعوا عليه ولم ينكر منكِر ولا رد أحد من الصحابة ذلك ولا طعن فيه، ولو كان مغيرًا مبدلًا لوجب أن ينقل عن أحد من الصحابة أنه طعن فيه، لأن مثل هذا لا يجوز أن ينكتم في مستقر العادة.. ولأنه لو كان مغيرًا ومبدلًا لوجب على علي - ﵁ - أن يبينه ويصلحه ويبين للناس بيانًا عامًا أنه أصلح ما كان مغيرًا، فلما لم يفعل ذلك - بل كان يقرأه ويستعمله - دل على أنه غير مبدل ولا مغير) (١) .\nويقول ابن حزم: (القول بأن بين اللوحين تبديلًا كُفر صريح وتكذيب لرسول الله - ﷺ -) (٢) .\nوقال الفخر الرازي عند قوله سبحانه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)، وإنا نحفظ ذلك الذكر من التحريف والزيادة والنقصان - إلى أن قال: إن أحدًا لو حاول تغيير حرف أو نقطة لقال له أهل الدنيا هذا كذب وتغيير لكلام الله، حتى أن الشيخ المهيب لو اتفق له لحن أو هفوة في حرف من كتاب الله تعالى لقال له الصبيان: أخطأت أيها الشيخ وصوابه كذا وكذا.. واعلم أنه لم يتفق لشيء من الكتب مثل هذا الحفظ، فإنه لا كتاب إلا وقد دخله التصحيف والتحريف والتغيير إما في الكثير منه أو في القليل، وبقاء هذا الكتاب مصونًا من جميع جهات التحريف، مع أن دواعي الملاحدة واليهود والنصارى متوفرة على إبطاله وإفساده من أعظم المعجزات) (٣) .\n_________\n(١) «المعتمد في أصول الدين»: ص ٢٥٨.\n(٢) «الفصل في الملل والنحل»: (٥/٢٢) .\n(٣) «مفاتيح الغيب»: (١٩/١٦٠ - ١٦١) .","vol":"1","page":88},{"text":"ويقول ابن حزم - في الجواب عن احتجاج النصارى بدعوى الروافض تحريف القرآن -: (وأما قولهم في دعوى الروافض تبديل القراءات فإن الروافض ليسوا من المسلمين..) (١) .\nويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وكذلك - أي في الحكم بتكفيره - من زعم منهم أن القرآن نقص منه آيات وكتمت، أو زعم أن له تأويلات باطنة تسقط الأعمال المشروعة ونحو ذلك، وهؤلاء يسمون القرامطة والباطنية ومنهم التناسخية، وهؤلاء لا خلاف في كفرهم) (٢) .\nوبعد: فالشواهد في هذا المجال لا تحصى كثرة وهي موجودة في مواضعها في كتب التفسير وعلوم القرآن والحديث والعقيدة والأصول وغيرها.\nولم نكن لنعرض لهذه المسألة إلا بالإشارة العابرة إلى إجماع الأمة عليها، لأنها من القضايا المتواترة ومما علم من الدين بالضرورة، ومن يخالف فيها فإنما يخالف رب العزة جل شأنه في قوله: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (٣) .\nوإنما عرضت لها لأنني رأيت من بعض الروافض المعاصرين من يحاول أن يرمي أهل السنّة بهذه الفرية ويدعي أن في كتب السنّة ما يدل على \"التحريف\"، في حين أنه يزعم أن مذهبه بريء منها.. وكأنه بهذا يحاول أن يثبت من طريق السنّة فكرة في نفسه يخفيها ويتظاهر بإنكارها.\n_________\n(١) «الفصل»: (٢/٨٠) .\n(٢) «الصارم المسلول»: ص ٥٨٦.\n(٣) الحجر: آية ٩.","vol":"1","page":89},{"text":"ولم يجد وسيلة يتذرع بها لإثبات هذه «الفرية» إلا محاولة خداع القارئ بذكر بعض ما ورد في كتب السنّة من أحاديث الناسخ والمنسوخ واختلاف القراءات.\nوهذا لا مستمسك لهم به، ومسألة النسخ والقراءات مما وقع في عهد النبي - ﷺ - وثبت عنه، والروافض أنفسهم يقرون بهذا؛ قال الطبرسي (١) في «مجمع البيان»: (ومنها ما يرتفع اللفظ ويثبت الحكم كآية الرجم) (٢) .\nوالقارئ المسلم يعجب لهذا المسلك من بعض الروافض (٣) فهم يزعمون أنهم ينكرون التحريف ويحاولون تبرئة مذهبهم من هذه \"الدعوى\"، ولكن أسلوبهم وطريقتهم في الدفاع توحي بأنهم يحاولون إثبات التحريف - سواء قصدوا ذلك أو لم يقصدوه - ذلك أنهم وهم يحاولون تبرئة مذهبهم من هذا القول؛ في الوقت نفسه يضللون القارئ بشبه وافتراءات يزعمون أنها أدلة من طريق السنّة توحي بالتحريف، وأنها تشاكل ما جاء في كتبهم، وهذا مسلك غريب وهو شاهد على عدم نقاوة أصحاب هذا الأسلوب من لوثة ذلك الاعتقاد.\n_________\n(١) الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي أبو علي، من علماء الإمامية، هو عندهم ثقة فاضل ديّن عين يلقبونه بـ \"أمين الدين\"، من مؤلفاته: «مجمع البيان في تفسير القرآن»، توفي عام ٥٤٨هـ. انظر: «أمل الآمل»: (٢/٢١٦)، «الأعلام»: (٥/٣٥٢-٣٥٣) .\n(٢) «مجمع البيان»: (١/١٨٠) .\n(٣) وممن سلك هذا المسلك: عبد الحسين الرشتي في كتابه «كشف الاشتباه»، وقال في آخر ما ادعى نقله من طريق السنّة: (فعلى شهادة هذين العظيمين - أعني ابن مسعود وأبا الدرداء - يستحق هذا القرآن الذي بأيدينا الطبخ أو الحرق لاشتماله الزيادة والنقيصة..) «كشف الاشتباه»: ص ٥٨. ومنهم الخنيزي في كتابه «الدعوة الإسلامية»، ومحسن أمين في كتابه «الشيعة بين الحقائق والأوهام»، وعبد الحسين شرف الدين الموسوي في كتابه «أجوبة مسائل جار الله» والأميني النجفي في كتابه «الغدير» وغيرهم.","vol":"1","page":90},{"text":"٢- ومن أصول أهل السنّة:\nأن الرسول - ﷺ - قد بين الدين كله وأعلن ذلك بين المسلمين ولم يُسِر لأحد بشيء من الشريعة ويستكتمه إياه، قال تعالى: (لتبيننه للناس ولا تكتمونه..) (١) وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا ...) (٢) وقال: (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ...) (٣) .\nوقد أكمل الله سبحانه للأمة الدّين قال تعالى: (... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ...) (٤) ويقول سبحانه: (... وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ...) (٥) .\nولم يخص النبي - ﷺ - أحدًا من الصحابة بعلم من الشريعة من دون الآخرين، قال تعالى: (... وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ...) (٦) .\n_________\n(١) آل عمران: آية ١٨٧.\n(٢) البقرة: الآيتان ١٥٩، ١٦٠.\n(٣) النحل: آية ٦٤.\n(٤) المائدة: آية ٣.\n(٥) النحل: آية ٨٩.\n(٦) النحل: آية ٤٤.","vol":"1","page":91},{"text":"فالآية تدل على أن البيان للناس وليس لفرد أو طائفة منهم ولو كانوا أهل بيته - ﵃ -.\nوقد جاء في البخاري عن أبي جحيفة (قال: «قلت لعلي: هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلا كتاب الله أو فهم أعطيه رجل مسلم أو ما في هذه الصحيفة، قال: قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر» (١) .\nوتوفي رسول الله - ﷺ - وقد ترك أمته على البيضاء كما جاء عنه (: «تركتكم على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» (٢) .\nقال أبو الدرداء: «صدق الله ورسوله فقد تركنا على مثل البيضاء» (٣) .\n_________\n(١) «صحيح البخاري» كتاب العلم، باب كتابة العلم: (١/ ٣٦)، وورد الحديث بلفظ آخر عن أبي جحيفة: قال: سألت عليًّا (: هل عندكم شيء مما ليس في القرآن؟ وقال ابن عيينة مرة: ما ليس عند الناس؟ فقال: «والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما عندنا إلا ما في القرآن، ألا فهمًا يعطى رجل في كتابه وما في الصحيفة، قلت وما في الصحيفة؟ قال: العقل وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر» «صحيح البخاري» كتاب الديات، باب لا يقتل المسلم بالكافر: (٨/٤٧) .\n(٢) هذا جزء من حديث رواه ابن ماجه في «سننه»، المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين: (١/١٦)، وأحمد في «مسنده»: (٤/١٢٦)، والحاكم في «مستدركه»: (١/٩٦)، وابن أبي عاصم في كتاب «السنة»، باب ذكر قول النبي - ﷺ - «تركتكم على مثل البيضاء ...»: (١/٢٦) . وروي عدة روايات في هذا المعنى صحح الألباني معظمها..\n(٣) رواه ابن أبي عاصم في كتاب «السنة»: (١/٢٦) .","vol":"1","page":92},{"text":"قال أبو ذر - ﵁ -: «لقد تركنا محمد - ﷺ - وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا أذكرنا منه علمًا» (١) .\nوقال عمر - ﵁ -: «قام فينا النبي - ﷺ - مقامًا فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم، حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه» (٢) .\nيقول ابن حزم: (قد بلغ الرسول - ﷺ - الدين كله وبيّن جميعه كما أمره الله تعالى) (٣)، ويقول: (والدين قد تم فلا يزاد فيه ولا ينقص منه ولا يبدل) (٤) ويقول: (ولا سر في الدين عند أحد) (٥)، وذكر أدلة ذلك من كتاب الله - وقد مضى ذكر بعضها -.\nويقول الشافعي: (فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدي فيها) (٦) .\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فإن هذا الأصل - أي بيان الرسول - ﷺ - للدين وأصوله وفروعه باطنه وظاهره علمه وعمله - هو أصل أصول العلم والإيمان، وكل من كان أعظم اعتصامًا بهذا الأصل كان أولى بالحق علمًا وعملًا) (٧) .\n_________\n(١) روى هذا الأثر الإمام أحمد في «مسنده»: (٥/١٥٣) .\n(٢) «صحيح البخاري»، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في قوله تعالى: (وهو الذي يبدء الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه (: (٤/٧٣) .\n(٣) «المحلى»: (١/٢٦) .\n(٤) المصدر السابق: (١/٢٦) .\n(٥) المصدر السابق: (١/١٥) .\n(٦) «الرسالة»: ص ٢٠.\n(٧) «معارج الوصول إلى معرفة أن أصول الدين وفروعه قد بينها الرسول - ﷺ -»: ص ٢. وانظر «موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول»: (١/١٣) .","vol":"1","page":93},{"text":"وخالف في هذا الأصل العظيم والخطير \"الرافضة\" فيما ذهبوا إليه من القول (بإيداع الشريعة أو خزن العلم عند الأئمة) كما سيأتي شرح هذه النظرية عندهم، تلك التي غدت من أهم أسس مذهبهم وضروراته.\n٣- ومن أصول أهل السنّة:\nمحبة أصحاب (١) رسول الله - ﷺ - والترضي عنهم واعتقاد عدالتهم وترك الخوض فيما شجر بينهم.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية:\n(ومن أصول أهل السنة والجماعة: سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله - ﷺ - كما وصفهم الله به في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) (٢) .\nوطاعة النبي - ﷺ - في قوله: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أُحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» (٣) .\n_________\n(١) قال ابن حجر في «الإصابة» في تعريف الصحابي: (أصح ما وقفت عليه من ذلك أن الصحابي: من لقي النبي - ﷺ - مؤمنًا به ومات على الإسلام.. - ثم قال - وهذا التعريف مبني على الأصل المختار عند المحققين كالبخاري وشيخه أحمد بن حنبل وغيرهما) «الإصابة»: (١/ص ٦-٧) .\n(٢) الحشر: آية ١٠.\n(٣) رواه البخاري في فضائل النبي - ﷺ - باب قول النبي - ﷺ -: «لو كنت متخذًا خليلًا» بدون لفظة: «والذي نفسي بيده»: (٤/١٩٥)، ومسلم في كتاب الفضائل، باب تحريم سب الصحابة (: (٧/١٨٨)، ورواه أبو داود في «السنة» باب النهي عن سب أصحاب النبي - ﷺ - رقم (٤٦٥٨)، والترمذي في «المناقب» باب فيمن سب أصحاب النبي - ﷺ - رقم (٣٨٦٠) .","vol":"1","page":94},{"text":"ويقبلون ما جاء في الكتاب والسنّة من فضائلهم ومراتبهم..\nويشهدون بالجنة لمن شهد له رسول الله - ﷺ - بالجنة كالعشرة وكثابت بن قيس بن شماس وغيرهم من الصحابة.\nويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - ﵁ - وعن غيره من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ويثلثون بعثمان ويربعون بعلي - ﵁ - (١) .\nويؤمنون بأن الخليفة بعد رسول الله - ﷺ - أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي) (٢) .\nوقال الإمام أحمد: (ومن انتقص أحدًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - أو أبغضه.. أو ذكر مساوئه كان مبتدعًا حتى يترحم عليهم جميعًا ويكون قلبه لهم سليمًا) (٣) .\n_________\n(١) كان بعض أهل السنّة قد اختلفوا في عثمان وعلي - ﵄ - بعد اتفاقهم على تقديم أبي بكر وعمر - أيهما أفضل؟ فقدم قوم عثمان وسكتوا أو ربعوا بعلي وقدم قوم عليًا، وقوم توقفوا، لكن استقر أمر أهل السنّة على تقديم عثمان، وإن كانت المسألة - مسألة عثمان وعلي - ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها، لكن المسألة التي يضلل المخالف فيها هي (مسألة الخلافة)، ابن تيمية: «الفتاوى»: (٣/١٥٣)، «فتح الباري»: (٧/٣٤) .\n(٢) «الفتاوى»: (٣/١٥٣) .\n(٣) «كاشف الغمة في اعتقاد أهل السنّة» (مختصر السنة للإمام اللالكائي) باب سياق ما روي من المأثور عن السلف من جمل اعتقاد أهل السنّة والتمسك بها والوصية بحفظها قرنًا بعد قرن: ص ٢٢ (مخطوط) .","vol":"1","page":95},{"text":"وقال أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري: (لقيت أكثر من ألف رجل من أهل العلم من أهل الحجاز، ومكة، والمدينة، والبصرة، والكوفة، وواسط، وبغداد، والشام ومصر، لقيتهم كَرَّات.. وكلهم متوافرون في ست وأربعين سنة، فما رأيت أحدًا منهم يختلف في هذه الأشياء: \"ومنها\" ما رأيت فيهم أحدًا يتناول أصحاب محمد - ﷺ - وكانوا ينهون عن البدع ويحبون ما عليه النبي - ﷺ - وأصحابه ...) (١) .\nوقال أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم (٢): سألت أبي وأبا زرعة عن مذهب أهل السنّة في أصول الدين وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار حجازًا وعراقًا وشامًا ويمنًا فكان مذهبهم.. (وذكره في مسائل منها): (وخير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، وهم الخلفاء الراشدون المهديون ثم العشرة (هكذا والمراد بقية العشرة) الذين شهد لهم رسول الله - ﷺ - بالجنة، والترحم على جميع أصحاب محمد والكف عما شجر بينهم..) (٣) .\nوقال أبو عبد الله محمد بن أبي زمنين (٤): (ومن قول أهل السنّة أن يعتقد المرء المحبة لأصحاب رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) المصدر السابق: ص ٢٢ - ٢٣.\n(٢) عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس الرازي، الحافظ الثبت ابن الحافظ الثبت.. له الكتب النافعة ككتاب «الجرح والتعديل» و«التفسير الكبير» و«كتاب العلل»، توفي سنة ٣٢٧هـ، «لسان الميزان»: (٣/٣٣٢ - ٣٣٣) .\n(٣) «كاشف الغمة»: ص ٢٣.\n(٤) محمد بن عبد الله بن أبي زمنين أبو عبد الله الاليبري، فقيه مقدم.. له مصنفات متداولة مثل «كتاب الشروط على مذهب مالك» وغيره. توفي سنة ٣٩٩هـ وكانت ولادته سنة ٣٢٤هـ. «بغية الملتمس»: ص ٨٦، «معجم المؤلفين»: (١٠/٢٢٩) .","vol":"1","page":96},{"text":"وأن ينشر محاسنهم وفضائلهم ويمسك عن الخوض فيما دار بينهم) (١) .\nونصوص أئمة السنّة في هذا الباب كثيرة (٢) .\nوقد ذهب أهل السنّة لهذا المذهب استجابة لأمر الله ورسوله، فقد شهدت نصوص الكتاب على عدالتهم والرضاء عن جملتهم وتواترت السنّة على الثناء على مجموعهم، كما شهدت لكثير من آحادهم - على وجه التخصيص - بالعدالة والفضل.\nقال تعالى: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعدَّ لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا ذلك الفوز العظيم «٣) .\nوقال سبحانه: (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ «٤) .\nوقال ﷿: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ\n_________\n(١) «المصدر السابق»: ص ٣١ (مخطوط) .\n(٢) انظر أيضًا في بيان معتقد أهل السنة في الصحابة: «شرح الطحاوية»: ص ٥٢٨، «عقيدة السلف» لأبي عثمان إسماعيل الصابوني: ص ٢٨٣، ضمن مجموع، «المعتقد» لأبي يعلى: ص ٢٦٠، ٢٦١، «لمعة الاعتقاد» لابن قدامة: ص ٢٩، «المواقف للايجي»: ص ٤١٣، «غاية المرام» للآمدي: ص ٣٩٠ ... إلخ.\n(٣) التوبة: آية ١٠٠.\n(٤) التوبة: آية ١١٧.","vol":"1","page":97},{"text":"لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) (١) .\nوقال جل شأنه: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) (٢) .\nويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (والذين بايعوا تحت الشجرة بالحديبية عند جبل التنعيم (٣) كانوا أكثر من ألف وأربعمائة، بايعوه لما صده المشركون عن العمرة.. وقد أخبر سبحانه أنه رضي عنهم وأنه علم ما في قلوبهم، وأنه أثابهم فتحًا قريبًا) (٤) .\nوقال تعالى: (... لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) (٥) وقد حكم الله سبحانه لمن وعد بالحسنى بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ، لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ، لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ «٦) إلى غير ذلك من الآيات.\n_________\n(١) الفتح: آية ٢٩.\n(٢) الفتح: آية ١٨.\n(٣) \"التنعيم\": (على ثلاثة أميال أو أربعة من مكة المشرفة)، سمي به لأن على يمينه جبل نعيم كزبير وعلى يساره جبل ناعم والوادي اسمه نعمان بالفتح. «تاج العروس» مادة: \"نعم\"، وانظر: «معجم البلدان» لفظ «التنعيم» .\n(٤) «منهاج السنة»: (٢/١٥ - ١٦) تحقيق د. رشاد سالم.\n(٥) الحديد: آية ١٠.\n(٦) الأنبياء: الآيات ١٠١، ١٠٢، ١٠٣.","vol":"1","page":98},{"text":"قال ابن حزم: (فجاء النص أن من صحب النبي - ﷺ - فقد وعده الله تعالى الحسنى) وقد قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ)، وصح بالنص كل من سبقت له من الله تعالى الحسنى فإنه مبعد عن النار لا يسمع حسيسها وهو فيما اشتهى خالد لا يحزنه الفزع الأكبر.. وليس المنافقون ولا سائر الكفار من أصحابه «١) .\nوأما الأحاديث من طريق السنّة فهي كثيرة (٢) ومن ذلك:\nعن عمران بن حصين - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة (٣) .\nوقال (: «النجوم أمنة (٤) السماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون» (٥) .\nوقد مضى قوله (: «لا تسبوا أصحابي فلو\n_________\n(١) «المحلى»: (١/٤٢) .\n(٢) للتوسع في الموضوع راجع «جامع الأصول» جـ ٨ الباب الرابع في فضائل الصحابة ومناقبهم، وفيه خمسة فصول: ص ٥٤٧ وما بعدها.\n(٣) رواه البخاري: (٣/١٥١) في كتاب الشهادات باب لا يشهد على شهادة جور إذا شهد، ومسلم: (٧/١٨٤)، في فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.\n(٤) الأمنة جمع أمين وهو الحافظ. انظر: «جامع الأصول»: (٨/٥٥٥) .\n(٥) رواه مسلم في فضائل الصحابة باب بيان أن بقاء النبي - ﷺ - أمان لأصحابه وبقاء أصحابه أمان للأمة: (٧/١٨٣) .","vol":"1","page":99},{"text":"أن أحدكم أنفق مثل أُحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» .\nوعن أبي هريرة (أن رسول الله - ﷺ - كان على حراء، هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير فتحركت الصخرة فقال النبي - ﷺ -: «اهدأ، فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد» (١) وقال (: «لا يدخل النار - إن شاء الله - من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها..» (٢) .\nوالأحاديث في هذا الباب كثيرة في عموم الصحابة وفي كثير من آحادهم ولا مجال للاسترسال في هذا، وشاهدنا هنا أن كتب السنّة مليئة بالثناء على الصحب وبيان فضلهم عن سيد الخلق (. وأئمة السنّة ترسموا سنّة رسول الله - ﷺ - في هذا وانعقد إجماعهم على محبتهم والترضي عنهم واعتقاد عدالتهم (٣) .\nونقول - مع الخطيب البغدادي (٤) ﵀ - على أنه لو لم يرد من الله ﷿ فيهم شيء مما ذكرناه، لأوجبت الحال التي كانوا\n_________\n(١) رواه مسلم في فضائل الصحابة باب من فضائل طلحة والزبير: (٧/١٢٨) .\n(٢) رواه مسلم في فضائل الصحابة باب من فضائل أصحاب الشجرة أهل بيعة الرضوان (: (٧/١٦٩) .\n(٣) وقد نقل أئمة السنة الإجماع - ممن يعتد به - على عدالة الصحابة كابن عبد البر «الاستيعاب»: (١/١٩) وابن الصلاح. انظر مقدمة ابن الصلاح: ص ١٤٧، والنووي انظر: «تدريب الراوي شرح تقريب النواوي»: ص ٢١٤.\nوليس المراد بعدالتهم ثبوت العصمة لهم واستحالة المعصية منهم، وإنما المراد قبول رواياتهم من غير تكلف في بحث أسباب العدالة وطلب التزكية.. «فتح المغيث»: (٣/١٠٦) .\n(٤) أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد.. المعروف بالخطيب البغدادي (أبو بكر) توفي =","vol":"1","page":100},{"text":"عليها من الهجرة والجهاد والنصرة وبذل المهج والأموال وقتل الآباء والأولاد والمناصحة في الدين وقوة الإيمان واليقين القطع على عدالتهم والاعتقاد بنزاهتهم (١)، لكن كما يرى الإمام أبو زرعة (٢) أن للذين ينتقصون أصحاب رسول الله - ﷺ - غاية معينة فيقول: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول ﵌ عندنا حق والقرآن حق وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنّة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة) (٣) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>٤- اعتقاد أهل السنّة في أهل البيت:</span>\nوقبل بيان منزلة أهل البيت عند أهل السنة نبين المراد بأهل البيت:\n_________\n= ببغداد سنة ٤٦٣هـ، من مؤلفاته: «تاريخ بغداد»، «الكفاية في معرفة علم الرواية» . انظر ترجمته: ابن العماد: «شذرات الذهب»: (٣/٣١١ - ٣١٢)، اليافعي: «مرآة الجنان»: (٣/٨٧ - ٨٨)، «معجم المؤلفين»: (٢/٣) .\n(١) «الكفاية»: ص ٩٦، وانظر في مثل هذا المعنى: الايجي: «المواقف»: ص ٤١٣.\n(٢) عبد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ المخزومي بالولاء أبو زرعة الرازي، من حفاظ الحديث وكبار الأئمة، جالس أحمد بن حنبل وكان يحفظ مائة ألف حديث، ويقال: كل حديث لا يعرفه أبو زرعة ليس له أصل، توفي سنة ٢٦٤هـ وكانت ولادته سنة ٢٠٠هـ، «تهذيب التهذيب»: (٧/٣٠ - ٣٤)، «الأعلام»: (٤/٣٥٠) .\n(٣) «الكفاية»: ص ٩٧، وانظر في موضوع (حكم من سب الصحابة أو كفّرهم) «الصارم المسلول» لابن تيمية: ص ٥٦٧ وما بعدها و«فتح الباري»: (٧/٣٦)، (١٢/٣٠٠)، «رسائل ابن عابدين»: (١١/٣١٤)، «تفسير ابن كثير»: (١/٥١٦) .","vol":"1","page":101},{"text":"روى الإمام مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم قال: قام رسول الله - ﷺ - يومًا خطيبًا - وذكر الحديث وفيه: أذكركم الله في أهل بيتي - ثلاثًا - فقال حصين بن سبرة: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: إن نساءه من أهل بيته ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده (١) قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل العباس، قال: أكُلّ هؤلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم.. (٢) .\nوهذا يدل على دخول \"أقاربه وزوجاته\" في مفهوم أهل البيت. وروى مسلم من حديث ابن شهاب عن عبد الله بن الحارث بن نوفل الهاشمي أن عبد المطلب بن ربيعة أخبره أن أباه ربيعة بن الحارث قال لعبد المطلب بن ربيعة وللفضل بن العباس ﵄: ائتيا رسول الله - ﷺ - فقولا له: استعملنا يا رسول الله على الصدقات - فذكر الحديث - وفيه فقال لنا: (إن هذه الصدقة إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد (٣» .\nوهذا يدل على دخول قرابته في مدلول \"الآل\".\nوفي حديث كعب بن عجرة قال: سألنا رسول الله - ﷺ - فقلنا: يا رسول الله كيف الصلاة عليكم أهل البيت؟.. قال: «قولوا: اللهم صَلِّ على محمد وعلى آل محمد» (٤) وفي حديث أبي\n_________\n(١) أي إذا كان أزواجه من أهل بيته فقرابته أحق بهذه التسمية.\n(٢) «صحيح مسلم»: (٧/١٢٢ - ١٢٣) .\n(٣) انظر: الحديث بتمامه في مسلم: (٣/١١٨ -١١٩) .\n(٤) «صحيح البخاري» مع شرحه «فتح الباري»: (٦/٤٠٨) .","vol":"1","page":102},{"text":"حميد الساعدي أنهم قالوا: يا رسول الله كيف نصلي عليك؟ فقال رسول الله - ﷺ - قولوا: «اللهم صَلِّ على محمد وأزواجه وذريته..» (١) فهذا الحديث يفسر الذي قبله ويبين أن آل محمد يشمل \"أزواجه وذريته\" (٢) .\nومما يدل على دخول أزواجه في \"أهل بيته\" - ﵇ - قوله تعالى في خطاب نساء نبيه - ﷺ - (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) (٣) فهذه الآية ظاهرة الدلالة على أن زوجاته - ﷺ - من أهل بيته، ولهذا قال ابن كثير: (الذي لا يشك فيه من تدبر القرآن أن نساء النبي - ﷺ - داخلات في قوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) فإن سياق الكلام معهن، ولهذا قال تعالى بعد هذا كله (٤) (واذكرن ما يتلى في بيوتكن منءَايت الله والحكمة) (٥) .\nوقال بدخولهن في ذلك جمع كبير من المفسرين (٦)\n_________\n(١) المصدر السابق: (٦/٤٠٧) .\n(٢) انظر: «جلاء الأفهام» لابن القيم: ص ١١٩ - ١٢٠.\n(٣) الأحزاب: آية ٣٣.\n(٤) «تفسير ابن كثير»: (٣/٥٠٦) .\n(٥) الأحزاب: آية ٣٤.\n(٦) انظر: القرطبي: (١٤/١٨٢ - ١٨٤)، «البحر المحيط» لابن حيان: (٧/٢٣٢) وانظر: «الكشاف» للزمخشري: (٣/٢٦٠)، «تفسير أبي السعود»: (٤/٤١٧)، «مفاتيح الغيب»: (٢٥/٢٠٩) .","vol":"1","page":103},{"text":"وغيرهم (١) .\nوفي صحيح مسلم أن عائشة ﵂ قالت: «خرج النبي - ﷺ - غداة وعليه مرط مرحّل (٢) من شعر أسود فجاء الحسن بن علي فأدخله ثم جاء الحسين فدخل معه ثم جاءت فاطمة فأدخلها ثم جاء علي فأدخله ثم قال: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا (» (٣) .\nقال القرطبي: (فهذه دعوة من النبي - ﷺ - لهم بعد نزول الآية، أحب أن يدخلهم في الآية التي خوطب بها الأزواج) (٤) .\nفعلى هذا تشمل الآية الزوجات وأصحاب الكساء (٥) (فمن جعل الآية خاصة بأحد الفريقين فقد أعمل بعض ما يجب إعماله، وأهمل ما لا يجوز إهماله) (٦) .\n_________\n(١) انظر: «منهاج السنة»: (٤/٢١)، «المنتقى»: ص ١٦٨ - ١٦٩، «الدين الخالص»: (٣/٣٩٥)، وانظر: د. علي السالوس: «آية التطهير بين أمهات المؤمنين وأصحاب الكساء» .\n(٢) المرط: هو الكساء، والمرحل هو الموشي المنقوش عليه صور رحال الإبل «شرح النووي على صحيح مسلم»: (١٥/١٩٤) .\n(٣) «صحيح مسلم» بشرح النووي: (١٥/١٩٤ - ١٩٥) .\n(٤) «تفسير القرطبي»: (١٤/١٨٤) .\n(٥) روى البيهقي بسنده عن أم سلمة قالت: «في بيتي أُنزلت: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت.. (قالت: فأرسل رسول الله - ﷺ - إلى فاطمة وعلي والحسن والحسين فقال: هؤلاء أهلي قالت: فقلت: يا رسول الله أما أنا من أهل البيت؟ قال: بلى إن شاء الله» قال البيهقي: هذا حديث صحيح سنده، ثقات رواته. «الاعتقاد»: ص ١٦٤، وانظر: البغوي: «معالم التنزيل»: (٦/٥٥١ - ٥٥٢) (المطبوع مع تفسير ابن كثير) .\n(٦) «فتح القدير»: (٤/٢٨٠) .","vol":"1","page":104},{"text":"وبهذا قال جماعة من المحققين كالقرطبي (١)، وابن كثير (٢)، وابن حجر (٣) وغيرهم.\nفعلى هذا يشمل مفهوم أهل البيت ذريته - ﷺ - وأقاربه (٤) ممن تحرم عليهم الصدقة (٥) وكذلك أزواجه - ﷺ -.\nبهذا المفهوم الواسع الرحب لأهل البيت يأخذ أهل السنّة. ويفترقون عمن يحصر أهل البيت بسبعة \"الإسماعيلية\" أو اثني عشر \"الاثنا عشرية\" ويتناول بعض الصلحاء من أهل البيت بالسب والذم واللعن بحجة أنهم تطاولوا على منصب الإمامة.. ويعطي من يسميهم بـ \"الأئمة\" أوصافًا تتجاوز بهم منزلة البشر إلى منزلة خالق البشر (كما سيأتي) .\nوأما معتقد أهل السنّة في أهل البيت: فهم (يحبون أهل بيت رسول الله - ﷺ - ويتولونهم ويحفظون فيهم وصية رسول الله - ﷺ -، حيث قال: «أذكركم الله في أهل\n_________\n(١) «تفسير القرطبي»: (١٤/١٨٢ - ١٨٤) .\n(٢) «تفسير ابن كثير»: (٣/٥٠٦) .\n(٣) قال ابن حجر عن هذا التفسير لأهل البيت: «فبذلك يجمع بين الأحاديث» (فتح الباري): (١١/١٦٠)، وانظر: «التسهيل» لابن جزي: (٣/٢٩٩) .\n(٤) وقد ذهب بعض أهل العلم بأن المراد.. بآله (هم أتباعه ﵊ أو الأتقياء من أمته. انظر: أبو يعلى: «المعتمد»: ص ٢٥٧، ابن القيم: «جلاء الأفهام»: ص ١٢٠. وقد رد هذا ابن القيم؛ لأن رسول الله - ﷺ - حدد أهل البيت بأوصاف كحرمة الصدقة عليهم وغيرها، وهذا لا يجوز أن يراد به عموم الأمة «جلاء الأفهام»: ص ١٢٦.\n(٥) اختلف أهل العلم فيمن تحرم عليهم الصدقة. انظر: «جلاء الأفهام»: ص ١١٩.","vol":"1","page":105},{"text":"بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي» (١) (٢) وما صح في هذا من الأحاديث.\nيقول الصديق - ﵁ -: «والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله - ﷺ - أحب إليّ أن أصل من قرابتي» (٣) ويقول: «ارقبوا محمدًا في أهل بيته» (٤) .\nويشرح الإمام عبد القاهر البغدادي نظرة أهل السنّة إلى آحاد أهل البيت فيقول: (وقالوا - يعني أهل السنّة - بموالاة الحسن والحسين والمشهورين من أسباط رسول الله - ﷺ - كالحسن بن الحسن وعبد الله بن الحسن وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي بن الحسين المعروف بالباقر.. وجعفر بن محمد المعروف بالصادق، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى الرضا، وكذلك قولهم في سائر أولاد علي من صلبه كالعباس، وعمر، ومحمد بن الحنفية، سائر من درج على سنن آبائه الطاهرين دون من مال منهم إلى الاعتزال أو الرفض ودون من انتسب إليهم وأسرف في عدوانه وظلمه) (٥) .\nويقول شيخ الإسلام ابن تيمية مبينًا مذهب أهل السنّة نحو أهل بيته - ﷺ - فيقول: (آل بيت رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) هذا جزء من حديث رواه مسلم عن زيد بن أرقم في فضائل أصحاب النبي - ﷺ - باب فضائل علي - ﵁ -: (٧/١٢٢ - ١٢٣) .\n(٢) ابن تيمية: «الفتاوى»: (٣/١٥٤)، وانظر «الإنصاف فيما يجب اعتقاده» للباقلاني: ص ٦٨.\n(٣) رواه البخاري في فضائل أصحاب النبي - ﷺ -، باب مناقب قرابة رسول الله - ﷺ -: (٤/١١٠) .\n(٤) رواه البخاري (في الموضع السابق) .\n(٥) «الفرق بين الفرق»: ص ٣٦٠.","vol":"1","page":106},{"text":"لهم من الحقوق ما يجب رعايتها، فإن الله جعل لهم حقًا في الخمس والفيء وأمر بالصلاة عليهم مع الصلاة على رسول الله - ﷺ -، فقال لنا: «قولوا: اللهم صَلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد») (١) .\nوأهل السنة يتولون أزواج رسول الله - ﷺ - ويترضون عنهن ويعرفون لهن حقوقهن ويؤمنون بأنهن - ﵅ - أزواجه في الآخرة، قال ابن قدامة: (ومن السنّة الترضي عن أزواج رسول الله - ﷺ - أمهات المؤمنين المطهرات المبرّآت من كل سوء، أفضلهن خديجة بنت خويلد وعائشة الصديقة بنت الصديق التي برأها الله في كتابه زوج النبي - ﷺ - في الدنيا والآخرة، فمن قذفها بما برّأها الله منه فقد كفر) (٢) .\nوصلة المحبة والإخاء بين الآل والأصحاب ثابتة في اعتقاد أهل السنّة، وقد نقلوا في دواوينهم الحديثية ثناء بعضهم على بعض ومحبة بعضهم لبعض، وخص بعضهم هذا الموضوع بتأليف خاص كالدارقطني (٣) والشوكاني (٤) وذلك لمواجهة دسائس التفرقة بين الأمة التي حاولت افتعال فجوة وقطيعة بين الآل والأصحاب من أجل أن تبقى الفرقة والعداوة بين المسلمين.\n_________\n(١) «مجموعة الرسائل الكبرى»، الرسالة السابعة «الوصية الكبرى»: (١/٢٩٧ - ٢٩٨) .\n(٢) «لمعة الاعتقاد»: ص ٢٩.\n(٣) انظر: الدارقطني: «فضائل الصحابة ومناقبهم وقول بعضهم في بعض» (مخطوط) .\n(٤) انظر: الشوكاني: «إرشاد الغبي لمذهب أهل البيت في صحب النبي» (مخطوط) .","vol":"1","page":107},{"text":"وأهل السنّة في موقفهم السامي من القرابة والصحابة لا يخرجون في وصفهم للآل والصحب عن المشروع، فلا يغالون في أوصافهم، ولا يعتقدون عصمتهم، والأحاديث الصحيحة في دواوين السنّة شاهدة على هذا ذلك بأن الرعيل الأول كانوا بشرًا وليسوا ملائكة فهم لم يتخلوا عن طبيعة البشر بما فيها من قوة وضعف وأن منشأ امتيازهم أنهم بلغوا في بشريتهم هذه أعلى قمة مهيأة لبني الإنسان في الاحتفاظ بخصائص البشر في الأرض مع الاستمساك بعروة السماء) (١) .\nوأهل السنّة وهم يحبون آل البيت ويتولونهم، ويحبون الصحابة ويتولونهم لا يعتقدون أن هذا الحب يسقط عنهم التكاليف الشرعية، أو يكون هو السبب الوحيد المنجي في الآخرة، فالقرآن لم يربط النجاة والهلاك بحب فلان أو بغضه بل بطاعة الله ورسوله، قال تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) (٢) وقال سبحانه: (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (٣)، والآيات في هذا المعنى كثيرة والسنّة زاخرة بما يؤكد هذا ويحتمه.\nوقد عُلم بالاضطرار من دين الإسلام أن الشرك يضر صاحبه ولو أحب من أحب من أهل البيت أو الصحابة.\nقال ابن تيمية - في رده للحديث الموضوع «حبُّ عليّ حسنة\n_________\n(١) سيد قطب: «في ظلال القرآن»: (٥/٢٨٤٤) .\n(٢) النساء: آية ٦٩.\n(٣) البقرة: آية ١١٢.","vol":"1","page":108},{"text":"لا يضر معها سيئة..» -: هذا القول كفر ظاهر يستتاب صاحبه، ولا يجوز أن يقول هذا من يؤمن بالله واليوم الآخر (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>٥- لا عصمة لأحد بعد رسول الله - ﷺ </span>-:\nيعتقد أهل السنّة أن لا معصوم إلا رسول الله - ﷺ - وسائر أنبياء الله ورسله السابقين (٢) ولا عصمة بعد الرسول - ﷺ - لأحد (٣) ولا مشرع بعده.\nفلا يكون في الدين واجبًا إلا ما أوجبه، ولا حرامًا إلا ما حرمه، ولا مستحبًا إلا ما استحبه، ولا مكروهًا إلا ما كرهه، ولا مباحًا إلا ما أباحه (٤) .\nفالوحي قد انقطع منذ مات رسول الله - ﷺ - والحجة قد قامت على الأمة برسول الله ﵊، واتباع النبي - ﷺ - يغني عن اتباع ما سواه، يقول سبحانه: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ - إلى\n_________\n(١) «منهاج السنّة»: (٣/١٧) .\n(٢) قال ابن تيمية: (فإنهم - يعني أهل السنّة - متفقون على أن الأنبياء معصومون فيما يبلغونه عن الله تعالى، وهذا هو مقصود الرسالة فإن الرسول هو الذي يبلغ عن الله أمره ونهيه وغيره.. ومتفقون على أنهم لا يقرون على خطأ في الدين أصلًا.. وعامة الجمهور الذين يجوزون عليهم الصغائر يقولون: إنهم معصومون من الإقرار عليها.. وأما النسيان والسهو في الصلاة فذلك واقع منهم، وفي وقوعه حكمة استنان المسلمين) «منهاج السنة»: (١/١٧٤) الطبعة الأميرية. وانظر في الموضوع: «الشفاء» للقاضي عياض: ص ٩- ١٠ وما بعدها. وانظر: «عصمة الأنبياء» للرازي.\n(٣) «المنتقى»: ص ٤١٥.\n(٤) «التوسل والوسيلة»: ص ١٢٥.","vol":"1","page":109},{"text":"قوله - لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) (١) ولم يقل سبحانه \"والأئمة\".\nوهذا يبطل قول من أحوج الخلق إلى غير الرسل كالأئمة (٢)، فلا عصمة ولا طاعة مطلقة ولا تشريع.. لغيره - ﷺ -، وكلٌّ يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله - ﷺ - (٣) .\nولكن يرى أهل السنّة أن الأمة لا يمكن أن تجتمع على ضلالة وأنها معصومة بكتاب ربها وسنّة نبيها عن أن تضل جميعًا، وهذا يخالف تمامًا من يوجب عصمة واحد من المسلمين - إذا لم يكن فيهم معصوم - الخطأ (٤)، فالأمة محفوظة من الضلال العام الشامل كما جاءت بذلك النصوص الشرعية.\nيقول - ﷺ -: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون» (٥) وفي لفظ: «ولن يزال أمر هذه الأمة مستقيمًا حتى تقوم الساعة أو حتى يأتي أمر الله» (٦) .\n_________\n(١) النساء: الآيات ١٦٣، ١٦٤، ١٦٥.\n(٢) انظر «الفتاوى» ابن تيمية: (١٩/٦٦) .\n(٣) وهذا القول مأثور عن الإمام مالك ﵀، انظر «الوصية الكبرى» لابن تيمية: ص ٢٨٠ ضمن المجموعة.\n(٤) «المنتقى»: ص ٤١٠.\n(٥) رواه البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النبي - ﷺ -: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرني على الحق» (٨/ ١٤٩)، والحديث بهذا المعنى أخرجه مسلم في الجهاد وابن ماجه في السنة والترمذي في الفتن وأبو داود في الفتن.\n(٦) جزء من حديث رواه البخاري في الموضع السابق.","vol":"1","page":110},{"text":"وفي رواية: «لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون» (١) .\nوالله ﷾ قرن \"سبيل المؤمنين\" بطاعة رسوله في قوله ﷿: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (٢) .\nوجاءت نصوص تأمر بالجماعة وتحذر من مفارقتها كقوله (: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم» (٣) وروي عنه - ﷺ - عدة روايات في أن هذه الأمة «لا تجتمع على ضلالة» (٤) .\nهذا وهناك مسائل أخرى في (اعتقاد أهل السنة الذي شذت عنه الشيعة)، نكتفي بالإشارة إليها دون التفصيل لئلا يطول بنا البحث. وهي كالتالي:\n_________\n(١) هذا لفظ مسلم - كتاب الجهاد، باب قول النبي - ﷺ -، «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم»: (٦/٥٣) .\n(٢) النساء: آية ١١٥.\n(٣) مضى تخريجه ص ٢٢.\n(٤) قال السخاوي: (حديث مشهور المتن ذو أسانيد كثيرة وشواهد متعددة في المرفوع وغيره) «المقاصد الحسنة»: ص ٤٦٠. فروى عنه (أنه قال: «إن الله أجاركم من ثلاث خلال - ومنها - وأن لا تجتمعوا على ضلالة» رواه أبو داود في «سننه»: (٤/ ٤٥٢) رقم ٤٢٥٣)، قال الحافظ في «التلخيص»: (في إسناده انقطاع) وقال في موضع آخر: (سنده حسن)، «عون المعبود»: (١١/٣٢٦) .\nوروى الإمام أحمد عن أبي بصرة الغفاري (أن رسول الله - ﷺ - قال: «سألت الله ﷿ أن لا يجمع أمتي على ضلالة فأعطانيها» =","vol":"1","page":111},{"text":"٦- يقول أهل السنّة:\nإن أصول أحكام الشريعة الكتاب والسنّة وإجماع السلف (١)، وقال عبد القاهر البغدادي: إنهم أكفروا من لم ير إجماع الصحابة حجة (٢) .\n_________\n= «المسند»: (٦/ ٣٩٦)، قال الحافظ في «التلخيص»: (.. رجاله ثقات لكن فيه راو لم يسمَّ) «عون المعبود»: (١١/ ٣٢٦) .\nوروى الترمذي عن ابن عمر: «أن الله تعالى لا يجمع أمتي على ضلالة، ويد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ إلى النار» قال أبو عيسى: حديث غريب من هذا الوجه «سنن الترمذي»: رقم ٢١٦٨.\nوقال ابن حجر في تخريج المختصر: (حديث غريب خرجه أبو نعيم في «الحلية» واللالكائي في «السنة» ورجاله رجال الصحيح لكنه معلول؛ فقد قال الحاكم: لو كان محفوظًا حكمت بصحته على شرط الصحيح لكن اختلف فيه على معتمر بن سليمان على سبعة أقوال - فذكرها - وذلك مقتضي للاضطراب، والمضطرب من أقسام الضعيف) عن «فيض القدير»: (٢/٢٧١) .\nورواه ابن ماجه بلفظ: «إن أمتي لا تجتمع على ضلالة» «سنن ابن ماجه» كتاب الفتن، باب السواد الأعظم: (٢/١٣٠٣) .\nوأورده السيوطي في «الجامع» ورمز له بالصحة «فيض القدير»: (٢/٤٣١) لكن قال السندي: (وفي الزوائد في إسناده أبو خلف الأعمى واسمه حازم بن عطاء وهو ضعيف) «حاشية السندي على سنن ابن ماجه»: (٢/٤٦٤) .\nوقال العراقي في تخريج أحاديث البيضاوي: (جاء الحديث بطرق في كلها نظر) «المصدر السابق» .\nوقال ابن حجر: (له طرق لا يخلو واحد منها من مقال) عن «فيض القدير»: (٢/٢٠٠) . وقد أورده أصحاب الأصول محتجين به، انظر: «المستصفى»: (١/١٧٥)، و«الأحكام» للآمدي: (١/٢١٩) .\n(١) «الفرق بين الفرق»: ص ٣٤٦. وانظر: «الفتاوى» لابن تيمية: ص ١٥٧.\n(٢) «الفرق بين الفرق»: ص ٣٤٦.","vol":"1","page":112},{"text":"٧- ويرى أهل السنة:\nأن المعجزات (١) لا يأتي بها أحد إلا الأنبياء ﵈ (٢) خلافًا للروافض الذين جعلوا علامة الإمام عندهم صدور المعجزة منه، لأن الإمامة عندهم كالنبوة.. - كما سيأتي -.\n٨- ومن اعتقاد أهل السنّة:\nأنه لا يعلم الغيب إلا الله وحده، قال تعالى: (قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) (٣) (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ) (٤) .\nوقال سبحانه: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا) (٥) .\nويؤمنون بعلم الله المطلق، وأنه عالم الغيب والشهادة، ويعلم السر وأخفى، وهو بكل شيء عليم، وضللوا الروافض في نسبتهم إلى الله - ﷿ - \"البداء\" - كما سيأتي - تعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا.\n_________\n(١) المعجزات: هي الآيات والبراهين التي لا يقدر عليها إلا الله والتي يجريها الله تعالى على أيدي أنبيائه فتدل على صدقهم. انظر «النبوات» لابن تيمية. يقول ابن تيمية: (.. المعجزة يعم كل خارق للعادة في اللغة وعرف الأئمة المتقدمين كالإمام أحمد بن حنبل وغيره - ويسمونها الآيات، لكن كثير من المتأخرين يفرق في اللفظ بينها؛ فيجعل المعجزة للنبي والكرامة للمولى وجماعهما الأمر الخارق للعادة) . انظر: «قاعدة في المعجزات والكرامات»: ص٢، وانظر: «التعريفات» للجرجاني: ص ١١٥.\n(٢) «المحلى» لابن حزم: ص ٣٥.\n(٣) النمل: آية ٦٥.\n(٤) الأنعام: آية ٥٩.\n(٥) الجن: الآيتان ٢٦، ٢٧.","vol":"1","page":113},{"text":"٩- ومما يقوله أهل السنة أن ما اختاره المسلمون من الأئمة الذين مضوا وعقدت لهم الإمامة كانوا أئمة خلافًا لمن حصرهم بعدد معين وأبطل إمامة ما سواهم (١) .\n١٠- ومما يعتقده أهل السنّة أن من أصول السنة لزوم الجماعة وترك الشذوذ والفرقة استجابة لأمر الله: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) (٢) . (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (٣) ولما جاء من الأحاديث التي تأمر بالتزام الجماعة وتنهى عن الفرقة كقوله - ﷺ -: «عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد ومن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة» (٤) وقوله ﵊: «من فارق الجماعة شبرًا فمات إلا مات ميتة جاهلية» (٥) .\n_________\n(١) انظر «المعتمد» لأبي يعلى: ص ٢٥٦ - ٢٥٧ (بتصرف)، وهذا من مباحث \"مسألة الإمامة\" التي جعلها الشيعة من أصول دينهم، وقد نبه طائفة من أهل العلم إلى أن مسألة الإمامة ليست من أصول الدين عند أهل السنّة مثل: الآمدي في «غاية المرام»: ص ٣٦٣، والغزالي في: «الاقتصاد في الاعتقاد»: ص ١٣٤، والآيجي في «المواقف»: ص ٣٤٤ وغيرهم. وإنما بحثها أهل السنّة في مبحث العقائد لأن أهل البدعة جعلوها من أصول دينهم، وخالفوا فيها ما تواتر من النصوص الشرعية كما تجد بحثها في «الإبانة»: ص ٩٢، ٩٦، و«شرح الطحاوية»: ص ٥٣٣ وما بعدها، و«التمهيد» للباقلاني: ص ٦٤، و«المعتمد» لأبي يعلى: ص ٢٢٢ وما بعدها وغيرها.\n(٢) آل عمران: آية ١٠٣.\n(٣) آل عمران: آية ١٠٥.\n(٤) أخرجه الترمذي في الفتن باب ما جاء في لزوم الجماعة رقم (٢١٦٦) وقال: حديث حسن صحيح غريب. ورواه أحمد في «المسند»: (رقم ١١٤ و١٧٧)، والحاكم في «مستدركه»، وصححه، ووافقه الذهبي: «المستدرك»: (١/٧٧ - ٧٨) .\n(٥) رواه البخاري في كتاب الفتن باب ما جاء في قوله تعالى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ =","vol":"1","page":114},{"text":"١١- ومن أصول أهل السنة أن (الحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين برهم وفاجرهم لا يبطلهما شيء ولا ينقضهما) (١) .\n١٢- ومن أصول أهل السنة والجماعة (أنهم يصلون الأعياد والجماعات ولا يدعون الجمعة والجماعة كما فعل أهل البدع من الرافضة وغيرهم) (٢) .\n١٣- ومن اعتقاد أهل السنة أنه (لا يرجع أحد من الأموات قبل يوم البعث. فلا يرجع محمد رسول الله - ﷺ - ولا أحد من أصحابه إلا يوم القيامة إذا رَجَعَ الله المؤمنين والكافرين للحساب والجزاء، هذا إجماع جميع أهل الإسلام قبل حدوث الروافض..) (٣) .\nهذه أهم المسائل التي يأخذ بها أهل السنّة، وفي عقائد الشيعة ودواوينها ما يخالفها كما تقوله \"مصادر أهل السنّة\"، وسنرى مصداق ذلك أو غيره في مبحث الشيعة وعقائدهم.\nوهذه المسائل منها ما يدخل في أصول الإيمان عند أهل السنّة كما جاءت في حديث جبريل وغيره، ومنها ما يدخل فيما تواترت به السنّة وخالفه أهل البدع من \"مسائل الفروع\" أو \"العمليات\"، ذلك (أن الخلاف المذموم ما خولف فيه كتاب أو سنّة صحيحة أو\n_________\n= الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً): (٨/٨٦)، انظر: في موضوع الاعتصام بالجماعة: «شرح الطحاوية»: ص ٥٧٧.\n(١) انظر: «شرح الطحاوية»: ص ٤٣٧، و«الفرق بين الفرق»: ص ٣٤٦.\n(٢) «مجموعة الرسائل والمسائل»: (٥/١٩٨) .\n(٣) «المحلى» لابن حزم: ص ٢٤، وانظر: «المعتمد» لأبي يعلى: ص ٢٥٥.","vol":"1","page":115},{"text":"إجماع..) (١)، ولهذا نرى أهل السنّة يبحثون في كتب العقيدة ما خالف فيه أهل البدع مما جاءت به السنّة الصحيحة وإن كان من قضايا الفروع، وقد نبه بعض الأئمة إلى أن مسألة التفرقة بين الأصول والفروع لم تكن في عصر السلف وأنها غير منضبطة بحد محدود (٢) .\nكما قد نبه بعض أهل السنّة إلى أنه يوجد ما هو من أصول الدين عند الشيعة وليس كذلك عند أهل السنّة كمسألة الإمامة وغيرها.\nهذا وسنرى - في دراسة \"الشيعة\" - ما تقوله كتب الشيعة نفسها. وهل هذا الشذوذ موجود فيها أو أكثر منه، أو لا يوجد من ذلك شيء لهم؟ وهل أهل السنّة يظلمونهم أو أن ما قالوه فيهم هو دون ما هم عليه من غلو بعد انتشار كتبهم في هذا العصر.\n_________\n(١) البيهقي: «الاعتقاد»: ص ١١٥، وانظر: «شرح المشكاة» لملا علي القاري: (١/٢٢٩) .\n(٢) ابن تيمية: «الفتاوى»: (١٣/١٢٥) .","vol":"1","page":116},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>الباب الثاني: الشيعة</span>\n\nالفصل الأول: تعريف الشيعة، ونشأتهم وفرقهم.\nالفصل الثاني: اعتقادهم في مصادر التلقي (أو في أصول الأحكام) المتفق عليها بين المسلمين.\nالفصل الثالث: عقائدهم الأخرى التي انفصلوا بها عن أهل السنّة.","vol":"1","page":117},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>الفصل الأول:<span data-type=\"title\" id=toc-32> تعريف الشيعة </span>ونشأتهم وفرقهم</span>\nتعريف الشيعة:\nالشيعة في اللغة: هم الأتباع والأنصار.\nجاء في «القاموس»: (شيعة الرجل بالكسر أتباعه وأنصاره، والفرقة على حده، ويقع على الواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث، وجمعه أشياع وشيع) (١) .\n(وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة.. وكل من عاون إنسانًا وتحزب له فهو له شيعة) (٢) .\nقال الأزهري (٣): (معنى الشيعة: الذين يتبع بعضهم بعضًا وليس كلهم متفقين) (٤) .\n_________\n(١) «القاموس»: مادة شاع.\n(٢) «تاج العروس»: مادة شاع: (٨/٤٠٥) .\n(٣) محمد بن أحمد بن الأزهر بن طلحة بن نوح الأزهري، اللغوي، الأديب، الهروي الشافعي (أبو منصور)، قال السيوطي: كان رأسًا في اللغة وكان عارفًا بالحديث عالي الإسناد، شديد الورع وله من التصانيف: «التهذيب في اللغة»، و«التقريب في التفسير» وغيرهما توفي سنة ٣٧٠هـ وكان مولده سنة ٢٨٢هـ. السيوطي: «بغية الوعاة»: (١/١٩ - ٢٠) .\n(٤) كذا في «اللسان»: (١٠/٥٥) مادة شاع. وكذا في بعض النسخ الخطية لكتاب =","vol":"1","page":119},{"text":"فالتشيع بمعناه اللغوي هنا يعني المناصرة والمتابعة، أو الاجتماع على أمر أو التحزب لشخص، ويضيف الأزهري: معنى عدم وجود الوفاق التام بينهم (١) وهو هنا لا يحدد فرقة بعينها، ولكنه غلب فيما بعد كما يقول صاحب «القاموس» على كل من يتولى عليًا وأهل بيته حتى صار اسمًا لهم خاصًا (٢)، فإذا قيل فلان من الشيعة عرف أنه منهم، وفي مذهب الشيعة كذا أي عندهم (٣) .\nوالشيعة في الاصطلاح: يقول شيخ الشيعة وعالمها في زمنه \"المفيد\" (٤) بأن لفظ الشيعة يطلق على (أتباع أمير المؤمنين على سبيل الولاء والاعتقاد لإمامته بعد الرسول صلوات الله عليه وآله بلا فصل، ونفي الإمامة عمن تقدمه في مقام الخلافة، وجعله في الاعتقاد متبوعًا لهم غير تابع لأحد منهم على وجه الاقتداء) (٥) ثم يذكر أنه يدخل في هذا التعريف \"الإمامية والجارودية الزيدية\"، أما باقي فرق الزيدية فلا تشملهم سمة التشيع وليسوا من الشيعة وكذا الفرق الأخرى (٦) .\n_________\n= الأزهري «تهذيب اللغة»، وقد ورد في نسخة أخرى من النسخ الخطية للكتاب هذا النص المذكور بصيغة أخرى نصها: (الشيعة: الذي يتبع بعضهم بعضًا، ومعنى الشيع: الفرق التي كل فرقة منهم يتبع بعضهم بعضًا، وليس كلهم متفقين..) انظر: «تهذيب اللغة» مادة شاع: (٣/٦٢) بتحقيق عبد السلام هارون.\n(١) انظر هامش رقم (٤) في الصفحة السابقة.\n(٢) «القاموس»: مادة شاع.\nوهذا التخصيص لمفهوم التشيع بمن يتولى عليًّا وأهل بيته لا يحدد في واقع الأمر فرقة الشيعة بذاتها، لأن أهل السنة يتولون عليًا وأهل بيته.\n(٣) «تاج العروس» مادة شاع: (٨/٤٠٥) .\n(٤) أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي الملقب بالمفيد، من كبار مشايخ الشيعة ت ٤١٣هـ. انظر: «لؤلؤة البحرين»: (ص ٣٥٦ - ٣٧٢) .\n(٥)، (٦) المفيد: «أوائل المقالات»: ص ٣٩.","vol":"1","page":120},{"text":"ومما يلاحظ على تعريف المفيد للشيعة:\n(١) أنه لم يشر إلى اعتبار الأئمة بعد علي، مع أنهم يقولون بأن من لم يؤمن بـ \"الأئمة\" بعد علي فليس من الشيعة.\n(٢) أنه لم يذكر في تعريفه مسألة النص على عليٍّ من الله ورسوله - كما يعتقدون - وأن من لم يؤمن بالأئمة وبالنص عليهم فليس من الشيعة عندهم.\nكما يلاحظ أنه ينص في تعريفه على إخراج معتدلي الزيدية من وصف التشيع، ولا يصدق وصف التشيع - في نظره - إلا على \"الجارودية\"، في حين أنه فتح المجال في تعريفه لدخول فرق الغالية كلها.\nأما قوله في التعريف: بالاعتقاد بإمامة علي بعد الرسول - ﷺ - بلا فصل؛ فإننا نجد شرحًا لهذه الجملة في كتاب آخر له حيث قال: (وكانت إمامة أمير المؤمنين بعد النبي - ﷺ - ثلاثون سنة - كذا - منها أربع وعشرون سنة وستة أشهر كان ممنوعًا من التصرف في أحكامها مستعملًا للتقية والمداراة، ومنها خمس سنين وستة أشهر ممتحنًا بجهاد المنافقين من الناكثين والقاسطين والمارقين (١)، ومضطهدًا بفتن الضالين كما كان رسول الله - ﷺ - ثلاث عشرة سنة من نبوته ممنوعًا من أحكامها خائفًا ومحبوسًا وهاربًا ومطرودًا لا يتمكن من جهاد الكافرين ولا يستطيع دفعًا عن المؤمنين، ثم هاجر وأقام بعد الهجرة عشر سنين مجاهدًا\n_________\n(١) ورد في «معاني الأخبار» لشيخهم ابن بابويه القمي أن المراد بالناكثين: الذين بايعوه بالمدينة ونكثوا بيعته بالبصرة هكذا. \"وبالقاسطين\" معاوية وأصحابه من أهل الشام، \"وبالمارقين\": أصحاب النهروان. «معاني الأخبار»: ص ٢٠٤.","vol":"1","page":121},{"text":"للمشركين ممتحنًا بالمنافقين إلى أن قبضه الله - جل اسمه - إليه وأسكنه جنات النعيم) (١) .\nوإذا كان تعريف «المفيد» للشيعة ليس بجامع لمعنى التشيع لما ذكرنا، فإن كتب المقالات والفرق الشيعية القديمة ككتاب «فرق الشيعة» للنوبختي، و«المقالات والفرق» لسعد القمي لم تسعفنا بتعريف جامع للشيعة، وتكتفي في تعريف الشيعة بالقول بأنهم: (أتباع علي بن أبي طالب) (٢) . وفي كلام لشيخهم الطوسي (٣) عن النص والوصية نراه يربط التشيع بالاعتقاد بكون علي إمامًا للمسلمين بوصية من الرسول، وبإرادة من الله (٤) .\nفالطوسي هنا يجعل الاعتقاد بالنص هو أساس التشيع، ولهذا يخرج الطوسي السليمانية الزيدية من الفرق الشيعية لأنهم لا يقولون بـ \"النص\" (٥)، بل يقولون: (إن الإمامة شورى، وأنها تصلح بعقد رجلين من خيار المسلمين وأنها قد تصلح في المفضول، ويثبتون إمامة الشيخين أبي بكر وعمر) (٦) . وينطبق رأي الطوسي على كل من يقول من فرق الزيدية برأي السليمانية كالصالحية والبترية، فلا ينتظم في\n_________\n(١) «الإرشاد»: ص ١٢.\n(٢) «المقالات والفرق» لسعد القمي: ص ٣، «فرق الشيعة» النوبختي: ص ٢.\n(٣) شيخ الإمامية ورئيس الطائفة، أبو جعفر محمد بن الحسين بن علي الطوسي، وهو مؤلف كتابين من كتبهم الأربعة (التي يعدونها كالكتب الستة عند أهل السنة) وهما: «تهذيب الأحكام»، و«الاستبصار»، توفي سنة ٤٦٠هـ وكانت ولادته سنة ٣٨٥هـ. الطوسي: «الفهرست»: (ص ١٨٨ - ١٩٠)، «لؤلؤة البحرين»: (ص ٢٩٣ - ٣٠٤) .\n(٤) «تلخيص الشافي»: الطوسي: (٢/٥٦) .\n(٥) المصدر السابق: (٢/٥٦) .\n(٦) «مقالات الإسلاميين»: الأشعري: (١/١٤٣) .","vol":"1","page":122},{"text":"سلك التشيع - في اعتقاد الروافض - من فرق الزيدية سوى الجارودية من الزيدية (١)، وخالص القول أن الإيمان بالنص على إمامة علي يعتبر عندهم لباب التشيع، لهذا نجد بعض علمائهم المعاصرين يعرف الشيعة على هذا النحو، فيقول إن لفظ الشيعة: (عَلَم عَلَى من يؤمن بأن عليًّا هو الخليفة بنص النبي) (٢) .\nوتعريف الشيعة على هذا النحو يغفل هو الآخر بعض الجوانب الأساسية في التعريف بالشيعة عندهم، حيث لم يذكر الإيمان بباقي الأئمة بعد علي - ﵁ - (٣) .\nلهذا نرى بعض كتاب الشيعة المعاصرين يولي وجهه تعاريف أهل السنّة للشيعة ويختار تعريف ابن حزم لهم ويعتبره (من أكثر التعاريف شمولًا وأقربها للتدقيق) (٤) .\nيقول ابن حزم: (ومن وافق الشيعة في أن عليًا - ﵁ - أفضل الناس بعد رسول الله - ﷺ - وأحقهم بالإمامة وولده من بعده فهو شيعي، وإن خالفهم فيما عدا ذلك مما اختلف فيه المسلمون، فإن خالفهم فيما ذكرنا فليس شيعيًا) (٥) .\n_________\n(١) انظر التعريف بالزيدية في هذا البحث.\n(٢) محمد جواد مغنية: «الشيعة في الميزان»: ص ١٥.\n(٣) ولا يقال: إن هذا التعريف ينطبق على الشيعة من حيث المنشأ قبل وجود الأئمة بعد علي، لأن في كتبهم ما يشير إلى وجود النص على الأئمة جميعًا؛ ففي كتاب «غاية المرام» باب في نص رسول الله على علي أمير المؤمنين بأنه الإمام بعده وبنيه الأحد عشر هم الأئمة الاثنا عشر وخلفاؤه وأوصياؤه، وفيه ١٩ حديثًا من طرق الشيعة.\n(٤) د. عبد الله فياض: «تاريخ الإمامية»: ص ٣٣.\n(٥) «الفصل»: ابن حزم: (٢/١٠٧) .","vol":"1","page":123},{"text":"ويعلل الرافضي اختياره لتعريف ابن حزم بقوله: (ومما حدانا إلى تفضيل تعريف ابن حزم أن الاعتراف بأفضلية الإمام علي على الناس بعد رسول الله، وأنه الإمام الخليفة بعده وأن الإمامة في ذريته من فاطمة؛ هو أس التشيع وجوهره) (١) .\nوإن من يقرأ كلام الشيعة عن عقائدهم كالعصمة، والتقية، والرجعة، وغيرها يرى أنهم يغالون في كل عقيدة من عقائدهم بحيث يربطون وصف التشيع بالإيمان بتلك العقيدة، مثل قولهم: (من لم يؤمن بكرَّتنا (٢) ويقل بمتعتنا فليس منا)، وغيره مما سيأتي مما يتضمن نفي صفة التشيع عمن لم يؤمن بتلك العقائد، ولا نرى لهذه العقائد ذكرًا في التعريفات مع أنهم يعتبرونها لبًا وجوهرًا للتشيع.\nونجد الإمام الشهرستاني (٣) يقدم لنا تعريفًا للشيعة يعتبر من أكثر التعاريف شمولًا لعقائد الشيعة فيقول: (الشيعة هم الذين شايعوا عليًّا - ﵁ - على الخصوص، وقالوا بإمامته وخلافته نصًّا ووصية إما جليًّا، وإما خفيًّا، واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج من أولاده، وإن خرجت فبظلم يكون من غيره أو بتقيَّة من عنده وقالوا: \"ليست الإمامة قضية مصلحية تناط باختيار العامة\" وينتصب الإمام بنصبهم، بل هي قضية أصولية وهي ركن الدين لا يجوز للرسل عليهم الصلاة\n_________\n(١) د. عبد الله فياض: «تاريخ الإمامية»: ص ٣٤.\n(٢) يعنون بها الرجعة، وسيأتي تخريج حديثهم هذا في مبحث عقيدتهم في الرجعة.\n(٣) محمد بن عبد الكريم بن أحمد أبو الفتح المعروف بالشهرستاني، قال السبكي: كان إمامًا مبرزًا، مقدمًا في علم الكلام والنظر، برع في الفقه والأصول والكلام، ومن تصانيفه: «الملل والنحلل»، و«نهاية الأقدام»، توفي سنة ٥٤٨هـ وكانت ولادته عام ٤٦٧هـ وقيل ٤٧٩هـ. انظر: «طبقات الشافعية»: (٦/١٢٨ - ١٣٠)، «مرآة الجنان»: (٣/٢٨٤ - ٢٩٠) .","vol":"1","page":124},{"text":"والسلام إغفاله وإهماله، ولا تفويضه إلى العامة وإرساله. ويجمعهم القول بوجوب التعيين والتنصيص، وثبوت عصمة الأنبياء والأئمة وجوبًا عن الكبائر والصغائر، والقول بالتولي والتبري قولًا وفعلًا وعقدًا إلا في حال التقية، ويخالفهم بعض الزيدية في ذلك) (١) .\nومن هذا التعريف يتبين أن جميع فرق الشيعة ما عدا بعض الزيدية يتفقون على وجوب اعتقاد الإمامة، والعصمة، والتقية.\nوسنرى أن الاثني عشرية يقولون بعقائد أخرى كالغيبة، والرجعة والبداء أيضًا.\nولكننا نجد الإمام الأشعري - ﵀ - يكتفي في تعريف الشيعة بقوله: (إنما قيل لهم الشيعة لأنهم شايعوا عليًّا - ﷺ - ويقدمونه على سائر أصحاب رسول الله - ﷺ -) (٢) .\nوهو تعريف ينطبق على أول سلم التشيع، وهو تشيع الزيدية (ما عدا طائفة الجارودية) . وبتعبير آخر هو تعريف \"للمفضلة\" من الشيعة، وهم الذين يفضلون عليًّا على أبي بكر وعمر وسائر أصحاب رسول الله - ﷺ -، والشيعة الاثنا عشرية لا يعتبرون مجرد تقديم علي على سائر أصحاب النبي - ﷺ - كافيًا في التشيع، بل لا بد من الاعتقاد بأن خلافة علي بالنص واعتقاد أن خلافته بدأت بعد وفاة الرسول - ﷺ - حتى استشهاده - ﵁ -.\nويمكن أنه يقال إن الأشعري بتعريفه هذا قد أخرج الروافض\n_________\n(١) الشهرستاني: «الملل والنحل»: (١/١٤٦ - ١٤٧) .\n(٢) «مقالات الإسلاميين»: (١/٦٥) .","vol":"1","page":125},{"text":"من دائرة التشيع، لأنه لم يذكر ما يعتبرونه الأساس في التشيع في تعريفه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>التعريف المختار للشيعة:</span>\nومع كل ما ورد في هذا المساق فقد تكون الرؤية في هذا المقام أكثر دقة إذا نحن نظرنا إلى بعض الملابسات. ولذا فإني أرى أن تعريف الشيعة مرتبط أساسًا بأطوار نشأتهم ومراحل التطور العقدي لهم، ولهذا كان في الصدر الأول لا يسمى شيعيًّا إلا من قدّم عليًّا على عثمان، ولذلك قيل شيعي وعثماني، والشيعي من قدّم عليًّا على عثمان، والعثماني من قدّم عثمان على علي - ﵁ - (١) .\nفعلى هذا يكون تعريف الشيعة في الصدر الأول مقصورًا على الذين يقدمون عليًّا على عثمان فقط.\nولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية إن: (الشيعة الأولى الذين كانوا على عهد علي كانوا يفضلون أبا بكر وعمر (٢)، ولما سأل سائل شريك بن عبد الله (٣) فقال له أيهما أفضل: أبو بكر أو علي؟ فقال له: أبو بكر. قال له السائل: تقول هذا وأنت شيعي؟ فقال له: نعم، ومن لم يقل هذا فليس شيعيًّا، والله لقد رقي عليٌّ هذه الأعواد، فقال: ألا إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، فكيف نرد قوله وكيف نكذبه؟ والله ما كان كذابًا) (٤) .\n_________\n(١) نشوان الحميري: «الحور العين»: ص ١٧٩، وانظر: ابن المرتضي: «المنية والأمل»: ص ٨١.\n(٢) «منهاج السنة»: (٢/٦٠) تحقيق: رشاد سالم.\n(٣) شريك بن عبد الله بن أبي نمر القرشي أبو عبد الله المدني. توفي سنة ١٤٠هـ، وقد أخرج له البخاري ومسلم وغيرهما. انظر: «الخلاصة»: ص ١٦٦، «تقريب التهذيب»: (١/٣٥١) .\n(٤) «منهاج السنة»: (١/٧-٨) تحقيق: رشاد سالم.","vol":"1","page":126},{"text":"وروى ابن بطة عن شيخه المعروف بأبي العباس بن مسروق: حدثنا محمد بن حميد، حدثنا جرير عن سفيان عن عبد الله بن زياد بن حدير قال: قدم أبو إسحاق السبيعي الكوفة، قال لنا شمر بن عطية: قوموا إليه، فجلسنا إليه، فتحدثوا، فقال أبو إسحاق: خرجت من الكوفة وليس أحد يشك في فضل أبي بكر وعمر وتقديمهما، وقدمت الآن وهم يقولون ويقولون، ولا والله ما أدري ما يقولون (١) .\nقال محب الدين الخطيب (٢): (هذا نص تاريخي عظيم في تحديد تطور التشيع، فإن أبا إسحاق السبيعي كان شيخ الكوفة وعالمها، ولد في خلافة أمير المؤمنين عثمان قبل شهادته بثلاث سنين، وعمَّر حتى توفي سنة ١٢٧هـ، وكان طفلًا في خلافة أمير المؤمنين علي. وهو يقول عن نفسه رفعني أبي حتى رأيت علي بن أبي طالب يخطب، أبيض الرأس واللحية، ولو عرفنا متى فارق الكوفة ثم عاد فزارها لتوصلنا إلى معرفة الزمن الذي كان فيه شيعة الكوفة علويين يرون ما يراه إمامهم من تفضيل أبي بكر وعمر، ومتى أخذوا يفارقون عليًّا ويخالفونه فيما كان يؤمن به ويعلنه على منبر الكوفة من أفضلية أخويه صاحبي رسول الله - ﷺ - ووزيريه وخليفتيه على أمته في أنقى وأطهر أزمانها) (٣) .\n_________\n(١) «المنتقى»: ص ٣٦٠ (مختصر منهاج السنة) .\n(٢) محب الدين بن أبي الفتح محمد بن عبد القادر بن صالح الخطيب، من كبار الكتاب الإسلاميين، تولى تحرير مجلة الأزهر ٦ سنوات وأصدر مجلتيه: الزهراء، والفتح، ونشر عددًا كبيرًا من كتب التراث، ومن مؤلفاته: «الرعيل الأول»، «تاريخ مدينة الزهراء» وغيرهما. توفي سنة ١٣٨٩هـ، وكان مولده سنة ١٣٠٣هـ. «الأعلام»: (٥/٢٨٢) طبعة دار الملايين.\n(٣) «حاشية المنتقى»: (ص ٣٦٠ - ٣٦١) .","vol":"1","page":127},{"text":"وقال ليث بن أبي سليم (١): (أدركت الشيعة الأولى وما يفضلون على أبي بكر وعمر أحدًا) (٢) .\nوذكر صاحب مختصر التحفة: (أن الذين كانوا في وقت خلافة الأمير - كرم الله وجهه ــ من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، كلهم عرفوا له حقه، وأحلوه من الفضل محله، ولم ينتقصوا أحدًا من إخوانه أصحاب رسول الله؟ فضلًا عن إكفاره وسبه، بيد أن منهم من قاتل معه على تأويل القرآن كما قاتلوا مع رسول الله - ﷺ - على تنزيله، فقد كان معه - ﵁ - في حرب صفين من أصحاب بيعة الرضوان ثمانمائة صحابي، وقد استشهد منهم تحت رايته هناك ثلاثمائة) (٣) .\nولكن مبدأ التشيع تغير فأصبحت الشيعة شيعًا، لهذا نرى الإمام زيدًا يسمي الطاعنين في الشيخين بالروافض ويجردهم من وصف الشيعة لأنهم لا يستحقونه.\nومن عرف التطور العقدي لطائفة الشيعة لا يستغرب وجود طائفة من أعلام المحدثين وغير المحدثين من العلماء الأعلام أطلق عليهم لقب الشيعة، وقد يكونون من أعلام السنّة، لأن للتشيع في زمن السلف\n_________\n(١) ليث بن أبي سليم القرشي الكوفي: هو أحد العلماء والنساك، أدرك عكرمة وأخذ عنه، وهو من شيوخ معمر وشعبة والثوري، وكان من أعلم أهل الكوفة بالمناسك، توفي سنة ١٤٣هـ، وقد أخرج له أصحاب السنن، وأخرج له مسلم مقرونًا بغيره. قال ابن حجر: صدوق اختلط أخيرًا ولم يتميز حديثه فترك. انظر: «تقريب التهذيب»: (٢/١٣٨)، «تهذيب التهذيب»: (٨/٤٦٥ - ٤٦٨)، «الكاشف»: (٣/١٤) .\n(٢) «المنتقى»: (ص ٣٦٠ - ٣٦١) .\n(٣) «مختصر التحفة الاثني عشرية»: ص ٣.","vol":"1","page":128},{"text":"مفهومًا وتعريفًا غير المفهوم والتعريف المتأخر للشيعة، ولهذا قال الإمام الذهبي (١) (ت ٧٤٨هـ)، في معرض الحديث عمن رمى ببدعة التشيع من المحدثين قال: (إن البدعة على ضربين فـ\"بدعة صغرى\" كغلو التشيع أو كالتشيع من غير غلو، فهذا كثير في التابعين وأتباعهم مع الدين والورع والصدق، فلو رد حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية وهذه مفسدة بينة، ثم \"بدعة كبرى\" كالرفض الكامل والغلو فيه والحط على أبي بكر وعمر - ﵄ - والدعاء إلى ذلك، فهذا النوع لا يحتج بهم ولا كرامة، وأيضًا فما استحضر الآن في هذا الضرب رجلًا صادقًا ولا مأمونًا، بل الكذب شعارهم والتقِيَّة والنفاق دثارهم، فكيف يقبل نقل من هذا حاله؟ حاشا وكلاّ.\nفالشيعي الغالي في زمان السلف وعرفهم هو من تكلم في عثمان والزبير وطلحة ومعاوية وطائفة ممن حارب عليًّا - ﵁ - وتعرض لسبهم.\nوالغالي في زماننا وعرفنا هو الذي يكفّر هؤلاء السادة ويتبرأ من الشيخين، فهذا ضال مفتر) (٢) .\n_________\n(١) محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز بن عبد الله التركماني الأصل الفارقي ثم الدمشقي (أبو عبد الله شمس الدين الذهبي)، الحافظ الكبير المؤرخ صاحب التصانيف السائرة في الأقطار، قال ابن حجر: (مهر في فن الحديث وجمع فيه المجاميع المفيدة، وجمع تاريخ الإسلام فأربى فيه على ما تقدم) ومن كتبه: «تاريخ الإسلام»، «ميزان الاعتدال» وغيرهما، توفي سنة ٧٤٨هـ في دمشق وكان مولده في سنة ٦٧٣هـ. انظر ابن شاكر الكتبي: «فوات الوفيات»: (٣/٣١٥ - ٣١٧)، ابن حجر: «الدرر الكامنة»: (٣/٤٢٦ - ٤٢٧)، الشوكاني: «البدر الطالع»: (٢/١١٠ - ١١٢) .\n(٢) «ميزان الاعتدال»: (١/٥ - ٦)، وانظر: «لسان الميزان» لابن حجر: (١/٩ - ١٠) .","vol":"1","page":129},{"text":"أما الشيعة التي أعنيها بالحديث، والطور من التشيع الذي أقصده فهو التشيع الذي يستقي عقيدته ودينه من الأصول الحديثية الأربعة عندهم وهي: (الكافي، والتهذيب، والاستبصار، ومن لا يحضره الفقيه) تلك التي يعتبرونها كالكتب الستة عند أهل السنّة، وما أُلحق بها في الاعتبار من المصادر الأربعة المتأخرة عندهم، وهي: (الوافي، والبحار، والوسائل، ومستدرك الوسائل) وما رأى علماء التشيع أنه بدرجة هذه الكتب من مؤلفاتهم (١) . هذا هو التشيع الذي نعنيه، وهو الذي ندرس مسألة التقريب على ضوئه.\nنشأة الشيعة:\nوردت عدة أقوال في «بداية التشيع» ووقت ظهور الشيعة، منها ما يحمل \"طابع\" الدعاية للشيعة وإثبات أصالتها ومحاولة الرد على الأقوال التي تنسب بدايات التشيع إلى مصادر أجنبية، ومنها ما يهدف للوصول إلى الحقيقة.. وما دمنا قد التزمنا أن نعرف الشيعة من مصادرها ثم نفسح المجال بعد ذلك \"للرأي الآخر\"، فبناء على ذلك نبدأ بذكر الرأي الشيعي، مع ملاحظة أن محور البحث هنا هو الإشارة إلى الآراء في أصل التشيع، ولا يعنينا بحث التطور العقدي للشيعة والفِرق الشيعية، فهذا موضوع يطول استعراضه ودراسته ولا مجال له هنا.\nأصل الشيعة:\nأولًا: يزعم بعض الروافض - في القديم والحديث - أن الرسول؟ هو الذي بذر بذرة التشيع وأن الشيعة ظهرت\n_________\n(١) سيأتي تفصيل لهذا في مبحث مصادرهم في التلقي.","vol":"1","page":130},{"text":"في عصره، وأن هناك بعض الصحابة الذين يتشيعون لعلي ويوالونه في زمنه - ﷺ -.. يقول القمي (ت ٣٠١): (فأول الفرق الشيعية وهي فرقة علي بن أبي طالب \"ع\" المسلمون شيعة علي \"ع\" في زمان النبي - ﷺ - وبعده، معروفون بانقطاعهم إليه والقول بإمامته، منهم المقداد بن الأسود وسلمان الفارسي، وأبو ذر، وعمار (١» وبمثل هذا يقول النوبختي (٢) (ت ٣١٠) . ويقول محمد حسين آل كاشف الغطاء من مجتهديهم المعاصرين (ت ١٣٧٣هـ): (إن أول من وضع بذرة التشيع في حقل الإسلام هو نفس صاحب الشريعة الإسلامية - يعني أن بذرة التشيع وضعت مع بذرة الإسلام جنبًا إلى جنب، وسواء بسواء، ولم يزل غارسها يتعاهدها بالسقي والرعي حتى نمت وازدهرت في حياته ثم أثمرت بعد وفاته) (٣) .\nويقول بهذا الرأي طائفة أخرى من الشيعة (٤) .\nويرى د. محمود صبحي: (أن إرجاع التشيع من الناحية التاريخية إلى عهد الرسول - ﷺ - ليس إلا محاولة من جانب متكلمي الشيعة لنقض دعوى خصومهم القائمة على رد معتقدات الشيعة إلى أصول أجنبية) (٥) .\nوالخطأ الأكبر في هذه المحاولة أو الحيلة هو - كما يقول د. علي\n_________\n(١) القمي: «المقالات والفرق»: ص ١٥.\n(٢) النوبختي: «فرق الشيعة»: ص ١٥، وانظر: الرازي (من الإسماعيلية): «الزينة»: ص ٢٠٥ (مخطوط) .\n(٣) «أصل الشيعة وأصولها»: ص ٤٣.\n(٤) انظر: محمد حسن الزين: «الشيعة في التاريخ»: ص ٢٩ - ٣٠.\n(٥) محمود صبحي: «نظرية الإمامة»: ص ٣٠.","vol":"1","page":131},{"text":"سامي النشار -: (أنه لم يكن بين يدي الرسول - ﷺ - شيعة وسنّة، وقد أعلن الله في القرآن: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) (١) . لا التشيع ولا التسنن) (٢) . والجميع شيعة للمصطفى - ﷺ -، ولم يكن للشيعة وجود زمن أبي بكر وعمر وعثمان، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (ففي خلافة أبي بكر وعمر وعثمان لم يكن أحد يسمى بالشيعة، ولا تضاف الشيعة إلى أحد) (٣) .\nويرى الشيخ موسى جار الله أن هذه \"المقالة\" من الشيعة مغالطة فاحشة خرجت عن حدود كل أدب وأنها افتراء على النبي محمد؟ وتحريف للآيات ولعب بالكلمات. ويتعجب من قول آل كاشف الغطاء (أن أول من وضع بذرة التشيع في حقل الإسلام هو نفس صاحب الشريعة) .. فيقول: (أي حبة بذر النبي حتى أنبتت سنابل اللعن والتكفير للصحابة وخيار الأمة وسنابل الاعتقاد بأن القرآن محرف بأيدي منافقي الصحابة، وأن وفاق الأمة ضلال، وأن الرشاد في خلافها حتى توارت العقيدة الحقة في لُجٍّ من ضلال الشيعة جَم) (٤) .\nثانيًا: القول الثاني: أن التشيع ظهر بعد وفاة الرسول - ﷺ - حيث وجد من يرى أحقية علي بالإمامة، ويتشيع له، وهم بعض الصحابة - رضوان الله على الجميع - كسلمان وأبي ذر، والمقداد، وهذا الرأي قال به بعض الشيعة (٥) بتفسير خاص له وقال به بعض\n_________\n(١) آل عمران: آية ١٩.\n(٢) «نشأة الفكر الفلسفي»: (٢/٣٠) .\n(٣) «منهاج السنة»: (٢/٦٤) تحقيق: د. رشاد سالم.\n(٤) «الوشيعة» ص: ٥ (بتصرف) .\n(٥) محسن الأمين العاملي: «أعيان الشيعة»: (١/٣٤) .","vol":"1","page":132},{"text":"أهل السنّة (١) وغيرهم (٢) بتفسير مغاير لغرض الشيعة. فالشيعة يعنون بنشأة التشيع بداية عقائدهم في الإمامة وغيرها وهو تعسف ظاهر، وكيف ينسب لأولئك الصحب رضوان عليهم عقيدة من عقائد الشيعة في الإمامة أو الرجعة أو البداء وغيرها من العقائد.. التي بناها الشيعة فيما بعد، ثم هم لا يملكون لهذا الادعاء سندًا ... أما غير الشيعة فيربط هذا القول بوجود رأي يقول بأحقية قرابة الرسول - ﷺ - بالخلافة بعده.\nولا شك أنه إذا وُجد من يرى أحقية علي بالإمامة أو أن الإمامة ينبغي أن تكون في القرابة، فقد وجد رأي يقول باستخلاف سعد بن عبادة من الأنصار، وبأن الإمامة ينبغي أن تكون في الأنصار، وهذا الاختلاف لا دلالة فيه على ميلاد حزب معين، وتعدد الآراء أمر طبعي، وهو من مقتضيات نظام الشورى في الإسلام، فهم في مجلس واحد تعددت آراؤهم وما انفصلوا حتى اتفقوا، ومثل هذا لا يعد نزاعًا (٣) . وقد اندرجوا تحت الطاعة على بكرة أبيهم لأبي بكر (، وكان علي - ﵁ - سامعًا لأمره ناهضًا إلى غزوة بني حنيفة.. وبايع أبا بكر على ملأ من الأشهاد (٤) .\nوالقول بوجود رأي من سلمان وأبي ذر والمقداد بأحقية علي في الخلافة لم أجد له ذكرًا في المصادر الأصيلة، (وقد تواتر عن علي - رضي\n_________\n(١) ابن خلدون: «العبر»: (٣/٣٦٤)، وممن يرى هذا أحمد أمين: «ضحى الإسلام»: (٣/٢٠٩)، وقال علي الخربوطلي: (ونحن نرى أن التشيع بدأ بعد أن آلت الخلافة إلى أبي بكر دون علي بن أبي طالب) «الإسلام والخلافة»: ص ٦٢.\n(٢) انظر: «دائرة المعارف الإسلامية»: (١٤/٥٨) .\n(٣) ابن تيمية: «منهاج السنة»: (١/٣٦) الطبعة الأميرية.\n(٤) الجويني: «الإرشاد»: ص ٤٢٨.","vol":"1","page":133},{"text":"الله عنه - من وجوه كثيرة أنه قال على منبر الكوفة: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر) (١)، فكيف يرى غيره من الصحابة فيه ما لم يره في نفسه؟.\nوالشيعة ليس لها ذكر أو وجود في عهد أبي بكر أو عمر أو عثمان، فكيف يقال بنشأتها بعد وفاة الرسول - ﷺ -؟.\nوقد أقر بعض الشيعة بهذه الحقيقة التاريخية الثابتة، إذ يذكر محمد حسين العاملي: (أن لفظ الشيعة قد أهمل بعد أن تمت الخلافة لأبي بكر وصار المسلمون فرقة واحدة إلى أواخر أيام الخليفة الثالث) (٢) ونحن نقول إنه لم يوجد أصلًا ولم يوجد لمسماه ذكر.\nثالثًا: أن التشيع لعلي بدأ بمقتل عثمان. يقول ابن حزم: (ثم ولي عثمان وبقي اثنا عشر عامًا، وبموته حصل الاختلاف وابتدأ أمر الروافض) (٣) (٤)، والذي تولى غرس بذرة الرفض والتشيع هو عبد الله بن سبأ (٥) اليهودي الذي بدأ حركته في أواخر عهد عثمان.\n_________\n(١) ابن تيمية: «منهاج السنة»: (١/٤) .\n(٢) محمد الزين العاملي: «الشيعة في التاريخ»: ص ٣٩ - ٤٠.\n(٣) يعني معتقد الروافض، وإلا فإن ظهور لقب الرافضة ظهر فيما بعد كما سيأتي.\n(٤) ابن حزم: «الفصل»: (٢/٨)، وانظر: عثمان بن عبد الله الحنفي: «الفرق المفترقة»: ص ٦.\n(٥) عبد الله بن سبأ الذي تنسب إليه الطائفة السبئية، أصله من أهل اليمن كان يهوديًا من أمة سوداء، قال ابن حجر: (عبد الله بن سبأ من غلاة الزنادقة ضال مضل، أحسب أن عليًّا حرقه بالنار..) .\nوقد تواترت أخبار ضلاله وزندقته من طرق السنّة والشيعة، انظر:\nابن عساكر: «تهذيب تاريخ دمشق»: (٧/٤٣١ - ٤٣٢) .\nابن الأثير: «اللباب»: (١/٥٢٧) .\nالسمعاني: «الأنساب»: (٧/٤٦) . =","vol":"1","page":134},{"text":"وأكدت طائفة كبيرة من الباحثين القدماء والمعاصرين أن ابن سبأ أساس المذهب الشيعي والحجر الأول في بنائه (١) . وقد تواتر ذكره في كتب السنّة والشيعة على حد سواء ونبتت نابتة من شيعة العصر الحاضر تحاول أن تنكر وجوده بجرة قلم دون مسوغ واقعي أو دليل قاطع (٢)، فضلًا عن أن بعضهم قد ادعى أن عبد الله بن سبأ هو عمار بن ياسر (٣)، وهذه الدعوى هي محاولة لتبرئة اليهود من فتنة المسلمين، كما أنها محاولة لإضفاء صفة الشرعية على \"الرفض\"، وقد اتفق القدماء من أهل السنّة والشيعة على السواء على اعتباره حقيقة واقعية وشخصية تاريخية، فكيف ينفي ما أجمع عليه الفريقان؟، أما القول بأن ابن سبأ هو عمار بن ياسر فهو قول يرده التاريخ والسنة الثابتة، وكيف تلصق تلك العقائد التي قال بها ابن سبأ بعمار بن ياسر، وهل\n_________\n= وانظر: ما أشرنا إليه من مصادر في أثناء الحديث عن عقائد ابن سبأ من كتب الشيعة.\n(١) انظر مثلًا: ابن تيمية الذي يعتبر ابن سبأ أول من أحدث القول بالعصمة لعلي وبالنص عليه في الخلافة، وأنه أراد إفساد دين الإسلام كما أفسد بولس دين النصارى. «الفتاوى»: (٤/٥١٨)، وكذا ابن المرتضي في «طبقات المعتزلة»: ص ٦، ومن المعاصرين مثلًا أبو زهرة الذي يذكر أن عبد الله بن سبأ هو الطاغوت الأكبر الذي كان على رأس الطوائف الناقمين على الإسلام الذين يكيدون لأهله، وأنه قال برجعة علي وأنه وصي محمد ودعا إلى ذلك. وذكر أبو زهرة أن فتنة ابن سبأ وزمرته كانت من أعظم الفتن التي نبت في ظلها المذهب الشيعي. انظر: «تاريخ المذاهب الإسلامية»: (١/٣١ - ٣٣)، وسعيد الأفغاني الذي يرى أن ابن سبأ أحد أبطال جمعية سرية (تلمودية) غايتها تقويض الدولة الإسلامية، وأنها تعمل لحساب دولة الروم. «عائشة والسياسة»: ص ٦٠، وانظر: القصيمي في «الصراع»: (١/٤١) .\n(٢) مرتضى العسكري في كتابه «عبد الله بن سبأ»: ص ١٧.\n(٣) وهو علي الوردي في كتابه «وعاظ السلاطين»: ص ٢٧٤، وقلده في هذا الشيعي الآخر مصطفى الشيبي في كتابه «الصلة بين التصوف والتشيع»: (ص ٤٠ - ٤١) .","vol":"1","page":135},{"text":"هذا إلا جزء من التجني على الصحابة والطعن فيهم؟ ولا مجال لدراسة هذه المسألة هنا. وقد كتب فيها بعض الباحثين المعاصرين ورد هذه الادعاءات بالأدلة من الفريقين (١) .\nوسنكتفي هنا بالرجوع إلى مصادر الشيعة الأصيلة لنرى ما تقول كتب الشيعة نفسها عن ابن سبأ (وذلك لالتزامنا أن لا نكتب عنهم إلا من كتبهم) . فالشيعي سعد بن عبد الله القمي (٢) (ت ٢٢٩ أو ٣٠١) في كتابه (المقالات والفرق) يقر بوجوده ويعتبره أول من قال بفرض إمامة علي ورجعته وأظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة (٣) . وسعد القمي هذا هو - عندهم - ثقة واسع المعرفة بالأخبار، ومعلوماته - عندهم - مهمة موثوقة نظرًا لقدم فترتها الزمنية، ولأن سعدًا كما روى شيخ الشيعة الصدوق - كما يلقبونه - قد لقي إمامهم المعصوم الحسن العسكري وسمع منه (٤)، ويتفق\n_________\n(١) ناقش د. عمار الطالبي إنكار وجود ابن سبأ أو اعتباره عمار بن ياسر، وأثبت بالحقائق زيف ذلك وبطلانه. انظر: «آراء الخوارج»: (ص ٧٥ - ٨١)، وللدكتور عزت عطية مناقشة لهذه المسألة في كتابه «البدعة»: ص ٦٤ وما بعدها. وللدكتور سعدي الهاشمي محاضرة قيمة في هذا الموضوع أثبت فيها وجود ابن سبأ بالأدلة من الفريقين. انظر: «محاضرات الجامعة الإسلامية» عام ٩٨/٩٩ هـ «ابن سبأ حقيقة لا خيال»: (ص ٢٠١ - ٢٢٣) . ويعد الزميل سليمان العودة رسالة عن ابن سبأ، وقد توفرت لديه أدلة قاطعة ويقينية على وجود ابن سبأ وسعيه في الفتنة.\n(٢) سعد بن عبد الله الأشعري القمي (أبو القاسم) من شيوخ الروافض، من تصانيفه: «الفرق والمقالات»، «والضياء في الإمامة» . توفي سنة ٣٠١ هـ انظر: الممقاني: «تنقيح المقال»: (٢/١٦ - ٢٠)، ابن شهراشواب: «معالم العلماء»: ص ٥٤.\n(٣) انظر: «المقالات والفرق»: ص ١٠ - ٢١.\n(٤) الصدوق (محمد بن بابويه القمي) «إكمال الدين وتمام النعمة»: (ص ٤٢٥ - ٤٣٥) .","vol":"1","page":136},{"text":"النوبختي (١) (ت ٣١٠) في الحديث عن ابن سبأ مع القمي حتى في الألفاظ نفسها (٢)، والنوبختي هو أيضًا من ثقاتهم، قال الطوسي: (كان إماميًا حسن الاعتقاد) (٣) .. وعالمهم الكشي (٤) يقول في كتابه المعروف بـ «رجال الكشي» - وهو أقدم كتب الشيعة المعتمدة في علم الرجال -: (إن عبد الله بن سبأ كان يهوديًا فأسلم ووالى عليًّا (، وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون وصى موسى بالغلو - كذا - فقال في إسلامه بعد وفاة رسول الله - ﷺ - في علي مثل ذلك، وكان أول من أشهر القول بفرض إمامة علي، وأظهر البراءة من أعدائه وكاشف مخالفيه وكفرهم، من هنا قال من خالف الشيعة: إن أصل التشيع والرفض مأخوذ من اليهودية) (٥) . هذا ما جاء عن ابن سبأ في «رجال الكشي» الذي يعتبرونه أحد الأصول الأربعة التي عليها المعول في تراجم الرجال، وقام الطوسي المسمى عندهم بشيخ الطائفة بتهذيب الكتاب فزادت ثقتهم بالكتاب، حيث اجتمع في تأليف الكشي الذي هو عندهم (ثقة عين بصير بالأخبار والرجال، كثير\n_________\n(١) الحسن بن موسى النوبختي الشيعي (أبو محمد)، من تصانيفه: «فرق الشيعة»، «الجامع في الإمامة» . توفي سنة ٣١٠هـ. انظر: «أعيان الشيعة»: (٢٣/٢٣٣ - ٢٣٩)، «معالم العلماء»: (ص ٣٢ - ٣٣) .\n(٢) النوبختي: «فرق الشيعة»: (ص ١٩ - ٢٠) .\n(٣) الطوسي: «الفهرست»: ص ٧١.\n(٤) الكشي: محمد بن عمر بن عبد العزيز يكنى (أبا عمرو)، والكشي صاحب كتاب «الرجال» من غلمان العياشي، لا تعرف سنة ولادته ولا وفاته ويقول الروافض أنه من القرن الرابع الهجري: انظر: «لؤلؤة البحرين»: (ص ٤٠١ - ٤٠٤) .\n(٥) الكشي: (ص ١٠٨ - ١٠٩) وقد أورد الكشي عدة روايات لهم عن ابن سبأ وعقائده، انظر: رقم ١٧٠، ١٧١، ١٧٢، ١٧٣، ١٧٤، من ص ١٠٦ - ١٠٨.","vol":"1","page":137},{"text":"العلم حسن الاعتقاد ومستقيم المذهب) (١) مع الطوسي شيخ طائفتهم، وصاحب كتابين من صحاحهم الأربعة. وما نقلناه عن رجال الكشي هو من تهذيب الطوسي، لأنهم قالوا (بأن الأصل لا يعرف له أثر) (٢) .\nونقل الممقاني - الذي يعتبرونه من أكبر علمائهم المعاصرين في الرجال - ما قاله الكشي عن ابن سبأ (٣) . ولعل أقدم مصدر عند الشيعة تحدث عن ابن سبأ والسبئية هو كتاب (مسائل الإمامة) (٤) لعبد الله الناشئ الأكبر (٥) (ت ٢٩٣) . وكتب الشيعة التي ذكرت ابن سبأ كثيرة لا مجال لاستعراضها، وما نقلناه يشهد بوجود ابن سبأ وسعيه لبذر العقائد الدخيلة في معتقد الأمة - باعتراف كتب الشيعة نفسها - وأنه أول من قال بالوصية لعلي ورجعته وطعن في الخلفاء الثلاثة والصحابة، وهي آراء وعقائد أصبحت فيما بعد من أسس المذهب الشيعي.\nرابعًا: ومنهم من يجعل تاريخ ظهور الشيعة يوم الجمل. قال ابن النديم أن عليًّا قصد طلحة والزبير ليقاتلهما حتى يفيئا إلى أمر الله جل\n_________\n(١) الطوسي: «الفهرست»: (ص ١٦٧ - ١٦٨)، وانظر: «مقدمة رجال الكشي» لحسن مصطفى: ص ١٢.\n(٢) «مقدمة رجال الكشي»: (ص ١٧ - ١٨) وانظر: يوسف البحراني: «لؤلؤة البحرين»: ص ٤٠٣.\n(٣) الممقاني: «تنقيح المقال»: (٢/٨٤) .\n(٤) انظر: «مسائل الإمامة»: (ص ٢٢ - ٢٣) .\n(٥) عبد الله بن محمد أبو العباس المعروف بابن شرشير الناشئ الأكبر. قال ابن خلكان: كان من الشعراء المجيدين وكان نحويًّا عروضيًا متكلمًا، أصله من الأنبار وأقام ببغداد مدة طويلة، وله عدة تصانيف جميلة، وتوفي بمصر سنة ٢٩٣هـ «وفيات الأعيان»: (٣/٩١ - ٩٢)، «أنباء الرواة»: (٢/١٢٨ - ١٢٩) .","vol":"1","page":138},{"text":"اسمه، وتسمى من اتبعه على ذلك بالشيعة، وكان يقول: شيعتي، وسماهم ﵇: الأصفياء، الأولياء، شرطة الخميس، الأصحاب) (١) .\nهذا هو رأي - ابن النديم - وهو شيعي. ويرى د. مصطفى الشيبي - شيعي معاصر - أنه رأي غريب (٢)، ولكن لا يستغرب مثل هذا الرأي من شيعي متحمس لمذهبه، وقال د. النشار: (أرى في كلام ابن النديم وهو شيعي بعض الغلو) (٣) .\nخامسًا: إن تاريخ ظهور الشيعة بعد رجوع علي من صفين. ومن أشهر القائلين بالرأي المذكور الأستاذ وات منتوجمري (٤) (Montgomery Watt) حيث يقول: (إن بداية حركة الشيعة هي أحد أيام سنة ٦٥٨م -٣٧هـ) (٥) .\nويقول صاحب «مختصر التحفة الإثني عشرية»: (إن ظهور اسم الشيعة كان عام ٣٧هـ) (٦) .\nسادسًا: إن مقتل الحسين كان هو زمن ميلاد الشيعة، يقول شتروتمان (٧) (Strotnmann، R.): (إن دم الحسين يعتبر البذرة الأولى\n_________\n(١) ابن النديم: «الفهرست»: ص ٢٤٩.\n(٢) مصطفى الشيبي: «الصلة بين التصوف والتشيع»: ص ١٨.\n(٣) علي سامي النشار: «نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام»: (٢/٢٣) .\n(٤) عميد قسم الدراسات العربية في جامعة ادنبرا. آثاره: «عوامل انتشار الإسلام»، و«محمد في مكة»، «الإسلام والجماعة الموحدة»، انظر: نجيب العقيقي: «المستشرقون»: (٢/٥٥٤) .\n(٥) Montgomery Watt، Islam and the Integration of Society، P. ١٠٤.\n(٦) «مختصر التحفة»: ص ٥.\n(٧) رودلف شتروتمان. من كبار العلماء المتخصصين في الفرق ومذاهبها وله عنها مباحث رصينة. من آثاره: «الزيدية»، وأربعة كتب إسماعيلية، الشيعة والزيدية. =","vol":"1","page":139},{"text":"للتشيع كعقيدة) (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>الرأي المختار:</span>\nهذه معظم الآراء في نشأة الشيعة ... والذي أراه أن الشيعة باعتبارها فكرة وعقيدة لم تولد فجأة، بل إنها أخذت أطوارًا زمنية.. ولكن طلائع العقيدة الشيعية، وجذورها الأولى ظهرت على يد السبئية باعتراف كتب الشيعة التي قالت بأن ابن سبأ أول من أشهر القول بفرض إمامة علي - كما مر نقله - وهذه عقيدة «النص على علي بالإمامة» وهي أساس التشيع، وقالت: إن عبد الله بن سبأ أول من أظهر الطعن في أبي بكر وعمر وعثمان أصهار رسول الله؟ وأرحامه والصحابة - كما قال النوبختي وغيره - وهذه هي عقيدة الشيعة في الصحابة، وذكرت أنه لما بلغه نعي علي بالمدائن قال للذي نعاه: (كذبت، لو جئتنا بدماغه في سبعين صرة، وأقمت على قتله سبعين عدلًا لعلمنا أنه لم يمت ولم يقتل، ولا يموت حتى يملك الأرض، وهذه عقيدة الرجعة) .\nوأما عقيدة الشيعة في أن الرسول - ﷺ - استودع عليًّا شيئًا غير ما في أيدي الناس، فقد وجدت هذه المقالة أيضًا في عهد علي - ﵁ -، وسئل عن ذلك فنفى هذه الدعوى نفيًا قاطعًا كما جاء في صحيح البخاري عن أبي جحيفة «٢) .\nهذه بعض أصول الشيعة، وقد وجدت إثر مقتل عثمان وفي عهد علي ولم تأخذ مكانها في نفوس فرقة معينة، بل إن السبئية ما كادت\n_________\n= انظر نجيب العقيقي: «المستشرقون»: (٢/٧٨٨) .\n(١) «دائرة المعارف الإسلامية»: (١٤/٥٩) .\n(٢) تقدم ذكر الحديث ص ٩٢.","vol":"1","page":140},{"text":"تطل برأسها حتى حاربها علي - ﵁ -، ولكن ما تلا ذلك من أحداث هيأ جوًّا صالحًا لظهور هذه العقائد كمعركة صفين، وحادثة التحكيم التي أعقبتها، ومقتل علي ومقتل الحسين، كل هذه الأحداث هيأت جوًّا صالحًا لدخول الفكر الوافد من نافذة التشيع لعلي وآل بيته. ولم يكن استعمال \"الشيعة\" في عهد علي - ﵁ - إلا بمعنى الموالاة والنصرة، ولا يعني بحال الإيمان بعقيدة من عقائد الشيعة اليوم، ولم يختص إطلاقها بعلي - ﵁ -، ويدل على ذلك ما جاء في صحيفة التحكيم من إطلاق اسم الشيعة على كل من أتباع علي وأتباع معاوية ومما جاء فيها: (هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وشيعتهما ...) «ومنها»: (وإن عليًّا وشيعته رضوا بعبد الله بن قيس ورضي معاوية وشيعته بعمرو بن العاص ...) «ومنها» (فإذا توفي أحد الحكمين فلشيعته وأنصاره أن يختاروا مكانه ...) «ومنها»: (وإن مات أحد الأميرين قبل انقضاء الأجل المحدود في هذه القضية فلشيعته أن يختاروا مكانه رجلًا يرضون عدله) (١) . فاسم الشيعة لم يتحدد بفئة معينة إلى ذلك الوقت. وقد أورد شيخ الإسلام ابن تيمية حديثًا في صحيح مسلم وفيه قول «حكيم بن أفلح»: لأني نهيتها - يعني عائشة - أن تقول في هاتين الشيعتين شيئًا» (٢) . وأخذ من هذا دلالة تاريخية على عدم اختصاص علي باسم الشيعة في ذلك الوقت (٣) .\n_________\n(١) الدينوري: «الأخبار الطوال»: (ص ١٩٤ - ١٩٦)، «تاريخ الطبري»: (٥/٥٣ - ٥٤)، محمد حميد الله: «مجموعة الوثائق السياسية»: (ص ٢٨١ -٢٨٢) .\n(٢) هذا جزء من حديث طويل في «صحيح مسلم» في باب جامع الصلاة الليل ومن نام عنه أو مرض، (٢/١٦٨ -١٧٠) .\n(٣) انظر: «منهاج السنة»: (٢/٦٧) تحقيق د. رشاد سالم.","vol":"1","page":141},{"text":"ويستدل د. علي النشار ببعض النصوص التي تفيد عدم اختصاص علي باسم الشيعة في عهد خلافته ومنها قول معاوية لبسر بن أرطأة حين وجهه إلى اليمن: (أمعن حتى تأتي صنعاء فإن لنا بها شيعة) (١) .\nلكن بعد مقتل الحسين رأينا بدء التجمع الفعلي لمن يدعون التشيع للأخذ بثأر الحسين.. يقول المسعودي (٢): (وفي سنة خمس وستين تحركت الشيعة في الكوفة) (٣) وتكونت حركة \"التوابين\" ثم حركة المختار \"الكيسانية\"، وبدأت الشيعة تتكون وتضع أصول مذهبها، وتستدل له.. وبعدما كانت الآراء الشيعية تطارد وجدت بعد هذه الأحداث الجو الذي تنمو فيه تحت ستار التشيع لآل البيت، وملخص القول أن بعض الأصول العقدية للشيعة ظهر على يد ابن سبأ في عهد علي، ولكنها لم تأخذ صفة الجماعة أو اسم التشيع، وبعد توالي الأحداث التي ذكرنا، ولا سيما بعد مقتل الحسين بدأت الشيعة كفرقة، وانطلقت لتأسيس مذهبها على أصول معينة، وبالتالي وجد أن الآراء التي نادى بها ابن سبأ أخذت مكانًا لها في المناخ الفكري للشيعة.\n_________\n(١) النشار: «نشأة الفكر الفلسفي»: (٢/٣٣) .\n(٢) علي بن الحسين بن علي أبو الحسن المسعودي، المؤرخ، قال ابن شاكر الكتبي: (كان إخباريًا علامة، صاحب غرائب وملح ونوادر)، قال ابن حجر: (وكتبه طافحة بأنه كان شيعيًا معتزليًّا) . مات في مصر سنة ٤٣٦هـ، ومن مصنفاته: «مروج الذهب»، «التنبيه والإشراف» وغيرهما. انظر: ابن شاكر الكتبي: «فوات الوفيات»: (٣/١٢ -١٣)، ابن حجر: «لسان الميزان»: (٤/٢٢٤ -٢٢٥) . وانظر: عباس القمي: «الكنى والألقاب»: (٣/١٦٠) .\n(٣) المسعودي: «مروج الذهب»: (٣/١٠٠) .","vol":"1","page":142},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>فرق الشيعة</span>\nفي كتاب «المقالات والفرق» للشيعي سعد القمي (ت ٣٠١ أو ٣٩٩) وكتاب «فرق الشيعة» للشيعي الحسن النوبختي (٣١٠) - وهما من أهم كتب الشيعة الخاصة بالفرق وأقدمها - في هذين الكتابين عشرات وعشرات من الفرق الشيعية، وبعدهما أيضًا حدثت فرق، وولدت طوائف ومقالات تنتمي للتشيع، حتى أن الرافضي مير باقر الداماد (١) زعم أن جميع الفرق المذكورة في الحديث - حديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة - هي فرق الشيعة وأن الناجية منهم فرقة الإمامية. وأما أهل السنة والمعتزلة وغيرهم من سائر الفرق فجعلهم من أمة الدعوة: - أي ليسوا من أمة الإجابة، فهم في اعتقاده لم يدخلوا في الإسلام (٢) . والمسعودي قبله يذكر أن طوائف الشيعة بلغت ثلاثًا وسبعين فرقة (٣) .\n_________\n(١) محمد باقر بن محمد الأستر بادي، المعروف بالمير الداماد، من كبار شيوخ الشيعة. من مؤلفاته: «القبسات»، «الصراط المستقيم» . توفي سنة ١٠٤١هـ بأصبهان. عباس القمي: «الكنى والألقاب»: (٢/٢٠٦ -٢٠٧)، المحبي: «خلاصة الأثر»: (ص ٣٠١ -٣٠٢) .\n(٢) انظر: جمال الدين الأفغاني: «التعليقات على شرح الدّوّاني للعقائد العضدية» ضمن كتاب «الأعمال الكاملة» للأفغاني، دراسة وتحقيق محمد عمارة: (١/٢١٥)، وقد نسب رشيد رضا كتاب «التعليقات» لمحمد عبده «تفسير المنار»: (٨/٢٢١)، لكن الأستاذ محمد عمارة أثبت أنها لجمال الدين الأفغاني. انظر: محمد عمارة: «الأعمال الكاملة» للأفغاني: (١/١٥٥ -١٦٦)، «الأعمال الكاملة» لمحمد عبده: (١/٢٠٩) .\n(٣) «مروج الذهب»: (٣/٢٢١)، وانظر: «الملل والنحل»: (١/١٦٥) .","vol":"1","page":143},{"text":"وقد ورد في دائرة المعارف أنه (ظهر من فروع الفرق الشيعية ما يزيد كثيرًا عن الفرق الاثنتين والسبعين المشهورة (١»، وذكر بعض العلماء أن فرق الشيعة بلغت ثلاثمائة فرقة (٢) .\nولا شك أن (هذا الاختلاف العظيم يدل على عدم النص) (٣) على إمام. وتحدثت كتب الفرق والمقالات (غير الشيعية) عن الشيعة وأصول فرقها وفروعها.\nفالشهرستاني يجعل أصول فرق الشيعة خمسًا (٤)، كيسانية، وزيدية، وإمامية، وغلاة، وإسماعيلية (٥)، أما الأشعري فيرجع فرقهم إلى ثلاثة أصول:\n(١) الغلاة ويقسمها إلى خمس عشرة فرقة.\n_________\n(١) «دائرة المعارف»: (١٤/٦٧) .\n(٢) وهو المقريزي في «الخطط»: (٢/٣٥١) .\n(٣) ابن خلدون: «لباب المحصل»: ص ١٣٠.\n(٤) الشهرستاني: «الملل والنحل»: (١/١٤٧) .\n(٥) يلاحظ أن الشهرستاني جعل \"الغلاة\" أصلًا من الأصول الشيعية وجعل الإسماعيلية أصلًا آخر، مع أن الإسماعيلية داخلة في دائرة الغلاة، بل فضلًا عن أن الشهرستاني ذكر في مبحث الغلاة أنهم يلقبون بالمحمرة، وهذا لقب من ألقاب الإسماعيلية كما ذكره الغزالي في فضائح الباطنية. ومن ناحية أخرى فإننا نجده يذكر أيضًا بعض الفرق الغالية تحت الأصول الأخرى، فمثلًا يذكر \"البيانية\" أتباع بيان بن سمعان - وهو كما ذكره الشهرستاني نفسه من الغلاة القائلين بإلهية أمير المؤمنين علي - ﵁ - يذكر فرقته المسماة بالبيانية تحت اسم الكيسانية.. وغرضنا هنا أن ننبه إلى أن هذا التقسيم لا يعني أن الشهرستاني يحكم على تلك الأصول الأربعة غير الغلاة بعدم الغلو، بل فيهم الغالي وغير الغالي. وبعض العلماء يسير في تقسيمه لهم على اصطلاح أشار إليه ابن تيمية وهو أن الإسماعيلية علم على الملاحدة، والغالية علم على القائلين بإلهية البشر. «منهاج السنة»: (٢/٤١٠) .","vol":"1","page":144},{"text":"(٢) الرافضة (١): ويقسمها إلى أربع وعشرين فرقة.\n(٣) الزيدية: ويقسمها إلى ست فرق (٢) .\nأما أبو الحسين الملطي (٣) فلا يفرق بين الغلاة والرافضة - الذين يلقبون بالإمامية في الغالب أو الإثني عشرية - والزيدية، ويطلق على الجميع \"الرافضة\"، وكذا أبو المظفر الإسفراييني في «التبصير في الدين»، والبغدادي في «الفرق بين الفرق» وعثمان بن عبد الله بن الحسن الحنفي (من القرن السابع) في كتابه «الفرق المفترقة بين أهل الزيغ والزندقة» وغيرهم (٤) .\nوالذي يلاحظ على إطلاق اسم \"الرافضة\" على كل فرق الشيعة هو أنه ينبغي استثناء الزيدية، أو بعبارة أدق الزيدية ما عدا فرقة الجارودية منها، وذلك أن الجارودية سلكت مسلك \"الروافض\"، ولهذا رأينا شيخ الرافضة (المفيد) يدخل في سمة التشيع فرقة الجارودية من\n_________\n(١) وهو يعني بالرافضة الإمامية، فهو يستخدم اللفظين بمعنى واحد، ولهذا ذكر من فرق الرافضة بعض فرق الإمامية، كالواقفة والقطعية، فإنهما من فرق الإمامية، إلا أنه مع ذلك ذكر فرقة البيانية من فرق الرافضة وهي من الغلاة حسب تقسيمهم.\n(٢) «مقالات الإسلاميين»: (جـ١/ص٦٥، ٦٦، ٨٧، ٨٨، ١٣٦) .\n(٣) محمد بن أحمد بن عبد الرحمن أبو الحسين الملطي العسقلاني، فقيه مقرئ متقن ثقة كثير العلم كثير التصنيف من فقهاء الشافعية، من أهل ملطية، نزل بعسقلان وتوفي بها سنة ٣٧٧هـ من مصنفاته: «التنبيه»، و«الرد على أهل الأهواء والبدع» . ابن الجزري: «غاية النهاية في طبقات القراء»: (٢/٦٧)، «الأعلام»: (٦/٢٠٢) .\n(٤) وقد درج على هذا بعض الكتاب المعاصرين فقال: (إن معظم الباحثين يقسم الشيعة إلى إمامية وباطنية.. والحق أنه لا وجه لهذه التفرقة، فكلهم إمامية حيث يجمعهم القول بالإمام وكلهم باطنية حيث لا تسلم طائفة منهم من الإيمان بالباطن، وكلهم روافض لأنهم رافضون لما كان عليه النبي - ﷺ - وأصحابه وما عليه أهل السنة والجماعة) «مجلة التوحيد» عبد الرحمن عبد السلام يعقوب، العدد ٦ السنة السابعة ١٣٩٩هـ.","vol":"1","page":145},{"text":"الزيدية ويخرج ما عداها من فرق الزيدية من التشيع لأن الجارودية تشاركه في أساس مذهبه، لهذا ينبغي استثناء الزيدية - ما عدا الجارودية - من التسمية بالرافضة (١) .\nولن نتطرق لذكر \"فروع\" الفرق الشيعية لأن منها ما قد انتهى من الوجود، ومنها ما هو داخل في فرقة من الفرق الموجودة اليوم، والذي يعنينا أن نتعرف على الفرق الشيعية المعاصرة، يقول شيخ الشيعة محسن الأمين (٢): (والموجود اليوم من فرق الشيعة هم: الإمامية الاثنا عشرية وهم الأكثر عددًا، والزيدية، والإسماعيلية) (٣) . ويقول د. علي سامي النشار: (وتشمل الشيعة في عصرنا الحاضر فرقًا ثلاثًا هي: الاثنا عشرية، والإسماعيلية والزيدية) (٤) .\nوسنتحدث حديثًا موجزًا عن كل من الإسماعيلية والزيدية، ثم يكون حديثنا عن الشيعة الإمامية الإثني عشرية على سبيل التفصيل، لأنها هي التي نشطت في سبيل الدعوة للتقريب، ولأنها في مصادرها الأساسية قد استوعبت آراء معظم فرق الشيعة وعقائدها - كما سيأتي شرح ذلك.\n_________\n(١) وسيأتي دراسة سريعة وموجزة للزيدية، كما سنبين عند مبحث الإمامية.. معنى الرافضة ولم سموا بهذا الاسم.\n(٢) محسن عبد الكريم بن علي بن محمد الأمين الحسيني العاملي من مجتهدي الشيعة المعاصرين، ولد بشقراء من قرى جبل عامل بلبنان ودرس في النجف، وسكن دمشق. من تأليفه: «أعيان الشيعة»، و«كشف الارتياب في أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب» . وفي كتابه الأخير أظهر ما تكنه الرافضة من حقد على أهل السنّة، وقد توفي في بيروت سنة ١٣٧١هـ «معجم المؤلفين»: (٨/١٨٣- ١٨٤) .\n(٣) «أعيان الشيعة»: (١/٢٢) . وانظر: محمد المهدي شمس الدين (رافضي): «نظام الحكم والإدارة في الإسلام»: ص ٦١.\n(٤) «نشأة الفكر الفلسفي»: (٢/١٢) .","vol":"1","page":146},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>الإسماعيلية</span>\nوهم الذين قالوا: (الإمام بعد جعفر: إسماعيل بن جعفر، وادعوا أن جعفرًا أشار إليه في حياته ودل الشيعة عليه، ثم قالوا بإمامة محمد بن إسماعيل بن جعفر من بعده، وأنكروا إمامة سائر ولد جعفر) (١) .\nذلك أنه بعد وفاة جعفر بن محمد افترقت الشيعة - كعادتها في الافتراق بعد وفاة كل إمام - افترقت إلى عدة فرق عدها النوبختي (٢) ستًا، فمن قائل إن جعفرًا حي لم يمت حتى يظهر ويلي أمر الناس وهو المهدي (٣) . ومن قائل إن الإمام بعد جعفر ولده موسى (٤) إلى آخر هذه المقالات والفرق، لكن فرقة الإسماعيلية هي التي قالت بإمامة إسماعيل بن جعفر الصادق وابنه محمد.\nويذكر البغدادي أن الإسماعيلية افترقت فرقتين بعد وفاة إسماعيل:\n(١) فرقة منتظرة لإسماعيل بن جعفر، مع اتفاق أصحاب التواريخ على موت إسماعيل في حياة أبيه.\n_________\n(١) الرازي: «الزينة»: ص ٢٨٧ ضمن كتاب الغلو والفرق الغالية، والرازي هذا هو أبو حاتم أحمد بن حمدان الرازي وهو من أكبر الدعاة إلى الإسماعيلية، توفي سنة ٣٢٢هـ. انظر: «أعلام الإسماعيلية»: ص ٩٧ وراجع ابن حجر: «لسان الميزان»: (١/١٦٤) .\n(٢) النوبختي: فرق الشيعة ص ١٤٨.\n(٣) ويسمون بـ (الناووسية) نسبة لرئيس لهم يقال له الناووس. انظر المصدر السابق: ص ١٤٨.\n(٤) فخر الدين الرازي: «اعتقادات فرق المسلمين»: ص ٨١.","vol":"1","page":147},{"text":"(٢) فرقة قالت: كان الإمام بعد جعفر سبطه محمد بن إسماعيل بن جعفر، حيث إن جعفرًا نصب ابنه إسماعيل للإمامة بعده فلما مات إسماعيل (ت ١٤٣هـ) في حياة أبيه علمنا أنه إنما نصب ابنه إسماعيل للدلالة على إمامة ابنه محمد بن إسماعيل، وإلى هذا القول مالت الإسماعيلية من الباطنية (١) .\nثم ابتدئ من محمد بن إسماعيل بالأئمة المستورين الذين كانوا يسيرون في البلاد سرًا ويظهرون الدعاة جهرًا (٢)، وأئمة الستر الذين خلفوا محمد بن إسماعيل وترتيبهم أمر مختلف فيه بينهم (٣)، وأول أئمة الظهور عندهم عبيد الله المهدي مؤسس الدولة الفاطمية (٤) (٥) .\n_________\n(١) «الفرق بين الفرق»: ص ٦٢، ٦٣.\n(٢) الشهرستاني: «الملل والنحل»: (١/١٩٢)، وانظر: أمين محمد طليع (درزي) «أصل الموحدين الدروز»: ص ١٨٠.\n(٣) فالرواية الفاطمية تذكر كما يأتي: عبد الله وأحمد وحسين، والرواية الفارسية النزارية تذكر: أحمد ومحمد وأحمد، والرواية الهندية النزارية: تذكر أحمد ومحمد وعبد الله، والرواية الدرزية تذكر: إسماعيل الثاني، محمد، أحمد، عبد الله، محمد، حسن، وأحمد (أي سبعة بدلًا من ثلاثة) «دائرة المعارف»: (٣/٣٨٤) .\n(٤) حقق كثير من الأئمة كابن كثير وغيره أن الفاطميين أدعياء للنسب الفاطمي، وقد نقل د. لويس في كتابه «أصول الإسماعيلية» عن كتاب إسماعيلي سري اسمه «غاية المواليد» اعترافًا لهم بأن عبيد الله (مؤسس الدولة الفاطمية) لم يكن علويًا. «أصول الإسماعيلية»: ص ٧٤، ثم بين د. برنارد لويس حقيقة استعمالهم لكلمة أب وابن وأنهم يستعملونها في غير معناها الحقيقي بل بمعنى (الأبوة الروحانية) «أصول الإسماعيلية»: ص ١١٧.\n(٥) محمد كامل حسين: «في أدب مصر الفاطمية»: ص ٢٢.","vol":"1","page":148},{"text":"ومن الإسماعيلية انبثق، القرامطة، والحشاشون، والفاطميون، والدروز وغيرهم، وللإسماعيلية فرق متعددة، ووجوه مختلفة، وألقاب كثيرة.. يقول الشهرستاني: (وأشهر ألقابهم الباطنية، وإنما لزمهم هذا اللقب لحكمهم بأن لكل ظاهر باطنًا) (١)، ومسألة التأويل الباطني جعلوها رسالة جديدة حملها الأئمة بعد قيام الرسول - ﷺ - بتبليغ الظاهر. فقد جاء في أحد الرسائل \"الإسماعيلية\" أنه (لما كان الدين ظاهرًا وباطنًا قام النبي - ﷺ - بتبليغ الظاهر وصرف إلى وصيه نصف الدين وهو الباطن) (٢) .\nوعلم التأويل هو معجزة الأئمة كما أن التنزيل - أي القرآن - معجزة الرسول - ﷺ - (٣)، وهم يحاولون بهذه الوسيلة هدم كل النصوص التي قام عليها كيان الإسلام.\nولهم ألقاب كثيرة ذكر منها الشهرستاني ستة هي: الباطنية، والإسماعيلية، والقرامطة، والتعليمية، والملحدة، والمزدكية، وذكر منها الغزالي عشرة ألقاب هي: الباطنية، والقرامطة، والقرمطية، والخرمية، والخرمدينية، والإسماعيلية، والسبعية، والبابكية، والمحمرة والتعليمية (٤) .\nأما ابن الجوزي فيذكر من ألقابهم ثمانية هي ما ذكره الغزالي باستثناء لقبي: القرمطية، والخرمدينية (٥) .\n_________\n(١) «الملل والنحل»: (١/١٩٢) .\n(٢) أربع رسائل إسماعيلية: الرسالة الأولى: «مسائل مجموعة من الحقائق والأسرار»: ص ٣٠.\n(٣) انظر «تأويل الدعائم» النعمان بن محمد، تحقيق محمد حسن الأعظمي: ص ٦١.\n(٤) الغزالي: «فضائح الباطنية»: ص ١١.\n(٥) ابن الجوزي: «تلبيس إبليس»: (ص ١٠٢ - ١٠٦)، ويقول محمد الصباغ في تعليل ترك ابن الجوزي للقبين: لعله اعتبرهما لهجة في نطق الخرمية والقرامطة. هامش =","vol":"1","page":149},{"text":"أما الفقيه المؤرخ محمد بن الحسن الديلمي (١)، فقد ذكر لهم خمسة عشر لقبًا هي ما ذكره الغزالي مع زيادة هذه الألقاب: المباركية، والإباحية، والملاحدة، والزنادقة، والمزدكية (٢)، ويذكر الكوثري (٣) عددًا من ألقابهم فيقول: إنهم (يدعون في مصر بالعبيدية نسبة إلى عبيد المعروف، وفي الشام بالنصيرية، والدروز، والتيامنة، وفي فلسطين بالبهائية. وفي الهند بالبهرة والإسماعيلية، وفي اليمن باليامية نسبة إلى القبيلة المعروفة. وفي بلاد الأكراد بالعلوية.. حيث يقولون علي هو الله - تعالى الله عما يقولون - وفي بلاد الأتراك بالبكداشية والقزلباشية على اختلاف منازعهم، وفي بلاد العجم بالبابية (٤) . ولهم فروع إلى يومنا هذا تلبس لكل قرن لبوسه وتظهر لكل قوم بمظهر تقضي به البيئة. وقدماؤهم كانوا يسمون أنفسهم بالإسماعيلية باعتبار تميزهم عن فرق الشيعة بهذا الإسلام) (٥) . لهذا يقول عنهم الشهرستاني إنهم:\n_________\n= ص ٣٥ من «رسالة القرامطة» لابن الجوزي، تحقيق: محمد الصباغ.\n(١) محمد بن الحسن الديلمي الفقيه العلامة الحافظ، خرج من الديلم إلى اليمن وصنف فيها «قواعد أهل البيت» وهو من أصول الكتب الزيدية، اشتمل على فضل الآل، وذكر مذهب الإمامية وإبطاله، وتكفير الباطنية وأن مذهب أهل البيت الترضي عن الصحابة. توفي ﵀ سنة ٧١١ هـ. محمد بن زيادة: «ملحق البدر الطالع»: ص ١٩٤.\n(٢) «قواعد عقائد آل محمد»: ص ٣٤.\n(٣) محمد زاهد بن الحسن بن علي الكوثري الجركسي، فقيه، محدث، متكلم، مؤرخ، أديب عارف باللغات العربية والتركية والفارسية والجركسية، من تصانيفه: «المدخل العام لعلوم القرآن» في مجلدين، «قرة النواظر في آداب المناظر» . توفي بالقاهرة سنة ١٣٧١هـ وكان مولده في القسطنطينية سنة ١٢٩٦هـ. «معجم المؤلفين»: (١٠/٤- ٥)، وانظر: أحمد خيري: الإمام الكوثري.\n(٤) في كلام الكوثري خلط بين الفرق، ذلك أن النصيرية، والبابية والبهائية هي فرق منبثقة من الإثني عشرية لا من الإسماعيلية، وكذلك فرقة أو لقب «قزلباش» هو من ألقاب الإثني عشرية كما قرره محسن الأمين في أعيان الشيعة، فهي إذن فرق مختلفة عن الاتجاه الإسماعيلي في اعتقادها في الأئمة وأصول أخرى، فلا يصح القول بأنها من ألقاب الإسماعيلية في بعض البلدان. وكذلك ليس كل يامي إسماعيليًا، كما فهمته من خلال سؤالي للعارفين بهم، ولأن اليامية قبيلة وليست فرقة.\n(٥) «مقدمة كشف أسرار الباطنية» للكوثري. وانظر «التفسير والمفسرون» الذهبي: (جـ٢/ ص٢٥٣) . وفي «دائرة المعارف الإسلامية»: (٣/٣٨٤) أن الإسماعيلية في فارس تسمى «مريدان آغاجان محلاتي» وفي آسية الوسطى ملآئي =","vol":"1","page":150},{"text":"(يقولون نحن الإسماعيلية لأنا تميزنا عن فرق الشيعة بهذا الاسم وهذا الشخص) (١) .\nويلاحظ هنا أن هذه الألقاب للإسماعيلية جعلت مفهوم الإسماعيلية يشمل كل الفرق الشيعية الغالية، بل إن بعض هذه الألقاب لا تندرج تحت وصف التشيع مثل: البابكية نسبة إلى بابك الخرمي، كما أن بعض هذه الألقاب عبارة عن لقب واحد اختلفت ألفاظه، كالقرامطة، والقرمطية، كلاهما نسبة إلى حمدان قرمط. كما أن البعض من هذه الألقاب عبارة عن أسماء لفرقهم المختلفة والتي تشترك فيما بينها في المسلك الباطني وفي الهدف والغاية، وهي تقويض دعائم الإسلام وأُسسه على ما بينها من اختلاف، كما أن بعض الفرق الإسماعيلية إنما هي عبارة عن مراتب للدعوة الإسماعيلية، ذلك أن المدعو لا يعرف إلا المرتبة التي وصل إليها فيصور الفرقة على أساس أنها تلك المرتبة التي وصل إليها، وهكذا قد تفسر المراتب على أساس أنها فرق، ذلك أن سبيل دعوتهم ليس بمتعين في فن واحد، بل يخاطبون كل فريق بما يوافق رأيه بعد أن يظفروا منهم بالانقياد لهم والموالاة لإمامهم فيوافقون اليهود والنصارى والمجوس على جملة معتقداتهم ويقرونهم\n_________\n= أو مولائي، وفي الهند: الخواجات \"النزارية\" والبوهر أو البهرة \"المستعلية\" وفي.. مقدمة.. «تأويل الدعائم» .. للإسماعيلي المعاصر: محمد حسن الأعظمي أنهم اليوم قسمان:\nالمستعلية، وهي التي يطلق عليها اسم البوهرة، وهي لفظ كوجراتي معناه بالعربية التجار، وهم منتشرون في الهند والباكستان واليمن وحضرموت وعدن وغيرها.. والنزارية: وتشتهر باسم الأغاخانية. انظر: «تأويل الدعائم» وانظر: في مجلة الأزهر تقريرًا للبعثة الأزهرية إلى الهند عن الإسماعيلية. «مجلة الأزهر» المجلد الثامن: ص ٤٤٤ عام ١٣٥٦هـ - مطبعة الأزهر.\n(١) الشهرستاني: «المل والنحل»: (١/١٩٢) .","vol":"1","page":151},{"text":"عليها (١) . ويذكر الشهرستاني أن ألقابهم تختلف أيضًا باختلاف البلدان: فبالعراق يسمون الباطنية، والقرامطة، والمزدكية. وبخراسان التعليمية، والملحدة (٢)، ثم إن لهم دعوة في كل زمان ومقالة جديدة بكل لسان (٣) .\nمجمل اعتقادهم:\nذكر الغزالي (٤) مجمل مذهبهم فقال: (إنه مذهب ظاهره الرفض وباطنه الكفر المحض، ومفتتحه حصر مدارك العلوم في قول الإمام المعصوم (٥) ...) ثم فصل القول في مذهبهم.\nوقال ابن الجوزي في تلخيص مذهبهم: (فمحصول قولهم تعطيل الصانع، وإبطال النبوة والعبادات وإنكار البعث، ولكنهم لا يظهرون هذا في أول أمرهم، بل يزعمون أن الله حق وأن محمدًا رسول الله والدين الصحيح، لكنهم يقولون لذلك سر غير ظاهر. وقد تلاعب بهم إبليس فبالغ وحسن لهم مذاهب مختلفة) (٦) .\n_________\n(١) «فضائح الباطنية» الغزالي: ص ٣٧.\n(٢) «الملل والنحل»: (١/٢٩٢) .\n(٣) المصدر السابق: (١/١٩٢) .\n(٤) محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي الغزالي (زين الدين أبو حامد) ولد سنة ٤٥٠هـ، وتفقه على إمام الحرمين وبرع في علوم كثيرة وصار من الأعيان المشاهير، وله مصنفات كثيرة منها: «إحياء علوم الدين»، و«المستصفى في أصول الفقه» وغيرها، وتوفي بطوس سنة ٥٠٥هـ. انظر: «مرآة الجنان»: (٣/١٧٧- ١٩٢)، «البداية والنهاية»: (١٢/١٧٣- ١٧٤) .\n(٥) الغزالي: «فضائح الباطنية»: ص ٣٧.\n(٦) ابن الجوزي: «تلبيس إبليس»: ص ٩٩.","vol":"1","page":152},{"text":"وقال فخر الدين الرازي (١): (اعلم أن الفساد اللازم من هؤلاء - يعني الباطنية - على الدين الحنيفي أكثر من الفساد اللازم عليه من جميع الكفار وهم عدة فرق، ومقصودهم على الإطلاق إبطال الشريعة، ونفي الصانع، ولا يؤمنون بشيء من الملل، ولا يعترفون بالقيامة، إلا أنهم لا يتظاهرون بهذه الأشياء إلا بالآخرة) (٢) .\nوإذا أردنا أن نتعرف على عقائد هؤلاء من كتبهم ومصادرهم الخاصة بهم، وجدنا في هذا صعوبة، لأنه كما ينقل عنهم أحد الإسماعيليين المعاصرين قد قالوا: (إن لنا كتبًا لا يقف على قراءتها غيرنا ولا يطلع على حقائقها سوانا) (٣) .\nوقد نشرت في هذا العصر مجموعة من مخطوطات الإسماعيليين، إلا أن معظمها ليست من كتبهم السرية، ذلك أنها قد صيغت بأسلوب الدفاع عن مذهبهم والدعاية له. ولهذا يقول د. علي النشار - عن نشرات محمد كامل حسين (٤) لكتب الإسماعيلية ـ: (وقد قدم لنا عددًا كبيرًا من مخطوطات الإسماعيلية في نشرات علمية، وقد أجهد نفسه في سبيل توضيح عناصر هذا المذهب، غير\n_________\n(١) محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن علي الإمام فخر الدين الرازي القرشي البكري المعروف بالفحر الرازي، مفسر متكلم فقيه أصولي حكيم توفي سنة ٦٠٦هـ، ومن تصانيفه: «التفسير الكبير»، و«المحصول في أصول الفقه» وغيرهما. السيوطي: «طبقات المفسرين»: ص ١١٥، «عيون الأنباء»: (ص ٤١٤-٤٢٧) .\n(٢) الرازي: «اعتقادات فرق المسلمين والمشركين»: ص ١١٩. وانظر: «البدء والتاريخ» . المقدسي: (٥/١٣٣-١٣٤) .\n(٣) مصطفى غالب: «الحركات الباطنية في الإسلام»: ص ٦٧.\n(٤) محمد كامل حسين: يدافع عن الإسماعيلية دفاعًا غريبًا، لعل سببه اغتراره ببعض كتبهم التي صيغت للدفاع والدعاية، وقد يكون تغريرًا مقصودًا والله أعلم - فهو يخطئ =","vol":"1","page":153},{"text":"أنني ألاحظ أنه فيما خلا كتب الكرماني التي نشرها د. محمد كامل حسين فإن الكتب التي قدمها لنا ليست من الكتب السرية) (١) .\nثم إن الباحث وهو يراجع هذه الكتب الباطنية يجد صعوبة في فك أسرارها وحل ألغازها ومعرفة طلاسمها.\nوقد كشف أبو حامد الغزالي عن حقيقة مذهبهم في الإلهيات والنبوات وفي الإمامة وفي القيامة والمعاد والتكاليف الشرعية وغيرها فيقول عن معتقدهم في الإلهيات: (وقد اتفقت أقاويل نقلة المقالات من غير تردد أنهم قائلون بإلهين قديمين لا أول لوجودهما من حيث الزمان، إلا أن أحدهما علة لوجود الثاني، واسم العلة السابق واسم المعلول التالي، وأن السابق خلق العالم بواسطة التالي لا بنفسه. وقالوا\n_________\n= القدماء من كتاب المقالات والفرق والتاريخ في حكمهم على هؤلاء بأنهم باطنية. «طائفة الإسماعيلية»: ص ١٤٨. ويدافع عنهم فيما نسب إليهم من عقائد فيقول: (والفاطميون لم يعملوا على طرح الأديان وإبطال العبادة كما فهم الكتاب والمؤرخون) «في أدب مصر الفاطمية»: ص ٣٠، وأنهم لم يقولوا بالإباحة المطلقة وبالتناسخ والحلول. «المصدر السابق»: ص ٣٣. ويستدل ببعض النصوص من كتبهم التي كتبت للدفاع كما يبدو من أسلوبها، وطبيعي أن توجد مثل هذه الردود في كتب الإسماعيلية للتعمية والخداع، وهي طائفة تعتمد على السرية وتعمل في الظلام، فهذا أسلوب من أساليب التخفي ولا سيما بعدما انكشف أمرهم عن طريق من دخل في دعوتهم ثم خرج وفضحهم كالحادي اليماني في «كشف أسرار الباطنية» وغيره، وعن طريق ما تسرب من كتبهم مما يوجد شيء منه في كتب المقالات والفرق، وبفضائحهم التاريخية ... إلخ. من الطبيعي أن يوجد هذا الأسلوب في التخفي ولكن من غير الطبيعي أن يستغل هذا الدفاع ويجعل هو الحقيقة للباطنيين وتهدر جميع القرائن والدلائل والوقائع الأخرى والتاريخ ويخطئ الإجماع على حقيقة حالهم.\n(١) النشار: «نشأة الفكر الفلسفي»: (جـ٢/ص٣٩٤) .","vol":"1","page":154},{"text":"السابق لا يوصف بوجود ولا عدم وليس هو معلومًا ولا مجهولًا) (١) . وقال عن معتقدهم في النبوات: (والمنقول عنهم قريب من مذهب الفلاسفة، وهو أن النبي عبارة عن شخص فاضت عليه من السابق - بواسطة التالي - قوة قدسية، كما قد يحدث لبعض النفوس الزكية في المنام،.. وقالوا إن جبريل عبارة عن العقل الفائض عليه، أما القرآن فهو تعبير محمد عن المعارف التي فاضت عليه من العقل) . ومعتقدهم في الإمامة: (اتفقوا على أنه لا بد في كل عصر من إمام معصوم قائم بالحق يرجع إليه في تأويل الظواهر وحل الإشكالات في القرآن والأخبار والمعقولات ويستظهر الإمام بالحجج والمأذونين والأجنحة، فلا بد للإمام في كل وقت من اثني عشر حجة.. ولا بد لكل حجة من معاونين له على أمره.. واسم المعاون \"المأذون\"، ولا بد للدعاة من رسل إلى الإمام يرفعون إليه الأحوال، واسم الرسول \"الجناح\") .. وقالوا: (كل نبي لشريعته مدة فإذا انصرمت مدته بعث الله نبيًا آخر ينسخ شريعته، ومدة شريعة كل نبي سبعة أعمار وهو سبعة قرون، فأولهم هو النبي الناطق، ومعنى الناطق أن شريعته ناسخة لما قبله ومعنى الصامت أن يكون قائمًا على ما أسسه غيره، ثم أنه يقوم بعد وفاته ستة أئمة، إمام بعد إمام، وصوروا بعثات الأنبياء على هذه الفلسفة إلى أن انتهوا إلى بعثة رسول الله - ﷺ - الذي استتم دوره - كما قالوا - بجعفر بن محمد وصارت شريعته بهذا الدور ناسخة، وهكذا يدور الأمر عندهم إلى أبد الدهر) . أما معتقدهم في القيامة والمعاد: (فقد اتفقوا عن آخرهم على إنكار القيامة والمعاد وتأويلهما إلى غير الحقيقة) .\n_________\n(١) «فضائح الباطنية»: ص ٣٨، وانظر يحيى بن حمزة العلوي، «مشكاة الأنوار الهادمة لقواعد الباطنية الأشرار»: ص ٤٣ وما بعدها، «الإفحام لأفئدة الباطنية الطغام»: (ص ٣٨ - ٥٢) .","vol":"1","page":155},{"text":"وأما اعتقادهم في التكاليف الشرعية: (فالمنقول عنهم الإباحة المطلقة واستباحة المحظورات وإنكار الشرائع إذا نسب، إليهم ويقولون: لا بد من أخذ الشرع عن الإمام المعصوم) (١) .\nوينقل عبد القاهر البغدادي عن كتاب لهم يسمى «السياسة والبلاغ الأكيد والناموس الأكبر» ينقل مضمون ما قرأه فيه عن مذهبهم من القول بإبطال المعاد والعقاب والتشكيك في الكتب السماوية والدعوة إلى إبطال الشرائع وتأويل أركان الإسلام بقولهم بأن معنى الصلاة موالاة إمامهم، والحج زيارته، والصوم الإمساك عن إفشاء سر الإمام، واستدل بما جاء في هذا الكتاب على أن الباطنية دهرية زنادقة (٢) .\nوللإسماعيليين مراتب في الدعوة.. وحقيقة المذهب لا تعطى إلا لمن وصل إلى المرتبة الأخيرة، يقول ابن النديم (٣): (ولهم - أي للإسماعيلية - البلاغات السبعة وهي: كتاب البلاغ الأول للعامة، كتاب البلاغ الثاني لفوق هؤلاء قليلًا، كتاب البلاغ الثالث لمن دخل في المذهب سنة، كتاب البلاغ الرابع لمن دخل في المذهب سنتين، كتاب البلاغ الخامس لمن دخل في المذهب ثلاث سنين، كتاب\n_________\n(١) «فضائح الباطنية» باختصار: (ص٣٨- ٤٧)، وانظر في الرد عليهم: «الإفحام لأفئدة الباطنية الطغام»: ص ٥٣ وما بعدها، و«مشكاة الأنوار»: ص ٤٣ وما بعدها.\n(٢) «الفرق بين الفرق»: ص ٢٩٤ وما بعدها.\n(٣) ابن النديم: محمد بن إسحاق بن محمد بن إسحاق أبو الفرج بن أبي يعقوب النديم صاحب كتاب «الفهرست» . وكان معتزليًا متشيعًا يدل كتابه على ذلك، فإنه كما يقول ابن حجر يسمي أهل السنّة \"الحشوية\" ويسمي الأشاعرة \"المجبرة\" ويسمي كل من لم يكن شيعيًا \"عاميًا\"، توفي سنة ٤٣٨هـ. انظر: «لسان الميزان»: (٥/٧٢)، «الأعلام»: (٦/٢٥٣) .","vol":"1","page":156},{"text":"البلاغ السادس لمن دخل في المذهب أربع سنين، كتاب البلاغ السابع وفيه نتيجة المذهب والكشف الأكبر. قال محمد ابن إسحاق \"ابن النديم\" قد قرأته - أي السابع - فرأيت فيه أمرًا عظيمًا من إباحة المحظورات والوضع من الشرائع وأصحابها) (١) .\nوقد تحدث عن مراتب دعوة الإسماعيليين (البغدادي) وسماها بأسمائها (٢)، (والغزالي) (٣)، ونقل (النويري) في نهاية الأَرب عن الشريف أبي الحسن محمد بن علي نصًّا طويلًا في كيفية الدعوة عند الإسماعيليين (٤)، وقد كشف \"الحمادي اليماني\" عن تجربة شخصية له مع الباطنيين في كتابه «كشف أسرار الباطنية»، وليس من موضوعنا التفصيل في هذا، إنما غرضنا إلمامة يسيرة وننبه هنا إلى ناحية مهمة في هذا الباب؛ وهي أن الكتب الإسماعيلية انتشرت في وقتنا هذا ولا ندري عن مرتبة هذه الكتب في الدعوة الإسماعيلية، ولكن هناك فئة من الباحثين اعتبروا هذه الكتب هي المرحلة الأخيرة والكشف الأكبر، وراحوا على ضوئها يخطئون ما كتبه الأسلاف وما نقلوه من وثائق عنهم ويغالطون في وقائع التاريخ اغترارًا أو تغريرًا، مع أن القوم لم يبرحوا من عزلتهم ولم يخرجوا عن باطنيتهم وزاد نشاطهم في هذا العصر ولهم جامعات في الهند لتخريج دعاة يبعثونهم إلى شتى البلدان لنشر الدعوة فيها على مراحل مدروسة.\n_________\n(١) «الفهرست» ابن النديم: (ص ٢٦٧ - ٢٦٨) .\n(٢) انظر: «الفرق بين الفرق»: ص ٢٩٨ وما بعدها.\n(٣) انظر: «فضائح الباطنية»: ص ٢١ وما بعدها.\n(٤) وهو في القسم المخطوط من «نهاية الأرب» للنويري وقد نقله عبد الرحمن بدوي في «مذاهب الإسلاميين» عن نسخة مخطوطة للكتاب. انظر: «مذاهب الإسلاميين»: (٢/١٧٦- ١٧٧) .","vol":"1","page":157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>الزيدية</span>\nوهم أتباع زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (١) وسموا بالزيدية نسبة إليه (٢)، وقد افترقوا عن \"الإمامية\" \"الرافضة\" حينما سئل زيد عن أبي بكر وعمر فترضى عنهما فرفضه قوم، فسموا رافضة لرفضهم إياه، وسمي من لم يرفضه من الشيعة زيدية لانتسابهم إليه، وذلك في آخر خلافة هشام سنة إحدى وعشرين أو اثنتين وعشرين ومائة (٣) .\nوالزيدية كما يقول الشهرستاني: (ساقوا الإمامة في أولاد فاطمة ﵂ ولم يجوزوا ثبوت الإمامة في غيرهم، إلا أنهم جوزوا أن يكون كل فاطمي عالم شجاع سخي خرج بالإمامة أن يكون إمامًا واجب الطاعة، سواء كان من أولاد الحسن أو من أولاد الحسين ﵄، وجوزوا إمامة المفضول مع وجود الأفضل) (٤) .\nوالزيدية «يوافقون المعتزلة في العقائد» (٥) لأن زيد بن علي\n_________\n(١) «الملل والنحل»: (١/١٥٤)، وانظر: «مقدمة البحر الزخار»: ص ٤٠.\n(٢) انظر: «الرسالة الوازعة» يحيى بن حمزة اليمني: ص ٢٨، وانظر: الأشعري: «مقالات الإسلاميين»: (جـ١/ص ١٣٦) . وانظر: السمعاني: «الأنساب»: (٦/٣٦٥)، ابن الأثير: «اللباب»: (١/٥١٧) .\n(٣) «منهاج السنّة»: (١/٢١)، وانظر: «الرسالة الوازعة»: (ص ١٧- ١٨) .\n(٤) «الملل والنحل»: (١/١٥٤- ١٥٥) .\n(٥) «العلم الشامخ» المقبلي: ص ٣١٩. وقال الرازي في «المحصل» أن مذهبهم في الأصول قريب من مذهب المعتزلة. «المحصل»: ص ٢٤٨. أما الشهرستاني فيقول: أما في الأصول فيرون رأي المعتزلة حذو القذة بالقذة. «الملل والنحل»: (١/١٦٢) . =","vol":"1","page":159},{"text":"تتلمذ في الأصول على واصل بن عطا (١) .\nومذهب الزيدية المعتدلة أو الزيدية الحقيقية في الصحابة هو الترضي عنهم كما ينقل ذلك ابن الوزير (٢) عن \"الإمام الكبير المنصور بالله\" (٣)، إذ قال في الرسالة الإمامية في الجواب عن المسائل التهامية:\nفأما ما ذكره المتكلم عنا من تضعيف آراء الصحابة فعذرنا أنهم أشرف قدرًا، وأعلى أمرًا، وأرفع ذكرًا من أن تكون آراؤهم ضعيفة، أو موازينهم في الشرف والدين خفيفة، فلو كان كذلك لما اتبعوا\n_________\n= المعتزلة: سموا بذلك لاعتزال واصل بن عطاء وبعض أتباعه مجلس الحسن البصري فقال الحسن: (اعتزل عنا واصل)، فسمي هو وأصحابه معتزلة. وقال البغدادي: إن أهل السنّة هم الذين دعوهم معتزلة لاعتزالهم قول الأمة بأسرها في مرتكب الكبيرة من المسلمين وتقريرهم أنه لا مؤمن ولا كافر بل هو في منزلة بين منزلتي الإيمان والكفر، وقيل غير ذلك في سبب تسميتهم. وقيل إن واصل بن عطاء هو الذي وضع أصول مذهب المعتزلة وتابعه عمرو بن عبيد، فلما كان زمن هارون الرشيد صنف لهم أبو الهذيل كتابين، وبين مذهبهم، وبنى مذهبهم على الأصول الخمسة التي سموها: العدل، والتوحيد، وإنفاذ الوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولبّسوا فيها الحق بالباطل.. انظر في هذا الموضوع: ابن المرتضي «المنية والأمل»: ص ١٥، ١٢٢، «الفرق بين الفرق»: ص ٢٠، «شرح العقيدة الطحاوية»: (ص ٥٨٨ - ٥٨٩)، زهدي جار الله: «المعتزلة» .\n(١) «الملل والنحل»: (١/١٥٥) .\n(٢) محمد بن إبراهيم بن علي بن المرتضي بن الهادي اليماني المعروف بابن الوزير. ولد تقريبًا سنة ٧٦٥هـ باليمن وتعلم بصنعاء وصعدة ومكة وتوفي بصنعاء سنة ٨٤٠هـ. ومن مصنفاته: «العواصم من القواصم في الذب عن سنة أبي القاسم»، وغيره. «السخاوي»: «الضوء اللامع»: (٦/٢٧٢) .\n(٣) عبد الله بن حمزة بن سليمان بن حمزة اليمني (المنصور بالله)، من أئمة الزيدية باليمن، من تصانيفه: «الشافي في أصول الدين»: في ٤ مجلدات، توفي سنة ٦١٤هـ. انظر: «الأعلام»: (٤/٢١٣) .","vol":"1","page":160},{"text":"رسول الله - ﷺ -، ومالوا عن إلف دين الآباء والأتراب والقرباء إلى أمر لم يسبق لهم به أُنس، ولم يسمع له ذكر، شاق على القلوب، ثقيل على النفوس. فهم خير الناس على عهد رسول الله - ﷺ - وبعده فرضي الله عنهم وجزاهم عن الإسلام خيرًا - إلى قوله - فهذا مذهبنا لم نكتم سواه تقية وكيف وموجبها زائل ومن هو دوننا مكانًا وقدوة يسب ويلعن ويذم ويطعن ونحن إلى الله سبحانه من فعله براء، وهذا ما يقضي به علم آبائنا منا إلى علي ﵇ - إلى قوله - وفي هذه الجهة من يرى محض الولاء بسب الصحابة ﵃ والبراءة منهم فتبرأ من محمد (من حيث لا يعلم (١) .