{"ً":{"ٌ":127713,"ٍ":"المهيأ في كشف أسرار الموطأ","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"شروح الحديث/المهيأ في كشف أسرار الموطأ -  الكماخي - ط الحديث  1-4","files":["00_65509.pdf|الغلاف","01_65509.pdf","02_65510.pdf","03_65511.pdf","04_65512.pdf"]},"ّ":"الكتاب: المهيأ في كشف أسرار الموطأ\nالمؤلف: عثمان بن سعيد الكماخي (ت ١١٧١ هـ)\nتحقيق وتخريج: أحمد علي\nالناشر: دار الحديث، القاهرة - جمهورية مصر العربية\nعام النشر: ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٥ م\nعدد الأجزاء: ٤\nأعده للشاملة: رابطة النساخ، تنفيذ (مركز النخب العلمية)، وبرعاية (أوقاف عبد الله بن تركي الضحيان الخيرية)\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2946,"ٕ":7,"ٖ":1770156190,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4"],"ٚ":[{"title":"مقدمة المحقق","level":1,"page":4},{"title":"موطأ محمد وما يمتاز به","level":2,"page":6},{"title":"ترجمة الشارح","level":2,"page":11},{"title":"من آثاره","level":3,"page":11},{"title":"وفاته","level":3,"page":11},{"title":"ترجمة محمد بن الحسن","level":2,"page":12},{"title":"شيوخه","level":3,"page":13},{"title":"جملة من أصحابه وتلاميذه","level":3,"page":14},{"title":"ثناء الأئمة على محمد","level":3,"page":17},{"title":"تصانيف الإمام محمد بن الحسن","level":3,"page":18},{"title":"وفاة الإمام محمد بن الحسن - ﵁ -","level":3,"page":21},{"title":"[مقدمة المؤلف]","level":1,"page":23},{"title":"أبواب الصلاة","level":1,"page":35},{"title":"باب في بيان أحكام وقت الصلاة","level":2,"page":35},{"title":"باب ابتداء الوضوء","level":2,"page":50},{"title":"باب غسل اليدين في الوضوء","level":2,"page":62},{"title":"باب الوضوء في الاستنجاء","level":2,"page":65},{"title":"باب الوضوء من مس الذكر","level":2,"page":66},{"title":"باب في بيان الأحاديث التي تدل على عدم لزوم الوضوء مما أي: من أجل أكل الطعام الذي غيرت، أي: مسته النار","level":2,"page":80},{"title":"باب في بيان حكم حال الرجل والمرأة يتوضآن من إناء واحد","level":2,"page":88},{"title":"باب في بيان الوضوء من الرعاف","level":2,"page":90},{"title":"باب في بيان الغسل، أي: غسل الثوب من بول الصبي","level":2,"page":96},{"title":"باب في الوضوء من المذي","level":2,"page":101},{"title":"باب في بيان عدم جواز الوضوء من ماء قليل يشرب منه السباع وتلغ فيه السباع","level":2,"page":106},{"title":"باب في بيان جواز الوضوء بماء البحر","level":2,"page":109},{"title":"باب في بيان أحكام المسح على الخفين","level":2,"page":113},{"title":"باب في بيان أحكام المسح على العمامة والخمار","level":2,"page":125},{"title":"باب في بيان أحكام الاغتسال من الجنابة","level":2,"page":127},{"title":"باب في بيان الأحكام التي تتعلق إلى الرجل الذي تصيبه الجنابة من الليل أي: بعض أجزاء الليل","level":2,"page":130},{"title":"باب في بيان أحكام الاغتسال يوم الجمعة","level":2,"page":134},{"title":"باب في بيان أحكام الاغتسال في يوم العيدين","level":2,"page":150},{"title":"باب في بيان أحكام التيمم بالصعيد","level":2,"page":151},{"title":"باب في بيان حكم حال الرجل الذي يصيب، أي: يقبل امرأته، وهي حائض","level":2,"page":162},{"title":"باب في بيان إذا التقى الختانان، هل يجب الغسل؟","level":2,"page":166},{"title":"باب في بيان حال الرجل ينام هل ينقض ذلك - أي: النوم - وضوءه؟ الرجل والمرأة في هذا الحكم سواء","level":2,"page":171},{"title":"باب المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل","level":2,"page":174},{"title":"باب المستحاضة","level":2,"page":179},{"title":"باب المرأة ترى الصفرة أو الكدرة","level":2,"page":185},{"title":"باب المرأة تغسل بعض أعضاء الرجل وهي حائض","level":2,"page":189},{"title":"باب الرجل يغتسل ويتوضأ بسؤر المرأة","level":2,"page":191},{"title":"باب الوضوء بسؤر الهرة","level":2,"page":193},{"title":"باب في بيان أحكام الأذان والتثويب","level":2,"page":196},{"title":"باب في بيان فضل المشي إلى الصلاة وفضل المساجد","level":2,"page":203},{"title":"باب الرجل يصلي وقد أخذ المؤذن في الإقامة","level":2,"page":209},{"title":"باب تسوية الصفوف","level":2,"page":212},{"title":"باب افتتاح الصلاة","level":2,"page":216},{"title":"باب القراءة في الصلاة خلف الإمام","level":2,"page":232},{"title":"باب الرجل يسبق ببعض الصلاة","level":2,"page":252},{"title":"باب الرجل يقرأ بالسور في الركعة من الفريضة","level":2,"page":258},{"title":"باب الجهر بالقراءة في الصلاة وما يستحب من ذلك","level":2,"page":261},{"title":"باب التأمين في الصلاة","level":2,"page":263},{"title":"باب السهو في الصلاة","level":2,"page":269},{"title":"باب العبث بالحصا في الصلاة وما يكره من تسويته","level":2,"page":281},{"title":"باب التشهد فى الصلاة","level":2,"page":285},{"title":"باب السنة في السجود","level":2,"page":298},{"title":"باب الجلوس في الصلاة","level":2,"page":301},{"title":"باب صلاة القاعد","level":2,"page":306},{"title":"باب الصلاة في الثوب الواحد","level":2,"page":317},{"title":"باب صلاة الليل","level":2,"page":325},{"title":"باب الحدث في الصلاة","level":2,"page":341},{"title":"باب فضل القرآن وما يستحب من ذكر الله ﷿","level":2,"page":344},{"title":"باب الرجل يسلم عليه وهو يصلي","level":2,"page":351},{"title":"باب الرجلان يصليان جماعة","level":2,"page":353},{"title":"باب الصلاة في مرابض الغنم","level":2,"page":360},{"title":"باب الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها","level":2,"page":363},{"title":"باب الصلاة في شدة الحر","level":2,"page":370},{"title":"باب الرجل ينسى الصلاة أو يفوته وقتها","level":2,"page":373},{"title":"باب الصلاة في الليلة المطيرة وفضل الجماعة","level":2,"page":382},{"title":"باب قصر الصلاة في السفر","level":2,"page":386},{"title":"باب المسافر يدخل المصر أو غيره متى يتم الصلاة؟","level":2,"page":393},{"title":"باب القراءة في الصلاة في السفر","level":2,"page":400},{"title":"باب الجمع بين الصلاتين في السفر والمطر","level":2,"page":402},{"title":"باب الصلاة على الدابة في السفر","level":2,"page":408},{"title":"باب الرجل يصلي فيذكر عليه صلاة فائتة","level":2,"page":419},{"title":"باب الرجل يصلي المكتوبة في بيته ثم يدرك الصلاة","level":2,"page":422},{"title":"باب الرجل تحضره الصلاة والطعام، بأيهما يبدأ","level":2,"page":427},{"title":"باب فضل العصر والصلاة بعد العصر","level":2,"page":429},{"title":"باب وقت الجمعة وما يستحب من الطيب والدهان","level":2,"page":433},{"title":"باب القراءة في صلاة الجمعة وما يستحب من الصمت","level":2,"page":439},{"title":"باب في بيان أحكام صلاة العيدين وبيان أمر الخطبة","level":2,"page":446},{"title":"باب في بيان حكم صلاة التطوع قبل صلاة العيد أو بعده","level":2,"page":452},{"title":"باب في حكم القراءة في صلاة العيدين","level":2,"page":454},{"title":"باب في بيان كمية التكبير وكيفيته في العيدين","level":2,"page":456},{"title":"باب قيام شهر رمضان وما فيه من الفضل","level":2,"page":458},{"title":"باب في بيان حكم دعاء القنوت في صلاة الفجر","level":2,"page":471},{"title":"باب في بيان فضل صلاة الفجر في الجماعة","level":2,"page":472},{"title":"باب طول القراءة في الصلاة وما يستحب من التخفيف","level":2,"page":476},{"title":"باب بيان حكم صلاة المغرب وتر صلاة النهار","level":2,"page":480},{"title":"باب في بيان أحكام صلاة الوتر","level":2,"page":482},{"title":"باب الوتر على الدابة","level":2,"page":486},{"title":"باب تأخير الوتر","level":2,"page":488},{"title":"باب في بيان حكم السلام في أثناء الوتر","level":2,"page":494},{"title":"باب سجود القرآن","level":2,"page":507},{"title":"باب المار بين يدي المصلي","level":2,"page":511},{"title":"باب ما يستحب من التطوع في المسجد عند دخوله","level":2,"page":520},{"title":"باب الانتفال في الصلاة","level":2,"page":522},{"title":"باب صلاة المغمى عليه","level":2,"page":525},{"title":"باب صلاة المريض","level":2,"page":526},{"title":"باب النخامة في المسجد وما يكره من ذلك","level":2,"page":528},{"title":"باب الجنب والحائض يعرقان في الثوب","level":2,"page":530},{"title":"باب بدء أمر القبلة وما نسخ من قبلة بيت المقدس","level":2,"page":533},{"title":"باب الرجل يصلي بالقوم وهو جنب أو على غير وضوء","level":2,"page":536},{"title":"باب الرجل يركع دون الصف أو يقرأ في ركوعه","level":2,"page":537},{"title":"باب الرجل يصلي وهو يحمل الشيء","level":2,"page":544},{"title":"باب المرأة تكون بين الرجل يصلي وبين القبلة وهي نائمة أو قائمة","level":2,"page":547},{"title":"باب صلاة الخوف","level":2,"page":549},{"title":"باب وضع اليمين على اليسار في الصلاة","level":2,"page":552},{"title":"باب الصلاة على النبي - ﷺ -","level":2,"page":555},{"title":"باب في بيان حكم الاستسقاء","level":2,"page":563},{"title":"باب الرجل يصلي ثم يجلس في موضعه الذي صلى فيه","level":2,"page":566},{"title":"باب صلاة التطوع بعد الفريضة","level":2,"page":567},{"title":"باب الرجل يمس القرآن وهو جنب أو على غير طهارة","level":2,"page":571},{"title":"باب الرجل يجر ثوبه أو المرأة تجر ثوبها فيعلق به قذر ما كره من ذلك","level":2,"page":574},{"title":"باب فضل الجهاد","level":2,"page":576},{"title":"باب ما يكون من الموت شهادة","level":2,"page":580},{"title":"أبواب الجنائز","level":1,"page":589},{"title":"باب المرأة تغسل زوجها","level":2,"page":589},{"title":"باب ما يكفن به الميت","level":2,"page":592},{"title":"باب المشي بالجنائز والمشي معها","level":2,"page":595},{"title":"باب الميت لا يتبع بنار بعد موته أو مجمرة فى جنازته","level":2,"page":600},{"title":"باب القيام للجنازة","level":2,"page":602},{"title":"باب الصلاة على الميت والدعاء له","level":2,"page":604},{"title":"باب الصلاة على الجنازة في المسجد","level":2,"page":609},{"title":"باب الرجل يحمل الميت أو يحنطه أو يغسله هل ينقض ذلك وضوءه؟","level":2,"page":611},{"title":"باب الرجل تدركه الصلاة على الجنازة وهو على غير وضوء","level":2,"page":613},{"title":"باب الصلاة على الميت بعد ما يدفن","level":2,"page":615},{"title":"باب ما روي أن الميت يعذب ببكاء الحي","level":2,"page":623},{"title":"باب القبر يتخذ مسجدا أو يصلى إليه أو يتوسد","level":2,"page":626},{"title":"كتاب الزكاة","level":1,"page":629},{"title":"باب زكاة المال","level":2,"page":630},{"title":"باب ما تجب فيه الزكاة","level":2,"page":633},{"title":"باب المال متى تجب فيه الزكاة","level":2,"page":635},{"title":"باب الرجل يكون له الدين هل عليه فيه زكاة","level":2,"page":636},{"title":"باب زكاة الحلي","level":2,"page":639},{"title":"باب العشر","level":2,"page":641},{"title":"باب الجزية","level":2,"page":643},{"title":"باب زكاة الرقيق والخيل والبراذين","level":2,"page":649},{"title":"باب الركاز","level":2,"page":656},{"title":"باب صدقة البقر","level":2,"page":658},{"title":"باب الكنز","level":2,"page":662},{"title":"باب من تحل له الصدقة","level":2,"page":665},{"title":"باب زكاة الفطر","level":2,"page":669},{"title":"باب صدقة الزيتون","level":2,"page":671},{"title":"أبواب الصيام","level":1,"page":673},{"title":"باب الصوم لرؤية الهلال والإفطار لرؤيته","level":2,"page":673},{"title":"باب متى يحرم الطعام على الصائم","level":2,"page":676},{"title":"باب من أفطر متعمدا في رمضان","level":2,"page":680},{"title":"باب الرجل يطلع له الفجر في رمضان وهو جنب","level":2,"page":684},{"title":"باب القبلة للصائم","level":2,"page":692},{"title":"باب الحجامة للصائم","level":2,"page":698},{"title":"باب الصائم يذرعه القيء أو يتقيأ","level":2,"page":701},{"title":"باب الصوم في السفر","level":2,"page":702},{"title":"باب قضاء رمضان هل يفرق؟","level":2,"page":707},{"title":"باب من صام تطوعا ثم أفطر","level":2,"page":709},{"title":"باب تعجيل الإفطار","level":2,"page":713},{"title":"باب الرجل يفطر قبل المساء ويظن أنه قد أمسى","level":2,"page":717},{"title":"باب الوصال في الصيام","level":2,"page":718},{"title":"باب صوم يوم عرفة","level":2,"page":722},{"title":"باب الأيام التي يكره فيها الصوم","level":2,"page":724},{"title":"باب النية في الصوم من الليل","level":2,"page":729},{"title":"باب المداومة على الصيام","level":2,"page":731},{"title":"باب صوم عاشوراء","level":2,"page":733},{"title":"باب ليلة القدر","level":2,"page":737},{"title":"باب الاعتكاف","level":2,"page":740},{"title":"كتاب الحج","level":1,"page":748},{"title":"باب المواقيت","level":2,"page":749},{"title":"باب الرجل يحرم في دبر الصلاة وحيث ينبعث به بعيره","level":2,"page":757},{"title":"باب التلبية","level":2,"page":761},{"title":"باب متى تقطع التلبية","level":2,"page":765},{"title":"باب رفع الصوت بالتلبية","level":2,"page":774},{"title":"باب القران بين الحج والعمرة","level":2,"page":777},{"title":"باب من أهدى هديا وهو مقيم","level":2,"page":790},{"title":"باب تقليد البدن وإشعارها","level":2,"page":793},{"title":"باب من تطيب قبل أن يحرم","level":2,"page":799},{"title":"باب من ساق هديا فعطب في الطريق أو نذر بدنة","level":2,"page":803},{"title":"باب الرجل يسوق بدنة فيضطر إلى ركوبها","level":2,"page":816},{"title":"باب المحرم يقتل قملة أو نحوها أو ينتف شعرا","level":2,"page":820},{"title":"باب الحجامة للمحرم","level":2,"page":822},{"title":"باب المحرم يغطي وجهه","level":2,"page":824},{"title":"باب المحرم يغسل رأسه ويغتسل","level":2,"page":829},{"title":"باب ما يكره للمحرم أن يلبس من الثياب","level":2,"page":835},{"title":"باب ما رخص للمحرم أن يقتل من الدواب","level":2,"page":848},{"title":"باب الرجل المحرم يفوته الحج","level":2,"page":853},{"title":"باب الحلمة والقراد ينزعه المحرم","level":2,"page":857},{"title":"باب لبس المنطقة والهميان للمحرم","level":2,"page":859},{"title":"باب المحرم يحك جلده","level":2,"page":860},{"title":"باب المحرم يتزوج","level":2,"page":862},{"title":"باب الطواف بعد العصر وبعد الفجر","level":2,"page":866},{"title":"باب الحلال يذبح الصيد أو يصيده هل يأكل المحرم منه أم لا؟","level":2,"page":869},{"title":"باب الرجل يعتمر فى أشهر الحج ثم يرجع إلى أهله من غير أن يحج","level":2,"page":882},{"title":"باب فضل العمرة في شهر رمضان","level":2,"page":886},{"title":"باب المتمتع ما يجب عليه من الهدي","level":2,"page":888},{"title":"باب الرمل بالبيت","level":2,"page":893},{"title":"باب المكي وغيره يحج أو يعتمر .. هل يجب عليه الرمل؟","level":2,"page":897},{"title":"باب المعتمر أو المعتمرة ما يجب عليهما من التقصير والهدي","level":2,"page":899},{"title":"باب دخول مكة بغير إحرام","level":2,"page":902},{"title":"باب فضل الحلق وما يجزئ من التقصير","level":2,"page":904},{"title":"باب المرأة تقدم مكة بحج أو عمرة فتحيض قبل قدومها أو بعد ذلك","level":2,"page":909},{"title":"باب المرأة تحيض في حجتها قبل أن تطوف طواف الزيارة","level":2,"page":917},{"title":"باب المرأة تريد الحج أو العمرة فتلد أو تحيض قبل أن تحرم","level":2,"page":922},{"title":"باب المستحاضة في الحج","level":2,"page":924},{"title":"باب دخول مكة وما يستحب من الغسل قبل الدخول","level":2,"page":925},{"title":"باب السعي بين الصفا والمروة","level":2,"page":929},{"title":"باب الطواف بالبيت راكبا أو ماشيا","level":2,"page":934},{"title":"باب استلام الركن","level":2,"page":939},{"title":"باب الصلاة في الكعبة ودخولها","level":2,"page":949},{"title":"باب الحج عن الميت أو عن الشيخ الكبير","level":2,"page":952},{"title":"باب الصلاة بمنى يوم التروية","level":2,"page":961},{"title":"باب الغسل بعرفة يوم عرفة","level":2,"page":963},{"title":"باب الدفع من عرفة","level":2,"page":963},{"title":"باب بطن محسر","level":2,"page":965},{"title":"باب الصلاة بالمزدلفة","level":2,"page":966},{"title":"باب ما يحرم على الحاج بعد رمي جمرة العقبة يوم النحر","level":2,"page":969},{"title":"باب من أي موضع يرمي الحجارة؟","level":2,"page":972},{"title":"باب تأخير رمي الجمار من علة أو من غير علة وما يكره من ذلك","level":2,"page":973},{"title":"باب رمي الجمار راكبا","level":2,"page":975},{"title":"باب ما يقول عند الجمار والوقوف عند الجمرتين","level":2,"page":977},{"title":"باب رمي الجمار قبل الزوال أو بعده","level":2,"page":979},{"title":"باب البيتوتة وراء عقبة منى وما يكره من ذلك","level":2,"page":980},{"title":"باب من قدم نسكا قبل نسك","level":2,"page":981},{"title":"باب جزاء الصيد","level":2,"page":985},{"title":"باب كفارة الأذى","level":2,"page":987},{"title":"باب من قدم الضعفة من المزدلفة","level":2,"page":989},{"title":"باب جلال البدن","level":2,"page":991},{"title":"باب المحصر","level":2,"page":995},{"title":"باب تكفين المحرم","level":2,"page":997},{"title":"باب من أدرك عرفة ليلة المزدلفة","level":2,"page":998},{"title":"باب من غربت له الشمس وهو في النفر الأول وهو بمنى","level":2,"page":999},{"title":"باب من نفر ولم يحلق","level":2,"page":1001},{"title":"باب الرجل يجامع بعرفة قبل أن يفيض","level":2,"page":1002},{"title":"باب تعجيل الإهلال","level":2,"page":1005},{"title":"باب القفول من الحج أو العمرة","level":2,"page":1006},{"title":"باب الصدر","level":2,"page":1007},{"title":"باب المرأة يكره لها إذا حلت من إحرامها أن تمتشط حتى تأخذ من شعرها","level":2,"page":1009},{"title":"باب النزول بالمحصب","level":2,"page":1010},{"title":"باب الرجل يحرم من مكة هل يطوف بالبيت؟","level":2,"page":1012},{"title":"باب المحرم يحتجم","level":2,"page":1013},{"title":"باب دخول مكة بسلاح","level":2,"page":1015},{"title":"كتاب النكاح","level":1,"page":1022},{"title":"باب الرجل يكون له نسوة، كيف يقسم بينهن","level":2,"page":1022},{"title":"باب أدنى ما يتزوج عليه المرأة","level":2,"page":1026},{"title":"باب لا يجمع الرجل بين المرأة وعمتها في النكاح","level":2,"page":1028},{"title":"باب الرجل يخطب على خطبة أخيه","level":2,"page":1031},{"title":"باب الثيب أحق بنفسها من وليها","level":2,"page":1033},{"title":"باب الرجل يكون عنده أكثر من أربع نسوة فيريد أن يتزوج","level":2,"page":1036},{"title":"باب ما يوجب الصداق","level":2,"page":1040},{"title":"باب نكاح الشغار","level":2,"page":1042},{"title":"باب نكاح السر","level":2,"page":1044},{"title":"باب الرجل يجمع بين المرأة وابنتها، وبين المرأة وأختها في ملك اليمين","level":2,"page":1047},{"title":"باب الرجل ينكح المرأة ولا يصل إليها لعلة بالمرأة أو الرجل","level":2,"page":1051},{"title":"باب البكر تستأمر في نفسها","level":2,"page":1055},{"title":"باب النكاح بغير ولي","level":2,"page":1058},{"title":"باب الرجل يتزوج المرأة ولا يفرض لها صداقا","level":2,"page":1061},{"title":"باب المرأة تتزوج في عدتها","level":2,"page":1064},{"title":"باب العزل","level":2,"page":1071},{"title":"كتاب الطلاق","level":1,"page":1078},{"title":"باب طلاق السنة","level":2,"page":1078},{"title":"باب طلاق الحرة تحت العبد","level":2,"page":1083},{"title":"باب ما يكره للمطلقة المبتوتة والمتوفى عنها من المبيت في غير بيتها","level":2,"page":1087},{"title":"باب الرجل يأذن لعبده في التزويج هل يجوز طلاق المولى عليه؟","level":2,"page":1089},{"title":"باب المرأة تختلع من زوجها بأكثر مما أعطاها أو أقل","level":2,"page":1092},{"title":"باب الخلع كم يكون من الطلاق","level":2,"page":1094},{"title":"باب الرجل يقول: إذا نكحت فلانة فهي طالق","level":2,"page":1096},{"title":"باب المرأة يطلقها زوجها تطليقة أو تطليقتين فتتزوج زوجا ثم يتزوجها الأول","level":2,"page":1099},{"title":"باب الرجل يجعل أمر امرأته بيدها أو غيرها","level":2,"page":1101},{"title":"باب الرجل يكون تحته أمة فيطلقها ثم يشتريها","level":2,"page":1110},{"title":"باب الأمه تكون تحت العبد فتعتق","level":2,"page":1111},{"title":"باب طلاق المريض","level":2,"page":1114},{"title":"باب المرأة تطلق أو يموت عنها زوجها وهي حامل","level":2,"page":1117},{"title":"باب الإيلاء","level":2,"page":1119},{"title":"باب الرجل يطلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها","level":2,"page":1124},{"title":"باب المرأة يطلقها زوجها فتتزوج رجلا فيطلقها قبل الدخول","level":2,"page":1126},{"title":"باب المرأة تسافر قبل انقضاء عدتها","level":2,"page":1129},{"title":"باب المتعة","level":2,"page":1130},{"title":"باب الرجل يكون عنده امرأتان فيؤثر إحداهما على الأخرى","level":2,"page":1133},{"title":"باب اللعان","level":2,"page":1135},{"title":"باب متعة الطلاق","level":2,"page":1137},{"title":"باب ما يكره للمرأة من الزينة في العدة","level":2,"page":1139},{"title":"باب المرأة تنتقل من منزلها قبل انقضاء عدتها من موت أو طلاق","level":2,"page":1142},{"title":"باب عدة أم الولد","level":2,"page":1149},{"title":"باب الخلية والبرية وما يشبه الطلاق","level":2,"page":1152},{"title":"باب الرجل يولد له فيغلب عليه الشبه","level":2,"page":1153},{"title":"باب المرأة تسلم قبل زوجها","level":2,"page":1156},{"title":"باب انقضاء الحيض","level":2,"page":1158},{"title":"باب المرأة يطلقها زوجها طلاقا يملك الرجعة فتحيض حيضة أو حيضتين ثم ترتفع حيضتها","level":2,"page":1166},{"title":"باب عدة المستحاضة","level":2,"page":1171},{"title":"باب الرضاع","level":2,"page":1172},{"title":"كتاب الضحايا وما يجزئ منها","level":1,"page":1191},{"title":"باب ما يكره من الضحايا","level":2,"page":1197},{"title":"باب لحوم الأضاحي","level":2,"page":1200},{"title":"باب في الرجل يذبح أضحيته قبل أن يغدو يوم الأضحى","level":2,"page":1204},{"title":"باب ما يجزئ من الضحايا عن أكثر من واحد","level":2,"page":1207},{"title":"باب الذبائح","level":2,"page":1210},{"title":"باب الصيد وما يكره أكله من السباع وغيرها","level":2,"page":1216},{"title":"باب أكل الضب","level":2,"page":1219},{"title":"باب ما لفظه البحر من السمك الطافي وغيره","level":2,"page":1225},{"title":"باب السمك يموت في الماء","level":2,"page":1226},{"title":"باب ذكاة الجنين ذكاة أمه","level":2,"page":1228},{"title":"باب أكل الجراد","level":2,"page":1231},{"title":"باب ذبائح نصارى العرب","level":2,"page":1233},{"title":"باب ما قتل الحجر","level":2,"page":1235},{"title":"باب الشاة وغير ذلك تذكى قبل أن تموت","level":2,"page":1236},{"title":"باب الرجل يشتري اللحم فلا يدري أذكى هو أو غير ذكى","level":2,"page":1237},{"title":"باب صيد الكلب المعلم","level":2,"page":1240},{"title":"باب العقيقة","level":2,"page":1243},{"title":"أبواب الديات","level":1,"page":1249},{"title":"باب الدية في الشفتين","level":2,"page":1253},{"title":"باب دية العمد","level":2,"page":1254},{"title":"باب دية الخطأ","level":2,"page":1256},{"title":"باب دية الأسنان","level":2,"page":1258},{"title":"باب أرش السن السوداء والعين القائمة","level":2,"page":1261},{"title":"باب النفر يجتمعون على قتل واحد","level":2,"page":1263},{"title":"باب الرجل يرث من دية امرأته والمرأة من دية زوجها","level":2,"page":1266},{"title":"باب الجروح وما فيها من الأروش","level":2,"page":1269},{"title":"باب دية الجنين","level":2,"page":1270},{"title":"باب الموضحة في الوجه والرأس","level":2,"page":1275},{"title":"باب البئر جبار","level":2,"page":1276},{"title":"باب من قتل خطأ ولم تعرف له عاقلة","level":2,"page":1280},{"title":"باب القسامة","level":2,"page":1284},{"title":"كتاب الحدود في السرقة","level":1,"page":1294},{"title":"باب العبد يسرق من مولاه","level":2,"page":1294},{"title":"باب من سرق تمرا أو غير ذلك مما لم يحرز","level":2,"page":1297},{"title":"باب الرجل يسرق منه الشيء يجب فيه القطع فيهبه للسارق بعد ما يرفعه إلى الإمام","level":2,"page":1303},{"title":"باب ما يجب فيه القطع","level":2,"page":1306},{"title":"باب السارق يسرق وقد قطعت يده أو يده ورجله","level":2,"page":1311},{"title":"باب العبد يأبق ثم يسرق","level":2,"page":1314},{"title":"باب المختلس","level":2,"page":1316},{"title":"كتاب الحدود في الزنا","level":1,"page":1318},{"title":"باب الرجم","level":2,"page":1318},{"title":"باب الإقرار بالزنا","level":2,"page":1327},{"title":"باب الاستكراه في الزنا","level":2,"page":1341},{"title":"باب حد المماليك في الزنا والسكر","level":2,"page":1343},{"title":"باب الحد في التعريض","level":2,"page":1349},{"title":"باب الحد في الشراب","level":2,"page":1352},{"title":"كتاب الأشربة","level":1,"page":1355},{"title":"باب شراب البتع والغبيراء وغير ذلك","level":2,"page":1355},{"title":"باب تحريم الخمر وما يكره من الأشربة","level":2,"page":1357},{"title":"باب الخليطين","level":2,"page":1364},{"title":"باب نبيذ الدباء والمزفت","level":2,"page":1366},{"title":"باب نبيذ الطلاء","level":2,"page":1368},{"title":"كتاب الفرائض","level":1,"page":1372},{"title":"باب ميراث العمة","level":2,"page":1378},{"title":"باب النبي - ﷺ - هل يورث","level":2,"page":1382},{"title":"باب لا يرث المسلم الكافر","level":2,"page":1385},{"title":"باب ميراث الولاء","level":2,"page":1388},{"title":"باب ميراث الحميل","level":2,"page":1394},{"title":"[باب الوصية]","level":2,"page":1395},{"title":"باب الرجل يوصي عند موته بثلث ماله","level":2,"page":1398},{"title":"باب الأيمان والنذور وأدنى ما يجزئ في كفارة اليمين","level":2,"page":1405},{"title":"باب الرجل يحلف بالمشي إلى بيت الله","level":2,"page":1412},{"title":"باب من جعل على نفسه المشي ثم عجز","level":2,"page":1415},{"title":"باب الاستثناء في اليمين","level":2,"page":1419},{"title":"باب الرجل يموت وعليه نذر","level":2,"page":1420},{"title":"باب من حلف أو نذر في معصية","level":2,"page":1422},{"title":"باب من حلف بغير الله ﷿","level":2,"page":1427},{"title":"باب من جعل ماله لباب الكعبة","level":2,"page":1430},{"title":"باب اللغو في الأيمان","level":2,"page":1432},{"title":"أبواب البيوع والتجارات والسلم","level":1,"page":1439},{"title":"باب بيع العرايا","level":2,"page":1439},{"title":"باب ما يكره من بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها","level":2,"page":1443},{"title":"باب الرجل يبيع بعض الثمر ويستثني بعضه","level":2,"page":1447},{"title":"باب ما يكره من بيع التمر بالرطب","level":2,"page":1450},{"title":"باب بيع ما لم يقبض من الطعام وغيره","level":2,"page":1452},{"title":"باب الرجل يبتاع المتاع أو غيره بنسيئة ثم يقول أنفدني وأضع عنك","level":2,"page":1456},{"title":"باب الرجل يشتري الشعير بالحنطة","level":2,"page":1458},{"title":"باب الرجل يبيع الطعام نسيئة ثم يشتري بذلك الثمن شيئا آخر","level":2,"page":1461},{"title":"باب ما يكره من النجش وتلقي السلع","level":2,"page":1462},{"title":"باب الرجل يسلم فيما يكال","level":2,"page":1464},{"title":"باب بيع البراءة","level":2,"page":1466},{"title":"باب بيع الغرر","level":2,"page":1469},{"title":"باب بيع المزابنة","level":2,"page":1475},{"title":"باب شراء الحيوان باللحم","level":2,"page":1479},{"title":"باب الرجل يساوم الرجل بالشيء فيزيد عليه آخر","level":2,"page":1482},{"title":"باب ما يوجب البيع بين البائع والمشتري","level":2,"page":1484},{"title":"باب الاختلاف في البيع ما بين البائع والمشتري","level":2,"page":1486},{"title":"باب الرجل يبيع المتاع بنسيئة فيفلس المبتاع","level":2,"page":1488},{"title":"باب الرجل يشتري الشيء أو يبيعه فيغبن فيه أو يسعر على المسلمين","level":2,"page":1490},{"title":"باب الاشتراط في البيع وما يفسده","level":2,"page":1494},{"title":"باب من باع نخلا مؤبرا أو عبدا وله مال","level":2,"page":1498},{"title":"باب الرجل يشتري الجارية ولها زوج أو تهدى إليه","level":2,"page":1500},{"title":"باب عهدة الثلاث والسنة","level":2,"page":1502},{"title":"باب بيع الولاء","level":2,"page":1504},{"title":"باب بيع أمهات الأولاد","level":2,"page":1507},{"title":"باب بيع الحيوان بالحيوان نقدا ونسيئة","level":2,"page":1508},{"title":"باب الشركة في البيع","level":2,"page":1510},{"title":"باب القضاء","level":2,"page":1515},{"title":"باب الهبة والصدقة","level":2,"page":1517},{"title":"باب النحلى","level":2,"page":1520},{"title":"باب العمرى والسكنى","level":2,"page":1528},{"title":"كتاب الصرف وأبواب الربا","level":1,"page":1533},{"title":"باب الربا فيما يكال أو يوزن","level":2,"page":1543},{"title":"باب الرجل يكون له العطاء أو الدين على الرجل فيبيعه قبل أن يقبضه","level":2,"page":1548},{"title":"باب الرجل يكون عليه الدين فيقضي أفضل مما أخذه","level":2,"page":1551},{"title":"باب ما يكره من قطع الدراهم والدنانير","level":2,"page":1555},{"title":"باب المعاملة والمزارعة في الأرض والنخل","level":2,"page":1556},{"title":"باب إحياء الأرض بإذن الإمام أو بغير إذنه","level":2,"page":1562},{"title":"باب الصلح في الشرب وقسمة الماء","level":2,"page":1564},{"title":"كتاب العتاق","level":1,"page":1569},{"title":"باب الرجل يعتق نصيبا له من مملوك أو يسيب سائبة أو يوصي بعتق","level":2,"page":1569},{"title":"باب بيع المدبر","level":2,"page":1575},{"title":"باب الدعوى والشهادات وادعاء النسب","level":2,"page":1580},{"title":"باب حكم اليمين مع الشاهد","level":2,"page":1585},{"title":"باب استحلاف الخصوم","level":2,"page":1587},{"title":"باب الرهن","level":2,"page":1589},{"title":"باب الرجل تكون عنده الشهادة","level":2,"page":1591},{"title":"باب اللقطة","level":2,"page":1593},{"title":"باب الشفعة","level":2,"page":1599},{"title":"باب المكاتب","level":2,"page":1602},{"title":"[أبواب السير]","level":1,"page":1611},{"title":"باب الرجل يعطي الشيء في سبيل الله","level":2,"page":1616},{"title":"باب إثم الخوارج وما في لزوم الجماعة من الفضل","level":2,"page":1618},{"title":"باب قتل النساء","level":2,"page":1623},{"title":"باب المرتد","level":2,"page":1624},{"title":"باب ما يكره من لبس الحرير والديباج","level":2,"page":1626},{"title":"باب ما يكره من التختم بالذهب","level":2,"page":1629},{"title":"باب الرجل يمر على ماشية الرجل فيحتلبها بغير إذنه وما يكره من ذلك","level":2,"page":1631},{"title":"باب نزول أهل الذمة مكة والمدينة وما يكره من ذلك","level":2,"page":1633},{"title":"باب الرجل يقيم الرجل من مجلسه ليجلس فيه وما يكره من ذلك","level":2,"page":1635},{"title":"باب الرقى","level":2,"page":1636},{"title":"باب ما يستحب من الفأل والاسم الحسن","level":2,"page":1641},{"title":"باب الشرب قائما","level":2,"page":1642},{"title":"باب الشرب في آنية الفضة","level":2,"page":1643},{"title":"باب الشرب والأكل باليمين","level":2,"page":1645},{"title":"باب الرجل يشرب ثم يناول من عن يمينه","level":2,"page":1648},{"title":"باب فضل إجابة الدعوى","level":2,"page":1651},{"title":"باب فضل المدينة","level":2,"page":1660},{"title":"باب اقتناء الكلب","level":2,"page":1662},{"title":"باب ما يكره من الكذب وسوء الظن والتجسس والنميمة","level":2,"page":1665},{"title":"باب الاستعفاف عن المسألة والصدقة","level":2,"page":1669},{"title":"باب الرجل يكتب إلى رجل يبدأ به","level":2,"page":1673},{"title":"باب الاستئذان","level":2,"page":1675},{"title":"باب التصاوير والجرس وما يكره منها","level":2,"page":1677},{"title":"باب اللعب بالنرد","level":2,"page":1680},{"title":"باب النظر إلى اللعب","level":2,"page":1683},{"title":"باب المرأة تصل شعرها بشعر زوجها","level":2,"page":1684},{"title":"باب الشفاعة","level":2,"page":1687},{"title":"باب الطيب للرجل","level":2,"page":1688},{"title":"باب الدعاء","level":2,"page":1688},{"title":"باب رد السلام","level":2,"page":1690},{"title":"باب الإشارة في الدعاء","level":2,"page":1696},{"title":"باب الرجل يهجر أخاه المسلم","level":2,"page":1697},{"title":"باب الخصومة في الدين والرجل يشهد على الرجل بالكفر","level":2,"page":1699},{"title":"باب ما يكره من أكل الثوم","level":2,"page":1702},{"title":"باب الرؤيا","level":2,"page":1703},{"title":"باب جامع الحديث","level":2,"page":1707},{"title":"باب الزهد والتواضع","level":2,"page":1712},{"title":"باب الحب في الله","level":2,"page":1717},{"title":"باب فضل المعروف والصدقة","level":2,"page":1718},{"title":"باب حق الجار","level":2,"page":1722},{"title":"باب اكتتاب العلم","level":2,"page":1724},{"title":"باب الخضاب","level":2,"page":1725},{"title":"باب الوصي يستقرض من مال اليتيم","level":2,"page":1730},{"title":"باب الرجل ينظر إلى عورة الرجل","level":2,"page":1733},{"title":"باب النفخ في الشراب","level":2,"page":1735},{"title":"باب ما يكره من مصافحة النساء","level":2,"page":1736},{"title":"باب فضائل أصحاب النبي - ﷺ -","level":2,"page":1739},{"title":"باب صفة النبي - ﷺ -","level":2,"page":1745},{"title":"باب زيارة قبر النبي - ﷺ - وما يستحب من ذلك","level":2,"page":1747},{"title":"باب فضل الحياء","level":2,"page":1748},{"title":"باب حق الزوج على المرأة","level":2,"page":1751},{"title":"باب حق الضيافة","level":2,"page":1753},{"title":"باب تشميت العاطس","level":2,"page":1754},{"title":"باب الفرار من الطاعون","level":2,"page":1757},{"title":"باب الغيبة والبهتان","level":2,"page":1760},{"title":"باب النوادر","level":2,"page":1763},{"title":"باب الفأرة تقع في السمن","level":2,"page":1787},{"title":"باب دباغ الميتة","level":2,"page":1789},{"title":"باب كسب الحجام","level":2,"page":1791},{"title":"باب التفسير","level":2,"page":1798}],"ٛ":{"1,3":2,"1,4":3,"1,7":4,"1,8":5,"1,9":6,"1,10":7,"1,11":8,"1,12":9,"1,13":10,"1,14":11,"1,15":12,"1,16":13,"1,17":14,"1,18":15,"1,19":16,"1,20":17,"1,21":18,"1,22":19,"1,23":20,"1,24":21,"1,25":22,"1,27":23,"1,28":24,"1,29":25,"1,30":26,"1,31":27,"1,32":28,"1,33":29,"1,34":30,"1,35":31,"1,36":32,"1,37":33,"1,38":34,"1,39":35,"1,40":36,"1,41":37,"1,42":38,"1,43":39,"1,44":40,"1,45":41,"1,46":42,"1,47":43,"1,48":44,"1,49":45,"1,50":46,"1,51":47,"1,52":48,"1,53":49,"1,54":50,"1,55":51,"1,56":52,"1,57":53,"1,58":54,"1,59":55,"1,60":56,"1,61":57,"1,62":58,"1,63":59,"1,64":60,"1,65":61,"1,66":62,"1,67":63,"1,68":64,"1,69":65,"1,70":66,"1,71":67,"1,72":68,"1,73":69,"1,74":70,"1,75":71,"1,76":72,"1,77":73,"1,78":74,"1,79":75,"1,80":76,"1,81":77,"1,82":78,"1,83":79,"1,84":80,"1,85":81,"1,86":82,"1,87":83,"1,88":84,"1,89":85,"1,90":86,"1,91":87,"1,92":88,"1,93":89,"1,94":90,"1,95":91,"1,96":92,"1,97":93,"1,98":94,"1,99":95,"1,100":96,"1,101":97,"1,102":98,"1,103":99,"1,104":100,"1,105":101,"1,106":102,"1,107":103,"1,108":104,"1,109":105,"1,110":106,"1,111":107,"1,112":108,"1,113":109,"1,114":110,"1,115":111,"1,116":112,"1,117":113,"1,118":114,"1,119":115,"1,120":116,"1,121":117,"1,122":118,"1,123":119,"1,124":120,"1,125":121,"1,126":122,"1,127":123,"1,128":124,"1,129":125,"1,130":126,"1,131":127,"1,132":128,"1,133":129,"1,134":130,"1,135":131,"1,136":132,"1,137":133,"1,138":134,"1,139":135,"1,140":136,"1,141":137,"1,142":138,"1,143":139,"1,144":140,"1,145":141,"1,146":142,"1,147":143,"1,148":144,"1,149":145,"1,150":146,"1,151":147,"1,152":148,"1,153":149,"1,154":150,"1,155":151,"1,156":152,"1,157":153,"1,158":154,"1,159":155,"1,160":156,"1,161":157,"1,162":158,"1,163":159,"1,164":160,"1,165":161,"1,166":162,"1,167":163,"1,168":164,"1,169":165,"1,170":166,"1,171":167,"1,172":168,"1,173":169,"1,174":170,"1,175":171,"1,176":172,"1,177":173,"1,178":174,"1,179":175,"1,180":176,"1,181":177,"1,182":178,"1,183":179,"1,184":180,"1,185":181,"1,186":182,"1,187":183,"1,188":184,"1,189":185,"1,190":186,"1,191":187,"1,192":188,"1,193":189,"1,194":190,"1,195":191,"1,196":192,"1,197":193,"1,198":194,"1,199":195,"1,200":196,"1,201":197,"1,202":198,"1,203":199,"1,204":200,"1,205":201,"1,206":202,"1,207":203,"1,208":204,"1,209":205,"1,210":206,"1,211":207,"1,212":208,"1,213":209,"1,214":210,"1,215":211,"1,216":212,"1,217":213,"1,218":214,"1,219":215,"1,220":216,"1,221":217,"1,222":218,"1,223":219,"1,224":220,"1,225":221,"1,226":222,"1,227":223,"1,228":224,"1,229":225,"1,230":226,"1,231":227,"1,232":228,"1,233":229,"1,234":230,"1,235":231,"1,236":232,"1,237":233,"1,238":234,"1,239":235,"1,240":236,"1,241":237,"1,242":238,"1,243":239,"1,244":240,"1,245":241,"1,246":242,"1,247":243,"1,248":244,"1,249":245,"1,250":246,"1,251":247,"1,252":248,"1,253":249,"1,254":250,"1,255":251,"1,256":252,"1,257":253,"1,258":254,"1,259":255,"1,260":256,"1,261":257,"1,262":258,"1,263":259,"1,264":260,"1,265":261,"1,266":262,"1,267":263,"1,268":264,"1,269":265,"1,270":266,"1,271":267,"1,272":268,"1,273":269,"1,274":270,"1,275":271,"1,276":272,"1,277":273,"1,278":274,"1,279":275,"1,280":276,"1,281":277,"1,282":278,"1,283":279,"1,284":280,"1,285":281,"1,286":282,"1,287":283,"1,288":284,"1,289":285,"1,290":286,"1,291":287,"1,292":288,"1,293":289,"1,294":290,"1,295":291,"1,296":292,"1,297":293,"1,298":294,"1,299":295,"1,300":296,"1,301":297,"1,302":298,"1,303":299,"1,304":300,"1,305":301,"1,306":302,"1,307":303,"1,308":304,"1,309":305,"1,310":306,"1,311":307,"1,312":308,"1,313":309,"1,314":310,"1,315":311,"1,316":312,"1,317":313,"1,318":314,"1,319":315,"1,320":316,"1,321":317,"1,322":318,"1,323":319,"1,324":320,"1,325":321,"1,326":322,"1,327":323,"1,328":324,"1,329":325,"1,330":326,"1,331":327,"1,332":328,"1,333":329,"1,334":330,"1,335":331,"1,336":332,"1,337":333,"1,338":334,"1,339":335,"1,340":336,"1,341":337,"1,342":338,"1,343":339,"1,344":340,"1,345":341,"1,346":342,"1,347":343,"1,348":344,"1,349":345,"1,350":346,"1,351":347,"1,352":348,"1,353":349,"1,354":350,"1,355":351,"1,356":352,"1,357":353,"1,358":354,"1,359":355,"1,360":356,"1,361":357,"1,362":358,"1,363":359,"1,364":360,"1,365":361,"1,366":362,"1,367":363,"1,368":364,"1,369":365,"1,370":366,"1,371":367,"1,372":368,"1,373":369,"1,374":370,"1,375":371,"1,376":372,"1,377":373,"1,378":374,"1,379":375,"1,380":376,"1,381":377,"1,382":378,"1,383":379,"1,384":380,"1,385":381,"1,386":382,"1,387":383,"1,388":384,"1,389":385,"1,390":386,"1,391":387,"1,392":388,"1,393":389,"1,394":390,"1,395":391,"1,396":392,"1,397":393,"1,398":394,"1,399":395,"1,400":396,"1,401":397,"1,402":398,"1,403":399,"1,404":400,"1,405":401,"1,406":402,"1,407":403,"1,408":404,"1,409":405,"1,410":406,"1,411":407,"1,412":408,"1,413":409,"1,414":410,"1,415":411,"1,416":412,"1,417":413,"1,418":414,"1,419":415,"1,420":416,"1,421":417,"1,422":418,"1,423":419,"1,424":420,"1,425":421,"1,426":422,"1,427":423,"1,428":424,"1,429":425,"1,430":426,"1,431":427,"1,432":428,"1,433":429,"1,434":430,"1,435":431,"1,436":432,"1,437":433,"1,438":434,"1,439":435,"1,440":436,"1,441":437,"1,442":438,"1,443":439,"1,444":440,"1,445":441,"1,446":442,"1,447":443,"1,448":444,"1,449":445,"1,450":446,"1,451":447,"1,452":448,"1,453":449,"1,454":450,"1,455":451,"1,456":452,"1,457":453,"1,458":454,"1,459":455,"1,460":456,"1,461":457,"1,462":458,"1,463":459,"1,464":460,"1,465":461,"1,466":462,"1,467":463,"1,468":464,"1,469":465,"1,470":466,"1,471":467,"1,472":468,"1,473":469,"1,474":470,"1,475":471,"1,476":472,"1,477":473,"1,478":474,"1,479":475,"1,480":476,"1,481":477,"1,482":478,"1,483":479,"1,484":480,"1,485":481,"1,486":482,"1,487":483,"1,488":484,"1,489":485,"1,490":486,"1,491":487,"1,492":488,"1,493":489,"1,494":490,"1,495":491,"1,496":492,"1,497":493,"1,498":494,"1,499":495,"1,500":496,"1,501":497,"1,502":498,"1,503":499,"1,504":500,"1,505":501,"1,506":502,"2,2":504,"2,3":505,"2,4":506,"2,5":507,"2,6":508,"2,7":509,"2,8":510,"2,9":511,"2,10":512,"2,11":513,"2,12":514,"2,13":515,"2,14":516,"2,15":517,"2,16":518,"2,17":519,"2,18":520,"2,19":521,"2,20":522,"2,21":523,"2,22":524,"2,23":525,"2,24":526,"2,25":527,"2,26":528,"2,27":529,"2,28":530,"2,29":531,"2,30":532,"2,31":533,"2,32":534,"2,33":535,"2,34":536,"2,35":537,"2,36":538,"2,37":539,"2,38":540,"2,39":541,"2,40":542,"2,41":543,"2,42":544,"2,43":545,"2,44":546,"2,45":547,"2,46":548,"2,47":549,"2,48":550,"2,49":551,"2,50":552,"2,51":553,"2,52":554,"2,53":555,"2,54":556,"2,55":557,"2,56":558,"2,57":559,"2,58":560,"2,59":561,"2,60":562,"2,61":563,"2,62":564,"2,63":565,"2,64":566,"2,65":567,"2,66":568,"2,67":569,"2,68":570,"2,69":571,"2,70":572,"2,71":573,"2,72":574,"2,73":575,"2,74":576,"2,75":577,"2,76":578,"2,77":579,"2,78":580,"2,79":581,"2,80":582,"2,81":583,"2,82":584,"2,83":585,"2,84":586,"2,85":587,"2,86":588,"2,87":589,"2,88":590,"2,89":591,"2,90":592,"2,91":593,"2,92":594,"2,93":595,"2,94":596,"2,95":597,"2,96":598,"2,97":599,"2,98":600,"2,99":601,"2,100":602,"2,101":603,"2,102":604,"2,103":605,"2,104":606,"2,105":607,"2,106":608,"2,107":609,"2,108":610,"2,109":611,"2,110":612,"2,111":613,"2,112":614,"2,113":615,"2,114":616,"2,115":617,"2,116":618,"2,117":619,"2,118":620,"2,119":621,"2,120":622,"2,121":623,"2,122":624,"2,123":625,"2,124":626,"2,125":627,"2,126":628,"2,127":629,"2,128":630,"2,129":631,"2,130":632,"2,131":633,"2,132":634,"2,133":635,"2,134":636,"2,135":637,"2,136":638,"2,137":639,"2,138":640,"2,139":641,"2,140":642,"2,141":643,"2,142":644,"2,143":645,"2,144":646,"2,145":647,"2,146":648,"2,147":649,"2,148":650,"2,149":651,"2,150":652,"2,151":653,"2,152":654,"2,153":655,"2,154":656,"2,155":657,"2,156":658,"2,157":659,"2,158":660,"2,159":661,"2,160":662,"2,161":663,"2,162":664,"2,163":665,"2,164":666,"2,165":667,"2,166":668,"2,167":669,"2,168":670,"2,169":671,"2,170":672,"2,171":673,"2,172":674,"2,173":675,"2,174":676,"2,175":677,"2,176":678,"2,177":679,"2,178":680,"2,179":681,"2,180":682,"2,181":683,"2,182":684,"2,183":685,"2,184":686,"2,185":687,"2,186":688,"2,187":689,"2,188":690,"2,189":691,"2,190":692,"2,191":693,"2,192":694,"2,193":695,"2,194":696,"2,195":697,"2,196":698,"2,197":699,"2,198":700,"2,199":701,"2,200":702,"2,201":703,"2,202":704,"2,203":705,"2,204":706,"2,205":707,"2,206":708,"2,207":709,"2,208":710,"2,209":711,"2,210":712,"2,211":713,"2,212":714,"2,213":715,"2,214":716,"2,215":717,"2,216":718,"2,217":719,"2,218":720,"2,219":721,"2,220":722,"2,221":723,"2,222":724,"2,223":725,"2,224":726,"2,225":727,"2,226":728,"2,227":729,"2,228":730,"2,229":731,"2,230":732,"2,231":733,"2,232":734,"2,233":735,"2,234":736,"2,235":737,"2,236":738,"2,237":739,"2,238":740,"2,239":741,"2,240":742,"2,241":743,"2,242":744,"2,243":745,"2,244":746,"2,245":747,"2,247":748,"2,248":749,"2,249":750,"2,250":751,"2,251":752,"2,252":753,"2,253":754,"2,254":755,"2,255":756,"2,256":757,"2,257":758,"2,258":759,"2,259":760,"2,260":761,"2,261":762,"2,262":763,"2,263":764,"2,264":765,"2,265":766,"2,266":767,"2,267":768,"2,268":769,"2,269":770,"2,270":771,"2,271":772,"2,272":773,"2,273":774,"2,274":775,"2,275":776,"2,276":777,"2,277":778,"2,278":779,"2,279":780,"2,280":781,"2,281":782,"2,282":783,"2,283":784,"2,284":785,"2,285":786,"2,286":787,"2,287":788,"2,288":789,"2,289":790,"2,290":791,"2,291":792,"2,292":793,"2,293":794,"2,294":795,"2,295":796,"2,296":797,"2,297":798,"2,298":799,"2,299":800,"2,300":801,"2,301":802,"2,302":803,"2,303":804,"2,304":805,"2,305":806,"2,306":807,"2,307":808,"2,308":809,"2,309":810,"2,310":811,"2,311":812,"2,312":813,"2,313":814,"2,314":815,"2,315":816,"2,316":817,"2,317":818,"2,318":819,"2,319":820,"2,320":821,"2,321":822,"2,322":823,"2,323":824,"2,324":825,"2,325":826,"2,326":827,"2,327":828,"2,328":829,"2,329":830,"2,330":831,"2,331":832,"2,332":833,"2,333":834,"2,334":835,"2,335":836,"2,336":837,"2,337":838,"2,338":839,"2,339":840,"2,340":841,"2,341":842,"2,342":843,"2,343":844,"2,344":845,"2,345":846,"2,346":847,"2,347":848,"2,348":849,"2,349":850,"2,350":851,"2,351":852,"2,352":853,"2,353":854,"2,354":855,"2,355":856,"2,356":857,"2,357":858,"2,358":859,"2,359":860,"2,360":861,"2,361":862,"2,362":863,"2,363":864,"2,364":865,"2,365":866,"2,366":867,"2,367":868,"2,368":869,"2,369":870,"2,370":871,"2,371":872,"2,372":873,"2,373":874,"2,374":875,"2,375":876,"2,376":877,"2,377":878,"2,378":879,"2,379":880,"2,380":881,"2,381":882,"2,382":883,"2,383":884,"2,384":885,"2,385":886,"2,386":887,"2,387":888,"2,388":889,"2,389":890,"2,390":891,"2,391":892,"2,392":893,"2,393":894,"2,394":895,"2,395":896,"2,396":897,"2,397":898,"2,398":899,"2,399":900,"2,400":901,"2,401":902,"2,402":903,"2,403":904,"2,404":905,"2,405":906,"2,406":907,"2,407":908,"2,408":909,"2,409":910,"2,410":911,"2,411":912,"2,412":913,"2,413":914,"2,414":915,"2,415":916,"2,416":917,"2,417":918,"2,418":919,"2,419":920,"2,420":921,"2,421":922,"2,422":923,"2,423":924,"2,424":925,"2,425":926,"2,426":927,"2,427":928,"2,428":929,"2,429":930,"2,430":931,"2,431":932,"2,432":933,"2,433":934,"2,434":935,"2,435":936,"2,436":937,"2,437":938,"2,438":939,"2,439":940,"2,440":941,"2,441":942,"2,442":943,"2,443":944,"2,444":945,"2,445":946,"2,446":947,"2,447":948,"2,448":949,"2,449":950,"2,450":951,"2,451":952,"2,452":953,"2,453":954,"2,454":955,"2,455":956,"2,456":957,"2,457":958,"2,458":959,"2,459":960,"2,460":961,"2,461":962,"2,462":963,"2,463":964,"2,464":965,"2,465":966,"2,466":967,"2,467":968,"2,468":969,"2,469":970,"2,470":971,"2,471":972,"2,472":973,"2,473":974,"2,474":975,"2,475":976,"2,476":977,"2,477":978,"2,478":979,"2,479":980,"2,480":981,"2,481":982,"2,482":983,"2,483":984,"2,484":985,"2,485":986,"2,486":987,"2,487":988,"2,488":989,"2,489":990,"2,490":991,"2,491":992,"2,492":993,"2,493":994,"2,494":995,"2,495":996,"2,496":997,"2,497":998,"2,498":999,"2,499":1000,"2,500":1001,"2,501":1002,"2,502":1003,"2,503":1004,"2,504":1005,"2,505":1006,"2,506":1007,"2,507":1008,"2,508":1009,"2,509":1010,"2,510":1011,"2,511":1012,"2,512":1013,"2,513":1014,"2,514":1015,"2,515":1016,"2,516":1017,"3,2":1019,"3,3":1020,"3,4":1021,"3,5":1022,"3,6":1023,"3,7":1024,"3,8":1025,"3,9":1026,"3,10":1027,"3,11":1028,"3,12":1029,"3,13":1030,"3,14":1031,"3,15":1032,"3,16":1033,"3,17":1034,"3,18":1035,"3,19":1036,"3,20":1037,"3,21":1038,"3,22":1039,"3,23":1040,"3,24":1041,"3,25":1042,"3,26":1043,"3,27":1044,"3,28":1045,"3,29":1046,"3,30":1047,"3,31":1048,"3,32":1049,"3,33":1050,"3,34":1051,"3,35":1052,"3,36":1053,"3,37":1054,"3,38":1055,"3,39":1056,"3,40":1057,"3,41":1058,"3,42":1059,"3,43":1060,"3,44":1061,"3,45":1062,"3,46":1063,"3,47":1064,"3,48":1065,"3,49":1066,"3,50":1067,"3,51":1068,"3,52":1069,"3,53":1070,"3,54":1071,"3,55":1072,"3,56":1073,"3,57":1074,"3,58":1075,"3,59":1076,"3,60":1077,"3,61":1078,"3,62":1079,"3,63":1080,"3,64":1081,"3,65":1082,"3,66":1083,"3,67":1084,"3,68":1085,"3,69":1086,"3,70":1087,"3,71":1088,"3,72":1089,"3,73":1090,"3,74":1091,"3,75":1092,"3,76":1093,"3,77":1094,"3,78":1095,"3,79":1096,"3,80":1097,"3,81":1098,"3,82":1099,"3,83":1100,"3,84":1101,"3,85":1102,"3,86":1103,"3,87":1104,"3,88":1105,"3,89":1106,"3,90":1107,"3,91":1108,"3,92":1109,"3,93":1110,"3,94":1111,"3,95":1112,"3,96":1113,"3,97":1114,"3,98":1115,"3,99":1116,"3,100":1117,"3,101":1118,"3,102":1119,"3,103":1120,"3,104":1121,"3,105":1122,"3,106":1123,"3,107":1124,"3,108":1125,"3,109":1126,"3,110":1127,"3,111":1128,"3,112":1129,"3,113":1130,"3,114":1131,"3,115":1132,"3,116":1133,"3,117":1134,"3,118":1135,"3,119":1136,"3,120":1137,"3,121":1138,"3,122":1139,"3,123":1140,"3,124":1141,"3,125":1142,"3,126":1143,"3,127":1144,"3,128":1145,"3,129":1146,"3,130":1147,"3,131":1148,"3,132":1149,"3,133":1150,"3,134":1151,"3,135":1152,"3,136":1153,"3,137":1154,"3,138":1155,"3,139":1156,"3,140":1157,"3,141":1158,"3,142":1159,"3,143":1160,"3,144":1161,"3,145":1162,"3,146":1163,"3,147":1164,"3,148":1165,"3,149":1166,"3,150":1167,"3,151":1168,"3,152":1169,"3,153":1170,"3,154":1171,"3,155":1172,"3,156":1173,"3,157":1174,"3,158":1175,"3,159":1176,"3,160":1177,"3,161":1178,"3,162":1179,"3,163":1180,"3,164":1181,"3,165":1182,"3,166":1183,"3,167":1184,"3,168":1185,"3,169":1186,"3,170":1187,"3,171":1188,"3,172":1189,"3,173":1190,"3,175":1191,"3,176":1192,"3,177":1193,"3,178":1194,"3,179":1195,"3,180":1196,"3,181":1197,"3,182":1198,"3,183":1199,"3,184":1200,"3,185":1201,"3,186":1202,"3,187":1203,"3,188":1204,"3,189":1205,"3,190":1206,"3,191":1207,"3,192":1208,"3,193":1209,"3,194":1210,"3,195":1211,"3,196":1212,"3,197":1213,"3,198":1214,"3,199":1215,"3,200":1216,"3,201":1217,"3,202":1218,"3,203":1219,"3,204":1220,"3,205":1221,"3,206":1222,"3,207":1223,"3,208":1224,"3,209":1225,"3,210":1226,"3,211":1227,"3,212":1228,"3,213":1229,"3,214":1230,"3,215":1231,"3,216":1232,"3,217":1233,"3,218":1234,"3,219":1235,"3,220":1236,"3,221":1237,"3,222":1238,"3,223":1239,"3,224":1240,"3,225":1241,"3,226":1242,"3,227":1243,"3,228":1244,"3,229":1245,"3,230":1246,"3,231":1247,"3,232":1248,"3,233":1249,"3,234":1250,"3,235":1251,"3,236":1252,"3,237":1253,"3,238":1254,"3,239":1255,"3,240":1256,"3,241":1257,"3,242":1258,"3,243":1259,"3,244":1260,"3,245":1261,"3,246":1262,"3,247":1263,"3,248":1264,"3,249":1265,"3,250":1266,"3,251":1267,"3,252":1268,"3,253":1269,"3,254":1270,"3,255":1271,"3,256":1272,"3,257":1273,"3,258":1274,"3,259":1275,"3,260":1276,"3,261":1277,"3,262":1278,"3,263":1279,"3,264":1280,"3,265":1281,"3,266":1282,"3,267":1283,"3,268":1284,"3,269":1285,"3,270":1286,"3,271":1287,"3,272":1288,"3,273":1289,"3,274":1290,"3,275":1291,"3,276":1292,"3,277":1293,"3,279":1294,"3,280":1295,"3,281":1296,"3,282":1297,"3,283":1298,"3,284":1299,"3,285":1300,"3,286":1301,"3,287":1302,"3,288":1303,"3,289":1304,"3,290":1305,"3,291":1306,"3,292":1307,"3,293":1308,"3,294":1309,"3,295":1310,"3,296":1311,"3,297":1312,"3,298":1313,"3,299":1314,"3,300":1315,"3,301":1316,"3,302":1317,"3,303":1318,"3,304":1319,"3,305":1320,"3,306":1321,"3,307":1322,"3,308":1323,"3,309":1324,"3,310":1325,"3,311":1326,"3,312":1327,"3,313":1328,"3,314":1329,"3,315":1330,"3,316":1331,"3,317":1332,"3,318":1333,"3,319":1334,"3,320":1335,"3,321":1336,"3,322":1337,"3,323":1338,"3,324":1339,"3,325":1340,"3,326":1341,"3,327":1342,"3,328":1343,"3,329":1344,"3,330":1345,"3,331":1346,"3,332":1347,"3,333":1348,"3,334":1349,"3,335":1350,"3,336":1351,"3,337":1352,"3,338":1353,"3,339":1354,"3,341":1355,"3,342":1356,"3,343":1357,"3,344":1358,"3,345":1359,"3,346":1360,"3,347":1361,"3,348":1362,"3,349":1363,"3,350":1364,"3,351":1365,"3,352":1366,"3,353":1367,"3,354":1368,"3,355":1369,"3,356":1370,"3,357":1371,"3,359":1372,"3,360":1373,"3,361":1374,"3,362":1375,"3,363":1376,"3,364":1377,"3,365":1378,"3,366":1379,"3,367":1380,"3,368":1381,"3,369":1382,"3,370":1383,"3,371":1384,"3,372":1385,"3,373":1386,"3,374":1387,"3,375":1388,"3,376":1389,"3,377":1390,"3,378":1391,"3,379":1392,"3,380":1393,"3,381":1394,"3,382":1395,"3,383":1396,"3,384":1397,"3,385":1398,"3,386":1399,"3,387":1400,"3,388":1401,"3,389":1402,"3,390":1403,"3,391":1404,"3,392":1405,"3,393":1406,"3,394":1407,"3,395":1408,"3,396":1409,"3,397":1410,"3,398":1411,"3,399":1412,"3,400":1413,"3,401":1414,"3,402":1415,"3,403":1416,"3,404":1417,"3,405":1418,"3,406":1419,"3,407":1420,"3,408":1421,"3,409":1422,"3,410":1423,"3,411":1424,"3,412":1425,"3,413":1426,"3,414":1427,"3,415":1428,"3,416":1429,"3,417":1430,"3,418":1431,"3,419":1432,"3,420":1433,"3,421":1434,"4,2":1436,"4,3":1437,"4,4":1438,"4,5":1439,"4,6":1440,"4,7":1441,"4,8":1442,"4,9":1443,"4,10":1444,"4,11":1445,"4,12":1446,"4,13":1447,"4,14":1448,"4,15":1449,"4,16":1450,"4,17":1451,"4,18":1452,"4,19":1453,"4,20":1454,"4,21":1455,"4,22":1456,"4,23":1457,"4,24":1458,"4,25":1459,"4,26":1460,"4,27":1461,"4,28":1462,"4,29":1463,"4,30":1464,"4,31":1465,"4,32":1466,"4,33":1467,"4,34":1468,"4,35":1469,"4,36":1470,"4,37":1471,"4,38":1472,"4,39":1473,"4,40":1474,"4,41":1475,"4,42":1476,"4,43":1477,"4,44":1478,"4,45":1479,"4,46":1480,"4,47":1481,"4,48":1482,"4,49":1483,"4,50":1484,"4,51":1485,"4,52":1486,"4,53":1487,"4,54":1488,"4,55":1489,"4,56":1490,"4,57":1491,"4,58":1492,"4,59":1493,"4,60":1494,"4,61":1495,"4,62":1496,"4,63":1497,"4,64":1498,"4,65":1499,"4,66":1500,"4,67":1501,"4,68":1502,"4,69":1503,"4,70":1504,"4,71":1505,"4,72":1506,"4,73":1507,"4,74":1508,"4,75":1509,"4,76":1510,"4,77":1511,"4,78":1512,"4,79":1513,"4,80":1514,"4,81":1515,"4,82":1516,"4,83":1517,"4,84":1518,"4,85":1519,"4,86":1520,"4,87":1521,"4,88":1522,"4,89":1523,"4,90":1524,"4,91":1525,"4,92":1526,"4,93":1527,"4,94":1528,"4,95":1529,"4,96":1530,"4,97":1531,"4,98":1532,"4,99":1533,"4,100":1534,"4,101":1535,"4,102":1536,"4,103":1537,"4,104":1538,"4,105":1539,"4,106":1540,"4,107":1541,"4,108":1542,"4,109":1543,"4,110":1544,"4,111":1545,"4,112":1546,"4,113":1547,"4,114":1548,"4,115":1549,"4,116":1550,"4,117":1551,"4,118":1552,"4,119":1553,"4,120":1554,"4,121":1555,"4,122":1556,"4,123":1557,"4,124":1558,"4,125":1559,"4,126":1560,"4,127":1561,"4,128":1562,"4,129":1563,"4,130":1564,"4,131":1565,"4,132":1566,"4,133":1567,"4,134":1568,"4,135":1569,"4,136":1570,"4,137":1571,"4,138":1572,"4,139":1573,"4,140":1574,"4,141":1575,"4,142":1576,"4,143":1577,"4,144":1578,"4,145":1579,"4,146":1580,"4,147":1581,"4,148":1582,"4,149":1583,"4,150":1584,"4,151":1585,"4,152":1586,"4,153":1587,"4,154":1588,"4,155":1589,"4,156":1590,"4,157":1591,"4,158":1592,"4,159":1593,"4,160":1594,"4,161":1595,"4,162":1596,"4,163":1597,"4,164":1598,"4,165":1599,"4,166":1600,"4,167":1601,"4,168":1602,"4,169":1603,"4,170":1604,"4,171":1605,"4,172":1606,"4,173":1607,"4,174":1608,"4,175":1609,"4,176":1610,"4,177":1611,"4,178":1612,"4,179":1613,"4,180":1614,"4,181":1615,"4,182":1616,"4,183":1617,"4,184":1618,"4,185":1619,"4,186":1620,"4,187":1621,"4,188":1622,"4,189":1623,"4,190":1624,"4,191":1625,"4,192":1626,"4,193":1627,"4,194":1628,"4,195":1629,"4,196":1630,"4,197":1631,"4,198":1632,"4,199":1633,"4,200":1634,"4,201":1635,"4,202":1636,"4,203":1637,"4,204":1638,"4,205":1639,"4,206":1640,"4,207":1641,"4,208":1642,"4,209":1643,"4,210":1644,"4,211":1645,"4,212":1646,"4,213":1647,"4,214":1648,"4,215":1649,"4,216":1650,"4,217":1651,"4,218":1652,"4,219":1653,"4,220":1654,"4,221":1655,"4,222":1656,"4,223":1657,"4,224":1658,"4,225":1659,"4,226":1660,"4,227":1661,"4,228":1662,"4,229":1663,"4,230":1664,"4,231":1665,"4,232":1666,"4,233":1667,"4,234":1668,"4,235":1669,"4,236":1670,"4,237":1671,"4,238":1672,"4,239":1673,"4,240":1674,"4,241":1675,"4,242":1676,"4,243":1677,"4,244":1678,"4,245":1679,"4,246":1680,"4,247":1681,"4,248":1682,"4,249":1683,"4,250":1684,"4,251":1685,"4,252":1686,"4,253":1687,"4,254":1688,"4,255":1689,"4,256":1690,"4,257":1691,"4,258":1692,"4,259":1693,"4,260":1694,"4,261":1695,"4,262":1696,"4,263":1697,"4,264":1698,"4,265":1699,"4,266":1700,"4,267":1701,"4,268":1702,"4,269":1703,"4,270":1704,"4,271":1705,"4,272":1706,"4,273":1707,"4,274":1708,"4,275":1709,"4,276":1710,"4,277":1711,"4,278":1712,"4,279":1713,"4,280":1714,"4,281":1715,"4,282":1716,"4,283":1717,"4,284":1718,"4,285":1719,"4,286":1720,"4,287":1721,"4,288":1722,"4,289":1723,"4,290":1724,"4,291":1725,"4,292":1726,"4,293":1727,"4,294":1728,"4,295":1729,"4,296":1730,"4,297":1731,"4,298":1732,"4,299":1733,"4,300":1734,"4,301":1735,"4,302":1736,"4,303":1737,"4,304":1738,"4,305":1739,"4,306":1740,"4,307":1741,"4,308":1742,"4,309":1743,"4,310":1744,"4,311":1745,"4,312":1746,"4,313":1747,"4,314":1748,"4,315":1749,"4,316":1750,"4,317":1751,"4,318":1752,"4,319":1753,"4,320":1754,"4,321":1755,"4,322":1756,"4,323":1757,"4,324":1758,"4,325":1759,"4,326":1760,"4,327":1761,"4,328":1762,"4,329":1763,"4,330":1764,"4,331":1765,"4,332":1766,"4,333":1767,"4,334":1768,"4,335":1769,"4,336":1770,"4,337":1771,"4,338":1772,"4,339":1773,"4,340":1774,"4,341":1775,"4,342":1776,"4,343":1777,"4,344":1778,"4,345":1779,"4,346":1780,"4,347":1781,"4,348":1782,"4,349":1783,"4,350":1784,"4,351":1785,"4,352":1786,"4,353":1787,"4,354":1788,"4,355":1789,"4,356":1790,"4,357":1791,"4,358":1792,"4,359":1793,"4,360":1794,"4,361":1795,"4,362":1796,"4,363":1797,"4,364":1798,"4,365":1799,"4,366":1800,"4,367":1801,"4,368":1802,"4,369":1803,"4,370":1804,"4,371":1805,"4,372":1806,"4,373":1807,"4,374":1808,"4,375":1809,"4,376":1810,"4,377":1811,"4,378":1812},"ٜ":{"1":[3,506],"2":[2,516],"3":[2,421],"4":[2,378]},"ٝ":[null,"1,3","1,4","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506",null,"2,2","2,3","2,4","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,390","2,391","2,392","2,393","2,394","2,395","2,396","2,397","2,398","2,399","2,400","2,401","2,402","2,403","2,404","2,405","2,406","2,407","2,408","2,409","2,410","2,411","2,412","2,413","2,414","2,415","2,416","2,417","2,418","2,419","2,420","2,421","2,422","2,423","2,424","2,425","2,426","2,427","2,428","2,429","2,430","2,431","2,432","2,433","2,434","2,435","2,436","2,437","2,438","2,439","2,440","2,441","2,442","2,443","2,444","2,445","2,446","2,447","2,448","2,449","2,450","2,451","2,452","2,453","2,454","2,455","2,456","2,457","2,458","2,459","2,460","2,461","2,462","2,463","2,464","2,465","2,466","2,467","2,468","2,469","2,470","2,471","2,472","2,473","2,474","2,475","2,476","2,477","2,478","2,479","2,480","2,481","2,482","2,483","2,484","2,485","2,486","2,487","2,488","2,489","2,490","2,491","2,492","2,493","2,494","2,495","2,496","2,497","2,498","2,499","2,500","2,501","2,502","2,503","2,504","2,505","2,506","2,507","2,508","2,509","2,510","2,511","2,512","2,513","2,514","2,515","2,516",null,"3,2","3,3","3,4","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","3,24","3,25","3,26","3,27","3,28","3,29","3,30","3,31","3,32","3,33","3,34","3,35","3,36","3,37","3,38","3,39","3,40","3,41","3,42","3,43","3,44","3,45","3,46","3,47","3,48","3,49","3,50","3,51","3,52","3,53","3,54","3,55","3,56","3,57","3,58","3,59","3,60","3,61","3,62","3,63","3,64","3,65","3,66","3,67","3,68","3,69","3,70","3,71","3,72","3,73","3,74","3,75","3,76","3,77","3,78","3,79","3,80","3,81","3,82","3,83","3,84","3,85","3,86","3,87","3,88","3,89","3,90","3,91","3,92","3,93","3,94","3,95","3,96","3,97","3,98","3,99","3,100","3,101","3,102","3,103","3,104","3,105","3,106","3,107","3,108","3,109","3,110","3,111","3,112","3,113","3,114","3,115","3,116","3,117","3,118","3,119","3,120","3,121","3,122","3,123","3,124","3,125","3,126","3,127","3,128","3,129","3,130","3,131","3,132","3,133","3,134","3,135","3,136","3,137","3,138","3,139","3,140","3,141","3,142","3,143","3,144","3,145","3,146","3,147","3,148","3,149","3,150","3,151","3,152","3,153","3,154","3,155","3,156","3,157","3,158","3,159","3,160","3,161","3,162","3,163","3,164","3,165","3,166","3,167","3,168","3,169","3,170","3,171","3,172","3,173","3,175","3,176","3,177","3,178","3,179","3,180","3,181","3,182","3,183","3,184","3,185","3,186","3,187","3,188","3,189","3,190","3,191","3,192","3,193","3,194","3,195","3,196","3,197","3,198","3,199","3,200","3,201","3,202","3,203","3,204","3,205","3,206","3,207","3,208","3,209","3,210","3,211","3,212","3,213","3,214","3,215","3,216","3,217","3,218","3,219","3,220","3,221","3,222","3,223","3,224","3,225","3,226","3,227","3,228","3,229","3,230","3,231","3,232","3,233","3,234","3,235","3,236","3,237","3,238","3,239","3,240","3,241","3,242","3,243","3,244","3,245","3,246","3,247","3,248","3,249","3,250","3,251","3,252","3,253","3,254","3,255","3,256","3,257","3,258","3,259","3,260","3,261","3,262","3,263","3,264","3,265","3,266","3,267","3,268","3,269","3,270","3,271","3,272","3,273","3,274","3,275","3,276","3,277","3,279","3,280","3,281","3,282","3,283","3,284","3,285","3,286","3,287","3,288","3,289","3,290","3,291","3,292","3,293","3,294","3,295","3,296","3,297","3,298","3,299","3,300","3,301","3,302","3,303","3,304","3,305","3,306","3,307","3,308","3,309","3,310","3,311","3,312","3,313","3,314","3,315","3,316","3,317","3,318","3,319","3,320","3,321","3,322","3,323","3,324","3,325","3,326","3,327","3,328","3,329","3,330","3,331","3,332","3,333","3,334","3,335","3,336","3,337","3,338","3,339","3,341","3,342","3,343","3,344","3,345","3,346","3,347","3,348","3,349","3,350","3,351","3,352","3,353","3,354","3,355","3,356","3,357","3,359","3,360","3,361","3,362","3,363","3,364","3,365","3,366","3,367","3,368","3,369","3,370","3,371","3,372","3,373","3,374","3,375","3,376","3,377","3,378","3,379","3,380","3,381","3,382","3,383","3,384","3,385","3,386","3,387","3,388","3,389","3,390","3,391","3,392","3,393","3,394","3,395","3,396","3,397","3,398","3,399","3,400","3,401","3,402","3,403","3,404","3,405","3,406","3,407","3,408","3,409","3,410","3,411","3,412","3,413","3,414","3,415","3,416","3,417","3,418","3,419","3,420","3,421",null,"4,2","4,3","4,4","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,12","4,13","4,14","4,15","4,16","4,17","4,18","4,19","4,20","4,21","4,22","4,23","4,24","4,25","4,26","4,27","4,28","4,29","4,30","4,31","4,32","4,33","4,34","4,35","4,36","4,37","4,38","4,39","4,40","4,41","4,42","4,43","4,44","4,45","4,46","4,47","4,48","4,49","4,50","4,51","4,52","4,53","4,54","4,55","4,56","4,57","4,58","4,59","4,60","4,61","4,62","4,63","4,64","4,65","4,66","4,67","4,68","4,69","4,70","4,71","4,72","4,73","4,74","4,75","4,76","4,77","4,78","4,79","4,80","4,81","4,82","4,83","4,84","4,85","4,86","4,87","4,88","4,89","4,90","4,91","4,92","4,93","4,94","4,95","4,96","4,97","4,98","4,99","4,100","4,101","4,102","4,103","4,104","4,105","4,106","4,107","4,108","4,109","4,110","4,111","4,112","4,113","4,114","4,115","4,116","4,117","4,118","4,119","4,120","4,121","4,122","4,123","4,124","4,125","4,126","4,127","4,128","4,129","4,130","4,131","4,132","4,133","4,134","4,135","4,136","4,137","4,138","4,139","4,140","4,141","4,142","4,143","4,144","4,145","4,146","4,147","4,148","4,149","4,150","4,151","4,152","4,153","4,154","4,155","4,156","4,157","4,158","4,159","4,160","4,161","4,162","4,163","4,164","4,165","4,166","4,167","4,168","4,169","4,170","4,171","4,172","4,173","4,174","4,175","4,176","4,177","4,178","4,179","4,180","4,181","4,182","4,183","4,184","4,185","4,186","4,187","4,188","4,189","4,190","4,191","4,192","4,193","4,194","4,195","4,196","4,197","4,198","4,199","4,200","4,201","4,202","4,203","4,204","4,205","4,206","4,207","4,208","4,209","4,210","4,211","4,212","4,213","4,214","4,215","4,216","4,217","4,218","4,219","4,220","4,221","4,222","4,223","4,224","4,225","4,226","4,227","4,228","4,229","4,230","4,231","4,232","4,233","4,234","4,235","4,236","4,237","4,238","4,239","4,240","4,241","4,242","4,243","4,244","4,245","4,246","4,247","4,248","4,249","4,250","4,251","4,252","4,253","4,254","4,255","4,256","4,257","4,258","4,259","4,260","4,261","4,262","4,263","4,264","4,265","4,266","4,267","4,268","4,269","4,270","4,271","4,272","4,273","4,274","4,275","4,276","4,277","4,278","4,279","4,280","4,281","4,282","4,283","4,284","4,285","4,286","4,287","4,288","4,289","4,290","4,291","4,292","4,293","4,294","4,295","4,296","4,297","4,298","4,299","4,300","4,301","4,302","4,303","4,304","4,305","4,306","4,307","4,308","4,309","4,310","4,311","4,312","4,313","4,314","4,315","4,316","4,317","4,318","4,319","4,320","4,321","4,322","4,323","4,324","4,325","4,326","4,327","4,328","4,329","4,330","4,331","4,332","4,333","4,334","4,335","4,336","4,337","4,338","4,339","4,340","4,341","4,342","4,343","4,344","4,345","4,346","4,347","4,348","4,349","4,350","4,351","4,352","4,353","4,354","4,355","4,356","4,357","4,358","4,359","4,360","4,361","4,362","4,363","4,364","4,365","4,366","4,367","4,368","4,369","4,370","4,371","4,372","4,373","4,374","4,375","4,376","4,377","4,378"],"ٞ":{"4":[1],"6":[2],"11":[3,4,5],"12":[6],"13":[7],"14":[8],"17":[9],"18":[10],"21":[11],"23":[12],"35":[13,14],"50":[15],"62":[16],"65":[17],"66":[18],"80":[19],"88":[20],"90":[21],"96":[22],"101":[23],"106":[24],"109":[25],"113":[26],"125":[27],"127":[28],"130":[29],"134":[30],"150":[31],"151":[32],"162":[33],"166":[34],"171":[35],"174":[36],"179":[37],"185":[38],"189":[39],"191":[40],"193":[41],"196":[42],"203":[43],"209":[44],"212":[45],"216":[46],"232":[47],"252":[48],"258":[49],"261":[50],"263":[51],"269":[52],"281":[53],"285":[54],"298":[55],"301":[56],"306":[57],"317":[58],"325":[59],"341":[60],"344":[61],"351":[62],"353":[63],"360":[64],"363":[65],"370":[66],"373":[67],"382":[68],"386":[69],"393":[70],"400":[71],"402":[72],"408":[73],"419":[74],"422":[75],"427":[76],"429":[77],"433":[78],"439":[79],"446":[80],"452":[81],"454":[82],"456":[83],"458":[84],"471":[85],"472":[86],"476":[87],"480":[88],"482":[89],"486":[90],"488":[91],"494":[92],"507":[93],"511":[94],"520":[95],"522":[96],"525":[97],"526":[98],"528":[99],"530":[100],"533":[101],"536":[102],"537":[103],"544":[104],"547":[105],"549":[106],"552":[107],"555":[108],"563":[109],"566":[110],"567":[111],"571":[112],"574":[113],"576":[114],"580":[115],"589":[116,117],"592":[118],"595":[119],"600":[120],"602":[121],"604":[122],"609":[123],"611":[124],"613":[125],"615":[126],"623":[127],"626":[128],"629":[129],"630":[130],"633":[131],"635":[132],"636":[133],"639":[134],"641":[135],"643":[136],"649":[137],"656":[138],"658":[139],"662":[140],"665":[141],"669":[142],"671":[143],"673":[144,145],"676":[146],"680":[147],"684":[148],"692":[149],"698":[150],"701":[151],"702":[152],"707":[153],"709":[154],"713":[155],"717":[156],"718":[157],"722":[158],"724":[159],"729":[160],"731":[161],"733":[162],"737":[163],"740":[164],"748":[165],"749":[166],"757":[167],"761":[168],"765":[169],"774":[170],"777":[171],"790":[172],"793":[173],"799":[174],"803":[175],"816":[176],"820":[177],"822":[178],"824":[179],"829":[180],"835":[181],"848":[182],"853":[183],"857":[184],"859":[185],"860":[186],"862":[187],"866":[188],"869":[189],"882":[190],"886":[191],"888":[192],"893":[193],"897":[194],"899":[195],"902":[196],"904":[197],"909":[198],"917":[199],"922":[200],"924":[201],"925":[202],"929":[203],"934":[204],"939":[205],"949":[206],"952":[207],"961":[208],"963":[209,210],"965":[211],"966":[212],"969":[213],"972":[214],"973":[215],"975":[216],"977":[217],"979":[218],"980":[219],"981":[220],"985":[221],"987":[222],"989":[223],"991":[224],"995":[225],"997":[226],"998":[227],"999":[228],"1001":[229],"1002":[230],"1005":[231],"1006":[232],"1007":[233],"1009":[234],"1010":[235],"1012":[236],"1013":[237],"1015":[238],"1022":[239,240],"1026":[241],"1028":[242],"1031":[243],"1033":[244],"1036":[245],"1040":[246],"1042":[247],"1044":[248],"1047":[249],"1051":[250],"1055":[251],"1058":[252],"1061":[253],"1064":[254],"1071":[255],"1078":[256,257],"1083":[258],"1087":[259],"1089":[260],"1092":[261],"1094":[262],"1096":[263],"1099":[264],"1101":[265],"1110":[266],"1111":[267],"1114":[268],"1117":[269],"1119":[270],"1124":[271],"1126":[272],"1129":[273],"1130":[274],"1133":[275],"1135":[276],"1137":[277],"1139":[278],"1142":[279],"1149":[280],"1152":[281],"1153":[282],"1156":[283],"1158":[284],"1166":[285],"1171":[286],"1172":[287],"1191":[288],"1197":[289],"1200":[290],"1204":[291],"1207":[292],"1210":[293],"1216":[294],"1219":[295],"1225":[296],"1226":[297],"1228":[298],"1231":[299],"1233":[300],"1235":[301],"1236":[302],"1237":[303],"1240":[304],"1243":[305],"1249":[306],"1253":[307],"1254":[308],"1256":[309],"1258":[310],"1261":[311],"1263":[312],"1266":[313],"1269":[314],"1270":[315],"1275":[316],"1276":[317],"1280":[318],"1284":[319],"1294":[320,321],"1297":[322],"1303":[323],"1306":[324],"1311":[325],"1314":[326],"1316":[327],"1318":[328,329],"1327":[330],"1341":[331],"1343":[332],"1349":[333],"1352":[334],"1355":[335,336],"1357":[337],"1364":[338],"1366":[339],"1368":[340],"1372":[341],"1378":[342],"1382":[343],"1385":[344],"1388":[345],"1394":[346],"1395":[347],"1398":[348],"1405":[349],"1412":[350],"1415":[351],"1419":[352],"1420":[353],"1422":[354],"1427":[355],"1430":[356],"1432":[357],"1439":[358,359],"1443":[360],"1447":[361],"1450":[362],"1452":[363],"1456":[364],"1458":[365],"1461":[366],"1462":[367],"1464":[368],"1466":[369],"1469":[370],"1475":[371],"1479":[372],"1482":[373],"1484":[374],"1486":[375],"1488":[376],"1490":[377],"1494":[378],"1498":[379],"1500":[380],"1502":[381],"1504":[382],"1507":[383],"1508":[384],"1510":[385],"1515":[386],"1517":[387],"1520":[388],"1528":[389],"1533":[390],"1543":[391],"1548":[392],"1551":[393],"1555":[394],"1556":[395],"1562":[396],"1564":[397],"1569":[398,399],"1575":[400],"1580":[401],"1585":[402],"1587":[403],"1589":[404],"1591":[405],"1593":[406],"1599":[407],"1602":[408],"1611":[409],"1616":[410],"1618":[411],"1623":[412],"1624":[413],"1626":[414],"1629":[415],"1631":[416],"1633":[417],"1635":[418],"1636":[419],"1641":[420],"1642":[421],"1643":[422],"1645":[423],"1648":[424],"1651":[425],"1660":[426],"1662":[427],"1665":[428],"1669":[429],"1673":[430],"1675":[431],"1677":[432],"1680":[433],"1683":[434],"1684":[435],"1687":[436],"1688":[437,438],"1690":[439],"1696":[440],"1697":[441],"1699":[442],"1702":[443],"1703":[444],"1707":[445],"1712":[446],"1717":[447],"1718":[448],"1722":[449],"1724":[450],"1725":[451],"1730":[452],"1733":[453],"1735":[454],"1736":[455],"1739":[456],"1745":[457],"1747":[458],"1748":[459],"1751":[460],"1753":[461],"1754":[462],"1757":[463],"1760":[464],"1763":[465],"1787":[466],"1789":[467],"1791":[468],"1798":[469]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"المهيأ في كشف أسرار الموطأ\nبرواية محمد بن الحسن الشيباني (المتوفى سنة ١٨٩ هـ)\n\nتأليف\nعثمان بن سعيد الكماخي (المتوفى سنة ١١٧١ هـ)\n\nتحقيق وتخريج\nأحمد علي\n\n[الجزء الأول]","vol":"1","page":null},{"text":"الْمُهَيَّأ في كَشفِ أسرَارِ الموَطّأِ\n[١]","vol":"1","page":3},{"text":"جميع حقوق الطبع محفوظة للناشر\n\nاسم الكتاب: المهيأ في كشف أسرار الموطأ\nاسم المؤلف: عثمان بن سعيد الكماخي\nاسم المحقق: أحمد علي\nالقطع: ١٧ × ٢٤ سم\nعدد الصفحات: ١٨٨٨ صفحة\nعدد المجلدات: ٤ مجلدات\nسنة الطبع: ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٥ م\n\nرقم الإيداع: ٢٩٦٥/ ٢٠٠٥ م\nالترقيم الدولي: ٥ - ٠٨٨ - ٣٠٠ - ٩٧٧\n\nدار الحديث\nطبع - نشر - توزيع\n١٤٠ شارع جوهر الصقلي أمام جامعة الأزهر\nتليفون: ٥٨٩٩٤٠٩/ ٥٩١٨٧١٩/ ٥٩١٩٦٩٧ - فاكس: ٥٩١٩٦٩٧\nwww.darelhadith.com\nE-mail: info@darelhadith.com","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة المحقق</span>\nإن الحمد لله، الحمد لك يا من أوليتنا صحيح الاعتقاد، ودفعتَ عنا ضعف اليقين، نسألك أن تحسن عاقبتنا، وتجعلنا من الفائزين.\nوالصلاة والسلام على رسولك وآله، ومن كان بتوفيقك ناسجًا على منواله.\nوبعد .. فهذا كتاب موسوم بـ \"الْمُهيَّأ في كشف أسرار الموطأ\" لمؤلفه عثمان بن سعيد الكماخي، التوفى سنة ١١٧١ هـ - رحمه الله تعالى - شرح فيه مؤلِّفُه موطأ مالك برواية محمد بن الحسن الشيباني - ﵀ -.\nوهذا الشرح من أمتع وأوسع الشروح لهذه الرواية، لما يمتاز به من شمولية البحث، وسهولة العبارة، والأمانة في العرض للمسائل.\nومن أجل هذا، بعد إرادة وجه الله تعالى، حرصنا على إخراج هذا الكتاب المبارك، وكان عملي فيه هو التالي:\n١ - قمتُ بنسخ الأصل الخطي، وضبطه.\n٢ - تخريج الآيات.\n٣ - خرجتُ الأحاديث، وحكمتُ عليها، وحيث أقول أخرجه مالك، فإني أعني بذلك رواية يحيى.\n٤ - خرجتُ الآثار.\n٥ - قمتُ بعزو نقول الشارح إلى مصادرها الأولى.\n٦ - وضعتُ رواية محمد بن الحسن أعلى الصفحة كمتن منفصل عن الشرح تيسيرًا على الباحث، ووضعتُ الشرح أسفلها.\n٧ - قمتُ بعمل فهارس علمية تشتمل على:","vol":"1","page":7},{"text":"أ - فهرس للأحاديث.\nب - فهرس للآثار.\nجـ - فهرس للموضوعات.\nوفي الختام: أتقدم بخالص الشكر والتقدير - بعد شكر الله تعالى - لكل من أسهم في خدمة هذا الكتاب وإخراجه للنور، وأسأل الله تعالى أن يجعله في ميزان حسناتنا يوم نلقاه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وأخص بالشكر السادة الأساتذة الأفاضل القائمين على \"دار الحديث\" أدامها الله وحفظها، كما أخص بالشكر السيد الأستاذ أحمد السائغ، القيم على \"دار الأمان\" - حفظه الله - حيث بادروا إلى إخراج هذا الكتاب، وبذلوا في ذلك كل نفيس.\nأسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، آمين .. آمين.\nوآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالين.\nوكتبه\nأبو الفضل الدمياطي\nأحمد بن علي\nغفر الله له ولوالديه\nوأهل بيته والمسلمين\nآمين","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>موطأ محمد وما يمتاز به</span>\nقال الدكتور/ نذير حمدان (١):\n\"يمتاز بروايته عن شيخه أبي حنيفة، واجتهاداته التي خالفه فيها وصاحبه في الأصول والفروع، وشهد له العلماء بالإِمامة في الفقه والعربية، قال الشافعي: كنتُ أظنُ إذا رأيته يقرأ القرآن كأنَّ القرآن نزل بلغته، وسمعتُ منه أكثر من سبعمائة حديث، وكان إذا حدَّث أهل بلده بحديث مالك امتلأ منزله، وكثر الناس حتى يضيق عليه الموضع وكان يجلس في مسجد الكوفة وهو ابن عشرين سنة.\nومنهج محمد في الموطأ كما يلي:\n١ - أن يذكر ترجمة الباب ويذكر متصلًا به روايته عن الإِمام مالك موقوفة كانت أو مرفوعة.\n٢ - لا يذكر في صدر العنوان إلا لفظ (الكتاب) أو (الباب)، وقد يذكر لفظ الأبواب، وليس فيه لفظ الفصل إلا في موضع اختلفت فيه النسخ، ولعله من أرباب النسخ.\n٣ - أن يذكر بعد الحديث أو الأحاديث اجتهادًا مخالفًا أو موافقًا لمالك أو غيره من علماء الحجاز والعراق، معبرًا عن ذلك بقوله: وبه نأخذ - وعليه الفتوى - وبه يُفتى - وعليه الاعتماد - وعليه عول الأمة - وهو الصحيح - وهو الظاهر - وهو الأشهر، ونحو ذلك، لكثرة ما ذكره من غير روايات مالك، وما اجتهد فيه: اشتهر بموطأ محمد.\n_________\n(١) انظر: \"الموطآت\" (ص: ٩٥ - ١٠٠).","vol":"1","page":9},{"text":"٤ - لم يذكر مذهب أبي يوسف في موطئه، بل ولا في كتاب الآثار له وليس معنى ذلك مخالفة أبي يوسف له أو موافقته في المسألة وإن كانت عادته في كتابه \"الجامع الصغير\" أنه يريد موافقته له عند عدم ذكره.\n٥ - يريد بقوله: (لا بأس): الجواز، وبقوله: (ينبغي كذا وكذا): المعنى الأعمّ الشامل للواجب والسنة الؤكدة، كما يريد (بالأثر): الأعم من المرفوع والوقوف على الصحابة ومن بعدهم.\n٦ - فيه بعض أحاديث ضعيفة، وبعضها ينجبر بكثرة الطرق، وبعضها شديد الضعف، لكنه غير مضر لورود مثل ذلك في صحاح الطرق.\nويمكن القول: إن موطأ محمد مصنّف حديث الحجازيين، ورأي وأثر العراقيين، وهو إلى كونه في الفقه المقارن بين المذهب المالكي والحنفي، فهو يُعنى برواية محمد بن الحسن عن شيخه أبي حنيفة، وهكذا رفعًا أو وقفًا، والتي تُعدّ قسمًا من مسند أبي حنيفة الذي ينفرد به صاحبه محمد بن الحسن.\nكما أن موطأ محمد يطلع على اجتهاداته في المذهب أصولًا وفروعًا ومخالفته شيخه وصاحبه أبا يوسف، وحبذا لو عزلت منه الأحاديث الشديدة الضعف وجُرِّد من الموضوعات إن وُجدت، وعضدت آثاره المرسلة والموقوفة، وبعد هذا وذاك فلعل عرض كل مسألة فقهية على حديث مالك وأثره وعلى قول علماء المدينة يؤكد على التزامه بسنيّة المذهب الحنفي (المحمدي) الذي التمس لمسائله حديث المدينة وفقهها ويبعد عنه شبهة إيغاله بالرأي كما كان خصومه يتهمونه به.\nومما يلاحظ خلوُّ موطأ محمد من كثير من مسائل مالك التي لم يقدم لها بالسنّة والآثار فلا يذكر فيه أبواب كاملة مثل: باب ما يكره من الدواب، والإِجارة، والقراض وهما من أصول أبواب البيوع، إلى جانب اختلاف تسميات الكتب والأبواب وتأخّر بعضها وتقديم الأخرى، وبخاصة في الكتب التي بعد الحج فإن عدد أحاديثه وآثاره وأسانيده عن شيوخه ورواته من التابعين والصحابة تختلف عن موطأ يحيى الليثي السابق المشهور، كما سأفصل ذلك بعد قليل.","vol":"1","page":10},{"text":"ويكفي للدلالة على اختلاف الموطأين أنه: بالإِضافة إلى ما سبق فإن موطأ محمد اقتطع منه (كتاب العقول)، و(كتاب القدر)، و(كتاب العين)، و(كتاب الشعر)، وغيرها إذا استثنينا منه بعض الآثار المبثوثة في أبواب أخرى.\nوأحصى (اللكنوي) أحاديث موطأ محمد ورواته من الصحابة من طريق مالك وغير مالك حسب كتبه وأبوابه فقال: وقد اجتهدت في جمعها، وسهرت في عدِّها.\nوبعد أن يقسم الموطأ إلى مجموعات ويحصي كل مجموعة على حدة يقول: فجميع ما في هذا الكتاب من الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة على الصحابة ومن بعدهم، مسندة كانت أو غير مسندة (١٢٨٠)، منها عن مالك (١٠٠٥)، وبغير طريقه (١٧٥)، منها عن أبي حنيفة (١٣)، ومن طريق أبي يوسف (٤)، والباقي عن غيرهما.\nثم يقول: وليعلم أني أدخلت في هذا التعداد كل ما في هذا الكتاب من الأخبار والآثار، سواء كانت مسندة أو غير مسندة، بلاغيّة أو غير بلاغيّة، وكثيرًا ما تجد فيه آثارًا متعددة عن رجل واحد، أو عن رجال من الصحابة وغيرهم، بسند واحد، وتجد أيضًا كثيرًا من المرفوع، والآثار بسند واحد فذكرت في هذا التعداد كلّ واحد على حدة.\nوإذًا فمن اختلاف الموطأ هذا عن غيره زيادة (١٧٥) حديثًا مرفوعًا وأثرًا لصحابي أو تابعي، وهي بغض النظر عن درجة صحتها وحسنها برهان آخر على اعتماد فقه العراق على السنّة والآثار مع ملاحظة أن (١٣) منها مرويّ عن طريق أبي حنيفة الإِمام، ومما انفردت به نسخة موطأ محمد هذه حديث مالك: أخبرنا أبو الرجال محمد بن عبد الرحمن عن أمه: عمرة بنت عبد الرحمن، أن عائشة زوج النبي - ﷺ - كانت أعتقت جارية لها عن دُبُر منها، وأن عائشة بعد ذلك اشتكت ما شاء الله أن تشتكي، ثم إنه دخل عليها رجل سندي فقال لها: أنت مطبوبة، قالت له عائشة: ويلك، ومن طبَّني؟ قال: امرأة من نعتها كذا وكذا وصفها.","vol":"1","page":11},{"text":"ومما انفردت به أيضًا نسخة محمد الحديث المشهور الذي أخرجه مالك، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد، أخبرني محمد بن إبراهيم التيمي، قال: سمعتُ علقمة بن وقّاص يقول: سمعتُ عمر بن الخطاب يقول: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئ ما نوى؛ فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه\".\nيقول (اللكنوي): هذا الحديث ليس في رواية غير محمد من الموطآت، وظن ابن حجر في (فتح الباري)، وفي (التلخيص الحبير)، أن الشيخين أخرجاه عن مالك، وليس في (الموطأ)، وقد نبه السيوطي على خطئه في (التنوير)، والحديث مشهور رواه أكثر من مئتي رجل كما ذكره الحافظ في (النخبة)، وتلك المنفردات تدفعنا إلى التعرف على اختلاف هذا الموطأ عن غيره في الإِسناد، فعلى الرغم مما قيل عن إسنادات موطأ محمد فإن فيه أحاديث موصولة الانقطاع في رواية يحيى، ومنها: مالك أخبرنا، أخبرنا أبو الزبير، عن جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب قضى في الضّبُع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الأرنب بعَنَاق، وفي اليربوع بِجَفْرة.\nوالحديث منقطع في رواية يحيى لعدم الواسطة بين أبي الزبير: محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسدي المكي، وبين عمر، فهو يروي عن جابر، وابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، ولا يروي عن عمر.\nويحصي المعلق في الموطأ (٢٦٩) حديثًا نبويّا و(٣٦٦) أثرًا أو قولًا لصحابي وتابعي، وهذا الإِحصاء لا يعبر بدقة عن عدد أحاديث (الموطأ) أو آثاره، كما أورده اللكنوي سابقًا، فقد أسقط أحاديث وآثارًا كثيرة منها الأوامر والنواهي والأقضية والأفعال.\nوعلى كل حال؛ فإن مما يوسع الاختلاف بين (موطأ محمد) و(موطأ يحيى) من ناحية الحديث والآثار نصّا وإسنادًا بطريق الإِمام مالك وحده: ما تقدم الكلام عنه في اختلاف الموطأين.","vol":"1","page":12},{"text":"ومن شروح هذه الرواية:\n١ - فتح المغطى شرح الموطأ: للقاري الهروي (ت ١٠١٤ هـ).\n٢ - شرح الموطأ: إبراهيم بن حسين بيري زادة (ت ١٠٩٦ هـ)، وهو بمثابة تخريج لأحاديث الموطأ على مذهب الحنفية.\n٣ - المهيأ في كشف أسرار الموطأ، وهو شرح على روايات الموطأ المختلفة: عثمان بن يعقوب الإِسلامبولي الكمّاخي، وأتمه سنة ١١٦٦ هـ.","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>ترجمة الشارح</span>\nقال صاحب (معجم المؤلفين) (١):\nهو عثمان بن يعقوب بن حسين بن مصطفى الكماخي، الإِسلامبولي، الرومي، الحنفي.\nعالم مشارك في بعض العلوم، درس، ووعظ بالقسطنطينية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>من آثاره:</span>\n١ - بركات الأبرار في العقائد.\n٢ - حاشية على تفسير سورة النبأ للبيضاوي.\n٣ - تسهيل السلم، وهو حواشي على ديباجة سلم الفلاح في فروع الفقه الحنفي.\n٤ - المُهيَّأ في كشف أسرار الموطأ (وهو كتابنا هذا).\n٥ - تنوير السند في إيضاح رموز المسند.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>وفاته:</span>\nتوفي في حدود سنة (١١٧١ هـ)، رحمه الله تعالى.\n_________\n(١) ٢/ ٣٧٠.","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>ترجمة محمد بن الحسن</span>\nهو محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني، نسبًا على ما ذكره الأستاذ أبو منصور البغدادي الشافعي في كتاب (التحصيل في أصول الفقه)، وأقره الجلال السيوطي في (جزيل المواهب في اختلاف المذاهب)، وغالب أهل العلم على أنه شيباني، ولاءً لا نسبًا، والله أعلم.\nوغلط من قال في جده: واقد بدل فرقد، وقد ترجم ابن عساكر لوالده في (تاريخ دمشق)، ووصفه بالغنى والثروة، وقال أبو حازم شيخ الطحاوي: \"أصله من قرية قرب الرملة بفلسطين، أعرفها وأعرف قومًا من أهلها، ثم انتقلوا إلى الكوفة\". ا. هـ.\nوأخرجه الصيمري بسنده في (أخبار أبي حنيفة وأصحابه)، وقال ابن سعد في (الطبقات الكبرى): \"أصله من الجزيرة، وكان أبوه في جند الشام، فقدم واسط فولد محمد بها سنة اثنتين وثلاثين ومائة\". ا. هـ.\nوما قيل: أنه ولد سنة خمس وثلاثين فهو محض، وقال الخطيب في (تاريخ بغداد): \"أصله دمشقي من أهل قرية تسمى حرستا، قدم أبوه العراق فولد محمد بواسط، ونشأ بالكوفة\". ا. هـ.\nولعل الصواب: أن أصله من الجزيرة من منتجع بني شيبان من ديار ربيعة، ثم صار والده في جند الشام، وأثرى فأقام أهله مرة في حرستا ومرة بقرية في فلسطين، وكلتاهما من أرض الشام، ومن هناك انتقلوا إلى الكوفة، وفي أثناء إقامة أبويه بواسط لأجل عمل كان والده تولاه بها ولد محمد ثم عادوا إلى الكوفة وبها كانت نشأته، والله أعلم.\nقلت: وأما الحديث فقد سمعته من أبي حنيفة وأبي يوسف، وغيرهما من مشايخ كثيرة بالكوفة والبصرة والمدينة ومكة والشام وبلاد العراق، بل جمع إلى","vol":"1","page":15},{"text":"علم أبي حنيفة وأبي يوسف علم الأوزاعي والثوري ومالك ﵃ حتى أصبح إمامًا لا يبلغ شأوه في الفقه قويّا في التفسير والحديث، حجة في اللغة باتفاق أهل العلم ممن لم يصب بتعصب، وهو القائل: ورثت ثلاثين ألفًا فصرفت نصفها في اللغة والشعر، والنصف الآخر في الفقه والحديث، كما صح عنه بطرق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>شيوخه:</span>\nوأما مشايخه في الحديث:\nفمن أهل الكوفة: أبو حنيفة، وإسماعيل بن أبي خالد، وسفيان الثوري، ومسعر بن كدام، ومالك بن مغول، وقيس بن الربيع، وعمر بن زر، وبكير بن عامر، وأبو بكر النهشلي، ومحل بن محرز الضبي، وأبو كدينة يحيى بن المهلب البجلي، وعبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة المسعودي، وإسرائيل بن يونس، وسلام بن سليم، وسلام بن سليمان، وأبو معاوية الضرير، وزفر، وأبو يوسف، وإسماعيل بن إبراهيم البجلي، وفضيل بن غزوان، والحسن بن عمارة، ويونس بن أبي إسحاق السبيعي، وعبد الجبار بن العباس الهمداني، ومحمد بن أبان بن صالح القرشي، وسعيد بن عبيد الطائي، وأبو فروة عروة بن الحارث الهمداني، وأبو زهير العلاء بن زهير.\nومن أهل المدينة: مالك بن أنس، وإبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، وعبيد الله بن عمر، وأخوه عبد الله، وخارجة بن عبد الله بن سليمان، ومحمد بن هلال، والضحاك بن عتمان، وإسماعيل بن رافع، وعطاء بن خالد، وإسحاق بن حازم، وهشام بن سعد، وأسامة بن زيد الليثي، وداود بن قيس الفراء، وعيسى بن أبي عيسى الخياط، وعبد الرحمن بن أبي الزناد، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، وخثيم بن عراك.\nومن أهل مكة: سفيان بن عيينة الكوفي، وزمعة بن صالح، وإسماعيل بن عبد الملك، وطلحة بن عمرو، وسيف بن سليمان، وإبراهيم بن يزيد الأموي، وزكريا بن إسحاق، وعبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى الثقفي الطائفي.","vol":"1","page":16},{"text":"ومن أهل البصرة: أبو العوام عبد العزيز بن الربيع، وهشام بن عبد الله، والربيع بن صبيح، وأبو حرة واصل بن عبد الرحمن، وسعيد بن أبي عروبة، وإسماعيل بن إبراهيم البصري، والمبارك بن فضالة.\nومن أهل واسط: عباد بن العوام، وشعبة بن الحجاج، وأبو مالك عبد الملك النخعي.\nومن أهل الشام: أبو عمرو عبد الرحمن الأوزاعي، ومحمد بن راشد المكحولي، وإسماعيل بن عياش الحمصي، وثور بن يزيد الدمشقي.\nومن أهل خراسان: عبد الله بن المبارك.\nومن أهل اليمامة: أيوب بن عتبة اليمامي.\nوغير هؤلاء من تلك البلاد وغيرها.\nولم يزهد في الرواية عن أقرانه، وعمن دونه كما هو شأن الأكابر في روايتهم عن الأصاغر، ولما طار حديث محمد بن الحسن في الآفاق، وسارت بتصانيفه الركبان قصده أناس من أقاصي البلدان للتفقه عنده، حيث كان بلغ أعلى مراتب الاجتهاد وإن كان يحافظ على انتسابه لأبي حنيفة النعمان، عرفانًا لجميل يده عليه في الفقه، ولم يضع استمراره على انتسابه هذا من مرتبته إلا عند من لا يعرف مراتب الرجال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>جملة من أصحابه وتلاميذه:</span>\nويصعب استقصاء من تخرج به، فنكتفي هنا بذكر جملة من أصحابه وتلاميذه، ليُعلم أنه شيخ المجتهدين في عصره، فمنهم: أبو حفص الكبير البخاري أحمد بن حفص العجلي: ومنه كان البخاري تلقى فقه أهل الرأي، وجامع الثوري قبل رحلاته، وأبو سليمان موسى بن سليمان الجوزجاني: وبه انتشرت الكتب الستة في مشارق الأرض ومغاربها.\nوأبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: أحد الأئمة الأربعة، وأبو عبيد","vol":"1","page":17},{"text":"قاسم بن سلام الهروي: ذلك الإِمام الجتهد الكبير، وعمرو بن أبي عمرو الحراني، ومحمد بن سماعة التميمي، وعلي بن معبد بن شداد الرقي: من جملة من روى (الجامع الصغير) و(الكبير)، ومعلى بن منصور الرازي، وأبو بكر بن أبي مقاتل، وأسد بن الفرات القيرواني: مدون مذهب مالك وشيخ سحنون، ومحمد بن مقاتل الرازي: شيخ ابن جرير، ويحيى بن معين الغطفاني: إمام الجرح والتعديل، وعلي بن مسلم الطوسي، وموسى بن نصر الرازي، وشداد بن حكيم البلخي، والحسن بن حرب الرقي، وابن جبلة، وأبو العباس حميد، وأبو التوبة ربيع بن نافع الحلبي، وعبيد الله بن أبي حنيفة الدبوسي، وأبو يزيد عمرو بن يزيد الجرمي، ومصعب بن عبد الله الزبيري، وأيوب بن الحسن النيسابوري، وخلف بن أيوب البلخي، وعلي بن صبيح، وعقيل بن عنبسة، وعلي بن مهران، وعمرو بن مهير، ويحيى بن أكثم، وأبو عبد الرحمن المؤدب: مؤدب آل شبيب، علي بن الحسن الرازي، وهشام بن عبيد الله الرازي، وأبو جعفر أحمد بن محمد بن مهران النسوي: راوي (الموطأ) عنه، وشعيب بن سليمان الكيساني: راوي (الكيسانيات) عنه، وعلي بن صالح الجرجاني: راوي (الجرجانية) عنه، وأبو بكر إبراهيم بن رستم المروزي: راوي (النوادر) عنه، وأبو زكريا يحيى بن صالح الوحاظي الحمصي: من شيوخ البخاري بالشام، وأبو موسى عيسى بن أبان البصري: راوي (الحجج على أهل المدينة) عنه، ومؤلف كتاب (الحجج الكبير)، وكتاب (الحجج الصغير)، وكتاب (الرد على المريسي والشافعي في قبول الأخبار)، وسفيان بن سحبان البصري: صاحب كتاب (العلل) وغيرهم، ومحمد بن عمر الواقدي، روى عنه كما روى هو عن الواقدي، وذلك من رواية الأقران بعضهم من بعض.\nوعندما بدأ الموطأ يذيع في أوائل عهد المهدي، رحل محمد إلى مالك ولازمه ثلاث سنين، وجملة ما سمعه من لفظ مالك من الحديث نحو (سبعمائة) حديث مسند، وسمع من سائر شيوخ المدينة في هذه الرحلة زيادة على ما كان سمعه منهم في رحلاته.","vol":"1","page":18},{"text":"وروى الخطيب بسنده عن يحيى بن صالح أنه قال: قال لي ابن أكثم: قد رأيتُ مالكًا وسمعتُ منه، ورافقت محمد بن الحسن فأيهما كان أفقه؟ فقلت: محمد بن الحسن (فيما يأخذ لنفسه)، أفقه من مالك.\nوقال الذهبي: انتهت إليه رئاسة الفقه بالعراق بعد أبي يوسف، وتفقه به أئمة وصنفت التصانيف، وكان من أذكياء العالم، وكان محمد بن الحسن - ﵀ - ذكيّا متقد الذهن، سريع الخاطر، قوي الذاكرة، وثابة إلى المعالي، جميل الخَلْق والخُلُق للغاية، سمينًا خفيف الروح، ممتلئًا صحة وقوة.\nنشأ في بلهنية العيش ببيت والده السري المثري بالكوفة، ولما بلغ سن التمييز تعلم القرآن الكريم، وحفظ منه ما تيسر له حفظه، وأخذ يحضر دروس اللغة العربية والرواية، وكانت الكوفة إذ ذاك مهد العلوم العربية، ودار الحديث والفقه منذ نزلها كبار الصحابة، واتخذها علي بن أبي طالب - كرَّم الله وجهه - عاصمة الخلافة.\nولما بلغ سِنهُ أربع عشرة سنة حضر مجلس أبي حنيفة ليسأله عن مسألة نزلت به، فسأله قائلًا: ما تقول في غلام احتلم بالليل بعد ما صلى العشاء، وهل يعيد العشاء؟ قال: نعم، فقام وأخذ نعله وأعاد العشاء في زاوية المسجد، وهو أول ما تعلم من أبي حنيفة، فلما رآه يعيد الصلاة أعجبه ذلك، وقال: إن هذا الصبي يفلح إن شاء الله تعالى، وكان كما قال.\nثم ألقى الله سبحانه في قلبه حب التفقه في دين الله بعد أن رأى جلال مجلس الفقه فعاد إلى المجلس يريد التفقه، فقال له أبو حنيفة: استظهر القرآن أولًا؛ لأن المتفقه على طريقة أبي حنيفة في حاجة شديدة إلى ذلك لأنه ما دام الاحتجاج بالقرآن ميسورًا لا يعدل عنه إلى حجة سواه، وله المنزلة الأولى في الحجة عنده حتى أن عموماته قطعية فيما لم يلحقه تخصيص فغاب سبعة أيام ثم جاء مع والده، وقال: حفظته، وسأل أبا حنيفة عن مسألة، فقال له أبو حنيفة: أخذت هذه المسألة من غيرك أم أنشأتها من نفسك؟ فقال: من عندي، فقال أبو حنيفة: سألت سؤال الرجال، أدم الاختلاف إلينا وإلى الحلقة.","vol":"1","page":19},{"text":"ومن ذلك الحين أقبل محمد إلى العلم بكليته يلازم حلقة أبي حنيفة ويكتب أجوبة المسائل في مجلسه ويدونها بعد أن لازمه أربع سنين على هذا الوجه، مات أبو حنيفة ﵁، ثم أتم الفقه على طريقة أبي حنيفة عند أبي يوسف، ثم رحل إلى مالك ولازمه ثلاث سنين، وجملة ما سمعه من لفظ مالك من الحديث نحو (سبعمائة) حديث مسند، وسمع من سائر شيوخ المدينة في هذه الرحلة زيادة على ما كان سمعه منهم في رحلاته السابقة.\nوموطأه يُعد من أجود الموطآت، إن لم يكن أجودها مطلقًا؛ لأنه سمعه من لفظه بتروٍ في مدة ثلاث سنوات، ولأنه يذكر بعد أحاديث الأبواب ما إذا كانت تلك الأحاديث أخذ بها فقهاء العراق أو خالفوها، مع سرد الأحاديث التي خالفوا تلك الأحاديث، وهذه ميزة عظيمه يمتاز بها موطأه عن باقي الموطآت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>ثناء الأئمة على محمد:</span>\nقال الإمام الشافعي: \"أمَنُّ الناس عَلَيَّ في الفقه محمد بن الحسن\"، رواه الخطيب عن الحسن بن محمد الخلال، عن علي بن عمرو الجريري، عن علي بن محمد النخعي، عن أحمد بن حماد بن سفيان، عن المزني، عنه.\nوذكر السمعاني عن البويطي، عن الشافعي أنه قال: \"أعانني الله برجلين: بابن عيينة في الحديث، وبمحمد في الفقه\".\nوعن الربيع عن الشافعي: \"ليس لأحد عليَّ مِنَّة في العلم وأسباب الدنيا ما لمحمد عليَّ\"، وكان يترحم عليه في عامة أوقاته.\nوعن ابن سماعة: أن محمد بن الحسن جمع من أصحابه نحو مائة ألف درهم للشافعي مرة بعد أخرى، وروى الذهبي في جزئه عن إدريس بن يوسف القراطيسي أنه سمع الشافعي يقول: \"ما رأيتُ أعلم بكتاب الله من محمد كأنه عليه نزل\".\nوروى الطحاوي عن ابن أبي عمران، عن الطبري: أنه سمع معلى بن منصور يقول: لقيني أبو يوسف بهيئة القضاء، فقال لي: يا معلى، من تلزم اليوم؟ قلت: ألزم محمد بن الحسن، قال: الزمه فإنه أعلم الناس.","vol":"1","page":20},{"text":"وذكر ابن أبي العوام الحافظ بسنده: أن مالك بن أنس قال يومًا وعنده أصحاب الحديث: \"ما يأتينا من ناحية المشرق أحد فيه معنى\"، وكان في الجماعة محمد بن الحسن، فوقعت عينه عليه فقال: إلا هذا الفتى. ا. هـ.\nوأنت تعلم أنه أتاه ابن المبارك، ووكيع، وعبد الرحمن بن مهدي، وهو فضله بهذا اللفظ عليهم، وذكر بسنده: أن الشافعي قال: \"ما رأيتُ أعلم بكتاب الله ﷿ من محمد بن الحسن كأنه عليه نزل\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>تصانيف الإمام محمد بن الحسن:</span>\nلم يصل إلينا من أي عالم في طبقته كتب في الفقه قدر ما وصل إلينا من محمد بن الحسن، بل كتبه هي العماد للكتب المدونة في فقه المذاهب، فكم رأينا بين المحاميين الباحثين فضلًا عن قضاة الشرع الفقهاء من يرغب رغبة صادقة في نشر كتب محمد بن الحسن اعترافًا منهم بأن كتبه هي أسس الكتب المدونة في فقه المذاهب، ولا يخفى مبلغ استمداد الكتب المدونة في المذاهب من كتب محمد بن الحسن، فـ (الأسدية) التي هي أصل (المدونة في مذهب مالك) إنما أُلِّفَت تحت ضوء كتب محمد والشافعي، إنما ألف (قديمه) و(جديده) بعد أن تفقه على محمد وكتب كتبه وحفظ منها ما حفظ، وابن حنبل كان يجاوب في المسائل من كتب محمد، وهكذا من بعدهم من الفقهاء، فأكبر ما وصل إلينا من كتبه هو كتاب الأصل المعروف بـ (المبسوط)، وهو الذي يُقال عنه أن الشافعي كان حفظه، وألَّف (الأم) محاكاة الأصل، وأسلم حكيم من أهل الكتاب بسبب مطالعته قائلًا: \"هذا كتاب محمدكم الأصغر، فكيف كتاب محمدكم الأكبر؟) \"، وهو في ستة مجلدات، كل مجلد منها نحو خمسمائة ورقة يرويه جماعة من أصحابه، مثل: أبي سليمان الجوزجاني، ومحمد بن سلمة التميمي، ومحمد بن سماعة، وأبو حفص الكبير أحمد بن حفص البخاري، وقد قدر الله سبحانه ذيوعًا عظيمًا لهذا الكتاب يحتوي على فروع تبلغ عشرات الألوف من المسائل في الحلال والحرام لا يسع الناس جهلها، وتوجد عدة نسخ كاملة منه في خزانات الأستانة، منها ما هو في ستة","vol":"1","page":21},{"text":"مجلدات وهي نسخة فيض الله، ومنها ما هو في أربعة مجلدات، وهي نسخ مكتبات عاطف وجار الله.\nومما وصل إلينا من كتبه (الجامع الصغير)، وهو كتاب مبارك، مشتمل على نحو ألف وخمسمائة واثنتين وثلاثين مسألة، قد ذكر فيه الاختلاف في مائة وسبعين مسألة، ولم يذكر القياس والاستحسان إلا في مسألتين، وقدر الله سبحانه الذيوع البالغ له أيضًا حتى شرحه أئمة أجلاء استقصى الشيخ عبد الحي اللكنوي في (النافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير)، ذكر شراحه، ومن جملة رواته في إثبات الشيوخ: الجوزجاني، وأبو حفص، وعلي بن معبد، وبوبه: أبو طاهر الدباس، والزعفراني، وليس فيه غير سرد المسائل.\nوكان سبب تأليفه: أن أبا يوسف طلب من محمد بعد فراغه من تأليف (المبسوط) أن يؤلف كتابًا يجمع فيه ما حفظه عنه مما رواه له عن أبي حنيفة، فجمع هذا الكتاب، ثم عرضه فقال: نعما حفظ عني أبو عبد الله إلا أنه أخطأ في ثلاث مسائل، فقال محمد: ما أخطأت ولكن نسي الرواية، ويقال: إن أبا يوسف مع جلالة قدره كان لا يفارق هذا الكتاب في حضر ولا سفر.\nومن كتب محمد أيضًا: (السير الصغير): يرويه عن أبي حنيفة، وحاول الأوزاعي الرد على أبي حنيفة فجاوبه أبو يوسف، وكتابه هذا أصل (للسير الصغير)، ومنها: (الجامع الكبير)، وهو كتاب جامع لجلائل السائل، مشتمل على عيون الروايات ومتون الدرايات بحيث كاد أن يكون معجزًا كما يقول الأكمل في شرحه على تلخيص الخلاطي لـ (الجامع الكبير)، وقال الإِمام المجتهد أبو بكر الرازي في شرحه على (الجامع الكبير): كنتُ أقرأ بعض مسائل الجامع الكبير على بعض المبرزين في النحو، يعني أبا علي الفارسي، فكان يتعجب من تغلغل واضح في هذا الكتاب في النحو، وقد أقر جماهير أهل العلم باستبحار واضعه في العربية، وبأنه حجة في اللغة، كما أنه حجة في الفقه، وقد أقر بذلك ابن تيمية في مواضع على انحرافه من أهل الرأي، وقد شرح هذا الكتاب عشرات من الأئمة.","vol":"1","page":22},{"text":"ومنها (الزيادات) و(زيادات الزيادات): ألفهما بعد (الجامع الكبير) استدراكًا لما فاته فيه من المسائل، ويعدان من أبدع ما كتبه، وقد اعتنى أهل العلم بشرحهما، ويقال في سبب تأليفه للزيادات: أن أبا يوسف فرع فروعًا دقيقة في أحد مجالس إملائه، ثم قال: يشق تفريع هذه الفروع على محمد بن الحسن، ولما بلغه ذلك ألَّف الزيادات لتكون حجة على أن أمثال تلك الفروع وما هو أدق منها لا يشق عليه تفريعها، والله أعلم.\nومنها (السير الكبير) وهو من أواخر مؤلفاته، ألَّفه محمد بعد أن انصرف أبو حفص الكبير إلى بخارى فانحصرت روايته في البغداديين مثل: الجوزجاني، وإسماعيل بن توبة القزويني.\nوتلك الكتب الستة - أعني المبسوط، والصغيرين، والكبيرين، والزيادات - يعد ما حوته من الروايات ظاهر الرواية في المذهب، من حيث إنها مروية بطريق الشهرة أو التواتر، ويعد باقي كتب محمد في الفقه غير ظاهر الرواية لورودها بطريق الآحاد دون الشهرة والتواتر، فمنها (الرقيات): وهي المسائل التي فرغها محمد حيثما كان قاضيًا بالرقة، رواها عنه محمد بن سماعة، ومنها (الكيسانيات): رواها عنه شعيب بن سليمان الكيساني، ويقال لها: (الأمالي)، ومنها (الجرجانيات): يرويها علي بن محمد الجرجاني عنه، ومنها: (الهارونيات)، وله كتاب (النوادر): رواية ابن رستم، وآخر رواية ابن سماعة، وآخر رواية هشام بن عبيد الله الرازي، وآخر رواية أبي سليمان الجوزجاني، وآخر رواية داود بن رشيد، وآخر رواية علي بن يزيد الطبري، وله كتاب: (الكسب) مات قبل أن يتمه، وشرحه السرخسي فى آخر (مبسوطه).\nوأما التي تغلب فيها رواية الحديث من كتبه، فبين أيدينا منها (الموطأ) تدوين محمد من روايته عن مالك، وفيه ما يزيد على ألف حديث وأثر من مرفوع وموقوف، ما رواه عن مالك، وفيه نحو (مائة وخمسة وسبعين حديثًا) عن نحو (أربعين) شيخًا سوى مالك، وشرحه علي القاري، والبيري شارح الأشباه،","vol":"1","page":23},{"text":"وعثمان الكمّاخي، ومن كتب محمد كتاب (الحجة) المعروف بـ (الحجج في الاحتجاج على أهل المدينة)، ومنها كتاب (الآثار)، يروي فيه أحاديث مرفوعة وموقوفة ومرسلة، وهو الذي ألَّفه شيخه ورواه محمد عنه وعلّق عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>وفاة الإمام محمد بن الحسن - ﵁ </span>-:\nكان ميلاد محمد بن الحسن سنة اثنتين ومائة، كما نص عليه ابن أبي العوام وابن سعد والخطيب وغيرهم، ومنهم من قال سنة خمس كما سبق.\nوأما وفاته فكانت سنة تسع وثمانين ومائة باتفاق بين ابن سعد وابن الخياط والخطيب، وغلط من قال: سنة ثمان، لا وقع في (فضائل ابن أبي العوام)، قال أبو عبد الله الصيمري: أخبرنا المرزباني، ثنا إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوي: مات محمد بن الحسن والكسائي بالري سنة تسع وثمانين ومائة، فقال الرشيد: دفنتُ الفقه والعربية بالري، وقيل: مات محمد ثم الكسائي بعده بيومين، وقيل: ماتا في يوم واحد، والله أعلم.\nوذكر الذهبي في جزئه عن يونس بن عبد الأعلى، عن علي بن معبد، عن الرجل الرازي الذي مات محمد بن الحسن في بيته، وهو هشام بن عبيد الله قال: حضرتُ محمدًا وهو يموت فبكى فقلتُ له: أتبكي مع العلم؟ فقال لي: أرأيت إن أوقعني الله تعالى، فقال: يا محمد ما أقدمك الري؟ الجهاد في سبيلي أم ابتغاء مرضاتي؟ ماذا أقول: ثم مات ﵀.\nأغدق الله على ضريحه سجال رحمته ورضوانه، ونفعنا بعلومه بمنّه وكرمه، إنه قريب مجيب.\nوأخرج الصيمري عن المرزباني عن أبي بكر (ابن دريد) عن سعيد السكري قال: أنشدني إسماعيل بن أبي محمد يحيى بن المبارك اليزيدي، عن أبيه: أنه أنشد يرثي محمد بن الحسن والكسائي:","vol":"1","page":24},{"text":"تصرمت الدنيا فليس خلود ... وما قد نرى من بهجة ستبيدُ\nلكل امرئٍ منا من الموت منهل ... فليس له إلا عليه ورودُ\nألم تري شيبًا شاملًا يبدر البلى ... وإن الشباب الغض ليس يعودُ\nسيأتيك ما أفنى القرون التي مضت ... فكن مستعدًا فالفناءُ عنيدُ\nأمسيتَ على قاضي القضاة محمد ... فذرفتُ دمعي والفؤادُ عميدُ\nوقلت إذا ما الخطب أشكل من لنا ... بإيضاحه يومًا وأنتَ فقيدُ؟\nوأقلقني موت الكسائي بعده ... وكادت بي الأرض الفضاءُ تميدُ\nوأذهلني عن كل عيش ولذةٍ ... وأرق عيني والعيون هجودُ\nهما عالمان أوديا ... فما لهما في العالمين نذيرُ\nفحزني متي تخطر على القلب خطرة ... بذكرهما حتى الممات جديدُ\nوهذا آخر ما أردتُ من ترجمة الإِمام الرباني ﵁، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.","vol":"1","page":25},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nسبحان من أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، وما لي لا أسبح الذي هداني إلى حديث من حدَّث بالحقِّ صلى الله على من اصطفاهُ بالوحي، وجعله أمينًا بالإِسراء، وعلى الذين قاموا على نصرة شريعة من هو خير الأبرار.\nأما بعد: فيقول العبد الفقير النعماني إلى رحمة ربه الرحمان: عثمان بن يعقوب بن حسين بن المصطفى الكُمَّاخي ثم الإِسلامبولي، عامله الله بكرمه العالي:\nلَمَّا مَنَّ الله عليَّ بتحديث الكتاب العزيز المُسَمَّى بـ:\n(الموطأ في علم الحديث)\nلتلميذ سلطان المجتهدين في المذاهب، برهان الأئمة في المشارق والمغارب:\nأبي حنيفة نعمان بن ثابت بن طاووس بن هرمز بن مَلَك بن شيبان الكوفي.\nأعني به أفضل العلماء المتقدمين وأكرم بالكرامات من أتباع التابعين، قدوة أساتذتنا العلَّام، وعمدة مشايخنا الفخام.\nأبا عبد الله محمد بن الحسن بن عبد الله بن طاوس بن هرمز بن ملك بن فرقد بن شيبان الكوفيَّ.\nفقد روى ما فيه من اثنين وسبعين وتسعمائة، بل يرتقي إلى ألف حديث عن ثلاث وأربعين رجلًا من مشايخه ستعرفهم - إن شاء الله تعالى - في آخر هذا الكتاب، لكن فيه فوائد كثيرة أكثر من أن تُحصى، وخواص عجيبة منها أن بعض تلاميذي أخبرني بأنْ قال: لما كتب جزءًا من أجزاء الموطأ أصابني نعمة كذا وكذا.\nوبعضهم قال: لما كتبتُ جزءًا واحدًا منه وقرأته ظفرتُ مراد كذا وكذا قبل أن أقرأ جزءًا آخر.","vol":"1","page":27},{"text":"وأخبرني بعض العلماء من علماء القسطنطينية: لما كتبتُ الموطأ لمحمد بن الحسن تمامًا نلت جاهًا كذا وكذا.\nوأخبرني بعض الصالحين: أن ابنتي مرضت في زمان كثير وضعف بصرها، فكتبتُه تمامًا وأَخَذَتْهُ بيدها فقبلته ومسحته بوجهها وعينها فبرأها الله مما فيها، وأجلى بصرها ببركته.\nوليس قوم قرؤوه إلا أغناهم الله من حيث لم يحتسبوا بيسر، ونصرهم على أعدائهم، وفيه مآرب كثيرة للمسلمين، وأي شرف حَصَلَ لغير هذا الفقير العاجز من المسلمين في زماننا هذا، فإني لما بدأتُ بتحديثه للطالبين أكرمني الله تعالى به بثلاث كرامات:\nأولها: والله لقد رأيت في ليلة الأربعاء من آخر شهر الصفر من سنة اثنين وستين ومائة وألف من الهجرة في المنام أني أغتسل، فلما أتممت الغسل تقاطر الماء في جسدي وأنا عَارٍ من الثوب فإذا أرى رجالًا قد اجتمعوا في مكان، ورجلًا خرج من بينهم حتى قرب إليَّ وفي يده إزار بيضاء، فقال: هذا عطاء لك من رسول الله - ﷺ - فأخذته واشتملته بجسدي كله.\nوثانيها: لقد رأيتُ في ليلة الخميس من الثاني عشر من شهر جمادى الآخرة من سنة اثنين وستين ومائة وألف من هجرة من له العزو الشرف: أن رسول الله - ﷺ - جلس في زورق في البحر في خارج قصيء طوب خانه من ملحقات بلدي، وفي يده الشريفة دلو من ماء يشرب منه، ووجه الكريم متوجه إلى هذا العبد المضيف وأنا أريد أن أقبل بيده الشريف.\nوثالثها: لقد رأيتُ في ليلة الجمعة من الليل الثالث من شهر الشوال من سنة ثلاث وستين ومائة وألف: أني أرى في المنام أني قبلت عينه اليمنى - ﷺ - ثم عينه اليسرى، ثم ألقم شفتيه وذقنه جميعًا في فمي، اللهم اجعلنا مرافقته في الرفيق الأعلى .. آمين.\nوهذه المذكورات من كرامات المصنف ﵀، ومن كراماته العجيبة ما قاله","vol":"1","page":28},{"text":"الأقهاري في (نظام العلماء إلى خاتم الأنبياء)، وصلوات الله عليهم أجمعين، من طبقات الحنفية حيث قال: لمحمد بن الحسن مناقب كثيرة، أكثر من أن تُحصى، ومصنفات عديدة، ومؤلفات سديدة حتى قيل: صنف تسعة وتسعين كتابًا كلها في العلوم الدينية .. انتهى.\nوهي خارق للعادة كقطع المسافة البعيدة في المدة القليلة، وكظهور الطعام عند الحاجة وآية من آيات الله تعالى لكمال قدرته تعالى، وسِنُّه ثمان وخمسون سنة، كما قاله المؤرخون.\nومن كتبه المشهورة: الأصيل، وهو المبسوط، والزيادات والظواهر، والنوادر، والهارونيات، والجرجانيات، والسير الصغير، وقد نلت من كتبه ستة كتب: السير الكبير، والجامع الصغير، والكبير، والحجة على أهل المدينة، والآثار، والموطأ.\nوهو بضم الميم وفتح الواو والطاء المهملة المفتوحة المشددة، والهمزة المقصورة اسم الكتاب الذي صنفه الإِمام محمد بن الحسن في علم الحديث فعرضه على العلماء الأعلام في زمن خلافة هارون الرشيد فوطئوه، أي: نقحوه وتلقوه بالقبول، فسماه بالموطأ، وطالعته وظفرت في أثناء المطالعة بالحِكَم والأسرار وجعلتها شرحًا له، وهيأته ليكون تحفة للعلماء فسميته مهيئًا ليكون اسم الشرح مطابقًا باسم المتن جودة ومعنى لِمَا قال صاحب (القاموس): وطأه: هيأه، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلتُ وإليهَ أنيب.\nاعلم أن المصنف - ﵀ - ابتدأ في أول كتابه بقوله: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، امتثالًا بأمره - ﷺ -: \"ابدؤوا بما بدأ الله به\" (١)، كذا نقله المناوي في (كنوز الحقائق) عن الدارقطني، أو تبركًا أو تنبيهًا للمؤمنين أن يقولوا في أول أمورهم: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ليحصل الانكشاف في قلوبهم، والاطمئنان فيها،\n_________\n(١) أخرجه: البخاري (١٥١٦)، ومسلم (١٢١٨).","vol":"1","page":29},{"text":"والشوق إلى لقاء الله تعالى، والأمان من شر أعدائهم، والوصول إلى مطالبهم.\nروى ابن مردويه عن جابر ﵁ أنه قال: لما نزلت بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هرب الغيم إلى الشرق، وسكنت الرياح، وماج البحار، وأصغى البهائم بآذانها، ورجم الشياطين، وأقسم الله بعزته وجلاله: أن لا يُذكر اسمه على شيء إلا بورك فيه.\nوامتثالًا بأمره تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]، أي: اقرأ القرآن متبدئًا باسم ربك الذي خلق، كذا في تفسير الكواشي، وخصوص السبب لا يقدح بعموم الحكم، أو موافقته للكتاب المبين، حيث قال تعالى في أول كتابه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أو احترازًا عن أن يكون كتابه أبتر بعدم الكتابة باسم الله الرحمن الرحيم في أول كتابه.\nقال النبي - ﷺ -: \"كل أمر ذي بال - أي: ذي شأن - لم يُبدأ فيه باسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر\" (١)، وإشارة إلى بعض ما يجب عليه من حمده لرب العالمين، وإنما قلنا إشارة إلى أداء ما يجب عليه؛ لأن العبد لن يقدر على أداء جميع ما يجب عليه من العبادات التي تنبغي لذاته تعالى.\nقال - ﷺ -: \"سبحانك لا أُحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك\" (٢).\nوقالت الملائكة: \"ما عبدناك حق عبادتك\" (٣)، أي: إظهارًا بكمال عجزهم عن عبادة ربهم بالوجه الأليق لذاته تعالى، فلهذا لا يقال: إن الإِمام محمد جعل كتابه أقطع بترك الحمد في ابتداء كتابه.\n_________\n(١) أخرجه: ابن ماجه (١٨٩٤)، وأحمد (٨٤٩٥)، والنسائي في الكبرى (١٠٣٢٨)، وابن حبان (١، ٢)، وابن أبي شيبة (٦/ ٢٦٣)، والبيهقي في الكبرى (٥٨٦٣)، والشعب (٤٢٧٢)، وهو ضعيف.\n(٢) أخرجه: مسلم (٤٨٦).\n(٣) أخرجه: الحاكم (٨٧٣٩)، والطبراني فى الكبير (١٧٥١)، والأوسط (٣٥٦٨)، والبيهقي في الشعب (١٦٦)، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.","vol":"1","page":30},{"text":"قال رسول الله - ﷺ -: \"كل أمر ذي بال لم يُبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع\" (١)، فإن من قال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فقد حمد الله تعالى؛ لأن حقيقة الحمد إظهار الصفات الكمالية لا خصوص كتابة الحمد في أول كتابه.\nقال محمود حسن في حاشية الجلال من علم الكلام: وفي بسم الله الرحمن إظهار الصفات الكمالية .. انتهى.\nويمكن أن يُجاب عن ترك المصنف بالحمد في أول كتابه بأنه إنما تركه إشارة إلى مذهبه الشريف ومذهب أبي حنيفة ﵀ بأن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، آية مستقلة نزلت للفصل بين السورتين من سور القرآن، وليست جزء من سورة الفاتحة خلافًا للشافعي، فإنها آية من الفاتحة، فتكون حينئذٍ ثمان آيات عند الشافعي.\nوفي بسم الله الرحمن أسرار منها:\nقال عبد الرحمن جلال الدين السيوطي في (إتقان القرآن): أول ما نزل به جبريل ﵇ على رسول الله - ﷺ - قال: يا محمد، استعذ بالله ثم قل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وقال فيه: أول آية نزلت من اللوح المحفوظ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.\nوقال السيوطي في (الأوليات): أول من تكلم بهذه الكلمات حملة العرش، حيث أمروا بحمله ولا يزالون يقولون تلك إلى يوم القيامة - وهي هذه الكلمة - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، حسبي الله، توكلت على الله، اعتصمتُ بالله، فوضتُ أمري إلى الله، ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله من أكثر من قراءة هذه الكلمات شفي من كل سقم، وفرج من كل كربة، ونصر على كل عدو، كما أخرجه اليافعي في (روضة الرياحين).\nفإن قلت: لم كانت بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ تسعة عشر حرفًا؟ ولم كان الأذان تسعة عشر حرفًا كلمة؟ الجواب: الله أعلم؛ لأن الله ﷿ خلق رؤساء\n_________\n(١) تقدم.","vol":"1","page":31},{"text":"الزبانية على جهنم تسعة عشر ملكًا، كما قال تعالى في سورة المدثر: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: ٣٠].\nوأتباعهم لا يحصيهم أحد إلا الله، فمن قال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، كفاه الله تعالى بكل حرف منها واحدًا من الزبانية تسعة عشر ولا يسلطهم عليه ببركة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وكذلك الأذان يكفيه بكل كلمة منها واحدًا منهم.\nوذكر الإِمام الغزالي في (شرح جنة الأسماء)، أن الخزنة لجهنم تسعة عشر على عدد حروف آية الرحمة، وهي تسعة عشر حرفًا جعلها الله تعالى برحمته جنة وسترًا من عذاب الخزنة، فإذا قال العبد: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فقد تستر بجنة الرحمة، ودخل في حصن الأمان، كذا قاله في (خواتم الحاكم).\n\nمن خواص بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:\nعن ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: \"إن المعلم إذا قال للصبي المبتدئ بالعلم: قل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فقال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، كتب الله براءة للصبي، وبراءة لأبويه، وبراءةً للمعلم عتقًا من النار\" (١).\nقال ابن العادل فى تفسير البسملة: من رفع ورقة من الأرض كُتب فيها بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ خفف الله العذاب عن أبويه، وكذلك يرفع العذاب عن مولى المؤمنين والكافرين عند دخول شهر رمضان بحرمة النبي - ﷺ - وليلة الجمعة، وإذا انسلخ رمضان أعيد العذاب على الكفار، ولا يعاد على المؤمنين في قبورهم، كما في التاتارخانية، وإمداد الفتاح.\nفإن قيل: هذا يعارض لقوله تعالى: ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ [البقرة: ١٦٢]، أجيب عنه بأن الله تعالى لا يخفف عنهم العذاب في الآخرة، بل يخففه عنهم في عالم الدنيا وعالم البرزخ، ويشدده في وقت محكمة أخرى.\n_________\n(١) قال ابن الجوزي في التحقيق (٢/ ٢١٩): هذا الحديث لا يجوز الاحتجاج به لأنه من عمل أحمد بن عبد الله الهروي، وهو الجويباري، وكان كذابًا يضع الحديث: أجمع أهل النقل على ذلك.","vol":"1","page":32},{"text":"قال الله تعالى في سورة الأنفال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣]، ما طلب تفصيله في تفسير هذه الآية من (تفسير اللباب) لابن عادل.\n\nومن أحكام بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، اختلف العلماء فيه:\nمنهم من قال: إنها ليست بآية من الفاتحة كما مر، ولا من غيرها، ولكن كتبت للفصل بين السور، وعليه أبو حنيفة وأتباعه، ولكنها آية مستقلة وكذا لا تجهر في الصلوات عند أبي حنيفة ﵀، ولكن قال الشافعي وأصحابه: إنها آية من الفاتحة ومن كل سورة، ولذلك يجهرون بها في الصلوات الجهرية، والاسم في بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هو اللفظ الدال بالوضع على موجود في الأذهان إن كان معقولًا من غير تعرض بهيئة للزمان، وهو من السمو، وهو العلو كما ذهب إليه البصريون، أو من الوسم وهو العلامة كما ذهب إليه الكوفيون، وكُسرت الباء لتشابه حركتها عملها وطولت لتدل على الألف المحذوفة، ولا تحذف إلا مع اسم الله، وهو - أي: لفظ الجلالة - هو اسم لذات واجب الوجود عند الجمهور، وقال بعضهم: هو اسم الذات والصفات معًا، وهو لفظ عربي علم لِمُوجِد العالم وليس بمشتق عند أكثر العلماء.\nكما قال الشيخ شهاب الدين أحمد بن محمود السيوسي في (عيون التفاسير)، وعبد الرحمن المدعو بشيخي زادة، وقيل: هو - أي اسم - في بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مشتق من سِمو بكسر السين المهملة والميم الساكنة ثم الواو، بمعنى العلو كما مر، فنقلت ضمة الواو إلى الميم لكونها حرف علة متحركة، وما قبلها حرف صحيحة ساكنة واستثقلت الضمة عليها، ثم حذفت الواو لسكونها وسكون التنوين فأعطي التنوين إلى ما قبلها، فصار سِمُنْ بكسر السين وضم الميم وسكون النون، ثم أدخلت الألف في أوله لتدل على الألوهية، ثم حركت الألف لتعذر الابتداء بالساكن وإنما حركت بالكسر؛ لأن الساكن إذا حركت بالكسر فصار اسم، ثم زيدت بالباء الجارة في أوله للإِلصاق فصار باسم، ثم حذفت الهمزة طلبًا للتخفيف فصار","vol":"1","page":33},{"text":"بسم، فعوض مد الباء من الهمزة المحذوفة، ثم أضيف إلى لفظ الجلالة فسقطت التنوين؛ لأن بينهما التضاد؛ لأن التنوين تقتضي الانفصال والإضافة تقتضي الاتصال، وجمعهما في حالة واحدة متعذرة.\nوإنما قال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ولم يقل: بالله؛ لأن التبرك والاستعانة بذكر اسمه تعالى أو للفرق بين اليمين والتيمين، وقيل: هو - أي: لفظ الله - مشتق من أله بفتح الهمزة بمعنى: عَبَدَ على بناء المفعول، فحذفوا الهمزة تخفيفًا فصار له بالتنوين، ثم أدخل الألف واللام للتعريف فصار ال له بالتنوين، ثم حذفت التنوين فصار ال له بغيرها، فاجتمعت في الكلمة الواحدة حرفان من جنس واحد، الأولى ساكنة والثانية متحركة، فأغمت الأولى في الثانية فصار الله لكنه في الأصل يستعملون لكل معبود، ثم غلب على المعبود بالحق كما نقلناه في (توضيح الأسرار شرح بركات الأبرار)، فعلم من هذا أن الاسم غير المسمى؛ لأن الاسم يتألف أصوات مقطعة غير قارة، ويختلف باختلاف الاسم والأعصار، ويتعدد تارة، ويتحد أخرى، والمسمى لا يكون كذلك خلافًا للمعتزلة وإنما يستدل على اتحاد حكمًا لو أريد به ذات الشيء لكنه لم يشهد بهذا المعنى.\nوقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٧٨]، و﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، المراد به اللفظ؛ لأنه كما يجب تنزيه ذاته وصفاته عن النقائص، يجب تنزيه الألفاظ الموضوعة لها عن سوء الأدب والرفث، وتقرير هذا الكلام هو أن يعلم أن الاسم مثلًا يطلق تارة ويراد به المسمى، وهو الغالب الشائع، ويطلق أخرى ويراد به الاسم، ويتعين أحدهما إذا اقتضاه المقام فحيث يقال: ضرب زيدٌ، وضربتُ زيدًا، فالمراد به المسمى لا غير؛ لأنه هو الذي يتصف بالضاربية والمضروبية كما لا يخفى، وحيث يقال: زيد ثلاثي ساكن الوسط وآخره وَزْنُ فَعْل، والمراد به اللفظ، وهو واضح تصورًا ونقلًا عن اللغة وتتبعًا للاستعمال، إذا تقرر هذا فلفظ الله يطلق تارة ويراد به المسمى حيث يقال الله تعالى، خالق الأشياء كلها، وصانع العالم، وأخرى يراد به اللفظ، حيث يقال: لفظ الله عربي أو سرياني مشتق ومنقول، وهذا المقام مما يتعين فيه اللفظ دون المسمى، إذ التبرك والتيمن من الأمور","vol":"1","page":34},{"text":"المتعلقة باللفظ دون المعنى فناسب أن يؤتى بلفظ اسم ليتمحض أن المراد النقط قرينة معينة للمعنى المراد كما قاله التمرتاشي.\nقوله: الرحمن الرحيم: صفتان مشتقتان من رحم بعد نقله إلى فعُل، بضم العين؛ لأن الصفة المشهبة لا يشتق إلا من فعل لازم، وهذا مطرد في باب المدح مثل رفيع الدرجات، وبديع السماوات، واشتقاقهما باعتبار الغايات التي هي أفعال دون المبادئ التي تكون انفلات؛ لأن الرحمة في اللغة رقة القلب، والله منزه عن القلب وعن صفتها، والرحمن من أبنية المبالغة، وفي الرحيم مبالغة أيضًا إلا أن فعلان أبلغ من فعيل؛ لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى كما في قطَّع بتشديد الطاء المهملة، وقَطَع بالتخفيف وتخصيص التسمية بهذه الأسماء، أي بالله الرحمن الرحيم ليعلم القارئ أن المستحق أن يستعان به في جميع الأمور، وهو المعبود بالحق الذي هو مولى النعم كلها، عاجلها وآجلها، جليها وخفيها، فيتوجه العارف بنفسه وحده إلى جانب القدس ويتمسك بحبل التوفيق، ويشغل سره بذكر الله تعالى، والاستمداد بالله عن غيره كما أشبعناه في (توضيح الأسرار شرح بركات الأبرار).\nوأما إعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:\nفالباء فيه متعلق بمحذوف وهو يحتمل أن يكون اسمًا أو فعلًا، وعلى كلا التقديرين يجوز أن يكون متقدمًا أو متأخرًا، فهذه أربعة أقسام، أما إذا كان متقدمًا وكان فعلًا يكون محل الجار والمجرور منصوب على أنه حال من الضمير المرفوع المستتر في المتقدم، أو مفعول غير صريح تقديره ابتدئ هذا الكتاب حال كوني ملتبسًا باسم الله الرحمن الرحيم، وأما إذا كان المتعلق متقدمًا وكان اسمًا فيكون محل الجار والمجرور مرفوعًا على أنه يكون خبرًا مجازًا لمبتدأ متقدم والحال أن الخبر حقيقة لفظ كائن مثلًا تقديره ابتدائي بهذا الكتاب كائن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وأما إذا كان المتعلق متأخرًا وكان فعلًا فيفيد حصرًا تقديره: إنما أنا ملتبسًا باسم الله تعالى أبتدئ أو بدأت هذا الكتاب، وهذا الحصر يفيد اهتمامًا لذكر اسم الله تعالى بالابتداء ورد الكفار عن إرادتهم الاهتمام بذكر أسماء أصنامهم، حيث كانوا يقولون: باسم","vol":"1","page":35},{"text":"اللات، وباسم العزى، فإنهما اسمان للصنمين اللذين نصب كفار مكة أحدهما على الصفا والآخرى على المروة يعبدونهما، وأمَّا إذا كان المتعلق متأخرًا وكان اسمًا، فيكون محل الجار والمجرور مرفوعًا على أن يكون خبرًا مجازًا أو متقدمًا على المبتدأ والخبر حقيقة لفظ كائن أو حاصل مثلًا.\n(ق ٦) فيفيد هذا التقديم أيضًا حصر الخبر على المبتدأ، فيكون هذا الحصر اهتمامًا بذكر اسم الله تعالى تقديره: بسم الله كائن ابتدائي لكن تقديم بسم الله على متعلقه أولى؛ لأنه علم مختص لذات واجب الوجود على مذهب أهل الحقائق، وذات واجب الوجود مقدم بنفسه على ذوات الممكنات فيلزم أن يكون اسمه تعالى مقدمًا في الذكر على جميع المذكورات، فالباء في بسم الله يدور بين معنى الملابسة والاستعانة، لكن الاستعانة في هذا المقام لا ينبغي؛ لأنه قال عصام الدين في حاشيته في تفسير ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]، أن معنى الاستعانة: إيهام تشبيه اسمه تعالى بآلة النجار، وفي هذا التشبيه ترك التعظيم الذي يستحق به تعالى، انتهى.\nوالأولى أن يكون الباء للملابسة والإِلصاق، ووجه الأولوية إشعار بالمعنى الذي رُوي عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"جميع ما أنزله الله تعالى على أنبيائه ﵈ من الكتب كلها في القرآن، وجميع معاني القرآن في سورة الفاتحة، وجميع معاني الفاتحة في بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وجميع معاني بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في الباء من بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\".\nفالقصد إليه من كل العلوم وصول العبد إلى معبوده، وهذه الباء للإِلصاق فهو يلصق العبد إليه، فهو كمال المقصود، فلذلك اختار الله تعالى الباء على سائر الحروف في افتتاح كتابه.\nقوله: الله في بسم الله مجرور لفظًا على أنه دفع مضافًا إليه لاسم يشبه أن يكون الإِضافة من قبيل سعيد كرز.\nوقوله: الرحمن الرحيم مجروران على أنهما صفتان للفظة \"الله\"، ويجوز أن يكونا منصوبين على المدح، فالتقدير: أمدح الرحمن الرحيم، ويجوز أن يكونا","vol":"1","page":36},{"text":"مرفوعين لفظًا على أنهما وقعا خبرًا لمبتدأ محذوف، فالتقدير: هو الرحمن هو الرحيم، فالفعل مع فاعله ومفعوله، أو المبتدأ مع خبره جملة فعلية أو إسمية لا محل لها من الإِعراب لأنها مستأنفة، أو مجرورين على أنهما بدلان من الله كررهما لتأكيد رحمته على خلقه، وبيان سبقهما على غضبه، فإن قيل: ما بال المصنف - ﵀ - أنه ابتدأ كتابه بقوله بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مقتصرًا عليه؟ فأكثر المتقدمين دون الحمد والشهادة مع أن ورود قوله - ﷺ -: \"كل أمرٍ ذي بالٍ لم يُبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع\" (١).\nوقوله - ﷺ -: \"كل خطبة ليس فيها شهادة فهي كاليد الجذماء\" (٢)، أخرجهما أبو داود وغيره من حديث أبي هريرة ﵁.\nقال العسقلاني (٣): إن الحديثين في كلٍّ منهما مقال سلمنا صلاحيتهما للحجة، لكن ليس فيهما أن ذلك متعين بالنطق والكتابة معًا، فلعله، أي: نرجو أن المصنف - ﵀ - حمد وتشهد نطقًا عند وضع الكتاب، ولم يكتب ذلك اقتصارًا على البسملة واتباعًا بكتب النبي - ﷺ - حيث كتب إلى الملوك وكتب في القضايا مفتتحًا بالبسملة دون الحمد له، وغيرها كما في حديث أبي سفيان في قصة هرقل، وفي حديث البراء بن عازب في قصة سُهيل بن عمرو في صلح الحديبية، وغير ذلك من الأحاديث.\nوهذا يُشعر بأن لفظ الحمد والشهادة إنما يحتاج إليهما في الخطب دون الرسائل (ق ٧) والوثائق، فكأن المصنف لمَّا لم يفتتح كتابه بخطبة أجرى كتابه مجرى الرسائل إلى أهل العلم لينتفعوا بما فيه تعلُّمًا وتعليمًا، وكذلك أئمة الحديث كعبد الرزاق، والزهري، والإِمام مالك، وغيرهم ممن لم يقدموا في ابتداء تصنيفهم\n_________\n(١) تقدم.\n(٢) أخرجه: أبو داود (٤٨٤١)، والترمذي (١١٠٦)، وأحمد (٧٩٥٨) (٨٣١٣)، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب.\n(٣) انظر: فتح الباري (١/ ٨).","vol":"1","page":37},{"text":"خطبة، ولم يزدادوا على البسملة شيئًا، والحال أن المصنف - ﵀ - رعى الأدب، ولم يقدم على كلام رسول الله - ﷺ - شيئًا من كلامه، والحال أنه تعالى نهى المؤمنين عن ذلك وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]، ويقال: بأنه يمكنه أن يأتي بلفظ الحمد من كلام الله تعالى.\nويعترض على المصنف بأنه قدم الترجمة، وهي من كلامه، وكذا السند على الحديث، والجواب عن ذلك: أن الترجمة والبسملة وإن كانتا متقدمتين لفظًا لكنهما متأخرتان تقديرًا لما ذكر ما يتعلق باسم الله الرحمن الرحيم، شرع بذكر ما يتعلق بأوقات الصلوات، فقال هذا.","vol":"1","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>أبواب الصلاة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>باب في بيان أحكام وقت الصلاة</span>\nوفي نسخة: مواقيت، كما في صحيح البخاري، لكن الأول أحسن؛ لأنها لا تشتبه بمواقيت الإِحرام للحاج، وهي جمع الميقات، وهو موضع الإِحرام، وهو، أي: لفظ الوقوت بضم الواو والقاف: أزمنة الصلوات المفروضة، وإضافة الباب إلى الوقوت بمعنى: في كما قدرناه، وإضافة الوقوت إلى الصلاة من قبيل إضافة السبب إلى المسبب، وقدم هذا الباب على سائر أبواب الكتاب؛ لأنها أصل في وجوب الصلاة؛ فإنها عبادة مقدرة بالأوقات، قال الله تعالى في سورة النساء: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، أي: فرضًا موقتًا، وفي رواية ابن بُكير: أوقات، وهي جمع قلة، وهو الأظهر لكون الصلوات خمسة، لكن رواية الأكثرين: وقوت، وهي جمع كثرة؛ لأنها وإن كانت خمسة، لكن لتكررها كل يوم صارت كأنها كثيرة، كقولهم: شموس وأقمار، باعتبار ترددهما مرةً بعد مرة؛ لأن الصلوات فرضت خمسين أولًا، ثم عفيت فبقيت على خمس، وثوابها كثواب خمسين، كما قال تعالى في حديث المعراج: \"هُنَّ خمسٌ وهن خمسون\"؛ ولأن كل واحد من الجمعين، أي: جمع القلة وجمع الكثرة، يقوم مقام الآخر توسعًا يشتركان في المبدأ من ثلاثة، ويفترقان في الغاية على ما ذهب بعض المحققين، أو لأن لكل صلاة ثلاث أوقات: اختياري، وضروري، وقضاء.\nقال محمد بن الحسن بن عبد الله بن طاوس بن هرمز بن ملك بن فرقد بن شيبان الكوفي، وهي بلدة في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، كان أصله من قرية تسمى حرزنا من قرى الشام، قدم أبوه من العراق وولد في واسط في سنة خمس وثلاثين ومائة. وقال بعض المؤرخين: إن محمد بن الحسن ولد في واسط في سنة إحدى وثلاثين ومائة أو اثنتين وثلاثين ومائة، وهو ابن ثمان وخمسين سنة، ونشأ بالكوفة ومات فيها، ودفن في الرِّي، كان في الطبقة السابعة من طبقات أتباع التابعين من الفقهاء والمحدثين من أهل الكوفة، وقد صحب سلطان المجتهدين في المذاهب برهان الأئمة في المشارق","vol":"1","page":39},{"text":"والمغارب الإِمام الأعظم (ق ٨)، والهُمام الأكرم: أبا حنيفة نعمان بن ثابت بن طاوس بن هرمز بن ملك بن شيبان الكوفي، وأخذ الفقه والحديث عنه قبل الحُلُم وبعده، فلما مات أستاذه أبو حنيفة، أخذه عن شريكه: أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم بن خبيب بن ختير بن سعد بن حبة، وعن: مالك بن أنس بن مالك بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، وغيرهم من ثلاث وأربعين رجلًا أخرج عنهم محمد في (موطئه) ألف حديث، وقال: قد أقمتُ على مالك ثلاث سنين وجمعت منه سبعمائة حديث.\nقوله: قال محمد بن الحسن، أوقع الماضي موضع المستقبل لقوة رجائه، أو لإظهار الرغبة في حصوله، وإن لم يكن حاصلًا، أو ليحكي به عن الفراغ، أو لتقدم المقول في الوجود كما قال المناوي في (شرح الشمائل للترمذي).\n* * *\n\n١ - قال محمد بن الحسن: أخبرنا مالكٌ، عن يَزيدَ بنِ زياد، مولى لبني هاشم، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمةَ زوج النبي - ﷺ -، عن أبي هريرة، أنَّه سأَلهُ عن وقْت الصلاة؟ فقال أبو هريرة: أنا أخْبِرُك: صلِّ الظهر إذا كان ظلُك مثلَك، والعصر إذا كان ظلُك مثلَيْك، والمغربَ إذا غَرَبَتِ الشمسُ. والعشاءَ ما بينك وبين ثُلثُ الليل، فإن نِمْت إلى نصف الليل فلا نامتْ عَيْنُك، وصلّ الصبح بِغَلَسٍ (١).\nقال محمد: وهذا قول أبي حنيفة في وقت العصر، وكان يرى الإِسْفَار بالفجر، وأما في قولنا: فإنَّا نَقُولُ: إذا زاد الظل على المِثْلِ فصار مثلَ الشيءِ وزيادةً من حين زالت الشمس فقد دخل وقتُ العصر.\nوأما قول أبو حنيفة فقال: لا يدخل وقت العصر حتى يصيرَ الظل مِثْليهِ.\n• أخبرنا مالكٌ، بن أنس بن مالك بن عمير بن أبي عامر بن الحارث بن عثمان بن حنبل\n_________\n(١) صحيح، أخرجه: مالك (١٩)، وعبد الرزاق في مصنفه (٢٠٤١).","vol":"1","page":40},{"text":"ابن عمرو بن الحارث، من بني حمير نسبًا الأصبحي، وهو صاحب المذهب، إمام الحجاز، بل للناس في الحدث والفقه، هو الإمام المشهور من الأئمة الأربعة، كان في الطبقة السابعة من طبقات كبار التابعين، والمحدثين من أهل المدينة، ولد سنة تسعين وثلاث، ومات سنة تسع وسبعين ومائة، كذا قاله الذهبي في (الكاشف) (١).\nوقال بعض المؤرخين كالواقدي: كان الإِمام مالك ابن تسعين سنة، ومكث في بطن أمه ثلاث سنين، ووهم بعضهم أن أنس أبا مالك الإمام الحجاز أنس بن مالك خادم رسول الله - ﷺ - وليس كذلك؛ لأن أبا أنس خادم رسول الله - ﷺ - مالك بن النضر بن ضمضم الخزرجي، وأبا الإِمام مالك بن ضمضم الخزرجي، وأبا الإِمام مالك أنس بن مالك بن عمير أبي عامر الأصبحي، وهو خلاف الخزرجي، والأصبح ملك من ملوك اليمن يقال له: ذو أصبح، كما قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي (٢).\nقال النووي: قد جرت العادة بالاختصار على الرمز في أخبرنا وحدثنا، واستمر الاصطلاح من قديم الأعصار إلى زماننا هذا، واشتهر بذلك بحيث لا يخفى فيكتبون من أخبرنا: أنا، زاد ابن الصلاح فيه: أرنا، وزاد الشيخ الجزري فيه: أبنا ورنا، ونقل بعض عنه أنه قال في وجوه اختصار أخبرنا: بنا أيضًا بالموحدة والنون، ويكتبون من حدثنا: ثنا بالثاء والنون والألف، وربما حذفوا المثلثة ويقتصرون بالنون والألف، وربما يكتبون: دنا بالدال المهملة قبل نا. انتهى.\nويُفهم من كلام ابن الصلاح وابن العراقي أنهم يكتبون في هذا: دثنا بزيادة المثلثة أيضًا، قال ابن الصلاح: وليس بحسن ما يفعله طائفة من كتابة: أخبرنا بالألف مع علامة: بنا فيكون: أبنا، وإن كان الحافظ البيهقي ممن فعله، قال ميرك: وكان وجه عدم الحسن أنه ربما يشتبه باختصار أنبأنا، فإنهم يقتصرونه بأبنا، واعلم أنه لا فرق بين التحديث والإِخبار والإنباء والسماع عند المتقدمين كالزهري ومالك وابن عيينة ويحيى القطان وأكثر الحجازيين والكوفيين، وهو قول أبي حنيفة وصاحبيه، وعليه استمر عمل أهل المغاربة.\n_________\n(١) انظر: الكاشف (٣/ ٢٠٥).\n(٢) انظر: صفة الصفوة (٢/ ١٣٦).","vol":"1","page":41},{"text":"وروى بعض المتأخرين كأئمة الحلواني وغيره إلى حافظ الدين البخاري التفرقة بين صيغ الأداء بحسب افتراق التحمل فيخصون الحديث والسماع بما يلفظ به الشيخ وسمع الراوي عنه، والأخبار بما (ق ٩) يقرأ به التلميذ على الشيخ، وهذا مذهب ابن جريج والأوزاعي والشافعي وجمهور أهل المشرق، ثم أحدث أتباعهم تفصيلًا آخر، فمن سمع وحده من لفظ الشيخ أفرد فقال: حدثني وسمعت، ومن سمع مع غيره جمع فقال: حدثنا وسمعنا، ومن قرأه بنفسه على الشيخ أفراد فقال: أخبرني، ومن سمع بقراءة غيره جمع فقال: أخبرنا، وكذا خصوا الإنباء بالإِجازة التي يشافه بها الشيخ من يجيزه، وكل هذا مستحسن عندهم، وليس بواجب عندهم، وإنما أرادوا التمييز بين أحوال التحمل وظن بعضهم أن ذلك على سبيل الوجوب فتكلف بالاحتجاج له وعليه بما لا طائل تحته، نعم يحتاج المتأخرون إلى مراعاة الاصطلاح المذكور؛ لأنه صار حقيقة عرفية عندهم، فمن يجوز عنها احتاج إلى الإِتيان بقرينة تدل على مراده وإلا، فلا يُؤمن من اختلاط المسموع بالمجاز وبعد تقرر الاصطلاح ولا يحتمل ورد من ألفاظ متأخرين على محل واحد بخلاف المتقدمين، هذا واختلفوا في القراءة على الشيخ: هل تساوي السماع من لفظه، أو هي دونه، أو فوق؟ على ثلاثة أقوال، فذهب مالك وأصحابه ومعظم أهل الحجاز والكوفة والنجار إلى التسوية بينهما، وذهب أبو حنيفة وابن أبي ذئب إلى ترجيح القراءة على الشيخ على السماع من لفظه، ورواه الخطيب في (الكفاية) عن مالك أيضًا والليث بن سعد، وشعبة وابن لهيعة ويحيى بن سعيد ويحيى بن عبد الله بن بكير وغيرهم، وذهب جمهور أهل المشرق إلى ترجيح السماع من لفظ الشيخ على القراءة عليه.\nقال زين الدين العراقي: وهو الصحيح، قلت: ولعل وجهه أن النبي - ﷺ - كان يقرأ القرآن والحديث على أصحابه، فيأخذون عنه، وكذا كانوا يؤدونها إلى التابعين وأتباعهم، كذا قاله علي القاري في (شرح الشمائل).\nقال الكرماني: إنه إذا قرأ الشيخ على التلميذ يقال: حدثنا، وإذا قرأ هو على الشيخ يقال: أخبرنا، كما مر عن يزيد متعلق بأخبرنا حال من الفاعل المذكور، أو المفعول المقدر، أي: أخبرنا مالك هذا الحديث حال كونه راويًا عن يزيد أو مرويًا عنه، وجوز كونه استينافًا بيانيًا جوابًا لمن سئل عمن يحدثه، كذا قاله في (شرح الشمائل)، وهو بالتحتية المفتوحة والزاي المعجمة والتحتية الساكنة وبعدها دال مهملة غير منصرف للعلمية ووزن الفعل","vol":"1","page":42},{"text":"ابن زياد بكسر الزاي المعجمة والتحتية المخففة، وبعدها ألف ودال مهملة.\nاعلم أن كلمة عن في اصطلاح المحدثين محتملة للسماع والإِجازة، لكنَّ عنعنة المعاصر محمولة على السماع، سواء ثبت الملقى بينهما أم لا عند الجمهور، خلافًا للبخاري؛ حيث يشترط الملقى ولا شبهة في ثبوت الملقى بين الإِمام محمد بن الحسن ومشايخه الكرام، فتنبه في هذا المقام. كما روى أبو حنيفة نعمان بن ثابت عن حماد بن مسلم أبي سليمان الأشعري مولى إبراهيم بن أبي موسى الأشعري، تابعي كوفي سمع عن إبراهيم النخعي، كذا قاله علي القاري في (شرح المسند لأبي حنيفة).\nقال في (القاموس): النخعي محركة قبيلة في اليمن، انتهى، وهو، أي: يَزيدَ بنِ زياد، مولى، أي: من قبيلة بني هاشم.\nقال عبد الرحيم بن الحسين العراقي في (شرح الألفية من أصول الحديث): ومن المهمات للمحدثين معرفة الموالي من العلماء والرواة، وأهم ذلك أن ينسب إلى القبيلة مولى لهم مع إطلاق النسب، فربما ظن أنه منهم صلبية بحكم ظاهر الإِطلاق .. انتهى.\nوكان (ق/ ١٠) يزيد بن زياد دمشقيًا ثقة يروي عن: الزهري وسليمان بن حبيب، وعنه: وكيع وأبو نعيم، وكان من الطبقة الخامسة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل دمشق، وهي كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة من وجه الأرض، مات سنة ست وثلاثين بعد المائة من الهجرة (١).\nعن عبد الله بن رافع أي: ابن خديج، بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة، وسكون التحتية فالجيم، المخزومي مولى أي: معتق. أم سلمةَ قيل: اسمها هند ﵂، زوج النبي - ﷺ -، يُكنى أبا رافع المدني، ثقة كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وكانت أم سلمة بنت أربع وثمانين سنة، وماتت سنة تسع وخمسين من الهجرة، ودفنت بالبقيع، عن أبي هريرة، ﵁، أنه أي: أن عبد الله بن رافع بن خديج، سأَلهُ، أي: أبا هريرة عن وقْت الصلاة؟ أي: الواحدة أو الجنس، فلفظ أخبرنا متعد إلى ثلاثة مفاعيل: الأول نا،\n_________\n(١) انظر: التقريب (٢/ ٦٧١).","vol":"1","page":43},{"text":"والأخيران جملة أنه سأله، فقال أبو هريرة ﵁، قال أبو عمر ابن عبد البر: وقف هذا الحديث رواة الموطأ والمواقيت لا تؤخذ بالرأي ولا تدرك بالتوقيف، يعني هذا الحديث موقوفًا لفظًا مرفوع حكمًا، وقد روى حديث المواقيت مرفوعًا بأتم من طريق عبد الله بن رافع، أخرجه النسائي بإسناد صحيح عن أبي هريرة كما قاله الزرقاني (١).\nأنا أخْبِرُك: فتقديم المسند إليه للتخصيص ردٌ على من زعم انفراد غير المسند إليه المذكور بالخبر الفعلي، أو زعم مشاركة غير المسند إليه معه في الخبر الفعلي فيكون قصر القلب إذا كان الرد زعم من زعم انفراد غير أبي هريرة في الخبر كأنس بن مالك مثلًا يقول لعبد الله بن رافع: أنا أخبرك، صلِّ الظهر إذا كان ظلك مثلك أو قصر أفراد إذا كان الرد زعم من زعم أن غير أبي هريرة ﵁ مشاركة معه في الخبر مثل: نحن نخبرك يا عبد الله بن رافع، صل الظهر إذا كان ظلك مثلك كما قاله السعد الدين التفتازاني في (شرح التلخيص): صلِّ الظهر إذا كان ظلُك، أي: مثلًا مثلك، أي: مقدار قامتك يعني: صل الظهر إذا كان ظل كل شيء مثله في الطول سوى ظل الزوال، وعلى تقدير أمره إذا صلى في آخر وقت الظهر جوازًا كما أشار إلى أول الوقت جوازًا بقوله: والعصر، أي: صل صلاة العصر، إذا كان ظلك مثلَيْك، أي: مثلي قامتك من غير فيء، والزوال، أي: ظله وهذا بظاهره يؤيد قول مالك بالاشتراك وفيه تنبيه على أنه بين الوقتين وقت مهمل كما هو رواية الحسن عن أبي حنيفة ﵀، والمغرب، أي: صل المغرب إذا غَرَبَتِ الشمسُ. وأوله هو الوقت المختار عند الكل، والعشاءَ بالنصب ما بينك، أي: ما بين وقتك من غروب الشفق، قيل لعله صحَّف بقوله: ما بينه وبين ثُلثُ الليل، بضمتين وتسكين الثاني وهو الوقت المختار، وإلا فوقت جوازه إلى آخر الليل وكذا وقت الوتر، وهو أي: الوتر تابع للعشاء، فإن نِمْت بسكر النون، أي: رقدت من أول العشاء قبل أداءها إلى نصف الليل فلا نامتْ عيناك، وهذا دعاء عليه لما فعل من المكروه، وهو تأخير العشاء عن وقته الأفضل مع نومه على أن السهر في ذلك الوقت هو الأكمل أو أخبار يعني (ق ١١)، أن أبا هريرة ﵁ لكمال اعتماده وحسن ظنه على عبد الله بن رافع بأنه لا يرقد في فراشه بعد نصف الليل قال له: فإن نمت إلى نصف الليل فلا نامت عيناك،\n_________\n(١) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٣٧).","vol":"1","page":44},{"text":"حتى قال بعضهم: إن الوقت المختار هو نصف الليل، وقيد نصفه في الشتاء لطول ليله، وثلثه في الصيف لقصر ليله، جمعًا بين الروايتين وفي (مسند البزار) عن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"من نام قبل العشاء فلا نامت عيناه\"، وصلّ الصبح، أعاد العامل اهتمامًا أو لطول الفصل بالكلام، بِغَلَسٍ، بفتح الغين المعجمة واللام، وبعدها سين مهملة، أي: ظلمة آخر الليل إذا اختلط بضوء الصباح، وأشار أبو هريرة ﵁ فيه إلى وقت الجواز اتفاقًا على اختلاف في الوقت المختار، وهو عندنا الإِسفار كما قاله المصنف ﵀ في (الآثار)، ولا خلاف في سنية التغليس بفجر مزدلفة.\nقال محمد بن الحسن، أي: في تفسير هذا الحديث: وهذا وفي نسخة: لم توجد الواو، أي المعنى المذكور في حديث أبي هريرة ﵁، قول أبي حنيفة ﵀، أي: بظاهره، في وقت العصر، أي: على خلاف قول الجمهور على ما سيأتي، وكان يرى أي: والحال أن أبا حنيفة يختار وقت الإِسْفَار أي: البياض الخالص بالفجر لحديث: \"أسفروا بالفجر فإنه أعظم الأجر\" (١)، رواه الترمذي وغيره، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وتأويله: بأن المراد تبيين الفجر حتى لا يكون شك في طلوعه، إذ ما لم يتبين لا يحكم بجواز الصلاة، فضلًا عن إصابة الأجر، على أن في بعض رواياته ما ينفيه، وهو \"أسفروا بالفجر، فكلما أسفرتم بالفجر فهو أعظم للأجر\"، وروى الطحاوي بإسنادٍ صحيح عن الأعمش عن إبراهيم قال: ما اجتمع أصحاب رسول الله - ﷺ - على شيء كما اجتمعوا على التنوير، ولا يجوز اجتماعهم على خلاف ما فارقهم رسول الله - ﷺ -، فيكرم كونه ينسخ التغليس المروي عن حديث عائشة ﵂ المذكور في حديث مسلم: كان يصلي الصبح فتنصرف النساء متلفعات؛ أي مشتملات بمروطهن ما يُعرفن من الغلس (٢)، وهو جمع: مِرط بالكسر وسكون الراء، هو ثوب تلبسه المرأة فوق\n_________\n(١) أخرجه: أبو داود (٤٢٤)، والترمذي (١٥٤)، والنسائي (٥٤٧)، وابن ماجه (٦٧٢)، وأحمد (١٦٨٢٨)، والدارمي (١١٩٩)، وابن حبان (١٤٩٠)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٥٤)، والطبراني في الكبير (٤٢٨٣)، والأوسط (٩٢٨٩)، والبيهقي في الكبرى (٢١٩١) ..\n(٢) أخرجه: البخاري (٥٧٨)، ومسلم (٦٤٥)، وأبو داود (٤٢٣)، والترمذي (١٥٣)، والنسائي (٥٤٥)، وابن ماجه (٦٦٩)، وأحمد (٢٣٥٧٦)، ومالك (٤).","vol":"1","page":45},{"text":"ثيابها. أما حديث ابن مسعود في الصحيحين فظاهر فيما ذهبنا إليه، وهو: ما رأيت رسول الله - ﷺ - صلى صلاة إلا لميقاتها، إلا صلاتين: صلاة المغرب والعشاء بجمع، وصلى الفجر يومئذٍ قبل ميقاتها مع أنه كان بعد الفجر إجماعًا، فعلم أن المراد قبل ميقاتها الذي اعتاد الأداء فيه؛ لأنه غلس يومئذٍ لتمتد وقت الوقوف فأفاد أن المعتاد كان غير التغليس إلا أنه يبعد النسخ؛ لأنه يقتضي سابقة وجود المنسوخ، وقوله: ما رأيت، يفيد أن لا سباقة له، فالأولى حمل التغليس على الغلس داخل المسجد لا حجرتها ﵂، كانت فيه، وكان بسقفه عريشًا متقاربًا، ونحن نشاهد الآن أنه يظن قيام الغلس داخل المسجد فإن صحتها قد انتشرت فيه ضوء الفجر وهو الإِسفار، وإنما وجب (ق ١٢)، هذا الاعتبار لما وجب من ترجيح رواية خصوصًا مثل ابن مسعود ﵁، فإن الحالة: اكشف لهم في صلاة الجماعة، هذا خلاصة كلام الإِمام ابن الهمام. وقال الطحاوي: الذي ينبغي أن يكون الدخول في الفجر وقت الغلس والخروج منها في وقت الإِسفار، يعني جمعًا بين الآثار، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، لكن الذي ذكره الأصحاب عن الثلاثة أن الأفضل أن يبدأ بالإِسفار ويختم به، وهو الذي يفيد اللفظ فإن الإِسفار بالفجر إيقاعها فيه وهو اسم لمجموعها فيلزم إدخال مجموعها فيه، وأما قولنا: يعني محمد نفسه وأبا يوسف معه، فإنَّا نَقُولُ: إذا زاد الظل على المِثْلِ أي: قدر الفيء، وهو بفتح الفاء وسكون التحتية والهمزة في اللغة: الرجوع، وفي العرف: ظل راجع من الغرب إلى المشرق حين يصبح على خط نصف النهار كما ورد في (درر الغرر) فصار أي: الظل، مثلَ الشيءِ أي: قدره، وزيادةً وهي كمية الفيء باختلاف الفصول والأمكنة من حين أي: من أول وقت زالت الشمس أي: مالت من جانب شرقها إلى طرف غربها، فقد دخل وقتُ العصر أي: أوله، وعليه الجمهور.\nوأما أبو حنيفةَ ﵀ فإنه قال: لا يدخل وقت العصر حتى يصيرَ الظل مِثْليهِ، أي: قدري الشيء سوى الفيء، لهذا الحديث وغيره من الأحاديث، وهو الأحوط، فإن قيل: هذا البيان مخالف لبيان الفقهاء، فإنهم بينوا أولًا وقت صلاة الفجر، وثانيًا وقت الظهر، وثالثًا وقت العصر، ورابعًا وقت المغرب، وخامسًا وقت العشاء والوتر، والمصنف ﵀ بيَّن أولًا وقت الظهر، أجيب عنه: فإنه قدم بيان وقت الظهر اتباعًا لأبي هريرة ﵁، فإنه أجاب السائل حين سأله أولًا عن وقت الظهر، فأجاب أبو هريرة","vol":"1","page":46},{"text":"﵁ أولًا عن وقت الظهر ليطابق الجواب بالسؤال، وعطف الجواب عن سؤال وقت العصر وغيره على جواب السؤال عن وقت الظهر عطفًا طفيليًا أو يقال: أجاب أبو هريرة ﵁ على أسلوب الحكيم فإن السائل سأله عن وقت الصلاة مطلقًا، فأجاب أبو هريرة بأول صلاة فرضت على رسول الله - ﷺ -، فإن أول صلاة فرضت على رسول الله - ﷺ - صلاة الظهر، وأول صلاة صلاها رسول الله - ﷺ - صلاة الظهر، كما قاله جلال الدين السيوطي في (الأوليات).\nقيل: أول من صلى الظهر إبراهيم ﵇، فإنه صلى ركعة لإزالة الغم عن ذبح ابنه وشكرًا له، وركعة شكرًا لنزول الفداء لابنه، وركعة رضاء لقوله تعالى له: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات: ١٠٥]، وركعة لإِطاعة ابنه حين قال له: ﴿يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات: ١٠٢]، وقال له ابنه: ﴿يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢]، فجعلها الله تعالى لأمة محمد - ﷺ - كفارات ودرجات، وقيل: أول من صلى صلاة الفجر آدم صلوات الله على نبينا وعليه - حين تاب الله عليه وقت طلوع الفجر، فصلى ركعتين شكرًا لزوال ظلمة الليل، وشكرًا لحصول نور النهار وقبول التوبة، فجعلها الله تعالى لأمة محمد - ﷺ - كفارات وحسنات، كما ورد في (تفسير سورة الفاتحة)، وقيل: أول من صلى صلاة العصر أربع ركعات (ق ١٣) يونس - صلوات الله على نبينا وعليه - حين أنجاه الله تعالى من أربع ظلمات صلى ركعة شكرًا لخلاصه من ظلم الليل، وركعة شكرًا لخلاصه من ظلم بطن الحوت، وركعة شكرًا لخلاصه من ظلم الذلة، وركعة شكرًا لخلاصه من ظلم الماء، فجعلها الله لأمة محمد - ﷺ - كفارات ودرجات، وقيل: أول من صلى صلاة المغرب عيسى ابن مريم - صلوات الله على نبينا وعليه - حين رفعه الله تعالى وأنجاه من شر اليهود بعد غروب الشمس، فصلى ثلاث ركعات شكرًا لله تعالى لنجاته من الأعداء، وارتفاعه إلى السماء، وفراغه من تدبير المعاش، فجعلها الله لأمة محمد - ﷺ - كفارات ودرجات، كما في (الأوليات).\nوقيل: أول من صلى العشاء أربع ركعات: موسى - صلوات الله على نبينا وعليه - حين خرج من المدين وانفصل من عند شعيب - صلوات الله على نبينا وعليه - وأصيب في","vol":"1","page":47},{"text":"الطريق أربع غموم وهموم: غم لضلاله عن الطريق، وغم لقرب زوجته وضع حملها، وغم لأخيه هارون ﵇، وغم من عدوه فرعون، وأن الله تعالى ناداه بقوله: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى ...﴾ الآية [طه: ٨٠]، وأنجاه من غمومه، فصلى موسى - صلوات الله على نبينا وعلينا - أربع ركعات في وقت العشاء شكرًا لخلاصه من غمومه، وهي كانت نافلة له، فرضًا علينا كما في (الفرائد شرح الملتقى).\nوقيل: أول من صلى الوتر رسول الله - ﷺ - صلاها ليلة المعراج عند وصوله إلى عرش الرحمن كان أوصاه صاحبه أبو بكر الصديق ﵁ حين بشر الله رسوله بالمعراج في قوله: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩]، أي: لتصعدن يا محمد طبقًا من أطباق السماء بعد طبق ليلة المعراج، وهذا المعنى على قراءة بفتح الباء الموحدة، فقال أبو بكر: يا رسول الله، إذا عرجت إلى السماء، صل لي ركعة فعرج فصلى لنفسه ركعة، وللصديق ركعة، وأمره الله أن يصلي له ركعة، فقام فلما قرأ فاتحة الكتاب وسورة معها وأراد أن يركع فاطلع إلى النار وإلى أهلها فغُشي عليه، على بناء المفعول، فنشر جبريل ماء الكوثر عليه، فلما أفاق كبَّر وقنت واستعاذ بالله من النار ومن أهلها، فما صلى لنفسه صارت سُنَّة وما صلاها لصاحبه صارت فضيلة الفرض والواجب والسنة كما قاله جلال الدين السيوطي في (الأوليات).\nقولنا: فغشى عليه، أي: صار مغمى عليه، والإِغماء: نوع مرض يضعف القوى ولا يزيل العقل، ولهذا جاز الإِغماء على الأنبياء ﵈، دون الجنون، كما قاله صاحب (الفرائد) في (شرح الملتقى)، لما بين أوقات الصلوات الخمس على الانفراد بين وقت صلاة العصر مرة أخرى اهتمامًا لشأنها، أو بيان أنها في وقت الاشتغال، وأنها تجوز في هذا الوقت.","vol":"1","page":48},{"text":"٢ - أخبرنا مالك، أخبرني ابن شهابٍ الزُّهرِيُّ، عن عُرْوَة قال: حدَّثَتْني: عائشةُ: أن رسول الله - ﷺ - كان يصلي العصرَ والشمسُ في حُجْرتِهَا قبل أن تَظْهَرَ (١).\n• فقال: قال محمد بن الحسن كذا في نسخة، وفي نسخة أخرى: محمد قال، وفي هذه النسخة نكتة وهي: أن تقديم المسند إليه لكونه أصلًا؛ لأنه محكوم عليه ولا بد من تحققه قبل الحكم فقصدوا أن يكون مقدمًا في اللفظ والمعنى كما في (شرح التلخيص): أخبرنا كذا في نسخة، وفي نسخة: ثنا مختصرًا عن حدثنا مالك بن أنس، أخبرني بالإِفراد، وفي نسخة عن ابن شهابٍ بكسر أوله الزُّهرِيُّ بضم الزاي (ق ١٤) المعجمة منسوب إلى بني زهرة بن كلاب، اشتهر بالنسب إليهم، وهو أبو بكر محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب، أحد الفقهاء المجتهدين والعلماء الأعلام من التابعين، ومن الطبقة الرابعة من أهل المدينة المشار إليه في فنون العلوم الشرعية، سمع نفرًا من الصحابة، وروى عنه خلق كثير منهم قتادة ومالك بن أنس.\nقال عمر بن عبد العزيز بن مروان: لا أعلم أحدًا أعلم بسنة ماضية منه، وقيل لمكحول: مَنْ أعلم من رأيت؟ قال: ابن شهاب، قيل: ثم من؟ قال: ابن شهاب، مات في شهر رمضان سنة أربع وعشر ومائة (٢)، عن عُرْوَة أي: ابن الزبير بن العوام، وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق، سمع أباه وأمه وعائشة وغيرهم من أكابر الصحابة ﵃، وروى عنه ابن هشام والزهري وغيرهما، ولد سنة اثنتين وعشرين، وهو من كبار التابعين، وهو أحد الفقهاء السبعة من أهل المدينة (٣)، قال: أي: عروة، حدَّثَتْني وفي الموطأ برواية يحيى بن يحيى التميمي عن مالك بن أنس، وفي (صحيح البخاري): ولقد حدثتني عائشةُ ﵂، أن رسول الله - ﷺ - كان يصلي صلاة العصرَ والحال الشمسُ وجدت في حُجْرتِهَا، أي: في داخل بيت عائشة ﵂.\n_________\n(١) أخرجه: البخاري (٥٢٢)، ومسلم (٦١١)، وأبو داود (٤٠٧)، والترمذي (١٥٩)، والنسائي (٥٠٥)، والدارمي (١١٨٥)، ومالك (٢).\n(٢) انظر: التقريب (٢/ ٥٥٢).\n(٣) انظر: التقريب (١/ ٣٩٩).","vol":"1","page":49},{"text":"قال السيوطي: والحجرة: بضم الحاء المهملة وسكون الجيم: البيت يسمى بها لمنعها المال، أي: وحول الأغيار من الرجال، وإيثار المضارع في موضع الماضي، والعدول مما يقتضيه الظاهر، وهو قد صلى إلى الماضي وهم قد صلى إلى المضارع، وهو يصلي لاستحضار تلك الحال في نظر أرباب الكمال كما قال علي القاري في (شرح حديث الأربعين)، والظرف في قوله: قبل أن تَظْهَرَ، أي: الشمس متعلق إلى يصلي، والمعنى: صلى رسول الله - ﷺ - صلاة العصر قبل أن ترتفع الشمس من جدار بيتها وتخرج منها، وهذا قد يختلف باختلاف الأمكنة والأزمنة، وفي رواية أبي داود عن أنس ﵁: كان رسول الله - ﷺ - يصلي صلاة العصر والشمس بيضاء مرتفعة حية، والمقصود منه: أنه كان يصلي في وقت الاختيار قبل وقت الكراهة من حال الاصفرار.\nقال جلال الدين السيوطي نقلًا عن ابن حجر العسقلاني: مناسبة الحديث أن عمر بن عبد العزيز بن مروان الخليفة الصالح أبو حفص، خامس الخلفاء الراشدين، كان أميرًا في زمن الحجاج بن يوسف بالمدينة أو بالشام وقعد على المنبر من طين واعظًا للناس، وقال: يا أيها الناس، أصلحوا أسراركم تصلح علانيتكم، واعملوا العصر عن وقتها المستحب المرغوب، فحدثه عروة بن الزبير قال: قد حدثني أبو منصور الأنصاري وبشر بن مسعود، كلاهما قد صحب النبي - ﷺ -: أن جبريل ﵇ جاء إلى النبي - ﷺ - حين دلكت الشمس، فقال: يا محمد، صل الظهر، فصلى، ثم جاءه حين كان ظل كل شيء مثله فقال: يا محمد، صل العصر، فصلى، ثم جاءه حين غربت الشمس فقال: يا محمد صل المغرب، فصلى، ثم جاءه حين غاب الشفق فقال: يا محمد، صل العشاء فصلى، ثم جاءه (ق ١٥)، حين انشق الفجر الثاني فقال: يا محمد، صل الصبح، فصلى، حين جاءه الغد حين كان ظل كل شيء مثله، فقال: يا محمد صل الظهر، فصلى، ثم جاءه حين كان ظل كل شيء مثليه، فقال: يا محمد، صل العصر، فصلى، ثم أتاه حين غربت الشمس، فقال: يا محمد، صل المغرب، فصلى، ثم أتاه حين ذهبت ساعة من الليل فقال: يا محمد، صل العشاء، فصلى، ثم أتاه حين أضاء الفجر وأسفر وابيض خالصًا، فقال: يا محمد، صل الصبح، فصلى، ثم قال: ما بين هذين وقت يعني أمس واليوم. قال عمر بن عبد العزيز لعروة: أجبريل أتاه؟ قال: نعم.\nوفي الحديث من الفوائد: دخول العلماء على الأمراء وإنكارهم عليهم ما يخالف","vol":"1","page":50},{"text":"السنة، واستثبات العالم فيما يستقر به السامع، والرجوع عند التنازع للسنة، وفضيلة عمر بن عبد العزيز، والمبادرة بالصلاة في أول الوقت الفاضل، وقبول الخبر الواحد المثبت، كما قاله الزرقاني في (شرح الموطأ) (١) لأبي عبد الله الإمام مالك بن أنس اتباع التابعين.\n* * *\n\n٣ - أخبرنا مالك، أخبرني ابن شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ، عن أنس بن مالك أنَّه قال: كنا نصلي العصرَ، ثم يَذْهب الذاهب إلى قُباءَ والشمسُ مرتفعة.\n• قال محمد: كذا في نسخة، وفي نسخة أخرى: محمد قال: أخبرنا كذا في نسخة، وفي نسخة: حدثنا، وفي نسخة أخرى: ثنا، ومن إلى حدثنا مالك قال: أي: مالك بن أنس بن مالك بن عمير بن أبي عامر الإمام الأصبحي، يعني: منسوب إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، كان في الطبقة السابعة من طبقات كبار أتباع التابعين، أخبرني بالإِفراد ابن شِهَابٍ محمد بن مسلم الزُّهْرِيُّ ثقة فقيه كان في الطبقة الرابعة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، كان في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، عن أنس بن مالك، ﵁، وهو خادم رسول الله - ﷺ -، وليس هو أبا مالك بن أنس كما توهم، فإن قيل: لم ترك حرف العطف، ولم يقل: وقال محمد، أو أخبرنا مالك، قلت: للإشعار بأن هذا الحديث الذي رواه عن مالك عن ابن شهاب الزهري عن أنس بن مالك ﵁ كالنتيجة، أو كالدليل، أو كالاستئناف، أو كالتأكيد للحديث المقدم الذي رواه بالواسطة عن عائشة ﵂ أنَّه أي: أنس، قال: كنا نصلي العصرَ، مع النبي - ﷺ - ثم يَذْهب الذاهب ماشيًا أو راكبًا.\nقال الحافظ: كأن أنس بن مالك أراد بالذاهب نفسه كما يشعر به رواية أبي الأبيض عن أنس: كان النبي - ﷺ - يصلي لنا العصر والشمس بيضاء محلقة، ثم أرجع إلى قومي في ناحية المدينة فأقول لهم قوموا فصلوا فإن رسول الله - ﷺ - قد صلى. رواه النسائي\n_________\n(١) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٢٦).\n(٣) أخرجه: البخاري (٥٥٠)، (٥٥١)، ومسلم (٦٢١)، وأبو داود (٤٠٤)، والنسائي (٥٠٦)، وابن ماجه (٦٨٢)، وأحمد (١٢٢٣٣)، والدارمي (١٢٠٨)، ومالك (١١).","vol":"1","page":51},{"text":"والطحاوي واللفظ له. إلى قُباءَ أي: قبل دخول الليل، وهو بضم القاف وموحدة، قال النووي: بمدٍ ويقصر، ويصرف ولا يصرف، ويذكر ويؤنث، والأفصح فيه التذكير، والصرف، والمد، وهو على ثلاثة أميال من المدينة، فيأتيهم أي: الذاهب إلى أهل قباء بقومه في ناحية المدينة، والحال: الشمسُ مرتفعة، أي: ظاهرة غير غائبة.\n* * *\n\n٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك قال: كنا نصلي العصرَ، ثم يخرجُ الإِنسان إلى بني عَمْرو بن عوف فيجدُهم يُصلُّون العصر.\nقال محمد: تأخير العصر أفضل عندنا من تعجيلها إذَا صَلَّيْتها والشمسُ بيضاء نقية لم تدخلها صُفْرَةٌ، وبذلك جاءَت عامَّة الآثار. وهو قولُ أبي حنيفة.\nوقال بعض الفقهاء: إنَّما سُمِّيَتِ العصر؛ لأنها تُعْصَرُ وتُؤخَّرُ.\n• قال محمد: كذا في نسخة، وفي نسخة أخرى: محمد، قال: أخبرنا كذا في نسخة، وفي نسخة: ثنا رمزًا إلى حدثنا كما في نسخة، مالك كذا في نسخة، وفي نسخة أخرى: مالك بن أنس، قال: أخبرنا كذا في نسخة، وفي نسخة أخرى: حدثنا، وفي نسخة أخرى: ثنا (ق ١٦)، إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة: زيد بن سهل الأنصاري المدني التابعي، ثقة حجة مات سنة اثنين وثلاثين ومائة (١)، عن أنس بن مالك ﵁، وهو ابن النضر الأنصاري الخزرجي خادم رسول الله - ﷺ - عشر سنين، مات سنة اثنين وقيل: ثلاث وتسعين، وقد جاوز المائة، قال: كنا نصلي صلاة العصرَ مع رسول الله - ﷺ - في مسجد المدينة، قال ابن عبد البر: هذا يدخل عندهم في المسند، وصرح برفعه ابن المبارك وعتيق بن يعقوب الزبيري، كلاهما عن مالك بلفظ: كنا نصلي العصر مع النبي - ﷺ -. . انتهى.\n_________\n(٤) أخرجه: البخاري (٥٤٨)، ومسلم (٦٢١)، ومالك (١٠).\n(١) انظر: التقريب (١/ ٤٥).","vol":"1","page":52},{"text":"وهذا اختيار الحاكم أن قول الصحابي: كنا نفعل كذا، مسندًا ولو لم يصرح بإضافته إلى زمن النبي - ﷺ -، وقال الدارقطني والخطيب وغيرهما: هو موقوف.\nقال الحافظ ابن حجر: والحق أنه موقوف لفظًا مرفوع حكمًا؛ لأن الصحابي أورده في مقام الاحتجاج فيحمل على أنه أراد كونه في زمنه - ﷺ -، وقد روى النسائي عن ابن المبارك عن أنس بن مالك الحديث فقال: كنا نصلي العصر مع النبي - ﷺ -، ثم يخرجُ الإِنسان أي: أحد منا إلى بني عَمْرو بن عوف، وهم قبيلة كانوا ساكنين قريب المدينة، فيجدُهم يُصلُّون العصر، أي: في آخر الوقت.\nقال أبو عمر: معنى الحديث: السعة، وقال النووي: قال العلماء: كانت منازلهم على ميلين من المدينة، وكانوا يصلون العصر في وسط الوقت، لأنهم كانوا يشتغلون بأعمالهم وحروثهم وزروعهم وحوائطهم، فإذا فرغوا من أعمالهم تأهبوا للصلاة، ثم اجتمعوا لها فتأخر صلواتهم بهذا، وهذا الحديث أخرجه البخاري عن القعنبي، ومسلم عن يحيى، كلاهما عن مالك.\nقال محمد: تأخير صلاة العصر إلى وقت الاختيار قبل وقت الكراهة، أفضل عندنا، أي: خلافًا للشافعي، فإنه يقول: الأفضل هو التعجيل مطلقًا من تعجيلها، أي: إلا يوم الغيم، إذَا صَلَّيْتها، أي: إن صليت أيها المخاطب صلاة العصر صلها في وقت المختار، ولتكن والشمسُ بيضاء أي: نورًا، نقية، أي: خالصة، لم يدخلها، أي: لم يختلط في بياض نورها صُفْرَةٌ، وبذلك أي: في حق أفضلية تأخير صلاة العصر جاءَت عامَّة الآثار، أي: أكثر الأحاديث، وهو أي: التأخير، قولُ أبي حنيفة؛ ﵀، أي: مختاره الذي تبع به أصحابه، فإن قيل: أين تذهب الشمس إذا غربت؟ الجواب: ما ورد في صحيح مسلم وغيره عن أبي ذر الغفاري ﵁، قال: كنتُ عند رسول الله - ﷺ - في المسجد عند الغروب فقال: \"يا أبا ذر، أتدري أين تذهب هذه الشمس؟ \" قلت: الله ورسوله أعلم، قال: \"إنها تذهب فتسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها، فيقال لها: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس: ٣٨]، ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها، فذلك قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس: ٣٨]. كما في (خواتم الحكم). وقد قال بعض","vol":"1","page":53},{"text":"الفقهاء، أي: ممن لهم مشاركة في تحقيق اللغة، إنَّما سُمِّيَت العصر، أي: صلاة العصر؛ لأنها تُعْصَرُ أي: يتبطأ، وتُؤخَّرُ، وفي (الصحاح) قال الكَسائي: جاء فلان (ق ١٧)، عصرًا، أي بطيئًا متأخرًا، قال بعض المفسرين: سمي صلاة العصر عصرًا؛ لأنه إذا صلى العبد صلاة العصر جاء ملك من ملائكة الله تعالى ويعصره، أي يضمه إلى نفسه حتى يُخرج ذنوبه وخطاياه. وروى مسلم وأبو داود والنسائي والحاكم بإسناد حسن عن أبي سلمة عن جابر مرفوعًا، يقولون: سمعنا رسول الله - ﷺ - يقول: \"إن ساعة يوم الجمعة يستجاب الدعوات فيها وهي بعد العصر\".\nقال بعض المفسرين: ما الحكمة في قسم الله تعالى بصلاة العصر في قوله: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ١، ٢]؟ الجواب: لأنه وقت يعم فيه خيرات الأولياء من طلب العلم، والقراءة، والتسبيح، والصلوات الخمس، وغيرها، فأقسم بها تعظيمًا لخدمة أوليائه وإعلامًا أنهم كرماء وعظماء عند ربهم.\nولما فرغ عما يتعلق بوقوت الصلاة شرع بما يتعلق بالطهارة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>باب ابتداء الوضوء</span>\nفقال: هذا باب ابتداء الوضوء، وهو أي الباب في اللغة: النوع، وفي العرف: نوع من المسائل التي اشتمل عليها الكتاب، كذا قاله الشمني، وهو أي: لفظ باب، بالتنوين على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هذا باب، أو بالوقف، فلاحظ له من الإِعراب أو بالإِضافة إلى ابتداء مضاف إلى الوضوء، والمعنى على التقدير الأول: هذا باب كان في بيان كيفية الشروع بالوضوء، وعلى التقدير الثالث: باب كيفية الشروع بالوضوء مشتمل على أربعة أحاديث، وإضافة الباب إلى ابتداء على التقدير الأول بمعنى: في، وإضافة ابتداء إلى الوضوء من قبيل إضافة الصفة إلى موصوفها، ومناسبة هذا الباب بالباب المتقدم أنهما في بيان بعض شروط الصلاة، لكن قدوم الباب الأول على هذا الباب لكثرة وقوعه بالنسبة إلى هذا الباب، وقوله: الوضوء بالضم الفعل، وبالفتح: الماء الذي يُتوضأ به، وحكي في كل الفتح والضم، وهو مشتق من الوضاءة وهو الحسن والنظافة؛ لأن المصلي يتنظف به فيصير وضيئًا، كذا قاله العسقلاني.","vol":"1","page":54},{"text":"٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا عَمرو بن يحيى بن عُمارة بن أبي حَسَن المازِنيُّ، عن أبيه يحيى؛ أنه سمع جده أبا حسن يسأل عبد الله بن زيد بن عاصم، وكان من أصحاب رسول الله - ﷺ -، فقال: هل تستطيع أن تُرِيَني كيف كان رسول الله - ﷺ - يتوضَّأ؟ قال عبد الله بن زيد: نعم، فَدَعَا بوضوء، فأفْرغَ على يَدَيْه فغسل يديه مرتين، ثم مَضْمَضَ، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل يَدَيْه إلى الْمِرْفَقَيْن مرتين مرتين، ثم مسح من مقَدَّم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم رَدَّهما إلى المكان الذي منه بدأ، ثم غسل رجليه.\nقال محمد: هذا حَسَنٌ؛ والوضُوء ثلاثًا، أفضلُ، والاثنان يُجْزيان، والواحدة إذا أسبْغَتْ تجزئ أيضًا، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• قال محمد، كذا في نسخة، وفي نسخة أخرى: محمد قال: أخبرنا، كذا في نسخة، وفي نسخة أخرى: حدثنا، وفي نسخة أخرى: ثنا رمزًا إلى حدثنا، مالك بن أنس قال: أخبرنا وفي نسخة: حدثنا عَمرو، فتح العين، ابن يحيى بن عُمارة، بضم العين وتخفيف الميم، ابن أبي حَسَن، وفي نسخة: أبي الحسن باللام، المازِنيُّ بكسر الزاي المعجمة، من بني مازن بن نجار الأنصاري، وهو صفة عمرو بن يحيى، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة والثلاثين (١)، عن أبيه يحيى؛ أنه سمع جده أبا حسن، قيل: وله صحبة، يسأل اعلم أن سمع يتعدى إلى مفعول واحد إذا دخل على الصوت، نحو: سمعتُ قول زيد، وإلى مفعولين إذا دخل على غيره.\nقال عصام الدين: ويجب حينئذٍ أن يكون مفعوله الثاني مضارعًا، فقوله: يسأل، مفعوله الثاني، ومفعوله الأول جده، وأبا الحسن بيان له، وإنما عدل إليه عن سأل الذي هو مقتضى الظاهر استحضارًا لصورة السماع للحاضرين، كأنه يريهم أنه سامع له الآن،\n_________\n(٥) أخرجه: البخاري (١٩١)، (١٩٢)، ومسلم (٢٣٥)، وأبو داود (١١٨)، والترمذي (٣٢)، والنسائي (٩٧)، وابن ماجه (٤٣٤)، وأحمد (١٦٠١٠)، والدارمي (٦٩٤).\n(١) انظر: التقريب (١/ ٤٢٩).","vol":"1","page":55},{"text":"وقيل: إنه حال مبينة، فالتقدير أنه سمع جده حال كونه يسأل عبد الله (ق ١٨) بن زيد بن عاصم، بن كعب الأنصاري المازني، صحابي شهير، روى صفة الوضوء وعدة أحاديث، وشهد بدرًا وما بعدها فيما جزم به أبو أحمد الحنبلي وابن منده، وأخرجه الحاكم في (المستدرك)، وقال ابن عبد البر: شهد أحدًا وغيرها ولم يشهد بدرًا، ويقال: إنه الذي قتل مسيلمة الكذاب واستشهد يوم الحرة سنة ثلاث وستين كما قاله الزرقاني، وكان أبو عبد الله بن زيد بن عاصم من أصحاب رسول الله - ﷺ -، فقال: كذا في نسخة، وفي نسخة أخرى: قال، أي: جده أبو الحسن لعبد الله بن زيد: هل تستطيع أن تُرِيَني من الإراءة، أي: تبصرني، أي: تعلمني.\nقال الحافظ ابن حجر: وفيه ملاطفة التلميذ لشيخه، وكأنه أراد الإراءة بالفعل ليكون أبلغ في التعليم، وسبب الاستفهام ما قام عنده من احتمال أن يكون معنى ذلك لبعد العهد، كيف كان رسول الله - ﷺ - يتوضَّأ؟ أي: للصلاة.\nقال السيوطي ليحيى بن مالك عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه أنه قال لعبد الله بن زيد بن عاصم، وهو جد عمرو بن يحيى، وكان من أصحاب رسول الله - ﷺ -: هل تستطيع. . . الحديث.\nقال ابن عبد البر: هكذا في (الموطأ) عند جميع رواته رواية رواية، وانفرد به مالك، ولم يقل أحد في عبد الله بن زيد بن عاصم أنه جد عمرو بن يحيى المازني إلا مالك فإنه عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبي حسن المازني الأنصاري، لا خلاف في ذلك، ولجده أبي حسن صحبة فيما ذكره بعضهم، فعسى أن يكون جده لأمه؛ لأن الأمر ثبت على خلاف ذلك، قوله: كيف، في: كيف كان رسول الله - ﷺ -؟ ظرف من الظروف المبنية للزمان الحال؛ لأنه سؤال عن الحال؛ وإنما بني لتضمنه معنى همزة الاستفهام، وعلى الحركة لالتقاء الساكنين، وعلى الفتحة للخفة ولفظ: كان زائدة مجازًا كما في قوله تعالى في سورة مريم: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا)﴾ [مريم: ٢٩]، جيء به لتحسين اللفظ، والعامل في محله النصب لفظ يتوضأ مؤخرًا، وقدم على عامله؛ لأن فيه معنى همزة الاستفهام، وهو يقتضي الصدارة، والمعنى: هل تستطيع أن تريني وضوء رسول الله - ﷺ - بأي حال وجد؟ قال عبد الله بن زيد: نعم، أستطيع وهو بفتح النون والعين وسكون الميم حرف وعد وإعلام بعد الاستفهام جوابًا للاستفهام، نحو: هل تعطيني؟ يقال: نعم،","vol":"1","page":56},{"text":"أعطني، كما قاله ابن هشام في (مغني اللبيب)، فَدَعَا عبد الله بن زيد بوضوء، بفتح الواو، ماء يتوضأ به، وللبخاري عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، فدعا، أي: طلب بماء وله من وجه آخر فدعا بقدر من ماء بفوقية مفتوحة، أي: قدح أو إناء يشرب منه، أو الطست أو شبه الطست، أو مثل القدر يكون من صخر أو حجارة، والتور المذكور وهو الذي توضأ منه عبد الله بنِ زيد، أنه سئل عن صفة الوضوء فيكون أبلغ في حكاية صورة الحال على وجهها، فأفْرَغ أي: صب بنفسه، يقال: أفرغ وفرغ لغتان حكمًا كذا في (المحكم) على يَدَيْه كذا في رواية (ق ١٩)، ابن وضاح بلفظ التثنية، وفي رواية يحيى: على يده بالإِفراد، وزاد أبو مصعب ويحيى بن بكير: اليمني، فالتقدير على إحدى يديه، أو المراد بيده جنسها، فتيقن الروايتان معنى فغسل يديه أي: كل واحدة منهما مرتين، ولذا اقتصر على ذكر مرتين مرة، والمراد: غسلهما إلى رسغيهما، فوضع الظاهر موضع الضمير فلزيادة التمكن وكان مقتضى الظاهر أن يقول فغسلهما، ثم مَضْمَضَ، كذا في نسخة، وفي نسخة أخرى: فمضمض واستنثر، يحتمل مرتين نظرًا إلى ما قبله، ويحتمل ثلاثًا اعتبارًا بما بعده وهو قوله: ثم غسل وجهه ثلاثًا، لم تختلف الروايات في ذلك، ويلزم من استدل بالحديث على وجوب تعميم الرأس بالمسح يعني كمالك وتبعه البخاري أن يستدل به على وجوب الترتيب للإِتيان بقوله، ثم في الجميع؛ لأن كلا الحكمين يحمل في الآية بينت السنة بالفعل، كذا قاله الحافظ ابن حجر، ولا يلزم ذلك؛ لأن إسقاط الياء في قوله: مسح رأسه مع كونها في الآية ظاهر في وجوب مسح الجميع لا سيما قد أكده في رواية بلفظ: كله بخلاف لفظ: ثم لا يفيد وجوب الترتيب، بل يتحقق بالسنة والألزم أن التثليث ونحوه واجب لأنه مجمل في الآية أيضًا؛ ثم غسل يديه أي: ساعديه إلى المِرفقين بكسر الميم وفتح الفاء، وبضم الميم وكسر الفاء لغتان مشهورتان وقراءتان متواترتان، وهما، أي: المرفقان: العظمان الناتئان في آخر الذراعين، سميا بذينك؛ لأنه يرتفع بهما في الاتكاء ونحوه، وذهب جمهور العلماء إلى دخولهما في غسل اليدين؛ لأن إلى في الآية بمعنى: مع، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢]، أي: مع أموالكم، مرتين مرتين، وفي ذكره مرتين مرتين: تثنية على أنه غسل كل واحدة مرتين، وإلا فلم يتكرر ربما يتوهم أن كلًا غسلهما مرة.\nقال الوالي العراقي: المنقول في علم العربية أن أسماء الأعداد والمصادر والأجناس","vol":"1","page":57},{"text":"إذا كررت كان المراد حصولها مكررة لا التوكيد اللفظي فإنه قليل الفائدة لا يحسن حيث يكون للكلام محمل غيره، مثال ذلك: جاء القوم اثنين اثنين، أو رجلًا رجلًا وضربته ضربًا ضربًا؛ أي: اثنين بعد اثنين، أي: غسلهما مرتين بعد مرتين، أي: كل واحدة منهما بالغسل مرتين، ثم مسح أي: مبتدأً من مقَدَّم رأسه أي: بيديه المبلولتين بماء جديد، حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم رَدَّهما، كذا في نسخة، وفي نسخة أخرى: مدهما بفتح الميم والدال المشددة المفتوحة، أي: على طرفي رأسه. إلى المكان الذي منه بدأ، بالهمزة، أي: ابتدأ ليحصل الاستيعاب فإنه سنة مؤكدة عند الجمهور، وواجب عند الإِمام مالك، ثم غسل رجليه، أي: إلى كعبيه، إما ثلاثًا أو مرتين.\nقال محمد: هذا أي: ما ذكر من الغسيل مرتين: حَسَنٌ؛ أي: جائز مستحسن، والوضُوء ثلاثًا، ثلاثًا، أي: في المغسولات أفضلُ، أي: اتفاقًا، والاثنان يُجْزيان، والواحدة والمرة الواحدة في غسل الأعضاء إذا أسبْغَتْ بصيغة الخطاب أو بالتأنيث مجهولًا، أي: إذا استوعب الأجزاء (ق ٢٠) تجزئ بضم تاء التأنيث، وهمزة في آخره، أي: تكفي أيضًا، أي: كما يكفي مرتين، وهو قولُ أبي حنيفة ﵀، ولا أظن له مخالفًا فيه.\nما الحكمة في تخصيص الأعضاء الأربعة بالوضوء؟ الجواب: قبل العلة الأولوية، والحكم الربانية أن آدم، صلوات الله على نبينا وعليه، لما توجه إلى الشجرة بالوجه، وتناولها باليد، ومشى إليها بالرجل، ووضع يده على رأسه فأمر بغسل هذه الأعضاء الأربعة وأغلب الأعمال بها فأمره بغسلها تكفيرًا لخطاياه، وقد جاء في الحديث: أن العبد إذا غسل وجهه خرجت خطاياه حتى تخرج من أشفار عينيه، وكذلك في بقية الأعضاء، وقيل: اختص لغسل هذه الأعضاء الأمة المحمدية ليكونوا غرّا محجلين بين الأمم كما ورد في الحديث.\nقال النيسابوري: إن آدم صلوات الله على نبينا وعليه لما أكل من الشجرة وبلغت قوته في الأعضاء الأربعة فأمر بغسلها، ويقال: لأن هذه الأعضاء ظواهر، فقال تعالى: نقِّ أنت ظواهرك حتى أنقي أنا باطنك، طهر وجهك الظاهر بالماء، وإخلاص العمل، أطهر وجهك الباطن بالفيض المقدسي، وقيل: هذه الأعضاء الأربعة عروس الأعضاء فأمرنا بغسلها للتزين بالأنوار الحاصلة من آثار الوضوء فنميز يوم القيامة","vol":"1","page":58},{"text":"كالعرائس في الدنيا، كما في (خواتم الحكم)، أخبرنا، كذا في نسخة، وفي نسخة أخرى: محمد قال.\n* * *\n\n٦ - أخبرنا مالك، حدثنا أبو الزَّناد؛ عن عبد الرحمن الأعْرَج، عن أبي هريرة قال: إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماءً، ثم ليستنثر.\n• أخبرنا مالك، حدثنا، وفي نسخة: قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، أبو الزَّناد؛ بكسر الزاي قبل النون، وهو عبد الله بن زكوان وكنيته أبو عبد الله، وأبو الزناد لقبه، وكان يغضب منه لما فيه من معنى ملازم النار، لكنه اشتهر بها لجودة ذهنه وحدة فهمه كأنه نار موقدة، ثقة فقيه، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة (١).\nوقال بعض المؤرخين: بعد المائة والثلاثين سنة، عن عبد الرحمن الأعْرَج، وقد اشتهر به فلا حرج، وهو ابن هرمز المدني، مولى بني هاشم من مشاهير التابعين، أُشْهِر لروايته عن أبي هريرة، ﵁، وروى عنه الزهري، كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين، مات بالأسكندرية سنة عشر ومائة وهي في الإقليم الثالث من الأقاليم السبعة، عن أبي هريرة ﵁، أنه قال: إذا توضأ أحدكم، أي: إذا أراد أن يتوضأ أحدكم، فليجعل أي: الماء، في أنفه، قال ابن عبد البر: كذا رواه يحيى، ولم يقل: ماء، وهو مفهوم من السياق ورواه القعنبي وابن بكير، وأكثر الرواة فقالوا: في أنفه ماءً، ثم ليستنثر، من باب الاستفعال، أي: ليخرج نخامته من أنفه، كذا رواه النسائي.\nقال السيوطي ليحيى: ثم لينتثر بكسر المثلثة بعد النون الساكنة والتاء مفتوحة على صيغة أمر الغائب من باب الانفعال، وقال القاضي عياض: هو من النثر، وهو الطرح، وهو هنا طرح الماء من الأنف بعد الاستنشاق، وهو جذب الماء بالنفس إلى أقصى الأنف والاستنثار: إخراج الماء (ق ٢١) من الأنف بعد الاستنشاق.\n_________\n(٦) أخرجه: البخاري (١٦١)، ومسلم (٢٣٧)، وأبو داود (١٤٠)، والنسائي (٨٦)، وأحمد (٧٦٨٨)، ومالك (٣٤).\n(١) انظر: التقريب (١/ ٢٨٧).","vol":"1","page":59},{"text":"هذا الحديث موقوف لفظًا عند المصنف، ﵀، حيث وقفه إلى أبي هريرة، ومرفوع حكمًا عند الإِمام مالك حيث رواه من موطئه، مرفوعًا عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماءً، ثم لينتثر، ومن استجمر فليوتر\"، وكذا مرفوع عند البخاري، حيث قال في صحيحه: باب الاستجمار وترًا.\nحدثنا عبد الله بن يوسف، أنبأنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء، ثم ليستنثر، ومن استجمر فليوتر، وإذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده\" (١)، ومناسبة هذا الحديث إلى الترجمة من جهة بيان كيفية استنشاق المتوضئ من أنفه.\n* * *\n\n٧ - أخبرنا مالك، حدثنا الزهري، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: \"مَنْ توضأ فليستنثر، ومن استجمر فليوتر\".\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أنه ينبغي للمتوضئ أن يتمضمض ويستنشق، وينبغي له أيضًا أن يستجمر، والاستجمار: الاستنجاء، وهو قول أبي حنيفة.\n• محمد قال: كذا في نسخة، أخبرنا مالك عن ابن شهاب، قال: حدثنا، وفي نسخة: ثنا رمزًا إلى حدثنا، الزهري، عن أبي إدريس الخولاني، بفتح الخاء المعجمة، وسكون الواو واللام والنون بعدها ياء: نسبة إلى قبيلة بالشام، وهي في الإقليم الثالث من الأقاليم السبعة، واسمه عائذ الله بعين مهملة وتحتية وذال معجمة، بن عبد الله، ولد في حياة النبي - ﷺ - يوم حنين، وسمع كبار الصحابة.\n_________\n(١) أخرجه: البخاري (١٦٢)، ومسلم (٢٧٨).\n(٧) أخرجه: البخاري (١٦١)، ومسلم (٢٣٧)، والنسائي (٨٨)، وابن ماجه (٤٠٩)، وأحمد (٧١٨٠)، ومالك (٣٤).","vol":"1","page":60},{"text":"قال سعيد بن عبد العزيز: كان عالم الشام بعد أبي الدرداء، وقال مكحول: ما رأيتُ أعلم منه، مات سنة ثمانين، كما قاله الزرقاني، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"مَنْ توضأ\" أي: إذا أراد أن يتوضأ وضوءًا كاملًا فليستنثر، أي: فليبالغ في استنشاقه بأن يخرج ما في أنفه، وفيه طرد الشيطان، لما رواه البخاري ومسلم: \"إذا استيقظ أحدكم فتوضأ فليستنثر ثلاثًا، فإن الشيطان يبيت على خيشومه\"، أي: على أنفه، ونومه عليه حقيقة أو استعارة؛ لأن ما ينعقد من الغبار ورطوبة الخياشيم قذارة توافق الشيطان، فهذا على عادة العرب في نسبة المستخبث والمستبشع إلى الشيطان، أو ذلك عبارة عن تكسيله عن القيام إلى الصلاة، ولا مانع من حمله على الحقيقة، وهل مبيته لعموم النائمين، ومخصوص بمن لم يفعل ما يحترس به في منامه كقراءة الكرسي؛ الأقرب الثاني.\nقال الحافظ: وظاهر الأمر فيه الوجوب، فيلزم من قال بوجوب الاستنشاق لورود الأمر به، كأحمد وإسحاق وغيرهما أن يقول به في الاستنثار، وهو ظاهر كلام الحنابلة، وأن مشروعية الاستنشاق إنما تحصل بالاستنثار. وصرح ابن بطال بأن بعض العلماء قال بوجوب الاستنثار، وفيه تعقب على من نقل الإجماع على عدم وجوبه، واستدل الجمهور على أن الأمر فيه للندب بقوله - ﷺ - للأعرابي: \"توضأ كما أمرك الله\" (١)، حسنه الترمذي، وصححه الحاكم، فأحاله على الآية وليس فيها استنشاق، والاستنثار، ويعقب (ق ٢٢) باحتمال أن يراد بالأمر ما هو أعم من آية الوضوء، فقد أمر الله باتباع نبيه، ولم يحك أحدٌ من وصف وضوءه على الاستقصاء أنه ترك الاستنشاق، بل ولا المضمضة، وهذا يرد على من لم يوجب المضمضة أيضًا.\nوقد ثبت الأمر بها في سنن أبي داود بإسناد صحيح، وذكر ابن المنذر أن الشافعي لم يحتج على عدم وجوب الاستنشاق مع صحة الأمر به لا لكونه لا يعلم خلافًا في أن تاركه لا يعيد، وهذا دليل فقهي فإنه لا يحفظ ذلك عن أحد من الصحابة والتابعين إلا عطاء، وثبت عنه أنه رجع عن الإِعادة.\nومن استجمر أي: إذا مسح مقعده بعد قضاء الحاجة بالأحجار، فليوتر: فليمسحه\n_________\n(١) أخرجه: أبو داود (٨٥٦)، والترمذي (٣٠٢).","vol":"1","page":61},{"text":"بثلاثة أحجار ندبًا بالزيادة النقاوة، وروى أبو داود وابن ماجه بإسناد حسن: \"من فعل فقد أحسن، ومن لم يفعل فلا حرج\"، وبهذا أخذ مالك وأبو حنيفة، رحمهما الله، وداود الطائي ومن وافقهم، فإن الإِتيان يقع على الواحد، وهو مستحب فقط بلا شرط ولا يخالفه حديث سلمان عند مسلم مرفوعًا لا يتسبح أحدكم بأقل من ثلاثة أحجار لحمله على الكمال.\nقال محمد: وبهذا، أي: بهذا الحديث، نأخذ، أي: نعمل ونفتي، أنه ينبغي، أي: يستحب، للمتوضئ أي: المريد الوضوء، وأما المغتسل فيجب عليه أن يتمضمض، أي: يغسل فمه وكماله ثلاث وكذا قوله: ويستنثر أي: يغسل أنفه، وينبغي له أيضًا أن يستجمر، وقد يجب في محل الاستجمار: وهو المسح بالجمار وهو الأحجار الصغار، الاستنجاء، والمعنى: أنه يجوز به الاكتفاء، وإلا فالأفضل أن يجمع بينه وبين الماء، أو يكتفي بالماء، وهو، أي: استحباب الاستنجاء: ثلاثة أحجار، وهو قول أبي حنيفة ﵀، يُدْبِر بالحجر الأول ويقبل بالثاني ويدبر بالثالث في الصيف، ويعكس في الشتاء، محمد قال، كذا في نسخة.\n* * *\n\n٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا نُعَيْم بن عبد الله المُجْمِرُ: أنه سمع أبا هريرة يقول: من توضأ فأحسن وُضوءه، ثم خرج عامِدًا إلى الصلاة، فهو في صلاة ما كان يَعْمِدُ، وأنه تُكْتَبُ له بإحدى خُطْوَتيْه حسنة، عنه بالأُخرى سيئة، فإن سَمِع أحدكم الإقامة فلا يَسْعَ، فإن أعظمكم أجرًا أبعدكُم دارًا، قالوا: لم يا أبا هريرة؟ قال: من أجل كثرة الخُطَى.\n• أخبرنا مالك بن أنس، كذا في نسخة، قال: أخبرنا وفي نسخة بالإِفراد، نُعَيْم بضم النون وفتح وسكون الياء التحتية والميم بعدها، ابن عبد الله المدني مولى آل عمر، روى عن جابر، وابن عمرو، وأبي هريرة، وأنس، وجماعة، وعنه: محمد ابنه، ومالك،\n_________\n(٨) صحيح، أخرجه مالك (٦٥).","vol":"1","page":62},{"text":"وآخرون، وثقه ابن معين، وأبو حاتم وغيرهما، المُجْمِرُ بضم الميم وسكون الجيم، وكسر الميم الثانية: اسم فاعل من الإجمار على المشهور وبفتح الجيم وكسر الميم الثانية المشددة، من التجمير كان في الطبقة الثالثة من أوسط التابعين من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة (١).\nقال الحافظ ابن حجر (٢): وُصف هو وأبوه بذلك لكونهما يجمران مسجد النبي - ﷺ -، وزَعم بعض العلماء أن وصف عبد الله بذلك حقيقة، ووصف ابنه نعيم بذلك مجاز فيه نظر فقد جزم إبراهيم الحربي بأن نعيمًا كان يباشر ذلك.\nوقال السيوطي: كان عبد الله مجمر المسجد إذا قعد عمر على المنبر، وقيل: كان من الذين يجمرون الكعبة، زاد غيره: وقيل: كان عبد الله يجمر مسجد النبي - ﷺ - في رمضان وغيره، ولا مانع في الجمع، أنه سمع أبا هريرة يقول قال ابن عبد البر: قال مالك وغيره: كان نعيم يوقف كثيرًا من أحاديث أبي هريرة، ومثل هذا الحديث لا يقال من الرأي، فهو مسند وقد ورد معناه من حديث أبي هريرة وغيره بأسانيد صحاح، من توضأ فأحسن وُضوءه، بإتيان (ق ٢٣)، فرائضه وسننه وفضائله وتجنب منه سيئاته، ثم خرج أي: من بيته، أو من سوقه، عامِدًا إلى الصلاة، أي: قاصدًا إليها دون غيرها، فهو في صلاة أي: في حكمها من العبادة من جهة كونه مأمورًا بترك العبث، وفي استعمال الخشوع، وللوسائل حكم المقاصد، وهذا الحكم مستمر ما كان يَعْمِدُ، بكسر الميم، أي: في زمن استمر عليه، ولفظ \"ما\" مصدرية بمعنى الزمان، كما قال النبي - ﷺ -: \"والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه\" (٣)، أي: ما دام أعانه إليها، أي: إلى الصلاة، أي: ما دام مستمرًا على قصد الصلاة، ثم المراد أن يكون باعث خروجه قصد الصلاة، وإن عرض له في خروجه أمر دنيوي فقضاه، والدار على الإِخلاص فحسب، وفي معناه ما روى الحاكم في أبي هريرة مرفوعًا: \"إذا توضأ أحدكم في بيته، ثم أتى المسجد كان في صلاة حتى يرجع، فلا يفعل هكذا - أو شبك بين يديه\".\n_________\n(١) انظر: التقريب (٢/ ٦٢٦).\n(٢) انظر: فتح الباري (١/ ٢٣٥).\n(٣) أخرجه: مسلم (٢٦٩٩).","vol":"1","page":63},{"text":"وروى أحمد وأبو داود والترمذي وصححه ابن خزيمة وابن حبان عن كعب بن عجرة مرفوعًا، ولفظه: \"إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه، ثم خرج عامدًا إلى المسجد فلا يشبكن بين يديه فإنه في صلاة\"، وأنه بفتح الهمزة وكسرها، أي: الشأن تُكْتَبُ له بإحدى خُطْوَتَيْه بضم الخاء إلى ما بين القدمين، وبالفتح المرة، قال الجوهري: وجزم اليعمري أنها هنا بالفتح، وضبطها القرطبي والحافظ بالضم وهي اليمنى، حسنة، وتُمحى عنه بالأُخرى أي: بالخطوة اليسرى سيئة، أي: من الصغائر، ويرجى من الكبائر. وفي معناه ما رواه الطبراني والحاكم والبيهقي عن ابن عمر: \"إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا ينزعه إلا الصلاة لم يزل رجله اليسرى يمحي عنه سيئة، ويكتب له اليمنى حسنة حتى يدخل المسجد، ولو يعلم الناس ما في العتماء والصبح لأتوها ولو حبوًا\"، وهو بفتح الحاء المهملة وسكون الباء الموحدة، والواو بعدها: الانتقال على الألية كما يمشي الصبيان على ألاياهم إذا لم يقدروا المشي على أرجلهم، قال الباجي: يحتمل أن للحط حكمين: فتكتب له ببعضها حسنات، ويمحى عنه ببعضها سيئات، وأن حكم زيادة الحسنات غير حكم محو السيئات، وهذا ظاهر اللفظ، ولذلك فرق بينهما، وذكر قوم أن معنى ذلك واحد، وأن كتب الحسنات هو بعينه محو السيئات. انتهى.\nقال غيره في تكفير السيئات مع رفع الدرجات؛ لأنه قد يجمع في العمل سيئات أحدهما واقع، والآخر مكفر كل منها باعتبار فلا إشكال فيه ولا تأويل كما ظن، وفيه إشعار بأن هذا الجزاء للماشي لا للراكب، أي: بلا عذر، وذكر رجليه غالبي، فبدلها في حق فاقدها مثلها. وروى أبو داود والبيهقي عن سعيد بن المسيب عن بعض الأنصار سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى الصلاة لم يرفع قدمه اليمنى إلا كتب الله ﷿ له حسنة، ولم يضع (ق ٢٤) قدمه اليسرى إلا حطَّ الله ﷿ سيئة، فليقرب أحدكم أو ليبعد\" (١).\nقال العراقي: خص تحصيل الحسنة باليمنى لشرف جهة اليمنى وحكمة ترتب الحسنة على رفعها حصول رفع الدرجة بها، وحكمة ترتب حط السيئة على وضع اليسرى مناسبة الحط للوضع، فلم يرتب حط السيئة على رفع اليسرى كما فعل في\n_________\n(١) أخرجه: أبو داود (٥٦٣)، وفيه معبد بن هرمز: مجهول.","vol":"1","page":64},{"text":"اليمنى، بل على وضعها، أو يقال: إن قاصد المشي للعبادة أول ما يرفع اليمنى للمشي، فرتب الأجر على ابتداء العمل، فإن سَمع أحدكم الإِقامة أي: إقامة الصلاة للجماعة وهو ماشٍ إليها فلا يَسْعَ، على صيغة النهي، أي: لا ينبغي أن يسرع إليها ولا يعجل في مشية على هينته، لئلا يخرج عن الوقار المشروع في إتيان الصلاة، ولأنه ثقل به الخطأ، وكثرتها مرغب فيه بكثرة الحسنات ومحو السيئات كما ذكر.\nفإن أعظمكم أجرًا أبعدكُم دارًا، عن المسجد، قالوا: لم؟ أي: لا شيء أصله لما فحذف الألف؛ لأن حرف الجر إذا أُدخلت على ما الاستفهامية، يحذف ألفها تخفيفًا للفظ الكثير، أو فرق بين ما الاستفهامية وما الإِسمية، أو إخبارًا عن شدة اتصال ما بحرف الجر حتى صار كالجزء منه، كما في قوله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢]، كما بيناه في (نور الأفئدة في تفسير عم يتساءلون)، يا أبا هريرة بُعد الدار أعظم أجرًا؟ قال: من أجل كثرة الخُطَا، بضم الخاء المعجمة وفتح الطاء: جمع خطوة بالضم، وفيه فضل الدار البعيدة عن المسجد.\nوقد روى الترمذي وحسنه والحاكم وصححه عن أبي سعيد الخدري، والطبراني (١) عن ابن عباس، ﵄، كانت بنو سلمة فيِ ناحية المدينة فأرادوا النقلة إلى قرب المسجد فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢]. فقال النبي - ﷺ -: \"إن آثاركم تكتب\" فلم ينتقلوا، أي: أعمالهم المندرجة فيها آثار خطاهم ولا يعارضه ما ورد أن من شؤم الدار بعدها عن المسجد، لأن من شؤمها من حيث أنه قد يؤدي إلى تفويت الصلاة بالمسجد، وفضلها بالنسبة إلى من يتحمل المشقة ويتكلف المسافة لإِدراك الفضل، فشؤمها وفضلها أمران اعتباريان، فلا تنافي، كما قاله الزرقاني.\nقال علي القاري: والحاصل أن الحكم عليها بالشاقة؛ لأن الغالب فيها تفويت الجماعة، مع أنه يكره أو يحرم، ولو مرة بلا عذر، وأما تركها بعذر فلا يكره.\nقال الشرنبلالي في (نور الإِيضاح ونجاة الأرواح): يسقط حضور الجماعة بواحد من ثمانية عشر شيئًا منها: مطر، وبرد شديد، وخوف، وظلمة شديدة، وحبس معسرًا، ومظلوم، وعمى، وفلج، وقطع يد ورجل، وسقام، وإقعاد، ووَحل بعد انقطاع مطر،\n_________\n(١) أخرجه: الترمذي (٣٢٢٦)، والحاكم (٣٦٠٤)، والبيهقي في الشعب (٢٨٩٠).","vol":"1","page":65},{"text":"وزمانة وشيخوخة، وتكرار فقه بجماعة تفوته، وحضور طعام تشوقه نفسه، وإرادة سفر تهيأ له، وقيام بمريض، وشدة ريح ليلًا، وإذا انقطع عن الجماعة لعذر من الأعذار المبيحة للتخلف من الجماعة وكانت نيته حضورها لولا العذر الحاصل يحصل بها ثوابها، لقوله - ﷺ -: \"إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى\".\nلما فرغ من بيان شروع كيفية الوضوء (ق ٢٥) شرع في بيان كيفية الوضوء، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>باب غسل اليدين في الوضوء</span>\nفي بيان كيفية غسل اليدين في ابتداء الوضوء، بضم الواو، وقد مر معنى الباب لغةً وعرفًا، إنما أفرد المصنف ﵀ هذا الباب بالذكر مع أنه ذكر غسل اليد في حديث عبد الله بن زيد بن عاصم في باب ابتداء الوضوء كإشارة إلى شرفية اليد.\nفإن بها الأخذ والإِعطاء والإِعانة على سائر الأعضاء، واللبس والخلع به، والاستنجاء، والوضوء، فإن قيل: لِمَ لَمْ يعطف قوله: غسل اليدين على قوله: فأحسن الوضوء ولم يقل: من توضأ فأحسن وضوءه وغسل اليدين في الوضوء؟ قلت: إنَّ عطفه عليه يلزم عطف الشيء على نفسه في ضمن عطفه على ما يشتمل عليه، وهذا غير جائز، فلهذا أفرد هذا الباب بالذكر. محمد قال، كذا في نسخة.\n٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما في وضوئه؛ فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده\".\nقال محمد: هذا حسن، وهكذا ينبغي أن يفعل، وليس من الأمر الواجب الذي إن تركه تارك أثم، وهو قول أبي حنيفة.\n_________\n(٩) أخرجه: البخاري (١٦٢)، ومسلم (٢٧٨)، وأبو داود (١٠٣)، (١٠٥)، والترمذي (٢٤)، والنسائي (١)، (١٦١)، وابن ماجه (٣٩٣)، وأحمد (٧٢٤٠)، (٩٦٧١)، ومالك (٤٠).","vol":"1","page":66},{"text":"• أخبرنا مالك، قال: أخبرنا، وفي نسخة: حدثنا، وفي نسخة أخرى: بنا، رمزًا إلى أخبرنا أبو الزناد؛ عبد الله بن ذكوان، كان في الطبقة الخامسة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة.\nقال بعض المؤرخين: مات سنة ثلاثين ومائة، عن الأعرج، عبد الرحمن بن هرمز، كان من الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين، مات في الأسكندرية سنة عشر ومائة، وهو في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ -، قال: \"إذا استيقظ أحدكم أي: انتبه من نومه، وفي رواية: من منامه، فليغسل بزيادة يده بالإِفراد، زاد مسلم وغيره: ثلاثًا، وفي رواية: ثلاث مرات، قبل أن يدخلها في وضوئه؛ بفتح الواو، أي: في الماء الذي يتوضأ به على الشك.\nولمسلم وابن خزيمة وغيرهما من طرق: \"فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها\" وهي أبين في المراد من رواية للإِدخال؛ لأن مطلق الإِدخال لا يترتب عليه كراهة كمن أدخل يده في إناء واسع فاغترف منه بإناء صغير لم يلامس يده بالماء.\nقال الحافظ ابن حجر: والظاهر اختصاص ذلك بالوضوء، وملحق به إناء الغسل، وكذا في الآنية قياسًا، لكن في الاستحباب بلا كراهة لعدم النهى فيها عن ذلك، وخرج بالإِناء البدل والحياض التي لا تفسد بغمس اليد فيها على تقدير نجاستها فلا يتناولها النهي والأمر والاستحباب عند الجمهور؛ لأنه علله بالشك في قوله: فإن أحدكم لا يدري: أين باتت أي: في أي موضع من جسده صارت يده، أي: كفه، أي: هل لاقت يده في مكان طاهر منه أو نجس؟ ومقتضى الظاهر أن يقول - ﷺ -، فإنه وعدل عن مقتضاه ووضع المظهر موضع المضمر، فقال: فإن أحدكم لزيادة تمكن الحاكم عند السامع، كما قال تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء: ١٠٥]، ولم يقل: وبه نزل، وكذا قاله السعد الدين التفتازاني في (شرح التلخيص).\nومقتضاه إلحاق من شك في ذلك، ولو متيقنًا، ومفهومه: أن من درى أين باتت يده كمن لف عليها خرقة مثلًا فاستيقظ وهي على حالها لا كراهة في إدخالها في الإِناء، وأن من غسلها كالمستيقظ، ومن قال: الأمر للتعبد كمالك لا يفرق بين شاك ومتيقن، وحمله أحمد على الوجوب في نوم الليل دون نوم النهار، وعنه رواية استحبابه في نوم النهار","vol":"1","page":67},{"text":"واتفق على أنه لو غمس يده تضر الماء كما قاله الزرقاني.\nوحُكِي أن رجلًا سقيم الاعتقاد (ق ٢٦)، سمع هذا الحديث فقال: أنا أدري أين باتت يدي، فلما كان من الليلة الثانية استيقظ من نومه وجد يده في دبره إلى رسغه، والحديث رواه مالك والشافعي، وأصحاب الكتب الستة عن أبي هريرة، ﵁ بلفظ: \"إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده\"، قاله علي القاري.\nوقال البيضاوي: فيه إيماء عن أن الباعث على الأمر بذلك احتمال النجاسة؛ لأن الشارع إذا ذكر حكمًا وعقبه بعلة، دلت على أن ثبوت الحكم لأجلها، ومثله قوله في حديث المحرم الذي سقط ومات: \"فإنه يبعث ملبيًا\"، بعد نهيهم عن تطيبه فنبه على علة النهي وهي كونه محرمًا.\nوعبارة الشيخ أكمل الدين: إذا ذكر الشارع حكمًا وعقبه أمرًا مصدرًا بالفاء، وكان ذلك إيماءً إلى ثبوت الحكم لأجله، نظيره \"الهرة ليست نجسة فإنها من الطوافين عليكم والطوافات\" (١)، واستشكل هذا التركيب بأن التقاء الدراية لا يتعلق بلفظ أين باتت يده، ولا بمعناه الاستفهام، ولا يقال: لا يدري الاستفهام، وأجيب بأن معناه لا يدري تعيين الموضع الذي باتت يده فيه، ففيه مضاف محذوف وليس استفهامًا وإن كان على صورته، كما قاله الزرقاني.\nقال محمد: هذا أي: الأمر المستفاد من لفظ فليغتسل، حسن، أي: أمر مستحسن، وهكذا، أي: مثل كون الأمر الاستحباب، ينبغي أن يفعل، على صيغة المفعول، أي: على طريق السنة، وليس، أي: هذا الأمر، من الأمر الواجب أي: الاعتقادي أو العملي الذي إن تركه، أي: المأمور عليه، تارك عمدًا، فهو أثم، على صيغة الماضي جواب الشرط، وفي نسخة: يأثم على صيغة المضارع، وهو أي: كون الأمر للإِباحة قول أبي حنيفة وسائر الفقهاء الهمام.\n_________\n(١) أخرجه: أبو داود (٧٥)، والترمذي (٩٢)، والنسائي (٦٨) (٣٤٠)، وابن ماجه (٣٦٧)، وأحمد (٢٢٠٢٢)، والدارمي (٧٣٦)، ومالك (٤٤)، وقال الترمذي: حسن صحيح.","vol":"1","page":68},{"text":"لما فرغ المصنف من بيان كيفية تطهير الاستنجاء وهي اليد، شرع في بيان استعمال آلة أخرى وهو الماء الذي يستعمل في حال الاستنجاء في محل الاستنجاء، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>باب الوضوء في الاستنجاء</span>\nفي بيان الوضوء - بفتح الواو - الماء الذي استعمله المستنجي في حال الاستنجاء للتطهير بمحله سواء جمعه مع الأحجار أو أورد به الاكتفاء، وفي نسخة مصحفة: بالواو، وبمكان في محمد قال.\n١٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن محمد بن طَحْلاء عن عثمان بن عبد الرحمن، أن أباه أخبره: أنه سمع عمر بن الخطاب يتوضأُ وَضوءًا لما تحت إزاره.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، والاستنجاء بالماء أحب إلينا من غيره، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، قال: أخبرنا كذا في نسخة، وفي نسخة: [أخبرنا] (١)، وفي نسخة أخرى: نا، رمزًا إلى أخبرنا يحيى بن محمد بن طَحْلاء بفتح الطاء وسكون الحاء المهملة واللام الممدودة المدني التميمي مولاهم أبو يعقوب، روى عن أبيه وعثمان المذكور، وعنه: مالك والدراوردي وآخرون، وذكره ابن حبان في الطبقة الثانية من التابعين، عن عثمان بن عبد الرحمن، بن عثمان بن عبيد الله التيمي المدني، ثقة كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، روى له البخاري، وأبو داود، والترمذي. أن أباه عبد الرحمن بن عثمان التيمي صحابي قتل مع الزبير وهو ابن أبي طلحة بن عبيد الله أحد العشرة، أخبره: وفي نسخة: حدثه، أنه سمع عمر بن الخطاب ﵁، أنه يقول: يتوضأُ أي يتطهر وَضوء أي: تطهر بالماء لما تحت إزاره، وهو كناية عن موضع الاستنجاء تأدبًا، واللام في قوله: لما، تعليلية، كقوله تعالى: ﴿يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر:\n_________\n(١٠) صحيح، أخرجه مالك (٣٧).\n(١) هكذا بالأصل، ولعلها: حدثنا.","vol":"1","page":69},{"text":"٢٤]، أي: لأجل حياتي في الآخرة، فالاستنجاء بالماء أفضل منه بالحجر، وليثبت السنة أن الجمع بينهما أفضل.\nروى ابن خزيمة والبزار عن عويمر (ق ٢٧) عن ساعدة: أنه - ﷺ - أتاهم في مسجد قباء فقال: \"إنه قد أثنى عليكم في الطهور، وفي قصة مسجدكم، فما هذا الطهور الذي تطهرون به؟ \" قالوا: والله يا رسول الله، ما نعلم شيئًا إلا أنه كان لنا جيران من اليهود فكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط ففعلنا فغسلنا كما غسلوا (١)، وفي حديث البزار: فقالوا: نتبع الأحجار بالماء، فقال: \"هو ذاك، فعليكموه\"، والاستنجاء بالماء أحب إلينا من غيره.\nقال محمد: وبهذا أي: بعمل عمر بن الخطاب، ﵁، نأخذ، أي: نعمل ونفتي، والاستنجاء بالماء أحب إلينا من غيره، من حجر ومدر، وهو أي: الاستنجاء بالماء قولُ أبي حنيفة، ﵀، والجمع بين الماء والحجر أفضل إجماعًا خلافًا للشيعة، حيث لم يكتفوا بغير الماء.\nاعلم أن الاستنجاء واجب عند الشافعي، وأحمد، ومستحب عند أبي حنيفة ومالك، وفي رواية شرط.\nلما فرغ من بيان كيفية الوضوء في حال الاستنجاء شرع في بيان الوضوء، أي: غسل اليد من مس الذكر، فقال: هذا\n* * *\n\n٥ -<span data-type=\"title\" id=toc-18> باب الوضوء من مس الذكر</span>\nفي بيان أحكام الوُضوء بضم الواو: غسل اليد من مس الذكر. . قال الحنفيون: والمراد من مس الذكر كناية عما يخرج منه، قالوا: وهو من أسرار البلاغة يكنى عن الشيء ويرمز إليه بذكر ما هو من روادفه، فلما كان مس الذكر غالبًا يرادف خروج الحدث منه، ويلازم عبر به عنه، كما عبر بالمجيء من الغائط عما قصد لأجله.\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (١٥٠٥٩)، وابن خزيمة (٨٣)، والطبراني في الكبير (١٧/ ١٤٠) حديث (٣٤٨)، والأوسط (٥٨٨٥)، والصغير (٨٢٩).","vol":"1","page":70},{"text":"١١ - أخبرنا مالك، حدثنا إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقَّاص، عن مُصْعب بن سعد، قال: كنت أمْسك المصحف على سعد، فاحْتَكَكْتُ، فقال: لعلك مسست ذكرك؟ قلت: نعم، قال: قم فتوضأ، قال: فقمت فتوضأتُ، ثم رجعت.\n• أخبرنا مالك، قال: حدثنا، وفي نسخة: ثنا رمزًا إلى: حدثنا إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقَّاص، الزهري المدني، يُكنى أبا محمد المدني: ثقة حجة كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وثلاثين. عن مُصْعب بضم الميم وسكون الصاد وفتح العين والباء الموحدة، ابن سعد بن أبي وقاص الزهري، يكنى أبا زرارة، المدني: ثقة كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، أرسل عن عكرمة بن أبي جهل، مات سنة ثلاث ومائة، كذا في (التقريب) (١)، و(التهذيب).\nقال، أي: المصعب، كنت أمْسك المصحف أي: آخذه على سعد، يعني: أباه لأجل حال قراءته غيبًا أو نظرًا، فاحْتَكَكْتُ، أي: مرت يدي تحت ثوبي، فقال: سعد بن أبي وقاص لابنه مصعب: لعلك مسست بكسر السين الأولى وبفتح، أي: هل لمست بكف يدك ذكرك؟ أي: من غير حائل، قلت: نعم، بفتح النون والعين المفتوحة المهملة، والميم الساكنة بعدهما جواب لسؤال ظهر من قوله: لعلك، فإن لعل حرف ينصب الاسم، ويرفع الخبر، والكاف محله منصوب على أنه اسم لعل، ومحل جملة مسستُ مرفوع على أنه خبر، ومعناه: الاستفهام، ولفظ نعم جوابه، فكأن المعنى: هل مسست ذكرك يا مصعب؟ فأجاب بقوله: نعم، كما قاله ابن هشام في (مغني اللبيب)، قال: أي: ابن سعد بن أبي وقاص ﵁، لابنه بقوله: قم على صيغة الأمر فتوضأ، قال: أي: مصعب، فقمت فتوضأتُ، ثم رجعت إلى سعد بن أبي وقاص، وهو يحتمل أن يراد به الوضوء اللغوي، وهو غسل اليدين دفعًا لشبهة ملاقاة النجاسة.\n* * *\n_________\n(١١) صحيح، أخرجه: مالك (٨٩)، وعبد الرزاق في مصنفه (٤١٤)، والبيهقي في الكبرى (٤١٢).\n(١) انظر: التقريب (٢/ ٥٨٦).","vol":"1","page":71},{"text":"١٢ - أخبرنا مالك، أخبرني ابن شهاب الزهري، عن سالم بن عبد الله عن أبيه، أنَّه كان يغتسلُ ثم يتوضأُ، فقال له: أمَا يُجْزِيكَ الغُسْلُ من الوضوءِ؟ قال: بلى، ولكني أحيانًا أمَسُّ ذكري فأتوضأُ.\nقال محمد: لا وُضوء في مس الذكر، وهو قولُ أبي حنيفة وفي ذلك آثار كثيرة.\n• أخبرنا مالك، قال: أخبرنا، أي: وحدي (ق ٢٨) ابن شهاب أي: الزهري، عن سالم بن عبد الله هو القرشي العدوي المدني أحد فقهاء المدينة، من سادات التابعين وعلمائهم وثقاتهم، مات بالمدينة سنة ست ومائة، عن أبيه، أي: عبد الله بن عمر بن الخطاب، شهد الخندق وما بعدها من المشاهد، وكان من أهل العلم والورع والزهد.\nقال جابر بن عبد الله: ما منا أحد إلا مالت به الدنيا ومال بها، إلا عمر وابنه عبد الله.\nوقال نافع: ما مات ابن عمر إلا وقد عتق ألف إنسان أو زاد، روى عنه خلق كثير، أنَّه أي: عبد الله بن عمر ﵄، كان يغتسلُ ثم يتوضأُ، فقال له: أي: سالم له، أي: لابنه عبد الله بن عمر ﵄: أمَا يَجْزِيكَ بفتح الياء التحتية وسكون الجيم والزاي المعجمة والياء بعدها كاف الخطاب، أي: ليس يكفيك الغُسْلُ من الوضوءِ؟ لا سيما مع سبق الوضوء الذي هو السنة كلمة أمَا مركبة من الكلمتين: أولهما الهمزة المفتوحة الاستفهامية التقريرية، وأخريهما ما المخففة النافية بمعنى حقًا؛ لأن الهمزة في الأصل للإِنكار، فإن دخلت على ما النافية تكون للإِثبات والهمزة تقريرية، وهو، أي: التقرير حمل المخاطب على الإِقرار، فالمعنى: قد كفاك الغسل من الوضوء، ويؤيد هذا المعنى بقوله: قال: بلى، أي يكفني، فكلمة بلى حرف جواب تختص بالنفي، وتفيد إبقائه كان مجردًا نحو: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى﴾ [التغابن: ٧]، أو مقرونًا بِالاستفهام حقيقيًا كان نحو: أليس زيدٌ قائمًا؟ فتقول: بلى، أو تقريريًا نحو: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]،\n_________\n(١٢) صحيح، أخرجه: مالك (٩٢)، والبيهقي في الكبرى (٦٣٥).","vol":"1","page":72},{"text":"أجرى النفي مع التقرير مجرى النفي المجرد في رده ببلى.\nولذلك قال جماعة من الفقهاء: لو قال لآخر: أليس عليك ألف درهم؟ فقال: بلى، لزمته، ولو قال: نعم، لم تلزمه كما قال ابن هشام في (مغني اللبيب)، ووجه الاستفهام: أن سالمًا توهم بأن الغسل ما يكفي عن الوضوء، وسأل أباه عن قيام الغسل مقام الوضوء، وأجابه أبوه عبد الله بن عمر ﵄، بقوله: بلى، ورفع عبد الله بن عمر عن ابنه سالم وهمه، كأن ابنه توهم عن أبيه الفعل العبث مع أنه يعلم الغسل يكفي من الوضوء، فرفع هذا الوهم عن ابنه على وجه الجواب الاستدراكي، بقوله: ولكني أحيانًا بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة، والياء بعدها ألف، والنون بعدها ألف جمع حين، والتنوين للتقليل، أي: ولكني في زمن من بعض الأزمنة أمَسُّ بفتح الهمزة، وضم الميم وتشديد السين، مضارع متكلم وحدة ذكري كلمة لكي بفتح اللام الممدودة والكاف المكسورة وبعدها ياء متكلم حرف تنصب الاسم وترفع الخبر، ومعناها الاستدراك، وهي في اللغة طلب تدارك السامع، وفي الاصطلاح رفع توهم تولد عن الكلام سابق، كما قاله السيد الشريف.\nوقال ابن هشام في (مغني اللبيب): الاستدراك، وهو يفسر بأن ينسب لما بعدها حكمًا مخالفًا بحكم ما قبلها، وكذلك لا بد أن يتقدمها كلام مناقضٌ لما بعدها نحو: ما هذا ساكنًا لكنه، متحرك فأتوضأُ، أي: لذلك المسمى لا؛ لأن الغسل لا يجزي عنه.\nقال الباجي: إنما سأل سالم أباه؛ لأنه رآه توضأ ثم غسل، افتتحه بالوضوء، ولا يصح أن ينكر عليه الوضوء مع الغسل لاستحباب الوضوء بعده.\nقال محمد: لا وُضوء، أي: لا يلزم الوضوء في مس الذكر، أي: على أي وجه كان، وهو قولُ أبي (ق ٢٩) حنيفة، ﵀، خلافًا للشافعي، فإنه يقول: ينقض الوضوء بالمس بباطن الكف دون ظاهره، من غير حائل، سواء كان بشهوة أو بغيرها، وهو المشهور عن أحمد. والراجح من مذهب مالك أنه إن مس بشهوة وإلا فلا، ويقوي أدلتهم: ما رواه مالك وأحمد والأربعة، والحاكم عن بسرة بنت صفوان مرفوعًا: \"مَنْ مَسَّ ذكره فليتوضأ\" (١).\n_________\n(١) أخرجه: أبو داود (١٨١)، والترمذي (٨٢)، والنسائي (٤٤٥)، وأحمد (٢٥٦٥١)، =","vol":"1","page":73},{"text":"وفي ذلك أي: في دفعه آثار كثيرة، أي: أخبار شهيرة مرفوعة وموقوفة، وبها نأخذ، أي: نعمل، ونفتي لقوتها وكثرتها، فإنها بلغت ستة عشر حديثًا، منها:\n* * *\n\n١٣ - قال محمد: أخبرنا أيُّوبُ بن عُتبة التَّيْمِيُّ قاضي الْيَمَامَة، عن قيس بن طَلْقٍ: أن أباه حدثه: أن رجلًا سأل رسول الله - ﷺ -، عن رجل مَسَّ ذكره، أيتوضأُ؟ قال: \"هل هو إلا بَضْعَةٌ من جسدك\".\n• قال محمد: أخبرنا أيُّوبُ بن عُتبة التَّيْمِيُّ بفتح التاء وسكون الياء، وكسر الميم، وبعدها ياء نسبية، قاضي الْيَمَامَة، وهو من بني قيس بن تغلب ضعيف من الطبقة السادسة من طبقات التابعين، من أهل اليمامة، مات سنة ستين ومائة، كذا قاله ابن حجر (١).\nعن قيس بن طَلْقٍ: بفتح الطاء المهملة وسكون اللام والقاف، وهو: طلق بن علي، يكنى أبا علي الحنفي اليماني، ويقال أيضًا: طلق بن يمامة، كان صدوقًا، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل اليمامة التي كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة (٢).\nكذا قاله ابن حجر وسيد علي في: (خلاصة الهيئة)، روى عنه ابنه قيس أن أباه وهو من الصحابة حدثه: أن رجلًا سأل رسول الله - ﷺ -، عن رجل مَسَّ ذكره، أيتوضأُ؟\n_________\n= ومالك (٩١)، وابن حبان (١١١٦)، وابن أبي شيبة (١/ ١٨٩)، وعبد الرزاق في مصنفه (٤١١)، وابن خزيمة (٣٣)، والحاكم (٤٧٤)، والدارقطني (١/ ١٤٨)، والطبراني في الكبير (٨٢٥٢)، والبيهقي في الكبرى (٦٥٦)، وقال الترمذي: حسن صحيح.\n(١٣) أخرجه: أبو داود (١٨٢)، والنسائي في المجتبى (١٦٥)، وأحمد (١٥٨٦٠)، والنسائي في الكبرى (١٦٠)، وابن حبان (١١١٩)، (١١٢٠)، وابن أبي شيبة (١/ ١٩١)، والدارقطني (١/ ١٤٩)، والطبراني في الكبير (٨٢٤٣)، والبيهقي في الكبرى (٦٥١).\nوقال البيهقي: فيه قيس بن طلق، ضعيف، وأيوب بن عتبة: ضعيف.\n(١) انظر: التقريب (١/ ٦٤).\n(٢) انظر: التقريب (٢/ ٤٨٩).","vol":"1","page":74},{"text":"قال: أي: له، \"هل هو، أي: ذكرك، إلا بَضْعَةٌ بفتح الموحدة وسكون الضاد المعجمة والعين المهملة المفتوحة: قطعة اللحم من جسدك أي فحكمه حكم سائر الأعضاء، حيث لم ينقض الوضوء شيء من الأجزاء.\nقال محمد: أخبرنا طلحة بن عمرو بن عثمان الحضرمي. . متروك، كان من الطبقة السابعة من طبقات التابعين من أهل مكة، مات سنة اثنين وخمسين ومائة، المكي.\n* * *\n\n١٤ - قال محمد: أخبرنا طلحة بن عمرو المكي، قال: أخبرنا عطاء بن أبي رَبَاحٍ، عن ابن عباس، قال في مس الذكر: وأنت في الصلاة: قال: ما أُبَالي مَسَسْتُهُ أو مَسَسْتُ أنْفي.\n• قال محمد: أخبرنا طلحة بن عمرو المكي، قال: أخبرنا عطاء بن أبي رَبَاح، بفتح الراء فموحدة، من أجلّ الفقهاء، تابعيّ مكيّ اسمه أسلم، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل مكة. قال الأوزاعي: مات يوم مات وهو أرضى أهل الأرض عند الناس. وقال أحمد بن حنبل: العلم خزائن يقسمه لمن أحب، لو كان يخص بالعلم أحدًا لكان بنسب النبي - ﷺ - أولى، كان عطاء حبشيّا. انتهى، وكان جعد الشعر، أسود، وأفطس، أشل، أعور، ثم عمي، مات سنة خمس عشرة ومائة، وله ثمان وثمانون سنة، سمع ابن عباس وأبا هريرة وغيرهما من الصحابة، وروى عنه جماعة، عن ابن عباس، ﵄ أنه قال في مس الذكر: وأنت في الصلاة: وأنت خطاب عام في الصلاة، والجملة حالية، والمعنى: قال في جواب هذا السؤال: وأعاد، قال لطول المقال، قال: ما أُبَالي مَسَسْتُه أي: ذكري، وفي نسخة: أمسست أو مَسَسْتُ أنْفي، حيث لا تفاوت بينهما لا في الصلاة ولا في غيرها.\n* * *\n_________\n(١٤) أخرجه: ابن أبي شيبة (١/ ١٩١)، وعبد الرزاق في مصنفه (٤٢٩)، والدارقطني (١/ ١٥٠)، وهو ضعيف، وطلحة بن عمرو: متروك.","vol":"1","page":75},{"text":"١٥ - قال محمد: أخبرنا إبراهيم بن محمد المدني، قال: أخبرنا صالح مولى التَّوْأمة، عن ابن عباس، قال: ليس في مس الذكر وُضوء.\n• قال محمد: أخبرنا إبراهيم بن محمد المدني، وفي نسخة: محمد بن المدني، وهو بفتحتين منسوب إلى المدينة السكنية، كان في الطبقة السابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وثمانين ومائة (١).\nقال: أخبرنا صالح مولى التَّوْأمة، بفتح فسكون الواو بعدها (ق ٣٠)، وبعدها همزة مفتوحة، صدوق، اختلط.\nقال ابن عدي: لا بأس برواية القدماء عنه، كابن أبي ذئب وابن جريج، كان من الطبقة الرابعة من طبقات تابعي التابعين من أهل المدينة، مات سنة خمس أو ست وعشرين ومائة، وقد أخطأ من زعم أن البخاري أخرج له، كذا قاله ابن حجر.\nعن ابن عباس ﵄ قال: ليس في مس الذكر وُضوء، أي: واجب أو نقص وضوء.\n* * *\n\n١٦ - قال محمد: أخبرنا إبراهيم بن محمد المدني، قال: أخبرنا الحارث بن أبي ذباب، أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: ليس في مس الذكر وضوء.\n• قال محمد: أخبرنا إبراهيم بن محمد المدني، قال: أخبرنا الحارث بن أبي ذباب، بضم الذال المعجمة أنه سمع سعيد بن المسيب بفتح الياء أشهر من كسرها، وهو من سادات التابعين، جمع بين الفقه والحديث والزهد والورع والعبادة، يقول: ليس في مس الذكر وضوء.\n* * *\n_________\n(١٥) حسن الإسناد.\n(١) انظر: التقريب (١/ ٣٢).\n(١٦) حسن الإسناد.","vol":"1","page":76},{"text":"١٧ - قال محمد: أخبرنا أبو العوَّام البَصْري، قال: سأل رجل عطاء بن أبي رَبَاح، قال: يا أبا محمد، رجل مسَّ فَرْجَه بعد ما توضَّأ؟ قال رجل من القوم: إن ابن عباس كان يقول: إن كُنْتَ تَسْتَنْجِسُهُ؛ فاقْطَعهُ؛ قال عطاء بن أبي رَبَاح: هذا والله قول ابن عباس.\n• قال محمد: أخبرنا، وفي نسخة: نا، رمزًا إلى أخبرنا أبو العوَّام بتشديد الواو: القطان: هو عمران بن داود بفتح الدال المهملة والواو وبينهما ألف وبعدها راء مهملة، صدوق يهم ورمي برأي أي: الخوارج، كان في الطبقة السابعة من طبقات التابعين من أهل البصرة، مات سنة بين الستين والسبعين بعد المائة. كذا قاله ابن حجر.\nالبَصْري، بكسر الباء أفصح من فتحها في النسبة (عكسة العلم).\nقال: سأل رجل عطاء بن أبي رَبَاحٍ، قال: يا أبا محمد، لا تكتب الهمزة ولكن تقرأ، رجل مسَّ فَرْجَه أي: ذكره، أو دبره بعد ما توضَّأ؟ وكذا إذا اغتسل، قال رجل من القوم، أي: قبل جواب عطاء: إن ابن عباس ﵄ كان يقول: إن كُنْتَ تَسْتَنْجِسُهُ؛ أي: تعتقد نجاسة ذاته فاقْطَعْهُ؛ فإنه لا يجوز لك الصلاة مع وجوده، قال عطاء بن أبي رَبَاح: هذا والله قول ابن عباس ﵄.\nأي: بلا شك ولا شبهة، فهذا من باب المطابقة في الجواب إذا كان على وجه.\n* * *\n\n١٨ - قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة، عن حمَّاد، عن إبراهيم النَّخَعِيِّ، عن علي بن أبي طالب، في مس الذكر، قال: ما أُبَالي مَسِسْتُهُ أوْ طَرَفَ أَنْفِي.\n• قال محمد: أخبرنا أنا في نسخة، أبو حنيفة، ﵀، عن حمَّاد، أي: أبي سليمان، كوفي يُعد من التابعين، سمع جماعة من الصحابة، روى عن: شعبة والثوري\n_________\n(١٧) صحيح الإسناد.\n(١٨) صحيح، أخرجه: ابن أبي شيبة (١/ ١٩١).","vol":"1","page":77},{"text":"وغيرهما. كان أعلم الناس برأي إبراهيم النخعي، مات سنة عشرين ومائة.\nعن إبراهيم النَّخَعِيِّ، بفتح النون والخاء المعجمة، وهو من أجلاء التابعين، عن علي بن أبي طالب، ﵁، في مس الذكر، قال: ما أُبَالي مَسِسْتُهُ أوْ طَرَفَ أَنْفِي، فإنهما طاهران، وفي حق المس مستويان.\n* * *\n\n١٩ - قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم النَّخَعِيَّ: أن ابن مسعود سُئل عن الوضُوء من مس الذكر؟ فقال: إن كان نَجَسًا فاقطعْه.\n• قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم النَّخَعِيَّ: أن ابن مسعود ﵁، سُئل عن الوضُوء، أي: عن تجديده من مس الذكر؟ أي: ذكره، فقال: إن كان أي: ذكرك - في زعمك - نَجَسًا بفتح الجيم هو المشهور عند الفقهاء، ويُراد به عين النجاسة بخلاف كسرها، فإنه من المتنجس عندهم، وهما مصدران في أصل اللغة، فاقطعْه، ولا تترك له وجودًا.\n* * *\n\n٢٠ - قال محمد: أخبرنا مُحِلٌّ الضَّبِّيُّ، عن إبراهيم النَّخَعِيِّ في مس الذكر في الصلاة، قال: إنما هو بَضْعَة منك.\n• قال محمد: أخبرنا مُحِلٌّ بكسر الميم والحاء المهملة كسجل اسم جماعة من المحدثين الضَّبِّيُّ، بتشديد الموحدة عن إبراهيم النَّخَعِيِّ في مس الذكر في الصلاة، أي: هل يبطلها بسبب نقص الوضوء منه، قال: إنما هو بَضْعَة منك، أي: قطعة منك كسائر أعضائك.\n* * *\n_________\n(١٩) صحيح الإسناد.\n(٢٠) حسن الإسناد.","vol":"1","page":78},{"text":"٢١ - قال محمد: أخبرنا سلَّام بن سُلَيْم الحنفيُّ، عن منصور بن المُعْتَمِر، عن أبي قيس، عن أرْقَم بن شُرَحْبِيل، قال: قلتُ لعبد الله بن مسعود: إني أحْكُّ جسدي وأنا في الصلاة، فأمَسُّ ذكري، قال: إنما هو بَضْعَة منك.\n• قال محمد: أخبرنا سلَّام بتشديد اللام بن سُلَيْم بالتصغير، يكنى أبا سليمان، ويقال: الطويل المدايني، متروك (١)، كان من الطبقة السابعة من أتباع التابعين، الحنفيُّ، منسوب إلى: أبي حنيفة (ق ٣١)، بحرف الزوائد كالفرض، مات سنة تسعة وتسعين ومائة.\nعن منصور بن المُعْتَمِر، بكسر الميم الثانية ابن عبد الله السلمي يكنى: أبا عتاب بفتح العين المهملة ومثناة ثقيلة فألف وموحدة الكوفي، ثقة ثبت، كان لا يدلس، وكان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل الكوفة، وهي كانت في الإقليم الثالث من الأقاليم السبعة، مات سنة اثنين ومائة، كذا قاله ابن الجوزي، وابن حجر، وسيد علي، في (طبقاتهما)، و(خلاصة الهيئة)، من أبي قيس، هو عبد الرحمن بن ثروان؛ بمثلثة مفتوحة وراء ساكنة الكوفي الأودي، صدوق، ربما خالف، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل الكوفة، مات سنة عشرين ومائة.\nعن أرْقَم بن شُرَحْبِيل بن حسنة، بضم الشين المعجمة، وفتح الراء المهملة، والباء الموحدة المكسورة، والتحتية الساكنة، واللام بعدها الأودي الكوفي، وهو غير أرقم بن أبي أرقم، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل الكوفة (٢)، كذا قاله ابن حجر، قال: قلت لعبد الله بن مسعود ﵁: إني أحْكُّ جسدي، أي: أنا، وأنا في الصلاة، فأمَسُّ بضمِ الميمِ وفتحها، أي: فالتمس ذكري، أي: لعذري، فهذا ينقض وضوئي؟ قال: إنما هو بَضْعَة منك، أي: لا ينقض وضوءك ولكن تفسد صلاتك؛ لأن أحكك من باب التفعيل، وهو للتكثير وكثرة العمل في الصلاة يفسدها.\n* * *\n_________\n(٢١) صحيح الإسناد.\n(١) بل ثقة متقن، كما في التقريب (١/ ٢٣٦).\n(٢) انظر: التقريب (١/ ٣٨).","vol":"1","page":79},{"text":"٢٢ - قال محمد: أخبرنا سلَّام بن سُلَيْم، عن منصور بن المعتمر، عن السَّدُوسِيِّ، عن البراء بن قيس، قال: سألت حُذيفة بن الْيَمَانِ، عن الرجل يَمَسُّ ذكره؟ فقال: إنما هو كَمسِّه رَأْسَه.\n• قال محمد: أخبرنا وفي نسخة: نا، رمزًا إلى أخبرنا سلَّام على وزن نصا ابن سُلَيْم، بالتصغير، عن منصور بن المعتمر، عن السَّدُوسِيِّ بفتحٍ فضم، نسبة إلى سدوس بن شيبان، وبضمتين إلى سدوس بن أصبع بن أبي ربيعة بن مضر بن سعد بن نبهان الطائي، ليس في العرب سدوس بالضم غيره، نقله علي القاري في شرح هذا المتن عن السيوطي.\nعن البراء بن قيس، قال: سألت حُذيفة بن الْيَمَانِ، بكسر النون من غير ياء في آخره، وهو صاحب رسول الله - ﷺ -.\nروى عنه عمر وعلي وغيرهما من الصحابة والتابعين، مات بالمدائن وبها قبره سنة خمس وثلاثين بعد قتل عثمان، بأربعين ليلة، عن الرجل يَمَسُّ ذكره؟ فقال: إنما هو كَمسِّه رَأْسَه.\n* * *\n\n٢٣ - قال محمد: أخبرنا مِسْعرُ بن كِدَام، عن عُمَيْرِ بن سعد النَّخَعِيّ، قال: كنت في مجلس فيه عمَّار بن ياسِر، فَذُكرَ مَس الذَّكر، فقال: ما هو إلا بَضْعة منك وإن لِكَفَّكَ لمَوْضِعًا غيرَه.\n• قال محمد: أخبرنا وفي نسخة: نا، رمزًا إلى أخبرنا مِسْعَرُ بكسر الميم وفتح العين، ابن كِدَام، بكسر الكاف، ابن ظُهير بالتصغير، كان من الطبقة الخامسة من أهل الكوفة، وهي في الإقليم الثالث من الأقاليم السبعة. عن عُمَيْرِ بن سعد النَّخَعِيّ الصهباني، بضم المهملة وسكون الهاء بعدها موحدة، يكنى أبا يحيى الكوفي، ثقة كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل الكوفة، مات سنة سبع، ويقال: خمس عشرة ومائة.\n_________\n(٢٣) صحيح الإسناد.","vol":"1","page":80},{"text":"قال: كنت في مجلس، أي: في أهل مجلس فيه عمَّار بن ياسِر، وهو عيسى مولى بني مخزوم، وكان من المهاجرين الأولين، وشهد بدرًا والمشاهد كلها، قتل بصفين وكان مع علي سنة سبع وثلاثين، وهو ابن ثلاث وتسعين سنة، روى عنه جماعة منهم علي وغيره، فَذُكرَ بصيغة المجهول، أي: فذكر بعض أهل ذلك المجلس: مَس الذَّكر، أي: هل ينقض الوضوء أم لا؟ فقال للسائل: إنما هو بَضْعة أي: قطعة منك، أي: من جسدك، وإن لك لمَوْضِعًا غيرَه، دله علي على أن الاحتياط في عدم مسه.\n* * *\n\n٢٤ - قال محمد: أخبرنا مِسْعرُ بن كِدَام، عن إِيَاد بن لَقِيط، عن البراء بن قيس، قال: قال حُذَيْفَة بن اليَمَانِ؛ في مس الذكر: مِثْلُ أنْفِكَ.\n• قال محمد: أخبرنا، وفي نسخة: نا رمزًا إلى أخبرنا مِسْعرُ بن كِدَام، (ق ٣٢)، عن إِيَاد بكسر الهمزة وفتح الياء وبعدها الدال المهملة ابن لَقِيط، بفتح وكسر السدوسي: ثقة، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل الكوفة عن البراء بن قيس، قال: قال حُذَيْفَة بن اليَمَانِ؛ في مس الذكر: مِثْلُ أنْفِكَ، ففيه روايتان مقتضيتان.\n* * *\n\n٢٥ - قال محمد: أخبرنا مِسْعرُ بن كِدَام، قال: حدثنا قَابُوس بن أبي ظِبْيَان عن علي بن أبي طالب، قال: ما أُبالي إياه مَسِسْتُ أو أنْفِي، أو أذني.\n• قال محمد: أخبرنا، وفي نسخة: نا، مختصرًا عن أخبرنا: مِسْعرُ بن كِدَام، حدثنا، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا قَابُوس، عن أبيه أبي ظِبْيَان، بفتح الظاء المعجمة والباء الموحدة الساكنة والباء التحتية والألف والنون بعدها: الجني: بفتح الجيم وسكون النون بعدها موحدة، الكوفي: فيه لين، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل الكوفة.\n_________\n(٢٤) صحيح الإسناد.\n(٢٥) حسن، أخرجه: ابن أبي شيبة (١/ ١٩١)، وعبد الرزاق في مصنفه (٤٢٨).","vol":"1","page":81},{"text":"عن علي بن أبي طالب ﵁، قال: ما أُبالي إياه، أي: مس الذكر، مَسِسْتُ أو أنْفِي، أو أذني.\n* * *\n\n٢٦ - قال محمد: أخبرنا أبو كُدَيْنَة: يحيى بن المُهَلَّبِ، عن أبي إسحاق الشيباني، عن أبي قيس عبدِ الرحمن بن ثَرْوَانَ، عن علقمة بن قيس، قال: جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود، فقال: إني مَسِست ذكري وأنا في الصلاة، قال عبد الله: أفَلا قَطَعْتَه؟ ثم قال: وهل ذكرك إلا كسائر جسدك.\n• قال محمد: أخبرنا، وفي نسخة: نا، رمزًا إلى أخبرنا أبو كُدَيْنَة: بضم الكاف وفتح الدال المهملة هو: يحيى بن المُهَلَّبِ، بتشديد اللام المفتوحة: البجلي الكوفي، صدوق، كان في الطبقة السابعة من طبقات التابعين من أهل الكوفة، عن أبي إسحاق الشيباني، هو سليمان بن سليمان الكوفي: ثقة، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل الكوفة، مات سنة أربعين ومائة، عن أبي قيس عبدِ الرحمن بن ثَرْوَانَ، بفتح الثاء المثلثة وسكون الراء المهملة والألف بين الواو والنون، عن علقمة بن قيس، هو أبي علقمة واسم أبي علقمة: بلال مولى عائشة أم المؤمنين، ﵂، روى عن أنس وهو من أتباع التابعين، قال: جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود، فقال: إني مَسِست ذكري، أي: وأنا في الصلاة، قال عبد الله: ﵁، أفَلا قَطَعْتَه؟ والهمزة للإنكار والتوبيخ، والفاء للعطف على زعمت مقدر بعد الهمزة، أزعمت أن ذكرك نجس عين فلا قطعت، فإن وجوده عليك مانع لصحة الصلاة.\nثم قال: أي: عبد الله: رد الزعم الموهوم: وهل أي: ليس ذكرك إلا كسائر جسدك، أي: عضو من أعضائك، فلا تفاوت في مس أجزائك.\n* * *\n_________\n(٢٦) صحيح الإسناد.","vol":"1","page":82},{"text":"٢٧ - قال محمد: أخبرنا يحيى بن المُهَلَّب، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: جاء رجل إلى سعد بن أبي وقَّاص، فقال: أيَحِلُّ لي أن أمَس ذكري وأنا في الصلاة؟ فقال: إن علمتَ أن منك بضعة نجسة فاقطعها.\n• قال محمد: أخبرنا، وفي نسخة: نا، بدل أخبرنا يحيى بن المُهَلَّب (١)، عن إسماعيل بن أبي خالد، الأسلمي مولاهم الكوفي البجلي، ثقة ثبت، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل الكوفة مات سنة ست وأربعين ومائة، كذا قاله ابن حجر (٢).\nعن قيس بن أبي حازم البجلي، يُكنى أبا عبد الله الكوفي، ثقة، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل الكوفة، يقال: إنه اجتمع له أن يروي عن العشرة، مات سنة سبعين أو قبلها، وقد جاز المائة، كذا قاله ابن حجر.\nقال: جاء رجل إلى سعد بن أبي وقَّاص، وهو أحد العشرة المبشرة، فقال: أيَحِلُّ لي أن أمَس ذكري والحال: وأنا في الصلاة؟ فقال: إن علمتَ أن منك أي: من جملة أعضائك بضعة نجسة فاقطعها، فإن وجودها مانع لصحة الصلاة.\n* * *\n\n٢٨ - قال محمد: أخبرنا إسماعيل بن عَيَّاش، قال حَدثني حَرِيزُ بن عثمان، عن حبيب عن عُبيد، عن أبي الدَّرْدَاء: أنه سئل عن مس الذكر؟ فقال: إنما هو بَضْعَة منك.\n• قال محمد: أخبرنا، وفي نسخة: نا، بدل أخبرنا إسماعيل بن عَيَّاش، بفتح العين المهملة، وتشديد التحتية، فألف وشين معجمة، ابن مسلم العنسي، بالنون، يكنى: أبا\n_________\n(٢٧) حسن الإسناد.\n(١) انظر: التقريب (٢/ ٦٦٧).\n(٢) انظر: التقريب (١/ ٥٠).\n(٢٨) إسناده ضعيف.","vol":"1","page":83},{"text":"عتبة الحمصي، صدوق في روايته عن أهل بلده، مخلط في غيره، كان في الطبقة الثامنة من طبقات التابعين (ق ٣٣) من أهل حمص، مات سنة إحدى أو اثنين وثمانين ومائة، وله بضع وتسعون سنة، كذا قاله ابن حجر في (تقريب التهذيب) (١).\nقال: حَدثني بالإِفراد حَرِيزُ بن عثمان، عن حبيب على وزن سبيل عن عُبيد، عن أبي الدَّرْدَاء، ﵁، وهو أحد من أكابر الصحابة، وزهادهم، أنه سئل عن مس الذكر؟ فقال: إنما هو بَضْعَة منك، أي: قطعة من أعضائك.\nولما فرغ من بيان أحكام الأحاديث التي تدل على عدم لزوم الوضوء من مس ذكر، شرع في بيان أحكام الأحاديث التي تدل على عدم لزوم الوضوء من أكل الطعام المطبوخ بالنار، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>باب في بيان الأحاديث التي تدل على عدم لزوم الوضوء مما أي: من أجل أكل الطعام الذي غيرت، أي: مسته النار</span>\nوالمناسبة ما بين هذا الباب وبين الباب السابق عدم لزوم الوضوء، وحُكِي عن بعض الصحابة كابن عمر وأبي هريرة وزيد بن ثابت ﵃ إيجاب الوضوء منه، وإنما اختلف الأئمة الأربعة في أكل لحم الجزور، فقول أبي حنيفة ومالك والشافعي في الجديد الراجح من مذهبه: أنه لا ينقض.\nوقال أحمد: ينقض، وهو القول القديم المختار عند بعض الشافعية، كما قاله علي القاري.\n٢٩ - أخبرنا مالك، حدثنا وهب بن كَيْسَان، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: رأيت أبا بكر الصديق رضوان الله عليه أكل لحمًا ثم صلى ولم يتوضأ.\n_________\n(١) انظر: التقريب (١/ ٥٣).\n(٢٩) صحيح، أخرجه أحمد (١٣٨٨٧)، ومالك (٥٤)، وأبو يعلى (٢٠١٧).","vol":"1","page":84},{"text":"• محمد قال: أخبرنا وفي نسخة: حدثنا، وفي نسخة أخرى: نا، رمزًا إلى أخبرنا مالك، قال: كما في نسخة حدثنا، وفي نسخة: ثنا رمزًا إلى حدثنا أبو نُعيم بالتصغير، وهب بن كَيْسَان، بفتح وسكون القرشي مولاهم، وأيوب السختياني وآخرون، وثقه النسائي وغيره، وروى له الجميع، وكان في الطبقة الرابعة من طبقات كبار التابعين، ومات سنة سبع وعشرين، قال: سمعت جابر بن عبد الله الأنصاري، من مشاهير الصحابة، شهد العقبة الثانية مع أبيه وهو صغير، استشهد بصفين مع علي ﵁، ومات بالمدينة آخر الصحابة في قول.\nيقول: رأيت أبا بكر الصديق رضوان الله عليه لسبقه لصدق النبي - ﷺ - وكان علي يحلف أن الله أنزل اسم أبي بكر من السماء الصديق، أكل لحمًا ثم صلى ولم يتوضأ، فهؤلاء الخلفاء الأربعة وعامر بن ربيعة وابن عباس، ﵃، فعلوا ذلك بعد النبي - ﷺ - فدل على نسخ الوضوء مما مسته النار. وقد قال مالك: إذا جاء عن النبي - ﷺ - حديثان وعمل أبو بكر وعمر بأحدهما، دل على أن الحق ما عملا به.\nوكان مكحول يتوضأ مما مسته النار، فأخبره عطاء بن رباح بحديث جابر هذا عن أبي بكر فترك الوضوء، وقال: لأن يقع أبو بكر من السماء إلى الأرض أحب إليه من أن يخالف رسول الله - ﷺ -.\nوأتى الإِمام بذلك لرد قول شيخه ابن شهاب أنه ناسخ لحديث الإِباحة.\nروى البخاري ومسلم عن عمرو بن أمية: أنه رأى النبي - ﷺ - يحتز كتف شاة فأكل منها، فدُعِي إلى الصلاة فألقاها والسكين، وصلى ولم يتوضأ (١). زاد البيهقي: قال الزهري: فذهبت تلك القصة. . . ثم آخر رجال من الصحابة ومن أزواجه - ﷺ - أنه قال: \"توضأ مما مسته النار\"، قال: وكان الزهري يرى أن الأمر بذلك ناسخ لأحاديث الإِباحة؛ لأن الإِباحة سابقة، واعترض عليه بحديث جابر، قال: كان آخر الأمرين (ق ٣٤)، من رسول الله - ﷺ - ترك الوضوء مما مسته النار (٢)، رواه أبو داود والنسائي وغيرهما.\n_________\n(١) أخرجه: البخاري (٢٠٨)، ومسلم (٣٥٥).\n(٢) أخرجه: أبو داود (١٩٢)، والنسائي (١٨٥).","vol":"1","page":85},{"text":"قال المهلب: كانوا في الجاهلية قد ألفوا قلة التنظيف فأمروا بالوضوء مما مسته النار، فلما تقررت النظافة في الإِسلام وشاعت نسخ الوضوء تيسيرًا على المسلمين.\nوقال النووي: كان الخلاف بين الصحابة والتابعين فيه معروفًا ثم استقر الإِجماع على أن لا وضوء مما مسته النار، إلا لحوم الإِبل. فقال أحمد بالوضوء منه لشدة زهومته، واختاره ابن خزيمة وغيره من محدثي الشافعية.\nقوله: زهومته، أي: دسومته أو منتنة ريحه، كما قاله الزرقاني.\n* * *\n\n٣٠ - أخبرنا مالك، حدثنا زيد بن أسْلَمَ، عن عطاء بن يَسَار، عن ابن عباس: أن رسول الله - ﷺ - أكل جَنْب شاة، ثم صلى ولم يتوضأ.\n• محمد قال: أخبرنا، وفي نسخة: ثنا بدل حدثنا، وفي نسخة: قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: أنا بدل أخبرنا مالك، حدثنا زيد بن أسْلَمَ، العدوي مولى عمر يكنى أبا عبد الله وأبا أسامة المدني، ثقة، عالم، كان يرسل وكان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ست وثلاثين ومائة، عن عطاء بن يَسَار، بلفظ مولى ميمونة أم المؤمنين، ومن التابعين المشهورين بالمدينة المكثرين للرواية، عن ابن عباس، كان في الطبقة الثانية من طبقات صغار التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع وتسعين وله أربع وثمانون سنة. عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله - ﷺ - أكل جَنْب شاة، وفي (الموطأ) لمالك، في رواية ليحيى أكل كتف شاة، والكتف بفتع الكاف وكسر التاء المثناة والفاء: نهاية الذراع عنه ظهر، وفي رواية للبخاري: معرفة، أي: أكل ما على العرق بفتح المهملة وسكون الراء، وهو العظم، ويقال له أيضًا: العُراق بالضم، أفاد القاضي إسماعيل أن ذلك في بيت ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، وهي بنت عم النبي - ﷺ -، ويحتمل أنه كان في بيت ميمونة.\n_________\n(٣٠) أخرجه: البخاري (٢٠٧)، ومسلم (٣٥٤)، وأبو داود (١٨٧)، وأحمد (٢٤٠٢)، ومالك (٥٠).","vol":"1","page":86},{"text":"كما في الصحيحين (١) عنهما أن النبي - ﷺ - أكل عندها كتفًا ثم صلى ولم يتوضأ، ولا مانع من التعدد، كما في (فتح الباري) على البخاري، فهذا نص في أن: لا وضوء مما مسته النار.\nوأما خبر زيد بن ثابت مرفوعًا: \"لا وضوء مما مسته النار\" (٢).\nوحديث أبي هريرة وعائشة رفعاه: \"توضؤوا مما مسته النار\" (٣).\nأخرجه الثلاثة: مسلم، وحديث جابر بن سمرة عند مسلم: أن رجلًا سأل النبي - ﷺ -: أنتوضأ من لحم الغنم؟ قال: \"إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضأ\" (٤). فقال: أنتوضأ من لحم الإِبل؟ قال: \"نعم، توضؤوا من لحم الإبل\".\nفقد حمل ذلك الوضوء غسل اليدين والمضمضة لزيادة دسومته وزهومة لحم الإِبل، أي: نتنه، وقد نهى النبي - ﷺ - أن يبيت وفي يده دسم خوفًا من عقرب ونحوها.\nوبأنها منسوخة بقول جابر: كان آخر الأمرين من رسول الله - ﷺ -: ترك الوضوء مما مسته النار، رواه أبو داود، كما قاله الزرقاني.\n* * *\n\n٣١ - أخبرنا مالك، أخبرنا محمد بن المُنْكَدِر، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن ربيعة بن عبد الله؛ أنه تعشى مع عمر بن الخطاب، ثم صلى، ولم يتوضأ.\n• محمد قال: أخبرنا، كذا في نسخة، وفي نسخة: ثنا، بدل من حدثنا، وفي نسخة: أنا وثنا، أي: أخبرنا وحدثنا، بدل أخبرنا وحدثنا مالك، أخبرنا وفي نسخة: أنا بدل أخبرنا، وفي نسخة: ثنا بدل حدثنا محمد بن المُنْكَدِر، بصيغة اسم فاعل، وهو من\n_________\n(١) أخرجه: البخاري (٢١٠)، ومسلم (٣٥٦).\n(٢) أخرجه: مسلم (٣٥١).\n(٣) أخرجه: مسلم (٣٥٢) عن أبي هريرة، و(٣٥٣) عن عائشة.\n(٤) أخرجه: مسلم (٣٦٠).\n(٣١) صحيح، أخرجه: مالك (٥١).","vol":"1","page":87},{"text":"مشاهير التابعين، ومن الطبقة الثالثة من طبقاتهم (ق ٣٥) من أهل المدينة، جمع بين الزهد والعبادة، وسمع جابر بن عبد الله الأنصاري، وأنس بن مالك، وابن الزبير، ﵃، وروى عنه جماعة، منهم: الثوري، ومالك، وكان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ثلاثين، وله نيف وسبعون سنة، قوله: النيف: بفتح النون وتشديد التحتية والفاء: بمعنى الزيادة، عن محمد بن إبراهيم التيمي، ابن تيمي وقرشي من أجلاء التابعين، سمع علقمة بن وقاص، وأبا سلمة، عن ربيعة، تابعي، جليل القدر، أحد فقهاء المدينة اتفاقًا، سمع أنس بن مالك، والسائب بن يزيد، وروى عنه الثوري ومالك، مات سنة ست وثلاثين ومائة.\nقال بكر بن عبد الله الصنعاني: أتينا مالك بن أنس، فجعل يحدثنا عن ربيعة، وكنا نستزيده من حديثه، فقال لنا ذات يوم: ما تصنعون بربيعة؟ قال: نعم، قلنا: الذي يحدث عند مالك بن أنس؟ قال: نعم، كيف خطابك مالك ولم تحظ أنت بنفسك؟!\nقال: أما علمتم أن مثقالًا من دولة خير من حمل علم. . انتهى.\nكما رُوي عن عمر بن الخطاب: لولا الجاه لضاع العلم.\nابن عبد الله؛ أي: ابن هُدَيْرة، بالتصغير التيمي عند المحدثين، أنه تعشى أي: أكل طعام العشاء مما مسته النار، والعشاء بفتح العين المهملة والشين المعجمة: الطعام الذي يؤكل بعد الظهر إلى وقت السحور، والعِشاء بكسر العين المهملة صلاة المغرب والعشاء، مع عمر بن الخطاب، ﵁، صلى العِشاء بكسر العين المهملة والشين المفتوحة، أي: صلاة العشاء ولم يتوضأ. وروى يحيى في (موطئه) عن مالك، عن موسى بن عتبة، عن عبد الرحمن بن زيد الأنصاري، أن أنس بن مالك قدم من العراق فدخل عليه أبو طلحة، وأبيّ بن كعب فقرَّب لهما طعامًا قد مسته النار فأكلوا، فقام أنس فتوضأ، فقال أبو طلحة وأبي بن كعب: ما هذا يا أنس؟ أعراقية؟ أي، إلى العراق استندت هذا العلم، وتركت عمل أهل المدينة، فقال أنس: ليتني لم أفعل؟ أي: لأنه يوهم الشبهة، وقام أبو طلحة وأبي بن كعب فصليا ولم يتوضئا (١).\n* * *\n_________\n(١) أخرجه: مالك (٥٨)، والبيهقي في الكبرى (٧٥١).","vol":"1","page":88},{"text":"٣٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا ضَمْرَة بن سعيد المازني، عن أبَانَ بن عثمان: أن عثمان بن عفان: أكل لحمًا، وخبزًا، فَمَضْمَضَ، وغسل يديه، ثم مسحهما بوجهه، ثم صلى ولم يتوضأ.\n• محمد قال: أخبرنا، وفي نسخة: ثنا بدل من حدثنا مالك، كذا في نسخة، أخبرني وحدي ضَمْرَة بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم ابن سعيد بن أبي حنة، بمهملة ثم نون وقيل موحدة، الأنصاري المازني، بكسر الزاي المعجمة نسبة إلى قبيلة بني مازن، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، عن أبَانَ بفتح الهمزة وتخفيف الموحدة، ينصرف ولا ينصرف، ابن عثمان، أي ابن عفان الأموي، إلى سعيد وأبي عبد الله المدني، تابعي ثقة، سمع أباه وغيره من الصحابة، وهو كثير الرواية، وروى عنه: الزهري وغيره، مات بالمدينة زمن يزيد بن عبد الملك، أن عثمان بن عفان، ﵁، أكل لحمًا، وخبزًا، فَمَضْمَضَ، وغسل يديه، ثم مسحهما بوجهه، كذا في (موطأ) مالك بن أنس، ولعله خشي أن يعلق به شيء من الطعام، ثم صلى ولم يتوضأ.\nعن أبي أسامة مرفوعًا: أشد هذه الأمة بعد نبيها حياءً: عثمان بن عفان.\nوعن عائشة مرفوعًا: حين يمشي عثمان، تستحي منه الملائكة.\nوعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لكل نبي خليل في أمته، وإن خليلي: عثمان بن عفان\".\n* * *\n\n٣٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، قال: سألت عبد الله بن عامر بن ربيعة العَدَويَّ، عن الرجل يتوضّأُ ثم يُصيب الطعام قد مَسّتْهُ النار، أيتوضأُ منه؟ قال: قد رأيت أبي يفعل ذلك، ثم لا يتوضأُ.\n_________\n(٣٢) صحيح، أخرجه: مالك (٥٣)، والبيهقي في الشعب (٥٨٢٧) ..\n(٣٣) صحيح، أخرجه: مالك (٥٥).","vol":"1","page":89},{"text":"• محمد قال: أخبرنا، وفي نسخة: ثنا بدل حدثنا (ق ٣٦) مالك، أخبرنا، وفي نسخة: قال: حدثنا يحيى بن سعيد، بكسر العين وسكون الياء التحتية، الأنصاري، مدني، سمع أنس بن مالك، والسائب بن يزيد، وطلق وسواهما، وروى عنه: هشام بن عروة، ومالك، وشعبة، والثوري، وابن عيينة، وابن المبارك، وغيرهم، كان إمامًا من أئمة الحديث، مشهورًا بالورع والزهد والديانة، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة.\nقال: سألت عبد الله بن عامر بن ربيعة العَدَويَّ، بفتحتين، منسوب إلى بني عدي، عن الرجل اللام للجنس، والمراد به الشخص يتوضّأُ ثم يُصيب الطعام قد مَسّتْهُ النار، أيتوضأُ منه؟ قال: قد رأيت أبي عامر بن ربيعة التستري، وهو ممن هاجر الهجرتين، وشهد بدرًا والمشاهد كلها، روى عنه نفر، مات سنة اثنين وثلاثين من ليالي قتل عثمان يفعل ذلك، أي: الأكل مما مسته النار، ثم لا يتوضأُ، فدل ذلك على النسخ أيضًا.\n* * *\n\n٣٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن بُشَيْر بن يَسَار: مولى بني حارثة؛ أن سُويْد بن النُّعمان أخبره: أنه خرج مع رسول الله - ﷺ - عام خَيْبَرَ، حتى إذا كانوا بالصَّهْباء - وهي أدنى خيبر - صلوا العصر، ثم دعا رسول الله - ﷺ - بالأزْوَاد، فلم يُؤْتَ إلا بالسَّويق فأمر به فَثُرِّيَ لهم بالماء، وأكل رسول الله - ﷺ - وأكَلْنَا ثم قام إلى المغرب، فمضمض، ومَضْمَضْنَا، ثم صلى ولم يتوضأ.\nقال محمد: وبهذا نأخذ؛ لا وضُوءَ مما مست النار، ولا مما دَخَل، إنما الوضوءُ مما خرج من الحدث، فأما ما دخل من الطعام مما مسته النار، أو لَمْ تَمَسُّه النار فلا وضوء فيه. وهو قولُ أبي حنيفة.\n• قال محمد: أخبرنا، وفي نسخة: ثنا بدل حدثنا مالك، قال: نا، بدل أخبرنا،\n_________\n(٣٤) أخرجه: البخاري (٢٠٩) (٤١٩٥)، والنسائي (١٨٦)، وابن ماجه (٤٩٢)، وأحمد (١٥٥٦٠)، ومالك (٥١).","vol":"1","page":90},{"text":"وحدثنا، كذا في نسخة يحيى بن سعيد، بكسر العين وسكون الياء التحتية والدال، وهو الأنصاري، عن بُشَيْر بضم الموحدة، وفتح الشين المعجمة، وسكون تحتية وبراء مهملة، ابن يَسَار، بفتح تحتية وتخفيف السين، مولى وهو يطلق على سيد القوم وعلى عبدهم، بني حارثة؛ من الأنصار الحارثي المدني، وثقه ابن معين، قال ابن سعد: كان شيخًا كبيرًا فقيهًا، أدرك عامة الصحابة، وكان قليل الحديث، وكان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة، أن سُويْدًا بالتصغير ابن النُّعمان بضم النون ابن مالك الأنصاري، صحابي شهد أحدًا وما بعدها، ما رُوي عنه سوى بشير، وذكر أنه استشهد بالقادسية، قاله في (الإِصابة)، وفيه نظر؛ لأن بشير بن يسار سمع منه وهو لم يلحق ذلك الزمان، أخبره: أنه خرج مع رسول الله - ﷺ - عام خَيْبَر، بخاء مفتوحة وتحتية ساكنة، وموحَّدة مفتوحة، وراء مهملة غير منصرفة للعلمية والتأنيث، وهي مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع ونخل كثير، على ثمانية برد من المدينة إلى جهة الشام، وذكر أبو عبيد البكري: إنها سميت باسم رجل من العمالق، وهو خيبر، أخو يثرب ابنا قانية بن هابيل، وقيل: الخيبر بلسان اليهود الحصن، ولذا سميت خيابر أيضًا كما ذكره الحازمي، حتى إذا كانوا أي: النبي - ﷺ - مع أصحابه بالصَّهْباء بفتح الصاد المهملة، وسكون الهاء والباء المفتوحة الموحَّدة، الممدودة - وهي أدنى أي: أقرب خيبر، أي: طرفها مما يلي المدينة، وهو بريد من خيبر، وبيَّن البخاري أن هذه الجملة قول يحيى بن سعيد، أدرجت، صلوا العصر، بفتح الصاد المهملة واللام المفتوحة المشددة، وضم الواو لالتقاء الساكنين، ثم دعا رسول الله - ﷺ - بالأزواد، بفتح الهمزة، وسكون الزاي المعجمة، والواو بعدها ألف ودال مهملة، جمع زاد، وهو سائق كل في السفر، ولم يؤت أي: لم يحضر إلا بالسويق، قال الراوي: هو دقيق الشعير، والسُلْت المقلو، ذكره السيوطي في (القاموس)، السلت بالضم: الشعير أو ضرب منه، أو الخامض منه، وفي (المصباح): السلت، قيل: ضرب من الشعير ليس له قشر، ويكون في الفرر والحجا، وقال ابن فارس: هو ضرب منه رقيق القشر صغار الحب (ق ٣٧)، فأمر به، أي: بلله فأكل رسول الله - ﷺ - منه وأكَلْنَا معه، وزاد في رواية للبخاري: وشربنا، وله في رواية أخرى: فأكلنا ولكنَّا شربنا من الماء، أو من المائع، أي مائع السويق، ثم أي بعد أكل السويق قام إلى أن يصلي صلاة المغرب، فمضمض، قبل دخوله في الصلاة، ومَضْمَضْنَا، وفائدتها وإن كان لا دسم في السويق، أنه يحتبس بقاياه بين الأسنان، ونواحي الفم، فيشغله ببلعه عن الصلاة، ثم صلى ولم يتوضأ، بسبب أكل السويق.","vol":"1","page":91},{"text":"قال محمد: وبهذا أي: بعدم لزوم الوضوء الشرعي نأخذ؛ أي: نعمل، ونفتي بأنه لا وضُوءَ مما أي: من أجل أكل الطعام الذي مست النار، أي طبخ بها، ولا وضوء مما دَخَل، أي في جوف الآدمي، إنما يلزم الوضوءُ مما خرج من الحدث، أي: النجاسة الحقيقية التي تكون موجبًا للحدث الحكمي؛ فإنه ليس بحدث ليس بنجس، فأما ما دخل من الصعام مما مسته النار، أو لَمْ تَمَسُّه النار فلا وضوءَ فيه. وهو أي: عدم لزوم الوضوء بعد الطعام قولُ أبي حنيفة ﵀، واستدل به البخاري على جواز صلاتهن وأكثر بوضوء، وعلى استحباب المضمضة بعد الطعام، وفيه جمع الرفقاء على الزاد في السفر، وإن كان بعضهم أكثر أكلًا وحملًا لأزواد في السفر، وأنه لا يقدح في التوكل، وأخذ منه المهلب أن الإِمام يأخذ المحتكرين بإخراج الطعام عند قلته ليبيعوه من أهل الحاجة، وأن الإِمام ينظر لأهل العسكر فيجمع الزاد ليصيب منه من لا زاد معه، وأخرجه البخاري عن عبد الله بن يوسف عن مالك به، ولم يخرجه مسلم.\nلما فرغ من بيان عدم لزوم الوضوء بعد أكل الطعام شرع في بيان حكم حال الرجل والمرأة يتوضآن أو يغتسلان في إناء واحد فقال:\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>باب في بيان حكم حال الرجل والمرأة يتوضآن من إناء واحد</span>\nأي: حال كونهما مجتمعين أو متفرقين في الوضوء أو الغسل في زمان واحد من إناء واحد.\n٣٥ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن ابن عمر، قال: كان الرجال والنساء يتوضؤون جميعًا في زمن رسول الله - ﷺ -.\nقال محمد: لا بَأْس بأن تَتَوضأ المرأة وتغتسلَ مع الرجل من إناءٍ واحد؛ إن بدأت قبله أو بدأ قبلها. وهو قولُ أبي حنيفة.\n_________\n(٣٥) أخرجه: البخاري (١٩٣)، وأبو داود (٧٩)، والنسائي (٧١) (٣٤٢)، وابن ماجه (٣٨١)، وأحمد (٤٤٦٧)، ومالك (٤٦).","vol":"1","page":92},{"text":"• محمد قال: أخبرنا، وفي نسخة: ثنا، وفي نسخة أخرى: حدثنا مالك، حدثنا نافع، في نسخة حدثنا بدل أخبرنا عن ابن عمر، ﵄، قال: كان الرجال والنساء يتوضؤون جميعًا حال كونهما مجمعين، وفي نسخة: كان الرجال والنساء يتوضآن جميعًا، أي: يريد كل رجل مع امرأته في زمن رسول الله - ﷺ - من إناء واحد، أي: كان ذلك مشهورًا في ذلك العهد، وكان النبي - ﷺ - لا ينكر عليهم، فهو من باب الحديث التقريري، إن ثبت اطلاعه - ﷺ - على فعل أصحابه الكرام، وأراد به إجماع الصحابة في تلك الأيام مع قطع النظر عن سندهم في معتمدهم.\nقال محمد - ﵀ -: لا بَأْس بأن تَتَوضأ المرأة وتغتسلَ مع الرجل فإن حكمهما واحد، قوله: مع الرجل، منصوب لتتوضأ أو لتغتسل على اختلاف المذهبين في أعمال الفعلين، فإن الفعلين المذكورين حينئذٍ تنازعا واستدعى كل واحد منهما أن ينصب قوله مع الرجل على أنه مفعول معه، وأعمل البصريون الفعل الثاني لقربه منه، والكوفيون أعملوا الفعل الأول، لتقدمه، من إناءٍ واحد؛ بأن يأخذ الماء منه لا أنهما تتوضآن فيه، إن بدأت قبله أو بدأ قبلها، وهو قولُ (ق ٣٨) أبي حنيفة، ﵀، وعامة العلماء، وحُكِي عن أحمد أنه لا يجوز للرجل أن يتوضأ من فضل وضوء المرأة، ووافق أحمد أنه يجوز للمرأة الوضوء من فضل وضوء الرجل.\nوفي (الشمائل) للترمذي: عن عائشة ﵂، قالت: كنتُ أغتسل أنا ورسول الله - ﷺ - من إناء واحد، وهو يحتمل المعية والبعدية.\nوقال الإِمام البغوي في (الحسان من المصابيح)، قالت ميمونة ﵂: أجنبت أنا ورسول الله - ﷺ - فاغتسلت من جفنة، أي: قصعة كبيرة، وفضل فيها فضلة، فجاء النبي - ﷺ - ليغتسل منها، فقلت: إني قد اغتسلت منها، فاغتسل النبي - ﷺ - وقال: \"إن الماء ليس عليه جنابة\" (١).\nفلا يخرج عن كونه مطهر إذا لم يتول المغتسل بإدخال يده في الإِناء رفع الجنابة من كفه.\n_________\n(١) أخرجه: أبو داود (٦٨)، والترمذي (٦٥)، وابن ماجه (٣٧٠)، وقال الترمذي: حسن صحيح.","vol":"1","page":93},{"text":"ولما فرغ من بيان حكم حال الرجل والمرأة يتوضآن من إناء واحد، شرع في بيان حكم الرعاف، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>باب في بيان الوضوء من الرُّعاف</span>\nالوضوء من الرعاف، بضم الراء مصدر كنصر ومنع وكسر وعنى وسمع، وهو دمٌ يخرج من الأنف، وأيضًا الدم بعينه، كذا في (القاموس).\nوفي (المصباح): الرعاف (١): خروج الدم، والظاهر أنه المراد هنا أو قيس عليه غيره من النجاسات.\n٣٦ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن ابن عمر: أنه كان إذا رَعَفَ رجع فتوضأ ولم يتكلم، ثم رجع فَبَني على ما صلى.\n• محمد قال: أخبرنا، وفي نسخة: ثنا بدل حدثنا، وفي أخرى: أنا بدل أخبرنا مالك قال: ثنا، أي: حدثنا كما في نسخة نافع، عن ابن عمر، ﵄ أنه كان إذا رَعَفَ بفتح العين المهملة وبضمها، أي: إذا خرج من أنف المصلي، رجع، أي: انصرف من صلاته من غير مكث ولو مكث قدر ركن ثم توضأ، يلزم أداء جزء من الصلاة مع الحدث فتبطل، فتوضأ، والحال: ولم يتكلم، فإنه في حكم الصلاة، ثم رجع إلى مصلاه، إن احتاج الرجوع إلى مصلاه، وإلا توضأ فَبَني على ما صلى في مكان توضأ فيه.\nوعند الشافعي تفسد فلا يبنى على ما صلى؛ لأن الانحراف عن القبلة ينافيها.\n* * *\n_________\n(٣٦) صحيح، أخرجه: مالك (٧٩).\n(١) انظر: مختار الصحاح (ص ١٠٤)، والغريب للخطابي (٢/ ٣٨٩)، ولسان العرب (٩/ ١٢٣).","vol":"1","page":94},{"text":"٣٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا يزيدُ بن عبيد الله بن قُسَيْطٍ: أنه رأى سعيد بن المسيَّب رَعف وهو يصلي، فأتى حُجْرة أُمَّ سلمة زوج النبي - ﷺ -، فأُتي بوَضُوء فتوضأ، ثم رجع فبني على ما قد صلى. . . . . .\n• محمد قال: أخبرنا، وفي نسخة: ثنا، وفي أخرى: نا بدل حدثنا، وأخبرنا مالك، قال، أي: مالك، حدثنا، وفي نسخة: نا بدل أخبرنا يزيدُ بن عبيد الله بن قُسَيْطٍ (١)، بضم القاف، وفتح السين المهملة مصغرًا، ابن أسامة الليثي أبي عبد الله المدني، روى عن أبي هريرة، وابن عمر، وجمع، ووثقه النسائي، وابن سعد وغيرهما، وروى عنه: الجمع، ومات سنة اثنين وعشرين ومائة وله تسعون سنة، كذا قال الزرقاني: أنه رأى سعيد بن المسيَّب رَعف في حال صلاته، وهو، أي: والحال: أنه يصلي، فأتى، أي: جاء حُجْرة بضم الحاء المهملة وسكون الجيم والراء والتاء، أي: البيت، والمضاف إلى أُمَّ سلمة زوج النبي - ﷺ -، فأُتي بضم الهمزة وكسر التاء، أي: فجيء بوَضُوء بفتح الواو، أي: بماء الوضوء فتوضأ، ثم رجع إلى مصلاه، فإن بيت أم سلمة، ﵂ أقرب إلى المسجد، وأقل المشي في أثناء الصلاة لا يفسدها إذا كان بعذر فبني على ما قد صلى.\nقال ابن مالك في (تسهيله) كلمة \"قد\" تدخل على الماضي المتوقع، أي: المنتظر فيفيد الناظر. انتهى.\nيعني أنها دخلت على صلى، وأفادت العلم ليزيد بن عبد الله بن قسيط، وهو رأي سعيد بن المسيب، أنه صلى ركعة أو ركعتين وخرج (ق ٣٩)، من أنفه الدم في حال صلاته، فانصرف عن صلاته ودخل بيت أم سلمة زوج النبي - ﷺ - وتوضأ ونظر يزيد بن عبد الله بن قسيط إلى سعيد بن المسيب، هل يترك ما صلاه ويستأنفه أم يبني على ما صلى، فلما بنى على ما صلى علم أن البناء على ما صلى لازم عند أبي حنيفة، ﵀.\nاعلم أن المصلي إذا سبقه حدث توضأ، وأتم ولو بعد التشهد عند أبي حنيفة، ﵀ خلا بابهما حيث قال: إذا قعد ثم فرضه.\n_________\n(٣٧) صحيح، أخرجه: مالك (٨١).\n(١) انظر: التقريب (٢/ ٦٧٣).","vol":"1","page":95},{"text":"وقال مالك والشافعي: يستأنف الصلاة؛ لأن الحدث ينافيها، والانحراف عن القبلة يفسدها، فصار كالحدث عمدًا.\nولنا ما روى ابن ماجه: عن ابن أبي مليكة، عن عائشة ﵂، قال رسول الله - ﷺ -: \"من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو خروج شيء بسبب جشاء أو سلعة، أو مذي، فلينصرف وليتوضأ ثم ليبني على صلاته وهو في ذلك لا يتكلم\" (١).\nوروى ابن أبي شيبة نحوه، موقوفًا على جماعة من الصحابة كالصديق، والفاروق، والمرتضى، وابن مسعود، وغيرهم، ﵃ أجمعين.\nفإن قيل: قال الدارقطني: الحفاظ يروونه عن ابن أبي مليكة عن النبي - ﷺ -، وهو الصحيح، أجيب: بأن الحديث المرسل حجة عند الجمهور، وإذا اعتقد فعند الكل نعم الاستئناف أفضل ليقع أداء الصلاة على الوجه الأكمل؛ لأن الخروج عن شبهة النزاع مستحب بالإجماع، وقيل: المنفرد يستأنف والإِمام والمقتضي يبنيان؛ صيانةً لفضيلة الجماعة، ثم العود إلى مكان الصلاة أفضل عند الكرخي والفضلي لتصير صلاته مؤداة من مكان واحد.\nوقيل: الإِمام حيث توضأ أفضل، إن أمكن تقليلًا للمشي.\nوفي نوادر ابن سماعة: إن العود يفسدها؛ لأنه مشي بلا حاجة.\n* * *\n\n٣٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب: أنه سُئل عن الذي يَرْعُفُ، فَيكثُر عليه الدم، كيف يصلي؟ قال: يوْمِئ برأْسه إيمَاءً في الصلاة.\n• محمد قال: أخبرنا، وفي نسخة: ثنا بدل حدثنا مالك، قال: ثنا، كذا في نسخة، وفي نسخة أخرى: أنا بدل أخبرنا يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، قال أهل\n_________\n(١) أخرجه: ابن ماجه (١٢٢١) بسند ضعيف.\n(٣٨) صحيح الإسناد.","vol":"1","page":96},{"text":"الصناعة: لفظ \"قال\" إن كان مكتوبًا قبل حدثنا الثاني والثالث، وهلم جرا يكون بيانًا لحدثنا مالك، كقوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ﴾ [طه: ١٢٠]، فاستغنى عما يقال في أمثاله أنه جواب: ما حدثكم، كما نقله علي القاري، عن عصام الدين في (شرح الشمائل) للترمذي.\nأنه سُئل سعيد بن المسيب عن الذي يَرْعُفُ، بضم العين وفتحها، أي: يخرج من أنفه الدم، فَيكثُر عليه الدم، أي: بحيث لا ينقطع، كيف يصلي؟ وإن كان معذورًا إلا أنه إذا انحنى في الركوع والسجود، ويخشى عليه من تكثر خروج الدم، قال: يوْمِئ برأْسه إيمَاءً في الصلاة، أي: الركوع والسجود فيها، ويجعل إيمائه إلى السجود أخفض من إيمائه إلى الركوع، وفي نسخة: لفظ إيماء بعد قوله: برأسه.\n* * *\n\n٣٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الرحمن بن المجبَّر، أنه رأى سالم بن عبد الله بن عمر: يُدْخل أصبُعَه في أنفه ثم يخرجها وفيها شيء من دم فيغسله، ثم يصلي ولا يتوضأ.\nقال محمد: وبهذا كلِّه نأخذ فأمَّا الرُّعَاف: فإن مالك بن أنس كان لا يأخذ بذلك وكان يرى: إذا رَعَفَ الرجلُ في صلاته أن يغسل الدمَ، ويستقبلَ الصلاة.\nوأما أبو حنيفة: فإنه كان يقول بما رَوَى مالكٌ عن ابن عمر، وعن سعيد بن المسيَّب: أنه ينصرفُ، فيتوضأُ: ثم يَبْني على ما صلى إن لم يتكلم، وهو قولنا.\nوأما إذا كثر الرُّعاف على الرجل فكان إن أومأ برأْسه إيماء لم يرعف، وإن سجد رعف أومأ برأسه إيماءً وأجْزأه، وإن كان يرعَفْ على كل حالٍ سجد.\nوأما إذا أدخل الرجلُ أصبعه في أنفه فأخرج عليها شيئًا من دم، فهذا\n_________\n(٣٩) صحيح الإسناد.","vol":"1","page":97},{"text":"لا وُضوءَ فيه، لأنه غير سائل ولا قاطر، وإنما الوضُوءُ في الدم مما سال أو قَطَرَ. وهو قولُ أبي حنيفة.\n• محمد قال: أخبرنا، وفي نسخة: ثنا، بدل حدثنا مالك، أخبرنا وفي نسخة: ثنا بدل حدثنا عبد الرحمن بن المجبَّر، بضم الميم وفتح الجيم وتشديد الموحدة المفتوحة والراء المهملة، وإنما قيل له: المجبر، لأنه سقط (ق ٤٠) فانكسر، وجبر رأسه عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب ﵁، أنه رأى سالم بن عبد الله بن عمر: أحد فقهاء المدينة، ومن سادات التابعين وعلمائهم وثقاتهم، مات بالمدينة سنة ست ومائة يدخل أصبعه بتثليث الهمزة والموحدة فيكون، تسع لغات والمشهور كسر الهمزة وفتح الموحدة يُدْخل أصبُعَه أي: في أنفه شك الراوي، ثم يخرجها أي: أصبعه وفيها أي: في أصبعه، وفي نسخة فيها بغير أي: قليل من أي: فيقتله بكسر التاء، أي: يفركه، وينقضه لما في نسخة، أي: يحرك الدم المتجمد، الذي أخرجه من أنفه بعد قتله ويرميه بطرف أصبعه، ثم يصلي ولا يتوضأ، أي: بعده، وإنما جرى بثم لترتيب الأخبار لا لترتيب الحكم.\nكما يقال: بلغني ما صنعت اليوم ما صنعت الأمس، أي: ثم أخبرك أن الذي صنعت أمس أعجب، كذا قاله ابن هشام في (مغني اللبيب).\nقال محمد: وبهذا كلِّه نأخذ أي: نعمل ونفتي، فأمَّا الرُّعَاف، أي: الدم الخارج من أنف المصلي، فإن مالك بن أنس كان لا يأخذ به، أي: لا يفتي بذلك، أي: ينقض الوضوء، وكان يرى، أي: يذهب إلى أنه إذا رَعَفَ أنف الرجلُ في صلاته، أي: بدم يقطر له أن يقطع صلاته، وأن يغسل الدمَ الذي أصاب ثوبه، ويستقبلَ الصلاة، أي: بسبب العمل الكثير، وهو غَسلُ الدم، وبمكثه قدر ركن في صلاته بعد إصابة ثوبه بدم زائد على قدر الدرهم، أو باستدباره القبلة بغير عذر، كما في كتب المالكية، وتبعه الشافعي في ذلك.\nوأما أبو حنيفة ﵀، فإنه كان يقول بما رَوَى مالكٌ عن ابن عمر، ﵄، كما تقدم، وعن سعيد بن المسيَّب، أي: على ما سبق أنه، أي: المصلي إن سبقه الحدث ينصرفُ، من غير مكث، فيتوضأُ: ثم يَبْني على ما صلى إن لم يتكلم، وهو قولنا، أي: قول أصحاب أبي حنيفة ﵀.","vol":"1","page":98},{"text":"وأما إذا كثر الرُّعاف بضم المثلثة، أي: غلب بحيث لم يكن له دفعُه فكان، أي في شأن الرجل إن أومأ بالهمزة، أي: أشار برأْسه إيماء وأجزأه، أي: كفاه الإِيماء عن الركوع والسجود.\nوإن كان الدم يرعف، أي: يقطر على كل حال، أي: سواء سجد أو ركع.\nوأما إذا أدخل الرجلُ أصبعه في أنفه فأخرج عليها، أي: على إصبعه، شيئًا أي: قليلًا من الدم، أي: غير سائل، فهذا لا وُضوءَ فيه؛ لأنه غير سائل ولا قاطر، أي: فيكون معفوًا عنه، وإنما الوضُوءُ الواجب في الدم مما سال، أي: ما يجب تطهيره في وضوء، أو غسل، أو قَطَرَ، أي: لم يسل متتابعًا، وهو قولُ أبي حنيفة ﵀.\nاعلم أن الخارج النجس من غير السبيلين كالرعاف والقيء والفصد والحجامة، لا وضوء عنه، عند مالك والشافعي.\nوقال أبو حنيفة ﵀ بوجوبه، بالدم السائل وبالقيء إذا ملأ الفم.\nوقال أحمد: إن كان كثيرًا نقض، رواية واحدة، وإن كان يسيرًا ففيه روايتان، ومن الأدلة لمذهبنا حديث: \"الوضوء من كل دم سائل\" (١)، رواه الدارقطني وابن عدي.\nوروى ابن ماجه، عن عائشة ﵂، مرفوعًا: \"من أصابه قيء، أو رعاف، أو قلس، أو مذي، فلينصرف، وليتوضأ ثم ليبن على صلاته، وهو في ذلك لم يتكلم\"، والقلس، بفتح القاف وسكون اللام والسين: طعام أو ماء يدفعه المعدة في المرتبة الأولى، سواء كان ملأ الفم أم لا، وما تدفعه في المرتبة الثانية يقال له: قيء، كذا قاله محمد الواني في (ترجمة الجوهري)، وفي (مصنف) عبد الرزاق (٢): أخبرنا الثوري عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي ﵁، قال: إذا وجد أحدكم رزًا أو رعافًا أو قيئًا فلينصرف وليتوضأ فإن تكلم استقبل، وإلا اعتد بما مضى.\nوالرز، بكسر الراء المهملة والزاي المعجمة المشددة: صوت خفي، كذا نقله علي\n_________\n(١) أخرجه: الدارقطني (١/ ١٥٧)، وقال: عمر بن عبد العزيز لم يسمعه من تميم الداري، ولا رآه، ويزيد بن خالد، ويزيد بن محمد: مجهولان.\n(٢) أخرجه: ابن أبي شيبة (٢/ ١٠٠)، وعبد الرزاق في مصنفه (٣٦٠٦)، والدارقطني (١/ ١٥٦).","vol":"1","page":99},{"text":"القاري عن السيوطي، وفي (النهاية): أنه القرقرة.\nلما فرغ من بيان الوضوء من الرعاف، شرع في بيان الغسل من بول الصبي، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>باب في بيان الغسل، أي: غسل الثوب من بول الصبي</span>\nلأجل إصابة بول الصبي الثوب أو الجسد، والغسل بالفتح: مصدر، وبالضم: غسل مخصوص، وبالكسر: ما يُغتسل به.\nقوله: بول الصبي: من قبيل الاكتفاء عن ذكر الصبية؛ لأن غسل الثوب بإصابة بول الصبي والصبية واجب، أو من قبيل تغليب الذَّكَر على الأنثى لشرافته، كما قال في سورة المؤمنون: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١، ٢]، ولم يقل: مؤمنات اللاتي في صلواتهن خاشعات.\n٤٠ - أخبرنا مالك، حدثنا الزُّهري، عن عُبيد الله بن عبد الله، عن أم قيس بنت مِحْصَن، أنها جاءَت بابن لها صغير لم يأْكل الطعام، إلى رسول الله - ﷺ -، فوضعه النبي - ﷺ - في حَجْرِهِ، فبال على ثوبه، فدعا بماء فَنضَحَ عليه ولم يغسله.\nقال محمد: قد جاءَت رُخصةٌ في بول الغلام إذا كان لم يأكل الطعام، وأمر بغسل بول الجارية، وغَسْلهما جميعًا أحب إلينا، وهو قولُ أبي حنيفة. . .\n• محمد قال: ثنا مالك، وفي نسخة: أخبرنا، وفي نسخة أخرى: أنا بدل أخبرنا، قال: ثنا، كذا في نسخة، وفي نسخة: حدثنا الزُّهري، عن عُبيد الله، بالتصغير، ابن عبد الله، أي: ابن عتبة بن مسعود، كما في موطأ يحيى، وهو ابن أخي عبد الله بن مسعود، مدني الأصل، ساكن الكوفة، أدرك زمن النبي - ﷺ - وهو من كبار التابعين، سمع\n_________\n(٤٠) أخرجه: البخاري (٢٢٣)، ومسلم (٢٨٧)، وأبو داود (٣٧٤)، والترمذي (٧١)، والنسائي (٣٠٢)، وابن ماجه (٥٢٤)، وأحمد (٢٦٤٥٦)، ومالك (١٤٣).","vol":"1","page":100},{"text":"عمر بن الخطاب وغيره، روى عنه ابنه عبيد الله، ومحمد بن سيرين، وغيرهما، مات بولاية بشر بن مرة، ودفن بالكوفة، عن أم قيس بنت مِحْصَن، بكسر الميم، وسكون الحاء المهملة، وفتح الصاد المهملة، وبالنون: وهي أخت عكاشة بن محصن؛ أحد بني أسد بن خزيمة، وكانت من المهاجرات الأُول.\nوقال ابن عبد البر: اسمها جذامة، أي بضم الجيم وبالذال المعجمة، قال السهيلي: اسمها آمنة، ويمكن الجمع بأن أحدهما لقب، والآخر علم، والله أعلم، أنها جاءَت بابن لها صغير، أي: طفل لم يأْكل الطعام، قال ابن التين: يحتمل أنها أرادت أنه لم يتوقف بالطعام ولم يستغني به عن الرضاع، ويحتمل أنها جاءت به عند ولادته ليحنكه - ﷺ -، فتحمل النفي على عمومه ويؤيده رواية البخاري في العقيقة أتى بصبي يحنكه، أي: رسول الله - ﷺ -.\nقال ابن حجر: لم أقف على اسمه.\nقال: وروى النسائي أن ابنها هذا مات على عهد النبي - ﷺ - فوضعه أي: فأجلسه النبي - ﷺ - في حَجْرِهِ، بفتح الحاء المهملة، وسكون الجيم على الأشهر، وتكسر وتضم، كما في المحكم وغيره، حضنه، وهو ما بين إبطه إلى (ق ٤٢) كشه، وفي (القاموس): مثلثة حضن الإِنسان، فبال أي: الصغيرعلى ثوبه، أي: على ثوب النبي - ﷺ -، وقيل: المراد به ثوب الصبي. وأغرب ابن شعبان من المالكية، فقال: المراد به ثوب الصبي، والصواب الأول. كذا قاله ابن حجر، وتعقب بأنه فهم أن الثاني خطأ، وليس كذلك، فمعناه أن الابن بال على ثوبه نفسه، وهو في حجر النبي - ﷺ -، فَنضَحَ الماء عليه، خوفًا من أن يكون طار على ثوبه منه شيء، وهذا يكون دليل القائلين لنجاسة بوله، وإن لم يأكل الطعام.\nفدعا رسول الله - ﷺ - بماء فنضح الماء عليه، أي: على ثوبه، أو على مكان بوله، ولم يغسله، أي: لم يفركه ولم يدلكه، قال ابن عبد البر: وادعى أن قوله ولم يغسله مدرج من ابن شهاب، وأن المرفوع انتهى بقوله: فنضح عليه.\nقوله: لم يأكل الطعام: ليس علة للحكم بعدم الغسل، وإنما هو وصف حال وحكاية فقيه.\nقال في الحديث الآخر: رضيع، وللابن طعام، وحكمه حكمه في كل حال.","vol":"1","page":101},{"text":"وفي هذا الحديث من الفوائد:\nالأول: الندب إلى حسن المعاشرة، والتواضع والرفق بالصغار، وتحنيك المولود، والتبرك بأهل الفضل، وحمل الأطفال إليهم حال الولادة وبعدها.\nوحكم بول الغلام والجارية قبل أن يطعما، وهو مقصود الباب، واختلف العلماء في ذلك على ثلاثة مذاهب: أصحها عند الشافعي الاكتفاء بالنضح؛ أي: بالرش في بول الصبي لا الصبية، وهو قول: علي، وعطاء، والحسن، والزهري، وأحمد، وإسحاق، وابن وهب، وغيرهم، ورواه الوليد بن مسلم عن مالك، لكن قال أصحابه: هي رواية شاذة.\nوالثاني: يكفي النضح فيهما، وهو مذهب الأوزاعي، وحكى عن مالك والشافعي وخصص ابن العربي النقل في هذا بما إذا لم يدخل في أجوافهما شيء أصلًا.\nوالثالث: هما سواء في وجوب الغسل، وهو المشهور عن مالك وأبي حنيفة وأتباعهما، وبه قال جماعة.\nقال ابن عبد البر: وأحاديث التفرقة بين بول الصبي والصبية ليست بقوية، كذا قاله الزرقاني (١).\nقال محمد: قد جاءَت، أي: من طرف صاحب الشرع رُخصةٌ في بول الغلام إذا كان لم يأكل الطعام، أي: على تقدير عدم الإِدراج.\nقوله: وأمرٌ مرفوع: على أنه عطف على قوله: رخصة، بغسل بول الجارية، أي: كما في رواية أخرى، وغَسْلهما أي: غسل ما أصاب بولهما جميعًا أي: كليهما، أحب إلينا، أي: احتياطًا، فوجب لدينا. وهو قولُ أبي حنيفة ﵀، وأتباعه.\nوفي (المصابيح): النضح: هو البل بالماء، أقول: وقد يراد به الغسل الخفيف، ويؤيده ما ذكره السيوطي في (النهاية): من أن النضح بمعنى الغسل والإِزالة، ويطلق على الرش، كذا قاله علي القاري.\n* * *\n_________\n(١) انظر: شرح الزرقاني (١/ ١٨٨).","vol":"1","page":102},{"text":"٤١ - أخبرنا مالك، حدثنا هشام بن عُرْوة عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: أُتِيَ النبي - ﷺ - بصبّي فبال على ثوبه، فدعا بماء فَأتْبَعَهُ إيَّاه.\nقال محمد: وبهذا نأخذ تُتْبِعُهُ إياه غسلًا، حتى تُنَقّيه، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• محمد قال: حدثنا، وفي نسخة: أنا بدل أخبرنا مالك، قال: أي: مالك بن أنس، ثنا، كذا في نسخة، وفي نسخة: أخبرنا، وفي نسخة أخرى: أنا بدل أخبرنا هشام بن عُرْوة أحد تابعي المدينة المشهورين المكثرين من الحديث، المعدود في أكابر العلماء، وأجلاء التابعين، في الطبقة الرابعة من الطبقات السبعة من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من (ق ٤٣) الأقاليم السبعة، كذا في (خلاصة الهيئة).\nسمع عبد الله بن الزبير، وابن عمر ﵄، وروى عنه خلقٌ كثير منهم: الثوري، ومالك بن أنس، وابن عيينة، عن أبيه، وهو عروة بن الزبير بن العوام، يروي عن أبيه، وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق، ﵂، وعن خالته عائشة أم المؤمنين، وغيرهم من كبار الصحابة، روى عنه: ابنه هشام، والزهري، وغيرهما، وهو من كبار التابعين، وأحد الفقهاء السبعة من أهل المدينة.\nعن عائشة ﵂، أنها قالت: أُتِيَ بضم الهمزة وكسر التاء، النبي - ﷺ - بصبّي قال الحافظ: يظهر أنه ابن أم قيس، ويحتمل أنه، أي: الصبي الحسن بن علي، أو الحسين بن علي ﵃.\nفقد روى الطبراني في (الأوسط) (١) بإسناد حسن عن: أم سلمة قالت: بال الحسن والحسين، على بطن رسول الله - ﷺ - فتركه حتى قضى بوله، ثم دعا بماء، فصببته عليه.\nولأحمد عن أبي ليلى نحوه، ورواه الطحاوي من طريقه قال: فجيء بالحسن ولم يتردد، وكذا للطبراني عن أبي أمامة، وإنما رجحته أنه غيره؛ لأنه في البخاري (٢) من\n_________\n(٤١) أخرجه: البخاري (٢٢٢) ومسلم (٢٨٦)، والنسائي (٣٠٣)، وابن ماجه (٥٢٣)، وأحمد (٢٣٧٣٥)، ومالك (١٤٢).\n(١) أخرجه: الطبراني في الأوسط (٦١٩٧).\n(٢) أخرجه: البخاري (٢٢٠).","vol":"1","page":103},{"text":"طريق يحيى القطان عن هشام: أُتِي النبي - ﷺ - بصبي يحنكه، فبال على ثوبه، وأما الحسن فبال على بطنه - ﷺ -.\nوللطبراني عن زينب بنت جحش: أنه جاء، وهو يحبو، والنبي - ﷺ - نائم، فصعد على بطنه، ووضع ذكره في سرته، فذكر الحديث بتمامه، فظهرت التفرقة بينهما، وزعم العيني أن أظهر الأقوال أنه عبد الله بن الزبير؛ لأن أمه قالت: فأخذته أخذًا عنيفًا فقال النبي - ﷺ -: \"إنه لم يأكل الطعام فلا يضر بوله\"، وفي لفظ: \"لم يأكل الطعام فلا يقذر بوله\"، انتهى.\nوليس في قوله ذلك ما يقتضي بأنه الأظهر.\nوقيل: المراد به: سليمان بن هشام، حكاه الزركشي.\nفبال أي: الصبي، على ثوبه، أي: على ثوب رسول الله - ﷺ -، فدعا أي: فطلب رسول الله - ﷺ - بماء فَأتْبَعَهُ بفتح الهمزة وسكون التاء الفوقية، وفتح الباء الموحدة، إيَّاه، أي: رسول الله - ﷺ - البول الذي على الثوب الماء بصبه عليه؛ فالضمير المتصل للبول والمنفصل للماء، ويجوز عكسه؛ لأن اتباع الماء البول هو النضح دون الغسل.\nزاد مسلم من طريق عبد الله بن نمير عن هشام: ولم يغسله.\nوللطحاوي من رواية زائدة الثقفي عن هشام: فنضحه عليه.\nولابن المنذر من طريق الثوري عن هشام: فصب عليه الماء.\nوهذا الحديث أخرجه البخاري عن عبد الله بن يوسف، عن مالك به، وتابعه عبد الله بن نمير وجرير وعيسى، ثلاثتهم عن هشام نحوه في مسلم.\nقال محمد: وبهذا نأخذ أي: نعمل ونفتي، وهي جملة استئنافية تقديره: فإذا أتبع النبي - ﷺ - البول بالماء.\nقال محمد: وإنما أنزل نفسه منزلة الغائب بأن قال: قال محمد: للتواضع والتنبيه بالمؤمنين، بأن يكونوا على حسن الأدب، نتبعه بضم النون (ق ٤٤) وسكون التاء وكسر الباء الموحدة، تُتْبِعُهُ إياه أي: نجعل الماء تابعًا إياه، أي: البول غسلًا، أي: لغسله لا لرشه حتى تُنَقّيه، من الإِنقاء والتنقية، حتى تزيله، وهو قولُ أبي حنيفة ﵀.","vol":"1","page":104},{"text":"وقال الشافعي وأحمد: يكفي في بول الطفل الذي لم يطعم ولم يشرب إلا اللبن: الرش بالماء، ويتعين في بول الصبية الغسل لورود النضح في بول الصبي دون الصبية، لما روى هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة ﵂، قالت: أُتِي رسول الله - ﷺ - بصبيٍ فبال عليه، فقال: \"صبوا عليه صبًا\".\nقال: فعلم منه أن حكم بول الغلام [الغسل] (١)، إلا أنه يجزئ فيه الصب، وحكم بول الجارية أيضًا الغسل، إلا أنه لا يكفي فيه الصب؛ لأن بول الغلام يكون في موضع واحد؛ لضيق مخرجه، وبول الجارية يتفرق لمواضع، لسعة مخرجها، والله أعلم.\nولما ذكر غُسل ما أصاب بول الصبي، وما يتعلق به، شرع في ذكر الوضوء من المذي، وما يتعلق به، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>باب في الوضوء من المذي</span>\nلأجل خروج المذي، هو بفتح الميم، وسكون الذال المعجمة، وتخفيف الياء التحتية، والأفصح بكسر الذال، وتشديد الياء، ثم الكسر مع التخفيف، وهو ماءٌ أبيض رقيق، لزج، يخرج عند الملاعبة بزوجته، أو جاريته، أو عند تذكر الجماع، أو إرادته، وقد لا يُحَسُّ بخروجه.\n٤٢ - أخبرنا مالك، أخبرني سالم أبو النَّضْرِ: مولى عمر بن عُبيد الله بن مَعْمر التَّيْمِيَّ، عن سليمان بن يَسَار، عن المِقْدَاد بن الأسود، أن علي بن أبي طالب ﵁: أمره أن يسأل رسول الله - ﷺ - عن الرجل إذا دنا من أهله فخرج منه المَذْيُ، ماذا عليه؟ فإن عندي ابنتَه، وأنا أستَحى أن أسأله، قال المِقْدَاد: فسألته، فقال: \"إذا وجد أحدكم ذلك فلينضح فَرْجَه وليتوضأ وُضُوءه للصلاة\".\n_________\n(٤٢) أخرجه: البخاري (١٧٨)، ومسلم (٣٠٣)، وأبو داود (٢٠٦)، (٢٠٧)، وأحمد (٦٠٧)، ومالك (٨٦).\n(١) ساقطة من الأصل.","vol":"1","page":105},{"text":"• محمد قال: حدثنا، وفي نسخة: أخبرنا، وفي نسخة أخرى: حدثني بالإِفراد، وفي نسخة: أنا بدل أخبرنا مالك، قال: أخبرني، كذا في نسخة سالم أبي النَّضْرِ، وفي نسخة: أبو بدل أبي بعد ابن تقريره، سالم هو أبو النضر (١)، بالضاد المعجمة، ابن أبي أمية القرشي مولاهم المدني، ثقة ثبت من رجال الجميع، وكان يرسل، روى عن أنس، والسائب بن يزيد وغيرهما، وروى عنه: الليث والسفيانان ومالك، مات سنة تسع وعشرين ومائة، مولى عمر بن عُبيد الله بالتصغير ابن مَعْمر بفتح الميم، ابن عثمان بن عمر بن سعد بن تميم بن مرة، القرشي، كان أحد وجوه قريش، وأشرافها، جوادًا، ممدوحًا، شجاعًا، له في الجود والشجاعة أخبار شهيرة، مات بدمشق سنة اثنين وثمانين.\nوَجَدُّ معمر صحابي، ابن عم أبي قحافة؛ والد الصدِّيق، التَّيْمِيِّ، عن سليمان بن يَسَار، مولى ميمونة زوج النبي - ﷺ -، وأخو عطاء بن يسار، من أهل المدينة، وكبار التابعين، كان فقيهًا فاضلًا ثقة عابدًا، ورعا حجة وهو أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، مات سنة سبع ومائة، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة، عن المِقْدَاد بن الأسود، بكسر الميم، ابن عبد يغوث الزهري، تبناه وهو صغير، فعُرِفَ به، وهو: المقداد بن عمرو بن الثعلبة البهيراني بفتح الموحدة، والراء: قبيلة من قضاعة، ثم الكندي؛ لأنه كان أبوه حالف في قبيلة كِندة، ثم الزهري، صحابي مشهور من السابقين شهد المشاهد كلها، وكان فارسًا يوم بدر، ولم يثبت أنه شهدها فارس غيره، روى عن علي وابن مسعود وابن عباس وجماعة، مات سنة ثلاث وثلاثين اتفاقًا، وهو ابن سبعين سنة، وفي الإِسناد انقطاع سقط منه ابن عباس، وسليمان بن يسار لم يسمع من المقداد؛ لأنه ولد سنة أربع وثلاثين، بعد موت المقداد بسنة، وقد أخرج مسلم والنسائي من طريق ابن وهب عن (ق ٤٥) مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن سليمان بن يسار، عن ابن عباس، ﵄، أن علي بن أبي طالب ﵁: أمره أي: المقداد بن الأسود، قال ابن عبد البر: سليمان لم يسمع من المقداد، ولا من علي، نعم بين سليمان وعلي وفي هذا الحديث ابن عباس.\nوأخرجه مسلم والنسائي عن سليمان بن يسار، عن ابن عباس، قال علي: أرسلتُ المقداد أن يسأل رسول الله - ﷺ - عن الرجل، أي: جنسه، إذا دنا، أي: قرب من أهله،\n_________\n(١) انظر: التقريب (١/ ١٩٤).","vol":"1","page":106},{"text":"أي: امرأته أو جاريته، بقصد مداعبته أو مجامعته؛ فمن هنا بمعنى الباء، كما في قوله تعالى في سورة الشورى: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥]، كذا قاله ابن هشام، فخرج أي: منه، أي: من الرجل المَذْيُ، ماذا عليه؟ أيُّ شيءٍ يلزم عليه من الوضوء أو الغسل؟\nوذكره أبو داود، والنسائي، وابن خزيمة، بسبب السؤال من طريق آخر عن علي: إني كنتُ رجلًا مذاء، فجعلت أغتسل منه في الشتاء حتى تشققت ظهري (١).\nوفي الصحيحين: عن ابن الحنفية، عن علي: قال: فأمرتُ المقداد أن يسأله، وكذا لمسلم عن ابن عباس، ﵄: أن عليّا ﵁ أمر عمارًا أن يسأله.\nولابن حبان والإِسماعيلي أن عليّا قال: سألتُ.\nوجمع ابن حبان: أن عليّا أمر عمارًا أن يسأله، ثم أمر المقداد بذلك، ثم سأله بنفسه.\nقال الحافظ العسقلاني: وهو جمع جيد لآخره، مغاير لقوله: فإن عندي أي: تحت عقدي ابنتَه، أي: فاطمة، ﵂، والحال وأنا أستَحى أن أسأله، أي: النبي - ﷺ - بلا واسطة. قال المِقْدَاد: وفي نسخة: فقال المقداد، بالفاء، ولكن لم يوجد بالنسخ التي عندي ولا نسخ (الموطأ) قديمها وجديدها لمالك بن أنس، فسألته، أي: النبي - ﷺ -، عن ذلك، فقال - ﷺ -: \"إذا وجد أي: علم أحدكم ذلك، أي: المذي في بدنه، فليَنْضَحْ بكسر الضاد المعجمة وفتحها، أي: ليغسل فَرْجَه، أي: ذكره، إن كان رجلًا، وقُبله إن كانت امرأة.\nقال في (النهاية): النضح بمعنى الغسل، ويطلق على الرش كذا ذكره السيوطي.\nفهذا حجة لنا في الحديث السابق، وليتوضأ وُضُوءه للصلاة، أي: كما يتوضأ إذا قام للصلاة؛ لأنه يجب الوضوء بمجرد خروجه، قال به قوم، ورد عليهم الطحاوي بما رواه عن علي، قال: سأل النبي - ﷺ - عن المذي: فقال: \"فيه الوضوء، وفي المني الغسل\"، فعرف أنه كالبول وغيره، من نواقض الوضوء لا يوجب الوضوء بمجرده.\n_________\n(١) أخرجه: أبو داود (٢٠٦)، وأحمد (٨٧٠)، وابن خزيمة (٢٠)، والبيهقي في الكبرى (٨٢١).","vol":"1","page":107},{"text":"قال الرافعي: في قوله: \"وضوءه للصلاة\"، قطع احتمال حمل المتوضئ على الوضاءة الحاصلة بغسل الفرج؛ فإن غسل العضو الواحد قد يسمى وضوء، كما ورد أن الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر، والمراد به غسل اليد، فيجوز الاستنابة بالاستئناف، وفيه ما كان عليه الصحابة من حفظ حرمة النبي - ﷺ - وتوقيره، واستعمال الأدب في ترك المواجهة بما يستحي منه عرفًا، وحسن العشرة مع الأصهار، وترك ذكر ما ينغلق بجماع المرأة ونحوه، بحضرة أقاربها.\nواستدل البخاري بهذا الحديث لمن استحيى، فأمر غيره بالسؤال فيه جمعًا بين المصلحتين: استعمال الحياء، وعدم التفريط في معرفة الحكم.\n* * *\n\n٤٣ - أخبرنا مالك، أخبرني زيد بن أسْلَمَ عن أبيه، أن عمر بن الخطاب قال: إني لأَجِدْه يَنْحدِرُ مني مثل الْخُرَيْزَةِ، فإذا وجد أحدكم ذلك فليغسل فَرْجه وليتوضأ وُضوءه للصلاة. وهو قولُ أبي حنيفة.\n• محمد قال: ثنا، وفي نسخة: أخبرنا، وفي نسخة: ثنا، وأنا بدل أخبرنا مالك، قال: ثنا بدل حدثنا، وفي نسخة أخبرني بالإِفراد، وفي نسخة أخرى: أنا بدل أخبرنا زيد بن أسْلَمَ عن أبيه، كما في (الموطأ) لمالك، وفي نسخة: زيد بن أبي سلمة، عن أبيه، روى عن عمه عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي، أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالفقه بالمدينة على قوله، ومن مشاهر التابعين وأعلامهم، وهو ممن غلبت عليه كنيته، أن عمر بن الخطاب ﵁، قال: إني لأَجِدْه أي: المذي يَتَحَدَّر بتشديد الدال المهملة والراء، على وزن يتفضل، أي: يقطر وينزل مني مثل الْخُرَيْزَةِ، بضم الخاء، وفتح الراء، وياء تحتية ساكنة: تصغير خرزة بفتحتين، وهو الجوهرة، وعنه مثل الجمانة، وهي بضم الجيم والميم بعدها ألف ونون اللؤلؤ.\nكذا ذكره السيوطي: فإذا وجد أحدكم ذلك، أي: المذي فليغسل فرجه، أي: ذكره إن كان رجلًا، وإن كان امرأة فلتغسل مثلها وليتوضأ وضوءه، أي: وضوءه للصلاة.\n_________\n(٤٣) صحيح، أخرجه: مالك (٨٧)، والبيهقي في الكبرى (١٧١٣).","vol":"1","page":108},{"text":"قال الرافعي: هذا مقطع احتمال التوضي على الوضاءة الحاصلة بغسل الفرج، فإن غسل العضو قد يسمى وضوءًا، كما ورد: أن الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر، والمراد غسل اليد، كذا ذكره.\nقال محمد: وبهذا، أي: بهذا الحديث نأخذ، أي: نعمل ونفتي، بغسل الشخص، وهي جملة استثنائية موضع المذي، أي: حيث أصابه من بدنه، وثوبه، ويتوضأ وضوءه للصلاة، أي: عند إرادتها، وهو أي غسل موضع المذي، قولُ أبي حنيفة ﵀، ولا أظن خلافًا للمسألة، وإنما الخلاف في القدر المعفو عنه كما هو تقرر في محله.\n* * *\n\n٤٤ - أخبرنا مالك، أخبرني الصَّلت بن زيد أنه سأل سليمان بن يَسَار، عن البلل يجدُهُ؟ قال: انْضَح ما تحت ثوبك بالماء وَالْهَ عنه. . . . .\nقال محمد: وبهذا نأخُذُ: إذا كثُر ذلك من الإِنسان، وأدْخَلَ الشيطان عليه فيه الشكَّ، وهو قولُ أبي حنيفة. . . .\n• محمد قال: أخبرنا، وفي نسخة: ثنا بدل حدثنا، وفي نسخة أخرى: أنا بدل أخبرنا مالك، قال: أخبرنا، وفي نسخة: أخبرني بالإِفراد الصَّلت بالصاد المهملة وسكون اللام والتاء الفوقية ابن زييد بضم الزاي ومثناتين تحت، مُصغَّر زيدًا أو زياد الكندي، وثقه العجلي، وغيره أنه سأل سليمان بن يَسَار، عن البلل أي رأس الذكر يجدُهُ؟ أي: الصلت بن زييد، البلل، فقال: أي: سليمان بن يسار، للصلت بن زييد: انْضَح، وهو أمر من باب ضرب أو فتح، أي: اغسل البلل، ما تحت ثوبك أي: اغسل الموضع الذي تحت ثوبك أو سروالك بالماء، قوله: وَالْهَ عنه بفتح الهمزة وكسر اللام وسكون الهاء أمر من لهى كرضى ويرضى، أي اشتغل عنه بغيره، دفعًا للوسواس.\nوقد قال - ﷺ -: \"إذا توضأت فانتضح\" (١)، رواه ابن ماجه عن أبي هريرة، رضي\n_________\n(٤٤) حسن الإسناد، أخرجه: مالك (٩٠).\n(١) أخرجه: الترمذي (٥٠)، وابن ماجه (٤٦٣)، وقال الترمذي: هذا حديث غريب.","vol":"1","page":109},{"text":"الله عنه، أي: لدفع الوسواس عن نفسه.\nوروى أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم، عن الحكم بن سفيان: أن النبي - ﷺ - كان إذا توضأ أخذ كفًا من ماء فنضح بها فرجه (١)، أي: غسله.\nقال محمد: وبهذا، أي: بغسل الموضع الذي أصابه المذي، نأخُذُ، أي: نعمل ونفتي: إذا كثُر ذلك أي: البلل من الإِنسان، أي: في عمره، أو فيما ابتلى به، بخلاف النادر في وقوعه، كما حقق في مسألة الشك في الصلاة.\nقوله: وأدْخَل الشيطان، أي: على الإِنسان، فيه أي: في الحدث شكًا، عطف على قوله \"كثر ذلك\"، وفي نسخة: الشكَّ، أي: أراد التشويش الخاطر بالوسوسة في الصلاة وغيرها، فلا يلتفت إليه، فإن هذا صعب عليه، وهو قولُ أبي حنيفة، ﵀.\nاعلم أنهم اتفقوا على أن من (ق ٤٧) يتقن الطهارة وشك في الحدث، فإنه باقٍ على طهارته إلا مالكًا، فإن ظاهر مذهبه أنه ينبئ عن الحدث ويتوضأ.\nوقال الحسن: إن شك في الحدث وهو في الصلاة يبني على تيقنه، ومضى على صلاته: أي: أتمها، وإن كان في غير الصلاة أخذ بالشك، وهذا تفصيل حسن وجمع مستحسن.\nولما ذكر ما يقتضي الوضوء من المذي، شرع في ذكر بيان الوضوء مما يشرب منه السباع، وتلغ فيه، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>باب في بيان عدم جواز الوضوء من ماء قليل يشرب منه السباع وتلغ فيه السباع</span>\nبكسر السين المهملة، جمع السبع بفتح، وضم وسكن، وبه قرئ شاذًا وهو الحيوان المفترس: كالأسد والفهد والذئب.\n_________\n(١) أخرجه: أبو داود (١٦٦)، وابن ماجه (٤٦١)، وأحمد (١٧٠٢٦)، وابن أبي شيبة (١/ ١٩٤)، وعبد الرزاق في مصنفه (٥٨٦)، والطبراني في الكبير (٣١٧٤).","vol":"1","page":110},{"text":"والجمهور ذهبوا إلى حرمة أكلها لحديث مسلم: \"كل ذي ناب من السباع فأكله حرام\" (١)، وقال مالك: يكره ولا يحرم، لظاهر قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية [الأنعام: ١٤٦]، وأجيب عنه بأن الآية ليست إلا الإِخبار بأنه لم يجد في ذلك الوقت محرمًا إلا المذكورات، ثم أوحى تحريم: \"كل ذي نابٍ من السباع\"، فوجب قبوله والعمل به.\nهذا ويقال: ولغ الكلب في الإِناء، وفي الشراب، ومنه: ولغ يلغ كيهب شرب ما فيه بأطراف لسانه، وأدخل لسانه فيه فحركه، كذا في (القاموس) وفي (المصباح): ولغ الكلب، كمنع، شرب، وسقوط الواو كما في يقع وكوعد، وورث، ويوغل، كيوجل لغة، ثم سؤر السباع نجس، عند أبي حنيفة، وأحمد، ووافقهما الشافعي في سؤر الكلب والخنزير، وقال مالك: بطهارة السؤر مطلقًا.\n٤٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن يحيى بن عبد الرحمن بن أبي بَلْتَعَةَ: أن عمر بن الخطاب خرج في رَكْبِ فيهم عمرو بن العاص، حتى وردوا حوضًا، فقال عمرو بن العاص: يا صاحب الحوض، هل تَرِدُ حوضَك السِّباع؟ فقال عمر بن الخطاب: يا صاحب الحوض لا تُخْبِرْنا، فإنا نَرِدُ على السِّبَاع وَتَرِدُ علينا.\nقال محمد: إذا كان حوض ماء عظيم، إن حرَّكت منه ناحية لم تتحركْ الناحيةُ الأخرى، لم يُفْسِد ذلك الماءَ مَا وَلَغَ فيه، من سَبُع ولا وقع فيه من قَذَرٍ، إلا أن يُغَلَب عَلى ريح أو طَعْمِ؛ وإذا كان حوضًا صغيرًا، إن حركتَ منه ناحيةً تَحَرّكَتْ الناحية الأُخرى؛ فَوَلَغَتْ فيه السِّبَاع، أو وقع فيه القَذَرُ، فلا يُتَوضأ منه ألا ترى أن عمر بن الخطاب كره أن يُخْبِرَهُ، ونهاه عن ذلك، وهذا كله قول أبي حنيفة.\n_________\n(٤٥) صحيح، أخرجه: مالك (٤٥)، وعبد الرزاق في مصنفه (٢٥٠)، والدارقطني (١/ ٣٢)، والبيهقي في الكبرى (١٢٢٨).\n(١) أخرجه: مسلم (١٩٣٣).","vol":"1","page":111},{"text":"• محمد قال: ثنا، وفي نسخة: أخبرنا، وفي نسخة: أنا رمزًا إلى أخبرنا مالك، قال: حدثنا، وفي نسخة: أخبرنا يحيى بن سعد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن يحيى بن عبد الرحمن أحد أكابر التابعين ابن حاطب بن أبي بَلْتَعَةَ، بفتح الموحدة وسكون اللام وفتح الفوقية، وحاطب هذا شهد بدرًا والخندق وما بينهما من المشاهد، مات سنة ثلاثين بالمدينة، أن عمر بن الخطاب ﵁، خرج في رَكْبِ بالفتح والسكون جمع الراكب، وهو ضد الراجل فيهم، أي: في جملتهم عمرو بن العاص، بالياء وبغيرها، لكنه بغير ياء.\nكذا قاله ابن مالك في (شرح المصابيح)، وهو أسلم سنة خمس من الهجرة وولاه النبي - ﷺ - على عمان، فلم يزل عليها حتى قبض النبي - ﷺ -، وعمل لعمر وعثمان ومعاوية، وهو الذي افتتح مصر، وعمرو لم يزل عاملًا عليها إلى آخر وفاته، وأقره عثمان عليها نحوًا من أربعين سنة، وعزله ثم أقطعه إياها معاوية لما صار الأمر إليه، فمات بها سنة تسع وتسعون (١)، حتى وردوا حوضًا، أي: مروا على بركة ماء، فقال عمرو بن العاص: يا صاحب الحوض، هل تَرِدُ حوضَك أي: هل تدخل عليه السِّباع لأجل الشرب منه؟ فقال عمر بن الخطاب: يا صاحب الحوض لا تُخْبِرْنا، واتركنا على الشبهة، فإنا نَرِدُ على السِّبَاع وَتَرِدُ علينا.\nوهذا بظاهره يؤيد مذهب مالك، من أن الماء طهور لا ينجسه شيء إلا (ق ٤٨) ما غير طعمه، أو لونه، أو ريحه سواء كان قليلًا أو كثيرًا.\nويؤيده حديث: \"الماء لا ينجسه شيء\" (٢)، رواه الطبراني في (الكبير)، و(الأوسط)، والشافعي، والطيالسي، وأحمد بن حنبل، والدارقطني، والبيهقي،\n_________\n(١) هذا خطأ، لعلها: تسع وستون.\n(٢) أخرجه: أبو داود (٦٦)، والترمذي (٦٦)، والنسائي في المجتبى (٣٢٤)، وابن ماجه (٥٢٠)، وأحمد (٢١٠١)، والنسائي في الكبرى (٤٩)، وابن أبي شيبة (١/ ١٦٦)، وعبد الرزاق في مصنفه (٢٥٥)، وابن خزيمة (٩١)، وابن حبان (١٢٤١)، والحاكم (٥٦٥)، والدارقطني (١/ ٢٩)، والشافعي في المسند (٨٠٠)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ١٧) حديث (٣٤)، والأوسط (٢١١٤)، وأبو يعلى (١٣٠٤)، والبيهقي في الكبرى (١١٧٩).","vol":"1","page":112},{"text":"والنسائي، وابن حبان، والطحاوي، والحاكم عن جماعة من الصحابة.\nوفي رواية للدارقطني: \"الماء طهور إلا ما غلب ريحه، أو على طعمه\".\nوأما عند غيره: فإما محمول على أن اليقين الأصل، لا يزول بالشك العارض، وإما على أن الماء كان كثيرًا قدر القلتين أو أكثر، والقلة، بضم الكاف وفتح اللام المشددة والتاء الفوقية، أي: وعاء يسع مائة وخمسين رطلًا، وهو مائة وثلاثون درهمًا.\nقال محمد: إذا كان حوض ماء عظيم، إن حرَّكت منه ناحية لم تتحركْ الناحيةُ (ق ٤٨) الأخرى، وقدر بعشر في عشر لا ينجس، أي: لا يظهر أرضه بالفرق، لم يُفْسِد ذلك الماءَ، وأي: حيوان وَلَغَ أي: شرب بلسانه فيه من سَبُع وأسد وضبع، وكذا خنزير وكلب، ولا ما وقع فيه من قَذَرٍ، بفتحتين، أي: عين نجاسة، إلا أن يُغَلَب على ريحٍ أو طَعْم؛ وفي معناهما اللون، فإذا كان حوضًا صغيرًا، أي: دلو قلتين، وتعريفه: إن حركتَ منه ناحيةً تَحَرّكَتْ الناحية الأُخرى؛ فَوَلَغَتْ فيه السِّبَاع، أو وقع فيه القَذَرُ، فلا يتَوضأ منه، بصيغة الخطاب المعلوم أو الغائب المجهول، وكذا قاله: ألا ترى أن عمر بن الخطاب كره أن يُخْبِرَهُ، ونهاه عن ذلك، وهذا كله قول أبي حنيفة، ﵀، وسبق خلاف غيره.\nلما فرغ عن بيان جواز الوضوء، بماء قليل شرب منه السابع، شرع في بيان جوازه بماء البحر، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>باب في بيان جواز الوضوء بماء البحر</span>\n٤٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا صفوان بن سُلَيْم، عن سعيد بن سَلمَة بن الأزرق، عن المغيرة بن أبي بُرْدَة، عن أبي هريرة، أن رجلًا سأل رسول الله - ﷺ -، قال: إنا نَرْكَبُ البحر ونحمل معنا القليل من الماء فإن توضأنَا به\n_________\n(٤٦) صحيح، أخرجه: الترمذي (٦٩)، والنسائي في المجتبى (٥٩)، وابن ماجه (٣٨٦)، وأحمد (٧١٩٢)، والدارمي (٧٣٠)، ومالك (٤٢)، والنسائي في الكبرى (٥٨)، وابن حبان (١٢٤٣)، وابن خزيمة (١١١)، والحاكم (٤٩١)، والدارقطني (١/ ٣٦)، والشافعي في المسند (١)، والبيهقي في الكبرى (١٩٤٨٩).","vol":"1","page":113},{"text":"عَطِشْنَا؛ أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله - ﷺ -: \"هو الطُّهُورُ ماؤهُ الحلالُ مَيْتَتُه\".\nقال محمد: وبهذا نأخُذُ؛ ماء البحر طهور كغيره من المياه، وهو قولُ أبي حنيفة والعامة.\n• محمد قال: أخبرنا، وفي نسخة: ثنا رمزًا إلى حدثنا مالك، قال: أي: مالك: حدثنا صفوان بن سُلَيْم، بالتصغير: تابعي جليل القدر، من أهل المدينة، مشهور، روى عن: أنس بن مالك، ونفر من التابعين، وكان من خيار عباد الله الصالحين، ويقال: إنه لم يضع جنبه على الأرض أربعين سنة، وجبهته نفيت من كثرة السجود، وكان لا يقبل جوائز السلطان، ومناقبه كثيرة، روى عنه ابن عيينة، عن سعيد بن سَلمَة المخزومي ابن الأزرق، وثقه النسائي، وقول ابن عبد البر: لم يرو عنه فيما علمت إلا صفوان، ومن كانت هذه حاله فهو مجهول، لا تقوم به حجة، تعقب بأنه روى عنه الجلاح أبو كبير، وحديثه عنه في مستدرك الحاكم.\nقال الرافعي: وعكس بعض الرواة الاسمين فقال: سلمة بن سعيد، وبدل بعضهم فقال: عبد الله بن سعيد، عن المغيرة بن أبي بُرْدَة، بضم موحدة وراء ساكنة فدال مهملة.\nقال الترمذي: سألتُ البخاري عن حديث مالك هذا فقال: هو صحيح، قال: قلت: هُشَيْم: يقول فيه: المغيرة بن أبي بردة، أي: بفتح موحدة ثم راء معجمة، فقال: وهم فيه. ذكره السيوطي، قال الرافعي: الحديث [رواه] (١) بعضهم عن المغيرة، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: ولا يوهم ذلك إرسال في إسناد الكتاب، فإن فيه ذكر سماع المغيرة عن أبي هريرة، وصورة الحديث المرسل: يقول التابعي سواء كان كبيرًا أو صغيرًا: قال رسول الله - ﷺ -: كذا، أو فعل بحضرته كذا، ونحن ذلك كما قاله ابن حجر في (نخبة الفكر)، (ق ٤٩) عن أبي هريرة، ﵁، أنه يقول: أن رجلًا من بني مدلج كما في مسند أحمد والطبراني: أن اسمه: عبيد، بطن من كنانة، سأل رسول الله - ﷺ -، قال: يا رسول الله، كما أورده مالك في (الموطأ)، إنا نَرْكَبُ البحر، الملح؛ لأنه المتوهم فيه؛ لأنه\n_________\n(١) ساقطة من الأصل.","vol":"1","page":114},{"text":"مالح، ومرور ريحه منتنة، فإن قيل: أي شيء وحدث تحت البحر، أجاب عنه أبو الشيخ ابن حبان، وأخرج عن ابن عمر، وقال: تحت بحركم هذا بحر من نار، وتحت ذلك البحر بحر من ماء، وتحت ذلك البحر بحر من نار، حتى عد سبعة أبحر من نار، وتحت تلك البحور أبحر من ماء، كما أورده السيوطي في (الهيئة السنية)، قال أبو عبد الله: فيه جواز ركوبه لغير حج ولا عمرة ولا جهاد؛ لأن السائل إنما ركبه للصيد، كما جاز من غير طريق مالك، وكذا يجوز ركوبه للسفر لطلب العلم والتجارة وصلة الرحم، ونحمل معنا القليل من الماء أي: بقدر الاكتفاء، فإن توضأنَا به عَطِشْنَا؛ بكسر الطاء، أي: نحن ورفقاؤنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ وضع المظهر موضع المضمر، وهو خلاف الظاهر، ومقتضى الظاهر أن يقول السائل: بمائه لزيادة تمكن ماء البحر في ذهن السامع.\nفقال رسول الله - ﷺ -: \"هو أي: البحر، الطُّهُورُ ماؤهُ هو: بفتح الطاء، أي: ماء البحر مطهر من قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]، فيلزم أن يكون مطهر، وتقديم المسند إليه؛ لتقوي الحكم وتقريره في ذهن السامع، وتعريف المسند، لإِفادة السامع حكمًا على أمر معلوم للسامع، باعتبار تعريف البحر، فحينئذٍ يفيد قصر الجنس على شيء تحقيقًا؛ نحو زيد الأمير إذا لم يكن أمير سواه، يعني: تقديم المسند إليه، وهو: لفظ (هو) لتقوي حكم جواز الوضوء بماء البحر في ذهن السامع، وتعريف المسند، وهو لفظ: الطُّهُورُ؛ لإِفادة السائل حكم طهورية مياه البحار، وجواز الوضوء بمياه البحار، وهو معلوم للسائل، فيفيد قصر جميع مياه البحار على الطهورية، وكون المسند [جملة] اسمية يفيد استمرار طهورية مياه البحار، وأما إضافة لفظ [ماء] إلى ضمير البحر، فلكون الفائدة أتم، فليطلب تفصيل هذه القاعدة في المسند إليه والمسند في علم المعاني، ولما عرف رسول الله - ﷺ - اشتباه الأمر على السائل في ماء البحر، أشفق، أي: خاف عليه أن يشتبه عليه حكم ميتة البحر وقد يُبتلى بها ركاب البحر، فعقب الجواب عن سؤاله ببيان حكم الميتة فقال: الحلالُ مَيْتَتُه، أي: ميتة البحر وهي السمك فقط، عند أبي حنيفة ﵀، ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وما عدا السمك.\nوذكره في (النقاية): ولا يحل حيوان مائي سوى السمك، قال الله تعال في سورة الأعراف: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وما عدى السمك خبث.","vol":"1","page":115},{"text":"وأخرج أبو داود والنسائي (١) عن عبد الرحمن بن عثمان القرشي: أن رجلًا سأل رسول الله - ﷺ - عن الضفدع؛ لأن النبي نهى عن قتله، والنهي عن قتل الحيوان إما لحرمة كالآدمي، وإما لتحريم أكله كالقرد، والضفدع ليس بمحرم، فكان النهي منصرفًا إلى أكله، كما قاله الشمني.\nقال (ق ٥٠) الشافعي: جميع حيوانات البحر حلال لقوله تعالى في سورة المائدة: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦]. وقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، والطبائع السليمة تستخبث غير السمك.\nكذا قاله ابن الملك في شرح (مجمع البحرين): يقول الفقير: والصيد هنا مطلق، والمطلق يُصرف إلى الكمال، في صيد البحر السمك، ويكره أكل السمك الذي مات بغير آلة معلومة.\nوقال الشافعي: لا يكره لإِطلاق ما تمسك به من الآية، وكذا ما أخرجه أبو داود وابن ماجه من حديث جابر، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"ما ألقاه البحر أو جزر عنه فكلوه، وما مات فيه وطفى - أي: علا على الماء - فلا تأكلوه\" (٢). وجزر بجيم فزاي فراء مهملة: انكشف وبعد عن الماء.\nكذا قاله الشمني، وذكر في (الحقائق): سمكة بعضها في الماء وبعضها في الأرض ميتة، لا تؤكل، وإن كان رأسه خارج الماء أكلت، وإن كان في الماء، وكان منها على الأرض قدر النصف، أو أقل لم تؤكل، وإن كان منها على الأرض أكثر من النصف، كذا قاله ابن الملك في شرح (مجمع البحرين).\nفائدة لطيفة: حُكِي أن هارون الرشيد بن مروان، خرج ذات يوم للصيد، فأرسل شاهينًا له فغاب عنه زمانًا، ثم أتى وفي فمه سمكة فأحضر هارون الرشيد العلماء وسألهم عن ذلك، فقال مقاتل: يا أمير المؤمنين: روينا عن جدك خير الأمة: عبد الله بن عباس\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (١٥٣٣٠)، والدارمي (١٩٣٠)، وابن أبي شيبة (٥/ ٤٦٤)، والحاكم (٥٨٨٢)، والبيهقي في الكبرى (١٩٩٢٢).\n(٢) أخرجه: أبو داود (٣٨١٥)، وابن ماجه (٣٢٤٧) بسند ضعيف.","vol":"1","page":116},{"text":"﵄ قال: الجو مغمور بأمم مختلفة الخلق، وفيه دواب تبيض وتفرخ، أي: تلد بيضة تخرج منها فرخ على هيئة السمك، ولها أجنحة ليست بذوات ريش، فأجاز أي: الرشيد لمقاتل، ﵀، بجوائز كثيرة على ذلك الخبر كما في (حياة الحيوان).\nقال محمد ﵀: وبهذا، أي: بهذا الحديث نأخُذُ؛ أي: نعمل ونفتي، ماء البحر طهور، أي: طاهر في نفسه ومطهر بغيره كغيره من المياه، أي: من مياه الأرض والسماء على أصلها، وهو قولُ أبي حنيفة ﵀، والعامة، أي: عامة الفقهاء خلافًا لبعض السلف.\nولما ذكر حكم جواز الوضوء بماء البحر، عقبه باب المسح على الخفين، والمناسبة بين هذا الباب وذاك الباب الكلية والجزئية؛ لأن الوضوء واستعمال الماء على أربعة أعضاء، والمسح: استعمال اليد المبتلة بالماء، على الخفين البدلين من الرجلين، أو المناسبة بين هذا الباب وذاك الباب المستعمل به، والمستعمل فيه، والمراد بهما الماء والخفين. . فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>باب في بيان أحكام المسح على الخفين</span>\nهذا كلام إضافي، وهو مبتدأ وخبر، كما قرره في أول الكتاب، قدم المصنف - ﵀ - باب الوضوء بماء البحر على هذا الباب؛ لقوة دليله، كما قال الله تعالى في سورة المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦].\nودليل المسح على الخفين الحديث المشهور.\nوالمسح لغة: إمرار اليد على الشيء، واصطلاحًا: عبارة عن رخصة مقدرة جعلت للمقيم يومًا وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليها.\nوالخف في الشرع: المتخذ من الجلد الساتر للكعبين (ق ٥١) فصاعدًا وما ألحق به، وسُمَّي الخف خفًا؛ لأن الحكم خفف به من الغسل إلى المسح، كما قاله محمد بن عبد الله التمرتاشي في (المنح)، وكلمة على تدل على وجوب المسح على الخفين، والاقتداء به واجب علينا.","vol":"1","page":117},{"text":"وفي كلمة الخفين، دلالة على رد مذهب الشيعة، والروافض، وإثبات مذهب أهل السنة والجماعة، فإنهم أنكروا المسح على الخفين، وأثبتوا على الرجلين عريانين، حيث عطفوا قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾، بالجر على لفظ ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾، وقراءة أهل السنة بالنصب، وعطفوا على قوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾.\nرُوي أن أبا حنيفة - ﵀ - سُئِل عن أهل السنة والجماعة فقال: أن تفضل الشيخين، وتحب الختنين، وترى المسح على الخفين. كذا في (منح الغفار) وفي إيراد لفظ الخفين بصيغة التثنية إيماء إلى جواز المسح على خف واحد.\nوقال ابن عبد البر: لا أعلم أحدًا أنكر المسح على الخفين، إلا مالكًا في رواية أنكرها أكثر أصحابه، والرواية الصحيحة عنه مصرحة بإثباته، وموطأه يشهد للمسح في الحضر والسفر على الرجال والنساء، وعليها جميع أصحابه وأهل السنة والجماعة.\nقال ابن وهب: آخر ما فارقتُ مالكًا على إثبات المسح، في الحضر والسفر.\nوقال الكرخي: أخاف الكفر على من لا يرى المسح على الخفين، لما قال بعض الحفاظ: حديث المسح متواتر، وحكمُه حكم النظم الكريم.\n٤٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب الزهري، عن عبَّاد بن زياد؛ من وُلْدِ المغيرة بن شعبة: أن النبي - ﷺ - ذهب لحاجة في غزوة تَبُوك، قال: فذهْبتُ معه بماء فجاء النبي - ﷺ - فسكَبْتُ عليه، قال: فغسل وجهه ثم ذهب يُخْرِج يدَيْهِ فلم يستطع من ضيق كُمَّي جُبَّتِه، فأَخْرَجَهُمَا من تحت جُبَّتِه، فغسل يَدَيْهِ، ومسح برأسه ومسح على الْخُفَّيْنِ، ثم جاء رسول الله - ﷺ -، وعبد الرحمن بن عوف يَؤمُّهُمْ؛ قد صلى لهم سجدة، فصلى معهم رسول الله - ﷺ -، ثم صلى الركعة التي بقيَتْ، فَفَزع الناسُ له، ثم قال لهم: \"قد أحسنتم\".\n• محمد قال: ثنا، كذا في نسخة، وفي نسخة: أخبرنا مالك قال: ثنا، وفي نسخة: أخبرنا ابن شهاب بكسر أوله، الزهري، بضم الزاي المعجمة منسوب إلى زهرة بن كلاب،\n_________\n(٤٧) صحيح، أخرجه: البخاري (٤٤٢١)، ومسلم (٢٧٤)، ومالك (٧٣).","vol":"1","page":118},{"text":"اشتهر بالنسب إليهم، وأبو بكر بن مسلم بن عبد الله بن شهاب، عن عبَّاد بفتح العين المهملة وتشديد الموحدة، ابن زياد؛ أخي عبيد الله بن زياد: المعروف بابن أبيه، ويقال له: ابن أبي سفيان، يكنى: عباد، أبا حرب، وكان [رحل] إلى سجستان سنة ثلاث وخمسين، وثقه ابن حبان، وروى له: مسلم، وأبو داود، والنسائي، ومات سنة مائة، من وُلْدِ المغيرة بن شعبة، بضم الواو وسكون اللام والدال المهملة: جمع ولد، بفتح الواو واللام بمعنى البنين، بيان عن: عباد بن زياد، قال الزرقاني: هذا حديث منقطع، فعباد لم يسمع المغيرة، ولا رآه، وإنما يرويه الزهري عن عروة وحده دون حمزة.\nقال الدارقطني: فوهم مالك في إسناده في موضعين: أحدهما: قول عباد من ولد المغيرة. الثاني: إسقاط عروة وحمزة، قال: ورواه إسحاق بن راهويه، عن روح بن عبادة، عن مالك، عن الزهري، عن عباد بن زياد، رجل من ولد المغيرة، فإن كان روح حفظه عن مالك فقد أتى بالصواب عن الزهري.\nقال بعض الرواة عن الزهري، قال: عن عروة بن المغيرة، عن أبيه، لم يذكر عبادًا، والصحيح: قول من ذكر أن عبادًا أو عروة أن النبي - ﷺ - ذهب لقضاء حاجة الإِنسان، وفي صحيح مسلم (١) فتبرز - ﷺ - قبل الغائط فحملت معه إداوة قبل صلاة الفجر.\nولابن سعد: (ق ٥٢) عن المغيرة: لما كنا بين الحجر وتبوك، ذهب لحاجته وتبعته بماء بعد الفجر، ويجمع أن خروجه كان بعد طلوع الفجر وقبل صلاة الصبح في غزوة تَبُوك، آخر مغازيه - ﷺ - بنفسه بمنع الصرف للتأنيث والعلمية.\nكذا قاله النووي، وتبعه في (الفتح)، وتعقب بأنه علة منعه كونه على مثال الفعل كتقول، والمذكر والمؤنث في ذلك سواء.\nهو مكان بينه وبين المدينة من جهة الشام أربع عشرة مرحلة، وبينها وبين دمشق إحدى عشرة، وسميت بذلك في أحاديث صحيحة، كقوله - ﷺ -: \"إنكم ستأتون غدًا عين تبوك\"، فمقتضاه قدم تسميتها بذلك.\nوقيل: سميت به، لقوله - ﷺ -، وقد رأى قومًا من أصحابه يتبوكون عين الماء، أي:\n_________\n(١) أخرجه: مسلم (٢٧٤).","vol":"1","page":119},{"text":"يدخلون فيها القدح فيحركونه ليخرج الماء، [فقال] (١): \"ما زلتم تبوكونها بوكًا\"، قال: أي: المغيرة، كما في (الموطأ): لمالك: فذهبتُ معه، أي: النبي - ﷺ - بماء، أي: للاستنجاء أو للوضوء وهو الأظهر.\nوللبخاري في الجهاد، وغيره: عن مسروق، عن المغيرة أن النبي - ﷺ - أمره أن يتبعه بالإِداوة، فانطلق حتى توارى عني، فقضى حاجته، ثم أقبل: فتوضأ.\nوفي رواية أحمد: أن الماء أخذه المغيرة من أعرابية صبته له في قربة من جلد ميتة، فقال - ﷺ -: \"سلها، فإن كانت دبغتها فهو طهور\"، فقال: أي والله: لقد دبغتها، وفيه قبول خبر الواحد في الأحكام ولو امرأة، سواء كان مما تعم به البلوى أم لا لقبول خبر الأعرابية.\nقال: أي: المغيرة كما في (الموطأ) لمالك، أو أي: الرواي، كما فسره علي القاري، فجاء النبي - ﷺ - بعد قضاء حاجته، فسكَبْتُ أي: صببتُ ماء الوضوء عليه، أي: على يده الشريفة، وتفسير الضمير المذكر باليد المؤنث السماعي باعتبار لفظه، أو باعتبار محل الوضوء، وهذا دليل على جواز صب ماء الوضوء على يد المتوضئ، بل على استحبابه، خلافًا لمن قال بكراهته، بالمشاركة في أمر الطاعة، ويدفع بأنه من باب التعاون على البر، بقدر الاستطاعة، وفي كلمة فسكبت: الفاء، تنبيه على المبادرة إلى البر، وهي للتعقيب، وهو في كل شيء بحسبه، ألا ترى أنه يقال: تزوج فلان فولد له، إذا لم يكن بينهما إلا مدة الحمل.\nكذا قاله: ابن هشام، وكذا لم يكن بين خروجه - ﷺ - بالوضوء، وبين قضاء حاجته إلا مدة المشي، بين الموضع الذي قضى حاجته، وبين الموضع الذي شرع فيه الوضوء.\nقال: أي: الراوي، فغسل وجهه، زاد في رواية أحمد: ثلاث مرات، وفي هذه الرواية اختصار؛ فعند أحمد، من طريق عباد بن زياد المذكور، أنه غسل كفيه، وله من وجه آخر قوي، فغسلهما فأحسن غسلهما، وللبخاري في الجهاد: وتمضمض واستنشق، وفي مسلم: فلما رجع أخذتُ، أي: شرعتُ، أهريق على يديه من الإِداوة، وغسل يديه ثلاث مرات، ثم غسل وجهه، ثم ذهب، أي: شرع، وأراد حال كونه يُخْرج يدَيْهِ، أي: من كميه، فلم يستطع، أي: لم يقدر على إخراج يديه، وفي العطف بثم إشعار بأن الموالاة\n_________\n(١) زيادة يقتضيها السياق.","vol":"1","page":120},{"text":"في الوضوء ليست بشرط لصحته؛ لأن ثم للتراخي، (ق ٥٣) وهو أن يكون بين المعطوف والمعطوف عليه مهلة.\nقال ابن الملك في (شرح المنار): من ضيق، أي: لأجل عدم سعة كُمَّيّ جُبَّتِه، قيل: الجبة: ثوبان بينهما محشو إلا أن يكون من صوف، وقد تكون واحدة، واستدل به على أن ضيق الكمين مندوب في السفر؛ لأن الثياب الضيقة قليلًا أعون على التشمير، وفي الجملة، دل على جوازه، وأشعر بأن العادة المستمر عليها واسعة، فأَخْرَجَهُمَا، أي: اليدين، من تحت جُبَّتِه، أي: من داخلها من طرف ذيلها.\nوزاد مسلم: وألقى الجبة على منكبيه، فغسل يَدَيْهِ.\nولأحمد: فغسل يده اليمنى ثلاث مرات، ويده اليسرى ثلاث مرات.\nومسح برأسه، أي: بمقدار ربع رأسه، كما في رواية مسلم: ومسح بناصيته، أي: بمقدار ربع رأسه، وقال مالك وأحمد: مسح كل الرأس، حيث اعتبر أن الباء في قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ زائدة كما أنها زائدة في آية التيمم ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. وقال الشافعي: الغرض من مسح الرأس أدنى جزء منه، ولو بعض شعره، إذ الباء في ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ للتبعيض عنده.\nوقال أبو حنيفة: مسح ربع الرأس في الوضوء فرض؛ لما رُوي عن المغيرة بن شعبة ﵁ أنه قال: إن النبي - ﷺ - أتى سباطة قوم فبال، وتوضأ ومسح على ناصيته (١)، السباطة: بضم السين المهملة: الكناسة: ومسح على الْخُفَّيْنِ، هذا محل الشاهد للترجمة، ثم المسح على الخفين خاص بالوضوء، لا مدخل للغسل فيه بإجماع ثم، أي: بعد الوضوء جاء رسول الله - ﷺ -، أي: رجع عن محل الوضوء إلى رحله، أي: والحال وعبد الرحمن بن عوف ﵁ يَؤمُّهُمْ؛ أي: الصحابة الموجودين هناك.\nوفي مسلم: قال، أي: المغيرة بن شعبة، فأقبلت معه حتى نجد الناس قد قدَّموا عبد الرحمن بن عوف.\n_________\n(١) أخرجه: أبو داود (١٥٠)، وابن حبان (١٣٤٦)، والدارقطني (١/ ١٩٢)، والطبراني في الأوسط (٥٤٠٤).","vol":"1","page":121},{"text":"ولابن سعد: فأسفر الناس بصلاتهم حتى خافوا طلوع الشمس فقدَّموا عبد الرحمن فصلى بهم سجدة، أي: ركعة من صلاة الفجر، هذا من قبيل ذكر الجزء وإرادة الكل، وأشار بهذا المعنى الذي أخبره رسول الله - ﷺ -، وقال: \"أقرب ما يكون العبد إلى ربه وهو ساجد\"، هذا حديث صحيح.\nوفي مسلم: \"وهو ساجد\"، و\"ما\" في قوله: \"أقرب ما يكون العبد\"، مصدرية، وأقرب مبتدأ حذف خبره، ولفظ يكون من الأفعال التامة، أي: أقرب وجود العبد إلى ربه حاصل وقت سجوده.\nوزاد أحمد: قال المغيرة بن شعبة: فأردتُ تأخير عبد الرحمن فقال - ﷺ -: \"دعه\".\nوعن ابن مسعود: فانتهينا إلى عبد الرحمن، وقد ركع ركعة، فسبح الناس له حين رؤوا رسول الله - ﷺ -، حتى كادوا يفتنون، فجعل عبد الرحمن يريد أن ينكص، فأشار إليه - ﷺ -: أن اثبت، فصلى رسول الله - ﷺ -، ثم صلى الركعة التي بقيَتْ، فَفَزع الناسُ له، أي: فصاحوا لأجل النبي - ﷺ -، أنه سبقهم بالصلاة ففزع الناس، وأكثروا التسبيح، رجاء أن يشير لهم هل يعيدونها معه أم لا؛ لظنهم أنه أدركهم من أولها، وأن قيامه لأمر حدث، كأنهم ظنوا الزيادة في الصلاة كما زعم بعضهم لتصريحه.\nفي رواية ابن سعد: بأنهم علموا بالنبي - ﷺ - حين دخل معهم، فسبحوا حتى كادوا يفتنون، ثم قال: لهم: \"قد أحسنتم\"، أي: فعلتم الصلاة لوقتها.\nولفظ مسلم وأبي داود: ثم صلى الركعة الثانية ثم سلم عبد الرحمن فقام النبي - ﷺ - في صلاته، ففزع المسلمون وأكثروا التسبيح؛ لأنهم سبقوا النبي - ﷺ -، فلما سلم رسول الله - ﷺ - قال لهم: \"قد أحسنتم\"، وفيه اقتداء الفاضل بالمفضول، وصلاة النبي - ﷺ - خلف بعض أمته.\nوروى البزار عن الطريق مرفوعًا: \"ما قبض نبي حتى يؤمه رجل من أمته\" (١).\n* * *\n_________\n(١) أخرجه: البزار في مسنده (٣)، وقال: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن أبي بكر إلا من هذا الوجه بهذا الإِسناد، ولا نعلم أحدًا سمَّى الرجل الذي روى عنه عاصم بن كليب فلذلك ذكرناه.","vol":"1","page":122},{"text":"٤٨ - أخبرنا مالك، حدثنا سعيد بن عبد الرحمن بن رُقَيْش، أنَّه قال: رأيت أنس بنِ مالك أتى قُبَاءَ فَبَالَ، ثم أُتِيَ بماء فتوضأ؛ فغسل وجهه ويديه إلى المِرْفَقَيْنِ، ومسح برأسه، ثم مسح على الخفَّيْنِ، ثم صلَّى.\n• محمد قال: أخبرنا مالك، وفي نسخة: ثنا رمزًا إلى حدثنا، قال: حدثنا، وفي نسخة: ثنا سعيد بن عبد الرحمن بن رُقَيْش، (١) بضم الراء المهملة وبالقاف المفتوحة والياء التحتية الساكنة، والشين المعجمة، مصغر الأشعري الأسدي المدني؛ ثقة من صغار التابعين؛ أنَّه، أي: السعيد، قال: رأيت أنس بن مالك أتى قُبَاءَ بضم القاف ممدودًا ومقصورًا، فَبَالَ، ثم أي: بعد الاستبراء، أُتِيَ على بناء المجهول، أي: جيء بماء فتوضأ؛ فغسل وجهه ويديه إلى المِرْفَقَيْنِ، أي: معهما، ومسح برأسه، أي: ربع رأسه، ثم مسح على الخفَّيْنِ، ثم صلَّى. وفي (الموطأ) لمالك: ثم جاء المسجد فصلى.\nوالمقصود من ذكر هذا وما قبله: أن المسح عليهما، معمول به عند الصحابة بعده - ﷺ - بالمدينة وغيرها، فلو كان منسوخًا، كما زعم الخوارج ما عملوا به، وقولهم: إنه خلاف القرآن، وعسى أن يكون القرآن نسخه مردود.\nكما في مسلم (٢) وغيره: أن جرير بن عبد الله البجلي بال ثم توضأ ومسح على خفيه، فقيل له: تفعل هذا؟ فقال: نعم؛ رأيتُ رسول الله - ﷺ - بال ثم توضأ ومسح على خفيه، قال إبراهيم النخعي: كان يعجبهم هذا الحديث؛ لأن إسلام جرير كان بعد نزول سورة المائدة، وفي لفظ: أن جريرًا قال: ما أسلمت إلا بعد نزول سورة المائدة، وكان إسلامه في سنة عشر، وقيل: أول سنة إحدى عشرة، كما قاله الزرقاني (٣).\n* * *\n_________\n(٤٨) صحيح، أخرجه: مالك (٧٤)، والشافعي في المسند (١٠٩٢).\n(١) انظر: التقريب (١/ ٢٠٩).\n(٢) أخرجه: البخاري (٣٨٧)، ومسلم (٢٧٢).\n(٣) انظر: شرح الزرقاني (١/ ١٦٢).","vol":"1","page":123},{"text":"٤٩ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع وعبد الله بن دينار: أن عبد الله بن عمر قَدِم الكوفَةَ على سعد بن أبي وقَّاص، وهو أميرها، فرآهُ عبدُ الله وهو يمسح على الخفَّيْن، فأنكر ذلك عليه، فقال له: سَلْ أبَاك إذا قَدِمْت عليه، فَنسِيَ، عبد الله أنْ يسأله، حتى قدم سعد، فقال: أسَألْتَ أباك؟ فقال: لا، فسأله عبد الله فقال: إذا أدْخَلْتَ رِجْلَيْكَ في الْخُفَّيْن وهما طاهرتان فامسح عليهما. قال عبد الله: وإن جاء أحدُنا من الغَائِط؟ قال: وإن جاء أحدكم من الغائط.\n• محمد قال: أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، أي: ينسب إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، حدثنا نافع وهو مولى عبد الله بن عمر، وعبد الله بن دينار العدوي، مولاهم المدني، أبي عبد الرحمن، وروى عن مولاه ابن عمر، وأنس، وعنه: الثوري، وابن عيينة، ومالك، وشعبة.\nقال ابن سعد: ثقة كثير الحديث، مات سنة سبع وعشرين ومائة، هذا تحويل السند تقوية للحديث أن نافعًا وعبد الله بن دينار، أخبرنا مالك: أن عبد الله بن عمر قَدِم، بفتح القاف، وكسر الدال والميم بعدها، أي: دخل الكوفَةَ، كان في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، على سعد بن أبي وقَّاص، ﵁، وهو أحد العشرة المبشرين، وهو أميرها، من قبيل عمر بن الخطاب، فرآهُ أي: سعدًا، عبدُ الله أي: ابن عمر، وهو، أي: والحال سعد بن أبي وقاص: يمسح على الخفّيْن، فأنكر ابن عمر ذلك؛ أي: المسح عليه، أي: على سعد؛ لأنه لم يبلغه - مع قدم صحبته وكثرة روايته - إذ قد يخفى على قديم الصحبة من الأمور الجلية في الشرع ما يطلع عليه غيره، ويحتمل أنه أنكر عليه المسح في الحضر لا في السفر على ظاهر هذا القصد، وأما السفر فكان ابن عمر يعلمه، ورواه عن النبي - ﷺ - (ق ٥٥) يمسح على الخفين بالماء في السفر، فقال أي: سعد له، أي: لابن عمر بن الخطاب: سَلْ أبَاك، يعني: عمر بن الخطاب، أي: إذا قَدِمْت عليه في المدينة المنورة فإنه أعلم مني ومنك، فَنسِيَ عبد الله بعد قدومه المدينة أنْ يسأله، أي: أباه عمر بن\n_________\n(٤٩) صحيح، أخرجه: أحمد (٨٨)، ومالك (٧٢)، وابن أبي شيبة (١/ ٢١١)، والشافعي في المسند (١٠٩٠).","vol":"1","page":124},{"text":"الخطاب عن ذلك، حتى قدم سعد لابن عمر؛ لإِزالة إنكاره وإفادته الحكم، فقال: أسَألْتَ أباك؟ فقال: لا.\nولأحمد من وجه آخر: فلما اجتمعا عند عمر، قال لي سعد: سل أباك، فسأله عبد الله، أي: بعد ذلك.\nولابن خزيمة: عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: كنا ونحن مع نبينا - ﷺ - نمسح على خفنا، لا نرى بذلك بأسًا.\nفقال أي: عمر بن الخطاب: إذا أدْخَلْتَ رِجْلَيْكَ في الْخُفَّيْن وهما أي: الرجلين طاهرتان طهارة كاملة عند وجوب الحدث فامسح عليهما. قال عبد الله: وإن جاء كلمة إن وصلية، أحدُنا من الغَائِط؟ قال: أي: عمر، نعم، وإن وصلية، جاء أحدكم من الغائط.\nوفي البخاري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن ابن عمر عن سعد عن النبي - ﷺ - أنه مسح على الخفين، وأن ابن عمر سأل أباه عن ذلك، فقال: نعم إذا حدثك شيئًا سعد عن النبي - ﷺ - فلا تسأل عنه غيره.\nوالإِسماعيلي: إذا حدثك سعد عن النبي - ﷺ - فلا تبغ وراء حديثه شيئًا؟\nأي: لقوة الوثوق بنقله، ففيه تعظيم عظيم من عمر لسعد، وفيه دليل على أن الصفات الموجبة للترجيح، إذا اجتمعت في الراوي وكانت من جملة القرائن التي إذا [حَفَّت] (١) خبر الواحد قامت مقام الأشخاص المتعددة، وقد يفيد العلم عن بعض دون بعض، وأن عمر كان يقبل خبر الواحد، وما نقل عنه من التوقف.\nإنما كان عند وقوع ريبة في بعض المواضع، واحتج به من قال: يتفاوت رتب العدالة، ودخول الترجيح في ذلك عند التعارض، ويمكن إبداء الفرق في ذلك بين الرواية والشهادة، كما قاله الزرقاني (٢).\n* * *\n_________\n(١) في الأصل: خفت.\n(٢) انظر: شرح الزرقاني (١/ ١١٨).","vol":"1","page":125},{"text":"٥٠ - أخبرنا مالك، أخبرني نافع: أن ابن عمر بَالَ بالسُّوق، ثم توضأ؛ فغسل وجهه ويديه، ومسح برأسه ثم دُعِيَ لجنَازَة حين دخل المسجد ليُصلي عليها، فمسح على خُفَّيْهِ ثم صلَّى.\n• قال محمد: حدثنا أخبرنا مالك، قال: كذا في نسخة: أي: قال مالك بن أنس: أخبرني بالإِفراد، نافع: أن ابن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، بَالَ بالسُّوق، سمي به؛ لأن الناس يسوقون إليه أو يقومون على سوقهم لديه، وقيل: اسم لموضع، وقيل: هو بالفتح، اسم موضع كذا، قاله علي القاري.\nفإن قيل: كيف بال ابن عمر، في موضع يقوم الناس فيه، وهو أذى لهم؟ أجيب عنه بأنه فعله بلا اختياره؛ فالضرورات تبيح المحظورات، ثم بعد الاستبراء وهو الإزالة أثر البول عن العضو، توضأ؛ أي: غسل يديه إلى الرسغين، والرُسغ بضم الراء وسكون السين المهملة، وبالغين المعجمة: المفصل بين الساعد والكف، فغسل وجهه ويديه، أي: مع المرفقين، ومسح برأسه، أي: ربعه، ثم دُعِيَ لجنَازَة أي: لصلاة الجنازة، حين دخل المسجد أي: مسجد رسول الله - ﷺ -، والظرف متعلق بدعي، واللام في ليُصلي متعلق بدعي، أي: لأن يصلي عليه، كذا في نسخة، وإرجاع الضمير المفرد المذكر الجنازة، باعتبار أنها ميت، وفي نسخة (ق ٥٦) مصححة (عليها) بدل (عليه)، وهو ظاهر ما في (الموطأ) لمالك.\nوالجنازة بكسر الجيم: السرير عليه الميت، وبالفتح: الميت.\nفمسح على خُفَّيْهِ، كذا في نسخة كما في (الموطأ) لمالك، وفي نسخة الناسخ الساهي: خفين، ثم صلَّى على الجنازة.\nومن المعلوم أنه لا فرق بين صلاة الجنازة وغيرها من الصلوات في اعتبار شرائطها، وفيه دليل صريح على جواز تأخير المسح على الخفين، وهو قائم مقام غسل الرجلين إذا لبسهما بطهارة كاملة، وتعجيل غسل أعضاء الوضوء عقب عضو المغسول قبله ليس شرط لصحة الوضوء، بل هو سنة عند الحنفية.\n_________\n(٥٠) صحيح، أخرجه: مالك (٧٣).","vol":"1","page":126},{"text":"اعلم: يشترط لجواز المسح على الخفين سبعة شرائط:\nالأول منها: لبسهما بعد غسل الرجلين ولو حكمًا، كجبيرة بالرجلين أو بأحدهما مسحهما ولبس الخف: يمسح خفه؛ لأن مسح الجبيرة كالغسل، ولو كان اللبس قبل إكمال الوضوء إذا أتم الوضوء قبل حصول ناقض الوضوء.\nوالثاني: ستر الخفين للكعبين، من الجوانب فلا يضر رؤية الكعبين من أعلى خف قصير الساق، والخف الذي لا يغطي الكعبين إذا خيط به ثخين كجوخ يجوز المسح عليه.\nالثالث: إمكان متابعة المشي في الخفين، فلا يجوز المسح على خف صنع من زجاج أو حطب أو حديد؛ لأنه لا يمكن متابعة المشي فيها.\nالرابع: خلو كل من الخفين عن خرق، قدر ثلاثة أصابع من أصغر أصابع القدم؛ لأنه مخل للمشي، واختلف في اعتبارها مضمومة أو مفرجة، إذا انكشفت الأصابع، اعتبر ذواتها، فلا يضر كشف الإِبهام مع جاره، وإن بلغ قدر ثلاثة أصابع هي أصغرها على الأصح، والخرق طولًا يدخل فيه ثلاثة أصابع، ولا يرى شيء من القدم عند المشي؛ لصلابته فلا يمنع جواز المسح عليه، ولا يضم ما دون ثلاثة من رجل المثلة من الأخرى، وأقل خرق يجمع هو ما يدخل فيه مثله، ولا يعتبر ما دونه.\nالخامس: اشتمال الخفين على الرجلين من غير شد لثخانته، إذ الرقيق لا يصلح لقطع المسافة.\nالسادس: منع الخفين من وصول الماء إلى الجسد، فلا يشفان الماء.\nالسابع: أن يبقى بكل رجل من مقدم القدم قدر ثلاثة أصابع من أصغر أصابع اليد، ليوجد المقدار المفروض من محل المسح، فإذا قطعت رجل فوق الكعب، جاز مسح خف الباقي، وإن بقي من دون الكعب أقل من ثلاثة أصابع، لا يقم المسح؛ لافتراض غسل الباقي وهو لا يجمع مع مسح خف الصحيحة، كما في (مراقي الفلاح) (١).\n* * *\n_________\n(١) انظر: مراقي الفلاح (ص: ٥٣).","vol":"1","page":127},{"text":"٥١ - أخبرنا مالك، أخبرني هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، أنه رَأى أباه يمسح على الخُفَّيْنِ على ظُهُورِهِما؛ لا يمسح بُطُونهما، قال: ثُم يرفع العمامة للمسح برأسه.\nقال محمد: وبهذا كلِّه نأخُذُ، وهو قولُ أبي حنيفة، وَنَرى المسحَ للمقيم يومًا وليلة وثلاثة أيامٍ وليَاليها للمسافر.\nوقال مالك بن أنس: لا يمسح المُقيم على الخُفَّيْنِ؛ وعامة هذه الآثار التي رَوَى مالكٌ في المسح إنما هي في المقيم، ثم قال: لا يمسح المقيم على الخُفَّيْن.\n• محمد قال: حدثنا، كذا في نسخة، أخبرنا مالك، قال: ثنا، كذا في نسخة: أنا رمزًا إلى أخبرنا: أخبرني بالإِفراد هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، أي: عروة أنه أي: عروة رَأى أباه، أي: الزبير بن العوام، أحد العشرة المبشرين بالجنة، يمسح على الخُفَّيْنِ على ظُهُورِهِما؛ على ظهور الخفين فقط؛ لأن ظهر الخف محل لوجوب المسح اتفاقًا.\nقوله: لا يمسح بُطُونهما، توكيد معنوي لقوله: على ظهورهما، قال علي ﵁: لو كان الدين بالرأي، لكان أسفل الخف أولى المسح من أعلاه، وقد رأيتُ رسول الله - ﷺ - (ق ٥٧) يمسح على ظاهر خفيه (١)، وقال المغيرة: رأيتُ رسول الله - ﷺ - يمسح على ظهري الخفين (٢)، كما قاله الزرقاني.\nقال: أي: عروة، ثُم يرفع أي: الزبير بن العوام، العمامة بكسر العين فيمسح برأسه، أي: على كله أو بعضه.\nوفي نسخة: قال: فرفع العمامة، فمسح برأسه.\n_________\n(٥١) صحيح، أخرجه: مالك (٧٥).\n(١) أخرجه: أبو داود (١٦٢)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٠٨)، والدارقطني في السنن (١/ ٢٠٤)، والعلل (٤/ ٤٥)، والبيهقي في الكبرى (١٤٢٨)، والصغرى (١٣٦).\n(٢) أخرجه: البخاري (١٨٢)، ومسلم (٢٧٤)، وأبو داود (١٦١)، والترمذي (١٠٠)، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.","vol":"1","page":128},{"text":"قال محمد: وبهذا أي: المذكور في هذا الباب كلِّه نأخُذُ، أي: نعمل ونفتي، وهو قولُ أبي حنيفة، أي: وأتباعه، وَنَرى أي: نختار المسحَ للمقيم يومًا وليلة وثلاثة أيامٍ وليَاليها للمسافر.\nكما ورد في كثير من الأخبار والآثار، كادت أن تكون متواترة، وبه قال: الجمهور.\nوقال مالك بن أنس: أي: في روايته: لا يمسح المُقيم على الخُفَّيْنِ؛ أي: يمسح المسافر عليها، ولا ترتيب في مسحها مسافرًا كان أو مقيمًا، وعامة هذه الآثار، أي: أكثر هذه الآثار؛ المسطورة في (الموطأ)، التي رَوَى مالكٌ في المسح إنما هي في المقيم.\nثم قال: أي: مالك، مع ذلك لا يمسح المقيم على الخُفَّيْن.\nوالحاصل: أنهم أجمعوا على جواز المسح في الجملة، وإنما خالف المسألة الخوارج وطائفة من الشيعة، كما قاله الشارح علي القاري، لما ذكر الأحاديث التي تدل على جواز المسح على الخفين، للمقيم وللمسافر، سواء كان رجلًا أو امرأة.\nوشرع في بيان الحديثين، ينفيان جواز المسح على العمامة والخمار، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>باب في بيان أحكام المسح على العمامة والخمار</span>\nأحكام المسح على العمامة، وهي بكسر العين: ثوب يلفه الرجال على رؤوسهم وجمعه عمائم.\n٥٢ - أخبرنا مالك، بلغني عن جابر بن عبد الله: أنَّه سُئل عن العمامة؟ فقال: لا، حتى يَمَسَّ الشعر الماء.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة.\nوالخمار، وهو بكسر الخاء المعجمة: ثوب تلفه النساء برؤوسهن، ويسترنها به.\n• محمد قال: ثنا، كذا في نسخة، وفي نسخة: أنا بدل أخبرنا: مالك قال: أي:\n_________\n(٥٢) إسناده ضعيف، أخرجه: الترمذي (١٠٢)، ومالك (٦٨)، والبيهقي في الكبرى (٢٨٤).","vol":"1","page":129},{"text":"مالك، بلغني، أي: سفيان: إذا قال: مالك بلغني فهو إسناد قوي: جابر بن عبد الله ﵄، وهما صحابيان، أنَّه سُىل عن العمامة؟ أي: عن المسح عليها: هل يجوز؟ فقال: لا، أي: لا يجوز، حتى يمس من المس، أي: يصيب، الشعر على أنه مفعول مقدم، والماء بالرفع فاعل، وتقديم المفعول على الفاعل للأهمية، ولئلا يفوت الغرض، وهو الإِمساس بالشعر، كما قدم المفعول على الفاعل، للأهمية في قوله: \"قتل الخارجي فلان\" لأنه الأهم في تعلق القتل، هو الخارجي المقتول ليتخلص الناس من سوئه.\nكما قاله سعد الدين التفتازاني في \"شرح التلخيص\"، في متعلقات الفعل.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: نعمل، ونفتي، وهو قول أبي حنيفة، ﵀، واعلم أن المسح على العمامة، دون الرأس، بغير عذر لا يجوز عند: أبي حنيفة ومالك والشافعي.\nقال أحمد: يجوز بشرط أن يكون تحت الحنك منها شيء، رواية واحدة، وهو يشترط أن يكون قد لبسها على طهر عنه روايتان، وعنه في مسح الرأس على قناعها المنديل تحت خلفها، روايتان.\n* * *\n\n٥٣ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، قال: رأيتُ صفية ابنةَ أبي عُبَيْدٍ تتوضَّأُ وتَنْزَعُ خِمَارَهَا، ثم تَمْسَح برأسها. قال نافع: وأنا يومئذ صغير.\nقال محمد: وبهذا نأخُذُ، لا يُمْسَحُ على خمار ولا عِمَامَةٍ. بلغنا أن المسح على العمامة كانَ فَتُرِكَ؛ وهو قولُ أبي حنيفة والعَامَّةِ من فقهائنا.\n• محمد قال: حدثنا، كذا في نسخة، وفي نسخة: أنا مرموز إلى أخبرنا، مالك قال: ثنا كذا في نسخة مرموز إلى حدثنا نافع، قال: أي: نافع، رأيتُ صفية ابنة، وفي نسخة بنت: أبي عبيد، بالتصغير، وزاد يحيى: امرأة عبد الله بن عمر، وهي أخت المختار\n_________\n(٥٣) صحيح، أخرجه: مالك (٧٠)، والبيهقي في الكبرى (٢٨٦).","vol":"1","page":130},{"text":"(ق ٥٨) ابن أبي عبيد: أدركتْ النبي - ﷺ - وسمعت منه، ولم ترو عنه، وروت عن عائشة ﵂، وحفصة، وروى عنها نافع، مولى ابن عمر، أنها كانت تتوضأ وتنزع خمارها، أي: تقلعه أو تغيره ثم تمسح برأسها، قال نافع: وأنا يومئذ، أي: حينئذٍ كانت تفعل ذلك، صغير، أي: لكن أحفظه.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: نعمل، ونُفتي، لا يُمْسَحُ بصيغة المجهول، على خمار ولا عِمَامَةٍ.