\nويقول.. المقبلي (٢): (إن الزيدية ليسوا من الرافضة بل ولا من غلاة الشيعة في عرف المتأخرين (٣) ولا في عرف السلف (٤) . فإنهم الآن مستقر مذهبهم الترضي على عثمان وطلحة والزبير وعائشة - ﵃ - فضلًا عن الشيخين) (٥) .\nولكن في الزيدية من هو رافضي ومذهبه في الصحابة كمذهب الرافضة كطائفة الجارودية، ولهذا رأينا شيخ الرافضة في القرن الرابع \"المفيد\" ينظمهم في سلك التشيع (بمعنى الرفض) ويخرج ما عداهم\n_________\n(١) ابن الوزير: «الروض الباسم»: (ص ٤٩ - ٥٠) .\n(٢) صالح بن مهدي بن علي بن عبد الله بن سليمان.. المقبلي ثم الصنعاني ثم المكي، ولد سنة ١٠٤٧هـ، وأخذ العلم عن جماعة من كبار علماء اليمن، وبرع في علوم الشريعة وغيرها، توفي بمكة سنة ١١٠٨هـ ومن مؤلفاته: «العلم الشامخ» وغيره. انظر: الشوكاني: «البدر الطالع»: (١/٢٨٨ - ٢٩٢) .\n(٣) و(٤) انظر: ص ١٢٩ من هذه الرسالة.\n(٥) المقبلي: «العلم الشامخ»: ص ٣٢٦.","vol":"1","page":161},{"text":"من فرق الزيدية من شمول اسم التشيع لهم (١) - كما أشرنا إلى ذلك - ولقد أصبحت فئة الجارودية في فترة من الفترات هي الممثلة للزيدية ولا يوجد غيرها، كما يذكر صاحب «الحور العين» حصول ذلك في زمنه حيث قال: (وليس باليمن من فرق الزيدية غير الجارودية وهم بصنعاء وصعدة وما يليهما) (٢) .\nويذكر الشهرستاني: (أن أكثر الزيدية طعنت في الصحابة طعن الإمامية) (٣) .\nويذكر المقبلي: (أن الزيدية ليست لهم قاعدة محددة فإنهم أحيانًا يطعنون في بعض خيار الصحابة كأبي هريرة وجرير البجلي وأم المؤمنين حبيبة (لأنهم رووا ما يخالف هواهم، وإذا جاءهم الحديث على ما يوافق هواهم قبلوه من طريق ذلك الصحابي وإن كان أقل فضلًا ورتبة ممن طعنوا فيه) (٤) .\nويتحدث المقبلي: (أنه قد سرى داء الإمامية في الزيدية في هذه الأعصار حتى تظهر جماعة مح (٥) مذهب الإمامية، وهو تكفير الصحابة ومن تولاهم - صانهم الله تعالى - (٦) ولعل هذه الظاهرة - اعتناق الزيدية لمذهب الرفض - هي التي جعلت بعضهم يقول: جئني بزيدي صغير أخرج لك منه رافضيًا كبيرًا) (٧) .\n_________\n(١) المفيد: «أوائل المقالات»: ص ٤٠.\n(٢) نشوان الحميري: «الحور العين»: ص ٥٦.\n(٣) «الملل والنحل»: (١/١٥٧) .\n(٤) المقبلي: «الأرواح النوافح» (ذيل العلم الشامخ): (ص ٦٩٣ - ٦٩٤) بتصرف.\n(٥) المح (بالضم) خالص كل شيء. «القاموس»: مادة مح.\n(٦) المقبلي: «العلم الشامخ»: ص ٨٨.\n(٧) المصدر السابق: ص ١١١.","vol":"1","page":162},{"text":"ومن عقائد الزيدية قولهم: (بعصمة فاطمة وعلي والحسين) (١) .\nويقول يحيى بن حمزة بن علي الهاشمي اليمني (٢): (بأن معظم فرق الزيدية يقولون بالنص على إمامة الثلاثة علي وولديه، واعتقاد ثبوت إمامة من عداهم من أولادهما بالدعوة) (٣) .\nومسألة \"العصمة والنص\" هي كالطعن في الصحابة، كلها من أدواء الإمامية التي استشرت في بعض فرق الزيدية، والبعض الآخر يخالفهم في هذا كالسليمانية والصالحية والبترية الذين يقولون: الإمامة شورى ويجوزون إمامة المفضول مع وجود الأفضل (٤)، كما أن القائلين بالنص والعصمة يخالفون من ينتسبون إليه وهو الإمام زيد الذي لم يقل بالنص (٥) كما لم يقل بالعصمة (٦) .\n_________\n(١) «البحر الزخار»: ص ٩٦، وانظر: «العلم الشامخ»: ص ٣٨٦، وفي كتاب «نصرة مذاهب الزيدية» للصاحب بن عباد المتوفى سنة ٣٨٥هـ ما يشير إلى أن القول بالعصمة هو مذهب لبعض الزيدية. انظر «نصرة المذاهب الزيدية»: (ص ١٦٤- ١٦٩) ومعنى هذا أن القول بالعصمة قد استشرى بالزيدية مع امتداد الزمن حتى شمل معظمهم.\n(٢) يحيى بن حمزة بن علي بن إبراهيم الحسيني العلوي الطالبي من أكابر أئمة الزيدية، من تصانيفه: «الرسالة الوازعة»، «الإفحام لأفئدة الباطنية الطغام» وغيرها. توفي سنة ٧٤٥هـ، وكان مولده سنة ٦٦٩هـ. انظر: «البدر الطالع»: (٢/٣٣١)، «الأعلام»: (٩/١٧٤- ١٧٥) .\n(٣) «الرسالة الوازعة»: ص ٢٨.\n(٤) «الملل والنحل» الشهرستاني: (١/١٥٩- ١٦١) .\n(٥) انظر كلام زيد في «الملل والنحل» للشهرستاني في أن عليًا وإن كان الأفضل، إلا أن المصلحة في تولية أبي بكر، فلو كان ثمة نص لم تراع المصلحة تلك. انظر: «الملل والنحل»: (١/١٥٥) . وانظر: «الإمام زيد» لأبي زهرة: (ص ١٨٤- ١٨٥) .\n(٦) انظر: «الإمام زيد» لأبي زهرة: ص ١٨٨.","vol":"1","page":163},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>فرق الزيدية</span>\nاختلف أصحاب «المقالات والفرق» في عدد فرق الزيدية، فالقمي لا يذكر سوى فرقتين هما: الضعفاء والأقوياء (١) وكذا النوبختي (٢)، بينما الأشعري يذكر لهم ست فرق هي: الجارودية، والسليمانية، والبترية، والنعيمية، ولا يذكر اسم الفرقة الخامسة ويذكر مذهبها فقط، ثم اليعقوبية (٣)، أما البغدادي فلا يذكر سوى ثلاث فرق منها وهي: الجارودية، والسليمانية والبترية (٤)، وكذلك الحال عند الشهرستاني الذي قال: هم أصناف ثلاثة: جارودية، وسليمانية، وبترية. والصالحية منهم والبترية على مذهب واحد (٥) . وكذلك الحال عند الرازي (٦)، ونشوان الحميري (٧)، أما الملطي فيجعلهم أربع فرق ولا يسمي هذه الفرق باستثناء واحدة يطلق عليها اسم \"معتزلة بغداد\" (٨) .\n_________\n(١) القمي: «المقالات والفرق»: ص ٧٣.\n(٢) النوبختي: «فرقة الشيعة»: ص ٥٠.\n(٣) الأشعري: «مقالات الإسلاميين»: (١/١٤٠- ١٤٥) .\n(٤) البغدادي: «الفرق بين الفرق»: ص ٢٢.\n(٥) الشهرستاني: «الملل والنحل»: (١/١٥٧) .\n(٦) الرازي: «اعتقادات فرق المسلمين والمشركين»: (ص ٧٧- ٧٨) .\n(٧) نشوان الحميري: «الحور العين»: ص ١٥٥.\n(٨) الملطي: «التنبيه والرد»: (ص ٣٣- ٣٤) .","vol":"1","page":165},{"text":"بينما البرسي (١) يذكر خمس عشرة فرقة للزيدية بأسمائها (٢) ولم أجد من وافقه على هذا التقسيم وهذا العدد من أصحاب الفرق والمقالات، كما أن البرسي غير موثوق لما ينقله من أباطيل وخرافات في كتبه فلا نشتغل بعرض ما ذكر. أما عن مذاهب هذه الفرق فإننا ذكرنا مذهب معظم الزيدية على سبيل الإجمال، أما العرض التفصيلي لمذاهب تلك الفرق فإننا سنكتفي بما كتبه علامة اليمن أبو سعيد نشوان الحميري (ت ٥٧٣هـ) عن مذاهب الفرق الزيدية على حسب تقسيمه - ولا يخفى أصالة هذا المرجع باعتبار أن اليمن من مراكز الزيدية ونشوان من كبار علماء اليمن - يقول: (وافترقت الزيدية ثلاث فرق: بترية، وجريدية، وجارودية، فقالت البترية: إن عليًّا ﵇ كان أفضل الناس بعد رسول الله - ﷺ - وأولاهم بالإمامة، وأن بيعة أبي بكر وعمر ليست بخطأ لأن عليًا (سلم لهما ذلك بمنزلة رجل كان له حق على رجل فتركه له، ووقفت في أمر عثمان، وشهدت بالكفر على من حارب عليًّا. وسموا البترية لأنهم نسبوا إلى كثير النوى وكان كثير يلقب بالأبتر) (٣) .\n_________\n(١) البرسي من \"الإمامية\" الرافضة فضلًا عن أنه من غلاتهم كما يبدو من كتابه «مشارق أنوار اليقين»، وهو غير ثقة في معلوماته، ونحكم بهذا بناء على ما أورده في كتابه «مشارق أنوار اليقين» من آراء غريبة وخرافات عجيبة حتى قال عنه محسن الأمين (من مراجع الشيعة المعاصرين): (إن في طبعه شذوذًا) . «أعيان الشيعة»: (٣١/١٩٦) .\n(٢) البرسي: «مشارق أنوار اليقين»: ص ٢١٠.\n(٣) في «المقالات» للأشعري: (١/١٤٤) - ذكر أن البترية هم أصحاب الحسن بن صالح بن حي، وأصحاب كثير النوي، ولم يذكر لهم سوى هذا الاسم، بينما الشهرستاني أشار إلى اسم آخر وهو \"الصالحية\" نسبة للحسن بن صالح بن حي واعتبرهما فرقة واحدة لأن مقالتهما واحدة. «الملل والنحل»: (١/١٦١) . ووقع في الخطط للمقريزي خلط بين الاسمين: كثير، والحسن، ولعل ذلك تصحيف من","vol":"1","page":166},{"text":"وقالت الجريرية: (إن عليًّا كان الإمام بعد رسول الله - ﷺ - وأن بيعة أبي بكر وعمر كانت خطأ لا يستحقان عليه اسم الكفر ولا اسم الفسوق، وأن الأمة قد تركت الأصلح، وبرئت من عثمان - (- بسبب إحداثه، وشهدت عليه وعلى من حارب عليًّا بالكفر) (١) .\nوقالت الجارودية (٢): (إن رسول الله - ﷺ - نص على علي - ﵁ - بالإشارة والوصف دون التسمية والتعيين، وأنه أشار إليه ووصفه بالصفات التي لا توجد إلا فيه، وأن الأمة ضلت وكفرت بصرفها الأمر إلى غيره، وأن رسول الله - ﷺ - نص على الحسن والحسين ﵉ بمثل نصه على علي. ثم الإمام بعد هؤلاء الثلاثة ليس بمنصوص عليه ولكن الإمامة شورى بين الأفاضل من ولد الحسن والحسين ممن شهر منهم سيفه، ودعا إلى سبيل ربه، وباين الظالمين وكان صحيح النسب من هذين البطنين وكان عالمًا زاهدًا شجاعًا فهو الإمام) .\n_________\n= النساخ - جاء فيها: ومنهم البترية أصحاب الحسن بن صالح بن كثير الأبتر. «الخطط»: (٢/٣٥٢) وصحتها أصحاب الحسن بن صالح وكثير الأبتر. وانظر في كثير: «ميزان الاعتدال»: (٣/٤٠٢ -٤١١) . وفي «المقالات» للأشعري: (١/١٤٤) أن من مذهبهم أيضًا: أنهم ينكرون رجعة الأموات، ولا يرون لعلي إمامة إلا حين بويع.\n(١) هذه الفرقة التي سماها نشوان بـ \"الجريرية\" هي التي سماها كثير من أصحاب الفرق والمقالات بالسليمانية كالأشعري، «مقالات الإسلاميين»: (١/١٤٣)، والشهرستاني: «الملل والنحل»: (١/١٥٩) وغيرهما، وقد سماها صاحب الخطط كتسمية نشوان بـ \"الجريرية\"، «الخطط»: (٢/٣٥٢)، وقد نص صاحب «الفرق بين الفرق»: ص ٣٢ أنها تسمى بالجريرية أو السليمانية، أي كلا الاسمين مستعمل، ذلك أن الفرقة تنسب إلى \"سليمان بن جرير الزيدي\".\n(٢) وهم أتباع المعروف بأبي الجارود «الفرق بين الفرق»: ص ٣٠، واسمه زياد بن أبي =","vol":"1","page":167},{"text":"وافترقت الجارودية في نوع آخر ثلاث فرق:\n(أ) فزعمت أن محمد بن عبد الله بن الحسين المعروف بالنفس الزكية لم يمت ولا يموت حتى يملأ الأرض عدلًا، وأنه القائم المهدي المنتظر عندهم، وكان محمد بن عبد الله خرج على المنصور فقتل بالمدينة.\n(ب) وفرقة زعمت أن محمد بن القاسم بن علي بن عمر بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب حي لم يمت ولا يموت حتى يملأ الأرض عدلًا وأنه المهدي المنتظر عندهم. وكان محمد بن القاسم هذا خرج على المعتصم.. فأسره المعتصم فلم يدر بعد ذلك كيف كان خبره.\n(ج) وفرقة زعمت أن يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب حي لم يمت، وأنه القائم المهدي المنتظر عندهم ولا يموت حتى يملأ الأرض عدلًا. وكان يحيى بن عمر هذا خرج على المستعين فقتل بالكوفة (١) .\nيقول عبد القاهر البغدادي عن هذه الفرق الثلاث إنها: (اجتمعت على القول بأن أصحاب الكبائر من الأمة يكونون مخلدين\n_________\n= زياد، «تاج العروس»: (٢/٣١٨)، وفي «تهذيب التهذيب»: (٣/٣٨٦) اسمه زياد بن المنذر الهماني ويقال: الهندي ويقال: الثقفي، أبو الجارود الأعمى الكوفي، وقال عنه أبو حاتم: (كان رافضيًا يضع الحديث في مثالب أصحاب رسول الله - ﷺ - و(ويروي في فضائل أهل البيت (أشياء ما لها أصل، لا يحل كتب حديثه.. وهو من المعدودين من أهل الكوفة الغالبين) «المصدر السابق» وكذا ورد اسمه زياد بن المنذر في «فرق الشيعة»: ص ٤٨.\n(١) أبو سعيد نشوان الحميري: «الحور العين»: (ص ١٥٥- ١٥٦) .. وقال في نهاية كلامه عن فرق الزيدية بأن هذه رواية أبي القاسم البلخي عن الزيدية، وفي «الرسالة الوازعة» ليحيى بن حمزة اليمني توفي سنة ٧٤٩هـ أن من أراد التوسع في موضوع الزيدية فليرجع إلى كتاب «المقالات» لأبي القاسم البلخي، أو كتاب «العيون» للحاكم أبي سعيد، «الرسالة الوازعة»: ص ٣٤، وانظر: «مقالات الإسلاميين»: (١/١٣٦) وما بعدها.","vol":"1","page":168},{"text":"في النار، فهم من هذا الوجه كالخوارج (١)، كما أن هذه الفرق يكفر بعضها بعضًا؛ فالبترية والسليمانية يكفرون الجارودية من الزيدية لإقرار الجارودية على تكفير أبي بكر وعمر، والجاردوية يكفرون السليمانية والبترية لتركهما تكفير أبي بكر وعمر) (٢) .\nلكن ما ذكره أصحاب الفرق والمقالات عن هذه الفرق الثلاث لا يتفق مع ما تقدم نقله عن بعض الزيدية من معتقد حسن في الصحابة، فلعل ما ذكرناه أولًا هو اتجاه لفرقة أخرى من الزيدية، ولعلها هي الأصل وهي الفرقة التي ذكرها الملطلي - وقد ذكر للزيدية أربع فرق - حيث قال: (والفرقة الثالثة من الزيدية: يقولون أن الأمة ولت أبا بكر (اجتهادًا لا عنادًا، وقصدوا فأخطأوا في الاجتهاد، وولوا مفضولًا على فاضل فلا شيء عليهم، وإنما أخطأوا في ذلك ولم يتعمدوا) .\nوهذه الفرقة لم يتبرؤوا ولم يكفروا أحدًا، وتولوا وهم أصحاب سمت يظهرون زهدًا وعبادة وخيرًا، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر (٣)،.. وهم الذين عناهم ابن حزم بقوله: (وأقرب مذاهب الشيعة إلى أهل السنّة المنتمون إلى أصحاب الحسن بن صالح بن حي الهمذاني الفقيه، القائلون بأن الإمامة في ولد علي - ﵁ -، والثابت عن الحسن بن صالح ﵀ هو قولنا: إنَّ الإمامة في جميع قريش وتولي جميع الصحابة (، إلا أنه كان يفضل عليًّا على جميعهم) (٤) . وهؤلاء أحق بالانتساب إلى زيد.\n_________\n(١) «الفرق بين الفرق»: ص ٣٤.\n(٢) المصدر السابق: ص ٣٤.\n(٣) الملطي: «التنبيه والرد»: ص ٣٤.\n(٤) «الفصل»: (٢/١٠٦) وانظر: (٤/١١١) من المصدر السابق.","vol":"1","page":169},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>الرافضة</span>\nوهم الذين يُسمَّوْن بالجعفرية، وبـ «الإمامية الإثني عشرية»، كما يسمون بالرافضة. ويرى بعض الباحثين أن مصطلح \"الشيعة\" إذا أُطلق فلا ينصرف إلا إليهم، وغيرهم إما إسماعيلية أو زيدية.\nوأقول بهذا الرأي لأن مصادر الشيعة الإثني عشرية في التلقي قد استوعبت كثيرًا من الآراء والأصول التي قالت بها الفرق الشيعية الأخرى، فأصبحت بذلك الوجه للشيعة. والعبرة بالمعتقد لا بالاسم، وسيأتي توضيح هذه المسألة (١) .\nوهم يسمون بالإمامية؛ لأنهم قالوا بوجوب الإمامة ووجودها في كل زمان (٢)، فالإمامية علم على من دان بوجوب الإمامة ووجودها في كل زمان، وأوجب النص الجلي والعصمة والكمال لكل إمام، ثم حصر الإمامة في ولد الحسين بن علي، وساقها إلى الرضا علي بن موسى (٣) . ويسمون بالاثني عشرية، لأنهم يقولون بأن الأئمة بعد الرسول - ﷺ - اثنا عشر إمامًا (٤) وهم: علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد الباقر وجعفر الصادق وموسى الكاظم وعلي الرضا ومحمد الجواد وعلي الهادي والحسن العسكري والمهدي المنتظر (٥) .\n_________\n(١) في موضوع \"النتيجة\".\n(٢) و(٣) «أوائل المقالات» المفيد: ص ٤٤.\n(٤) المصدر السابق: ص ٤٥.\n(٥) «الشيعة في الميزان» محمد جواد مغنية: ص ٣٤.","vol":"1","page":171},{"text":"ويسمون بـ \"الجعفرية\" نسبة إلى جعفر الصادق - إمامهم السادس كما يقولون - وهو من باب التسمية للعام باسم الخاص. روى الكشي أن شيعة الصادق في الكوفة سموا بالجعفرية (١) .\nوأما تسميتهم بـ «الرافضة»، فقد ورد في (البحار) للمجلسي - وهو أحد مراجعهم الحديثية المتأخرة - أربعة أحاديث في مدح التسمية بـ \"الرافضة\" (٢)، وكأنهم أرادوا تطييب نفوس أتباعهم بتحسين هذا الاسم لهم. ولكن في هذه الأحاديث ما يفيد أن الناس بدأوا يسمونهم بالرافضة من باب الذم لا المدح. ولا تجيب هذه المصادر الشيعية عن سبب تسمية الناس لهم بهذا الاسم على سبيل الذم والسب لهم (٣)، ولكن كتب الفرق غير الشيعية تذكر أن ذلك\n_________\n(١) «الرجال»: ص ٦٥ طبعة بمببي ١٣١٧هـ.\n(٢) وهذه الأحاديث المزعومة موجودة في باب سموه (باب فضل الرافضة ومدح التسمية بها) في كتابهم «البحار» ومنها: عن أبي بصير قال: قلت لأبي جعفر (: جعلت فداك، اسم سمينا به استحلت به الولاة دماءنا وأموالنا وعذابنا، قال: وما هو؟ قال: الرافضة، فقال جعفر: (إن سبعين رجلًا من عسكر موسى ﵇، لم يكن في قوم موسى أشد اجتهادًا وأشد حبًا لهارون منهم فسماهم قوم موسى الرافضة، فأوحى الله إلى موسى أن أثبتُّ لهم هذا الاسم في التوراة فإني نحلتهم، وذلك اسم قد نحلكموه الله) «البحار» المجلسي: (٦٨/٩٦- ٩٧) .\n(٣) هناك رواية شيعية تفيد أن اسم الرافضة أطلقته فرقة شيعية غالية على فرقة شيعية معتدلة، قال سعد القمي: (لما توفي أبو جعفر الباقر افترقت فرقته فرقتين: فرقة منها قالت بإمامة محمد بن عبد الله بن الحسن بن حسين بن علي بن أبي طالب.. وكان المغيرة بن سعيد قال بهذا القول لما توفي أبو جعفر محمد بن علي وأظهر المقالة بذلك، فتبرئت منه الشيعة - شيعة جعفر بن محمد - ورفضوه ولعنوه، فزعم أنهم رافضة وأنه هو الذي سماهم بهذا الاسم) «المقالات والفرق»: (ص ٧٦- ٧٧)، وقد قال أحد الشيعة المعاصرين عن هذه الرواية: (إنها ضعيفة لا تصمد للنقد لأن رفض الشيعة المعتدلين للمغيرة أمر طبعي لأنه من الغلاة، فلا موجب لحنق الشيعة من تسمية أطلقها عليهم أحد الغلاة، ولا موجب أيضًا لأن يستحل السلطان دماء الشيعة..) عبد الله فياض: «تاريخ الإمامية»: ص ٧٥.","vol":"1","page":172},{"text":"لأسباب تتعلق بموقفهم من خلافة الشيخين ورفضهم لها. يقول أبو الحسن الأشعري: وإنما سموا رافضة لرفضهم إمامة أبي بكر وعمر (١) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد نقله لرأي الأشعري هذا: (قلت: الصحيح أنهم سموا رافضة لما رفضوا زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب لما خرج بالكوفة أيام هشام بن عبد الملك) (٢) . وهذا الرأي لابن تيمية يعود لرأي الأشعري لأنهم ما رفضوا زيدًا إلا لما أظهر مقالته في الشيخين ومذهبه في خلافتهما، فالقول بأنهم سموا رافضة لرفضهم زيدًا أو لرفضهم مذهبه ومقالته مؤداه - في نظري - واحد.\nولكن شيخ الإسلام راعى في التصويب والتفريق المسألة التاريخية لظهور لقب الرافضة وارتباطه بتلك الحقبة.\nوهذه الفرقة تسلك مسلك المعتزلة في عقائدها وتنفرد بعقائد وآراء في الإمامة، والصحابة، والقول بالرجعة، والغيبة وغيرها، وبمصادر خاصة بها تتلقى منها عقائدها ودينها - كما سيأتي -. وهذه الطائفة هي الفرقة الشيعية الكبرى في عالمنا اليوم ولها أتباعها وأنصارها في إيران ولهم في الدولة وفي العراق، والقطيف ولبنان والكويت وباكستان والهند (٣) وليس في مصر ولا في شمال أفريقية شيعة (٤) .\n_________\n(١) «مقالات الإسلاميين»: (١/٨٩) وانظر في سبب التسمية بالرافضة أيضًا: الشهرستاني «الملل والنحل»: (١/١٥٥)، «اعتقادات فرق المسلمين والمشركين»: ص ٧٧، الإسفراييني: «التبصير في الدين»: ص ٣٤، وهناك رأي يقول: (إنما سموا الروافض لكونهم رفضوا الدين) هامش «مقالات الإسلاميين»: (١/٨٩) .\n(٢) «منهاج السنّة»: (٢/١٣٠) الطبعة الأميرية.\n(٣) محمد جواد مغنية: «أهل البيت»: ص ١٠١.\n(٤) علي النشار: «نشأة الفكر الفلسفي»: (٢/٢٨) .","vol":"1","page":173},{"text":"أما بالنسبة لعددهم فلم أجد إحصائية رسمية لهم، وهناك دعاوى من الشيعة مختلفة حول عددهم فمن قائل: إنهم يقربون من سبعين مليونًا (١) ومن قائل: إنهم مائة مليون (٢) ومن زاعم: أنهم يقدرون بمائتي مليون (٣) . والواقع أن الشيعة يحاولون المبالغة في أعدادهم كنوع من الدعاية لمذهبهم، كما يحاولون نسبة الشخصيات الإسلامية البارزة إليهم.\nوهذه الطائفة هي التي نشطت في الدعوة إلى التقريب، وأنشأت بعض المراكز في ديار السنة لهذا الغرض، وأرسلت بعوثها ورسلها إلى ديار السنّة للمناداة بهذه \"الفكرة\".\nوهذه هي الفرقة التي ادعى علماؤها أنه لا يفصلهم عن أهل السنّة كبير شيء، وإنما خلافهم معهم في مسائل الفروع. يقول محمد حسين آل كاشف الغطا (٤): (الشيعة ما هم إلا طائفة من طوائف المسلمين ومذهب من مذاهب الإسلام، يتفقون مع سائر المسلمين في الأصول وإن اختلفوا معهم في بعض الفروع) (٥) وردد هذا الكلام بعض أهل السنّة (٦)، بناء على كلام الشيعة، وأصدر شلتوت فتواه\n_________\n(١) محمد جواد مغنية: «أهل البيت»: ص ١٠١.\n(٢) محمد المهدي الشيرازي: «هكذا الشيعة»: ص ٤، عبد الواحد الأنصاري: «أضواء على خطوط محب الدين الخطيب»: ص ١٣.\n(٣) الخميني: «الحكومة الإسلامية»: ص ١٣٢.\n(٤) محمد حسين كاشف الغطا، من كبار شيوخ الشيعة ومراجعهم المعاصرين، ولد بالنجف سنة ١٢٩٤ هـ وتلقى علومه فيها، ومن تصانيفه: «أصل الشيعة وأصولها»، «الدين والإسلام» وغيرها. توفي سنة ١٣٧٣هـ. انظر: «معجم المؤلفين»: (٩/٢٥٠)، ومقدمة كتاب «أصل الشيعة وأصولها» .\n(٥) «رسالة الإسلام»، السنة الأولى، العدد الأول: (ص ٢٢- ٢٣) .\n(٦) انظر مثلًا: محمد الغزالي في عدة من كتبه: «ظلام من الغرب»: (ص ١٩٣- ١٩٥)، =","vol":"1","page":174},{"text":"بجواز التعبد بمذهبهم الجعفري (١)، لأن الخلاف معهم إنما هو في بعض المسائل الكلامية كما يقول.\nفهل هذه الدعوى حقيقية؟ إن الإجابة على ذلك هي في الدراسة التالية لمصادر القوم في التلقي وعقائدهم وآرائهم من واقع كتبهم الأصيلة والموثقة عندهم، لنتعرف على أسس الخلاف وأوجهه بينهم وبين أهل السنّة من كتبهم نفسها، وتخصيصنا لهذه الطائفة بالدراسة التفصيلية لا لأنها هي الفرقة التي نشطت في الدعوة للتقريب بينهم وبين أهل السنّة فحسب، ولا لأنها الطائفة الشيعية الكبرى فحسب، بل فضلًا عن ذلك فإن بحث أوجه الخلاف بين الشيعة والسنة، ودراسة فكرة التقريب على ضوء ذلك لا بد وأن يعتمد على دراسة لمصادر التلقي عند كل فريق، وإننا نجد طوائف الشيعة: إما طائفة قد تقنعت واستترت بباطنيتها كالإسماعيلية، والدروز، والنصيرية وغيرها من طوائف الباطنية، وهي وإن تكشَّف للأمة كفرها وإلحادها على مرور الزمن، لكنها لا تزال تعيش في سراديب الكتمان والتخفي، فتلك الفئة لا سبيل إلى معرفة مصادرها وكتبها فكيف يمكن أن ندرس فكرة التقارب معها؟.\nوأما الزيدية المعتدلة فقد قال الإمام ابن حزم: (إنهم من أقرب فرق الشيعة لأهل السنة) (٢) والاعتقادات الخطرة في المذهب الزيدي\n_________\n= و«ليس من الإسلام»: (ص ٧٦- ٨٧)، أنور الجندي: «الإسلام وحركة التاريخ»: (ص ٤٣٠- ٤٣١)، بل ذهب البعض من المنتمين لأهل السنّة إلى أبعد من ذلك ودعا إلى أن يأخذ أهل السنّة بما في كتاب «الكافي» للكليني وغيره من كتب الروافض. انظر: سالم البهنساوي: «السنة المفترى عليها»: (ص ٥٨، ٥٩) .\n(١) انظر: صورة الفتوى في «ملحق الوثائق» في هذا البحث.\n(٢) انظر: ص ١٥٥ من هذا البحث.","vol":"1","page":175},{"text":"إنما تعزى إلى الجارودية وهم يدخلون في \"الروافض\"، لأن العبرة بالمسمى لا بالاسم، والزيدية المعتدلة ترجع لمصادر الأمة في التلقي ويمكن أن يحل الخلاف على ضوئها - كما رأينا في مبحث الزيدية - فلم يبق أمامنا سوى الإثني عشرية \"الرافضة\"، وهي اليوم أصبحت معروفة بكتبها ومصادرها ويمكن التعرف عليها من خلال تلك المصادر.\nوذهب جمع من العلماء إلى أن مصطلح الشيعة إذا أُطلق اليوم فلا ينصرف إلا إلى هذه الطائفة - كما سبق - أَمثال كاشف الغطا (١)، وشتروتمان (٢) وأمير علي (٣) وغيرهم. يقول أمير علي - مثلًا -: (أصبحت الإثني عشرية مرادفة للشيعة) (٤) ولهذا يقول د. عرفان عبد الحميد: (إِن البحث في عقائد الشيعة من غير تحديد وحصر للمصطلح لا بد أن يعتمد على كتب الإثني عشرية الإمامية باعتبار أنها تمثل الغالبية من الشيعة) (٥) . فلنبدأ دراستنا لهذه الطائفة وعقائدها من مراجعها الأصيلة (٦) .\n_________\n(١) آل كاشف الغطاء: «أصل الشيعة وأصولها»: ص ٩٢ حيث قال: (يختص اسم الشيعة اليوم على إطلاقه بالإمامية) .\n(٢) «دائرة المعارف الإسلامية»: (١٤/٦٨) .\n(٣) و(٤) أمير علي «روح الإسلام»: (٢/٢٣٨) .\n(٥) «مجلة كلية الدراسات الإسلامية»: العدد الأول ١٣٨٧هـ ص ٣٥.\n(٦) وبناءً على ما سبق ذكره فإنني فيما يأتي من صفحات سأستخدم أحيانًا \"مصطلح الشيعة\" بإطلاق كدلالة على طائفة الإثني عشرية.","vol":"1","page":176},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>الفصل الثاني: اعتقادهم في مصادر التلقي أو في أصول الأحكام المتفق عليها بين المسلمين</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>١- اعتقادهم في كتاب الله:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>(أ) قولهم بتحريفه</span>.\n(ب) انحرافهم في تفسيره.\n(ج) دعواهم تنزل كتب إلهية بعد القرآن.\n(أ) قولهم بتحريفه:\nأجمعت الأُمة على حفظ الله لكتابه العظيم، وأَنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وهو حجة الله الخالدة ومعجزة نبيه الكبرى، وقد تكفل الله سبحانه بحفظه (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (١) وتحدى به الناس جميعًا، فمن حاول المساس به والنيل من قدسيته فإنه بعيد عن الإِسلام وإِن تسمى به، وإِنه يجب كشفه لتعرف الأُمة عداوته لأنه يحارب الإِسلام في أَصله العظيم وركنه المتين.\nإن دعوى \"تحريف القرآن\" هي محاولة يائسة من أعداء المسلمين تستهدف الطعن في دينهم وقرآنهم (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا\n_________\n(١) الحجر: آية ٩.","vol":"1","page":177},{"text":"نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (١)، ذلك أنهم حين لم يستطيعوا أن يحدثوا في كتاب الله أمرًا لأنه فرق منالهم، وكانت سهامهم التي تصوب إليه ترتد إلى صدورهم، حينذاك ادّعوا أنّ في كتاب الله نقصًا وتحريفًا، وما أسهل الادّعاء الكاذب من حاقد موتور، وما كان لهذا \"الادّعاء\" وجود حتى نبتت نابتة الرافضة، وقام دينها على أسس ومبادئ ليس لها في كتاب الله ذكر وبيان، فلم يكن لها من بد إذا أَرادت إقامة مذهبها إِلا الطعن في القرآن ذاته.\nوكان تدبيرهم هذا من أسباب كشفهم وفضحهم بين المسلمين، فكانت قولتهم هذه في كتاب الله هي اليد التي رفعت \"القناع\" الذي يرتدونه بين المسلمين وهو التشيع لآل البيت، ليظهر وجههم الحقيقي المعادي للإسلام والمسلمين.\nوتقوم فريّتهم على القول بأَنّ هذا القرآن ناقص ومحرف، وإِن القرآن الكامل عند علي ابن أَبي طالب، ثم أَورثه (الأئمة من بعده وهو اليوم عند مهديّهم المنتظر) .\nوهذه المقالة الملحدة ممن يزعمون التشيع لعلي، فوق أَنها طعْنٌ في كتاب الله ﷿ ودينه، وطعن في صحابة رسول الله - ﷺ - - هي مع ذلك أكبر طعن في علي - ﵁ - من قوم يزعمون محبته والتشيع له، إذ كيف لم يخرج علي القرآن الكامل الذي جمعه - كما يزعمون - ويعارض به هذا القرآن المحرف؟، ولماذا لم يتدارك الأمر حين أفضت إليه الخلافة؟، ومن\n_________\n(١) التوبة: آية ٣٢.","vol":"1","page":178},{"text":"أقر الخائن على خيانته كان كفاعلها.. وقد حارب علي الخوارج على أقل من هذا.\nلم يجد الروافض ما يجيبون به عن هذا سوى قولهم على لسان عالمهم \"نعمة الله الجزائري\" (١): (ولما جلس أمير المؤمنين ﵇ لم يتمكن من إظهار ذلك القرآن وإخفاء هذا لما فيه من إظهار الشنعة على من سبقه) (٢) .\nهكذا يعتذرون.. وأي قدح أَبلغ من هذا.. أَنهم يتهمون عليًّا (بأَنّه راعي المجاملة لمن سبقه على هداية الأمة، ولهذا لم يخرج ما عنده من القرآن. سبحانك هذا بهتان عظيم.\nهذه فحوى \"الخرافة\" التي وجدت مكانها في دواوين الشيعة ومجاميعهم الحديثية وكتبهم المعتمدة في عشرات من النصوص والروايات، وسنتعرف على هذه \"الخرافة\" عند القوم على المراحل التالية:\n١- كتب الشيعة التي روت أَخبار التحريف.\n٢- النصوص الواردة في كتبهم حول هذه الفرية.\n٣- معتقدهم في هذه النصوص والروايات.\n٤- بداية هذا الافتراء عندهم.\n_________\n(١) نعمة الله بن عبد الله بن محمد بن حسين الحسيني الجزائري الشيعي الإمامي، قال عنه الخوانساري: (كان من أعاظم علمائنا المتأخرين وأفاخم فضلائنا المتبحرين)، وقال فيه محدثهم القمي: (كان عالمًا محققًا مدققًا جليل القدر) - هذا وزن صاحب هذه المقالة الملحدة عندهم - ومن كتبه: «الأنوار النعمانية» وغيره توفي سنة ١١١٢هـ. انظر: «روضات الجنات»: (٤/٢٢٠-٢٢٢)، «الكنى والألقاب»: (٣/٢٩٨) .\n(٢) نعمة الله الجزائري: «الأنوار النعمانية»: (٢/٣٦٢) .","vol":"1","page":179},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>١- كتب الشيعة التي روت أَخبار التحريف:</span>\nأَول كتاب للشيعة يسجل فيه هذا الافتراء هو \"كتاب سليم بن قيس\" الذي يعتبرونه \"أَول كتاب ظهر للشيعة\" (١) وأثنى عليه كثير من علماء الشيعة القدماء والمعاصرين، [وسيكون لنا وقفة مع هذا الكتاب في نهاية حديثنا عن \"فرية التحريف\" باعتباره أَول كتاب توجد فيه هذه الفرية]، ومن كتاب سليم بن قيس تسري الفرية وتنتشر في أُمهات كتب الشيعة المعتمدة عندهم، حتى أن حسين النوري الطبرسي - وهو عندهم إِمام أَئمة الحديث والرجال في الأعصار المُتأخرة ومن أَعاظم علماء الشيعة في هذا القرن (ت ١٣٢٠هـ) - نقل في كتابه \"فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب\" الذي أَلّفه ليثبت - من كتبهم - أنّ القرآن محرف، نقل فيه مجموعة كبيرة من أخبارهم التي تطعن في القرآن، جمعها كما يقول من (الكتب المُعتبرة التي عليها المعول وإليها المرجع عند الأَصحاب) (٢) وقال في موضع آخر: (واعلم أَنّ تلك الأخبار منقولة عن الكتب المعتبرة التي عليها معول أَصحابنا في إِثبات الأَحكام الشرعية والآثار النبوية) (٣) .\nفهذه الكتب التي ذكرت هذه \"الأَخبار\" الملحدة موثقة عندهم، ويتلقون عنها دينهم، ومنسوبة لكبار علمائهم ومحققيهم. ومن هذه الكتب \"صحيحهم الكافي\" الذي هو عندهم كصحيح البخاري عند أَهل السنة ويعتبرونه أَصحّ كتبهم (٤)؛ ويلقبون مؤلفه\n_________\n(١) ابن النديم: «الفهرست»: ص ٣٠٧، ٣٠٨. يلاحظ أن هذه الرسالة كتبت عام ١٣٩٨هـ.\n(٢) «فصل الخطاب»: الورقة ١١٧ (النسخة المخطوطة) .\n(٣) المصدر السابق: الورقة ١٢٦.\n(٤) لأنهم قالوا: (إن الكليني معاصر لوكلاء المهدي وسفرائه الأربعة)، وبناءً على هذا حكموا بأن الأصول التي كانت منابع اطلاعات الكليني قطعية الاعتبار، لأن باب العلم واستعلام حال تلك الكتب بوسيلة سفراء القائم كان مفتوحًا عليه لكونه معهم في بلد واحد بغداد. انظر: «الوحدة الإسلامية» - مقال الشيعي محمد صالح الحائري بعنوان «منهاج عملي للتقريب»: ص ٢٣٣.","vol":"1","page":180},{"text":"- محمد بن يعقوب الكليني [ت ٣٢٨ أو ٣٢٩]- بـ «ثقة الإسلام»، وقد روى الكليني من هذه الأساطير الشيء الكثير (١) . مع أنه التزم الصحة فيما يرويه (٢) ولهذا قرر الكاتبون عنه من الشيعة (أنه كان يعتقد التحريف والنقصان في القرآن، لأنه روى روايات في هذا المعنى في كتابه الكافي ولم يتعرض لقدح فيها، مع أنه ذكر في أول الكتاب أنه يثق بما رواه) (٣)، وقال بعض أَهل السنّة في تعليقه على ذلك: (ولنا أَن نقول إن رأينا فيمن ينقل هذا ويؤمن به أَنه لا يُعدّ من أهل القبلة) (٤)، (وكذلك أُستاذه علي بن إبراهيم القمي (٥) فإنّ تفسيره مملوء منه وله غلو فيه) (٦) وقد صرح بهذا المعتقد في أوّل\n_________\n(١) انظر مثلًا من «الكافي» باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية من الجزء الأوّل ص ٤١٣، وما بعدها، الأرقام التالية: ٨، ٢٣، ٢٥، ٢٦، ٢٧، ٢٨، ٣١، ٣٢، ٤٥، ٤٧، ٥٨، ٥٩، ٦٠، ٦٤، وانظر الجزء الثاني من «الكافي» باب أنّ القرآن يرفع كما أنزل: ص ٦١٩ رقم٢، وباب النوادر: ص ٦٢٧ وما بعدها رقم ٢، ٣، ٤، ١٦، ٢٣، ٢٨ وهذه الروايات - في «الكافي» - صريحة في الطعن في كتاب الله، ولا يمكن حملها على أنها من قبيل القراءات أو التفسير..\n(٢) انظر مقدمة «الكافي»، و«تفسير الصافي» المقدمة السادسة ص ١٤.\n(٣) الفيض الكاشاني: «تفسير الصافي» المقدمة السادسة: ص ١٤.\n(٤) وهو الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه «الصادق»: ص ٤٤٠.\n(٥) علي بن إبراهيم بن هاشم القمي (أبو الحسن)، من مفسري الشيعة ومحدثيهم وفقهائهم، أخذ عنه الكليني. ومن آثاره: «تفسير القرآن» توفي ٣٢٤هـ. ابن النديم: «الفهرست»: ص ٣١١، الطوسي: «الفهرست»: ص ١١٥.\n(٦) الفيض الكاشاني: «تفسير الصافي» - المقدمة السادسة - وانظر من روايات القمي في الطعن في كتاب الله المواضع التالية: (١/٣٦٠)، (١/٣٨٩)، (١/٢١١)، =","vol":"1","page":181},{"text":"تفسيره وملأ كتابه من أخباره، مع التزامه في أوله ألا يذكر فيه إلا مشايخه وثقاته (١)، ومع ذلك فإن كبير علماء الشيعة اليوم \"الخوئي\" يوثق روايات القمي كلها؛ فيقول: (ولذا نحكم بوثاقة جميع مشايخ علي بن إبراهيم الذين روى عنهم في تفسيره مع انتهاء السند إلى أحد المعصومين) (٢) .\nوتشاهد هذه الأساطير عند عالمهم محمد بن الحسن العياشي (٣) في تفسيره المسمى \"تفسير العياشي\" (٤)، وهو من كتبهم المعتمدة (٥) .\nوترى عالِمُهم النوري الطبرسي ينقل بعض النصوص التي تطعن في كتاب الله من كتب أخرى لهم قديمة ومنسوبة لعلمائهم الأوائل،\n_________\n= (٢/٢١٧) وغيرها، ومن تفسير القمي وغيره تنقل التفاسير المتأخرة هذه الأباطيل كـ «تفسير البرهان» لهاشم البحراني، و«تفسير الصافي»: للفيض الكاشاني وغيرهما.\n(١) الطبرسي: «فصل الخطاب»: الورقة ١٣.\n(٢) أبو القاسم الخوئي: «معجم رجال الحديث»: جـ ١ ص ٦٣.\n(٣) محمد بن سعود العياشي (أبو النضر)، عاش في أواخر القرن الثالث، قال عنه شيخهم الطوسي: (جليل القدر واسع الأخبار بصير بالروايات) .. - هذه منزلة صاحب هذا المعتقد الباطل عند القوم - انظر: الطوسي: «الفهرست»: (ص ١٦٣- ١٦٥)، ومقدمة تفسير العياشي للطباطبائي.\n(٤) ومن ذلك المواضع التالية: (١/١٣، ٢٠٦، ١٦٨، ١٦٩) وغيرها.\n(٥) قال عالمهم المعاصر محمد حسين الطباطبائي في شأنه: (أحسن كتاب أُلّف قديمًا في بابه وأوثق ما ورثناه من قدماء مشايخنا من كتب التفسير بالمأثور.. فقد تلقاه علماء هذا الشأن منذ أُلّف إلى يومنا هذا - ما يقرب من أحد عشر قرنًا - بالقبول، من غير أن يذكر بقدح أو يغمض فيه بطرف) مقدمة حول الكتاب ومؤلفه ص ج.","vol":"1","page":182},{"text":"مثل \"الغيبة\" لمحمد بن إبراهيم النعماني (١) وغيره (٢)، بل يزعم الطبرسي أن بعض نصوص التحريف توجد في بعض نسخ نهج البلاغة التي وضعها \"الشريف الرضي\" و(الشيعة.. متفقون على أن ما في نهج البلاغة من كلام أمير المؤمنين علي اعتمادًا على رواية الشريف ودرايته ووثاقته) (٣) هكذا يقولون، مع أن براهين الوضع على الكتاب بينة واضحة في متنه وسنده وكما قرر ذلك المحققون (٤) .\nهذه بعض كتبهم المتقدمة - كما يزعمون - والتي روت أخبار التحريف، ولكن عالم الشيعة في القرن الرابع وصاحب أحد صحاحها الأربعة شيخهم الذي يلقبونه بـ \"الصدوق\" محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي الذي يصفونه بـ \"رئيس المحدثين\" (ت ٣٨١هـ) يقول: (اعتقادنا في القرآن أنه ما بين الدفتين وهو ما في أيدي الناس وليس بأكثر من ذلك، ومن نسب إلينا أنا نقول أكثر من ذلك فهو كاذب) (٥) .\n_________\n(١) هو: محمد بن إبراهيم بن جعفر الكاتب البغدادي النعماني (أبو عبد الله بن أبي زينب)، من مفسري الشيعة ومحدثيهم ومتكلميهم، أخذ عنه الكليني من كتبه: «تفسير القرآن»، «الغيبة» وغيرهما. انظر: «مقدمة الغيبة»، «تهذيب المقال»: ص ٥٦، «معجم المؤلفين»: (٨/١٩٥) .\n(٢) انظر: الطبرسي: «فصل الخطاب»: الورقة ١١٩.\n(٣) الهادي كاشف الغطا: «مستدرك نهج البلاغة»: ص ١٩٠.\n(٤) انظر في بيان وضع الكتاب على علي - ﵁ -: الذهبي: «ميزان الاعتدال»: (١/١٢٤)، ابن حجر: «لسان الميزان»: (٤/٢٢٣)، أحمد أمين: «فجر الإسلام»: (ص ١٤٨- ١٤٩)، «المقتطف»: (جـ٤٢/ص٢٤٨-٢٥٢) سنة ١٣٣١هـ، أحمد صفوت: «ترجمة علي بن أبي طالب»: (ص١٢٢) وما بعدها.\n(٥) «الاعتقادات للصدوق»: عن كتاب محسن الأمين: «الشيعة»: ص ١٦١.","vol":"1","page":183},{"text":"فصدوقهم يكذّب إبراهيم القمي والكليني، والعياشي وغيرهم بهذا الكلام الذي يقرره، وقد يؤخذ من \"شهادة الصدوق\" هذه شيء مهم في هذا؛ وهو أنّ تلك الكتب المنسوبة لأوائل الشيعة والتي حوت تلك الفرية قد زيد فيها وأُضيفت إليها تلك الزندقة وذلك الباطل فيما بعد، ذلك أن صدوقهم لم يقل بوجود هذه الروايات في تلك الكتب وأن هذا الباطل مذهب التقية وكلتا الحالتين شر. والغريب أن هذه \"الفرية\" لم تسلم منها بعض الكتب المنسوبة للصدوق الذي ينفي التحريف حيث نرى بعض هذه الروايات في كتاب الخصال للصدوق (١)، فهل هي مدسوسة في كتابه أم أنّ هذه قرينة على أن الإنكار من قبيل التقية (٢)؟!. وهذه الزندقة تسري في كتبهم وتنتشر، فبعض رواياتها موجودة أيضًا في رجال الكشي (٣) الذي هو عندهم عمدة في علم الرجال (٤) ورجال الكشي الموجود اليوم ليس هو الأصل الذي وضعه الكشي، بل هو من تهذيب الطوسي (مؤلف كتابين من صحاحهم الأربعة توفي ٤٦٠هـ) الملقب عندهم بشيخ الطائفة، فهذا الافتراء رواه الكشي ولم يحذفه الطوسي وهو يهذب الكتاب، فهل هذا قبول له؟ لكن الطوسي ينكر هذا الضلال في تفسيره \"التبيان\" (٥)، غير أن عالِمهم النووي الطبرسي يزعم\n_________\n(١) انظر: «الخصال»: ص ١٧٤.\n(٢) وهذا ما يراه بعض علماء الشيعة الذين يجاهرون بهذا المعتقد الخبيث كنعمة الله الجزائري - كما سيأتي-.\n(٣) انظر من «رجال الكشي» - مثلًا -: ص ٢٩٠ رقم٥١١ (ترجمة أبي الخطاب) .\n(٤) انظر مقدمة «رجال الكشي» .\n(٥) الطوسي: «التبيان»: (١/٣) .","vol":"1","page":184},{"text":"أن تفسير التبيان موضوع على غاية الحذر والمداراة للمخالفين (١) - أي على أسلوب التقية - ويحكم عليه بهذا الحكم لأنه لم يوافق معتقده الباطل في كتاب الله، وينقل من بعض كتب الطوسي ما يمس كتاب الله (٢) وذلك ليثبت أن إنكاره تقية، ويعزو إنكاره مرة أُخرى لهذه الفرية إلى قلة تتبعه الناشىء كما يقول من عدم توفر الكتب عنده (٣) .\nوالشريف المرتضي (٤) - وهو شيعي - ينكر هذه الضلالات التي شملت كتب الشيعة في جواب المسائل الطرابلسيات (٥)، ولهذا استثناه ابن حزم من القائلين بهذه المقالة (٦) التي هوت بها الشيعة.\nوعلى رغم الإنكار من القمي والطوسي والمرتضي، فإن هذا \"الإلحاد\" يسري في كتب القوم، ففي كتاب «الاحتجاج» لأحمد بن أبي طالب طبرسي (٧) - وهو غير الطبرسي صاحب مجمع البيان (٨) -\n_________\n(١) «فصل الخطاب»: الورقة ١٧.\n(٢) مثل ما نقله عن كتاب «المصباح» للطوسي، الورقة ١٢٢.\n(٣) «فصل الخطاب» الطوسي: الورقة ١٧٥.\n(٤) علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب (الشريف المرتضي أبو القاسم علم الهدى)، فقيه مفسر أُصولي إمامي معتزلي، من كتبه: «الشافي» وغيره. توفي سنة ٤٣٦هـ. «البداية والنهاية»: (١٢/٥٣)، و«معجم المؤلفين»: (٧/٨١) .\n(٥) انظر\" الطبرسي: «مجمع البيان»: (١/١٥) حيث نقل قول المرتضي من كتابه المذكور.\n(٦) «الفصل»: (٥/٢٢) .\n(٧) أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي الشيعي (أبو منصور) من كتبه: «الاحتجاج»، توفي في حدود ٦٢٠ هـ، «معجم المؤلفين»: (٢/١٠) .\n(٨) لأن صاحب «مجمع البيان» ينكر هذه المقالة، وفي كتاب «نشأة الشيعة» لنبيلة داود =","vol":"1","page":185},{"text":"روايات عديدة في تأييد هذا الباطل، وقبل ذلك نرى هذه الأسطورة عند شيخهم المفيد (ت ٤١٣) - حيث بذكر بعض رواياتها في كتابه «الإرشاد»، وهو من كتبهم المعتبرة كما سيأتي، كما يقرر هذا الضلال في كتابه «أوائل المقالات»، ويعترف باستفاضة \"رواياته\" من طرقهم، وأوائل المقالات من كتبهم المعتمدة في العقيدة كما يؤكد ذلك بعض شيوخهم المعاصرين (١)، كما أن الروايات في هذا \"الباطل\" منتشرة في كثير من كتب التفسير عندهم كتفسير البرهان (٢)، والصافي (٣) وغيرهما. وفي دواوين الأخبار عندهم كـ «الوافي»، وكـ «البحار» (٤) - الذي حوى من هذا الضلال فأوعى - وغيرهما.\nكما تتكرر أخبار التحريف في كثير من كتبهم المعتمدة عندهم، وقد ذكر شيخهم الطبرسي في كتابه «فصل الخطاب» كثيرًا من هذه الكتب (٥) - غير ما مر - وإن كان هناك من شيوخ الشيعة من ينكر هذا \"الإلحاد\"، لكن تبقى مع ذلك الكتب التي روت هذه الزندقة، والشيوخ الذين جاهروا بهذا الاعتقاد موضع احترام وتقدير من الشيعة كلهم.\nولم تكتف العناصر المجوسية التي لبست ثوب التشيع زورًا وبهتانًا بذلك، بل وضعت هذه الأساطير في كتب مستقلة باسم التغيير\n_________\n= (شيعية) خلط بين الرجلين: (ص ٣٩-٤٠) .\n(١) محمد جواد مغنية: «الشيعة في الميزان»: ص ١٤.\n(٢) انظر من «تفسير البرهان»: (١/٢٢، ٢٧٧، ٢٧٩، ٣٢٥)، وغيرها.\n(٣) انظر من «تفسير الصافي»: (١/٢٥٤، ١١٣)، وانظر المقدمة السادسة من تفسير الصافي نفسه.\n(٤) انظر من «البحار»: (جـ٧/٣٧٧، ٤٦)، (جـ ٢١/٩٥)، (جـ١٩/٣٠)، (جـ٩٣/٢٦، ٢٧، ٢٨) وغيرها.\n(٥) «فصل الخطاب»: الورقة ١٢٢، ١٢٣.","vol":"1","page":186},{"text":"والتحريف وغيره. وممن وضع هذا الإلحاد في مؤلف شيخهم الثقة - عندهم - أحمد بن محمد البرقي عند شيخهم الطوسي، من كتبه كتاب التحريف (١) ومنهم والده الثقة - عندهم - محمد بن خالد عد النجاشي من كتبه «التنزيل والتغيير»، ومنهم شيخهم الثقة الذي لم يعثر له على زلة في الحديث - كما ذكروا - علي بن الحسن بن فضال عد من كتبه كتاب «التنزيل من القرآن والتحريف»، ومنهم محمد بن الحسن الصيرفي في الفهرست له كتاب «التحريف والتبديل»، ومنهم أحمد بن محمد بن سيار عد الشيخ (٢) والنجاشي من كتبه كتاب «القراءات» ونقل عنه ابن ماهيار الثقة - عندهم - في تفسيره كثيرًا، وكذا الشيخ حسن بن سليمان الحلي تلميذ الشهيد في مختصر البصائر وسماه «التنزيل والتحريف»، ومنهم الثقة الجليل - عندهم - محمد بن العباس بن علي بن مروان الماهيار المعروف بابن الحجام صاحب التفسير المعروف - لهم -.. له كتاب «قراءة أمير المؤمنين»، وكتاب «قراءة أهل البيت» وقد أكثر من نقل أخبار التحريف في كتابه.\nومنهم أبو طاهر عبد الواحد بن عمر القمي، ذكر ابن شهراشوب في معالم العلماء أن له كتابًا في قراءة أمير المؤمنين (٣) .\nوفي هذا العصر ألف الرافضي حسين الطبرسي كتاب «فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب»، وأبان عن غرضه المجوسي في مقدمة كتابه حيث قال: (فيقول العبد المذنب المسيء حسين بن\n_________\n(١) «الفهرست»: ص ٤٥.\n(٢) الشيخ إذا أطلق في كتب الشيعة فيعنون به شيخهم (الطوسي) .\n(٣) الطبرسي: «فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب»: الورقة ٢٩، ٣٠، (مخطوط)، وهذه الكتب - المجوسية - لا يوجد لها اليوم عين ولا أثر كما يعترف بذلك صاحب «فصل الخطاب» نفسه. «المصدر السابق»: الورقة ٣٠.","vol":"1","page":187},{"text":"محمد تقي الدين الطبرسي جعله الله من الواقفين ببابه المتمسكين بكتابه! هذا كتاب لطيف وسفر شريف عملته في إثبات تحريف القرآن وفضائح أهل الجور والعدوان وسميته «فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب» . وأودعت فيه من بدائع الحكمة ما تقر به كل عين، وأرجو ممن ينتظر رحمته المسيئون أن ينفعني يوم لا ينفع مال ولا بنون) (١) .\nانظر كيف تتقنع \"المجوسية\" بمسوح الرياء والكذب لخداع الأغرار والبسطاء عن الهدف الخبيث الذي تسعى إليه.\nوقد طبع هذا الكتاب على الحجر في إيران سنة ١٢٩٨ وعليه خاتم الدولة الإيرانية الرسمي.\nوالمؤلف يحظى بتعظيم الشيعة، حتى اعتبروا كتابه «مستدرك الوسائل» مرجعًا من مراجعهم في الحديث، قالوا: (وأصبح في الاعتبار كسائر المجاميع الحديثية المتأخرة) (٢)، وبعد أن مات هذا الطبرسي وضعوه في أشرف بقعة - عندهم - بين العترة والكتاب، يعني في الإيوان الثالث عن يمين الداخل إلى الصحن الشريف من باب القبلة (٣) (في النجف) .\nويذكر إحسان إلهي ظهير أنه: (في القارة الهندية) صنف الشيعة كتبًا عديدة في إثبات وإظهار هذه العقيدة الباطلة؛ فقد ألف ميرزا سلطان أحمد الدهلوي «تصحيف كاتبين ونقص آيات كتاب مبين»، ومحمد مجتهد\n_________\n(١) «فصل الخطاب»: الورقة ١.\n(٢) ولا تعجب أن تصبح مؤلفاتهم المعاصرة مراجع في الروايات عن أئمة في القرن الأول، بعد أن ساد الطعن في القرآن كتبهم التي يعتبرونها مقدسة.\n(٣) أغا بزرك الطهراني: «أعلام الشيعة» القسم الثاني من الجزء الأول: ص ٥٥٣.","vol":"1","page":188},{"text":"اللكنوي «ضربة حيدرية» وغيرها (١) . والكيد المجوسي لا ينتهي ولكن سيكفيكهم الله وهو السميع العليم، ولن يضروا الله شيئًا والله يحفظ كتابه ودينه، ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين، فها هي مؤامراتهم ومكائدهم تندحر وترتد على أعقابها، وتصبح فضيحة كبرى لهم يحاولون التستر عليها الآن بكل وسيلة، ويبقى كتاب الله في حفظ الله وكنفه فوق كيد الكائدين، ويرجع أصحاب الكيد بالخزي والذل والصغار، وفي هذا آيات للمؤمنين. فلا قرآن يوجد إلا هذا القرآن العظيم، وتبقى هذه الدعاوى فضيحة لأصحابها، وعلى مر الزمن واستفحال الكيد تتجدد معجزة الوعد الإلهي في حفظ هذا القرآن العظيم (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (.\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>٢- النصوص الواردة في كتبهم:</span>\nالنصوص المجوسية التي تطعن في كتاب الله ﷿ قد كثرت في كتب \"الشيعة\" ومصادرها في الحديث كثرة عجيبة، حتى إن عالمهم المجلسي صاحب «بحار الأنوار» جعلها في الكثرة والتواتر تساوي أخبار الإمامة التي هي لب التشيع وجوهره، ورأى أن ترك الاعتماد على أخبار التحريف يستلزم عندهم رفع الاعتماد على أخبارهم - رأسًا -.\nيقول: (وعندي أن الأخبار في هذا الباب متواترة معنىً، وطرْح جميعها يوجب رفع الاعتماد عن الأخبار رأسًا بل ظني أن الأخبار في هذا الباب لا تقصر عن أخبار الإمامة) (٢) . وقال شيخهم المفيد:\n_________\n(١) «الشيعة والسنّة»: ص ١٥٠.\n(٢) «مرآة العقول»: (٢/٥٣٦) .","vol":"1","page":189},{"text":"(إن الأخبار قد جاءت مستفيضة عن أئمة الهدى من آل محمد - ﵌ - باختلاف القرآن وما أحدثه بعض الظالمين فيه من الحذف والنقصان) (١)، ويقول عالمهم الطبرسي عن أخبارهم في الطعن في القرآن: (وهي كثيرة جدًا حتى قال السيد نعمة الله الجزائري في بعض مؤلفاته كما حكي عنه أن الأخبار الدالة على ذلك تزيد على ألفي حديث) (٢)، وقال ثقتهم محمد صالح المازندراني (ت ١٠٨١): (.. وإسقاط بعض القرآن وتحريفه ثبت من طرقنا بالتواتر معنىً، كما يظهر لمن تأمل في كتب الأحاديث من أولها إلى آخرها) (٣) .\nوقال شيخهم نعمة الله الجزائري: إن القول بصيانة القرآن وحفظه: (يفضي إلى طرح الأخبار المستفيضة، بل المتواترة الدالة بصريحها على وقوع التحريف في القرآن.. مع أن أصحابنا - رضوان الله عليهم - قد أطبقوا على صحتها والتصديق بها) (٤) .\nويرى عالمهم الطبرسي أنه لا ينبغي عندهم النظر في أسانيدها لتواترها من طرقهم، يقول: (إن ملاحظة السند في تلك الأخبار الكثيرة توجب سد باب التواتر المعنوي فيها، بل هو أشبه بالوسواس الذي ينبغي الاستعاذة منه) (٥) .\nوالخوئي مرجع الشيعة في العراق وغيره - اليوم - يقول: (إن كثرة الروايات - على وقوع التحريف في القرآن - تورث القطع\n_________\n(١) المفيد: «أوائل المقالات»: ص ٩٨.\n(٢) الطبرسي: «فصل الخطاب»: ص ١٢٥ (مخطوط) .\n(٣) محمد المازندراني: شرج جامع «الكافي»: (١١/٧٦) .\n(٤) نعمة الله الجزائري: «الأنوار النعمانية»: (٢/٣٥٧، ٣٥٨) .\n(٥) «فصل الخطاب»: الورقة ١٢٤ (مخطوط) .","vol":"1","page":190},{"text":"بصدور بعضها عن المعصومين ولا أقل من الاطمئنان بذلك، وفيها ما روي بطريق معتبر..) (١) .\nويقول شيخهم محسن الكاشاني: (المستفاد من الروايات من طريق أهل البيت أن القرآن الذي بين أظهرنا ليس بتمامه كما أُنزل على محمد، بل منه ما هو خلاف ما أنزل الله، ومنه ما هو مغير محرف، وأنه قد حذف منه أشياء كثيرة منها: اسم علي في كثير من المواضع ومنها لفظة آل محمد غير مرة، ومنها أسماء المنافقين في مواضعها، ومنها غير ذلك، وأنه ليس أيضًا على الترتيب المرضي عند الله وعند رسوله) (٢) .\nوبعد هذه \"الاعترافات\" من علمائهم وأساطينهم أجدني غير محتاج إلى الإكثار من الأمثلة والشواهد (٣) من كتبهم، ففي هذه الشهادات كفاية وعبرة لتورط القوم. وسنذكر فيما يلي بعض الأمثلة والشواهد التي تصور هذه العقيدة عندهم.\nروى الكليني في «الكافي» عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله «أن القرآن الذي جاء به جبرائيل (إلى محمد ﵌ سبعة عشر ألف آية) (٤) . وآيات القرآن - كما هو معروف - لا تتجاوز ستة آلاف آية إلا قليلًا.\n_________\n(١) الخوئي: «البيان»: ٢٢٦، ولم يستطع الخوئي رد هذه الروايات وحاول تأويلها بما سيأتي ذكره ومناقشته في باب (آراء دعاة التقريب) .\n(٢) محسن الكاشاني: «تفسير الصافي» - المقدمة السادسة.\n(٣) وقد جمعت منها \"مادة كبيرة\" يعلم الله كم تألمت وأنا أقرأها وأجمعها، وكم أشفقت على قوم اعتمدوا في دينهم على كتب حوت هذا \"الغثاء\".\n(٤) الكليني: «أصول الكافي» كتاب فضل القرآن، باب النوادر: (٢/١٣٤) .","vol":"1","page":191},{"text":"وقد حكم علماء الشيعة بصحة هذه \"الأسطورة\"؛ قال المجلسي: (فالخبر صحيح) (١) وقال صاحب الشافي: (إنه موثق كالصحيح) (٢)، وأماطوا اللثام عن معناه الساقط؛ قال المازندراني: (إن آي القرآن ستة آلاف وخمسمائة.. (٣) والزائد على ذلك مما سقط بالتحريف..) (٤) وقال المجلسي: (إن هذا الخبر وكثيرًا من الأخبار الصحيحة صريحة في نقص القرآن وتغييره) (٥) .\nوهذه \"الأسطورة\" رويت بلفظ (عشرة آلاف آية) كما في الوافي (٦)، ثم تطور العدد إلى (سبعة عشر ألف آية) كما في الكافي (٧)، ثم تطور الأمر إلى (ثمانية عشر ألف آية) كما في كتاب سليم بن قيس (٨) .\nوقد وضع صاحب الوافي احتمالًا مقبولًا لتفسير الرواية السالفة بعد ذكره لبعض الاحتمالات الساقطة - حيث ذكر روايته لأسطورته بلفظ (عشرة آلاف آية)، قال: (أو يكون - أي العدد الزائد عما في القرآن - مما نسخ تلاوته) (٩)، ولكن شيخ الشيعة ومرجعها اليوم\n_________\n(١) «مرآة العقول شرح الأصول والفروع»: (٢/٥٣٦) .\n(٢) «الشافي شرح أصول الكافي»: (٧/٢٢٧) .\n(٣) هذا العدد الذي ذكره لآيات القرآن لم أجد له ذكرًا ضمن الأقوال المأثورة في عدد الآي: انظر «تفسير القرطبي»: (١/٦٤، ٦٥)، «الإتقان»: (١/٨٩)، الفيروزآبادي: «بصائر ذوي التمييز»: (١/٥٥٩، ٥٦٠) .\n(٤) شرح جامع على «الكافي»: (١١/٧٦) .\n(٥) «مرآة العقول»: (٢/٥٣٦) .\n(٦) محسن الكاشاني: «الوافي» المجلد الثاني: (جـ١/ص٢٧٤) .\n(٧) الكليني: «أصول الكافي»: (٢/١٣٤) .\n(٨) انظر: المازندراني: «شرح جامع»: (١١/٧٦) .\n(٩) «الوافي» المجلد الثاني: (جـ١/ص٢٧٤) .","vol":"1","page":192},{"text":"«الخوئي» (١) وهو يتظاهر بالدفاع عن القرآن يرى أن القول بنسخ التلاوة هو قول بالتحريف (٢)، وكأنه أراد أن يوصد هذا الباب ويرد هذه القاعدة الثابتة ليثبت عقيدة في نفسه يخفيها.. وهو كيد باطني مستتر.\nوترد روايات كثيرة عندهم تتحدث عن مصحف لعلي يغاير المصحف الموجود جمعه بنفسه، ويعقد الكليني بابًا في هذا يسميه (باب أنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة ﵈)، ويذكر فيه ست روايات من رواياتهم، منها ما يرويه جابر الجعفي أنه سمع أبا جعفر يقول: (ما ادعى أحد من الناس أنه جمع القرآن كله كما أنزل إلا كذاب، وما جمعه وحفظه، كما نزله الله تعالى إلا علي بن أبي طالب والأئمة من بعده) (٣) .\nوشيخ الشيعة اليوم «الخوئي» - وهو يزعم أنه يدافع عن القرآن - يرى: أن وجود مصحف لعلي يغاير القرآن الموجود في ترتيب السور، وفي اشتماله على زيادات ليست في القرآن مما لا ينبغي الشك فيه (٤) .\nوترد عن الطبرسي في كتابه «الاحتجاج» رواية تتحدث عن جمع علي للقرآن وعرضه هذا المجموع على الصحابة وموقفهم من ذلك وهي أسطورة - مضحكة - ما كان لنا أن نأتي بها لولا أن الكتاب والمؤلف\n_________\n(١) هو إمامهم الأكبر زعيم الحوزة العلمية عندهم، سيدهم أبو القاسم الموسوي الخوئي، يعيش حاليًا في العراق، من مؤلفاته: «البيان في تفسير القرآن» .\n(٢) الخوئي: «البيان»: ص ٢٠١.\n(٣) الكليني: «الكافي»: (١/٢٣٨) .\n(٤) ثم يحاول أن ينجو بنفسه وشيعته من دخولهم في دائرة هذه العقيدة الملحدة في القرآن فيقول: (إن تلك الزيادات كانت تفسيرًا بعنوان التأويل أو بعنوان التنزيل من الله شرحًا للمراد) «البيان»: ص ٢٢٣. ولاحظ قوله (من الله) لتدرك أن الرجل لا يريد أن يردَّ هذه الأسطورة، بل يريد إثباتها بطائفته بطرق ملتوية، ذلك أن هذه الزيادات إذا كانت من الله فلا يختلف الأمر بين النص والتأويل، ومن يغير ويبدل في أحدها ويبدل في الآخر، بل يبدل في النص من باب أولى (كبرت كلمة تخرج من أفواههم أو تسطرها أقلامهم إن يقولون إلا كذبًا وبهتانًا) .","vol":"1","page":193},{"text":"محل ثقة الشيعة (١)، حتى قبلوا مراسيله عن الأئمة في القرن الأول - مع أنه من القرن السادس - يقول المؤلف في مقدمة كتابه: (ولا نأتي في أكثر ما نورده من الأخبار بإسناد إما لوجود الإجماع عليه، أو لاشتهاره في السير والكتب بين المخالف والمؤالف) (٢) وعلى هذا اعتمدوا على الكتاب، يقول عالمهم المعاصر.. أغابزرك الطهراني (٣): (فهو من الكتب المعتبرة التي اعتمد عليها العلماء الأعلام كالعلامة المجلسي والمحدث الحر وأضرابهما) (٤) كما وثقه غيره من علمائهم (٥)، تقول \"الأسطورة\": (وفي رواية أبي ذر الغفاري أنه قال لما توفي رسول الله - ﷺ - وآله، جمع علي - ﵁ - القرآن وجاء به إلى المهاجرين والأنصار وعرضه عليهم، لما قد أوصاه بذلك رسول الله - ﷺ - وآله فلما فتحه أبو بكر خرج في أول صفحة فتحها فضائح القوم فوثب عمر وقال: يا علي أردده فلا حاجة لنا فيه، فأخذه (وانصرف، ثم أحضروا زيد بن ثابت - وكان قارئًا للقرآن - فقال له عمر: إن عليًا جاء بالقرآن وفيه فضائح المهاجرين والأنصار، وقد رأينا أن نؤلف القرآن ونسقط ما كان فيه فضيحة وهتك للمهاجرين والأنصار، فأجابه زيد إلى ذلك، ثم قال: فإن أنا\n_________\n(١) ولهذا بالغوا في الثناء على المؤلف؛ قال الحر العاملي عنه: (عالم فقيه فاضل محدث ثقة)، وقال الخوانساري أنه: (من أجلاء أصحابنا المتقدمين) . انظر: مقدمة الكتاب لمحمد بحر العلوم ص. ب.\n(٢) مقدمة المؤلف: ص٤.\n(٣) وهو مؤلف «الذريعة إلى تصانيف الشيعة»، «وطبقات أعلام الشيعة» وغيرهما، توفي سنة ١٣٨٩هـ.\n(٤) «الذريعة»: (١/٢٨١) .\n(٥) كالخوانساري الذي قال: كتاب الاحتجاج معتبر معروف بين الطائفة. «روضات الجنات»: (١/١٩)، ووثقه المجلسي في «البحار»: (١/٢٨) وغيرهما.","vol":"1","page":194},{"text":"فرغت من القرآن على ما سألتهم وأظهر عليٌّ القرآن الذي ألفه أليس قد بطل كل ما عملتم؟ قال عمر: فما الحيلة؟ قال زيد: أنتم أعلم بالحيلة، فقال عمر: ما حيلته دون أن نقتله ونستريح منه، فدبر في قتله على يد خالد بن الوليد فلم يقدر على ذلك، فلما استخلف عمر سأل عليًّا (أن يدفع إليهم القرآن فيحرفوه فيما بينهم، فقال: يا أبا الحسن، إن جئت بالقرآن الذي قد كنت جئت به إلى أبي بكر حتى نجتمع عليه، فقال: (هيهات، ليس إلى ذلك سبيل، إنما جئت به إلى أبي بكر لتقوم الحجة عليكم ولا تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا ما جئتنا به، إن القرآن الذي عندي لا يمسه إلا المطهرون والأوصياء من ولدي، قال عمر: فهل لإظهاره وقت معلوم؟ فقال (: نعم، إذا قام القائم من ولدي يظهره، ويحمل الناس عليه فتجرى السنّة به صلوات الله عليه) (١) .\nوهذه الرواية التي تطعن في كتاب الله ليست هي الرواية الوحيدة في الكتاب، بل هي واحدة من أكثر من عشر روايات، قال عالمهم الطبرسي - وهو يعدد من قال بالتحريف من علمائهم -: (والشيخ أحمد بن أبي طالب الطبرسي في كتاب «الاحتجاج»، وقد ضمن ألاّ ينقل فيه إلا ما وافق الإجماع واشتهر بين المخالف والمؤالف ودلت عليه العقول، وقد روى فيه - أي في التحريف - أزيد من عشرة أحاديث صريحة في ذلك (٢) .\n_________\n(١) الطبرسي: «الاحتجاج»: (١/٢٢٥ - ٢٢٨)، والمجلسي نقل هذه \"الأسطورة\" في «بحار الأنوار» من «الاحتجاج» . «البحار»: (٨/٤٦٣)، وذكر أن \"صدوقهم\" ابن بابويه القمي رواها باختصار (المصدر السابق) .\n(٢) «فصل الخطاب»: الورقة ٣٢ (المخطوط) .","vol":"1","page":195},{"text":"وفي النص السالف الذكر تظهر بعض الدوافع والأسباب وراء وضع هذه النصوص التي تنال من كتاب الله؛ يظهر هذا من قوله: (فلما فتحه أبو بكر خرج في أول صفحة فتحها فضائح القوم..) وقوله: (وقد رأينا أن نؤلف القرآن ونسقط منه ما كان فيه فضيحة وهتك للمهاجرين والأنصار..) .\nفالحقد الذي أكل قلوب المجوسية إزاء صحابة رسول الله - ﷺ - الذين فتحوا بلادهم ونشروا الإسلام بينهم جعلهم ينفثون هذه الأحقاد والضغائن في سب أولئك الصحب والطعن فيهم، ولكن آيات الله التي تتلى على مر الزمن وهي تثني على صحابة رسول الله - ﷺ - وتعلي من شأنهم وتنشر فضائلهم قد كشفت كيدهم وردته في نحورهم، فلم يكن أمامهم إلا القول بأن الصحابة قد أسقطوا من الكتاب فضائح المهاجرين والأنصار.. وأرادوا بهذه القولة التستر على مذهبهم فكانت من أسباب انكشافهم وهتك أستارهم ورفع القناع عن وجوههم الحقيقية المعادية للإسلام والمسلمين، فها هم يحاولون التستر عليها بكل وسيلة.\nكما تدل هذه الرواية على أن القرآن الكامل في اعتقادهم إنما هو عند إمامهم المنتظر، وأن الذي قام بتحريف القرآن الموجود هو أبو بكر، وعمر، وزيد بن ثابت. وعالمهم الطبرسي يزيد آخرين فيقول: (والذين باشروا هذا الأمر الجسيم هم أصحاب الصحيفة: أبو بكر وعمر وعثمان وأبو عبيدة وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف واستعانوا بزيد بن ثابت) (١) .\n_________\n(١) «فصل الخطاب»: الورقة ٧٣.","vol":"1","page":196},{"text":"وهذه الأسطورة من وضع من لا يُحسن الوضع، فهي تقول إن الصحابة حين أرادوا تحريف القرآن تخوفوا من أن ينكشف أمرهم بإخراج علي للقرآن الكامل، لهذا دبروا لقتله على يد خالد، ولكن هذه الأسطورة تقول إنه لم يستطع قتله إذن لماذا لم يُخرج علي القرآن ما دامت مؤامرتهم في قتله قد فشلت؟، وإذا كان يخشى منهم لأن السلطة بأيديهم فلماذا لم يخرجه أثناء خلافته؟، هذا ما ينسف كل ما بنوه وشيدوه من \"أساطير\" (١) .\nويروون عن أبي عبد الله (جعفر الصادق) أنه قال: (لو قرئ القرآن كما أُنزل لألفينا مسمين) (٢) . وعن ميسرة عن أبي جعفر (قال: (لولا أنه زيد في كتاب الله ونقص منه ما خفي حقنا على ذي حجي) (٣) .\nومن هذين النصين ينكشف سبب آخر وراء قولهم بهذه \"الفرية\"، فالإمامة التي جعلوها صنو النبوة، والأئمة الذين ملئوا الدنيا حديثًا عنهم، وأن الإيمان بهم هو كالإيمان بالصلاة والزكاة وأن من جحد إمامة أحدهم فكأنما جحد نبوة رسول الله - ﷺ - أو غيره من الأنبياء - كما سيأتي - هذا الأمر لم يرد له ذكر في كتاب\n_________\n(١) إن الواقف المتأمل أمام النصوص لتحليلها والكشف عن مرامي الفئات الباطنية والمجوسية من خلالها تتجلى له أهداف الباطنية الملحدة، لأن تلك النصوص ناطقة بنفسها، وفي ظني أن الدراسة المتأملة لنصوص القوم ستميط اللئام عن كثير من أساليبهم ومؤامراتهم في حرب الإسلام والمسلمين.\n(٢) «تفسير العياشي»: (١/١٣)، وانظر: هاشم البحراني «البرهان»: (١/٢٢)، المجلسي: «البحار»: (١٩/٣٠)، الخوئي: «البيان»: ص ٢٣٠.\n(٣) «تفسير العياشي»: (١/١٣)، هاشم البحراني: «البرهان»: (١/٢٢)، المجلسي: «البحار»: (١٩/٣٠) .","vol":"1","page":197},{"text":"الله. وفي النصين السابقين شهادة من الشيعة نفسها على أنه ليس لأمر أئمتهم ذكر في كتاب الله. وهذه \"الظاهرة\" تنسف بنيانهم من القواعد، وتهدد جمعهم بالفشل، ومساعيهم بالبوار، فلم يكن أمامهم من مسلك إلا القول بالتحريف، ولهذا شهد إمامهم المجلسي - كما مر - أن أخبار التحريف عندهم لا تقل عن أخبار الإمامة وأنه إذا لم يثبت التحريف فلا تثبت الإمامة وغيرها من عقائد الشيعة. وقد أصاب المجلسي، فالتحريف لم يقع، ومسألة الإمامة لم تثبت، والرجعة كذلك وغيرها مما شذت به الشيعة.\nوفي سبيل (إثبات دعوى إمامة الأئمة) يدّعون أن هناك كلمات وآيات محذوفة من كتاب الله.\nروى الكليني في الكافي بإسناده عن أبي جعفر - (- قال: نزل جبرائيل بهذه الآية على محمد؟ هكذا: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا - في علي - فأْتوا بسورة من مثله) (١) .\nوعن جابر الجعفي عن أبي جعفر (قال: هكذا نزلت هذه الآية: (ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به - في علي - لكان خيرًا لهم) (٢) .\nوعن أبي بصير عن أبي عبد الله في قول الله (: (ومن يطع الله ورسوله - في ولاية علي وولاية الأئمة من بعده - فقد فاز فوزًا عظيمًا) هكذا نزلت (٣) .\n_________\n(١) «الكافي»: باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية: (١/٤١٧) .\n(٢) المصدر السابق: (١/٤٢٤) .\n(٣) المصدر السابق: (١/٤١٤) .","vol":"1","page":198},{"text":"وعن أبي عبد الله (ع) في قوله الله (: (فستعلمون من هو في ضلال مبين أيا معشر المكذبين حيث أنبأتكم رسالة ربي في ولاية علي - ﵁ - والأئمة من بعده من هو في ضلال مبين) هكذا نزلت (١) .\nويروي الكليني بإسناده عن أبي الحسن (ع) قال: (ولاية علي مكتوبة في جميع صحف الأنبياء ولن يبعث الله رسولًا إلا بنبوة محمد صلى الله عليه وآله ووصية علي - ﵁ -) (٢) .\nويقول عالمهم - الطبرسي -: (روى الشيخ الفقيه شاذان بن جبرائيل القمي في كتاب الروضة والفضائل قال - وبالإسناد يرفعه إلى الثقات الذين كتبوا الأخبار - أنهم أوضحوا ما وجدوا وبأن لهم من أسماء أمير المؤمنين ثلثمائة اسم \"٣٠٠\" في القرآن، منها ما رواه بالإسناد الصحيح عن ابن مسعود في قوله: إن عليًّا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه، وقوله: إن عليًّا للهدي) (٣) . وافتراءاتهم في هذا كثيرة لا مجال للمزيد منها.\nوفي سبيل تأييد عقيدتهم الفاسدة في أصحاب رسول الله - ﷺ - تتحدث أساطيرهم عن كلمات وآيات مزعومة تنال من الصحابة - رضوان الله عليهم.\nومن ذلك ما رواه الكليني بإسناده إلى أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: دفع إليّ أبو الحسن (مصحفًا وقال: لا تنظر فيه،\n_________\n(١) المصدر السابق: (١/٤٢١) .\n(٢) المصدر السابق: (١/٤٣٧) .\n(٣) الطبرسي: «فصل الخطاب»: ص ١١٦.","vol":"1","page":199},{"text":"ففتحته وقرأت فيه: (لم يكن الذين كفروا) فوجدت فيها اسم سبعين رجلًا من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم، قال: فبعث إليّ: ابعث إليّ بالمصحف (١) .\nوفي تفسير العياشي في قوله سبحانه: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) يقول العياشي فيما يرويه عن جابر الجعفي عن محمد بن علي - ﵁ -..: (وإنما نزلت: ألم تر إلى فلان وفلان - يعنون أبا بكر وعمر ﵄ - لقوا عليًّا وعمارًا فقالا إن أبا سفيان وعبد الله بن عامر وأهل مكة قد جمعوا لكم فاخشوهم وزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل) (٢) .\nالسياق غير منسجم وهذا دليل إفك الشيعة، فالضمائر غير متطابقة مع مراجعها، والصواب يقتضي (لقيا) - (لكما) - (فاخشياهم) - (وزادهما) - (وقالا) .\nوتمضي افتراءاتهم فتخترع سورًا تزعم أنها محذوفة من كتاب الله، قال شيخهم الطبرسي: (نقصان السورة وهو جائز كسورة الحفد، وسورة الخلع وسورة الولاية) (٣)، ثم في موضع آخر نقل سورة الولاية وقال: (إن الشيخ محمد بن علي بن شهراشوب المازندراني ذكر في كتاب المثالب على ما حكي عنه أنهم أسقطوا من القرآن تمام سورة الولاية، ونقل نصها في كتابه فصل الخطاب عن كتاب دبستان مذاهب وهي كما نقلها:\n_________\n(١) الكليني: «الكافي» كتاب فضل القرآن، باب النوادر: (٢/٦٣١) .\n(٢) «تفسير العياشي»: (١/٢٠٦)، وانظر: هاشم البحراني «البرهان»: (١/٣٢٥)، ومحسن الكاشاني: «الصافي»: (١/٣١٣)، والمجلسي: «البحار»: (٢١/٩٥) .\n(٣) «فصل الخطاب»: النوري الطبرسي: ص ٢٤.","vol":"1","page":200},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم \"يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالنورين أنزلناهما يتلوان عليكم آياتي ويحذرانكم عذاب يوم عظيم، نوران بعضهما من بعض وأنا السميع العليم. إن الذين يوفون ورسوله في آيات (كذا) لهم جنات نعيم، والذين كفروا من بعدما آمنوا بنقضهم ميثاقهم، وما عاهدهم الرسول عليه يقذفون في الجحيم، ظلموا أنفسهم وعصوا الوصي الرسول أولئك يسقون من حميم..\" (١) .\nوتمضي \"سورتهم\" الموضوعة على هذا النمط - كما ستراها بكاملها في ملحق الوثائق - وكلماتها تذكرك بأساطير مسيلمة؛ ركاكة لفظ، وسقوط معنى واضطراب سياق.. ويبدو أن واضعها - هي وغيرها من كثير من تلك الزيادات على آيات الله - أعجمي، فهي لا تستقيم قراءة ومعنى، وفي كلماتها ومعانيها هبوط عن مستوى أداء الإنسان العادي.\nوتطاول افتراءاتهم على كتاب الله إلى أكثر من دعوى سقوط بعض الآيات والسور، حتى إنهم ليزعمون أن القرآن قد أُسقط منه في موضع واحد من سورة النساء أكثر من ثلثه فيزعم صاحب الاحتجاج أن عليًا - برأه الله مما يفترون - قال لأحد الزنادقة - في محاورة طويلة -: (.. وأما ظهورك على تناكر قوله تعالى: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء (وليس يشبه القسط في اليتامى نكاح النساء ولا كل النساء أيتام فهو مما قدمت ذكره من إسقاط المنافقين من القرآن، وبين القول في اليتامى وبين نكاح النساء من الخطاب والقصص أكثر من ثلث القرآن ... ولو شرحت لك ما أُسقط وحرف وبدل مما يجري هذا المجرى لطال وظهر ما تحظر\n_________\n(١) المصدر السابق: ص ١٨٠.","vol":"1","page":201},{"text":"التقية إظهاره من مناقب الأولياء ومثالب الأعداء) (١) .\nيقول الشيخ موسى جار الله عن هذه المحاورة: (لم أعلم من هو هذا البعض من الزنادقة الذي يناظر عليًّا ويهديه إلى الحق علي، وهل يمكن أن يكون أحد أشد زندقة ممن يقول في القرآن وفي جميع الصحابة مثل هذا القول؟ وهل يجد أشد عدو مساغًا أهدم للقرآن وأهدم للدين من مثل هذا القول الذي يسنده أئمة الشيعة إلى أمير المؤمنين علي؟) (٢) .\nوالرواية السالفة تزعم سقوط أكثر من ثلث القرآن، وما تقدم من روايتهم في أن القرآن نزل سبعة عشر ألف آية يقتضي سقوط حوالي الثلثين، وهناك روايات لهم تصف هذا \"المحذوف\" - الذي يزعمونه - بأنه كثير. روى العياشي بإسناده عن أبي جعفر - يعنون محمد الباقر - أن القرآن قد طرح منه آي كثير ولم يزد فيه إلا حروف أخطأ بها الكتاب وتوهمها الرجال (٣) .\nوتدعو \"أساطيرهم\" إلى إهمال حفظ القرآن لأنه محرف في زعمهم، ومن حفظه على تحريفه يصعب عليه حفظه إذا جاء به \"منتظرهم\" غير محرف. روى مفيدهم بإسناده إلى جابر الجعفي عن أبي جعفر أنه قال: (إذا قام قائم آل محمد صلى الله عليه وآله ضرب فساطيط ويعلم الناس القرآن على ما أنزل الله (فأصعب ما يكون على من حفظه اليوم لأنه يخالف فيه التأليف) (٤) وهذه\n_________\n(١) الطبرسي: «الاحتجاج»: (١/٣٨٧) .\n(٢) موسى جار الله: «الوشيعة»: ص ٤٦.\n(٣) عن الطبرسي: «فصل الخطاب»: ص ٧٩.\n(٤) المفيد: «الإرشاد»: ص ٤١٣.","vol":"1","page":202},{"text":"الرواية تدعو إلى ترك القرآن وإهمال حفظه، وهي لمفيدهم الذي يقدسونه ويعظمونه، حتى زعموا أنه فوق مستوى البشر لأن إمامهم المنتظر خاطبه بالأخ السديد والمولى الرشيد.. (١) وهذه الرواية وردت في كتابه «الإرشاد» وهو من كتبهم المعتمدة حتى قال عالمهم المجلسي: (وكتاب الإرشاد أشهر من مؤلفه) (٢) .\nوكذلك روى النعماني في «الغيبة» ما يشبه الرواية السالفة، روى بإسناده إلى أمير المؤمنين علي - برأه الله مما يفترون - قال: (كأني بالعجم فساطيطهم في مسجد الكوفة يعلمون الناس القرآن كما أُنزل، قلت: يا أمير المؤمنين، أو ليس هو كما أُنزل؟ فقال: لا، محي منه سبعون من قريش، بأسمائهم وأسماء آبائهم، وما ترك أبو لهب إلا إزراء على رسول الله صلى الله عليه وآله لأنه عمه) (٣) .\nوهذه الدعوة إلى إهمال حفظ القرآن، كان لها آثارها في مجتمعات الشيعة، يقول الشيخ موسى جار الله (٤) - وقد عاش بين الشيعة فترة من الزمن ـ: (لم أر بين علماء الشيعة ولا بين أولاد الشيعة لا في العراق ولا في إيران من يحفظ القرآن ولا من يقيم القرآن بعض الإقامة بلسانه ولا من يعرف وجوه القرآن الأدائية، ما السبب في ذلك؟ هل هذا أثر من آثار عقيدة الشيعة في القرآن الكريم، إثر انتظار الشيعة مصحف علي الذي غاب بيد قائم آل محمد) (٥) .\n_________\n(١) مقدمة الكتاب التي أحالت نصوص مخاطبة المهدي لمفيدهم للاحتجاج: ص ٢٧٧.\n(٢) المجلسي: «البحار»: (١/٢٧) .\n(٣) النعماني: «الغيبة»: ص ١٧١، ١٧٢، وانظر: «فصل الخطاب»: ص ٧.\n(٤) ستأتي ترجمته في محاولات التقريب.\n(٥) موسى جار الله: «الوشيعة»: ص ٣٧.","vol":"1","page":203},{"text":"وتلك \"الدعاوى\" حول وجود آيات محذوفة من القرآن لم تصل إلى (وجود مصحف شيعي متداول) واكتفوا بانتظار ظهوره مع إمامهم المنتظر، مع وجود تلك الآيات والسور المفتراة في كتبهم المتفرقة يخدعون بها الأغرار. وفي عام ٣٩٨هـ أخرج الشيعة مصحفًا قالوا إنه مصحف ابن مسعود، وهو يخالف المصاحف كلها فحكمت المحكمة الإسلامية التي تألفت من جمع من العلماء والقضاة برئاسة الشيخ أبو حامد الإسفراييني (١)؛ حكمت بتحريفه، وتم ذلك (٢) .\nوجاءت روايات في كتب الشيعة تأمرهم بالعمل بالمصحف الموجود ريثما يخرج قرآنهم مع إمامهم المنتظر. فيروي الكليني بإسناده إلى محمد بن سليمان عن بعض أصحابه عن أبي الحسن (قال: قلت له: جعلت فداك: إنا نسمع الآيات في القرآن ليس هي عندنا كما نسمعها ولا نحسن أن نقرأها كما بلغنا عنكم فهل نأْثم؟ فقال: لا، اقرؤوا كما تعلمتم فسيجيئكم من يعلمكم (٣) . ويعنون بالذي سيأتي ليعلمهم مهديهم المنتظر (٤) .\nقال عالمهم نعمة الله الجزائري: (قد روي في الأخبار أنهم ﵈ أمروا شيعتهم بقراءة هذا الموجود من القرآن في الصلاة وغيرها،\n_________\n(١) أحمد بن محمد بن أحمد الإسفراييني أبو حامد، إمام وقته، كان يحضر درسه ستمائة متفقه.. ومن مؤلفاته: «شرح المزني» في خمسين مجلدًا وغيره. توفي ببغداد عام ٤٠٦هـ وكان مولده سنة ٣٣٤هـ. انظر: «البداية والنهاية»: (١٢/٢، ٣)، «شذرات الذهب»: (٣/١٧٨) .\n(٢) السبكي: «طبقات الشافعية الكبرى»: (٤/٦٣)، وانظر: ابن الجوزي: «المنتظم»: (٧/٢٣٧) .\n(٣) الكليني: «الكافي»، كتاب فضائل القرآن، باب أن القرآن يرفع كما أُنزل: (٢/٦١٩) .\n(٤) هامش «الكافي»: (٢/٢١٩) .","vol":"1","page":204},{"text":"والعمل بأحكامه حتى يظهر مولانا صاحب الزمان، فيرتفع هذا القرآن من أيدي الناس إلى السماء ويخرج القرآن الذي ألفه أمير المؤمنين فيقرأ ويعمل بأحكامه..) (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>٣- معتقدهم في هذه الروايات:</span>\nبعد ذكرنا لثبوت تلك الروايات عندهم وتواترها من طريقهم، تُرى هل جميع الروافض يقولون بهذه الروايات، ويعتقدون بها؟ يقول شيخهم المفيد (ت ٤١٣) - الذي يصفونه بركن الإسلام وآية الله الملك العلام - يقول:\n(واتفقوا - أي الإمامية - على أن أئمة الضلال خالفوا في كثير من تأليف القرآن وعدلوا فيه عن موجب التنزيل وسنّة النبي - ﷺ -، وأجمعت المعتزلة والخوارج، والزيدية، والمرجئة، وأصحاب الحديث على خلاف الإمامية) (٢) .\nوهذا اعتراف من مفيدهم بأن هذه القولة الشنيعة مما شذت به طائفته. ولم يذكر مفيدهم وجود خلاف بين علمائهم في هذا المذهب! مع أن شيخه ابن بابويه القمي الملقب عندهم بالصدوق (ت ٣٨١) قد تظاهر بمخالفة هذا في رسالته في الاعتقادات وأنكر نسبة الاعتقاد بالتحريف إليهم (٣) وتبعه على ذلك المرتضي (٤) (ت ٤٣٦هـ) والطوسي (٥) (ت ٤٥٠هـ) - كما مر - وهما من\n_________\n(١) «الأنوار النعمانية»: (٢/٣٦٣، ٣٦٤) .\n(٢) المفيد: «أوائل المقالات»: ص ٥١.\n(٣) انظر: محسن الأمين: «الشيعة»: ص ١٦١.\n(٤) انظر: الطوسي: «التبيان»: (١/٣) .\n(٥) المصدر السابق: (١/٣، ٤) .","vol":"1","page":205},{"text":"تلامذة المفيد، ورابعهم الطبرسي (١) - من القرن السادس -، لم يشر المفيد إلى خلاف شيخه القمي؟ هل تجاهل المفيد لذلك من قبيل اقتناعه بأن مخالفته بسبب التقية أم ماذا؟ ويعترف شيخ الشيعة النوري أن إجماع الشيعة قائم على هذا الإلحاد إلى أن جاء ابن بابويه القمي فخالف ذلك - يقول: (إن ابن بابويه القمي أول من أحدث هذا القول في الشيعة في عقائدهم) (٢) وتبعه الثلاثة الآخرون، ويذكر أنه لا يوجد في القرون المتقدمة من القرن الرابع إلى السادس خامس لهؤلاء أنكر التحريف، وإن جميع الشيعة في هاتيك القرون متسالمون على القول بالتحريف، ويؤكد أنه (لم يعرف الخلاف صريحًا إلا من هؤلاء الأربعة) (٣)، ويرى عالمهم الشيعي \"نعمة الله الجزائري\" أن إنكار هؤلاء إنما هو من باب التقية، فيقول - بعد تأكيده أن أصحابه قد أطبقوا على صحة أخبار التحريف والتصديق بها - يقول: نعم قد خالف فيها المرتضي والصدوق والشيخ الطبرسي وحكموا بأن ما بين دفتي هذا المصحف هو القرآن المنزل لا غير ولم يقع فيه تحريف ولا تبديل.. والظاهر أن هذا القول إنما صدر منهم لأجل مصالح كثيرة منها: سد باب الطعن عليها بأنه إذا جاز هذا في القرآن فكيف جاز العمل بقواعده وأحكامه مع جواز لحوق التحريف لها؟.. وكيف وهؤلاء الأعلام رووا في مؤلفاتهم أخبارًا كثيرة تشتمل على وقوع تلك الأمور في القرآن وأن الآية هكذا أُنزلت ثم غيرت إلى هذا (٤)؟.\nهذا ما يقوله عالمهم الجزائري، وقد يكون ما يقوله حقيقيًا\n_________\n(١) الطبرسي: «مجمع البيان»: (١/١٥) .\n(٢) «فصل الخطاب»: ص ١١١.\n(٣) «فصل الخطاب»: ص ١٥.\n(٤) «الأنوار النعمانية»: (٢/٣٥٧، ٣٥٨) .","vol":"1","page":206},{"text":"بالنسبة لمعتقد أولئك المنكرين، أو لا يكون فالله هو المطلع على القلوب والنوايا، لكن يبقى أن هؤلاء الأربعة باستثناء الطبرسي في حدود علمي قد أثر عنهم ما يمس كتاب الله سبحانه ويطعن فيه، فابن بابويه القمي روى حديثًا في كتابه «الخصال» يطعن في كتاب الله، - كما مر - والطوسي أثر عنه ذلك في بعض كتبه - كما مر - والمرتضي نقل عنه صاحب فصل الخطاب أنه عدَّ في كتابه الشافي من مطاعن عثمان، ومن عظيم ما أقدم عليه؛ جمع الناس على قراءة زيد وإحراقه المصاحف وإبطاله ما شك أنه من القرآن. أما الطبرسي فلم يجد له صاحب فصل الخطاب إلا استدلاله بقراءة أبي وغيره (فما استمعتم به منهن إلى أجل مسمى) (١) في تفسيره (٢)، وهذه قراءة واردة (٣)، لكن صاحب فصل الخطاب يريد أن يجعل الجميع على مذهبه، وقد اغتر صاحب «الشيعة والسنة» (٤) بذلك واحتج على أن إنكار الطبرسي من قبيل التقية بإيراده هذه القراءة، والواقع أن هذا لا يدين الرجل.\nومن خلال قراءتي لكتاب فصل الخطاب تبين لي أن بعض الشيعة لم يعد يهضم هذا المعتقد، حتى إن أحد علماء الشيعة كفر كل من يعتقد هذا الاعتقاد - كما نقل ذلك صاحب فصل الخطاب نفسه - وغضب من ذلك - أي صاحب فصل الخطاب - وقال: إنه ليس لذلك دواء إلا كثرة المراجعة ودوام التتبع (٥)، - أي لكتبهم - ولكن مع\n_________\n(١) (فما استمتعتم به منهن فَأَتوهنّ أجورهن ([النساء: آية ٢٤] .\n(٢) «فصل الخطاب»: الورقة ١٧.\n(٣) رويت هذه القراءة عن أُبي بن كعب وابن عباس وسعيد بن جبير. انظر: «فتح القدير»: (١/٤٤٩) .\n(٤) وهو إحسان إلهي ظهير: «الشيعة والسنة»: ص ١٣٠، ١٣١.\n(٥) «فصل الخطاب»: الورقة ٤٨.","vol":"1","page":207},{"text":"ذلك يبقى أن هذا معتقد لكبار علمائهم الذين يعظمونهم ويثقون بمنقولاتهم، وأن مصادرهم المعتمدة حوت من هذا الباطل الشيء الكثير، وأنهم لا يقبلون السنّة لأنها جاءت عن طريق الصحابة، والقرآن العظيم وصلنا من طريق الصحابة أيضًا، وأنه لا يتصور أن يجتمع في عقل واحد صيانة القرآن وخيانة جامعيه - كما سيأتيه بيان موقفهم من الصحابة - لكن هذا الموقف من علماء الشيعة في رد ما ورد في كتبهم مما يمس كتاب الله - سبحانه - وإنكاره لا نقول إنه تقية، فلا سبيل إلى معرفة ذلك على وجه اليقين (١) .\nوإن كان البعض من السنّة (٢)، والشيعة (٣) قد ذهب إلى ذلك. لكن أقول بأن من يتبرأ من هذا الكفر (بعد إيمانه بالله ورسوله) نقبل ذلك منه والله يتولى السرائر..\nوهذا الإنكار - إن كان بصدق - خطوة يجب أن تتلوها خطوات، وذلك بأن يعيدوا النظر في سائر ما شذوا به عن جماعة\n_________\n(١) ولو كان هذا الإنكار تقية - يقينًا - لم يهاجم صاحب فصل الخطاب من أنكر هذه الفرية من أصحابه، فيقول عن الصدوق - صاحب أحد صحاحهم الأربعة -: (هذا الخبر رواه الصدوق عن الكافي وفيه تغييرات عجيبة تورث سوء الظن بالصدوق) «فصل الخطاب»: الورقة ١٢٠. ويعتذر أحيانًا عن المنكرين من أصحابه لهذا الاعتقاد الذي يؤكد أنه متواتر من طرقهم - الكاذبة - بقوله: (إن أخبار التحريف متفرقة فلهذا لم يعرفها) «المصدر السابق»: الورقة ١٧٦، ويقول في الاعتذار عن إنكار الطوسي - صاحب كتابين من صحاحهم الأربعة -: «والطوسي في إنكاره معذور لقلة تتبعه الناشئ من قلة تلك الكتب عنده) [الورقة ١٧٥]، وهذا الاعتذار يؤيد القول بأن هذا الافتراء على كتاب الله يزيد الوضع له في كتب القوم يومًا بعد يوم.\n(٢) مثل: إحسان إلهي ظهير. انظر: «الشيعة والسنة»: ص ١٢٤، وغيره.\n(٣) مثل: نعمة الله الجزائري - كما مر -.","vol":"1","page":208},{"text":"المسلمين، وقد أشار شيخهم «المجلسي» - كما مر - إلى أنهم يجب أن يسلكوا هذا المسلك، إذ يترتب - في رأيه - على إنكار أخبار التحريف التي تواترت من طرقهم بالكذب والافتراء؛ يترتب على ذلك رفع الثقة والاعتماد عن سائر أخبارهم.. وهذا حق، فإن تواتر هذا الكذب في كتبهم من أكبر الأدلة على وضعها، وفشّو الكذب فيها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>٤- بداية هذا (الافتراء عند الشيعة):</span>\nاعترفت كتب الشيعة أن ابن سبأ أول من أحدث القول بـ \"الإمامة\" (النص على إمامة علي) والقول بالرجعة، وغيرها - كما مر - ولكنها لم تشر إلى أنه قد صدر منه قول بأن الصحابة حرفوا القرآن. فمن هو ابن سبأ الآخر الذي وضع هذه الفرية؟، متى بدأ القول بهذا الافتراء بين الشيعة؟\nلم أر من تعرض لهذا، والإجابة المحددة الجازمة ليست ميسرة، لكن نستطيع أن نقول إن بداية هذه الفرية مرتبطة ببدء احتجاج الشيعة على عقائدهم من الكتاب والسنّة. فالشيعة يرون - كما سيأتي - أن الإمامة من أصول الدين كالصلاة والزكاة أو أهم، ومن أنكر الإمامة كمن أنكر النبوة أو أشد.. ومع ذلك لا ذكر لإمامتهم وأئمتهم في كتاب الله وكذا سائر عقائدهم في الصحابة والرجعة والبداء، فلم يكن لهم بُدّ إذا أرادوا أن يقيموا مذهبهم إلا القول بهذه الفرية.\nولهذا رأينا أن هذه الفرية قد سجلت في أول كتاب ظهر للشيعة (١) - حسب تقديرهم لأسبقية كتبهم - وهو \"كتاب\n_________\n(١) ابن النديم: «الفهرست»: (ص ٣٠٧- ٣٠٨)، وفي «روضات الجنات»: (٤/٦٧) زعم: أنه (أول ما صنف ودون في الإسلام) .","vol":"1","page":209},{"text":"سليم بن قيس\" والذي يروون عن أبي عبد الله أنه قال فيه: (من لم يكن عنده من شيعتنا ومحبينا كتاب سليم بن قيس الهلالي فليس عنده من أمرنا شيء ولا يعلم من أسبابنا شيئًا، وهو أبجد الشيعة وهو سر من أسرار آل محمد صلى الله عليه وآله) (١)، وقال المجلسي: (وهو أصل من أصول الشيعة وأقدم كتاب صنف في الإسلام) (٢)، ثم أورد المجلسي أربع روايات لهم تفيد أن علي بن الحسين - برأه الله مما يفترون - قُرأ عليه الكتاب وقال صدق سليم (٣) .\n(والكليني يعتمد عليه، وأخرج له في عدة أبواب كباب ما جاء في الإثني عشر، وباب دعائم الكفر وغيرها) وكذا الشيخ الصدوق وغيرهما (٤) . وهو أيضًا موضع ثناء المعاصرين (٥) . وهذا الكتاب الذي خلعوا عليه هذا الثناء والتوثيق لم يصلهم إلا عن طريق رجل واحد فقط، يقول ابن النديم: (كتاب سليم بن قيس رواه عنه أبان بن أبي عياش لم يروه غيره) (٦) .\nوالكتاب طرقه مضطربة ولكنهم يقولون: (ما يترائى من\n_________\n(١) أغابزرك الطهراني: «الذريعة»: (٢/١٥٢)، وانظر: هامش «وسائل الشيعة»: (٢٠/٤٢) رقم ٤٠.\n(٢) المجلسي: «البحار»: (١/١٥٨) .\n(٣) المجلسي: «البحار»: (١/١٥٦- ١٥٨) .\n(٤) الخوانساري: «روضات الجنات»: (٤/٦٨)، وانظر: أغابزرك الطهراني: «الذريعة»: (٢/١٥٤) .\n(٥) حسن الصدر: «الشيعة وفنون الإسلام»: ص ٢٩، وانظر: أغابزرك الطهراني: «الذريعة»: (٢/١٥٢) وما بعدها.\n(٦) ابن النديم: «الفهرست»: (ص ٣٠٧- ٣٠٨)، وانظر: تعليق محمد صادق بحر العلوم على «رجال الطوسي»: هامش ص ٧٤، وانظر: الخوانساري: «روضات الجنات»: (٤/٦٧) .","vol":"1","page":210},{"text":"الاضطراب في الطريق غير قادح وهو واقع في أكثر طرق كتب أصحابنا) (١) . و\"سليم بن قيس\" الذي ينسبون إليه الكتاب لم أجد له ذكرًا في المراجع التي رجعت إليها (٢) إلا في المراجع الشيعية، مع أنهم يزعمون أنه مصنِّف أول كتاب في الإسلام، وأنه أدرك عليًا والحسن والحسين وعلي بن الحسين والباقر وتوفي أيام علي بن الحسين مستترًا عن الحجاج أيام ولايته (ت ٩٠هـ) (٣)، وهذا لو كان حقًا لكان هذا الرجل شيئًا مذكورًا ولكننا لم نجد له ذكرًا.\nأما أبان بن أبي عياش الذي روى عنه الكتاب فهو عند محدثي السنة (متروك) (٤) .\nوأما نصوص الكتاب فهي تضعه في المقام الأول من كتب الباطنيين التي تحارب الإسلام والمسلمين، فهي تطعن في كتاب الله وتزعم أن عليًّا ألف القرآن كما أُنزل وأنَّ أبا بكر وعمر رداه وقالا: لا حاجة لنا فيه، وأنهما حرفا القرآن (٥) .\n_________\n(١) الخوانساري: «روضت الجنات»: (٤/٦٨) .\n(٢) لم أجد في «تاريخ الطبري» كما يظهر ذلك من خلال فهرس الأعلام الذي وضعه أبو الفضل إبراهيم، وكذلك تاريخ ابن الأثير كما يبدو من فهارسه التي وضعها إحسان عباس، وليس له ذكر في «شذرات الذهب» لابن العماد الحنبلي، و«البداية والنهاية» لابن كثير، ولا في كتاب «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم، و«طبقات ابن سعد»، ولا في «تهذيب التهذيب»، ولا في «المغني» للذهبي، أو «التاريخ الكبير والصغير» للبخاري ولا في «تهذيب الكمال» للمزي (مخطوط) ... إلخ.\n(٣) أبو جعفر البرقي: «الرجال»: ص ٣- ٤، الطوسي: «الفهرست»: ص ١٠٧.\n(٤) «المغني في الضعفاء»: ص ٧، «ديوان الضعفاء والمتروكين»: ص ٧، «تقريب التهذيب»: (١/٣١) .\n(٥) انظر: «كتاب سليم بن قيس»: ص ٦٦، وذكر صاحب «فصل الخطاب» بعض النصوص التي تطعن في كتاب الله عن كتاب سليم هذا. انظر: «فصل الخطاب» (ص ١١٧- ١١٨) (مخطوط) .","vol":"1","page":211},{"text":"وتصف عليًّا بأوصاف الإله (يا أول، يا آخر، يا ظاهر، يا باطن، يا من هو بكل شيء عليم) وتقول إن هذا الوصف صدر من الشمس لعلي وإنه سمعه أبو بكر وعمر والمهاجرون والأنصار (فصعقوا ثم أفاقوا بعد ساعات) (١) إلى أمثال هذه النصوص الباطنية.\nوكل أمارات الكذب في سنده ومتنه لم تحد من مبالغات الشيعة في مدح الكتاب وتوثيقه، ولكن بعض علماء الشيعة رابهم شيء في الكتاب فرأوا من الواجب كشف حقيقته قبل أن يقوض أساس التشيع نفسه، ولا يظن القارئ أن هذا الأمر الذي رابهم هو الطعن في القرآن أوتأليه علي أو غير ذلك من المطاعن في الإسلام نفسه، إنما الأمر الذي أُشكل عليهم في الكتاب هو أنه جعل الأئمة ثلاثة عشر وأنه تضمن نصًّا يكشف وضعه لمخالفته لحقائق التاريخ؛ وهو النص القائل أن محمد بن أبي بكر وعظ أباه عند الموت لأنه غصب الإمامة من علي، مع أن محمد بن أبي بكر ولد في سنة حجة الوداع فكيف يعظ أباه وعمره ثلاث سنوات (٢) .\nفاختلف علماء الشيعة فمن قائل: (والوجه عندي الحكم بتعديل المشار إليه، والتوقف في الفاسد من كتابه) (٣) ومن قائل: إن الكتاب موضوع (٤) وضعه أبان بن أبي عياش (٥)، ومنهم من قام بتعديل\n_________\n(١) «كتاب سليم بن قيس»: (ص ٣١- ٣٢) .\n(٢) الخوانساري: «روضات الجنات»: (٤/٦٧)، وانظر: ابن داود «الرجال»: (ص ٤١٣- ٤١٤) . ولم أجد هذا النص في كتاب سليم - المطبوع، وهذا دليل أنهم يغيرون في كتبهم..!!\n(٣) ابن داود: «الرجال»: ص ٨٣.\n(٤) ابن داود: «الرجال»: (ص ٤١٣- ٤١٤)، وانظر: الخوانساري: «روضات الجنات»: (٤/٦٧) .\n(٥) ابن داود: «الرجال»: (ص ٤١٣- ٤١٤)، وأبان بن أبي عياش ضعيف عندهم. «المصدر السابق» .","vol":"1","page":212},{"text":"الكتاب ليتلاءم والمنطق الشيعي، وأشار الخوانساري إلى التغير في الكتاب فقال: (إن ما وصل إلينا من نسخ الكتاب هو أن عبد الله بن عمرو وعظ أباه عند الموت) (١) .\nوحكم بعض المعاصرين من شيوخهم أنه موضوع في آخر الدولة الأُموية لغرض صحيح (٢) - كذا -.\nهذه الوقفة عند كتاب سليم بن قيس أرى أنها ضرورية لمحاولة اكتشاف الأيدي السبئية، فالآراء التي نقلت منسوبة لابن سبأ في كتب الشيعة لم تذكر أن من آراء ابن سبأ فرية القول بأن الصحابة حرفوا القرآن، لم يتجرأ ابن سبأ على إشاعة هذه الفرية - وإن كانت بعض \"الوثائق\" من كتب السنّة حملت إلينا أن من آرائه زعمه بأن (القرآن جزء من تسعة أجزاء وعلمه عند علي) (٣) - لكنه لم يقل أن الصحابة حرفوا القرآن، لأنها وسيلة سريعة لانكشافه، فعدل عنها إلى القول بأن هذا القرآن جزء من تسعة أجزاء، وكذلك ورد في رسالة الحسن بن محمد بن الحنفية (٤) (ت ٩٥هـ) قوله: (ومن خصومة هذه السبئية التي أدركنا يقولوا - كذا -: هدينا لوحي ضل عنه الناس وعلم خفي، ويزعمون أن نبي الله كتم تسعة أعشار القرآن، ولو كان\n_________\n(١) «روضات الجنات»: (٤/٦٩) .\n(٢) أبو الحسن الشعراني في تعليقه على «الكافي» مع شرحه للمازندراني: (٢/٣٧٣، ٣٧٤) .\n(٣) الجوزجاني: «الضعفاء»: الورقة ٣ (مخطوط) .\n(٤) الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب الهاشمي (أبو محمد المدني)، وأبوه يعرف بابن الحنفية، له رسالة في الإرجاء، (وهي التي نقلنا منها النص المذكور) قال ابن حجر: (إني وقفت على كتاب الحسن بن محمد، أخرجه ابن أبي عمر العدني في كتاب الإيمان ت ٩٥هـ) «تهذيب التهذيب»: (٢/٣٢٠) .","vol":"1","page":213},{"text":"نبي الله كاتمًا شيئًا مما أنزل الله لكتم شأن امرأة زيد (وإذ تقول للذي أنعم الله عليه.. الآية) (١) .\nفعقيدة الشيعة في أن الصحابة حرفوا القرآن لم ترد ضمن آراء ابن سبأ وجاءت فيما بعد في أول كتاب ألفه الشيعة، وكشف عالمهم ابن الغضائري أن الكتاب \"موضوع\" واتهم في وضعه أبان بن أبي عياش وكادت هذه الروايات أن تموت بهذا الحكم، لكن جاء بعد كتاب سليم من تلقف هذه الأساطير وزاد عليها وهو الكليني في كتابه الكافي، ويعتبر الكليني وشيخه علي ابن إبراهيم القمي ممن أرسوا دعائم هذه العقيدة الباطلة.\nولا يزال كتاب الكليني «الكافي» وتفسير شيخه القمي من مصادر الشيعة المعتمدة إلى اليوم.\nوفشت هذه الروايات في كتب الشيعة - كما مر-.\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>(ب) انحرافهم في تأويل القرآن:</span>\nتضمنت كتب التفسير عند الشيعة - تلك التي يزعمون تلقيها عن آل البيت - تضمنت تأويلات باطنية لآيات القرآن لا تتصل بمدلولات الألفاظ، ولا بمفهومها ولا بالسياق القرآني. ومن العجيب أن تسند هذه \"الأكاذيب\" الفاضحة إلى آل البيت ويسند معظمها إلى جعفر الصادق!! وهي في حقيقة الأمر طعن مبطن في الآل، كما أنها إلحاد في آيات الله وصد عن سبيله.. ولكنهم أسندوها لآل البيت حتى ينخدع \"الأغرار\" بها.\n_________\n(١) محمد بن يحيى بن أبي عمر المكي العدني: «الإيمان»: (ص ٢٤٩ - ٢٥٠) (مخطوط) .","vol":"1","page":214},{"text":"وهذه التأويلات مدونة في تفاسيرهم المعتبرة عندهم كتفسير القمي وتفسير العياشي، وتفسير البرهان، وتفسير الصافي، كما أن كتبهم المعتمدة في الحديث قد أخذت من تلكم التأويلات بقسط وافر، وعلى رأسها: أصول الكافي للكليني، والبحار للمجلسي وغيرهما.\nويرى بعض الباحثين (١) أن أول كتاب وضع الأساس الشيعي في التفسير هو تفسير القرآن الذي وضعه في القرن الثاني للهجرة جابر الجعفي (٢) (ت ١٢٨)، فكان هذا نواة لتفسير شيعي سرعان ما اتسع وأغرق في باطنيته..\nوفيما يلي أمثلة وشواهد لهذه التأويلات، وقد يكون فيها بعض الإطالة، ولكن الغرض من ذلك أن نتبين هل هذه التأويلات تمثل ظاهرة عامة، وقاعدة مطردة في كتبهم الأصيلة، أم هي روايات شاذة وضعيفة ومندسة في كتبهم، ولا تمثل المسار العام والاتجاه الأساسي في التفسير الشيعي؟، وهذه المعرفة لا تتأتى إلا بأن نمد النفس في العرض، وأن نحتاط أيضًا في نقلنا من كتبهم؛ بحيث لا نأخذ إلا من مصادرهم المعتبرة عندهم، فلنبدأ \"رحلتنا\" مع تأويلاتهم لآيات القرآن:\n_________\n(١) جولدسهير: «مذاهب التفسير الإسلامي»: (ص ٣٠٣ - ٣٠٤) . وقد ذكرت بعض كتب الشيعة «كتاب التفسير» لجابر الجعفي، انظر: الطوسي: «الفهرست»: ص ٧٠، «أعيان الشيعة»: (١/١٩٦) .\n(٢) وهو كذاب عند أهل السنة وقد مضى بيان ذلك في ترجمته، أما عند الشيعة فأخبارهم في شأنه متناقضة، لكنهم يحملون أخبار الطعن فيه على التقية ويرجحون توثيقه كعادتهم في توثيق من على مذهبهم وإن كان كاذبًا. انظر: «وسائل الشيعة»: (٢٠/٥١) .","vol":"1","page":215},{"text":"أولًا: نجد في مصادرهم الأصيلة والمعتبرة في الحديث والتفسير وغيرهما آيات كثيرة تُفسر بـ \"الإمامة\" وبـ \"الولاية\" وبالأئمة، ومن ذلك:\n(أ) ما ورد في كتاب الله من آيات تتحدث عن القرآن يفسرونها بالأئمة، فقوله سبحانه: (فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا ... الآية «١) يقولون: (النور نور الأئمة) (٢)، وفي رواية أخرى عندهم تقول: «النور الأئمة» (٣)، وقوله سبحانه: (واتبعوا النور الذي أُنزل معه.. «٤) يقولون: النور: علي والأئمة ﵈ (٥) .\nوالملاحظ أن الدلالة واضحة وجلية على أن المراد بالنور في الآيتين هو القرآن، ولكن نلمس هذا الشطط البالغ في التأويل، ومع ذلك يسند هذا التأويل الذي لا تربطه بالآية أدنى رابطة إلى آل البيت كعلي والحسن أو الحسين أو الباقر أو الصادق، وهم أهل العلم واللغة والعقل والدين!!\nوبناءً على هذا التأويل الذي أعطوه للآية نفهم أن الأئمة أنزلوا من السماء إنزالًا!!\nوتمضي تأويلاتهم للآيات التي تتحدث عن القرآن ولو كانت الآية في غاية الدلالة على أن المقصود القرآن، فيروون عن أبي جعفر\n_________\n(١) التغابن: آية ٨.\n(٢) «الكافي» للكليني عن أبي جعفر، كتاب الحجة، باب أن الأئمة ﵈ نور الله (: (١/١٩٤) .\n(٣) المصدر السابق: ص (١/١٩٥) .\n(٤) الأعراف: آية ١٥٧.\n(٥) «الكافي» للكليني بإسناده إلى أبي عبد الله (جعفر الصادق) كتاب الحجة، باب أن الأئمة ﵈ نور الله (: (١/١٩٤) .","vol":"1","page":216},{"text":"(محمد الباقر) - ﵀ وبرأه الله مما يفتري المفترون - في قول الله: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إليَّ ... الآية) (١) . قالوا (بدل مكان علي أبو بكر وعمر واتبعناه) (٢) (كذا)، وعن أبي السفاتج عن أبي عبد الله (في قوله: (ائت بقرآن غير هذا أو بدله (يعني أمير المؤمنين (٣) .\nويفسرون قوله سبحانه (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم..) (٤) بقولهم \"يهدي إلى الإمام\" (٥)، وفي رواية يهدي إلى الولاية (٦) .\n(ب) ويفسرون ما ورد في الآيات من لفظ النور ونحوه بالأئمة من غير أي مرتكز من المرتكزات التي تقوم عليها الدلالة، تلك المرتكزات المعروفة في (علم الدلالة) عند علماء اللغة.\nفيروي الكليني عن محمد بن فضيل عن أبي الحسن (قال: سألته عن قول الله ﵎: (يريدون ليطفؤا نور الله بأفواههم..) (٧) قال: يريدون ليطفؤا ولاية أمير المؤمنين (بأفواههم، قلت: قوله تعالى: (والله متم نوره)، قال: يقول: والله متمّ\n_________\n(١) يونس: آية ١٥.\n(٢) و(٣) «تفسير العياشي»: (٢/١٢٠)، وانظر: «أصول الكافي»: (١/٤١٩)، و«تفسير البرهان»: (٢/١٨٠)، وفي تفسير «نور الثقلين»: (٢/٢٩٦)؛ (لو بدل مكان علي أبو بكر أو عمر اتبعناه) .\n(٤) الإسراء: آية ٩.\n(٥) «الكافي» كتاب الحجة، باب أن القرآن يهدي للإمام: (١/٢١٦)، وانظر: «تفسير العياشي»: (٢/٢٨٢ -٣٨٣)، و«البرهان»: (٢/٤٠٩)، و«الصافي»: (١/٩٦٠) .\n(٦) المصادر السابقة ما عدا الكافي.\n(٧) الصف: آية ٨.","vol":"1","page":217},{"text":"الإمامة، والإمامة هي النور وذلك قول الله (: (فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا.. «١) (٢) قال: النور هو الإمام.\nويروي الكليني أيضًا عن أبي عبد الله (جعفر الصادق) (في قوله تعالى: (الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة..) (٣) فاطمة ﵍ (فيها مصباح) الحسن (المصباح في زجاجة) الحسين (الزجاجة كأنها كوكب دري) فاطمة كوكب دري بين نساء أهل الدنيا (يوقد من شجرة مباركة) إبراهيم ﵇ (لا شرقية ولا غربية) لا يهودية ولا نصرانية (يكاد زيتها يضيء) يكاد العلم ينفجر بها (ولو لم تمسسه نار نور على نور) إمام منها بعد إمام (يهدي الله لنوره من يشاء) يهدي الله للأئمة من يشاء (ويضرب الله الأمثال للناس ...) (... ومن لم يجعل الله له نورًا) (٤) إمامًا من ولد فاطمة ﵍ (فما له من نور) (٥) إمام يوم القيامة (٦) .\n(ج) وكما أوّلوا ما جاء عن القرآن والنور بالإمامة، يؤولون ما جاء في كتاب الله من النهي عن الشرك والكفر، يؤولونه بالشرك في ولاية علي، أو الكفر بولاية علي، ويؤولون ما جاء في عبادة الله\n_________\n(١) التغابن: آية ٨.\n(٢) «الكافي» كتاب الحجة، باب أن الأئمة ﵈ نور الله: (١/١٩٦)، وانظر/ «تفسير نور الثقلين»: (٥/٣١٦)، وفي تفسير القمي فسر \"النور\" بمهديهم المنتظر، عن «تفسير نور الثقلين»: (٥/٣١٧) .\n(٣) النور: آية ٣٥.\n(٤) و(٥) النور: آية ٤٠.\n(٦) «الكافي» كتاب الحجة، باب أن الأئمة عليهم نور الله ﷿: (١/١٩٥)، وانظر: «تفسير نور الثقلين»: (٣/٦٠٤) .","vol":"1","page":218},{"text":"وحده واجتناب الطاغوت بولاية الأئمة والبراءة من أعدائهم ومن ذلك:\n١- عن أبي جعفر ﵇: ما بعث الله نبيًّا قط إلا بولايتنا والبراءة من عدونا وذلك قول الله في كتابه: (ولقد بعثنا في كل أُمة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت.. «١) (٢) .\n٢- وعن أبي عبد الله في قوله تعالى (.. لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد..) (٣) قال: يعني بذلك لا تتخذوا إمامين إنما هو إمام واحد (٤) .\n٣- وعن الباقر في قوله سبحانه: (.. لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين) (٥)، قال: لئن أمرت بولاية أحد مع ولاية علي - ﵁ - ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين (٦) .\n٤- وعن أبي عبد الله في قوله سبحانه: (.. فليعمل عملًا صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا) (٧) قال: العمل الصالح المعرفة بالأئمة (ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا) التسليم لعلي لا يشرك معه في\n_________\n(١) النحل: آية ٣٦.\n(٢) «تفسير العياشي»: (٢/٢٥٨)، «البرهان»: (٢/٣٦٨)، «الصافي»: (١/٩٢٣)، «تفسير نور الثقلين»: (٣/٥٣) .\n(٣) النحل: آية ٥١.\n(٤) «تفسير العياشي»: (٢/٢٦١)، «تفسير البرهان»: (٢/٣٧٣)، «تفسير نور الثقلين»: (٣/٦٠) .\n(٥) الزمر: آية ٦٥.\n(٦) «تفسير الصافي»: (٢/٤٧٢)، وقد نقل هذه الرواية عن القمي شيخ الكليني في تفسيره، وانظر: «أصول الكافي» وانظر: «تفسير نور الثقلين»: (٤٠/٤٩٨) .\n(٧) الكهف: آية ١١٠.","vol":"1","page":219},{"text":"الخلافة من ليس ذلك له ولا هو من أهله (١)، وفي رواية أُخرى لهم عن أبي عبد الله (في قوله: (ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا (قال: لا يتخذ مع ولاية آل محمد صلوات الله عليهم غيرهم (٢) .\n٥- عن جابر الجعفي عن أبي جعفر في قوله سبحانه: (.. ولا تكونوا أول كافر به.. «٣) قال: يعني عليًّا (٤) .\n٦- وعن جابر الجعفي قال: سألت أبا عبد الله (عن قول الله: (ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله.. «٥) .\nقال فقال: هم أولياء فلان، وفلان، وفلان - يعنون أبا بكر وعمر وعثمان - ﵃ - اتخذوهم أئمة من دون الإمام (٦) .\n٧- وعن أبي عبد الله في قوله سبحانه: (.. إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله.. «٧) قال: يعني أئمة دون أئمة الحق (٨) .\n_________\n(١) «تفسير العياشي»: (٢/٣٥٣)، «تفسير البرهان»: (٢/٤٩٧)، «تفسير الصافي»: (٢/٣٦)، «تفسير نور الثقلين»: (٣/٣١٧- ٣١٨) .\n(٢) «الصافي»: (٢/٣٦١) .\n(٣) البقرة: آية ٤١، والآية الكاملة (وآمنوا بما أنزلت مصدقًا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به (فالضمير يعود كما هو واضح من السياق يعود إلى القرآن، وهم أرجعوه إلى \"علي\" وهو غير مذكور أصلًا، والخطاب في الآية لبني إسرائيل.\n(٤) «تفسير العياشي»: (١/٤٢) .\n(٥) البقرة: آية ١٦٥.\n(٦) «تفسير العياشي»: (١/٧٢)، «البرهان»: (١/١٧٢)، «الصافي»: (١/١٥٦)، «تفسير الثقلين»: (١/١٥١) .\n(٧) الأعراف: آية ٣٠.\n(٨) «تفسير الصافي»: (١/٥٧١) .","vol":"1","page":220},{"text":"٨- وعن جابر الجعفي عن أبي جعفر (قال: أما قوله: (إن الله لا يغفر أن يشرك به) (١) يعني أنه لا يغفر لمن يكفر بولاية علي، وأما قوله: (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء..) (٢) يعني لمن والى عليًّا) (٣)، والروايات في هذا الباب كثيرة، وهي محاولة لهدم الأصل الأول في الإسلام وهو التوحيد، وإعطاء الشرك صفة الشرعية.. ومحاولة خطيرة لتفسير التوحيد والشرك والكفر بغير معانيها الحقيقية.\n(د) ويؤولون بعض الآيات الواردة في الصلاة بالأئمة والإمامة:\n١- عن زرارة عن عبد الرحمن بن كثير عن أبي عبد الله (في قوله: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين) (٤)، قال: الصلاة: رسول الله، وأمير المؤمنين، والحسن والحسين والوسطى: أمير المؤمنين، (وقوموا لله قانتين) طائعين للأئمة (٥) .\n٢- وعن أبي جعفر في قوله سبحانه: (.. ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها..) (٦) . قال: تفسيرها: ولا تجهر بولاية علي ولا بما أكرمته بها حتى آمرك بذلك (ولا تخافت بها) يعني\n_________\n(١) و(٢) النساء: آية ٤٨.\n(٣) «تفسير العياشي»: (١/٢٤٥- ٢٤٦)، «الصافي»: (١/٣٦١)، «البرهان»: (١/٣٧٥)، «تفسير نور الثقلين»: (١/٤٨٨) .\n(٤) البقرة: آية ٢٣٨.\n(٥) «تفسير العياشي»: (١/١٢٨)، وانظر: «تفسير البرهان»: (١/٢٣١)، «البحار»: (٧/١٥٤) .\n(٦) الإسراء: آية ١١٠.","vol":"1","page":221},{"text":"ولا تكتمها عليًّا وأعلم ما كرمته به (١) - كذا -\nوفي رواية لهم عن أبي جعفر في تفسير الآية بمثل ما مضى وزاد: فأما قوله: (وابتغ بين ذلك سبيلًا (يقول: تسألني أن آذن لك أن تجهر بأمر علي بولايته فأذن له بإظهار ذلك يوم غدير خم.. (٢) .\n٣- وعن أبي عبد الله في قوله سبحانه: (.. وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد..) (٣)، قال: يعني الأئمة (٤) .\nهذه بعض تأويلاتهم لآيات الصلاة، وقد مضى تأويلهم لعموم الأعمال الصالحة بالإمامة وذلك في قوله سبحانه: (فليعمل عملًا صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا (حيث قالوا: العمل الصالح المعرفة بالأئمة، وهذا التعميم في تأويل الأعمال الصالحة يغني عن التمثيل لسائرها من مثل قولهم في تأويل بعض آيات الحج وهو قوله سبحانه: (ثم ليقضوا تفثهم.. «٥) قال: التفث: لقاء الإمام (٦)، وغيرها مما لا يتسع المقام\n_________\n(١) «تفسير العياشي»: (٢/٣١٩)، «تفسير الصافي»: (١/٩٩٩)، «تفسير البرهان»: (٢/٤٥٢)، «تفسير الثقلين»: (٣/٢٣٥) .\n(٢) «تفسير العياشي»: (٢/٣٢٠)، «تفسير الصافي»: (١/٩٩)، «البرهان»: (٢/٤٥٢)، «تفسير نور الثقلين»: (٣/٢٣٥- ٢٣٦) .\n(٣) الأعراف: آية ٢٩.\n(٤) «تفسير العياشي»: (٢/١٢)، «البرهان»: (٢/٨)، «البحار»: (٧/٦٩)، «تفسير نور الثقلين»: (٣/١٧) .\n(٥) الحج: آية ٢٩.\n(٦) رواه شيخهم الطوسي في التهذيب، انظر: «الوافي»، أبواب الزيارات وشهود المشاهد، المجلد الثاني (ج ٢/١٩٣)، وانظر: «تفسير نور الثقلين»: (٣/٤٩٢) .","vol":"1","page":222},{"text":"لاستيعابها، حتى إن المجلسي عقد بابًا في البحار بعنوان: (باب أنهم الصلاة والزكاة والحج والصيام وسائر الطاعات وأعداؤهم الفواحش والمعاصي في بطن القرآن) (١) .\n(هـ) تأويلهم لما ورد في كتاب الله عن المؤمنين، وولاة الأمر، وأهل الذكر، وآيات الله الكونية، ومخلوقاته، وآلائه ونعمه، وغيرها، تأويلهم لذلك بالأئمة الإثني عشر ومن ذلك:\n١ - ما ورد في المؤمنين من أوصاف يقصرونها على الأئمة فيقولون:\n(أ) عن ابن أذينه عن بريد بن معاوية العجلي قال: سألت أبا جعفر عن قول الله: «..اتقوا الله وكونوا مع الصادقين «٢) قال: إيانا عني، وعن أبي الحسن الرضا قال: سألته عن قول الله «.. اتقوا الله وكونوا مع الصادقين (قال الصادقون الأئمة والصديقون بطاعتهم (٣) .\n(ب) عن أبي ولاد قال: سألت أبا عبد الله (عن قول الله (: (الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به «٤) قال هم الأئمة ﵈ (٥) .\n_________\n(١) المجلسي: «البحار»: (جـ٢٤/ص ٢٨٦- ٣٠٤) .\n(٢) التوبة: آية ١١٩.\n(٣) «الكافي»، كتاب الحجة، باب ما فرض الله (ورسوله - ﷺ - وآله من الكون مع الأئمة ﵈: (١/٢٠٨) .\n(٤) البقرة: آية ١٢١.\n(٥) «الكافي»، كتاب الحجة، باب في أن من اصطفاه الله من عباده وأورثهم كتابه هم الأئمة ﵈: (١/٢١٥) .","vol":"1","page":223},{"text":"(ج) عن سالم قال: سألت أبا جعفر (عن قول الله (: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله.. «١) قال: السابق بالخيرات الإمام، والمقتصد العارف للإمام، والظالم لنفسه الذي لا يعرف الإمام (٢)، وغير ذلك كثير.\n٢ - والأئمة هم أهل الذكر، والراسخون في العلم، والذين أوتوا العلم:\n(أ) عن عبد الله بن عجلان عن أبي جعفر في قول الله: «... فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون «٣) قال: قال رسول الله - ﷺ -: الذكر أنا والأئمة أهل الذكر، وقوله (: (وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون «٤) قال أبو جعفر: (نحن قومه ونحن المسؤولون (٥) .\n(ب) عن أبي عبد الله ﵇ في قوله تعالى: (.. وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم.. «٦) قال: نحن\n_________\n(١) فاطر: آية ٣٢.\n(٢) «الكافي»، كتاب الحجة، باب في أن من اصطفاه الله من عباده وأورثهم كتابه هم الأئمة ﵈: (١/٢١٤) .\n(٣) النحل: آية ٤٣.\n(٤) الزخرف: آية ٤٤.\n(٥) «الكافي»، كتاب الحجة، باب أن أهل الذكر الذين أمر الله الخلق بسؤالهم هم الأئمة ﵈: (١/٢١٠) .\n(٦) آل عمران: آية ٧.","vol":"1","page":224},{"text":"الراسخون في العلم ونحن نعلم تأويله - وعنه - الراسخون في العلم أمير المؤمنين والأئمة من بعده (١) .\n(ج) وعن هارون بن حمزة عن أبي عبد الله (قال: سمعته يقول: (بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم.. «٢) قال: هم الأئمة ﵈ خاصة (٣) . وساق الكليني أربع روايات أخر في تفسير الآية بنحو التأويل السابق (٤) .\n٣ - والأئمة وشيعتهم الذين يعلمون وأولو الألباب.\nعن جابر (الجعفي) عن أبي جعفر (في قول الله - ﷿ -: (.. هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب) (٥) قال أبو جعفر (: (إنما نحن الذين يعلمون والذين لا يعلمون عدونا. وشيعتنا أولو الألباب) (٦) .\nويورد الكليني رواية أخرى مثل هذه الرواية، ويأخذ من هاتين الروايتين قاعدة على أن من وصفه الله تعالى في كتابه بالعلم هم\n_________\n(١) «الكافي»، كتاب الحجة، باب أن الراسخين في العلم هم الأئمة ﵈: (١/٢١٣) .\n(٢) العنكبوت: آية ٤٩.\n(٣) «الكافي»، كتاب الحجة، باب أن الأئمة قد أوتوا العلم وأثبت في صدورهم: (١/٢١٤) .\n(٤) «الكافي»، كتاب الحجة، باب أن الأئمة قد أوتوا العلم وأثبت في صدورهم: (١/٢١٣) .\n(٥) الزمر: آية ٩.\n(٦) «الكافي»، كتاب الحجة، باب أن من وصفه الله تعالى في كتابه بالعلم هم الأئمة ﵈: (١/٢١٢) .","vol":"1","page":225},{"text":"الأئمة ﵈، كما يفيد ذلك الباب الذي عقده في هذا بعنوان: (باب أن من وصفه الله تعالى في كتابه بالعلم هم الأئمة ﵈) .\n٤ - والأئمة هم (نعمة الله) التي ذكرها في كتابه:\n(أ) روى الكليني بإسناده أن أمير المؤمنين (.. تلا هذه الآية: (ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرًا وأحلوا قومهم دار البوار جهنم «١)، ثم قال: نحن النعمة التي أنعم الله بها على عباده وبنا يفوز من فاز يوم القيامة (٢) .\n(ب) وعن أبي يوسف البزاز قال: تلا أبو عبد الله (هذه الآية: (.. فاذكروا آلاء الله.. «٣) قال: أتدري ما آلاء الله؟ قلت: لا، قال: هي أعظم نعم الله على خلقه وهي ولايتنا (٤) .\n٥ - والأئمة هم آيات الله:\nقال الكليني: باب أن الآيات التي ذكرها الله (في كتابه هم الأئمة ﵈ وساق عدة روايات لهم في هذا منها:\n_________\n(١) إبراهيم: الآيتان ٢٨، ٢٩.\n(٢) «الكافي»، كتاب الحجة، باب أن النعمة التي ذكرها الله (في كتابه الأئمة ﵈: (١/٢١٧) .\n(٣) الأعراف: آية ٧٤، وقد وردت في المصدر الشيعي (واذكروا آلاء الله) وهو خطأ.\n(٤) «الكافي»، كتاب الحجة، باب أن نعمة الله تعالى التي ذكرها في كتابه الأئمة الأعلام: (١/٢١٧) .","vol":"1","page":226},{"text":"عن أبي جعفر (في قول الله: «كذبوا بآياتنا كلها.. «١) يعني الأوصياء كلهم.\n٦ - وهم النبأ العظيم:\nعن أبي حمزة عن أبي جعفر (قال: قلت له: جعلت فداك، إن الشيعة يسألونك عن تفسير هذه الآية: (عم يتساءلون عن النبأ العظيم «٢)، قال: ذلك إلي إن شئت أخبرتهم وإن شئت لم أخبرهم، ثم قال: لكن أخبرك بتفسيرها (عم يتساءلون (، قال: فقال: هي في أمير المؤمنين صلوات الله عليه كان أمير المؤمنين صلوات الله عليه، يقول ما لله (آية هي أكبر مني ولا لله من نبأ أعظم مني (٣) .\n٧ - والآيات المحكمات هي الأئمة:\nروى العياشي عن أبي عبد الله (في قول الله: (.. هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات.. «٤) قال أمير المؤمنين والأئمة (ع) (وأخر متشابهات: (فلان وفلان وفلان - أي أبو بكر وعمر وعثمان ﵃ - (فأما الذين في قلوبهم زيغ (أصحابهم وأهل ولايتهم فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله (٥) .\n_________\n(١) القمر: آية ٤٢.\n(٢) «النبأ»: الآيتان ٢، ١.\n(٣) «الكافي»، كتاب الحجة، باب أن الآيات التي ذكرها الله إلخ: (١/٢٠٧) .\n(٤) آل عمران: آية ٧.\n(٥) «تفسير العياشي»: (١/١٦٢)، «البرهان»: (١/٢٧١)، «البحار»: (٧/٤٧) .","vol":"1","page":227},{"text":"٨ - وهم العلامات التي ذكرها الله في كتابه:\nعن داود الجصاص قال: سمعت أبا عبد الله يقول: (وعلامات وبالنجم هم يهتدون «١) قال: النجم رسول الله والعلامات هم الأئمة ﵈ (٢)، وذكر الكليني روايتين لهم بمثل هذا (٣)، وعقد المجلسي في ذلك بابًا بعنوان: (باب أنهم النجوم والعلامات..) (٤) .\n٩ - وولايتهم هي الطريقة المذكورة في قوله سبحانه (وألَّوِ استقاموا على الطريقة.. «٥)، عن يونس بن يعقوب عمن ذكره - كذا- عن أبي جعفر (في قوله تعالى: (وألوَّ استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءً غدقًا (قال: يعني لو استقاموا على ولاية علي بن أبي طالب أمير المؤمنين والأوصياء من ولده ﵈ (٦) .\nوتأويلهم لكثير من آيات القرآن بالإمامة والأئمة يربو على الحصر، وكأن القرآن لم ينزل إلا فيهم، بل تأويلهم للآيات بالإمامة والأئمة تجاوز حدود الشرع والعقل، ونزل درك من العته والبله، لا تفسير له سوى أنه محاولة للهزء\n_________\n(١) النحل: آية ١٦.\n(٢) «الكافي»، كتاب الحجة، باب أن الأئمة ﵈ هم العلامات التي ذكرها الله (في كتابه: (١/٢٠٦) .\n(٣) المصدر السابق: (١/٢٠٦ - ٢٠٧) .\n(٤) «البحار»: (٢٤/٦٧ - ٨٢) .\n(٥) الجن: آية ١٦.\n(٦) «الكافي»، كتاب الحجة، باب أن الطريقة التي حث على الاستقامة عليها ولاية علي - ﵁ -: (١/٢٢٠) .","vol":"1","page":228},{"text":"والسخرية بآيات الله، حتى إنهم يقولون:\n١٠ - الأئمة هم النحل (١) في قوله سبحانه (وأوحى ربك إلى النحل.. «٢)، والمجلسي عقد بابًا لذلك بعنوان: (باب نادر في تأويل النحل بهم) (٣) .\n١١ - وهم الحفدة (٤) في قوله سبحانه: (... وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة.. «٥) .\n١٢ - وعلي هو سبيل الله (٦) في قوله سبحانه: (.. ويصدون عن سبيل الله.. «٧) .\n١٣ - وهو الحسرة على الكافرين (٨) في قوله: (وإنه لحسرة على الكافرين «٩) .\n١٤ - وهو حق اليقين (١٠) في قوله سبحانه: (وإنه لحق اليقين «١١) .\n١٥ - وهو الصراط المستقيم (١٢) في قوله سبحانه: (اهدنا الصراط المستقيم «١٣) .\n_________\n(١) «تفسير العياشي»: (٢/٢٦٤)، «البرهان»: (٢/٣٧٥)، «الصافي»: (١/٩٣١) .\n(٢) النحل: آية ٦٨.\n(٣) «البحار»: (٢٤/١١٠ - ١١٣) .\n(٤) «تفسير العياشي»: (٢/٢٦٤)، «البرهان»: (٢/٣٧٦)، «الصافي»: (١/٩٣٢) .\n(٥) النحل: آية ٧٢.\n(٦) «تفسير العياشي»: (٢/٢٦٩)، «البرهان»: (٢/٣٨٣)، «البحار»: (٩/١١١) .\n(٧) إبراهيم: آية ٣، وفي عدة مواضع أخرى من كتاب الله سبحانه.\n(٨) «تفسير العياشي»: (٢/٢٦٩)، «البرهان»: (٢/٣٨٣) .\n(٩) الحاقة: آية ٥٠.\n(١٠) «تفسير العياشي»: (٢/٢٦٩)، «البرهان»: (٢/٣٨٣) .\n(١١) الحاقة: آية ٥١.\n(١٢) «تفسير العياشي»: (١/٢٤)، «البرهان»: (١/٥٢) .\n(١٣) الفاتحة: آية ٦.","vol":"1","page":229},{"text":"١٦ - وهو الهدى (١) في قوله: (.. فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون «٢) .\n١٧ - والأئمة هم الأيام والشهور، وعقد شيخهم المجلسي بابًا في ذلك بعنوان: (باب تأويل الأيام والشهور بالأئمة ﵈) ضمنه طائفة من رواياتهم (٣) .\n١٨ - والأئمة هم بنو إسرائيل (٤) في قوله سبحانه: (يا بني إسرائيل «٥) .\n١٩ - وهم الأسماء الحسنى التي يدعى بها:\nيروون عن الرضا (قال: إذا نزلت بكم شدة فاستعينوا بنا على الله، وهو قول الله: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها.. «٦) قال - راويهم - قال أبو عبد الله: نحن والله الأسماء الحسنى الذي لا يقبل - كذا - من أحد إلا بمعرفتنا، قال: فادعوه بها (٧) .\n٢٠ - قال شيخهم المجلسي: والأئمة هم الماء المعين والبئر المعطلة والقصر المشيد وتأويل السحاب والمطر والفواكه وسائر المنافع\n_________\n(١) «تفسير العياشي»: (١/٤٢)، «البرهان»: (١/٨٩) .\n(٢) البقرة: آية ٣٨.\n(٣) «البحار»: (٢٤/٣٣٨ - ٢٤٣)، وانظر: الطوسي: «الغيبة»: ١٠٤، والقمي: «الخصال»: (٢/٣٢ - ٣٣) .\n(٤) «تفسير العياشي»: (١/٤٤)، «البرهان»: (١/٩٥)، «البحار»: (٧/١٧٨) .\n(٥) البقرة: آية ٤٠، وفي عدة مواضع من كتاب الله.\n(٦) الأعراف: آية ١٨٠.\n(٧) «تفسير العياشي»: (٢/٤٢)، وانظر: «الصافي»: (١/٦٢٦)، «البرهان»: (٢/٥١) .","vol":"1","page":230},{"text":"الظاهرة بعلمهم وبركاتهم، ثم أورد طائفة من نصوصهم في ذلك (١) .\nوهكذا تمضي تأويلاتهم على هذا النحو الذي يكشف عوراتهم ويفضح إلحادهم.\nثانيًا:<span data-type=\"title\" id=toc-51> تأويلهم للآيات الواردة في الكفار والمنافقين</span>؛ تأويلهم لها بخيار صحابة رسول الله - ﷺ - وعلى رأسهم خليفتاه ووزيراه وصهراه وحبيباه أبو بكر وعمر، ويثلثون أحيانًا بصاحب الجود والحياء ومن وضع ماله في سبيل الله وجهز جيش العسرة وغيره صهر رسول الله - ﷺ - في ابنتيه؛ عثمان (، وغيرهم من صحابة رسول الله الأخيار ومن تبعهم بإحسان. ومن ذلك ما يلي:\nروى الكليني في الكافي عن أبي عبد الله في قوله تعالى: (.. ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين «٢) قال: هما، ثم قال: وكان فلان شيطانًا (٣) .\nقال المجلسي - في شرحه للكافي في بيان مراد صاحب الكافي بـ «هما» - قال: هما أي أبو بكر وعمر، والمراد بفلان عمر، أي الجن المذكور في الآية عمر، وإنما سمي به لأنه كان شيطانًا إما لأنه كان شرك شيطان لكونه ولد زنًا أو لأنه في المكر والخديعة كالشيطان، وعلى الأخير يحتمل العكس بأن يكون المراد بفلان أبا بكر (٤) .\n_________\n(١) «البحار»: (٢٤/١٠٠ - ١١٠) .\n(٢) فصلت: آية ٢٩.\n(٣) «فروع الكافي» (الذي بهامش «مرآة العقول»): المجلد الرابع ص ٤١٦.\n(٤) «مرآة العقول»: (٤/٤١٦) .","vol":"1","page":231},{"text":"وعن حريز عمن ذكره عن أبي جعفر في قول الله: (وقال الشيطان لما قضي الأمر ...) (١) قال: هو الثاني وليس في القرآن (وقال الشيطان) إلا هو الثاني (٢) - يعنون بالثاني عمر - ﵁ - -. وعن زرارة عن أبي جعفر في قوله تعالى: (لتركبن طبقًا عن طبق «٣) قال: يا زرارة، أو لم تركب هذه الأمة بعد نبيها طبقًا عن طبق في أمر فلان وفلان وفلان؟ (٤) - يعنون أبا بكر وعمر وعثمان (- قال عالمهم الفيض الكاشاني: (ركوب طبقاتهم كناية عن نصبهم إياهم للخلافة واحدًا بعد واحد) (٥) .\nوعند قوله سبحانه: (.. فقاتلوا أئمة الكفر) (٦) يروي العياشي عن حنان بن سدير أبي عبد الله (قال: سمعته يقول: دخل علي أناس من البصرة فسألوني عن طلحة وزبير فقلت لهم: كانا إمامين من أئمة الكفر (٧) .\nويفسرون الجبت والطاغوت الوارد في قوله سبحانه: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ... «٨)،\n_________\n(١) إبراهيم: آية ٢٢.\n(٢) «تفسير العياشي»: (٢/٢٢٣)، «البرهان»: (٢/٣٠٩)، «الصافي»: (١/٨٨٥)، «البحار»: (٣/٣٧٨)، و«تفسير القمي» (عن الصافي): (١/٨٨٥) .\n(٣) الانشقاق: آية ١٩.\n(٤) و(٥) «الوافي»، كتاب الحجة، باب ما نزل فيهم ﵈ وفي أعدائهم: (١/٣١٤) .\n(٥)\n\n(٦) التوبة: آية ١٢.\n(٧) «تفسير العياشي»: (٢/٧٧ - ٧٨)، «تفسير البرهان»: (٢/١٠٧)، «تفسير الصافي»: (١/٦٨٥) .\n(٨) النساء: آية ٥١.","vol":"1","page":232},{"text":"يفسرونهما بصاحبي رسول الله - ﷺ - ووزيريه وصهريه وخليفتيه أبي بكر وعمر ﵄ (١) .\nويروون عن أبي جعفر - (وبرأه الله مما يفترون - في قوله: (.. وما كنت متخذ المضلين عضدًا «٢) . قال: إن رسول الله - ﷺ - قال: (اللهم أعز الدين بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل ابن هشام) فأنزل الله وما كنت متخذ المضلين عضدًا (٣) .\nوهذا النص يناقض اعتقادهم بعصمة الأنبياء، لأنه يقتضي صدور الدعوة لعمر من الرسول - ﷺ - على سبيل الخطأ، أو يثبت عصمة الرسول - ﷺ - وينسف ما قالوه في سب عمر وتكفيره وأنه غصب الخلافة من علي، وهذا يؤدي إلى هدم مبدأ الإمامة عندهم، وما ندري أي الأمرين يطوح بهم أكثر من الآخر؟.\nويروون عن أبي عبد الله أنه قال في قوله: (ولا تتبعوا خطوات الشيطان «٤) قال: (وخطوات الشيطان والله ولاية فلان وفلان) (٥) - أبو بكر وعمر -.\nوعند قوله سبحانه: (لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم «٦) روى العياشي عن أبي بصير عن جعفر بن محمد عليه\n_________\n(١) انظر: «تفسير العياشي»: (١/٢٤٦)، و«الصافي»: (١/٣٦٢)، «البرهان»: (١/٣٧٧) .\n(٢) الكهف: آية ٥١.\n(٣) «تفسير العياشي»: (٢/٣٢٨ - ٣٢٩)، «البرهان»: (٢/٤٧١)، «البحار»: (٨/٢٢)، «الصافي»: (٢/١٧) .\n(٤) البقرة: الآيتان ١٦٨، ٢٠٨ - الأنعام: آية ١٤٢.\n(٥) «تفسير العياشي»: (١/١٠٢)، «البرهان»: (١/٢٠٨)، «الصافي»: (١/٢٠٨) .\n(٦) الحجر: آية ٤٤.","vol":"1","page":233},{"text":"السلام قال: (يؤتى بجهنم لها سبعة أبواب، بابها الأول للظالم وهو زريق، وبابها الثاني لحبتر، والباب الثالث للثالث، والرابع لمعاوية، والباب الخامس لعبد الملك، والباب السادس لعسكر بن هوسر، والباب السابع لأبي سلامة، فهم أبواب لمن اتبعهم) (١) .\nقال المجلسي في تفسير هذا النص: (زريق كناية عن الأول لأن العرب يتشأم بزرقة العين، والحبتر هو الثعلب ولعله إنما كني عنه لحيلته ومكره، وفي غيره من الأخبار وقع بالعكس وهو أظهر؛ إذ الحبتر بالأول أنسب ويمكن أن يكون هنا أيضًا المراد ذلك، وإنما قدم الثاني لأنه أشقى وأفظ وأغلظ، وعسكر بن هوسر كناية عن بعض خلفاء بني أمية أو بني العباس، وكذا أبو سلامة كناية عن أبي جعفر الدوانيقي، ويحتمل أن يكون عسكر كناية عن عائشة وسائر أهل الجمل؛ إذ كان اسم جمل عائشة عسكرًا وروي أن كان شيطانًا) (٢) .\nوفي قوله تعالى: (.. إذ يبيتون ما لا يرضى من القول) (٣) يفترون على أبي جعفر أنه قال فيها: فلان وفلان - أي أبو بكر وعمر - وأبو عبيدة بن الجراح (٤)، وفي رواية أخرى لهم افتروها على أبي الحسن تقول: هما وأبو عبيدة بن الجراح (٥) - هما: أي أبو بكر وعمر - وفي رواية ثالثة: الأول والثاني وأبو عبيدة بن الجراح (٦) (الأول والثاني أي أبو بكر وعمر) .\nوقوله سبحانه: (إن يدعون من دونه إلا إناثًا وإن يدعون إلا\n_________\n(١) «تفسير العياشي»: (٢/٢٤٣)، «البرهان»: (٢/٣٤٥) .\n(٢) «البحار»: (٤/٣٧٨)، (٨/٢٢٠) .\n(٣) النساء: آية ١٠٨.\n(٤) و(٥) و(٦)، «تفسير العياشي»: (١/٢٧٥)، «البرهان»: (١/٤١٤) .","vol":"1","page":234},{"text":"شيطانًا مريدًا «١) يفسرونها بالرواية التالية:\nعن محمد بن إسماعيل عن رجل سماه عن أبي عبد الله (قال: دخل رجل على أبي عبد الله فقال: السلام عليكم يا أمير المؤمنين، فقام على قدميه فقال: مه هذا اسم لا يصلح إلا لأمير المؤمنين (سماه به، ولم يُسمّ - بالبناء المفعول - به أحد غيره فرضي به إلا كان منكوحًا وإن لم يكن به ابتلي به وهو قول الله في كتابه: (إن يدعون من دونه إلا إناثًا وإن يدعون إلا شيطانًا مريدًا (قال قلت: فماذا يدعى به قائمكم؟ قال: يقال له السلام عليك يا بقية الله، السلام عليكم يا ابن رسول الله - ﷺ - (٢) .\nفهذا قذف شنيع لكل أمراء المؤمنين.\nويفترون على أبي عبد الله أنه قال في قول الله: (إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرًا.. «٣) قال: نزلت في فلان وفلان - أبو بكر وعمر - آمنوا برسول الله - ﷺ - وآله في أول الأمر ثم كفروا حين عرضت عليهم الولاية، حيث قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، ثم آمنوا بالبيعة لأمير المؤمنين (حيث قالوا له بأمر الله وأمر رسوله فبايعوه، ثم كفروا حيث مضى رسول الله صلى الله عليه وآله فلم يقروا بالبيعة، ثم ازدادوا كفرًا بأخذهم من بايعوه بالبيعة لهم، فهؤلاء لم يبق منهم من الإيمان شيء (٤) .\n_________\n(١) النساء: آية ١١٧.\n(٢) «تفسير العياشي»: (١/٢٧٦)، «البرهان»: (١/٤١٥)، «البحار»: (٩/٦٣٧) .\n(٣) النساء: آية ١٣٧.\n(٤) «تفسير العياشي»: (١/٢٨١)، «الصافي»: (١/٤٠٤)، «البرهان»: (١/٤٢٢)، «البحار»: (٨/٢١٨) .","vol":"1","page":235},{"text":"وفي قوله سبحانه عن المنافقين: (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهمّوا بما لم ينالوا.. «١) .\nيروي القمي في تفسيره عن الصادق (لما أقام رسول الله - ﷺ - يوم غدير خم كان بحذائه سبعة نفر من المنافقين وهم أبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وأبو عبيدة وسالم مولى أبي حذيفة والمغيرة بن شعبة، قال عمر: ألا ترون عينيه كأنها عينا مجنون - يعني النبي - الساعة يقوم ويقول: قال لي ربي، فلما قام قال: يا أيها الناس من أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: الله ورسوله قال: اللهم فاشهد ثم قال: ألا من كنت مولاه فعلي مولاه وسلموا عليه بإمرة المؤمنين فنزل جبرائيل وأعلم رسول الله صلى الله عليه وآله فأنزل الله (يحلفون بالله ما قالوا «٢) .\nويفسرون الفحشاء والمنكر، في قوله: (.. وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي..) (٣) بولاية أبي بكر وعمر وعثمان، فيروون عن أبي جعفر (بالإسناد الكاذب أنه قال: وينهى عن الفحشاء: الأول. والمنكر: الثاني. والبغي: الثالث (٤) .\nثالثًا: وعلى ضوء عقيدتهم في المهدي يتعسفون في تأويل الآيات فيروي شيخهم الصدوق - عندهم - بسنده عن أبي عبد الله في قول الله: «..هدى للمتقين، الذين يؤمنون بالغيب.. «٥) .\n_________\n(١) التوبة: آية ٧٤.\n(٢) عن «الصافي»: (١/٧١٥) .\n(٣) النحل: آية ٩٠.\n(٤) «تفسير العياشي»: (٤/٢٦٨)، «البرهان»: (٢/٣٨١)، «البحار»: (٧/١٣٠) .\n(٥) البقرة: الآيتان ٢، ٣.","vol":"1","page":236},{"text":"قال: (من أقر بقيام القائم (أنه حق) وفي رواية: «يؤمنون بالغيب (يعني بالقائم (وغيبته) (١) .\nوعن جابر.. عن أبي جعفر في قول الله: (وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر.. «٢) قال: خروج القائم وأذان دعوته إلى نفسه (٣) .\nوعن سماعة عن أبي عبد الله ﵇ في قوله سبحانه: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون «٤) قال: إذا خرج القائم لم يبق مشرك بالله العظيم ولا كافر إلا كره خروجه (٥) .\nوعن صالح بن سعد عن أبي عبد الله في قول الله: (قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد «٦) قال: قوة القائم والركن الشديد الثلثمائة وثلاثة عشر أصحابه (٧) (مع أن الآية في لوط (مع قومه فجعلوها في قائمهم المنتظر) .\nوالأمثلة على تعسفهم في تفسير آيات من كتاب الله بمهديهم المنتظر كثيرة، حتى ألفوا في هذا كتبًا مستقلة مثل «ما نزل من القرآن\n_________\n(١) ابن بابويه القمي (الصدوق): «إكمال الدين»: ص ١٧.\n(٢) التوبة: آية ٣.\n(٣) «تفسير العياشي»: (٢/٧٦)، «تفسير البرهان»: (٢/١٠٢) .\n(٤) التوبة: آية ٣٣.\n(٥) «تفسير العياشي»: (٢/٨٧)، «الصافي»: (١/٦٩٧)، «البرهان»: (٢/١٢١) .\n(٦) هود: آية ٨٠.\n(٧) «تفسير العياشي»: (٢/١٥٧)، وانظر: «البرهان»: (٢/٢٣٠)، «البحار»: (٥/١٥٨) .","vol":"1","page":237},{"text":"في صاحب الزمان» لعبد العزيز الجلودي (١)، و«المحجة فيما نزل في القائم الحجة» للسيد هاشم البحراني (٢) .\nرابعًا: ويمضي القوم في تأويلهم لآيات الله على ضوء عقائدهم وأصول دينهم ويتعسفون في ذلك أيما تعسف، فيحاولون البحث عن آيات يفسرون على ضوئها معتقدهم في التقية ففي تفسير العياشي عن الصادق في قوله سبحانه: (.. أجعل بينكم وبينهم ردمًا «٣) قال: التقية (٤)؛ ﴿فما استطاعوا أن يظهروا وما استطاعوا له نقبًا﴾ (٥) قال: هو التقية (٦) .\nوعن المفضل عن الصادق: (فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبًا (قال: ما استطاعوا له نقبًا إذا عمل بالتقية لم يقدروا في ذلك على حيلة وهو الحصن، وصار بينك وبين أعداء الله سدًّا لا يستطيعون له نقبًا، قال: وسألته عن قوله: (.. فإذا جاء وعد ربي جعله.. «٧) قال: رفع التقية عند الكشف فينتقم من أعداء الله (٨) .\nوعن الحسين عن زيد بن علي بن جعفر بن محمد عن أبيه (قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: لا إيمان لمن\n_________\n(١) أغابزرك الطهراني: «الذريعة»: (١٩/٣٠) .\n(٢) «فهرس مكتبة آية الله المرعشي» بقم: (٣/٢٨٦)، إعداد: (أحمد الحسيني) .\n(٣) «الكهف: آية ٩٥.\n(٤) «تفسير العياشي»: (٢/٣٥١)، «البرهان»: (٢/٤٨٦)، «البحار»: (٥/١٦٨) .\n(٥) الكهف: آية ٩٧.\n(٦) «تفسير العياشي»: (٢/٣٥١)، «البرهان»: (٢/٤٨٦)، «البحار»: (٥/١٦٨) .\n(٧) الكهف: آية ٩٨.\n(٨) «تفسير العياشي»: (٢/٣٥١)، «البرهان»: (٢/٤٨٦)، «البحار»: (٥/١٦٨) .","vol":"1","page":238},{"text":"لا تقية له ويقول: قال الله: (.. إلا أن تتقوا منهم تقاة..) (١» (٢) .\nوعن أبي إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله (وتلا هذه الآية: (.. ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون «٣) قال: والله ما ضربوهم بأيديهم ولا قتلوهم بأسيافهم، ولكن سمعوا أحاديثهم وأسرارهم فأذاعوها، فأخذوا عليها فقتلوا فصار قتلًا واعتداء ومعصية (٤) .\nوعن يزيد عن أبي جعفر (في قوله: (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا.. «٥) اصبروا.. يعني بذلك عن المعاصي، وصابروا يعني التقية، ورابطوا يعني الأئمة (٦) .\nخامسًا: ولتأييد اعتقادهم في \"الرجعة\" يؤولون الآيات ويصرفونها عن معانيها؛ فقوله سبحانه: (ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلًا «٧) قالوا: الرجعة (٨)، فالآخرة يفسرونها في هذه الآية بالرجعة، وهذا التفسير وأمثاله هو عين منطق الباطنيين في القول بإبطال المعاد.\n_________\n(١) آل عمران: آية ٢٨.\n(٢) «تفسير العياشي»: (١/١٦٦- ١٦٧)، «البرهان»: (١/٢٧٥)، «الصافي»: (١/٢٥٣)، «الوسائل»: جـ٢ أبواب الأمر بالمعروف باب ٢٣.\n(٣) آل عمران: آية ١١٢.\n(٤) «تفسير العياشي»: (١/١٩٦)، «البرهان»: (١/٣٠٩)، «الصافي»: (١/٢٩٠) .\n(٥) آل عمران: آية ٢٠٠.\n(٦) «تفسير العياشي»: (١/٢١٤)، «البرهان»: (١/٣٣٥)، «البحار»: (٧/١٣٥) .\n(٧) الإسراء: آية ٧٢.\n(٨) «تفسير العياشي»: (٢/٣٠٦)، «البحار» للمجلسي: (١٣/١١٦) .","vol":"1","page":239},{"text":"ويفسرون قوله سبحانه: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت.. «١) بأن هذه الآية ليست في كفار قريش المنكرين للبعث، إنما هي في أعداء الشيعة المنكرين للرجعة!! وإليك النص:\nعن بصير عن أبي عبد الله في قوله: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت (قال: ما يقولون فيها؟ - أي ما يقول أئمة السنّة في تفسيرها - قلت: يزعمون أن المشركين كانوا يحلفون لرسول الله أن الله لا يبعث الموتى قال: تبًّا لمن قال هذا، ويلهم هل كان المشركون يحلفون بالله أم باللات والعزى؟ قلت: جعلت فداك فأوجدنيه أعرفه قال: لو قد قام قائمنا بعث الله إليه قومًا من شيعتنا قبابع (٢) سيوفهم على عواتقهم فيبلغ ذلك قوم من شيعتنا لم يموتوا فيقولون: بعث فلان وفلان من قبورهم مع القائم فيبلغ ذلك قومًا من أعدائنا فيقولون: يا معشر الشيعة ما أكذبكم، هذه دولتكم وأنتم تكذبون فيها فحكى الله قولهم (٣) فقال: (وأقسموا بالله جهد أيمانكم) .\nهذه أمثلة لتأويلاتهم للقرآن، وتعسفهم في فهم آياته، وهو كما يرى القارئ تفسير باطني لا تربطه بالآية أدنى صلة، وكأن القرآن لم ينزل بلسان عربي مبين، ولم يجعله الله سبحانه هداية ودستورًا لخلقه أجمعين.\nوهذه التمحلات والتكلفات ليست من قبيل الأخطاء في الرأي والزلل في فهم الآيات، ولكنها مؤامرة مدبرة ضد الإسلام، وخطة محبوكة لإلغاء هداية القرآن للناس، وكأنها قد جاءت تالية لإخفاق\n_________\n(١) النحل: الآية ٣٨.\n(٢) قبعة السيف: ما كان على طرف مقبضه من فضة أو حديد، «القاموس»: مادة قبع.\n(٣) «تفسير العياشي»: (٢/٢٥٩)، «البرهان»: (٢/٣٦٨)، «البحار»: (١٣/٢٢٣) .","vol":"1","page":240},{"text":"مؤامرة التحريف التي ادعوها في كتاب الله ولكن الله متم نوره ولو كره الكافرون.\nوخطورة هذا الاتجاه الباطني في تفسير القرآن كبيرة، لأنه يقتضي بطلان الثقة بالألفاظ، ويسقط الانتفاع بكلام الله وكلام رسوله، فإن ما يسبق إلى الفهم لا يوثق به، والباطن لا ضابط له، بل تتعارض فيه الخواطر ويمكن تنزيله على وجوه شتى، وبهذا الطريق يحاول \"الباطنية\" التوصل إلى هدم جميع الشريعة بتأويل ظواهرها وتنزيلها على رأيهم (١) .\nولا شك أن تلك التأويلات إلحاد في كتاب الله: قال تعالى: (إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا «٢) قال ابن عباس: «هو أن يوضع الكلام في غير موضعه» (٣)، وذلك بالانحراف في تأويله (٤) .\nقال في الإكليل: (ففيها الرد على من تعاطى تفسير القرآن بما لا يدل عليه جوهر اللفظ كما يفعله الباطنية، والاتحادية والملاحدة..) (٥) .\nوهؤلاء الذين يلحدون في آيات الله ويحرفونها عن معانيها وإن كتموا كفرهم وتستروا بالتأويل الباطل وأرادوا الإخفاء لكنهم لا يخفون على الله (٦) . كما قال تعالى: (لا يخفون علينا) .\n_________\n(١) «إحياء علوم الدين»: (١/٣٧) .\n(٢) فصلت: آية ٤٠.\n(٣) «تفسير الطبري»: (٢٤/١٢٣)، «فتح القدير» الشوكاني: (٤/٥٢٠) .\n(٤) انظر: القاسمي: «محاسن التأويل»: (١٤/٥٢١١)، الألوسي: «روح المعاني»: (٢٤/١٢٦) .\n(٥) «الإكليل» السيوطي: ص ٣٥٤، على هامش «جامع البيان في تفسير القرآن» .\n(٦) «إكفار الملحدين» محمد أنور شاه الكشميري: ص٢.","vol":"1","page":241},{"text":"ولمحاولة تمرير هذه الجريمة، وإنجاح تلك المؤامرة ربطوا هذا التفسير بأهل البيت، فضلًا عن أنهم جعلوا التفسير والتأويل من خصوصيات الأئمة الإثني عشر، وفي هذا عقد شيخهم الحر العاملي في كتابه «الفصول المهمة» بابًا بعنوان: (باب أنه لا يعرف تفسير القرآن إلا الأئمة) (١) .\nولا اعتبار لأي تفسير لا يرد من طريقهم؛ قال عالمهم محمد رضا النجفي - من علمائهم المعاصرين ويلقبونه بآية الله -: (إن جميع التفاسير الواردة عن غير أهل البيت لا قيمة لها ولا يعتد بها) (٢) .. ثم ذكر رواية لهم عن المجلسي في البحار وهي: (قال أبو جعفر لسلمة بن كهيل والحكم بن عنبسة شرقًا وغربًا لن تجد علمًا صحيحًا إلا شيئًا يخرج من عندنا أهل البيت) (٣) .\nوقد جاء في أحاديثهم ورواياتهم ما يسوغون به هذا المسلك الغريب، جاء في أحاديثهم أن السياق القرآني غير منسجم مع النظر العقلي فهو أبعد ما يكون عن العقل فأول الآية في شيء وأوسطها في شيء وآخرها في شيء آخر، يقولون: عن جابر قال أبو عبد الله (: (يا جابر إن للقرآن بطنًا وللبطن ظهرًا، ثم قال: يا جابر وليس شيء أبعد من عقول الرجال منه أن الآية لتنزل أولها في شيء وأوسطها في شيء وآخرها في شيء وهو كلام متصل يتصرف على وجوه) (٤) .\n_________\n(١) «الفصول المهمة»: ص ٥٧.\n(٢) «الشيعة والرجعة»: ص ١٩.\n(٣) المصدر السابق: ص ٢٩.\n(٤) انظر: «تفسير العياشي»: (١/١١)، «البحار»: (١٩/٣٠، ٩٣- ٩٤)، «البرهان»: (١/٢٠- ٢١)، «الصافي»: (١/١٤- ١٧) .","vol":"1","page":242},{"text":"وهذا القول يصدق تمامًا على التفسير المأثور عندهم للقرآن ولا يتصل من قريب أو بعيد بكتاب الله وتفسيره الصحيح، وإذا كان الأمر في تفسير القرآن كما يصورون فلِمَ نزل للناس كافة؟، وإذا كان الأئمة يفسرون القرآن للناس فأين الأئمة منذ أكثر من ألف عام؟.\nوبقي أن نشير إلى ملاحظة هامة وهي: أن للتفسير عندهم وجوهًا ظاهرة وباطنة، والجميع معتبر. فمن أمثلة ذلك أنهم فسروا قوله سبحانه: (ثم ليقضوا تفثهم (بأنه لقاء الإمام كما فسروها بأنها أخذ الشارب، وقص الأظافر. ولما استشكل أحد رواتهم هذا التناقض وسأل - كما يزعمون - الإمام جعفر أي التفسيرين أصح؟ وأي الرواة أصدق في النقل عنه؟ قال بصواب التفسيرين، ولكن التفسير الباطني لا يحتمله - كما يزعمون - إلا خُلَّص مؤمنيهم، ولهذا يخاطب كل سائل بما يحتمله من وجوه التفسير (١) .. أي أن التفسير الباطني لا يقال إلا عند ارتفاع التقية مع ثقاتهم.\nوقد يقول قائل إنك عممت الحكم على كل التفاسير الشيعية، في حين يوجد تفاسير لهم تحمل طابع الاعتدال، والبعد عن الغلو، أفما كان الأولى أن يكون هناك استثناءات في هذا المجال؟، أو يقسم التفسير عندهم إلى قسمين معتدل ومغالي، بدلًا من أن يجعل ما عرض من تأويلات هو الوجه للشيعة \"الرافضة\"؟\nوالجواب أنني مع ما في السؤال من أن هناك بعض التفاسير الشيعية كـ «التبيان» للطوسي، و«مجمع البيان» للطبرسي قد نأت عن ذلك الغلو الجانح الذي ركنت إليه تلك التفاسير التي مثلنا بها، وإن كانت قد\n_________\n(١) انظر: «تفسير نور الثقلين»: (٢/٤٩٢) .","vol":"1","page":243},{"text":"التزمت الدفاع عن أصول العقيدة الشيعية في بعض الآيات ولكنها لا تقارب بحال ما في تفسير العياشي أو البرهان أو الصافي أو أصول الكافي وغيرها. وكنت قد عزمت الإشارة إلى هذا النوع من التفسير، والإشادة بهذه الخطوة نحو \"الاعتدال\" ولا سيما أن بعض من يدافع عن التشيع قد احتج بهذين التفسيرين على أن الشيعة كلهم (لا بعضهم!) ليس لديهم تأويلات منحرفة (١) وكنا سنأخذ الأمر بحسن الظن.\nولكن عالم الشيعة ومحدثها وخبير رجالها وصاحب آخر مجموع من مجاميعهم الحديثية وأُستاذ كثير من علمائهم الأقطاب كمحمد حسين آل كاشف الغطا، وأغابزرك الطهراني وغيرهم عالم الشيعة حسين النوري الطبرسي قد كشف لنا سرًّا عندهم بقي دفينًا، وأماط اللثام عن حقيقة كانت مجهولة لدينا.\nوهي أن كتاب «التبيان» للطوسي إنما وضع على أسلوب \"التقية\" والمداراة للخصوم، وإليك نص كلامه: (ثم لا يخفى على المتأمل في كتاب «التبيان» أن طريقته فيه على نهاية المداراة والمماشاة مع المخالفين، فإنك تراه اقتصر في تفسير الآيات على نقل كلام الحسن، وقتادة، والضحاك، والسدي، وابن جريج، والجبائي، والزجاج، وابن زيد، وأمثالهم، ولم ينقل عن أحد من مفسري الإمامية ولم يذكر خبرًا عن أحد من الأئمة ﵈ إلا قليلًا في بعض المواضع، لعله وافقه في نقله المخالفون، بل عدَّ الأولين في الطبقة الأولى من المفسرين الذين حمدت طرائقهم، ومدحت مذاهبهم، وهو بمكان من الغرابة لو لم يكن على وجه المماشاة فمن المحتمل أن يكون هذا القول منه\n\nفيه على نحو\n_________\n(١) محسن الأمين: «الشيعة»: ص ١٧٨.","vol":"1","page":244},{"text":"ذلك، ومما يؤيد كون وضع الكتاب على التقية ما ذكره السيد الجليل علي بن طاوس في سعد السعود وهذا لفظه: ونحن نذكر ما حكاه جدي أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي في كتاب «التبيان» وحملته التقية على الاقتصار عليه من تفصيل المكي من المدني والخلاف في أوقاته إلخ - هكذا لم يكمل الطبرسي العبارة - وقال الطبرسي معقبًا: وهو أعرف - يعني ابن طاوس - بما قال - أي الطوسي - من وجوه لا يخفى على من اطلع على مقامه فتأمل) (١) .\nفمن هذا الكلام يتبين أن «التبيان» للطوسي قد وضع على أسلوب التقية كما هو رأي عالم الشيعة المعاصر.\nأو أن يكون تفسير التبيان قد صدر من الطوسي نتيجة اقتناع فكري بإسفاف ما عليه القوم من تفسير وبتأثير نزعة معتدلة لاختلاطه ببعض علماء السنّة في بغداد، ومعنى هذا أن شيعة اليوم هم أشد غلوًّا وتطرفًا، ولذا تراهم يعتبرون تفسير الطوسي وأمثاله من التفاسير إنما أُلفت للخصوم والتزمت بروح التقية لتبشر بالعقيدة الشيعية بين غير الشيعة.\nوقد سار على نهج الطوسي عالمهم أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي - من أكابر علمائهم في القرن السادس - وقد أشار الطبرسي في مقدمة تفسيره إلى اتباعه لمنهج الطوسي حيث قال: (.. إلا ما جمعه الشيخ الأجل السعيد أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي قدس الله روحه من كتاب «التبيان»، فإنه الكتاب الذي يقتبس منه ضياء الحق ويلوح عليه رواء الصدق.. وهو القدوة استضيء بأنواره، وأطأ مواقع\n_________\n(١) «فصل الخطاب»: الورقة ١٧ (النسخة المخطوطة) .","vol":"1","page":245},{"text":"آثاره) (١) فعلى هذا ينطبق ما قلناه في تفسير الطوسي على هذا التفسير.\nوبعد: فهل بمثل هذه التأويلات والتكلفات يحصل تقريب ولقاء؟. وأنّى بمصادر حَوَت هذا الغثاء أن تنال ثقة العقلاء وتكون محور نقاش وتفاهم؟ وكيف تكون مصدرًا لاستمداد العقيدة والسلوك والشريعة؟.\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>(ج) دعواهم تنزل كتب إلهية على الأئمة </span>(٢):\nتضمنت كتب الشيعة الأصيلة، ومراجعها المعتبرة عندهم دعاوى عريضة، ومزاعم خطيرة ليس لها وجود في عالم الواقع ولا يرى لها عين ولا أثر، وليس لها في كتب الأمة شاهد ولا خبر.\nتلك المزاعم والدعاوى تتضمن أن هناك كتبًا مقدسة نزلت من السماء بوحي من رب العزة جل علاه إلى \"الأئمة\"، وأحيانًا تورد كتب الشيعة الأصيلة نصوصًا وروايات يزعمون أنها مأخوذة من تلك الكتب، وعلى هذه الروايات المدعى أخذها من تلك الكتب تبنى عقائد ومبادئ.\nوإليك - بكل أمانة - بعض ما وجدناه في كتبهم المعتمدة عندهم من هذه الدعاوى والمزاعم:\n_________\n(١) «مجمع البيان»: المقدمة ص ١٠.\n(٢) وهناك كتب مقدسة أُخرى يزعمون أن الرسول - ﷺ - أودعها الأئمة سنعرض لهذه الكتب في دراستنا (لفكرة خزن العلم وإيداع الشرعة عندهم)، وهم يعتبرونها كالكتب المنزلة في الحجية والقدسية، ولكنها لا توصف عندهم (بالتنزيل والوحي) لهذا لم نذكرها (هنا) .","vol":"1","page":246},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>١- مصحف فاطمة:</span>\nتدعي كتب الشيعة نزول مصحف بعد وفاة الرسول - ﷺ - يسمونه مصحف فاطمة:\nروى الكليني في «الكافي» - بسند صحيح كما يقول علماؤهم (١) - عن أبي بصير قال: دخلت على أبي عبد الله (جعفر الصادق) ثم ذكر حديثًا طويلًا في ذكر العلم الذي أودعه الرسول - ﷺ - عند أئمة الشيعة - فيما يزعمون - وفيه قول أبي عبد الله - كما يروون -: (وإن عندنا لمصحف فاطمة ﵍ قال \"أبو بصير\": قلت: وما مصحف فاطمة ﵍؟ قال: مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات (٢)، ما فيه من قرآنكم حرف واحد) (٣) .\nوهذا النص يفيد - عندهم - أن مصحف فاطمة: الذي أوحاه الله - بزعمهم - إليها هو مثل القرآن الذي أنزله الله على عبده ورسوله ثلاث مرات، وهذا الزعم غاية في التحلل من العقل والجرأة على الكذب.\n_________\n(١) انظر: «الشافي شرح أصول الكافي»: (٣/١٩٧) .\n(٢) أخذ بعض من كتب عن الشيعة من هذه الرواية أن الشيعة يعتقدون أن ثلاثة أرباع القرآن قد حذف وأُسقط من الصحف. انظر: القصيمي: «الصراع»: (١/١١٠)، وإحسان إلهي ظهير: «الشيعة والسنة»: ص ٨١، وقد رد على ذلك بعض الشيعة بأن (نصهم) يدل على كون مصحف فاطمة غير القرآن. الخنيزي: «الدعوة الإسلامية»: (١/٤٧)، وأقول: إن الناظر في رواياتهم يلمس منها أنها تتحدث عن مصحف لفاطمة نزل عليها من عند الله غير القرآن، وإن كان هناك حشد من الأساطير في كتبهم تزعم بأن القرآن ناقص لكن هذا النص ليس منها.\n(٣) الكليني: «الكافي»، كتاب الحجة، باب فيه ذكر الصحيفة والجفر والجامعة ومصحف فاطمة: (١/٢٣٨) .","vol":"1","page":247},{"text":"وما الحاجة لنزول مصحف على فاطمة والله جل شأنه يقول: (.. ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين «١)، (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم «٢) .\nوأين هو اليوم هذا المصحف المزعوم؟! ولكن يبدو أن مهندسي بناء التشيع وضعوا أمثال هذه الروايات خوفًا من أن يفقد المذهب أتباعه لعدم وجود ما يشهد له من كتاب الله.\nوتمضي أساطيرهم تتحدث عن هذا المصحف فيروي الكليني بسنده عن حماد بن عثمان قال: سمعت أبا عبد الله \"ع\" يقول: (يظهر الزنادقة في سنة ثمان وعشرين ومائة وذلك إني نظرت في مصحف فاطمة ﵍، قال: قلت: وما مصحف فاطمة؟ قال: إن الله تعالى لما قبض نبيه صلى الله عليه وآله دخل على فاطمة ﵍ من وفاته من الحزن ما لا يعلمه إلا الله (فأرسل الله إليها ملكًا يسلّي غمها ويحدثها، فشكت ذلك (٣) إلى أمير المؤمنين (فقال: إذا أحسست بذلك وسمعت الصوت قولي لي، فأعلمته بذلك فجعل أمير المؤمنين (يكتب كلما سمع حتى أثبت من ذلك مصحفًا قال: ثم قال: أما إنه ليس فيه شيء من الحلال والحرام ولكن فيه علم ما يكون) (٤) .\nوفي حديث آخر من أحاديثهم قال أبو عبد الله - كما يروي\n_________\n(١) النحل: آية ٨٩.\n(٢) الإسراء: آية ٩.\n(٣) قال المعلق على «الكافي» في تعليل هذا: (لعدم حفظها وقيل: لرعبها ﵍ من الملك حال وحدتها به) . انظر: حاشية «أصول الكافي» لعلي الغفاري: (١/٢٤٠) .\n(٤) «أصول الكافي»، كتاب الحجة، باب فيه ذكر الصحيفة إلخ: (١/٢٤٠) .","vol":"1","page":248},{"text":"الكليني - عن مصحف فاطمة: (ما أزعم أن فيه قرآنًا وفيه ما يحتاج الناس إلينا ولا نحتاج إلى أحد، حتى فيه الجلدة ونصف الجلدة وربع الجلدة وأرش الخدش) (١) .\nويلاحظ القارئ لهذا النص والذي قبله أن الأول منهما يجعل موضوع المصحف مقصورًا على علم الغيب فقط - علم ما يكون - بينما النص الآخر يجعل من موضوعه علم الحدود والديات ففي حتى أرش الخدش.\nوالمغزى من هذين النصين واضح، فإعطاء \"الأئمة\" علم ما يكون هو إضفاء لصفة الألوهية عليهم بمنحهم ما هو من خصائص الإله وهو \"علم الغيب\"، وجعل مصحف فاطمة يحوي علم الحدود والديات هو \"اتهام\" مبطن بقصور التشريع الإسلامي!\nوفي كتاب «دلائل الإمامة» وهو من كتبهم المعتمدة عندهم (٢) ترد رواية تصف هذا المصحف المزعوم بأن فيه: (خبر ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، وفيه خبر سماء سماء، وعدد ما في السموات من الملائكة وغير ذلك، وعدد كل من خلق الله مرسلًا وغير مرسل، وأسماءهم، وأسماء من أُرسل إليهم، وأسماء من كذب ومن أجاب، وأسماء جميع من خلق الله من المؤمنين والكافرين\n_________\n(١) «الكافي»: الكليني، كتاب الحجة، باب فيه ذكر الصحيفة إلخ: (١/٢٤٠) .\n(٢) قال عالمهم المجلسي عن الكتاب: «دلائل الإمامة» من الكتب المعتبرة المشهورة. أخذ منه جملة من تأخر عنه كالسيد ابن طاوس وغيره.. ومؤلفه من ثقات رواتنا الإمامية محمد بن جرير بن رستم الطبري وليس هو ابن جرير صاحب «التاريخ» المخالف) . المجلسي: «البحار»: (١/٣٩- ٤٠) . وقالت مقدمة الكتاب: (وهذا الكتاب لم يزل مصدرًا من مصادر الشيعة في الإمامة والحديث تركن إليه وتعتمد عليه في أجيالها المتعاقبة منذ تأليفه إلى وقتنا الحاضر) من مقدمة الكتاب ص ٥.","vol":"1","page":249},{"text":"وصفة كل من كذب، وصفة القرون الأولى وقصصهم، ومن ولي من الطواغيت ومدة ملكهم وعددهم وأسماء الأئمة وصفتهم وما يملك كل واحد.. فيه أسماء جميع ما خلق الله وآجالهم، وصفة أهل الجنة وعدد من يدخلها، وعدد من يدخل النار، وأسماء هؤلاء وهؤلاء، وفيه علم القرآن كما أُنزل، وعلم التوراة كما أُنزلت، وعلم الإنجيل كما أُنزل، وعلم الزبور، وعدد كل شجرة ومدرة في جميع البلاد) (١) .\nهذه المواضيع كلها في ورقتين من أوله (٢) يقول الراوي: (إن إمامهم قال: وما وصفت لك بعد ما في الورقة الثالثة ولا تكلمت بحرف منه) (٣) .\nوما ندري بأي حجم يكون هذا الورق؟! كما لا ندري لماذا لم يستفد أئمتهم من هذه العلوم في سبيل استرداد الإمامة التي حرموها - كما تزعم الشيعة -.\nولماذا لا يخرج منتظرهم من سردابه وكيف يخاف القتل؟ - كما يعللون سر اختفائه - فيظل مختفيًا وكل هذه العلوم عنده!!\nوتصف رواية «دلائل الإمامة» صفة نزول هذا المصحف على خلاف ما جاء في الرواية السالفة عن «الكافي» من أن عليًّا كتب ما سمعه من الملك حتى أثبت بذلك مصحفًا، وتقول رواية «الدلائل»: (أنه نزل جملة واحدة من السماء بواسطة ثلاثة من الملائكة وهم جبرائيل وإسرافيل وميكائيل.. فهبطوا به وهي قائمة تصلي، فما زالوا قيامًا حتى قعدت، ولما فرغت من صلاتها سلموا\n_________\n(١) و(٢) و(٣) محمد بن جرير بن رستم الطبري: «دلائل الإمامة»: (ص ٢٧- ٢٨) .","vol":"1","page":250},{"text":"عليها وقالوا: السلام يقرئك السلام، ووضعوا المصحف في حجرها (١) .\nفقالت: لله السلام ومنه السلام وإليه السلام وعليكم يا رسل الله السلام، ثم عرجوا إلى السماء، فما زالت من بعد صلاة الفجر إلى زوال الشمس تقرؤه حتى أتت على آخره، ولقد كانت ﵍ مفروضة الطاعة على جميع من خلق الله من الجن والإنس والطير والوحش والأنبياء والملائكة.\nقلت: جعلت فداك فلمن صار ذلك المصحف بعد مضيها؟\nقال: دفعته إلى أمير المؤمنين، فلما مضى صار إلى الحسن ثم إلى الحسين ثم عند أهله حتى يدفعوه إلى صاحب هذا الأمر..) (٢) .\nهذا بعض ما جاء في كتبهم عن مصحف فاطمة المزعوم، وهو يبين أن لفاطمة مصحفًا نزل عليها بعد وفاة الرسول - ﷺ - فيه علم الغيب وعلم الحدود والديات وغيرها مما سلف ذكره وأنه اليوم عند إمامهم الغائب! وهو وحي كالقرآن إلا أنه مثله ثلاث مرات ما فيه من قرآننا حرف واحد، فهل نزل هذا المصحف ليكمل القرآن؟!!\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>٢- لوح فاطمة:</span>\nوهذا - كما يؤخذ من رواياتهم - غير مصحف فاطمة، لأن مصحف فاطمة نزل بعد وفاة الرسول - ﷺ - بواسطة الملك وكتبه علي من فم الملك وسلمه لفاطمة، أو نزل جملة واحدة\n_________\n(١) المصدر السابق.\n(٢) المصدر السابق (ص ٢٧- ٢٨) .","vol":"1","page":251},{"text":"بواسطة ثلاثة من الملائكة إلى آخر ما بينا من أوصاف القوم لهذا الكتاب، أما لوح فاطمة فله صفات أُخرى؛ منها أنه نزل على الرسول - ﷺ - وأهداه لفاطمة إلى غير ذلك من أوصافه، وقد نقلوا عنه بعض النصوص التي تؤيد عقائدهم. ويبدو أن هذا الخبر عن «لوح فاطمة» والنص المنقول منه على درجة عالية من السرية، ففي نهاية النص - كما سيأتي - أمر بكتمانه عن غير أهله فهو سرية من أسرارهم، ولا ندري كيف تسرب ولماذا تسرب؟ متى؟!\nوإليك النص:\nوروى صاحب الكافي عن أبي بصير عن أبي عبد الله قال: قال أبي لجابر بن عبد الله الأنصاري: إن لي إليك حاجة متى يخف عليك أن أخلو بك فأسألك عنها؟ قال له جابر: في أي الأحوال أحببت، فخلا به في بعض الأيام فقال: هل يا جابر أخبرني عن اللوح الذي رأيته في يد أُمي فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وما أخبرتك به أُمي أنه في اللوح مكتوب؟، فقال جابر: أشهد بالله أني دخلت على أُمك فاطمة ﵍ في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله فهنيتها بولادة الحسين، فرأيت في يديها لوحًا أخضرًا ظننت أنه من زمرد، ورأيت فيه كتابًا أبيض شبه لون الشمس، فقلت لها: بأمي وأبي أنت يا بنت رسول الله، ما هذا اللوح؟ فقالت: هذا لوح أهداه الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وآله في اسم أبي واسم بعلي واسم ابني واسم الأوصياء من ولدي وأعطانيه أبي ليبشرني بذلك، قال جابر: فأعطتنيه أمك فاطمة ﵍ فقرأته واستنسخته فقال أبي: فهل لك يا جابر أن تعرضه علي؟ قال: نعم، فمشى","vol":"1","page":252},{"text":"معه أبي إلى منزل جابر فأخرج صحيفة من رق، فقال: يا جابر انظر في كتابك لأقرأ عليك، فنظر جابر في نسخته وقرأ أبي فما خالف حرف حرفًا، فقال جابر: أشهد بالله أني هكذا رأيته في اللوح مكتوبًا.\nبسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من الله العزيز الحكيم لمحمد نبيه ونوره وسفيره وحجابه ودليله، نزل به الروح الأمين من عند رب العالمين عظم يا محمد أسمائي واشكر نعمائي.. (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>٣- دعواهم نزول اثني عشر صحيفة من السماء تتضمن صفات الأئمة:</span>\nفي حديث طويل من أحاديثهم يرويه صدوقهم ابن بابويه القمي أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال - كما يفترون -: (إن الله ﵎ أنزل عليّ اثني عشر خاتمًا، واثني عشر صحيفة، اسم كل إمام على خاتمه وصفته في صحيفته) (٢) .\nومزاعمهم في هذا الباب كثيرة..\nوهكذا يحاول القوم أن يسلكوا كل وسيلة لتثبيت معتقدهم في الأئمة ... بعد أن زلزل ذلك خلو كتاب الإسلام العظيم «مما\n_________\n(١) انظره بتمامه في ملحق (الوثائق)، وانظر نصه في كتب الشيعة: الكليني: «الكافي»: (١/٥٢٧، ٥٢٨)، الفيض الكاشاني: «الوافي»، أبواب العهود، بالحجج والنصوص عليهم صلوات الله عليهم، المجلد الأول: (جـ٢/٧٢)، وانظر: الطبرسي: «الاحتجاج»: (١/٨٤- ٨٧)، ابن بابويه القمي: «إكمال الدين»: (ص ٣٠١- ٣٠٤) . الطبرسي صاحب «مجمع البيان»، «أعلام الورى»: ص ١٥٢، الكراجكي: «الاستنصار»: ص ١٨. ويلاحظ أن رواة الشيعة لم يتفقوا في نقلهم لألفاظ هذا الكتاب الإلهي المزعوم، قارن مثلًا بين ما جاء في «إكمال الدين»، وما جاء في «الكافي» .\n(٢) ابن بابويه القمي: «إكمال الدين»: ص ٢٦٣.","vol":"1","page":253},{"text":"يثبتها»، فراحوا يزعمون تنزل كتب إلهية مع القرآن، فكانت هذه الدعوى فضيحة أخرى تضاف لقائمة فضائحهم وأكاذيبهم.\n(ب) عقيدتهم في السنة:\nوينحرفون عن الأمة الإسلامية في هذا الباب في الآتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>أولًا: أقوال \"أئمتهم الإثني عشر\" هي عندهم كأقوال الله ورسوله</span>.\nثانيًا: قولهم بإيداع الشريعة عند الأئمة الإثني عشر.\nثالثًا: ردهم لمرويات الصحابة.\nرابعًا: تلقيهم «السنة» عن حكايات الرقاع.\nخامسًا: انفصالهم عن جماعة المسلمين بمصادر خاصة لهم في تلقي السنة.\nأولًا: إن أقوال الأئمة الإثني عشر هي كأقوال الله ورسوله في اعتقادهم، وهذه قاعدة مقررة عندهم وشواهدها كثيرة في كتبهم؛ فمن ذلك ما جاء في الكافي عن هشام بن سالم وحماد بن عثمان وغيره قالوا: سمعنا أبا عبد الله يقول: حديثي حديث أبي وحديث أبي حديث جدي وحديث جدي حديث الحسين وحديث الحسين حديث الحسن وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله - ﷺ - وحديث رسول الله قول الله «١) .\nوبناء على هذا \"النص\" وغيره اعتبروا كما يقول عالمهم المازاندراني: (إن حديث كل واحد من الأئمة الطاهرين قول الله (، ولا اختلاف في أقوالهم كما لا اختلاف في قوله تعالى) (٢)\n_________\n(١) الكليني: «الكافي»: (٢/٢٧١- ٢٧٢) (مع شرح جامع للمازندراني) .\n(٢) المازندراني: شرح جامع على «الكافي»: (٢/٢٧١- ٢٧٢) .","vol":"1","page":254},{"text":"بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك فقالوا: يجوز من سمع حديثًا عن أبي عبد الله أن يرويه عن أبيه أو عن أحد من أجداده، بل يجوز أن يقول قال الله تعالى (١) .\nويقول أحد علمائهم المعاصرين: (إن الاعتقاد بعصمة الأئمة جعل الأحاديث التي تصدر عنهم صحيحة دون أن يشترطوا إيصال سندها إلى النبي - ﷺ - كما هو الحال عند أهل السنّة) (٢)، ذلك (أن الإمامة استمرار للنبوة) (٣) عندهم، فالنص النبوي استمر - في اعتقادهم - حتى آخر أئمتهم، والسنة في اعتبارهم هي (كل ما يصدر عن المعصوم من قول أو فعل أو تقرير) (٤) .\nوالمعصوم ليس هو الرسول - ﷺ - وحده كما يتوهم من يجهل مذهب الشيعة، بل يعدون أئمتهم معصومين كعصمة الرسول لا ينطقون - في اعتقادهم - عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى - كما يزعمون - ولهذا نصوا في دستورهم على أن السنة هي سنة المعصومين سلام الله عليهم أجمعين (٥) لا سنة رسول الله المعصوم وحده.\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>ثانيًا: إيداع الشريعة عند الأئمة المعصومين - بعد وفاة الرسول ﷺ</span>.\nوهذا الاعتقاد من ضرورات مذهبهم وأركان دينهم وفحواه\n_________\n(١) المصدر السابق.\n(٢) عبد الله فياض: «تاريخ الإمامية»: ص ١٤٠.\n(٣) محمد رضا المظفر: «عقائد الإمامية»: ص ٦٦.\n(٤) محمد تقي الحكيم: «الأصول العامة للفقه المقارن»: ص ١٢٢.\n(٥) «الدستور الإسلامي لجمهورية إيران»: ص ٢٠.","vol":"1","page":255},{"text":"- عندهم - أن رسول الله - ﷺ - بلغ جزءًا من الشريعة وكتم الباقي وأودعه الإمام عليًّا فأظهر علي منه جزءًا في حياته وعند موته أودعه الحسن وهكذا كل إمام يظهر منه جزءًا - حسب الحاجة - ثم يعهد بالباقي لمن يليه إلى أن صار عند إمامهم المنتظر.\nيقول عالمهم محمد حسين آل كاشف الغطا:\n(إن حكمة التدريج اقتضت بيان جملة من الأحكام وكتمان جملة، ولكنه سلام الله عليه أودعها عند أوصيائه كل وصي يعهد بها إلى الآخر لينشرها في الوقت المناسب لها حسب الحكمة من عام مخصص، أو مطلق، أو مقيد، أو مجمل مبين إلى أمثال ذلك، فقد يذكر النبي عامًا ويذكر مخصصه بعد برهة من حياته، وقد لا يذكره أصلًا بل يودعه عند وصيه إلى وقته) (١) .\nوقال شيخهم - المعاصر - بحر العلوم: (لما كان الكتاب العزيز متكفلًا بالقواعد العامة دون الدخول في تفصيلاتها، احتاجوا إلى سنّة النبي.. والسنّة لم يكمل بها التشريع لأن كثيرًا من الحوادث المستجدة لم تكن على عهده (احتاج أن يدخر علمها عند أوصيائه ليؤدوها عنه في أوقاتها) (٢) .\nوشواهد هذا \"المعتقد\" من كتبهم المعتمدة - عندهم - كثيرة، وقد عقد الكليني في «الكافي» عدة أبواب ضمنها مجموعة من أحاديثهم لتأكيد هذه النظرية وشرحها - عندهم - فمن هذه الأبواب:\n(باب أن الأئمة عندهم جميع الكتب التي نزلت من عند الله (\n_________\n(١) «أصل الشيعة وأصولها»: ص ٧٧.\n(٢) «مصابيح الأصول»: ص ٤.","vol":"1","page":256},{"text":"وأنهم يعرفونها على اختلاف ألسنتها) (١) .\n(باب فيه ذكر الصحيفة والجفر والجامعة ومصحف فاطمة) (٢) . (باب أن الله ﷿ لم يعلم نبيه علمًا إلا أمره أن يعلمه أمير المؤمنين «ع» وأنه شريكه في العلم) (٣) .\n(باب أن الأئمة يعلمون جميع العلوم التي خرجت إلى الملائكة والأنبياء والرسل) (٤) . وغيرها من أبواب.\nومن الأمثلة على أحاديثهم التي تؤيد هذا \"المبدأ\" الخطير عندهم ما يروونه عن سدير عن أبي جعفر \"ع\" قال: (قلت له: جُعلت فداك ما أنتم؟ قال: نحن خُزَّان علم الله، ونحن تراجمة وحي الله، ونحن الحجة البالغة على من دون السماء وفوق الأرض) (٥) . وعن أبي عبد الله \"ع\" قال: (نحن ولاة أمر الله وخزنة علم الله، وعيبة وحي الله) (٦) .\nوعن خيثمة قال: قال لي أبو عبد الله \"ع\": (يا خيثمة: نحن شجرة النبوة وبيت الرحمة، ومفاتيح الحكمة، ومعدن العلم، وموضع الرسالة، ومختلف الملائكة وموضع سر الله..) (٧) .\n_________\n(١) «الكافي»: (١/٢٢٧) .\n(٢) «الكافي»: (١/٢٣٨) .\n(٣) «الكافي»: (١/٢٦٣) .\n(٤) «الكافي»: (١/٢٥٥) .\n(٥) الكليني: «الكافي»، كتاب الحجة، باب أن الأئمة \"ع\" ولاة أمر الله وخزنة علمه: (١/١٩٢) .\n(٦) المصدر السابق.\n(٧) الكليني: «الكافي»، كتاب الحجة، باب أن الأئمة معدن العلم وشجرة النبوة ومختلف الملائكة: (١/٢٢١) .","vol":"1","page":257},{"text":"ويروي الكليني بسند صحيح - كما يقول علماؤهم (١) - رواية تشرح بعض ما عند أئمتهم من ذلك العلم المخزون فيقول: (عن أبي بصير قال: دخلت على أبي عبد الله \"ع\" فقلت له: جعلت فداك، إني أسألك عن مسألة، ههنا أحد يسمع كلامي؟ قال: فرفع أبو عبد الله \"ع\" سترًا بينه وبين بيت آخر فاطلع فيه ثم قال: سل عما بدا لك، قال: قلت: جعلت فداك إن شيعتك يتحدثون أن رسول الله صلى الله عليه وآله علم عليًّا (بابًا يفتح له منه ألف باب؟ قال: يا أبا محمد علّم رسول الله صلى الله عليه وآله عليًّا (ألف باب، يفتح من كل باب ألف باب، قال: قلت هذا والله العلم، قال: فنكت ساعة في الأرض ثم قال: إنه لعلم وما هو بذاك.\nقال: ثم قال: يا أبا محمد وإن عندنا الجامعة وما يدريهم ما الجامعة؟ قال: قلت: جعلت فداك وما الجامعة؟ قال: صحيفة طولها سبعون ذراعًا بذراع رسول الله صلى الله عليه وآله وإملائه من فلق فيه وخط علي بيمينه فيها كل حلال وحرام وكل شيء يحتاج الناس إليه حتى الأرش في الخدش، وضرب بيده إليّ فقال: تأذن لي يا أبا محمد؟ قال: قلت: جعلت فداك إنما أنا لك فاصنع ما شئت، قال: فغمزني بيده وقال: حتى أرش هذا - كأنه مغضب - قال: قلت: هذا والله العلم، قال: إنه لعلم وليس بذاك.\n_________\n(١) انظر: «الشافي في شرح أُصول الكافي»: (٣/١٩٧) .","vol":"1","page":258},{"text":"ثم سكت ساعة ثم قال: وإن عندنا الجفر وما يدريهم ما الجفر؟ قال: قلت: وما الجفر؟ قال: وعاء من أدم فيه علم النبيين والوصيين، وعلم العلماء الذين مضوا من بني إسرائيل، قال: قلت: إن هذا هو العلم، قال: إنه لعلم وليس بذاك.\nثم سكت ساعة ثم قال: وإن عندنا لمصحف فاطمة \"ع\" وما يدريهم ما مصحف فاطمة \"ع\"، قال: قلت: وما مصحف فاطمة \"ع\"؟ قال: مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات، والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد، قال: قلت هذا والله العلم، قال: إنه لعلم وما هو بذاك.\nثم سكت ساعة ثم قال: إنَّ عندنا علم ما كان وعلم ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة قال: قلت: جعلت فداك هذا والله وهو العلم، قال: إنه لعلم وليس بذاك.\nقال: قلت: جعلت فداك، فأيّ شيء العلم؟ قال: ما يحدث بالليل والنهار الأمر من بعد الأمر والشيء بعد الشيء إلى يوم القيامة (١) .\nهذا نص من نصوصهم السرية - وقت قوة الدولة الإسلامية - كما يدل ذلك ما جاء في أوله، حيث أن أبا بصير لم يسأل عن هذا العلم المزعوم إلا بعد أن خلا بأبي عبد الله (٢) وكذلك أبو عبد الله أراد أن يتأكد من خلو المجلس فرفع \"الستر\" الذي بينه وبين البيت الآخر، على الرغم من أن هذا \"الصنيع\" من أبي عبد الله يناقض ما جاء في آخر الرواية من أن عنده علم ما كان وما يكون، لأنه ما دام هذا العلم عنده فلا حاجة لرفع \"الستر\"!!\nويكشف هذا النص السري عن دعاوى الروافض حول العلم\n_________\n(١) «الكافي»: الكليني، كتاب الحجة، باب فيه ذكر الصحيفة والجفر والجامعة إلخ: (١/٢٣٨- ٢٤٠) .\n(٢) ونحن نبرئ أبا عبد الله من هذا الافتراء، ولكن نناقش النص كما جاء على سبيل المماشاة لهم.","vol":"1","page":259},{"text":"المستودع والمخزون عند الأئمة أشياء في غاية الغرابة، وهي كما في النص \"السالف\":\n١- ألف باب من العلم يفتح من كل باب ألف باب.\n٢- الجامعة.\n٣- الجفر.\n٤- مصحف فاطمة.\n٥- علم ما كان وما هو كائن إلى أن تقوم الساعة.\nوهذه \"العلوم\" المزعومة للأئمة لا تعدو أن تكون وهمًا من الأوهام وليس لها وجود في عالم الواقع ولا أثر، ولم يكن لها في حياة الأئمة تأثير ولو كان بعض هذه الدعاوى موجودًا عند أئمتهم لتغير وجه التاريخ ولكنها مجرد خيالات وترهات، و\"الخطورة\" في مثل هذه الأخبار تكمن في الأثر النفسي الذي يحدثه الصراع بين العقل وهذه الدعاوى، هذا الأثر الذي قد يطوح بمصدق هذه \"الأخبار\" إلى مهاوي الشك والحيرة والإلحاد. (وما قدمناه هو بعض دعاواهم في هذا المجال ومزاعمهم في هذا الباب يصعب حصرها، ومقتضى هذه النظرية الخطيرة أن كتاب الله (وسنّة نبيه غير وافيين بالبيان ولم يكمل بهما التشريع عند وفاته؟، وهذا مصادم لآيات القرآن كقوله سبحانه: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا (وغيرها من الآيات وما جاء في ذلك من أحاديث - كما سبق - (١) .\nومقتضى هذا \"الرأي\" الطعن في رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) انظر: (ص ٩١- ٩٤) من هذا البحث.","vol":"1","page":260},{"text":"وأنه كتم جزءًا من الشريعة وخالف قول الله (: (يا أيها الرسول بلغ ما أُنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته «١) .\nكما أن هذا القول يقتضي أن الصحابة لم يتلقوا إلا جزءًا من الشريعة ومن يعتمد على مرويات الصحابة فهو لم يعمل إلا بجزء من الشريعة، وهذا \"القول\" طعن في السنّة كبير، وتضليل للأمة خطير.\nوينص هذا المبدأ الخطير على أن من حق الإمام تخصيص عام الكتاب أو بيان مجمله أو تقييد مطلقه، أي جعلوا له وظيفة المشرّع لأنه معصوم لا ينطق عن الهوى، وهذا في مؤداه ومرجعه إيمان بأنبياء بعد رسول الله خاتم النبيين، وهو محاولة لفتح الباب لتغيير الدين الذي نزل على سيد المرسلين باسم أن هذا من عمل الإمام.. ومن مستودع العلم الذي أودعه له الرسول.. سبحانك هذا بهتان عظيم..\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>ثالثًا: ردهم لمرويات الصحابة: </span>يقول محمد حسين آل كاشف الغطا - في تقرير هذا الأمر عند طائفته - إن الشيعة (لا يعتبرون من السنّة - أعني الأحاديث النبوية - إلا ما صح لهم من طرق أهل البيت (٢) .. أما ما يرويه مثل أبي هريرة وسمرة بن جندب.. وعمرو بن العاص ونظرائهم فليس له عند الإمامية مقدار بعوضة) (٣) .\n_________\n(١) المائدة: آية ٦٧.\n(٢) تختلف فرق الشيعة في المقصود بآل البيت، من ناحية عددهم ومن ناحية أعيانهم اختلافًا كبيرًا (راجع «المقالات والفرق» للشيعي سعد القمي، و«فرق الشيعة» للشيعي النوبختي) . وهم عند الإثني عشرية (الأئمة الاثنا عشر - كما سبق بيان ذلك - ويطعنون في كل من زعم أنه إمام من غيرهم ولو كان من ولد فاطمة) . انظر: «البحار»: (٢٥/١١٢) .\n(٣) «أصل الشيعة وأُصولها»: ص ٧٩.","vol":"1","page":261},{"text":"وهذا القول في \"السنة النبوية\" مبني على معتقدهم في صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه أجمعين من أنهم ارتدوا لصرفهم الخلافة عن علي إلى أبي بكر، ولا يستثنون من هذا الحكم على الصحابة إلا ثلاثة في معظم رواياتهم وكما سيأتي، وهم بهذا «المبدأ» يعزلون أنفسهم عن المسلمين.\nثم إن هذا «المبدأ» في رفض مرويات الصحابة يفضي إلى فقدان صفة «التواتر» في نقل شريعة القرآن وسنّة سيد الأنام ما داموا يحكمون على «النقلة» بهذا الحكم، ويحصرون اعتبارهم لصحة المنقول بما جاء عن طريق الآحاد فضلًا عن الواحد وهو علي الذي يجعلونه المصدر الوحيد للتلقي بعد وفاة الرسول؟، وهذا «أساس» وضعه «زنديق» لهدم الدين والطعن في شريعة سيد المرسلين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>رابعًا: تلقيهم السنّة عن «حكايات الرقاع» وما يسمونه بالتوقيعات الصادرة عن الإمام:</span>\nهؤلاء القوم الذين يردون ما جاء عن طريق الصحابة الذين أثنى عليهم الله ورسوله يقبلون، بل يعدون من أوثق طرقهم ما يسمى «بحكايات الرقاع»، وحقيقتها كما يلي:\nأنه لما توفي إمامهم - الحادي عشر - الحسن العسكري (ت ٢٦٠هـ) لم يكن له عقب (١)، وقد تم استبراء زوجاته وإمائه للتأكد من ذلك (حتى تبين لهم - كما يعترف عالم الشيعة ابن بابويه القمي -\n_________\n(١) قال سعد القمي: (توفي - يعني الحسن العسكري - ولم ير له خلف ولم يعرف له ولد ظاهر) «المقالات والفرق»: ص ١٠٢.","vol":"1","page":262},{"text":"بطلان الحبل، فقُسم ميراثه بين أُمه وأخيه جعفر وأودعت أمه وصيته وثبت ذلك عند القاضي والسلطان) (١) . ويقول كبار المؤرخين بأن الحسن العسكري مات عقيمًا (٢)، ولهذا تحيرت الشيعة بعده (فافترق أصحابه من بعده خمس عشرة فرقة) (٣) منهم من قال: (انقطعت الإمامة) (٤) ومنهم من قال: (إن الحسن بن علي توفي ولا عقب له والإمام بعده جعفر بن علي أخوه) (٥) إلى غير ذلك من اختلافاتهم وحيرتهم.\nوفي خضم هذه الحيرة والاضطراب قام رجل يدعى (عثمان بن سعيد العمري)، وادعى دعوى في غاية الغرابة، ادعى أن للحسن العسكري ولدًا في الخامسة من عمره مختفيًا عن الناس لا يظهر لأحد غيره وهو الإمام بعد أبيه الحسن، وأن هذا \"الطفل\" الإمام قد اتخذه (وكيلًا عنه في قبض الأموال ونائبًا يجيب عنه في المسائل الدينية) (٦) ولما مات عثمان سعيد (ت ٢٨٠هـ) ادعى ابنه محمد بن عثمان نفس دعوى أبيه، وبعد وفاته (ت ٣٠٥) خلفه الحسين بن روح النوبختي في نفس الدعوى ومن بعده (ت ٣٢٦) خلفه أبو الحسن علي بن محمد السمري (ت ٣٢٩) وهو آخرهم عند الشيعة الإمامية، ومن بعده وقعت الغيبة الكبرى وكان هؤلاء النواب (٧) عن الإمام يتلقون أسئلة\n_________\n(١) ابن بابويه القمي: «إكمال الدين»: ص ٤٢.\n(٢) قال في «المنتقى»: (إن الحسن بن علي العسكري لم يعقب كما ذكره محمد بن جرير الطبري وعبد الباقي ابن قانع وغيرهما من النسابين) «المنتقى»: ص ٣١.\n(٣) القمي: «المقالات والفرق» .\n(٤) المصدر السابق: ص ١٠٨.\n(٥) المصدر السابق: ص ١١٠.\n(٦) السيد محمد صالح: «حصائل الفكر»: (ص ٣٦ - ٣٧) .\n(٧) انظر في أخبار هؤلاء: الطوسي: «الغيبة»: ص ٢١٤ وما بعدها، وانظر: الطبرسي: «الاحتجاج»: (جـ٢/ص ٢٩٦)، «تاريخ الغيبة الصغرى»: محمد باقر الصدر: ص ٣٩٦.","vol":"1","page":263},{"text":"الناس كما يتلقون أموالهم، ويأتون بأجوبتها وإيصالاتها من الإمام المنتظر ويسمونها \"توقيعات\" - والتوقيعات هي خطوط الأئمة بزعمهم في جواب مسائل الشيعة وأسئلتهم.\nوهذه الأجوبة والتوقيعات هي عند الشيعة كقول الله ورسوله!! حتى أنهم رجحوا هذه التوقيعات على ما روي بإسناد صحيح عندهم في حال التعارض. قال ابن بابويه القمي في كتابه «من لا يحضره الفقيه» بعد ما ذكر التوقيعات الواردة من الناحية المقدسة في باب الرجلين يوصي إليهما.. (قال: هذا التوقيع عندي بخط أبي محمد الحسن بن علي - ثم ذكر أن في الكافي للكليني رواية بخلاف ذلك التوقيع عن الصادق - ثم قال: لست أفتي بهذا الحديث بل أفتي بما عندي بخط الحسن بن علي..) (١) .\nقال الحر العاملي في تعقيبه على ذلك: (.. فإن خط المعصوم أقوى من النقل بوسائط..) (٢) .\nفهم يرجحون ما في هذه التوقيعات على ما جاء في أصح كتبهم..!\nوالرقاع والتوقيعات كثيرة ذكر الطوسي في الغية طرفًا منها (٣)، وكذلك أورد صاحب الاحتجاج صورًا من هذه \"التوقيعات\n_________\n(١) انظر: ابن بابويه القمي: «من لا يحضره الفقيه»: (جـ٤/ص ١٥١)، وانظر: الحر العاملي: «الوسائل»: (٢٠/١٠٨) .\n(٢) «الوسائل»: (٢٠/١٠٨) .\n(٣) الطوسي: «الغيبة»: ص ١٧٢ وما بعدها.","vol":"1","page":264},{"text":"المزعومة\" (١)، وكذا وردت في «إكمال الدين» لابن بابويه القمي (٢) وكذلك عند المجلسي في «البحار» (٣) كما هي موجودة في «الكافي» (٤)، وقد جمع شيخهم: عبد الله بن جعفر الحميري الأخبار المروية عن منتظرهم وسماها: «قرب الإسناد إلى صاحب الأمر» (٥) وذكر صاحب \"الذريعة..\" كتابين لهم في هذا باسم «التوقيعات الخارجة من الناحية المقدسة» (٦) .\nونجد في تراجم رجالهم إشارة إلى من زعم أنه كاتب - بفتح التاء - \"صاحب الأمر\" عن طريق أولئك النواب الأربعة، كما في ترجمة محمد بن عبد الله بن جعفر بن الحسين بن جامع بن مالك الحميري حيث قالوا بأنه كاتب - بفتح التاء - صاحب الأمر \"ع\" (٧)، وفي ترجمة - شيخهم - علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي أبو الحسن قالوا: إنه اجتمع مع أبي القاسم الحسين بن روح - النائب الثالث - وسأله عن مسائل ثم كاتبه بعد ذلك على يد علي بن جعفر بن الأسود يسأله أن يوصل له رقعة إلى الصاحب \"ع\" (٨)، والذين كاتبوا صاحب الأمر كثيرون عندهم.\nومواضع هذه التوقيعات المزعومة كثيرة.\n_________\n(١) الطبرسي: «الاحتجاج»: (٢/٢٧٧) وما بعدها.\n(٢) ابن بابويه القمي: «إكمال الدين»: الباب التاسع والأربعون، ذكر التوقيعات الواردة عن القائم \"ع\": ص ٤٥٠ وما بعدها.\n(٣) المجلسي: «البحار»: باب ما خرج من توقيعاته \"ع\": (جـ٥٣/ص ١٥٠- ٢٤٦) .\n(٤) الكليني: «الكافي»: باب مولد الصاحب \"ع\": (جـ١/ص ٥١٧) وما بعدها.\n(٥) وقد طبع في المطبعة الإسلامية بطهران.\n(٦) أغابزرك الطهراني: «الذريعة إلى تصانيف الشيعة»: (٤/٥٠٠، ٥٠١) .\n(٧) الحر العاملي: «وسائل الشيعة»: (٢٠/٣٣٢) .\n(٨) المصدر السابق: (٢٠/٢٦٢) .","vol":"1","page":265},{"text":"فقد تكون إخبارًا بمغيب مثل: (كتب علي بن زياد يسأل كفنًا فكتب إليه: إنك تحتاج إليه في سنة ثمانين، فمات في سنة ثمانين وبعث إليه بالكفن قبل موته بأيام) (١) .\nوقد تكون إجابة على أسئلة مثل ما ذكر صاحب الاحتجاج عن الكليني عن إسحاق بن يعقوب قال: سألت محمد بن عثمان العمري ﵀ - النائب الثاني - أن يوصل لي كتابًا قد سألت فيه عن مسائل أُشكلت علي، فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان \"ع\": (أما ما سألت عنه أرشدك الله وثبتك ووقاك من أمر المنكرين لي من أهل بيتنا وبني عمنا.\nفاعلم أنه ليس بين الله (وبين أحد قرابة، ومن أنكرني فليس مني وسبيله سبيل ابن نوح، وأما سبيل ابن عمي جعفر وولده فسبيل أُخوة يوسف \"ع\".\nوأما أموالكم فلا نقبلها إلا لتطهروا، فمن شاء فليصل ومن شاء فليقطع) (٢) .\n(وأما ما سألت عنه من أمر المصلي والنار والصورة بين يديه فهل تجوز صلاته؟\nفإن الناس قد اختلفوا في ذلك قبلك، فإنه جائز لمن لم يكن من أولاد عبدة الأصنام والنيران أن يصلي والنار والسراج بين يديه، ولا يجوز ذلك لمن كان من أولاد عبدة الأوثان) (٣) !!!\n_________\n(١) الكليني: «الكافي»: (١/٥٢٤) .\n(٢) الطبرسي: «الاحتجاج»: (٢/٢٨٣) .\n(٣) الطبرسي: «الاحتجاج»: (٢/٢٩٩) .","vol":"1","page":266},{"text":"(وعن المرأة يموت زوجها فهل يجوز أن تخرج في جنازته أم لا؟\nالتوقيع: تخرج في جنازته.\nوهل يجوز لها في عدتها أن تزور قبر زوجها أم لا؟\nالتوقيع: تزور قبر زوجها.. (١» !!! إلخ إلخ.\nومواضع هذه التوقيعات \"المزعومة\" كثيرة لا مجال لاستعراضها.\nوفترة النيابة عن الإمام بواسطة الوكلاء الأربعة تلك التي استمرت قرابة سبعين سنة (٢) هي المناخ الزمني لحكايات الرقاع، وبوفاة آخرهم وقعت الغيبة الكبرى والمحرومية العظمى من الإمام. لكن من مجتهدي الشيعة من زعم أنه التقى بالإمام الغائب وأفتاه ووقّع له بعد الغيبة الكبرى، قالوا - مثلًا - إن ابن المطهر الحلي التقى بالمهدي فنسخ له كتابًا ضخمًا في ليلة واحدة (٣)، وقالوا: (إنه \"ع\" كان يجتمع بجملة من أهل العلم والتقوى الذين كانوا يستحقون المقابلة؛ كالعلامة السيد مهدي بحر العلوم النجفي فيما اشتهر عنه والشيخ ميثم بن علي البحراني فيما ينقل عنه..) (٤) وقد ألف - عالم الشيعة المعاصر - ميرزا حسين النوري الطبرسي كتابًا ذكر فيه من اجتمع بصاحب الأمر - بزعمه - سماه (جنة المأوى فيمن رأى صاحب الزمان في الغيبة الكبرى) .\n_________\n(١) الطبرسي: «الاحتجاج»: (٢/٣٠٢) .\n(٢) وسيأتي في مبحث الغيبة ذكر خلافهم في مدة الغيبة الصغرى.\n(٣) المجلسي: «البحار»: (جـ٥٥/ص ٢٥٢)، وانظر: «الخوانساري»: «روضات الجنات»: (٢/٢٨٢، ٢٨٣)، وانظر: مصطفى الشيبي: «الفكر الشيعي»: ص ١١٣.\n(٤) السيد محمد صالح: «حصائل الفكر»: ص ١٢٣.","vol":"1","page":267},{"text":"وهذه دعوى تعني استمرار البابية واستمرار حكايات الرقاع..\nهذه هي \"حكايات الرقاع\" والتوقيعات الصادرة عن الإمام.\nيقول الشيخ محمود الألوسي عن تعبد الروافض بحكايات الرقاع:\n(إنهم أخذوا دينهم من الرقاع المزورة التي لا يشك عاقل في أنها افتراء على الله تعالى، ولا يصدق بها إلا من أعمى الله بصره وبصيرته..\nوهذه الرقاع عند الرافضة من أقوى دلائلهم وأوثق حججهم، فتبًا لقوم أثبتوا أحكام دينهم بمثل هذه الترهات، واستنبطوا الحلال والحرام من نظائر هذه الخزعبلات ومع ذلك يقولون نحن أتباع أهل البيت، كلا بل هم أتباع الشياطين وأهل البيت بريئون منهم) (١) .\nخامسًا: لهذه الآراء والعقائد الدخيلة وهذه الدسائس والمؤامرات المغرضة انفصل الشيعة عن جماعة المسلمين بمصادر لهم في السنّة هي عمدتهم وعليها يعوّلون.\nف<span data-type=\"title\" id=toc-66>عمدة الروافض في \"أحاديثهم</span>\" هي أربعة كتب عليها مدار العمل عندهم في جميع الأعصار، وهي عندهم كالكتب الستّة عند أهل السنّة.\nأولها «الكافي» في الأُصول والفروع لمحمد بن يعقوب الكليني (٢) (ت ٣٢٩ أو ٣٢٨) الملقب عندهم \"بثقة الإسلام\" قالوا: (وهو أجل الكتب الأربعة والأصول المعتمدة) (٣)، (وكتبه في الغيبة\n_________\n(١) محمود شكري الألوسي: «كشف غياهب الجهالات»: الورقة ١٢ (مخطوط) .\n(٢) محمد بن يعقوب الكليني يكنى أبا جعفر، (هو عندهم) ثقة عارف بالأخبار، له كتب منها كتاب «الكافي» وغيره. الطوسي: «الفهرست»: ص ١٦١.\n(٣) أغابزرك الطهراني: «الذريعة»: (١٧/٢٤٥)، وراجع: النوري الطبرسي: «مستدرك الوسائل»: (٣/٤٣٢) .","vol":"1","page":268},{"text":"الصغرى) (١) و(حياته في زمن وكلاء المهدي (وبواسطتهم يجد طريقًا إلى تحقيق منقولاته) (٢)، قالوا: (وهي قرينة واضحة على صحة كتبه وثبوتها لقدرته على استعلام أحوال الكتب التي نقل منها لو كان عنده شك فيها لروايته عن السفراء والوكلاء المذكورين وغيرهم وكونه معهم في بلد واحد غالبًا (٣)، ويشتمل الكافي على أربعة وثلاثين كتابًا، وثلاثمائة وستة وعشرين بابًا، وأحاديثه حصرت في ستة عشر ألف حديث (٤) وقد طبع الكتاب عدة طبعات منها طبع أصوله وفروعه في إيران في مجلدين، وطبع أيضًا بالهند في ستة مجلدات) (٥) .\nوالقارئ لهذه الأحاديث في «الكافي» وفي غيره من دواوين حديثهم يجد أن هناك فرقًا واضحًا وكبيرًا بين الروايات التي ترد عن طريق أهل السنّة - ويطلق عليها \"الحديث\" - وبين الروايات التي ترد عن طريق الشيعة ويطلق عليها نفس المعنى. فكتب السنّة الستة وغيرها، إذا روت حديثًا فهو منسوب إلى النبي - ﷺ - وهي أحاديثه هو.\nأما كتاب «الكافي» وغيره من كتب الحديث عند الشيعة الإمامية فهي تأتي بالرواية عن أحد أئمتهم الإثني عشر، ويعتقدون - كما مر - أن لا فرق بين ما يروونه عن النبي؟ أو عن أحد أئمتهم - كما يزعمون - كما أن القارئ لكتب الحديث عندهم يجد\n_________\n(١) «الذريعة»: (١٧/٢٤٥) .\n(٢) ابن طاوس: «كشف المحجة»: ص ١٥٩.\n(٣) الحر العاملي: «وسائل الشيعة»: (٢٠/٧١) .\n(٤) أغابزرك الطهراني: «الذريعة»: (١٧/٢٤٦) .\n(٥) المصدر السابق.","vol":"1","page":269},{"text":"معظم رواياتها عن أئمتهم ولا يجد إلا القليل منها هو المسند إلى النبي؟، وأكثر ما يروى في الكافي واقف عند جعفر الصادق وقليل منها ما يعلو إلى أبيه محمد الباقر، وأقل من ذلك ما يعلو إلى أمير المؤمنين علي - ﵁ - ونادر ما يقف عند النبي؟.\nكما أن الكافي هذا قد أكثر علماء الشيعة من الثناء عليه وعلى مؤلفه (١) مع أن الكتاب قد اشتمل على مجموعة من رواياتهم في الطعن في كتاب الله العظيم، ولهذا قرر بعض شيوخ الشيعة أن هذه الروايات تنبئ عن معتقده في كتاب الله من أنه ناقص ومحرف لأنه أكثر منها مع اشتراطه الصحة فيما يرويه - كما سلف - ومن كان هذا معتقده في كتاب الله فكيف يوثق به وبرواياته لأن هذا من الكفر المتفق عليه؟.\nوثاني صحاحهم هو كتاب «من لا يحضره الفقيه» (٢) لشيخهم المشهور عندهم \"بالصدوق\" محمد بن بابويه القمي (٣) .\nوهو خاص بمسائل الفقه عندهم، وقد اشتمل على (١٧٦) بابًا، أولها باب الطهارة وآخرها باب النوادر، أما عدد أحاديثه فقد قال محسن العاملي أنها (٩٠٤٤) .\n_________\n(١) انظر مثلًا: مقدمة الكافي.\n(٢) وقد اختار هذا الاسم على غرار كتاب «من لا يحضره الطبيب» للرازي. انظر: مقدمة الكتاب للمؤلف: ص ٣.\n(٣) محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي (أبو جعفر)، زعموا أن له (٣٠٠) مصنف، وأنه ولد بدعاء القائم (مهديهم المنتظر) ومن كتبه: «من لا يحضره الفقيه»، و«التوحيد»، و«معاني الأخبار» وغيرها. توفي سنة ٣٨١هـ. انظر: الطوسي: «الفهرست»: (ص ١٨٤- ١٨٦)، «روضات الجنات»: (٦/١٣٢)، «وسائل الشيعة»: (٢٠/٣٣٥) .","vol":"1","page":270},{"text":"وقد ذكر في مقدمة كتابه أنه ألف الكتاب بحذف الأسانيد لئلا تكثر طرقه، وأنه استخرجه من كتب مشهورة عندهم وعليها المعول ولم يورد فيه إلا ما يؤمن بصحته، وقد طبع الكتاب مرة في طهران في مجلد ضخم، ومرات في النجف كانت الرابعة منها في عام ١٣٣٨هـ في أربعة أجزاء (١) .\nوثالثها: تهذيب الأحكام. لشيخهم المعروف عندهم بـ \"شيخ الطائفة\" أبي جعفر محمد ابن الحسن الطوسي (ت ٣٦٠)، وهو أحد أُصولهم الأربعة المعتبرة منذ تأليفها إلى اليوم - كما يقولون - وهو في الفروع الفقهية عندهم - كسابقه - وقد أحصيت أبوابه فكانت (٣٩٣) بابًا، وبلغت أحاديثه (١٣٥٩٠)، ولكن صرح الشيخ الطوسي في كتابه «عدة الأصول» أن أحاديث التهذيب وأخباره تزيد على (٥٠٠٠)، ومعنى ذلك أنها لا تصل إلا إلى (٦٠٠٠) في أقصى الأحوال. فهل زيد عليها أكثر من الضعف في العصور المختلفة؟!\nوأحاديثه مرتبة على أبواب الفقه، وأشار مؤلفه إلى أنه (ترك ما يتعلق بالتوحيد والنبوة والإمامة لأن شرح ذلك يطول) .\nوذكر أن السبب في تأليفه هو ما آلت إليه أحاديثهم (من الاختلاف والتباين والمنافاة والتضاد حتى لا يكاد يتفق خبر إلا وبإزائه ما يضاده، ولا يسلم حديث إلا وفي مقابلته ما ينافيه..)، واعترف بأن هذا الاختلاف قد فاق ما عند أصحاب المذاهب الأخرى، وأن هذا\n_________\n(١) انظر: مقدمة «من لا يحضره الفقيه»، الخوانساري: «روضات الجنات»: (٦/٢٣٠- ٢٣٧)، «أعيان الشيعة»: (١/٢٨٠) .","vol":"1","page":271},{"text":"كان من أعظم الطعون على مذهبهم، وأنه جعل بعض الشيعة يترك التشيع لهذا السبب (١) .\nومن يطالع منهج الطوسي لمواجهة هذا الاختلاف يجد أنه قد علق كثيرًا من اختلافاتهم على \"التقية\" بدون دليل، سوى أن هذا الحديث أو ذاك يوافق أهل السنّة.\nوالواقع أنه بصنيعه هذا قد \"كرس\" الفرقة وأضاع على طائفته كثيرًا من سبل الهداية..\nوروايات كتابه بعضها بسند وبعضها بلا سند، وقيل إنه استدرك المتروك في آخر الكتاب. وقد طبع الكتاب عدة طبعات (٢) .\nورابعها: «الاستبصار فيما اختلف من الأخبار» للطوسي السابق ذكره. وهو مجرد اختصار لكتاب «التهذيب» السالف الذكر (٣) ومع ذلك جعله الشيعة أحد أُصولهم.\nوالكتاب يقع في ثلاثة أجزاء: جزءان منه في العبادات، والثالث في بقية أبواب الفقه. بلغت أبوابه (٣٩٣) بابًا. وحصر المؤلف أحاديثه بـ (٥٥١١)، وقال: حصرتها لئلا يقع فيها زيادة أو نقصان. وقد طبع في الهند، وفي إيران (٤) .\n_________\n(١) انظر: «تهذيب الأحكام»، المقدمة: ص ٢، ٣، النوري الطبرسي: «مستدرك الوسائل»: (٣/٧١٩)، «الذريعة»: (٤/٥٠٤)، وراجع: أبو زهرة: «الإمام الصادق»: ص ٤٥٨.\n(٢)\n\n(٣) انظر مقدمة «الاستبصار» للمؤلف: ص ٢.\n(٤) انظر: حسن الخرسان في تقديمه للاستبصار، محسن الأمين: «أعيان الشيعة»: (١/٢٨٠)، و«الذريعة»: (٢/١٤)، وقد وقع في «الذريعة» أن أحاديثه (٦٥٣١) وهو خلاف ما قال المؤلف.","vol":"1","page":272},{"text":"هذه هي أُصولهم الأربعة المعتمدة حتى اليوم باتفاقهم.\nقال الفيض الكاشاني: (إن مدار الأحكام الشرعية اليوم على هذه الأصول الأربعة، وهي المشهود عليها بالصحة من مؤلفيها) (١) وقال أغابزرك الطهراني - من مجتهديهم المعاصرين -: (الكتب الأربعة والمجاميع الحديثية التي عليها استنباط الأحكام الشرعية حتى اليوم) .\nوقام عالمهم \"الفيض الكاشاني\" (٢) وجمع ما في الكتب الأربعة المتقدمة (٣) في كتاب كبير سماه «الوافي»، ويقع في ثلاثة مجلدات كبار، وطبع في إيران. قال شيخهم محمد بحر العلوم (٤)، وقد أحصيت أبواب الوافي - مع البابين اللذين في خاتمته - في ثلاثة وسبعين ومائتين بابًا، ويحتوي على نحو خمسين ألف حديث (٥) .\nوهذا العدد الذي ذكره لأحاديثه يخالف ما يقوله شيخهم محسن الأمين (٦) من أن مجموع ما في الكتب الأربعة عندهم (٤٤٢٤٤)\n_________\n(١) «الوافي»: (١/١١) .\n(٢) محمد بن مرتضي المعروف بملا محسن الفيض الكاشاني، طعن عليه بعض شيوخ الشيعة واتهمه بالمروق والزندقة، وعظمه البعض الآخر، زعموا أن له (٢٠٠) مصنف منها: «الوافي»، «المعارف»، «قرة العيون»، وغيرها. توفي في كاشان سنة ١٠٩١هـ. انظر: «لؤلؤة البحرين»: ص ١٢١ وما بعدها، «روضات الجنات»: (٦/٧٩) .\n(٣) انظر: مقدمة كتاب «الوافي» .\n(٤) محمد صادق بحر العلوم من شيوخهم المعاصرين.\n(٥) انظر: هامش «لؤلؤة البحرين»: ص ١٢٢.\n(٦) يلاحظ أن أقوال شيوخهم من المتقدمين والمعاصرين حول عدد أحاديث كل أصل من أُصولهم متضاربة ومتفاوتة بشكل غير عادي، بل تجد أحيانًا أن العدد الذي وصل إليه (أصلهم) يخالف ما ذكره مؤلفه نفسه في بعض كتبه، مثل كتاب التهذيب، كما أشرنا إلى ذلك، مما يستدعي (الشك) في أن (يد) التحريف والزيادة قد امتدت إلى أُصولهم لتذهب بهم بعيدًا عن جماعة المسلمين.","vol":"1","page":273},{"text":"حديثًا (١) .\nوهذا الكتاب مع أنه مجرد جمع وترتيب.. لأُصولهم الأربعة السالفة إلا أن الشيعة جعلوه أصلًا من أُصولهم في الحديث.. وهو باب من أبواب الدعاية المذهبية، كمسألة تكثير الأحاديث التي هي في معظمها مجرد روايات يروونها عن أئمتهم الإثني عشر ليس فيها ما يسند مباشرة إلى رسول الله - ﷺ - إلا النادر..\nوفي القرون الأخيرة ألف بعض شيوخ الشيعة مصنفات هي عبارة عن تجميع لكتب زعموا أن متقدمي شيوخهم لم يعرفوها فجمعوها في مؤلفات كبيرة، ومع أن تلك المدونات متأخرة (في القرن الحادي عشر فما بعد) إلا أنهم جعلوها من أُصولهم في الحديث!!\nوهذه المدونات المتأخرة ثلاثة هي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>١- «بحار الأنوار الجامعة لدر أخبار الأئمة الأطهار»:</span>\nلشيخهم محمد باقر المجلسي (٢) (ت ١١١٠ أو ١١١١) . قال شيخهم أغابزرك الطهراني عن هذا «البحار»: لم يكتب قبله ولا بعده جامع مثله، لاشتماله مع جمع الأخبار على تحقيقات دقيقة، وبيانات وشروح لها غالبًا لا توجد في غيره، وقال: (قد صار «بحار الأنوار» مصدرًا لكل من طلب بابًا من أبواب علوم آل محمد صلى الله عليه\n_________\n(١) «أعيان الشيعة»: (١/٢٨٠) .\n(٢) محمد باقر بن محمد تقي بن المقصود علي الملقب بالمجلسي، وصفوه بـ (شيخ الإسلام والمسلمين خاتمة المجتهدين.. إلى آخر أوصافهم له) مع أن كتبه مليئة بالكفر، والزندقة والإلحاد.. من كتبه: «مرآة العقول»، «حياة القلوب» وغيرهما. توفي سنة ١١١٠، أو ١١١١. انظر: «جامع الرواة»: (٢/٧٨)، مقدمة «البحار»، «لؤلؤة البحرين»: (ص ٥٥- ٥٩) .","vol":"1","page":274},{"text":"وآله وسلم، وقد استعان بهذا الكتاب القيم جل من تأخر عن مؤلفه، وذلك لأن أكثر مآخذ البحار من الكتب المعتمدة والأصول المعتبرة القليلة الوجود) (١)، والملاحظ أن هذا \"المصدر\" هو عبارة عن تجميع لكتب شيوخهم، قال مؤلفه: (اجتمع عندنا بحمد الله سوى الكتب الأربعة نحو مائتي كتاب، ولقد جمعتها في بحار الأنوار) (٢) ونصوص البحار بلا سند، واكتفى مؤلفه عن ذلك بذكر الكتب التي نقل عنها والقول بأنها معتمدة عندهم (٣)، ونصوصه تدور حول عقائدهم وآرائهم في الإمامة، والأئمة، وتاريخ الزهراء، والأئمة الإثني عشر، وأحوالهم، ومناقبهم، وما أُثر عنهم من المواعظ والآداب، وزيارة قبورهم.. إلخ. ولم ينقل فيه من الكتب الأربعة السالفة الذكر إلا قليلًا.. (وعدد مجلدات الكتاب على ما قرره المؤلف ٢٥ مجلدًا، ولما كبر المجلد الخامس والعشرون جعل شطرًا منه في مجلد آخر فصار المجموع ٢٦ مجلدًا) (٤) وقد طبع حديثًا وبلغ مع مجلدات الإجازات (١١٠) مجلدًا (٥) .\nوقد حوى هذا الكتاب من الطعن في الإسلام، والقرآن والصحابة، والأمة، بل وأهل البيت.. حوى من هذه البلايا وغيرها النصيب الأوفى..\n_________\n(١) «الذريعة»: (٣/٢٦- ٢٧) .\n(٢) «اعتقادات المجلسي»: ص ٢٤، عن كتاب «الفكر الشيعي»: مصطفى الشيبي: ص ٦١.\n(٣) انظر: الجزء الأول من «البحار» .\n(٤) «الذريعة»: (٣/٢٧) .\n(٥) وضموا إليه بعض الكتب الأخرى التي لم يضعها المؤلف مثل «جنة المأوى» و«سفينة البحار» .","vol":"1","page":275},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>٢- «وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة»:</span>\nتأليف شيخهم محمد بن الحسن الحر العاملي (١) (ت ١١٠٤) .\nوهذا الكتاب عبارة عن نقول من \"الكتب الأربعة\" عندهم، بالإضافة إلى أكثر من سبعين كتابًا موجودة عند مؤلفه كما يقول: (وما ندري لِمَ لَمْ يعرفها أوائلهم وينقلوها في مجاميعهم)، كما أن هناك (٧٠) كتابًا نقل بالواسطة عن طريق بعض كتبهم مشايخهم.\nوهذا \"الجامع\" خاص بأحاديثهم في الأحكام، ويعتبرونه أجمع كتاب لهم في ذلك، وقد رتبه وبوبه مؤلفه على ترتيب كتب الفقه.. وطبع الكتاب في ثلاثة مجلدات ضخام وطبع مرة أُخرى في تسعة مجلدات تضم عشرين جزءًا (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>٣- «مستدرك الوسائل»:</span>\nلشيخهم المتأخر حسين النوري الطبرسي (٣) (ت ١٣٢٠هـ)\n_________\n(١) محمد بن الحسن بن علي العاملي الملقب بالحر، المولود سنة ١٠٣٣هـ، من فقهاء الشيعة ومؤرخيهم. له تصانيف منها: «أمل الآمل»، «الفصول المهمة في أُصول الأئمة» وغيرهما. قال الخوانساري بعد ذكره لمؤلفاته: (لا يخفى أنه وإن كثرت تصانيفه، إلا أنها خالية من التحقيق، تحتاج إلى تهذيب وتنقيح وتحرير) «روضات الجنات»: (٧/٩٦) .\n(٢) انظر: «الوسائل»: جـ١، \"المقدمة\" وجـ٢ \"الخاتمة\"، «الذريعة»: (٤/٣٥٢، ٣٥٣) .\n(٣) حسين بن محمد تقي الدين بن محمد بن علي النوري الطبرسي ولد في طبرستان سنة ١٢٥٤هـ، وهو عند الروافض: محدث، عارف بالرجال، من كبار شيوخهم.. توفي بالنجف سنة ١٣٢٠هـ. «أعيان الشيعة»: (٢٧/١٣٩- ١٤٥) .","vol":"1","page":276},{"text":"وهو مؤلف كتاب «فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب» الذي يعتبر أكبر عار وسبة وفضيحة على الشيعة أبد الدهر. ومع هذا جعلوا كتابه مستدرك الوسائل من كتبهم الأساسية والمعتمدة في الحديث.\nقالوا: (والدافع لتأليفه عثور المؤلف على بعض الكتب المهمة التي لم تسجل في جوامع الشيعة من قبل) (١) .\nقال عالمهم المعاصر أغابزرك الطهراني: (فأصبح كتاب المستدرك كسائر المجاميع الحديثية المتأخرة يجب على عامة المجتهدين الفحول أن يطلعوا عليها ويرجعوا إليها في استنباط الأحكام من الأدلة، وقد أذعن بذلك جل علمائنا المعاصرين) (٢) .\nثم استشهد أغابزرك الطهراني بشهادات من علماء الشيعة المعاصرين باعتماد كتاب المستدرك مصدرًا من مصادرهم الأساسية (٣) .\nهذه هي مجاميعهم في الحديث بلغت سبعة ومع الوافي الذي جمع ما في الكتب الأربعة تصبح ثمانية. قال عالمهم المعاصر محمد صالح الحائري: (وأما صحاح الإمامية فهي ثمانية، أربعة منها للمحمدين الثلاثة الأوائل وثلاثة بعدها للمحمدين الثلاثة الأواخر، وثامنها لمحمد الحسين المرحوم المعاصر النوري) (٤) .\n_________\n(١) «الذريعة»: (٤١/١٠٩)، وانظر: «مستدرك الوسائل» .\n(٢) «الذريعة»: (٤/٣٥٤- ٣٥٥) .\n(٣) المصدر السابق: (٢/١١١) .\n(٤) منهاج عملي للتقريب: مقال للرافضي محمد الحائري - معاصر - ضمن كتاب «الوحدة الإسلامية»: ص ٢٣٣.","vol":"1","page":277},{"text":"والمجال لا يتسع لدراسة هذه المجاميع دراسة وصفية نقدية تكشف ما فيها.. فهذا بحث مستقل بذاته.\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>أسانيد الشيعة في كتبهم:</span>\nيزعم الشيعة أنهم يروون أحاديثهم عن آل البيت، لكن بأي سند؟ تجيب كتب الشيعة بالاعتراف بانقطاع أسانيدها فتقول:\n(إن مشايخنا رووا عن أبي جعفر وأبي عبد الله ﵉، وكانت التقية شديدة فكتموا كتبهم ولم تُرو عنهم، فلما ماتوا صارت الكتب إلينا. قال أحد أئمتهم: حدثوا بها فإنها حق) (١) .\nقال الشيخ موسى جار الله في تعليقه على هذا النص: (نرى أن التقية جعلت وسيلة إلى وضع الكتب) (٢) .\nوقد اعترف بعض علمائهم بأن هناك كتبًا كثيرة عندهم هي موضوعة، حيث قال - وهو يتحدث عن كتاب \"سليم بن قيس\" ـ: (والحق أن هذا الكتاب موضوع لغرض صحيح نظير كتاب الحسنية، وطرائف ابن طاووس والرحلة المدرسية للبلاغي وأمثاله) (٣) .\nأما رواتهم ومصنفو كتبهم فيعترف شيخهم الطوسي بفساد أكثرهم حيث يقول: (إن كثيرًا من مصنفي أصحابنا ينتحلون المذاهب الفاسدة - ومع هذا يقول - إن كتبهم معتمدة) (٤)، وقد\n_________\n(١) الكليني: «الكافي» كتاب فضل العلم، باب رواية الكتب والحديث: (١/٥٣) .\n(٢) «الوشيعة»: ص ٤٧.\n(٣) أبو الحسن الشعراني في تعليقه على «الكافي» مع شرحه للمازندراني: (جـ٢/ص ٣٧٣- ٣٧٤) .\n(٤) «الفهرست»: ص ٢٤، ٢٥، وانظر: «مختصر التحفة»: ص ٦٩.","vol":"1","page":278},{"text":"عملت الطائفة \"الإمامية\" بأخبار الفطحية (١) مثل عبد الله بن بكير وغيره وأخبار الواقفية (٢) مثل سماعة بن مهران.. وغيره. والواقفية والفطحية في عداد الكفار عند الإمامية الإثني عشرية ولكنهم يعملون برواياتهم!! فمع التشيع لا يضر انتحال أي نحلة.\nولم يكن للشيعة أي عناية بدراسة الإسناد والتمييز بين صحيح الحديث وضعيفه، وقد أكد شيخ الإسلام ابن تيمية في «منهاج السنّة» في الرد على ابن المطهر على هذا المعنى وفضح الشيعة في هذا الباب (٣) .\nثم بدأ الشيعة في عصر ابن المطهر يحاولون وضع مقاييس لنقد الحديث عندهم وتقسيمه إلى صحيح وغيره.\nوفي ظني أن من أسباب هذا الاتجاه هو النقد الموجه لهم من ابن تيمية وغيره في هذا، ومما يشعر بهذا هو التوافق الزمني بين رد ابن تيمية ووضعهم لهذا الاصطلاح، وهذه مسألة مهمة لم أر من نبه عليها.\nفالشيعة يعترفون بـ (أن هذا الاصطلاح - وهو تقسيم الحديث عندهم إلى صحيح وموثق وضعيف - مستحدث في زمن\n_________\n(١) الحر العاملي: «الوسائل»: (٢٠/٨٠) .\nالفطحية: فرقة من فرق الشيعة قالت بأن الإمام بعد جعفر بن محمد هو ابنه عبد الله، وسموا بالفطحية لأن عبد الله كان أفطح الرأس وقيل نسبة إلى رئيس لهم يقال له عبد الله بن فطيح. القمي: «المقالات والفرق»: ص ٨٧.\n(٢) هم الذين وقفوا على موسى بن جعفر وقالوا أنه حي ينتظر، وربما يطلق الواقفي على من وقف على غير موسى بن جعفر كمن وقف على علي أو الصادق أو الحسن العسكري. القمي: «المقالات والفرق»: ص ٩٣.\n(٣) انظر مثلًا: «منهاج السنّة»: (٤/١١٠) .","vol":"1","page":279},{"text":"العلامة) (١) والعلامة إذا أطلق في كتب الشيعة يقصد به ابن المطهر الحلي (٢) الذي رد عليه ابن تيمية، بل إن ابن المطهر الحلي هذا هو - كما يقول صاحب الوافي -: (أول من اصطلح على ذلك وسلك هذا المسلك) (٣) .\nإذن ألا يدل هذا على أن لابن تيمية و«منهاج السنّة» أثرًا في ذلك، وقد اعترف \"الحر العاملي\" بأن سبب وضع الشيعة لهذا الاصطلاح واتجاههم للعناية بذكر الإسناد هو نقد أهل السنّة، فقال: (والفائدة في ذكره - أي السند - دفع تعيير العامة - يعني أهل السنّة - الشيعة بأن أحاديثهم غير معنعنة بل منقولة من أصول قدمائهم) (٤) .\nوهذا النص يفيد - أيضًا - أن الإسناد عندهم غير موجود إلا بعد مواجهتهم للنقد من قبل أهل السنّة.\nكما يكشف الحر العاملي أن دراسة الإسناد عند الشيعة هي محاولة لتقليد أهل السنّة فيقول: (والاصطلاح الجديد موافق لاعتقاد\n_________\n(١) «الوسائل»: (٢٠/١٠٢)، وانظر: محسن الكاشاني: «الوافي»، المقدمة الثانية.\n(٢) الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر الحلي: (٦٤٨ - ٧٢٦) يعرف عند الشيعة بالعلامة، وهو من تلامذة نصير الكفر ووزير الملاحدة النصير الطوسي. وهو الذي رد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه «منهاج السنة» .\nوبالغ الشيعة في الثناء عليه - كعادتهم - حتى قال بعضهم: (لم تكتحل حدقة الزمان له بمثيل ولا نظير..) !! وهذا تفضيل له على الرسل والأئمة!! له مصنفات منها: «قواعد الأحكام»، و«كشف المراد في تجريد الاعتقاد» وغيرهما. انظر: «لؤلؤة البحرين»: (ص ٢١٠- ٢٢٧) .\n(٣) «الوافي»، المقدمة الثانية: (١/١١) .\n(٤) «وسائل الشيعة»: (٢٠/١٠٠) .","vol":"1","page":280},{"text":"العامة واصطلاحهم، بل هو مأخوذ من كتبهم كما هو ظاهر بالتتبع) (١) .\nوهذا يفيد تأخر دراسة الشيعة واهتمامها بهذه القضية إلى حوالي القرن السابع. وإن كانت كتابة تراجم الرجال بدأت عندهم مع \"الكشي\" في القرن الرابع لكن كما يقول عالمهم \"الحر العالمي\": (وأما البحث عن أحوال الرجال فلا يدل على الاصطلاح الجديد) (٢)، وقد يوهم كلام صاحب «مختصر التحفة الإثني عشرية\" أن البحث في أحوال الرجال عندهم هو بداية الاصطلاح الجديد، وذلك حين قال: (ثم اعلم أن أكثر علماء الشيعة كانوا يعملون سابقًا بروايات أصحابهم بدون تحقيق وتفتيش، ولم يكن فيهم من يميز رجال الإسناد ولا من ألف كتابًا في الجرح والتعديل حتى صنف الكشي سنة أربعمائة تقريبًا كتابًا في أسماء الرجال) (٣) .\nولكن هذه التراجم لا تدل على بداية تقسيم الحديث عندهم إلى صحيح وغيره كما شهد بذلك صاحب «الوافي»، وصاحب «الوسائل» - كما مر -.\nثم إن الدافع لهذه الدراسة الحديثية - عندهم - ليس هو الوصول إلى صحة الحديث بقدر ما هو توقي نقد المذهب من قبل الخصوم، والدفاع عنه. كما يفيده كلام الحر العاملي.\nويقول شيخ الشيعة.. الفيض الكاشاني.. صاحب الوافي عن علم الجرح والتعديل عندهم: (في الجرح والتعديل وشرائطهما\n_________\n(١) المصدر السابق: نفس الموضع.\n(٢) الحر العاملي: «وسائل الشيعة»: (جـ٢٠/ ص ١١٢) .\n(٣) «مختصر التحفة الإثني عشرية»: ص ٤٩.","vol":"1","page":281},{"text":"اختلافات وتناقضات واشتباهات لا تكاد ترتفع بما تطمئن إليه النفوس، كما لا يخفى على الخبير بها) (١) .\nومن يقرأ تراجم رجالهم يجد صورة واضحة لهذا التناقض؛ فلا يوجد راوٍ من رواتهم - غالبًا - في الحديث إلا وفيه قولان: قول يوثقه وقول يضعفه، فضلًا عن أنه يلعنه ويخرجه من الإسلام. فمثلًا محدثهم الشهير \"زرارة بن أعين\" صاحب أئمتهم الثلاثة - كما يزعمون - \"الباقر\"، و\"الصادق\"، و\"الكاظم\" (٢) تجده في تراجمهم يمدح تارة ويذم أُخرى، يجعل من أهل الجنة مرة، ومن أهل النار مرة أُخرى، فيروي الكشي أن أبا عبد الله قال: (يا زرارة إن اسمك في أسامي أهل الجنة) (٣) وقال: (رحم الله زرارة بن أعين، لولا زرارة لاندست أحاديث أبي) (٤) .\nويروي الكشي نفسه عن أبي عبد الله أيضًا أنه قال في هذا \"الزرارة\": (لعن الله زرارة، لعن الله زرارة، لعن الله زرارة، ثلاث مرات) (٥) وقال: (.. هذا زرارة بن أعين هذا من الذين وصفهم الله (في كتابه فقال: (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه\n_________\n(١) «الوافي»، المقدمة الثانية: (١/١١- ١٢) .\n(٢) «زرارة بن أعين بن سنسن. قال الحر العاملي: (شيخ من أصحابنا. في زمانه كان قارئًا فقيهًا ثقة قد اجتمعت فيه خلال الفضل والدين) «وسائل الشيعة»: (٢٠/١٩٦) . تنسب له فرقة من الشيعة تسمى الزرارية «مختصر التحفة»: ص ١٥. كان حفيد لقسيس نصراني اسمه سنسن. محب الدين الخطيب: «هامش مختصر التحفة»: ص ٦٣. توفي سنة ١٥٠هـ. «معجم المؤلفين»: (٤/١٨١) .\n(٣) «رجال الكشي»: ص ١٣٣.\n(٤) المصدر السابق: ص ١٣٦.\n(٥) «رجال الكشي»: (ص ١٤٩- ١٥٠) .","vol":"1","page":282},{"text":"هباءًا منثورًا «(١) وقال: (.. زرارة شر من اليهود والنصارى ومن قال إن مع الله ثالث ثلاثة - كذا-) (٢) .\nوهذا \"التناقض\" هو \"دأبهم\" في تراجم رواتهم (٣)، كما هو واقع في رواياتهم وأحاديثهم، ولا يجدون مخرجًا لهم من هذا إلا القول بأن أحدها تقية، ثم هم لا يملكون قرينة معقولة على تحديد القول الذي هو تقية والقول الذي ليس بتقية!!\nوفي كتاب «مرآة العقول» للمجلسي بيان للصحيح من أحاديث الكافي وخلافه في ضوء الاصطلاح الجديد، وإذا تأملت الأحاديث التي يصححها المجلسي وجدتها في الغالب تطعن في كتاب الله ودينه وتصادم الإسلام والقرآن (٤) .\nويكفي في الحكم على أحاديثهم النظر في متونها، (وكل متن يباين المعقول أو يخالف المنقول أو يناقض الأصول فاعلم أنه موضوع) (٥) .\n(ج) عقيدتهم في «الإجماع»:\nالإجماع ليس حجة عند الشيعة بدون وجود المعصوم، فمدار حجية الإجماع على قول المعصوم وليس على نفس الإجماع،\n_________\n(١) المصدر السابق: ص ١٥١.\n(٢) المصدر السابق: ص ١٦٠.\n(٣) كجابر الجعفي، ومحمد بن مسلم، وأبي بصير وحمران بن أعين وغيرهم.\n(٤) وسنرى أمثلة لذلك في مواضعها المتفرقة من هذا البحث، وانظر علي السالوس وتجربته في محاولة التمييز بين الصحيح وغيره في أحاديث الشيعة عن طريق كتب رجالهم وانتهاؤه إلى صحة أحاديث - بمقياسهم - تطعن في الإسلام والقرآن. «فقه الشيعة»: (ص ٦٣- ٦٤) .\n(٥) ابن الجوزي: «الموضوعات»: (١/١٠٦) .","vol":"1","page":283},{"text":"فهم لم يقولوا بالإجماع وإنما قالوا بحجية قول المعصوم، ودعواهم الاحتجاج بالإجماع تسمية لا مسمى لها.\nيقول ابن المطهر الحلي: (الإجماع إنما هو حجة عندنا لاشتماله على قول المعصوم، فكل جماعة كثرت أو قلّت كان قول الإمام في جملة أقوالها فإجماعها حجة لأجله لا لأجل الإجماع) (١) .\nوما أدري ما قيمة الإجماع إذن ما داموا يعتبرون الإمام معصومًا، فقوله وحده كاف.\nوتؤكد \"نصوص الشيعة\" على ضرورة مخالفة إجماع أهل السنّة، وإن خلافهم فيه الرشاد. ففي الكافي سؤال لأحد أئمتهم يقول: (إذا وجدنا أحد الخبرين موافقًا للعامة - يعني أهل السنّة - والآخر مخالفًا لهم بأي الخبرين يؤخذ؟\nفأجاب إمامهم: ما خالف العامة ففيه الرشاد.\nقال السائل: جعلت فداك، فإن وافقهما الخبران جميعًا؟\nقال - إمامهم -: ينظر إلى ما هم إليه أميل - يعني أهل السنّة - بأحكامهم وقضاتهم فيترك ويؤخذ بالآخر.\nقال السائل: فإن وافق حكامهم الخبرين جميعًا؟\nقال: إذا كان ذلك فأرجه حتى تلقى إمامك، فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات) (٢) .\n_________\n(١) «تهذيب الوصول»: ص ٧٠، وانظر: «أوائل المقالات»: ص ١٥٣، وانظر: حسين معتوق: «المرجعية الدينية العليا»: ص ١٦.\n(٢) «الكافي» للكليني، كتاب فضل العلم، باب اختلاف الحديث: (١/٦٨) . وراجع في هذا الباب «وسائل الشيعة»: (جـ ١٨/ص ٧٥)، باب وجوه الجمع بين الأحاديث المختلفة.","vol":"1","page":284},{"text":"والذي دعا الشيعة لرد \"الإجماع\" هو ردهم لإجماع الصدر الأول على خلافة الخلفاء الثلاثة.\nويظهر الفارق جليًّا بين مذهب أهل السنّة في القول بحجية الإجماع، وبين مذهب الشيعة في ذلك، في أنه لو فرضنا - مثلًا - أن إمامهم محمد بن علي \"الجواد\" الذي قالوا بإمامته وهو ابن سبع سنوات (١) أو إمامهم المنتظر الذي قال التاريخ إنه لا وجود له - لو فرضنا - أنه قال برأي أو نسب له رأي وخالفته الأمة الإسلامية جميعًا؛ فإن الحجة في رأيه لا في إجماع الأمة. وهذا مذهب في غاية البطلان لا يحتاج لمناقشة!!\n_________\n(١) سعد القمي: «المقالات»: ص ٩٥.","vol":"1","page":285},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>الفصل الثالث: عقائدهم الأخرى التي انفصلوا بها عن أهل السنة</span>\nسبق أن تحدثنا عن معتقد الشيعة في الكتاب، والسنّة، والإجماع، وفي هذا الفصل نتناول عقائدهم الأُخرى التي شذوا بها عن أهل السنّة، وسنتعرف على عقائدهم التالية:\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>١ - الإمامة</span>.\n٢ - عصمة الإمام.\n٣ - التقية.\n٤ - الرجعة.\n٥ - البداء.\n٦ - الغيبة.\n٧ - معتقدهم في الصحابة.\n١ - الإمامة (١):\nوسنتناول في قضية الإمامة عند الشيعة المسائل الآتية:\n(أ) معنى الإمامة عندهم.\n(ب) فضائل الأئمة وصفاتهم.\n_________\n(١) الإمامة: في اللغة: التقدم. تقول أمّ القوم وأمّ بهم تقدمهم وهي الإمامة. والإمام كل من ائتم به قوم، كانوا على الصراط المستقيم أو كانوا ضالين، ويطلق الإمام على الخليفة، وعلى العالم المقتدى به، وعلى من يؤتم به في الصلاة. انظر: «اللسان»، و«القاموس»، و«المصباح المنير» مادة: أمّ، وراجع تعاريفها عند أهل السنّة في الماوردي: «الأحكام السلطانية»: ص ٥، ابن خلدون: المقدمة: (٢/٥١٦- ٥١٨) .","vol":"1","page":287},{"text":"(ج) غلوهم في قبور أئمتهم.\n(د) غلوهم في مجتهديهم.\n(هـ) كل حكومة غير حكومة الاثني عشر (أو نوابهم) باطلة.\n(و) الإمامة ركن من أركان الدين.\n(ز) تكفيرهم لمنكر إمامة الاثني عشر.\n(ح) منزلة من آمن بإمامة الاثني عشر عندهم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>(أ) معنى الإمامة عند الشيعة:</span>\nللإمامة عند الشيعة مفهوم خاص ينفردون به عن سائر المسلمين، فيعتقدون (أن الإمامة منصب إلهي كالنبوة، فكما أن الله سبحانه يختار من يشاء من عباده للنبوة والرسالة، ويؤيده بالمعجزة التي هي كنص من الله عليه.. فكذلك يختار للإمامة من يشاء ويأمر نبيه بالنص عليه وأن ينصبه إمامًا للناس من بعده..) (١) .\nأما الفرق بين الرسول والنبي والإمام عندهم فقد روى صاحب الكافي أنه سئل إمامهم الرضا: (ما الفرق بين الرسول والنبي والإمام؟ فكتب أو قال: الفرق بين الرسول والنبي والإمام: أن الرسول الذي ينزل عليه جبرائيل فيراه ويسمع كلامه وينزل عليه الوحي وربما رأى في منامه نحو رؤيا إبراهيم \"ع\"، والنبي ربما سمع الكلام وربما رأى الشخص ولم يسمع، والإمام هو الذي يسمع الكلام ولا يرى\n_________\n(١) محمد حسين آل كاشف الغطا: «أصل الشيعة وأصولها»: ص ٥٨.","vol":"1","page":288},{"text":"الشخص) (١) وهذا النص يفيد أن الوحي الإلهي متحقق حصوله للثلاثة على اختلاف في الطريقة والوسيلة التي يصل بها \"الوحي\"، لكن كانت رواية الكافي هذه تقول: إن الإمام يسمع الكلام ولا يرى الشخص \"أي الملك\"، مع أن هناك عدة روايات عندهم تؤكد تحقق رؤية الإمام للملائكة، حتى إن \"عالمهم\" المجلسي عقد في البحار بابًا بعنوان: (باب أن الملائكة تأتيهم وتطأ فرشهم وأنهم يرونهم) (٢)، وذكر فيه ستة وعشرين حديثًا منها ما ذكره عن الصادق قال: (إن الملائكة لتنزل علينا في رحالنا وتتقلب على فرشنا، وتحضر موائدنا وتأتينا في وقت كل صلاة لتصليها معنا، وما من يوم يأتي.. إلا وأخبار أهل الأرض عندنا وما يحدث فيها..) (٣) .\nوعن الصادق: (إن منا لمن ينكت في أُذنه، وإن منا لمن يؤتى في منامه وإن منا لمن يسمع صوت السلسلة تقع على الطشت - كذا - وإن منا لمن يأتيه صورة أعظم من جبرائيل وميكائيل) (٤) .\nفترى في هذه \"الروايات للمجلسي\" أن الفرق الذي ذكره الكليني بين الإمام والرسول والنبي - إن كان يعتبر فرقًا - قد تلاشى. حتى قال المجلسي نفسه: (إن استنباط الفرق بين النبي والإمام من تلك الأخبار لا يخلو من إشكال وكذا الجمع بينهما\n_________\n(١) الكليني: «الكافي»، كتاب الحجة، باب الفرق بين الرسول والنبي والمحدث: (١/١٧٦)، وقال شارح «الكافي»: (الحديث صحيح إسناده)، «الشافي شرح أصول الكافي»: (٣/٢٩) . فهذا الحديث الباطل صحيح حتى عند من يسلك منهج التصحيح والتضعيف منهم وهم الأصوليون.\n(٢) «البحار»: (٢٦/٣٥٥) .\n(٣) «البحار»: (٢٦/٣٥٦) .\n(٤) «البحار»: (٦/٣٥٨) .","vol":"1","page":289},{"text":"مشكل جدًا) (١) . ثم قال: (ولا نعرف جهة اتصافهم بالنبوة إلا رعاية خاتم الأنبياء ولا يصل عقولنا فرق بين النبوة والإمامية) (٢) .\nومنزلة الإمامة والإمام تجاوزت في كتبهم أحيانًا منزلة النبوة والنبي إلى منزلة أُخرى تتبين من حديثهم عن فضائل الأئمة وصفاتهم وهو ما سنذكره فيما يلي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>(ب) فضائل الأئمة وصفاتهم:</span>\nحديث الشيعة عن فضائل أئمتهم وصفاتهم حديث كثير وخطير، وسنذكر فيما يلي أهم الأبواب في كل من الكافي والبحار التي حوت أحاديثهم عن فضائل الأئمة.\nوهذه الأبواب خلاصة موجزة لأحاديثهم تبين حجم الغلو واتساعه، فهي ليست روايات شاذة في كتبهم بل هي أبواب تحمل عناوين أشبه ما يكون بقواعد وأصول أساسية في معتقدهم، وهي أمكن القارئ من أخذ فكرة متكاملة عن منزلة الأئمة عندهم بصورة سريعة حيث تم بعد العرض لهذه الأبواب الإتيان من كل باب بمثال لتتضح الحقيقة في ذهن القارئ وسأذكر عناوين الأبواب أولًا وعدد أحاديث كل باب ثم أمثلة لهذه الأبواب على الترتيب نفسه.\nفلنستمع للعناوين ثم للأحاديث بعدها.\n١- باب (أنهم أعلم من الأنبياء ﵈) وفيه ثلاثة عشر حديثًا (٣) .\n٢- باب (تفضيلهم «ع» على الأنبياء وعلى جميع الخلق وأخذ\n_________\n(١)، (٢) «البحار»: (٢٦/٢٨) .\n(٢)\n\n(٣) المجلسي: «البحار»: (٢٦/ ١٩٤- ٢٠٠) .","vol":"1","page":290},{"text":"ميثاقهم عنهم وعن الملائكة وعن سائر الخلق، وأن أُولي العزم إنما صاروا أُولي العزم بحبهم صلوات الله عليهم) وفيه ٨٨ حديثًا (١) .\n٣- باب (أن دعاء الأنبياء استجيب بالتوسل والاستشفاع بهم \"ع\") وفيه ١٦ حديثًا (٢) .\n٤- باب (أنهم يقدرون على إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وجميع معجزات الأنبياء) وفيه ٤ أحاديث (٣) .\n٥- باب (أنهم لا يحجب عنهم علم السماء والأرض والجنة والنار، وأنه عرض عليهم ملكوت السموات والأرض ويعلمون علم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة) وفيه ٢٢ حديثًا (٤)، وهذا الباب جاء في الكافي بعنوان باب (أن الأئمة يعلمون علم ما كان وما يكون وأنه لا يخفى عليهم الشيء صلوات الله عليهم) وفيه ستة أحاديث (٥) .\n٦- باب (أنهم يعرفون الناس بحقيقة الإيمان وبحقيقة النفاق، وعندهم كتاب فيه أسماء أهل الجنة وأسماء شيعتهم وأعدائهم، وأنه لا يزيلهم خبر مخبر عما يعلمون من أحوالهم) وفيه أربعون حديثًا (٦) . وفي الكافي باب (أن الأئمة لو ستر عليهم لأخبروا كل امرئ بما له وعليه) وفيه حديثان (٧) .\n_________\n(١) المصدر السابق: (٢٦/ ٢٦٧- ٣١٨) .\n(٢) المصدر السابق: (٢٦/ ٣١٩ - ٣٣٢) .\n(٣) المصدر السابق: (٢٧/ ٢٩ - ٣١) .\n(٤) المصدر السابق: (٢٦/ ١٠٩- ١١٧) .\n(٥) الكليني: «الكافي»: (١/٢٦٠- ٣٦٣) .\n(٦) «البحار»: (٢٦/١١٧- ١٣٢) .\n(٧) «الكافي»: (١/٢٦٤ - ٢٦٨) .","vol":"1","page":291},{"text":"٧- باب (أن الأئمة إذا شاؤوا أن يعلموا علموا) وفيه ثلاثة أحاديث (١) .\n٨- باب (أن الأئمة يعلمون متى يموتون وأنهم لا يموتون إلا باختيار منهم) وفيه خمسة أحاديث (٢) .\n٩- باب (أنه لا يحجب عنهم شيء من أحوال شيعتهم وما تحتاج إليه الأمة من جميع العلوم، وأنهم يعلمون ما يصيبهم من البلايا ويصبرون عليها ولو دعوا الله في دفعها لأجيبوا، وأنهم يعلمون ما في الضمائر وعلم المنايا والبلايا وفصل الخطاب والمواليد) وفيه ثلاثة وأربعون حديثًا (٣) .\n١٠- باب (أن عندهم الاسم الأعظم وبه يظهر منهم الغرائب) وفيه عشرة أحاديث (٤)، وغيرها من أبواب (٥)، وإليك أمثلة لما سبق على الترتيب السالف.\n_________\n(١) المصدر السابق: (١/٢٥٨) .\n(٢) المصدر السابق: (١/٢٥٨- ٢٦٠) .\n(٣) «البحار»: (٢٦/١٣٧- ١٥٣) .\n(٤) «البحار»: (٢٧/٢٥- ٢٨) .\n(٥) مثل:\nباب (أنهم يظهرون بعد موتهم ويظهر منهم الغرائب وتأتيهم أرواح الأنبياء \"ع\" وتظهر لهم الأموات من أوليائهم وأعدائهم) وفيه ١٣ حديثًا. «البحار»: (٢٧/٣٠٢- ٣٠٨) .\nباب (أنهم أمان لأهل الأرض من العذاب) وفيه ٦ أحاديث. «البحار»: (٢٧/٣٠٨- ٣١٠) .\nباب (أن الله تعالى يرفع للإمام عمودًا ينظر فيه إلى أعمال العباد) وفيه ١٦ حديثًا. «البحار»: (٢/١- ١١) .\nباب (أنهم ﵈ يعلمون جميع الألسن واللغات ويتكلمون بها) وفيه ٧ أحاديث. «البحار»: (٢٦/١٩٠- ١٩٣) .\nباب (... أنهم يعلمون منطق الطيور والبهائم) وفيه ٢٦ حديثًا. «البحار»: (٢٧/٢٦١- ٢٧٩) .\nباب (أن الجن خدامهم ويظهرون لهم ويسألونهم عن معالم دينهم) وفيه ١٦ حديثًا. «البحار»: (١٧/١٣- ٢٤) إلخ.","vol":"1","page":292},{"text":"مثال للباب رقم -١-: وهو (أنهم أعلم من الأنبياء):\nعن عبد الله التمار قال: كنا مع أبي عبد الله \"ع\" في الحجر فقال: علينا عين؟ فالتفتنا يمنة ويسرة وقلنا: ليس علينا عين. فقال: ورب الكعبة - ثلاث مرات - أن لو كنت بين موسى والخضر لأخبرتهما أني أعلم منهما ولأنبأتهما بما ليس في أيديهما (١) .\nمثال للباب رقم -٢-: وهو (تفضيلهم على الأنبياء ...):\nفي البحار قال أبو عبد الله: (والله ما استوجب آدم أن يخلقه الله بيده وينفخ فيه من روحه إلا بولاية علي \"ع\"، وما كلم الله موسى تكليمًا إلا بولاية علي \"ع\"، ولا أقام الله عيسى ابن مريم آية للعالمين إلا بالخضوع لعلي، ثم قال: أجُمل الأمر؟: ما استأهل خلق من الله النظر إليه إلا بالعبودية لنا (٢) وقال أمير المؤمنين: إن الله عرض ولايتي على أهل السموات وعلى أهل الأرض أقر بها من أقر وأنكرها من أنكر، وأنكرها يونس فحبسه الله في بطن الحوت حتى أقر بها (٣) وكذلك أيوب لما شك في ملك علي قال له الله: فوعزتي لأُذيقنك من عذابي أو تتوب إلي بالطاعة لأمير المؤمنين) (٤) .\n_________\n(١) المجلسي: «البحار»: (ص٢٦- ١٩٦)، وانظر: «بصائر الدرجات»: ص ٢٥٠، وانظر: الكليني: «الكافي»: (١/٢٦٠- ٢٦١) .\n(٢) المجلسي: «البحار»: (٢٦/ ٢٩٤)، وانظر: المفيد: «الاختصاص»: ص ٢٥٠.\n(٣) المجلسي: «البحار»: (٢٦/ ٢٨٢)، عن: «بصائر الدرجات»: (ص ٢٥- ٢٦) .\n(٤) «البحار»: (٢٦/ ٢٩٣)، عن «كنز الفوائد»: (ص ٢٦٤- ٢٦٥) .","vol":"1","page":293},{"text":"وعن سدير قال: سألت أبا عبد الله عن قول أمير المؤمنين «إن أمرنا صعب مستصعب لا يقر به إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان» فقال: إن في الملائكة مقربين وغير مقربين ومن الأنبياء مرسلين وغير مرسلين ومن المؤمنين ممتحنين، وغير ممتحنين فعرض أمركم هذا على الملائكة فلم يقر به إلا المقربون، وعرض على الأنبياء فلم يقر به إلا المرسلون وعرض على المؤمنين فلم يقر به إلا الممتحنون، قال: ثم قال لي: مر في حديثك (١) .\nمثال للباب رقم -٣-: وهو (استشفاع الأنبياء بهم):\nعن علي بن الحسن عن فضال عن أبيه عن الرضا \"ع\" قال:\n(لما أشرف نوح \"ع\" على الغرق دعا الله بحقنا فدفع الله عنه الغرق، ولما رمي إبراهيم في النار دعا الله بحقنا فجعل الله النار عليه بردًا وسلامًا، وإن موسى لما ضرب طريقًا في البحر دعا الله بحقنا فجعله يبسًا، وإن عيسى \"ع\" لما أراد اليهود قتله دعا الله بحقنا فنجي من القتل فرفعه إليه) (٢) .\nمثال للباب رقم -٤-: وهو (أنهم يقدرون على إحياء الموتى):\nقال أبو عبد الله: إن أمير المؤمنين كانت له خؤولة في بني مخزوم وإن شابًا منهم أتاه فقال: يا خال، إن أخي وتِرْبي مات وقد حزنت عليه حزنًا شديدًا فقال له: تشتهي أن تراه؟ قال: نعم. قال: فأرني قبره.. فلما انتهى إلى القبر تكلم - أي علي - بشفتيه ثم ركضه\n_________\n(١) «البحار»: (٢٦/٢٧٤)، انظر: «معاني الأخبار»: ص ١١٥.\n(٢) «البحار»: (٢٦/٣٢٥) .","vol":"1","page":294},{"text":"برجله فخرج من قبره وهو يقول: \"وميكا\" بلسان الفرس فقال له علي \"ع\": ألم تمت وأنت رجل من العرب؟ فقال: بلى ولكنا متنا على سنّة فلان وفلان - أبو بكر وعمر - فانقلبت ألسنتنا) (١) .\nمثال للباب رقم -٥-: وهو (أنهم لا يحجب عنهم علم ...):\nقال أبو عبد الله: (أني لأعلم ما في السموات وأعلم ما في الأرضين وأعلم ما في الجنة وأعلم ما في النار، وأعلم ما كان وما يكون) (٢) .\nمثال للباب رقم -٦-: (أنهم يعرفون الناس بحقيقة الإيمان):\nقال أبو الحسن الرضا: (إنا لنعرف الرجل إذا رأيناه بحقيقة الإيمان وبحقيقة النفاق) (٣) .\nمثال للباب رقم -٧-: (أن الأئمة إذا شاؤوا أن يعلموا علموا):\nعن أبي عبد الله قال: (إن الإمام إذا شاء أن يعلم علم) (٤) .\nمثال للباب رقم -٨-: (أن الأئمة يعلمون متى يموتون):\nويروي الكليني عن الحسن بن الجهم قال: (قلت للرضا \"ع\"\n_________\n(١) المجلسي: «البحار»: (٢٧/٣٠- ٣١)، عن «مناقب آل أبي طالب»: (٢/١٦٤) .\n(٢) المجلسي: «البحار»: (٢٦/١١١)، عن «بصائر الدرجات»: ص ٣٥، وانظر: الكليني: «الكافي»: (١/٢٦١) .\n(٣) المجلسي: «البحار»: (٢٦/١١٨، ١٢٧)، وانظر: «عيون الأخبار»: ص ٣٤٣، «الاختصاص»: ص ٢٧٨.\n(٤) الكليني: «الكافي»: (١/ ٢٥٨) .","vol":"1","page":295},{"text":"أن أمير المؤمنين \"ع\" قد عرف قاتله والليلة التي يقتل فيها، والموضع الذي يقتل فيه، وقوله: لما سمع صياح الأوز (١) في الدار: صوائح تتبعها نوائح، وقول أُم كلثوم: لو صليت الليلة داخل الدار وأمرت غيرك يصلي بالناس فأبى عليها وكثر دخوله وخروجه تلك الليلة بلا سلاح، وقد عرف (أن ابن ملجم لعنه الله قاتله بالسيف..) (٢) وعن أبي الحسن موسى \"ع\" \"الكاظم\" قال: (إن الله (غضب على الشيعة فخيرني نفسي أو هم فوقيتهم والله بنفسي (٣) - أي منطق النصارى نفسه بأن عيسى صلب لتخليصهم من ذنوبهم) .\nمثال للباب رقم -٩-: (أنهم لا يحجب عنهم شيء):\nفي البحار: (أن عليًّا قال على منبر الكوفة: والله إني لديان الناس يوم الدين، قسيم الله بين الجنة والنار لا يدخلها داخل إلا على أحد قسّمي، وأنا الفارق الأكبر، وقرن من حديد وباب الإيمان وصاحب الميسم وصاحب السنين، وأنا صاحب النشر الأول والنشر الآخر وصاحب القضاء وصاحب الكرات ودولة الدول وأنا إمام لمن بعدي والمؤدي من كان قلبي، ما يتقدمني إلا أحمد ﵌ وإن جميع الملائكة والرسل والروح خلفنا، وإن رسول الله ليدعى فينطق، وأُدعى فأنطق على حد منطقه.\nولقد أُعطيت السبع التي لم يسبق إليها أحد قبلي: بصُرت سبل الكتاب، وفُتحت لي الأسباب، وعلمت الأنساب، ومجرى الحساب،\n_________\n(١) الأوز: البط.\n(٢) الكليني: «الكافي»: (١/٢٥٩) .\n(٣)","vol":"1","page":296},{"text":"وعلمت المنايا والبلايا والوصايا وفصل الخطاب، ونظرت في الملكوت فلم يعزب عني شيء غاب عني، ولم يفتني ما سبقني، ولم يشركني أحد فيما أشهدني يوم شهادة الأشهاد، وأنا الشاهد عليهم، وعلى يدي يتم موعد الله وتكمل كلمته، وبي يكمل الدين، وأنا النعمة التي أنعمها الله على خلقه، وأنا الإسلام الذي ارتضاه لنفسه، كل ذلك منٌّ من الله) (١) .\nمثال للباب رقم -١٠-: (عندهم الاسم الأعظم ...):\nعن جابر الجعفي عن أبي جعفر \"ع\" قال: (إن اسم الله الأعظم علي ثلاثة وسبعين حرفًا، وإنما عند آصف منها حرف واحد فتكلم به فخسف بالأرض ما بينه وبين سرير بلقيس ثم تناول السرير بيده ثم عادت الأرض كما كانت أسرع من طرفة عين، وعندنا نحن من الاسم اثنان وسبعون حرفًا، وحرف عند الله استأثر به في علم الغيب عنده ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) (٢) .\nهذه أمثلة لما يصفون به أئمتهم وهي \"دعاوى\" في غاية الغرابة تخرج الأئمة من \"منزلة الإمامة\" إلى \"منزلة النبوة\" أحيانًا، وأحيانًا أخرى إلى \"مرتبة الألوهية\".\nووجود عشرات الروايات فضلًا عن مئاتها تصف الأئمة بهذه الأوصاف الخيالية هي عملية إفراغ فكري ونفسي لحقيقة الألوهية، وحقيقة النبوة من نفس \"الشيعي\" الذي يؤمن بهذه الروايات لتحل محلها حقيقة الأئمة.\n_________\n(١) «البحار»: (٢٦/١٥٣- ١٥٤) .\n(٢) المجلسي: «البحار»: (٢٧/٢٥)، عن «بصائر الدرجات»: ص ٥٣.","vol":"1","page":297},{"text":"وإذا وجد من ينفي صفة النبوة والربوبية عن الأئمة، فإن هذا النفي أشبه ما يكون بصرخة في واد إزاء هذا \"الزخم\" وهذا \"الركام\" الهائل من الفضائل المزعومة.\nوهذه الروايات هي في الحقيقة؛ الأرضية، والقاعدة، والمنطلق، للأفكار الباطنية المنتشرة اليوم والتي تؤلّه الأئمة وتلوذ بجحور التقية عند مواجهتها للملأ.\nولولا خشية الإطالة لوقفنا عند كل نص نحلله ونرسم أبعاده.\nإن هذه \"الدعاوى\" التي امتلأت بها كتب القوم التي يعدونها مصادر أساسية في التلقي والتشريع؛ هي محادة لله ولرسوله. فماذا أبقوا لله - ﷿ - من خصائص الألوهية حين يوردون عشرات من رواياتهم تقول (أن الأئمة يعلمون ما كان وما يكون وأنهم لا يخفى عليهم الشيء)؟ أي أن الأئمة عندهم علم الله. وكيف يتجرأون على القول بأن الأئمة عندهم ٧٢ حرفًا من الاسم الأعظم والله عنده حرف واحد، أهم أعلم أم الله؟!! سبحانك هذا بهتان عظيم.\nوهذه \"الدعاوى\" باب للزندقة والإلحاد.. لم يقلها نبي مرسل، ولا ملك مقرب. هي محاربة لدين الله (، وكتابه.\nوهذه المزاعم انتقلت بشكل عملي واضح إلى جانبين خطيرين:\nأحدهما: أنها انتقلت من حديث نظري عن فضائل الأئمة إلى غلو في قبورهم وأضرحتهم، وانتشر الشرك في بلاد الشيعة بلا نكير.\nوثانيها: ظاهرة غلوهم في مجتهديهم باعتبار أنهم نواب الإمام المعصوم، (وهذان الجانبان يشكلان مفهوم الإمامة بصورة واقعية فلنتحدث عنهما) .","vol":"1","page":298},{"text":"ثالثًا: غلوهم في قبور أئمتهم واتخاذها مزارات ومشاهد:\nإن للمسلمين كعبة واحدة يتوجهون إليها في صلاتهم ودعائهم ويحجون إليها، أما الشيعة فلهم مزارات ومشاهد وكعبات تنافس بيت الله (ويقام فيها الشرك ويهدم التوحيد.\nوقد يقال: إن الشرك والمشاهد منتشرة في بلاد السنة؟\nوالجواب: أن هذا واقع. ولكن الفرق بين الشيعة وأهل السنة أن ما عند أهل السنة هو انحراف في واقعهم تنكره أصولهم، وما عند الشيعة هو ما يتفق مع أصولهم، بل هو ما تدعو إليه وتحث عليه أحاديثهم ورواياتهم، فهو معروف في أصول الشيعة منكر في أصول السنة.\nونتيجة هذا الفرق أن ما عند أهل السنة قابل للإصلاح وما عند الشيعة غير قابل حتى تغير أصولهم أولًا.\nوهذه النتيجة ليست نظرية أو خيالية، بل ظهرت بشكل واقعي في تأثير دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في العالم الإسلامي في محاربة الشرك واستعصاء الشيعة على هذا الإصلاح.\nيقول العالم الإيراني - الشيعي الأصل - أحمد الكسروي (١):\n(ومما يرى \"من\" لجاج الشيعة أنه قد انقضى منذ ظهور الوهابيين أكثر من مائة وخمسين عامًا، وجرت في تلك المدة مباحثات ومجادلات كثيرة بينهم وبين الطوائف الأخرى من المسلمين، وانتشرت رسالات وطبعت كتب وظهر جليًا أن ليست\n_________\n(١) ستأتي ترجمته في محاولات التقريب.","vol":"1","page":299},{"text":"زيارة القبب والتوسل بالموتى ونذر النذور للقبور وأمثالها إلا الشرك، ولا فرق بين هذه وبين عبادة الأوثان التي كانت جارية بين المشركين من العرب فقام الإسلام يجادلها ويبغ - كذا - قلع جذورها، يبين ذلك آيات كثيرة من القرآن.\nفأثرت الوهابية في سائر طوائف المسلمين غير الروافض أو الشيعة الإمامية، فإن هؤلاء لم يكترثوا بما كان ولم يعنوا بالكتب المنتشرة والدلائل المذكورة أدنى عناية ولم يكن نصيب الوهابيين منهم إلا اللعن والسب كالآخرين) (١) .\nإن الشرك قد ألبس في كتب الحديث عند الشيعة ثوب الحق وهذا هو الخطر الأكبر، والداء الأعظم، وقد عقدت أمهات كتبهم \"كتبًا وأبوابًا\" في المزارات والمشاهدات، ضمنتها مئات من الروايات تجسد الشرك، وترسي قواعده.\nففي «البحار» للمجلسي \"كتاب المزار\" وقد استغرق ثلاثة مجلدات من «البحار» (٢)، وفي «وسائل الشيعة»، للحر العاملي \"أبواب المزار\" وبلغت هذه الأبواب (١٠٦) أبواب (٣)، وفي «الوافي» الجامع لأصولهم الأربعة:\n\"أبواب المزارات والمشاهد\" وتضمنت (٣٣) بابًا (٤) .\n_________\n(١) «التشيع والشيعة»: ص ٨٩، وقد رأيت في فهارس مكتبات الشيعة كمكتبة الكاظمية في بغداد كتبًا كثيرة وضعت من قبل الشيعة لمحاربة دعوة التوحيد التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب.\n(٢) هي المجلدات: ١٠٠، ١٠١، ١٠٢.\n(٣) انظرها في جـ١٠ ص ٢٥١ وما بعدها.\n(٤) انظرها في المجلد الثاني جـ٨ ص ١٩٣ وما بعدها.","vol":"1","page":300},{"text":"وفي «فقيه من لا يحضره الفقه» وهو أحد أصولهم المعتبرة عدة أبواب حول المشاهد وتعظيمها، كباب \"تربة الحسين وحريم قبره\" و\"أبواب في زيارة الأئمة وفضلها\". وغيرها (١) .\nوفي «تهذيب الأحكام» - أحد الأصول الأربعة المعتبرة - طائفة كثيرة من الأبواب تتعلق بتعظيم المشاهد والقبور، ومناجاة الأئمة بأدعية تتضمن تأليههم.. (٢) .\nوألف في الزيارات ومناسكها كتب مستقلة مثل «مناسك الزيارات للمفيد» (٣) وغيره (٤) .\nوالموضوع يستحق دراسة خاصة لخطورته وحسبنا في هذا المقام ذكر بعض \"الأمثلة\" لغلوهم في قبور أئمتهم.\nلقد اعتبر الشيعة أماكن قبور أئمتهم المزعومة أو الحقيقة \"حرمًا\" مقدسًا: فالكوفة حرم، وكربلاء حرم، وقم حرم - عندهم - وغيرها. في «الوافي» (أن الكوفة حرم الله وحرم رسوله - ﷺ - وحرم أمير المؤمنين، وأن الصلاة فيها بألف صلاة والدرهم بألف درهم) (٥) . ويروون عن الصادق: (إن لله حرمًا هو مكة ولرسوله حرمًا وهو المدينة ولأمير المؤمنين حرمًا وهو الكوفة ولنا\n_________\n(١) ابن بابويه القمي: «من لا يحضره الفقيه»: (٢/٣٣٨) وما بعدها.\n(٢) الطوسي: «تهذيب الأحكام»: (٦/٣ - ١١٦) .\n(٣) ذكره الحر العاملي في «وسائل الشيعة»: (٢٠/٤٩)، ونقل عنه.\n(٤) مثل كتاب «المزار» لمحمد بن علي الفضل، و«المزار» لمحمد بن المشهدي و«المزار» لمحمد بن همام، و«المزار» لمحمد بن أحمد بن داود وغيرها. انظر: «وسائل الشيعة»: (٢٠/٤٨ - ٤٩) .\n(٥) «الوافي»، باب فضل الكوفة ومساجدها. المجلد الثاني جـ٨ ص ٢١٥.","vol":"1","page":301},{"text":"حرمًا وهو قم (١)، ستدفن فيه امرأة من ولدي تسمى فاطمة من زارها وجبت له الجنة) (٢) .\nوكربلاء عندهم أفضل من الكعبة، ففي حديث لهم عن أبي عبد الله أنه قال: (..إن الله أوحى إلى الكعبة لولا تربة كربلاء ما فضلتك، ولولا من تضمنه أرض كربلاء ما خلقتك ولا خلقت البيت الذي به افتخرت، فقرِّي واستقري وكوني ذنبًا متواضعًا ذليلًا مهينًا غير مستنكف ولا مستكبر لأرض كربلاء وإلا سخت بك وهويت بك نار جهنم) (٣) .\nوزيارة قبور الأئمة والدعاء والصلاة عندها والتوسل والاستشفاع بهم ذلك عندهم أفضل من الحج إلى بيت الله.\nفي «الكافي»: أتى رجل أبا عبد الله فقال له: (إني قد حججت تسع عشرة حجة فادع الله أن يرزقني تمام العشرين، قال: هل زرت قبر الحسين «ع»؟ قال: لا. قال: لزيارته خير من عشرين حجة) (٤) .\nوعن ابن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبد الله يقول: (والله لو أني حدثتكم بفضل زيارته وبفضل قبره لتركتم الحج رأسًا وما حج منكم أحد، ويحك أما علمت أن الله اتخذ كربلاء حرمًا آمنًا مباركًا قبل أن\n_________\n(١) قم: بالضم والتشديد كلمة فارسية، وهي مدينة مقدسة عند الشيعة مشهورة في إيران وأهلها كلهم شيعة إمامية. انظر: «معجم البلدان»: (٤/٣٩٧) . ومن أسباب تقديسهم لقم وجود قبر فاطمة بنت موسى بن جعفر إمامهم السابع فيها. انظر: عبد الرزاق الحسيني: «مشاهد العترة»: ص ١٦٢ وما بعدها.\n(٢) «البحار»: جـ١٠٢ ص ٢٦٧.\n(٣) «البحار»: جـ١٠١ ص ١٠٧.\n(٤) «الوافي»: المجلد الثاني: جـ ٨ ص ٢١٩.","vol":"1","page":302},{"text":"يتخذ مكة حرمًا. قال ابن أبي يعفور: فقلت له: قد فرض الله على الناس حج البيت ولم يذكر زيارة قبر الحسين \"ع\" فقال: إن كان كذلك فإن هذا شيء جعله الله هكذا) (١) .\nوعن أبي عبد الله: (إن الله يبدأ بالنظر إلى زوار قبر الحسين بن علي \"ع\" عشية عرفة قبل نظره إلى أهل الموقف، قال \"الراوي\": وكيف ذلك؟ قال أبو عبد الله - كما يزعمون -: لأن في أولئك أولاد زنا وليس في هؤلاء أولاد زنا) (٢) .\nوفي «الوافي» قال الصادق: (من عرَّف عند قبر الحسين فقد شهد عرفة) (٣) .\nوعن الصادق: (من زار قبر الحسين يوم عرفة كتب الله له ألف ألف حجة مع القائم \"ع\"، وألف ألف عمرة مع رسول الله صلى الله عليه وآله، وعتق ألف ألف نسمة، وحمل ألف ألف فرس في سبيل\n_________\n(١) المجلسي «البحار»: جـ ١٠١ ص ٣٣.\n(٢) الفيض الكاشاني: «الوافي»: المجلد جـ٨ ص ٢٢٢.\nمفهوم أولاد الزنا عند الشيعة: هم غير الشيعة من المسلمين. يدل على ذلك ما جاء في «الكافي» عن أبي جعفر قال: والله إن الناس كلهم أولاد بغايا ما خلا شيعتنا. الكليني: الفروع من الكافي كتاب الروضة: ص ١٣٥ طبعة لكنوء ١٨٨٦م، وانظر: «البحار»: (٢٤/٣١١) . وعن أبي ميثم بن أبي يحيى عن جعفر بن محمد قال: ما من مولود يولد إلا وإبليس من الأبالسة بحضرته، فإن علم الله أن المولود من شيعتنا حجبه من ذك الشيطان، وإن لم يكن المولود من شيعتنا أثبت الشيطان أصبعه في دبر الغلام فكان مأبونًا وفي فرج الجارية فكانت فاجرة. «تفسير العياشي»: جـ٢ ص ٢١٨، وانظر: «الوافي»: (١٣: ١٧) عن «الوشيعة»: ص ٤٠، وعقد المجلسي في «البحار» بابًا لهذا الاعتقاد بعنوان (باب أنه يدعى الناس بأسماء أُمهاتهم إلا الشيعة) وذكر فيه ١٢ حديثًا. «البحار»: جـ٧ ص ٢٣٧.\n(٣) الفيض الكاشاني: «الوافي»: المجلد الثاني جـ٨ ص ٢٢٢.","vol":"1","page":303},{"text":"الله، وسماه الله ﷿ عبدي الصديق آمن بوعدي، وقالت الملائكة: فلان الصديق وزكاه الله من فوق عرشه..) (١) .\nوالصلاة عند القبور التي هي وسيلة للشرك بالله تعد عندهم من القربات المضاعفة في «الوافي» يقول حديث لهم: (الصلاة في حرم الحسين: لك بكل ركعة تركعها عنده كثواب من حج ألف حجة، واعتمر ألف عمرة وأعتق ألف رقبة، وكأنما وقف في سبيل الله ألف ألف مرة مع نبي مرسل) (٢) .\nوهذه دعوة إلى الشرك بالله لا شك في ذلك.\nوليس هذا خاصًا بحرم الحسين بل كل أئمتهم كذلك؛ ففي «البحار» للمجلسي: (من زار الرضا (٣) أو واحدًا من الأئمة فصلى عنده.. فإنه يكتب له - ثم ذكر ما جاء في النص السابق وزاد - وله بكل خطوة مائة حجة ومائة عمرة وعتق مائة رقبة في سبيل الله وكتب له مائة حسنة وحط عنه مائة سيئة) (٤) .\nويزور قبور أئمتهم الأنبياء والملائكة، ولم يكتفوا بذلك كعادتهم في الغلو والمبالغة بل قالوا - كبرت كلمة تخرج من أفواههم - إن الله تعالى يزور قبور أئمتهم. تعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا. ففي «البحار» للمجلسي: (أن قبر أمير المؤمنين يزوره المؤمنون) (٥) .\n_________\n(١) المصدر السابق: ص ٢٢٣.\n(٢) المصر السابق: ص ٢٣٤.\n(٣) يعد مرقد إمامهم الرضا أهم الأماكن المقدسة في إيران ومن أضخم الأماكن المقدسة لدى الشيعة، ويقع الضريح تحت قبة ضخمة مكسوة بالذهب. عبد الله فياض: «مشاهداتي في إيران»: ص ١٠٢.\n(٤) المجلسي: «البحار»: (١٠٠/١٣٧- ١٣٨) .\n(٥) المجلسي: «البحار»: (١٠٠/٢٥٨) .","vol":"1","page":304},{"text":"وللزيارة عندهم مناسك معينة، وألفوا في ذلك مؤلفات كـ «مفاتيح الجنان» لشيخهم عباس القمي (١) و«مناسك الزيارات» للمفيد - كما مر (٢) - وغيرها، ومن مناسك مشاهدهم يذكر المجلسي:\n١- الغسل قبل دخول المشهد.\n٢- الوقوف على بابه والدعاء والاستئذان بالمأثور.\n٣- الوقوف على الضريح، فقد نص على الاتكاء على الضريح وتقبيله.\n٤- استقبال وجه المزور واستدبار القبلة حال الزيارة..\n٥- صلاة ركعتين.\nورويت رخصة في صلاتها إلى القبر، ولو استدبر القبلة وصلى جاز، وإن كان غير مستحسن إلا مع البعد (٣)، أي مع البعد يستحسن أن يجعل قبر الإمام كعبة يتوجه المصلي إليها.\nأليست هذه النصوص هي دعوة إلى الشرك بالله ﷿ وتغيير شرع الله ودينه؟، واختيار نحلة المشركين على ملة المرسلين، واستبدال الوثنية بالحنيفية؟..\nوجاء في بعض نصوصهم المقدسة أن الحجر الأسود سينزع من مكانه ويوضع في حرمهم الكوفة، ففي «الوافي» أن علي بن أبي طالب قال لأهل الكوفة: (يا أهل الكوفة لقد حباكم الله (بما لم يحبُ أحدًا من فضل، مصلاكم بين آدم وبيت نوح وبيت إدريس، ومصلى إبراهيم - إلى أن قال فيما زعموا - ولا تذهب الأيام والليالي حتى ينصب الحجر الأسود فيه..) (٤) .\n_________\n(١) منشورات دار الحياة.\n(٢) انظر: ص ٢٧٨ من هذا الكتاب.\n(٣) المجلسي: «البحار» كتاب المزار: جـ ١٠٠ ص ١٣٤- ١٣٥.\n(٤) الفيض الكاشاني: «الوافي»: باب فضل الكوفة ومساجدها. المجلد الثاني جـ٨ ص ٢١٥.","vol":"1","page":305},{"text":"ألا يكون هذا النص وأمثاله هو من الدوافع للقرامطة في فعلتهم وجريمتهم المشهورة في بيت الله الحرام وانتزاعهم الحجر الأسود من الكعبة المشرفة (١)، ولكنهم لم يضعوه في الكوفة. وقد توجد حركة تحاول ذلك فمصادر الشيعة مزرعة لأمثال هذه الحركات.\nهذه منزلة مشاهدهم ومزاراتهم.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\n(حدثني الثقات أن فيهم من يرى الحج إلى المشاهد أعظم من الحج إلى البيت العتيق، فيرون الإشراك بالله أعظم من عبادة الله، وهذا من أعظم الإيمان بالطاغوت) (٢) وأقول كيف لو اطلع ابن تيمية - ﵀ - على ما في البحار والوسائل والوافي؟!\nرابعًا: غلوهم في مجتهديهم:\nبعد اختفاء إمام الشيعة ادعى أربعة منهم على التوالي أنهم نواب الإمام - كما مر - وأعلن آخرهم انتهاء البابية. بمعنى الصلة المباشرة والدائمة بالإمام الغائب.\nثم قام مجتهدوهم بعد ذلك وادعوا النيابة عن الإمام الغائب وقالوا: (إن كانت النيابة الخاصة أو البابية قد انتهت فالنيابة العامة لم تنته، فنحن نواب الإمام) . والمهدي يقول: (أما الوقائع الحادثة\n_________\n(١) انظر خبر ذلك في حوادث سنة ٣١٧ في المنتظم لابن الجوزي: (٦/٢٢٢) وما بعدها، و«البداية والنهاية» لابن كثير: (١١/١٦٠)، وتاريخ ابن خلدون «العبر»: (٣/١٩١) .\n(٢) «منهاج السنّة»: (٢/١٢٤) الطبعة الأميرية.","vol":"1","page":306},{"text":"فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله) (١) . ولهذا يقول عالمهم المعاصر محمد رضا المظفر: (عقيدتنا في المجتهد أنه نائب للإمام (في حال غيبته وهو الحاكم والرئيس المطلق.. والراد عليه راد على الإمام والراد على الإمام راد على الله تعالى، وهو على حد الشرك بالله) (٢) .\nفأنت تلاحظ هنا أن الإمام الذي أضفوا عليه تلك الصفات الأسطورية قد ناب عنه المجتهدون وهذا في واقع الأمر ادعاء للمهدية بشكل ذكي وبطريقة مقنعة، إذ لا فرق بين ادعاء المهدية أو ادعاء النيابة عن المهدي في كل شيء، قد يكون هناك فارق واحد وهو أن كل مجتهد من مجتهديهم أعطوه لقب النائب عن الإمام فنحن أمام عدد من الأئمة المهديين لا مهدي واحد يقول الخميني: (إن معظم فقهائنا في هذا العصر تتوفر فيهم الخصائص التي تؤهلهم للنيابة عن الإمامة المعصوم) (٣) .\nوبدعوى النيابة عن الإمام امتصوا عرق الكادحين من الشيعة وأكلوا أموالهم باسم \"خمس الإمام\"، وبدعوى النيابة جعلوا لفتاويهم صفة القداسة، فالراد على المجتهد راد على الله.\nوكما يؤكد الشيعة على أن كل إمامة غير إمامة الاثني عشر باطلة، فلا يعترفون بأي حكومة إسلامية غير حكم علي بن أبي طالب\n_________\n(١) «الكافي» على هامش «مرآة العقول»: (٤/٥٥) . وانظر: «الاحتجاج»: (٢/٢٨٣) . وقد استدل الخميني بهذا (التوقيع) المزعوم عن المهدي في دعواه نيابة الفقيه عن المعصوم في كل شيء في كتابه «الحكومة الإسلامية»: ص ٧٧.\n(٢) محمد رضا المظفر: «عقائد الإمامية»: ص ٣٤.\n(٣) «الحكومة الإسلامية»: ص ١١٣.","vol":"1","page":307},{"text":"- كما سيأتي - فكذلك كل ولاية - أي سلطة - غير ولاية المجتهد الشيعي باطلة لأنه هو نائب الإمام المعصوم.\nومن علماء الشيعة من يرى أن ولاية الفقيه الشيعي عن الإمام المعصوم ليست في كل شيء بل هي محدودة في ولاية أمور الفتوى وولاية القضاء والأوقاف العامة وأموال الغائب وارث من لا وارث له وما شابه ذلك (١)، لكن الخميني وطائفته يرون النيابة المطلقة عن الإمام الغائب ماعدا البدء بالجهاد (٢)، ومن أجل تأييد مذهبه هذا كتب كتابه «ولاية الفقيه» أو «الحكومة الإسلامية»، وهذا الغلو من الخميني في دعوى النيابة المطلقة أصبح موضع اعتراض بعض الشيعة، يقول محمد جواد مغنية في كتاب صدر له حديثًا بعنوان «الخميني والدولة الإسلامية»: (قول المعصوم وأمره تمامًا كالتنزيل من الله العزيز العليم (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى (، ومعنى هذا أن للمعصوم حق الطاعة والولاية على الراشد والقاصر والعالم والجاهل وأن السلطة الروحية والزمنية - مع وجوده - تنحصر به وحده لا شريك له، وإلا كانت الولاية عليه وليست له، علمًا بأنه لا أحد فوق المعصوم عن الخطأ والخطيئة إلا من له الخلق والأمر - ﷿ -. أبعد هذا يقال إذا غاب المعصوم انتقلت ولايته بالكامل إلى الفقيه؟.. فما دامت هذه منزلة المعصوم فكيف يدعي النيابة الكاملة عنه؟) (٣) .\n_________\n(١) انظر: «الخميني والدولة الإسلامية»: ص ٦٢ - ٦٤.\n(٢) أي أن الجهاد لا يبدأ به إلا مع الإمام المعصوم بخلاف الدفاع. انظر: «تحرير الوسيلة»: (١/٤٨٢) .\n(٣) محمد جواد مغنية: «الخميني والدولة الإسلامية»: ص ٥٩.","vol":"1","page":308},{"text":"أي كيف يدعي الخميني النيابة المطلقة عن الإمام الغائب، والإمام الغائب بمنزلة النبي أو الإله عندهم؟. وأقول أليس هذا تقمصًا لشخصية الإمام أو ادعاء للمهدية، ولذا فهو يسمى اليوم بالإمام وهو مصطلح له مفهوم الخاص عندهم كما ترى، فدعوى النيابة المطلقة عن الإمام هي بعث للإمامة والمهدية والتشيع من جديد.\nولا يرى الخميني من يتولى النيابة عن الإمام إلا الفقيه الشيعي يقول: (والفقيه هو وصي النبي وفي عصر الغيبة يكون إمامًا للمسلمين وقائدهم) (١)، ويريد بالفقيه: الفقيه الرافضي لأن عقيدة الغيبة لا يؤمن بها إلا فقهاء الروافض.\nومن مظاهر الغلو في المجتهد ما مر بنا (٢) من زعمهم أن مجتهديهم يلتقون بالإمام الغائب الذي هو في الواقع لم يولد، كما أن من مظاهر غلوهم في مجتهديهم أنهم قالوا بأن من لم يصل رتبة الاجتهاد يجب عليه أن يقلد مجتهدًا حيًا معينًا، وإلا فجميع عباداته باطلة لا تقبل منه (٣) وإن صلى وصام وتعبد طول عمره إلا إذا وافق عمله رأي من يقلده بعد ذلك (٤) .\nوهذه المنزلة للمجتهدين عند الشيعة تذكرك بمنزلة الباباوات والقسس عند النصارى.\n_________\n(١) «الحكومة الإسلامية»: ص ٦٧.\n(٢) انظر: ص ٢٦٧ من هذا البحث.\n(٣) ومن الطرائف لاعتقادهم هذا (أنه عندما مرض مجتهد في النجف استمر صيام مقلديه على الرغم من إفطار الآخرين من الشيعة من أجل أن مرض ذلك المجتهد حال دون سماع شهادة شهود الرؤية) . جلال الحنفي: «نقاش مع الخالصي»: ص ٥٦.\n(٤) محمد رضا المظفر: «عقائد الإمامية»: ص ٥٥.","vol":"1","page":309},{"text":"خامسًا: كل حكومة غير حكومة الاثني عشر باطلة:\nهذا من أصول الإيمان بإمام الاثني عشر وبهذا، جاءت رواياتهم، عن أبي جعفر قال: (كل راية ترفع قبل راية القائم (١) \"ع\" صاحبها طاغوت) (٢)، قال شارح «الكافي»: (وإن كان رافعها يدعو إلى الحق) (٣)، وصحح المجلسي هذه الرواية (٤) - عندهم -.\nولا تجوز الطاعة لحاكم ليس من عند الله - إلا على سبيل التقية - عن أبي جعفر \"ع\" قال: (قال الله ﵎: لأعذبنَّ كل رعية في الإسلام دانت بولاية كل إمام جائر ليس من الله وإن كانت الرعية في أعمالها برة تقية، ولأعفونَّ عن كل رعية في الإسلام دانت بولاية كل إمام عادل من الله وإن كانت الرعية في أنفسها ظالمة مسيئة) (٥) .\nورواياتهم في هذا المعنى كثيرة، فمن أبواب صحيحهم «الكافي» باب (فيمن دان الله (بغير إمام من الله ﷻ، وذكر فيه خمسة أحاديث في معصوميهم) (٦) و(باب من ادعى الإمامة وليس لها بأهل ومن جحد الأئمة أو بعضهم ومن أثبت الإمامة لمن ليس لها بأهل، وذكر فيه اثني عشر حديثًا) (٧)، وفي البحار للمجلسي\n_________\n(١) القائم من ألقاب مهديهم المنتظر.\n(٢) «الكافي بشرحه» للمازندراني: (١٢/٣٧١)، وانظر: «البحار»: (٢٥/١١٣)، وانظر: النعماني: «الغيبة»: ص ٥٦ - ٥٧.\n(٣) شرح المازاندراني على «الكافي»: (١٢/٣٧١) .\n(٤) «مرآة العقول»: (٤/٣٧٨) .\n(٥) الكليني: «الكافي»: (١/٣٧٦)، وانظر: «البحار»: (٢٥/١١٠) .\n(٦) الكليني: «الكافي»: (١/٣٧٤ - ٣٧٦) .\n(٧) الكليني: «الكافي»: (١/٣٧٢ - ٣٧٤) .","vol":"1","page":310},{"text":"(باب عقاب من ادعى الإمامة بغير حق أو رفع راية جور أو أطاع إمامًا جائرًا، وذكر فيه ثمانية عشر حديثًا) (١) .\nوالإمام الجائر، والظالم، والذي ليس أهل للإمامة، والإمام الذي ليس من عند الله، وما شابه ذلك من أوصاف، كل ذلك يطلقونه على حكام المسلمين من غير أئمتهم الاثني عشر وعلى رأس هؤلاء الحكام - الخلفاء الثلاثة الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان (- قال عالم الشيعة المجلسي صاحب «بحار الأنوار» عن الخلفاء الثلاثة الراشدين: (إنهم لم يكونوا إلا غاصبين جائرين مرتدين عن الدين، لعنة الله عليهم وعلى من اتبعهم في ظلم أهل البيت من الأولين والآخرين) (٢) .\nهذا ما يقوله إمامهم المجلسي - الذي يعدون كتابه «بحار الأنوار» من مصادرهم الأساسية في الحديث - هذا ما يقوله في أفضل الأمة بعد رسل الله وأنبيائه، فيمن أقاموا دولة الإسلام بعد رسول الله - ﷺ -، وإذا كانت هذه نظرتهم لحكومة الخلفاء الثلاثة فكيف بمن بعدها.\nوبناءً على اعتقادهم هذا في الحكومات الإسلامية تعمدوا الدس والتشويه للتاريخ الإسلامي، وافتعال الصراع بين الآل والأصحاب ومناصرة الأعداء ضد الدولة الإسلامية، لأنها غير شرعية في زعمهم وحكامها طواغيت في اعتقادهم.\nوبناءً على مبدئهم في خلفاء المسلمين اعتبروا كل من يتعاون معهم طاغوتًا وجائرًا وعلى رأسهم قضاة المسلمين وعلماؤهم، فيروي محدثهم\n_________\n(١) المجلسي: «البحار»: (٢٥/١١٠) وما بعدها.