\nبلغنا أن المسح على العمامة، وفي معناه: الخمار، كانَ أي: في الإِسلام، فَتُرِكَ، لبعض الأحكام، وهو قولُ أبي حنيفة والعَامَّةِ من فقهائنا.\nوكذا جمهور سائر الفقهاء على ما تقدم، والله أعلم.\nلما ذكر الأحاديث التي تتعلق بالطهارة الصغرى، شرع بذكر الحديث، الذي يتعلق بأحكام الطهارة الكبرى؛ فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>باب في بيان أحكام الاغتسال من الجنابة</span>\nالاغتسال من الجنابة، أي: من أجلها وسببها؛ قال الله تعالى في سورة المائدة: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، أي: اغتسلوا، والأمر للوجوب، وفيه تسعة شرائط:\nالأول: الإِسلام، الثاني: العقل، الثالث: البلوغ، الرابع: وجود الحدث، الخامس: وجود الماء المطلق الطهور الكافي، السادس: القدرة على استعماله، السابع: عدم الحيض، الثامن: عدم النفاس، التاسع: تنجز خطاب المكلف بضيق الوقت، كما في (منح الغفار)، وإضافة الباب إلى الاغتسال بمعنى اللام، كما يؤيده لفظ من في الجنابة، لأنه بمعنى اللام الأصلية والتعليلية، وجعلها بمعنى \"من\" بعيد؛ لأن ضابطها صحة تقديرها، مع صحة الإِخبار عن الأول، وبالثاني: كخاتم فضة، وهو مفقود هنا، أي: لا يصح أن يقال: الباب اغتسال، والأوجه أن تكون بمعنى في كما قدرناه، وإن كانت قليلة وضابطها: أن يكون الثاني طرفًا للأول، نحو: مكر الليل.","vol":"1","page":131},{"text":"٥٤ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن ابن عمر كان إذا اغتسل من الجنابة أَفْرَغَ على يده اليُمْنى؛ فغسلها، ثم غسل فَرْجه، ومَضْمَضَ واستنثر، وغسل وجهه، وَنَضَحَ في عينه، ثم غسل رأسه، ثم غسل يدهُ اليمنى، ثم اليسرى، ثم اغْتَسَلَ، وأفَاضَ الماء على جِلْدِهِ.\nقال محمد: وبهذا كلِّه نأخُذُ، إلا النَّضْحَ في العينين، فإن ذلك ليس بواجب على الناس من الجَنابَة، وهو قولُ أبي حنيفة ومالك بن أنس والعامَّةِ.\n• محمد قال: كذا في نسخة، أخبرنا مالك، قال: ثنا، كما في نسخة رمزًا إلى حدثنا، نافع: أن ابن عمر كان إذا اغتسل من الجنابة، أي: من أجلها أو سببها، أَفْرَغَ، أي: صب، الماء على يده اليُمْنى؛ فغسلها، أي: مع اليسرى، ثم غسل فَرْجه، أى: استنجا بيساره، ومَضْمَضَ، أي: بيمينه، وفي نسخة: تمضمض واستنشق، أي: أخذ الماء بفمه وجذبه بأنفه بيمينه، واستنثر، إلا أنه يستنثر بيساره، وهما، أي: المضمضة والاستنشاق: سنتان في الغسل، عند مالك والشافعي.\nقال أبو حنيفة: هما فرضان في الغسل.\nوقال أحمد: هما واجبان في الغسل والوضوء.\nفإن قيل: إذا كان القرآن تبيانًا لكل شيء من (الدين)، فمن أين وقع بين الأئمة في الأحكام الشرعية، هذا الخلاف الطويل العريض، يقال: إنما وقع لأن كل شيء يحتاج إليه من أمور الدين ليس مبينًا في القرآن نصًا، بل بعضه مستنبط بيانه، بالنظر والاستدلال وطرق النظر والاستدلال مختلفة، وقع خلاف بينهم كما في (خواتم الحكم).\nوغسل وجهه، وَنَضَحَ أي: رش، الماء في عينه، أي: على عينيه، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، أي: جزوعه، ويدل على هذا المعنى لفظ نضح، بمعنى: رش وصب، وهو لا يقتضي دخوله فيهما، وأما (ق ٥٩) إن كان لفظ \"في\" بمعنى الظرف، كما فسره الفاضل بن سلطان محمد الهروي، ونضح، أي: رش الماء في عينيه، أي: داخلها ففيه حرج.\n_________\n(٥٤) صحيح، أخرجه: مالك (٩٩).","vol":"1","page":132},{"text":"قال ابن عبد البر: لم يتابع ابن عمر على النضح في العينين أحد في إدخال الماء في العينين، وقال: له شدائد حمله عليها الورع، وقيل: داخل العينين يوجب العمى، انتهى.\nقال التمرتاشي في (المنح): لكن أسقط مالك بن أنس غسل داخل العينين، لما فيه من الحرج؛ لأن العين شحم، لا يقبل الماء، وقد كف بصر من تكلف من الصحابة كابن عمر وابن عباس، ولهذا لا نغسل العين، إذا اكتحل بكحل نجس، انتهى.\nثم غسل رأسه، ثم غسل يدهُ اليمنى، ثم اليسرى، أي: مع مرفقيهما، ثم غسل رأسه في الأحاديث المشهورة، أنه يمسح رأسه، ثم يغسل رجليه، لكن لا في المستنقع، بأن يكون على لوح أو حجر، إلا فيؤخر غسلهما إلى بعد الغسل، ثم اغتسل وأفَاضَ الماء أي: صبه، على جِلْدِهِ، أي: على جميع أعضاء بشرته وأجزائه، وكل ما في هذا الباب يرجع لواحد وهو عموم الماء بما أمكن من الجسد بلا حرج.\nولكن ابن عمر، ﵄ عمل ما في هذا الباب على الانفراد لتعليم الناس كما قال الفقهاء الحنفية: يبدأ من أراد الاغتسال أولًا برأسه، ثم جنبه الأيمن، ثم طرفه الأيسر.\nوقيل: يبتدأ باليمين، ثم باليسار، ثم بالرأس.\nقال محمد: وبهذا كلِّه أي: بكل ما ذُكِرَ في الحديث من الأحكام نأخُذُ، أي: نعمل مع أصحاب أبي حنيفة، إلا النَّضْحَ، أي: لا نعمل ولا نفتي بالغسل في داخل العينين، والاستثناء متصل، فإن ذلك، أي: النضح في العينين، ليس بواجب على جميع الناس في الجنابة، أي: كما أن غسل داخل العين ليس بفرض في الوضوء، ولا سنة فيه، ولا في الجنابة، بل يجب على من لف بعض جلد أشفار عينيه على بعض، لأجل كبر سنه، وعدم شحمه ولحمه إيصال الماء إلى تحت الجلد الملفوف، والذي لا يصل الماء بالصب والرش إلى ما تحته، حتى يدلكه كمن يغتسل من الجنابة، ولا يصل الماء إلى داخل سرته من كثرة شحمه ولحمه، فيجب عليه أن يدلكهما؛ ليصل الماء إلى داخل جلد سرته؛ لأنه من خارج الجسد ولا حرج في غسله.\nوكذا يفترض غسل داخل قلفة الأقلف لا عسر في فسحها، أي: وسعها على الصحيح كما في (مراقي الفلاح) للشرنبلالي.","vol":"1","page":133},{"text":"فالفاء في قوله: فإن ذلك فاء فصيحة، وهي الفاء التي حذف معها المعطوف عليه، مع كونه سببًا للمعطوف، فاطلب تفصيلها في كتابنا \"نور الأفئدة\" في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥]، وذا في قوله: ذلك: اسم إشارة، واللام لام [عماد] (١) جيء به للدلالة على بعد المشار إليه، والكاف للخطاب، والمشار إليه هنا النضح في العينين، فإنه نزله منزلة المكان البعيد المشاهد بالبصر، إشعارًا بأن غسل داخل العينين بعيد عن المغتسل للمتوضئ، وهو: أي: ما ذكر في هذا الباب غير النضح في العينين، قولُ أبي حنيفة ومالك بن أنس والعامَّةِ، أي: عامة علماء الأمة.\nلما فرغ من بيان أحكام الاغتسال من الجنابة (ق ٦٠) مطلقًا.\nشرع في بيان الأحكام التي تتعلق إلى الرجل فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>باب في بيان الأحكام التي تتعلق إلى الرجل الذي تصيبه الجنابة من الليل أي: بعض أجزاء الليل</span>\n٥٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، أنَّ عمر ذَكَرَ لرسول الله - ﷺ - أنَّهُ تُصيبُه الجنابة من الليل؛ فقال: \"توضأ، ثم اغْسِلْ ذَكرَك ونَمْ\".\nقال محمد: وإن لم يتوضَّأ ويَغْسِلْ ذَكَرَهُ حين ينامُ فلا بَأسَ بذلك أيضًا.\n• محمد قال: ثنا، كذا في نسخة رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخبرنا: مالك، أخبرنا، كذا، وفي نسخة أخرى: قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، أن\n_________\n(١) هكذا بالأصل.\n(٥٥) صحيح، أخرجه: البخاري (٢٨٧)، ومسلم (٣٠٦)، وأبو داود (٢٢١)، والترمذي (١٢٠)، والنسائي في المجتبى (٢٥٩)، وابن ماجه (٥٨٥)، وأحمد (٣٦١)، (٥٤٧٣)، والدارمي (٧٥٦)، ومالك (١٠٩)، والنسائي في الكبرى (٩٠٥٥)، وابن حبان (١٢١٢)، وابن خزيمة (٢١٤)، والبيهقي في الكبرى (١٤٤٢٩).","vol":"1","page":134},{"text":"عمر بن الخطاب ﵁ ذَكَرَ لرسول الله - ﷺ -.\nوقد بين النسائي سبب ذلك عن طريق ابن عوف عن نافع، قال: أصاب ابن عمر جنابة فأتى عمر فذكر ذلك له، فأتى عمر النبي - ﷺ - فاستأمره، فقال: ليتوضأ، ويرقد، وعلى هذا فالضمير في قوله أنه يصيبه، يرجع لابن عمر، وعدل عن مقتضى الظاهر، وهو أن يقول إنه قد أصابه الجنابة، أي: في الليل لإِحضار حال ابنه عند النبي - ﷺ -، ويحتمل أن تكون \"من\" في الليل لابتداء الغاية في الزمان، أي: ابتداء إصابة الجنابة الليل، كما قيل في قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ [التوبة: ١٠٨].\nقال: أي رسول الله - ﷺ -: توضأ، أي: يا عبد الله، هذا كان عبد الله بن عمر حاضرًا عند النبي - ﷺ -، فوجه الخطاب إليه، ويحتمل أن يكون الخطاب لعمر بن الخطاب، في غيبة ابنه جواب الاستفتاء، ولكن يرجع إلى ابنه؛ لأن استفتاء عمر إنما هو لأجل ابنه.\nثم اغْسِلْ ذَكَرَك ونَمْ بفتح النون: أمر من باب علم، أي: ارقد، والأمر في هذه الثلاثة للندب كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢].\nوقالوا: ثم للجمع لا للترتيب، عند أبي حنيفة، ﵀، كما في رواية أبي نوح عن مالك: \"اغسل ذكرك ثم توضأ\".\nلذا قال أبو عمر: هذا من التقديم والتأخير، أي: إن أردت اغسل وتوضأ ونم.\nقيل: حكمته ينشط للعود بالجماع، أو إلى الغسل إذا بل أعضاؤه، وقيل: المبيت على إحدى الطهارتين، خشية أن يموت في منامه.\nوقد روى الطبراني في (المعجم الكبير) بسند لا بأس به: عن ميمونة بنت سعد، قالت: قلت: يا رسول الله: هل يأكل أحدنا وهو جنب؟ قال: \"لا يأكل حتى يتوضأ\". قلت: يا رسول الله، هل يرقد الجنب؟ قال: \"ما أحب أن يرقد وهو جنب حتى يتوضأ، فإني أخشى أن يتوفى فلا يحضر جبريل\".\nوفي الحديث: أن غسل الجنابة ليس على الفور، وإنما يتضيف عند القيام إلى الصلاة، واستحباب التنظيف عند النوم.\nقال ابن الجوزي: وحكمته: أن الملائكة تبعد عن الوسخ والريح الكريهة، بخلاف الشياطين، فإنها لا تقرب من ذلك.","vol":"1","page":135},{"text":"وأخرجه البخاري عن عبد الله بن يوسف، عن يحيى وأبو داود عن القعنبي، والنسائي عن قتيبة، والأربعة عن مالك به.\nكما قاله الزرقاني. . ولكن.\nقال محمد: وإن لم يتوضَّأ، أي: من أراد أن ينام ولم يغسل ذكره فلا بأس، أي: لا ضرر بذلك، أي: بأن ينام مقارنًا بالحديث وعدم غسله أيضًا كما نام مقارنًا بالوضوء، ويغسل ذكره أو يلفه بخرقة أنه إذا خاف تلويث الثوب بالبلل، فيتعين أن يغسل ذكره، أو يلفه بخرقة صيانة عن تنجيسها، كما قاله \"علي القاري\"، وفي بعض النسخ: حتى نام بصيغة الماضي، (ق ٦١) فحينئذ يكون عطفًا على معنى كلمة لم يغسل، والمناسبة بين المعطوف والمعطوف عليه التضاد بالنفي والإِثبات، وكلمة حتى للعطف، لمناسبة أن المعطوف يعقب المعطوف عليه.\nوكذا الغاية تعقب المغيَّا مع قيام معنى الغاية كقوله: جاء الربيع، وأتاك المرعى، اسْتَنَّت الفصال حتى القرعي المرعي اسم المكان، والنباتات والفصال: جمع فصل وهو ولد الناقة انفصل عن أمه وانقطع عن اللبن، والاستنان: أن يرفع يديه، ويطرحهما معًا في حالة العدو، والقرعى جمع القريع وهو: الفصل له بثر أبيض يخرج بالفصاد، ودواؤه بالملح، والبثر بفتح الموحدة وسكون المثلثة والراء المهملة: أدْرة مائية تخرج في وجه ولد الناقة وعينيه، كما قاله عبد الرحمن بن عبد الملك: في \"شرح المنار\".\n* * *\n\n٥٦ - قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة، عن أبي إسحاق السَّبيعيّ، عن الأسْوَدِ بنِ يزيد، عن عائشة، قالت: كان رسول الله - ﷺ - يُصِيبُ من أهله، ثم ينام ولا يَمَسُّ ماء، فإن استيقظ من آخِرِ الليل عاد واغتسل.\n_________\n(٥٦) صحيح، أخرجه: البخاري (٢٨٦)، ومسلم (٣٠٥)، وابن ماجه (٥٨١)، وأحمد (٢٤٢٣٤)، والنسائي في الكبرى (٩٠٥٢)، والطبراني في الأوسط (٦٠٨٨)، والبيهقي في الكبرى (١٠٠٥).","vol":"1","page":136},{"text":"قال محمد: وهذا الحديث أرْفَقُ بالناس. وهو قولُ أبي حنيفة.\n• قال محمد: لعله أعاد لتغيير سنده تقوية للحكم، وفي نسخة: أخبرنا أبو حنيفة، وفي نسخة: وأخبرنا بالواو، عن أبي إسحاق السَّبيعِيَّ، بفتح وكسر، هذا هو المشهور.\nوقال السيوطي: مثلثة نسبة إلى سبيع: بطن من همدان ومحلة بالكوفة، وفي (أسماء الرجال)، لصاحب المشكاة هو: عمرو بن عبد الله السبيعي الهمداني الكوفي، رأى عليًا وابن عباس، وغيرهما من الصحابة، سمع من البراء بن عازب، وزيد بن أرقم، روى عنه: الأعمش والثوري، وهو تابعي مشهور، كثير الرواية، ولد لسنتين من خلافة عثمان بن عفان، ومات سنة تسع وعشرين وماىة، وضبط السبيعي كما قدمنا، عن الأسْوَدِ بن يزيد، وهو من أجلاء التابعين.\nعن عائشة، قالت: كان رسول الله - ﷺ - يُصِيبُ من أهله، أي: من نسائه بالمجامعة، ثم ينام ولا يَمَسُّ ماء، أي: بغسل ذكره ولا للوضوء وللغسل، بل ربما يتيمم وربما يتركه أيضًا لبيان الجواز وشفقة على الأمة، حيث جمل في الأمر السعة، فإن استيقظ من آخِرِ الليل عاد أي: إلى الجماع ثانيًا، يعني: أحيانًا، واغتسل، أي: غسلًا واحدًا.\nكذا أخرجه المصنف، ﵀، في الآثار، من باب الغسل من الجنابة.\nقال محمد: غير المنصف عن نفسه بصيغة الماضي، للتواضع، وبيانًا للأدب، وهذا الحديث أرْفَقُ بالناس. أي: من الحديث السابق، وهو أي: الرفق بالناس، قولُ أبي حنيفة ﵀.\nوالظاهر أنه لا خلاف فيه لأحد.\nلما فرغ من بيان الاغتسال من الجنابة التي تصيب الرجل، شرع في بيان الاغتسال يوم الجمعة فقال: هذا\n* * *","vol":"1","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>باب في بيان أحكام الاغتسال يوم الجمعة</span>\nبيان أحكام الاغتسال يوم الجمعة، أي: لصلاتها على الأصح، والجمهور على ضم ميم الجمعة، وقُرئ بإسكانها، والضم هو الأصل، والإِسكان تخفيف، فكلاهما مصدر بمعنى الاجتماع.\nوقال مكي: فيه لغة ثالثة، وهي فتح الميم على نسبة الفعل إليها، كأنها تجمع الناس، كما يقال: رجل لعنة، إذا كان يلعن الناس، كما قاله الشيخ \"زادة\" في (حاشية بيضاوي).\n٥٧ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا أتى أحدكم الجمعةَ فليغتسل\".\n• أخبرنا مالك، كذا في نسخة، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: أنا رمزًا إلى أخبرنا، أخبرنا نافع، وفي نسخة: حدثنا، وفي نسخة أخرى: قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي (ق ٦٢) نسخة: قال: أنا، رمزًا إلى أخبرنا، عن ابن عمر، ﵄، أن رسول الله - ﷺ -: قال: إذا أتى أي: إذا أراد أن يجيء أحدكم الجمعةَ بالنصب، والمعنى: إذا حضر يومها، أو أراد أن يحضر صلاتها، وجواز نصب أحدكم ورفع الجمعة، والمعنى: إذا أدرك يومها أو صلاتها، وإضافة أحد إلى ضمير الجمع تشعر بعموم الرجال والنساء والصبيان، والمشهور من مذهب مالك وهو رواية: ابن القاسم عنه: أن الغسل يسن لمن أتى الجمعة، ممن تجب عليه أولًا من مسافر، أو عبد، أو امرأة، أو صبي إذا أتوها.\nولمالك في المختصرات: من لا تلزمه إن حضرها، لابتغاء الفضل شرع له الغسل، وسائر آداب الجمعة، وإن حضرها لأمر اتفاقي أو لمجرد الصلاة، فلا، وذكر الإِيتاء إليها لكونه الغالب، وإلا فالحكم شامل لمن كان مقيمًا بالجامع، فليغتسل استحبابًا، والحديث رواه الشيخان والنسائي عن ابن عمر أيضًا.\n_________\n(٥٧) صحيح، أخرجه: البخاري (٨٧٧)، ومسلم (٨٤٤)، والترمذي (٤٩٢)، والنسائي (١٣٧٦)، وابن ماجه (١٠٨٨)، وأحمد (٤٤٥٢)، والدارمي (١٥٣٦)، ومالك (٢٣١).","vol":"1","page":138},{"text":"وفي حديث أبي هريرة ﵁: \"أيعجز أحدكم أن يجامع أهله في كل يوم جمعة، فإن له أجرين، أجر غسله، وأجر امرأته\" (١)، أخرجه البيهقي في الشعب.\nفظاهره: أن الغسل يعقب المجيء وليس بمراد، وإنما المراد: إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل، رواه بهذا اللفظ الليث عن نافع، عند مسلم، ونظيره قوله تعالى في سورة المجادلة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢].\nفإن معناه: إذا أردتم المناجاة بلا خلاف، ويقوي رواية الليث حديث أبي هريرة السابق: \"من اغتسل يوم الجمعة ثم راح\"، فهو صريح في الرواح عن الغسل.\nوبهذا علم فساد قول من حمله على ظاهره وتمسك به، على أن الغسل لليوم لا للصلاة، كما قاله علي القاري والزرقاني.\nقال السيوطي: يقول الحافظ ابن حجر: رواية نافع عن ابن عمر مشهورة جدًا، وقد اعتنى بتخريج طرق أبو عوانة صحيحة، فساق من طريق سبعين نفسًا، رواه عن نافع.\nقال: وقد تتبعت ما فاته، وجمعتُ ما وقع لي من طرقه، في جزء مفرد فبلغت أسماء من رواية نافع مائة وعشرين نفسًا، فيما يستفاد منه هنا ذكر سبب الحديث، في رواية إسماعيل بن أمية عن نافع عند ابن عوانة: كان الناس يغدون في أعمالهم، فإذا كانت الجمعة جاءوا وعليهم ثياب متغيرة، فتشاكوا ذلك إلى رسول الله - ﷺ - فقال: \"من جاء منكم الجمعة فليغتسل\"، انتهى.\n* * *\n\n٥٨ - أخبرنا مالك، حدثنا صفوانُ بن سُلَيْم، عن عَطاءٍ بن يَسَارٍ، عن أبي سعيد الْخُدْرِيَّ: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"غُسْلُ يوم الجمعة واجِبٌ على كل مُحْتَلِمٍ\".\n_________\n(١) أخرجه: البيهقي في الشعب (٢٩٩١) من طريق بقيَّة، وقد قال البيهقي: في روايات بقيَّة نظر.\n(٥٨) صحيح، أخرجه: البخاري (٨٥٨)، ومسلم (٨٤٦)، وأبو داود (٣٤١)، والنسائي (٣٧٧)، وابن ماجه (١٠٨٩)، والدارمي (١٥٣٧)، ومالك (٢٣٠).","vol":"1","page":139},{"text":"• أخبرنا مالك، كذا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: أنا، وفي نسخة: ابنا رمزًا إلى أخبرنا، حدثنا كذا في نسخة، وفي نسخة: قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا صفوانُ بن سُلَيْم (١)، بضم السين المهملة: المدني أبو عبد الله الزهري، مولاهم، تابعي ثقة، مفتي عابد، مات سنة اثنتين وثلاثين، ومائة، وله اثنتان وسبعون سنة، عن عَطاءٍ بن يَسَارٍ، بفتح التحتية، وخفة المهملة، عن أبي سعيد أي: سعد بن مالك بن سنان الْخُدْرِيَّ: ﵁، صحابي ابن صحابي، وقد تابع مالك على رواية الدراوردي عن صفوان، هكذا أخرجه أبو بكر المروزي في كتابه الجمعة: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"غُسْلُ يوم الجمعة ظاهر إضافته لليوم؛ لأن الغسل لليوم (ق ٦٣) لا للجمعة، وهو قول جماعة، وهو مذهب: مالك والشافعي، وأبي حنيفة، وغيرهم، أنه للصلاة لا لليوم.\nوقد روى مسلم هذا الحديث، بلفظ: الغسل يوم الجمعة، كذا رواه الشيخان من وجه آخر، عن أبي سعيد، وظاهره: أنه حديث وجد الغسل فيه كفى؛ لأنه جعلَ اليوم ظرفًا للغسل، ويحتمل أن اللام للعهد، فيتفق الروايتان، واجبٌ أي: مسنون متأكد.\nقال ابن عبد البر (٢): ليس المراد أنه فرض، بل هو مؤَّل بالنسبة، أو في المروءة، أو في الأخلاق الحميدة، كقول العرب: وجب حقك.\nثم أخرج بسنده عن أشهب: أن مالكًا سُئل عن غسل يوم الجمعة واجب هو؟ قال: هو حسن وليس بواجب.\nوأخرج عن ابن وهب: أن مالكًا سئل عن غسل يوم الجمعة، واجب هو؟ قال: هو سنة ومعروف، وقيل: إنه في الحديث واجب، قال: ليس كل ما جاء في الحديث فيكون كذلك، وظاهر الحديث منسوخ بقوله - ﷺ -: \"مَنْ توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فهو أفضل\"، رواه أنس بن مالك، والحسن البصري، كما سيأتي كذا قاله الشرنبلالي في (إمداد الفتاح)، و(مراقي الفلاح).\nعلى كل مُحْتَلِمٍ على صيغة اسم الفاعل، أي: بالغ، وإنما ذكر الاحتلام لكونه الغالب، فيدخل النساء على الحمل على الحقيقة.\n_________\n(١) انظر: التقريب (١/ ٢٥٥).\n(٢) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٣٠٣).","vol":"1","page":140},{"text":"إن الاحتلام إذا كان معه الإِنزال يوجب الغسل، سواء كان يوم الجمعة أم لا، ونقله المنذري والخطابي عن مالك.\nفرضية الغسل حقيقة ورده عياض، وغيره، بأن ذلك ليس بمعروف في مذهبه.\n* * *\n\n٥٩ - أخبرنا مالك، حدثنا الزهري، عن ابن السَّبَّاقِ: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"يا معشر المسلمين، هذا اليوم يومٌ جعله الله عيدًا للمسلمين، فَاغْتَسلوا، ومن كان عنده طِيبٌ فلا يَضُرُّهُ أن يَمَسَّ منه، وعليكم بالسِّواك\".\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا الزهري، أي: ابن شهاب، عن عبيد بالتصغير، عن ابن السَّبَّاقِ: بسين مهملة وتشديد الموحدة: المدني، أبي سعيد، من ثقات التابعين، وأشرافهم، روى له الستة، وفي (التقريب) وغيره: أنه ثقفي، وهو مرسل وقد وصله ابن ماجه، من طريق صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، عن عبيد بن السابق، عن ابن عباس، ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: في يوم جمعة، وهو من الجمع، وهو جمع جمعة، ويجمع أيضًا على جمعات، مثل عرفة عرفات، يا معشر المسلمين، قال النووي: المعشَر، بفتح الميم وسكون العين المهملة، وفتح الشين المعجمة والراء، والطائفة التي يشملهم وصف، فالشباب: معشر، والشيوخ: معشر، والنساء: معشر، والأنبياء ﵈: معشر، وما أشبهه، هذا أي: اليوم، اليوم يومٌ جعله الله عيدًا للمسلمين، أي: هذه الأمة المسلمة خاصة، جزم به أبو يوسف في (شرف المصطفى)، وابن سراقة، وذلك أنه سبحانه خلق العالم في ستة أيام، ولكل يوم منها اسمًا يخصه، وخص كل يوم بنصف من الخلق أوجده فيه، وجعل كل يوم كمال الخلق مجمعًا، وعيدًا للمؤمنين، يجتمعون فيه لعبادته، وذكره، والتفرغ لشكره، والإِقبال على خدمته، وذكر ما كان في ذلك اليوم، وما يكون من المعاد.\n_________\n(٥٩) إسناده ضعيف لإرساله، أخرجه: ابن ماجه (١٠٩٨) مسندًا لكن فيه صالح بن أبي الأخضر: ضعيف، ومالك (١٤٦)، وابن أبي شيبة (٢/ ٦) مرسلًا، والشافعي في المسند (٢٧٢)، والبيهقي في الكبرى (٦٠٥٣).","vol":"1","page":141},{"text":"وقال الراغب: والعيد ما يعاود مرة بعد أخرى، وخصَّه الشرع: بيومي الأضحى والفطر، ولما ذلك اليوم مجعولًا في الشرع للسرور، واستعمل العيد في كل يوم مرة أيما كان.\nقال ابن عبد البر (١): في أن من حلف أن يوم الجمعة يوم عيد، لم يحنث.\nقال عبد الحق في (شرح الأحكام): العرف لا يقتضيه.\n(ق ٦٤) وكذا لو حلف على فعل شيء يوم عيد ولا نية له بر بفعله يوم الجمعة، فَاغْتَسلوا، مسنونًا مؤكدًا، لحضور صلاة الجمعة، ومن كان عنده طِيبٌ فلا يَضُرُّهُ أن يَمَسَّ منه، إذ هو مستحب للقادر عليه، وقد كان يُعرف خروجه - ﷺ - إلى الصَلاة برائحة الطيب، إذا مشى، وأوجبه أبو هريرة، ﵁ يوم الجمعة، ولعله إيجاب سنة وأدب.\nوعليكم بالسِّواك، أي: الزموه لتأكد استحبابه، وهو بكسر السين على الأفصح، مذكر، وقيل: مؤنث، وأنكره الأزهري، مشتق من ساك إذا دلك أو من جاءت الإِبل تساوك هزلًا، أي: تمايل، ويطلق على الفعل وهو المراد هنا، وعلى الآلة، ويجوز إرادته بتقدير مضاف، أي: استعماله، وأل فيه لتعريف الحقيقة، لا للاستغراق وللعهد؛ لأن السواك كان معهودًا لهم على هيئات وكيفيات، فتحمل العود إليها، والأول أقرب.\nقالت عائشة - ﵂: كان - ﷺ - إذا دخل عليَّ أول ما يبدأ به السواك، وسمعته يقول: \"السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب\" (٢).\nوكان ربما استاك من الليل مرارًا، وقد علم أن هذا الحديث مرسل، وأن ابن ماجه وصله بذكر ابن عباس ﵄، كما قاله الزرقاني، وصورة الحديث المرسل: أن يقول التابعي سواء كان كبيرًا أو صغيرًا: قال رسول الله - ﷺ -: كذا، أو فُعِلَ بحضرته كذا، ونحو ذلك.\n_________\n(١) انظر: شرح الزرقاني (١/ ١٩٣).\n(٢) أخرجه: النسائي في المجتبى (٥)، وأحمد (٢٣٦٨٣)، والدارمي (٦٨٨)، والنسائي في الكبرى (٤)، وابن حبان (١٠٦٧)، وابن أبي شيبة (١/ ١٩٦)، وابن خزيمة (١٣٥)، والطبراني في الأوسط (٢٧٨)، وأبو يعلى (٤٥٦٩)، والبيهقي في الكبرى (١٣٨)، والشعب (٢١١٨).","vol":"1","page":142},{"text":"كما قاله ابن حجر في (نخبة الفكر)، وصورة استعمال السواك: وهو السواك طولًا على ظاهر عرض السن الأيمن أعلا، ثم الأسفل، ثم الأيسر كذلك، ثم على وجه اللسان، بعد ما يجعل إبهامه الأيمن وخنصره تحت السواك، والباقي فوقه، ولا يقبض القبضة عليه، فإنه يورث البواسير، ولا يستاك بطرفي المسواك، ولا يمص لأنه يورث العمى، ولا يوضع عرضًا لأنه يورث الجنون، وإن استاك يغسله، وإلا فالشيطان يستاك به، ولا يستاك مضطجعًا؛ فإنه يورث كبر الطحال، كما قاله القستهاني في (جامع الرموز)، والاستياك مستحب في جميع الأوقات، ويتأكد استحبابه عند قصد التوضؤ فيسن أو يستحب عند كل صلاة، كما عند غيره.\nويؤيده ما في الصحيحين أنه - ﷺ - قال: \"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة\" (١).\nوقد صح من غير طريق الحاكم: \"ركعتان بسواك، أفضل من سبعين ركعة بلا سواك\" (٢)، رواه الحميدي بإسناد كل رجاله ثقات.\nووقته المسنون في ابتداء الصلاة، وعند المضمضة على قول الأكثر.\nوقال غيرهم: قبل الوضوء، وهو من سنن الوضوء عند أبي حنيفة، وعند الشافعي من سنن الصلاة، وفضله يحصل، ومن استاك بالإِصبع أو خرقة خشنة عند فقد السواك، وعند ضرره بفمه يجزئ، أي: يكفي من السواك.\nقال عليّ ﵁: التشويص بالمسبحة والإِبهام سواك، وتقوم العلك مقامه، للنساء لرقة بشرتهن، وينبغي أن يكون لينًا وطول الشبر من شجر مر، ويجوز أن يكون أقصر من الشبر كما صرح به في كتاب (الشافعي).\nوقال الحكيم الترمذي: لا يُزاد على الشبر، وإلا الشيطان ركب عليه، كما في (المحيط)، وأن يكون من شجر الزيتون، فإن منه سواك الأنبياء ﵈، كما في (الينابيع).\n_________\n(١) أخرجه: البخاري (٨٨٧)، ومسلم (٢٥٢).\n(٢) أخرجه: البيهقي في الكبرى (٧٨)، وفيه الواقدي وهو غير محتج به.","vol":"1","page":143},{"text":"أو من حَيّثِ الخوخ، ويستحب الاستياك لتغيير الفم، والانتباه من النوم وإلى الصلاة، (ق ٦٥) ودخول البيت، واجتماع الناس، وقراءة القرآن، والحديث، لقول الإِمام: إنه من سنن الدين، كما قلنا في (سلم الفلاح شرح نور الإِيضاح)\n* * *\n\n٦٠ - أخبرنا مالك، أخبرني المَقْبُرِيُّ، عن أبي هريرة أنه قال: غُسْل يوم الجمعة واجب على كل مُحْتَلِم كَغُسْلِ الجنابة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، قال: كذا في نسخة، أخبرني بالإِفراد، المَقْبُرِيُّ، بضم الميم وضم الموحدة، وفتح: نسبة إلى المقبرة، لكثرة زيارته إياها، واسمه: سعيد بن أبي سعيد بن كيسان، المدني التابعي المتفق على توثيقه، روى له جمعٌ كثير، واختلط قبل موته بأربع سنين وفاته سنة ثلاث وعشرين ومائة، وكان سماع مالك ونحوه من قبل الاختلاط، عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: غُسْل بضم الغين المعجمة وسكون السين المهملة، ومضاف إلى يوم وهو مضاف إلى الجمعة إضافة لامية، أي: الغسل ليومها أو لصلاتها، واجب على كل مُحْتَلِمٍ أي: مكلف، كَغُسْلِ الجنابة: أي: في الصفة والكيفية، لا في الوجوب.\nلكن هذا على رأي الجمهور: أنه سنة مؤكدة، وهذا قد رواه مالك موقوفًا، كما ترى على أبي هريرة ﵁.\nوقد حكى المنذر عنه وعن عمار بن يسار وغيرهما الوجوب الحقيقي وهو قول الظاهرية، ورواية عن أحمد، فلا يؤول قول أبي هريرة، لأنه مذهبه، قال في (التمهيد) (١): وقد رفعه رجل لا يُحتج به عن عبيد الله بن عمر، عن سعيد، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -.\n* * *\n_________\n(٦٠) صحيح، أخرجه: مالك (٢٢٨).\n(١) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٣٠٠).","vol":"1","page":144},{"text":"٦١ - أخبرنا مالك، أخبرني نافع أن ابن عمر كان لا يَرُوحُ إلى الجُمُعَةِ إلا اغتسل.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: أخبرنا مالك بن أنس، أخبرني نافع أن ابن عمر ﵄: كان لا يَرُوحُ إلى الجُمُعَةِ، أي: لا يريد الذهاب إلى صلاة الجمعة، إلا اغتسل، أي: وجوبًا أو استحبابًا.\n* * *\n\n٦٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، أن رجلًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - دخل المسجد يوم الجُمُعَةِ وعُمر بن الخطاب يخطُبُ الناسَ، فقال: أيَّةُ سَاعَةٍ هذه؟ فقال الرجل: انْقَلَبْتُ من السُّوقِ فسمعت النداءَ، فما زدْتُ عَلَى أنْ توضأتُ، ثم أقْبَلْت، قال عمر: والوُضُوء أيضًا؟ وقد علمتَ أن رسول الله - ﷺ - كان يأمُرُ بالغُسْل.\nقال محمد: الغسل أفضلُ يومَ الجُمُعَةِ، وليس بواجبٍ، وفي هذا آثارٌ كثيرة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، أخبرني، وفي نسخة: قال: ثنا الزهري، أي: ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، أي: عبد الله بن عمر بن الخطاب.\nقال السيوطي: ترك يحيى لفظ عن أبيه في موطئه، فذكره عن مالك مرسلًا، والصواب أن يذكره كما ذكره أصحاب الزهري عن سالم عن أبيه، أن رجلًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - يعني: عثمان بن عفان، ﵁، كما بيَّنه غير واحد، دخل المسجد\n_________\n(٦١) صحيح.\n(٦٢) صحيح، أخرجه: البخاري (٨٧٨)، ومسلم (٨٤٥)، والترمذي (٤٩٠)، وأحمد (٣١٤)، ومالك (٢٢٢)، والشافعي في المسند (٦٢)، (١١٦٨)، والبيهقي في الكبرى (١٤٤٤).","vol":"1","page":145},{"text":"يوم الجُمُعَةِ وعُمر بن الخطاب يخطُبُ الناسَ، جملة حالية، ولعل المعنى: وهو يريد أن يخطب، وفي رواية جويرية: أن عمر بينما هو قاىم في الخطبة إذ دخل رجل من المهاجرين الأولين من أصحاب رسول الله - ﷺ -، فناداه عمر منكرًا عليه: فقال: أيَّةُ سَاعَةٍ هذه؟ بفتح الهمزة وفتحها مشددة وتاء تأنيث، أي: يستفهم بها، والساعة: اسم لجزء من الزمان المقدر، ويطلق على الوقت الحاضر، وهو المراد هنا، وهو استفهام توبيخ وإنكار، كأنه يقول له: لما تأخرت إلى هذه الساعة، وقد ورد التصريح بالإِنكار في رواية أبي هريرة، بلفظ: فقال عمر: لم تُحبسون عن الصلاة؟\nوفي مسلم: تعرض به عمر فقال: ما بال رجال يتأخرون بعد النداء، قال الحافظ: والذي يظهر أن عمر قال ذلك كله، فحفظ بعض الرواة ما لم يحفظ الآخر، ومراد عمر التلميح أو الإِشارة إلى ساعات التبكير التي وقع الترغيب فيها، وأنها إذا وقعت انقضت صلاة الملائكة الصحف، وهذا من أحسن التعريفات (ق ٦٦) ووافق الكنايات.\nوفهم عثمان بن عفان ﵁، فبادر إلى الاعتذار عن التأخير، فقال الرجل: أي: عثمان بن عفان ﵁، اعتذارًا: انْقَلَبْتُ أي: رجعت من السُّوقِ هذا الزمان، وكان الصحابة يكرهون ترك العمل على مخالفة لليهود والنصارى، فإنهم بتركهم الأعمال يعظمون يوم السبت والأحد، كما ذكره السيوطي، فسمعت النداءَ، أي: الأذان بين يدي الخطيب، وفي رواية جويرية: إني شُغِلتُ فلم أنقلب، أي: لأهلي حتى سمعتُ التأذين، فما زدْتُ في التوقف ولم أشتغل بشيء بعد أن سمعت الأذان، عَلَى أنْ توضأتُ، أى: لضيق الوقت، ثم أقْبَلْت، أي: توجهت وجئت.\nقال عمر، إنكارًا آخر على ترك السنة المؤكدة، وهي: الغسل، والوُضُوء بالنصب، واخترت الوضوء دون الغسل، أيضًا، مصدر آض، أي: عاد ورجع، فهو مفعول مطلق، حذف عاملها وصاحبها، أي: ارجع إلى الأخبار ولا أقتصر على ما قدمت، أو حال حذف عاملها وصاحبها، أي: أخبر أيضًا فيكون حالًا من ضمير المتكلم، كما ذكره السيوطي.\nوالمعنى: اكتفيت بتأخير الوقت، وتفويت الفضيلة، حتى تركت الغسل، واقتصرت على الوضوء، أو بالرفع: على أنه مبتدأ خبره محذوف، أي: الوضوء أيضًا","vol":"1","page":146},{"text":"مقتصر عليه، والواو في الوضوء عاطفة، وهمزة الاستفهام الإِنكاري مقدرة بقرينة ما سبق، أي: ألم يكفك أن يفوتك فضل المبادرة إلى الجمعة، حتى أضفت إليه ترك الغسل، واخترت الوضوء والمناسب للمقام أن يكون التقدير ترجع ولا تقتصر بصيغة الخطاب ليلائم قول الخطاب. وقد أي: والحال أنك علمتَ أن رسول الله - ﷺ - كان يأمُرُ بالغُسْل، أي: أمرًا مؤكدًا يوم الجمعة لصلاتها أو مطلقًا.\nقال محمد: الغسل أفضل يومَ الجُمُعَةِ، وليس بواجبٍ، وفي هذا، أي: والحال ثبت في حق فضيلة الغسل يوم الجمعة، آثارٌ، أي: أحاديث كثيرة، كذا في جميع الروايات، ولم يذكر المصنف الأمور إلا في رواية جويرية بنت أسماء، عن نافع، عن ابن عمر، عند الطحاوي وغيره: أن عمر بن الخطاب، ﵁، قال: أما علمت أنا كنا نؤمر؟ وللطحاوي عن ابن عباس، أن ابن عمر قال: لقد علمت أنا أُمِرْنَا بالغسل، قلت: أنتم أيها المهاجرون الأولون أم الناس جميعًا؟ قال: لا أدري، رواته ثقات إلا أنه معلول.\nوفي رواية أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما أن عمر قال: ألم تسمعوا أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا راح أحدكم إلى الجمعة فليغتسل\" (١)، وهذا ظاهر في عدم تخصيص الغسل بالمهاجرين الأولين، ولم أقف في شيء من الروايات على جواب عثمان بن عفان، ﵁، عن ذلك، والظاهر: أنه سكت اكتفاءً بالاعتذار الأول؛ لأنه قد أشار إلى أنه كان زاهلًا عن الوقت، وأنه بادر عند سماع النداء وإنما ترك الغسل لأنه يعارض عنده إدراك سماع الخطبة، والاشتغال بالاغتسال، وكل منهما مرغب فيه، فآثر سماع الخطبة، ولعله كان يرى فرضيته فلذلك آثره.\nقال الحافظ: وفي هذا الحديث من الفوائد القيام في الخطبة على المنبر، وتفقد الإِمام رعيته، وأمره لهم بمصالح دينهم، وإنكاره على أهل الفضل، وإن كان عظيم المحل، ومواجهته (ق ٦٧) بالإِنكار ليرتدع من دونه بذلك، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أثناء الخطبة لا يفسدها، وسقوط الإِنصات عن المخاطب بذلك، والاعتذار إلى ولاة الأمور، وإباحة الغسل والتصرف يوم الجمعة قبل النداء ولو أفضى إلن ترك فضيلة البكور إلى الجمعة؛ لأن عمر لم يأمر برفع السوق لأجل هذه القضية.\n_________\n(١) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٣٠٢).","vol":"1","page":147},{"text":"واستدل به مالك على أن السوق لا يُمْنَع يوم الجمعة قبل النداء، لكونها كانت في زمان عمر، وذهب إليها مثل عثمان، وفيه شهود الفضلاء السوق ومعناه التجارة فيها، وأن فضيلة التوجه إلى الجمعة إنما تحصل قبل النداء.\nقال عياض: وفيه أن السعي إنما يجب بسماع الأذان، وأن شهود الخطبة لا يجب، وهو مقتضى قول أكثر المالكية.\nوتعقب بأنه لا يلزم من التأخير إلى سماع النداء فوات الخطبة، بل قول عثمان: ما زدتُ على أن توضأت، يشعر بأنه لم يفته شيء من الخطبة، كما قاله الزرقاني.\n* * *\n\n٦٣ - قال محمد: أخبرنا الربيع بن صَبِيح البَصْريُّ، عن الرَّقَاشِيَّ، عن أنس بن مالك، وعن الحسن البَصْري، كِلَاهما يَرْفَعُهُ إلى النبي - ﷺ - أنه قال: \"من توضأ يوم الجُمُعَةِ فبهَا ونِعمَتْ ومن اغتَسل فالغسل أفْضل\".\n• قال محمد: أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا الربيع بن صَبِيحٍ بفتح وكسر فيهما عن سعد؛ وفي نسخة: عن يزيد الرَّقَاشِيِّ، بفتح الراء، عن أنس بن مالك، وهو من أكابر الصحابة، وعن الحسن البَصْري، وهو من أجلاء التابعين، كِلَاهما يَرْفَعُهُ أي: الحديث، إلى النبي - ﷺ - فيكون من طريق الحسن: مرسلًا، وفي نسخة: يرفعان، نظرًا إلى معنى كلًا، وأفرد في الأولى وهو الأول نظرًا إلى لفظه، ومنه قوله تعالى في سورة الكهف: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ [الكهف: ٣٣]. يرفع كل واحد من أنس بن مالك، والحسن البصري الحديث، أشار المصنف إلى تحويل تقوية للحديث؛ بأن عطف بالواو، وقوله: عن الحسن البصري، على قوله عن أنس بن مالك.\n_________\n(٦٣) مرسل، أخرجه: الترمذي (٤٩٧)، والنسائي في المجتبى (١٣٧٩)، وابن ماجه (١٠٩١)، وأحمد (١٩٦٦٤)، والنسائي في الكبرى (١٦٨٤)، والطبراني في الكبير (٦٨١٧)، والأوسط (٤٥٢٥)، وأبو يعلى (٤٠٨٦)، والبيهقي في الكبرى (١٤٥١).","vol":"1","page":148},{"text":"وقال: أخبرنا سعيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، وعن الحسن البصري، أنه قال: من توضأ يوم الجُمُعَةِ فبهَا، أي: خيار الرخصة أخذ، ونِعمَتْ أي: هذه الخصلة، فقد ورد أن الله يحب أن تُؤتى رخصه، كما يحب أن تُؤتى عزائمه (١)، رواه أحمد وغيره، ومن اغتسل أي: يوم الجمعة، فالغسل أفْضل؛ لأنه سنة مؤكدة على أنه في النظافة أسهل.\nوالحديث رواه الترمذي، والنسائي عن قتادة مرفوعًا.\n* * *\n\n٦٤ - قال محمد: أخبرنا محمد بن أَبَان بن صالح، عن حمَّاد، عن إبراهيم النَّخَعِيِّ قال: سألتُهُ عن الغُسْلِ يوم الجُمُعَةِ والغُسْل من الحِجَامة، والغسلِ في العيديْن قال: إن اغتسلْتَ فَحسَنٌ، وَإنْ تركتَ فليس عليك، فقلت له: ألم يقل رسول الله - ﷺ -: \"من رَاحَ إلى الجُمُعَة فليغتسل\"، قال بلى: ولكن؛ ليس من الأمور الواجبة؛ إنما هو كقول الله جل وعز: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فمن أشْهَدَ فقد أحْسَنَ، ومن تَركَ فليس عليه، وكقول الله جل وعز ههنا: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠]، فمن انتشر فلا بأس، ومن جلس فلا بأس، قال حمّادٌ: ولقد رأيت إبراهيم النَّخَعِيِّ يأتي العيديْن وما يغتسل.\n• قال محمد: أخبرنا وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا محمد بن أبَان تصرف وتمنع، ابن صالح، عن حمَّادٍ، أي: ابن سليمان: كوفي تابعي، روى عنه شعبة، والثوري، وهو إسناد أبي حنيفة ﵀ في الحديث والفقه، عن إبراهيم النَّخَعِيِّ بفتحتين، نسبة إلى قبيلة باليمن. قال لي حماد: سألتُهُ أي: النخعي، عن الغُسْل يوم\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٥٨٣٢)، وابن حبان (٣٥٤)، وابن خزيمة (٢٠٢٧)، والطبراني في الكبير (١٠٠٣٠)، والأوسط (٥٣٠٢)، والبيهقي في الكبرى (٥٥١٦)، والشعب (٣٨٨٩).\n(٦٤) ضعيف، فيه محمد بن أبان، ضعفه أبو داود، وقال البخاري: ليس بالقوي، انظر: ميزان الاعتدال (٦/ ٤١).","vol":"1","page":149},{"text":"الجُمُعَةِ والغُسْل من الحِجَامة، أي: من أجلها حين فرغها، والغسلِ في العيديْن، أي: في حكمها وجوبًا واستحبابًا، قال: إن اغتسلْتَ فَحَسَنٌ، أي: في الكل، وإن كان حسن الغسل من الحجامة دون البقية، وَإنْ تركتَ، أي: الغسل في الجميع، ولو بلا ضرورة، فليس عليك، أي: لا عقاب؛ إذ ليس بواجب.\nفقلت له: ألم يقل رسول الله - ﷺ -: من رَاحَ إلى الجُمُعَةِ، أي: أراد الرواح إلى الجمعة، أي: صلاتها، فليغتسل، أي: وظاهر الأ مر الوجوب، ولا يصرف إلى غيره إلا بدليل، قال: أي: النخعي، بلى: أي: قال هذا الحديث (ق ٦٨) ولكن؛ ليس أي: مضمون قوله فليغتسل من الأمور الواجبة؛ أي: من الأمور الإِرشادية، وبقرينة ما سبق من الحديث، وإنما هو أمر بالغسل في الحديث للشفقة، إنما هو كقول الله جل وعز: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ولذا قيل: إنها أرجى آية من القرآن؛ لأنها تدل على كمال الرحمة؛ لئلا يقعوا في المخاصمة والمنازعة، فمن أشْهَدَ فقد أحْسَنَ؛ لأن أمره محمول على الاستحباب عند الجمهور، ومن تَرَكَ أي: الإِشهاد فليس عليه، أي: شيء من التبعة، وكقوله في سورة الجمعة: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠]، فإن أمره محمول على الإِباحة، بلا خلاف، فمن انتشر فلا بأس، أي: بفعله، ومن جلس فلا بأس، بل هو الأفضل، نظرًا إلى الاعتكاف في المسجد، وغيره من الفوائد.\nقال: حمّادٌ: ولقد رأيت إبراهيم النَّخَعِيِّ يأتي العيديْن أي: يحضر صلاته وما يغتسل، أي: لأجلها، أحيانًا بعذر أو بغير عذر، والله أعلم.\n* * *\n\n٦٥ - أخبرنا محمد بن أبَانَ: عن ابن جُريج، عن عطاء بن أبي رَبَاح، قال: كنا جلوسًا عند ابن عباس، فحضرتِ الصلاةُ - أي: الجمعة - فدعَا بَوضوءٍ فتَوضأ، فقال له بعض أصحابه: ألا تغتسل؟ قال: اليومُ يومٌ باردٌ، فتوضأ.\n_________\n(٦٥) ضعيف، من أجل محمد بن أبان، وقد تقدم حاله.","vol":"1","page":150},{"text":"• قال محمد: أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: قال الشيخ: هكذا في كتابي: محمد بن أبَانَ: عن ابن جُريج، بضم الجيم وفتح الراء والباء الساكنة بعد جيم مصغر، عن عطاء بن أبي رَبَاح، بفتح الراء كما سبق، قال: كنا جلوسًا أي: جالسين عند عبد الله بن عباس، ﵄، فحضرتِ الصلاةُ - أي: الجمعة - فدعَا بوضوءٍ بفتح الواو، فتَوضأ، فقال له أي: لابن عباس ﵄، بعض أصحابه: ألا تغتسل؟ أي: لصلاة الجمعة، وألا، بفتح الهمزة واللام المشددة: حرف تحضيض مختص بالجملة الفعلية الخبرية كسائر أدوات التحضيض، ومعناهما طلب الشيء بلين، والتحضيض طلب بحت، كقوله تعالى: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ كما في سورة النور [النور: ٢٢]، ولكن هنا أن تكون بمعنى العرض؛ لأن رتبة عبد الله بن عباس أعلى من رتبة أصحابه فطلب الأدنى من الأعلى رجاء، كما قاله ابن هشام، قال أي: ابن عباس: اليومُ يومٌ باردٌ، أي: فيترك السنة للعذر، فتوضأ، أي: ثبت على وضوئه عملًا بالرخصة.\nويمكن أن قوله: فتوضأ أولًا معناه: فأراد الوضوء أو أعاد الثاني للتأكيد أو لطول الفصل، ولا يبعد أن يكون توضأ الأول من زوائد النساخ فتأمل.\n* * *\n\n٦٦ - أخبرنا سلَّام بن سُلَيْمِ الحَنَفِيُّ، عن منصور، عن إبراهيم، قال: كان علقمة بن قيس إذا سافر لم يصلِّ الضُّحَى، ولم يغتسل يوم الجمعة.\n• قال محمد: أخبرنا وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا سَلَّام بتشديد اللام، ابن سُلَيْم بالتصغير، أبو الأحوص الحَنَفيُّ (١)، أي: منسوب إلى أبي حنيفة بحذف المضاف والزوائد عن منصور، وهو من أكابر التابعين، روى عنه الثوري وغيره، عن إبراهيم، أي: النخعي، قال: كان علقمة بن قيس أحد أجلاء التابعين، إذا سافر لم\n_________\n(٦٦) إسناده صحيح.\n(١) انظر: التقريب (١/ ٢٣٦).","vol":"1","page":151},{"text":"يصلِّ الضُّحَى، أي: صلاة الضحى فإنها مستحبة، وقد تصدق الله عن المسافرين بعض الفرض فكيف بالسنة، وقيل: إذا كان في المنزل، فالأولى أن يأتي بها، وإذا سافر فلا، وهو تفصيل حسن، وجمع مستحسن، ولم يغتسل يوم الجمعة، إما لقلة الماء، أو لتعب السفر، أو لاعتقاده أنه كصلاة الجمعة، وهي ليست على المسافر.\n* * *\n\n٦٧ - قال محمد: أخبرنا سفيان الثَّوْرِيّ، قال: حدثنا منصور، عن مجاهد، قال: من اغتسلَ بعد طلوع الفجر أجْزأه عن غُسل الجُمُعَةِ.\n• قال محمد: أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، يرمز (ق ٦٩) إلى حدثنا سفيان الثَّوْرِيّ (١) وهو ابن سعيد الكوفي، أحد الأئمة المجتهدين، وأقطار الإِسلام، وأركان الدين، جمع بين الفقه والحديث والزهد والورع والعبادة، ولد في أيام سليمان بن عبد الملك بن مروان، سنة تسع وتسعين، وسمع خلقًا كثيرًا، وروى عنه: الأوزاعي، وابن جريج، ومالك، وشعبة، وابن عيينة، وفضيل بن عياض، وغيرهم، مات بالبصرة سنة إحدى وستين ومائة، قال: حدثنا منصور، عن مجاهد، وهو ابن جبر، بفتح الجيم وسكون الموحدة، من الطبقة الثانية من تابعي مكة وفقهائها وقرائها المشهورين، وأعلامها المعروفين، كان إمامًا في القراءة، مات سنة مائة.\nقال: من اغتسلَ بعد طلوع الفجر أجْزأه عن غُسل صلاة الجُمُعَةِ.\nظاهره أنه أراد الغسل لليوم، سواء صلى للجمعة به أم لا، والمعتمد عندنا: أن الغسل للصلاة، حتى لو اغتسل قبل الفجر وصلى الجمعة به، خرج عن عهدة السنة على أنه يلزم من أنه لليوم جواز الغسل ولو بعد صلاة الجمعة، وهو بعيد جدًا.\nوسبب الورود الآتي يؤيد مختار ما. . .\n* * *\n_________\n(٦٧) إسناده صحيح.\n(١) انظر: التقريب (١/ ٢١٦).","vol":"1","page":152},{"text":"٦٨ - قال محمد: أخبرنا سفيان الثوري، عن عبَّاد بن العوَّام، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن عَمْرَة، عن عائشة، قالت: كان الناس عُمَّال أنْفُسِهِمْ، فكانوا يَرُوحُونَ إلى الجُمُعَةِ بهيئاتهِمْ، فكان يقال لهم: لو اغتسلتم؟.\n• قال محمد: أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا سفيان الثوري، عن عبَّاد بن العوَّام (١)، بتشديد الموحدة والواو أيضًا، وفي نسخة: حدثنا يحيى بن سعيد، وقد مر ذكره، عن عَمْرَة، بفتح أوله تأنيث عمر، ولم يكتب الواو لعدم الالتباس، وهي بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة، وكان في حجر عائشة أم المؤمنين، وتربيتها وروت عنها كثيرًا من حديثها وغيرها، وروى عنها جماعة ماتت سنة ثلاث ومائة.\nوفي نسخة: عروة، بدلها، وهو تصحيف، عن عائشة، ﵂، أنها قالت: كان الناس عُمَّال أنْفُسِهِمْ، بضم العين وتشديد الميم، أي: كان المهاجرين والأنصار يعملون أعمالًا لأنفسهم، لا لغير من أمر الزراعة والبناء وغيرهما، فكانوا يَرُوحُونَ إلى الجُمُعَةِ، أي: يذهبون إلى صلاتهم بهيئاتهِمْ، أي: بصفتهم المعتادة حال صنيعتهم من غير غسل، ولا استعمال طيب، ولا تغيير ثوب، فكان يقال لهم: أي: فيما بينهم: لو اغتسلتم؟؛ أي: لكان حسنًا، ويحتمل أن يكون كلمة لو للتمني، والأظهر أن هذا كان من مقالته - ﷺ - لهم.\nوقد أخرج أبو داود (٢) عن عكرمة: أن ناسًا من أهل العراق جاءوا فقالوا: يا بن عباس، أترى الغسل يوم الجمعة واجبًا؟ فقال: لا، ولكنه طهور وخير لمن اغتسل، ومن لم يغتسل فليس عليه بواجب، وسأخبركم كيف بدأ الغسل:\n_________\n(٦٨) صحيح، أخرجه: البخاري (٨٦١)، ومسلم (٨٤٧)، وأبو داود (٣٥٢)، وأحمد (٢٣٨١٨)، والنسائي في الكبرى (١٦٨٢)، وابن حبان (١٢٣٦)، وابن أبي شيبة (٢/ ٥)، وابن خزيمة (١٧٥٣)، والشافعي في المسند (٨٢٩)، والبيهقي في الكبرى (٥٧٦٣).\n(١) انظر: التقريب (١/ ٢٧٣).\n(٢) أخرجه: أبو داود (٣٥٣)، والبيهقي في الكبرى (١٤٤٣).","vol":"1","page":153},{"text":"كان الناس مجهودين يلبسون الصوف، ويحملون على ظهورهم، فكان مسجدهم ضيقًا، متقارب السقف؛ إنما هو عريش، فخرج رسول الله - ﷺ - في يوم حار، وعرق الناس في ذلك الصوف حتى ثارت بينهم رياح، حتى آذى بعضهم بعضًا، فلما وجد رسول الله - ﷺ - تلك الرياح، قال: \"يا أيها الناس؛ إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا، وليمس أحدكم مثل ما يجده من دهنه وطيبه\".\n(ق ٧٠) قال ابن عباس: ثم جاء الله بالخير، ولبسوا غير الصوف، وكفوا العمل، ووسعوا مسجدهم، وذهب بعض الذي كان يؤذي بعضهم من العرق، فهذا يشير إلى أن الغسل كان واجبًا، كما ذهب إليه مالك، ثم صار سنة كما ذهب إليه الجمهور، والله أعلم.\nولما أتم ما يتعلق بغسل يوم الجمعة، شرع فيما يتعلق بالاغتسال في يوم العيدين، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>باب في بيان أحكام الاغتسال في يوم العيدين</span>\nأحكام الاغتسال في يوم العيدين، وهما الفطر والأضحى على خلاف في أنه غسله للصلاة، ولليوم، كما تقدم في يوم الجمعة، والعيد مشتق من العود؛ لتكرره كل عام؛ أو لعود السرور بعوده، أو لكثرة عوائد الله تعالى على عباده فيه، وجمعه أعياد بالياء، وإن كان أصله بالواو، وللزومها في الواحد وللفرق بينه وبين عود.\n٦٩ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن ابن عمر كان يغتسلُ قبل أن يَغْدُوَ إلى العيد.\n• أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا مالك، وفي نسخة: أنبا مشيرًا إلى أخبرنا مالك بن أنس، حدثنا، وفي نسخة: قال: أنبا نافع، أن ابن عمر ﵄، كان يغتسلُ قبل أن يَغْدُوَ إلى العيد، أي: يذهب إلى مصلاه، وهو يحتمل أنه\n_________\n(٦٩) صحيح الإسناد، أخرجه: مالك (٤١٥).","vol":"1","page":154},{"text":"اغتسل قبل الفجر وبعده، والمراد بالعيد، جنسه الشامل للعيدين، ولا يبعد أن يراد به العهد، ويحتمل على عيد الأضحى، وهو العيد الأكبر فتدبر.\n* * *\n\n٧٠ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن ابن عُمر، أنه كان يغتسل يوم الفطر قبل أن يَغْدُوَ.\nقال محمد: الغسل يوم العيد حَسَن، وليس بواجب، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• محمد قال: ثنا مالك، أخبرنا وفي نسخة: قال: ثنا نافع، عن ابن عُمر، أنه كان يغتسل يوم الفطر وهو الأفضل، إذا صلى به للجمع الأكمل، قبل أن يَغْدُوَ، أي: يقبل أن يذهب إلى المصلى.\nقال محمد: الغسل يوم العيد حَسَن، أي: سنة مؤكدة، وليس بواجب، وهو قولُ أبي حنيفة، ﵀.\nبعد ذكره ما يتعلق باغتسال يوم العيدين، ولا يعرف خلاف كغيره، لما ذكر الطهارة بالماء، شرع بما يقوم مقام الماء، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>باب في بيان أحكام التيمم بالصعيد</span>\nالتيمم: هو القصد لغة، ولهذا اعتبر النية عندنا بخلاف الوضوء والغسل؛ ولأن الماء بطبعه مطهر، والتراب مغير، والمراد بالصعيد: وجه الأرض لغة.\nوفي الشرع: كل ما يكون من جنس الأرض، ولا يذب، ولا يرمد، وهو قول أبي حنيفة، وزاد مالك فقال: الصعيد طاهر؛ لقوله تعالى في سورة المائدة: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦]، وروى البخاري ومسلم (١) عن حذيفة بن اليمان،\n_________\n(٧٠) صحيح الإسناد.\n(١) أخرجه: مسلم (٥٢٢).","vol":"1","page":155},{"text":"﵁، أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"فُضِّلْنَا على الناس - أي: على الأمم السابقة - بثلاث خصال، لم يكن لهم واحدة منها: جُعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجُعِلَت لنا الأرض كلها مسجدًا، ولم يجز لهم أن يصلوا إلا في كنائسهم ومعبدهم، وجعلت تربتها - أي: تراب الأرض - لنا طهورًا، أي: مطهرًا، إذا لم نجد الماء، ولم يجز للأمم المتقدمة\"، كما قاله ابن الملك في (شرح المصابيح).\n٧١ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع: أنه أقبل هو وعبد الله بن عمر من الجُرُف؛ حتى إذا كانا بالمِرْبَدِ، نزل عبد الله بن عُمر، فتيمم صعيدًا طيبًا؛ فمسح بوجهه ويديه إلى المِرْفَقَيْنِ، ثم صلى.\n• أخبرنا وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا مالك، أخبرنا، وفي نسخة: قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا نافع: أنه أي: نافع، أقبل هو ضمير تأكيد للمستتر ليصح العطف عليه بقوله: وعبد الله بن عمر من الجُرُف؛ بضم الجيم فسكون، أو بضمتين، وبالفاء: موضع على ثلاثة أميال من المدينة من جانب الشام حتى إذا كان أي: ابن عمر، (ق ٧١) وفي نسخة: إذا كانا بالبناء المثنى، أي: إذا انتقل نافع وابن عمر بالمِرْبَدِ، وهو بكسر الميم وسكون موحدة مفتوحة ومهملة: موضع بقرب المدينة نحو ميل، كما في (المصباح)، وهو أيضًا موضع التمر، وكان الظاهر أن يقول: حتى إذا كنا بالمربد، نزل عبد الله بن عُمر، فتيمم صعيدًا طيبًا؛ أي: ترابًا ظاهرًا، فمسح بوجهه، أي: بضربة، ويديه بأخرى، لما رواه الحاكم والدارقطني عن ابن عمر: التيمم ضربتان، ضربة لوجهه وضربة ليديه، إلى المِرْفَقَيْنِ، أي: معهما، وهو قول أبي حنيفة، والجديد من قول الشافعي، وعن مالك وأحمد إلى المرفقين مستحب، وإلى الكوعين: جائز، وكأنهما نظرا إلى إطلاق الآية.\nوالكوع، بالضم: طرف الزند، الذي يلي الإِبهام، كذا في الأختري.\nوحكي عن الزهري المسح إلى الآباط؛ لشمول اليد إياها عند الإطلاق لغة، ثم صلى، ومن الأدلة لمذهبنا ما رواه الحاكم والدارقطني عن جابر أنه - ﷺ - قال: \"التيمم\n_________\n(٧١) صحيح الإسناد.","vol":"1","page":156},{"text":"ضربة للوجه وضربة للذراعين إلى المرفقين\" (١). قال الحاكم: صحيح الإِسناد، وقال الدارقطني: رجاله كلهم ثقات، كما قاله علي القاري.\nويصح التيمم بشروط ثمانية:\nالأول: النية؛ لأن التراب ملوث فلا يصير مطهرًا إلا بالنية، والماء: خلق مطهرًا، ووقت النية به عند ضرب يده على ما يتيمم به، وهي عقد القلب، أي: قصده على إيجاد العقل جزمًا، وللنية في حد ذاتها شروط لصحتها.\nوشروط صحة النية على ثلاثة أقسام: الأول: الإِسلام، ليصير الفعل سببًا للثواب ومحروم منه، والثاني: التمييز، لفهم ما يتكلم به. والثالث: العلم بما ينويه ليعرف حقيقة المنوي.\nويشترط صحة نية التيمم للصلاة، فتصح به أحد ثلاثة أشياء: إما نية الطهارة من الحدث القائم، ولا يشترط لتعيين الجنابة من الحدث فتكفي فيه الطهارة؛ لأنها شرعت للصلاة، أو نية استباحة الصلاة؛ لأن إباحتها برفع الحدث، فيصح بإطلاق النية، وبنية رفع الحدث؛ لأن التيمم رافع له كالوضوء، أو بنية عبادة مقصودة، لا يصح بدون طهارة، فيكون المنوي إما صلاة، أو جزء للصلاة في حد ذاته، كقوله: نويت التيمم، أو لصلاة الجنازة، أو لسجدة التلاوة، أو لقراءة القرآن، وهو جنب، أو نوته لقراءة بعد انقطاع حيضها، أو نفاسها؛ لأن كلًا منهما لا بد له من الطهارة.\nوهو عبادة؛ فلا يصلي بالتيمم إلا إذا نوى به فقط، أي: مجردًا من غير ملاحظة شيء مما تقدم، أو نوى التيمم لقراءة القرآن ولم يكن جنبًا.\nالثاني: من شروط صحة التيمم: العذر المبيح، كبعد الشخص عن ماء مطهر، ولو كان بعده في المطر ميلًا، وهو ثلث فرسخ بغلبة الظن، وهو المختار للحرج بالذهاب إلى هذه المسافة، وما شرع التيمم إلا لرفع الحرج، وثلث الفرسخ: ٤ آلاف خطوة، وهو ذراع بذراع العامة، فيتيمم لبعده ميلًا عن ماء، ومن العذر المبيح للتيمم: مرض يخاف منه اشتداد المرض أو بطء البرء.\n_________\n(١) أخرجه: الدارقطني (١/ ١٨١)، والبيهقي في الكبرى (١٠٣١).","vol":"1","page":157},{"text":"ومن الأعذار: برد يخاف منه لغلبة الظن، التلف لبعض الأعضاء، والمرض إذا كان خارج المصر.\nومن الأعذار: خوف عدو آدمي أو غيره.\nومن الأعذار: عطش (ق ٧٢)، سواء خافه حالًا ومالًا على نفسه أو رفيقه في القافلة أو دابته، ولو كلبًا؛ لأن المعد للحاجة كالمعدوم.\nومن الأعذار: خوف فوت صلاة جنازة، أو خوف فوت صلاة عيد، ولو اشتغل بالوضوء، وليس من العذر المبيح للتيمم: خوف فوت الجمعة، وخوف فوت الوقت، لو اشتغل بالوضوء؛ لأن الظهر يُصلى بفوت الجمعة، وتقتضي الفائتة، فلهما خلف.\nالثالث: من الشروط الثمانية لصحة التيمم: أن يكون المُتَيَمَّمُ به طاهرًا طيبًا؛ وهو الذي لم يمسه نجاسة، ولو زالت بذهاب أثرها.\nالرابع: من الشروط الثمانية لصحة التيمم: استيعاب المحل بالمسح.\nالخامس: من الشروط الثمانية لصحة التيمم: أن يمسح بجميع اليد، أو بأكثرها حتى لو مسح بإصبعين، لا يجوز كما في (الخلاصة)، ولو كرر حتى استوعب، بخلاف مسح الرأس، كذا في (سراج الوهاب).\nالسادس: من الشروط الثمانية لصحة التيمم: أن يكون التيمم بضربتين بباطن الكفين ولو كان الضربتان في مكان واحد على الأصح.\nالسابع: من الشروط الثمانية لصحة التيمم: انقطاع ما ينافيه، من حيض ونفاس، أو حدث، كما هو شرط أصله.\nالثامن: من الشروط الثمانية لصحة التيمم: زوال ما يمنع المسح على البشرة، كشمع وشحم، لأنه يصير به المسح عليه، لا على الجسد.\nكما بيناه في (سلم الفلاح) شرح (نور الإِيضاح) و(نجاة الأرواح).\n* * *","vol":"1","page":158},{"text":"٧٢ - أخبرنا مالك، أخبرني عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: أنها قالت: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في بعض أسْفَارِهِ، حتى إذا كانا بالبَيْدَاء - أو بِذَاتِ الْجَيْش - انقطع عِقْدِي، فأقام رسول الله - ﷺ - على الْتِمَاسِه، وأقام الناسُ، ولَيْسُوا على ماء، وليس معهم ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر، فقالوا: ألا تَرَى إلى ما صنَعَت عائشةُ؛ أقَامتْ برسول الله - ﷺ -، وبالناس، ولَيْسُوا على ماءٍ، وليس معهم ماء؟ فجاء أبو بكر، ورسول الله - ﷺ - وَاضعٌ رأسَه على فَخِذِي؛ قد نام، فقال: حَبَسْتِ رسول الله - ﷺ - والناس، ولَيْسُوا على ماء، معهم ماء؟ قالتْ: فعاتبني، وقال ما شاء الله أن يقولَ، وجعل يَطْعنني بَيدهِ في خَاصِرَتي، فلا يَمْنَعُني من التحرُّك إلا رسول الله - ﷺ - على فَخِذِي، فقام رسول الله - ﷺ - حتى أصبحَ على غير ماء، فأنزل الله ﷿ آيةَ التيمم، ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦]، قال أسَيْد بن حُضَيْرِ: ما هي بأوّلِ بَرَكَتِكُمْ يا آل أبي بكر، قال: وبَعَثْنَا البعيَر الذي كنتُ عليه، فوجَدْنَا العِقْدَ تحته.\nقال محمد: وبهذا نأخُذُ، والتيمم ضربتا يَدٍ: ضربةٌ للوجهِ، وَضَرْبَةٌ لليدين، إلى المرفقين وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا يرمز إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: أنبا يرمز إلى أخبرنا مالك بن أنس، أخبرني بالإِفراد، وفي نسخة قال: عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، أي: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، ﵁، أحد الفقهاء السبعة المشهورين، بالمدينة، من أكابر التابعين، روى عنه جماعة منهم: مالك وسماك بن حرب، وأيوب، والزهري، وحميد الطويل، والسفيانان، وخلق وكان ثقة جليلًا. قال ابن عيينة: كان أفضل زمانه، مات بالشام سنة ست وعشرين ومائة، وقيل\n_________\n(٧٢) صحيح، أخرجه: البخاري (٣٦٧٢)، (٤٦٠٧)، ومسلم (٣٦٧)، وأبو داود (٣٢٠)، والنسائي (٣١٠)، وأحمد (٢٤٩٢٧)، ومالك (١٢٢).","vol":"1","page":159},{"text":"بعدها، عن عائثسة، أم المؤمنين، ﵂، أنها قالت: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في بعض أسْفَارِهِ، قال في التمهيد: يقال: إنها غزوة بني المصطلق، في سنة ست، وقيل: خمس، وجزم بذلك في (الاستذكار)، وسبقه ابن سعد وابن حبان، وغزوة بني المصطلق: هي غزوة المريسيع، وفيها وقعت قصة الإِفك لعائشة ﵂، وكان ابتداء ذلك، وسببه وقوع عقدها أيضًا، فإن كان ما جزموا بان ثابتًا حمل على أنه سقط منها في ذلك السفر مرتين، لأجل اختلاف القصتين كما هو بين في سياقهما، وذهب جماعة إلى تعدد ضياع العقد، وإن هذه كانت بعد قصة الإِفك، محتجين بما رواه الطبراني عن عائشة: لما كان من أمر عقدي ما كان، وقال أهل الإِفك ما قالوا، خرجتُ مع رسول الله - ﷺ - في غزاة أخرى فسقط أيضًا عقدي، حتى حبس الناس على التماسه، فقال أبو بكر الصديق، ﵁: يا بنية في كل مرة تكونين عنا وبالًا على الناس، فأنزل الله آية التيمم.\nفقال أبو بكر: إنك لمباركة، ففيه التصريح بأن ضياع العقد كان مرتين في غزوتين، وبذلك جزم محمد بن حبيب الأخبار فقال: سقط عقدها في غزوة بني المصطلق، وفي ذات الرقاع، واختلف أهل المغازي في أيهما كانت أولًا.\nروى ابن أبي (ق ٧٣) شيبة (١): عن أبي هريرة: لا نزلت آية التيمم، لم أدر كيف أصنع، ففيه دليل على تأخرها عن غزوة بني المصطلق؛ لأن إسلام أبي هريرة كان في السابعة، وهي بعدها بلا خلاف.\nحتى إذا كانا بالبَيْدَاء بفتح الموحدة، وسكون التحتية، والدال الممدودة، وهي الصحراء، والمراد به الشرف الذي قدام ذي الحليفة، من طريق مكة، أو بِذَات الْجَيْش، كلمة \"أو\" للشك من عائشة، ﵂، كما قاله الحافظ: وهي بفتح الجيم وسكون الياء التحتية والشين المعجمة: موضع على بريد من المدينة، وبينها وبين العقيق ستة أميال. قال أبو عبيد البكري في (معجمه): العقيق من طريق مكة، لا من طريق خيبر، كما قاله الزرقاني.\n_________\n(١) أخرجه: ابن أبي شيبة (١/ ١٨٥).","vol":"1","page":160},{"text":"انقطع عِقدِي، بكسر أوله: وهو كل ما يعقد ويعلق به في العنق، ويسمى قلادة، وكان من جزع ظفار على ما ذكره السيوطي، والجزع، بفتح الجيم وسكون الزاي، خرز فيه بياض وسواد، الواحد جزعة كتمر وتمرة، وكذا في (المصباح)، وظفار كقطا، اسم مدينة باليمن، كذا في (النهاية).\nقيل: اشتقاقه من الجزع بفتحتين، ولذا كانت ملوك حمير لا تدخل الجزع خزائنها، ولا تقلد شيئًا ولا تختم به.\nوفي (القاموس): الجزع بكسر الخرز اليماني العيني، فيه سواد وبياض شبه العين، والتختم به: يورث الهم والحزن، والأحلام المفزعة، ومخاصمة الناس، وإن لف به شعر مسعر ولدت من ساعتها .. انتهى.\nوكان العقد ملكًا لأسماء بنت أبي بكر الصديق، ﵂، استعارته منها عائشة، وكان ثمنه اثنى عشر درهمًا، فأقام رسول الله - ﷺ - أي: توقف فسأل على الْتِمَاسِه، أي: لأجل طلبه، وأقام الناسُ، أي: تبعًا له - ﷺ -، ولَيْسُوا على ماء، أي: والحال أنهم ليسوا على بير أو عين، والحال: وليس معهم ماء نقية، إشارة إلى ترك إضاعة المال، واعتنى الإِمام بحفظ حقوق المسلمين، ويلحق بتحصيل الضايع، والإِقامة لإِلحاق المنقطع، ودفن الميت، ونحو ذلك من مصالح الناس، واستدل به على جواز الإِقامة في مكان لا ماء فيه، وسلوك طريق لا ماء فيها.\nونظر فيه الحافظ: بأن المدينة كانت قريبة منهم، وهم على قصد دخولها، قال: ويحتمل أن رسول الله - ﷺ - لم يعلم بعدم الماء مع الركب، وإن علم أن المكان لا ماء فيه، ويحتمل أن قوله: ليس معهم ماء، أي: للوضوء، وإما للشرب، فيحتمل أنه معهم، والأول محتمل لجواز المطر، أو نبع الماء من بين أصابعه - ﷺ -، كما وقع في مواطن أخرى.\nفأتى الناس إلى أبي بكر الصديق، أي: شاكيًا من الإِقامة، فقالوا: ألا تَرَى الهمزة للاستفهام، إلى ما صنَعَت عائشهُ؛ ﵂؟ أقَامَتْ برسول الله - ﷺ -، وبالناس، ولَيْسُوا على ماءٍ، وليس معهم ماء؟ أسند الفعل إليها، لأنه كان بسببها، وفيه شكوى عن المرأة إلى أبيها، وإن كان لها زوج، وكأنهم إنما شكوا لأنه - ﷺ - نائم وكانوا لا يوقظونه.\nقال ابن حجر: وخافوا تغيظه، لشدة محبة المصطفى لها، كما قاله الزرقاني عن","vol":"1","page":161},{"text":"بعض شيوخه. قالت: أي: عائشة، ﵂، كما في (الموطأ) لمالك: فجاء أبو بكر الصدِّيق، ﵁ وكان رسول الله - ﷺ - وَاضعٌ رأسَه على فَخِذِي؛ بالذال المعجمة وبالياء للمتكلم، قد نام، أي: (ق ٧٤) والحال أنه - ﷺ - قد نام على فخذي، وفيه جواز دخول الرجل على بنته، وإن كان زوجها عندها، إذا علم رضاء ذلك، ولم يكن حالة مباشرة، فقال: أي: أبي بكر الصديق توبيخًا لي: يا عائشة حَبَسْتِ على بناء المفرد المخاطبة، أي: منعتِ رسول الله - ﷺ - والناس عن السير، ولَيْسُوا على ماء، وليس معهم ماء؟ وفيه ضرر شديد، قالتْ: أي: عائشة ﵂، فعاتبني، أي: أبو بكر الصديق ﵁، ولم تقل فعاتبني أبي؛ لأن قضية الأبوة رحمة وشفقة.\nوالعتاب بالقول، والتأديب بالفعل مغاير لذلك في الظاهر فأنزلته؛ أي: أبا بكر منزلة الأجنبي، وقال أبو بكر ما شاء أن يقولَ، أي: وما مصدرية بمعنى الوقت، يعني: قال أبو بكر وقت مشيه تكلمه في العتاب بعائشة، وفيه دلالة على أن أحدًا لا يقول خير إلا بتوثيق الله ولا شرًا إلا بخذلان الله، فإنهم يدعون أن العبد مستقل؛ أي: في فعله، وهو ليس كذلك، بل الأقوال والأفعال كلها بخلق الله تعالى، كما قال الله تعالى في سورة الصافات: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦].\nوجعل، أي: شرع أبو بكر الصديق، حال كونه يَطْعنني بيَدهِ وهو بضم العين، وكذا جميع ما هو حِسِّي، وأما المعنوي فيقال: يطعن بالفتح، هذا هو المشهور فيهما.\nوحكى فيهما معًا الفتح والضمِ، ذكره في (المصباح)، طعن بالرمح كنصر وطعن فيه، والمعنى: يضربني بيده في خَاصِرَتي، أي: جنبي، بحيث إنه زائل عني راحتي، وفيه تأديب الرجل بنته، ولو متزوجة كبيرة خارجة عن بيته، ويلحق به تأديب من له تأديبه، ولو لم يأذن الإِمام، فلا يَمنَعُني من التحرُّك: الاستقرار إلا رأس رسول الله - ﷺ - على فَخِذِي، وفيه استحباب، بمعنى بيان الصبر، لمن قاله ما يوجب الحركة ويحصل به التشويش لنائم، وكذا المصلي، وقارئ مشتغل بعلم أو ذكر، فنام رسول الله - ﷺ - حتى أصْبحَ، إلى أن ينتهي إلى الصباح، على غير ماء متعلق بنام، وأصبح متنازعًا فيه، هكذا الرواية في (الموطأ)، حتى وهي رواية مسلم عن يحيى والبخاري في فضل أبي بكر عن قتيبة، كليهما عن مالك، ورواه في التيمم عن عبد الله بن يوسف بلفظ حين بتحتية ونون. قال الحافظ: ومعناهما متقارب؛ لأن كلًا منها يدل على أن قيامه من نومه كان عند الصبح.","vol":"1","page":162},{"text":"وقال بعضهم: ليس المراد بقوله حتى أصبح بيان غاية النوم إلى الصباح، بل بيان غاية فقد الماء إلى الصباح؛ لأن قيد الغاية بقوله: على غير ماء، أي: أمره إلى أن أصبح على غير ماء.\nوأما رواية عمرو بن الحارث، فلفظه: ثم إن النبي استيقظ وحضرت الصبح، فإن أغربت الواو حالته، كان دليلًا على أن الاستيقاظ وقع حال وجود الصبح، وهو الظاهر.\nواستدل به على الرخصة في ترك التهجد في السفر، إن ثبت أنه كان واجبًا عليه، وعلى أن طلب الماء لا يجب إلا بعد دخول الوقت، لقوله في رواية عمرو بعد قوله: فحضرت الصبح فالتمس الماء فلم يوجد، فأنزل الله تعالى آية التيمم.\nقال ابن العربي: هذه (ق ٧٥) معضلة ما وجدت لذاتها من ذوي الأنام، لا نعلم أي الآيتين عنت عائشة. وقال ابن بطال: هي آية النساء والمائدة.\nوقال القرطبي: هي آية النساء؛ لأن آية المائدة تسمى آية الوضوء، وآية النساء لا ذكر للوضوء فيها.\nوأورد الواحدي في (أسباب النزول) هذا الحديث عند ذكر آية النساء، وقال الحافظ (١): وخفى على الجميع ما ظهر للبخاري أنها آية المائدة بلا تردد؛ لرواية عمرو بن الحارث عن عبد الرحمن بن القاسم عند البخاري في التفسير؛ أنه قال فيها: فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ ...﴾ [المائدة: ٦].\nوقال: واستدل به على أن الوضوء كان واجبًا قبل نزول الآية، ولذا استعظموا نزولهم على غير ماء، ووقع من أبي بكر في حق عائشة ما وقع.\nقال ابن عبد البر: معلوم عند جميع أهل المغازي أنه - ﷺ - لم يصل حين فرضت الصلاة إلا بوضوء، ولا يدفع ذلك إلا جاهل أو معاند.\nقال: وفي قولها: آية التيمم، إشارة إلى أن الذي طرأ إليهم من العلم حينئذ حكم التيمم لا الوضوء. وقال: والحكمة في نزول آية الوضوء مع ما تقدم العمل به ليكون فرضه متلوًا بالنزول.\n_________\n(١) انظر: فتح الباري (١/ ٤٣٤).","vol":"1","page":163},{"text":"وقال غيره: يحتمل أن أول آية الوضوء نزل قديمًا فعلموا به، ثم نزل بقيتها، وهو ذكر التيمم في هذه القصة وإطلاق آية التيمم على هذا من قبيل إطلاق الكل على البعض، كما قاله الزرقاني.\n﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ أي: النبي - ﷺ - وأصحابه، وفي نسخة: فتيممنا، أي: نحن جميعًا، قال أسَيْد بن حُضَيْرِ: بضم الهمزة، وفتح السين المهملة وسكون التحتية والدال المهملة، ابن حُضَيْرِ؛ بضم الحاء المهملة وفتح الضاد وسكون التحتية، والراء المهملة: تصغير فيهما، وهو أوسي، أنصاري، شهد العقبة، وبدرًا وما بعدها من المشاهد، روى عنه جماعة من الصحابة، ومات بالمدينة سنة عشر ودفن بالبقيع. ما هي أي: هذه البركة التي حصل منها هذه الرخصة، بأوّلِ بَرَكَتِكُمْ أريد بها الجنس، أي: ليست هذه البركة بأول بركة من بركاتكم، بل هي مسبوقة بغيرها من البركات يا آل أبي بكرٍ، والمراد بأبي بكر نفسه وأهله وأتباعه، وفي (تفسير إسحاق): أن النبي - ﷺ - قال لها: \"ما كان أعظم بركة قلادتك\"، وفي رواية عمرو بن الحارث: \"لقد بارك الله فيكم\".\nوللبخاري من وجه آخر، فقال أسيد لعائشة: جزاك الله خيرًا، فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه، إلا جعل الله ذلك لك وللمسلمين فيه خيرًا.\nوفي لفظٍ له: إلا جعل الله لك منه مخرجًا، وجعل للمسلمين منه بركة، وإنما قال ذلك أسيد دون غيره؛ لأنه كان رأس من بعث في طلب العقد الذي ضاع، قالت: أي: عائشة، فبَعَثْنَا وفي نسخة بالواو، فأقمنا البعير الذي كنتُ راكبة عليه، فوجَدْنَا العِقْدَ تحته، أي: تحت البعير، هذا ظاهر في أن الذين توجهوا في طلبه أولًا لم يجدوه.\nوفي رواية عائشة في البخاري: فبعث رسول الله - ﷺ - رجلًا فوجدها، أي: القلادة.\nوللبخاري ومسلم: فبعث ناسًا من أصحابه في طلبها.\nولأبي داود: فبعث أسيد بن حضير وناسًا معه.\nوطريق الجمع بين هذه الروايات: أن أسيد بن حضير كان رأس من بُعِثَ لذلك (ق ٧٦)، فلذا سُمِّيَ في بعض الروايات دون غيرها، وأسند إلى واحد منهم في رواية دون غيره، وهو المراد كأنهم لم يجدوا العقد أولًا، فلما رجعوا ونزلت الآية، وأرادوا الرحيل،","vol":"1","page":164},{"text":"وأثاروا البعير وجده أسيد، فقوله في رواية عروة: فوجدها، أي: بعد جميع ما تقدم من التفتيش وغيره. وقال الثوري: يحتمل أن فاعل وحدها: النبي - ﷺ -، كما قاله الزرقاني.\nقال محمد: وبهذا نأخُذُ، أي: نعمل ونفتي، والتيمم ضربتا يَدٍ، أي: وضعتان للوجه، أي: لمسحه والاستيعاب فرض، وَضَرْبَةٌ لليدين إلى المرفقين، وهو أي: الضرب لكل واحد منهما مع النية للعبادة، قولُ أبي حنيفة، ﵀، وأصحابه.\nما الحكمة في الأمر: بالماء فى الوضوء؟ والتراب في التيمم؟\nالجواب: لأن أصل وجود الإِنسان من التراب، قبض عزرائيل ﵇، من أنواع التراب على عدد بني آدم وهيئاتهم، كما ورد في الحديث، وأصل وجودك ونشأتك من ماء دافق، يخرج من بين الصلب والترائب، وأنهما: أي: الماء والتراب أوسع شيء وجودًا فأمرك بهما لئلا يتعذر بفقدانهما، وتتواضع برؤيتهما بافتقارك إليهما.\nأما ترى قول إبليس، كيف ترك التواضع، وقال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]، وقيل: أمر بهما لسر الطهارة والحياة والقابلية والإِحياء في الماء، وسر التواضع والتذلل والثبات في التراب، بخلاف النار؛ لأن في النار صفة العلو والرفع في الهواء صفة الإنقلاب وعدم الثبات، ففي استعمالهما على وجه التقرب بالتعبد تأثير في تكميل الوجود الإِنساني؛ ولهذا قيل: الوضوء نور، أي: ينور الوجود ويصفيه.\nوالتيمم: بالتراب يثبته، ويمكنه في طريق الرشاد، ولله أسرار خفيفة في أوضاع أحكام الشريعة، أبقاها الله إلى يوم الحساب، كما في (خواتم الحكم).\nالحكمة في التيمم بالتراب: هل يقوم التراب مقام الماء؟\nالجواب: أن الله تعالى خلق الذرة، ونظر إليها، فصارت ماء، وعليه زبد بيضاء، ثم خلق الله تعالى الأرض من زبد الماء، فيكون أصل الأرض من الماء، لهذا أقام التراب مقامه، عند عدم الماء في التيمم، كما في (الفوائد).\nلما فرغ من بيان التيمم، شرع في بيان حال الرجل يقبل امرأته، في حال حيضها، فقال: هذا\n* * *","vol":"1","page":165},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>باب في بيان حكم حال الرجل الذي يصيب، أي: يقبل امرأته، وهي حائض</span>\nحكم حال الرجل يصيب، أي: يقبل من امرأته، أي: مملوكته ملكًا نكاحًا أو يمينًا، فمن مرادف الباء بالباء.\nقال الله تعالى في سورة ﴿حم (١) عسق﴾ ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥]، أي: ينظر المنافقون إلى النار بعين خفيفة خوفًا كنظر المقتول إلى السياف، كذا في (عيون التفاسير).\nأو يباشرها: أي: يلامس بامرأته، وهي حائض، أي: والحال أنها في الحيض.\n٧٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع: أن عبد الله بن عمر، أرسل إلى عائشة يسألُهَا: هل يُباشرُ الرجل امرأته وهي حائض؟ فقالت: لِتَشُدَّ إزارَهَا إلى أسفُلِهَا، ثم ليُبَاشِرْهَا إن شاء.\nقال محمد: وبهذا كلِّه نأخُذُ، لا بأس بذلك، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامَّةِ، من فُقهَائِنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا أخبرنا، وفي نسخة: قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا نافع: أن عبد الله بن عمر، ﵄، أرسل إلى عائشة، ﵂، أحدًا حال كونه يسألُهَا: هل يُباشرُ الرجل امرأته وهي أي: والحال أنها حائض؟ فقالت: أي: عائشة لِتَشُدَّ بكسر اللام وفتح التاء المثناة، وضم الشين المعجمة، والدال المهملة المشددة المفتوحة: أمر إلى امرأة غائبة، ويجوز أن يكون إخبارًا عن فعلها لحسن ظنها (ق ٧٧)، إليها إن كانت اللام مفتوحة، أي: لتربط إزارها على أسفلها، أي: ما بين سرتها وركبتها، ثم يباشرها، أي: الرجل بالعناق ونحوه، فالمراد بالمباشرة هنا التقاء البشرتين،\n_________\n(٧٣) صحيح، أخرجه: الدارمي (١٠٢٣)، ومالك (١٢٥)، والشافعي في المسند (١٣١١)، والبيهقي في الكبرى (١٤٤١٦).","vol":"1","page":166},{"text":"لا الجماع: إن شاء، أي: ان أراد الرجل مباشرتها.\nقال محمد: وبهذا أي: بهذا الحديث نأخُذُ، أي: نعمل ونفتي، أقول: لا بأس، أي: لا حرج ولا ضرر، بذلك، بل يستحب إذ ثبت أنه - ﷺ - كان يباشرها كذلك، كما في حديث متفق عليه: أنه كان لا يباشر أحدًا من أزواجه المطهرات، وهن حائضات حتى يأمرهن بالاتزار، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامَّةِ، من فُقهَائِنا، وكذا من فقهاء غيرنا، وإنما خالفنا الشيعة وبعض أهل البدعة تبعًا لليهود، حيث لم يأكلوا معهن، ولم يضاجعوهن، إن حضن.\nوالمعتمد في مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي: يجوز أن يتمتع الرجل من الحائض بما فوق الإزار فقط، وأن استمتاع تحت الإزار حرام في وقت الحيض، ولعله أراد بقوله: والعامة من فقهائنا أخرج نفسه عنهم، ودليله ما أخرج الجماعة إلا البخاري (١): أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم لم يوكلوها، ولم يجامعوها في البيوت. فسئل رسول الله - ﷺ - وأصحابه عن ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] والآية من سورة البقرة.\nفقال رسول الله - ﷺ -: \"اصنعوا كل شيء إلا النكاح\"، وفي رواية: \"الجماع\".\nولنا عن عبد الله بن سعد: سألت رسول الله - ﷺ -: ما يحل من امرأتي وهي حائض؟ فقال: \"لك ما فوق الإزار\"، رواه أبو داود.\n* * *\n\n٧٤ - أخبرنا مالك، أخبرني الثِّقَةُ عِنْدِي، عن سالم بن عبد الله وَسليمانَ بن يَسَار، أنهما سُئلا عن الحائض، هل يُصيبها زوجُها إذا رَأتِ الطُّهْرَ، قبل أن تَغْتَسِلَ؟ فقالا: لا، حتى تغتسل.\n_________\n(١) أخرجه: مسلم (٣٠٢)، وأبو داود (٢٥٨)، والترمذي (٢٩٧٧)، والنسائي (٢٨٨)، وأحمد (١١٩٤٥)، والدارمي (١٠٥٣).\n(٧٤) صحيح الإسناد.","vol":"1","page":167},{"text":"قال محمد: وبهذا كلِّه نأخُذُ؛ لا تُبَاشرُ حائضٌ عندنَا حتى تَحِلَّ لها الصلاةُ، أو تجبَ عليها، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: أنا رمزًا إلى أخبرنا مالك بن أنس، من أتباع التابعين، أخبرني بالإِفراد، وفي نسخة، قال: أخبرني الثِّقَةُ، أي: المعتمد، يعني: ربيعة، والله أعلم.\nكما وجدتُ في حاشية المتن عندي أي في معتقدي، ولم يذكر الإِمام مالك بن أنس اسم الثقة؛ لأنه مشهور بين المحدثين بكونه ثقة، وَذِكْر عندي: إشعار بأن كل راوٍ عن مالك ينبغي أن يعتمد بصحة الحديث، عن سالم بن عبد الله، أي: ابن عمر، وهو أحد الفقهاء السبعة، وَسليمانَ بن يَسَار، أي: أحدهم أيضًا، أنهما، أي: سالمِ وسليمان، سُئلا على بناء المجهول، عن الحائض، هل يُصيبها أي: يجامعها زوجُها إذا رأتِ الطُّهْرَ، أي: علامته بقصة أو جفوف قبل أن تَغْتَسِلَ؟ فقالا: أي: كلًا منهما: لا، أي: لا يصيبها حتى تغتسل، لقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].\nإذ تأكيد للحكم، وبيان لغايته، وهو أن يغتسلن بعد الانقطاع، ويدل عليه صريحًا قراءة ﴿يَطْهُرْنَ﴾ بالتشديد، بمعنى يغتسلن، والتزامًا بقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فإنه يقتضي تأخر جواز الإِتيان عن الغسل، وبهذا قال مالك والشافعي وأحمد وزفر وجمهور الفقهاء، يعني: أنه لا يجوز وطء امرأة انقطع حيضها ونفاسها حتى تغتسل.\nقال محمد ﵀: وبهذا (ق ٧٨) أي: إنما نعمل بهذا الحديث لا غير نأخُذُ؛ أي: نعمل ونفتي به، بأن لا تُبَاشرُ على صيغة المجهول، أي: لا تُجامع حائضٌ عندنَا حتى تَحِلَّ لها الصلاةُ، أي: بأن تغتسل، أو تجبَ عليها الصلاة، أي: بدخول وقتها، أو بالشروع فيها، وتقديم بهذا على قوله: نأخذ يفيد الحصر، كما أشرنا بلفظ إنما، وهو قولُ أبي حنيفة وقد قال علماء الحنفية: حل وطء من انقطع دمها لأكثر الحيض أو النفاس قبل الغسل دون من انقطع لأقله، إلا إذا اغتسلت بلا خلاف، أو مضى وقت يسع فيه الغسل والتحريمة.\n* * *","vol":"1","page":168},{"text":"٧٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسْلَم: أن رجلًا سأل النبي - ﷺ -: ما يحلُّ لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: \"تَشُدُّ عليها إزارَها، ثم شَأنَكَ بأعْلاها\".\nقال محمد: وهو قولُ أبي حنيفةَ، وقد جاءَ ما هو أرخَصُ من هذا.\nعن عائشة، أنها قالتْ: يَجْتَنِبُ شِعَارَ الدَّم، وله ما سِوَى ذلك (١).\n• أخبرنا وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا مالك، أخبرنا وفي نسخة: قال ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا، زيد بن أسْلَم: أن رجلًا سأل النبي - ﷺ -: ما يحلُّ لي من امرأتي وهي حائض؟ \"وما\": مبتدأ بمعنى الاستفهام، ويحل مرفوع المحل؛ لأنه خبر المبتدأ والجار والمجرور متعلق بيحل، \"ومن\": بيانية بما الاستفهامية، فالمعنى: أي شيء يحل، أي: من أحوال امرأتي، والحال أنها حائض.\nقال ابن عبد البر: لا أعلم أحدًا رواه بهذا اللفظ مسندًا، ومعناه صحيح ثابت. انتهى.\nوقد روى أبو داود، عن عبد الله بن سعد، قال: سألتُ رسول الله - ﷺ -: ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ (٢)، قال مالك: ما فوق الإِزار، وسكت أبو داود عليه، وهو صالح للحجية وبه علم اسم الرجل السائل، واختلف في أنه أنصاري أو قرشي، عم: حكيم بن حزام.\nقال: أي: النبي - ﷺ -: تَشُدُّ بفتح التاء وضم الشين المعجمة، وضم الدال المشددة، أي: تربط امرأتك عليها، أي: على سرتها إزارَها، ثم شَأنَكَ بالنصب، أي: دونك، كذا قاله علي القاري، ويجوز بالرفع، أي: حالك أن تمساها بأعْلاها، أي: فوق الإِزار، كما رواه أبو داود، فإرجاع الضمير المؤنث إلى الإِزار المذكر على تأويل أنه قطعة من الثوب.\n_________\n(٧٥) صحيح، أخرجه: الدارمي (١٠٣٢)، ومالك (١٢٦).\n(١) أخرجه: الدارمي (١٠٤٠).\n(٢) أخرجه: أبو داود (٢١٢)، بسند ضعيف.","vol":"1","page":169},{"text":"قال محمد: أي: ابن حسن الشيباني، ﵀، وهو قولُ أبي حنيفةَ، ﵀، أي: وأكثر أصحابه، وتبعه بعض الأئمة، بل أكثرهم.\nوقد جاءَ ما، أي: في حديث هو أرخَصُ، أي: أكثر رخصة من هذا، عن عائشة ﵂، أنها قالتْ: يَجْتَنِبُ بصيغة المجهول، شِعَارَ الدَّم، بكسر الشين: الخرقة أو الفرج على الكناية؛ لأن كلًا منهما علم الدم، وله، أي: وجاز للرجل ما سِوَى ذلك، أي: غير الجماع من المؤاخذة والمباشرة، وهي التجرد عن الثوب فوق السرة وإلصاق جسد الرجل إلى جسد المرأة مجردين عن ثوبهما، وهو مختار الإِمام محمد على ما تقدم، والله أعلم.\nوقال الاوزاعي وداود: إذا غسلت فرجها جاز وطؤها، ثم إذا طهرت الحائض ولم تجد ماء.\nقال أبو حنيفة: في المشهور عنه لا يحل وطئها حتى يتيمم وتصلي.\nقال مالك: لا يحل وطئها حتى تغتسل.\nوقال الشافعي وأحمد: متى تيممت حلت، كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان السبب الاضطراري للغسل، شرع في بيان السبب الاختياري له، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>باب في بيان إذا التقى الختانان، هل يجب الغسل</span>؟\nالختان، بكسر الخاء المعجمة والتاء والنون بينهما ألف: موضع ما يختن، كذا قاله علي القاري، والمراد بهذه التثنية ختان (ق ٧٩) الرجل، وهو قطع جلدة كمرته، وخفاض المرأة، وهو موضع قطع جليدة في أعلى فرجها تشبه عرف الديك، بينها وبين مدخل الذكر جلدة رقيقة، وإنما تثنى بلفظ واحد تغليبًا، وله نظائر وقاعدته رد الأثقل إلى الأخف، والأدنى إلى الأعلى، كذا قاله الزرقاني.\n٧٦ - أخبرنا مالك، حدثنا الزُّهْريُّ، عن سعيد بن المُسَيَّبِ، أن عمر\n_________\n(٧٦) صحيح، أخرجه: مالك (١٠١)، وعبد الرزاق في مصنفه (٩٣٦)، والبيهقي (٨٠١).","vol":"1","page":170},{"text":"وعثمان وعائشة كانوا يقولون: إذا مَسَّ الخِتَانُ الخِتَانَ، فقد وَجب الغُسْلُ.\n• أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا مالك حدثنا وفي نسخة: قال ثنا رمزًا إلى حدثنا الزُّهْريُّ، وهو ابن شهاب، عن سعيد بن المُسَيَّبِ، وهو من سادات التابعين، أن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعائشة أي: زوج النبي - ﷺ -، كانوا يقولون: أي: كان مذهبهم إذا مَسَّ أي: إذا جاوز، الخِتَانُ أي: ختان الرجل والمرأة، الخِتَانَ، أي: ختان الآخر منهما من غير حائل بينهما، فالمراد بالختان الثاني موضعه من فرج الأنثى، وهو مشاكلة؛ إنما يسمى خفاضًا لغة كقوله - ﷺ -: \"اخفضي\"، فقد وَجب الغُسْلُ، أي: سواء أنزل أم لا؛ لأن المراد بالمس والالتقاء المجاوزة لا حقيقة المس، والالتقاء؛ لأنه لا يتصور عنده غيبة الحشفة ولو دفع مس بلا إيلاج لم يجب الغسل بالإِجماع.\nوصدر الإِمام بهذا الخبر إشارة لدفع ما رواه زيد بن خالد الجهني، أنه سأل عثمان: إذا جامع الرجل فلم يمن؟ قال عثمان: يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره، سمعته من رسول الله - ﷺ -. قال زيد بن خالد، فسألتُ عن ذلك عليّا، ﵁، والزبير، وطلحة، وأُبيّ بن كعب، فأمروه بذلك، رواه الشيخان، واللفظ للبخاري وللإِسماعيلي، فقالوا بمثل ذلك، عن النبي - ﷺ -.\nقال الإِمام أحمد: حديث معلول؛ لأنه ثبت عن هؤلاء الخمسة الفتوى بخلاف هذا الحديث.\nوقال علي بن المديني: إنه شاذ، فالحديث المعلول والشاذ معطوفان لا يُعمل بهما، والحديث المعلول ما في روايته علة خفية قادحة كصفة الوهم، والحديث الشاذ ما يخالف فيه الراوي من هو أرجح منه.\nفقال: الحديث الشاذ ما رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه (١) من طريق ابن عيينة،\n_________\n(١) أخرجه: الترمذي (٢١٠٦)، وأحمد (١٩٣١)، والنسائي في الكبرى (٦٤٠٩)، وعبد الرزاق في مصنفه (١٦١٩٢)، وسعيد بن منصور في سننه (١٩٤)، والبيهقي في الكبرى (١٢٦٥٢).","vol":"1","page":171},{"text":"عن عمرو بن دينار، عن عويجة، عن ابن عباس ﵄، أن رجلًا توفى على عهد رسول الله - ﷺ - ولم يدع وارثًا إلا مولى أعتقه سيده، فقال رسول الله - ﷺ -: \"هل له أحد؟ \" قالوا: لا، إلا غلام أعتقه، فجعل - ﷺ - ميراثه له، هذا خلاصة النخبة والفكر والشرح في فرائض (مشكاة المصابيح).\nفالمسألة: من مات ولم يدع أحدًا فميراثه لبيت المال.\nقال ابن عبد البر: ومحال أن يسمع هؤلاء الخمسة من رسول الله - ﷺ - إسقاط الغسل من التقاء الختانين ثم يفتو بإيجابه.\nوأجاب الحافظ وغيره: بأن الحديث ثابت من جهة اتصال السند وحفظ رواته، وليس فردًا ولا يقدح فيه إفتاؤهم بخلافه؛ لأنه ثبت عندهم، ناسخه، فذهبوا إليه فكم من حديث صحيح هو منسوخ من حيث الصناعة الحديثية.\nوقد ذهب الجمهور إلى ناسخه بحديث أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: \"إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهدها فقد وجب (ق ٨٠) الغسل\"، رواه الشيخان، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وبحديث عائشة نحوه مرفوعًا في مسلم وغيره، كما قاله الزرقاني.\n* * *\n\n٧٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو النَّضْرِ مَوْلَى عمر بن عُبَيْد الله، عن أبي سَلَمَةَ بن عبد الرحمن، أنَّه سأل عائشةَ؛ ما يُوجب الغُسْلَ؟ فقالت: أتَدْرِي ما مَثلُكَ يا أبَا سَلَمَةَ؟ مَثَلُ الفَرُّوجِ يَسْمَعُ الدِّيَكَةَ تَصْرُخُ فَيَصْرُخُ معها، إذا جَاوَزَ الخِتَانَ الختان فقد وَجَبَ الغُسْل.\n_________\n(٧٧) صحيح، أخرجه: الترمذي (١٠٩)، وأحمد (٢٤٥١٦)، ومالك (١٠٢)، والنسائي في الكبرى (١٩٦)، وابن حبان (١١٧٦) (١١٧٧)، وابن أبي شيبة (١/ ١٠٨)، وعبد الرزاق في مصنفه (٩٣٨)، والطبراني في الكبير (٩٢٥١)، والأوسط (٥١٩٧).","vol":"1","page":172},{"text":"• أخبرنا، وفي نسخة: محمد: ثنا رمزًا إلى حدثنا مالك، أخبرنا وفي نخسة: قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا أبو النَّضْرِ بفتح النون وسكون الفاء المعجمة، والراء: سالم بن أبي أميّة، مَوْلَى عمر بن عُبَيْد الله، بالتصغير عن أبي سَلَمَةَ، أي: إسماعيل، أو عبد الله، واسمه وكنيته: ابن عبد الرحمن، أي: ابن عوف، أنَّه سأل عائشةَ؛ أي: زوج النبي - ﷺ -، ما يُوجب الغُسْلَ؟ أي: ما حد جماع، يكون سببًا لوجوب الغسل على الفاعل والمفعول، فقالت: تلاطفه وتعاتبه استفهامًا إنكاريًا: أتَدْرِي ما مَثلُكَ بفتح الميم والثاء المثلثة وضم اللام، وكاف الخطاب، أي: صفتك العجيبة يا أبَا سَلَمَةَ؟ فكأنه قال: لا قالت مثلك مَثَلُ الفَرُّوجِ قال المجد: هو بفتح الفاء، وضم الراء المشدودة، وسكون الواو، والخاء المعجمة، فرخ الدجاج، يَسْمَعُ صوت الدِّيَكَةَ، وهي بكسر الدال وفتح الياء التحتية، وفتحِ جمع: ديك، ويجمع أيضًا على ديوك ذكر الدجاج، تَصْرُخُ أي: بضم الراء: تصيح فَيَصْرُخُ معها، أي: يصيح معها، أي: مع الديكة.\nقال ابن عبد البر: عاتبته بهذا الكلام؛ لأنه قلد فيه من لا علم له به، لأنها كانت أعلم بحال النبي - ﷺ -، وقد كان أبو سلمة لا يغتسل من التقاء الختانين لروايته عن أبي سعيد حديث: \"الماء من الماء\"، فلذلك نفرته عنه.\nقال الباجي: يحتمل أنه كان في زمن الصبا قبل البلوغ، يسأل عن مسألة الجماع، وهو لا يعرفه إلا بالسماع، كالفروج يصرخ لسماع الديكة، وإن لم يبلغ حد الصراخ.\nويحتمل أنه لم يبلغ مبلغ الكلام في العلم لكنه يسمع الرجال يتكلمون فيه، فيتكلم معهم. إذا جَاوَزَ الخِتَانَ الختان فقد وَجَبَ الغُسْل، والحديث مرفوعًا، أخرجه أحمد والترمذي وغيرهما، وعن عائشة بلفظ: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله - ﷺ - فاغتسلنا.\n* * *\n\n٧٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن كَعْبٍ؛ مولى عثمان بن عفان، أن محمود بن لَبِيدٍ؛ سأل زيد بن ثابت: عن الرَّجل يُصيب\n_________\n(٧٨) صحيح، أخرجه: مسلم (٣٤٦)، (٣٥٠)، ومالك (١٠٦).","vol":"1","page":173},{"text":"أهلَه، ثم يُكْسِلُ؟ فقال زيد بن ثابت: يَغْتَسِلُ، فقال محمود بنِ لِبيد: فإن أُبَيَّ بنَ كَعْبٍ لا يَرى الغُسل، فقال زيد بن ثابت: إن أُبَيَّ بنَ كَعْب نَزَعَ من ذلك قبل أن يموت.\nقال محمد: وبهذا كلِّه نأخُذُ؛ إذا الْتَقَى الختانان، وتَوَارَتِ الْحَشَفَةُ وَجَبَ الغُسل، أَنْزَلَ أو لم يُنْزِلُ، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا مالك، وفي نسخة: قال ثنا رمزًا إلى حدثنا يحيى بن سعيد، بن قيس الأنصاري، ولقيس صحبة، عن عبد الله بن كَعْبٍ؛ الحميري المدني، مولى عثمان بن عفان، صدوق، روى له مسلم والنسائي، أن محمود بن لَبِيدٍ؛ بفتح اللام، وكسر الموحدة، ابن عقبة بن رافع الأنصاري الأوسي الأشهلي، أبا نعيم المدني، صحابي صغير، وَجُلُّ روايته عن الصحابة، مات سنة تسعين، وقيل: سبعة، وله تسع وستون سنة، وفي بعض النسخ: محمد سأل زيد بن ثابت، وهو من أعيان الصحابة وكبرائهم عن الرَّجل يُصيب أهلَه، أي: يجامع امرأته وجاريته ثم يُكْسلُ؟ بضم الياء التحتية وسكون الكاف وكسر السين المهملة من أكسل الرجل إذا جامع، ثم أدركه فتور، فلم ينزل أو معناه صار ذا كسل على ما ذكره السيوطي، فقال زيد بن ثابت: يَغتَسِلُ، خبر معناه إنشاء.\nفقال محمود بن لِبيد: فإن أُبَيَّ بنَ كَعْبٍ لا يَرَى أي: لا يختار الغُسل، أي: حين الكسل، فقال زيد بن ثابت: إن أُبَيَّ بنَ كَعْب نَزعَ أي: رجع أُبيّ عن ذلك قبل أن يموت. وفي رجوعه دليل على أنه صح عنده، أنه منسوخ، ولولا ذلك ما رجع عنه أبيّ بن كعب.\nقال محمد بن الحسن (ق ٨١) الشيباني: وبهذا نأخُذُ؛ أي: إنما نعمل ونفتي بهذا الحديث: إذا الْتَقَى الختانان، أي: جاوز ختانه في ختانها، كما بينه المصنف، ﵀، بعطف تفسيري بقوله وتَوَارَتِ أي: غابت الْحَشَفَةُ بفتحتين، أي: رأس الذكر بفرجها، فقد وَجَبَ الغُسل، على الفاعل والمفعول، أَنْزَلَ أو لم يُنزِلُ، وهو قولُ أبي حنيفة، ﵀.","vol":"1","page":174},{"text":"أجمع الأئمة على أن الرجل إذا جامع امرأته، والتقى الختانان فقد وجب الغسل عليهما، وإن لم يحصل الإنزال، كما قاله علي القاري.\nفإن قيل: ما الحكمة فى الأمر بالختان، ولأي معنى سره؟\nالجواب: قيل: للتطهر؛ لأنه يوجب المحبة الإِلهية، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فيحصل الاحتراز من البول بالختان.\nوقيل: أمر بذلك لأنه وضع على عضو عبارة، وعلامة يعرف بها، فوضع على القلب التوحيد، وعلى اللسان: الشهادة، وعلى الوجه: الوضوء، وعلى الجبين: السجدة، وعلى الرأس: المسح، وعلى الشفة: قص الشارب، وعلى الأصابع: تقليم الأظافر، وعلى العانة حلقها، وعلى الإِبط: نتفها، وعلى الذكر: الختان.\nوقيل: في الختان خواص، منها: نضارة الوجه، ونماء البدن كالشجر إذا انقطع فضله، وغصنه الزائد، ويحصل لها النماء.\nفإن قيل: ما معنى قوله - ﷺ -: \"أول من اختتن إبراهيم ﵇\"، وفي الخبر: ولد الأنبياء ﵈ مختونين؟\nالجواب: أقول: إنه ﵇ ولد مختونًا، ولكنه ختن نفسه، ليقتدي به؛ لأنه مقتدى الأمم، ومتبوع الملل، كما في (خواتم الكلم).\nلما فرغ من بيان ما يوجب الطهارة الكبرى، شرع ما يوجب الطهارة الصغرى، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>باب في بيان حال الرجل ينام هل ينقض ذلك - أي: النوم - وضوءه؟ الرجل والمرأة في هذا الحكم سواء</span>\nعبَّر المصنف، ﵀، بذلك عن النوم إشارة إلى أن النوم خصلة تبعد صاحبها عن القرب الإلهية. والوضوء خصلة تقرب صاحبها إلى رحمة رب العالمين، فيلزم للرجل الكامل أن يستيقظ من نومة الغافلين.","vol":"1","page":175},{"text":"٧٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسْلَم، قال: إذا نام أحدُكم وهو مُضْطَجع فليتوضَّأ.\n• أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: ثنا مالك، أخبرنا زيد بن أسْلَم، قال: إذا نام أحدُكم والحال: وهو مُضْطَجع، أي: راقد على جنبه، وفي معناه: أنا راقد على قفاه، أو على بطنه، وكذا إذا أسند إلى ما لو أزيل لسقط، فليتوضَّأ.\nوليحيى عن مالك عن زيد بن أسلم، أن عمر بن الخطاب، ﵁، قال: إذا نام أحدكم مضطجعًا فليتوضأ.\n* * *\n\n٨٠ - أخبرنا مالك، أخبرني نافع، عن ابن عمر: أنه كان ينام وهو قَاعِدٌ فلا يتوضأ.\nقال محمد: وبِقَوْل ابن عمر في الْوَجْهَيْن جميعًا نأخُذُ وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزا إلى حدثنا مالك، أخبرني بالإِفراد، وفي نسخة قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: ثنا نافع، عن ابن عمر، ﵄، أنه كان ينام وهو قَاعِدٌ فلا يتوضأ.\nقال محمد: وبِقَوْل ابن عمر في الْوَجْهَيْن جميعًا، أي: في نقض الوضوء إذا نام مضطجعًا، وفي عدم نقض الوضوء، إذا نام قاعدًا، نأخُذُ، أي: نعمل ونفتي، فيه تغليب (ق ٨٢) قول ابن عمر على زيد بن أسلم؛ لأن ابن عمر لم يذكر في الوجه الأول، وهو أي: عدم نقض الوضوء إذا نام قاعدًا، قولُ أبي حنيفة، ﵀.\nواتفقوا على نوم المضطجع والمتكئ ينقض الوضوء، واختلفوا فيمن نام على حالة،\n_________\n(٧٩) إسناده صحيح.\n(٨٠) إسناده صحيح.","vol":"1","page":176},{"text":"من أحوال المصلين، من قيام أو ركوع أو سجود أو قعود.\nفقال أبو حنيفة: لا ينقض، وإن طال نومه، فإن وقع على جنبه ينقض، ويدل عليه ما رواه البيهقي عنه - ﷺ -: \"لا يجب الوضوء على من نام جالسًا، أو قائمًا، أو ساجدًا، حتى يضع جنبه على الأرض، فإنه إذا اضطجع، استرخت مفاصله\" (١).\nوروى أبو داود، والترمذي، من حديث: ابن عباس ﵄، أنه رأى النبي - ﷺ - نام وهو ساجد، حتى غَطّ أو نفخ ثم قام يصلي، فقلتُ: يا رسول الله إنك نمت، قال: \"إن الوضوء لا يجب على من نام مضطجعًا؛ فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله\" (٢).\nوقال مالك: ينتقض الوضوء في حال الركوع والسجود، إذا طال دون القيام والقعود.\nوقال مالك وأحمد: إذا نام طال نوم الجالس فعليه الوضوء، والله أعلم.\nولما فرغ من بيان ما يعرض الرجل بمنامه من الحدث الصغرى، شرع في بيان ما يعرض للمرأة في منامها من الحدث الكبرى.\n* * *\n_________\n(١) رواه البيهقي في الكبرى (٦٠١)، وقال: تفرد بهذا الحديث على هذا الوجه يزيد بن عبد الرحمن أبو خالد الدالي، وقال أبو داود: قوله: الوضوء على من نام مضطجعًا، هو حديث منكر، لم يروه إلا يزيد الدالي عن قتادة.\nقلت: يزيد صدوق.\n(٢) أخرجه: أبو داود (٢٠٢)، والترمذي (٧٧)، وأحمد (٢٣١٣)، وابن أبي شيبة (١/ ١٢٦)، والدارقطني (١/ ١٥٩)، والطبراني في الكبير (١٢٧٤٨)، وأبو يعلى (٢٤٨٧)، (٢٦١٠)، والبيهقي في الكبرى (٦٠٠)، وابن عدي في الكامل (٧/ ٢٧٧)، وابن شاهين في الناسخ والمنسوخ (١٩٥).\nقال أبو داود: هو حديث منكر لم يروه إلا يزيد أبو خالد الدالي عن قتادة.\nقال ابن الملقن: ضعيف باتفاقهم (خلاصة البدر) (١٥٧)، قال ابن حجر: اتفق أئمة الحديث على ضعف الرواية، (التلخيص) (١٦٢)، وضعفه أحمد والبخاري.","vol":"1","page":177},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>باب المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل</span>\nبيان حال المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل؛ أي: من الاختلاف، وهو من الافتعال من الحلم، بضم الحاء المهملة وسكون اللام، أي ما يراه النائم في نومه خصه العُرف ببعض ذلك، وهو رواية الجماع.\n٨١ - أخبرنا مالك، حدثنا ابن شهاب، عن عُرْوة بن الزُّبَيْر، أن أمَ سُلَيْمٍ قالتْ لرسول الله - ﷺ -: يا رسول الله؛ المرأة تَرَى في منامها مِثْل ما يَرَى الرجلُ، أتَغْتَسِلُ؟ فقال رسول الله - ﷺ -: \"نَعَمْ فَلتَغْتَسِل\" فقالَتْ لها عائشةُ: أفٍّ لكِ، وهل تَرَى ذلك المرأةُ؟ قالت: فالتَفتَ إلينا النبيُّ - ﷺ -، فقال: \"تَرِبَتْ يمينُكِ، ومِنْ أين يكون الشِّبْهُ\".\nقال محمد: وبهذا نأخُذُ، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا مالك، أخبرنا، وفي نسخة قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا ابن شهاب، أي: الزهري، عن عُرْوة بن الزُّبَيْر، أي: ابن العوام.\nقال السيوطي (١): وصله مسلم، وأبو داود من طريق عروة، عن عائشة أن أمَّ سُلَيْم، وهو بالتصغير، بنت ملحان، بكسر الميم، وسكون اللام والحاء والنون ما بينهما ألف على وزن صبيان، بكسر الصاد وسكون الموحدة، تزوجها مالك بن النضر أبو أنس بن مالك، فولدت له أنسًا ثم قُتل عنها مشركًا، وأسلمت فخطبها أبو طلحة وهو مشرك، فأبت ودعته إلى الإِسلام، فأسلم فقالت: إني أتزوجك، ولا منك صداقًا إلا إسلامك،\n_________\n(٨١) أخرجه: البخاري (٣١٥٠)، ومسلم (٣١٠)، (٣١١)، (٣١٢)، وأبو داود (٢٣٧)، والنسائي في المجتبى (١٩٥)، وابن ماجه (٦٠٠)، والدارمي (٧٦٦)، ومالك (١١٤)، والنسائي في الكبرى (٢٠٨)، وابن حبان (٦١٨٤)، وابن أبي شيبة (١/ ١٠٢)، وابن خزيمة (٢٣٥)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٢٨٢)، حديث (٩٠٨)، والأوسط (٦٥٦)، وأبو يعلى (٣١٦٤)، وعبد الله في الزوائد (١٣٥٩٨).\n(١) انظر: تنوير الحوالك (١/ ٧١).","vol":"1","page":178},{"text":"فتزوجها أبو طلحة، روى عنها خلق كثير من الصحابة والتابعين.\nزاد أبو داود (١): هي أم أنس بن مالك، قالتْ لرسول الله - ﷺ -، والحال أن عائشة عنده: يا رسول الله، المرأة تَرى في منامها مِثْل ما يَرَى الرجلُ، أتَغْتَسِلُ؟\nولأحمد قالت: يا رسول الله، إذا رأت المرأة أن زوجها يجامعها في المنام أتغتسل؟\nفقال رسول الله - ﷺ -: نَعَمْ، أي: إذا رأت الماء، كما في رواية أخرى، و\"نعم\" بفتح النون والعين المفتوحة، وسكون الميم، حرف إعلام جواب للاستفهام.\nوالسؤال كما قاله ابن هشام، وأكد الجواب بقوله: فَلتَغْتَسِل، فقالَتْ لها أي: لأم سليم، عائشةُ ﵂: أفٍّ لكِ (٢)، بضم الهمزة وكسر الفاء، منون وغير منون، وفتحها بلا تنوين روايات (ق ٨٣) متواترة، وفيها لغات أخر، اسم فعل بمعنى الضجر، كذا قاله علي القاري. قال القاضي عياض: وهي كلمة تستعمل في الاستقذار والاستحقار، وقيل: الضجر والكراهة.\nقال الباجي: وهي هنا بمعنى الإِنكار.\nقال ابن العراقي: ولا مانع من أنها على بابها، أي إنها تضجرت من ذكر ذلك وكرهته واستقذرت ذكره بحضرة الرجال. انتهى.\nقال السيوطي (٣): بل فيها أربعون لغة، حكاها أبو حيان وغيره.\nوهل تَرَى ذلك المرأةُ؟ بكسر الكاف؛ أي: ترى المرأة في منامها خصلة المجامعة مع الرجل، فلفظ المرأة مرفوع على أنه فاعل ترى، وذلك مبني لفظًا منصوب محلًا، على أنه مفعول ترى، وتقديم المفعول على الفاعل للاهتمام والتعبير على الخصلة المجامعة بذلك؛ لتبعيدها عن المرأة.\nفي حديث آخر أن أم سلمة هي القائلة ذلك.\n_________\n(١) أخرجه: أبو داود (٢٣٧).\n(٢) انظر: كفاية الطالب (١/ ١٦٩)، وشرح الزرقاني (١/ ١٥١)، والتمهيد (٨/ ٣٣٣)، وحاشية العدوي (١/ ١٦٩)، وشرح النووي على مسلم (٣/ ٢٢٤).\n(٣) انظر: تنوير الحوالك (١/ ٧١).","vol":"1","page":179},{"text":"قال القاضي عياض: ويحتمل أن عائشة وأم سلمة، كلتاهما أنكرتا عليه، فأجاب النبي - ﷺ - بما أجابها، وإن كان أهل الحديث يقولون: إن الصحيح هنا: أم سلمة لا عائشة.\nقال ابن حجر (١): وهو جمع حسن، لا يمتنع حضور أم سلمة وعائشة عند النبي - ﷺ - في مجلس واحد. انتهى.\nوفيه: أنه لا يبعد اجتماعهما، ولكن يستغرب إنكارهما معًا في واحد، نعم لو فرض أن السائلة غير أم سلمة، فربما يحمل على واقعتين، والله أعلم بحقيقة الحالتين.\nقالت: أي: الراوية، فالتَفتَ أي: رسول الله - ﷺ -، إليها، أي: إلى عائشة ﵂، فقال: تَرِبَتْ بكسر الراء؛ أي: افتقرت يمينُك، أي: بذلك، والذي عليه المحققون أنها كلمة أصلها: افتقرت، ولكن العرب: اعتادت استعمال مبناها غير قاصدة حقيقة معناها الأصلي، فتذكرون: \"تربت يداك\"، وقاتله الله، ما أشجعه، ولا أم له، ولا أب لك، وقتلته أمه، وويل أمه، وغير ذلك من ألفاظهم عند إنكار الشيء، أو الزجر عنه، والزم عليه، واستعطافه والحث عليه والإِعجاب به.\nوقال السيوطي (٢): أي: افتقرت بذلك من العلم، والمعنى: إذا جهلت مثل هذا، فقد قل حظك من العلم.\nومِنْ أين يكون الشِّبْهُ، بفتحتين، أو بكسر وسكون، يريد شبه الابن لأحد أبويه، أو لأقاربه، والمعنى أن للمرأة ماء تدفعه عند اللذة الكبرى، كما للرجل ماء يدفعه، فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة، خرج الولد شبه عمومته، وإذا سبق ماء المرأة، خرج الولد شبه خؤولته، ذكره السيوطي، والأظهر ما ذكره بعضهم: من أن السبق يوجب كون الولد من جنس صاحبه، وإن كثرته يوجب شبهه.\nوروى يحيى في (موطئه) لمالك: عن هشام بن عروة عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، زوج النبي - ﷺ - أنها قالت: جاءت أم سليم، امرأة أبي طلحة الأنصاري إلى\n_________\n(١) انظر: الفتح (١/ ٣٨٨).\n(٢) انظر: تنوير الحوالك (١/ ٧١، ٧٢).","vol":"1","page":180},{"text":"رسول الله - ﷺ -، فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحيي (ق ٨٣) من الحق، هل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ قال: \"نعم، إذا رأت الماء\" (١).\nرواه البخاري (٢) من طريق آخر: عن هشام بن عروة، فغطت وجهها، قالت: يا رسول الله، أو تحتلم المرأة؟ قال: \"نعم، تربت يمينك، فبم يشبهها ولدها؟ \".\nولأحمد: قالت: وهل للمرأة ماء؟ قال: \"هن شقائق الرجال\"، أي: نظائرهم وأمثالهم في الخلق. ذكره الرافعي.\nقوله: إن الله لا يستحيي من الحق، أي: لا يأمر أن نستحي من الحق، ولا يمتنع من ذكره امتناع المستحيي أو لا يتركه، فإن من يستحي من الشيء تركه.\nوالمعنى: أن الحياء لا ينبغي أن يمنع من طلب الحق.\nفإن قيل: إنما يحتاج إلى تأويل الحياء في حق الله تعالى، إذا كان الكلام مثبتًا في حديث: \"إن الله حييٌ كريم\" (٣). فأما في النفي فالمستحيلات على الله تُنفى، ولا يشترط في النفي أن يكون النفي ممكنًا.\nفالجواب: على تقدير تسليم ذلك إنه لم يرد النفي على الاستحياء مطلقًا؛ بل ورد على الاستحياء من الحق، وبطريق المفهوم يقتضي أنه ليستحي من غير الحق، فيعود بطريق المفهوم إلى الإِثبات، كذا حققه السيوطي (٤).\n_________\n(١) تقدم.\n(٢) أخرجه: البخاري (٣١٥٠).\n(٣) أخرجه: أبو داود (١٤٨٨) من حديث سلمان، والترمذي (٣٥٥٦) من حديث سلمان، وابن ماجه (٣٨٦٥) من حديث سلمان، وابن حبان (٨٧٦)، من حديث سلمان، وعبد الرزاق في مصنفه (٣٢٥٠) من حديث أنس، (١٠٨٢٦) من حديث ابن عباس، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٢٥٩) حديث (٦٧٠) من حديث يعلى بن أمية، (١٣٥٥٧) من حديث ابن عمر، والأوسط (٤٥٩١) من حديث جابر، والبيهقي في الشعب (٧٧٨٣) من حديث يعلى بن أمية، وأبو يعلى (٤١٠٨) من حديث أنس.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وروى بعضهم ولم يرفعه.\n(٤) انظر: تنوير الحوالك (١/ ٧١ - ٧٣).","vol":"1","page":181},{"text":"وهو مقتبس من قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣].\nوأنت بهذا شاهد، على تعيين السؤال المحقق.\nقال محمد: وبهذا نأخُذُ، أي: نقول ونحكم بأن النساء يحتلمن كالرجال، وهو أي: هذا القول، قولُ أبي حنيفة، وسائر العلماء.\nوقال ابن عبد البر (١): في هذا الحديث دليل على أنه ليس كل النساء يحتلمن، وإلا لما أنكرت عائشة وأم سلمة ذلك. قال: وقد يوجد عدم الاحتلام في بعض الرجال، إلا أن ذلك في النساء أوجد وأكثر عكس ذلك.\nقال ابن بطال (٢): فقال فيه دليل على أن كل النساء يحتلمن.\nقال الحافظ (٣): والظاهر أن مراده الجواز، لا الوقوع؛ أي: فيهن قابلة ذلك.\nقال السيوطي (٤): وأيُّ مانع يكون ذلك خصوصية لأزواجه - ﷺ - أنهن لا يحتلمن، كما أن من خصائص الأنبياء أنهم لا يحتلمون؛ لأنه من الشيطان، فلم يسلط عليهم، وكذا على أزواجه - ﷺ - تكرمًا له.\nقلت: المانع من ذلك أن الخصائص لا تثبت بالاحتمال، وهو كغيره، ولم يثبت ذلك للأنبياء ﵈ بالدليل.\nقال الحافظ ولي الدين العراقي: بحث بعض أصحابنا في الدرس فمنع وقوعه من أزواجه - ﷺ -؛ بأنهن لا يطعن غيره لا يقظة ولا منامًا والشيطان لا يتمثل به.\nوفيه نظر؛ لأنهن قد يحتلمن من غير رؤية، كما يقع لكثير من الناس، ويكون سبب ذلك شبعًا وغيره. والذي منعه بعض الفقهاء، هو وقوع الاحتلام من الأنبياء ﵈، كما قاله الزرقاني (٥).\n_________\n(١) انظر: التمهيد (٨/ ٣٣٣).\n(٢) انظر: الفتح (١/ ٣٨٩).\n(٣) انظر: الفتح (١/ ٣٨٩).\n(٤) انظر: تنوير الحوالك (١/ ٧١).\n(٥) انظر: شرح الزرقاني (١/ ١٥٢).","vol":"1","page":182},{"text":"ولما فرغ مما يعرض للنساء في منامهن، مما يوجب الغسل، وهو الاحتلام، شرع في بيان حكم ما يعرض لهم ما يوجب الغسل، وهو دم الاستحاضة، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>باب المستحاضة</span>\nفي بيان أحكام المستحاضة، وهو يحتمل أن يكون وصفًا، أو يكون مصدرًا ميميًا، والاستحاضة دم يرى في أقل من المدة، وما زال عليها وعلى عادتها.\n٨٢ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن سليمان بن يَسَار، عن أمِّ سلمةَ زوج النبي - ﷺ -، أن امرأةً كانت تُهرَاقُ الدَّمَ على عهد رسول الله - ﷺ -، فاستفْتَتْ لها أمُّ سلمة رسول الله - ﷺ -، فقالَ: \"لتَنْظُر الليَالي والأيام التي كانت تَحيضُ من الشهر قبل أن يُصيبها الذي أصابَها، فَلْتَتْرُك الصلاةَ قدرَ ذلك من الشَهر، فإذا خَلَّفَتْ ذلك فَلْتَغْتَسِلْ، ثُمَّ لِتَسْتَثْفِرْ بثوب فَلْتُصَلِّ\".\nقال محمد: وبهذا نأخُذُ، وتَتَوضأ لِوَقْتِ كل صلاةِ، وتصلي إلى الوقت الآخر، وإن سال دمُها، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد: ثنا مالك، حدثنا، وفي نسخة: قال: ثنا، أي: قال مالك: حدثنا نافع، عن سليمان بن يَسَار، عن أمِّ سلمةَ زوج النبي - ﷺ -، أن امرأةً، قال أيوب (ق ٨٥) السختياني: هي فاطمة بنت أبي حبيش، بالتصغير، قال الشيخ ولي الدين العراقي: اللاتي استحضن على عهد\n_________\n(٨٢) أخرجه: أبو داود (٢٧٤)، والنسائي في المجتبى (٢٠٨)، (٣٥٣)، والدارمي (٧٨٢)، ومالك (١٣٥)، والنسائي في الكبرى (٢١٤)، وعبد الرزاق في مصنفه (١١٨٢)، والدارقطني (١/ ٢٠٧)، والشافعي في المسند (١٤٥٣)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٢٧٢) حديث (٥٨٣)، وأبو يعلى (٦٨٩٤)، والبيهقي في الكبرى (١٦٢١)، (١٦٢٢)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ١٥٧)، وزوائد عبد الله (٢٦١٧٦)، وقال البيهقي: هذا حديث مشهور أودعه مالك بن أنس الموطأ، وأخرجه أبو داود في كتاب السنة إلا أن سليمان بن يسار لم يسمعه من أم سلمة.","vol":"1","page":183},{"text":"رسول الله - ﷺ - تسع: فاطمة هذه، وأم حبيبة وأختها حمنة، وأختها زينب أم المؤمنين إن صح، وسهلة بنت سهل، وسودة أم المؤمنين، وأسماء بنت مرشد الحارثية، وزينب بنت أبي سلمة، وباوية بنت غيلان الثقفية. انتهى.\nوتعقب ابن حجر في (شرح البخاري) بأن زينب بنت أبي سلمة كانت صغيرة في زمنه - ﷺ -؛ لأنه دخل على أمها في السنة الثالثة، وهي ترضع، ثم عد منها ابن حجر: أسماء بنت عميس، وقال: رواه الدارقطني.\nكانت تُهَرَاقُ أي: تُصاب، وهو مضارع مجهول، الدَّمَ، تمييز وإن كان معرفة وله نظائر، كقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]، أي: تهراق: وهي دماءه ويجوز الرفع، أي: تهراق دمها، على العوض عن المضاف إليه، يعني: صارت مستحاضة، كما نقله علي القاري، عن السيوطي.\nعلى عهد رسول الله - ﷺ -، أي: في زمانه، فاستفْتَتْ لها أمُّ سلمة ﵂، أي: سألت وطلبت أم سلمة لأجل امرأة، هي: فاطمة بنت أبي حبيش الفتوى من رسول الله - ﷺ -، كذا في هذه الرواية، وفي حديث عائشة السابق أن السائلة هي: فاطمة، ولأبي داود عن عروة - كذلك - عن فاطمة نفسها، أنها قالت: سألتُ رسول الله - ﷺ -. وفي حديث آخر: أن أسماء بنت عميس سألت لها.\nقال الحافظ ولي الدين العراقي: ولعل الجمع بينها أن فاطمة سألت كلًا من أم سلمة وأسماء، تسألهما، فسألتا مجتمعتين، أو سألت كل واحدة منهما مع عدم علمها بسؤال الأخرى. فقالَ: أي: رسول الله - ﷺ -، \"لتَنْظُرِ أي: لتتأمل ولتقدر إلى عدد الليَالي والأيام التي كانت تَحِيضُ من الشهر أي: جنسه على حسب عادتها، قبل أن يُصيبها، أي: قبل إصابة الاستحَاضة الذي أصابَها، أي: الآن، فَلْتَترُكِ الصلاةَ وكذا الصوم قدرَ ذلك، بكسر الكاف، أي قدر عادة حيضها من الشهر، من لياليه وأيامه، فإذا خَلَّفَتْ بفتح الخاء واللام المشددة المفتوحة، والفاء المخففة، والتاء الساكنة، أي: جاوزت ذلك أي: قدر العادة، ودخلت في أيام الاستحاضة فَلتَغْتَسِلْ، أي: لانقطاع حيضها، ثُمَّ لِتَسْتَثْفِرْ بكسر لام الأمر، وفتح التاء الفوقية، وسكون السين المهملة، وفتح التاء الفوقية، وسكون التاء المثلثة الساكنة، وكسر الفاء والراء الساكنة، لتشد فرجها بثوب أي: بخرقة عريضة بعد أن تحتشي","vol":"1","page":184},{"text":"قطنًا، وتوثق طرفي الخرقة في شيء تشده على وسطها، فيمنع بذلك سيلان الدم فَلْتُصَلِّ، أي: بعذرها.\nقال محمد: وبهذا نأخُذُ، أي: نفتي، وتَتَوضأ أي: المستحاضة إذا كانت صاحبة عذر، لِوَقْتِ كل صلاةِ، أي: تتوضأ لكل صلاة، وفي نسخة: لكل وقت صلاة، وفي نسخة غير مصححة: لكل صلاة، وتصلي بهذا الوضوء إلى الوقت الآخر، بمد الهمزة، يعني: تصلي بوضوءها في الوقت ما شاءت من الفرائض أداءً وقضاءً، ومن النوافل والواجبات، كالوتر وصلاة الطواف، فيبطل وضوءها بخروج (ق ٨٦) الوقت، فقط عند: أبي حنيفة، ومحمد، وعند زفر بدخوله فقط.\nوقال أبو يوسف: بهما وإن وصلية، سأل أبي: وإن سال دمُها، واستمر سيلانها، وهو أي: القول بأن تصلي المستحاضة بالوضوء الواحد في الوقت فقط، قول لأبي حنيفة ﵀.\nوقال المصنف في (الآثار) (١): إنها تتوضأ لكل وقت صلاة، وتصلي في الوقت الآخر، وهو قولُ لأبي حنيفة.\n* * *\n\n٨٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا سُميٌ مولَى أبي بكر بن عبد الرحمن، أن الْقَعْقَاعَ بن حَكيم وزيد بن أسْلَم أرسلاه إلى سعيد بن المسَّيب؛ يسألُه عن المُسْتَحَاضَة، كيف تغتسلُ؟ فقال سعيدٌ: تَغْتَسِلُ من طهر إلى طهر، وتتوضأ لكل صلاة، فإن غَلَبَها الدم اسْتَثْفَرَتْ بثوب.\nقال محمد: تغتسلُ إذا مضتْ أيامُ أقرائِها، ثم تتوضأ لكل صلاةٍ، وتصلي حتى تأتِيها أيامُ أقرائِهَا، فتدعُ الصلاةَ، فإذا مضتْ اغتسلتْ غُسْلًا\n_________\n(١) انظر: الآثار (١/ ٣٥).\n(٨٣) أخرجه: أبو داود (٣٠١)، والدارمي (٨١٠)، ومالك (١٣٧).","vol":"1","page":185},{"text":"واحدًا، ثم توضأتْ لكل وقتِ صلاةِ، وصلتْ حتى يدخلَ الوقتُ الآخر ما دامت ترى الدمَ. وهو قولُ أبي حنيفة والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا وفي نسخة: محمد: أخبرنا، وفي نسخة: ثنا رمزًا إلى حدثنا مالك، وفي نسخة: قال ثنا، سُميٌ (١) بلفظ التصغير، مولَى أبي بكر بن عبد الرحمن، أي: ابن الحارث بن هشام، ثقة، روى له الجميع، مات مقتولًا بقديد سنة ثلاثين ومائة، أن الْقَعْقَاعَ (٢) بقافين بينهما عين مهملة ساكنة ثم ألف فعين، ابن حَكيم الكتاني المدني، تابعي وثقه أحمد ويحيى وغيرهما، روى له مسلم، وزيد بن أسْلَم: مدني من أكابر التابعين، مولى عمر بن الخطاب ﵁، روى عنه الثوري، ومالك، وابن عيينة، مات سنة ست وثلاثين ومائة، أرسلاه، أي: سُمَيًّا إلى سعيد بن المسَّيب؛ وهو من سادات التابعين، يسأْلُه جملة حالية أو استئنافية، عن المُسْتَحَاضَة، وهي ذات دم نقص أو زاد على أكثره، أو أكثر النفاس، أو زاد على عادتها في أقلهما، وتجاوز أكثرهما والحبلى التي لم تبلغ تسع سنين، كذا قاله في (مراقي الفلاح) (٣).\nكيف تغتسلُ؟ أي: امرأة ذات دم استحاضة، وكلمة \"كيف\" ظرف منصوبة محلها بما بعدها على الحال لفظ \"تغتسل\" معلق بها، وهي وما بعدها بدل من المستحاضة بدل اشتمال، والمعنى: أن القعقاع وزيد بن أسلم أرسلا سميًا سائلًا عن كيفية غسل المستحاضة، فقال سعيدٌ: تَغْتَسِلُ أي: امرأة ذات دم استحاضة من طهر، عند وقت انقطاع الحيض، إلى طهر، أي: انتهاء الطهر، وهو وقت ابتداء سيلان دم الحيض الثاني، وهو بطاء مهملة فيهما، وقيل: بطاء معجمة، وهو تصحيف (٤)، وتتوضأ لكل صلاة، أي:\n_________\n(١) انظر: التقريب (١/ ٢٣١).\n(٢) انظر: التقريب (٢/ ٤٨٧).\n(٣) انظر: مراقي الفلاح (ص ٥٧، ٥٨).\n(٤) قال أبو داود: ورُوي عن ابن عمر وأنس بن مالك \"تغتسل من ظهر إلى ظهر\"، وكذلك رواه داود وعاصم عن الشعبي عن امرأته إلى قمير عن عائشة، إلا أن داود قال: \"كل يوم\"، وفي حديث عاصم: \"عند الظهر\" وهو قول سالم بن عبد الله والحسن وعطاء، قال أبو داود: قال مالك: =","vol":"1","page":186},{"text":"وقت كل صلاة، فإن غَلَبَها الدم اسْتَثْفَرَتْ بكسر الهمزة والسين المهملة الساكنة، ثم تاء فوقية مفتوحة، ثم تاء مثلثة ساكنة وفاء مفتوحة وراء وتاء تأنيث، أى: تشد فرجها بثوب، كذا في نسخة.\nوفي رواية أبي داود، عن القعنبي عن مالك، بلفظ: استذفرت بثوب، بذال المعجمة بدل المثلثة، فقيل: إنه مثل الاستثفار، قلبت الثاء ذالًا، وهو الثفر والذفر، وقيل: معناه: فلتستعمل طيبًا، يزيل به هذا الشيء عنها.\nوالزفر: بفتح المعجمة والفاء، كل رائحة زكية من طيب أو نتن، وسمى الثوب طيبًا؛ لقيامه مقامه في إزالة الرائحة.\nوإن رُوي بالدال المهملة فمعناه: تدفع عن نفسها الذفر بإسكان الفاء وهو الرائحة الكريهة؛ فإن قيل: سئل سعيد بن المسيب عن كيفية اغتسال المستحاضة، فأجاب: بذكر وقته، قلت: وقت من جملة صفاته، وهيئاته، وكيفية اغتسال غيرها، وإنما يخالف غيرها في الوقت.\nفأجاب: بذكر ما خالفه فيه غيرها، وأنه فهم من السائل استبعاد اغتسالها مع جريان الدم منها.\nفأجابه: بأن جريان الدم منها، لا يمنع من اغتسالها في وقته، وهو وقت انقطاع الدم، كما قاله الزرقاني (١).\nقال محمد: تغتسلُ إذا مضتْ أيامُ (ق ٨٧) أقرائِها، بفتح الهمزة جمع قرء، وهو الحيض، ثم توضأ لكل صلاةٍ، أي: في وقت كل صلاة، فاللام للوقت كما في سورة أسرى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، ودلوكها يعني: زوالها، وتصلي،\n_________\n= إني لأظن حديث ابن المسيب إنما هو \"من صهر إلى طهر\"، ولكن الوهم دخل فيه فقلبها الناس فقال: \"من ظهر إلى ظهر\".\nورواه مسور بن عبد الملك بن سعيد بن عبد الرحمن بن يربوع، وقال فيه: \"من طهر إلى طهر\" فقلبها الناس \"من ظهر إلى ظهر\".\n(١) انظر: شرح الزرقاني (١/ ١٨٣).","vol":"1","page":187},{"text":"أي: يدخل الوقت الآخر، ما دامت ترِى الدم، ويستمر على ذلك حتى يأتيها أيام أقرائها، أي: زمان عادتها، فتدعُ الصلاةَ، أي: فتتركها، فإذا مضتْ أي: أيام عادتها، اغتسلتْ غُسْلًا واحدًا، أي: لانقطاع حيضها، ثم توضأتْ لكل وقتِ صلاةِ، وصلتْ حتى يدخلَ الوقتُ الآخر ما دامت ترى الدمَ. أي: مستمرًا وهي على عذرها، وهو قولُ أبي حنيفة - ﵀ - والعامة من فقهائنا.\n* * *\n\n٨٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا هشام بن عُروة، عن أبيه، قال: ليس على المُسْتَحَاضة أن تَغْتَسل؛ إلا غُسْلًا واحدًا، ثم تتوضأ بعد ذلك للصلاة.\n• أخبرنا، وفي نسخة: قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة ثنا مالك بن أنس، عن هشام بن عُروة، بن الزبير بن العوام، قال: ليس على المُسْتَحَاضة أن تَغْتَسل؛ إلا غُسْلًا واحدًا، واستثنى علماؤنا من ذلك: المتحيرة التي نسيت أيام عادتها، ثم تتوضأ بعد ذلك أي: غسل الواحد لكل صلاة، وفي نسخة: للصلاة، أي: وقت كل صلاة.\nوفي شرح (مختصر الطحاوي) (١): روى أبو حنيفة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂، أن النبي - ﷺ - قال لفاطمة بنت أبي حبيش: \"توضئي لكل وقت صلاة\"، ولا شك أن هذا محكم بالنسبة إلى كل صلاة، لأنه لا يحتمل غيره.\nواختلفوا في المستحاضة:\nفقال أبو حنيفة: ترد إلى عادتها؛ وإن كان لها عادة وإلا فتمكث أقل الحيض وهو ثلاثة أيام، إلا إذا كانت مبتدأة، وجاوز دمها أكثر الحيض، فتمكث أكثر الحيض، وهو عشرة أيام، ثم وطئ المستحاضة جاز عند أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وتصلي وتصوم إجماعًا.\n_________\n(٨٤) أخرجه: مالك (١٣٨)، والبيهقي في الكبرى (١٦٩٠).\n(١) انظر: شرح معاني الآثار (١/ ١٠٦).","vol":"1","page":188},{"text":"وقال أحمد: لا يجوز وطء المستحاضة في الفرج، إلا أن يخاف زوجها أو سيدها العينة، وهو الزنا، فيجوز في أصح الروايتين، كما قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان أحكام المرأة الحائض، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>باب المرأة ترى الصفرة أو الكدرة</span>\nبيان أحكام المرأة ترى اللون الصفرة في الدم، والكدرة بضم أولهما لكن الكدرة، لون من البياض والصفرة.\n٨٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا علقمة بن أبي علقمة، عن أمه؛ مولاةِ عائشةَ زوج النبيِّ - ﷺ - أنها قالت: كان النساءُ يَبْعَثْنَ إلى عائشة بالدُّرْجَة فيها الكَرْسُفُ، فيه الصُّفْرَةُ من الْحَيْضَةِ، فتقولُ: لا تَعْجَلْنَ حتى تَرَيْنَ القَصَّةَ الْبَيْضَاءَ، تريد بذلك من الْحَيْضَة.\nقال محمد: وبهذا نأخُذُ، لا تطهُرُ المرأةُ ما دامت تَرَى حُمْرَةً أو صُفرةً أو كُدْرَةً، حتى تَرَى البياضَ خالصًا، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا، وفي نسخة قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا مالك، أخبرنا، وفي نسخة، قال: ثنا، وفي نسخة: أخبرني بالإِفراد، علقمة بن أبي علقمة، واسمه: بلال المدني، ثقة، علامة، روى له الجميع، مات سنة بضع وثلاثين ومائة (١)، عن أمه؛ واسمها: مرجانة، مولاةِ عائشةَ زوج النبيَّ - ﷺ - (٢) أنها أي: أم علقمة قالت: كان النساءُ يَبْعَثْنَ، أي: يرسلن في أواخر أوقات حيضهن، إلى عائشة أم المؤمنين، ﵂، بالدُّرْجَةِ بضم الدال المهملة فسكون الراء المهملة، وفتح الجيم والتاء حتى\n_________\n(٨٥) أخرجه: البخاري معلقًا، ومالك (١٢٧)، وعبد الرزاق في مصنفه (١١٥٩)، والبيهقي في الكبرى (١٦٣٤).\n(١) انظر: التقريب (١/ ٤٠٨).\n(٢) انظر: التقريب (٢/ ٨٧٦).","vol":"1","page":189},{"text":"تضع المرأة فيها طيبها ونحوه، والحفة: بضم: وعاء من خشب جمعها حف، وحفف، فيها، أي: في داخلها الكَرْسُفُ بضم الكاف، وسكون الراء المهملة والسين الساكنة، ثم الفاء، قطن فيه أي: الكرسف لون الصُّفْرَةُ الحاصلة من دم الْحَيْضَةِ، ويراد بالكرسف ما تحتشي وتضع به المرأة في فرجها من قطنة وغيرها؛ لتعرف هل بقي من أثر (ق ٨٨) دم الحيض شيء أم لا، فتقولُ: أي: عائشة ﵂، وإنما عبر أم علقمة عن الماضي بالمضارع بقولها: فتقولُ إحضارًا في قلوب المخاطبين هذا الحكم: لا تَعْجَلْنَ بالفوقية، أو التحتية، جمع المؤنث خطابًا أو غيبة كما في (الكواكب)، أو خطابًا لكلهن على حد قوله تعالى في سورة المؤمنون: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [المؤمنون: ٥١]، وجمع تعظيمًا لكل واحدة منهن، حتى تَرَيْنَ أي: تبصرن أو تعرفن، قوله: حتى ترين غاية لقولها: لا تعجلن باعتبار معناه، وهو أمهلن، أو غاية لمحذوف، بل أمهلهن بالاغتسال والصلاة، حتى ترين القَصَّةَ الْبَيْضَاءَ، بفتح القاف، وتشديد الصاد المهملة: شيء يشبه المخاط، يخرج انتهاء الحيض، وقيل: هي كالخيط الأبيض يخرج من قبل المرأة، عقيب انقطاع الدم، ويدفعها الرحم عند انقطاع الحيض. يُعرف بها أنها طهرت، تريد عائشة ﵂ بذلك، أي: برؤية القصة الطهر من الْحَيْضَة.\nقال مالك: سألتُ النساء عنه فإذا هو أمر معلوم عندهن يرينه عند الطهر.\nقال محمد: وبهذا نأخُذُ، لا تطهُرُ المرأةُ ما دامت تَرَى حُمْرَةً أو صُفرةً أو كُدْرَةً، أي: وسائر الألوان، فإنها حيض.\nكما في نسخة: حتى تَرَى البياضَ خالصًا، أي: نقيًا وهو أي: التربص والانتظار إلى وقت البياض الخالص عن الكدرة، قولُ أبي حنيفة، رحمه الله تعالى.\nفإن قيل: ما الحكمة في غسل جميع البدن في الجنابة، دون البول؟ أنجس من المني، ودم الحيض والنفاس؟\nالجواب: لأن جميع الأعضاء غفلت في تلك اللذة، من الله تعالى باستغراقها في الشهوة، فوجب غسل جميعها.\nوقيل: لما وجد لذة التمتع كل عضو فوجب غسلها شكرًا لنعمة التمتع.\nوقيل: تحت كل شعرة جنابة، إشارة إلى أن تحت كل نعمة شدة.","vol":"1","page":190},{"text":"وقيل: في الاغتسال منافع دينية، منها:\nمخالفة الكفار، فإنهم لا يغسلون، وإزالة الدنس والأبخرة الرديئة النفسانية التي تورث بعض الأمراض، وتسكين حرارة شهوة الطبيعة.\nوقيل: لما كان التمتع على وفاق النفس وجب الاغتسال على مخالفتها.\nوقال الشيخ النيسابوري في كتاب (اللطائف):\nفوائد الطهارة عشرة:\nطهارة الفؤاد صرفه عما سوى الله تعالى، وطهارة السِّر وهو رواية المشاهدة، وطهارة البطن وهو أكل الحلال، والعفة عن أكل الشبهات، وطهارة البدن، وهو ترك الشهوات وإزالة الأدناس، وطهارة اليدين وهو الورع والاجتهاد، وطهارة اللسان، وهو الذِكر والاستغفار، كما في (خواتم الحكم) (١).\n* * *\n\n٨٦ - أخبرنا مالك أخبرنا عبد الله بن أبي بكر، عن عَمَّتِهِ، عن ابنة زيد بن ثابت، أنه بَلَغَهَا أنَّ نساءً كُنَّ يَدْعُونَ بالمصابيح من جوف الليل، فَينْظُرْنَ الطُّهرَ، فكانت تَعِيبُ ذلك عليهن، وتقول: ما كان النساءُ يصنعن هذا.\n• أخبرنا وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا مالك، أخبرنا، وفي نسخة: قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: أخبرني، بالإِفراد، عبد الله بن أبي بكر، ابن عمرو بن حزم الأنصاري، أحد أعلام المدينة، تابعي، روى عن: أنس بن مالك، وعروة بن الزبير بن العوام، وعنه: الزهري، والثوري، وابن عيينة، كان كثير الحديث.\nقال أحمد: حديثه تراق، مات سنة خمس وثلاثين (٢).\n_________\n(١) انظر: خواتم الحكم (٢/ ٥١٥، ٥١٦).\n(٨٦) أخرجه: البخاري تعليقًا، ومالك (١٢٨)، وابن أبي شيبة (١/ ١١٧)، والبيهقي في الكبرى (١٦٣٥).\n(٢) انظر: التقريب (١/ ٢٨١).","vol":"1","page":191},{"text":"عن عَمَّتِهِ، (ق ٨٩) قال ابن الحَذَّاء: هي عمرة بنت حزم، عمة جد عبد الله بن أبي بكر، وقيل لها عمته مجازًا. وتعقبه الحافظ: بأن عمرة صحابية قديمة، روى عنها جابر الصحابي، ففي روايتها عن ابنة زيد بن ثابت بعد، فإن كانت ثابتة لوقوع رواية الأكابر عن الأصاغر؛ فرواية عبد الله عنها منقطعة؛ لأنه لا يدركها، ويحتمل أن المراد عمته الحقيقية، وهي أم عمرو أو أم كلثوم. انتهى.\nعن ابنة زيد بن ثابت، قال الحافظ (١): ذكروا لزيد بن ثابت من البنات: حسنة، وعروة، وأم كلثوم، وغيرهن، ولم أجد لواحدة منهن رواية، إلا أم كلثوم، وكانت زوج سالم بن عبد الله بن عمر، وكأنها هي المبهمة هنا، وزعم بعض الشراح أنها أم سعد.\nقال: لأن ابن عبد البر ذكرها في الصحابة.\nأنه أي: الشأن بَلَغَهَا أي: وصل إليها ونُقِلَ إليها أنَّ نساءً، أي: جمعًا منهن كُنَّ يَدْعُونَ بالمصابيح، أي: يطئن السرج من جوف الليل، فَينْظُرْنَ إلى ما يدل على الطُّهر، أي: ما يدل على طهرهن من الكرسف، فكانت أي: ابنة زيد تَعِيبُ ذلك عليهن، بكسر الكاف، أي: فعلهن هذا، وتقول: أي: ابنة زيد: ما كان النساءُ أي: نساء الصحابة، فاللام للعهد، كما في (الفتح) (٢) يصنعن هذا، وإنما عابت عليهن ما لا يلزم، وإنما يلزم النظر إلى الطهر إذا أردن النون أو إذا قمن لصلاة الصبح، قاله مالك في (المبسوط) (٣)، وذكره الباجي من علماء المالكية، وقال ابن بطال وغيره: لأن ذلك يقتضي الحرج.\nكما قاله الزرقاني (٤) وعلي القاري، ولعل إنكارها عليهن دفعًا للوسواس عنهن، وإلا فلا شك أنه يجب عليهن البحث عن حالهن، لترتب وجوب صلاتهن وصيامهن، وجواز جماعهن، وغير ذلك من أحوالهن.\nلما فرغ من بيان أحوال المرأة الحائض، شرع في بيان بعض أحكامها، فقال: هذا\n* * *\n_________\n(١) و(٢) انظر: الفتح (١/ ٤٢٠).\n(٣) انظر: المبسوط (١/ ٥٢٠).\n(٤) انظر: شرح الزرقاني (١/ ١٧٢).","vol":"1","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>باب المرأة تغسل بعض أعضاء الرجل وهي حائض</span>\nبيان أحكام أحوال المرأة؛ التي تغسل بعض أجزاء الرجل، وهي حائض، ولا يجوز إدخال التاء في آخره؛ لأن الحيض من الصفة الثابتة لا الحادثة كما لا يجوز إدخالها في آخر حامل، ومرضع، وطالق.\nوللبصريين في نحو ذلك مذهبان: مذهب الخليل: أن التاء بمعنى النسب كلابن وتامر، بمعنى ذي لبن، وذي تمر، فيكون معناها: ذات حيض، وذات حمل، وذات إرضاع، وذات طلاق.\nومذهب سيبويه: أنه يؤل بإنسان أو شيء حائض أو حامل وكذا في (البواقي)، وأما إذا أريد الصفة الحادثة، يجوز إدخال التاء؛ بأن يقول: امرأة حائضة الآن وغدًا، كما نقله صاحب (الفرائد) عن (غاية البيان).\n٨٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن ابن عمر كان تَغْسِلُ جَوَارِيهِ رِجْلَيْهِ ويُعْطينَه الْخُمْرَةَ، وهنَّ حُيَّضٌ.\nقال محمد: لا بأس بذلك. وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: أخبرني، بالإِفراد نافع، أن ابن عمر، ﵄ كان تَغْسِلُ جَوَارِيه بسكون الياء التحتية جمع جارية، وهي أمه أو بنته رِجْلَيْهِ أي: حال الوضوء، أو غيره، ويُعْطينَه الْخُمْرَةَ، بضم الخاء المعجمة، وسكون الميم، وهي سجادة صغيرة منسوجة من سعف النخل وهي مأخوذة من الخمر، يعني التغطية؛ لأنها تغطي جبهة المصلي من الأرض، هذا حاصل ما في (الضياء)، وفي (ق ٩٠) (النهاية) (١): مقدار ما يضع الرجل وجهه عليه في سجوده، من الحصير، أو نسجة خوض ونحوه، من نبات الخوض، بضم الخاء والضاد المعجمتين بينهما، واو ورق النخل جمع خوضة، ولا يكون الخمرة إلا في هذا المقدار، وسميت\n_________\n(١) انظر: النهاية في غريب الحديث (٢/ ٧٧، ٧٨).","vol":"1","page":193},{"text":"خمرة لأن خيوطها مستورة لسعتها، وهُنَّ أي والحال أن الجواري حُيَّض بضم الحاء، وفتح الياء المشددة جمع حائض.\nقال محمد: لا بأس أي: لا حرج بذلك؛ أي: في غسل المرأة الحائض بعض أعضاء الرجل، وهو أي: ما قاله من عدم الحرج بغسلها به، قولُ أبي حنيفة، رحمه الله تعالى، والباقي من الكلام سبق عليه.\n* * *\n\n٨٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا هشام بن عُرْوَةَ، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كنت أرَجِّلُ رأسَ رسول الله - ﷺ -، وأنا حائضٌ.\nقال محمد: لا بأسَ بذلك، وهو قولُ أبي حنيفة والعامَّةِ من فقهائنا.\n• أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد، أخبرنا مالك، وفي نسخة قال: أخبرني، بالإِفراد، وفي نسخة أخرى: ثنا رمزًا إلى حدثنا هشام بن عُرْوَةَ، عن أبيه، أي: عروة بن الزبير بن العوام، عن عائشة، أي: زوج النبي - ﷺ - كما في (الموطأ) لمالك، قالت: كنت أرَجِّلُ بضم الهمزة، وفتح الراء، وتشديد الجيم المكسورة واللام، أي: أُمَشِّط شعر رسول الله - ﷺ -. وإسناد الترجل إلى رأسه - ﷺ - مجاز من قبيل إطلاق المحل على الحال القصد المبالغة في تنظيفه، وأنا حائضٌ، جملة حالية وهذه مناسبة للترجمة.\nقال محمد بن الحسن الشيباني: لا بأسَ بذلك، وهو قولُ أبي حنيفة والعامَّةِ من فقهائنا، ففيه دلالة على طهارة بدن الحائض، وألحق عروة بها الجنب، والحق أيضًا الخدمة بالترجيل.\n_________\n(٨٨) أخرجه: البخاري (٢٩١)، (٥٥٨١)، ومسلم (٢٩٧)، والنسائي في المجتبى (٢٧٦)، (٣٨٧)، والدارمي (١٠٤٨)، (١٠٤٩)، ومالك (١٣٢)، والنسائي في الكبرى (٢٧٠)، (٣٣٨١)، (٣٣٨٥)، وابن حبان (١٣٩٥)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٢٩)، والطبراني في الأوسط (١٥٦٧) (٢٠٨٧)، والبيهقي في الكبرى (٩٠٨)، وأبو يعلى (٤٦٣٢)، وزوائد المسند (٢٤٢١٠).","vol":"1","page":194},{"text":"كما في البخاري عنه: قال ابن عبد البر (١): في ترجيله - ﷺ - لشعره، وأخذه من شاربه، ونحو ذلك دليل على أنه: خلاف النظافة وحسن الهيئة في اللباس، والزينة، ليس من الشريعة، كما قاله العلامة الزرقاني (٢).\nلما فرغ من بيان جواز غسل المرأة الحائض، بعض أعضاء الرجل الطاهر، شرع في بيان جواز استعمال سؤر المرأة الجنب والحائض، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>باب الرجل يغتسل ويتوضأ بسؤر المرأة</span>\n٨٩ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن ابن عمر قال: لا بأس بأن يغتسلَ الرجلُ بفضْل وَضوء المرأةِ ما لم تكن جُنُبًا أو حائضًا.\nقال محمد: لا بأس بفضْلِ وَضوء المرأة وغُسْلِها وسُؤرِها، وإن كانت جُنُبًا أو حائضًا.\nبلَغَنَا: أن النبي - ﷺ - كان يغتسل هو وعائشةَ من إناء واحِدٍ، يَتَنَازَعَانِ الغُسْل جميعًا، فهذا أفْضَلُ غُسل المرأةِ الجُنُب، وهو قولُ أبي حنيفة.\nبيان حال الرجل يجوز أن يغتسل، ويتوضأ بسؤر المرأة: كلمة \"أو\" للتفريع، أو بمعنى الواو، وجمع بينهما ليكون نصًا على اتحاد حكمهما، إلا أن الغسل أنفع، للتقرب إلى الله تعالى، والسؤر: بضم السين المهملة، وسكون الهمزة، بعدها راء مهملة ماء أبقاه الحيوان بعد شربه، ولاسم بقية الطعام، وبقية ماء الوضوء: بفتح الواو وهو ما يتوضأ به، فيجوز الغسل والوضوء والشرب بسؤر المرأة مطلقًا، سواء صغيرة أو كبيرة، أو مسلمة أو كافرة أو طاهرة أو حائضًا أو نفساء؛ لأن سؤر الآدمي طاهر في نفسه مطهر غيره، بلا كراهة في استعماله بالاتفاق؛ لأن لعابهم متولدة من لحم طاهر، فيكون المخلوط به مثله،\n_________\n(١) انظر: التمهيد.\n(٢) انظر: شرح الزرقاني (١/ ١٧٤).\n(٨٩) أخرجه: مالك (١١٦).","vol":"1","page":195},{"text":"ولا يؤكل لحمه لكرامته لا لخبثه، كما استتبعناه في (سلم الفلاح) شرح مذنب (نور الإِيضاح).\n• أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: ثنا، وفي نسخة أخرى: محمد ثنا مالك، حدثنا، وفي نسخة قال: ثنا رمزًا إلى: حدثنا نافع، عن ابن عمر، ﵄، قال: لا بأس أي: لا كراهة بأن يغتسلَ الرجلُ بفضْل وَضوء المرأةِ ما لم تكن جُنُبًا أو حائضًا، أي: أجنبية.\nذهب جمهور الصحابة والتابعين إلى الجواز بلا كراهة، وعليه فقهاء (ق ٩١) الأمصار، إلا أن ابن حنبل فكرهه إذا خلت به، لعله أراد بفضل وضوء المرأة بقية ماء شربته المرأة الأجنبية، فأبقت ماء ثم توضأت منه، فأبقت ماء فيجوز وضوء رجل أجنبي منه مع الكراهة؛ لأنه استعمل بجزء من أجزاء الأجنبية وهو ريقها المختلط بالماء، وهذا منقول عن التمرتاشي في (منح الغفار) عن (المجتبى) من أنه قال: لا يجوز شرب سؤر المرأة الأجنبية للرجل، والعكس أنه يصير مستعملًا بجزء من أجزاء الأجنبية، وهو ريقها المختلط بالماء.\nوحجة الجمهور: ما صح عن عائشة ﵂، أنها قالت: كنتُ أغتسل أنا ورسول الله - ﷺ - من إناء واحد، من الجنابة (١)، كما تقدم، وفعله - ﷺ - مع ميمونة ﵂، وغيرها من أزواجه.\nقال ابن عبد البر (٢): والآثار في معناه متواترة.\nقال محمد: لا بأس أي: لا حرج لرجل أن يستعمل بفضْل وَضوء المرأة بفتح الواو، أي: بقية ماء وضوءها، وغُسْلِها، ولا يبعد ضبطها بفتح الواو، وغُسْلِها بكسر العين المعجمة، ماء يغسل به سؤرها، أي: وسائر سؤرها؛ ليشمل بقية مائها بعد شربها، مع أنه أقوى، وإن كانت وصلية، أي: ولو كانت المرأة جُنُبًا أو حائضًا، أي: إن لم تكن أجنبية، كما يؤيده قوله: بلَغَنَا: أن النبي - ﷺ - كان يغتسل هو أي: النبي - ﷺ - آكد به، ليصح\n_________\n(١) أخرجه: البخاري (٢٦٠).\n(٢) انظر: التمهيد (٨/ ١٠٠ - ١٠١)، وشرح الزرقاني (١/ ١٥٦).","vol":"1","page":196},{"text":"عطف وعائشةَ ﵂، من إناء واحِدٍ، يسارعان الغُسْل جميعًا، بفتح الغين المعجمة، وهو مصدر، أي: يتبادران ويتسارعان فيه، ويجوز أن يكون بضم الغين، أي: في مائه واستعماله.\nفهذا أي: الحديث، يدل على جواز استعمال الرجل فضل غسل بكسر الغين المرأةِ الجُنُب، أي: وفي معناه الحائض والنفساء، وهو أي: القول بجواز الوضوء وغيره بفضل غُسل المرأة الجُنُب، هو قولُ أبي حنيفة، ﵀.\nلما فرغ من بيان ما يدل على جواز غسل الرجل، ووضوئه بسؤر المرأة، شرع في بيان ما يدل على جواز الوضوء بسؤر الهرة، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>باب الوضوء بسؤر الهرة</span>\nفي بيان ما يدل على جواز الوضوء بسؤر الهرة، بماء أبقاه الهرة بعد ما شربت منه.\n٩٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن طلحة، أن امرأته حُمَيْدَةَ ابنة عُبَيْد بن رِفَاعةَ أخبرتْه عن خالتها كَبْشَةَ ابنةِ كعب بن مالك - وكانت تحت أبي قَتَادَةَ -: أن أبا قَتَادَة أمرها فسكَبَتْ له وَضوءًا، فجاءت هِرَّةٌ فشربت منه، فأصْغَى لها الإِناءَ فشربتْ، قالت كَبْشَةُ: فرآني أنْظرُ إليه، فقال: أتَعْجَبِينَ يا ابنة أخي؟ قالت: قلت: نعم، قال: إن رسول الله - ﷺ - قال: \"إنها ليست بِنَجَسٍ، إنها من الطَوَّافِينَ عليكم والطَّوَّافات\".\nقال محمد: لا بأس بأن يُتوَضَّأ بفضْل سُؤرِ الهرَّة، وغيرُه أحب إلينا. وهو قولُ أبي حنيفة.\n_________\n(٩٠) أخرجه: أبو داود (٧٥)، والنسائي في المجتبى (٦٨) (٣٣٩)، وابن ماجه (٣٦٧)، والدارمي (٧٣٦)، ومالك (٤٣)، والنسائي في الكبرى (٦٣)، وابن حبان (١٢٩٩)، وابن أبي شيبة (٨/ ٤٠٩)، وعبد الرزاق في مصنفه (٣٥٣)، وابن خزيمة (١٠٤)، والدارقطني (١/ ٧٠)، والشافعي في المسند (١١)، والبيهقي في الكبرى (١٢٠٢)، وزوائد المسند (٢٢٠٧٤).","vol":"1","page":197},{"text":"• أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا مالك، أخبرنا وفي نسخة: قال: ثنا، أي: قال مالك: ثنا، وفي نسخة أخرى: أخبرني، بالإِفراد، إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، زيد بن سهل الأنصاري من ثقات التابعين، المدني، قال الواقدي: كان لا يقدم عليه أحدًا في الحديث، سمع أنس بن مالك، وأبا مرثد وغيرهما، مات سنة اثنين وثلاثين ومائة (١). أن امرأته أي: زوجة إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، حُمَيْدَةَ (٢) بضم الحاء وفتح الميم، مصغر عند رواية (الموطأ)، إلا أن يحيى الليثي قال: إنها بفتح الحاء، وكسر الميم نبه عليه أبو علي ابنة عُبَيْد بالتصغير، ابن رِفَاعةَ بكسر الراء، أخبرتْه أي: حميدة، عن خالتها كَبْشَةَ بفتح الكاف والشين المعجمة بينهما موحدة ساكنة، بنت كعب وفي نسخة: ابنةِ كعب بن مالك الأنصاري، قال ابن حبان: لها صحبة، وتبعه المستغفري، وكانت أي: والحال أن كبشة بنت كعب بن مالك تحت أي: زوجة عبد الله بن أبي (ق ٩٢) قَتَادَةَ الأنصاري، اسمه: الحارث، ويقال: عمرو، ويقال: النعمان بن ربعي، بكسر الراء، وسكون الموحدة، بعده مهملة السلمي بفتحتين، المدني، شهد أحدًا وما بعدها، ولم يشهد بدرًا، ومات سنة أربع وخمسين على الأصح الأشهر: أن أبا قَتَادَة، أي: الحارث بن ربعي الأنصاري، فارس رسول الله - ﷺ -، أمرها أي: كبشة، بصب ماء الوضوء على أعضاء الوضوء، حين دخل عليها، وطلبت منه أن يأمرها بصب ماء الوضوء، طلب برضاء زوجها عبد الله بن أبي قتادة، وأمرها به، فسكَبَتْ له أي: صبت لأجله وَضوءًا، بفتح الواو، أي: الماء الذي يتوضأ به، فجاءت هِرَّةٌ فشربت منه، أي: بعض الماء في الإِناء، أو من طرفه، فمن ابتدائية، فأصْغَى بغين معجمة على وزن أطغى، أي: أمال أبو قتادة لها لأجل الهرة الإِناءَ، ولعله لقلة الماء أو لسعة الإِناء، والأظهر أن قوله: فشربت منه، أي: أرادت أن تشرب منه، ولم تقدر عليه، فأصغى لها الإِناء، حتى لا يتكرر، فشربتْ، وفي نسخة: فشربت منه، قالت كَبْشَةُ: فرآني أي: أبو قتادة أنْظرُ إليه، أي: إلى نفسه، وإلى نعله نظر المنكر، على صيغة اسم الفاعل، أو نظر للتعجب، فقال أتَعْجَبِينَ يا ابنة أخي؟ أي: في الدين أو في الرهط أو في\n_________\n(١) انظر: التقريب (١/ ٤٤).\n(٢) انظر: التقريب (٢/ ٨٦٠).","vol":"1","page":198},{"text":"الصحبة؛ لأن أباها صحابي مثله، وسلمى من قبيلة، وهو أحد الثلاثة. قالت: أي: كبشة، قلت: نعم، أعجب، قال: لا تعجبي، إن رسول الله - ﷺ - قال: إنها أي: الهرة ليست بِنَجَسٍ، بفتح الجيم من النجاسة.\nقال الله تعالى في سورة التوبة: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، كما نقله الزرقاني (١)، عن السيوطي (٢): إنها من الطَوَّافِينَ عليكم أي: من الذين يداخلوكم ويخالطونكم، قاله أبو عمر، وفي نسخة: إنما هي من الطوافين عليكم والطَّوَّافات.\nقال البوني: الطوافين الخدم، والطوافات: الخادمات.\nوانظر إلى قوله تعالى في سورة الواقعة: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧]، و[الإنسان: ١٩]، فالهرة في اختلاطها كبعض الخدم.\nوروى ابن ماجه، والحاكم، وابن عدي، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: \"أن الهرة لا تقطع الصلاة، إنما هي من متاع البيت\" (٣).\nوهذا يدل على أنها طاهرة ما دامت تدخل في البيوت، فنجاسة سؤرها ساقطة، لعلة الطواف المنصوصة في قوله - ﷺ -: \"إنها ليست نجسة، إنها من الطوافين عليكم\"، فيكون من قصر الموصوف على الصفة، والقصر في اللغة: الحبس.\nوفي اصطلاح المعانيين: تخصيص شيء بشيء بأداة الحصر، وهي هنا كلمة إنما، وقصر الموصوف على الصفة، وهو أن لا يتجاوز الموصوف الآخر. والمراد بالصفة هنا الصفة المعنوية، أعني القائم بالغير نحو العلم حسن، والجهل قبيح، فالهرة مقصورة على الصفة الطهارة، ما دامت في البيوت، وكذا سؤرها إن لم يكن في فمها نجاسة.\nوقال علي القاري، وعن أبي يوسف: إن سؤر الهرة ليس بمكروه، لما رواه\n_________\n(١) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٨٢).\n(٢) انظر: تنوير الحوالك (١/ ٣٥، ٣٦).\n(٣) أخرجه: ابن ماجه (٣٦٩)، وابن خزيمة (١٠٣)، (٨٢٨)، والحاكم (٩٣٥)، والبيهقي في الكبرى (١٢٢٣).\nوقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم.","vol":"1","page":199},{"text":"الطحاوي والدارقطني (١): عن عائشة ﵂، أنها قالت: إن النبي - ﷺ - كان يصغي، أي: يميل للهرة الإِناء، حتى تشرب منه.\nوروى الدارقطني، (ق ٩٣) وابن ماجه، من حديث حارثة، عن عمرة، عن عائشة ﵂، أنها قالت: كنتُ أتوضأ أنا ورسول الله - ﷺ - في إناء واحد، قد أصابت منه الهرة قبل ذلك (٢).\nقال محمد بن الحسن الشيباني: لا بأس أي: يجوز بأن يتوَضَّأ أي: المتوضئ، والأظهر بصيغة المفعول، بفَضْل سُؤرِ الهرَّة، أي: بماء فضل من شربها، فالإِضافة؛ لأن السؤر هو البقية، وغيرُه أي: غير سؤرها، أحب إلينا منه، أي: إذا وجد فإنه أبعد من الكراهة، وأقرب إلى النظافة، وهو أي: القول بجواز الوضوء بفضل سؤر الهرة، قولُ أبي حنيفة، ﵀، ونفعنا الله بعلمه وشفاعته.\nلما فرغ من بيان أحكام الطهارة، شرع في بيان الأحكام التي تتعلق بالصلاة، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>باب في بيان أحكام الأذان والتثويب</span>\nالأذان لغة: إعلام، ومنه قوله تعالى في سورة التوبة: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ﴾ [التوبة: ٣]، وفي سورة الجمعة: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ﴾ [الجمعة: ٩].\n_________\n(١) أخرجه: الدارقطني (١/ ٧٠)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٩)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٣٠٨).\nقال الحافظ: أخرجه الدارقطني من حديث عائشة بإسنادين ضعيفين، وأخرجه الطحاوي من وجه آخر وهو ضعيف \"الدراية\" (١/ ١٦).\nوقال ابن الملقن: في إسناده عبد الله بن سعيد المقبري وهو واه، (خلاصة البدر) (٣٨).\n(٢) أخرجه: ابن ماجه (٣٦٨)، والدارقطني (١/ ٦٩)، والخطيب في التاريخ (١١/ ٤٣٧)، وابن عدي في الكامل (٢/ ١٩٩)، والربيع (١٦٠).\nوقال الخطيب: فيه سلم بن المغيرة، وهو ضعيف، وفيه حارثة بن محمد وهو ضعيف.","vol":"1","page":200},{"text":"وشرعًا: نداء ودعاء إلى الصلاة بالألفاظ المخصوصة، معروفة قبل الإِقامة.\nوالتثويب: دعاء بعد دعاء إلى الصلاة، بين الأذان والإِقامة، بأي لفظ كان على حسب ما تعارفه كأهل بلدة.\nوقال بعض من الحنفية: التثويب: هو أن يقول المؤذن في صلاة الفجر: الصلاة خير من النوم مرتين، واختلف العلماء: هل باشر النبي - ﷺ - الأذان بنفسه؟ فقال السهيلي والنواوي: إنه أذن مرة في سفر (١)، أخرجه الترمذي.\nقال ابن حجر العسقلاني (٢): لكن وجدنا الحديث في مسند أحمد من الوجه الذي أخرجه الترمذي بلفظ: فأمر بلالًا بالأذان، فعرف أن في رواية الترمذي اختصار، أو أن معنى أذن، أمر بلالًا بالأذان.\nقال السيوطي (٣): قد ظفرت بحديث آخر مرسل، أخرجه سعيد بن منصور في سننه: حدثنا معاوية، حدثنا عبد الرحمن بن أبي بكر القرشي عن أبي مليكة: قال: أذن رسول الله - ﷺ - مرة، فقال: \"حي على الفلاح\"، وهذه رواية لا تقبل ولا تقبل التأويل. انتهى كلامه في (حاشيته على البخاري).\n* * *\n\n٩١ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهابٍ الزُّهْريُّ، عن عَطاء بن يزيد اللَّيْثيِّ،\n_________\n(١) أخرجه: الترمذي (٢٠٥)، والنسائي في المجتبى (٧٨٠)، والنسائي في الكبرى (٨٥٦)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٤٦)، وابن خزيمة (٣٩٦)، والبيهقي في الكبرى (١٩٨١)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\n(٢) انظر: الفتح (٢/ ٧٩).\n(٣) انظر: تنوير الحالك (١/ ١٢٨).\n(٩١) أخرجه: البخاري (٥٨٦)، ومسلم (٣٨٣)، وأبو داود (٥٢٢)، والترمذي (٢٠٨)، والنسائي في المجتبى (٦٧٢)، وابن ماجه (٧٢٠)، والدارمي (١١٨٣)، ومالك (١٤٧)، والنسائي في الكبرى (١٦٣٧)، وابن حبان (١٦٨٦)، وعبد الرزاق في مصنفه (١٨٤٢)، وابن خزيمة (٤١١)، والشافعي في المسند (١٣١)، وأبو يعلى (١١٨٩)، والبيهقي في الكبرى (١٩٦٤)، وزوائد المسند (١١١١٢).","vol":"1","page":201},{"text":"عن أبي سعيد الْخُدْرِيِّ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا سمعتم النِّدَاء فقولوا مثل ما يقول المؤذِّنُ\".\nقال مالك: وبَلَغَنَا أن عمر بن الخطاب جاءهُ المؤذِّنُ يُؤذنُه بصلاة الصُّبح، فوجده نائمًا، فقال المؤذِّنُ: الصلاة خيرٌ من النَّوْم فأمَر عمرُ أن يَجْعَلَهَا في نِدَاء الصُّبح.\n• أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: قال محمد: ثنا وفي نسخة: ثنا مالك، أخبرنا، وفي نسخة: قال: ثنا، وفي نسخة أخرى: أخبرني، بالإِفراد، ابن شهابٍ الزُّهْريُّ، كما في نسخة، عن عَطاء بن يزيد بتحتية وزاي معجمة، اللَّيْثيِّ، المدني، نزيل الشام، من ثقات التابعين، ورجال الجمع، مات سنة خمس أو سبع ومائة، وقد جاوز الثمانين (١).\nولأبي عوانة (٢) من رواية ابن وهب عن مالك، ويونس عن الزهري، أن عطاء بن يزيد أخبره، عن أبي سعيد الْخُدْرِيِّ، ﵁، بضم الخاء المعجمة وسكون الدال المهملة، نسبة إلى قبيلة بني خدرة، وهو سعد بن مالك الأنصاري، اشتهر بكنيته، كان من الحفاظ المكثرين، والعلماء المعتبرين، روى عنه جماعة من التابعين (ق ٩٤) والصحابة، مات سنة أربع وسبعين، ودُفِنَ بالبقيع (٣). أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا سمعتم النِّدَاء أي: الأذان، سمي به؛ لأنه نداء إلى الصلاة ودعاء إليها، فقولوا مثل ما يقول المؤذِّنُ\".\nقال الرافعي: ظاهره في جميع الكلمات، لكن وردت أحاديث باستثناء حي على الصلاة، وحي على الفلاح، بدلها: لا حول ولا قوة إلا بالله.\nوقال ابن المنذر: ويحتمل أن يكون ذلك من الاختلاف المباح، فيقول تارة كذا وتارة كذا، كذا قاله علي القاري، أقول: ولا مانع في الجمع.\n_________\n(١) انظر: التقريب (١/ ٤٠٢).\n(٢) انظر: مسند أبي عوانة (٩٨٦).\n(٣) انظر: التقريب (١/ ٢٠١).","vol":"1","page":202},{"text":"وادَّعى ابن وضاح بأن قول المؤذن مدرج، وتعقب بأن الإِدراج لا يثبت بمجرد الدعوى، وقد اتفقت الروايات في الصحيحين و(الموطأ) على إثباته. انتهى.\nقال مالك: بَلَغَنَا، وفي نسخة: وبلغنا بالواو، وفي نسخة: بالفاء، لكن في نسخ الموطأ لمالك: بلغه، بضمير المفرد الغائب، وبغير الواو والفاء، أن عمر بن الخطاب جاءه المؤذِّنُ يُؤذنُه بالتخفيف، وببدل أو بالتشديد، وببدل إلى جاءه المؤذن، حال كونه يعلمه، أو لإِعلامه بصلاة الصُّبح، فوجده نائمًا، فقال المؤذِّنُ: الصلاة خيرٌ من النَّوْم، فأمَر عمرُ أن يَجْعَلَهَا في صلاة الصُّبح، أي: في تثويبه. كما قال بعض أصحابنا: التثويب: هو أن يقول في أذان الفجر: الصلاة خير من النوم مرتين، كما قاله علي القاري.\nوروى ابن ماجه (١) من طريق ابن المسيب عن بلال أنه أتى النبي - ﷺ - يؤذن لصلاة الفجر فقيل: نائم، فقال: الصلاة خير من النوم، مرتين، فأقرت في تأذين الفجر، فثبت الأمر على ذلك.\nوروى بقي بن مخلد، عن أبي محذورة، قال: كنتُ غلامًا صبيًا فأذنت بين يدي رسول الله - ﷺ - الفجر يوم حنين، فلما انتهيت إلى حي على الفلاح، قال: \"الحق بها: الصلاة خير من النوم\" (٢).\nوقال مالك في (مختصر بن شعبان): لا يترك المؤذن قوله في نداء الصبح: الصلاة خير من النوم، في سفر ولا حضر. ومن أذن في ضيعته؛ أي في أرضه الخالية مستحيًا من الناس، فتركه فلا بأس، وأحب إلينا أن يأتي، كما قاله الزرقاني (٣).\n_________\n(١) أخرجه: ابن ماجه (٧١٦)، والدارمي (١١٩٢)، وعبد الرزاق في مصنفه (١٨٢٠)، والطبراني في الكبير (١٠٧٨)، والأوسط (٧٥٨٣)، وفي المراسيل (٢٢)، وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن الزهري إلا صالح بن الأخضر، ولا عن صالح إلا عمر بن صالح تفرد به عامر بن إبراهيم.\nضعفه الحافظ في التلخيص (١/ ٢٠١).\n(٢) أخرجه: أبو داود (٥٠١)، والنسائي في المجتبى (٦٣٢)، والنسائي في الكبرى (١٥٩٧) (١٦١١)، وابن حبان (١٦٨٢)، وعبد الرزاق في مصنفه (١٧٧٩)، وابن خزيمة (٣٨٥)، والدارقطني (١/ ٢٣٧)، والبيهقي في الكبرى (٢٠١١)، (٢٠٢٠).\n(٣) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٢١٧ - ٢١٨).","vol":"1","page":203},{"text":"وقد روى الترمذي، وابن ماجه من حديث ابن أبي ليلى: عن بلال قال: أمرني رسول الله - ﷺ - أن لا أثوب في شيء من الصلاة إلا في الفجر (١).\nولهذا قال أصحابنا المتقدمون: إن التثويب مكروه في غير الفجر، إلا أبا يوسف، فإنه لم يكرهه في حق أمراء زمانه، لاشتغالهم بأمور المسلمين، وقال أصحابنا المتأخرون: إنه حسن في كل صلاة، لتواني الناس في الأمور الدينية واشتغالهم بالأمور الدنيوية.\n* * *\n\n٩٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر: أنه كان يكبِّرُ في النِّدَاء ثلاثًا، ويتشهَّدُ ثلاثًا، وكان أحيانًا إذا قال: حَيَّ على الفَلَاحِ، قال على إثْرِها: حَيَّ على خَيْرِ العَمَل.\nقال محمد: (الصلاةُ خير من النَّوْم) يكونُ ذلك في نِدَاء الصُّبح بعد الفراغ من النِّدَاء، ولا نُحب أن يُزاد في النِّدَاء ما لم يكن منه.\n• أخبرنا، وفي نسخة محمد: قال ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: ثنا، وفي أخرى: محمد: أخبرنا مالك، وفي نسخة: أخبرني، بالإِفراد نافع، عن ابن عمر ﵄: أنه أي: عبد الله بن عمر كان يكبِّرُ في النِّدَاء (٢) أي: في أذانه ثلاثًا، بأن يقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، والتكبير فيه أربع إجماعًا، ويتشهَّدُ أي: في أكثر النداء ثلاثًا، والتشهد اثنان اتفاقًا في كل من الشهادتين.\nوروى الطحاوي والبيهقي (٣) في (الخلافيات) عن أبي العُميس، قال: سمعتُ\n_________\n(١) أخرجه: ابن ماجه (٧١٥)، وعبد الرزاق في مصنفه (١٨٢٤)، والدارقطني (١/ ٢٤٣)، والطبراني في الكبير (١٠٩٢)، (١٠٩٣)، والبيهقي في الكبير (٢٠٢٩)، والبزار (١٣٧٣)، وزوائد المسند (٢٣٣٩٥).\n(٩٢) أخرجه: ابن أبي شيبة (١/ ١٩٦)، وعبد الرزاق في مصنفه (١٧٩٧)، والبيهقي في الكبرى (٢٠٣١).\n(٢) أخرجه: البيهقي في الكبرى (٢٠٣١).\n(٣) انظر: مختصر الخلافيات (١/ ٥٠٥)، وشرح معاني الآثار (١/ ١٣٤).","vol":"1","page":204},{"text":"عبد الله بن (ق ٩٥) محمد بن عبد الله بن زيد الأنصاري، يحدث عن أبيه، عن جده، أنه رأى الأذان مثنى مثنى، أي: مرتين، والإِقامة مثنى مثنى، كما قاله الشمني في (شرح النقاية).\nوقال أبو محذورة، ﵁، ألقى على رسول الله - ﷺ - التأذين، أي: لقنني كل كلمة الأذان من هذه الكلمات تسع عشر، بأن قال هو بنفسه لي قل: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله.\nكذا قاله البغوي في باب الأذان من (المصابيح).\nومعنى حي على الصلاة: أسرعوا وأقبلوا، أو تعالوا مسرعين إليها.\nومعنى حي على الفلاح: أسرعوا الخلاص من كل مكروه، والظهر بكل مراد، وقيل: الفلاح: البقاء، فمعناه أسرعوا إلى سبب البقاء في الجنة، وهو الصلاة بالجماعة، كما قاله ابن الملك في (شرح المصابيح).\nوفائدة قول ابن الملك بالجماعة: إظهار ما في قلب المصلي، وهو الاعتقاد بفرضية الصلاة، فإن سبب الخلود في الجنة والنار، استمرار أهل كل منهما على دينه، فإن من صلى بالجماعة حدد في قلبه من حقيقة دين الإِسلام، وكان أي: والحال، قد كان ابن عمر أحيانًا بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة والياء التحتية وألف ونون جمع، حين بكسر الياء والنون بمعنى الوقت، أي: كاد ابن عمر في أكثر أوقاته إذا قال: حَيَّ على الفَلَاحِ، أي: تعالوا وأسرعوا إلى بيت الفلاح والنجاة من العقاب، قال على إثْرِها: بفتحتين بكسر فسكون، أي: عقب تلك الجملة: حَيَّ على خَيْرِ العَمَل، وكان الإِمامية أخذوا بها.\nقال محمد: (الصلاةُ خير من النَّوْم) يكونُ ذلك أي: الكلام أو محل ذلك، في نِدَاء الصُّبح أي: تثويبه، بعد الفراغ من النِّدَاء الأول.\nوقال الإِمام ابن الهمام: وخصوا به الفجر، فكرهوه في غيره، وهو عن ابن عمر أنه سمع مؤذنًا يثوب في غير الفجر وهو في المسجد، فقال لصاحبه: قم حتى تخرج من عند هذا المبتدع.","vol":"1","page":205},{"text":"وعن عليّ ﵁: إنكاره، ولا يجب هكذا بالجيم في الأصل، فالمعنى لا ينبغي والظاهر أنه تصحيف، ولا نحب أي: لا نستحسن أن يُزاد في النِّدَاء أي: في نفس الأذان والإِقامة، ما لم يكن منه، أي: من النداء، أي من زيادة عدد كلمات الأذان، كترجيع ولحن، والترجيع: بتشديد الجيم وكسرها أن يقول المؤذن الشهادتين بصوت خفي، ثم يقولهما بصوت عال، واللحن: بالفتح فسكون: تغيير الإِعراب.\nوفي الصحيحين (١): لما قدم النبي - ﷺ - المدينة وبنى المسجد، تشاور الصحابة، فيما يجعل علمًا لأوقات الصلاة، ولجمعهم للصلاة، قال أنس بن مالك ﵁، ذكر جمع منهم إيقاد النار، وجمع ضرب الناقوس، وهي خشبة طويلة، يضرب بأخرى، أقصر منهما، فكره الآخرون منهم، بأن إيقاد من أمر اليهود، والناقوس من أمر النصارى (ق ٩٦)، فيلتبس أوقاتهم فتفرقوا من غير اتفاق على شيء، فاهتم عبد الله بن زيد لهم النبي - ﷺ -، فنام فرأى في المنام أن رجلًا ينادي بالصلاة قائلًا: الله أكبر الله أكبر. . . إلخ، فذكر ذلك للنبي - ﷺ - فقال - ﷺ -: \"هذه الرؤيا حق مع بلال فأذنا فإنه أندى صوتًا منك\"، فلما أذنا سمع عمر ﵁ وأتى النبي - ﷺ - فقال: والذي بعثك بالحق نبيًا، لقد رأيتُ مثل ما قال عبد الله بن زيد، فقال - ﷺ -: \"الحمد لله\".\nورأى الأذان في المنام في تلك الليلة أحد عشر رجلًا من أصحاب رسول الله - ﷺ -، كذا قاله ابن الملك في (شرح المصابيح)، ولما تم سنة أو سنتان بعد الهجرة فرض الجمعة بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، وأمر النبي - ﷺ - بلال بن رباح بالأذان، فأذن وسمعه اليهود، وقالوا: لقد ابتدعت يا محمد شيئًا لم يكن فيما مضى، فأنزل الله في سورة المائدة بعد نهي المؤمنين أن يتخذوا أهل الكتاب أولياء؛ لأنهم اتخذوا دين الإِسلام هزوًا ولعبًا: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ٥٨].\nقيل: في هاتين الآيتين دليل صريح على ثبوت الأذان، ومشروعيته بنص الكتاب\n_________\n(١) أخرجه: أبو داود (٤٩٩)، والترمذي (١٨٩)، وابن ماجه (٧٠٦)، والدارمي (١١٨٧)، وابن حبان (٢٨٧)، وابن خزيمة (٣٦٣)، والدارقطني (١/ ٢٤١).","vol":"1","page":206},{"text":"بالمنام فقط، كما في (عيون التفاسير) للشيخ شهاب الدين أحمد بن محمود السيد آسي: أول من أذن للصلاة جبريل في السماء الدنيا، فسمعه عمر وبلال، فسبق عمر بلالًا فأخبر النبي - ﷺ -، ثم جاء بلال فقال له: \"سبقك بها عمر\"، كذا قاله الزرقاني (١).\nلما فرغ من بيان ثبوت الأذان ومشروعيته، شرع في بيان فضل المشي إلى الصلاة والمساجد، فقال: هذا.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>باب في بيان فضل المشي إلى الصلاة وفضل المساجد</span>\nأي: مواضع الصلاة، والأذكار، وإنما فسرنا المساجد بمواضعها، على أن الألف واللام للاستغراق. لما روى البخاري مسلم (٢): عن أبي هريرة ﵁، أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أحبُ البلاد إلى الله المساجد، وأبغض البلاد إلى الله الأسواق\"، فالمراد من البلاد: مأوى الإِنسان، ومن المساجد: موضع الصلاة والذكر.\nومن حب الله تعالى المساجد إرادة الخير لأهلها، ومن بغضه تعالى بالأسواق عدم إرادة الخير لأهلها؛ لأن السوق موضع الغفلة عن ذكر الله، والطمع والحرص والخيانة.\nهذا خلاصة ما قاله ابن الملك في شرح هذا الحديث في باب الأذان من (المصابيح): استنبط المصنف ترجمة باب المقدم عند قوله تعالى في سورة الجمعة: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ﴾ [الجمعة: ٩]، وترجمة هذا الباب عند قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩].\nوعبر الذهاب إلى الصلاة بالمشي؛ لبيان أفضلية المشي، وإلا فالمراد الإِتيان إلى أداء الصلاة بالجماعة في المسجد، ولو ركوبًا.\n_________\n(١) انظر: شرح الزرقاني (١/ ١٩٨).\n(٢) أخرجه: مسلم (٦٧١)، وابن حبان (١٦٠٠)، وابن خزيمة (١٢٩٣)، والبيهقي في الكبرى (٥٠٨٨).","vol":"1","page":207},{"text":"٩٣ - أخبرنا مالك، حدثنا العَلَاءُ بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبيه وإسحاق بن عبد الله، أنهما سمعا أبا هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا ثُوِّبَ بالصلاة فلا تأتوها وأنتم تسْعَوْنَ وَأتُوهَا وعليكم بالسكينةُ، فما أدركتم فصلُّوا وما فاتكم فأتِمُّوا، فإنَّ أحَدَكم في صلاة ما كان يَعْمِدُ إلى الصلاة\".\nقال محمد: لا تعجَلَنَّ بركُوع ولا افتتاح حتى تصِلَ إلى الصَّفَّ وتقومَ فيه، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا، وفي نسخة محمد ثنا رمزًا إلى حدثنا مالك، ثنا، أي: حدثنا، وفي نسخة قال: حدثنا عَلَاءُ بن عبد الرحمن بن يعقوب، المدني، وفي نسخة: العلاء بالألف واللام، كما في نسخ (الموطأ) لمالك، عن أبيه، وهو تابعي كابنه، وإسحاق بن عبد الله، كذا في نسخة، وكما في نسخة (الموطأ) (ق ٩٧) لمالك تحويلًا للسند تقوية للحديث، أنه، أي: عبد الرحمن بن يعقوب سمع أبا هريرة ﵁، أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا ثُوِّبَ بضم المثلثة وتشديد الواو المكسورة، أي: أقيمت بالصلاة مرفوع على أنه نائب فاعل لثوب، فالباء زائدة، كما قاله ابن هشام في (مغني اللبيب) (١)، زيادة الباء واجبة في الفاعل. انتهى.\nوقال تعالى في سورة الفتح: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح: ٢٨]، أي: كفى بالله، ويؤيدها ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة بلفظ: \"إذا أقيمت الصلاة\"، بترك الباء، وسمى الإِقامة تثويبًا؛ لأنها دعاء إِلى الصلاة بعد الدعاء بالأذان، من ثاب إذا رجع، فلا تأتوها، أي: لا تحضروها وأنتم تسْعَوْنَ، أي: حالكم تسرعونها، وهو حال من فاعل فلا تؤتوها، والنهي عن الإِسراع إليها؛ لأنه يحصل به الخشوع عند الشروع بها، وهو المقصود.\n_________\n(٩٣) أخرجه: مسلم (٦٠٢)، وأحمد (٩٢٣٠)، ومالك (١٥٠)، وابن حبان (٢١٤٨)، والطبراني في الأوسط (٩٥٢)، وأبو يعلى (٦٤٩٧)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٢٧٤)، والبيهقي في الكبرى (٣٧٢٣)، وأبو عوانة (١٢٧٣).\n(١) انظر: مغني اللبيب (ص ١٤٤).","vol":"1","page":208},{"text":"قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١، ٢]، وَأتُوهَا، أي: واحضروا إلى الصلاة وعليكم السكينةُ، ضبطه القرطبي بالنصب على الإِعراب، والنووي: بالرفع على أنها جملة في موضع الحال، وزاد غيره: أو السكينة مبتدأ، وعليكم خبره.\nوذكر الحافظ العراقي في (شرح الترمذي): المشهور في الرواية.\nووقع في رواية الحافظ أبي ذر الهروي للبخاري، بالسكينة، بالباء، واستشكل بأنه متعدٍ بنفسه: عليكم أنفسكم، وفيه نظر الثبوت زيادتها في أحاديث صحيحة، كحديث: \"عليكم برخصة الله\" (١)، وحديث: \"وعليكم بالصوم فإنه وجاء\" (٢)، وحديث: \"عليك بالمرأة\" (٣) قاله لأبي طلحة في قصة صفية، وحديث: \"عليكم بقيام الليل\" (٤)، وحديث: \"بخويصة نفسك\" (٥)، وغير ذلك، وتعليل هذا المعترض لا يوافي بمقصوده، أن لا يلزم من تعديه بنفسه امتناع تعديه بالياء إذا ثبت ذلك، فيدل على أن فيه لغتين، كذا قاله الزرقاني (٦).\n_________\n(١) أخرجه: مسلم (١١١٥)، والنسائي في المجتبى (٢٢٥٩)، والنسائي في الكبرى (٢٥٦٦) (٢٥٦٨)، وابن حبان (٣٥٥).\n(٢) أخرجه: البخاري (١٨٠٦)، ومسلم (١٤٠٠).\n(٣) أخرجه: البخاري (٢٩١٩).\n(٤) أخرجه: البخاري (٣٥٤٩) عن بلال، وابن خزيمة (١١٣٥)، والحاكم (١١٥٦)، والطبراني في الأوسط (٣٢٦٥) عن أبي أمامة، والبيهقي في الكبرى (٤٧٥٣) عن أبي أمامة، (٤٧٥٤)، والشعب (٣٠٨٧) عن بلال (٣٠٨٩) عن سلمان.\nوقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث بلال إلا من هذا الوجه من قبل إسناده، قال: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: محمد القرشي هو محمد بن سعيد الشامي، وهو ابن أبي قيس، وهو ابن حسان، وقد ترك حديثه.\n(٥) أخرجه: أبو داود (٤٣٤١)، والترمذي (٣٠٥٨)، وابن ماجه (٤٠٤١)، وابن حبان (٣٨٥)، والحاكم (٧٩١٢)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٢٢٠)، حديث (٥٨٧)، والبيهقي في الكبرى (٢٠٧٧٣)، والشعب (٧٥٥٣).\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.\n(٦) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٢٠٥).","vol":"1","page":209},{"text":"والمقصود بالسكينة السكون والوقار، وإذا نهى عن إتيانها سعيًا في حال الإِقامة، مع خوف فوت بعضها، فقيل: الإِقامة الأولى، ثم أكده بقوله فيما أي: في فعل الذي، فالفاء جواب شرط محذوف، وما يحدث عن العمل بقرينة لفظ تَسْعَوْنَ نحو: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، تقديره: إذا فعلتم ما أمِرتم به من السكينة، فما أدركتم به من الصلاة مع الإِمام فملُّوا إياها معه، وما، أي: الفعل الذي فاتكم منها معه: فأتِمُّوا، أي: أكملوا بعد سلام الإِمام، وفي نسخة: فاقضوا؛ لأن القضاء، وإن كان يطلق على الغائب - غالبًا - لكنه يطلق على الأداء أيضًا، ويرد بمعنى الفراغ، كقوله تعالى في سورة الجمعة: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ [الجمعة: ١٠].\nوعنه يكون قاضيًا فيهما، وبه قال أبو حنيفة، وفي هذا تنبيه لدفع توهم أن النهي؛ إنما هي لمن لم يخف فوات الصلاة، وطرح بالنهي وإن فات من الصلاة ما فات، وبين ما يفعل فيما فات بقوله: فما. . . إلخ.\nقال ابن عبد البر (١): الواجب؛ أي: المطلوب إتيان الصلاة بالسكينة، ولو خاف فواتها، لأمره - ﷺ - وهو الحجة، خلافًا من جوز السعي لخوف الفوات، وقد أكَّد ذلك بيان العلة بقوله: فإنَّ أحَدَكم في صلاة أي: حكمًا، ما كان أي: مدة كونه يَعْمِدُ بكسر الميم، أي: يقصد إلى الصلاة؛ فإن الأعمال بالنيات، ونية المؤمن خيرٌ من عمله.\nقال محمد: لا تعجَلَنَّ أي: يا مخاطب، البتة البتة بركُوع ولا افتتاح، أي: بنية مع (ق ٩٨) تكبير حتى تصِلَ إلى الصَّفِّ، أي: يسعك وتقومَ فيه مطمئنًا، وهو قولُ أبي حنيفة - ﵀. وقد ورد: \"إذا سمعتَ النداء فأجب، وعليك السكينة، فإن أصبتَ فُرجة، وإلا فلا تضيق على أخيك، واقرأ ما تسمع أذنك، ولا تؤذي جارك، وصل صلاة مودع\" (٢) رواه أبو نصر السجزي في (أماليه) وابن عساكر عن أنس بن مالك ﵁.\n* * *\n_________\n(١) انظر: التمهيد (٦/ ٤١٥).\n(٢) أخرجه: أبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٠٧)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢١/ ١٧١)، وحسنه السخاوي في المقاصد.","vol":"1","page":210},{"text":"٩٤ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن ابن عمر سمع الإِقامةَ وهو بالبَقِيع فأسرعَ المشيَ.\nقال محمد: وهذا لا بأس به، ما لم يُجْهِدْ نَفْسَه.\n• أخبرنا، وفي نسخة محمد: قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي أخرى: محمد أخبرنا مالك، حدثنا، وفي نسخة قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا نافع، أن ابن عمر ﵄، أنه سمع الإِقامةَ أي: بأحد المساجد حواليه، ولا يبعد أن يكون مسجد المدينة، وهو أي: والحال أن ابن عمر كان بالبَقِيع وهو مقابر المدينة، فأسرعَ المشيَ، أي: إلى المسجد، كذا في (الموطأ) لمالك، يعني: جواز إسراع المشي إلى المسجد بدون جري؛ لأن الإِسراع المنهي عنه بقوله - ﷺ - فلا تأتوها وأنتم تسعون، هو الجري، لأنه ينافي الوقار المشروع في الصلاة في قصدها، وأما ما لا ينافي الوقار فجائز، وكذا قول مالك بجواز تحريك الفرس، لمن سمع الأذان، ليدرك الصلاة، يريد تحريكه للإِسراع في المشي دون جري ولا خروج عن حد الوقار، كما قاله الباجي من علماء المالكية.\nوقال ابن عبد البر (١): الواجب أن يأتي الصلاة بالسكينة، خاف فوتها أو لم يخف. انتهى بقول الفقير؛ لأن الأمر والنهي إذا كانا في حكم يرجح النهي عن الأمر، كما قاله الأصوليون.\nقال محمد: وهذا - أي: الإِسراع في المشي - إلى الصلاة، لا بأس به، أي: لا كراهة ما لم يُجْهِدْ من الإِجهاد، أي: ما لم يتعب نَفْسَه، أي: بهذا الإِسراع.\n* * *\n_________\n(٩٤) أخرجه: مالك (١٥٤)، والشافعي في الأم (٧/ ٢٥٠)، وابن حجر في سلسلة الذهب (٧٤)، وابن أبي شيبة (٢/ ٢٥٣)، وعبد الرزاق في مصنفه (٣٤١١)، والخطيب في الكفاية (٢٧٣).\n(١) انظر: التمهيد (٢٠/ ٢٣٣).","vol":"1","page":211},{"text":"٩٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا سُمَيٌّ: أنه سمع أبا بكر: يعني ابن عبد الرحمن يقولى: مَنْ غَدَا أو رَاحَ إلى المسجد لا يريد غَيْرَهُ، لِيَتَعَلَّمَ خَيْرًا أو يُعَلِّمَه، ثم رجع إلى بيته الذي خرج منه، كان كالمجاهد في سبيل الله، رجع غانمًا.\n• أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا مالك، وفي نسخة قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: قال: أخبرني، بالإِفراد، سُمَيٌّ بضم سين مهملة، وفتح ميم، وتشديد ياء، أنه، أي: سُميّا سمع أبا بكر، يعني: أي: يريد سمي بن أبي بكر بن عبد الرحمن، وهو المخزومي، اسمه كنيته، تابعي سمع: عائشة وأبا هريرة، وروى عنه الشعبي والزهري (١)، يقول: مَن غَدَا أي: ذهب في أول النهار، أو رَاحَ أي: ذهب في آخر النهار إلى المسجد أي: إلى مسجد من المساجد، وأو هنا للتنويع لا للشك، وفيه لطيف ويوسعه كما لا يخفى، وإشارة إلى تفسير قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ الآية [طه: ١٣٠]، لا يريد غَيْرَهُ، أي: غير المسجد، وما يتعلق به من العبادة، دون غرض فاسد، وعمل كابد، بل ابتغاء لوجه ربه، لِيَتَعَلَّمَ خَيْرًا، أي: أنواع الخير من العلم والعمل والاعتكاف، والتنوين في لفظ خير للتنويع كالتنويع في علمًا في سورة النمل: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾ [النمل: ١٥]، أو يُعَلِّمَه، أي: خيرًا غيره، فيصير كاملًا، أو كلا كلمة \"أو\" هنا بمعنى الواو كما في سورة آل عمران: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ١٢٨]، وفيه إشارة إلى قوله - ﷺ -: \"لا يؤمن عبدٌ حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه\" (٢)، رواه (ق ٩٩) الشيخان عن أنس، ﵁، ثم، أي: بعد التعلم والتعليم لغيره ما يحتاج إليه من أمر دينه، رجع عن المسجد إلى بيته الذي خرج منه، يحصل ما يحتاج إليه، كان أي: ذلك المدة، كالمجاهد في سبيل الله، رجع من غزاته غانمًا، أي: من الثواب وابتغاء مرضاة الله تعالى.\n_________\n(٩٥) أخرجه: مالك (٣٧١).\n(١) تقدم.