\n(٢) المجلسي: «البحار»: (٤/٣٨٥) .","vol":"1","page":311},{"text":"الكليني بسنده عن عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبد الله عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث وتحاكما إلى السلطان وإلى القضاء أيحل ذلك؟؟ قال: من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له فإنما له يأخذ سحتًا وإن كان حقًّا ثابتًا له لأنه أخذه بحكم الطاغوت.. (١) .\nويقول الخميني - معقبًا على حديثهم هذا: (الإمام (نفسه ينهى عن الرجوع إلى السلاطين وقضاتهم، ويعتبر الرجوع إليهم رجوعًا إلى الطاغوت) (٢) .\nسادسًا: الإمامة ركن من أركان الدين:\nالإيمان بإمامة الأئمة الاثني عشر - بالمعنى السالف ذكره - ركن من أركان الدين عندهم وكتبهم مليئة بما يثبت هذا الشذوذ، من ذلك ما يرويه الكليني بسنده عن أبي جعفر قال: (بني الإسلام على خمس: على الصلاة والزكاة والصوم والحج والولاية، ولم يناد بشيء كما نودي بالولاية فأخذ الناس بأربع وتركوا هذه - يعني الولاية -) (٣) .\nفالولاية - أي إمامة الاثني عشر - يعتبرونها الركن الخامس للإسلام، ويزعمون أنها محل الاهتمام والعناية من الشارع كما يدل\n_________\n(١) الكليني: «الكافي»: (١/٦٧)، و«التهذيب»: (٦/٣٠١)، «من لا يحضره الفقيه»: (٣/٥)، «الوسائل» المجلد الثامن عشر، أبواب صفات القاضي الباب ١١ ص ٩٨.\n(٢) «الحكومة الإسلامية»: ص ٧٤.\n(٣) الكليني: «الكافي»، كتاب الإيمان والكفر، باب دعائم الإسلام: (٢/١٨)، رقم ٣ وانظر أيضًا ص ٢١ رقم ٧، ٨، قال في شرح الكافي في بيان درجة هذا الحديث عندهم: (موثق كالصحيح) أي هو صحيح عندهم. «الشافي شرح الكافي»: (٥/٢٨ رقم ١٤٨٧) .","vol":"1","page":312},{"text":"على ذلك قوله: (ولم يناد بشيء كما نودي بالولاية..)، وما ندري أين هذا الاهتمام المزعوم وكتاب الإسلام العظيم كتاب الله تذكر فيه وتكرر أركان الإسلام من الشهادتين والصلاة والصوم والزكاة والحج ولا ذكر فيه لشأن ولاية أئمتهم الاثني عشر..\nوأحيانًا يجعلون أركان الإسلام ثلاثة الولاية أحدها. يروي الكليني بسنده عن الصادق \"ع\" قال: (أثافي الإسلام ثلاثة: الصلاة والزكاة والولاية، ولا تصح واحدة منهن إلا بصاحبتيها) (١) .\nويقولون إن الولاية أفضل أركان الإسلام، فعن زرارة عن أبي جعفر قال: (بني الإسلام على خمسة أشياء؛ على الصلاة والزكاة والحج والصوم والولاية، قال زرارة: قلت: وأي شيء من ذلك أفضل؟ فقال: الولاية أفضل..) (٢) .\nويقولون إن الولاية لا رخصة فيها، فعن أبي عبد الله قال: (إن الله افترض على أمة محمد خمس فرائض: الصلاة والزكاة والصيام والحج وولايتنا، فرخص لهم في أشياء من الفرائض الأربعة (٣)، ولم يرخص لأحد من المسلمين في ترك ولايتنا لا والله ما فيها رخصة) (٤) .\n_________\n(١) «الكافي»، كتاب الإيمان والكفر، باب دعائم الإسلام: (٢/١٨ رقم ٣) .\n(٢) المصدر السابق: (٢/١٨)، وقد قال في «الشافي» في بيان درجة الحديث عندهم: (صحيح) . «الشافي»: (٥/٥٩)، وقد ورد حديثهم هذا في: «تفسير العياشي»: (١/١٩١)، «تفسير البرهان»: (١/٣٠٣)، «البحار»: (١/٣٩٤) .\n(٣) قال المجلسي: (قوله: فرخص لهم في أشياء، أي كقصر الصلاة في السفر وترك الصيام في السفر والمرض والحج والزكاة مع عدم الاستطاعة) «مرآة العقول»: (٤/٣٦٩) .\n(٤) «الكافي» على هامش «مرآة العقول»: (٤/٣٦٩)، وانظر: «الكافي» طبعة طهران: (٢/٢٢) .","vol":"1","page":313},{"text":"قال شيخهم المجلسي عن حديثهم هذا: (صحيح) (١) . وكفى في تصحيح أمثال هذه الروايات عار وسبّة.\nسابعًا: تكفيرهم لمن أنكر إمامة الأئمة الاثني عشر:\nوردت روايات كثيرة عندهم تكفر من أنكر إمامة الأئمة الاثني عشر، وهذا التكفير يشمل خلفاء المسلمين من أبي بكر (إلى أن تقوم الساعة - ما عدا حكم علي والحسن ﵄ - لأنهم ادعوا الإمامة بغير حق، كما يشمل الشعوب الإسلامية التي بايعت خلفاء المسلمين من عهد أبي بكر إلى أن تقوم الساعة، لأنها بايعت إمامًا ليس من عند الله. ومن رواياتهم في ذلك:\nعن أبي عبد الله \"ع\" قال: (من ادعى الإمامة وليس من أهلها فهو كافر) (٢) وأهلها هم الأئمة الاثني عشر أو من ينوب عنهم من فقهاء الشيعة.\nوعن أبي عبد الله قال: (ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم من ادعى إمامة من الله ليست له، ومن جحد إمامًا من الله، ومن زعم أن لهما (٣) في الإسلام نصيبًا) (٤) .\nفهذا تكفير للأمة شنيع لم يبلغ الخوارج مبلغه تكفير للأحياء\n_________\n(١) «مرآة العقول»: (٤/٣٦٩) .\n(٢) «الكافي»، كتاب الحجة، باب من ادعى الإمامة وليس لها بأهل: (١/٣٧٢) .\n(٣) يعنون بهما اللذين أقاما دولة الإسلام بعد النبي - ﷺ - ونشرا دينه، الخليفتين الراشدين أبا بكر وعمر.\n(٤) «الكافي»، كتاب الحجة، باب من ادعى الإمامة وليس لها بأهل إلخ: (١/٣٧٣)، وانظر: «تفسير العياشي»: (١/١٧٨)، «تفسير البرهان»: (١/٢٩٣)، «البحار»: (٨/٢١٨) .","vol":"1","page":314},{"text":"والأموات، حقد عظيم على أمة الإسلام وخلفاء المسلمين.\nوالعبادة عندهم لا قبول لها إلا بالإيمان بولاية الاثني عشر، ففي «البحار» للمجلسي: (.. لو أن عبدًا عبد الله ألف سنة وجاء بعمل ٧٢ نبيًّا ما تقبل الله منه حتى يعرف ولايتنا أهل البيت، وإلا أكبه الله على منخريه في نار جهنم) (١) .\nوعن الصادق - كما يفترون - قال: (الجاحد لولاية علي كعابد الوثن) (٢) .\nوعقد المجلسي في «البحار» عدة أبواب في هذا المعنى منها:\n(باب أنه لا تقبل الأعمال إلا بالولاية) وذكر فيه واحدًا وسبعين حديثًا لهم (٣) .\n(باب ثواب حبهم ونصرهم وولايتهم صلوات الله عليهم وأنهم أمان من النار) وذكر فيه ١٥٠ حديثًا (٤) .\n(باب ... أنه يسأل عن ولايتهم في القبر) وفيه ٢٢ حديثًا (٥) .\n(باب ذم مبغضهم وأنه كافر حلال الدم وثواب اللعن على أعدائهم) وذكر فيه ٦٢ حديثًا (٦) .\n(باب أنهم شفعاء الخلق، وأن إياب الخلق إليهم وحسابهم عليهم،\n_________\n(١) «البحار»: (٢٧/١٩٧) .\n(٢) المصدر السابق: (٢٧/١٨١) .\n(٣) «البحار»: (٢٧/١٦٦) وما بعدها.\n(٤) «البحار»: (٢٧/٧٣- ١٤٤) .\n(٥) «البحار»: (٢٧/١٥٧- ١٦٥) .\n(٦) «البحار»: جـ ٢٧، ص ٢١٨- ٢٣٩.","vol":"1","page":315},{"text":"وأنه يسأل عن حبهم وولايتهم في يوم القيامة) وفيه ١٥ حديثًا (١) .\nوجاء كلام علمائهم مؤكدًا لهذا الضلال.\nقال ابن بابويه القمي في رسالته في الاعتقادات:\n(واعتقادنا فيمن جحد إمامة أمير المؤمنين والأئمة من بعده \"ع\" أنه بمنزلة من جحد نبوة الأنبياء.\nواعتقادنا فيمن أقر بأمير المؤمنين وأنكر واحدًا من بعده من الأئمة أنه بمنزلة من آمن بجميع الأنبياء ثم أنكر نبوة محمد - ﷺ -. وقال النبي - صلى الله عليه وآله - كما يفتري هذا القمي - (الأئمة من بعدي اثنا عشر أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وآخرهم القائم، طاعتهم طاعتي ومعصيتهم معصيتي فمن أنكر واحدًا منهم فقد أنكرني) (٢) .\nوقال القمي: (فمن ادعى الإمامة وليس بإمام فهو الظالم الملعون، ومن وضع الإمامة في غير أهلها فهو ظالم ملعون وقال النبي - صلى الله عليه وآله - من جحد عليًّا إمامته من بعدي فإنما جحد نبوتي، ومن جحد نبوتي فقد جحد ربوبيته، وقال الصادق: من شك في كفر أعدائنا والظالمين لنا فهو كافر) (٣) .\nوابن المطهر الحلي يعد من لم يؤمن بأئمتهم أشد شرًّا من اليهود والنصارى؛ يقول: (الإمامة لطف عام (٤) والنبوة لطف خاص لإمكان\n_________\n(١) «البحار»: جـ٢٧، ص ٣١١- ٣١٧.\n(٢) و(٣) «اعتقادات» ابن بابويه: ص ١١١ - ١١٤ عن «البحار»، المجلسي: جـ ٢٧ ص ٦٢.\n(٤) يقولون: (كل ما يقرب المكلفين إلى الطاعة ويبعدهم عن المعاصي يسمى لطفًا اصطلاحًا) «الألفين»: ص٥.","vol":"1","page":316},{"text":"خلو الزمان من نبي حي بخلاف الإمام، وإنكار اللطف العام شر من إنكار اللطف الخاص) (١) .\nوقال عالمهم نعمة الله الجزائري: (لم نجتمع معهم - الأشاعرة ومتابعوهم - على إله ولا على نبي ولا على إمام، وذلك أنهم يقولون أن ربهم هو الذي كان محمد (نبيه وخليفته بعده أبو بكر ونحن لا نقول بهذا الرب ولا بذلك النبي، بل نقول إن الرب الذي خليفة نبيه أبو بكر ليس ربنا ولا ذلك النبي نبينا) (٢) .\nوقال مفيدهم: (اتفقت الإمامية على أن من أنكر إمامة أحد من الأئمة وجحد ما أوجبه الله تعالى له من فرض الطاعة فهو كافر ضال مستحق للخلود في النار) (٣) .\nوقال: (اتفقت الإمامية على أن أصحاب البدع كلهم كفار، وأن على الإمام أن يستتيبهم عند التمكن بعد الدعوة لهم وإقامة البينات عليهم، فإن تابوا من بدعهم وصاروا إلى الصواب وإلا قتلهم لردتهم عن الإيمان، وإن من مات منهم على ذلك فهو من أهل النار) (٤) .\nوقال شيخهم الطوسي: (ودفع الإمامة كفر كما أن دفع النبوة كفر لأن الجهل بهما على حد واحد) (٥) .\nوقال المجلسي: (وقد وردت أخبار متواترة أنه لا يقبل عمل من الأعمال إلا بالولاية) (٦) .\n_________\n(١) ابن المطهر الحلي: «الألفين»: ص٣.\n(٢) «الأنوار النعمانية»: (٢/٢٧٩) .\n(٣) «المسائل» عن «البحار»: (٨/٣٦٦) .\n(٤) «أوائل المقالات»: ص ٥٣، وانظر: «البحار»: (٨/٣٦٦) .\n(٥) «تلخيص الشافي»: (٤/١٣١)، وانظر: المجلسي: «البحار»: (٨/٣٦٨) .\n(٦) «البحار»: (٨/٣٦٩) .","vol":"1","page":317},{"text":"هذا تكفير عام لأمة محمد - ﷺ - وضع قواعده أعداؤها ... ومن علماء الشيعة من قال إن منكر الإمامة لا يكفر بل يفسق، ولكن قال إنه إذا مات فهو في النار، ولا يخالف في هذا أحد من الشيعة، ولكن هل يخلد في النار؟ اختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال:\n١- أنهم مخلدون.\n٢- أنهم يخرجون من النار إلى الجنة.\n٣- أنهم يخرجون من النار لعدم الكفر الموجب للخلود ولا يدخلون الجنة لعدم الإيمان المقتضي لاستحقاق الثواب (١) .\nورجح شيخهم المجلسي القول بالخلود، ورد على المنكرين من قومه فقال:\n(القول بعدم خلودهم في النار نشأ من عدم تتبعهم للأخبار، والأحاديث الدالة على خلودهم متواترة أو قريبة منها، نعم الاحتمالان الأخيران - رقم ٢ - ٣ من الأقوال - آتيان في المستضعفين منهم (٢)، والقول بخروج غير المستضعفين من النار قول مجهول القائل نشأ بين المتأخرين الذين لا معرفة لهم بالأخبار ولا بأقوال القدماء الأخيار) (٣) .\nهذا رأي الشيعة فيمن أنكر إمامة أئمتهم الاثني عشر وهو تكفير شنيع للمسلمين، وجرأة على الله في الحكم على عباده المؤمنين بالنار، وهكذا تجعل الشيعة «الجنة» وقفًا على من يؤمن بأئمتهم، والنار هي مصير من ينكرهم.\n_________\n(١) انظر ابن المطهر الحلي «كشف المراد شرح تجريد الاعتقاد»: ص٤٢٣ -٤٢٤، «البحار»: (٨/٣٦٤، ٤٦٥) .\n(٢) وهم - كما يقول المجلسي: (الضعفاء العقول مثل النساء العاجزات والبله وأمثالهم ومن لم يتم عليه الحجة ممن يموت في زمان الفترة أو كان في موضع لم يأت إليه خبر الحجة، فهم المرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم، فيرجى لهم النجاة من النار)، المجلسي: «البحار»: (٨/٣٦٣) .\n(٣) «البحار»: (٨/٣٦٥) .","vol":"1","page":318},{"text":"ثامنًا: منزلة من آمن بهؤلاء الأئمة الاثني عشر (وهم الشيعة):\nكما يغالي الشيعة في تكفير المسلمين لأنهم لا يؤمنون بأئمتهم يغالون في بيان منزلة الشيعي الذي يؤمن بهؤلاء الأئمة، ورواياتهم في هذا الباب كثيرة جدًّا، فمن أبواب (البحار) في هذا الموضوع:\n(باب أن الشيعة هم أهل دين الله وهم على دين أنبيائه وهم على الحق ولا يغفر إلا لهم ولا يقبل إلا منهم) (١) .\n(باب فضل الرافضة ومدح التسمية بها) (٢) .\n(باب الصفح عن الشيعة وشفاعة أئمتهم فيهم) (٣) وغيرها من أبواب.\nومن رواياتهم في هذا المعنى عن أبي حمزة قال: سمعت أبا جعفر يقول: (ما أحد من هذه الأمة يدين بدين إبراهيم إلا نحن وشيعتنا، ولا هدى من هُدِي من هذه الأمة إلا بنا ولا ضلّ من ضل من هذه الأمة إلا بنا) (٤) .\nوقال أبو عبد الله: (شيعتنا أقرب الخلق من عرش الله (يوم القيامة) (٥) . وقال - كما يفترون - مخاطبًا الشيعة: (أنتم للجنة والجنة لكم، أسماؤكم عندنا الصالحون والمصلحون، وأنتم البرية، دياركم لكم جنة، وقبوركم لكم جنة، للجنة خلقتم، وفي الجنة\n_________\n(١) المجلسي: «البحار»: (٦٨/٨٣- ٩٦) .\n(٢) المصدر السابق: (٦٨/٩٦- ٩٨) .\n(٣) المصدر السابق: (٦٨/١٤٩- ١٩٨) .\n(٤) «الكافي» بشرحه للمازندراني: (١٢/٣٣١- ٣٣٢) .\n(٥) المصدر السابق: (١٢/٣٠٥) .","vol":"1","page":319},{"text":"نعيمكم، وإلى الجنة تصيرون) (١) .\nوعن عبد الله بن ميمون عن أبي جعفر قال: (يا ابن ميمون كم أنتم بمكة؟ قال: نحن أربعة - أي من الشيعة - قال: إنكم نور في ظلمات الأرض) (٢) .\nوقال علي - كما يزعمون -: (لقد مات رسول الله - ﷺ - وهو على أمته ساخط إلا الشيعة، ألا وإن لكل شيء عزًّا وعز الإسلام الشيعة، ألا وإن لكل شيء دعامة ودعامة الإسلام الشيعة، ألا وإن لكل شيء شرفًا وشرف الإسلام الشيعة، ألا وإن لكل شيء سيدًا وسيد المجالس مجالس الشيعة، ألا وإن لكل شيء إمامًا وإمام الأرض أرض تسلكها الشيعة، والله لولا ما في الأرض منكم ما رأيت بعين (عشبًا) أبدًا، والله لولا ما في الأرض منكم ما أنعم الله على أهل خلافكم ولا أصابوا الطيبات، ما لهم في الدنيا ولا لهم في الآخرة من نصيب) (٣) .\nوفي «البحار» أن سماعة بن مهران قال لجعفر الصادق: (نحن شر الناس عند الناس لأنهم سمونا كفارًا ورافضة.. قال جعفر: كيف بكم إذا سيق بكم إلى الجنة وسيق بهم إلى النار؟.. إن من أساء منكم إساءة مشينا إلى الله تعالى يوم القيامة بأقدامنا فنشفع له فنشفّع، والله لا يدخل النار منكم ثلاثة رجال، والله لا يدخل النار منكم رجل واحد..) (٤) .\n_________\n(١) «الكافي» بشرحه للمازندراني، كتاب الروضة: (١٢/٣٠٥) .\n(٢) المجلسي: «البحار»: جـ ٦٨ ص ٣٩، وانظر: «رجال الكشي»: ص ٢١٢.\n(٣) «الكافي» مع شرحه للمازندراني: (١٢/٢٧٠- ٢٧١) .\n(٤) المجلسي: «البحار»: (٦٨/١١٧)، وانظر: «أمالي الطوسي»: (١/٣٠١) .","vol":"1","page":320},{"text":"وقد مضى ذكر بعض رواياتهم التي تعتبر غير الشيعة أولاد زنا (١) .\nوجاءت بعض رواياتهم تقول إن غير الشيعة قردة وخنازير (٢) .\nويسمون أنفسهم الخاصة وغيرهم بالعامة (٣) .\nهذه بعض مزاعمهم في \"أنفسهم\" وهي تشبه مزاعم اليهود والنصارى الذين قالوا - فيما حكى الله عنهم - (لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى)، وقال سبحانه ردًا عليهم: (تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (٤) .\nوتلك المزاعم من مثل زعم اليهود والنصارى، كما قال سبحانه عنهم: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) (٥) .\nوهذه الدعاوى في أخبار الشيعة كانت ترتد بواقع الشيعة السّيء بالمقارنة بواقع المسلمين الآخرين حتى شكوا ذلك لأئمتهم. قال عبد الله بن يعفور لأبي عبد الله \"ع\": (إني أخالط الناس فيكثر عجبي من أقوام لا يتولونكم ويتلون فلانًا وفلانًا - أي أبو بكر\n_________\n(١) انظر: ص ٣٠٣، هامش رقم ٢.\n(٢) المجلسي: «البحار»: (٦٨/١١٨) .\n(٣) وهذا شائع في كتبهم القديمة والمعاصرة.\n(٤) البقرة: الآيتان ١١١، ١١٢.\n(٥) المائدة: آية ١٨.","vol":"1","page":321},{"text":"وعمر - لهم أمانة وصدق ووفاء، وأقوام يتولونكم ليس لهم تلك الأمانة ولا الوفاء والصدق..) (١) .\nوقال عبد الله بن سنان قلت لأبي عبد الله: (جعلت فداك إني لا أرى بعض أصحابنا يعتريه النزق والحدة والطيش فأغتم لذلك غمًا شديدًا، وأرى من خالفنا فأراه حسن السيما وله وقار فأغتم لذلك..) (٢) .\nولهذا قال إمامهم موسى الكاظم: (.. لو امتحنتم - أي شيعته - لما وجدتهم إلا مرتدين ولو تمحصتم لما خلص من الألف واحد) (٣) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>٢ - عصمة الإمام </span>(٤):\nإن عصمة الإمام عند الشيعة قاعدة أساسية في الإمامة وهي من المبادئ الأولية في كيانهم العقدي (٥) ولها أهمية كبرى عندهم (٦) .\n_________\n(١) «الكافي»: (١/٣٧٥)، وانظر: «تفسير العياشي»: (١/١٣٨)، «تفسير البرهان»: (١/٢٤٤)، «البحار»: (١٥/١٢٩) .\n(٢) «الكافي»: (٢/١١) .\n(٣) فروع الكافي - كتاب الروضة: ص ١٠٧، طبعة لكنوء ١٨٨٦م.\n(٤) العصمة: في كلام العرب: المنع، وعصمة الله عبده: أن يعصمه مما يوبقه، واعتصم فلان بالله إذا امتنع به. «تهذيب اللغة»: مادة عصم: (٢/٥٤)، وهي في اصطلاح متكلمي الشيعة: لطف يفعله الله تعالى بالمكلف بحيث يمنعه من الوقوع في المعصية وترك الطاعة مع قدرته عليها. انظر: المفيد: «النكت الاعتقادية»: ص ٣١، وانظر: علي الجيلاني: «توفيق التطبيق»: ص ١٦.\n(٥) الرافضي المعاصر: باقر شريف القرشي، «حياة الإمام موسى بن جعفر»: (١/١١١) .\n(٦) الرافضي المعاصر: عبد الله فياض، «تاريخ الإمامية»: ص ١٥٧.","vol":"1","page":322},{"text":"وقد اتفقوا - كما يقول شيخهم المجلسي -: (على عصمة الأئمة ﵈ من الذنوب صغيرها وكبيرها، فلا يقع منهم ذنب أصلًا لا عمدًا ولا نسيانًا ولا لخطأ في التأويل ولا للإسهاء من الله سبحانه) (١) .\nوإذا كان أهل السنّة يرون أن الأمة معصومة بكتاب ربها وسنّة نبيها (، فإن الشيعة ترى أن الأمة معصومة من الضلال بالإمام لأنه كالنبي - ﷺ - (٢)، والإمامة استمرار للنبوة (٣) .\nوهذا المعنى ينافي حكمة الله في ختم النبوة.\nوالله سبحانه يقول: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) (٤) .\nفلم يأمر الله سبحانه إلا بالرد إلى الله والرسول ولم يقل سبحانه والإمام، ولكن الشيعة ترى أن الإمام هو العاصم للأمة وتنفي أن يكون الكتاب والسنّة والإجماع هي معتصم الأمة من الضلال (٥) .\n_________\n(١) المجلسي: «البحار»: (٢٥/٢١١)، وانظر: «أوائل المقالات»: ص ٢٧٦، و«شرح عقائد الصدوق»: ص ٢٥٤، (كلاهما للمفيد) وانظر: محمد رضا المظفر: «عقائد الإمامية»: ص ٩٥، وانظر: أحمد الاشتياني: «لوامع الحقائق في أصول العقائد»: (٢/٣) .\n(٢) محمد رضا المظفر: «عقائد الإمامية»: ص ٩٥.\n(٣) المصدر السابق: ص ٩٤.\n(٤) النساء: آية ٥٩.\n(٥) انظر: حسين بحر العلوم: «هامش تلخيص الشافي»: (١/١٨٤) .","vol":"1","page":323},{"text":"وإمام الشيعة قد اختفى منذ عام ٢٦٠هـ فهل الأمة منذ ذلك التاريخ غير معصومة؟!\nقالوا أن الأمة تنتفع بالإمام وإن كان غائبًا كما تنتفع بالشمس إذا سترها سحاب (١) .\nوهذا الجواب لا يقتنع به عاقل، ولهذا بحثوا عن أجوبة أخرى فزعموا أن لكبار علمائهم صلة بالمهدي (٢)، وادعوا أن من أرسل لمهديهم كتابًا على طريقة معينة أنه يصل إليه، وعقد المجلسي في «البحار» بابًا لهذا بعنوان: (باب كتابة الرقاع للحوائج إلى الأئمة صلوات الله عليهم) وفيه ١٣ حديثًا (٣) .\nولكن كل ذلك دعاوى لا سند لها من الشرع، ولا أثر لها في الواقع..\nومن أخطر الآثار العملية لدعوى العصمة اعتبارهم أن ما يصدر عن أئمتهم الاثني عشر هو كقول الله ورسوله، ولذلك فإن مصادرهم في الحديث تنتهي معظم أسانيدها إلى أحد الأئمة ولا تصل إلى رسول الله - ﷺ - - كما تقدم الإشارة إلى ذلك.\n_________\n(١) وذلك في حديث لهم رواه شيخهم ابن بابويه القمي: «إكمال الدين»: ص ٢٠١.\n(٢) انظر: ص ٢٦٧ من هذا الحديث.\n(٣) المجلسي: «البحار»: جـ١٠٢ ص ٢٣١.","vol":"1","page":324},{"text":"والشيعة زعمت لأئمتها عصمة لم تتحقق لأنبياء الله ورسله كما يدل على ذلك صريح القرآن (١) والسنة (٢) وإجماع الأمة (٣) .\n_________\n(١) فالقرآن الكريم يبين أن لا عصمة مطلقة، لبشر فهذا آدم ﵇ أبو البشر قد عصى ربه فغوى كما يقول القرآن العظيم: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (*) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى) [طه: الآيتان: ١٢١- ١٢٢] ولو كان آدم معصومًا كالعصمة المزعومة للأئمة ما عصى ربه هو تأويل الشيعة لهذا بقولهم: (إنما عصى حين صرف عنه وجه العصمة) «جوامع الكلم»: (١/٢٦) عن «فقه الشيعة»: ص ٢٩. يمكن أن يقال هذا في أي إنسان يعصي وتصبح النتيجة أن كل إنسان معصوم وإنما يخطئ حين يصرف عنه وجه العصمة، وليس الأمر كذلك، وآدم ﵇ اعتبر هذا الذنب من الظلم الذي تعتبره الشيعة مضادًا للعصمة (قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [الأعراف: ٢٣] وإذا لم يكن هذا ذنبًا فلم حاسبه الله سبحانه وعاقبه بإخراجه من الجنة واعتبر عمله ظلمًا؟ (وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (*) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) [البقرة: من الآية ٣٥، والآية ٣٦] فهذه الآيات تنفي عن آدم العصمة المطلقة فكيف يزعمونها لأئمتهم؟ ولكن الشيعة - كما مر - تزعم أن أئمتهم أفضل من الرسل جميعًا ما عدا رسول الله - ﷺ -!! هذا والله جل شأنه كما بين في أكثر من موضع من القرآن لم يقر الرسول - ﷺ - على أخطاء وقع فيها وهو أفضل الخليفة، وهو ما ينفي دعوى العصمة المطلقة، فمن ذلك قوله سبحانه: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم ([الأنفال: ٦٧] وقال سبحانه: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين ([التوبة: ٤٣] وقال: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ) [الأحزاب: ٣٧] ويقول جل شأنه: (عَبَسَ وَتَوَلَّى (*) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (*) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (*) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (*) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (*) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (*) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (*) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (*) وَهُوَ يَخْشَى (*) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى) [عبس: ١- ١٠] ويذكر سبحانه في آيات كريمة أن له (ذنوبًا قال تعالى: (فَاصْبِرْ ⦗٣٢٦⦘ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ) [غافر: ٥٥] وقال سبحانه: (وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (*) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ) [الانشراح: ٢- ٣] هذا في حق أفضل الخلق فكيف أئمة الشيعة؟!\n(٢) في شواهد كثيرة كقوله - ﷺ -: «إنما أنا بشر وأنه يأتيني الخصم فلعل بعضهم أن يكون أبلغ من بعض فأحسب أنه صادق فأقضي له فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليحملها أو يذرها» «صحيح مسلم»، كتاب الأقضية: (٥/١٢٩) .\n(٣) فقد (اتفق المسلمون على أنهم معصومون فيما يبلغونه عن الله، فلا يقرون على سهو فيه وبهذا يحصل المقصود من البعثة) «المنتقى»: ص ٨٤- ٨٥، وانظر: «الإحكام في أصول الأحكام»: (١/١٧٠)، وقال فخر الدين الرازي بعد ذكره للأقوال المختلفة حول عصمة الأنبياء: (والذي نقول أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون في زمن النبوة من الكبائر والصغائر بالعمد، أما على سبيل السهو فهو جائز) «عصمة الأنبياء»: ص ٤٠.","vol":"1","page":325},{"text":"فهي دعوى غريبة على الأصول الإسلامية، ولهذا نتساءل كيف نشأت فكرة \"العصمة\" عند الشيعة؟ لا شك أنها امتداد لفكرة الإمامة لكن لم نر فكرة العصمة ضمن الآراء السبئية - كما رأينا الإمامة بمفهومها الخاص عند الشيعة (١) - فهي قد ولدت فيما بعد، وأشار بعض الباحثين إلى احتمال أن فكرة العصمة قد بدأت عند الشيعة في عصر جعفر الصادق، أي في النصف الأول من القرن الثاني (٢) .\nأما الذي تولى كبر وضعها فيقول الشيخ محب الدين الخطيب: (وأول من اخترع لهم هذه العقيدة الضالة خبيث يسميه المسلمون «شيطان الطاق» وتسميه الشيعة «مؤمن آل محمد»، واسمه\n_________\n(١) وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أنها من آراء ابن سبأ. «الفتاوى»: (٤/٥١٨) .\n(٢) انظر: دونلدسن «عقيدة الشيعة»: ص ٣٢٩، محمود صبحي: «نظرية الإمامة»: ص ١٣٤.","vol":"1","page":326},{"text":"محمد بن علي بن النعمان الأحول (١» (٢) .\nومن المتصور أن مثل فكرة العصمة تنشأ وتشيع في ظل الحالة النفسية التي يعيشها الشيعة.. من حقد مكبوت على الحكم القائم، ومحاولة إلصاق المساوئ به، وبالجانب الآخر غلو في آل البيت وفي الحديث عن فضائلهم وما جرى عليهم من محن وأنهم الأحق بالحكم.\nفي مثل هذا الجو تولد مثل هذه الأفكار في خضم أحاديثهم عن فضائل أهل البيت، ومساوئ الحكم القائم.\nويبدو أن فكرة العصمة قد مرت بأطوار مختلفة أو أن الشيعة قد اختلفت عقائدهم في تحديدها - في أول الأمر - فمثلًا في عصر أبي جعفر بن بابويه القمي (٣) (ت ٣٨١هـ) وشيخه محمد بن الحسن القمي (٤) كان رأي جمهور الشيعة أن أول درجة في الغلو\n_________\n(١) محمد بن علي بن النعمان بن أبي طريفة البجلي بالولاء، أبو جعفر الأحول الكوفي الملقب بشيطان الطاق، من غلاة الشيعة، تنسب له طائفة من الشيعة تسمى \"الشيطانية\" وسماها الشهرستاني \"النعمانية\"، وقد صنف للرافضة كتبًا كثيرة.. ويزعم الشيعة أنه من أصحاب جعفر الصادق.. توفي في حدود سنة ١٦٠هـ وقيل غير ذلك. انظر: الطوسي: «الفهرست»: ص ١٥٧، ١٥٨، الشهرستاني: «الملل والنحل»: (١/١٨٦- ١٨٧)، الصفدي: «الوافي بالوفيات»: (٤/١٠٤- ١٠٥) .\n(٢) مجلة الفتح المجلد ١٨ ص ٢٧٧.\n(٣) مرت ترجمته في مصادر الشيعة في الحديث ص ٢٧٠.\n(٤) محمد الحسن بن الوليد القمي من كبار شيوخ الشيعة، له كتب منها، كتاب «الجامع» وكتاب «التفسير» . توفي سنة ٣٤٣هـ. انظر: الطوسي: «الفهرست»: ص ١٨٤، «جامع الرواة»: (٢/٩٦) .","vol":"1","page":327},{"text":"هي نفي السهو عن النبي - ﷺ - (١)، فكانوا يعدون من ينفي السهو عن النبي من الشيعة الغلاة، ولكن تبدلت الحال بعد ذلك وأصبح نفي السهو عن الأئمة من ضرورات مذهبهم، ولا شك أن نفي السهو والنسيان عن الأئمة هو خروج بهم إلى منزلة من لا تأخذه سنة ولا نوم، وقد كانت العصمة - بهذه الصورة الغالية من نفي السهو والنسيان عن الأئمة - معتقد فئة شيعية مجهولة في الكوفة، ففي «البحار» للمجلسي (أنه قيل للرضا - إمام الشيعة الثامن - إن في الكوفة قومًا يزعمون أن النبي صلى الله عليه وآله لم يقع عليه السهو في صلاته، فقال: كذبوا لعنهم، الله إن الذي لا يسهو هو الله لا إله إلا هو) (٢) .\nفهذا يدل على أن عقيدة نفي السهو كانت معتقد قوم غير معينين لشذوذهم في هذا الاعتقاد، وأنهم كانوا ينفون السهو عن النبي الذي هو أفضل الأئمة ولم يقولوا بذلك للأئمة، ثم تطور هذا الاعتقاد ليشمل أئمة الشيعة الاثني عشر وليعم طائفة الشيعة الإمامية كلها كما سنوضح ذلك فيما بعد (٣) .\nوكان معتقد العصمة من أسباب نشوء عقيدة البداء والتقية - كما سيأتي - ذلك أن واقع الأئمة لا يتفق بحال ودعوى عصمتهم، فإذا حصل اختلاف وتناقض في أقوالهم قالوا هذا بداء أو تقية، كما اعترف\n_________\n(١) انظر: «شرح عقائد الصدوق» للمفيد: ص ١٦٠، ٢٦١، (ملحق بكتاب أوائل المقالات) .\n(٢) «البحار»: (٢٥/٣٥٠) .\n(٣) في مبحث آراء دعاة التقريب في العصمة.","vol":"1","page":328},{"text":"بهذا بعض الشيعة (١) .\nوقد نقل الشيعة في دواوينهم في الحديث أخبارًا عن أئمتهم تنفي هذه العصمة المطلقة التي يزعمها، فهذا أبو عبد الله جعفر الصادق يقول - لما ذكر له السهو -: (أو ينفلت من ذلك أحد؟ ربما أقعدت الخادم خلفي يحفظ عليّ صلاتي) (٢) .\nوجاء في الصحيفة السجادية أن من دعاء علي بن الحسين: (اللهم لك الحمد على سترك بعد علمك.. فكلنا قد اقترف العائبة فلم تشهره وارتكب الفاحشة فلم تفضحه.. كم نهي لك قد أتيناه، وأمر قد وقفتنا عليه فتعديناه، وسيئة اكتسبناها، وخطيئة ارتكبناها..) (٣) .\nفهو لم يدع لنفسه دعوى الشيعة فيه، بل يعترف بالذنب ويقر بالخطيئة، وهذا تنقله كتب الشيعة نفسها.\nومن يتتبع أخبارهم وأحاديثهم يجد مجموعة كبيرة منها تناقض دعواهم في عصمة أئمتهم.\nوقد أقر عالمهم المجلسي بوجود كثير من الأخبار في كتبهم تناقض دعوى نفي السهو عن الأئمة، ولذا قال: (المسألة في غاية الإشكال لدلالة كثير من الأخبار والآيات على صدور السهو عنهم وإطباق الأصحاب\n_________\n(١) وهو سليمان بن جرير والذي ترك مذهب الإمامية وتبعه جماعة على ذلك، لأنه رأى أن عقيدة البداء والتقية هي حيلة من الشيعة لتغطية اختلافاتهم وتثبيت مزاعمهم في الأئمة من العصمة وغيرها. وقد اعتنق مذهب الزيدية وإليه تنسب فرقة الجريرية أو السليمانية من الزيدية كما سبق في بحث الزيدية وسيأتي نص كلامه في مبحثي البداء والتقية.\n(٢) «البحار»: (٢٥/٣٥١) .\n(٣) «الصحيفة السجادية»: ص ١٨٤.","vol":"1","page":329},{"text":"إلا من شذ منهم على عدم الجواز..) (١) .\nوهذا اعتراف من المجلسي بأن إجماع الشيعة على عصمة أئمتهم بإطلاق؛ يصادم رواياتهم. وهذا دليل على أنهم يجمعون على ضلاله، وعلى غير دليل حتى من كتبهم ...\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>٣- التقية </span>(٢):\nيعرف المفيد التقية عندهم بقوله: (التقية كتمان الحق وستر الاعتقاد فيه ومكاتمة المخالفين وترك مظاهرتهم بما يعقب ضررًا في الدين أو الدنيا) (٣) .\nوعرفها أحد علمائهم المعاصرين بقوله: (التقية.. أن تقول أو تفعل غير ما تعتقد لتدفع الضرر عن نفسك أو مالك أو لتحتفظ بكرامتك) (٤) .\nوهذا التعريف للتقية لا ينطبق على حالات التقية عندهم، وسنرى أنهم يقولون بالتقية في غير مجال الضرورة والحاجة الشرعية.\nإن التقية التي هي في الإسلام رخصة عند الضرورة العارضة (٥)\n_________\n(١) «البحار»: (٢٥/٣٥١) .\n(٢) اتَّقَيْتُ الشيء وتَقَيْتُه أتَّقيه تُقى وتَقيَّة وتقاء ككساء حَذرْتُه. انظر: «القاموس المحيط»: مادة وقى.\n(٣) المفيد: «شرح عقائد الصدوق»: ص ٢٦١ (ملحق بكتاب أوائل المقالات) .\n(٤) محمد جواد مغنية: «الشيعة في الميزان»: ص ٤٨.\n(٥) يدل على ذلك قوله سبحانه: (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان.. الآية ([النحل: ١٠٦]، وقوله سبحانه: (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد ([آل عمران: ٢٨] .","vol":"1","page":330},{"text":"وليست من أصول الدين المتبعة - هي عند الشيعة من أُسس عقائدها وركائز إيمانها.. بل غالوا في قيمتها حتى قالوا - في حديث لهم عن أبي عبد الله - أن تسعة أعشار الدين في التقية، ولا دين لمن لا تقية له (١) .\nفهذا النص يسنده الشيعة إلى أبي عبد الله جعفر الصادق المولود سنة ٨٠ والمتوفى سنة ١٨٤، أي الذي عاش في فترة عز الإسلام والمسلمين، فأي حاجة إلى التقية في ذلك الزمن إلا إذا كان الدين المتقي به غير الإسلام؟ (٢) .\nومن العجيب أن تجعل الشيعة التقية تسعة أعشار الدين فماذا بقي لأركان الدين من قيمة بعد ذلك؟.\nبل إنهم يجعلون تارك التقية لا دين له وهذا نهاية في الغلو. فعن أبي عبد الله \"ع\" قال: (اتقوا الله في دينكم فاحجبوه بالتقية، فإنه لا إيمان لمن لا تقية له..) (٣) .\nوكذلك يروي الكليني عن أبي جعفر المولود بالمدينة سنة ٥٧ والمتوفى سنة ١١٤ - أي في العصر الذهبي للإسلام وفي خير القرون وأفضل البقاع - أنه يقول: (التقية من ديني ودين آبائي، ولا إيمان لمن لا تقية له) (٤) .\n_________\n(١) «الكافي»: (٢/٢١٧) .\n(٢) يرى بعض السلف أنه لا تقية بعد أن أعز الله الإسلام، قال معاذ بن جبل ومجاهد: كانت التقية في جدّة الإسلام قبل قوة المسلمين، أما اليوم فقد أعز الله المسلمين أن يتقوا من عدوهم. انظر: «تفسير القرطبي»: (٤/٥٧)، وانظر: «فتح القدير»: (١/٣٣١) فكيف ممن يرى وجوبها في عز الإسلام؟.\n(٣) «الكافي»: (٢/٢١٨) .\n(٤) المصدر السابق: (٢/٢١٩) .","vol":"1","page":331},{"text":"ويقول: (خالطوهم بالبرانية وخالفوهم بالجوانية إذا كانت الإمرة صبيانية) (١) .\nويهتم الكليني (ت ٣٢٩ أو ٣٢٨) بأمر التقية ويعقد لها بابًا خاصًا بعنوان: (باب التقية)، ويضعه ضمن كتاب الإيمان والكفر. وهذا دليل علي أن الكليني يرى أن ترك التقية كفر كما أن فعلها إيمان، وقد ذكر الكليني في باب التقية ٢٣ حديثًا لهم (٢) .\nثم أردف باب التقية بباب آخر يدخل في معنى التقية وهو (باب الكتمان)، وذكر فيه ١٦ حديثًا (٣) تأمر الشيعة بكتمان دينهم، ومن هذه الأحاديث: قول أبي عبد الله - كما يفترون - لسليمان بن خالد: (يا سليمان إنكم على دين من كتمه أعزه الله ومن أذاعه أذله الله) (٤) .\nوقال أبو جعفر: (لا تبثوا سرنا ولا تذيعوا أمرنا..) (٥) .\nوقال أبو عبد الله: (يا معلي - راوي الخبر - اكتم أمرنا ولا تذعه، فإنه من كتم أمرنا ولم يذعه أعزه الله به في الدنيا وجعله نورًا بين عينيه في الآخرة يقوده إلى الجنة، يا معلي من أذاع أمرنا ولم يكتمه أذله الله به في الدنيا ونزع النور من بين عينيه في الآخرة وجعله ظلمة تقوده إلى النار، يا معلي إن التقية من ديني ودين آبائي\n_________\n(١) المصدر السابق: (٢/٢٢٠)، و\"البرانية\" هي \"العلانية\"، والجوانية هي السر والباطن. «هامش الكافي»: (٢/٢٢٠- ٢٢١) .\n(٢) «الكافي»: (٢/٢١٧- ٢٢١) .\n(٣) المصدر السابق: (٢/٢٢١- ٢٢٦) .\n(٤) المصدر السابق: (٢/٢٢٢) .\n(٥) المصدر السابق: (٢/٢٢٢) .","vol":"1","page":332},{"text":"ولا دين لمن لا تقية، يا معلي إن المذيع لأمرنا كالجاحد له) (١) .\nوفي حديث لهم يقول: (.. وكتمانه لسرنا جهاد في سبيل الله) (٢) .\nثم يعقد الكليني بعد باب الكتمان بأبواب كثيرة (٣) بابًا في موضوع التقية أيضًا بعنوان: \"باب الإذاعة\"، ويذكره ضمن كتاب الكفر والإيمان أيضًا ويضمنه ١٢ حديثًا (٤) تحذر من إذاعة أمرهم وتأمر بكتمانه والتقية فيه، منها قول: أبي عبد الله: (من أذاع علينا حديثنا سلبه الله الإيمان) (٥) .\nوقال: (مذيع السر شاك، وقائله عند غير أهله كافر) (٦) .\nقال شارح «الكافي» في تفسير النص الأخير: (كأن المعنى مذيع السر عند من لا يعتمد عليه من الشيعة شاك.. ويمكن حمله على الأسرار التي لا تقبلها عقول عامة الخلق) (٧) .\nوهذا يدل على أن هناك كتمانًا وتقية من علماء الشيعة لعامتهم.\nوقد ذكرت كتب الشيعة مشروعية التقية والكتمان لكثير من أخبارهم وعقائدهم حتى وإن كان السامع من شيعهم، لعدم تحمل عقول كثير من الناس وقلوبهم لها فيدعوهم هذا لكره المذهب\n_________\n(١) «الكافي»: (٢/٢٢٤) .\n(٢) «الكافي»: (٢/٢٢٦) .\n(٣) عددها ٦١ بابًا.\n(٤) «الكافي»: (٢/٣٦٩- ٣٧٢) .\n(٥) «الكافي»: (٢/٣٧٠) .\n(٦) «الكافي»: (٢/٣٧١- ٣٧٢) .\n(٧) «هامش الكافي»: (٢/٣٧٢) .","vol":"1","page":333},{"text":"والنفور منه، وهذا من باب التقية عندهم وإن اختلف الدافع له والغرض منه، وأنه قد يستعمل حتى مع نبي قومهم.\nففي «الكافي»: (باب فيما جاء أن حديثهم صعب مستصعب) وذكر فيه خمس روايات لهم (١) .\nوفي «البحار» للمجلسي جاء هذا الباب بعنوان: (باب أن حديثهم ﵈ صعب مستصعب وأن كلامهم ذو وجوه كثيرة، وفضيلة التدبر في أخبارهم ﵈ والتسليم لهم والنهي عن رد أخبارهم) وفيه (١١٦) حديثًا (٢) .\nومن هذه الروايات التي يذكرونها في هذا الباب: (إن حديثنا تشمئز منه القلوب، فمن عرف فزيدوهم ومن أنكر فذروهم) (٣) .\nوعن سفيان السمط قال: قلت لأبي عبد الله ﵇: (جعلت فداك إن رجلًا يأتينا من قبلكم يعرف بالكذب فيحدث بالحديث فنستبشعه، فقال أبو عبد الله: يقول لك إني قلت لليل أنه نهار أو للنهار أنه ليل، قال: لا، قال: فإن قال لك هذا إني قلته فلا تكذب به فإنك إنما تكذبني) (٤) .\nوهذا يدل على أن من الشيعة من يستبشع رواياتهم ولكن يلزمون بالإيمان الأعمى بها.\n_________\n(١) «الكافي»: (١/٤٠١- ٤٠٢) .\n(٢) «البحار»: (٢/١٨٢- ٢١٢) .\n(٣) «البحار»: (٢/١٩٢) .\n(٤) «البحار»: (٢/٢١١- ٢١٢) .","vol":"1","page":334},{"text":"وعن جابر الجعفي قال: قال أبو جعفر \"ع\": قال رسول الله - ﷺ -: (إن حديث آل محمد صعب مستصعب لا يؤمن به إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان..) (١) .\nهذه صورة لعقيدة التقية في أهم كتب الشيعة (٢) .\nولا شك أن أسرارهم قد انكشفت حتى عقيدة التقية قد انكشف أمرها، والسبب هم الشيعة أنفسهم، ولهذا جاءت بعض نصوصهم تصف الشيعة بـ \"النزق وقلة الكتمان\" (٣) .\nولكن الأثر العملي للتقية لا يزال يؤدي دوره الخطير في جوانب عديدة منها:\nأولًا: أن عقيدة التقية استغلها دعاة التفرقة بين الأمة، والزنادقة المتسترون بالتشيع استغلوها لإبقاء الخلاف بين المسلمين. وذلك برد الأحاديث الصحيحة في معناها التي وردت عن الأئمة ووافقت ما عند الأمة وروتها كتب الشيعة نفسها ردها، بحجة أنها تقية لموافقتها لما عند أهل السنّة، فإذا جاء حديث يثني على الصحابة قالوا: إن هذا تقية، وإقرار أئمتهم بالخلافة القائمة في عصرهم يقولون: إنه تقية، وصلح الحسن هو عندهم تقية وهكذا، فضلًا عن الفروع الفقهية إذْ يردون الأحاديث التي توافق ما عليه أهل السنّة وتخالف شذوذهم - يردونها بحجة التقية لأنها وافقت إجماع المسلمين.\n_________\n(١) «الكافي»: (١/٤٠١) .\n(٢) وقد خصها بعض شيوخهم بتأليف مستقل، وفي «الذريعة إلى تصانيف الشيعة» ذكر ١٦ كتابًا لهم باسم التقية. «الذريعة»: (٤/٤٠٣- ٤٠٥) .\n(٣) «الكافي»: (١/٢٢٢) .","vol":"1","page":335},{"text":"ومن الأمثلة لتأثير التقية العملي عندهم أنهم قالوا عن تزويج علي - ﵁ - ابنته أم كلثوم من عمر بن الخطاب (- تلك التي هي من أقوى الدلائل على كمال الحب والولاء بين الصحب والآل - قالوا: إن هذا من باب التقية، فقد عقد عالمهم الحر العاملي في \"وسائل الشيعة\" بابًا في هذا بعنوان: (باب جواز مناكحة الناصب عند الضرورة والتقية) ومما جاء فيه:\nعن أبي عبد الله (في تزويج أم كلثوم فقال: (إن ذلك فرج غصبناه) (١) .\nكما أورد في هذا الباب تزويج رسول الله - ﷺ - ابنتيه لعثمان (وعده من باب التقية. قال أبو جعفر: (إن رسول الله صلى الله عليه وآله زوج منافقين: أبا العاص بن الربيع، وسكت عن الآخر (٢» (٣) . أي لم يصرح الإمام باسم عثمان تقية وخوفًا.\nهذا مجرد مثال والأمثلة كثيرة سيأتي بعض منها أيضًا في فصل (هل من طريق للتقريب؟) .\nوهكذا جعلوا عقيدة التقية منفذًا للغلو والغلاة ووسيلة وضعها أعداء الأمة للنأي بالشيعة عن جماعة المسلمين.\nثانيًا: إنهم جعلوا عقيدة التقية هي المخرج من الاختلاف\n_________\n(١) الحر العاملي: «وسائل الشيعة»: (٧/٤٣٣) عن «فروع الكافي»: (٢/١٠) .\n(٢) أي سكت عن ذكر اسم الآخر، وهو عثمان (من باب التقية واكتفى بالإشارة إليه.\n(٣) الحر العاملي: «وسائل الشيعة»: (٧/٤٣٤- ٤٣٥)، وانظر: «السرائر»: ص ٤٧٥.","vol":"1","page":336},{"text":"والتناقض في أخبارهم وأحاديثهم، فإن ظاهرة التناقض في أحاديثهم كانت من أقوى الدلائل على أنها من عند غير الله (١)، ولهذا كان ذلك الاختلاف الكثير في أخبارهم من أسباب ترك بعض الشيعة للتشيع كما اعترف بذلك الطوسي (٢) .\nثالثًا: أنهم قالوا بعصمة الأئمة وأنهم لا ينسون ولا يسهون ولا يخطئون مع أن الناس حفظوا عنهم ما يخالف ذلك وينافي عصمتهم، فقالوا بالتقية للمحافظة على دعوى عصمة الأئمة، تلك العصمة التي بسقوطها تسقط قيمة أقوالهم وبالتالي يسقط مذهب الشيعة، ولهذا قال سليمان بن جرير: (إن أئمة الرافضة وضعوا لشيعتهم مقالتين لا يظهرون معهما من أئمتهم على كذب أبدًا وهما: القول بالبداء وإجازة التقية) (٣) .\nرابعًا: جعلت التقية وسيلة للكذب على الأئمة، فيردون - مثلًا - كلام الإمام الباقر أو جعفر الصادق الذي سمعه مجموعة من الناس بحجة أنه قد حضره بعض السنّة فاتقى في كلامه، ويقبلون ما ينقله الكذبة أمثال جابر الجعفي بحجة أنه لم يحضر مجلسه أحد يتقيه، فما ينقله غلاة الروافض والزنادقة عن أئمة أهل البيت مقبول عندهم، وما ينقله العدول من المسلمين مردود بدعوى التقية.\n_________\n(١) كما يدل على ذلك قوله تعالى: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا ([النساء: ٨٢] .\n(٢) الطوسي: «التهذيب»: (١/٣) .\n(٣) سعد القمي: «المقالات والفرق»: ص ٧٨، النوبختي: «فرقة الشيعة»: ص ٥٥، الشهرستاني: «الملل والنحل»: (١/١٦٠)، الرازي: «محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين»: ص ٢٤٩.","vol":"1","page":337},{"text":"فمثلًا الإمام زيد بن علي وهو من أهل البيت يروي عن علي - ﵁ - - كما تذكره كتب الشيعة نفسها - أنه غسل رجليه في الوضوء، ولكن عالم الشيعة الطوسي يرد هذه الرواية ويزعم أنها من باب التقية. استمع إلى نص الرواية: عن زيد بن علي عن آبائه عن علي - ﵁ - قال: (جلست أتوضأ فأقبل رسول الله - ﷺ - حين ابتدأت الوضوء فقال لي: تمضمض واستنشق واستن (١)، ثم غسلت ثلاثًا فقال: قد يجزيك من ذلك المرتان، فغسلت ذراعي ومسحت برأسي مرتين، فقال: قد يجزيك من ذلك المرة، وغسلت قدمي، فقال لي: يا علي خلل بين الأصابع لا تخلل بالنار) (٢) .\nقال الطوسي: (فهذا خبر موافق للعامة - يعني أهل السنّة لأن مذهبهم غسل الرجلين - وقد ورد مورد التقية، لأن المعلوم الذي لا يتخالج منه الشك من مذاهب أئمتنا ﵈ القول بالمسح على الرجلين - ثم قال: إن رواة هذا الخبر كلهم عامة ورجال الزيدية وما يختصون بروايته لا يعمل به) (٣) .\nهكذا ترد النصوص التي تتفق مع مذهب أهل السنّة تحت ستار التقية حتى وإن كان الراوي من أئمة أهل البيت.\nخامسًا: انبثق من خلال عقيدة التقية: مبدأ أن ما خالف العامة - أي أهل السنّة - هو الحق، حتى إنهم جعلوا من معالم التعرف على الحق - في نظرهم - عند اختلاف رواياتهم معرفة ما عليه أهل السنّة\n_________\n(١) الاستنان: استعمال السواك.\n(٢) «الاستبصار»: (١/٦٥- ٦٦) باب وجوب المسح على الرجلين.\n(٣) المصدر السابق.","vol":"1","page":338},{"text":"وأن يكون مجتهدهم على دراية بذلك ليتسنى له الأخذ بخلافه، فإذا اختلفت أحاديثهم فالحق هو ما فيه خلاف العامة، وإذا أفتى عالم أهل السنّة بفتوى فالحق في خلافها.\nففي «البحار» عن علي بن أسباط قال: قلت للرضا \"ع\": (يحدث الأمر لا أجد بدًّا من معرفته وليس في البلد الذي أنا فيه أحد أستفتيه من مواليك، قال: فقال ﵇: ائت فقيه البلد - يعني من أهل السنّة - فاستفته في أمرك، فإن أفتاك بشيء فخذ بخلافه فإن الحق فيه) (١) .\nوفي «البحار» أيضًا قال أبو عبد الله \"ع\": (إذا ورد عنكم حديثان مختلفان فخذوا بما خالف القوم) (٢) .\nوهكذا أراد مؤسسو هذا المذهب الانفصال عن جماعة المسلمين والنأي بالشيعة عن حقيقة الإسلام، ولهذا حملوا كل ما في مذهبهم من نصوص توافق الأمة - حملوها على التقية وجعلوا علامة إصابة الحق تتمثل في مخالفة العامة - أهل السنّة -.\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>٤- الرجعة </span>(٣):\nهي عندهم: (رجعة كثير من الأموات إلى الدنيا قبل يوم\n_________\n(١) «البحار»: (٢/٢٣٣) عن عيون أخبار الرضا، وعلل الشرائع.\n(٢) «البحار»: (٢/٢٣٣) .\n(٣) الرجعة: في اللغة: بفتح الراء اسم الفعل رجع، تقول رجع رجعة، وتعني الرجوع مرة. انظر: الرازي: «الزينة»: ص ٣١٢، «مجمع البحرين» مادة رجع: (٤/٣٣٤)، «القاموس المحيط» مادة رجع: (٣/٢٨) .","vol":"1","page":339},{"text":"القيامة) (١) وعودتهم إلى (الحياة بعد الموت) (٢)، قبل ذلك اليوم الموعود يرجعون (في صورهم التي كانوا عليها) (٣) .\nوالراجعون إلى الدنيا - كما يعتقدون -: (فريقان: أحدهما: من علت درجته في الإيمان.. والآخر من بلغ الغاية في الفساد) (٤) .\nوزمن الرجوع هو: (عند قيام مهدي آل محمد ﵈) (٥) .\nوالغرض من الرجعة عندهم هو انتقام المهدي ومن معه من أعدائهم (٦)، وعلى رأس الأعداء حسب معتقدهم خليفتا رسول الله وصاحباه وحبيباه وصهراه ومن أقاما دولة الإسلام بعده: أبو بكر وعمر ﵄ (٧) .\nوقد جاء في كتبهم روايات وحكايات كثيرة عن المجازر الدموية التي تجري في هذه الرجعة (٨) .\n_________\n(١) المفيد: «أوائل المقالات»: ص ٥١.\n(٢) الحر العاملي: «الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة»: ص ٢٩.\n(٣) المفيد: «أوائل المقالات»: ص ٩٥.\n(٤) المصدر السابق: ص ٩٥.\n(٥) المصدر السابق: ص ٩٥، وانظر: الحر العاملي: «الإيقاظ من الهجعة»: ص ٥٨.\n(٦) انظر: الحر العاملي: «الإيقاظ من الهجعة»: ص ٥٨.\n(٧) جاء في «مختصر التحفة»: ص ٢٠١، قال الشريف المرتضي في «المسائل الناصرية» (أن أبا بكر وعمر يصلبان على شجرة زمن المهدي..)، وسيأتي إقرار أحد شيوخهم المعاصرين بذلك في مبحث: آراء دعاة التقريب في الرجعة.\n(٨) فمثلًا في «الإرشاد» للمفيد عن أبي عبد الله \"ع\" قال: (إذا قام القائم من آل محمد صلوات الله عليهم أقام خمسمائة من قريش فضرب أعناقهم، ثم أقام خمسمائة فضرب أعناقهم، ثم خمسمائة أخرى حتى يفعل ذلك ست مرات، قلت - أي =","vol":"1","page":340},{"text":"وعقيدة الرجعة من أصول المذهب الشيعي، فمن رواياتهم: (ليس منا من لم يؤمن بكرتنا) (١) وأجمعوا على الاعتقاد بها.\nيقول المفيد: (واتفقت الإمامية على وجوب رجعة كثير من الأموات) (٢) .\nويقول الحر العاملي: أنها موضع (إجماع جميع الشيعة الإمامية) (٣) وأنها (من ضروريات مذهب الإمامية) (٤)، ويقول: (إنا مأمورون بالإقرار بالرجعة واعتقادها وتجديد الاعتراف بها في الأدعية والزيارات ويوم الجمعة وكل وقت، كما أننا مأمورون بالإقرار في كثير من الأوقات بالتوحيد والنبوة والإمامة والقيامة) (٥)، واعترافات علمائهم بأن عقيدة الرجعة محل الإجماع والتواتر في مذهبهم كثيرة (٦) وخصها بعضهم بمؤلفات (٧)، وأحصى بعضهم رواياتهم فيها بأنها أكثر من مائتي حديث في أكثر من خمسين كتابًا من كتبهم المعتبرة عندهم (٨) .\n_________\n= الراوي -: ويبلغ عدد هؤلاء هذا؟ قال: نعم، منهم ومن مواليهم) «الإرشاد»: ص ٤١١، ومثل ذلك ورد في كتاب «الغيبة» للنعماني: ص ١٢٣.\n(١) ابن بابويه القمي: «من لا يحضره الفقيه»: (٢/١٢٨)، الحر العاملي: «الوسائل»: (٧/٤٣٨)، «تفسير الصافي»: (١/٣٤٧) .\n(٢) المفيد: «أوائل المقالات»: ص ٥١.\n(٣) الحر العاملي: «الإيقاظ من الهجعة»: ص ٣٣.\n(٤) المصدر السابق: ص ٦٠.\n(٥) المصدر السابق: ص ٦٤.\n(٦) انظر: عبد الله شبر «حق اليقين»: (٢/٢)، وإبراهيم الموسوي الزنجاني: «عقائد الاثني عشرية»: ص ٢٣٩ وما بعدها، «الشيعة والرجعة» محمد رضا النجفي: ص ١٤ وما بعدها.\n(٧) ذكر صاحب «الذريعة إلى تصانيف الشيعة» منها ٢٩ كتابًا، «الذريعة» حرف \"الراء\".\n(٨) عبد الله شبر: «حق اليقين»: (٢/٢) .","vol":"1","page":341},{"text":"(وهذه العقيدة مخالفة صريحة للكتاب، فإن - الرجعة - قد أُبطلت في آيات كثيرة منها قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (*) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (١)، وقوله سبحانه: (ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون (صريح في نفي الرجعة مطلقًا) (٢) .\nإذن كيف ومتى دخلت هذه العقيدة إلى الشيعة؟\nيرى بعض الباحثين أنها تسربت عن طريق المؤثرات اليهودية والمسيحية (٣)، ودخلت التشيع عن طريق عبد الله بن سبأ اليهودي.\nوقد يكون الهدف منها إضعاف الإيمان باليوم الآخر (٤) .\nوقد قال ابن سبأ برجعة محمد - ﷺ - (٥)، ثم تحول إلى القول برجعة علي وقال - لما بلغه نعي علي - للذي نعاه: (كذبت لو جئتنا بدماغه في سبعين صرة وأقمت على قتله سبعين عدلًا لعلمنا أنه لم يمت ولم يقتل، ولا يموت حتى يملك الأرض) (٦) .\n_________\n(١) المؤمنون: آية ١٠٠.\n(٢) انظر: «مختصر التحفة»: ص ٢٠١.\n(٣) جولد سيهر: «العقيدة والشريعة»: ص ٢١٥.\nويقول أحمد أمين: (وفكرة الرجعة هذه أخذها ابن سبأ من اليهودية، فعندهم أن النبي إلياس صعد إلى السماء وسيعود فيعيد الدين والقانون، ووجدت الفكرة في النصرانية أيضًا، وتطورت هذه الفكرة عند الشيعة إلى العقيدة باختفاء الأئمة..) «فجر الإسلام»: ص ٢٧٠.\nوانظر: محمد عمارة: «الخلافة»: ص ١٥٩.\n(٤) انظر: السكسنكي: «البرهان»، حيث ذكر أن ابن سبأ قال بالرجعة وإبطال الآخرة، «البرهان»: ص ٥٠.\n(٥) انظر الطبري: (٤/٣٤٠) (حوادث سنة ٣٥هـ) .\n(٦) سعد القمي: «المقالات والفرق»: ص ٢١، النوبختي: «فرق الشيعة»: ص ٢٠.","vol":"1","page":342},{"text":"فابن سبأ جعل الرجعة خاصة بعلي، ومن يراجع كتب الفرق يجد أن كثيرًا من فرق الشيعة تزعم أن إمامها سيرجع (١)، وهناك فرقة من فرق الشيعة اشتهرت بالدعوة لهذا الاعتقاد حتى سميت \"بالرجعية\" (٢)، ثم تطور مفهوم الرجعة عند الشيعة إلى المعنى العام الذي ذكرناه عنهم في صدر الكلام عن الرجعة.\nويذكر الألوسي (٣) أن تحول مفهوم الرجعة عند الشيعة من رجعة المهدي فقط إلى ذلك المعنى العام الذي بيناه كان في القرن الثالث (٤) .\nويذكر أبو الحسين الخياط (٥) أن هذه العقيدة كانت سرية عندهم (قد تواصوا بكتمانها وألا يذكروها في مجالسهم ولا في كتبهم إلا فيما قد أسروه من الكتب ولم يظهروه) .\n_________\n(١) فمثلًا: فرقة من \"الكيسانية\" ينتظرون محمد بن الحنفية ويزعمون أنه حي محبوس بجبل رضوي إلى أن يؤذن له بالخروج. «البغدادي»: «الفرق بين الفرق»: ص ٤٣. والمحمدية: ينتظرون محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ولا يصدقون بقتله ولا بموته. «المصدر السابق»: ص ٥٦. وهكذا. وانظر: «المقالات والفرق» للقمي: ص ٢٧، ٣٥- ٣٦، ٣٧، ٤٣ إلخ. ويلاحظ أن هذه الفرق القائلة بالرجعة لا تؤمن بحصول الموت لهم أصلًا، أي أنهم يتفقون مع الرافضة في قولهم برجعة مهدّيهم لأنهم يزعمون أنه لم يمت، ولا يتفقون معهم في قولهم بالرجعة بعد الموت.\n(٢) وقد ذكرها كفرقة ابن الجوزي في «تلبيس إبليس»: ص ٢٢.\n(٣) أبو الثناء محمود بن عبد الله الحسيني الألوسي، مفسر محدث فقيه، من آثاره: «روح المعاني في تفسير القرآن» في تسع مجلدات. ولد في بغداد عام ١٢١٧هـ وتوفي بها عام ١٢٧٠هـ. «معجم المؤلفين»: (١٢/١٧٥) .\n(٤) «روح المعاني»: (٢٠/٢٧)، أحمد أمين: «ضحى الإسلام»: (٣/٢٣٧) .\n(٥) عبد الرحيم بن محمد بن عثمان أبو الحسين بن الخياط، من شيوخ المعتزلة ببغداد، من كتبه: «الانتصار» . كان حيًا قبل ٣٠٠هـ «معجم المؤلفين»: (٥/٢١٣) .","vol":"1","page":343},{"text":"ويرى ابن حجر أن الإيمان بالرجعة هو نهاية الغلو في الرفض فيقول: (التشيع محبة علي وتقديمه على الصحابة، فمن قدمه على أبي بكر وعمر فهو غال في تشيعه ويطلق عليه رافضي وإلا فشيعي، فإن انضاف إلى ذلك السب أو التصريح بالبغض فغال في الرفض، وإن اعتقد الرجعة إلى الدنيا فأشد في الغلو) (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>٥- البداء:</span>\nفي القاموس \"بدأ\" بَدْوًا وبُدُوًّا وبَداءَة: ظهر ... وبدا له في الأمر بَدْوًا وبَدَاء وبداة: نشأ له فيه رأي (٢) .. فالبدا في اللغة - كما جاء في القاموس - له معنيان:\nالأول: الظهور والانكشاف.\nالثاني: نشأة الرأي الجديد.\nوكلا المعنيين وَرَدَ في القرآن، فمن الأول قوله تعالى: (وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله «٣) ومن الثاني قوله: (ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين «٤) .\nوالبداء بهذين المعنيين لا تجوز نسبته إلى الله (.\nوالبداء في الأصل عقيدة يهودية ضالة، وقد وردت في التوراة التي حرفها اليهود وفق ما شاءت أهواؤهم نصوص صريحة تتضمن نسبة معنى البداء إلى الله سبحانه (٥) .\n_________\n(١) «هدي الساري مقدمة فتح الباري»: ص ٤٥٩.\n(٢) «القاموس المحيط» مادة بدو: (٤/٣٠٢) .\n(٣) البقرة: آية ٢٨٤.\n(٤) يوسف: آية ٣٥.\n(٥) على الرغم من أن المشهور عن اليهود أنهم ينكرون النسخ لأنه يستلزم البداء. انظر:","vol":"1","page":344},{"text":"وانتقل الاعتقاد في البداء - أولًا - إلى فرق السبئية المدعية للتشيع، ففرق السبئية (كلهم يقولون بالبداء؛ إن الله تبدو له البداوات) (١)، ثم أخذ بفكرة البداء \"المختار بن أبي عبيد الثقفي\" (٢) (لأنه كان يدعي علم الغيب، فكان إذا حدث خلاف ما أخبر به قال: قد بدا لربكم) (٣) .\nوقال سليمان بن جرير - كما مر - (أن أئمة الرافضة وضعوا لشيعتهم مقالتين لا يظهرون معهما من أئمتهم على كذب أبدًا، وهما: القول بالبداء وإجازة التقية) (٤) .\nويشرح كيف يستخدمون عقيدة البداء ستارًا على ادعائهم الكاذب في الغيب فيقول: (فأما البدا: فإن أئمتهم لما أحلوا أنفسهم من شيعتهم محل الأنبياء من رعيتها في العلم فيما كان ويكون والإخبار بما يكون في غد وقالوا لشيعتهم: إنه سيكون في غد.. كذا وكذا، فإن\n_________\n= «مسائل الإمامة»: ص ٧٥ و«مناهل العرفان»: (٢/٧٨) . ومع ذلك فقد جاء في التوراة: (ورأى الرب أن شر الناس قد كثر على الأرض، وأن كل تصور أفكار قلوبهم إنما هو شر في جميع الأيام. فندم الرب أنه عمل الإنسان على الأرض وتأسف في قلبه، فقال الرب: أمحو الإنسان الذي خلقت عن وجه الأرض، الإنسان مع البهائم والدبابات وطير السماء لأني ندمت على خلقي لهم) . «الكتاب المقدس»، الفصل السادس من تكوين التوراة: ص ١٢.\n(١) الملطي: «التنبيه والرد»: ص ١٩.\n(٢) المختار من أبي عبيد بن مسعود بن عمرو الثقفي، تنسب له طائفة الكيسانية من الشيعة، وهو الذي قام للأخذ بثأر الحسين، وادعى إمامة محمد بن الحنفية، وشاعت في الناس أخبار عنه بأنه ادعى النبوة ونزول الوحي عليه وأنه كان لا يوقف له على مذهب.. قتل عام ٦٧هـ. «البداية والنهاية»: (٨/٢٨٩) وما بعدها، «الفرق بين الفرق»: ص ٣٨، «الأعلام» للزركلي: (٨/٧٠) .\n(٣) انظر بعض أخباره في هذا في «الملل والنحل»: (١/١٤٩) .\n(٤) انظر سعد القمي: «المقالات والفرق»: ص ٧٨، النوبختي: «فرق الشيعة»: ص ٥٥ - ٥٦.","vol":"1","page":345},{"text":"جاء ذلك الشيء على ما قالوه قالوا لهم: ألم نعلمكم أن هذا يكون؟ فنحن نعلم من قبل الله (ما علمه الأنبياء وبيننا وبين الله (مثل تلك الأسباب التي علمت بها الأنبياء عن الله ما علمت، وإن لم يكن ذلك الشيء الذي قالوا أنه يكون على ما قالوا؛ قالوا لشيعتهم: بداء لله في ذلك يكونه) (١) .\nإذن البداء فرية يهودية، حاولت السبئية أن تدخلها في عقائد المسلمين وأخذ بها المختار لتأييد دعواه الكاذبة في علم الغيب، وهي لا تجوز نسبتها إلى الله. ولكن الشيعة الإمامية تلقفتها وجعلتها من أصول عقائدها وقالت: (ما عبد الله بشيء مثل البداء) (٢)، (وما بعث الله نبيًا قط إلا بتحريم الخمر وأن يقر لله بالبداء) (٣)، (ولو علم الناس ما في القول بالبداء من الأجر ما فتروا عن الكلام فيه) (٤) .\nوفي صحيحهم «الكافي» باب في هذا بعنوان (باب البداء) جاء ضمن كتاب التوحيد! وفي هذا الباب ١٦ حديثًا في البداء (٥) .\nوفي «البحار» للمجلسي ذكر أحاديث البداء في باب بعنوان: (البداء والنسخ) وذكر فيه ٧٠ حديثًا (٦) .\n_________\n(١) انظر سعد القمي: «المقالات والفرق»: ص ٧٨، النوبختي: «فرق الشيعة»: ص ٥٥ - ٥٦.\n(٢) «الكافي»، كتاب التوحيد، باب البداء: (١/١٤٦) .\n(٣) المصدر السابق: (١/١٤٨) .\n(٤) المصدر السابق: (١/١٤٨) .\n(٥) المصدر السابق: (١/١٤٦- ١٤٩) .\n(٦) «البحار»: (٤/٩٢- ١٢٩) .","vol":"1","page":346},{"text":"فهل الشيعة الإمامية في عقيدتهم في البداء ينسبون الجهل والنسيان إلى الله؟ تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.\nقال بهذا بعض مفكري المسلمين (١)، لأن البداء بهذا المعنى من الكفر البواح.\nوإن القارئ لأحاديثهم في البداء يجد في بعضها ذلك المعنى الضال في البداء (٢) .\nوهناك روايات أُخرى تقول أنه (ما بدا لله في شيء إلا كان في علمه قبل أن يبدو له) (٣) .\nوقال كثير من علماء الشيعة أنهم لم يريدوا \"بالبداء\" ما لا يجوز نسبته إلى الله سبحانه، يقول محمد حسين آل كاشف الغطاء: (البداء، وإن في جوهر معناه يتمثل في ظهور الشيء بعد خفائه، ولكن ليس المراد به هنا ظهور الشيء لله جل شأنه، وأي ذي حريجة\n_________\n(١) موسى جار الله: «الوشيعة»: ص ١١٢- ١١٨، و«مختصر التحفة الاثني عشرية»: ص ٣١٥، إحسان إلهي ظهير: «الشيعة والسنة»: ص ٦٣.\n(٢) مثل ما في «الكافي» عن أبي هاشم الجعفري قال: (كنت عند أبي الحسن ﵇ بعد ما مضى ابنه أبو جعفر، وإني لأفكر في نفسي أريد أن أقول كأنهما - أعني أبا بكر وأبا محمد - في هذا الوقت كأبي الحسن موسى وإسماعيل ابني جعفر ﵇ وإن قصتهما كقصتهما، إذ كان أبو محمد المرجي بعد أبي جعفر \"ع\" فأقبل علي أبو الحسن قبل أن أنطق فقال: نعم يا أبا هاشم بدا لله في أبي محمد بعد أبي جعفر \"ع\" ما لم يكن يعرف له كما بدا له في موسى بعد مضي إسماعيل ما كشف به عن حاله، وهو كما حدثتك نفسك وإن كره المبطلون، وأبو محمد ابني الخلف من بعدي، عنده عِلْمُ ما يحتاج إليه ومعه آله الإمامة) «الكافي»، كتاب الحجة: (١/٣٢٧) .\n(٣) «الكافي»، كتاب التوحيد، باب البداء: (١/١٤٨) .","vol":"1","page":347},{"text":"ومسكة يقول بهذه المضلة؟ بل المراد ظهور الشيء من الله لمن يشاء من خلقه بعد إخفائه عنهم وقولنا: \"بدا لله\" أي بدا حكم الله أو شأن الله) (١) .\nوهذا التفسير مقبول، ولكن إذا كان الأمر كذلك فلم تلك المغالاة في البداء؟، ولم صار من أصول العقائد، وأصبح مما تشذ به الشيعة عن جمهور المسلمين؟، وما الهدف من جعله بتلك المثابة وهو في الأصل من معتقدات اليهود، ومن دعاوى ابن سبأ، والمختار بن أبي عبيد، وهو في معناه اللغوي الظاهر مما لا يجوز نسبته إلى الله سبحانه؟ فلم لا ترفض عقيدة البداء أصلًا بدلًا من أن يبحث لها عن مسوغ ومخرج؟\nإن الجواب عن سبب تعلق الشيعة بعقيدة البداء وعنايتهم بها هو نفس السبب الذي جعل المختار يأخذ بهذه العقيدة؛ وهو غلوهم في أئمتهم وزعمهم أنهم يعلمون الغيب، حتى عقد صاحب «الكافي» بابًا يقول فيه: إنّ الأئمة يعلمون ما كان وما يكون وأنهم لا يخفى عليهم الشيء - كما مر - فكان القول بالبداء هو المخرج إذا حدّث الأئمة بشيء وكذبهم الواقع. كما كان هو المخرج للمختار إذا أخبر بشيء وجاء على خلاف ما قال.\nوعلماء كان موقفهم إزاء هذه العقيدة الغريبة البحث لها عن مسوغ يدافعون به عنها لا نقضها ووأدها (٢) .\n_________\n(١) «الدين والإسلام»: ص ١٧٣.\n(٢) في دفاعهم عن عقيدة البداء انظر: ابن بابويه القمي: «التوحيد»: ص ٣٣٥، المفيد: «أوائل المقالات»: ص ٩٧، هاشم الحسيني: «الشيعة بين الأشاعرة والمعتزلة»: ص ٢٣٣، الخنيزي: «الدعوة الإسلامية»: (١/٣٥)، أمير الكاظمي القزويني: «الشيعة في عقائدهم وأحكامهم»: ص ٣٥٨، الخوئي: «البيان»: ص ٣٨٨، محمد حسين آل كاشف الغطا، «أصل الشيعة»: ص ١٩٠ وغيرها.","vol":"1","page":348},{"text":"ولو كان لفظ \"البداء\" ورد في نص من نصوصهم لكان دفاعهم عنه سائغًا (١)، أما وأنه جعل عقيدة، وغلا فيه القوم غلوًا شديدًا فهو ما لا يقبل فيه الدفاع، وسيحمل على أنه تقية، وهو الذي يستدعي ذلك التساؤل عن سبب هذا الاهتمام وهو ما أسلفنا الجواب عنه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>٦- الغَيْبة:</span>\n(الغَيْبَة ... من العقائد الأساسية عند الإمامية) (٢)، وذلك أن الشيعة تعتقد (أن الأرض لا تخلو من إمام لحظة واحدة ولو بقيت الأرض بغير إمام لساخت) (٣)، (ولو أن الإمام رفع من الأرض ساعة لماجت بأهلها كما يموج البحر بأهله) (٤)، ذلك أنه عندهم (هو الحجة على أهل الأرض) (٥) فلا حجة عندهم سواه، لدرجة أن كتاب الله عندهم ليس بحجة بدون الإمام، (لأن القرآن لا يكون حجة إلا بقيم) (٥)، والقيم هو أحد أئمتهم الاثني عشر كما تقضي توجهاتهم العقدية.\nولنا أن نسأل: أين إمام الشيعة اليوم؟\nلقد توفي الحسن العسكري - إمامهم الحادي عشر - سنة\n_________\n(١) وقد ورد نسبة البداء بمعنى ظهور حكم الله للناس في حديث شريف في صحيح البخاري: فقد روى أبو هريرة (أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «إن ثلاثة في بني إسرائيل، أبرص وأقرع وأعمى بدا لله (أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكًا.. إلخ» «صحيح البخاري»، كتاب بدء الخلق، باب ما ذكر عن بني إسرائيل: (٤/١٤٦) .\n(٢) د. عبد الله فياض (من الروافض المعاصرين) «تاريخ الإمامية»: ص ١٦٥.\n(٣) من حديث لهم في «الكافي»: (١/١٧٩)، وانظر: «البحار»: (٢٣/٢٩) .\n(٤) من حديث لهم في «الكافي»: (١/١٧٩) .\n(٥) من حديث لهم في «الكافي»: (١/١٨٨) .","vol":"1","page":349},{"text":"٢٦٠ هـ (١) بلا عقب كما قاله كبار المؤرخين (٢)، واعترفت كتب الشيعة بأنه (لم ير له خلف ولم يعرف له ولد ظاهر فاقتسم ما ظهر من ميراثه أخوه جعفر وأمه) (٣)، واضطرب الشيعة بعد وفاة الحسن بلا ولد وتفرقوا - فيمن يخلفه - فرقًا شتى بلغت - كما يقول المسعودي - عشرين فرقة (٤)، أو خمس عشرة فرقة كما يقول القمي (٥)، حتى إن بعضهم قال: إن الإمامة قد انقطعت (٦)، وكاد أن يكون موت الحسن بلا عقب نهاية للشيعة والتشيع حيث سقط عموده وهو \"الإمام\".\nولكن \"فكرة غيبة الإمام\" كانت هي القاعدة التي قام عليها كيان الشيعة بعد التصدع، وأمسكت ببنيانه عن الانهيار، لهذا أصبح الإيمان بغيبة ابن للحسن العسكري هو المحور الذي تدور عليه\n_________\n(١) الطوسي: «الغيبة»: ص ٢٥٨.\n(٢) نقل هذا ابن تيمية - كما مر - ص ٢٤٣ (الهامش) من هذا البحث، وقد ذكر الطبري في حوادث سنة ٣٠٢هـ أن رجلًا ادعى - في زمن الخليفة المقتدر - أنه محمد بن الحسن بن علي بن موسى بن جعفر، فأمر الخليفة بإحضار مشايخ آل أبي طالب وعلى رأسهم نقيب الطالبين أحمد بن عبد الصمد المعروف بابن طومار، فقال له ابن طومار: لم يعقب الحسن، وقد ضج بنو هاشم من دعوى هذا المدعي وقالوا: يجب أن يشهر هذا بين الناس ويعاقب أشد عقوبة. فحمل على جمل وشهر به في الجانبين يوم التروية ويوم عرفة ثم حبس في حبس المصريين بالجانب الغربي. «الطبري»: (١٣/٢٦- ٢٧)، المطبعة الحسينية الطبعة الأولى.\nوالشاهد قول نقيب الطالبين أن الحسن العسكري لم يعقب، وأن بني هاشم ضجوا من دعوى ذلك المدعي.\n(٣) القمي: «المقالات والفرق»: ص ١٠٢.\n(٤) المسعودي: «مروج الذهب»: (٤/١٩٠)، وانظر: «الصواعق المحرقة»: ص ١٦٨.\n(٥) «المقالات والفرق»: ص ١٠٢.\n(٦) المصدر السابق: ص ١٠٨، وانظر: الطوسي: «الغيبة»: ص ١٣٥.","vol":"1","page":350},{"text":"عقائدهم ودان بذلك أكثر الشيعة بعد تخبط واضطراب، فلم يكن لهم من ملجأ إلا ذلك.\nوإذا كان ابن سبأ هو الذي وضع عقيدة \"النص على علي بالإمامة\" التي هي أساس التشيع، فإن هناك ابن سبأ آخر هو الذي وضع البديل \"لفكرة الإمامة\" بعد انتهائها حسيًا بانقطاع نسل الحسن، أو أنه واحد من مجموعة وضعت هذه الفكرة لكنه هو الوجه البارز لهذه الدعوى. هذا الرجل يدعى عثمان بن سعيد (١)، زعم أن للإمام الحسن ولدًا قد اختفى وعمره أربع سنوات (٢)، على الرغم من أن هذا الولد - كما تعترف كتب الشيعة - لم يظهر في حياة أبيه الحسن ولا عرفه الجمهور بعد وفاته (٣)، ولكن هذا الرجل عثمان بن سعيد هو الذي يزعم أنه يعرفه وأنه وكيله في تسلم أموال الشيعة والإجابة عن أسئلتهم.\nومن الغريب أن الشيعة تزعم أنها لا تقبل إلا قول المعصوم وها هي تقبل في أهم عقائدها دعوى رجل غير معصوم، حيث استجابت الشيعة لهذه الدعوى.\nورفض عثمان بن سعيد ومن معه البوح باسم هذا الولد المزعوم أو ذكر مكان وجوده - وذلك في بادئ الأمر - ففي «الكافي» عن\n_________\n(١) أبو عمرو عثمان بن سعيد العمري الأسدي العسكري، كان يتجر في السمن، ويعتبره الروافض الباب الأول لغائبهم المنتظر ويزعمون له كرامات وصفات كثيرة، توفي عام ٢٨٠هـ. انظر: «الغيبة» الطوسي: ص ٢١٤ وما بعدها.\n(٢) اختلفوا في عمره؛ فالطوسي يرى أن عمره أربع سنوات «الغيبة»: ص ٢٥٨، ويقول المجلسي: (أكثر الروايات على أنه ابن أقل من خمس سنين بأشهر أو بسنة وأشهر) «البحارة»: (٢٥/١٢٣) .\n(٣) المفيد: «الإرشاد»: ص ٣٤٥.","vol":"1","page":351},{"text":"أبي عبد الله الصالحي قال: سألت أصحابنا بعد مضي أبي محمد (الحسن العسكري) أسأل عن الاسم والمكان، فخرج الجواب: (إن دللتم على الاسم أَذاعوه، وإن عرفوا المكان دلوا عليه) (١)، ولكن ورد في كتب الشيعة أن اسمه محمد، وظل بعض علماء الشيعة ينهون عن التصريح باسمه إِلى اليوم ويكتفون بذكر أحد أَلقابه التي وضعوها له وهي: (المهدي، والحجة، والقائم، والخلف والسيد، والناحية المقدسة، والصاحب، وصاحب الزمان، وصاحب العصر (٢)، وصاحب الأَمر)، وقد ورد عندهم (صاحب هذا الأَمر لا يسميه باسمه إِلا كافر) (٣)، ولما قيل: كيف نذكره؟ قال: قولوا: (الحجة من آل محمد صلوات الله عليه وسلامه) (٤) .\nويبدو أَن عملية كتمان اسمه ومكانه ما هي إِلا محاولات لستر هذا الكذب؛ إِذ كيف يسوغ كتمانه وهم يقولون: «من لم يعرف الإِمام فإنما يعرف ويعبد غير الله» (٥) .\nوفكرة الغيبة كما نادى بها عثمان نادى بها من بعده ابنه محمد ثم بعده النوبختي وأَخيرًا السيمري - كما مر - وتسمى فترة نيابة هؤلاء الأَربعة عن المهدي بـ \"الغيبة الصغرى\" وقد استمرت أربعًا وسبعين سنة (٦) .\n_________\n(١) أصول الكافي: ١/١٨١.\n(٢) «حصائل الفكر»: ص٣٥.\n(٣) «الكافي»: (١/٣٣٣) .\n(٤) «الكافي»: (١/٣٣٣) .\n(٥) المصدر السابق: (١/٣٣٣) .\n(٦) «كشف الغطا» لآيتهم جعفر النجفي: ص ١٣، ويبدو أَن هذا التحديد غير متفق عليه بينهم؛ ففي «تنقيح المقال» لشيخهم الممقاني رد لهذا التحديد حيث قال: (وما قيل إِن مدة الغيبة أربع وسبعون سنة اشتباه بلا شبهة إلا أن يحسبها من سنة =","vol":"1","page":352},{"text":"وآخر هؤلاء النواب الأربعة هو «السيمري»، وقد طور فكرة الغيبة: فبدلًا من أن تكون بيد واحد من الشيعة يزعم أنه يلتقي بالإِمام مباشرة أَعلن انقطاع الصلة المباشرة بالمهدي وقال: كل مجتهد شيعي هو نائب عن الإمام وأَخرج توقيعًا يقول: (أما الوقائع الحادثة فارجعوا فيها إِلى رواة حديثنا، فإِنهم حجتي عليكم وأَنا حجة الله) (١) .\nوما ندري على وجه التأكيد لم قام السيمري بإعلان هذا \"الانقطاع المباشر\" مع الإِمام؟\nقد يكون هذا من أَجل المحافظة على كيان فكرة الغيبة من الانهيار، فقد كثر المتنافسون على دعوى النيابة عن المهدي (٢) لما في ذلك من مكاسب مادية كبيرة وقام البعض منهم بفضح الآخر، فمثلًا يقول \"الشلمغاني\" (٣) - وهو أَحد مدعي النيابة عن المهدي الذين لا تعترف بهم الاثني عشرية - (ما دخلنا مع أبي القاسم الحسين بن روح \"النائب الثالث للمهدي عند الاثني عشرية\" إِلا\n_________\n= الولادة - أي ولادة منتظرهم المزعومة - ثم ذكر أن: مدتها ثمان أو تسع وستون سنة إلا شهرًا) «تنقيح المقال»: (١/١٨٩) . وفي كتاب «تاريخ الغيبة الصغرى» أَن مدتها سبعون سنة. محمد باقر الصدر: «تاريخ الغيبة»: ص٣٤٥.\n(١) «الكافي» بشرحه «مرآة العقول»: (٤/٥٥)، «إكمال الدين»: ص ٤٥١.\n(٢) انظر «البحار»، باب ذكر المذمومين الذين ادعوا البابية والسفارة كذبًاُ وافتراء: (٥١/٢٦٧-٣٦٨)، الطوسي: «الغيبة»: ص٢١٣.\n(٣) محمد بن علي بن أَبي العزاقر الشلمغاني، ممن ادعى النيابة عن مهدي الروافض، ونسبت له مقالات ضالة كالقول بالتناسخ، وقال الطوسي: إِن له حكايات قبيحة وأُمور فظيعة ننزه كتابنا عن ذكرها. وقتل سنة ٣٢٣. الطوسي: «الغيبة»، وفي «الكامل»، و«البداية والنهاية» أَنه قتل سنة ٣٢٢هـ. انظر: «البداية والنهاية»: (١١/١٧٩)، «الكامل»: (٨/٢٩٠) .","vol":"1","page":353},{"text":"ونحن نعلم فيما دخلنا فيه، فلقد كنا نتهارش على هذا الأَمر كما تتهارش الكلاب على الجيف) (١) .\nيقول - أَحمد الكسروي معقبًا على هذا القول -: (ولقد صدق فيما قال؛ فإِن التخاصم لم يكن إِلا لأَجل الأَموال، كان الرجل يجمع المال ويطمع فيه فيدعي البابية لكيلا يسلمه إِلى آخر) (٢) .\nولقد كانت مسألة \"غيبة الإِمام\" - وهي من أَركان المذهب الشيعي - من المسائل التي حيرت كثيرًا من الشيعة لشكهم في أَمره وطول غيبته، وانقطاع أَخباره.\nيقول ابن بابويه القمي: (رجعت إلى نيسابور، وأقمت فيها فوجدت أَكثر المختلفين عليَّ من الشيعة قد حيرتهم الغيبة، وقد دخلت عليهم في أَمر القائم ﵇ الشبهة) (٣) .\nوهذا الشك في أَمر منتظرهم في عصر ابن بابويه (ت ٣٨١)، فكيف يكون الآن بعد مضي هذه القرون الطويلة؟!\nذلك أَن الأَسباب التي يذكرها الشيعة علة لغيبته لا يقتنع بها عاقل؛ فالشيعة يعللون سبب غيبته بأَنه \"يخاف القتل\" (٤)، مع أَنهم يقولون بأَن الأئمة يعلمون متى يموتون ولا يموتون إِلا باختيار منهم (٥)، فكيف يحتجب خوفًا وأمر الموت بيده؟!! ثم لماذا لم يقتل\n_________\n(١) «الغيبة» الطوسي: ص٢٤١.\n(٢) «التشيع والشيعة»: ص ٣٣.\n(٣) «إكمال الدين»: ص ٢.\n(٤) الكليني: «الكافي» حيث ذكر عدة أحاديث لهم تفيد ذلك: (١/٣٣٧، ٣٣٨، ٣٤٠)، وانظر: الطوسي: «الغيبة»: ص ١٩٩، وانظر: أَبو طالب التبريزي: «المهدي»: ص ١١٨.\n(٥) هذا من أَبواب «الكافي»: (١/٢٥٨) - كما مر -.","vol":"1","page":354},{"text":"واحد من هؤلاء النواب الأَربعة الذين يزعمون الاتصال به مباشرة وهم ليسوا كالإِمام لا يموتون إِلا باختيار منهم؟. ثم لم يظهر حين تولى الشيعة الحكم باسمه وأصبحت لهم السلطة؟!\nيقول الكسروي: (إِذا كان منتظرهم قد اختفى لخوفه على نفسه، فلِمَ لم يظهر عندما استولى آل بويه الشيعيون على بغداد، وصيروا خلفاء بني العباس طوع أمرهم؟ فلم لم يظهر عندما قام الشاه إِسماعيل الصفوي وأجرى من دماء السنيين أَنهارًا؟ فلم لم يظهر عندما كان كريمخان الزندي - وهو من أكابر سلاطين إيران - يضرب على السكة اسم إِمامكم «صاحب الزمان» ويعد نفسه وكيلًا عنه؟ وبعد فلم لا يظهر اليوم وقد كمل عدد الشيعيين ستين مليونًا وأَكثرهم من منتظريه؟! (١) .\nولو كان الكسروي حيًّا لقال - ولم لم يظهر وقد قامت دولة \"الخميني\" الذي يزعم النيابة عن المعصوم في كل شيء؟!!\nوقد أَلّف علماء الشيعة مؤلفات كثيرة في موضوع \"الغيبة\" (٢)، وزعم بعض علمائهم أَنه على صلة مباشرة بالمهدي كما مر، وادعوا أن من كتب رقعة وأَرسلها بطريقة معينة ودعاء معين (٣) فإِنها تصل للمهدي، وما كل ذلك إِلا لإقناع قومهم بهذه \"العقيدة\"، وبدأوا يسمون هذه العقيدة بالمهدية، ويدعون أَنها مسألة مجمع عليها بين السنّة والشيعة لأن الجميع يؤمنون بالمهدي (٤) . وعظموا من أمر هذه العقيدة وبالغوا\n_________\n(١) «التشيع والشيعة»: ص ٤٢.\n(٢) وفي «الذريعة إِلى تصانيف الشيعة» ذكر ٥٤ كتابًا لشيوخهم في الغيبة «الذريعة»: (١٦/ ٧٤-٨٤)، وانظر: مقدمة «إِكمال الدين» لمحمد مهدي السيد حسن الموسوي وقد ذكر ٣٦ كتابًا أُلّفت عندهم في موضوع \"الغيبة\".\n(٣) سيأتي ذكرها في مبحث آراء دعاة التقريب في مسألة الغيبة.\n(٤) يختلف اعتقاد أَهل السنة في المهدي عن اعتقاد الشيعة من وجوه كثيرة، فعقيدة =","vol":"1","page":355},{"text":"- كعادتهم - فزعموا أن رسول الله - ﷺ - قال عن منتظرهم: (من أنكر القائم من ولدي فقد أَنكرني) (١)، وأَن جعفر الصادق سئل عمن أَقر بالأئمة جميعًا وجحد الآخر - أي الإمام الغائب - فقال: كمن أَقر بعيسى وجحد محمدًا أَو أَقر بمحمد وجحد عيسى، نعوذ بالله من جحد حجة من حججه (٢)، وقال ابن بابويه القمي: (ومثل من أنكر القائم ﵇ في غيبته مثل إبليس في امتناعه عن السجود لآدم) (٣) .\nوأن من انتظر خروج هذا القائم فهو (كالمتشحط في دمه في سبيل الله) (٤) وهو كمن استشهد مع رسول الله - ﷺ - (٥) .\nوقال لطف الله الصافي (٦): (والأخبار الواردة في فضيلة الانتظار كثيرة متواترة) (٧) .\n_________\n= المهدي عند الشيعة من أصول دينهم كما رأينا ومن جحد المهدي كمن جحد نبيًا من الأنبياء، بينما هي عند السنّة ليست من العقائد الأساسية، وينظرون إِلى المهدي على أَن خبره من الأَخبار الكثيرة التي ذكرها رسول الله ﷺ عن أحداث آخر الزمان، وقد أَنكر ثبوته بعضهم كابن خلدون ولم يكفره أحد من السّنّة.\nثم إِن الشيعة يؤخرون تطبيق بعض أحكام الشريعة إِلى حين خروجه كتركهم صلاة الجمعة والبدء بالجهاد إِلخ.. بخلاف السنّة.\nوتزعم الشيعة أَن عنده القرآن الكامل، ومصحف فاطمة إلخ ولا شيء من ذلك عند السنّة، ثم هم يختلفون مع السنّة في اسمه، وفي وصفه خلافًا كثيرًا لا مجال لذكره..\n(١) «إكمال الدين»: ص ٣٩٠.\n(٢) محمد إبراهيم النعماني: «الغيبة»: ص٥٥.\n(٣) «إكمال الدين»: ص ١٣.\n(٤) انظر: «منتخب الأثر» لطف الله الصافي: ص ٤٩٨.\n(٥) المصدر السابق: ص ٤٩٨.\n(٦) من علماء الشيعة الإيرانيين - معاصر - مقيم في قم. من كتبه: مع الخطيب في خطوطه العريضة وغيره.\n(٧) «منتخب الأثر»: حاشية: ٤٩٩.","vol":"1","page":356},{"text":"وانتظار خروجه من غيبته من أصول الدين عندهم في «الكافي» عن أبي جعفر أنه قال لمن سأله عن دينه الذي يدين الله به: (والله لأعطينك ديني ودين آبائي الذي ندين الله به، شهادة أن لا إله إلا الله، وأَنّ محمدًا رسول الله.. وانتظار قائمنا) (١) .\nولهذا ظل الشيعة إلى أواخر القرن الرابع عشر الميلادي الذي صنف فيه ابن خلدون تاريخه الكبير يجتمعون في كل ليلة بعد صلاة المغرب بباب سرداب سامراء (٢) فيهتفون باسمه ويدعونه للخروج حتى تشتبك النجوم، ثم ينفضون كل منهم إلى بيته بعد طول الانتظار وهم يشعرون بخيبة الأمل والحزن (٣) .\nوكان هذا الانتظار مثار سخرية الساخرين حتى قيل:\nما آن للسرداب أن يلد الذي ... كلمتموه بجهلكم ما آنا\nفعلى عقولكم العفاء فإنكم ... ثلثتم العنقاء والغيلانا (٤)\nومع ذلك فإن نصوص الشيعة تدعو كل شيعي منذ أكثر من أحد عشر قرنًا إلى الآن إلى أن لا يبايع لخليفة من خلفاء المسلمين إلا تقية، وإنما البيعة لهذا المنتظر وعليه أن يجدد البيعة له في اعتقاده وقوله وأدعيته.\n_________\n(١) «الكافي» عن «منتخب الأثر»: ص٤٩٩.\n(٢) سامراء - لغة في سر من رأى، مدينة بين بغداد وتكريت على شرقي دجلة. وبها السرداب المعروف في جامعها الذي تزعم الشيعة أن مهديهم يخرج منه.. «معجم البلدان»: (٣/١٧٣)، وانظر: في وصف هذا السرداب: مجلة لغة العرب، ماذا يرى في سامراء؟، كاظم الدجيلي المجلد الأول ص ١٤٤ وما بعدها.\n(٣) أمير علي - شيعي معاصر - «روح الإسلام»: (١/٢١٠)، وانظر: «مقدمة ابن خلدون»: (٢/٥٣١-٥٣٢) .\n(٤) انظر: «الصواعق المحرقة»: ص ١٦٨.","vol":"1","page":357},{"text":"فمن أَدعيتهم اليومية الخاصة بصاحب الأمر دعاء يسمونه \"دعاء العهد\" وفيه: (اللهم إني أُجدد له في صبيحة يومي هذا وما عشت من أيامي عهدًا أو عقدًا أو بيعة له في عنقي لا أحول عنها ولا أزول أبدًا..) (١) .\nوفي دعاء يومي آخر لصاحب الأمر يقول: (اللهم هذه بيعة له في عنقي إلى يوم القيامة) .\nقال المجلسي: (..ويصفق بيده اليمنى على اليسرى كتصفيق البيعة) .\nومعظم الشيعة لا يقيمون صلاة الجمعة في زمن الغيبة ويقولون: (الجمعة والحكومة لإمام المسلمين) (٢) .\nوإمام المسلمين عندهم من أكثر من أحد عشر قرنًا هو هذا \"المنتظر\"، فهم يعطلون فريضة من فرائض الله بسبب هذه الدعوى الغريبة (٣) .\n_________\n(١) «مفتاح الجنان»: عباس القمي: ص ٥٣٨- ٥٣٩.\n(٢) «مفتاح الكرامة»: كتاب الصلاة: (٢/٦٩) .\n(٣) ومعظم الشيعة إلى اليوم لا يقيمون صلاة الجمعة، يقول كاظم الكفائي - وهو من علماء الشيعة المعاصرين -: (في العراق الآن الشيعة لا يصلون الجمعة إِلا الشيخ الخالصي في المسجد الصفوي في الصحن الكاظمي) .. حديث لكاظم الكفائي كتبه بخطه ونشره د. علي السالوس في كتابه: «فقه الشيعة» . هامش: ص ٢٠٣.\nوحينما سأل أفراد الشيعة كبير مشايخهم وهو محسن الحكيم عن دليلهم في شرطية وجوب الإمام لصلاة الجمعة كان جوابه بأن لا يسأل هذا السؤال. ثم إن بعض علماء الشيعة يقول بوجوب صلاة الجمعة ولا يقيمها. انظر: «نص الكتاب ومتواتر الأخبار على وجوب الجمعة في جميع الأعصار»: محمد عبد الرضا الأسدي: ص ٢٤، ٢٧-٢٨.","vol":"1","page":358},{"text":"ويزعمون أن مهديهم هذا يغير من شريعة رسول الله - ﷺ -، ففي «البحار» للمجلسي: (ولا يقبل صاحب هذا الأمر الجزية كما قبلها رسول الله - ﷺ -..) (١)، (وأنه يحكم بحكم سليمان، وداود، وآل داود لا يسأل الناس بينه) (٢) (وأنه يحكم بينهم مرة بحكم آدم ومرة بحكم داود ومرة بقضاء إبراهيم وفي كل واحد منها يعارضه بعض أصحابه.. فيضرب أعناقهم ثم يقضي الرابعة بقضاء محمد فلا ينكر أحد عليه) (٣)، (وأن القائم إذا خرج قتل ذراري قتلة الحسين بفعال آبائهم) (٤)، ويقولون إن منتظرهم: (يسير في العرب بما في الجفر الأحمر - وهو قتلهم) (٥)، (وإنه يقتل المولّي ويجهز على الجريح) (٦) .\nويعترفون بأن ذلك خلاف سيرة رسول الله - ﷺ - وعلي والحسن، ففي «البحار»: (أن عليًّا والحسن يسيران بسيرة رسول الله - ﷺ - وقد بعث رحمة للعالمين، وأن القائم بعث نقمة على الظالمين) (٧)، ومقتضى هذا - عندهم - أنه لا يسير سيرتهم.\n(وأنه يقتل من بلغ العشرين ولم يتفقه في الدين) (٨) .\nويذكرون أن \"مهديهم\" يقوم بعملية هدم وتخريب في الحرمين\n_________\n(١) «البحار»: (٥٢/٣٤٩) .\n(٢) «البحار»: (٥٢/٣١٩- ٣٢٠) .\n(٣) «البحار»: (٥٢/٣٨٩) .\n(٤) «البحار»: (٥٢/٣١٣) .\n(٥) «البحار»: (٥٢/٣١٣، ٣١٨) .\n(٦) «البحار»: (٥٢/٣٥٣) .\n(٧) المجلسي: «البحار»: (٥٢/٣١٤) .\n(٨) الفضل بن الحسن الطبرسي: «أعلام الورى»: ص ٤٣١، «البحار»: (٥٢/١٥٢) .","vol":"1","page":359},{"text":"الشريفين، ففي الغيبة (أن القائم يهدم المسجد الحرام حتى يرده إلى أساسه ومسجد الرسول - ﷺ - إلى أساسه، ويرد البيت إلى موضعه وأقامه على أساسه - هكذا -..) (١) .\nويعترفون بأن \"منتظرهم\" يحاول أن يصرف الناس عن هذا القرآن ويخرج لهم قرآنًا يزعم أنه هو القرآن الكامل الذي أُنزل على رسول الله - ﷺ -، وقد مر نقل ذلك عنهم (٢) .\nكما أنهم يدعون أن عند مهديهم مصحف فاطمة، والكتب السماوية السابقة، والجفر، والجامعة وغيرها من العلوم التي يزعمون أن \"القائم\" ورثها عن الأئمة (٣) - كما سلف -.\nومن العجب أنهم كانوا يؤقتون خروجه في أول الأمر بوقت معين، ففي «الكافي»: (أن عليًا - كما يزعمون - سئل: كم تكون الحيرة والغيبة؟ قال: ستة أيام، أو ستة أشهر أو ست سنين..) (٤) .\nوهذا التوقيت القريب - فيما يبدو - لأجل إقناع شيعتهم بهذه الدعوى في مبدأ نشأتها حتى تشب ويصلب عودها ويكثر مصدقها.\nثم أعلنوا - بعد ذلك - أنه لا وقت معينًا لخروجه، وذلك بعد أن طال بهم الانتظار واستبدت بهم الحيرة، جاء في «الكافي»: (كذب الوقاتون، إنا أهل بيت لا نؤقت) (٥) .\n_________\n(١) الطوسي: «الغيبة»: ص ٢٨٢، وانظر المجلسي: «البحار»: (٥٢/٣٣٨) .\n(٢) انظر: ص ٢٠٢ - ٢٠٣ من هذا البحث.\n(٣) انظر: ص ٢٤٦ وما بعدها، ص ٢٢٥ وما بعدها من هذا البحث.\n(٤) «الكافي»: (١/٣٣٨)، وانظر: الطوسي: «الغيبة»: ص ٢٦٣.\n(٥) «الكافي»، كتاب الحجة، باب كراهة التوقيت: (١/٣٦٨)، انظر: الطوسي: «الغيبة»: ص ٢٦٢، وانظر: «نور الثقلين»: (٢/١٠٧) .","vol":"1","page":360},{"text":"وقد نقلت لنا كتب الفرق أقوالهم المختلفة، وآراءهم المضطربة في شأن الغيبة، فكل يتبع إمامًا ويدعي غيبته، وكل يقول برأي ويزعم أحقيته (١) .\nوقال الشهرستاني بعد أن نقل خلافهم في ذلك: (ومع اختلافكم هذا كيف يصح لكم دعوى الغيبة؟..) (٢) .\nولا شك أن هذا \"الأمر\" لو كان من عند الله لم يكن ليظهر على هذا الاضطراب والاختلاف والحيرة..\nوإذا سألتهم عن مدة الغيبة كيف تعقل؟ إذ كيف يمكن أن يحيا إنسان هذه القرون المتطاولة؟!\nقالوا: أليس الخضر يعيش في الدنيا من آلاف السنين.\nومع أن القول الصحيح أن \"الخضر\" ليس بحي (٣)، فإن حجتهم داحضة فالخضر ليس مكلفًا كما أنه ليس مسؤولًا عن هداية أُمة أو جماعة، وإمامكم هو المسؤول عندكم عن المسلمين جميعًا - على ما تهرفون -!!!\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>٧- معتقدهم في الصحابة:</span>\nفي كتب الشيعة الأساسية سب وطعن ولعن وتكفير للصحابة رضوان الله عليهم إلا قليلًا منهم لا يتجاوز الثلاثة في معظم\n_________\n(١) راجع: الشهرستاني: «الملل والنحل»: (١/١٧٠- ١٧٢)، وانظر: القمي: «المقالات والفرق»: ص ١٠٢ وما بعدها.\n(٢) «الملل والنحل»: (١/١٧٢) .\n(٣) انظر: «منهاج السنة»: (١/٢٨) الطبعة الأميرية، ابن القيم: «المنار المنيف»: ص ٦٧- ٧٦، ابن كثير: «البداية والنهاية»: (١/٣٢٥- ٣٣٧)، ابن حجر: «فتح الباري»: (٦/٣٠٩- ٣١٢)، «الإصابة»: (٢/٢٨٦- ٣٣٥) .","vol":"1","page":361},{"text":"الروايات، وتتناول نصوص السب والتكفير كثيرًا من آحادهم على سبيل التعيين، ويخصون الخلفاء الثلاثة بالنصيب الأوفى من ذلك.\nوتتضمن صفحات كتب الشيعة المعتمدة أخبار صراعات وعداوات بين علي وفاطمة من جهة وبين سائر الصحابة من جهة أخرى، وفي مقدمة الصحب الخليفتان الراشدان.\nولو أخذنا ننقل ما وجدنا من هذا \"الغثاء\" لاستغرق مئات الصفحات، وكل هذه الصفحات السوداء تذكي العداوة، وتوري نيران الحقد وتزرع الفرقة، والهدف منها صرف الأمة عن شريعة نبيها بالطعن في الطريق الأول الناقل لها، وإبطال التواتر في نقل دين الإسلام.\nوفيما يلي أمثلة لهذا من كتبهم المعتمدة.\nهناك روايات كثيرة في كتبهم المعتمدة تقول، إن الصحابة ارتدوا إلا ثلاثة، وتزيد بعض الروايات آخرين رجعوا عن ردتهم، إلا أن المجموع لا يتجاوز السبعة في كل الروايات، وهذا الحكم بردة الصحابة رضوان الله عليهم الذين أثنى عليهم ورسوله وسجل التاريخ مآثرهم بمداد من نور ولم تشهد الدنيا إلى يومنا مجتمعًا كمجتمعهم - رضوان الله عليهم - هذا الحكم بردتهم إلا ثلاثة ورد في كثير من كتب الشيعة المعتمدة مثل: «الكافي» (١)، و«البحار» (٢)، و«كتاب سليم بن قيس» (٣) و«الاختصاص» (٤)، و«رجال الكشي» (٥)،\n_________\n(١) انظر: الكليني: «الكافي»: (٢/٢٤٤)، (٢/٢٢٤) .\n(٢) انظر: المجلسي: «البحار»: (٢٢/٣٤٥، ٣٥١، ٣٥٢، ٤٤٠) .\n(٣) انظر: كتاب: «سليم بن قيس»: ص ٧٤- ٧٥.\n(٤) انظر: المفيد: «الاختصاص»: ص ٤- ٥.\n(٥) «رجال الكشي»: ص ٦، ٧، ٨، ٩، ١١.","vol":"1","page":362},{"text":"وفي «تفسير العياشي» (١)، و«البرهان» (٢)، و«الصافي» (٣)، و«تفسير نور الثقلين» (٤) وغيرها وما في هذه الكتب إنما هو أحاديث عن معصوميهم فيما يزعمون.\nأما كلام علمائهم في الطعن في ذلك الجيل القرآني الفريد فهو قد سود معظم كتبهم، ونحن لا نحاول أن نستشهد بهم كثيرًا فهم يزعمون أنه لا حجة إلا في كلام معصوميهم، وغرضنا هنا التثبت في نقل مذهبهم.\nروى \"ثقتهم\" الكليني في «الكافي» عن حمران بن أعين قال: (قلت لأبي جعفر \"ع\": جعلت فداك، ما أقلنا لو اجتمعنا على شاة ما أفنيناها (٥) ! فقال: ألا أحدثك بأعجب من ذلك، المهاجرون والأنصار ذهبوا إلا - وأشار بيده - ثلاثة..) (٦) .\nوفي روايات أخرى لهم تعيين لهؤلاء الثلاثة:\nفعن أبي جعفر \"ع\" كان الناس أهل ردة بعد النبي - ﷺ - إلا ثلاثة، فقلت: ومن الثلاثة؟ فقال: المقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي رحمة الله وبركاته عليهم، ثم عرف الناس بعد يسير..) (٧) .\n_________\n(١) «تفسير العياشي»: (١/١٩٩) .\n(٢) هاشم البحراني: «البرهان»: (١/٣١٩) .\n(٣) محسن الكاشاني: «الصافي»: (١/٣٠٥) وما بعدها.\n(٤) الحويزيني: «نور الثقلين»: (١/٣٩٦) وما بعدها.\n(٥) يعني أنها قلة شاذة بالنسبة لأهل السنّة.\n(٦) «الكافي»، كتاب الإيمان والكفر، باب في قلة عدد المؤمنين: (٢/٢٤٤)، وانظر: «رجال الكشي»: ص ٧، وانظر: «البحار»: (٢٢/٣٤٥) .\n(٧) «الكافي»، كتاب الروضة: (١٢/٣٢١- ٣٢٢) (مع شرح جامع للمازندراني) .","vol":"1","page":363},{"text":"وهؤلاء الذين عرفوا، عددهم أربعة ليصبح مجموع الذين نجوا من الردة - في كتب الشيعة - سبعة، ففي رجال الكشي عن أبي جعفر قال: (ارتد الناس إلا ثلاثة نفر: سلمان، وأبو ذر، والمقداد، قال: قلت: فعمار؟ قال: جاض جيضة (١)، ثم رجع، ثم قال: إن أردت الذي لم يشك ولم يدخله شيء فالمقداد. فأما سلمان فإنه عرض في قلبه عارض أن عند أمير المؤمنين اسم الله الأعظم لو تكلم به لأخذتهم الأرض، وهو هكذا فلبب (٢) ووجئت (٣) عنقه حتى تركت كالسلقة، فمر به أمير المؤمنين \"ع\" فقال له: يا أبا عبد الله هذا من ذاك فبايِعْ، فبايَع، وأما أبو ذر فأمره أمير المؤمنين \"ع\" بالسكوت - ولم يكن يأخذه في الله لومة لائم - فأبى إلا أن يتكلم، فمر به عثمان فأمر به - كذا - ثم أناب الناس بعد فكان أول من أناب أبو ساسان الأنصاري، وأبو عمرة، وشتيرة وكانوا سبعة فلم يكن يعرف حق أمير المؤمنين \"ع\" إلا هؤلاء السبعة) (٤) .\nحتى هؤلاء الثلاثة الذين نجوا من الردة لم ينجوا من السب والقدح في كتب الشيعة؛ ففي «رجال الكشي» .. قال أمير المؤمنين - علي -: (يا أبا ذر إن سلمان لو حدثك بما يعلم لقلت: رحم الله قاتل سلمان) (٥) .\nوعن جعفر عن أبيه \"ع\" قال: ذكرت التقيّة يومًا عند علي \"ع\" فقال: (لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله..) (٦) .\n_________\n(١) جاض عنه يجيض: جاد وعدل.\n(٢) لببه: جمع ثيابه عند نحره في الخصومة ثم جره.\n(٣) وجأ يجأ: ضربه باليد والسكين.\n(٤) «رجال الكشي»: (ص ١١- ١٢) .\n(٥) المصدر السابق: ص ١٥.\n(٦) المصدر السابق: ص ١٧.","vol":"1","page":364},{"text":"وعن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله \"ع\" يقول: قال رسول الله - ﷺ -: (يا سلمان: لو عرض علمك على مقداد لكفر، يا مقداد: لو عرض علمك على سلمان لكفر) (١) .\nثم إن هذه الروايات التي تحكم بالردة على ذلك المجتمع المثالي الفريد ولا تستثني منه سوى ثلاثة أو أربعة أو سبعة على الأكثر - هذه الروايات ليس فيها لأهل البيت ذكر، فالحكم بالردة في هذه النصوص شامل للصحابة من قرابة رسول الله - ﷺ - وزوجاته أمهات المؤمنين ومن غيرهم، فهي تتناول الصحب والآل مع أن واضعها يزعم التشيع لأهل بيت رسول الله - ﷺ -، فهل هذا إلا دليل على أن التشيع إنما هو ستار لتنفيذ أغراض خبيثة ضد الإسلام وأهله؟.\nفعلي، والحسن، والحسين، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل العباس وآل علي وزوجاته - ﷺ - أُمهات المؤمنين ليس لهم ذكر في هذه الروايات، إلا أن هناك رواية عندهم تذكر عليًّا وتنسى الباقين، فعن الفضيل بن يسار عن أبي جعفر \"ع\" قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما قُبض صار الناس كلهم أهل جاهلية إلا أربعة: علي والمقداد، وسلمان، وأبو ذر. فقلت: فعمار؟ فقال: إن كنت تريد الذين لم يدخلهم شيء فهؤلاء الثلاثة) (٢) .\nأما نصوصهم التي تتناول كبار الصحابة وخيارهم على وجه التعيين فهي كثيرة، ولخير هذه الأمة بعد نبيها - كما شهد بذلك أخوهم\n_________\n(١) المصدر السابق: ص ١١.\n(٢) انظر: «تفسير العياشي»: (١/١٩٩)، «البرهان»: (١/٣١٩)، «الصافي»: (١/٣٠٥) .","vol":"1","page":365},{"text":"علي - ﵁ - لهما النصيب الأكبر من هذه الزندقة الحاقدة، ففي «الكافي»: (ثلاثة لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم:\nمن ادعى إمامة من الله ليست له، ومن جحد إمامًا من الله، ومن زعم أن لهما - يعنون أبا بكر وعمر ﵄ - في الإسلام نصيبًا) (١) .\nوفي «روضة الكافي» (أن الشيخين فارقا الدنيا ولم يتوبا ولم يتذكرا ما صنعا بأمير المؤمنين، فعليهما لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) (٢) .\nوقال شيخهم نعمة الله الجزائري: (قد وردت في روايات الخاصة - يعني شيعته - أن الشيطان يغل بسبعين غلًا من حديد جهنم ويساق إلى المحشر فينظر ويرى رجلًا أمامه يقوده ملائكة العذاب وفي عنقه مائة وعشرون غلًا من أغلال جهنم، فيدنو الشيطان إليه ويقول: ما فعل الشقي حتى زاد علي في العذاب وأنا أغويت الخلق وأوردتهم موارد الهلاك؟، فيقول عمر للشيطان: ما فعلت شيئًا سوى أني غصبت خلافة علي بن أبي طالب) (٣) .\nوقال هذا \"النقمة\" معقبًا على هذه الرواية: (والظاهر أنه - يعني عمر - ﵁ - قد استقل سبب شقاوته ومزيد عذابه ولم يعلم أن كل ما وقع في الدنيا إلى يوم القيامة من الكفر والنفاق واستيلاء أهل الجور والظلم إنما هو من فعلته هذه) (٤) .\n_________\n(١) مضى تخريج هذا \"النص\" من كتبهم ص ٣١٤.\n(٢) «الكافي»، كتاب الروضة: (١٢/٣٢٣) (ضمن كتاب شرح جامع للمازندراني) .\n(٣) (٤) «الأنوار النعمانية»: (١/٨١- ٨٢) .","vol":"1","page":366},{"text":"تلك نظرة من يزعم التشيع لعلي في عمر الذي قال فيه أخوه علي: «ما خلفت أحدًا أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك..» (١) .\nوقال هذا \"النقمة\" - في أبي بكر (-: (نقل في الأخبار - أخبار شيعته - أن الخليفة الأول قد كان مع النبي - ﷺ - وصنمه الذي كان يعبده زمن الجاهلية معلق بخيط في عنقه ساتره بثيابه وكان يسجد - ويقصد أن سجوده لذلك الصنم - إلى أن مات النبي - ﷺ - فأظهروا - كذا - ما كان في قلوبهم) (٢) .\nانظر كيف بلغ الحقد والعداء بهؤلاء الذين لبسوا ثوب التشيع لآل البيت زورًا وبهتانًا ضد رواد الإسلام، ومن أقاموا دولة الإسلام وفتحوا ديار هؤلاء المجوس ونشروا الإسلام بينهم، وأطفأوا نار المجوسية والوثنية في بلادهم، وإذا كان هذا مبلغ حقدهم ومقدار سبهم لمن ﵃ وتواتر الثناء عليهم في كتاب الله وسنّة نبيه وقد واراهم التراب من قرون، فكيف يكون مستوى حقدهم وتآمرهم على المسلمين الآخرين؟!\nكما قال بعض السلف: «لا يغل قلب أحد على أحد من أصحاب رسول الله - ﷺ - إلا كان قلبه على المسلمين أغل» (٣) .\nكما تطاولوا بالسب والتكفير على كثير من خيار الصحابة غير\n_________\n(١) رواه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عمر: (٧/٤١) (مع شرحه فتح الباري) .\n(٢) «الأنوار النعمانية»: (٢/١١١) .\n(٣) «الإبانة» لابن بطة: ص ٤١.","vol":"1","page":367},{"text":"الشيخين أمثال ذي النورين عثمان بن عفان (١)، وأنس بن مالك (٢) والبراء بن عازب (٣)، ولم يكتف الشيعة بذلك بل طعنوا في آل النبي وأقربائه، في عم النبي العباس (٤) وفي ابنه حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس (٥) وفي بعض زوجاته (عائشة (٦) ﵂.\nوظاهرة التكفير والسب عند الشيعة لا تخص جيل الصحابة - كما قدمنا - لكنهم يركزون على صحابة رسول الله - ﷺ - بوجه خاص باعتبار أنهم نقلة الشريعة السماوية، وإلا فهم مثلًا يكفرون جميع الناس بعد مقتل الحسين إلا ثلاثة (٧)، تقول كتب الشيعة إن الناس ارتدوا بعد الحسين إلا ثلاثة، ويطعنون في كل من أنكر إمامة \"الاثني عشر\" ولو كان من أهل البيت وأولاد فاطمة (٨)، هذا مع أن عليًا (لم يكفر حتى من حاربه من أهل الشام وغيرهم، فقد قال - كما يرويه إمام الشيعة الشريف الرضي في نهج البلاغة - قال في كتابه إلى أهل الأمصار - يذكر فيه\n_________\n(١) انظر: «رجال الكشي»: ص ٥٩، ٦٠، «تفسير العياشي»: جـ١ ص ١٤٨، ١٨١، جـ٢ ص ١١٦، «البرهان»: (١/٢٥٤، ٤٧٦) .\n(٢) «رجال الكشي»: ص ٤٥.\n(٣) المصدر السابق: ص ٤٥.\n(٤) «رجال الكشي»: ص ٥٣، ٥٥، ٥٦، «تفسير العياشي»: (٢/٣٠٥، ٣٣٧) .\n(٥) «رجال الكشي»: ص ٦٠، وفي «الكافي»: (١/٢٤٧) تكفير لابن عباس (، وأنه سخيف العقل جاهل إلخ.\n(٦) انظر: «رجال الكشي»: ص ٥٧- ٦٠، «الكافي»: (١/٣٠٠)، «البحار»: (٥٣/٩٠) .\n(٧) «أصول الكافي»: (٢/٣٨٠)، «رجال الكشي»: ص ١٣٣.\n(٨) الكليني: «الكافي»: (١/٣٧٢)، وانظر: المجلسي: «البحار»: (٢٥/١١٢- ١١٤) .","vol":"1","page":368},{"text":"ما جرى بينه وبين أهل صفين -: (وكان بدء أمرنا أنا التقينا والقوم من أهل الشام، والظاهر أن ربنا واحد، ودعوتنا في الإسلام واحدة، ولا نستزيدهم في الإيمان بالله، والتصديق برسوله ولا يستزيدوننا، الأمر واحد إلا ما اختلفنا فيه من دم عثمان ونحن منه براء) (١) .\nوقد أنكر على من يسب معاوية ومن معه فقال - كما في نهج البلاغة أيضًا ـ:\n(إني أكره لكم أن تكونوا سبابين، ولكنكم لو وصفتم أعمالهم وذكرتم حالهم كان أصوب في القول، وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبكم إياهم: اللهم أحقن دماءنا ودماءهم وأصلح ذات بيننا وبينهم..) (٢) .\nفهذا السب والتكفير لم يكن من هدي علي باعتراف الكتاب الأول عند الشيعة.\nولقد وضعت أيدينا كتب الشيعة نفسها على مؤسس هذا السب والطعن لأكرم خلق الله بعد النبيين، فقالت: إنه عبد الله بن سبأ لأنه هو (أول من أظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة وتبرأ منهم وادعى أن عليًا (أمره بذلك) (٣) .\nوالشيعة - هي تنال من أشرف الخلق بعد الرسل والنبيين - نراها\n_________\n(١) «نهج البلاغة»: ص ٤٤٨.\n(٢) المصدر السابق: ص ٣٢٣.\n(٣) القمي: «المقالات والفرق»: ص ٢٠، وانظر: النوبختي: «فرق الشيعة»: ص ١٩- ٢٠.","vol":"1","page":369},{"text":"تدافع عن المرتدين كأصحاب مسيلمة (١)، والزنادقة: كالمختار (٢)، والنصير الطوسي (٣)، بل إنهم يلقبون (أبا لؤلؤة المجوسي قاتل عمر بن الخطاب - ﵁ - بـ \"أبابا شجاع الدين\") (٤) .\nهذه كتب الشيعة تثني على أقزام التاريخ وحثالة البشر وأعداء الإسلام، وتسب وتطعن وتكفر خيار الأمة وروادها.\nولا شك أن الطعن في صحابة رسول الله - ﷺ - هو طعن في دين الله وشرعه، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (من زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله ﵊ إلا نفرًا قليلًا لا يبلغون بضعة عشر نفسًا أو أنهم فسقوا عامتهم، فهذا لا ريب أيضًا في كفره، لأنه مكذب لما نصه القرآن في غير موضع من الرضى عنهم والثناء عليهم، بل من يشك في كفر مثل هذا فإن كفره متعين، فإن مضمون هذه المقالة أن نقلة الكتاب والسنّة كفار أو فسّاق وأن هذه الآية التي هي: (كنتم خير أمة أخرجت للناس) (٥) وخيرها هو القرن\n_________\n(١) انظر: عبد الله العلايلي، الإمام الحسين، مقدمة الطبعة الثانية: ص٣، ٤، ١٩. وراجع «المنتقى»: ص ٢٧١- ٢٧٣.\n(٢) انظر: ابن إدريس: «السرائر»: ص ٤٧٥، وانظر: حسين البرقي: «تاريخ الكوفة»: ص ٦٢.\n(٣) انظر: الخوانساري: «روضات الجنات»: (٦/٣٠٠، ٣٠١)، وانظر: الخميني: «الحكومة الإسلامية»: ص ١٢٨.\nوقد قال ابن القيم - ﵀ - عن هذا الطوسي - الذي تثني عليه كتب الشيعة -: نصير الشرك والكفر، الملحد وزير الملاحدة، النصير الطوسي وزير هولاكو. ثم تحدث عن آرائه الملحدة ومؤامراته ضد المسلمين.. انظر: «إغاثة اللهفان»: (٢/٢٦٣) .\n(٤) عباس القمي: «الكنى والألقاب»: (٢/٥٥) .\n(٥) من الآية ١١٠ من سورة آل عمران.","vol":"1","page":370},{"text":"الأول، كان عامتهم كفارًا أو فساقًا، ومضمونها أن هذه الأمة شر الأمم وأن سابقي هذه الأمة هم شرارها، وكفر هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام، ولهذا تجد عامة من ظهر عليه شيء من هذه الأقوال فإنه يتبين أنه زنديق..) (١) .\nوبعد:\nفهذه هي أهم عقائد القوم التي خالفوا بها جماعة المسلمين، ولهم بالإضافة لذلك شذوذات في \"مسائل الفقه\" خالفوا بها ما تواتر من النصوص وقد درج أئمة السنّة على ذكر مثل هذه المسائل في مباحث العقيدة، ولضيق المجال حسبنا أن نشير إلى أن صاحب مختصر التحفة الاثني عشرية قد ذكر معظم هذه المسائل في مختلف أبواب الفقه (٢)، وللدكتور علي السالوس دراسة جديدة في بابها لهذه القضايا أثبت فيها شذوذهم، وناقشه بما ورد عن أهل السنّة، وبما ورد في كتب الشيعة من روايات توافق ما عند أهل السنّة، ونقض رد علماء الشيعة لرواياتهم الموافقة لأهل السنّة بدعوى التقية، وهو منهج يستحق الإشادة والتقدير (٣) .\nوالذي جعلنا نكتفي بهذه الإشارة ولا ندرس هذه القضايا إيماننا بأن التقريب يبدأ من الأصول أولًا..\nومن العجب أن الشيعة يغالون في قيمة كل مسألة يشذون بها عن أهل السنّة، حتى في المسائل الفقهية والعملية. فمثلًا \"مسألة المتعة\"\n_________\n(١) «الصارم المسلول»: ص ٥٨٦- ٥٨٧.\n(٢) انظر: «مختصر التحفة الاثني عشرية»: ص ٢٠٧ وما بعدها.\n(٣) انظر: كتابه في هذا المسمى: «فقه الشيعة الإمامية ومواضع الخلاف بينه وبين المذاهب الأربعة»، نشر مكتبة ابن تيمية، الكويت ١٣٩٨هـ.","vol":"1","page":371},{"text":"لم يكتفوا بإباحتها بل رتبوا على تركها وعيدًا شديدًا.\nفمن رواياتهم في ذلك أن (من خرج من الدنيا ولم يتمتع جاء يوم القيامة وهو أجدع (١» (٢) .\nوجعلوا لفاعلها أجرًا عظيمًا حتى قالوا: إن من تمتع أربع مرات كان كرسول الله - ﷺ - في الأجر، ونسبوا هذه \"القولة الشنيعة\" إلى رسول الله - ﷺ -. تقول روايتهم: قال النبي؟: (من تمتع مرة كان درجته كدرجة الحسين (ومن تمتع مرتين فدرجته كدرجة الحسن ومن تمتع ثلاث مرات كان درجته كدرجة علي ومن تمتع أربع مرات كانت درجته كدرجتي) (٣) .\nوقالوا: من لم يقل بالمتعة فليس بشيعي، فمن رواياتهم: (ليس منا من لم يؤمن بكرتنا ويستحل متعتنا) (٤) .\nوفسروا آيات من كتاب الله \"بالمتعة\"، فمن ذلك ما رووه عن الباقر \"ع\" أن عبد الله بن عطا المكي سأله عن قوله تعالى: (وإذ أسر النبي.. الآية «٥) فقال: (إن رسول الله - ﷺ - تزوج بالحرة متعة فاطلع عليه بعض نسائه فاتهمته بالفاحشة!! فقال: إنه نكاح بأجل فاكتميه فاطلعت، عليه بعض نسائه) (٦) .\n_________\n(١) مقطوع الأنف والأذن.\n(٢) فتح الله كاشاني: «منهج الصادقين»: ص ٣٥٦ (فارسي) طبعة إيران.\n(٣) «تفسير منهج الصادقين» لملا فتح الله كاشاني: ص ٣٥٦ (فارسي) .\n(٤) مضى تخريج هذا \"النص\" من كتبهم ص ٣٤١.\n(٥) التحريم: آية ٣.\n(٦) الحر العاملي: «وسائل الشيعة»، كتاب النكاح، أبواب المتعة: (٧/٤٤٠) . وانظر: ابن بابويه القمي: «من لا يحضره الفقيه»: (٢/١٥١) .","vol":"1","page":372},{"text":"هذا مجرد مثال لمبالغتهم في تعظيم الشذوذ وإن كانت في الفقه. والمتعة إنما هي جزء من فوضى سلوكية عندهم ما أَنزل الله بها من سلطان (١) .\nومن الملاحظ أَنهم يروون روايات في تحريم المتعة ولكن مشايخهم يردونها بحجة التقية بلا دليل وبرهان. ففي كتبهم: (عن زيد بن علي عن آبائه عن علي - ﵁ - قال: حرم رسول الله - ﷺ - خيبر لحوم الحمر الأَهلية ونكاح المتعة) (٢) .\nقال شيخهم الحر العاملي: (أقول حمله الشيخ (٣) وغيره على التقية - يعني في الرواية - لأَن إِباحة المتعة من ضروريات مذهب الإِمامية) (٤) .\nهذا مثال واحد لشذوذهم في مسائل الفروع، ونكتفي بهذا المثال وبما أَشرنا إِليه من بعض المراجع للسبب الذي ذكرناه آنفًا.\nوقد لاحظت أَنه لا يوجد لهم شذوذ ومخالفة إِلا وهناك في الغالب بعض الروايات التي تنفي هذا الشذوذ والمخالفة، ولكن شيوخهم يعملون بالشذوذ ويردون ما يوافق أَهل السنّة بحجة التقية. فهل هذا عمل من يريد التقارب؟!\n_________\n(١) فعندهم يباح وطء الزوجة مع الدبر. انظر: «وسائل الشيعة»: (١٤/١٠٣) وغيرها، وورد في أحاديثهم حديث هو من أصول الباطنيين في الإباحية وهو ما رووه عن الحسن العطار قال: سألت أَبا عبد الله \"ع\" عن عارية الفرج قال: لا بأس.. «وسائل الشيعة»: (٧/٥٤٠)، الطوسي: «التهذيب»: (٢/١٨٥)، «الاستبصار»: (٣/١٤١)، «فروع الكافي»: (٢/٤٨) .\n(٢) انظر: «التهذيب»: (٢/١٨٤)، «الاستبصار»: (٣/١٣٢)، «وسائل الشيعة»: (٧/٤٤١) .\n(٣) إِذا أُطلق \"الشيخ\" في كتب الشيعة فالمراد به \"الطوسي\".\n(٤) «وسائل الشيعة»: (٧/٤٤١) .","vol":"1","page":373},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>النتيجة للباب الأول والثاني</span>\nوبعد هذه الدراسة والتعريف والبيان لما ينفرد به أَهل السنّة حقيقة ومصدرًا وعقيدة، وما ينفرد به الشيعة عن المسلمين في ذلك - بعد هذا كله هل نستطيع أَن نحكم على مسأَلة التقريب من خلال ما سبق؟\nلقد رأَينا كيف وضع الشيعة مذهبهم على أسس تنأَى بهم عن الجماعة الإِسلامية، وتبتعد عن العودة إِلى المسلمين.\nولم يكن هذا البعد وليد يوم وليلة، بل هو مخاض سنين طويلة، كان أُولئك المتسترون بالتشيع يعملون عملهم في البعد بالشيعة عن أُمة الإِسلام كما كانوا دائبين على خلق الفرقة بين المسلمين.\nفكان من الشيعة، من خرج عن دائرة الإِسلام كفرق الباطنية.\nوكان منهم من ظل في هذه الدائرة على انحراف كمعتدلة الزيدية.\nوكانت منهم طائفة في يوم من الأَيام وسطًا ولكنها اليوم استقرت عقائدها على مركب الغلو، وانمحت السدود العازلة بينهم وبين الغلاة، وإِليك البيان لذلك في ضوء ما سبق.\nإِن الشيعة التي تسمى بالإِثنا عشرية، وبالإِمامية، وبالرافضة، وبالجعفرية، تلك التي تشكل أَكثرية الشيعة اليوم، حتى قالوا: إِن لفظ","vol":"1","page":375},{"text":"الشيعة إِذا أُطلق - اليوم - فلا ينصرف إِلا إليها، وغيرها إِما زيدية وإما إسماعيلية - كما مر - هذه الطائفة قد عزلت نفسها عن جماعة المسلمين بمصادر لها خاصة تأخذ منها دينها وعقائدها.\nوهذه المصادر والدواوين التي اعتمدتها في التلقي هي - كما مر النقل عنها ومن خلال القراءة الطويلة فيها أثناء هذا البحث - قد استوعبت آراء فرق الشيعة من خلال القرون، ذلك أنه بالمقارنة بين ما في كتب الاثني عشرية وبين آراء فرق الشيعة في كتب الفرق وغيرها؛ نجد أنه ما من رأي أو فكرة نادت بها طائفة من فرق الشيعية في حقب التاريخ المختلفة إلا ونجد لها شاهدًا ودليلًا في كتب الاثني عشرية، حتى يكاد القارئ لذلك يحكم بأن ذلك التقسيم الكثير للشيعة وذكر طوائفها المتعددة قد أصبح اليوم لا داعي له، لأن هذه الطائفة الاثني عشرية قد استوعبت تلك الآراء والعقائد.\nوهذه حقيقة مهمة وكبيرة ولم تكن واضحة قديمًا كما هي اليوم بعد انتشار كتب الاثني عشرية.\nوإن دراسة مقارنة لآراء تلك الفرق، وما جاء في كتب الاثني عشرية لهي دراسة جديدة نافعة تكشف حقائق هامة، والمجال لا يتسع لذلك، فلنأخذ أمثلة على ما نقول لنرى كيف استقر مركب الاثني عشرية على الغلو.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية:\n(وكذلك - أي في الحكم بالتكفير - من زعم أن القرآن نقص منه آيات وكتمت..) ثم بيّن أن هذا مذهب القرامطة والباطنية (١) .\n_________\n(١) «الصارم المسلول»: ص ٥٨٦.","vol":"1","page":376},{"text":"هذا القول الذي نسبه ابن تيمية للباطنية نجد في دواوين الشيعة الاثني عشرية ما يشهد له ويؤيده.\nوقد رأينا اشتمال الكتب الأساسية عند الاثني عشرية على أحاديث تقول بنقص القرآن. وزعم علماء الشيعة كالمفيد في «أوائل المقالات»، والمجلسي في «مرآة العقول»، والمازندراني في «شرحه للكافي» وغيرهم أن الأحاديث التي تقول بنقص القرآن وتحريفه متواترة من طرقهم.\nوشهد عالمهم نعمة الله الجزائري أنها بلغت أكثر من ألفي حديث، وأقر علماء الشيعة بأنه مذهب لكبار علمائهم كالكليني، وشيخه القمي، والطبرسي صاحب «الاحتجاج»، والمجلسي صاحب «البحار» وغيرهم كما مر بيانه وتفصيله.\nأفلا يحق لنا القول بأن آراء القرامطة قد تضمنتها كتب الاثني عشرية وأصبح التقسيم بينهما اسميًا لا حقيقيًا في هذا؟.\nوالغريب أن كتب الاثني عشرية التي تضمنت القول بنقص القرآن وتحريفه، كان منها ما هو قبل ابن تيمية بقرون مثل «الكافي» للكليني (ت ٣٢٩) وتفسير إبراهيم القمي شيخ الكليني وغيرهما، فهل كانت هذه الكتب سرية التداول بين الشيعة أو أن تلك الآراء الشاذة أُضيفت إليها فيما بعد؟، أو أن علماء السنّة لم يهتموا بالاطلاع على كتبهم لكذبهم؟!!! على أية حال إن ما ينسبه ابن تيمية للقرامطة هو متواتر في كتب الاثني عشرية.","vol":"1","page":377},{"text":"ومثلًا \"عقيدة البداء\" (اعتبرها أصحاب الفرق من عقائد الغلاة) (١) ونسبوها للمختارية (٢) وهي من الغلاة، ومع ذلك - كما مر - قد ورد في صحيحهم «الكافي» ستة عشر حديثًا في البداء، وفي «البحار» في باب البداء، والنسخ أكثر من سبعين حديثًا، وصار البداء من عقائد الاثني عشرية، وإن حاول علماؤهم أن يلتمسوا مخلصًا له لينجوا من تكفير المسلمين لهم لقولهم بهذه العقيدة الضالة.\nوكذلك \"عقيدة الرجعة\" (اعتبروها من عقائد الغلاة) (٣)، وقد ذكرت كتب الشيعة (٤) والسنّة (٥) أنها من أصول عقائد ابن سبأ اليهودي، ومع ذلك فهي من أصول عقائد الإمامية.\nومسألة \"تفضيل الأئمة على الأنبياء\" هي مذهب غلاة الروافض كما قال ذلك الإمام عبد القاهر البغدادي (٦) (ت ٤٢٩هـ) والقاضي عياض (٧) (ت ٥٤٤هـ) وشيخ الإسلام ابن تيمية (٨) (ت ٧٢٨هـ)، ونقل شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب (إجماع المسلمين على كفر من ذهب إلى هذا القول) (٩) .\n_________\n(١) انظر: الشهرستاني: «الملل والنحل»: (١/١٧٣) .\n(٢) المختارية: أتباع المختار بن أبي عبيد الثقفي، ومن مذهبه أنه يقول بالبداء على الله تعالى.. «الملل والنحل»: (١/١٤٧- ١٤٨) .\n(٣) «الملل والنحل»: (١/١٧٣)، «هدي الساري مقدمة فتح الباري»: ص ٤٥٩.\n(٤) سعد القمي: ص ٢٠- ٢١، النوبختي: «فرق الشيعة»: ص ١٩.\n(٥) البغدادي: «الفرق بين الفرق»: ص ٢٣٣- ٢٣٤.\n(٦) «أصول الدين»: ص ٢٩٨.\n(٧) ورأى أن هذا من أسباب كفرهم فقال: (ونقطع بتكفير غلاة الرافضة في قولهم أن الأئمة أفضل من الأنبياء) «الشفاء»: ص ٢٩٠.\n(٨) «منهاج السنّة»: (١/١٧٧) الطبعة الأولى.\n(٩) «الرد على الرافضة»: ص ٢٩.","vol":"1","page":378},{"text":"ومع ذلك فهي من عقائد الاثني عشرية، وفي كتب حديثهم، وقد عقدوا لها بابًا خاصًا - كما سبق - (١) كما ألف شيوخهم في إثباتها مؤلفات مستقلة (٢) .\nوالأمثلة على قضية استيعاب مدونات الاثني عشرية لعقائد الفرق الغالية كثيرة وبسط هذا الموضوع يحتاج لبحث مستقل.\nوقد رأيت بعض علماء الشيعة المعاصرين أشار إلى هذا الرأي فقال: (ولكن يجب أن نشير قبل أن نضع القلم بأن ما مر بنا من أفكار الشيعة مما كان خاصًا بفرقة بعينها لم يلبث أن دخل كله في التشيع الاثني عشري ودعم بالحجج العقلية وبالنصوص. والتشيع الحالي إنما هو زبدة الحركات الشيعية كلها من عمار (٣) إلى حجر ابن عدي إلى المختار وكيسان إلى محمد بن الحنفية وأبي هاشم إلى بيان بن سمعان، والغلاة الكوفيين إلى الغلاة من أنصار عبد الله بن الحارث إلى الزيديين\n_________\n(١) انظر: ص ٢٩٣ من هذا البحث.\n(٢) مثال كتاب: «تفضيل علي - ﵁ - على أولي العزم من الرسل» لشيخهم هاشم بن إسماعيل البحراني (ت ١١٠٧هـ)، و«تفضيل الأئمة ﵈ على الأنبياء عدا نبينا ﵌» للمؤلف السابق ذكره، و«تفضيل أمير المؤمنين على من عدا خاتم النبيين» لشيخهم محمد باقر المجلسي (ت ١١١١هـ)، و«تفضيل أمير المؤمنين (على غير النبي ﵌..» لسيدهم محمد النقوي اللكهنوي (ت ١٢٨٤هـ) وغيرها. انظر: «الذريعة إلى تصانيف الشيعة»: (٤/٣٥٨- ٣٦٠)، «لؤلؤة البحرين»: ص ٦٤، ويقول شيخهم نعمة الله الجزائري (ت ١١١٢هـ): (هذا مذهب أكثر متأخري الإمامية، وهو الصواب) . انظر: «الأنوار النعمانية»: (١/٢٠- ٢١)، وهذا المذهب هو الذي اعتمده شيخ الشيعة المعاصرين: الخميني. انظر: «الحكومة الإسلامية»: ص ٥٢.\n(٣) هذا بناء على اعتقاده أن عمارًا وبعض الصحابة كانوا نواة للتشيع، وهذا \"رأي\" قد أشرنا إلى فساده في مبحث نشأة الشيعة.","vol":"1","page":379},{"text":"والاسماعيليين، ثم الإمامية التي صارت اثنا عشرية، وقام بعملية المزج متكلمو الشيعة ومصنفوها) (١) .\nإذن كتب الاثني عشرية الأساسية هي الدن الذي امتزجت فيه كل التهريفات الشيعية، واستقر بنيان التشيع الاثني عشري على الأصول العامة للتشيع.\nمن هنا رأى البعض أن (أصول مذهب الغلاة والمفوضة والباطنية من الإسماعيلية والإمامية الاثني عشرية مختلطة بعضها ببعض في كثير من المسائل، ولذلك قيل: الإمامية دهليز الباطنية) (٢) .\nولقد رأينا كيف أن النزعة السبئية التي تضفي صفات الإله على الأئمة قد بدت واضحة من خلال أحاديث الاثني عشرية، فالأئمة يعلمون ما كان وما يكون ولا يخفى عليهم شيء، ولا يسهون ولا ينسون ولا يخطئون مطلقًا، إلى آخر قائمة الأوصاف التي يجعلونها للأئمة التي هي من خصائص الجبار جل علاه..\nكما أن النزعة الباطنية واضحة في كتب الاثني عشرية في تأويلهم لآيات القرآن، وأركان الإسلام، ودعواهم نقص القرآن وغيرها.\nومن يطالع بعض الكتب الإسماعيلية يرى وفاقًا في كثير من أحاديث الطائفتين حول العقيدة (٣)، ويشير بعض علماء الاثني عشرية إلى\n_________\n(١) مصطفى الشيبي: «الصلة بين التصوف والتشيع»: ص ٢٣٥.\n(٢) محمد بن الحسن الديلمي (من علماء القرن الثامن الهجري) «قواعد آل محمد»: ص ١١.\n(٣) من الأمثلة لذلك أنه يرد حديثهم: (من لم يؤمن برجعتنا فليس منا) في كتب الإسماعيلية. انظر: ص٩ من «مسائل مجموعة» ضمن كتاب «أربعة كتب إسماعيلية»، كما ورد في كتب الاثني عشرية.","vol":"1","page":380},{"text":"وحدة الأصل في التلقي بين الإسماعيلية والاثني عشرية فيقول: (وإذا لم يكن الفاطميون على المذهب الاثني عشري فإن هذا المذهب قد اشتد أزره ووجد منطلقًا في عهدهم، فقد عظم نفوذه ونشط دعاته.. ذلك أن الاثني عشرية والإسماعيلية - وإن اختلفوا من جهات - فإنهم يلتقون في هذه الشعائر، وبخاصة في تدريس علوم آل البيت والتفقه فيها وحمل الناس عليها) (١) .\nولهذا نرى بعض كتب الإسماعيلية من المراجع المعتبرة عند الاثني عشرية ويرجع إليها كبار علمائهم العاصرين في بحوثهم (٢)، مثل كتاب (دعائم الإسلام) للقاضي النعمان بن محمد بن منصور بن حيان (ت ٣٦٣) وهو إسماعيلي، كما تؤكد ذلك بعض مصادر الشيعة الاثني عشرية نفسها (٣) .\nوقد جاء في دائرة المعارف عن انفتاح الاثني عشرية على الغلاة هذا القول: (على أن الحدود لم تقفل تمامًا أمام الغلاة، يدل على ذلك التقدير الذي دام طويلًا للكتاب الأكبر للإسماعيلية وهو كتاب «دعائم الإسلام») (٤) .\nوغير الإسماعيلية من سائر الفرق التي بقيت أو اندرست؛ دخلت أفكارها في مدونات الاثني عشرية.\nوقد رأينا فيما سبق أن الطوسي قد ذكر أن معظم رجالهم في الحديث من أصحاب المذاهب الفاسدة، ومع ذلك قال: إن كتبهم\n_________\n(١) محمد جواد مغنية: «الشيعة في الميزان»: ص ١٦٣.\n(٢) مثل الخميني في كتابه «الحكومة الإسلامية» . انظر: ص ٦٧.\n(٣) قال الشيعي الاثنا عشري ابن شهراشوب (ت ٥٨٨هـ): (القاضي النعمان بن محمد ليس بإمامي) «معالم العلماء»: ص ١٣٩.\n(٤) «دائرة المعارف الإسلامية»: (١٤/٧٢) .","vol":"1","page":381},{"text":"معتمدة، ولعل هذا من أسباب دخول أفكارهم إلى التشيع الاثني عشري.\nوقد لاحظنا أن بعض شيوخ الاثني عشرية وآياتها إذا تحدثوا عن طائفتهم ورجالها ودولها - نسبوا لها كل الفرق والدول والرجال المنتمين للتشيع، وإن كانوا من الإسماعيلية والباطنية أو من الزنادقة الدهرية أو من المجسمة الغلاة.\nفهم إذا تحدثوا - مثلًا - عن دول الشيعة ذكروا الدولة الفاطمية في صدر دولهم مع أنها غير اثني عشرية (١) .\nوإذا جاء ذكر رجالهم رأيت منهم كثيرًا من رؤوس الضلال والزندقة ممن تنسب إليهم فرق ليست من الاثني عشرية.\nولكن هذه الطائفة تتبنى هذه الفرق ورجالها لأنها احتوت أفكارها وبدعها.\nلهذا نرى - مثلًا - شيخ الشيعة محسن الأمين يقول عن الهشامية (٢) أتباع هشام بن الحكم..، واليونسية أتباع يونس بن عبد الرحمن القمي (٣)، والشيطانية أتباع محمد بن النعمان \"شيطان\n_________\n(١) انظر: «الشيعة في الميزان» مبحث دول الشيعة: ص ١٢٧وما بعدها، وانظر: «أعيان الشيعة»: (١/٤٤، ٤٥)، وانظر: «دول الشيعة» لمحمد جواد مغنية.\n(٢) وهذه الطائفة جمعت بين ضلالها في الإمامة ضلالة التشبيه والتجسيم حتى قال الإسفراييني: (أنهم أفصحوا في التشبيه بما هو كفر محض باتفاق المسلمين) «التبصير»: ص ٤٣- ٤٤. وانظر: الأشعري: «مقالات الإسلاميين»: (١/١٠٦- ١٠٧)، عبد القاهر البغدادي: «الفرق بين الفرق»: جـ ٦٥.\n(٣) وكان في الإمامة على مذهب القطعية الذين قطعوا بموت موسى بن جعفر، وكان مفرطًا في باب التشبيه. انظر: الأشعري: «مقالات الإسلاميين»: (١/١٠٦)، البغدادي: «الفرق بين الفرق»: ٧٠.","vol":"1","page":382},{"text":"الطاق» (١) وغيرهم (أنهم عند الشيعة الإمامية كلهم ثقات صحيحو العقيدة، فكلهم إمامية واثنا عشرية) (٢) .\nويلاحظ أنه من منطلق استيعاب الاثني عشرية لآراء الفرق الأخرى - رأينا بعض علماء الشيعة الاثني عشرية قد أضفى صفة الشرعية على بعض الغلاة الكفرة كالنصيرية (٣) .\nوهذا التطور العقدي عند الاثني عشرية يؤكده بعض علماء الشيعة المعاصرين بصراحة وهو عبد الله الممقاني (٤) - الذي يعدونه\n_________\n(١) والشيعة تسميه مؤمن الطاق وله وطائفته ضلال شنيع في الإمامة، والقدر والتشبيه، وكان في الإمامة على مذهب القطعية، أي ليس باثني عشري. البغدادي: «الفرق بين الفرق»: ص ٧١، الشهرستاني، «الملل والنحل»: (١/١٨٦- ١٨٧)، الإسفراييني: «التبصير»: ص ٤٣.\n(٢) «أعيان الشيعة»: (١/٢١) .\n(٣) كتب أحد علماء الشيعة الاثني عشرية المعاصرين وهو المدعو \"حسن الشيرازي\" رسالة سماها: «العلويون شيعة أهل البيت» (والعلويون لقب للنصيرية) وذكر في رسالته هذه أنه التقى بالنصيريين في سوريا ولبنان وذلك بأمر من مرجعهم الديني \"محمد الشيرازي\" (أخي حسن)، وقال بأنه وجدهم كما يظن من شيعة أهل البيت الذين يتمتعون بصفاء الإخلاص وبراءة الالتزام بالحق وينتمون إلى علي بن أبي طالب بالولاية وبعضهم ينتمي إليه بالولاية والنسب.. وقال: إن العلويين والشيعة كلمتان مترادفتان مثل كلمتي الإمامية والجعفرية. حسن الشيرازي: «العلويون شيعة أهل البيت»: ص ٢- ٣. هذا ولم ينكر على هذا الشيرازي أحد من علماء الاثني عشرية مع أنه قد عرف واشتهر عن النصيرية الكفر والزندقة. انظر: ابن تيمية: «الفتاوى»: (٣٥/١٤٥) وما بعدها، بل هم يكفرون في كتب الشيعة القديمة نفسها، انظر مثلًا: «البحار»: (٢٥/٢٨٥، ٢٨٦) .\n(٤) عبد الله بن محمد الممقاني من كبار شيوخ الشيعة، ولد بالنجف سنة ١٢٩٠هـ. وتوفي بها سنة ١٣٥١هـ ومن كتبه: «تنقيح المقال في علم الرجال» في ثلاث مجلدات. «معجم المؤلفين»: (٦/١١٦) .","vol":"1","page":383},{"text":"من كبار علمائهم المعاصرين في علم الرجال - يقول في معرض دفاعه عن المفضل بن عمرو الجعفي فيما رمي به من الغلو من قبل بعض علماء الشيعة القدماء: (إنا قد بينا غير مرة أن رمي القدماء الرجل بالغلو لا يعتمد عليه ولا يركن إليه، لوضوح كون القول بأدنى مراتب فضائلهم - يعني الأئمة - غلوًّا عند القدماء، وكون ما نعده اليوم من ضروريات مذهب التشيع غلوًّا عند هؤلاء، وكفاك في ذلك عد الصدوق نفي السهو عنهم غلوًّا مع أنه اليوم من ضروريات المذهب، وكذلك إثبات قدرتهم على العلم بما يأتي - أي علم الغيب - بتوسط جبرائيل والنبي غلوًّا عندهم ومن ضروريات المذهب اليوم) (١) .\nفهذا الممقاني يعترف بالتطور العقدي عندهم، ويحكم بأن ما كان يعد غلوًّا في عرف الشيعة المتقدمين - مثل أن الأئمة يعلمون الغيب، ولا يسهون - هو اليوم من ضروريات مذهب التشيع.\nومن هذا المنطلق نرى شيخ الشيعة المعاصر: محمد حسين آل كاشف الغطا يحكم على جميع فرق الشيعة الموجودة اليوم بعدم الغلو ويزعم أن جميع الفرق الغالية قد بادت ولا يوجد منها اليوم نافخ ضرمة (٢) (٣) .\nوالواقع أن أسماء معظم تلك الفرق قد اختفت وبقيت آراؤها وأفكارها في كتب الاثني عشرية.\n_________\n(١) «تنقيح المقال»: جـ٣ ص ٢٤٠.\n(٢) انظر: «أصل الشيعة وأصولها»: ص ٣٨، «دعوة التقريب»: ص ٧٥.\n(٣) وقال الدكتور سليمان دنيا - معلقًا على قول آل كاشف الغطا هذا - قال: (فما يكون الأغاخانية؟ أليسوا قائلين بالحلو؟! أوَ ليسوا مع قولهم بالحلول ملاحدة؟! أوَ ليسوا منتسبين إلى الشيعة؟ وأخيرًا أو ليسوا على رقعة الأرض اليوم؟): «بين السنّة والشيعة»: ص ٣٧.","vol":"1","page":384},{"text":"وقد تنبه لهذه الحقيقة - وهي تطور معتقدهم نحو الغلو - الشيخ: ملا علي القاري (١) وذلك حينما نقل قول الإمام النووي (٢) وهو: إن (المذهب الصحيح المختار الذي قاله الأكثرون والمحققون أن الخوارج لا يكفرون كسائر أهل البدع) (٣) فقال القاري معقبًا على ذلك (قلت: وهذا في غير حق الرافضة الخارجة في زماننا، فإنهم يعتقدون كفر أكثر الصحابة فضلًا عن سائر أهل السنّة والجماعة، فهم كفرة بالإجماع بلا نزاع) (٤) .\nولعل هذه الظواهر هي التي دعت محب الدين الخطيب إلى أن يحكم بأن مدلول الدين عند الشيعة يتطور، ثم استدل على ذلك بقول الممقاني السالف الذكر، ثم قال: (هذا تقرير علمي في أكبر كتاب وأحدثه لهم في الجرح والتعديل يعترفون فيه بأن مذهبهم الآن غير مذهبهم قديمًا، فما كان يعدونه قديمًا من الغلو وينبذونه وينبذون أهله بسبب ذلك، صار الآن - أي الغلو - من ضروريات المذهب. فمذهبهم اليوم غير مذهبهم قبل الصفويين ومذهبهم قبل الصفويين غير مذهبهم قبل ابن المطهر ومذهبهم قبل ابن المطهر غير مذهبهم قبل آل بويه، ومذهبهم\n_________\n(١) علي بن محمد سلطان الهروي المعروف بالقاري الحنفي، نزيل مكة، وأحد صدور العلم، ألف التآليف الكثيرة النافعة منها شرحه على المشكاة في مجلدات وهو أكبرها، وشرح الشفا، وشرح النخبة وغيرها توفي بمكة سنة ١٠١٤هـ. انظر: «خلاصة الأثر»: (٣/١٨٥، ١٨٦) .\n(٢) شيخ الإسلام محي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف بن مزي الخزامي، النووي صنف التصانيف النافعة في الحديث والفقه وغيرهما كـ «شرح مسلم»، و«الروضة»، و«شرح المهذب» وغيرها. توفي سنة ٦٧٦هـ. السيوطي: «تذكرة الحفاظ»: ص ٥١٠.\n(٣) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم: (٢/٥٠) .\n(٤) «مرقاة المفاتيح»: (٩/١٣٧) .","vol":"1","page":385},{"text":"قبل آل بويه غير مذهبهم قبل شيطان الطاق ومذهبهم قبل شيطان الطاق غير مذهبهم في حياة علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين) (١) .\nولعل من أكبر العوامل لاستقرار هذا المذهب على الغلو هو استيعاب مدونات الروافض لآراء تلك الفرق الشاذة، وقبولهم لروايات أصحاب تلك الفرق لأنهم «شيعة»، فهم مقبولون بغض النظر عن معتقدهم فمع التشيع لا يضر انتحال أي نحلة!\nولهذا انبثق من الروافض كثير من الفرق الخارجة عن الإسلام (٢) .\nهذا وقبل أن نرفع القلم عن هذا الموضوع نضيف حقيقة مهمة في هذا المجال وهي أنه يوجد للاتجاه الشيعي المعتدل أثر في مدونات الروافض في أحاديث تثني على الصحابة وترفض التقية، وتوافق المسلمين في معتقدهم، لكن علماء الروافض رفضوا العمل بها بحجة أنها وردت مورد التقية، في حين أنهم لا يملكون دليلًا يؤكدون به ذلك سوى أنها موافقة لجمهور المسلمين، وهذا دليل عليهم لا لهم.\nوإننا نعتقد أنه بالإمكان استخلاص هذا الأثر الشيعي المعتدل من كتب الشيعة ليكون شمعة ضوء تهدي المخلصين في البحث عن الحق، وعلى ضوئه يمكن التقارب، وسيأتي تفصيل هذا في مبحث \"هل من طريق إلى التقريب؟ \".\n_________\n(١) هامش «المنتقى»: ص ١٩٣.\n(٢) فالنصيرية والإسماعيلية والباطنية من بابهم دخلوا. «المتقى»: ص٩. وكذلك الشيخية والكشفية والبهائية من صميمهم خرجوا، هامش «المنتقى»: ص ٩. وأصبح التشيع مأوى لكل من أراد الكيد للإسلام والمسلمين.","vol":"1","page":386},{"text":"لكن ذلك الغثاء الذي حوته كتب الشيعة هو الذي يمثل القسم الأكبر، وقد وضع الشيعة قاعدة تقديم الأكثر على الأقل (١) فبقي هذا الأكثر يشكل العقبة الكؤود بينهم وبين المسلمين.\nلقد كان الأحرى بالشيعة - وهم اليوم ينشطون في الدعوة إلى التقارب مع أهل السنّة - أن يبدأوا بإزالة تلك العوائق الكامنة في أصول مذهبهم ما دامت لهم رغبة في الالتقاء مع الأمة.\nإن مجرد إطلاق القول بأنه لا خلاف بين الطائفتين لا يؤدي الغرض المنشود في التقارب وتحقيق ما يؤمله المسلمون من الألفة والوحدة.\nما القيمة العملية - مثلًا - للأصل الذي وضعه الروافض وجعلوه من أسس مذهبهم وهو أن مخالفة العامة - أي أهل السنّة - فيها الرشاد؟ وهل هذا منطق علمي للوصول إلى الحق، أم هو تعصب مذهبي أعمي؟ وهل هذا إلا من وضع زنديق لتفريق الأمة، والخروج عن إجماع المسلمين؟\nولماذا يردُّ علماء الشيعة ما في كتبهم من أحاديث توافق أهل السنّة، ويزعمون أنها تقية لأنها توافق مذهب الأمة؟! وهل هذا صنيع من يريد التقارب واللقاء؟.\nحتى إن هذه التقية كانت سببًا في ضياع مذهب أهل البيت الحقيقي في كتب الشيعة، وكانت من عوامل تفريق شمل الأمة، والكذب على الأئمة.\n_________\n(١) وذلك باعتبار أن هذا الأقل ورد مورد التقية، قال المفيد: (وما خرج للتقية لا تكثر روايته عنهم كما تكثر رواية المعمول به) «شرح عقائد الصدوق»: ص ٢٦٧، ملحق (ب) «أوائل المقالات» .","vol":"1","page":387},{"text":"إن الشيعة اليوم وهي تتنادى بالتقارب، وتزعم أنه لا خلاف بينها وبين المسلمين، وتدعو أن يرجع المسلمون إلى كتبها في الحديث - إن هذه الشيعة إذا كانت جادة بهذه الدعوة فلا بد لها من أن تزيل العقبات التي تحول دون ذلك.\nفكيف يحتج ويثق المسلمون بكتب تواتر فيها الطعن في كتاب الله، ودعوى أنه ناقص ومحرف؟!\nوكيف يتلقى المسلمون دينهم من رجال هذه عقيدتهم؟ فهل نتلقى ديننا عمن يسعى لهدمه وتغييره؟!\nوكيف نجتمع على كتاب الله وهم بتأويلهم المنحرف وتفسيرهم الباطني قد جعلوا منه كتابًا آخر غير ما في أيدي المسلمين؟!\nثم كيف يؤمن المسلمون بتلك الدعاوى الغريبة التي تتضمن الزعم بنزول كتب إلهية بعد كتاب الله (؟!\nهل بهذه المزاعم والمفتريات تستطيع الشيعة أن تقترب من الأمة؟\nأما السنّة المطهرة فالبون بيننا وبينهم فيها كبير كما رأينا؛ فهم يزعمون أن أقوال أئمتهم الاثني عشر كأقوال الله ورسوله، وأن الرسول - ﷺ - كتم جزءًا من الشريعة وأودعه الأئمة، ويؤمنون بحكايات الرقاع ويبنون عليها دينهم ويقبلون مرويات رجال هم عند المسلمين من الكذبة والدجالين، ويطعنون في خيار الخلق بعد النبيين والرسل ويردون أحاديثهم..\nفهل نلتقي معهم في \"السنة\" وهذا معتقدهم فيها؟!\nوكيف يمكن أن نزيل أسباب النزاع والخلاف بالرجوع إلى","vol":"1","page":388},{"text":"الكتاب والسنّة ما دمنا فيهما مختلفين؟! وكيف نطبق قوله سبحانه: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول «١) وذلك برد النزاع إلى كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -؟!\nثم هم يرفضون الإجماع ويتعمدون مخالفة المسلمين، لأن خلاف العامة - عندهم - فيه الرشاد.\nثم كيف يدعون المسلمين إلى التقارب وهم يكفرونهم في كتبهم الأساسية؟!\nوهل الطعن والسب والتكفير لصحابة رسول الله - ﷺ - مسلك من يريد التآلف؟!\nثم هم يعتقدون أنهم \"شعب الله المختار\"؛ فاسمهم الخاصة، وهم أهل الأجر والمثوبة في الآخرة.. إلخ.\nوهم يشذون عن الأمة بعقائدهم في الإمامة، والعصمة والتقية والرجعة والمهدية، والبداء.\nفكيف السبيل إلى التقريب، مع هذا الشذوذ كله؟!\nوإننا نعتقد أنه ما دامت كل هاتيك البلايا موجودة في كتب الشيعة فإنها ستبقى في منأى عن جماعة المسلمين.\nإن أهل السنّة يحبون أهل البيت، بينما الشيعة - وهي تزعم التشيع لهم - تقدح في معظمهم، وترد بعض مروياتهم، فأي الفريقين ضد التقريب ومن هو الأحوج إلى دعوة التقريب؟!\n_________\n(١) النساء: آية ٥٩.","vol":"1","page":389},{"text":"ولا نحكم هنا الحكم النهائي بل نستمع لآراء دعاة التقريب فيما سبق حسبما نجده لهم من آراء ونناقشها على ضوء ما مر، وكذلك نعرض بعض محاولات التقارب ونقيمها، ثم نرسم الطريق الذي نراه للتقريب فيما يلي من صفحات.","vol":"1","page":390},{"text":"دليل الموضوعات\n«القسم الأول»\n_________\n<span data-type=\"title\">[التعليق]</span>\n انظر النسخة المصورة","vol":"1","page":393},{"text":"مسألة التّقريب بين أهْل السُّنة والشّيعَة\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>القسم الثاني</span>\nد. ناصر بن عبد الله بن علي القفاري\nدار طيبة للنشر والتوزيع","vol":"2","page":1},{"text":"القسم الثاني\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>الباب الثالث: آراء دعاة التقريب في قضايا الخلاف ومناقشة ذلك</span>\nويشمل:\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>الفصل الأول: فيما يتصل بمذهب الشيعة</span>.\nويتضمن: آراء دعاة التقريب:\n١- في قول الشيعة بتحريف القرآن.\n٢- في انحرافهم في تفسير القرآن.\n٣- في دعواهم تنزل كتب إلهية غير القرآن.\n٤- في السنّة.\n٥- في الإجماع.\n٦- في الإمامة.\n(أ) في غلوهم بالأئمة.\n(ب) وفي قبور الأئمة.\n(ج) في غلوهم في مجتهديهم.\n(د) في قولهم بعدم شرعية حكومة إسلامية غير حكومة الاثني عشر.\n(هـ) في قولهم بأن الإمامة ركن من أركان الدين ومنكرها كافر.\n(و) في غلو الشيعة في نفسها.","vol":"2","page":5},{"text":"٧- في العصمة.\n٨- في الرجعة.\n٩- في الغيبة.\n١٠- في البَدَاء.\n١١- في الصحابة.\n١٢- في التَّقِيَّة.\nالفصل الثاني: فيما يتصل بمذهب أهل السنة.","vol":"2","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>توطئة:</span>\nسبق أن ذكرنا الأصول العقدية عند الفريقين: السنّة، والشيعة، وهو ما في الباب الأول والثاني، وكانت الدراسة لتلك الأصول من خلال المصادر المعتمدة لهما، ولقد تبين سعة الفجوة بين الفريقين كما جاء بيان ذلك في النتيجة.\nوفي هذا الباب عرض لآراء دعاة التقارب الذين يرون أنه لا خلاف بين الفريقين إلا في مسائل يسيرة في الفروع.. نعرض آراءهم فيما مضى من أسس الخلاف ونناقشه.\nولن تجد في هذا الباب إلا كلام المعاصرين، اللهم إلا ما نأتي به أحيانًا لمناقشة آراء المعاصرين، كما أنك تلاحظ أن السمة الغالبة فيما مضى هو النقل من أصولهم المعتمدة في الحديث ومن أقوال علمائهم السابقين.\nوسنرى في هذا المبحث هل يسير المعاصرون على خطى القدامى، أو أن الصورة تغيرت، كما يقول بعض دعاة التقريب؟ فدعوى عدم وجود خلاف بين السنّة والشيعة هي دعوى نشأت في هذا العصر مع نشاط حركة التقريب. فلنر.. هل تغير شيء مما عرضنا؟ ونقول: إن دعاة التقريب هم من الفريقين: السنّة والشيعة - كما سيأتي في «محاولات التقريب» - وسنعرض ما نجده من آراء لهم حول ما أثرناه فيما مضى من صفحات كما قلنا، والجدير بالذكر أن معظم فئات التقريب من أهل السنّة ليسوا على دراية بكثير مما مضى","vol":"2","page":7},{"text":"حول الشيعة، فهم لا يعلمون بوجوده فكيف يكون لهم رأي فيه؟ (١)، ولكن الشيعة هم الذين كان لهم دفاع عن بعض ما مضى - حول مذهبهم - أو إقرار بما فيه، وهم أهل المذهب، وأحرى بأن يستفتوا فيه حتى لا يكون هناك مظلمة لأحد، لذلك ستكون تلك الآراء الآتية فيما يتصل بما شذ فيه الشيعة مأخوذة من كتب الشيعة المعاصرة التي تنادي بالتقريب، وتدافع عن التشيع وتزعم أنها لا تخالف جمهور المسلمين إلا في بعض مسائل الفروع - كما قلنا - نتعرف على آراء تلك الفئة ونناقشها على ضوء ما مر ليتبين مقدار الجدية في التقريب والصدق في محاولة اللقاء مع المسلمين.\nلقد تبين لنا سعة الفجوة بين الفريقين، وإن كبر الفُرقة يتحملها الشيعة، فلنر ما يقولون في تلك المسائل. ولعل من الضروري أن نشير إلى أن تلك الفئة التي نستطلع آراءها هي من الاثني عشرية \"الرافضة\"، لأنها - كما بينا - كانت هي المحضن أو المستودع لآراء الشيعة بكافة فرقها وهي التي أصبحت مصادرها في التلقي معروفة معلومة، وبالإمكان دراسة تلك الآراء - على ضوئها كما مر - أما غيرها فهي:\n(أ) إما باطنية محضة لا تزال تمارس العزلة والتخفي وتعيش في سراديب الكتمان، وقد برهنت الوثائق والوقائع على زندقتهم وإلحادهم، ومع ذلك فإن بعض الأقلام الباطنية في هذا العصر تدعو للتقارب (٢)، مع أن مصادرها في الاعتقاد لا تزال في الغالب\n_________\n(١) انظر: محاولات التقريب عند أهل السنة.\n(٢) فهذه طائفة الدرزية رفعت شعار التقريب وألقى أحد رجالها ويسمى \"رفيق =","vol":"2","page":8},{"text":"طي الكتمان وما ظهر منها يبرهن على إلحادهم، فكيف يمكن التقارب معهم، وهل دعوة التقارب منهم سوى محاولة لاكتساب صفة الشرعية والعمل على تسهيل مهمة الدعاة الباطنيين في الديار الإسلامية؟.\n(ب) وإما زيدية، والزيدية إما جارودية فهي - رافضية إمامية - وإن تسمت بالزيدية - تكفر صحابة رسول الله - ﷺ - وترد مروياتهم، وأما الزيدية المعتدلة كالبترية، فهي من أقرب فرقة الشيعة إلى الاعتدال. وهي على ما بينّا ترجع لمصادر الأمة (ولذلك تجد القرب قائمًا من غير محاولة تقريب) (١) .\nولهذا فإن \"الرافضة\" تطعن في الزيدية وتخرجهم من التشيع ما عدا فئة الجارودية من الزيدية - كما سبق (٢) - وهم لا يحتجون بروايات الزيدية. يقول الطوسي: (ورجال الزيدية وما يختصون بروايته\n_________\n= وهبة\" محاضرة في جمعية الشبان المسلمين بعنوان \"محاضرة في الائتلاف تحت لواء الإسلام\" أو \"الجامعة الإسلامية وموقف الدروز منها\" وطبعت عام ١٣٥٨هـ، وقدم له أحد الروافض \"عبد الله العلايلي\"، وزعم الدرزي في محاضرته (أن مذهب الدروز مذهب إسلامي له طريقته الخاصة في التفسير، وأن الدروز انبثقوا من الإسلام وبنوا تعاليمهم على القرآن الشريف) إلخ: (ص ٤٩- ٥٠) من المصدر المذكور.\nوهذه طائفة النصيرية حاولت أن تمسك بدعوى التقارب والوحدة، فأصدر أحد رجالها رسالة بعنوان \"إنما المؤمنون إخوة تحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله\" وطبعت في مطبعة الإرشاد باللاذقية عام ١٣٥٧هـ، إلى غيرهما من طوائف الباطنية. لقد حاولت هذه الطوائف الباطنية الكافرة أن ترفع شعار الإخوة والتقارب لتخدع المسلمين ولتضفي ستارًا على زندقتها ومؤامراتها ضد الإسلام والمسلمين. راجع (الإسماعيلية): ص ١٣٤ من هذا البحث.\n(١) أبو زهرة: «الإمام زيد»: ص ٤.\n(٢) انظر: ص ١٥٥ من هذه الرسالة.","vol":"2","page":9},{"text":"لا يُعمل به على ما بُيّن في غير موضع) (١) .\nوالرافضة تكفر الزيدية (٢)، لهذا لم يبق سوى \"الرافضة\" وهي التي تنشط في الدعوة للتقريب، فلنر ما يقولونه فيما شذّوا به عن المسلمين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>١- في قول الشيعة بتحريف القرآن:</span>\nلقد نسبت كتب أهل السنّة إلى مذهب الشيعة تلك المقالة الشنيعة في الزندقة والإلحاد وهي قولهم بتحريف القرآن (٣) . ورأينا أن أهل السنّة لم يظلموهم، وأن هذا \"الطعن\" في كتاب الله متواتر في كتبهم وهو مذهب لطائفة من علمائهم، بل نقل بعضهم.. اتفاقهم على هذه \"المقالة\" (٤) فماذا يرى دعاة التقريب في هذه \"المقالة\" التي تقطع صلتهم بالإسلام والمسلمين وهم يحاولون اللقاء مع المسلمين؟\nوحين نتتبع ما كتبه دعاة التقريب من الشيعة حول هذه \"القضية\" نجد أنها تدور على المحاور التالية:\n_________\n(١) «الاستبصار»: (جـ١ص ٦٦) باب: وجوب المسح على الرجلين.\n(٢) انظر: «رجال الكشي»: ص ٢٢٩، رقم ٤٠٩، ٤١٠، ٤١١، وص ٤٦٠ رقم ٧٨٣، ٨٧٤.\n(٣) انظر مثلًا: الملطي: «التنبيه والرد»: ص ٢٥، ابن حزم: «الفصل»: (٥/٢٢)، البغدادي: «الفرق بين الفرق»: ص ٣٢٧. محب الدين الخطيب: «الخطوط العريضة»: ص ١٠ وما بعدها، موسى جار الله: «الوشيعة»: ص ٢٣، «مختصر التحفة الاثني عشرية»: ص ٣٠ وما بعدها، و«الشيعة والسنّة»: إحسان إلهي ظهير: ص ٧٧ وما بعدها.\n(٤) انظر: ص ٢٠٥ وما بعدها من هذا البحث.","vol":"2","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>المحور الأول:</span>\nاستعمال التقية، وذلك بإنكار ما ينسب إليهم في هذا الشأن، ونفي أن يكون لهم رأي، أو قول، أو حديث يمس كتاب الله ويشير إلى تحريفه نفيًا قاطعًا، وممن سار على هذا \"الخط\" عبد الحسين الأميني النجفي في كتابه «الغدير» - وذلك حينما رد على ابن حزم (١) ما نسبه إلى الشيعة من القول بتلك المقالة - فقال هذا النجفي: (ليت هذا المجترئ أشار إلى مصدر فريته من كتاب للشيعة موثوق به، أو حكاية عن عالم من علمائهم تقيم له الجامعة وزنًا، بل نتنازل معه إلى قول جاهل من جهالهم أو قروي من بسطائهم، أو ثرثار كمثل هذا الرجل يرمي القول على عواهنه، وهذه فرق الشيعة في مقدمتهم الإمامية مجمعة على أن ما بين الدفتين هو ذلك الكتاب الذي لا ريب فيه) (٢) .\nمناقشة هذا الرأي:\nإن القارئ ليعجب من هذه الجرأة على نفي ما هو واقع، ولا شك أن هذا النفي سيؤول من الشيعة ومن المطلعين على ما في\n_________\n(١) حيث قال ابن حزم: (ومن قول الإمامية كلها قديمًا وحديثًا أن القرآن مبدل زيد فيه ما ليس منه ونقص منه كثير وبدل منه كثير، حاشا علي بن الحسن بن موسى بن محمد بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وكان إماميًا يظاهر بالاعتزال، مع ذلك فإنه كان ينكر هذا القول ويكفر من قاله، وكذلك صاحباه أبو يعلى ميلاد الطوسي وأبو القاسم الرازي) «الفصل»: (٥/٢٢)، ونقل هذا الكلام عنه صاحب «الغدير» بحذف بعض كلمات ابن حزم: «الغدير»: (٣/٩٤) .\n(٢) «الغدير» (٣/٩٤- ٩٥) . ومثله في هذا المسلك لطف الله الصافي في كتابه «مع الخطيب..»: ص ٧١.","vol":"2","page":11},{"text":"كتب الشيعة من أهل السنّة سيؤول بأنه تقية فماذا يجدي مثل هذا الدفاع.\nوإن القارئ ليعجب من جرأة مثل هذا الرجل على هذا الكذب الصريح مع مكانته الكبيرة عند طائفته (١)، وفي أخبارهم أن الرجل يكبر في أنفسهم كل ما كان أبدع وأقدر في استعمال التقية مع المخالفين، لكن هذا النجفي لم يحسن التقية فهو كمن يريد أن يحجب ضوء الشمس بكفه وأنّى له ذلك؟! فهو ينفي ما هو واقع في كتبهم التي أصبحت في متناول الكثيرين، وليرجع القارئ إلى ما كتبناه عنهم في مبحث قولهم بتحريف القرآن. ومن العجيب أنه وهو ينكر وجود تلك المقالة في كتبهم في الجزء الثالث من كتابه - نراه في الجزء التاسع من الكتاب يتورط هو نفسه بهذه المقولة الشنيعة ويناقض نفسه بنفسه؛ فيقول مهاجمًا وطاعنًا في الخليفة الراشد - أفضل الصحابة ﵃ أبي بكر الصديق (يقول: (سل عنها - أي صفة أبي بكر في زعمه - أمير المؤمنين وهو الصديق الأكبر يوم قادوه كما يقاد الجمل.. إلى بيعة عمت - كذا - شؤمها الإسلام، وزرعت في قلوب أهلها الآثام، وعنفت سلمانها، وطردت مقدادها، وفتقت بطن عمارها، وحرقت القرآن، وبدلت الأحكام) (٢) كما أورد آية مفتراة في نفس كتابه «الغدير» الذي ينفي فيه وجود تلك المقالة\n_________\n(١) ويلقبونه بالحبر، العلم، الحجة، المجاهد، وكتابه «الغدير» متوج بثناء وتوثيق آياتهم وعظمائهم مثل محسن الحكيم: (جـ٧ ص ز)، وعبد الحسين شرف الدين الموسوي: (جـ٧ ص هـ)، وحسين الموسوي: (جـ٩ ص ب) وغيرهم.\n(٢) «الغدير»: (٩/٣٨٨) .","vol":"2","page":12},{"text":"عندهم، ونص هذه الآية المزعومة هي: (اليوم أكملت لكم دينكم بإمامته فمن لم يأْتم به وبمن كان من ولدي\"؟! \" من صلبه إلى يوم القيامة فأولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون، إن إبليس أخرج آدم \"﵇\" من الجنة مع كونه صفوة الله بالحسد، فلا تحسدوا فتحبط أعمالكم وتزل أقدامكم) .\nوزعم هذا الرافضي أن رسول الله - ﷺ - قال: إنها نزلت في علي. وحاول أن يموه ويخدع القراء فينسب هذا الافتراء لمحمد بن جرير الطبري السني، وهو محمد بن جرير الطبري الرافضي، إن صحت النسبة إليه، فالرجل افترى على الله وكتابه ورسوله وأئمة المسلمين (١) .\nوهكذا يثبت الرجل ما ينفيه (٢)، والمسألة لا تحتاج لإثباته أو نفيه، فهي قد سودت صفحات كتب الشيعة الأساسية، وأقر كبار علمائهم بأنها مستفيضة ومتواترة فيها، وأصبحت مذهبًا لطائفة منهم ... لكن أسلوب هذا الرجل يتفق مع ما ذكروه من أن المسائل التي أجمع المسلمون عليها يجب إظهار الموافقة لهم فيها وتقيتهم بها.\nوإلى هذا يشير الطوسي - وهو يرد حديثين عندهم وردا بتحريم الجمع بين المرأة وخالتها، والمرأة وعمتها - على أن\n_________\n(١) «الغدير»: (جـ١/ص ٢١٤- ٢١٦) .\n(٢) هذا الأسلوب: الإثبات في موضع، والإنكار في موضع آخر، مسلك لهم في أحاديثهم وفي كلام علمائهم. وقد ورد في أحاديثهم بيان للسبب في هذا \"النهج\"؛ وهو عدم وقوف العامة \"أهل السنّة\" على حقيقة مذهبهم فلا يتعرضوا لهم بسوء. «البحار»: (٢/٢٣٦)، وفيه (لو اجتمعتم على أمر واحد لأخذ برقابكم) .","vol":"2","page":13},{"text":"الخبرين يحتملان شيئًا آخر؛ وهو أن نحملهما على ضرب من التقية، لأن جميع العامة \"أهل السنة\" يخالفوننا في ذلك، (لأن مذهب الشيعة يبيح الجمع بين المرأة وخالتها، والمرأة وعمتها) ويدعون - أي أهل السنّة - أن هذه مسألة إجماع، وما هذا حكمه تجري فيه التقية.\nفالطوسي هنا يكشف أمرًا خطيرًا، ومبدأ في غاية الفساد وهو أن مسائل الإجماع عند المسلمين تجري فيها التقية عند الشيعة، فهل نثق بعد هذا في موافقة الشيعة لجمهور المسلمين؟ وهذا كلام إمامهم الطوسي صاحب كتابين من كتبهم الأربعة في الحديث وكتابين من كتبهم الأربعة في الرجال ومن يسمونه بـ \"شيخ الطائفة على الإطلاق\".\nوقد مر بنا في مبحث \"قول الشيعة بتحريف القرآن\" أنهم ألفوا في إثبات هذا الاعتقاد كتبًا مستقلة آخرها كتاب «فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب» لحسين النوري الطبرسي (١٣٢٠هـ)، وقلنا: إن مؤلف هذا الكتاب يحظى بثقة الشيعة، وهذا الكتاب - كما سبق - يعتبر من أكبر فضائح الشيعة، لأن مؤلفه جمع أحاديثهم وأقوال علمائهم في الطعن في كتاب الله سبحانه إلخ. وكنا ننتظر من دعاة التقريب من الشيعة موقفًا جادًا وحازمًا إزاء هذا الكتاب ومؤلفه، لكننا وجدناهم يحاولون خداع الناس والتستر على الباطل، وحماية عرض هذا الرجل الذي يريد هدم الإسلام بالطعن في ركنه وعموده وهو القرآن الكريم.","vol":"2","page":14},{"text":"فهذا \"لطف الله الصافي\" من علماء الشيعة في إيران، وممن يتظاهر بالحماس لفكرة التقريب، ووحدة المسلمين (١)، يحاول أن يخدع المسلمين ويغرر بهم ويدافع بالكذب عن ذلك \"الرجل\" فيقول: إن المحدث النوري - يعني صاحب فصل الخطاب - لم ينكر ما قام عليه الإجماع واتفاق المسلمين من عدم الزيادة ولم يقل: إن القرآن قد زيد فيه، بل صرح في ص ٢٣ بامتناع زيادة السورة أو تبديلها، فقال: (هما منتفيان بالإجماع وليس في الأخبار ما يدل على وقوعهما، بل فيها ما ينفيهما) - كما يأتي - وقد اعترف المحدث المذكور بخطئه في تسمية هذا الكتاب، كما حكى عنه تلميذه الشهير وخريج مدرسته العالم الثقة الثبت الشيخ أغابزرك الطهراني - مؤلف «الذريعة» و«أعلام الشيعة» وغيرهما من الكتب القيمة - فقال في ذيل ص ٥٥٠ من الجزء الأول من القسم الثاني من كتابه «أعلام الشيعة»: (ذكرنا في حرف الفاء من «الذريعة» عند ذكرنا لهذا الكتاب مرام شيخنا النوري في تأليفه «فصل الخطاب»، وذلك حسبما شافهنا به وسمعنا من لسانه في أواخر أيامه فإنه كان يقول: أخطأت في تسمية الكتاب، وكان الأجدر أن يسمى بـ «فصل الخطاب في عدم تحريف الكتاب»، لأني أثبت فيه أن كتاب الإسلام \"القرآن الكريم\" الموجود بين الدفتين المنتشر في أقطار العالم وحي إلهي بجميع سوره وآياته وجمله لم يطرأ عليه تغيير أو تبديل ولا زيادة ولا نقصان\n_________\n(١) ولكنه يناقض ذلك، في كثير من كلماته وآرائه كما في كتابيه: «مع محب الدين في خطوطه العريضة»، و«صوت الحق» .","vol":"2","page":15},{"text":"من لدن جمعه حتى اليوم) (١) هذا ما يقولونه، وبالرجوع إلى كتاب «فصل الخطاب» (٢) لمعرفة \"الحقيقة\" نجد أن المؤلف كشف عن غرضه الخبيث في مقدمة كتابه حيث يقول فيها: (هذا كتاب.. عملته في إثبات تحريف القرآن وفضائح أهل الجور والعدوان وسميته: «فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب») (٣) .\nأما صفحات الكتاب فتشتمل على ثلاث مقدمات وبابين:\nالمقدمة الأولى: في الأخبار الواردة عن الشيعة في جمع القرآن وجامعه وسبب جمعه وكونه - كما يعتقد هذا المجوسي - في معرض النقص بالنظر إلى كيفية الجمع، وبأن تأليفه يخالف تأليف المؤلفين. ص ٢- ٢٤.\nالمقدمة الثانية: في أقسام التغيير الممكن حصوله في القرآن والممتنع دخوله فيه. ص ٢٤- ٢٦ - كما يزعم-.\nالمقدمة الثالثة: في ذكر أقوال علماء الشيعة في تغيير القرآن وعدمه. ص ٢٦- ٣٦.\nالباب الأول: أدلة هذا المجوسي وأهل ملته على وقوع التغيير والنقص في القرآن. ص ٣٦- ٣٦٠.\nالباب الثاني: في ذكر أدلة القائلين بعدم تطرق التغيير وجواب هذا المجوسي عنها. ص ٣٦٠- ٣٩٨.\n_________\n(١) انظر: «مع الخطيب في خطوطه العريضة» لطف الله الصافي: (ص ٦٤- ٦٦) .\n(٢) وقد استطعت الحصول على صورة من النسخة الخطية للكتاب من المجمع العلمي بالعراق.\n(٣) «فصل الخطاب»: ص ١.","vol":"2","page":16},{"text":"وقد طبع الكتاب على الحجر في إيران سنة ١٢٩٨هـ وعليه خاتم الدولة الإيرانية الرسمي، وقد استبشر به \"أعداء الإسلام\" فترجمه المبشرون إلى لغاتهم ونشروه كما ذكر ذلك بعض الشيعة (١) .\nفمادة هذا الكتاب كلها محاولة يائسة للنيل من كتاب الله العظيم، فكيف يقال بعد هذا: إن المؤلف أخطأ فقط في عنوان الكتاب؟ وقوله: إن النوري الطبرسي نفى زيادة السورة أو تبديلها وقال: هما منتفيان بالإجماع، فهذه حقيقة ولكن لماذا لم يكمل \"الصافي\" ما في الصفحة نفسها والتي تليها؟ فقد قال \"النوري الطبرسي\" وهو يذكر صور التغيير في القرآن - كما يزعم-: (الأولى: زيادة السورة ولا ريب في امتناعها.. الثانية: تبديل السورة وهي كالأولى.. الثالثة: نقصان السورة وهو جائز كسورة الحفد وسورة الخلع وسورة الولاية) . ثم استمر يعدد صور التغيير بزعمه فقال: (نقصان الآية وهو غير ممتنع ومثاله: والعصر إن الإنسان لفي خسر وأنه فيه إلى آخر الدهر، زيادة الكلمة كزيادة «عن» في قوله تعالى: يسألونك عن الأنفال، ونقصانها كـ \"في علي\"؟ في مواضع كثيرة، وتبديل الكلمة كتبديل آل محمد بعد قوله: (إن الله اصطفى آدم ونوحًا وآل إبراهيم) بآل عمران.. نقصان الحرف كنقصان همزة من قوله تعالى: كنتم خير أمة - يريدها خير أئمة - و«يا» في قوله تعالى: يا ليتني كنت ترابًا - يريدها ترابيًا حتى تكون إشارة لعلي لأن لقبه أبو تراب) .. إلخ الصور التي ذكرها، وكلها طعن في كتاب الله (٢) . وقد اعترف بعض علماء الشيعة بأن هذا\n_________\n(١) وهو آيتهم محمد مهدي الموسوي الأصفهاني الكاظمي في كتابه «أحسن الوديعة»: (١/٧٣) .\n(٢) «فصل الخطاب»: (ص ٢٣- ٢٤) (مخطوط) .","vol":"2","page":17},{"text":"الطبرسي تجرأ جرأة عظيمة على الإصرار على تحريف كتاب الله (١) .\nفلماذا هذا التستر على الباطل والدفاع الكاذب من رجال يعدهم الشيعة من كبار علمائهم المعاصرين؟، هل يظنون أن هذا الكذب سيخدعون به جميع الناس؟ وهل يتصورون أنهم بهذا الأسلوب يتمكنون من إخفاء حقيقة كتاب مطبوع؟، فهم بهذا المنهج كالنعامة التي تدفن رأسها بالرمال وتظن أن الناس لا يرونها.\nأليس في هذا الأسلوب نزع لثقة الناس بما يقولونه بشكل مطلق؟! ومن العجب أن ينال هؤلاء «الرجال» ثقة بني قومهم وهم على هذا المستوى من الكذب. أم أن هذا مفخرة لهم لأنهم فعلوا تسعة أعشار الدين وهو التقية؟ نحمد الله على نعمة العقل والدين.\nإن لبعض الشيعة «أساليبهم» في المكر والخداع. فهؤلاء الثلاثة بهذا الدفاع إنما يعنون شيئًا آخر لا يفطن له من لم يقرأ في كتب الشيعة، ويتعرف على مكائدهم، إنهم يعنون بهذا الدفاع القرآن المزعوم عند إمامهم المنتظر، والدليل على ذلك في تكملة الكلام السابق - الذي ذكره لطف الله الصافي عن أقابزرك الطهراني، والذي يرويه عن شيخه صاحب فصل الخطاب - وهو قوله بعد ذلك الكلام السابق مباشرة: (وقد وصل إلينا المجموع الأوّلي بالتواتر القطعي ولا شك لأحد من الإمامية فيه.. كما أني أهملت التصريح بمرامي في مواضع متعددة من\n_________\n(١) وهو عبد الله الممقاني. انظر: «البرهان على عدم تحريف القرآن» ميرزا مهدي بروجردي: ص ١٣٢، وصاحب «البرهان على عدم تحريف القرآن» يسمى \"الطبرسي\" ثقة الإسلام، مع أنه يزعم أنه يدافع عن القرآن ومع ذلك يمدح أعداء القرآن.","vol":"2","page":18},{"text":"الكتاب حتى لا تسدد نحوي سهام العتاب والملامة، بل صرحت غفلة بخلافه، وإنما اكتفيت بالتلميح إلى مرامي ص ٢٢، إذ المهم حصول اليقين بعدم وجود بقية للمجموع بين الدفتين كما نقلنا هذا العنوان عن الشيخ المفيد ص ٢٦) .\nففي قوله: (وقد وصل إلينا المجموع الأولي.. ولا شك لأحد من الإمامية فيه) إشارة واضحة إلى قرآنهم المزعوم فهو يقول: (وصل إلينا المجموع الأولي) فهو وصل إليهم خاصة، وهو المجموع الأولي، وحتى يؤكد أن المراد هو ما عند منتظرهم قال: (ولا شك لأحد من الإمامية فيه) .. فمن الثابت أن طائفة من الشيعة: كالكليني، والقمي، والطبرسي، والمجلسي وغيرهم لا يشكون بل يؤكدون تلك المقولة الخبيثة في كتاب الله، ويزعمون أن القرآن الكامل هو عند مهديهم - كما سبق - ولكن الذي لا شك لأحد من الإمامية فيه هو ما عند منتظرهم وانظر إلى قوله: (كما أني أهملت التصريح بمرامي حتى لا تسدد نحوي سهام العتاب والملامة)، ما هو مرامه الذي أهمل التصريح به؟ إذا كان مرامه إثبات أن القرآن محفوظ فهذا إجماع المسلمين وهذا ينجيه من الملامة فلماذا يهمل التصريح به؟، وقوله: (بل صرحت غفلة بخلافه) كيف نفسر هذه الكلمات البلهاء إذا كان القصد أنه صرح بحفظ كتاب الله على غفلة؟ فلم يكون التصريح بهذا الأمر المجمع عليه عند المسلمين على غفلة؟ وكيف يفطن القارئ لهذه الغفلة إلا إذا كان يخاف من طائفته؟ ولكن واقع كتابه غير ذلك، ولا شك أن هذا كلام ساقط لا يستحق المناقشة ولكن لأنه صادر من كبارهم عرضناه ليقف القارئ عليه.\nومن الأمثلة لنفيهم المطلق لما هو واقع في كتبهم: \"في مسألة","vol":"2","page":19},{"text":"تحريف القرآن» أن محب الدين الخطيب ذكر أن الطبرسي في فصل الخطاب في الصفحة ١٨٠ ذكر سورة \"الولاية\" التي تزعم الشيعة أنها سقطت من القرآن (١) فيرد عليه عالم الشيعة الصافي بقوله: (فانظر ما في كلامه من الكذب الفاحش والافتراء البيّن، ليس في فصل الخطاب لا في ص ١٨٠ ولا في غيرها من أول الكتاب إلى آخره ذكر من هذه السورة المكذوبة على الله تعالى) (٢) . ا. هـ.\nوالواقع أن الكاذب هو \"لطف الله الصافي\" فسورة الولاية أشار إليها الطبرسي في «فصل الخطاب» ص ٢٣، ونقلها بكمالها في ص ١٨٠ وسيرى القارئ صورة لهذه.. السورة المزعومة من كتاب «فصل الخطاب» في \"الوثائق\"، فهل يجهل هذا لطف الله الصافي وقد رجع إلى الصفحة نفسها التي تضمنت الإشارة إلى السورة المزعومة؟ فماذا يجدي مثل هذا الدفاع الكاذب؟\nومن الأمثلة على نفيهم التحريف عن القرآن - ويعنون به القرآن الذي يزعمون أنه عند منتظرهم - ما يقوله عبد الحسين شرف الدين الموسوي (٣) ونصه: (نسب إلى الشيعة القول بالتحريف بإسقاط كلمات وآيات، فأقول نعوذ بالله من هذا القول ونبرأ إلى الله من هذا الجهل وكل من نسب هذا الرأي إلينا جاهل بمذهبنا أو مفتر علينا، فإن القرآن الحكيم متواتر من طرقنا بجميع آياته وكلماته) (٤) تأمل\n_________\n(١) «الخطوط العريضة»: ص ١١.\n(٢) «مع الخطيب في خطوطه العريضة»: ص ٧٢.\n(٣) سيأتي ترجمته في محاولات التقريب.\n(٤) «أجوبة مسائل جار الله»: ص ٢٨، ٢٩.","vol":"2","page":20},{"text":"قوله: (فإن القرآن الحكيم متواتر من طرقنا بجميع آياته وكلماته)، ماذا يعني بالقرآن المتواتر من طرقهم؟ هل هو القرآن الذي بين أيدينا؟ أم القرآن الغائب كما يدعون؟!. إن تخصيصه بأنه متواتر من طرقهم إشارة للمعنى الأخير. فالقرآن العظيم كان من أسباب حفظه تلك العناية التي بذلها عظيما الإسلام أبو بكر وعمر وأتمها أخوهما ذو النورين عثمان بن عفان في جمعه وتوحيد رسمه.. تحقيقًا لوعده (: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (ومعتقد الشيعة في هؤلاء الثلاثة معروف. فهذا القرآن إذن غير متواتر من طرقهم.\nهذه الصور التي نقلناها كلها تندرج تحت محور الإنكار لما هو واقع موجود، ويستحلون ذلك باسم التقية، فأي ثقة بشيوخ هذا مسلكهم؟ وكيف يطمئن مسلم إلى دين قائم على الخداع والكذب؟ وكيف يمكن التفاهم مع شيوخ مردوا على الدجل والتزييف؟\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>المحور الثاني ومناقشته:</span>\nالمحور الثاني هو الاعتراف بأن هناك بعض الروايات في تحريف القرآن ولكنها عندهم شاذة ومخالفة للإجماع.\nيقول محمد حسين آل كاشف الغطا - وهو مرجع الشيعة بين سنة ١٩٦٥ - ١٩٧٣م -: (وأن الكتاب الموجود في أيدي المسلمين هو الكتاب الذي أنزله الله إليه للإعجاز والتحدي، ولتعليم الأحكام، وتمييز الحلال والحرام، وأنه لا نقص فيه ولا تحريف ولا زيادة، وعلى هذا إجماعهم.. والأخبار الواردة من طرقنا أو طرقهم الظاهرة في نقصه أو تحريفه ضعيفة شاذة وأخبار آحاد لا تفيد علمًا ولا عملًا،","vol":"2","page":21},{"text":"فإما أن تؤول بنحو من الاعتبار أو يضرب بها الجدار) (١) .\nمناقشة هذا القول:\nهذا المعنى قاله قبله.. الطوسي، والطبرسي، والمرتضي وغيرهم من علماء الشيعة السابقين وتابعهم عليه بعض المعاصرين (٢) من الشيعة، لكن يرد عليه أن الأمر ليس مجرد روايات ضعيفة شاذة، بل هو مذهب لكبار علماء الشيعة، زعموا تواتره واستفاضته، ومنهم من زعم اتفاقهم عليه كما سبق، فلماذا التستر على هؤلاء، والزعم بأنها روايات ضعيفة مشتركة بين الطائفتين؟ ولماذا يُقَدس أصحاب هذه \"المقولة\" وتصبح كتبهم مصادر معتمدة في الحديث عندهم كالكليني والمجلسي والطبرسي؟.\nومع ذلك نقول: إن هذا الحكم من كبير علماء الشيعة على تلك الروايات بالشذوذ - وهي كما سبق (٣) قد بلغت بشهادة علمائهم حد الاستفاضة والتواتر من طرقهم - هذا الحكم إن كان بصدق ينبغي أن يكون دافعًا للحكم على عقائد الشيعة الأخرى التي انفصلت بها عن المسلمين، كما ينبغي أن تكون منطلقًا لنقد أسانيد رواياتهم؛ فمن روى مثل تلك الروايات لا ينبغي أن يوثق به كالكليني وغيره. هذه هي النتيجة العملية لحكم آل كاشف الغطا إن كان صادقًا، وإلا فإن المسألة تبقى مجرد دفاع عن المذهب مبرقعًا بالتقية.\n_________\n(١) «أصل الشيعة»: (ص ٦٣- ٦٤) .\n(٢) مثل مرجع الشيعة الآخر محسن الأمين. انظر: «الشيعة»: ص ١٦٠.\n(٣) انظر: ص ١٨٩ من هذا البحث.","vol":"2","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>المحور الثالث:</span>\nوهو الاعتراف بأن هناك روايات في هذا كالروايات التي تزعم حذف أسماء الأئمة ونحو ذلك ولكن هذه من قبيل التفسير وليست من القرآن. يقول محمد حسين الطباطبائي: (المراد في كثير من روايات التحريف من قولهم ﵈ كذا نزل هو التفسير بحسب التنزيل في مقابل البطن والتأويل) (١) .\nالمناقشة:\nهذا الرأي عند تطبيقه على روايات الشيعة نراه لا يتلاءم مع كثير من تلك الروايات، فقد ورد في رواياتهم \"المفتراة\" أن القرآن العظيم قد شابه تغيير في ألفاظه وكلماته، مثل ما يروونه عن علي - ﵁ - زورًا وبهتانًا أنه قال: (وأما ما حُرّف من كتاب الله فقوله: (كنتم خير \"أئمة\" أخرجت للناس) .. فخرفت إلى خير أمة، ومنهم الزناة واللاّطة والسراق وقطاع الطريق والظلمة وشراب الخمر والمضيعون لفرائض الله تعالى والعادلون عن حدوده، أفترى الله تعالى مدح من هذه صفته؟) (٢) .\nومنه قوله تعالى في سورة النحل: (أن تكون أمة هي أربى من أئمة) فجعلوها أمة.. وقوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أئمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا) ومعنى وسطًا بين الرسول وبين الناس، فحرفوها وجعلوها أمة.\n_________\n(١) «الميزان في تفسير القرآن»: (جـ١٢/ص ١٠٨) .\n(٢) «يعنون الصحابة - لأن القرآن العظيم اثني عليهم، ودين الشيعة يقوم على سبهم، فطعنوا في كتاب الله لهذا السبب.","vol":"2","page":23},{"text":"ومثله في سورة عم: (ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابيًا) فحرفوها وقالوا: ترابًا، وذلك أن الرسول - ﷺ - كان يكثر من مخاطبتي بأبي تراب ومثل هذا كثير (١) . فهل هذه الرواية - وأمثالها كثير - تنسجم مع تأويلهم بها بأنها من قبيل التفسير؟ لا شك أن هذا مخرج غير سليم، والموقف الصحيح هو ردها ورد مرويات من اعتقدها..\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>المحور الرابع:</span>\nوهو الاعتراف بأن هناك روايات وكتب للشيعة في إثبات تحريف القرآن، ولكن المقصود بالتحريف هنا.. النقص..!!!\nيقول شيخهم - المعاصر - أغابزرك الطهراني في كتابه «الذريعة» إلى تصانيف الشيعة - بعد ذكره لما ألفه الشيعة من مؤلفات لتأييد هذه الفرية - يقول: (.. وتحرير هذا البحث على ما ذكره السيد المفيد قدس سره هو أنه هل لهذا القرآن - الذي هو كتاب الإسلام وهو الموجود بين الدفتين - بقية؟ أم ليست له بقية؟ فالنفي والإثبات متوجهان إلى البقية التي هي غير القرآن الموجود بين الدفتين، أم لم ينزل شيء آخر غير ما بينهما؟ فمحل هذا الخلاف إنزال وحي آخر وعدمه، لكن عبروا قديمًا عن الإنزال وعدمه بالتحريف وعدمه من باب التعبير عن الشيء بلوازمه، فإن لازم نزول وحي لم يوجد فيما بين أيدينا أن يكون ذلك المنزل متروكًا ومحذوفًا ومسقطًا ومنقصًا، واللفظ الكاشف بمعناه اللغوي عن جميع تلك اللوازم هو التحريف.. فعدلوا عن دعوى ثبوت الإنزال وعدمه إلى دعوى تحقق التحريف،\n_________\n(١) «البحار»: (٩٣/ص ٢٦، ٢٧، ٢٨) .","vol":"2","page":24},{"text":"أي الأخذ بالجانب وعدمه، ثم قال: فظهر أن عنوان البحث قديمًا بتحريف الكتاب بغير بيان لم يقع في محله، وكان الأولى أن يُعَنْوَن المبحث بتنقيص الوحي، أو يصرح بنزول وحي آخر وعدمه حتى لا يتمكن الكفار من التمويه على ضعفاء العقول بأن في كتاب الإسلام تحريفًا باعتراف طائفة من المسلمين) (١) .\nالمناقشة:\nهذا هو دفاع عالم الشيعة عن كتاب الله سبحانه وهو تأكيد \"التحريف\" والطعن في كتاب الله بما يشبه الدفاع. (كبرت كلمة تخرج من أفواههم (، ولا يستغرب الشيء من معدنه فهذا الطهراني: هو تلميذ صاحب «فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب» وهو الذي أراد خداع جمهور المسلمين بزعمه أن مؤلف «فصل الخطاب» شافهه بأنه أراد الدفاع عن القرآن وإنما أخطأ في العنوان، فهو يحاول أن يتستر على معتقد شيخه الباطل بأساليب من المكر والمراوغة، وها هو ذا ينكشف بهذا \"الدفاع\"، فهو يزعم أن للقرآن بقية، وأن للوحي الإلهي تكملة وأن الأولى أن يعنون بدل التحريف بعنوان \"نقص القرآن\" أو نزول وحي آخر - ويزعم أن في هذا دفاعًا عن القرآن أمام الأعداء، هذا هو مبلغ دفاعه عن القرآن والإسلام. سبحانك هذا بهتان عظيم، أما مسألة دعواهم نزول وحي آخر فلهم فيها مزاعم كثيرة كما رأينا ذلك في مبحث \"دعواهم تنزل كتب إلهية بعد القرآن\".\n_________\n(١) «الذريعة»: (٣/٣١٣- ٣١٤) .","vol":"2","page":25},{"text":"المحور الخامس:\nوهو أنهم يقولون بأن هذا القرآن محفوظ لكن لدينا قرآنًا آخر عند إمامنا المنتظر..\nوفي كتاب «البيان» للخوئي أن هذا المعنى متفق عليه بينهم (١) وفي كتاب «الإسلام على ضوء التشيع» لمن يلقبونه بالحجة آية الله العظمى الإمام الخراساني.. نجد هذا القول: (نحن معاشر الشيعة نعتقد بأن هذا القرآن الذي بأيدينا الجامع بين الدفتين - كذا يعني المجموع - هو الذي أنزله الله تعالى على قلب خاتم الأنبياء (من غير أن يدخله شيء بالنقص أو بالزيادة، كيف وقد كفّل - كذا - الشارع بنفسه تعالى من كل شين: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (؟.\nعلى أننا معاشر الشيعة \"الاثني عشرية\" نعترف بأن هناك قرآنًا كتبه الإمام علي - ﵁ - بيده الشريفة، بعد أن فرغ من كفن رسول الله - ﷺ - وتنفيذ وصاياه، فجاء به إلى المسجد النبوي فنبذه الفاروق عمر بن الخطاب قائلًا للمسلمين: حسبنا كتاب الله وعندكم القرآن، فرده الإمام علي إلى بيته، ولم يزل كل إمام يحتفظ عليه كوديعة إلهية إلى أن ظل محفوظًا عند الإمام المهدي القائم المنتظر، عجل الله تعالى فرجنا بظهوره) (٢) .\n_________\n(١) الخوئي: «البيان»: ص ٢٢٣.\n(٢) الخراساني: «الإسلام على ضوء التشيع»: ص ٢٠٤.","vol":"2","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>المناقشة:</span>\nهذه دعوى \"وجود\" قرآن آخر غير كتاب الله، وهو وديعة إلهية - كما يدعي - وقد رده عمر.\nما الحاجة لوجود قرآن والله يقول: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكن الإسلام دينًا «١)؟!.\nولِمَ تبق هذه الوديعة هذه الآماد من السنين عند منتظرهم والناس في حاجة إليها؟\nإن مسألة وجود قرآن آخر، ومسألة الطعن في كتاب الله سبحانه هما في كتب الشيعة الأساسية مسألة واحدة وقضية واحدة لا تنفصل إحداهما عن الأخرى. فهم يطعنون في القرآن ويزعمون أن القرآن الكامل عند مهديهم المنتظر، وذلك بعد أن قام عمر برده وقال: لا حاجة لنا فيه. كما في كتابهم «الاحتجاج» للطبرسي وغيره على ما سبق بيانه. فهذا \"الشيعي\" ومن على منهجه أراد أن يتدرج بالقارئ المسلم لإقناعه بهذه الفرية بإظهاره على أحد وجوهها، ثم هذه الدعوى لا بقاء لمذهبهم إلا بها، لأن دينهم قام على مسألة إمامة الاثني، عشر وهؤلاء ليس لهم ذكر في كتاب الله فاضطروا إلى الالتجاء لهذه المقولة الشنيعة وتخبطوا في ذلك أيما تخبط.\nالمحور السادس:\nإنهم يقولون: كنا نقول بالتحريف ثم عدلنا عن ذلك بعد الدراسة والتمحيص، وهذا الرأي لم أجده إلا في كتاب «الشيعة والسنة\n_________\n(١) المائدة: الآية ٣.","vol":"2","page":27},{"text":"في الميزان» (١) حيث يقول: (الفرق بيننا وبين غيرنا أنا لم نقل بعدم التحريف إلا بعد دراسة وتمحيص، ولذلك وقع بعض علمائنا المتقدمين بالاشتباه فقالوا بالتحريف، ولهم عذرهم كما أن لهم اجتهادهم وإن أخطأوا بالرأي، غير أنا حينما فحصنا ذلك ثبت لنا عدم التحريف فقلنا به وأجمعنا عليه) (٢) .\nالمناقشة:\nهذا رأي انفرد به صاحب الشيعة والسنّة.. وليس له في كتب الشيعة شاهد ولا أثر، ويبدو أنه اضطر إلى القول به لمحاولة الرد على الشواهد الكثيرة التي جاء بها إحسان إلهي ظهير ... وقوله بأنهم رجعوا عن هذا الافتراء بأجمعهم منقوض بصنيع عالمهم المعاصر حسين النوري الطبرسي - وهو صاحب أحد مراجعهم في الحديث، وقد ألف كتابه «فصل الخطاب» لإثبات هذه الفرية كما تقدم ـ، وهو منقوض أيضًا بكتاب «تحريف القرآن» لسيدهم راحت حسين المعاصر المولود سنة ١٢٩٧هـ وقد كتبه بالأردية (٣)، وكذلك «تحريف القرآن» لسيدهم علي نقي ابن السيد أبي الحسن النقوي اللكهنوي - المعاصر - المولود سنة ١٣٢٣ هـ وهو بالأردية أيضًا (٤)، وهو معارض أيضًا بما قدمناه عن أغابزرك الطهراني والأميني النجفي وغيرهما، ثم لِمَ يقال في \"أمر\" أجمع عليه\n_________\n(١) وموضوعه: محاكمة مزعومة لقاضي مجهول بين إحسان إلهي ظهير ولطف الله الصافي.\n(٢) «الشيعة والسنّة في الميزان» محاكمة بقلم س. خ، نشر نادي الخاقاني، ط. دار الزهراء، بيروت: (ص ٤٨- ٤٩) .\n(٣)، (٤) «الذريعة إلى تصانيف الشيعة»: (٣/٣٩٤) .","vol":"2","page":28},{"text":"المسلمون - وهو حفظ كتاب الله - أن من خالفهم فيه له عذره واجتهاده؟ وهل هي مسألة اجتهادية، وهل فيها عذر وتأويل سائغ؟!\nوإنه ليسر المسلم أن يرجعوا عن هذا المذهب الفاسد.. ولكن لِمَ هذا التعصب الأعمى والزعم بأن الجميع قد رجعوا عن مقالتهم؟ ولِمَ التأول والاعتذار عمن هذا مذهبه ومقاله؟\nوعلام تلك الثقة بفئة هذا معتقدها في كتاب الله سبحانه؟ لم لا يكون هناك صدق في القول، ومصارحة بالحقيقة، وتميز في الاعتقاد والقول والعمل؟ وإلا فإن سحابة من الشك ستلون هذا الموقف. وعسى الله سبحانه أن يبصر المخلصين ويهدي الحائرين، ويبيد المنافقين الذين يسعون في الأرض فسادًا ويخادعون عباد الله المؤمنين.\nإن صدق الموقف في هذه المسألة يقتضي البراءة من معتقديها وكتبهم كالكليني وكتابه «الكافي»، والمجلسي وكتابه «البحار»، والقمي وتفسيره، وغيرهم من علمائهم الكبار - عندهم - الذين يأخذون منهم دينهم ويقتدون بهم، ويثقون بكتبهم ويقدسونها.\nالمحور السابع:\nإن القول بالتحريف هو قول طائفة من الشيعة يسمون بالإخباريين أو أهل الحديث، وهم الذين يقبلون كل ما جاء عن طريق \"المعصومين\" بلا تمحيص أو تمييز، أما الطائفة الأخرى وهم \"الأصوليون\"، والذين يميزون بين الأحاديث صحة وضعفًا فهم ينكرون التحريف ويؤولون تلك الأخبار أو يردونها.","vol":"2","page":29},{"text":"يقول شيخهم جعفر النجفي (١): (وصدرت منهم - يعني من الإخباريين - أحكام غريبة، وأقوال منكرة عجيبة، منها قولهم بنقص القرآن مستندين إلى روايات تقضي البديهة بتأويلها وطرحها، وفي بعضها نقص ثلث القرآن أو ربعه ونقص أربعين اسمًا من سورة تبت منها أسماء جماعة من المنافقين، وفي ذلك منافاة لبديهة العقل، لأنه لو كان ذلك.. لقامت الحرب على ساق وكان في ابتداء الإسلام من الفتن ما كان في الختام، ثم لو كان حقًّا لتواتر نقله وعرفه جميع الخلق، لأنهم كانوا يضبطون آياته وحروفه وكلماته تمام الضبط، فكيف يغفلون عن مثل ذلك؟، ولعرف بين الكفار وعَدّوه من أعظم معايب الإسلام والمسلمين..) (٢) .\nهذا قول كبير شيوخ الشيعة المتأخرين، واحتج بقوله هذا بعض شيوخ الشيعة المعاصرين (٣) .\nالمناقشة:\nهذا \"الرأي\" قال به بعض علماء الشيعة السابقين وهو السيد \"المرتضي\" حيث قال: (من خالف في ذلك - أي في حفظ كتاب\n_________\n(١) جعفر بن خضر بن شلال الحلي الجناحي الأصل النجفي المسكن والوفاة، كان شيخ مشايخ الحلة والنجف في زمانه، أشهر تصانيفه: «كشف الغطاء، عن مبهمات الشريعة الغراء» توفي سنة ١٢٢٧هـ. «الأعلام»: (٢/١١٧- ١١٨) .\n(٢) جعفر النجفي: «الحق المبين» عن الطباطبائي: «هامش الأنوار النعمانية»: (٢/٣٥٩)، وانظر: جعفر النجفي - أيضًا - «كشف الغطا»: (ص ٢٩٨- ٢٩٩) .\n(٣) مثل محسن الأمين في كتابه «الشيعة»: (ص ١٦٣- ١٦٤)، وعبد الحسين الموسوي، في «أجوبة مسائل جار الله»، ومحمد جواد مغنية في «الشيعة في الميزان»: ص ٣١٤.","vol":"2","page":30},{"text":"الله - من الإمامية ... لا يعتد بخلافهم، فإن الخلاف في ذلك مضاف إلى قوم من أصحاب الحديث - من الشيعة - نقلوا أخبارًا ضعيفة وظنوا صحتها لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحته) (١) .\nولما قال ابن حزم: إن من قول الإمامية قديمًا وحديثًا أن القرآن مبدل ... استثنى السيد المرتضي من هذا القول (٢) .\nويلاحظ أن \"المرتضي\" حكم على تلك الأخبار بالضعف وعدم القبول، لكن عالم الشيعة المعاصر جعفر النجفي.. سلك في تلك الأخبار مسلك التأويل، فقد قال بعد ذلك الكلام السابق الذي نقلناه: (فلا بد من تنزيل تلك الأخبار إما على النقص من الكلمات المخلوقة (٣) قبل النزول إلى السماء الدنيا أو بعد النزول إليها قبل النزول إلى الأرض، أو على نقص المعنى في تفسيره، والذي يقوي في نظر القاصر التنزيل على أن النقص بعد النزول إلى الأرض فيكون القرآن قسمين: قسم قرأه النبي صلى الله عليه وآله على الناس وكتبوه وظهر بينهم وقام به الإعجاز، وقسم أخفاه ولم يظهر عليه أحد سوى أمير المؤمنين ﵇ ثم منه إلى باقي الأئمة الطاهرين، وهو الآن محفوظ عند صاحب الزمان جعلت فداه) (٤) .\n_________\n(١) انظر: «التبيان» الطوسي: (١/٣) ط النجف، «مجمع البيان» الطبرسي: (١/١٥) ط صيدا.\n(٢) انظر: هامش ص ١١ من هذا البحث.\n(٣) لأنهم يعتقدون - كالمعتزلة - أن القرآن مخلوق.\n(٤) جعفر النجفي: «حق المبين» عن هامش «الأنوار»: (٢/٣٥٩- ٣٦٠)، «كشف الغطا»: ص ٢٩٩.","vol":"2","page":31},{"text":"ولا شك أن مسلك المرتضي مسلك سليم إن لم يكن ذلك منه تقية، فقد نقل عنه بعض علماء الشيعة ما يمس كتاب الله - كما مر - والله يتولى السرائر، على أن من الإنصاف أن نقول: إن ذلك الناقل عنه متهم في نقله لأن هدفه إثبات تلك الفرية وهو رافضي لا يعوزه الكذب، أما رأي جعفر النجفي فهو رأي من الخطورة بمكان وهو عين رأي \"السبئية\" كما نقله عنها \"الحسن ابن محمد بن الحنفية\" وهو قولهم: (هدينا لوحي ضل عنه الناس، وعلى خفي)، ويزعمون أن نبي الله كتم تسعة أعشار القرآن (١)، والخطورة الكبرى في هذا الرأي أنه صادر من مرجع من كبار مراجعهم ومن يأخذ برأيه الملايين.\nوإذا كان هذا هو رأي أحد كبار علماء الشيعة فكيف يمكن أن نرد مسائل النزاع إلى كتاب الله، وهم يحتجون بنصوص يزعمون أنها من ذلك القرآن المستودع عند علي - ﵁ - والمكتوم عن الأمة؟!!\nوهذه المقولة من كبير من كبار الروافض طعن في كتاب الله، وفي رسوله - ﷺ -، وفي علي - ﵁ -، ذلك أنه يترتب على ذلك الرأي أن كتاب الله ناقص، وأن رسول الله - ﷺ - المأمور بالبلاغ الكامل لأمته قد كتم عن أمته قسمًا من الوحي الإلهي.\nوهو طعن في علي - ﵁ - بأن عنده علمًا كتمه عن الناس، وتكذيب له - ﵁ - في نفيه ذلك قاطعًا (٢) .\n_________\n(١) مضى ذكر هذا النص ص ٢١٣.\n(٢) كما في «صحيح البخاري»، وقد مر ذكره ص ٩٢ من هذا البحث.","vol":"2","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>المحور الثامن والأخير:</span>\nهو موقف مرجع الشيعة \"الحالي\" من هذه القضية:\nأكبر مرجع للشيعة في العصر الحاضر هو \"الخوئي\"، خص هذه المسألة بحديث طويل في كتابه «البيان» وخلاصة رأيه في هذه الفرية ما يلي:\nأن المشهور بين علماء الشيعة ومحققيهم، بل المتسالم عليه بينهم هو القول بعدم التحريف (١)، لكنه يعترف بوجود روايات التحريف في كتب الشيعة، بل يقطع بصحة بعضها فيقول: (إن كثرة الروايات تورث القطع بصدور بعضها عن المعصومين ﵈، ولا أقل من الاطمئنان بذلك وفيها ما روي بطريق معتبر) (٢) !!\nثم يقسم روايات الشيعة في هذا الباب إلى أقسام:\nأولًا: رواياتهم التي تقول بوجود مصحف لعلي غير المصحف الموجود وأنه مشتمل على أبعاض ليست موجودة في القرآن الذي بأيدينا، ويقول إن رواياتهم في هذا كثيرة (٣)، ويذكر أمثلة لذلك، ومما ذكره ما يروونه عن أبي جعفر أنه قال: (ما ادعى أحد من الناس أنه جمع القرآن كله كما أُنزل إلا كذاب، وما جمعه وحفظه كما نزله الله تعالى إلا علي بن أبي طالب والأئمة من بعده ﵈) (٤) .\n_________\n(١) «البيان»: ص ٢٢٦.\n(٢) «البيان»: ص ٢٢٢.\n(٣) «البيان»: ص ٢٢٢.\n(٤) «البيان»: ص ٢٢٣ عن «الكافي» للكليني بإسناده عن جابر الجعفي..","vol":"2","page":33},{"text":"وكان موقف مرجع الشيعة من هذا النوع من \"أساطيرهم\" هو: (الاعتراف بوجود هذا المصحف والتصريح بأنه مختلف عن القرآن الموجود في ترتيب السور وفي اشتماله على زيادات ليست في القرآن الذي بين أيدينا) (١) !!\nولكنه يقول: (إنه لا دلالة في ذلك على أن هذه الزيادات كانت من القرآن وقد أُسقطت منه بالتحريف، بل الصحيح أن تلك الزيادات كانت تفسيرًا بعنوان التأويل وما يؤول إليه الكلام، أو بعنوان التنزيل من الله شرحًا للمراد) (٢) .\nثانيًا: رواياتهم التي دلت على التحريف بعنوانه - كما يعبر - وبلغت عندهم - على حسب اعترافه - عشرين رواية، وذكر لذلك عدة أمثلة، منها ما عن الكافي والصدوق بإسنادهما عن علي بن سويد قال: كتبت إلى أبي الحسن موسى (- وهو في الحبس - كتابًا إلى أن ذكر جوابه \"ع\" بتمامه وفيه قوله \"ع\": (أؤتمنوا على كتاب الله فحرّفوه وبدّلوه) ويجيب شيخ الشيعة عن أمثال هذه \"الأكاذيب\" بأن الأمة وعلى رأسهم الصحابة - رضوان الله عليهم - قد حملوا آيات القرآن على غير معانيها الحقيقية، ونص كلامه في هذا هو قوله: (فهي ظاهرة الدلالة على أن المراد بالتحريف حمل الآيات على غير معانيها.. ولولا هذا التحريف لم تزل حقوق العترة محفوظة، وحرمة النبي فيهم مرعية، ولما انتهى الأمر إلى ما انتهى إليه من اهتضام حقوقهم وإيذاء النبي ﵌ فيهم) (٣) .\n_________\n(١)، (٢) «البيان»: ص ٢٢٣.\n(٢)\n\n(٣) «البيان»: ص ٢٢٩.","vol":"2","page":34},{"text":"ثالثًا: رواياتهم التي دلت على أن بعض الآيات المنزلة من القرآن قد ذكرت فيها أسماء الأئمة - ﵈ - وهي كثيرة كما يقول (١) وذكر لها أمثلة من كتبهم، ومما ذكره رواية العياشي بإسناده من الصادق \"ع\": (لو قرئ القرآن كما أنزل لألفينا مُسَمّين) (٢) .\nوأجاب عن هذه الروايات بأنها من قبيل التفسير للقرآن المنزل من عند الله، وليست من القرآن نفسه، ثم قال: (وإذا لم يتم هذا الحمل فلا بد من طرح هذه الروايات) (٣) .\nرابعًا: رواياتهم التي دلت على التحريف في القرآن بالنقيصة فقط.. وجوابه عنها.. أنه لا بد من حملها على ما تقدم في معنى الزيادات في مصحف أمير المؤمنين \"ع\"، وإن لم يمكن الحمل في جملة منها فلا بد من طرحها، ثم ذكر أن لهذه \"الروايات\" جوابًا آخر ذكر في مجلس بحثه، وضن علينا بذكره واعتذر عن ذلك بالإطالة!\nوقال بأن كثيرًا هذه الروايات بل أكثرها ضعيف السند. ثم نقل عن بعض علمائهم قوله: (إن نقصان الكتاب مما لا أصل له، وإلا لاشتهر وتواتر نظرًا إلى العادة في الحوادث العظيمة، وهذا منها لا بل أعظمها) (٤) .\n_________\n(١) المصدر السابق: ص ٢٢٩.\n(٢) المصدر السابق: ص ٢٣٠ عن «تفسير العياشي»، وقد مرت في هذا البحث: ص ١٩٧.\n(٣) «البيان»: (ص ٢٣٠- ٢٣١) .\n(٤) «البيان»: ص ٢٣٣.","vol":"2","page":35},{"text":"خامسًا: أساطيرهم التي دلت على وقوع التحريف في القرآن بالزيادة والنقصان وأن الأمة بعد النبي - ﷺ - غيرت بعض الكلمات وجعلت مكانها كلمات أخرى. وذكر لذلك أمثلة ومما أورده عن العياشي عن هشام بن سالم قال: سألت أبا عبد الله \"ع\" عن قوله تعالى: (إن الله اصطفى آدم ونوحًا وآل إبراهيم وآل عمران) قال: هو آل إبراهيم وآل محمد على العالمين فوضعوا اسمًا مكان اسم. أي أنهم غيروا فجعلوا مكان آل محمد آل عمران.\nوكان جوابه عن ذلك - أنها مخالفة للكتاب والسنّة، ولإجماع المسلمين على عدم الزيادة في القرآن ولا حرفًا واحدًا حتى من القائلين بالتحريف (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>المناقشة:</span>\nهذه \"المحاولة\" هي مجرد غطاء جميل لتحقيق هدف سيء وهو ما نرفضه الرفض كله، لأنها مؤامرة الهدف منها المساس بكتاب الله بطرق خفية ماكرة، ولذا فإنه يكون لزامًا علينا أن نكشف هذه المؤامرة، وأن نبين تلك المنكرات في ذلك الجهد المزعوم. فأول ما ننكره هو ذلك الزعم بأن لعلي قرآنًا مشتملًا على زيادات ليست في كتاب الله، وتلك الدعوى الخطيرة التي فسر بها هذه الزيادات وهي أنها تفسير نزل من عند الله سبحانه، هذه دعوى باطلة ويترتب عليها آثار في قمة الخطورة فإذا فقدت المعاني الإلهية للقرآن فما فائدة الألفاظ؟ وإذا تجرأ الصحابة على رد التفسير فكيف\n_________\n(١) «البيان»: (ص ٢٣٢ -٢٣٣) .","vol":"2","page":36},{"text":"يؤمنون على كتاب الله؟\nولماذا يبقى هذا التفسير عند منتظرهم والأمة في حاجة إليه؟. كما ننكر \"قولته الشنيعة\" بأن الصحابة انحرفوا في تأويل القرآن وفسروه بغير معانيه الحقيقية، وإذا كان تفسير الصحابة هو المنحرف فهل ذلك التفسير الباطني لكتاب الله والمنتشر في كتبهم الأساسية هو المعتدل؟!\nثم إن القارئ ليعجب حينما يجد هذا \"الخوئي\" يناقض نفسه بنفسه، فنراه يذهب إلى توثيق وتصحيح أسانيد وروايات تفسير شيخهم إبراهيم القمي - شيخ الكليني - كما مر (١) - وفيها روايات كثيرة في الطعن في كتاب الله سبحانه - مع أنه هنا ينكر التحريف ويحكم بطرح ما لا يمكن تأويله من رواياته فكيف نفسر هذا \"التناقض\"؟.\nومرجع الشيعة - وهو يزعم أنه يدافع عن القرآن وينكر فرية التحريف - له \"كلمات\" و\"دعاوى\" غريبة تجعل القارئ يتشكك في صدقه في الدفاع، فمن تلك الدعاوى قوله:\n(إن القول بنسخ التلاوة هو بعينه القول بالتحريف، وعليه فاشتهار القول بوقوع النسخ في التلاوة عند علماء أهل السنّة يستلزم - في زعمه - اشتهار القول بالتحريف) (٢) وقال: (إن الالتزام بصحة هذه الروايات - يعني روايات نسخ التلاوة - التزام بوقوع التحريف في القرآن) (٣) وقال: (.. فيمكن أن يدعي أن القول بالتحريف هو\n_________\n(١) انظر: ص ١٨٢ من هذه الرسالة.\n(٢) «البيان»: ص ٢٠١.\n(٣) الخوئي: «البيان»: ص ٢٠١.","vol":"2","page":37},{"text":"مذهب أكثر علماء أهل السنّة لأنهم يقولون بجواز نسخ التلاوة) (١) .\nوهذه \"الدعوى\" من مرجع الشيعة هي إحدى \"حجج\" الذين يطعنون في كتاب الله (٢)، وهو يزعم أنه يدافع عن القرآن وحجتهم واهية، فالنسخ - كما سبق - ورد وقوعه بروايات صحيحة، والفرق واضح بين النسخ والتحريف، فالتحريف من صنع البشر، وقد ذم الله فاعله، والنسخ من الله (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها.. «٣) وهو لا يستلزم مس كتاب الله سبحانه بأي حال، والشيعة يقرون به كما سبق نقل ذلك عن شيخهم الطبرسي (٤) وكذلك أقر به شيخهم \"المرتضي\"، لكن هذا الرجل فيما يظهر من فلتات قلمه يحاول أن يتدسس بهذه العقيدة \"الخبيثة الملحدة\" إلى المسلمين تحت غطاء الدفاع عن القرآن، ولهذا يلاحظ أن شيخ الشيعة \"المرتضي\" لما كان ينكر التحريف - وهو الذي استثناه ابن حزم من جمهور الإمامية القائلين بهذه الفرية - رأيناه يقر بنسخ التلاوة، ففي كتابه «الذريعة» قال: (فصل في جواز نسخ الحكم دون التلاوة ونسخ التلاوة دونه) (٥) ثم تكلم عن ذلك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>٢- في انحرافهم في تفسير القرآن:</span>\nمر بنا في بيان أسس الخلاف بين السنّة والشيعة تصوير لما عليه الشيعة\nمن تعسف ظاهر، وشطط بالغ في تأويل آيات القرآن (٦) .\n_________\n(١) المصدر السابق: ص ٢٠٦.\n(٢) انظر: الباقلاني: «نكت الانتصار»: ص ١٠٣ في رد هذه الشبهة.\n(٣) البقرة: آية ١٠٦.\n(٤) انظر: ص ٩٠ من هذا البحث.\n(٥) سيد مرتضي علم الهدى «الذريعة إلى أصول الشريعة»: (١/٤٢٨، ٤٢٩) .\n(٦) انظر: ص ٢١٤ من هذا البحث.","vol":"2","page":38},{"text":"ولا شك أن ذلك \"التأويل\" الذي سلكوه في تفسير كتاب الله عقبة في طريق التفاهم والوصول إلى لقاء؛ إذ كيف يمكن أن نرد \"النزاع\" إلى كتاب الله وهم جعلوا من تأويلهم له كتابًا آخر غير ما في أيدي المسلمين؟!! فماذا يقول دعاة التقارب والمدافعون عن التشيع في ذلك؟\nإليك آراء بعض علمائهم المعاصرين في هذا الأمر:\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>(أ) رأي مرجع الشيعة «الخوئي»:</span>\nيعقد الخوئي في كتابه «البيان في تفسير القرآن» مبحثًا عنوانه: (حجية ظواهر القرآن) (١) يؤكد فيه على أنه لا بد من العمل بظواهر القرآن، فهل معنى هذا أن \"الخوئي\" يرفض ذلك التفسير الباطني الموجود في أكثر كتب التفسير عندهم؟. إنا نراه وهو يدّعي هذا القول يذهب إلى توثيق أسانيد القمي في تفسيره وصحة أحاديثه (٢)، وتفسير القمي قد بلغ الغاية في التأويلات الباطنية لآيات القرآن، وليس ذلك فحسب بل إنه ذهب إلى حمل ما ورد من \"طرقهم\" من روايات تقول بأن الصحابة حرفوا كتاب الله على أن المراد بها أن الصحابة قد فسروا آيات القرآن على غير معانيها الحقيقية (٣)، وكان الأحرى به لو كان صادقًا في الدفاع عن \"قدسية القرآن\" أن يرد تلك الروايات لا أن يحملها هذا المحمل الذي يكرس به ذلك التفسير الباطني في كتبهم، ويلغي به هداية القرآن بين شيعته.\n_________\n(١) «البيان»: ص ٢٦٣ وما بعدها.\n(٢) مر نقل ذلك بحروفه عن الخوئي: ص ١٨٢ من هذا البحث.\n(٣) مر نقل النص بحروفه ص ٣٤ من هذا البحث.","vol":"2","page":39},{"text":"ولعل القارئ يتساءل كيف يطعن الخوئي في تفسير الصحابة لكتاب الله ويوثق روايات القمي، وهو يزعم أنه يعمل بالظواهر؟ وجواب هذا التساؤل عند أصحاب التقية.\nثم إن هذا \"الخوئي\" وقف من رواياتهم التي تسند علم هذا القرآن إلى أئمتهم الاثني عشر موقف الموافقة في الغالب، وإليك بعض هذه الروايات وموقف الخوئي منها:\nيزعمون - في حديث لهم - أن أبا عبد الله قال لأبي حنيفة:\nأنت فقيه أهل العراق؟ قال: نعم، قال: فبأي شيء تفتيهم؟ قال: بكتاب الله وسنّة نبيه، قال \"ع\": يا أبا حنيفة تعرف كتاب الله حق معرفته وتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: نعم، قال \"ع\": يا أبا حنيفة لقد ادعيت علمًا - ويلك - ما جعل الله ذلك إلا عند أهل الكتاب الذين أُنزل عليهم! ويلك ما هو إلا عند الخاص من ذرية نبينا ﵌ وما ورثك الله تعالى من كتابه حرفًا (١) .\nوفي رواية زيد الشحام، قال: دخل قتادة على أبي جعفر \"ع\" فقال له: أنت فقيه أهل البصرة؟ فقال: هكذا يزعمون، فقال \"ع\": بلغني أنك تفسر القرآن، قال: نعم، إلى أن قال: يا قتادة إن كنت قد فسرت القرآن من تلقاء نفسك فقد هلكت وأهلكت، وإن كنت قد فسرته من الرجال فقد هلكت وأهلكت، يا قتادة - ويحك - إنما يعرف القرآن من خوطب به (٢) .\n_________\n(١) «البيان» الخوئي: ص ٢٦٧.\n(٢) المصدر السابق: (ص ٢٦٧- ٢٦٨) .","vol":"2","page":40},{"text":"وكان جواب الخوئي عن الرواية الأولى: (أنهم هم المخصصون بعلم القرآن - يعني الأئمة - على واقعه وحقيقته، وليس لغيرهم في ذلك نصيب) (١) !! وقال عن الثانية - رواية زيد الشحام -: (وأما الرواية الثانية فقد تضمنت لفظ التفسير وهو بمعنى كشف القناع، فلا يشمل الأخذ بظاهر اللفظ لأنه غير مستور ليكشف عنه القناع) (٢)، ويتبين واضحًا من توجيه الخوئي للرواية الأخيرة حقيقة مذهبه في حجية الظواهر، فهو يرى أن في القرآن ما يحتاج إلى تفسير وهذا من خصوصيات الأئمة فلا يدخل في قوله: (بالعمل بظواهر القرآن لكل أحد)، وهناك نوع آخر هو الذي لا يحتاج إلى تفسير، وهو ما يعبر عنه الخوئي بغير المستور فلا يختص به الأئمة، وهذا هو الظاهر عنده الذي لا يحتاج إلى تفسير باطني من عند الأئمة، ولهذا قال \"الخوئي\" معقبًا على روايتهم الأولى: (وإلا فكيف يعقل أن أبا حنيفة لا يعرف شيئًا من كتاب الله حتى مثل قوله تعالى: (قل هو الله أحد (، وأمثال هذه الآية مما يكون صريحًا في معناه؟) (٣) .\nومعنى هذا أن رأيه في حجية الظواهر لا يخالف موافقته على التفسير الباطني. وما ندري ما هي تلك الآيات الظاهرة التي لا تحتاج إلى تفسير، والآيات غير الظاهرة التي تحتاج إلى تفسير باطني من عند الأئمة؟!\n_________\n(١) المصدر السابق: ص ٢٦٨.\n(٢) المصدر السابق: ص ٢٦٨.\n(٣) «البيان»: ص ٢٦٨.","vol":"2","page":41},{"text":"(ب) رأي آيتهم العظمى «عبد الحسين شرف الدين الموسوي» (١):\nلما قال موسى جار الله: (في كتب الشيعة أبواب في آيات وسور نزلت في الأئمة والشيعة، وفي آيات وسور نزلت في كفر أبي بكر وعمر وكفر من اتبعهما والآيات تزيد على المئة بل فيها سور مستقلة.. يذكر كل ذلك أكبر إمام للشيعة في أقدس كتبها في أصول الكافي) (٢) .\nأجابه هذا \"الموسوي\" بقوله:\n(أما ما نزل في فضل الأئمة من أهل البيت وشيعتهم فمسلم بحكم الضرورة من علم التفسير المأثور من السنن وبحكم ما ثبت في السنّة المقدسة من أسباب النزول، وأما نزول شيء من القرآن في كفر فلان وفلان فإنه مما نبرأ إلى الله منه والبلاء فيه، إنما جاء من بعض غلاة المفوضة (٣) . وربما كان في كتبهم فرآه هذا الرجل فرمى البريء بحجر المسيء شأن الجهال بحقائق الأحوال) (٤) .\nالمناقشة:\nيلاحظ القارئ أن عبد الحسين، يعترف بوجود ذلك التأويل\n_________\n(١) سيأتي التعريف به في (محاولات التقريب) .\n(٢) «الوشيعة»: ص ٢٧، وانظر: ص ٦٥.\n(٣) المفوضة: قال في تعريفهم شيخ الشيعة \"المفيد\": (والمفوضة صنف من الغلاة، وقولهم الذي فارقوا به من سواهم من الغلاة اعترافهم بحدوث الأئمة وخلقهم، ونفي القدم عنهم وإضافة الخلق والرزق مع ذلك إليهم، ودعواهم أن الله ﷾ تفرد بخلقهم خاصة وأنه فوض إليهم خلق العالم بما فيه) «شرح عقائد الصدوق»: (ص ٢٥٨- ٢٥٩)، وهو ملحق بكتاب «أوائل المقالات» .\n(٤) «أجوبة مسائل جار الله»: ص ٦٧.","vol":"2","page":42},{"text":"المتعسف لكثير من آيات القرآن بالأئمة عندهم، بل يرى أن هذا مسلم عندهم بحكم الضرورة، مع أنه تأويل باطني لا تربطه بالآيات أدنى رابطة كما سبق التمثيل لذلك (١) .\nوليس غريبًا إقراره بذلك، فقد خرج علينا في كتابه «المراجعات» بتأويلات في غاية الغرابة لآيات من القرآن فسرها بالأئمة الاثني عشر، مع أنها لا تحمل أية دلالة على ذلك التأويل الذي فسرها عليه، كما سيأتي بعد قليل، ولكن الغريب أن ينكر هذا الموسوي حقيقة قائمة، وواقعًا ملموسًا في كتب الشيعة، يتمثل في عشرات من الروايات تفسر آيات الكفر والكفار بالشيخين ﵄ كما سلف نقل ذلك من أُمّات كتبهم المعتمدة، ويأتي هذا الموسوي ليخدع الناس، وينكر ما هو واقع، ويلصق ذلك بالمفوضة الذين لم يقل الكاتبون من الشيعة عنهم أن من مذهبهم تفسير آيات الكفار بالشيخين مطلقًا (٢)، ثم إن فرقة المفوضة اندثرت ولا توجد باعتراف شيخ الشيعة محمد حسين آل كاشف الغطا (٣)، فكيف يقول هذا الموسوي أن موسى جار الله ربما رأى ذلك في كتب المفوضة؟.\nثم إن «الكافي»، و«البحار»، و«تفسير القمي»، والعياشي، والصافي وغيرها منتشر فيها ذلك التأويل، وهي كتب الاثني عشرية بلا إشكال، بل هي المعتمدة عندهم.\n_________\n(١) في مبحث (انحرافهم في تأويل القرآن) .\n(٢) انظر: «شرح عقائد الصدوق»: المفيد: ص ٢٥٨.\n(٣) لأنه يزعم أن كل فرق الغلاة قد اندرست. انظر: «أصل الشيعة»: ص ٣٨.","vol":"2","page":43},{"text":"ثم إن تفسير آيات الإيمان والمؤمنين.. بالأئمة وتفسير آيات الكفر والكافرين بالشيخين وأتباعهما. قضية واحدة، وكفتا ميزان لا تنفصلان في كتب الاثني عشرية بدليل أحاديثهم وأبوابهم التي ذكروها في هذا الباب، مثل:\nباب: (في تأويل المؤمنين والمسلمين والإسلام بهم وبولايتهم عليهم الصلاة والسلام، والكفار والمشركين والكفر والشرك والجبت والطاغوت واللات والعزى والأصنام بأعدائهم ومخالفيهم) وفيه مائة حديث (١) .\nباب: (أنهم الأبرار والمتقون والسابقون والمقربون وشيعتهم أصحاب اليمين وأعداؤهم الفجار والأشرار وأصحاب الشمال) وفيه خمسة وثلاثون حديثًا (٢) .\nباب: (أنهم الصلاة والزكاة والحج والصيام وسائر الطاعات وأعداؤهم الفواحش والمعاصي في بطن القرآن) (٣)، وأعداؤهم هم الشيخان ومن اتبعهم كما يتبين من خلال الأحاديث المذكورة في هذه الأبواب وقد مر ذكر بعضها (٤) .\nأما لماذا فصل بينهما هذا الموسوي؟ فالجواب على ذلك أن الثناء على الشيخين محل إجماع المسلمين وتكفيرهم كفر، وما كان محل إجماع المسلمين تجري فيه التقية عندهم كما قال الطوسي، وأما تأويل آيات القرآن بالأئمة فهذا مسلك يدخله تحت غطاء\n_________\n(١) «البحار»: المجلسي: (جـ٢٣/ص ٣٥٤- ٣٩٠) .\n(٢) «البحار»: المجلسي: (جـ٤/ص١- ٨) .\n(٣) «البحار»: المجلسي: (٢٤/٢٨٦- ٣٠٤) .\n(٤) ص ٢١٣ وما بعدها من هذه الرسالة.","vol":"2","page":44},{"text":"\"فضل أهل البيت\" فلا يلزم استخدام التقية، لأن فضل أهل البيت محل اتفاق المسلمين، ولو قال هذا الموسوي إنني لا أقول بذلك التأويل، أو أن بعض الشيعة يرفض هذه الروايات لكان له وجه، أما أن ينكر واقعًا قائمًا في كتبهم فهذا هو عين التقية (١)، ولنا أن نسأل آيتهم العظمى عبد الحسين هل يعتبر الكليني الذي أخرج روايات كثيرة في تأويل آيات الكفر والكفار بالشيخين ﵄ - مع أنه التزم الصحة في كل ما يرويه - هل يعتبره من غلاة المفوضة؟، إن كان ذلك كذلك فهذا موقف يستحق الإشادة والتقدير، وكذلك ينسحب هذا الحكم في كل من روى ذلك اللون من التفسير كالقمي، والكاشاني، والبحراني، والملجسي وأضرابهم. ومعنى ذلك أن الشيعة يتلقون دينهم من غلاة المفوضة.\n(ج) رأي صاحب كتاب «أضواء على خطوط محب الدين الخطيب» (٢):\nحينما قال محب الدين الخطيب مشيرًا إلى انحراف الشيعة عن جمهور المسلمين في مصادر التلقي: (وحتى القرآن الذي كان ينبغي أن يكون المرجع الجامع لنا ولهم على التقارب نحو الوحدة، فإن أصول الدين عندهم قائمة من جذورها على تأويل آياته وصرف\n_________\n(١) وفي مجلة «رسالة لإسلام» - لسان دار التقريب - أنكر محمد صادق الصدر - رئيس مجلس التمييز الشرعي الجعفري - وجود هذا التأويل عندهم، مع أنه موجود بأبوب تضم عشرات الروايات، ولكن للقوم جرأة غريبة على تكذيب الواقع.\nانظر: «رسالة الإسلام»: السنة الأولى، العدد الرابع، المجلد الأول: ص ٣٦٣.\n(٢) وهو عبد الواحد الأنصاري من كتّابهم المعاصرين.","vol":"2","page":45},{"text":"معانيها إلى غير ما فهمه منها الصحابة عن النبي - ﷺ -، وإلى غير ما فهمه منها أئمة الإسلام عن الجيل الذي نزل عليه القرآن) (١)، أجاب صاحب «الأضواء» على ذلك بقوله: (إن الشيعة ترى من الكيد للإسلام أن يأخذوا تفسيرهم للقرآن عمن تقصدهم وتعنيهم بالذات أمثال أبي هريرة وسمرة ابن جندب.. وأنس بن مالك وغيرهم ممن أتقنوا صناعة التلفيق والدس والكذب والافتراء) (٢) .\nالتعليق:\nهذا الجواب ينسبه المؤلف للشيعة جميعًا فيقول: (إن الشيعة.. إلخ) فهو ليس من عنديّاته، فإذا كانت الشيعة تعتقد أن تلقي الدين عن طريق الصحابة هو من الكيد للإسلام، فلهم دينهم ولنا ديننا، لأن هذا القول إبطال لتواتر الشريعة، وطعن في الإسلام، وكيد للمسلمين، وهو لا يحتاج إلى مناقشة. وهناك أقوال وآراء أخرى لا تخرج عما ذكرنا (٣) نغض الطرف عن ذكرها.\n_________\n(١) «الخطوط العريضة»: ص ١٠.\n(٢) عبد الواحد الأنصاري: «أضواء على خطوط محب الدين»: ص ٦٥.\n(٣) فهذا - مثلًا - محمد جواد مغنية ينكر وجود التفسير الباطني عندهم، ويقول بأن الاثني عشرية أبعد الناس من هذه البدع والضلالات وأن كتبهم تشهد بذلك وهي في متناول كل يد، «الكاشف»: (٧/١٠٤) . وما أظن أحدًا اطلع على كتب التفسير والحديث عندهم يصدق هذا، فالأمر ليس مجرد وجود روايات شاذة كما يزعم، بل تفاسير كاملة تخصصت في التفسير الباطني كتفسير إبراهيم القمي وغيره، وأبواب كاملة في «البحار» للمجلسي ضم عشرات الأحاديث كلها تفسر الآيات تفسيرًا باطنيًا، فلم هذه الجرأة في إنكار \"الحقائق الواضحات\"؟ وهل يظنون أنهم يخدمون دينهم بهذه الوسيلة؟.\nومحسن الأمين ينكر وجود التفسير الباطني عندهم ويزعم أنها روايات شاذة «الشيعة بين الحقائق والأوهام»: ص ٤١٩، ٤٢٠. والخنيزي ينكر أحيانًا ما هو واقع، أو =","vol":"2","page":46},{"text":"أمثلة من تأويلات علمائهم المعاصرين لكتاب الله:\n(٢) يقول آيتهم العظمى عبد الحسين الموسوي في «مراجعاته» التي حاول بها - كما زعم - إقناع شيخ الأزهر بالتشيع للاثني عشر (١) يقول - مفسرًا آيات من كتاب الله بأئمته ومحتجًا بها على لزوم التشيع لهم -:\n(أليسوا حبل الله الذي قال: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) (٢) والصادقين الذين قال: (وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (٣) وصراط الله الذي قال: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ) (٤) وسبيله الذي قال: (وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) (٥) وأولي الأمر الذين قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا\n_________\n= يزعم أنها روايات شاذة.. إلخ. «الدعوة الإسلامية»: (١/١٧٨- ٢٠٢) . وما أظن إنكار ما هو واقع يجدي في الدفاع، بل إنه سيحمل على التقية حتى من الشيعة أنفسهم بدليل أنه حكم بعض علماء الشيعة على تفسير «التبيان» للطوسي بأنه موضوع على أسلوب التقية والمداراة للمخالفين - كما مر - وقد ألف في العصر الحاضر بعض علماء الشيعة مؤلفات على غرار «التبيان» مثل «الكاشف» لمحمد جواد مغنية، حيث اعتمدوا في الغالب على روايات أهل السنّة، وعلى بعض رواياتهم المعتدلة، والاعتماد على روايات أهل السنّة أمارة على \"التقية عندهم\". ونحن نقول: الله أعلم بذلك، لكن عقيدة التقية عندهم ساهمت في استمرار الغلو فيهم، ورد الحق عندهم.\n(١) سيأتي كشف لحقيقة كتاب «المراجعات» في تقييم محاولة عبد الحسين هذا للتقريب في مبحث محاولات التقريب - بحول الله.\n(٢) آل عمران: آية ١٠٣.\n(٣) التوبة: آية ١١٩.\n(٤) الأنعام: آية ١٥٣.\n(٥) الأنعام: آية ١٥٣.","vol":"2","page":47},{"text":"الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (١) وأهل الذكر الذين قال: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (٢) والمؤمنين الذين قال: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ) (٣) .\nوالهداة الذين قال: (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ) (٤) . ألم يجعل المغفرة لمن تاب وآمن وعمل صالحًا مشروطة بالاهتداء إلى ولايتهم إذ يقول: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) (٥) أليست هي - يعني ولايتهم - النعيم الذي قال الله تعالى: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ)؟ (٦) وسيسأل الناس عن ولايتهم يوم يبعثون، كما جاء في تفسير قوله تعالى: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ) (٧)، ولا غرو فإن ولايتهم لمما بعث الله به الأنبياء وأقام عليه الحجج والأوصياء كما جاء في تفسير قوله تعالى: (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا) (٨)، بل هي مما أخذ الله به العهد من عهد ألست بربكم كما جاء في تفسير قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي\n_________\n(١) النساء: آية ٥٩.\n(٢) النحل: آية ٤٣، الأنبياء: آية ٧.\n(٣) النساء: آية ١١٥.\n(٤) الرعد: آية ٧.\n(٥) طه: آية ٨٢.\n(٦) التكاثر: آية ٨.\n(٧) الصافات: آية ٢٤.\n(٨) الزخرف: آية ٤٥.","vol":"2","page":48},{"text":"آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى) (١) .\n(وتلقى آدم من ربه كلمات) التوسل بهم فتاب عليه (٢) .. فهم الناس المحسودون الذين قال الله فيهم: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ (٣) وهم الراسخون في العلم الذين قال: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ) (٤) .\nوهم رجال الأعراف الذين قال: (وعلى الأعراف رجال يعرفون كلًا بسيماهم) (٥) ورجال الصدق الذين قال: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) (٦) ورجال التسبيح الذين قال الله تعالى: (يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ) (٧) .\n_________\n(١) الأعراف: آية ١٧٢.\n(٢) هذا تفسيره لقوله تعالى: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ) [البقرة: آية ٧٧] .\n(٣) النساء: آية ٥٤.\n(٤) آل عمران: آية ٧.\n(٥) الأعراف: آية ٤٦.\n(٦) الأحزاب: آية ٢٣.\n(٧) النور: آية ٣٦.","vol":"2","page":49},{"text":"وبيوتهم هي التي ذكرها الله (فقال: (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه «١)، وقد جعل الله مشكاتهم في آية النور مثلًا لنوره وله المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم (٢)، وهم: السابقون السابقون أولئك المقربون (٣)، وهم: الصديقون والشهداء والصالحون (٤) . وفي أوليائهم قال الله تعالى: (وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) (٥) . وقال في حزبهم وحزب أعدائهم: (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ) (٦) .. وقال فيهم وفي شيعتهم: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ) (٧)، وفيهم وفيمن فاخرهم بسقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام أنزل الله تعالى: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (٨) . وفي جميل بلائهم وجلال عنائهم قال الله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) (٩) .. وقد\n_________\n(١) النور: آية ٣٦.\n(٢) هذا تفسيره لقوله سبحانه: (مثل نوره كمشكاة فيها مصباح.. ([النور: آية ٣٥] .\n(٣) هذا تفسيره لقوله سبحانه: (والسابقون السابقون أولئك المقربون ([الواقعة: الآيتان ١٠، ١١] .\n(٤) هذا تفسيره لقوله سبحانه: (والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم ([الحديد: آية ١٩] .\n(٥) الأعراف: آية ١٨١.\n(٦) الحشر: آية ٢٠.\n(٧) البينة: آية ٧.\n(٨) التوبة: آية ١٩.\n(٩) البقرة: آية ٢٠٧.","vol":"2","page":50},{"text":"صدقوا بالصدق فشهد لهم الحق تبارك اسمه فقال: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) (١) .. وهم أولو الأرحام: (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ) (٢) .. وهم ذوو الحق الذي صدع القرآن بإتيانه: (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ) (٣)، وذوو الخمس الذي تبرأ الذمة إلا بأدائه: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى) (٤) .. فهم المصطفون من عباد الله، السابقون بالخيرات بإذن الله، الوارثون كتا٤ب الله الذين قال فيهم: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ) (٥) وهو الذي لا يعرف الأئمة (وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ) وهو الموالي للأئمة ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله.. وهو الإمام) (٦) ثم استدل برواية موضوعة على ابن عباس أنه قال: (نزل في علي وحده ثلاثمائة آية) (٧) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>التعليق:</span>\n(١) هذا تفسير لآيات من القرآن من أحد مراجعهم الكبار في العصر الحاضر، وممن يتزعمون الدعوة للتقارب بين السنّة والشيعة وهو موجه \"لشيخ سني\" للاحتجاج عليه بالقرآن ليقتنع بالتشيع للاثني عشر، فهو تفسير قد بالغ صاحبه في اختياره وانتقائه، ومع ذلك هو\n_________\n(١) الزمر: آية ٣٣.\n(٢) الأنفال: آية ٧٥.\n(٣) الإسراء: آية ٢٦.\n(٤) الأنفال: آية ٤١.\n(٥) فاطر: آية ٣٢.\n(٦) «المراجعات»: (ص ٦٢- ٧٣) .\n(٧) انظر: الشوكاني: «المجموعة في الأحاديث الموضوعة»: ص ٣٧٦.","vol":"2","page":51},{"text":"كما يرى القارئ قد جعل آيات الإيمان والمؤمنين وصفاتهم مقصورة على أئمته لا يشترك فيها أحد من جمهور المسلمين اللهم إلا شيعته في بعض الآيات، وكأن القرآن لم ينزل إلا فيهم، وكأنهم المسلمون وحدهم. ولا شك أن المسلم يدرك أن هذا التأويل بعيد عن لغة القرآن، وروح الإسلام، عمدته روايات موضوعة، ومزاعم واهية.\nوهؤلاء الأئمة تختلف فرق الشيعة اختلافًا كبيرًا في أعدادهم وفي أعيانهم، وكل فرقة تفسر الآيات بأئمتها خاصة وتزعم أن أئمة الفرق الأخرى بمعزل عن مدلولها، وكل طائفة تضع من الروايات ما يؤيد مذهبها، وتقصر مفهوم أهل البيت على أئمتها خاصة، ولا تسلم فرقة من فرق الشيعة من طعن في بعض أهل البيت من غير أئمتها، (والله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كان فيه يختلفون (فهم ممن فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء، ثم إن هذا التأويل لتلك الآيات كما يصدق عندهم على الإمام علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين وغيرهم من أئمة العلم والدين يصدق على إمامهم المعدوم الذي لم يولد أصلًا، وعلى \"الحسن العسكري\" - إمامهم الحادي عشر - الذي ضعفه ابن الجوزي في الموضوعات (١) !!\nوتفسير عبد الحسين الباطني لكتاب الله؛ وهو مثال من أمثلة كثيرة تدل على أن العقلية الشيعية المعاصرة لا تزال في الغالب تعيش أسيرة لتلك التأويلات التي وضعها علماؤهم السابقون والتي عرضنا أمثلة لها فيما مضى. ومن الأمثلة الأخرى أن أحد علمائهم المعاصرين ويدعى \"علي محمد دخيل\" يتحدث عن غيبة مهديهم - وهو كما\n_________\n(١) «لسان الميزان»: (٢/٢٤٠) .","vol":"2","page":52},{"text":"يقول بعض كتاب الشيعة من أشهر الكتاب الإمامية الذين عالجوا \"الغيبة\" (١) -.\nفيعقد فصلًا بعنوان \"المهدي في القرآن الكريم\" ويورد في هذا الفصل خمسين آية من القرآن كلها يزعم تأويلها بالمهدي، ويتوصل بذلك إلى أن موضوع المهدي لا يختلف عن ضروريات الإسلام الأخرى، وإنكاره إنكار لضرورة من ضروريات الدين (٢) . ونرى شيخهم - المعاصر - محمد رضا الطبيسي النجفي (ت ١٣٦٥هـ) يفسر ٧٦ آية من كتاب الله بعقيدة الرجعة عندهم (٣)، وهذا شطط لم يبلغ مستواه شيوخهم القدامى الذين فسروا بالرجعة عشرين آية ونيفًا، وفي القرن الثاني عشر تطور الأمر إلى تأويل ٦٤ آية بتلك العقيدة الباطلة على يد شيخهم \"الحر العاملي\" (٤) وغيره، ثم كانت نهاية الشطط على يد هذا \"الطبيسي\" وغيره من شيوخهم المعاصرين.\nوهذا محمد حسين آل كاشف الغطا من مراجع الشيعة الكبار في العصر الحاضر ومن دعاة الوحدة والتقارب.. يفسر قوله تعالى: (مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان (٥) يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان «٦) بالتفسير التالي: علي بحر نور الإمامة، وفاطمة بحر نور النبوة والكرامة. يخرج منهما اللؤلؤ الأخضر بخضرة السماء، والمرجان\n_________\n(١) عبد الله فياض: «تاريخ الإمامية»: ص ١٦٢.\n(٢) علي دخيل: «الإمام المهدي» عن المصدر السابق: ص ١٦٢.\n(٣) انظر: كتابه «الشيعة والرجعة» مطبعة الآداب، النجف، ١٣٨٥هـ.\n(٤) جواد تارا: «دائرة المعارف العلوية»: ص ٢٥٦.\n(٥) الرحمن: الآيتان ١٩- ٢٠.\n(٦) الرحمن: آية ٢٢.","vol":"2","page":53},{"text":"الأحمر بحمرة الأرض (١) . فهل هذا سوى تفسير باطني لا تربطه بالآية أدنى رابطة؟، ويفسر د. محمد الصادقي - معاصر - الآية المذكورة بمثل ما فسر به آل كاشف الغطا، حيث يقول: (اتصل بحر النبوة فاطمة الصديقة بنت النبي - ﷺ - ببحر الإمامة (- يعني عليًّا - بحران ملتئمان متلاقيان بينهما برزخ الرسالة القدسية المحمدية.. والخارج منهما اللؤلؤ والمرجان: الحسنان هما مجمع الولاية روحانيًا والنبوة نسبيًا) (٢) .\nوفي تفسير «الميزان» لإمامهم الأعظم محمد حسين الطباطبائي كثير من التفسيرات الباطنية التي يختارها من كتب التفسير القديمة عندهم، ويذكرها تحت عنوان \"بحث روائي\".. ومن النماذج التي نقلها مقرًا لها معتقدًا إياها ما ذكره تفسير «البرهان» عن قوله تعالى: (ضرب الله مثلًا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط «٣) .\nقال: (الآية مثل ضربه الله لعائشة وحفصة أن تظاهرتا على رسول الله وأفشتا سره) (٤) .\nوعند قوله سبحانه: (ويبقى وجه ربك) (٥) قال الصادق: (نحن وجه الله) (٦) . وهكذا يستقي الرجل التفسير الباطني من أمهات\n_________\n(١) محمد حسين آل كاشف الغطا في مقدمته لكتاب «حياة الإمام الحسن بن علي» لمؤلفه باقر شريف القرشي، مطبعة الآداب، النجف، ط. ٢، ١٣٨٤هـ.\n(٢) محمد الصادقي: «الفرقان»: (٧/٣٢) الهامش.\n(٣) التحريم: آية ١٠.\n(٤) الطباطبائي: «الميزان»: (١٩/٣٤٦) .\n(٥) الرحمن: آية ٢٧.\n(٦) الطباطبائي: «الميزان»: (١٩/١٠٣) .","vol":"2","page":54},{"text":"كتبهم ويتعمد النقل لبعض الروايات الضعيفة من كتب أهل السنّة ليخدم بها مذهبه.\nوهناك تفسير «الكاشف» لمحمد جواد مغنية، وهو يعتمد أساسًا على روايات أهل السنّة، وهذه أمارة التقية عند بعض علماء الشيعة - كما مر - وهو وإن كان يحتج ببعض الآيات على معتقده الشيعي مثل تفسيره لقوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم (بقوله: (معنى الآية أن الله سبحانه أكمل الدين مع هذا اليوم بالنص على علي بالخلافة) فهو وإن كان كذلك إلا أنه بالنسبة لتفاسيرهم المتضمنة لروايات الشيعة فقط يعتبر معتدلًا. والاعتدال قد جاءه من اعتماده على مرويات أهل السنّة وإقلاله من الاستدلال بمروياتهم.\nوهذا التفسير يظهر عليه واضحًا الدعاية المذهبية والتبشير بالتشيع، فليس ببعيد أن يكون موضوعًا على \"التقية\". ونكتفي بهذه الشواهد التي عرضناها من تفسيرات معاصريهم، لأن غرضنا معرفة مدى سير الأواخر على غلو الأوائل، يبدو لي أن الصورة متشابهة تمامًا.\nففي الأوائل كتب تفسير باطنية محضة مثل تفسير القمي والعياشي، والبحراني، ومحسن الكاشاني وغيرهم وكتب تفسير معتدلة بالنسبة لتلك التفاسير الباطنية مثل تفسير «البيان» للطوسي، و«مجمع البيان» للطبرسي. والفئة الأولى اعتمدت على روايات الشيعة فقط والفئة الثانية اعتمدت على روايات السنة والشيعة، أما كتب التفسير المعاصرة فهي فيما تعتمده من رواياتهم في تفسير الآيات تتلبس بالروح الباطنية، وحينما تحاول أن تبشر بالتشيع وتحتج على أهل السنة ببعض الروايات عندهم فتتخلص إلى حد ما من \"الروح الباطنية\".","vol":"2","page":55},{"text":"والخلاصة أنك لا تجد تفسيرًا شيعيًا اعتمد على رواياتهم فقط يخلو من الطريقة الباطنية في التفسير.\nويؤكد عالمهم المجلسي على أن اعتمادهم على روايات أهل السنة إنما هو للاحتجاج عليهم، وإلا فلا يجوز عندهم الأخذ عن المخالفين. وعقد لهذا بابًا بعنوان (الباب الثامن والعشرون: ما ترويه العامة - ما عدا الشيعة - من أخبار الرسول - ﷺ - وأن الصحيح من ذلك عندهم - يعني شيعته - والنهي عن الرجوع إلى أخبار المخالفين) (١) ثم استثنى من ذلك حالة الاحتجاج عليهم للتبشير بالتشيع (٢) .\nوهكذا يتفق تفسيرهم المعاصر مع القديم على تأويل كتاب الله على غير تأويله، فكانت تلك التأويلات هي سلم الغلو والغلاة في التأويل، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن \"تأويلهم\": (من هذا دخلت الإسماعيلية والنصيرية في تأويل الواجبات والمحرمات فهم - أي الروافض - أئمة التأويل الذي هو تحريف الكلم عن مواضعه ومن تدبر ما عندهم وجد فيه من الكفر في المنقول والتكذيب بالحق منها والتحريف لمعانيها ما لا يوجد في صنف من المسلمين منهم قطعًا، فهم أدخلوا في الدين ما ليس فيه أكثر من كل أحد، وحرفوا كتابه تحريفًا لم يصل غيرهم إلى قريب منه) (٣) .\nفكيف نتفق ونتقارب وهم على هذا الوضع من التأويل؟، والتأويل مصدر الخلاف والشقاق، وأصل خراب الدين والدنيا إنما هو من\n_________\n(١)، (٢) «البحار»: (٢/٢١٤) .\n(٣) «منهاج السنة»: (٢/١١١) مكتبة الرياض الحديثة.","vol":"2","page":56},{"text":"التأويل الذي لم يرده الله ورسوله بكلامه ولا دل عليه أنه مراده. وهل اختلفت الأمم على أنبيائهم إلا بالتأويل؟! وهل دخلت طائفة الإلحاد من أهل الحلول والاتحاد إلا من باب التأويل؟! وهل فتح باب التأويل إلا مضادة لحكم الله في تعليمه عباده البيان الذين امتن في كتابه على الإنسان بتعليمه إياه (١)؟!\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>٣- في دعواهم تنزل كتب إلهية بعد القرآن:</span>\nسبق أن تحدثنا عن دعوى الشيعة تنزل كتب إلهية بعد القرآن على الأئمة. ولننظر ما يراه دعاة التقارب في هذا الأمر الخطير.\n(١) يقول محمد حسين آل كاشف الغطا: (ويعتقد الإمامية أن كل من اعتقد أو ادعى نبوة بعد محمد أو نزول وحي أو كتاب فهو كافر يجب قتله) (٢) . هذا ما يقوله \"مرجع الشيعة\" وهو حق. وثمرة هذا القول أن الحكم بالتفكير ينطبق على كل من قال بنزول كتب إلهية على الأئمة وادعى نزول وحي عليهم، وهم كبار محدثي الإمامية كالكليني، والطوسي، والطبرسي، والمجلسي وغيرهم - كما مر - ومعنى هذا أن الشيعة تتلقى دينها من كفار يجب قتلهم.\nفهل الشيعة تقبل هذا الحكم أو تحاول أن تخرج من هذا التناقض بالقول بأن كلام كاشف الغطا تقية؟ والقول بالتقية هو الذي جعل الشيعة تعيش في دائرة الغلو وكل ما خرج منهم مصلح يحاول أن ينقض ما قرره الكليني أو غيره من محدثيهم حملوا كلامه على التقية. ولن\n_________\n(١) انظر: «الإسلام الصحيح» النشاشيبي: ص ١١٥ وما بعدها.\n(٢) «أصل الشيعة»: ص ١٠١ ط الثانية، وانظر: عبد الكريم الزنجاني (من كبار مراجعهم المعاصرين) «الوحدة الإسلامية»: ص ٨٣.","vol":"2","page":57},{"text":"يتخلص الشيعة من هذا \"الأسر\" إلا بتحطيم أسطورة التقية، ورفض ما يقوله رؤوس الضلال كالكليني وغيره ممن وضع أصول الغلو أو تلقاها عن الغلاة فأصبحت من مبادئ التشيع، وإذا كان آل كاشف الغطا اكتفى بذلك الكلام العام ولم يقل رأيه صراحة في روايتهم التي تدعي نزول تلك الكتب على الأئمة؛ فإن لشيخهم عبد الحسين الموسوي جوابًا على سؤال موجه من شيخ سنّي - كما يدعي هذا الرافضي - وتعرض هذا الموسوي لمصحف فاطمة وقال: (بعد فراغ علي من جمع القرآن - بعد وفاة النبي - ألف لسيدة نساء العالمين كتابًا كان يعرف عند أبنائها الطاهرين بمصحف فاطمة، يتضمن أمثالًا وعبرًا وأخبارًا ونوادر توجب لها العزاء عند فقد سيد الأنبياء أبيها) (١) .\nهذا هو تفسير شيخهم \"عبد الحسين\" لمسألة \"مصحف فاطمة\"، ولم يشر عبد الحسين إلى ما يدل عليه من كتب الشيعة، وما في كتب الحديث عند الشيعة لا يتفق بحال وهذا التفسير؛ فما جاء في «الوافي» و«الكافي»، و«دلائل الإمامة»، و«الاحتجاج» وغيرها من كتب الشيعة نصوص صريحة على أن ما في كتاب مصحف فاطمة هو وحي إلهي نزل به ثلاثة من الملائكة، أو كتبه علي من إملاء الملك على خلاف في الروايات عندهم، والملاحظ أن جواب عبد الحسين عن مصحف فاطمة كان موجهًا لشيخ سني، فيكون عبد الحسين قد كال للشيخ من جراب التقية - كما هي عقيدة الشيعة في هذا الموضوع - إذ لا دليل على جواب هذا الشيعي من كلام معصوميهم، والحجة عندهم في كلام المعصومين، فنحن لا نجد في\n_________\n(١) عبد الحسين الموسوي: «المراجعات»: ص ٣٣٦.","vol":"2","page":58},{"text":"نصوصهم جميعها نصًا يقول بأن مصحف\nفاطمة ألفه علي من عند نفسه، بل نصوصهم صريحة على أن مصحف فاطمة (إنما هو شيء أملاه الله عليها أو أوحى إليها (١) . ما هو قرآن، ولكنه كلام من كلام الله أنزله عليها، إملاء رسول الله وخط علي - ﵁ -، أو أنه وصل إليها عن طريق جبرائيل) (٢) وهكذا على اختلاف أقوالهم، وليس فيها ما يدعيه هذا الموسوي من أنه من عند علي ...\nثم إن كتابًا من علي - ﵁ - فيه مواعظ ونصائح لفاطمة يعزيها عن فقد أبيها له قيمة كبيرة من الناحية الأدبية والتاريخية ومن الناحية التربوية - فأين هي هذه النصائح؟ ليس لها وجود اليوم مع عدم المسوّغ لكتمانها.\nإذن جواب عبد الحسين لا يتفق مع ما جاء في كتب الشيعة كما لا يتفق والواقع.\nثم كيف يعزي علي فاطمة، وكلاهما معصوم، وهل يحتاج المعصوم إلى معصوم آخر يسدده؟!\nونجد في كلام محسن الأمين - وهو من مجتهديهم المعاصرين - كلامًا مغايرًا لما يقوله عبد الحسين عن مصحف فاطمة؛ تحدث محسن الأمين عن مصحف فاطمة في كتابه «أعيان الشيعة» (٣) وأورد رواياتهم عن أئمتهم من أن مصحف فاطمة مثل القرآن ثلاث مرات، وأنه من كلام الله أنزله عليها بإملاء رسول الله وخط علي.. إلخ. وأورد\n_________\n(١)، (٢) «بصائر الدرجات» عن «أعيان الشيعة»: (١/١٨٨)، وراجع ما سبق نقله من نصوصهم حول مصحف فاطمة المزعوم.\n(٣) انظر: «أعيان الشيعة»: (١/١٨٨- ١٩٠) .","vol":"2","page":59},{"text":"روايات أخرى عن هذا المصحف وأنهى إلى القول (أنهما مصحفان: أحدهما من إملاء رسول الله - ﷺ - خط علي «ع» والآخر من حديث جبرائيل)، وقال: (أنه لا استبعاد ولا استنكار أن يحدث جبرائيل «ع» الزهراء ﵍ ويسمع ذلك علي ويكتبه في كتاب يطلق عليه «مصحف فاطمة» بعد ما روى ذلك عن أئمة أهل البيت ثقات أصحابهم) (١) .\nوهكذا كان هذا الرافضي المدعو بالأمين أجرأ من ذلك الموسوي في الحديث عن أسطورتهم تلك.\nوننتهي من هذه المناقشة إلى أن لعلماء الشيعة جوابين: جوابًا من أنفسهم لا دليل عليه من كتبهم وذلك حينما يكون النقاش من سنّي، وهذا ما تفرضه عقيدة التقية عليهم صيانة لمذهبهم من نقد الخصوم.\nوجوابًا آخر حقيقي حينما يكون المجال غير مجال الدفاع والنقاش مع الخصوم. وهذا المسلك لا يخدم الحقيقة في شيء، وهو ترويج للخرافة، فالتقية كانت عاملًا من عوامل استمرار «الخرافة» عندهم ومن أسباب بعدهم عن الجماعة الإسلامية. ويبقى هذا الزعم الخطير بنزول كتب إلهية على الأئمة مسطرًا ومؤكدًا في كتبهم القديمة والمعاصرة، على الرغم من أن بعض مراجعهم وشيوخهم - كما مر - يفتون بأن اعتقاد هذا كفر، فكانت النتيجة أن بعضهم يكفر بعضًا\n_________\n(١) المصدر السابق: (١/١٩٠) .","vol":"2","page":60},{"text":"ويناقض بعضهم رأي بعض، ويستحلون - باسم التقية - الخداع والكذب. نسأل الله سبحانه أن يهدي المخلصين الباحثين عن الحق منهم ويكشف علماء النفاق وزنادقة الباطنيين على حقيقتهم (١) .\n٤- في السنة:\nتحدثنا في مبحث معتقد الشيعة في «السنة» أن الشيعة يرون أن أقوال أئمتهم كأقوال الله ورسوله، وأنهم يعتقدون أن رسول الله - ﷺ - كتم جزءًا من الشريعة وأودعه عليًا، وأنهم يتعبدون بحكايات الرقاع، وأنهم يرفضون مرويات الصحابة، وأنهم لذلك انفصلوا عن المسلمين بكتب وأسانيد ورجال وأحاديث لا يوافقهم عليها المسلمون.\nوفي هذا المبحث نتعرف على رأي علماء الشيعة في هذه المسائل وهم يحاولون اللقاء مع المسلمين، ويدعون إلى اعتبار مذهبهم أحد المذاهب الإسلامية المعتبرة.\nوقد بحثت عن إجابات علماء الشيعة حول هذه المسائل فلم\n_________\n(١) إن الدفاع عن \"أساطير الروافض\" حول مصحف فاطمة بمثل دفاع الرافضي عبد الحسين لا يغير من واقع الأمر شيئًا، وهو مجرد عملية ستر للباطل بثوب الحق، ويشبه دفاع عبد الحسين هذا دفاع رجل آخر من المنتسبين لأهل السنة ومن المهتمين بالتقريب، فقد زعم في دفاعه أن الأخبار الواردة في كتب الشيعة عن مصحف فاطمة إنما تدل على أن لفاطمة نسخة من القرآن مثل بعض الصحابة كمصحف ابن مسعود ومصحف ابن عباس وغيرهما. انظر: محمد علي الزعبي: «لا سنة ولا شيعة»: (ص ٨٦- ٨٧) . ولا شك أن تفسير الزعبي هذا لا يتفق مع واقع أخبار القوم عن مصحف فاطمة، وأحسب الشيخ الزعبي لم يطلع على \"أساطيرهم\" في ذلك، وإلا فلا يجوز التستر على الباطل، ولن نخدم الإسلام بإضفاء ثوب الحق على الباطل.","vol":"2","page":61},{"text":"أر سوى التأكيد عليها، والتصريح بها، فمحمد جواد مغنية يقول عن أقوال أئمته:\n(قول المعصوم وأمره تمامًا كالتنزيل من الله العزيز العليم (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى «١» (٢) .\nويقول \"الخميني\": (إن تعاليم الأئمة كتعاليم القرآن يجب تنفيذها واتباعها) (٣) .\nأما دعواهم أن رسول الله - ﷺ - كتم جزءًا من الشريعة فهذه - كما مر - من أركان دينهم لا يكفون عن التصريح بها، ومعاصروهم أصرح في ذلك من متقدميهم، ولذا لم نجد أوضح في هذه المسألة ولا أصرح من كلام مراجعهم المعاصرين ولذا اضطررنا للاستشهاد بها فيما مضى، مع أننا نؤثر فيما أسلفنا من مباحث حول عقائدهم أن نستشهد بكتب حديثهم ومتقدمي شيوخهم.\nولما أثار الشيخ موسى جار الله القول بأن الشيعة يؤمنون بكتب وهمية كالجفر والجامعة، أجاب عن ذلك مرجع الشيعة المعاصر (محسن الأمين) - بلا حياء - بقوله: (إن ضاعت صحيفة الفرائض والجفر والجامعة\n_________\n(١) النجم: الآيتان ٣- ٤.\n(٢) محمد جواد مغنية: «الخميني والدولة الإسلامية»: ص ٥٩.\n(٣) «الحكومة الإسلامية»: ص ١١٣.","vol":"2","page":62},{"text":"وما ذكر معها عنده وعند أمثاله - يعني موسى جار الله - فلم تضع عند أهلها) (١) .\nونجد من شيوخهم الكبار من يتباهى بذكر تلك الكنوز الوهمية، والأسماء التي لا مسمى لها، ويذهب يعدد هذه \"الكتب\" بكل خفة عقل، وإذا سئل أين هذه «المزعومات» أجاب بأنها عند المنتظر. ولولا خشية الإطالة لنقلنا كلامهم في ذلك (٢) .\nأما عن تعبدهم بحكايات \"الرقاع\" فيعترف دعاة التقريب بذلك وأنهم يعتبرونها من السنّة إلا أنهم يقولون إنها نادرة (٣) . وقد بينا فيما مضى حجم تلك الروايات.. وأن هناك مؤلفات مستقلة فيها.. وأن تلك التوقيعات استمرت بعد الغيبة الكبرى عندهم على يد بعض علمائهم الذين زعموا أن \"مهديهم\" قد نسخ لهم بعض الكتب، مثل ابن المطهر الحلي الذي زعم أنه التقى بالمهدي فنسخ له كتابًا ضخمًا في ليلة واحدة (٤) . ثم إنهم فتحوا الباب للاتصال العام بالمهدي عن طريق كتابة رقعة وبعثها للمهدي ببحر أو نهر، مع دعاء معين (٥)، وزعموا أن «الكافي» كله قد عرض على المهدي وقال: (الكافي كافٍ لشيعتنا) (٦) .\n_________\n(١) محسن الأمين: «الشيعة»: ص ٢٥٤.\n(٢) انظر ذلك في: «أعيان الشيعة»: (١/١٥٤- ١٨٤)، ومحمد آصف المحسني: «صراط الحق»: (٣/٣٤٧) .\n(٣) الخنيزي: «الدعوة الإسلامية»: (٢/١١٢) .\n(٤) انظر: ص ٢٦٧ من هذا البحث.\n(٥) انظر: المجلسي: «البحار»: (٢٥/٢٣٥) .\n(٦) انظر الخونسباري: «روضات الجنات»: (جـ٦/ ص ١١٦) وانظر: «الشافي شرح أصول الكافي»: (١/١) .","vol":"2","page":63},{"text":"فكيف يقال إن الصلة بالمهدي وحكايات الرقاع نادرة وهم يسجلون في كتبهم هذه \"المزاعم\" كلها؟!\nأما ردهم لمرويات الصحابة، فقد مر استشهادنا بقول محمد حسن آل كاشف الغطا (١)، وغيره (٢) في ذلك، ولكبار علمائهم حملات مسعورة ضد المكثرين من الرواية من صحابة رسول الله - ﷺ - كما صنع آيتهم العظمى عبد الحسين الموسوي في كتابه \"أبو هريرة\"، وكما فعل \"حجتهم\" عبد الحسين الأميني النجفي مع كبار الصحابة في كتابه «الغدير» وغيرهما (٣)، وذلك كله بغية رد رواياتهم والطعن في أحاديثهم. ولهم سب وتجريح لكبار محدثي الأمة، ولأمهات كتب المسلمين، ما لا يوجد مثله في كتب طائفة من طوائف الكفر، كما في كتاب «الغدير» لشيخهم الأميني وغيره، والمجال لا يتسع لنقل شواهد من هذا الغثاء وحسبنا الإشارة (٤) .\nوهم لا يحتجون بأسانيد وكتب المسلمين، يقول «السبيتي» - من علمائهم المعاصرين - «أن الشيعة لا تعول على تلك الأسانيد (أي\n_________\n(١) انظر: ص ٢٦١ من هذا البحث.\n(٢) انظر: ص ٤٦ من هذا البحث.\n(٣) وسيأتي إشارة إلى بعض من ذلك أيضًا في مبحث معتقدهم في الصحابة.\n(٤) لا يخلو كتاب من كتبهم المعاصرة من سب للصحابة ولأئمة العلم والدين، ومن تشويه لتاريخ المسلمين وطعن في أمهات كتب الإسلام.","vol":"2","page":64},{"text":"أسانيد أهل السنة) بل لا تعتبرها ولا تعرج في مقام الاستدلال عليها، فلا تبالي بها وافقت مذهبها أو خالفته» (١)، وقال: «إن لدى الشيعة أحاديث أخرجوها من طرقهم المعتبرة عندهم ودونوها في كتب لهم مخصوصة وهي كافية وافية لفروع الدين وأصوله، عليها مدار علمهم وعملهم، وهي لا سواها الحجة عندهم» (٢) .\nوبعض دعاة التقريب يقول عن عدم احتجاج الشيعة بكتب أهل السنة: (إن عدم أخذ الإمامية بما في كتب أهل السنة - مطلقًا - ممنوع أشد المنع وأجلاه. فهذه كتب الإمامية مشحونة بالأحاديث المنقولة من كتب أهل السنة في فضائل أهل البيت ومآثرهم وكرامتهم - ﵈) (٣) .\nوهذا الجواب قد ينخدع به بعض من لا يعرف أصول الشيعة وأساليبهم في الدفاع عن عقائدهم. ويفهم منه أن الشيعة تحتج بكتب\n_________\n(١) «تحت راية الحق»: ص ١٤٦.\n(٢) «تحت راية الحق»: ص ١٦٢.\n(٣) أبو الحسن الخنيزي: «الدعوة الإسلامية»: (٢/١١٢) .","vol":"2","page":65},{"text":"أهل السنة، والواقع أنه أراد خداع القارئ، وإلا فإن الشيعة إنما تحتج من كتب أهل السنة لمحاولة الدفاع عن مذهبها، والتبشير به بين صفوف المسلمين، لا أنهم يحتجون بها تدينًا وعبادة.\nولهذا عقد المجلسي - كما مر - بابًا في النهي عن الأخذ من كتب المخالفين من السنة إلا في حالة الاحتجاج عليهم من كتبهم (١) .\n٥- في الإجماع:\nمر بنا أنهم لا يحتجون بالإجماع على وجه الحقيقة ويحاول الشيعة التستر على رفضهم للإجماع، ومحاولة خداع المسلمين. فهم أولًا عقدوا في كتبهم الأصولية مبحث \"الإجماع\" (٢) مع أنه لا عبرة ولا وزن للإجماع عندهم مع قول المعصوم، والحجة بالمعصوم لا بالإجماع، فعقد هذا \"المبحث\" هو لمجرد الخداع في العناوين.\nوبعض الشيعة المحدثين يحاول أن يتستر على رفضهم لأصل الإجماع - بطريق الحيلة - ويزعم أن الشيعة يوافقون السنة في الاحتجاج به. يقول محمد جواد مغنية: إجماع الصحابة بأن تتفق كلمة الأصحاب جميعًا على حكم شرعي، وقد وأجب السنة والشيعة الأخذ بهذا الإجماع واعتباره أصلًا من أصول الشريعة، ثم يذكر أن\n_________\n(١) انظر: ص ٥٦ من هذا البحث.\n(٢) انظر: كتب الأصول عندهم.","vol":"2","page":66},{"text":"الشيعة قالوا بحجتيه لوجود الإمام مع الصحابة) (١) . انظر إلى هذا التحايل رغم أن مؤدى قوله أن الشيعة ترى أن الحجة في قول المعصوم لا في الإجماع. لكنه استعمل هذا الأسلوب الملتوي للخداع والتغرير، وقد انخدع بذلك البعض (٢) .\nومن أسس ردهم لإجماع المسلمين ذلك المبدأ الخطير عندهم، وهو أن خلاف العامة - أي أهل السنة - فيه الرشاد. وقد سارت كتبهم المعاصرة في الأصول على الأخذ بهذا المبدأ واعتباره أحد وسائل الترجيح عند تعارض الأحاديث في كتبهم، أي على نفس أسلوب كتبهم القديمة. يقول آيتهم العظمى محمد باقر الصدر في كتاب «تعارض الأدلة الشرعية»: (وقد بلغ الأمر بالأئمة في التقية - لا من الحكام فحسب، بل من الأمة بصورة آكد - أن جعلوا مخالفة العامة مقياسًا لترجيح إحدى الروايتين المتعارضتين على الأخرى) (٣) .\nيذكر \"الصدر\" هذا المبدأ وهو يتحدث عن وسائل الترجيح\n_________\n(١) «الشيعة في الميزان»: ص ٣٢١.\n(٢) مثل الشيخ محمد الغزالي الذي نقل كلام مغنية هذا وغيره واحتج به في أنه لا فرق من أصول الأحكام بين السنة والشيعة انظر كتابه «ليس من الإسلام»: (ص ٧٩ - ٨٠) .\n(٣) «تعارض الأدلة الشرعية»: تقرير لأبحاث محمد باقر الصدر، نشرها محمود الهاشمي: ص ٣. وانظر أيضًا: مجلة «رسالة الإسلام» كلية أصول الدين ببغداد العدد ٣، ٤، السنة الخامسة شوال ١٣٩١هـ، «بحث وظيفة المجتهد عند تعارض الأدلة»: داود العطار، مدرس التفسير وعلوم القرآن في الكلية: ص ١٣٣ (والكلية شيعية ومجلتها تعتمد في أبحاثها على كتب الشيعة) .","vol":"2","page":67},{"text":"عند التعارض ويعتبره من الأصول التي وضعها أئمتهم لهم عند اختلاف أحاديثهم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>٦- الإمامة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>(أ) رأي دعاة التقريب فيما جاء في أمهات كتب الشيعة من غلو في الأئمة:</span>\nسبق أن عرضنا بعض ما تخلعه كتب الشيعة الأساسية على الأئمة من صفات تخرج بهم إلى درجة النبوة، وأحيانًا تبلغ بهم إلى درجة الألوهية، وفي هذا المبحث نستمع إلى رأي دعاة التقريب في ذلك:\n١- لقد مر ذكر بعض الأبواب التي عقدها الكليني في كتابه «الكافي» حول الأئمة مثل: (باب أن الأئمة يعلمون ما كان وما يكون وأنهم لا يخفى عليهم الشيء) ونحوها - كما أسلفنا - وقد توجه د. علي السالوس (١) إلى أحد علماء الشيعة المعاصرين \"كاظم الكفائي\" (٢)، وسأله عن رأيهم في تلك الأبواب والأحاديث فأجاب عن ذلك بقوله:\n(أما الروايات التي ذكرها شيخنا الكليني في كتابه «الكافي» فهي موثوقة الصدور عندنا.. وما ورد في «الكافي» أن الأئمة يعلمون جميع العلوم التي خرجت إلى الملائكة، والأنبياء، والرسل، وأنهم إذا شاءوا أن يعلموا علموا، ويعلمون متى يموتون ولا يموتون إلا باختيار منهم،\n_________\n(١) د. علي السالوس مدرس الشريعة بالجامعة المستنصيرية بالعراق (سابقًا) وبمعهد التربية للمعلمين بالكويت (حاليًا) ١٤٠١هـ، ومن كتبه: «فقه الشيعة الإمامية» .\n(٢) وهو عميد مدرسة الإمام كاشف الغطاء الدينية في النجف.","vol":"2","page":68},{"text":"ويعلمون علم ما كان وما يكون ولا يخفى عليهم الشيء، لا شك أنهم أولياء الله وعباده الذين أخلصوا له في الطاعة)، ثم ذكر قولًا عن أئمتهم وهو: (قولوا فينا ما شئتم ونزهونا عن الربوبية) (١) يعني أنهم يستحقون هذه الأوصاف وغيرها..\nوهكذا يؤكد كاظم الكفائي إيمانهم بهذا الغلو في الأئمة. وللخنيزي جواب من هذه المسائل لا يخالف جواب الكفائي في حقيقته (٢)، وكذلك أجاب \"لطف الله الصافي\" بأن الأبواب المعنونة في «الكافي» ليست إلا عناوين لبعض ما ورثوا عن جدهم رسول الله - ﷺ - (٣) وإذا كان هؤلاء يقرون بهذا فإن شيخهم عبد الحسين الأميني النجفي ينكر بعض ما ورد عنهم في ذلك مثل أن موت الأئمة باختيارهم، وينفي وجوده عندهم ويعتبر ذلك تحايلًا ومكابرة بالإفك (٤) .\nرغم أن ذلك من أبواب «الكافي» و«البحار» الحاوية لكثير من أحاديثهم في ذلك، على أن عبد الحسين هذا يعترف في موضع آخر بأوصاف الغلو في أئمته، وذلك في معرض حديثه عن اختلاف المقاييس والموازين بين طائفته وسائر المسلمين فيقول: (لولا أن هناك من يتعامى أو يتصامم عن رؤية هذه وسماع هاتيك - يعني من فضائل أئمته - ... من الذين استأسرهم الهوى وتدهور بهم الجهل إلى هوة التيه\n_________\n(١) حديث لكاظم الكفائي نشره السالوس بخط الكفائي. انظر «فقه الشيعة»: (ص ٦٥، ٢٦٥) .\n(٢) أبو الحسن الخنيزي: «الدعوة الإسلامية»: (١/٢٧ - ٢٨) .\n(٣) لطف الله الصافي: «مع محب الدين في خطوطه العريضة»: ص ١٤٩.\n(٤) عبد الحسين أحمد الأميني النجفي: «الغدير»: (٣/٢٨٥ - ٢٨٦) .","vol":"2","page":69},{"text":"والضلال - يعني أهل السنة - فعدوا من الغلو\nالفاحش: القول بعلم الغيب فيهم أو تكلم الموتى معهم، أو علمهم بمنطق الطير والحيوانات أو إحياء الله الموتى بدعائهم، أو استجابة دعواتهم في برء الأكمه والأبرص بل وكل ذي عاهة، أو القول بالرجعة لهم، أو ظهور كرامة لهم تخرق العادة، أو الشخوص إلى زيارة قبورهم والتوسل بهم والتبرك بتربتهم والدعاء والصلاة عند مراقدهم (١)، أو التلهف والتأسف على ما انتابهم من المصائب - يشير إلى ما يصنعونه في ذكرى وفيات الأئمة - إلى كثير من أمثال هذه من مبادئ تراها الشيعة في العترة الهادية من فضائلهم المدعومة بالبرهنة الصحيحة والحجج القوية - أي قوية وصحيحة عندهم - ... مما أنكرته ابنا حزم وجوزي وتيمية وقيم وكثير ممن حذا حذوهم) (٢) .\nوعلى الرغم من ادعاء عبد الحسين هذا، وكاظم الكفائي وغيرهما علم الغيب للأئمة، وزعمهم أن ذلك هو معتقد الشيعة، فإن محمد جواد مغنية ينكر علم الأئمة للغيب، بل ينكر نسبة ذلك إلى الشيعة يقول: (وكيف نسب إلى الشيعة الإمامية القول بأن أئمتهم يعلمون الغيب وهم يؤمنون بكتاب الله ويتلون قوله تعالى حكاية عن نبيه: (ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير «٣) وقوله: (إنما الغيب لله «٤) وقوله: (قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله «٥) لقد ظلم الشيعة الإمامية من نسب إليهم القول\n_________\n(١) سيأتي في مسألة غلوهم في قبور أئمتهم مزيد من الشواهد.\n(٢) عبد الحسين الأميني النجفي: «الغدير»: (٧/٧٠) .\n(٣) الأعراف: آية ١٨٨.\n(٤) يونس: آية ٢٠.\n(٥) النمل: آية ٩٥.","vol":"2","page":70},{"text":"بأن الأئمة يعلمون الغيب) (١) . ثم قال: (وإن من نسب إليهم شيئًا من ذلك فهو جاهل متطفل أو مفترٍ كذاب) (٢) .\nهذا ما يقوله مغنية. فأيهما نصدق في مذهب الشيعة؟ هل نصدق «الكافي» و«البحار»، ونأخذ بقول كاظم الكفائي، وعبد الحسين النجفي ونقول أن الشيعة يدعون لأئمتهم علم الغيب، أو نأخذ بقول مغنية؟ والعجيب في الأمر أن الكل يزعم أن ما يقوله هو مذهب الشيعة، وعلى رأي مغنية فإن الكليني، والمجلسي، والكفائي، والأميني وغيرهم هم من الجهلة المتطفلين أو المفترين الكذابين.\nوهذا التناقض في آراء دعاة التقارب له أمثلة كثيرة، فمن ذلك: بخصوص الغلو في الأئمة فقط أن محمد جواد مغنية يقول: إن الشيعة تعتقد أن علم الأئمة كسْبي، ويرمي من يدعي أن علم الأئمة إلهامي بالجهل والدس فيقول: (وبهذا يتبين الجهل أو الدس في قول من قال بأن الشيعة يزعمون أن علم الأئمة إلهامي وليس بكسبي) (٣)، في حين أن داعية التقريب الآخر الخنيزي يقول: (علم الأئمة ليس بكسبي) (٤)، وشيخهم محمد رضا المظفر يقول - وهو يتحدث عن علم الإمام -: (وإذا استجد شيء لا بد أن يعلمه - أي الإمام - من طريق الإلهام بالقوة القدسية التي أودعها الله تعالى فيه) (٥)، فمن نصدق وكلٌّ يزعم أن قوله هو مذهب الشيعة؟ لكن كتبهم الأساسية تثبت\n_________\n(١) «الشيعة في الميزان»: ص ٤٣.\n(٢) «الشيعة في الميزان»: ص ٤٨.\n(٣) «الشيعة في الميزان»: (ص ٤٤- ٤٥) .\n(٤) «الدعوة الإسلامية»: (١/١٧) .\n(٥) «عقائد الإمامية»: ص ٩٦.","vol":"2","page":71},{"text":"الوحي والإلهام للأئمة، فمعنى هذا أن قول مغنية تقية وهو يزعم أنه لا تقية عندهم اليوم - كما سيأتي - كما نرى شيخهم محمد حسين آل كاشف الغطا يكفّر من يقول أن الأئمة يوحى إليهم (١)، مع أن هذا هو مذهب الكليني حيث روى ذلك في «الكافي» (٢) - الذي ضمن فيه أن لا يخرج إلا ما صح عنده - (٣)، فهل الكليني عند آل كاشف الغطا كافر؟ وكذلك المجلسي أثبت أحاديث الوحي للأئمة (٤) فهل يأخذ نفس الحكم؟.\nوهكذا يكفر بعضهم بعضًا ويناقض بعضهم بعضًا.\nكما أننا نرى الغلو في الأئمة عند مراجع الشيعة وعلمائها، فهذا شيخهم محمد حسين كاشف الغطا يقول: (لولا سيف علي.. لما اخضر للإسلام عود ولما قام له عمود) (٥) .\nولما استنكر الشيخ موسى جار الله هذا الغلو (٦) أجابه محسن الأمين - أحد مراجع الشيعة المعاصرين - بقوله: (إنه لم يسمع لسواه.. - يعني عليًا (- بقتيل ولا جريح في موقف من المواقف) (٧) .\n_________\n(١) انظر: «أصل الشيعة»: ص ١٠١ ط الثانية.\n(٢) انظر: ص ١٦٦ من هذا البحث.\n(٣) انظر مقدمة «الكافي»، و«الوسائل» للحر العاملي: (٢٠/٦٣- ٦٤) .\n(٤) انظر: ص ٢٦٧ من هذا البحث.\n(٥) «أصل الشيعة»: ص ٢٥.\n(٦) انظر: «الوشيعة»: ص: ص، ق.\n(٧) «الشيعة»: ص ١١١.","vol":"2","page":72},{"text":"ومحمد حسين آل كاشف الغطا هذا هو أيضًا الذي يقول في أئمته:\nيا كعبة لله إن حجت لها الـ ... أملاك منه فعرشه ميقاتها\nأنتم مشيئته التي خلقت بها الـ ... أشياء بل ذرئت بها ذراتها\nأنا في الورى قال لكم إن لم أقل ... ما لم تقله في المسيح غلاتها (١)\nهذا ما يقوله أحد كبار مراجع الشيعة، وكبار دعاة التقريب منهم، ومن يعتبر عند بعض أهل السنّة من معتدلي الشيعة، ولهذا قدموه إمامًا لهم في مؤتمر القدس الأول (٢) . لأن له وجهين وقولين، والتقية لا تنتهي كنوزها، وهو يتعهد في \"البيت الأخير\" أنه سيقول في أئمته ما لم تقله غلاة النصرانية في المسيح، وما أدري أي مرحلة سيصل إليها؟ وهل بعد غلو النصارى الذين جعلوا المسيح إلهًا من دون الله.. هل بعد غلوهم من غلو؟!!\nولكنه استطاع تجاوز ما قالته النصارى في المسيح، حيث جعلهم الكعبة التي تحجها الأملاك وميقاتها العرش وخلقت بهم الأشياء.\n_________\n(١) «ديوان شعراء الحسين»: محمد باقر النجفي: ص ١٢ ط. طهران ١٣٧٤هـ.\n(٢) انظر في مؤتمر القدس، مجلة «الأزهر» المجلد: (٢٥/٥٠٦، ٦٣٨، ٩٧٩)، «المسلمون» المجلد السادس: ص ٤٥.\nوانظر: تعليق محمد رشيد رضا في «المنار» على تقديم محمد حسين آل كاشف الغطا إمامًا لهم في الصلاة في مجلة «المنار»: المجلد: (٢٩/ص ٦٢٨) .","vol":"2","page":73},{"text":"ولهم شيخ آخر يدعى عبد الحسين ابن الشيخ إبراهيم ابن الشيخ صادق ابن الشيخ يحيى.. العاملي (١)، قالوا أنه كان آية من آياتهم التي ينسبوها - زورًا - إلى الله سبحانه، يقول هذا \"العاملي\" مشطرًا أبيات السيد حسين القزويني في مدح الأمير \"ع\".\nأبا حسن أنت عين الإله ... وعنوان قدرته السامية\nوأنت المحيط بعلم الغيوب ... فهل عندك تعزب من خافية؟\nوأنت مدبر رحى الكائنات ... وعلة إيجادها الباقية\nلك الأمر إن شئت تنجي غدا ... وإن شئت تسفع بالناصية (٢)\nوالشواهد في هذا الباب كثيرة:\nونقول إن هذه هي السبئية، خرجت لنا اليوم متلفعة برداء الاثني عشرية، وما كنا نظن أن للسبئية وجودًا حتى بدأنا القراءة في كتب \"الروافض\" فوجدنا أفكار ابن سبأ قد خلدت في دواوين الاثني عشرية الأساسية، فيولد في أحضان الاثني عشرية، بفضل هذه الدواوين،\n_________\n(١) ووصفوه بأنه (آية من آيات الله وعلمًا من أعلام الدين والإسلام في سوريا والعراق) مع أنه عدو لله ودينه. ولد في النجف عام ١٢٧٩هـ، وتتلمذ على شيوخ النجف في عصره وكللوه بإجازاتهم وشهاداتهم له برقي منصب الاجتهاد عندهم وتآليفه تنوف على العشرين، منها: «المواهب السنية في فقه الإمامية» مجلدان. محمد باقر النجفي: «ديوان شعراء الحسين»: ص ٢٦.\n(٢) «ديوان الحسين»: الجزء الأول من القسم الثاني الخاص في الأدب العربي، ص ٤٨.","vol":"2","page":74},{"text":"من أمثال ابن سبأ العشرات، والخلاف في الاسم فقط.\nولولا ضيق المجال لأكثرت من الشواهد في ذلك (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>(ب) رأيهم في الغلو في قبور أئمتهم:</span>\nسبق أن نقلنا عن شيخهم عبد الحسين أنهم لا يعتبرون هذا من الغلو لأنه مؤيد بالأدلة عندهم.\nوأكد شيخهم محمد حسين آل كاشف الغطا أن كربلاء عندهم أشرف بقاع الأرض بالضرورة، وذكر أنه قد شهد بذلك الكثير من الأخبار والآثار عندهم، ثم استشهد بالبيت التالي:\nومن حديث كربلا والكعبة ... لكربلا بان علو الرتبة\nثم ذكر أن شعراءهم قد تفننوا في بيان فضلها وقداستها، واستطالتها على جميع بقاع الأرض (٢) !!!!\nويؤكد آيتهم ميرزا حسن الحائري هذا المعنى الوثني فيقول: (كربلاء تلك التربة الطيبة الطاهرة، والأرض المقدسة التي قال في حقها رب السموات والأرضين - مخاطبًا للكعبة حينما افتخرت على سائر البقاع -: قري واستقري لولا أرض كربلاء وما ضمنته لما\n_________\n(١) انظر من ذلك: محسن الأمين: «أعيان الشيعة»: (٥/٢١٩)، و«ديوان شعراء الحسين» في مواضع كثيرة، لمجموعة من شيوخ الروافض، والبرسي: «مشارق الأنوار» في مواضع كثيرة، وعبد الحسين الأميني النجفي: «الغدير»: (٧/٣٤- ٦٧)، وغيرها.\n(٢) محمد آل كاشف الغطا: «التربة الحسينية»: (ص ٥٥- ٥٦) .","vol":"2","page":75},{"text":"خلقتك)، ثم يقول هذا الرافضي:\nوكذلك أصبحت هذه البقعة المباركة بعد ما صارت مدفنًا للإمام \"ع\" مزارًا للمسلمين وكعبة للموحدين ومطافًا للملوك والسلاطين، ومسجدًا للمصلين (١) .\nويقول د. عبد الجواد آل طعمه في كتاب له يسمى: «تاريخ كربلاء» - وهو موثق من عدد من آياتهم وحججهم (٢) - يقول: (أُعطيت كربلاء حسب النصوص الواردة بأكثر مما أُعطى لأي أرض أو بقعة أخرى من المزية والشرف في الإسلام؛ فكانت أرض الله المختارة، وأرض الله المقدسة المباركة، وحرمًا آمنًا مباركًا، وحرمًا من حرم الله وحرم رسوله وقبة الإسلام، ومن المواضع التي يحب الله أن يعبد ويدعى فيها، وأرض الله التي في تربتها الشفا، فإن هذه المزايا وأمثالها التي اجتمعت لكربلاء لم تجتمع لأي بقعة من بقاع الأرض حتى الكعبة) (٣) .\nويقول محمد الشيرازي وهو من آياتهم عن قبور أئمته:\n(ونعتقد أن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة الطاهرين أحياء عند ربهم يرزقون، ولذا فإننا نزور قبورهم ونتبرك بآثارهم ونقبل أضرحتهم كما نقبل الحجر الأسود وكما نقبل جلد القرآن الكريم) (٤) .\n_________\n(١) الحائري: «أحكام الشريعة»: (١/٣٢) .\n(٢) كمحمد حسن آل كاشف الغطا، وعبد الحسين الأميني النجفي وغيرهما. انظر: مقدمة الكتاب.\n(٣) «تاريخ كربلاء»: (ص ١١٥- ١١٦) .\n(٤) المرجع الديني، محمد الشيرازي: «مقالة الشيعة»: ص ٨.","vol":"2","page":76},{"text":"ويقول آيتهم وحجتهم عبد الله الممقاني:\n(وعليك بني بالتوسل بالنبي وآله صلى الله عليهم أجمعين، فإني قد استقصيت الأخبار فوجدت أنه ما تاب الله على نبي من أنبيائه من الزلة إلا بالتوسل بهم، وقد ورد - أي من طرقهم - أن الله تعالى لما خلق آدم (نقل أشباح محمد وآله المعصومين صلوات الله عليه وعليهم أجمعين من ذروة العرش إلى ظهره، وكان أمره الملائكة بالسجود لآدم (؛ إذ كان وعاء تلك الأشباح ... وأنه قال لآدم ﵇ - لما سأله عنهم - أن هؤلاء خيار خليقتي، وكرام بريتي بهم آخذ، وبهم أُعطي، وبهم أُعاقب، وبهم أُثيب، فتوسل بهم يا آدم، وإذا دهتك داهية فاجعلهم لي شفعاءك، فإني آليت على نفسي قسمًا حقًا أن لا أُخيب بهم آملًا، ولا أرد بهم سائلًا، فلذلك حين زلت منه الخطيئة دعا الله (بهم فتاب تعالى عليه وغفر له، وكذلك من بعده يعقوب، ويوسف وغيرهما لم ينج منهم ناج إلا بالتوسل بهؤلاء الأطهار صلوات الله عليهم أجمعين.\nوعليك بني بزيارته - يعني الحسين - في كل يوم من البعد مرة والمضي إليه في كل شهر مرة، ولا أقل من زيارته في الوقفات السبع (١)، وإن كنت في بلدة بعيدة ففي السنة مرة) (٢) .\n_________\n(١) الوقفات السبع عندهم هي:\n١- زيارة ليلة عاشوراء ويومها.\n٢- زيارة الأربعين.\n٣- زيارة أول يوم من رجب.\n٤- زيارة النصف من رجب.\n٥- زيارة النصف من شعبان.\n٦- زيارة ليلة عيد الفطر.\n٧- زيارة يوم عرفة.\nمحيي الدين الممقاني: «مرآة الرشاد»: (الحاشية): (ص ١١١- ١١٣) .\n(٢) عبد الله الممقاني: «مرآة الرشاد»: (ص ١١٠- ١١٤) .","vol":"2","page":77},{"text":"وعلق على ذلك ابنه شيخهم محي الدين الممقاني بأنه قد ورد من طرقهم (أن من زاره - عارفًا بحقه - كتب الله له ثواب ألف حجة وألف عمرة، وكأنما زار الله. وحق على الله ألا يعذبه بالنار، ألا وإن الإجابة تحت قبته والشفاء في تربته) (١) .. (ومن زار قبر الحسين (ليلة النصف من شعبان، وليلة الفطر، وليلة عرفة في سنة واحدة كتب الله له ألف حجة مبرورة، وألف عمرة متقبلة، وقضيت له ألف حاجة من حوائج الدنيا والآخرة) (٢)، (ومن أتاه يوم عرفة عارفًا بحقه كتب الله له ألف حجة وألف عمرة متقبلات، وألف غزوة مع نبي مرسل أو إمام عادل) (٣) .\nوهكذا تتفق كتب الشيعة قديمها وجديدها على هذا الاعتقاد الوثني وينسبون هذا لأئمتهم، ولا يعلم المسلمون كلهم بهذا الأمر وينفرد بنقله الشيعة دون غيرهم. والحق أن هذه النصوص والأقوال هي التي أحيت عقيدة المشركين في مزارات الشيعة ومشاهدها وأصبحت المشاهد معمورة والمساجد مهجورة، وعلماؤهم يؤيدون هذا \"المنكر\" (٤) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>(ج) غلوهم في مجتهديهم:</span>\nلا نجد من دعاة التقريب إلا كل تأييد لهذا الغلو بل إن هذا\n_________\n(١) محيي الدين الممقاني: «مرآة الرشاد»: الحاشية، ص ١١٠ عن «وسائل الشيعة»: (٢/٣٩٥) باب ٤٥.\n(٢) محيي الدين، المصدر السابق: ص ١١٣ عن «وسائل الشيعة»: (٢/٣٩٨) باب ٥٤.\n(٣) محيي الدين، المصدر السابق: ص ١١٣ عن «وسائل الشيعة»: (٢/٣٩٦) باب ٤٩.\n(٤) فأصبحت مزارات الشيعة اليوم من أكبر المظاهر للشرك بالله تعالى، ولا أمل يرتجى في تغيير هذا المنكر بينهم لأنه مؤيد عندهم بالأدلة والأحاديث عكس الأمر عند أهل السنّة، وقد رأى هذا الشرك كل من زار تلك المشاهد. يقول الشيخ موسى =","vol":"2","page":78},{"text":"الغلو يمتد على أيديهم ويزداد فهذا شيخهم \"محمد جواد مغنية\" الذي يلهج بالدعوة للتقارب والذي ما زال يؤمن بقوله إن الشيعة مظلومون ومفترى عليهم وأنهم من أبعد الناس عن الغلو، ولكنه يقول في كتابه «الخميني والدولة الإسلامية» في مدح الخميني: (وقال السيد المعلم - يعني الخميني - ص ١١١ من «الحكومة الإسلامية» لماذا الخوف؟ فليكن حبسًا أو نفيًا أو قتلًا، فإن أولياء الله يشرون أنفسهم ابتغاء مرضاة الله) (١) .\nثم علق على ذلك مغنية بقوله: (وليست هذه الكلمات مجرد سورة من سورات الغضب كما فعل موسى (حين ألقى الألواح - التوراة - وأخذ برأس أخيه يجره إليه، بل تنبني أيضًا على العلم والمنطق الصارم دون أن تلفحه نار العاطفة) (٢) .\n_________\n= جار الله، بعد زيارته لديار الشيعة عدة أشهر، بأنه رأى المشاهد والقبور عندهم معبودة. انظر: «الوشيعة»: ص ط. وقال الشيخ الندوي - بعد زيارة له إلى إيران - عن مشهد علي الرضا: (فإذا دخل غريب في مشهد سيدنا علي الرضا لم يشعر إلا وأنه داخل الحرم، فهو غاص بالحجيج مدوي بالبكاء والضجيج، عامر بالرجال والنساء مزخرف بأفخر الزخارف والزينات، قد تدفقت إليه ثروة الأثرياء وتبرعات الفقراء) . أبو الحسن الندوي: «من نهر كابل إلى نهر اليرموك»: ص ٩٣، «مجلة الاعتصام»: السنة ٤١، العدد ٣.\nويقول صاحب «مختصر التحفة الاثني عشرية»:\n(أنهم يعظمون قبور الأئمة ويطوفون حولها، بل ويصلون إليها مستدبرين القبلة إلى غير ذلك من الأمور التي يستقل لديها فعل المشركين مع أصنامهم، وإن حصل لك ريب من ذلك فاذهب يوم السبت إلى مرقدي موسى الكاظم ومحمد الجواد ﵄ فانظر ماذا ترى؟. ومع ذلك فهذا معشار ما يصنعون عند قبر الإمام علي - ﵁ - ومرقد الإمام الحسين (عنه مما لا شك ذو عقل في إشراكهم والعياذ بالله) «مختصر التحفة الاثني عشرية»: ص ٣٠٠.