\n(٢) أخرجه: البخاري (١٣)، ومسلم (٤٥)، من حديث أنس.","vol":"1","page":212},{"text":"والحديث بظاهره مقطوع، رواه أبو نعيم في (الحلية) عن أبي سعيد مرفوعًا بلفظ: \"من غدا أو راح: وهو في تعليم دينه فهو في الجنة\" (١).\nوروي أحمد والشيخان عن أبي هريرة مرفوعًا ولفظه: \"من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزلًا من الجنة كلما غدا أو راح\" (٢)، كما قاله علي القاري.\nوالحديث المرفوع ما ينتهي إسناده إلى النبي - ﷺ -.\nوالحديث المقطوع: ما ينتهي إسناده إلى التابعي، ومن دونهم من أتباع التابعين، فمن بعدهم في اشتراك التسمية، كما قاله ابن حجر في (نخبة الفكر) (٣).\nلما فرغ من بيان بعض أحوال الرجل من المشي إلى الصلاة، شرع في بيان بعض أحواله، من أن يصلي في المسجد، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>باب الرجل يصلي وقد أخذ المؤذن في الإقامة</span>\nبيان حال الرجل يصلي وقد أي: والحال أخذ أي: شرع المؤذن في الإِقامة، بإقامة صلاة فريضة، ورجل يصلي تلك الصلاة بعينها أو غيرها، والمناسبة بين هذا الباب وذاك الباب الحركة من مكان، والسكون في مكان آخر.\n٩٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا شَرِيك بن أبي نُمَيْر، عن أبي سَلَمَة بن عبد الرحمن بن عوف قال: سمع قومٌ الإِقامة فقاموا يُصلون، فخرج عليهم النبي - ﷺ -، فقال: \"أصَلَاتَانِ مَعًا؟ \".\nقال محمد: يكره إذا أقيمت الصلاةُ أن يصلِّي الرجلُ تَطوعًا، غيرَ ركعتي\n_________\n(١) أخرجه: أبو نعيم في الحلية (٧/ ٢٥١)، وضعيف الجامع (٥٧١٢)، والضعيفة (٤٦٢٤). وقال أبو نعيم: غريب من حديث مسعر، وعطية رواه عنه سفيان بن عيينة موقوفًا.\n(٢) أخرجه: البخاري (٦٣١)، ومسلم (٦٦٩).\n(٣) انظر: نخبة الفكر.\n(٩٦) أخرجه: مالك (٢٧٨)، وعبد الرزاق في مصنفه (٤٠٠٤) مرسلًا.","vol":"1","page":213},{"text":"الفجر خاصَّةً، فإنه لا بأس بأن يصليهما الرجلُ، وإن أخَذَ المؤذنُ في الإِقامةِ. وكذلك ينبغِي، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، وفي نسخة أخرى: أخبرنا مالك، أخبرنا، وفي نسخة: قال: ثنا، وفي نسخة أخرى: أخبرني، بالإِفراد: شَرِيك بن عبد الله بن أبي نُمَيْر، بفتح النون وكسر الميم، المدني، كما قاله الزرقاني (١)، وقال علي القاري: بضم نون وفتح ميم. انتهى.\nقال في (التمهيد) (٢): صالح الحديث، وهو في عداد الشيوخ، روى عنه جماعة من الأئمة، مات سنة أربع وأربعين ومائة، لمالك عنه حديثان. انتهى.\nأن أبا سَلَمَة بن عبد الرحمن بن عوف كما وجدت في نسخة قديمة في (الموطأ) لمحمد، ولم يظفر علي القاري لفظ: ابن عوف في (الموطأ) لمحمد بن حسن الشيباني، ولا الزرقاني في (الموطأ) لمالك، وما وجد في بعض النسخ الصحيحة تفسير الشارح، كما وجد لفظ: أنه في متون (الموطأ) لمالك، أنه أي: عبد الرحمن بن عوف، قال: سمع قومٌ؛ أي: من الصحابة الإِقامة فقاموا أي: حال كونه يُصلون، أي: النافلة، فخرج عليهم النبي - ﷺ -، فقال: أي: منكرًا عليهم، بهمزة الاستفهام الإِنكارية: \"أصَلَاتَانِ مَعًا؟! \"، والمعنى: أتجمع صلاة فرض ونفل في آن واحد، بل اللائق أنه إن أقيم لصلاة الفرض أن لا يلتفتوا إلى نافلة، وأن يقوموا إلى صلاة الفرض، وهذا معنى قوله - ﷺ -: \"إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة\" (٣)، رواه مسلم والأربعة، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا، وتعلق بظاهره الشافعي، وأطلق الحكم، بخلاف أصحابنا.\n_________\n(١) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٣٧٣).\n(٢) انظر: التمهيد (٢٢/ ٦١) بتصرف.\n(٣) أخرجه: البخاري، ومسلم (٧١٠)، وأبو داود (١٢٦٦)، والترمذي (٤٢١)، والنسائي في المجتبى (٨٦٤)، وابن ماجه (١١٥١)، وأحمد (٩٥٦٣)، والدارمي (١٤٢٠)، والنسائي في الكبرى (٩٣٧)، (٩٣٨)، وابن حبان (٢١٩٣)، وعبد الرزاق في مصنفه (٣٩٨٧)، وابن خزيمة (١١٢٣)، والطبراني في الأوسط (٢٢٣٥)، والصغير (٢١)، وأبو يعلى (٦٣٧٩)، والبيهقي في الكبرى (٤٦٥١)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ١٣٨)، وأبو حنيفة في مسنده (ص ١٣٩).","vol":"1","page":214},{"text":"قال محمد: يكره إذا أقيمت الصلاةُ أن يصلِّي الرجلُ تَطوعًا، أي: سنة أو نافلة، غيرَ ركعتي الفجر خاصَّةً، إذ هي آكد السنن الرواتب، بل في رواية أنها واجبة، وطرح بعض أصحابنا (ق ١٠٠) بأنه لا يجوز أداؤه قعودًا بلا عذر، ولا تركها للفتى بحال؛ فإنه أي: الشأن لا بأس؛ أي: لا كراهة بأن يصليهما أي: سنتي الفجر الرجلُ، وإن وصلية أخَذَ أي: شرع المؤذنُ في الإِقامةِ، فالفاء في أنه جواب، إذا أقيمت الصلاة فلا بأس بأن يصلي الرجل سنتي الفجر، سواء شرع الإِمام في الصلاة أم لا، إذا كان يظن أنه يدرك الجماعة إذا صلاها، وإلا فليتركها بلا خلاف، وكذلك ينبغي، أي: يستحب أن يفعل، وهذا استدراك من قوله: لا بأس، فإنه غالبًا يستعمل فيما يكون خلاف الأولى، وهو أي: اللائق المستفاد من ينبغي، قولُ أبي حنيفة، ﵀، على أن المذهب أن من لم يدرك الفرض بجماعة - إن أدى سنتي الفجر - بتركهما ويقتدي؛ لأن ثواب الجماعة أعظم من السنة، ومن أدرك ركعة لو صلى سنته صليها عند باب المسجد، وفي موضع لا يصلي فيه أحد، فإن لم يكن ذلك فيصلي خلف الصفوف، ويبعد ما استطاع لنفي التهمة عن نفسه.\nفقد روى الطحاوي (١) عن أبي الدرداء أنه كان يدخل المسجد، والناس صفوف في صلاة الفجر، فيصلي الركعتين في ناحية المسجد، ثم يدخل مع القوم في الصلاة.\nوروي أيضًا عن ابن مسعود، نحوه أيضًا، فلو كان يدرك التشهد.\nقال شمس الأئمة السرخسي: يدخل مع الإِمام.\nوكان الفقيه أبو جعفر الطحاوي يقول: يصليها، ثم يدخل مع الإِمام عندهما، ولا يصليها عند محمد، وهي فرع اختلافهم فيمن أدرك تشهد الجمعة، ثم لا يقضي سنة الفجر إلا اتباعًا لفرضه، قبل الزوال باتفاقهم وبعده، عند بعض مشايخ ما وراء النهر.\nقال محمد: يقضيها وحدها قبل الزوال.\nلما روى مسلم (٢) عن أبي هريرة ﵁، أنه قال: عرسنا مع النبي - ﷺ - فلم\n_________\n(١) انظر: شرح معاني الآثار (١/ ٣٧٥).\nوروى ابن أبي شيبة عن مجاهد أنه كان يفعله (٢/ ٥٧).\n(٢) أخرجه: مسلم (٦٨٠).","vol":"1","page":215},{"text":"يستيقظ حتى طلعت الشمس، فقال النبي - ﷺ -: \"ليأخذ كل إنسان برأس راحلته؛ فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان\"، قال: ففعلنا ثم دعا بماء فتوضأ، ثم صلى سجدتين، ثم أقيمت الصلاة، فصلى الغدوة، ولهما أن الأصل في السنة أن لا تقضي. وقد ورد هذا الحديث بقضاء سنة الفجر تبعًا، فيبقى ما عدا ذلك على الأصل، كذا قاله علي القاري.\nولما فرغ من بيان حكم التطوع عند إقامة المؤذن بصلاة الفرض، شرع في بيان سنية تسوية الصفوف؛ فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>باب تسوية الصفوف</span>\nباب سنية تسوية الصفوف، وهو اعتدال القامة بالصفوف، على نمط واحد، يراد به - أيضًا - سد الخلل؛ الذي في الصف، وإنما جمع مع الغنية عنه بالمفرد - كما في بعض النسخ - تسوية الصفوف على صيغة المفرد؛ تنبيهًا على أن التسوية لازمة في كل صف على حدته، وقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة أجمعها حديث ابن عمر ﵄، أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أقيموا الصفوف، وحاذوا بين المناكب، وسدوا الخلل، ولا تزروا فرجات للشياطين، ومن وصل صفّا وصله الله، ومن قطع صفّا قطعه الله\" (١)، رواه أبو داود، وصححه ابن خزيمة والحاكم.\nوهذا يدل على أن عدم تسوية الصفوف وترك الفرجة في خلل الصفوف مكروه للمصلي، كما قاله الفاضل: سيد محمد الزرقاني (٢).\n٩٧ - أخبرنا مالك، أخبرني نافع، عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب كان يأمر رِجَالًا بتسوية الصفوف، فإذا جاءوه فَأخْبَرُوهُ بتسويتها كبر بعدُ.\n_________\n(١) أخرجه: أبو داود (٦٦٦)، والنسائي في المجتبى (٨١٨) عن ابن عمر، وأحمد (٥٦٩٦)، والنسائي في الكبرى (٨٩٣)، والحاكم (٧٧٤)، وابن خزيمة (١٥٤٩)، والبيهقي في الكبرى (٥٢٨٨).\n(٢) انظر: شرح الزرقاني (٤/ ٤٦١).\n(٩٧) أخرجه: مالك (٣٦٢)، وعبد الرزاق في مصنفه (٢٤٣٨)، والبيهقي في الكبرى (٢٣٤٠)، والخلال في السنة (٣٦٣).","vol":"1","page":216},{"text":"• أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا مالك، أخبرنا، وفي نسخة: أخبرني، بالإِفراد نافع، عن ابن عمر ﵄، أن عمر بن الخطاب ﵁، كان يأمر رِجَالًا أي: من أصحابه بتسوية الصفوف، أي: صفوف الصلاة، يمنة ويسرة، فإذا جاءوه أي: إلى عمر بخبر تسوية الصفوف، فَأخْبَرُوهُ أي: إلى عمر ﵁ بتسوية الصفوف، وفي نسخة: بتسويتها فالفاء في فأخبروه عاطفة، وقوله: كَبَّرَ جواب، إذا أي: قال: الله أكبر بعد، أي: بعد خبرهم بتسويتها، وبعد صلى على الضم؛ لكونه مقطوعًا عن الإِضافة، عن هذا الحديث مختصرًا، لكونه موقوف حقيقة، مرفوع حكمًا.\nعن النعمان بن بشير ﵁ أنه قال: كان رسول الله - ﷺ - يسوي صفوفنا، حتى كأنما يسوي القداح، فرأى رجلًا باديًا صدره من الصف، فقال: \"يا عباد الله، لتسون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم\" (١) رواه مسلم وأبو داود والنسائي، كلهم في باب الصلاة بهذا اللفظ.\nوالمراد به: وجوه القلوب؛ فإن اختلاف القلوب يفضي بهم إلى اختلاف الوجوه، وإعراض بعضهم عن بعض؛ إذ الظاهر عنوان الباطن، فمخالفة الظاهر أوامر الشرع، قد يؤدي إلى كدورة وعداوة فيما بينهم، وقيل: معناه: يحول الوجوه إلى القضاء، فيكون محمولًا على التهديد، وقيل: معناه: يغير صورها إلى صور أخرى.\n* * *\n\n٩٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو سُهَيْل بن مالك، وأبو النَّضْر مولَى عُمر بن عُبيد الله، عن مالك بن أبي عامر: أن عثمان بن عفَّان كان يقولُ في خُطبته،\n_________\n(١) أخرجه: مسلم (٤٣٦)، وأبو داود (٦٦٣)، والنسائي (٨١٠)، وابن ماجه (٩٩٤)، وأحمد (١٧٩٧٣)، وابن حبان (٢١٧٥)، وعبد الرزاق في مصنفه (٢٤٢٩)، والبيهقي في الكبرى (٢٣٣٨).\n(٩٨) أخرجه: مالك (٢٢٧)، وعبد الرزاق في مصنفه (٥٧٧٣)، (٢٤٤٠)، (٢٤٤٢)، (٢٤٤٣)، والشافعي في المسند (٢٩٧)، والأم (١/ ٢٠٣)، والبيهقي في الكبرى (٥٩٢٨).","vol":"1","page":217},{"text":"إذا قامت الصلاةُ: فاعْدِلُوا الصُفُوفَ، وحَاذُوا المنَاكِبَ، فإنَّ اعْتِدالَ الصفوف من تمام الصلاة، ثم لا يُكَبِّر حتى يأتيه رِجال قد وَكَّلَهُمْ بتسوية الصفوفِ فيخبرونه أنْ قد استَوَت، فيكبر.\nقال محمد: ينبغي للقوم إذا قال المؤذن: حيَّ على الفَلَاح، أن يقوموا فَيصُفُّوا ويُسوُّوا الصفوفَ، ويُحَاذُوا بين المناكبِ، وإذا أقام المؤذنُ الصلاةَ كبر الإِمامُ. وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا مالك، وفي نسخة قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: ثنا، وفي نسخة أخرى: أخبرني، بالإِفراد: أبو سُهَيْل (١) بالتصغير، اسمه نافع بن مالك، وأبو النَّضْر (٢) بالمعجمة مولَى عُمر بن عُبيد الله، عن مالك بن أبي عامر، الأنصاري، الأصبحي، سمع من عمر، وهو من كبار التابعين، ثقة، روى له الجميع، مات سنة أربع وسبعين على الصحيح (٣)، أن عثمان بن عفَّان ﵁، كان يقولُ في خُطبته - إذا قامت الصلاةُ - فاعْدِلُوا الصُفُوفَ، أي: أقيموها معادلة متساوية، وحَاذُوا أي: سووا بالمنَاكِبَ، وهو كالتفسير لما قبله مع الإِيماء إلى الاتصال؛ فإنَّ اعْتدالَ الصفوف من تمام الصلاة، أي: من كمال صلاة الجماعة وهو داخل في مفهوم قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣].\nولذا لم يقل: صلوا؛ فالفاء تعليلية، فعلم أن تمام الصلاة علة الأمر باعتدال الصفوف وبتسوية المناكب، ثم أي: بعد أمر عثمان بن عفان ﵁ إلى أصحابه بتسوية الصفوف لا يُكَبِّر أي: التحريمة حتى يأتيه رِجال أي: من أصحابه، قد وَكَّلَهُمْ بتشديد الكاف المفتوحة، من التوكيل بتخفيفها؛ أي: تفويض الأمر إلى آخر بتسوية الصفوفِ، أي: أمرًا وفعلًا، فيخبرونه هكذا في الأصل، أي: فهم يخبرونه، والأظهر أن\n_________\n(١) انظر: التقريب (٢/ ٦١٨ - ٦١٩).\n(٢) انظر: التقريب (١/ ١٩٤).\n(٣) انظر: التقريب (٢/ ٥٦٧).","vol":"1","page":218},{"text":"يكون فيخبرونه، كما هنا أنْ بفتح الهمزة وسكون النون (ق ١٠٢) خفيفة من الثقيلة، وضمير الشأن محذوف، وفي بعض النسخ أنه إثبات ضمير الشأن قد استَوَت، أي: الصفوف فيكبر، أي: يقول عثمان بن عفان: الله أكبر، للافتتاح.\nقال الباجي من علماء المالكية: مقتضاه أنه وكل من يسوي الناس في الصفوف، وهو سنة.\nقال محمد: ينبغي أي: يستحب للقوم، وهو يشمل الإِمام وغيره إذا قال المؤذن: حيَّ على الفَلَاح، أي: الأول والثاني، وهو أقرب أن يقوموا إلى الصلاة، ليصح أخبار المؤذن بقوله: قد قامت الصلاة، على الحقيقة وإلا فيكون مجازًا، أي: قربت قيامها، فمحل كلمة \"أن يقوموا\" مرفوع على أنه فاعل لقوله ينبغي، فَيصُفُّوا بضم الصاد وتشديد الفاء، من صففت القوم من باب نصر، أقمتم في الحرب وغيرها صفًا، وجاء لازم أيضًا ومنه يصف النساء خلف الرجال، ولا يصف معهم، وهذا المعنى هو المناسب هنا، والمعنى: فيصفوا ويُسوَّوا الصفوفَ، ويُحَاذُوا بين المناكبِ، وإذا أقام المؤذنُ الصلاةَ أي: إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة، كبر الإِمامُ، وهو تكبير الإِمام حين قال المؤذن: قد قامت الصلاة، وهو قولُ أبي حنيفة، ﵀.\nوحكم المصنف بأن المؤذن إذا قال: قد قامت الصلاة، كبر الإمام يدل على أن الحديث الموقوف، وهو حديث عثمان بن عفان ﵁ معمول به، ويحتج به، ولكنه مرفوع حكمًا، لما رواه أبو داود في الصلاة، عن النعمان بن بشير ﵁ أنه قال: كان رسول الله - ﷺ - يسوي صفوفنا إذا قمنا إلى الصلاة، فإذا سوينا كبر (١).\nوهذا يدل على أن السنة للإِمام أن يسوي الصفوف، ثم يكبر، كذا في (المصابيح) في باب تسوية الصفوف.\nوهذه السنة قد ماتت في زماننا هذا، فيلزم على الإِمام والقوم أن يحيياها.\nقال رسول الله - ﷺ -: \"مَنْ أحيا سنتي عند فساد أمتي، حلت له شفاعتي يوم القيامة\".\n_________\n(١) أخرجه: أبو داود (٦٦٥)، والبيهقي في الكبرى (٢٣٣٩)، وأبو عوانة (١٣٨٠).","vol":"1","page":219},{"text":"اعلم أن علمائنا قالوا: يقوم الإِمام والقوم عند \"حي على الصلاة\"؛ لأنه أمر بالإِقبال على الصلاة، فيستحب المسارعة إليه، ولو لم يكن الإِمام حاضرًا، لا يقوموا حتى يقف مكانه، ويشرعوا بعد فراغ المؤذن من قوله: قد قامت الصلاة، في قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله تعالى، وعند الفراغ من الإِقامة، في قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى؛ للمحافظة على فضيلة متابعة المؤذن في إجابة الإِقامة، وليدرك المؤذن أيضًا أول صلاة الإِمام، وهذا هو الأظهر، وعليه جمهور العلماء، وبه العمل في الأكثر، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد فتدبر، كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان تسوية الصفوف، شرع في بيان كيفية افتتاح الصلاة، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>باب افتتاح الصلاة</span>\nباب كيفية افتتاح الصلاة؛ أي: ابتداؤها بالنية، وتكبير التحريمة.\n٩٩ - أخبرنا مالك، حدثنا الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر، أن عبد الله بن عمر قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذاء مَنْكِبَيهِ كبَّر للركوع رفع يديه، وإذا رفع رأْسه من الركوع رفع يديه، ثم قال: \"سمع الله لمن حمده\"، ثم: \"ربنا ولك الحمد\".\n• أخبرنا، وفي نسخة محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: أخبرنا مالك، وفي نسخة: ثنا الزهري، عن سالم بن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، ﵁، أن عبد الله، أي: ابن عمر قال: كان رسول الله - ﷺ - (ق ١٠٣) إذا افتتح\n_________\n(٩٩) أخرجه: البخاري (٧٠٢)، ومسلم (٣٩٠)، والترمذي (٢٥٥)، والنسائي في المجتبى (٨٧٧)، (١١٠٥)، وابن ماجه (٨٥٨)، وأحمد (٤٦٦٠)، والدارمي (١٢٨٣)، ومالك (١٦١)، والنسائي في الكبرى (١٠٩٨)، وابن حبان (١٨٦٤)، والدارقطني (١/ ٢٩٥)، والشافعي في المسند (١٣٨)، (١٠٢٥)، والطبراني في الكبير (١٣١١٢)، والأوسط (١٨٢٢)، وابن الجارود في المنتقى (١٧٧)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٢٣).","vol":"1","page":220},{"text":"الصلاة أي: إذا أراد افتتاحها، رفع يديه حذاء، بكسر الحاء والذال المعجمة المفتوحة والألف الممدودة، مَنْكِبَيهِ بفتح الميم، وسكون النون، وكسر الكاف، وفتح الباء الموحدة، والياء التحتية الساكنة، تثنية منكب، وهو مجمع عظم العضد والكتف، أي: رفع رسول الله - ﷺ - يديه مقابل منكبيه، وأما عند أبي حنيفة فمحاذاة يديه لأذنيه سنة، وهو رواية عن أحمد.\nلما روى مسلم من حديث وائل بن حجر، أنه رأى رسول الله - ﷺ - رفع يديه حين دخل في الصلاة، كبر ووضع حيال أذنيه، أي: مقابل أذنية، ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى (١)، والخلاف في الأفضلية فتأمل.\nثم قال أبو يوسف: يرفع يديه مقارنًا للتكبير، فيقارنه كتكبير الركوع والسجود.\nوقال أبو حنيفة ومحمد: يرفع يديه، ثم يكبر؛ لأن في الرفع نفي الكبرياء عن غيره - تعالى - وفي التكبير إثبات الكبرياء له سبحانه، والنفي مقدم على الإِثبات، كما في كلمة الشهادة.\nفإن قيل: ما الحكمة أن النفي فى قوله: \"لا إله إلا الله\" مقدم على الإثبات؟\nأجاب بعض العارفين: قدم النفي على الإِثبات ردًا على زاعم الشريك ومدعيه؛ لأن المناسب في لسان العرب من طريق البلاغة والفصاحة، أن يجاب مدعي الإِثبات بالنفي، ومدعي النفي بالإِثبات، وهو من أسرار البلاغة المحمدية والعربية الأحمدية، كما في (خواتيم الحكم) (٢)، وإذا كبَّر للركوع رفع يديه، وإذا رفع رأْسه من الركوع رفع يديه، وأغرب السيوطي (٣)؛ حيث ذكر هنا ما رواه الطبراني عن عقبة بن عامر الجهني، قال: نكتب في إشارة يشيرها الرجل بيده في الصلاة بكل أصبع حسنة أو درجة (٤)،\n_________\n(١) أخرجه: مسلم (٤٠١)، وأحمد (١٨٣٨٧)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٢٧)، حديث (٦٠)، والبيهقي في الكبرى (٢٣٧١) (٢٥٧٢).\n(٢) انظر: خواتيم الحكم (١/ ٥١).\n(٣) انظر: تنوير الحوالك (١/ ٧٤)، وشرح الزرقاني (١/ ٢٢٨).\n(٤) أخرجه: الطبراني في الكبير (١٧/ ٢٩٧)، حديث (٨١٩)، والفردوس (٩٠١١).\nقال في المجمع: رواه الطبراني، وإسناده حسن (٢/ ١٠٣).","vol":"1","page":221},{"text":"ووجه غرابته أن الرفع لا يسمى إشارة، وإنما محل ذكره الإِشارة الآتية في حال التشهد، ثم قال: أي: - ﵇ - بعد رفع يديه في حال الانتقال: \"سمع الله لمن حمده\"، أي: قيل: الله حمد من حمده؛ لأن السماع يذكر ويراد القبول مجازًا، كما يقال: سمع الأمير كلام فلان في الحديث: \"أعوذُ بك من دعاءٍ لا يُسمع\"، أي: لا يُستجاب، والهاء للسكتة، والاستراحة، والكناية - كما في (مراقي الفلاح) - ثم قال: أي: حال الاعتدال: \"ربنا لك الحمد\"، أي: بدون الواو.\nقال الفاضل السيد محمد الزرقاني (١): قال العلماء: الرواية بثبوت الواو، وهي زائدة، وقيل: عاطفة على محذوف، أي: حمدناك، وقيل: هي واو الحال، قاله ابن الأثير، وضعَّف ما عداه، واستدل به على أن الإِمام يجمع بين اللفظين؛ لأن غالب أحواله - ﷺ - الإِمامة، وعليه الشافعي وأبو يوسف ومحمد وجماعة، أن الإِمام والمأموم والفذ يقول اللفظين.\nوقال مالك وأبو حنيفة: يقول الإِمام: سمع الله لمن حمده فقط، والمأموم: ربنا لك الحمد فقط.\nالحديث: \"إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده، (ق ١٠٤) فقولوا: ربنا ولك الحمد\" (٢)، فقصر الإِمام على قوله ذلك، والمأموم على الآخر، وهذه قسمة منافية للشركة كحديث: \"البينة على المدعي، واليمين على من أنكر\".\nوأجابوا عن هذا الحديث بحمله على صلاته - ﷺ - منفردًا، أو على صلاة النافلة، توفيقًا بين الحديثين، والمنفرد يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، يعني: يجمع ما بينهما.\n* * *\n_________\n(١) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٢٢٩).\n(٢) أخرجه: البخاري (٦٨٩)، ومسلم (٤١١).","vol":"1","page":222},{"text":"١٠٠ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن عبد الله بن عمر كان إذا ابتدأ الصلاة رفع يديه حذوَ مَنْكِبَيْهِ، وإذا رفع من ركعته رفعهما دون ذلك.\n• أخبرنا، وفي نسخة محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: ثنا، وفي نسخة محمد: أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن عبد الله بن عمر كان إذا ابتدأ الصلاة أي: افتتحها رفع يديه حذوَ أي: مقابل مَنْكِبَيْهِ، تثنية منكب بفتح الميم، وسكون النون، وكسر الكاف، والباء الموحدة مجمع عظم العضد، والكتف.\nنقل ابن عبد البر (١) وغيره أن هذا الحديث وقفها نافع على ابن عمر، ورفعها سالم عن أبيه، والقول قول سالم، ولم يلتفت الناس فيها إلى نافع. ونقل الحافظ البخاري، وأشار إلى رد هذا، بأنه اختلف على نافع ووقفه، فرواه مالك وغيره عنه موقوفًا.\nورواه أيوب عنه عن ابن عمر، كان النبي - ﷺ - إذا كبَّر رفع يديه، وإن ركع رفع رأسه من الركوع، والذي يظهر، أي: أن السبب في هذا الاختلاف أن نافعًا كان يرويه موقوفًا، ثم يعقبه بالرفع، فكأنه - أحيانًا - يقتصر على الموقوف، ويقتصر عليه بعض الرواة عنه، والله أعلم.\nوإذا رفع من ركوعه وفي نسخة مصححة: من ركعته، بدل من ركوعه رفعهما أي: يديه، دون ذلك، أي: الرفع في الابتداء، ولعل وجهه أن الأول من المتفق عليه، وهذا دونه في المرتبة؛ لأنه مختلف فيه، فرفع اليدين إلى منكبيه عند رفع رأسه، من الركوع إلى القوم في كل ركعة، ومن التشهد إلى قيام الركعة الثالثة سنة، عند الشافعي ﵀.\n* * *\n\n١٠١ - أخبرنا مالك، حدثنا وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنه كان يعلمهم التكبير في الصلاة: أمرنا أن نكبر كلما خفضنا أو رفعنا.\n_________\n(١٠٠) أخرجه: مسلم (٣٩٠)، ومالك (١٦٨).\n(١) انظر: التمهيد (٩/ ٢٢٦).\n(١٠١) أخرجه: مالك (١٦٦).","vol":"1","page":223},{"text":"• أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا مالك، حدثنا، وفي نسخة: قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا وهب بن كيسان، القرشي مولاهم (١)، عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄، أنه كان يعلمهم، أي: أصحابه من التابعين: التكبير في الصلاة، أي: حال الشروع فيها، قال وهب: أمرنا أي: جابر أن نكبر كلما خفضنا؛ أي: هبطنا للركوع والسجود، أو رفعنا، أي: القعدة والقيام، وهذا الاختلاف فيه بين العلماء الأعلام إلا تكبيرة التحريم فرض، وتكبيرات الانتقال سنة.\nما الحكمة في اقتران التكبير بالرفع؟ (٢):\nقال فريق من العلماء: الحكمة في اقترانها أنه يراه الأصم ويسمعه الأعمى وقيل: إشارة إلى طرح الدنيا والإِقبال بكليته على العبادة.\nوقيل: إلى الاستسلام، والانقياد، ليناسب فعله قوله: الله أكبر.\nوقيل: إلى استعظام ما دخل فيه، وقيل: إتمام القيام.\nوقيل: إلى رفع الحجاب بين العبد والمعبود.\nوقيل: ليستقبل بجميع يديه.\nقال القرطبي: هذا أشبهها (٣).\nوقال ابن عبد البر (٤): رفع اليدين معناه عند أهل العلم تعظيم الله تعالى، ولعباده له، وابتهال إليه، (ق ١٠٥) واستسلام وخضوع في حالة الوقوف بين يديه - تعالى - واتباع لسنة نبيه - ﷺ -.\nوكان ابن عمر ﵄، يقول: لكل شيء زينة، وزينة الصلاة: التكبير، ورفع اليدين (٥).\n_________\n(١) انظر: التقريب (٢/ ٦٥٢).\n(٢) انظر: خواتيم الحكم (٢/ ٤٩٧).\n(٣) انظر: القرطبي (٧/ ١٩١).\n(٤) انظر: التمهيد (٧/ ٨١).\n(٥) انظر: التمهيد (٧/ ٨٣)، و(٩/ ٢٢٥)، وشرح الزرقاني (١/ ٢٢٨)، والقرطبي (٧/ ١٩١).","vol":"1","page":224},{"text":"وقال عقبة بن عامر: للمصلي بكل صلاة إشارة عشر حسنات، بكل أصبع حسنة انتهى.\nوهذا الحديث رواه الطبراني بسند حسن عن عقبة بن عامر، قال: يُكتب بكل إشارة يشيرها الرجل بيده، في الصلاة، بكل أصبع حسنة، أو درجة، موقوف لفظًا، مرفوع حكمًا؛ إذ لا دخل للراوي فيه، وهذا الرفع مستحب وسنة عند جمهور العلماء، عند افتتاح الصلاة، لا واجب كما قاله الأوزاعي، والحميدي شيخ البخاري، وابن خزيمة، وداود وبعض الشافعية والمالكية.\nوقال ابن عبد البر (١): وكل من نقل عنه الوجوب لا تبطل الصلاة بتركه، في رواية عن الأوزاعي والحميدي، وهذا شذوذ وخطأ.\nوقيل: لا يستحب، حكاه الباجي عن كثير من المالكية، ونقله الخمي، رواية عن مالك، ولذا كان أسلم العبارات قول أبي عمر: أجمع العلماء على جواز رفع اليدين، عند افتتاح الصلاة.\nوقول ابن المنذر: لم يختلفوا أنه - ﷺ - كان يرفع يديه، إذا افتتح الصلاة، كذا قاله السيد محمد الزرقاني (٢).\nفإن قيل: ما الحكمة فى اقتران التكبير برفع الرأس، في كل انتقال من انتقالات الصلاة؟\nأقول بإلهام ربي: إنه يجدد ما في قلبه من المعاني التي سبق ذكرها آنفًا، كما أن من قال: لا إله إلا الله فإنه يجدد معنى بلى، فإنه قال في عالم الأرواح: بلى حين أخرج الله أرواح بني آدم من ظهره كالذرة، وجعلهم عقلاء، ثم خطابهم بقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، فقالوا: بلى، إيمانًا منهم، فمن قال: لا إله إلا الله، جدده.\n* * *\n_________\n(١) انظر: التمهيد (٧/ ٨٣).\n(٢) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٢٢٨).","vol":"1","page":225},{"text":"١٠٢ - أخبرنا مالك، أخبرني ابن شهاب الزهري، عن علي بن حسين بن عليِّ بن أبي طالب، أنه قال: كان رسول الله - ﷺ - يكبر كلما خفض، وكلما رفع، فلم تزل تلك صلاته حتى لقي الله ﷿.\n• أخبرنا، وفي نسخة محمد: قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: ثنا، وفي نسخة: محمد أخبرنا مالك، أخبرني، وفي نسخة: ثنا رمزًا إلى حدثنا ابن شهاب الزهري، عن علي وهو زين العابدين بن حسين بن عليِّ بن أبي طالب، ﵁، وفي بعض النسخ: عنهما، وفي بعضها: عنهم، لكن الصحيح عنه بالضمير المفرد؛ لأن أبا طالب يمنع أن يكون الضمير تثنية وجمعًا، كما يؤيده الضمير المفرد في أنه، أي: علي بن الحسين، وإنما لقب: علي بن الحسين بزين العابدين؛ لكثرة عبادته.\nقال مالك: بلغني أن زين العابدين كان يصلي في كل يوم وليلة ألف ركعة حتى مات.\nوروي أن جابرًا قال لمحمد بن زين العابدين يعني: الباقر - وهو صغير -: رسول الله - ﷺ - يسلم عليك، فقيل له: وكيف ذلك؟ قال: كنتُ جالسًا عند النبي - ﷺ - والحسين في حجره، وهو يلاعبه، فقال: \"يا جابر يولد له مولودًا اسمه علي، إذا كان يوم القيامة، نادى منادٍ ليقم سيد العابدين، فيقوم ولده، ثم يولد له ولد اسمه محمد، فإن أدركته فأقرئه مني السلام\"، قال: كان رسول الله - ﷺ - يكبر كلما خفض، أي: هبط للركوع والسجود، وكلما رفع، (ق ١٠٦) أي: رأسه من السجود، لا من الركوع؛ لأنه كان يقول: سمع الله لمن حمده، حين رفع رأسه من الركوع؛ فلم تزل تلك أي: الصلاة الموصوفة صلاته أي: المعتادة حتى لقي الله أي: إلى أن قبض الله روحه، عز أي: غلب حكمه على جميع الموجودات، وجل، أي: كثر ذكره على ألسنة الذاكرين.\nقال ابن عبد البر (١): لا أعلم خلافًا من رواة (الموطأ)، في إرسال هذا الحديث، وما رواه عن مالك عن ابن شهاب، عن علي بن الحسين، عن أبيه موصولًا، فلم يصح.\n_________\n(١٠٢) أخرجه: مالك (١٦٢)، وعبد الرزاق في مصنفه (٢٤٩٧)، والشافعي في المسند (١٥٣)، والبيهقي في الكبرى (٢٥٥٠)، وقال: وهو مرسل حسن.\n(١) انظر: التمهيد (٩/ ١٧٣).","vol":"1","page":226},{"text":"وكذا ما رُوي عن مالك عن الزهري عن علي بن الحسين، عن علي بن أبي طالب ﵁، كذا نقله الزرقاني (١) عن السيوطي (٢).\n* * *\n\n١٠٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، أنه أخبره: أن أبا هريرة كان يصلي بهم، فيكبر كلما خفض ورفع، ثم إذا انصرف قال: والله إني لأشبهكم صلاة برسول الله - ﷺ -.\n• أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى: حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا مالك، أخبرنا، وفي نسخة: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: قال: ثنا، وفي نسخة: أخبرني، بالإِفراد ابن شهاب، أي: الزهري، عن أبي سلمة (٣) بن عبد الرحمن بن عوف، أي: التابعي ابن الصحابي، أنه أي: أبا سلمة، أخبره: أي: ابن شهاب، أن أبا هريرة ﵁، كان يصلي بهم، أي: ببعض التابعين، في مسجد المدينة أو غيره، فيكبر كلما خفض أي: كبر حين انهبط للركوع، وكبر كلما رفع، أي: رأسه من السجود، هذا تجديدًا للعهد في أثناء الصلاة بالتكبير، الذي هو شعار النية المأمور بها في أول الصلاة، مقرونة بالتكبير التي كان من حقها أن يستصحب إلى آخر الصلاة، قاله الناصر بن المنير، وظاهر الحديث: عموم التكبير في جميع الانتقالات، لكن خص منه الرفع من الركوع بالإِجماع؛ فإنه يشرع فيه التحميد، ثم إذا انصرف، أي: إذا رفع أبو هريرة من صلاته، قال: وأنزل أتباعه منزلة المنكرين بالحكم، وأخبرهم عن الحكم على خلاف مقتضى الظاهر، حيث أكد الحكيم الذي لا يقتضي التأكيد بواو القسم، وإن واللام\n_________\n(١) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٢٣١).\n(٢) انظر: تنوير الحوالك (١/ ٧٥).\n(١٠٣) أخرجه: البخاري (٧٥٢)، ومسلم (٣٩٢)، والنسائي في المجتبى (١١٥٥)، ومالك (١٦٦)، والنسائي في الكبرى (٧٤١)، والشافعي في الأم (١/ ١١٠)، والبيهقي في الكبرى (٢٣٢١)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٢١)، وأبو نعيم في المستخرج (٨٦٣).\n(٣) تقدم.","vol":"1","page":227},{"text":"كأنهم أنكروا صلاة أبي هريرة، وقالوا له: تصلي هكذا، وهل رأيتَ رسول الله - ﷺ - يصلي صلاة مثل صلاتك؟ فأزال ترددهم في الحكم، وإنكارهم به بواو القسم وإن واللام، وأكد الحكم بالحروف المؤكدات؛ فقال: والله؛ أي: أقسم بالله: إني لأشبهكم بفتح اللام، وضم الهمزة، وفتح الشين المعجمة، وكسر الباء الموحدة، المشددة من التشبيه، صلاة أي: صلاتكم التي صليت وأنتم مقتدون، أي: برسول الله - ﷺ -؛ أي: بصلاة رسول الله - ﷺ -، كما في (الموطأ) لمالك.\nقال الرافعي: هذه الكلمة مع الفعل نازلة منزلة حكاية فعله - ﷺ -، كما نقله علي القاري عن السيوطي (١)، فيكون الحديث في حكم المرفوع.\nوفي الصحيحين من رواية ابن شهاب، أنه قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: كان رسول الله - ﷺ - إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع، ثم يقول - وهو قائم -: ربنا لك الحمد، ثم يكبر حين يهدي، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصلاة جميعًا حتى يقضيها، ويكبر حين (ق ١٠٧) يقوم من اثنتين بعد الجلوس (٢)، وهذا الحديث رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف، ومسلم عن يحيى، كلاهما عن مالك.\n* * *\n\n١٠٤ - أخبرنا مالك، أخبرني نُعَيْمٌ المجْمِرُ وأبو جعفر القارئ: أن أبا هريرة كان يصلي بهم، فيكبر، كلما خفض ورفع، قال أبو جعفر. وكان يرفع يديه حين يكبر ويفتتح الصلاة.\nقال محمد: السنة أن يكبر الرجل في صلاته كلما خفض وكلما رفع،\n_________\n(١) انظر: تنوير الحوالك (١/ ٧٥).\n(٢) أخرجه: البخاري (٧٤٧)، ومسلم (٥٩١)، والنسائي (١١٣٨)، وأحمد (٩٤٧٤)، وابن حبان (١٧٦٧)، وابن خزيمة (٥٧٨).\n(١٠٤) رواه محمد في الحجة (١/ ٩٥)، من طريق مهنا.","vol":"1","page":228},{"text":"وإذا انحط للسجود كبر وإذا انحط للسجود الثاني كبر، فأما رفع اليدين في الصلاة، فإنه يرفع اليدين حذو الأذنين. في ابتداء الصلاة مرة واحدة، ثم لا يرفع في شيء من الصلاة بعد ذلك: وهذا كله قول أبي حنيفة وفي ذلك آثار كثيرة.\n• أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا، وفي نسخة: ثنا مالك، أخبرني نُعَيْمٌ بالتصغير المجْمِرُ، اسم فاعل من الإِجمار، بمعنى التجمير، وقد مر ذكره، وأبو جعفر القارئ، بالهمزة من القراءة، وتبدل ياء في الوقف، وهي المقرئ المدني شيخ نافع، وعليه قراءة مالك وغيره، أن أبا هريرة كان يصلي بهم، أي: بالتابعين، فيكبر كلما خفض للركوع ورفع من السجود، وهذا من المتفق عليه، قال أبو جعفر: أي: القارئ، وكان أي: أبو هريرة، ﵁، وفي نسخة بالفاء، يرفع يديه حين يكبر، أي: للتحريمة، ويؤيده قوله: ويفتتح الصلاة، وهذا أيضًا مما لا خلاف فيه.\nقال محمد: السنة أي: المؤكدة أن يكبر الرجل في صلاته كلما خفض أي: للركوع، وكلما رفع، أي: رأسه من السجود، وإذا انحط بتشديد الطاء؛ أي: انخفض للسجود كبر، ولعل الأول مجمل، وهذا نوع تفصيل، وإذا انحط أي: انخفض للسجود الثاني كبر، وكذا إذا رفع رأسه فيهما، ولعله تركهما لظهورهما، فأما رفع اليدين في الصلاة، فإنه - أي: المصلي - وفي نسخة: فإنما يرفع اليدين حذو الأذنين، أي: يرفعهما مقابل الأذنين اتفاقًا، وضع المظهر موضع المضمر، وهو خلاف الظاهر، لزيادة تمكن الحكم في ذهن السامع، ومقتضى الظاهر أن يقول: فإنه يرفعهما حذو الأذنين، وفي نسخة: المنكبين لكنه ينفيه قوله في النداء: الصلاة مرة واحدة، أي: لا غير، ثم أكد الحكم السابق بقول: ثم لا يرفع أي: يديه في شيء من الصلاة، أي: من خفض ورفع بعد ذلك، أي: الرفع في الافتتاح، وهذا أي: المذكور كله قول أبي حنيفة وفي ذلك أي: الحصر آثار كثيرة، أي: أخبار شهيرة، كما سنذكرها.\n* * *","vol":"1","page":229},{"text":"١٠٥ - قال محمد: أخبرنا محمد بن أبان بن صالح، عن عاصم بن كُلَيبٍ الجَرْمِي، عن أبيه، قال: رأيت علي بن أبي طالب ﵁: يرفع يديه في التكبيرة الأولى من الصلاة المكتوبة، ولم يرفعهما فيما سوى ذلك.\n• قال محمد: أخبرنا، وفي نسخة: ثنا رمزًا إلى حدثنا محمد بن أبان (١) بفتح الهمزة وتخفيف الموحدة، يصرف، ويمنع ابن صالح، عن عاصم بن (٢) كُلَيبٍ بالتصغير الجَرْمِي، بفتح الجيم وسكون الراء، منسوب إلى جرم بن أبان، وهو كوفي تابعي، سمع أباه وغيره، ومنه الثوري، وشعبة، عن أبيه.\nفي الاستيعاب: أن كليب بن شهاب الجرمي والد عاصم بن كليب، ولأبيه شهاب صحبة، قال عاصم: إن أباه كليبًا خرج مع أبيه إلى جنازة، شهدها رسول الله - ﷺ - قال: وأنا غلام أفهم وأعقل، قال: فقال رسول الله - ﷺ -: \"إن الله - ﷿ - يحب من العامل، إذا عمل عملًا، أن يحسن\"، قال: أي: كليب: رأيت علي بن أبي طالب ﵁: رفع يديه في التكبيرة الأولى من الصلاة المكتوبة، أي: مع أن الاهتمام بإتيان سنتها أولى من غيرها، لا سيما بحضرة الجماعة، ولم يرفعهما أي: اليدين فيما سوى ذلك، أي: من خفض الركوع، ورفعه، ولا يفعل علي كرم الله وجهه بعد النبي بخلافه - ﷺ - إلا بعد قيام الحجة عنده على نسخ ما كان عليه النبي - ﷺ - ذكره (ق ١٠٨) في (المختصر من المختصر لمشكلات الآثار) للطحاوي.\n* * *\n\n١٠٦ - قال محمد: أخبرنا محمد بن أبان بن صالح، عن حماد، عن إبراهيم النَّخَعِيَّ، قال: لا ترفع يديك في شيء من الصلاة بعد التكبيرة الأولى.\n_________\n(١٠٥) أخرجه: الشيباني في الحجة (١/ ٩٦).\n(١) انظر: التقريب (٢/ ٤٩٨).\n(٢) انظر: التقريب (١/ ٢٦٧).\n(١٠٦) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٦٧).","vol":"1","page":230},{"text":"• قال محمد: أخبرنا، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا محمد بن أبان بن صالح، عن حماد، أي: ابن أبي سليمان مسلم، مولى إبراهيم بن أبي موسى الأشعري، في الطبقة الخامسة من الطبقات الحنفية، أخذ العلم عن إبراهيم بن يزيد النخعي، وتفقه عليه وسمع أنس بن مالك، وكان وحيد فقهاء التابعين في الكوفة، وتفقه عليه إمامنا الأعظم، ﵀، أنه قال: خرجنا مع حماد إلى تشييع الأعمش، وأعذر الماء لصلاة المغرب فأفتى إمامنا حماد بالتيمم لأول الوقت، فقلت: يؤخر إلى آخر الوقت فإن وجد الماء وإلا نتيمم، ففعل، فوجد الماء في آخر الوقت، هذا أول مسألة خالف الإِمام أستاذه حمادًا، مات سنة عشرين ومائة. عن إبراهيم بن يزيد النَّخَعِيَّ، (١) وهو من أكابر المجتهدين في أمر الدين، ومن الطبقة الرابعة من الطبقات الحنفية، ورأى عائشة ﵂، ودخل عليها، وثبت له سماع، وأدرك عصر الصحابة، وأخذ العلم عن علقمة، وكان أعلم الكوفة، والمقتدي في وقته كان يفتي وهو ابن ست عشرة سنة، والعصر عصر بقية التابعين، قال: لا ترفع يديك أي: أيها المصلي في شيء من الصلاة، أي: من أركانها، بعد التكبيرة الأولى.\n* * *\n\n١٠٧ - قال محمد: أخبرنا يعقوب بن إبراهيم، قال: أخبرنا حُصَيْن بن عبد الرحمن، قال: دخلت أنا وعمرو بن مرة على إبراهيم النَّخَعِيَّ، قال عمرو: حدثني علقمة بن وائل الْحَضْرَمِيُّ، عن أبيه، أنه صلى مع رسول الله - ﷺ - فرآه يرفع يديه إذا كبر، وإذا ركع، وإذا رفع، قال إبراهيم: ما أدري لعله لم يَرَ النبي - ﷺ - يصلي إلا ذلك اليوم، فحفظ هذا منه، ولم يحفظه ابن مسعود وأصحابه. ما سمعته من أحد منهم، إنما كانوا يرفعون أيديهم في بدء الصلاة؛ حين يكبرون.\n_________\n(١) انظر: التقريب (١/ ٣٥).\n(١٠٧) أخرجه: أحمد (١٨٣٩١)، والنسائي في المجتبى (٨٨٨)، والدارمي (١٣٣١)، والنسائي في الكبرى (٩٦٣)، وابن حبان (١٨٦٠)، وابن خزيمة (١/ ٢٤٢)، حديث (٤٧٧).","vol":"1","page":231},{"text":"• قال محمد: أخبرنا، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا يعقوب أي: القاضي أبو يوسف بن إبراهيم، بن حبيب بن خنيس، بن سعد بن حية الأنصاري، بن سعد، وحية (١) أحد الصحابة - ﵃ - وهو مشهور في الأنصار بأمه، وهي حية بنت مالك من بني عمرو بن عوف، كان القاضي أبو يوسف المذكور من أهل الكوفة، وهو صاحب أبي حنيفة، ﵀ - كان فقيهًا عالمًا حافظًا، سمع: أبا إسحاق الشيباني، وسليمان التيمي، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والأعمش، وهشام بن عروة، وعطاء بن السائب، ومحمد بن إسحاق بن يسار، من تلك الطبقة، وجالس محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ثم جالس أبا حنيفة النعمان بن الثابت، وكان الغالب عليه مذهب أبي حنيفة، وخالفه في مواضع كثيرة، وروى عنه محمد بن الحسن، كما في (تاريخ خلكان) ابن إبراهيم: أخبرنا حُصَيْن بن عبد الرحمن، قال: دخلت أنا وعمرو بن مرة (٢) بضم الميم وتشديد الراء، يكنى أبا مريم الجهني، وقال الأزدي: شهد أكثر المشاهد، وسكن الشام، ومات في أيام معاوية، روى عنه جماعة، كذا في أسماء الرجال لصاحب (المشكاة في فضل الصحابة)، على إبراهيم النَّخَعِيَّ (٣)، وهو من أجلاء التابعين، قال عمرو: أي: ابن مرة حدثني علقمة بن وائل الْحَضْرَمِيُّ، عن أبيه، أي: وائل بن حجر (٤)، كان قليل من إقبال حضرموت، وكان أبوهم من ملوكهم، وفد على النبي - ﷺ - فلما دخل عليه رحب به وأدناه من نفسه، وبسط له ردائه فأجلسه، وقال: \"اللهم بارك في وائل وولده\"، واستعمله على الإِقبال من حضرموت، أنه صلى مع رسول الله - ﷺ - فرآه يرفع يديه إذا كبر، وإذا ركع، وإذا (ق ١٠٩) رفع، قال إبراهيم، أي: النخعي: ما أدري أي: صحبة ذلك، أو وجه ما هنالك، لعله أي: أرجو أن وائل بن حجر لم يَرَ النبي - ﷺ - يصلي إلا ذلك اليوم، بل يحتمل أنه رآه يصلي مرة واحدة، في ذلك اليوم فحفظ هذا منه، والواو عطف على مقدر، قدر بعد الاستفهام الإِنكاري المقدر تقديره: أصلى وائل بن حجر مع رسول الله - ﷺ - فحفظ هذا الرفع منه - ﷺ - ولم يحفظه ابن مسعود أي: مع طول ملازمته وكثرة مشاهدته.\n_________\n(١) انظر: ميزان الاعتدال (٧/ ٢٧٢).\n(٢) انظر: التقريب (١/ ٤٤٧).\n(٣) تقدم.\n(٤) انظر: التقريب (٢/ ٦٤٥).","vol":"1","page":232},{"text":"وفي المعتصر (١): قال إبراهيم النخعي: إن كان وائل رآه مرة يفعل ذلك، فقد رآه عبد الله بن مسعود خمسين مرة لا يفعل ذلك، وأصحابه أي: وسائر أصحاب النبي - ﷺ -، ما سمعته أي: لم أسمع رفع اليدين، حين رفع رأسه من الركوع إلا من أحد منهم، أي: من الصحابة إنما كانوا أي: الصحابة يرفعون أيديهم في بدء الصلاة؛ حين يكبرون، أي: للتحريمة فقط، وهذا بمنزلة دعوى الإِجماع، ولو كان - ﷺ - يرفع يديه أحيانًا في الانتقال، ليطلع القوم على ما صور له من اختلاف الأحوال، ثم لما الأفعال ترك الرفع، إلا ما في بدء الإِمام، فلعله كان - ﷺ - فعله ذلك كان تعليمًا لوائل؛ ليتنبه على الأواخر والأوائل.\n* * *\n\n١٠٨ - قال محمد: أخبرنا محمد بن أبان بن صالح، عن عبد العزيز بن حكيم، قال: رأيت ابن عمر يرفع يديه بحذاء أذنيه في أول تكبيرة افتتاح الصلاة ولم يرفعهما فيما سوى ذلك.\n• قال محمد: أخبرنا، وفي نسخة: ثنا محمد بن أبان بن صالح، عن عبد العزيز بن حكيم، قال: رأيت ابن عمر يرفع يديه بحذاء أذنيه في أول تكبيرة افتتاح الصلاة ولم يرفعهما فيما سوى ذلك.\nوفي المعتصر (٢) عن مجاهد: قال: صليتُ خلف ابن عمر، فلم يكن يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى.\nوالظاهر أنه لم يترك بعد النبي - ﷺ - ما كان فعله، إلا لا يوجب له ذلك من نسخ.\nوقد روى الأسود (٣) قال: ما رأيتُ عمر بن الخطاب ﵁ يرفع يديه في أول تكبيرة، ثم يعود.\n_________\n(١) انظر: معتصر المختصر (١/ ٣٦)، وشرح معاني الآثار (١/ ٢٢٤).\n(١٠٨) أخرجه: الشوكاني في نيل الأوطار (٢/ ١٩٥).\n(٢) انظر: تحفة الأحوذي (٢/ ٩٦)، ومن رمي بالاختلاط (١/ ٧٠)، ومعتصر المختصر (١/ ٣٧).\n(٣) انظر: معتصر المختصر (١/ ٣٨).","vol":"1","page":233},{"text":"إذا كان عمر وعلي وابن مسعود، وموضعهم من الصلاة مع رسول الله - ﷺ - موضعهم على ذلك، ثم ابن عمر بعدهم على مثله، لم يكن شيء مما رُوي في القبول أولى مما رووه.\n* * *\n\n١٠٩ - قال محمد: أخبرنا أبو بكر بن عبد الله النَّهشَلِيُّ، عن عاصم بن كليب الْجَرْمِيِّ، عن أبيه؛ وكان من أصحاب علي بن أبي طالب، ﵁: أن عليّا ﵁ كان يرفع يديه في التكبيرة الأولى التي يفتتح بها الصلاة، ثم لا يرفعهما في شيء من الصلاة.\n• قال محمد: أخبرنا، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا أبو بكر بن عبد الله النَّهشَلِيُّ، عن عاصم بن كليب الْجَرْمِيِّ، عن أبيه؛ وكان من أصحاب علي بن أبي طالب، ﵁، أي: المخصوصين والملازمين له، أن عليّا بن أبي طالب ﵁ كان يرفع يديه في التكبيرة الأولى التي يفتتح بها الصلاة، ثم لا يرفعهما في شيء من الصلاة، أي: من أفعالها، وقت انتقال أفعالها.\n* * *\n\n١١٠ - قال محمد: أخبرنا الثوري، قال: حدثنا حصين، عن إبراهيم، عن ابن مسعود: أنه كان يرفع يديه، إذا افتتح الصلاة.\n• قال محمد: أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا الثوري (١)، وهو سفيان بن سعيد، الكوفي، تابعي جليل، روى عنه معمر والأوزاعي، وابن جريج، ومالك، وشعبة، وابن عيينة، وفضيل بن عياض، وغيرهم، مات بالبصرة سنة إحدى\n_________\n(١١٠) أخرجه: النسائي في المجتبى (٦٧٥)، وابن ماجه (٨٥٨)، وأحمد (٤٥٤٠)، والنسائي في الكبرى (٦٧٥)، وابن أبي شيبة (١/ ٢١٢) حديث رقم (٢٤٢٥)، والبيهقي في الكبرى (٢١٣٤).\n(١) انظر: التقريب (١/ ٢١٦).","vol":"1","page":234},{"text":"وستين ومائة، وهو أحد الأئمة المجتهدين في علوم الدين، قال: حدثنا حصين، عن إبراهيم، عن ابن مسعود، ﵁، أنه كان يرفع يديه، إذا افتتح الصلاة، أي: وقت ابتداء صلاته فقط، وقد اجتمع (ق ١١٠) الإِمام أبو حنيفة مع الأوزاعي بمكة، في دار الخياطين وقت ابتداء صلاته فقط.\nفقال الأوزاعي: ما لكم لا ترفعون أيديكم عند الركوع والرفع منه، لأجل أنه لم يصح عن رسول الله - ﷺ - فيه شيء، أي: مما لا يعارض.\nفقال الأوزاعي: كيف لم يصح، وقد حدثني الزهري عن سالم، عن أبيه، أن رسول الله - ﷺ - كان يرفع يديه، إذا افتتح الصلاة، وعند الركوع، وعند الرفع منه.\nفقال أبو حنيفة: حدثنا حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، والأسود، عن عبد الله بن مسعود، ﵁ (١) أن النبي - ﷺ - كان لا يرفع يديه، إلا عند الصلاة، ثم لا يعود.\nفقال الأوزاعي: أحدثك عن الزهري، عن سالم عن أبيه، وتقول: حدثني حماد عن إبراهيم؟\nفقال أبو حنيفة: كان حماد أفقه من الزهري، وكان إبراهيم أفقه من سالم، وعلقمة ليس بدون ابن عمر في الفقه، وإن كان لابن عمر صحبة، فله فضل صحبته، وللأسود فضل كثير، وعبد الله قال ابن الهمام: فرجح بفقه الرواة.\nكما رجح الأوزاعي بعلو الإِسناد، وهو المذهب المنصور عندنا، والله أعلم، كما قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان كيفية الشروع في الصلاة، شرع في بيان أحكام القراءة؛ التي يجهر بها الرجل خلف الإِمام، فقال: هذا.\n* * *\n_________\n(١) أخرجه: النسائي (١٠٥٧)، وأحمد (٣٦٧٢)، وعبد الرزاق في مصنفه (٢٥٣٣)، وأبو يعلى (٥٣٠٢).","vol":"1","page":235},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>باب القراءة في الصلاة خلف الإمام</span>\nبيان أحكام القراءة، حال كونها في الصلاة خلف الإِمام، اختلفوا في وجوب القراءة على الإِمام:\nفقال أبو حنيفة: لا يجب عليه، سواء جهر الإِمام أو خافت، بل لا تسن القراءة بحال خلف الإِمام، بل تكره في كل حال خلفه.\nوقال مالك وأحمد: لا يجب عليه القراءة مطلقًا، بل كره مالك للمأموم أن يقرأ فيما يجهر به الإِمام، سمع قراءة الإِمام أو لم يسمع، وفرق الإِمام أحمد: واستحسنه فيما خافت فيه الإِمام.\nوقال الشافعي: يجب القراءة فيما أسر به الإِمام، والراجح من قوله وجوب القراءة على المأموم، في الجهرية أيضًا.\nوحُكي عن الأصم والحسن بن صالح، أن القراءة سنة.\n١١١ - أخبرنا مالك، حدثنا الزهري، عن ابن أُكَيْمَةَ اللَّيْثِيِّ، عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: \"هل قرأ معي منكم أحد؟ \" فقال رجل: أنا يا رسول الله، فقال: \"إني أقول: ما لي أنازع القرآن\" فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله - ﷺ - فيما جهر فيه من الصلوات حين سمعوا ذلك.\n• أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا مالك، حدثنا، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا الزهري، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، المدني كان في الطبقة الرابعة من طبقات كبار التابعين، من أهل المدينة، كما في (التقريب) (١)\n_________\n(١١١) أخرجه: أبو داود (٨٢٦)، والترمذي (٣١٢)، والنسائي (٩١٨)، وأحمد (٧٩٤٧)، ومالك (١٨٩)، وابن حبان (١٨٤٩)، والبيهقي في الكبرى (٢٩٦٨).\n(١) انظر: التقريب (٢/ ٨٠٩).","vol":"1","page":236},{"text":"عن ابن أُكَيْمَةَ (١)، بفتح الهمزة وفتح الكاف، وسكون التحتية، وفتح الميم المفتوحة، والهاء مصغر أكمة، وهي بفتح الهمزة، وكسر الكاف وتشديد الميم المفتوحة والتاء، جمع الكم، واسمه عُمارة بضم العين المهملة، وفتح المخففة الممدودة والراء المهملة بعدها الهاء. اللَّيْثِيّ، يكنى: أبا الوليد، المدني، ثقة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة إحدى ومائة وله تسع وسبعون سنة، كما قاله ابن حجر.\nعن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: \"هل قرأ معي منكم أحد؟ \" أي: أحد فمن زائدة للاستغراق، فقال رجل: أنا يا رسول الله، أي: قرأت والظاهر أنه قد أسر، أو لا يبعد أنه قرأ (ق ١١١) جهرًا، قال: أي: أبو هريرة، فقال: أي: النبي - ﷺ -: \"إني أقول أي: في سري ونفسي، مالي أي: شيء حصل لي، أنازع بصيغة المجهول، أي: أجازب القرآن بالنصب، أي: في قراءته، وهو بمعنى التثريب، واللوم لمن فعل ذلك.\nقال ابن عبد البر (٢): أى: إذا جهرت بالقرآن، فإذا قرأتم ورائي فكأنما تنازعوني القرآن، الذي أقرأ، ولكن أنصتوا.\nقال الباجي - من علماء المالكية -: معنى منازعتهم له - ﷺ -: أن لا يفردوه بالقراءة، ويقرؤه معه من التنازع، بمعنى التجاذب، كما نقله علي القاري عن السيوطي (٣).\nهذا استفهام إنكاري، حيث تلطف رسول الله - ﷺ - في إرشاد من خلفه في الصلاة، بإيراده في معرض المناصحة لنفسه وإمحاض النصح، حيث أراد لهم بالإِنصات.\nوالمراد تقريعهم وتوبيخهم على ترك الإِنصات، وبالغ في تهديدهم حيث قال: \"مالي\"، ولم يقل: ما لكم تنازعون في قراءة القرآن معي، وهو الظاهر المتبادر، فاطلب تفصيله في قوله في سورة يس ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٢٢]، فانتهى الناس أي: بقيتهم، عن القراءة، لا فيما أسر به من الصلوات حين سمعوا ذلك،\n_________\n(١) انظر: التقريب (٢/ ٧٨٢).\n(٢) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٢٥٨).\n(٣) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٢٥٨)، وتنوير الحوالك (١/ ٨٢).","vol":"1","page":237},{"text":"وأخذ بمفهوم ذلك مالك فمنع المأموم أن يقرأ في الجهرية، دون السرية.\nوخصّ الشافعي من عموم النهي قراءة سورة الفاتحة؛ لقوله - ﷺ - (١): \"لا صلاة إلا بقراءة الفاتحة\"، وحمله على نفي الصحة، وعموم الإِمام والمأموم؛ نظرًا إلى إطلاقه.\nوالحديث رواه الترمذي من طريق معن عن مالك به.\nوقال: حديث حسن، كما قاله علي القاري والزرقاني.\n* * *\n\n١١٢ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن ابن عمر، أنه كان إذا سئل: هل يقرأ أحد مع الإِمام؟ قال: إذا صلى أحدكم مع الإِمام فحسبه قراءة الإِمام؛ وكان ابن عمر لا يقرأ مع الإِمام.\n• حدثنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا مالك، كذا في نسخة: حدثنا نافع بن عبد الله، المدني، مولى ابن عمر، ثقة فقيه، مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، كذا في (التقريب) (٢) لابن حجر، عن ابن عمر، أنه كان إذا سئل: هل يقرأ أحد مع الإِمام؟ أي: خلف الإِمام؟ كذا في (الموطأ) لمالك، قال: إذا صلى أحدكم مع الإِمام فحسبه، أي: فيكفي المأموم قراءة الإِمام؛ وظاهره المنع عن قراءة المأموم، كما يشير إليه قوله، وكان ابن عمر لا يقرأ مع الإِمام، أي: مطلقًا، على ما هو عن قراءة المأموم، كما الظاهر.\nويؤيد مذهبنا قوله - ﷺ - إذا قرأ الإِمام فأنصتوا.\n* * *\n_________\n(١) أخرجه: أبو داود (٨١٩)، والترمذي (٢٤٧)، وأحمد (٩٢٤٥)، وابن حبان (١٧٩١)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٩٨) حديث رقم (١٦)، والحاكم (٨٧٢)، والدارقطني (١/ ٣٢١) حديث رقم (١٦)، والبيهقي في الكبرى (٢٥١٣).\n(٢) تقدم.","vol":"1","page":238},{"text":"١١٣ - أخبرنا مالك، حدثنا وهب بن كيسان أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل إلا وراء الإِمام.\n• أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا مالك، قال: - كذا في نسخة - حدثنا وهب بن كيسان: أنه سمع جابر بن عبد الله الأنصاري - ﵁ - يقول: من صلى ركعة، أي: من ركعات الصلاة، لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل، أي: صلاة صحيحة أو كاملة، وحال من الأحوال، إلا وراء الإِمام، أي: إلا حال كونه مقتديًا؛ فإنه إذا لم يقرأ فيها بأم القرآن فصلاته صحيحة، وعليه الجمهور، خلافًا للشافعي؛ فإنه استدل بوجوب قراءة الفاتحة على كل مصل بقوله - ﷺ - (١): \"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب\" فناوله على ما إذا صلى منفردًا، نقله الترمذي (ق ١١٢) أو كان إمامًا؛ لأن الاستثناء معيار العلوم.\nوقال أبو عبد الملك: هذا الحديث موقوف على جابر وقد أسنده بعضهم، أي: رفعه، ورواه الترمذي من طريق فعن عن مالك به موقوفًا؛ وقال: حسن صحيح، كما قاله الزرقاني (٢).\n* * *\n\n١١٤ - أخبرنا مالك، أخبرني العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، مولى الحُرَقَةِ، أنه سمع أبا السائب مولى هشام بن زهرة يقول: سمعت أبا هريرة\n_________\n(١١٣) أخرجه: الترمذي (٣١٣)، وأحمد (١٩٣٧٠)، ومالك (١٨٣)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٩٧)، حديث رقم (٤)، والبيهقي في الكبرى (٢٩٧٣).\n(١) أخرجه: البخاري (٧٢٣)، ومسلم (٣٩٤)، وأبو داود (٨٢٢)، والترمذي (٢٤٧)، والنسائي (٩٠٩)، وابن ماجه (٨٣٧)، وأحمد (٢٢١٦٩)، وابن حبان (١٧٨٦)، والدارقطني (١٧)، والبيهقي في الكبرى (٢٤١٦).\n(٢) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٢٥٣).\n(١١٤) أخرجه: مسلم (٣٩٥)، وأبو داود (٨٢١)، والترمذي (٢٩٥٣)، والنسائي (٩٠٨)، وأحمد (٧٧٧٧)، ومالك (١٨٤)، وابن حبان (٧٧٦)، وعبد الرزاق في مصنفه (٢٧٦٧)، والدارقطني (٣٥)، والبيهقي في الكبرى (٤٠٥٦).","vol":"1","page":239},{"text":"يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج، فهي خداج، فهي خِدَاجٌ: غير تمام\".\nقال: قلت: يا أبا هريرة، إني أحيانًا أكون وراء الإِمام، قال: فغمز ذراعي وقال: يا فارسيُّ، اقرأ بها في نفسك، إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"قال الله جل وعز. قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل\"، قال رسول الله - ﷺ -: \"اقرؤوا: يقول العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، يقول الله جل وعز: حَمَدَني عبدي، يقول العبد: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، يقول الله جل وعز: أثنى عليَّ عبدي، يقول العبد: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ يقول الله جل وعز: مجدني عبدي، يقول العبد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فهذه الآية بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل. يقول العبد: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فهؤلاء لعبدي، ولعبدي ما سأل\".\nقال محمد: بل قراءة خلف الإِمام فيما جهر فيه، ولا فيما لم يجهر فيه، بذلك جاءت عامة الآثار، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا مالك، قال: ثنا كذا في نسخة: أخبرنا العلاء (١) بفتح العين المهملة واللام والألف الممدودة ابن عبد الرحمن بن يعقوب، مولى الحرف، بضم الحاء المهملة وفتح الراء المهملة والفاء والهاء، كذا ضبطه بعض الشارحين، أنه أي: العلاء سمع أبا السائب الأنصاري المدني.\nقال الحافظ: اسمه عبد الله بن السائب (٢)، ثقة روى له مسلم والأربعة والبخاري في جزء القراءة؛ مولى هشام بن زهرة، ويقال: مولى عبد الله بن هشام بن زهرة، ويقال:\n_________\n(١) انظر: التقريب (١/ ٤٥٨).\n(٢) انظر: التقريب (١/ ٢٩٠).","vol":"1","page":240},{"text":"مولى بني زهرة روى عن أبي هريرة، وأبي سعيد المغيرة بن شعبة، وعنه: الزهري وشريك، وجماعة: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: سمعت رسول الله - ﷺ -، يقول: \"من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، وإضافة الفاتحة للكتاب بمعنى اللام، كعبد الله، وإنما سميت هذه السورة بفاتحة الكتاب؛ لأن القرآن افتتح بها لكونها أول سورة نزلت بكمالها على أكثر الأقوال؛ وهي لم تنزل على من قبل هذه الأمة من الأمم، وسميت سبع المثاني؛ لأنها سبع آيات، ولأنها نزلت مرتين، أو لأنها تثنى في الصلاة، كما في (عيون التفاسير)، ويقال لها: أم القرآن؛ لأنها أصله، أو لتقدمها عليه كأنها توأمه، أو لاشتمالها على المعنى التي فيه من الثناء على الله، والتعبير بالأمر والنهي، والوعد والوعيد، وذكر الذات والصفات، والفعل المبدأ والمعاد والمعاش بطريق الإِجمال، فهي أي: تلك الصلاة خداج، بكسر الخاء المعجمة ودال مهملة وألف فجيم، أي: ذات خداج أي: نقصان، ومصدر بمعنى اسم فاعل، أي: خادجة، يعني ناقصة، ووصفها بالمصدر للمبالغة، كرجل عدل، فهي خداج، فهي خِدَاجٌ:، ذكره ثلاثًا للتأكيد، يقال: خدجت الناقة إذا ألقت ولدها قبل أوان النتاج، وإن كان تام الخلق، وأخدجته إذا ولدته ناقصًا، وإن كان التمام الولادة.\nهذا هو قول الخليل، والأصمعي، وأبي حاتم، وآخرين، وقال جماعة من أهل اللغة: خدجت وأخدجت إذا ولدت لغير تام، ثم زاد التأكيد بقوله: غير تمام.\nقال ابن الملك: والحديث حجة أبي حنيفة في أن الصلاة تجوز بدون الفاتحة مع النقصان عنده.\nوقال الشافعي: لا تصح بدونها، والحديث رواه أحمد وابن ماجه عن عائشة ﵂، وكلاهما عن ابن عمر، والبيهقي، وأحمد، وابن ماجه، عن علي والخطيب، عن أبي أمامة، ولفظهم: \"كل صلاة لا يُقرأ فيها بأم الكتاب، فهي خداج\".\nقال ابن عبد البر (١): وزعم من لم يوجب قراءتها في الصلاة، أن قوله \"خداج\" على جوازها؛ لأن الصلاة الناقصة جائزة (ق ١١٣)، وهذا تحكم فاسد؛ لأن الناقص\n_________\n(١) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٢٥٤).","vol":"1","page":241},{"text":"ما لم يتم، ومن خرج من صلاته قبل أن يتمها فعليه إعادتها تامة، كما أمر من ادعى أنها تجوز - مع إقراره بنقصانها - فعليه الدليل، كما قاله الزرقاني (١)، ثم لما كان الحكم عامًا بظاهر الحديث شاملًا للمعتدين وغيره.\nقال: أي: أبو السائب، قلت: يا أبا هريرة: إني أحيانًا أي: في بعض الأوقات أكون وراء الإِمام، أي: خلفه مقتديًا به، قال: أي: أبو السائب فغمز أي: أبو هريرة ذراعي. قال الباجي - من علماء المالكية -: هو على معنى التأديب له، وتنبيهه على فهم مراده، والبعث له على جمع ذهنه، وفهمه لجوابه، وقال: يا فارسيُّ أي: يا عجمي، ولعل أصله كان من الفارس بكسر الراء، وتسكن هو الشيراز وما حوله، اقرأ بها أي: بفاتحة الكتاب في نفسك، أي: خفيفة؛ إذ لا يجوز القراءة من غير تصحيح الحروف، وسماع نفس القارئ، إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"قال الله - ﷿ - في حديثه القدسي: وهو ما أخبر الله به نبيه - ﷺ - بإلهام أو بالمنام، فأخبر النبي - ﷺ - عن ذلك المعنى بعبارة في نفسه، فالقرآن مفضَّل عليه؛ لأن لفظه منزل أيضًا، كذا قاله محمد السيد الشريف الجرجاني: قسمتُ الصلاة أي: الفاتحة، سميت بها؛ لأن الصلاة لا تتم ولا تصح إلا بها؛ كقوله - ﷺ -: \"الحج عرفة\" (٢)، أو لأنها في معنى الدعاء، قاله ابن عبد البر (٣) وجماعة من العلماء، والمراد بالصلاة القراءة، لأنها جزؤها، وقد تطلق كل منهما على الأخرى مجازًا، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ [الإسراء: ١١٠]، أي: بقراءتك، وقال: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، أي: صلاة الفجر، بيني وبين عبدي نصفين، قدَّم نفسه، فقال: بيني لأنه واجب الوجود لنفسه، وإنما استفاد العبد الوجود منه، فنصفها لي ونصفها لعبدي، اعلم أن تقسيم الفاتحة نصفين بمعنى أن بعضها ثناء، إلى قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، وبعضها دعاء، وهو من قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ إلى آخر السورة، فالنصف هنا بمعنى البعض؛ لأنها منتصفة تحقيقية؛ لأن طرف الدعاء أكثر،\n_________\n(١) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٢٥٤)، والتمهيد لابن عبد البر (٢٠/ ١٩٢)، وتفسير القرطبي (١/ ١٢٣).\n(٢) أخرجه: الترمذي (٨٨٩)، والنسائي (٣٠١٦)، وابن ماجه (٣٠١٥)، وأحمد (١٨٢٩٧)، وابن خزيمة (٢٨٢٢)، والحاكم (١٧٠٣)، والدارقطني (١٩)، والبيهقي في الكبرى (٩٩١٢).\n(٣) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٢٥٤).","vol":"1","page":242},{"text":"وقيل: إنها منتصفة حقيقية؛ لأنها سبع آيات: ثلاث ثناء من قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ إلى ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، وثلاث دعاء ورجاء من قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إلى آخرها، والآية المتوسطة نصفها ثناء، ونصفها دعاء، ولكن هذا التأويل إنما يستقيم على مذهب من لم يجعل التسمية منها آية، ويجعل أنعمت عليهم آية، كما هو مذهب البصريين، خلافًا للكوفيين، فإنهم عكسوا القضية، فلا خلاف كونها سبع آيات، كما أشار إليه قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧].\nوقال ابن الملك في (شرح المشارق): ومن جعل التسمية منها يقول معنى قوله: يقول العبد: الحمد لله رب العالمين إذا انتهى في قراءته إلى ذلك - كما نقله علي القاري عن النواوي.\nولعبدي ما سأل، أي: من العبد سأل، ومني الإِعطاء منه بشارة عظيمة، قال (ق ١١٤) رسول الله - ﷺ -: \"اقرؤوا: وفي نسخة: اقرأ بالإِفراد، اقرأ يا أبا هريرة؛ فإنه إذا انتهى أن يقول العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، يقول الله جل وعز، أي: للملائكة: حَمَدَني عبدي، أي: أثنى عليَّ بجميل الأفعال، وبما أنا أهله، يقول العبد: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، بالجر على الحماية، يقول الله جل وعز: أثنى عليَّ عبدي، جعل جوابًا لهما لاشتمال اللفظين على الصفات الذاتية والفعلية، يقول العبد: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، أي: يوم الجزاء، وهو يوم القيامة، وخص بالذكر؛ لأنه لا ملك ظاهرًا فيه لأحد، إلا الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦].\nومن قراءة مالك يوم الدين، فمعنى مالك الأمر كله في يوم القيامة، أي: هو - تعالى - موصوف بذلك، دائمًا لغافر الذنب، فصح وقوعه صفة للمعرفة.\nيقول الله جل وعز: مجدني عبدي، بتشديد الجيم، أي: عظمني. قال العلماء: إنما قال: حمدني، وأثنى عليَّ، ومجدني؛ لأن التحميد الثناء بجميل الأفعال، والتمجيد الثناء بصفات الجلال، وأثنى عليه تعالى في ذلك كله، ولهذا جاء جوابًا للرحمن، كما نقله علي القاري (١) عن السيوطي.\n_________\n(١) انظر: تنوير الحوالك (١/ ٨٢)، والديباج (٢/ ١٢٧).","vol":"1","page":243},{"text":"يقول العبد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ أي: نخصك بالعبادة من توحيد وغيره، وقدم المعمول إفادة للاختصاص وللحصر، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أي: إنما نطلب العون منك على العبادة وغيرها، فهذه الآية بيني وبين عبدي.\nقال الباجي - من علماء المالكية -: معناه أن بعض الآية تعظيم للباري تعالى، وبعضها استعانة من العبد به - تعالى - على أمر دينه ودنياه. انتهى.\nفالذي لله تعالى منها إياك نعبد، والذي للعبد إياك نستعين، كذا قاله الزرقاني (١)، فيه تلميح وإشارة إلى الحديث القدسي؛ الذي رواه أبو هريرة (٢) ﵁ أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرتُه في ملأ خير منهم\"، كما أورده البخاري. قوله: أنا عند ظن عبدي بي: معناه: أنا أعامل العبد على حسب ظنه بي، وأفعل به ما يتوقعه مني.\nوالمراد الحث على حسن الظن بالله في نفسه، وتغليب الرجاء على الخوف، والظن هنا بمعنى اليقين والاعتقاد، لا بمعنى الشدة.\nوقوله: أنا معه؛ أي: مع عبدي بالعون والتوفيق وبالعلم، أي: أنا عالم به وبأقواله وأفعاله، لا يخفى عليَّ شيءٌ من الأشياء.\nقوله: فإن ذكرني في نفسه: أي: سرًا وخفية مجتنبًا عن الرياء.\nقوله: ذكرتُه في نفسي: أي: أثيبه وأنا أجزي به، أي: أكافئ به لا آمر أحد من خلقي أن يعطيني أجره.\nقوله: وإن ذكرني في ملأٍ، أي: بين جماعة من المؤمنين.\nقوله: ذكرتُه في ملأٍ خير منهم، أي: يريدهم الملائكة المقربين، وأرواح المرسلين، كما قاله ابن الملك في (شرح المصابيح).\n_________\n(١) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٢٥٥).\n(٢) أخرجه: البخاري (٦٩٧٠)، ومسلم (٢٦٧٥)، والترمذي (٣٦٣٠)، والنسائي (٧٧٣٠)، وابن ماجه (٣٨٢٢)، وأحمد (٧٣٧٤)، وابن حبان (٨١١).","vol":"1","page":244},{"text":"ولعبدي ما سأل، أي: من العون والهداية.\nقال بعض العارفين (١): وإذا حققت وجدت الآيات كلها لله تعالى؛ فإنك إنما عبدته بإرادته، ومشيئته، ومعونته، إن العبد لا حول له ولا قوة ولا إرادة إلا بحول الله وإرادته، يقول العبد: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أي: أرشدنا إلى المنهاج الواضح؛ الذي لا اعوجاج فيه أو تثبيتًا لديه. ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بدل من الأول بدل الكل وهو في حكم تكرير العامل، من حيث إنه المقصود بالنسبة، وفائدة التأكيد والتخصيص على أن طريق الذي أنعم الله عليهم، وهم المسلمون، هو العلم في الاستقامة والمشهود بالاستواء، بحيث لا يذهب الوهم عند ذكر الطريق المستقيم إلا إليه، وإطلاق الأنعام لقصد الشمول؛ فإن نعمة الإِسلام عنوان النعم كلها، فمن فاز بها جازها بحذاء غيرها، وقيل: المراد بهم الأنبياء ﵈، كذا في تفسير أبي السعود.\n﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وهم اليهود، مجرور لكونه نعتًا للذين أنعمت، وبدل منه؛ وإنما جاز الوصف به هنا؛ لأن المضاف إليه ضد المنع.\nكيف؟ وهو مذهب أكثر المجتهدين في أمر الدين، كذا قاله علي القاري.\n* * *\n\n١١٥ - قال محمد: أخبرنا عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، عن نافع، عن ابن عمر، أنه قال: من صلى خلف إمام كفته قراءته.\n• قال محمد: أخبرنا، وفي نسخة محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، أكد هذا الحكم عن نافع، عن ابن عمر، أنه قال: من صلى خلف إمام كفته قراءته، أي: تكفي المأموم قراءة الإِمام، أكد هذا الحكم بقوله:\n* * *\n_________\n(١) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٢٥٦).\n(١١٥) أخرجه: مالك (١٩٣)، والدارقطني (٢).","vol":"1","page":245},{"text":"١١٦ - قال محمد: أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي، قال: أخبرني أنس بن سيرين، عن ابن عمر، أنه سأل عمر عن القراءة خلف الإِمام، قال: تكفيك قراءة الإِمام.\n• قال محمد: أخبرنا، وفي نسخة: قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي، قال: أخبرني بالإِفراد أنس بن سيرين، عن ابن عمر، ﵁، أنه سأل عمر عن القراءة خلف الإِمام، قال: أي: ابن عمر تكفيك أي: أيها السائل قراءة الإِمام.\nوالمعنى: أنه لا يجب عليك القراءة: إما مطلقًا ومقيدًا.\nفقد ورد (١): من صلى خلف الإِمام فليقرأ بفاتحة الكتاب، رواه الطبراني عن عبادة بن الصامت، لكن هذه الرواية مذهب الشافعي.\n* * *\n\n١١٧ - قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة، قال: حدثنا أبو الحسن: موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، عن جابر بن عبد الله، عن النبي - ﷺ -، قال: \"من صلى خلف إمام فإن قراءة الإمام له قراءة\".\n• قال محمد: أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا أبو حنيفة، قال: حدثنا وفي نسخة: ثنا رمزًا إلى حدثنا أبو الحسن: موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، عن جابر بن عبد الله، الأنصاري، ﵁ عن النبي - ﷺ -، قال: \"من صلى خلف إمام فإن قراءة الإمام له قراءة\".\n_________\n(١١٦) أخرجه: أحمد (٥٠٧٧)، وابن أبي شيبة (١/ ٤١٢) حديث (٩)، والدارقطني (٣).\n(١) أخرجه: الترمذي (٣١١)، وأحمد (٢٢١٨٦)، وابن حبان (١٨٤٨)، وابن خزيمة (١٥٨١)، والدارقطني (٥)، والبيهقي في الكبرى (٢٩٩١).\n(١١٧) أخرجه: ابن ماجه (٨٥٠)، والدارقطني (٢)، والطبراني في الأوسط (٧٩٠٣)، والبيهقي في الكبرى (٢٩٧٠)، ولم يرو هذا الحديث أحد ممن رواه عن ابن علية إلا سهل بن العباس، ورواه غيره موقوفًا.","vol":"1","page":246},{"text":"قال محمد: حدثنا الشيخ أبو علي، قال: حدثنا محمد بن محمد المروزي، قال: حدثنا سهل بن العباس الترمذي، قال: أخبرنا إسماعيل بن علية (١) بضم العين، وفتح اللام، وتشديد التحتية، عن أيوب بن تيمية (٢) اسمه: كيسان السختياني، بفتح المهملة بعده معجمة ثم مثناة ثم تحتانية، وبعد الألف نون، يكنى أبا بكر البصري، ثقة ثبت حجة، من كبار الفقهاء والعباد، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل البصرة، كانت في الإِقليم الثالث، من الأقاليم السبعة، مات سنة إحدى وعشرين بعد المائة، كذا قاله ابن حجر وغيره عن ابن الزبير (٣) أي: عروة بن الزبير بن العوام الأسدي، ثقة، فقيه، كان في الطبقة الخامسة من طبقات كبار التابعين، من أهل المدينة، مات سنة ست أو خمس وأربعين، وله سبع وثمانون سنة، كذا قاله ابن حجر، عن جابر بن عبد الله أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من صلى خلف الإمام فإن قراءة الإمام له قراءة\"، والحديث رواه أحمد وابن ماجه عن جابر بن عبد الله - ﵄ - ولفظه: \"من كان له إمام، فقراءة الإمام له قراءة\".\nوهذا الحديث، والحديث المقدم كل واحد منهما مثل الآخر، بدل طريقة تقوية للحكم ومبالغة في التأكيد.\n* * *\n\n١١٨ - قال محمد: حدثنا أسامة بن زيد المدنيُّ قال: حدثنا سالم بن عبد الله بن عمر قال: كان ابن عمر لا يقرأ خلف الإِمام، قال: فسألت القاسم بن محمد عن ذلك، فقال: إن تركت فقد تركه ناس يقتدي بهم، وإن قرأت فقد قرأ ناسٌ يقتدى بهم، وكان القاسم ممن لا يقرأ.\n_________\n(١) انظر: التقريب (١/ ٤٨).\n(٢) انظر: التقريب (١/ ٦٣).\n(٣) انظر: التقريب (١/ ٣٣٩).\n(١١٨) أخرجه: البيهقي في الكبرى (٢٧٣١) (٢٩٨٠)، وفي القراءة خلف الإِمام (٣٩٨).","vol":"1","page":247},{"text":"• قال محمد: أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا أسامة بن زيد المدنيُّ قال: حدثنا سالم بن عبد الله بن عمر قال: أي: سالم بن عبد الله: كان ابن عمر لا يقرأ خلف الإِمام، قال: أي: أسامة، فسألت القاسم بن محمد، وهو أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، وقد مر ذكره عن ذلك، أي: عن القراءة خلف الإِمام، فقال: إن تركت أي: القراءة أيها المصلي، فقد تركه ناس يقتدي بهم، أي: بالناس من بعدهم في تركه، إن كان كل واحد منهم مقتديًا، وإن قرأت أي: أيها السائل خلف الإِمام، فقد قرأ ناسٌ خلف إمام، وإنما جاء بصيغة الماضي إشعارًا لتحقق وقوع هذا الأمر، كما قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ الآية [المؤمنون: ١]، أي: حال كون الناس يقتدى على صيغة المضارع المجهول، أي: يتبع الناس بهم (ق ١١٧) في القراءة إذا كان مأمومًا، والحال وكان القاسم ممن لا يقرأ.\nوفي الكرماني: عن الشعبي: أدركتُ سبعين بدريًا؛ كلهم لا يقرؤون خلف الإِمام، كرر \"ناس\" منكرًا إشعارًا بأن واحدًا من كبار القوم لو فعل شيئًا غير مشروع لرآه الناس يفعلون، ثم يريهم آخرون يفعلون فيفعلون كذلك، ثم يزاد إلى يوم القيامة، وهذا مبني على أن المذكور إذا أعيد نكرة، فالثاني مغاير للأول.\nكما قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥، ٦].\nوفي هذا الحديث زجر العالم زجرًا عظيمًا عن المعاصي؛ لئلا يضل الناس عن الصراط المستقيم، وأشار إلى حديث جابر ﵁ أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"مَنْ سَنَّ في الإسلام سُنَّةً حسنة فله أجره، وأجر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سَنَّ في الإسلام سُنَّةً سيئة، كان عليه وزره، ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينتقص من أوزارهم شيء\" (١) رواه مسلم عن جرير، كذا أورده الإِمام الصنعاني في (المشارق).\n* * *\n_________\n(١) أخرجه: مسلم (١٦٩١) (٤٨٣٠)، والترمذي (٢٥٩٩)، والنسائي (٢٥٠٧)، وابن ماجه (١٩٩)، وأحمد (١٨٣٦٧) (١٨٣٨١)، والدارمي (٥١١).","vol":"1","page":248},{"text":"١١٩ - قال محمد: أخبرنا سفيانُ بن عُيينةَ، عن منصور بن المعتمر، عن أبي وائِل، قال: سئل عبد الله بن مسعود عن القراءة خلف الإِمام فقال: أنصت، فإنَّ في الصلاة شُغْلًا، وسيكفيك ذلك الإِمامُ.\n• قال محمد: أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا سفيانُ بن عُيينةَ، تابعي جليل، روى عن: الأعمش والثوري، والشافعي وأحمد، كان في الطبقة الخامسة من أهل مكة، ومات بمكة، بالحجون في رجب من سنة ثمان وتسعين ومائة، كما قاله محمد بن أحمد بن الذهبي الشافعي في (الكاشف) (١) وابن حجر (٢).\nعن منصور بن المعتمر، عن أبي وائِل، تابعي كبير كوفي، كثير الحديث، ثقة حجة، روى عن خلق كثير من الصحابة منهم: عمر وابن مسعود، وكان خصيصًا به (٣)، قال: سئل عبد الله بن مسعود عن القراءة خلف الإِمام فقال: أنصت، أي: جوابه اسكت، ولا تقرأ خلف الإمام؛ فإنَّ في الصلاة شُغْلًا، بضمتين وسكون، وقد يفتح فيسكن أي: اشتغالًا للبال في تلك الحال مع الملك المتعال، يمنعها القيل والقال، سيكفيك ذلك وفي نسخة: ذاك، أي: أمر القراءة، وفي نسخة: وسيكفيك بالواو، الإِمامُ، أي: بناء على أن قراءته تقوم مقام قراءة المأموم، وإنما لم يقرأ المؤتم، سواء كانت الصلاة جهرية أو سرية، لقوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤].\nوقد روى البيهقي عن أحمد بن حنبل، أنه قال: أجمع الناس على أن هذه الآية في الصلاة (٤).\n_________\n(١١٩) أخرجه: عبد الرزاق في مصنفه (٢٨٠٣)، والطبراني في الكبير (٩٣١١) (١٠٤٣٥)، والبيهقي في الكبرى (٢٧٢٦)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢١٩).\n(١) انظر: الكاشف (١/ ٤٤٩).\n(٢) انظر: التقريب (١/ ٢١٧).\n(٣) انظر: التقريب (١/ ٢٤٥).\n(٤) انظر: القراءة خلف الإمام (ص: ١١٣).","vol":"1","page":249},{"text":"روى مسلم من حديث أبي موسى الأشعري: إذا كبر الإِمام فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا (١).\nقال ابن الهمام (٢): وفي كلام أصحابنا ما يدل على وجوب الاستماع في الجهر بالقرآن - مطلقًا - في الصلاة أو في غيرها.\nوفي (الخلاصة): رجل يكتب الفقه، وبجنبه رجل يقرأ القرآن، ولا يمكن استماع القرآن، فالإِثم على القارئ، وعلى هذا لو قرأ على السطح في الليل والناس نيام يأثم، وهذا صريح في إطلاق الوجوب؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. انتهى.\nفي (القينة) وغيرها: إذا كان الصبي يقرأ القرآن، وأهله يشتغلون بالأعمال ولا يستمعونه - إن كانوا شرعوا في العمل، قبل قراءته - لا يأثمون وإلا أثموا.\nكذا في (البحر الرائق شرح كنوز الرقائق) وهو تفصيل حسن، في مقام الحقائق.\n* * *\n\n١٢٠ - قال محمد: أخبرنا محمد بن أبَانَ بن صالح القرشي، عن حماد، عن إبراهيم النَّخعي، عن علقمة بن قَيس، أن عبد الله بن مسعود كان لا يقرأ خلف الإِمام فيما يجهر فيه، وفيما يُخَافِتُ فيه في الأولَيَيْنِ ولا في الأخْرَيَين، وإذا صلى وحده قرأ في الأولَيَيْن، بفاتحة الكتاب وسُورةٍ، ولم يقرأ في الأُخْرَيَيْن بشيء.\n• قال محمد: أخبرنا وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا محمد بن أبَانَ بن صالح القرشي، عن حماد، عن إبراهيم النَّخعي، عن علقمة بن قَيس، أن عبد الله بن\n_________\n(١) أخرجه: مسلم (٦١٢)، وأبو داود (٨٢٧)، والنسائي (١٠٥٤)، وابن ماجه (٨٩١)، وأحمد (١٨٦٨٣)، والدارمي (١٢٧٨).\n(٢) انظر: شرح فتح القدير (١/ ٣٤٢).","vol":"1","page":250},{"text":"مسعود كان لا يقرأ خلف الإِمام فيما يجهر فيه، وفيما يُخَافِتُ فيه في الأولَيَيْنِ ولا في الأخْرَيَيْنِ، وإذا صلى وحده قرأ في الأولَيَيْن، بفاتحة الكتاب وسُورةٍ، ولم يقرأ في الأُخْرَيَيْنِ شيئًا.\n* * *\n\n١٢١ - قال محمد: أخبرنا سفيان الثَّوْرِيُّ، قال: حدثنا منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود قال: أنْصِتْ للقرآن، فإن فِي الصلاةِ شُغْلًا، وسيكفيك الإِمامُ.\n• قال محمد: أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا سفيان الثَّوْرِيُّ، تابعي من الطبقة الخامسة، من أهل الكوفة، وفي نسخة: حدثنا عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: أنْصِتْ للقراءة، أي: لاستماع قراءة الإِمام، وفي نسخة: للقرآن، فإن فِي الصلاةِ شُغْلًا، وسيكفيك الإِمامُ.\n* * *\n\n١٢٢ - قال محمد: أخبرنا بُكَيْرُ بن عامر، قال: حدثنا إبراهيم النَّخَعِيُّ، عن عَلْقَمَة بن قَيس، قال: لأنْ أعَضَّ على جَمْرَة أحَبُّ إلَيَّ من أن أقرأ خَلْفَ الإِمام.\n• قال محمد: وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا بُكَيْرُ بالتصغير بن عامر، قال: حدثنا إبراهيم النَّخَعِيُّ، عن عَلْقَمَة بن قَيس، وهو أحد أكابر التابعين، قال: لأن أعَضَّ على جَمْرَة، واللام في لأن مفتوحة، جواب لقسم محذوف، وأن مصدرية، وأعض بفتح الهمزة والعين المهملة، وفتح الضاد المعجمة المشددة، فعل مضارع من عض، إذا أخذ بأضراسه وأسنانه، وكلمة على بمعنى من، كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا اكْتَالُوا عَلَى\n_________\n(١٢١) تقدم.\n(١٢٢) أخرجه: ابن أبي شيبة (١/ ٣٣٠) عن الأسود، وفي: القراءة خلف الإِمام للبيهقي (٣٧٠)، عن عبد الله.","vol":"1","page":251},{"text":"النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين: ٢]، إذا اشتروا من الناس، يتممون الكيل والوزن.\nقوله: \"جمرة\" بفتح الجيم، وسكون الميم، وفتح الراء المهملة والهاء، نار خالصته من غير لهب ولا دخان، فالمعنى: والله لأن آخذ بأضراسي في فمي، من نار أحَبُّ إلَيَّ من أن أقرأ خَلْفَ الإِمام، وظاهره الإِطلاق.\nقال ابن الهمام: اعلم أن القراءة خلف الإِمام، مكروهة كراهة تحريم؛ لأن الدليل على أن في القراءة خلف الإِمام هو قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤].\nظني الدلالة؛ فيفيد الوجوب، ومقتضي تركه خلف الإِمام كراهة التحريم، والمواظبة على الصغيرة كبيرة. ويفهم من قول صاحب (الهداية): ويكره عنده لما فيه من الوعيد أن المراد كراهة تحريم.\nوطرح بعض مشايخنا بأنها لا تحل خلف الإِمام، وقد عرف ذلك من طريق أصحابنا أنهم لا يطلقون الحرام إلا ما حرمت بقطعي، ولعل القطعي أمر إضافي، وقعت المسألة خلافًا له.\n* * *\n\n١٢٣ - قال محمد: أخبرنا إسرائيلُ بن يونس، قال: حدثنا منصور، عن إبراهيم قال: إن أول من قرأ خلف الإِمام رجلٌ اتُّهِمَ.\n• قال محمد: أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا إسرائيلُ بن يونس، قال: حدثنا منصور، أي: ابن المعتمر، عن إبراهيم قال: إن أول من قرأ خلف الإِمام رجلٌ اتُّهِمَ، بصيغة المجهول، أي: انتسب إلى بدعة وسمعت.\nوقد أخرج عبد الرزاق من قول علي، قال: من قرأ خلف الإِمام فقد أخطأ الفطرة، ذكره ابن الهمام.\n* * *\n_________\n(١٢٣) إسناده صحيح.","vol":"1","page":252},{"text":"١٢٤ - قال محمد: أخبرنا إسرائيلُ بن يونس، قال: حدثني موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شدادِ بن الْهَادِ، قال: أمَّ رسول الله - ﷺ - الناسَ في العصر، قال: فقرأ رجلٌ خلفه فغمزهُ الذي يَليهِ، فلما أن صلى قال: لِمَ غمزتني؟ قال: كان رسول الله - ﷺ - قُدامك. فكرِهْتُ أن تقرأ خلفه، فسمعه النبي - ﷺ - فقال: \"من كان له إمامٌ فإن قراءَتهُ له قراءَة\".\n• قال محمد: أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا إسرائيلُ بن يونس، قال: حدثني موسى، وفي نسخة: عنه بدل ابن أبي عائشة عن عبد الله بن شدادِ\n_________\n(١٢٤) أخرجه: أحمد (١٤٦٨٤) رواه أسود بن عامر عن حسن بن صالح، وابن أبي شيبة (١/ ٣٣٠) رواه مالك بن إسماعيل عن حسن بن صالح عن أبي الزبير عن جابر و(١/ ٣٣١)، رواه مالك بن إسماعيل عن حسن بن صالح عن أبي الزبير عن جابر، والخطيب البغدادي في التاريخ (١٠/ ٣٤٠)، رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة عن موسى بن عائشة عن عبد الله بن شداد عن جابر.\nوالبيهقي في القراءة خلف الإِمام (٣٣٦)، رواية سفيان وشعيب وأبو حنيفة عن موسى عن عبد الله بن شداد، ولا يوجد ذكر لجابر كما عند الخطيب، و(٣٣٨) من رواية الحسن بن عمارة وأبو حنيفة عن موسى عن شداد عن جابر، و(٤٠٣) رواية سليمان بن الفضل عن محمد بن الفضل بن عطية عن أبيه عن سالم بن عبد الله عن معاوية بن يحيى عن الزهري عن سالم عن أبيه شك في رفعه، وابن عدي في الكامل (٦/ ٨٩)، رواه الحسن بن صالح عن ليث وجابر عن أبي اليزيد، و(٦/ ٤٠٠) رواه معاوية بن يحيى عن الزهري عن سالم عن أبيه شك في رفعه فذكره.\nوابن الجوزي في التحقيق (٤٧٢)، رواه أسود بن عامر حدثنا حسن بن صالح عن جابر عن أبي الزبير عن جابر و(٤٧٣) رواه إسحاق بن منصور عن الحسن عن ليث بن أبي سليم وجابر عن أبي الزبير عن جابر، و(٤٨٢)، رواه أبو يحيى التيمي عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة.\nوقال ابن كثير: رواه الإِمام أحمد في مسنده عن جابر مرفوعًا، وهو في موطأ مالك عن وهب بن كيسان عن جابر موقوفًا، وهذا أصح (٢/ ٢٨١).\nوقال البيهقي: معاوية بن يحيى العرفي ضعيف لا يُحتج به، وقد شك في رفعه، ورفعه بهذا الإِسناد باطل، والمحفوظ عن معمر، وابن جريج عن الزهري عن سالم عن أبيه قال: يكفيك قراءة الإِمام فيما يجهر، وقال ابن الجوزي: قالوا هذه الأحاديث كلها ضعاف.","vol":"1","page":253},{"text":"بن الْهَادِ، وفي نسخة: الهادي وهما لغتان وقراءتان، قال: أمَّ أي: صلى رسول الله - ﷺ - الناسَ إمامًا بالناس، في صلاة العصر، قال: أي: الراوي، فقرأ رجلٌ خلفه وهو مقتدٍ به، فغمزهُ الذي يَليهِ، أي: بقربه وبجنبه، والمعنى: عصر يده أو عضوا آخر من أعضائه تنبيهًا له على خطئه، فلما أن (ق ١١٩) صلى أي: الرجل أو كلًا منهما قال: أي: الرجل لِمَ غمزتَني؟ قال: كان رسول الله - ﷺ - قُدامك. أي: أمامك وأمامي فكرِهْتُ أن تقرأ خلفه، فسمعه النبي - ﷺ - أي: كلامنا، أو سؤال الرجل، أو صوته في قراءته، فقال: \"من كان له إمامٌ فإن قراءَتهُ قراءَة\"، وحيث لم يأمره - ﷺ - بإعادة الصلاة. وكذا من سبق أنه نازعه في الصلاة، دل على أنه لم يفسد صلاته، لكن قال السرخسي: تفسد صلاته، في قول عدة من الصحابة، ذكره ابن الهمام.\n* * *\n\n١٢٥ - قال محمد: أخبرنا داود بن قيس الفراءُ المَدنيّ، قال: أخبرني بعض وُلْدِ سعد بن أبي وقاص، وقال: إنه ذكر له أن سعدًا قال: وَدِدْتُ أن الذي يقرأ خلف الإِمام في فِيهِ جمرةٌ.\n• قال محمد: أخبرنا، وفي نسخة: قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا داود بن قيس الفراءُ المَدنيّ، بفتح فكسر، قال: أخبرني بالإِفراد بعض وُلْدِ سعد بن أبي وقاص، ﵁، وهو بفتح الواو واللام، وبضم فسكون، أي: أولاد سعد، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، إنه أي: الشأن ذكر له أي: لداود.\nأن سعدًا قال: وَدِدْتُ أي: تمنيت وأحببت أن الذي يقرأ خلف الإِمام في فِيهِ أي:\n_________\n(١٢٥) أخرجه: ابن أبي شيبة (٣٧٨٢)، وقال ابن عبد البر: منقطع لا يصح، ولا نقله ثقة، وكذا كل ما رُوي عن عليِّ في هذا الباب فمنقطع لا يثبت ولا يتصل وليست عنه فيه حديث متصل غير حديث عبد الله بن أبي ليلى، وهو مجهول، وزعم بعضهم أنه أخو عبد الرحمن بن أبي ليلى، ولا يصح حديثه.\nولا أعلم في هذا الباب صاحب صح عنه بلا اختلاف أنه قال مثل ما قال الكوفيون إلا جابر بن عبد الله وحده، والله أعلم، (التمهيد) (١١/ ٥٠، ٥١).","vol":"1","page":254},{"text":"فمه جمرةٌ، أي: نار، وقيل: يستحب أن يكسر أسنانه كذا في (الظهرية)، و(شرح النقاية) على ما ذكره الفاضل البرجندي (١) وهو غريب.\n* * *\n\n١٢٦ - قال محمد: أخبرنا داود بن سعد بن قيس، قال: أخبرنا محمد بن عَجْلان أن عمر بن الخطاب قال: ليت في فَمِ الذي يقرأ خلف الإِمام حَجَرًا.\n• قال محمد: أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا داود بن سعد بن قيس الفراء، قال: أخبرنا، وفي نسخة: ثنا رمزًا إلى حدثنا محمد بن عَجْلان، بفتح أوله، أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: ليت في فَمِ الذي يقرأ خلف الإِمام حَجَرًا، أي: ليمنعه عن القراءة أو أراده بهذه العبارة، وفي بعض نسخ هذا الحديث مقدم على ما سبقه.\n* * *\n\n١٢٧ - قال محمد: أخبرنا داود بن سعد بن قيس، قال: حدثنا عمر بن محمد بن زيد، عن موسى بن سعد بن زيد بن ثابت، يحدثه عن جده: أنهُ قال: من قرأ مع الإِمام فلا صلاة له.\n• قال محمد: أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، داود بن سعد بن قيس، قال: حدثنا عمر بن محمد بن زيد، عن موسى بن سعد بن زيد بن ثابت، يحدثه عن جده: أي: زيد بن ثابت الأنصاري، كاتب الوحي، وأعلم الصحابة بالفرائض، ومن أجلاء أئمة القراءة، مات بالمدينة سنة خمس وأربعين، أنهُ قال: من قرأ مع الإِمام فلا صلاة له أي: كاملة، وقيل: صحيحة، وفي نسخة: مع الإمام، كما قاله علي القاري.\n_________\n(١) هو عبد الأعلى بن محمد بن حسين البرجندي، فقيه، أصولي، فلكي، حاسب.\nوآثاره: شرح مختصر المنار في أصول الفقه، وشرح آداب عضد الدين في آداب البحث، وشرح النقاية مختصر الوقاية، توفي سنة (٩٣٢ هـ).\n(١٢٦) رواه محمد في الحجة (١/ ١٢١)، عن محمد بن عجلان، صدوق، ولم يسمع من عمر.\n(١٢٧) أخرجه: عبد الرزاق في مصنفه (٢٨٠٢)، ضعفه ابن عبد البر في التمهيد (١١/ ٥٠) بأنه منقطع.","vol":"1","page":255},{"text":"لما فرغ من بيان أحكام القراءة في الصلاة خلف الإِمام شرع في بيان حال الرجل الذي سبق بعض الصلاة، فقال: هذا.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>باب الرجل يسبق ببعض الصلاة</span>\nبيان حال الرجل الذي يُسْبَق ببعض الصلاة بصيغة المجهول، أي: يصير الرجل مسبوقًا ببعض صلاة الإمام؛ بأن فاته من أولها شيء.\n١٢٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع: أن ابن عمر كان إذا فاته شيء من الصلاة مع الإِمام التي يُعْلنُ فيها بالقراءة، فإذا سلم الإِمام قام ابنُ عُمر، فقرأ لنفسه، فيما يقضي.\nقال محمد: وبهذا نأخُذُ لأنه يَقضي أول صلاته، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: محمد أخبرنا مالك، أي: مالك بن أنس، بن عامر بن عمير الأصبحي، من كبار أتباع التابعين، من الطبقة السابعة من الطبقات السبعة (١) من أهل المدينة، كما قاله أبو الفرج بن الجوزي، من علماء الحنابلة في (طبقاته). أخبرنا، وفي نسخة: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: عن بدل أخبرنا نافع، وهو مولى عبد الله بن عمر، ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة عشرة ومائة (٢)، أن ابن عمر كان إذا فاته شيء من الصلاة مع الإِمام التي يُعْلنُ فيها بالقراءة، بصيغة المجهول والموصول صفة الصلاة، والظاهر أنه قيد اتفاقي (ق ١٢٠)، فإذا سلم أي: الإِمام قام ابنُ عُمر، فقرأ لنفسه، فيما يقضي، أي: يؤدي بقية صلاته.\nقال محمد: وبهذا نأخُذُ، أي: لا نعمل إلا بما رواه نافع عن ابن عمر؛ لأنه يَقضي\n_________\n(١٢٨) أخرجه: عبد الرزاق في مصنفه (٣١٧٠)، والمدونة (١/ ٩٧) وهب عن مالك.\n(١) انظر: التقريب (٢/ ٥٦٥)، وصفة الصفوة (٢/ ١٧٧).\n(٢) انظر: التقريب (٢/ ٦١٩).","vol":"1","page":256},{"text":"أول صلاته، أي: في حق القراءة، ويقضي آخرها في حق التشهد، فلو أدرك مع الإِمام ركعة من صلاة المغرب، فإنه يقرأ الركعتين بالفاتحة والسورة، ولو ترك القراءة في أحدهما فسدت صلاته، وعليه أن يقضي ركعة بتشهد؛ لأنها ثانية، ولو ترك التشهد جاز استحسانًا لا قياسًا، ولو أدرك ركعة من الرباعية، فعليه أن يقضي ركعة، ويقرأ الفاتحة والسورة ويتشهد؛ لأنه يقضي الأخرى في حق التشهد، ويقضي ركعة كذلك، ولا يتشهد في الثالثة، يتخير والقراءة أفضل، كذا ذكره ابن الهمام في (شرح الهداية)، وهو قولُ أبي حنيفة، رحمه الله تعالى.\nوقال مالك في المشهور عنه: آخرها، وقال الشافعي: هو أولها فعلًا وحكمًا، فيعيد القنوت في الباقي، وعن أحمد: روايتان.\n* * *\n\n١٢٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أنه كان إذا جاء إلى الصلاة فوجد الناس قد رفعوا من رَكْعَتِهِمْ سجد معهم.\nقال محمد: وبهذا نأخُذُ، ويسجد معهم ولا يَعتدُّ بها، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا نافع، وفي نسخة: عن بدل أخبرنا عن ابن عمر، ﵄، أنه كان إذا جاء إلى الصلاة أي: صلاة الجماعة في المسجد، فوجد الناس أي: الإِمام والقوم قد رفعوا أي: رؤوسهم من رَكْعَتِهِمْ أي: من ركوعهم سجد معهم، أي: ولم ينظر قيامهم.\nقال محمد: وبهذا نأخُذُ، أي: نعمل ونفتي، ويسجد أي: المقتدي معهم، أي: مع القوم استحبابًا، ولا يَعتدُّ بها، أي: لا يحسب تلك السجدة، حيث لم يدرك الركوع مع الإِمام، وهو قولُ أبي حنيفة، ﵀.\n* * *\n_________\n(١٢٩) سنده صحيح.","vol":"1","page":257},{"text":"١٣٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر: أنه كان إذا وجد الإِمام قد صلى بعض الصلاة يُصلي مَعَهُ ما أدرك من الصلاة، إن كان قائمًا قام، وإن كان قاعدًا قعد، حتى يقضيَ الإِمامُ صلاته، لا يخالفُهُ في شيء من الصلاة.\nقال محمد: وبهذا نأخُذُ، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخبرنا نافع، عن ابن عمر: أنه كان إذا وجد الإِمام قد صلى بعض الصلاة يُصلي مَعَهُ ما أدرك من الصلاة، أي: قليلًا أو كثيرًا، أو في أي حالة يكون الإِمام، إن كان قائمًا قام، أي: معه، وإن كان قاعدًا ولو في التشهد الأخير، قعد أي: قعد معه لإِدراك فضيلة الجماعة حتى يقضيَ الإِمامُ صلاته، أي: ويفرغ الإِمام عنها بتسليمة، لا يخالفُهُ أي: إمامه في شيء من الصلاة، أي: لا بالمسابقة ولا بالمفارقة.\nقال محمد: وبهذا أي: المذكور، نأخُذُ، أي: نعمل ونُفتي، وهو قولُ أبي حنيفة، ﵀.\nوسبب كون المسبوق يقضي بعد فراغ الإِمام ما روى أحمد (١) عن معاذ بن جبل قال: كانوا يأتون الصلاة، وقد سبقهم ببعضها النبي - ﷺ - فكان الرجل يشير إلى الرجل، إذا جاءكم صلى، فيقول: واحدة أو اثنين فيصلها، ثم يدخل مع القوم في صلاتهم.\nقال فجاء معاذ، فقال: لا أجده على حال - أبدًا - إلا كنت عليها، ثم قضيت ما سبقني، قال: فجاء وقد سبقه النبي - ﷺ - ببعضها، فثبت معه فلما قضى رسول الله - ﷺ - أنه قد سن لكم معاذ، وهكذا فاصنعوا.\n* * *\n_________\n(١٣٠) أخرجه البيهقي في الكبرى (٣٤٣٥) عن شعيب بن أبي حمزة عن نافع.\n(١) أخرجه: أبو داود (٥٠٦) (٥٠٧)، وأحمد (٢١١٠٧).","vol":"1","page":258},{"text":"١٣١ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من أدرك من الصلاة ركعة، فقد أدرك الصلاة\".\nقال محمد: وبهذا نأخُذُ، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا مالك؛ أي: ابن أنس بن عامر بن عمير الأصبحي من كبار أتباع التابعين، من الطبقة السابعة من الطبقات السبعة من أهل المدينة، كما قاله أبو الفرج بن الجوزي، من علماء الحنابلة في (طبقاته) (١).\nأخبرنا ابن شهاب؛ أي: الزهري، وفي نسخة: أخبرني بالإِفراد، وفي نسخة أخرى: عن ابن شهاب، وهو محمد بن مسلم بن (ق ١٢١) شهاب الزهري، يُكنى أبا بكر من الطبقة الرابعة، من الطبقات السبعة من أهل المدينة، قال مالك بن أنس: أدركت فقيهًا محدثًا غير واحد قيل: من هو؟ قال: ابن شهاب الزهري.\nوقال أيوب: ما رأيتُ أحدًا أعلم من الزهري. وقيل لعراك بن مالك: من أفقه أهل المدينة؟ قال: أما أعلمهم بقضايا رسول الله - ﷺ - وقضايا أبي بكر وعمر وعثمان ﵃، وأكثرهم فقهًا وأعلمهم بما مضى من أمر الناس.\nقال عمرو بن دينار: ما رأيتُ أحدًا أهون عليه الدينار والدرهم من ابن شهاب، وما كانت عنده إلا مثل البعوضة، وكان يعطي من سأله، حتى إذا لم يبق معه شيء تسلف من أصحابه، فلا يزالون يسلفونه حتى إذا لم يبق معهم شيء، تسلف من عبيده؛ فيقول: أي فلان، أسلفني وأضعف مالك، كما تعلم فيسلفونه، كما قاله أبو الفرج ابن الجوزي في (طبقاته) (٢).\n_________\n(١٣١) أخرجه: البخاري (٥٨٠)، ومسلم (٦٠٧)، وأبو داود (٤١٢)، والترمذي (١٨٦)، (٥٢٤)، والنسائي (٥١٥)، وابن ماجه (١١٢٢)، وأحمد (٧٢٤٢)، والدارمي (٧١٧٥)، ومالك (١٥).\n(١) تقدم.\n(٢) انظر: صفة الصفوة (٢/ ١٣٦).","vol":"1","page":259},{"text":"عن أبي سلمة، قيل: اسمه كنيته، وقيل: عبد الله، وقيل: إسماعيل بن عبد الرحمن، أي: ابن عوف الزهري، المدني، ثقة فقيه، كثير الحديث، ولد سنة بضع وعشرين، ومات أربع وتسعين أو أربع ومائة، عن أبي هريرة، ﵁، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من أدرك من الصلاة أي: مع صلاة الإِمام ركعة، فقد أدرك الصلاة\".\nزاد النسائي: كلها إلا أنه يقضي ما فاته، وبهذه الزيادة اتضح معنى الحديث، إذ ظاهره بدونها متروك بالإِجماع؛ لأنه لا يكون بالركعة الواحدة مدركًا لجميع الصلاة، بحيث تبرء ذمته منها، فإذن فيه إضمار تقديره، فقد أدرك وقت الصلاة، أو حكم الصلاة ونحو ذلك، ويلزمه إتمام بقيتها، والمراد بحكم الصلاة ما يفوته الإِمام من سهوه.\nوقيل: فضل الجماعة، كما قاله الزرقاني (١).\nقال الحافظ مغلطاي: وإذا حملناه على إدراك فضيلة الجماعة، فهل يكون ذلك مضاعفًا لمن حضرها من أولها، أو غير يكون غير مضاعف؟ قولان، وإلى التضعيف. ذهب أبو هريرة وغيره من السلف.\nوقال عياض: يدل على المراد فضل الجماعة.\nرواية ابن وهب عن يونس، عن الزهري، من زيادة قوله: مع الإِمام، وليس هذه الزيادة في حديث مالك وغيره عنه.\nقال محمد: أي: ابن حسن الشيباني، وبهذا أي: المذكور نأخُذُ، أي: نعمل ونُفتي، وهو أي: المذكور قولُ أبي حنيفة ﵀، هذا الحديث مقدم على ما سبق.\nوفي نسخة أخرى: رواه أصحاب الكتب الستة، عن أبي هريرة ﵁، \"من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة\".\nقال عبد الرحمن بن قرش في (شرح المشارق) للإِمام الصنعاني، وهذا محتاج إلى التأويل؛ لأن مدرك ركعة، لا يكون مدركًا لكل الصلاة إجماعًا، وقيل: تقديره: فقد أدرك وجوب الصلاة. أي: من لم يكن أهل الصلاة، وكذا لو أدرك قدر تحريمة فتقييده بالركعة يكون على الغالب؛ لأن ما دونه لا يعرف قدره.\n_________\n(١) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٤٣).","vol":"1","page":260},{"text":"وقيل: تقديره: فقد أدرك فضيلة، أي: من كان مسبوقًا وأدرك (ق ١٢٢) ركعة مع الإِمام، فقد أدرك فضيلة الجماعة، وعلى هذا قيد ركعة يكون لإخراج ما دونها.\nوقيل: معنى الركعة هنا الركوع، ومعنى الصلاة الركعة إطلاقًا للكل على الجزء، أي: من أدرك الركوع مع الإِمام، فقد أدرك تلك الركعة، كذا قاله علي القاري.\n* * *\n\n١٣٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أنه كان يقول: إذا فاتتْك الركعةُ فقد فاتتْك السجدة.\nقال محمد: من سجد السجدتين مع الإِمام لا يَعتد بهما، فإذا سلم الإِمام قضي ركعة تامّةً بسجدتيها. وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: ثنا، وفي أخرى: محمد أخبرنا مالك بن أنس بن عامر بن عمير الأصبحي، من كبار أتباع التابعين، ومن الطبقة السابعة من الطبقات السبعة من أهل المدينة (١).\nأخبرنا نافع، وفي نسخة: عن مكان أخبرنا، وفي نسخة أخرى: أخبرني بالإِفراد، وهو أي: نافع، المدني مولى عبد الله بن عمر، أحد الثقات، من أشد الناس اتباعًا للأمر، مات في آخر سنة ثلاث وسبعين أو أول التي تليها (٢). عن ابن عمر، ﵄، أنه كان يقول: إذا فاتتْك الركعةُ أي: الركوع مع الإِمام، فقد فاتتْك السجدة، أي: الركعة، والمعنى: فيقضي ركعة تامة بسجدتيها.\nقال محمد: من سجد السجدتين وفي سجدتين مع الإِمام أي: من غير إدراك الركوع معه لا يَعتد بهما، أي: لا يعتبر بهما من الركعة، ولا يعتد بالواو، فإذا سلم الإِمام قضي أي: أدى ركعة تامّةً بسجدتيها. وهو، أي: المذكور، قولُ أبي حنيفة، ﵀.\n_________\n(١٣٢) أخرجه: أبو داود (٣٤٣٥)، ومالك (١٦)، (١٧)، والبيهقي في الكبرى (٢٤١٤).\n(١) تقدم.\n(٢) تقدم.","vol":"1","page":261},{"text":"لما فرغ من بيان حكم المسبوق، شرع في بيان حكم حال الرجل، يصلي منفردًا، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>باب الرجل يقرأ بالسور في الركعة من الفريضة</span>\nبيان حكم حال الرجل يصلي منفردًا ويقرأ السورة في كل ركعة من الفريضة.\n١٣٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أنه كان إذا صلى وحده يقرأ في الأربع جميعًا من الظهر والعصر في كل ركعة بفاتحة القرآن وسورةٍ من القرآن، وكان أحيانًا يقرأ بالسورتين والثلاث في صلاة الفريضة في الركعةِ الواحدةِ ويقرأ في الركعتين الأوليين من المغرب كذلك بأُمّ القرآن وسورةٍ سورةٍ.\nقال محمد: السنةُ أن يقرأ في الفريضة في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورةٍ، وفي الأخْرَيَيْن بفاتحة الكتاب.\nوَإنْ لمْ تقْرَأ فيهِمَا أجْزأك، وإن سَبّحْت فيهما أجْزَأك وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: ثنا مالك أي: مالك بن أنس بن عامر بن عمير الأصبحي، من كبار أتباع التابعين، ومن الطبقة السابعة من الطبقات السبعة، من أهل المدينة، كما قاله أبو الفرج بن الجوزي (١)، أخبرنا نافع، مولى عبد الله بن عمر، وفي نسخة: أخبرني، بالإِفراد، وفي نسخة أخرى: عن نافع أخبرنا عن ابن عمر، ﵄، أنه كان إذا صلى وحده أي: منفردًا يقرأ في\n_________\n(١٣٣) أخرجه: مالك (١٧٥)، والشافعي في الأم (٧/ ٢٠٧)، والبيهقي في الكبرى (٢٣١٠)، ومحمد في الحجة (١/ ١٠٧).\n(١) تقدم.","vol":"1","page":262},{"text":"الأربع أي: من ركعات الصلاة جميعًا أي: في جميعهن لا في بعضهن من الظهر والعصر ونحوهما من العشاء في كل ركعة بفاتحة الكتاب، سميت سورة الفاتحة بها؛ لأن القرآن افتتح بها، لكونها أول سورة (ق ١٢٤) نزلت بكمالها على أكثر أقوال المفسرين، وهي لم تنزل على من قبل هذه الأمة، من الأمم السابقة، والتاء فيها للنقل من الوصفية إلى الإِسمية، وهي مصدر بمعنى انفتح أطلقت عليه سمية للمفعول باسم إشعارًا بأصالتها، كان نفس الفتح والمراد بالكتاب هو المجموع الشخصي، لا القدر المشترك بينه وبين أجزاء ما عليه اصطلاح أهل الأصول؛ وإضافتها إليه بمعنى اللام، كما في جزء الشيء لا بمعنى من كما في خاتم فضة، لما عرفت أن المضاف إليه لا جزء هي له كما في (عيون التفاسير) لشيخ الدين أحمد بن محمد السيواسي، وأبي السعود بن محمد العمادي (١)، وسورةٍ من القرآن، إما طويلة، وإما قصيرة، ويقوم ثلاث آيات قصار وآية طويلة مقامها، وهذا لم يوافق عليه مالك ولا الجمهور، بل كرهوا قراءة شيء بعد الفاتحة في الأخريين وثالثة المغرب.\nكما في الصحيحين وغيرهما عن أبي قتادة أن النبي - ﷺ - كان يقرأ في الظهر في الأوليين بأم القرآن وسورتين، وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب، ويطول في الركعة الأولى ما لا يطول في الثانية (٢)، وهكذا في العصر، كما قاله الزرقاني (٣). وكان أي: ابن عمر أحيانًا أي: في بعض الأوقات يقرأ بالسورة، كذا في نسخة: أي مرة وهو أقل المراتب، والسورتين والثلاث لبيان الجواز في صلاة الفريضة، وفي نسخة في الصلاة الفريضة في الركعةِ الواحدة دفعًا لتوهم أن يكون قراءة السورتين والثلاثة في الركعات، ويقرأ أي: كان يقرأ في الركعتين الأوليين من المغرب كذلك، أي: مثل ما تقدم، بأُمّ القرآن وسورةٍ سورةٍ، أي: في كل ركعة، ويعرف به أنه كان يفعل كذلك في الفجر.\nقال محمد: السنةُ أي: الشريعة الثابتة بالسنة، فلا ينافي أن أصل القراءة فرض، وتعيين الفاتحة وضم السورة واجب أن تقرأ بصيغة المخاطب خطابًا عامًا، نحو قوله تعالى\n_________\n(١) انظر: تفسير أبي السعود (١/ ٩).\n(٢) أخرجه: البخاري (٧٧٦)، ومسلم (٤٥١)، وأبو داود (٧٩٨)، والنسائي (٩٧٧)، وأحمد (١٨٩٢٦).\n(٣) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٢٣٥).","vol":"1","page":263},{"text":"في سورة محمد: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، في الفريضة في الركعتين الأوليين، أي: مطلقًا سواء يكون بعدهما ركعتين أو لا بفاتحة الكتاب، أي: فحسب، وكفا في ثالثة المغرب، وَإنْ لمْ تقْرَأ فيهِمَا، أي: في الأخْرَيَيْن، وكذا في الآخرة في المغرب: أجْزأك، أي: كفاك وجاز لك حيث قرأت في الأوليين، وخرجت عن عهدة الفرض والواجب، وإن سَبّحْت فيهما، أي: في الأخريين، بدل الفاتحة، أجْزَأك، وهو أفضل من السكوت، وهو قولُ أبي حنيفة، رحمه الله تعالى.\nوبه قال النخعي والثوري، وسائر الكوفيين، والدليل على ذلك ما رواه الشيخان عن أبي قتادة: أن النبي - ﷺ - كان يقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورتين، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب ويسمي الآية أحيانًا (١).\nوروى ابن أبي شيبة عن شريك، عن أبي إسحاق السبيعي، عن علي وابن مسعود ﵄ أنهما قالا: اقرأ في الأوليين وسبح في الأخريين (٢)، ومثل هذا لا يقال من قبل الرأي، فالحديث موقوف ظاهرًا ومرفوع حكمًا، ثم التسبيح ليس بفرض إجماعًا، فإذا سكت جاز.\n(ق ١٢٥) وروى الحسن أي: حسن بن زياد، عن أبي حنيفة: أن القراءة فيهما بعد الأوليين واجبة، وينبغي أن يكون العمل بهما، وفي (المحيط): لو سكت المصلي عمدًا يكون مسيئًا؛ لمخالفة السنة.\nثم اعلم أن قراءة آية في كل ركعة، سواء كانت طويلة أو قصيرة؛ لقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠].\nولقوله - ﷺ - للمسيء صلاته: \"اقرأ ما تيسر من القرآن\" (٣) فلو قرأ في ركعتين من الفرض بأي ركعتين كان لا تفسد.\n_________\n(١) تقدم.\n(٢) رواه ابن أبي شيبة (١/ ٣٢٧)، قال الزيلعي: فيه انقطاع وهو عن عائشة غريب.\n(٣) أخرجه: البخاري (٧٥٧) (٧٩٣)، ومسلم (٣٩٧)، وأبو داود (٨٥٦)، والترمذي (٣٠٢)، والنسائي (٨٨٤)، وابن ماجه (١٠٦٠)، وأحمد (٩٣٥٢).","vol":"1","page":264},{"text":"وقال الشافعي: قراءة الفاتحة في كل ركعات الفرض.\nوقال مالك: في أكثره.\nوقال زفر: في ركعة واحدة منه، وأما الوتر والنفل فيجب القراءة في كل ركعات منها اتفاقًا، ثم قراءة الفاتحة واجبة عندنا.\nوقال مالك والشافعي وأحمد: هي ركن، وكذا ضم سورة وثلاث آيات واجب عندنا، لما روى أبو داود وابن حبان عن أبي سعيد، قال: أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر (١)، ولما كان الدليل ظنيًا قلنا بوجوبها، كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان حكم حال الرجل، يصلي منفردًا ويقرأ السورة في كل ركعة من الفريضة، شرع في بيان حكم حال الرجل، يجهر بالقرآن في الصلاة، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>باب الجهر بالقراءة في الصلاة وما يستحب من ذلك</span>\nبيان حكم حال الرجل يفعل الجهر بالقراءة في الصلاة الجهرية، وما يستحب من ذلك، أي: وما قدر ما يستحب من ذلك الجهر.\n١٣٤ - أخبرنا مالك، أخبرني عَمِّي أبوُ سُهَيْل، أن أباه أخبره أن عمر بن الخطاب كان يجهر بالقراءة في الصلاة، وأنه كان يسمع قراءة عُمر بن الخطاب عند دار أبي جَهْم.\nقال محمد: الجهر بالقراءة في الصلاة، فيما يجهر فيه بالقراءة: حسن، ما لم يجهد الرجل نفسه.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى:\n_________\n(١) أخرجه: أبو داود (٨١٨)، وأحمد (١٠٦١٥)، وابن حبان (١٧٩٠)، والبخاري في التاريخ (٤/ ٣٥٧)، وفي الضعفاء الصغير (ص: ٦٢)، والبيهقي في الكبرى (٢٢٩٠)، وفي القراءة (٣٣).\n(١٣٤) أخرجه: مالك (١٧٩)، والنسائي في الكبرى (٨٨٢٦)، والبيهقي في الكبرى (٢٨٩٤).","vol":"1","page":265},{"text":"محمد أخبرنا مالك، وهو ابن أنس بن مالك بن عمير بن أبي عامر، الإِمام، صاحب المذهب، الأصبحي، في الطبقة السابعة من كبار أتباع التابعين، من أهل المدينة (١).\nأخبرني عَمِّي أبُو سُهَيْل، بالتصغير، وفي نسخة: قال: ثنا، زاد يحيى بن مالك أن أباه؛ أي: مالك بن أبي عامر الأصبحي، اسمه: نافع، تابعي، أخبره أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يجهر بالقراءة في الصلاة الجهرية، وهو إمام في مسجد المدينة، وأنه أي: الشأن كان يُسْمَع أي: بصيغة المجهول، قراءة عُمر بن الخطاب ﵁، عند دار أبي جَهْم، بفتح الجيم وسكون الهاء، وهو عامر بن حذيفة، العدوي، القرشي، وهو مشهور بكنيته، وهو الذي طلب رسول الله - ﷺ - أنبجانيته في الصلاة، ويقال فيه: أبو جهيم بالتصغير، وهو صحابي قرشي عدوي من مسلمة الفتح، ومشيخة قريش ومعمريهم، حضر بناء قريش الكعبة، وبناء ابن الزبير لها، وهو أحد من ترك الخمر في الجاهلية، خوفًا على عقله (٢).\nوزاد يحيى بالبلاط، بفتح الموحدة بزنة سحاب، موضع بالمدينة بين المسجد والسوق، كما في (القاموس).\nقال ابن عبد البر: وكان عمر مديدًا بالصوت، فيسمع صوته في البلاط، وقال سعيد بن زيد الباجي المالكي: لا بأس بأن يرفع المتنفل في بيته صوته بالقراءة، ولو له أنشطة وأقوى، كما قاله: الزرقاني.\nقال محمد: الجهر بالقراءة في الصلاة، فيما أي: في وقت يجهر فيه أي من الصبح، والعشاءين، وصلاة الجمعة، والعيدين، والتراويح، والوتر في رمضان، ولو قضاء، كما قاله صاحب (الهداية): من فاتته صلاة العشاء فقضاها بعد طلوع الشمس، إن أمَّ فيها جهر، كما فعله (ق ١٢٦) النبي - ﷺ - حين قضى الفجر، غداة ليلة التعريس بجماعة، وإن قضاها وحدها خافت، وهو الصحيح. انتهى. بالقراءة: حسن، أي: يستحب أن يصليها منفردًا، وإن صلاها إمامًا بالناس، فالجهر فيما يجهر فيه، والمخافتة\n_________\n(١) تقدم.\n(٢) انظر: الكنى والأسماء (١/ ١٨٣)، والتاريخ الكبير (٦/ ٤٤٥)، وأسماء من يعرف بكنيته (٣٢)، والجرح والتعديل (١/ ٣٦)، والاستيعاب (٢/ ٧٨٩)، والإِصابة (٣/ ٥٧٨).","vol":"1","page":266},{"text":"فيما يخافت فيه واجب عليه، ما لم يجهد بفتح الياء والهاء، وبضم الياء وكسر الهاء، أي: لم يتعب الرجل نفسه، والمقصود الاعتدال، وأدنى الجهر إسماع غيره، وهو الصحيح.\nفإن قيل: ما الحكمة بجهر الإمام بالقراءة في بعض الأوقات، ويخافت فى بعضها؟\nالجواب: أن النبي - ﷺ - كان يجهر بالقراءة في الصلاة كلها في الابتداء، وكان المشركون يؤذونه، ويسبون من أنزله ومن نزل عليه، فأنزل الله في آخر سورة بني إسرائيل: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠]، أي: لا تجهر القراءة في صلاتك كلها، ولا تخافت بها كلها، ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠]، بأن تجهر بصلاة الليل، وتخافت بصلاة النهار، فكان - ﷺ - يخافت في صلاة الظهر والعصر؛ لأن المشركين مستعدون للإِيذاء في هذين الوقتين ويجهر في صلاة المغرب، لاشتغالهم بالأكل والشرب، وفي صلاة العشاء والفجر لرقادهم، وفي الجمعة والعيدين؛ لأن النبي - ﷺ - أقامهما بالمدينة، وما كان للكفار بها قوة، وهذا العذر وإن زال بغلبة المسلمين، فالحكم باق؛ لأن بقاءه يستغني عن بقاء السبب، كما نقلناه في (سلم الفلاح شرح نور الإِيضاح) و(نجاة الأرواح) (١) للشرنبلالي.\nلما ذكر ما يجب على المصلي شرع بذكر ما يسن عليه، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>باب التأمين في الصلاة</span>\n١٣٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سَلَمَةَ بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا أمَّنَ الإمامُ فأمِّنُوا، فإنه من وافق تأمينُه تأمينَ الملائكة غُفَرِ له ما تقدّمَ من ذنبه\".\nوقال ابن شهاب: كان رسول الله - ﷺ - يقول: آمين.\n_________\n(١) انظر: إمداد الفتاح (ص: ٩١).\n(١٣٥) أخرجه: البخاري (٧٨٠)، ومسلم (٤١٠)، وأبو داود (٩٣٦)، والترمذي (٢٥٠)، والنسائي (٩٢٨)، وابن ماجه (٨٥١)، وأحمد (٧١٤٧)، ومالك (١٩٥).","vol":"1","page":267},{"text":"قال محمد: وبهذا نأخُذُ. ينبغي إذا فرغ الإِمامُ من أُمِّ الكتاب أن يُؤَمِّنَ الإِمامُ ويؤمِّنَ من خلفه ولا يجهرون بذلك.\nفأما أبو حنيفة فقال: يؤمنُ مَن خلفَ الإِمامِ ولا يؤمّنُ الإِمامُ.\nبيان حكم التأمين في الصلاة، وفي نسخة: آمين بالمد والقصر، وبتخفيف الميم، اسم فعل بمعنى استجب، وفي الحديث: آمين خاتم: الحمد لله رب العالمين، وليس من القرآن - إجماعًا - ويكره كتابته في آخر الفاتحة، وتشديد الميم خطأ، لكن لا تفسد الصلاة على الصحيح؛ لأنه من ألفاظ القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢]، أي: قاصدين.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا، وفي نسخة: أنا، أخبرنا الزهري، وفي نسخة: أخبرني، بالإِفراد عن موقع، أخبرنا الزهري، وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله، بن عبد الله بن شهاب، بن عبد الله بن الحارث، بن زهرة، بن كلاب، القرشي، الزهري: أبي بكر الفقيه، الحافظ، المتفق على جلالته وإتقانه، وهو من الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، لقي عشرًا من الصحابة، مات سنة خمس وعشرين وقيل: قبلها بسنة أو سنتين بعد المائة، كما قاله الزرقاني في شرح (الموطأ) للإِمام مالك، وأبو الفرج في (طبقاته) (١)، عن سعيد بن المسيب وأبي سَلَمَةَ بن عبد الرحمن، أي: ابن عوف، التابعي ابن الصحابي، كذا قاله الزرقاني (٢)، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا أمَّنَ الإمامُ فأمِّنُوا. بتشديد الميم (ق ١٢٧)، قيل: يعني إذا بلغ موضع التأمين من القراءة، أي: إذا قال الإِمام ولا الضالين، فقولوا: آمين، ظاهره أن الإِمام يؤمن، وبه قال مالك في رواية المدنيين، والشافعي والجمهور، وتعقب لأنها قضية شرطية، وأجيب بأن التعبير بإذا ليشعر بتحقق الوقوع، وقيل: إِذا أمن، معناه: إذا دعا، وتسمية الداعي مؤمنًا سائغة. كما في قوله تعالى: ﴿أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٩].\n_________\n(١) تقدم.\n(٢) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٣٥١).","vol":"1","page":268},{"text":"وكان موسى داعيًا، وهارون مؤمِّنًا، رواه ابن مردويه من حديث أنس، ورد بعدم الملازمة، فلا يلزم من تسمية المؤمن داعيًا عكسه، قاله ابن عبد البر، والحديث الذي رواه ابن مردويه لا يصح، ولو صح فكون هارون داعيًا تغليب (١).\nويصح من رواية ابن خزيمة في صحيحه؛ من رواية زربى مولى آل المهلب عن أنس ﵁ قال: كنا عند النبي - ﷺ - جلوسًا فقال: \"إن الله أعطاني خصالًا ثلاثة: أعطاني صلاة في الصفوف، وأعطاني التحية؛ إنها تحية أهل الجنة، وأعطاني التأمين، ولم يعطه أحدًا من النبيين قبيلي، إلا أن يكون الله أعطاها هارون، يدعو موسى ويؤمن هارون\" (٢)، كذا في (الترغيب والترهيب) للمنذري، فإنه أي: الشأن من وافق تأمينُه أي: قوله: آمين تأمينَ الملائكة أي: قولهم: آمين، كما أخرج مالك عن سُميّ، مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث عن أبي صالح السماك، عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا قال الإمام: غير المغضوب عليهم، ولا الضالين، فقولوا: آمين؛ فإنه من وافق قوله قول الملائكة غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه\" (٣).\nوقيل: المراد الموافقة في الإِخلاص والخشوع.\nكابن حبان: فإنه لما ذكر الحديث، قال: يريد موافقة الملائكة في الإِخلاص بغير إعجاب (٤)، وكذا احتيج فيه غيره، فقال: ونحو ذلك من الصفات المحمودة أو في إجابة الدعاء، وفي الدعاء في الطاعة، أو المراد بتأمين الملائكة استغفارهم للمؤمنين.\nذكر محمد الضبي، قال: سمعتُ محمد بن سماعة، يقول: أقمتُ أربعين سنة لم تفتني التكبيرة الأولى في الصلاة؛ إلا يومًا واحدًا ماتت فيه أمي، ففاتني صلاة في جماعة، فقمتُ وصليت خمسًا وعشرين صلاة، أريد بذلك التضعيف، فغلبتني عيناي فنمت، فقيل لي في النوم: قد صليت، ولكن كيف لك بتأمين الملائكة.\n_________\n(١) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٢٦٠).\n(٢) أخرجه: ابن خزيمة (١٥٨٦)، والحارث (١٥٢)، (١٧٢).\n(٣) أخرجه: البخاري (٧٤٩).\n(٤) أخرجه: ابن حبان (٥/ ١٠٦) حديث (١٨٠٣).","vol":"1","page":269},{"text":"كذا قاله الإِمام المحدث شمس الدين بن محمد بن محمد بن بناتة المصري، من كتاب (الاكتفاء في تاريخ الخلفاء).\nوقال ابن المنير: الحكمة في إيثار الموافقة في القول والزمان أن يكون المؤمن على يقظة؛ للإِتيان بالوظيفة في محلها؛ لأن الملائكة لا غفلة عندهم، فمن وافقهم كان مستيقظًا، ثم ظاهره المراد بالملائكة جميعهم.\nواختاره ابن بريدة، وقيل: الحفظة منهم، وقيل: الذين يتعاقبون فيهم، إذا قلنا: إنهم غير الحفظة، كما قاله الزرقاني (١).\nوالذي يظهر أي: أن المراد بهم الذين يطلبون أهل الذكر.\nلما روى البخاري ومسلم (٢) بالواسطة عن أبي هريرة ﵁، أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن لله ملائكة يطوفون في الطرق، يلتمسون أهل الذكر، أي (ق ١٢٨) ليزوروهم ويستمعوا ذكرهم، ويستغفروا بذنوبهم، ويقولوا: آمين بدعائهم، وإذا وجدوا قومًا يذكرون الله، تنادوا هلموا إلى حاجتكم\"، قال - ﷺ -: \"فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، فإذا تفرقوا - أي: الذاكرون - عرجوا - أي الملائكة - إلى السماء\"، قال ﵇: \"فيسألهم الله - وهو أعلم بهم -: من أين جئتم؟ فيقولوا: جئنا من عند عبادك في الأرض\"، قال ﵇: \"فيسألهم ربهم - وهو أعلم بهم - ما يقول عبادي؟ قالوا: يسبحونك، ويكبرونك، ويحمدونك، ويهللونك، ويمجدونك\"، قال - ﷺ -: \"فيقول تعالى: هل رأوني؟ \"، قال ﵇: \"فيقولون: لا - والله - ما رأوك\"، قال - ﷺ -: \"فيقول تعالى: كيف لو رأوني؟ \"، قال - ﷺ -: \"يقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة، وأشد لك تمجيدًا، وأكثر لك تسبيحًا\"، قال - ﷺ -: \"فيقول تعالى: فما يسألون؟ قالوا: يسألونك الجنة\"، قال - ﷺ -: \"فيقول تعالى: فهل رأوها؟ فيقولون: لا - والله - ما رأوها\"، قال - ﷺ -: \"فيقول تعالى: فكيف لو رأوها\"، قال - ﷺ -: \"يقولون: كانوا أشد عليها حرصًا، وأشد لها طلبًا، وأعظم بها رغبة\"، قال - ﷺ -: \"يقول تعالى: فبم يتعوذون؟ \"، قال - ﷺ -: \"يقولون: يتعوذون\n_________\n(١) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٢٦٠).\n(٢) أخرجه: البخاري (٦٤٠٨)، ومسلم (٢٦٨٩)، والترمذي (٣٦٠٠)، وأحمد (٧٣٧٦).","vol":"1","page":270},{"text":"من النار\"، قال - ﷺ -: \"يقول تعالى: هل رأوها؟، قال - ﷺ -: \"يقولون: لا - والله - يا رب ما رأوها\"، قال - ﷺ -: \"يقول تعالى: فكيف لو رأوها؟ \"، قال - ﷺ -: \"يقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فرارًا، وأشد لها مخافة، قالوا: ويستغفرونك\"، قال - ﷺ -: \"فيقول الله تعالى: أشهدكم أني قد غفرتُ لهم، وأعطيتهم ما سألوا، وأجرتهم مما استجاروا\"، أي: أمنتهم مما يخافون، قال - ﷺ -: \"يقول: أي ملك من الملائكة رب فيهم فلان ليس منهم، إنما جاء لحاجة\"، وفي رواية: \"يقولون: يا رب فيهم عبد خطاء - أي كثير الخطأ - إنما مر بهم فجلس معهم، فيقول تعالى له غفرت، وهم - أي: الذاكرون - القوم لا يشقى بهم جليسهم\"، أي: لا يُحرم من الثواب، بل يصب من بركتهم نصيبًا. قاله البغوي في باب الذكر من (المصابيح).\nغُفِرَ له ما تقدّمَ من ذنبه،، وفي رواية: \"وما تأخر\"، أي: من الصغائر، ويرجى الكبائر، فمن بيانية لا تبعيضية.\nوقال سعيد بن زيد الباجي، المالكي: ظاهره غفران جميع ذنوبه المتقدمة، من الصغائر والكبائر، فإذا كانت الفرائض لا تكفرها، فأولى التأمين المستحب، وأجيب بأن المكفر ليس التأمين، الذي هو فعل المؤمن بل وفاق الملائكة، وليس ذلك إلى صنعه، بل فضل من الله والذي يظهر لي والمراد بالكبائر - فيما ثبت من الحديث - أكبر الكبائر وهو الكفر، وفيه مضاف محذوف.\nقال الله تعالى في سورة النساء: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، أو المراد بالكبائر المطلقة، والمطلق ينصرف إلى الكمال، والكامل هو الكفر.\nفإن قيل: المغفرة في الآية مقرونة بالتوبة عند بعض المعتزلة، ولم يتب أجيب عنه بأن المراد بالتوبة الرجوع (ق ١٢٩) عن ما كره الله، إلى مرضاة الله تعالى؛ فإن المأموم لو لم يتب لما قال آمين حين يقول الإِمام: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾\nقال: أي: مالك، كما في نسخة، فقال ابن شهاب؛ أي: محمد بن مسلم بن عبيد","vol":"1","page":271},{"text":"الله بن عبد الله بن شهاب، بن عبد الله بن الحارث، بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري (١)، وهذا من مراسله.\nوقد أخرجه الدارقطني موصولًا من طريق حفص بن مالك عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، وقال: تفرد به حفص بن عمرو، وهو ضعيف على ما ذكره السيوطي (٢).\nكان النبي - ﷺ - يقول: آمين، وفى نسخة: كان رسول الله - ﷺ - يقول: آمين. وزاد مسلم: في صلاته.\nقال العسقلاني (٣): فيحمل المطلق على المقيد، كما ذكره السيوطي (٤). والأظهر حمله على عمومه؛ الذي غير مناف الخصوصية.\nقال محمد: وبهذا أي: بهذا الحديث نأخُذُ؛ أي: نعمل استحبابًا، ينبغي إذا فرغ الإِمامُ من أُمِّ الكتاب، وهو الفاتحة، أن يُؤَمِّنَ الإِمامُ ويؤمِّنَ من خلفُه، قوله: آمين، بمد وبقصر وبتشديد الميم.\nقيل: هو اسم من أسماء الله تعالى، وقيل: معناه: اللهم استجب، أو كذا فافعل، وكذلك فليكن، كذا قاله المنذري (٥) أي: من المأمومين في الصلاة الجهرية إما متوافقين أو متواليين، ولا يجهرون أي: الإِمام والقوم بذلك، أي: بقول: آمين، خلافًا للشافعي.\nفأما أبو حنيفة فقال: يؤمنُ مَن خلفَ الإِمامِ ولا يؤمّنُ الإِمامُ، نظرًا إلى أن الإِمام هو الداعي بقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ وقفًا على التسميع والتحميد حال الجماعة.\nلما فرغ من بيان حكم فعل المصلي يفعله قصدًا، شرع في بيان حكم فعل يفعله في صلاته سهوًا، فقال: هذا\n* * *\n_________\n(١) تقدم.\n(٢) انظر: تنوير الحوالك (١/ ٨٥).\n(٣) انظر: الفتح (٢/ ٢٦٦).\n(٤) انظر: تنوير الحوالك (١/ ٨٥).\n(٥) انظر: الترغيب والترهيب (١/ ١٩٤).","vol":"1","page":272},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>باب السهو في الصلاة</span>\nبيان أحكام السهو، أي: سهو المصلي في الصلاة، فيه مضاف محذوف هو أحكام إضافية إلى السهو، من قبيل إضافة الحكم إلى السبب، والسهو غفلة القلب عن الشيء المعلوم، فيستأنف تحصيله لكن الفقهاء لا يفرقون بينهما، وكذا لا يفرقون بينه وبين الشك.\nوالأدباء عرَّفوا الشك بأنه: تساوي الأمرين، لا مزية لأحدهما على الآخر، والظن تساويهما وجه الصواب راجح، والوهم تساويهما وجه الخطأ أرجح، كما بيناه في (سلم الفلاح).\n١٣٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا الزهري، عن أبي سَلَمَة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن أحدكم إذا قام في الصلاة جاءَه الشيطان فَلَبَس عَلَيْه، حتى لا يَدري كم صلَّى، فإذا وَجَد أحدُكم ذلك فليسجدْ سجدتين وهو جالس\".\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: ثنا، وفي نسخة أخرى: محمد، أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير، بن أبي عامر الأصبحي، من أتباع التابعين، من الطبقة السابعة من أهل المدينة، عن الزهري، وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، القرشي، وهو من الطبقة الرابعة من طبقات التابعين أهل المدينة، لقي عشرًا من الصحابة، مات سنة خمس وعشرين، وقيل: قبلها سنة أو اثنتين بعد المائة، عن أبي سَلَمَة بن عبد الرحمن، أي: ابن عوف، التابعي ابن الصحابي، كما قاله الزرقاني (١).\nعن أبي هريرة، ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن أحدكم إذا قام في الصلاة، أي: في الصلاة التي دخل فيها، سواء كانت فريضة أو نافلة، جاءَه الشيطان عليه فَتلَبَس بفتح الباء الموحدة وبكسر في مضارعه.\n_________\n(١٣٦) أخرجه: مسلم (٣٨٩)، والنسائي في المجتبى (١٢٥٢)، ومالك (٢٢٤)، والنسائي في الكبرى (٥٩١)، (٥٩٢)، (١١٧٥)، والدارقطني في العلل (١٣٧٨)، والربيع في مسنده (٢٤٦).\n(١) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٢٩٣).","vol":"1","page":273},{"text":"قال الله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُون﴾ [الأنعام: ٩]، أي: خلط عَلَيْه، أي: على أحدكم أمر صلاته، حتى لا يَدري أي: لا يعلم أحدكم كم صلَّى، أي: من عدد الركعات، ولم يغلب له ظن اعتبر بالأقل، وقعد وتشهد بعد كل ركعة ظنها آخر صلاته؛ لئلا يصير تاركًا فرض القعدة، أو تاركًا واجبة القعدة، لقوله - ﷺ -: \"إذا نسي أحدكم في صلاته، فلم يدر واحدة صلى أو اثنتين، فليبن على واحدة، فإن لم يدر ثنتين صلى أو ثلاثًا، فليبن على ثنتين؛ فإن لم يدر ثلاثًا صلى أو أربعًا، فليبن على ثلاث؛ ويسجد سجدتين بعد السلام، ثم يقعد ويتشهد، ويصلي على النبي - ﷺ - يمينًا ويسارًا\"، كما نقلناه في (سلم الفلاح) من (فتح القدير).\nفإذا وَجَد أحدُكم ذلك أي: ما ذكر من اللبس فليسجدْ أي: سجدتين بعد السلام كمذهبنا، أو قبله كمذهب الشافعي، سجدتين ترغيمًا، أي: تذليلًا للشيطان، لما لبس عليه، وليس عليه أثقل من السجود، لما لحقه من سخط الله لامتناعه من السجود لآدم - صلوات الله على نبينا وعليه - وهو جالس، أي: والحال أن الساجد لسهوه يجلس ويتشهد ويصلي على النبي - ﷺ - فليسلم.\nوقد حُكِي أن أبا حنيفة - رحمه الله تعالى - رأى رسول الله - ﷺ - في منامه، يقول له: لم بالسجدة لمن صلى علي في جلوسه الأول من الصلاة الرباعية.\nفقال أبو حنيفة: يا رسول الله، فإنه صلى عليك بلا قصد، فتبسم رسول الله - ﷺ - ورضي عنه بهذا الجواب، كما في (بحر الرائق) (١).\n* * *\n\n١٣٧ - أخبرنا مالك، حدثنا داود بن الحُصَيْن، عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد، عن أبي هريرة، قال: صَلَّى رسول الله - ﷺ - صلاة العصر فسلم في ركعتين، فقام ذو اليَديْن فقال: أقصُرَتِ الصلاةُ يا رسول الله أم نسيت؟ فقال:\n_________\n(١) انظر: البحر (١/ ١٠٥).\n(١٣٧) أخرجه: البخاري (٧١٤)، (١٢٢٨)، (٦٦٧١)، ومسلم (٥٧٣)، والترمذي (٣٩٩)، والنسائي (١٢٢٥)، (١٢٢٩)، وابن ماجه (١٢١٤)، وأحمد (٩١٨١)، (١٦٢٦٧)، ومالك (٢١٠).","vol":"1","page":274},{"text":"\"كل ذلك لم يكن\" فقال: يا رسول الله، قدْ كان بعض ذلك، فأقبل رسول الله - ﷺ - على الناس فقال: \"أصَدَقَ ذو الْيَدَيْنِ؟ \" فقالوا: نعم، فأتمّ رسول الله - ﷺ - ما بقَى عليه من الصلاة، ثم سجد سجدتين وهو جالس بعد التسليم.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة ثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا، حدثنا داود، وفي نسخة: ثنا رمزًا إلى حدثنا ابن الحُصَيْن (١)، بضم الحاء المهملة، والصاد المهملة المفتوحة، والياء التحتية الساكنة، والنون وهو أموي مولاهم، المدني، وثقه ابن معين، وروى له أصحاب السنة، وقال ابن حبان من أهل الحفظ والإِتقان، ورأى برأي الخوارج، ولكن لم يكن داعية.\nقال أبو حاتم: لولا أن مالكًا روى عنه لترك حديثه، مات سنة خمس وثلاثين ومائة، عن ثنتين وسبعين سنة، عن أبي سفيان، اسمه وهب، قاله الدارقطني، وقال غيره: اسمه قُزمان بضم القاف، وإسكان الزاي المعجمة.\nقال ابن سعد (٢): ثقة قليل الحديث، روى له أصحاب السنة، مولى عبد الله بن أبي أحمد بن جحش القرشي الأسدي، الصحابي، وابنه عبد الله، ولد في حياة رسول الله - ﷺ -، وذكره جماعة في ثقات التابعين، عن أبي هريرة، ﵁، قال: صَلَّى رسول الله - ﷺ - صلاة العصر، قال ابن عبد البر: كذا رواه يحيى - أيضًا - أي: لم يقل لنا، ورواه ابن القاسم وابن وهب، والقعنبي والشافعي وقتيبة عن مالك (ق ١٣١)، فقالوا: صلى رسول الله - ﷺ - لنا صلاة العصر، فسلم في ركعتين، كذا في جميع النسخ، وكذا في (الموطأ) لرواة مالك، وفي نسخة مصححة: في الركعتين، فقام ذو اليَديْن، واسمه الخرباق بن عمرو السلمي، بضم السين المهملة، وعلى هذا ذكره السيوطي (٣)، وهو\n_________\n(١) انظر: (من تكلم فيه) (ص: ٢٨)، والسير (٦/ ١٠٦)، والتاريخ الكبير (٣/ ٢٣١)، وذكر أسماء التابعين ومن بعدهم (١/ ١٣١)، والجرح والتعديل (٣/ ٤٠٨)، ومعرفة الثقات (١/ ٣٤٠)، ومشاهير علماء الأمصار (١/ ١٣٥)، والثقات (٦/ ٢٨٤)، وتاريخ أسماء الثقات (ص: ٨١)، ولسان الميزان (٧/ ٢١١).\n(٢) انظر: الطبقات الكبرى (٥/ ٤١٤).\n(٣) انظر: تنوير الحوالك (١/ ٨٨).","vol":"1","page":275},{"text":"بكسر الخاء المعجمة، وسكون الراء المهملة، وبالياء الموحدة، والألف والقاف ولقب بذي اليدين؛ لأنه كان في يديه طول، وقيل: كان يعمل بيديه جميعًا، كما ذكره العسقلاني (١)، وهو رجل من بني سليم غير ذي الشمالين.\nفقد قال ابن منده: ذو اليدين رجل من أهل وادي القرى أسلم في آخر زمن النبي - ﷺ - والسهو كان بعد أُحد وقد شهد أبو هريرة، وأبو هريرة شهد من زمن رسول الله - ﷺ - أربع سنين، وذو اليدين من بني سليم، وذو الشمالين من أهل مكة، قتل يوم بدر، قبل السهو بست سنين، وهو رجل من خزاعة حليف بني أمية. قال: ووهم فيه الزهري، وجعل مكان ذو اليدين ذا الشمالين.\nوقال العسقلاني (٢): ذو الشمالين هو عمير بن عبد الله بن عمرو، صحابي استشهد ببدر، وهو غير ذي اليدين، وذو الشهادتين: خزيمة بن ثابت الأنصاري، وذو اليدين اثنان نفيل بن حبيب، دليل الحبشة إلى الكعبة مع الفيل، والثاني: صحابي اسمه خرباق، وقيل: عمير، والأول هو الصواب، وعمير هو ذو الشهادتين الماضي، وقيل: إن ذا الشهادتين يقال له: ذو اليدين أيضًا، فهم على هذا ثلاثة، فقال: أي: ذو اليدين: أقصُرَتِ الصلاةُ بفتح القاف وضم الصاد، يا رسول الله أم نسيت؟ بفتح النون والسين، ويجوز أن يكون بضم النون، وكسر السين المشددة، فقال: أي: رسول الله - ﷺ -: \"كل ذلك لم يكن\" أي: لم يكن ذاك ولا ذا، في ظني أني أكملت الصلاة أربعًا، يدل عليه ما جاز في روايات البخاري (٣) في هذا الحديث: أنه - ﷺ - قال: \"لم تقصر، ولم أنس\"، فنفى الأمرين، ذكره السيوطي (٤).\nفقال ابن الملك: فإن قلت: لم يكن خبر صادق لا محالة، أو ليس مطابقًا للواقع، قلت: لم يكن مجازًا من لم يشعر؛ لأن عدم كون الشيء يستلزم عدم الشعور، ففيه ذكر الملزوم وإرادة اللازم، كما قاله علي القاري.\n_________\n(١) انظر: الفتح (٣/ ٩٧ - ١٠٠).\n(٢) انظر: الفتح (٣/ ٩٧ - ١٠٠).\n(٣) أخرجه: البخاري (٤٨٢)، (١٢٢٩)، (٦٠٥١).\n(٤) انظر: تنوير الحوالك (١/ ٨٩).","vol":"1","page":276},{"text":"أو يُقال: كل ذلك لم يكن، أي: لم أنس، ولم تقصر، كما في أكثر طرق حديث أبي هريرة، وهو يؤيد قول أصحاب المعاني: لفظ كل إذا تقدم على النفي كان نفيًا لكل فرد للمجموع؛ لأنه من باب تقوية الحكم؛ فيفيد التأكيد في المسند والمسند إليه، ولا يصح أن يقال فيه: بل كان بعضه بخلاف ما إذا تأخر.\nكما إذا قيل: لم يكن كل ذلك إذ لا تأكيد فيه. فيصح أن يقال: بل كان بعضه، ولذا أجابه ذو اليدين، فقال: يا رسول الله، قدْ كان بعض ذلك، أي: القصر عمدًا، أو النسيان سهوًا، وأجابه، وفي رواية أخرى: يقول: بل قد نسيت؛ لأنه لما نفى الأمرين وكان مقررًا عند الصحابي، أن السهو لا يجوز عليه في الأمور البلاغية جزم بوقوع النسيان، لا القصر، وهو حجة لمن قال: لا يجوز السهو على الأنبياء - ﵈ - فيما طريقه التشريع، وإن كان عياض حكى الإِجماع على عدم جواز دخول السهو في الأقوال البليغية، وخص الخلاف بالأفعال، لكنهم تعقبوه، نعم اتفق من جوز ذلك على أنه لا يقر عليه، بل يقع له بيان ذلك إما متصلًا بالفعل، كما في هذه القصة، وإما غير متصلًا، كذا قاله الزرقاني (١).\nفأقبل رسول الله - ﷺ - على الناس أي: على المأمومين، فقال: \"أصَدَقَ ذو الْيَدَيْنِ؟ \"، أي: فيما أخبره من القصر، فقالوا: نعم، أي: صدق، فأتمّ رسول الله - ﷺ - ما بقَى عليه من الصلاة، وهو الركعتان، ثم سجد سجدتين، أي: للسهو مثل سجوده للصلاة، أو أطول كما في السجدة الصلبية، وهو أي: الحال أن رسول الله - ﷺ - جالس، قوله: بعد التسليم تأكيد لما قبله.\nقيل: كيف تكلم ذو اليدين، والقوم وهم بعد في الصلاة؟ وأجيب بأنهم لم يكونوا على يقين من البقاء في الصلاة؛ لأنهم كانوا مجوزين لنسخ الصلاة من أربع إلى ركعتين.\nقال ابن الملك: وفيه ضعف؛ لأن قول ذي اليدين بعض ذلك قد كان، وقولهم: نعم، إنما كان بعد قوله - ﷺ -: \"كل ذلك لم يكن\"، فكيف جوزوا النسخ، وأجاب بعضهم بأن هذا كان خطابًا للنبي - ﷺ - وجوابًا له، وذلك لا يبطل الصلاة عندنا، وفي رواية\n_________\n(١) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٢٨٧).","vol":"1","page":277},{"text":"لأبي داود (١)، بإسناد صحيح، أن الجماعة أومؤوا: نعم، فعلى هذه الرواية لم يتكلموا.\nقال ابن الملك: وفيه أنه يمكن الجمع بين الروايتين بأن كان فعل ذلك بعضهم، إيماء وبعضهم كلامًا، أو اجتمع الأمران في بعضهم، قال السيوطي (٢): فإن قيل: كيف رجع النبي - ﷺ - إلى قول الجماعة، وعندكم لا يجوز للمصلي الرجوع، في قدر من صلاته إلى غيره إمامًا كان أو مأمومًا، ولا يعمل إلا على اليقين نفسه؟\nوأجيب عنه بأنه - ﷺ - سألهم ليذكر، فلما ذكروه تذكر فعلم السهو فبنى عليه؛ لأنه رجع إلى مجرد قولهم، كذا قاله النووي، وأما ما قيل من أن حديث ذي اليدين منسوخ، وكان في الابتداء حين كان الكلام فيها صباحًا ممنوع، لأنه برواية أبي هريرة وهو متأخر الإِسلام، وأما ما قيل: مع أنه يجوز أن يرويه من غيره، ولم يكن حاضرًا فغير صحيح.\nلما في مسلم عنه: بينا أنا أصلي مع رسول الله - ﷺ - وساق الواقعة، وهو صحيح في حصوره، ولم أر عنه جوابًا شافيًا يكون في المدعي كافيًا، كذا قاله علي القاري.\n* * *\n\n١٣٨ - أخبرنا مالك، حدثنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا شك أحدكم في صلاته فلا يَدْري كم صلى؛ ثلاثًا أم أربعًا، فليُصل ركعةً ويسجد سجدتين. وهو جالسٌ قبل التسليم، فإن كانت الركعةُ التي صلى خامسةً شفعها بهاتين السجدتين، وإن كانت رابعةً فالسجدتان ترْغِيمٌ للشيطان\".\n_________\n(١) أخرجه: أبو داود (١٠٠٨)، والدارقطني (١/ ٣٦٦)، والبيهقي في الكبرى (٣٧٢١)، والمدخل للسنن (٦).\n(٢) انظر: تنوير الحوالك (١/ ٨٨).\n(١٣٨) أخرجه: مسلم (٥٧١)، وأبو داود (١٠٢٤)، والنسائي (١٢٣٨)، وابن ماجه (١٢١٠)، وأحمد (١١٢٩٢)، (١١٣٧٣)، (٢٧٧٣٥)، من حديث عطاء بن يسار عن أبي سعيد، ومالك (٢١٤).","vol":"1","page":278},{"text":"• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: محمد أخبرنا، حدثنا زيد بن أسلم، يُكنى أبا أسامة، مولى عمر بن الخطاب، ﵁، مدني كان في الطبقة الثالثة من أكابر التابعين، عن عطاء بن يسار، مولى ميمونة زوج النبي - ﷺ - كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين المشهورين بالمدينة، كان كثير الرواية مرسلًا عند جميع الرواة، وتابع مالكًا على إرساله، والثوري، وجعفر بن ميسرة، ومحمد بن جعفر، وداود بن قيس، في رواية، كما قاله علي القاري.\nوالحديث المرسل: أن يستوي صدقه وكذبه؛ بأن لا يكون في متنه ولا في روايته خلل بيّن، لكن جهل بعض رواته بعينه، فإن كان (ق ١٣٣) هو الصحابي يسمى مرسلًا، وإن كان عيره يسمى منقطعًا.\nوقيل: المرسل ما رواه التابعي عن رسول الله - ﷺ - (١). وهذا الحديث كذلك؛ لأن عطاء بن يسار تابعي، وقد أرسله.\nوقال: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا شك أحدكم في صلاته فلا يَدْري كم صلى؛ ثلاثًا أم أربعًا، أي: مثلًا ليبني على الأقل، وفي رواية مسلم: \"فليطرح الشك، وليبن على ما استيقن\"، فليُصل ركعةً أي: قل: احتياطًا ويسجد سجدتين، أي: وجوبًا يعني ردها إلى الشفع.\nقال الباجي (٢) - من علماء المالكية: يحتمل أن الصلاة مبنية على الشفع فإذا عليه ما يوترها من زيادة، وجب إصلاح ذلك بما يشفع بها، وهو جالسٌ قبل التسليم، أي: قبل التسليم الثاني، وقيل: قبل التسليم الأول، وبه تعلق الشافعي، فإذا كانت الركعةُ التي صلى بعد الشك خامسةً أي: نفس الأمر شفعها أي: ردها إلى الشفع بهاتين السجدتين، وإن كانت رابعةً أي: وقد تمت الصلاة بها؛ فالسجدتان ترْغِيمٌ للشيطان، أي: تذليل وتحقير له، وجبر لنقصان المصلي في حاله.\nقال النووي: والمعنى أن الشيطان لبس؛ أي: خلط عليه صلاته، وتدارك ما لبس\n_________\n(١) وهذا هو الصواب.\n(٢) انظر: المنتقى (٢/ ١٠٣).","vol":"1","page":279},{"text":"عليه، فأرغم الشيطان ورده خاسئًا مبعدًا، عن مراده، وكملت صلاة ابن آدم، متمثل بأمر الله تعالى الذي عصى به إبليس من امتناعه من السجود (١).\nقال السيوطي (٢): هذا الحديث موصول، وصله مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه من طرق، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن أبي سعيد الخدري، ﵁، فلا يضره تقصير من قصر في وصله.\n* * *\n\n١٣٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب الزهري، عن عبد الرحمن الأعرج عن ابن بُحَيْنة أنه قال: صلى لنا رسول الله - ﷺ - ركعتين، ثم قام ولم يجلس، فقام الناس، فلما قضى صلاته ونظرْنا تسْليمه كبّر وسجد سجدتين وهو جالس قبل التسْليم، ثم سلم.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: أنا رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة: محمد أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، يعني كان منسوبًا إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، كان في الطبقة السابعة من كبار أتباع التابعين، من أهل المدينة، أخبرنا ابن شهاب، في نسخة: أخبرني بالإِفراد، وفي نسخة: عن ابن شهاب، أي: الزهري، كما في نسخة، وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب، بن عبد الله بن الحارث بن زهرة، بن كلاب القرشي، الزهري: أبو بكر الفقيه الحافظ، المتفق على جلالته وإتقانه، وهو من الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، لقي عشرًا من الصحابة، مات سنة خمس وعشرين ومائة، وقيل: قبلها سنة أو اثنتين، كذا قاله أبو الفرج بن الجوزي في (طبقاته) (٣)، عن عبد الرحمن، أي:\n_________\n(١) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٢٨٥).\n(٢) انظر: تنوير الحوالك (١/ ٩٠).\n(١٣٩) أخرجه: مسلم (٥٧٠)، وأبو داود (١٠٣٤)، والنسائي (١٢٢٢)، وأحمد (٢٢٤٢١)، ومالك (٢١٨).\n(٣) تقدم.","vol":"1","page":280},{"text":"ابن هرمز الأعرج، هو المدني من مشاهير التابعين وثقاتهم، يروي عن: أبي هريرة ﵁، واشتهر بالرواية عنه، وروى عنه: الزهري: مولى ربيعة بن الحارث، ثقة ثبت، عالم، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات بالأسكندرية سنة عشر ومائة، عن عبد الله بن بُحَيْنة، بضم الموحدة، وفتح حاء مهملة، وسكون تحتية، فنون فهاء، هي أم عبيد الله، واسم أبيه: مالك بن المغيث الأزدي، أبي محمد حليف بني المطلب، صحابي، مات بعد الخمسين، أنه قال: (ق ١٣٤) صلى بنا، وفي نسخة (الموطأ) لمالك، لنا أي: لأجلنا رسول الله - ﷺ - ركعتين، ثم قام ولم يجلس، فقام الناس، أي: تبعًا على حسب عادتهم في عادتهم، فلما قضى صلاته أي: أداها وأتمها، ونظرنا أي: انتظرنا تسْليمه كبّر وسجد سجدتين وهو أي: والحال أن النبي - ﷺ - جالس، أي: السجود جالسًا.\nوفي رواية الليث عن ابن شهاب، وسجدهما الناس معه، مكان ماض من الجلوس. رواه البخاري ومسلم بلفظ: أن النبي - ﷺ - صلى الظهر، فقام في الركعتين الأوليين، ولم يجلس وقام الناس معه، حتى إذا قضى الصلاة، وانتظرنا تسليمه، كبر وهو جالس فسجد سجدتين قبل التسْليم، ثم سلم، أي: بعد ذلك، وفيه مشروعية سجود السهو، أنه سجدتان؛ وأنه يكبر لهما كما يكبر لغيرهما من السجود، وفيه دليل على أن المأموم يسجد مع إمامه إذا سهى إمامه، وفيه دليل للإِمام الشافعي والإِمام مالك، حيث قال الشافعي - رحمه الله تعالى: يلزم على الساهي أن يسجد سجدتين قبل التسليم، سواء كان السهو بإدخال زيادة فيها، أي: في الصلاة، أو نقصان منها.\nوقال مالك - ﵀ - يلزم الساهي في الصلاة أن يسجد سجدتين قبل التسليم، إن كان السهو لنقصان، وبعده إن كان السهو بإدخال زيادة فيها.\nوعند أبي حنيفة: يلزم على الساهي أن يسجد سجدتين بعد تسليمه، لما روي في سنن أبي داود: أنه - ﷺ - قال: \"لكل سهو سجدتان بعد السلام\"، وهذا الخلاف في الأولوية حتى لو سجد قبل السلام لا يعيدوا ذلك كان مجتهدًا.\nوقد كان شيخ الإسلام خواهر زاده: لا يأتي الإِمام الساهي بسجدتي السهو بعد التسليمتين، ولا ذلك بمنزلة الكلام.\nوقال فخر الإِسلام علي البزدوي: يسلم تلقاء وجهه، فرقًا بين سلام القطع وسلام","vol":"1","page":281},{"text":"السهو، والمنفرد مخير في سجدتين بعد التسليمتين، وبعد تسليمة واحدة، كما في (منح الغفار)، و(سلم الفلاح).\n* * *\n\n١٤٠ - أخبرنا مالك، أخبرني عفيفُ بن عمرو بن المسيَّب السَّهْمِيُّ، عن عطاء بن يسار، قال: سألت عبد الله بن عمرو بن العاص وكعبًا عن الذي يَشُكُّ كَمْ صلى، ثلاثًا، أو أربعًا، قال: فكلاهما قال: فَلْيقُمْ فليُصَلِّ ركعة أخرى، قائمًا، ثم يسجُدُ سجدتين إذا صلَّى.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: ثنا أخبرنا، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: أخبرني بالإِفراد عفيفُ بالتصغير ابن عمرو بن المسيَّب السَّهمِيُّ (١)، أي: كان من قبيلة بني السهم، وقد فصلناه في تفسير سورة التكاثر من (نور الأفئدة)، وكان من الطبقة السادسة عن عطاء بن يسار، كما في نسخة، قال: سألت عبد الله بن عمرو بن العاص، بلا ياء، وهو الصواب، وهو: أي: عبد الله بن عمرو بن العاص، صحابي ابن صحابي، وكعبًا، أي: كعب الأحبار، بالحاء المهملة من كبار التابعين، في الطبقة الأولى من أهل الشام، كان في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، كذا في (خلاصة الهيئة)، عن الذي يَشُكُّ أي: يتردد وليس له عليه ظن غالب، كَمْ صلى، ثلاثًا، أو أربعًا، قال: أي: عطاء: فكلاهما أي: عبد الله بن عمرو وكعب الأحبار قالا: بلفظ التثنية، نظرًا إلى معنى كلا، والأفصح إفراده نظرًا إلى لفظه، ومنه قوله تعالى في سورة الكهف: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ الآية [الكهف: ٣٣]، فَلْيقُمْ أي: المصلي، الذي شك في صلاته، وَليُصَلِّ ركعة أخرى، بانيًا على ما تيقن، قائمًا، أي: حال كونه قادرًا على القيام، وفي نسخة: فليصل بالفاء كما في (الموطأ) لمالك، لرواية يحيى الليثي، ومحمد، ثم يسجُدُ سجدتين إذا صلَّى، أي: إذا أتم صلاته.\nوهذا الحديث موقوفًا لفظًا، كما ترى، ومرفوع حكمًا.\n_________\n(١) انظر: التقريب (١/ ٤٠٤)، وقال: مقبول، قلت: بل وثَّقه النسائي، وذكره ابن حبان في الثقات، ووثَّقه ابن شاهين أيضًا.","vol":"1","page":282},{"text":"كما روى أحمد، وابن ماجه، والحاكم، والبيهقي، عن عبد الرحمن بن عوف وأبي سعيد الخدري، ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا شك أحدكم في الاثنين والواحدة، فليجعلها واحدة، وإذا شك في اثنتين والثلاث، فليجعلها اثنتين، وإذا شك في الثلاث والأربع فليجعلها ثلاثًا، حتى يكون الوهم في الزيادة، ثم ليتم ما بقي من صلاته، ثم يسجد سجدتين، وهو جالس، قبل التسليم\" (١).\nوهو قول الشافعي، ومالك، وعند أبي حنيفة: يسجد الساهي سجدتين، وهو جالس بعد السلام، كما قاله الزرقاني.\n* * *\n\n١٤١ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن ابن عمر، أنه كان إذا سئل عن النسيان قال: يَتَوَخَّى أحدُكُم الذي يَظُنُّ أنه نسى من صلاته.\nقال محمد: وبهذا نأخُذُ، إذا نَاءَ لِلْقيَامِ وتَغَيَّرت حالُه عن القعود وجب عليه كذلك سجدتَا السهو، وكلُّ سهوِ وجبت فيه سجدتان من زيادةٍ أو نقصانٍ، فسجدتا السهو فيه بعدَ التسليم، ومَنْ أدْخَلَ عليه الشيطانُ الشكَّ في صلاته فلم يدرِ أثلاثًا صلى أم أربعًا، فإن كان ذلك أول مَا لَقِيَ، تكلَّمَ واسْتَقْبَلَ صلاته، وإن كان يُبْتلَى بذلك كثيرًا مضى على أكثر ظنه ورَأيِه، ولم يَمْضِ على اليقين، فإنه إن فَعَلَ ذلك لَمْ ينْجُ فيما يَرى من السهوِ الذي يُدْخِلُ عليه الشَّيْطَانُ، وفي ذلك آثار كثيرة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: ثنا، حدثنا، وفي نسخة: عن بدل حدثنا نافع، عن ابن عمر، ﵄ أنه، أي: ابن عمر، كان إذا سُئِل عن النسيان، أي: عن عدد الركعات في الصلاة، قال: يَتَوَخَّى\n_________\n(١) أخرجه: ابن ماجه (١٢٠٩).\n(١٤١) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٨٤)، عن ابن علية عن أيوب عن نافع.","vol":"1","page":283},{"text":"بتشديد الخاء المعجمة، أي: يتحرك أحدُكُم الذي أي: القدر الذي يَظُنُّ أنه نسى من صلاته، أي: فليصلها ثم ليسجد أي: يسجد كما في نسخة سجدتين.\nقال محمد: أي: المُصَنِّف، وبهذا أي: بالتحريك عند النسيان من الصلاة نأخُذُ، أي: نعمل ونُفتي بما ذكر بمضمون الأحاديث في الجملة مع قطع النظر عن كون السجدتين قبل التسليم أو بعده، إذا نَاءَ المصلي وقام لِلْقيَامِ، وشرع فيه سهوًا، وتَغَيَّرَ حالُه عن القعود، بأن يكون أقرب إلى القيام، وجب عليه لذلك، أي: النوء وهو البعد، فلذلك فسرنا ناء بقام؛ لأن القيام معنى لازم للبعد عن القعود، وفي هذا اللفظ، إشعار بأن الساهي، إذا لم يبعد عن العود، ولم يقرب إلى حد القيام، وهو: أي عدم القرب إلى حد القيام، أن لا يستوي النصف الأسفل، فحينئذٍ لا يجب عليه سجدتا السهو، فإن قرب إلى القيام بأن استوى النصف الأسفل مع انحناء الظهر، يجب سجدتا السهو، كما قال المصنف رحمه الله تعالى: سجدتَا السهو، وكلُّ سهوٍ ويؤول الكل إلى ترك واجب، وجبت فيه أي: لأجل ذلك السهو، سجدتان يستويان من زيادةٍ أو نقصانٍ، بيان لكل سهو، فسجدتا السهو فيه بعدَ التسليم، خلافًا لمالك، فإنه قال: كل نقصان من الصلاة؛ فإن سجوده قبل السلام، وكل سهو كان بزيادة في الصلاة؟ فإن سجوده بعد السلام كما فصلناه في شرح حديث عبد الرحمن الأعرج عن ابن بحينة، ومَنْ أي: المصلي أدْخَلَ عليه الشيطانُ الشكَّ، أي: التردد، وهو فساد الأمرين لا مزية لأحدهما على الآخر، في صلاته، فلم يدرِ أثلاثًا صلى أم أربعًا، فإن كان ذلك أي: الشك أول مَا لَقِيَ، أي: دفع قليلًا نادرًا، تكلَّمَ أي: خرج من صلاته بتكلم ينافي لها واسْتَقْبَلَ صلاته، أي: استأنفها لتكمل أدائها، وإن كان يُبتلَى على صيغة المضارع المجهول بذلك أي: الشك كثيرًا مضى أي: عمل على أكثر ظنه ورَأيِه، وفي نسخة: رأيه مقدم على ظنه، ولم يَمْضِ على اليقين، وهو تفسير لما قبله أو تأكيد له، فإنه إن فَعَلَ ذلك، أي: المضي على اليقين، لَمْ ينْجُ بضم الجيم، أي: يخلص فيما يَرَى أي: فيما يذهب إليه من اليقين، من السهوِ الذي يُدْخِلُ عليه الشَّيْطَانُ، فيقع في حرج عظيم، وفي ذلك، أي: فيما ذكرناه من السجدتين بعد التسليم آثار كثيرة، أي: أخبار شهيرة من غير طرق (الموطأ).\n* * *","vol":"1","page":284},{"text":"١٤٢ - قال محمد: أخبرنا يحيى بن سعيد، أن أنس بن مالك صلى بهم في سفرٍ كان معهُ فيه فصلى سجدتين، ثم نَاءَ للقيام فسبح بعضُ أصحابه، فرجع، ثم لما قضى صلاته سجد سجدتين، لا أدري: أقَبْلَ التسليم أو بعدهُ.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: ثنا، وفي نسخة محمد: أخبرنا يحيى، وفي نسخة: ثنا ابن سعيد بن قيس الأنصاري المدني، يكنى أبا سعيد القاضي، ثقة، ثبت كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة كذا في (التقريب) (١)، أن أنس بن مالك ﵁ صلى إمامًا بهم، أي: يحيى ومن معهم في سفرٍ كان أي: يحيى معهُ فيه أي: في السفر، فصلى سجدتين، أي: ركعتين، ثم نَاءَ أي: قام للقيام، فشرع فيه فيسبح بعضُ أصحابه، أي: تنبيهًا لما به، فرجع، عن قصد القيام أو بعده إن كانت الصلاة ثنائية، ثم لما قضى صلاته أي: بالسجدتين بالتشهد، سجد سجدتين، قال أي: يحيى: لا أدري: أقَبْلَ التسليم أي: سجد قبله، أو بعدهُ، وفي نسخة: أم بعده.\nفهذا الحديث لا لنا ولا لغيرنا، كما قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان حكم الفعل الزائد، من أفعال الصلاة يفعله المصلي سهوًا، شرع في بيان حكم العقل الزائد، يفعله المصلي قصدًا، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>باب العبث بالحصا في الصلاة وما يكره من تسويته</span>\nبيان حكم فعل العبث، وهو بفتحتين، عمل ما لا فائدة فيه بالحصى، وهي الحجارة الصغار، يفرش بها المساجد، ونحوها في الصلاة، وبيان حكم ما أي: فعل يكره للمصلي أن يفعله، من تسويته أي: تسوية الحصى عند إرادة السجدة عليها بلا ضرورة، لتسويتها فيكره تسويته بلا احتياج إليه، وما كان النهي فيه ظنيًا، كراهته تحريمه إلا لصارت وإن لم يكن الدليل، نهيًا بل كان مقيد الترك الغير جازم، فهي تنزيهية، والمكروه تنزيهًا إلى\n_________\n(١) انظر: التقريب (٢/ ٥٦١).","vol":"1","page":285},{"text":"الخلاف أقرب، والمكروه تحريمًا إلى الحرمة أقرب، فتعاد الصلاة مع كونها صحيحة، كترك واجب وجوبًا، وتعاد استحبابًا بترك غيره.\nقال صاحب (الهداية) في التجنيس: كل صلاة أديت مع الكراهة؛ فإنها تعادل على وجه الكراهة؛ لقوله - ﷺ -: \"لا يصلى بعد صلاة مثلها\"، تأويله النهي عن الإِعادة بسبب الوسوسة؛ فلا يتناول الإعادة بسبب الكراهة، قاله صدر الإِسلام علي البزدوي في (الجامع الصغير).\n١٤٣ - أخبرنا مالك، حدثنا أبو جعفر القارئ، قال: رأيت ابن عمر إذا أراد أن يسجد سَوَّى الحصى تسوية خفيفةً؛ وقال أبو جعفر: كنت يومًا أصلي وابن عمر ورائي فالتفتُّ فوضع يدَهُ في قفايَ فَغَمَزَني.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: محمد أخبرنا، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: قال: ثنا أبو جعفر القارئ، بالهمز، ويبدل وقفًا، وهو قارئ المدينة، وهو شيخ الإِمام نافع، وقرأ عليه مالك وغيره، واسمه يزيد بن القعقاع، وقيل: جندب بن ضرورة، وقيل: فيروز، (ق ١٣٧) ثقة، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة سبع وعشرين ومائة، كذا في (تقريب التهذيب) (١).\nقال: رأيت ابن عمر ﵄، إذا أراد أن يسجد سَوَّى الحصى تسوية خفيفةً؛ أي: لا قليلة تصل إلى حد الكثرة في العمل، وفي الصحيحين من حديث معيقب، أن رسول الله - ﷺ - قال في الرجل يسوي التراب، حيث سجد: \"إن كنتَ فاعلًا فواحدة\"، وقال أبو جعفر: أي: القارئ: كنت يومًا أصلي وابن عمر ورائي، أي: واقفًا خلفي، فالتفتُّ أنا في: أثناء صلاتي، فوضع يدَهُ في قفايَ فَغَمَزَني، أي: أشارني بعينه إلى خطأي، والمراد بالالتفات أن يميل المصلي يمينًا أو يسارًا، وهو مكروه، وهذا الحديث موقوف إلى ابن عمر في طريق: محمد بن الحسن، ومرفوع في طريق البيهقي، عن أبي\n_________\n(١) انظر: التقريب (٢/ ٦٧٥ - ٧٠٦).","vol":"1","page":286},{"text":"هريرة ﵁: \"إياكم والالتفات في الصلاة، فإنها هلكة\".\nوفي طريق البخاري عن عائشة ﵂، أنها قالت: سألتُ رسول الله - ﷺ - عن التفات الرجل في الصلاة، فقال - ﷺ -: \"هو من اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد\" (١).\nوقال - ﷺ -: \"لا يزال الله مقبلًا على العبد، وهو في صلاته، ما لم يلتفت، فإذا التفت انصرف عنه\" (٢) كذا في (مراقي الفلاح).\n* * *\n\n١٤٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا مسلم بن أبي مَرْيَمَ، عن عليِّ بن عبد الرحمن المعَاوِيِّ أنه قال: رآني عبد الله بن عمر وأنا أعبَثُ بالحصى في الصلاة، فلما انصرفت نهاني وقال: اصنعْ كما كان رسول الله - ﷺ - يصنعُ، فقلت: وكيف كان رسول الله - ﷺ - يصنعُ؟ قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا جلس في الصلاة وضع كفَّه اليُمنى على فخِذِه اليمنى وقبض أصابعه كلَّها، وأشار بأُصبعه التي تلي الإِبْهَام، ووضع كفه اليسرى على فَخِذِهِ اليسرى.\nقال محمد: وبصنيع رسول الله - ﷺ - نأخُذُ، وهو قولُ أبي حنيفة. فأما تسوية الحصى فلا بَأسَ بتسويته مرَّة واحدةً، وتركُهَا أفضل، وهو قولُ أبي حنيفة.\n_________\n(١) أخرجه: البخاري (٧٥١)، وأبو داود (٩١٠)، والترمذي (٥٩٠)، والنسائي (١١٩٦)، وأحمد (٢٣٨٩١).\n(٢) أخرجه: أبو داود (٩٠٩)، والنسائي في المجتبى (١١٩٥)، وأحمد (٢١٥٤٧)، والدارمي (١٤٢٣)، والنسائي في الكبرى (١١١٨)، وابن خزيمة (٤٨٢)، والحاكم (٨٦٢)، والطبراني في الكبير (٩٣٤٥)، والبيهقي في الكبير (٣٣٤٦)، وابن المبارك في الزهد (١١٨٦).\n(١٤٤) أخرجه: مسلم (٥٧٩)، وأبو داود (٩٨٧)، والنسائي في المجتبى (١١٦٠)، وأحمد (٥٣٣١)، ومالك (١٩٩)، والنسائي في الكبرى (١١٩٠)، وابن حبان (١٩٤٢)، وعبد الرزاق في مصنفه (٣٢٣٨)، والبيهقي في الصغرى (٤٦٨).","vol":"1","page":287},{"text":"• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا، وفي نسخة: أخبرني مسلم بن أبي مَرْيَمَ، واسمه يسار المدني، مولى الأنصاري، ثقة كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، كما في (التقريب) (١)، روى عن ابن عمر، وأبي سعيد، وجماعة، وعنه: شعبة والسفيانان، وابن جريج، ومالك وآخرون، وثقة أبو داود والنسائي وابن معين، وأثنى عليه مالك، وقال: كان رجلًا صالحًا، يهاب رفع الأحاديث، وروى له البخاري ومسلم، ومات في خلافة المنصور، كما قاله الزرقاني، عن عليَّ بن عبد الرحمن المُعَاوِيِّ، بضم الميم وفتح العين المهملة وبعد الألف واو.\nقال ابن عبد البر: منسوب إلى بني، معاوية، فخذ من الأنصار، تابعي، مدني، قاضي المدينة، ثقة كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، كما قاله ابن حجر في (تقريب التهذيب) (٢)، وروى له مسلم وأبو داود والنسائي، أنه قال: رآني عبد الله بن عمر بن الخطاب وأنا والحال أنا أعَبثُ من باب فرح، أي: لعب بالحصى أي: بصغار الحصى في الصلاة، فلما انصرفت أي: فرغت عنها بالسلام، نهاني أي: عن العود إلى العبث لكراهته، كالعبث بكل شيء، ولم يأمره بالإِعادة؛ لأن ذلك كان يسيرًا لا يشغله عن صلاته، وجاء في حديث أبي ذر: \"ومسح الحصى مرة واحدة، وتركها خيرٌ من حمر النعم\".\nقال أبو عمر (٣) في رواية ابن عيينة: عن مسلم، عن علي، فلما انصرف ومر قال: فرغ عن صلاته، قال: لا تقلب الحصى؛ فإن تقلب الحصى من الشيطان، وقال: اصنعْ كما كان رسول الله - ﷺ - (ق ١٣٨) يصنعُ، فقلت: كيف وفي نسخة: وكيف كان رسول الله - ﷺ - يصنعُ؟ ولعله كان عبثه حال التشهد، فمن هنا، قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا جلس في الصلاة أي: للتشهد وضع كفَّه اليُمنى على فخِذِه اليمنى وقبض أصابعه كلَّها، وأشار بأُصبُعه التي تلي الإِبْهَام.\nوذكر أبو يوسف في (الأمالي) أنه كان يقبض الخنصر والبنصر، ويحلق بالوسطى\n_________\n(١) انظر: التقريب (٢/ ٥٨٣).\n(٢) انظر: التقريب (١/ ٤١٦).\n(٣) انظر: التمهيد (١٣/ ١٩٦).","vol":"1","page":288},{"text":"والإِبهام، ويشير بالسبابة.\nعن الحلواني: يقيم الإِصبع عند \"لا إله\" ويضع عند \"إلا الله\"؛ ليكون الرفع للنفي والوضع للإثبات.\nزاد سفيان بن عيينة، عن مسلم: بإسناده المذكور: وقال: هي، أي: الإِشارة للشيطان، أي مطردته، لا سهو أحدكم ما دام يغيره بإصبعه، ويقول هكذا.\nقال الباجي - من علماء المالكية -: إن معنى الإِشارة: دفع السهو، وقمع الشيطان؛ الذي يوسوس، كذا قاله الزرقاني (١)، ووضع كفه اليسرى على فَخِذِهِ اليسرى، وعن كثير من المشايخ لا يشير أصلًا، وهو خلاف الرواية والدراية. انتهى، قاله علي القاري.\nوقد وضعت في هذه المسألة رسالة مستقلة، ذكرتُ فيها الرواية والدراية. انتهى.\nقال محمد: وبصنيع رسول الله - ﷺ - نأخُذُ، أي: نعمل، قال -تعالى- في سورة الحشر: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وهو قولُ أبي حنيفة. فأما تسوية الحصى فلا بَأسَ بتسويته مرَّة واحدةً، وتركُهَا أفضل، وهو قولُ أبي حنيفة، رحمه الله تعالى.\nوكذا قول مالك والشافعي وأحمد، ولا يعرف المسألة خلاف، فالسلف من العلماء، وإنما خالفوا فيها بعض الخلف، في مذهبنا من الفقهاء، كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان ما يلزم المصلي ما يتركه من العبث، شرع في بيان حكم ما يجب على المصلي أن يفعله في صلاته من التشهد، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>باب التشهد فى الصلاة</span>\nبيان حكم أبي حنيفة في القعدتين على الأصح، وفرض عند الشافعي في الأخيرة دون الأولى، ورواه عن مالك: أبو مصعب، وقال: من تركه بطلت صلاته، واستدلوا بالوجوب بقوله - ﷺ -: \"فإذا صلى أحدكم، فليقل: التحيات الزاكيات لله. . \" إلى آخره.\n_________\n(١) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٢٦٤).","vol":"1","page":289},{"text":"١٤٥ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الرحمن بن القاسم، عن عائشة، أنها كانت تتشهد فتقول: التحيَّات الطَّيبَات الصلوات الزَّاكيات لله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام عليكم.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا مالك بن أنس، بن عامر بن عمير الأصبحي، من كبار أتباع التابعين، من الطبقة السابعة من أهل المدينة، حدثنا، وفي نسخة قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، ﵁، أحد الفقهاء السبعة المشهورين، من أكابر التابعين من الطبقة الثانية، من طبقات التابعين من أهل المدينة، كما قال أبو الفرج بن عبد الرحمن بن الجوزي في (طبقاته) (١)، عن أبيه، كذا في نسخة: عن عائشة، ﵂، أنها كانت تتشهد في قعدة الصلاة؛ فتقول: التحيَّات، هي جمع تحية من حيا فلان فلانا إذا دعا لى عند ملاقاته، كقوله: حياك الله، أي: أبقاك، والمراد هنا: أعز الألفاظ التي تدل على الملك والعظمة، وسبب الجمع أنهم كانوا يحبون الملك بأثنية مختلفة، نعم أنعم صباحًا، وأبيت اللعن، ورعش كذا (ق ١٣٩) سنة، فالمعنى الملك، وقيل: البقاء الدائم، وقيل: العظمة، وقيل: السلامة من النقص، وقيل: العبادة القولية، وقيل: الإِثنية كلها، الطَّيبَات أي: العبادات الخالصة عن جميع المعيبات، أو العبادات المالية الصلاة الصلاة العبادات الفعلية مطلقًا، أو الصلوات الخمس، أو الرحمة الكاملة، أو الدعوات كلها، الزَّاكيات أي: الأعمال التي يزكو لصاحبها الثواب في الآخرة، أو العبادات الثاميات أو الواقيات لله، أي: مختص لواجب الوجود لذاته، وهذه التعظيمات على مثال من يدخل على السلطان، وعلى الأمير فيثنه أولًا ثم يخدم ثم يبذل المال، واجبًا منه أن يرجع عليه بالقبول والإِقبال. أشهد أن لا إله إلا الله، أي: اعلم وتيقن أن الألوهية والعبودية بالحق مقصورة لذاته تعالى وحده تأكيد لا شريك له، تأكيد\n_________\n(١٤٥) أخرجه: مالك (٢٠٦)، (٢٠٧)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٦١)، والبيهقي في الكبرى (٢٦٥٧).\n(١) انظر: صفة الصفوة (٢/ ٨٨).","vol":"1","page":290},{"text":"آخر، والمعنى أنه متفرد في ذاته، لا شريك له في صفاته، وأشهد أن محمدًا عبدُه وهو في الأصل صفة بمعنى المملوك، استعمل استعمال الأسماء على ما قاله سيبويه، وإنما أثر على غيره؛ لأنه لا اسم للمؤمن أشرف من العبودية في صفات المخلوقين، وهي الرضا بما يفعله الرب، والعبادة ما يرضيه، والعبودية هي التواضع الذي من العبادة، لبقائها في العقبى بخلاف العبادة، فإنها تُنبئ عن كمال التذلل، وهو المقصود، ورسوله، أي: المعظم لديه، السلام أي: أنواع التعظيم الذي وجه إلى الأنبياء والرسل، نازل عليك أيها النبي.\nقال النووي والطيبي: والتعريف في السلام للعهد التقريري، أي: ذلك السلام الذي توجه إلى الأنبياء والرسل، ويجوز أن يكون للعهد الخارجي إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩].\nولا شك أن هذين التقديرين أولى من تقدير النكرة؛ لأن أصل سلامًا عليك ثم حذف الفعل، وأقيم المصدر مقامه، وعدل عن النصب إلى الرفع على الابتداء للدلالة على ثبوته واستقراره.\nوذكر صاحب (الأقليد) عن أبي حامد أن التذكير فيه للتعظيم، وهو وجه من وجوه الترجيح، لا يقف على الوجوه المتقدمة.\nقال الطيبي: من حكمة العدول عن الغيبة إلى الخطاب في هذا مع أن لفظ الغيبة هو مقتضى السياق، وكان يقول: السلام على النبي، فينتقل من تحية الله تعالى إلى تحية النبي - ﷺ -، كما قاله الزرقاني.\nورحمة الله أي: إحسانه، وبركاته، أي: زيادته من كل خير، لما انتقل المصلي من \"أيها النبي ورحمة الله وبركاته\" انتقل إلى تحية النبي - ﷺ - بقوله: \"التحيات لله، والسلام عليكم أيها النبي ورحمة الله وبركاته\"، انتقل إلى تحية نفسه، ثم إلى الصالحين، السلام، أي: الأمان فى الدارين من الهوان، علينا وعلى عباد الله الصالحين، جمع صالح وهم الذين قاموا بحقوق الله تعالى، وبحقوق عباده، وقيل: السلام هو الله - تعالى - فمعناه: الله علينا، أي: حفظنا ورقيب علينا، وقيل: هو (ق ١٤٠) جمع سلامة، أي: جنسها الفرق بينه وبين مفرده التاء، السلام عليكم كذا في (الموطأ) لمالك، يعني بقول المصلي بعد إتمام التشهد: السلام عليكم.","vol":"1","page":291},{"text":"قال ابن عبد البر: روى عن النبي - ﷺ - أنه كان يسلم تسليمة واحدة، من طرق معلومة لا تصح (١). لكن روي عن الخلفاء الأربعة: وابن عمر وأنس، وابن أبي أوفى، وجمع من التابعين، أنهم كانوا يسلمون واحدة، واختلفوا عن أكثرهم، فروي عنهم تسليمتان كما رويت الواحدة، والعمل المشهور المتواتر بالمدينة التسليمة الواحدة، ومثله يصح الاحتجاج به؛ لوقوعه في كل يوم مرارًا والحجة له قوله - ﷺ -: \"تسليمتين\"، من وجوه كثيرة صحاح؛ كما قاله الزرقاني (٢).\n* * *\n\n١٤٦ - أخبرنا مالك، عن ابن شهاب الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبدٍ القَارِيِّ، أنه سمع عمر بن الخطاب على المنْبَرِ، يُعَلِّم الناس التشهد، يقول: قولوا: التحيَّات لله، الزَّاكيَات الطَّيِّبات الصَّلَوَات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: محمد أخبرنا مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمير الأصبحي، من كبار أتباع التابعين، من الطبقة السابعة من أهل المدينة، عن ابن شهاب أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، من التابعين من الطبقة الرابعة، من أهل المدينة، عن عروة بن الزبير، أي: ابن العوام، من التابعين من الطبقة الثانية من أهل المدينة، كما قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي - من علماء الحنبلية - في (طبقاته) (٣)، عن عبد الرحمن بن عبدٍ بالتنوين القَارِيِّ،\n_________\n(١) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٢٧٣).\n(٢) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٢٧٣).\n(١٤٦) أخرجه: مالك (٢٠٣) وابن أبي شيبة (١/ ٢٦١)، وعبد الرزاق في مصنفه (٣٠٦٧)، والحاكم (٩٧٩)، (٩٨١)، والشافعي في المسند (ص: ٢٣٧)، والبيهقي في الكبرى (٢٦٥٥)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٦١).\n(٣) انظر: صفة الصفوة (٢/ ٨٥).","vol":"1","page":292},{"text":"بتشديد الياء، نسبة إلى قارة بطن من خزيمة ابن مدركة المدني، عامله عمر بن الخطاب على بيت المال، يقال: إنه رأى النبي - ﷺ -، وذكره العجلي في ثقات التابعين، واختلف قول الواقدي فيه، قال تارة: له صحبة، وتارة: تابعي، مات سنة ثمان وثمانين كذا قاله الزرقاني (١)، أنه سمع عمر بن الخطاب ﵁ على المنْبَرِ، يُعَلِّم الناس التشهد، قال في (الاستذكار): ما أورده مالك، عن عمر، وابنه، وعائشة حكمه: الرفع؛ لأن من المعلوم أنه لا يقال بالرأي، ولو كان رأيًا لم يكن ذلك القول من الذكر أولى من غيره، من سائر الأذكار، فلم يبق إلا أن يكون توقيفًا، وقدر رفعه غير مالك عن عمر عن النبي - ﷺ -: يقول: قولوا: أي: أيها المؤمنون في قعدة الصلاة: التحيَّات جمع تحية، ومعناه السلام أو البقاء أو العظمة، أو السلامة من الآفات والنقص، أو الملك، أو أنواع والتسليمات لله، أي: خالصة له، الزَّاكيَات أي: الأعمال الصالحة لله، أي: خالصة له وحده، الطَّيِّبات أي: الأقوال الصادقة، وهو ما طاب من القول وحسن أن يثني به على الله دون ما لا يليق لصفاته، مما كان الملوك يحيون به، وقيل: الطيبات ذكر الله، وقيل: الأقوال الخالصة كالدعاء والثناء، وقيل: الأعمال الصالحة، وهو أعم؛ أي لله، وكان اكتفى بما قبله أو ما بعده. الصَّلَوَات أي: الدعوات الكاملة والعبادة كلها لله أي: خالصة له على عباده، السلام عليك أيها النبي أي: إحسانه - تعالى - ورحمة الله وبركاته، أي: زيادته من كل خير، السلام علينا، أي: الأمان في الدارين من الهوان، ليكن لنا وعلى عباد الله الصالحين، جمع صالح، وهم الذين قاموا بحقوق الله تعالى، وحقوق عباده، والإِيقان (ق ١٤١) بأنواع التعظيم، على أن المراد بالسلام العظيم هذا المعنى معتبرًا إن اشتق الصالح من باب حسن، وأما إن اشتق من باب نصر فيكون معنى الصالحين، أي: الذين صرفوا أعمارهم في طاعته - تعالى - وهذا المعنى أخص من الأول، وإنما خص ذكر السلام لحين بيان يمتاز لهم عند ربهم، وحث كافة الناس على أن لا يتأخروا عنهم، أشهد أن لا إله إلا الله، أي: اعلم وتيقن أن الألوهية والعبودية بالحق مقصورة لذاته - تعالى - وأشهد أن محمدًا عبدُه أي: دائم في عبوديته - تعالى - ورسوله أي: المعظم لديه، والحديث رواه الحاكم في (مستدركه).\n_________\n(١) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٢٦٧).","vol":"1","page":293},{"text":"قال الفاكهاني: ينبغي للمصلي أن يستحضر في هذا المحل جميع الأنبياء والملائكة والمؤمنين: ليوافق لفظه مع قصده.\nوقال البيضاوي: عليه أن يقروه - ﷺ - بالذكر لشرفه ومزيد حق عليه، وفيها استحباب البداه للمصلي نفسه في الدعاء، ثم الحاضرين من الإِمام والمأموم، والملائكة ثم للمؤمنين والمؤمنات جميعًا ليسقط ما عليه من حقهم أن يدعوا لهم.\n* * *\n\n١٤٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر أنه كان يتشهد فيقول: بسم الله التحيَّات لله الصلوات لله، الزَّاكيات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، شهدت أن لا إله إلا الله وشهدت أن محمدًا رسول الله، يَقُولُ هذا في الركعتين الأولَيَيْن، ويدعُو بما بَدَا له إذا قضى تشهده، فإذا جلس في آخر صلاته تشهد كذلك، إلا أنهُ يُقدِّم التشهد ثم يدعو بما بَدَا لهُ، فإذا أراد أن يسلم قال: السلام على النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام عليكم - عن يمينه - ثم يردُّ على الإِمام؛ فإن سلم عليه أحدٌ عن يساره رد عليه.\nقال محمد: التشهد الذي ذكِرَ كله حَسَن، وليس يُشبهُ تشهدَ عبد الله بن مسعود، وعندنا تَشهُّدُهُ؛ رَوَاهُ عن رسول الله - ﷺ -، وعليه العامة عندنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أنه كان يتشهد أي: في قعدة الصلاة، فيقول: أحيانًا بسم الله، وفي رواية الطبراني، عن ابن الرستم: بسم الله وبالله خير الأسماء، ولفظ \"بسم الله\" موجود موقوفًا، كما صححه الحاكم، ومعدوم مرفوعًا، كما ضعفه الحافظ البخاري، والترمذي، والنسائي، والبيهقي، وغيرهم، وهذا خلاصة ما قاله الزرقاني. التحيَّات لله، أي: العظمة له، الصلوات لله أي: العبادات الفعلية - مطلقًا - وفي نسخة: والصلوات بالواو،\n_________\n(١٤٧) أخرجه: مالك (٢٠٤)، وعبد الرزاق في مصنفه (٣٠٧٣).","vol":"1","page":294},{"text":"الزاكيات لله، بغير الواو، وفي نسخة بالواو، أي: الأعمال التي يزكو لصاحبها الثواب في الآخرة، أو العبادات النامية له تعالى.\nالسلام عليك أيها النبي قال الحافظ العسقلاني في (فتح الباري) (١): ورد طرق حديث ابن مسعود بما يقتضي المغايرة بين زمانه - ﷺ - فيقال لفظ الخطاب وبعده بلفظ الغيبة.\nفروى البخاري في الاستئذان من طريق أبي معمر، عن ابن مسعود بعد أن ساق حديث التشهد.\nقال وهو بين ظهرانينا، فلما قبض قلنا: السلام على النبي، ورواه أبو عوانة والجوزجاني، وأبو نعيم الأصبهاني، والبيهقي من طرق متعددة من طريق أبو نعيم: شيخ البخاري فيه بلفظ: فلما قبض قلنا: السلام على النبي بحذف لفظ عليك أيها النبي، وكذا رواه أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي نعيم، وهذا صحيح بلا ريب، وقد وجدتُ له متابعًا قويًا.\nقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج، أخبرني عطاء أن الصحابة كانوا يقولون والنبي - ﷺ - حي: السلام عليك أيها النبي، فلما مات قالوا: السلام على النبي، وهذا إسناد صحيح، كما قاله الزرقاني (٢).\nأقول وبالله التوفيق: يلزم على العبد المؤمن أن بعد حياته - ﷺ - ومماته سويًا، ويصلي عليه بالتعظيم، كأنه حاضر عنده، فإنه تعالى قادر على أن يسمعه صوت المصلي عليه، وإن (ق ١٤٢) كان في مكان كما أسمعه دقة النعل لبلال، ﵁، وهو في السماء ليلة المعراج، وبلال في مكة في تلك الليلة.\nورحمة الله، أي: إحسانه تعالى عليك أيها النبي، وبركاته أي: زيادته من كل خير، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، شهدت أن لا إله إلا الله وشهدت أن محمدًا رسول الله، بغير واو أظهر في معنى الإِنشاء من أشهد، غايته أن أشهد أدل على الحال، ولذا اختاره أهل الحال، يَقُولُ أي: يقرأ هذا أي: التشهد في الركعتين الأولَيَيْن، أي: في\n_________\n(١) انظر: الفتح (٢/ ٣١٦).\n(٢) انظر: شرح الزرقاني.","vol":"1","page":295},{"text":"قعدتهما التي بعدهما، ويدعُو أي: ابن عمر، أي: ظهر إذا قضى تشهده، وهذا محمول عند أبي حنيفة على السنن والنوافل، وأجازه مالك في رواية ابن نافع، والمذهب رواية علي وغيره عنه كراهة الدعاء في التشهد الأول؛ لأن المطلوب تقصيره في القعدة الأولى، ووجوب سجود السهو إذا صلى على النبي - ﷺ -، في القعدة الأولى من الفرائض.\nوقد حُكِيَ أن أبا حنيفة رأى رسول الله - ﷺ - في منامه يقول له: لم أمرت بالسجدة لمن صلى عليَّ في جلوسه الأول من صلاته الرباعية؟ فقال: يا رسول الله، فإنه صلى عليك، بلا قصد، فتبسم رسول الله، ورضي عنه بهذا الجواب، كما في (البحر الرائق).\nفإن قيل: ما الحكمة في تقديم النفي على الإثبات فى قوله: \"لا إله الا الله\"، وتقديم الإثبات على النفي في قوله: \"الله لا إله إلا هو\"؟\nقال بعض العارفين: إنما قدم النفي على الإِثبات، ردًا على مزاعم الشريك ومدعيه؛ لأن المناسب في لسان العرب من طرق البلاغة والفصاحة أن يجاب مدعي الإِثبات بالنفي، وهو من أسرار البلاغة المحمدية.\nوقيل: إنما قدم النفي على الإِثبات؛ ليفرغ الموحد قبله فيما سوى الله - تعالى - ليواطئ اللسان القلب، فإذا أفرغه عن غيره أثبت فيه الله، حتى لا يكون مع الله غيره، ولا يكون مشغولًا بشيء غيره؛ لأن القلب المشغول بغيره - تعالى - كيف أن يذكر الله - تعالى - مع ذكر غيره.\nوإنما قدم الإِثبات في قوله: \"الله لا إله إلا هو\" نظر إلى حقيقة التوحيد؛ لأن الموجود المطلق هو الله - تعالى - وما سواه هالك، إلا وجهه.\nفإذا جلس في آخر صلاته تشهد كذلك، أي: كما سيق، إلا أنهُ يُقدِّم التشهد أي: يقدم ما يشمل بشهادتين، ثم يدعو بما بَدَا أي: ظهر لهُ، أي: مما لا يسأل من الناس، كما هو مقتضى القياس.\nوقال طاووس، والنخعي، وأبو حنيفة: لا يدعو في الصلاة إلا بما في القرآن، كذا أطلق ابن بطال وجماعة، عن أبي حنيفة.\nوالموجود في كتب الحنفية: أنه لا يدعو في الصلاة، إلا بما في القرآن، وثبت في الحديث؛ أو كان مأثورًا أعم من أن يكون مرفوعًا، أو غير مرفوع لكن ظاهر الحديث يرد","vol":"1","page":296},{"text":"عليهم، وكذا يرد على قول ابن سيرين: لا يدعو في الصلاة إلا بأمر الآخرة، فإذا أراد أن يسلم أي: للصلاة بنية الخروج عنها، قال: السلام على النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أي: ليتصل لفظ السلام في آخر التشهد، وهذه زيادة تكرير في التشهد، كان ابن عمر اختاره، ليختمه بالسلام على النبي - ﷺ - والصالحين؛ لأنه فصل بين التشهد والدعاء (ق ١٤٣)، ورُوي عن مالك استحباب ذلك.\nقال القاضي سعيد بن زيد الباجي - من علماء المالكية: ولا يثبت السلام عليكم عن يمينه تسليمة التحليل، ثم يردُّ أي: ينوي برده على الإِمام؛ فإن سلم عليه أحدٌ أي: من المأمومين بأن كان عن يساره بأن كان مصليًا مع الإِمام رد عليه، أي: وإلا فلا أعلم أن السلام مشروع بالاتفاق، وهو ركن عند مالك، والشافعي، وأحمد، وأبو حنيفة واجب، وهو تسليمتان عند أبي حنيفة، وأحمد، والشافعي في الأصح.\nوقال مالك: هو واحد فلا يسن بالزيادة للإِمام والمنفرد، وأما الإِمام فيستحب أن يسلم ثلاثًا: اثنين عن يمينه، وشماله، والثالثة تلقاء وجهه، يرد بها على إمامه.\nقال في (الاستذكار): ما أورده في التشهد: عن عمر وابنه، وعائشة كلمة الرفع: من المعلوم أنه لا يُقال بالرأي، ولو كان رأيًا لم يكن ذلك القول من المنكر أولى من غيره، من سائر الأفكار.\nقال محمد: التشهد الذي ذكِرَ كله، وكذا ما لم يذكر مما ذكره غيره في الحض وغيره حَسَن، أي: مقبول مستحسن، وهو لا ينافي كونه واجبًا، وليس يُشبهُ أي: كلما ذكر تشهدَ عبد الله بن مسعود، ﵁، أي: من جهة صحة روايته، وحجة ثقاته؛ إذ رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه كلهم عن ابن مسعود باللفظ الذي فيما يليه.\nوقد قال الحافظ العسقلاني (١): حديث ابن مسعود أصح حديث رُوي في التشهد، وعليه العمل عند أكثر أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم، ثم رأيت كلام الترمذي. وعند تَشهُّدُهُ؛ أي: عبد الله بن مسعود؛ لأنه رَوَاهُ عن رسول الله - ﷺ -، أي: مرفوعًا بالنص\n_________\n(١) انظر: الفتح (٢/ ٣١٠).","vol":"1","page":297},{"text":"الصريح، وبالطريق الصحيح، وعليه العامة، أي: عامة أهل العلم، كما تقدم، أي: عامة أصحابنا، على ما هو معلوم عندنا، واعلم أنهم اتفقوا على أنه يجزئ بكل واحد من التشهد المروي عن النبي - ﷺ - من طريق أصحابه الثلاثة: عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، واختاره أبو حنيفة بتشهد ابن مسعود، ومالك: تشهد ابن عمر، والشافعي وأحمد: تشهد ابن عباس ﵃ أجمعين.\n* * *\n\n١٤٨ - أخبرنا مُحِلّ بن مُحْرِزِ الضَّبيُّ عن شقيق بن سَلَمَة بن وائِل الأسَدِيّ، عن عبد الله بن مسعود، قال: كنا إذا صلينا خلف رسول الله - ﷺ -، قلنا: السلامُ على الله فقضى رسول الله - ﷺ - صلاته ذات يوم، ثم أقبل علينا فقال: \"لا تقولوا السلام على الله، فإن الله ﷿ هو السلام، ولكن قولوا: التحيَّات لله والصَّلوات والطَّيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله\".\nقال محمد: وكان عبد الله بن مسعود يَكْرَهُ أن يُزَادَ فيه حرفٌ أو يُنقص منه حرفٌ.\n• قال محمد: أخبرنا مُحِلّ بضم الميم، وفتح وكسر الحاء، وتشديد اللام، ابن مُحْرِزِ بضم الميم وسكون حاء فكسر لام وزاي، الضَّبيُّ: بتشديد الموحدة، نسبة إلى قبيلة بني الضبي، الكوفي، لا بأس به، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل الكوفة، مات سنة ثلاث وخمسين ومائة، كما في (تقريب التهذيب). وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا عن شقيق بن سَلَمَة بن وائِل الأسَدِيّ، يُكنى أبا وائل الكوفي، ثقة مخضرم، كان في الطبقة الرابعة، من طبقات\n_________\n(١٤٨) أخرجه: البخاري (٨٣١)، (٨٣٥)، ومسلم (٤٠٢)، (٤٠٣)، وأبو داود (٩٦٨)، والنسائي (١١٦٨)، (١١٦٩)، وابن ماجه (٨٩٩)، وأحمد (٣٦١٥)، والدارمي (١٣٤٠).","vol":"1","page":298},{"text":"التابعين المحدثين من أهل الكوفة، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، عن عبد الله بن مسعود، ﵁، أنه قال: كنا إذا صلينا خلف رسول الله - ﷺ -، قلنا: السلامُ على الله، وفي بعض الروايات زيادة: السلام على جبريل، السلام على ميكائيل، فقضى رسول الله - ﷺ - (ق ١٤٤) صلاته، أي: أداها وفرغ عنها ذات يوم، أي: يوم من الأيام، ثم أقبل علينا فقال: لا تقولوا السلام على الله، أي: من عباده كما في رواية حيث يوهم أنه - ﷾ - محتاج إلى الدعاء بالسلام من جانب الأنام؛ فإن الله ﷿ هو السلام، أي: بذاته ومنه السلام لمخلوقاته.\nكما ورد: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، والنهي نهي تنزيه، ولكن قولوا: أمر وجوب التحيَّات أي: أنواع التعظيم لله، أي: مختص به تعالى، والصَّلوات أي: العبادات الفعلية مطلقًا، أو الصلوات الخمس، والراحة الكاملة، والدعوات كلها، والطَّيبات، أي: العبادات الخالصة عن جميع المعيبات، أو العبادات المالية أو الأذكار، من الباقيات الصالحات، السلام عليك أي: أنواع التعظيم الذي وجه إلى الأنبياء والرسل، والتعريف فيه للعهد التقريري، أي: ذلك السلام الذي توجه إلى الأنبياء والرسل، ويجوز أن يكون للعهد الخارجي، إشارة إلى قوله تعالى في سورة النمل: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩].\nولا شك أن هذين التقديرين أولى من تقدير النكرة؛ لأن أصله سلام عليك أي: سلمت سلامًا عليك، ثم حذف الفعل، وأقيم المصدر مقامه، وعدل عن النصب إلى الرفع على الابتداء؛ للدلالة على ثبوت المعنى واستقراره.\nقال صاحب (الإِقليد): التنكير فيه للتعظيم، وهو وجه من وجوه الترجيح، أي: أنواع التعظيم من الله - تعالى - أو من عباد الله الصالحين ينبغي لك أيها النبي.\nقال الطيبي: من حكمة العدول من الغيبة إلى الخطاب في هذا المقام، مع أن مقتضى الظاهر أن يقول: السلام على النبي؛ إشعارًا إلى من إذا ذكر الحقيقة بالسلام، من الله ومن الملائكة، ومن عباد الله الصالحين من الإِنس والجان عن قلب حاضر، يجد ذلك المن من نفسه، محركًا للإِقبال على ذلك الحقيق بالسلام، ويجعل التحقيق بالسلام حاضرًا في يديه، وحيًا من عنده، ويسلم عليه بأنواع التعظيم والخضوع، فإذا بعد ذلك المن في","vol":"1","page":299},{"text":"نفسه محركًا للإِقبال على ذلك الحقيق بالسلام، على قدر الحقيق به عند الله تعالى كيف كان؛ فإنه تعالى صلى عليه أولًا بالذات، وأخبر المؤمنين بصلاة المؤمنين على النبي، ﵇، ثانيًا ثم أمرهم بها عليه ثالثًا، فقال في سورة الأحزاب: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦].\nوفي الخبر عن علي ﵁، أن لفظ هذه الآية نداء النفس، أي: نداء القلب، وها نداء الروح كأنه - تعالى - يقول: عظموا أيها المخاطبون شأن محمد - ﷺ - في وقت الصلاة عليه، بنفوسكم وقلوبكم وأرواحكم لا بلسانكم فقط، فرد الله - تعالى - على النبي بمقابلة الصلاة بقوله: ورحمة الله، أي: إحسانه تعالى عليك أيها النبي، ورد الله تعالى عليه البركة بمقابلة الطيبات، بقوله: وبركاته، أي: زيادته من كل خير.\nقيل: أثنى رسول الله - ﷺ - ليلة المعراج على الله تعالى بالتحيات لله والصلوات والطيبات، بإلهام من الله تعالى، رد الله تعالى على رسوله وحياه (ق ١٤٥) بمقابلة التحيات بقوله: السلام عليك أيها النبي، ورد الله تعالى على الرحمة بمقابلة الصلوات، بقوله: ورحمة الله، ورد الله عليه البركة بمقابلة الطيبات، بقوله: وبركاته، بمناسبة كل واحد منها الآخر من الآخر، أما مناسبة السلام بالتحيات؛ فلأنه تحية السلام، وأما مناسبة الرحمة للصلوات فلأنها بمعناها، وأما مناسبة البركات بالطيبات فلكونها النمو والكثرة، فلما أفاض الله بإنعامه على نبيه بالثلاثة، والنبي أكرم خلق الله تعالى وأجودهم عطف بإحسانه من ذلك الفيض، بإخوانه الأنبياء، والملائكة، وصالح المؤمنين من الإِنس والجن، فقال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، جمع صالح، وهو القائم بحقوق الله وحقوق عباده، فعمهم به.\nكما قال رسول الله - ﷺ -: \"إنكم إذا قلتم بها أصابت كل عبد صالح في السماء والأرض\" (١)، وليس شيء أشرف من العبودية في صفات المخلوقين، وهو الرضا بما يفعله الرب، والعبادة ما يرضيه، والعبودية: أقوى من العبادة؛ لبقائها في العقبى بخلاف العبادة.\n_________\n(١) أخرجه: البخاري (٧٩٧)، ومسلم (٤٠٢)، والنسائي (١٢٩٨)، وابن ماجه (٨٩٩)، وأحمد (٣٦١٥)، (٣٩١٠)، (٤٠٠٧)، والدارمي (١٣٤٠).","vol":"1","page":300},{"text":"فلما قال ذلك - ﷺ -، إحسانًا منه: شهد الملكوت الأعلى والسموات والأرض، وجبريل، بوحي وإلهام فقال كل واحد منهم: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أي: أعلم وأتيقن ألوهية الله - تعالى - وعبودية محمد - ﷺ - ورسالته، فيقصد المصلي - إن شاء - هذه الألفاظ مرادة له، قاصدًا معناها الموضوعة له من عنده، كان المصلي يحيي الله ويثني عليه، ويسلم على النبي - ﷺ -، وعلى نفسه وعلى أولياء الله تعالى، خلافًا كما قال بعض العلماء: إنه حكاية سلام الله تعالى، لا ابتداء سلام من المصلي، كذا في (سلم الفلاح).\nقال محمد: وكان عبد الله بن مسعود ﵁، يَكْرَهُ أن يُزَادَ فيه حرفٌ أو يُنقص منه حرفٌ. وهذا يدل على غاية حفظه، ونهاية ضبطه.\nوذكر ابن الهمام، قال: أبو حنيفة: أخذ حماد بيدي وعلمني التشهد، وقال: حماد: أخذ إبراهيم النخعي: بيدي وعلمني التشهد، وقال إبراهيم النخعي: أخذ علقمة بيدي، وعلمني التشهد، وقال علقمة: أخذ عبد الله بن مسعود بيدي وعلمني التشهد، وقال عبد الله بن مسعود: أخذ رسول الله - ﷺ - بيدي وعلمني التشهد، ما يعلمني السورة من القرآن، وكان يأخذ علينا بالواو والألف واللام. انتهى.\nوالمعنى أنه كان يقول: التحيات لله والصلوات، بالواو العاطفة وبالألف واللام في موضعي السلام، بخلاف حديث ابن عباس، وروى مسلم والأربعة بلفظ: \"التحيات المباركات، الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين\"، وفي رواية الترمذي والنسائي، هنا في الموضعين سلامٌ بالتنكير: \"أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله\"، فاختاره الشافعي؛ لزيادة المباركات، وهي موافقة (ق ١٤٦) لقوله تعالى في سورة النور: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١]، واختار أبو حنيفة وجمهور العلماء، تشهد ابن مسعود، ﵁؛ لأنه أصح في (شرح المنية).\nوحُكي أعرابيًا دخل على أبي حنيفة، وهو جالس مع أصحابه فقال: أبواوٍ أم بواوين؟\nفقال أبو حنيفة: بواوين، فقال بارك الله فيك في: لا، ولا، فلم يعلم أحد","vol":"1","page":301},{"text":"من أصحابه السؤال والجواب، فسألوه من ذلك، فقال: سألني عن التشهد: أبواو واحد، كتشهد أبي موسى الأشعري، ﵁، أم بواوين، كتشهد ابن مسعود ﵁؟ فقلت له: بواوين، فقال: بارك الله فيك، كما بارك في شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية، كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان أحكام التشهد الواجب، شرع في بيان أحكام السنة فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>باب السنة في السجود</span>\nالسنة في السجود هي: الطريقة المرضية في الشريعة، وهي الطريقة المسلوكة في الدين من غير افتراض ولا وجوب، وهي نوعان:\nأحدهما: سنة الهدي؛ التي أخذها لتكميل الدين، وتاركها يستوجب إساءة؛ كالجماعة والأذان والإِقامة\nقال محمد: إذا أصر أهل المصر على ترك الأذان والإِقامة أُمِروا بهما، وإن أبوا يُقَاتَلون بالسلاح؛ لأن ترك ما هو إعلام الدين، استخفاف بالدين.\nوثانيهما: زوائد وتاركها لا يستوجب إساءة وكراهة، كسير النبي - ﷺ - لباسه وقيامه وتعوده، وتطويل الركوع والسجود، كذا قاله عبد الرحمن بن قرشي في (شرح المنار) لحافظ الدين النسفي.\n١٤٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أنه كان إذا سجد وضع كفيه على الذي يضع عليه جَبْهَتَهُ، قال: ولقد رَأيْتهُ في بَرْدٍ شديد، وإنه لَيُخْرِجُ كفَّيْه من بُرْنِسِهِ حتى يَضَعَهُما على الحصى.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا نافع، بن عبد الله، المدني، مولى عبد الله بن عمر، ثقة، فقيه، مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، عن ابن عمر، ﵄، أنه كان إذا سجد أي: إذا أراد","vol":"1","page":302},{"text":"السجود، وضع كفيه أي: بعد وضع ركبتيه على الذي أي: قرب المكان الذي يضع عليه جَبْهَتَهُ، وفي قوله: وضع كفيه رد على من يقول: السنة للمصلي أن يضع يديه على الأرض بكمالهما، وهو أن يضعهما مع المرفقين، واليد المطلقة والمطلق مصروف إلى الكمال، وكمال اليدين مع المرفقين، وهذا خطأ، وفي وضع اليدين مع المرفقين تشبيه بأفعال التغليب، وهو مكروه.\nوهذا الحديث مطلق ومجمل، فيقيد ويفصل، بما ورد: إذا سجدت فضع كفيك وارفع مرفقيك، رواه أحمد ومسلم عن البراء بن عازب ﵁، وورد عنه: \"إذا سجد أحدكم فليباشر بكفيه الأرض، عسى الله أن يكف عنه الغل يوم القيامة\"، رواه الطبراني في (الأوسط) (١) عن أبي هريرة ﵁.\nوورد أن رسول الله - ﷺ - لما سجد وضع وجهه بين كفيه، رواه مسلم (٢) من حديث وائل، قال: أي: نافع ولقد رَأيْتهُ أي: والحال أني رأيت ابن عمر في يوم بَرْدٍ بفتح الباء وسكون الراء، والدال ضد الحر شديد، وإنه بكسر الهمزة، أي: والحال أنه لَيُخْرِجُ من الإِخراج كفَّيْه من بُرْنِسِهِ بضم الباء الموحدة، وسكون الراء المهملة وضم النون والسين (ق ١٤٧) المهملة، كل ثوب ثوبه منه ملتزق من ذراعه أو جبة أو غير ذلك.\nوقال الجوهري: هو قلنسوة طويلة، كان الناس يلبسونها في صدر الإِسلام - كذا في (النهاية) - والمعنى المراد هنا الأول، حتى يَضَعَهُما على الحصى، وتحصيلًا للأفضل، وهو بفتح الحاء المهملة، وسكون الصاد والباء الموحدة الممدودة جمع حصيات، وحصى، أي: أحجار صغار، وفي نسخة: الحصى، وفيه دلالة على استحباب كشف اليدين، في أحوال الصلاة كلها إلا لضرورة لا يطاق عليها.\n_________\n(١) أخرجه: ابن أبي شيبة (١/ ٢٣٩)، موقوفًا على عمر، والطبراني في الأوسط (٥٧٨٦) عن أبي هريرة مرفوعًا.\nقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبيد الله بن محمد المحاربي، وقال ابن عدي: له أحاديث مناكير عن أبي ذئب، قلت: وهذا منها (٢/ ١٢٦).\n(٢) أخرجه: مسلم (٤٠١)، وأبو داود (٧٢٣)، والترمذي (٢٦٨)، والنسائي (٨٧٩)، وابن ماجه (٨١٠)، وأحمد (١٨٣٦٥).","vol":"1","page":303},{"text":"وقال التمرتاشي في (منح الغفار)؛ لأن إخراجهما منه أقرب إلى التواضع، وأبعد من التشبيه بالجبابرة.\n* * *\n\n١٥٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر أنه كان يقول: من وضع جَبْهَتَهُ بالأرضِ فليضعْ كفيْه، ثم إذا رفع جبهتهُ فليرفع كفَّيه، فإن اليدين تسجُدان كما يسجدُ الوجه.\nقال محمد: وبهذا نأخُذُ، ينبغي للرجل إذا وضع جَبْهَتَهُ ساجدًا أن يضع كفَّيه بحِذَاء أذنَيهِ، ويجمع أصابعه نحو القبلة، ولا يفتَحُهما، فإذا رفع رأسه رفعهما مع ذلك، فأما مَنْ أصابه برد يُؤذِي وجعل يديه على الأرض من تحت كساء أو ثوبٍ فلا بأس بذلك وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا شافع، عن ابن عمر ﵁، أنه كان يقول: من وضع أي: إذا أراد أن يضع جَبْهَتَهُ بالأرضِ فليضعْ كفيْه، أي: والفاء تعليلية، للأمر بوضع الكفين، وأن مخففة من الثقيلة، ضمير الشأن محذوف تقديره: إنه أي: إن الشأن واليد مبتدأ، ويسجدان خبره، فضمير اسم إن، والمبتدأ مع خبره خبرها، وقيل: إن مخففة من الثقيلة، فأهملت على ما هو الأصح؛ لأن كلمة أن لا تعمل إلا لمشابهتها بالفعل من وجوه، فلما خفف زال المشابه اللفظي، فلا تعمل والإِشكال في رفع اليدين وفي نسخة مصحفة: البدين بالباء التحتية، فإعراب اليدين ظاهر.\nكما قاله الشيخ زاده في (حاشية تفسير البيضاوي)، في قوله تعالى في سورة طه: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣]، بتخفيف النون من الثقيلة، في قراءة حفص من السبعة، كما يسجدُ الوجه، أي: كانقياد الوجه لله تعالى، وقد قال الله تعالى في سورة النحل: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [النحل: ٤٩]، وفي سورة النور: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: ٤١].","vol":"1","page":304},{"text":"وفي صحيح مسلم (١) عن ابن عباس ﵄، قال النبي - ﷺ -: \"أمِرتُ أن أسجد على سبعة أعضاء، على: الجبهة - وأشار بيده على أنفه - واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين، ولا يكف الثياب والشعر\"، كما قاله الزرقاني.\nقال محمد: وبهذا أي: بوضع الركبتين على الأرض قبل اليدين، إذا قصد السجود، ويرفع اليدين قبل الركبتين إذا أراد القيام نأخُذُ، أي: نعمل ونفتي، ينبغي للرجل أي: للمصلي إذا وضع جَبْهَتَهُ أي: قصد وضعها ساجدًا أي: مريد السجدة، أن يضع كفَّيه بحِذَاء، بكسر الحاء المهملة، والذال المعجمة الممدودة، أي: بمقابل أذُنَيهِ، بضمتين وبضمة، ويجمع أصابعه نحو القبلة، أي: يميل المصلي أصابع يديه جهة الكعبة مضمومة، وإن كان أفاقيًا وعينها إن كان مكيًا، وكذا يوجهها أصابع رجليه ولا يفتَحُهما، تأكيد لما قبلها، وهو نهي تنزيهي، وفي نسخة: ويجمع بدل ويوجه، فحينئذٍ أن يكون جملة: ولا يفتحهما تأكيدًا لما قبلها، أي: يضم المصلي أصابع يديه إذا وضعهما على الأرض ويوجهها جانب الكعبة، فإذا رفع رأسه رفعهما مع ذلك، أي: مع رفع رأسه والظاهر أنه بعد ذلك (ق ١٤٨) إنما عبر عنه بالمعية حذرًا من زيادة التأخير، فأما مَنْ أي: المصلي أصابه برد بفتح الموحدة والراء الساكنة، والدال ضد الحر، يُؤذِي أي: يؤثر، وفي نسخة يؤذيه، فجعل يديه على الأرض من تحت كساء أي: ولو منفصلًا عنه، أو ثوبٍ، أو ولو متصلًا به، فلا بأس، أي: فلا كراهة، بذلك أي: بما ذكر، وهو قولُ أبي حنيفة، رحمه الله تعالى.\nفلما فرغ من بيان بعض أحكام الصلاة، شرع في بيان أحكامها، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>باب الجلوس في الصلاة</span>\nبيان أحكام الجلوس بالضرورة، وبغيرها في الصلاة، أي: سواء كانت فريضة أو نافلة.\n_________\n(١) أخرجه: البخاري (٨١٢)، ومسلم (٤٩٠)، والنسائي (١٠٩٧)، وأحمد (٢٦٥٣).","vol":"1","page":305},{"text":"١٥١ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أنه صلَّى إلى جَنْبِهِ رجلٌ. فلما جَلَسَ الرجلُ تربّع وثنى رجلَهُ. فلما انصرف ابن عمر عَابَ ذلك عليه، قال الرجل: فإنّك تفعلُهُ. قال: إني أشْتكي.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: ثنا، وفي نسخة محمد: أخبرنا مالك، أي: مالك بن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، من كبار أتباع التابعين، من الطبقة السابعة من أهل المدينة، حدثنا عبد الله بن دينار، العدوي، مولى ابن عمر، ثقة في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، مات سنة سبع وعشرين، وقيل: قبلها بعد المائة، قاله ابن حجر (١).\nوفي نسخة: عن بدل حدثنا، عن ابن عمر أنه صلَّى إلى جَنْبِهِ رجلٌ. فلما جَلَسَ الرجلُ تربّع، أي: الرجل في جلوسه حال تشهده، وثنى رجلَهُ، أي: رد إحديهما على الأخرى، وعطفها على الأخرى.\nقال الباجي - من المالكية -: التربع ضربان: أحدهما أن يخالف بين رجليه، فيضع رجله اليمنى تحت ركبته باليسرى، ورجله اليسرى تحت ركبته اليمنى، والثاني: أن يتربع ويثني رجله اليمنى فيكون عند إليته اليمنى، ويشبه أن تكون هذه هي التي عابها ابن عمر، كما قال: فلما انصرف ابن عمر أي: من الصلاة، عَابَ ذلك أي: أنكر فعله هذا، قال الرجل: فإنّك تفعلُهُ. قال: أي: ابن عمر: إني أشْتكي، أي: ضعفًا أو مرضًا، فأجاز في العذر دون غيره؛ فإن المحذورات تبيح المحظورات.\nقال أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي في (طبقاته): كان الرجل إذا رأى رؤيا قصها على رسول الله - ﷺ -، قال ابن عمر: فتمنيت أن أرى رؤيا فأقصصها عليه، وكنتُ غلامًا شابًا عزبًا أنام في المسجد، فرأيتُ كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية البئر فإذا لها قرنان، وأرى فيها ناسًا قد عرفتهم، فجعلتُ أقول: أعوذ بالله من النار، فلقيها ملك آخر، فقال: لن ترع فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على النبي\n_________\n(١) انظر: التقريب (١/ ٢٨٦).","vol":"1","page":306},{"text":"- ﷺ - فقال: \"نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل\"، فكان بعد لا ينام من الليل إلا قليلا (١).\nوقال: رأيتُ في المنام كأن بيدي قطعة استبرق، ولا أشير بها إلى مكان من الجنة إلا طارت بي إليه، قصصتها حفصة، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، فقال: تمنوا، فقال عبد الله بن الزبير: أما أنا فأتمنى الخلافة، وقال عروة: أتمنى أن يؤخذ عني العلم، وقال مصعب: أتمنى ولاية العراق، والجمع بين عائشة بنت طلحة وسكينة بنت الحسين، وقال ابن عمر: أتمنى المغفرة، فنالوا ما تمنوا، ولعله قد غُفِرَ له.\n* * *\n\n١٥٢ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الرحمن بن القاسم، عن عبد الله بن عمر، أنه كان يرى أباه يَتَرَبَّع في الصلاة إذا جلس، قال: فَفَعلتُه وأنا يومئذ حديث السِّنِّ، فنهاني أبي، وقال: إنَّها لَيْسَتْ بسُنَّةِ الصلاةِ إنما سُنَّةُ الصلاة أن تَنْصِبَ رجلَك اليمنى، وتثْني رجلَك اليُسْرى.\nقال محمد: وبهذا نأخُذ، وهو قولُ أبي حنيفة.\nوكان مالك بن أنس يأخذ بذلك في الركعتين الأوُلَيَيْن، فأما في الرابعة، فإنه كان يقول: يُفضي الرجل بإلْيَتَيْه إلى الأرض، ويجعل رجليه على الجانب الأيمن.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: محمد أخبرنا: حدثنا عبد الرحمن بن القاسم، أي: محمد بن أبي بكر الصديق التيمي ﵁، كان عبد الرحمن في الطبقة السادسة، وأبوه (ق ١٤٩) في الثانية من طبقات التابعين\n_________\n(١) أخرجه: البخاري (١١٢٢)، (٣٧٣٩)، ومسلم (٢٤٧٩)، وابن ماجه (٢٢١)، وأحمد (٦٢٩٤)، والدارمي (٣٢١).\n(١٥٢) أخرجه: البخاري (٨٢٧)، ومالك (٢٠٢)، والبيهقي في الكبرى (٢٦٠٥)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٥٧)، ومحمد في الحجة (١/ ٢٦٩).","vol":"1","page":307},{"text":"من أهل المدينة، كما قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي، في (طبقاته) (١)، عن عبيد الله بالتصغير ابن عمر بن الخطاب، ﵁، أنه أي: عبيد الله، العدوي، المدني، يكنى أبا بكر شقيق سالم، ثقة تابعي، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة ست ومائة، كما قاله ابن حجر في (تقريب التهذيب)، كان يرى أباه أي: عبد الله بن عمر، يَتَرَبَّع في الصلاة إذا جلس، أحيانًا، قال: أي: عبيد الله فَفَعلتُه أي: التربع، وأنا يومئذ حديث السِّنِّ، فنهاني أبي، أي: عبد الله بن عمر، والحال أني صغير دون البلوغ، أو مراهق، وأول بلوغ، فقال: أي: ابن عمر: إنَّها أي: هذه الجلسة لَيْسَتْ بسُنَّةِ الصلاةِ، بل سنتها الجلوس على الركبتين، إنما سُنَّةُ الصلاة المشروعة أن تَنْصِبَ رجلَك؛ أي: قدمك اليمنى وتثْني بفتح التاء وكسر النون، أي: وتعطف رجلَك اليُسْرى، وتفرشها، وهذه الضمة، أي: إنما سنة حكمها الرفع، كما نقله علي القاري عن السيوطي (٢).\nقال محمد: وبهذا أي: بقول ابن عمر، أن سنة الصلاة في الجلوس أن تنصب رجلك اليمنى وتثني رجلك اليسرى، نأخُذُ أي: نعمل ونفتي، وهو أي: قولنا، بالأخذ بقول ابن عمر، قولُ أبي حنيفة.\nلما روى النسائي عن ابن عمر، ﵄، أنه قال: من سنة الصلاة أن تنصب القدم اليمنى، وتستقبل بأصابعها القبلة، ويجلس على اليسرى (٣)، ورواه البخاري (٤) من غير ذكر استقبال القبلة.\nوكان مالك بن أنس الأصبحي يأخذ أي: يعمل ويفتي بذلك أي: الافتراش في الركعتين الأوُلَيَيْن، فأما في الرابعة، وكذا في الثالثة، إذ المراد بها القعدة الثانية، فإنه كان يقول: يُفضي بضم الياء وسكون الفاء، وكسر الضاد، أي: يصل الرجل أي: والمرأة بالأولى بإلْيَتَيْه، بفتح الهمزة، أي: طرفي مقعده إلى الأرض، ويجعل رجليه على\n_________\n(١) تقدم.\n(٢) انظر: تنوير الحوالك (١/ ٨٦).\n(٣) أخرجه: النسائي (١١٥٨)، بسند صحيح.\n(٤) أخرجه: البخاري (٨٢٧)، وتقدم.","vol":"1","page":308},{"text":"الجانب الأيمن، أي: مخرجتين إليه، ويسمى التورك، والمشهور أن هذا التفصيل مذهب الشافعي.\nوالتورك سنة عند مالك في التشهدين، ولعل ما ذكر رواية عنه، وعندنا التورك سنة في حق المرأة؛ لأنه أستر لها.\n* * *\n\n١٥٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا صَدَقَةُ بن يَسَار، عن المُغِيرَة بن حكيم، قال: رأيت ابن عمر يجلس على عَقِبَيْهِ بين السجدتين في الصلاة، فذكرت ذلك له، فقال: إنما فَعَلتُه منذ اشْتَكَيْتُ.\nقال محمد: وبهذا نأخُذُ، لا ينبغي أن يجلس على عقبيه بين السجدتين، ولكنه يجلس بينهما، كجلوسه في صلاته، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة: محمد أخبرنا أخبرني صَدَقَةُ بن يَسَار، وفي نسخة: ثنا رمزًا إلى حدثنا، أي: الجوزي، نزيل مكة، تابعي صغير، ثقة، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل مكة، مات سنة اثنين وثلاثين ومائة، عن المُغِيرَة بن حكيم، قال: رأيت ابن عمر يجلس على عَقِبَيْهِ بين السجدتين في الصلاة، أي: فيما بين السجدتين، أو في القعدتين، فذكرت ذلك له، أي: سألتُ ابن عمر عن الجلوس على العقبين بين السجدتين في الصلاة، هل هو سنة، فقال: إنما فَعَلتُه منذ اشْتَكَيْتُ، والمعنى أنه خلاف السنة إلا أني فعلته لعذر، والضرورات تبيح المحظورات.\nقال محمد: وبهذا نأخُذُ، أي: نعمل ونفتي بأنه: لا ينبغي أن يجلس أي: المصلي على عقبيه بين السجدتين، فضلًا عن القعدتين، ولكنه أي: المصلي يجلس بينهما، أي: بين السجدتين كجلوسه في صلاته، والجلوس بين السجدتين مقدار تسبيحة سنة، وهو قولُ أبي حنيفة.\nفإن قيل ما (ق ١٥٠) الحكمة: لم جعل الله الركوع واحدًا، والسجود اثنين؟","vol":"1","page":309},{"text":"فالجواب: قال النيسابوري: الركوع أيضًا؛ لأن الركوع هو الانحناء، وهو يتكرر أيضًا، واحد للركوع، وواحد بعد رفع الرأس، والحط للسجود، وهذا الانحناء هو الركوع، وأما كون السجدة اثنين؛ فلأن إبليس أمر بالسجدة فأبى عنها، واستحفظها، وكان من الكافرين، وأمرنا أن نسجد ووعدنا ربنا بالجنة، فسجدنا ثانيًا شكرًا لهذه النعمة، ورغمًا لإِبليس.\nوقيل: إن آدم صلوات الله على نبينا وعليه - لما سجد تاب الله عليه، فرفع رأسه من السجدة، وسجد ثانيًا شكرًا لله - تعالى - فكانتا ميراثًا لنا، هذا خلاصة ما في (خواتم الكلم) (١).\nلما فرغ من بيان أحكام الجلوس في الصلاة، شرع في بيان أحكام القعود فيها، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>باب صلاة القاعد</span>\nبيان أحكام صلاة القاعد، أخذ المصنف هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١].\nومن قوله - ﷺ -: \"صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب\"، رواه أحمد، والبخاري، والأربعة (٢)، عن عمران بن حصين الفرق بين الجلوس والقعود في الصلاة:\nالجلوس: وضع المصلي إليته على الأرض متربعًا، كما في الباب السابق.\nوالقعود: أن يضع الرجل ركبتيه، وساقيه على الأرض، وأن يضع إليته على ساقيه.\n_________\n(١) انظر: خواتم الحكم (٢/ ٤٩٦).\n(٢) أخرجه: البخاري (١١١٧)، وأبو داود (٩٥٢)، والترمذي (٣٧١)، والنسائي (١٦٦٠)، وابن ماجه (١٢٢٣)، وأحمد (١٩٣١٨).","vol":"1","page":310},{"text":"١٥٤ - أخبرنا مالك، حدثنا الزُّهْري، عن السائب بن يَزيد، عن المطَّلب بن أبي وَدَاعَة السَّهْمي، عن حفصة زوج النبي - ﷺ -، أنها قالت: ما رأيت النبي - ﷺ - يُصلي في سُبْحَتِه قاعدًا قطُّ، حتى كان قبل وفاته بعام فكان يصلي في سُبْحَتِه قاعدًا، ويقرأ بالسورة ويُرَتِّلُهَا، حتى تكون أطوَلَ من أطولَ منها.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، وهو من أتباع التابعين، من الطبقة السابعة من الطبقات الحنفية، كان أصل مولده بواسط، من قرى العراق، وفي نسخة: محمد، أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن عامر الأصبحي، من كبار أتباع التابعين من الطبقة السادسة، من أهل المدينة، حدثنا الزُّهُري، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: بنا رمزًا إلى أخبرنا الزهري، وهو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، يُكنَى أبا بكر من التابعين، من الطبقة الرابعة من الطبقات السبعة، من أهل المدينة.\nقال مالك: ما أدركتُ فقيهًا محدثًا غير واحد، قيل: من هو؟\nقال: ابنِ شهاب الزهري، كذا قال أبو الفرج بن الجوزي - من علماء الحنبلية - عن السائب بن يزيد، بتحتية وزاي معجمة وهو: ابن سعد الكندي، آخر من مات في المدينة من الصحابة سنة إحدى وتسعين أو قبلها، عن المطلب بتشديد الطاء ابن أبي وَدَاعَة بفتح الواو والدال وهو: الحارث بن صبير بضم المهملة وبفتح الموحدة، ابن سُعَيْد مصغر ابن السَّهْمي، كذا في نسخة، يعني أبي عبد الله، صحابي، أسلم يوم الفتح، ونزل بالمدينة مات فيها، وأمه أروى بنت الحارث بن عبد المطلب، بنت عم النبي - ﷺ - صحابية هاشمية، عن حفصة زوج النبي - ﷺ -، فيه من لطائف ثلاثة أصحاب يروي بعضهم عن بعض، أنها قالت: ما رأيت النبي - ﷺ - يُصلي في سُبْحَتِه بضم السين وسكون الموحدة، أي: النافلة وسميت بذلك لاشتمالها على التسبيح من قبيل تسمية الكل باسم بعضه، وخصت به دون الفريضة.\n_________\n(١٥٤) أخرجه: مسلم (٧٣٣)، والترمذي (٣٧٣)، والنسائي في المجتبى (١٦٥٨)، وأحمد (٢٥٩٠٢)، والدارمي (١٣٨٥)، ومالك (٣١١)، والنسائي في الكبرى (٣٧٦)، وابن حبان (٢٥٠٨)، وابن خزيمة (١٢٤٢)، وأبو يعلى (٧٠٥٥).","vol":"1","page":311},{"text":"قال ابن الأثير (١): لأن التسبيحات في الفرائض نفل في النوافل يلزم أنها نوافل في مثلها، قاعدًا قطُّ، بفتح القاف (ق ١٥١) وتشديد الطاء المضمومة، قال ابن هشام في (مغني اللبيب)، هو ظرف زمان لاستغراق ما مضى ويختص بالنفي، يقال: ما فعلته قط انتهى.\nوالمعنى: فيما رأيت فيما انقطع من عمري يصلي سبحته قاعدًا، بل قام حتى تورمت قدماه، كما قاله الزرقاني (٢)، حتى كان أي: الزمان قبل وفاته بعام أي: بسنة فكان يصلي في سُبْحَتِه قاعدًا، إما لكبره أو لضعفه، ويقرأ بالسورة أي: القصيرة ويُرَتِّلُهَا، بباين بيانها لتبيين معانيها، ويقرأها تمهل، وترتيل ليقع مع ذلك التدبر، كما أمره الله تعالى في سورة المزمل: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤].\nولذا كانت قراءته - ﷺ - حرفًا فحرفًا كما قالت أم سلمة، وغيرها حتى تكون أي: في الكمية من حيثية الكيفية أطوَلَ من أطولَ منها، أي: في الكمية والعطف يحتمل أن يكون من عطف الفرد أو من عطف الجمل، فتأمل كما قاله علي القاري.\n* * *\n\n١٥٥ - أخبرنا مالك، حدثنا إسماعيل بن محمد بن سعيد بن أبي وقاص، عن مولى لعبد الله بن عمرو بن العاص، عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"صلاةُ أحَدِكم وهو قاعدٌ مثلُ نصفِ صلاتهِ وهو قائم\".\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: ثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا حدثنا، وفي نسخة: قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: ثنا إسماعيل بن محمد بن سعيد بن أبي وقاص، ﵁، ثقة، حجة، روى له الخمسة، مات سنة أربع وثلاثين ومائة، عن مولى لعبد الله بن عمرو كذا بالواو أن رسول الله - ﷺ - قال: \"صلاةُ أحَدِكم أي: في النافلة وهو قاعدٌ أي: من غير عذر، والجملة حالية،\n_________\n(١) انظر: النهاية (٢/ ٣٣١).\n(٢) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٤٠٠).\n(١٥٥) أخرجه: مسلم (٧٣٥)، وأبو داود (٩٥٠)، والنسائي (١٦٥٨)، وابن ماجه (١٢٢٩)، وأحمد (٦٤٧٦)، (٦٧٦٤)، (٦٨٤٤)، والدارمي (١٢٨٤).","vol":"1","page":312},{"text":"مثلُ نصف صلاتهِ أي: في الأجر، وهو قائم، جملة حالية أخرى، وفي قوله: \"أحدكم\" إشارة إلى أن رسول الله - ﷺ - ليس كسائر الأنام في هذا المقام فإنه إما أن يصلي معذورًا أو مجوزًا مشكورًا فيكون أجره في الصورتين موقورًا، والحديث رواه أحمد، والنسائي، وابن ماجه عن ابن عمر.\nوالطبراني عن ابن عمر، وعن عبد الله بن السائب، وعن المطلب بن أبي وداعة بلفظ: \"صلاة القاعد نصف صلاة القائم\". كذا قاله علي القاري.\nقال ابن عبد البر: قوله: \"صلاة أحدكم وهو قاعد مثل نصف صلاته وهو قائم\" لما في القيام من المشقة أو لما يشاء أن يتفضل به.\nوقد سُئِلَ رسول الله - ﷺ - عن أفضل الصلاة، فقال: \"طول القنوت\"، والمراد صلاة النافلة؛ لان الغرض أن: من أطال القيام فصلى قاعدًا فصلاته باطلة عند الجميع يلزم عليه إعادتها، فكيف تكون نصف فضل صلاة، بل هو عاصٍ، وإن عجز عنه ففرض الجلوس اتفاقًا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٢].\nفليس القيام أفضل منه؛ لأن كلًا أدى فرضه على وجهه.\nفإن قيل: قال رسول الله - ﷺ -: \"مثل نصف صلاته\"، ولم يقل: نحو نصف صلاته؟\nأجيب: إشعارًا بأن صلاة النافلة قعودًا ناقصة صورة، ومعنى من الصلاة قيامًا كما قاله الأصوليون.\nلفظ المثل يستعمل فيما إذا كان المذكور مساويًا لما سبقه من اللفظ والمعنى، ولفظ النحو يستعمل فيما إذا كان المذكور مساويًا لما سبقه في المعنى فقط.\nهذا خلاصة ما نقله علي القاري عن المبرك شاه في باب خُلق رسول الله - ﷺ - من (شرح الشمائل) للترمذي.\nقال أبو عبد الله الباجي، اسمه سعيد بن زيد - من علماء المالكية - يريد - ﷺ - بنصف صلاة القائم، أجر الصلاة؛ لان الصلاة لا تتبعض، وهذا وإن كان عامًا لكن المراد بعض الصلوات؛ لأن القيام ركن باتفاق فهو فيمن صلى الفريضة غير مستطيع للقيام أو نافلة مطلقًا.","vol":"1","page":313},{"text":"وعن الماجشون، أنه في المريض يستطيع القيام لكن القعود أرفق به، فأما من أقعده في فرض أو نافلة فثوابه مثل صلاة القائم، والأول أظهر، كذا قاله الزرقاني (١).\n* * *\n\n١٥٦ - أخبرنا مالك، حدثنا الزُّهري، أن عبد الله بن عمرو قال: لما قَدِمنا المدينة نَالَنَا وَبَاءٌ من وَعْكِهَا شديدٌ، فخرج رسول الله - ﷺ - على الناس وهم يُصلُّونَ في سُبْحَتِهِمْ قعودًا، فقال: \"صلاة القاعد مثلُ نصف صلاة القائم\".\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: محمد أخبرنا حدثنا الزُّهري، وهو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، يُكنى أبا بكر من التابعين من الطبقة الرابعة من طبقات أهل المدينة، أن عبد الله بن عمرو بالواو، أي: عمرو بن العاص، كما في (الموطأ) لمالك، قال: الزرقاني (٢): هذا الحديث منقطع، كما قال ابن عبد البر (٣) وغيره: لأن الزهري ولد سنة ثمان وخمسين، وعبد الله بن عمرو مات بعد الستين فلم يلقه. انتهى.\nيقول الفقير: هذا وهم من الزرقاني، وليس في ظاهر العبادة قيد يخصص أن عبد الله بن عمرو مات سنة إحدى وستين أو اثنين أو ثلاث ولفظ بعد يعم الأعوام بين الستين والسبعين، ومع هذا قال أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي في (طبقاته): إن الزهري تابعي من الطبقة الرابعة من أهل المدينة، وكونه من الطبقة الرابعة يشعر ملاقاته به فهذا الحديث ليس منقطعًا، بل هو مرفوع ومتصل.\nوالحديث المنقطع: هو الذي رُوي عمن لا يمكن أن يكون قد رآه الراوي.\nوالحديث المرفوع: ما أضيف إلى رسول الله - ﷺ - خاصة من قول أو فعل أو تقرير،\n_________\n(١) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٣٩٩).\n(١٥٦) أخرجه: مالك (٣٠٨)، وعبد الرزاق في مصنفه (٤١٢٠).\n(٢) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٣٩٩).\n(٣) انظر: التمهيد (١٢/ ٤٥).","vol":"1","page":314},{"text":"كقول الصحابي: أمرنا رسول الله - ﷺ - بكذا، أو نهانا عن كذا، أو من السنة، أو كنا لا نرى بأسًا، أو كنا نفعل كذا ورسول الله - ﷺ - فينا، ونحوه، فهو مرفوع كما قاله الأصوليون.\nقال: لما قَدِمنا المدينة يعني نحن المهاجرين، نَالَنَا أي: أصابنا وَبَاءٌ بفتح الواو، أي: طاعون، قال رسول الله - ﷺ -: \"إن هذا الطاعون رجز - أي: عذاب - وبقية عذاب عُذبَه قوم\"، رواه مسلم (١) عن أسامة بن زيد ﵁، وقال - ﷺ -: \"إن هذا الوباء رجزًا - أي: عذابًا - أهلك الله به: الأمم قبلكم، وقد بقي منه في الأرض شيء يجيء أحيانًا ويذهب\"، رواه أحمد عن أبي بن كعب ﵁، كما فصلناه في (بركات الأبرار).\nمن وَعْكِهَا بفتح وسكون، أي: من حُمى المدينة، شديدٌ، بالرفع، صفة الوباء، ولا يبعد أن يكون خبر مبتدأ محذوف هو هو، أي: وعكها.\nقال ابن عبد البر (٢): أهل اللغة قالوا: الوعك لا يكون إلا من الحمى، دون سائر الأمراض، ذكره السيوطي (٣).\nوفي (القاموس): الوعك أذى الحمى ووجعها، ومقتها في البدن، وألم من شدة التعب، فخرج رسول الله - ﷺ - على الناس، أي: جمع ليس بهم عذر، وهم يُصلُّونَ في سُبْحَتِهِمْ أي: نافلتهم، وفي زائدة عرضًا من أخرى محذوفة، كقولك: ضربت فيمن رغبت، أصله ضربت من رغبت فيه، قاله ابن هشام في (مغني اللبيب) (٤)، قعودًا، أي: ظننا منهم أن الأمرين مستويان يقتضي ظاهره الإِباحة (ق ١٥٣)، فقال: \"صلاة القاعد مثلُ نصف صلاة القائم\"، ولا يبعد أن يراد بالناس الذين أصابهم ننبههم على أنهم لا يتساءلون في أمر القيام ما دام لهم عليه قدرة فإنه أفضل وثوابه أكمل.\n* * *\n_________\n(١) أخرجه: مسلم (٢٢١٨).\n(٢) انظر: التمهيد (١٢/ ٥١).\n(٣) انظر: تنوير الحوالك (١/ ١٢٠).\n(٤) انظر: مغني اللبيب (ص: ٨٥٥).","vol":"1","page":315},{"text":"١٥٧ - أخبرنا مالك، حدثنا الزُّهري، عن أنس بن مالك أن رسول الله - ﷺ - ركب فرسًا، فصُرع عنهُ، فَجُحِشَ شِقُّه الأيمن، فصلى صلاة من الصلوات وهو جالس، فَصَلَّيْنَا جلوسًا، فلما انصرف قال: \"إنما جعل الإمام لِيُؤْتَمَّ به، إذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمدُ، وإن صلى قاعدًا فصلوا قعودًا أجمعين\".\nقال محمد: وبهذا نأخُذُ، صلاة الرجل قاعدًا للتطوع مثلُ نصفِ صلاتِه قائمًا؛ فأما ما رُوي في قوله: \"إذا صلى الإمام جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعين\"، فقد رُوِي ذلك وقد جاء ما قد نَسخَه.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: ثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا، حدثنا الزُّهري، وهو محمد بن مسلم بن الشهاب الزهري، تابعي في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، وفي نسخة: \"عن\" في مكان \"حدثنا\"، عن أنس بن مالك بن النضر بن ضمضمة ﵁، قال: أخذت أمي أم سليم، بيدي حتى قدم رسول الله - ﷺ - فأتت بي رسول الله - ﷺ - فقالت: هذا ابني وهو غلام كاتب، فخدمته تسع سنين، فما قال لشيء صنعته قط أسأت، أو بئس ما صنعت، وقالت أمي: يا رسول الله، خُوَيْدِمَك أنس، ادع الله له، فقال: \"اللهم أكثر ماله وولده، وأطل عمره، واغفر ذنبه\" (١).\nقال: لقد دفنت من صلبي مائة غير اثنين أو قال: واثنين، وإن ثمرتي تحمل في السنة مرتين، وكان كرمه يحمل في السنة مرتين، وكان يصلي فيطيل القيام حتى تفطر قدماه دمًا، كذا قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي في (طبقاته).\n_________\n(١٥٧) أخرجه: البخاري (٦٥٧)، ومسلم (٤١١)، وأبو داود (٦٠١)، والترمذي (٣٦١)، والنسائي (٨٣٢)، وأحمد (١١٦٦٤)، والدارمي (١٢٥٦)، ومالك (٣٠٤).\n(١) أخرجه: البخاري (٦٣٣٤)، (٦٣٤٤)، ومسلم (٦٦٠)، والترمذي (٣٨٢٩)، وأحمد (١٢٦٠١).","vol":"1","page":316},{"text":"أن رسول الله - ﷺ - ركب فرسًا، أي: شموسًا يرعب في كل شيء، ويرى عن ظهره حمله، فصُرع عنهُ، بصيغة المجهول، أي: سقط عن ظهره، فَجُحِشَ بضم الجيم وكسر الحاء المهملة، فشين معجمة بشِقُّه أي: خدش، كذا قاله النووي (١).\nقال ابن عبد البر (٢): الجحش فوق الخدش.\nوقال الرافعي: يقال: جحش فهو مجحوش، أي: إذا أصابه مثل الخدش أو أكثر، والشجح جلده، وكانت قدمه قد انفكت من الصرعة، كما في رواية لبشر بن المفضل، عن حميد، عن أنس، عند الإِسماعيلي.\nقال ابن حجر (٣): ولا ينافي ما هنا لاحتمال وقوع الأمرين.\nقال: وأخرج عبد الرزاق الحديث عن: ابن جريج عن الزهري، فقال: فجحش ساقه الأيمن، فقيل: لفظ ساقه مصحف عن شقه، والتصحيف إما أن يكون محسوسًا بالبصر، أو السمع، فالأول إما في الإِسناد كحديث شعبة، عن العوام بن الخراجم، بالراء والجيم، صحفه يحيى بن معين، فقال مراجم بالراء والحاء، وإما في المتن كحديث من صام رمضان وأتبعه ستًا من شوال، صحفه أبو بكر الصولي. رواه بعضهم واحل الأحدب، وإما في اللفظ، إذا صحفوا \"بالخنصر واحتجر في المسجد\" \"باحتجم بالمسجد\" من تصحيف السمع، وأما في المغني: كما روى عن محمد بن المثنى: نحن قوم لنا شرف نحن من عنزة قد صلى رسول الله - ﷺ - إلينا يريد أن النبي - ﷺ - صلى على عنزة، والعنزة حربة نصبت بين يدي المصلي تتوهم أنها قبيلة، وهذا تصحيف عجيب.\nفصلى صلاة من الصلوات أي: الخمس وهو أي: والحال أنه - ﷺ - جالس، لعذره، فَصَلَّينَا أي: نحن معشر الصحابة جلوسًا، أي: جالسين تبعًا له، وسيأتي أن: بعضهم صلوا قيامًا، فأشار إليهم أن اجلسوا، فلما انصرف قال: \"إنما جُعِلَ، أي: نصب أو اتخذ أو نحوهما، ذكره الرافعي.\n_________\n(١) انظر: شرح مسلم (٤/ ١٣٠).\n(٢) انظر: التمهيد (٦/ ١٢٩).\n(٣) انظر: الفتح (٢/ ٣٢٤).","vol":"1","page":317},{"text":"ويجوز أن يريد إنما جُعِلَ الإمام لِيُؤْتَمَّ به، أي: ليقتدى به في جميع أفعاله، وفي نسخة غير مصححة: وإنما (ق ١٥٤) جعل بالواو لكنها غير معتبرة، إذا صلى أي: الإِمام قائمًا فصلوا قيامًا، أي: ذو قيام أو قائمين، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمدُ، وهذا يدل على المشاركة، كما قال به الشافعي، في قول لا على المقاسمة. كما قال به علماؤنا، لكن لهم دليل آخر، ويدل هذا بأن المراد به: مجرد المشاركة في القول مع قطع النظر عن المقول، وإن صلى أي: الإِمام قعودًا أي: قاعدًا كما في نسخة، أي: سواء كانت بعذر أو بغير عذر، كما هو الظاهر المتبادر، لكن قرينة الحال تفيد تقييده بالضرورة في حق الإِمام، وإطلاقه في حق المأمومين، فصلوا قعودًا أي: أنتم كذلك، أجمعين، بالباء مجتمعين، وليحيى أجمعون بالواو.\nوقال الرافعي: هكذا رواه أكثرهم، وهو: تأكيد الضمير في فصلوا، ورواه آخرون أجمعين على الحال.\nوفي (الموطأ) ليحيى عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂، أنها قالت: صلى رسول الله - ﷺ - وهو شاكِ على وزن قاضٍ من الشكاية، وهو: المرض، فصلى جالسًا وصلى وراءه قوم قيامًا فأشار إليهم أن اجلسوا، فلما انصرف قال: \"إنما جُعلَ الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا، وإذا صلى جالسًا فاجلسوا\" (١).\nوفي سندٍ آخر ليحيى في (الموطأ) لمالك عن هشام بن عروة عن أبيه، وقد أرسله مالك، وأسنده جماعة عن أبيه، عن عائشة زوج النبي - ﷺ - أنها قالت: إن رسول الله - ﷺ - خرج من بيتي في مرضه فأتى المسجد، فوجد أبا بكر وهو قائم يصلي بالناس، فاستأخر أبو بكر، فأشار رسول الله - ﷺ - أن كما أنت، فجلس رسول الله - ﷺ - إلى جنب أبي بكر، فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله - ﷺ -، وكان الناس يصلون بصلاة أبي بكر، أي: يتعرفون منه ما كان النبي - ﷺ - يفعله، لضعف صوته عن أن يُسمع الناس تكبير الانتقال، فكان أبو بكر يسمعهم ذلك، ذكره السيوطي (٢).\n_________\n(١) أخرجه: مالك (٣٠٧).\n(٢) انظر: تنوير الحوالك (١/ ١١٩).","vol":"1","page":318},{"text":"قال محمد: وبهذا أي: بما ذكر من الحديثين الأوليين نأخُذُ، أي: نعمل ونقول: صلاة الرجل قاعدًا للتطوع وهو شامل للسنن والنوافل مثلُ نصفِ صلاتِه قائمًا؛ أي: في الأجر، فأما ما رُوى في قوله: \"إذا صلى الإمام جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعين\"، فقد رُوِي ذلك أي: بلا شبهة، كما في نسخة، فقد جاء أي: ورد ما قد نَسخَه، أي: حديث قد رفع حكم هذا الحديث، فإن القائم يقتدي بالقاعد الذي يركع ويسجد، وبالعكس في قول أبي حنيفة، وعامة أصحابه وهو مذهب مالك والشافعي.\nوقال محمد وأحمد وإسحاق: لا يقتدي القائم بالقاعد، وهو القياس لأن اقتداء القائم بالقاعد اقتداء كامل الحال يناقضها. اعلم أن الحديث الذي عرف تاريخه أنه مؤخر فهو ناسخ وما عرف تاريخه أنه مقدم فهو منسوخ، والنسخ في اللغة الإِزالة، أي: الإِعدام لذات الشيء، أو صفته، وإن كان مزيل الثاني صفة أيضًا، كقولهم: نسخت الظل إذا أزالته ورفعته بواسطة انبساط ضوءها على محل الظل.\nوفي الشرع: رفع تعلق (ق ١٥٥) حكم شرعي بدليل شرعي متأخر عن ذلك الحكم المتقدم، والناسخ: ما دل على الرفع المذكور، وتسميته ناسخًا مجازًا؛ لأن الناسخ في الحقيقة هو الله تعالى.\nويُعرف النسخ بأمور طرحها ما ورد في النص كحديث: بريدة في صحيح مسلم: \"كنتُ نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة\" (١)، ومنها ما يجزم الصحابي بأنه متأخر كقول جابر: كان آخر الأمرين من رسول الله - ﷺ -: ترك الوضوء مما مسته النار (٢)، أخرجه أصحاب السنن، ومنها ما يُعرف بالتاريخ، كذا قاله الشيخ شهاب الدين: أحمد بن حجر العسقلاني، في (نخبة الفكر من اصطلاح أهل الأثر).\nوفي (الهداية): ويصلي القائم خلف القاعد خلافًا لمحمد، وعكسه فهذا يدل على أن محمدًا مخالف في المسألة، وعبارة محمد مشيرة إلى أنه موافق، ولعل عنه روايتين،\n_________\n(١) أخرجه: مسلم (٩٧٧)، وأبو داود (٣٢٣٥)، والترمذي (١٠٥٤)، والنسائي (٢٠٣٢)، وابن ماجه (١٥٧١)، وأحمد (١٢٤٠).\n(٢) أخرجه: أبو داود (١٩٢)، والنسائي (١٨٥).","vol":"1","page":319},{"text":"ومراده بالنسخ نسخ وجوب قعود المأمومين من غير عذر مع الإِمام قاعدًا بعذر، فإن الإِجماع على خلافه اليوم مما سبق إما منسوخ أو مخصوص به - ﷺ -.\n* * *\n\n١٥٨ - قال محمد: حدثنا بِشر، حدثنا أحمد، أخبرنا إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السَّبِيعيِّ، عن جابر بن يزيد الجُعْفِي، عن عامر الشَّعْبيّ، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يَؤُمَّنَّ الناسَ أحدٌ بعدِي جالسًا\". فأخذ الناس بهذا.\n• قال محمد: أخبرنا بِشر بن أحمد، وفي بشر، حدثنا أحمد، أخبرنا الهمداني يكنى أبا يوسف الكوفي، ثقة تكلم فيه بلا حجة، كان في الطبقة السابعة من طبقات التابعين من أهل الكوفة، وهي كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، مات سنة ستين ومائة بعد الهجرة، كذا في (تقريب التهذيب)، و(خلاصة الهيئة)، وفي نسخة: أنا، رمزًا إلى أخبرنا إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السَّبِيعيِّ، وفي نسخة: \"عن\" بدل \"بن\" عن جابر بن يزيد الجُعْفِي، بفتح وسكون، يكنى أبا عبد الله الكوفي، ضعيف، رافضي، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل الكوفة، مات سنة سبع وعشرين ومائة، عن عامر الشَّعْبِيّ، بفتح فسكون، وهو أحد الأعلام من أهل الكوفة، قال: أدركتُ خمسمائة من الصحابة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل الكوفة.\nقال مكحول: ما رأيتُ أفقه منه من أهل الكوفة، مات سنة أربع ومائة، فالحديث مرسل وهو حجة عندنا وعند الجمهور. قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يَؤُمَّنَّ الناسَ أحدٌ بعدِي جالسًا\". فأخذ الناس بهذا. والظاهر أنه من قول محمد، والإِشارة إلى الشعبي فإنه نص على النسخ غيره فاختصاص جواز الجلوس به، كما قاله علي القاري.\nقال الحميدي: هذا منسوخ في قوله: إذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا، هذا هو في\n_________\n(١٥٨) أخرجه: البيهقي في الكبرى (٤٨٥٤)، وقال: لم يروه غير جابر الجعفي وهو متروك، والحديث مرسل، لا تقوم به حجة.\nوقال ابن عبد البر: هذا حديث مرسل ضعيف (٢٢/ ٣٢٠)، وقال ابن حزم: وتعلقوا بحديث رواه الجعفي وهو كذاب عن الشعبي مرسلًا، (الأحكام) (٢/ ٢٤٣).","vol":"1","page":320},{"text":"مرضه القديم، ثم صلى بعد ذلك جالسًا والناس معه قيامًا لم يأمرهم بالقعود، وإنما يؤخذ بالآخر من فعل النبي - ﷺ -؛ لأنه - ﷺ - صلى في مرضه الذي مات فيه جالسًا والناس خلفه قيامًا، كما في البخاري.\nوقال الشرنبلالي (١) في (مراقي الفلاح): وضح اقتداء قائم بقاعد؛ لأن النبي - ﷺ - صلى الظهر يوم السبت أو الأحد في مرض موته جالسًا والناس خلفه قيامًا، وهي آخر صلاة صلاها إمامًا، وصلى خلف أبي بكر الركعة الثانية، صبح يوم الاثنين مأمومًا، ثم أتم لنفسه، ذكره البيهقي في (المعرفة).\nلما فرغ من بيان حكم صلاة القاعد، شرع في بيان حكم الصلاة في الثوب الواحد، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>باب الصلاة في الثوب الواحد</span>\nبيان أحكام الصلاة (ق ١٥٦) التي يصليها الرجل في الثوب الواحد، وفي نسخة: في ثوب واحد بالتنوين، أخذ المصنف لفظ الصلاة في هذه الترجمة من قوله تعالى: ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، والثوب من قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ [الأعراف: ٣١].\nقال تعالى في سورة الأعراف: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِد﴾ [الأعراف: ٣١]، أي: ستر عورتكم عند إرادة الصلاة وطواف ونحوهما، وأخذ الواحد من ثوب واحد في الحديث الثاني في هذا الباب، وقد أجمعوا على أن ستر العورة شرط لصحة الصلاة، وذلك أصحاب مالك، إلى أنه واجب في الصلاة، كما ذهب أئمتنا إلى أنه واجب في الطواف.\n١٥٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا بُكَيْرُ بن الأشَجّ، عن بُسْرِ بن سعيد، عن\n_________\n(١) انظر: مراقي الفلاح (ص: ١٥٦).\n(١٥٩) أخرجه: مالك في كتاب (النداء للصلاة)، والبيهقي في الكبرى (٣٠٧٤).","vol":"1","page":321},{"text":"عبيد الله الْخَوْلانِيّ، قال: كانت ميمونة زوج النبي - ﷺ - تصلي في الدِّرْع والخِمَار، ليس عليها إزار.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: أخبرنا بُكَيْرُ بالتصغير ابن الأشَجّ، بفتح الهمزة والشين المعجمة، وتشديد الجيم، مولى بني مخزوم، المدني، نزيل مصر، ثقة، روي له الستة، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل مصر، مات سنة عشرين ومائة، وقيل: بعدها، عن بُسْرِ بضم الموحدة، وسكون السين المهملة فراء ابن سعيد، المدني العابد، ثقة، حافظ، من رجال الجميع، مولى ابن الحضرمي، ثقة جليل، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة مائة، كذا في (تقريب التهذيب) (١)، عن عبيد الله بضم العين، ابن الأسود، ويقال له: ابن أسد، ربيب ميمونة، الْخَوْلانِيّ، وبفتح الخاء المعجمة، وسكون الواو، ثقة روى له الشيخان، قال: أي: عبيد الله، كانت ميمونة زوج النبي - ﷺ - تصلي في الدِّرْع، بكسر الدال المهملة، وسكون الراء والعين، أي: القميص، والخِمَار، بكسر الخاء المعجمة، وهو ما يغطي المرأة في رأسها، ليس عليها أي: على ميمونة إزار، أي: ولا رداء اكتفاءً بما عليها مما يسترها.\n* * *\n\n١٦٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: أن سائلًا سأل رسول الله - ﷺ - عن الصلاة في ثوب واحد، قال: \"أو لِكُلِّكُم ثوبان؟ \".\n• قال محمد: أي: ابن الحسن بن قرقر الشيباني، من السابعة من طبقات الحنفية: أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عامر بن عمير الأصبحي، من أتباع التابعين، من السابعة\n_________\n(١) انظر: التقريب (١/ ٦٨).\n(١٦٠) أخرجه: البخاري (٣٥٨)، ومسلم (٥١٥)، وأبو داود (٦٢٥)، والنسائي (٧٦٣)، وابن ماجه (١٠٤٧)، وأحمد (٧٢١٠)، والدارمي (١٣٧٠)، ومالك (٣٢٠).","vol":"1","page":322},{"text":"من الطبقات من أهل المدينة، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا ابن شهاب، وهو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، من التابعين من الطبقة الرابعة من الطبقات السبعة من أهل المدينة، وفي نسخة قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، عن سعيد بن المسيب، أي: ابن حزن يُكنى أبا محمد، من التابعين من الطبقة الأولى من الطبقات السبعة من أهل المدينة، قال: ما بقي أحد أعلم بقضاءٍ قضاه رسول الله - ﷺ - وأبو بكر وعمر ﵄ مني.\nوما كان إنسان يجترئ عليه يسأل عن شيء حتى يستأذنه، كما يستأذن الأمير.\nوسأل رجل وهو مريض عن حديثه وكان مضطجعًا فجلس فحدثه، فقال له الرجل: وددتُ أنك لم تتعب، فقال: إني كرهت أن أحدثكم عن رسول الله - ﷺ - وأنا مضطجع.\nوقال: لا تملؤوا أعينكم من أعوان الظلمة إلا بالإِنكار من قلوبكم، لكيلا تحبط أعمالكم الصالحة، وكان يسرد الصوم.\nوعن بردٍ مولاه قال: ما نوديت الصلاة منذ أربعين سنة إلا وسعيد بن المسيب في المسجد، وصلى الغداة بوضوء العشاء خمسين سنة.\nقال: ما أكرمت العباد أنفسها بمثل طاعة الله تعالى (ق ١٥٧)، ولا أهانتها بمثل معصية الله، وكفى بالمؤمن نعمة من الله تعالى أن يرى عدوه يعمل بمعصية الله تعالى.\nوقال: من استغنى بالله افتقر إليه الناس.\nوقال: إن الدنيا نزلة، فهي إلى كل نزل وأنزل منها من أخذها بغير حقها، أو طلبها بغير وجهها ووضعها في غير سبيلها.\nوقال: ما من شريفٍ ولا عالمٍ ولا ذي فضل إلا فيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغي أن يذكر عيوب من كان فضله أكثر من نقصه، وهب نقصه لفضله.\nوقال: ما يلبس الشيطان من شيء إلا آتاه من قبل النساء.\nوقال - وهو ابن أربع وثمانين سنة - وقد ذهبت عينيه، وهو يعشو بالأخرى: ما من شيء عندي أخوف من النساء.\nوكان عمر بن عبد العزيز يقول: ما كان بالمدينة عالم إلا يأتني بعلمه.","vol":"1","page":323},{"text":"كما قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي في (طبقاته) (١)، عن أبي هريرة ﵁ أن سائلًا، قال الحافظ: لم أقف على اسمه، ولكن ذكر شمس الأئمة السرخسي الحنفي في كتابه (المبسوط) أن السائل: ثوبان، سأل رسول الله - ﷺ - عن الصلاة أي: جوازها في ثوب واحد، أي: إزار أو سروال، أو قميص، قال: \"أو لِكُلِّكُم بفتح الواو بعد همزة الاستفهام الإنكاري، ثوبان؟ \" أي: حاصلان أو موجودان.\nقال الخطابي: لفظ استخبار ومعناه: الإِخبار عما لهم عليه من قلة الثياب، ووقع في ضمنه الفتوى من طريق الفحوى، كأنه يقول: إذا علمتم أن ستر العورة فرض، والصلاة لازمة، وليس لكل واحد منكم ثوبان، فكيف لم تعلموا أن الصلاة في الثوب الواحد جائزة، كما نقله علي القاري عن السيوطي (٢).\n* * *\n\n١٦١ - أخبرنا مالك، أخبرنا موسى بن ميسرة، عن أبي مرة مولى عقيل بن أبي طالب، عن أم هانئ ابنة أبي طالب، أنها أخبرته، أن رسول الله - ﷺ - صلى عام الفتح ثماني ركعات ملتحفًا بثوب.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: محمد أخبرنا أخبرنا موسى بن ميسرة بفتح الميم وسكون التحتية وفتح السين المهملة والراء، الديلي بكسر الدال وسكون التحتية، مولاهم يكنى أبا عروة المدني، ثقة، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ثلاثين ومائة، بعد الهجرة، عن أبي مُرة، بضم الميم وفتح الراء المشددة والهاء، وقيل: اسمه يزيد بتحتية وزاي، وقيل: عبد الرحمن، المدني الثقة، من رجال الجميع، مولى عقيل، بفتح\n_________\n(١) انظر: صفة الصفوة (٢/ ٧٩).\n(٢) انظر: تنوير الحوالك (١/ ١٢١).\n(١٦١) أخرجه: البخاري (٣٥٧)، ومسلم (٣٣٦)، والنسائي في المجتبى (٢٢٥)، وأحمد (٤٦٩٤٨)، والدارمي (١٤٥٣)، ومالك (٣٥٥)، والنسائي في الكبرى (٢٢٩)، وإسحاق بن راهويه (١٢).","vol":"1","page":324},{"text":"العين وكسر الفاء وسكون اللام، ابن أبي طالب، الصحابي الشهير، أخو علي كرم الله وجهه، ورضي الله عنه.\nقال الحافظ: كان اسمه يزيد وعقيل، مولى أخته أم هانئ، مدني مشهور بكنيته، ثقة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، عن أم هانئ بكسر النون فهي بنت أبي طالب، عم النبي - ﷺ - أنها أخبرته، أي: بأمره، أن رسول الله - ﷺ - صلى عام الفتح أي: في بيتها، أو في غير بيتها ثماني ركعات بفتح النون، كذا في الأصل وهو لغة، وهي صلاة الضحى، ملتحفًا أي: حال كونه - ﷺ - متلففًا بثوب.\nقال الباجي - من المالكية: قال البخاري: قال الأزهري: الملتحف المتوشح، وهو (ق ١٥٨) المخالف بين طرفيه على عاتقيه.\n* * *\n\n١٦٢ - أخبرنا مالك، أخبرني أبو النَّضْر، أن أبا مُرَّة مولى عقيل أخبره أنه سمع أمَّ هانئ ابنة أبي طالب تُحدّث: أنَّها ذهبت إلى رسول الله - ﷺ - عام الفتح، فوجدته يغتسل وفاطمة ابنته ﵂ تستره بثوب، قالت: فسلمتُ - وذلك ضُحى - فقال رسول الله - ﷺ -: \"من هذا؟ \" فقلت: أنا أم هانئ ابنة أبي طالب، قال: \"مرحبًا بأم هانئ\". فلما فرغ من غسله قام فصلَّى ثمانِي ركعات مُلْتَحفًا في ثوب، ثم انصرف، فقلت: يا رسول الله، زعم ابن أمّي أنه قاتل رجلًا أجَرْتُه، فلانُ ابن هُبَيْرَة، فقال رسول الله - ﷺ -: \"قد أجَرْنَا مَنْ أجَرْتِ يا أم هانئ\".\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا أخبرني بالإِفراد، وفي نسخة قال: ثنا، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا أبو النَّضْر، بفتح النون، وكسر الضاد والراء، أو سكون\n_________\n(١٦٢) أخرجه: البخاري (٢٨٠)، ومسلم (٣٣٦)، والترمذي (٢٧٣٤)، والنسائي (٢٢٥)، وأحمد (٢٦٣٦٨)، والدارمي (١٤٥٣)، ومالك (٣٥٩).","vol":"1","page":325},{"text":"الضاد، وهو سالم بن أبي أمية، أن أبا مُرَّة بضم الميم وفتح الراء المشددة، مولى عقيل أخبره أي: أبا النضر، أنه أي: أبا مرة سمع أمَّ هانئ بكسر النون فهمزة بنت أبي طالب تُحدّث: أي: تروي أنَّها ذهبت إلى رسول الله - ﷺ - عام الفتح، أي: فتح مكة، فوجدته يغتسل أي: في بيتها أو بيت غيرها، وفاطمة ابنته ﵂ تستره بثوب، جملتان حاليتان، وفيه ستر المحارم عند المحارم عند الاغتسال، وذلك مباح، وفي الصحيح: عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أم هانئ، أن النبي - ﷺ - دخل بيتها يوم فتح مكة واغتسل وصلى ثماني ركعات، فلم أر صلاة قط أحسن منها، غير أنه يتم الركوع والسجود، تظهر أن هذا الاغتسال وقع في بيتها.\nقال الحافظ: ويجمع بينهما بأن ذلك تكرر منه، ويؤيده ما رواه ابن خزيمة من طريق مجاهد عن أم هانئ أن أبا ذر ستره لما اغتسل، وفي هذه الرواية أن فاطمة سترته، ويحتمل أنه نزل ببيتها بأعلى مكة، وكانت هي في بيت آخر بمكة، فجاءت إليه فوجدته يغتسل، فيصح القولان، وأما الستر فيحتمل أن أحدهما ستره في ابتداء الغسل والآخر في أثنائه، كما قاله الزرقاني (١). قالت: أي: أم هانئ، فسلمتُ وذلك ضُحى أي: وقت ضحى من الضحوة، وهي ارتفاع النهار ما بين الإِشراق والزوال، فقال رسول الله - ﷺ -، أي: بعد رد السلام، ولم تذكره للعلم به.\nقال أبو عمر (٢): فيه جواز السلام على من يغتسل، ويرده عليه، \"من هذا؟ \" أي: الشخص أو المسلم، فقلت: أنا أم هانئ بنت أبي طالب، وهذا يدل على أن الستر كان كثيفًا، وعلم أنها امرأة؛ لأن ذلك الموضع لا يدخل عليه فيه الرجال، واحتج به من رد شهادة الأعمى لأنه - ﷺ - لم يميز صوت أم هانئ مع علمه بها، قال: \"مرحبًا أي: أتيت مكانًا واسعًا، بأم هانئ\"، بباء الجار، وفي رواية: يا أم هانئ، بياء النداء، والأولى أولى؛ لأنها رواية الأكثر، فلما فرغ من غسله بضم الغين المعجمة قام فصلَّى ثمانِيَ ركعات بكسر النون وفتح الياء مفعول فصلى، حال كونه - ﷺ - مُلْتَحفًا أي: ملتفًا في ثوب، أي: في ثوب واحد كما في (الموطأ) لمالك.\n_________\n(١) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٤٣١).\n(٢) انظر: التمهيد (٢١/ ١٨٦).","vol":"1","page":326},{"text":"روى كريب عن أم هانئ: سلم في كل ركعتين، أخرجه ابن خزيمة.\nوفيه: رد على من تمسك به لصلاتها موصولة سواء صلى ثماني أو أقل.\nوللطبراني عن ابن أبي أوفى: أنه صلى ركعتين فسألته امرأته، فقال: إن النبي - ﷺ - صلى يوم الفتح ركعتين، ورأت أم هانئ بقية الثمان، وهذا يقوي أنه صلاها مفصولة، ثم انصرف، أي: من صلاته، وقال النووي: توقف عياض وغيره في دلالة هذا الحديث، وقالوا: إنها أخبرت عن وقت صلاته لا عن بيتها فلعلها صلاة شكر لله تعالى على الفتح (١).\nقال: ويرده ما رواه أبو داود بسند صحيح عن أم هانئ أن النبي - ﷺ - سبحته الضحى ثمان ركعات يسلم من كل ركعتين، فقلت: يا رسول الله، زعم أي: قال، أو ادعى ابن أمّي أي: علي بن أبي طالب، والأم شفيقة، وأمها فاطمة بنت أسد بن هاشم، لكن خصت الأم لأنه آكد في القرابة؛ ولأنها بصدد الشكاية، فذكرت ما يعينها على الشكوى، حيث أصابت من محل يقتضي أن لا تصاب منه لما جرت العادة أن الإِخوة من جهة الأم أشد في الرحمة والشفقة ورقة القلب، كأنها ذكرت الابن مع الأم إشعارًا بأن الابن أخذ خلقًا من خلق أمه، فإن المضاف يكتسب ما في المضاف إليه من الشرافة والحساسة والشفقة، كغلام الأمير، وغلام [الكخاني] (٢)، وابن الأم، على أخ لي من أب وأم، وأمي فاطمة بنت أسد بن هاشم شفيقة، وعلي أخي لا يرحم، بل قال: إني أقله، كما في قوله: أنه أي: علي ﵁ قاتل أي: مريد قتل رجلًا أجَرْتُه، بفتح الهمزة والجيم، أي: أعطيته الأمان، فلابنُ بالنصب على أنه بدل من رجل، وبالرفع على أنه: خبر مقدر، أي: هو ابن هُبَيْرَة، بالتصغير، قيل: هو جعدة بن هبيرة، ورده ابن عبد البر بأنه ابنها، فلا يحتاج إلى إجارته، لصغر سنه، والحكم بإسلامه، ولا يعرف لهبيرة ابن من غير أم هانئ.\nقال ابن حجر: والذي يظهر لي أن في العبارة حذفًا أو تحريفًا، أي: فلان ابن عم هبيرة، أو قريب هبيرة، فسقط لفظ عم أو تغير لفظ قريب بلفظ ابن، وقد سمى ابن هشام في (سيرته) وغيره الذي أجرته الحارث بن هشام، وعبد الله بن ربيعة، وهما مخزوميان، فصح أن يكون كل منهما ابن عم هبيرة؛ لأنه مخزومي، وقيل: الحارث وزهيرة بن أبي\n_________\n(١) انظر: شرح مسلم للنووي (٥/ ٢٣٣).\n(٢) هكذا بالأصل.","vol":"1","page":327},{"text":"أمية المخزوميان، كما نقله علي القاري عن السيوطي (١). فقال رسول الله - ﷺ -: \"قد أجَرْنَا أي: أمنا على أن فتح مكة كان عنوة، أي: غلبة وقهرًا.\nقال ابن عبد البر: فيه جواز أمان المرأة، وأن تقاتل، وبه قال الجمهور، منهم الأئمة الأربعة. وقال الماجشون: إن أجازه الإِمام جاز، وإلا رد لقوله - ﷺ -: \"قد أَجَرْنَا مَنْ أجَرْتِ\".\nوأجاب الجمهور: إنما قال ذلك تطييبًا لنفسها بإسعادها إن كانت صادفت حكم الله تعالى في ذلك، كما قاله الزرقاني.\n* * *\n\n١٦٣ - أخبرنا مالك، أخبرني محمد بن زيد التَّيْمي، عن أمّه أنَّها سألت أمّ سلمة زوج النبي - ﷺ -، ماذا تصلي فيه المرأة؟ قالت: في الخِمَارِ والدِّرْع السَّابغِ الذي يُغَيَّبُ ظهرَ قدمَيْها.\nقال محمد: وبهذا كله نأخُذُ، فإذا صلَّى الرّجلُ في ثوب واحد توَشَّحَ به توشُّحًا جاز، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: محمد أخبرنا، أخبرني أي: وحدي محمد بن زيد التَّيْمي، عن أمّه اسمها: أم حرام، ذكره المزي، نقله السيوطي (٢)، أنَّها أي: أم حرام، سألت أمّ سلمة زوج النبي - ﷺ -، ماذا أي: أي ثوب هذا الثوب الذي يصح أن تصلي فيه المرأة؟ \"في\" مبتدأ و\"ذا\" خبره، قالت: أي: أجابت أم سلمة بأن تصلي المرأة بالخِمَارِ بكسر الخاء المعجمة والميم والألف والراء،\n_________\n(١) انظر: تنوير الحوالك (١/ ١٢٧).\n(١٦٣) أخرجه: أبو داود (٦٣٩)، ومالك (٦٢٦)، وعبد الرزاق في مصنفه (٥٠٢٨)، والبيهقي في الكبرى (٣٠٦٧)، والصغرى (٣٣٠)، وابن سعد في الطبقات (٨/ ٤٧٦)، وفي المحلى (٣/ ٢٢٠)، وفي غوامض الأسماء (٢/ ٧٣٩).\n(٢) انظر: تنوير الحوالك (١/ ١٢٢).","vol":"1","page":328},{"text":"والثوب الذي يستر بها المرأة رأسها وعنقها عند إرادة الصلاة، والدِّرعْ (ق ١٦٠) أي: القميص السابغ، أي الكامل، والسبغ بالسين الهملة والباء الموحدة، والغين المعجمة القصاء المشتمل الذي يُغَيَّبُ بتشديد الياء التحتية، أي: يستر ظهور قدمَيْها.\nهذا رواية عن أبي حنيفة، لكن ظهورهما وبطونهما ليسا بعورة في أصح الروايتين عند أبي حنيفة لعموم الضرورة، كما في (مراقي الفلاح).\nقال ابن عبد البر: هذا الحديث في (الموطأ) موقوف ورفعه عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار.\nقال السيوطي: أخرجه أبو داود من طريقه عن محمد بن زيد عن أمه، عن أم سلمة، أنها سألت رسول الله - ﷺ -: تصلي المرأة في درع وخمار وليس عليها إزار؟ قال: \"إذا كان الدرع سابغًا يغطي\".\nثم رواه من طريق مالك موقوفًا.\nقال محمد: وبهذا كله نأخُذُ، أي: نعمل ونفتي، فإذا صلَّى الرّجلُ في ثوب واحد أي: إزار وقوله: توشَّحَ به توشُّحًا قيد اتفاقي لا احترازي، أو قيد، وهو بالتاء الفوقية والواو والشين المعجمة المشددة، والحاء المهملة: ثوب يلفه الرجل بجميع جسده جاز، وهو أي: جواز صلاة الرجل في ثوب واحد، قولُ أبي حنيفة.\nولا أظن في المسألة خلافًا إلا أنه يكره عندنا أن يصلي وليس على كتفه شيء، إلا إذا لم يكن معه ثوب آخر، كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان أحكام الصلاة في الثوب الواحد، وصلاة الضحى، شرع في بيان أحكام صلاة التهجد والوتر وكميتها وكيفيتها، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>باب صلاة الليل</span>\nبيان أحكام صلاة التهجد والوتر من الليل. . أخذ المصنف هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة الذاريات: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧]، يعني: أن المتقين يذكرون الله ويصلون أكثر الليل، وينامون أدناه، كما في (عيون التفاسير).","vol":"1","page":329},{"text":"ومن قوله - ﷺ -: \"رحم الله امرأة قامت بالليل، فصلت ثم أيقظت زوجها فصلى\"، وقال - ﷺ -: \"أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل\"، والأحاديث في هذا كثيرة.\n١٦٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أن رجلًا سأل رسول الله - ﷺ - كيف الصلاة بالليل؟ قال: \"مَثْنَى مَثْنَى، فإذا خشى أَحُدُكم أن يُصبح فَلْيُصَلِّ ركعةَ واحدة تُوتِرُ له ما قد صلَّى\".\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: ثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا، أخبرنا نافع، وفي نسخة: قال: ثنا، وليحيى عن مالك عن نافع وعبد الله بن دينار، كلاهما مولى عبد الله بن عمر، وفي نسخة أخرى: أخبرني نافع، عن ابن عمر، ﵄.\nقال ابن حجر: ولم يختلف على مالك في إسناده، إلا أن في رواية مكي بن إبراهيم عن مالك أن نافعًا وعبد الله بن دينار أخبراه، كما في (الموطأ) للدارقطني، وأورده الباقون بالعنعنة، ذكره السيوطي، أن رجلًا للنسائي من أهل البادية لم أقف على اسمه، وللطبراني في (الصغير) أن ابن عمر، لكن يكره عليه رواية عبد الله بن شقيق، عن ابن عمر، كذا قاله الزرقاني.\nسأل رسول الله - ﷺ - وهو يخطب: كيف الصلاة بالليل؟ قال السيوطي (١): وفي رواية: محمد بن نصر، قال: يا رسول الله، كنتَ تأمرنا أن نصلي بالليل، فكيف الصلاة بالليل؟ قال: \"صلاة الليل مَثْنَى مَثْنَى\"، أي: اثنين اثنين، وكرر للمبالغة، أي: مرتين مرتين، وهو غير منصرف، للعدل والوصف.\nولمسلم من طريق عقبة بن حارث، قال: قلت لابن عمر: ما معنى مثنى مثنى، قال: تسلم من كل ركعتين، ذكره السيوطي.\nوليحيى: فقال رسول الله - ﷺ -: \"مثنى مثنى\".\n_________\n(١٦٤) أخرجه: البخاري (٩٩١)، ومسلم (٧٤٩)، وأبو داود (١٣٢٦)، والترمذي (٤٦١)، والنسائي (١٦٩٤)، وابن ماجه (١١٧٦)، ومالك (٢٦٩).\n(١) انظر: تنوير الحوالك (١/ ١١٠).","vol":"1","page":330},{"text":"قال السيوطي (١): زاد أصحاب السنن، وابن خزيمة من طريق علي الأزدي، عن ابن عمر: وصلاة النهار: مثنى مثنى. انتهى.\nوورد في بعض الأحاديث ما يدل على أن الأربع أفضل في الوقتين، وهو قول أبي حنيفة، وفي بعضها: أن الأربع في النهار، وركعتان في الليل، وبه قال صاحباه، ومذهب الشافعي: أن الركعتين أفضل في الوقتين.\nفالأولى: أن بعضها ركعتين بتسليمة، وبعضها أربع بلا فصل، فإذا خشى أَحدُكُم أن يُصبح أي: أن يدخل في الصباح، فَلْيُصَلِّ ركعةَ واحدة أي: ركعة واحدة مضافة إلى ركعتين مما مضى، قوله: تُوتِرُ له مجهول، على أنه صفة لركعة واحدة، أي: تجعل وترًا ما قد صلَّى، من شفع قبلها.\n* * *\n\n١٦٥ - أخبرنا مالك، حدثنا الزُّهري، عن عُرْوَة، عن عائشة، أن رسول الله - ﷺ - كان يصلي من الليل إحْدى عَشْرة ركعة، يُوتِرُ منهن بواحدة، فإذا فرغ منها اضطجع على شقه الأيمن.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد أخبرنا، حدثنا الزُّهري، أي: محمد بن مسلم بن مالك الزهري، يكنى أبا بكر، من الطبقة الرابعة من الطبقات السبعة من أهل المدينة، وهو تابعي، عن عُرْوَة بن الزبير بن العوام، من التابعين، من الطبقة الثانية من الطبقات السبعة من أهل المدينة، كما قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي، الحنبلي في طبقاته (٢).\nعن عائشة، ﵂ أن رسول الله - ﷺ - كان أي: أحيانًا أو غالبًا يصلي من الليل، وفي نسخة: بالليل، أي: فيه مبتديًا من إجرائه إحْدى عَشْرة ركعة، بسكون الشين\n_________\n(١) انظر: تنوير الحوالك (١/ ١١٢).\n(١٦٥) أخرجه: البخاري (٦٣١٠)، ومسلم (٧٣٦)، وأبو داود (١٣٣٥)، والترمذي (٤٤٠)، والنسائي (٦٨٥)، وابن ماجه (١١٩٨)، وأحمد (٢٣٥٣٧)، ومالك (٢٦٤).\n(٢) انظر: صفة الصفوة (٢/ ٨٥).","vol":"1","page":331},{"text":"المعجمة، وبنو تميم تكسرها يُوتِرُ منها بواحدة، أي: منضمة إلى شفع قبلها، فإذا فرغ منها، أي: من تلك الواحدة، أو من صلاة الليل، اضطجع على شقه الأيمن، للاستراحة ليقوم نشيطًا لصلاة الصبح.\nقال السيوطي: كذا رواه جماعة الرواة (للموطأ)، وأما أصحاب الزهري فرووا هذا الحديث منه إسناده، هذا فجعلوا الاضطجاع بعد ركعتي الفجر لا بعد الوتر، قيل: إنه الصواب دون ما قاله مالك.\nقال ابن عبد البر: ولا يدفع ما قاله من ذلك لوضعه من الحفظ والإِتقان ولثبوته في ابن شهاب، وعلمه بحديثه. انتهى.\nولا يخفى أنه لا منع من الجمع؛ فإنه ﵇ كان يضطجع تارة التهجد إذا كان في الوقت سعة، وأخرى بعد سنة الفجر إذا كان أدركه الصبح. والله أعلم.\n* * *\n\n١٦٦ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن أبي بكر عن أبيه، عن عبد الله بن قيس بن مَخْرَمَة، عن زيد بن خالد الجُهنيّ، قال: قلت: لأرْمُقَنَّ صلاة رسول الله - ﷺ - اللَّيْلَةَ، قال: فتوسَّدْتُ عَتَبَتَهُ أو فُسْطَاطَهُ، قال: فقام يصلي ركعتين خفيفتين، ثم صلَّى ركعتين طويلتين، ثم صلى ركعتين دونهما، ثم صلى ركعتين دونهما، ثم صلي ركعتين دون اللتين قبلهُما، ثم أوْتَر.\n• أخبرنا مالك، حدثنا وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى: حدثنا، وفي نسخة أخرى: بنا، رمزًا إلى أخبرنا عبد الله بن أبي بكر أي: محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، فقيه، ثقة، مدني، تابعي من الطبقة الثالثة من أهل المدينة، كان على قضاء المدينة، فلما ولي عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم ولاه إمرة المدينة، قالت امرأته: ما اضطجع على\n_________\n(١٦٦) أخرجه: مسلم (٧٦٥)، وأبو داود (١٣٦٦)، وابن ماجه (١٣٦٢)، وأحمد (٢١٧٢)، ومالك (٢٦٨)، والنسائي في الكبرى (٣٩٦)، وابن حبان (٢٦٠٨)، والبيهقي في الكبرى (٤٤٥٩)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٩٠)، وعبد بن حميد (٢٧٣).","vol":"1","page":332},{"text":"فراشه منذ أربعين سنة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة من الهجرة، وله سبعون سنة، كما قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي في (طبقاته)، عن أبيه، أي: أبي بكر هو محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، النجاري بالنون والجيم المشددة، المدني، القاضي، اسمه وكنيته واحد، وقيل: يكنى أبا محمد، ثقة، عابد، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، مات سنة عشرين ومائة (ق ١٦٢) من الهجرة، عن عبد الله بن قيس بن مَخْرَمَة، بفتح الميمين وبينهما خاء معجمة ساكنة فراء وهاء، عن زيد بن خالد الجُهنيّ، بضم الجيم وفتح الهاء والنون، نسبة إلى قبيلة جهينة، مدني، صحابي، شهير، مات بالكوفة سنة ثمان وستين ملأ الهجرة وله خمس وثمانون سنة، قال: قلت أي: في نفسي، أو بعض أصحابي، لأرْمُقَنَّ بفتح اللام الابتدائية، كاللام في قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ [آل عمران: ٩٦]، وفتح الهمزة وسكون الراء المهملة وضم الميم، وفتح القاف والنون الثقيلة، أي: لأرقبن وأنظرن البينة، وعدل عن الماضي فلما رمقت استحضارًا بتلك الماضية عند المخاطبين واستقرارًا في قلوب السامعين، صلاة رسول الله - ﷺ - اللَّيْلَةَ، أي: في هذه الليلة، حتى أرى أنه - ﷺ - كم يصلي؟ وكيف يصلي ما صلاه؟ قال: فتوسَّدْتُ عَتَبَتَهُ أي: فوضعت رأسي على عتبة بابه - ﷺ - كما وضعت رأسي على وسادتي، والتزمت على بابه كيلا يفوتني من فعله وقوله: شيء، فاعتبر يا مسكين واسمع أقوال الصحابة وأحوالهم، أو فُسْطَاطَهُ، بضم الفاء وكسر السين المهملة والطاءين بينهما ألف: سترة باب البيت من شعر وأو للشك من الراوي، والمعنى: إن كان رسول الله - ﷺ - في الحضر لازم باب بيته كالعتبة، وإن كان في السفر لازم قريب سترة باب خيمته - ﷺ - وأترقبه متى يخرج من بيته فيصلي، بهذا المعنى يندفع وهم التجسس المنهي عنه، قال أي: الراوي، فقام أي: النبي - ﷺ - يصلي ركعتين خفيفتين، أي: تهوينًا على النفس على الطاعة وتمرينًا لها على العبادة، وتدريجًا لها على الإِطالة في غير الملالة، ثم صلَّى ركعتين طويلتين، كذا في الأصل مرتين، وفي (الشمائل) للترمذي: ثلاث مرات للمبالغة في طولها، فكأنه قال: قدر ركعتين طويلتين مرتين أو ثلاث مرات، ثم صلى ركعتين دونهما، أي: أقل في الطول، ثم صلى ركعتين دونهما، وهذا الطريق البدلي كما كان الأول من باب الترقي، فسلك المسلمون في باب التخلي والتحلي، ثم صلى ركعتين دون اللتين قبلهُما، كذا في نسخة، وكذا في (المصابيح) برواية زيد بن خالد الجهني، وكذا في مسلم والترمذي، والنسائي برواية قتيبة.","vol":"1","page":333},{"text":"وكذا في سنن أبي داود برواية القعنبي، فيكون صلاة التهجد عشر ركعات ثم أوْتَر؛ فذلك ثلاث عشرة ركعة، فهذا يدل على أنه أوتر بثلاث؛ لأنه صلى عشرًا في خمس دفعات، كما قاله ابن الملك في (شرح المصابيح)، ويؤيده ما قاله مالك في (الموطأ) فتلك ثلاث عشرة ركعة.\n* * *\n\n١٦٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا محمد بن المُنْكَدِر، عن سعيد بن جُبير، عن عائشة، أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"ما من امرِئ تكون له صلاة بالليل يَغْلبُه عليها نومٌ إلَّا كتب الله له أجر صلاته، وكان نومه عليه صدقة\".\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد، وفي نسخة أخرى: ثنا رمزًا إلى: حدثنا، أخبرنا محمد بن المُنْكَدِر، على صيغة اسم الفاعل، عن سعيد بن جُبير، بضم الجيم وفتح الموحدة، وسكون التحتية والراء، وهما تابعيان جليلان، أما محمد بن المنكدر فمن الطبقة الرابعة من أهل المدينة، وأما سعيد بن جبير، (ق ١٦٣) يكنى أبا عبد الله فمن الطبقة الثانية من أهل الكوفة، ومنقبة محمد بن المنكدر، أن المنكدر دخل على عائشة فقالت له: ألك ولد، قال: لا، فقالت: لو كان عندي عشرة آلاف درهم لوهبتها لك، فما أمست حتى بعث إليها معاوية بعشرة آلاف درهم، فاشترى منها جارية، فهي أم محمد وأبي بكر وعمر، وكان لمحمد بن المنكدر جار مبتلى فكان يرفع صوته من الليل يصيح، وكان محمد يرفع صوته بالحمد، فقيل له في ذلك، فقال: يرفع صوته بالبلاء، وأرفع صوتي بالنعمة.\n_________\n(١٦٧) أخرجه: أبو داود (١٣١٤)، والنسائي في المجتبى (١٧٨٣)، وأحمد (٢٣٨٢٠)، ومالك (٢٤٨)، والنسائي في الكبرى (١٤٥٧)، والطبراني في الأوسط (٦١٧٢)، والبيهقي في الكبرى (٤٨٢٧)، والطيالسي في مسنده (١٥٢٧)، وابن المبارك (١٢٣٧).\nقال المنذري: رواه مالك وأبو داود والنسائي، وفي إسناده رجل لم يسم وسماه النسائي في رواية له الأسود بن يزيد، وهو ثقة ثبت وبقية إسناده ثقات، ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب التهجير، بإسناد جيد، رواته محتج بهم في الصحيح، (الترغيب) (١/ ٢٣١).","vol":"1","page":334},{"text":"وبينا هو ذات ليلة قائم يصلي إذا يبكي فكثر بكاؤه حتى فزع أهله، وسألوه ما الذي أبكاك؟ فاستحجم عليهم، فتمادى في البكاء، فأرسلوا إلى ابن أبي حازم، فجاء فقال: يا أخي ما الذي أبكاك؟ فقال: مرت بي آية من كتاب الله في سورة الزُمَر: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧]، أي: ظهر لهم وقت البعث ما لم يكونوا يحتسبون في الدنيا أنه نازل بهم من العقاب، بدل ما يحتسبون من الثواب؛ لأن أعمالهم مع كثرتها لا تنفعهم مع شركهم، كذا في (عيون التفاسير)، فبكى ابن أبي حازم، واشتد بكاؤه، فقال بعض أهله: جئنا بك لتفرج عنه فزدته، فأخبرهم ما أبكاهما.\nقال: إن الله تعالى يحفظ المؤمن في ولده وولد ولده وفي دويرته، ودويرات أحواله فما يزالون في حفظ وعافية ما كان بين أظهرهم منقبة سعيد بن جبير أنه كان إذا قام إلى الصلاة كأنه ولد، وكان يبكي الليل حتى غشى، وسمع ويردد هذه الآية بضعًا وعشرين مرة في سورة البقرة: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١].\nوكان يختم في كل ليلتين، وكان يخرج في السنة مرتين، مرة للحج، ومرة للعمرة.\nقال: لدغتني عقرب، فأقسمت أمي على أن أسترقي فأعطيت الراقي يدي التي لم تلدغ، وكرهت أن أحنثها، وكان له ديك يقوم من الليل بصياحه، فلم يصح ليلة حتى أصبح، فلم يصل تلك الليلة، فشق عليه فقال: ما له قطع الله صوته، فلم يسمع له صوت بعدها، فقالت له أمه: يا بني لا تدع على شيء بعدها.\nقال: إن الخشية أن تخشى الله حتى تحول خشيتك بينك وبين معصيتك، فتلك الخشية.\nوالذكر: طاعة الله، فمن أطاع الله فقد ذكره، ومن لم يطعه فليس بذاكر، وإن أكثر التسبيح والتلاوة كذا ذكره أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي في (طبقاته) (١).\nعن عائشة، ﵂، أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"ما من امرِئ أي: شخص تكون له صلاة بالليل أي: بطريق الورد، يَغْلبُه عليها أي: على صلاته نوم.\nقال الباجي - من المالكية: هو على وجهين: أحدهما: أنه يذهب به النوم فلا يستيقظ، والثاني: أن يستيقظ، ويمنعه غلبة النوم من الصلاة، فهنا حكمة: أن ينام حتى\n_________\n(١) انظر: صفة الصفوة (٢/ ١٤٠).","vol":"1","page":335},{"text":"يذهب عنه مانع النوم، إلَّا كتب الله أي: أثبت له أجر صلاته، (ق ١٦٤) بناء على حسن نيته، وقد ورد: \"نية المؤمن خير من عمله\". فإن الباجي يريد التي اعتادها، ويحتمل ذلك عندي وجوهان: أحدهما: أن يكون له أجرها غير مضاعف، ولو عملها لكان له أجرًا مضاعفًا؛ لأنه لا خلاف أن الذي يصلي أكمل حالًا وأفضل مآلًا، ويحتمل أن يريد أن له أجر نيته، أي دون أداء طاعته، ويحتمل أن يكون له أجر من تمنى أن يصلي مثل تلك الصلاة، ولعله أراد أجر تأسفه على ما فاته منها. انتهى.\nقال ابن عبد البر (١): في الحديث دليل على أن المرء يجازى على ما نوى من الخير، وإن لم يعمله، كما لو عمله، وأن النية يعطى عليها كالذي يعطى على العمل، إذا حيل بينه وبين ذلك العمل بنوم أو نسيان أو غير ذلك من وجوه الموانع، فيكتب له أجر ذلك العمل، وإن لم يعمله، فضلًا من الله ونعمة، كما نقله علي القاري عن السيوطي (٢). وكان نومه عليه صدقة، قال الباجي: يعني أنه لا يحتسب عليه، ويكتب له أجر المصلين، ذكره السيوطي، والحديث رواه أحمد وأبو داود، والنسائي، عن عائشة ﵂.\n* * *\n\n١٦٨ - أخبرنا مالك، حدثنا داود بن الحُصَيْن، عن عبد الرحمن الأعرج أن عمر بن الخطاب قال: من فاته من حِزْبه شيء من الليل فقرأه من حين تزول الشمس إلى صلاة الظهر فكأنَّه لم يَفتْهُ شيء.\n• أخبرنا مالك، حدثنا وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا داود بن الحُصَيْن، بضم الحاء المهملة وفتح الصاد والياء الساكنة والنون، الأموي، مولاهم، يكنى أبا سليمان المدني، ثقة، إلا في عكرمة، ورُمي برأي الخوارج، كان في الطبقة السادسة (٣) من طبقات التابعين\n_________\n(١) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٣٤٥)، والتمهيد (١٢/ ٢٦٤).\n(٢) انظر: تنوير الحوالك (١/ ١٠٦).\n(١٦٨) أخرجه: النسائي في المجتبى (١٧٩١)، ومالك (٤٥٨)، والنسائي في الكبرى (١٤٦٥)، وعبد الرزاق في مصنفه (٤٧٤٨)، وابن المبارك (١٢٤٧) موقوفًا.\n(٣) انظر: التقريب (١/ ١٦٢).","vol":"1","page":336},{"text":"من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، يكنى أبا داود المزني، مولى ربيعة بن الحارث، ثقة، ثبت عالم، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة بعد المائة من الهجرة (١)، أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: من فاته من حِزْبه أي: من ورده شيء أي: من قراءة أو صلاة أو نحوها من الليل أي: من أوله أو أوسطه أو آخره بأن نام عنه أو غلبته ضعف أو حصل له مانع، فقرأه أي: تدارك تلك القراءة ونحوها من حين تزول الشمس أي: إذا انتقلت من المكان التي طلعت فيه.\nكما روى ابن شهاب عن السائب بن يزيد، وعبد الله بن عبد الله، عن عبد الرحمن بن عبد القاري عن عمر: من نام عن حزبه فقرأ ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأ من الليل، وهذا أولى من حديث داود بن حصين، لأن زوال الشمس إلى صلاة الظهر وقت ضيق لا يسع الحزب. رواه مسلم والأربعة (٢) من طريق يونس عن ابن شهاب به مرفوعًا، كما قاله السيوطي (٣). إلى صلاة الظهر فكأنَّه لم يَفتْهُ شيء.\nقال ابن الملك: والمعنى: من فاته حزبه بأن غفل عنه وشيء منه، أو ذهب عن الوقت الذي كان يفعله فيه ففعله في وقت آخر كتب له من الأجر مثل ما لم يفت؛ لأن تعين ذلك الوقت إن لم يكن يقينًا من الشارع وهو الله، وإنما كان باعتبار فعله وجميع الأوقات، وبالنسبة إليه سواء، فعلى هذا تخصيص الليل بالذكر؛ لأن ورد العابدين يوجد فيه غالبًا، فإن قلت: كان التشبيه في كأنه يفضي أن يكون الأجر فيه لقص وليس كذلك.\nقلت: هذا من قبيل التشابه لأن تعيين ذلك الوقت، (ق ١٦٥) ولم يكن بتعيين الشارع حتى يكون التفويت منقصًا بوقوعه، ولو كان التعبير بطريق الندب يكون تشبيهًا. انتهى.\nولا يخفى أن صلاة التهجد من تعيين الشارع بطريق الندب، وكذا تأخير الوتر إلى\n_________\n(١) انظر: التقريب (١/ ٣٥٢).\n(٢) أخرجه: مسلم (٧٤٧)، وأبو داود (١٣١٣)، والترمذي (٥٨١)، وابن ماجه (١٣٤٣) عن عمر موقوفًا.\n(٣) انظر: تنوير الحوالك (١/ ١٥٩).","vol":"1","page":337},{"text":"آخر الليل لمن لم يثق بالانتباه، وقد يجب التلاوة على بعض القراء من الحفاظ خوف النسيان في الليل لاشتغاله في ضروريات معاشه في النهار.\nكما أشار إليه في قوله تعالى في سورة المزمل: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦) إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: ٦، ٧]، وبهذا يتعين أن صلاة الليل والتلاوة فيه أفضل فيكون تشبيه الناقص بالكامل، وإلحاقه به في محله، ثم الظاهر المتبادر أن تدارك ما فات في الليل يكون في جميع أجزاء النهار.\nكما في حديث رواه الترمذي في (شمائله) (١) عن عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - إذا لم يصل بالليل ومنعه من ذلك النوم أو غلبته عيناه صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة، لا أنه مخصوص في التدارك أفضل، وأصله قوله تعالى في سورة الفرقان: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦٢]، ففي تفسير البغوي: قال ابن عباس والحسن وقتادة، يعني خلفًا وعوضًا يقوم أحدهما مقام الآخر، فمن فاته عمل في أحدهما قضاه في الآخر كما قاله علي القاري (٢).\n* * *\n\n١٦٩ - أخبرنا مالك، حدثنا زيد بن أسْلَمْ، عن أبيه، أنه قال: كان عمر بن الخطاب يصلي في كل ليلة ما شاء الله أن يصلي، حتى إذا كان من آخر الليل أيْقظ أهلَه للصّلاة، ويَتْلو هذه الآية ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢].\n• أخبرنا مالك، حدثنا زيد بن أسْلَمْ العدوي، يُكنى أبا عبد الله وأبا أسامة، مولى عمر بن الخطاب ﵁، مدني، عدوي، عالم ثقة في أكابر التابعين، وكان من الطبقة الثالثة، مات سنة ست وثلاثين ومائة (٣)، عن أبيه، أنه أي: أسلم، قال: كان عمر بن\n_________\n(١) انظر: الشمائل (٢٦٨).\n(٢) انظر: تفسير البغوي (٣/ ٣٧٥).\n(١٦٩) صحيح، أخرجه: مالك (٢٥٢)، وعبد الرزاق في مصنفه (٤٧٤٣)، والتهجد (٢١٣).\n(٣) انظر: التقريب (١/ ١٨٩).","vol":"1","page":338},{"text":"الخطاب ﵁ يصلي في كل ليلة ما شاء الله أن يصلي، وما موصولة، وشاء صلتها، والله فاعله، وأن مصدرية، ويصلي مفعول شاء، والالتفات إلى الاسم الجليل لتربية المهابة وألا يزان بدور أن المشبه على عنوان الألوهية المتتبعة لسائر الصفات، كما فصلناه في تفسير سورة الأعلى في (نور الأفئدة). حتى إذا كان من آخر الليل أيْقظ أهلَه أي: عياله للصّلاة، أي: لإِدراك شيء من صلاة السحور والاستغفار فيه، ويحتمل أن يكون إيقاظه لصلاة الصبح، وإنما كان فإنه امتثل الآية، وفيه أهله منه ما كان هو يفعله، ويَتْلو هذه الآية في سورة طه ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ أي: مطلقًا، أو صلاة الليل والنهار، أشقها وأصعبها، يؤيده قوله: ﴿وَاصْطَبِرْ﴾ أي: اصبر ﴿عَلَيْهَا﴾ أي: على مجاهدتها، ﴿لَا نَسْأَلُكَ﴾ أي: لا نكلفك ﴿رِزْقًا﴾ بتحصيله لنفسك ولا لغيرك، ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ أي: رزقًا حسنًا من حيث لا تحتسب، ﴿وَالْعَاقِبَةُ﴾ أي: الجنة ﴿لِلتَّقْوَى﴾ ولأهلها. لقوله تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣].\nروى ابن مردويه عن أُبَيّ قال حين نزلت هذه الآية: كان - ﷺ - يأتي بباب عليّ ﵁ فيقول: \"الصلاة رحمكم الله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣].\n* * *\n\n١٧٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا مَخْرَمَة بن سليمان الوَالبيّ، قال: أخبرني كرَيْب مولى ابن عباس أن ابن عباس أخبره: أنه بات عند ميمونة زوج النبي - ﷺ -، وهي خالته، قال: فاضطجعت في عَرْض الوسادة، واضطجع رسول الله - ﷺ - وأهله في طولها، قال: فنام رسول الله - ﷺ - حتى إذا انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل، جلس رسول الله - ﷺ -، فمسح النوم عن وجهه بيده، ثم قرأ العشر الآيات: الخواتِم من سورة آل عمران، ثم قام إلى شَنٍّ معلَّق،\n_________\n(١٧٠) صحيح أخرجه: البخاري (١٨٣)، (٤٥٧١)، ومسلم (٨٦٣)، وأبو داود (١٣٦٧)، والترمذي (٢٣٢)، والنسائي في المجتبى (١٦٢٠)، وابن ماجه (١٣٦٣)، وأحمد (٢١٦٥)، ومالك (٢٦٧).","vol":"1","page":339},{"text":"فتوضأ منه فأحسن وُضوءه، ثم قام يصلي، قال ابن عباس: فقمت فصنعت مثل ما صنع رسول الله - ﷺ -، ثم ذهبت فقمت إلى جانبه، قال: فوضع رسول الله - ﷺ - يده اليمنى على رأسي، وأخذ بأُذني اليمنى بيده اليمنى فَفَتَلَهَا، قال: فصلى ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم أوْتَرَ، ثم اضطَجَعَ حتى جاءه المؤذِّن، فقام فصلى ركعتين، خَفيفتين، ثم خرج فصلى الصبح.\nقال محمد: صلاة الليل عندنا مَثْنى مَثْنَى، وقال أبو حنيفة: صلاة الليل إن شئت صلَّيْتَ ركعتين، وإن شئت أربعًا، وإن شئت صليت ستّا، وإن شئت ثمانيًا وإن شئت ما شئت بتكبيرة واحدة، وأفصل ذلك أربعًا أربعًا. وأما الوتر: فقولنا وقول أبي حنيفة فيه واحد، الوترُ، ثلاثٌ لا يُفصَلُ بينهن بتسليم.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد أخبرنا، وفي نسخة: بنا رمزًا إلى أخبرنا، أخبرنا مَخْرَمَة بإسكان الخاء المعجمة، وفتح غيرها، ابن سليمان الوَالبيّ، بكسر اللام والموحدة، المدني، روى عن ابن الزبير وأسماء بنت أبي بكر وعده جماعة، وثقه ابن معين وغيره (١).\nقال الواقدي: قتلته الحرورية بقديد سنة ثلاثين ومائة وهو ابن سبعين سنة، قال: أخبرني أي: وحدي، كرَيْب بالتصغير مولى ابن عباس روى عن مولاه، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وأسامة، وعائشة، وميمونة، وأم سلمة، وعنه ابناه رشدين، ومحمد، وعبد بن الأشج، ومكحول، وموسى بن عقبة، وآخرون، وثقه ابن معين، وابن سعد، والنسائي، واحتج به الجماعة، مات سنة ثمان وتسعين (٢). أن ابن عباس ﵄، أنه كان عالمًا فقيهًا وحديثًا وعربية وأنسابًا وشعرًا وتفسيرًا، روى الطبراني في (الكبير) أنه قال: دعاني رسول الله - ﷺ - فقال: \"نعم ترجمان القرآن أنت\"، ودعا لي جبريل مرتين (٣).\n_________\n(١) انظر: التقريب (٢/ ٥٧٥).\n(٢) انظر: التقريب (٢/ ٤٩٣).\n(٣) أخرجه: الطبراني في الكبير (١١١٠٨)، فيه عبد الله بن فراش، وهو ضعيف.","vol":"1","page":340},{"text":"وعنه: وضع - ﷺ - يده على كتفي ومنكبي، ثم قال: \"اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل\" (١) رواه أحمد والطبراني برجال الصحيح.\nوعنه: أن رسول الله - ﷺ - وضع يده في صدره فوجد بردها في صدره، ثم قال: \"اللهم احش جوفه علمًا وحلمًا\" (٢).\nوعنه: ضمني رسول الله - ﷺ - إلى صدره، وقال: \"اللهم علمه الحكمة\"، وفي رواية \"الكتاب\" (٣)، رواهما البخاري.\nأخبره أنه بات عند ميمونة زوج النبي - ﷺ -، وهي خالته، أي: أخت أم ابن عباس، وسبب وروده، وزاد شريك بن أبي نمر عن كريب، عند مسلم، فرقبتُ رسول الله - ﷺ - كيف يصلي. زاد أبو عوانة: من هذا الوجه \"بالليل\".\nولمسلم من طريق عطاء عن ابن عباس، قال: بعثني العباس إلى النبي - ﷺ -.\nوزاد النسائي من طريق حبيب بن أبي ثابت عن كريب في إبلٍ أعطاه إياها من الصدقة، أي: صدقة التطوع، أو ليستولي طرفه في مصالح غيره، وأسلم عن الضحاك بن عثمان عن مخرمة، فقلت لميمونة إذا قام - ﷺ - فأيقظيني، فكأنه عزم في نفسه السهر ليطلع على الكيفية التي أرادها، ثم خشي أن يغلبه النوم فوصى، أي: ميمونة أن توقظه، وفيه فضل ابن عباس وقوة فهمه وحرصه على تعلم أمر الدين وتعليمه، كذا قاله الزرقاني (٤).\nقال: أي: ابن عباس: فاضطجعت أي: وضعت جنبي بالأرض في عَرْض بفتح العين على المشهور وبضمها أيضًا، وأنكره الباجي - من علماء المالكية - نقلًا ومعنى قال: لأن العرض: هو الجانب، وهو لفظ مشترك، وردَّه العسقلاني بأنه لما قال في طولها، تعين المراد، وقد صحت به الرواية. الوسادة، بكسر الواو، ما يتوسد به، ويسمى المخدة، وهو\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٢٣٩٣)، والطبراني في الكبير (١٠٦١٤)، والأوسط (١٤٤٤)، والصغير (٥٤٣).\n(٢) أخرجه: الطبراني في الكبير (١٠٥٨٥)، قال الهيثمي: رواه الطبراني وفيه من لم أعرفه (٨/ ٢٧٦).\n(٣) أخرجه: البخاري (٣٧٥٦).\n(٤) انظر: الزرقاني (١/ ٣٥٥).","vol":"1","page":341},{"text":"ما يضعون وجوههم أو رؤوسهم عليه للنوم، وعن محمد بن نصر: وسادته - ﷺ - من أدم أي: من جلد مدبوغ، حشوه ليف، ذكره السيوطي وكذا فراشه.\nوعن عائشة ﵂: أنها قالت: إنما كان فراش رسول الله - ﷺ - الذي ينام عليه من أدم حشوه ليف، أي: ليف النخل، كما قاله الترمذي في (شمائله) (١).\nواضطجع رسول الله - ﷺ - وأهله أي: ميمونة خالة ابن عباس (ق ١٦٧) في طولها، أي: الوسادة. قال ابن عبد البر: كان ابن عباس - والله أعلم - مضطجعًا عند أرجلهما وعند رأسهما.\nوقال الباجي: وهذا ليس بالبين؛ لأنه لو كان كذلك لقال توسدت عرضها، وقوله: اضطجعتُ في عرض: يقتضي أن العرض محل لاضطجاعه، وفي رواية طلحة بن نافع عند ابن خزيمة: ثم دخل - ﷺ - مع أهله ميمونة وفي فرشها، وكانت ليلة صائفا، وفيه يبيت الصغير عند محرمه، وأن زوجها عندها، والاضطجاع مع الحائض، وترك الاحتشام في ذلك بحضرة الصغير، وإن كان مميزًا بل مراهقًا.\nوللبخاري في التفسير من رواية شريك عن كريب، فتحدث - ﷺ - مع أهله ساعة، ولأبي زرعة الرازي في (العلل): عن ابن عباس: أتيتُ خالتي ميمونة، فقلتُ: إني أريد أن أبيت عندكم، فقالت: كيف وإنما الفراش واحد، والحال أنه من مسح، أي: صوت يعبر عنه بالملاس، هذا خلاصة ما في (الشمائل).\nفقلتُ: لا حاجة لي بفراشكم، أفرش نصف إزاري، وأما الوسادة فإني أوضع رأسي مع رأسكما من وراء الوسادة: فجاء رسول الله - ﷺ -، فتحدثت ميمونة بما قلت، فقال: هذا شيخ قريش.\nقال: أي: ابن عباس ﵄: نام رسول الله - ﷺ - حتى إذا انتصف الليل أي: تقريبًا، أو قبله بقليل أو بعده بقليل، وأو للشك في حقيقة مقداره، وفي رواية الشيخين: فلما كان ثلث الليل الأخير أو بعضه، جلس رسول الله - ﷺ -، فمسح النوم أي: أثره من باب إطلاق المسبب أو عينه من باب إطلاق الحال على المحل، \"إذا\" ظرفية، وقبله\n_________\n(١) انظر: الشمائل (٣٢٩).","vol":"1","page":342},{"text":"ظرف لجلس، أي: جلس رسول الله - ﷺ - وقت الانتصاف، أي: وقت نصف الليل أو قبله بقليل، أو بعده بقليل، فمسح عن وجهه بيده.\nوفي (الموطأ) لمالك: حتى إذا انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل استيقظ رسول الله - ﷺ - فجلس يمسح النوم عن وجهه بيده، بالإِفراد، فإن جعلت إذا ظرفية، فقبله ظرف لاستيقظ أي: استيقظ وقت الانتصاف أو قبله، وإن جعلت شرطية فمتعلق بفعل مقدر، واستيقظ، جواب الشرط، أي: حتى إذا انتصف الليل أو قبله أو بعده استيقظ فمسح النوم عن وجهه بيديه. كما قاله الزرقاني.\nوفي رواية (الصحيحين) قيد فنظر في السماء ثم قرأ بالعشر آيات الخواتِم، جمع الخاتمة بالجر صفة الآيات، وفي نسخة: الخواتيم بالياء، وكذا في الشمائل للترمذي من هذا الطريق، وإضافة العشر إلى الآيات من قبيل الصفة إلى موصوفها، واللام تدخل في العدد المضاف نحو الثلاثة الأثواب من سورة آل عمران، أولها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]، إلى آخر السورة، فيه حل القراءة للمحدث حدثًا أصغر، هو إجماع عليه، كذا في المناوي، ثم أي: بعد قراءة هذه الآيات، قام إلى شَن بفتح الشين المعجمة وتشديد النون، أي: مائلًا إلى قربة بالية، معلَّق، أي: معلقة إلى جدار أو خشبة لتبريد مائها أو المحافظة (ق ١٦٨) من قطعها، فتوضأ منه أي: من مائه فأحسن وُضوءه، أي: أتمه بأن أتى بمندوباته، ثم قام يصلي، أي: حال كونه مصليًا، ولمحمد بن نصر: ثم أخذ ردائه حضرميًا فتوشحه ثم دخل البيت فقام يصلي، قال ابن عباس، ﵄، فقمت أي: من مرقدي، فصنعت مثل ما صنع رسول الله - ﷺ -، أي: من مسح الوجه من النوم وقراءة العشر آيات، والقيام إلى الشن والتوضؤ منه، ثم ذهبت أي: إلى قربه - ﷺ -، فقمت إلى جانبه، أي: جانبه، كما في نسخة، وفي رواية الشيخين: فقمتُ فتوضأتُ فقمت عن يساره، قال: أي: ابن عباس: فوضع رسول الله - ﷺ - يده اليمنى على رأسي، للتبرك وتنزيل الرحمة عليه، وأخذ بأُذني بضم الهمزة وسكون الذال المعجمة اليمنى بيده اليمنى فَفَتَلَهَا، أي: دلكها، زاد محمد بن نصر: فعرفت أنه إنما صنع ذلك ليؤنسني بيده في ظلمة الليل، وقيل: فعل ذلك إيقاظًا له وتنبيهًا له من النعاس، وقيل: ليتنبه بهيئة الصلاة، وموقف الإِمام، والأول أظهر، ذكره السيوطي.\nوقال الشمني: لو قام المؤتم منفردًا عن يساره الإِمام، أو خلفه كره، لما روى الجماعة","vol":"1","page":343},{"text":"عن كريب مولى ابن عباس، قال: بتُّ عند خالتي ميمونة فقام رسول الله - ﷺ - يصلي من الليل، فقمتُ عن يساره، فأخذني بيمينه فأدارني من ورائه، فأقامني عن يمينه، فصليت معه. وفي الحديث دليل على أن العمل القليل لا يبطل الصلاة، وأن صلاة الصبي صحيحة، وأن له موقفًا من الإِمام كالبالغ، وأن الجماعة في غير المكتوبات جائزة.\nأقول: وقد صرح في (الفروع) اتفاق الفقهاء بكراهية الجماعة في النوافل، إذا كان سوى الإِمام الأربعة.\nقال في (الكافي): إن التطوع بالجماعة إنما تكره إذا كان على سبيل التداعي، أما لو اقتدى واحد بواحد، أو اثنان بواحد لا تكره، واقتدى ثلاثة بواحد اختلف فيه، وإن اقتدى أربعة بواحد كره اتفاقًا، كذا في (الوسائل شرح الشمائل).\nثم قام فصلى ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ست مرات، فتكون اثني عشرة ركعة، وفي العطف بثم إشارة إلى أنه - ﷺ - فصل بين كل ركعتين، وبه صرح في رواية طلحة بن نافع، عن ابن عباس، عند ابن خزيمة، قال: ويسلم من كل ركعتين، ولمسلم من رواية علي بن عبد الله بن عباس، التصريح بالفصل أيضًا، وأنه - ﷺ - استاك بين كل ركعتين إلى غير ذلك، كذا قاله الزرقاني.\nثم أي: بعد ما صلى النبي - ﷺ - اثنتى عشرة ركعة من النوافل، أوْتَرَ، أي: صلى الوتر ثلاث ركعات، ثم أي: بعد ما صلى صلاة الوتر ثلاثًا، اضطَجَعَ أي: رقد فنام حتى نفخ حتى جاءه المؤذِّن، وهو بلال كما سُمِّي في رواية البخاري على ما ذكره السيوطي. فقام فصلى ركعتين خَفيفتين، يعني سنة الفجر، ثم خرج من بيت ميمونة إلى المسجد، فصلى صلاة الصبح، أي: فرضه بجماعة، والحديث رواه الترمذي في (الشمائل).\nقال محمد: صلاة الليل عندنا يعني: نفسه، وأبا يوسف مَثْنى مثنى، أي: ثنتين ثنتين، وهو أفضل، كرره تأكيدًا في بيان الحكم، وهما لا ينصرفان للعدل من عدد مكررة هي ثنتين ثنتين وللوصف (ق ١٦٩) بنيتا، وأن أصولهما لم تبن لتكرر العدل، فإنهما معدولتان باعتبار الصيغة والتكرير وهما نكرتان تدخل عليهما لام التعريف كالمثنى والثلاث والرباع، كذا قاله عبد الله بن محمد البيضاوي (١)، وغيره في تفسير قوله تعالى\n_________\n(١) انظر: البيضاوي (٢/ ١٤٢).","vol":"1","page":344},{"text":"في سورة النساء: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣].\nوقال أبو حنيفة، رحمه الله تعالى: صلاة الليل أي: التهجد وغيره من النوافل، إن شئت صلَّيْتَ ركعتين، وإن شئت أربعًا، أي: بجلستين وإن شئت صليت ستَّا، وإن شئت ثمانيًا، وإن شئت بتكبيرة واحدة، أي: زيادة على ذلك من أنواع الشفع إلا أن بعد كل ركعتين لا بد من قعدة، وأفضل ذلك أي: جميع ما ذكر من الأعداد أربعًا أربعًا، فينبغي المناسك أن يصلي تارة أربعًا وأخرى ركعتين جمعًا بين الروايات الواردة في ذلك.\nفأما الوتر: فقولنا أي: معشر الحنفية كلنا، وقول أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وهو إمامنا فيه أي: في حق الوتر واحد، أي: إسلام واحد لا تعدد فيه، كما بينه بقوله: الوترُ، ثلاثُ ركعات لا يُفصَلُ بينهن بتسليم، أي: في قعدة الأولى، وهذا لا ينافي كونهم مختلفين في أن صلاة الوتر واجبة، كما قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى، أو سنة كما قال، فسنبين تفصيله في باب الوتر إن شاء الله تعالى.\nلما ذكر أحكام صلاة الليل، شرع في ذكر حكم الحدث في الصلاة، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>باب الحدَثِ في الصلاة</span>\nبيان حكم الحدث، أي: عدم الطهارة يعرض للمصلي في الصلاة.\nأخذ المصنف: محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني - رحمه الله تعالى - في هذه الترجمة لفظ الحديث من مفهوم قول ابن عباس أثر الماء، والمفهوم مشتق من الفهم، وهو تصور المعنى من لفظ المخاطب، كذا عرفه السيد الشريف الجرجاني، وأخذ لفظ الصلاة من قوله: كبر في الصلاة.\n١٧١ - أخبرنا مالك، حدثنا إسماعيل بن أبي حكيم، عن عطاء بن يَسَار، أنَّ رسول الله - ﷺ - كبّر في صلاة من الصَّلوات، ثم أشار إليهم بيده: أن امكثوا،\n_________\n(١٧١) مرسل، أخرجه: مالك (١٠٩)، والشافعي في المسند (٢٤٤)، والأم (١/ ١٦٧)، والبيهقي في الكبرى (٤١٦٨).","vol":"1","page":345},{"text":"فانطلق رسول الله - ﷺ - ثم رجع، وعلى جلده أثر الماء فصلى.\nقال محمد: وبهذا نأخُذُ: مَنْ سبقه حدث في صلاته، فلا بأس بأن ينصرف ولا يتكلم، فيتوضأ، ثمّ يبني على ما صلى، وأفضل ذلك: أن يتكلم ويتوضأ، ويستقبل صلاته، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن عامر الأصبحي، من أتباع التابعين، من الطبقة السابعة من أهل المدينة، كما قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي في (طبقاته) (١)، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: محمد أخبرنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا حدثنا إسماعيل بن الحكيم، القرشي مولاهم المدني ثقة كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ثلاثين بعد المائة، وفي نسخة: حكيم بالتنوين، عن عطاء بن يَسَار، وهو تابعي جليل كان من الطبقة الرابعة من أهل البصرة، وكان كثير الرواية لم يرفع رأسه إلى السماء ولم يضحك أربعين سنة، فرفع رأسه مرة ففتق فتقًا في بطنه.\nعن بشر بن منصور، قال: كنتُ أوقد بين يديه في غداة باردة فقلت له: أيسرك الساعة لو أنك أمرت أن تلقي نفسك في هذه النار، ولا تبعث إلى الحساب؟ فقال: أي ورب الكعبة، ثم قال: والله ما ذلك لو أمرت بذلك لخشيت أن تخرج نفسه فرحًا قبل أن أصل إليها، وكان إذا فزع من وضوئه ارتعد وانتفض وبكى بكاءً شديدًا، فقيل له: بم تبكي؟ فقال: إني أريد أن أقوم (ق ١٧٠) بين يدي الله تعالى.\nوعن مرار قال: انقطاع عطاء قبل موته بثلاثين سنة وما رأيته إلا وعيناه تفيضا، وما كنت أشبهه إلا بثكلى، وكأنه لم يكن من أهل الدنيا، وكانت الفاكهة تمر لا يعلم سعرها ولا يعرفها.\nوعن صالح المري قال: كان عطاء لا يكاد يدعو بما يدعو بعض أصحابه ويؤمن، فحبس بعض أصحابه، فقيل له: ألك حاجة، قال: دعوة من عطاء أن يفرج الله عني، قال صالح: فأتيته، فقلتُ: ألا تحب أن يفرج الله عنك، قال: بلى، والله قلت: فإن بنيك\n_________\n(١) تقدم.","vol":"1","page":346},{"text":"فلان قد حبس فادع الله أن يفرج عنه، فرفع يديه وبكى وقال: يا إلهي قد تعلم حاجتنا قبل أن نسألها منك، فاقضها لنا، فوالله ما برحنا من البيت حتى دخل الرجل، وقلت: ما تشتهي، قال: والله أشتهي أن أكون رمادًا لا يجمع منه سعة لا في الدنيا ولا في الآخرة، فأبكاني والله، وعلمت أنه أراد النجاة من عسر الحساب، وكان يقول: رب ارحم في الدنيا غربتي، وفي القبر وحدتي، وطول مقامي بين يديك.\nقال صالح المري: حزنتُ عليه لما مات حزنًا شديدًا، فرأيته في المنام، فقلت: ألستَ في زمرة الموتى؟ قال: بلى، قلت: فماذا صرت إليه؟ قال: صرت والله إلى خيرٍ كثير، ورب غفور شكور، وقلت: أما والله لقد كنتَ طويل الحزن في الدنيا، فتبسم وقال: أما والله لقد أعقبني ذلك راحة طويلة، وفرح دائم، ثم قلت: ففي أي الدرجات؟ قال: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩]، كما قال: أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي في (طبقاته) (١).\nعن ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - كبّر في صلاة من الصَّلوات، ظاهره أنه كبر ودخل في الصلاة، ولا يبعد أن يقدر أراد أن يكبر، ويؤيده أنه لم يستخلف ولا يتصور وقوفهم في الصلاة من غير الإِمام، إلا أن يحمل على أنه مخصوص به - ﷺ -، ويؤيد الأول، ثم أشار إليهم بيده: أن امكثوا، بفتح الهمزة وكسر النون وسكون الميم، أي: توقفوا في مكانكم، فانطلق رسول الله - ﷺ -، أي: فذهب بسرعة وتوضأ أو اغتسل، ثم رجع وعلى جلده: بشرة أعضائه أثر الماء أي: بلله ولمعانه، فصلى، أي: بنا أو استأنف.\nقال محمد: وبهذا أي: ببناء الصلاة، إن عرض للمصلي حدث في صلاته انصرف من غير مكث، ويتوضأ ويبني ما لم يفعل ما يفسد الصلاة، نأخُذُ، أي: نفعل ونفتي، مَنْ سبقه حدث في صلاته، فلا بأس أي: لا كراهة بأن ينصرف من غير توقف، ولا يتكلم، أي: ولا يفعل شيئًا من مفسدات الصلاة إلا ما يحتاج إليه من الضروريات، فيتوضأ، ثمّ يبني على ما صلى، وفيه: أن الحدث لا يدل صريحًا على أنه - ﷺ - سبقه الحدث، أو يحتمل أنه تذكر حدثًا سابقًا، وأفضل أي: والندب ذلك إذا حدث في الصلاة أن يتكلم ويتوضأ، ويستقبل صلاته، أي: يستأنفها ولا سيما إذا كان في أولها ولا يفوت الجماعة،\n_________\n(١) انظر: صفة الصفوة (٢/ ٨٢).","vol":"1","page":347},{"text":"وهو قولُ أبي حنيفة، وأشار المصنف بقوله: وأفضل ذلك إلى أنه يكره للمصلي، (ق ١٧١) ويبني على ما صلى.\nقال السكاكي صاحب (معراج الدراية على الهداية): ويكره فيمن سبقه حدث في صلاته أن يتوضأ ويبني على ما صلى.\nوعند الثلاثة لا يكره، وندب استئنافها، انتهى، كما في (عيون المذاهب).\nلما فرغ من بيان أحكام ما يعرض للمصلي في صلاته من الحدث، شرع في بيان فضل القرآن وما يستحب من ذكر الله تعالى، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>باب فضل القرآن وما يُسْتَحَبُّ من ذكر الله ﷿</span>\nفي بيان فضل، أي: زيادة ثواب قراءة القرآن، وهو في اللغة مصدر بمعنى الجمع، سُمي لأنه مجموع فيه سور وآيات وكلمات وحروف وأحكام، ووعدٌ ووعيدٌ وقصص وأخبار، وفي العرف: هو المنزل على الرسول، المكتوب في المصاحف، المنقول عنه نقلًا متواترًا، كما قاله حافظ الدين أحمد بن محمود النسفي، في (المنار) والمفسرون.\nوإضافة فضل إلى القرآن بمعنى اللام، لكن المراد بالقرآن هنا سورة الإِخلاص، وستعرف اختصاصه بها إن شاء الله تعالى، وما، أي: بيان فضل كلام مستحب، أي: ليس المتكلم به من ذكر الله بيان بما هو مما.\nوقال رسول الله - ﷺ -: \"من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة، كانت له عدل مثل ثواب إعتاق عشر رقاب، وكتب له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزًا - أي: حصنًا - من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحدٌ عمل أكثر من ذلك\" (١)، رواه مالك في (الموطأ) عن أبي هريرة ﵁.\nوفي هذه الترجمة تعليم للطالبين طريق استخراج الأحكام من الآيات والأحاديث\n_________\n(١) أخرجه: البخاري (٣١١٩)، ومسلم (٢٦٩٢)، ومالك (٤٧٥).","vol":"1","page":348},{"text":"النبوية، حيث أخذ المصنف في هذه الترجمة لفظ فضل من مفهوم قوله - ﷺ -: \"إنها لتعدل ثلث القرآن\"؛ لأن في لسان العرب من طريق البلاغة والفصاحة أن إيجاب مدعي النفي بالإِثبات فإن تكرر رجل: يتل هو الله أحد، ادعاء منه عدم زيادة ثواب: قل هو الله أحد، وأجاب - ﷺ - ورد ادعائه نفى الزيادة وأثبت الفضل والزيادة بقوله: \"والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن\"، وأخذ فيها لفظ القرآن من قوله - ﷺ -: \"ثلث القرآن\"، وأخذ لفظ ما يستحب من الحديث الثاني في هذا الباب من قوله: معاذ بن جبل: \"أحب إليَّ من أن أحمل\"، وأخذ لفظ ذكر الله من قوله: \"لأن ذكر الله\".\n١٧٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صَعْصَعَةَ، عن أبيه، أنه أخبره عن أبي سعيد الْخدْرِيّ، أن رجلًا سمع رجلًا من الليل يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾: يُرَدّدها، فلما أصبح، حدّث النبي - ﷺ -، كأنَّ الرجل يَتَقَالُّها، فقال النبي - ﷺ -: \"والذي نفسي بيده إنَّها لَتْعدِلُ ثُلثَ القرآن\".\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: محمد أخبرنا، وفي نسخة: محمد: أخبرنا، وفي نسخة: محمد: أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صَعْصَعَةَ، بمهملات مفتوحات الأعين الأولى فهي ساكنة، وهو زيد الأنصاري ثقة مات في خلافة المنصور، عن أبيه، عبد الله بن أبي صعصعة التابعي الثقة.\nقال الحافظ ابن حجر: هذا هو المحفوظ، ورواه جماعة عن مالك فقالوا: عن عبد الله بن عبد الرحمن عن أبيه، أخرجه النسائي، والإِسماعيلي، والدارقطني، وقالوا: الصواب هو الأول كما قاله الزرقاني. أنه أي: أباه عبد الله أخبره عبد الرحمن عن أبي سعيد بن مالك بن سنان الْخدْرِيّ، ﵁، (ق ١٧٢) كان من الطبقة الثالثة ممن شهد الخندق وغيرها، واستصغر يوم أحد فرد فخرج يتلقى النبي - ﷺ - حين يرجع فنظر إليه.\nوقال أبو سعيد: قال: قلت: نعم بأبي وأمي قد نوت فقبلت ركبته، فقال: آجرك الله في أبيك، وكان قتل يومئذٍ شهيدًا.\n_________\n(١٧٢) صحيح، أخرجه: البخاري (٥٠١٤)، وأبو داود (١٤٦١)، والنسائي (٩٩٥)، وأحمد (١٠٩١٣)، ومالك (٤٨٣).","vol":"1","page":349},{"text":"قال: كان لرجل من الأنصار فقال له أهله: ائت النبي - ﷺ - فاسأله، فأتاه وهو يخطب وهو يقول: \"من استعف أعفه الله، ومن استغنى أغناه الله، ومن سألنا فوجدنا أعطيناه\"، فذهب ولم يسأله. وقال: أصبحت وليس عندنا طعام وقد ربطت ببطني حجرًا من الجوع، فقالت امرأتي: ائت النبي - ﷺ - فقد أتاه فلان فسأله فأعطاه، وفلان فسأله فأعطاه، فقلت في نفسي: لا، حتى أجد شيئًا، فأتيته وهو يخطب فأدركت من قوله: \"من يستغني يغنه الله، ومن استعف يعفه الله\"، فما سألت بعده أحدًا، وما زاد الله ﷿، فرزقنا حتى ما أعلم أهل بيت من الأنصار أكثر أموالًا منا، كما قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي في (طبقاته).\nأنه سمع رجلًا، هو قتادة بن النعمان، أخو أبي سعيد لأمه، كما رواه أحمد وغيره، وبه جزم ابن عبد البر، وكانوا متجاورين التنسي عن أبي سعيد أن رجلًا سمع رجلًا فكأنه أبهم نفسه وأخاه، من الليل، أي: فيه أو سندًا منه حال كونه يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، أي: سورته حال كونه يُرَدّدها، أي: يكررها ليحصل زيادة ثوابها، فلما أصبح، أي: إذا دخل أبو سعيد في الصباح، ذهب إلى رسول الله - ﷺ - حدّث أي: أخبر النبي - ﷺ -، كأنَّ الرجل يقللها، أي: يعد ثوابها قليلًا؛ لأنه يكرر قراءتها وتوهم أنه كلما يكون قليلًا في الكمية يكون يسيرًا في الكيفية.\nوفي رواية ليحيى الليثي عن مالك: يتقالها بتشديد اللام، أي: يعتقد أنها قليلة في العمل، لا في التنصيص.\nوللدارقطني من طريق إسحاق بن الطباع عن مالك، فقال أبو سعيد الخدري: إن لي جارًا يقوم بالليل فما يقرأ إلا بقل هو الله أحد، قوله: الرجل منصوب على أنه اسم كان، ويقللها خبرها وفيه تشبيه المعقول بالمحسوس، حيث شبه أبو سعيد الخدري أحوال رجل يقرأ قل هو الله أحد أو يكررها بأحوال رجل تاجر يسعى في كسبه، ولم يربح على طريق تشبيه المركب بالمركب، كما قال: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر: ١ - ٣]، وبأحوال حيوان يحمل نقدًا ولا ينتفع من المحمول، كما قال تعالى حكاية عن بني إسرائيل في سورة الجمعة: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥].","vol":"1","page":350},{"text":"والمراد بالمثل هنا: غرابة حالهم العجيبة الشأن كحال الحمار، حُمِّلوا التوراة، أي: آسفوا عليها، وقوله: ﴿ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾: أي: لم يعملوا بما فيها، وضع الحمل موضع العمل على طريق المشاكلة، أو لأنهم لم يعملوا بما فيها كأنهم لم يحملوها، قوله: ﴿أَسْفَارًا﴾: جمع سفر بكسر السين، وهو الكتاب ووجه الشبه أمر عقلي منتزع من عدة أمور لوحظ من جانب القارئ بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ومن جانب الرجل التاجر والحمار، وشبه حاله بأحوالهما من عدم الانتفاع، فاطلب تفصيل هذا المقام في شرح أداة التشبيه من (شرح التلخيص) (ق ١٧٣)، فقال النبي - ﷺ -: مخاطرةً ودفعًا لما في قلب القارئ: \"والذي، أي: أقسم بالله الذي نفسي، أي: روحي بيده، يتصرف بقدرته وإرادته، وإنما قسم تعظيمًا لأمره، وتفخيمًا لقدرته، وإظهارًا للفضل، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾: إنَّها أي: سورة الإِخلاص لَتْعدِلُ أي: لتساوي في المعنى ثُلثَ القرآن في المبنى، لاشتماله على التوحيد والأحكام والوعد والوعيد، وفي قوله - ﷺ -: \"والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن\"، مبالغات في تأكيد نفي القارئ، بقل هو الله أحد بزيادة ثوابها، حيث أثبت - ﷺ - زيادة ثوابها، وأكدها بواو القسم، والجملة الإِسمية، واللام في جواب القسم.\nقال ابن عبد البر: في القرآن آيات كثيرة، أكثر مما فيها من التوحيد، كآية الكرسي، وآخر سورة الحشر، ولم يرد فيها ذلك، وأجاب أبو العباس القرطبي: بأنها اشتملت على اسمين من أسماء الله تعالى متضمنًا جميع أوصاف الكمال، لم يوجد في غيرها من السور، وهما الأحد والصمد؛ لأنهما يدلان على أحادية الذات المقدسة، الموصوفة بجميع أوصاف الكمال؛ لأن الأحد يشعر بوجوب الذي لا يشارك فيه غيره، والصمد يشعر بجميع أوصاف الكمال الذي انتهى سؤدده، فكان يرجع مرجع الطلب معه وإليه، ولا يتم ذلك على وجه التحقيق، إلا لمن جاز فضائل الكمال، وذلك لا يصلح إلا الله تعالى، كما قاله الزرقاني (١).\n* * *\n_________\n(١) انظر: الزرقاني (٢/ ٣٢).","vol":"1","page":351},{"text":"١٧٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، قال: سمعت سعيد بن المسِّيب يقول: قال مُعَاذ بن جَبَل: لأن أذكر الله ﷿ من بُكرة إلى اللَّيل، أحبُّ إليَّ من أن أحْمِل على جياد الخيل، من بكرة حتى الليل.\nقال محمد: ذكر الله حَسَنٌ على كلِّ حال.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، وفي نسخة أخرى: أخبرنا مالك بن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، من أتباع التابعين، ومن الطبقة السابعة من أهل المدينة، أخبرنا يحيى بن سعيد، وفي نسخة: ثنا، أي: ابن سعيد القطان، يكنى أبا سعيد، من أجلاء التابعين، ومن الطبقة السادسة من أهل البصرة، كان يختم كل يوم وليلة بين المغرب والعشاء، وأقام عشرين سنة يختم كل ليلة ولم يفته الزوال في المسجد أربعين سنة، وما روى يطلب الجماعة قطعًا، قيل له في مرضه: يعافيك الله، فقال: من أحب إليَّ أحبه الله. وقال لرجل: اقرأ، فقرأ الدخان، فلما أخذ في القراءة تغير يحيى، فلما بلغ: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الدخان: ٤٠]، صعق وارتفع صدره من الأرض، وتقدس وانقلب، فأصاب الباب، فقار ظهره وسال الدم، فصرخ النساء، فخرج من عنده، فوقفوا على الباب، حتى أفاق فدخلوا فإذا هو نائم على فراشه، وهو يقول: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الدخان: ٤٠]، وما زالت به تلك الصرخة.\nقال ابن المدني: سنح لي ليلة خالد بن الحارث، فقلت: ما فعل ربك بك؟ قال: غفر لي، إن الأمر لشديد، قلت: ما فعل يحيى بن سعيد؟ قال: تراه كما ترى الكواكب في أفق السماء، كذا قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي في (طبقاته).\nقال: سمعت سعيد بن المسِّيب يقول: قال مُعَاذ بضم الميم ابن جَبَل بن عمرو بن أوس، يكنى أبا عبد الرحمن، صحابي جليل القدر، أسلم وهو ابن ثمان عشرة من الطبقة الأولى من طبقات الأصحاب، أردفه رسول الله - ﷺ - وراءه، وبعثه إلى اليمن بعد غزوة تبوك، وشيعه ماشيًا في خروجه، وهو راكب، وسيجيء (ق ١٧٤) تفصيل صفته وزهده ومرضه ووفاته، إن شاء الله تعالى؛ لأن أذكر الله بفتح اللام والهمزة، أي: والله لذكري","vol":"1","page":352},{"text":"لله من بُكرة بضم الموحدة، أي: أول النهار إلى اللَّيل، إلى آخر النهار، أحبُ إليَّ أي: أفضل عندي، من أن أحْمِل بكسر الميم المخففة، أي: أركب على جياد بكسر الجيم والياء التحتية والألف والدال جمع جواد، وهو السابق من الخيل، أي: الفرس في سبيل الله، كما في الجهاد والحج، من بكرة بضم الموحدة، أي: أول النهار حتى الليل، أي: إلى انتهاء النهار، يعني ذكر الله عندي خير من الجهاد والحج وغيرهما من وجوه البر.\nقال محمد بن الحسن الشيباني: ذكر الله أي: ذكر العباد بالطاعة إلى الله تعالى، وذكر الله بعباده بالعون والرحمة والتوفيق، حَسَنٌ على كلَّ حال، كلمة على متعلق إلى ذكر الله، وبمعنى اللام التعليلية كقوله في سورة البقرة: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥]، أي: هدايته إياكم، كذا قاله ابن هشام في (مغني اللبيب)، يعني ذكر المؤمنين لله لأجل جميع أحوالهم حسن.\nلأن الإِنسان لا يخلو من أربعة أحوال؛ إما أن يكون في الطاعة، أو في المعصية، أو في النعمة، أو في الشدة؛ فإن كان في الطاعة ينبغي له أن يذكر الله بالعبادة الخالصة، ويسأله قبولها، والتوفيق إلى اختتامها إلى غيرها، وإن كان في المعصية ينبغي أن يذكر الله بالامتناع منه، ويسأل منه التوبة وقبولها، وإن كان في النعمة أن يذكر الله بالشكر، وإن كان في الشدة ينبغي أن يذكر الله بالصبر على همه.\n* * *\n\n١٧٤ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن ابن عُمر أنَّ النبي - ﷺ - قال: \"إنَّما مَثَل صاحب القرآن كَمَثَلِ صاحب الإبل المُعْقَلَة. إن عَاهَدَ عليها أمْسَكَهَا وإن أطْلَقَهَا ذهبَتْ\".\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: أخبرنا، حدثنا نافع، وفي نسخة أخبرنا عن ابن عُمر ﵄ أنَّ النبي - ﷺ - قال:\n_________\n(١٧٤) أخرجه: البخاري (٢٧٤٣)، ومسلم (٧٨٩)، والنسائي في المجتبى (٩٤١)، وابن ماجه (٣٧٨٣)، وأحمد (٥٢٩٣)، ومالك (٤٦١)، والنسائي في الكبرى (١٠١٤)، وابن حبان (٧٦٤)، والبيهقي في الكبرى (٤١٥٤).","vol":"1","page":353},{"text":"\"إنَّما مَثَل صاحب القرآن بفتح الميم والثاء المثلثة المفتوحة، واللام، أي: صفة الذي يتلوه ناظرًا إلى المصحف، والذي يتلوه بظهر القلب، ويفهم ما فيه، كَمَثَلِ صاحب الإبل المُعْقَلَة، بتشديد القاف المفتوحة وتخفيفها. والمعنى أن القرآن كالإبل المعقلة، وهي المشددة بالعقال بكسر العين، وهو يعقل أي: يربط رجله من الحبال، إن عَاهَدَ أي: زاع صاحب الإِبل عليها أي: مع حفظها بربطها، على أن كلمة على بمعنى مع، كقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، أمْسَكَهَا جواب أن، أي: دام له إمساكها وانتفع بها، وإن أطْلَقَهَا أي: إن حل وثاقها من رجلها وأرسلها صاحبها ذهبَتْ أي: على رأسها، وفات له منافعها، وفيه تشبيه المعقول بالمحسوس، شبه رسول الله - ﷺ - صاحب القرآن بصاحب الإِبل، فإن صاحب الإِبل إن راعى حقها ومشربها ومباركها وغيرها انتفع منها، وإلا فلا.\nقال رسول الله - ﷺ -: \"القرآن شافع مشفع، وما حل مصدق، فمن جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلف ظهره ساقه إلى النار\". وفي الحديث رد بمذهب الجبرية، من الفرق الضالة؛ فإنهم ذهبوا إلى أنه لا فعل للعبد أصلًا، وإن حركاته بمنزلة الجمادات، لا قدرة للعبد عليها، (ق ١٧٥) ولا قصد ولا اختيار، وهذا باطل، لأنا نفرق بالضرورة بين حركة البطش، وحركة الارتعاش.\nونعلم أن الأول باختياره دون الثاني، وهو إلى الاختيار فعل ما ظهر به الشيء، كذا عرفه سيد الشريف الجرجاني.\nولأنه لو لم يكن للعبد فعل أصلًا لما صح تكليفه، ولا ترتب استحقاقه الثواب والعقاب على أفعاله، كقوله تعالى في سورة السجدة: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]، كما قاله سعد الدين التفتازاني في (شرح العقائد لعمر النسفي).\nلما فرغ من بيان حكم الذكر المشروع، شرع في بيان حكم الذكر غير المشروع، فقال: هذا\n* * *","vol":"1","page":354},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>باب الرجل يُسَلَّم عليه وهو يصلي</span>\nبيان ما يعرض بصلاة الرجل، مما يوجب قطع الصلاة، ومما يكره للمصلي أن يفعله فيها، يُسَلَّم عليه، بصيغة المجهول، أي: يسلم إنسان على رجل، وهو أي: والحال أن الرجل يصلي.\nأخذ المصنف هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ [آل عمران: ٣٩].\nومناسبة بين هذا الباب وذلك الباب مفهوم الملائكة والعدم.\n١٧٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن ابن عمر: مرَّ على رجل يصلي. فسلم عليه، فرد ﵇، فرجع إليه ابن عمر، فقال: إذا سُلِّم على أحدكم وهو يصلي فلا يتكلم؛ ولْيُشر بيده.\nقال محمد: وبهذا نأخُذُ، لا ينبغي للمصلي أن يرد السلام إذا سُلِّم عليه، وهو في الصلاة، فإن فعل فسدت صلاته، ولا ينبغي لأحد أن يُسَلم عليه، وهو يصلي وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، من كبار أتباع التابعين، من الطبقة السابعة من أهل المدينة، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا، وفي نسخة محمد قال: ثنا، أخبرنا نافع، أي: المدني، مولى عبد الله بن عمر، وفي نسخة: عن نافع أن ابن عمر، ﵄، مرَّ على رجل يصلي، أي: ولم يعلم ابن عمر أن الرجل مصلٍ فسلم أي: ابن عمر عليه، أي: على الرجل فرد ﵇، أي: فأجابه بالكلام، فرجع إليه ابن عمر ورد عليه، وأنكر ما فعله، فقال إذا سُلِّمَ بصيغة المجهول، على أحدكم أيها المصلون وهو أي: أحد منكم يصلي فلا يتكلم؛ أي: بغير ذكر الله؛ لأن التكلم بغير كلام الله - تعالى - فيها يوجب قطعها، ولْيُشر بصيغة الأمر الغائب، أي: يلزم أن يشير المصلي منكم لرد السلام، بيده، فإن الإِشارة تقوم مقام\n_________\n(١٧٥) صحيح، أخرجه: مالك (٣٩٤).","vol":"1","page":355},{"text":"العبارة عند الضرورة، وفي (الظهيرية): ولو سلم إنسان على مصلٍ فأشار إلى رد السلام برأسه أو بيده أو بأصبعه لا يفسد صلاته، وكذا لو طلب من المصلي إنسان شيئًا فأومأ برأسه أو بيده بلا أو نعم لا يفسد صلاته؛ انتهى.\nلكن كره للمصلي أن يشير بيده برد السلام بغير عذر، كذا قاله التمرتاشي في (منح الغفار): لا ينبغي فيها، والمكروه ضد المحبوب، وما كان النهي فيه ظنيًا وهي كراهية تحريمه إلا لصادف، وإن لم يكن الدليل نهيًا بلا كان مقيدًا للترك الغير الجازم، فهي تنزيهية، والمكروه تنزيهًا إلى الحل أقرب، والمكروه تحريمًا إلى الحرمة أقرب، وتعاد الصلاة مع كونها صحيحة، كترك واجب وجوبًا، أو تعاد استحبابًا بترك غيره.\nقال صاحب (الهداية) في التجنيس كل صلاة أديت مع الكراهة فإنها تعاد على وجه الكراهة، وقوله - ﷺ -: \"لا يصلي بعد صلاة مثلها\"، تاويله النهي عن الإِعادة بسبب الوسوسة؛ فلا يتناول الإعادة بسبب الكراهية، كذا نقله الشرنبلالي (ق ١٧٦) في (مراقي الفلاح)، على صدر الإِسلام علي البزدوي.\nقال محمد: وبهذا أي: بقول ابن عمر نأخُذُ، أي: نعمل ونُفتي، لا ينبغي أي: يحل للمصلي أن يرد السلام أي: بالكلام إذا سُلِّم بصيغة المجهول عليه، أي: على المصلي، وهو في الصلاة، فإن فعل أي: إن رد المصلي السلام بلسانه فسدت صلاته، ولا ينبغي أي: يكره أن يُسَلم أي: إنسان خارج الصلاة عليه، أي: على المصلي، وهو يصلي، وهو أي: عدم اللايغ بالسلام على المصلي قولُ أبي حنيفة، ﵀.\nواعلم أن رد المصلي بالسلام بلسانه عمدًا أو سهوًا، مفسد للصلاة؛ لأنه ليس من الأذكار، والكلام مفسد للصلاة، عمدًا كان أو سهوًا؛ لأن رد السلام ليس من الأذكار؛ بل هو كلام وخطاب، والكلام مفسد مطلقًا، كما ذكره الشمني في (شرح النقابة).\nقلت: ظاهر كلام ابن عمر على أن كلام المصلي في صلاته يفسدها، وكلام ذي اليدين وهو: أقصرت الصلاة يا رسول الله، وهو رسول الله - ﷺ - في الصلاة.\nوقال رسول الله - ﷺ -: \"كل ذلك لم يكن\"، أي: قصرها، ولا النسيان مني، وقال المأمومون: نعم وقع بعض ذلك، وهذا الكلام يدل على أن كلام المصلي في صلاته لا يفسدها.","vol":"1","page":356},{"text":"كيف يكون التوجيه بين الكلامين؟ قلت: كلام ذي اليدين خطاب خاص للنبي - ﷺ -، وجواب خاص له، وذلك لا يبطل الصلاة عندنا.\nوفي رواية أبي داود بإسناد صحيح: أن الجماعة أومؤوا برؤوسهم، بأن نعم، فعلى هذه الرواية لم يتكلموا، ولم تفسد صلاتهم.\nهذا الحديث موقوف لفظًا، ومرفوع حكمًا، كما روى البخاري في باب: لا يرد السلام في الصلاة، عن عبد الله بن مسعود ﵁.\nقال: كنتُ أُسلَّم على النبي - ﷺ - وهو في الصلاة، فيرد عليَّ، فلما رجعنا سلمتُ عليه فلم يرد عليَّ، وقال: \"إنَّ في الصلاة لشغلًا\".\nلما فرغ من بيان ما يمنع أن يفعله المصلي في صلاته، شرع أن يبين ما يفعله المصلي في صلاته، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>باب الرجلان يصليان جماعة</span>\nبيان ما يفعله الرجلان، أي: اللذان، وحال كونهما يصليان، أي: صلاة نافلة مع جماعة، أي: كيف ينبغي لهما أن يقضي في الصلاة النافلة مع الإِمام.\nجعل المصنف - رحمه الله تعالى - هذه الترجمة تلميحًا إلى قول أنس بن مالك، فصففت أنا واليتيم، وراءه - ﷺ - في الحديث الثالث من هذا الباب.\n١٧٦ - أخبرنا مالك، حدثنا الزُّهْرِيّ، عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، عن أبيه، قال: دخلت على عمر بن الخطاب بالهاجرة؛ فوجدته يسبّح، فقمت وراءه فقربني، فجعلني بحذائه عن يمينه، فلما جاء يَرْفَأ تأخرت، فصَفَفْنَا وراءه.\n_________\n(١٧٦) صحيح، أخرجه: مالك (٣٥٠)، وعبد الرزاق في مصنفه (٣٨٨٨)، والشافعي في الأم (٧/ ١٨٥)، والبيهقي في الكبرى (٤٩٣٩).","vol":"1","page":357},{"text":"• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن مالك بن عامر الأصبحي، من كبار أتباع التابعين، من الطبقة السابعة من أهل المدينة، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: محمد أخبرنا حدثنا الزُّهْرِيّ، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، يكنى أبا بكر، من التابعين من الطبقة الرابعة من أهل المدينة، عن عُبيد الله بصيغة التصغير ابن عبد الله بن عُتبة، بضم العين وسكون التاء المثناة، عن أبيه، أي: عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، وهو ابن أخي عبد الله بن مسعود، ولد في عهد النبي - ﷺ -، ووثقه جماعة، وهو من كبار التابعين، مات بعد السبعين، كذا قاله الزرقاني.\nقال: دخلت على عمر بن الخطاب ﵁ بالهاجرة؛ بكسر الجيم، وهو نصف النهار عند زوال الشمس مع الظهر، ومن عند زوالها إلى العصر؛ لأن الناس يسكنون في بيوتهم، كأنهم قد تهاجروا، وقد يطلق على شدة الحر، فالباء فيه للظرفية، كقوله في سورة آل عمران: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ [آل عمران: ١٢٣]، أي: نجيناكم بسحر، كما قاله ابن هشام في (مغني اللبيب)، فوجدته يسبّح، أي: يصلي سنة الزوال، أو سنة الظهر، أي: فرضه لعذرية عدم الجماعة، لكن أورده يحيى في (جامع سبحة الضحى) فقمت وراءه أي: خلفه فقرَّبني، بتشديد الراء، وفي نسخة: فقلبني بتخفيف اللام، ويلائمه قوله: فجعلني بحذائه بكسر الحاء المهملة، بمقابلته صادرًا عن يمينه، أي: عن جهتها؛ لأنه مقام الواحد، فلما جاء يَرْفَأ بفتح التحتية، وسكون الراء، وفتح الفاء والهمزة، وإبداله، اسم حاجب عمر أدرك الجاهلية، وحج مع عمر في خلافة أبي بكر، وله ذكر في الصحيحين في قصة منازعة العباس وعلي في صدقة رسول الله - ﷺ -، تأخرت ليصلي معنا، فصَفَفْنَا فوقفنا كلانا وراءه أي: خلف عمر، فدل هذا الحديث على أن المقتدي إذا كان واحدًا يقف يمين جنب الإِمام، وإذا كان متعددًا يصف خلفه.\nقال سعيد بن زيد الباجي - المالكي: رأي مالك حكم الهاجرة حكم صلاة الضحى، والهاجرة وقت الحر، وقد رأى زيد بن أرقم قومًا يصلون من الضحى فقال: لقد علموا أن الصلاة في غير هذا الوقت أفضل، إن رسول الله - ﷺ - صلاة الأوابين بين حين ترمض الفصال، وفيه جواز الإِمامة في النافلة.\nقال مالك وابن حبيب: لا بأس أن تنفل في الخاصة، والنفر القليل نحو الرجلين والثلاثة، من غير أن كثيرًا مشهورًا بالليل والنهار في غير نافلة رمضان.","vol":"1","page":358},{"text":"وقال ابن عبد البر: فيه أن عمر كان يصلي الضحى، وكان ابنه ينكرها، ويقول: الضحى صلاة، كما قاله الزرقاني (١).\n* * *\n\n١٧٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أنه قام على يسار ابن عمر في صلاة قال: فجعلني عن يمينه.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، أخبرنا نافع، وفي نسخة: ثنا، وفي نسخة: عن نافع أنه أي: نافع المدني، مولى ابن عمر، قام أي: وحده عن يسار جنب ابن عمر في صلاة اقتدى به فيها، فجعلني أي: أقامني عن يمينه أي: ابتداءً أو حولني بعد ما قصت عن يساره. انتهى.\nوفيه التفات من الغيبة إلى التكلم مقتضى أن يقال: فجعله ووجه الالتفات أن يحصل للسامع نشاط للإِصغاء إلى كلام المتكلم؛ لأن جديد لذة، وأما تقييد لفظ جعل بمفعول به، وهو ياء المتعنم فلترتيبه الفائدة؛ لأن الحكم كلما زاد خصوصًا زاد غرابة، وكلما زاد غرابة زاد إفادة، كما يظهر بالنظر إلى قولنا: فلان بن فلان حفظ التورية، هذا خلاصة ما في (شرح التخليص).\n* * *\n\n١٧٨ - أخبرنا مالك، حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك، أن جدّته دعت رسول الله - ﷺ - لطعام، فأكل، ثم قال: \"قوموا فَلْنصل بكم\"، قال أنس: فقمت إلى حَصِير لنا كان قد أسودّ من طول ما لُبِس، فنضحته بماء، فقام عليه رسول الله - ﷺ -، قال: فَصَفَفْتُ أنا واليتيم وراءه، والعجوز وراءنا، فصلى بنا ركعتين ثم انصرف.\n_________\n(١) انظر: الزرقاني (١/ ٤٤٠).\n(١٧٧) صحيح.\n(١٧٨) أخرجه: البخاري (٣٨٠)، (٨٦٠)، ومسلم (٦٥٨)، وأبو داود (٦١٢)، والترمذي (٢٣٤)، والنسائي (٨٠١)، وأحمد (١١٩٣١)، والدارمي (١٢٨٧)، ومالك (٣٦٢).","vol":"1","page":359},{"text":"قال محمد: وبهذا نأخذ، إذا صلى الرجل الواحد مع الإِمام قام عن يمين الإِمام، وإذا صلى الاثنان قاما خلفه، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، حدثنا إسحاق، وفي نسخة: قال: بنا رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة أخرى: حدثني بالإِفراد، ابن عبد الله بن أبي طلحة، زوج أم سليم أم أنس بن مالك ﵁، (ق ١٧٨) وهو ابن النضر بن ضمضم، قال: أخذت أمي أم سليم بيدي مقدم رسول الله - ﷺ - بالمدينة، فأتت بي رسول الله - ﷺ - فقالت: هذا ابني، وهو غلام كاتب، فخدمته تسع سنين، وفي رواية عشر سنين، فما قال لشيءٍ صنعته قط، أسأت أو بئس ما صنعت (١)، وقالت أمي: يا رسول الله خويدمك أنس، ادع الله له، فقال: \"اللهم أكثر ماله، وولده، وأطل عمره، واغفر ذنبه\" (٢)\nقال: فلقد دفنتُ من صلبي مائة، غير اثنين أو اثنين، وإن تمرتي تحمل في السنة مرتين، ولقد بقيت حتى سئمت الحياة، وأنا أرجو الرابعة، وكان كرمه يحمل في كل سنة مرتين، وكان يصلي فيطيل القيام حتى تقطر قدماه دمًا، وشكى له قيم العطش في أرضه، فصلى ركعتين ودعا فثارت سحابة فغشيت أرضه حتى ملأت صهريجه.\nفقال لغلامه: انظر أين بلغت هذه؛ فنظر فإذا هي لم تعد أرضه.\nقال أبو غالب: لم أر أحدًا كان أفر بكلامه من أنس، وكان إذا أشفى على ختم القرآن من الليل أبقى منه سورة فيختم عند عياله، وكان إذا ختم جمع ولده وأهل بيته فدعا لهم، وكان من الطبقة الثانية ممن لم يشهد بدرًا، وممن له إسلام قديم، كذا قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي في (طبقاته) (٣).\nأن جدّته أي: جدة أنس بن مليكة، بضم الميم وفتح اللام وسكون التحتية وفتح الكاف والهاء، جدة أنس من طرف أمه، وجدة إسحاق من جهة أبيه؛ لأن مُليكة أم أم سليم هي أم أنس بن مالك، وأم أبي طلحة، هو أبو إسحاق الراوي، فكانت مليكة\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (١١٨٤٢).\n(٢) تقدم، وهو صحيح.\n(٣) انظر: صفة الصفوة (١/ ٦٢٣).","vol":"1","page":360},{"text":"جدة أنس بن مالك، وإسحاق بن أبي طلحة، هذا خلاصة ما قاله الشراح، وجواب لاختلافهم في إرجاء الضمير في حدة، فإن بعضهم أرجعه إلى أنس بن مالك، وبعضهم إلى إسحاق بن أبي طلحة ﵁، دعت رسول الله - ﷺ - أي: حليلية لطعام، أي: لأجله صنعته، كما في رواية: فأكل أي: فحض وأكل منه، وفي رواية: وأكلت منه ثم دعا بوضوء، فتوضأ ثم قال: \"نتوضأ ومر هذا اليتيم فليتوضأ، ومر العجوز فلتتوضأ، ولأصل لكم\"، ذكره علي القاري عن السيوطي.\nثم قال: أي: رسول الله - ﷺ - كما في (الموطأ) لمالك، قوموا فَلْنصل بنون العظمة، وفي رواية يحيى الليثي: فلأصلي بكسر اللام وضم الهمزة وفتح الياء وسكونها.\nقال ابن مالك: وجهه عند فتح الياء لام كي، والفعل بعدها منصوب بأن مضمرة واللام ومصحوبها خبر لمبتدأ محذوف، تقديره فقيامكم لأصلي، ويجوز على مذهب الأخفش أن الفاء زائدة، واللام متعلقة بقوموا، وعلى رواية سكون الياء يحتمل أنها لام كي أيضًا، وسكنت الياء تخفيفًا، أو لام الأمر، وتثبت في الجزم إجراء للمعتل مجرى الصحيح، كقراءة قنبل ﴿مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠]، وروي بحذف الياء، فاللام لام الأمر، وأمر المتكلم نفسه بفعل مقرون باللام، فيصبح قليلًا في الاستعمال، ومنه قوله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢].\nوحكى ابن فرقول عن بعض الروايات: فلنصل (ق ١٧٩) بالنون وكسر اللام والجزم، واللام على هذا لام الأمر، وكسرها لغة معروفة، وقيل: إن في رواية فاضل: بحذف اللام، وأخرى: فلأصلي بفتح اللام، مع سكون الياء، على أنها لام ابتداء للتأكيد، أو لام أمر فتحت على لغة بني سلمة، وتثبت الياء في الجزم، إجراء للمعتل مجرى الصحيح كما مر، أو جواب قسم محذوف، وألفًا وجواب شرط محذوف، أي: إن قمتم فوالله لأصلي لكم.\nقال ابن سيد: وهو غلط؛ لأنه لا وجه للقسم؛ إذ لو أريد القسم لقيد الأصلين.\nوأنكر الحافظ: وروى الرواية بهذا وبما قبله، بكم، أي: جماعة، وفي (الموطأ) لمالك برواية يحيى الليثي: لكم، أي: لأجلكم.\nقالط السهيلي: الأمر هنا بمعنى الخبر، وهو كقوله تعالى في سورة مريم: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ","vol":"1","page":361},{"text":"الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥]، ويحتمل أنه أمر لهم بالاهتمام، ولكن أضاف إلى نفسه، لارتباط فعلهم بفعله. انتهى.\nوبدأ رسول الله - ﷺ - في هذه القصة بالطعام قبل الصلاة، وفي قصة عتبان بالصلاة قبل الطعام؛ لأنه بدأ في كل منهما بأصل ما دُعي لأجله، قال أنس: فقمت إلى حَصِير أي: حصيف لنا أي: مستعمل كان قد أسودّ من طول أي: زمان ليس أي: استعمل فيه.\nقال الرافعي: لأنه يريد فرش ما فرش فلقد لبسته الأرض، وهذا كما أن يستر به الكعبة، والهودج سمي لباسًا لهما، كما ذكره السيوطي (١).\nولعل الوجه أن يقال: لأن اللباس قد يستعمل بمعنى الفراش، ومنه قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فنضحته أي: غسلت الحصير غسلًا خفيفًا بماء، أي: ليلين لا لنجاسته، قاله إسماعيل القاضي، وقال غيره: النضح ماتر ماء طهور، لما شاء فيه فتطيب النفس، كما قال: اغسل ما رأيت وانضح ما لم تر.\nوقال عمر: ثوب المسلم محمول على الطهارة حتى تيقن النجاسة، فالنضح الذي هو الرش، لقطع الوسوسة فيما شك فيه.\nقال سعيد بن زيد الباجي - المالكي: الظاهر إنما نضح كما خاف أن يناله من النجاسة؛ لأنهم كانوا يلبسونه ومعهم صبي، فنضح، فقام عليه رسول الله - ﷺ -، فيه جواز الصلاة على الحصير، وما رواه ابن أبي شيبة وغيره، عن شريح بن هانئ، أنه سأل عائشة ﵂: أكان النبي - ﷺ - يصلي على الحصير، والله يقول: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨]، قالت: لم يكن يصلي على الحصير (٢).\nففيه يزيد بن المقدام ضعيف، وهذا الخبر شاذ مردود، لمعارضة ما هو أقوى منه كحديث الباب، وبما في البخاري عن عائشة ﵂، أن النبي - ﷺ - كان له حصير يبسطه، ويصلي عليه (٣).\n_________\n(١) انظر: تنوير الحوالك (١/ ١٣٠).\n(٢) أخرجه: أبو يعلى (٤٤٤٨) بسند ضعيف.\n(٣) أخرجه: البخاري (٦٩٧).","vol":"1","page":362},{"text":"وفي مسلم عن أبي سعيد: أنه رأى النبي - ﷺ - يصلي على حصير (١).\nفَصَفَفْتُ أنا، قوله: واليتيم مرفوع على أنه عطف على ضمير ابن سعد الحميري، زاد الشمني مولى رسول الله - ﷺ - له ولأبيه صحبة، وراءه أي: خلف النبي - ﷺ -، والعجوز وراءنا، (ق ١٨٠) هي: مليكة المذكورة.\nومن اللطائف: روى النسفي في (الطيوريات) بسنده: أن أبا طلحة زوج أم أنس قام إليها مرة يضربها فقام أنس ليخلصها، وقال: خل عن العجوز، فقالت: أتقول العجوز؟ عجز الله ركنك، أي: صيرك ضعيفًا بلا قوة.\nفصلى بنا ركعتين ثم انصرف، أي: إلى بيته، أو من الصلاة، واعترض إدخال هذا الحديث في سبحة الضحى، وليس فيه ما يدل على ذلك.\nوقد قال أنس: إنه لم ير النبي - ﷺ - يصلي الضحى إلا مرة واحدة في دار رجل الأنصار الضخم، الذي دعاه ليصلي في بيته، ليتخذ مكانه مصلى (٢) رواه البخاري.\nوأجاب سعيد بن زيد الباجي: بأن مالك لعله بلغه أن حديث مليكة كان ضحى، واعتقد أنس أن المقصود منها التعليم لا الوقت، فعلم يعتقد صلاة ضحى.\nوأجاب ابن العربي بأن مالكًا نظر إلى كون الوقت الذي وقعت فيه تلك الصلاة، هو وقت صلاة الضحى، فحمله عليه، وأن أنسًا لم يطلع على أنه - ﷺ - نوى بتلك الصلاة صلاة الضحى. انتهى.\nوفي هذا الحديث إجابة الدعوة، لو كان الداعي امرأة، لكن حيث تؤمن الفتنة، والأكل من طعام الدعوة، وصلاة النافلة جماعة في البيوت، وكأنه - ﷺ - أراد تعليمهم أفعال الصلاة بالمشاهدة، لأجل المرأة؛ لأنها قد يخفى عليها بعض التفاصيل، لبعد موقفها، وفيه تنظيف مكان المصلى وقيام الرجل مع الصبيان صغارًا، وتأخير النساء عن صفوف الرجال، وقيام المرأة صفًا وحدها، إذا لم يكن معها المرأة غيرها، وجواز صلاة المنفرد خلف الصف، وفيه الاقتصار في نافلة النهار على ركعتين، خلافًا لمن اشترط أربعًا،\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٥١٩).\n(٢) أخرجه: البخاري (٦٧٠).","vol":"1","page":363},{"text":"وصحة صلاة الصبي المميز ووضوءه، كذا قاله الزرقاني (١).\nقال محمد: وبهذا أي: المذكور في هذا الحديث، نأخذ، أي: نعمل ونُفتي، إذا صلى الرجل، وفي حكمه الصبي الواحد مع الإِمام قام عن يمينه، أي: مساويًا له عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وواضعًا أصابع رجليه إزاء عقب الإِمام عند محمد، وإذا صلى الاثنان قاما خلفه، أي: الإِمام، يعني ندبًا فيهما، وهو أي: المذكور قولُ أبي حنيفة، ﵀، وعن أبي يوسف يقوم الإِمام بين الاثنين.\nلما روى مسلم عن ابن مسعود، ﵁، أنه صلى بعلقمة والأسود، فقام بينهما.\nلما فرغ من بيان جواز الصلاة على الحصير ملبوسًا بالأرض، شرع في بيان جواز الصلاة على التراب بغير سجادة، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>باب الصلاة في مَرَابِض الغنم</span>\nبيان جواز الصلاة في مرابض، أي: موضع الغنم، هو جمع مربض بكسر الباء الموحدة كمجلس، وهو الموضع الذي يكون فيه الغنم بالليل، كما في (المصباح).\n١٧٩ - أخبرنا مالك، عن محمد بن عمرو بن حلحلة الدُّؤَلي، عن حُميد بن مالك بن الْخَيْثم، عن أبي هريرة، أنه قال: أحْسن إلى غنمك، وأطِبْ مُرَاحَها، وصَلَّ في ناحيتها، فإنها من دواب الجنة.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا بأس بالصلاة في مَراح الغنم، وإن كان فيه من أبوالها وبعرها؛ ما أكَلْتَ لحمَه فلا بأس ببوله.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: باب الصلاة في مرايح الغنم، محمد قال: ثنا، رمزًا إلى\n_________\n(١) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٤٤٠).\n(١٧٩) صحيح، أخرجه: أحمد (٩٣٤٢)، ومالك (١٧٣٧).","vol":"1","page":364},{"text":"حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد: أخبرنا مالك بن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، من أتباع التابعين، من الطبقة السابعة من أهل المدينة، عن محمد بن عمرو بن حلحلة بفتح الحائين المهملتين، وما بينهما لام ساكنة، وبعدهما لام مفتوحة، وهاء بعدها، الدُّؤَلي، بضم المهملة وفتح الهمزة، ويجوز إبداله، المدني، ثقة كان في الطبقة السادسة (١)، عن حُميد بالتصغير ابن مالك بن (ق ١٨١) الْخَيْثم، بفتح الخاء المعجمة، وسكون التحتية، ففتح المثلثة مصغرًا ويقال: مالك جده واسم أبيه عبد الله، ثقة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين (٢). عن أبي هريرة، ﵁، أنه قال: أحْسن أي: حميد بن مالك بن الخيثم إلى غنمك، أي: فإن الله يحب المحسنين، وأطِبْ أي: خلص عن المؤذيات مُرَاحَها بضم الميم، أي: الموضح الذي يجتمع فيه الغنم في آخر النهار، كذا ذكره السيوطي (٣)، وصَلِّ في ناحيتها، أي: في طرف تلك البقعة، وهو أمر إباحة، أي: يجوز لك أن تصلي في ناحية منها، وإن كانت الغنم موجودة فيها، لعدم تنفرها وكمال أنسها؛ ولأن أصحاب الغنم كانوا ينظفون المرابض، فأبيحت الصلاة فيها لذلك.\nوأما معاطن الإِبل فلا تصلى الصلاة فيها؛ لأن أصحاب الإِبل يتغوطون ويبولون في المعاطن، وإن كان المكان طاهرًا فيجوز فيه الصلاة.\nوإليه ذهب أبو حنيفة رحمه الله تعالى كما قاله ابن الملك، في (شرح المصابيح)، فإنها من دواب الجنة، هذا الحديث موقوفًا ظاهرًا ومرفوع حكمًا، لما روى أبو هريرة من طريق آخر أن رسول الله: - ﷺ - قال: \"صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في معاطن الإبل\" (٤)، رواه الترمذي.\nومفهوم الحديث: أن لا يُصلى في معاطن الإِبل ونحوها؛ لتمردها الموجب\n_________\n(١) انظر: التقريب (٢/ ٥٤٣).\n(٢) انظر: التقريب (١/ ١٤٣).\n(٣) انظر: تنوير الحوالك (١/ ٢٢٦).\n(٤) أخرجه: الترمذي (٣٤٨)، وابن ماجه (٧٦٨)، وأحمد (٩٥١٦)، والدارمي (١٣٦٣)، وابن أبي شيبة (١/ ٤٢١)، وابن حبان (١٣٨٤)، وابن خزيمة (٧٩٥).","vol":"1","page":365},{"text":"لتشويش قلب المصلي عندنا، وروى ابن عدي والبيهقي عن أبي هريرة، ﵁ مرفوعًا: صلوا في مراح الغنم، وامسحوا رغامها؛ فإنها من دواب الجنة (١). والرغام، بضم الراء المهملة، والغين المعجمة، ما يسيل من أنفها.\nقال محمد: أي: المصنف ابن الحسن بن فرقد الشيباني، الكوفي من أتباع التابعين، من الطبقة السابعة من الطبقات الحنفية، وهو ابن ثمان وخمسين سنة، مات في اليوم الذي مات في الكسائي وقال الرشيد في حقه: دفن الفقه والعربية في الري، وبهذا أي: بحديث أبي هريرة نأخذ، أي: نعمل ونُفتي، لا بأس لا فساد بالصلاة تُصلى في مَراح أي: في موضع طاهر من مرابض الغنم، وإن كان أي: ولو وجد فيه أي: في جانب واحد من أبوالها وبعرها؛ أنث الضمير باعتبار جنسه، وما أكل على بناء المجهول، لحمها، أي: من غيرها كالإِبل والبقرة، وفي نسخة: ما أكَلْتَ على صيغة الخطاب، والظاهر أن من تعرف الكاتب فلا بأس ببوله، وفي نسخة: ما أكل لحمه فلا بأس ببولها، وما موصولة مبتدأ، وأكل صفته ولحمها نائب الفاعل، لأكل فلا بأس خبر المبتدأ، وفيه: أنه لا دلالة في الأحاديث السابقة على أن يصلى فوق بولها أو بعرها من غير سجادة ونحوها، بل قول أبي هريرة: صل في ناحية، يأتي عن هذا المعنى، وأيضًا فلا يحصل الفرق حينئذٍ بين مرابض الغنم ومعاطن الإِبل.\nوالشارع - ﷺ - فرَّق بينهما، وفضَّل (ق ١٨٢) فيهما، وقالوا: صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإِبل، وأما طهارة بول مأكول اللحم ودونه فيومئذٍ من دليل آخر، محمد خلافًا لأبي حنيفة، وأبي يوسف؛ فإنه نجس نجاسة خفيفة عنهما، ولذا لم يقل هنا، وهو قول أبي حنيفة؛ إلا أنه يجوز عند محمد: شرب بول ما يؤكل لحمه للتداوي وغيره، ويجوز عند أبي يوسف للتداوي؛ لحديث العرنيين، ولا يجوز عند أبي حنيفة مطلقًا، ولعله يحمل الحديث على التخصيص، أو وجد ما يدل على نسخه، والله أعلم.\nلما فرغ من بيان جواز الصلاة في مرابض الغنم، شرع في بيان عدم جواز الصلاة في الأوقات الثلاثة، فقال: هذا\n* * *\n_________\n(١) أخرجه: البيهقي (٤٤٦٢).","vol":"1","page":366},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>باب الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها</span>\nبيان أسرار النهي في الأوقات الثلاثة عن الصلاة عند - أي: حين - طلوع الشمس وعند غروبها، والمناسبة بين هذا الباب وبين السابق ظرف الزمان والمكان، ويجوز في عين عند ثلاث حركات، كما في (القاموس)، وكسرها أكثر من ضمها وفتحها؛ فإنهم اسم المكان الحضور وظرف لا مصدر أو لزمانه، نحو الصبر عند الصدمة الأولى، وجئتك عند طلوع الشمس، ومعناه القرب كما قال تعالى في سورة النجم: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم: ١٤، ١٥]، فساغ أن تتصرف الأسماء وتعرف، كما قاله ابن الهمام فإضافتها إلى طلوع الشمس من قبيل إضافة المحل إلى الحال، فإن قيل: لم قيد المصنف الصلاة بقيد؟ أجيب: إشعارًا بأن الصلاة التي نهى المؤمنون عنها ليست جميع الصلوات، بل هي الصلاة حين طلوع الشمس وعند زوالها، وعند غروبها، وإنما كرر كلمة \"عند\" لتأكيد النهي حكمًا.\nقال الشيخ الإِمام العالم العامل الزاهد الفقيه أبو الليث نصر بن محمد السمرقندي في (خزانة الفقه): ثلاث أوقات لا يجوز فيها شيء من الصلاة، ولا سجدة تلاوة: حين تنزع الشمس حتى تبيض، وحين تنصب في كبد السماء، أي: وسطها حتى تزول، وحين تصفر الشمس للغيبوبة حتى تغرب، وحين تنصب إلا عصر يومه، انتهى.\n١٨٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا يتحرى أحدُكم فيصلي عند طلوع الشمس ولا عند غروبها\".\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: بنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا أخبرنا نافع أي: مولى عبد الله بن عمر، المدني، وفي نسخة: \"عن\" موضع \"أخبرنا\"، عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا يتحرى أي: لا يطلب ولايقصد أحدُكم قوله: لا يتحرى بصيغة النفي، وفي نسخة: لا يتحر بصيغة النهي.\n_________\n(١٨٠) أخرجه: البخاري (٥٦٠)، ومسلم (٨٢٨)، والنسائي (٥٦٢)، وأحمد (٤٨٧٠)، ومالك (٥١٣)، وابن حبان (١٥٤٨)، والشافعي في المسند (٨٠٤)، وعبد الرزاق في مصنفه (٣٩٥١)، والبيهقي في الكبرى (٤٤٨١).","vol":"1","page":367},{"text":"قال السيوطي: هكذا وقع بلفظ الخبر.\nقال السهيلي: يجوز الخبر عن مستقر أمر الشرع، أي: لا يكون إلا هذا.\nقال العراقي: يحتمل أن يكون نهيًا أو إثبات الألف إشباع، لكن نسخة النفي، كما رواه التنيسي، أقوى من نسخة النهي؛ لأن حكم النفي هو عبارة عن الإِخبار بترك الفعل، كذا قاله السيد الجرجاني، وقد يقع الخبر موضع الإِنشاء لحمل الخطاب على مطلوب المتكلم بأن يكون المخاطب ممن لا يحب أن يكذب الطالب، أي: أن ينسب إلى الكذب، كقولك لصاحبك الذي لا يجب تكذيب: لا تقوم عندي، وهو (ق ١٨٣) أدنى من قولك له: لا تقم عندي فكذلك قوله - ﷺ -: \"لا يتحرى\" بصيغة الخبر أحرى من رواية لا يتحر بصيغة الإِنشاء؛ فإن مطلوبه - ﷺ - أن لا يقصد أحد في هذه الأوقات الثلاثة الصلاة، هذا خلاصة مفهوم ما قاله السعد الدين التفتازاني في قبيل (الفصل والوصل) من (شرح التلخيص).\nفيصلي بالنصب في جواب النفي، أو النهي، والمراد نفي التحري والصلاة معًا.\nوقال ابن خروف: يجوز الجزم على العطف، أي: لا يتحر ولا يصل، والرفع على القطع، أي: لا يتحرى، ولا يقصد فهو يصلي، فالجامع بين الجملتين التضاد، وهو أن لا يتحرى، أي: لا يصلي الصلاة.\nوفي رواية القضبي: فحينئذٍ يتحرى أن يصلي، ومعناه لا يتحرى الصلاة، يعني لا يقصدها عند الوقتين، فحينئذٍ يكون الفاء زائدة، يعني: دخولها في الكلام كخروجها، كما نقله ابن هشام عن سيبويه.\nعند طلوع الشمس ولا عند غروبها، في هذين الوقتين، والمنع من تأخير الفرض إليه ذكره السيوطي (١)، وأراد به أنه لا يجوز أداء الفرض فيها، وعندنا لا يجوز صلاة ولا سجدة تلاوة تليت قبل ذلك الوقت، وصلاة جائزة حضرت، كذلك عند طلوع الشمس وعند غروبها، إلا عصر يومه، لما روى الجماعة إلا البخاري (٢)، من حديث عقبة بن\n_________\n(١) انظر: تنوير الحوالك (١/ ١٧٢).\n(٢) أخرجه: مسلم (٨٣١)، وأبو داود (٨٩٣)، والترمذي (١٠٣٠) والنسائي (٥٦٠)، وابن ماجه (١٥١٩)، وأحمد (١٦٩٢٦)، والدارمي (١٤٣٢).","vol":"1","page":368},{"text":"عامر الجهني: ثلاث ساعات كان رسول الله - ﷺ - نهانا أن نصلي فيهن، ونقبر فيهن موتانا: حين طلوع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل، وحين تضيف للغروب حتى تغرب.\nومعنى تضيف: تميل، وهو بالتاء المثناة الفوقية، والضاد المعجمة المفتوحتين، والمثناة التحتية المشددة، وأصله تتضيف حذف منه إحدى التاءين، قال الترمذي: قبر الموتى هنا محمول على الصلاة.\nوكذلك روي عن ابن المبارك، وروى ابن دقيق العيد في (الإِمام) عن عقبة بن عامر، قال: نهانا رسول الله - ﷺ - أن نصلي على موتانا عند ثلاثة أوقات: عند طلوع الشمس، وعند استوائها في وسط السماء، وعند غروبها.\nفإن قيل: روى الجماعة (١) عن أبي هريرة ﵁، أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة\"، أجيب بأن التعارض لما وقع بين هذا الحديث وبين النهي عن الصلاة في الأوقات الثلاثة، رجعنا إلى القياس كما هو حكم التعارض، فرجحنا حكم هذا الحديث في صلاة العصر، وحكم النهي في صلاة الفجر، وما عكسنا؛ لأن سبب الصلاة جزء من وقتها ملاق لأدائها، وآخر وقت وهو وقت التغير ناقص؛ لأنه وقت كراهة، فإذا شرع فيه فقد وجبت ناقصة، فلا تفسد بطرق الغروب الذي هو وقت الفساد، للملائمة بينهما في النقصان.\nوأما الفجر فإن جميع وقتها كامل، فإذا شرع فيها فقد وجبت كاملة فتفسد بطرق الطلوع، الذي هو وقت الفساد لعدم الملائمة بينهما.\n* * *\n\n١٨١ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله\n_________\n(١) أخرجه: البخاري (٥٨٠)، ومسلم (٦٠٧)، وأبو داود (٨٩٣)، والترمذي (٥٢٤)، والنسائي (٥٥٣)، وابن ماجه (١١٢٣)، وأحمد (٧٦٠٩)، ومالك (١٥).\n(١٨١) صحيح، أخرجه: أبو داود (١٨٥٩١)، والنسائي (٥٥٩)، وابن ماجه (١٢٥٣)، وأحمد (١٨٥٨٤)، ومالك (٥١٠).","vol":"1","page":369},{"text":"الصُنَابِحي أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها، ثم إذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها، ثم إذا دنت للغروب قارنها، فإذا غربت فارقها\"، قال: ونهى رسول الله - ﷺ - عن الصلاة بتلك الساعات.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، من كبار (ق ١٨٤) أتباع التابعين، من الطبقة السابعة من أهل المدينة، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، وفي نسخة: محمد أخبرنا، وفي نسخة أخرى: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا زيد بن أسلم، وفي نسخة: \"عن\" موضع \"أخبرنا\" عن عطاء بن يسار، تابعي جليل القدر، كان من الطبقة الرابعة من أهل البصرة، وكان كثير الرواية لم يرفع رأسه إلى السماء، ولم يضحك أربعين سنة، فرفع رأسه مرة ففتق في بطنه، وقد مر منقبته في باب بيان حكم الحدث في الصلاة، عن عبد الله الصُنَابِحي بضم الصاد المهملة بعدها نون وألف فموحدة مكسورة، فحاء مهملة نسبة إلى صنابح، بطن من مراد، هكذا قال جمهور الرواة عن مالك، عبد الله بلا أداة كنية، صحابي، كما حققه الزرقاني في شرح (الموطأ) لمالك، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إن الشمس تطلع بفتح اللام، ومعها قرن الشيطان.\nقال الخطابي: قيل: معناه: مقارنة الشيطان عند دنوها للطلوع والغروب، والمراد به الجن - كما سيأتي - من أن له قرنين يطلعان معها، فإذا ارتفعت أي: الشمس قدر رمح، على ما قيل زايلها، بالزاي والألف والياء التحتية واللام، أي: فارق الشيطان عن الشمس، كما قال صاحب (القاموس). ومنه ﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٢٨]، وزايله، ومن الله وزيالًا: فارقه، والتزايل: التباين. انتهى.\nوقيل: من قرنه قوته، من قولك: أنا مقارن لهذا الأمر، أي: مطيق له قويٌ عليه، وذلك أن الشيطان إنما يقوى أمره في هذه الأوقات؛ لأنه يسول لعبدة الشمس أن يسجدوا لها، في هذه الأوقات.\nوقيل: قرنه، حزبه وأصحابه؛ الذين يعبدون الشمس.\nوقيل: إن الشيطان يقابلها عند طلوع الشمس، وينتصب دونها حتى يكون بين","vol":"1","page":370},{"text":"قرنيه، وهما جانبا رأسه، فينقلب سجود الكفار للشمس عبادة له، ثم إذا استوت أي: الشمس في كبد السماء، أي: وسطها قارنها بالنون، ثم إذا زالت أي: مالت، وفي نسخة: فإذا بالفاء، موضع، ثم فارقها، بالقاف، ثم إذا دنت أي: قربت للغروب قارنها بنون تليها هاء، فإذا غربت فارقها\"، قال: أي: الراوي عبد الله الصنابحي: ونهى رسول الله - ﷺ - عن الصلاة بتلك الساعات، أي: الثلاث فهي تحريم في الطرفين، وكراهة في الوسط عند الجمهور في النافلة لا الفريضة.\nوقالت طائفة من السلف: بالإِجابة مطلقًا؛ وإن أحاديث النهي منسوخة، وبه قال داود وابن حزم، وغيرهما من الظاهرية، وحُكي عن طائفة المنع مطلقًا في جميع الصلاة.\nوصح عن أبي بكر وكعب بن عجزة منع صلاة الفرض في هذه الأوقات.\nوقال الشافعي: يجوز في الفرائض، وما له سبب من النوافل.\nوقال أبو حنيفة ﵀: يحرم الجميع سوى عصر يومه، ويحرم المنذورة أيضًا.\nوقال مالك وأحمد: النوافل دون الفرائض، كذا قاله الزرقاني.\nأخرج ابن عساكر (١) عن ابن عباس، ﵄، قال: والذي نفسي بيده، ما طلعت الشمس - قط - حتى ينخسها - أي: يطردها - سبعون ألف ملك، فيقولون لها: اطلعي، فتقول: لا أطلع على قوم يعبدوني من دون الله، فيأتيها ملك فتشعل لضياء بني آدم، فيأتيها شيطان يريد أن يصدها من الطلوع فتطلع بين قرنيه فيحرقه الله تعالى تحتها، وذلك قول رسول الله - ﷺ -: \"ما طلعت إلا بين قرني الشيطان، وما غربت الشمس قط إلا خرت لله سجادًا، فيأتيها يريد أن يصدها عن السجود، فتغرب بين قرنيه، فيحرقه الله تعالى تحتها\"، وقد قال رسول الله - ﷺ -: \"ولا غربت إلا بين قرني الشيطان\"، كما قاله جلال الدين عبد الرحمن السيوطي الشافعي (٢) في (الهيئة السنية).\n* * *\n_________\n(١) انظر: تاريخ دمشق (٩/ ٢٧٢).\n(٢) انظر: تنوير الحوالك (١/ ١٧١).","vol":"1","page":371},{"text":"١٨٢ - أخبرنا مالك، أخبرني عبد الله بن دينار، قال: كان عبد الله بن عمر يقول: كان عمر بن الخطاب يقول: لا تَحَروا بصلاتكم طلوعَ الشمس ولا غروبها فإن الشيطان يطلع قرناه مع طلوعها، ويغربان مع غروبها، قال: وكان يضرب الناس على تلك الصلاة.\nقال محمد: وبهذا كله نأخذ، ويوم الجمعة وغيره عندنا في ذلك سواء، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، من كبار أتباع التابعين، من الطبقة السابعة من أهل المدينة، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: محمد: أخبرنا، قال: أخبرني وحدي عبد الله بن دينار العدوي، مولاهم، أبو عبد الرحمن المدني، مولى ابن عمر، تابعي ثقة، في الطبقة الرابعة، مات سنة سبع وعشرين ومائة بعد الهجرة، كما قاله صاحب (التقريب) (١).\nقال: كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: هكذا رواه موقوفًا، ومثله لا يقال رأيًا، فحكمه الرفع، وقد رفعه ابنه عبد الله، أخرجه البخاري ومسلم (٢) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، قال: حدثني ابن عمر، ﵁، أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تَحَروا بفتح التاء والحاء المهملة، وتشديد الراء، أي: لا تقصدوا بصلاتكم بالموحدة، أي: عند طلوعَ الشمس ولا غروبها فإن الشيطان يطلع قرناه، أي: جانبا رأسه مع طلوعها، ويغربان مع غروبها، هذا على طريق المشاكلة، كما قال الله تعالى في سورة النساء: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢].\nالمشاكلة: هي ذكر الشيء بلفظ غيره، لوقوع ذلك الشيء في صحبة ذلك الغير، كما قاله الخطيب الدمشقي في (تلخيص المفتاح)، فالمراد بقرينه أولاد إبليس، وبطلوعهما انتشارهم في وجه الأرض، وبغروبها اجتماعهم عتد أبيهم؛ فإنه إذا طلعت الشمس ينتشر\n_________\n(١٨٢) أخرجه: مالك (٥٠٤).\n(١) انظر: التقريب (١/ ٢٨٦).\n(٢) أخرجه: البخاري (١١٩٢)، ومسلم (٨٣٣).","vol":"1","page":372},{"text":"أولاده في وجه الأرض، ويفسدون فيها، واذا غربت يجتمعون عند آبائهم، فيسألهم أبوهم: ما فعلتم اليوم بابن آدم، فيقول بعضهم: ألقيت فيهم السرقة، فيقول له إبليس: هذا ليس بشيء، ويقول بعضهم: ألقيت فيهم المقاتلة، فيقول: هذا، ويقول بعض أولاده: ألقيتُ فيهم الزنا، فيقول: لا بأس به، ويقول بعضهم: ألقيت كذبًا، فيقول له إبليس: هذا عمل عندي ليس فوقه عمل، فيقربه إلى نفسه، فَيُقَبِّلُه بين عينيه، ويمسح رأسه، ويقول: أنا راضٍ عنك، وكان أي: عمر يضرب الناس أي: يدفعهم بتأديبه على أي: لأجل تلك الصلاة.