\nوانظر: «المنتقى» بتعليق: محب الدين الخطيب: ص ١٢، ٥١، ١٥٨، ١٥٩.\n(١)، (٢) محمد جواد مغنية: «الخميني والدولة الإسلامية»: ص ١٠٧.","vol":"2","page":79},{"text":"هذا نص مغنية بحروفه، وهو يفيد أن الخميني أكمل من نبي الله موسى - ﵊ - وأن فعل الخميني مبني على العلم والمنطق وموسى على الغضب والعاطفة!! وموسى (أكرم وأعظم أن يقارن بصفوة الصالحين فكيف يفضل عليه الخميني، أو يذكر معه، في مقارنة ولكنه منطق الغلاة الذين قد فرغت قلوبهم من توقير أنبياء الله ورسله لأن غلوهم في أئمتهم ونوابهم قد استل من قلوبهم عظمة الرسالة والرسل. وإلا فما معنى هذه المقولة الشنيعة التي سقط بها هذا الرافضي؟ (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>(د) رأي دعاة التقارب فيما جاء في أصولهم وكتبهم الأساسية من عدم شرعية أي حكومة إسلامية غير حكومة الاثني عشر:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>١- رأي آيتهم \"حسين الخراساني </span>(٢) .\nلعل رأيه في هذا الباب يؤخذ من خلال ما ذكر في كتابه «الإسلام على ضوء التشيع» أن كل شيعي على وجه الأرض يتمنى فتح مكة والمدينة وإزالة الحكم الوهابي عنها - كما يزعم - يقول: (إن طوائف الشيعة يترقبون من حين وآخر أن يومًا قريبًا آت يفتح الله تعالى لهم تلك الأراضي المقدسة لمرة أخرى - كذا - ليدخلوها آمنين مطمئنين فيطوفوا ببيت ربهم، ويؤدوا مناسكهم ويزوروا قبور ساداتهم ومشايخهم وفي مقدمها قبر صاحب الشريعة الإسلامية ومسجده الشريف وقبور أهل بيته وعترته الطاهرين في البقيع، ولا يكون هناك سلطان جائر يتجاوز عليهم بهتك أعراضهم وذهاب حرمة إسلامهم وسفك دمائهم المحقونة، ونهب أموالهم\n_________\n(١) وهناك أمثلة أخرى. انظر مثلًا: محسن الأمين: «أعيان الشيعة»: (٥/٢٤٠- ٢٤١) .\n(٢) من شيوخهم المعاصرين في إيران يلقبونه بـ \"آية الله\"، له أكثر من ٣٥ مؤلف.","vol":"2","page":80},{"text":"المحترمة ظلمًا وعدوانًا. حقق الله تعالى آمالنا) (١) .\nهكذا يتمنى هذا \"الرافضي\" فتح الديار المقدسة، وكأنها بيد كفار، ويعلل هذا التمني بأنه يريد الحج والزيارة وكأنه وطائفته قد منعوا من ذلك، والواقع أنه يريد إقامة الشرك وهدم التوحيد في الحرمين الطاهرين، وهذه الأمنية هي التي رددها بعض رجالات ثورة الخميني؛ ففي احتفال رسمي وجماهيري أقيم في عبدان في ١٧/٣/١٩٧٩م تأييدًا لإقامة الجمهورية الإسلامية ألقى د. محمد مهدي صادقي خطبة في هذا الاحتفال سجلت باللغتين العربية والفارسية، ووصفتها الإذاعة بأنها مهمة، ومما جاء في هذه الخطبة: (أصرح يا إخواني المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها أن مكة المكرمة حرم الله الآمن يحتلها شرذمة أشد من اليهود..)، وذكر قبل ذلك بأنه حين تثبت ثورته على أقدامها سينتقلون إلى القدس وإلى مكة المكرمة، وإلى أفغانستان وإلى مختلف البلاد (٢) . وهكذا يعتبر الوضع في مكة كوضع القدس الذي يحتله اليهود ووضع أفغانستان التي يحتلها الشيوعيون (٣)، في حين أننا نراهم يتعاطفون مع الحكم النصيري الكافر في سوريا ولا يمسونهم بنقد..!!\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>٢- رأي آيتهم العظمى عبد الحسين الرشتي </span>(٤):\nفي جواب له على ما قاله الشيخ جار الله من أن الشيعة\n_________\n(١) «الإسلام على ضوء التشيع»: (ص ١٣٢- ١٣٣) .\n(٢) أذيعت هذه الخطبة من صوت الثورة الإسلامية من عبادان الساعة ١٢ ظهرًا من يوم ٢٧/٣/١٩٧٩م. وانظر: «وجاء دور المسلمين»: (ص ٣٣٤- ٣٤٧) .\n(٣) وقد نقل رشيد رضا أن الرافضي أبو بكر العطاس قال: (أنه بفضل أن يكون الإنكليز حكامًا في الأراضي المقدسة على ابن سعود) «المنار»: (جـ٢٩/ص ٦٠٥) .\n(٤) وقد ورد له ترجمة في مقدمة كتابه «كشف الاشتباه» عظموه فيها وذكروا أنه من آيتهم وحججهم. انظر: مقدمة الكتاب.","vol":"2","page":81},{"text":"ترى أن حكومات الدولة الإسلامية وقضاتها كلها طواغيت (١) .\nأجابه هذا الرشتي بجواب حاول فيه إقامة الدليل على شرعية إمامة الاثني عشر وبطلان ما عداها من حكم وإمامة، وزعم أنه يأخذ هذه الأدلة من كتب السنّة المعتمدة، ومما أورده في ذلك قوله: (وروى صدر الأئمة أخطب خوارزم (٢) بسنده أن الله (قال لنبيه عن ولاية أئمتهم الاثني عشر: فمن قبلها كان عندي من المؤمنين ومن جحدها كان عندي من الكافرين، يا محمد لو أن عبدًا من عبادي عبدني حتى ينقطع أو يصير كالشن البالي ثم أتاني جاحدًا لولايتكم ما غفرت له حتى يقر بولايتهم) (٣) .\nوالنتيجة من جواب هذا الرشتي أن الشيعة ترى كفر الحكومات الإسلامية، وتحاول أن تقيم على أهل السنّة الحجة والدليل من كتبهم ليأخذوا بهذا المبدأ!!\n_________\n(١) «الوشيعة»: ص ٢٤.\n(٢) الموفق بن أحمد بن أبي سعيد إسحاق أبو المؤيد، المعروف بـ\"أخطب خوارزم\" أو \"خطيب خوارزم\" لأنه كان يخطب بجامع خوارزم سنين كثيرة، ومن كتبه: «مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب» وغيره. قال ابن تيمية عما جمعه خطيب خوارزم من فضائل علي: (فأما من تأمل في جمع هذا الخطيب فإنه يقول سبحانك هذا بهتان عظيم) توفي سنة ٥٦٨هـ وكان مولده في حدود سنة ٤٨٤هـ. انظر: السيوطي: «بغية الوعاة»: (٢/٣٠٨)، «منهاج السنة النبوية»: (٤/١٠٧)، حاجي خليفة: «كشف الظنون»: (٢/١٨٤٤) .\n(٣) عبد الحسين الرشتي: «كشف الاشتباه»: (ص ٥٩- ٦٣) وهذه الرواية من أشنع الكذب في دين الله وشرعه، فهي تجعل الإسلام هو في ولاية علي أو عدم ولايته، وهذا معلوم فساده من دين الإسلام بالضرورة، بل إن هذا الحديث وأمثاله هو من مكائد الباطنيين للتوصل إلى إبطال الشرائع وتعطيل العبادات. وانظر ما سبق أن قلناه حول طريقة الروافض في الاستدلال من مصادر السنة: ص ٥٨ وما بعدها.","vol":"2","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>٣- عبد الحسين شرف الدين الموسوي </span>(١):\nلما قال الشيخ موسى جار الله إن الشيعة تعتبر الحكومات الإسلامية وقضاتها طواغيت أجابه هذا الموسوي بقوله:\n(الطواغيت من الحكومات وقضاتها عند الشيعة إنما هم الظالمون الغاشمون المستحلون من آل محمد ما حرم الله ورسوله.. أما غيرهم من حكومات الإسلام فإن من مذهب الشيعة وجوب مؤازرتهم في أمر يتوقف عليه عز الإسلام ومنعته، وحماية ثغوره وحفظ بيضته، ولا يجوز عندهم شق عصا المسلمين وتفريق جماعتهم بمخالفته، بل يجب على الأمة أن تعامل سلطانها القائم بأمورها والحامي لثغورها معاملة الخلفاء بالحق) (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>مناقشة هذا الرأي:</span>\nهل يختلف قول عبد الحسين الموسوي عن رأي سابقيه حسين الخراساني وعبد الحسين الرشتي؟ وهل يختلف عما جاء في كتبهم الأساسية عندهم - تلك التي تقول إن كل راية ترفع قبل قيام القائم فصاحبها طاغوت ـ؟. إذا كان ذلك كذلك فلماذا يتطوع بالرد على موسى جار الله، ولا يرد على كتبهم التي قالت هذا القول، وعلى علمائهم الذين لا يزالون يجاهرون بهذا المبدأ؟!!\nالحقيقة أن حديث علماء الشيعة إذا كان موجهًا لأهل السنّة فإنه يحمل مواصفات معينة من الحذر والكتمان صيانة لمذهبهم من نقد الخصوم - غالبًا - وأنت إذا تأملت كلمات عبد الحسين رأيت الرجل لا يختلف في قوله عن قول سابقيه سوى أنه صاغ كلامه\n_________\n(١) سيأتي حديث عنه في محاولات التقريب.\n(٢) «أجوبة مسائل جار الله»: (ص ٣٨- ٣٩) .","vol":"2","page":83},{"text":"بأسلوب التورية، وبطريقة تخدع من لا يعرف أساليبهم في التقية، فهو يقول: إن الطواغيت من الحكومات وقضاتها عند الشيعة إنما هم الظالمون لآل محمد، وهو في هذا لم يخرج عن مذهب الشيعة فهم يعتبرون كل من تعدى على سلطان أحد أئمتهم الاثني عشر وادعى الإمامة من دونهم هو ظالم لآل محمد، حتى إنهم يعتبرون أبا بكر أول ظالم لهم.\nوفي قوله: وأن الشيعة ترى وجوب مؤازرتهم - أي الحكام - في أمر يتوقف عليه عز الإسلام، وهذا هو أيضًا مذهب الشيعة، ومرادهم بـ \"عز الإسلام\" عز مذهب الشيعة، ولهذا نرى شيخهم الخميني يؤيد ما صنعه نصير الدين الطوسي من دخوله في العمل وزيرًا لهولاكو (١)، بقصد هدم الخلافة الإسلامية وإظهار مذهب الشيعة، ويرى مشروعية هذا اللون من التعاون مع الدول والحكام، فيقول: إن من باب التقية الجائزة دخول الشيعي في ركب السلاطين إذا كان في دخوله الشكلي نصر للإسلام وللمسلمين مثل دخول نصير الدين الطوسي (٢) .\nوقوله: يجب على الأمة أن تعامل سلطانها القائم بأمورها\n_________\n(١) قال شيخهم الخوانساري عن النصير الطوسي: (ومن جملة أمره المشهور المعروف حكاية استيزاره للسلطان المحتشم في محروسة إيران هلاكو خان بن تولي خان بن جنكيز خان من عظماء سلاطين التتارية وأتراك المغول، ومجيئه في موكب السلطان المؤيد مع كمال الاستعداد إلى دار السلام بغداد لإرشاد العباد! وقطع دابر سلسلة البغي والفساد بإبداء دائرة ملك بني العباس وإيقاع القتل العام من أتباع أولئك الطغام، إلى أن سال من دمائهم الأقذار كأمثال الأنهار، فانهار بها في دماء دجلة إلى نار جهنم دار البوار) . الخوانساري: «روضات الجنات»: (جـ٦/ ص ٣٠٠- ٣٠١) .\n(٢) «الحكومة الإسلامية»: ص ١٤٢.","vol":"2","page":84},{"text":"والحامي لثغورها.. إلخ. والسلطان القائم بالأمور والحامي للثغور لا يتحقق في قاموس الروافض إلا للأئمة الاثني عشر أو نوابهم من فقهاء الروافض، أما غيرهم فلا يعتبرونهم من حماة الثغور، ولهذا يتعاونون مع الأعداء ضد الخلافة الإسلامية كما صنعوا في أحقاب التاريخ المختلفة. والذي دعاني أن أبيّن ألغاز كلام هذا الرافضي ومراميه هو أنه لم يشر إلى وجود تلك النصوص في كتبهم والتي تعتبر الحكومات الإسلامية وقضاتها وعلماءها طواغيت، فضلًا عن أن يردها، ثم إنه لم يذهب للرد على علمائهم الذين جاهروا بهذا الرأي بل ذهب يرد على موسى جار الله ويكذبه فيما قاله عن شيء قائم وواقع في كتب الشيعة، وهذا دليل التقية وليس مسلك من هو صادق في دعواه.\nوقد سلك لطف الله الصافي في رده على محب الدين الخطيب حول هذه القضية مثل مسلك عبد الحسين الموسوي (١) .\nأما الخنيزي في كتابه «الدعوة الإسلامية» فقد زعم أن الشيعة تُكِنّ كل ولاء للحكومات الإسلامية القائمة. وتجاهل ما في كتب طائفته مما يخالف هذا، وما قاله علماؤهم في ذلك وإنكار الواقع القائم تقية بلا ريب، ومن علامات تقيته أنه في إنكاره رد على من ينتقد بعض الحكومات التي تحكم بعض الشعوب الإسلامية واثني على جميع تلك الحكومات صالحها وطالحها بلا تفريق أو تمييز (٢) .\n(هـ) رأيهم فيما جاء في كتبهم من أن الإمامة ركن من أركان الدين وأن منكر الإمامة كافر:\n_________\n(١) انظر: «مع محب الدين الخطيب في خطوطه العريضة»: (ص ٨٩- ٩٠) .\n(٢) انظر: «الدعوة الإسلامية»: (١/٢٢٣- ٢٢٤) .","vol":"2","page":85},{"text":"ماذا يقول دعاة التقريب في الروايات والتي تعد بالمئات في كتبهم والتي تكفر من أنكر إمامة الأئمة، أو دان بإمامة غيرهم، وما أكده علماؤهم السابقون - كالمفيد وغيره - من إجماعهم على هذا المذهب كما سبق؟ (١) .\nذكر مجموعة من مراجع الشيعة وعلمائها المعاصرين أن منكر الإمامة لا يخرج في اعتقادهم عن دائرة الإسلام.\nفيذكر محمد حسين آل كاشف الغطا أن الشيعة زادوا في أركان الإسلام ركنًا آخر وهو الإمامة (٢)، لكنه يقول: (فمن اعتقد بالإمامة.. فهو عندهم مؤمن بالمعنى الأخص) (٣) .\nومن لم يعتقد بها (فهو مسلم ومؤمن بالمعنى الأعم، تترتب عليه جميع أحكام الإسلام من حرمة دمه وماله وعرضه ووجوب حفظه وحرمة غيبته وغير ذلك، لا أنه بعدم الاعتقاد بالإمامة يخرج عن كونه مسلمًا - معاذ الله - نعم يظهر أثر التدين بالإمامة في منازل القرب والكرامة يوم القيامة..) (٤)، ويقول محسن الأمين - في قول الشيخ موسى جار الله: إن كتب الشيعة صرحت أن كل الفرق الإسلامية كافرة وأهلها نواصب (٥) - يقول محسن الأمين: (سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم، لا يعتقد أحد من الشيعة بذلك، بل هي متفقة على أن الإسلام هو ما عليه جميع فرق المسلمين من الإقرار بالشهادتين، إلا من أنكر معلومًا\n_________\n(١) انظر: هذا البحث ص ٣١٤.\n(٢)، (٣)، (٤) «أصل الشيعة»: (ص ٥٨- ٥٩) .\n(٣)\n\n(٤)\n\n(٥) انظر: «الوشيعة»: ص ٢٤.","vol":"2","page":86},{"text":"من الدين بالضرورة كوجوب الصلاة وحرمة الخمر وغير ذلك، وعمدة الخلاف بين المسلمين هو في أمر الخلافة، وهي ليست من ضروريات الدين بالبديهة، لأن ضروري الدين ما يكون ضروريًا عند جميع المسلمين وهي ليست كذلك) (١) . وبمثل هذا الرأي قال آخرون من شيوخ الشيعة المعاصرين (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>مناقشة هذا الرأي:</span>\nإذا كان هذا \"الرأي\" هو القول المعتمد فلماذا لا ينكر ذلك المنكر القائم في كتبهم الذي يكفر الأمة - كما سبق عرضه -؟ لماذا تنشر تلك الكتب التي حوت تكفير المسلمين وتحقق من كبار علمائهم المعاصرين، ولا يعقب على هذا المذهب الخطير بأية كلمة سوى مدح هذه الكتب وتوثيقها والثناء على مؤلفيها وتعظيمهم؟.\nومحمد آل كاشف الغطا، ومحسن الأمين وغيرهما من مراجع الشيعة وعلمائها - وهم يزعمون أن مذهب الشيعة لا يكفر المسلمين - لا نراهم يتعرضون لذلك الضلال المدون في كتبهم والذي يكفر الأمة، بل لا يشيرون إلى وجوده، ويزعمون أن الشيعة مظلومة مفترى عليها، والقارئ لذلك لا ينقضي عجبه من هذا المسلك الذي ينكر\n_________\n(١) محسن الأمين: «الشيعة»: ص ١٧٦، «أعيان الشيعة»: (١/٤٥٧) .\n(٢) مثل عبد الحسين شرف الدين الموسوي، انظر كتابه «أجوبة مسائل جار الله»: ص ٣٩، ورسالته: «إلى المجمع العلمي العربي بدمشق» ط النجف ١٣٨٧هـ، وغيرهما من كتبه. وانظر: محمد حسين الزين العاملي: «الشيعة في التاريخ»: ص ٣٢، وأبو الحسن الخنيزي: «الدعوة الإسلامية»: (٢/٢٦٠)، ولطف الله الصافي: «مع محب الدين الخطيب»: ص ٩٥، ومحمد جواد مغنية في كتابه: «الشيعة في الميزان»: ص ٢٦٩، وغيرهم.","vol":"2","page":87},{"text":"الواقع القائم بحماس شديد وجرأة غريبة، ونقول إذا كان ما يقوله هؤلاء الأعلام المعاصرون من الشيعة هو حقيقة مذهب الشيعة، فإن المنتظر من هؤلاء الأعلام أن يتوجهوا بالرد على الكليني، والقمي، والمفيد، والطوسي، والمجلسي، ونعمة الله الجزائري وغيرهم الذين أثبتوا هذه، تلك المفتريات في كتبهم - كما مر - لا أن يردوا على من يكشف هذا الضلال ويستنكر هذا المنكر - من السنّة - كما فعلوا مع موسى جار الله وغيره.\nثم إنه لا يزال بعض علمائهم المعاصرين يهذي بهذا الضلال ويصرح بتكفير المسلمين مثل شيخهم محمد باقر الطباطبائي (١)، وشيخهم عبد الحسين الرشتي (٢) وشيخهم عبد الهادي الفضلي (٣)، وغيرهم (٤)، بل إن من علمائهم المعاصرين الذين ينكرون إيمان الشيعة بهذا المعتقد الضال من يقع في هذا الذي ينكره؛ فيحكم بكفر الأمة، بل يحكم بردة صحابة رسول الله - ﷺ -.\n_________\n(١) والذي وصفوه بأنه: حجة الإسلام وملاذ الأنام، والإسلام منه بريء، ومن كتبه «الشهاب الثاقب في رد ما لفظه الناصب»، فأهل السنة جميعًا في رأيه نواصب.\n(٢) الذي يقول عن الشيخين ﵄: (أن أبا بكر وعمر هما السببان لإضلال هذه الأمة إلى يوم القيامة) «كشف الاشتباه»: ص ٩٨، فهو في هذا النص يحكم بضلال الأمة إلى يوم القيامة، وأن سبب ضلالها هما صهرا رسول الله وحبيباه وخليفته، ثم يستثني من هذا الضلال طائفته ويعتبرها الناجية، المصدر السابق: ص ٩٨.\n(٣) وهو رافضي، يعيش في بعض دول الخليج، يقول في كتابه: «التربية الدينية»: ص ٦٣ أن الإمامة ركن من أركان الدين (ولا أركان المذهب الشيعي، أي فمنكرها منكر ركن من أركان الدين، ومنكر ذلك ليس بمسلم) .\n(٤) وسيأتي مزيد من الأمثلة لآراء المعاصرين في مسألة التكفير في مبحث رأيهم في ما قالته أصولهم في الصحابة.","vol":"2","page":88},{"text":"ولا شك أن من يكفر صحابة رسول الله الذين جاهدوا معه ورضي اللهم عنهم ورسوله لا لشيء إلا لأنهم أنكروا الإمامة بزعمه فليس عليه بمستنكر تكفير غيرهم من المسلمين.\nفمثلًا نرى محمد رضا المظفر - وهو من كبار علمائهم المعاصرين - يشير في كتابه «عقائد الإمامية» إلى أن المسلم عندهم هو من يشهد الشهادتين أيًا كان مذهبه (١) .\nبينما نجده في كتاب السقيفة يحكم بردة المسلمين بأجمعهم بعد وفاة الرسول - ﷺ - يقول: (مات النبي صلى الله عليه وآله ولا بد أن يكون المسلمون كلهم - لا أدري الآن - قد انقلبوا على أعقابهم) (٢) هذا كلامه بحروفه. وبينما نجد كتب الشيعة تستثني من الحكم بالردة ثلاثة أو أربعة أو سبعة، نرى هذا الرجل يشك في وجود واحد من المسلمين لم يرتد على أعقابه بعد وفاة الرسول - ﷺ -. وكذلك نرى شيخهم عبد الحسين شرف الدين الموسوي - الذي ينفي إيمانهم بهذه الضلالة في أكثر من كتاب من كتبه كما أشرنا إلى ذلك (٣) - نراه في كتابه الذي سماه «الفصول المهمة في تأليف الأمة» - والذي زعم فيه أن الشيعة لا تكفر من أتى بالشهادتين - نراه ينكص على عقبه ويقول: إن الأخبار التي وردت بإيمان مطلق الموحدين تخصص بولاية آل البيت - يعني أئمته الاثني عشر - ويزعم أن هؤلاء الاثني عشر\n_________\n(١) انظر: «عقائد الإمامية»: ص ١٥٥.\n(٢) انظر: «السقيفة»: ص ١٩.\n(٣) انظر: هامش رقم (٢) ص ٨٧ من هذه الرسالة.","vol":"2","page":89},{"text":"هم باب حطة لا يغفر إلا لمن دخلها (١) . ويؤكد القول بأن (ولايتهم من أصول الدين) (٢) .\nويقول: (فقد أجمع المسلمون على معذرة من تأول في غير أصول الدين وإن أخطأ) (٣) .\nوالأمثلة على هذا التناقض كثيرة لا مجال هنا لعرضها، لكن نرى من الضروري كشف حقيقة كلام الذين ينكرون إيمانهم بهذه الضلالة، وأنهم لا يختلفون عمن يصرّح بهذه الضلالة، ولكن لإنكارهم تفسير خاص لا يعرفه إلا من اطلع على أصولهم وهم يحاولون خداع المسلمين بما يقولونه، في حين أنهم لا يفارقون مذهبهم القائم على تكفير المسلمين، إلا تقية أو خداعًا.\nولقد كنا نحسب أن رأي محسن الأمين ومحمد حسين آل كاشف الغطا رأي عاقل، وصوت معتدل وسط ذلك الغلو الأعمى والتعصب الذميم، حتى اطلعنا على أصولهم فعرفنا \"الحقيقة\"؛ وهي أنهم يقولون بأننا نحكم بإسلام الناس في ظاهر الأمر فقط، أما في الباطن فهم كافرون، وهم مخلدون في النار، والحكم بإسلام الناس - أي أهل السنّة - رحمة بالشيعة؛ وذلك للاضطرار إلى مخالطة الشيعة لجمهور المسلمين.\nيقول شيخهم الملقب بـ \"الشهيد الثاني\" (٤):\n_________\n(١) «الفصول المهمة»: ص ٣٢.\n(٢) المصدر السابق: ص ٣٢.\n(٣) «الفصول المهمة»: ص ٤٥.\n(٤) زين الدين بن علي العاملي المعروف بالشهيد الثاني، أول من صنف من الإمامية في دراية الحديث على سبيل التفصيل. ت ٩٦٦هـ «أعيان الشيعة»: (١/٢٩٧) .","vol":"2","page":90},{"text":"بـ (المنع من المنافاة بين الحكمين - أي الحكم بالإسلام والحكم بالكفر - لأنا نحكم بأن من لم يتحقق له التصديق المذكور - وهو التصديق بإمامة الأئمة - كافر في نفس الأمر والحكم بإسلامه ظاهرًا صحة ترتب كثير من الأحكام الشرعية على ذلك) . ثم قال: (أن الشارع جعل الإقرار بالشهادتين علامة على صحة إجراء أكثر الأحكام الشرعية على المقر، كحل مناكحته والحكم بطهارته وحقن دمه وماله وغير ذلك من الأحكام المذكورة في كتب الفروع، وكأن الحكمة في ذلك هو التخفيف عن المؤمنين \"الشيعة\" لمسيس الحاجة إلى مخالطتهم في أكثر الأزمنة والأمكنة) (١) . ثم قال: (أن القائلين بإسلام أهل الخلاف - يعني بأهل الخلاف أهل السنّة - يريدون ما ذكرناه من الحكم بصحة جريان أكثر أحكام المسلمين عليهم في الظاهر لا أنهم مسلمون في نفس الأمر ولذا نقلوا الإجماع على دخولهم النار، ثم ذكر أيضًا بأن القائلين بكفرهم إن أرادوا بذلك كونهم كافرين ظاهرًا وباطنًا فهو ممنوع ولا دليل عليه، بل الدليل قائم على إسلامهم ظاهرًا) (٢) .\nويقول \"المجلسي\": (ويظهر من بعض الأخبار - بل كثير منها - أنهم في الدنيا أيضًا في حكم الكفار، لكن لما علم الله أن أئمة الجور وأتباعهم يستولون على الشيعة وهم يبتلون بمعاشرتهم ولا يمكنهم الاجتناب عنهم وترك معاشرتهم ومخالطتهم ومناكحتهم؛ أجرى الله عليهم حكم الإسلام توسعة، فإذا ظهر القائم \"ع\" يجري عليهم حكم سائر الكفار في جميع الأمور، وفي الآخرة يدخلون النار ماكثين فيها أبدًا مع الكفار، وبه\n_________\n(١) «البحار»: المجلسي: (٨/٣٦٧- ٣٦٨) .\n(٢) «البحار»: المجلسي: (٨/٣٦٧- ٣٦٨) .","vol":"2","page":91},{"text":"يجمع بين الأخبار كما أشار إليه المفيد والشهيد الثاني) (١) .\nويذكر آيتهم العظمى - من المعاصرين - شهاب الدين الحسيني المرعشي النجفي أن (أصول دين الإسلام على قسمين:\nقسم يترتب عليه جريان حكم المسلم وهو الشهادة بالوحدانية، والشهادة بالرسالة وقسم يتوقف عليه النجاة بالآخرة فقط والتخلص من عذاب الله والفوز برضوانه والدخول في الجنة. فيحرم دخولها على من لم يعترف به ويساق إلى النار في زمرة الكفار، ويسمى هذا القسم بأصول الإيمان، ثم ذكر أن من هذا القسم الاعتقاد بالإمامة والاعتراف بالإمام وقال: أن الدليل على ذلك هو ارتداد جماعة من الصحابة بعد ارتحال النبي - ﷺ - إلى الكفر، ومن المعلوم أنه لم يصدر بعد ارتحال النبي من الصحابة ما يصلح أن يكون موجبًا للارتداد إلى الكفر ولم يعدلوا عن الشهادة بالوحدانية والنبوة غير أنهم أنكروا الإمامة) (٢) .\nوهكذا يتبين أن حكم محسن الأمين، ومحمد حسين آل كاشف الغطا وغيرهما بذلك الحكم إنما يعنون به الإسلام الظاهر كما اصطلحوا عليه، ولهذا لم ينكروا ما جاء في كتبهم من تكفير المسلمين لأنهم يعتقدون بكفرهم في الباطن، ولهذا أجمعوا على دخول جميع المسلمين النار ونجاة الشيعة فقط!! وإذا تأملت كلام محمد حسين آل كاشف الغطا تجده أشار إلى هذا المذهب بقوله: (نعم يظهر أثر التدين بالإمامة\n_________\n(١) المصدر السابق: (٨/٣٦٩- ٣٧٠) .\n(٢) شهاب الدين النجفي: من تعليقاته على كتاب «إحقاق الحق» للتستري: (جـ٢/ص ٢٩٤- ٢٩٥) .","vol":"2","page":92},{"text":"في منازل القرب والكرامة يوم القيامة) كما سبق، وكذلك محسن الأمين إذا تدبرت كلامه في هذا الموضوع (١) رأيته يشير إلى أن الحكم بالإسلام هو في الظاهر فقط ولكنه لم يصرح بذلك تقية. فمن إشاراته لهذا المذهب قوله: (الإسلام هو ما عليه جماعة الناس من الفرق كلها وبه حقنت الدماء وعليه جرت المناكح والمواريث) (٢)، ثم أكد مذهبه الباطل في تكفير المسلمين بقوله: (إلا من أنكر ضروريًا من ضروريات الدين كوجوب الصلاة وحرمة الخمر) والإمامة عندهم أعظم من وجوب الصلاة وحرمة الخمر - كما تقدم - بلا إشكال، فنبه بالأدنى على الأعلى تقية، أما قوله: (وعمدة الخلاف بين المسلمين هو في أمر الخلافة وهي ليست من ضروريات الدين ...) فهذا خداع من الرافضي لا يتنبه له من لم يتعامل مع أساليبهم في التقية، ولهذا فات هذا على بعضهم (٣)، فهو هنا يقصد - بخبث متعمد - الخلافة عند المسلمين لا مسألة الإمامة عندهم، ولذا عبر بالخلافة.. وقبل أن نختم القول في هذا المبحث نتوقف قليلًا لمناقشة إجابة أحد مشايخ الشيعة المعاصرين (٤) على حديث لهم ينص على أن من قدم أبا بكر وعمر فهو ناصبي، والناصبي عند الشيعة أشد كفرًا من اليهود والنصارى والمشركين. فإن هذا الشيعي أجاب عن حديثهم هذا إجابة مليئة بالكذب، ولا شك أن مثل هذه الإجابة تثبت إيمانهم بهذه الضلالة وأنهم إنما يتسترون عليها بالكذب.\n_________\n(١) انظر في كتابه «الشيعة»: ص ١٧٦.\n(٢) المصدر السابق: ص ١٧٦.\n(٣) مثل الزعبي: «لا سنة ولا شيعة»: ص ٨٤.\n(٤) وهو شيخهم لطف الله الصافي في كتابه «مع محب الدين في خطوطه العريضة» .","vol":"2","page":93},{"text":"لقد قال هذا الشيعي: (نقل الخطيب - يعني محب الدين في خطوطه - بواسطة بعض الكتب عن كتاب مسائل الرجال مكاتبة محمد بن علي بن عيسى - إلى الإمام أبي الحسن علي بن محمد بن علي بن موسى \"ع\" في جملة مسائل محمد بن علي بن عيسى قال: كتبت إليه أسأله عن الناصب - أي الذي ينصب العداوة لأهل البيت - هل أحتاج في امتحانه إلى أكثر من تقديمه الجبت والطاغوت - أي تقدمة الشيخين صاحبي رسول الله - ﷺ - ووزيريه أبي بكر وعمر - واعتقاده إمامتهما؟ فرجع الجواب: من كان على هذا فهو ناصب) .\nثم أجاب هذا الشيعي بأن (هذه المكاتبة مأخذها كتاب مسائل الرجال، كتاب مجهول لم نظفر بعد الفحص الكثير على اسم جامعه ومؤلفه، ومحمد بن علي بن عيسى أيضًا مجهول) (١) .\nوجواب هذا الرافضي أراد به أن يخدع المسلمين، فهو أولًا: قال أن محب الدين الخطيب نقل هذا النص بواسطة بعض الكتب ليوهم القارئ أن الكتاب الذي نقل منه الخطيب كتاب مجهول، مع أن الخطيب نقل هذا النص من أوثق كتبهم المعاصرة في علم الرجال وهو «تنقيح المقال» لآيتهم العظمى عبد الله الممقاني. وثانيًا: زعم الرافضي أن هذا النص مأخذه كتاب «مسائل الرجال» وهو مجهول عندهم، مع أنه ليس كذلك، فهو من أصولهم المعتمدة القديمة، وقد وصل إليهم جملة من الكتاب بما فيها النص المذكورة عن طريق نقل شيخهم الثقة عندهم \"ابن إدريس\" - والذي هو عندهم كما يصفه مرجع الشيعة\n_________\n(١) لطف الله الصافي: «مع الخطيب»: ص ٩٥.","vol":"2","page":94},{"text":"المعاصر محمد حسين آل كاشف الغطا من أعاظم علمائهم المتقدمين - (١) في كتابه «السرائر»، وكتابه هذا أحد الأصول التي تستقي منها كتب الحديث عندهم (٢)، وقال عنه آل كاشف الغطا بأنه من جلائل كتب الفقه والحديث عندهم (٣)، فهذا النص موجود في كتاب «السرائر» (٤) الموثق عندهم، كما هو موجود في كتاب «تنقيح المقال» المعتمد عندهم (٥)، كما أن شيخهم \"الحر العاملي\" ذكره بنصه في كتابه، «وسائل الشيعة» (٦) وهو أحد أصولهم الثمانية - كما أسلفنا - فهل هذا كتاب مجهول وأمهات كتب الشيعة تنقل عنه؟.\nأما قوله بأن \"محمد بن عيسى\" مجهول عندهم فهذا من أكبر الكذب وهو القرينة الثالثة على أن دفاعه مبني على الخداع والتقية لأن محمد بن عيسى هذا من ثقاتهم: قال الحر العاملي: (محمد بن علي بن عيسى القمي كان وجهًا بقم وأميرًا عليها..، له مسائل لأبي محمد العسكري قاله النجاشي والعلامة) (٧) .\n_________\n(١) «أصل الشيعة»: ص ١٠٤.\n(٢) انظر: «وسائل الشيعة»: (٢٠/٤٦) .\n(٣) «أصل الشيعة»: ص ١٠٤.\n(٤) «السرائر»: ص ٤٧٩.\n(٥) «تنقيح المقال»: (١/٢٠٧) .\n(٦) «وسائل الشيعة»: (٤/٣٤١- ٣٤٢) .\n(٧) «وسائل الشيعة»: (٢١/٣٣٦)، وانظر: النجاشي: «الرجال»: ص ٦٢، الطوسي: «الفهرست»: ص ١٨٣، «جامع الرواة»: (٢/١٥٥)، وقوله العلامة يريد به ابن المطهر الحلي.","vol":"2","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>(و) في غلو الشيعة في مدح نفسها:</span>\nولقد وجدنا \"معاصريهم\" يسيرون على خطى سلفهم، ويسمون أنفسهم بـ\"الخاصة\" (١) وبـ\"المؤمنين\" (٢) وبـ\"الفرقة الناجية\" (٣) و\"المحقة\" (٤)، ويسمون أهل السنّة بـ\"العامة\" و\"النواصب\" (٥) ويغلون في مدح كتب الحديث عندهم مع ما حوت من ضلال وجهل وأباطيل، ويقولون عنها:\nروتها هداة قولهم وحديثهم ... ... روى جدنا عن جبرائيل عن الباري (٦)\nويكفرون المسلمين وخيار المؤمنين، ويزعمون أنهم الناجون في الآخرة، ويتطاولون على خيار أصحاب رسول الله بالسب ويطعنون في علماء المسلمين، وينسبونهم زورًا بأنهم حجج الله وآياته، وقد اعتبر أحد شيوخهم استنكار المسلمين لغلو الشيعة في مدح نفسها من قبيل الجزع لما للشيعة من مدح (٧) !!\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>٧- في العصمة:</span>\nلم أر في آراء دعاة التقريب ما يشير إلى أنهم خففوا من غلوهم في مسألة «عصمة أئمتهم»، بل يلاحظ أن طائفة كبيرة من علماء\n_________\n(١) فلذا نجدهم في استشهادهم بأحاديث يزعمون نقلها عن أهل السنّة يقولون: (وهذا من طريق العامة)، وقالت العامة. انظر مثلًا: «بحوث في علوم القرآن»: ص ٢٠٠.\n(٢)، (٣)، (٤) انظر مثلًا: الأنطاكي: «لماذا اخترت مذهب الشيعة؟» .\n(٥) قال شيخهم محمد آصف المحسني: (فالمنكر - أي للإمامة - مسلم غير مؤمن، إلا أنه ينطبق عليه عنوان آخر كالنصب والغلو) «صراط الحق»: (٣/٢٠١) .\n(٦) «الفصول المهمة»: ص ٣١، «الشيعة في الميزان»: ص ٤٤.\n(٧) الخنيزي: «الدعوة الإسلامية»: (١/١١٩) .","vol":"2","page":96},{"text":"الشيعة السابقين يمثلهم ابن بابويه القمي وشيخه ابن الوليد - من القرن الرابع - وغيرهما كانوا أخف غلوًّا من علمائهم المعاصرين فلم يقولوا بالعصمة المطلقة للأئمة، بل قالوا بجواز السهو عليهم (١) - مثلًا - واعتبر ابن بابويه القمي أن الذين ينفون السهو عنهم هم المفوضة لعنهم الله تعالى، أي ليسوا من الشيعة في نظره (٢) . وجاء لعن من ينفي السهو عن الأئمة على لسان إمامهم الثامن علي الرضا حيث قال: (كذبوا لعنهم الله، إن الذي لا يسهو هو الله لا إله إلا هو) (٣)، وكذلك قرر شيخهم \"الطبرسي\" - من القرن السادس - (أن مذهبهم أن الأئمة يجوز عليهم السهو والنسيان في غير ما يؤدونه عن الله) (٤) .\nومع ذلك فإن شيخ الشيعة المعاصر وآيتها العظمى \"عبد الله الممقاني\" يؤكد أن نفي السهو عن الأئمة أصبح من ضرورات المذهب الشيعي (٥)، وهو لا ينكر أن شيوخهم السابقين كانوا يعدون ذلك غلوًّا لكنه يقول: إن ما يعتبر غلوًا في الماضي أصبح اليوم من ضرورات المذهب الشيعي (٦) .\nويقرر شيخهم المعاصر \"محمد رضا المظفر\" في كتابه «عقائد الإمامية» أن من عقائد الإمامية أن الإمام (يجب أن يكون معصومًا\n_________\n(١) انظر: ص ٣٢٧- ٣٢٨ من هذا البحث.\n(٢) «من لا يحضره الفقيه»: (١/٢٣٤) .\n(٣) «البحار»: (٢٥/ ٣٥٠) .\n(٤) الطبرسي: «مجمع البيان»: (٥/٢٠٥) .\n(٥) الممقاني: «تنقيح المقال»: (٣/ ٢٤٠) .\n(٦) الممقاني: «تنقيح المقال»: (٣/٢٤٠) .","vol":"2","page":97},{"text":"من السهو والخطأ والنسيان) (١)، ولا يذكر في هذا أدنى خلاف بينهم، كما أن من دعاة التقريب أنفسهم من يؤكد هذا المبدأ ولا يتقي في ذلك (٢) .\nوإذا كانت دعوى عصمة الأئمة تعني مضاهاتهم للرسول (٣)، فإن نفي السهو عنهم هو تأليه لهم كما أشار إلى ذلك إمام الشيعة الثامن علي الرضا، ولذا قرر ابن بابويه القمي وغيره أن هذا الاعتقاد هو الفيصل بين الغلاة وغيرهم (٤) .\nوإذا كان شيخهم المعاصر الممقاني يرى أن نفي السهو عن الأئمة من ضرورات المذهب الشيعي، ومنكر الضروري كافر عندهم كما يؤكده شيخهم المعاصر محسن الأمين (٥)، فمعنى هذا أن متأخريهم يكفرون متقدميهم ومتقدميهم يكفرون متأخريهم. وإذا كان الممقاني يرى أن نفي السهو عن الأئمة من ضرورات المذهب الشيعي، وبعضهم ينقل الإجماع على ذلك (٦)، فإننا نجد في بعض الكتابات الموجهة لديار السنّة (٧) القول بأن الاعتقاد بأن الأئمة يسهون هو مذهب جميع الشيعة (٨)، وهكذا يكفر بعضهم بعضًا، ويناقض بعضهم بعضًا، وكل يزعم أن ما يقوله هو مذهب الشيعة.\n_________\n(١) «عقائد الإمامية»: ص ٩٥.\n(٢) الخنيزي: «الدعوة الإسلامية»: (١/٩٢) .\n(٣) ابن تيمية: «جامع الرسائل»: ص ٢٧٣.\n(٤) انظر: ص ٣٢٧- ٣٢٨ من هذا البحث.\n(٥) «كشف الارتياب»: المقدمة الثانية، و«مهذب الأحكام»: (١/٣٨٨- ٣٩٣) .\n(٦) محمد آصف المحسني: «صراط الحق»: (٣/١٢١) .\n(٧) يعني أنها قد تحتمل التقية.\n(٨) محمد جواد مغنية: «الشيعة في الميزان»: (ص ٢٧٢- ٢٧٣) .","vol":"2","page":98},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>٨- في الرجعة:</span>\nهناك فئة من دعاة التقريب أنكرت إيمانهم بالرجعة وقالت أنهم لا يعتقدون إلا برجعة المهدي، أي لا يؤمنون إلا بعقيدة \"المهدية\" أو رجعة المهدي من غيبته.\nومن هؤلاء أبو الحسن الخنيزي حيث قال: (فالحق الذي عليه المحققون هو أن لا رجعة، سوى ظهور الإمام الثاني عشر) (١) .\nومنهم هاشم معروف الحسيني حيث يقول: (إن الرجعة ليست من معتقدات الإمامية ولا من الضروريات عندهم) (٢)، وهذه خطوة تصحيحية لو أعقبها نقض لهذا المعتقد، ورد على القائلين به من الرافضة، وإلا فقد يقول قائل: هذا جحود لما هو موجود في كتبهم وأمارة التقية عليه ظاهرة؛ فهم ينسبون هذا المذهب لجميع الشيعة والواقع خلاف ذلك، بينما نجد بعض دعاة التقارب والمدافعين عن التشيع يجاهرون بأن الرجعة من عقائد الإمامية وأنها ليست هي ظهور المهدي أو رجعته من غيبته، بل يصرحون بأنها تعني (أن الله يعيد قومًا من الأموات إلى الدنيا في صورهم التي كانوا عليها، فيعز فريقًا ويذل فريقًا آخر.. وذلك عند قيام مهدي آل محمد عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام) (٣)، ويقولون: (ولا يرجع إلا من علت درجته في الإيمان، أو من بلغ الغاية من الفساد ثم يصيرون بعد ذلك إلى الموت..) (٤) . ولا شك أن هذا إيمان ببعث غير يوم البعث والنشور الذي جاءت به النصوص، ومن دعاة التقريب من يثبت الرجعة بالمعنى العام ولكنه\n_________\n(١) «الدعوة الإسلامية»: (٢/٩٤) .\n(٢) هاشم معروف الحسيني: «الشيعة بين الأشاعرة والمعتزلة»: ص ٢٣٧.\n(٣)، (٤) محمد رضا المظفر: «عقائد الإمامية»: ص ١٠٩، وانظر: محمد حسين آل كاشف الغطاء، «أصل الشيعة»: ص ٣٥.","vol":"2","page":99},{"text":"يقول بـ (أن الرجعة ليست من الأصول التي يجب الاعتقاد بها والنظر فيها..) (١)، يقول محمد حسين آل كاشف الغطا: (وليس التدين بالرجعة في مذهب التشيع بلازم ولا إنكارها بضار، وإن كانت ضرورية عندهم) (٢)، وقال: (وليس لها - يعني الرجعة - عندي من الاهتمام قدر صغير أو كبير) (٣) . وما ندري كيف تكون ضرورية مع أن اعتقادها ليس بلازم وإنكارها ليس بضار وليس لها اهتمام عنده؟!\nهذا ما يقوله دعاة التقارب من الشيعة: صنف ينكر الرجعة، وآخر يثبتها، وثالث يهون من شأنها، وكل يزعم أن ما يقوله هو مذهب الشيعة، فمن نصدق منهم وكلهم من كبار شيوخ الشيعة، وفي عصر واحد؟ ومع هذا نرى هذا التباين في أقوالهم، هل هذا أثر من آثار عقيدة التقية؟ ومن العجب أن كتب هؤلاء الذين ينكرون الرجعة أو يهونون من شأنها - كتبهم المعتمدة تقول: تضافرت الأخبار: ليس منا من لم يؤمن برجعتنا (٤)، ويقولون: (إن ثبوت الرجعة مما أجمعت عليه الشيعة الحقة والفرقة المحقة، بل هي من ضروريات مذهبهم) (٥)، (ومنكرها خارج من رتبة المؤمنين) (٦) ... إلخ كما سبق (٧) .\n_________\n(١) محمد رضا المظفر: «عقائد الإمامية»: ص ١١٣.\n(٢) «أصل الشيعة»: ص ٣٥.\n(٣) «المصدر السابق»: ص ٣٦.\n(٤) عبد الله شبر: «حق اليقين»: (٢/٣)، وانظر: إبراهيم الزنجاني: «عقائد الاثني عشرية»: ص ٢٤٠.\n(٥) عبد الله شبر: «حق اليقين»: (٢/٣)، وانظر: إبراهيم الزنجاني: «عقائد الاثني عشرية»: ص ٢٣٩.\n(٦) إبراهيم الزنجاني: «عقائد الاثني عشرية»: ص ٢٤١.\n(٧) انظر: ص ٣٤١ من هذا البحث.","vol":"2","page":100},{"text":"فكيف نفسر هذا التناقض؟، وقد استحل القوم بعقيدة التقية كل شيء. وإذا أخذنا كل شيء على ظاهره نقول بأن كتب الشيعة المعتمدة تكفر منكر الرجعة من الشيعة، لأنها تقول ليس منا من لم يؤمن بكرتنا.\nوآل كاشف الغطا الذي يقول بأن الرجعة ليس لها عنده اهتمام أو ليس لها عنده قدر قلامة ظفر - كما في طبعة أخرى للكتاب - لماذا لا يطبق عدم الاهتمام هذا في سائر عقائدهم التي شذوا بها عن جمهور المسلمين، لأنها كلها مثل الرجعة يزعمون تواتر أخبارهم فيها وأنها من ضرورات مذهبهم؟ فلم التفريق بين المتماثلات؟!\nوقبل أن نرفع القلم عن هذا الموضوع لا بد أن نشير إلى إجابة أحد آيات الشيعة حول ما يجري في هذه «الرجعة» المزعومة لأبي بكر وعمر وذلك لطرافة هذه الإجابة، يقول آيتهم العظمى «عبد الحسين الرشتي»: (وأما مسألة نبش قبر صاحبي رسول (وإخراجهما حيَّيْن وهما طريان وصلبهما على خشبة وإحراقهما، لأن جميع ما ارتكبه البشر من المظالم والجنايات والآثام من آدم إلى يوم القيامة منهما فأوزارها عليهما، فمسألة عويصة جدًا وليس عندي شيء يرفع هذا الإشكال، وقد صح عن أئمتنا أن أحاديثنا صعب مستصعب) (١) . وهذا الجواب من هذا الرافضي يثبت فيه أن دينهم صعب مستصعب، وهذا يدل على أنه خلاف الفطرة، ومما لا تقبله العقول لشذوذه ومخالفته للأصول. ولكن لا يزال فئام منهم بل من شيوخهم من يعيش أسير هذا الشذوذ، وحليف هذه الخرافات التي عفى عليها الدهر، ولا يعلن نبذها، بل ينشرها ويدعو لها لأن دينهم صعب مستصعب!!\n_________\n(١) «كشف الاشتباه»: ص ١٣١.","vol":"2","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>٩- في الغيبة:</span>\nلا يخالف أحد من الشيعة أن إيمانهم بغيبة المهدي أساس المذهب ومحور التشيع، لأنه لو سقطت فكرة الغيبة لم يعد هناك من يسمى بالإمامية الاثني عشرية.\nلذلك أجهدوا أنفسهم في إثباتها، ما وسعتهم الحيلة والمحاولة. ودعاة التقريب في هذا الباب يستغلون \"أخبار المهدي\" الموجودة في كتب السنّة، ويزعمون أن عقيدة \"المهدية\" مما اتفقت عليه السنّة والشيعة، ولا فرق بين الطائفتين في ذلك سوى أن أهل الشيعة يقولون إنه مولود وحي وسيظهر، وأهل السنّة يقولون إنه سيظهر في المستقبل ولا يؤمنون بوجوده الآن (١) .\nولا شك أن هذا من مكائد الشيعة، وإلا فعقيدة الغيبة عند الشيعة تختلف تمامًا عن قضية المهدي عند أهل السنّة (٢) . والشيعة المعاصرون الذين يدافعون عن التشيع يحاولون تكذيب كل ما ينسب إلى مذهبهم من نقائص، فمثلًا في مسألة الغيبة إذا قيل لهم لم لا يظهر مهديكم، وأنتم تزعمون أنه لا يمنع من ظهوره سوى خوفه على نفسه؟ فلم لم يخرج وقد توفر له الأمن في مناسبات كثيرة أثناء قيام الحكومات الشيعية؟\nفيجيب بعض دعاة التقريب على ذلك بقوله: (وأما دعوى أن الإمام المهدي ممتنع من الخروج خوفًا من الأعداء فهي من الخيالات المنامية أو من المخيلات والوهميات المثارة من الحدة حال الجدال) (٣)\n_________\n(١) انظر: الخنيزي: «الدعوة الإسلامية»: (٢/٣٥٠) .\n(٢) انظر: ص ٣٥٥ هامش (٤) .\n(٣) أبو الحسن الخنيزي: «الدعوة الإسلامية»: (٢/٣٤٤) .","vol":"2","page":102},{"text":"هذا ما يقوله شيخهم الكبير عندهم \"أبو الحسن الخنيزي\" مع أن كتب الشيعة تنص على أن العلة لاحتجاب المهدي هو خوفه.\nيقول \"الطوسي\" الملقب عندهم بـ \"شيخ الطائفة\": (لا علة تمنع من ظهور المهدي إلا خوفه على نفسه من القتل، لأنه لو كان غير ذلك لما ساغ له الاستتار وكان يتحمل المشاق والأذى، فإن منازل الأئمة وكذلك الأنبياء إنما تعظم لتحملهم المشاق العظيمة في ذات الله) (١) .\nويقول \"المرتضي\" الملقب عندهم بـ\"علم الهدى\"، أن (السبب في الغيبة هو إخافة الظالمين له.. وإذا خاف على نفسه وجبت غيبته، والتحرز من المضاد واجب عقلًا وسمعًا) (٢) .\nوقد ورد هذا المعنى في \"رواياتهم\"؛ فمن ذلك أن أبا عبد الله جعفر الصادق قال - كما يزعمون -: للغلام - يعني المهدي - غيبة قبل قيامه، قيل: ولم؟ قال: يخاف على نفسه الذبح (٣) . والغريب أنهم يعللون احتجابه بالخوف من القتل مع أن من أصول عقائدهم (أن الأئمة يعلمون متى يموتون ولا يموتون إلا باختيار منهم) (٤) فكيف يخرجون من هذا \"التناقض\"؟.\nومن الأمثلة على إنكارهم لما هو واقع \"في مسألة الغيبة\" أن شيخهم المعاصر محمد حسين آل ياسين ينفي ما ذكره أحمد أمين من أن\n_________\n(١) الطوسي: «الغيبة»: ص ١٩٩ فصل: «ذكر العلة المانعة من ظهور الحجة» .\n(٢) المرتضي: «مسألة الغيبة» (مخطوط) عن نشأة الشيعة: ص ٣٠٤.\n(٣) ابن بابويه القمي: «إكمال الدين»: ص ٤٤٩، الكليني: «الكافي»: (١/٣٤٠)، محمد علي الموسوي الحائري: «خلفاء الرسول الاثنا عشر»: ص ٢٧٦ وغيرها.\n(٤) وهذا باب في صحيحهم «الكافي»: (١/٢٥٨) - وقد مر -.","vol":"2","page":103},{"text":"الشيعة تزعم أن لمهديها صلة ببعض كبار علمائهم (١)، ويقول \"آل ياسين\": (كل كتب الشيعة تصرح بأن المهدي غائب لا يتصل به أحد فأين الصدق في القول؟ وأين الأمانة في النقل؟) (٢) . بينما حقيقة الأمر أن هذا اعتقاد مقرر عندهم ولهم فيه مؤلفات مستقلة، مثل ما ألفه شيخهم المعاصر \"الطبرسي\" في هذا الباب وسماه «جنة المأوى فيمن لقي الإمام في الغيبة الكبرى»، وقد ذكروا أسماء مجموعة من شيوخهم كانوا على صلة مباشرة بالمهدي بعد الغيبة الكبرى كما مر (٣)، وفي «البحار» للمجلسي بيان لطريقة الاتصال بصاحب الأمر ليس لخواص الشيعة فقط، بل لكل شيعي، يقول المجلسي: (تكتب ما سنذكره في رقعة وتطرحها على قبر من قبور الأئمة «ع» فشدها واختمها واعجن طينًا نظيفًا واجعلها فيه، واطرحها في نهر أو بئر عميقة أو غدير ماء، فإنها تصل إلى صاحب الأمر «ع» وهو يتولى قضاء حاجتك بنفسه. تكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، كتبت يا مولاي صلوات الله عليك مستغيثًا.. إلخ ثم تصعد النهر أو الغدير وتعمد بعض الأبواب، إما عثمان بن سعيد أو ولده محمد بن عثمان أو الحسن بن روح أو علي بن محمد السيمري فهؤلاء كانوا أبواب المهدي، فتنادي بأحدهم يا فلان بن فلان، سلام عليك أشهد أن وفاتك في سبيل الله وأنك حي عند الله مرزوق.. وهذه حاجتي ورقعتي إلى مولاي «ع» فسلمها إليه، فأنت الثقة الأمين. ثم ارمها في النهر أو البئر أو الغدير تقض حاجتك إن شاء الله) (٤) !!!\n_________\n(١) أحمد أمين: «المهدي والمهدوية»: ص ١٠٩ - ١١٩.\n(٢) محمد حسين آل ياسين: «المهدي المنتظر»: ص ٥٨.\n(٣) ص ٢٦٧.\n(٤) «البحار»: (٢٥/٢٣٥) .","vol":"2","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>١٠- في البداء:</span>\nكما تقرر كتب الشيعة القديمة أن البداء من عقائدهم وتعظم من شأنه، فكذلك كتبهم الحديثة تسير في الغالب على المنوال نفسه وتتحدث عن البداء باعتباره عقيدة من عقائدهم، وتنقل بعض رواياتهم التي تبالغ في مسألة البداء مثل قولهم: (ما أعظم الله وعبد الله بشيء بمثل البداء)، (ولو يعلم الناس ما في القول بالبداء من الأجر ما فتروا عن الكلام فيه) (١) ونحوه، ولا يعلم بهذا الفضل أحد من المسلمين - ما عدا الإمامية - فالقرآن الكريم والسنّة المطهرة ليس لهذه العقيدة فيهما ذكر.\nوتحاول هذه الكتب أن تجد لمسألة البداء تأويلًا مقبولًا، فتفسره على نحو ما أسلفنا القول فيه وأمثاله (٢) .\nوعلى أية حال فالمعاصرون على خطى القدامى في إثبات هذا المعتقد وتعظيمه، ولا نجد من لديه الشجاعة للقول الصريح الصادق في هذه القضية التي جعلوها من معتقداتهم مع ما تحمله من «معنى» لا يليق أن ينسب إلى الله سبحانه - كما مر - واكتفوا بتأويله صيانة لمذهب الشيعة عن النقد، لكن يبقى البداء من عقائدهم بلا إنكار، وذلك لارتباطه بدعوى علم الغيب عند الأئمة التي يزعمونها - كما أسلفنا - فنقض مسألة البداء يضعهم في مناقصة كاملة لاعتقادهم في الأئمة، وإثبات البداء ينزه الأئمة، ولكن ينسب الخلف في الأخبار إلى الله، تعالى عما يقولون علوا كبيرًا. وهذا هو الطريق المسدود الذي قادهم اعتقادهم إليه.\n_________\n(١) انظر: إبراهيم الزنجاني: «عقائد الاثني عشرية»: ص ١٤٩، محمد رضا المظفر: «عقائد الإمامية»: (ص٦٩ - ٧٠) .\nالسيد: أمير محمد الكاظمي القزويني: «الشيعة في عقائدهم وأحكامهم»: ص ٣٥٨ وغيرها.\n(٢) انظر: الرد على تأويلاتهم للبداء في «الوشيعة» لموسى جار الله: (ص ١١٥ - ١٢٠) . و«الإمام الصادق»: لمحمد أبو زهرة: (٢٣٩- ٢٤١) .","vol":"2","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>١١- في الصحابة:</span>\nما رأى دعاة التأليف والوحدة والتقارب فيما سبق أن عرضنا له من نصوص في كتب الشيعة المعتمدة عندهم التي تتناول صحابة رسول الله - ﷺ - بالطعن واللعن والتكفير، وهم الذين تلقوا هذا الدين ونقلوه لنا، فالطعن فيهم طعن في الدين، وطعن في القرآن والسنّة، فكيف نتقارب مع من يطعن في ديننا وسنّة نبينا، وتواتر شريعتنا؟. إن على المخلصين من الشيعة وهم يريدون التقارب مع المسلمين أن يعلنوا - صراحة - رأيهم في تلك الآراء الشاذة التي تتناول خيار الصحابة بالنقد والتجريح والتكفير، ليبينوا بصدق أنها لا مكان لها في معتقدهم وأنها آراء لبعض المنحرفين من السابقين يبوءون بإثمها وإثم من اتبعهم فيها إلى يوم القيامة، حتى يزيلوا تلك النفرة التي سكنت في قلوب أهل السنّة من أقدم العصور إلى الآن.. وإن أجدى طريق لإزالتها هو بيان أنهم لا يعتقدون بصحة تلك الآراء التي يستوحش منها المؤمنون في كل بقاع الأرض، فأي مؤمن صادق الإيمان يعلم أن فرقة من الفرق تدين بلعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الذي لم يفر فريه في الإسلام أحد، ثم بعد ذلك يقبل على دراسة مذهبها إلا من أوتي قدرة فكرية خاصة، وأي مؤمن يثق بآراء هذه الطائفة إذا كان يعلم أنها تدين بهذا اللعن؟، إن إزالة هذه الأدران هي من أركان التقارب وأُسسه، وإن عليهم أن يعلنوا على الملأ هذه الإزالة والتغيير (١)، إذا كانوا صادقين في رغبتهم في التآلف مع المسلمين وليس الأمر مؤامرة لنشر معتقدهم في ديار السنة.\n_________\n(١) محمد أبو زهرة: «الإمام الصادق»: ص ١٢.","vol":"2","page":106},{"text":"فلنر ما يقوله دعاة التقارب في هذا الشأن. هناك \"رأي\" مصدره الكتب والرسائل التي تنشر في ديار أهل السنّة بأقلام شيعية، والموجهة للدفاع عن معتقد التشيع والدعاية للشيعة. وجوهر هذا الرأي أن الشيعة لا تسب فضلًا عن أن تكفر الخلفاء الثلاثة، وأنها تقدر صحابة رسول الله - ﷺ -.\nفالخنيزي في كتابه «الدعوة الإسلامية إلى وحدة أهل السنّة والإمامية» يسمي عمر بن الخطاب أمير المؤمنين ويترضى عنه (١)، ويطلق على عائشة وحفصة أمهات المؤمنين (٢)، وكذلك يسمي أبا بكر أمير المؤمنين (٣)، ويقول أن جعفر الصادق يقول مفتخرًا: (ولدني أبو بكر مرتين؛ لأن أمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر وأمها بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، فهي بكرية أُمًا وأبًا)، ويقول: إن من قضاء جعفر الصادق (فسق من سب الخلفاء الثلاثة) (٤) . ويقول الخنيزي بأن الإمامية - في هذا العصر - لا تمس كرامة الخلفاء البتة وهذه كتبهم تنفي علنًا السب عن الخلفاء وتثني عليهم. وممن صرح بنفي السب محمد باقر أحد مشاهير المجتهدين في كربلاء في منظومته المطبوعة في بمبي قال:\n_________\n(١) «الدعوة الإسلامية»: (١/٨) .\n(٢) المصدر السابق: (١/٩) .\n(٣) المصدر السابق: (١/١٣) .\n(٤) «الدعوة الإسلامية»: (١/٧٤) .","vol":"2","page":107},{"text":"فلا نسب عمرًا كلا؟ ولا ... ... عثمان والذي تولّى أولا\nومن تولى سبهم ففاسق ... ... حكمٌ به قضى الإمام الصادق\nثم قال:\nوعندنا فلا يحل السب ... ... ونحن - أيم الله - لا نسب (١)\nوصدر في مصر من جمعية شيعية تسمي نفسها «دار أهل البيت» كتيب يحمل عنوان «تقدير الإمامية للصحابة وموقفهم من الغلاة» (٢) من تأليف أحد روافض العراق ويدعى \"طالب الحسيني الرفاعي\"، ويلقب نفسه بـ\"إمام الشيعة في جمهورية مصر العربية\" (٣) - على الرغم أنه ليس في مصر شيعة - ويمارس نشاطًا غريبًا في التبشير بالتشيع بين صفوف المسلمين في مصر (٤) في هذا الكتيب نفى أن تكون الشيعة ترمي الشيخين ومن بايعهما بلعن أو تكفير، وذكر أن من ينسب إليهم ذلك فهو إما أن يكون خصمًا سيء النية، وإما أنه لم يطلع على مذهب الشيعة ونقل عن كتابات الخصوم ولم يتمكن من الاطلاع على كتب أصحاب المذهب نفسه.\nويرى الشيعي أحمد مغنية (أن المفرقين وجدوا في اتفاق الاسمين\n_________\n(١) «الدعوة الإسلامية»: (١/٢٥٦- ٢٥٧) .\n(٢) نشرته دار الخانجي بمصر، وهو بحث قدم لمؤتمر علماء المسلمين السابع على ما قاله مؤلفه.\n(٣) انظر كتيبه: «مع الإمام علي في نهجه»: ص ٦٤.\n(٤) وسيأتي مزيد إيضاح عن هذه الجمعية في محاولات التقريب.","vol":"2","page":108},{"text":"عمر بن الخطاب الخليفة العظيم، عمر بن سعد قاتل الحسين ميدانًا واسعًا يتسابقون فيه في تشويه الحقيقة والدس على الشيعة بأحط أنواع الدس.. وكان طبيعيًا أن يكون لعنة اللعنات عمر بن سعد، لأنه بطل الجريمة وقائد المجرمين الجبناء، ومَن مِن المسلمين لا يلعن عمر بن سعد قاتل ابن بنت رسول الله - ﷺ -، إن أولئك الآثمين المفرقين استغلوا كلمة \"عمر\" وقالوا إن الشيعة تنال من خليفة النبي عمر بن الخطاب (، وإني في الوقت الذي أثور فيه على الدساسين التجار أصحاب الغايات والمصالح الرخيصة لا أنكر وجود أفراد بالأمس من سواد الشيعة وبسطائها لا يفرقون بين هذين الاسمين، بل لا يعرفون أن في دنيا التاريخ الإسلامي عمرين تقيا وشقيًا) (١) .\nوفي تفسير «الكاشف» لمحمد جواد مغنية أورد قول زين العابدين علي بن الحسين في الصحيفة السجادية من دعاء له في الصلاة على أتباع الرسل: (اللهم وأصحاب محمد خاصة الذين أحسنوا الصحبة والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره.. وفارقوا الأزواج والأولاد في إظهار كلمته، وقاتلوا الآباء والأبناء في تثبيت نبوته..) (٢) .\nثم قال جواد: هذه المناجاة جاءت في الصحيفة السجادية التي تعظمها الشيعة، وتقدس كل حرف منها (٣)، وهي رد مفحم لمن قال: إن الشيعة ينالون من مقام الصحابة (٤) .\n_________\n(١) أحمد مغنية: «الإمام جعفر الصادق»: (ص ١١٣- ١١٤) .\n(٢) «الصحيفة السجادية»: (ص ٤٣- ٤٤) .\n(٣) قال ابن تيمية عن هذه الصحيفة التي ينسبها الشيعة لعلي بن الحسين ويقدسونها، قال: إن أكثرها كذب على علي بن الحسين. «منهاج السنّة»: (٣/٢٠٩) .\n(٤) محمد جواد مغنية: «التفسير الكاشف»: (١٠/٥١٥) .","vol":"2","page":109},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>المناقشة:</span>\nنقول للخنيزي، والرفاعي، وأحمد مغنية، ومحمد جواد مغنية وغيرهم ممن يقول إننا نقدر الصحابة، ولا ننقصهم ونترضى عنهم: تلك كلمات طيبة تنزل على قلوبنا بردًا وسلامًا، ومرحبًا بهذه الروح الكريمة الجامعة الموحدة بين المسلمين وإننا لنفتح صدورنا لكل كلمة توفق ولا تفرق، ونستبشر بكل محاولة صادقة لرفع تلك الأدران والصفحات السوداء التي تمس من صحابة رسول الله - ﷺ -. نرحب ونستبشر بشرط أن لا تكون تلك الكلمات تقية أو مصانعة سياسية، لكن أليس كل قارئ قرأ ما نقلناه عن كتبهم الأساسية حول الصحابة أو اطلع مباشرة على ما في «الكافي»، أو «الوافي»، أو «البحار»، أو «الاحتجاج»، أو «تفسير القمي» أو «تفسير العياشي»، أو «البرهان» لهاشم البحراني وغيرها أو بعض ما في كتبهم المعاصرة، وما حملته هذه الكتب من هجوم وطعن وتكفير لصحابة رسول الله - ﷺ -؟ أليس كل من اطلع على شيء من ذلك يتعجب لماذا ينكر أمثال طالب الرفاعي، وجواد مغنية وغيرهما وجود هذه الصفحات؟ ألا يمكن أن يفسر هذا الإنكار لما هو قائم وواقع بأنه تقية؟!\nألا يعلم هؤلاء أن هناك كتبًا ألفها شيوخ الشيعة المعاصرون تلعن وتسب وتكفر؟ والفرق بينها وبين هذه الكتب التي تقول إن الشيعة لا تسب أن تلك الكتب نشرت في ديار تشكل فيها الشيعة الشطر أو الأغلبية أو أن لهم قوة. فأصحابها من روافض العراق وإيران، أو الهند، فهم لا يستعملون التقية بشكل كامل.","vol":"2","page":110},{"text":"فهذا محمد رضا المظفر من روافض العراق المعاصرين، ومن المتحمسين لفكرة التقريب، يقول هذا الرافضي عن صحابة رسول الله:\n(مات النبي - ﷺ - ولا بد أن يكون المسلمون كلهم - لا أدري الآن - قد انقلبوا على أعقابهم) (١)، ويتطاول هذا \"الرجل\" على خيار صحابة رسول الله - ﷺ - ويتهمهم بالتآمر فيقول: (لا يستطيع الباحث أن ينكر من عمر بن الخطاب تمالأه على علي بن أبي طالب، وكذلك جماعته الذين شاهدنا منهم التعاضد والتكاتف في أكثر الحوادث، كأبي بكر وأبي عبيدة وسالم مولى أبي حذيفة ومعاذ بن جبل وأضرابهم) (٢)، ويعتبر هذا هو سبب الردة، ذلك أنه يزعم أن (كل ضلال وقع ويقع في الأمة هو ناشئ من الخلاف في أمر الخلافة، فهو أس كل ضلالة) (٣) !!\nوهذا آيتهم العظمى محمد الخالصي، من كبار مراجع الروافض في العراق وممن يتزعم الدعوة إلى \"الوحدة الإسلامية: بين السنة، والشيعة\"، نرى هذا الرافضي يشكك في إيمان أبي بكر وعمر ﵄ فيقول: (وإن قالوا: إن أبا بكر وعمر من أهل بيعة الرضوان الذين نص على الرضا عنهم القرآن في قوله: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة «٤) قلنا: لو أنه قال: لقد رضي\n_________\n(١) محمد رضا المظفر: «السقيفة»: ص ١٩.\n(٢) المصدر السابق: ص ٨٥.\n(٣) محمد رضا المظفر: «السقيفة»: ص ٩١.\n(٤) الفتح: آية ١٨.","vol":"2","page":111},{"text":"عن الذين يبايعونك تحت الشجرة أو عن الذين بايعوك لكان في الآية دلالة على الرضا عن كل من بايع، ولكن لما قال: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ ...) فلا دلالة فيها إلا على الرضا عمن محض الإيمان) (١) .\nومعنى هذا أن أبا بكر وعمر لم يمحضا الإيمان فلم يشملهما رضا الله في زعم هذا الرافضي، وهذا آية من آياتهم التي ينسبونها زورًا إلى الله ويدعى شهاب الدين النجفي يقول عن الخلفاء الثلاثة ومن بعدهم من خلفاء المسلمين: (فما صدر عن الخلفاء من الظلم والفواحش تجاوز عن حد الإحصاء، فما بقي حق إلا وقد أضاعوه ولا موبقة إلا وفعلوها) (٢) .\nوهذا أحد آيات الشيعة ويسمى حسين الخراساني، يقول في كتابه «الإسلام على ضوء التشيع» - والذي أهداه إلى مكتبة دار التقريب بالقاهرة، وكان قد نشر باللغات الثلاث العربية والفارسية والإنكليزية وحاز على رضا وزارة المعارف الإيرانية - يقول في هذا الكتاب: (تجويز الشيعة لعن الشيخين أبي بكر وعمر وأتباعهما، فإنما فعلوا ذلك أسوة لرسول الله ﵌ واقتفاءً لأثره (٣) !! فإنهم ولا شك قد أصبحوا مطرودين من حضرة النبوي - كذا - وملعونين من الله تعالى بواسطة سفيره ﵌) (٤) .\n_________\n(١) محمد بن محمد مهدي الكاظمي الخالصي: «إحياء الشريعة في مذهب الشيعة»: (١/٦٣ - ٦٤) .\n(٢) شهاب الدين النجفي: تعليقاته على «إحقاق الحق» للتستري: (٢/٢٩١) .\n(٣) «الإسلام على ضوء التشيع»: ص ٨٨ (الهامش) .\n(٤) المصدر السابق: ص ٨٨.","vol":"2","page":112},{"text":"ويقول: (إنا لا نعهد - لهؤلاء الخلفاء الثلاثة أبي بكر بن قحافة، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان أي نبوغ في العلم أو تقدم في جهاد أو تبرز في الأخلاق، أو ثبات على مبدأ، أو تهالك في العبادة، أو تفانٍ في العمل أو إخلاص في سبيل الدعوة الإسلامية) (١) .\nيقول هذا القول وغيره من \"الطامات\" (٢) وهو يزعم الدعوة إلى الوحدة حيث يقول: (فنحن معاشر الشيعة نرى من الواجب الضروري توطيد الوحدة الإسلامية، وترك ما يثير ثائرة أية فرقة من فرق الإسلام حتى يكون من السهل اليسير أن نقوم قبال صفوف الكفر والشرك بصف واحد) (٣)، (وهو يريد بهذا القول أن يسكت المسلمون عن فضح باطلهم وكشف كفرهم) .\nوهذا كتاب صدر باللغة الأردية يسمى «تحفة العوام مقبول» وقالوا - حسب النص الأردي - أنه \"مطابق فتاوى\".\nآية الله العظمى آقائي حاج سيد محسن حكيم طباطبائي مجتهد أعظم نجف أشرف.\nآية الله العظمى آقائي حاج سيد أبو القاسم خوئي نجف أشرف.\nآية الله العظمى آقائي حاج سيد روح الله خميني.\nآية الله العظمى آقائي حاج سيد محمود الحسيني الشابرودي.\nآية الله العظمى آقائي حاج سيد محمد كاظم شر يعتمدار.\n_________\n(١) المصدر السابق: ص ١١١.\n(٢) انظر من \"طاماته\" رأيه حول أخبار التحريف عندهم: ص ٢٦ من هذا البحث، حيث زعم وجود قرآن آخر عند مهديهم المنتظر.\n(٣) «الإسلام على ضوء التشيع»: ص ٨٨.","vol":"2","page":113},{"text":"مصدقة عاليجناب سيد العلماء علامة سيد علي نقي النقوى مجتهد لكهنؤ.\nفي هذا الكتاب الموثق من هؤلاء الآيات - المنسوبة كذبًا إلى الله تعالى - فيه نص بحدود صفحتين يتضمن لعن صنمي قريش وهما أبو بكر وعمر ﵄. وهو بـ\"العربية\"، ومنه: (اللهم العن صنمي قريش وجبتيهما، وطاغوتيهما وإفكيهما وابنتيهما الذين خالفا أمرك وأنكرا وحيك وجحدا إنعامك وعصيا رسولك، وقلّبا دينك، وحرفا كتابك، وأحبّا أعداءك وجحدا آلاءك، وعطلا أحكامك، وألحدا في آياتك ...) (١) .\nوليس الأمر مجرد كلمات، بل كتب تخصصت في سب وتجريح وتكفير خير مجتمع ظهر على وجه الأرض، أمثال كتاب «الغدير» الذي بلغ أحد عشر مجلدًا لشيخهم - المعاصر - عبد الحسين الأميني النجفي، وقد ملأه بالدس والكذب والطعن فيمن رضي الله عنهم ورضوا عنه، وكتاب «أبو هريرة» لشيخهم عبد الحسين شرف الدين الموسوي، والذي اتهم فيه أبا هريرة بالوضع للأحاديث والنفاق، وكتاب «السقيفة» لشيخهم محمد رضا المظفر الذي صور فيه الصحابة عصابة لا هدف لها إلا التآمر على الإسلام!! كتاب «النص والاجتهاد» لشيخهم عبد الحسين شرف الدين الموسوي الذي أراد فيه إثبات أن الصحابة يدينون بمبدأ \"فصل الدين عن الدولة\"، وكتاب «الإمام الصادق والمذاهب الأربعة» لشيخهم أسد حيدر والذي يطعن في السنّة، وفي دواوين الحديث عند الأمة، ويتطاول على صحابة رسول الله، ويحاول أن يشوه تاريخ المسلمين بكل ما يستطيع..\n_________\n(١) منصور حسين: «تحفة العوام مقبول»: (ص ٤٢٣ - ٤٢٤) . وانظره مصورًا في ملحق الوثائق.","vol":"2","page":114},{"text":"وغيرها من كتب تطعن في دين الأمة وتاريخها ورجالها وتسير على منهج المبشرين والمستشرقين، بل تقدم لهؤلاء مادة ضخمة عمادها الكذب والافتراء ليستعينوا بها على طعنهم في إسلامنا وقرآننا وسنّة نبينا وتاريخ أمتنا!!\nوقد قامت في هذا العصر حركة نشطة لبعث التراث الشيعي القديم وتعريف الناس به وترويجه بينهم، وهذا التراث مليء باللعن والتكفير والتخليد بالنار لرجال الصدر الأول للإسلام، وفي مقدمتهم الخلفاء الثلاثة وبعض أمهات المؤمنين ومن معهم من المهاجرين والأنصار ممن رضي الله عنهم ورضوا عنه بنص القرآن.\nوحركة النشر هذه قام بها علماء من أشهر مجتهدي الشيعة في هذا العصر وعلى كثير من هذه الكتب تصحيحاتهم وتعليقاتهم وتقريضاتهم، ومع هذا لم نر اعتراضًا ولا انتقادًا لما في هذه الكتب من أحد منهم، أليس في ذلك إقرارٌ من هؤلاء لما فيها من كفر وضلال؟!\nوكتبهم الأساسية التي يعتبرونها مصادر في التلقي إلى اليوم تكفر المسلمين، وعلى رأسهم خيار صحابة رسول الله مثل «الكافي» و«البحار» وغيرها.\nوكتب الأدعية المعتمدة عندهم والتي يدعون بها إلى اليوم تتضمن لعن وتكفير الخلفاء الثلاثة وبعض أمهات المؤمنين وخيار الأصحاب من المهاجرين والأنصار، مثل «مفاتيح الجنان» الذي جمعه من أمهات كتبهم المعتمدة شيخهم \"عباس القمي\" وكتاب «ضياء الصالحين» والذي جمعه شيخهم \"محمد الجوهري\"، وفي صفحات «الوافي»، و«البحار» في أبواب الزيارات أدعية كثيرة تتضمن لعن","vol":"2","page":115},{"text":"وتكفير خيار صحابة رسول الله - ﷺ - وتدعو بها الشيعة إلى اليوم.\nونعود إلى مناقشة الذين يقولون بأن الشيعة لا تسب بشكل مباشر - ونقول: ألا يعلم أحمد مغنية أن عمر بن الخطاب لا عمر بن سعد قد تعرض لأشد أنواع السب والتجريح في كتب الشيعة المعتمدة، أليس في «الكافي» أن المراد بقوله تعالى: (ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا.. (قال: هما، وبيّن شيخهم المجلسي (أن الإشارة في \"هما\" ترجع إلى الشيخين في اعتقادهم) (١)، ألم يرد في «الكافي» حديثان في باب واحد يقولان (بأن من زعم للشيخين الإسلام لا يكلمه الله ولا يزكيه وله عذاب أليم)؟ (٢) فهذا تكفير لمن حكم بإسلامهما، فأحمد مغنية في نصوص «الكافي» الكاذبة كافر لأنه حكم لعمر بالتقوى. لم التستر على الباطل؟ إلا إذا كان أحمد مغنية لم يطلع على «الكافي» !.\nوأما الرفاعي الذي يقول بأن من ينسب إلى الشيعة عدم تقدير الصحابة هو خصم سيء النية، أو لم يطلع على كتبهم. فالذي نسب إلى الشيعة هذا المذهب هو كتبهم وليس خصمًا سيء النية أو جاهلًا بما في كتبهم، والرفاعي نفسه رجع إلى «البحار» في كتيبه الذي ينفي فيه هذا القول عن الشيعة (٣)، و«البحار» حوى عشرات الروايات والأقوال التي تكفر أولئك الرواد العظام، فلم هذا التجاهل؟.\n_________\n(١) انظر: ص ٢٣١ من هذه الرسالة.\n(٢) «الكافي» باب من ادعى الإمامة وليس لها بأهل: (جـ١/ص ٣٧٢- ٣٧٤) رقم ٤، ١٢، وقد مضى نقل الحديث بنصه ص ٢٨٩ من هذا البحث.\n(٣) انظر كتيب «تقدير الإمامية للصحابة» ص ١٥، ١٧، ١٩.","vol":"2","page":116},{"text":"ومن الغريب أن هذا الرفاعي قد سب خيار صحابة رسول الله - ﷺ - في تعليقه على رسالة لـ\"محمد باقر الصدر\"، فهو في هذا من الذين يقولون ما لا يفعلون كما هو من الذين ينكرون ما يعرفون، فيتهم عمر (بالتآمر وأنه أول من قال بالرجعة من المسلمين (١)، وقال عن أبي بكر وعمر وأبي عبيدة أنهم بمقتضى هذه الحجج التي حاجوا بها الأنصار قد أدخلوا أنفسهم فيما حكموا به على من ينازع في الحق أهله ويخاصمهم فيه؛ من أنه يكون ظالمًا ومدليًا بباطل، ومتجانفًا لإثم ومتورطًا في هلكة (٢) . وراح هذا \"الرفاعي\" ينشر رسالة باقر الصدر التي سماها: «التشيع ظاهرة طبيعية في إطار الدعوة الإسلامية»، وهذه الرسالة محاولة يائسة وعاجزة لإثبات أصالة الرفض، وأن الصحابة ليسوا أهلًا لحمل الرسالة والشريعة، وإنما الجدير بحملها هو علي وحده، وهذا طعن في الصحابة، وفي السنّة، وفي تواتر هذا الدين. وهذا الرفاعي ينشر هذا الباطل ويتحفه بتفريظه وتأييده، ويقول في كتيب آخر: إن الإمامية يقدرون الصحابة. فأي تقدير هذا إلا إن كان يريد أن تقدير الإمامية للصحابة هو السب واللعن والتكفير..؟!\nوكذلك الخنيزي يقع في هذا التناقض ويطعن في الصديق «٣)، بل يزعم أن ما ورد في «الكافي» عندهم من الطعن في الصحابة وتكفيرهم يوجد مثله في «صحيح البخاري» (٤)، وهي\n_________\n(١) انظر: طالب الرفاعي: تعليقه على كتيب «التشيع» لمحمد باقر الصدر: (ص ٣٠- ٣١) .\n(٢) المصدر السابق: ص ٤٦.\n(٣) «الدعوة الإسلامية»: (١/١٢) .\n(٤) «الدعوة الإسلامية»: (١/٥- ١٤) .","vol":"2","page":117},{"text":"دعوى لا حقيقة لها، ولو كان في «صحيح البخاري» مثل ما يوجد في «الكافي» لكان في السنّة من هو كالشيعة يطعن ويكفر، ولكن الرجل يريد إثبات معتقده الباطل بأية وسيلة.\nوأما محمد جواد مغنية - الذي ينفي أن يكون الشيعة ينتقصون من مقام الصحابة - فهو الذي يقول في كتابه «في ظلال نهج البلاغة» عن الخليفة الثالث ذي النورين - صاحب الجود والحياء، وصهر النبي - ﷺ - في ابنتيه، ومجهز جيش العسرة وصاحب الهجرتين.. والمبشر بالجنة من رسول الله - ﷺ - - يقول هذا الرافضي فيه: (إن عثمان انحرف عن سنّة الرسول وخالف شريعة الإسلام، واستأثر هو وذووه بأموال المسلمين فامتلكوا بها القصور والمزارع والرياش والخيول والعبيد والإماء ومن حولهم ملايين الجياع والمعدمين) (١) .\nويقول: (كان الزبير وطلحة وعائشة وراء ما حدث لعثمان وعليهم تقع التبعة في دمه..) (٢) ويتهم عمر - ﵁ - وأهل الشورى - الذين فوض لهم عمر اختيار خليفة من بعده - يتهم الجميع بالخيانة والتآمر (٣) . فأي احترام لمقام الصحابة وهذا الكلام الحاقد يوجه لخيارهم؟، وأي إيذاء لرسول الله - ﷺ - أشد من هذا الإيذاء الذي يوجه له بسب بعض زوجاته، وأصهاره وخيار أصحابه؟.\nلماذا هذا التناقض من هؤلاء الروافض؟.\n_________\n(١) محمد جواد مغنية: «في ظلال نهج البلاغة»: (٢/٢٦٤) .\n(٢) المصدر السابق: (١/٢٩٢- ٢٩٣) .\n(٣) المصدر السابق: (٢/٣٠٢) .","vol":"2","page":118},{"text":"هل هذا تقية؟ والتقية عندهم تسعة أعشار الدين.\nأم هي مؤامرة للدعاية للشيعة والتشيع؟.\nوقد تكون الكل، لكن نحب قبل أن نرفع القلم عن الحديث في هذا المبحث أن نكشف حقيقة هامة يدين بها الروافض في \"معتقدهم في الصحابة\" وهي:\nأن هؤلاء الروافض كما يزعمون أنهم يوالون أهل البيت، ويعنون بهم أئمتهم الاثني عشر فكذلك يزعمون أنهم يوالون الصحابة، ويعنون بهم الثلاثة أو الأربعة أو السبعة الذين لم يرتدوا في عقيدتهم. والذي لا يعرف هذه الحقيقة ينخدع بكلامهم في هذا الباب، ولا يتصور أن للصحابة عندهم تفسيرًا خاصًا بهم لا يدخل فيه إلا بضعة منهم.\nوهناك تفسير آخر لهم في الصحابة جاء بيانه في بعض رواياتهم، تقول روايتهم - بعد ثناء على الصحابة وأمر بالرجوع لأقوالهم وإجماعهم - فقيل: يا رسول الله، ومن أصحابك؟ قال: أهل بيتي (١) . فهم يفسرون الصحابة بأهل البيت.\nثم هناك مسلك آخر يسلكونه في الثناء على الصحابة أشار إليه شيخهم الطوسي، يقول الطوسي بعد أن سب عائشة أم المؤمنين ﵂: (فإن قيل: أليس قد روي عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر أن سائلًا سأله عن عائشة وعن مسيرها في تلك الحرب، فاستغفر لها، وقال له \"الراوي\": تستغفر لها وتتولاها؟ فقال: نعم؟: أما علمت ما كانت تقول؟: يا ليتني كنت شجرة، ليتني كنت مدرة) . قال الطوسي: (لا حجة في ذلك على مذاهبنا لأنا نجيز عليه - صلوات الله عليه - التورية،\n_________\n(١) سيأتي ذكر هذه الرواية بتمامها في فصل: هل من طريق للتقريب؟.","vol":"2","page":119},{"text":"ويجوز أن يكون السائل من أهل العداوة واتقاه بهذا القول وروى فيه تورية يخرجه من أن يكون كذبًا، وبعد فإنه علق توبتها بتمنيها أن تكون شجرة ومدرة، وقد بينا أن ذلك لا يكون توبة وهو (بهذا أعلم) (١) .\nإن على الذين يقولون بتقدير الشيعة للصحابة أن يعلنوا خطأ هذه المسالك وعدم صحتها، وأن يعترفوا ببطلان تلك الروايات السوداء، وأن يصدقوا وألا يتناقضوا، حتى يقبل منهم موقفهم، ثم لِمَ يذهبون للرد على أهل السنّة إذا قالوا: إن مذهب الشيعة الطعن في الصحابة وتكفيرهم، ولا يردون على أنفسهم وعلى كتبهم وعلى مشايخهم المعاصرين الذين لا يزالون يهذون في هذا الضلال؟، كما بينا ذلك فيما سبق. فأي فائدة اليوم في اللعن والطعن والتكفير؟ (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (٢)، ولا هدف إلا الطعن في القرآن والسنّة، والدين بعامة، وماذا يبقى من أمجادنا وتاريخنا إذا كان أولئك السادة القادة، الأتقياء الأصفياء الأوفياء الرواد الذين نشروا الدين وأرسوا دعائم الدولة، وفتحوا البلاد، وأرشدوا العباد، إذا كان هؤلاء الرواد الأوائل لكل معالم الخير والعدل والفضائل يستحقون اللعن من أحفادهم، وتشويه تاريخهم، وهم الذين اثني الله عليهم ورسوله وسجل التاريخ الصادق مفاخرهم بمداد من نور؟ فمن الذي يستحق الثناء والمديح، إذا كان أولئك كذلك؟.\n_________\n(١) الطوسي: «الاستيفاء في الإمامة»: الورقة ٢٨٨ (النسخة المخطوطة) .\n(٢) البقرة: آية ١٣٤، ١٤١.","vol":"2","page":120},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>١٢- في التقية:</span>\nماذا يقول دعاة التقارب في التقية التي هي من أول موانع التجاوب المخلص بينهم وبين السنة؟ يقول «محمد جواد مغنية»: (إن التقية كانت عند الشيعة حيث كان العهد البائد عهد الضغط والطغيان، أما اليوم حيث لا تعرض للظلم في الجهر بالتشيع، فقد أصبحت التقية في خبر كان) (١) .\nويقول: (قال لي بعض أساتذة الفلسفة في مصر.. أنتم الشيعة تقولون بالتقية.. فقلت له: لعن الله من أحوجنا إليها، اذهب الآن إن شئت إلى بلاد الشيعة فلا تجد للتقية عندهم عينًا ولا أثرًا، ولو كان دينًا ومذهبًا في كل حال لحافظوا عليها محافظتهم على تعاليم الدين ومبادئ الشريعة) (٢) .\nوكذلك يقول مجموعة من أعلام الشيعة ومراجعهم: إن التقية عند الشيعة لا تستعمل إلا في حال الاضطرار الشرعي وذلك عند الخوف على النفس أو المال أو العرض، وإنما تميز الشيعة بهذا الاعتقاد لكثرة وقوع الظلم عليهم (٣) .\n_________\n(١) محمد جواد مغنية: «الشيعة في الميزان»: ص ٥٢، ٣٤٥، «أهل البيت»: (ص ٦٦- ٦٧) .\n(٢) «الشيعة في الميزان»: ص ٥٢.\n(٣) انظر في ذلك: محمد حسين آل كاشف الغطاء: «أصل الشيعة»: (ص ١٥٠، ١٥٣)، عبد الحسين الموسوي: «أجوبة مسائل جار الله»: (ص ٦٨- ٧٠)، عبد الحسين الرشتي: «كشف الاشتباه»: ص ١٣٠، محسن الأمين: «الشيعة»: ص ١٨٥ وما بعدها، السيد أمير الكاظمي: «الشيعة في عقائدهم وأحكامهم»: ص ٣٤٦، هاشم الحسيني: «دراسات في الحديث والمحدثين»: ص ٣٢٦ وما بعدها، وغيرها.","vol":"2","page":121},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>مناقشة هذا الرأي:</span>\nسنناقش هذا الرأي في النقاط التالية:\nأولًا: أن الخطورة الكبرى في اعتقاد الشيعة بالتقية - والتي قد لا يفطن لها من ليس على صلة بكتب الشيعة أو له صلة بكتب \"الدعاية\" للتشيع فقط، ولا يرجع لكتبهم المعتمدة عندهم إن الخطورة تتمثل في أن معتقد التقية عندهم قد عطل تعطيلًا تامًا إمكانية استفادة الشيعة مما في كتبهم الأساسية من نصوص توافق ما عند المسلمين، وتخالف ما شذوا به من عقائد وآراء. ذلك أن من قواعدهم الأصولية والتي قررتها كتبهم القديمة (١)، وقررتها كتبهم الحديثة أيضًا (٢) الأخذ بما خالف العامة - أهل السنّة - عند اختلاف الأحاديث في كتبهم. بحجة أن الأحاديث التي توافق ما عند أهل السنّة محمولة على التقية.\nوإذا لاحظنا أن أحاديثهم متناقضة ومتضادة ويوجد فيها غالبًا في مختلف أبواب العقائد والأحكام ما يوافق ما عند المسلمين أدركنا خطورة معتقد التقية عندهم، وآثاره السيئة في إبقاء الخلاف بينهم وبين المسلمين. وقد اعترف شيخهم \"الطوسي\" بهذا التناقض فقال: (ذاكرني بعض الأصدقاء.. بأحاديث أصحابنا وما وقع فيها من الاختلاف والتباين والمنافاة والتضاد حتى لا يكاد يوجد خبر إلا وبإزائه ما يضاده، ولا يسلم حديث إلا وفي مقابلته ما ينافيه، حتى جعل مخالفونا ذلك من أعظم الطعون على مذهبنا وتطرقوا بذلك إلى\n_________\n(١) انظر: ص ٢٨٤ من هذا البحث.\n(٢) انظر: ص ٦٧ - ٦٨ من هذا البحث.","vol":"2","page":122},{"text":"إبطال معتقدنا)، ثم ذكر (أن هذا الاختلاف كان سبب رجوع الكثير عن التشيع، وقال: إن منهم أبا الحسن الهاروني العلوي كان يدين بالإمامة فرجع عنها لما التبس عليه الأمر في اختلاف الأحاديث وترك المذهب ودان بغيره) (١) .\nهذا ما يقوله شيخهم \"الطوسي\"، ولم يجد ما ينقذه وشيعته من هذا \"التناقض\" إلا القول في كل ما يوافق جمهور المسلمين ويخالف شذوذهم بأن ذلك ورد على سبيل التقية (٢)، كما قام بحمل رواياتهم التي في سندها رجال من أهل السنّة أو الزيدية على التقية، فكانت التقية حيلة لرد السنن الثابتة (٣) .\nوكما عطل معتقد التقية الاستفادة من الأحاديث التي في كتبهم وهي موافقة لما عند المسلمين ومخالفة لشذوذهم، كذلك عطل هذا الاعتقاد استفادة الشيعة أنفسهم من كل صوت معتدل ينشأ بينهم. فمثلًا حينما أنكر شيوخهم \"المرتضي، والصدوق، والطبرسي\" فرية الطعن في كتاب الله بالقول بتحريفه ونفوا عن مذهب الشيعة هذه المقولة، قال شيخهم نعمة الله الجزائري - الموصوف عندهم بـ\"السيد السند والركن والمعتمد إلخ\" - قال بأن هذا \"الإنكار\" هو من باب التقية - كما مر - (٤) .\nوقالوا عن تفسير «التبيان» للطوسي: إنه موضوع على أسلوب التقية (٥) . فهل يقال بعد هذا إن عهد التقية انتهى، وأثرها السام\n_________\n(١) «التهذيب»: (١/٣) .\n(٢)، (٥) في كتاب «الاستبصار» - وهو أحد أصولهم الأربعة - عشرات الأمثلة لذلك، انظر مثلًا: (١/٦٠، ٦١، ٦٢، ٦٣، ٦٤، ٦٥، ٦٦) إلخ.\n(٣) انظر: ص ٣٣٨ من هذا البحث.\n(٤) انظر: ص ٢٠٦ من هذا البحث.\n(٥) انظر: ص ٢٤٤.","vol":"2","page":123},{"text":"لا يزال يسري في نصوص الشيعة المعتدلة ليزهق روحها؟.\nثانيًا: أن هؤلاء الذين يقولون بأنه لا تقية اليوم عند الشيعة هم الذين تقول كتبهم المعتمدة بأن عهد الخلفاء الثلاثة، وعصر الإسلام الذهبي، هو عهد تقية، فهل هذا العصر أفضل من عصر الخلافة الراشدة؟!!\nيقول شيخهم المفيد: (وكانت إمامة أمير المؤمنين بعد النبي ﵌ ثلاثين سنة منها أربع وعشرون سنة وستة أشهر - أي في عهد الخلفاء الثلاثة قبل أن يلي الخلافة - ممنوعًا من التصرف في أحكامها مستعملًا للتقية والمداراة.. كما كان رسول الله ﵌ ثلاث عشرة سنة من نبوته ممنوعًا من أحكامها خائفًا ومحبوسًا وهاربًا) (١)، بل إن شيخهم نعمة الله الجزائري يعتبر عهد الخلافة الفعلي لعلي عهد تقية ومدارة. يقول: (ولما جلس أمير المؤمنين ﵇ - أي على كرسي الخلافة - لم يتمكن من إظهار ذلك القرآن (٢)، وإخفاء هذا لما فيه من إظهار الشنعة على من سبقه، كما لم يقدر على النهي عن صلاة الضحى، وكما لم يقدر على إجراء متعة النساء، وكما لم يقدر على عزل شريح عن القضاء ومعاوية عن الإمارة) (٣) .\nفكيف يعتبر عهد الخلافة الراشدة عهد تقية، وتصرف الوقائع التي تثبت مذهب علي الحقيقي عن مدلولها بدعوى التقية؟، ويقال بعد\n_________\n(١) هذا جزء من نص مضى نقله بتمامه ص ١٢١ من هذا البحث.\n(٢) هو «القرآن» الذي يزعمون أنه موجود عند مهديهم المنتظر، راجع ص ٢٠٢ وما بعدها من هذه الرسالة.\n(٣) نعمة الله الجزائري: «الأنوار النعمانية»: (٢/٣٦٢) .","vol":"2","page":124},{"text":"ذلك إن التقية عندهم تستعمل في حال الضرورة، فأي ضرورة للعمل بالتقية في عز الإسلام والمسلمين؟.\nثالثًا: هناك شواهد كثيرة تفيد أن التقية عندهم ليست هي التقية الشرعية المنوطة بالضرورة، بل هي الكذب والخداع، وتحليل الحرام وتحريم الحلال وتغيير شرع الله، فمن ذلك أنهم نسبوا إلى رسول الله - ﷺ - العمل بالتقية بلا ضرورة حيث قالوا عن أبي عبد الله \"ع\" قال: لما مات عبد الله بن أبي سلول حضر النبي جنازته، فقال عمر لرسول الله - ﷺ -: ألم ينهك الله أن تقوم على قبره؟ فسكت فقال: يا رسول الله ألم ينهك الله أن تقوم على قبره؟ فقال له: ويلك ما يدريك ما قلت، إني قلت: اللهم احش جوفه نارًا واملأ قبره نارًا وأصله نارًا، قال أبو عبد الله: فبدا من رسول الله ما كان يكره) (١) .\nفانظر إلى هذا الافتراء على رسول الله - ﷺ - ونسبتهم إليه أنه يخادع أصحابه فيدعو على منافق وهم يظنونه يترحم عليه، فيقتدون به، ثم أي ضرورة تضطر رسول الله - ﷺ - للصلاة على هذا المنافق في قوة الإسلام وسطوته، وما نافق عبد الله بن أبي إلا رهبة من سلطان الإسلام؟.\nفهل هذا النص يفيد أن العمل بالتقية في حال الضرورة؟!! ومما يدل صراحة على أن التقية ليست إلا الكذب الصريح بلا مسوغ ما رواه شيخهم الكليني عن محمد بن مسلم قال: دخلت على أبي عبد الله (\"جعفر الصادق\" وعنده أبو حنيفة فقلت له:\n_________\n(١) الكليني: «فروع الكافي» كتاب الجنائز، باب الصلاة على الناصب: (٣/١٨٩) ط إيران.","vol":"2","page":125},{"text":"جعلت فداك، رأيت رؤيا عجيبة، فقال لي: يا ابن مسلم هاتها إن العالم بها جالس وأومأ بيده إلى أبي حنيفة، فعرض الراوي الرؤيا على أبي حنيفة فأجابه أبو حنيفة عليها - كما يزعمون - فقال أبو عبد الله (: أصبت والله يا أبا حنيفة. قال \"الراوي\": ثم خرج أبو حنيفة من عنده فقلت له: جعلت فداك، إني كرهت تعبير هذا الناصب، فقال: يا ابن مسلم لا يسوءك الله، فما يواطئ تعبيرهم تعبيرنا، ولا تعبيرنا تعبيرهم وليس التعبير كما عبره، قال: فقلت له: جعلت فداك، فقولك: أصبت وتحلف عليه وهو مخطئ؟ قال: نعم، حلفت عليه أنه أصاب الخطأ (١) .\nفهل استعمال التقية في هذا النص له مسوغ؟ هل أبو حنيفة ذو سلطة وقوة حتى يخشى منه ويتقي؟ وهل من ضرورة لمدحه والقسم على صواب إجابته؟ ثم لما خرج يحكم عليه بالنصب ويخطئ جوابه، هل لهذا تفسير غير أنه الخداع والكذب بلا مسوغ؟ ونحن نبرئ جعفر الصادق من هذا الافتراء ونقول: إن هذا سبٌّ وطعنٌ في جعفر ممن يزعم التشيع له ومحبته..\nثم إنهم هم يجيزون تأويل كتاب الله على غير تأويله باسم التقية بلا موجب. روى الكليني عن موسى بن أشيم قال: كنت عند أبي عبد الله \"ع\" فسأله رجل عن آية من كتاب الله (فأخبره بها، ثم دخل عليه داخل فسأله عن تلك الآية فأخبره بخلاف ما أخبر به الأول، فدخلني من ذلك ما شاء الله حتى كأن قلبي يشرح بالسكاكين، فقلت في نفسي: تركت أبا قتادة بالشام لا يخطئ في الواو وشبهه وجئت إلى هذا يخطئ هذا الخطأ كله، فبينما أنا كذلك إذ دخل\n_________\n(١) «روضة الكافي»: (٨/٢٩٢) ط إبران.","vol":"2","page":126},{"text":"عليه آخر فسأله عن تلك الآية فأخبره بخلاف ما أخبرني وأخبر صاحبي، فسكنت نفسي فعلمت أن ذلك منه تقية (١) .\nويزعمون أن التقية تبيح لأئمتهم تحليل الحرام وتحريم الحلال؛ ففي «الكافي» عن أبان من تغلب قال: (سمعت أبا عبد الله يقول: كان أبي \"محمد الباقر\" (يفتي في زمن بني أمية أن ما قتل البازي والصقر فهو حلال وكان يتقيهم، وأنا لا أتقيهم وهو حرام ما قتل) (٢) .\nوتقول رواياتهم إنهم يمارسون التقية عن حب ورغبة، لا عن خوف ورهبة وضرورة قالوا: (.. قال أبو عبد الله \"ع\": سمعت أبي يقول: لا والله ما على وجه الأرض شيء أحب إليّ من التقية..) (٣)، وقال: (وأي شيء أقر لعيني من التقية؟) (٤)، ويقولون: (إن التقية هي الطريق الوحيد لعبادة الله (.. أبى الله إلا أن يعبد سرًا) (٥) وأبى الله (لنا ولكم في دينه إلا التقية. ويقولون: (ما عبد الله بشيء أحب إليه من الخبء والخبء هو التقية) (٦) .\nرابعًا: يلاحظ أن التقية يعمل بها أئمة الشيعة مع الشيعة أنفسهم، أي أنهم يفتونهم بالتقية في مجلس لا يوجد به سنّي يتقونه وليس هناك أدنى مسوغ لها، ومن ذلك ما في «أصول الكافي» عن زرارة بن أعين عن أبي جعفر \"ع\" قال: (سألته عن مسألة فأجابني ثم جاءه رجل\n_________\n(١) «أصول الكافي»: (١/٢٥٦- ٢٦٦) .\n(٢) «فروع الكافي»: باب صيد البزاة والصقور وغير ذلك: (٦/٢٠٨) ط إيران.\n(٣) «أصول الكافي»: (٢/٢١٧) .\n(٤) «أصول الكافي»: (٢/٢٢٠) .\n(٥) المصدر السابق: (٢/٢١٨) .\n(٦) المصدر السابق: (٢/٢١٩) .","vol":"2","page":127},{"text":"فسأله عنها فأجابه بخلاف ما أجابني، ثم جاءه رجل آخر فأجابه بخلاف ما أجابني، وأجاب صاحبي، فلما خرج الرجلان قلت: يا ابن رسول الله، رجلان من أهل العراق من شيعتكم قدما يسألان فأجبت كل واحد منهما بغير ما أجبت به صاحبه؟ فقال: يا زرارة إن هذا خير لنا، وأبقى لنا ولكن ولو اجتمعتم على أمر واحد لصدقكم الناس علينا ولكان أقل لبقائنا وبقائكم.\nقال: ثم قلت لأبي عبد الله \"ع\": شيعتكم لو حملتموهم على الأسنة أو على النار لمضوا وهم يخرجون من عندكم مختلفين، قال: فأجابني بمثل جواب أبيه) (١) .\nخامسًا: (أن قول مغنية: انتهى عهد التقية اليوم عند الشيعة إنما هو تقية على التقية) (٢) كما يقول الأستاذ محمود الملاح (٣)، ومما يؤكد ما يقوله الملاح أنه ورد في كتبهم المعتمدة (أن التقية واجبة لا يجوز رفضها إلى أن يخرج القائم \"مهديهم المنتظر\"، فمن تركها قبل خروجه فقد خرج عن دين الله تعالى وعن دين الإمامية وخالف الله ورسوله والأئمة) (٤) و(أن تارك التقية كتارك الصلاة) (٥) . هذه بعض\n_________\n(١) «أصول الكافي»: (١/٦٥) .\n(٢) «مجموع السنّة»: (١/١١١) .\n(٣) عالم عراقي معاصر تصدى لمؤتمرات الشيعة في العراق لنشر التشيع باسم الوحدة الإسلامية، وذلك عبر صفحات جريدة السجل وعبر رسائل أصدرها في هذا الشأن من كتبه «الوحدة الإسلامية بين الأخذ والرد»، و«تشريح شرح نهج البلاغة» وغيرها.\n(٤) ابن بابويه الملقب بالصدوق: «الاعتقادات»، فصل التقية، ط إيران ١٣٧٤هـ. وانظر: «الهداية» للصدوق القمي أيضًا: (١/٩) عن كتاب نعمان السمرائي: «أحكام المرتد»: ص ٨٢.\n(٥) انظر: ابن إدريس: «السرائر»: ص ٤٧٩، الحر العاملي: «وسائل الشيعة»: =","vol":"2","page":128},{"text":"نصوصهم فمن نصدق؟\nوفي كتاب «الوافي» ما يشير إلى أن ما يقوله مغنية وغيره من المدافعين عن التشيع حول التقية، إنما هو أمر مطلوب من كل \"رافضي\" حتى يمكن أن يستفيدوا من عقيدة التقية يقول «الوافي» عن حسان بن أبي علي قال: سمعت أبا عبد الله يقول: (لا تذكروا سرنا، بخلاف علانيتنا ولا علانيتنا بخلاف سرنا حسبكم أن تقولوا ما نقول وتصمتوا عما نصمت..إلخ) .\nقال صاحب «الوافي» في شرح هذا \"النص\": (يعني لا تظهروا للناس ما نكتمه عنهم، ولا تقولوا لهم إن سرنا غير موافق لعلانيتنا وأنا نكتم عنهم غير ما نظهر لهم، ونظهر غير ما نكتم، فإن ذلك مفوت لمصلحة التقية التي بها بقاؤنا وبقاء أمرنا، بل كونوا على ما نحن عليه؛ قائلين ما نقول صامتين عما نصمت موافقين لنا غير مخالفين عن أمرنا) (١) .\nسادسًا: أن من علمائهم من يصرح إلى أن للتقية عندهم مجالات غير مجال الخوف. يقول آيتهم العظمى محمد صادق روحاني - معاصر -: (التقية أربعة أقسام:\nالتقية الخوفية، والتقية الإكراهية، والتقية الكتمانية، والتقية المداراتية (٢)، فهؤلاء الذين يقولون بأن الشيعة لا تعمل بالتقية إلا عند الضرورة، إنما ينطبق كلامهم على تقية الخوف أو الإكراه لا تقية الكتمان والمداراة) .\n_________\n= (١١/٤٦٦)، وانظر أيضًا: في أن التقية لا ترفع إلى خروج القائم. «أصول الكافي»: (٢/٢١٧) .\n(١) الفيض الكاشاني: «الوافي»: كتاب الحجة، باب النوادر، المجلد الأول: جـ٢/ص ٦٠.\n(٢) محمد صادق روحاني: «رسالة في التقية» ضمن كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن =","vol":"2","page":129},{"text":"سابعًا: قول مغنية - إن التقية ليست بدين لهم - يتنافى مع ما جاء في رواياتهم فيما نسبوه إلى جعفر - (التقية ديني ودين آبائي، ولا دين لمن لا تقية له.. إلخ) - كما مر- (١) فمن نصدق في هذا: مغينة أم «الكافي»؟!\nثامنًا: في كتبهم الحديثة التي يكتبونها في الدفاع عن التشيع أو في الطعن على أهل السنّة عشرات من الأمثلة على أن كثيرًا من علمائهم المعاصرين يستعملون التقية بمعنى الكذب والخداع والافتراء، بل هناك كتب أساسها وعمدتها الكذب. وتفصيل هذا القول بالشواهد والقرائن يحتاج لدراسة مستقلة لكثرته، وتنوع أساليب الكذب والخداع فيه، وحسبنا أن نشير إشارة سريعة إلى هذا اللون من الكذب وذلك لإثبات أن القوم لا يزالون يمارسون التقية؛ فهذا شيخهم \"مغنية\" يقول: إن الشيعة لا يطعنون في الصحابة، وذلك في تفسيره «الكاشف» ثم في كتابه «في ظلال نهج البلاغة» يطعن في كبار الصحابة - كما سلف - (٢) وهو يقول بأن الإمامة (ليست أصلًا من أصول دين الإسلام، وإنما هي أصل لمذهب التشيع، فمنكرها مسلم إذا اعتقد بالتوحيد والنبوة والمعاد ولكنه ليس شيعيًا) . يقول هذا القول في كتابه «مع الشيعة الإمامية» (٣)، ولكنه يقول في كتابه الآخر «الشيعة والتشيع» عن عيد لهم يسمونه عيد الغدير والذي تنسج الشيعة حوله أساطير كثيرة تدور حول \"النص على علي بالخلافة\" (٤) .\n_________\n= المنكر له أيضًا. ص ١٤٨- ١٤٩ ط ١، ١٣٩٦هـ.\n(١) انظر: ص ٣٣١ وما بعدها.\n(٢) انظر: ص ١١٨.\n(٣) «مع الشيعة الإمامية»: ص ٢٦٨ ضمن كتاب «الشيعة في الميزان» .\n(٤) انظر في الرد عليهم: «منهاج السنة»: (٤/٨٤- ٨٧)، «المنتقى»: (ص ٤٦٦- ٤٦٧)، =","vol":"2","page":130},{"text":"يقول: (إن احتفالنا بهذا اليوم هو احتفال بالقرآن الكريم وسنة النبي العظيم بالذات، احتفال بالإسلام ويوم الإسلام، إن النهي عن يوم الغدير تعبير ثان عن النهي بالأخذ بالكتاب والسنّة وتعاليم الإسلام ومبادئه) (١) ثم استشهد بما قاله شيخهم المعاصر عبد الله العلايلي وهو (أن عيد الغدير جزء من الإسلام، فمن أنكره فقد أنكر الإسلام بالذات) (٢) .\nفانظر إلى هذا \"الخداع\" المسمى عندهم بالتقية من رجل يزعم ارتفاع حكم التقية، فهو يقول في موضع إن من أنكر الإمامة فهو مسلم، وفي موضع آخر يحكم على منكر عيد الغدير - الذي جرى فيه حادث هو أحد أدلتهم على الإمامة - أن منكر هذا العيد كافر، فكيف نفسر هذا التناقض والكذب؟ وأعتقد أن القارئ لهذا الباب «آراء دعاة التقريب» يلمس آثار عقيدة التقية في بعض إجابات دعاة التقريب ونفيهم لما هو واقع، وقد سجلت عشرات الأمثلة من أمثلة الخداع والكذب والاحتيال من بعض أعلامهم المعاصرين لا يتسع المجال لعرضها وشرحها وكشف ما فيها من زيف وتمويه وخداع.\nأما الكتب التي وضعوها وأساسها \"الكذب\" فمن أمثلتها: كتاب «المراجعات» وسيأتي كشف ما فيه، وكتاب «لماذا اخترت مذهب الشيعة؟»، وهو يتضمن قصة مخترعة أو مؤامرة مصنوعة تتضمن أن عالمًا من كبار علماء السنّة يدعى \"محمد مرعي الأمين الأنطاكي\" قد ترك مذهب السنّة، وأخذ بمذهب الشيعة بعد أن تبين له بطلان\n_________\n= «مختصر التحفة»: (ص ١٥٩- ١٦٢) .\n(١) «الشيعة والتشيع»: ص ٢٥٨ ضمن كتاب «الشيعة في الميزان» .\n(٢) المصدر السابق: ص ٢٥٨ (هامش) .","vol":"2","page":131},{"text":"الأول، وهذا الأنطاكي \"يزعم أنه نزيل حلب\" رغم أنه لا يعرفه من كبار علمائها أحد (١)، والكتاب مليء بالدس والكذب والافتراء والتجني مما لا يصدر إلا عن جاهل متعصب أو عن زنديق متستر بالتشيع.\nوقد مر بنا أنهم يضعون كتبًا وينسبونها لأهل السنّة كما نسبوا كتاب «سر العالمين» \"للغزالي\" (٢)، وأنهم اعترفوا بأنهم يضعون الكتب لغرض صحيح (٣)، وقد كذبوا على أعلام الأمة وعلى صحابة رسول الله، بل استحلوا الكذب على رسول الله - ﷺ - وأهل بيته، كل ذلك باسم التقية والتي لا حقيقة لها سوى الكذب، وقد اعترف بعض علمائهم المعاصرين من حيث لا يدري أن التقية عندهم هي: \"الغاية تبرر الواسطة\" (٤) أي هي \"الميكافيلية\" (٥)، التي اعتمدها الذين لا دين لهم في تحقيق أهدافهم.\nوأخيرًا إن من أعلام الشيعة المعاصرين من يمارس «أسلوب التقية» حتى مع الشيعة أنفسهم فمن الأمثلة على ذلك أن ثلاثة\n_________\n(١) سألت عنه بعض كبار علماء حلب كالشيخ عبد الفتاح أبو غدة، فأفاد أنه مجهول، مع زعم هذا الباطني بأنه يشغل قاضي القضاة على مذهب أهل السنة في حلب.\n(٢) انظر: ص ٦٨ من هذا البحث.\n(٣) انظر: ص ٢١٣ من هذه الرسالة.\n(٤) محمد جواد مغنية: «الشيعة في الميزان»: ص ٤٩.\n(٥) أسلوب في المعاملات يتسم بالخداع والمراوغة والغدر والأنانية مبني على مبدأ \"الغاية تبرر الوسيلة\"، وهو ينسب إلى المفكر الإيطالي \"نيكولا ماكيافلي\": (١٤٦٩ -١٥٢٧) رائد هذا المبدأ، والذي سجله في كتابه «الأمير» وقدمه لأحد ملوك أوربا في القرون الوسطى.. انظر: أحمد عطية: «القاموس السياسي»: (ص ١١٠٥- ١١٠٦)، وانظر: «الأمير» ماكيافلي.","vol":"2","page":132},{"text":"من كبار علماء الشيعة أحجموا عن إعلان خطأ مسألة فرعية فقهية في دينهم خوفًا من العوام، وكانوا يفتون بخطئها ويقولون بخلافها سرًا ولخواصهم فقط، كما يعترف به أحد أعلام الشيعة المعاصرين. وهذه المسألة هي أن (مذهب الشيعة يقول بنجاسة أهل الكتاب) (١) ومن علماء الشيعة من يفتي بخلاف ذلك سرًا ولخاصته فقط ويتقي جمهور الشيعة في ذلك، وقد كشف ذلك شيخهم محمد جواد مغنية فقال: أحدث القول بنجاسة أهل الكتاب مشكلة اجتماعية للشيعة وأوقعهم في ضيق وشدة بخاصة إذا سافروا إلى بلد مسيحي كالغرب أو كان فيه مسيحيون كلبنان.. وقد عاصرت ثلاثة مراجع كبار من أهل الفتيا والتقليد، الأول كان في النجف الأشرف، وهو الشيخ محمد رضا آل يس. والثاني في قم وهو السيد صدر الدين الصدر، والثالث في لبنان وهو السيد محسن الأمين، وقد أفتوا جميعًا بالطهارة وأسروا بذلك إلى من يثقون به، ولم يعلنوا خوفًا من المهوشين، على أن يس كان أجرأ الجميع. وأنا على يقين بأن كثيرًا من فقهاء اليوم والأمس يقولون بالطهارة ولكنهم يخشون أهل الجهل والله أحق أن يخشوه (٢) .\nويذكر \"مغنية\" في تفسيره «الكاشف» أن شيخهم (السيد الخوئي أسر برأيه لمن يثق به) (٣) .\nوكذلك يقول \"الرافضي\" كاظم الكفائي بأن (الإمام الغطا أفتى\n_________\n(١) انظر: الطوسي: «المبسوط»: (١/١٠)، الحلي: «شرائع الإسلام»: (١/٥٣)، زين الدين العاملي: «الروضة الندية»: (١/٤٩) .\n(٢) محمد جواد مغنية: «فقه الإمام جعفر الصادق»: (ص ٣١- ٣٣) - دار العلم للملايين، ط١، ١٣٦٥هـ.\n(٣) محمد جواد مغنية: «الكاشف»: (٦/١٨) - دار العلم للملايين، ط١، بيروت ١٩٦٨م.","vol":"2","page":133},{"text":"بالطهارة لخاصته لأن عقول العامة لا تحتمله) (١) .\nيقول د. علي السالوس تعليقًا على ذلك: (وهكذا يضيع العلم، ويفترى على الإسلام، لأن أُناسًا ائتمنوا على العلم فضيعوه وزيفوه لأنهم يخشون الناس ولا يخشون الله) (٢) .\nونقول: إن من أسباب مراعاة علماء الشيعة لجهال الشيعة وعوامهم هو أن هؤلاء هم مصدر رزقهم الذي يسلبونه منهم باسم \"الخمس\". وإذا كان هذا موقف خمسة من كبار مراجع الشيعة في العصر الحاضر إزاء مسألة فرعية يجزمون بخطئها فكيف يرجى أن يستجيبوا لتعديل أصولهم؟!!\nوإذا ثبت أن الشيعة لا يتركون تقيتهم، فإن استعمال هذه التقية عندهم يخف ويشتد حسب الظروف المحيطة بهم. ويبدو هذا واضحًا في أن الكتب التي صدرت من علماء الشيعة في إبّان الدولة الصفوية (٣) - مثلًا - مثل كتابات المجلسي، ونعمة الله الجزائري وغيرهما قد كشفت إلى حد كبير حقيقة التشيع، وأظهرت الكثير مما يكنه الشيعة ضد الإسلام والقرآن والصحابة وأهل البيت والخلافة الإسلامية.\nبينما يلاحظ من خلال ما سبق - أن كتابات بعض أعلام الشيعة المعاصرين أمثال محمد جواد مغنية، محمد حسين آل كاشف الغطا قد سلكت في دفاعها عن التشيع مسلك التقية بإنكار ما هو واقع، ولكن مطابع النجف ولبنان قد فضحتهم.\n_________\n(١) نقل ذلك عنه د. علي السالوس، انظر: «فقه الإمامية»: ص ٨١ (الهامش) .\n(٢) علي السالوس: «فقه الشيعة الإمامية»: ص ٨١ (الهامش) .\n(٣) استمرت الدولة الصفوية من سنة ٩٠٥هـ إلى سنة ١١٤٨هـ.","vol":"2","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-128>الفصل الثاني: فيما يتصل بمذهب أهل السنّة</span>\nإن من أصول أهل السنة العظيمة الاعتصام بحبل الله جميعًا وعدم التفرق، ومبادئ أهل السنّة كلها تتجاوب مع هذا الأصل العظيم، فمن الكتاب والسنّة والإجماع تستقي عقيدتها، وتحل خلافها ونزاعها، واعتقادها قائم على الحب لأتباع رسول الله - ﷺ - من الصحابة والقرابة ومن تبعهم بإحسان.\nولا يعتقدون بما دسته الشعوبية من عداوة مفتعلة بين الصحب والآل القصد منها تفريق الأمة وزرع العداوة بينها. وقد سلطنا الضوء على الجانب العقدي من مذهب أهل السنّة، فلا حاجة إلى إعادة القول فيه، لكن غرضنا هنا أن نقول: إن أهل السنّة بحمد الله لم يشذوا بعقائد هي من لبان وغذاء الديانات والعقائد الأجنبية من يهودية ونصرانية ومجوسية، بل اتبعوا في اعتقادهم الكتاب والسنّة وما عليه سلف الأمة، وإن وجد في دائرة أهل السنّة بعض الانحرافات فقد تصدى لها أعلامهم بالنقض والرد ولا يجمع أهل السنة على ضلالة (١)، كشأن أهل البدع والفرق الخارجة عن السنّة. فلهذا لا حاجة لأن نعقد لهم \"بحثًا\" حول ما خالفتهم فيه الروافض، كما بحثنا آراء دعاة التقريب في شذوذ الروافض. لكن من باب الموضوعية والتوازن في مبحث مسألة التقريب بين الطائفتين نشير إلى وجهة نظر \"الشيعة\" في هذا\n_________\n(١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (أهل السنّة يقولون أن الحق لا يخرج عنهم ولا يقولون لا يخطئ أحد منهم) «منهاج السنة»: (٢/١١٨) مكتبة الرياض الحديثة، ويقول: (أهل السنّة قد يخطئ بعضهم لكن لا يتفقون على ضلالة) «المصدر السابق»: (٢/٩٣) .","vol":"2","page":135},{"text":"الباب وهم على قسمين:\n١- فريق يرى أنه لا فرق بين أهل السنة والشيعة في الاعتقاد. وهذا \"القول\" ردده الذين لا يمعنون النظر من المنتسبين لأهل السنّة ولم يفطنوا لما وراءه وما علموا أن وراء الأكمة ما وراءها.\nإن هذا الرأي هو نتيجة مؤامرة نفذتها طائفة الرافضة في كتبها الخاصة، وفي كتب نسبتها زورًا لبعض أعلام أهل السنّة، وفي كتب كتبها بعض الروافض المتسترين بمذهب أهل السنّة (١)، وفي هذه الكتب مادة كبيرة يزعمون أخذها من كتب أهل السنّة ومن أصولها المعتمدة، وهي توافق معظم شذوذ الروافض في العقائد والأحكام. فإذا قال الروافض إن مذهبهم لا يختلف عن مذهب أهل السنّة فإنهم يعنون بذلك ما زعموا نقله عن مذهب أهل السنّة، من عقائد وآراء لا مذهب أهل السنّة على الحقيقة، وهم بهذا القول يحققون هدفين:\n١- الهدف الأول: محاولة كسب صفة الشرعية لمذهبهم في الديار الإسلامية بالقول بأنه لا يختلف عن مذهب أهل السنّة، وهم في قولهم أن مذهبهم لا يختلف عن مذهب أهل السنّة يخدمون هذه المؤامرة ولا يغيرون من واقعهم شيئًا.\n٢- الهدف الثاني: أن هذه المقولة التي رددوها رددها بعض المنتسبين لأهل السنّة كشلتوت وغيره، واعتبر ذلك الروافض \"شهادة\" بصحة ما يزعمونه في مذهب أهل السنّة، يقنعون بها الحائرين والمتشككين من بني مذهبهم، وتخدمهم في التبشير بالتشيع في ديار أهل السنّة.\n_________\n(١) انظر: طريقة الروافض في الاحتجاج من كتب أهل السنّة: ص ٥٨ من هذه الرسالة.","vol":"2","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-130>الفريق الثاني:</span>\nويعبر عن رأيه أحد آيات الشيعة وهو عبد الحسين الموسوي بقوله: (الأمور التي ينفر منها الشيعي ولا يكاد يمتزج بها مع السني أهمها شيئان:\nالأول: التكفير، والتحقير والشتم والتزوير.\nالثاني: إعراض أهل السنّة عن مذهب الأئمة من أهل البيت وعدم الاعتناء بأقوالهم في أصل الدين وفروعه) (١) .\nمناقشة هذا القول:\nمناقشة السبب الأول: من أعجب العجب أن يشتكي من يكفر صحابة رسول الله - ﷺ -، وأعلام الأمة، وخيار المسلمين من حكام ومحكومين، يشتكي من أن المسلمين يكفرونه. فإذا قارنّا بين ما جاء في \"صحيح الشيعة\" - وهو «الكافي» - من تكفير لأبي بكر وعمر ومن بايعهما ومن رضي بخلافتهما إلى أن تقوم الساعة، ومن حكم بردة المسلمين بعد وفاة الرسول - ﷺ - إلا ثلاثة، وحكم بردة المسلمين بعد مقتل الحسين إلا ثلاثة وتطاول - بالتخصيص والتعيين - على خيار الأمة وروادها بالسب والطعن والتكفير (٢)، إذا قارنا ذلك بما جاء في «صحيح البخاري» في كتاب «فضائل الصحابة» مثلًا، فمن الذي يكفر أهل السنة أم الشيعة؟!.\n_________\n(١) عبد الحسين الموسوي: «الفصول المهمة في تأليف الأمة»: ص ١٨٠، ط. ٧، ١٣٩٧هـ، دار الزهراء، بيروت.\n(٢) انظر: ص ٣٣٤ من هذا البحث.","vol":"2","page":137},{"text":"وإذا نظرنا في كتب الاعتقاد عندهم. مثل كتاب «أوائل المقالات» لشيخهم المفيد، وهو من كتبهم المعتمدة في العقيدة باعتراف شيوخهم المعاصرين (١)، نجده يقول: (واتفقت الإمامية على أن أصحاب البدع كلهم كفار.. وأن من مات منهم على تلك البدعة فهو من أهل النار) (٢) .\nبينما في كتب العقيدة عند أهل السنّة لا يكفرون أهل البدع مطلقًا. قال الطحاوي مثلًا: (ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين ما داموا بما جاء به النبي - ﷺ - معترفين وله بكل ما قال وأخبر مصدقين)، قال شارح «الطحاوية»: (والمراد بقوله أهل قبلتنا: من يدعي الإسلام ويستقبل الكعبة وإن كان من أهل الأهواء ومن أهل المعاصي ما لم يكذب بشيء مما جاء به الرسول - ﷺ -) (٣) .\nهذا ما يقوله أئمة أهل السنّة وذاك ما يقوله أئمة الروافض، وهو قول من عشرات الأقوال في تكفير المسلمين، نقلنا شيئًا منها فيما مضى. فمن هو الذي يكفر؟!!\nمناقشة السبب الثاني: أما دعوى أن أهل السنّة لا يتلقون عن أهل البيت. فلنر حقيقة ذلك في بعض أئمة أهل البيت:\nمثلًا \"زيد بن علي بن الحسين\" وهو من خيار أهل البيت:\nنجد في كتاب الرجال عند أهل السنّة توثيقه والثناء عليه وقبول\n_________\n(١) انظر: «الشيعة في الميزان»: ص ١٤.\n(٢) «أوائل المقالات»: ص ٥٣، وللتعرف على مزيد من الشواهد انظر: ص ٣١٤ وما بعدها من هذه الرسالة.\n(٣) «شرح الطحاوية»: (ص ٣٥٠- ٣٥١) .","vol":"2","page":138},{"text":"ما صح عنه، وأخرج له أبو داود والترمذي وابن ماجه (١) . أما في كتب الشيعة ففي «الاستبصار» للطوسي، (والطوسي شيخ الشيعة على الإطلاق وصاحب كتابين من أصولهم الأربعة، وكتابين من كتب «الرجال» الأربعة عندهم) في كتاب «الاستبصار» يصرح الطوسي برد مرويات زيد بن علي - مرارًا - (٢) .\nفمن يتلقى عن آل البيت حقيقة؟ هل هو من إذا روى عن بعض أهل البيت أحاديث لا توافق مذهبه ردها بدعوى التقية (٣)، في حين يقبل روايات الكليني والقمي وغيرهما في الطعن في كتاب الله وصحابة رسوله وأهل بيته، لأنها تتفق مع تعصبه وشذوذه؟!\nومن هم أهل البيت عند الشيعة؟ إن لكل طائفة من طوائف الشيعة تفسيرًا خاصًا لأهل البيت، يختلف من طائفة لأخرى حول عدد أهل البيت وأعيانهم.\nوالرافضة تخالف أهل البيت في عامة أصولهم، فليس في أئمة أهل البيت مثل علي بن الحسين وأبي جعفر الباقر وابنه جعفر بن محمد الصادق من يقول بالنص على علي، أو بعصمة الأئمة الاثني عشر، أو يسب أبا بكر وعمر، أو ينكر الرؤية، أو يقول بخلق القرآن، أو ينكر القدر، والمنقولات الثابتة المتواترة عن هؤلاء معروفة موجودة وكانت مما يعتمد عليه أهل السنّة (٤) . فهم مخالفون لأئمة أهل بيت\n_________\n(١) انظر مثلًا: «تقريب التهذيب»: (١/٢٧٦)، «الخلاصة» الخزرجي: ص ١٢٩، «الكاشف»: (١/٣٤١) .\n(٢) وقد مر نقل قول الطوسي في ذلك ص ٣٣٨.\n(٣) راجع ص ٣٣٨.\n(٤) «منهاج السنة»: (٢/٢٨٨) تحقيق: رشاد سالم.","vol":"2","page":139},{"text":"رسول الله - ﷺ - في أصول دينهم كما هم مخالفون لأصحابه، بل ولكتاب الله وسنّة رسوله (١) .\nحقيقة أن أهل السنّة لا يقبلون روايات الروافض المشهورين بالكذب عن أهل البيت. وهذا كما هو حفظ للسنة وتوثيق لها هو صون لأهل البيت مما ألصقه بهم أعداء الإسلام.\nوهذا \"الرافضي\" يريد بدعوة أهل السنّة إلى الرجوع للأخذ من أهل البيت لأنه لا يقنعه منهج أهل السنّة في تلقي ما صح عن أئمة العلم والدين من أهل البيت، إنه يريد منهم أن يتعبدوا بحكايات الرقاع التي يزعمون أنها صدرت عن إمامهم المنتظر والذي لم يولد أصلًا، يريد منهم أن يستقوا دينهم من «الكافي» للكليني وهو يطعن في كتاب الله ويحرف آياته، ويكفر صحابة رسول الله، أي: يريد أن يتلقوا دينهم عمن يسعى في هدمه وتغييره.\nوهو يريد منهم أن يرجعوا لما يجمعه الروافض من \"نصوص\" ينسبونها كذبًا لأهل البيت في الإمامة والعصمة والتقية والرجعة والغيبة والبداء، وإلا فإن أهل السنّة عندهم يتحملون كبر الفرقة والتباعد.\nولهذا رأينا بعض \"آياتهم\" وشيوخهم يجعلون من شرط التقارب أن يوافق أهل السنّة على سب صحابة رسول الله صلى الله عليهم وسلم (٢)، أي يوافق أهل السنّة على القدح في صحابته وبالتالي يرجعون لمدونات الروافض.\n_________\n(١) «منهاج السنة»: (٢/١٨٠) تحقيق: رشاد سالم.\n(٢) مثل: آيتهم محمد الخالصي، ومثل شيخهم مرتضي الرضوي وسيأتي نص كلامهما في مبحث \"هل من طريق التقريب؟ \".","vol":"2","page":140},{"text":"وقد لاحظنا أن معظم أئمة أهل البيت - من غير الاثني عشر - يتعرضون في كتب الشيعة للسب والطعن والتكفير - كما مر - الإشارة لذلك (١) .\nفمن الذي يتولى أهل البيت ومن الذي لا يتولاهم؟، ومن الذي يقبل مروياتهم ومن الذي يعرض عنها؟، ومن الذي يطعن فيهم بقبول مرويات الكذبة عليهم ومن الذي يصونهم ويرد هاتيك المرويات؟، ومن الذي لا يعتبر من أهل البيت غير الاثني عشر ويطعن في غالب أهل البيت؟ من غيرهم؟!!\nولا شك أن من تأمل ما نقلناه من نصوص الروافض يدرك أنهم أعداء لأهل البيت والصحابة، وإنما اتخذوا شعار التشيع لأهل البيت لترويج باطلهم.\n_________\n(١) انظر: (ص ٣٦٥) من هذه الرسالة.","vol":"2","page":141},{"text":"الباب الرابع\nويشمل:\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>الفصل الأول: \"محاولات التقريب\" عرض وتقويم</span>.\nالفصل الثاني: هل من طريق للتقريب؟.","vol":"2","page":143},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>تمهيد:</span>\nمن الطبيعي أن تقوم في المجتمع الإسلامي المحاولات الجادة الصادقة المخلصة لإصلاح كل نزاع أو اختلاف يحدث في المجتمع الإسلامي، لأن من أصول الإسلام العظيمة: الاعتصام بحبل الله جميعًا وعدم التفرق. وهو ما جاء به الكتاب، والسنة، وقام عليه إجماع الأمة. وقد ضرب الصحابة - رضوان الله عليهم - أروع الأمثلة في هذا الباب.\nلكن مسألة التقريب أو الوحدة لا يمكن أن تتم على حساب العقيدة والدين.\nقال تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ، وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) (١) .\nوقد سار الصحابة والتابعون لهم بإحسان يرفضون كل تقريب أو وحدة تهدف إلى المساواة بين الحق والباطل.\nوكانت هناك \"محاولات\" لإدخال الأفكار الأجنبية، والعقائد الغريبة باسم الوحدة والتقريب في \"العقيدة الإسلامية\"، ويرى بعض المفكرين (٢) أن الدعوة إلى وحدة العقائد ترتد في أصولها الأولى إلى فرق غلاة الشيعة ممن حاولوا المزج والتوفيق بين العقائد الإسلامية وأنظار وأفكار استمدوها من الأديان والفلسفات الأخرى\n_________\n(١) سورة الكافرون.\n(٢) وهو الدكتور عرفان عبد الحميد فتاح، أستاذ الفلسفة الإسلامية المساعد بجامعتي بغداد والكويت.","vol":"2","page":144},{"text":"كاليهودية، والمسيحية، والمجوسية، والفلسفات اليونانية. فالتقوا في محاولتهم هذه مع ما عرف في الدوائر الغنوصية (١) من ميل إلى الجمع والتلفيق.\nثم تطورت النزعة على أيدي فرقة الباطنية من الإسماعيلية، وجماعات إخوان الصفا، والقرامطة.. (٢) .\nوقد واجه أئمة المسلمين هذه المحاولات، وكشفوا باطلها.. ولا شك أن كل دعوة إلى وحدة أو تقريب إن لم تقم على هدى من كتاب الله وسنة نبيه فإنها وحدة زائفة وتقريب خادع، وكل اجتماع وائتلاف إن لم يكن اجتماعًا على هدى الله واعتصامًا بحبل الله فإن مآله الفشل. قال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ...) (٣)، وقال سبحانه: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) (٤) .\nهذا ومحاولة التقريب بين أهل السنّة والشيعة مسألة قديمة، ولم أر من عني بتسجيل وقائعها ولا دراستها، فهي متفرقة في مواضعها من كتب التاريخ، وفي كتب روادها وأصحابها، وقد أشار المستشرق \"جولد تسيهر\" إلى بعض المحاولات المعاصرة وأشار إلى أن التاريخ لا يعدم مثل هذه المحاولات ولم يفصل (٥) .\n_________\n(١) أصل معنى الغنوص: المعرفة، والمقصود بها التوصل بنوع الكشف إلى المعارف العلياء، أو هو تذوق تلك المعارف تذوقًا مباشرًا. انظر: «نشأة الفكرة الفلسفي» للنشار: (١/١٨٦) . ويدخل في الغنوصية كل الفرق الوثنية والمجوسية مثل: الزرادشتية، والمانوية، والمزدكية وغيرها. كما تدخل فيها المذاهب الهندية: كالبراهمة والتناسخية وغيرها. راجع المصدر السابق.\n(٢) «نشأة الفلسفة الصوفية وتطورها»: ص ٨٠.\n(٣) آل عمران: آية ١٠٣.\n(٤) النساء: آية ٥٩.\n(٥) جولد تسيهر: «العقيدة والشريعة»: ص ٢٩٣.","vol":"2","page":145},{"text":"ونحن في هذا المبحث ليس من منهجنا الدراسة التاريخية البحتة لهذه القضية، ولكننا نعتبر هذه \"الوقائع\" تجارب حيّة، سنعرض لأمثلة مختارة منها بالعرض والتقويم، وهذا فيما أظن سيكون مفيدًا لرواد الإصلاح، وسيكون نافعًا في سلوك منهج أوفق وأكمل في المستقبل، فمن مجموع هذه الأمثلة قد يوجد أسلوب متكامل للتقارب وسيكون هناك رؤية واضحة، وتصور سليم لعناصر الخطأ والصواب في هذه \"الوقائع\" إذا نظرنا إليها من خلال دراسة أصول الفريقين التي عرضنا لها.\nوتبقى هذه \"الوقائع\" محاولات لم تصل حتى الآن إلى مستوى حل القضية، فهل من طريق لحلها؟ هذا ما سنتحدث عنه في الفصل الذي يلي هذا الفصل.\nوسنتعرض لبعض المحاولات وفق المنهج التالي:","vol":"2","page":146},{"text":"(١) المحاولات في القديم.\n(٢) المحاولات المعاصرة:\n(أ) محاولات جماعية:\n١- جماعة الأخوة الإسلامية.\n٢- دار الإنصاف.\n٣- دار التقريب بين المذاهب الإسلامية.\n(ب) محاولات فردية: ومن أمثلتها ما يلي:\n١ - من السنة:\n(أ) محمد عبده.\n(ب) رشيد رضا.\n(ج) مصطفى السباعي.\n(د) موسى جار الله.\n٢ - من الشيعة:\n(أ) محمد الخالصي.\n(ب) عبد الحسين شرف الدين الموسوي.\n(ج) أحمد الكسروي.\n(ج) الخميني ودولته.","vol":"2","page":147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>المحاولات في القديم</span>\nيرى الشيخ محمد أبو زهرة (أن الطوسي (١) كان بشخصه أول من حاول التقريب الفكري والنفسي بين طائفة الاثني عشرية وجمهور المسلمين) (٢)، بينما يرى د. محمود بسيوني فوده أن دعوة التقريب لها جذورها القديمة التي تمتد في نظره إلى القرن السادس الهجري وبالتحديد إلى شخصية الطبرسي (٣)، ويرى أن هذا الرجل أول من وضع اللبنات الأولى للتقريب بين أهل السنّة والشيعة في صورة علمية متسامحة ونفسية هادئة تركز على إزالة الهوة بين المسلمين (٤) . ويعني فودة بدعوة التقريب التي ينسبها للطبرسي هو ما سلكه في تفسيره «مجمع البيان» من تفسير لآيات القرآن معتمدًا فيه على مصادر الفريقين ومتجنبًا بعض \"مظاهر الغلو\" المعهودة عند الروافض في الاعتقاد والتفسير. وقد سبقه إلى هذا المنهج الطوسي في تفسيره «التبيان»، وقد اعترف الطبرسي أنه يسير على نفس أسلوب الطوسي في التفسير. فمنهجهما في هذا واحد، ومعنى ذلك أن الطوسي أسبق في هذا المجال، وأن هذا يتفق مع رأي أبي زهرة.\n_________\n(١) وهو شيخ الشيعة الملقب عندهم بشيخ الطائفة، وصاحب كتابين من أصولهم الأربعة في الحديث، وكتابين من أصولهم الأربعة في الرجال (ومضى التعريف به ص ١٢٢) .\n(٢) محمد أبو زهرة: «الإمام الصادق»: ص ٤٦٤.\n(٣) هو شيخ الشيعة الملقب عندهم بـ \"أمين الإسلام\"، وصاحب تفسير «مجمع البيان» . أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي (مضى التعريف به ص ٩٠.\n(٤) محمود بسيوني محمد فودة: «الطبرسي مفسرًا» ص ١٠ (رسالة دكتوراه لم تنشر) .","vol":"2","page":148},{"text":"وقد اعترف أحد كبار شيوخ الشيعة في القديم \"ابن طاوس\" وأحد كبار الشيعة في العصور الأخيرة \"النوري الطبرسي\" (ت ١٣٢٠هـ) أن تفسير التبيان للطوسي موضوع على أسلوب التقية وعلى غاية المداراة للمخالفين - كما سبق - (١)، ومن الدليل أنه وضع على التقية أن الطوسي هذا يرفض الاحتجاج بروايات أهل السنّة، بل يرفض روايات زيد بن علي بن الحسين (وهو من كبار أئمة أهل البيت وأجمع أهل السنّة على أنه من ثقات المسلمين، ولكن الطوسي يرفض روايته (٢) لأنه ليس بجعفري، فكيف مع هذا يحتج الطوسي بروايات أهل السنّة في تفسيره «التبيان» إلا على أساس التقية ومحاولة نشر التشيع بين أهل السنّة بالاحتجاج على أصوله من روايتهم؟.\nفكانت حقيقة محاولة \"الطوسي\" في التقريب هو نشر عقيدة \"الرافضة\" بين جمهور المسلمين. وفي «البحار» للمجلسي - وهو أحد مصادرهم الثمانية في الحديث - باب مستقل في النهي عن الأخذ بروايات السنّة إلا في حالة الاحتجاج عليهم (٣) . وقد سار الطبرسي على منوال الطوسي ومسلكه - كما أسلفنا (٤) -.\nوإذا كان الشيخ أبو زهرة يرى أن الطوسي الرافضي كان أول من دعا للتقريب فهذا صحيح باعتبار أنه قدم منهجًا في هذا السبيل، وإلا فإن التاريخ يشير إلى حصول محاولات للتقارب بين السنّة والشيعة في القرن الخامس الهجري حدثت أثناء الصراع العنيف الذي نشب\n_________\n(١) ص ٢٤٤ من هذا البحث.\n(٢) انظر: ص ٣٣٨ من هذا البحث.\n(٣) انظر هذا البحث: ص ٥٦.\n(٤) انظر هذا البحث: ص ٢٤٥.","vol":"2","page":149},{"text":"بين الطائفتين في بغداد، والذي بدأ في سنة ٣٣٨هـ في ربيع الأول منها وذلك بحدوث فتنة بين أهل السنّة والشيعة (١) لأول مرة في تاريخ بغداد (٢)، ثم توالت الفتن بينهما (٣) بعد ذلك.\nومحاولات التقريب التي وقعت للقضاء على ذلك الصراع الدموي العنيف لا نعلم عن تفاصيلها شيئًا، فهي مجرد \"إشارات\" نقلها بعض المؤرخين. فمثلًا قال ابن كثير:\nفي سنة ٤٣٧ (اتفق أهل السنّة والشيعة على مواجهة اليهود في بغداد وقاموا بنهب دورهم وإحراق الكنيسة العتيقة التي لهم) (٤) ولم يفصل أكثر من ذلك، والأقرب أن هذا الاتفاق جرى من عوام الفريقين، ذلك أن صنيعهم مع أهل الكتاب لا يتفق ومبادئ الإسلام في حقوق أهل الذمة. ولكن هذا \"الاتفاق\" ما لبث أن انتهى سريعًا، ففي سنة ٤٣٩ (وقعت فتنة بين الروافض والسنّة ببغداد قتل فيها خلق كثير) (٥) .\nلكن بعد ذلك حدث وفاق وتصالح مرة أخرى، فيذكر ابن كثير أنه في سنة ٤٤٢هـ (اصطلح الروافض والسنة ببغداد وذهبوا كلهم لزيارة مشهد علي ومشهد الحسين، وترضوا - أي الروافض - في الكرخ على الصحابة كلهم وترحموا عليهم، وصلوا في مساجد السنّة،\n_________\n(١) ابن كثير: «البداية والنهاية»: (١١/٢٢١) .\n(٢) عبد الرزاق الحصان: «المهدي والمهدوية»: ص ٧٤.\n(٣) انظر مثلًا: حوادث سنة ٤٠٦، ٤٠٨، ٤٢١، ٤٢٢، ٤٢٥، ٤٣٩، ٤٤٣، ٤٤٤، ٤٤٥، ٤٤٧، ٤٧٨، ٤٨١، ٤٨٢، ٤٨٦، ٥١٠. في «البداية والنهاية» وغيرها.\n(٤) ابن كثير: «البداية والنهاية»: (١٢/٥٤) .\n(٥) المصدر السابق: (١٢/٥٦) .","vol":"2","page":150},{"text":"وتواد الفريقان وتحابوا (١) . قال ابن كثير: وهذا عجيب جدًا إلا أن يكون من باب التقية) (٢) .\nوأقول: إن الدليل على أنه تقية أنه بعد ذلك بسنة واحدة - أي في سنة ٤٤٣ - قام الروافض ونصبوا أبراجًا وكتبوا عليها بالذهب: (محمد وعلي خير البشر فمن رضي فقد شكر ومن أبى فقد كفر) (٣) . وهذا تكفير لمن قدم الخلفاء الثلاثة على علي وهم صحابة رسول الله - ﷺ -، وتنزيل لعلي - ﵁ - منزلة أفضل الرسل والأنبياء. فبسبب صنيع الرافضة هذا اشتعلت الفتنة بين الفريقين ووقعت الحرب بينهما (٤) .\nثم عاد التصالح بين الفريقين مرة ثالثة، وأشار إلى ذلك بعض المؤرخين بقوله: وفي سنة ٤٨٨هـ (اصطلح أهل الكرخ من الرافضة والسنّة مع بقية المحال، تزاوروا وتواصلوا وتواكلوا وكان هذا من العجائب) (٥) .\nهذا ما ذكرته كتب التاريخ التي اطلعنا عليها من حوادث الوفاق والتآلف، وكانت هذه \"المحاولات\" في خضم الأحداث الكبيرة العنيفة من الصراع بين الطائفتين أشبه ما تكون بومضة برق في ليل\n_________\n(١) المصدر السابق: (١٢/٥٦)، وراجع: ابن الجوزي: «المنتظم»: (٨/١٤٥)، الذهبي: «العبر»: (٣/١٩٩) .\n(٢) ابن كثير: «البداية والنهاية»: (١٢/٦١)، وقال الذهبي معلقًا على هذا الاتفاق: (وهذا شيء لم يعهد من دهر) . الذهبي: «العبر»: (٣/١٩٩) .\n(٣)، (٤) انظر ابن الجوزي: «المنتظم»: (٨/١٤٩)، ابن كثير: «البداية والنهاية»: (١٢/٦٢) .\n(٥) ابن الجوزي: «المنتظم»: (٩/٨٧)، ابن كثير: «البداية والنهاية»: (١٢/١٤٩) .","vol":"2","page":151},{"text":"بهيم، ما تلبث أن تنتهي. ونقول - من غير تحيز أو تعصب - بأن أسباب الصراع والفتن - في الغالب - مصدره وسببه الروافض نتيجة لسبهم وتكفيرهم للصحابة في مآتمهم السنوية \"عاشوراء\"، وهذا واضح لمن يستقرئ التاريخ.. فكان استفزازهم لأهل السنّة و\"شنائعهم\" تقضي على كل محاولة \"وفاق\".\nوإذا كان ما مضى ذكره من محاولات كانت - كما يظهر - تتم عن طريق \"القاعدة الشعبية\"، فإن هناك بعض المحاولات عن طريق \"القمة\" أو \"القيادة السياسية\"، ومن ذلك ما قام به \"المأمون\" من توليته العهد \"لعلي الرضا\" (١)، والذي يزعم التشيع له وأتباعه طوائف من الروافض وغيرهم (٢) . وذلك أن المأمون رأى أن عليًا الرضا خير أهل البيت - يعني في زمنه - وليس في بني العباس مثله في علمه ودينه (٣)، فقلده ولاية العهد، وقد يكون في صنيع المأمون لو تحققت نتيجته امتصاصًا للنقمة، وتحقيقًا للمودة من قطاع كبير يزعم أحقية \"الرضا\" للخلافة وتفويتًا للفرصة أمام الأعداء الذين يستغلون دعوى التشيع لأهل البيت من أجل تحقيق أغراض لهم ضد\n_________\n(١) علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي العلوي الملقب بالرضا، وقد روى الحديث عن أبيه وغيره وعنه جماعة منهم أبو الصلت الهروي وأبو عثمان المازني. قال ابن المسعاني: والخلل في رواياته من رواته، فإنه ما روى عنه إلا متروك. توفي بطوس سنة ٢٠٣هـ. انظر: السمعاني: «الأنساب»: (٦/١٤٠)، ابن تيمية: «منهاج السنّة»: (٢/١٥٥) وما بعدها ط ١، ابن كثير: «البداية والنهاية»: (١٠/٢٥٠)، الذهبي: «الكاشف»: (٢/٢٩٦) .\n(٢) وكان توليته العهد يوم الإثنين لسبع خلون من شهر رمضان سنة ٢٠١هـ. انظر: «تاريخ خليفة بن خياط»: ص ٤٧٠، «تاريخ اليعقوبي»: (٢/٤٤٨)، «تاريخ الطبري»: (١٠/٢٤٣)، ابن كثير: «البداية»: (١٠/٢٤٧) .\n(٣) ابن كثير: «البداية والنهاية»: (١٠/٢٤٧) .","vol":"2","page":152},{"text":"الإسلام والمسلمين، ولكن وفاة الرضا (ت ٢٠٣هـ) حالت دون ذلك. وقيل إنه مات مسمومًا (١) .\nلكن أكبر محاولة وأهمها للتقريب على أساس اتباع الحق هو ما حدث بين الطائفتين في القرن الثاني عشر في اجتماع بين ممثلي الطائفتين برئاسة علامة العراق \"عبد الله السويدي\" وإشراف وتدبير \"نادر شاه\" (٢)، وهو ما سنتحدث عنه فيما يلي:\nمؤتمر النجف:\nوصفه محب الدين الخطيب بأنه (أعظم مؤتمر عقد في تاريخ المسلمين للتفاهم بين الشيعة وأهل السنّة المحمدية) (٣)، وقال أنه: (كان الأول من نوعه في المجتمع الإسلامي) .\nوأحداث هذا المؤتمر تضمنتها مذكرات علامة العراق عبد الله السويدي والتي سماها: «النفحة المسكية في الرحلة المكية» والتي لا تزال مخطوطة (٤)، كما تضمنها كتاب ابنه \"عبد الرحمن بن عبد الله\n_________\n(١) السمعاني: «الأنساب»: (٦/١٣٩)، وزعم الروافض أن المأمون دس له السم. انظر: عباس الموسوي: «الموجز من حياة أئمة أهل البيت»: ص ٩١.\n(٢) نادر شاه: نادر قولي تسمى بنادر طهماسب قولي خان تيمنا، وهو مؤسس أسرة أفغار. عرف بالشجاعة الفائقة، وترقى في رتب الجيش وعلا مقامه بانتصاراته على الأفغانيين والترك. في عهد الأسرة الصفوية جعل نفسه شاه فارس عند وفاة عباس آخر عاهل في هذه الأسرة، وتوفي سنة ١٧٤٧، وكانت ولادته سنة ١٦٨٨م. «الموسوعة العربية الميسرة»: ص ١٨١٤، بروكلمان: «تاريخ الشعوب الإسلامية»: ص ٥٢٥.\n(٣) مجلة «الفتح»: المجلد ١٧، ص ٦٦٥.\n(٤) يوجد منه نسخة في مكتبة عارف حكمت بالمدينة المنورة رقم (٢٦٩) .","vol":"2","page":153},{"text":"السويدي\" والمسمى: «حديقة الزوراء في سيرة الوزراء» أو «تاريخ بغداد» في القسم الذي لم يطبع من الكتاب (١)، وقد أفردت أحداث هذا المؤتمر (من مذكرات السويدي) بكتاب سُمّي: «الحجج القطعية لاتفاق الفرق الإسلامية»، وطبعته مطبعة السعادة بالقاهرة عام ١٣٢٣هـ، ثم نشره محب الدين الخطيب باسم «مؤتمر النجف» ١٣٦٧هـ، وكان قد نشره قبل ذلك على صفحات مجلة «الفتح» بعنوان أعظم مؤتمر في تاريخ المسلمين للتفاهم بين الشيعة وأهل السنة المحمدية (٢) .\nوفيما يلي: تعريف بالشيخ السويدي عماد هذا المؤتمر، وتلخيص وعرض لأهم أحداثه ومقرراته (٣) .\n_________\n(١) يوجد منه نسخة مصورة في معمل التاريخ بكلية اللغة العربية بالرياض، لا تحمل رقمًا ولا إشارة لجهة تصويرها.\n(٢) ثم طبع بعد ذلك بمطبعة البصرى ببغداد، ثم طبعته المطبعة السلفية بالقاهرة مع الخطوط العريضة.\n(٣) وكنت قد رأيت إخراجه محققًا ضمن صفحات هذا البحث، إلا أن المشرف اقترح علي العدول عن هذه الفكرة والاكتفاء بتلخيص أحداثه.","vol":"2","page":154},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>ترجمة السويدي:</span>\nهو أبو البركات عبد الله بن حسين بن مرعي بن ناصر الدين الدوري (١) السويدي (٢)، ولد في بغداد عام أربع ومائة وألف (٣) وقد تلقى العلم على طائفة من علماء العراق والحجاز والشام.\nوقد امتدحه السيد محمود شكري الألوسي بأنه: (شيخ البسيطة على الإطلاق، وزين الشريعة بالإجماع والاتفاق) (٤)، وقال عنه أيضًا: (كان رحمه الله تعالى شيخ المعارف وإمامها والآخذ بيد زمامها..) (٥) . وله ﵀ من المؤلفات: «شرح جليل على صحيح الإمام البخاري»، وكتاب «المحاكمة بين الدماميني والشمني فيما كتباه على مغني اللبيب»، و«النفحة المسكية»، و«الأمثال السائرة» وغيرها.\nوقد كان له ﵀ مع بعض علماء الشيعة - في غير هذا المؤتمر - مباحثات ومناظرات فكان ينقطع معه الخصم، ولا يواجه حججه وبراهينه. قد ذكر بعض هذه المناظرات والمباحثات ابنه عبد الرحمن السويدي (٦) في «تاريخ بغداد»، ولولا خشية الخروج\n_________\n(١) الدوري نسبة إلى \"الدور\" قرية شرقي دجلة على شاطئها فوق سر من رأى. «النفحة المسكية» مخطوط: ص ٣.\n(٢) سمي بالسويدي نسبة إلى عمه (أخو أبيه من الأم) أحمد بن سويد الذي كفله بعد وفاة أبيه. (توفي أبوه وكان عمره خمس سنوات) . انظر «النفحة المسكية»: ص ٣، ٤.\n(٣) السويدي: «النفحة المسكية»: ص ٣.\n(٤) «المسك الأذفر»: ص ٦١.\n(٥) محمود شكري الألوسي: «المسك الأذفر»: ص ٦١ وما بعدها.\n(٦) انظر ترجمته في: «سلك الدرر»: (٢/٣٣٠)، «المسك الأذفر»: ص ٦٥، وانظر «معجم المؤلفين»: (٥/١٤٩) .","vol":"2","page":155},{"text":"عن المقصود لنقلنا شيئًا من ذلك (١) .\nوقال العلامة محمود شكري الألوسي أيضًا - عما قام به السويدي في المؤتمر -: (وله مناقب لا تعد ولا تحصى ولا يدرك أدناها ولا يستقصى، منها تشييده للشريعة الأحمدية وتأييده للسنة النبوية، وذلك حين مجيء نادر شاه إلى سواد العراق مع جم غفير من الأعاجم ذوي النفاق والشقاق، فلم تزل الرسل تختلف بينه وبين الوزير أحمد باشا والي بغداد والمراسلات تتوارد بين الطرفين أي إيراد، إلى أن آل الأمر أن طلب الشاه الإقرار بصحة مذهب الاثني عشرية ورفض مذهب أهل السنة بالكلية، فأرسل الوزير المشار إليه الشيخ المترجم - يعني به عبد الله السويدي - إلى مباحثتهم فأخمد الله تعالى على يده نيران ضلالتهم وألبسهم ثوب الخزي بين عامتهم، فلما علموا أنه بحر علم لا يمكن الوصول إلى أصله صاروا له أطوع من شراك نعله فسعى بالصلح بين الدولتين فحاز الفخار والنجح ... ورفع يومئذ سب الصحابة الكرام وحصل له من الشاه المشار إليه غاية التعظيم والاحترام، فصار الشاه سنيًا بعد أن كان شيعيًا، فأحيا السنة السنية بعد ما كاد يعتريها أفول وحقن دماء الشبان والشيوخ والكهول.