\nوفي رواية \"عن\" موضع \"على\"، وهي للتعليل كاللام، كما قال - تعالى - في سورة البقرة: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥]، أي: لهدايته إياكم، وكان الظاهر أن يقال: عن أو على كل تقدير، فيدل على أن النهي للتحريم، ولا يبعد أن يكون المراد من تلك الصلاة المنهية قبل (ق ١٨٦) الغروب، ويقويه قول أنس بن مالك حين سأل عن التطوع بعد العصر: كان عمر يضرب الأيدي عن صلاة بعد العصر؛ لحديث رواه مسلم عن ابن عباس ﵄، لتضارب الناس مع عمر.\nقال محمد: وبهذا كله نأخذ، أي: نعمل بعموم ما ذكر من الأحاديث وإطلاقها، ويوم الجمعة وغيرها وكذا مكة وغيرها، عندنا أي: معشر الحنفية في ذلك أي: في النهي عن الصلاة في هذه الأوقات الثلاثة؛ إلا عصر يومه سواء، أي: مستوٍ، وهو قولُ أبي حنيفة، رحمه الله تعالى، أي: خلافًا للشافعي، حيث استثنى يوم الجمعة في وقت الاستواء، لما رواه الشافعي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة، وبه قال أبو يوسف، واستثنى الشافعي أيضًا حرم مكة في مطلق الأوقات، لحديث جبير بن مطعم مرفوعًا: \"يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت، وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار\" (١).\nالجواب عنها مقرر في محله لا نطول هذا بذكره، كما قاله علي القاري.\n_________\n(١) أخرجه: أبو داود (١٨٩٤)، والترمذي (٨٦٨)، والنسائي (٥٨٥)، وأحمد (١٦٣٣٣)، والدارمي (١٩٢٦)، وقال الترمذي: حديث جبير حديث حسن صحيح.","vol":"1","page":373},{"text":"لما فرغ من بيان أسرار النهي عن الصلاة في الأوقات الثلاثة، شرع في بيان النهي عن الصلاة في شدة الحر، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>باب الصلاة في شدة الحر</span>\nبيان تأخير الصلاة، أي: صلاة الظهر والألف واللام للعهد، في وقت شدة الحر، وجه المناسبة ما بين هذا الباب والباب السابق نهي عن الصلاة، واستنبط المصنف - رحمه الله تعالى - هذه الترجمة من قوله - ﷺ -: \"فإن شدة الحر من فيح جهنم\" (١).\n١٨٣ - أخبرنا مالك، أخبرني عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وعن محمد بن عبد الرحمن بن ثَوْبَان، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا كان الحر فأبردوا عن الصلاة، فإن شدة الحرِّ من فَيْحِ جهنم\"، وذكر أن النار اشْتكت إلى ربها، فأذِن لها في كل عام بَنفَسَيْن، نفس في الشتاء ونفس في الصيف.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، نُبْرِدُ بصلاة الظهر في الصيف، ونصلي في الشتاء حين تزول الشمس، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: محمد أخبرنا، أخبرني، وفي نسخة: قال: أخبرني عبد الله بن يزيد بالياء التحتية المفتوحة، والزاي المعجمة، والياء التحتية الساكنة، والدال المهملة المفتوحة، غير منصرف للعلمية ووزن الفعل، المخزومي، المدني، المقبري، الأعور، ثقة كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين، مات سنة ثمان وأربعين ومائة، مولى الأسود بن سفيان بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، القرشي، المخزومي، ابن أخي أبي سلمة\n_________\n(١) أخرجه: البخاري (٥٣٤)، ومسلم (٦١٥).\n(١٨٣) أخرجه: مسلم (٦١٧)، وأحمد (٩٦٣٩)، ومالك (٢٨)، وابن حبان (١٥١٠)، والبيهقي في الكبرى (٢٠٩٧).","vol":"1","page":374},{"text":"ابن عبد الأسد زوج أم سلمة. ذكره ابن عبد البر، وقال: في صحبته نظر، وأشار في (الإِصابة) إلى ترجيح أنه صحابي، عن أبي سلمة إسماعيل أو عبد الله، أو اسمه كنيته ابن عبد الرحمن، أي: ابن عوف الزهري، وعن بالواو، إيماءً عن تحويل السند لتقوية الحكم، والمعنى ابن يزيد روى عن أبي سلمة، وعن: محمد بن عبد الرحمن بن ثَوْبَان، بلفظ تثنية ثوب العامري، عامر قرشي، المدني من أواسط التابعين، عن أبي هريرة، ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا كان الحر أي: اشتد الحر، أصله: اشتد على وزن افتعل من الشدة، ثم أدغمت إحدى الدالين في الأخرى، فأبردوا بقطع الهمزة وكسر الواو المهملة، أي: أخروا إلى أن تبرد الوقت، يقال: أبرد إذا دخل في البرد، وأظهر إذا دخل في الظهيرة، عن الصلاة، أي: بصلاة الظهر، لما جاء في رواية، وعن تأتي بمعنى الباء، كرميت البهم عن القوس، أي: به، قال القاضي عياض: وبه جزم النووي.\nوقال القاضي عياض: \"أو\" زائدة، أي: أبردوا الصلاة، يقال: أبرد الرجل أي: إذا فعله في برد النهار أو للمجاوزة، (ق ١٨٧) أي: تجاوزوا عن وقتها المعتاد إلى أن تنكسر شدة الحر، وقال الخطابي: أي: فأخِّروا عن الصلاة مبردين، أي: داخلين في وقت الإِبراد، فإن شدة الحرِّ تعليل لمشروعية الإِبراد من فَيْحِ جهنم\"، بفتح الفاء، وإسكان الياء التحتية، وحاء مهملة - أي: غليانها - أو انتشار شررها وتنفسها، وجهنم اسم أعجمي عند أكثر النجاة، وقيل: عربي ولم ينصرف، للتأنيث والعلمية، سميت بذلك لبعد قعرها، كما في (المحكم).\nوحكمة رفع المشقة؛ لأنها قد تسلب الخشوع المقصود فيها، وهذا أظهر، وقيل: لأنها الساعة التي ينتشر فيها العذاب؛ لقوله - ﷺ - في حديث عمرو بن عبسة عند مسلم: \"أقصر عن الصلاة عند استواء الشمس؛ فإنها ساعة تسجر فيها جهنم\" (١).\nواستشكل بأن الصلاة مظنة الرحمة، ففعلها مظنة طرد العذاب، فكيف أمر بتركها؟ وأجيب بأن التعليل: إذا جاء من الشارع وجب قبوله، وإن لم يفهم معناه.\nواستنبط له ابن المنير معنى مناسبًا؛ فقال: وقت ظهور أثر العذاب والغضب لا يمنع\n_________\n(١) أخرجه: مسلم (٨٣٢)، وأحمد (١٦٥٦٦).","vol":"1","page":375},{"text":"فيه الطلب إلا من أذن له فيه، والصلاة لا تنفك عن كونها طلبًا ودعاء، فناسب الافتقار.\nواستدل بحديث الشفاعة؛ حيث اعتذر الأنبياء كلهم للأمم، بأن الله غضب غضبًا لم يغضب مثله، ولا يغضب بعده مثله، سوى نبينا - ﷺ -، فلم يعتذر بل طلب؛ لأنه أذن له في ذلك.\nويمكن أن يقال: تسجر جهنم، أي: تحمى بسبب فيحها، وفيحها سبب وجود الحر، وهو مظنة المشقة؛ التي هي مظنة سلب الخشوع، فناسب أن لا يصلي فيها، لكن يرد عليه أن سجرها في جميع السنة، والإِيراد مختص بشدة الحر، فهما متغايران، فحكم الإِيراد دفع المشقة، وحكم الترك وقت سجرها، لكونه وقت ظهور أثر الغضب، قال الحافظ: واستدراكه مبني على مذهبه من الاختصاص، أما على مذهب مالك من ندب الإِبراد في جميع السنة، ويزداد لشدة الحر قد استدرك.\nوذكر أي: النبي - ﷺ -، فهو بالإِسناد المذكور، وهم من جعله موقوفًا على أبي هريرة، أو معلقًا وقد أفرده أحمد في (مسنده)، ومسلم من طرق أخرى عن أبي هريرة: أن النبي - ﷺ -، ذكر أن النار اشْتكت إلى ربها ﷿، بلسان المقال - كما رجحه - فحول الرجال ابن عبد البر، فقالت: يا رب أكل بعضي بعضًا، وقيل: شكواها بلسان الحال، أو تكلم خازنها، أو من شاء الله عنها، قال ابن عبد البر: لكلا القولين وجه ونظائر، ولا رجح حمله على الحقيقة، أنطقها الله الذي أنطق كل شيء.\nورجح البيضاوي المجاز فقال: شكواها مجاز عن غليانها، وأكل بعضها بعضًا مجاز عن ازدحام أجزائها، فأذِن لها في كل عام بَنفَسَيْن، بفتحات وسكون الياء والنون بعدها تثنية نَفَس، وهو ما يخرج من الجوف، ويدخل فيه من الهواء، فشبه الخارج من حرارتها، وبردها إلى الدنيا بالنفس الخارج من جوف الحيوان، نفس في الشتاء ونفس في الصيف، هما بالجر على البدل، أو البيان، ويجوز الرفع بتقدير أحدهما.\nوقال الزين بن المنير: المختار الحقيقة (ق ١٨٨) في اشتكائها داخل بعضها ببعض، والنفس لصلاحية القدرة لذلك؛ ولأن استعارة الكلام المحال لكن الشكوى وتغييرها والتعلل له بالإِذن والقبول والنفس وقصره على الاثنين فقط بعيد عن المجاز، خارج عما ألف من استعماله، كما قاله الزرقاني.","vol":"1","page":376},{"text":"قال محمد: وبهذا أي: وبهذا الحديث نأخذ، أي: نعمل لغيرنا من الفقهاء، نُبْرِدُ بصيغة التكلم مع غيره، من الإِبراد والتبريد، أي: نؤخر بصلاة الظهر في الصيف، ونصلي أي: الظهر في الشتاء أي: استحبابًا فيهما حين تزول الشمس، أي: تميل عن وسط السماء في أول وقته بناءً على المسارعة إلى العبادة، دليل على كمال الطاعة، وهو أي: الإِبراد بصلاة الظهر في الصيف، وأن نصلي صلاة الظهر في الشتاء حين تميل الشمس عن وسط السماء قولُ أبي حنيفة، ﵀.\nوروى البخاري (١) من حديث خالد بن دينار، قال: صلى بنا أميرنا الجمعة، ثم قال لأنس: كيف كان رسول الله - ﷺ - يصلي الظهر؟ قال: كان النبي - ﷺ - إذا اشتد البرد بكرَّ بالصلاة، أي: صلاة الظهر، في أول وقتها في الشتاء، وإذا اشتد الحر أبردها، أخرها قليلًا ثم يصليها.\nلما فرغ من بيان تأخير الصلاة في وقت شدة الحر، شرع في بيان أحوال الرجل، من نسيان الصلاة، أو تفويت الصلاة به، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>باب الرجل ينسى الصلاة أو يفوته وقتها</span>\nفي بيان أحوال الرجل ينسى الصلاة، أي: يغفل الرجل عنها، كما قال السيد الشريف الجرجاني: النسيان هو الغفلة عن معلوم. انتهى.\nأو تفوته، أي: تفوت الصلاة ذلك الرجل عن وقتها، كلمة \"أو\" للتخيير، وفي نسخة: أو يفوته وقتها، وهو مرفوع على أنه فاعل، يفوت.\nوالمناسبة بين هذا الباب والباب السابق تأخير الصلاة.\nواستنبط المؤلف - رحمه الله تعالى - من هذه الترجمة في هذا الباب من قوله - ﷺ -: \"مَنْ نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها\" (٢).\n_________\n(١) أخرجه: البخاري (٩٠٦).\n(٢) أخرجه: البخاري (٥٩٧)، ومسلم (٦٨٤).","vol":"1","page":377},{"text":"١٨٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب الزهري، عن سعيد بن المسَّيب، أن رسول الله - ﷺ - حين قَفَل من خَيْبَر، أسْرَى، حتى إذا كان من آخر الليل عَرّس، وقال لبلال: اكلأْ لنا الصبحَ، ونام رسول الله - ﷺ - وأصحابُه، فكلأ بلال ما قُدِّرَ له، ثم استند إلى راحلته وهو مقابل الفجر، فغلبتْه عيناه، فلم يستيقظ رسول الله - ﷺ - ولا بلال ولا أحد من الركب حتى ضربتهم الشمس، ففزع رسول الله - ﷺ -، فقال: \"يا بلال، ما هذا؟ \" فقال بلال: يا رسول الله أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك، قال: \"اقتادوا\"، فبعثوا رواحلهم فاقتادوها شيئًا، ثم أمر رسول الله - ﷺ - بلالًا، فأقام الصلاة فصلى بهم الصبح، ثم قال حين قضى الصلاة: \"من نسى صلاة أو نام عنها فليصلِّها إذا ذكرها\"، فإن الله ﷿ قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤].\nقال محمد: وبهذا نأخذ، إلا أن يذكرها في الساعات التي نهى رسول الله - ﷺ - عن الصلاة فيها: حين تطلع الشمس حتى ترتفع وتَبْيَضّ، ونصفَ النهار حتى يزول، وحين تحمرّ الشمس حتى تغيب، إلا عصرَ يومه، فإنه يصليها، وإن احمرَّت الشمس قبل أن تغيب، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، من أتباع التابعين، من الطبقة السابعة من أهل المدينة، وفي نسخة: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا، وفي نسخة أخرى: ثنا رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا ابن شهاب، وفي نسخة: أخبره بالإِفراد، وفي نسخة أخرى: قال: أخبرني ابن شهاب، أي: الزهري، وهو محمد بن مسلم بن مالك الزهري، يُكنى أبا بكر، تابعي من الطبقة الرابعة من أهل المدينة، عن لسعيد بن المسَّيب، أي: ابن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي، المخزومي، من كبار التابعين، من الطبقة الأولى من أهل المدينة، وقد مرَّ منقبته\n_________\n(١٨٦) أخرجه: مسلم (٦٨٠)، وأبو داود (٤٣٥)، وابن ماجه (٦٩٧)، ومالك (٢٥) مرسلًا، وابن حبان (٢٠٦٩)، والبيهقي في الكبرى (٣٢٦١) عن أبي هريرة.","vol":"1","page":378},{"text":"تفصيل في باب الصلاة في الثوب الواحد، أن رسول الله - ﷺ -.\nقال السيوطي: هذا حديث مرسل، وصله مسلم وغيره من طريق بن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، كذا قاله علي القاري، وقال الزرقاني: في رواية الإِرسال لا تضر من وصله، أي رفعه.\nوالمرسل: هو الذي يروي التابعي عن النبي - ﷺ -، مع ترك صحابي، وذلك عند أبي حنيفة وأحمد، وأكثر العلماء حجة إلا عند الشافعي.\nوالمرفوع: ما أضيف إلى النبي - ﷺ -، خاصة من قول أو فعل أو تقرير، مثال المرفوع من القول صريحًا أن يقول الصحابي: سمعتُ رسول الله - ﷺ - (ق ١٨٩) بكذا.\nوالمرفوع من الفعل صريحًا أن يقول الصحابي: رأيت رسول الله - ﷺ - فعل كذا، ويفعل كذا، ومثال المرفوع من التقريرات: يقول الصحابي: فعلتُ بحضرة النبي - ﷺ - كذا أو هو أو غيره فعل فلان بحضرة النبي - ﷺ - كذا، أو يقول فلان بحضرة النبي - ﷺ - كذا كما قاله أحمد بن علي العسقلاني الشهير بابن حجر في (نخبة الفكر). ص قَفَل أي: رجع من القفول، بضم القاف والفاء وسكون الواو واللام، الرجوع من السفر، قفل كنصر وضرب، قفولًا رجع فهو قافل، كما في (القاموس)، من غزوة خَيْبَر، بخاء معجمة مفتوحة، وياء تحتية ساكنة، والباء الموحدة المفتوحة، والراء في آخره على وزن ديلم، اسم بلدة قريبة من المدينة، ممنوع من الصرف للتأنيث والعلمية، والمراد من خيبر هي وما اتصل بها من فتح وادي القرى؛ لأن القوم كان حين قرب من المدينة أسْرَى، أي: سار ليلًا، أي: ذهب فيه، سار وأسري بمعنى لكن في أسرى مبالغة لزيادة مبنى، وفي رواية أبي مصعب: أسرع، وفي مسلم: أسرى ليلة، وقيل: الهمزة للتعدية، ومفعوله محذوف، تقديره: أسرى رسول الله - ﷺ - بأصحابه، وفي رواية مسلم تفصيل، وهو أن ليلة نصب على الظرف الإِسراء، فلا حاجة لذكره معه؛ لأن السرى الإِسراء لا يكون إلا ليلًا، فيلزم تجريد الإِسراء عن معنى السير في الليل، ويستعمل في مطلق السير، فيكون ليله بيانًا أن الإِسراء كان في الليل، أو أجيب بأن ذكر ليله لدفع توهم أن الإِسراء كان في جميع الليالي، بل كان في ليلة واحدة، وهي ليلة أسري فيه، حين رجع من غزوة خيبر إلى المدينة المنورة، وفي رواية لأحمد من حديث ذي مخبر، وكان رسول الله - ﷺ - يفعل الإِسراع: لقلة الزاد.","vol":"1","page":379},{"text":"فقال قائل: يا نبي الله، انقطع الناس، وراءك فحبس وحبس الناس معه حتى تكاملوا إليه، فقال: \"هل لكم أن تهجعوا هجعة! \" فنزل، فنزلوا، والهجوع: النوم ليلًا، كذا في (القاموس) حتى إذا كان من آخر الليل. وللطبراني عن ابن عمر: حتى إذا كان مع السحر، وكان الناس بين النوم واليقظة، عَرّس، بفتح العين المهملة وفتح الراء المشددة، من التعريس، وهو نزول المسافر آخر الليل للنوم والاستراحة، وقال أي: رسول الله - ﷺ - لبلال، أي: ابن رباح، المؤذن، هو ابن حمامة، وهي أمه مولى أبي بكر الصديق، من السابقين الأولين، وشهد بدرًا والمشاهد، مات بالشام، سنة سبع عشرة أو ثمان عشرة، وقيل: سنة عشرين، وله بضع وستون سنة: اكلأْ بكسر الهمزة، والكاف الساكنة، وفتح اللام، وسكون الهمزة، أي: احفظ وراقب لنا الصبحَ، أي: وقته، بحيث إِذا طلع الفجر توقظنا ولا ترقد، ومنه قوله تعالى في سورة الأنبياء: (ق ١٩٠) ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [الأنبياء: ٤٢]، أي: يحفظ، والمصدر كلاءة بالفتح والمد.\nفنام رسول الله - ﷺ - وأصحابُه، أي: أكثرهم ممن معه، فكلأ أي: راقب بلال\nوفي مسلم: فصلى بلال ما قُدِّرَ له، بالبناء للمفعول من التقدير، أي: ما قدره الله له من الأوقات، وكتبه في اللوح المحفوظ، بمقدار قدره في الأزل، وأظهره في عالم الكون، ثم استند أي: بلال إلى راحلته أي: لإِدراك بعض راحلته، وهو أي: والحال أن بلال مقابل بصيغة اسم الفاعل، أى: متوجه إلى جانب مطلع الفجر، فغلبتْه عيناه، أي: فنام وغفل عما ابتلاه الله تعالى، فلم يستيقظ رسول الله - ﷺ -، أي: لم ينتبه هو ولا بلال ولا أحد من الركب أي: من جماعة الصحب، وفي مسلم: ولا أحد من أصحابه، حتى ضربتهم الشمس، أي: طلعت عليهم وأدركوا حره لديهم، وهذا لا ينافي خبر \"إن عيني تنام ولا ينام قلبي\"؛ لأن القلب إنما يدرك الحسيات المتعلقة به، كالحديث والألم، ولم يدرك نحو طلوع الشمس، مما يتعلق بالعين، وإنما يدرك ذلك بالعين، والعين نائمة، وإن كان القلب يقظان، كذا قاله النووي.\nوقال الحافظ ابن حجر (١): لا يقال القلب، وإن كان لا يدرك المرئيات، يدرك إذا كان يقظان مرور الوقت الطويل؛ لأنا نقول: قلبه - ﷺ - كان إذ ذاك مستغرقًا بالوحي،\n_________\n(١) انظر: الفتح (١٣/ ٢٧٣).","vol":"1","page":380},{"text":"ولا يلزم فيه وصفه بالنوم، كما كان يستغرق حاله اتقاء الوحي، ويكون الحكمة في ذلك بيان الشيء بالفعل؛ فإنه أوقع في النفس كما في قصة السهو في اليقظة.\nوقال ابن المنذر: إن القلب قد يحصل له السهو في اليقظة؛ لمصلحة الشرع، ففي النوم أولى، ذكره السيوطي (١)، ففزع رسول الله - ﷺ -، بكسر الزاي، انتبه وقام كأنه من الفزع الذي بمعنى الخوف؛ فإن المنتبه، لا يخلو من فزع ذلك؛ للتأسف على ما فاتهم من وقت الصلاة، وفيه أنه لم يكن ذلك من عادته منذ بعث، ذكره السيوطي. فقال: أي: رسول الله - ﷺ -: \"يا بلال، ما هذا؟ \" أي: كيف هذا الحال؟ ونومك بهذا المنوال؟ فقال بلال: لضيق الحال: يا رسول الله أخذ بنفسي أي: غلبها الذي أخذ بنفسك، أي: والله غالب على أمره، وعامل وفق قضائه وقدره، والمعنى: استولى بقدرته عليَّ، كما استولى عليك، مع علو منزلتك، أو المراد أن النوم غلبني كما غلبك.\nوقال ابن عبد البر: قبض نفسي الذي قبض بنفسك؛ فالباء زائدة، أي: توفاها متوفي نفسك على النفس، والروح واحدة، ويؤيده خبر أن الله قبض أرواحنا، ومنه قوله تعالى في سورة الزمر: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، كما قاله علي القاري.\nأقول وبالله التوفيق: المراد بها هنا جوهر نورانية يتعلق جميع بدن الحيوان ظاهره وباطنه، فيحس به المحسوسات، وإذا انقطع تعلقه عن ظاهر البدن نام فلا يحسها، وإذا انقطع عنه وباطنه جميعًا مات، كما قال السيد الشريف الجرجاني: هو الجوهر: النجاري، اللطيف، الحامل لقوة الحياة والحس، والحركة الإِرادية، وسماها الحكيم: الروح الحيوانية، فهي جوهر مشرق للبدن، فعند الموت ينقطع ضوءه عن (ق ١٩١) ظاهر البدن وباطنه، فيثبت أن النوم والموت من جنس واحد؛ لأن الموت هو الانقطاع الكلي، والنوم هو الانقطاع الناقص، فثبت أن لقاء والحكيم دبر تعلو جوهر النفس بالندب على ثلاثة أضرب: الأول: بلغ ضوء النفس على جميع أجزاء البدن وظاهره وباطنه، فهو اليقظة، وانقطع ضوؤها عن ظاهره دون باطنه فهو النوم، أو بالكلية فهو الموت، انتهى.\n_________\n(١) انظر: تنوير الحوالك (١/ ٢٧).","vol":"1","page":381},{"text":"قال: أي: النبي - ﷺ -: \"اقتادوا\"، بكسر الهمزة، وسكون القاف، والتاء الفوقية والألف، وبضم الدال، أمر من الاقتياد ومزيد للقود، وهو الجر من قدم الدابة ضد السوق، ومنه القائد مقدم الحزم، والمعنى ارتحلوا من هذا المحل؛ فإنه أوقعنا في الوجل، أي: الخوف، زاد مسلم: فإن هذا حضر لاقيه الشيطان.\nقال ابن الملك في (شرح المشارق): فإن قلت: كيف حضرهم الشيطان وفوات الواجب لم يكن بتقصير منهم؟ قلت: يمكن حضوره ثابتًا وقت النوم لعدم احتياطهم فيه، وإن لم يكن ثابتًا وقت القوت، وفيه ندب الاجتناب عن موضع الفعل القبيح، انتهى. ولا يخفى قبح عدم الاحتياط إلى النبي - ﷺ - وأصحابه الكرام، مع أمر بلال لمحافظة الوقت في ذلك المقام، فالصواب في ذلك: الجواب: أن الشيطان حضر بلالًا ونومه بما غير له حالًا، وإنما لم ينسبه بلال إلى الشيطان، كما قال فتى موسى: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾ [الكهف: ٦٣]، نظرًا إلى الفاعل الحقيقي، كما هو شأن أرباب الجمع، وأصحاب الكمال، والنبي - ﷺ - لما كان في مكان جمع الجمع نسبة إلى السبب، مراعاة للأدب مع الرب، وإعطاء كل ذي حق حقه، في استيفاء المطلب، وفيه استحباب الاجتناب عن موضع وقع فيه شيء من أسباب الاحتجاج، فبعثوا أي: أقاموا رواحلهم أي: دوابهم، فاقتادوها بفتح الفاء وسكون القاف، والتاء الفوقية والألف وضم الدال، ماضٍ عطف على بعثوا، أي: أخذ بزمام دوابهم، وجروا بها شيئًا، أي: زمانًا قليلًا، أو اقتيادًا يسيرًا.\nوفي حديث عمران: فسار غير بعيد، ثم نزل، وهذا يدل على أن هذا الارتحال وقع على خلاف أمرهم المعتاد.\nوفي مسلم: ثم توضأ - ﷺ -، زاد ابن إسحاق: وتوضأ الناس، ثم أمر رسول الله - ﷺ - بلالًا، فأقام الصلاة، ولأحمد: فأمر بلالًا، فأذن ثم قام النبي - ﷺ - فصلى ركعتين قبل الصبح، أي: قبل فرض الفجر، ثم أمره، فأقام الصلاة، فصلى بهم الصبح، أي: فرضه.\nزاد الطبراني (١) من حديث عمران: قلنا: يا رسول الله، أنعيدها من الغد لوقتها؟ قال: \"نهانا الله عن الربا ويقبله منا؟ \"، ثم قال أي: النبي - ﷺ - حين قضى الصلاة: \"من\n_________\n(١) أخرجه: الطبراني في الأوسط (٥٩٦٤).","vol":"1","page":382},{"text":"نسى صلاة، زاد العقبي: أو نام عنها فليصلِّها إذا ذكرها\"، زاد الشيخان: لا كفارة لها إلا ذلك، فإن الله ﷿ يقول: هكذا رواه يحيى؛ أيضًا، ولمسلم: فإن الله تعالى قال في سورة طه: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ طه: ١٤]، واللام بمعنى الوقت، وإضافة المصدر إلى المفعول، أي: وقت ذكرك لصلاتي.\nقال مجاهد: أقم الصلاة لتذكرني، فيها اللام للتعليل، ولا يخفى أن الذكر بالكسر جاء في اللغة بمعنى الذكر بالضم، هو التذكر، فيتحد القراءتان، وتتوافق الروايتان، وفي رواية زيد بن أسلم ﵁، أنه قال مرسلًا برواة (الموطأ) اتفاقًا لمالك: عرس رسول الله - ﷺ - ليلة بطريق، وَوَكَّل بلالًا أن يوقظهم للصلاة، فرقد بلال ورقدوا حتى استيقظوا، وقد طلعت الشمس، فاستيقظ القوم، وقد فزعوا، أي: والحال استيقظوا متأسفين لفوت وقت صلاة الفجر، فأمرهم رسول الله - ﷺ - أن يركبوا حتى يخرجوا من ذلك الوادي. وقال: \"إن هذا واد به الشيطان\"، فركبوا حتى خرجوا من الوادي، ثم أمرهم رسول الله - ﷺ - أن ينزلوا ويتوضؤوا، وأمر بلالًا ينادي بالصلاة، ويقيم، فصلى رسول الله - ﷺ - بالناس، ثم انصرف إليهم وقد رأى من فزعهم، فقال: \"يا أيها الناس، إن الله ﷿ قبض أرواحنا حين شاء، ثم ردها إلينا في حين غير هذا؛ فإن رقد أحدكم عن صلاة أو نسيها، ثم فزع إليها فليصلها كما كان يصلي لوقتها\".\nثم التفت رسول الله - ﷺ - إلى أبي بكر ﵁ فقال: \"إن الشيطان أتى بلالًا وهو قائم يصلي، فاضطجعه، ثم لم يزل يهدئه كما يهدئ الصبي حتى قام\"، ثم دعا رسول الله - ﷺ - بلالًا فأخبر بلال رسول الله - ﷺ - مثل الذي أخبر رسول الله - ﷺ - أبا بكر، فقال أبو بكر: أشهد أنك رسول الله، كما في (الموطأ) لمالك.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: نفتي الفائتة إذا ذكرناها، إلا أن يذكرها، لكن الناسي بها لا يصليها إذ ذكرها في الساعات أي: في جنسها الصادق بالساعة التي نهى رسول الله - ﷺ - عن الصلاة فيها، نهي تحريم هنا بينها بقوله: حين تطلع الشمس حتى ترتفع وتبيض، ونصفَ النهار بالنصب، أي: في انتصافه، وهو وقت استوائها، حتى تزول أي: تميل الشمس عن كبد السماء، وحين تحمرّ الشمس، أي: حين شرعت في الغروب، حتى تغيب، أي: بكمالها إلا عصرَ يومه، استثناء مفرغ، والمعنى أنه - ﷺ - بنى جميع أنواع","vol":"1","page":383},{"text":"الصلوات من النوافل والنذور، وقضاء الفرائض وأدائها، إلا أداء صلاة العصر، فإنه أي: المصلي بصلاة العصر يصليها، وإن وصلية احمرَّت الشمس أي: شرعت في الغروب، قبل أن تغرب، بضم الراء، وفي نسخة: تغيب، أي: لو وقع بعض أجزاءها بعد الغروب، بخلاف صلاة الفجر، فإنه إذا طلعت الشمس وهو في الصلاة، ولم يسلم بطلت صلاة الفجر، وهو أي: القول بجواز صلاة العصر حين احمرت الشمس قبل الغروب، ولو وقع بعض أجزائها بعد الغروب، قولُ أبي حنيفة، ﵀، نعمان بن ثابت، بن هاوس، بن هرمز، بن ملك، بن شيبان، من الطبقة السادسة من الحنفية.\n* * *\n\n١٨٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، وعن بُسْر بن سعيد، وعن الأعرج، يحدثونه عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها، ومن أدرك من العصر ركعة قبل غروب الشمس فقد أدركها\".\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: قال محمد: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة (ق ١٩٣) أخرى: ثنا أخبرنا زيد بن أسلم، وفي نسخة: عن زيد بن أسلم؛ العدوي، مولى أبي عبد الله، وأبي أسامة الفقيه، ثقة، عالم، وكان مرسلًا، وهو من الطبقة الوسطى من التابعين، كانت له حلقة في المسجد النبوي.\nقال أبو حازم: لقد رأيت في حلقة زيد بن أسلم أربعين حبرًا، فقيهًا، أوتي خصلة من خصالهم التواشي بما في أيديهم، فيما يرى متحاربان ولا متنازعان في حديث لا ينفعهما قط، وكان عالمًا، يتغير القرآن له في كتاب. وكان يقول: ابن آدم، اتق الله يحبَّك الناس، وإن كرهوا. مات في ذي الحجة سنة ست وثلاثين ومائة، وله في (الموطأ) واحد وخمسون حديثًا مرفوعًا.\n_________\n(١٨٥) أخرجه: البخاري (٥٥٦)، ومسلم (٦٠٨)، وأبو داود (٤١٢)، والترمذي (١٨٦)، وابن ماجه (٦٩٩)، وأحمد (٧٤١٠)، والدارمي (١٢٢٢)، ومالك (٥).","vol":"1","page":384},{"text":"عن عطاء بن يسار، بتحتية وفتح سين مهملة، ضد اليمين؛ الهلالي أبي محمد المدني، مولى ميمونة، كان من الطبقة الرابعة، من أهل البصرة، ثقة، تابعي فاضل، كثير الحديث، صاحب مواعظ وعبادة، مات سنة أربع وتسعين أو تسع وتسعين، وثلاث أو أربع ومائة بالأسكندرية، في ما قيل، وعن بُسْر بضم الموحدة وإسكان السين المهملة، آخره راء، ابن سعيد، المدني، العابد، ثقة حافظ، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين، مات سنة مائة، وعن الأعرج، عبد الرحمن بن هرمز، المدني، ثقة ثبت عالم، المدني، مولى ربيعة بن الحارث، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة، كرر المصنف تحويل السند مرتين، مبالغة في تقوية حكم الحديث، فقال كلاهما في (الموطأ) لمالك: يحدثونه أي: يخبرون زيد بن أسلم، عن أبي هريرة، ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من أدرك أي: وصل وبلغ من صلاة الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها، أي: وصل ثواب صلاة الصبح، باعتبار نية لا باعتبار عمله. وقد أخرج الدارقطني من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: \"إذا صلى أحدكم ركعة من صلاة الصبح ثم طلعت الشمس فليصل إليها ركعة أخرى\"، والحديث نصّ في عدم فساد فرض الفجر، وبه عمل الشافعي وغيره.\nوأما عندنا: من صلى ركعة من صلاة الفجر، وطلعت الشمس قبل السلام، بطلت. ويلزم عليه أن يقضيها بعد ارتفاع الشمس برمح أو رمحين، مع سنتها بأذان وإقامة، ولنا حديث عقبة بن عامر الجهني المقدم عن النهي في الأوقات الثلاثة؛ فإنه يفيد بطريق الاستدلال الفساد بعد طلوع الشمس، وإذا تعارضا قدم النهي فيجعل حمل ما روى على ما قبل النهي عن الصلاة في الأوقات المكروهة، كما قال محمد بن عبد الله التمرتاشي في (منح الغفار) في باب سبق الإِمام حدث.\nومن أدرك أي: من وصل ركعة من صلاة العصر ركعة قبل غروب الشمس فقد أدركها، أي: صلاة العصر بكمالها أداءً وثوابًا.\nلما فرغ من بيان كيفية قضاء صلاة الفجر، شرع في بيان أداء الصلاة في البيوت؛ لأجل المشقة، فقال: هذا\n* * *","vol":"1","page":385},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>باب الصلاة في الليلة المطيرة وفضل الجماعة</span>\nبيان أحكام الصلاة التي يصليها الرجل في بيته؛ لأجل المشقة في الليلة الممطرة بصيغة اسم الفاعل من باب الأفعال، وفي نسخة: المطرة، أي: في ليلة ذي مشقة.\nاقتبس (ق ١٩٤) المصنف - رحمه الله تعالى - في هذه الترجمة الليلة الممطرة من قوله في سورة النمل: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ [النمل: ٥٨]، أي: أرسلنا على قوم لوط ﵇ مطر الحجارة، يقال: مطر في الرحمة، وأمطر في العذاب.\nوفي (القاموس): أمطرهم الله لا يقال إلا في العذاب، ويوم ممطر وماطر ومطر ككتف ذو مطر، ومكان ممطور ومطير. انتهى.\nوهو، أي: الاقتباس المفهوم من قولنا: اقتبس في اللغة الأخذ يقال: اقتبسها أخذها، كذا في (القاموس)، وفي اصطلاح أهل البديع، وهو أن يضمن الكل شيئًا من القرآن والحديث. كذا قاله محمد بن عبد الرحمن، خطيب دمشقي في (تلخيص المفتاح)، وعطف قوله، وفضل الجماعة على قوله: \"الصلاة\"، واقتبسه من قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]، والجامع بين هذا الباب والباب السابق التضاد، وهو قضاء الصلاة وأدائها.\n١٨٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أنه نادى بالصلاة في سفر، في ليلة ذات بردٍ وريح، ثم قال: ألَا صلُّوا في الرِّحال، ثم قال: إن رسول الله - ﷺ - كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة ذات مطر يقول: \"ألا صلّوا في الرحال\".\nقال محمد: وهذا حسن، وهو رُخْصَة، والصلاة في الجماعة أفضل.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، من أتباع التابعين، من الطبقة السابعة من أهل المدينة، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى:\n_________\n(١٨٦) أخرجه: البخاري (٦٣٢)، (٦٦٦)، ومسلم (٦٩٧)، وأبو داود (١٠٦٢)، والنسائي (٦٥٤)، وابن ماجه (٩٣٧)، وأحمد (٤٥٦٦)، ومالك (١٥٩).","vol":"1","page":386},{"text":"محمد قال: ثنا، وفي نسخة: محمد: أخبرنا، أخبرنا نافع، المدني، مولى عبد الله بن عمر، تابعي، وفي نسخة: \"عن\" موضع \"أخبرنا\"، عن ابن عمر، ﵄، أنه نادى أي: دعا الناس بالصلاة الباء بمعنى الإِلصاق، وهو الإِيصال، وهو حقيقي، نحو أمسكتُ بزيد إذا قبضت على شيء من جسمه من يد أو ثوب ونحوهما، ومجازي نحو: مررت بزيد، أي: ألصقت مروري بمكان يقرب من زيد، وهو المراد هنا.\nفالمعنى: دعا ابن عمر الناس بمكان تصلى فيه الصلاة، كما قاله ابن هشام في (مغني اللبيب)، في سفر في ليلة ذات بردٍ وريح، وكان ابن عمر مسافرًا، فأذن بمحل يقال له: ضجنان، بفتح الضاد المعجمة وسكون الجيم، ونونين بينهما ألف بزنة فعلان غير منصرف. قال في (الفائق): جبل بينه وبين مكة خمس وعشرون ميلًا.\nوقال البخاري من طريق عبيد الله بن عمر، قال: حدثني نافع، قال: أذن ابن عمر في ليلة باردة بضجنان. كذا قاله الزرقاني، ثم قال: بفتح المثلثة والميم المشددة، اسم إشارة إلى المكان البعيد، كقوله تعالى في سورة الإِنسان: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠]، وثم ظرف لا ينصرف، كذا قاله ابن هشام، والتعبير بثم إشعار، بأن عبد الله بن عمر قال عقب النداء بلا مهلة، ويؤيده الفاء في (الموطأ) لمالك، حيث قال: ألَا أخره صلُّوا في الرِّحال، بفتح الهمزة، وتخفيف اللام، حرف العرض والتحضيض، ومعناهما طلب الشيء، ولكن العرض طلب بلين، والتحضيض طلب بحث، وتختص إلا هذه بالفعلية، كما قال في سورة النور: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢]، والرحال بكسر الراء والحاء المهملة، والألف واللام، جمع الرحل، وهو المسكن والمنزل، فالمعنى: صلوا في منازلكم، تأخر عن المجيء كيلا يصبكم المشقة، وهذا الأمر استحبابي لا حكمي، ثم قال: أي: ابن عمر: إن رسول الله - ﷺ - كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة ذات مطر، أي: ماء سحاب أو مشقة، يقول: \"ألا صلّوا في الرحال\"، يعني: يأمر - ﷺ - المؤذن بأن يقول للناس: صلوا في منازلكم (ق ١٩٥).\nقال محمد: وهذا أي: ما رواه ابن عمر حسن، وهي أي: الصلاة في الرحال عند المشقة رُخْصَة، والصلاة في الجماعة أفضل، وكلمة \"في\" للمصاحبة، نحو: ﴿ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ [الأعراف: ٣٨]، أي: معهم.\n* * *","vol":"1","page":387},{"text":"١٨٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو النَّضْر، عن بُسْر بن سعيد، عن زيد بن ثابت، قال: إن أفضل صَلَاتِكم في بيوتكم إلا صلاة الجماعة.\nقال محمد: وبهذا نأخذ وكل حسن.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، قال: حدثنا أبو النَّضْر، بفتح النون وسكون الضاد المعجمة، اسمه سالم بن أبي أمية، مولى عمر بن عبيد الله بن معمر القرشي التيمي المدني، روى عنه: مالك والثوري، وابن عيينة، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، كذا قاله الطيبي في (زيل شرح المشكاة والمصابيح)، وابن حجر في (تقريب التهذيب) (١)، عن بُسْر بضم الموحدة وإسكان السين المهملة آخره راء، ابن سعيد، المدني العابد، ثقة حافظ، من التابعين، عن زيد بن ثابت، بن الضحاك بن لوزان، الأنصاري البخاري، يكنى أبا سعيد، أو أبا خارجة، صحابي مشهور، كتب الوحي. قال مسروق: كان من الراسخين في العلم، مات سنة خمس أو ثمان وأربعين، وقيل: بعد الخمسين.\nقال: إن أفضل صَلَاتِكم في بيوتكم إلا صلاة الجماعة، أي: لكن الصلاة مع الجماعة أزيد ثوابًا على صلاة الرجل وحده بسبع وعشرين درجة.\nقال ابن عبد البر: كذا هو موقوف على زيد في جميع الموطآت، وهو مرفوع عنه من وجوه صحاح، ذكره السيوطي.\nقال محمد: وبهذا أي: بهذا الحديث نأخذ أي: نعمل ونفتي وكل أي: من الرخصة والعزيمة حسن، أي: مستحسن شرعًا، فقد ورد أن الله يحب أن يؤتى رخصه، كما يؤتى عزائمه، كما قاله علي القاري.\nوقال الشرنبلالي: يسقط حضور الجماعة بواحد من ثمانية عشر سببًا: الأول: مطر، والثاني: برد شديد، والثالث: خوف ظالم، والرابع: ظلمة شديدة في الصحيح،\n_________\n(١٨٧) أخرجه: البخاري (٧٣١)، ومسلم (٧٨١)، وأبو داود (١٤٤٧)، والنسائي (١٥٩٩)، وأحمد (٢١٠٧٢)، والدارمي (١٣٦٦)، ومالك (٢٩٣).\n(١) انظر: التقريب (١/ ١٩٤).","vol":"1","page":388},{"text":"والخامس: خوف حبس معسرًا أو مظلومًا، والسادس: عمى، والسابع: فلج، والثامن: قطع يد ورجل من خلاف، كذا قاله ابن الهمام، والتاسع: سقام، والعاشر: إقعاد، والحادي عشر: وحل أي: طين في طريق المسجد بعد انقطاع المطر، والثاني عشر: زمانة، والثالث عشر: شيخوخة، والرابع عشر: تكرار فقه لا نمو ولا لغة بجماعة تفوته ولم يداوم على تركها، والخامس عشر: حضور طعام تشوقه نفسه لشغل بألم، كمدافعة أحد الأخبثين، والسادس عشر: إرادة سفر تهيأ له، والسابع عشر: قيامه بمريض يتضرر بغيبته، والثامن عشر: شدة ريح ليلًا، وإذا انقطع عن الجماعة لعذر من الأعذار المبيحة للتخلف من الجماعة، وكانت نيته حضورها، لولا العذر الحاصل يحصل له ثوابها؛ لقوله - ﷺ -: \"إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى\"، كما في (نور الإِيضاح) و(نجاة الأرواح).\n* * *\n\n١٨٨ - أخبرنا مالك، قال: حدثنا نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"فضل صلاة الجماعة على صلاة الرجل وحده بسبع وعشرين درجةً\".\n• أخبرنا مالك، ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، من كبار أتباع التابعين من الطبقة السابعة من أهل المدينة، حدثنا نافع، المدني، تابعي، مولى عبد الله بن عمر، وفي نسخة: \"عن\" موضع \"حدثنا\"، عن ابن عمر، ﵄، أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"فضل من باب التفعيل، صلاة الجماعة على صلاة الرجل وحده بسبع وعشرين درجةً\"، أي: مرتبة.\nوللبخاري من حديث ابي سعيد الخدري: \"بخمس وعشرين درجة\" (١).\nزاد أبي داود: وإذا صلاها في فلاة، فأتم ركوعها وسجودها بلغت خمسين صلاة (٢) رواه ابن حبان والحاكم، وقال: على شرط الشيخين.\n_________\n(١٨٨) أخرجه: البخاري (٦٤٥)، ومسلم (٦٥٠)، والترمذي (٢١٥)، والنسائي (٨٣٧)، وابن ماجه (٧٨٩)، وأحمد (٥٣١٠)، ومالك (٢٩٠).\n(١) أخرجه: البخاري (٦٤٦).\n(٢) أخرجه: أبو داود (٥٦٠).","vol":"1","page":389},{"text":"وقال الترمذي: وعامة من روى عن النبي - ﷺ -: إنما قال خمسًا وعشرين إلا ابن عمر، قال: بسبع وعشرين درجة.\nوفي حديث أبي هريرة: رفعه بخمس وعشرين درجة، والجمع بينهما: أنه قال: الأول بالقليل ثم بالكثير، وقيل: ذلك باختلاف المصلين فلبعضهم سبع وعشرين، والآخر خمس وعشرين، بحسب كمال الصلاة، والمحافظة على خشوعها وإتمام ركوعها وسجودها، وكثرة عددهم، وفضلهم، وشرفهم بقعتهم ومحلهم.\nقال ابن عباس - ﵄ -: فضل صلاة الجماعة على صلاة الواحد بخمس وعشرين درجة، فإن كانوا أكثر فعلى عدد من في المسجد، فقال رجل: وإن كانوا عشرة آلاف؟ قال: وإن كانوا أربعين ألفًا. . فعلم أن التضعيف المذكور مرتب على أقل عدد تحصل به الجماعة، وأنه يزيد بزيادة المصلين، كما ذكره السيوطي.\nوقال بعضهم: صلاة واحدة في المسجد الحرام تفضل صلاة من صلى ببلده فرادى عمر نوح - ﵇ - بنحو الضعف.\nقال: فإن انضم إلى ذلك أنواع أخر من الكمالات، عجز الإِنسان عن حصر الثواب كما نقله علي القاري عن ابن حجر المكي في (حاشيته على الإِيضاح منسك النووي).\nلما فرغ من بيان أحكام الصلاة في الليلة الممطرة، شرع في بيان أحكام قصر الصلاة، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>باب قَصْرِ الصلاة في السفر</span>\nبيان أحكام قصر الصلاة في السفر، وإضافة الباب إلى قصر بمعنى في، وإضافة القصر إلى الصلاة بمعنى اللام.\nوالقصر في اللغة: الحبس؛ تقول: قصرت الشيء إذا حبسته أي: جعلت الصلاة ركعتين في السفر، وفي الاصطلاح: تخصيص الشيء بشيء.\nوالسفر لغة: قطع المسافة، وشرعًا: هو الخروج من بيته قصد مسيرة ثلاثة أيام بلياليها فما فوقها بسير الإِبل، ومشي الأقدام، كذا قاله السيد الشريف محمد الجرجاني","vol":"1","page":390},{"text":"الحنفي، وأما تقييد القصر بالسفر، فلتربية الفائدة؛ أي: لتقوية فائدة الخبر، واقتبس المصنف هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]، وأيَّد اقتباسه بقول عائشة وغيرها.\n١٨٩ - أخبرنا مالك، أخبرني صالح بن كَيْسَان، عن عُرْوَة بن الزُّبَيْر، عن عائشة، أنها قالت: فُرِضَتْ الصلاة ركعتين؛ في السفر والحَضَر، فزيد في صلاة الحضر، وأقرّت صلاة السفر.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، أخبرني صالح بن كَيْسَان، بفتح الكاف وسكون التحتية، يكنى أبا محمد، وأبي الحارث المدني، مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز، ثقة، فقيه من الطبقة الرابعة من أهل المدينة، وهي من الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، كذا في (خلاصة الهيئة)، وهو من التابعين، لقي جماعة من الصحابة، وهو ابن تسع سنين، مات بعد الهجرة سنة ثلاثين أو بعد الأربعين، كذا في (التقريب) (١).\n(ق ١٩٧) عن عُرْوَة بن الزُّبَيْر بن العوام، تابعي ثقة جدًا، من الطبقة الثانية، من أهل المدينة، مات قبل المائة من الهجرة، قال: سلوني فقد تركت حتى كدت أن أنسى، وإني لأُسأل عن الحديث فيفتح لي حديث يومي، واجتمع قوم في الحرم فقالوا: تمن، فقال: أتمنى أن يؤخذ عني العلم، وكان يتألف الناس على خدمته، وقال: رب كلمة اجتملتها أورثتني عزًا طويلًا.\nوقال: إذا رأيت الرجل يعمل الحسنة، فاعلم أن لها عنده إخوان؛ فإن الحسنة تدل على أختها، وإن السيئة تدل على أختها.\nوقال لبنيه: تعلموا؛ فإنكم إن تكونوا صغار قوم، عسى أن تكونوا كبراءهم، واسوءتاه، ماذا أقبح من شيخ جاهل.\n_________\n(١٨٩) أخرجه: البخاري (٣٥٠)، ومسلم (٦٨٥)، وأبو داود (١١٩٨)، والنسائي (٤٥٥)، ومالك (٢٧٥)\n(١) انظر: التقريب (١/ ٢٥١).","vol":"1","page":391},{"text":"وكان إذا جاء الرطب تسلم حائطه فيدخل الناس فيأكلون، ويحملون، وكان إذا دخله ردد هذه الآية: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩]، حتى يخرج، وكان يقرأ ربع القرآن كل يوم، نظرًا في المصحف، يقوم به الليل، فما تركه إلا ليلة قطعت رجله، ثم عاود الليلة القليلة، ووقعت الأكلة في رجله فقطعت وهو صائم، ولم يمسكه أحد، ولم يتضرر وجهه، ودخل أكبر ولده اصطبله فرفسه، أي: دق عنقه دابة فقتلته، فما سمع من شيء حتى قدم المدينة، فقال: اللهم إنه كان لي أربع أطراف فأخذت واحدًا، وأبقيت لي ثلاثة، فلك الحمد، وكان لي بنون أربع فأخذت واحدًا، وأبقيت ثلاثة، فلك الحمد، دائم الله، لئن أخذت فقد أبقيت، ولئن ابتليت لطال ما عافيت، وقال له الأطباء: نعطيك شيئًا لئلا تحس، قال: لا شأنكم، فنشروها بالمنشار، فما حرك عضوًا عن عضو، وصبر.\nفلما رأى القدم بأيديهم: دعا بها فقبلها، ثم قال: أما والذي حملني عليك إنه ليعلم أني ما مشيت بك إلى حرام قط، وقال: معصية، أو قال: سوء، وكان برد الصوم، ومات يوم مات وهو صائم.\nورأى رجلًا يصلي فخفف، فقال: أما كان لك إلى الله حاجة، إني لأسأل الله تعالى في صلاتي حتى أسأله الملح.\nوقال: إذا جعل أحدكم لله تعالى شيئا فلا يجعل ما يستحي أن يجعل الكريم؛ فإن الله تعالى أكرم الأكرمين، وأحق من اختير له، كذا قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي من الحنبلية في (طبقاته) (١).\nعن عائشة، ﵂، قالت؛ فُرِضَتْ الصلاة على بناء المجهول، أي: فرض الله الصلاة، أي: جنس الصلاة حين فرضها، وهي الصلوات الخمس والمراد بها الرباعية، ركعتين؛ في السفر والحَضَر، أي: في صدر الإِسلام، كررها لإِفادة عموم التثنية لكل صلاة.\nقال أبو السعادات ابن الأثير في (شرح المسند): إن قصر الصلاة في السنة الرابعة من الهجرة، وهو مأخوذ من قول غيره: إن نزول آية الخوف كان فيها.\n_________\n(١) انظر: صفة الصفوة (١/ ١٤٩).","vol":"1","page":392},{"text":"وذكر الدولابي: أن القصر كان في ربيع الآخر من السنة الثانية.\nوذكر السهيلي: بلفظ بعد الهجرة بعام، أو نحوه، وقيل: بعد الهجرة بأربعين يومًا.\nفزيد في صلاة الحضر، وأقرّت أي: جعلت مقررة على حالها من القصر، صلاة السفر، وفي بعض النسخ: في، لكنها لم توجد (ق ١٩٨) في الأصل.\nروى ابن خزيمة وابن حبان والبيهقي، من طريق الشعبي، عن مسروق، عن عائشة ﵂ أنها قالت: فرضت صلاة الحضر والسفر ركعتين ركعتين، فلما قدم النبي - ﷺ - المدينة واطمأن، زيد في صلاة الحضر، ركعتان ركعتان، وتركت صلاة الفجر، أي: قررت على ركعتين لطول القراءة، وصلاة المغرب، لأنها وتر النهار (١).\nواحتج بظاهر الحديث الحنفية وموافقوهم على أن القصر في عزيمة لا رخصة، واستدل مخالفوهم بقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]؛ لأن نفي الجناح لا يدل على العزيمة، والقصر إنما يكون من بطول منه، ولقوله - ﷺ -: \"صدقة تصدق الله بها عليكم\".\nفالمفروض أربع، إلا أنه رخص بأداء ركعتين، وأجابوا عن حديث عائشة بأنه غير مرفوع، وبأنها لم تشهد زمان فرض الصلاة، قاله الخطابي وغيره.\nقال الحافظ: وفيه نظر؛ لأنه مما لا مجال للرأي فيه؛ فله حكم الرفع، وعلى تسليم أنها أخذته عن النبي - ﷺ - أو عن صحابي أدرك ذلك.\nوقول إمام الحرمين: لو ثبت لنقل متواترًا فيه نظر أيضًا؛ لأن التواتر في مثل هذا لا يلزم، والذي يظهر وبه تجمع الأدلة أن الصلاة فرضت ليلة الإِسراء ركعتين، إلا المغرب، ثم زيد بعد الهجرة إلا الصبح، ثم بعد أن استقر فرض الرباعية، وخففت منها في السفر عند نزول قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١].\n* * *\n_________\n(١) أخرجه: ابن حبان (٢٧٣٨)، وابن خزيمة (٣٠٥).","vol":"1","page":393},{"text":"١٩٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر: أنه كان إذا خرج إلى خَيْبر قصر الصلاة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا، وفي نسخة: محمد أخبرنا، أخبرنا نافع، المدني، مولى عبد الله بن عمر، وفي نسخة: \"عن\" في موضع \"أخبرنا\"، أن عبدالله بن عمر: أنه كان إذا خرج إلى خَيْبر قصر الصلاة، وخيبر حصن قرب المدينة، وإن أدى إلى تعارض لما بينهما من المسافة، ومذهب أبي حنيفة أنها لا تقصر في أقل من ثلاث مراحل.\nوقال مالك والشافعي وأحمد: تقصر في مرحلتين.\nوقال الأوزاعي: في مرحلة.\nوقال داود الطائي: يجوز القصر في طويل السفر وقصره، كذا قاله علي القاري، وقال الزرقاني (١): ما بين خيبر والمدينة ستة وتسعون ميلًا.\n* * *\n\n١٩١ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن ابن عمر كان إذا خرج حاجّا أو مُعْتَمِرًا قَصَرَ الصلاة بذي الحُلَيْفَة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة محمد قال: ثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا مالك بن أنس، وفي نسخة: أخرى: ثنا، أخبرنا نافع، وفي نسخة أخرى: ثنا، وفي نسخة أخرى: \"عن\" موضع \"أخبرنا\"، أن عبد الله بن عمر كان إذا خرج من المدينة حاجّا أو مُعْتَمِرًا قيد أن اتفاقيات واقعات قَصَرَ الصلاة أي: ابتدأ في قصرها بذي الحُلَيْفَة، بضم الحاء المهملة وفتح اللام وسكون الياء التحتية وفتح الفاء والهاء، مكان على أربعة أميال من المدينة، وعلى مائة ميل من مكة، والجمهور على أنه لا يجوز القصر إلا بعد مفارقة بنيان\n_________\n(١٩٠) صحيح، أخرجه: البيهقي في الكبرى (٥٤٩٢).\n(١) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٤٣٣).\n(١٩١) أخرجه: مالك (٣٢٨)، وعبد الرزاق في مصنفه (٤٣٢٤).","vol":"1","page":394},{"text":"بلده، وفي رواية عن مالك: لا بد أن يكون على المصر على ثلاثة أميال.\nقال سعيد بن زيد الباجي: خص ابن عمر سفره بالحج والعمرة؛ لأنهما لا خلاف في القصر فيه.\nوقال أبو عمر: وكان ابن عمر يتبرك بالمواضع التي كان - ﷺ - ينزلها ويتمثل فعله بكل ما يمكنه، ولما علم أنه - ﷺ - قصر العصر بذي الحليفة حين خرج في حجة الوداع فعل مثله، وإنما سفر ابن عمر في غير الحج والعمرة، فكان (ق ١٩٩) يقصر إذا خرج من بيوت المدينة، ويقصر إذا رجع حتى يدخل بيوتها، كما رواه عنه نافع، كذا قاله الزرقاني (١).\n* * *\n\n١٩٢ - أخبرنا مالك، أخبرني ابن شهاب الزُّهْريِّ، عن سالم بن عبد الله، أن ابن عمر خرج إلى رِيم، فقصر الصلاة في مسيرة ذلك.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، من أتباع التابعين من الطبقة السابعة من أهل المدينة، وفي نسخة: ثنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال، وفي نسخة: محمد أخبرنا، أخبرني ابن شهاب، وهو محمد بن مسلم بن شهاب الزُّهْرِيّ، من التابعين من الطبقة الرابعة، من الطبقات السبعة من أهل المدينة، عن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁، كان تابعيًا من الطبقة الثانية، من أهل المدينة المنورة، كان سالم أشبه أولاده به، وكان يحبه حبًا شديدًا، فإذا قيل له في ذلك أنشد: يلومونني في سالم والوهن في جلده بين العين والأنف سالم، وكان سالم يخرج إلى السوق فيشتري حوائج نفسه، وزحمه رجل فقال له: بعض هذا يكفي، فقال الرجل: ما أراك إلا رجل سوء، فقال: ما أحسبك أبعدت، ولم يكن أحد في زمانه أشبه عن معنى من الصالحين منه في الزهد والفضل والعيش، كان يلبس الثوب بدرهمين.\nوقال له سليمان بن عبد الملك - رآه حسن السحنة - أي شيء تأكل؟ قال: الخبز والزيت، وإذا وجدت اللحم أكلته. قال: أو تشتهيه، قال: إذا لم أشتهه تركته حتى أشتهيه.\n_________\n(١) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٤٢٣).\n(١٩٢) إسناده صحيح.","vol":"1","page":395},{"text":"ودخل هشام بن عبد الملك الكعبة، فإذا هو بسالم، فقال: سلني حاجة، قال: إني لأستحي أن أسأل في بيته غيره، فلما خرج في أثره، فقال: الآن قد خرجت فسلني، قال: من حوائج الدنيا أم الآخرة؟ قال: من حوائج الدنيا، قال سالم: ما سألت من يملكها، فكيف أسأل من لا يملكها؟\nودخل مكة فصلى العشاء، ثم قام إلى ناحية من باب بني شيبة، فلم يزل يميل يمينًا ويسارًا، حتى طلع الفجر، ثم جلس فاجتنب غيره، كذا قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي من الحنبلية في (طبقاته).\nأن ابن عمر بن الخطاب ﵄ خرج إلى رِيم، بكسر الراء، منصرف وغير منصرف، موضع قريبة من المدينة، ذكره في (النهاية)، فقصر الصلاة في مسيرة ذلك، أي: أثناء سيره هنالك.\n* * *\n\n١٩٣ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أنه كان يسافر مع ابن عمر البَريدَ فلا يَقْصُرُ الصلاة.\nقال محمد: إذا خرج المسافر أتمّ الصلاة، إلا أن يريد مسيرة ثلاثة أيام كَوَامِل بسير الإِبل، ومشى الأقدم، فإذا أراد ذلك قصر الصلاة حين يخرج من مصره، ويجعل البيوت خلف ظهره، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد أخبرنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: ثنا، حدثنا نافع، أنه كان يسافر مع ابن عمر البَريدَ، محل ثلاثون ميلًا من المدينة، كما قاله الزرقاني.\nوقال الشمني: أربع فراسخ من المدينة، فلا يَقْصُرُ الصلاة، لعدم تحقق المسافة الشرعية في قصر الصلاة.\n_________\n(١٩٣) صحيح، أخرجه: مالك (٣٤٤)، وعبد الرزاق في مصنفه (٤٢٩٥)، والشافعي في المسند (٩٧)، والبيهقي في الكبرى (٥٥٠٢).","vol":"1","page":396},{"text":"قال محمد: إذا خرج المسافر أي: مريد السفر أتمّ الصلاة، أي: في جميع الأحوال، إلا أن يريد أي: يقصد مسيرة ثلاثة أيام كَوَامِل، كذا في نسخة، أي: بلياليها، بسير الإِبل، أي: يوجد المعتدل، ومشى الأقدم أي: يحبب عرف الأنام، فإذا أراد ذلك قصر الصلاة أي: وجوبًا عندنا، وجوازًا عند غيرنا، لكن لا يقصر في بلده بل يقصر حين يخرج من مصره، ويجعل البيوت أي: بيوت بلده، (ق ٢٠٠) ولو في يمينه ويساره خلف ظهره، لما روى ابن أبي شيبة في (مصنفه)، عن حرب بن الأسود الدؤلي: أن عليّا خرج من البصرة، صلى الظهر أربعًا، ثم قال: لو جاوزنا هذا الخص؟ والخُص بضم الخاء المعجمة وتشديد الصاد المهملة: البيت من القصب، أو ما يسقف من خشب، وهو أي: قصر الصلاة حين يخرج من مصره، ويجعل البيوت خلف ظهره، قولُ أبي حنيفة، وهو نعمان بن ثابت بن طاووس بن هرمز بن ملك بني شيبان، من الطبقة السادسة، من طبقات الفقهاء الحنفية، وهو تابعي ولد في عهد الصحابة، سنة ثمانين، وقيل: إحدى وستين، وقيل: ثلاث وستين، ولقي جماعة منهم، كأنس بن مالك، وعامر بن الطفيل، وعبد الله بن الزهري، وسهل بن سعد الساعدي، وهو ابن سبعين سنة، ومات ببلدة بغداد، وهي في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة.\nلما فرغ من بيان أحكام قصر الصلاة في السفر، شرع في بيان صلاة المسافر، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>باب المسافر يدخل المِصْرَ أو غيره متى يُتِمُّ الصلاة</span>؟\nبيان صلاة المسافر، وهو من جاوز عمارة موضع إقامته، قاصدًا مسيرة ثلاثة أيام من قصر أيام السنة ولياليها بالسير الوسط، مع الاستراحات المعتادة فينزل المسافر في ذلك للأكل والشرب، وقضاء الحاجة والتوضؤ والصلاة، ولأكثر النهار حكم كله، فإذا خرج قاصدًا محلًا وبكر في اليوم الأول، وسار إلى وقت الزوال حتى بلغ المرحلة فنزل للاستراحة، وبات بها ثم يكر في اليوم الثاني، وسار إلى بعد الزوال ونزل، ثم يكر في اليوم الثالث، وسار إلى الزوال فبلغ المقصد.\nقال شمس الأئمة: السرخسي: الصحيح أنه كذا قاله التمرتاشي، والشرنبلالي،","vol":"1","page":397},{"text":"فعلى تقدير صلاة إضافة إلى لفظ المسافر من قبيل إضافة الفعل إلى فاعله، أو إلى محله، يدخل أي: المسافر الذي استحكم سفره؛ بمضي ثلاثة أيام مسافر المصر، أي: وطنه الأصلي الذي ولد فيه، أو غيره، أي: غير المصر من قرية يصح الإِقامة فيها، متى يريد أن يتم الصلاة، يعني لا يزال المسافر الذي استحكم سفره حتى يدخل مصره أو قريته، وجملة يدخل صفة المسافر؛ لأنه جنس في قوة النكرة، ويجوز أن تكون حالًا أو خبر المبتدأ محذوف.\nوهذه الترجمة مفهوم التي قبلها، أو المناسبة بين هذا الباب والباب السابق ظاهرة.\n١٩٤ - أخبرنا مالك، حدثنا ابن شهاب الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن ابن عمر أنه قال: أصلى صلاةَ المسافر ما لم أُجْمعْ مُكْثا، وإن حبسني ذلك اثنتى عشرة ليلة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا، حدثنا ابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري، يكنى أبا بكر، تابعي في الطبقة الرابعة، من الطبقات السبعة من أهل المدينة، كذا قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي، من علماء الحنبلية في (طبقاته)، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، كذا قاله سيد علي بن الحسين في (خلاصة الهيئة)، وفي نسخة: حدثنا ابن شهاب الزهري، وفي نسخة أخرى: أخبرني بالإِفراد، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه ابن عمر، ﵄، وفي نسخة: عن ابن عمر أنه قال: أصلى صلاةَ المسافر أي: أستمر على قصرها ما لم أُجْمعْ بضم الهمزة وكسر الميم من الإِجماع، وهو العزم على الأمر، كما قال تعالى في سورة يونس: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١]، أي: أجمعوا مع شركائكم على أمركم، (ق ٢٠١) أي: ما لم أعزم مُكْثا، بتشديد الميم والفتح أفصح، أي: لبثًا.\nوالمعنى: ما لم أنو على الإِقامة، وإن وصلية حبسني ذلك أي: ولو منعني المقام ذلك السفر، اثنتى عشرة ليلة، الظاهر أنه ظرف المكث وما بينهما جملة وصلية.\n_________\n(١٩٤) صحيح، أخرجه: مالك (٣٣٤)، والبيهقي في الكبرى (٥٥٧٨).","vol":"1","page":398},{"text":"اعلم أن المسافر عندنا إن نوى إقامة خمسة عشر يومًا صار مقيمًا، وإن نوى أقل فلا.\nوقال مالك والشافعي: إذا نوى إقامة أربعة أيام، غير يومي الوصول والخروج، أتم صلاته.\nوعن ابن عباس - ﵄ - تسعة عشر يومًا.\nوعن أحمد: أنه إذا نوى إقامة مرة يفعل فيها أكثر من عشرين صلاة، أتم.\n* * *\n\n١٩٥ - أخبرنا مالك، حدثنا الزُّهْرِي، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، أن عمر كان إذا قَدِمَ مكة صلى بهم ركعتين، ثم قال: يا أهل مكة، أتموا صلاتكم فَإِنّا قوم سَفْرٌ.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، من كبار أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، كذا قاله السيد محمد بن الحسين، في (خلاصة الهيئة)، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: ثنا، وفي نسخة محمد: أخبرنا حدثنا الزُّهْرِي، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، يكنى أبا بكر، وفي نسخة: \"عن\" موضع \"حدثنا\"، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، وهو ابن عمر ﵄، أن أي: عبد الله بن عمر كان إذا قَدِمَ مكة صلى بهم أي: بأهل مكة إمامًا؛ لأنه الخليفة ولا يؤم الرجل في سلطانه، ركعتين، ثم قال: أي: بعد سلامه من الصلاة، خطابًا لمن صلى معه من المقيمين في الصلاة الرباعية: يا أهل مكة، أتموا صلاتكم أي: أربعًا فَإِنّا أي: الحجاج قوم سَفْرٌ، بفتحتين جمع أسفار، كفرخ جمع أفراخ، أي: مسافرين، وأما السفر بفتح السين وسكون الفاء بمعنى الكتابة، يقال: سفرت الكتاب وأسفره سفرًا من باب الثاني، كذا قاله محمد الواني، وندب هذا القول لدفع أنه نهي، وهذا الحديث موقوف إلى ابن عمر.\n_________\n(١٩٥) صحيح، أخرجه: مالك (٣٣٧)، (٩٠٠)، (٩٠١)، وعبد الرزاق في مصنفه (٤٣٦٩)، والبيهقي في الكبرى (٥٤٢٩).","vol":"1","page":399},{"text":"وجاء مرفوعًا، فقد روى أبو داود والترمذي (١)، وقال: حسن صحيح عن عمران بن حصين ﵁، قال: غزوت مع رسول الله - ﷺ - وشهدت معه الفتح، فأقام بمكة ثمان عشرة ليلة، لا يصلي إلا ركعتين، يقول: \"يا أهل مكة، صلوا أربعًا؛ فإنا سفر\" ولعل وجه قصره - ﷺ -؛ لأنه كان على جناح السفر، مع أنه من جملة هذه المدة في عرفة ومنى، ويشترط أن يكون فيه الإِقامة في بلدة واحدة، كذا قاله علي القاري.\n* * *\n\n١٩٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أنه كان يقيم بمكة عشرا فَيَقصر الصلاة، إلا أن يشهد الصلاة مع الناس فيصلي بصلاتهم.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، من أتباع التابعين في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، كما في (خلاصة الهيئة)، وفي نسخة: ثنا رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا، أخبرنا نافع، المدني التابعي؛ مولى ابن عمر، عن ابن عمر، ﵄، أنه كان يقيم بمكة عشرا أي: عشر ليال فيقصر الصلاة، أي: لعدم تكميل العدة، أو لكونه لم ينو الإِقامة، فَيَقصر الصلاة، الرباعية في جميع الحالات، إلا أن يشهد الصلاة أي: يحضرها مع الناس أي: مع الإِمام والقوم المقيمين، فيصلي بصلاتهم، أي: مع صلاتهم؛ لأنه فرضية يصير (ق ٢٠٢) أربعًا تبعًا للإِمام.\n* * *\n\n١٩٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا هشام بن عُروة، أنه سأل سالم بن عبد الله عن المسافر، إذا كان لا يدري متى يخرج، يقول: أخْرُجُ اليومَ، بل أخْرُجُ غدًا، بل الساعَة، فكان كذلك حتى يأتي عليه لَيَالٍ كثيرة، أيقصر أم ما يصنع؟ فقال: يقصر وإن تَمَادَى به ذلك شهرًا.\n_________\n(١) أخرجه: أبو داود (١٢٢٩)، والترمذي (٥٤٥).\n(١٩٦) إسناده صحيح.\n(١٩٧) إسناده صحيح.","vol":"1","page":400},{"text":"قال محمد: نرى قصر الصلاة إذا دخل المسافر مصرًا من الأمصار، وإن عزم على المُقام إلا أن يعزم مقام خمسة عشر يومًا فصاعدًا، فإذا عزم على ذلك أتمّ الصلاة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا، وفي نسخة: محمد أخبرنا مالك، أخبرنا هشام بن عُروة، أي: ابن الزبير بن العوام، وهو من أكابر العلماء، وأجلاء التابعين، في الطبقة الرابعة من الطبقات السبعة من أهل المدينة المنورة، وهي بلدة مباركة في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، أنه سأل سالم بن عبد الله أي: ابن عمر بن الخطاب، عن حال المسافر، إذا كان لا يدري أي: لا يعلم متى يخرج، يقول: أي: المسافر متردد أخْرُجُ اليومَ، بالنصب بل أخْرُجُ غدًا، بل الساعَة، وكلمة بل للإِضراب، وهو الإِعراض عن الشيء، بعد الإِقبال عليه، نحو: ضربت زيدًا بل عمرًا، وكذا قاله الشريف الجرجاني، وكررها السائل في سؤاله، إشعارًا باختلاف أحوال المسافر من التردد في الخروج من منزله، واهتمامًا بالحكم الذي يطلبه؛ فكان أي: متماديًا، وفي نسخة: وكان بالواو، حتى يأتي عليه أي: المسافر لَيَالٍ كثيرة، أو أيام كثيرة أيقصر أم ما يصنع؟ كلمة، أم هنا أم المنقطعة التي لا يقارفها معنى الإِضراب متضمنة معنى الاستفهام الطلبي، وما موصولة منصوب محلها على أنه مفعول يصنع، والعائد محذوف، والتقدير: أي الشيء الذي يصنعه المسافر، ويجوز أن يكون مرفوعًا محلها على الابتداء، ويصنع خبره، ولا يجوز أن تكون استفهامية، كما قال ابن هشام في (مغني اللبيب) لا يدخل الاستفهام على الاستفهام، قال: أي: أجاب سالم بن عبد الله بن عمر عن سؤال هشام بن عروة بقوله: يقصر وإن تَمَادَى به أي: لو استمر مع المسافر ذلك أي: التردد شهرًا، والباء للمصاحبة، كما قال تعالى في سورة هود: ﴿اهْبِطْ بِسَلَامٍ﴾ [هود: ٤٨]، أي: معه به، الكثرة فإن الحكم في شهر في شهرين، فصاعدًا، وفي سنتين كذلك.\nوالدليل عليه ما رواه أبو داود (١) بإسناد، قال النووي: على شرط البخاري ومسلم عن جابر: أن النبي - ﷺ - أقام بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة.\n_________\n(١) أخرجه: أبو داود (١٢٣٥)، وأحمد (١٣٧٢٦).","vol":"1","page":401},{"text":"وروى البيهقي في (المعرفة) بسنده قال النووي: إنه على شرط الشيخين أن ابن عمر قال: أربح علينا الثلج، أي: أغلق.\nقال محمد: نرى بصيغة المتكلم مع الغير، أي: نختار قصر الصلاة إذا دخل المسافر مصرًا من الأمصار، وفي معناه قرية من القرى، وإن وصلية عزم على المُقام، بضم الميم، أي: لو قصد الإِقامة ما دون العدد المعتبر، إلا أن يعزم أي: يقصد على المقام أي: على الإِقامة خمسة عشر يومًا فصاعدًا، فإذا عزم على ذلك أي: على الإِقامة مدة خمسة عشر يومًا، أتمّ الصلاة.\n* * *\n\n١٩٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا عطاء الخُرَاسانيِّ، قال سعيد بن المسيّب: من أجْمع على إقامة أربعة أيام فليتمَّ الصلاة.\nقال محمد: ولسنا نأخذ بهذا، يقصر المسافر حتى يُجْمع على إقامة خمس عشرة ليلة، وهو قول ابن عمر وسعيد بن جُبير وسعيد بن المسيّب.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، من كبار أتباع التابعين، من الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا مالك، أخبرنا عطاء بن أبي مسلم بن ميسرة، وقيل: (ق ٢٠٣) عبد الله الخُرَاسانيِّ، أبو عثمان؛ مولى المطلب بن أبي صفرة، على الأشهر، وقيل: مولى لهذين أصله من مدينة بلخ، من خراسان، وهما بلدان في الإِقليم الرابع من الأقاليم السبعة، فتحها عمر بن الخطاب مع الصحابة، ﵃، وجعل قبلة أهلها بين مغربي الصيف والشتاء، فصار البلخ شرقيًا محازيًا بركن الحجر الأسود من الكعبة المكرمة، وهذا خلاصة ما قاله العيني (شارح الهداية)، في بيان سمت القبلة.\nوفي نسخة: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة أخرى: قال: ثنا عطاء الخراساني، سكن بالشام، وولد سنة خمسين، وكان فاضلًا، عالمًا بالقرآن عاملًا به، وثقه ابن معين،\n_________\n(١٩٨) صحيح، أخرجه: مالك (٣٣٦)، والبيهقي في الكبرى (٥٥٥٥).","vol":"1","page":402},{"text":"وروى عنه مالك ومعمر والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز، وغيرهم، مات سنة خمس وثلاثين ومائة، كذا قاله الزرقاني.\nقال: أي: عطاء بن أبي مسلم بن ميسرة، في الطبقة الأولى من الطبقات السبعة، من أهل المدينة، هي في الإِقليم الثاني، من الأقاليم السبعة وقد مر منقبته تفصيلًا في باب الصلاة في الثوب الواحد، من أجْمع أي: عزم ونوى على إقامة أربعة أيام أي: غير يومي الدخول والخروج، كما قال به مالك والشافعي، فليتم الصلاة أي: أربعة تقطع، ذلك حكم السفر.\nقال محمد: أي: ابن الحسن بن فرقد الشيباني، من أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل الكوفة، وهي في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، ولسنا أي: ما كنا معشر الحنفية نأخذ أي: نعمل ونُفتي بهذا، أي: بأس سعيد بن المسيب، بل نقول: يقصر المسافر الصلاة حتى يُجْمع أي: يعزم وينوي على إقامة خمس عشرة ليلة.\nلما رواه الطحاوي عن ابن عباس ﵄، وابن عمر ﵄، أنهما قالا: إذا قدمت بلدة، وأنت مسافر، وفي نفسك أن تقيم خمسة عشر يومًا فأكمل الصلاة بها، وإن كنت لا تدري متى تظعن فاقصرها، والظعن الارتحال.\nوفي الكتب الستة (١) عن أنس بن مالك ﵁، أنه قال: خرجنا مع النبي - ﷺ - من المدينة إلى مكة فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة، قيل له: كم أقمتم بمكة؟ قال: أقمنا بها عشرًا؛ فإن قيل: يحتمل أنهم يعزمون على السفر كل يوم أجيب بأن هذا الحديث في حجة الوداع، كما صرح به المنذري، فلا بد أنهم قصدوا إقامة أكثر من أربعة أيام لأجل النُسك، فإنه - ﷺ - دخل مكة يوم الأحد، صبح رابعة من ذي الحجة يتأتى هذا الاحتمال في إقامته - ﷺ - عام الفتح تسعة عشر يومًا، فيما روى البخاري من حديث ابن عباس: أن رسول الله - ﷺ - أقام بمكة تسعة عشر يومًا يقصر الصلاة، وفي بعض الطرق: بمكة عام الفتح.\nقال المنذري: حديث أنس يخبر عن مقامه - ﷺ - (ق ٢٠٤) في حجة الوداع،\n_________\n(١) أخرجه: البخاري (١٠٨١)، ومسلم (٦٩٣).","vol":"1","page":403},{"text":"وحديث ابن عباس يخبر عن مقامه - ﷺ - في عام الفتح، وهو قول ابن عمر وسعيد بن جُبَير وسعيد بن المسيّب، فكان له قولان، وفي (غاية البيان) عن العلماء، في مدة الإِقامة للمسافر ثمانية عشر قولًا.\n* * *\n\n١٩٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر: أنه كان يصلي مع الإِمام بِمنى أربعًا، وإن صلى لنفسه صلَّى ركعتين.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، إذا كان الإِمام مقيمًا والرجل مسافرًا، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد أخبرنا، وفي نسخة أخرى: حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا نافع، المدني، مولى ابن عمر تابعي، وفي نسخة: \"عن\" موضع \"أخبرنا\"، وفي نسخة: حدثنا نافع، عن ابن عمر: أنه كان يصلي مع الإِمام بِمنى أربعًا، وإن صلى لنفسه صلَّى ركعتين، أي: لأنه مسافر.\nقال محمد: أي: المصنف ابن الحسن الشيباني، وبهذا أي: بأثر ابن عمر نأخذ، أي: نعمل ونفتي، إذا كان الإِمام مقيمًا والرجل مسافرًا، أي: فيجب على المأموم إتمام صلاته، تبعًا لإِمامه، وهو أي: إتمام الرجل صلاة إذا كان إمامه مقيمًا، قولُ أبي حنيفة، نعمان بن ثابت، تابعي في الطبقة السادسة من طبقات الفقهاء، وهو ابن سبعين سنة، ومات ببلده بغداد وهي في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، كذا في (خلاصة الهيئة).\nلما فرغ من بيان صلاة المسافر، شرع في بيان قراءته في حال سفره، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>باب القراءة في الصلاة في السفر</span>\nبيان حكم القراءة في الصلاة، أي: حال كونها في صلاة المسافر، في السفر، أي: قدر المستحب منها، والمناسبة بين هذا الباب والباب السابق ظاهرة.\n_________\n(١٩٩) صحيح، أخرجه: مالك (٣٣٨)، والشافعي في المسند (١١٢٠).","vol":"1","page":404},{"text":"٢٠٠ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن ابن عمر كان يقرأ في السفر في الصبح بالعشر السُّور من أول المفصّل، يرددهنَّ في كل ركعة سورة.\nقال محمد: يقرأ في الفجر في السفر بالسماء ذات البروج، والسماء والطارق، ونحوهما.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا، أخبرنا نافع، أي: المدني، مولى ابن عمر، وفي نسخة: حدثنا، وفي نسخة: \"عن\" في موضع \"أخبرنا\" أن ابن عمر كان يقرأ في السفر في الصبح والباء بالعشر السُّور متعلقة أن يقرأ وهو من قبيل إضافة صفة إلى موصوفها، تقديره يقرأ ابن عمر، في حالة سفره في صلاة الصبح بسور عشرة، واللام تدخل في العدد المضاف، نحو: الثلاث الأثواب، قوله: من أول طوال المفصّل، بيان بالعشرة السور، وهو أي: أول المفصل سورة الحجرات على الأصح.\nفإن قيل: لم سمي المفصل به؟\nأجيب عنه: لكثرة فصوله، وقيل: لقلة المنسوخ فيه كذا قاله في (مراقي الفلاح).\nيرددهنَّ هذا: أي: يقرأ ابن عمر في صلاة الصبح منهن في كل ركعة من ركعتي الفجر، قوله سورة، أي: سورة واحدة لدفع التوهم شاء من قوله بالعشر السورة، يعني: يقرأ ابن عمر في حال سفره في كل ركعة واحدة من ركعتي صلاة الفجر عشر سور تمامًا، وكما يؤيده هذا الوهم قوله: يرددهن أي: يكرر هذه السور في كل ركعة من ركعتي الفجر، وليس الأمر كذلك، بل الأمر الصحيح يقرأ استحبابًا في كل ركعة من ركعتي الفجر سورة واحدة من المفصل وفاتحة الكتاب، هذا إن لم يحصل بها مشقة وكان في الوقت سعة، وإلا وللضرورة يقرأ سورة شاء لأنه - ﷺ - قرأ بالمعوذتين في السفر والمعوذتين (ق ٢٠٥) بكسر الواو المشددة على صيغة اسم الفاعل، كأنهما تخففان من يقرأهما، نقلناه في تفسير (نور الأفئدة).\n_________\n(٢٠٠) صحيح، أخرجه: مالك (١٨١)، والبيهقي في الكبرى (٤١٢٢).","vol":"1","page":405},{"text":"قال محمد: ابن الحسن الشيباني، من أتباع التابعين، من الطبقة السابعة من طبقات الحنفية، وهو ابن سنة ثمان وخمسين، مات بالكوفة في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة يقرأ أي: المسافر في صلاة الفجر في حال السفر: والسماء ذات البروج، والسماء والطارق، ونحوهما وفي نسخة الشارح: يقرأ المصلي أي: ينبغي للمسافر أن يقرأ إلى آخره.\nاعلم أن سنة القراءة في السفر عجلة الفاتحة، مع أي سورة تشاء؛ لما روى البخاري عن البراء بن عازب ﵁، عن النبي - ﷺ -، كان في سفره يقرأ في العشاء في إحدى الركعتين والتين والزيتون (١)، وأما في حاله المهملة فنحو سورة البروج مع الفاتحة، لإمكان مراعاة السنة بذلك مع التخفيف، وأما في الحضر واستحسنوا في غير الضرورة طوال المفصل في الفجر والظهر، وأوساطه في العصر والعشاء، وهي من البروج إلى لم يكن وقصاره في المغرب.\nلما روى عبد الرزاق في (مصنفه) عن سفيان الثوري، عن علي بن زيد عن الحسن وغيره: قال: كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري: أن اقرأ في المغرب بقصار المفصل، وفي العشاء بأوساطه، وفي الصبح بطوال المفصل، كما قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان القراءة في الصلاة في السفر، شرع في بيان حكم الجمع بين الصلاتين، في حال السفر والمطر، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>باب الجمع بين الصلاتين في السفر والمطر</span>\nبيان جواز الجمع بين الصلاتين، تأويله أن يؤخر الأولى إلى آخر وقتها فيصليها فيها، ويعجل الصلاة الثانية؛ فيصليها في أولها في حال السفر والمطر، وفي نسخة: الحضر، وهو تصحيف من الناسخ؛ لأنه لم يوجد في هذا الباب حديث يشهد على الحضر، والمناسبة بين هذا الباب والباب السابق الصلاة السفرية.\n_________\n(١) أخرجه: البخاري (٧٣٥).","vol":"1","page":406},{"text":"٢٠١ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - كان إذا عَجِل به السَّيْرُ جمع بين المغرب والعشاء.\n• أخبرنا مالك بن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، من أتباع التابعين في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة: محمد أخبرنا، أخبرنا نافع، أي: مولى ابن عمر، وفي نسخة: \"عن\" موضع \"أخبرنا\"، عن ابن عمر، ﵄ أن رسول الله - ﷺ - كان إذا عَجِل بضم العين المهملة وكسر الجيم المشددة، أي: أسرع وحصر به أي: بذاته - ﷺ - السَّيْرُ مرفوع على أنه نائب فاعل لعجل، ونسبة الفعل إلى السير مجاز وتوسع، يجمع بين المغرب والعشاء، جمع تأخير.\nففي الصحيح من رواية الزهري، عن سالم، عن أبيه، رأيتُ النبي - ﷺ - إذا عجله السير في السفر يؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء، وفي نسخة: جمع بصيغة الماضي، وقال مالك والشافعي وأحمد: الجمع جمع تقديم.\n* * *\n\n٢٠٢ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن ابن عمر حين جمع بين المغرب والعشاء في السفر؛ سار حتى غاب الشَّفَق.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد أخبرنا، حدثنا نافع، أن ابن عمر حين جمع بين المغرب والعشاء في السفر؛ سار (ق ٢٠٦) أي: ذهب بعد الغروب حتى غاب الشَّفَق، ظاهره دليلهم، ولا يبعد أن يقال: المعنى حتى قرب أن يغيب الشفق؛ بأن يصلي المغرب في آخر وقته، والعشاء في أول وقته.\n* * *\n_________\n(٢٠١) أخرجه: البخاري (١٠٩٢)، ومسلم (٧٠٣)، وأبو داود (١٢١٧)، والترمذي (٥٥٥)، والنسائي (٥٩٢)، وأحمد (٤٤٥٨)، والدارمي (١٥١٧)، ومالك (٣٣١).\n(٢٠٢) صحيح، أخرجه: أبو داود (١٢٠٧)، وأحمد (٥٠٩٩).","vol":"1","page":407},{"text":"٢٠٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا داود بن الحُصين، أن عبد الرحمن بن هُرْمُز أخبره، قال: كان رسول الله - ﷺ - يجمع بين الظهر والعصر في سفره إلى تَبُوك.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، والجمع بين الصلاتين: أن تُؤَخَّر الأولى منهما فتصلى في آخر وقتها، وتُعَجِّل الثانية فتصلى في أول وقتها.\nوقد بلغنا: عن ابن عُمَر أنه صلى المغرب حين أخَّرَ الصلاة قبل أن يغيب الشفق، خلاف ما روى مالك، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا، وفي نسخة أخرى: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، أخبرنا داود بن الحُصين، بمهملتين، مصغر، الأموي مولاهم، أبو سليمان المدني، ثقة، تابعي في الطبقة السادسة من طبقات أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة، كذا في (التقريب من أسامي الرجال) (١)، أن عبد الرحمن بن هُرْمز بضم الهاء، وسكون الراء، المهملة والميم المضمومة، والزاي المعجمة غير منصرف بالعلمية والعجمة، يكنى: أبا داود المزني، مولاهم ربيعة بن الحارث، ثقة من خيار التابعين، في الطبقة الخامسة من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة بالإِسكندرية، وهي جزيرة في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، كذا في (خلاصة الهيئة)، أخبره، أي: بين إلى داود بن الحصين، عن أبي هريرة، هكذا رُوي عن يحيى مسندًا ورُوي عنه مرسلًا الجمهور، وأن (الموطأ) ليحيى الليثي عن مالك، هكذا خلاصة ما قاله الزرقاني.\nقال: أي: عبد الرحمن بن هرمز، عن أبي هريرة، ﵁، أنه قال: كان رسول الله - ﷺ - يجمع بين الظهر والعصر، أي: جمع تقديم إن ارتحل بعد زوال الشمس، وجمع تأخير إن ارتحل قبل الزوال على ما رواه أبو داود وغيره، عن معاذ بن جبل ﵁، أنه قال: أن النبي - ﷺ -: كان في غزوة تبوك، إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس آخر\n_________\n(٢٠٣) أخرجه: مسلم (٧٠٦)، وأبو داود (١٢٠٦)، والنسائي (٥٨٧)، وابن ماجه (١٠٧٠)، وأحمد (٢١٥٦٥)، والدارمي (١٥١٥)، ومالك (٣٣٠).\n(١) انظر: التقريب (١/ ١٦٢).","vol":"1","page":408},{"text":"الظهر حتى يجمعها إلى العصر فيصليهما جميعًا، وإن ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعًا، كذا قاله الزرقاني (١).\nفي سفره إلى تَبُوك، يجوز صرفه ومنعه، لوزن الفعل، كتقول والعلم كزبور، وهو اسم كتاب أنزل على داود، صلوات الله على نبينا وعليه.\nقال محمد: وبهذا أي: بهذا الحديث الذي رواه عبد الرحمن بن هرمز عن أبي هريرة، على ما رواه يحيى الليثي في (الموطأ) لمالك نأخذ، أي: نعمل ونفتي بالجواز، والجمع بين الصلاتين، أي: المراد الجمع بينهما عندنا أن تُؤَخِّر الأولى على صيغة المضارع المجهول الغائبة، وكذا المعطوفات عليها منهما فتصلى في آخر وقتها، وتُعَجَّل الثانية فتصلي في أول وقتها.\nوقد بلغنا أي: والحال وصل إلينا عن ابن عُمَر ﵄، أنه صلى المغرب حين أي: وقت أخَّرَ الصلاة قبل أن يغيب الشفق، وهو الحمرة الحاصلة بعد غروب الشمس، وبها قال أبو يوسف ومحمد بقول ابن عمر ﵄، أنه قال: الشفق: الحمرة، وهو مروي عن أكابر الصحابة، وعليه إطباق أهل اللسان.\nوقال أبو حنيفة، رحمه الله تعالى: الشفق هو البياض الذي يحصل في الأفق بعد الحمرة، ونقل رجوع أبو حنيفة إلى قولهما.\nوفي المبسوط قول الإِمام: أحوط، وقولهما أوسع، أي: أرفق للناس.\nقال ابن النجيم: إن الصحيح المفتى به قول أصحاب المذهب لا قول صاحبه، واستفيد منه أنه لا يفتى ولا يعمل إلا بقول الإِمام، وما عدل عنه إلى قولهما إلا لموجب من ضعف، أو ضرورة وتعامل واستفيد فيه (ق ٢٠٧) أيضًا أن بعض المشايخ، وإن قال الفتوى على قول أبي يوسف ومحمد، وإن كان دليل الإِمام واضحًا ومذهبه ثابتًا لا يلتفت إلى فتواه، وإذا ظهر لنا دليله وصحته، وأنَّه أقوى من دليلها، وجب علينا اتباعه والعمل به، كذا نقلنا في (سلم الفلاح، شرح مذنب نور الإِيضاح)، هذا خولف خلافًا ما روي مالك، من أنَّه جوز الجمع بين المغرب والعشاء جمع تقديم، والأصل منع الجمع، وقد قال\n_________\n(١) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٤١٥).","vol":"1","page":409},{"text":"الله في سورة النساء: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، وهو أي: جواز الجمع بين المغرب والعشاء، وبأن تؤخر المغرب قبل أن تغيب الشفق البياض وتصلي وبعدها أن تصلي العشاء قولُ أبي حنيفة، نعمان بن ثابت الكوفي.\n* * *\n\n٢٠٤ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن ابن عُمَر، أنه كان إذا جمع الأمراءُ بين المغرب والعشاء جمع معهم في المطر.\nقال محمد: ولسنا نأخذ بهذا، لا نجمع بين الصلاتين في وقت واحد، إلا الظهْرَ والعصر بعَرَفة، والمغربَ، والعشاءَ بالْمُزْدَلِفَةِ، وهو قولُ أبي حنيفة.\nقال محمد: وبلغنا عن عمر بن الخطاب أنه كتب في الآفاق: أن يجمعوا بين الصلاتين، ويخبرهم: أن الجمع بين الصلاتين في وقت واحدٍ كبيرةٌ من الكبائر، أخبرنا بذلك، الثقات عن العَلَاءِ بن الحارث عن مكحول.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: أخبرنا، وفي نسخة أخرى: ثنا رمزًا إلى حدثنا، حدثنا نافع، وفي نسخة: \"عن\" موضع \"حدثنا\"، عن ابن عُمَر، ﵄، بأنه كان إذا جمع الأمراءُ أي: جمع أمير، أي: الأئمة في ذلك الوقت، بين المغرب والعشاء جمع معهم في المطر، أي: حذوا من وقت الجماعة الثانية، فقد قال مالك وأحمد: يجوز ذلك بين المغرب والعشاء جمع تقديم لا بين الظهر والعصر كما عمم الشافعي سواء قوي المطر أو ضعف إذا بل الثوب، وهذه رخصة عندهم بمن يصلي في مسجد جماعة يقصدونه من بعد ويتأذى بالمطر في طريقه، وأما من هو في المسجد أو يصلي في بيته جماعة، أو عشى فركن أو كان المسجد في باب داره ففيه خلاف الشافعي وأحمد، وأما الرجل من غير مطر فلا يجوز الجمع به عند الشافعي.\nوقال أحمد بجوازه، وهو وجه اختاره المتأخرون من أصحاب الشافعي، وعن ابن سيرين مولى أنس بن مالك، أنه يجوز من غير مرض ولا خوف ولا حاجة اتخذه عادة.\n_________\n(٢٠٤) أخرجه: مالك (٣٢٣)، بسند صحيح.","vol":"1","page":410},{"text":"واختار ابن المنذر وجماعة جواز الجمع في الحضر من غير خوف ولا مرض ولا مطر.\nقال محمد: ولسنا أي: لم نكن نأخذ، لا نعمل ولا نفتي بهذا أي: بأثر ابن عمر: لا نجمع بين الصلاتين في وقت واحد، أي: السفر أو المطر يعني الجمع بين صلاتي الظهر والعصر وبين صلاتي المغرب والعشاء لعذر سفر أو مطر غير جائز عندنا، خلافا للشافعي فإنه مخير إن شاء صلى الظهر وقت العصر أو وقت الظهر، وكذا في المغرب والعشاء، كذا في (شرح مجمع البحرين) لابن مالك، إلا الظهْرَ والعصر بعَرَفة هي علم لمواضع الموقف للحجاج، سمي بالجمع منصرف، ولا اعتبار للتاء في اللفظ أنها علامة لجمع التأنيث مع الألف قبل التاء، وإنما سمي الموقف بعرفات؛ لأن الناس يتعارفون فيه أو لأن جبريل ﵇ كان يدور بإبراهيم صلوات الله على نبينا وعليه في مواضع العبادة، وقيل: إن جبريل ﵇ لما علَّم إبراهيم المناسك وأوصله إلى عرفات فقال له: أعرفت كيف تطوف، وأي: موضع تقف؟ قال: نعم، فإذا أردت تفصيله، فاطلبه من قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، يعني: يجوز الجمع للحاج بين صلاتي (ق ٢٠٨) الظهر وصلاة العصر في وقت الظهر بعرفات بشرطين: أحدهما: الإِمام، والثاني: الإحرام.\nفلا يجوز للمنفرد أن يجمع بين صلاتي الظهر والعصر في وقت الظهر في عرفات، ولا يجوز أن يصلي العصر بالجماعة مع الإِمام في وقت الظهر لمن صلى الظهر في جماعة بلا إحرام ثم أحرم.\nلكن يجوز أن يصلي العصر في وقته لمن صلى الظهر بجماعة بلا إحرام، ثم أحرم للحج، كذا بيناه في (سلم الفلاح)، والمغربَ، والعشاءَ بالْمُزْدَلِفَةِ، يعني: يجوز الجمع بين صلاتي العشاء والمغرب جمع تأخير بمزدلفة وسميت بمزدلفة لاجتماع الناس فيها، ومنه قوله تعالى في سورة الشعراء: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ٦٤]، أي: جمعناهم، وهو أي: ما ذكر مفصلًا قولُ أبي حنيفة، أي: نعمان بن ثابت الكوفي، مات في بغداد.\nقال محمد: وبلغنا أي: الخبر عن عمر بن الخطاب ﵁، أنه كتب في الآفاق، قال أهل اللغة: بمد الهمزة والفاء والقاف بينهما ألف النواحي والواحد أُفق وهو","vol":"1","page":411},{"text":"الناحية والطريق، ينهاهم أي: حال كونه ينهى أهل النواحي أن يجمعوا بين الصلاتين، ويخبرهم: أن الجمع بين الصلاتين في وقت واحدٍ كبيرةٌ من الكبائر، لأنه عزم منه أداء صلاة في غير وقتها، وهي فاسدة فيكون تاركًا لتلك الصلاة.\nأخبرنا بذلك، أي: بأن الجمع بين الصلاتين كبيرة من الكبائر، الثقات بكسر المثلثة، أي: العدول من الرواة، عن العَلَاءِ بن الحارث بن عبيد، وهو ابن سبعين سنة، مات سنة ستة وثلاثين بعد المائة (١).\nعن مكحول، أبي عبد الله، ثقة فقيه، كثير الإِرسال، مشهور، مات سنة بضع عشرة ومائة، تابعي من الطبقة الخامسة من أهل الشام، وهي في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، ومكحول كان معلمًا للأوزاعي، قال الزهري: العلماء أربعة: ابن المسيب بالمدينة، والشعبي بالكوفة، والحسن البصري بالبصرة، ومكحول بالشام، فلم يكن في زمان مكحول: أبصر بالفُتيا منه، وكان لا يفتي حتى يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، هذا رأيي والرأي يخطئ ويصيب.\nروى عن جماعة من الصحابة، وعنه كثير خلق.\nلما فرغ من بيان جواز الجمع بين صلاتي الظهر والعصر بالتأخير، والمغرب والعشاء في السفر والمصر، شرع في بيان جواز الصلاة على الدابة في السفر، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>باب الصلاة على الدابة في السفر</span>\nبيان حكم الصلاة على الدابة في حال السفر. أخذ المصنف هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة البقرة، ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، أي: قبلة الله.\nقال عبد الله بن عمر: نزلت هذه في المسافر يصلي التطوع حيث ما توجهت به راحلته، كذا في (معالم التنزيل) للبغوي، والمناسبة بين هذا الباب والباب السابق، الصلاة في السفر.\n_________\n(١) انظر: التقريب (١/ ٤٥٧).","vol":"1","page":412},{"text":"٢٠٥ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن دينار، قال: عبد الله بن عمر: كان رسول الله - ﷺ - يصلي على راحلته في السفر حيث ما تَوَجَّهَتْ به، قال: وكان عبد الله بن عمر يصنع ذلك.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا، حدثنا عبد الله بن دينار العدوي، مولاهم أبو عبد الرحمن، المدني، مولى ابن عمر، ثقة، تابعي في الطبقة الرابعة من أهل (ق ٢٠٩) المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، مات سنة سبع وعشرين ومائة، كذا في (التقريب من أسماء الرجال)، وفي نسخة: أخبرنا، قال: قال عبد الله بن عمر: كان رسول الله - ﷺ - يصلي أي: صلاة نافلة بإيمائه وإشارته على راحلته أي: على ناقته وهي من جياد الإِبل، فقد ورد: \"الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلته\"، في السفر قيل: قدر فرسخين، وقيل: قدر رمح، والأصح في كل موضع يقضي فيه المسافر، ولا يشرط السفر، وشرطه أحمد، وعن أبي يوسف وهو مذهب الشافعي.\nورواية عن أحمد: يجوز التنفل في المطر أيضًا على الدابة، حيث ما تَوَجَهَتْ أي: راحلته - ﷺ - به، والباء للتعدية والضمير المجرور، إما عائد إلى حيث أو إلى النبي - ﷺ -، فالعائد إلى حيثما محذوف، أي: إليه، كذا قاله الهروي يمينًا وشمالًا يوافق القبلة أم لا ومفهومه أنه - ﷺ - يجلس عليها على هيئته التي يركبها عليه، ويستقبل بوجهه ما استقبلته الراحلة، فتقديره إلى حيث توجهت، فقوله: توجهت متعلق بيصلي.\nقال: أي: عبد الله بن دينار: وكان عبد الله بن عمر يصنع ذلك، أي: يصلي على دابته لكمال متابعته فيما هنالك عقب المرفوع بالموقوف مع أن الحجة قائمة بالمرفوع لبيان أنَّ العمل استمر على ذلك ولم يتطرق إليه نسخ ولا معارض راجح.\n* * *\n_________\n(٢٠٥) أخرجه: البخاري (١٠٩٦)، ومسلم (٧٠٠)، ومالك (٣٥٦).","vol":"1","page":413},{"text":"٢٠٦ - أخبرنا مالك، أخبرني أبو بكر بن عُمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر، أن سعيدًا أخبره: أنه كان مع عبد الله بن عمر في سفر، فكنت أسير معه وأتحدَّث معه، حتى إذا خَشيت أن يطلع الفجر، تخلَّفْت، فنزلت، فأوْتَرْت، ثم ركبت فلحقته، فقال لي ابن عمر: أين كنت؟ قال: فقلت: يا أبا عبد الرحمن نزلت فأوْتَرْتُ، وخشيت أن أُصبح، فقال: أليس لك في رسول الله - ﷺ - أسْوَة حسنة؟ فقلت: بلى والله، قال: فإن رسول الله - ﷺ - كان يُوتِر على البعير.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد أخبرنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال، أخبرني أي: وحدي أبو بكر بن عُمر، بلا واو، وفي رواية يحيى: عن أبي بكر بن عمرو، بالواو وجميع الرواة يقولون بخلافه.\nقال السيوطي: ليحيى عن مالك عن أبي بكر بن عمرو، عن سعيد بن يسار، وقال ابن عبد البر: كذا وقع في نسختنا، وكان أحمد بن خالد، يقول: عن أبي بكر بن عمر، كذا قاله جماعة أصحاب مالك، وهو كما قاله، وأنه أبو بكر بن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر، كذا رواه جماعة، أي: ابن الخطاب، ولم أقف على اسمه، أن سعيدًا أي: ابن يسار، أخبره أي: إلى أبي بكر بن عمر أنه أي: سعيد كان مع عبد الله بن عمر في سفر، فكنت أسير معه أي: مترافقين، وأتحدَّث معه، أي: متوفقين حتى إذا خشيت أن يطلع الفجر، تخلَّفْت، أي: عن السير معه فنزلت، أي: عن الدابة فأوْتَرْت، أي: فصليت الوتر على الأرض، وهذا يدل على وجوبه، ثم ركبت فلحقته، أي: أدركت ابن عمر، فقال لي ابن عمر: أين كنت؟ أي: فيما تخلفت، فقلت: يا أبا عبد الرحمن نزلت فأوْتَرْتُ، وخشيت أن أُصبح، أي: أدخل في الصباح فيفوتني الوتر، فلذا تأخرت، فقال: أي: عبد الله بن عمر: أليس لك في رسول الله - ﷺ - أسْوَة حسنة بكسر الهمزة وفتحها، أي: اقتداء يستحسن نقلًا وعقلًا، فقلت: بلى والله، قال: فإن رسول الله - ﷺ - كان يُوتِر على البعير، ظاهره دائمًا، ويحتمل أنه يقع أحيانًا لعذر به - ﷺ - (ق ٢١٠)\n_________\n(٢٠٦) أخرجه: البخاري (٩٩٩)، ومسلم (٧٠٠)، ومالك (٢٧١).","vol":"1","page":414},{"text":"والله أعلم، ومع الاحتمال لا يصلح الاستدلال هذا.\nوقال الطحاوي: ويعارض حديث الوتر على البعير حديث حنظلة بن سفيان عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان يصلي على راحلته ويوتر بالأرض، ويزعم أن النبي - ﷺ - فعل ذلك، والعجب من الخصم أن يقول الوتر فرض على النبي - ﷺ - ثم يزعمون جواز هذا الفرض على الراحلة، ويقولون لخصمهم: لو كان فرضًا لما أُدي على الراحلة.\n* * *\n\n٢٠٧ - أخبرنا مالك، أخبرني عمرو بن يحيى، عن سعيد بن يسار، عن عبد الله بن عمر، قال: رأيتُ رسول الله - ﷺ - يصلي على حمار وهو متوجِّه إلى خَيْبَر.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد أخبرنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا عمرو بن يحيى، بن عمار بن أبي حسن المازني، ثقة في الطبقة السادسة من أهل المدينة، مات في سنة مائة بعد الثلاثين، وفي نسخة: أخبرني بالإِفراد، وفي نسخة: \"عن\" موضع \"أخبرنا\"، عن سعيد بن يسار، المدني، ثقة، تابعي، في الطبقة الرابعة مات سنة سبع عشرة ومائة، وقيل: قبلها، عن عبد الله بن عمر، ﵄، أنه قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يصلي على حمار لم يتابع عليه عمرو بن يحيى، وإنما يقولون: على راحلته.\nقال النسائي: أي حديث ابن عمر، فالمعروف والمحفوظ فيه راحلته، وبين الصلاة على الدابة والصلاة على الراحلة فرق في التمكن لا يجهل، وأما غير ابن عمر فروى جابر: كان - ﷺ - يصلي أينما كان وجهه على الدابة، وقال الحسن: كان الصحابة يصلون في أسفارهم على دوابهم أينما كانت وجوههم، كذا قاله في (التمهيد)، لكن لرواية عمرو شاهد يحيى بن سعيد عن أنس، رأى النبي - ﷺ - يصلي على حماره وهو ذاهب إلى خيبر، رواه السراج بإسناد حسن.\n_________\n(٢٠٧) أخرجه: مسلم (٧٠٠)، وأبو داود (١٢٢٦)، والنسائي (٧٣٩)، وأحمد (٤٥٠٦)، مالك (٣٤٣)، وابن حبان (٢٥١٥)، وأبو يعلى (٢٦٣٦).","vol":"1","page":415},{"text":"وهو أي: النبي - ﷺ - متوجِّه إلى خَيْبَر، بخاء معجمة أوله وراء آخره، زاد الحسيني عن مالك خارج (الموطأ) ويومئ إيماءً، أي: الركوع والسجود أخفض منه تمييزًا بينهما وليكون البدل على وفق الأصلي، وهذا الحديث أخرجه مسلم عن يحيى عن مالك به.\n* * *\n\n٢٠٨ - أخبرنا مالك، أخبرني يحيى بن سعيد؛ قال: رأيت أنس بن مالك في سفر يصلي على حماره، وهو متوجه إلى غير القبلة، يَركع ويسجد إيماء برأسه، من غير أن يضع وجهه على شيء.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا، وفي نسخة أخرى: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري، المدني، أبو سعيد القاضي، تابعي، ثقة، ثبت، في الطبقة الخامسة من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين أو بعدها ومائة (١)، وفي نسخة: قال: أخبرنا، وفي نسخة أخرى: قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، قال: رأيت أنس بن مالك في سفر يصلي على حماره، وهو متوجه إلى غير القبلة، يَركع ويسجد إيماء برأسه، من غير أن يضع وجهه على شيء، بردعه أو غيرها.\nزاد البخاري ومسلم: عن محمد بن سيرين عن أنس أنه قال: لولا أني رأيتُ رسول الله - ﷺ - فعله لم أفعله.\nقال المهلب: هذه الأحاديث تختص قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، أي: جانب المسجد الحرام، وتبين أن قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، أي: قبلة الله في النافلة.\nوقد أخذ بمضمونها فقهاء الأمصار؛ إلا أن أحمد وأبا ثور استحبا أن يستقبل القبلة\n_________\n(٢٠٨) أخرجه: البخاري (١١٠٠)، ومسلم (٧٠٢)، ومالك (٣٥٧).\n(١) انظر: التقريب (٢/ ٣٤٨).","vol":"1","page":416},{"text":"بالتكبير حال ابتداء الصلاة، (ق ٢١١) لما رواه أبو داود، وأحمد، والدارقطني (١) عن أنس: كان رسول الله - ﷺ - إذا أراد أن يتطوع في السفر استقبل بناقته القبلة، ثم صلى حيث توجهت ركابه. واختلف في السفر الذي لا تقتصر فيه الصلاة، فأجاز الجمهور: في كل سفر، وخصه مالك في المشهور عنه بسفر القصر، وحجته أن هذه الأحاديث إنما وردت في أسفاره - ﷺ - ولم ينتقل عنه أنه سافر سفرًا قصيرًا فصنع ذلك، كذا قاله الزرقاني (٢).\n* * *\n\n٢٠٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن ابن عمر لم يصل مع صلاة الفريضة في السفر التطوعَ قبلها ولا بعدها، إلا من جوف الليل، فإنه كان يصلي نازلًا على الأرض، وعلى بعيره أينما توجّه به.\nقال محمد: لا بأس بأن يصلي المسافر على الدابة تطوعًا إيماء وحيث كان وجهه، ويجعل السجود أخفض من الركوع، فأما الوَتْرُ والمكتوبة فإنهما تُصَلّيان على الأرض، وبذلك جاءَت الآثار.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا، وفي نسخة أخرى: ثنا، أخبرنا نافع، المدني، مولى ابن عمر، وفي نسخة: أن ابن عمر لم يصل مع صلاة الفريضة في السفر التطوع أي: القوافل الشوامل للسنن الرواتب، قبلها ولا بعدها، أي: قبل صلاة فرض أداها وبعدها إلا من جوف الليل، وهو يشمل أول الليل وآخره، فإنه أي: ابن عمر، كان يصلي نازلًا على الأرض، أي: لأنه كان ينزل بالليل في المنزل، وعلى بعيره أي: ويصلي التطوع على مركوبه، أينما توجّه، والباء للتعدية، والضمير المجرور إما عائد إلى أين، أو إلى ابن عمر.\nقال محمد: أي: ابن الحسن الشيباني: لا بأس أي: لا كراهة بأن يصلي المسافر على دابته تطوعًا أي: سننًا رواتب وغيرها، إيماء أي: إشارة، حيث، وفي نسخة: حيثما\n_________\n(١) أخرجه: أبو داود (١٢٢٥)، وأحمد (١٢٦٩٦)، والدارقطني (١/ ٣٩٦).\n(٢) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٤٣٠).\n(٢٠٩) صحيح، أخرجه: مالك (٣٥٢).","vol":"1","page":417},{"text":"كان وجهه، من الجهات الأربع، ويجعل السجود أي: إيمائه إليه، أخفض من الركوع، أي: من إيمائه إليه، والجملة استثنائية بيانية أو حالية، فأما الوَتْرُ لكونه واجبًا عند أبي حنيفة وآكد السنن عند صاحبيه، والمكتوبة أي: أداءً وقضاء أو نذرًا فإنهما أي: صلاة الوتر والمكتوبة، تُصَلّيان على صيغة المجهول، على الأرض، وكذا صلاة الجنازة والسجدة التي تليت على الأرض. وعن أبي حنيفة: ينزل الراكب لسنة الفجر لأنها آكد الرواتب، وعنه أنها واجبة، وبذلك أي: في حق أن تكون صلاة الوتر والمكتوبة تصليان على الأرض، جاءَت الآثار، أي: الأحاديث والأخبار، منها الوارد هنا ستة آثار.\n* * *\n\n٢١٠ - قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة، عن حُصين، قال: كان عبد الله بن عمر يصلي التطوع على راحلته إيماءً أينما توجهت به، فإذا كانت الفريضة والوتر نزل فصلى.\n• قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة، أي: سلطان المجتهدين في الذهب، برهان الأئمة في المشارق والمغارب، الإِمام الأعظم، والهمام الأكرم نعمان بن ثابت بن طاوس بن هرمز بن ملك بن شيبان، تابعي ولد في عهد الصحابة سنة ثمانين، وقيل: إحدى وستين، وكان في الطبقة السادسة من طبقات الفقهاء وهو ابن سبعين سنة، في أشهر الروايات، ومات سنة خمسين ومائة ببغداد، وهي بلدة في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة. عن حصين بالتصغير، وهو ابن مالك البجلي، صدوق تابعي، في الطبقة الثالثة من أهل الكوفة، وهي بلدة في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة. قال: أي: حُصين بن مالك، كان عبد الله بن عمر يصلي التطوع أي: السنن الرواتب وغيرها، على راحلته إيماءً أينما توجهت أي: راحلة ابن عمر، به، والباء للتعدية والضمير المجرور عائد إلى حيث ما أو إلى ابن عمر، فإذا كانت أي: الصلاة (ق ٢١٢) الفريضة أي: إذا أوقعت الفريضة، أو الوتر نزل فصلى على الأرض لكونه واجبًا بمنزلة الفرض.\n* * *\n_________\n(٢١٠) صحيح.","vol":"1","page":418},{"text":"٢١١ - قال محمد: أخبرنا عمر بن ذرّ الهَمْدَانيّ، عن مجاهد، أن ابن عمر كان لا يزيد على المكتوبة في السفر على الركعتين، لا يصلي قبلها ولا بعدها، ويُحْيي الليل على ظهر البعيرِ أينما كان وجهه، وينزل قبل الفجر فيوتر بالأرض، وإذا أقام ليلة في منزل أحيا الليل.\n• قال محمد: أخبرنا عمر بن ذرّ بكسر الذال المعجمة وتشديد الراء المهملة، ابن عبد الله بن ذرارة الهَمْدَانيّ، بفتح الهاء وسكون الميم وفتح الدال المهملة، والألف والنون والياء نسبة إلى قبيلة، كوفي، كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، وهو من أتباع التابعين، ثقة، في الطبقة السادسة، كذا قاله ابن حجر (١)، وفي نسخة: قال محمد: أنا، رمزًا إلى أخبرنا، عن مجاهد بن جبر، بفتح الجيم، وسكون الموحدة يكنى أبا الحجاج المخزومي، مولاهم المكي، ثقة، إمام في التفسير وفي العلوم، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل مكة، مات سنة إحدى أو اثنين أو ثلاث أو أربع ومائة وله ثلاث وثمانون، كذا في (تقريب التهذيب)، أن ابن عمر كان لا يزيد على المكتوبة في حال السفر على الركعتين، لا يصلي قبلها ولا بعدها، أي: سننًا من السنن النوافل.\nويؤيده ما رواه البخاري (٢) من حديث حفص بن عاصم، فقال: سافر ابن عمر فقال: صحبتُ النبي - ﷺ - فلم أر يسبح في السفر، وقد قال الله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، أي: متابعة، ومعنى يسبح: يصلي التطوع، ويُحْيي بضم التحتية وسكون الحاء المهملة وبعدها ياء تحتية مكسورة، من الإِحياء، أي: يقيم ابن عمر الليل أي: بالصلاة على ظهر البعيرِ أينما كان وجهه، أي: وجه نفسه أو وجه بعيره، وينزل قبل الفجر فيوتر بالأرض، وفي نسخة: في الأرض، وإذا أقام ليلة في منزل أحيا الليل، أي: بالصلاة على الأرض.\n* * *\n_________\n(٢١١) صحيح.\n(١) انظر: التقريب (١/ ٤٢٧).\n(٢) أخرجه: البخاري (١٠٥٠).","vol":"1","page":419},{"text":"٢١٢ - قال محمد: أخبرنا محمد بن أَبَانَ بن صالح، عن حماد بن أبي سليمان، عن مجاهد، قال: صحبت عبد الله بن عمر من مكة إلى المدينة، فكان يصلي الصلاة كلها على بعيره نحو المدينة، ويومئ برأسه إيماءً ويجعل السجود أخفض من الركوع، إلا المكتوبة والوتر، فإنه كان ينزل لهما، فسألته عن ذلك فقال: كان رسول الله - ﷺ - يفعله حيث كان وجهه، يومئ برأسه، ويجعل السجود أخفض من الركوع.\n• قال محمد: أخبرنا محمد بن أَبَانَ بفتح الهمزة، وبالموحدة المخففة والألف والنون ابن صالح القرشي، ويقال له: الجعفي، الكوفي، ضعفه أبو داود وابن معين، وقيل: كان مرجئًا صدوق، كان في الطبقة العاشرة من طبقات التابعين من أهل الكوفة، مات سنة ثمان وثلاثين ومائة، وعاش تسعين سنة، كذا قاله الذهبي في (الميزان)، وابن حجر في (تقريب التهذيب). عن حماد بن أبي سليمان، مسلم مولى إبراهيم بن أبي موسى الأشعري، وهو أفضل التابعين وأكمل أئمة المهتدين، في الطبقة الخامسة من فقهاء الكوفة، عن مجاهد، وهو تابعي، قال: صحبت عبد الله بن عمر ﵄، لم يقل صاحبت تأدبًا، من مكة إلى المدينة، فكان يصلي الصلاة أي: جنسها كلها أي: جميع أنواعها، على بعيره نحو المدينة، أي: جانبها مع أن الصلاة بين مكة والمدينة، ويومئ أي: يشير برأسه إيماءً ويجعل السجود أي: في إيمائه إليه أخفض أي: أسفل من إيمائها إلى ركوعه، أي: قيامًا على أصلهما، إلا المكتوبة والوتر، استثناءً من كلها فإنه أي: الشأن أو ابن عمر كان ينزل لهما، أي: حيث لم يكن له عذر في أدائها على الأرض، وإلا فيجوز أداء الفريضة على الدابة إن خاف زيادة المرض أو سبعًا، (ق ٢١٣) أو عدوًا، أو كانت الدابة جموحًا، أو كان الطين والوحل بحال يغيب فيه وجهه، وهذا إذا كانت الدابة تسير بنفسها، وإن كانت تسير بتسييرها صاحبها، فالفريضة لا تجوز كما لا تجوز التطوع، كذا ذكره الشمني،، ويشكل إذا كان الخوف من عدو، وكذا إذا كان الطين والوحل،\n_________\n(٢١٢) ضعيف لضعف محمد بن أبان بن صالح، ضعفه أبو داود، وقال البخاري: ليس بالقوي، (الميزان) (٦/ ٤١).","vol":"1","page":420},{"text":"لا سيما إذا كان الوقت ضيقًا، فسألته أي: ابن عمر، عن ذلك أي: عن التطوع على الدابة، فقال: كان رسول الله - ﷺ - يفعله، أي: يصلي التطوع حيث كان وجهه، أي: وقع وجهه وهو في سفره، يومئ برأسه، ويجعل أي: إيمائه إلى السجود أخفض أي: أسفل من إيمائه إلى الركوع، وترك تتمة ما فعله اختصارًا.\n* * *\n\n٢١٣ - قال محمد: أخبرنا إسماعيل بن عيّاش، قال: حدثني هشام بن عُروة، عن أبيه، أنه كان يصلي على ظهر راحلته، يسجد حيث توجهت، ولا يضع جَبهته، ولكن يشير للركوع والسجود برأسه، فإذا نزل أوتر.\n• قال محمد: أخبرنا إسماعيل بن عيّاش، بالتحتية المشددة، هو ابن مسلم العنسي بالنون، أبو عتبة الحمصي، صدوق في روايته عن أهل بلده، من أتباع التابعين، في الطبقة الثامنة، مات سنة إحدى أو اثنين وثمانين بعد المائة، وله بضع وتسعون، كذا قاله ابن حجر في (التقريب من أسماء الرجال) (١).\nقال: حدثني أي: وحدي، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا هشام بن عُروة، عن أبيه، وهو عروة بن الزبير بن العوام، كان في الطبقة الثانية من أهل المدينة، كذا قال أبو الفرج من علماء الحنبلية، في (طبقاته) (٢)، أنه كان يصلي على ظهر راحلته، أي: دابته يسجد كذا في نسخة: أي: يومئ برأسه إلى السجود أخفض من إيمائه إلى الركوع، حيث توجهت، أي: راحلته، ولا يضع جَبهته، أي: على شيء، ولكن يشير للركوع والسجود برأسه، أي: كما سبق، فإذا نزل عن راحلته أوتر، أي: يصلي صلاة الوتر على الأرض لكونها واجبة عند أبي حنيفة، وسنة مؤكدة عند صاحبيه.\n* * *\n_________\n(٢١٣) إسناده حسن.\n(١) انظر: التقريب (١/ ٥٣).\n(٢) انظر: صفة الصفوة (٢/ ٨٥).","vol":"1","page":421},{"text":"٢١٤ - قال محمد: أخبرنا خالد بن عبد الله، عن المغيرة الضبيّ، عن إبراهيم النَّخَعي، أن ابن عمر كان يصلي على راحلته حيث كان وجهه، تطوعًا، ويومئ إيماء ويقرأ السجدة فيومئ، وينزل للمكتوبة والوتر.\n• قال محمد: أخبرنا وفي نسخة: حدثنا خالد بن عبد الله، أي: ابن محرز المازني البصري، كان في الطبقة السابعة من أهل البصرة وهي في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة (١)، كذا في (خلاصة الهيئة)، عن المغيرة بضم فكسر الضبي، بفتح الضاد المعجمة وكسر الموحدة المشددة، وهو أبو هشام الكوفي، الأعمى، ثقة متقن، إلا أنه كان يدلس ولا سيما عن إبراهيم من الطبقة السادسة، مات سنة ثلاث وثلاثين ومائة في الصحيح، كذا قاله ابن حجر في (التقريب) (٢)، عن إبراهيم النَّخَعي، بفتحتين، ابن يزيد بن الأسود بن عمرو بن ربيعة بن الحارث بن سعد بن مالك، تابعي، رأى عائشة ﵂، ودخل عليها، وثبت له سماع، وأدرك عصر الصحابة ﵃، أخذ العلم عن علقمة والأسود من أصحاب عبد الله بن مسعود ﵁.\nوروى عن: عبد الرحمن السلمي، صاحب علي بن أبي طالب ﵁.\nوكان أعلم الكوفة، والمقتدى في وقته، كان يفتي وهو ابن ست عشرة سنة، والعصر عصر بقية التابعين، كان في الطبقة الرابعة من طبقات الفقهاء، وهو ابن ست وأربعين، ومات سنة ست وتسعين، وقيل سنة خمس ومائة، كذا قاله في (طبقات الحنفية)، أن ابن عمر كان يصلي على ظهر (ق ٢١٤) راحلته أي: دابته، حيث كان وجهه، أي: وجه نفسه تطوعًا، ويومئ إيماء ويقرأ السجدة أي: آيتها فوق الدابة، فيومئ أي: بسجدتها وهذا تيسير إلى مذهب الشافعي، من أن سجدة التلاوة سنة لا واجبة كما هو عندنا، وينزل للمكتوبة والوتر.\n* * *\n_________\n(٢١٤) أخرجه: أحمد (٤٤٦٢) بسند صحيح.\n(١) انظر: التقريب (١/ ١٥٠).\n(٢) انظر: التقريب (٢/ ٥٩٩).","vol":"1","page":422},{"text":"٢١٥ - قال محمد: أخبرنا الفضيل بن غَزْوان، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان أينما توجهت به راحلته صلى التطوع، فإذا أراد أن يُوتِرَ نزل فأوتر.\n• قال محمد: أخبرنا الفضيل بن غَزْوان، بفتح الغين المعجمة، وسكون الزاي المعجمة، وهو ابن يزيد الرقاشي، إنه تابعي في الطبقة الثانية من أهل البصرة، وهي بلدة في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، كذا قاله أبو الفرج ابن الجوزي في (طبقاته) (١)، عن نافع، المدني، مولى ابن عمر ﵄، أنه قال: أي: نافع، كان أي: ابن عمر أينما توجهت به راحلته صلى التطوع، والباء للتعدية والضمير المجرور إلى ابن عمر يعني أنَّ ابن عمر يصلي التطوع على دابته إلى أيِّ جانب توجهت دابته، وتقبله إليه، فإذا أراد أن يُوتِرَ نزل فأوتر، أي: صلى الوتر.\nوفي مسند أحمد والصحيحين (٢) عن جابر: أن رسول الله - ﷺ - كان يصلي على راحلته حيثما توجهت به، فإذا أراد أن يصلي المكتوبة نزل فاستقبل القبلة.\nولا يبعد أن يقول المكتوبة الفرض والوتر الواجب؛ لأنه فرض عملي عند من يقول به، كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان الصلاة على الدابة في السفر، شرع في بيان الصلاة الفائتة، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>باب الرجل يصلي فيذكر عليه صلاة فائتة</span>\nبيان حال الرجل يصلي، أي: مع الإِمام، فتذكر من باب التفعل، أي: طلع في قلبه، وفي نسخة: فيذكر أن عليه، أي: ثبت عليه صلاة فائتة، أصلها فاوت قلبت واوه\n_________\n(٢١٥) إسناده صحيح، أخرجه: أحمد (٤٤٦٢)، وابن أبي شيبة (٢/ ٢٠٢)، وعبد الرزاق في مصنفه (٤٥٤١)، والدارقطني (٢/ ٢٢)، من طرق عن ابن عمر.\n(١) انظر: صفة الصفوة (٣/ ٢٠٥).\n(٢) تقدم.","vol":"1","page":423},{"text":"همزة لوقوعها بعد الألف الزائدة وجمعها فوائت، فالذكر المستفاد منه قوله: فيذكر على نسخة مصدر من ذكر يذكر ذكر بكسر الذال المعجمة، وسكون القاف فيكون بمعنى ما يجري على اللسان من التلفظ، وبضم الذال المعجمة وسكون الكاف فيكون بمعنى ما يجري في القلب ويحضر فيه، وهنا بمعنى الحضور فيه، واستنبط المصنف هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة طه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]، والمناسبة بين هذا الباب وذاك الباب إسقاط ما لزم عليه.\n* * *\n\n٢١٦ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن ابن عمر، أنه كان يقول: من نسي صلاةً من صلاته فلم يذكرها إلا وهو مع الإِمام، فإذا سلم الإِمام فليصل صلاته التي نسى، ثم ليصلّ بعدها الصلاة الأخرى.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، إلا في خصلة واحدة: إذا ذكرها وهو في صلاة في آخر وقتها، يخاف إن بدأ بالأولى أن يخرج وقت هذه الثانية قبل أن يصليها، فليبدأ بهذه الثانية حتى يفرغ منها، ثم يصلي الأولى بعد ذلك. وهو قولُ أبي حنيفة وسعيد بن المسيب.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام، من كبار أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي بلدة في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أبرنا نافع، المدني، مولى ابن عمر، وفي نسخة: حدثنا، وفي نسخة: \"عن\" موضع \"أخبرنا\"، عن ابن عمر، ﵄، أنه كان يقول: من نسى صلاةً أي: تركها كما يقال: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]، أي: تركهم، كذا في الأخرى أو من غفل عنها كذا قاله السيد الشريف الجرجاني.\n_________\n(٢١٦) صحيح، أخرجه: مالك (٣٩٥)، وعبد الرزاق في مصنفه (٢٢٥٤)، والبيهقي في الكبرى (٣٢٧٨).","vol":"1","page":424},{"text":"فالغفلة عن الشيء هي أن يخطر ذلك الشيء بباله، من صلاته أي: من أنواع صلاته من المكتوبة والوتر، فلم يذكرها أي: فلم يخطرها بباله إلا أي: لكن أحضرها في باله، وهو أي: والحال أنه يصلي مع الإِمام، فإذا سلم الإِمام وسلم هو أيضًا فليصل صلاته التي (ق ٢١٥) نسىَ، أي تركها، ثم ليصل بعدها الصلاة الأخرى، أي: غير الأولى من الصلوات، ومذهبنا أنه إذا دخل في صلاة فتذكر فائتة، وفي الوقت سعة تبطل صلاته الأولى، فيجب عليه أن يقدم القضاء ثم يصلي الأداء.\nقال محمد رحمه الله تعالى: وبهذا أي: بحديث ابن عمر نأخذ أي: نعمل ونُفتي إلا في خصلة واحدة، أي: وهي ضيق الوقت كما بينه بقوله: إذا ذكرها أي: أحضر صلاة الفائتة، وهو في صلاة في آخر وقتها، وفي نسخة: وهو يصلي صلاة يخاف إن بدأ بالأولى أي: الفائتة، أن يخرج وقت هذه الثانية قبل أن يصليها، أي: الثانية فليبدأ بهذه الثانية حتى يفرغ منها، ثم يصلي الأولى، أي: الفائتة بعد ذلك، وهو أي: أن يصلي الوقتية أولًا في آخر الوقت ثم الفائتة، قولُ أبي حنيفة وسعيد بن المسيب، أي: ابن حزن يكنى أبا محمد، من أجلاء التابعين، بل أفضلهم، كان في الطبقة الأولى من الطبقات السبعة من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة وقد مر منقبته تفصيلًا في باب الصلاة في الثوب الواحد.\nواعلم أن الترتيب فرض بين الفروض الخمسة والوتر، فائت كلها أو بعضها.\nوقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله: لا ترتيب بين الفروض والوتر، على أنَّ الوتر سنة عندهما. وقال مالك: الترتيب في قضاء الفوائت واجب بالذكر ساقط بالنسيان في خمس وما دونها.\nوقال الشافعي: الترتيب في الفروض مستحب لنا لما في الصحيحين من حديث جابر أن عمر بن الخطاب ﵁ جعل يسب كفار قريش يوم الخندق، وقال: يا رسول الله ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس أن تغرب، فصلى - ﷺ - العصر بعد ما غربت الشمس، وصلينا بعدها المغرب، ولو كان الترتيب مستحبًا لما أخَّر النبي - ﷺ - لأجله المغرب التي تأخيرها مكروه بالاتفاق وغير جائز عند الشافعي على القول بضيق وقتها عنده، وعند مالك.","vol":"1","page":425},{"text":"وروى أحمد والنسائي والترمذي (١): عن ابن مسعود ﵁، أنه قال: إنَّ رسول الله - ﷺ - شغل عن أربع صلوات يوم الخندق حتى ذهب من الليل ما شاء الله، فأمر بلالًا فأذن له ثم أقام، فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء. ولا شك أن الأحوط في مذهبنا في سرعة الأداء للقضاء.\nلما فرغ من بيان حال الرجل يصلي فتذكر أن عليه فائتة، شرع في بيان حال الرجل يصلي المكتوبة في بيته، ثم يدركها أن الناس يصلونها مع الإِمام هل يعيدها أم لا، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>باب الرجل يصلي المكتوبة في بيته ثم يدرك الصلاة</span>\nبيان حال الرجل يصلي، أي: صلاة (ق ٢١٦) المكتوبة أي: المفروضة في بيته ثم يدرك الصلاة أي: الصلاة التي يصليها الناس مع الإِمام، هل يعيدها أم لا؟\nوالمناسبة بين هذا الباب وذاك الباب أن يصليها بعد الوقت الأول.\n٢١٧ - أخبرنا مالك، حدثنا زيد بن أسلم، عن رجل من بني الدِّيل يقال له: بُسْر بن مِحْجن، عن أبيه، أنه كان مع رسول الله - ﷺ -، فأذَّن بالصلاة، فقام رسول الله - ﷺ - فصلى، والرجل في مجلسه، فقال رسول الله - ﷺ -: \"ما منعك أن تصلي مع الناس، ألست رجلًا مسلمًا؟ \" قال: بلى، ولكني كنت صليت في أهلي، فقال رسول الله - ﷺ -: \"إذا جئت فصلِّ مع الناس، وإن كنت قد صليت\".\n_________\n(١) أخرجه: الترمذي (١٧٩)، والنسائي في المجتبى (٦٦١)، وأحمد (٥٥٤٥)، والنسائي في الكبرى (١٦٢٦)، وابن أبي شيبة (١/ ٥١٩).\nوقال الترمذي: حديث عبد الله ليس بإسناده بأس.\n(٢١٧) صحيح، أخرجه: النسائي في المجتبى (٨٥٦)، وأحمد (١٥٩٦٠)، ومالك (٢٨٨)، والنسائي في الكبرى (٩٣٠)، وابن حبان (٢٤٠٥)، والحاكم (٨٩٠)، والدارقطني (١/ ٤١٥)، والشافعي في المسند (١٠٤١)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٢٩٤)، حديث (٦٩٧).","vol":"1","page":426},{"text":"• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: محمد أخبرنا، حدثنا زيد بن أسلم، العدوي، مولى عمر أبو عبد الله، وأبو أسامة المدني، ثقة، عالم، وكان يُرسل من الطبقة الثالثة من أهل المدينة، مات سنة ست وثلاثين ومائة، عن رجل من بني الدِّيل بكسر الدال وسكون الياء التحتية عند الكسائي، وأبي عبيد ومحمد بن حبيب وغيرهم، وقال سيبويه والأخفش وحاتم وغيرهم: الديل بضم الدال وكسر الهمزة، وهو ابن بكر بن عبد مناف بن كنانة، يقال له: بُسْر بضم الموحدة، وسكون السين المهملة في رواية الجمهور عن مالك، وأكثر الرواة عن زيد بن أسلم والثوري عن زيد بكسر الموحدة ومعجمة.\nقال نعيم: والصواب ما قاله مالك، ابن مِحْجن، بكسر الميم، وسكون المهملة، وفتح الجيم، ونون، تابعي صدوق، عن أبيه، أي: عن محجن بن أبي محجن، صحابي قليل الحديث.\nقال أبو عمر: وهو معدود في أهل المدينة، روى عنه ابنه بُسر، ويقال: إنه كأسرته زيد بن حارثة، في جمادى الأولى سنة ست، وبذلك جزم ابن الحذاني (رجال الموطأ)، أنه أي: محجن كان مع رسول الله - ﷺ -، أي: في المسجد وغيره فأذَّن بصيغة المجهول، بالصلاة أي: أقام المؤذن لأجل الصلاة، فقام رسول الله - ﷺ - يصلى والرجل أي: من الرجال في مجلسه، أي: قاعد لم يقم ليصلي معه - ﷺ -، فقال له: أي: الرجل، كذا في (الموطأ) لمالك رسول الله - ﷺ - أي: بعد فراغه من الصلاة، أو قبل شروعها: \"ما منعك أن تصلي مع الناس، أي: جماعة المصلين، وقد قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]، ألست رجلًا مسلمًا؟ \" أي: منقاد لما بينه الله تعالى من الأحكام؟\nقال سعيد بن زيد الباجي - المالكي -: والهمزة تحتمل أن تكون استفهامية أو توبيخية، وهو الأظهر، ولكن لا يقتضي أن من لم يصل مع الناس ليس بمسلم، وإنما هذا مثل أن تقول للقرشي مالك لا تكون كريمًا؟ ألست بقرشي لا تريد نفيه من قريش، إنما توبيخه على ترك أخلاقهم، قال: بلى، ولكني كنت صليت في أهلي، ولعله كان سمع \"لا صلاتين في يوم\"، ولم يعلم بالإِعادة لفضل الجماعة، فقال رسول الله - ﷺ -: \"إذا جئت أي: بعد صلاتك في بيتك إلى المسجد وأدركت الجماعة فصلِّ مع الناس، وإن وصلية كنت قد","vol":"1","page":427},{"text":"صليت\"، وذلك لدفع التهمة، وإحراز فضل الجماعة، وزيادة الطاعة، وهذا عام مخصوص البعض، فلا يجوز له إعادة الصبح والعصر لكراهة الوقت ولا المغرب لأن النافلة لا تكون ثلاثة، ولا يمكنه أن يصليها أربعًا لمخالفة الإِمام، كما سيأتي في قوله:\n* * *\n\n٢١٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن عبد الله بن عمر كان يقول: من صلى المغرب أو الصبح، ثم أدركهما فلا يعيد لها غير ما قد صلاهما.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا، وفي نسخة (ق ٢١٧) أخرى: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا نافع، المدني، مولى ابن عمر، وفي نسخة: صحيحة عن نافع، أن عبد الله بن عمر كان يقول: من صلى المغرب أو الصبح، ثم أدركها مع الإِمام كما في (الموطأ) ليحيى الليثي، عن مالك، وفي نسخة: فأدركهما، فلا يُعيدها، وفي نسخة: فلا يعدهما بصيغة النهي، فاللام في لهما للاختصاص، نحو الجنة للمؤمنين، وهذا الحصر للمسجد، والمنبر للخطيب، بلالان، فالنفي بجواز الإِعادة مخصوص لصلاة الصبح والمغرب، فيكون من قبيل قصر الصفة على الموصوف، والمراد بالصفة عدم الجواز، وبالموصوف صلاة الصبح والمغرب، وهي ليست من الصفة النحوي دون الجواز، والعدم يتعلق أنَّ بالصلاة يعني المخاطب، يعتقد أن عدم جواز الإِعادة على جميعها، وخص عدم الجواز بإعادة صلاة الصبح والمغرب، ويسمى هذا القصر إفراد لقطع الشركة، التي اعتقدها المخاطب.\nقال مالك: لا أرى بأسًا أن يصلي مع الإِمام من كان قد صلى في بيته إلا صلاة المغرب؛ فإنه إذا أعادها كانت شفعًا، أي: فإنها تصير حينئذٍ فلا تكون وتر النهار، فيكون ظاهره مخالفًا لما ثبت في الأخبار من أن المغرب وتر النهار، والوتر المعروف وتر الليل، ولذا يستحب تأخيره، لقوله - ﷺ -: \"اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتر\"، غير أي: لكن بعيد ما أي: الصلاتين قد صلاهما منفردًا من صلاة الظهر والعشاء، فإن من صلى الظهر والعشاء منفردًا يجوز له أن يعيدهما مع الإِمام فتكونان نافلتين، ولا يجوز إعادة غيرهما\n_________\n(٢١٨) صحيح، أخرجه: مالك (٢٩٢)، والشافعي في المسند (١٠٤٢).","vol":"1","page":428},{"text":"مع الإِمام من صلاة العصر والمغرب والفجر عند أبي حنيفة، وقال الشافعي والمغيرة: تعاد الصلوات كلها لعموم حديث محجن إذا لم يحضر صلاة من غيرها، ولحديث أبي داود وغيره، عن يزيد بن الأسود: شهدتُ مع النبي - ﷺ - محجته، فصليت معه الصبح، فلما قضى صلاته إذا برجلين لم يصليا معه قال: \"ما منعكما أن تصليا معهم، فإنها لكما نافلة؟ \" وقال أبو حنيفة: لا يعيد الصبح ولا العصر ولا المغرب.\nقال محمد بن الحسن: لأن النافلة بعد الصبح والعصر لا تجوز ولا تكون النافلة وترًا، وأجابوا عن حديث أبي داود بمعارضته بخبر النهي والمانع مقدم ويحمل على ما قبل النهي جمعًا بين الأدلة، كذا قاله الزرقاني (١).\n* * *\n\n٢١٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا عفيف بن عَمرو السّهمي، عن رجل من بني أسد، أنه سأل أبا أيوب الأنصاري، فقال: إني أصلي ثم آتي المسجد، فأجد الإِمام يصلي، أفأُصلي معه؟ قال: نعم، صلّ معه، ومن فعل ذلك فله مثل سهم جَمْع - أو سهم جَمْع.\nقال محمد: وبهذا كله نأخذ، بقول ابن عمر أيضًا: ألَّا نُعيد صلاة المغرب والصبح؛ لأن المغرب وَتْرٌ، فلا ينبغي أن يصلي التطوع وترًا، ولا صلاة تطوع بعد الصبح، وكذلك العصر عندنا، هي بمنزلة المغرب، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا عفيف بن عَمرو أي: بفتح العين السّهمي، مقبول (٢) الرواية، في الطبقة السادسة من أهل المدينة، مات\n_________\n(١) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٣٩١).\n(٢١٩) ضعيف للجهالة، أخرجه: أبو داود (٥٧٨)، ومالك (٢٩١)، والطبراني في الكبير (٣٩٩٨)، والبيهقي في الكبرى (٣٧٣٧).\n(٢) بل ثقة، وثَّقه النسائي وابن معين وابن حبان وغيرهم.","vol":"1","page":429},{"text":"بعد المائة (١)، عن رجل من بني أسد، وهم قبيلة، أنه أي: الرجل سأل أبا أيوب الأنصاري، أي: خالد بن زيد بن كليب البدري، من كبار الصحابة، مات غازيًا بالروم سنة خمسين، وقيل بعدها، يزار قبره الآن مدفون في خارج حصن القسطنطينية، وهي بلدة طيبة صانها الله وسلطانها من الآفات، كانت في الإِقليم الخامس من الأقاليم (ق ٢١٨) السبعة، كذا في (خلاصة الهيئة)، فقال: أي: ذلك الرجل: إني أصلي أي: في بيتي صلاة الظهر ثم آتي المسجد، أي: أحضره فأجد الإِمام يصلي، أي: بتلك الصلاة بعينها أفأُصلي معه؟ أي: ثانيًا؟ قال: أي: أبو أيوب، خالد بن زيد: نعم، صلّ معه، أي: استحبابًا، ومن فعل ذلك فله مثل سهم جَمْع أي: له مثل ثواب الجماعة، أو سهم جَمْع، برفع السهم على أنه عطف على مثل واد للشك، من الراوي، أي: ثوابه مقدار سهم الجماعة بلا نقصان ولا زيادة، والسهم بمعنى النصيب، والجمع يطلق على الاثنين والثلاثة والأكثر، والأظهر أن المعنى له سهم الجمع بين الصلاتين صلاة الغداة وصلاة الجماعة، وفائدته التنبيه على أن مثوبة صلاة الأولى باقية، وإنها غير باطلة، بل هي الفريضة ونافلة.\nقال محمد: أي: ابن الحسن بن فرقد الشيباني: وبهذا أي: بالحديث المذكور في هذا الباب على التأويل وغيره كله أي: جميع الأحاديث نأخذ أي: نعمل أو نفتي، ونأخذ بقول ابن عمر أيضًا، أي: نعمل في الأحاديث السابقة، هذا عطف الخاص على العام، اهتمامًا بالشأن هذا الحكم أن لا يُعيد صلاة المغرب والصبح؛ وجملة لا يعيد محلها مرفوع على أنه خبر أنَّ؛ لأنها مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير محذوف عائدًا إلى ابن عمر تقديره أنه؛ أي: ابن عمر لا يعيد صلاة المغرب والصبح، لأن المغرب وَتْرٌ، أي: للنهار، فلا ينبغي أن يصلي التطوع وترًا، لكن لو دخل مع الإِمام في صلاة المغرب بعد ما صلاها منفردًا أتم أربعًا؛ لأن مخالفة الإِمام أخف من التنفل بثلاث، ولو سلم مع الإِمام تفسد صلاته، فيقضي أربعًا؛ لأنها لزمته بالاقتداء، وعن بُسر: وإن سَلَّمَ مع الإِمام فلا شيء عليه، ولا صلاة تطوع أي: لا سنة ولا نافلة بعد الصبح، وكذلك أي: كما لا صلاة تطوع بعد الصبح لا صلاة تطوع بعد الصبح لا صلاة تطوع بعد صلاة العصر أي: عندنا، كما في نسخة، وهي أي: صلاة العصر بمنزلة المغرب والصبح، أي: في منع التطوع بعدها، وهو\n_________\n(١) انظر: التقريب (١/ ٤٠٤).","vol":"1","page":430},{"text":"أي: عدم جواز التطوع بعد صلاة الصبح والعصر، قولُ أبي حنيفة، أي: نعمان بن ثابت بن طاوس، عليه الرحمة من الملك القدوس.\nلما فرغ من بيان بعض أحوال الرجل المؤمن، شرع في بيان بعضها، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>باب الرجل تحضره الصلاة والطعام، بأيهما يبدأ</span>\nبيان حال الرجل يحضره الصلاة والطعام، بأيهما يبدأ، أي: في الفعل والمناسبة بين هذا الباب وذلك حضوره بها.\nقدَّم المصنف في هذه الترجمة لفظ الصلاة على الطعام اهتمامًا لشأنها، وإشعارًا بأنها مقدمة على الطعام إذا كان الوقت ضيقًا فإنه إذا بدأ بأكل الطعام خرج وقت الصلاة وفاتته، يلزم عليه أن يقدم الصلاة على الطعام.\n٢٢٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أنه كان يُقَرِّب إليه الطعامُ، فيسمع قراءة الإِمام وهو في بيته، فلا يَعْجَلُ عن طعامه حتى يقضي منه حاجته.\nقال محمد: لا نرى بهذا بأسًا، ولا نحبّ أن لا تُتَوَخَّى تلك الساعة.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام، من كبار أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي بلدة في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: محمد أخبرنا، وفي نسخة أخرى: قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا نافع، أي: المدني، مولى ابن عمر، وفي نسخة: \"عن\" موضع \"أخبرنا\"، عن ابن عمر، ﵄، أنه كان يُقَرِّب إليه الطعامُ، بصيغة المجهول، (ق ٢١٩) من التقريب، أي: يؤتى إليه بالطعام فيسمع قراءة الإِمام، أي: بكمال قربه مع خوف قوته وهو أي: والحال أن ابن عمر في بيته، فلا يَعْجَلُ بصيغة المجهول، من التعجيل، أي: فلا يسرع ولا يعدل عن طعامه إلى الصلاة حتى يقضي منه أي: من الطعام حاجته؛ فإن وقوع الطعام ممزوجًا بالصلاة أولى من كون الصلاة مخلوطة بالطعام، فإن في الصلاة شغلًا كما ورد نقله.\n_________\n(٢٢٠) صحيح، أخرجه: البخاري (٦٤٢)، وأحمد (٤٧٦٥)، ومالك (١٨١٤).","vol":"1","page":431},{"text":"قال محمد: لا نرى أي: لا نظن بهذا أي: تأخير الصلاة بأسًا، أي: كراهة، بل هو الأفضل، لما ورد في الحديث المتفق عليه: \"إذا وُضِعَ العَشَاء - بفتح العين - وأُقيمت الصلاة، فابدؤوا بالعَشَاء\".\nوالجمهور ذهبوا إلى أن الأمر للندب، فقيل: إنه مقيد بمن كان محتاجًا إلى الأكل وهو المشهور، وقيل: على إطلاقه، وإليه ذهب ابن حجر في (فتح الباري شرح البخاري).\nوأما حديث: \"إذا حضر العشَاء والعَشَاء، فابدؤوا بالعَشَاء\"، والعَشَاءُ - بفتح العين: الطعام الذي يؤكل بعد زوال الشمس من وسط السماء إلى نصفَ النهار، وبالكسر صلاة المغرب والعشاء، فمعناه الصحيح، إلا أنه بهذا اللفظ لا أصل له في كتب الحديث، كما قال العراقي في (شرح الترمذي).\nوقال السخاوي: رأيتُ الحديث، في (مصنف ابن أبي شيبة) بلفظ: \"إذا حضر العَشَاء، وحضرت الصلاة\"، وتعقبه السيوطي بأن من عزاه إلى (مصنف ابن أبي شيبة) فقد وهم، ثم رأيت العسقلاني ذكر أنه رأى بخط الحافظ الدارقطني من أن ابن أبي شيبة أخرج عن إسماعيل، وهو ابن علية، عن ابن إسحاق، قال: حدثني عبد الله بن رافع، عن أم سلمة مرفوعًا: \"إذا حضر العَشَاء، وحضر العِشَاء، فابدؤوا بالعَشَاء\"، فإن كان ضبطه فذاك، وإلا فقد رواه أحمد عن إسماعيل بلفظ: \"وحضرت الصلاة\"، ثم رجعت إلى (مصنف ابن أبي شيبة) فرأيت الحديث فيه، أخرجه أحمد في مسنده. انتهى والله أعلم بإعداد المعاد، ولا نحبّ على صيغة نفي الاستقبال المتكلم مع الغير، أي: لا نرضى أن تُتَوَخَّى أي: نقصد أكل الطعام في تلك الساعة، التي ضاقت عليه أو أقيمت للصلاة، فحينئذٍ يبدأ بالصلاة لخبر أنه - ﷺ - كان يأكل من كتف شاة، فدُعِي إلى الصلاة فألقى الشفرة ثم قام فصلى، وإن كان في الوقت سعة، وكان في النفس توقان إلى الطعام أو يخاف فساده يبدأ بالطعام، وفي نسخة: ونحب، أي: نستحسن أن لا نتوخى أي: لا نقصد ولا نتحرى لأكل الطعام في تلك الساعة التي حضر الطعام.\nقيل: المراد منها صلاة المغرب، لرواية: \"إذا وُضِعَ العَشَاء، وحضرت الصلاة، فابدؤوا به، قبل أن تصلى المغرب\".","vol":"1","page":432},{"text":"والظاهر أن المراد بها جنس الصلاة؛ لأن حضور فائت في جميعها، ولقوله - ﷺ -: \"لا صلاة بحضرة الطعام\"، وهو يدل على العموم، كما قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان حال الرجل يحضره الصلاة والطعام بأيهما يبدأ، شرع في بيان فضل صلاة العصر، وبيان حكم الصلاة بعد العصر، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>باب فضل العصر والصلاة بعد العصر</span>\nبيان فضل صلاة العصر وبيان (ق ٢٢٠) حكم الصلاة بعد العصر، إذ لا فضيلة فيها بعده، والواو لمجرد الجمع، وإلا فالعنوان غير مرتب على الحديثين، وفي هذا الباب حديثان: الأول: ما أخرجه المصنف بالواسطة عن السائب بن يزيد.\n٢٢١ - أخبرنا مالك، أخبرني الزُّهْرِيّ، عن السائب بن يزيد، أنه رأى عمر بن الخطاب يضرب المُنْكَدِر بن عبد الله في الركعتين بعد العصر.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا صلاة تطوع بعد العصر، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام من كبار أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، هي من الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرني أي: وحدي، وفي نسخة: أخبرنا الزُّهْرِيّ، وهو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، يُكنى أبا بكر في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، ثقة، من التابعين، عن السائب بن يزيد، أي: ابن سعيد بن ثمامة الكندي، وقيل غير ذلك في نسبه، ويعرف بابن أخت النمر، صحابي صغير، له أحاديث قليلة، وحج به - ﷺ - في حجة الوداع، وهو ابن سبع سنين، وولاه عمر سوق المدينة، مات سنة إحدى وتسعين، وقيل قبل ذلك، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة، كذا قاله ابن حجر في (التقريب من أسماء الرجال) (١) في الحديث، أنه أي: السائب بن يزيد\n_________\n(٢٢١) صحيح، أخرجه: مالك (٥٠٥)، وابن أبي شيبة (٢/ ٢٤٦).\n(١) انظر: التقريب (١/ ١٩٧).","vol":"1","page":433},{"text":"﵁ رأى عمر بن الخطاب ﵁ يضرب أبا محمد المُنْكَدِر بن عبد الله، تابعي من الطبقة الرابعة من أهل المدينة، يُكنى أبا عبد الله، دخل على عائشة ﵂، فشكى إليها الحاجة، فقالت: أول شيء يأتني أبعث به إليك، فجاءتها عشرة آلاف درهم، فقالت: ما أسرع ما امتُحِنْتِ به يا عائشة؛ وبعثت بها إليه، فاتخذ منها جارية فولدت له بنوه: محمد، وأبو بكر، وعمر، وكلهم يذكر بالصلاح والعبادة ويحمل عنه الحديث.\nوقيل: قالت له: ألك ولد؟ قال: لا، فقالت: لو كان عندي عشرة آلاف درهم لوهبتها لك، فما أمست حتى بُعِثَ إليها بمال، فقالت: ما أسرع ما ابتُلِيتِ، وبعثت إلى المنكدر بعشرة آلاف درهم، فاشترى منها جارية فهي أم محمد، وأبي بكر، وعمر.\nقال محمد بن المنكدر: كابدت نفسي أربعين سنة، ثم استقامت، وكان ربما قام الليل يصلي، ويقول: كم من عين الآن ساهرة في رزقي.\nوكان له جار مبتلى، وكان يرفع صوته بالليل يصيح، وكان محمد يرفع صوته بالحمد، فقيل له في ذلك، فقال: يرفع صوته بالبلاء، وأرفع صوتي بالنعمة. وبينما هو ذات الليلة قائم يصلي إذا استبكا فكثر بكاؤه، حتى فزع أهله، وسألوه: ما الذي أبكاه؟ فاستعجم عليهم، فتمادى في البكاء، فأرسلوا إلى ابن أبي حازم، فجاء، فقال: يا أخي ما الذي أبكاك، فقال: مرت بي آية من كتاب الله تعالى في سورة الزمر: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧]، فبكى ابن أبي حازم، واشتد بكاؤه، فقال بعض أهله: جئنا بك لتفرج عنه فزدته، فأخبرهم ما أبكاهما، قال: إن الله تعالى يحفظ المؤمن في ولده وولد ولده، وفي دويرات حوله، فما يزالون في خفض دعائه فيه ما كان بين أظهرهم، كذا قاله أبو الفرج ابن الجوزي في (طبقاته) (١).\nفي الركعتين أي: يضرب عمر بن الخطاب المنكدر بن عبد الله، بسبب الركعتين بعد صلاة العصر. وفي رواية: كان عمر يضرب الأيدي على صلاة بعد العصر، أي: يُعَذَّر من صلى بعد العصر، ويؤدبه، وخصت الأيدي لكونها توفع عند عقد الصلاة.\n_________\n(١) تقدم.","vol":"1","page":434},{"text":"وقال ابن عباس ﵄: وقد كنتُ أضرب الناس مع عمر عليهما، أي: على الركعتين بعد العصر.\nوقال ابن الهمام: وكان هذا بمحضر من نكير فكان إجماعًا، كذا قاله علي القاري.\nوروى عبد الرزاق عن زيد بن خالد، أن عمر رآه وهو خليفة ركع بعد العصر فضربه، فذكر الحديث، وفيه: فقال عمر: يا زيد، لولا أني أخشى أن يتخذها الناس سلمًا إلى الصلاة حتى الليل لم أخذت فيهما.\nوروى عن تميم الداري نحو ذلك، وفيه: لكني أخاف أن يأتي بعدكم قوم يصلون ما بين العصر إلى الغروب، حتى يمروا بالساعة التي نهى - ﷺ - أن يُصلى فيها، ولعل مراده نهي تحريم، فلا ينافي أحاديث نهيه عن الصلاة بعد العصر، فإنه للتنزيه، كذا قاله الزرقاني.\nقال محمد: أي: ابن الحسن بن فرقد الشيباني: وبهذا أي: بقول السائب بن يزيد نأخذ، أي: نعمل ونفتي: لا صلاة تطوع بعد العصر، وهو قولُ أبي حنيفة.\nقدَّم المصنف هذا الحديث في النشر على الحديث الآتي على خلاف الملف في الترجمة، تنبيهًا على أن النهي مرجح على الأمر، إذا اجتمعا في حكم.\nوأما ما رُوي عن عائشة ﵂ في الصحيحين: ركعتان لم يكن رسول الله - ﷺ - يدعهما سرًا وعلانية، ركعتان قبل صلاة الصبح، وركعتان بعد العصر.\nفالعذر عنه أن الركعتين بعد العصر من خصوصياته، وكان أصلهما أنه - ﷺ - صلاهما جبرًا لما فاته من الركعتين بعد الظهر، أو قبل العصر، حين شغل عنهما بالقعود مع بعض الوفود.\nكان - ﷺ - إذا عمل عملًا أثبته وداوم عليه، وكان ينهى عنه غيرهما، كما أنه كان يواصل وينهى غيره عن الوصال، والله أعلم بالأحوال.\n* * *","vol":"1","page":435},{"text":"٢٢٢ - أخبرنا مالك، أخبرني نافع، عن ابن عمر، قال: الذي تفوته العصر كَأنَّما وُتِرَ أهله وماله.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرني بالإِفراد نافع، أي: المدني، مولى ابن عمر، وفي نسخة: \"عن\" موضع \"أخبرني\"، عن ابن عمر، ﵄، أنه قال: الذي يفوته صلاة العصر أي: بخروجها عن الوقت كَأنَّما وُتِرَ بصيغة المجهول أهله وماله، بنصبهما ويُروى برفعهما، والحديث رواه أصحاب السنن عن ابن عمر، وفي (المصباح)، وترت: زيد حقه إثره من باب وعد نقصه، فكأنما وتر أهله وماله نصبهما على المفعولية، ومنه قوله تعالى في سورة القتال: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥]، فهو متعد إلى مفعولين.\nقال النووي: رُوي بنصب أهله ورفعه، والنصب هو الصحيح المشهور على مفعول ثان، ومن رفعه على من لم يسم فاعله، ومعناه انتزع عن أهله وماله، وهذا تفسير مالك بن أنس.\nوأما النصب، فقال الخطابي وغيره: معناه: نقص أهله وماله.\nوقال ابن الأثير في (النهاية): رُوي بنصب أهلا ورفعه، فمن نصبه جعله مفعولًا (ق ٢٢٢) ثانيًا: الوتر، وأُضمر فيه: نائب الفاعل عائد إلى الذي، ومن رفعه لم يضمر، وقام أهله مقام ما لم يسم فاعله لأنهم المصابون، المأخوذون، فمن رد النقص إلى الرجل ينصبهما، ومن رده إلى الأهل والمال رفعهما، وقيل: النصب على نزع الخافض، أي: وتر في أهله وماله، وقيل: الرفع على أنه بدل اشتمال أو بعض، وقيل: النصب على التمييز، أي: وتر من حيث الأهل على حد سفه نفسه في وجه، كما نقله علي القاري عن السيوطي.\nوقال المفسرون: إن سليمان بن داود ﵉ لما فاتته صلاة العصر لاشتغاله بالنظر إلى تلك الخيل استردها وعقر بسوقها وأعناقها تقربًا إلى الله تعالى، وبقي منها\n_________\n(٢٢٢) أخرجه: البخاري (٥٥٢)، ومسلم (٦٢٦)، وأبو داود (٤١٤)، والترمذي (١٧٥)، والنسائي (٤٧٨)، وابن ماجه (٦٨٥)، وأحمد (٥٢٩١)، والدارمي (١٢٣٠)، ومالك (٢١).","vol":"1","page":436},{"text":"مائة، فالخيل التي في أيدي الناس الآن من نسل تلك المائة.\nقال الحسن: فلما عقر الخيل أبدله ﷿ خيرًا منها وأسرع، وهي الريح تجري بأمره كيف شاء، كذا قاله ابن العادل، في تفسير قوله تعالى في سورة (ص): ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ [ص: ٣٣].\nفاطلب تفصيل هذه القصة فيما قبل هذه الآية، فإن قيل: الاشتغال بالخيل إلى أن يفوته الصلاة ذنب عظيم، ولا ينبغي لمنصب النبوة ذلك، أجيب عنه: بأن الاشتغال بالخيل بسب النسيان لوقت بالقصد والنسيان مرفوع عن المؤمنين، فلا ضرر فيه.\nقال رسول الله - ﷺ -: \"من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها\".\nوقال تعالى لموسى ﵇ في سورة طه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]، أي: وقت ذكرك لصلاتي، كما قاله المصنف في باب الرجل نسي الصلاة، فإن قيل: كيف عقر سليمان ﵇؟ أُجيب عنه: بأن المراد بعقرها من سوقها وأعناقها ضربها كالكي علامة أنها وقفت للغزاة في سبيل الله، كما قاله الإِمام أبو الليث في تفسير هذه الآية، أي: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ [ص: ٣٣].\nلما فرغ من بيان فضل صلاة العصر وفضل الصلاة بعد العصر، شرع في بيان وقت صلاة الجمعة، وبيان ما يستحب من الطيب والدهان، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>باب وقت الجمعة وما يستحب من الطيب والدهان</span>\nبيان وقت الجمعة، وبيان ما يستحب من الطيب والدهان، إضافة الوقت إلى الجمعة من قبيل إضافة السبب إلى المسبب، فوقتها إذا زالت الشمس من وسط السماء، كالظهر عند الجمهور. وشذّ بعض الأئمة، وهو: أحمد، فجوز صلاتها قبل الزوال.\nواحتج مالك بفعل عمر وعثمان، لأنهما من الخلفاء الراشدين، الذين أُمِرْنَا باقتدائهم، كذا قاله الزرقاني (١).\n_________\n(١) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٤٠).","vol":"1","page":437},{"text":"والدهان: مصدر دهنه ككتبه كتابًا، وفي نسخة: والدهن، بفتح الدال، مصدر منه، ولا يبعد أن يكون بالضم للاسم مناسبة للتطيب، فالتقدير من استعمالهما.\n٢٢٣ - أخبرنا مالك، أخبرني عَمِّي أبو سُهَيْل بن مالك، عن أبيه، قال: كنت أرى طِنْفِسَةً لِعَقِيل بن أبي طالب يوم الجمعة، تُطرح إلى جدار المسجد الغربي فإذا غشي الطَّنْفِسة كلَّها ظلُّ الجدار، خرج عمر بن الخطاب إلى الصلاة يوم الجمعة ثم يرجع بعد الصلاة، فنُقِيلُ قائلة الضَّحَاء.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام من أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: أخبرنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، قال: أي: مالك، كذا في نسخة، أخبرني عَمِّي أبو سُهَيْل بالتصغير ابن مالك بن أبي عامر الأصبحي، اسمه نافع، عن أبيه، (ق ٢٢٣) وهو مالك، تابعي ثقة، وفي هذا الباب ثلاثة أحاديث، الحديث الأول ما رواه المصنف بالواسطة عن أبي سهيل، قال: كنت أرى أي: أبصر طِنْفِسَةً بكسر الطاء، وسكون النون، وفتح الفاء، هو الأفصح، ويجوز ضمها وكسرها، كذا في (المطالع)، وفي (المصباح)، أن الطنفسة بكسرتين: بساط له حمل رقيق، وقيل: هو ما يُجعل تحت الرجل على كتفي البعير، والجمع طنافس، وفي (القاموس): الطنفسة: مثلثة بالطاء والفاء وبكسر الطاء والفاء، وبالعكس واحدة الطنافسة: البسط والثياب.\nوقال أبو علي: الثاني: بفتح الفاء لا غير، وهي بساط صغير، وقيل: حصير من سعف أو دوم عرض ذراع، لِعَقِيل بفتح العين ابن أبي طالب الهاشمي، أخي علي وجعفر، يوم الجمعة، بالنصب ظرف أرى، تُطرح بصيغة المجهول، والضمير عائد إلى الطنفسة، إلى جدار المسجد الغربي بالجر صفة الجدار، فإذا غشي الطَّنْفِسة كلَّها بالنصب تأكيد الطنفسة، ظلُّ الجدار بالرفع على أنه فاعل لغشى، خرج عمر بن الخطاب إلى الصلاة يوم الجمعة وصلى الجمعة بالناس في خلافته.\n_________\n(٢٢٣) صحيح، أخرجه: مالك (١٣).","vol":"1","page":438},{"text":"قال ابن حجر (١) في (فتح الباري على البخاري): هذا إسناد صحيح، وهو ظاهر أن عمر كان يخرج بعد زوال الشمس، وفهم بعضهم عكس ذلك، ولا يتجه إلا أن يحمل على أن الطنفسة كانت تفرش خارج المسجد وهو بعيد، والذي يظهر أنها كانت تفرش له داخل المسجد، وعلى هذا كان عمر يتأخر بعد الزوال قليلًا.\nوفي حديث السقيفة عن ابن عباس: فلما كان يوم الجمعة وزالت الشمس، خرج عمر فجلس على المنبر.\nقال مالك: والد أبي سهيل: ثم يرجع بالنون، أي: بعد صلاة الجمعة، كذا في (الموطأ) لمالك، فنُقِيلُ بفتح النون، وكسر القاف، من قال قيلولة، إذا نام نصف النهار، ومنه قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ [الأعراف: ٤]، قائلة الضَّحَاء، مفعول مطلق مضاف إلى الضحاء بفتح الضاد المعجمة الممدوة بمعنى: الضحوة.\nوقال أحمد: يجوز الجمعة قبل الزوال في الساعة السادسة.\nلما روى مسلم (٢) عن سهل بن سعد الساعدي: أنه قال: ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة في عهد رسول الله - ﷺ -، وفي الاستدلال به نظر، ولا دلالة فيه إلا على التكبير، وجعل القيلولة والغداء على وجه التأخير.\nوروى أحمد عن ابن مسعود، ﵁، أنه كان يصلي الجمعة ضحى، ويقول: إنما عجلت بكم خشية الحر عليكم.\nوفيه: أنه لا يصح أن يكون معارضًا لعمله - ﷺ -.\nوقد روى البخاري (٣) أنه - ﷺ - كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس، والقياس يقتضي ذلك؛ لأن الجمعة خلف عن الظهر.\nويمكن تأويله بأنه أراد بالضحى آخره، وهو أول الزوال، وقوله: عجلت بكم،\n_________\n(١) انظر: الفتح (٢/ ٣٨٧).\n(٢) أخرجه: البخاري (٩٣٩)، ومسلم (٨٥٩).\n(٣) أخرجه: البخاري (٨٦٢).","vol":"1","page":439},{"text":"أي: في الخطبة والصلاة على خلاف عادته في إطالتها في أيام البرد، والله أعلم.\nوالحديث الثاني: ما رواه المصنف بالواسطة عن ابن عمر ﵄:\n* * *\n\n٢٢٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن ابن عمر، كان لا يَروح إلى الجمعة إلا وهو مُدَّهِنٌ متطيّب، إلا أن يكون محرمًا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة محمد أخبرنا، (ق ٢٢٤) وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، أخبرنا نافع، المدني، مولى ابن عمر، وفي نسخة: \"عن\" موضع \"أخبرنا\"، أن ابن عمر، ﵄ كان لا يَروح أي: لا يذهب إلى الجمعة إلا وهو مُدَّهِنٌ بتشديد الدال، أي: متدهن بزيت أو نحوه لشعره، وبدنه، متطيّب، أي: بخور وغيره، إلا أن يكون محرمًا، فإن كلًا منهما حينئذٍ محرمًا.\nوالحديث الثالث: ما رواه المصنف بالواسطة عن عثمان بن عفان فقال:\n* * *\n\n٢٢٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا الزُّهْرِي، عن السائِب بن يزيد، أن عثمان بن عفَّان زاد النداء الثالث يوم الجمعة.\nقال محمد: وبهذا كله نأخذ، والنداء الثالث الذي زيد هو النداء الأول، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا الزُّهْرِي، هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، يكنى أبا بكر، ثقة، تابعي في الطبقة الرابعة من أهل\n_________\n(٢٢٤) صحيح.\n(٢٢٥) أخرجه: البخاري (٨٧٠)، والترمذي (٥١٦)، وابن ماجه (١١٣٥)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٥١)، والطبراني في الكبير (٦٦٤٩)، والبيهقي في الكبرى (٢٠٥٦).","vol":"1","page":440},{"text":"المدينة، وفي نسخة: قال: ثنا، عن السائِب بن يزيد، أي: سعد بن ثمامة الكندي، وقيل غير ذلك في نسبه، ويعرف بابن نمر، صحابي صغير له أحاديث قليلة، وحج به - ﷺ - وهو ابن سبع سنين، وولاه عمر سوق المدينة، مات سنة إحدى وتسعين، وقيل: قبل ذلك، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة، كذا قاله ابن حجر في (التقريب من أسماء الرجال) (١). أن عثمان بن عفَّان ﵁، وهو أشد هذه الأمة حياء.\nعن عائشة (٢) ﵂، أنها قالت: كان رسول الله - ﷺ - مضطجعًا في بيته، كاشفًا عن فخذيه، أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر، فأذن له، وهو على ذلك الحالة، فتحدث أبو بكر، ثم استأذن فأذن له، وهو كذلك، فتحدث، أي: عمر، ثم استأذن عثمان، فجلس النبي - ﷺ - وسوى ثيابه، فلما خرج قالت عائشة ﵂: دخل أبو بكر فلم تهتش له، أي: لم تتحرك لأجل أبو بكر، ولم تبال له، ثم دخل عمر فلم تهتش له، ولم تبال له، ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك، فقال - ﷺ -: \"ألا أستحي من رجلٍ تستحي منه الملائكة\".\nوالمراد من استحياء النبي - ﷺ - والملائكة من عثمان، توقيرهما وتعظيمهما له.\nوفي رواية: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن عثمان رجل حيي، وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحالة أن لا يُبلغ إليَّ في حاجته\"، كذا أورده الإِمام البغوي في المناقب من (المصابيح)، زاد النداء الثالث أي: الذي في المنارة الآن بعد الزوال، أُحْدِثَ في زمن عثمان ﵁، يوم الجمعة.\nوروى البخاري أيضًا من حديث السائب بن يزيد قال: الأذان يوم الجمعة كان حين يجلس الإِمام على المنبر في عهد رسول الله - ﷺ -، وأبي بكر وعمر، فلما كان في خلافة عثمان، وكثروا، أمر بالأذان الثالث فأذن على الزوراء، وهي دار بسوق المدينة مرتفعة، فثبت الأمر على ذلك، ويسمى هذا الأذان ثالثًا باعتبار الشرعية؛ لأن الأول منها بين يدي الإِمام، والثاني إقامة الصلاة، والإِقامة قد تسمي أذانًا، كما في الحديث: \"بين كل أذانين صلاة\" (٣)؛ ولأن الأذان في أصل اللغة: الإِعلام.\n_________\n(١) تقدم.\n(٢) أخرجه: مسلم (٢٤٠١).\n(٣) أخرجه: البخاري (٦٢٤)، ومسلم (٨٣٨).","vol":"1","page":441},{"text":"قال محمد: أي: (ق ٢٢٥) ابن الحسن بن فرقد الشيباني، وبهذا أي: الحديث الذي ذكر في هذا الباب كله نأخذ، أي: نعمل ونُفتي، والنداء الثالث الذي زيد أي: في زمن عثمان وإن كان باعتبار حدوثه ثالثًا، هو النداء الأول، أي: لوقوعه أولًا، وهو قولُ أبي حنيفة، ولا أظن فيه خلافًا بين الأئمة هذا.\nوقال السيوطي: مالك عن صفوان بن سُليم: قال: لا أدري أعن النبي - ﷺ - أم لا، قال: \"من ترك الجمعة ثلاث مرات من غير عذر ولا علة طبع الله على قلبه\"، رواه يحيى.\nقال ابن عبد البر: هذا الحديث بسند من وجوه، أحسنها إسنادًا حديث أبي الجعد الضمري: أخرجه الشافعي في (الأم)، وأصحاب السنن الأربعة بلفظ: \"من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاونًا طبع الله على قلبه\" (١).\nقال عبد الباقي: معنى الطبع على القلب أن يجعل بمنزلة المختوم عليه لا يصل إليه شيء من الخير. انتهى.\nوصفوان هذا: تابعي مدني، قيل: إنه لم يضع جنبه على الأرض أربعين سنة.\nوقال الإِمام أحمد: يستند بذكره القطر.\nوروى أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم في (مستدركه)، وابن حبان عن سمرة بن جندب مرفوعًا: \"من ترك الجمعة من غير عذر فليتصدق بدينار، فإن لم يجد فبنصف دينار\" (٢).\nوفي رواية البيهقي: عنه أيضًا: \"من ترك الجمعة بغير عذر فليتصدق بدرهم أو نصف درهم، أو صاع، أو قدر\" (٣) والله أعلم.\n_________\n(١) أخرجه: الترمذي (٥٠٠)، وابن ماجه (١١٢٥)، وأحمد (١٤١٢٩)، (١٥٠٧٢)، والدارمي (١٥٣٤)، ومالك (٢٣٩)، وابن حبان (٢٧٨٦)، وابن أبي شيبة (٢/ ٦١)، وابن خزيمة (١٨٥٨)، والحاكم (٣٨١١)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٦٦)، حديث (٩١٧)، وأبو يعلى (١٦٠٠)، والبيهقي في الكبرى (٥٦٧٦)، والشعب (٣٠٠٣).\n(٢) أخرجه: أبو داود (١٠٥٣)، والنسائي (١٣٧١)، وابن حبان (٢٧٨٩)، وابن أبي شيبة (٢/ ٦١)، والحاكم (١٠٣٥)، والبيهقي في الكبرى (٦٠٨٣).\n(٣) انظر: السابق.","vol":"1","page":442},{"text":"لما فرغ من بيان وقت الجمعة، وبيان ما يستحب فيه، شرع في بيان القراءة في صلاة الجمعة، وبيان ما يستحب فيها، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>باب القراءة في صلاة الجمعة وما يستحب من الصمت</span>\nبيان القراءة في صلاة الجمعة وبيان ما يستحب، أي: فيها من الصمت، أي: وما يستحسن شرعًا من السكون، وهو لا ينافي في وجوبه حكمًا، وفي هذا الباب ستة أحاديث، الحديث ما رواه المصنف بالواسطة عن الضحاك بن قيس ﵁ فقال:\n٢٢٦ - أخبرنا مالك، حدثنا ضَمْرة بن سعيد المازِني، عن عُبَيْد الله بن عبد الله بن عُتْبَةَ، أن الضحاك بن قيس سأل النعمان بن بشير، ما كان يقرأ به رسول الله - ﷺ -، على أثر سورة الجمعة يوم الجمعة؟ فقال: كان يقرأ بـ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، حدثنا ضَمْرة بفتح الضاد المعجمة، وسكون الميم، ابن سعيد بفتح السين، ابن أبي حنة، بمهملة ثم نون مشددة، وقيل: بموحدة، الأنصاري، المدني، ثقة من الطبقة الرابعة من كبار التابعين وأجلهم، كذا قال ابن حجر في (التقريب من أسماء الرجال) (١)، المازِني، بمعجمة ونون من بني مازن بن النجار، المدني، ثقة، روى له مسلم وأصحاب السنن، عن عُبَيْد الله بضم العين، ابن عبد الله بفتح العين وسكون الموحدة ابن عُتْبَةَ، بضمها أو سكون الفوقية، ابن مسعود من الطبقة الثانية من أهل المدينة، يُكنى أبا عبد الله، كان بحرًا من البحور في العلم. قال الزهري: أدركت أربعة أبحر من قريش: سعيد بن المسيب، وأبا سلمة بن عبد الرحمن، وعبيد الله (ق ٢٢٦) بن عبد الله، وعروة بن الزبير، وقال عمر بن عبد\n_________\n(٢٢٦) أخرجه: مسلم (٨٧٨)، وأبو داود (١١٢٣)، والنسائي (١٤٢٣)، وابن ماجه (١١١٩)، وأحمد (١٧٩١٤)، والدارمي (١٥٦٦)، ومالك (٢٤٧).\n(١) انظر: التقريب (١/ ٢٦٠).","vol":"1","page":443},{"text":"العزيز: لو أدركني عبيد الله إذ وقعت فيما وقعت لهان عليَّ ما أنا فيه، وكان يأتيه عمر بن عبد العزيز في إمارته فربما حجبه، وربما أذن له، وذهب بصره آخر عمره، كذا قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي من الحنبلية في (طبقاته) (١).\nأن الضحاك بن قيس أي: ابن خالد بن وهب الفهري، أبو أُنيس، الأمير المشهور، صحابي قُتل في وقعة برج راهط سنة أربع وستين، كذا قاله ابن حجر، سأل النعمان بن بشير، أي: ابن سعيد بن ثعلبة، الأنصاري، الخزرجي ﵁ له ولأبيه صحبة، ثم ولي الإِمارة بالكوفة، ثم قتل بحمص سنة خمس وستين، وله أربع وستون سنة، كذا قاله ابن حجر في (التقريب) (٢).\nوفيه رواية: التابعي عن التابعي الآخر، والصحابي عن الصحابي الآخر، ماذا أي: أي شيء من القرآن كان يقرأ به أي: يتلوه رسول الله - ﷺ -، على إثر سورة الجمعة بكسر الهمزة وسكون مثلثة، أي: عقبها في الركعة الأولى، يوم الجمعة؟ أي: في صلاتها بعد الفاتحة في الركعة الثانية، فقال: أي: النعمان بن بشير إلى الضحاك بن قيس، وفي نسخة فقال: كان أي: رسول الله - ﷺ - يقرأ ﴿هَلْ وفي نسخة: بهل أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، قال أبو عمر: قوله على إثر سورة الجمعة، يدل على أنه كان يقرأها، فلم يحتج على السؤال عن ذلك لعلمه به؛ ويدل على أنه لو كان يقرأ معها شيئًا واحدًا أبدًا، لعلمه كما علم سورة الجمعة، ولكنه كان مختلفًا فسأله عن الأغلب منه.\nوقد اختلفت الآثار فيه والعلماء، وهو الاختلاف في المباح الذي ورد فيه التخيير، فروى أنه - ﷺ - كان يقرأ في العيدين والجمعة: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، وإذا اجتمع العيدان، أي: العيد والجمعة في يوم واحد قرأهما جميعًا.\nورُوي عنه - ﷺ -: قرأ بسورة الجمعة في الركعة الأولى، وإذا جاءك المنافقون في الركعة الآخرة، واختاره الشافعي، وهو قول أبو هريرة، وعلي ﵄.\nوالحديث الثاني ما رواه المصنف بالواسطة عن ثعلبة بن أبي مالك:\n* * *\n_________\n(١) تقدم.\n(٢) انظر: التقريب (٢/ ٦٢٤).","vol":"1","page":444},{"text":"٢٢٧ - أخبرنا مالك، حدثنا الزهري، في ثعلبة بن أبي مالك، أنهم كانوا زمانَ عمر بن الخطاب يصلون يوم الجمعة حتى يخرج عمر، فإذا خرج وجلس على المنبر وأذن المؤذِّن، قال ثعلبة: جلسنا نتحدث، فإذا سكت المؤذن وقام عمر سكتنا فلم يتكلم أحد منا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، قال: حدثنا، وفي نسخة: بنا، رمزًا إلى أخبرنا الزهري، هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، يكنى أبا بكر، كان محدثًا في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، كما قاله ابن الجوزي في (طبقاته)، وسيد علي في (خلاصة الهيئة)، عن ثعلبة بن أبي مالك، أي: القرظي حليف الأنصار، أبو مالك، ويقال: ابن يحيى المدني، مختلف في صحبته، وقال العجلي: تابعي ثقة، كذا قاله ابن حجر في (التقريب من أسماء الرجال) (١).\nأنهم أي: ثعلبة وغيره من التابعين، وضمير الجمع راجع إلى أصحاب عمر ﵁ من التابعين بمعونة المقام، كانوا زمانَ عمر بن الخطاب ﵁، أي: في عهده يصلون يوم الجمعة أي: الصلاة النافلة حتى يخرج عمر، فحينئذ تترك الصلاة، فإذا خرج أي: تحقق خروجه، وجلس على المنبر وأذَّن المؤذِّن، قال ثعلبة بن أبي مالك القرظي: (ق ٢٢٧) جلسنا أي: حال كوننا نتحدث، أي: نتكلم بالعلم ونحوه، لا بكلام الدنيا في أثناء خروجه وقعوده على المنبر وجلوسه فيه، لا في حالة الأذان كما يتوهم، فإن الإِجابة والسكوت حينئذٍ ألزم.\nوكذا قاله ثعلبة بن أبي مالك، فإذا سكت المؤذن وقام عمر أي: على المنبر للخطبة، سكتنا أي: حينئذٍ فلم يتكلم أحد منا، كذا في نسخة، أي: لم يقع كلام مطلقًا فينا.\nوبه قال أبو يوسف ومحمد: أن لا بأس بالكلام، إذا خرج الإِمام قبل أن يخطب،\n_________\n(٢٢٧) صحيح، أخرجه: مالك (٢٣٣).\n(١) انظر: التقريب (١/ ٨٢).","vol":"1","page":445},{"text":"ولأن الكراهة للإِخلاص بغرض السماع والاستماع في تلك الحالة، والصلاة يمتد فيحصل الإِخلال بالاستماع بخلاف الكلام.\nوقال أبو حنيفة: إذا خرج الإِمام حرم الصلاة والكلام، لما روى ابن أبي شيبة في (مصنفه) (١)، عن علي وابن عباس ﵄، وابن عمر، أنهم كانوا يكرهون الصلاة والكلام بعد خروج الإِمام.\nوالحديث الثالث ما رواه عن الزهري:\n* * *\n\n٢٢٨ - أخبرنا مالك، حدثنا الزُّهْريُّ، قال: خروجه يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: ثنا مالك بن أنس، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا حدثنا وفي نسخة: قال: ثنا الزُّهْريُّ، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، يكنى أبا بكر، قال: أي: الزهري، خروجه أي: خروج الإِمام يقطع الصلاة، أي: الشروع في الصلاة النافلة، وكلامه أي: شروع الخطيب في الخطبة يقطع الكلام، أي: جواز كلام الناس.\nوالحديث الرابع ما رواه المصنف عن مالك بن أبي عامر، فقال:\n* * *\n\n٢٢٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو النَّضْر، عن مالك بن أبي عامر، أن عثمان بن عفان كان يقول في خطبته - قَلَّما يَدَع ذلك إذا خطب - إذا قام الإِمام\n_________\n(١) أخرجه: ابن أبي شيبة (٢/ ٢١).\n(٢٢٨) أخرجه: مالك (٢٣٣)، وابن أبي شيبة (٢/ ٣٣) عن الزهري عن ابن المسيب (٢/ ٣٤)، عن الزهري، وعبد الرزاق في مصنفه (٥٣٥١) عن الزهري عن ابن المسيب، والبيهقي في الكبرى (٥٧٨١)، عن الزهري.\n(٢٢٩) أخرجه: مالك (٢٢٧)، وعبد الرزاق في مصنفه (٢٤٤٢)، والشافعي في المسند (٢٩٧)، والبيهقي في الكبرى (٥٩٢٨).","vol":"1","page":446},{"text":"فاستمعوا وأنْصتُوا، فإن لِلْمنْصِت الذي لا يسمع من الحظ مثل ما للسامع المنصت.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام، من أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وفي نسخة: بنا رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة: محمد قال: أخبرنا أبو النَّضْر، بالضاد المعجمة، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، هو هاشم بن القاسم، في الطبقة الخامسة، البغدادي، وهي في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، عن مالك بن أبي عامر، أي: الأصبحي، سمع ابن عمر، تابعي، ثقة، من الطبقة الثانية، مات سنة أربع وسبعين على الصحيح.\nأن عثمان بن عفان ﵁ كان يقول في خطبته أي: دائمًا وغالبًا قَلَّما أي: في زمن قليل يَدَع أي: يترك ذلك أي: القول إذا خطب أي: إذا أراد أن يقرأ الخطبة، والمراد بقلة الترك: عدمه، فإن القلة قد تستعمل بهذا المعنى، فيقال: قلما أفعل كذا، أي: لا أفعله، كما قاله الشيخ زاده في حاشية تفسير قوله تعالى في سورة الملك: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [الملك: ٢٣]، والقول هو: إذا قام الإِمام أي: للخطبة فاستمعوا أي: خطاب للقريب وأنْصتُوا للبعيد، وهذا أصل في الجملة، لما يفعله رايس المتكبرين بمكة المشرفة، أنه إذا أراد بين يدي الخطيب قام وقرأ حديث: \"إذا قلتَ لصاحبك يوم الجمعة والإمام يخطب صه، فقد لغوت، فاستمعوا وأنصتوا رحمكم الله\"، فإن لِلْمنْصِت الذي لا يسمع أي: الخطيب من الحظ أي: النصيب من الأجر مثل ما أي: كثواب للسامع المنصت، وهذا من باب إلحاق الناقص بالكامل.\nوجوَّز بعض علمائنا أنه إذا كان بعيد أن يقرأ في نفسه.\nقال الراوي: يعني إذا لم يفرط في التهجير.\nقال سعيد بن زيد الباجي - المالكي -: والظاهر أن أجرهما في إنصات واحد ويتباين أحدهما في التهجير، وتلك قربة أخرى من الإِنصات، كذا قاله الزرقاني.\nوالحديث الخامس ما رواه المصنف بالواسطة عن أبي هريرة ﵁.\n* * *","vol":"1","page":447},{"text":"٢٣٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزِّنَاد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا قلتَ لصاحبك: أنْصتْ فقد لَغَوْت، والإمام يخطب\".\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: حمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا أبو الزِّنَاد، بكسر الزاي وخفة النون، هو عبد الله بن زكوان، تابعي من الطبقة الخامسة عن الأعرج، عبد الرحمن بن هرمز، هكذا رواه يحيى وجماعة من الرواة، ورواه ابن وهب وابن القاسم، ومعن وسعيد بن عفير، في (الموطأ)، عن مالك عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، والحديث صحيح من الوجهين، وكلٌ عن سعيد والأعرج، عن أبي هريرة، عبد الله بن عامر أو عبد الرحمن بن صخر، أو عمرو بن عامر، وكان اسمه قبل إسلامه عبد الشمس.\nقال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا قلتَ لصاحبك: أنْصتْ، أي: اسكت عن الكلام مطلقًا، واستمع الخطبة، سمي به صاحبًا؛ لأنه صاحبه في الخطاب، ولكونه الأغلب، فقد لغوت، أي: تكلمت بما لا ينبغي.\nوقال النضر بن شميل: معنى لغوت: خبت من الأجر، وقيل: بطلت فضيلة جمعتك، وقيل: صارت جمعتك ظهرًا.\nقال ابن وهب: أحد رواته معناه: أجزأت عنه الصلاة، وحرم فضيلة الجمعة، ولأحمد من حديث علي مرفوعًا: \"ومن قال: صه، فقد تكلم، ومن تكلم فلا جمعة له\"، ولأبي داود ونحوه ولأحمد والبزار عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا: \"من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كالحمار يحمل أسفارًا، والذي يقول له: أنصت، ليس له جمعة\"، قال العلماء: ومعنى لا جمعة له كاملة للإِجماع على إسقاط فرض الوقت عنه، كذا قاله الزرقاني، والإِمام يخطب، جملة حالية تفيد أن وجوب الإِنصات من الشروع في الخطبة لا من خروج الإِمام كما يقوله ابن عباس ﵄، وابن عمر رضي الله\n_________\n(٢٣٠) صحيح، أخرجه: الشافعي في الأم (١/ ٢٠٣)، وفي المسند (٤٠٣)، والبخاري (٣٩٤)، ومسلم (٨٥١)، وأبو داود (١١١٢)، والترمذي (٥١٢)، والنسائي (٣/ ١٠٣)، والدارمي (١/ ٣٦٤)، وأحمد (٢/ ٢٧٢، ٣٩٣، ٣٩٦)، وابن خزيمة (١٨٠٥)، وعبد الرزاق في المصنف (٥٤١٤، ٥٤١٦).","vol":"1","page":448},{"text":"عنهما، وأبو حنيفة ﵀، قاله ابن عبد البر، وفي (الموطأ) لمالك عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت\"، لكن المصنف - رحمه الله تعالى - حذف يوم الجمعة وهو ظرف لقوله: \"إذا قلت\" اختصارًا، وقدم قوله: \"فقد لغوت\"، اهتمامًا لشأنه.\nوالحديث السادس ما رواه المصنف ﵀ بالواسطة عن أبي القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، ﵁ فقال:\n* * *\n\n٢٣١ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم، أن أباه القاسم بن محمد رأى في قميصه دَمًا والإِمام على المنبر يومَ الجمعة، فنزع قميصه فوضعه.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: بنا رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا وفي نسخة: ثنا، وفي نسخة أخرى: بنا، رمزًا إلى أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم، أن أباه القاسم بن محمد أي: ابن أبي بكر الصديق ﵁ رأى في قميصه دَمًا والإِمام على المنبر يومَ الجمعة، فنزع قميصه أي: خلعه عن جسده، فوضعه، أي: بين يديه، أو في جنبه فيصلي بدونه، ومن مناقب القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵁.\nقال يحيى بن سعيد: ما أدركنا بالمدينة أحدًا نفضله على القاسم.\nقال أيوب: ما رأيت (ق ٢٢٩) رجلًا أفضل من القاسم ولو ترك مائة ألف وهي له حلال لم يتلجلج في نفسه منها بشيء، وإنَّ عليه رداء فقد صبغ بشيء من زعفران.\nوقال عمر بن عبد العزيز: لو كان إليَّ من الأمر شيء لوليت القاسم الخلافة.\nوعن أبي الزناد أنه قال: ما رأيتُ أحدًا أعلم بالسنة من القاسم، وكان الرجل لا يعد رجلًا حتى يعرف السنة، وكان يُسأل بمنى فيقول: لا أدري لا أعلم، فلما أكثروا عليه\n_________\n(٢٣١) إسناده صحيح.","vol":"1","page":449},{"text":"قال: والله ما نعلم كل ما تسألونا عنه، ولو علمنا ما كتمناه، ولا يحل لنا أن نكتم، ولأن يعيش الرجل جاهلًا بعد أن يعرف حق الله تعالى، خيرٌ له من أن يقول ما لا يعلم.\nوقال له أعرابي: أنت أعلم أم سالم، أي: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁، فقال: ذاك منزل بنا، لم يزده عليها، كره أن يقول: هو أعلم مني فيكذب، أو يقول: أنا أعلم منه فيزكي نفسه. واجتمعوا عليه في صَدَقَةٍ قسَّمها وهو يصلي، فجعلوا يتكلمون، فقال ابنه: والله ما نال منها درهمًا ولا دانقًا؛ فأوجز في صلاته، ثم قال: يا بني قل فيما تعلم، وصدَّق ابنه، ولكنه أراد تأديبه في المنطق وحفظه.\nوقال لابنه حين مات: سن عليَّ التراب سنًا، وسوي عليَّ قبري، والحق بأهلك وإياك أن تقول كان. وهو كان في الطبقة الثانية من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة كما قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي من علماء الحنبلية في (طبقاته).\nلما فرغ من بيان صلاة الجمعة شرع في بيان صلاة العيدين، وأمر الخطبة فيهما، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>باب في بيان أحكام صلاة العيدين وبيان أمر الخطبة</span>\nأي: حكمها، قدم باب صلاة الجمعة على باب صلاة العيدين لشرفها؛ فإن صلاة الجمعة فرض بدليل قطعي، وصلاة العيدين واجبة بدليل ظني، سُمي عيدًا؛ لأن لله تعالى عوائد الإِحسان إلى عباده، أو لأنه يعود ويتكرر كل عام، أو لأنه يعود بالفرح والسرور، وهو من الأسماء الغالبة على يوم الفطر والأضحى، وجمعه: أعياد، وقياسه أن يقال: أعواد؛ لأنه من العود لكن جمع بالياء فرقًا بينه وبين العَوْد؛ فإنه يجمع على عيدان وعود الله، فإنه يجمع على أعواد، ووجه المناسبة بين صلاة العيدين وصلاة الجمعة؛ لأن كلًا منهما صلاة نهارية، وتؤديان بالجمع العظيم، ولكون القراءة فيهما جهرًا، ويشتركان أيضًا في حق التكليف، وفي إضافة الصلاة إلى العيدين تعظيم لشأن صلاة العيدين، كما عظم الله تعالى بعباده بإضافتهم إلى نفسه، حيث قال في سورة الزمر: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية [الزمر: ٥٣].","vol":"1","page":450},{"text":"وكانت صلاة عيد الفطر في السنة الأولى من الهجرة كما رواه أبو داود مسندًا إلى أنس بن مالك ﵁، قال: قدم رسول الله - ﷺ - المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، قال: \"ما هذان اليومان؟ \"، قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله - ﷺ - (ق ٢٣٠): \"إن الله قد أبدلكم بهما خيرًا منهما، يوم الأضحى ويوم الفطر\"، كذا نقلناه في (سلم الفلاح شرح نور الإِيضاح ونجاة الأرواح).\n٢٣٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا الزهري، عن أبي عُبَيْد مَوْلى عبد الرحمن، قال: شهدت العيد مع عمر بن الخطاب، فصلى ثم انصرف، فخطب فقال: إن هذين اليومين نهى رسول الله - ﷺ - عن صيامهما، أحدهما يوم فطركم من صيامكم، والآخر يوم تأكلون من لحوم نُسُككُم، قال: ثم شهدت العيد مع عثمان بن عفَّان، فجاء فصلى، ثم انصرف فخطب، فقال: إنه قد اجتمع لكم في يومكم هذا عيدان، فمن أحبّ من أهل العَاليَة أن ينتظر الجمعة فلينتظرها؛ ومن أحب أن يرجع فليرجع، فقد أذنت له، فَقَال: ثم شهدت العيد مع عليّ وعثمان محصورٌ، فصلى ثم انصرف فخطب.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام، كان في الطبقة السابعة من طبقات كبار أتباع التابعين من أهل المدينة في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: أخبرنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا الزهري، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، ويُكنى أبا بكر، تابعي ثقة، في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، عن أبي عُبَيْد بضم العين، اسمه سعد، بسكون العين ابن عبيد الزهري، تابعي كبير، من رجال الجميع، ويقال له: أدريك، مَوْلى عبد الرحمن بن أزهر بن عوف الزهري، المدني، صحابي صغير، مات قبل الحرة، وهو ابن أخي عبد الرحمن بن عوف.\n_________\n(٢٣٢) صحيح، أخرجه: البخاري (١٩٩٠)، ومسلم (١١٣٧)، وأبو داود (٢٤١٦)، والترمذي (٧٧١)، والنسائي في الكبرى، كما في التحفة (٨/ ١٢٠)، وابن ماجه (١٧٢٢)، وابن أبي شيبة (٣/ ١٠٣)، والبيهقي في الكبرى (٤/ ٢٩٧).","vol":"1","page":451},{"text":"قال ابن عبد البر: وفي البخاري.\nقال ابن عيينة: من قال مولى ابن أزهر فقد أصاب، ومن قال: مولى عبد الرحمن بن عوف فقد أصاب، لاحتمال أنهما اشتركا في ولاية، أو أحدهما على الحقيقة والآخر على المجاز، بملازمته أحدهما للخدمة، أو للأخذ عنه، أو انتقاله من ملك أحدهما إلى ملك آخر، وجزم الزبيري بأنه مولى عبد الرحمن بن عوف، فعليه فنسبته إلى ابن أزهر هي المجازية، ولعلها بسبب انقطاعه بعد موت ابن عوف.\nقال: أي: أبي عبيد مولى عبد الرحمن، شهدتُ العيد أي: حضرت يومه مع عمر بن الخطاب، ﵁ فصلى زاد عبد الرزاق عن معمر عن الزهري: قبل أن يخطب بلا أذان ولا إقامة، ثم أي: بعد صلاة العيد انصرف فخطب أي: بالناس كذا في (الموطأ) لمالك، زاد عبد الرزاق فقال: أيها الناس إن رسول الله - ﷺ - نهى أن تأكلوا نسككم بعد ثلاثة أيام فلا تأكلوا بعد هذا.\nقال أبو عمر: أظن مالكًا إنما حذف هذا؛ لأنه منسوخ، كذا قاله الزرقاني (١).\nفقال: إن هذين اليومين فيه تغليب؛ فإن الغائب يشار إليه بذاك، فلما أن جمعهما بلفظ غلب الظاهر على الغائب، فقال: \"هذان يومان\"، كذا في نسخة، نهى رسول الله - ﷺ - عن صيامهما، نهي تحريم، يوم أي: بالرفع إما على أنه خبر مبتدأ محذوف أحدهما أو على البدل من يومان ومضاف إلى فطركم من صيامكم، وهو: أي أوله والآخر يوم تأكلون من لحوم نُسُككُم، أي: أضحيتكم، وهو أي: يوم تأكلون فيه عيد الأضحى، ولا يبعد أن يراد به ما بعده من أيام التشريق، وقد روى الشيخان عن عمرو عن أبي سعيد الخدري ﵄ أنهما قالا: نهي رسول الله - ﷺ - عن صوم يوم الفطر والنحر، لئلا يمتنع المؤمنون عن ضيافة الله تعالى، وهو إثم. كذا في (مراقي الفلاح). قال أبو عمر: فيه أن الضحايا نسك وأن الهدي منها مستحب كهدي التطوع إذا بلغ محله؛ قال تعالى في سورة الحج: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦] انتهى.\nووصف اليومين إشارة إلى العلة في وجوب فطرهما، وهي الفصل من الصوم\n_________\n(١) في شرحه (١/ ٥١٤).","vol":"1","page":452},{"text":"وإظهار تمامه وحده بفطر ما بعده، (ق ٢٣١) والآخر النسك المتقرب بذبحه فيؤكل منه، ولو شُرع صومه لم يكن لمشروعية الذبح فيه معنى، فعبر عن علة التحريم بالأكل من النسك لا يستلزم النحر، كذا قاله الزرقاني.