\nورفع عن أهل السنة أعظم المصائب.. ولعمري إنها لنعمة يجب شكرها على عموم أهل السنّة.\n_________\n(١) انظر: «تاريخ بغداد» أو «حديقة الزوراء»: عبد الرحمن بن عبد الله بن حسين: (ص ٧٥ - ٧٩) .","vol":"2","page":156},{"text":"وقد توفي ﵀ يوم السبت حادي عشر شوال سنة أربع وسبعين ومائة وألف (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>مؤتمر النجف:</span>\nفي يوم الخميس ٢٥ شوال سنة ١١٥٦ عقد في النجف، وفي الموضع الذي تحت المسقف الذي وراء الضريح المنسوب إلى الإمام علي - ﵁ - عقد هذا المؤتمر برئاسة علامة العراق عبد الله السويدي وبحضور مجتهدي الشيعة في إيران والنجف وعلماء من أهل السنّة والجماعة في أردلان (٢) والأفغان وما وراء النهر (٣)، فمن إيران حضر نحو سبعين عالمًا (ما فيهم سني إلا مفتي أردلان (٤)، وعلى رأس شيوخ الروافض عظيمهم الديني الملاباشي علي أكبر وحضر علماء الأفغان وهم سبعة، وعلماء ما وراء النهر وهم سبعة أيضًا.\nوكان \"نادر شاه\" وهو أعظم ملوك إيران في العصور الأخيرة (٥) يرعى هذا المؤتمر ويراقب أعماله.\nوقد اجتمع للاستماع \"لوقائع المؤتمر\" أعداد كبيرة من\n_________\n(١) انظر: المرادي: «سلك الدرر»: (٣/٨٤ - ٨٦)، وانظر: «المسك الأذفر» محمود شكري الألوسي: ص ٦٢، ٦٣.\n(٢) ولاية من ولايات إيران الغربية.\n(٣) ما وراء النهر: يراد به ما وراء نهر جيحون بخراسان، فما كان في شرقيه يقال له، بلاد الهياطلة وفي الإسلام سموه ما وراء النهر، وما كان في غربيه فهو خراسان وولاية خوارزم. «معجم البلدان»: (٥/٤٥) .\n(٤) وهو كما ذكره السويدي: السيد أحمد المفتي الشافعي بأردلان.\n(٥) بايعه الإيرانيون بالملك سنة ١١٤٧هـ.","vol":"2","page":157},{"text":"العجم والعرب والتركستان (١) . قال السويدي: (أنه يبلغ عددهم نحو الستين ألفًا) (٢) .\nوكان انعقاد هذا المؤتمر بعد أحداث دامية جرت على يد \"نادر شاه\" حيث قام بالاستيلاء على الهند وتركستان وبخارى (٣) وبلخ (٤) وأصفهان (٥) فأطاعته الأفغان والتركستان، كما أن جميع أهل إيران أطاعوه وكان له مع الدولة العثمانية حروب ومواقف وحاصر بغداد والبصرة وكركوك (٦) وغيرها (٧) فصارت مملكته كما تضم الشيعة تضم سنّة، فكان الصراع الذي يحدث بين السنّة والشيعة في مملكته هو الذي حدا بنادر شاه لعقد هذا المؤتمر للتفاهم بين الطائفتين، وهذا ما صرح به نادر شاه للسويدي في قوله له: أتدري لم أردتك؟ قال السويدي: لا. فقال نادر:\nإن في مملكتي فرقتين تركستان وأفغان يقولون للإيرانيين: (أنتم كفار)، فالكفر قبيح ولا يليق أن يكون في مملكتي قوم يكفر بعضهم بعضًا، فالآن أنت وكيل من قبلي ترفع جميع المكفرات وتشهد على الفرقة الثالثة بما يلتزمونه، وكل ما رأيت أو سمعت تخبرني وتنقله لأحمد\n_________\n(١) تركستان: هو اسم جامع لجميع بلاد الترك. «معجم البلدان»: (٢/٢٣) .\n(٢) انظر: «مؤتمر النجف» مع «الخطوط العريضة»: (ص ٨٩ - ٩٠) .\n(٣) بخارى: بالضم من أعظم مدن ما وراء النهر. «معجم البلدان»: (١/٣٥٣) .\n(٤) بلخ: مدينة مشهورة بخراسان. «معجم البلدان»: (١/١٩) .\n(٥) أصفهان: بالفاء لغة أهل المشرق، وأصبهان - بالباء لغة أهل المغرب. انظر: «شرح النخبة» للملا علي القاري: ص ١٠، وهي بكسر أوله مدينة معروفة من بلاد فارس. «معجم ما استعجم»: (١/٦٣) .\n(٦) كركوك: إحدى مدن العراق.\n(٧) «مؤتمر النجف»: (ص ٦٦- ٦٧) بتصرف.","vol":"2","page":158},{"text":"خان (١) ... ويذكر السويدي أنه قيل له قبل شخوصه إلى «نادر شاه» أنه يعني «نادر شاه» - يريد عالمًا مع علماء يبحث مع العجم في شأن مذهب الشيعة ويقيم الدلائل على بطلانه، والعجم يقيمون الدلائل على صحته فإن غلب عالمنا يجب أن يقر ويصدق المذهب الخامس (٢) .\nويذكر السويدي أنه حينما كلف بهذه المهمة كان وقع التكليف عليه شديدًا، حتى إنه يقول أنه (وقف شعري وارتعدت فرائصي) (٣)، وسبب ذلك أنه يرى أن الروافض أهل عناد ومكابرة ولا سيما أنهم في عز من أمرهم، وأن السبيل للتفاهم معهم عسير لعدم الالتقاء معهم في مصادر التلقي، (كيف تحصل المباحثة معهم وهم ينكرون كل حديث عندنا فلا يقولون بصحة الكتب الستة ولا غيرها، وكل آية احتج بها يؤولونها ويقولون: الدليل إذا تطرقه الاحتمال يبطل به الاستدلال، كما أنهم يقولون: شرط الدليل أن يتفق عليه الخصمان (٤» لهذا فإنه طلب الإعفاء من هذه المهمة وتكليف عالم آخر بهذا الأمر، فلم يوافق على طلبه (٥) فعزم وتوكل على الله..\nويذكر أنه في مسيره كان يفكر كثيرًا ويصور المسائل والدلائل من الطرفين ويتخيل أجوبتها حتى قال: (إني صورت أكثر من مائة دليل وعلى كل\nدليل جعلت جوابًا أو جوابين أو ثلاثة على حسب\n_________\n(١) المصدر السابق: (ص ٧٦- ٧٧) .\n(٢) المصدر السابق: ص ٦٩.\n(٣)، (٤) «مؤتمر النجف»: السويدي: ص ٦٩.\n(٤)\n\n(٥) «مؤتمر النجف»: ص ٧٠.","vol":"2","page":159},{"text":"الشبه ومظنتها..) (١)، وكان يرتب الخطط ويضع \"التدابير\". وقبل انعقاد هذا الاجتماع وبعده كان للسويدي جلسة مباحثة مع كبير مجتهدي الشيعة \"الملاباشي\" استطاع السويدي أن يقيم عليه الحجة، وذلك بإثارته لثلاث مسائل لا تملك الشيعة عليها جوابًا مقنعًا: وسنوردها \"بنص السويدي\":\nالأولى والثانية: (وهذه جلسة ما قبل المؤتمر) قول السويدي لكبير شيوخ الشيعة: (أريد أن أسألك عن مسألتين لا تستطيع أهل الشيعة الجواب عنهما.\nفقال: وما هما؟\nقلت: الأولى: كيف حكم الصحابة عند الشيعة؟\nفقال: ارتدوا إلا خمسة: عليًا، والمقداد، وأبا ذر، وسلمان الفارسي، وعمار بن ياسر، حيث لم يبايعوا عليًا على الخلافة.\nقلت: إن كان الأمر كذلك فكيف زوّج علي بنته أم كلثوم من عمر بن الخطاب؟\nفقال: إنه مكره (٢) .\nقلت: والله إنكم اعتقدتم في علي منقصة لا يرضى بها أدنى العرب، فضلًا عن بني هاشم الذين هم سادات العرب وأكرمها\n_________\n(١) المصدر السابق: ص ٧١.\n(٢) وهذا ما جاء في كتبهم الحديثية المعتبرة وعقدوا له بابًا بعنوان (باب مناكحة الناصب عند الضرورة والتقية)، ومما جاء فيه ... عن أبي عبد الله (في تزويج أم كلثوم فقال: (إن ذلك فرج غصبناه) . انظر: «الوسائل»: (٧/٤٣٣)، و«فروع الكافي»: (٢/١٠)، وكيف يتفق هذا «التفسير» مع أحاديثهم الكثيرة في وصف شجاعة علي - ﵁ - وبطولته وأن الإسلام لم يقم إلا بسيفه ...؟!!!.","vol":"2","page":160},{"text":"أرومة.. وأعلاها نسبًا وأعظمها مروءة وحمية..، وإن أدنى العرب يبذل نفسه دون عرضه، ويقتل دون حرمه، ولا تعز نفسه على حرمه وأهله. فكيف تثبتون لعلي - وهو الشجاع الصنديد، ليث بني غالب، أسد الله في المشارق والمغارب - مثل هذه المنقصة التي لا يرضى بها أجلاف العرب؟ بل كم رأينا من قاتل دون عياله فقتل (١) .\nقال: يحتمل أن تكون زفت لعمر جنية تصورت بصورة أم كلثوم (٢)؟\nقلت: هذا أشنع من الأول فكيف يعقل مثل هذا؟! ولو فتحنا هذا الباب لانسدت جميع أبواب الشريعة، حتى لو أن الرجل جاء إلى زوجته لاحتمل أن تقول: أنت جني تصورت بصورة زوجي فتمنعه من الإتيان إليها، فإن أتى بشاهدين عدلين على أنه فلان، لاحتمل أن يقال فيهما أنهما جنيان تصورا بصورة هذين العدلين وهلمّ جرا..\nويحتمل أن يقتل الإنسان أحدًا أو يدعي عليه بحق، فله أن يقول: ليس المطالب أنا في هذه الحادثة، بل يحتمل أن يكون جنيًا تصور بصورتي، ويحتمل أن يكون جعفر الصادق الذي تزعمون أن عبادتكم موافقة لمذهبه جنيًا تصور بصورته، وألقي إليكم هذه الأحكام الثابتة.\n_________\n(١) والأئمة في اعتقاد الشيعة لا يموتون إلا باختيار منهم فهم آمنون. وقد عقد الكليني في «أصول الكافي» بابًا في هذا هو (باب أن الأئمة ﵈ يعلمون متى يموتون وأنهم لا يموتون إلا باختيار منهم) وأورد فيه ثمانية أحاديث من أحاديثهم. «الكافي»: (١/٢٥٨) .\n(٢) في كتاب «الهفت الشريف» - وهو من كتب الباطنية مثل هذا التفسير الخرافي - في الباب الثالث والعشرين (في معرفة تزويج أم كلثوم في الباطن): ص ٨٤ وما بعدها. وكذلك يوجد هذا التفسير الخرافي عند الإمامية الاثني عشرية. انظر: «الأنوار النعمانية»: (١/٨٣- ٨٤) .","vol":"2","page":161},{"text":"المسألة الثانية: ثم قلت له: ما حكم أفعال الخليفة الجائر؟ هل هي نافذة عند الشيعة؟\nفقال: لا تصح ولا تنفذ.\nفقلت: أُنشدك الله من أي عشيرة أم محمد بن الحنفية بن علي بن أبي طالب؟\nفقال: من بني حنيفة.\nفقلت: من سبي بني حنيفة؟\nقال: لا أدري (وهو كاذب) .\nقال بعض الحاضرين من علمائهم: سباهم أبو بكر - رضي الله تعالى عنه -.\nفقلت: كيف ساغ لعلي أن يأخذ جارية من السبي، ويتولدها، والإمام - على زعمكم - لا تنفذ أحكامه لجوره، والاحتياط في الفروج أمر مقرر!\nفقال: لعله استوهبها من أهلها، يعني زوجوه بها.\nقلت: يحتاج هذا إلى دليل. فانقطع ... والحمد لله (١) .\nالمسألة الثالثة: (وجرى البحث فيها بعد نهاية المؤتمر) .\nيقول السويدي: واجتمعت مع الملاباشي عصر يوم الجمعة (٢) وتذاكرنا في خصوص مذهب الجعفرية (مذهب جعفر الصادق) .\nفقلت: إن المذهب الذي تتعبدون عليه باطل، لا يرجع إلى اجتهاد مجتهد.\n_________\n(١) السويدي: (ص ٨٦- ٨٨) .\n(٢) الموافق ٢٦ شوال من سنة ١١٥٦هـ.","vol":"2","page":162},{"text":"فقال: هذا هو اجتهاد (١) جعفر الصادق.\nفقلت: ليس لجعفر الصادق فيه شيء، وأنتم لا تعرفون مذهب جعفر الصادق.\nفإن قلتم: إن في مذهب جعفر الصادق تقية، فلا أنتم ولا غيركم يعرف مذهبه لاحتمال كل مسألة أن تكون تقية، فإنه بلغني عنكم أنه له في البئر إذا وقعت فيها نجاسة ثلاثة أقوال: أحدهما: أنه سئل عنها فقال: هي بحر لا ينجسه شيء. ثانيها: أنها تنزح كلها. ثالثها: ينزح منها سبعة دلاء أو ستة.\nفقلت لبعض علمائكم: كيف تصنعون بهذه الأقوال الثلاثة؟ فقال: مذهبنا أن الإنسان إذا صارت له أهلية الاجتهاد يجتهد في أقوال جعفر الصادق فيصحح واحدًا منها.\nفقلت: وما يقول في الباقي؟\nقال: يقول إنها تقية.\nفقلت: إذا اجتهد واحد فصحح غير هذا القول فما يقول في القول الذي صححه المجتهد الأول؟\nفقال: يقول إنها تقية.\nفقلت: إذن ضاع مذهب جعفر الصادق؛ إذ كل مسألة تنسب له يحتمل أن تكون تقية، إذ لا علامة تميز بين ما هو للتقية وبين غيره. فانقطع ذلك العالم.. فما جوابك أنت؟ فانقطع هو أيضًا (٢) .\n_________\n(١) هذا التعبير لا يتفق وطبيعة اعتقاد الشيعة في كلام جعفر، ذلك أن جعفر وسائر الأئمة عندهم هم مشروعون لا مجتهدون، وقولهم كقول الرسول - ﷺ - في اعتقادهم.\n(٢) ولهذا قرر شيخهم صاحب الحدائق بأنهم - بسبب التقية - لا يعلمون من أحكام دينهم إلا القليل، حيث قال: «فلم يعلم من أحكام الدين على اليقين إلا القليل لامتزاج أخباره بأخبار التقية كما قد اعترف بذلك ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني، حتى أنه تخطأ العمل بالترجيحات المروية عند تعارض الأخبار والتجأ إلى مجرد الرد والتسليم للأئمة الأبرار» [الحدائق/ يوسف البواني: ١/٥] .","vol":"2","page":163},{"text":"ثم قلت له: فإن قلتم: (ليس في مذهب جعفر الصادق تقية)، فهو ليس المذهب الذي أنتم عليه لأنكم كلكم تقولون بالتقية (١) .\nفانقطع الملابشي: ثم ذكرت له دلائل غير هذا تدل على أن الذي في أيديهم ليس بمذهب جعفر الصادق.\nالمؤتمر في يومه الأول:\nاجتمع العلماء من السنة ومن الشيعة وقد ذكر السويدي معظم أسمائهم، وحضر للاستماع لما يقع حشد كبير من العرب والعجم والتركستان - كما أسلفنا - وكانت \"أحداث\" الاجتماع تنقل لنادر شاه بواسطة مخبرين كل لا يعلم عن صاحبه، فلا ينقل إليه إلا الواقع.\nوفي هذا الاجتماع قرر علماء الشيعة ومجتهدوهم جميعًا وعلى رأسهم كبير مجتهديهم الملاباشي أنهم ينزلون على مذهب أَهل السنّة في الصحابة فقالوا على لسان \"الملاباشي\" - كما يذكر السويدي - الصحابة، كلهم عدول رضي الله عنهم ورضوا عنه، وأَفضل الخلق بعد النبي - ﷺ - أَبو بكر بن أَبي قحافة، فعمر بن الخطاب، فعثمان بن عفان، فعلي بن أَبي طالب - ﵃ - وأَن خلافتهم على هذا الترتيب الذي ذكرناه في تفضيلهم.\n_________\n(١) انظر: باب التقية في «أصول الكافي»: (٢/٢١٧) وراجع مبحث التقية فيما سبق، وقد ورد في دواوينهم المعتبرة أَحاديث في مدح الصحابة، وفي مدح علي - ﵁ - لعمر، كما وردت نصوص في تحريم المتعة وفي غسل الرجلين وأَن عليًّا غسل رجليه إِلخ. وهذه كلها تختلف مع أُصولها ولهذا حملوها على التقية بلا دليل، ومن يراجع على سبيل المثال كتاب «التهذيب» أو «الاستبصار» - كلاهما للطوسي - يرى أحاديثًا كثيرة خالفت أُصولهم ولم يجد الطوسي لها تأويلًا غير حملها على التقية.","vol":"2","page":164},{"text":"وقالوا عن المتعة: هي حرام لا يقبلها إِلا السفهاء منا.\nووافقوا على أَن لا يحلوا حرامًا معلومًا من الدين بالضرورة وحرمته مجمع عليها، ولا يحرموا حلالًا مجمعًا عليه معلومًا حله بالضرورة.. وبعد هذا الاعتراف والرجوع: قاموا كلهم وتصافحوا، ويقول أَحدهم للآخر: أَهلًا بأَخي، ثم انقضى المجلس قبيل المغرب من يوم الأَربعاء لأَربع وعشرين خلون من شوال من عام ١١٥٦هـ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>المؤتمر في يومه الثاني (الخميس ٢٥ شوال ١١٥٦ه</span>ـ) (١):\nوجرى فيه تلاوة ما صيغ من مقررات المؤتمر في يومه الأَول، ذلك أَن نادر شاه قد أَمرهم أَن يكتبوا جميع ما قرروه والتزموه - في اليوم الأَول - في رقعة وأَن يحضروا في اليوم الثاني وفي نفس المكان لتلاوة ما اتفقوا عليه والتصديق على ذلك من الجميع.\nوكانت \"جريدة المقررات\" مكتوبة في اللغة الفارسية، وقد أَمر الملا باشي مفتي الركاب أَقا حسين أَن يقرأَها قائمًا على رؤوس الأَشهاد، وكان مضمونها:\nإِن الله اقتضت حكمته إِرسال الرسل فلم يزل يرسل رسولًا بعد رسول حتى جاءت نبوة نبينا محمد المصطفى - ﷺ -.\nولما توفي - وكان خاتم الأَنبياء والمرسلين - اتفقت الأصحاب ﵃ على أَفضلهم، وخيرهم، وأَعلمهم: أَبي بكر\n_________\n(١) السويدي: (ص ٩١-٩٤) باختصار.","vol":"2","page":165},{"text":"الصديق بن أبي قحافة - رضي الله تعالى عنه - فأَجمعوا واتفقوا على بيعته، فبايعه كلهم حتى الإمام علي بن أَبي طالب بطوعه واختياره من غير جبر ولا إكره، فتمت له البيعة والخلافة وإجماع الصحابة ﵃ حجة قطعية، وقد مدحهم الله في كتابه المجيد فقال: (والسابقون الأًَولون من المهاجرين والأَنصار «١) الآية وقال الله تعالى: (لقد رضي الله عن المؤمنين إِذ يبايعونك تحت الشجرة «٢) الآية وكانوا إِذ ذاك سبعمائة صحابي وكلهم حضروا بيعة الصديق.\nثم عهد أَبو بكر الصديق بالخلافة لعمر بن الخطاب فبايعه الصحابة كلهم حتى الإِمام علي بن أَبي طالب، ثم إِن عمر (جعل الخلافة شورى بين ستة أَحدهم علي بن أَبي طالب فاتّفق رأيهم على عثمان بن عفان، ثم استشهد عثمان في الدار ولم يعهد، فبقيت الخلافة شاغرة، فاجتمع الصحابة في ذلك العصر على علي بن أَبي طالب.\nوكان هؤلاء الأَربعة في مكان واحد وفي عصر واحد ولم يقع بينهم تشاجر ولا تخاصم ولا نزاع، بل كان كل منهم يحب الآخر ويمدحه ويثني عليه.. فاعلموا أَيها الإِيرانيون أَن فضلهم وخلافتهم على هذا الترتيب فمن سبهم أَو انتقصهم فماله وولده وعياله ودمه حلال للشاه، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.\nوكنت (الضمير يعود لنادر شاه) شرطت عليكم حين المبايعة في صحراء مغان عام ١١٤٨ رفع السب، فالآن رفعته فمن سب قتلته وأَسرت أَولاده وعياله وأَخذت أَمواله. ولم يكن في نواحي إِيران\n_________\n(١) التوبة: آية ١٠٠.\n(٢) الفتح: آية ١٨.","vol":"2","page":166},{"text":"ولا في أَطرافها سب ولا شيء من هذه الأُمور الفظيعة، وإِنما حدثت أَيام الخبيث الشاه إِسماعيل الصفوي (١) ولم يزل أَولاده يقتفون أَثره حتى كثر السب وانتشرت البدع واتسع الخرق، منذ عام ثمانمائة وسبعة وخمسين، فيكون لظهور هذه القبائح قرابة ثلاثمائة سنة.\nويلي هذا الكلام الصادر من الشاه والمكتوب في الرقعة - يلي ذلك تعهد على لسان الإِيرانيين ومضمونه:\n(أَنا قد التزمنا رفع السب وأَن الصحابة فضلهم وخلافتهم على هذا الترتيب الذي هو في الرقعة، فمن سب منا أَو قال خلاف ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أَجمعين..) .\nويلي ذلك الكلام السابق نفسه موضوع على لسان أَهل النجف، وكربلاء والحلة (٢) والخوارزم (٣) .\nويلي ذلك تعهد من الأَفغانيين (السنّة) ومضمونه:\n(أَن الإِيرانيين إذا التزموا ما قرروه ولم يصدر منهم خلاف ذلك فهم من الفرق الإِسلامية، لهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم) ثم يلي ذلك الكلام السابق نفسه موضوع على لسان علماء ما وراء النهر \"السنّة\".\nثم صادق الجميع على ما جاء في الرقعة، كل وضع \"خاتمه\" تحت\n_________\n(١) وهو الذي أَعلن - لأول مرة - في سنة ٩١٦هـ أَن المذهب الرسمي لإيران هو مذهب الشيعة.\n(٢) تقع مدينة الحلة على بعد ٦٤ ميلًا إِلى الجنوب الغربي من بغداد.. «دائرة المعارف الشيعية»: (٣/٣٧) .\n(٣) خوارزم: بضم أَوله، وبالراء المهملة المكسورة من بلاد خراسان. «معجم ما استعجم»: (٢/٥١٥) .","vol":"2","page":167},{"text":"الكلام الذي يخصه، ثم كتب السويدي شهادته على الجميع ونصها: (شهدت على الفرق الثلاث بما قرروه والتزموه وأَشهدوني عليهم) ثم وضع خاتمه تحت اسمه.\nيقول السويدي عن هذه النتيجة للمؤتمر: (وكان الوقت وقتًا مشهودًا من عجائب الدنيا، وصار لأَهل السنّة فرح وسرور لم يقع مثله في العصور ولا تشبهه الأَعراس والأَعياد والحمد لله على ذلك) .\nويقول \"نادر شاه\": (كم جهز العثمانيون من عساكر.. ليرفعوا سب الصحابة فلم يوفقوا إِليه وأَنا ولله الحمد رفعته بسهولة)، ويقول: (وأَنا لي منّة على جميع المسلمين حيث أَني رفعت السب عن الصحابة وأَرجو أَن يشفعوا لي) . وفي نهاية المؤتمر أَصبح ذكر الصحابة ومناقبهم ومفاخرهم في كل خيمة وعلى لسان الأَعاجم كلهم، بحيث يذكرون لأبي بكر وعمر وعثمان - رضي الله تعالى عنهم - مناقب وفضائل يستنبطونها من الآيات والأحاديث مما يعجز عنه فحول أَهل السنّة ومع ذلك يسفهون رأي العجم والشاه إِسماعيل في سبهم.\nوفي يوم الجمعة (٢٦ شوال ١١٥٦هـ) أُقيمت صلاة الجمعة في جامع الكوفة، وفي الخطبة ترضى الخطيب على الخلفاء الأَربعة على الترتيب، وعلى بقية الصحابة والقرابة، ولكنه صلى صلاة خارجة عن المذاهب الأَربعة فأُخبر الشاه بذلك فغضب وأَمر برفع جميع ما شذت به الشيعة حتى السجود على التراب.\nثم لم يلبث نادر شاه أَن توفي وحالت وفاته دون استثمار نتائج المؤتمر.","vol":"2","page":168},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>تقويم مؤتمر النجف:</span>\n(أ) لا شك أن هذا المؤتمر يشكل نصرًا لأهل السنّة، وإعلاء لكلمة الحق، وهو برهان عملي على أن الباطل لا يستطيع الوقوف أمام الحق إذا كان القول الفصل للحجة والبرهان لا للتعصب الأعمى أو السلطة الغاشمة.\n(ب) أن المنهج الذي سلكه السويدي لإقامة الحجة على الشيعة هو منهج فريد، ينبغي أن يُفاد منه في الردود على الروافض وأن يكون نواة لدراسة أكمل وأشمل على نفس النهج.\n(ج) اكتفى المؤتمر في مقرراته برفع سب الصحابة من الألسن ولم يتعرض لطلب رفع ما تحويه كتب الشيعة من طعن وسب وتكفير.\nولا شك أن الأصل أن ترفع تلك الكلمات اللاعنة الطاعنة في خير جيل عرفته الإنسانية من الكتب المعتمدة عند القوم، لأنها هي التي يصدرون عنها في عقائدهم وأقوالهم، وما السب بالألسن إلا ثمرة عملية للتلقي والتربي على هذه المصادر. وهي التي تؤجج نيران الحقد والبغضاء، وتزرع الفرقة والخلاف، وتنأى بهم عن جماعة المسلمين.\n(د) ثم إن \"المؤتمر\" لم يتعرض إلى الأثر العملي لترك سب الصحابة والطعن فيهم وهو الاحتجاج بمروياتهم وقبول أحاديثهم. ذلك أن سب الصحابة والنيل منهم ما هو إلا","vol":"2","page":169},{"text":"مؤامرة على \"السنّة المطهرة\" في أهدافه القريبة، وأما أهدافه البعيدة فهي النيل من كتاب الله (، ومن شريعة الإسلام كلها.\n(هـ) لقد كان لعقيدة التقية عند الروافض دور كبير في عدم الإفادة من النتيجة التي انتهى إليها المؤتمر، واستثمار ذلك في جمع كلمة المسلمين. ولم يخف على السويدي ﵀ ألاعيب الروافض في هذا المجال. ومن ملاحظاته الطريفة في ذلك والتي قد تشير إلى حقيقة مسلك بعض علماء الشيعة في هذا المؤتمر قوله عن خطبة صلاة الجمعة التي أُقيمت بعد المؤتمر وصعد الكربلائي فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي - ﷺ - ثم قال: (وقال الخليفة الأول من بعده على التحقيق، أبي بكر الصديق، ﵁ وعلى الخليفة الثاني الناطق بالصدق والصواب سيدنا عمر بن الخطاب - ﵁ - لكنه كسر الراء من \"عمر\" مع أن الخطيب إمامٌ في العربية لكنه قصد دسيسة لا يفهمها إلا الفحول، وهي أن منع صرف عمر إنما كان للعدل والمعرفة، فصرفه هذا الخبيث إلى أنه لا عدل فيه ولا معرفة قاتله الله من خطيب وأخزاه ...) (١) .\n_________\n(١) السويدي: (ص ١٠٢- ١٠٣) .","vol":"2","page":170},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>المحاولات المعاصرة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>(أ) محاولات جماعية:</span>\nقامت عدة محاولات \"جماعية\" للتقريب من أهل السنة والشيعة في هذا العصر. والذي اطلعت عليه من ذلك ما يلي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>١- محاولة جماعة سمّت نفسها \"جماعة الأخوة الإسلامية</span>\":\nوالمعلومات عن هذه الجماعة لم تتوفر - حسب علمي - إلا عن طريق أحد الباطنيين الإسماعيليين ويدعى محمد حسن الأعظمي، قال عنه محمود الملاح: (محمد الأعظمي نسبة إلى \"أعظم كره\" في الهند لا \"أعظمية بغداد\"، وهو يبطن إسماعيليته، ويتصنع الدعوة للوحدة الإسلامية، وتورط في دعوته كثير من الفضلاء، بحيث أني أخجل من ذكر أسمائهم. فيا لضيعة الحقائق) (١) .\nيزعم هذا الباطني أنه أنشأ هذه الجماعة عام ١٩٣٧م، وجعل مركزها \"قبة الغوري بمصر\" (٢) ثم انتقل بعد ذلك إلى كراتشي عام ١٩٤٨ (٣)، وزعم أنها تضم طائفة من رجال الفكر والعلم في مصر (٤) .\n_________\n(١) محمود الملاح: «النحلة الأحمدية»: ص ٤.\n(٢) وقد سألت عنها الشيخ عبد العزيز عيسى مدير مجلة «دار التقريب» في القاهرة ووزير الأزهر (سابقًا) فقال: (لم نسمع بهذا في آبائنا الأولين) .\n(٣) وفي أثناء زيارتي لباكستان سألت عنه في كراتشي فقيل لي أنه قد مات، ولم أجد لجامعته ذكرًا.\n(٤) فيزعم أن هذه الجماعة تضم الدكتور عبد الوهاب عزام، [انظر ترجمته في «الأعلام»: (٤/١٨٦) طبعة دار الملايين] رئيسًا وموجهًا، والشيخ طنطاوي جوهري، [ترجمته في «الأعلام»: (٣/٣٣٣) عالمًا وباحثًا]، والفيلسوف مصطفى عبد الرزاق، [ترجمته في «الأعلام»: (٨/١٣١)] .","vol":"2","page":171},{"text":"وادعى أنه يشترط في المشتركين في جماعته أن يكونوا من أتباع المذاهب التي لا تخالف نص الكتاب، أو صحيح السنّة، وإجماع الأمة (١)، وكان من نشرات هذا الإسماعيلي التي ينشد فيها الوحدة والتقريب - كما يدعي - كتابه «الحقائق الخفية عن الشيعة الفاطمية والاثني عشرية» والذي نشر عام ١٩٧٠م وتستر فيه على مذهبه الباطني، فقال: (وجوابي لكل من سألني عن المذهب الذي أنتمي إليه أني أقول كلمة واحدة أني مسلم مؤمن) (٢) مع أن الرجل يسعى في نشر مذهبه الباطني (٣) .\nوأقول إن مما يشكك في حقيقة هذه الجماعة، والدعاوى الكثيرة التي ينسجها هذا الرجل حولها هو تفرد هذا الباطني بنشرها. ولولا خشية الاغترار بها لما أشرت إليه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>٢- دار الإنصاف:</span>\nتأسست - كما يقول بعض أعضائها - (٤) عام ١٣٦٦هـ من\n_________\n(١) الأعظمي: «الحقائق الخفية»: ص ١٩٧، وراجع للتفصيل: «حقائق عن باكستان» لهذا الأعظمي: ص ٨ وما بعدها.\n(٢) «الحقائق الخفية»: ص ١٦.\n(٣) فقد ساهم في نشر تحقيق عدد من كتب الباطنية في العالم الإسلامي مثل «تأويل الدعائم» للقاضي النعمان قاضي قضاة المعز الفاطمي، و«افتتاح الدعوة» للمؤلف السابق وغيرهما. انظر: «حقيقة باكستان»: ص ٢٩.\n(٤) وهما هاشم الدفتردار، ومحمد الزعبي. راجع ترجمتهما في كتابهما «الإسلام بين السنّة والشيعة» .","vol":"2","page":172},{"text":"فريق أهل التقوى والصلاح، وكان من خطتها (فهم المذاهب الإسلامية على منهاج دار تقريب المذاهب الإسلامية في مصر..) (١) .\nومن كتبهم التي أصدروها من أجل التقريب كتاب «الإسلام بين السنّة والشيعة» في جزئين. وقد بنوه على أصل خاطئ وهو أن الرافضة فئة اندرست وهم الذين يكرهون الصحابة، أما الشيعة فيحبون الشيخين ويترضون على الصحابة (٢) .\nوأقول أما أن الشيعة يحبون الصحابة فقد سبق جوابه (٣) .\nوأما أن الرافضة غير الشيعة فهذا ما يرده الشيعة أنفسهم، وقد عقد شيخهم المجلسي بابًا في تأكيد هذا في كتابه «البحار» بعنوان (باب فضل الرافضة ومدح التسمية بها) (٤)، كما أن عددًا من شيوخ الشيعة المعاصرين يؤكدون أن هذه التسمية خاصة بهم (٥) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>٣- دار التقريب بين المذاهب الإسلامية:</span>\nلكن أبرز هذه المحاولات وأهمها وأكبرها والتي تستحق أن\n_________\n(١) «الإسلام بين السنّة والشيعة»: ص: ح - ط.\n(٢) المصدر السابق: (١/٤٢، ٤٣) .\n(٣) انظر اعتقاد الشيعة في الصحابة في هذا البحث.\n(٤) «البحار»: (جـ٤٨/ص ٩٦) .\n(٥) انظر: محمد الشيخ الساعدي: «مؤيد الدين بن العلقمي»: ص ٤٢، كما أن شيخ شيخ الشيعة \"الخميني\" يختار اسم الرفض عنوانًا لبعض كتبه وهو كتابه «دروس في الجهاد والرفض»، كما نرى الرافضي طالب الرفاعي يعتبر مصطلح \"الرافضة\" هو التعبير السليم الذي ينطبق عليهم. انظر تعليقاته على رسالة: «التشيع ظاهرة طبيعية»: ص ٧٨.","vol":"2","page":173},{"text":"نعرض لها بشيء من التفصيل، وأن نخصها بالدراسة والتقويم هي \"محاولة\" جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية في مصر.\nهذه المحاولة دعا إليها شيخ رافضي من قم \"بإيران\" ويدعى محمد تقي القمي في عام ١٣٦٤ هـ تقريبًا، واستجابت لدعوته ثلة من علماء مصر، ومن زيدية اليمن، وقد اتخذ لها مقرًا في القاهرة باسم «دار التقريب بين المذاهب الإسلامية»، ثم قامت الجماعة بإصدار مجلة باسم «رسالة الإسلام» (١) لخدمة أغراضها.\nوقد حملت إلينا مجلة الأزهر \"وثيقة هامة\" لأحد كبار أعضاء جماعة التقريب وأحد المشاركين في نشأة \"الجماعة\" وهو الشيخ عبد اللطيف محمد السبكي عضو جماعة كبار العلماء، يصف لنا نشأة الجماعة وخط سيرها، والهدف الذي تسعى لتحقيقه.\nيقول: (.. جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية، نشط في تكوين هذه الجماعة شيخ شيعي.. يقيم في مصر لعهد قريب أو بعيد، وقد استجاب لدعوته ثلة كريمة من رجالات مصر، ولم يكن يسع مسلمًا أن يتخلف عن تلبية الدعوة لتجديد وحدة المسلمين التي هتف بها القرآن أول ما هتف: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) (٢)، (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) (٣) .\n_________\n(١) ويرأس تحريرها محمد محمد المدني (عميد كلية الشريعة بالأزهر) وقد صدر العدد الأول منها في ربيع الأول عام ١٣٦٨هـ، وتوقفت بصدور آخر عدد منها في ١٧ رمضان ١٣٩٢هـ، ولم تكن منتظمة الصدور في آخر عهدها ومجموع ما صدر من أعدادها (٦٠) جمعت في (١٦) مجلدًا.\n(٢) آل عمران: آية ١٠٣.\n(٣) الأنعام: آية ١٥٩.","vol":"2","page":174},{"text":"جذبتني هذه الدعوة، فشرفت بالعضوية المتواضعة بين أولئك الأمجاد، فماذا أجدت جماعتنا وقد مضى عليها أربع سنوات تقريبًا؟ نشطت في صدر عهدها إلى تعاقب الاجتماعات، فمرة: للتعارف واختيار الرئيس والوكيل والسكرتير إلخ. ومرة ثانية: لاستقبال ضيف شرقي مسلم سيزور دارنا، دار التقريب، وثالثة: لسماع رسائل وردت من جهات إسلامية، ومن بينها رسالة من النجف - مركز الشيعة - يطلب مرسلوها كلمة تلقى هناك في الذكرى الموسمية للإمام الحسين بن علي ﵂، ثم يقترح علينا في هذه الجلسة أن تطلب الجماعة إلى الأزهر تدريس الفقه الشيعي إلى جانب مذاهب أهل السنة، ويتوارى الاقتراح في سرعة لأنه قبل أوانه كما همس بذلك من همس.\nوبعد ذلك توقفت الاجتماعات، وانحصرت الجهود في مجلة تصدرها دار التقريب هذه وتسميها «رسالة الإسلام» (١) .\nوقد اعترف أحد شيوخ الروافض بأن إنشاء دار التقريب كان عن سابق اتفاق من شيوخ الشيعة وقال: (ليس له - أي القمي - ولا لغيره من الناس أن يقوم بمثل هذا العمل من وراء المراجع ومن غير موافقتهم) (٢) . إذن هي خطة مبيتة..، والغريب - فيما يبدو - أن هذا الأمر غير واضح عند بعض أعضاء الجماعة حتى خفي عليهم الجهة التي تمول \"دار التقريب\"، حتى قال أحد كبار أعضائها - بعد مضي أربع سنوات على إنشاء الدار - قال: (ورابني ويجب أن يرتاب\n_________\n(١) «مجلة الأزهر»: المجلد ٢٤ (ص ٢٨٥ - ٢٨٦) .\n(٢) الرافضي: أحمد مغنية: «الخميني أقواله وأفعاله»: ص ٢٧.","vol":"2","page":175},{"text":"معي كل عضو بريء أنها تنفق عن سخاء دون أن نعرف لها موردًا من المال، ودون أن يطلب منا دفع اشتراكات تنفق على دار أنيقة بالزمالك في القاهرة فيها أثاث فاخر، وفيها أدوات قيمة، وتنفق على مجلتها فتكافئ القائمين عليها، وتكافئ الكاتبين فيها وتتأنق في طبع أعدادها، وتغليف ما يطبع، إلى غير ذلك مما يحتاج إلى مورد فياض.. فمن أين ذلك؟؟!! وعلى حساب من يا ترى؟!!) (١) .\nأما قيام الشيعة بإرسال داعية لها إلى مصر وهو القمي فلم تكن هذه الحادثة أول مرة، بل كان هذا القمي ثالث ثلاثة تعاقبوا في المجيء إلى مصر، ورفعوا شعار التقارب والوحدة (٢) - في هذا\n_________\n(١) عبد اللطيف محمد السبكي: «مجلة الأزهر»: (جـ٢٤/٢٨٦) .\n(٢) فقد سبق أن أرسلت رافضة إيران في أواخر سنة ١٣٥٣هـ وأوائل سنة ١٣٥٤هـ أحد شيوخهم ويدعى \"أبو عبد الله الزنجاني\"، وبعد فشله أرسلت رسولًا آخر يدعى عبد الكريم الزنجاني. فكان هذا القمي هو ثالث هؤلاء. ويذكر محب الدين الخطيب أنه والشيخ محمد الخضر حسين فاوضا \"الزنجاني الأول\" في موضوع التعاون بين أهل السنّة والشيعة وضرورة تصحيح نظرة الشيعة إلى الصحابة حتى يتحقق التآلف، فبشرهما هذا الزنجاني بأن في إيران طبقة مستنيرة صارت تعرف للصحابة أقدارهم وتخجل من الأكاذيب التي كتبت عنهم. ويقول الخطيب: (وكنا ننتظر منه إذا عاد إلى إيران أن ينظم العمل بهذا الغرض مع تلك الفئة من الخاصة التي بشرنا بوجودها، وتوقعنا إذا هو قام بذلك أن لعمله رد فعل عظيم الأثر عند أهل السنّة والجماعة، وأن ندخل كلنا في دور جديد من التعاون والتضامن يليق بظروف هذا العصر وبموقفنا جميعًا من أحداثه، إلا أنه - ويا للأسف - لم يفعل شيئًا من ذلك، إما لأن الفئة التي حدثنا عنها ضعيفة أمام تعصب الجماهير الإيرانيين، وإما أن الذي كان يذكره لنا كان مدفوعًا إليه بأحكام التقية التي أصبحت عادة فيهم. وفهمنا بعد سفره أن الحكومة الإيرانية هي التي كانت أوفدته إلى الأقطار العربية لغير المعاني التي كنا نتمنى تفاهم الفريقين عليها وتعاونهما على تحقيقها، فلما فشل فيما جاء له وكادت تتحول مهمته إلى المعاني التي فاوضناه =","vol":"2","page":176},{"text":"القرن - كما أن هذا الصنيع من \"الرافضة\" قد سبق ما يشبهه في العصور الغابرة (١) .\nكما تبين لي أثناء زيارتي إلى مصر - من أجل جمع المادة العلمية للموضوع - أن هذا القمي لم يكن آخر رسول من الروافض - أيضًا - فقد قامت الرافضة - بعد رحيل القمي وتوقف نشاط دار التقريب - بإرسال رسول آخر يدعى \"طالب الرفاعي الحسيني\" ويلقب نفسه بـ\"إمام الشيعة في جمهورية مصر العربية\" إلى مصر، ولم يرفع هذا الرفاعي شعار التقريب الذي أثار ثائرة بعض علماء السنّة، بل حاول الدخول إلى قلوب المصريين بمدخل يتقن الروافض اللعب فيه وهو مدخل \"آل البيت\"، فأنشأ دارًا أسماها \"دار أهل البيت\" تقوم هذه الدار بنشر كتب الروافض، وإحياء مواسم الرافضة والتبشير بـ\"الرفض\" بأساليب مختلفة بين أهالي مصر (٢) .\n_________\n= فيها اختارت زنجانيًّا آخر غيره وهو الشيخ عبد الكريم الزنجاني، وكان هذا الداعية الثاني صريحًا في أنه يرى التقريب بين أهل السنّة والشيعة بنزول أهل السنة على عقائد الشيعة فكان فشله سريعًا وذريعًا ورجع إلى إيران كما رجع حنين بخفيه) . انظر: محب الدين الخطيب: «نشأة التشيع وتطوره»: (ص ٤- ٦)، وانظر: «مجلة الفتح»: (جـ ١٧/٧٠٩)، وانظر: عبد الكريم الزنجاني: «الوحدة الإسلامية» أو «التقريب بين المسلمين»: ص ٥٩.\n(١) ففي عصر \"جلال الدين السيوطي\": (ت ٩١١هـ) حضر من إيران إلى مصر داعية من دعاتهم أشار إليه السيوطي في كتابه «الحاوي للفتاوى»: (١/٣٣٠) طبعة المنيرية، وبسبب ذلك الداعية الإيراني ألف السيوطي رسالته «مفتاح الجنة في الاعتصام بالسنّة»، انظر: محب الدين الخطيب: «الخطوط العريضة»: ص ٧.\n(٢) وقد أنشأت هذه الجمعية مركزًا لها بمدينة القاهرة - بالمعادي - واستخدمت أساليب متنوعة لنشر عقيدة الروافض بين أهل السنّة، فاهتمت بتلقين النشء الصغير هذا الاعتقاد، ولذلك أنشأت فصولًا للتقوية في بعض المواد للمرحلتين الإعدادية والثانوية، وهي تستخدم ذلك وسيلة لتحقيق غرضها في تربية النشء على عقيدة =","vol":"2","page":177},{"text":"أما المذاهب التي تسعى للتقريب بينها:\nفقد أعلنت التقريب بين المذاهب في حين اقتصر نشاطها في التقريب بين دين الشيعة الإمامية وبين مذهب أهل السنّة.\nأما لون هذا التقريب ومعناه:\nفقد رفعت شعارًا ومفهومًا للتقريب ونفذت شيئًا آخر.\nرفعت شعار التقريب بين أصحاب المذاهب مع احتفاظ كل بمذهبه، يقول الرافضي القمي مؤسس الدار: (إن دعوتنا أن يتحد أهل الإسلام على أصول الإسلام التي لا يكون المسلم مسلمًا إلا بها، وأن ينظروا فيما وراء ذلك نظرة من لا يبتغي الفلج والغلب، ولكن يبتغي الحق والمعرفة الصحيحة، فإذا استطاعوا أن يصلوا بالإنصاف والحجة البينة إلى الاتفاق في شيء مما اختلفوا فيه فذاك، وإلا فليحتفظ كل منهم بما يراه وليعذر الآخرين، ويحسن الظن بهم، فإن الخلاف على غير أصول الدين لا يضر بالإيمان، ولا يخرج المختلفين عن دائرة الإسلام) (١) .\n_________\n= \"الرفض\"، كما استعملت وسائل أُخرى للدخول إلى قلوب الناس والتأثير فيهم فأنشأت مستوصفًا، وقامت بإعطاء مساعدات مادية وعينية، واحتفلت بمناسبات الروافض الدينية، وأقامت ندوات تتحدث عن آل البيت ومحنهم، كما أصدرت نشرات دورية وغير دورية، ويلاحظ في هذه النشرات غلوًّا في آل البيت ففيها أن آل البيت هم السبب الوحيد للنجاة، وهم أفضل الخلق بما فيهم النبيين إلخ. وهذه الجمعية قد أخذت تصريحًا من وزارة الشؤون الاجتماعية المصرية لمزاولة عملها في شهر أغسطس ١٩٧٣م. انظر: «جمعية أهل البيت»، النشرة غير الدورية رقم (١) محرم ١٣٩٥ هـ، ورقم (٢) رجب ١٣٩٥، ورقم (٣) محرم ١٣٩٦هـ.\n(١) انظر: «الوحدة الإسلامية» أو «التقريب بين المذاهب»: (ص ٦٤- ٦٥) .","vol":"2","page":178},{"text":"وتقول مقدمة كتاب دعوة التقريب: (ليس من غايتنا أن يترك السنّي مذهبه، أو الشيعة مذهبه، وإنما نريد أن يتحد الجميع حول الأصول المتفق عليها، ويعذر بعضهم بعضًا فيما وراء ذلك، مما ليس شرطًا من شروط الإيمان ولا ركنًا من أركان الإسلام، ولا إنكارًا لما هو معلوم من الدين بالضرورة) (١) .\nهذا الشعار هو الذي رفعته دعوة التقريب، ولكنها نفذت شيئًا آخر سوى ذلك.\nفها هي تلك مجلة التقريب تنشر بحثًا طويلًا بعنوان \"منهاج عملي للتقريب\" لأحد كبار روافض إيران (٢) يطالب فيه أهل السنّة بأن يرجعوا في دينهم إلى مصادر الشيعة الثمانية، وبأن ينصب كرسي لتدريس فقه الروافض في مصر وآخر لتدريس عقائدهم، وأن يعترفوا ويؤمنوا بمسألة الإمامة عندهم.\nولم يقتصر الأمر على مجرد الدعوة، بل قام الروافض بتزيين آرائهم للشيخ شلتوت شيخ الأزهر في هذا الموضوع، فلبى رغبتهم ونفذ بعض مطالبهم، فتولى بنفسه محاولة تنفيذ هذه المهمة في إبّان مشيخته للأزهر فوضع مشروعًا يجعل للروافض - كما تقول مجلة رسالة الإسلام - نصيبًا مقسومًا في الفقه وأصوله وتاريخه وفي مصطلح الحديث ورجاله وفي دراسة الكتب الأمهات وأصحابها الثقات (٣) في الأزهر. ولكن\n_________\n(١) «دعوة التقريب»: ص٧ (المقدمة لمحمد المدني) وانظر: الشيرازي: «الوحدة الإسلامية»: ص ٧، محمد عبد الله المحامي: «معالم التقريب» رقم (١) ص ٣.\n(٢) وهو محمد صالح الحائري، انظر: «رسالة الإسلام»: السنة الثالثة (جـ٣/ص ٤٠٣) .\n(٣) «رسالة الإسلام» السنة ١١، ص ٤٤٥.","vol":"2","page":179},{"text":"وقوف بعض شيوخ الأزهر حال دون تنفيذ المشروع (١) .\nوبعد ذلك يخرج تقي القمي عن تقيته ويكشف عن هدفه وغرضه ويزيل الستار عن مهمة الدار الخفية، فيدعو المسلمين صراحة دون تورية أو تقية إلى الأخذ بعقيدة الشيعة وآرائها، فيقول - بعد أن يزعم أن أهل السنّة في مصر أخذوا ببعض آراء الشيعة الفقهية - فيقول: (فماذا عليهم لو استقبلوا ما وراء الفقه، كما استقبلوا الفقه وما الفرق بين الفروع العملية والفروع العلمية؟) (٢) .\nثم قامت الدار بالدعاية للتشيع عن طريق نشر الكتاب الشيعي وترويجه بين أهل السنّة وراحت تستكتب بعض ذوي الأطماع المادية، والنفوس الضعيفة لوضع مقدمات لكتب الشيعة التي أزمعوا نشرها بين أهل السنّة (٣)، فنشروا عدة كتب من كتب الروافض مثل (٤):\n١- «المختصر النافع»: لنجم الدين الحلي (ت ٦٧٦هـ) . وقد طبع هذا\n_________\n(١) حدثني بذلك حسين محمد مخلوف. انظر: (ملحق الوثائق والنصوص) .\n(٢) «رسالة الإسلام»: (جـ٢/ص ١٦٩)، السنة الثانية، العدد الثاني، جمادى الآخرة، ١٣٦٩هـ.\n(٣) مثل المدعو \"حامد حفني داود\" الذي قدم لخمسة من كتب الروافض وانقلب في مقدماته تلك إلى \"رافضي\". نسأل الله العافية. وكان يعمل أستاذًا في كلية الألسن بمصر. وانتقل إلى التدريس بجامعة الملك عبد العزيز بجدة عام ١٩٨٥م. وقد انطلت حيلتهم على بعض الأدباء مثل: محمد عبد المنعم خفاجي صاحب المؤلفات الكثيرة، فقد كتب مقدمة لكتاب «الوسائل ومستدركها» وترضى عن صاحب المستدرك، وما علم - في ظنّي - أنه هو بعينه المجوسي صاحب «فصل الخطاب» .\n(٤) انظر: د. مرتضي الشيرازي: «جولة حول الروابط المعنوية بين إيران ومصر» .. ضمن كتاب «جوانب من الصلات الثقافية»: ص ١٩٢.","vol":"2","page":180},{"text":"الكتاب مرارًا في مصر (١) .\n٢- «تذكرة الفقهاء»: للحسن بن يوسف بن علي بن المطهر الحلي (ت ٧٢٦هـ) .\n٣- «وسائل الشيعة ومستدركها»: «الوسائل» لمحمد بن علي بن حسن الحر العاملي (ت ١١٠٤هـ)، و«المستدرك» لشيخهم حسين النوري الطبرسي صاحب كتاب «فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب» .\n٤- «الحج على المذاهب الخمسة»: (أي الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي والجعفري) .\n٥- «تفسير مجمع البيان»: للطبرسي (ت ٥٤٨هـ) (٢) .\n٦- «حديث الثقلين»: محمد قوام الدين القمي - معاصر - (٣) .\nومن الملاحظ أنهم اهتموا بنشر كتب الفقه بالذات وبدأوا بالفروع قبل الأصول، مع أن الفرقة الكبرى هي في مسائل الأصول والعقيدة، أما قضايا الفقه فهم وإن كان لهم في كل باب من أبواب الفقه شواذ غريبة، إلا أن معظم مسائل أبواب الفقه يشتركون فيها مع أهل السنة، لأنه لا فقه لهم إلا ما أخذوه عن طريق أهل\n_________\n(١) وقد طبعته وزارة الأوقاف باقتراح دار التقريب بين المذاهب، وقدم له الباقوري وزير الأوقاف، وراجع أصوله الخطية الرافضي القمي مع عدد من المنتسبين لأهل السنة مثل: محمد المدني، محمد الغزالي، السيد سابق وغيرهم. انظر: «المختصر النافع» مقدمات الكتاب، الطبعة الثانية.\n(٢) وقد عمل على مراجعته وتصحيحه وضبطه ستة من الشيوخ المنتسبين لأهل السنة. انظر: «مجمع البيان»: (جـ١٠/ص ٥٧٥) (كلمة ختامية) طبعة دار التقريب.\n(٣) وقد أخرج الحديث بصورة سيئة - كما أشرنا ص ٧٧ - ونشرته دار التقريب.","vol":"2","page":181},{"text":"السنة (١) وبالتشابه الفقهي يصطادون بعض المغفلين.\nومجلة الدار المسماة «رسالة الإسلام» تتولى الدعاية للتشيع والدفاع عن عقائد الشيعة (٢)، والتعريف والدعاية بكتب الشيعة ونشراتها (٣) والثناء والمديح لرجالات الروافض، وتأبين موتاهم (٤)، وتسيطر أخبارهم ونشر مقالاتهم وكلماتهم. كما تتولى الدار إقامة \"الحفلات\" وإصدار النشرات وكتابة المقالات في مناسبات أئمة الروافض الاثني عشر.\nثم استطاع الروافض في ظل دعوة التقريب أن يخدعوا شلتوت شيخ الأزهر بالقول بأن مذهب الشيعة لا يفترق عن مذهب أهل السنة، ويطلبوا منه أن يصدر فتوى في شأن جواز التعبد بالمذهب الجعفري. فاستجاب لهم وأصدر فتواه (٥) في سنة ١٣٦٨هـ بجواز التعبد بالمذهب الجعفري (٦) .\nفطار الروافض بهذا فرحًا، واعتبروا هذه الفتوى هي القطف\n_________\n(١) وفي «الكافي» - مثلًا - اعتراف بأن الشيعة لم يعرفوا أحكام الحج ومسائل الحلال والحرام قبل أبي جعفر الصادق. يقول «الكافي»: (وكانت الشيعة قبل أن يكون أبو جعفر وهم لا يعرفون مناسك حجهم وحلالهم وحرامهم حتى كان أبو جعفر، ففتح لهم وبين لهم مناسك حجهم وحلالهم وحرامهم..) الكليني: «الكافي»: (٢/٢٠) .\n(٢) انظر مثلًا من «رسالة الإسلام»: (١/٢٢)، (٦/٣٧٩)، (٨/٤٨)، (١٠/١٨٦) .\n(٣) انظر مثلًا من «رسالة الإسلام»: (٩/٣٣١)، (٨/٢١٧)، (١٠/٣٤١) إلخ.\n(٤) انظر مثلًا من «رسالة الإسلام»: (١٠/١٠٨)، (٣/٤٤٦) .\n(٥) انظرها في (ملحق الوثائق) .\n(٦) وقد حدثني الشيخ عبد الرزاق عفيفي أن شلتوت رجل مغفل سهل الخديعة، أما محمد المدني فهو رجل ماكر مخادع وهو الذي تولى مع القمي خديعة شلتوت.","vol":"2","page":182},{"text":"الشهي والثمرة الكبرى.. لدعوة التقريب، لأنها تعطيهم - كما يتصورون - \"الشرعية\" في التبشير بالرفض في ديار السنة.\nكل هذه \"الأهداف\" تنفذ باسم التقريب بين المسلمين، فصار مفهوم التقريب في قانون الجماعة الحقيقي هو نشر التشيع والرفض في ديار السنة. فلهذا خابت آمال المخلصين المشتركين بهذه الجماعة بصمت ومنهم من أعلن عن ذلك.\nفهذا د. محمد البهي - مثلًا - يستبشر بنشأة الجماعة ويشيد بها ويضع يده في يدها - كما ذكرت ذلك مجلة التقريب (١)، ولكنه بعد ذلك يخيب أمله ويسجل رأيه في ذلك بقوله: (وفي القاهرة قامت حركة تقريب بين المذاهب الإسلامية لتقريب ما بين السنة والشيعة. وبدلًا من أن تركز نشاطها على الدعوة إلى ما دعا إليه القرآن إذا وصل الخلاف في الرأي إلى نزاع كما جاء في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) (٢) ركزت نشاطها إلى إحياء ما للشيعة: من فقه.. وأصول.. وتفسير.. ونشر المقالات التي تدعو دعوة عامة إلى عدم التفرقة بين المسلمين) (٣) .\nوهذا الشيخ السبكي ينفض يده عن هذه الجماعة بعد أربع\n_________\n(١) ووصفته بقولها: (د. محمد البهي.. عالم باحث من المتحررين المؤمنين بفكرة التقريب) . «رسالة الإسلام»: (٨/١٠٧) .\n(٢) النساء: آية ٥٩.\n(٣) محمد البهي: «الفكر الإسلامي والمجتمعات المعاصرة»: ص ٤٣٩.","vol":"2","page":183},{"text":"سنوات من نشأتها وذلك بعد ما تبين له حقيقة أهدافها - كما مر -.\nوهذا الشيخ محمد عرفة عضو كبار العلماء والشيخ طه محمد الساكت وغيرهما يتركون الجماعة بعدما استبانت لهم أغراضها (١) .\nويتابع الأعضاء المخلصون في التخلي عن جماعة أرادت أن تنشر الرفض في ديار المسلمين باسم الوحدة والتقريب، حتى وصف الشيخ محب الدين الخطيب ما آل إليه أمر دار التقريب وجماعة التقريب بقوله: (انفض المسلمون جميعًا من حول دار التخريب التي كانت تسمى دار التقريب ومضى عليها زمن طويل والرياح تصفر في غرفها الخالية تنعي من استأجرها. ثم يذكر أنه لم يبق متعلقًا بعضويتها إلا فئة من المنتفعين ماديًا من وراء انتمائهم إلى هذه الدار وأن العلماء المخلصين من أهل السنّة انكشف لهم المستور من حقيقة دين الرافضة ودعوة التقريب التي يريدها الروافض، فانفضوا عن هذه الدار وعن الألاعيب التي كان يراد إشراكهم في تمثيلها)، ثم يقول الخطيب: (فلم يبق موضع عجب إلا استمرار النشر الخادع في تلك المجلة. ولعل القائمين يضعون لها حدًا) (٢) .\nولكن هذه المجلة «رسالة الإسلام» التي يشير الخطيب إلى استمرار صدورها ما لبثت أن توقفت بصدور آخر عدد في ١٧ رمضان ١٣٩٢هـ وهو العدد (٦٠) .\nوقد زرت الدار أثناء تحضيري لهذه الرسالة - ١٣٩٩هـ-\n_________\n(١) انظر: محمد نصيف، في تعليق له في خاتمة كتاب «الخطوط العريضة» لمحب الدين الخطيب، الطبعة الثانية، ١٣٨١هـ.\n(٢) «الفتح»: العدد ٨٤٨، العام السابع عشر شوال ١٣٦٦هـ.","vol":"2","page":184},{"text":"فوجدتها مهجورة من أعضائها ومن زوارها، ولا أثر فيها لأي نشاط، وقد لبثت أتردد على مكتبتها أيامًا فلا أرى أحدًا يؤمها.\nولما شعر الروافض بفشلها ويئسوا من نجاحها أنشأوا دارًا أخرى لنشر \"عقيدة الرافضة\" بين أهل السنّة في مصر، ولا تزال إلى هذا الوقت تمارس نشاطها بمختلف الأساليب وهي \"جمعية أهل البيت\" (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>التقويم:</span>\n١- إن استجابة طائفة من كبار علماء مصر أمثال عبد المجيد سليم وغيره لدعوة التقريب بين المسلمين هي استجابة طبيعية لأن الله سبحانه يقول: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا)، وما كانت دعوة التقريب قد أبانت عن حقيقتها وأهدافها، بل رفعت شعارات إسلامية تتستر بها على ما تهدف إليه، فلا يتوجه اللوم إلى هؤلاء في نظري.\n٢- جماعة التقريب استهدفت أهل السنّة، وساهمت في نشر الكتاب الشيعي بين أهل السنّة، ولم تقم بنشر الكتاب السنّي في ديار الشيعة، وحاولت تدريس مذهب الشيعة في الأزهر، ولم تحاول تدريس مذهب أهل السنّة في حوزات الشيعة العلمية في النجف أو قم أو عامل أو غيرها من مراكزهم. ولا شك أن هذا لا يؤدي الغرض من التقريب، لأنه من طرف واحد ولا بد من اشتراك أطراف النزاع في موضوع التقريب، ثم هو يدل على نيّة مبيّتة، وهدف مرسوم وراء دعوة التقريب\n_________\n(١) انظر: ص ١٧٧ هامش رقم (٢) .","vol":"2","page":185},{"text":"وهو نشر الروافض بين المسلمين، وإلا فلم يخص أهل السنّة وبلاد السنّة بذلك مع أن الروافض هم الذين يتحملون كبر الفرقة؟، ذلك أن أهل السنّة خاصتهم وعامتهم في مشارق الأرض ومغاربها يجلون علي بن أبي طالب (وأهل بيت الرسول صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين إجلالًا لا مزيد عليه، ويحبونهم حبًا يرضاه الله ورسوله وأهل البيت، ولكن الشيعة هم الذين ينالون من صحابة رسول الله - ﷺ - ولا سيما صديق الأمة، وفاروقها. فأحرى بدعوى التقريب أن تقام في ديارهم وأجدر بأن تتوجه الجهود المقرّبة إليهم، فأهل السنّة، يحتاجون إلى تقريب.\n٣- أليس من الأصول أن يقوم هؤلاء العلماء من السنّة (من أعضاء الجماعة) بدراسة مذهب الشيعة من خلال كتبها الأصيلة ليتعرفوا على مدى إمكانية التقريب، وعلى أي وجه يكون التقريب (إذا أمكن) بدل أن يكونوا ضحية تقية الشيعة وخداعهم؟.\n٤- في كل دعوة للتقارب لا بد من البدء بالأصول قبل الفروع، ومن الغفلة أن يبدأ بدراسة الخلافات الفقهية بين السنّة والشيعة. والشيعة تشذ عن الأمة بكتبها في الحديث ورجالها، وأصولها، في مدلول القرآن ومفهوم السنّة، وفي حجية الإجماع. فأين الأصل الواحد الذي تناقش على ضوئه الخلافات الفقهية؟.\n٥- فتوى شلتوت التي تعتبرها جماعة التقريب ثمرة التقريب وقطفه الشهي هل كانت مبنية على دراسة لمذهب الشيعة أم","vol":"2","page":186},{"text":"مبنية على تصديق شلتوت لدعاوى القمي وغيره بأنه لا خلاف بين السنّة والشيعة؟. الذي أرجحه بناء على ما سمعته من بعض معاصري شلتوت ومجالسيه هو الثاني، ومما يؤكد جهل الشيخ شلتوت بالشيعة أنه يرى أن السبيل الوحيد إلى إعادة الصف الإسلامي إلى وحدته وقوته أن لا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله، وأن نطرح وراء ظهورنا تلكم التأويلات البعيدة للنصوص الشرعية من كتاب وسنّة صحيحة، وأن نفهمها كما فهمها المعاصرون للتنزيل وأن نجعل أهواءنا تبعًا لديننا ولا نجعل ديننا تبعًا لأهوائنا، وأن نحارب احتكار فرد أو أفراد تعاليم الدين، فما كان الإسلام دين أسرار وأحاج لا يعرفها إلا طائفة خاصة تطلع عليها من تشاء وتمنعها عمن تشاء، فما انتقل الرسول - ﷺ - إلى الرفيق الأعلى حتى بلغ الرسالة وأدى الأمانة، وطلب من أصحابه وأتباعه أن يبلغوا ما علموه ... (١) .\nفشلتوت بهذا القول كأنه يحكم على الشيعة - التي أفتى - جهلًا منه - بجواز التعبد على مذهبها - يحكم عليها بأنها لم تسلك سبيل التقريب، لأن الشيعة على خلاف تام لهذه الأركان التي وضعها للتقريب، فاتخاذهم للأئمة أربابًا من دون الله منتشر عندهم وفي كتبهم، وهم أهل التأويلات البعيدة للنصوص الشرعية، ويرون أنه من الكيد للإسلام أن نفهم هذه النصوص كما فهمها المعاصرون للتنزيل من الصحابة، وهم بمزاعمهم في أئمتهم ودعاويهم في مجتهديهم يمثلون في الإسلام ذلك الاحتكار للدين\n_________\n(١) شلتوت: في مقدمته لكتاب «إسلام بلا مذاهب»: ص ٦.","vol":"2","page":187},{"text":"الذي يعنيه شلتوت، وهم يقولون بأن في دين الله أسرارًا وأحاجي لا يعلمها إلا طائفة خاصة - بزعمهم هم أهل البيت لأن الرسول - ﷺ - كتم قسمًا من الشريعة وأودعه إياهم وهم وحدهم عندهم الجفر، والجامعة، ومصحف فاطمة، وعلم ما كان، وما يكون.. إلخ ـ، ولمجتهديهم اتصال بالمنتظر الذي انتهت إليه هذه العلوم بزعمهم.. إلخ. كما شرحنا ذلك بالشواهد والأرقام. فكأن شلتوت بهذا القول ينقض فتواه بنفسه.\nومن المفارقات أن أحد شيوخ الشيعة الذين ينادون بالوحدة الإسلامية سئل عن جواز التعبد بالمذاهب الأربعة فأفتى بالمنع من ذلك (١) .\n٦- وعلى الرغم من قيام الشيعة بتأسيس دار التقريب ومجلتها وجماعتها واستجابة بعض علماء الأزهر لفكرتهم لم نر لهذه الدعوة لهذا التقارب أي أثر بين علماء الشيعة في العراق وإيران وغيرهما، فلا يزال القوم مصرين على ما في كتبهم من ذلك الطعن الجارح والتصوير الكاذب لما كان بين الصحابة من خلاف، ولا تزال مطابع الروافض تقذف سنويًا بعشرات الكتب التي تحمل اللعن والتكفير والتخليد بالنار لخير القرون. وقد بعث أحد القراء المؤمنين بفكرة التقريب برسالة إلى شلتوت بعد إصداره لفتواه يذكر له ما ينشر في بلاد الشيعة من كتب لا تتفق ودعوة التقريب\n\nويدعوهم لأن يجدوا لذلك\n_________\n(١) وهو شيخهم محمد الخالصي، انظر: كتيبه «التوحيد والوحدة»: (ص ٣٣- ٣٤) . وانظر: النص في ملحق الوثائق والنصوص.","vol":"2","page":188},{"text":"حلًا (١)، فأجابه شلتوت: (يمكنكم أن ترجعوا إلى مجلة «رسالة الإسلام» لتروا فيها ما يشفي الغلة ويطمئن القلوب إن شاء الله تعالى) (٢) . وهو جواب يشبه فتواه في الشذوذ والغرابة.\n٧- جاء في القانون الأساسي لجماعة التقريب في المادة الثانية ما يلي: \"أغراض الجماعة هي\":\nالعمل على جمع كلمة أرباب المذاهب الإسلامية \"الطوائف الإسلامية\" الذين باعدت بينهم آراء لا تمس العقائد التي يجب الإيمان بها (٣) .\nوفي هذا القانون الذي قامت عليه الجماعة عدة أخطاء - في نظري -:\n_________\n(١) ومما قاله في رسالته: (هل تعتقدون فضيلتكم بأن فكرة التقريب تنجح من دون أن تساعدها المقامات النافذة مساعدة معنوية حقيقية؟ \"كذا\" فالذي عندي أنه قلما توجد في بلاد التسنن تأليفات حديثة تضرم ثائرة الاختلاف، ولكن توجد كثيرًا في بلاد التشيع تأليفات حديثة تزيد في اضطرام تلك الثائرة ككتاب «الغدير» باللغة العربية في بضعة عشر مجلدًا، وكتاب «شبهاي بيشاوى» باللغة الفارسية في مجلد ضخم، وكذلك تطبع وتنشر كتب كثيرة - أُلفت في العصور السالفة بلحن حاد - إما لم تطبع قبل، وإما طبعت ونفدت نسخها، والآن تجدد طبعتها وسيلة الأُفست وتنشر بين الناس، فالأولى ككتاب «النقض» وكتاب «تحفة الأخبار» والثانية ككتاب «إحقاق الحق» ونظائره، ولا شك أن أمثال تلك المطبوعات الحديثة مخلة بمقاصد جمعية التقريب، أفلا يمكن لأركان دار التقريب وللأستاذ القمي السكرتير مع عنايته الخاصة بهذا الأمر أن يجدوا طريقة لتحديد تلك الإذاعات المنافية لروح الوحدة والائتلاف، والمانعة من نيل جمعية التقريب أهدافها الشريفة؟) أبو الوفاء المعتمدي الكريستاني: «رسالة الإسلام»: (١٢/٣٩٧) .\n(٢) «رسالة الإسلام»: (١٢/٣٩٨) .\n(٣) «رسالة الإسلام»: (١٤/١٥١) .","vol":"2","page":189},{"text":"أولًا: أنها فسرت المذاهب الإسلامية بالطوائف الإسلامية، ولا شك أن مصطلح \"الطوائف\" إنما يطلق على مثل المعتزلة والخوارج والشيعة، فهل دار التقريب تعتبر المذاهب الأربعة طوائف، فتكون قد قامت على قانون يفرق بين المسلمين ولا يقربهم؟. فلا شك أن هذا التفسير يخرج المذاهب الأربعة؛ لأنها ليست بطوائف. لكن دار التقريب أشاعت هذا المفهوم الخاطئ وهو اعتبار المذاهب طوائف. كما قالت: المذاهب أو الطوائف الستة - تعني المذاهب الأربعة، وطائفة الزيدية والشيعة - وفي هذا مغالطة تكمن في اعتبار تعدد المذاهب الفقهية لدى أهل السنّة هو من قبيل تعدد الفرق والطوائف، والحق أن يقال مذهب أهل السنّة ومذهب الشيعة.\nثانيًا: ثم هل مذاهب أهل السنة - المتوارثة عن أئمة الهدى المعروفين ﵏ - هل تحتاج إلى من يقرب بينها مثلها في ذلك - على حسب صنيع دار التقريب - مثل مذهب الشيعة مع غيره؟.\nلا شك أن في هذه التسوية خطأ، والسعي في التقريب بين المذاهب الأربعة سعي في تحصيل الحاصل بالنظر إلى أن أئمة تلك المذاهب أسرة واحدة في خدمة الدين، والرجوع إلى الكتاب والسنّة، والاحتجاج بالإجماع والقياس حتى نضج الفقه الإسلامي على أيديهم.\nثالثًا: وقول \"قانون الجماعة\" أنه أوقع التباعد بين هذه الطوائف آراء لا تمس العقائد: مخالف للواقع؛ إذ كيف يقال هذا والرافضة تكفر من أنكر إمامة أئمتهم الاثني عشر؟، ومعنى هذا أن أهل السنّة في اعتقاد الرافضة مخالفون لهم في أصل الاعتقاد، ثم هل مواقف الشيعة من كتاب الله وسنّة رسوله - ﷺ -","vol":"2","page":190},{"text":"والإجماع والصحابة إلخ، هل هذه قضايا لا تمس العقائد؟\nفهذا القول وهو أنه لا خلاف بين السنّة والشيعة في آراء لا تمس العقائد - إنما - كما يرى الشيخ رشيد رضا - يضر أهل السنّة فقط (١)، لأن ذلك معناه أن أهل السنّة موافقون للشيعة في شذوذهم الذي يهدم الدين والعقيدة ولا يعتبرون ذلك الشذوذ ماسًّا بالعقيدة.\nونكتفي بهذا القدر من التقويم. ومن أراد المزيد ففي «مجلة الفتح» (٢)، و«مجلة الأزهر» (٣)، وكتاب «الخطوط العريضة» للشيخ محب الدين الخطيب (٤)، وما كتبه الشيخ محمود الملاح (٥) ما يفيد المستزيد.\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>(ب) محاولات فردية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>١- من أهل السنة:</span>\nفكرة التقريب تعلق بها كثير من العلماء والكتّاب والمفكرين من المنتمين لأهل السنّة وتحدثوا عن ضرورتها، ولا سيما في هذا\n_________\n(١) مجلة «المنار»: (جـ٢٩/ص ٤٣٣) .\n(٢) مجلة «الفتح»: انظر المجلد السابع عشر ص ٦٣٧، ٧٣٤، ٧٨٣ إلخ.\n(٣) مجلة «الأزهر»: انظر المجلد ٢٥ ص ٦٩٤، المجلد ٢٤ ص ٢٨٣، ٣٢٩، ٥٣٣، إلخ.\n(٤) للشيخ محب الدين الخطيب جهود كبيرة في مواجهة محاولة الروافض نشر عقيدتهم عن طريق التقريب، وقد كتب د. محمود فوزي في رسالته للدكتوراه في محب الدين الخطيب عن هذه الجهود وعقد ص ٢٢٣ مبحثًا لهذا بعنوان: (جهود الخطيب ضد مذاهب الباطنية الشيعة الإمامية الاثني عشرية)، وانتهى إلى القول: (فإن النتيجة لهذه الجهود أنها آتت ثمرتها المباركة، فلم ينخدع بهم - يعني الروافض - أحد وفشلت مهمة التقريب) محمود فوزي: «محب الدين الخطيب»: ص ٢٤٧.\n(٥) انظر رسائله في ذلك ضمن «مجموع السنّة» .","vol":"2","page":191},{"text":"الظرف العصيب من حياة الأمة.\n(أ) ويبدو أن الشيخ محمد عبده (١) كان من أوائل من نادى بهذه الفكرة وقد يكون استقاها من أستاذه الرافضي \"جمال الدين الأفغاني\" (٢)، ولكن مفهوم التقريب عند الشيخ محمد عبده يختلف\n_________\n(١) محمد عبده بن حسن خير الله من آل التركماني: مفتي الديار المصرية، ولد في مصر سنة ١٢٦٦هـ، تعلم بالأزهر، وتصوف، وتفلسف وعمل في التعليم وتولى القضاء، ثم جعل مستشارًا في محكمة الاستئناف فمفتيًا للديار المصرية (سنة ١٣١٧هـ) واستمر إلى أن توفي بالإسكندرية سنة ١٣٢٣هـ. ومن آثاره: «تفسير القرآن الكريم» لم يتمه و«رسالة التوحيد» وغيرها. «الأعلام»: (٧/١٣١)، وانظر: رشيد رضا: «تاريخ الأستاذ الإمام» وانظر: غازي التوبة: «الفكر الإسلامي المعاصر دراسة وتقويم»: ص ١١.\n(٢) جمال الدين الأفغاني: جمال الدين بن صفدر بن علي بن محمد الأفغاني، (وصفدر لفظ فارسي يطلقه الشيعة لقبًا على الإمام علي) وهناك حقائق يذكرها بعض الباحثين تدل على أن هذا «المتأفغن» ماسوني، إيراني مازندراني من أجلاف الشيعة، نفذ كثيرًا من المؤامرات الخطيرة في العالم الإسلامي - بسرية تامة - وعملت الماسونية واليهودية على تصويره بطلًا وحكيمًا من حكماء الإسلام، وهذه الحقائق تدل على أنه يجب أن يعاد النظر في تقويم بعض الرجال في العالم الإسلامي، والموضوع يتطلب دراسة لا يتسع المجال لها هنا، ويراجع في هذا الموضع: المجموعة الوثائقية عن جمال الدين الأفغاني والمنشورة باسم «مجموعة إسناد ومدارك» ومما فيها: صورتان لهذا المتأفغن بعمته النجفية، واحدة له بعد تخرجه من النجف والأخرى خلال إقامته في إيران. انظر: رقم ١٥٦، ١٥٧. وصورتان لتذكرتي مرور (جواز سفر) باسم جمال الدين الأفغاني من قنصلية إيران تثبت إيرانيته. انظر: صورة رقم ١٤٩، ١٥٠ من «مجموعة إسناد» . وانظر: خطاب طلبه الانتساب للماسونية، صورة رقم ٤٠ من «مجموعة إسناد» .\nوراجع كتاب «جمال الدين الأفغاني الأسد أبادي المعروف بالأفغاني» والذي ألفه بالفارسية ابن أخته ميرز لطف الله خان الأسد أبادي وترجمته للعربية، وقدم له د. عبد المنعم محمد حسنين وفيه ما يثبت وجود عائلة جمال الدين في إيران وانعدام أي أثر لهذه الأسرة في أفغانستان =","vol":"2","page":192},{"text":"عما يراه شيخه، فيذكر الشيخ رشيد رضا أن محمد عبده كان يرى طائفة الشيعة من أحوج الفرق إلى التقريب إلى الحق لأنه كان يحكم عليها - كما يقول رشيد - بحكم أشد من حكم شيخ الإسلام ابن تيمية عليهم، ولم يفصح رشيد عن ذلك الحكم لأن (محمد عبده) استكتمه إياه (١)، لكننا لا نجد للشيخ محمد عبده في موضوع التقريب أكثر من هذه الأُمنية والحكم.\n(ب) ونجد تلميذه الشيخ: محمد رشيد رضا (٢) يذهب شوطًا بعيدًا في ذلك. ولعل كتابه «السنّة والشيعة»، أو «الوهابية والرافضة»، ومجلته المنار هما خير مصدر يصور لنا جهاد الرجل في هذا السبيل.\nويذكر رشيد رضا أنه متأثر في نشاطه هذا بأستاذه جمال الدين الأفغاني (٣) .\n_________\n= وانظر: «دائرة المعارف الشيعية»: (٦/١١- ١٢) .\nوأغابزرك الطهراني: «أعلام طبقات الشيعة»: (١/٣١٥) .\nومحسن الأمين: «جمال الدين الأفغاني» .\nوراجع: محمد محمد حسين: «الإسلام والحضارة الغربية»: (ص ٧٥- ٩٠) .\n(١) رشيد رضا: «تاريخ الشيخ محمد عبده»: (١/٩٣٤) .\n(٢) محمد رشيد بن علي رضا بن محمد بن علي القلموني البغدادي الأصل الحسيني النسب، صاحب مجلة «المنار» وأحد رجال الإصلاح الإسلامي، من الكتاب العلماء بالحديث والأدب والتاريخ والتفسير، ولد ونشأ في القلمون (من أعمال طرابلس الشام سنة ١٢٨٢هـ) وتعلم فيها وفي طرابلس، ثم رحل إلى مصر سنة ١٣١٥هـ فاتصل بالشيخ محمد عبده وتتلمذ له، وأصدر مجلة المنار، وأنشأ مدرسة الدعوة والإرشاد، وقام برحلات إلى الهند والحجاز وأوربا، وانتخب عضوًا بالمجمع العلمي العربي بدمشق وتوفي فجأة في القاهرة سنة ١٣٥٤هـ. ومن آثاره: «تفسير القرآن الكريم» لم يكمل، «الخلافة والإمامة العظمى»، «الوحي المحمدي» وغيرهما. انظر: «الأعلام»: (٦/٣٦١- ٣٦٢)، «معجم المؤلفين»: (٩/٣١٠، ٣١١)، أحمد الشرباصي: «رشيد رضا» وغيرها.\n(٣) رشيد رضا: «السنة والشيعة» أو «الوهابية والرافضة»: ص (١٤- ١٥)، الطبعة =","vol":"2","page":193},{"text":"ويبين رأيه في كيفية الاتفاق بقوله: (وأما رأيي في الاتفاق فهو قاعدة المنار الذهبية.. وهي أن نتعاون على ما نتفق عليه ويعذر بعضنا بعضًا فيما نختلف فيه (١» .\nويتحدث رشيد عن مساعيه في سبيل التأليف هذا فيقول: (إنني جاهدت في سبيله أكثر من ثلث قرن) (٢)، ويقول: (إنني تكلمت مع كثير من الفريقين في مصر وسورية والهند والعراق..) (٣)، ثم يتحدث عن عدة أعمال ومساعٍ بذلها في هذا السبيل (٤) .\nولكنه يذكر أن هناك عقبة كبيرة ظهرت له نتيجة اختبار طويل فيقول: (وقد ظهر لي باختباري الطويل وبما اطلعت عليه من اختبار العقلاء وأهل الرأي أن أكثر علماء الشيعة يأبون هذا الاتفاق أشد الإباء، إذ يعتقدون أنه ينافي منافعهم الشخصية من مال وجاه) (٥) .\nويذكر أن بعض محاولاته كادت أن تفلح ولكن لما تنبه لهذا بعض علماء الشيعة بدأوا بالهجوم على المنار وصاحبه لإفساد المحاولة وإبطالها، كما قام أشهر علمائهم على رشيد واتهمه بالتعصب والتفريق لأنهم - كما يقول - يكرهون الاتفاق (٦) .\nكما يتحدث رشيد عن التيار المضاد للتقريب والذي نشط في هذا العصر على يد بعض علماء الشيعة الذين قاموا بتأليف الكتب والرسائل\n_________\n= الأولى، مجلة «المنار»: (٢٩/٦٧٧) .\n(١) «المنار»: (٢٩/٤٢٤)، (٣١/٢٩٣) .\n(٢)، (٣) المصدر السابق: (٣١/٢٩٠) .\n(٤) انظر: «المنار»: (٢٩/٤٢٧)، (٣١/٢٩٠، ٢٩١)، (٣٢/١١٥)، (٣٤/٢٠٩) .\n(٥) مجلة «المنار»: (٣١/٢٩٠) .\n(٦) مجلة «المنار»: (٣١/٢٩٣) .","vol":"2","page":194},{"text":"في الطعن في السنّة السنية، والخلفاء الراشدين الذين فتحوا الأمصار ونشروا الإسلام في الأقطار.. وتم بهم وعد الله «ليظهره على الدين كله (، والطعن في حفاظ السنّة وأئمتها وفي الأمة العربية بجملتها، ويذكر أن الذي بدأ هذا الشقاق وتولى كبره هو شيخهم \"محسن الأمين العاملي\" الذي كان يتظاهر في أول الأمر بالاعتدال تقية وخداعًا، ثم كشف عن صفحته بما كتبه عن \"الوهابية\" في كتابه البذيء الجاهلي \"كشف الارتياب\"، وقام على أثره من علماء شيعة العراق من ألف في الطعن في الصحابة من كبار المهاجرين والأنصار، وفي أئمة حفاظ السنّة كالبخاري ومسلم وكذا الإمام أحمد وغيرهم من أئمة العلم والدين، لا لشيء إلا لعدم موافقتهم لجهلة الروافض على ما يقترفونه من الغلو في مناقب آل البيت.. (١) .\nولهذا لم يجد رشيد رضا بدًّا من الرد على مفترياتهم وقال بأنه لم يهاجم الشيعة، وإنما رد بعض عدوانهم، لأن هذا الطعن الموجه للصحابة وأئمة السنّة وحفاظها لا يفيد منه إلا العدو (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>(ج) مصطفى السباعي </span>(٣):\nهو من دعاة التقارب والمهتمين بمسألة التقريب، وقد بذل عدة مساعٍ مع بعض علماء الشيعة لتحقيق هذا الأمر، وسعى لعقد مؤتمر إسلامي لدراسة السبل الكفيلة لإرساء دعائم الألفة والمودة والتقارب\n_________\n(١) مجلة «المنار»: (٣١/٢٩١- ٢٩٢) .\n(٢) المصدر السابق: (٣١/٢٩٢) .\n(٣) هو الشيخ الدكتور مصطفى حسني السباعي من كبار رجالات العلم والدعوة في العالم الإسلامي عمل أستاذًا في كلية الحقوق في جامعة دمشق وكانت مساعيه وجهوده وراء إنشاء كلية الشريعة في دمشق وكان أول عميد لها، واشترك =","vol":"2","page":195},{"text":"بين الفريقين. وبدأ تطبيق بعض ما يراه من وسائل التقريب بنفسه؛ فأخذ يعرض فقه الشيعة في مؤلفاته ودروسه في كلية الشريعة بجامعة دمشق.\nوكان يرى من أكبر العوامل في التقريب أن يزور علماء الفريقين بعضهم بعضًا، وأن تصدر الكتب والمؤلفات التي تدعو إلى التقارب (١)، كما يرى عدم إصدار الكتب التي تثير ثائرة أحد الطرفين (٢) .\nوقام مصطفى السباعي بزيارة أحد مراجع الشيعة الكبار - ومن يعتبر عندهم من أكبر دعاة الوحدة الإسلامية والتقريب بين المذاهب والدعوة إلى توحيد الصف وجمع الكلمة (٣) - وهو شيخهم عبد الحسين شرف الدين الموسوي، فألفاه متحمسًا لهذه الفكرة ومؤمنًا بها، واتفق معه على عقد مؤتمر إسلامي بين علماء السنّة والشيعة لهذا الغرض، كما قام السباعي بزيارة وجوه الشيعة من\n_________\n= في المقاومة المسلحة ضد القوات الاستعمارية الفرنسية وكان له نشاط كبير في الدعوة إلى الله وقام بإنشاء الحركة الإسلامية في سوريا وقيادتها، كما شارك في الجهاد ضد اليهود والدفاع عن بيت المقدس. وقد توفي ﵀ عام ١٣٨٤/١٩٦٤م وكانت ولادته عام ١٩١٥م وترك آثارًا علمية عديدة مثل: «السنّة ومكانتها في التشريع الإسلامي»، «المرأة بين الفقه والقانون»، «السيرة النبوية» وغيرها. انظر: مجلة «حضارة الإسلام»: عدد خاص عن السباعي، السنة الخامسة ١٣٨٤هـ عدد: ٤، ٥، ٦، وانظر: فتحي يكن: «الموسوعة الحركية»: (١/١٤١)، محمد المجذوب: «علماء ومفكرون عرفتهم»: (ص ٣٥٧- ٣٨٩) .\n(١) مصطفى السباعي: «السنّة ومكانتها في التشريع الإسلامي»: (ص ٨- ٩) .\n(٢) المصدر السابق: ص ١١.\n(٣) أغابزرك: «طبقات أعلام الشيعة»: ص ١٠٨٢.","vol":"2","page":196},{"text":"سياسيين وتجار وأدباء للغرض نفسه. وخرج من هذه الاتصالات فرحًا جذلًا لحصوله على تلك النتائج (١) .\nوما كان يخطر ببال السباعي ﵀ أو يدور بخلده ما تنطوي عليه النفوس القوم من أهداف، وما يرمون إليه من وراء دعوة التقريب من خطط، حتى فوجئ السباعي - كما يقول - بعد فترة بأن هذا الموسوي المتحمس للتقريب قام بإصدار كتاب \"في أبي هريرة\" مليء بالسباب والشتائم، بل انتهى فيه إلى القول (بأن أبا هريرة (كان منافقًا كافرًا وأن الرسول قد أخبر عنه بأنه من أهل النار) (٢) . ثم يقول السباعي: (لقد عجبت من موقف عبد الحسين في كلامه وفي كتابه معًا، ذلك الموقف الذي لا يدل على رغبة صادقة في التقارب ونسيان الماضي) (٣) .\nويذكر السباعي أن غاية ما قدم شيوخ الشيعة تجاه فكرة التقريب هي جملة من المجاملة في الندوات والمجالس مع استمرار كثير منهم في سب الصحابة وإساءة الظن بهم، واعتقاد كل ما يروى في كتب أسلافهم من تلك الروايات والأخبار (٤) . ويذكر أنهم وهم ينادون بالتقريب لا يوجد لروح التقريب أثر لدى علماء الشيعة في العراق وإيران، فلا يزال القوم مصرين على ما في كتبهم من ذلك الطعن الجارح والتصوير المكذوب لما كان بين الصحابة من خلاف، كأن المقصود من دعوة التقريب هي تقريب أهل السنّة إلى مذهب الشيعة (٥) .\n_________\n(١) مصطفى السباعي: مرجع سابق: ص ٩.\n(٢) السباعي: مرجع سابق: هامش ص ٩.\n(٣) المصدر السابق: ص ١٠.\n(٤) المصدر السابق: ص ٩- ١٠.\n(٥) المصدر السابق: ص ٩- ١٠.","vol":"2","page":197},{"text":"ويذكر السباعي: أن كل بحث علمي في تاريخ السنّة أو المذاهب الإسلامية لا يتفق مع وجهة نظر الشيعة يقيم بعض علمائهم النكير على من يبحث في ذلك، ويتسترون وراء التقريب ويتهمون صاحب هذا البحث بأنه متعصب معرقل لجهود المصلحين في التقريب. ولكن كتابًا ككتاب \"عبد الحسين شرف الدين\" في الطعن بأكبر صحابي موثوق في روايته للأحاديث في نظر أهل السنّة - لا يراه أولئك العائبون أو الغاضبون عملًا معرقلًا لجهود الساعين إلى التقريب. ويقول: ولست أحصر المثال بكتاب «أبي هريرة» المذكور، فهنالك كتب تطبع في العراق وفي إيران وفيها من التشنيع على جمهور الصحابة ما لا يحتمل سماعه إنسان ذو وجدان وضمير المواد المستنفدة للأوزونا يؤجج نيران التفرقة من جديد (١) . هذه تجربة الشيخ السباعي ﵀ ومحاولته أفلست أمام تعصب شيوخ الشيعة وإصرارهم في عدوانهم على خير جيل وجد في خير القرون.\nوأصبح التقريب في مفهوم الشيعة: أن يتاح لهم المجال لنشر عقائدهم في ديار السنّة، وأن يستمروا في نيلهم من أصحاب رسول الله - ﷺ -، وأن يسكت أهل السنّة عن بيان الحق، وإن سمع الروافض صوت الحق يعلو هاجوا وماجوا قائلين إن الوحدة في خطر!!!\n_________\n(١) المصدر السابق: ص ١٠.","vol":"2","page":198},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>(د) محاولة الشيخ موسى جار الله:</span>\nإن المحاولة التي قام بها الشيخ موسى جار الله كانت محاولة تحمل ميزات عظيمة الشأن منها:\nأولًا: أنها محاولة واعية مدركة قامت بالدراسة المهتمة لطائفة الشيعة من خلال معبرين هامين للتعرف على ما عليه القوم بصدق وجلاء.\nالمعبر الأول: أن الشيخ اطلع على كتب الشيعة وطالعها باهتمام، كما يذكر أنه اطلع على «أصول الكافي وفروعه»، و«من لا يحضره الفقيه» وجميع كتب «الوافي»، و«مرآة العقول»، ومجلدات عديدة من «بحار الأنوار» و«غاية المرام» وكتب كثيرة غير هذه الكتب (١) .\nالمعبر الثاني: أنه عاش في ديار الشيعة أكثر من سبعة أشهر يزور معابدها ومشاهدها ومدارسها، ويحضر محافلها وحفلاتها في العزاء والمآتم، ويحضر حلقات الدروس في البيوت والمساجد وصحونها والمدارس وحجراتها، وأقام بالنجف أيام المحرم ورأى كل ما تأتي به الشيعة أيام العزاء ويوم عاشوراء.. (٢) .\nثانيًا: أن الشيخ موسى ﵀ عاش بين كتب الشيعة وديارها وهو لا يحمل أية فكرة سابقة أو خلفية عدائية لهم، بل إنه كان محبًّا لهم متعاطفًا معهم، حتى إنه ألف رسالة يدعو فيها العالم الإسلامي إلى اعتبار مذهب الشيعة مذهبًا خامسًا لأنه لا يرى - حسب ما كان لديه من معلومات قبل زيارته لديار الشيعة وقراءته لكتبها -\n_________\n(١) «الوشيعة»: ص ١٩.\n(٢) «الوشيعة»: ص: ز - ح.","vol":"2","page":199},{"text":"خلافًا بين السنّة والشيعة إلا في بعض الفروع كما هو تصور الشيخ محمود شلتوت، ومحمد الغزالي، وسليمان دنيا وغيرهم. والسبب في دعوته للعالم الإسلامي إلى ذلك هو أنه - كما يذكر - لا يعرف عن الشيعة سوى ما قرأه عنها في كتب الفرق والمقالات، وفي كتب الفقه الخاصة بالشيعة. من هذين المصدرين استمد معلوماته عن الشيعة، ولذلك كتب رسالته إلى العالم الإسلامي في التقريب.\nفهو إذن رجل يعيش فكرة التقريب في نفسه بل هو من دعاتها، ولا يحمل إلا التصور الطيب عن الشيعة.\nولهذا وغيره نرى أهمية هذه \"المحاولة\" وتميزها عن غيرها بالدراسة والمعايشة، لهذا سنقف للتعريف بالشيخ<span data-type=\"title\" id=toc-151> موسى جار الله </span>وبمحاولته على سبيل التفصيل.\nموسى جار الله:\nموسى بن جار الله التركستاني القازاني الروسي، شيخ مشايخ روسيا، ولد بمدينة رستون الواقعة على نهر الدون بروسيا عام ١٢٩٥هـ، وتعلم في المدارس الإسلامية بمدينة قازان ثم في بخارى، وتولى إمامة الجامع الكبير في بتروغراد (ليننغراد)، كان في العهد القيصري وبداية الحكم السوفيتي في روسيا صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في أمور مسلمي روسيا الذين يزيدون عن ثلاثين مليون نسمة، ثم هبت عليه أعصار الشيوعية فطوحت به بعيدًا عن دياره وأهله.\nقال عنه الأستاذ محمد كرد علي (١) \"رئيس المجمع العلمي\n_________\n(١) محمد بن عبد الرزاق بن محمد كرد علي: مؤرخ، كاتب، صحفي، سياسي. هو =","vol":"2","page":200},{"text":"العربي\": (تشرفت في القاهرة بالتعارف إلى العالم القازاني العظيم شيخ إسلام روسيا موسى جار الله، وكنت أعجب بالقليل الذي طالعته من تآليفه ورسائله ومقالاته، ولما أخرج كتابه «الوشيعة» في الشيعة رأيت فيه الإمام الذي انعقد الإجماع على جلالة علمه وشدة غيرته على النهوض بالمسلمين في المشارق والمغارب. طوف الإمام جار الله في الأقطار وجاء اليابان والهند والحجاز وغيرها، وأخذ العلم عن الشيوخ الذين تفردوا بعلوم يشتهي التعمق فيها والتلقي عن أئمتها.\nوقد اضطهدته روسيا وإنكلترا واعتقلتاه زمن الحرب العالمية الثانية وسجنته روسيا لأنه لم يقل - فيما قيل - بالتعاليم الشيوعية، ولم يقر حكومتها على إغلاق مساجد المسلمين ومدارسهم وتشتيت علمائهم ولم نعرف وجهًا لاعتقال إنكلترا له في الهند!!\nصورة من أجمل صور العلماء العالمين.. وهو من الأفراد الذين لا يحسن بهم الدهر - كذا - على العالم إلا في العصر بعد العصر، وحياتهم من أولها إلى آخرها حافلة بالخير والنفع) (١) . ا. هـ.\nوقال الشيخ موسى جار الله (عن نفسه): (كان بوسعي أن أغدو كاتب روسيا الأول وأحد زعماء الطليعة فيها لو أنني تخليت عن إيماني، ولكنني آثرت أن أشتري الآخرة بالدنيا..) (٢) .\n_________\n= أول رئيس للمجمع العلمي العربي، وكان مولده في دمشق ١٢٩٣هـ. وتوفي فيها سنة ١٣٧٣هـ ومن آثاره: «خطط الشام» في ستة أجزاء، «الإسلام والحضارة العربية» في مجلدين وغيرهما. «معجم المؤلفين»: (١٠/١٦٢- ١٦٣) .\n(١) محمد كرد علي: «المذكرات»: (٣/١٢٣٣) .\n(٢) جريدة السجل العراقية: العدد ٦٥٠، السنة ١٨، ١٠ شوال ١٣٦٨هـ. مقابلة مع =","vol":"2","page":201},{"text":"وفي مجلة المجمع العلمي العربي ورد أن موسى جار الله إمام في اللغة العربية له معرفة واسعة بعلوم اللغة وأصولها وصرفها ونحوها وبيانها وقريضها.. فلا تكاد تذكر أمامه مادة من مواد اللغة إلا أجابك على الفور عما إذا كانت قد وردت في القرآن أم لا، وكم مرة وردت وفي أية سورة، لأنه مستظهره أتم الاستظهار (١) .\nبالإضافة لمعرفته باللغات: الفارسية، والتركية، والتترية، والروسية، ومن آثاره بالعربية: «الوشيعة في نقد عقائد الشيعة»، «تاريخ القرآن والمصاحف»، «القواعد الفقهية»، و«نظام التقويم في الإسلام» . وقد وافاه الأجل في مصر عام ١٣٦٩هـ (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>محاولة الشيخ موسى جار الله للتقريب:</span>\nيرى الشيخ موسى جار الله أن محاولته (هي أول تدبير في تأليف قلوب الأمة: الشيعة، وأهل السنّة والجماعة) (٣) .\nولا أعتقد أن الشيخ موسى كان يجهل أن هناك محاولات بذلت في هذا السبيل من قلبه، بل إنه قبل هذه المحاولة كانت له جهود في سبيل التقريب وألف رسالة دعا فيها العالم الإسلامي إلى اعتبار مذهب الشيعة مذهبًا خامسًا مع المذاهب الأربعة - كما سبق - فهو إذن لا يعني أنها أول تدبير.. بإطلاق، ولكنها كانت أول تدبير لأنها مبنية على دراسة واعية، أما المحاولات الأخرى فقد كانت\n_________\n= موسى جار الله بعنوان (آخر شيخ للإسلام في روسيا يقول ...) .\n(١) المعلوف: «مجلة المجمع العلمي العربي»: (٤/٢٦٦) .\n(٢) انظر: «الأعلام»: (٨/٢٦٩- ٢٧٠)، «معجم المؤلفين»: (١٣/١٣٦- ١٣٧) .\n(٣) عبارة كتبها موسى جار الله على ظهر «الوشيعة» .","vol":"2","page":202},{"text":"خطوات متعجلة، وجهودًا مرتجلة - في الغالب - فقدت الركن الأول في التقريب؛ وهو الدراسة الواعية لكتب القوم، ومدى إمكانية التقريب على ضوئها.\nوقد بدأ الشيخ بالدراسة لكتب الشيعة الأساسية، والحياة \"المتأملة\" بينهم، وقد تبين للشيخ في النهاية أن كتب الشيعة قد أجمعت على أمور لا تتحملها الأمة، واتفقت على أشياء كثيرة لا يرتضيها الأئمة، ولا تقتضيها مصلحة الإسلام وتناقض أكثر مصالح الأمة، ثم هي جازفت في مسائل منكرة مستبعدة ما كان ينبغي وجودها في كتب الشيعة ولا يظن بالأئمة اعتقادها (١)، ولا يتحملها العقل والأدب. ودعوى الائتلاف وليست إلا أهوية تنفخ في ضرام العداء، وكلمة التوحيد توجب اليوم على مجتهدي الشيعة نزع تلك العقائد من الكتب لتجتث جذورها من القلوب.. وإلا فإن الكلمات هراء وأثر المؤتمرات عداء (٢) .\nويرى الشيخ أن (نقد عقائد الشيعة هو أول مرحلة من تأليف قلوب الأمة لا تأليف بدونها) (٣) .\nوقد امتلأ قلب الشيخ حسرة وألمًا مما رآه من منكرات في كتب الشيعة وواقعها (٤) .\nوقد كان أول مساعيه في التقريب لقاؤه مع شيخ الشيعة محسن\n_________\n(١) انظر: «الوشيعة»: ص ٢٠.\n(٢) انظر: «الوشيعة»: ص أ.\n(٣) انظر: «الوشيعة»: ص ١٧.\n(٤) راجع: «الوشيعة»: ص ٢٣١.","vol":"2","page":203},{"text":"الأمين في طهران وجرى بينهما بعض الحديث، ثم قدم له الشيخ موسى ورقة صغيرة كتب فيها ما يلي:\n١- أرى المساجد في بلاد الشيعة متروكة مهملة وصلاة الجماعة فيها غير قائمة، والأوقات غير مرعية، والجمعة متروكة تمامًا، وأرى المشاهد والقبور عندكم معبودة.. ما أسباب كل هذه الأمور؟.\n٢- لم أر فيكم لا بين الأولاد ولا بين الطلبة ولا بين العلماء من يحفظ القرآن ولا من يقيم تلاوته، ولا من يجيد قراءته، أرى القرآن عندكم مهجورًا، ما سبب سقوط البلاد إلى هذا الدرك الأسفل من الهجر والإهمال؟ أليس عليكم أن تهتموا في إقامة القرآن الكريم في مكاتبكم ومدارسكم ومساجدكم؟\n٣- أرى ابتذال النساء وحرمات الإسلام في شوارع مدنكم بلغ حدًا لا يمكن أن يراه الإنسان في غير بلادكم.\nقال الشيخ موسى جار الله: (كتبت في الورقة هذه المسائل.. في ٢٦/٨/١٩٣٤ بطهران وسلمتها للسيد المحسن الأمين العاملي. ثم لم أر حضرة السيد. وسمعت خطيبًا في حفلة أتى بكلمات دلت على أن تلك الورقة تداولتها الأيدي (١) .\nثم قام الشيخ بإرسال رسالة إلى علماء النجف بتاريخ ٢١/١١/١٣٥٣هـ، ثم أرسل الرسالة نفسها إلى علماء الكاظمية بتاريخ ٢٨/١١/١٣٥٣هـ، وقد كتب الشيخ على وجه الرسالة \"الغلاف\":\n_________\n(١) «الوشيعة»: ص ط - ي.","vol":"2","page":204},{"text":"أُقدم هذه المسائل لأساتذة النجف الأشرف بيد الاحترام، بأمل الاستفادة، بقلب سليم صادق، كله رغبة في تأليف قلوب عالمي الإسلام\n(١) الشيعة الإمامية الطائفة المحقة - يعني على زعمهم -\n(٢) عامة أهل السنّة والجماعة، راجيًا إجابة السادة الأساتذة جمعًا أو فرادى: كل ببيانه البليغ، بتوقيع يده، مؤكدًا بخاتمه ومهره.\nوسيكون إن شاء الله ﷻ لإفادات الأساتذة شأن في عالم الإسلام يذكر. (وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر) (١) (٢) .\nثم أورد في الرسالة ما في كتب الشيعة من أمور منكرة مشيرًا إلى أرقام الصفحات في كل ما يذكره. فذكر عدة قضايا خطيرة في كتب الشيعة تحول بين الأمة والائتلاف مثل:\n١- تكفير الصحابة.\n٢- اللعنات على العصر الأول.\n٣- تحريف القرآن الكريم.\n٤- حكومات الدول الإسلامية وقضاتها وكل علمائها طواغيت في كتب الشيعة.\n٥- كل الفرق الإسلامية كافرة ملعونة خالدة في النار إلا الشيعة.\n٦- الجهاد في كتب الشيعة مع غير الإمام المفترض طاعته حرام مثل حرمة الميتة وحرمة الخنزير، ولا شهيد إلا الشيعة، والشيعي شهيد ولو مات على فراشه، والذين يقاتلون في سبيل الله من غير الشيعة\n_________\n(١) الأنفال: آية ٧٢.\n(٢) «الوشيعة»: ص ١٨.","vol":"2","page":205},{"text":"فالويل يتعجلون.\nثم قال الشيخ - بعد ما نقل شواهد هذه المسائل من كتب الشيعة المعتمدة مخاطبًا شيوخ الشيعة -: هذه ست من المسائل، عقيدة الشيعة فيها يقين. فهل يبقى في توحيد كلمة المسلمين في عالم الإسلام من أمل وهذه عقيدة الشيعة؟\nوهل يبقى بعد هذه المسائل، بعد هذه العقيدة، لكلمة التوحيد في قلوب أهليها من أثر؟ وهل يمكن أن يكون للأمم الإسلامية، ولهم هذه العقيدة في سبيل غلبة الإسلام في مستقبل الأيام من سعي؟\nثم أردف ذلك بمسائل منكرة أخرى مثل:\n٧- رد الشيعة لأحاديث الأمة ودعواهم أن كل ما خالف الأمة فيه الرشاد (ويرى أن هذا المبدأ هدم لدين الشيعة قبل أن يهدم دين الإسلام) .\n٨- وما في كتب الشيعة من أبواب في آيات وسور نزلت في الأئمة والشيعة وفي آيات وسور نزلت في كفر أبي بكر وعمر وكفر من اتبعهما.\n٩- وغلو الشيعة في التقية.\n١٠- ثم ذكر أباطيل أخرى شنيعة في كتب الشيعة مثل:\n١- أن عليًا أمير المؤمنين طلق عائشة فخرجت من كونها أم المؤمنين.\n٢- أن القائم إذا يقوم يقيم الحد على عائشة انتقامًا لأمه ابنة النبي السيدة فاطمة عليها وعلى أبيها وأولاده الصلاة والسلام.","vol":"2","page":206},{"text":"٣- أن القائم إذا ظهر يهدم مساجد الإسلام..\n١١- ثم ذكر أن دين الشيعة روحه العداء، وأن ما في كتب الشيعة من حكايات العداء بين الصديق والفاروق وبين علي كلها موضوعة.\n١٢- وذكر أن كتب الشيعة تقول على لسان بعض الأئمة: إن الأمة، وإن كانت لها أمانة وصدق ووفاء، لا تكون مؤمنة لإنكارها الولاية.\nوأن الشيعة وإن لم يكن عندها شيء من الدين لا عتب لها، لأنها تدين بولاية إمام عادل.\nوذكر مسائل أخرى (١) ثم قال:\n(فتفضلوا أيها الأساتذة السادة بالإفادة حتى يتحد الإسلام وتجتمع كلمة المسلمين حول كتاب الله المبين) .\nفماذا كان جواب شيوخ الشيعة؟\nيقول الشيخ موسى جار الله: (راجعت مجتهدي الشيعة بهذه المسائل التي نقلتها من أمهات كتب الشيعة عرضًا على سبيل الاستيضاح عملًا بأمر الله في كتابه: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون «٢) ثم انتظرت سنة وزيادة ولم أسمع جوابًا من أحد، إلا من كبير مجتهدي الشيعة بالبصرة، فقد قام بوظيفته وتفضل علي بكل أجوبته في كتاب تزيد صفحاته على تسعين بكلمات في الطعن\nفي\n_________\n(١) انظر: «المراجعة» بكمالها في «الوشيعة»: (ص ١٨ - ٣٨) .\n(٢) النحل: آية ٤٣، الأنبياء: آية ٧.","vol":"2","page":207},{"text":"العصر الأول أشد وأجرح من كلمات كتب الشيعة) .\nثم كتب الشيخ موسى كتابه «الوشيعة في نقد عقائد الشيعة» بعد أن لم ير استجابة من شيوخ الشيعة، ويقول إنني أدافع بذلك عن شرف الأمة وحرمة الدين، وأقضي به حقوق العصر الأول علي وعلى كل الأمة (١) .\nولما طبع كتاب «الوشيعة»، كثرت الردود عليه (٢) وكلها لا تخرج عما قال موسى جار الله عن جواب مجتهد البصرة إلا تقية، كما يلاحظ القارئ لباب «آراء دعاة التقريب» .\nوإذا كان الشيخ موسى جار الله يرى في نشره كتاب «الوشيعة» وفي نصحه للشيوخ الشيعة أن ذلك أول تدبير في التأليف والتقريب، فإن شيوخ الشيعة ترى أن ما كشفه الشيخ موسى يجب أن يكون دفينًا ويستفزهم مثل هذا الكشف غاية الاستفزاز، حتى قال آيتهم محسن الأمين إنه (أول تدبير وآخره في تنفير القلوب وأنه يوقد نار العداوة ويجرح عواطف أكثر من مائة وثلاثين مليونًا من الشيعة بغير حق) (٣) .\nوالسبب في انزعاج شيوخ الشيعة من أي كشف لما في كتبهم من أباطيل: أن في ذلك فضحًا لأغراضهم ومآربهم، وكشفًا\n_________\n(١) «الوشيعة»: ص ٣٩.\n(٢) فمن ذلك: محسن الأمين: «الشيعة بين الحقائق والأوهام»، عبد الحسين شرف الدين الموسوي: «أجوبة مسائل جار الله»، عبد الحسين الرشتي: «كشف الاشتباه»، وغيرها.\n(٣) «الشيعة بين الحقائق والأوهام»: (ص ٦ - ٧) .","vol":"2","page":208},{"text":"لاستغلالهم للجمهورالساذج، من الشيعة، دينيًا باسم النيابة عن المعصوم المنتظر، وماليًا باسم خُمس هذا المنتظر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>٢- المحاولات الفردية للتقريب من الشيعة:</span>\nفي هذا العهد كثر دعاة التقريب من الروافض، وأصبحت كلمة التقريب أو الوحدة تتردد على ألسنة الكثير منهم.\n(أ) فهذا آيتهم العظمى محمد الخالصي (١) يرفع شعار الوحدة الإسلامية في العراق، ويرددها في نشراته وخطبه ورحلاته (٢)، ولكنه وهو يدعو للوحدة يصدر منه ما يناقض هذه الدعوة؛ فهو يرى أن (الأئمة الاثني عشر أركان الإيمان ولا يقبل الله تعالى الأعمال من العباد إلا بولايتهم) (٣) وفي هذا تكفير للمسلمين الذي يدعو للوحدة معهم، وهو يطعن في أبي بكر وعمر ﵄ (٤) . مخالفًا\n_________\n(١) محمد بن محمد مهدي الخالصي من شيوخ الشيعة المعاصرين ودعاة الوحدة الإسلامية في العراق، وهو الشيخ الشيعي الوحيد الذي يقيم مع جماعته \"صلاة الجمعة\" في العراق. انظر: محمد الخالصي: «الجمعة» ويرى بأن الشهادة الثالثة (أشهد أن عليًّا ولي الله) في آذان الشيعة هي من وضع الغلاة. الخالصي: «الاعتصام بحبل الله»: ص ١٨. وقد أثار ذلك ردود فعل لدى الشيعة الآخرين. انظر: «الاعتصام بحبل الله»: ص ٦٥، ٧٨، ١١٣، ١١٧ وصدرت عدة كتب في الرد عليه من شيعته، ويقول الملاح عن الخالصي أنه في كل فترة على مذهب، وأنه منذ حل في الكاظمية - حي من أحياء بغداد يسكنه الشيعة - افترق أهلها. الملاح: «حجة الخالصي»: ص ٥. وللخالصي أكاذيب مفضوحة وآراء غريبة شاذة لا يتسع المجال لعرضها، وقد توفي الخالصي وخلفه في مركزه أبناؤه. ومن كتبه ورسائله: «الجمعة»، «إحياء الشريعة في مذهب الشيعة» وغيرهما.\n(٢) انظر مثلًا: الخالصي: «الإسلام فوق كل شيء»: ص ٦٥.\n(٣) محمد الخالصي: «الاعتصام بحبل الله»: ص ٤٣.\n(٤) انظر كلام الخالصي في ذلك ص ١١١ - ١١٢ من هذا البحث.","vol":"2","page":209},{"text":"بذلك القرآن والسنّة وإجماع المسلمين، ومتعمدًا جرح عواطف جميع المسلمين ما عدا الروافض، فهل هو بهذا يخدم دعوة الوحدة أو يهدمها؟!\nولقد وقفنا على نص خطير له يكشف حقيقة الوحدة التي يدعو إليها وأنها تقوم على سب الصحابة، فقد صرح بأنه يريد من أهل السنّة أن يتحدوا معه على سب عائشة أم المؤمنين وخيار صحابة رسول الله المؤمنين وإلا يفعلوا فلا وحدة، وسيلوذ الخالصي بالتقية، يقول: (..فإن وافقنا باقي طوائف المسلمين - يعني على لعن الصحابة وسبهم - تمت الكلمة وائتلف الشمل، وإن أبوا رجعنا إلى حكمنا الأول وهو \"التقية\" حذرًا من الفرقة وحرصًا على اتحاد الكلمة وقلنا: لا نسب معاوية لأنه صحابي وخال المؤمنين.. وإن جاء بالسيئات التي لا تغفر! ونذكر عائشة بكل خير وإن قتلت أبناءها وأحدثت الفتن! ولكن الأولى بإخواننا أن يتفقوا معنا) (١) .. - أي على سب الصحابة -.\nوقد كشف الأستاذ محمود الملاح ألاعيب الخالصي في دعوته للوحدة (٢)، كما أن لعلامة الشام محمد بهجت البيطار مراسلات مع الخالصي في مسألة الصحابة انتهت بيأسه من استجابة الرجل (٣) .\nوبعد ما تبين لنا حقيقة الوحدة التي يدعو إليها الخالصي نتركه ونأخذ نموذجًا آخر.\n(ب) فهذا أحد آيات الشيعة وهو \"عبد الحسين شرف الدين الموسوي\" (٤) . ينادي بفكرة التقارب والتآلف بين المسلمين،\n_________\n(١) الخالصي: «الإسلام سبيل السعادة والسلام»: ص ٩٠.\n(٢) انظر: محمود الملاح: «الوحدة الإسلامية بين الأخذ والرد» .\n(٣) انظر: البيطار: «الإسلام والصحابة الكرام بين السنّة والشيعة» .\n(٤) عبد الحسين بن يوسف بن جواد بن إسماعيل بن محمد بن إبراهيم الملقب بشرف =","vol":"2","page":210},{"text":"ويتحمس لها.\nولكنه بينما هو يسعى بحماس للتقريب بين السنّة والشيعة إذ هو يصدر الكتب المليئة بالطعن في حق خيار الصحابة الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، والذين هم موضع حب أهل السنّة، فهل هذا صنيع من يريد التقارب بصدق؟\nوللدكتور مصطفى السباعي قصة مع عبد الحسين هذا ذكرها في كتابه «السنّة ومكانتها في التشريع» وأشرنا إليها فيما مضى. تبين للسباعي أن عبد الحسين من دعاة التقريب بلسانه ودعاة الفرقة بقلمه وعمله.\nوإذا رجعنا إلى ما كتبه عبد الحسين في مسألة التقريب نجد أن من أهم كتبه في هذه القضية كتابين:\nالأول: «الفصول المهمة في تأليف الأمة» .\nالثاني: «المراجعات» .\nوسنتوقف عند كل واحد منهما لنرى مفهوم الرجل للتقريب وهدفه من خلال دعوة التقريب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>١- «الفصول المهمة»:</span>\nوهو في هذا الكتاب يدعو إلى تأليف الأمة، ولكن على أي أساس؟.\nإنه يريد من أهل السنّة أن يؤمنوا بأن الصحابة يدينون بمبدأ\n_________\n= الدين، من كبار شيوخ الشيعة، ولد في الكاظمية سنة ١٢٩٠ وتوفي في بيروت سنة ١٣٧٧هـ. من كتبه: «أبو هريرة»، «المراجعات» . أغابزرك الطهراني: «طبقات أعلام الشيعة»: (٣/١٠٨٠) .","vol":"2","page":211},{"text":"فصل الدين عن الدولة، فهم - كما يدّعى - إنما كانوا يتعبدون بالنصوص إذا كانت متمحضة للدين مختصة بالشؤون الأخروية.. أما ما كان متعلقًا بالسياسة فإنهم لم يكونوا يرون التعبد بها.. ولذلك عدل هؤلاء - يعني جمهور الصحابة - في الخلافة عن وليها المنصوص عليه من نبيها (١) .\nوهو يزعم أنه بهذا الأسلوب يؤلف بين الأمة، ثم يقوم بعد هذا بتأليف كتاب مستقل في هذا \"الافتراء\" يسميه «النص والاجتهاد» (طبع في النجف سنة ١٣٧٥هـ) .\nوهو في كتابه «الفصول المهمة» يعقد عدة فصول يضمنها أحاديث (من طريق السنّة) تفيد الحكم بإيمان الموحدين (٢)، ثم يورد من طريق الشيعة ثلاثة أحاديث لم يتم واحدًا منها (٣) تفيد هذا الحكم، ثم يفضح نفسه وحقيقة مذهبه في الفصل الخامس - بعد تدرج بالقارئ وخداع له طيلة الفصول التي قبله - فيقول: بأن تلك الأخبار بإيمان مطلق الموحدين مخصوصة عندهم بالإيمان بالولاية للاثني عشر، لأنهم في زعمه باب حطة لا يغفر إلا لمن دخلها. والإيمان بهم من أصول الدين (٤)، وقد أجمع المسلمون على معذرة من تأول في غير أصول الدين (٥) .\n_________\n(١) «الفصول المهمة»: ص ٩٦.\n(٢) المصدر السابق: (ص ١٦- ٢٢) .\n(٣) السابق: (ص ٢٣- ٢٤) .\n(٤) السابق: ص ٣٢.\n(٥) «الفصول المهمة»: ص ٤٥.","vol":"2","page":212},{"text":"فمفهوم التأليف عند عبد الحسين أن يؤمن المسلمون بأئمته الاثني عشر وأن يدينوا بالطعن في الصحابة والقدح فيهم. أي باختصار أن يؤمن المسلمون بمذهب الشيعة الرافضة.\n٢- أما كتاب «المراجعات»:\nفقد استحوذ على اهتمام دعاة التشيع وجعلوه من أكبر وسائلهم التي يخدعون بها الناس. أو بعبارة أدق يخدعون به أتباعهم وشيعتهم، لأن أهل السنّة لا يعلمون عن هذا الكتاب شيئًا ولا غيره من عشرات الكتب التي تخرجها مطابع الروافض.. اللهم إلا من له عناية واهتمام خاص بمذهب الشيعة، وقد طبع هذا الكتاب أكثر من مائة مرة - كما زعم ذلك بعض الروافض - (١) والكتاب في زعم مؤلفه \"واقعة\" من وقائع التقارب بين أهل السنّة والشيعة، وهو عبارة عن مراسلات بين شيخ الأزهر «سليم البشري» (٢)، وبين عبد الحسين هذا انتهت بإقرار شيخ الأزهر بصحة مذهب الروافض، وبطلان مذهب أهل السنة.\nوالكتاب لا شك موضوع ومكذوب على شيخ الأزهر وبراهين الكذب والوضع له كثيرة نعرض لبعض منها. وقبل ذلك نشير إلى أن الروافض من دأبهم وضع بعض المؤلفات ونسبتها لبعض مشاهير أهل السنّة، كما وضعوا كتاب «سر العالمين» ونسبوه إلى حجة الإسلام «محمد الغزالي» - كما سلف - (٣)، كما أن أول كتاب\n_________\n(١) أحمد مغنية: «الخميني أقواله وأفعاله»: ص ٤٥.\n(٢) سليم بن أبي فراج البشري، تولى مشيخة الأزهر مرتين وتوفي بالقاهرة ١٣٣٥هـ. «الأعلام»: (٣/١٨٠) .\n(٣) انظر: ص ٦٨ من هذه الرسالة.","vol":"2","page":213},{"text":"ألفه الروافض وهو المسمى عندهم \"أبجد\" الشيعة كتاب «سليم بن قيس» قد تبين أنه موضوع بإقرار بعض أساطين الرفض، ولكنهم يقولون: إنه موضوع لغرض صحيح (١) . فكأنهم يستجيزون لأنفسهم \"هذا الوضع\" ما دام لهم هدف صحيح عندهم، وهذا \"الباب\" عند الروافض يستحق دراسة مستقلة لخطورته من جانب، ولأهميته في كشف حقيقة مذهبهم من جانب آخر.\nوما دام القوم كذبوا على رسول الله - ﷺ - وصحابته وأهل بيته، فهل يستكثر منهم بعد ذلك أن يكذبوا على الآخرين؟!\nأما مظاهر وأمارات الكذب والوضع في هذا الكتاب فمنها:\nأولًا: الكتاب عبارة عن مراسلات خطية بين شيخ الأزهر سليم البشري وبين هذا الرافضي ومع ذلك جاء نشر الكتاب من جهة الرافضي، وحده، ولم يصدر عن البشري أي شيء يثبت ذلك.\nوجاء نشر الرافضي للكتاب خاليًا من أي توثيق، فلم يرد فيه ما يثبت صحة نسبة تلك الرسائل إلى سليم البشري بأي وسيلة من وسائل التوثيق، كأن يثبت صورًا لبعض الرسائل الخطية المتبادلة والتي بلغت ١١٢ رسالة نصيب البشري منها ٥٦ رسالة، فهل كلها ذهبت؟!! وهذا ما يطعن في صحة نسبة تلك الرسائل إلى الشيخ سليم أصلًا.\nثانيًا: أن هذا الكتاب لم ينشره \"واضعه\" إلا بعد عشرين سنة\n_________\n(١) انظر: ص ٢١٣ من هذه الرسالة.","vol":"2","page":214},{"text":"من وفاة البشري، فالبشري توفي سنة ١٣٣٥هـ (١)، وأول طبعة لكتاب المراجعات هي سنة ١٣٥٥هـ في صيدا (٢) .\nثالثًا: أن أسلوب هذه الرسائل واحد هو أسلوب الرافضي، ولا تحمل رسالة واحدة أسلوب البشري وهذا ما يفضح الرافضي ويثبت كذبه بلا ريب وقد اضطر الرافضي إلى أن يفضح نفسه في مقدمته؛ لأنه لا سبيل له لأن يصنع رسائل تحاكي أسلوب البشري فأقر بأنه وضع هذه الرسائل بأسلوبه الخاص فقال: (وأنا لا أدعي أن هذه الصحف تقتصر على النصوص التي تألفت يومئذ بيننا، ولا أن شيئًا من ألفاظ هذه المراجعات خطه غير قلمي) (٣)، وأضاف لذلك فضيحة أخرى بقوله: أنه زاد في هذه الرسائل ما يقتضيه المقام والنصح والإرشاد!! (٤) .\nرابعًا: أما نصوص الكتاب فتحمل في طياتها الكثير والكثير من أمارات الوضع والكذب فمن ذلك ما يلي:\nأن شيخ الأزهر سليم البشري - وهو في ذلك الوقت شيخ الأزهر في العلم والمكانة لا في المنصب والوظيفة - يسلم لهذا الرافضي ذلك التفسير الباطني لكتاب الله (- والذي أسلفنا عرضه في مبحث آراء دعاة التقريب في تأويل القرآن (٥) - وهو تأويل ينكره\n_________\n(١) سبقت ترجمته ص ٢١٣.\n(٢) انظر: مقدمة «المراجعات»، أغابزرك الطهراني: «طبقات أعلام الشيعة»: (٣/١٠٨٦) .\n(٣) انظر: مقدمة «المراجعات»: ص ٢٧ الطبعة السابعة.\n(٤) انظر: مقدمة «المراجعات»: ص ٢٧ الطبعة السابعة.\n(٥) سبق ص ٤٧ وما بعدها.","vol":"2","page":215},{"text":"صغار طلبة العلم فضلًا عن شيوخ الأزهر، ولكن هذا الرافضي يروي أن شيخ الأزهر قال عن رسالته التي حملت تلك التأويلات الباطنية: (..أما مرسومك الأخير فقد جئت فيه بالآيات المحكمات والبينات القيمة، فالراد عليك سيء اللجاج، صلف الحجاج يماري في الباطل) (١) .\nثم إن هذا الرافضي ينقل إقرار شيخ الأزهر بصحة وتواتر أحاديث هي عند أهل الحديث ضعيفة أو موضوعة، ولا يجهل ضعفها أو وضعها صغار المتعلمين فضلًا عن شيخ الأزهر، وفي ذلك الوقت بالذات الذي لا يصل إلى منصب المشيخة إلا من ارتوى من معين العلم وتضلع في علوم الإسلام.\nوليس ذلك فحسب، بل إن هذا الرافضي صور شيخ الأزهر بصورة العاجز حتى عن معرفة أحاديث في كتب أهل السنة لا في كتب الشيعة، فنجد شيخ الأزهر - كما يزعم الرافضي - يرسل رسالة يقول فيها: (تكرر منك ذكر الغدير فاتل حديثه من طريق أهل السنة نتدبره) (٢)، وفي رسالة أخرى يقول البشري - كما يزعم هذا الرافضي -: (حدثنا بحديث الوراثة من طريق أهل السنة والسلام) !!\nفهل شيخ الأزهر يجهل ذلك؟، وهل يعجز شيخ الأزهر عن البحث ولديه المكتبات؟، وهل يضطر إلى تكليف هذا الرافضي ولديه علماء الأزهر وطلابه؟ ومتى كان الرافضي أمينًا في نقل الحديث عند محدثي السنة!!!\n_________\n(١) «المراجعات»: ص ٧٤.\n(٢) «المراجعات»: ص ٢٠٤.","vol":"2","page":216},{"text":"هذا والمجال لا يتسع لمزيد من التفصيل.. والحقيقة المفجعة أن هذا الافتراء يطبع عشرات المرات باسم التقريب، ولا أحد من أهل السنة ينتبه ويهتم بهذا الأمر الخطير، وكأن ثقتهم بما عندهم من حق جعلتهم يهملون الرد على مكائد أهل البدع وضلالهم. ومن أهل السنة من يرى في الرد تفرقة وطائفية في حين أن الشيعة ينشطون في صنع أمثال هذه المؤامرات لنشر الرفض في ديار أهل السنة.\nوبعد: فمفهوم التقريب عند هذا الموسوي هو أخذ المسلمين بعقيدة الروافض، وهو في سبيل ذلك يضع وقائع وهمية وحوادث لا حقيقة لها ويزعم أنها وقائع تقارب بين السنة والشيعة لتصفية الخلاف، ولكن لم يكن لهذه المؤامرات من أثر إلا عند طائفته..\nوأنموذج الموسوي والخالصي - الذي عرضنا له - أنموذج مكرر بين دعاة التقارب من الشيعة، فالاختلاف هو في الأشخاص فقط وجوهر دعوة التقريب واحدة هي التبشير بالرفض ونشره بين أهل السنة، فلا داعي لذكر مزيد من دعاة التقارب من الروافض ومحاولاتهم.\n(ج) وكاد القلم أن يتوقف عند هذا الحد، لكنا وقفنا على محاولة فذة ومثال حي نادر لتصفية الخلاف وإزالة الشقاق بتمحيص الحق من الباطل، وكشف أسس الخلاف التي ليست من الدين الإلهي في شيء، وإنما هي من صنع أعداء الإسلام بالعقل والحجة والبرهان، وميزة هذه المحاولة:\nأنها جاءت من رجل شيعي الأصل نشأ في بيت شيعي وعاش بين الشيعة، ووصل إلى منصب رئيس محكمة عندهم، ثم إنها تجربة عاقلة وصادقة لم يسبق لها مثيل فيما أعلم؛ فهي محاولة فريدة ونادرة،","vol":"2","page":217},{"text":"وصاحبها قد قتل في سبيلها وروى بدمه أصولها وعناصرها، وهي محاولة تضمنت حقائق هامة كشفها رجل منهم وبهم، وهي تجربة تثبت أن عقلاء الروافض إذا حكموا عقولهم ورجعوا إلى فطرهم فإنهم ولا بد سينكرون ما هم عليه من الضلال، وهم بين أمرين:\nإما أن يخرجوا من هذا الضلال إلى الإسلام الصحيح، وإما أن ينخدعوا بما قاله علماء الشيعة، وبما ردده بعض المنتسبين للسنة من أنه لا خلاف بين السنة والشيعة، فلا يجدون ملجأ يلجؤون إليه سوى الإلحاد.\nوالماركسية الملحدة قد وجدت سوقًا رائجة لها في إيران (١) .\nأما رائد هذه المحاولة فهو الأستاذ \"<span data-type=\"title\" id=toc-156>أَحمد الكسروي</span>\" الذي قال عنه الأُستاذ محمود الملاح: (لم يظهر في عالم الشيعة (٢) أَحد في عياره منذ ظهر اسم شيعي (٣) على وجه الأَرض) (٤) .\nوسنتوقف للتعريف به وبمحاولته لأَهمية ذلك.\nأَحمد الكسروي:\nهو أَحمد مير قاسم بن مير أَحمد الكسروي، ولد في تبريز عاصمة أَذربيخان أَحد أَقاليم إِيران وتلقى تعليمه في إِيران، وعمل أُستاذًا في جامعة طهران، كما تولى عدة مناصب قضائية، وقد تولى مرات\n_________\n(١) كما أن التمثيل الكاذب للحكومة الإسلامية اليوم من شيوخ إيران قد يزيد في إقبال الروافض على الاتجاه الإلحادي.\n(٢)، (٣) يعني بالشيعة والشيعي: الرافضة والروافض، لا مطلق شيعي، وإِلا فلا يصح هذا الإِطلاق.\n(٣)\n\n(٤) محمود الملاح: «مجموع السنّة»: (٢/٢٧٨) .","vol":"2","page":218},{"text":"رئاسة بعض المحاكم في المدن الإِيرانية، وقد أَصبح أَحد أَربعة كبار مفتشي وزارة العدل ثم تولى منصب المدعي العام في طهران. وكان محررًا في جريدة \"برجم\" الإِيرانية وكان عارفًا باللغة العربية، والتركية والإنجليزية، والأَرمنية والفارسية، والفارسية القديمة \"البهلوية\" وله كتب كثيرة جدًا، ومقالات منتشرة في الصحف الإِيرانية.\nوقد كانت مقالاته التي يهاجم فيها أُصول المذهب الشيعي، وقد جذبت نظر بعض المثقفين إِليه والجمعيات العاملة في البلاد، وأَقبل عليه فئات من الناس من كل أُمة ونحلة، ولا سيما الشباب من خريجي المدارس فأَحاط به آلاف منهم وقاموا بنصرته وبث آرائه ونشر كتبه.\nووصلت آراؤه بعض الأَقطار العربية وهي الكويت، وقد طلب بعض الكويتيين من الكسروي تأليف كتب بالعربية ليفيدوا منها فكتب كتابه «التشيع والشيعة»، والذي أَوضح فيه بطلان أُصول المذهب الشيعي، وأَن خلاف الشيعة مع المسلمين إِنما سنده التعصب واللجاج لا الحجة والبرهان، وما إِن أَتَم كتابه هذا حتى ضرب بالرصاص من قبل مجموعة من الروافض، أُدخل على أَثرها المستشفى وأُجريت له عملية جراحية وتم شفاؤه.\nثم أَخذ خصومه من الروافض يتهمونه بمخالفة الإِسلام ورفعوا شكوى ضده إِلى وزارة العدل ودعي للتحقيق معه، وفي آخر جلسة للتحقيق معه في نهاية سنة ١٣٢٤هـ ضرب بالرصاص مرة أخرى وبخنجر ومات إِثر ذلك، وكان في جسمه تسعة وعشرون جرحًا، وقد عاش","vol":"2","page":219},{"text":"سبعًا وخمسين سنة وترك أفكاره وكتبه ومقالاته الكثيرة حيّة مع الأحياء.\nوأفكاره الأساسية نشرها سنة ١٣١١هـ في كتاب بالفارسية سماه «آبين» - أي دستور أو دين - وأفكاره عن المذاهب نشرها في كتبه: «صوفيكري» و«بهائيكري» و«شيعيكري» وغيرها (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>محاولة الكسروي:</span>\nمن كتاب «التشيع والشيعة» الذي كتبه أحمد الكسروي لنشر \"فكرته\" بين العرب يتبين رأيه في أسباب الخلاف وأسلوب إزالتها، ورأيه في أصول الشيعة التي شذت بها عن جمهور المسلمين، وهذه الآراء هي التي دفع الكسروي حياته ثمنًا من أجلها، والكتاب اليوم يندر وجوده، ولعل السبب في ذلك محاربة \"الروافض\" له. وفيما يلي عرض لفكرته حول التقريب.\nتقوم فكرة الكسروي في سبيل محو الخلاف على فلسفة يجعلها هي الأساس لدراسة خلاف الشيعة مع المسلمين، ويؤكد عليها في دراسته لمسألة \"التشيع والشيعة\" وهي قوله: (يظن كثيرون أن الناس قد جبلوا على اختلاف العقائد ولا يمكن حسم الاختلاف من بينهم، ولكن هذا من الظنون الباطلة. فمما لا ريب فيه أن الحقائق أوضح وأجلى من أن لا يدركها أحد، فإن ترك الناس التعصب واللجاج واجتمعوا على طلب الحق واتبعوا الدلائل لم يكن\n_________\n(١) انظر: يحيى ذكاء: في مقدمته لمقالات الكسروي - بالفارسية - واسم الكتاب: «كاروند كسروي» - أي مقالات الكسروي - طهران ١٣٥٢هـ. وانظر: مقدمة كتاب «التشيع والشيعة»: إدارة جريدة برجم: ص ٢- ٥. وانظر: محمود الملاح: «المجيز على الوجيز» ضمن كتاب «مجموع السنّة»: ص ٢٧٨. وانظر: «معجم المؤلفين»: (٢/٥٣) .","vol":"2","page":220},{"text":"بينهم اختلاف في الحق أبدًا..) (١) .\nفهو يرى أن سبيل إزالة الخلاف هو بيان الحق من الباطل بالدلائل، فالحق لا يخفى. ومن هذا المنطلق يقوم المؤلف بدراسة التشيع والشيعة ليبين هل خلافها للمسلمين في العقيدة قائم على دليل وحجة أو هو من قبيل التعصب واللجاج - كما يعبر -؟.\nثم قام بدراسة مذهب الشيعة، في نشأته، وأصوله وكتبه، وأئمته ورجاله. دراسة جمعت بين التحليل العقلي والبرهان التاريخي، والعرض العلمي، وانتهى بعد عرض مقنع إلى أن مذهب الروافض قد جاء بمجازفات وأمور منكرة كثيرة، وأنهم قد انفصلوا عن جماعة المسلمين بعقائدهم وأحكامهم. وإليك عرضًا سريعًا لآرائه في بطلان مذهب التشيع:\nيرى أن الروافض انحرفوا بالتشيع إلى (الغلو في حب علي ومعاداة أبي بكر وعمر وعثمان بدعوى أن عليًا كان أحق بالخلافة منهم فظلموه حيث سبقوه، وكان هذا الإفراط يشتد بمرور الزمن، وكان التشيع يتطور من جهاد سياسي إلى عقائد مفرطة) (٢) .\nويشرح هذا التطور العقدي عن الشيعة وينشر صورة لـ \"سورة\" ادعت الشيعة أنها من القرآن فأخرجها عثمان، وهي سورة الولاية التي نشر صورتها محب الدين الخطيب في كتابه «الخطوط\n_________\n(١) كلمات مكتوبة بالحرف الكبير على غلاف الكتاب.\n(٢) «التشيع والشيعة»: ص ١٧.","vol":"2","page":221},{"text":"العريضة»، ولكن الكسروي أسبق من محب الدين في ذلك.\nويتحدث عن غلو الشيعة في أئمتها ثم يقول: (وأتى هذا التطور بنتائج عظيمة منها: أن الشيعة - أي هذه الفئة الجعفرية - انفصلت عن جماعة المسلمين وصارت لها عقائد وأحكام على حدتها، وتأصلت العداوة بين الفريقين) (١) .\nثم يذكر أن شذوذهم هذا دفعهم إلى (وضع أحاديث عن النبي - ﷺ - وتأويل آيات من القرآن وتحريف أخبار الوقائع) (٢) ويذكر ما استدلوا به في دعاويهم ويردها. ثم بين بالشواهد أن العلويين (٣) براء من هذه البدع والآراء (٤) .\nوبعد ذلك يتحدث عن دعوى الشيعة غيبة إمامها الثاني عشر ويبين بالأدلة أن تلك خرافة ويقول: (وكفى دليلًا على ضلال قوم انقيادهم لدعوى كهذه، وحق القول أن التعصب كان قد أعمى قلوب الشيعة..) (٥) . ثم يذكر كتبهم المعتمدة والموضوعات التي تهتم بها، وبعد هذا يعقد بابًا كاملًا يضمنه ثلاثة فصول:\nالفصل الأول: بطلان مذهب التشيع من أساسه.\nالفصل الثاني: فيما اشتمل عليه من الدعاوى الكاذبة.\nالفصل الثالث: فيما ينتج عنه من الأعمال القبيحة.\nويذكر في الفصل الأول: أن من أُسس مذهب التشيع\n_________\n(١) المصدر السابق: ص ٢١.\n(٢) السابق: ص ٢٥.\n(٣) إلا أنه يطعن في جعفر الصادق ولا نوافقه على ذلك.\n(٤) «التشيع والشيعة»: (ص ٢٦- ٢٩) .\n(٥) السابق: (ص ٣١- ٤٧) وانظر: ص ٧١.","vol":"2","page":222},{"text":"\"الإمامة\"، ويقول: (أن الإمامة بالمعنى الذي ادعوه دعوى لا يصحبها دليل، فلسائل أن يسال لِمَ لَمْ يُذكر أمر عظيم كهذا في القرآن وهو كتاب الإسلام؟) (١) .\nثم يذكر أهم ما يتعلقون به من أدلة حول النص على إمامة علي، ويبطلها ويقول: (ومما يوضح بطلان دلالتهم هذه ويؤكدها ما كان بعد النبي - ﷺ - من اجتماع المهاجرين والأنصار - وهم زعماء الإسلام - ومبايعتهم لأبي بكر، فلو كان النبي - ﷺ - نص على عليٍّ بالولاية لما كان أصحابه ليخالفوه ويقدموا أبا بكر على علي، وأما ما قالوا من ارتداد المسلمين بعد موت النبي - ﷺ - إلا ثلاثة أو أربعة منهم فاجتراء منهم على الكذب والبهتان. فلقائل أن يقول: كيف ارتدوا وهم كانوا أصحاب النبي آمنوا به حين كذبه الآخرون ودافعوا عنه واحتملوا الأذى في سبيله ثم ناصروه في حروبه ولم يرغبوا عنه بأنفسهم؟ ثم أي نفع لهم في خلافة أبي بكر ليرتدوا عن دينهم لأجله؟ فأي الأمرين أسهل احتمالًا: أكذب رجل أو رجلين من ذوي الأغراض الفاسدة أو ارتداد بضع مئات من خلّص المسلمين؟ فأجيبونا إن كان لكم جواب) (٢) .\nثم يذكر شيئًا من أكاذيبهم حول الصراع المزعوم بين علي، وأبي بكر وعمر - ﵃ -، ويكشف كذبها ويقول: (فترون أن أدلتهم واهية فأرادوا تأكيدها بهذه الأكاذيب) (٣) .\n_________\n(١) السابق: ص ٦١.\n(٢) المرجع السابق: ص ٦٦.\n(٣) المرجع السابق: ص ٦٨.","vol":"2","page":223},{"text":"وفي الفصل الثاني: يتحدث عما اشتمل عليه التشيع من الدعاوى الكاذبة مثل: دعوى تفويض الأمور للأئمة (١)، وأنهم يعلمون الغيب (٢)، وادعاء المعجزات لهم (٣)، ودعوى أن الشيعة من طينة خاصة (٤) . ويناقش ذلك فيقول مثلًا: (ومن الأحاديث المعروفة عند الشيعة \"حب علي حسنة لا يضر معها سيئة\" وأنتم ترون أنها تخالف القرآن حيث يقول: (ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره (مخالفة صريحة. ثم أليس هذا نسخًا للدين؟! إن كان حب علي لا تضر معه سيئة فأي حاجة إذًا لشرع الأحكام؟! (٥) .\nوفي الفصل الثالث: يذكر ما نتج عن التشيع من الأعمال القبيحة ويقول: (مما يوجب الأسف أن التشيع فضلًا عن إضلاله الناس وسوقهم إلى عقائد باطلة ما أنزل الله بها من سلطان؛ قد بعثهم على أعمال منكرة كثيرة، أعمال تخالف الدين والعقل، والتهذيب وتوجب مضارًا من كل نوع، وها أنا ذا أذكر في هذا الفصل بعض تلك الأعمال بالاختصار:\nفمنها الطعن في أصحاب النبي - ﷺ - والقدح فيهم) (٦)، ويقول (ولهذه القبيحة تاريخ مؤلم طويل، فإنه مما أصل العداوة بين الفريقين وأنتج حروبًا كثيرة أهلكت النفوس وخربت\n_________\n(١) المرجع السابق: ص ٧٥.\n(٢) المرجع السابق: ص ٧٧.\n(٣) المرجع السابق: ص ٨١.\n(٤) المرجع السابق: ص ٨٢.\n(٥) المرجع السابق: ص ٨٣.\n(٦) المرجع السابق: ص ٨٤.","vol":"2","page":224},{"text":"الديار.. وأنه لو أراد أحد أن يبحث عن الأضرار الناجمة عن هذه البدعة المشؤومة لاحتاج إلى تأليف كتاب كبير) (١) .\nومنها التقية، ويتحدث عنها وأضرارها. ويقول: (إنها من نوع الكذب والنفاق، وهل يحتاج الكذب والنفاق إلى البحث عن قبحهما؟) (٢) .\nومنها - يعني من قبائح الشيعة - إقامة المآتم للحسين وما يجري فيها من ضرب الجسد بالسلاسل وجرح الرأس بالسيف وصنع الجنائز، وإقفال البدن وغير ذلك (٣) . ونشر صورًا لهذه الأعمال، وذكر أن شيوخ الشيعة يروون في فضلها أحاديث كثيرة، وقال: والحقيقة أنها بدعة في الإسلام وما يروون من الأحاديث افتراء على الله، وأن هذه الروايات تجرئ الناس على المعاصي وتصرفهم عن التقيد بالحلال والحرام والاهتمام بأمر الدين (٤) .\nومما ذكره من القبائح \"عبادة القبب\" وقال: (وآخر من منكراتهم ما هو رايج فيهم من عبادة القبب؛ فقد شادوا على قبر كل واحد من أئمتهم قبة من الذهب أو الفضة، وبنوا مباني ونصبوا خدامًا، فيقصدها الزائرون من كل فج عميق، فيقفون أمام الباب متواضعين ويستأذنون متضرعين، ثم يدخلون فيقبلون القبر ويطوفون حوله ويبكون ويبتهلون ويسألون حاجات لهم، فهل هذه إلا العبادة؟!) وقال: (نعم أنهم يدافعون ويجيبون قائلين: \"إننا لا نعتقد الأئمة آلهة،\n_________\n(١) المرجع السابق: ص ٨٥.\n(٢) المرجع السابق: ص ٨٧.\n(٣) المرجع السابق: ص ٨٧.\n(٤) المرجع السابق: ص ٨٩.","vol":"2","page":225},{"text":"ولا نزورهم لنعبدهم، بل نعتقدهم عبادًا مقربين عند الله ونزورهم لكي نستشفعهم في حاجاتنا\"، ولكن حجتهم داحضة، فإن الله لا حاجة إلى الاستشفاع عنده وليس الله ﵎ كأحد من ملوك الأرض حتى يستشفع أحد عنده، ثم إن هذا الجواب عين جواب المشركين (١) في قولهم كما حكى الله عنهم: (هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ) (٢) .\nوهكذا يوضح الكسروي بطلان مذهب الشيعة، وأن شذوذه عن جماعة المسلمين ليس على أساس من الحق.\nهذا الذي دعانا لتفصيل آرائه لأنه لم يكتب عن ذلك شيء في العربية فيما أعلم، كذلك ندرة الكتاب وكونه قد صدر عن رافضي - في الأصل - عاش بين الروافض وترك الرفض ونقضه بهذا الكتاب وغيره، كما أن الكتاب تطبيق عملي لمفهوم من مفاهيم التقريب بإزالة الخلاف على ضوء الحق والبرهان، كل ذلك دعانا لهذا العرض التفصيلي (٣) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>تقويم للمحاولات الفردية:</span>\n(١) يلاحظ أن محاولات التقريب التي قامت من طرف السنة تقابل بتعنت شيوخ الشيعة وتعصبهم، وأن الروافض ما برحوا يهيجون الفتن، ويبذرون الفرقة بممارساتهم العدوانية في نشراتهم وفي كتبهم ضد صحابة رسول الله - ﷺ -،\n_________\n(١) المرجع السابق: ص ٨٩.\n(٢) يونس: آية ١٨.\n(٣) انظر: صور من الكتاب في ملحق الوثائق.","vol":"2","page":226},{"text":"ولهذا لاحظنا أن رشيد رضا قد اضطر لأن يسلك في آخر الأمر الرد على عدوان الروافض وكشف باطلهم، ورأينا الشيخ مصطفى السباعي، وقد بدأ في محاولته للتقريب، يفاجأ بأن دعاة التقريب من الشيعة ينسفون قواعد التقريب ويعرقلون جهود دعاته.. وينحرفون به إلى غير وجهته الصحيحة.\n(٢) أن الروافض يرون طريق التقريب أن يوافقهم أهل السنّة في اعتقادهم في الصحابة، كما صرح بذلك شيخهم الخالصي، وغير الخالصي، كعبد الحسين الموسوي، وأكد رافضي آخر ذلك بقوله: (لا يمكن التفاهم والاتفاق على شيء قبل أن نضع رجال الصدر الأول في ميزان الحساب، لأنهم خلفوا أمورًا خلافية كثيرة لا يمكن التغاضي عنها) (١) . حقًا إن الصدر الأول خلف لنا بنقله الأمين الصادق كتاب الله وسنّة نبيه، وهما شجى في حلوق الروافض.\n(٣) أن دعاة التقريب من أهل السنّة قدموا كل ما في وسعهم للتقريب، وفتحوا قلوبهم، وديارهم، والتزموا تجنب كل ما يعرقل حركة التقريب، ولكن الشيعة ماضون في كيدهم وعدوانهم.\n... ذلك أنهم كما - سبق - لا يرون أهل السنّة على الإسلام، ويحكمون بكفرهم لمخالفتهم لجهلة الروافض في دعوى إمامة الاثني عشر، وإنما دعوة التقريب اتخذوها «مظلة»\n_________\n(١) مرتضي الرضوي: «مع رجال الفكرة في القاهرة»: ص ٥١.","vol":"2","page":227},{"text":"يتسترون بظلها لنقل عقائدهم لديار السنّة، وإيقاف أقلام أهل السنّة عن كشف باطلهم. لذا لم نر لفكرة التقريب أثرًا عندهم.\n(٤) أعلن رشيد رضا \"قاعدته\" التي يصفها بالذهبية وهي قوله: (نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه) فهل رشيد يرضى بالاتفاق مع كل مخالف حتى ولو كان خلافه في أصل من أصول الإيمان، أو شرطًا من شروط الإسلام، أو أمرًا معلومًا من الدين بالضرورة؟، وماذا يقول في عقائد الشيعة في كتاب الله وسنّة رسوله - ﷺ -، والإجماع، والصحابة.. إلخ؟. وإن رضي رشيد فالروافض لا يرضون، ولا يعذرون \"المخالف\" في مسألة الإمامة عندهم إلا تقية، لذا لم تجد قاعدة رشيد معهم شيئًا.\n(٥) وقع السباعي - ﵀ - في الخطأ الذي يقع فيه الكثيرون؛ وهو الدراسة الفقهية المقارنة بين السنّة والشيعة، من أجل تحقيق التقريب، مع الاختلاف بيننا وبينهم في أصول الأدلة فعلى أي أصل يعالج الخلاف؟!!\n(٦) إن كل محاولة لمعالجة شذوذ الروافض أو كشفه يعتبره الروافض ضد التقريب، ولذا كان جوابهم لموسى جار الله هو تأكيد شذوذهم، وللكسروي هو قتله، ولن تجدي المحاولات ما لم يتخلَّ شيوخ الشيعة عن عقائدهم وتعصبهم وتنزع عوامل الفرقة والشذوذ من كتبهم وواقعهم.","vol":"2","page":228},{"text":"(ج) الخميني (١) ودولته وفكرة التقريب:\nبعد قيام الثورة الإيرانية بقيادة الخميني، استبشر بقيامها كثير من شباب أهل السنّة في مختلف بقاع الأرض، وعلقوا عليها آمالًا، وفرضت فكرة التقريب نفسها، فقد هب الكثير من المنتسبين لأهل السنّة لتأييد الخميني في ثورته، ووصفت الحركة الشيعية بقيادة الخميني بأنها حركة إسلامية قد بعدت عن ذلك \"الغلو\" الشيعي المعهود، ونأت عن الطائفية الضيقة، فهي ترفع شعار \"الإسلام\"، وتعلن \"الجمهورية الإسلامية\" وتنص في دستورها على تحكيم الكتاب والسنّة!!\nوعادت وتكررت تلك \"الكلمة\" المعهودة بأنه ليس بيننا وبين الشيعة خلاف إلا في بعض الفروع.\nولهجت الصحف الإسلامية كـ \"الرائد\" (٢)، و\"الدعوة\" (٣)،\n_________\n(١) يدعى: روح الله ابن مصطفى الموسوي الخميني نسبة إلى بلدته \"خمين\" التي ولد فيها بتاريخ ٢٠ جمادى الثانية ١٣٢٠هـ، وقد نشأ يتيمًا حيث اغتيل أبوه في ٢٠ ذي الحجة ١٣٢٠هـ، وقد تلقى تعليمه على شيوخ الشيعة في قم وغيرها، ونفي إلى العراق في عام ١٩٦٥م فأقام في النجف، وقد قتل في أثناء إقامته في العراق ولده الأكبر في ٩/١١/١٣٩٧هـ وهو مصطفى الخميني ويلقبونه بآية الله. وللخميني مؤلفات منها: «تحرير الوسيلة»، مجلدان، و«الحكومة الإسلامية» وغيرهما. انظر: صاحب حسين الصادق: «الثورة والقائد»: (ص ٢٠- ٢٥) .\n(٢) «الرائد» الألمانية، انظر: العدد ٣٤ ذي الحجة ١٣٩٨هـ (ص ٢٥- ٢٩) .\n(٣) «الدعوة» المصرية، انظر: العدد ٣٠ في ١/١٢/١٣٩٨هـ ص ٨.","vol":"2","page":229},{"text":"و\"المعرفة\" (١)، و\"الرسالة\" (٢)، و\"الأمان\" (٣)، و\"البلاغ\" (٤)، و\"الاعتصام\" (٥) بالثناء والتأييد للخميني ودولته وعلى الشيعة عمومًا، وصدرت كتب بأقلام بعض المنتسبين للسنّة تتحدث عن ثورة الخميني الإسلامية (٦) .\nوقرن اسم الخميني مع أعلام الإسلام كشيخ الإسلام ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب ووصف بأنه من رواد الإسلام وعم التفاؤل الكثيرين، حتى قيل: إن شيعة اليوم غير شيعة الأمس، إنهم تخلوا عن تطرفهم بتغير الزمن وتطور العصر وتصاعد الخطر المحدق بالأمة الإسلامية. وقيل الكثير في هذا الباب.\nواستغل \"الروافض\" هذا الجو بالدعاية لمذهبهم، بل نادوا بتصدير مذهبهم بالقوة للعالم الإسلامي، وحرضوا الشعوب على الحكومات القائمة.\nوكان من الضروري أن نتعرف على صحة وصدق هذه الادعاءات بدراسة فكر الخميني وعقيدته من خلال ما وصلنا من كتبه،\n_________\n(١) «المعرفة التونسية، انظر: العدد ٩ السنة ٥ ذي الحجة ١٣٩٩ هـ وفي هذا العدد رشحت المعرفة الخميني لنيل جائزة الملك فيصل لخدمة الإسلام ص ٩.\n(٢) «الرسالة اللبنانية، انظر: العدد ٢٩ جمادى الثانية ١٣٩٩ هـ.\n(٣) «الأمان» اللبنانية، انظر: العدد ٣١، ٩ شوال ١٣٩٩ هـ.\n(٤) «البلاغ» الكويتية، انظر: العدد ٥١٢، ذي القعدة ١٣٩٩ هـ.\n(٥) «الاعتصام» المصرية، انظر: العدد ٥ السنة ٤٢ ربيع أول ١٣٩٩هـ.\n(٦) مثل كتاب الخميني: «الحل الإسلامي والبديل»: فتحي عبد العزيز. نشرته دار المختار الإسلامي، و«مع ثورة إيران» وهو البحث الثالث من البحوث التي يصدرها المركز الإسلامي في آخن، د. محمد عنبر: «نحو ثورة إسلامية»، وغيرها.","vol":"2","page":230},{"text":"وسنبين اعتقاد الخميني وفكره وهل يعتبر من الغلاة أو المعتدلين؟، كما إننا سنبين \"حكم\" شيعة الخميني السابقين عليه، وفي أي مكان يضعون هذا الخميني بحسب مقاييسهم الخاصة بهم في الغلو والاعتدال، ثم نبين مدى إيمان الخميني بما سبق ذكره من عقائد الروافض وذلك من خلال كتب الخميني نفسها، وهل هو سائر على نهجها أم منكر لها أو لبعضها؟. والذي يدعونا لذلك:\nأولًا: أن هذا الخميني على الرغم من اختفاء بريق ثورته، إلا أنه ما زال يوجد كثيرًا ممن هو معجب بهذه الثورة كَلِفٌ بها، من المنتسبين للسنّة ولا سيما في أوربا.\nثانيًا: أن الكثير يعتقد أن ثورة الخميني هي المثال الصادق للحكومة الإسلامية، والخطورة في ذلك تكمن في أن ما يصدر من هذه الحكومة من مساوئ تلصق بالإسلام. وهذا باب من أبواب الإلحاد والصد عن دين الله. ولهذا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن من أسباب ظهور الملاحدة في الإسلام أنهم ظنوا أن دين الإسلام ليس إلا ما يقوله أولئك المبتدعون، ورأوا ذلك فاسدًا في العقل، فكانوا طاعنين في دين الإسلام بالكلية باليد واللسان كالخرمية أتباع بابك الخرمي، وقرامطة البحرين أتباع أبي سعيد الجنابي وغيرهم (١) .\nثالثًا: أن ما كتب في هذه الفترة من ثناء ومدح للخميني وشيعته بالصحف والمجلات والكتب، سيحمله التاريخ إلى الأجيال المقبلة. وفي هذا خداع لتلك الأجيال، وسيزيد في الخداع والتغرير السكوت عن بيان الحقيقة لأنه يعني الرضا والموافقة.\n_________\n(١) «منهاج السنّة»: (١/١١٤) الطبعة الأميرية.","vol":"2","page":231},{"text":"قال بعضهم لأحمد بن حنبل: إنه يثقل علي أن أقول فلان كذا وفلان كذا. فقال: إذا سكتَّ أنت وسكتُّ أنا فمتى يعرف الجاهل الصحيح من السقيم؟ (١)، قال ابن تيمية: ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفات للكتاب والسنّة.. فإن بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين، حتى قيل لأحمد بن حنبل: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع؟ فقال: إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين، هذا أفضل. فبيّن أن نفع هذا عام للمسلمين في دينهم من جنس الجهاد في سبيل الله؛ إذ تطهير سبيل الله ودينه ومنهاجه وشرعته، ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك واجب على الكفاية باتفاق المسلمين، ولولا وجود من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب، فإن هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعًا، وأما أولئك فهم يفسدون القلوب ابتداء (٢) .\nهذا وسندرس \"مسألة الخميني\" في ثلاث نقاط:\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>١- هوية الخميني المذهبية</span>.\n٢- عقائده.\n٣- تقويم دولته من خلال دستورها.\n١- هوية الخميني المذهبية:\n<span data-type=\"title\" id=toc-161>(أ) الخميني من أي فرق الشيعة في حكم أئمة السنّة</span>؟\nللإجابة على هذا السؤال نعرض بعض أفكار الخميني والتي\n_________\n(١)، (٢) ابن تيمية: «مجموعة الرسائل والمسائل»: (٥/١١٠) .","vol":"2","page":232},{"text":"يمكن أن يحدد على ضوئها مكانه في سلم التشيع.\nيقول الخميني: (وأن من ضرورات مذهبنا أن لأئمتنا مقامًا لا يبلغه ملك مقرب، ولا نبي مرسل.. وقد ورد عنهم \"ع\": أن لنا مع الله حالات لا يسعها ملك مقرب ولا نبي مرسل) (١) .\nفالخميني هنا يفضل أئمته الاثني عشر على الأنبياء والرسل، وهذا مذهب غلاة الروافض في حكم كبار أئمة السنّة:\nيقول الإمام عبد القاهر البغدادي (ت٤٢٩هـ): (وزعمت الغلاة من الروافض أن الأئمة أفضل من الأنبياء) (٢) .\nويقول القاضي عياض (ت ٥٤٤هـ): (وكذلك نقطع بتكفير غلاة الروافض في قولهم إنّ الأئمة أفضل من الأنبياء) (٣) .\nويقول شيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ): (والرافضة تجعل الأئمة الاثني عشر أفضل من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وغلاتهم يقولون إنهم أفضل من الأنبياء) (٤) .\nويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب (٥): (ومن اعتقد في غير\n_________\n(١) الخميني: «الحكومة الإسلامية»: ص ٥٢.\n(٢) «أصول الدين»: ص ٢٩٨.\n(٣) «الشفاء»: (٢/٢٩٠) .\n(٤) «منهاج السنّة»: (١/١٧٧) الطبعة الأميرية.\n(٥) محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن أحمد بن راشد بن يزيد بن محمد بن يزيد بن مشرف التميمي النجدي. زعيم النهضة الدينية الإصلاحية في جزيرة العرب، وكانت دعوته إلى التوحيد الخالص ونبذ البدع وتحطيم ما علق بالإسلام من أوهام؛ هي الشعلة الأولى لليقظة الحديثة في العالم الإسلامي كله، تأثر بها رجال الإصلاح في الهند ومصر والعراق والشام وغيرها، توفي ﵀ في الدرعية سنة ١٢٠٦هـ =","vol":"2","page":233},{"text":"الأنبياء كونه أفضل منهم أو مساويًا لهم فقد كفر، وقد نقل على ذلك الإجماع غير واحد من العلماء) (١) .\nإذن مذهب الخميني في الأئمة هو مذهب غلاة الروافض وقولته في أئمته من المقالات التي يكفر معتقِدُها. ولم يفضل الخميني الأئمة على الرسل فحسب، بل قال: (فإن للإمام مقامًا محمودًا وخلافة تكوينية تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون) (٢) .\nولا شك أن خضوع جميع ذرات الكون لا تكون إلا للجبار جل علاه.. (يسبح لله ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم «٣) .\nومن هنا، ألا يمكن أن يقال إن عقيدة تأليه الأئمة موجودة في «كتابات الخميني» .؟!\n<span data-type=\"title\" id=toc-162>(ب) عقيدة الخميني في حكم كبار علماء الشيعة في القرن الرابع:</span>\nيعتقد الخميني أن أئمة الاثني عشر منزهون عن السهو والغفلة، بل قال إن أئمته (لا يتصور فيهم السهو أو الغفلة) (٤) .\nفهو ينفي مجرد تصور سهو الأئمة أو غفلتهم. وهذا خروج بهم\n_________\n= وكانت ولادته في العيينة سنة ١١١٥هـ، وقد تولت جامعة الإمام محمد بن سعود بالمملكة جمع تراثه ونشره، وصدر في عدة مجلدات «الإعلام»: (٧/١٣٧- ١٣٨) أحمد أمين: «زعماء الإصلاح»: ص ١٠، مجلة «الزهراء»: (٣/٨٢- ٩٨) .\n(١) «الرد على الرافضة»: ص ٢٩.\n(٢) «الحكومة الإسلامية»: ص ٥٢.\n(٣) الحشر: آية ٢٤.\n(٤) «الحكومة الإسلامية»: ص ٩١.","vol":"2","page":234},{"text":"إلى مقام الألوهية، وتنزيل لهم منزلة من لا تأخذه سنة ولا نوم جل علاه.\nوقد وجد مثل هذا الغلو بين الشيعة في القديم، وندد به بعض كبار شيوخهم في القرن الرابع واستنكروه وجعلوه عَلَمًا على الغلاة.\nيقول ابن بابويه القمي (ت ٣٨١هـ) في كتابه «من لا يحضره الفقيه» - وهو أحد الأصول الأربعة المعتبرة عند الشيعة -:\n(إنَّ الغلاة والمفوضة - لعنهم الله - ينكرون سهو النبي - ﷺ -، يقولون: لو جاز أن يسهو في الصلاة لجاز أن يسهو في التبليغ، لأن الصلاة فريضة، كما أن التبليغ فريضة وليس سهو النبي \"ع\" كسهونا لأن سهوه من الله (! وإنما أسهاه ليعلم أنه بشر مخلوق فلا يتخذ ربًا معبودًا دونه، وليعلم الناس بسهوه حكم السهو) (١) .\nهذا رأي ابن بابويه فيمن ينكر سهو النبي، فكيف يكون رأيه فيمن لا يتصور في أئمته السهو؟!!\nكذلك يقول شيخه محمد بن الحسن بن الوليد: (أول درجة في الغلو نفي السهو عن النبي صلى الله عليهم وسلم والإمام) (٢) .\nمن هنا يظهر حكم ابن بابويه القمي وشيخه على مذهب الخميني، وهو أنه مذهب الغلاة والمفوضة، وهم في نظر ابن بابويه يستحقون اللعن. وهم - أي المفوضة - خارج الصف الإسلامي.\n_________\n(١) «من لا يحضره الفقيه»: (١/٢٣٤) .\n(٢) المصدر السابق: (١/٢٣٤)، «شرح عقائد الصدوق»: (ص ٢٦٠- ٢٦١) ملحق بكتاب «أوائل المقالات» .","vol":"2","page":235},{"text":"يقول في كتابه «الاعتقادات»: (اعتقادنا في الغلاة والمفوضة أنهم كفار بالله جل اسمه وأنهم شر من اليهود والنصارى والمجوس..) (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>٢- عقائد الخميني:</span>\nهل يختلف الخميني عن الشيعة التي تحدثنا عن عقائدنا؟ لنتعرف على حقيقة الأمر:\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>(أ) في القرآن الكريم:</span>\nفي حدود ما قرأنا لهذا الرجل لا نرى إلا أنه يتلقى عن الأصول التي حوت نصوص الطعن في كتاب الله، ويقدسها، ويعظمها، كـ «الكافي» للكليني (٢) و«الاحتجاج» (٣) للطبرسي وغيرهما، كما أنه يترحم ويترضى عمن يقول بهذه المقالة الملحدة، ويتلقى \"أحاديثه\" منه فيقول في \"تخريجه\" لبعض أحاديثهم: (وقد رواه المرحوم النوري في كتاب «مستدرك الوسائل») (٤) وهذا الذي يترحم عليه الخميني ويأخذ الأحاديث عنه هو \"المجوسي\" حسين النوري الطبرسي صاحب كتاب «فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب» (٥)، والذي كتبه لمحاربة كتاب الله والصد عن دينه ... كما سلف الحديث في ذلك.\nكما أننا رأينا هذا الخميني يوثق كتابًا حوى \"دعاء على صنمي\n_________\n(١) «الصلة بين التصوّف والتشيع»: ص ١٤٦ نقلًا عن اعتقادات الصدوق.\n(٢) انظر: «الحكومة الإسلامية»: ص ٦٢، ٦٣، ٩٤ وغيرها.\n(٣) المصدر السابق: ص ٧٧.\n(٤) المصدر السابق: ص ٧٧.\n(٥) انظر: ص ١٨٧ من هذا البحث.","vol":"2","page":236},{"text":"قريش\" - وهما في زعمهم أبو بكر وعمر ﵄ - وفيه وصف الشيخين - ﵄ - بقوله: (..اللذين حرفا كتابك) (١) .\nفهل هذه الظواهر تجعل الخميني في مأمن من التدنس بهذه المقالة؟\nكما أن الخميني يفسر بعض الآيات تفسيرًا باطنيًا فيقول مثلًا في قوله سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) (٢): (فقد أمر الله الرسول - - ﷺ - - برد الأمانة - أي الإمامة - إلى أهلها وهو أمير المؤمنين، وعليه هو أن يردها إلى ما يليه وهكذا..) (٣) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>(ب) في السنة المطهرة:</span>\nلقد لاحظت أن الخميني يأخذ أحاديثه مما يلي:\n١- من بعض كتب الإسماعيلية وهو كتاب «دعائم الإسلام» (٤) . وهو من كتب الإسماعيلية بلا ريب كما مر إثبات ذلك من كتب الشيعة الاثني عشرية نفسها (٥) .\n٢- ومن حكايات الرقاع أو ما يسمى بـ \"التوقيعات\" (٦) .\n_________\n(١) انظر: ص ١١٣ - ١١٤ من هذا البحث، وانظر: (ملحق الوثائق) .\n(٢) النساء: آية ٥٨.\n(٣) «الحكومة الإسلامية»: ص ٨١.\n(٤) «الحكومة الإسلامية»: ص ٦٧.\n(٥) انظر ما سبق: ص ٣٨١.\n(٦) انظر: الحديث عن حكايات الرقاع: ص ٢٦٢ من هذا البحث.","vol":"2","page":237},{"text":"فقد استدل بذلك على مذهبه في عموم ولاية الفقيه فقال: (الرواية الثالثة: توقيع صدر عن الإمام الثاني عشر القائم المهدي \"ع\".. عن محمد بن محمد بن عصام عن محمد بن يعقوب عن إسحاق بن يعقوب (١) قال: سألت محمد بن عثمان العمري (٢) أن يوصل لي كتابًا قد سألت فيه مسائل أشكلت علي، فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان (: أما ما سألت عنه ... إلخ) (٣) .\n٣- ويتلقى أحاديثه عن الكتب التي تطعن في كتاب الله، وعمن يدين بهذا الاعتقاد كما سبق.\n٤- وهو مع ذلك كله يطعن في صحابة رسول الله ويرد مروياتهم ويصرح بنسبة \"الكذب\" إلى بعضهم، فيرمي بعض الصحابة - ﵃ أجمعين - بالكذب؛ فيقول مثلًا: (ففي الرواة من يفتري على لسان النبي - ﷺ - أحاديث لم يقلها. ولعل راويًا كسمرة بن جندب يفتري أحاديث تمس من كرامة أمير المؤمنين علي \"ع\") (٤)، في حين يغلو في أقوال أئمته الاثني عشر فيقول: (إنّ تعاليم الأئمة كتعاليم القرآن) (٥) .\nكما لا تجد في كتب الخميني رجوعًا إلى دواوين السنّة\n_________\n(١) لاحظ أن هذه الأسماء يهودية الأصل!!\n(٢) هو السفير الثاني المعترف به عند الاثني عشرية والذي يزعم الصلة بالإمام الغائب.\n(٣) «الحكومة الإسلامية»: (ص ٧٦- ٧٧) .\n(٤) المصدر السابق: ص ٦٠.\n(٥) المصدر السابق: ص ١١٣.","vol":"2","page":238},{"text":"الصحيحة مطلقًا، وهذا بلا شك ناتج عن موقفه من صحابة رسول الله - ﷺ -.\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>(ج) الإمامة عند الخميني:</span>\nيزعم الخميني أن الله أوحى إلى رسوله - ﷺ - بتعيين علي خليفة، يقول: (الرسول الكريم ... قد كلمه الله وحيًا أن يبلغ ما أنزل إليه فيمن يخلفه في الناس، وبحكم هذا الأمر فقد اتبع ما أمر به وعين أمير المؤمنين عليًا للخلافة) (١) . ويكرر مثل هذا المعنى في أكثر من موضع (٢) .\nويعتبر الخميني أن تعيين علي للإمامة هو جوهر الرسالة النبوية، يقول: (يعتبر الرسول - ﷺ - لولا تعيينه الخليفة من بعده غير مبلغ للرسالة) (٣)، وكأنه بهذا يحكم على من يعتقد بأن الرسول - ﷺ - لم ينص على أحد يخلفه وهم جمهور أهل السنّة، أو لم ينص على عليّ بالخلافة وهم أهل السنّة جميعًا - كأنه يحكم على اعتقادهم هذا بأنهم يتهمون الرسول - ﷺ - بالخيانة وعدم تبليغ الرسالة!!\nويعتقد الخميني أن الأئمة يكملون الرسالة النبوية يقول: (وكان تعيين الرسول - ﷺ - خليفة من بعده عاملًا متممًا أو مكملًا لرسالته) (٤) .\n_________\n(١) «الحكومة الإسلامية»: ص ٤٢.\n(٢) «الحكومة الإسلامية»: ص ٢٥، ٣٩.\n(٣) «الحكومة الإسلامية»: ص ٢٣.\n(٤) «الحكومة الإسلامية»: ص ١٩.","vol":"2","page":239},{"text":"وليس كله هذا بغريب على من يعتقد أن أئمته أفضل من الرسل!!\nويعتبر هذا الخميني \"إمامة الاثني عشر\" كالشهادتين يلقن بها \"الميت\" قبل موته، يقول: (ويستحب تلقينه الشهادتين والإقرار بالأئمة الاثني عشر) (١) ويكتب ذلك على كفنه يقول: (وأن يكتب على حاشية جميع قطن الكفن وعلى الجريدتين أن فلان بن فلان يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا رسول الله - ﷺ - وأن عليًا والحسن والحسين - ويعد الأئمة ﵈ إلى آخرهم - أئمته وسادته وقادته..) (٢) .\nويعاد تلقينه بالشهادات الثلاث بعد الدفن (٣) .\nويغلو في قبور هؤلاء الاثني عشر، فيقول مثلًا - في بيان موضع السجود للمصلي ـ: (والأفضل التربة الحسينية التي تخرق الحجب السبع وتنور إلى الأرضين السبع) (٤) .\nويقول: (ويستحب الصلاة في مشاهد الأئمة \"ع\") (٥) .\nويقول: (ولا بأس بالصلاة خلف قبور الأئمة وعن يمينها\n_________\n(١) «تحرير الوسيلة»: (١/٦٥) .\n(٢) «تحرير الوسيلة»: (١/٧٥- ٧٦) .\n(٣) «تحرير الوسيلة»: (١/٩٢) .\n(٤) «تحرير الوسيلة»: (١/١٤٩) .\n(٥) «تحرير الوسيلة»: (١/١٥٢) .","vol":"2","page":240},{"text":"وشمالها، وإن كان الأولى الصلاة عند الرأس على وجه لا يساوي الإمام \"ع\") (١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>(د) غلوه في مسألة النيابة عن الإمام:</span>\nكتب الخميني كتابه «الحكومة الإسلامية» أو «ولاية الفقيه» يقرر فيه هذا الغلو، حيث أعلن في هذا الكتاب أن الفقيه الشيعي المجتهد.. له حق النيابة الكاملة عن إمامهم المنتظر، والذي هو في مذهبه أفضل من الأنبياء والرسل، وقد خالف بهذا جمهور الشيعة، واستنكر بعضهم هذا كما مر (٢) .\nوالخميني بتقريره مبدأ النيابة المطلقة عن الإمام يخرج لنا مهديهم اليوم متمثلًا في عشرات من شيوخهم وآياتهم، فهو يقول:\n(إن معظم فقهائنا في هذا العصر تتوفر فيهم الخصائص التي تؤهلهم للنيابة عن الإمام المعصوم) (٣)، فنحن الآن أمام عشرات من \"المهديين\" لا مهدي واحد.\nوهؤلاء النواب مفروضة طاعتهم في اعتقادهم، فهو يقول: (هم الحجة على الناس كما كان الرسول - ﷺ - حجة الله عليهم، وكل من يتخلف عن طاعتهم فإن الله يؤاخذه ويحاسبه على ذلك) (٤) !!\n_________\n(١) «تحرير الوسيلة»: (١/١٦٥) .\n(٢) انظر: ص ٣٠٨ من هذا البحث.\n(٣) «الحكومة الإسلامية»: ص ١١٣.\n(٤) المصدر السابق: ص ٨٠.","vol":"2","page":241},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>(هـ) منكر الإمامة عند الخميني:</span>\nكشف لنا أحد شيوخهم المعاصرين أن منكر الإمامة عندهم ينطبق عليه وصف النصب (١)، وأكدت ذلك روايتهم التي تقول بأن من قدم أبا بكر وعمر على عليٍّ فهو ناصبي والتي وردت في أهم كتبهم المعتمدة كما سلف (٢)، كما أثبت هذا طائفة من شيوخهم (٣) .\nهذا الناصبي - بهذا المفهوم عند الشيعة - ينال من الخميني السخط والعداء والتكفير يقول:\n(وأما النواصب والخوارج - لعنهم الله تعالى - فهما نجسان من غير توقف ذلك على جحودهما الراجع إلى إنكار الرسالة) (٤)، ويقول: (فتحل ذبيحة جميع فرق الإسلام عدا الناصب وإن أظهر الإسلام) (٥) .\nويقول: (لا تجوز - أي الصلاة - على الكافر بأقسامه حتى المرتد ومن حكم بكفره ممن انتحل الإسلام كالنواصب والخوارج) (٦) .\nولهذا يعتبر مال الناصبي حلالًا يحل للشيعي أخذه أينما وجده. يقول: (والأقوى إلحاق الناصب بأهل الحرب في إباحة ما اغتنم\n_________\n(١) محمد أصف المحسني: «صراط الحق»: (٣/٢٠١) .\n(٢) انظر: ص ٩٤ من هذا البحث.\n(٣) انظر - مثلًا -: هاشم البحراني: «غاية المرام»: ص ٣٥١.\n(٤) الخميني: «تحرير الوسيلة»: (١/١١٨) .\n(٥) الخميني: «تحرير الوسيلة»: (٢/١٤٦) .\n(٦) الخميني: «تحرير الوسيلة»: (١/٧٩) .","vol":"2","page":242},{"text":"منهم وتعلق الخمس به، بل الظاهر جواز أخذ ماله أينما وجد وبأي نحو كان ووجوب إخراج خمسه) (١) .\nومع ذلك يقول عن فرق الشيعة من غير الاثني عشرية كالإسماعيلية والنصيرية وغيرهما: غير الاثني عشرية من فرق الشيعة إذا لم يظهر منهم نصب ومعاداة وسب لسائر الأئمة الذين لا يعتقدون بإمامتهم طاهرون (٢) .\nوهذا الاعتقاد قد يفسر لنا التقارب بين نصيرية سوريا وروافض إيران، والكيد والعداء الذي يواجه به الروافض أهل السنّة.\nوإذا كان يكفر المسلمين فهو يعتبر شيعته الاثني عشرية هم المؤمنون، والخاصة. يقول: (ولو وقف الإمامي على المؤمنين اختص بالاثني عشرية، وكذا لو وقف على الشيعة) (٣)، ويسمي غير الشيعة بالعامة، وطائفته بالخاصة (٤) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>(و) اعتقاده في الصحابة:</span>\nيعتقد الشيعة بأنه لا ولاية للاثني عشر إلا بالبراءة من أعدائهم وهم أبو بكر وعمر - ﵄ - ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين (٥) .\nوالخميني يرى مشروعية التبرؤ من هؤلاء الأخيار والتولي\n_________\n(١) الخميني: «تحرير الوسيلة»: (٢/٣٣٠) .\n(٢) الخميني: «تحرير الوسيلة»: (١/١١٩) .\n(٣) الخميني: «تحرير الوسيلة»: (٢/٧٢) .\n(٤) الخميني: «تحرير الوسيلة»: (١/٢٤٢) .\n(٥) انظر: «البحار»: (٢٧/٥٨، ٦٣) .","vol":"2","page":243},{"text":"للاثني عشر في الصلاة، فيذكر أن المصلي يشرع له أن يقول في سجوده: (الإسلام ديني ومحمد نبي وعلي والحسن والحسين - تعدهم إلى آخرهم - أئمتي، بهم أتولى ومن أعدائهم أتبرأ) (١) .\nويطعن في الصحابة لمخالفتهم النص المزعوم على إمامة علي يقول: (وفي غدير خم في حجة الوداع عينه - يعني عليًا - النبي - ﷺ - حاكمًا من بعده، ومن حينها بدأ الخلاف يدب إلى نفوس قوم) (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>(ز) قضاة المسلمين عند الخميني:</span>\nيرى الخميني أن الرجوع إلى قضاة أهل السنّة هو رجوع إلى الطاغوت، وينقل في ذلك رواية عن شيخهم الكليني يسندها هذا الكليني إلى أبي عبد الله جعفر الصادق المولود سنة ٨٠ والمتوفى سنة ١٤٨ - أي الذي عاش في القرون المفضلة - تقول الرواية: (... عن عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبد الله \"ع\" عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة أيحل ذلك؟ قال: من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له فإنما يأخذه سحتًا وإن كان حقًا ثابتًا له، لأنه أخذه بحكم الطاغوت وما أمر الله أن يكفر به، قال الله تعالى: (يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به «٣) قلت: كيف يصنعان؟ قال: ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا\n_________\n(١) الخميني: «تحرير الوسيلة»: (١/١٦٩) .\n(٢) «الحكومة الإسلامية»: ص ١٣١.\n(٣) النساء: آية ٦٠.","vol":"2","page":244},{"text":"ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكمًا، فإني قد جعلته عليهم حاكمًا) (١) .\nويؤكد الخميني على صحة هذه الرواية بقوله: (والرواية من الواضحات ولا تشكيك في سندها أو دلالتها) (٢) .\nكما يؤكد على معناها بقوله: (والغرض الحقيقي من هذه الرواية هو أن لا يكون حكام الجور مرجعًا للناس في أمورهم، لأن الله قد نهى عن رجوع الناس إليهم وأمر بتركهم واعتزالهم والكفر بهم وبحكمهم.. ففي الفصل في الدعاوى يرجع إلى من عينه الإمام دون غيره وهذا الحكم يعم المسلمين جميعًا) (٣) .\nهذه هي نظرة الخميني لقضاة القرون المفضلة!!\n(ح) الغيبة (٤) أو المهدية عند الخميني:\nيؤمن الخميني بـ \"خرافة\" الغيبة. يقول: (قد مر على الغيبة الكبرى لإمامنا المهدي أكثر من ألف عام، وقد تمر ألوف السنين (٥) قبل أن تقتضي المصلحة قدوم الإمام المنتظر) (٦)،\n_________\n(١) «الحكومة الإسلامية»: (ص ٨٦- ٨٧) .\n(٢) المصدر السابق: ص ٨٩.\n(٣) «الحكومة الإسلامية»: (ص ٨٧- ٨٨) .\n(٤) انظر: \"مبحث الغيبة\": ص ٣٤٩ من هذا البحث.\n(٥) لاحظ هذا النص، ألا تشعر منه أن الخميني يدرك أن الغيبة خرافة وأن هذا المنتظر لم يوجد أصلًا، ولذلك هو مستبعد رجوعه من غيبته. ولكن لولا عقيدة الغيبة المزعومة لم يكن للخميني هذه المكانة باسم النيابة عن الغائب، ولم يحصل على تلك الأموال الطائلة باسم \"الخمس\"، لذا فلن يصرح بإنكارها وإن اعتقد خرافتها. ولعل استبعاده لرجوعه من أسباب مناداته بالنيابة الكاملة عن المنتظر.\n(٦) «الحكومة الإسلامية»: ص ٢٦.","vol":"2","page":245},{"text":"ويقول: (واليوم في عهد الغيبة لا يوجد نص على شخص معين يدير شؤون الدولة) (١) .\nوهو يحتج ويستدل بحكايات الرقاع المزعوم حصولها في زمن الغيبة كما سبق.\nويرى تعطيل الجهاد الإسلامي وعدم البدء فيه ما دام هذا المنتظر لم يخرج. يقول: (في عصر غيبة ولي الأمر وسلطان العصر - عجل الله فرجه الشريف - يقوم نوابه وهم الفقهاء الجامعون لشرائط الفتوى والقضاء مقامه في إجراء السياسات وسائر ما للإمام (إلا البدأة بالجهاد) (٢) .\nوهذا الخميني يرى جواز تعطيل صلاة الجمعة في زمن الغيبة. يقول: (تجب صلاة الجمعة في هذه الأعصار مخيرًا بينها وبين صلاة الظهر والجمعة أفضل، والظهر أحوط، وأحوط من ذلك الجمع بينهما) (٣) .\nولذا فهو يجيز البيع وقت صلاة الجمعة فيقول: (لا يحرم البيع يوم الجمعة بعد الأذان في أعصارنا مما لا تجب الجمعة فيه تعيينًا) (٤) .\nوقد تحدث الخميني عن المهدي وقال بأنه سيحقق ما عجز الأنبياء عن تحقيقه (٥)، فاستنكر المسلمون ذلك، وأصدرت رابطة العالم\n_________\n(١) المصدر السابق: ص ٤٨.\n(٢) الخميني: «تحرير الوسيلة»: (١/٤٨٢) .\n(٣) الخميني: «تحرير الوسيلة»: (١/٢٣١) .\n(٤) الخميني: «تحرير الوسيلة»: (١/٢٤٠) .\n(٥) وذلك في كلمة وجهها الخميني في ١٥ شعبان ١٤٠٠هـ وأُذيعت من راديو طهران. انظر: «الرأي العام» الكويتية ١٧ شعبان ١٤٠٠ هـ.","vol":"2","page":246},{"text":"الإسلامي بيانًا تستنكر فيه ذلك (١)، كما فعلت بعض الصحف الإسلامية مثل ذلك.\nفأصدر الخميني بيانًا يجيب فيه على هذا الاستنكار وليس في جوابه إلا التأكيد على ذلك المنكر، فمما قاله: (ونقول بأن الأنبياء لم يوفقوا في تنفيذ مقاصدهم وأن الله سبحانه سيبعث في آخر الزمان شخصًا يقوم بتنفيذ مسائل الأنبياء)، ثم ينكر على المنكرين بأنهم يسعون لتفريق المسلمين ... إلخ (٢) .\nويعتقد الخميني أن الحاكم الشرعي للعالم الإسلامي هو هذا المنتظر منذ القرن الثالث حتى اليوم، ولا شرعية لحكم غيره إلا أن يكون أحد نوابه من فقهاء الشيعة أمثاله، (وما قبل هذا المنتظر لا شرعية إلا لحكم آبائه الأحد عشر) . يقول: (رسول الله - ﷺ - الذي كان يلي من أمور الناس كل شيء، قد عين من بعده واليًا على الناس أمير المؤمنين، واستمر انتقال الإمامة والولاية من إمام إلى أن انتهى الأمر إلى الحجة القائم) (٣) .\nهذا عرض لأهم عقائد الرجل من خلال أقواله تقنع أولئك الذين يرون في \"الظاهرة الخمينية\" اعتدالًا أو تسامحًا، وإلا فالخميني لا يختلف في اعتقاده عن الرافضة إن لم يكن أشد غلوًّا وشططًا.\n_________\n(١) انظر: \"الاستنكار\" في جريدة المدينة المنورة السعودية ٤ رمضان ١٤٠٠ هـ.\n(٢) الخميني: «مسألة المهدي المنتظر مع رسالة أخرى»: ص ٢٢، مركز الإعلام العالمي للثورة الإسلامية في إيران.\n(٣) «الحكومة الإسلامية»: ص ٩٨.","vol":"2","page":247},{"text":"كما أن لهذا الرجل شذوذات فقهية يشترك فيها مع طائفته، وينفرد بشذوذ خاص له، لا أظن أحدًا منهم يوافقه عليه. فمن مفرداته أنه يقول في كتابه «الحكومة الإسلامية»: (الضرائب المالية \"الزكاة\" التي شرعها الإسلام ليس فيها ما يدل على أنها قد خصصت لسد رمق الفقراء، أو السادة منهم خاصة، وإنما هي تدل على أن تشريعها كان من أجل ضمان نفقات دولة كبرى ذات سيادة) (١) .\nولا شك أن آية الزكاة صريحة في تحديد مستحقيها، ثم إن مذهبه نفسه ينكر عليه هذا المسلك، فلم يرد في نصوصهم أن \"الدولة\" مصرف من مصارف الزكاة أو الأخماس لا بالإشارة ولا بالعبارة، فالرجل لم يلتزم بالإسلام ولم يلتزم بمذهبه (٢) .\nهذه هي هوية الخميني المذهبية، وأصوله العقدية، فهل بينه وبين الإسلام \"الحق\" وشيجة قربى؟!\nأما عن رأي الخميني في \"الوحدة الإسلامية\" فهو يرى أن هذه الوحدة مرهونة بقيام دولته \"الجعفرية\" وبسط سلطتها على الشعوب الإسلامية، أي أن الوحدة عنده تعني فرض مذهب الشيعة الرافضة على العالم الإسلامي وإلا فلا وحدة. يقول:\n(ونحن لا نملك الوسيلة إلى توحيد الأمة الإسلامية وتحرير أراضيها\n_________\n(١) «الحكومة الإسلامية»: ص ٢٩.\n(٢) وقد رأيت بعد ذلك أن أحد الشيعة قد أنكر هذا الاجتهاد من شيخهم واستدل لنقضه بما جاء في كتابهم «الوسائل» وهو: (وأما وجه الصدقات فإنما هي لأقوام ليس لهم في الإمارة نصيب) . محمد جواد مغنية: «الخميني والدولة الإسلامية»: (ص ٩٩ - ١٠٠) .","vol":"2","page":248},{"text":"من يد المستعمرين، وإسقاط الحكومات العملية لهم إلا أن نسعى إلى إقامة حكوماتنا الإسلامية، وهذه بدورها سوف تتكلل أعمالها بالنجاح يوم تتمكن من تحطيم رؤوس الخيانة وتدمر الأوثان والأصنام البشرية، والطواغيت التي تنشر الظلم والفساد في الأرض) (١) .\nوقد بدأ الخميني مشروعه \"الدموي\" من أجل الوحدة بمجازره الرهيبة من داخل إيران وخارجها!!\nفماذا قدمت دولة الخميني؟\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>٣- دولة الخميني والتقريب:</span>\nنأخذ تقويم دولة الخميني والتقريب من خلال دستورهم المعلن، وما خفي كان أعظم:\n١- يقرر دستور الخميني أن ولاية أمر المسلمين الشرعية منوطة بالفقيه الشيعي. تقول: \"المادة الخامسة من الدستور\": (تكون ولاية الأمر، والأمة في غيبة الإمام المهدي - عجل الله تعالى فرجه - في جمهورية إيران الإسلامية للفقيه العادل) (٢) . ولا ينوب عن الإمام في قاموس الروافض إلا الفقيه \"الرافضي\"، فلا شرعية عندهم لحكومة إسلامية قامت أو تقوم أو ستقوم على وجه الأرض إلا إذا كانت بقيادة المعصوم أو نائبه من فقهاء الرافضة.\nفما أشد سذاجة بعض المسلمين الذين يذهبون للخميني\n_________\n(١) «الحكومة الإسلامية»: ص ٣٥\n(٢) «الدستور لجمهورية إيران الإسلامية»: ص ٢٢.","vol":"2","page":249},{"text":"ليستمدوا منه العون، ثم نقول: فهل يمكن أن تحيا في ظل هذا المنهج دعوة للتقريب إلا على أساس فرض مذهب الرافضة باسم التقريب والوحدة؟!\n٢- ويقول الدستور: (... فإن جيش الجمهورية الإسلامية وقوات حرس الثورة الإسلامية.. لا يتحملان فقط مسؤولية حفظ وحراسة الحدود، وإنما يتكفلان أيضًا بحمل رسالة عقائدية، أي: الجهاد في سبيل الله والنضال من أجل توسيع حاكمية قانون الله في كافة أرجاء العالم) (١) .\nولكن حقيقة الجهاد ومفهومه عندهم هو ما يفسره خطيبهم - في صلاة الجمعة - حيث يقول:\n(بأن الهدف الأول لهم هو \"مكة المكرمة\" لأنه يحتلها الآن - كما يزعم - شرذمة أشد من اليهود (٢)، فأهل السنّة عندهم أشد من اليهود، وأول مقاصد الجهاد عندهم جهاد أهل السنّة، لذا فلا غرابة أن يتعاونوا مع اليهود ضد المسلمين.\nوقد نشرت مجلة الشهيد الإيرانية - لسان حال علماء الشيعة في قم - في العدد ٤٦ الصادر بتاريخ ١٦ شوال ١٤٠٠هـ صورة تمثل الكعبة المشرفة، وإلى جانبها صورة تمثل المسجد الأقصى المبارك وبينهما \"يد قابضة على بندقية\" وتحتها تعليق نصه (سنحرر القبلتين) (٣) !!\n_________\n(١) «الدستور لجمهورية إيران الإسلامية»: ص ١٦.\n(٢) مر نقل هذا النص بحروفه ص ٨١.\n(٣) انظر: مجلة «الشهيد»، وجريدة «المدينة المنورة» السعودية ٢٧ ذي القعدة ١٤٠٠هـ.","vol":"2","page":250},{"text":"كما تكشفت حقيقة الروافض بقيامهم بمؤازرة الحكم النصيري القائم في سوريا وهو يحارب الإسلام والمسلمين.\nوبدأت تتساءل بعض الصحف الإسلامية عن (حقيقة العلاقة بين سوريا البعث، والثورة الإسلامية في إيران) (١)، وتساءل بعض المسلمين (عن الغموض في مواقف الثورة الإيرانية تجاه أعداء الحركة الإسلامية، مع أنها تصرح باستمرار أنها تناصر الحركات الإسلامية، ومتعاطفة مع حركة الإخوان المسلمين العالمية، وفي الوقت نفسه تقيم علاقات قوية مع الحكم النصيري الذي يضطهد الإسلاميين في سوريا) (٢) .\nوبدأ التراجع من بعض أفراد المسلمين، وبعض الصحف الإسلامية.\n٣- يقرر الدستور في مادته الثانية أن نظامهم يقوم (على أساس الكتاب وسنة المعصومين) (٣) .\nفليس في هذه المادة اعتراف بسنّة النبي - ﷺ - لأنهم لا يؤمنون بها، بل يؤمنون بسنّة المعصومين الذين يعتبرونهم أفضل من الأنبياء والمرسلين.\nثم إن دينهم قائم على أساس سنّة المعصومين والأخذ عن طريقهم، والإيمان بهم ركن في عقيدتهم ومن أنكر ركنًا من الأركان\n_________\n(١) الأخبار (نشرة إخبارية يصدرها الاتحاد الإسلامي العالمي للمنظمات الطلابية) العدد ٣٩، السنة ١٣، شوال ١٣٩٩هـ.\n(٢) «المجتمع»: العدد ٤٦٣، السنة العاشرة محرم ١٤٠٠هـ ص ١٦.\n(٣) «الدستور»: ص ٢٠.","vol":"2","page":251},{"text":"فليس بمسلم؛ فأهل السنّة عندهم ليسوا بمسلمين.\n٤- وتقول المادة الثانية عشرة: (الدين الرسمي لإيران هو الإسلام والمذهب الجعفري الاثني عشري، وهذه المادة غير قابلة للتغيير إلى الأبد) (١) .\nولم لا تكون هذه المادة غير قابلة للتغيير إلى الأبد؟ أطلعوا الغيب أم اتخذوا عند الله عهدًا؟، ولِمَ يعلنونها طائفية في دستورهم وهم يسمون أنفسهم بـ\"الجمهورية الإسلامية\"؟!!\n_________\n(١) «الدستور»: ص ٢٣.","vol":"2","page":252},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-173>الفصل الثاني: هل من طريق للتقريب</span>؟\nوبعد أن تعرفنا على أسس الخلاف وأوجهه بين أهل السنّة والشيعة، ثم آراء دعاة التقريب في ذلك، وتبين لنا أنهم لم يجرؤوا على تغيير الباطل، واكتفوا بالكلام العام عن التقارب، واكتفى بعض دعاة التقريب من الشيعة بالنفي المطلق لما هو واقع موجود في كتبهم، وردد بعض دعاة التقريب من السنّة هذه الآراء. وكانت النتيجة مجرد تستر على الباطل، وذر للرماد في العيون، أو دعوة جاهلة غافلة عن الحقائق الخطيرة في ذلك، ولا شك أن إخفاء الداء، والتستر على المرض لا يعني علاجه وحسمه، بل إنما يعني استمراره واستفحاله.\nكما أن هناك كثيرًا من الروافض يجاهر اليوم بأشد مما هو واقع في كتبهم وأفدح، ولهذا رأينا \"محاولات التقريب\" لم تصل إلى علاج في هذا الشأن الخطير والأمر العسير.\nوبقيت عقدة الخلاف أو \"اللغز\" كما يسميه بعض الروافض (١) وهو الاختلاف في مصادر التلقي، أو بتعبير آخر في أصول العقائد والأحكام، ولهذا بعدت الشُقة بين الفريقين ووصلت محاولات التقريب\n_________\n(١) محمد رضا المظفر: مجلة «الرسالة»: مجلد ٣، ص ١٦١٤ بعنوان (السنيون والشيعة وموقفهما اليوم) .","vol":"2","page":253},{"text":"إلى طريق مسدود. فهل من طريق لحل هذه العقدة؟\nكيف يمكن أن نحقق التقارب والتآلف، وإيصاد باب الفتن وإرجاع الأُلفة والمحبة بين الطائفتين؟\nسنعرض في هذا الفصل ما وجدناه، من آراء العلماء والمفكرين في ذلك، والطرق المتصورة لحل هذا الخلاف والوصول إلى التقارب.\n١- القول (أو الطريق) الأول:\nأنه لا سبيل إلى رفع الخلاف وتحقيق التقارب والروافض مصرون على شذوذهم عن جماعة المسلمين، لا نملك الوصول معهم إلى نتيجة في حوار أو مناظرة، أو مؤتمرات للمباحثة، لاختلافنا معهم في أصول العقائد والأحكام. فعلى هذا لا ينبغي مناظرتهم أو مكالمتهم أو تدارس الخلاف بيننا وبينهم، فهم على دين آخر.\nيقول الإمام أبو يعلى: ولو ذهب ذاهب إلى ترك مناظرة الروافض ومكالمتهم لكان قد ذهب مذهبًا ليس ببعيد؛ وذلك أن المتناظرين إنما يتناظران ويردان إلى أصل قد اتفق عليه، والأصول التي ترجع إليها الأمة فيما اختلفت فيه إنما هو الكتاب والسنّة وإجماع الأمة وحجج العقول.\nوهذه الأصول الأربعة لا يمكن الرجوع إليها على قول الرافضة، وذلك أن مذهبهم أن الكتاب مغير مبدل، وأنه قد ذهب أكثره، فلا يأمن أن يرد إلى آية فتكون منسوخة بآية من القرآن الغائب عنا","vol":"2","page":254},{"text":"الذي هو عند الإمام.\nوكذلك لا يجب أن يرجع فيما اختلفنا فيه إلى السنّة لأن النقلة فسقة (١)، الكذب غير مأمون عليهم وخبر الواحد الذي ظاهره العدالة لا يوجب العمل عندهم، فإذًا ليس في السنّة حجة (٢) .\nوكذلك الرد إلى الإجماع ليس فيه حجة لأن الأمة يجوز عليها أن تجتمع على خطأ وضلال، وأنها معصومة بقول الإمام. فإذن ليست الحجة إلا قول الإمام فقط..\nوكذلك حجج العقول لأن الخلق كلهم قد عمهم النقص إلا المعصوم. فإذًا لا يأمن أن يرد إلى أمر من الأمور ولشبه يدخل علينا - كذا - لأن النقص والجهل قد عمنا فيردنا الإمام عن ذلك، فيجب أن نشك في كل ما نعتقده وأن لا نأمن أن نكون على خطأ (٣) .\nوما يقوله الشيخ أبو يعلى هو الواقع كما عرضنا شواهده فيما سبق؛ فالقرآن الكريم حتى عند دعاة التقريب من شيوخ الشيعة - الذين (ينكرون) «فرية التحريف» التي وردت في نصوصهم - هو عندهم ناقص كما قاله شيخهم وآيتهم أُغابزرك الطهراني. أو أن لديهم قرآنًا آخر\n_________\n(١) بل قالوا أشد من ذلك؛ قالوا بردتهم إلا بضعة منهم كما سبق ص ٣٦١.\n(٢) وهم يصرحون - كما سبق - بأن الحجة ليست في السنة المنقولة عن طريق الصحابة، بل ما رواه شيوخهم - المشهورون بالكذب عند أهل السنّة - عن المعصومين الاثني عشر.\n(٣) «المعتمد»: (ص ٢٥٩- ٢٦٠) .","vol":"2","page":255},{"text":"كما يقوله شيخهم وآيتهم الخراساني. أو أن له تفسيرًا نزل من عند الله وهو اليوم عند منتظرهم كما يقول شيخهم الخوئي، أو أن رسول الله - ﷺ - قد أخفى قسمًا من القرآن وأودعه عليًّا، كما يقول شيخهم وآيتهم الملقب عندهم برئيس الإسلام والمسلمين جعفر صاحب كتابهم المعتمد عند شيعة العصر الحاضر «كشف الغطاء» كما سبق أن فصلنا ذلك وناقشناه.\nفكيف يمكن الرجوع عند النزاع إلى كتاب الله، وهذه مزاعم شيوخهم المعاصرين ودعاة التقريب منهم في كتاب الله؟.\nوكذلك «السنّة» فهي تختلف عندهم في مفهومها ومدلولها، وفي كتبها، ورجالها وفي أسانيدها، ونصوصها، عما عندنا، فكيف يمكن الرجوع عند النزاع إلى السنّة والحجة عندهم في أقوال المعصومين، ويردون ما نقله الصحابة رضوان الله عليهم عن المعصوم (؟، وشيخ الشيعة وداعية التقريب آل كاشف الغطا يزعم أن الرسول - ﷺ - كتم جزًا من الشريعة وأودعه عليًا؛ فالصحابة لم يتلقوا إلا جزءًا من الشريعة، وأهل السنّة الذين اعتمدوا روايات الصحابة لم يعملوا طيلة عصورهم إلا بجزء من الشريعة، فكيف يتم الحوار بجزء من الشريعة؟.\nوكيف نرد النزاع إلى «حكايات الرقاع»، والعقل والتاريخ فضلًا عن الشرع يحكمان بكذبها.","vol":"2","page":256},{"text":"وهم يكفرون صحابة رسول الله الذين أثنى الله عليهم ورسوله، ويكفرون أعلام الأمة وروادها، ولهذا يردون كتب السنّة عند الأمة ولا يعولون عليها في مقام الاستدلال، ويحتجون بروايات شذاذ الآفاق وأقوالهم ومن يعتقد التحريف في القرآن كالقمي، والكليني، والطبرسي، والمجلسي وغيرهم.\nوهم يرفضون \"إجماع\" الأمة، ويعتبرونها بغير إمام حي معصوم ضالة تائهة.\nفكيف - بعد هذا - نرد نزاعنا إلى الكتاب والسنّة والإجماع وهذا معتقدهم فيها؟، فهم لا يرون حجة إلا كتبهم التي يزعمون روايتها عن الاثني عشر المعصومين، وحتى القرآن العظيم هو تابع في تفسيره لما رسم في كتبهم من روايات.\nلهذا يرى الشيخ الكوثري أنه لا يمكن الحديث في موضوع التقريب مع أحد من شيوخ الشيعة إلا إذا كان حائزًا للتفويض من الطائفة في الاعتراف بسقوط تلك الكتب الأربعة \"صحاحهم الأربعة من مقام الاعتداد\" (١)، وذلك لما حوته من الروايات الباطلة الماسة بكتاب الله، وبالسنّة الواردة بطريق رجال الصدر الأول مما لا يتصور مصادقة أهل السنّة عليه لاستحالة تخليهم عن الكتاب والسنة (٢) .\n_________\n(١) الكوثري: «المقالات»: ص ١٥٨.\n(٢) المصدر السابق: ص ١٥٦.","vol":"2","page":257},{"text":"ويرى الشيخ موسى جار الله أنه لن يجدي أي كلام في التقريب وأي مؤتمرات لتحقيق التآلف ما لم يقم مجتهدو الشيعة بنزع تلك العقائد التي تطعن في القرآن والسنّة، والصحابة والأمة.. من كتبهم.\nمناقشة هذا الرأي:\nفي نظري أن الموقف الذي يرفض مكالمتهم ومحاورتهم.. إنما هو موقف سلبي لا يتفق وقواعد الإسلام في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\nثم إن التزامك بعدم مناظرتهم أو مكالمتهم لا يعود بالضرر إلا عليك، لأنهم هم ماضون في ردودهم وافتراءاتهم.. فلا بد من اتخاذ موقف إيجابي..\n٢- القول (أو الطريق) الثاني:\nلنتفق جميعًا على أن لكلٍّ دينه ومعتقده ولنتعاون فيما بيننا كما تتعاون الدول المختلفة الأديان والعقائد.\nوهذا \"رأي\" قال به الشيخ محمد بهجة البيطار - علامة الشام في زمنه - قال به بعد حوار مع عالم الشيعة، وداعية الوحدة بين السنّة والشيعة في العراق \"محمد الخالصي\" حول الصحابة رضوان الله عليهم.\nولما رأى أن إقناع الخالصي - وهو المتحمس للوحدة - حول الصحابة متعذر وأن الرجل قد لج في تعصبه وتمسك بمعتقده أعلن","vol":"2","page":258},{"text":"هذا الرأي (١)، كما نسب هذا الرأي إلى \"شيخ الشيعة\" محسن الأمين (٢) .\nمناقشة هذا الرأي:\nهل يستجيب الروافض لهذا الرأي؟\nلقد رأينا أن شيوخهم الخالصي والموسوي وغيرهما من أساطين الرفض لا يرون وحدة إلا على أساس سب الصحابة، والرجوع والتلقي عن كتب الروافض المشحونة بالإفك والبهتان (٣) .\nولما قامت حركة التقريب في مصر وأعلنت أن هدفها هو إعادة الصفاء والود بين الطائفتين والتقريب بين أهالي المذهبين مع تمسك كل بما عنده، رأينا أن هذا مجرد شعار وواجهة، وأن المنهج المرسوم الذي بدأ تنفيذه هو نشر عقيدة الرفض بين أهل السنّة بوسائل وأساليب مختلفة (٤) .\nثم إنه بعد دعوة التقريب هذه أخرجت مطابع الروافض عشرات الكتب التي تطعن في القرآن والسنّة والصحابة والأمة.. وعلى رأس هذه الكتب كتاب «الغدير» .\nفهل هذا الطريق للتقريب سوى مجرد \"ستار\" لنشر الرفض، وأن يهاجمونا ونسكت، وينشروا باطلهم ونتوقف عن نشر الحق\n_________\n(١)، (٢) انظر: «الإسلام والصحابة الكرام بين السنّة والشيعة» محمد بهجة البيطار: ص ١١٦.\n(٢)\n\n(٣) انظر: ص ٥٤٧ وما بعدها من هذا البحث.\n(٤) انظر: ما سبق ص ٥١١ وما بعدها.","vol":"2","page":259},{"text":"الذي معنا.\nلقد نشر أحد شيوخ الشيعة (١) \"رأيهم\" صراحة في هذا \"المنهج\" على صفحة مجلة المنار فقال: (ودع عنك قول بعضهم: دعوا البحث فيما يتعلق بالدين والمذهب وهلم إلى التعاون على توحيد الكلمة وجمع الأمر قبالة المستعمر، فإن ذلك لغو من القول وخطل من الرأي وكأنها مقالة من لا يرى الإسلام دينًا ولا يرى أن هناك حياة أخرى خالدة غير هذه الحياة، وإنما يرى الإسلام رابطة قومية وجامعة سياسية فهو يدعو إليها ويحض عليها) (٢)، ثم ذكر أن الخلاف بين الفريقين هو في أرسى قواعد الإسلام وأقوى دعائمه.. وأنه لا بد من حسم ذلك بالبرهان، وإلا فإن التعاون بأي شكل من الأشكال متعذر، وإن حدث فهو مبني على المجاملة وغير مأمون العاقبة، بمعنى أن الغدر والخيانة هي عاقبته كما يعترف هذا الرافضي (٣) .\nوعقب الشيخ رشيد رضا على رأي الشيعي هذا بأن تاريخ الشيعة مع أهل السنّة يؤيده؛ فهو تاريخ حافل بالغدر والخيانة وممالأة الأعداء ومناصرتهم ضد أهل السنّة (٤) .\n_________\n(١) وهو عبد الحسين نور الدين العاملي.\n(٢) «المنار»: (جـ٣٢/ص ٦١) .\n(٣) «المنار»: (جـ٣٢/ص٦١- ٦٢) .\n(٤) المصدر السابق: (٣٢/٧٢) .","vol":"2","page":260},{"text":"وقد اهتم الشيخ محمد رشيد رضا برأي الرافضي \"السالف الذكر\" والذي لا يرى تقاربًا بأي شكل من الأشكال إلا بنزول السنّة على مذهب الشيعة، وطلب من مجتهدي الشيعة أن يعلنوا رأيهم صريحًا في هذا الأمر على صفحات مجلة المنار، أو في مجلتهم العرفان، فلم يجيبوه (١) .\nوكأن ذلك إقرار منهم بما فيه. ولما التقى بمجتهدهم الأكبر محمد حسين آل كاشف الغطا في مؤتمر القدس كلمه في هذا الموضوع.. فأنكر ذلك بلسانه، ولم يكتب ذلك، وطلب من رشيد أن يطلب منه الكتابة في ذلك على صفحات المنار (٢)، وفعلًا طلب ذلك رشيد وجاء جواب آل كاشف الغطا بعد ذلك مخالفًا لما قاله لرشيد في المؤتمر، فلم يعلن في ما كتبه رأيه صريحًا حاسمًا في ذلك (٣) . وهذا يدل على أن الروافض لا يقبلون هذا التعاون إلا إذا كان في ذلك نشر لمذهبهم.\nوأيام التاريخ مليئة بمؤامراتهم وخياناتهم ومؤازرتهم للأعداء، ومن أبرز الأسباب في ذلك أن هؤلاء الروافض لا يؤمنون بشرعية حكومة إسلامية إلا حكومة المنتظر الذي غاب منذ أكثر من أحد عشر قرنًا، ولهذا وجد الأعداء مدخلًا إلى قلوبهم من هذا الطريق.\n_________\n(١) المصدر السابق: (٣٢/٢٣٢) .\n(٢) المصدر السابق: (٣٢/٢٣٢) .\n(٣) المصدر السابق: (٣٢/٢٣٥) .","vol":"2","page":261},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وكثير منهم يواد الكافر من وسط قلبه أكثر من موادته للمسلمين، ولهذا لما خرج الترك الكفار من جهة المشرق وقتلوا المسلمين وسفكوا دماءهم ببلاد خراسان والعراق والشام والجزيرة وغيرها كانت الرافضة معاونة لهم على المسلمين، وكذلك الذين كانوا بالشام وحلب وغيرهما من الرافضة كانوا من أشد الناس معاونة لهم على قتال المسلمين، وكذلك النصارى الذين قاتلوا المسلمين بالشام كانت الرافضة من أعظم المعاونين لهم.. فهم دائمًا يوالون الكفار من المشركين والنصارى ويعاونوهم على قتال المسلمين ومعاداتهم) (١) . ويكفي في تأكيد ذلك مؤامرة مؤيد الدين بن العلقمي (٢) الرافضي (٣) مع التتار لإسقاط الخلافة الإسلامية في\n_________\n(١) «منهاج السنّة»: (٢/١٠٤) الطبعة الأميرية.\n(٢) محمد بن أحمد بن محمد بن علي بن أبي طالب، الوزير مؤيد الدين أبو طالب بن العلقمي وزير المستعصم البغدادي، وصاحب الجريمة النكراء، في ممالئة هولاكو على غزو بغداد. توفي سنة ٦٥٦، بعد أن أُهين على أيدي التتار فمات غمًّا وكمدًا، وكانت ولادته سنة ٥٩٣. انظر: ابن كثير: «البداية والنهاية»: (١٣/٢١٢- ٢١٣)، «الأعلام»: (٦/٢١٦) .\n(٣) فقد ورد في كتب السنّة والشيعة ما يؤكد أنه رافضي، قال السبكي: (وكان شيعيًّا رافضيًّا في قلبه غل على الإسلام وأهله) «طبقات الشافعية»: ص ٢٦٢. وقال ابن كثير: (وكان رافضيًّا خبيثًا رديء الطوية على الإسلام وأهله) «البداية والنهاية»: (١٣/٢١٢) . وقال ابن تغري بردي: (وكان رافضيًّا خبيثًا) «النجوم الزاهرة»: (٧/٤٧) .\nأما كتب الروافض فأثنت عليه وعلى تآمره ضد الخلافة الإسلامية:\nقال المجلسي: (وكان ﵀ صحيح الاعتقاد رفيع الهمة) «بحار الأنوار»: (٢٥/١٦) طبعة إيران كمباني.\nوقد ورد نفس هذا النص في «مستدرك الوسائل» . النوري الطبرسي: «مستدرك الوسائل»: (٣/٤٨٣)، وفي الكنى والألقاب ما يشابه ذلك. القمي: «الكنى والألقاب»: (١/٣٥٦) .","vol":"2","page":262},{"text":"بغداد (١)، مع أن هذا الرافضي كان وزيرًا للمستعصم (٢) أربع عشرة\n_________\n(١) انظر قصة تآمره في ابن شاكر الكتبي: «فوات الوفيات»: (٢/٣١٣)، ابن كثير: «البداية والنهاية»: (١٣/٢٠٠)، الذهبي: «العبر»: (٥/٢٢٥)، السبكي: «طبقات الشافعية»: (٨/٢٦٢، ٢٦٣) وغيرها.\nومن الغريب أنه نبتت نابتة في هذا العصر من الروافض وحاول توهين القصة، وحجته أن الذين ذكروا الحادثة غير معاصرين للواقعة. وحينما جاء على من ذكر الحادثة من معاصريها مثل أبي شامة شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل ت ٦٦٥هـ كان جوابه عن ذلك بأنه وإن عاصر الحادثة معاصرة زمانية لكنه من دمشق فلم تتوفر فيه المعاصرة المكانية. انظر: محمد الشيخ حسين الساعدي: «مؤيد الدين بن العلقمي وأسرار سقوط الدولة العباسية» وقد ساعدت جامعة بغداد على نشر الكتاب.\nثم بحثت ذلك في كتب التاريخ فوجدت شهادة هامة لأحد كبار المؤرخين تتوفر فيه ثلاث صفات:\n١- أن الشيعة يعتبرونه من رجالهم.\n٢- أنه من بغداد.\n٣- أنه متوفى سنة ٦٧٤هـ.\nفهو شيعي بغدادي معاصر للحادثة، ذلك هو الإمام الفقيه علي بن أنجب المعروف بابن الساعي الذي قال: (.. وفي أيامه - يعني المستعصم - استولت التتار على بغداد وقتلوا الخليفة، وبه انقضت الدولة العباسية من أرض العراق، وسببه أن وزير الخليفة مؤيد الدين بن العلقمي كان رافضيًا.. إلخ) «مختصر أخبار الخلفاء»: (ص ١٣٦ - ١٣٧) . وابن الساعي ذكره محسن الأمين في أعيان الشيعة من رجال الشيعة وقال: (علي بن أنجب البغدادي المعروف بابن الساعي له أخبار الخلفاء ت ٦٧٤هـ) «أعيان الشيعة»: (١/٣٠٥) .\n(٢) المستعصم: (أمير المؤمنين آخر خلفاء بني العباس في العراق، وهو أبو أحمد عبد الله بن المستنصر بالله أبي جعفر منصور بن الظاهر بأمر الله، كان مولده سنة ٦٠٩هـ وبويع بالخلافة سنة ٦٤٠هـ، وقد كان ﵀ سنيًّا على طريقة السلف واعتقاد الجماعة ولكن كان فيه لين وعدم تيقظ، وقتل ﵀ سنة ٦٥٦هـ)، ابن كثير: «البداية والنهاية»: (١٣/٢٠٤- ٢٠٥) .","vol":"2","page":263},{"text":"سنة، وقد حصل له من التعظيم والوجاهة ما لم يحصل لغيره من الوزراء، فلم يجد هذا التسامح والتقدير له في إزالة الحقد والغل الذي يحمله لأهل السنة.\n٣- القول (أو الطريق) الثالث:\nوالبعض يرى أن التقريب يتم بأسلوب التفاوض والحوار حول أسس الخلاف، ونتيجة ذلك هي التي تحدد الموقف من قضية التقريب، ولكن لا بد من وضع ضوابط وأصول يرجع إليها عند الخلاف تبدأ من الاتفاق أولًا على الأصول وأولها القرآن الكريم، وذلك قبل الدخول معهم في الحوار حول المسائل التفصيلية في الخلافة ونحوها.\nفهذا الشيخ عثمان الدمياطي (١) يضع أصولًا للدخول مع الروافض في حوار أو مناظرة ويعلم ذلك تلاميذه (٢) .\nفيذكر: أنه لا بد أولًا أن يتفق على الأصل الأول في الإسلام وهو القرآن العظيم، فيقال للرافضي: (هل تؤمن بأن ما بين دفتي المصحف كلام الله المنزل على سيدنا محمد (المتعبد بتلاوته المتحدى بأقصر سورة منه؟ فإن أنكر ذلك أو شك فيه\n_________\n(١) عثمان بن محمد سطا الدمياطي البكري الشافعي نزيل مكة (أبو بكر) فقيه صوفي، من تصانيفه: «إعانة الطالبين على حال ألفاظ فتح المعين» في أربعة أجزاء، «الدرر البهية فيما يلزم المكلف من العلوم الشرعية» وغيرها، كان حيًا سنة ١٣٠٠هـ، «معجم المؤلفين»: (٦/٢٧٠) .\n(٢) كما يروي ذلك تلميذه أحمد زيني دحلان - مفتي الشافعية بمكة -. انظر: أحمد زيني دحلان: «كيفية الرد على الروافض» .","vol":"2","page":264},{"text":"فلا يحتاج إلى المناظرة معه، بل تجري عليه أحكام الكافرين. وكذا إن اعتقد أن في القرآن تغييرًا أو تبدلًا لأنه مكذب لقول الله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (١) .\nوإذا أقر واعترف بأن ما بين دفتي المصحف كلام الله تعالى المنزل على سيدنا محمد (المتعبد بتلاوته المتحدى بأقصر سورة منه، يتلو عليه أو يكتب له في ورقة بعض الآيات التي أنزلها الله تعالى ثناءً على الصحابة - ﵃ -:\nكقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (٢) .\nوقوله: (لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (*) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (٣) .\nوقوله: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (٤) .\nوكقوله تعالى: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ\n_________\n(١) الحجر: آية ٩.\n(٢) الأنفال: آية ٦٤.\n(٣) التوبة: الآيتان ٨٨ - ٨٩.\n(٤) التوبة: آية ١٠٠.","vol":"2","page":265},{"text":"الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) (١) .\nوكقوله سبحانه: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعًا سجدًا يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين ءامنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرًا عظيمًا «٢) .\nوكقوله تعالى: (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلًا وعد الله الحسنى «٣) مع قوله تعالى: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون «٤) .\nوقوله تعالى: (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون «٥) .\nثم بعد تلاوة هذه الآيات أو كتابتها في صحيفة يقول له السنِّي:\nهذه الآيات من القرآن العزيز أنزلها الله تعالى مثنيًا بها على أصحاب النبي - ﷺ - وشاهدًا لهم بأنهم صادقون ومخبرًا\n_________\n(١) الفتح: آية ١٨.\n(٢) الفتح: آية ٢٩.\n(٣) الحديد: آية ١٠.\n(٤) الأنبياء: آية ١٠١.\n(٥) الحشر: آية ٨.","vol":"2","page":266},{"text":"بأن لهم الجنة. وقد أقر بأنها آيات الله فيلزمه ترك الطعن عليهم والقدح فيهم لأنك إن فعلت ذلك كنت مكذبًا بما تضمنته هذه الآيات وتكذيب آيات الله كفر، فما تقول في ذلك؟ فإن قال: هذه الآيات لا تشملهم، قلنا: يدفع ذلك قوله تعالى: (وكلًا وعد الله الحسنى () .\nثم يواصل الشيخ ذكر أصول المناظرة على هذا النحو فيذكر إنه إن قال بأن الصحابة ارتدوا إلا قليلًا خمسة أو ستة - كما هو المشهور عن الرافضة - فهذا تكذيب لله ولرسوله - ﷺ - وإنكار للحقائق المتواترة، فلا يجري معه مناظرة، بل ينبغي أن لا يخاطب لأنه غير عاقل بل غير مسلم.\nوإن اعترف بالآيات والأحاديث التي جاءت في الثناء عليهم فحينذاك يصار للبحث والمناظرة في مسألة استحقاق الخلافة ونحوها، ويكون المرجع عند الخلاف الكتاب والسنّة الصحيحة والإجماع (١) .\nولكن كثيرًا ما يرفض الروافض الاتفاق على هذه الأصول إلا تقية، وقد حدثني سماحة الشيخ عبد الله بن حميد أن الرافضة في عهد الملك فيصل قد أرسلوا لعلماء السعودية يطلبون فيها جلسة حوار معهم فإن تبين - كما يقولون - أن الحق مع السنّة اتبعه الجميع، وإن كان مع الشيعة اتبعه الجميع وبهذا يرفع الخلاف ويكون التقارب والتآلف.\nفكان من إجابة علماء السعودية أنه لا مانع لدينا من ذلك، ولكن لا بد من الاتفاق على أصل يرجع إليه عند الخلاف وهو كتاب الله\n_________\n(١) «كيفية الرد على الروافض»: أحمد زيني دحلان، تلقاها عن شيخه عثمان الدمياطي: ص ١٠٠ وما بعدها. ضمن «مجموعة ثلاث رسائل علمية» وهي في المجموعة من ص ٩٨ - ١٣٠، الطبعة الأولى ١٣٣٩هـ، عيسى البابي الحلبي.","vol":"2","page":267},{"text":"- ﷿ -، وصحيح السنة وعلى رأسها صحيح البخاري. وأرسلوا بذلك إليهم وانتظروا منهم الجواب ولم يصل لهم جواب (١) .\nوالسبب في ذلك أن الروافض لا يمكن أن يثبتوا شذوذهم في ضوء كتاب الله والسنة الصحيحة، فجوهر مذهبهم هو الإيمان بالاثني عشر ولا ذكر لهم في كتاب الله وسنة لرسوله - ﷺ -.\nمناقشة هذا الرأي:\nهذا \"الطريق\" يشبه الطريق الأول، ذلك أن نتيجته تؤدي إلى القول الأول.\nفهو يرى أنهم إن طعنوا في كتاب الله لا يناظرون لأنهم غير مسلمين، وإن كفروا صحابة رسول الله فكذلك، وهذا عين الموقف الأول، إلا أن الأول يقرر الموقف منهم ابتداء لأن عقائدهم معروفة فلا حاجة إلى التعرف إليها من خلال محاورتهم، وهذا يقرر التعرف إلى عقائدهم من خلال المناظرة والحوار.\nوهذا الموقف الأخير قد يتخذ الروافض معه أسلوب التقية والخداع.\n٤- القول (أو الطريق) الرابع:\nيرى أصحاب هذا الاتجاه أن المسلك للتقارب هو الاحتجاج بالقرآن وما أجمع الفريقان على صحته من السنة:\nيقول الأستاذ سعيد الأفغاني (٢): (الفريقان الشيعة وأهل السنّة\n_________\n(١) وقد حدثني بذلك أيضًا فضيلة الشيخ صالح بن غصون.\n(٢) سعيد الأفغاني: أستاذ العربية في كلية الآداب بجامعة دمشق ورئيس قسم اللغة العربية وآدابها. من مؤلفاته: «عائشة والسياسة»، و«الإسلام والمرأة»، في أصول النحو وغيرها.","vol":"2","page":268},{"text":"مجمعون على الاحتجاج بالقرآن الكريم ثم يختلفون في الاحتجاج بالروايات والأحاديث؛ فبعض أهل السنة يروون أحاديث وروايات في باب الفضائل وحروب الصحابة لا يأخذ بها الشيعة ولا يرونها صحيحة، وبعض الشيعة يحتجون كذلك بروايات وأحاديث يرى أهل السنة أنها مختلفة، وهناك أحاديث يجمع عليها الفريقان.\nفإذا اتفقنا على الاحتجاج - في هذا الباب - بالقرآن الكريم وما أجمع الفريقان على صحته من الحديث وأغفلنا ما وراء ذلك - إذا كان لا يدخل في أصول العقائد ولا ثمرة عملية له - زال كل خلاف بين الطرفين وقضينا على هذه الفرقة غير المجدية التي طال أمدها) (١) .\nوهذا الرأي قال به أيضًا مرجع الشيعة محسن الأمين ونص قوله هو: (... ونأخذ بما اتفق عليه الكل وتوافقت عليه الأخبار من الطرفين وأيده الكتاب العزيز والسنة الثابتة عند الجميع) (٢) .\nكما أن دار التقريب في القاهرة تبنت هذا الرأي وقالت: (رأت دار التقريب بين المذاهب الإسلامية أن تقوم بمشروع علمي إسلامي جليل الشأن، ذلك هو جمع الأحاديث التي اتفق عليها الفريقان في مختلف أبواب الإيمان والعمل والأخبار والأخلاق وغير ذلك من أبواب السنة المطهرة.\n_________\n(١) «عائشة والسياسة»: ص ٣٣٩.\n(٢) المصدر السابق: ص ٣٣٨.","vol":"2","page":269},{"text":"تجمع الأحاديث المتفق عليها في كل باب ويبين مع كل حديث مصدره من كتب السنة ومن كتب الشيعة ودرجته عند كل من الفريقين.\nويمكن إصدار ما يتم من ذلك على سبيل التدرج جزء بعد جزء حتى يكمل المشروع بإذن الله، ويومئذ يجد فيه المسلمون مرجعًا متفقًا عليه صالحًا للاحتجاج به، والاحتكام إليه) (١) .\nولكن هذا المشروع الذي أعلنت عنه الدار لم يولد.\nمناقشة هذا الرأي:\n١- هو مبني على سلامة موقف الروافض من كتاب الله (، وهذا خلاف الواقع كما أسلفنا.\n٢- وهو يفترض أن مفهوم السنّة بين الفريقين واحد وإنما الخلاف حول بعض الأحاديث فقط، وهذا غير صحيح كما بيّنا.\n٣- وهو مبني على أنه لا خلاف بين أهل السنّة والشيعة في أمور تمس العقيدة والأصول، وهذا - ونقولها بكل مرارة - لا يتفق وحقيقة الأمر.\n٤- وهو ينطوي على ترك الأخذ بمجموعة من الأحاديث من الجانبين، ولا أحسب أن هذا سيكون محل تسليم من الجميع.\n_________\n(١) «رسالة الإسلام»: (جـ١٣/ص ٢١٩- ٢٢٠) . وانظر: مجلة «العرفان» الشيعية: (جـ١/ص ١٢٨) ربيع الأول ١٣٨٦هـ.","vol":"2","page":270},{"text":"٥- ثم هو غير عملي؛ فالروافض أجمعوا على صحة أساطيرهم التي تنال من صحابة رسول الله - ﷺ - وترد مروياتهم، وأهل السنّة لا يمكن أن يدعوا ما جاء في كتاب الله وسنّة رسوله - ﷺ - من الثناء عليهم.\nوقل مثل ذلك في الأصول الأخرى. فعلى أيٍّ يمكن الاتفاق؟! أما هدف الروافض من تبني هذا الرأي فهو الأخذ بالأحاديث الضعيفة أو الموضوعة والأحاديث المؤولة على غير وجهها الصحيح من طريق السنّة لخدمة شذوذهم. كما هو واضح من مسلكهم في كتبهم التي يؤلفونها للدفاع عن مذهبهم أو الدعاية له.\n٥- القول (أو الطريق) الخامس:\nوهذا القول يرى أيضًا تصفية الخلاف بأسلوب التفاوض والتفاهم حول الأصول المختلف فيها، وأن يكون الحكم بين الطائفتين كتاب الله (، ومع الرجوع في تفسيره إلى لغة العرب وترك الروايات المتنازع حولها. ذلك أن الشيعة يفسرون القرآن على ضوء رواياتهم، وأهل السنّة يفسرون القرآن في ضوء رواياتهم. ومن هنا ينشأ الاختلاف والنزاع. فليكن القرآن العظيم هو الحكم الفصل عن طريق فهمه من خلال اللغة العربية، فالله سبحانه أنزل القرآن بلسان عربي مبين وقد اتفق الشيعة وأهل السنّة على حدود العربية واتفقوا على ما وضع لمفرداتها من المعاني. ومعنى هذا أن اللغة وحدها هي التي تصلح أن تكون مرجع الحكومة بين أهل السنّة والشيعة في أصول الخلاف، ونتيجة هذه الحكومة أن من يحكم له القرآن فرواياته هي المعتمدة.","vol":"2","page":271},{"text":"وليكن الحوار في \"مسألة الإمامة\" التي انفصلت الشيعة بها عن المسلمين، وكفرت الصحابة، وردت رواياتهم بسببها على زعمهم أنهم رفضوا «الإمامة المنصوصة» .\nوقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية في مناقشته لابن المطهر الحلي إلى هذا المنهج فقال: (فإن تركوا الرواية رأسًا أمكن أن نترك الرواية (١)، ثم طبق هذا المنهج - في الاحتجاج - وقال مناقشًا الروافض في قولهم \"إن الإمامة ركن من الأركان الإيمان\": وهب أنا لا نحتج بالحديث فقد قال الله تعالى: (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون، أولئك هم المؤمنون حقًا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم «٢)، فشهد لهؤلاء بالإيمان من غير ذكر للإمامة، وقال تعالى: (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون «٣) فجعلهم صادقين في الإيمان من غير ذكر للإمامة، وقال تعالى: (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من ءامن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم\n_________\n(١) ابن تيمية: «منهاج السنّة»: (١/٣٢) الطبعة الأميرية.\n(٢) الأنفال: الآيات ٢، ٣، ٤.\n(٣) الحجرات: آية ١٥.","vol":"2","page":272},{"text":"المتقون «١) ولم يذكر الإمامة.\nوقال تعالى: (آلم. ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين. الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون. والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون. أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون «٢) فجعلهم مهتدين مفلحين ولم يذكر الإمامة) .\nوقال: (وأيضًا فنحن نعلم بالاضطرار من دين محمد بن عبد الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن الناس كانوا إذا أسلموا لم يجعل إيمانهم موقوفًا على معرفة الإمامة ولم يذكر لهم شيء من ذلك، وما كان أحد أركان الإيمان لا بد أن يبينه الرسول لأهل الإيمان ليحصل لهم به الإيمان، فإذا علم بالاضطرار أن هذا ما لم يكن الرسول يشترطه في الإيمان علم أن اشتراطه في الإيمان من أقوال أهل البهتان (٣) .\nمناقشة هذا الرأي:\nولا شك أن المنهج الذي أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية هو\n_________\n(١) البقرة: آية ١٧٧.\n(٢) البقرة: الآيات ١- ٥.\n(٣) «منهاج السنّة»: (١/٣٣) الطبعة الأميرية.","vol":"2","page":273},{"text":"منهج صالح في مجال الاحتجاج عليهم - فقط - ولكن موقف الروافض من الأصل الأول وهو القرآن تجعل الإفادة من هذا الطريق متعذرة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>٦- المباهلة </span>(١):\nولعل من الوسائل لحل الخلاف في أصول الدين وإبطال دعاوى الروافض حول القرآن والسنّة أن يلجأ إلى المباهلة. وهي من السنّة؛ فالرسول - ﷺ - أراد مباهلة نصارى نجران (٢) قال ابن حجر: (وفي قصة أهل نجران من الفوائد.. مشروعية مباهلة المخالف إذا أصر بعد ظهور الحجة. وقد دعا ابن عباس إلى ذلك ثم الأوزاعي، ووقع ذلك لجماعة من العلماء، ومما عرف بالتجربة أن من باهل وكان مبطلًا لا تمضي عليه سنة من يوم المباهلة، ووقع لي ذلك مع شخص كان يتعصب لبعض الملاحدة فلم يقم بعدها غير\n_________\n(١) المباهلة: الملاعنة، وهو أن يجتمع القوم إذا اختلفوا في شيء فيقولوا: لعنة الله على الظالم منا، وتقول: باهلت فلانًا إذا دعوتما باللعن على الظالم منكما، وتباهلا وابتهلا التعنا: (ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين (، ومنه حديث ابن عباس: «من شاء باهلته أن الحق معي» «النهاية في غريب الحديث»: (١/١٦٧)، «أساس البلاغة»: ص ٥٦.\n(٢) انظر: «تفسير الطبري»: (٦/٤٧٣- ٤٧٥) بتحقيق أحمد شاكر، «تفسير القرطبي»: (٤/١٠٨)، «فتح القدير»: (١/٣٤٦- ٣٤٧)، وانظر: «صحيح البخاري» مع شرحه «فتح الباري» كتاب المغازي، باب قصة أهل نجران: (٨/٩٣- ٩٤) .\n«المسند»: (١/٤١٤)، «سيرة ابن هشام»: (٢/٢٢٢- ٢٣٣)، «طبقات ابن سعد»: (١/٣٥٧)، «زاد المعاد»: (٣/٦٢٩) .","vol":"2","page":274},{"text":"شهرين) (١) .\nوأن حصول المباهلة في جمع من الناس.. سيكون له تأثير بإذن الله.\nوقد عزم شيخ الإسلام ابن تيمية على المباهلة لمن ادعى أن لديه أسرارًا مخزونة وعلومًا مصونة، لأن ذلك كما يقول الشيخ متعلق بأصول الدين (٢)، والروافض يدعون أن عند أئمتهم علومًا سرية (٣) .\n_________\n(١) ابن حجر: «فتح الباري»: (٨/٩٥) .\n(٢) ابن تيمية: «الفتاوى»: (٤/٨٢) .\n(٣) وقد طلب الأستاذ \"إبراهيم الجبهان\" من شيوخ الشيعة المباهلة على ملأ من الناس وأمهلهم سنة ليجيبوه، ولكن لم يتقدم إليه أحد. إبراهيم الجبهان: «تبديد الظلام»: ص ١٨٩، ٢٠٨.","vol":"2","page":275},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-180>الطريق المختار</span>\nلقد تبين لنا من خلال البحث مدى ما عند الروافض من كفر وضلال ومدى الأخطار والأضرار الكبيرة التي احتوت عليها كتبهم التي يسمونها كتب الحديث وعلوم آل محمد.. وأنها تصيب المسلمين في صميم دينهم، وفي أصول اعتقادهم، وأن كثيرًا من \"نصوصها\" ورواياتها هي في الحقيقة - ومن خلال تجربتي معها - باب من أبواب الإلحاد والصد عن دين الله. والواقع أنني لم أذكر في هذا البحث إلا خلاصة موجزة للشر المستطير الذي تحويه.\nوكل دعوة تقريب تستلزم - ضمنًا - الاعتراف بهذه الكتب التي لا يصل الكيد الاستشراقي والتبشيري إلى مستوى ما وصلت إليه من محاولات لتغيير دين الله وشرعه باسم الإسلام، بل إن الاستشراق والتبشير من مَعينها يرتوي وعلى شبهاتها وأساطيرها يعتمد في إفساده وتآمره على الدين وأهله.\nولهذا فإن هناك علاقة وثيقة بل تشابهًا تامًا بين شبهات المستشرقين والمبشرين، وآراء الروافض، وشرح ذلك لا مجال له، وليس هذا بجديد؛ فمن قديم كان \"الأعداء\" يستخدمون \"آراء\" الروافض تكأة لهم في محاربة الإسلام وأهله، بل كان جنود \"الروافض\" أمضى سلاح في يد الأعداء، وكان التشيع مأوى لكل من أراد هدم الإسلام","vol":"2","page":276},{"text":"من ملحد وحاقد وموتور.\nوكانت كتب الروافض هي \"النهر\" الذي انسكبت فيه كل جداول الابتداع والانحراف والإلحاد.\nفكانت دعوة التقريب هي \"البدعة الكبرى\" التي أرادت أن تعطي الكفر والضلال والإلحاد صفة الشرعية، واسم الإسلام.\nوقد سببت دعوة التقريب خسارة كبرى لأهل السنّة، وضررًا كبيرًا لا يتصوره إلا من وقف على عدد القبائل التي ترفّضت بجملتها، فضلًا عن الأفراد، حتى تحولت العراق - مثلًا - بسبب هذه الدعوة من أكثرية سنّية إلى أكثرية شيعية (١) . وشيوخ الروافض يخططون\n_________\n(١) قد جاء الحيدري في مصنفه «عنوان المجد» على ذكر معظم القبائل السنّية المعروفة التي ترفضت في العراق، ومنها الخزاعل، ترفضت (منذ ١٥٠ سنة)، وتميم (منذ ٦٠ سنة)، وزبيد (منذ ٦٠ سنة)، وكعب (منذ ١٠٠ سنة)، وربيعة (منذ ٧٠ سنة) وهناك قبائل أخرى لا يعرف على وجه التحديد التاريخي متى ترفضت مثل بنو عمير والخزرج، وشمرطوكة، والدوار، الدفامعة، عشائر العمارة، عشائر الهندية، عشيرة بني لام.\nوعشائر الدوانية وهي خمسة عشائر: آل أقرع وهي ١٦ قبيلة وكل قبيلة كثيرة العدد، وآل بدير وهي ١٣ قبيلة، وعفج وهي ٨ قبائل، وجليحة ٤ قبائل، والجبور ٤ قبائل. وغيرهم.\nانظر: الحيدري: «عنوان المجد في بيان أحوال بغداد والبصرة ونجد»: (ص ١١١ - ١١٨)، وقد كتب كتابه هذا سنة ١٢٨٦هـ، وقد عزا المؤرخون هذه الظاهرة إلى نشاط دعاة الرفض في الدعوة لمعتقدهم مع جهل الأعراب وعدم وجود علماء عندهم. انظر: المصدر السابق: ص ١١٣، «مختصر كتاب مطالع السعود»: (ص ١٦٩- ١٧٠)، وانظر في هذا الموضوع: «أبو طالب وبنوه»: للرافضي محمد علي خان: ص ١٦٨.","vol":"2","page":277},{"text":"لنشر الرفض بكل وسيلة تحت شعار التقريب. وبعد العراق بدأوا في مصر وغيرها من بلاد العالم الإسلامي، واشتروا الأقلام وغروا ضعاف النفوس والإيمان وخدعوا أصحاب الغفلة والجهل، وجعلوا منهم أبواق دعاية للرفض والروافض.\nوبسبب دعوة التقريب سكت أهل السنة - أو جلهم - عن بيان باطل الروافض وإيضاح الحق.\nوباسم هذه الدعوة وجدت كتب الرافضة ونشراتهم ورسائلهم مكانًا لها في بلاد السنّة.\nوأصبح رجال الرفض يتحركون وسط بلاد السنّة بيسر وسهولة وينشرون كتبهم ويقيمون ندواتهم ويفتحون مراكز لهم.\nوتبين من خلال آراء دعاة التقريب من الروافض أنهم لم يغيروا شيئًا من عقائدهم الشاذة، وأنهم إما مجاهرون بها أو مستخفون يخدعون ويتقون.. وأنهم لم يتقدموا خطوة واحدة في مسألة التقريب، فلم يخرسوا ألسنتهم وأقلامهم التي تنهش في أعراض الصحابة ودينهم، والتي تطعن في \"القرآن\" و\"السنة\" والأمة، بل إن دينهم قام على أسس مضادة للتقريب أصلًا من تكفير للمسلمين، واعتقاد أن مخالفتهم هي الأصل للرشد والصواب.. ولهذا لم تثمر دعوة التقريب سوى خسارة لأهل السنة كبيرة ونصر لأهل الرفض. فما دعوة التقريب إلا ستار لنشر \"الرفض\" بين أهل السنّة، بلا شك ولا ريب، ومن اعترض على هذا فليقدم معلوماته الموثقة، لا أفكاره المسبقة.. وأنَّى له ذلك.\nفهل ينتبه أهل السنّة إلى الأهداف الخطيرة التي يسعى الروافض","vol":"2","page":278},{"text":"لتحقيقها باسم الوحدة والتقريب والتآلف؟.. وما أكبر وأخطر مسؤولية أولئك الذين لا يمعنون النظر من أهل السنّة والمخدوعين الذين لا يزالون يلهجون بهذه \"الأفكار\" \"الملغمة\" ويخدعون بها الناس، ويمارسون الإضلال باسم الإصلاح، ويهدمون بيوتهم بأيديهم.\nوإنني أوجه نصيحة مخلصة إلى كل دعاة التقريب من أهل السنّة أن يرجعوا إلى قراءة كتب الحديث عن الروافض \"الثمانية\" ليعلموا إلى أين يذهبون بأمتهم ودينهم باسم التقريب، وسيعيدون النظر - بلا ريب إن كانوا مخلصين - في موقفهم من مسألة التقريب، مثلهم في ذلك مثل الشيخ موسى جار الله وغيره.\nفمع من نتحد - معشر أهل السنّة؟\nمع من يطعن في قرآننا، ويفسره على غير تأويله ويحرف الكلم عن مواضعه، ويزعم تنزيل كتب إلهية على الأئمة.. ويكفّر الصديق والفاروق وأم المؤمنين وأحب نسائه إليه عائشة ﵂ وطلحة والزبير وغيرهم من أجلة الصحابة رضوان الله عليهم، ويرى الشرك توحيدًا، والإمامة نبوة، والأئمة رسلًا أو آلهة، ويخادع المسلمين باسم التقية..؟\nإن المنهج السليم للتقريب هو:\nأن يقوم علماء السنّة بجهد كبير لنشر اعتقادهم وبيان صحته وتميزه عن مذاهب أهل البدع، وكشف لمؤامرات الروافض وأكاذيبهم وما يستدلون به من كتب أهل السنّة.\nوأن يصاحب ذلك كله بيان لانحرافات الروافض وكشف ضلالاتهم وأصولهم الفاسدة.","vol":"2","page":279},{"text":"وإذا كان أئمة السنّة قد شاركوا في ذلك، فإنه يجب مضاعفة الجهد وأن يكون جهدًا جماعيًّا مخططًا له.\nأي أن المنهج الأصيل للتقريب هو بيان الحق وكشف الباطل، هو تقريب الشيعة إلى الحق والوقوف في وجه المد التبشيري الرافضي الذي ينشط اليوم بشكل غريب في العالم الإسلامي، وفي أوربا وأمريكا. حتى يجتمع المسلمون على كلمة سواء ويعتصموا بحبل الله جميعًا ولا يتفرقوا.\nوإذا كان لا يجدي مع الشيعة الاحتجاج عليهم بالقرآن والسنّة والإجماع، وبيان الحق لهم بهذه الأصول لمخالفتهم لأهل السنّة في ذلك، فلا يعني ذلك أن نتوقف عن بيان مذهب أهل السنّة وصحته، وبطلان مذهب الشيعة وضلاله في ضوء تلك الأصول. فذلك سيحد من انتشار \"عقيدة الروافض\" بين أهل السنّة. أما مع الروافض فإنه من الضروري أن نسلك مع المنهج السالف أو قبله المنهج التالي. والذي سأبينه فيما يلي، فأقول:\nإن التقريب لا بد وأن يكون على أساس الحق، وإذا كنا لا نستطيع أن نحتج عليهم بالكتاب والسنّة ونحسم الخلاف على ضوئها فلنبحث عما يكشف باطلهم من كتبهم نفسها.\nوهذا \"المنهج\" لم يسلكه علماؤنا المتقدمون الذين اهتموا بالرد على الروافض وتفنيد حججهم ودحض دعاواهم، وما ندري هل السبب في ذلك أن علماءنا - يرحمهم الله تعالى - كانوا يحتقرونهم ويرونهم مصدر الكذب ومعين التزوير (١) فأعرضوا عن النظر في\n_________\n(١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وقد اتفق أهل العلم والرواية والإسناد على أن =","vol":"2","page":280},{"text":"كتبهم، فضلًا عن البحث فيها عن أدلة\nتكشف كذبهم وباطلهم؟.\nأم أنّ السبب أن كتب القوم لم يكن لها ذلك الذيوع والانتشار وكانت موضع التداول الخاص بينهم؟.\nأو أن السبب أن هناك بعض كتبهم الأساسية قد وضعت من المتأخرين ونسبت للمتقدمين أو زيد عليها في العصور المتأخرة (الدولة الصفوية)؟.\nأيًّا كان السبب هذا أو ذاك أو جميعًا فإن كتب الروافض اليوم قد انتشرت ودان بقدسيتها وآمن بصحتها ملايين الشيعة، فهم لا يؤمنون إلا بما جاء فيها ولا يحتجون إلا بها، ويردون بها السنّة الصحيحة بل نصوص الكتاب الظاهرة، بل منهم من يصدق أساطيرها التي تمس كتاب الله العظيم وتزعم الوحي للأئمة وعلم الغيب.. فليكن تصحيح وضع الشيعة من كتبهم وكشف ضلالهم من روايتهم،\n_________\n= الرافضة أكذب الطوائف، والكذب فيهم قديم، ولهذا كان أئمة الإسلام يعلمون امتيازهم بكثرة الكذب.\nقال أبو حاتم الرازي الحافظ الكبير - ت ٢٣٧هـ -: سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول: قال أشهب بن عبد العزيز: سئل مالك عن الرافضة، فقال: لا تكلمهم ولا ترو عنهم فإنهم يكذبون.\nوقال أبو حاتم: حدثنا حرملة، قال: سمعت الشافعي يقول: لم أر أحد أشهد بالزور من الرافضة.\nوقال مؤمل بن إهاب: سمعت يزيد بن هارون يقول: يكتب عن كل صاحب بدعة إذا لم يكن داعية إلا الرافضة، فإنهم يكذبون.\nوقال محمد بن سعيد الأصفهاني: سمعت شريكًا يقول: أحمل العلم عن كل من لقيت إلا الرافضة، فإنهم يضعون الحديث ويتخذونه دينًا) . «منهاج السنّة»: (١/٣٧- ٣٨) تحقيق د. رشاد سالم.","vol":"2","page":281},{"text":"ومنطلق التقريب الصحيح من مدوناتهم.\nوفيما يلي نشير إلى بعض الملامح والأمثلة لهذا المنهج:\nأولًا: كشف ما وضعوه من كتب:\nللروافض مجموعة من الكتب يرون أنها هي عمدتهم في الحديث، ودراسة مدى صحة نسبة هذه الكتب لمؤلفيها وهل زيد فيها أو نقص.. وعنصر الوضع والدس والمؤامرة فيها.. دراسة هذه المسائل من المهمات، فإنهم كما وضعوا الأحاديث، وضعوا الكتب. وقد رأينا أن أول كتاب للشيعة موضوع مكذوب. وأن صاحب اسم لا مسمى له (١) .. أما مسألة الزيادة على ما وضع المؤلف فهذا كثير عندهم، انظر مثلًا اختلافهم هل «كتاب الروضة» - وهو أحد كتب «الكافي» التي تضم مجموعة من الأبواب - هل هو من تأليف الكليني أو مزيد فيما بعد على كتابه «الكافي»؟ (٢)، بل الأمر أخطر من ذلك فإن شيخهم الثقة عندهم حسين ابن السيد حيدر الكركي العاملي (٣) (ت ١٠٧٦هـ) قال إن: (كتاب الوافي خمسون كتابًا بالأسانيد التي فيه لكل حديث متصل بالأئمة «ع») (٤)، بينما نرى شيخهم الطوسي (ت ٤٦٠هـ) يقول: (كتاب «الكافي» مشتمل على\n_________\n(١) وهو كتاب «سليم بن قيس» انظر: ص ٢٠٩ وما بعدها من هذا البحث.\n(٢) الخونساري: «روضات الجنات»: (٦/١١٨، ١٧٦) .\n(٣) أبو عبد الله حسين ابن السيد حيدر بن قمر الحسيني الكركي العاملي المعروف عندهم بالمجتهد أو المفتي، صاحب كتاب «الإجازات والرسائل المتفرقة في مسائل شتى»، ت ١٠٧٦هـ. «روضات الجنات»: (٢/٣٢٧) .\n(٤) انظر: «روضات الجنات»: (٦/١١٤) .","vol":"2","page":282},{"text":"ثلاثين كتابًا أخبرنا بجميع رواياته الشيخ..) (١) . فانظر كيف زيد على «الكافي» للكليني - الذي هو عمدتهم بين القرن الخامس والحادي عشر - عشرون كتابًا، مع أن كل كتاب يضم عشرات الأبواب.\nفدراسة كتب القوم التي يزعمون أنها مقدسة، ومن كنوز آل محمد تكشف كثيرًا من الزيف والافتراء أمام أولئك الذين يرون فيها - بجهل - تلك القدسية.\nومن الأمثلة أيضًا:\nأن الشيعة اليوم مجمعون على أن من مراجعهم المعتمدة في الحديث «الوسائل»، و«البحار»، و«مستدرك الوسائل»، فصاحب «الوسائل» \"الحر العاملي\" ت ١١٠٤هـ، وصاحب «البحار» \"المجلسي\" ت ١١١١هـ، أما صاحب «المستدرك» فهو شيخهم النوري الطبرسي ت ١٣٢٠ وهو من معاصري الشيخ محمد عبده.\nويلاحظ هنا أن تاريخ هذه المصادر المعتمدة عند الشيعة متأخر جدًا عن عصور الأئمة!!\nفإذا كانوا قد جمعوا تلك الأحاديث عن طريق السند والرواية فكيف يثق عاقل برواية لم تسجل طيلة أحد عشر قرنًا أو ثلاثة عشر قرنًا؟!!\nوإذا كانت مدونة في كتب فلِمَ لَمْ يعثر على هذه الكتب إلا في القرون المتأخرة، ولِمَ لَمْ يجمع تلك الروايات متقدموهم ولِمَ لَمْ تذكر تلك الكتب وتسجل في كتبهم القديمة؟!! إلخ.\n_________\n(١) الطوسي: «الفهرست»: ص ١٦١.","vol":"2","page":283},{"text":"إن نقد أصولهم على هذا النحو، وكشف الدس والافتراء فيها جدير بفتح الأعين والبصائر (١) ..\nثانيًا: دراسة نصوصهم وأسانيدهم:\nإن من طبيعة الوضع التناقض والاختلاف (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرا «٢) .\nوالناظر في كتب الحديث عن الروافض يدهشه مدى التناقض والحيرة والاضطراب في معظم رواياتهم.\nحتى اعترف بهذا التناقض شيخهم الطوسي، واعترف أيضًا أن هذا من أسباب ترك بعض الشيعة للتشيع (٣) .\nإن إبراز هذا التناقض وتصويره، لهو من الوسائل المهمة في كشف الباطل.\nكما أن كشف أسانيدهم وإيضاح حال رجالها الذين اندسوا في التشيع للكيد للإسلام هو من عوامل تعرية حقيقة الرفض ومؤسسيه.\nوقد رأينا أن شيخهم الطوسي اعترف بأن معظم \"رواتهم\"\n_________\n(١) وحبذا لو قامت لجنة علمية متخصصة من أهل السنّة لدراستها سندًا ومتنًا والحكم عليها حكمًا مؤيدًا بالدلائل والبراهين، أو أقيم مؤتمر لهذا الغرض يشكل من ذوي الإيمان والوعي والاختصاص، حتى يكون لهذا أثره في العالم الإسلامي، وتحبط مؤامرات الزنادقة ويتنبه الجاهلون والمخدوعون.\n(٢) النساء: آية ٨٢.\n(٣) انظر: ص ١٢٢- ١٢٣ من هذا البحث.","vol":"2","page":284},{"text":"ممن ينتحل المذاهب الفاسدة ولكن قال بأن رواياتهم معتمدة (١) .\nوالروافض لم يجدوا إجابة على تناقض نصوصهم إلا القول بأن هذا من قبيل التقية، ولا برهان لهم يحدد أي الأقوال تقية، وأي الأقوال حقيقة، وهذا ما يثبت أن مذهب أهل البيت من خلال نقل الروافض غير معروف بسبب دعوى التقية تلك، وبسبب أن معظم رواتهم من أصحاب النحل الفاسدة كما اعترف بذلك الطوسي (٢)، وبسبب الوضع والافتراء الذي اشتهر عندهم واعترفوا به.\nولهذا فإن أقوال شيوخهم قد ضربت رقمًا قياسيًا في التناقض والاختلاف، حتى اعترف بذلك شيخهم الفيض الكاشاني فقال عن اختلاف طائفته:\n(.. تراهم يختلفون في المسألة الواحدة على عشرين قولًا أو ثلاثين أو أزيد، بل لو شئت أقول لم تبق مسألة فرعية لم يختلفوا فيها أو في بعض متعلقاتها..) (٣) .\nوأخيرًا هناك مجموعة من أحاديثهم توافق ما عند أهل السنّة وقد قام علماؤهم بصرفها عن ظاهرها، لا لشيء إلا لأنها توافق ما عند أهل السنّة، ولا عمدة لهم في ردها سوى عقيدة التقية.\nونحن نرى أن هذه \"الروايات\" هي الروايات التي تعبر عن مذهب الأئمة، وإن كانت قليلة ولا يؤمن بها شيوخ الشيعة، وأن الروايات الأخرى هي من وضع أعداء الأمة ودعاة الفرقة وإن قال\n_________\n(١) انظر: ما سبق ص ٢٧٨.\n(٢) «الفهرست»: ص ٢٤، ٢٥.\n(٣) «الوافي»: المقدمة ص ٩.","vol":"2","page":285},{"text":"بها شيوخ الشيعة.\nوإن تقديم تلك النصوص - الموافقة لما عند أهل السنّة - تقديمها لناشئة الشيعة مع آيات القرآن ونصوص السنّة الصحيحة لهو منهج يقطع الطريق على دعاة الفرقة وأعداء الأمة من المتسترين بالتشيع، وهو طريق من طرق التقارب إذا طبق بوعي وإيمان، ومن شأنه أن يفتح الأذهان والعقول إلى الحقيقة التي ران عليها ركام كثيف من الكذب والافتراء في كتب الشيعة (١) . وفيما يلي أمثلة ذلك:\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>١- عدم النص على عليّ ﵁:</span>\nقال الألوسي ﵀: (ومما يستدل به على عدم النص ما في «نهج البلاغة» من كلامه رضي (لما أراده الناس على البيعة، فإنه قال: دعوني والتمسوا غيري فإننا مستقبلون أمرًا له وجوه وألوان لا تقوم له القلوب ولا تثبت عليه العقول.. وإن ترتكموني فإني كأحدكم ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه، وأنا لكم وزيرًا خير\n_________\n(١) وقد بدأ بعض علماء الهند وباكستان والعراق من أهل السنّة باستخدام هذا الأسلوب في الرد على الروافض كالشيخ شاه عبد العزيز الدهلوي في كتابه «التحفة الاثني عشرية»، والشيخ محمد خوجه نصر الله الحسيني الصديقي الهندي في كتابه «الصواعق المحرقة»، (وهما من علماء الهند) . وكالشيخ محمد عبد الستار صاحب تونسوي، ومحمد صديق في العديد من رسائلهما بالأردية (وهما من باكستان)، والشيخ محمود شكري الألوسي وذلك لتأثره - فيما يظهر - بكتابات علماء الهند. ويذكر الكوثري أن لكتاب «التحفة الاثني عشرية» - وهو يسير على هذا المنهج - دور كبير في الحد من غلو الروافض في الهند. الكوثري: «المقالات» (ص ١٥٤- ١٥٥) .","vol":"2","page":286},{"text":"مني لكم أميرًا) (١) .\nوهذا النص يدل على أنه لم يكن منصوصًا عليه بالإمامة من جهة الرسول، وإلا لما جاز أن يقول: (دعوني.. إلخ. ولعلّي.. إلخ. وأنا لكم..إلخ) (٢) .\nفهذا النص في كتاب «نهج البلاغة» الذي يرى الشيعة أنه من الكلام الذي لا ريب فيه ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فهو كلام المعصوم علي وجه اليقين عندهم، ولا يشك الشيعة في كلمة منه، وهو يهدم كل ما ينوه من دعاوى حول النص على علي والأئمة.\nوفي «نهج البلاغة» أيضًا يقول علي - ﵁ -: (أنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إمامًا كان ذلك لله رضي، فإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى) (٣) .\nوهذا نص صريح في عدم وجود نص، فالشورى - في أمر الإمامة - هي للمهاجرين والأنصار، ومن أجمعوا عليه هو \"الإمام\" ومن خرج من ذلك وجب قتاله لاتباعه غير سبيل المؤمنين، ولو كان\n_________\n(١) «نهج البلاغة»: ص ١٣٦.\n(٢) محمود شكري الألوسي: «تعليقات على ردود الشيعة» (مخطوط) .\n(٣) «نهج البلاغة»: (ص ٣٦٦- ٣٦٧) .","vol":"2","page":287},{"text":"هناك نص في الإمام لم يقل علي - ﵁ - ذلك.\nوفي نص آخر يعلق استجابته للخلافة لانتخابهم له ودعوتهم إياه لا للنص الإلهي، يقول: (والله ما كانت لي في الخلافة رغبة ولا في الولاية إربة (١)، ولكنكم دعوتموني إليها، وحملتموني عليها..) (٢) .\nوهذه النصوص تتفق مع، جاء عن طريق أهل السنّة فتأخذ صفة الإجماع عند الفريقين. فقد روى الإمام أحمد في «مسنده» عن وكيع عن الأعمش عن سالم عن أبي الجعد عن عبد الله بن سبع قال: «سمعت عليًا يقول: (وذكر أنه سيقتل) قالوا: فاستخلف علينا، قال: لا، ولكن أترككم إلى ما ترككم إليه رسول الله - ﷺ -، قالوا: فما تقول لربك إذا أتيته؟ قال: أقول: اللهم تركتني فيهم ما بدا لك ثم قبضتني إليك وأنت فيهم، فإن شئت أصلحتهم وإن شئت أفسدتهم» (٣) . وروى الإمام أحمد مثله عن أسود بن عامر عن الأعمش عن سلمة بن كهيل عن عبد الله بن سبع (٤)، وفي الباب روايات أُخرى (٥) .\n_________\n(١) الإربة: بكسر الهمزة: الغرض والطلبة.\n(٢) «نهج البلاغة»: ص ٣٢٢.\n(٣) «مسند الإمام أحمد»: (٢/٢٤٢) رقم ١٠٧٨، وقال أحمد شاكر: وإسناده صحيح. والحديث في «مجمع الزوائد»: (٩/١٣٧) وقال الهيثمي: رواه أحمد وأبو يعلى ورجاله رجال الصحيح، ورواه البزار بإسناد حسن.\n(٤) «المسند»: (٢/٣٤٠) رقم ١٣٣٩، قال أحمد شاكر: إسناده صحيح.\n(٥) انظر: الدارقطني: «السنن الكبرى»: (٨/١٤٩)، وراجع «البداية والنهاية»: (٥/٢٥٠- ٢٥١)، (٧/٣٢٤- ٣٢٥) .","vol":"2","page":288},{"text":"وكتاب الله - ﷿ - قبل ذلك كله - لا يوجد فيه نص على \"إمامة الاثني عشر\" مع أنهم يزعمون أن إمامتهم استمرار للنبوة وأن الإيمان بهم من أصول الدين وأركانه ومن ضرورات الإسلام. فأمرٌ بهذه الحيثية والمكانة لماذا لم يذكره الله (في كتابه؟!\nأليس هذا كله دليلًا على أن كل ما زعموه حول النص على الأئمة، هو من وضع أعداء الإسلام؟!\n<span data-type=\"title\" id=toc-182>٢- ثناء الأئمة على الصحابة رضوان الله عليهم:</span>\nفي «الخصال» لابن بابويه القمي: (عن أبي عبد الله قال: كان أصحاب رسول الله - ﷺ - اثني عشر ألفًا، ثمانية آلاف من المدينة وألفان من أهل مكة وألفان من الطلقاء، لم ير فيهم قدري، ولا مرجي، ولا حروري، ولا معتزلي ولا صاحب رأي، كانوا يبكون الليل والنهار) (١) .\nوفي «البحار» للمجلسي: (عن الصادق عن آبائه عن علي \"ع\" قال: أوصيكم بأصحاب\n_________\n(١) هذا من وضع الجهال، فعدد الصحابة الذين شهدوا معه (حنينًا اثنا عشر ألفًا سوى الأتباع من النساء وجاء إليه هوازن مسلمين، وترك مكة مملوءة ناسًا وكذلك المدينة أيضًا وكل من اجتاز به من قبائل العرب وكانوا مسلمين فهؤلاء كلهم لهم صحابة، وقد شهد معه تبوك من الخلق الكثير ما لا يحصيهم ديوان، وكذلك حجة الوداع وكلهم له صحبة. ابن الأثير: «أسد الغابة»: (١/١٩) . قال أبو زرعة: قبض رسول الله - ﷺ - عن مائة ألف وأربعة عشر ألفًا من الصحابة ممن روى عنه وسمع منه. «تدريب الراوي»: (١/٢٢٠)، «الإصابة»: ص٢، الذهبي: «تجريد أسماء الصحابة»: ص: ب. والمعتمد أنه ليس هناك تحديد ثابت لهم. انظر: السخاوي: «فتح المغيث»: (٣/١١١) .","vol":"2","page":289},{"text":"نبيكم لا تسبوهم، الذين لم يحدثوا بعده محدثًا، ولم يؤووا حدثًا فإن رسول الله أوصى بهم الخير) (١) .\nوفي «البحار» أيضًا: (قال النبي - ﷺ -: طوبى لمن رآني وطوبى لمن رأى من رآني وطوبى لمن رأى من رأى من رآني) (٢) .\nوعن موسى بن جعفر \"إمامهم السابع\" قال: قال رسول الله - ﷺ -: (أنا أمنة لأصحابي، فإذا قُبضت دنا من أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا قُبض أصحابي دنا من أمتي ما يوعدون، ولا يزال هذا الدين ظاهرًا على الأديان كلها ما دام فيكم من قد رآني) (٣) .\nوفي «معاني الأخبار» لشيخهم ابن بابويه القمي \"الصدوق\" عن جعفر بن محمد عن آبائه \"ع\" قال: قال رسول الله - ﷺ -: (ما وجدتم في كتاب الله - ﷿ - فالعمل لكم به، لا عذر لكم في تركه، وما لم يكن في كتاب الله - ﷿ - وكانت فيه سنة مني فلا عذر لكم في ترك سنتي، وما لم يكن فيه سنة مني فما قال أصحابي فقولوا به، فإنما مثل أصحابي فيكم كمثل النجوم بأيها أخذ اهتدى، وبأي أقاويل أصحابي أخذتم اهتديتم [ثم زاد دعاة التفرقة على هذا النص الزيادة التالية] فقيل: يا رسول الله، ومن\n_________\n(١) ابن بابويه القمي: «الخصال»: (ص ٦٣٩- ٦٤٠)، وانظر: المجلسي: «البحار»: (٢٢/٣٠٥) .\n(٢) المجلسي: «البحار»: (٢٢/٣٠٥) .\n(٣) المصدر السابق: (٢٢/٣٠٩- ٣١٠) .","vol":"2","page":290},{"text":"أصحابك؟ قال: أهل بيتي) (١) .\nولا شك أن تفسير الصحابة بأهل البيت فقط بعيد جدًا، وقد لاحظ صدوقهم هذا البعد فعقب على النص السالف بقوله: (إن أهل البيت لا يختلفون، ولكن يفتون الشيعة بمر الحق وربما أفتوهم بالتقية، فما يختلف من قولهم فهو للتقية، والتقية رحمة للشيعة) (٢) .\nفهو هنا يحمل \"النص الذي يثني على الصحابة\" على التقية، والعقل والمنطق يعترض على هذا \"التأويل\"، فلم يكون الثناء على الصحابة الذين أثنى عليهم الله ورسوله وشهد التاريخ بفضلهم وجهادهم - تقية، ويكون السب لهم هو الحقيقة وهو مذهب الأئمة إنه لا دليل لهم على هذا المذهب سوى أنه يتمشى مع منطق أعداء الأمة.\nثم إن النص السابق يرويه \"جعفر الصادق\" عن رسول الله - ﷺ -، فهل رسول الله يكذب على الأمة - تقية -؟! أو أن جعفر يكذب على رسول الله من أجل التقية؟، وكلا الأمرين طعن في رسول الله - ﷺ - وأهل بيته ومخالفة صريحة للنصوص.\nوفي «نهج البلاغة» يقول علي - ﵁ - عن أبي بكر أو عمر ﵄ على اختلاف بين شيوخ الشيعة في ذلك (٣):\n_________\n(١) ابن بابويه: «معاني الأخبار»: (ص ١٥٦- ١٥٧)، المجلسي: «البحار»: (٢٢/٣٠٧) .\n(٢) ابن بابويه: «معاني الأخبار»: (ص ١٥٦- ١٥٧)، المجلسي: «البحار»: (٢٢/٣٠٧) .\n(٣) انظر: ميثم البحراني: «شرح نهج البلاغة»: (٤/٩٧) .","vol":"2","page":291},{"text":"(لله بلاء فلان (١)، فلقد قوّم الأود (٢) وداوى العمد (٣) وأقام السنة.. وخلف الفتنة (٤)، ذهب نقي الثوب قليل العيب أصاب خيرها وسبق شرها، أدى إلى الله طاعته واتقاه بحقه) (٥) .\nوهذا نص عظيم يهدم كل ما بنوه وزعموه من عداوة وصراع بين علي والشيخين ﵄.\nوقد اختار \"الروافض\" بمثل هذا النص، لأنه في «نهج البلاغة» وهو عندهم قطعي الثبوت، وصور شيخهم ميثم البحراني (٦) ذلك بقوله: (واعلم أن الشيعة قد أوردوا هنا سؤالًا فقالوا: إن هذه الممادح التي ذكرها في حق أحد رجلين تنافي ما أجمعنا عليه من تخطئتهم وأخذهما لمنصب الخلافة، فإما أن لا يكون هذا الكلام من كلامه \"ع\" وإما أن يكون إجماعنا خطأ)، ثم حملوا هذا الكلام على التقية وأنه إنما قال هذا المدح من أجل (استصلاح من يعتقد صحة خلافة الشيخين واستجلاب قلوبهم بمثل هذا الكلام) (٧)، أي أن عليًا - في زعمهم - أراد خداع الصحابة، وأظهر لهم خلاف ما يبطن\n_________\n(١) أي عمله الحسن في سبيل الله، ميثم البحراني: «شرح نهج البلاغة»: (٤/٩٧) .\n(٢) وهو كناية عن تقويمه لاعوجاج الخلق عن سبيل الله إلى الاستقامة (المصدر السابق) .\n(٣) العمد بالتحريك العنة. انظر: صبحي صالح: «في تعليقه على نهج البلاغة»: ص ٦٧١.\n(٤) تركها خلفًا؛ لا هو أدركها ولا هي أدركته (المصدر السابق) .\n(٥) «نهج البلاغة»: ص ٣٥٠ (تحقيق صبحي الصالح) .\n(٦) ميثم بن علي البحراني (كمال الدين) من شيوخ الإمامية من أهل البحرين، من كتبه «شرح نهج البلاغة» ت في البحرين سنة ٦٧٩هـ. «معجم المؤلفين»: (١٣/٥٥) .\n(٧) ميثم البحراني: «شرح نهج البلاغة»: (٤/٩٨) .","vol":"2","page":292},{"text":"وخطب هذه الخطبة العامة أمام الناس وهي مبنية على الكذب. هذا هو جواب من يزعم التشيع لعلي! وما أعتقد أن عاقلًا يرتضي هذا \"الجواب\"، وإننا نقول بأن إجماع الشيعة ضلال وقول علي هو الحق والصدق، وهو الذي لا يخاف في الله لومة لائم.\nهذه \"نماذج\" من ذلك الخيط الأبيض الموجود في كتب الشيعة، (وهناك أمثلة كثيرة تركناها لضيق المجال) (١)، وهو بحاجة إلى إبراز وإظهار من بين الركام الأسود الذي أحاط به والذي نسجه أعداء الإسلام، حتى أصبحت مثل هذه الروايات وسط ذلك الركام كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، ومن العجب أن يرجح شيوخهم تلك الروايات لا لشيء إلا لكثرتها. قال المفيد في حديث له عن اختلاف أحاديثهم: (وما خرج للتقية لا تكثر روايته كما تكثر رواية المعمول به) (٢)، هذه هي قاعدتهم، وما أوهاها من قاعدة تجعل الكثرة مقياس الصحة وإن خالفت النصوص المتواترة والوقائع الظاهرة.\nوإننا نرى أن تلك الروايات القليلة في مدح الصحابة وفي إنكار النص هي التي توافق مذهب الأئمة، وإن خلاف ذلك هو من صنع أعداء الإسلام وإن كثر، وتدل رواياتهم ونصوصهم عن الأئمة أن الوضع في كتبهم قد شاع والكذب على الأئمة قد ذاع؛ تقول كتب الشيعة:\nإن الإمام الصادق قال: (إن لكل رجل منا رجلًا يكذب\n_________\n(١) كما أن هناك أمثلة تنقض أصولهم في العصمة والتقية والرجعة والبداء.\n(٢) «شرح عقائد الصدوق»: ص ٢٦٧.","vol":"2","page":293},{"text":"عليه) (١)، وقال: (إن المغيرة بن سعيد (٢) دس في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدث بها، فاتقوا الله ولا تقبلوا ما خالف قول ربنا وسنّة نبينا) (٣) . والمغيرة هذا قال - فيما حكوا عنه -: (قد دسست في أخباركم أخبارًا كثيرة تقرب من مائة ألف حديث) (٤)، وقال جعفر الصادق: (إنا أهل بيت صادقون لا نخلو من كذاب يكذب علينا فيسقط صدقنا بكذبه) (٥) .\nوتتفق هذه الشهادات مع اتفاق علماء السنّة على أن الكذب في الرافضة أظهر منه في سائر الطوائف، ومن تأمل كتب الجرح والتعديل المصنفة في أسماء الرواة والنقلة وأحوالهم - عن أهل السنّة -.. رأي المعروف عندهم بالكذب في الشيعة أكثر منهم في جميع الطوائف (٦) . ولهذا قال الإمام مالك: (نزلوا أحاديث أهل العراق منزلة أحاديث أهل الكتاب؛ لا تصدقوهم ولا تكذبوهم) (٧) .\nواستغل هؤلاء \"الكذبة\" عقيدة التقية في إشاعة الكذب على الأئمة.\nكما أن قواعد قبول الأحاديث عن الرافضة قد يسرت سبل دخول الكذب من أوسع أبوابه، فالكذب لنصرة المذهب مستعمل - وحتى\n_________\n(١) «تنقيح المقال»: (١/١٧٤) (المقام الثالث من المقدمة) .\n(٢) انظر في أخبار المغيرة بن سعيد، «رجال الكشي»: ص ٢٢٣.\n(٣) «رجال الكشي»: ص ٢٢٤.\n(٤) «تنقيح المقال»: (١/١٧٤) (المقام الثالث من المقدمة) .\n(٥) انظر: «رجال الكشي»: ص ١٠٨، المجلسي: «البحار»: (٢٥/٣٦٣) .\n(٦) ابن تيمية: «منهاج السنّة»: (١/٤٢) (بتحقيق: د. رشاد سالم) .\n(٧) «المنتقى»: ص ٨٨.","vol":"2","page":294},{"text":"اليوم - بين شيوخهم الكبار.\nكما أنهم قبلوا روايات بل مراسيل الأفّاكين الذين يطعنون في كتاب الله، حتى ولو كان صاحب هذه المراسيل تفصله قرون عن عصر الأئمة، كما قبلوا مراسيل الطبرسي - في القرن السادس - عن علي بن أبي طالب في القرن الأول.\nوقالوا - مثلًا -: إنه إذا كان الراوي عن طريق الإجازة ضعيفًا لم يضر ضعفه عندهم (١) . مع أنه يمكن له أن يزيد ويضع من الأحاديث ما يشاء.\nوقالوا - أيضًا -: لا يشترط في الحسن من الأحاديث عدالة الراوي ما دام إماميًا. وكيف يؤتمن على نقل الشريعة من لا عدالة له؟ إذن كيف يمكن الاعتماد على رواياتهم؟.\nلكن باتفاق رواياتهم مع القرآن والسنّة تصبح المسألة إجماعية وتنتفي الأحاديث المكذوبة.\nوهذا مسلك ينبغي أن يدرس بعناية واهتمام، فإن القارئ لكتب الشيعة يتلمس خيوطًا بيضاء وسط ركام هائل من الضلال، ومن الممكن أن ينسج من هذه الخيوط العقيدة الحقة للأئمة، ويكون في ذلك تقريب وإنقاذ لمخلصي الشيعة من الضياع والتيه الذي يعيشونه، وهذه الخيوط كما تشمل الأصول تشمل الفروع، وعلى ذلك يمكن اللقاء والتقارب.\nهذا وحسبي أن أشير إلى هذا المنهج، أما دراسته وتطبيقه فيحتاج\n_________\n(١) «تنقيح المقال»: (١/١٩٢) (المقدمة - الفائدة الرابعة) .","vol":"2","page":295},{"text":"إلى بحث آخر مستقل، والله من وراء القصد (١) .\nوإنني أرى أن هذا المنهج للتقريب لن يقوم بجهود فردية، وإنما يجب أن تتبناه مؤسسات متخصصة تهيئ له الوسائل والإمكانيات ليكون وسيلة من وسائل الدعوة إلى الله وبيان الحق للمضللين والمخدوعين، وأن تصدر كتيبات في هذا الشأن توضح الحقيقة وتجلوها في دراسة مبنية على الأسلوب العلمي والمعالجة الموضوعية والموعظة الحسنة، أو تصدر مجلة متخصصة في هذا الشأن تسير على هذا المنهج. وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن شيوخ الرافضة إما جاهل وإما زنديق) (٢)، والأتباع بلا شك جهال، ومن الضروري تعليم هؤلاء الجهلة بكل وسيلة وقطع الطريق على هؤلاء الزنادقة وكشف حقيقتهم، ولا سيما أن ناشئتهم في غفلة عن كثير من انحرافات مذهبهم (٣) .\nوالله الهادي إلى سواء السبيل.\n_________\n(١) «المنتقى»: ص ٩٩.\n(٢) «منهاج السنّة»: (٤/٧٧) الطبعة الأولى.\n(٣) محمود الملاح: «في مجموع السنّة»: (٢/٣٣) بتصرف، وقد أثبت الشيخ الفاروقي ذلك بمقارنة ما يراه عوام الشيعة مع ما هو مدون في كتب الشيعة. وقد استطاع أن يتعرف على آراء عوام الشيعة بحكم قرابة موجودة له معهم، وثبت له أن شيوخ الشيعة يستعملون مع العوام التقية. الفاروقي: «افسانة تحريف القرآن»: ص ١٢.","vol":"2","page":296},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-183>الخاتمة</span>\nالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على من أكمل الله به الرسالات وعلى آله وصحبه أجمعين.\nوبعد:\nفقد تبين لنا من خلال هذا البحث مجموعة من القضايا والمسائل الهامة، التي تنير الطريق حول فكرة التقريب بين أهل السنّة والشيعة إن شاء الله تعالى. فمن ذلك:\n١- أنه من خلال النقل من كتب الشيعة مثل كتاب «غاية المرام» - الذي يعتبره كبير شيوخ الشيعة ومراجعهم المعاصرين \"محسن الأمين\" موضع افتخارهم - وغيره من كتبهم - تبين أن أهل السنّة قد صورتهم كتب الشيعة على غير حقيقتهم، إذ ذكرت نصوصًا كثيرة تزعم نقلها عن كتب أهل السنّة المعتبرة، وكلها تؤيد شذوذ الشيعة الذي تحدثنا عنه. وبنوا على ذلك أنه لا خلاف بين أهل السنّة والشيعة بناءً على الصورة المرسومة لأهل السنّة في كتبهم، وردد هذه المقالة بعض شيوخ أهل السنّة رغبة في الوحدة الوئام، وجهلًا بحقيقة الحال، ولم يعرف أن وراء هذه الكلمة ما وراءها من تدبير وتخطيط خطير أمضوا في تطبيقه القرون.\n٢- أن من يعتمد في دراسة مذهب الشيعة على كتب الفرق والمقالات، أو على كتب الفقه عند الشيعة، أو على الكتب التي","vol":"2","page":297},{"text":"وضعها الشيعة للدعاية لمذهبهم والتبشير به، فإنه لا يخرج من خلال ذلك بمعرفة حقيقية لما عليه الشيعة، وسيشك بما يقال عنهم من شذوذ. وإذا أراد المعرفة الحقيقية للوضع الخطير الذي عليه القوم فليقرأ في ذلك كتب الحديث، والتفسير، وكتب الرجال المعتمدة عندهم إلى يومنا هذا، باعتراف شيوخهم المعاصرين، ليقرأ أمثال: «أصول الكافي»، و«البحار» في الحديث عندهم، ويقرأ: «تفسير إبراهيم القمي»، و«تفسير العياشي»، و«تفسير الصافي»، و«تفسير البرهان» وغيرها. وليقرأ في «رجال الكشي» وغيره. ليحكم من خلال ذلك عن بينة وعلى بصيرة.\n٣- أن من النتائج المهمة والخطيرة لهذه الدراسة أني رأيت أن مدونات الشيعة الاثني عشرية في الحديث، والتفسير قد استوعبت وجمعت كل شذوذ وغلو الفرق الماضية التي تحدثت عنها كتب الفرق والمقالات.. ففرية القول بنقص القرآن، ومسألة البداء، وتفضيل الأئمة على الرسل وغيرها، هي من عقائد الغلاة والباطنيين، ومع ذلك هي موجودة في كتب الاثني عشرية المعتبرة، بل بلغت حد التواتر والاستفاضة.. كما فصلنا ذلك بشواهده.\n٤- أن كتب الحديث عند الشيعة التي يعتبرونها مقدسة عندهم ومن علوم آل محمد، والتي ينبغي أن تكون موضع الدراسة والتقويم قبل الحديث عن فكرة التقريب، هذه الكتب قد امتدت إليها يد التحريف والزيادة والنقص؛ فـ «الكافي» في عصر الطوسي (ت ٤٦٠هـ) هو ثلاثون كتابًا (كل كتاب يحتوي على طائفة كبيرة من أحاديثهم) بينما هو في عصر شيخهم الكركي (ت","vol":"2","page":298},{"text":"١٠٧٦هـ) قد بلغ خمسين كتابًا. وكتاب «تهذيب الأحكام» لشيخهم الطوسي يذكر شيوخهم المعاصرون أن عدد أحاديثه بلغت (١٣٥٩٠) ولكن مؤلفه نفسه يصرح في كتابه «عدة الأصول» أن أحاديثه أكثر من (٥٠٠٠) ومعنى ذلك أنها لا تصل إلى (٦٠٠٠) على أكثر تقدير، كما رأينا أن السند قد وضع في كتبهم لمواجهة نقد أهل السنّة، وأن تقسيم الحديث عندهم إلى صحيح وغيره قد توافق مع رد شيخ الإسلام ابن تيمية عليهم في كتابه «منهاج السنّة»، بل إن الذي وضعه هو ابن المطهر الحلي الذي رد عليه شيخ الإسلام، مما يدل على أنهم يطورون \"دينهم\" ويغيرون فيه لمواجهة النقد الموجه إليهم، وذلك لئلا يفقدوا أتباعهم. كما أنهم يزيدون في كتب الحديث عندهم على مر الأيام من باب الدعاية المذهبية.. بل وصل بهم الأمر إلى وضع كتب بأكملها ونسبتها إلى علماء قدامى عندهم أو شخصيات لا وجود لها وقد بينا بالشواهد أن أول كتاب ألفته الشيعة - والذي يسمى أبجد الشيعة - هو «كتاب سليم بن قيس» الذي حوى الطعن في كتاب الله وغيره، أن هذا الكتاب موضوع مكذوب، وأن مؤلفه اسم لا مسمى له، هذا فضلًا عما تحتويه كتبهم في الحديث والتفسير من \"نصوص\" ظاهرة الوضع واضحة الكذب لطعنها في دين الأمة وكتابها..\n٥- التمسنا آراء شيوخهم المعاصرين الذين يدعون للتقريب لنعرف رأيهم فيما احتوت عليه كتب الشيعة من غلو، فلم نجد من آرائهم ما يخالف هذا الغلو، بل كانت آراؤهم إما صريحة في الغلو، وهذا ظاهر في الكتب التي كتبها دعاة التشيع في بلد لهم فيه قوة، وإما نفي وإنكار لما هو واقع في كتبهم، سالكين","vol":"2","page":299},{"text":"في ذلك وسائل معينة يدرك مراميها من اطلع على أصولهم، وكشفنا ذلك بالحقائق والأرقام بلا تجنٍّ أو ظلم.\n٦- كانت محاولات التقريب من جانب الشيعة مجرد ستار لنشر التشيع في ديار أهل السنة، وقد أفاد الشيعة من هذه الدعوة في نشر كتبهم وبث دعايتهم وكان لها آثار سلبية كثيرة على أهل السنّة، يدرك ذلك من وقف على ظواهر المد الشيعي في بلاد السنّة.. وفي مؤتمر النجف خضع الشيعة لصوت الحق المؤيد بالحجة والبرهان - تقية - ولكن وفاة نادر شاه عطلت الإفادة من نتائج المؤتمر.\n٧- كيف يمكن التقريب مع من: يطعن في كتاب الله، ويفسره على غير تأويله، ويزعم تنزل كتب إلهية على أئمته بعد القرآن الكريم، ويرى الإمامة نبوة، والأئمة عنده كالأنبياء أو أفضل، ويفسر عبادة الله وحده والتي هي رسالة الرسل كلهم بغير معناها الحقيقي، ويزعم أنها طاعة الأئمة، وأن الشرك بالله طاعة غيرهم معهم، ويكفر خيار صحابة رسول الله - ﷺ - ويحكم بردة جميع الصحابة إلا ثلاثة أو أربعة أو سبعة - على اختلاف رواياتهم -، ويشذ عن جماعة المسلمين بعقائد في الإمامة، والعصمة، والتقية، ويقول بالرجعة، والغيبة، والبداء. ومعظم هذه الآراء كانت في نظر السلف من عقائد الباطنية والغلاة الكفرة، ولكنها مستفيضة في كتب الاثني عشرية، وقد بينا ذلك بالشواهد.\n٨- عرضنا آراء علماء المسلمين ومفكريهم في حل \"الخلاف\" وبيّنا الطريق الذي نختاره في ذلك. والله الهادي إلى سواء السبيل.","vol":"2","page":300},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-184>ملحق الوثائق والنصوص</span>\nفي أثناء دراستي لمسألة التقريب بين أهل السنّة والشيعة وقفت على بعض الوثائق المهمة، [...................] (*)\nوهذه الوثائق والنصوص منها ما يتعذر اطلاع الكثيرين عليه، إما لكونه في كتاب شيعي غير معروف لغير المهتمين بقضية الشيعة، أو في مطبوع قد نفذ أو نصوص متفرقة في الكتب والدوريات، أو أقوال استقيتها مباشرة من بعض العلماء الذين عاشوا مسألة التقريب، كما أنني قد أحلت القارئ في ثنايا هذا البحث على معظم هذه الوثائق والنصوص، لذلك رأيت إلحاقها بهذا البحث لتتم الفائدة المرجوة. وهذه الوثائق منها ما صدر عن أهل السنّة ومنها ما صدر عن الشيعة. وسيكون ترتيب هذه الوثائق والنصوص على الشكل التالي:\n١- فتوى شلتوت بجواز التعبد بالمذهب الجعفري.\n٢- فتوى شيخ الشيعة \"محمد الخالصي\" الذي يدعو للوحدة الإسلامية في العراق بمنع التعبد على المذاهب الأربعة!!\n٣- سورة الولاية المزعومة:\nأ- سورة الولاية عند الشيعة من كتاب «فصل الخطاب»، والذي يكذب بوجودها فيه شيخ الشيعة لطف الله الصافي\n_________\n(*) غير واضح في الأصل ص ٣٠٣.\n<span data-type=\"title\">[التعليق]</span>\n (*) هذه العبارة غير واضحة في النسخة المصورة\nالوثائق والملحقات انظرها في النسخة المصورة\n[أسامة بن الزهراء]","vol":"2","page":301},{"text":"في كتابيه مع محب الدين في «خطوطه العريضة» ص ٧٢، و«صوت الحق» ص ٣٤، وغيره من شيوخ الشيعة.\nب- سورة الولاية - المزعومة - من كتاب «التشيع والشيعة»، لأحمد الكسروي - الشيعي الأصل - وقد نشرها قبل محب الدين الخطيب.\nج- سورة الولاية كما نشرها محب الدين الخطيب.\n٤- أحد الكتب التي تزعم الشيعة نزولها من عند الله (على الأئمة.\n٥- دعاء صنمي قريش - ويريدون به الدعاء على أبي بكر وعمر ﵄ - والمنشور في كتاب موثق من كبار شيوخهم المعاصرين كالخميني والخوئي والطباطبائي وغيرهم.\n٦- بعض النصوص في كتاب «غاية المرام» الذي يعتبره الشيعة محسن الأمين موضع فخرهم، مع أنه يوجد فيه أباطيل فاضحة يزعم مؤلفه أنه أخذها من كتب السنّة المعتبرة أو من علماء السنّة المعتبرين، وبناءً على هذه الصورة المكذوبة عن مذهب أهل السنّة يقول شيوخ الشيعة: ليس بيننا وبين مذهب أهل السنّة خلاف إلا في بعض الفروع.\n٧- صفحات من كتاب ألفه أحد الشيعة (أحمد الكسروي) بعد ما ترك التشيع والذي كشف به عن حقيقة الشيعة.\n٨- حديث للشيخ حسنين مخلوف عن التقريب أملاه عليّ، وختمه بتوقيعه.","vol":"2","page":302},{"text":"٩- رأي لأحد المفكرين العراقيين حول قضية التقريب.\n١٠- وهناك نصوص مهمة حول التقريب كثيرة متفرقة، اكتفينا بالإحالة عليها في مواضعها.. كما سيأتي - وفيما يلي عرض لأهم الوثائق والنصوص على نفس الترتيب المذكور.","vol":"2","page":303},{"text":"رقم (١)\n<span data-type=\"title\" id=toc-185>فتوى الشيخ محمود شلتوت</span>\nتنبيه:\nمن هنا يبدأ عرض الوثائق والنصوص بترقيم مستقل عن الرقم التسلسلي للبحث.","vol":"2","page":304},{"text":"رقم (٢)\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>فتوى شيخ الروافض محمد الخالصي</span>","vol":"2","page":306},{"text":"رقم (٣)\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>سورة الولاية المزعومة</span>\n\n(أ) من كتاب «فصل الخطاب» .\n(ب) سورة الولاية المزعومة: كما نشرها أحمد الكسروي.\n(ج) سورة الولاية المزعومة: كما نشرها محب الدين الخطيب.","vol":"2","page":308},{"text":"رقم (٣)\nسورة الولاية المزعونة\n(أ) من كتاب «فصل الخطاب» . (١)\n... يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالنورين أنزلناهما يتلوان عليكم آياتي ويحذرانكم عذاب يوم عظيم. نوران بعضهما من بعض وأنا السميع العليم. إن الذين يوفون ورسوله في آيات لهم جنات النعيم. (كذا) والذين كفروا من بعد ما آمنوا بنقضهم ميثاقهم وما عاهدهم الرسول عليه يقذفون في الجحيم. ظلموا أنفسهم وعصوا الوصي الرسول أولئك يسقون من حميم. إن الله الذي نوّر السموات والأرض بما شاء واصطفى من الملائكة وجعل من المؤمنين أولئك في خلقه. يفعل الله ما يشاء لا إلا هو الرحمن الرحيم. قد مكر الذين من قبلهم برسلهم فأخذهم بمكرهم إن أخذي شديد أليم. إن الله قد أهلك عادًا وثمود بما كسبوا وجعلهم لكم تذكرة فلا تتقون. وفرعون بما طغى على موسى وأخيه هارون أغرقته ومن تبعه أجمعين. ليكون لكم آية وإن أكثركم فاسقون. إن الله يجمعهم في يوم الحشر فلا يستطيعون الجواب حين يسألون. إن الجحيم مأواهم وأن الله عليم حكيم. يا أيها الرسول بلغ إنذاري فسوف يعلمون. قد خسر الذين كانوا عن آياتي وحكمي معرضون. مثل الذين يوفون بعهدك أني جزيتهم جنات النعيم. إن الله لذو مغفرة وأجر عظيم. وإنّ عليًّا من المتقين. وإنا لنوفيه حقه يوم الدين. ما نحن عن ظلمه بغافلين وكرّمناه على أهلك أجمعين. فإنه\n_________\n(١) الورقة ٩٠، الصفحة ١٨٠.","vol":"2","page":309},{"text":"وذريته لصابرون. وإنّ عدوهم إمام المجرمين. قل للذين كفروا بعد ما آمنوا طلبتم زينة الحياة واستعجلتم بها ونسيتم ما وعدكم الله ورسوله ونقضتم العهود من بعد توكيدها، وقد ضربنا لكم الأمثال لعلكم تهتدون. يا أيها الرسول قد أنزلنا إليك آيات بينات فيها من يتوفاه مؤمنًا، ومن يتولّيه من بعدك يظهرون. فأعرض عنهم إنهم معرضون. إنا لهم محضرون في يوم لا يغني عنهم شيء ولا هم يرحمون. إنّ لهم جهنم مقامًا عنه لا يعدلون. فسبح باسم ربك وكن من الساجدين. ولقد أرسلنا موسى وهارون بما استخلف فبغوا هارون فصبر جميل. فجعلنا منهم القردة والخنازير ولعنّاهم إلى يوم يبعثون. فاصبر فسوف يبصرون. ولقد آتينا بك الحكم كالذين من قبلك من المرسلين. وجعلنا لك منهم وصيًا لعلهم يرجعون. ومن يتولى عن أمري فإني مرجعه، فليتمتعوا بكفرهم قليلًا، فلا تسأل عن الناكثين. يا أيها الرسول قد جعلنا لك في أعناق الذين آمنوا عهدًا فخذه وكن من الشاكرين. إنّ عليًّا قانتًا بالليل ساجدًا يحذر الآخرة ويرجو ثواب ربه. قل هل يستوي الذين ظلموا وهم بعذابي يعلمون. سنجعل الأغلال في أعناقهم وهم على أعمالهم يندمون. إنا بشرناك بذريته الصالحين. وإنهم لأمرنا لا يخلفون. فعليهم مني صلوات ورحمة أحياء وأمواتًا يوم يبعثون وعلى الذين يبغون عليهم من بعدك غضبي إنهم قوم سوء خاسرين. وعلى الذين سلكوا مسلكهم مني رحمة وهم في الغرفات آمنون. والحمد لله رب العالمين.","vol":"2","page":310},{"text":"رقم (٤)\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>أحد الكتب التي تزعم الشيعة نزولها من عند الله ﷿ والمسمى (لوح فاطمة)</span>\nوقد ورد في طائفة من كتب الشيعة وهي:\n«الكافي»: الكليني: (١/٥٢٧) .\n«الوافي»: الفيض الكاشاني: المجلد الأول ج ٢/٧٢.\n«إكمال الدين»: ابن بابويه القمي: ص ٣٠١- ٣٠٤.\n«أعلام الورى»: أبو علي الطبرسي: ص ١٥٢.\n«الاحتجاج»: أبو منصور الطبرسي: ١/٨٤- ٨٧.\n«الاستنصار»: الكراجكي: ص ١٨.","vol":"2","page":314},{"text":"رقم (٥)\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>دعاء صنمي قريش</span>\n\n(ويريدون به الدعاء على أبي بكر وعمر ﵄)\nفي كتاب شيعي موثق من عدد من كبار شيوخهم المعاصرين","vol":"2","page":316},{"text":"رقم (٦)\n<span data-type=\"title\" id=toc-190>بعض النصوص من كتاب (غاية المرام)</span>\nللرافضي: هاشم البحراني","vol":"2","page":320},{"text":"رقم (٦)\nبعض النصوص من كتاب (غاية المرام)\nللرافضي: هاشم البحراني\n(مسألة النص على عليّ):\nعقد صاحب «غاية المرام» (١) في ذلك أبوابًا كثيرة، وفي كل باب يورد جملة من الأحاديث التي يزعم نقلها عن أهل السنّة.\nقال: (الباب الثاني عشر: في نص رسول الله - ﷺ - على علي بن أبي طالب بأنه الإمام بعده، وبنيه الأحد عشر صلوات الله عليهم بأنهم الأئمة الاثني عشر بعد رسول الله وخلفاؤه وأوصياؤه من طريق العامة. وفيه ٦٦ حديثًا) . ومما أورده من ذلك:\nموفق بن أحمد في كتابه قال: حدثني فخر القضاة نجم الدين بن أبي منصور محمد بن الحسين بن محمد البغدادي فيما كتب إلي من همدان، قال: أنبأنا الإمام الشريف نور الهدى أبو طالب الحسن بن محمد الزينبي قال: أخبرنا إمام الأئمة محمد بن أحمد بن شاذان قال: حدثنا أبو محمد الحسن بن علي العلوي الطبري عن أحمد بن محمد بن عبد الله قال: حدثني جدي أحمد بن محمد عن أبيه عن حماد بن عيسى عن عمر بن أذينة قال: حدثنا أبان بن أبي عياش عن سليم ابن قيس الهلالي بن سلمان المحمدي قال: دخلت على النبي - وإذا الحسين على فخذه وهو يقبل عينيه ويلثم فاه - وهو يقول: أنت سيد ابن سيد وأخو سيد أبو السادة، أنت إمام ابن الإمام أخو الإمام\n_________\n(١) انظر: ص ٦٣ من هذا البحث.","vol":"2","page":321},{"text":"أبو الأئمة، أنت حجة أخو حجة أبو حجج تسعة من صلبك تاسعهم قائمهم) (١) (٢) .\nموفق بن أحمد قال: حدثني فخر القضاة نجم الدين بن أبي منصور محمد بن الحسين ابن محمد البغدادي فيما كتب إلي من همدان، قال: أنبأنا الإمام الشريف نور الهدى أبو طالب الحسين بن محمد الزنيبي قال: أخبرنا إمام الأئمة محمد بن أحمد بن شاذان قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الله الحافظ قال: حدثنا علي بن سنان الموصلي عن أحمد بن محمد بن صالح عن سليمان بن محمد عن زياد بن مسلم عن عبد الرحمن بن زيد عن زيد بن جابر عن سلامة عن أبي سليمان راعي رسول الله - ﷺ - قال: سمعت رسول الله يقول ليلة أُسري بي إلى السماء: قال لي الجليل ﷻ..: يا محمد إني اطلعت إلى الأرض اطلاعة.. فاخترت منها عليًّا وشققت له اسمًا من أسمائي، فأنا الأعلى وهو علي، يا محمد إني خلقتك وخلقت عليًّا وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من ولده من نوري وعرضت ولايتكم على أهل السموات والأرض فمن قبلها كان عندي من المؤمنين، ومن جحدها كان عندي من الكافرين. يا محمد لو أن عبدًا من عبيدي عبدني حتى ينقطع أو يصير كالشن\n_________\n(١) «غاية المرام»: ص ٣٥.\n(٢) لاحظ هنا أن هذا الحديث المنكر في متنه قد حمل طائفة من المجاهيل في سنده، كما أن أبان بن أبي عياش نص علماء الجرح والتعديل من أهل السنّة على أنه متروك، إضافة إلى ذلك كله فإن السند ينتهي إلى كتاب سليم بن قيس الموضوع، والذي ينسب لرجل لا حقيقة له، (والذي هو عند الشيعة أصل من أصولها)، ومع ذلك يزعم هذا الرافضي أنه ينقله عن أهل السنّة!!.","vol":"2","page":322},{"text":"البالي ثم أتاني جاحدًا لولايتكم، ما غفرت له حتى يقرب ولايتكم يا محمد تحب أن تراهم؟ قلت: نعم يا رب، فقال: التفت عن يمين العرش فالتفت فإذا بعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وعلي بن محمد، والحسن بن علي والمهدي في صحصاح من نور يصلون وهو في وسطهم - يعني المهدي - كأنه كوكب دري.. (١) .\nإبراهيم بن محمد الحمويني من أعيان علماء العامة قال: أنبأني السيد الإمام.. قال: أخبرنا شاذان بن إبراهيم القمي.. قال: أنبأنا أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه.. عن علي بن موسى الرضا - عليه التحية والثناء - عن أبيه عن آبائه قال: قال رسول الله - ﷺ -: من أحب أن يتمسك بديني ويركب سفينة النجاة بعدي فليقتد بعلي بن أبي طالب وليعاد عدوه وليوال وليه، فإنه وصيي وخليفتي على أمتي في حياتي وبعد وفاتي، وهو إمام كل مسلم وأمير كل مؤمن بعدي قوله قولي وأمره أمري ونهيه نهيي وتابعه تابعي وناصره ناصري وخاذله خاذلي، ثم قال (: من فارق عليًا بعدي لم يرني ولم أره يوم القيامة، ومن خالف عليًّا حرّم الله عليه الجنة وجعل مأواه النار، ومن خذل عليًّا خذله الله يوم يعرض عليه، ومن نصر عليًّا نصره الله يوم يلقاه ولقنه حجته عند المسألة. ثم قال (: والحسن والحسين إماما أمتي بعد أبيهما وسيدا شباب أهل الجنة وأمهما سيدة نساء العالمين وأبوهما سيد الوصيين، ومن\n_________\n(١) «غاية المرام»: ص ٣٥.","vol":"2","page":323},{"text":"ولد الحسين تسعة أئمة تاسعهم القائم من ولدي، طاعتهم طاعتي ومعصيتهم معصيتي، إلى الله أشكو المنكرين لفضلهم.. وكفى بالله وليًّا ناصرًا لعترتي وأئمة أمتي ومنتقمًا من الجاحدين حقهم وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. أقول: انظر أيها الأخ إلى ما ترويه المخالفون النواصب ما هو عين مذهب الإمامية الاثني عشرية، وهذا يعطيك أن المخالفين العامة على ضلال مبين وخسران عظيم بعد العلم منهم والمعرفة بصحة معتقد الإمامية الاثني عشرية، فتأمل هذا الحديث وإضرابه مما ترويه الخاسرون وتحكم بصحته المخالفون (١) .\nفي تكفير الشيعة للشيخين ﵄:\nيخدعون أتباعهم بأن في كتب السنّة أحاديث في هذا. قال شيخهم هاشم البحراني:\nالباب الثالث والأربعون في قوله تعالى: (وقال الذين كفروا ربنا أرنا الذَيْن أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين (من طريق العامة وفيه حديثان.\nالأول: روى صاحب كتاب صراط المستقيم، وأظن أن طريقه من طرق العامة عن القاسم بن جندب عن ابن عباس وعن الباقر ﵉ في قوله تعالى: (ربنا أرنا الذَيْنِ أضلانا من الجن والإنس (هما الأول والثاني.\nالثاني: عكرمة وهو من الخوارج عن ابن عباس قال ﵇\n_________\n(١) «غاية المرام»: ص ٣٦.","vol":"2","page":324},{"text":"يعني عليًّا: أول من يدخل النار في مظلمتي عتيق وابن الخطاب، وقرأ الآية.\nونكتفي بهذه الأمثلة وفيها أكبر الدلالة على مبلغ ما وصل إليه القوم من كذب على السنّة ومصادرها.","vol":"2","page":325},{"text":"رقم (٧)\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>صفحات من كتاب (أحمد الكسروي)</span>\nالشيعي الأصل والذي ترك التشيع بعد ما ثبت له بطلانه\nقال الأستاذ محمود الملاح: (لم يظهر في عالم الشيعة أحد في عياره منذ ظهر اسم شيعي على وجه الأرض) .\nانظر: ص ٢١٨ من هذه الرسالة.\nالتّشَيُّع وَالشّيعَة","vol":"2","page":326},{"text":"رقم (٨)\n<span data-type=\"title\" id=toc-192>حديث للشيخ حسنين مخلوف عن التقريب</span>\nوأهميته تأتي من وجهين:\nالأول: أن الكتاب الذي أصدره الرافضي عبد الكريم الشيرازي باسم «الوحدة الإسلامية أو التقريب بين المذاهب السبعة» (والذي جمعه - كما يزعم - من مجلة رسالة الإسلام) مجلة التقريب، قد افتتحه بمقال المخلوف - باعتباره مفتي مصر - يؤيد فيه التقريب ويدعو إليه، في حين أنه في هذا الحديث يؤكد أنه من المعارضين للفكرة من الأصل.\nوالثاني: أنه يحوي تسجيلًا تاريخيًا لمعارضة بعض شيوخ الأزهر لمحاولة شلتوت تطبيق دراسة مذهب الشيعة في الأزهر، مثله في ذلك مثل المذاهب الأربعة، والذي يتغنى الشيعة بحصوله إلى الآن على الرغم أنه لم يحصل.","vol":"2","page":339},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\nبدأت فكرة التقريب بين أهل السنّة والشيعة حينما كان بمصر رجل شيعي اسمه \"محمد القمي\"، وسعى في تكوين جماعة سماها (جماعة التقريب) وأصدر «مجلة التقريب» وكتب فيها بعض الناس.\nوأنا لم أكن موافقًا على التقريب ولا على المجلة؛ ولذلك لم أكتب في المجلة ولم أجتمع مع جماعة التقريب في مجلس ما.\nوقد سعى القمي لدى الشيخ شلتوت في أن يقرر تدريس الفقه الشيعي الإمامي في الأزهر أسوة بالمذاهب الأربعة التي تدرس فيه. وأنا حين علمت بهذا السعي كتبت كلمة ضد هذه الفكرة، وأنه لا يصح أن يدرس فقه الشيعة في الأزهر؛ ألا ترون أن الشيعة يجيزون نكاح المتعة ونحن في الفقه نقرر بطلان نكاح المتعة، وأنه غير صحيح؟، وقد أبلغت هذا الرأي لأهل الحل والعقد في مصر إذ ذاك وأصدروا الأمر لشيخ الجامع الأزهر بأنه لا يجوز تدريس هذا الفقه فيه ولم ينفذ والحمد لله (١) .\n_________\n(١) هذا جزء من حديث الشيخ مخلوف، نكتفي بنشره ونرجئ الباقي لعدم صلته الماسة بموضوعنا.","vol":"2","page":340},{"text":"رقم (٩)\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>حديث لأحد المفكرين العراقيين عن مسألة التقريب</span>\nوقد آثر ألا أفصح عن اسمه. وأهميته تأتي في أنه صدر من مفكر مسلم (سنّي) يعيش في بلد يمثل الشيعة فيه الشطر أو أكثر.\nبسم الله الرحمن الرحيم\nإن دعوى التقريب لها مجالان:\nالمجال الأول:\nهو التقريب بين العقيدتين والفقهين، وهذا أمر لا يرد بالنسبة لنا، فإن مؤداه أن يتنازل كل فريق عما عنده من التطرف في نظر الآخر وما يظن الطرف الآخر أنه يسيء إليه، وهذه الحالة من التنازل ممكنة بالنسبة للشيعة باعتبار أن عندهم من البدع الشيء الكثير لا يمنعهم شيء من التنازل عنها، ولكن أهل السنّة ليس عندهم بدع بحمد الله ومستندهم القرآن والسنّة الصحيحة ولا يمكنهم التنازل عن شيء من ذلك، مما قد يجعل الدين عرضة للمساومة، إلا ما يكون قد لحق ببعض العلماء من أهل السنّة من بدع ليس لها دليل شرعي واضح. وهذه نادرة في أهل السنّة وفي مسائل الفروع لا الأصول، وكان علماء أهل السنّة هم السابقون إلى إنكارها دومًا كما فعل الأئمة ابن تيمية وابن القيم وغيرهما. وقد يعترض البعض هنا بأن الشيعة يعدون","vol":"2","page":342},{"text":"ما نخالفهم به بدعة وإن اعتبرناها سنّة وعقيدة صحيحة، ويبنون على ذلك وجوب موافقتهم في بعض ما يعتقدون، وليس الأمر كما قالوا فإن الاعتداد لمسألتنا إنما يكون بشهادة القرآن ونصوص الحديث الصحيحة لا إلى شهادة الشيعة، وقد ذكر العلماء أن أهل السنّة عليهم إنكار بدع المبتدعة وإن كان المبتدع متعبدًا بها معتقدًا صوابها، كما صرح بذلك الإمام الغزالي (راجع «إحياء علوم الدين»: جـ٢) .\nولا بأس أن نقيد إنكارنا على هذه البدع بالقيد المصلحي وفق قاعدة الترجيح بين المفاسد والمصالح المتعارضة، بأن يحتمل المفسدة اليسيرة من أجل درء المفسدة الكبيرة، ونحتمل تفويت المعروف الأصغر حرصًا على جلب المعروف الأكبر. وهذه قاعدة صحيحة عند الفقهاء، ولابن تيمية إسهاب جيد في شرحها - في رسالته المشهورة «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» وفي عموم كلامه في رسائله الأخرى، والعمل بهذه القاعدة قد يجعلنا نسكت عن إنكار بدعة الشيعة في وقت من الأوقات أو في مكان من الأمكنة سدًّا للذريعة وخروجًا عن أصل الإنكار إذا كان الإنكار يؤدي إلى هياج الفتن وإراقة الدماء والاقتتال بين أهل بلد يتكافأ فيه عدد الشيعة مع عدد أهل السنّة، وأما في الأحوال الاعتيادية التي لا تكون هناك مفسدة تصاحب هذا الإنكار فإنه يكون مستساغًا أو واجبًا.. وربما ساغ أن نسكت أيضًا عن صاحب بدعة نرى دلائل الخير فيه وحرصه على الفهم، فيكون من تمام دواعي الرفق معه أن ندعه يكتشف الحق تلقائيًّا وبدراسة ذاتية أو بنصيحة خفيّة منا دون إجفاله بالإنكار العلني عليه.","vol":"2","page":343},{"text":"المجال الثاني:\nهو التقريب بين علماء الشيعة وعلماء السنة والدعوة إلى حسن العلاقة بين العامة من أهل العقيدتين، وهذه مسألة مطلوبة وفيها مصالح ظاهرة، وعلى أهل السنّة أن يلتزموا أسلوب البحث العلمي الهادئ في مناقشة بدع المبتدعة وأن يترفقوا معهم، وقد يكون من تمام الترفق زيارتهم ومعاونتهم في الحدود التي لا خلاف فيها أو نجدتهم في الملمات وأيام المصاعب أو نصرهم إذا كانوا في نزاع مع كافر أو ظالم لهم، إلا أن هذا الأصل في التعاون وحسن العلاقة وهدوء البحث لا يمكن أن يطرد دائمًا ليشمل من يأتي من الشيعة بغلو يكون في السكوت عنه تحريك الغوغاء والدهماء، بل الواجب أن ننكر على أهل الغلو الشديد والأقوال الشاذة في كل الأحوال، والحد المميز بين الطائفتين: الطائفة الأولى التي نترفق معها في الكلام والطائفة الثانية التي نغلظ لها الكلام إنما يكون كامنًا في مدى اعتماد القائل على نص قديم (١) تتكون منه شبهة له، أو على تأويل قد تميل إليه بعض الأذهان، وأما من يتتبع غرائب النقول عن المجاهيل والمتأخرين ومن لا تأويل له فالإنكار منا تجاهه أولى، وربما كان الإغلاظ له أوجب.\n_________\n(١) الحق أن يقال (على نص شرعي) .","vol":"2","page":344},{"text":"رقم (١٠)\nوأخيرًا هناك نصوص هامة حول القضية نكتفي بالإحالة عليها في مواضعها.\n(١) محمد زاهد الكوثري: حديث بعنوان (حول فكرة التقريب بين المذاهب) نشره في كتابه «مقالات الكوثري» ص ١٤٨ وما بعدها.\n(٢) علي الطنطاوي: كلمة بعنوان (إلى علماء الشيعة) . نشرها في «مجلة الرسالة» السنة ١٥، العدد ٧٢٢، سنة ١٩٤٧م.\n(٣) نص هام لأحد المشتركين في جماعة التقريب وهو الشيخ عبد اللطيف محمد السبكي، عضو جماعة كبار العلماء بمصر، يكشف أهداف جماعة التقريب في مصر، نشرها في «مجلة الأزهر»: (جـ٢٤/ص ٢٢٤) .\n(٤) مقالات هامة ومتعددة للشيخ محب الدين الخطيب نشرها في «مجلة الفتح» . المجلد الثامن عشر.\n(٥) نص الرسالة التي بعث بها موسى جار الله إلى شيوخ الشيعة. «الوشيعة»: ص ١٨.","vol":"2","page":345},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-195>دليل المراجع</span>\nدليل الموضوعات\n«القسم الثاني»\n_________\n<span data-type=\"title\">[التعليق]</span>\n (*) انظر النسخة المصورة","vol":"2","page":346}]}