\nقال: أي: أبو عبيد، كما في (الموطأ) لمالك: ثم شهدت العيد أي: حضرت يومه مع عثمان بن عفَّان ﵁، فجاء فصلى، أي: صلاة العيد، وفي نسخة، فجاء ثم أي: بعد صلاة العيد ثم انصرف فخطب، أي: الناس، فقال: أي: عثمان في خطبته، أي: في وعظه إنه أي: الشأن قد اجتمع لكم في يومكم هذا عيدان، أي: أحدهما: الجمعة، وقد ورد أن يوم الجمعة يوم عيد، فمن أحبّ من أهل العَاليَة، وهي قرى بظاهر المدينة قدر نصف الفرسخ، وهي العوالي، أن ينتظر الجمعة أي: صلاة الجمعة فلينتظرها؛ أي: صلاة الجمعة حتى يصليها، ومن أحب أن يرجع أي: إلى منزله فليرجع، فقد أذنت له، أي: يجوز له أن يخرج قبل دخول وقت الجمعة، وليس على أهل القرى الجمعة، فَقَال: أي: أبو عبيد، كما في (الموطأ) لمالك، وفي نسخة قال: ثم شهدت العيد أي: حضرت يوم العيد، مع عليّ ﵁، والحال أن عثمان ﵁ محصورٌ.\nقال ابن إسحاق: لما كان مدة خلافة عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، اثنتي عشرة سنة على قول وقعت الغزوات واتسعت الدنيا على الصحابة وكثرت الأموال حتى كان الفرس الواحد يستوي بمائة ألف درهم، حتى كان البستان يباع بالمدينة يباع بأربعمائة ألف درهم، وكانت المدينة عامرة كثيرة الخيرات والأموال والناس، يُجبى إليها خراج الممالك، وهي دار الأمان، وقبة الإِسلام، فبطر الناس بكثرة الأموال والخيل والنعم، وفتحوا الأقاليم الدنيا، واطمأنوا وتفرعوا، ثم أخذوا ينقمون على خليفتهم عثمان بن عفان ﵁، لكونه يعطي المال لأقاربه ويوليهم الولايات الجميلة، فتكلموا فيه، وكان قد صار له أموال عظيمة، وله ألف مملوك قال بهم الأمر، إلى أن قالوا: هذا ما يصلح للخلافة، وهموا بعزله، وساروا أيامًا، وكانوا رؤوس شعر وأهله.\nوفي سيرة مغلطاي: حاصره الكوفيون وعليهم الأشرف النخعي والمصريون في داره، وعبد الرحمن بن عديس وعمر بن الأحمق، وسودان بن حمران، ومحمد بن أبي بكر الصديق، وروي عن عبد الله بن سلام أنه قال: لما حوصر عثمان في داره ولى أبا هريرة على الصلاة، وكان ابن عباس يصلي أحيانًا؛ وأقام للناس في الحج في ذلك العام","vol":"1","page":453},{"text":"عبد الله بن عباس وكان عثمان قد حج عشر حجج متواليات، خَرَّجه القعنبي.\nوقال الواقدي: حاصروه تسعة وأربعين يومًا.\nوقال الزبير: حاصروه شهرين وعشرين يومًا، وهو في الدار في ستمائة رجل، ثم دخلوا من دار أبي حزم الأنصاري، فضربه سيّار بن عياض الأسلمي بمشقص - أي بنصل طويل - في وجهه، فسال الدم على مصحف في حجره على آية في قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٣٧]. فذبحوه في بيته وهو شيخ كبير ابن ثلاث وثمانين سنة (ق ٢٣٢)، وكان ذلك أول وهن ثَمَّ على الأمة بعد نبيهم محمد - ﷺ - فإنَّا لله وإنا إليه راجعون، فقتلوه يوم الجمعة ثاني عشر من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، كذا نقله صاحب الخميس من التاريخ عن (الاستيعاب)، فاطلب تفصيلها فيه.\nفصلى ثم انصرف فخطب، فهذا يدل على أن خطبة العيد بعد صلاتها بخلاف الجمعة؛ لأن الخطبة شرط لها، وشرط الشيء مقدم عليه، فلو صلى الجمعة ثم قرأ خطبتها لا تصح، كذا في مجمع الأنهر.\n* * *\n\n٢٣٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب الزهري، أن النبي - ﷺ - كان يصلي يوم الفطر ويوم الأضحى قبل الخطبة، وذكر أن أبا بكر وعمر كانا يصنعان ذلك.\nقال محمد: وبهذا نأخُذُ، إنما رخّص عثمان في الجمعة لأهل العَاليَة، لأنهم ليسوا من أهل المِصْرِ. وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام من أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي من الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، أخبرنا ابن شهاب أي:\n_________\n(٢٣٣) إسناده ضعيف لإرساله، وهو في الموطأ برواية يحيى (١٧٨)، وبرواية محمد بن الحسن (٢٣٣).","vol":"1","page":454},{"text":"محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، تابعي من الطبقة الرابعة، من أهل المدينة، وفي نسخة: قال: ثنا، أن النبي - ﷺ - كان يصلي يوم الفطر ويوم الأضحى، أي: في غير منى، إذ لا صلاة فيهما قبل الخطبة، هذا حديث مرسل متصل من وجوه، كما أخرجه الشيخان (١) من طريق عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - كان يصلي في الفطر والأضحى ثم يخطب بعد الصلاة، ولهما عن جابر أن النبي - ﷺ - خرج يوم الفطر فبدأ بالصلاة قبل الخطبة، وذكر أي: ابن شهاب الزهري أن أبا بكر وعمر ﵄ كانا يصنعان ذلك، أي: ما ذكر من الترتيب، فلا يكون منسوخًا، ففي الصحيحين عن ابن عباس ﵄، أنه قال: شهدتُ العيد مع رسول الله - ﷺ - وأبو بكر وعثمان فكلهم كانوا يصلون قبل الخطبة.\nواختلف في أول من غَيَّر ذلك، ففي مسلم عن طارق بن شهاب: أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان، وفي ابن المنذر بسند صحيح عن الحسن البصري: أول من خطب قبل الصلاة عثمان، صلى بالناس ثم خطبهم، أي: على العادة - فرأى ناسًا لم يدركوا الصلاة ففعل ذلك، أي: يخطب قبل الصلاة، وهذه العلة غير الذي اعتل بها مروان؛ لأن عثمان ﵁ راعى مصلحة الجماعة في إدراكهم الصلاة، أما مروان فراعى مصلحتهم في إسماعهم سب من لا يستحق السب، والإِفراط في مدح بعض الناس، فقيل: هذا إنما راعى مصلحة نفسه، ويحتمل أن عثمان فعل ذلك أحيانًا بخلاف مروان، فواظب عليه، فلذا نسب إليه.\nورُوي عن عمر مثل فعل عثمان، كذا قاله الزرقاني (٢).\nقال محمد: وبهذا أي: بهذا الحديث، كله، أي: بكل ما عمله النبي - ﷺ - وأبو بكر وعمر ﵄ نأخُذُ، أي: نعمل ونفتي، إنما رخّص عثمان ﵁ في الجمعة لأهل العَاليَة، وهي اسم موضع في جهة الشرق من المدينة، مسافته إلى المدينة خمسة أميال أو ستة، كما قيل، حيث قال لهم عثمان: من أحب من أهل العالية أن ينتظر صلاة الجمعة فلينتظرها، ومن أحب أن يرجع إلى منزله فليرجع فقد أذنت له (ق ٢٣٣) أن\n_________\n(١) البخاري (٩١٤)، ومسلم (١٩٦١).\n(٢) في شرحه (١/ ٥١٣).","vol":"1","page":455},{"text":"يخرج من المصر قبل دخول وقت الجمعة؛ لأنهم أي: أهل العالية ليسوا من أهل المِصْرِ، أي: فلا جمعة على أهل القرى، وفي نسخة الشارح \"مصر\" بغير تعريف باللام ولا تنكير، لكنه غير مستقيم لأن (مصر) اسم بمصر القاهرة، والمصر اسم البلد مطلقًا، وهو أي: عدم وجوب الجمعة على أهل القرى قولُ أبي حنيفة ﵀، خلافًا للشافعي؛ فإن الجمعة واجبة على أهل القرى عنده كما قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان حكم صلاة العيد وأمر الخطبة، شرع في بيان حكم صلاة التطوع قبل صلاة العيد، وبعده، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>باب في بيان حكم صلاة التطوع قبل صلاة العيد أو بعده</span>\nكلمة \"أو\" للتخيير، والمناسبة بين هذا الباب وذاك الباب التضاد، وهو الوجوب والنافلة. قال سعيد بن زيد الباجي - من المالكية - وأبو عمر: لا خلاف في جواز النفل قبل الغدو إلى المصلى لمن تأخر لحل النافلة، فيتنفل ثم يغدوا إليها، وكذا يجوز النافلة بعد الرجوع عنه إلى بيته، ويكره التنفل قبل صلاة العيد في المصلى اتفاقًا، وفي البيت عند عامة الجمهور، وهو الأصح، والتنفل بعد صلاة العيد في المصلى فقط، فلا يكره في البيت على اختيار الجمهور، لقول أبي سعيد الخدري ﵁، أنه قال: كان رسول الله - ﷺ - لا يصلي قبل العيد شيئًا فإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين، كذا قاله الشرنبلالي في (مراقي الفلاح).\n٢٣٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أنه كان لا يصلي يوم الفطر قبل الصلاة ولا بعدها.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن مالك بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام، من كبار أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، هي من الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا نافع، وفي نسخة: \"عن\"\n_________\n(٢٣٤) إسناده صحيح.","vol":"1","page":456},{"text":"موضع \"أخبرنا\"، عن ابن عمر ﵄ أنه كان لا يصلي يوم الفطر، أي: في المصلى قبل الصلاة ولا بعدها، فيه؛ لأنه من أشد الناس اتباعًا للمصطفى.\nوفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ أن النبي - ﷺ - خرج يوم الفطر فصلى ركعتين - أي: للعيد - لم يصل قبلهما ولا بعدهما، وروى ابن ماجه بإسناد حسن وصححه الحاكم عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي - ﷺ - كان لا يصلي قبل العيد شيئًا، فإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين.\nوالحاصل أن صلاة العيد لم يثبت لها سنة قبلها ولا بعدها خلافًا لمن قاسها على الجمعة، وأما مطلق النقل فلم يثبت فيه منع بدليل خاص، إلا إن كان ذلك في وقت الكراهة الذي في جميع الأيام، وفي (الاستذكار) أجمعوا على أنه - ﷺ - لم يصل قبلها ولا بعدها، فالناس كذلك والصلاة فعل خير فلا يمنع منها إلا بدليل لا معارض له.\n* * *\n\n٢٣٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، أنه كان يصلي قبل أن يغدو أربع ركعات.\nقال محمد: لا صلاة قبل صلاة العيد، وأما بعدها؛ فإن شئت صلَّيْت، وإن شئت لم تُصَلِّ، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: ثنا، أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، أي: عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵁، كان في الطبقة الثانية من أهل المدينة، كذا قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي، وقد مر في باب القراءة في صلاة الجمعة، وفي نسخة (ق ٢٣٤): قال: ثنا، أنه أي: القاسم بن محمد كان يصلي قبل أن يغدو أي: أن يسير إلى المصلى، والغَدو بالفتح السير في أول النهار إلى الزوال، كذا في الأختري، أربع ركعات أي: في المسجد بعد طلوع الشمس.\n_________\n(٢٣٥) إسناده صحيح.","vol":"1","page":457},{"text":"قال محمد: لا صلاة أي: صلاة مسنونة قبل صلاة العيد في المكان الذي يصلي فيه صلاة العيد فأما بعدها؛ فإن شئت صلَّيْت، أي: في غير المصلى، وإن شئت لم تُصَلِّ، أي: مطلقًا، وهو أي: التخيير في أن يصليها وأن لا يصليها قولُ أبي حنيفة.\nوالحاصل أنه لا يتنفل قبل صلاته، إمامًا كان أو مأمومًا في مصلى العيد بالاتفاق، وفي البيت عند أكثر المشايخ، وكذا لا يتنفل بعد صلاة العيد في المصلى عند عامة المشايخ، ويتنفل في البيت، لما روى ابن ماجه بالواسطة عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: كان رسول الله - ﷺ - لا يصلي قبل العيد شيئًا، فإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين، كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان حكم صلاة التطوع قبل صلاة العيد وبعدها، شرع في بيان حكم القراءة في صلاة العيدين، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>باب في حكم القراءة في صلاة العيدين</span>\nأي: عيد الأضحى وعيد الفطر، والمناسبة بين هذا الباب وذاك الباب ظاهرة.\n٢٣٦ - أخبرنا مالك، حدثنا ضَمْرَة بن سعيد المازني، عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتْبَة، أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقد الليثي، ماذا كان يقرأ به رسول الله - ﷺ - في الأضحى أو الفطر؟ قال: كان يقرأ بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ و﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن مالك بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام، من كبار أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهلِ المدينة، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا، حدثنا ضَمْرَة بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم وفتح الراء المهملة، ابن سعيد أي: حَنَّة بفتح المهملة، ثم نون مشددة، وقيل: بموحدة، المازني بكسر الزاي المعجمة، الأنصاري، المدني، ثقة، في الطبقة الرابعة، من كبار التابعين، جل\n_________\n(٢٣٦) إسناده صحيح.","vol":"1","page":458},{"text":"روايتهم، كذا قاله ابن حجر في (التقريب من أسماء الرجال) (١).\nعن عُبيد الله بضم العين ابن عبد الله بفتحها ابن عُتْبَة، بضمها وفوقية ساكنة، ابن مسعود الهزلي، المدني، أحد الفقهاء بها، يكنى أبا عبد الله المدني، ثقة، فقيه ثبت، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين، وقيل: ثمان وتسعين ومائة، كذا في (تقريب التهذيب) (٢)، أن عمر بن الخطاب ﵁ سأل أبا واقد - بالقاف - الليثي، أي: الصحابي، قيل: اسمه الحارث بن مالك، وقيل: ابن عوف بن الحارث، مات سنة ثمان وستين، وهو ابن خمس وثمانين على الصحيح، وعبيد الله لم يدرك عمر، ففي هذا الحديث إرسال، لكنه صحيح بلا شك، وقد صرح باتصاله في رواية مسلم من طريق فليح عن ضمرة عن عبيد الله عن أبي واقد، قال: سألني عمر.\nقال النووي: هذه متصلة، فإنه أدرك أبا واقد بلا شك وسمعه بلا خلاف.\nماذا أي: أي شيء من القرآن كان يقرأ به رسول الله - ﷺ - في صلاة عيد الأضحى أو عيد الفطر؟ قال سعيد بن زيد الباجي - المالكي: يحتمل أن يسأل على معنى الاختيار أو نسي فأراد أن يتذكر، وقال النووي: إنه شك في ذلك فأثبته، وأراد إعلام الناس بذلك أو نحو ذلك، هذا من المقاصد، (ق ٢٣٥) قالوا: ويؤيده أن عمر لم يعلم ذلك مع شهود صلاة العيد مع رسول الله - ﷺ - مرات، وقربه منه. قال: كان يقرأ بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ أي: في الركعة الأولى، و﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ في الركعة الثانية.\nقال العلماء: حكمة ذلك ما اشتملت عليه من الإِخبار عن القرون الماضية، وإهلاك المكذبين، وشبيه ببروز الناس للعيد ببروزهم للبعث وخروجهم من الأجداث، كأنهم جراد منتشر.\nقال ابن عبد البر: معلوم أنه - ﷺ - كان يقرأ في العيد بسورتين، وليس في ذلك عند الفقهاء شيء يُقتدى، وكلهم يستحب ما روى أكثرهم ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١]، لتواتر الروايات بذلك عن النبي\n_________\n(١) التقريب (١/ ٢٨٠).\n(٢) التقريب (١/ ٢٧٢).","vol":"1","page":459},{"text":"- ﷺ - من حديث سمرة بن جندب وأنس وابن عباس ﵃، كذا قاله الزرقاني.\nلما فرغ من بيان حكم القراءة في صلاة العيد، شرع في بيان كمية التكبير وكيفيته في صلاة العيدين، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>باب في بيان كمية التكبير وكيفيته في العيدين</span>\nوالمناسبة بين هذا الباب وذاك الباب ظاهرة.\n٢٣٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، قال: شهدت الأضحى والفطر مع أبي هريرة، فكبَّر في الأولى بسبع تكبيرات قبل القراءة، وفي الآخرة بخمس تكبيرات قبل القراءة.\nقال محمد: اختلف الناس في التكبير في العيدين، فما أخذت به فهو حَسَن، وأفضل ذلك عندنا: ما روي عن ابن مسعود: أنه كان يكبر في كل عيد تسعًا: خمسًا وأربعًا، فيهنّ تكبيرة الافتتاح، وتكبيرتا الركوع، ويوالي بين القراءتين، ويؤخرها في الأولى، ويقدمها في الثانية، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام، من كبار أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، ونسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة: ثنا، أخبرنا نافع، أي: المدني، وفي نسخة: \"عن\" في موضع \"أخبرنا\"، قال: شهدت أي: صلاة الأضحى والفطر مع أبي هريرة، ﵁، وهو إمام لكونه أميرًا في المدينة، فكبَّر في الركعة الأولى بسبع تكبيرات قبل القراءة، وفي الركعة الآخرة وفي نسخة: \"وفي الأخيرة\"، بالياء التحتية، مروي عن أبي يوسف أن التكبير بسبع سوى تكبيرة الإِحرام والركوع، وعند مالك وأحمد، تكبيرة الإِحرام، وفي الثانية خمس سوى\n_________\n(٢٣٧) إسناده صحيح، أخرجه: الشافعي في الأم (١/ ٢٣٦)، وعبد الرزاق في المصنف (٥٦٨٠)، والبيهقي في الكبرى (٣/ ٢٨٨)، وفي معرفة السنن والآثار (٥/ ٦٨٧٤).","vol":"1","page":460},{"text":"تكبيرة النهوض وتكبيرة الركوع، ولا موالاة بين القراءتين في الركعتين، لما روى أبو داود (١) وابن ماجه (٢) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"التكبير في الفطر سبع في الأولى، وخمسٌ في الثانية، والقراءة بعدهما كلتيهما\"، وزاد الدارقطني: \"سوى تكبيرة الصلاة\"، كذا قاله علي القاري.\nقال بعض العلماء: حكمة هذا العدد أنه لما كان للوتر أثر عظيم في التذكير بالوتر الصمد الواحد الأحد، وكان للسبعة منها مدخل عظيم في الشرع جعل تكبير صلاة العيد وترًا، وجعل سبعًا في الأولى لذلك، وتذكيرًا بأفعال الحج السبعة من الطواف والسعي والجمار تشويقًا إليها؛ لأن النظر إلى العيد الأكبر أكثر وتذكيرًا بخالق هذا الوجود بالتفكر في أفعاله المعروفة من خلق السموات السبع والأرضين السبع وما فيهما في ستة أيام، وخلق آدم (ق ٢٣٦) في السابع يوم الجمعة. كذا قاله الزرقاني.\nقال محمد: اختلف الناس أي: الفقهاء في التكبير أي: في صلاتهما، فما أي: المروي، أخذت به فهو أي: أخذت به حَسَن، وأفضل أي: مما رواه غير عبد الله بن مسعود ﵁ ذلك، أي: المروي الذي أخذت به عندنا أي معمولٌ عند عامة فقهائنا، ما أي: حكم روى أبو حنيفة ﵀ عن ابن مسعود ﵁ أنه كان يكبر في كل عيد أي: صلاته تسعًا أي: باعتبار المجموع، قوله: خمسًا بدل البعض من تسعًا، أي: يكبر ابن مسعود في الركعة الأولى خمسًا وفي الركعة الثانية أربعًا، وكلمة \"في\" في قوله: فيهنّ بمعنى \"من\" التبعيضية، أي: بعض التكبيرات التسع تكبيرة الافتتاح، وتكبيرتا الركوع، فالزائد في كل ركعة ثلاث ويوالي على وزن يساوي لفظًا ومعنى، أي: يعاقب ويتصل ابن مسعود ﵁ بين القراءتين، قوله: ويؤخرها أي: القراءة في الركعة الأولى بعد التكبيرات الزوائد بيان للموالات، ويقدمها أي: القراءة في الركعة الثانية، وهو أي: الاتصال بين القراءتين وتأخيرها في الركعة الأولى، وتقديمها في الثانية: قولُ أبي حنيفة رحمه الله تعالى.\nوقد روى المصنف في باب صلاة العيدين من \"الآثار\" وقال: أخبرنا أبو حنيفة عن\n_________\n(١) أبو داود (١١٥١).\n(٢) ابن ماجه (١٢٨٧).","vol":"1","page":461},{"text":"حماد عن إبراهيم عن عبد الله بن مسعود ﵁، أنه كان قاعدًا في مسجد الكوفة ومعه حذيفة بن اليمان، وأبو موسى الأشعري، ﵃، فخرج عليهم الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وهو أمير الكوفة يومئذٍ، فقال: إن غدًا عيدكم فكيف أصنع؟ فقالا: أي: أمرًا بابن مسعود بأن أخبرنا يا أبا عبد الرحمن، كيف يصنع؟ فأمره عبد الله بن مسعود ﵁، أن يصلي بغير أذان ولا إقامة، وأن يكبر في الأولى خمسًا، وفي الثانية أربعًا، وأن يوالي بين القراءتين، وأن يخطب بعد الصلاة، انتهى، وقد فصلناه في باب العيد من (سلم الفلاح شرح نور الإِيضاح).\nلما فرغ من بيان كمية التكبير وكيفية في صلاة العيد، شرع في بيان قيام شهر رمضان، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>باب قيام شهر رمضان وما فيه من الفضل</span>\nأي: في بيان أحكام إحياء ليالي شهر رمضان، وما فيه أي: وبيان عمل في شهر رمضان، قوله: من الفضل، بيان بما فيه، أي: من النوافل الزوائد على الفرائض كالتراويح والتسبيح وقراءة القرآن، ورمضان: مصدر رمض إذا احترق فأضيف إليه الشهر وجعل علمًا لجميع أيام الشهر، ومنع من الصرف للعلمية، والألف والنون كما منع عثمان وسعدان، وإنما سموه بذلك إما لارتماضهم أي: لاحتراقهم فيه من حر الجوع والعطش، أو لارتماض الذنوب فيه أو لوقوعه أيام رمض الحر حينما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة. كذا قاله عبد الله بن عمر بن محمد بن علي البيضاوي في تفسير قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ الآية [البقرة: ١٨٥].\n٢٣٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب الزُّهري، عن عُرْوَة بن الزُّبَيْر، عن عائشة، أن رسول الله - ﷺ - صلَّى في المسجد. فصلى بصلاته ناس، ثم كثروا في القَابِلَةِ، ثم اجتمعوا في الليلة الثالثة أو الرابعة، وكثروا، فلم يخرج إليهم\n_________\n(٢٣٨) صحيح، أخرجه: البخاري (١١٢٩)، ومسلم (٧٦١)، وأبو داود (١٣٧٣)، والنسائي (٣/ ٢٠٢).","vol":"1","page":462},{"text":"رسول الله - ﷺ - فلما أصبح قال: \"قد رأيتُ الذي صنعتم البَارِحَة، فلم يمنعني أن أخرج إليكم إلا أني خَشيتُ أن يُفْرَض عليكم\"، وذلك في رمضان.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام في المذهب، من كبار أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي في الإِقليم (ق ٢٣٧) الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا، أخبرنا ابن شهاب أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزُّهري، يُكنى أبا بكر، كان في الطبقة الرابعة، من أهل المدينة، عن عُرْوَة بن الزُّبَيْر، أي: ابن العوام، كان في الطبقة الثانية من أهل المدينة، قال لبنيه: يا بني سلوني ولقد تركت حتى كدت أن أنسى، وإني لأُسأل عن الحديث فيفتح لي حديث يومي، واجتمع قومٌ في الحرم فقالوا: تَمنَّ، فقال: أتمنى أن يؤخذ عني العلم، وكان يتألف الناس على خدمته، وقال: رب كلمة ذُلّ احتملتها أورثتني عزًا طويلًا، وقال: إذا رأيت الرجل يعمل الحسنة، فاعلم أن لها عنده أخوات، فإن الحسنة تدل على أختها، وقال لبنيه: تعلموا فإنكم إن تكونوا صغار قوم عسى أن تكونوا كبراءهم، واسوأتاه ماذا أقبح من شيخ جاهل؟\nوكان إذا جاء الرطب تسلم حائطه فيدخل الناس فيأكلون ويحملون، وكان إذا دخل ردد هذه الآية في سورة الكهف: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩]، حتى يخرج، وكان يقرأ ربع القرآن كل يوم نظرًا في المصحف ويقوم به الليل، فما تركه إلا ليلة قطعت رجله، ثم عاود الليلة (القليلة) ووقعت الأكلة في رجله فقطعت وهو صائم ولم يمسكه أحد، ولم يَحْضرَّ وجهه، ودخل أكبر ولده اصطبله ففرسته دابة وقتلته، فما أحد سمع منه شيء، حتى قدم المدينة فقال: اللهم إنه كان لي أطراف أربعة فأخذتَ واحدًا وأبقيتَ لي ثلاثة فلك الحمد، وكان لي بنون أربعة فأخذتَ واحدًا وبقيت لي ثلاثة فلك الحمد، وايم الله لئن أخذت لقد أبقيت، ولئن ابتليتَ لطالما عافيت.\nوقال له الأطباء: نسقيك شيئًا لئلا تحس، فقال: لا، شأنكم، فنشروها بالمنشار فما حرك عضوًا عن عضو، وصبر، فلما رأى القدم بأيديهم دعا بها فقبلها، ثم قال: أما والذي حملني عليك، إنه ليعلم أني ما مشيتُ بك إلى حرام قط - أو قال معصية - أو قال:","vol":"1","page":463},{"text":"سوء - وكان يسرد الصوم، ومات وهو صائم. كذا قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي في (طبقاته).\nعن عائشة، أن رسول الله - ﷺ - صلَّى في المسجد أي: بعد صلاة العشاء في أول ليلة من رمضان على ما هو المتبادر من إطلاق الزمان، فصلى بصلاته أي: مع صلاته - ﷺ - ناس كثير أي: مقتدون به، ثم كثروا أي: الناس من القَابِلَةِ وهي الليلة الآتية التي هي الثانية، ثم اجتمعوا أي: مع الزيادة في الليلة الثالثة أي: فيها أو الرابعة شك من الراوي، وفي رواية مالك لمسلم من رواية يونس عن ابن شهاب: فخرج رسول الله - ﷺ - في الليلة الثانية فصلوا معه، فأصبح الناس يذكرون ذلك، فكثر أهل المسجد عن الليلة الثانية، فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله، ولأحمد من رواية معمر عن الزهري: امتلأ المسجد حتى اضطر (ق ٢٣٨) بأهله، قاله الزرقاني.\nفكثروا أي: أكثر مما كانوا فلم يخرج إليهم رسول الله - ﷺ - أي: في الليلة الرابعة.\nقال ابن عبد البر: تفسير هذه الليالي المذكورات فيه بما رواه النعمان بن بشير ﵁ أنه قال: قمنا مع رسول الله - ﷺ - في شهر رمضان ثلاثةً وعشرين - أي: إلى ثلث الليل - ثم قمنا معه ليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل، ثم قمنا معه ليلة سبع وعشرين حتى ظننا أنا لا ندرك الفلاح، أخرجه النسائي (١)، والفلاح: السحور، قالوا: ما عدد ما صلى؟ ففي حديث ضعيف: أنه صلى عشرين ركعة والوتر، أخرجه ابن أبي شيبة (٢) من حديث ابن عباس، وأخرجه ابن حبان (٣) في صحيحه من حديث جابر ﵁، أنه - ﷺ - صلى بهم ثمان ركعات ثم أوتر، وهذا أصح. ذكره السيوطي.\nفلما أصبح أي: النبي - ﷺ -، قال: \"قد رأيتُ الذي صنعتم البَارِحَة، أي: الكثرة والمزاحمة والحرص على العبادة معي، قد فعلتم في الليلة الماضية، فلم يمنعني أن أخرج إليكم أي: بعدها إلا أني خَشيتُ أن يُفْرَض عليكم\"، أي: صلاة الليل فتعجزوا عنها، كما في رواية يونس عند مسلم، ونحوه من رواية عقيل عند البخاري، أي: تشق عليكم\n_________\n(١) النسائي (١/ ٤١٠).\n(٢) المصنف (٢/ ١٦٣).\n(٣) ابن حبان (٦/ ١٦٩) رقم (٢٤٠٩).","vol":"1","page":464},{"text":"فتتركوها مع المقدرة عليها، وليس المراد العجز الكلي؛ لأنه يسقط التكليف من أصله، وقد استشكلت هذه الخشية مع قوله سبحانه: \"هن خمس وهن خمسون، لا يبدل القول لديّ\"، فإذا أمن من التبديل كيف يخاف من الزيادة؟\nوأجاب الخطابي بأن صلاة الليل كانت واجبة على النبي - ﷺ - وأفعاله الشرعية تجب على الأمة اقتداءً به فيها عند المواظبة، فترك الخروج إليهم لئلا يدخل ذلك في الواجب بطريق الأمر بالاقتداء به، لا من طريق إنشاء فرض جديد زائد على الجنس، وهذا كما يوجب المرء على نفسه صلاة نذر فيجب عليه ولا يلزم زيادة فرض في أصل الشيء، وباحتمال أن الله تعالى لما فرض من الصلاة خمسين ثم حط معظمها بشفاعة نبيه، فإذا عادت الأمة فيما استوعب لها والتزمت ما استعفى لهم نبيهم - ﷺ - وتبعه جماعة من الشراح، وهو مبني على وجوب قيام الليل والاقتداء بأفعاله في كل شيء، وفي كل من الأمرين نزاع.\nوجواب الكرماني بأن حديث الإِسراء يدل على أن المراد الأمن من نقض شيء ولم يتعد للزيادة فيه نظر؛ لأن ذكر المضعف بقوله: هن خمس إشارة إلى عدم الزيادة أيضًا؛ لأن التضعيف لا ينقص عن العشر، ودفع بعضهم في أصل السؤال بأن الزمان قابل للنسخ فلا مانع من خشية الافتراض، وفيه نظر؛ لأن قوله: لا يبدل القول لديَّ خبر، ولا يدخله النسخ على الراجح، وليس كقوله: مثل صوموا الدهر أبدًا؛ فإنه يجوز النسخ فيه.\nوقال سعيد بن زيد الباجي: قال القاضي أبو بكر: يحتمل أن يكون أوحى الله إليه أنه إن واصل الصلاة (ق ٢٣٩) معهم فرضها عليهم، ويحتمل أنه - ﷺ - ظن أن ذلك سيفرض عليهم لما جرت عادته بأن ما دام عليه على وجه الاجتماع من القرب فرض على أمته، ويحتمل أن يريد بذلك أنه خاف أن يظن أن واحدًا من أمته بعده إذا داوم عليها.\nقال القرطبي: قوله: أن تفرض عليكم، أي: تظنونه فرضًا، فتجب على من ظن ذلك، كما إذا ظن المجتهد حل شيء أو حرمته فيجب عليه العمل به، وقيل: كان حكمه - ﷺ - إذا واظب على شيء من الأعمال، واقتدى الناس به فيه، أنه يُفْرَض عليهم. انتهى.\nوذلك أي: عدم خروجه - ﷺ - إلى أن يصلي صلاة التراويح بالناس، خشية أن يفرض على أمته قيام ليالي رمضان، ثبت في رمضان.","vol":"1","page":465},{"text":"قال ابن شهاب: فتوفى رسول الله - ﷺ - والأمر على ترك الجماعة في صلاة التراويح، وفي رواية ابن أبي ذئب عن الزهري: ولو لم يكن رسول الله - ﷺ - جمع الناس على القيام، رواه أحمد، كذا قاله الزرقاني (١).\n* * *\n\n٢٣٩ - أخبرنا مالك، حدثنا سعيد المَقْبُرِيّ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أنهُ سأل عائشة، كيف كانت صلاة رسول الله - ﷺ - في رمضان؟ قالت: ما كان رسول الله - ﷺ - يَزِيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعًا، فلا تسأل عن حُسْنهنّ وطُولهنّ، ثم يصلي أربعًا، فلا تسأل عن حُسْنهنّ وطُولهنّ، ثم يصلي ثلاثًا، قالت: فقلت: يا رسول الله أتنام قبل أن تُوتر؟ فقال: \"يا عائشة، عيناي تنامان ولا ينام قلبي\".\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام، من أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، حدثنا ابن أبي سعيد أي: ابن كيسان المَقْبُرِيّ، كذا في نسخة، وهو بفتح الميم، وسكون القاف، وضم الموحدة وفتحها، نسبته إلى المقبرة؛ لأنه كان مجاورًا لها، وهو تابعي ثقة، في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، عن أبي سلمة اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل بن عبد الرحمن، أي: ابن عوف الزهري، التابعي ابن الصحابي، ثقة، مكثر، من الطبقة الثالثة من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين، أنهُ أي: أبا سلمة سأل عائشة رضي الله تعالى عنها: كيف كانت صلاة رسول الله - ﷺ - في رمضان؟ والمراد: صلاة النافلة، قالت: ما كان رسول الله - ﷺ - يَزِيد في رمضان ولا غيره أي: بالأولى على إحدى عشرة ركعة، بسكون الشين المعجمة وبكسرها، أي: غير ركعتي الفجر، كما في رواية القاسم عنها، وفيه أن صلاته كانت متساوية في جميع السنة، ولا ينافي ذلك حديثها، كان - ﷺ - إذا دخل العشر من رمضان يتهجد فيه ما لا يتهجد في غيره؛ لأنه يحتمل على التطويل في الركعات دون الزيادة في العدد.\n_________\n(١) في شرحه (١/ ٣٣٨).\n(٢٣٩) صحيح، أخرجه: البخاري (٣/ ١٣٠٨).","vol":"1","page":466},{"text":"قال السيوطي لا يعارض ما رواه يحيى بن يحيى عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان رسول الله - ﷺ - يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة؛ لأن هذا محمول على أنها ختمت فيه ما كان يفتتح صلاته من ركعتين خفيفتين قبل إحدى عشرة ركعة. انتهى. ويحتمل أن يكون محمولًا على اختلاف الحالات، وما ذكرته بطريق الحصر يكون أمرًا عاديًا عندها.\nوقال الحافظ ابن حجر: وأما ما رواه ابن أبي شيبة (١) من حديث ابن عباس ﵄، كان رسول الله - ﷺ - يصلي عشرين ركعة والوتر فضعيف، وقد عارض هذا (ق ٢٤٠) الحديث الصحيح، مع كون عائشة أعلم بحال النبي - ﷺ - ليلًا من غيرها، كذا ذكره السيوطي، ولا يبعد أنه حصل العلم من ابن عباس ﵄ من غير طريق عائشة ﵂ من سائر أمهات المؤمنين، ﵅، وعلى كل تقدير، فالعمل بالحديث الضعيف جائز عند الكل في فضائل الأعمال، والله أعلم بالأحوال، ويكفينا ما رواه البيهقي في (المعرفة) بإسناد صحيح عن السائب بن يزيد قال: كنا نقوم زمن عمر بن الخطاب بعشرين ركعة والوتر، فهذا كالإِجماع من غير نكير منكر في هذا الاجتماع، لا سيما وقد ورد: \"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين بعدهم\"، الظاهر من كلام ابن عباس أنه - ﷺ - كان يصلي عشرين ركعة في ليالي رمضان من أولها.\nوكلام عائشة مشيرًا إلى صلاة التهجد يصلي أربعًا، ظاهره أنه بسلام واحد فلا تسأل عن حُسْنهنّ أي: في الكيفية وطُولهنّ أي: لأنه لا يمكن وصفها، والفاء جواب الشرط محذوف تقديره: إذا سألت أبا سلمة عن كيفية صلاته - ﷺ - وكميتها فلا تسأل عن حُسنهن؛ لأنهن من كمال كيفية صلاته - ﷺ - وكميتها، فلا تسأل الحسن والطول، تستغن لظهورهن عن السؤال، ثم يصلي أربعًا، فلا تسأل عن حُسْنهنّ أي: في الكيفية وطُولهنّ أي: في الكمية؛ لأن النبي - ﷺ - كان يصلي ثمان ركعات في المرتين، لا يعتبر أحد بحسنهن، يعني أربع ركعات في الطول والحسن، ثم أربعًا كذلك، وترتيب القراءة ونحو ذلك، فلا ينافي أنه يجلس في كل ركعتين ويسلم، لقوله - ﷺ -: \"صلاة الليل مثنى مثنى\"، ومحال أن يأمر بشيء ويفعل خلافه، كذا في (التمهيد).\n_________\n(١) ضعيف، تقدم قريبًا.","vol":"1","page":467},{"text":"ثم يصلي ثلاثًا، أي: ثلاث ركعات، الوتر غير فصل، كما هو الظاهر، قالت: أي: عائشة - كما في (الموطأ) لمالك - فقلت: يا رسول الله أتنام بهمزة الاستفهام الإِخباري؛ لأنها لم تعرف النوم قبل الوتر، مع أنه واجب يخاف فوته بالنوم قبل أن تُوتر؟ فإنه لا ينام حتى يوتر، وكان مقررًا عندها أن لا نوم قبل الوتر، فأجابها - ﷺ - بأنه ليس كغيره، فقال: \"يا عائشة، عيناي تنامان ولا ينام قلبي\".\nقال النووي: هذا من خصائص الأنبياء ﵈. انتهى.\nلأن القلب إذا قويت حياته لا ينام إذا نام البدن، ولا يكون ذلك إلا للأنبياء ﵈، كما قال - ﷺ -: \"إنا معاشر الأنبياء تنام أعيننا، ولا تنام قلوبنا\"، ولذا قال ابن عباس وغيره من العلماء: وبالأنبياء وحي ولو سلط النوم على قلوبهم كانت رؤياهم كرؤيا سواهم، ولذا كان النبي - ﷺ - ينام حتى ينفخ، ثم يصلي ولا يتوضأ؛ لأن الوضوء إنما يجب بغلبة النوم على القلب، لا على العين ولا يعارض نومه بالوادي ليلة التعريس؛ لأن رؤية الفجر بالعين لا بالقلب. قال ابن عبد البر (١): وفي هذا الحديث تقديم وتأخير؛ لأن السؤال بعد ذكر الوتر، ومعناه بأنه كان ينام قبل صلاته، وهذا يدل على أنه كان يقوم ثم ينام ثم يقوم ثم ينام ثم يقوم فيوتر، ولذا جاء الحديث: أربعًا ثم (ق ٢٤١) أربعًا، ثم ثلاثًا، أظن ذلك والله أعلم.\nومن أجل ذلك أنه - ﷺ - كان ينام بينهن، فقالت: أربعًا ثم أربعًا، تعني بعد النوم، ثم ثلاثًا بعد النوم، ولذا قالت: أتنام قبل أن توتر؟ وقد قالت أم سلمة: كان يصلي ثم ينام قدر ما صلى، ثم يصلي قدر ما ينام، ثم ينام قدر ما صلى. الحديث.\nيعني فهذا شاهد لحمل خبر عائشة ﵂ على ما ذكره، وأخرجه البخاري في الصلاة عن عبد الله بن يوسف، وفي الصلاة عن إسماعيل، وفي الصفة النبوية عن القعنبي، ومسلم عن يحيى، وأصحاب السنن الثلاثة عن قتيبة، وعن طريق ابن القاسم، وابن مهدي، والترمذي من طريق معن الثانية عن مالك به، كذا قاله الزرقاني (٢).\n* * *\n_________\n(١) في التمهيد (٢١/ ٧٢).\n(٢) الزرقاني في شرحه (١/ ٣٥٣).","vol":"1","page":468},{"text":"٢٤٠ - أخبرنا مالك، حدثنا الزُّهريّ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، أن رسول الله - ﷺ - كان يُرَغِّب الناس في قيام رمضان، من غير أن يأمر بعَزيمة، فيقول: مَنْ قام رمضان إيمانًا واحْتسَابًا غُفرَ له ما تقدَّم من ذنبه. قال ابن شهاب: فَتُوفِيَ النبي - ﷺ - والأمر على ذلك، ثم كان الأمر في خلافة أبي بكر وصَدْرًا من خلافة عمر على ذلك.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام، من أتباع التابعين في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، حدثنا الزُّهريّ، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، التابعي، كان في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، وفي نسخة: قال: ثنا، عن أبي سلمة قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، المدني، ثقة، مكثر، تابعي ابن صحابي، كان في الطبقة الثالثة من أهل المدينة، كذا قاله ابن حجر في (التقريب من أسماء الرجال) (١)، وفي نسخة الشارح تبع (بالموطأ) لمالك عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - كان يُرَغِّب الناس بضم الياء التحتية، وفتح الراء المهملة، وتشديد الغين المعجمة المكسورة، أي: يحثهم في قيام رمضان، أي: في قيام لياليه بالعبادة، أمر استحباب لطلب زيادة الثواب، من غير أن يأمر بعَزيمة، أي: لا يأمرهم أمر إيجاب، بل أمرهم أمر ندب وترغيب، وفسره بصيغة الترغيب والندب دون الإِيجاب بقوله: فيقول: مَنْ قام رمضان.\nقال ابن عبد البر: رواة (الموطأ) على هذا اللفظ، وأما أصحاب ابن شهاب فاختلفوا، ورواه مالك ومعمر وقريش وأبو أويس، كذلك رواه ابن عيينة وحده عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ: \"من صام رمضان\"، انتهى، والحديث بلفظ: \"من صام\" رواه أحمد وأصحاب الكتب السنة عن أبي هريرة، وبلفظ: \"من قام\" الشيخان والأربعة، وقد ورد بالجمع بينهما ومن الصحيحين.\n_________\n(٢٤٠) صحيح، أخرجه: البخاري (١/ ٢٢)، (٢/ ٧٠٧)، ومسلم (١/ ٥٢٣).\n(١) التقريب (١/ ٦٤٥).","vol":"1","page":469},{"text":"قال النووي: المراد بقيام رمضان صلاة التراويح، وقال غيره: قيل: مطلق الصلاة الحاصل بها قيام الليل، كذا ذكره السيوطي، والأظهر أن المراد بالقيام إحياء الليل بالعبادة، أعم من أن يكون صلاة، أو طواف الكعبة، أو تلاوة القرآن، وغير ذلك من أنواع العبادات، وأصناف الطاعات، الشاملة للعلوم النافعة.\nإيمانًا أي: تصديقًا بسنته، واحْتسَابًا أي: طلبًا لثواب الآخرة، لا لرياء ونحوه مما يخالف الإِخلاص، (ق ٢٤٢) ونصبهما على المصدر أو الحال، وعلى العلة، كذا نقله علي القاري عن السيوطي، غُفرَ له بصيغة المجهول، ما تقدَّم من ذنبه، أي: ذنبه المتقدم، \"فمن\" للبيان لا للتبعيض، أي: الصغائر لا الكبائر، كما قطع إمام الحرمين والفقهاء، وعزاه عياض لأهل السنة، وجزم ابن المنذر بأنه يتناول بهما.\nوقال الحفاظ: إنه ظاهر الحديث.\nوقال ابن عبد البر: اختلف فيه العلماء فقال قوم: يدخل فيه الكبائر، وقال الآخرون: لا تدخل فيه لكن لا بد من أن يقيد بما لا يمكن تداركه من حقوق الله، ومن حقوق العباد، وألا يترتب عليه كثير من الفساد لأرباب العناد، كذا قاله علي القاري.\nوقال الزرقاني (١): وقد ورد في غفر أن ما تقدم وما تأخر عدة أحاديث جمعتها في كتاب مفرد، واستُشكِل بأن المغفرة تستدعي سبق ذنب المتأخر من الذنوب، ولم يأت بعد فكيف يغفر؟ وأجيب بأن ذنوبهم تقع مغفورة، وقيل: هو كناية عن حفظ الله تعالى بعباده في المستقبل عن الذنوب، كما قيل في قوله - ﷺ -: \"إن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم\" انتهى.\nلكن ثبت أن الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر، فإذا كانت الفرائض لا تكفرها فأولى قيام الليل من شهر رمضان، وهو سنة، وأجيب بأن المكفر ليس قيام الليل هو فعل العبد، بل فضل من الله تعالى، والذي يظهر لي والمراد بالكبائر فيما ثبت من الحديث أكبر الكبائر، وهو الكف، أو المراد بالكبائر هي مطلق الكبائر، والمطلق ينصرف إلى الكمال، والكامل في الكبائر هو المكفر كما فصلناه في باب التأمين.\n_________\n(١) في شرحه (١/ ٣٣٧).","vol":"1","page":470},{"text":"قال ابن شهاب: فَتُوفِيَ رسول الله - ﷺ -، وفي نسخة: النبي - ﷺ - والأمر على ذلك، أي: وحال الناس على ما كانوا عليه في زمنه - ﷺ - من ترك الناس الجماعة في صلاة التراويح، يعني لا يجتمعون على إمام يصلي بهم التراويح، خشية أن تفرض عليهم، ويصح أن يكون معناه لا يصلون إلا في بيوتهم، ويصلي الواحد منهم في المسجد، ويصح أن يكونوا لم يجتمعوا على إمام واحد، ولكنهم كانوا يصلون متفرقين، في رواية ابن أبي ذئب عن الزهري: لم يكن رسول الله - ﷺ - جمع الناس على القيام، رواه أحمد، وأدرج معمر قول ابن شهاب في نفس الخبر، رواه الترمذي، وما رواه ابن وهب عن أبي هريرة ﵁: خرج رسول الله - ﷺ - وإذا الناس يصلون على ناحية المسجد، فقال: \"ما هذا؟ \" فقيل: ناس يصلي بهم أبي بن كعب، فقال: \"أصابوا، ونعم ما صنعوا\"، ذكره ابن عبد البر، ففيه مسلم بن خالد وهو ضعيف، والمحفوظ أن عمر هو الذي جمع الناس على أبي بن كعب، كذا قاله ابن حجر. وقال سعيد بن زيد الباجي - المالكي: هذا مرسل من ابن شهاب. ثم كان الأمر أي: الحال في خلافة أبي بكر الصديق ﵁، وصَدْرًا من خلافة عمر أي: ابن الخطاب ﵁، بنصب صدرًا عطف على (ق ٢٤٣) خبر كان، وفي نسخة بخفضه عطف على خلافه، على ذلك أي: على ترك الجماعة في صلاة التراويح.\nقال النووي (١): أي استمر الأمر على هذه المدة، على أن كل واحد يقوم رمضان في بيته منفردًا.\n* * *\n\n٢٤١ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عُرْوَة بن الزُّبَيْر، عن عبد الرحمن بن عبد القَاريّ، أنَّه خرج مع عمر بن الخطاب ليلةً في رمضان، فإذا الناس أوْزَاع متفَرِّقُون، يصلي الرجل فيصلي بصلاته الرَّهْط، فقال عمر: والله إني لأَظُنّني لو جَمَعْتُ هؤلاء على قارئ واحد لكان أَمَثَلَ، ثم عَزَم\n_________\n(١) في شرحه على مسلم (٦/ ٤٠).\n(٢٤١) إسناده صحيح.","vol":"1","page":471},{"text":"فجمعهم على أبي بن كعب، قال: ثم خرجت معه ليلةً أخرى والناس يصلُّون بصلاة قارئهم، فقال: نعْمَت البِدْعَة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون فيها، يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوَّله.\nقال محمد: وبهذا كلّه نأخذ، لا بأس بالصلاة في شهر رمضان، أن يُصَلِّي الناس تَطَوُّعًا بإمام، لأن المسلمين قد أجْمَعُوا على ذلك ورَأوْهُ حَسَنًا، وقد روي عن النبي - ﷺ - أنَّه قال: \"ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحًا فهو عند الله قبيح\".\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام، من كبار أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، التابعي، في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، عن عُرْوَة بن الزُّبَيْر أي: ابن العوام، من التابعين في الطبقة الثانية من أهل المدينة، عن عبد الرحمن بن عبد الله بالتنوين القَاريّ، بتشديد الياء نسبة إلى \"قارة\" بطن من خزيمة بن مدركة المدني عامله عمر بن الخطاب ﵁ على بيت المال، يقال: إنه رأى النبي - ﷺ -، وذكره العجلي في ثقات التابعين، واختلف قول الإِمام الواقدي فيه قال تارة: له صحبة، وتارة: إنه تابعي، مات سنة ثمانين، كذا قاله الزرقاني، أنَّه خرج مع عمر بن الخطاب ليلةً في رمضان، أي: إلى المسجد النبوي، فإذا الناس الفاء للمفاجأة أوْزَاع بفتح الهمزة وسكون الواو فألف وعين مهملة، أي: جماعات متفَرِّقُون، نعت لفظي أو تأكيد مثل نفخة واحدة؛ لأن الأوزاع الجماعات المتفرقة لا واحد له من لفظه.\nقال ابن عبد البر: وهم القرون، قال تعالى في سورة المعارج: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾ [المعارج: ٣٧]، وفي الحديث: \"ما لي أراكم عزين\" (١) رواه الإِمام أحمد في مسنده، وذكر ابن فارس والجوهري أن الأوزاع الجماعات، ولم يقولوا متفرقين، فعليه يكون النعت للتخصيص، أراد أنهم كانوا يتنفلون في المسجد بعد صلاة العشاء متفرقين،\n_________\n(١) أحمد (٥/ ٩٣، ١٠١، ١٠٧).","vol":"1","page":472},{"text":"يصلي الرجل أي: لنفسه، بيان لما أجمله أولًا، من قوله: (أوزاع) فيصلي بصلاته الرَّهْط، بفتح الراء المهملة، وسكون الهاء والطاء: الكثير ما دون العشرة من الرجال، ورهط الرجل قومه وقبيلته، والجمع راهط، كذا قاله صاحب الأختري، فقال عمر أي: ابن الخطاب: والله إني لأَظُنّني أي: لأحسب نفسي، وليحيى: والله إني لأدرى بضم الهمزة، أي: لأظنني لو جمَعْتُ هؤلاء أي: الأوزاع والجماعات على قارئ أي: على رجل واحد يقرأ القرآن ليكون إمامًا لهم لكان أي: أمرهم أو جمعهم أَمَثَلَ أي: أفضل وأكمل؛ لأنه أنشط الكثير من المصلين. قال سعيد بن زيد الباجي - من المالكية - وابن التين وغيرهما: استنبط عمر بن الخطاب ذلك من تقرير النبي - ﷺ - من صلى معه في تلك الليالي، وإن كان كره ذلك لهم فإنما كرهه خشية أن يُفرض عليهم، فلما مات - ﷺ - أمن ذلك.\nوقال ابن عبد البر (١): لم يسن عمر إلا ما رضيه - ﷺ -، ولم يمنعه من المواظبة عليه إلا خشية أن يفرض على أمته، ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ (ق ٢٤٤) رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]، فلما أمن عمر ﵁ من ذلك أقامها، وأحياها في سنة أربعة عشرة من الهجرة، ويدل على أنه - ﷺ - من ذلك قوله: \"إن الله فرض عليكم رمضان، وسننتُ لكم قيامه، فمن صامه وقامه إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه\"، ثم عَزَم أي: جزم وتيقن بعد ما حسب وظن، فجمعهم على أبي بن كعب، أي: جعله إمامًا لهم.\nقال الحافظ ابن حجر (٢): وكان اختياره عملًا بقوله - ﷺ -: \"يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله\" (٣)، وقد قال عمر: أقرؤنا أُبيّ، وكان تميم الداري يصلي بالنساء، وقيل: سليمان بن أبي حثمة، قال ابن حجر (٤): ولعل ذلك كان في وقتين، كذا نقله علي القاري عن السيوطي. قال: أي: عبد الرحمن بن عبد القارئ: ثم خرجت معه أي: مع عمر ليلةً أخرى والناس أي: والحال أن الناس يصلُّون بصلاة قارئهم، أي: مع إمامهم المذكور، وهو صريح في أن عمر كان لا يصلي معهم؛ لأنه كان يرى أن الصلاة في بيته، ولا سيما\n_________\n(١) انظر شرح الزرقاني (١/ ٣٣٩).\n(٢) الفتح (٤/ ٢٥٢).\n(٣) أخرجه: مسلم (١/ ٤٦٥).\n(٤) الفتح (٤/ ٢٥٣).","vol":"1","page":473},{"text":"في آخر الليل أفضل، أو لأنه كان لا يصلي معهم إما لشغله بأمور الناس، وإما لانفراده بنفسه في الصلاة، فقال: أي: عمر، كما في (الموطأ) لمالك: نعْمَت البِدْعَة هذه، أي: هذه بدعة حسنة؛ إذ أصل البدعة ما أحدث على غير مثال سابق، ويطلق في الشرع على ما يقابل السنة، أي: ما لم يكن في عهده - ﷺ - وما يخالف السنة فهو ممنوع، والتي أي: الساعة أو الصلاة ينامون عنها أي: يغفلون عنها أفضل من الصلاة التي يقومون أي: الناس، وفي نسخة أخرى: ينامون، وتقومون بالفوقية، يريد أي: عمر بن الخطاب آخر الليل، والمعنى أن العبادة في آخر الليل أفضل من أوله، ولا سيما مع إخفاءها، وكان الناس أي: والحال أنهم يقومون أوَّله.\nقال الحافظ ابن حجر: هذا صريح منه بأن الصلاة في آخر الليل أفضل من أوله، وقد أثنى تعالى على المستغفرين بالأسحار، وقال أهل التأويل في يعقوب صلوات الله على نبينا وعليه في حق أولاده: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ﴾ [يوسف: ٩٨]، أخرهم في الدعاء إلى وقت السحر؛ لأنه أقرب للإِجابة، ويأتي حديث: \"ينزل ربنا تعالى إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير\"، وتأويله ينزل ملك من ملائكة الله تعالى (١) فيقول حاكيًا من قوله تعالى: \"ألا من مستغفر فأغفر له، ألا من مسترزق فأرزقه ... \" الحديث.\nقال محمد: وبهذا كلّه أي: بقول عمر بن الخطاب ﵁ نأخذ، أي: نعمل ونفتي بأنه لا بأس أي: لا كراهة بالصلاة في شهر رمضان، أن يُصَلِّي الناس أي: صلاة التراويح تَطَوُّعًا أي: بطريق التطوع لا باعتبار الوجوب بإمام أي: معه وإن كانت الجماعة بالنافلة بدعة مستحسنة؛ لأن المسلمين قد أجْمَعُوا على ذلك، حيث لم ينكر أحد من الصحابة على عمر هنالك، تم استمر عليه المسلمون، ورَأوْهُ حَسَنًا، أي: فإنه محض خير، وقد روي عن النبي - ﷺ - أنَّه قال: \"ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحًا فهو عند الله قبيح\" (٢). كذا رواه الإِمام أحمد في مسنده، وفي (ق ٢٤٥) نسخة:\n_________\n(١) هذا خطأ بخلاف ما عليه السلف، والصحيح أنه ينزل نزولًا يليق به من غير كيف ولا تشبيه.\n(٢) أخرجه: الحاكم في المستدرك (٣/ ٨٣)، وذكره الهيثمي في المجمع (١/ ١٧٨)، وقال: رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير، رجاله موثقون.\nوقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإِسناد، ولم يخرجاه.","vol":"1","page":474},{"text":"\"ما رآه المسلمون حسنًا\"، ولعل هذا باعتبار منطوقه ومفهومه مستفاد من قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية [النساء: ١١٥]، ويؤيده حديث: \"لا تجتمع أمتي على الضلالة\" رواه الإِمام أحمد في مسنده، والعبرة بالأكثر فلا ينافيه كراهة الشيعة، بناءً على صفاتهم الشنيعة بحديث: \"عليكم بالسواد الأعظم\"، والله ﷾ أعلم.\nلما فرغ من بيان أحكام قيام شهر رمضان وما فيه من الفضل، شرع في بيان حكم دعاء القنوت في صلاة الفجر، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>باب في بيان حكم دعاء القنوت في صلاة الفجر</span>\nوفي نسخة: صلاة الصبح.\n٢٤٢ - أخبرنا مالك، عن نافع، قال كان ابن عمر لا يقنت في الصبح.\nقال محمد: وبهذا نأخُذُ، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام، من كبار أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، عن نافع، المدني، مولى ابن عمر ﵄، قال: كان ابن عمر لا يقنت في الصبح.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قول أبي حنيفة، وبهذا أي: بخبر نافع نأخُذُ، أي: نعمل ونفتي، وهو أي: خبر نافع قولُ أبي حنيفة، ﵀، وبه قال أحمد، وقال مالك والشافعي: يقنت فيه لنا ما روى النسائي وابن ماجه والترمذي، وقال: حسن صحيح عن أبي مالك الأشجعي سعد بن طارق قال: قلت لأبي: إنك صليتَ خلف النبي - ﷺ - وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي بكوفة نحوًا من خمس سنين، أكانوا يقنتون في صلاة الفجر، قال: أي بنيَّ بدعةٌ أي: في غير النوازل، وروى ابن حبان عن أبي هريرة بسند صحيح قال: كان رسول الله - ﷺ - لا يقنت في صلاة الصبح إلا أن يدعو بقوم أو صلى بقوم.\n_________\n(٢٤٢) إسناده صحيح.","vol":"1","page":475},{"text":"وروى محمد في (الآثار) عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن الأسود بن يزيد أنه صحب عمر بن الخطاب سنتين على السفر والحضر فلم يره قانتًا في الفجر حتى فارقه.\nقال إبراهيم وأهل الكوفة: إنما أخذوا القنوت عن عليّ ﵁، قنت يدعو على معاوية حين حاربه، وأهل الشام أخذوا القنوت عن معاوية قنت يدعو على عليّ ﵁. وفي (الغاية البيان): وإن نزل بالمسلمين نازلة قنت الإِمام في صلاة الجهر، وهو قول الثوري، وأحمد، وقال جمهور أهل الحديث: القنوت عن النوازل مشروع في الصلاة كلها، وبه صرح الطحاوي، وقاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان حكم دعاء القنوت في صلاة الفجر، شرع في بيان فضل صلاة الفجر في جماعة، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>باب في بيان فضل صلاة الفجر في الجماعة</span>\nوبيان أمر أي: شأن سنة ركعتي الفجر\nأي: قبل فرض الفجر، فأمر سنتي الفجر أنهما سنة مؤكدة، وهما أقوى السنن، حتى روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى، أنهما واجبتان، كذا قاله الشرنبلالي في (مراقي الفلاح)، و(نجاة الأرواح)، وهاتان الروايتان يدلان على اعتناء سنتي الفجر.\n٢٤٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثْمة، أن عمر بن الخطاب فَقَد سليمان بن أبي حثْمة في صلاة الصبح، وأن عمر غدا إلى السوق، وكان منزل سليمان بين السوق والمسجد، فمر عمر على أم سليمان، الشِّفاء، فقال: لم أر سليمان في الصبح؟ فقالت: بات يصلي فغلبته عيناه، فقال عمر: لأنْ أشهد صلاة الصبح أحبُّ إلى من أن أقوم ليلة.\n_________\n(٢٤٣) إسناده صحيح، أخرجه: البخاري، كتاب الصلاة، باب الأذان بعد الفجر، ومسلم (٨٧)، والترمذي (٤٣٣)، والنسائي، وابن ماجه (١١٤٥).","vol":"1","page":476},{"text":"• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام، من كبار أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: ثنا، أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، التابعي، كان في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، عن أبي بكر أي: عبد الله بن سليمان بن أبي حثْمة، بفتح الحاء المهملة، وسكون الثاء المثلثة، وفتح الميم، ابن حذيفة، قرشيّ عدويّ، مدني ثقة، عارف بالنسب، وكان من فضلاء المسلمين وهو معدود من كبار التابعين، أن عمر بن الخطاب فَقَد أي: لم يجد أباه سليمان بن أبي حثْمة في صلاة الصبح، حيث لم يحضر الجماعة، وأن عمر غدا أي: ذهب إلى السوق، وكان منزل سليمان بين السوق والمسجد، أي: مسجد المدينة جملة معترضة، فمر عمر على أم سليمان، قوله: الشِّفاء، بالجر بدل من اللام، وهو بكسر الشين المعجمة، وبالفاء والمد بنت عبد الله القرشية العدوية.\nقال أحمد بن صالح المصري: اسمها ليلى، والشفاء لقب غلب عليها، أسلمت قبل الهجرة، وكانت من عقلاء النساء وفضلائهن، وكان رسول الله - ﷺ - يأتيها ويزورها ويقيل عندها، واتخذت لرسول الله - ﷺ - فراشًا وإزارًا ينام فيه، فلم يزل عندها حتى أخذه منهم مروان بن الحكم، وقال لها - ﷺ -: \"علمي حفصة رقية النملة\"، وأعطاها دارًا عند الحكاكين بالمدينة فنزلتها مع ابنها سليمان؛ ولأن عمر يقدمها في الرأي ويرعاها ويفضلها، وربما ولاها شيئًا من أمر السوق، روى عنها ابنها سليمان، وابناه: أبو بكر وعثمان، وحفصة أم المؤمنين وغيرهم، فقال: أي: عمر لم أر سليمان في الصبح؟ أي: في صلات، فقالت أي: الشفاء: بات أي: سليمان يصلي فغلبته عيناه، أي: بالنوم ففاته الجماعة، فقال عمر: لأن أي: أقسم بالله أشهد أي: أحضر صلاة الصبح أي: بالجماعة أحبُّ إلى من أن أقوم ليلة، لما في ذلك من الفضل الكبير، وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سليمان بن أبي حثمة عن أمه الشفاء أنها قالت: دخل عليَّ عمر وعندي رجلان نائمان تعني ابنها وزوجها سليمان، فقال: أما صليا الصبح؟ قلت: لم يزالا يصليان حتى أصبحنا فصلينا الصبح وناما، فقال: لأن أشهد الصبح في جماعة أحب إليَّ من قيام ليلة، كذا قاله الزرقاني.\n* * *","vol":"1","page":477},{"text":"٢٤٤ - أخبرنا مالك، أخبر نافع، أنَّ ابن عمر أخبره عن حَفْصة زوج النبي - ﷺ -، أنها أخبرته، أن رسول الله - ﷺ - كان إذا سَكَتَ المؤذِّن من صلاة الصبح، وبدأ الصبح، ركع ركعتين خفيفتين، قبل أن تقام الصلاة.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، الركعتان قبل صلاة الفجر يُخَفَّفانِ.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبر نافع، أي: المدني، مولى ابن عمر، ثقة ثبت، فقيه مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة المحدثين، مات سنة سبع عشرة ومائة، أنَّ ابن عمر أخبره عن حَفْصة، قال ابن عبد البر: فيه رواية الصحابي عن الصحابية.\nوقال السيوطي: فيه رواية الأخ عن أخته، زوج النبي - ﷺ -، أنها أخبرته، أن رسول الله - ﷺ - كان إذا سَكَتَ المؤذِّن من أذان صلاة الصبح، وليحيى: إن سكت المؤذن عن الأذان لصلاة الصبح، وبدأ بالألف، أي: وظهر الصبح أي: وطلع الفجر الثاني ركع أي: صلى ركعتين خفيفتين، وقد ثبت أنه - ﷺ - كان يقرأ فيهما بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و(الإِخلاص).\nوعن مالك عن يحيى بن سعيد أن عائشة زوج النبي - ﷺ - أنها (ق ٢٤٧) قالت: كان رسول الله - ﷺ - ليخفف ركعتي الفجر حتى إني لأقول: أقرأ بأم القرآن أم لا، رواه يحيى في (موطئه).\nقال ابن عبد البر: هكذا هذا الحديث عند رواة (الموطأ)، وقد رواه ابن عيينة وغيره عن يحيى بن سعيد عن محمد بن عبد الرحمن عن عجرة عن عائشة، ذكره السيوطي.\nقبل أن تقام الصلاة، أي: فرض الصبح.\nقال محمد: أي: المصنف ابن الحسن بن فرقد الشيباني، وبهذا أي: بقول ابن عمر، نأخذ، أي: نعمل ونفتي، الركعتان قبل صلاة الفجر يُخَفَّفانِ، بصيغة التثنية المؤنثة المجهولة للمضارع، يعني على طريق السنة.\n* * *","vol":"1","page":478},{"text":"٢٤٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر، أنَّه رأى رجلًا ركع ركعتي الفجر ثم اضطجع، فقال ابن عمر: ما شأنه؟ فقال نافع: فقلت: يَفصل بَيْنَ صلاته، قال ابن عمر: وأيُّ فَصْل أفضل من السلام.\nقال محمد: وبقول ابن عمر نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر، وفي نسخة: \"عن\" بدل \"أخبرنا\" أنَّه رأى رجلًا ركع أي: صلى ركعتي الفجر أي: سنته، ثم اضطجع، أي: على جنبه، فقال ابن عمر: ما شأنه؟ أي: ما سبب صنعه؟ فقال نافع: فقلت: يَفصل بَيْنَ صلاته، أي: بين صلاة سنة الفجر وبين فرضه، قال ابن عمر: وأيُّ فَصْل أي: فارق بين سنة الفجر وفرضه أفضل من السلام، هذا في الأصل بالضاد المعجمة؛ وذلك لأن الكلام إنما ورد للفصل وهو لكونه واجبًا أفضل من سائر ما يخرج من الصلاة من الفعل والكلام، ولا يبعد أن يكون أفصل بالصاد المهملة، أي: أفرق، والمعنى أن السلام فارق فلا يحتاج إلى فارق آخر بين السنة والفرض، وهذا لا ينافي فيما سبق من أنه - ﷺ - كان يضطجع في آخر التهجد تارة وأخرى بعد ركعتي الفجر في بيته للاستراحة.\nقال محمد: وبقول ابن عمر نأخذ، وهو أي: قول ابن عمر، قولُ أبي حنيفة.\nقال ابن حجر المكي في (شرح الشمائل): روى الشيخان (١) أنه - ﷺ - كان إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على شقه الأيمن، فتسن هذه الضجعة بين سنة الفجر وفرضه لذلك، أو لأمره - ﷺ - بها كما رواه أبو داود (٢) وغيره بسند لا بأس به خلافًا لمن نازع فيها، وهو صريح في ندبها لمن بالمسجد وغيره، خلافًا لمن خص ندبها بالبيت وقول ابن عمر: إنها بدعة، وقول النخعي: إنها ضجعة الشيطان، وإنكار ابن مسعود لها، فهؤلاء لم يبلغهم ذلك، وقد أفرط ابن حزم في قوله بوجوبها، وأنها شرط لصحة الصبح. انتهى.\nولا يخفى أن عدم البلوغ إلى هؤلاء الأكابر، الذين بلغوا مبلغ الأعلى لا سيما ابن\n_________\n(٢٤٥) إسناده صحيح.\n(١) أخرجه: البخاري (٦٠٠)، ومسلم (٧٣٦).\n(٢) أبو داود (٢/ ٣٩).","vol":"1","page":479},{"text":"مسعود الملازم له - ﷺ - حضرًا وسفرًا، وابن عمر المتفحص عن أحواله - ﷺ -، في كمال التتبع والاتباع، فالصواب حمله إنكارهم على العلة السابقة من الفصل، أو على فعله في المسجد يين أهل الفضل، وليس أمره - ﷺ - على تقدير صحته صريحًا ولا تلويحًا على فعله في المسجد إذ الحديث كما رواه أبو داود (١) والترمذي (٢) وابن حبان (٣) عن أبي هريرة ﵁: أنه إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر (ق ٢٤٩) فليضطجع على جنبه الأيمن، فالمطلق محمول على المقيد على أنه لو كان هذا في المسجد شائعًا في زمانه - ﷺ - لما كان يخفى على هؤلاء الأكابر الأعلام.\nلما فرغ من بيان فضل صلاة الفجر في الجماعة، وبيان أمر سنة الفجر، شرع في بيان حكم طول القراءة في الصلاة، وما يستحب فيها، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>باب طول القراءة في الصلاة وما يستحب من التخفيف</span>\nفي حق الإِمام مطلقًا، وفي بعض الصلاة خصوصًا، والمناسبة بين هذا الباب وذاك الباب ظاهرة.\n٢٤٦ - أخبرنا مالك، حدثنا الزُّهري، عن عُبَيْد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن أمه أمّ الفَضْل، أنها سمعته يقرأ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾ [المرسلات: ١]، فقالت: يا بُنيّ، لقد ذَكَّرْتَني بقراءتك هذه السورة، إنها لآخِر ما سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقرأ في المغرب.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام من كبار أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى\n_________\n(١) أبو داود (٢/ ٣٩).\n(٢) الترمذي (٤٤٠).\n(٣) ابن حبان (٢٤٣١).\n(٢٤٦) إسناده صحيح.","vol":"1","page":480},{"text":"حدثنا، وفي نسخة أخرى: ثنا، حدثنا الزُّهري، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، من التابعين، في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، وفي نسخة قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة أخرى: قال: ثنا، عن عُبَيْد الله بضم العين بالتصغير ابن عبد الله بفتح العين، أي: ابن عتبة، بضم العين وسكون الفوقية، وفتح الموحدة، كما في (الموطأ) لمالك، ابن مسعود، أحد الفقهاء، عن ابن عباس، ترجمان القرآن، عن أمه وهي والدة ابن عباس الراوي عنها، واسمها لبابة الهلالية، بنت الحارث بن حزن، بفتح المهملة وسكون الزاي، وبعدها نون، أمّ الفَضْل، زوجة عباس عم النبي - ﷺ - يقال: إنها أول امرأة أسلمت بعد خديجة ﵂، ولها صحبة ورواية، وكان - ﷺ - يزورها ويقيل عندها، أنها أي: أم الفضل سمعته أي: ابنها عبد الله بن عباس يقرأ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾ [المرسلات: ١]، أي: سورة المرسلات في الصلاة أو في غيرها، فقالت: يا بُنيّ بضم الموحدة، وفتح النون، وبفتح التحتية المشددة، تصغير الشفقة، لقد ذَكَّرْتَني بفتح الذال المعجمة وفتح الكاف المشددة من التذكير بقراءتك هذه السورة، أي: كنت بسبب قراءتك هذه السورة ملقيًا من قلبي ما نسيته إنها أي: سورة المرسلات لآخِر ما سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقرأ أي: يقرؤها في المغرب، أي: كلها أو بعضها.\nزاد البخاري: ثم صلى لنا بعدها حتى قبض، وفي النسائي: أن هذه الصلاة التي حكتها أم الفضل كانت في بيته لا في المسجد، ذكره السيوطي، وفيه إيماء إلى أنه إنما طول صلاة المغرب، لكونه منفردًا، وإلا من عادته المعروفة أنه صلى بقصار المفصل، بل غالبًا كان يصلي فيها بـ (الكافرين)، و(الإِخلاص).\n* * *\n\n٢٤٧ - أخبرنا مالك، حدثنا الزُّهري، عن محمد بن جُبَيْر بن مُطعم، عن أبيه، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقرأ بـ ﴿وَالطُّورِ﴾ [الطور: ١] في المغرب.\nقال محمد: العامّة على أن القراء تخفَّف في صلاة المغرب، يُقرأ فيها\n_________\n(٢٤٧) صحيح، أخرجه، البخاري في كتاب الأذان، باب الجهر في المغرب (٩٩)، ومسلم، كتاب الصلاة، باب القراءة في الصبح (١٧٤).","vol":"1","page":481},{"text":"بقصار المُفَصَّل، ونرى أن هذا كان شيئًا فَتُرك، أو لعلَّه كان يقرأ بعض السورة ثم يركع.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة أخرى: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، حدثني الزُّهري، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، التابعي من الطبقة الرابعة من أهل المدينة، عن محمد بن جُبَيْر بضم وفتح الموحدة، وهو أي: محمد بن جبير، ثقة تابعي، عارف بالأنساب، في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات على رأس المائة، ابن مُطعم، بضم الميم وسكون الطاء المهملة، وكسر العين والميم، وهو ابن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي النوفلي أبي سعيد، المدني، ثقة، من رجال الجميع، عارف بالأنساب، صحابي، أسلم يوم فتح (ق ٢٥٠) مكة، وقيل: قبله، وكان أحد الأشراف من علماء قريش وساداتهم، وكان في الطبقة السادسة من طبقات الأصحاب، مات سنة ثمان أو تسع وخمسين، كما قاله الزرقاني، وابن حجر العسقلاني في (التقريب من أسماء الرجال) (١)، عن أبيه، أي: جبير بن مطعم بن عدي، قال: أي: جبير بن مطعم، سمعت رسول الله - ﷺ - يقرأ بـ ﴿وَالطُّورِ﴾ [الطور: ١] في المغرب.\nقال ابن عبد البر (٢): في هذا الحديث شيء سقط، وهو معنى بديع، وذلك أن جبير بن مطعم سمع هذا الحديث عن النبي - ﷺ - وهو كافر، وحدث عنه وهو مسلم، فإنه قال: أتيتُ النبي - ﷺ - فداء أسارى بدر فسمعته يقرأ في المغرب بالطور، ولم أسلم يومئذ، وقال: لو كان ابن مطعم حيًا، وكلمني في هؤلاء النتنى عتقهم، وفي رواية: قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقرأ في المغرب: ﴿وَالطُّورِ﴾، فلما بلغ هذه الآية: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٥ - ٣٧]، كاد قلبي يطير.\nوفي أخرى: قال: قدمتُ على النبي - ﷺ - في فداء أسارى بدر، فسمعته يقرأ في العتمة بالطور، وفي أخرى: أتيتُ رسول الله - ﷺ - لأكلمه في أسارى بدر فوافيته وهو\n_________\n(١) التقريب (١/ ٤٧١).\n(٢) في التمهيد (٩/ ١٤٦).","vol":"1","page":482},{"text":"يصلي بأصحابه المغرب أو العشاء، فسمعته وهو يقرأ، وقد خرج صوته من المسجد: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور: ٧، ٨]، فكأنما صدع قلبي، كما نقله علي القاري عن السيوطي.\nقال محمد: العامّة أي: عامة العلماء اتفقوا على أن القراءة تخففَّ في صلاة المغرب، يُقرأ فيها أي: في صلاة المغرب بقصار المُفَصَّل، وهي من: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ﴾ [البينة: ١]، إلى آخر القرآن، ونرى أي: والحال أن نختار أن هذا أي: ما سمعه جبير بن مطعم عن رسول الله - ﷺ - من قراءة الطور في صلاة المغرب كان شيئًا أي: طريقًا مسلوكًا في أول الأمر فَتُرك، بصيغة المجهول، أي: ترك في آخر الأمر، وفيه أنه ينافيه ما سبق من التصريح بأنه آخر ما صلاها - ﷺ - بالمرسلات، فالأولى أن يقال: إنما فعله لبيان الجواز، وأن إطالته غير مضرة، لا سيما عند من يقول بتطبيق وقت المغرب، أو لعلَّه أي: وأنا أرجو أن رسول الله - ﷺ - كان يقرأ بعض السورة ثم يركع، أي: ويقرأ بعضًا آخر ثم يركع، ويؤيد هذا الاحتمال ما قاله الطحاوي، من أن الباء في قوله: بالطور بمعنى (من)، أي: سمعه - ﷺ - يقرأ من هذه السورة، وفيه أن هذا أيضًا على خلاف عادته في قراءته، ثم كان الأولى أن يقال: أو لعله كان يقرأ بعض السورة ثم يركع، لأنه لم يرد أنه - ﷺ - كان يقرأها.\n* * *\n\n٢٤٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزِّنَادِ، عن الأعْرَج، عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا صلى أحدكم للناس فَلْيُخَفِّفْ، فإن فيهم السَّقِيم والضعيف والكبير، وإذا صلى لنفسه فليُطَوِّل ما شاء\".\nقال محمد: وبهذا نأخُذُ، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي أخرى: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، أخبرنا أبو الزِّنَادِ، وفي نسخة: ثنا، هو عبد الله بن زكوان، تابعي في الطبقة\n_________\n(٢٤٨) صحيح، أخرجه: البخاري (٧٠٣)، ومسلم (١٨٣)، وأبو داود (٧٩٤)، والترمذي (١٣٦)، والنسائي (٢/ ٩٤)، والبيهقي (٣/ ١٧).","vol":"1","page":483},{"text":"الخامسة (ق ٢٥١) من أهل المدينة، عن الأعْرَج، أي: عبد الرحمن بن هرمز، ويكنى أبا داود المدني، مولى ربيعة بن الحارث، ثقة، ثبت، عالم، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة، عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا صلى أحدكم للناس أي: إمامًا فَليُخَفِّفْ، أي: في صلاته أو في قراءته، وفيهما فإن فيهم السَّقِيم أي: المريض والضعيف أي: قليل القوة بحسب البنية، أو ضعف القلب، وفي (الموطأ) كرواية يحيى: فإن فيهم الضعيف والسقيم.\nقال السيوطي: المراد بالضعيف هنا ضعيف الخلقة، وبالسقيم من به مرض، والكبير.\nقال ابن عبد البر (١): أكثر الرواة للموطأ لا يقولون: \"والكبير\"، وهذا الحديث إنما قاله جماعة، منهم يحيى وقتيبة، وفي رواية لمسلم من وجه آخر عن أبي الزناد: \"والصغير والكبير\"، وزاد الطبراني من حديث عثمان بن أبي العاص: \"والحامل والمرضع\"، ومن حديث عدي بن حاتم: \"والعابر في سبيل الله\"، والبخاري من حديث ابن مسعود: \"وذا الحاجة\"، فإذا صلى لنفسه فليُطَوِّل ما شاء، أي: ما أراد وقدر.\nقال محمد: وبهذا أي: بهذا الحديث نأخُذُ أي: نعمل ونفتي وهو قولُ أبي حنيفة، ﵀.\nلما فرغ من بيان حكم طول القراءة في الصلاة، شرع في بيان حكم صلاة المغرب، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>باب بيان حكم صلاة المغرب وتر صلاة النهار</span>\nوفي هذه الترجمة وجوه من الإِعراب؛ أحدها: أن يكون لفظ باب مرفوعًا على أنه خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هذا باب كما قدرناه، وثانيها: أن يكون ساكنًا مقطوعًا عن الإِضافة إلى ما بعده، فلا نصيب له من الإِعراب، وثالثها: قوله صلاة مرفوع على أنه مبتدأ ومضاف إلى المغرب وخبره لفظ وتر مضاف إلى صلاة، تضاف إلى النهار، فإضافتها إلى المغرب من قبيل إضافة المسبب إلى السبب، ورابعها: أنها مجرورة على أنها مضاف\n_________\n(١) التمهيد (١٩/ ٤).","vol":"1","page":484},{"text":"إليها حكم مقدر مضاف إليه بيان مقدر، مع ما يتعلق بكائن يكون صفة لباب تقديره: هذا باب كائن في بيان حكم صلاة المغرب، وخامسها: أن يكون لفظ الوتر مرفوعًا على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو، أي: حكم صلاة المغرب وتر صلاة النهار، وسادسها: أن يكون لفظ الوتر منصوبًا على أن يكون خبرًا ليكون مقدرًا، تقديره حكم صلاة المغرب، أن تكون وتر صلاة النهار.\n٢٤٩ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: صلاة المغرب وتر صلاة النهار.\nقال محمد: وبهذا نأخُذُ، وينبغي لمن جعل المغرب وتر صلاة النهار كما قال ابن عمر أن يكون وتر صلاة الليل مثلها، لا يفصل بينهما بتسليم، كما لا يفصل في المغرب بتسليم، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام، من كبار أتباع التابعين في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، حدثنا عبد الله بن دينار، أي: العدوي التابعي، مولى ابن عمر، في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، مات سنة سبع وعشرين ومائة، عن ابن عمر، أي: موقوفًا، قال: أي: حكم صلاة المغرب وتر صلاة النهار.\nوقال ابن عبد البر: رُوي مرفوعًا عن النبي - ﷺ -.\nقال السيوطي: (ق ٢٥٢) أخرجه الدارقطني بسند ضعيف من حديث ابن مسعود.\nقال البيهقي: الصحيح وقفه عليه.\nقلت: ولا يضره؛ فإنه في حكم المرفوع، انتهى.\nقال محمد: أي: المصنف: وبهذا نأخُذُ، أي: نعمل ونفتي بقول ابن عمر ﵁، وينبغي لمن جعل المغرب أي: صلاته وتر صلاة النهار كما قال ابن عمر ﵁ آنفًا موقوفًا أو مرفوعًا، والكاف فيه بمعنى المثل، وما مصدرية وهو في حيز النصب\n_________\n(٢٤٩) إسناده صحيح.","vol":"1","page":485},{"text":"على أنه نعت لمصدر مؤكد، أي: قال محمد قولًا مثل ما قاله ابن عمر، أو حال من تقديره محمد قال قولًا مماثلًا لما قاله ابن عمر، والمراد بالمماثلة المماثلة في عدد الركعات، وعدم الفصل في التسليم بين الشفع الأول والفرد، أن يكون أي: يجعل كما في النسخ قوله: وتر منصوب على أنه خبر أن يكون ومضاف إلى صلاة الليل مثلها، أي: مثل صلاة النهار في عدد الركعات، قوله: لا يفصل ذلك المرء بينهما أي: بين ركعات وتر صلاة الليل، بيان لقوله \"مثلها\"، وفي نسخة: \"بينها\"، أي: بين الشفع الأول وبين الفرد بتسليم، قوله: \"لا يفصل\" إخبار أو إنشاء، قوله: كما لا يفصل في المعرب بتسليم، أي: بين الشفع الأول والفرد، وهو أي: عدم الفصل بينهما قولُ أبي حنيفة، ﵀، خلافًا للشافعي، حيث يجوز الفصل والوصل، ولنا ما رواه النسائي والحاكم وقال: على شرط البخاري ومسلم، عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان رسول الله - ﷺ - لا يسلم في الركعتين الأوليين من الوتر، وقد روى الطحاوي عن عقبة بن مسلم قال: سألتُ عبد الله بن عمر عن الوتر فقال: أتعرف وتر النهار؟ قلت: نعم، صلاة المغرب، قال: صدقت وأحسنت، وأما ما رُوي عن ابن عمر أن رجلًا سأل النبي - ﷺ - عن صلاة الليل فقال: \"مثنى مثنى، فإذا خشيت فصل ركعة توتر لك ما صليت\"، فمعناه صل ركعة مع ثنتين قبلها، ويفيد أن الوتر فرض (١) عملي لا اعتقادي، حيث يكتفى فيه بنية مطلقة.\nلما فرغ من بيان كون صلاة المغرب وتر صلاة النهار، شرع في بيان أحكام الوتر، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>باب في بيان أحكام صلاة الوَتْر</span>\nوهو في اللغة: الفرد، خلافًا للشفع، بالفتح والكسر، وفي الشريعة: صلاة مخصوصة وهي واجبة في الأصح، وهو آخر أقوال أبو حنيفة، وروي عنه أنه سنة، وهو قولهما، وروي عنه بأنه فرض، ووفَّق المشايخ بين الروايات بأنه عملي لا اعتقادي، وفي\n_________\n(١) الراجح من أقوال أهل العلم أنه سنة مؤكدة، وهذا مذهب الجمهور، خلافًا للأحناف، وقد اعترف العلامة المحقق الكمال بن الهمام من أئمة الأحناف بضعف القول بالوجوب، ورجح مذهب الجمهور.","vol":"1","page":486},{"text":"(المحيط) من أنكر أصل الوتر وأصل الأضحية كفر، ولا يكفر إن أنكر وصفهما يعني من قال: لم يوجد الوتر في شريعتنا وقال: ليست الأضحية شيئًا في شريعتنا كفر، أما لو أنكر وجوبية الوتر لا يكفر؛ لأنه من الاجتهاد، قال بعض الفقهاء: إن صلاة الوتر واجبة، وقال بعضهم: هي سنة، وقال بعضهم: هي فريضة، وكذا لو قال: إن الأضحية في عيد الأضحى ليست واجبة لا يكفر؛ لأنها واجبة على الأغنياء عند أبي حنيفة، (ق ٢٥٣) وسنة عند الشافعي، فصلاة الوتر ثلاث ركعات بتسليمة واحدة؛ لان النبي - ﷺ - كان يوتر بثلاث ركعات لا يسلم إلا في آخرهن، صححه الحاكم، وقال: على شرط الشيخين، ويقول في كل ركعة من الوتر وجوبًا بعد الفاتحة سورة، لما رُوي أنه - ﷺ - قرأ في الركعة الأولى منها بعد الفاتحة: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وفي الثانية منه بعد الفاتحة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثالثة منه بعد الفاتحة بـ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وقنت قبل الركوع في جميع السنة بعد رفع يديه حذاء أذنيه مع التكبير.\nوبيان أن الله تعالى لما بشَّر محمدًا - ﷺ - بالمعراج في قوله: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩) فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الانشقاق: ١٩، ٢٠]، قرأ ابن كثير والكسائي بفتح الباء في ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ يعني لتصعدن يا محمد طبقًا من أطباق السماء بعد طبق ليلة المعراج، فأي حال لكفار مكة لا يصدقون بيوم القيامة؛ فإن القادر على تغيير الأجرام العلوية والسفلية من حال إلى حال أخرى لا بد بأن يكون قادرًا على أن يصعد عبده إلى حيث شاء، فقرأها النبي - ﷺ - عند أصحابه، فأوصاه أبو بكر الصديق ﵁، بأن قال: يا رسول الله إن وصلت إلى السماء صل ركعة، فلما وصل رسول الله - ﷺ - إلى العرش، صلى ركعة لنفسه، وللصديق ركعة، وقعد فتشهد فأمره الله تعالى أن يصلي له ركعة، فقام وقرأ الفاتحة وسورة معها وأراد أن يركع، فاطلع إلى النار وإلى أهلها فغشي عليه، على صيغة المفعول، فنثر جبريل ﵇ الكوثر عليه، فلما أفاق كبر مع رفع يديه إلى حذاء أذنيه، وقنت واستعاذ بالله من النار، فما صلى لنفسه صار سنة، وما صلى لصاحبه الصديق واجبًا، وما صلى لأمر الله تعالى صار فرضًا؛ فالوتر بهذا المعنى له فضيلة الفرض والواجب والسنة، كذا قاله ناصر الدين أبو الخير عبد الله بن عمر بن محمد بن الشافعي البيضاوي الشيرازي في تفسيره.","vol":"1","page":487},{"text":"٢٥٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسْلم، عن أبي مُرّة، أنه سأل أبا هريرة: كيف كان رسول الله - ﷺ - يُوتِر؟ قال: فسكت، ثم سأله فسكت. ثم سأله فقال: إن شئت أخْبَرْتُك كيف أصنع أنا، قال: فأخْبرني قال: إذا صلَّيْتُ العشاء بعدها خمس ركعات، ثم أنام، فإنْ قمتُ من الليل صليتُ مَثْنى مَثْنى، وإن أنا أصحبت أصبحت على وتر.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام، من كبار أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: بنا، وفي نسخة: أنا، وكل واحد منهما رمزًا إلى أخبرنا، فمن قال: أخبرنا أراد أنه قرأنا على الشيخ واستمع منا - كما بيناه في أول الكتاب - أخبرنا زيد بن أسْلم، أي: العدوي، مولى عمر أبو عبد الله وأبو أسامة، المدني، تابعي، ثقة عالم، كان يرسل الحديث، وكان في الطبقة الثالثة من أهل المدينة، وفي نسخة أخرى: أنا، وفي أخرى: بنا عن أبي مُرّة، بضم الميم، وتشديد الراء المهملة والهاء، اسمه يزيد، وقيل: عبد الرحمن، وكان مولى عقيل بن أبي طالب، ويقال: إنه مولى أم هانئ، والصحيح الأول.\nوقال الحافظ (١): هو مولى أم هانئ حقيقة، (ق ٢٥٤) ونسب إلى ولاء عقيل مجازًا بأدنى ملابسة؛ لأنه أخوها؛ ولأنه كان يكثر ملازمة عقيل، وكان أبو مرة مدنيًا وثقة ورجلًا من رجال الجميع، كما قال الزرقاني في باب صلاة الفجر، من شرح (الموطأ) لمالك، أنه أي: أبا مرة سأل أبا هريرة: كيف كان رسول الله - ﷺ - يُوتِر؟ قال: أي: أبا مرة فسكت، أي: أبا هريرة، ولعله للتفكر للتذكر، ثم سأله فسكت، لعله لما روى فيما يروي تفاصيل في كيفيات وتره - ﷺ - لا يقتضي المقام أن يأتي بها على وجه التمام، ثم سأله أي: فألح في السؤال فعدل عن أصل الجواب، وفق المقال فقال: أي: أبو هريرة على أسلوب الحكيم: إن شئت أخْبَرْتُك كيف أصنع أنا، أي: في وتر بناء على اختياري وقت اجتهادي\n_________\n(٢٥٠) إسناده صحيح.\n(١) في الفتح (١٣/ ١٨٤).","vol":"1","page":488},{"text":"من بين مروياتي، قال: أي: أبو مرة فأخْبرني أي: على صيغة الأمر رجاء من أبي هريرة ﵁ الجواب، قال: أي: أبو هريرة: إذا صلَّيْتُ على صيغة الماضي المتكلم وحده، العشاء بعدها خمس ركعات، أي: مفصولات فركعتان سنة العشاء مؤكدة، وثلاثة للوتر، ثم أنام، أي: أرقد، فإنْ قمتُ أي: أنا من الليل صليتُ مَثْنى مَثْنى، أي: ولا أعيد الوتر ثانيًا، فإن أنا كذا في نسخة أصحبت أصبحت على وتر، أي: أديتُ أولًا، وهو أحوط بالسنة إلى من يشق بالانتباه بخلاف غيره، لما ورد \"اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا\".\n* * *\n\n٢٥١ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أنه كان ذات ليلة بمكة والسماء مغيمة؛ فخشىَ الصبح فأوْتر بواحدة، ثم انكشف الغيم، فرأى عليه ليلًا فشفع بسجدة، ثم صلى سجدتين سجدتين، فلما خشي الصبح أوْتَرَ بواحدة.\nقال محمد: وبقول أبي هريرة نأخذ، لا نرى أن يشفع إلى الوتر بعد الفراغ من صلاة الوتر، ولكنه يصلي بعد وتره ما أحب ولا ينقص وتره، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا نافع، أي: المدني، مولى عبد الله بن عمر، وفي نسخة: عن نافع، أخبرنا عن ابن عمر، ﵄، أنه كان ذات ليلة بمكة أي: المكرمة، والسماء مغيمة؛ فخشىَ الصبح أي: فخاف طلوعه أو فظن ظهوره، فأوْتر بواحدة، أي: ضم ركعة فصار وترًا، ثم انكشف الغيم، بفتح الغين المعجمة، وسكون التحتية والميم، فرأى أن عليه أي: على ابن عمر، كذا في نسخة بفتح الهمزة وتشديد النون ليلًا أي: بقي بعضه، فشفع أي: الركعة السابقة بسجدة، أي: بركعة، وهذا يحتمل أنه يتبين له ما قيل أن يأتي ما ينافي الصلاة، فيكون بناء الواحدة اللاحقة على الواحدة السابقة لورود النهي\n_________\n(٢٥١) إسناده صحيح.","vol":"1","page":489},{"text":"عن التبيراء، ثم صلى سجدتين سجدتين، أي: ركعتين ركعتين من باب إطلاق الجزء على الكل، فلما خشي الصبح أوْتَرَ بواحدة، أي: كما تقدم - والله أعلم - وسيأتي عنه رواية أنه كان يفصل في الوتر بتسليمة، ولما كان ظاهر فعله أنه تعدد الوتر في صنعه.\nقال محمد: وبقول أبي هريرة نأخد، أي: نعمل، ولا يفعل لما فيه من الاحتمال، وأما قول أبي هريرة المشتمل على فعله فهو صريح يصلي للاستدلال مع أنه أقيس في الاستعمال، لا نرى أي: لا نختار أن يشفع على صيغة المجهول، بضم إلى الوتر بعد الفراغ من صلاة الوتر، ولكنه يصلي بعد وتره ما أحب ولا ينقض (ق ٢٥٥) بالضاد المعجمة وتره، وهو قولُ أبي حنيفة، ﵀.\nوبهذا يتبين ما يفعله بعض العامة من أنه إذا صلى الوتر أول الليل، وقام في آخره يصلي ركعتين جالسين، وبعدهما ركعة باعتبار نقض ثوابهما، ويجعلهما بمنزلة الواحدة، ثم يصلي صلاة الليل، ثم يوتر في آخره، نعم قال الإِمام أحمد: إذا أوتر ثم تهجد شفع بركعة ثم يعيده، كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان أحكام صلاة الوتر مطلقًا شرع في بيان حكم صلاة الوتر على الدابة، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>باب الوتر على الدابة</span>\n\" باب\" بالتنوين مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف كما قدرناه، وبالسكون لكنه ليس له نصيب من الإِعراب، وبالإِضافة إلى الوتر، قوله: \"على الدابة\" متعلق بمشروع مقدر مقدم عليها.\n٢٥٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو بكر بن عمر، عن سعيد بن يَسَار، أن النبي - ﷺ - أوْتَرَ على راحلته.\nقال محمد: قد جاء هذا الحديث، وجاء غيره، وأحبّ إلينا أن يصلي على\n_________\n(٢٥٢) إسناده ضعيف لإرساله.","vol":"1","page":490},{"text":"راحلته تطَوُّعًا ما بَدَا لَهُ، فإذا بلغ الوتر نزل فأوتر على الأرض، وهو قول عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمر، وهو قولُ أبي حنيفة والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام من أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وفي نسخة قال: ثنا، أخبرنا أبو بكر بن عمر، بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، القرشي العدوي، المدني، من كبار التابعين، في الطبقة التاسعة من أهل المدينة، عن سعيد بفتح السين وكسر العين ابن يَسَار، بفتح التحتية وتخفيف السين المهملة، أي: الحباب بضم الحاء المهملة وموحدتين، مدني، تابعي، ثقة، متقن، في الطبقة الثالثة من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة، وقيل: قبلها بسنة، كذا قاله الحافظ العسقلاني في (تقريب من أسماء الرجال) (١). أن النبي - ﷺ - أوْتَرَ على راحلته، أي: صلى صلاة الوتر على دابته، محل هذه الجملة نصب على أنها مفعول ثان لأخبرنا، ففيه دلالة على أن الوتر ليس بواجب، لثبوت أحكام النافلة فيه، وهو فعله على البعير، وإن كان الأفضل فعله على الأرض، لتأكد أمره، فمن صلى على راحلته في الليل استحب أن ينزل للوتر، كذا قاله سعيد بن زيد الباجي من المالكية.\nوقال أبو عمر: أجمعوا على أنه لا يصلي الفرض على الدواب إلا في شدة الخوف، خاصة وغلبة مطر، بأن كان الماء فوقه وتحته ففيه خلاف؛ فلما أوتر - ﷺ - على البعير علم أنه سنة. انتهى. لكن استشكل بأن من خصائصه - ﷺ - وجوب الوتر عليه، فكيف صلاه راكبًا، وأجيب بأن محل الوجوب بالحضر بدليل إيثاره راكبًا في السفر، هذا مذهب مالك ومن وافقه، والقائل بوجوبه عليه مطلقًا قال: يحتمل خصوصية ثابتة له أو أنه تشريع للأمة بما يليق بالسنة في حقهم، فصلًا على البعير كذلك، وهو (٢) في نفسه، وأجيب عليه فاحتمال الركوب فيه لمصلحة التشريع، وبُعده لا يخفى، والأولى فيه أن الخصائص لا تثبت بالاحتمال، وهذا الحديث رواه البخاري عن إسماعيل، ومسلم عن يحيى، كلاهما عن مالك، كذا قاله الزرقاني (٣).\n_________\n(١) التقريب (١/ ٢٤٣).\n(٢) كذا في المخطوطة، وفيها قلق واضطراب في العبارة.\n(٣) في شرحه (٢/ ١١٥).","vol":"1","page":491},{"text":"قال محمد: أي: ابن الحسن الشيباني: وقد جاء هذا الحديث بانفراده، وجاء غيره، أي: كثيرًا على خلافه، وأحبّ إلينا أن يصلي على راحلته (ق ٢٥٦) تطَوُّعًا ما بَدَا لَهُ، أي: للتسامح في أمر النوافل، فإذا بلغ الوتر أي: نويته أو وقته نزل أي: عن ظهر الدابة فأوتر، أي: صلى الوتر على الأرض، أي: وجوبًا عند أبي حنيفة، واحتياطًا عند صاحبيه، وهو أي: القول بالنزول للوتر قول عمر بن الخطاب، أي: في رواية عنه لما سبق، وقولُ أبي حنيفة والعامة من فقهائنا، أي: من أتباعه، كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان حكم صلاة الوتر على الدابة، شرع في بيان تأخير صلاة الوتر، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>باب تأخير الوتر</span>\nأي: باب في بيان حكم تأخير صلاة الوتر إلى طلوع الفجر.\n٢٥٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم، أنه سمع عبد الله بن عامر بن ربيعة يقول: إنِّي لأوتر وأنا أسمع الإِقامة - أو بعد الفجر - يشكّ عبد الرحمن أيَّ ذلك.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام، من أتباع التابعين في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم، أي: ابن محمد بن أبي بكر الصديق، ﵁، كان في الطبقة الثانية من أهل المدينة، وفي نسخة: ثنا، أنه أي: عبد الرحمن بن القاسم سمع عبد الله بن عامر بن ربيعة وكان عبد الله تابعي جليل القدر، وأبوه حليف بني عدي، يكنى أبا محمد المدني، ولد على عهد النبي - ﷺ - ووثقه العجلي، ومات سنة بضع وثمانين، كذا قاله ابن حجر (١) عامر بن ربيعة، يكنى أبا عبد الله العنبري، هاجر\n_________\n(٢٥٣) إسناده صحيح.\n(١) في التقريب (١/ ٣٤٩).","vol":"1","page":492},{"text":"الهجرتين، وشهد بدرًا والمشاهد كلها، وكان أسلم قديمًا، يقول: إنِّي لأوتر أي: أصلي الوتر أحيانًا وأنا أسمع الإِقامة أي: إقامة صلاة الصبح للجماعة، أو بعد الفجر أي: بعد تحقق انشقاقه، شكّ عبد الرحمن أيَّ ذلك الشك، أو فأي بفتح الهمزة، وتشديد التحتية المفتوحة نصب على أنه مقدم لقوله: \"قال\"، وليحيى: \"لا وتر بعد الفجر من غير شك\".\n* * *\n\n٢٥٤ - أخبرنا مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، أنه سمع أباه يقول: إني لأوتر بعد الفجر.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، عن عبد الرحمن أي: ابن القاسم، أنه سمع أباه أي: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵁، يقول: إني لأوتر بعد الفجر، أي: من غير شك في هذه الرواية، وليس المعنى أن معنى الفجر وقت أداء الوتر، بل كان يصلي قضاء له مراعاة للترتيب الواجب عندنا المستحب عند غيرنا؛ وذلك لأن وقت العشاء والوتر واحد، لما روى أبو داود (١)، والترمذي (٢)، وابن ماجه (٣)، عن خارجة بن حذافة، قال: خرج علينا رسول الله - ﷺ - فقال: \"إن الله أعزكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم، وهي الوتر، فجعلها لكم بين العشاء إلى طلوع الفجر\".\n* * *\n\n٢٥٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن ابن مسعود أنه كان يقول: لا أبَالِي لو أقيمت الصبح وأنا أوتر.\n_________\n(٢٥٤) إسناده صحيح.\n(١) أبو داود (١٤١٨).\n(٢) الترمذي (٤٥٢).\n(٣) ابن ماجه (١١٦٨).\n(٢٥٥) إسناده صحيح.","vol":"1","page":493},{"text":"• أخبرنا مالك، وفي نسخة: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، أي: عروة بن الزبير بن العوام، كان في الطبقة الثانية من أهل المدينة، ومن التابعين. وقد مرّ بيان منقبته في باب قصر الصلاة في السفر، عن عبد الله بن مسعود ﵁، أنه كان يقول: لا أبَالِي لو أقيمت الصبح، وفي نسخة: لو أقيمت الصلاة وأنا أوتر، جملة حالية، والمعنى: إذا وقع ابتداء الوتر قبل طلوع الفجر، فلا أتركه بل أتمه فإنه يقع أداءً على أنه يصح الأداء بنية القضاء وبالعكس، لا سيما في الغرض العملي.\n* * *\n\n٢٥٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الكريم بن أبي المُخَارِق، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس؛ أنه رَقَدَ ثم استيقظ، فقال لخادمه: انظر ماذا صنع الناس - وقد ذهب بصره - فذهب ثم رجع؛ فقال: قد انصرف الناس من الصبح، فقام ابن عباس فأوتر، ثم صلى الصبح.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا عبد الكريم بن أبي المُخَارِق، بضم الميم وبالخاء المعجمة فألف فراء فقاف، أبو أمية المعلم البصري، وهي في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، من الطبقة السادسة من أهل مكة، فإن عبد الكريم نزل مكة، وبها لقيه مالك، واسم أبيه قيس، وقيل: طارق وأنه مات سنة ست أو سبع وعشرين ومائة.\nوروى البخاري من رواية سفيان عن عبد الكريم هذا في الذكر عند القيام من الليل، وروى له مسلم في مقدمة صحيحه، وأخرج له أصحاب السنن، إلا أن النسائي إنما روى له قليلًا، كما قال الزرقاني، عن سعيد بن جُبَيْر، الأسدي، مولاهم، الكوفي، وهي في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، ثقة، فقيه، تابعي في الطبقة الثانية من أهل الكوفة، روايته عن عائشة وأبي موسى الأشعري ونحوهما مرسلة، وهو ابن سبع وخمسين، وقيل: تسع وأربعين، قتل بين يدي الحجاج بن يوسف، وسبب قتله بين يديه روى أنه قال\n_________\n(٢٥٦) إسناده ضعيف، فيه عبد الكريم بن أبي المخارق، ضعفه الحافظ في التقريب (١/ ٣٦١).","vol":"1","page":494},{"text":"له: ما سمعت ما قال الله في سورة المطففين: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ١ - ٣]، أي: ينقصون شيئًا حقيرًا من حقوق الناس، أراد تعالى هذا الوعيد للتجار، وقصد المطففين بما يفعلون الوعيد الأعظم الذي سمعت به فما ظنك بنفسك، وأنت تأخذ أموال الناس بلا كيل، وتقتلهم، هلا تخاف يومًا يقوم الناس لرب العالمين، فقتله سنة خمس وتسعين، ثم مات الحجاج، فرآه رجل في منامه فسأله عن حاله، وأجاب قال: إني قد قبضت روحي على الإِيمان، والحمد لله الملك المنان، ولكن قتلوني مرة لأجل كل رجل قتلته، وقتلوني سبعين مرة بسبب قتل سعيد بن جبير، فالآن أنا مترقب إلى عفوه تعالى، فعلم عن هذا كرامة سعيد بن جبير عند ربه، وذلك إذا قام كأنه وتد، وكان يبكي الليل حتى غشي عليه، وسمع يردد هذه الآية بضعًا وعشرين مرة: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١]، وكان يختم في كل ليلتين، وكان يخرج في كل سنة مرتين: مرة للحج، ومرة للعمرة، قال: لدغتني عقرب، فأقسمت أمي عليَّ أن أسترقي فأعطيت الراقي يدي التي لم تُلدغ، وكرهتُ أن أحنثها، وكان له ديك يقوم من الليل بصياحه، فلم يصح ليلة حتى أصبح، فلم يصل تلك الليلة، فشق عليه، فقال: ما له قطع الله صوته، فلم يُسمع له صوت بعدها، فقالت له أمه: يا بني لا تدع على شيء بعدها، قال: إن الخشية أن تخشى الله، حتى تحول خشيتك بينك وبين معصيتك، فتلك الخشية، والذكر طاعة الله، فمن أطاع الله فقد ذكره، ومن لم يطعه فليس بذاكر.\nقال معاوية بن إسحاق: لقيته فرأيته ثقيل اللسان، فقلت له في ذلك، فقال: قرأتُ القرآن البارحة مرتين ونصفه وقرأ القرآن في ركعة في الكعبة، وقرأ في الثانية (ق ٢٥٨) بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وطلع عليه ابنه عبد الله، وكان به من الفقه، فقال: إني لأعلم خير حاله، قيل: وما هي: قال: أن تموت فأحتسبه، وقيل: من أعبد الناس؟ قال: رجل اجترع من الذنوب، فكلما ذكر ذنوبه احتقر عمله.\nولما أخذه الحجاج قال: لا أرى إلا مقتولًا وسأجزكم كنت وصاحبان لي دعونا حين وجدنا حلاوة الذكر، ثم سأل الله الشهادة فكلا صاحباي رزقنا، وإني أنتظرها، فكأنه رأى أن الإِجابة عند حلاوة الدعاء، ودعا ابنه ليقتل فجعل ابنه يبكي، فقال لابنه: ما يبكيك ما بقاء أبيك بعد سبع وخمسين سنة، ولما أَتى به الحجاج قال: أنت الشقي بن","vol":"1","page":495},{"text":"كسير، قال: بل أنا سعيد بن جبير، قال: بل الشقي بن كسير، قال: كانت أمي أعرف باسمي، قال: ما تقول في محمد، يعني النبي - ﷺ -؟ قال: نعم، خير ولد بني آدم ﵇، المصطفى خير من بقي، وخير من مضى، قال: فما تقول في أبي بكر؟ قال: الصديق، خليفة رسول الله - ﷺ -، ورضي الله عنه ثاني اثنين أعز الله به الدين، وجمع به الفرقة، ومضى حميدًا، وعاش سعيدًا، ومضى على منهاج نبيه - ﷺ -، قال: فما تقول في حق عمر؟ قال: الفاروق، خيرة الله، وخيرة رسول الله - ﷺ -، مضى حميدًا، وعاش سعيدًا، ومضى على منهاج صاحبيه، قال: فما تقول في عثمان بن عفان؟ قال: المقتول ظلمًا، قال: فما تقول في علي؟ قال: ابن عم النبي - ﷺ - وأول من أسلم، زوج فاطمة، وأبو الحسن والحسين، قال: فما تقول في حقي؟ قال: أنت أعلم بنفسك، قال: بث بعلمك، قال: اعفني، قال: لا عفى الله عني إن أعفيتك، قال سعيد بن جبير للحجاج: إني أعلم أنك مخالف لكتاب الله، ترى من نفسك أمورًا تريد بها الهيبة وهي تقحمك الهلاك، قال: أما والله لأقتلنك قتلة لم أقتلها أحد قبلك، ولا أقتل أحد بعدك، قال: إذن تفسد عليَّ دنياي، وأفسد عليك آخرتك، فأمر الحجاج لغلام بقتله، فضحك سعيد بن جبير، فقال له: فماذا أضحكك عند القتل، قال: من جرأتك على الله، ومن حلم الله عنك، فقال: يا غلام اقتله، فذبحه من قفاه، فلما أبين رأسه الشريف، قال: لا إله إلا الله ثلاثًا، فبلغ ذلك الحسن البصري - ﵀، فقال: اللهم قاصم الجبابرة، اقصم الحجاج، فما بقي إلا ثلاثة أيام، حتى وقع في جوفة الدود فمات، وكان الحجاج يقول: ما لي ولسعيد بن جبير، وكلما أردتُ النوم أخذ برجلي، ولقد مات سعيد بن جبير وما على الأرض أحد إلا ويحتاج إلى علمه، كذا قاله عبد الرحمن بن الجوزي من علماء الحنبلية في (طبقاته). عن ابن عباس؛ ﵄ أنه رَقَدَ أي: نام ليلة قبل أداء الوتر، ثم استيقظ أي: من نومه، فقال لخادمه: أي: لم يسم انظر ماذا صنع الناس أي: هل صلوا صلاة الفجر أم لا؟ وقد ذهب بصره، أي: والحال يومئذٍ زال نور عينيه، ولم يدرك أثر الصبح، فذهب أي: الخادم، ثم رجع؛ فقال: قد انصرف الناس من الصبح، أي: من صلاته أو من المسجد، فقام ابن عباس فأوتر، أي: أولًا قضاء، ثم صلى الصبح، ففي هذا أن الوتر يصلى بعد طلوع الفجر (ق ٢٥٩) ما لم يصل الصبح رعاية للترتيب.\n* * *","vol":"1","page":496},{"text":"٢٥٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أن عُبَادَة بن الصَّامِت كان يؤمّ قومًا، فخرج يومًا للصبح، فأقام المؤذِّن الصلاة، فأسكته حتى أوتر ثم صلي بهم.\nقال محمد: أحبّ إلينا أن يُوتِرَ قبل أن يطلع الفجر، ولا يؤخره إلى طلوعه. فإن طلع قبل أن يُوتِر فَلْيُوتِرْ ولا يتعمد ذلك، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، أخبرنا يحيى بن سعيد، أي: ابن قيس الأنصاري المدني، أبو سعيد القاضي، ثقة، ثبت في الطبقة الخامسة، مات سنة أربع وأربعين، أو بعدها، كذا قاله ابن حجر (١)، أن عُبَادَة بن الصَّامِت ﵁ بضم العين، وتخفيف الموحدة، وهو أبو الوليد الأنصاري، كان نقيبًا وشهد العقبة الأولى والثانية والثالثة، وشهد بدرًا والمشاهد كلها، ثم وجهه عمر إلى الشام قاضيًا ومعلمًا، فأقام بحمص ثم انتقل إلى فلسطين، ومات بها في الرملة، وقيل: ببيت المقدس سنة أربع وثلاثين، روى عنه جماعة من الصحابة والتابعين، كان يؤمّ قومًا، فخرج يومًا للصبح، أي: لملاقه فأقام المؤذِّن الصلاة، أي: صلاة الصبح كما في (الموطأ) لمالك فأسكته أي: عبادة بن الصامت، جعل المؤذن ساكنًا حتى أوتر ثم صلي بهم الصبح، كذا في نسخة، فكأنه تذكر به بعد خروجه، وأراد الترتيب حال القضاء في وقوعه.\nقال مالك: وإنما يوتر بعد الفجر من نام عن الوتر، فلا ينبغي لأحد أن يعتمد لذلك حتى يقع وتره بعد الفجر، يعني: يكره له ذلك، وفي صحيح ابن خزيمة عن أبي سعيد مرفوعًا: \"من أدرك الصبح ولم يوتر فلا وتر له\"، وهذا محمول على المعتمد أي: لا وتر له كاملًا لتفويته وقته الاختياري حتى أوقعه في الضروري، لما رواه أبو داود عن أبي سعيد أيضًا مرفوعًا: \"من نسي الوتر أو نام عنه فليصله إذا ذكره ما لم يصل الصبح\"، وشذت طائفة منهم طاوس فقالوا: يقض بعد طلوع الشمس.\n_________\n(٢٥٧) إسناده صحيح.\n(١) التقريب (١/ ٥٩١).","vol":"1","page":497},{"text":"وقال عطاء والأوزاعي: يقضى ولو طلعت الشمس إلى الغروب. وعن سعيد بن جبير: يقضي من القابلة، وقيل: يقضى مطلقًا. وقال الأكثرون - منهم مالك: لا يُقضى بعد صلاة الصبح. وقال محمد بن نصر: لم نجد عن النبي - ﷺ - في شيء من الأخبار أنه قضى الوتر ولا أمر بقضائه، ومن زعم أنه - ﷺ - في ليلة نومهم عن الصبح في الوادي قضى الوتر فلم يصب، كذا قاله الزرقاني.\nقال محمد: أحبّ إلينا يعني نفسه وأبا يوسف، وإلا فأوجب أبو حنيفة، أو أحب متضمن بمعنى الإِيجاب أن يُوتِرَ قبل أن يطلع الفجر، أي: لأن يقع في وقته ولا يؤخره إلى طلوعه الفجر، فإنه يخرج به وقته اتفاقًا، فإن طلع الفجر قبل أن يوتِر أي: بنوم أو نسيان فَلْيُوتِرْ أي: فليصل الوتر أولًا، ثم يؤد الفجر ثانيًا، ولا يتعمد وفي نسخة: ولا يتعمدن بالنون المشددة المفتوحة ذلك، أي: التأخير عن صلاة الفجر، وهو حرام عند أبي حنيفة، ومكروه عند صاحبيه، وهو أي: ما ذكر قولُ أبي حنيفة، ﵀.\nلما فرغ من بيان حكم تأخير صلاة الوتر إلى طلوع الفجر، شرع في بيان حكم السلام في أثناء الوتر، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>باب في بيان حكم السلام في أثناء الوتر</span>\nأفرد المصنف هذا الباب بالذكر لبيان الاختلاف بين الأئمة في جواز السلام وعدم جوازه في أثناء الوتر (ق ٢٦٠).\n٢٥٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أنه كان يسلم في الوتر بين الركعة والركعتين، حتى يأمر ببعض حاجته.\nقال محمد: ولسنا نأخذ بهذا، ولكنا نأخذ بقول عبد الله بن مسعود وابن عباس، ولا نرى أن يُسَلِّمَ بينهما.\n_________\n(٢٥٨) إسناده صحيح.","vol":"1","page":498},{"text":"• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وكان من أتباع التابعين، وفي نسخة: ثنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى: حدثنا، أخبرنا نافع، أي: المدني، مولى ابن عمر، وفي نسخة: \"في\" موضع \"أخبرنا\" عن ابن عمر، أنه كان يسلم في الوتر بين الركعة والركعتين، حتى يأمر ببعض حاجته، وأخذ به الشافعي.\nقال محمد: ولسنا نأخذ أي: لا نعمل بهذا، أي: بما رواه نافع عن ابن عمر، ولكنا نأخذ أي: نعمل ونفتي بقول عبد الله بن مسعود وابن عباس، يعني: قال المصنف ﵀: ما رواه نافع عن ابن عمر معارض بما رُوي عن عبد الله بن مسعود وابن عباس، فرجحنا ما رُوي عنهما على ما روي عنه، لقوى في قولهما فإنهما أفقهان منه، يعني لا يترجح قولهما على قوله بسبب انضمام حديث ابن عباس إلى حديث ابن مسعود، بل يترجح قولهما بسبب قوتهما لكون صاحبهما أفقه من صاحبه، كما لا يترجح صاحب الجراحات على صاحب جراحة واحدة، حتى إن جرح رجل خطأ رجلًا جراحة واحدة صالحة للقتل، وجرح ذلك الرجل رجل آخر جراحات خطأ، كل واحدة منها صالحة للقتل، فمات المجروح فلا يترجح صاحب الجراحات على صاحب جراحة واحدة، فلا يكون أكثر الدية على صاحب أكثر الجراحات، بل يكون الدية على عاقلتها نصفين، بخلاف ما إذا كانت جراحة أحدهما أقوى في التأثير، كما إذا قطع أحدهما يد رجل، والآخر جزء أي: قطع رقبته فمات، فالقاتل هو قاطع الرقبة، لكون فعله أقوى في التأثير؛ لأن الحياة غير متصورة مع قطع الرقبة، فالدية على عاقلة قاطع الرقبة خاصة، كما قاله ابن المُلك، في بحث الترجيح من (شرح المنار).\nوكذا العمل هنا على قول عبد الله بن مسعود وابن عباس ﵃، كما قال محمد بن الحسن - رحمهما الله بقوله: ولا نرى أي: لا نختار أن يُسَلِّمَ على الغائب المجهول بينهما، أي: بين الركعتين والركعة من الوتر، لما ورد من آثار صريحة وأخبار صحيحة.","vol":"1","page":499},{"text":"٢٥٩ - قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة، حدثنا أبو جعفر، قال: كان رسول الله - ﷺ - يصلي بين صلاة العشاء الآخرة إلى صلاة الصبح ثلاث عشرة ركعة، ثماني ركعات تَطَوُّعًا، وثلاث ركعات الوتر وركعتي الفجر.\n• قال محمد: أخبرنا سلطان المجتهدين في المذاهب، برهان الأئمة في المشارق والمغارب، الإِمام الأعظم، والهمام الأكرم أبو حنيفة، أي: نعمان بن ثابت بن طاوس بن هرمز بن ملك بن شيبان، كان في الطبقة السادسة، من طبقات صغار التابعين من أهل بغداد، ولد في ثمانين سنة، ومات في خمسين ومائة، وهو ابن سبعين سنة، قال: حدثنا أبو جعفر، المؤذن الأنصاري، المدني، تابعي مقبول من الطبقة الثالثة، ومن زعم أنه محمد بن الحسين فقد وهم، ويقال: اسمه أيوب، كذا قاله ابن حجر (١)، وفي نسخة: بنا رمزًا إلى أخبرنا، قال: أي: بأن قال أبو جعفر مرسلًا: كان رسول الله - ﷺ - يصلي ما أي: في زمان توسط بين وقت أداء صلاة العشاء إلى وقت صلاة الصبح، وإلى متعلق بيصلي، ومعناه: انتهاء الغاية الزمانية، نحو قوله في سورة البقرة: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وكما يقولون: (ق ٢٦١) نحمدك إليك الله، أي: ينتهي حمدنا إليك يا الله، كذا قاله ابن هشام في (مغني اللبيب).\nقوله: ثلاث عشرة ركعة، نصب على أنه مفعول يصلي، ومحل جملة، قال، نصب على أنه مفعول ثان، بقوله: حدثنا، تقديره: حدثنا أبو جعفر بأن قال: كان رسول الله - ﷺ -. . . إلخ، ثماني ركعات بنصب ثمان على أنه بدل مما قبله، تَطَوُّعًا، أي: نافلة وهي التهجد، وثلاث ركعات الوتر وركعتي الفجر، أي: ركعتي سنة الفجر، لكن اعتبر المصنف ركعتي الفجر من صلاة الليل، لقربه، كما يأخذ الشيء حكم مقارنه.\n* * *\n_________\n(٢٥٩) إسناده ضعيف، مرسل، وأبو جعفر مقبول كما قال الحافظ في التقريب (١/ ٦٢٨).\n(١) التقريب (١/ ٦٢٨).","vol":"1","page":500},{"text":"٢٦٠ - قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة، عن حَمَّاد، عن إبراهيم النَّخَعِي، عن عمر بن الخطاب، أنه قال: ما أحب أني تركت الوتر بثلاث، وَأَنَّ لي حُمْرَ النَّعَم.\n• قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة، ﵀، من أفضل بقية التابعين، وأكمل أئمة المهديين، الأستاذ أبو إسماعيل، عن حَمَّاد، بن أبي سليمان، مسلم، مولى إبراهيم بن أبي موسى الأشعري، كان في الطبقة الخامسة من طبقات الحنفية، عن إبراهيم النَّخَعِي، أي: يزيد، بفتح النون والخاء المعجمة، تابعي جليل، وهو ابن الأسود بن عمرو بن ربيعة بن حارث بن سعد بن مالك، إنه رأى عائشة ﵂، في الطبقة الرابعة من طبقات الحنفية، عن عمر بن الحظاب، ﵁ أنه قال: ما أحب على بناء المفعول للماضي، أي: ما جعل محبوبًا أني تركت الوتر بثلاث، ومحل جملة \"أني تركت\" مرفوع على أنه نائب الفاعل، لأحب هذا خلاف مقتضى الظاهر، ومقتضاه أن يعبر عن معنى عدم حب ترك الوتر بثلاث ركعات بلفظ المضارع، ويقال: لا أحب أن أترك الوتر بثلاث ركعات، وإنما عدل عن مقتضاه تنبيهًا غنى تحقق عدم المحبة بترك الوتر بثلاث ركعات في قلبه، ويؤيد هذا المعنى أداة التأكيد، وكما قال تعالى في سورة النمل: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النمل: ٨٧]، أي: يفزع، وَأَنَّ لي حُمْرَ النَّعَم، عطف على أن تركت ومقتضى الظاهر أن يعبر عنه بلفظ المضارع، ويقول: وأن يكون لي حمر النعم، فلفظ حمر بضم وسكون جمع أحمر، ونصب على أنه اسم إن وخبره تقدم عليه؛ لكونه ظرفًا أو مضافًا إلى النعم، وهو بفتح النون والعين المهملة بمعنى الأنعام بفتح الهمزة وسكون النون وهي الحمر من الإِبل، وإضافته إلى النعم بمعنى اللام وفائدة الإِضافة التخصيص، فإن حمر النعم من الإِبل أحسن أنواعها عند العرب، هذا دليل على أن الوتر ثلاث ركعات بلا فصل بالسلام، ورد بما رواه نافع عن ابن عمر أنه كان يسلم في الوتر بين الركعتين والركعة حتى يأمر ببعض حاجته.\n* * *\n_________\n(٢٦٠) إسناده صحيح.","vol":"1","page":501},{"text":"٢٦١ - قال محمد: أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله المَسْعودي، عن عمرو بن مُرَّة، عن أبي عُبَيْدَة، قال: قال عبد الله بن مسعود: الوتر ثلاث كثلاث المغرب.\n• قال محمد: أخبرنا وفي نسخة: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة أخرى: ثنا عبد الرحمن بن عبد الله المَسْعودي، أي: الكوفي، هي بلد في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، وصدوق كان في الطبقة السابعة، مات سنة خمسة وستين، وقيل: ست وستين ومائة من الهجرة، عن عمْرو بن مُرَّة، بضم الميم وتشديد الراء، مولى عقيل بن أبي طالب، اسمه يزيد، وقيل: اسمه عبد الرحمن، كان في الطبقة السادسة.\nعن أبي عُبَيْدَة، بالتصغير، أي: ابن عبد الله بن مسعود، مشهور بكنيته، والأشهر أنه لا اسم له غيرها، ويقال: اسمه عامر، كوفي ثقة، من كبار التابعين، (ق ٢٦٢) في الطبقة الثالثة، مات سنة ثمانين ومائة من الهجرة، كذا في (التقريب) لابن حجر (١). قال: قال عبد الله بن مسعود ﵁: الوتر ثلاث كثلاث المغرب، أي: في التسليمة الواحدة.\n* * *\n\n٢٦٢ - قال محمد: حدثنا أبو مُعَاوِيَة المكْفُوف، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن يَزيد، عن عبد الله بن مسعود، قال: الوِتْر ثلاثٌ كصلاة المغرب.\n• قال محمد: حدثنا وفي نسخة: ثنا أبو مُعَاوِيَة المكْفُوف، أي: ممنوع البصر، هو محمد بن حازم، عن الأعمش، أي: سليمان بن مهران، يُكنى أبا محمد، روى عن عيسى بن يونس أنه قال: ما رأينا في زماننا مثل الأعمش، ما رأى الأغنياء والسلاطين في مجلس أحد أحقر منهم في مجلس الأعمش، وهو محتاج إلى درهم، قال وكيع: كان\n_________\n(١) التقريب (١/ ٦٥٦).\n(٢٦٢) إسناده صحيح.","vol":"1","page":502},{"text":"الأعمش قريبًا من سبعين، ثم لم تفته تكبيرة الافتتاح، واختلفت ستين سنة ما رأيته يقضي ركعة، وكان من النساك وكان محافظًا على الصلاة في الجماعة، وعلى الصف الأول، وهو علّامة بكمال الإِسلام، قال: إني لأحب أن أعافى في إخواني، لأنهم إن بلوا بُليت معهم، إما بالمواساة أي المساوات، وفيها مؤنة وبالخذلان وفيه عار، قال ابن عياش: دخلتُ عليه في مرضه، فقلت: ألا أدعو لك طبيبًا؟ فقال: ما أصنع به، فوالله لو أن نفسي في يدي لطرحتها في حش إذا أنا مت فلا يؤذنن بي أحد، وأذهب بي وأطرحني في لحدي، وُلِدَ يوم قتل الحسين، وكان في الطبقة الرابعة من أهل الكوفة، وهي في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، كما قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي من الحنبلية، عن مالك بن الحارث، السلمي الرقي، ويقال: الكوفي من الطبقة الرابعة من أهل الكوفة، مات سنة أربع وتسعين من الهجرة، عن عبد الرحمن بن يَزيد، أي: ابن قيس النخعي أبو بكر الكوفي، ثقة من كبار التابعين من الطبقة الثالثة من أهل الكوفة، مات سنة ثلاث وثمانين من الهجرة، عن عبد الله بن مسعود، ﵁، أنه قال: الوِتْر ثلاثٌ كصلاة المغرب، أي: من غير فصل بسلام.\n* * *\n\n٢٦٣ - قال محمد: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم، عن ليث، عن عَطاء، قال: قال ابن عباس: الوتر كصلاة المغرب.\n• قال محمد: أخبرنا وفي نسخة: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، بن سالم البغدادي، أبو إبراهيم الترجماني، لا بأس به، من الطبقة العاشرة من أهل بغداد، وهي بلدة من الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، مات سنة ست وثلاثين بعد المائتين من الهجرة، عن ليث، أي: ابن أبي سليم بن زنيم، بالزاي والنون، مصغر، واسم أبيه أيمن، وقيل: أنس، وقيل غير ذلك، صدوق اختلط جدًا، ولم يميز حديثه، فترك، من الطبقة السادسة، مات سنة ثمان وأربعين ومائة من الهجرة، عن عَطاء، أي: ابن يسار الهلالي أبو محمد المدني، مولى\n_________\n(٢٦٣) إسناده ضعيف، فيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف.","vol":"1","page":503},{"text":"ميمونة زوجة النبي - ﷺ -، ثقة، فاضل، صاحب مواعظ وعبادة، من صغار التابعين، ومن الطبقة الثانية من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين، قال: قال ابن عباس: ﵄: الوتر كصلاة المغرب، أي: في كونه ثلاثًا من غير تسليم بين الركعتين والركعة إلا في آخره.\n* * *\n\n٢٦٤ - قال محمد: أخبرنا يعقوب بن إبراهيم، قال حدثنا حُصَيْن بن إبراهيم، عن ابن مسعود، قال: ما أجْزَأتْ ركعة واحدة قط.\n• قال محمد: أخبرنا وفي نسخة: بنا، رمزًا إلى أخبرنا يعقوب يكنى أبا يوسف بن إبراهيم بن حبيب بن خنيس بن سعد بن حبة، الصحابي، يكنى أبا يوسف القاضي الأنصاري، المدني، (ق ٢٦٣) نزيل بغداد، ثقة فاضل، كان في الطبقة التاسعة من طبقات صغار التابعين من أهل بغداد، ولد سنة ثلاث عشرة ومائة، ومات سنة اثنين وثمانين ومائة، كذا قاله ابن حجر (١) وابن خلكان، قال: حدثنا حُصَيْن بن إبراهيم، عن ابن مسعود، قال: ما أجْزَأتْ أي: ما كفت عن الوتر ركعة واحدة قط، أي: أبدًا، وهي على ثلاثة أوجه:\nأحدها: أن تكون ظرف زمان لاستغراق ما مضى، وهي بفتح وتشديد القاف، مضمومة في أفصح اللغات، وتختص بالنفي، يقال: ما فعلته قط، والعامة يقولون: لا نفعله قط، وهو لحق واشتقاقه من قططته، فمعنى ما قط فعلته، فيما انقطع من عمري؛ لأن الماضي منقطع عن الحال والاستقبال، وبنيت لتضمنها معنى مذ وإلى أن، إذ المعنى فدخلت إلى الآن على حركة، لئلا يلتقي ساكنان، وكانت الضمة تنبيهًا بالغايات، وقد تكسر على أصل التقاء الساكنين، وقد تبع قافه وطاءه في الضم، وقد تخفف طاءه مع ضمها أو إسكانها.\nوالثاني: أن تكون بمعنى حسب، وهي مفتوحة القاف، سكون الطاء، يقال: قطني وقطك وقط زيد درهم، كما يقال: حسبي وحسبك وحسب زيد درهم، إلا أنها مبنية؛ لأنها موضوعة على حرفين وحسب بوبه.\n_________\n(١) التقريب (١/ ٦٠٧).","vol":"1","page":504},{"text":"والثالث: أن تكون اسم فعل بمعنى يكفي، فيقال: قطني بنون الوقاية، كما يقال: يكفيني ويجوز نون الوقاية على الوجه الثاني، حفظًا للبناء، وعلى السكون، كما تجوز في لدن، ومن وعن لذلك. كذا قاله ابن هشام في (مغني اللبيب)، وفي قول ابن مسعود إيماء إلى رد من قال: كان الوتر ركعة ابتداءً فنسخ بنهيه - ﷺ - عن البتيراء، انتهى.\nولا يبعد أن يكون المعنى ما يجزئ ركعة واحدة مطلقًا لا في الوتر ولا في غيره، خلافًا لمن جوزها من الفقهاء.\n* * *\n\n٢٦٥ - قال محمد: أخبرنا سَلَّام بن سُليم الحنفي، عن أبي حمزة، عن إبراهيم النَّخَعِي، عن عَلْقَمَة، قال: أخبرنا عبد الله بن مسعود: أهْوَن ما يكون الوتر ثلاث ركعات.\n• قال محمد: أخبرنا وفي نسخة: ثنا سَلَّام بتشديد اللام ابن سُليم بالتصغير الحنفي، يكنى أبا سليمان، ويقال له: الطويل المدايني، متروك من الطبقة السابعة، مات سنة تسع وتسعين، كذا في (التقريب في أسماء الرجال) (١)، عن أبي حمزة، أي: عبد الله بن الحازم البصري من الإِقليم الثالث، من الأقاليم السبعة، عن إبراهيم أي: ابن يزيد النَّخَعِي، بفتح النون والخاء المعجمة، تابعي، جليل، وهو ابن الأسود بن عمرو بن حارث بن سعد بن مالك أنه رأى عائشة ﵂، كان في الطبقة الرابعة من طبقات الحنفية، عن عَلْقَمَة، أي: ابن قيس بن عبد الله بن مالك النخعي، بفتح الخاء المعجمة بعدها عين مهملة هي قبيلة كبيرة باليمن، وهو عم الأسود النخعي، قال إبراهيم النخعي: وُلِدَ علقمة في حياة النبي - ﷺ - ثم قرأ القرآن على ابن مسعود، ﵁، وتفقه عليه، حتى كان أعلم من أصحابه، وسمع من عمرو وأبي الدرداء وطائفة من الصحابة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات الحنفية، مات سنة اثنين وستين من الهجرة، كذا ذكره الذهبي، قال: أخبرنا عبد الله بن مسعود ﵁: أهْوَن ما يكون الوتر أي: أقله وأسهله،\n_________\n(٢٦٥) إسناده ضعيف جدًا، فيه سلام بن سليم أبو سليمان، قال الحافظ في التقريب: متروك.\n(١) التقريب (١/ ٢٦١)، وقال: متروك.","vol":"1","page":505},{"text":"ثلاث ركعات، أي: بتسليمة، والمعنى أنه لا يجوز أن يكون الوتر أقل من ثلاث ركعات، ولا مفهوم له حتى (ق ٢٦٤) يجوز أن يكون أزيد منه، وقال الشافعي وأحمد قال: الوتر ركعة، وأكثره أحد عشرة ركعة، وأدنى الكمال ثلاث ركعات. وقال مالك: الوتر ركعة قبلها شفع منفصل عنها، ولا حد لما قبلها من الشفع، وأقله ركعتان.\n* * *\n\n٢٦٦ - قال محمد: أخبرنا سعيد بن أبي عَرُوبَة، عن قَتَادَة، عن زُرَارَة بن أوْفَى، عن سعيد بن هشام، عن عائشة أم المؤمنين، أن رسول الله - ﷺ -: كان لا يُسلِّم في ركعتي الوتر.\n• قال محمد: أخبرنا وفي نسخة: بنا، رمزًا إلى أخبرنا سعيد بن أبي عَرُوبَة، بفتح وضم وهو مهران، يكنى أبا النضر اليشكري مولاهم، وقال أحمد: كان يحفظ لم يكن كتاب، وقال ابن معين: وهو مراقبتهم، وقال أبو حاتم: هو قبل أن يختلط ثقة كان في التابعين، مات سنة ست وخمسين ومائة، روى له الجماعة، كذا قاله الذهبي الشافعي في (الكاشف) عن قَتَادَة، أي: ابن دعامة بن قتادة السدوسي أبو الخطاب البصري، ثقة، يقال له: ولد أكمه، من الطبقة الرابعة، مات سنة بضع عشرة من الهجرة، عن زُرَارَة بضم الزاي المعجمة والرائين بينهما ألف، ابن أوْفَى العامري الحارس، أبو حاجب البصري، قاضيها، ثقة عابد من الطبقة الثالثة من أهل البصرة، مات فجأة في الصلاة سنة ثلاث وتسعين من الهجرة، عن سعيد بن هشام، عن عائشة أم المؤمنين، أن رسول الله - ﷺ -: كان لا يُسلِّم في ركعتي الوتر، فهذه ثمانية من الطرق للإِمام محمد معارض للحديث الذي رواه عن الإِمام مالك، وهذا الحديث مرفوع كالنتيجة لما قبله من الرواة، وهو موقوف حقيقة ومرفوع حكمًا.\nلما فرغ من بيان كمية الوتر وكيفيته، شرع في بيان حكم تلاوة آية السجدة من القرآن، فقال: هذا\n* * *\n_________\n(٢٦٦) إسناده صحيح. لولا عنعنة قتادة.","vol":"1","page":506},{"text":"المهيأ في كشف أسرار الموطأ\nبرواية محمد بن الحسن الشيباني (المتوفى سنة ١٨٩ هـ)\n\nتأليف\nعثمان بن سعيد الكماخي (المتوفى سنة ١١٧١ هـ)\n\nتحقيق وتخريج\nأحمد علي\n\n[الجزء الثاني]","vol":"2","page":null},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"2","page":2},{"text":"الْمُهَيَّأ في كَشفِ أسرَارِ الموَطّأِ\n[٢]","vol":"2","page":3},{"text":"جميع حقوق الطبع محفوظة للناشر\n\nاسم الكتاب: المهيأ في كشف أسرار الموطأ\nاسم المؤلف: عثمان بن سعيد الكماخي\nاسم المحقق: أحمد علي\nالقطع: ١٧ × ٢٤ سم\nعدد الصفحات: ١٨٨٨ صفحة\nعدد المجلدات: ٤ مجلدات\nسنة الطبع: ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٥ م\n\nرقم الإيداع: ٢٩٦٥/ ٢٠٠٥ م\nالترقيم الدولي: ٥ - ٠٨٨ - ٣٠٠ - ٩٧٧\n\nدار الحديث\nطبع - نشر - توزيع\n١٤٠ شارع جوهر الصقلي أمام جامعة الأزهر\nتليفون: ٥٨٩٩٤٠٩/ ٥٩١٨٧١٩/ ٥٩١٩٦٩٧ - فاكس: ٥٩١٩٦٩٧\nwww.darelhadith.com\nE-mail: info@darelhadith.com","vol":"2","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>باب سجود القرآن</span>\nباب في بيان حكم سجود القرآن، فيه مضاف محذوف تقديره: حكم سجود تلاوة آية السجدة من القرآن، وحكم سماعها منه، وهو من قبيل إضافة الحكم إلى سببه، وهو إلا في الإِضافة؛ لأنها للاختصاص، وأقوى وجوهه اختصاص المسبب بالسبب؛ لأنه حادث به، والسجود في اللغة التذلل مع طأطأة الرأس، أي: نكوسه وخفضه، وفي الشريعة وضع الجبهة على الأرض على قصد العبادة، فالمسجود له في الحقيقة هو الله تعالى، كذا قاله البيضاوي في تفسير قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤]، والقرآن في اللغة مصدر بمعنى الجامع؛ لأنه جامع الأحكام من الأمر والنهي، والحلال والحرام، والمواعظة والقصص، وفي الشريعة هو المنزل من اللوح المحفوظ على الرسول - ﷺ - المكتوب في المصاحف، المنقول من الرسول - ﷺ - نقلًا متواترًا، كذا قاله حافظ الدين أحمد بن محمود النسفي في أول (المنار)، وسجود التلاوة واجب عند الحنفية، لقوله تعالى في سورة النجم: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ [النجم: ٦٢]، وسورة اقرأ: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]، وهما أمران مطلقان، فمطلق الأمر الوجوب، وهو أي: سجود التلاوة سجدة واحدة بين تكبيرتين، تكبيرة عند الوضع، وأخرى عند الرفع، وهما سنتان، وقيل: ركنان.\nوقال الأئمة الثلاثة: هو سنة لما في الصحيحين عن زيد بن ثابت ﵁، أنه قال: قرأت على النبي - ﷺ - (ق ٢٦٥) النجم، فلم يسجد، وأما عدم سجوده - ﷺ - حالة قراءة زيد بن ثابت فلا يدل على عدم الوجوب؛ لأن وجوبه ليس على الفور، ولعله تأخير صدر عن العذر، كما قاله علي القاري والزرقاني، وشرطه الطهارة عن الحدث والخبث، ولا يجوز له التيمم بلا عذر، واستقبال القبلة وستر العورة، وركنه: وضع الجبهة على الأرض، وصفته: الوجوب على الفور في الصلاة، وعلى التراخي إن كان في غيرها، وحكمه: سقوط الواجب في الدنيا، ونيل الثواب في العقبى، كما فصلته في (سلم الفلاح).\n٢٦٧ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سُفْيَان، عن\n_________\n(٢٦٧) إسناده صحيح.","vol":"2","page":5},{"text":"أبي سَلَمَة؛ أن أبا هريرة قرأ بهم: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ فسجد فيها، فلما انصرف حدَّثهم: أن رسول الله - ﷺ - سجد فيها.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، وكان مالك بن أنس لا يرى فيها سجدة.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام، من كبار أتباع التابعين، ومن الطبقة السابعة من أهل المدينة، وفي نسخة: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا، حدثنا عبد الله بن يزيد أي: المخزومي المدني الأعور، من رجال الجميع، من الطبقة السادسة من أهل المدينة، مات سنة ثمان وأربعين ومائة من الهجرة، مولى الأسود بن سُفْيَان، أي: المخزومي الصحابي، عن أبي سَلَمَةَ؛ أي: ابن عبد الرحمن بن عوف الزهري، المدني، الثقة، قيل: اسم أبي سلمة عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقة مكثر، من الطبقة الثالثة من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين، أو أربع ومائة، وكان مولده سنة بضع وعشرين، قوله: إن أبا هريرة قرأ بهم أي: ببعض أصحابه: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ إلى آخر السورة، نصب على أنه مفعول ثان لحدثنا، قال سعيد بن الباجي - المالكي: الأظهر أنه كان يصلي لقوله قرأ بهم فسجد فيها، أي: في آخرها أو عند قوله لا يسجدون، فلما انصرف من السجود حدَّثهم، أي: أخبرهم كما في (الموطأ) لمالك أن رسول الله - ﷺ - سجد فيها، أي: في آخر هذه السورة، رواه مسلم عن يحيى عن مالك ورواه البخاري من وجه آخر بنحوه.\nقال محمد: وبهذا أي: بما رواه أبو هريرة نأخذ، أي: نعمل ونفتي وهو أي: ما قاله أبو هريرة قولُ أبي حنيفة، ﵀، ووافقه الشافعي وأحمد، وكان مالك بن أنس لا يرى أي: لا يختار فيها أي: في سورة ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ سجدة، وكذا الخلاف في سورة اقرأ والنجم، له ما رواه أبو داود عن ابن عباس ﵄ أن النبي - ﷺ - لم يسجد في شيء من المفصل، منذ تحول من المدينة، ولنا ما روى الجماعة إلا الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: سجدنا مع رسول الله - ﷺ - في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١]، و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]، في إسلام أبي هريرة في السنة السابعة من الهجرة، وأجيب عن ذلك الحديث بأن ابن عبد البر قال: ما رواه أبو داود عن ابن","vol":"2","page":6},{"text":"عباس، ﵄، وهو منكر.\nوقال عبد الحق: إنه ليس بقوي، أقول على تقدير صحته لا يقاوم معارضه لكمال قوته، مع أن المثبت مقدم على النافي، كذا قاله علي القاري (ق ٢٦٦).\n* * *\n\n٢٦٨ - أخبرنا مالك، حدثنا الزُّهري، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، أن عمر بن الخطاب قرأ بهم ﴿النَّجْمِ﴾ فسجد فيها، ثم قام فقرأ سورة أخرى.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، وكان مالك بن أنس لا يرى فيها سجدة.\n• أخبرنا مالك وفي نسخة: ثنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا حدثنا الزُّهري، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، يكنى أبا بكر، تابعي في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، عن عبد الرحمن الأعرج، أي: ابن هرمز، يكنى أبا داود، المدني، مولى ربعية بن الحارث، ثقة ثبت، عالم، مات سنة سبع عشرة، عن أبي هريرة، ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ قرأ أي: في الصلاة، بهم أي: بأصحابه: ﴿النَّجْمِ﴾ أي: سورة النجم إلى آخرها، فسجد فيها، أي: عند تمام السورة، ثم قام فقرأ سورة أخرى، وفيه تنبيه على أنه كان في الصلاة، وأنه جمع بين السورتين في ركعة واحدة، ولم يكتف بنياته الركوع عن السجدة.\nقال محمد: وبهذا أي: بما رواه أبو هريرة ﵁، عن عمر بن الخطاب ﵁، نأخذ أي: نعمل ونفتي، وهو أي: ما قاله أبو هريرة، قولُ أبي حنيفة، ﵀، وكان مالك بن أنس لا يرى أي: لا يختار فيها أي: في سورة النجم سجدة، أي لما سبق من أنه - ﷺ - لم يسجد من المفصل.\n* * *\n_________\n(٢٦٨) إسناده صحيح.","vol":"2","page":7},{"text":"٢٦٩ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن رجل من أهل مِصْرَ، أن عمر بن الخطاب قرأ: سورة الحج، فسجد فيها سجدتين، وقال: إن هذه السورة فُضِّلَتْ بسجدتين.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، حدثنا نافع، أي: المدني، مولى ابن عمر، وفي نسخة: عن نافع، عن رجل من أهل مِصْرَ، بكسر الميم، وسكون الصاد المهملة، وفتح الراء؛ لأنه لا ينصرف للعلمية والعدل، فإنه عدول عن مصر، كما عدل عمر عن عامر، وهو علم لمصر القاهرة، في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، كما في (الخلاصة من علم الهيئة)، أن عمر بن الخطاب ﵁، قرأ: سورة الحج، فسجد فيها أي: لأجل قراءته في سورة الحج، وكلمة \"في\" هنا للتعليل، كما قال تعالى في سورة يوسف: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢]، أي: لحبه، وكما رُوي \"أن امرأة دخلت النار في هرة حبستها\"، أي: لأجل هرة حبستها ولم تطعمها حتى ماتت من الجوع، سجدتين، وقال: إن هذه السورة فُضِّلَتْ أي: على غيرها من السور بسجدتين، إحداهما في أوائلها، والأخرى في أواخرها.\n* * *\n\n٢٧٠ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن عبد الله بن عمر كان يسجد في الحج سجدتين.\n٢٧١ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دِينَار، عن ابن عُمَر، أنه رآه يسجد في سورة الحج سجدتين.\nقال محمد: قد روي هذا عن عمر وعن ابن عمر، وكان ابن عباس لا يرى في سورة الحج إلا سجدة واحدة: الأولى؛ وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة.\n_________\n(٢٦٩) إسناده صحيح.\n(٢٧٠) إسناده صحيح.\n(٢٧١) إسناده صحيح.","vol":"2","page":8},{"text":"• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، أخبرنا عبد الله بن دِينَار، قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وهو أي: عبد الله بن دينار العدوي، مولاهم، يكنى أبا عبد الرحمن المدني، مولى ابن عمر، ثقة، في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، وتابعي، مات سنة سبع وعشرين من الهجرة، عن ابن عُمَر، أنه أي: عبد الله بن دينار، رآه أي: ابن عمر، يسجد في سورة الحج سجدتين، أي: مرتين.\nقال محمد: قد روي هذا أي: تكرار السجدة عن عمر وعن ابن عمر، وكان ابن عباس لا يرى أي: لا يختار في سورة الحج إلا سجدة واحدة: الأولى؛ وهي الأولى لا الثانية، وبهذا نأخذ، أي: إنما نعمل بقول ابن عباس، وهو أي: قول ابن عباس ﵄، قولُ أبي حنيفة، ﵀، فإن الأولى سجدة تلاوة، والثانية سجدة صلاة، لاقترانها بالركوع.\nقال الشافعي وأحمد: وثانيه الحج - أيضًا - سجدة تلاوة، لما روى أبو داود والترمذي من حديث عقبة بن عامر قال: قلتُ: يا رسول الله، أفضلت سورة الحج على سائر السور بسجدتين؟ قال: \"نعم، فمن لم يسجد بهما فلا يقرأهما\"، أي: لئلا يجب السجدة (ق ٢٦٧) عليه.\nوأجيب بأن الترمذي قال: الإِسناد ليس بقوي، يعني باعتبار سنده، فأما سكوت أبي داود، دل على أن سنده قوي مع أنه بسبب تعدد إسناده، وبفعل عمر وابن عمر يتقوى، فيترجح على رأي ابن عباس، كما لا يخفى على أهل التحقيق، والله ولي التوفيق.\nلما فرغ من بيان حكم قراءة آية السجدة، شرع في بيان حكم المار بين يدي المصلي، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>باب المَارِّ بين يدي المصلي</span>\nباب في بيان حكم المار بين يدي المصلي، والمناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق التضاد من القوة والضعف في الحكم.","vol":"2","page":9},{"text":"٢٧٢ - أخبرنا مالك، حدثنا سالمٌ: أبو النضر: مَوْلى عمر، أن بُسْر بن سعيد أخبره: أن زيد بن خالد الجُهَنيّ أرسله إلى أبي جُهَيْم الأنصاري، يسأله: ماذا سمع من رسول الله - ﷺ - يقول في المارّ بين يدي المصلي؟ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لو يعلم المارّ بين يدي المصلي ماذا عليه في ذلك، لكان أن يقف أربعين، خيرًا له من أن يمرّ بين يديه\"، قال: لا أدري؛ قال أربعين يومًا، أو أربعين شهرًا، أو أربعين سنة.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام، من كبار أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، ولد سنة ثلاث وتسعين، ومات سنة تسع وسبعين ومائة، كذا قاله الذهبي في (الكاشف)، وفي نسخة: حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، حدثنا سالمٌ: أبو النضر: بفتح النون، وسكون الضاد المعجمة، وهو سالم بن أمية، مَوْلى عمر، أي: ابن عبيد الله بالتصغير، ابن معمر القرشي التيمي المدني، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة، كذا قاله الطيبي في زيل (شرح المصابيح)، وابن حجر في (تقريب التهذيب) (١) أن بسْر بن سعيد بكسر الموحدة، وسكون السين المعجمة أخبره أي: مولي عمر أن زيد بن خالد الجُهَنيّ بضم الجيم، وفتح الهاء، الأنصاري الصحابي، أرسله أي: بسر إلى أبي جُهَيْم الأنصاري، وهو بالتصغير، ابن الحارث بن الصمة، بكسر الصاد المهملة، وتشديد الميم، ابن عمرو الأنصاري، قيل: اسمه عبد الله، ينسب إلى جهيمة، وقيل: هو عبد الله بن جهم بن الحارث بن الصمة، وقيل: هو آخر غيره، صحابي معروف، هو ابن أخت أبيّ بن كعب، بقي إلى خلافة معاوية، يسأله: ماذا سمع من رسول الله - ﷺ - يقول أي: يذكر في المارّ أي: في حق من يمر بين يدي المصلي؟ أي: أمامه بالقرب منه.\n_________\n(٢٧٢) صحيح، أخرجه: البخاري (١/ ١٣٦)، ومسلم في الصلاة (٢٦١)، وأبو داود (٧٠١)، والترمذي (٣٣٦)، والنسائي في القبلة، باب (٨) (٢/ ٦٦)، وأحمد في المسند (٤/ ١٦٩)، والبيهقي في الكبرى (٢/ ٢٦٨).\n(١) التقريب (١/ ٢٢٦).","vol":"2","page":10},{"text":"قال الحافظ (١): هكذا روى مالك هذا الحديث في (الموطأ) لم يختلف عليه فيه أن المرسل هو زيد، وأن المرسل إليه هو أبو جهيم، وتابعه سفيان الثوري عن أبي النضر، عند مسلم وابن ماجه وغيرهما، وخالفهما ابن عيينة عن أبي النضر، قال: أي: أبو جهيم، قال رسول الله - ﷺ -: \"لو يعلم المارّ بين يدي المصلي ماذا عليه من الضرر، المستفاد من على في ذلك، أي: في المرور المذكور، زاد الكشميهني من رواة البخاري بعد قوله: \"ماذا عليه من الإثم\"، قال الحافظ ابن حجر: وليست هذه الزيادة في شيء من الروايات غيره، والحديث في (الموطأ) دونها؛ قيل: وفي مصنف ابن أبي شيبة: يعني من الإِثم، فيحتمل أن يكون ذكرت في أصل البخاري حاشية، فظنها الكشميهني أصلًا، فليس لفظ: من الإِثم، صريحًا في الحديث، ولكن ما ذكره النووي في (شرح المهذب) بدونها، قال: وفي رواية رويناها في (الأربعين) لعبد القادر الرهاوي: \"ماذا عليه من الإثم\"، ذكره السيوطي، وجملة \"ماذا عليه\" في محل نصب سادة مسدّ مفعولي يعلم، وجواب \"لو\" قوله: لكان أن يقف، أي: مريد المرور أربعين: أي ساعة، أو غيرها، خبرًا بالنصب خبر كان. وفي رواية: بالرفع على أنه اسمها، وسوّغ الابتداء بالنكرة، لكونها موصوفة، قاله ابن العربي، ويحتمل أن اسمها ضمير الشأن، والجملة خبرها من أن يمر بين يديه، حتى لا يلحقه ذلك الإِثم.\nوقال الكرماني: جواب \"لو\" ليس هو المذكور، بل التقييد، ولو لم يعلم ما عليه لوقف أربعين، ولو وقف أربعين لكان خيرًا له، وأبهم المعدد، تفخيمًا للأمر وتعظيمًا له.\nقال الحافظ: السياق أنه عين المعدود، لكن شك الراوي فيه، ثم أبدى الكرماني لتخصيص الأربعين بالذكر حكمتين: أحدهما: كون الأربعة أصل جمع الأعداد، فلما أريد التكثير ضربت عشرة، وثانيهما: كون كمال أطوار الإِنسان بأربعين كالنطفة والعلقة والمضغة، ويحتمل غير ذلك، وفي ابن ماجه، وابن حبان من حديث أبي هريرة: \"لكان أن يقف مائة عام خيرًا له من الخطوة التي خطاها\"، وهذا أشعر بأن إطلاق الأربعين للمبالغة في تعظيم الأمر، لا لخصوص عدد معين.\n_________\n(١) في الفتح (١/ ٥٩٤).","vol":"2","page":11},{"text":"وجنح الطحاوي إلى أن التقييد بالمائة وقع بعد التقييد بالأربعين، والمقام مقام زجر وتخويف فلا يناسب أن يتقدم ذكر المائة على الأربعين، بل المناسب أن يتأخر ومميز الأربعين إن كان هو السنة المدعى، أو ما دونها فمن باب أولى.\nقال: أي: أبو النضر كما في (الموطأ) لمالك: لا أدري؛ قال أي: أقال بسر بن سعيد، كذا صرح الإِمام مالك في (الموطأ) بهمزة الاستفهام أربعين يومًا، أو أربعين كذا في نسخة شهرًا، أو أربعين سنة.\nوللبزار من طريق أحمد بن عبدة الضبيّ، عن ابن عيينة عن أبي النضر: \"لكان أن يقف أربعين خريفًا\"، وجعل ابن القطان الجزم في طريق ابن عيينة، والشك في طريق غيره، دالًا على التعدد، وفي الحديث دليل على تحريم المرور بين يدي المصلي لمعناه النهي الآكد والوعيد الشديد على ذلك، ومقتضاه أن يعد من الكبائر، وفيه أخذ القرين عن قرينه ما فاته، وفيه استعمال \"لو\" في الوعيد، ولا يدخل ذلك في النهي؛ لأن محله أن يشعر بما يعاند المقدور، واستنبط ابن بطال من هو يعلم أن الإِثم يختص بمن يعلم بالنهي وارتكبه.\nقال الحافظ: وأخذه من ذلك فيه بُعد، لكن هو معروف من أدلة أخرى، فظاهر الحديث: أن الوعيد يختص بمن مرَّ لا بمن وقف عامدًا مثلًا بين يدي المصلي، أو قعد أو رقد، لكن إن كانت العلة فيه التشويش على المصلي، فهو معنى المار، وظاهره عموم النهي في كل مصلى.\nوخصه بعض المالكية، يعني: ابن عبد البر بالإِمام والمنفرد، لا المأموم؛ لأن المأموم لا يضره بمن مرّ بين يديه؛ لأن سترة إمامه سترة له، والتعليل المذكور لا يطابق المدَّعي؛ لأن السترة تفيد رفع الحرج على المصلي لا عن المار، والحديث رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف، ومسلم عن يحيى، وكلاهما عن مالك، به كذا قاله الزرقاني.\n* * *\n\n٢٧٣ - أخبرنا مالك، حدثنا زيد بن أسْلَم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخُدْرِي، عن أبيه، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا كان أحدكم يصلي فلا يَدعْ أحدًا يمرّ بين يديه، فإن أبَى فَليُقاتِله، فإنما هو شيطان\".","vol":"2","page":12},{"text":"• أخبرنا مالك: وفي نسخة: محمد قال: ثنا، حدثنا زيد بن أسْلَم، العدوي، مولى (ق ٢٦٩) عمر، أبو عبد الله وأبو أسامة المدني، ثقة عالم، وكان يرسل، من الطبقة الثالثة من التابعين، مات سنة ست وثلاثين ومائة من الهجرة، حدثنا عبد الرحمن بن أبي سعيد الخُدْرِي، أي: سعد بن مالك الأنصاري الخزرجي، ثقة، من الطبقة الثالثة من طبقات الصحابة، له سبع وسبعون سنة، مات سنة اثنتي عشرة، عن أبيه، أي: عن أبي سعيد الخدري ﵁، وفيه رواية الصحابي عن الصحابي، فإن عبد الرحمن صحابي، كما كان أبوه أبو سعيد الخدري صحابيًا، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا كان أحدكم يصلي فلا يَدعْ أي: فلا يترك، بل يمنع أحدًا لئلا يمرّ بين يديه، أي: المصلي، ولابن أبي شيبة عن ابن مسعود: إن المرور بين يدي المصلي يقطع نصف صلاته، فإن أبَى أي: إن لم يطع قول الدافع، بل أراد المرور، فليُقاتِله، بكسر اللام الجازمة وسكونها، أي: فليدفعه بالتسبيح أو بالإِشارة، إن عدم سترة أو يريد أن يمر بينه وبينها؛ لما في الصحيح من حديث أبي هريرة: \"من نابه\" أي: قاربه \"شيء في صلاته فليسبح؛ فإنه إذا سبح التفت إليه وامتنع من المرور\". كذا قاله علي القاري.\nوقال القرطبي: أي: يزيد في دفعه الثاني أشد من الأول، وأجمعوا على أنه لا يلزمه أن يقاتله بالسلاح، لمخالفة ذلك لقاعدة الإِقبال على الاشتغال بها، والخشوع فيها، وقال أبو عمر ابن عبد البر: أحسبه خرج عن التغليظ، فإذا دفعه مدافعة يقصد بها قتله فمات فالدية في ماله، وقيل: على عاقلته، وقيل: هدر ولا قود؛ لأن أصله مباح، انتهى.\nوأطلقت جماعة من الشافعية أن له قتاله حقيقة، واستبعده في \"القبر\" (١) وقال: المراد من المقاتلة: المدافعة، وقال سعيد بن زيد الباجي المالكي: يحتمل أن يريد: فليلعنه كما قال تعالى في سورة الذاريات: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ [الذاريات: ١٠]، أي: لُعِنَ الكذابون، ويحتمل أن يريد: يؤاخذه ويؤدبه على ذلك بعد تمام صلاته، لما روى ابن ماجه عن أم سلمة زوج النبي - ﷺ - قالت: كان النبي - ﷺ - في حجرة أم سلمة فمر بين يديه عبد الله بن عمر، أو عمر بن أبي سلمة، فقال: بيده، أي: أشار بها، فرجع، فمرت زينب بنت أبي سلمة، فقال بيده، أي: أشار بها، فمضت، فلما صلى رسول الله - ﷺ - قال: \"هن\n_________\n(١) كذا في المخطوطة.","vol":"2","page":13},{"text":"أغلب هذا\" ويدل على كون المقاتلة بعد إتمام الصلاة، والفاء في قوله: \"فليقاتله\"، فإنها بمعنى \"ثم\" التي للتراخي الزماني. قال تعالى في سورة المؤمنون: ﴿فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ [المؤمنون: ١٤]، فالفاء في هذه الآية بمعنى \"ثم\" للتراخي. فإنما هو شيطان\"، أي: الذي يمر بين يدي المصلي باطل عمله، وخائب أمله، أي: لم ينل ما طلبه، فإن لفظ شيطان مأخوذ من شاط، بمعنى بطل، وقيل: من شياط، فمعناه أنه ممتلئ خبثًا وشرًا ونكرًا، كما قال تعالى في سورة الكهف: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ [الكهف: ٧٤]، فإسناد شيطان إلى المارّ بين يدي المصلي حقيقة في الإِنس، فإن الشيطان على قسمين: أحدهما: شيطان الإِنس، والآخر (ق ٢٧٠): شيطان الجن، كما قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ الآية [الأنعام: ١١٢]، أو مجاز الجن، وهو من قسم الاستعارة التخيلية، وهي أن يثبت للمشبه أمر مختص للمشبه به من غير أن يكون في المشبه أمر متحقق حسّا أو عقلًا، فاستعير لفظ الشيطان لمن مرَّ بين يدي المصلي، وأُثبت للمار أمورٌ مختصة للشيطان من الغرور والإِغفال والإِضلال وإلقاء الفتنة بين الناس، وغير ذلك من الحيل والشرور، ولذلك بيّن رسول الله - ﷺ - حال المار بطريق الصفة على الموصوف بالقصر الإِفرادي بقوله: \"إنما هو شيطان\".\n* * *\n\n٢٧٤ - أخبرنا مالك، حدثنا زيد بن أسْلَم، عن عَطاء بن يَسَار، عن كعب، أنه قال: لو كان يعلم المارُّ بين يدي المصلي ماذا عليه في ذلك، لكان أن يُخسف به خيرًا له.\nقال محمد: يكره أن يمرّ الرجل بين يدي المصلي، فإن أراد أن يمرّ بين يديه، فَلْيَدْرأه ما استطاع ولا يقاتله، فإن قاتله كان ما يدخل عليه في صلاته من قتاله إياه أشد عليه من أن يمرّ هذا بين يديه، ولا نعلم أحدًا رأى قتاله، إلَّا ما رُوِيَ عن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، وليست العامّة عليها، ولكنها على ما وصَفْت لك، وهو قولُ أبي حنيفة.","vol":"2","page":14},{"text":"• أخبرنا مالك، وفي نسخة: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: حدثنا زيد بن أسْلَم، وفي نسخة: \"عن\" مقام \"حدثنا\"، وهو العدوي مولى عمر، أبو عبد الله وأبو أسامة المدني، ثقة تابعي عالم، وكان يرسل، في الطبقة الثالثة من أهل المدينة، مات سنة ست وثلاثين من الهجرة، عن عَطاء بن يَسَار، بفتح التحتية والسين المهملة، وهو الهلالي، يكنى: أبا محمد المدني، مولي ميمونة، ثقة، فاضل، صاحب مواعظ وعبادة، من صغار التابعين، من الطبقة الثانية من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين من الهجرة، كذا قاله ابن حجر في (التقريب). عن كعب، أي: الأحبار، كما صرح به يحيى في (الموطأ)، وهو ابن مانع، ويكنى أبا إسحاق، كان في الطبقة الأولى من التابعين من أهل الشام، وهو بلد طيب في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، أنه أي: كعب الأحبار، قال: لو كان يعلم المارُّ بين يدي المصلي أي: قدامه، ماذا عليه أي: من الضرر المستفاد من كلمة على في ذلك، أي: المرور المذكور، ومحل جملة: \"ماذا عليه\" نصب ساد مسدّ مفعوليّ \"يعلم\"، وجواب \"لو\" قوله: لكان، كذا في نسخة: باللام، وفي نسخة أخرى: بغيرها، والأولى أَوْلَى أن يُخسف به بصيغة المجهول، أي: أن يخسف الله بالمار، قوله: المصلي في الأرض خيرًا له، جمع أخير، وهو أفعل تفضيل تقدر فيه \"من\" ومنصوب على أنه خبر \"كان\"، ويخسف لازم من باب ضرب، يتعدى بالباء، قال الجوهري: خسف المكان يخسف خسوفًا ذهب في الأرض، وخسف الله به الأرض: أي غاب به فيها، يعني لو كان يعلم المار أمام المصلي كم ينزل عليه من العذاب لأجل مروره لكان أن يذهب تحت الأرض خيرًا له من أن يمرَّ قدام المصلي، وقسَّم المالكية أحوال المارّ والمصلي في الإِثم وعدمه أربعة أقسام بإثم المار دون المصلي، وعليه يأثمان جميعًا، وعكسه:\nفالأولى: وإذا صلى إلى سترة وللمار مندوحة، فيأثم دون المصلي.\nوالثانية: إذا صلى في شرع سلوك بلا سترة، أو متباعد عنها ولا يجد المار مندوحة فيأثم المصلي لا المار.\nوالثالثة: مثل الثانية، لكن يجد المار مندوحة فيأثمان جميعًا.\nوالرابعة: مثل الأول، لكن لا يجد المار مندوحة، (ق ٢٧١) أي: وسعة فيأثمان، كذا قاله الزرقاني.","vol":"2","page":15},{"text":"وفي رواية ابن أبي شيبة عن عبد الحميد بن عبد الرحمن مرسلًا: \"لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه من ذلك لأحب أن ينكسر فخذه، ولا يمر بين يديه\".\nقال محمد: يكره أن يمرّ الرجل أي: فضلًا عن المرأة بين يدي المصلي، أي: قدامه فإن أراد أن يمرّ بين يديه، فَلْيَدْرأه أي: فليدفع الرجل عنه، أي: عن مروره ما استطاع أي: ما قدر عليه من تسبيح أو إشارة أو مدافعة بلطف عن مروره، ولا يقاتله، أي: لا يقصد ضربه، فإنه أي: المصلي إن قاتله أي: المار كان ما أي: إثم ضربه المار وقتله يدخل أي: المصلي عليه أي: على إثم الضرب والقتل في صلاته من قتاله، أي: من قتال نفس المصلي بيانًا لما إياه أي: المار أشد منصوب على أنه خبر كان عليه أي: على المصلي من إشغال أن يمرّ هذا أي: المار بين يديه، ولا نعلم أحدًا أي: والحال لا نعلم من أصحاب أبي حنيفة أحدًا من الصحابة روي أي: في هذا الحديث قتاله، أي: مما يؤدي إلى قتاله من لفظ فليقاتله، إلَّا ما رُوِيَ أي: حديث روي عن أبي سعيد الخُدْرِيّ، ﵁، فيكون مما تفرد به، فمتن حديثه شاذ بسببه، والحديث الشاذ الذي له إسناد واحد، يشذ بذلك شيخ ثقة، كان أو غير ثقة، فما كان عن غير ثقة فمتروك لا يقبل، وما كان عن ثقة يتوقف فيه ولا يحتج، كذا قال أهل الحديث، وليست العامّة أي: عامة الرواة من العلماء، أو جمهور الفقهاء عليها أي: على المقاتلة لا مبين ومعين، ولكنها أي: المقاتلة المفهومة من حديث فليقاتل، محمولة على ما وصَفْت لك من المدافعة، وهو أي: ما وصفه الإِمام محمد قولُ أبي حنيفة، ﵀.\n* * *\n\n٢٧٥ - أخبرنا مالك، حدثنا الزُّهْرِي، عن سالم بن عبد الله، عن ابن عمر، أنه قال: لا يقطع الصلاة شيءٌ.\nقال محمد: وبه نأخذ، لا يقطع الصلاة شيءٌ مِمّا مرّ بين يَدَي المصلي، وهو قولُ أبي حنيفة.\n_________\n(٢٧٥) صحيح، أخرجه: مالك (٣٥٨)، والبيهقي في الكبرى (٣٦٠٤).","vol":"2","page":16},{"text":"• أخبرنا مالك، وفي نسخة: ثنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا، حدثنا الزُّهْرِي، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، تابعي يكنى أبا بكر، كان في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، عن سالم بن عبد الله، عن ابن عمر، وهو أبوه، أنه أي: ابن عمر قال: لا يقطع الصلاة شيءٌ، أي: مما يمر بين يدي المصلي، والمرور يقطع نصف صلاته، أي: وهو ما يتعلق بالباطن من حضوره وكمال شعوره.\nقال محمد: وبه نأخذ، يعني قال محمد: لا نعمل إلا بقول ابن عمر: لا يقطع الصلاة شيءٌ من مار بين يَدَي المصلي، وفي نسخة: مما مر بين يدي المصلي، وهو أي: عدم قطع المرور بين يدي المصلي صلاته، قولُ أبي حنيفة، أي: نعمان بن ثابت بن طاوس بن هرمز بن ملك بن شيبان، كان في الطبقة السادسة من طبقات الحنفية، وكان من صغار التابعين، ورواه مالك موقوفًا، وأخرجه الدارقطني من وجه آخر عن سالم عن أبيه مرفوعًا، لكن إسناده ضعيف، وجاء أيضًا مرفوعًا عن أبي سعيد عن أبي داود، عن أنس وأبي أسامة عن الدارقطني، وعن جابر عن الطبراني في الأوسط وفي إسناد كل منهما ضعيف، وقال قوم: تقطعها المرأة، والحمار، والكلب الأسود، قال عبد الله بن الصامت: يا أبا ذر (ق ٢٧٢) ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر، والكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي، سألتُ رسول الله - ﷺ - عن ما سألتني عنه فقال: \"الكلب الأسود شيطان\" (١)، رواه مسلم، وله أيضًا مرفوعًا عن أبي هريرة: \"يقطع الصلاة: المرأة والحمار والكلب، ويبقى ذلك مثل مؤخرة الرحل\" (٢) رواه الطبراني عن الحكم بن عمرو، وابن ماجه عن عبد الله بن مغفل نحوه من غير تقييد بالأسود.\nولأبي داود (٣) عن ابن عباس مثله، لكن قيد المرأة بالحائض، واختلف العلماء في العمل بهذه الأحاديث، فمال الطحاوي وغيره إلى أن حديث أبي ذر وما وافقه منسوخ بحديث عائشة في الصحيحين أنه ذكر عندها ما يقطع الصلاة الكلب والحمار والمرأة، وقالت: شبهونا بالحمر والكلاب، والله لقد رأيتُ النبي - ﷺ - يصلي وأنا على السرير بينه\n_________\n(١) أخرجه: مسلم (٥١٠).\n(٢) أخرجه: مسلم (٥١١).\n(٣) أخرجه: أبو داود (٧٠٣).","vol":"2","page":17},{"text":"وبين القبلة مضطجعة، وقالت ميمونة: كان النبي - ﷺ - يصلي وأنا نائمة إلى جنبه، فإذا سجد أصابني ثوبه وأنا حائض (١)، وتُعقِّب بأن النسخ إنما يصل إليه إذا علم التاريخ وتعذر الجمع والتاريخ هنا لم يتحقق، والجمع لم يتعذر، كذا قاله الزرقاني.\nلما فرغ من بيان حكم بعض التطوع، شرع في بيان حكم بعضه، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>باب ما يستحب من التطوع في المسجد عند دخوله</span>\n٢٧٦ - أخبرنا مالك، حدثنا عامر بن عبد الله بن الزبير عن عمرو بن سليم الزرقي. عن أبي قتادة السُّلمي أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا دخل أحدكم المسجد فليصل ركعتين قبل أن يجلس\".\nقال محمد: هذا تَطَوُّع، وهو حَسَنٌ، وليس بواجب.\n• باب في بيان حكم، ما أي: فعل يستحب بصيغة المجهول، أو يسن من صلاة التطوع في المسجد، من صلاة الضحى وإحياء الليل وغيرهما، لكن المراد بالتطوع هنا تحية المسجد بقرينة قوله: عند دخوله.\nووجد في نسخة الشارح فيه وبقرينة (ق ٢٧٣) ابن حبان في صحيحه: تحية المسجد، أي: تعظيمه، فإن جمعها تحيات يعني من دخل المسجد، وهو متوضئ يُسنُّ له أن يصلي ركعتين، تعظيمًا للمسجد، بالجلوس عندنا وإن كان الأفضل فعلها قبله، وإذا تكرر دخوله في اليوم يكفيه ركعتان، وإن أدَّى الفرض أو غيرها عند دخوله ينوب عن تحية المسجد، ومن تعظيم المسجد أن يقول عند دخوله فيه: \"اللهم افتح لي أبواب رحمتك\"، وعند خروجه منه: \"اللهم إني أسألك من فضلك\"؛ لأمر النبي - ﷺ - به، كذا نقلناه في (سلم الفلاح).\n_________\n(١) أخرجه: البخاري (٥١٤)، ومسلم (٥١٢).\n(٢٧٦) صحيح، أخرجه: البخاري (٤٤٤)، ومسلم (٧١٤)، والنسائي (٧٣٠)، وابن ماجه (١٠١٣)، وأحمد (٢٢٠١٧)، ومالك (٣٨٨).","vol":"2","page":18},{"text":"أخبرنا مالك، وفي نسخة: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا، حدثنا عامر بن عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي أبي الحارث المدني، ثقة عابد، مات سنة إحدى وعشرين ومائة، عن عمرو بفتح العين ابن سليم بالتصغير، أي: ابن خلدة بفتح الخاء المعجمة، وسكون اللام والدال المهملة والهاء، الأنصاري، الزرقي بضم الزاي المعجمة، وبفتح الراء بعدها قاف نسبة إلى عامر بن زريق، ثقة، من كبار التابعين، مات سنة أربع ومائة، ويقال له: رؤية عن أبي قتادة الأنصاري، اسمه الحارث، ويقال: عمرو والنعمان بن ربعي، بكسر الراء، وسكون الموحدة، بعدها مهملة، السُّلمي ﵁، بفتحتين المدني شهد أحدًا وما بعدها، ولم يشهد بدرًا، مات سنة أربع وخمسين من الهجرة، وقيل: سنة ثمان وثلاثين، والأول أصح وأشهر، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا دخل أحدكم المسجد محله نصب على أنه المفعول الثاني لحدثنا، فليركع أي: فليصل من إطلاق الجزء وإرادة الكل، ركعتين هذا العدد لا مفهوم لأكثره باتفاق، واختلف في أقله، والصحيح اعتباره، فلا يتأدى هذا المستحب بأقل من ركعتين قبل أن يجلس\".\nوالحديث رواه أحمد وجماعة عن أبي قتادة ﵁، وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁، ولفظ بعضهم: \"إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين\"، فهو (ق ٢٧٣) أمر ندب ونهي تنزيه بالإِجماع، سوى أهل الظاهر، فقالوا بالوجوب والتحريم، وسبب ورود هذا الحديث أن أبا قتادة ﵁، دخل المسجد فوجد النبي - ﷺ - جالسًا بين أصحابه فجلس معهم، فقال له النبي - ﷺ -: \"ما منعك أن تركع؟ \" قال: رأيتك جالسًا والناس جلوس، قال: \"فإذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين\"، أخرجه مسلم.\nقال محمد: هذا تَطَوُّع، وهو حَسَنٌ، وليس بواجب، أقول: لكن محله إذا لم يكن وقت الكراهة عندنا.\nلما فرغ من بيان حكم تحية المسجد شرع في بيان حكم الانصراف عن الصلاة إلى شيء بعد إتمامها، فقال: هذا\n* * *","vol":"2","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>باب الانتفال في الصلاة</span>\nباب في بيان حكم الانتفال في الصلاة، الانتفال بكسر الهمزة وسكون النون في كسر التاء وبعدها فاء وألف ولام بمعنى الفراغ عن الشيء، والانصراف عنه إلى غيره، وفي نسخة: الانفتال، بتقديم الفاء على التاء، وهو انصراف الوجه من شيء إلى شيء آخر، كما في الجوهري والأختري، وفيه إبدال مكان التاء بمكان الفاء.\n٢٧٧ - أخبرنا مالك، أخبرني يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبَّان، أنَّه سمعه يُحَدِّثُ عن وَاسع بن حَبَّان، قال: كنت أصلي في المسجد وعبد الله بن عمر مُسْنِدًا ظَهْره إلى القِبْلة، فلما قَضَيْتُ صلاتي انصَرَفْتُ إليه من قِبَلِ شِقِّي الأيسر، فقال: ما مَنَعَك أن تنصرف عن يمينك؟ قلتُ: رأَيتُك وانصرفْتُ إليك، فقال عبد الله، فإنك قد أصَبْتَ، فإن قائلًا يقول: انصرفْ على يمينك، وإذا كنت تصلي فانصرف حيثُ أحْبَبْتَ: على يمينك أو على يسارك، ويقول ناسٌ: إذا قَعَدْتَ على حاجتك فلا تستقبل القِبْلة، ولا بيت المقدس، قال عبد الله: لقد رقَيْتُ على ظهر بَيْت لَنَا، فرأيت رسول الله - ﷺ - على حاجته مُسْتَقْبِلَ بيت المقدس.\nقال محمد: ويقول عبد الله بن عمر: نأخذ، ينصرف الرجل إذا سَلَّم على أيِّ شِقِّهِ أحَبَّ، ولا بأس أن يستقبل بالخَلَاء من الغائط والبول بيتَ المقدس، إنما يُكْرَه أن يستقبل القبلة، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام من كبار أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، ولد سنة ثلاث وسبعين، ومات سنة تسع وسبعين، كذا قاله الذهبي في (الكاشف)، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا أخبرني يحيى بن سعيد، أي: ابن قيس الأنصاري المدني، أبو سعيد القاضي، ثقة ثبت في\n_________\n(٢٧٧) صحيح، أخرجه: مالك (٤٠٩)، وابن أبي شيبة (١/ ٣٣٩)، وأبو يعلى (٤٠٩).","vol":"2","page":20},{"text":"الطبقة الخامسة من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين بعد المائة من الهجرة، عن محمد بن يحيى بن حبَّان، بفتح المهملة ثم موحدة مشددة ابن أبي سعيد الأنصاري المدني ثقة فقيه، في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، مات سنة إحدى وعشرين ومائة من الهجرة، وهو ابن أربع وسبعين سنة، كذا قاله ابن حجر، أنَّه أي: يحيى بن سعيد سمعه أي: محمد بن يحيى بن حبان، يُحَدِّثُ عن وَاسع بن حَبَّان، بفتح المهملة ثم الموحدة مشددة، ابن منقذ بن عمر الأنصاري المازني، صحابي ابن صحابي، وقيل: بل ثقة من كبار التابعين في الطبقة الثانية من أهل المدينة، كذا قاله ابن حجر في (التقريب في أسماء الرجال) (١)، قال: أي: واسع بن حبان: كنت أصلي في المسجد أي: مسجد المدينة على ما هو الظاهر وعبد الله بن عمر مُسْتنِدًا وفي نسخة: مسند بفتح الميم وسكون السين المهملة، وكسر النون وبعدها دال مهملة من الإِسناد، ظَهْره إلى القِبْلة أي: إلى جدارها، لما في (الموطأ) لمالك، أما إسناده إلى جدار القبلة، فللوعظ والإِفادة، فلما قَضَيْتُ صلاتي أي: أديتها وفرغت عنها انصَرفْتُ أي: استقبلت إليه من قِبَلِ شِقِّي الأيسر، بكسر القاف وفتح الموحدة، أي: من جهتي طرفي الأيسر اتفاقًا أو قصدًا لكون كأن في ذلك الجانب، وهو الأظهر، أو لئلا يفوته شيء من وعظه، أو لرعاية الأدب، فإنه إذا انصرف من شقه الأيمن، يجعل ابن عمر خلفه، وهو ثري الأدب. وفيه تنبيه على أن المعلم ينبغي له أن يكون على الشفقة للمتعلم، ويلزم عليه أن يستمر على التعظيم للمعلم في جميع أحواله، ليكون مرضيًا عند ربه، فقال أي: ابن عمر: (ق ٢٧٤) ما مَنَعَك أن تنصرف عن يمينك؟ مع أنه أشرف أو أيسر، قال: قلتُ: رأيتك أي: في هذه الشق، وانصرفْتُ إليك، وفي نسخة: انصرفت بلا واو، وليحيى: فانصرفت إليك، فقال عبد الله، فإنَّك قد أصَبْتَ، أي: ما تيقنت بالانصراف عن يمينك، فإن قائلًا أي: من الفقهاء، وفي نسخة فلانًا، أي: من العلماء يقول؛ انصرفْ أمر حاضر، أي: ارجع على يمينك، أي: لست على وجه العزيمة، فيقول واسع بن حبان: أما أنا فأقول: وإذا كنت تصلي أي: وفرغت، فانصرف حيثُ أحْبَبْتَ، أي: أي ظرف اخترت على يمينك أو على يسارك، ثم قال ابن عمر: ويقول ناسٌ، أي: من الفقهاء: إذا قَعَدْتَ على حاجتك أي: قضائها فلا تستقبل القِبْلة، أي: الكعبة، وهو ظاهر الكلام فيه،\n_________\n(١) انظر: التقريب (٢/ ٥٦٠).","vol":"2","page":21},{"text":"ولا بيت المقدس، بفتح الميم وسكون القاف، وكسر الدال، وجوز ضم الميم، وتشديد الدال المفتوحة والمراد الصخرة لكونه قبله في الجملة، ولو كانت منسوخة وهو وجه وجيه وتنبيه منبه، ثم رأيت الإِمام أحمد وأبا داود وابن ماجه روي عن معقل الأسدي أنه - ﷺ - نهى أن نستقبل القبلتين ببول أو غائط (١)، فقال واسع بن حبان حاكيًا عن عبد الله: قال عبد الله: في مقام الاستدلال على جواز الاستقبال إلى بيت المقدس، كما قال - ﷺ -: \"البينة على المدعي، واليمين على من أنكر\"، لقد رقَيْتُ بفتح الراء المهملة وكسر القاف، وسكون التحتية والتاء للمتكلم، أي: صعدت، يقال: رقيت رقيًا إذا صعدت، كذا قاله الجوهري، على ظهر بَيْت لَنَا، وفي رواية الشيخين: بيت أختي حفصة، فرأيت رسول الله - ﷺ - أي: من غير قصد في نظره أو من وراء ظهره كائنًا على حاجته أي: قضائها حال كونه مُسْتَقْبِلَ بيت المقدس، ولعله كان يعذر هنالك أو قبل النهي عن ذلك.\nقال محمد: ويقول عبد الله بن عمر نأخذ، أي: نعمل في المسألتين، ينصرف الرجل إذا سَلَّم على أيِّ شِقِّهِ أحَبَّ، أي: أي أختار، ولا بأس أن يستقبل بالخَلَاء أي: في الخلاء وهو كناية عن قضاءيات الحاجة، من الغائط والبول أي: أو أحدهما بيتَ المقدس، إنما يُكرَه أن يستقبل بذلك، أي: فيما ذكره القبلة، وهي جهة الكعبة، وهو قولُ أبى حنيفة ﵀. قال علي القاري: فيه إشكال وهو أنه يلزم من استقبال بيت المقدس استدبار الكعبة، وهو ممنوع عند علمائنا أيضًا عند قضاء الحاجة، ويستوي عندنا في هذه المسألة الصحراء والبناء، يقول الفقير: نعم يرد هذا الإِشكال إذا كان جواز استقبال بيت المقدس مخصوصًا لأهل المدينة، وأما إذا كان لسائر أهل البلاد فلا إشكال فيه؛ لأن بيت المقدس في طرف الشمال لأهل المدينة والكعبة في طرف الجنوب لأهلها بخلاف سائر البلاد، كذا قاله أهل الهيئة.\nلما فرغ من بيان حكم الانصراف بعد إتمام الصلاة إلى وجه رجل معلم لينتفع من علمه، شرع في بيان حكم صلاة المغمى عليه، فقال: هذا\n* * *\n_________\n(١) أخرجه: أبو داود (١٠)، وأحمد (١٧٣٨٣)، وابن أبي شيبة (١/ ١٧٧)، والبيهقي في الكبرى (٤٣٦).","vol":"2","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>باب صلاة المُغْمَى عليه</span>\nباب في بيان حكم صلاة المُغْمَى عليه، وهو المغلوب عقله، (ق ٢٧٥) بخلاف المجنون؛ فإنه المسلوب عقله، والأنبياء ﵈ معصومون عن الجنون دون الإِغماء، وهو فتور غير أصلي لا بمخدر يخرج الفتور بالمحذورات وقوله: يزيل عمل القوي يخرج الصفة، كذا قاله السيد محمد الجرجاني في (تعريفاته).\n٢٧٨ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن ابن عمر، أنه أغْمِيَ عليه ثم أفاق فلم يقض الصلاة.\nقال محمد: وبهذا نأخذ إذا أغمي عليه أكثر من يوم وليلة. فأما إذا أغمي عليه يومًا أو أقل قضى صلاته.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام، من كبار أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، مالك، حدثنا وفي نسخة: عن نافع، أي: المدني، مولى ابن عمر، عن ابن عمر، أنه أغْمِيَ عليه ثم أفاق فلم يقض الصلاة، أي: الفائتة حال الإِغماء؛ لكونه أكثر من يوم وليلة، وقد روى محمد في (الآثار) عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم النخعي، عن ابن عمر أنه قال في الذي أُغمي عليه يومًا وليلة: يقضي.\nقال محمد: وبهذا أي: بعدم القضاء نأخذ أي: نعمل مع أصحاب أبي حنيفة، إذا أغمي عليه أكثر من يوم وليلة. فأما إذا أغمى عليه يومًا أو أقل قضى صلاته.\n* * *\n\n٢٧٩ - بلغنا عن عمار بن ياسر، أنه أغمي عليه أربع صلوات ثم أفاق، فقضى صلاته. أخبرنا بذلك أبو معشر المَدِيني عن بعض أصحابه.\n_________\n(٢٧٨) صحيح، أخرجه: عبد الرزاق في مصنفه (٤١٥٨).\n(٢٧٩) إسناده ضعيف.","vol":"2","page":23},{"text":"• بلغنا عن عمار بن ياسر، أنه أغمي عليه أربع صلوات ثم أفاق، فقضاها.\nقال محمد: أخبرنا بذلك أبو معشر المَدِيني، هو نجيح بن عبد الرحمن السندي بكسر السين المهملة، وسكون النون، وكسر الدال، والياء التحتية، مولى بني هاشم، مشهور بكنيته، ضعيف، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين، من المدينة، مات سنة سبعين ومائة، ويقال: عبد الرحمن بن الوليد بن هلال، كذا قاله ابن حجر، عن بعض أصحابه، أي: أصحاب عمار ﵁، وروى الدارقطني عن يزيد مولى عمار بن ياسر أغمي عليه في الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وأفاق نصف الليل فقضاهن (١)، وفيه تغليب فإن العشاء وقع في آخر وقتها أداءً لا قضاءً.\nوقال مالك والشافعي: من أغمي عليه بمرض أو سبب مباح سقط عنه قضاء ما كان في حال إغمائه من الصلاة على الإِطلاق، وقال أحمد: الإِغماء يمنع وجوب القضاء بحال، كما قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان حكم صلاة المغمى عليه، شرع في بيان حكم صلاة المريض، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>باب صلاة المريض</span>\nفي بيان حكم صلاة المريض، والمناسبة بين هذا الباب وذاك الباب الآفات السماوية، فإضافة صلاة إلى المريض من إضافة الفعل إلى الفاعل، والمرض حالة للبدن خارجة على مجرى الطبيعة، وإذا تعبر على المريض كل القياس بأن لا يقوم أصلًا لا بقوة نفسه، ولا بالاعتماد على شيء أو تعسر عليه كل القيام بوجود ألم شديد أو خاف زيادة المرض، أو بطئه بسبب القيام، صلى قاعدًا بركوع وسجود.\nكما روى الجماعة إلا مسلمًا عن عمران بن حصين ﵁ أنه قال: كانت بي بواسير، فسألتُ النبي - ﷺ - عن الصلاة، فقال: \"صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا؛ فإن لم\n_________\n(١) أخرجه: عبد الرزاق في مصنفه (٤١٥٦)، والدارقطني (٢/ ٨١)، والبيهقي في الكبرى (١٨٦١).","vol":"2","page":24},{"text":"تستطع فعلى جنبك\"، زاد النسائي: \"فإن لم تستطع فمستلقيًا\"، قال الله تعالى في سورة آل عمران: (ق ٢٧٦) ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١]، كذا في (سلم الفلاح شرح مذنب نور الإِيضاح).\n٢٨٠ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن عمر قال: إذا لم يستطع المريض السجود أومأ برأسه.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، ولا ينبغي له السجود على عودٍ، ولا شيء يرفعه إليه، ويجعل سجوده أخفض من ركوعه، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: ثنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا وفي نسخة: عن نافع، عن ابن عمر أنه قال: إذا لم يستطع المريض السجود أومأ أي: أشار إلى السجود برأسه.\nقال محمد: وبهذا أي: بقول ابن عمر نأخذ، أي: نعمل ونفتي، ولا ينبغي له أي: للمريض أن يسجد على عودٍ، أي: بأن يرفع إلى وجهه لوحًا يسجد عليه، ولا على شيء يرفعه إليه، كوسادة ونحوها، ويجعل سجوده أي: وينبغي للمولى أن يجعل إشارته برأسه إلى سجوده أخفض أي: أسفل من إشارته إلى ركوعه؛ لأن ركنيه القيام للتوسل به إلى السجدة، لما فيها نهاية التعظيم، وإذا لم يقدر السجود لا يكون ركنًا فيخير في الإِشارة إلى الركوع والسجود، وإن لم يخفض إيمائه إلى السجود من الركوع لا تصح صلاته، كذا قاله الشرنبلالي في (نور الإِيضاح).\nوهو أي: ما اختاره ابن عمر، قولُ أبي حنيفة، وهذا الحديث موقوف حقيقة ومرفوع حكمًا، لما روى البزار في مسنده عن جابر ﵁، والطبراني في (معجمه)، عن ابن عمر ﵄ أن النبي - ﷺ - عاد مريضًا فرآه يصلي على وسادة، فأخذها ورمى بها، فأخذ عودًا ليصلي عليه، فأخذه فرمى فقال: \"صل على الأرض إذا استطعت، وإلا فأومئ إيماءً واجعل سجودك أخفض من ركوعك\"، كذا قاله علي القاري.\n_________\n(٢٨٠) صحيح، أخرجه: مالك (٣٩٢)، والبيهقي في الكبرى (٣٧٧٠).","vol":"2","page":25},{"text":"لما فرغ من بيان حكم صلاة المريض شرع في بيان فضيلة تطهير المسجد عن المستكره مطلقًا، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>باب النخامة في المسجد وما يكره من ذلك</span>\nفي بيان فضيلة تطهير المسجد عن النخامة، أي: وجدت في المسجد، أي: في جنس المسجد سواء كان مسجد الحرام أو مسجد الأقصى أو غيرهما، في بلاد الإِسلام، وهي أي النخامة، بضم النون، وفتح الخاء المعجمة والألف والميم والتاء، ما يخرج من الخيشوم والحلقوم، كذا في (المغرب).\nوما يُكره أي: وبيان فضيلة تطهيره عما يستكره من ذلك، أي: في المسجد، فمن هنا بمعنى في، كما قال تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩].\nعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من يتعاهد المسجد - أي: يخدمه بالكنس والتنظيف - فاشهدوا له بالإيمان\"، فالخدمة بالمسجد تعمير له، قال الله تعالى في سورة التوبة: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية [التوبة: ١٨].\nقال صاحب (الكشاف): عمارتها: كنسها وتنظيفها وتنويرها بالمصابيح وتعظيمها بما ينبغي لها، كذا قاله ابن الملك في باب المساجد في (شرح المصابيح)، فإن قيل: لم أشار المصنف بذلك إلى المسجد؟ أجيب: إشعارًا ببعديته عن أيدي المشركين، كما قال تعالى في سورة التوبة: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، أو إعلامًا بأنه ذو شرف وكرامة عند الله تعالى، فإنه أسنده إلى نفسه (ق ٢٧٧) فقال: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ الآية [التوبة: ١٨]، أو تشبيهًا بحاله بشيء في مكان بعيد هو من قبيل تشبيه العقول بالمحسوس.\nفيجب على المؤمنين أن يطهروه عما يستكره طبعًا وشريعة من الرائحة الكريهة، وكلام الدنيا.","vol":"2","page":26},{"text":"٢٨١ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ -، رأى بصاقًا في قبلة المسجد، فَحكّهُ، ثم أقبل على الناس فقال: \"إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصق قِبَل وجهه، فإن الله قِبَل وجهه إذا صلى\".\nقال محمد: ينبغي أن لا يبصق تِلْقاء وجهه، ولا عن يمينه ولا عن يساره، وليبصق تحت رجله اليسرى.\n• أخبرنا مالك، في نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: أخبرنا، حدثنا وفي نسخة: عن نافع، أي: المدني، مولى ابن عمر عن ابن عمر، ﵄، أنه قال: أن رسول الله - ﷺ -، رأى بصاقًا بضم الصاد المهملة والقاف، وفي لغة بالزاي المعجمة في موضع الصاد، وفي لغة أخرى بالسين، وهو ضعيف، وهو ما يسيل من الفم. وقال السيوطي: البزاق: ماء الفم، والمخاط ماء الأنف، والنخامة ماء يخرج من الحلقوم، في قبلة المسجد، أي: في جدار المسجد من جهة القبلة، فَحكّهُ، أي: بيده لما رآه من الكراهة الموجودة في جدارها، ثم أقبل على الناس بوجهه الكريم على وجه الوعظ والنصيحة، فقال: \"إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصق بضم الصاد، وسكون القاف، نهي غائب، أي: فلا يلق بزاقه قِبَل بكسر القاف، وفتح الموحدة، أي: قدام وجهه.\nقال سعيد بن زيد الباجي المالكي: خص بذلك حال الصلاة لفضيلة تلك الحال؛ ولأنه يكون حينئذٍ مستقبل القبلة، فلا يبزق من جهة القبلة مطلقًا، سواء كان في جدار المسجد أو في الصحراء، احترامًا لها؛ فإن الله قِبَل وجهه إذا صلى\"، فيه مضاف محذوف تقديره فإن قبلة الله تعالى قدام وجهه حين صلى، كما قال تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، أي: قبلة الله.\nقال ابن عبد البر: هو كلام خرج عن التعظيم لشأن القبلة، وقد نزع من ظاهر هذا الحديث بعض المعتزلة القائلين أن الله تعالى في مكان، هو جهل واضح في الحديث أن\n_________\n(٢٨١) صحيح، أخرجه: البخاري (٤٠٦)، ومسلم (٥٤٧)، وأبو داود (٤٨٥)، والنسائي (٧٢٤)، وأحمد (٥٣١٣)، ومالك (٤٥٦).","vol":"2","page":27},{"text":"يبزق تحت قدمه، وفيه نقض ما أصلوه، وفيه رد (١) على من زعم أنه على العرش بذاته، ومهما تأوله به جاز أن يتأول به ذاك، وهذا التعليل يدل على حرمة البزاق في القبلة، سواء كان في المسجد أو لا، لا سيما من المصلي، فلا يجري فيه الخلاف في أن كراهة البزاق في المسجد هل هي للتنزيه أو للتحريم.\nوفي صحيحي ابن خزيمة وابن حبان عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا: \"يُبعث صاحب النخامة في القبلة يوم القيامة وهي في وجهه\"، كذا قاله الزرقاني.\nقال محمد: ينبغي له أي: للمصلي أن لا يبصق تِلْقاء وجهه، احترامًا لربه وقبلته، ولا عن يمينه أي: تعظيمًا لكاتب الحسنات، ولا عن يساره، تكريمًا لكاتب سيئاته، ولأنه ربما يكون أحد في أخرى جهاته، وليبصق تحت رجله اليسرى، أي: إذا كان تحت رجله شيء من ثيابه، وإلا فيكره فوق أرض المسجد، وكذا فوق حصيره، وقد ورد عنه - ﷺ -: \"إذا تنخم أحدكم وهو في المسجد فليغيب نخامته لئلا يصيب جلد مؤمن أو ثوبه فتؤذيه\" (٢) رواه أحمد وأبو يعلى، والبيهقي عن سعد، كذا قاله علي القاري (ق ٢٧٨).\nلما فرغ من بيان حكم النخامة في المسجد وما يُكره فيه، شرع في بيان عرق الجنب والحائض، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>باب الجنب والحائض يعرقان في الثوب</span>\nفي بيان حكم عرق الجنب والحائض وهما يعرقان، أي: يصبان عرقهما، وهو بفتح التحتية وسكون العين المهملة، وفتح الراء المهملة والقاف، وبعده ألف ونون مضارع من باب علم ومصدره عرق بفتحتين، وهو ماء يخرج به لترشيح من جلد الحيوان بسبب حرارة\n_________\n(١) هذا خطأ تبع فيه المصنف - عفا الله عنه - المؤوِّلة، والصواب ما ذهب إليه السلف: أن الله تعالى على العرش، كما وردت بذلك النصوص، قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وانظر كتاب العلو للحافظ الذهبي - رحمه الله تعالى. المحقق.\n(٢) أخرجه: أحمد (١٥٤٦)، وابن خزيمة (١٣١١)، وأبو يعلى (٨٠٨)، والبزار (١١٢٧)، والبيهقي في الشعب (١١١٧٩).","vol":"2","page":28},{"text":"شديدة، يعني الرجل الجنب والحائض يصب عرقهما في ثوب، وهو أي باب مصدر إذ أصله بوب بفتح الباء وسكون الواو بعدها موحدة من باب نصر، فقلبت الواو ألف لسكونها أو انفتاح ما قبلها، فصار بابًا وهو في اللغة المنع، وهو مبني للفاعل، فيكون بمعنى المانع، وإنما جاء به ليمنع دخول حكم ما قبله في حكم ما بعده، كما يمنع بواب دار السلطان من دخول الأجانب فيها، وهو إما ساكن أو منون، فإن كان ساكنًا فلا حظ له في الإِعراب؛ لأن الإِعراب مستحق بعد التركيب، فلا تركيب حينئذ، وإن كان منونًا فهو مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف كما قدرناه، أو مبتدأ على أنه علم جنس وخبره محذوف، كما قاله أكمل الدين محمد بن أحمد الخباري في (معراج الدراية على الهداية) ونوح أفندي في (حاشية الدرر)، والمناسبة بين هذا الباب والباب السابق تنفر فإن النخامة والعرق ينفر منهما طبع سليم؛ لأن من عرق النبي - ﷺ - فإن منه الورد الأحمر، كما قاله - ﷺ -: \"من أراد أن يشم رائحتي فليشم الورد الأحمر\"، كذا نقله النووي في (كنوز الحقائق) عن (مسند الفردوس) للديلمي.\n٢٨٢ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن ابن عمر، أنه كان يعرق في الثوب وهو جُنُبٌ، ثم يصلي فيه.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا بأس به ما لم يصب الثوب من المنيّ شيء، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، حدثنا وفي نسخة: عن نافع، أي: المدني التابعي، مولى عبد الله بن عمر، عن أبن عمر، ﵄، أنه كان يعرق بفتح التحتية وسكون العين المهملة، ثم راء مهملة مفتوحة وقاف بعدها مضارع من باب علم، أي: يصب عرق جلده بالترشيح في الثوب أي: الذي لابسه وهو أي: والحال أن ابن عمر جُنُبٌ، ثم أي: بعد الاغتسال يصلي فيه، أي: في الثوب الذي أصابه عرقه قبل غسله.\nأخبرنا نافع عن صلاة ابن عمر بصيغة المضارع، وهو خلاف مقتضى الظاهر،\n_________\n(٢٨٢) صحيح، أخرجه: الدارمي (١٠٢٠)، ومالك (١١٧)، وابن أبي شيبة (١/ ٢١٨)، والبيهقي في الكبرى (٩١٣).","vol":"2","page":29},{"text":"وينبغي أن يخبر عن صلاته بأن يقول: ثم صلى فيه وعدل عنه حكاية بحال الماضية، وفسرها صاحب (الكشاف) بأن تقدر أن ذلك الفعل القاضي واقع في حال المتكلم واستحضارًا بتلك الحالة الماضية عند المخاطبين، واسترارًا في قلوب السامعين، بأن ابن عمر صلى في الثوب الذي أصابه عرقه في حالة الجنابة قبل غسله؛ لأن عرق بني آدم طاهر بالاتفاق، لا فرق بين الصغير والكبير، والمسلم والكافر، والجنب والحائض، وكذا سؤرهم طاهر؛ لأن عرقهم وبصاقهم متولدان من لحمهم ولحومهم طاهرة، ولكن لا تؤكل لكراهتهم لا لخبثهم، حتى لو سال عرق المؤمن وأصاب ثوبه وبدنه أكثر من قدر الدرهم (ق ٢٧٩) لا يمنع جواز صلاته، كذا قاله الشرنبلالي في (مراقي الفلاح).\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - لقيه في بعض طرق المدينة وهو جنب، فانخنس منه، فذهب واغتسل، ثم جاء فقال: \"أين كنت يا أبا هريرة؟ \" قال: كنتُ جنبًا، فكرهت أن أجالسك، وأنا على غير طهارة، فقال: \"سبحان الله، إن المؤمن لا ينجس\" (١)، وتمسك بمفهومه بعض أهل الظاهر فقال: إن الكافر نجس العين، وقواه بقوله تعالى في سورة التوبة: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، وأجاب الجمهور عن الحديث بأن المراد أن المؤمن طاهر الأعضاء، لاعتياده مجانبة النجاسة بخلاف المشرك لعدم تحفظه عنها، وعن الآية بأن المراد أنهم نجس في الاعتقاد والاستقذار؛ ولأنه يجب اجتنابهم كالنجاسة، أو لأنهم لا يتطهرون ولا يجتنبون عن النجاسة ملابسون لها غالبًا، وحجة الجمهور أن الله تعالى أباح نساء أهل الكتاب، ومعلوم أن عرقهن لا يأمن منه من يضاجعهن، ومع ذلك فلم يجب عليه من الغسل من الكتابية إلا بمثل ما يجب عليه من المسلمة، فدل على أن الآدمي الحي، ليس بنجس العين، ولا فرق بين النساء والرجال، كذا قاله الزرقاني (٢).\nقال محمد: وبهذا أي: بخبر نافع عن فعل ابن عمر نأخذ، أي: نعمل ونفتي بأنه لا بأس به أي: لا يمنع صحة صلاة المؤمن في ثوب أصاب به عرقه في حال الجنابة، وصلى فيه قبل غسله، ما لم يصب الثوب من المنيّ أي: ونحوه من المذي والدم وغيرهما\n_________\n(١) أخرجه: البخاري (٢٨٥)، ومسلم (٣٧١).\n(٢) انظر: شرح الزرقاني (١/ ١٥٧).","vol":"2","page":30},{"text":"شيء، أي: من النجاسات، وهو أي: جواز الصلاة في ثوب أصابه عرق الجنب أكثر من قدر الدرهم قولُ أبي حنيفة، ﵀.\nلما فرغ من بيان حكم عرق الجنب والحائض، شرع في بيان أمر القبلة، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>باب بدء أمر القبلة وما نسخ من قبلة بيت المقدس</span>\nفي بيان بدء أي ابتداء أمر القبلة أي: حالها، كما قال صاحب (الجوهري): الأمر بفتح الهمزة وسكون الميم، وبعدها راء مهملة، بمعنى الحال، يقال: أمر فلان مستقيم، وإضافته إليها بمعنى اللام، من قبيل إضافة الصفة إلى موصوفها، وما أي: وبيان حكم نسخ بصيغة المجهول، أي: بدل الله ذلك، والحكم إلى حكم آخر، وهو في اللغة التبديل، قال تعالى في سورة النحل: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ [النحل: ١٠١]، ومعناه أن يزول شيء فيخلفه غيره، وفي الشرع بيان انتهاء الحكم الشرعي الذي كان معلومًا عند الله تعالى، كذا قاله عبد الرحمن بن خرشة في (شرح المنار) لأحمد بن محمود النسفي، من قبلة بيت المقدس، بيان بما نسخ، وهو بضم الميم وفتح القاف والدال المفتوحة المشدودة وبعدها سين مهملة، اسم مفعول أو مكان، فمعناه المطهر عن الدنس الحسي والمعنوي، كذا قاله شهاب الدين في حاشية تفسير قوله تعالى في سورة طه: ﴿بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه: ١٢] انتهى. والمناسبة بين هذا الباب والباب السابق أمر سماوي، وأخذ هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿قَدْ نَرَى (ق ٢٨٠) تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ الآية [البقرة: ١٤٤].\nوذلك أن رسول الله - ﷺ - وأصحابه كانوا يصلون بمكة إلى القبلة، فلما هاجر إلى المدينة أمره الله أن يصلي نحو صخرة بيت المقدس، ليكون أقرب إلى تصديق اليهود إياه إذا صلى إلى قبلتهم مع ما يجدون من نعته، فصلى بعد الهجرة ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا إلى بيت المقدس، وكان يحب أن يوجه إلى الكعبة، لأنها كانت قبلة أبيه إبراهيم صلوات الله على نبينا وعليه، فنزل قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآية [البقرة: ١٤٤].","vol":"2","page":31},{"text":"٢٨٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، قال: بينما الناس بقُباء في صلاة الصبح إذ أتاهم رجل، فقال: إن رسول الله - ﷺ -، قد أُنْزِلَ عليه الليلة قرآن، وقد أُمِرَ أن يستقبل الكعبة، فاسْتَقْبَلُوها، قال: وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة.\nقال محمد: وبهذا نأخذ فيمن أخطأ القبلة؛ حتى صلى ركعة أو ركعتين، ثم علم أنه يصلي إلى غير القبلة، فلينحرف إلى القبلة فيصلي ما بقى، ويَعْتَدّ بما مضى، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا عبد الله بن دينار، أي: مولى عمر، يكنى أبا عبد الرحمن المدني، ثقة، كان في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، تابعي، مات سنة سبع وعشرين من الهجرة، عن عبد الله بن عمر، ﵄، أنه قال: بينما ظرف لتوسطه في زمان أو مكان حذف المضاف إليه، وإذا قصد إضافة بين إلى أوقات مضافة إلى جملة حذف الأوقات وعوض عنها الألف، أو \"ما\" فيقال: بينا أو بينما منصوب المحل، والعامل فيه معنى المفاجآت التي تضمنه، إذ في قوله: إذ أتاهم رجل، كذا قاله ابن الملك في شرح حديث عمر بن الخطاب، من أول المصابيح الناس أي: من أهل قباء ومن منهم بقباء أي: بمسجد قباء، بضم القاف، وبموحدة موضع معروف خارج المدينة، ثلاثة أميال إليها، ويجوز فيها التذكير والتأنيث والصرف وعدم الصرف، والمد والقصر، في صلاة الصبح، وفي نسخة: بقباء بعد صلاة الصبح، ولمسلم في صلاة الغداة، وهو أحد أسمائها، وكره بعضهم تسميتها به، إذ أتاهم رجل أي: بين أوقات فأجاء إلى أهل قباء رجل، وهو عباد بن بشر كما رواه ابن منده وغيره.\nقال الحافظ: وهذا لا يخالف حديث البراء في الصحيحين أنهم كانوا في صلاة العصر؛ لأن الخبر وصل وقت العصر إلى من هو داخل المدينة، وهم بنو حارثة، فقال: أي: رجل جاء لأهل قباء: إن رسول الله - ﷺ -، قد أُنْزِلَ عليه الليلة أي: في هذه الليلة\n_________\n(٢٨٣) صحيح، أخرجه: البخاري (٤٠٣)، ومسلم (٥٢٦)، والنسائي (٤٩٣)، وأحمد (٤٦٢٨)، والدارمي (١٢٣٤)، ومالك (٤٥٨).","vol":"2","page":32},{"text":"قرآن، بالتنكير لإِرادة البعضية، فالمراد به قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآية [البقرة: ١٤٤]، وفيه إطلاق الليلة على بعض اليوم الماضي وما يليه مجازًا، وقال سعيد بن زيد الباجي المالكي: أضاف النزول إلى الليلة على ما بلغه، ولعله لم يعلم بنزوله قبل ذلك، أو لعله - ﷺ - أمر باستقبال الكعبة بالوحي، ثم أنزل عليه القرآن بالليلة، وقد أمِرَ بضم الهمزة مبني للمجهول، أن يستقبل أي: بأن يستقبل بكسر الباء القبلة، أي: الكعبة، كما في (الموطأ) لمالك، فاسْتَقْبَلُوها، بفتح الباء الموحدة، أي: توجهوا نحو الكعبة، وبكسرها على أمر لأهل قباء، كذا لعبد الله بن يحيى، وكانت وجوههم إلى الشام، أي: نحو بيت المقدس، فاستداروا أي: أهل قباء إلى جانب الكعبة.\nوروى (ق ٢٨١) البخاري (١) عن البراء بن عازب أن النبي - ﷺ - أول صلاة صلاها صلاة العصر بعد التحويل، فصلى معه قوم فخرج رجل ممن صلى معه، فمر على أهل مسجد قباء، وهم راكعون، فقال: أشهد بالله لقد صليتُ مع رسول الله - ﷺ - قِبَل مكة، فداروا كما هم قِبَلَ البيت، كذا قاله الزرقاني وعلي القاري.\nقال محمد: وبهذا أي: بمدلول الحديث، نأخذ أي: نعمل ونُفتي فيمن أي: في حق المصلي أخطأ القبلة؛ أي: بعد تحريمها حتى صلى ركعة أو ركعتين، وكذا إذا صلى ثلاثًا، والصلاة رباعية، ثم أي: بعد ما صلى ركعة أو ركعتين علم أنه أي: المصلي على التحري يصلي إلى غير القبلة، فلينحرف إلى القبلة فيصلي ما بقى، أي: من عدد ركعات صلواته، ويَعْتَدّ بما مضى، أي: ولا يحتاج إلى استئناف الصلاة حتى يجوز أن يقع أربع ركعات في أربع جهات، وهو أي: انحراف المصلي إلى القبلة بعد علمه الخطأ في القبلة، قولُ أبي حنيفة، ﵀؛ لأن تبدل الاجتهاد بمنزلة النسخ.\nلما فرغ من بيان حكم أمر القبلة ونسخ قبلة بيت المقدس، شرع في بيان حال الرجل يصلي بالقوم وهو جنب، أو على غير وضوء، فقال: هذا\n* * *\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤١).","vol":"2","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>باب الرجل يصلي بالقوم وهو جنب أو على غير وضوء</span>\nبالتنوين أو بالسكون، وعلى الثاني فلا حظ له من الإِعراب، وعلى الأول فهو مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، كما قدرناه، أو مبتدأ على أنه علم جنس، وخبره محذوف، تقديره كائن في بيان حال الرجل يصلي بالقوم، أي يؤم الناس، وهو أي: والحال أنه جنب، قوله: أو على غير وضوء، من قبيل عطف الماضي على العام، فإن الخيار شاملة على عدم الوضوء، إنما قدم الجنب على غير الوضوء اهتمامًا لشأنه.\nوالمناسبة بين هذا الباب والسابق تبديل الفاسد بالصحيح.\n٢٨٤ - أخبرنا مالك، حدثنا إسماعيل بن أبي حكيم، أن سليمان بن يَسار أخبره، أن عمر بن الخطاب صلى الصبح ثم ركب إلى الجُرُفِ، فجاء بعد ما طلعت الشمس، فرأى في ثوبه احْتِلَامًا، فقال: لقد احتلمت وما شعرت، ولقد سُلِّط علىّ الاحْتِلام منذ وليت أمر الناس، ثم غسل ما رأى في ثوبه ونضحه، ثم اغتسل، ثم قام فصلى الصبح بعد ما طلعت الشمس.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، ونرى أن من علم ذلك ممن صلى خلف عمر، فعليه أن يُعيد الصلاة، كما أعادها عمر؛ لأن الإِمام إذا فسدت صلاته فسدت صلاة من خلفه، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام، من كبار أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وفي نسخة: محمد قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، حدثنا إسماعيل بن أبي حكيم، أي: القرشي، مولاهم، المدني، ثقة في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، مات سنة ثلاثين ومائة من الهجرة، أن سليمان بن يَسار أي: الهلالي المدني، مولى ميمونة زوج النبي - ﷺ -، وقيل: مولى أم سلمة ﵂، ثقة فاضل، أحد الفقهاء السبعة من كبار التابعين، ومن الطبقة الثالثة، مات بعد المائة أو قبلها من الهجرة، أخبره أن عمر بن الخطاب ﵁ صلى الصبح أم قومًا في صلاة الفجر\n_________\n(٢٨٤) صحيح، أخرجه: مالك (١١٤).","vol":"2","page":34},{"text":"والظاهر أنه في مسجد المدينة، ثم ركب أي: ذهب إلى أرض الجُرُفِ، بضم الجيم والراء المهملة والفاء، قال الرافعي: هي موضع على ثلاثة أميال من جهة الشام، ثم جاء بعد ما ذهب إلى الجرف طلعت الشمس، فرأى في ثوبه احْتِلَامًا، أي: أثره في ثوبه من المني، فقال: لقد احتلمت وما شعرت، بضم العين، أى: ما علمت، أخرج عمر كلامه عن مقتضى ظاهره، حيث أتاه بلام القسم، ولا يقتضيها، ونزل المخاطبين المأمومين منزلة المنكرين مع أنهم مقتدون به في أفعاله وأقواله كأنهم أنكروا الاحتلام عن عمر؛ لأن له زوج، فأخبر عمر (ق ٢٨٢) عن حال نفسه بلام القسم تقوية للحكم وأكد تقويته: ولقد سُلِّط بضم وتشديد لام مكسورة، أي: أقسم الله، غَلَبَ وَكَثرُ علىّ الاحْتِلام منذ وليت بضم الواو وكسر لام مشددة أمر الناس، قيل: يحتمل أن شغله بأمورهم واهتمامه بهم صرفه عن اشتغاله بالنساء فكثر عليه الاحتلام، ثم أي: بعد ما أخبر عن حاله، غسل ما رأى في ثوبه أي: من المني ونضحه أي: مسحه ثم اغتسل، ثم قام فصلى الصبح أي: قضاه بعد ما طلعت الشمس.\nقال محمد: وبهذا أي: بقول عمر بن الخطاب ﵁ نأخذ، أي: نعمل ونفتي، ونرى أي: نختار أن من عِلم ذلك أي: ما وقع لعمر من الاحتلام وصلاته بلا غسل، فمن صلى خلف عمر، فعليه أن يُعيد الصلاة، كما أعادها عمر، لأن الإِمام إذا فسدت صلاته فسدت صلاة من خلفه، وهو قولُ أبي حنيفة، ﵀، خلافًا لمالك والشافعي؛ حيث قالا: إن صلاة المأموم صحيحة، إذا لم يعلم من أول الوهلة أنه على غير طهارة، والله أعلم.\nلما فرغ من بيان حكم حال الرجل يصلي بالقوم، وهو جنب أو غير وضوء، شرع في بيان حكم حال الرجل يركع دون الصف أو يقرأ في ركوعه، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>باب الرجل يركع دون الصف أو يقرأ في ركوعه</span>\nفي بيان حكم حال الرجل وهو يركع دون الصف، أي: في قرب الصف، قال بعض أهل اللغة: لفظ دون بضم الدال المهملة وسكون الواو والنون، استعمل بمعنى القرب مشتق من دان يدون دونًا وداين إدانة، كذا قاله محمد الواني، أو يقرأ في ركوعه","vol":"2","page":35},{"text":"عطف على يركع من عطف الجملة الخبرية على مثلها، وإنما عطفها بأو إشعارًا بإفادة حصول مضمون أحد الجملتين، وذكر صاحب (التقويم) وجماعة من النحويين أن كلمة \"أو\" موضوعة في الخبر للشك، فإذا قلت: رأيت زيدًا أو عمرًا أخبرت عن رؤية كل منهما على سبيل الشك، وإنك لم تراهما جميعًا، وإنما رأيت أحدهما، كذا قاله عبد الرحمن بن فرشة في (شرح المنار)، وكذلك الحال هنا، وهو: أي المصلي إما يركع خلف الصف، وإما يقرأ في ركوعه، ولا يفعل كليهما جميعًا، بل الأحسن أن يفعلها جميعًا، اقتبس الإِمام محمد هذه الترجمة، جملة يركع دون الصف من رواية الحسن البصري أن أبا بكر - ﵁ - ركع دون الصف، وجملة يقرأ في ركوعه من رواية علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول الله - ﷺ - نهانا عن لبس القسي، وعن لبس المعصفر، وعن التختم بالذهب، وعن القراءة في الركوع.\n٢٨٥ - أخبرنا مالك، أخبرني ابن شهاب الزُّهري، عن أبي أمَامَة بن سهل بن حُنَيْف أنه قال: دخل زيد بن ثابت فوجد الناس رُكوعًا فركع، ثم دَب حتى وصل الصفّ.\nقال محمد: هذا يُجْزِئ، وأحب إلينا أن لا يركع حتى يصل إلى الصفِّ، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا، وفي نسخة: أخبرني بالإِفراد ابن شهاب أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، يكنى أبا بكر، تابعي في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، عن أبي أمَامَة بن سهل بن حُنَيْف بالتصغير، اسمه أسعد، وقيل: سعد، أنه قال: دخل أي: المسجد زيد بن (ق ٢٨٣) ثابت ﵁، وهو من أكابر الصحابة وفضلائهم، فوجد الناس أي: الإِمام والقوم رُكوعًا أي: في الركوع أو راكعين، فركع أي: بعد التحريم قائمًا ثم دَبّ بفتح الدال وتشديد الباء الموحدة، أي: مشى على هنيته حتى وصل الصفّ.\n_________\n(٢٨٥) صحيح، أخرجه: مالك (٣٩٦).","vol":"2","page":36},{"text":"قال محمد: هذا يُجْزِئ، أي: يكفي في الأداء لكن شرط أن لا يقع ثلاث خطوات متواليات في ركن من أركان الصلاة، كذا ذكره بعضهم. وفي (الخلاصة): إذا مشى في صلاته، إن كان قدر صف واحد لا يفسد الصلاة، وإن كان قدر صفين بدفعة واحدة تفسد، ولو مشى إلى الصف ووقف ثم إلى صف آخر ووقف، ثم وثم لا تفسد صلاته، وفي (الظهيرية)، والمختار أنه إذا أكثر تفسد، وأحب إلينا أن لا يركع أي: بل يؤخر إحرامه حتى يصل إلى الصفِّ، وهو قولُ أبي حنيفة، ﵀.\n* * *\n\n٢٨٦ - قال محمد: حدثنا المُبَارك بن فضَالَة، عن الحسن أن أبا بكْرَة ركع دون الصفّ، ثم مَشَى حتى وصل الصفّ، فلما قَضَى صلاته ذَكَرَ ذلك لرسول الله - ﷺ -، فقال له رسول الله - ﷺ -: \"زَادكَ الله حِرْصًا ولا تَعُدْ\".\nقال محمد: هكذا نقول، وهو يُجْزِئ، وأحب إلينا أن لا يفعل.\n• قال محمد: حدثنا المُبَارك وفي نسخة: ابن المبارك بن فضَالَة، بفتح الفاء، عن الحسن أي: البصري، وهو أي ابن المبارك، عبد الله بن المبارك، يكنى أبا عبد الرحمن، كان أبوه عبدًا تركيًا، وأمه خوارزمية، وكان ابن المبارك من علماء أهل خراسان، تابعيًا.\nوقال الحسن البصري، صحبته من خراسان إلى بغداد ما رأيته أكل وحده، وكان يكثر الجلوس في بيته، فقيل له: ألا تستوحش؟ فقال: كيف أستوحش وأنا مع النبي - ﷺ -، وقيل له: إذا صليت معنا لم تجلس معنا؟ قال: أذهب أجلس مع الصحابة والتابعين، قيل له: ومن أين؟ قال: أنظر في علمي فأدرك آثارهم وأعمالهم، ما أصنع معكم وأنت تغتابون الناس.\nوقال: كن محبًا للخمول كراهية الشهرة، وهو أي الخمول ضد الشهرة، ولا تظهر من نفسك أنك تحب الخمول، أي العزلة عن الناس فترفع نفسك، فإن دَعْوَكَ الزهد من نفسك هو خروجك من الزهد، ولا تكن تجر إلى نفسك الثناء والمدح.\n_________\n(٢٨٦) صحيح، أخرجه: البخاري (٧٨٣)، وأبو داود (٦٨٣)، والنسائي (٨٧١)، وأحمد (١٩٨٩٢).","vol":"2","page":37},{"text":"وقدم هارون الرشيد الرقة فاجتمع الناس خلف عبد الله بن المبارك، وتقطعت النعال وارتفعت الغبرة، وأشرفت أم ولد لهارون الرشيد من \"تبرج\" فصرخت فقالت: ما هذا؟ قالوا: عالم من أهل خراسان قدم الرقة، يقال له: عبد الله بن المبارك، فقالت: هذا والله الملك، لا ملك هارون الرشيد الذي لا يجمع الناس إلا بشرط وأعوان.\nوأتى زمزم فاستقى ثم استقبل الكعبة، فقال: اللهم إن ابن أبي الموال، حدثنا عن محمد بن المنكدر عن جابر عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"ماء زمزم لما شُرِبَ له\"، وهذا أشربه لعطش يوم القيامة، ثم شربه.\nوكان إذا قرأ كتاب (الرقاق) فكأنه بقرة منخورة، أي: يصوت صوت البقرة من البكاء.\nسأل رجل سفيان الثوري عن مسألة، فقال: من أين أنت؟ قال: من المشرق، قال: أوليس عندكم أعلم أهل المشرق، قال: من هو؟ قال: ابن المبارك، قال: هو أعلم أهل المشرق، قال: نعم وأهل المغرب. وقال سفيان الثوري: نظرتُ في أمر الصحابة وأمر ابن المبارك فما رأيتُ (ق ٢٨٤) لهم عليه فضلًا إلا بصحبتهم النبي - ﷺ - وغزوهم معه، وإني لأشتهي أن أكون سنة واحدة مثله فما أقدر، ولا ثلاثة أيام.\nقيل له: إلى متى تكتب الحديث؟ [فقال] (١): لعل الحكمة التي أنتفع بها ما كتبتها بعد، وقال: خرج أهل الدنيا منها قبل أن يتطعموا أطيب ما فيها، قيل: وما هو؟ قال: معرفة الله تعالى، وقال: لأن أرد درهمًا من شبهة أحب إليَّ من أن أتصدق بمائة ألف ومائة ألف حتى أبلغ إلى ستمائة ألف، وقيل له: ما التواضع؟ قال: التكبر على الأغنياء، قال له رجل: أوصني، قال: اعرف قدرك، وقال له رجل: هل بقي من ينصح؟ فقال: هل تعرف من يقبل؟. . كذا قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي في (طبقاته) (٢).\nأن أبا بكْرَة ﵁، بالتاء بعد الراء، صحابي من أهل ثقيف، نزل يوم الطائف ببكرة وأسلم فكَنَّاه النبي - ﷺ - بأبي بكرة، وأعتقه، فهو من مواليه، ركع دون الصفّ أي: بقرب الصف، قبل أن يصل إليه، ثم مَشَى حتى وصل الصفّ، فلما قَضَى صلاته أي: أداها، كما قال تعالى في سورة الجمعة: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي\n_________\n(١) كلمة زدناها ليست في المخطوط ليستقيم المعنى.\n(٢) انظر: صفة الصفوة (٤/ ١٣٤).","vol":"2","page":38},{"text":"الْأَرْضِ﴾ الآية [الجمعة: ١٠]، أي: إذا أديت الصلاة، ذَكَرَ ذلك لرسول الله - ﷺ -، فقال له رسول الله - ﷺ -: \"زَادكَ الله حِرْصًا ولا تَعُدْ\"، بضم العين والدال نفي استقبال، أي: لا تفعل مثل هذا، وعلى هذا عطف على قوله فقال: أي: وقال لأبي بكرة: لا تعد، أو فهي حاضر على أن يكون عطفًا على زادك، فيكون عطف الإِنشاء على الأخبار، وهو ليس بحسن عند البلغاء، ويقال: لفظ زادك إنشاء معنى، وإن كان إخبارًا لفظًا، وإنما وقع الخبر بلفظ الماضي موقع الإِنشاء للتفاؤل، دلالة على أنه كأنه وقع نحو وفقك الله للتقوى، أو لإِظهار الحرص في وقوع المطلوب، كما قاله سعد الدين التفتازاني في (شرح التخليص)، وكذا الأمر في قوله - ﷺ - لأبي بكرة: \"زادك الله حرصًا\".\nقال محمد: هكذا أي: مثل ما قاله - ﷺ - لأبي بكرة نقول أي: نتكلم بعدم فساد الصلاة إذا لم يكثر الخطوات، وفي نسخة: بهذا، وفي نسخة أخرى: فهكذا بالفاء الفصيحة، وهي في مذهب صاحب (الكشاف) التي كان مدخولها جزاء لشرط محذوف فيما قبلها، كذا قاله صدر الدين زادة في إيجاز في الحذف من الباب الثامن في (حاشية المطول)، وهو أي: الركوع دون الصف والمشي إليه يُجْزِئ أي: يكفي ولا يلزم أن يعيد إذا وصل إلى الصف، ولكن بشرط أن يقع ثلاث خطوات متواليات في ركن من أركان الصلاة، قوله: وأحب إلينا أن لا يفعل، إشعار بأن النهي في قوله: \"لا تعد\" نهي تنزيهي يقتضي كراهية في الصلاة، وقال أحمد والنخعي والحسن بن صالح: لا تصح الصلاة، واختاره ابن المنذر، لما روى أبو داود والترمذي (١) وحسنه عن وابصة بن معبد، أن النبي - ﷺ - رأى رجلًا يصلي خلف الصف فأمره أن يعيد الصلاة، واستدل الجمهور بعدم فسادها بقول النبي - ﷺ - لأبي بكرة حين كبَّر وحده، ثم التحق بالصف: \"زادك الله حرصًا ولا تعد\" ولم يأمره بالإِعادة.\n* * *\n_________\n(١) أخرجه: أبو داود (٦٨٢)، والترمذي (٢٣٠)، وابن ماجه (١٠٠٤)، وأحمد (١٧٥٤١)، والدارمي (١٢٦٢)، وابن حبان (٢٢٠١)، وابن أبي شيبة (٢/ ٩٨)، والدارقطني (١/ ٣٦٢)، والشافعي في المسند (٨٥٧)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ١٤١)، حديث (٣٧٤)، والبيهقي في الكبرى (٥٣٠٩).","vol":"2","page":39},{"text":"٢٨٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع مولى ابن عمر، عن إبراهيم بن عبد الله بن حُنيْن، عن عليّ بن أبي طالب، أن رسول الله - ﷺ -: نهاه عن لُبْس القَسيِّ، وعن لُبْس المُعَصْفَر وعن تَخَتُّم الذَّهب، وعن قِراءة القرآن في الركوع.\nقال محمد: وبهذا نأخُذُ، تُكْرَهُ القراءة في الركوع والسجود، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا مالك، عن نافع، المدني، مولى ابن عمر، عن إبراهيم بن عبد الله (ق ٢٨٥) بن حُنين، بضم الحاء المهملة، وفتح النون، وسكون التحتية، وبعدها نون، الهاشمي مولى العباس أبو إسحاق المدني التابعي، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، روى له الجميع، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، ومات بعد المائة من الهجرة، عن إبراهيم بن عبد الله بن حُنين، بضم الحاء المهملة، وفتح النون وسكون التحتية ونون بعدها، تابعي ثقة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، المتوفى في أول إمارة يزيد، روى له الجماعة، وفي الإِسناد ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض، وهو من اللطائف، وفي نسخة: جبير بضم الجيم وفتح الموحدة وسكون التحتية واللام المهملة، وهو تصحيف من الناسخ، عن عليّ بن أبي طالب، ﵁، أن رسول الله - ﷺ -: نهاه عن لُبْس بضم اللام، وسكون الباء الموحدة والسين مهملة من الباب الرابع، مصدر يقال: لبست الثوب ألبسه لباسًا، كذا في ترجمة الجوهري، القَسيِّ، بفتح القاف وكسر السين المهملة وتحتية مشددتين، وهو ثوب مضلع أي: مخطط بالحرير، وكان يعمل بالقس، وهو موضع من قرى مصر القاهرة على ساحل البحر بقرب دمياط، وقيل: أصله القسي القزي، بالزاء منسوب إلى القز، وهو ضرب من الإِبريسم فأبدل السين من الزاي، كذا نقله علي القاري عن السيوطي، والضمير في \"نهاه\" عائد إلى على، فمقتضى الظاهر أن يقول الراوي: نهاني رسول الله - ﷺ - كما أورده الإِمام البغوي في (المصابيح) عن عليّ ﵁، أنه\n_________\n(٢٨٧) صحيح، أخرجه: مسلم (٢٠٧٨)، وأبو داود (٤٠٤٤)، والترمذي (٢٦٤)، والنسائي (١٠٤٠)، وأحمد (١٠٤٦)، ومالك (١٧٧).","vol":"2","page":40},{"text":"قال: نهاني رسول الله - ﷺ - عن خاتم الذهب، وعن لبس القسي، وعدل عليّ ﵁ عن مقتضى الظاهر، ونزل نفسه منزلة الغائب، لئلا يتوهم أن هذا الحكم مخصوص لعلي، بل هو عام للمؤمنين، كما يؤيده ما رواه يحيى الليثي في الموطأ عن مالك عن نافع عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين عن أبيه عن علي بن أبي طالب ﵁، أن رسول الله - ﷺ - نهى عن لبس القسي والمعصفر، وعن تختم الذهب، وعن قراءة القرآن من الركوع. ومعلوم أن حذف المفعول يقتضي التعميم كقوله في سورة يونس: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس: ٢٥]، أي: يدعو جميع عباده إلى دار السلام، كذا قاله سعد الدين التفتازاني في متعلقات الفعل من شرح (التلخيص).\nوعن لُبْس المُعَصْفَر بضم الميم وفتح العين وسكون الصاد المهملة، وفتح الفاء قبل الراء، وهو الثوب المصبوغ بالعصفر، والنهي للتنزيه على المشهور.\nوعن تَخَتُّم الذَّهب، أي: نهى - ﷺ - عن لبس خاتم الذهب، والنهي تحريمي؛ لأن لبسه يوجب نقصانه عن قدر النصاب للزكاة، فيعذر بالفقراء فهو حرام، أو يوجب قلة آلة الجهاد، فهي تقتضي ضعف أهل الإِسلام، وقوة أهل الحرب، فهذا لا يجوز لأهل الإِسلام، وهاتان العلتان تجريان في حرمة استعمال الفضة، وهذا الحكم مع هاتين العلتين شامل على النساء، كما روى أبو داود والنسائي بالواسطة عن أسماء بنت يزيد ﵂، أنها قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"أيما امرأة تقلدت قلادة من ذهب قلدت (ق ٢٨٦) في عنقها مثلها من النار يوم القيامة، وأيما امرأة جعلت في أذنها خرصًا - أي: حلقة - الذهب جعل الله في أذنها مثله من النار يوم القيامة\" (١)، قال الخطابي: هذا الوعيد في حق امرأة تقصد أن لا تؤدي الزكاة للذهب دون امرأة لا تقصد عدم أدائها.\nوقال الأشرف: لو كان هذا الوعيد للامتناع عن أداء الزكاة لما خصّ النبي - ﷺ - الذهب بالذكر، ورخص في الفضة، حيث قال: \"ولكن عليكم بالفضة، فالعبوا بها\"، فلا فرق في وجوب الزكاة بين الذهب والفضة، وهذا إنما يستقيم على مقتضى مذهبنا من وجوب الزكاة في الحلي دون مذهبهم، حيث قالوا: لا زكاة في الحلي، وأما ما قيل من أنه محمول على كراهة التنزيه كذا قاله علي القاري في باب التختم من (شرح مشكاة المصابيح).\n_________\n(١) أخرجه: أبو داود (٤٢٣٨)، والنسائي (٥١٣٩)، وأحمد (٢٧٠٥٧).","vol":"2","page":41},{"text":"وعن قِراءة القرآن في الركوع، ورواه معمر عن ابن شهاب عن إبراهيم بن حنين فزاد: \"والسجود، وأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا فيه الدعاء\".\nقال محمد: وبهذا أي: بالحديث الذي رواه علي ﵁ نأخُذُ أي: نعمل ونفتي، قدم المصنف المفعول على الفعل، واختيار اسم الإِشارة بالمفعول مع أنه اختار به في كتابه (الآثار) بضمير الغائب، حيث قال: وبه نأخذ، لرد خطأ المخاطب في تعيين الحكم، ولكمال إعانته بتمييز هذا الحكم عن الغير، كما استشهد لأجل كمال الإعانة بتمييز هذا الحكم عن الغير خطيب الدمشقي في (تلخيص المفتاح)، حيث قال: كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه، وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا، هذا الذي ترك الأوهام حائرة وصير العالم النحرير زنديقا، تُكْرَهُ أي: تلف ألسنتنا عن القراءة في الركوع والسجود، وهو أي: عدم القراءة في الركوع والسجود، قولُ أبي حنيفة، نعمان بن ثابت رحمه الله تعالى. وأما التختم بالذهب ولبس الحرير فحرامان بالإِجماع على الذكر دون الأنثى، ولبس المعصفر يكره للرجل عندنا، خلافًا للشافعي ومن تبعه.\nلما فرغ من بيان حكم الركوع دون الصف، وحكم القراءة في الركوع، شرع في بيان حكم حال الرجل يصلي وهو يحمل الشيء، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>باب الرجل يصلي وهو يحمل الشيء</span>\nفي بيان حال الرجل يصلي، وهو: أي: والحال أن الرجل المصلي يحمل الشيء، أي: على ظهره، وهو بفتح التحتية وسكون الحاء المهملة وكسر الميم، وبعدها لام فعل مضارع من باب ضرب، ومنه قوله تعالى: ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ [الأعراف: ١٨٩]، كذا في ترجمة الجوهري.\n٢٨٨ - أخبرنا مالك، أخبرني عامر بن عبد الله بن الزُّبير، عن عمرو بن سُلَيْم الزُّرقِيّ، عن أبي قَتَادَة السُّلَمِيّ أن رسول الله - ﷺ - كان يصلي وهو حامل\n_________\n(٢٨٨) صحيح، أخرجه: البخاري (٥١٦)، ومسلم (٥٤٣)، وأبو داود (٩١٧)، والنسائي (١٢٠٤)، وأحمد (٢٢٠١٨)، والدارمي (١٣٦٠)، ومالك (٤١٢).","vol":"2","page":42},{"text":"أمامة ابنَةَ زينب بنت رسول الله - ﷺ - ولأبي العاص بن الرَّبيع، فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام، من كبار أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرني عامر بن عبد الله بن الزُّبير بن العوام، القرشي الأسدي أبو الحارث المدني، التابعي، ثقة عابد، من الطبقة الرابعة، مات سنة إحدى وعشرين ومائة من الهجرة، كذا قاله ابن حجر في (التقريب)، عن عمرو بن سُلَيْم بالتصغير الزُّرقِيّ، بضم الزاي المعجمة، وفتح الراء المهملة والقاف المكسورة والتحتية، ثقة من كبار التابعين، مات سنة (ق ٢٨٧) أربع ومائة، عن أبي قَتَادَة السُّلَمِيّ بفتحتين، الأنصاري المدني، شهد أُحدًا وما بعدها، وما يصح شهوده بدرًا، مات سنة أربع وخمسين، وقال بعض المؤرخين: مات سنة ثمان وثلاثين من الهجرة، والأول أصح وأشهر، كذا في (التقريب) (١) لابن حجر.\nأن رسول الله - ﷺ - كان يصلي وهو أي: والحال أنه حامل أمامة بضم الهمزة، وفتح الميمين المخففين بينهما ألف والتاء بعدهما، كانت صغيرة على عهد النبي - ﷺ -، وتزوجها عليّ بعد وفاة خالتها فاطمة بنت رسول الله - ﷺ -، بوصية منها، ومات عنها ولم تعقب، ذكره السيوطي، وزاد مسلم حامل على عاتقه، قال الحافظ ابن حجر والمشهور في الروايات تنوين حامل ونصب أمامة، ورُوي بالإِضافة، ابنَةَ زينب بنت رسول الله - ﷺ - ولأبي العاص قال الكرماني: هو والد أمامة، والإِضافة في ابنة زينب بمعنى اللام، وحكى أبو منده، وتبعه أبو نعيم: قيل: اسمه: ياس، وأظن أنه محرف من ياسم، وقيل: هشام، وقيل: هشم، بكسر أوله وسكون ثانيه، وفتح الشين المعجمة الثقيلة، وكان رسول الله - ﷺ - يكثر عشائه في منزله، وزوجه ابنته زينب أكبر بناته، وهي من خاله أبي العاص خديجة بنت نوفل، زوج النبي - ﷺ - ثم لم يتفق أنه أسلم إلا بعد الهجرة، وقال ابن إسحاق: كان أبو العاص من رجال مكة المعدودين مالًا وأمانة وتجارة، وأخرج الحاكم أبو أحمد بسند صحيح (٢) عن الشعبي قال: كانت زينب بنت رسول الله - ﷺ - تحت أبي العاص\n_________\n(١) انظر: التقريب (١/ ٤٤٠).\n(٢) أخرجه: الحاكم (٥٠٣٨).","vol":"2","page":43},{"text":"فهاجرت وأبو العاص على دينه، فاتفق أنه خرج إلى الشام في تجارة، فلما كان بقرب المدينة أراد بعض المسلمين أن يخرجوا إليه فيأخذوا ما معه ويقتلوه، فبلغ ذلك إلى زينب، فقالت: يا رسول الله - ﷺ - أليس عقد المسلمين وعهدهم واحدًا؟ قال: \"نعم\"، قالت: فاشهد أجرت أبا العاص، فلما بلغ ذلك أصحاب رسول الله - ﷺ - خرجوا إليه بغير سلاح، فقالوا: يا أبا العاص إنك في شرف من قريش، وأنت ابن عم رسول الله - ﷺ - وصهره، فهل لك في أن تسلم فتغتنم ما معك من أموال أهل مكة؟ قال: يسير ما أمرتموني به، أن أنسخ ديني بعذر، فمضى حتى قدم مكة، فدفع إلى كل ذي حق حقه، ثم قام فقال: يا أهل مكة أوفيت ذمتي؟ قالوا: اللهم نعم، قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فقدم المدينة مهاجرًا، فدفع إليه رسول الله - ﷺ - زوجته زينب بنكاح جديد، ومات في خلافة أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه في شهر ذي الحجة من سنة اثنتي عشرة من الهجرة، ابن الرُّبيع، بضم الراء وفتح الموحدة، وكسر التحتية المشددة، والعين المهملة بعدهما، وهو ابن عبد العزى بن عبد الشمس بن عبد مناف العبشمي، أمه: هالة بنت خويلة، كذا قاله ابن حجر العسقلاني (ق ٢٨٨) في (الإِصابة). فإذا سجد أي: رسول الله - ﷺ - وضعها أي: أمامة، وإذا قام حملها، أي: بعمل قليل في وضعها ورفعها.\nوفي هذا الحديث إشارة إلى مرتبة الخواص كالأنبياء والصديقين، وإلى مرتبة العوام من المؤمنين، فإنه - ﷺ - أشار إلى مرتبة الخواص بوضع أمامة ﵂ حين سجد، فإنهم إذا شرعوا في صلاتهم قطعوا العلائق من غير ذكره تعالى، واشتغلوا بذكره تعالى، واستولت المعرفة الإِلهية على قلوبهم، وصاروا مستغرقين في مشاهدة نور الجلالة، وصفات الكبرياء، فلا يتفرغون لغير تفكره تعالى، كأنهم لا يعرفون غيره تعالى، وأنه - ﷺ - أفاد هذه الخصال بقوله: \"الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك\" رواه البخاري، عن عمر بن الخطاب ﵁، من حديث الإِيمان، وأشار إلى مرتبة العوام من المؤمنين، بحمل أمامة ﵂ حين قام إلى القيام، فإنهم إذا شرعوا في صلاتهم لا يعقلون علائق الدنيا عن قلوبهم، فإن منهم [الذي] (١) إن نسي شيئًا وشرع في الصلاة فيخطر في قلبه، كما حُكي أن رجلًا دفن مالًا في زاوية بيته، وسأل أبا حنيفة ما\n_________\n(١) ليست في المخطوطة، وزدناها ليصح المتن، (المحقق).","vol":"2","page":44},{"text":"لتدبير فيه واحدة بالصلاة، فلما شرع بالصلاة طلع في قلبه أن الكيس في زاوية كذا، فقطع صلاته وأخرجه وانطلق إلى أبي حنيفة، وأخبره أني وجدته، وقال أبو حنيفة - رحمه الله تعالى: لو أتمها؟\nلما فرغ من بيان حكم حال الرجل يحمل الشيء في صلاته، شرع في بيان حكم حال المرأة بين يدي المصلي وبين قبلته، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>باب المرأة تكون بين الرجل يصلي وبين القبلة وهي نائمة أو قائمة</span>\nفي بيان حكم حال المرأة أي: حال كونها تكون بين الرجل يصلي وهو صفة الرجل أو حال منه وبين القبلة، أي: جانب قبلته، وهي: أي: والحال أن تلك المرأة نائمة أو قائمة كلمة \"أو\" للتنويع؛ لأن لها أحوال كثيرة، وفي نسخة: أو قاعدة، قوله: والرجل يصلي وقع في نسخة: بعد قوله: أو قائمة.\n٢٨٩ - أخبرنا مالك، أخبرني أبو النَّضْر مولى عُمر بن عُبَيْد الله، عن أبي سَلَمَةَ بن عبد الرحمن بن عوف، عن عائشة زوج النبي - ﷺ -، أنها أَخْبَرتْه، قالت: كنت أنام بين يَدَي رسول الله - ﷺ -، ورِجْلَايَ في القبلة، فإذا سجد غَمَزَني، فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ، وإذا قام بسطتهما، والبُيُوت ليس فيها يومئذ مصابيح.\nقال محمد: لا نرى بأسًا بأن يصلِّي الرجل والمرأة نائمة أو قاعدة بين يديه، أو إلى جنبه، أو تصلِّي في غير صلاته، إنما يُكْرَه أن تصلِّي إلى جنبه، أو بين يديه، وهما في صلاةٍ واحدة، أو يُصلِّيان مع إمام واحد، فإن كانت كذلك فَسَدَتْ صلاتُه، وهو قولُ أبي حنيفة. .\n_________\n(٢٨٩) صحيح، أخرجه: البخاري (٣٨٢)، ومسلم (٥١٢)، وأبو داود (٧١٣)، والنسائي (١٦٨)، وأحمد (٢٥٣٥٦)، ومالك (٢٥٨).","vol":"2","page":45},{"text":"• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرني أبو النَّضْر بفتح النون وسكون الضاد المعجمة، واسمه سالم بن أبي أمية، مولى عُمر بضم العين ابن عُبَيْد الله، بالتصغير وهو التيمي المدني، ثقة، ثبت، وكان يرسل، في الطبقة الخامسة من التابعين، مات سنة تسع وعشرين ومائة من الهجرة، عن أبي سَلَمَةَ بن عبد الرحمن بن عوف، الزهري، المدني، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقة مكثر الحديث، من الطبقة الثالثة، مات سنة أربع وتسعين، أو أربع ومائة، وكان مولده سنة بضع وعشرين من الهجرة، عن عائشة زوج النبي - ﷺ -، والزوج يطلق على الذكر والأنثى، وقد يلحقه تاء التأنيث، كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ الآية [البقرة: ٣٥].\nأنها أَخْبَرتْه، أي: أبا سلمة، قالت: كنت أنام أي: أرقد بين يَدَي رسول الله - ﷺ -، ورِجْلَايَ أي: والحال أن رجلي في القبلة، وفي نسخة: في قبلته، أي: موضع سجوده - ﷺ - فإذا سجد أي: أراد أن يسجد غمَزَني، أي: طعن بإصبعه (ق ٢٨٩) لأقبضن رجلي من قبلته، قال النووي: استدل به من يقول لمس النساء لا ينقض الوضوء، والجمهور علموا به على أن غمزها [فوقها] (١) حائل، وقال: هو الظاهر من حال النساء. انتهى.\nولا يخفى أن هذا لا يصلح للاستدلال، لمكان الاحتمال إلا أن الإطلاق، وما أوردته من السياق يؤيد عدم النقض، وهو قولها: فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ، أي: بتشديد الياء مثنى، فإذا قام بسطتهما، بالتثنية، وكذا رواه الأكثر في البخاري، ولبعض رواته: رجلي بسطتها بالإِفراد فيهما، والبُيُوت ليس فيها يومئذ مصابيح، إذ لو كانت لقبضت رجلي وما أحرجته للغمز، قالت ذلك اعتزارًا.\nقال ابن عبد البر: قولها: يومئذٍ، تريد حينئذٍ، إذ المصابيح إنما تتخذ في الليالي دون الأيام، وهذا مشهور في لسان العرب يعبر باليوم عن الحين، كما يعبر به عن النهار.\nقال محمد: لا نرى أي: لا نختار بأسًا أي: ضررًا بأن يصلِّي الرجل والمرأة نائمة مضطجعة أو قائمة أو قاعدة بين يديه، أو إلى جنبه، أي: يمينًا أو يسارًا ولو محازية، أو يصلِّي أي: في تلك الأحوال إذا كانت تصلي في غير صلاته، والمعنى أن محازاتها لا تضر إذا لم تكن معه في صلاته مشتركة، تحريمة وأداء، وإنما يُكْرَه أي: تحرم، لا يصح أن تصلِّي\n_________\n(١) هكذا بالأصل.","vol":"2","page":46},{"text":"إلى جنبه، أي: من غير فاصل حقيقي أو حكمي، أو بين يديه، أي: بحيث يقع نظره إليها، إذا نظر إلى مسجده، أو مطلقًا عند حصر مكانه، وهما في صلاةٍ واحدة، أي: وهي مقتدية به أو يُصلِّيان أي: كلاهما مع إمام واحد، فإن كانت أي: محازاتها كذلك أي: بالصف المسطور هنالك فَسَدَتْ صلاتُه، أي: إن نوى الإِمام إمامتها وإلا فصلاتها فاسدة فقط، وهو قولُ أبي حنيفة ﵀، وقيد هذه المسألة مطولة في الفروع مفصلة.\nلما فرغ من بيان أحكام حال المرأة تكون بين المصلي وقبلته نائمة أو قاعدة، شرع في بيان أحكام صلاة الخوف.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>باب صلاة الخوف</span>\nفي بيان أحكام الخوف وإضافتها إلى الخوف من قبيل إضافة المسبب إلى السبب، والمناسبة بين هذا الباب والباب السابق توسط بين الإِمام وبين القبلة، وتوسط بين الإِمام وبين أهل الحرب، واقتبس المصنف هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ الآية [النساء: ١٠٢]. سُميت هذه الصلاة \"ذات الرقاع\"، لأن أقدام المسلمين نقبت في الجفاء، فكانوا يلفون عليها الخرق، أو لأنهم رقعوا رداءهم فيها، أو لأن أرضها ذات ألوان تشبه الرقاع، كذا قاله الزرقاني.\nوهذه الصلاة مشروعة بالكتاب والسنة؛ لأنه - ﷺ - قام مقام الناس معه فكبر وكبروا معه، وركع وركع ناس معه، ثم سجد وسجدوا معه، ثم قام للثانية فقام الذين سجدوا معه، والناس كلهم في صلاة، ولكن يحرس بعضهم بعضًا، رواه البخاري عن ابن عباس ﵄، وبالإِجماع، قال ابن الهمام (١) (ق ٢٩٠): رُوي أن عليّا ﵁ صلاها بصفين يوم صفين، وصلاها أبو موسى الأشعري، ﵁ بأصبهان، وسعد بن أبي وقاص ﵁ في حرب المجوس بطبرستان ومعه الحسين بن علي، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وسألها سعيد بن العاص أبا سعيد\n_________\n(١) الإمام العلامة المحقق، خاتمة علماء الحنفية المحققين المنتسبين إلى المذهب. . (المحقق).","vol":"2","page":47},{"text":"الخدري، فعلمه وأقامها. انتهى.\n٢٩٠ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن ابن عمر كان إذا سئل عن صلاة الخَوْف قال: يتقدم الإِمام وطائفةٌ من الناس، فيصلي بهم سجدة، وتكون طائفة منهم بينه وبين العَدُوّ لم يصلوا، فإذا صلى الذين معه سجدة استأخروا مكان الذين لم يصلوا، ولا يسلمون، ويتقدَّم الذين لم يصلوا فيصلون معه سجدة، ثم ينصرف الإِمام وقد صلى سجدتين، ثم تقوم كل واحدة من الطائفتين، فيصلون لأنفسهم سجدةً سجدةً، بعد أن ينصرف الإِمام، فيكون كل واحد من الطائفتين قد صلوا سجدتين، فإن كان خوْفٌ هو أشد من ذلك صلوا رجالًا قِيَامًا على أقدامهم، أو رُكْبَانًا، مُستقبلي القبلة، أو غير مستقبليها، قال نافع: ولا أرَى عبد الله بن عمر حدّثه إلا عن رسول الله - ﷺ -.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قول أبي حنيفة، وكان مالك بن أنس لا يأخُذُ به.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، حدثنا وفي نسخة: قال: ثنا نافع، أن ابن عمر ﵄، كان إذا سئل عن صفة صلاة الخَوْف قال: جواب إذا يتقدم الإِمام وطائفةٌ يجوز رفعها ونصبها، أي: مع جماعة من الناس، حيث لا يبلغهم سهام العدو، فيصلي بهم الإِمام سجدة، أي: ركعة كما ليحيى، وتكون طائفة أي: أخرى منهم أي: من المؤمنين بينه أي: بين الإِمام وبين العَدُوّ أي: سواء كان مسلمًا باغيًا أو كافرًا طاغيًا، والعدو يقع على الواحد والجمع، لم يصلوا، أي: تلك الطائفة، فإذا صلى الذين معه أي: مع الإِمام سجدة أي: ركعة استأخروا أي: تأخروا ووقفوا مكان الذين لم يصلوا، ولم يسلموا أي: الطائفة الأولى، وكذا الإِمام؛ لأنه وسط صلاتهم ويتقدَّم الذين لم يصلوا أي: أولًا فيصلون معه أي: مع الإِمام سجدة، أي: ركعة، ثم أي: بعد التشهد والسلام ينصرف الإِمام أي: من الصلاة، وقد صلى سجدتين، أي: ركعتين بانفراده.\n_________\n(٢٩٠) صحيح، أخرجه: البخاري (٤٥٣٥)، ومالك (٤٤٢).","vol":"2","page":48},{"text":"ثم تقوم كل واحدة من الطائفتين، من إحديهما اللاحقة والأخرى المسبوقة فيصلون لأنفسهم أي: وحدهم سجدةً سجدةً، أي: ركعة ركعة، بعد أن ينصرف الإِمام، عن الصلاة، إلا أن الطائفة الأولى من غير قراءة في ركعة بخلاف الطائفة الثانية، فيكون كل واحد من الطائفتين قد صلوا سجدتين، وهذا هو الصحيح مطلق هذا إذا كانت الصلاة ثنائية كصلاة الفجر والجمعة، وكذا في الرباعية في حال السفر، وأما في المغرب فيصلي الإِمام مع الطائفة الأولى ركعتين، ومع الثانية ركعة، فلو صلى في المغرب بالطائفة الأولى ركعة وبالثانية ركعتين بطلت صلاتهم، لانصراف كل واحدة منهما في غير أوانه، ويصلي الإِمام بالطائفة الأولى ركعتين من الصلاة الرباعية، إن كانوا مقيمين، وتذهب هذه الطائفة إلى جهة العدو للحراسة، ثم جاءت الطائفة التي كانت في الحراسة فأحرموا مع الإِمام فصلى بهم الإِمام ما بقي من الصلاة، وسلم الإِمام وحده لتمام صلاته، فذهبوا إلى جهة العدو، ثم جاءت الطائفة الأولى إن شاؤوا أو إن أرادوا أتموا في مكانهم بلا قراءة؛ لأنهم لاحقون، فهم خلف الإِمام حكمًا لا يقرؤون، وسلموا ومضوا إلى العدو، ثم جاءت الطائفة الأخرى إن شاؤوا وإن أرادوا صلوا ما بقي في مكانهم لفراغ الإِمام، ويقضون بغير قراءة؛ لأنهم مسبوقون، ولا يخفى أن هذا إذا كان الكل مسافرين أو مقيمين، ففي الثنائية يصلي الإِمام ركعة بكل طائفة، فإذا سلم الإِمام جاءت الأولى فصلى المسافر ركعة بلا قراءة، والمقيم ثلاث ركعات بغيرها في ظاهر الرواية؛ لأنهم لاحقون، فهم خلف الإِمام حكمًا وكل من كان خلف الإِمام لا يقرأ فاللاحق (ق ٢٩١) لا يقرأ عند أبي حنيفة، كذا في (جامع الرموز) للقهستاني.\nوإن كان أي: الأمر خوْفًا هو أشد من ذلك صلوا أي: فرادى رجالًا أي: مشاة قِيَامًا أي: قائمين على أقدامهم، أو رُكْبَانًا أي: راكبين على دوابهم، قال تعالى في سورة البقرة: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]، أي: ولو مع السير مطلوبين للضرورة ومتوجهين إلى أي جهة كانت، فإن كان الخوف سببًا للصلاة بهذه الكيفية فهو أعم من أن يكون سبعًا أو حرقًا أو غرقًا أو سيلًا، وكان الوقت ضيقًا والناس يتنازعون خلف إمام واحد، وإلا فلا مُستقبلي القبلة، أي: بالإِيماء أو غير مستقبليها، أي: عند عدم القدرة على استقبالها، قال نافع: ولا أرَى بضم الهمزة، أي: لا أظن عبد الله بن عمر إلا حدّثه أي: ما ذكره، وفي رواية: لا أرى عبد الله ذكر ذلك عن رسول الله - ﷺ -.","vol":"2","page":49},{"text":"هذا الحديث موقوف ظاهرًا، مرفوع حكمًا، وكيف لا في الكتب الستة، واللفظ للبخاري عن ابن عمر ﵄، أنه قال: غزوتُ مع النبي - ﷺ - يصلي لنا، فقامت طائفة معه فصلى، وأقبلت طائفة على العدو، وركع رسول الله - ﷺ - بمن معه وسجد سجدتين، ثم انصرفوا، فكان الطائفة التي لم يصل فجاؤوا فركع رسول الله - ﷺ - بهم وسجد سجدتين، ثم سلم فقام كل واحد منهم فركع لنفسه فسجد سجدتين.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: إنما نعمل بقول ابن عمر، وهو أي: ما قاله ابن عمر قول أبي حنيفة، ﵀، وكان مالك بن أنس لا يأخُذُ به، أي: لا يعمل بقول ابن عمر، وكذا الحسن البصري، وأبو يوسف، والمازني من أصحاب الشافعي، حيث أنكروا مشروعية صلاة الخوف بعده - ﷺ -؛ لأن فيها أفعال منافية للصلاة، فيقتضي فيها على رموز الخطاب، وهو كون النبي - ﷺ - إمامًا لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ الآية [النساء: ١٠٢].\nوالجمهور على أن إقامة الصلاة لها بعده - ﷺ - دليل على أن معنى الآية: كنت فيهم أقمت أو من يقوم مقامك، كما في قوله تعالى في سورة التوبة: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ الآية [التوبة: ١٠٣]، ومما يدل على أن الحكم باقٍ بعده - ﷺ - فعل بعض أصحابه الكرام، فقد روى أبو داود عن مسلم عن إبراهيم عن عبد الصمد بن حبيب عن أبيه أنهم غزوا مع عبد الرحمن بن سمرة كابل، فصلى بهم الخوف، وأن الطائفة التي صلى بهم ركعة، ثم سلموا مضوا إلى مقام أصحابهم فجاء هؤلاء فصلوا لأنفسهم ركعة، ثم رفعوا إلى مقام أولئك، وجاء الآخرون فصلوا لأنفسهم ركعه، كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان حكم صلاة الخوف، شرع في إظهار أثر الخوف، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>باب وضع اليمين على اليسار في الصلاة</span>\nفي بيان حكم وضع اليمين على اليسار، أي: وضع المصلي يده اليمنى على يده اليسرى في كل قيام في الصلاة، وهو نوع تعظيم لله تعالى، وكذا انحناء المصلي ظهره للركوع تعظيم له (ق ٢٩٢) تعالى، ولكن التعظيم له تعالى في وضع المصلي جبهته","vol":"2","page":50},{"text":"بالأرض في سجوده أعظم منهما؛ لأن وجه المؤمن أشرف أعضائه، فإذا وضعه في الأرض للسجود تذلل له تعالى، وهو كمال التعظيم، وهو تقرب إليه، قال رسول الله - ﷺ -: \"أقرب ما يكون العبد من الله وهو ساجد\"، رواه الديلمي في (مسند الفردوس).\n٢٩١ - أخبرنا مالك، حدثنا أبو حازم، عن سهل بن سعد السَّاعِدِيّ، قال: كان الناس يُؤمُرونَ أن يضع أحدهم يده اليمنى على ذراعه اليُسْرَى في الصلاة، قال أبو حازم: ولا أعلم إلا أنه يَنْمِي ذلك.\nقال محمد: ينبغي للمصلي إذا قام في صلاته أن يضع باطن كفه اليمنى على رُسْغِه اليسرى تحت السُّرَة، ويرمي ببصره إلى موضع سجوده، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: قال: ثنا، أخبرنا، وفي نسخة قال: أبو حازم، أي: اسمه سلمة بن دينار الأعرج، مولى الأسود بن سفيان، ثقة، عابد من الطبقة الثامنة، مات في خلافة المنصور، عن سهل بن سعد أي: ابن مالك بن خالد بن ثعلبة عن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن مساعدة الأنصاري السَّاعِدِيّ، من مشاهير الصحابة، يقال: كان اسمه حزنًا فغيره النبي - ﷺ - وسماه سهلًا، روى عنه ابن عباس وأبو حازم والزهري، مات النبي - ﷺ - وهو ابن خمس عشرة سنة، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة، مات سنة إحدى وتسعين، وقيل: قبل ذلك، قال الواقدي - من المؤرخين: عاش مائة سنة، كذا في (الإِصابة) لابن حجر، قال: كان الناس أي: الصحابة والتابعين يُؤمُرونَ أي: من جهة النبي - ﷺ - أو من قِبَل الخلفاء الكرام أن يضع أحدهم يده اليمنى على ذراعه اليُسْرَى في الصلاة، قال أبو حازم: أي: الراوي: ولا أعلم إلا أي: ولكن أنه أي: سهل بن سعد الساعدي يَنْمِي ذلك، بفتح أوله وسكون النون وكسر الميم، أي: يرفع الأمر إلى النبي - ﷺ -، فالحديث مرفوع لديه، والاستثناء منفصل، وهو لا يصح إخراجه عن صور الكلام بأن لا يكون المستثنى من جنس الأول، قال الله تعالىِ في سورة الشعراء حكاية عن إبراهيم صلوات الله على نبينا وعليه، فإنه قال لقومه: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ\n_________\n(٢٩١) صحيح، أخرجه: البخاري (٧٤٠)، وأحمد (٢٢٣٤٢)، ومالك (٣٧٨).","vol":"2","page":51},{"text":"الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٥ - ٧٧]، فإني أعبده وأعظمه، والاستثناء منقطع، كذا قاله عبد الرحمن بن الملك في (شرح المنار).\nقال محمد: ينبغي للمصلي إذا قام في صلاته أن يضع باطن كفه اليمنى على رُسْغِه اليسرى في نسخة: الأيسر، والرُسغ بضم الراء وسكون السين المهملة والغين المعجمة هو المفصل بين الساعد والكف، ولم يذكر أيضًا محلهما من الجسد، كذا قاله الزرقاني.\nقال الشمني في (شرح النقاية): قال أبو يوسف: يقبض باليمين رسغه اليسرى، وقال محمد: يضع الرسغ وسط الكف، وفي (المفيد): يأخذ المصلي الرسغ بالخنصر والإِبهام، وهو المختار، وقال شمس الأئمة السرخسي: استحسن كثير من مشايخنا الجمع بين الأخذ والوضع، وذلك بأن يضع باطن كفه اليمنى على ظاهر كفه اليسرى، ويحَلِّق بالخنصر والإِبهام، تحت السُّرَة، ويرمي أي: ينصب ببصره إلى موضع سجوده، أي: قائمًا حفظًا له إلى ما شغله عن الخشوع، وهو أي: المذكور قولُ أبي حنيفة، رحمه الله تعالى، ولا خلاف في استحباب النظر إلى موضع السجدة، وإنما الخلاف في محل موضع اليدين فمختار (ق ٢٩٣) أبي حنيفة تحت السرة، ورواية عن أحمد، وقال الشافعي: على صدره، وهو رواية أيضًا عن أحمد، لما روى ابن خزيمة في صحيحه من حديث وائل بن حجر، قال: صليتُ مع رسول الله - ﷺ - فوضع يده اليسرى على صدره، أي: أولًا، ثم وضع يده اليمنى عليها، ولنا ما روى أحمد والدارقطني والبيهقي عن علي كرم الله وجهه ورضي الله عنه، أنه قال: السنة وضع الكف على الكف تحت السرة، والصحابي إذا قال: السنة يحمل على سنة النبي - ﷺ - ولا شك في ترجيح رواية علي على رواية وائل بن حجر؛ لأنه صلى مع النبي - ﷺ - يومًا أو صلاة واحدة مع كون علي ﵁، أفقه منه وأضبط بلا شبهة، وقد جعلت في إرسال مالك رسالة مستقلة، كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان تعظيم المصلي بربه بلا واسطة بأن يضع بطن كفه اليمنى على اليسرى تحت السرة والنظر في قيامه إلى موضع السجدة، شرع في بيان تعظيم المصلي بربه بالواسطة، بأن يصلي على رسوله - ﷺ -، قال الله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦].\n* * *","vol":"2","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-108>باب الصلاة على النبي - ﷺ </span>-\nفي بيان الصلاة على النبي - ﷺ -، وهي من السنن المؤكدة في آخر الصلاة بعد التشهد قبل الدعاء عند الجمهور، وقال الشافعي بوجوبها، وقد انفرد بها، كذا قاله علي القاري.\nالصلاة لغة: الدعاء، يقال: صل عليهم، أي ادع لهم، والدعاء نوعان: دعاء عبادة ودعاء مسألة، والعابد داع كالسائل، وبهما علم قوله تعالى في سورة غافر: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، أي: أطيعوني آتاكم وسلوني أعطكم، وتجيء بمعنى الاستغفار كقوله - ﷺ -: \"إني بعثت إلى أهل البقيع؛ لأصلي عليهم\"، فسر في رواية: \"أُمِرتَ أن أستغفر لهم\"، وبمعنى القراءة كما قال تعالى في سورة الإِسراء: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ [الإسراء: ١١٠]، ونقل البخاري، وأخرجه ابن أبي حاتم عن أبي العالية أحد كبار التابعين: صلاة الله على نبيه ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء، ورجح الشهاب أنها من الله المغفرة، وقال الرازي: الرحمة، وقال ابن الأعرابي: الصلاة من الله الرحمة، ومن الآدميين وغيرهم من الملائكة والجن: الركوع والسجود والدعاء والتسبيح، ومن الطيور والهمام: التسبيح، قال تعالى في سورة النور: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: ٤١].\n٢٩٢ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن أبي بكر، عن عَمْرو بن سُلَيْم الزُّرَقِيّ، قال: أخبرني أبو حُمَيْدِ السَّاعدِيّ، قال: قالوا: يا رسول الله كيف نُصَلِّي عليك؟ قال: \"قولوا: اللهم صَلِّ على محمد، وعلى أزواجه، وذريته، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد، وعلى أزواجه وذريته، كما باركت على إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ\".\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي من أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة:\n_________\n(٢٩٢) صحيح، أخرجه: البخاري (٣٣٦٩)، ومسلم (٤٠٧)، وأبو داود (٩٧٩)، والنسائي (١٢٩٤) وابن ماجه (٩٠٥)، وأحمد (٢٣٠٨٩)، ومالك (٣٩٧).","vol":"2","page":53},{"text":"محمد قال: ثنا، حدثنا وفي نسخة: قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا عبد الله بن أبي بكر، أي: ابن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، المدني القاضي، ثقة، في الطبقة الخامسة، مات سنة خمسة وثلاثين بعد المائة، وهو ابن سبعين، كذا قاله ابن حجر (١) عن بعض المؤرخين، عن أبيه، أي ابن أبي بكر، اسمه وكنيته واحد، وقيل: يكنى أبا محمد، عن عَمْرُو بفتح العين ابن سُلَيْم (ق ٢٩٤) بالتصغير الزُّرَقِيّ، بضم الزاي، وفتح الراء، وكسر القاف، الأنصاري، ثقة من كبار التابعين، قال بعض المؤرخين: إنه مات سنة أربع ومائة من الهجرة، كذا في (التقريب) لابن حجر. أخبرني بالإِفراد، وفي نسخة قال: أخبرني أبو حُمَيْدِ بضم الحاء المهملة وفتح الميم وسكون الياء التحتية والدال بعدها، السَّاعِدِيّ، صحابي مشهور اسمه: المنذر بن سعد بن المنذر، أو ابن مالك، وقال بعض المؤرخين: اسمه: عبد الرحمن، شهد أحدًا وما بعدها، وعاش إلى أول خلافة يزيد سنة ستين، كذا في (التقريب).\nقال: أي: أبو حميد الساعدي: قالوا: أي: سأل جماعة من الصحابة ككعب بن عجرة وغيره، حين نزل قوله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، يا رسول الله، كيف نُصَلِّي عليك؟ أي: كيف اللفظ الذي يليق أن نصلي به عليك، كما علمتنا السلام؛ لأنا لا نعلم اللفظ، ولذا عبر بكيف التي يُسأل بها عن الصفة، قال: سعد بن زيد الباجي المالكي: إنما يسألوه صفة الصلاة عليه، ولم يسألوه عن جنسها؛ لأنهم لم يأمروا بالرحمة، وإنما أمر بالدعاء، قال ابن عبد البر: فيه أن من ورد عليه خبر محتمل لا يقطع فيه شيء حتى يقف على المراد إن وجد إليه سبيلًا؛ فسألوه لما احتمل اللفظ الصلاة والمعاني، قال: أي: أمر رسول الله - ﷺ - السائلين عن كيفية الصلاة، بقوله: \"قولوا: اللهم أصله: يا الله، حُذف منها النداء، وعوض عنها الميم المتضمنة لوجود البينونة النفسانية، وتقدير مقدمة الدعاء بالنداء؛ لإظهار كمال الضراعة، والابتهال، وللمبالغة في التضرع، أو للإِيذان بصدور المقال عنه بوفور الرغبة، وكمال النشاط، وإنما جعل هذا الاسم الأعظم عند أكثر المفسرين في أوائل الأدعية غالبًا؛ لأنه جامع معاني الأسماء الكريمة، فإن لفظ \"الله\" الاسم الأعظم عند أكثر\n_________\n(١) انظر: التقريب (١/ ٢٨١).","vol":"2","page":54},{"text":"المفسرين، إذا دُعِي به أجاب، وإذا سُئِل به أعطى، صَلِّ على محمد، أي: اثن عليه ثناءً يليق به عند ملائكتك، أو شرِّفه تشريفًا يليق به عند أنبيائك، أو عظمه تعظيمًا يليق به عند العالمين، وعلى أزواجه، أي: عظم نسائه - ﷺ - وهو جمع زوج، يطلق على الذكر والأنثى، قال الله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ الآية [البقرة: ٣٥]، وقد يلحقه تاء التأنيث، لكن المراد هنا نساؤه - ﷺ - اختارهن الله تعالى لنبيه أزواجًا له في الدنيا والآخرة، حتى استحقن أن يصلي عليهن معه - ﷺ - وأزواجه - ﷺ - اللائي دخل بهن خلاف خديجة بنت خويلد القرشية الأسدية، وهي أولاهن، ولم يتزوج عليها حتى ماتت، ثم سودة بنت زمعة القرشية العامرية، ثم عائشة بنت أبي بكر الصديق القرشية التميمية، ولم (ق ٢٩٥) يتزوج - ﷺ - بكرًا غيرها، ثم حفصة بنت عمر بن الخطاب القرشية العدوية، ثم زينب بنت خزيمة الهلالية العامرية، وماتت في حياته - ﷺ - مثل خديجة، ثم أم سلمة بنت أبي أميّة بن المغيرة المخزومية، ثم زينب بنت جحش الأسدية، من بني خزيمة، ثم جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار الخزاعية المصطلقية، ثم أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب القرشية الأموية، ثم صفية بنت حيي بن أخطب الإِسرائيلية النضرية، من سبط هارون بن عمران ﵇، ثم ميمونة بنت الحارث الهلالية العطوية، واختلف في ريحانة القرظية، فقيل: زوجته نكحها بعد جويرية، وقيل: أم حبيبة، وقيل: سرية، وقيل: هل ماتت في حياته - ﷺ - مرجعه من حجة الوداع أو بقيت بعده، والتسع البواقي كلهن بقين بعده، وما تقدم في ترتيب أزواجه - ﷺ - هو الأشهر، وقيل: فيه غير ذلك، وقد عقد النبي - ﷺ - على نساء غير هؤلاء لكن لم يبن في المشهور من أقاويل العلماء بواحدة منهن، فاستفتينا لذلك من ذكرهن.\nوأما حرائره - ﷺ - فقيل: إنهن أربع: مارية بكسر الراء وفتح التحتية المخففة، وهي أم إبراهيم ابنه - ﷺ -، وريحانة المتقدمة، وأخرى أصابها في بعض السبي اسمها جميلة، وأخرى وهبتها له زينب بنت جحش ﵅ أجمعين، كذا قاله الفاسي في شرح (دلائل الخيرات). وذريته، أي: نسله، وهو يقع على الذكور والإِناث، وبني البنين، وبني البنات؛ فهو شامل على جميع أولاده - ﷺ - وحفدته إلى غابر الدهر، ولا حفدة له إلا من بضعة فاطمة ﵂، كما الكاف للتشبيه، وقيل: للتعليل، وما مصدرية، فالمشبه به الصلاة، بمعنى المصدر، أو موصولة، فالمشبه به الصلاة بمعنى المفعول، صليت","vol":"2","page":55},{"text":"جملة هي صلة الموصول فلا محل لها من الإِعراب على إبراهيم، أي: الخليل ﵇، فإن قيل: لم خص النبي - ﷺ - بالذكر التشبيه في الصلاة بإبراهيم صلوات الله على نبينا وعليه من بين سائر الأنبياء ﵈؟ أجيب لوجهين: أحدهما: أنه - ﷺ - رأى ليلة المعراج جميع أزواج الأنبياء والمرسلين، وسلم عليه كل نبي ولم يسلم أحد منهم على أمته غير إبراهيم، فأمرنا النبي - ﷺ - أن نصلي عليه في آخر الصلاة إلى يوم القيامة؛ مجازاة على إحسانه، وثانيهما: أن إبراهيم ﵇ لما فرغ من بناء الكعبة حبس مع أهله فبكى ودعا، وقال: اللهم من حج هذا البيت من أمة محمد فهبه مني السلام، فقال أهل بيته: آمين، كذا في (خواتم الحكم)، وبارك أي: واقض بركات الدين والدنيا، أو داوم ما أعطيت من التشريف والكرامة والبركة كثرة الخير، كذا قاله الفاسي، قال العلماء: البركة هنا الزيادة في الخير والكرامة، وقيل: هي بمعنى التطهير والتزكية، أي: طهره عن كدورة أمته بالعفو والمغفرة، (ق ٢٩٦) قال تعالى في سورة الأحزاب: ﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]، وقيل: لكثير الثواب، على محمد، وعلى أزواجه أي: نسائه أمهات المؤمنين، وذريته أي: أولاده ذكورًا وإناثًا، يعني أثبت لهم ما أعطيتهم، وأدم له الشرف والكرامة، كما باركت على إبراهيم، أي: مثل ما زدت عليه من الثواب والكرامة، إنك حميدٌ، فعيل من الحمد بمعنى مفعول، وهو من تحمد ذاته وصفاته أو المستحق لذلك، أو بمعنى حامد أي يحمد أفعال عباده حُوِّلَ للمبالغة، وذلك مناسب لزيادة الإِفضال وإعطاء المراد من الأمور الكثير، مجيد بمعنى ماجد من المجد، وهو الشرف والرفعة، وكرم الذات والفعال التي منها كثرة الإِفضال، والمعنى: إنك أهل الحمد والفعل المجيد والكرم والأفضال فاعطنا، ولا تخب رجانا، كذا قاله الفاسي.\n* * *\n\n٢٩٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا نُعَيْم بن عبد الله الْمُجْمِر، مولى عمر بن الخطاب أن محمد بن عبد الله بن زيد الأنصاري أخبره - وهو عبد الله بن زيد الذي أُرِيَ النِّدَاءَ في النَّوْم على عهد رسول الله - ﷺ - أن أبا مسعود أخبره - قالَ:\n_________\n(٢٩٣) صحيح، أخرجه: مسلم (٤٠٥)، والترمذي (٣٢٢٠)، والنسائي (١٢٨٥)، وأحمد (٢١٨٤٧)، والدارمي (١٣٤٣).","vol":"2","page":56},{"text":"أتانا رسول الله - ﷺ -، فجلس معنا في مجلس سعد بن عُبَادَة، فقال له بَشِير بن سعد بن النُّعمان: أمرنا الله تعالى أن نصلي عليك يا رسول الله فكيف نصلي عليك؟ فَصَمَتَ رسول الله - ﷺ - حتى تمنَّيْنَا أنَّه لم يسأله، ثم قال: \"قولوا: اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، في العالمين إنك حميدٌ مجيدٌ؛ والسلام كما قد عَلِمْتُم\".\nقال محمد: كل هذا حَسَن.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة: أخبرني أنا، وكل واحد منهما رمزًا إلى أخبرنا مالك بن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام، من كبار أتباع التابعين، فيِ الطبقة السابعة، من أهل المدينة، وهو في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، أخبرنا نُعَيْم بضم النون وفتح العين المهملة وسكونها التحتية، والميم بعدها، بن عبد الله الْمُجْمِر، بضم الميم الأولى وكسر الثانية بينهما جيم ساكنة، على صيغة اسم الفاعل من الإِجمار من التجمير، وقد مر لقبه به في باب الغسل من بول الصبي، ثقة، في الطبقة الثالثة من أوسط التابعين، كذا قاله ابن حجر في (التقريب) (١)، مولى عمر بن الخطاب أن محمد بن عبد الله بن زيد أي: ابن عبد ربه الأنصاري أي: الخزرجي في التابعين، وأبوه صحابي في رواية لمسلم، أخبره وهو أي: عبد الله بن محمد هنا عبد الله بن زيد الذي أُرِيَ بصيغة المجهول من الأراة النِّدَاءَ أي: ألفاظ الأذان في النَّوْم أي: في نومه على عهد رسول الله - ﷺ - أي: سنة إحدى من الهجرة، والحاصل أن محمدًا أخبر نعيمًا أن أبا مسعود أي: عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري البدري، شهد العقبة الثانية، ولم يشهد بدرًا عند جمهور أهل السير، وإنما نسب إلى ماء بدر؛ لأنه نزله وسكن الكوفة، ومات في خلافة عليّ كرم الله وجهه، أخبره أي: عبد الله بن زيد، فقالَ: أي: أبا مسعود: أتانا رسول الله - ﷺ -، فجلس معنا في مجلس سعد بن عُبَادَة، وهو ابن ثابت الأنصاري الساعدي، سيد الخزرج، كان أحد النقباء الاثني عشر، وكان سيد الأنصار،\n_________\n(١) انظر: التقريب (٢/ ٦٢٦).","vol":"2","page":57},{"text":"مقدمًا فيهم وجيهًا، له رياسته تصرف قومه بها، قال سعيد بن زيد الباجي المالكي: فيه أن الإِمام يخصّ رؤساء الناس بزيارتهم في مجالسهم تأنيسًا لهم، فقال له أي: الرسول - ﷺ -: بَشِير بفتح الموحدة وكسر الشين المعجمة، وسكون التحتية، وبعدها راء نقيض النذير، ابن سعد بن النُّعمان، وفي نسخة: ابن بشير أنصاري خزرجي شهد بدرًا وأحدًا والمشهور بعدها، ويقال له: أول من بايع أبا بكر الصديق من الأنصار، أمرنا الله تعالى في سورة الأحزاب بقوله: (ق ٢٩٧) ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، أن نصلي عليك يا رسول الله، فكيف نصلي عليك؟ أي: فكيف باللفظ اللائق عليك بالصلاة، زاد الدارقطني: ونحن إذا صلينا عليك في صلاتنا، قال: أي: أبو مسعود: فَصَمَتَ رسول الله - ﷺ - أي: فسكت زمانًا طويلًا، قال الزرقاني: يحتمل أن يكون سكوته حياءً أو تواضعًا إذ في ذلك رفعة له، فأحب أن لو قالوا أهم من ذلك. انتهى.\nويحتمل أن يكون سكوته انتظارًا إلى الوحي، وفيه أن من سئل عن أمر مشروع ينبغي له أن يجيب له بعد التأمل، وإن علمه؛ لئلا يقع في الخطأ وفي العجب، حتى تمنَّيْنَا أي: وددنا أنَّه لم يسأله، وليحيى: أنه لم يسأله، أي: كرهنا سؤاله مخافة أن يكون كرهه وشق عليه، ثم قال: وفي نسخة: فقال: \"قولوا: للأمر للوجوب في العمر مرة واحدة اتفاقًا، وقيل: في تشهد تعقبه سلام، وقيل: كلما ذكر، لقوله - ﷺ -: \"رغم أنف رجل ذُكِرْتُ عنده فلم يصل عليَّ\"، وعندنا يكفي أن يصلي مرة واحدة في أول سمعه، وإن صلى كلما سمعه فهي أفضل، قال رسول الله - ﷺ -: \"جاءني جبريل ﵇، فقال: يا محمد لا يصلي عليك أحد من أمتك إلا صلى عليه سبعون ألف ملك، ومن صلت عليه الملائكة كان من أهل الجنة\"، وقال - ﷺ -: \"أكثركم عليَّ صلاة، أكثركم أزواجًا في الجنة\"، رواه عبد الرحمن بن عوف، كذا أورده أبو عبد الله محمد بن سليمان الجزول في (دلائل الخيرات)، وقال - ﷺ -: \"من كتب بيده قال رسول الله - ﷺ - كان معي في الجنة\"، كذا قاله البخاري في شرح (ألفية العراقي) في كتابه (الحديث)، وضبطه، وقال - ﷺ -: \"من صلى عليَّ في كتاب لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام اسمي في ذلك الكتاب\"، كما قاله الإِمام الجزولي في (دلائل الخيرات). اللهم أي: الله صلِّ على محمد أي: اثني عليه ثناءً يليق به عند من مكرم عندك، وعلى آل محمد أي: أتباعه، كما صليت على إبراهيم أي: الخليل صلوات الله على نبينا وعليه.","vol":"2","page":58},{"text":"قال الحليمي: سبب هذا التشبيه أن الملائكة قالت في بيت إبراهيم: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣]، وقد علم من هذا أن محمد وآل محمد من أهل بيت إبراهيم صلوات الله على نبينا وعليه، فكأنه - ﷺ - قال: أجيبوا دعاء الملائكة الذين قالوا ذلك في محمد وآل محمد كما أجبتم عندما قالوا في آل إبراهيم. انتهى. واستشكل بأن المشبه دون المشبه به، والواقع هنا عكسه؛ لأن محمدًا وحده أفضل من إبراهيم وآله، وقضية ذلك أن الصلاة له أفضل من كل صلاة حصلت أو تحصلت لغيره، وأجيب بأنه قال ذلك قبل علمه أنه أفضل من إبراهيم، وقال ذلك تواضعًا وشرعًا لأمته ليكتسبوا به الفضيلة، إنما هو صلاة بأصل الصلاة لا للقدر بالقدر كقوله تعالى في سورة النساء: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ [النساء: ١٦٣]، وكقوله في سورة القصص: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧]، ورجَّح ما في (المفهم) من أن قوله: اللهم صل على محمد مقطوعًا عن التشبيه، فهو متعلق بقوله: وعلى آل محمد، وتعقب بأنه مخالف لقاعدة الأصول في رجوع المتعلقات إلى جميل الجمل، وبأن التشبيه قد جاء في بعض الروايات من غير (ق ٢٩٨) ذكر الآن، وبأن غير الأنبياء لم يكن أن يساووا الأنبياء، فكيف نطلب لهم صلاة مثل الصلاة التي وقعت لإِبراهيم، والأنبياء من آله؟ ورد هذا بأن المطلوب الثواب الحاصل لهم، لا جميع الصفات التي كانت سببًا للثواب، كذا قاله الزرقاني (١).\nوعلى آل إبراهيم، قيل: معناه اجعل لمحمد وآله الصلاة منك، كما جعلتها لإِبراهيم وآله، وبارك على محمد وعلى آل محمد، أي: اثبت لهم وأدم لهم ما أعطيتهم من الشرف والكرامة، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، في حيز النصب على أنه نصب للمصدر المؤكد، أي: بارك ما أعطيتهم مباركة طيبة، كما باركت على إبراهيم وآله، أو على أنه حال من المصدر العرف، أي: بارك عليهم البركة مشابهًا بما باركت على إبراهيم وآله، فما على الوجهين مصدرية، أو على أنه نعت لمصدر من لفظ المباركة، أي: بارك ما أعطيتهم مباركًا مماثلًا للبروك المثبت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، فما موصولة أو على أنه حال من البروك، أي: بارك ما أعطيت على محمد وآله حال كونه مماثلًا لما برك على\n_________\n(١) انظر: شرح الزرقاني (١/ ٤٧٤).","vol":"2","page":59},{"text":"إبراهيم وعلى آل إبراهيم، هذا خلاصة ما قاله أبو السعود في قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣].\nقال الزرقاني: فالبركة لغة التكثير، قال سعيد بن زيد الباجي المالكي، وقيل: المراد بالبركة ثبات ذلك ودوامه، من قولهم: بركت الإِبل، إذا ثبتت على الأرض، انتهى، أي: المعنى لثبته ما أعطيتهم من الشرف والكرامة، كما أثبته على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، في العالمين والظرف فيه متعلق بقوله: \"كما باركت\"، يعني زد شرف محمد وآل محمد بين العالمين، كما زدت شرف إبراهيم وآل إبراهيم فيما بينهم، و\"العالم\" بفتح اللام اسم ما سوى الله تعالى من الجوهر والأعراض، وإنما سمي به؛ لأنه يعلم به الخالق القديم، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه، ويجمع بجمع العقلاء تغليبًا لهم على غير العقلاء؛ لأن كل شيء دال على وحدانية الله تعالى، فكأنه عالم يتعالم منه ذلك، ويستدل كذا قاله أبو السعود. إنك حميدٌ فعيل، بمعنى مفعول، أي: اللهم إن ذاتك وصفاتك محمود بما يليق بهما في جميع الألسنة، أو بمعنى فاعل أي: حامد يحمد أفعال عباده، مجيدٌ بمعنى ماجد المجيد، وهو الشرف، عدل عن الإِنشاء إلى الإِخبار، وعن الغفلة إلى الإِسمية، للدوام والمبالغة، وذلك مناسب الإِفضال وإعطاء المراد من الأمور العظام.\nوالسلام عطف على قوله: اللهم، أي: قولوا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ويؤيده قوله: كما قد عَلِمْتُم\"، أي: في التشهد بفتح العين وكسر اللام المخففة، ومنهم من رواه بضم العين وكسر اللام المشددة، كذا نقله علي القاري عن النووي.\nقال محمد: أي: ابن حسن بن فرقد الشيباني: كل هذا حَسَن، أي: جميع ما ورد من ألفاظ الصلاة مستحسن، إلا أن الواردين المذكورين أصحها وأشهرها، وقد روى الحديث الأول (ق ٢٩٩) الشيخان، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، عن أبي حميد الساعدي، والحديث الثاني رواه أصحاب الكتب الستة عن كعب بن عجرة، إلا أنه لم يذكر في العالمين، ولفظه: اللهم. . إلخ، واللهم بارك. . . إلخ، كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان حكم الصلاة على النبي - ﷺ -، شرع في بيان حكم الاستسقاء، فقال: هذا\n* * *","vol":"2","page":60},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-109>باب في بيان حكم الاستسقاء</span>\nفي بيان حكم الاستسقاء، هو طلب السقاء، وهو المطر عند طول انقطاعه، وفي قوله الاستسقاء إشارة إلى مذهب أبي حنيفة، فإن الاستسقاء عنده دعاء واستغفار فقط، لا صلاة فيه عنده، لقوله تعالى في سورة نوح، حكاية عن نوح ﵇ حين اجتهد قومه القحط والجدب، ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١٠، ١١]، فعلَّق تعالى نزول الغيث بالاستغفار، وأخذ المصنف هذه الترجمة من هذه الآية، ويؤيده ما في الصحيحين (١) من حديث أنس بن مالك ﵁ أن رجلًا دخل المسجد في يوم الجمعة ورسول الله - ﷺ - قائم يخطب، فقال: يا رسول الله هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا، قال: فرفع رسول الله - ﷺ - يديه ثم قال: \"اللهم أغثنا\"، وثبت أيضًا أن عمر ﵁ استقى ولم يصل، كذا قاله الشمني في (شرح النقاية).\nوالمناسبة ما بين هذا الباب والباب السابق الدعاء؛ لأن الصلاة في اللغة الدعاء.\n٢٩٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عَمرو بن حَزْم، أنه سمع عبّاد بن تميم المازِنيّ يقول: سمعت عبد الله بن زيد المازني يقول: خرج رسول الله - ﷺ - إلى المصلى، فاسْتَسْقَى وحَوَّلَ ردَاءَه حين استقبل القبلة.\nقال محمد: أما أبو حنيفة. فكان لا يرى الاستسقاء صلاة، وأما في قولنا. فإن الإِمام يصلي بالناس ركعتين ثم يدعو ويحول رداءه، فيجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن، ولا يفعل ذلك أحد إلا الإِمام.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا مالك بن أنس، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر\n_________\n(١) أخرجه: البخاري (١٠١٣)، ومسلم (٨٩٧).\n(٢٩٤) صحيح، أخرجه: البخاري (١٠٠٥)، ومسلم (٨٩٤)، وأبو داود (١١٦٧)، والنسائي (١٥١١)، وأحمد (١٥٩٩٧)، ومالك (٤٤٨).","vol":"2","page":61},{"text":"ابن محمد بن عَمرو بن حَزْم، الأنصاري، المدني القاضي، ثقة تابعي من الطبقة الخامسة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة من الهجرة، وهو ابن سبعين سنة، كذا قاله ابن حجر (١)، أنه أي: عبد الله بن أبي بكر سمع عبّاد بفتح العين المهملة وتشديد الموحدة ابن تميم بفتح الفوقية والميمين المكسورتين بينهما تحتية ساكنة الأنصاري المازِنيّ المدني تابعي من الطبقة الثالثة، وقد قيل: إنه له رواية، كذا في (التقريب) لابن حجر (٢)، يقول: سمعت عبد الله بن زيد المازني بكسر الزاي، أي: مازن الأنصاري، صاحب حديث الوضوء، وهو عبد الله بن عاصم بن كعب لا عبد الله بن زيد بن عبد ربه، صاحب رؤيا الأذان، كما زعم ابن عيينة، وقد وهمه البخاري، يقول: خرج رسول الله - ﷺ - إلى المصلى، أي: مصلى العيد بالصحراء في المدينة إلا أنه في التواضع أوسع للناس، قال الفقهاء: ويستحب الخروج للاستسقاء ثلاثة أيام متتابعات، مشاة في ثياب خلقة غسيلة أو مرقعة، متذللين متواضعين خاشعين لله، ناكسي رؤوسهم مقدمين الصدقة، كل يوم قبل خروجهم، ويجدون التوبة، ويستغفرون للمسلمين، ويردون المظالم، وقالوا: ويستحب إخراج الدواب بأولادها، ويفرقون بينهما ليحصل المراد بزيادة الحزن، ويستحب خروج الشيوخ الكبار والأطفال (ق ٣٠٠)؛ لأن نزول الرحمة بينهم أسرع قال رسول الله - ﷺ -: \"هل تُرزَقون وتُنْصَرُونَ إلا بضعفائكم\"، رواه البخاري، وفي خبر آخر: \"لولا شباب خُشع، وبهائم رُتع، وشيوخٌ رُكَّع، وأطفالٌ رُضع، لَصُبَّ عليكم العذاب صبًا\"، فاسْتَسْقَى أي: دعا بأن يقول: \"اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا هنيئًا مريئًا مريعًا غدقًا غير راتب مجللًا طبقًا دائمًا\".\nقوله: \"غيثًا\" أي: مطرًا، وقوله: \"مغيثًا\" بضم أوله، أي: منقذ من الشدة، قوله: \"هنيئًا\" بالمد والهمزة، أي: لا ينقصه شيء، أو يمر الحيوان من غير ضرر، قوله: \"مريئًا\" بفتح أوله وبالمد والهمزة، أي محمود العافية أو الهنيء النافع ظاهرًا، والمريع النافع باطنه، قوله: \"مريعًا\" بضم الميم وكسر الراء المهملة، وسكون التحتية والعين المهملة أي: إتيانًا لريع وهو الزيادة، وقيل: الريع [غابة] (٣)، ويجوز فتح الميم هنا، أي: ذريع أي نماء قوله: \"غدقًا\"، أي: كثير الماء والخيرات، وقطره كبار، قوله: \"عاجلًا\"، أي: سريعًا،\n_________\n(١) تقدم.\n(٢) انظر: التقريب (١/ ٢٧٢).\n(٣) كلمة لم أتبينها بالأصل.","vol":"2","page":62},{"text":"قوله: \"غير راتب\"، أي: غير نصب ولا تعب، قوله: \"مجللًا\"، بكسر اللام أي: سائق الأفق لعمومه، أو الأرض بالنبات سجل الغرس، قوله: \"سحا\" بفتح السين المهملة وتشديد الحاء المهملة، أي: شديد الواقع بالأرض، من ساح إذا جرى، قوله: \"طبقًا\" بفتح أوله، أي: ستر الأرض حتى يعمها، قوله: \"دائمًا\"، أي: إلى انتهاء الحاجة إليه.\nوحَوَّلَ بتشديد الواو، أي: قلب ردَاءَه بأن جعل أسفله أعلاه إن كان مربعًا، أو جعل جانب الأيمن على الأيسر، وإن كان مدورًا كالجبة، حين استقبل القبلة، والسر في تقليب ردائه للتفاؤل ليقلب حالهم من القحط إلى الخصب، ومن اليسر إلى العسر.\nقال محمد: أما أبو حنيفة. فكان لا يرى أي: لا يختار في الاستسقاء صلاة، أي: مشروعة بجماعة، وإن صلوا فرادى جاز، وبه قال أبو يوسف في رواية لقوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ [نوح: ١٠]، وأما الاستسقاء في قولنا يعني نفسه، وأبا يوسف في رواية، فإن الإِمام أي: الخليفة ونائبه يصلي بالناس ركعتين كصلاة العيد في الجهر بالقراءة، والصلاة بلا أذان ولا إقامة، ويخطب بعد الصلاة خطبتين، ويجلس بينهما واحدة عندنا وعند الشافعي، وقال مالك: سنة الاستسقاء ركعتان يخطب قبلهما كخطبة الجمعة، ثم أي: بعد الصلاة يدعو رافعًا يديه لا روى أنس بن مالك ﵁ أن النبي - ﷺ - كان لا يرفع يديه حتى يرى بياض إبطه، ويمد يديه، ويجعل بطونهما مما يلي الأرض، ويحول من التفعيل، أي: يقلب رداءه، فيجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن، إن كان مدورًا كالجبة، لما رُوي في الكتب الستة (١)، عن عبد الله بن عاصم أن رسول الله - ﷺ - خرج بالناس فصلى بهم ركعتين، وحَوَّل ردائه فدفع واستسقى واستقبل القبلة، (ق ٣٠١) زاد البخاري: وجهر فيهما بالقراءة، ولا يفعل ذلك أي: تحويل الرداء أحد إلا الإِمام، وهو اختيار الطحاوي وأبي حنيفة - ﵀، أن الاستسقاء دعاء، وفي سائر الأدعية لا تقلب فيها رداء، وما فعله النبي - ﷺ - وكان تفاؤلًا أو عرف - ﷺ - بالوحي تغيير الحال عند قلب الرداء.\nوالحاصل أنه - ﷺ - يحتمل في تقليب الرداء أنه فعل بوحي، أو قصد تفاؤل فلو فعل غيره لتعين أن يكون تفاؤلًا، وهو تحت الاحتمال، فلم يتم به الاستدلال، فإن قيل: كيف\n_________\n(١) تقدم.","vol":"2","page":63},{"text":"التوفيق بين قول أبي حنيفة وبين قول محمد وأبي يوسف، فإن أبا حنيفة قال: لا صلاة في الاستسقاء، وقال محمد وأبو يوسف: صلاة. أجيب بأن مراد أبي حنيفة لا صلاة في الاستسقاء، يعني: لا صلاة مع الجماعة في الاستسقاء، وإن صلى الناس فرادى أحدانًا جاز، وهذا جمع بين قولهم فحينئذ صلاة الاستسقاء مشروع عند الجمهور.\nلما فرغ من بيان أحكام الاستسقاء شرع في بيان ثواب انتظار الصلاة بعد الصلاة في المكان الذي صلى فيه، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>باب الرجل يصلي ثم يجلس في موضعه الذي صلى فيه</span>\nفي بيان أحكام حال الرجل يصلي ثم يجلس في الموضع الذي صلى فيه، أي: ولم يتحول من مكانه، اعتناءً بشأنه، والمناسبة بين هذا الباب والباب السابق ظاهرة.\n٢٩٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا نُعَيْم بن عبد الله الْمُجْمِر، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا صلى أحدكم ثم جلس في مُصَلَّاه، لم تزل الملائكة تصلي عليه؛ اللهم صل عليه، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، فإن قام من مُصَلَّاه فجلس في المسجد ينتظر الصلاة، لم يزل في صلاة حتى يصلّي\".\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا مالك بن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام، من أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، أخبرنا وفي نسخة: أنا، رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة أخرى: حدثني نُعَيْم بصيغة التصغير ابن عبد الله أي: المدني مولى عمر الْمُجْمِر، بضم الميم وسكون الجيم وكسر الميم الثانية، وبفتح الجيم، وكسر الميم المشددة، من أوسط التابعين في الطبقة الثالثة، مر منقبته في باب الصلاة في الثوب الواحد، أنه سمع أبا هريرة ﵁، قال ابن عبد البر: هكذا هو في (الموطأ) موقوفًا، وقد رفعه عن مالك بهذا الإِسناد ابن وهب وإسماعيل بن جعفر، وعثمان بن عمر، والوليد بن مسلم، ويحيى بن بكير.\n_________\n(٢٩٥) صحيح، أخرجه: مالك (٣٨٥).","vol":"2","page":64},{"text":"انتهى، ومنهم محمد حاكيًا عن أبي هريرة أنه يقول: قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا صلى أحدكم فرضًا أو واجبًا أو نفلًا؛ لأن حذف المفعول يوزن بالعموم، ثم جلس في مُصَلَّاه، أي: في بيته أو غيره لم تزل الملائكة أي: الحفظة أو السيارة أو أعم من ذلك، ذكره العراقي في (شرح الترمذي)، تصلي عليه؛ أي: تدعو له قائلين: اللهم صل عليه، أي: أنزل عليه من رحمتك وبركتك، اللهم اغفر له، أي: امح سيئاته، اللهم ارحمه، أي: بقبول حسناته، زاد ابن ماجه: \"اللهم تب عليه\"، ذكره السيوطي، أي: وفقه للتوبة، أو تقبلها منه، فإن قام من مُصَلَّاه فجلس في المسجد أي: إن تحول من مجلس محله إلى مسجده حال كونه ينتظر الصلاة، أي: الجماعة أو صلاة بعد صلاة، لم يزل في صلاة أي: حكمًا باعتبار الثواب حتى يصلّي\"، أي: الصلاة التي انتظر إليها.\nقال مالك في (الموطأ): عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - (ق ٣٠٢) قال: \"ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ \"، أي: المنازل في الجنة، كذا قاله الزرقاني في شرح (الموطأ) \"إسباغ الوضوء - أي: إكماله - عند المكاره، وكثرة الخُطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط\" (١)، أي: كررها ثلاثًا على معنى التعظيم لشأنه.\nلما فرغ من بيان أحكام صلاة التطوع، شرع في بيان صلاة التطوع بعد الفريضة، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>باب صلاة التطوع بعد الفريضة</span>\nفي بيان أحكام صلاة التطوع، أي: حال كونها بعد الفريضة، وإضافة الصلاة إلى التطوع من قبيل إضافة الموصوف إلى صفاته. قال علي القاري: والمراد بالتطوع السنن المؤكدة. انتهى. وبعد ظرف زمان مفتوح لأجل ذكر المضاف إليه، والألف واللام في الصلاة للعهد الخارجي؛ لأن المراد بها صلاة الظهر والمغرب والعشاء وصلاة الجمعة، وسيأتي بيان ما هو المراد من الصلاة هنا.\n_________\n(١) أخرجه: مسلم (٢٥١)، والترمذي (٥١)، والنسائي (١٤٣)، وأحمد (٧٩٦١)، ومالك (٣٨٦).","vol":"2","page":65},{"text":"٢٩٦ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ -: كان يصلي قبل الظهر ركعتين، وبعدها ركعتين، وبعد صلاة المغرب ركعتين في بيته وبعد صلاة العشاء ركعتين، وكان لا يصلي بعد الجمعة في المسجد حتى ينصرف، فيسجد سجدتين.\nقال محمد: هذا تَطَوُّع، وهو حَسَنٌ، وقد بلغنا عن النبي - ﷺ - أنه كان يصلي قبل صلاة الظهر أربعًا إذا زالت الشمس، فسأله أبو أيوب الأنصاري عن ذلك فقال: \"إن أبواب السماء تُفْتَحُ في هذه الساعة، فَأُحِبُّ أن يصعد لي فيها عمل\"؛ فقال: يا رسول الله أَيُفصَل بينهن بسلام؟ فقال: \"لا\". أخبرنا بذلك بُكَيْر بن عامر البَجَلي، عن إبراهيم، والشَّعْبي عن أبي أيوب الأنصاري.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزا إلى حدثنا، حدثنا وفي نسخة: قال: عن نافع، أي: المدني، مولى عبد الله بن عمر، عن ابن عمر، ﵄ أن رسول الله - ﷺ -: كان يصلي قَبْل الظهر ركعتين، أي: أحيانًا، وفي حديث عائشة ﵂، كان - ﷺ - لا يدع أربعًا قبل الظهر، رواه البخاري وغيره، وقال الداودي: هو محمول على أن كل واحد وصف ما رأى، ويحتمل أن ينسى ابن عمر ركعتين من الأربع، قال الحافظ ابن حجر: هذا الاحتمال بعيد، والأولى أن يحمل على حالين، فتارة كان يصلي ثنتين، وتارةً يصلي أربعًا، وقيل: يحمل على أنه كان في المسجد تقتصر على ركعتين، وفي بيته أربعًا، أو يصلي في بيته، واطلعت عائشة على الأمرين، ويقوي الأول ما رواه أحمد وأبو داود (١) في حديث عائشة على الأمرين: كان يصلي في بيته قبل الظهر أربعًا ثم يخرج.\nقال ابن جرير: الأربع كانت في كثير من أحواله، والركعتان في قليلها،\n_________\n(٢٩٦) صحيح، أخرجه: البخاري (٩٣٧)، ومسلم (٧٢٩)، وأبو داود (١٢٥٢)، والترمذي (٤٣٦)، والنسائي (٨٧٣)، وأحمد (٥٢٧٤)، ومالك (٤٠٠).\n(١) أخرجه: مسلم (٧٣٠)، وأبو داود (١٢٥١)، وأحمد (٣٣٤٩٩).","vol":"2","page":66},{"text":"وبعدها ركعتين، أي: غالبًا، للترمذي، وصححه مرفوعًا: \"من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها حرَّمه الله على النار\" (١)، ولم يذكر الصلاة قبل العصر، وللترمذي والنسائي عن علي ﵁، كان يصلي قبل العصر أربعًا (٢)، ولأحمد وأبي داود والترمذي، وصححه ابن حبان عن أبي هريرة ﵁ يرفعه: \"رحم الله امرأ يصلي قبل العصر أربعًا\" (٣)، وبعد صلاة المغرب ركعتين في بيته وفي نسخة لفظة: \"صلاة\" لم توجد، كما لم توجد في (الموطأ) لمالك، وقوله: في بيته يحتمل أن يكون ظرفًا للكل، وهو أنسب أو لما يليه، وهو أقرب، قال ابن عبد البر: هكذا رواه يحيى ولم يقل: في بيته إلا ركعتين بعد المغرب فقط، وتابعه القعنبي على ذلك، وقال ابن بكير في هذا الحديث: في بيته في موضعين: أحدهما: في ركعتين بعد المغرب، والأخرى: في ركعتين بعد الجمعة، وابن وهب يقول: في ركعتين بعد المغرب وبعد العشاء في بيته (ق ٣٠٣)، وبعد صلاة العشاء ركعتين، زاد ابن وهب وجماعة: في بيته، وكان لا يصلي بعد الجمعة في المسجد حتى ينصرف، أي: من الفريضة، أو من المسجد إلى بيته، فيسجد سجدتين، أي: يصلي ركعتين، هكذا في الأصل.\nلكن ذكره السيوطي في (جامعه الصغير)، ولفظه: كان يصلي قبل الظهر ركعتين وبعدها ركعتين، وبعد المغرب ركعتين في بيته، وبعد العشاء ركعتين، وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف من المسجد إلى بيته فيصلي ركعتين في بيته (٤)، رواه مالك والشيخان وأبو داود والنسائي عن ابن عمر.\nوروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من كان منكم مصليًا بعد الجمعة فليصل أربعًا\" (٥)، ومن ههنا قال علماؤنا: أن سنة الجمعة بعدها\n_________\n(١) أخرجه: أبو داود (١٢٦٩)، والترمذي (٤٢٨)، والنسائي (١٨١٦).\n(٢) أخرجه: الترمذي (٤٢٩)، والنسائي (٨٧٣)، وابن خزيمة (١٢١١)، والبزار (٦٧٢).\n(٣) أخرجه: أبو داود (١٢٧١)، والترمذي (٤٣٠)، وأحمد (٥٩٤٤)، وابن حبان (٢٤٥٣).\n(٤) أخرجه: البخاري (٩٣٧)، ومسلم (٨٨٢)، وأبو داود (١١٣١)، والترمذي (٥٢٣)، والنسائي (٨٧٣)، ومالك (٤٠٠).\n(٥) أخرجه: مسلم (٧٢٨)، وأبو داود (١٢٥٠)، والترمذي (٤١٥)، والنسائي (١٧٩٦)، وابن ماجه (١١٤١)، وأحمد (٢٦٢٢٨)، والدارمي (١٤٣٨).","vol":"2","page":67},{"text":"أربع، وقال أبو يوسف: ست، وأما قبلها فكما قبل الظهر على ما سيأتي.\nقال محمد: هذا أي: جميع ما ذكر تَطَوُّعُ أي: غير فريضة، وهو أي: عمل التطوع حَسَنٌ، أي: مسنون مستحسن، وقد بلغنا عن النبي - ﷺ - أنه كان يصلي قبل صلاة الظهر أربعًا إذا زالت الشمس، فسأله أي: النبي - ﷺ - أبو أيوب الأنصاري ﵁، اسمه خالد بن زيد بن كليب، من كبار الصحابة، شهد بدرًا، ونزل النبي حين قدم المدينة، وتحمل لواءه - ﷺ -، ومات غازيًا بالروم سنة خمسين من الهجرة، كذا قاله ابن حجر في (التقريب في أسماء الرجال)، ومدفون خارج سور القسطنطينية نحو الميلين، وهي في الإِقليم الخامس من الأقاليم السبعة، وبنى ملك الروم أبو الفتح سلطان محمد بن خان غازي جامعًا شريفًا ذا المنارتين قرب قبره حين فتح القسطنطينية ووجد قبره، وهو مشهور يُزار الآن، عن ذلك أي: عن سبب ما ذكر، فقال: \"إن أبواب السماء تُفتَحُ في هذه الساعة، أي: لقبول الطاعة، فَأُحِبُّ أن يصعد أي: بصيغة الفاعل أو المفعول، أي: يطلع ويرتفع لي فيها عمل\"؛ أي: صَالح، كما في نسخة من رواية: خير، فقال: أي: أبو أيوب يا رسول الله أَيُفصَل بصيغة المجهول بينهن أي: في وسطهن بسلام؟ فقال: \"لا\" أي: لا يفصل، والمعنى أن عدم الفصل أولى كما لا يخفى. أخبرنا بذلك أي: الحديث المذكور بُكَيْر بصيغة التصغير ابن عامر البَجَلي، أي: أبو إسماعيل الكوفي من الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، وهو من الطبقة السادسة، كذا في (التقريب) عن إبراهيم أي: ابن زيد النخعي بن الأسود بن ربيعة بن حارث بن سعد بن مالك، تابعي كان في الطبقة الرابعة من طبقات الحنفية رأى عائشة ﵂، والشَّعْبي أي: وكلاهما عن أبي أيوب الأنصاري، ﵁، وفي رواية، قلت: أفي كلهن قراءة؟ قال: \"نعم\"، قلت: أيفصل بينهن بسلام؟ قال: \"لا\".\nوقد روى ابن ماجه بإسناد حسن عن أبي أيوب، ولفظه: كان يصلي قبل الظهر أربعًا إذا زالت الشمس، لا يفصل بينهن بتسليم، ويقول: \"أبواب السماء تفتح إذا زالت الشمس\"، وأجمع ما في هذا الباب ما رواه الجماعة إلا البخاري من حديث أم حبيبة بنت أبي سفيان أنها قالت: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"ما من عبد مسلم يصلي في كل يوم اثنتي عشرة ركعة تطوعًا من غير الفرائض إلا بنى الله له بيتًا في (ق ٣٠٤) الجنة\"، زاد الترمذي والنسائي: \"أربعًا قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء،","vol":"2","page":68},{"text":"وركعتين قبل صلاة الغداة\"، ويستحب الأربعة قبل العصر، لما روى أبو داود والترمذي، وقال: هذا الحديث حسن عن ابن عمر ﵄ أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعًا\"، وكذا يستحب بعد العشاء أربعًا، لما روى البخاري عن ابن عباس ﵄ أنه قال: بتُ عند خالتي ميمونة بنت الحارث، زوج النبي - ﷺ - فصلى النبي - ﷺ - العشاء ثم جاء إلى منزله، فصلى أربع ركعات، ثم نام، ثم قام فصلى خمس ركعات، ثم ركعتين، ثم خرج إلى الصلاة، ولا يخفى من جملة ثلاث الوتر، فدل على أن أقل التهجد ركعتان، والمراد بقوله: ثم ركعتين، أي: سنة الصبح، ولعل بيتوتة عبد الله بن عباس عند خالته وقعت متعددة.\nلما فرغ من بيان أحكام صلاة التطوع بعد الفريضة، شرع في بيان حكم حال الرجل لمس القرآن جنبًا أو غير متوضئ، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>باب الرجل يمس القرآن وهو جنب أو على غير طهارة</span>\nفي بيان أحكام حال الرجل، أي: الذي، أو حال كونه يمس القرآن، أي: المصحف الذي كتب فيه ما يدل على الكلام النفسي لله تعالى، وهو، أي: والحال أن ذلك الرجل جنب أو على غير طهارة، أو غير متوضئ، و\"أو\" للتنويع للإِيماء بأن حكم الجنب في هذه المسألة سواء، وهو الحرمة، وفي معنى الجنب الحائض والنفساء، وفي هذه الترجمة تلميح إلى قوله تعالى في سورة الواقعة: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩]، وهو أي: التلميح أيضًا من فحوى الكلام، أي: في معناه إلى قصة أو شعر من غير أن تذكر صريحًا، كذا قاله السيد الشريف الجرجاني.\n٢٩٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم، قال: إن في الكتاب الذي كتبه رسول الله - ﷺ - لعمرو بن حَزْم: \"لا يَمسُّ القرآن إلا طاهر\".\n_________\n(٢٩٧) صحيح، أخرجه: الدارمي (٢٢٦٦)، ومالك (٤٦٨).","vol":"2","page":69},{"text":"• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة أخرى: ثنا، رمزًا إلى حدثنا عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم، أي: ابن زيد بن الوزان الأنصاري، المدني القاضي، ثقة في الطبقة الخامسة، قال بعض المؤرخين: إنه مات في خمس وثلاثين ومائة بعد الهجرة، وهو ابن سبعين سنة، كذا قاله ابن حجر في (التقريب)، قال: إن في الكتاب أي: المكتوب الذي كتبه رسول الله - ﷺ - لعمرو بن حَزْم أي: حين استعمله - ﷺ - على نجران، وهو بلد باليمن، وهو القاضي فيها سنة عشر، وفيه مجاز في الإِسناد كبنى الأمير المدينة، أي: كتب كاتبه - ﷺ - لعمرو بن حزم، وإلا خالف ظاهره بقوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، والمراد بالنبي الأميّ: الذي لم يكتب ولم يقرأ من المكتوب، وهو محمد - ﷺ -، \"لا يَمَسُّ القرآن أي: رجل مؤمن مكلف من غير حائل، لما في البخاري عن أبي وائل، أنه كان يدل خادمه وهي حائض إلى أبي زرين لتأتيه بالمصحف فتمسكه بغلافة، وفي نسخة: بعلاقته، بكسر العين المهملة، أي: حمائله التي يحمل بها، قوله: \"لا يمس القرآن\" نفي بمعنى النهي، ويؤيده قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩]؛ لأن خبر الله تعالى لا يكون خلافه، وقد وجد من لا يمسه غير طاهر فثبت أن المراد به نهي (ق ٣٠٥) تحريمي، إلا طاهر\"، أي: متوضئ إكرامًا للقرآن وتعظيمًا، فيستوي في ذلك من [في] (١) يديه دنس ومن لا يوجد، هذا خلاصة ما قاله الزرقاني من مس القرآن بغير الوضوء، فقد ارتكب نهيًا تحريميًا.\nفما ظن من ألقى المصحف في الأرض تساهلًا له غير مبال له؟ ألم ير إلى قوله - ﷺ -: \"القرآن شافع مشفع، وماحل - أي: مشتكي إلى الله تعالى - فمن جعله أمامه قاده إلى الجنة - من عمل بموجبه، وعظيم شأنه بأنواع التعظيم يجره إلى الجنة - ومن جعله خلف ظهره، قاده إلى النار\"، أي: ومن لم يعمل بموجبه، ولم يعظم شأنه، ولم ينظر بإجلال نظر وألقاه في الأرض تساهلًا، يطرحه القرآن في النار.\n* * *\n_________\n(١) ساقطة من الأصل.","vol":"2","page":70},{"text":"٢٩٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أنه كان يقول: لا يسجد الرجل ولا يقرأ القرآن إلا وهو طاهر.\nقال محمد: وبهذا كله نأْخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، إلا في خصلة واحدة، لا بأس بقراءة القرآن على غير طهر؛ إلا أن يكون جنبًا.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، الإِمام، من أتباع التابعين في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، أخبرنا وفي نسخة: قال: ثنا، نافع، أي: المدني مولى ابن عمر، عن ابن عمر، أنه كان يقول: لا يسجد الرجل أي: لا يضع المؤمن جبهته على الأرض بقصد العبادة ولا يقرأ القرآن إلا وهو طاهر، أي: من النجاسة الكبرى وهي الجنابة، والحديث رواه الطبراني بإسناد حسن عن ابن عمر، وروى الحاكم في (المستدرك) وقال: صحيح الإِسناد عن حكيم بن حزام، أنه قال: لما بعثني رسول الله - ﷺ - إلى اليمن، قال: \"لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر\".\nقال محمد: وبهذا أي: بهذا الحديث الذي ذكر في هذا الباب كله نأْخذ، أي: نعمل ونُفتي، وهو أي: أن لا يسجد المحدث، وأن لا يقرأ القرآن جنب، قولُ أبي حنيفة، إلا في خصلة واحدة، وهي التيمم استثناء من كله لا بأن أي: لا كراهة بقراءة القرآن على غير طهر؛ أي: بلا وضوء، سواء أكان قارؤه نظرًا في المصحف وقراءة بظهر القلب، لما روى عبد الله بن عباس ﵄، أنه قال: استيقظ رسول الله - ﷺ - ومسح النوم عن وجهه ثم قرأ العشر الآيات من آخر سورة آل عمران، ثم قام إلى شن فتوضأ، وقال عليّ ﵁: كان رسول الله - ﷺ - لا يحجبه عن تلاوة القرآن شيء إلا الجنابة، ولا خلاف في ذلك بين العلماء إلا من شذ منهم، إلا أن يكون جنبًا، وفي معناه الحائض والنفساء، وكذا قال علي القاري والزرقاني.\nلما فرغ من بيان حكم حال الرجل يمس القرآن وهو جنب، أو على غير طهارة، شرع في بيان أحكام حال الرجل يجر ثوبه والمرأة تجر ذيلها، فقال: هذا\n* * *\n_________\n(٢٩٨) صحيح، أخرجه: البيهقي في الكبرى (٣٨٨٢).","vol":"2","page":71},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>باب الرجل يجر ثوبه أو المرأة تجر ثوبها فيعلق به قذر ما كره من ذلك</span>\nفي بيان حكم حال الرجل يجر ثوبه، والمرأة تجر ذيلها فيعلق به قذر ما يكره من ذلك، أي: من المستقذر كالدم والبول وغيرهما، وفي نسخة: ما كره، ويعلق من باب علم يقال: علق الشوك بالثوب ينشب به من باب علم، أي: بل الثوب بما يستقذر به، والقذر بفتح القاف، والذال المعجمة ما يتقذر به مع النجاسة، وذا في قوله: من \"ذلك\" اسم إشارة، واللام [عمادي] (١) جيء به للدلالة على بعد المشار إليه وهو القذر عن ثوب المؤمن وبدنه، والكاف للخطاب (ق ٣٠٦) بالكاف أشار المصنف بذكر المشار إليه المحسوس، الذي يبعد المؤمن عن الصلاة التي تقربه بربِّه إلى ما يبعد المؤمن عن ربه من دنس المعاصي المعقول، فاستنبط هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة المدثر: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤].\n٢٩٩ - أخبرنا مالك، أخبرني محمد بن عُمارة بن عامر بن عمرو بن حَزْم، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التَّيْمِيّ، عن أُم ولدٍ لإِبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، أنها سألت أم سلمة زوج النبي - ﷺ -، فقالت: إني امرأة أُطيل ذَيْلي وأمشي في المكان القَذر، فقالت أُم سلمة: قال رسول الله - ﷺ -: \"يطهره ما بعده\".\nقال محمد: لا بأس بذلك ما لم يعلق بالذيل قَذر، فيكون أكثر من قدر الدرهم الكبير: المثقال، فإذا كان كذلك، فلا يُصَلِّيَنَّ فيه حتى يغسله، وهو قول أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، أخبرنا، وفي نسخة قال: أخبرني محمد بن عُمارة بضم العين المهملة، وفتح الميم والألف والراء المهملة بعدها هاء، ابن عامر بن عمرو بن حَزْم، أي: الأنصاري المدني، صدوق من الطبقة السابعة، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التَّيْمِيّ، أبو عبد الله المدني، ثقة له أفراد، من الطبقة الرابعة، مات سنة عشرين كما نقله ابن حجر عن بعض المؤرخين، عن أُم ولدٍ لإِبراهيم بن عبد الرحمن\n_________\n(١) هكذا بالأصل.\n(٢٩٩) إسناده ضعيف، أخرجه: أبو داود (٣٨٣)، والترمذي (١٤٣)، وابن ماجه (٥٣١)، والدارمي (٧٤٢)، ومالك (٤٧).","vol":"2","page":72},{"text":"ابن عوف، الزهري، قال بعض المؤرخين: لها [رؤية وسماعة من اشتبه يعقوب بن شيبة] (١)، ماتت سنة ست وتسعين بعد الهجرة، أنها أي: أم ولد إبراهيم سألت أم سلمة زوج النبي - ﷺ -، فقالت: إني أمرأة أُطيل بضم الهمزة وكسر الطاء المهملة وسكون التحتية واللام، ذَيْلي بمعنى أسفل ثوبي، وأمشي في المكان القَذر، بفتح فكسر، فقالت أُم سلمة ﵂: قال رسول الله - ﷺ -: أي: في جوابه مثل هذا السؤال: \"يطهره أي: الذيل ما بعده\" أي: المكان الذي بعد المكان القذر، ويزال ما تشبث بالزيل من القذر يابسًا وإطلاقه التطهير مجازي كنسبة الإِسنادي، قال ابن عبد البر وغيره: قال مالك: معناه في العنب اليابس، والقذر الجاف الذي لا يعلق من بالثوب شيء وإنما يعلق به، فيزول التعلق بما بعده؛ لأن المكان الذي أصابته النجاسة يطهره عند الماء، ذكره السيوطي، والقَسْب بقاف وسين مهملة وموحدة العنبر الشديد. والحديث رواه الشافعي وأحمد والترمذي وأبو داود والدارمي عنها أيضًا.\nقال محمد: لا بأس أي: لا ضرر بذلك أي: بطول الثوب للنساء لو تحرزن عن النجاسة ولا يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى، كمال ما لم يعلق بالذيل قَذر، أي: ما لم يلصق به نجس، فيكون أي: ذلك القذر في الكمية، أكثر من قدر الدرهم الكبير، أي: الذي قدر المثقال، وهذا في الكثيف، وأما في الرقيق فقدر بقدر عرض الكف، فإذا كان كذلك، أي: مقدار الدرهم، فلا يُصَلِّيَنَّ بالنهي المؤكدة، فيشمل الرجل والمرأة والفاء في فلا يصلين لم تؤكد في بعض النسخ، لكنها وجدت في الأصل لمالك، فيه أي: في ذلك الثوب، حتى يغسله أي: الثوب الذي أصابته النجاسة، وهو أي: عدم جواز الصلاة في الثوب الذي أصابته النجاسة أكثر من قدر الدرهم حتى يغسله، قول أبي حنيفة، رحمه الله تعالى، وقال زُفر والشافعي: لا يعفي من النجاسة شيء؛ لأن النص أي: قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]، لتطهير النجاسة لم يفضل بين قليل وكثير، وقال مالك: كل نجاسة سوى الدم لا يعفى (ق ٣٠٧) شيء منها؛ لأنها لا يمكن الاحتراز عن جنسها، ولنا أن القليل من النجاسة لا يمكن التحرز عنه، فكان عفوًا، وقدرناه بالدراهم أخذًا من الموضع الاستنجاء، كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان بعض المشروعات، شرع في بيان حكم بعضها، فقال: هذا\n* * *\n_________\n(١) كذا في المخطوط، وهو غير واضح.","vol":"2","page":73},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>باب فضل الجهاد</span>\nفي بيان فضل الجهاد، بكسر الجيم المحاربة مع الكفار، هو في اللغة مصدر جاهد في سبيل الله، وفي الشرع: الدعاء إلى دين الحق، والقتال مع من لا يقبله، كذا في (التحفة)، شُرعَ بعد الهجرة اتفاقًا، اقتبس المصنف هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة النساء: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥]، وهو فرض عين إن هجم الكفار، فتخرج المرأة والعبد بلا إذن الزوج والسيد؛ لأن حق الزوج والمولى لا يظهر في فروض الأعيان كالصلاة والصوم، وكذا يخرج الولد بغير إذن والديه، والمديون بغير إذن دائنه، وفي غير هذه الحالة لا يخرجان إلا بإذنهما، وكذا في كل سفر فيه مشقة؛ لأن الإِشفاق على الولد مضر بوالديه وعلى الديون، ومضر على دائنه، والأصل فيه قوله تعالى في سورة التوبة: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٤١]. قوله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾، أي: اخرجوا في سبيل الله صحاحًا ومراضًا، أو شبابًا وشيوخًا، أو ركبانًا ومشاة، أو خفافًا من السلاح وثقالًا منه، أو فقراء وأغنياء، يعني لا تهنوا عن الغزو، وقوله: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: في دينه وطاعته، قوله: ﴿ذَلِكُمْ﴾ أي: الجهاد في سبيله، قوله: ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مِنْ تركه، قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، أي: تصدقون بأن للخروج إليه ثوابًا، وللجلوس عنه عقابًا. قيل: نسخت هذه الآية بقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ﴾ الآية [التوبة: ٩١].\nوقيل: لم تُنسخ، لأنه إذا وقع النفير عامًا يكون فرضًا عامًا، وإذا لم يكن عامًا فبخروج البعض سقط عن الباقي، كذا في (عيون التفاسير) لأحمد بن محمود السيواسي، وفي (الذخيرة) عند النفير، وهو أن يهجم الكفار يصير الجهاد فرض عين على من يقرب من العدو، وهم يقدرون على الجهاد، وأما من عداهم فمن بعد ففي حقهم فرض كفاية إذا لم يحتج إليهم، فإن احتيج بأن عجز القريب أو تكاسل ولم يجاهد يكون فرض عين على من يليهم، ثم وثم إلى أن يتقرر على جميع أهل الإِسلام شرقًا وغربًا.\nهذا خلاصة ما قاله الشمني في شرح (النقاية).","vol":"2","page":74},{"text":"٣٠٠ - أخبرنا مالك، حدثنا أبو الزِّنَادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"مَثَل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القانت الذي لا يَفْتُر من صيام ولا صلاة، حتى يرجع\".\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، من أتباع التابعين في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وله تسعون سنة، كذا قاله بعض المؤرخين، حدثنا وفي نسخة: ثنا أبو الزِّنَادِ، بكسر الزاي، وتخفيف النون، عبد الله بن ذكوان، تابعي، في الطبقة الخامسة، عن الأعرج، أي: عبد الرحمن بن هرمز، ويكنى أبا داود المدني، مولى ربيعة بن الحارث، ثقة، ثبت عالم من الطبقة الرابعة، كما قال بعض أهل الطبقات، ومات سنة سبع عشرة، كذا قاله ابن حجر في (التقريب)، عن أبي هريرة، ﵁، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"مَثَل المجاهد في سبيل الله، قال سعيد بن زيد الباجي - من المالكية -: جميع أعمال البر في سبيل الله، إلا أن هذه اللفظة إذا طلعت في الشرع اقتضت الغزو إلى العدو، كمثل الصائم أي: نهاره، القانت أي: المعنى، (ق ٣٠٨) وليحيى كمثل الصائم الدائم، الذي لا يَفْتُر من باب نصر، أي: لا يمل ولا يكل من صيام ولا صلاة، حتى يرجع\"، أي: من غزوه إلى وطنه، والمعنى أن له من الثواب على جهاده، مثل ثواب المستديم للصيام والصلاة لا يفتر منهما.\nقال سعيد بن زيد الباجي - من المالكية -: وإنما أحال على ثواب الصائم والقائم، وإن كنا لا نعرف مقداره، كما قدر من الشرع من كثرته وغرق من عظمته، ذكره السيوطي، والحديث رواه الشيخان، والترمذي، والنسائي، عن أبي هريرة مرفوعًا، بلفظ: \"مثل المجاهد في سبيل الله - والله أعلم بمن يجاهد في سبيله - كمثل القائم الدائم الذي لا يفتر من صيام ولا صدقة حتى يرجع، وتوكل على الله للمجاهد في سبيل الله إن توفاه أن يدخله الجنة، أو يرجعه سالمًا مع أجر أو غنيمة\"، و\"أو\" للتنويع لا للشك، كما لا يخفى، كذا قاله علي القاري.\n_________\n(٣٠٠) صحيح، أخرجه: البخاري (٢٧٨٥)، ومسلم (١٨٧٨)، والترمذي (١٦١٩)، والنسائي (٣١٢٨)، وأحمد (٩١٩٧).","vol":"2","page":75},{"text":"وقال القاضي عياض: هذا تفخيم عظيم للجهاد؛ لأن الصائم وغيره مما ذكر في الفضائل قد عدلها كلها الجهاد حتى صارت جميع حالات المجاهد، وتصرفاته المباحة تعدل أجر المواظب على الصلاة وغيرها، وفيه أن الفضائل لا تدرك بالقياس، وإنما هي إحسان من الله لمن شاء. انتهى.\n* * *\n\n٣٠١ - أخبرنا مالك، حدثنا أبو الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"والذي نفسي بيده: لَوَدِدْتُ أنْ أُقَاتِل في سبيل الله فأُقْتَل، ثم أحْيا فَأُقْتَل، ثم أُحْيا فأُقْتَل\"، فكان أبو هريرة يقول ثلاثًا: أُشهدُ الله.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، حدثنا وفي نسخة: بنا، رمزًا إلى أخبرنا أبو الزِّناد، بكسر الزاي، وفتح النون المخففة والألف والدال المهملة، أي: عبد الله بن ذكوان تابعي في الطبقة الخامسة، عن الأعرج، أي: عبد الرحمن بن هرمز، من كبار التابعين، ويكنى أبا داود المازني مولى ربيعة بن الحارث، ثبت، ثقة، عالم من الطبقة الرابعة، عن أبي هريرة، ﵁، أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"والذي نفسي بيده، أي: أقسم بالذي ذاتي أو روحي بقبضة قدرته لَوَدِدْتُ بكسر الدال الأولى وسكون الثانية، أي: تمنيت وأحببت أنْ أُقَاتِل بصيغة المفاعلة في سَبيل الله فأُقْتَل، بصيغة المجهول، وكذا ثم أحْيا بضم الهمزة وسكون المهملة وفتح التحتية، وبعدها ألف مقصورة، فَأُقْتَل، ثم أُحْيا فأُقْتَل، ثم أُحْيا فأُقْتَل\"، والتمني له بالقصد حصول أجر الشهادة، ثم الأحسن حمل \"ثم\" هنا للتراخي في الرتبة؛ لأن التمني حصول رتبة بعد رتبة إلى أن ينتهي إلى الفردوس الأعلى، فكان أبو هريرة يقول ثلاثًا: أُشهدُ الله، وفي نسخة: بالله، أي: والله لقد قال ما ذكر، يعني كرر النبي - ﷺ - القتل ثلاث مرات، فالعامل في ثلاث قال المحذوف، والمعنى كان أبو هريرة يقول: أشهد الله ثلاث مرات، فالعامل فيه يقول.\nوأول الحديث ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"والذي نفسي بيده، لولا أن رجالًا من المؤمنين أن يتخلفوا عني ولا أجد\n_________\n(٣٠١) صحيح، أخرجه: البخاري (٣٦)، والنسائي (٣٠٩٨)، وابن ماجه (٢٧٥٣)، ومالك (٩٩٩).","vol":"2","page":76},{"text":"ما أحملهم عليه، ما تخلفت على سرية - وهي طائفة من الجيش - تغزو في سبيل الله، والذي نفسي بيده لوددت. . . إلى آخره\".\nقال الطيبي: يعني - ﵇ -: أريد أن أمشي إلى الغزو، ومع كل جيش من غاية فضل الجهاد، ولكن إن بعض أصحابي فقراء، وليس لهم مركوب، فإن ذهبت إلى الغزو وتركتهم في مقامهم لضاقت صدورهم بتخلفهم، أي: بتأخرهم عني ومفارقتهم إياي، وما كان لي مركوب أعطيتها إياهم. انتهى.\nفيه سؤال هو: هل يجوز الدعاء بالشهادة، مع أنه يستلزم تمكين الكفار وغلبتهم على المسلمين، والقاعدة أن تمني المعصية لله (ق ٣٠٩) لا يجوز لعامة المسلمين، وكيف تتصور منه - ﷺ - وقتل المؤمن معصية؟\nالجواب: أن المطلوب قصدًا إنما هو نيل الدرجة الرفيعة بأي موت قدره الله تعالى وقضاه، قال رسول الله - ﷺ -: \"من سأل الله تعالى الشهادة بصدق، بلغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه\"، رواه مسلم، وأحمد والحاكم في الجهاد، عن سهل بن حنيف، ﵁.\nومن خصائص الشهداء: أن يتمنى الرجوع إلى الدنيا ليُقتل ثانيًا، ثم وثم لكثرة ما يرى من الكرامات والدرجات التي أُعِدت لهم، قال رسول الله - ﷺ -: \"للشهيد عند الله ست خصال: الأول يُغفر له في أول دفقة - أي: أول قطرة - من دمه، والثاني: يرى مقعده من الجنة، والثالث: يجار - أي يحفظ - من عذاب القبر، والرابع: يأمن من الفزع الأكبر، قيل: هو عذاب النار، والخامس: يوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها، وبزوج ثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، والسادس: يشفع في سبعين من أقاربه، أي: أحبابه\"، رواه الترمذي وابن ماجه عن مقداد بن معدي كرب، ﵁، كذا فصلناه في (توضيح الأسرار شرح بركات الأبرار)، فراجع هنا إن أردت الشبع.\nلما فرغ من بيان فضيلة الجهاد، شرع في بيان شهادة الحكمية والحقيقة، فقال: هذا\n* * *","vol":"2","page":77},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>باب ما يكون من الموت شهادة</span>\nفي بيان ما يكون من الموت بيان ما شهادة، أي: حكمه يجري عليه فهب الدنيا أحكام الجنائز من الغسل والتكفين والصلاة عليه.\n٣٠٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن عَبد الله بن جابر بن عَتِيك، عن عتِيك بن الحارث بن عَتِيك، وهو جَدُّ عبد الله بن عبد الله بن جابر - أبَو أمِّهِ - أنه أخبره؛ أن جابر بن عَتِيك أخبره، أن رسول الله - ﷺ - جاءَ يَعُودُ عبد الله بن ثابت، فوجده قد غُلِبَ، فصاح به، فلم يُجبه، فاسْتَرْجَع رسول الله - ﷺ -، وقال: \"غُلِبْنا عليك يا أبا الربيع\"، فصاح النِّسْوَة، وَبَكَيْنَ فجعل ابن عَتِيك يسكتهن، فقال رسول الله - ﷺ -: \"دَعْهُنّ، فإذا وَجَبَ فلا تبكين باكية\"، قالوا: وما الوجوب يا رسول الله؟ قال: \"إذا مات\"، قالت ابنته: والله إني كنت لأرجو أن تكون شهيدًا، فإنك قد كنت قضيت جهازَك، قال رسول الله - ﷺ -: \"إن الله تعالى قد أوْقَعَ أجره على قدر نيته؛ وما تعدّون الشهادة؟ \"، قالوا: القتلُ في سبيل الله، قال رسول الله - ﷺ -: \"الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله: المطعون شهيدٌ، والغريق شهيد، وصاحب ذات الجَنْب شهيد، والمبطون شهيد، وصاحب الحريق شهيد، والذي يموت تحت الهَدْم شهيد، والمرأة تموت بجُمْع شهيدٌ\".\n• أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن عَبد الله بن جابر بفتح العين فيهما، وهذا مما يوافق فيه اسم الأب وابنه تابعيان، كان في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، وقيل: جبير بن عَتِيك، بعين مهملة مفتوحة فمثناة فوقية مكسورة فتحتية ساكنة، فكاف، مدني، أنصاري، ثقة من الطبقة الرابعة، وفي نسخة: محمد قال: ابن مالك، عن عتِيك بن الحارث الأنصاري، المدني، مقبول من الطبقة الرابعة أيضًا، من طبقات الصحابة، وجابر هذا شهد بدرًا وجميع المشاهد بعدها، روى عنه عبد الله بن عبد الله، وابن أخيه عتيك بن الحارث، وهو\n_________\n(٣٠٢) أخرجه: أبو داود (٣١١١)، والنسائي (١٨٤٦)، وابن ماجه (٢٨٠٣)، وأحمد (٣٣٢٤١)، ومالك (٥٥٢).","vol":"2","page":78},{"text":"أي: العتيك جَدُّ عبد الله بن عبد الله بن جابر أبو أمِّهِ أنه أخبره؛ أن جابر بن عَتِيك أخبره، أن رسول الله - ﷺ - قوله: \"هو\" مبتدأ عائد إلى عتيك، وخبره \"جد عبد الله\"، قوله: \"أبو أمه\" بدل من لفظ \"جد\"، يعني: أن عتيكًا جد عبد الله الراوي من جهة أمه، وضمير: \"أنه\" راجع إلى عبد الله الثاني، والضمير المستتر في آخره راجع إلى عبد الله الثاني، والبارز نصب على أنه مفعول له الأول وعائد إلى عبد الله الأول، ومحل أن مفعول ثان لا خبره، والضمير المستتر في آخره راجع إلى جابر، والبارز مفعول أول لا خبر عائد إلى عبد الله الثاني، ومحل \"أن\" في: أن رسول الله نصب على أنه مفعول ثان لا خبر، جاءَ يَعُودُ عبد الله بن ثابت، وهو أبو الربيع عبد الله بن ثابت الظفري الأنصاري، مات على عهد رسول الله - ﷺ -، فوجده أي: عبد الله بن ثابت قد غُلِبَ، أي: بصيغة المفعول، أي: غلبه الألم حتى منعه مجاوبة النبي - ﷺ -، فصاح به، أي: فرجع صوته في الكلام معه، فلم يُجبه، أي: لعدم شعوره، فاسْتَرْجَع رسول الله - ﷺ - أي: قال: إنا (ق ٣١٠) لله وإنا إليه راجعون، تعبدًا لنفسه، وإشعارًا لها بأن الكل لله، وأن الكل راجع إلى مولاه، وقال وفي نسخة: ثم قال: غُلِبْنا عليك على صيغة المجهول، أي: غلب أمر الله عليك يا أبا الربيع، وفيه إيماء إلى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ [يوسف: ٢١]، وأن المخلوق مأثور في قبضة قدرته وقدره، قال سعيد بن زيد الباجي المالكي: يحتمل أن يكون أراد التصريح، يعني: استرجاعه وتأسفه، فصاح النِّسْوَة، وهي اسم جمع لا جمع، وكذا ذكر صاح كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ﴾ [يوسف: ٣٠]، والمعنى: أن النساء من أهل البيت رفعن صوتهن، وَبَكَيْنَ أي: ظنًا منهن أنه مات أو قارب الموت، فجعل أي: شرع ابن عتيك يسكتهن، بتشديد الكاف المكسورة، أي: يقول لهن: اسكتن ولا ترفعن صوتكن، وأما البكاء فلا حرج عليكن، فقال رسول الله - ﷺ -: \"دَعْهُنّ، أي: اتركهن في حالهن، فإذا وَجَبَ أي: إذا مات، وأصله من وجب الحائط إذا سقطه، ووجبت الشمس إذا غابت، ومنه قوله تعالى في سورة الحج: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: ٣٦]، أي: سقطت وماتت بعد نحرها، فلا تبكين باكية\"، أي: برفع صوتها، والمعنى: لا تكونن صائحة نائحة، قالوا: أي: بعض الحاضرين: وما الوجوب يا رسول الله؟ أي: معناه المتضمن في إذا وجب؟ قال: \"إذا مات\"، وهذا إشارة إلى كمال معرفته في بيان غريب اللغات، قالت ابنته: أي: بنت المريض، وهو عبد الله بن ثابت، والله إن بكسر الهمزة","vol":"2","page":79},{"text":"وسكون النون المخففة من الثقيلة، وضمير الشأن محذوف، وفي نسخة: إني بكسر الهمزة والنون المشددة المكسورة، والياء للمتكلم، كنت لأرجو بفتح اللام جواب القسم، أي: والله لتمنيت أن تكون أي: إلي شهيدًا، أي: أن تصير من الشهداء في سبيل الله، فلا تموت فوق الفراش؛ فإنهم كانوا يعدون هذا نقصًا، أو لأنه قد تهيأ للبروز، ويدل عليه قولها: فإنك قد كنت قضيت جهازَك\" بفتح الجيم وبكسر أي: هيأت ما بعده الرجل من السلاح للسفر، ومنه قوله تعالى في سورة يوسف: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ [يوسف: ٧٠]، قال رسول الله - ﷺ -: \"إن الله تعالى قد أوْقَعَ أجره أي: أوجب ثواب غزوته على قدر نيته، أي: ولو كان هو في بيته ﴿مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠].\nوفي الحديث إيماء إلى أن نية الخروج كافية في تحصيل الأجر، كما يُستفاد من قوله - ﷺ -: \"إنما الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى\"، رواه البخاري عن عمر بن الخطاب ﵁، ثم قال: وما تعدّون الشهادة؟ \"، أي: أي الصفة التي تحسبونها وتعتبرونها عندكم شهادة، وينال بها المؤمن رتبة الشهداء؟ قال الطيبي: و\"ما\" هنا استفهامية يسأل بها عن وصف من له كرامة، وقربة عند الله تعالى، كما قال الله تعالى في سورة آل عمران: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (ق ٣١١) الآية [آل عمران: ١٦٩]، محلها نصب على أنها مفعول أول لتعدون، بمعنى تحسبون وتظنون قدم على علله لصدارته، ومفعوله الثاني الشهادة، قالوا: القتلُ أي: بنصب القتل على تقدير: نعد القتل، ويجوز رفعه تقديره: الصفة التي نعدها شهادة، وهي القتل في سبيل الله، أي: الجهاد فقط، قال رسول الله - ﷺ -: \"الشهادة أي: الحكمية التي ينال بها المؤمن في الآخرة كرامات كثيرة، لكرامات الشهيد الحقيقي من أن ريح دمهم كريح المسك سبع: سوى القتل في سبيل الله: وفي رواية أبي هريرة ﵁: الشهداء خمسة، وما بينهما تعارض، والجواب عنه: الوعد بالأكثر متأخر من الأول، والوعيد خلافه، وإنما استثنى - ﷺ - القتل في سبيل الله عن الشهيد الحكمي اعتناءٌ لشأن الشهيد الحقيقي من الشهيد الحكمي: المطعون شهيدٌ، وهو من يموت من الطاعون. روى الطبراني عن أبي موسى الأشعري ﵁ أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"فناء أمتي بالطعن والطاعون\"، قالوا: يا رسول الله، هذا الطعن - وهو التعوذ إلى طرف آخر قد عرفناه، وما الطاعون؟","vol":"2","page":80},{"text":"قال: \"وخز أعدائكم من الجن\"، والوخز: هو الطعن في غير نافذ، وفي رواية أحمد في مسنده عن أبي موسى الأشعري: \"وخز إخوانكم من الجن\"، ففي كل من الطعن والطاعون شهادة، فإن استشكل في الحديثين منافاة، أجيب إن صحت الروايتان، احتمل - والله أعلم بالصواب - في الجمع بينهما أن رواية: \"أعدائكم\" طعن الكافرين من الجن للمسلمين من الإِنس، ورواية: \"إخوانكم\" طعن المسلمين من الجن للكافرين من الإِنس.\nفإن قيل: ما الحكمة في تسليط الله الجن على الإِنس بالطاعون؟\nقال أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي بن الحنبلي في حق كون الطاعون وخز أعدائنا الجن: حكمة بالغة فإن أعداءنا من الجن شياطينهم، وأما أهل الطاعة منهم فهم إخواننا، والله تعالى أمرنا بعداوة أعدائنا من الجن والإِنس، وطلب لمرضاته تعالى، فأبى أكثر الناس عن العداوة بهم إلا مساكين الناس وفقرائهم، فسلط الله الجن على الناس بالطاعون عقوبة وعذابًا لهم حيث أطاعوا أعدائنا من الجن والإِنس حين توسوسوا أمورهم بالمعاصي والفساد في الأرض، فأطاع أكثر الناس بأعدائنا من الجن والإِنس، فاقتضت الحكمة الإِلهية أن سلطهم الله عليهم بالطعن فيهم، كما سلط الله على الإِنسان أعدائهم من الإِنس، حين أفسدوا في الأرض، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، وتسليط الله أعداء الناس عليهم محاربة ومقاتلة الطاعون من الجن، وكل من الإِنس والجن بتسليطهما على الإِنس بالطعن والطاعون، بتسليط العزيز الحكيم عقوبة لمن يستحق العقوبة وشهادة ورحمة لمن هو أهل لها، وهذه المقابلة سنة الله تعالى وعاداته القديمة في عقوبات التي تقع عامة فتكون طهر للمؤمنين، (ق ٣١٢) وانتقامًا من المجرمين والعاصين لله تعالى.\nوالثاني من السبع من الشهداء الحكمي، والغريق شهيد، وقد أخرج ابن ماجه عن أبي أمامة ﵁: \"وُكِّل ملك الموت بقبض الأرواح إلا شهداء البحر، فإن الله تعالى يتولى قبض أرواحهم لكرامتهم عليه، حيث ركبوا البحر في سبيله\"، كذا نقله علي القاري عن السيوطي، والغريق هو الذي مات مغروقًا في الماء، وقال ابن الملك ومعناه: أنهم يشاركون الشهداء في نوع من أنواع المثوبات التي يستحق بها الشهداء، لا المساواة في جميع أنواعها، قال المظهر: من ركب البحر، وأصابه دوران الرأس، فله أجر شهيد إن ركبه للطاعة، كالغزو والحج وتحصيل العلم، أو للتجارة إن لم يكن له طريق سواه ولم يتحر لطلب زيادة المال بل للقوت.","vol":"2","page":81},{"text":"ثم أخبر عن الشهيد الثالث الحكمي، وقال: وصاحب ذات الجَنْب شهيد، وهو مرض معروف يعرض ورم جار في الغشاء المستبطن للأضلاع.\nثم بيَّن الرابع فقال: والمبطون شهيد، قال ابن عبد البر: هو صاحب الإِسهال، وقال في (النهاية): هو الذي يموت بمرض بطنه، كالاستسقاء ونحوه، وفي كتاب (الجزائر): لأبي بكر المروزي عن شيخه شريح: أنه صاحب القولنج، كذا قاله الشيخ شمس الدين العلقي في (الكوكب المنير)، وفي (شرح مسلم)، المبطون هو صاحب الداء في البطن، وقال القاضي عياض: المبطون هو الذي به الاستسقاء وانتفاخ البطن، وقيل: هو الذي يموت بداء بطنه مطلقًا، انتهى، قوله: قولنج بفتح القاف واللام وبضم أوله، وقد يكسر لأنه وجع في المعنى، وهو مرض مؤلم يعسر معه خروج الثقل والريح، ويترتب عليه شدة المغص، وهو بفتح الميم وشدته قوله - ﷺ -: \"والمبطون\" في هذه النسخة وقع بعد قوله: \"وصاحب ذات الجنب شهيد\"، وفي نسخة أخرى: وقع في المرتبة السابقة.\nثم بيَّن الخامسة فقال: وصاحب الحريق شهيد، وهو الذي يحترق في النار فيموت.\nثم بيَّن السادسة فقال: والذي يموت تحت الهَدْم بفتح الهاء وسكون الدال المهملة اسم الفعل، والهدم بكسرها الميت تحت الهدم، وبفتحها ما يُهدم، شهيد، قال العلقمي في (الكوكب المنير) عن القرطبي: هذان إذا لم يغدرا بنفسهما، ولم يمكنهما التحرز، فإن فرطا في التحرز حتى أصابهما الحرق والهدم كانا عاصيين.\nوبيَّن السابعة فقال: والمرأة تموت بجُمْع بضم الجيم وكسرها وسكون الميم شهيدٌ، وفي رواية: \"شهيدة\"، قيل: هي من تموت من الولادة، سواء ألقت ولدها أم لا، وقيل: هي من تموت في النفاس وولدها في بطنها لم تلده، وقيل: هي من تموت عذراء يعني بكرًا.\nقال ابن عبد البر: والقول الثاني أكثر وأشهر، وفي (النهاية): أن الجمع بضم وسكون، بمعنى المجموع، أي: أنها ماتت مع شيء مجموع فيها غير منفصل (ق ٣١٣) عنها من حمل أو بكارة، والحديث الذي بيَّن فيه مراتب أموات السبع الأموات التي فيها شدة الألم، تمحيصًا لذنوبهم، وزيادة في أجورهم، حتى يبلغهم بها مراتب الشهداء، وهذا الحديث رواه مالك وأحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم في (المستدرك)، كلهم عن جابر بن عتيك.\n* * *","vol":"2","page":82},{"text":"٣٠٣ - أخبرنا مالك، حدثنا سُمَيّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"بينما رجل يمشي وَجَدَ غُصْن شَوْكٍ على الطريق، فأخَّرَه، فشكر الله له فغفر له\" وقال: \"الشهداءُ خمسة: المبطون شهيد، والمطعون شهيد، والغريق شهيد، وصاحب الهدم شهيد، والشهيد في سبيل الله\"؛ وقال: \"لو يَعْلَمُ الناس ما في النِّداء والصفِّ الأوّلِ ثم لم يجدوا إلا أن يَسْتَهِموا عليه لَاسْتَهَمُوا، ولو يعلمون ما في العَتَمَة والصبح لأَتوْهُما ولو حَبْوًا\".\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا مالك بن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، نسبة إلى ذي أصبح، ملك من ملوك اليمن، أحد أجداد الإِمام مالك بن أنس صاحب المذهب، حدثنا سُمَيّ، بالتصغير مولى أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، تابعي، ثقة من الطبقة السادسة، مات سنة ثلاثين مقتولًا بقديد بعد المائة من الهجرة، عن أبي صالح الأشعري الشامي، وهي في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، وهو ثقة مقبول من الطبقة الثالثة، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"بينما طرف لمتوسط في زمان أو مكان، حسب المضاف إليه، وإذا قصد إضافة بينه إلى أوقات مضافة إلى جملة حذف الأوقات، وعوض عنها الألف وما فيقال: بينا أو بينما منصوب المحل، والعامل فيه معنى المفاجآت، كذا قاله ابن الملك في (شرح المصابيح) رجل يمشي وَجَدَ غُصْن بفتح الغين المعجمة وسكون الصاد المهملة بمعنى: القطع أو القطعة، كذا قاله محمد الواني في ترجمة الجوهري، شَوْكٍ على الطريق، فأخَّرَه، أي: فأبعده عنها ورماه في ناحية منها، فشكر الله له، أي: رضي فعله، وقبل منه، كذا نقله علي القاري عن العسقلاني، فغفر له\" وقال سعيد بن زيد الباجي: يحتمل أن يريد جازاه على ذلك بالمغفرة، أو أثنى عليه ثناءً اقتضى غفرانه، أو أمر المؤمنين بشكره والثناء عليه بجميل فعله. انتهى.\nوفي الصحيح: \"إن الإيمان بضع وسبعون شعبة، أفضلها قول: لا إله إلا الله،\n_________\n(٣٠٣) صحيح، أخرجه: البخاري (٦٥٤)، ومسلم (١٩١٤)، وأبو داود (٥٢٤٥)، والترمذي (١٩٥٨)، وأحمد (٨١٠٦)، ومالك (٢٩٥).","vol":"2","page":83},{"text":"وأدناها إماطة الأذى عن الطريق\" (١) والله ولي التوفيق، وقال: أي: النبي - ﷺ - أو أبو هريرة مرفوعًا: \"الشهداءُ أي: الحكمي مثوبة في الآخرة: خمسة، أي: خمسة نفر أو أنواع، الحصر إضافي باعتبار المذكور هنا، وإلا فقد عد جميع الشهداء التي وردت في أخبار بلغت نحو الثلاثين، المبطون شهيد، قال ابن عبد البر: هو صاحب الإِسهال، وقال في (النهاية): هو الذي يموت بمرض في بطنه كالاستسقاء ونحوه، والمطعون شهيد، أي: الذي يموت بالطاعون، عن عتبة بن عبد السلمي ﵁ عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"تأتي الشهداء والمتوفون بالطاعون يوم القيامة إلى رب العالمين، فيقول أصحاب الطاعون - أي: الذين يموتون بالطاعون: نحن الشهداء، فيُقال من طرف الله تعالى للملائكة: انظروا أيها الملائكة إلى جراحهم، فإن كان جراحهم كجراح الشهداء تسيل دمًا كريح المسك فهم شهداء؛ فيجد لهم الملائكة دماءهم كالمسك الأزفر فيلتحقون بشهداء المعركة في الثواب والكرامة\"، والغريق شهيد، كذا في نسخة، وهو أي: الغريق بالياء بعد الراء الذي يموت مغروقًا بغير ياء غرق، وصاحب الهدم شهيد، بفتح الهاء وسكون الدال اسم الفعل، والهدم بالكسر أي: بكسر الدال الميت تحت الهدم، (ق ٣١٤) وبفتحها ما يهدم، والشهيد في سبيل الله\"؛ أي: خامسهم المقتولون في المعركة، وهذه الرواية لا تعارض بالرواية السابقة؛ لأن التخصيص بالعدد لا يدل على نفي الزائد، كذا قلنا في (توضيح الأسرار شرح بركات الأبرار)، فاطلب تفصيله هناك إن شئت.\nقال علي القاري: وخطر ببالي أن موت العالم شهادة بشهادة قوله - ﷺ -: \"يوزن مداد العلماء بدماء الشهداء فيرجح مداد العلماء\"، وقال: أي: النبي - ﷺ -: \"لو يَعْلَمُ الناس وقال الطيبي: وضع المضارع موضع الماضي لتعذر استمرار العلم، ذكره السيوطي، والظاهر أن المضارع على حاله، وأن المعنى لو فرض أنهم يعلمون ما في النِّداء من الخير والبركة، والمراد بالنداء الأذان والإِقامة، كما في الرواية، والصفِّ الأوّلِ أي: ما فيه من الفضل والرحمة، ثم لم يجدوا أي: حصول كل منهما للمزاحمة فيهما بوجه، إلا أن يَسْتَهِموا أي: يقترعوا عليه لَاسْتَهَمُوا، يعني: لو يسامحوا ولم يساهلوا لأجلهم.\n_________\n(١) أخرجه: البخاري (٩)، ومسلم (٣٥).","vol":"2","page":84},{"text":"وقيل: المراد أن يتراموا بالسهام، وأنه خرج مخرج المبالغة في الكلام تحريضًا على التوسل بالمراد، ويؤيده خبر لتجالدوا عليه بالسيوف وضمير عليه، إلى ما ذكر من الأمرين.\nوقيل: الضمير للصف الأول؛ لأنه أقرب مذكور، ويدل على ما قبله بالقياس المشهور، ونظيره قوله تعالى في سورة التوبة: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ [التوبة: ٣٤]، وقال الحافظ ابن حجر: وقد رواه عبد الرزاق عن مالك بلفظ لاستهموا عليهما، وهو مفصح بالمراد، ولو يعلمون أي: الناس ما في التهجير وهو التبكير إلى الصلاة، أي صلاة كانت، كما قاله الهروي وغيره، وخصه الخليل بالجمعة.\nوقال النووي: الصواب الأول، وقال سعيد بن زيد الباجي المالكي: التهجير التبكير إلى الصلاة في الهاجرة، وذلك لا يكون إلا في الظهر والجمعة، قلت: ولا يبعد أن يكون تجريد في الكلام؛ إذ العموم يسبق إلى الأفهام في هذا المقام، لا سيما والمبادرة إلى الطاعة مطلوبة على الدوام، لاستبقوا إليه، أي: لأنه من جملة المتكبرات، وقد قال تعالى في سورة البقرة: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]، وقال ابن أبي جمرة: المراد الاستباق معنى لا حسًا؛ لأن المسابقة على الأقدام حسًا يقتضي السرعة فيِ المشي وهو ممنوع منه، قلت: المقصود المبالغة، كما قال تعالى في سورة الجمعة: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، والقدر المهني مستثنى منه، ولو يعلمون أي: الناس ما في العَتَمَة أي: صلاة العشاء والصبح أي: في حضورهما من الفضل، لأَتوْهُما ولم يلتفتوا إلى عذر مانع منهما، ولو وصلية حَبْوًا\". بفتح الحاء المهملة وسكون الموحدة، والواو مصدر حبا يحبوا إذا مشى الرجل على يديه وبطنه، والصبي يمشي على استه، وأشرف بصدره، وخصهما بالذكر؛ لأن السعي إليهما أشق من غيرهما، لما فيه من تنقيص أول النوم وآخره؛ ولأنه من أفعال الموافقين بخلاف أحوال المنافقين، هذا.\nوقال النووي: قد ثبت النهي عن تسمية العشاء عتمة، والجواب عن هذا الحديث من وجهين: أحدهما: أن هذه التسمية بيان للجواز، وأن ذلك النهي ليس للتحريم، وثانيهما: وهو الأظهر أن استعمال العتمة هنا لمصلحة ونفي مفسدة؛ لأن العرب يستعمل لفظ العشاء في المغرب، فلو قال: ما في العشاء لحملوها على المغرب وفسد المعنى وفات المطلوب. انتهى.","vol":"2","page":85},{"text":"اعلم أن الشهداء في المعركة لا يغتسلون، ولا يكفنون بدمائهم، وثيابهم التي قتلوا فيها كفنٌ لهم، ويصلى عليهم خلافًا للشافعي، فإنهم لا يرون الصلاة عليهم؛ لأن السيف محى الذنوب عن الشهداء في المعركة، واستغنوا عن الاستغفار لهم، قلنا: إن الصلاة على الميت للتعظيم، والشهداء أولى به، بهذا قد صح أن النبي - ﷺ - صلى على قتلى أحد واحدًا بعد واحد، كذا قاله ابن الملك في (شرح مجمع البحرين).\nلما فرغ من بيان أحكام الشهيد شرع في بيان أحكام الجنائز، فقال: هذا\n* * *","vol":"2","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>أبواب الجَنَائِز</span>\nفي بيان أحكام الجنائز، فهي بمنزلة كتاب الجنائز، وهي بفتح الجيم جمع جنازة، وهي بالكسر لغتان، قال ابن قتيبة: وجماعة الكسر أفصح، وقيل: بالكسر للنعش، وبالفتح للميت، وقالوا: لا يقال نعش إلا إذا كان عليه الميت، وأورد المصنف هذه الأبواب الآتية بين باب الشهداء وبين كتاب الزكاة لتعلقهما بهما؛ لأن الشهادة تطهر النفس عن الآثام، وكذلك غسل الجنازة يطهرها عن الدنس الظاهرة، والصلاة عليها دعاء بالمغفرة لذنوبها، والزكاة تطهير للنفس والمال إذا أديت، كما قال تعالى في سورة الأعلى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤]، أي: نجا من أدى زكاة أمواله.\nقال مالك عن جعفر الصادق بن محمد الباقر عن أبيه مرسلًا عن عائشة ﵂؛ أنها قالت: أن رسول الله - ﷺ - غسل في قميص، وقال سعيد بن زيد الباجي - المالكي: يحتمل أن يكون ذلك خاصًا به - ﷺ -؛ لأن السنة عند مالك وأبي حنيفة والجمهور أن يجرد الميت ولا يغسل في قميصه، وقال الشافعي: لا يجرد ويغسل فيه، وقد قالت عائشة ﵂: لما أرادوا غسل النبي - ﷺ - قالوا: والله لا ندري أنجرده عن ثيابه كما نجرد موتانا أو نغسله وعليه ثيابه، فألقى الله عليهم النوم حتى ما منعهم رجل إلا وذقنه في صدره، ثم كلمهم متكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو: غسلوا رسول الله - ﷺ - وعليه ثيابه، كذا قاله السيد محمد الزرقاني.\nورُوي أن رسول الله - ﷺ - لما توفى غسله عليّ ﵁ ومسح بطنه المبارك بيده رقيقًا، وطلب منه ما طلب من الميت فلم ير شيئًا، فقال: طبت حيًا وميتًا، وصب عليه الماء عبد الله بن عباس ﵄، كذا قاله السيواسي في (الفرائد شرح ملتقى الأبحر).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>باب المرأة تُغَسِّل زوجها</span>\nفي بيان حال المرأة تغسل زوجها، اتفقوا على أن للزوجة أن تغسل زوجها لبقاء العدة، فلو ولدت عقب موته لم تغسله بخلاف الرجل فإنه لا يغسل زوجته لانقطاع","vol":"2","page":87},{"text":"النكاح، فإذا لم توجد امرأة لتغسلها فزوجها يتيممها أو ليس عليه كف نظره عن ذراعيها بخلاف الأجنبي، كذا في (سلم الفلاح شرح نور (ق ٣١٦) الإِيضاح).\n٣٠٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر، أن أسْماءَ بنت عُمَيْس امرأةَ أبي بكر الصِّدِّيق غَسَّلَتْ أبا بكر حين تُوُفِّي، ثم خرجت فسألت مَنْ حضرها من المهاجرين؛ فقالت: إني صائمة، وإن هذا يوم شديد البرد، فهل علىّ من غُسْل؟ فقالوا: لا.\nقال محمد: وبهذا نأْخذ، لا بأس بأن تغسِّل المرأة زوجها إذا تُوُفِّيَ، ولا غُسْل على من غسَّل الميت، ولا وُضوءَ، إلا أن يصيبه شيء من ذلك الماء فيغسله.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا مالك بن أنس، أي: ابن عمير بن أبي عامر نسب إلى ذي أصبح، وهو ملك من ملوك اليمن، وهو من أتباع التابعين في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، أخبرنا وفي نسخة قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، المدني القاضي، تابعي، ثقة من الطبقة الخامسة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة، وهو ابن سبعين سنة، كذا قاله ابن حجر في (التقريب) (١).\nأن أسْماءَ وهو غير منصرف للعلمية والتأنيث، وقيل: أصل وسام، بنت عُمَيْس بضم المهملة وفتح الميم وسكون التحتية والسين المهملة مصغر خثعمية، صحابية تزوجها جعفر بن أبي طالب ثم أبو بكر، ثم علي، وولدت منهم، وماتت بعد علي، وهي أخت ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين، امرأةَ أبي بكر الصِّدِّيق ﵁، أنها غَسَّلَتْ زوجها أبا بكر حين تُوُفِّي، بضمتين وكسر فاء مشددة، أي: مات ليلة الثلاثاء لثمان بقين من\n_________\n(٣٠٤) صحيح، أخرجه: مالك (٥٠٨)، وعبد الرزاق في مصنفه (٦١٢٦).\n(١) تقدم.","vol":"2","page":88},{"text":"جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة، وله ثلاث وستون سنة، كما رواه الحاكم وغيره عن عائشة ﵂، وهو الصحيح كما في (فتح الباري)، ولا خلاف في جواز تغسيل المرأة زوجها، وأما تغسيله لها فأجاز الجمهور والأئمة الثلاثة؛ لأن عليّا ﵁ غسَّل فاطمة ﵂، وقال أبو حنيفة والثوري: تغسله لأنها في عدة منه، ولا يغسلها لأنه ليس في عدة منها، ولا حجة فيه؛ لأنها في حكم الزوجية لا في حكم البيتوتة بدليل الإِرث، ثم أي: بعد غسله خرجت أي: من المغتسل فسألت مَنْ حضرها من المهاجرين؛ فقالت: إني صائمة، هذا أحد أعذارها، وإن هذا يوم شديد البرد، فهل عليَّ أي: واجب من غُسْل؟ أي: لغسل الميت لا للعدة، كما توهمه عدة من النساء على التقديرين، فقالوا: أي: المهاجرون: لا، أي: لا يجب ولا يستحب عليك الغسل.\nقال محمد: وبهذا أي: بأثر عبد الله بن أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم نأْخذ، أي: نعمل ونُفتي، لا بأس أي: لا كراهة بأن تغسِّل المرأة زوجها أي: لو كانت صائمة، وفي الخانية الصغير والصغيرة، إذا لم يشتهيا يغسلهما الرجال والنساء؛ لأن أعضائهما ليس لهما حكم العورة، كذا قاله الشمني في (شرح النقاية)، إذا تُوُفِّيَ، بضم الفوقية والواو، وبكسر الفاء المشددة، أي: إذا مات الزوج مع قطع العلاقة المحرمية بالنكاح، ولا غُسْل على مَنْ غَسَّل الميت، أي: مطلقًا، ذكرًا كان أو أنثى، ولا وُضوءَ، أي: ولا طهارة صغرى، أي: هنا من هذه الجهة، إلا أن يصيبه أي: بدنه شيء من ذلك الماء أي: المستعمل، فليغسله، أي: محله احتياطًا؛ فإن الماء المستعمل طاهر (ق ٣١٧) في نفسه غير مطهر غيره عند أبي حنيفة، وأما ما أخرجه أحمد بن حنبل عن المغيرة مرفوعًا: \"مَنْ غسل ميتًا فليغسل\"، فمحمول على ما مر في أن يصيبه الماء المستعمل، أو في الاستحباب كما قاله أبو حنيفة.\nاعلم أن غُسل الميت فرض كفاية على الأحياء حتى لو وجد ميت في الماء غسل، وإن كان يفسخ صب عليه الماء، واختلفوا في سبب غسله، فقيل: حدث يحل بالميت لاسترخاء مفاصله، فإن الآدمي لا ينجس بالموت لكرامة له، وإنما لم يقتصر على إعفاء الوضوء؛ لأن الاقتصار عليها في الحياة للحرج فيما يتكرر في كل يوم، والحدث بسبب الموت لا يتكرر فكان كالجنابة.\nوقال العراقيون: سببه النجاسة بالموت كسائر الحيوانات؛ لأن شخصًا لو حمل","vol":"2","page":89},{"text":"ميتًا وصلى لم تجز صلاته، ولو حمل محدثًا وصلى جازت، كذا قاله الشمني في (شرح النقاية).\nلما فرغ من بيان حكم غسل الميت، شرع في بيان ما يُكفن الميت به من الثياب، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>باب ما يكفن به الميت</span>\nفي بيان حكم ما أي: الثوب الذي يُكفَّن به الميت بصيغة المجهول، أي: كفن الميت بالثوب الثالث إن كان ذكرًا على الوجه السنة، وإن كان أنثى فخمسة.\n٣٠٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب الزُّهريّ؛ عن حُمَيْد بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه قال: الميت يقمَّص ويُؤزَّر ويُلفُّ بالثوب الثالث، فإن لم يكن إلا ثوب واحد كُفِّنَ فيه.\nقال محمد: وبهذا نأْخذ، الإزار يجعل لفافة مثل الثَّوْب الآخر؛ أحَبّ إلينا من أن يُؤزَّر ولا يعجبنا أن يُنْقَص الميت في كفنه من ثوبين؛ إلا من ضرورة. وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا مالك بن أنس بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، أي: ينسب إلى ذي أصبح، وهو ملك من ملوك اليمن، ومن أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من طبقات أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، أخبرنا ابن شهاب وهو محمد بن مسلم بن شهاب بن الزُّهريّ بن كلاب، تابعي مدني، في الطبقة الرابعة من طبقات أهل المدينة، كذا قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي، عن حُمَيْد\n_________\n(٣٠٥) صحيح، أخرجه: مالك (٥١٢)، وعبد الرزاق في مصنفه (٦١٩١)، والبيهقي في الكبرى (٦٧٩١).","vol":"2","page":90},{"text":"بالتصغير ابن عبد الرحمن، أي: ابن عوف الزهري المدني، ثقة، وكان من كبار التابعين، ومن الطبقة الثانية، مات سنة خمس ومائة، كذا قاله المؤرخون، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، بكسر المهملة بغير ياء، هو الصواب، وليحيى عن عبد الرحمن بن عمرو بن العاص بالياء، وهو وهم، كذا قاله علي القاري، وهو الصحابي ابن الصحابي، كذا قاله الزرقاني، أنه قال: الميت يقمَّص ويُؤزَّر بصيغة المجهول من باب التفعيل فيهما، أي: يلبس القميص والإِزار، وهو: أي: القميص ثوب يحمل من أصل عنق الميت إلى قدمه بلا دِخْرِيص (١) ولا جيب ولا كمين، والإِزار هو من القرن إلى القدم، ويُلفُّ بصيغة المفعول من اللف بالثوب الثالث، وهو: أي: الثالث للميت، يقال له: لفافة، وهي أيضًا من القرن إلى القدم، هذه الثلاثة من الثوب سنة الكفن للرجل إذا وجدت، لما روى أبو داود حديث عائشة ﵂، قالت: كُفِّنَ رسول الله - ﷺ - في ثلاثة أثواب نجرانية، الحلة ثوبان وقميصه الذي مات فيه (٢)، وحلة نجرانية، قال أبو عبيد: الحلة إزار ورداء، ولا يكون الحلة إلا من ثوبين، وروى محمد عن أبي حنيفة عن حماد (ق ٣١٨) عن إبراهيم النخعي مرسلًا أنه - ﷺ - كفن في حلة يمانية وقميص، يعني: إن كان المال المتروك كثيرًا والورثة قليلًا فالكفن للرجال على السنة ثلاثة أثواب، كما مر آنفًا، وللنساء على السنة، خمسة أثواب قميص وإزار ولفافة وخمار لوجهها ورأسها، وخرقة لربط ثديها وعرض الخرقة لما بين الثدي إلى السرة، وقيل: إن الركبة كيلا ينشر الكفن، فإن لم يكن وفي نسخة بالواو، ولكن الفاء أولى كما في (الموطأ)، ولمالك؛ لأن المقام يقتضي بالفاء التعقيبية، ويجوز أن تكون عاطفة بمقدر قدرناه بقولنا، يعني: إن كان المال المتروك كثيرًا يعني: إن لم يوجد إلا ثوب واحد كُفِّنَ أي: الرجل فيه، أي: في ثوب واحد، وتُكفن المرأة على الكفاية في ثلاثة أثواب: خمار وخرقة ولفافة للضرورة إن كان المال المتروك قليلًا والورثة كثيرة، وهنا الحديث موقوف حقيقة مرفوع حكمًا.\nقال محمد الغزالي في (درة الفاخرة): إذا قيض الملك نفسًا سعيدة تناولها ملكان حسنان الوجوه عليهما أثواب حسنة، ولها رائحة طيبة، فيلقيانها في حريرة من حرير الجنة، ويعرجان بها في الهواء، فلا تزال تمر بالأمم السالفة القرون الخالية أي: الماضية،\n_________\n(١) هو ما يوصل به البدن لوسعه.\n(٢) أخرجه: أبو داود (٣١٥٣).","vol":"2","page":91},{"text":"كأمثال الجراد المنتشرة، حتى تنتهي إلى السماء الدنيا، ثم من السماء إلى السماء السابعة، ثم يصعدانها إلى سدرة المنتهى، ثم يمرانها في بحر من نور، ثم في بحر من ظلمة، ثم بحر من ماء، ثم من بحر من ثلج، ثم من بحر من برد، وهو بفتح الموحدة والراء المهملة المفتوحة والدال حب الغمام، كل بحر طوله ألف عام، حتى ينتهيان بها إلى الحُجُب المضروبة على عرش الرحمن، وهو ثمانية آلاف سرادق، بضم السين المهملة والراء والألف وكسر الدال المهملة والقاف حجب، ويقال له بالتركي: بردة، فحينئذ ينادي منادٍ من وراء الحُجُب من الحضرة القدسية: من هذه النفس التي جئنا بها فيقال: فلان بن فلان، فيقول الجليل ﷻ: قربا بها فنعم العبد هو، فإذا وقف العبد بين يديه خجل ببعض اللوم والمعاتبة حتى تظن أنها هالكة ثم يعف عنها ﷾، ثم قال لها: سيرا بها وتزيا بها (١) مقعده من الجنة، فيسيران بها في الجنة على قدر ما يغسل الميت، فإذا غسل وكفن ردت وأدرجت بين كفنه وجسده - على قول - فإذا حمل على النعش فإنه يسمع كلام من تكلم بخير، ومن تكلم بشر، فإذا وصل إلى قبره رد فيه الروح، ودخل عليه الملكان - أي المنكران - والنكيران فيسألانه عن ربه ودينه ونبيه، فيقول: ربي الله، وديني الإِسلام، ونبيي محمد - ﷺ -.\nقال محمد: وبهذا أي: بقول عبد الله بن عمرو بن العاص، نأْخذ، أي: نعمل ونفتي، الإِزار مبتدأ وخبره جملة، أن يجعل بصيغة المجهول، لفافة منصوب بنزع الخافض أي: كلفافة مثل الثَّوْب الآخر؛ وهو لدفع التوهم تولد من قوله: لفافة كأنه توهم، (ق ٣١٩) أن الإِزار يقوم مقام اللفافة، فيكون الكفن على السنة للرجال ثوبين: قميص وإزار في الطول، أحَبّ إلينا من أن يُؤزَّر أي: من أن يشد وسط الميت كالإِزار، وهو أي: الإِزار في اللغة ثوب يشد بالنصف الأسفل من الإِنسان، ولا يعجبنا من الإِعجاب، أي: ما حسن لنا، أن يُنْقَص بصيغة المجهول الميت مرفوع على أنه نائب الفاعل لينقص، يعني: لا ينبغي لنا أن ننقص في كفنه من ثوبين؛ إلا من ضرورة، أي: لأجل الضرورة، وهو أي: نقص كفن الميت من الثوبين لأجل الضرورة، وهو قول أبي حنيفة، ﵀.\nوذكر في (فتاوى البزازية) عن الإِمام الصفار: لو كتب على جبهة الميت أو كفنه الذي على صدره عهدنا من يرجى أن يغفر الله للميت، وهو أن يكتب: \"اللهم فاطر\n_________\n(١) كذا في المتن، وهي غير واضحة، ولعل المذكور هو الأنسب.","vol":"2","page":92},{"text":"السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، اللهم إني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت، وحدك لا شريك لك، وأن محمدًا عبدك ورسولك، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، ولا أقل من ذلك، فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعل لي ذلك عهدًا عندك تؤديه إليَّ يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد\".\nورُوي عن بعض المتقدمين أنه أوصى أن يكتب في جبهته أو صدره: \"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\"، فَفُعِل، ثم رُؤي في المنام، وسُئل عن حاله، فقال: لما وُضِعتُ في القبر جاءني ملائكة العذاب، فلما رأوا مكتوبًا في جبهتي أو صدري \"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\" قالوا: أمنت من العذاب، كذا في (التانارخانية).\nلما فرغ من بيان حكم كفن الميت، شرع في بيان حكم الإِسراع بالمشي بحمل الجنازة على أعناق الرجال، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>باب المشي بالجنائز والمشي معها</span>\nفي بيان حكم المشي بالجنائز والمشي معها، وهو: أي: المشي بفتح الميم وسكون الشين المعجمة والتحتية، مصدر بمعنى الإِسراع بالعدو بلا خبب إذا حملوا الجنازة في أعناقهم، وهو لازم ومتعد يقال: مشيتها تمشية، كذا قاله محمد الواني في (ترجمة الجوهري)، والباء في الجنازة إما للتعدية على الوجه الأول، وإما زائدة على الوجه الثاني، قوله: والمشي معها، عطف على المشي بالجنازة، وإشعار بجواز المشي خلف الجنازة وأمامها، لكن المشي خلفها لينظرها ويعتبر من حالها أفضل كفضل صلاة مع الجماعة على التطوع، إسناد المشي إلى الجنازة مجاز، وهو من قبيل تسبب المركب بالمركب، وهو تشبيه الهيئة الحاصلة في المشبه إلى الهيئة الحاصلة في المشبه به.\nاعلم أن المصنف شبه الأمور المنتزعة عن الجنازة إلى الأمور المنتزعة في أمير من أمراء الملك، والمهيب، فإنه إذا دعاه عجالة ألقى ما شغله من يده ويخرج من داره يسعى ويركب فرسه وخدمائه يمشون في ركابه يمينًا وشمالًا، فلما وصل إلى باب دار الملك المهيب نزل عنده ويدخل فيها، ويمشي خاشعًا ويتذلل بأنواع التذلل، وإذا قرب إليه سلم عليه ويدعو","vol":"2","page":93},{"text":"له ولو رضى الملك عنه لألبس ظهره (ق ٣٢٠) خلعة فاخرة، واستقره في أمره وألا يعزله عن أمره ويعاتبه ويأخذ عنه ما أعطاه، فيقتله إن استحق القتل أو يجليه إلى جزيرة بعيدة، وكذلك حال الميت؛ فإنه إذا قبض جرد عن ثيابه وألقي على لوح، وغسل فيحمل الرجال على أعناقهم، ويسعون به في مشيهم، وإذا أوصلوه إلى شفير قبره ينزلونه فيه، فيترك ما ملكه وقومه وأهله في الدنيا، وينفرد في قبره فإن رضي عنه ربه، جعل قبره روضة من رياض الجنات، وإلا جعله حفرة من حفر النيران، اللهم أجرنا من النار، فاعتبروا يا أولي الأبصار.\n٣٠٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن أبا هريرة قال: أسرعوا بجنائزكم فإنما هو خَيْرٌ تُقَدِّمُونه إليه، أو شر تُلقونه عن رقابكم.\nقال محمد: وبهذا نأْخذ، السرعة بها أَحَبّ إلينا من الإِبطاءِ، وهو قول أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، أي: ملك ذي الأصبح، من أتباع التابعين في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وله تسعون سنة، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، وفي نسخة أخرى: أنا أخبرنا، وفي نسخة: بنا، أو أنا رمزًا إلى: أخبرنا نافع، أي: المدني مولى عبد الله بن عمر ﵄، أن أبا هريرة ﵁ قال: أي: موقوفًا، ورُوي عنه أيضًا مرفوعًا: أسرعوا بجنائزكم أي: بتجهيز ميتكم ودفنه، أو بالتعجيل في المشي، فإنما هو أي: الميت المدلول عليه بالجنائز، خَيْرٌ أي: صاحب خير أريد به المبالغة، تُقَدِّمُونه أي: الميت إليه، أي: إلى خيره، فهو خير له، أو شر تُلقونه أي: إلى شره في قبره، وليحيى: يضعونه، عن رقابكم أي: فتستريحون، فهو خير لكم.\nروى البخاري بالواسطة عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا وضعت الجنازة، واحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت:\n_________\n(٣٠٦) صحيح، أخرجه: أحمد (٧٧١٤)، (٩٩٥٩)، ومالك (٥٦١)، وابن حبان (٣٠٤٢)، وعبد الرزاق في مصنفه (٦٢٥٠).","vol":"2","page":94},{"text":"قدموني قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها أين تذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعه لصعق\".\nقال محمد - ﵀: وبهذا أي: بأثر أبي هريرة ﵁ نأْخذ، أي: نعمل، السرعة المتوسطة بها أي: الجنازة أَحَبّ إلينا من الإِبطاء، بكسر الهمزة وسكون الموحدة، وفتح الطاء وقصر الألف والهمزة، وهو الثاني ضد السرعة والعجلة، وهو أي: السرعة بالجنازة في المشي، قول أبي حنيفة، نعمان بن ثابت بن طاوس بن هرمز بن ملك بن شيبان، وهو في الطبقة السادسة من طبقات الفقهاء، ولد في عهد الصحابة سنة ثمانين، وهو ابن سبعين سنة، ومات ببغداد، وهي في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة.\n* * *\n\n٣٠٧ - أخبرنا مالك، حدثنا الزُّهري، قال: كان رسول الله - ﷺ - يمشي أمام الجنازة، والخلفاءُ هَلُمَّ جرَّا؛ وابن عمر.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، حدثنا وفي نسخة: قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا الزُّهري، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، كان في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، تابعي، ثقة، قال: أي: مرسلًا، كان رسول الله - ﷺ - يمشي أمام الجنازة، أي: قدامها؛ لأنه يشفع لها، والخلفاءُ أي: يمشون أمامها، فدخل فيهم عليّ ﵁، وما رُوي أنه يمشي خلف جنازة، والعمر أمامها، فقيل له في ذلك فقال: فضل الماشي خلفها على الماشي أمامها كفضل صلاة المكتوبة على النافلة، وإنهما ليعلمان ذلك، ولكنهما سهلا على الناس، وإنه قال: إن شهدت جنازة فقدمها بين يديك؛ فإنها موعظة وتذكرة وعبرة، وخبر أبي جحيفة مرفوعًا: الجنازة متبوعة، وليست بتابعة، وليس تتبعها من تقدمها، فقال ابن عبد البر: هذه أحاديث كوفية لا يقوم بأسانيدها حجة، واختلف الصحابة والتابعون في ذلك، والمشي أمامهم أكثر عنهم، وهو أفضل، وبه قال الأئمة الثلاثة، وقال الأوزاعي وأبو حنيفة: المشي خلفها أفضل، وقال سفيان الثوري: كل ذلك\n_________\n(٣٠٧) صحيح، أخرجه: مالك (٥١٣)، والنسائي في الكبرى (٢٠٧٢)، والدارقطني (٢/ ٧٠)، والشافعي في المسند (١٦٢٦)، والطبراني في الكبير (١٣١٣٤).","vol":"2","page":95},{"text":"سواء، ولا أحد أعلم أكره ذلك؛ فقد قال - ﷺ -: \"من شيَّع جنازة وصلى عليها كان له قيراط من الأجر، ومن قعد حتى تُدفن كان له قيراطان، والقيراط كأُحد\" (١)، ولا يقول أحد: إن ذلك على الإِباحة، وإنما الخلاف على المشي أمامها مشروع، وهو قول الأئمة الثلاثة، وعلله بعض المالكية بأن الناس شفعاء والشفيع يمشي بين يدي المشفوع له، أو ممنوع، والسنة المشي خلفها، وبه قال أبو حنيفة، هَلُمَّ جرَّا؛ يعني: أن الخلفاء يمشون أمام الجنازة واحدًا بعد واحد، في حين خلافته، قال ابن الأنباري: معناه ساروا على هنيتهم وثبتوا في سيرهم، لا يجدون أنفسهم في مشيهم معًا، وهو مأخوذ من الجر، وهو أن يترك الإِبل والغنم ترعى في اليسر، وقال في نصب جر: على أنه مصدر في موضع الحال، والتقدير: هلم جارين، أي: مشيشين أو على المصدر؛ لأنه في هلم معنى جر، فكأنه قيل: جروا جرًا، أو على التمييز، وابن عمر، أي: كان ابن عمر ﵄ يمشي أمام الجنازة، وهذا يدل على أن المشي أمامها مشروع، كما كان في خلفها، كذا قاله الزرقاني (٢).\n* * *\n\n٣٠٨ - أخبرنا مالك، حدثنا محمد بن المُنْكَدِر، عن ربيعة عن عبد الله بن الهُدَيْرِ، أنه رأى عمر بن الخطاب يَقْدُمُ الناس أمام جنازة زينب ابنة جحْش.\nقال محمد: المشي أمامها حَسَنٌ، والمشي خلفها أفضل؛ وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: حدثنا، وفي نسخة: قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا محمد بن المُنْكَدِر، أي: ابن عبد الله بن الهدير، بالتصغير التيمي، يُكنى أبا عبد الله، المدني، تابعي ثقة، من الطبقة الرابعة من أهل المدينة، مات سنة ثلاثين ومائة أو بعدها، دخل المنكدر على عائشة ﵂ فشكا إليها الحاجة، فقالت: أدنى شيء يأتيني أبعث به إليك، فجاءها عشرة آلاف درهم، فقالت: ما أسرع ما امتحنتِ به يا\n_________\n(١) أخرجه: البخاري (١٣٢٥)، ومسلم (٩٤٥).\n(٢) انظر: شرح الزرقاني (٢/ ٧٧).\n(٣٠٨) صحيح، أخرجه: مالك (٥١٤)، والشافعي في المسند (١٦٢٧).","vol":"2","page":96},{"text":"عائشة، وبعثت بها إليه، فاشترى بها جارية، فولدت له بنيه محمدًا وأبا بكر وعمر، وكلهم يذكر بالصلاح والعبادة، ويحمل عنه الحديث، قال محمد: كابدتُ نفسي أربعين سنة، ثم استقامت، وكان ربما قام الليل يصلي ويقول: كم من عين الآن ساهرة في رزقي، وكان له جار مبتلى فكان يرفع صوته من الليل يصيح، وكان محمد يرفع صوته: يا أحمد، فقيل له في ذلك، فقال: يرفع صوته بالبلاء، وأرفع صوتي بالنعمة، وبينا هو ذات ليلة قائم يصلي، إذا استبكى فكثر بكاؤه، حتى فزع أهله، وسألوه: ما الذي أبكاه، فاستحجم عليهم، فتمادى في البكاء، فأرسلوا إلى أبي حازم، فجاء، فقال: يا أخي، ما الذي أبكاك؟ فقال: مرت بي آية من كتاب الله تعالى، وهي قوله فى سورة الزمر: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧]، وأولها: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٧]، فبكى أبو حازم واشتد بكاؤه، فقال بعض أهله جئنا بك لتفرج عنه (ق ٣٢٢) فزدته، فأخبرهم ما أبكاهما، قال: إن الله تعالى يحفظ المؤمن ولده وولد ولده في دويراته ودويرات حوله، فما يزالون في حفظ وعافية ما كان بين أظهرهم.\nوقال: بات أخي عمر يصلي، وبت أغمز رجل أمي، وما أحب ليلتي بليلة، وصلى على رجل فقيل له: تصلي على فلان؟ فقال: إني أستحي من الله تعالى أن يعلم مني أن رحمته تحجز عن أحد من خلقه، وقال: نعم العون على تقوى الله الغنى، وقيل له: أي العمل أحب إليك؟ قال: إدخال السرور على المؤمن، قيل: فما بقي مما تستلز؟ قال: الإِفضال على الإِخوان، وقال: الفقير يدخل بين الله وبين عباده، فلينظر كيف يدخل.\nوقال ابن الماجشون: إن رؤية ابن المنكدر تنفعني في ديني، وجزع عند موته، فقيل له: لم تجزع؟ فقال: أخشى آية في كتاب الله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧]، فإني أخشى أن يبدو لي من الله ما لم أكن أحتسب، وأتاه صفوان وهو في الموت، فقال: كأني أراك قد شق عليك الموت، فما زال يهون عليه الأمر، وتجلى عن محمد حتى كان في وجهه المصابيح، ثم قال له محمد: لو ترى ما أنا فيه لقرت عيناك، ثم قضى رحمه الله تعالى، كذا قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي، عن ربيعة عن عبد الله بن الهُدَيْرِ، (١) بالتصغير، التيمي، روى عن عمر وطلحة\n_________\n(١) انظر: التقريب (١/ ١٧٢).","vol":"2","page":97},{"text":"وغيرهما، وعنه ابن أخيه محمد وأبو بكر بن المنكدر، ومحمد بن إبراهيم التيمي، وربيعة ثقة، تابعي من الطبقة الرابعة من أهل المدينة، رأى جماعة من الصحابة، مات سنة ثلاث وتسعين، كذا قاله الذهبي في (أسماء الرجال)، أنه أي: ربيعة رأى عمر بن الخطاب يَقْدُمُ بفتح التحتية وسكون القاف، وضم الدال المهملة، أي: يتقدم، ولابن وضاح: يقدم بضم التحتية وفتح القاف وكسر الدال المشددة من التقديم، الناس أي: يأمرهم أن يتقدموا أمام أي: قدام جنازة زينب ابنة جحْش، الأسدية، أم المؤمنين، التي زوجها الله لرسوله، بقوله في سورة الأحزاب: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧]، فجاء - ﷺ - فلما نزلت هذه الآية بعد انقضاء عدتها، فدخل بها، كما في مسلم وغيره، وأمها أميمة بنت عبد المطلب فجدهما واحد، ومات سنة عشرين عند ابن إسحاق والواقدي، وقال بعض المؤرخين: سنة إحدى وعشرين، ولها خمسون أو ثلاث وخمسون سنة، وروى البزار عن عبد الرحمن أنه أي: ربيعة صلى مع عمر على زينب فكبر أربعًا، فكانت أول نساء النبي - ﷺ - موتًا، كذا قاله الزرقاني.\nقال علي القاري: تقديم عمر الناس أمام جنازة زينب بنت جحش ﵂ لعل ذلك تأدبًا معها بعدم النظر إلى زوالها وهو بفتح الزاي المعجمة وسكون الواو وبعدها لام بمعنى الزوال، وقال محمد الواني في (ترجمة الجوهري): وهو الظريف والظرافة.\nقال محمد - ﵀، المشي أمامها حَسَنٌ، والمشي خلفها أفضل؛ وهو قولُ أبي حنيفة، رحمه الله تعالى، وبه قال الأوزاعي، وقال النووي وطائفة معها سواء، ولنا ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: \"من صلى على جنازة فله قيراط، ومن اتبعها حتى توضع في القبر فله قيراطان، والقيراط مثل أُحد\".\nلما فرغ من بيان أحوال الميت وما ينبغي له، شرع في بيان بعض أحواله، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>باب الميت لا يُتبع بنار بعد موته أو مجمرة فى جنازته</span>\nفي بيان بعض أحوال الميت الذي لا يُتبع بنار، أي: لا يمشي بين يديه بنار، لما فيه من التفاؤل بالنار، قاله ابن حبيب، قال ابن عبد البر: وهو من شعار الجاهلية والنصارى، ولا ينبغي أن يُتشبه بهم بعد موته، جاء النهي عن ذلك عن ابن عمر مرفوعًا، وعن أبي هريرة","vol":"2","page":98},{"text":"نفسه، أو مجمرة في جنازته، وفي نسخة في الجنازة: المجمر بكسر الميم الأولى المنجرة، والمدهنة، وقيل: المجمر بالكسر بحذف الهاء ما ينحر به من عود وغيره، وهو لغة في المجمرة.\n٣٠٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا سعيد بن أبي سعيد المقْبُرِيّ، أن أبا هريرة نهى أن يُتْبَعَ بنار بعد موته أو بِمِجْمَرةٍ في جنازته.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك بن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، من أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهو منسوب إلى ملك من ملوك اليمن يُقال له: ذو أصبح، وفي نسخة: محمد ثنا، أخبرنا سعيد بن كيسان، وهو أبي سعيد المقْبُريّ، بفتح الميم وسكون القاف، وبضم الموحدة والراء بعدها، تابعي من الطبقة الرابعة من أهل المدينة، كذا قاله ابن حجر في (التقريب) (١).\nأن أبا هريرة نهى أن يُتْبَعَ بنار بعد موته أو بِمِجمَرَةٍ في جنازته، قال ابن عبد البر: جاء النهي من ذلك عن ابن عمر مرفوعًا. انتهى، بل وعن أبي هريرة نفسه، ففي أبي داود (٢) عنه أن النبي - ﷺ - قال: \"لا تُتبع الجنازة بصوت ولا بنار، ولا يمشي بين يديها بنار ولا بصوت\"، وهذا حديث حسنه بعض الحفاظ، كذا قاله الزرقاني (٣).\nقال محمد: أي: المصنف ﵀: وبهذا أي: بأثر أبي هريرة ﵁ نأخذ أي: نعمل ونُفتي، وهو أي: ما نهى عنه أبو هريرة، قولُ أبي حنيفة، أي: نعمان بن ثابت بن طاوس بن هرمز بن ملك بن شيبان، ولد في عهد الصحابة سنة ثمانين، ومات وهو ابن سبعين سنة في أشهر الروايات، بإسناد - رحمه الله تعالى.\n_________\n(٣٠٩) صحيح، أخرجه: مالك (٥١٨).\n(١) تقدم.\n(٢) أخرجه: أبو داود (٣١٧١)، وأحمد (١٠٤٩٩)، والبيهقي في الكبرى (٦٧٥٢).\n(٣) انظر: شرح الزرقاني (٢/ ٧٩).","vol":"2","page":99},{"text":"لما فرغ من بيان حكم اتباع الجنازة بالنار، شرع في بيان حكم القيام للجنازة، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>باب القيام للجنازة</span>\nفي بيان حكم القيام للجنازة، وفي نسخة للجنازة.\n٣١٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن وَاقِد بن سعد بن مُعاذٍ الأنصاري، عن نافع بن جُبَيْر بن مُطْعم، عن مُعَوِّذ بن الحَكَم، عن علي بن أبي طالب، أن رسول الله - ﷺ - كان يقوم في الجنازة، ثم جَلَسَ بَعْدُ.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا نرى القيام للجنازة، كان هذا شيئًا فَتُرِكَ، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: محمد أخبرنا، أخبرنا يحيى بن سعيد، أي: ابن قيس الأنصاري، المدني، أبو سعيد القاضي، ثقة ثبت، في الطبقة الخامسة، مات سنة أربع وأربعين أو بعدها، كذا قاله بعض المؤرخين، عن وَاقِد بالقاف والدال بن عمرو بن سعد بن مُعاذٍ الأنصاري، وفي نسخة: الأنصاري الأشهلي الدوسي، وأمه كبشة بنت رابعة لها صحبة وأسلم بين العقبتين، وشهد بدرًا والمشاهد، ورُمي يوم الخندق بسهم، فعاش شهرًا فمات سنة عشرين ومائة، فقد قال النبي - ﷺ -: \"اهتز العرش لموت سعد بن معاذ\"، وقال - ﷺ -: \"مناديل سعد في الجنة خيرٌ من هذه النخلة\"، كذا قاله الإمام الذهبي في (التهذيب)، عن نافع بن جُبَيْر بن مُطْعم، بضم الميم، وكسر العين أي: ابن عدي بن نوفل بن عبد مناف، القرشي النوفلي، صحابي عارف بالأنساب، مات سنة ثمان أو تسع وخمسين من (ق ٣٢٤) الطبقة السادسة من طبقات الصحابة، كذا قاله الذهبي وابن حجر.\n_________\n(٣١٠) صحيح، أخرجه: الترمذي (١٠٤٤)، وأحمد (٦٢٤)، ومالك (٥٣٨)، وابن حبان (٣٠٥٤)، والشافعي في المسند (١٦٤٠)، والبيهقي في الكبرى (٦٩٨٤).","vol":"2","page":100},{"text":"عن مُعَوِّذ بن الحَكَم، بضم الميم وفتح العين المهملة وكسر الواو المشددة، والذال المعجمة، وفتح الحاء المهملة والكاف المفتوحة والميم، أي: ابن الربيع بن عامر الأنصاري الزرقي المدني، له رؤية عن بعض الصحابة، ففي الإِسناد أربعة من التابعين في نسق من حيث الرواية، وفي نسخة بفتح الميم وسكون السين المهملة وضم العين المهملة وسكون الواو والدال، عن علي بن أبي طالب، ﵁، أن رسول الله - ﷺ -: كان يقوم في الجنازة، كلمة \"في\" هنا للتعليل، كما كانت له في الحديث \"أن امرأة دخلت النار في هرة حبستها\"، يعني: قام رسول الله - ﷺ - لأجل جنازة مرت بنا، وقمنا معه فقلنا: إنها جنازة يهودي، قال: \"إذا رأيتم الجنازة فقوموا\"، زاد مسلم: \"إن الموت فزع\"، وفي الصحيحين عن سهل بن حنيف وقيس بن سعد: فقال - ﷺ -: \"أليست نفسًا؟ \"، وللحاكم عن أنس وأحمد عن أبي موسى الأشعري مرفوعًا: \"إنما قمنا إعظامًا للذي يقبض النفوس\" (١)، ولفظ ابن حبان: \"الله الذي يقبض الأرواح\" (٢)، ولا منافاة بين هذه التعاليل؛ لأن القيام للفزع من الموت فيه تعظيم لأمر الله تعالى وللقائمين بأمره في ذلك وهم الملائكة، والمقصود من الحديث أن لا يستمر الإِنسان على الغفلة بعد رؤية الميت؛ لإِشعاره بالتساهل بأمر الموت، ولذا يستوي كون الميت مسلمًا، أو كافرًا، وأما ما أخرجه أحمد عن الحسن بن علي: إنما قام - ﷺ - تأذيًا بريح اليهود (٣)، زاد الطبراني من حديث عبد الله بن عباس بفتح العين المهملة، وبالتحتية والألف والشين المعجمة، فإذا ريح تخورها، وللبيهقي والطبراني من وجه آخر عن الحسن كراهية أن يعلوا على رأسه، فلا يعارض الأخبار الأولى؛ لأن أسانيد هذه لا تقاوم تلك في الصحة، ولأن هذا التعليل فهمه الراوي والتعليل الماضي لفظه - ﷺ - فكأنه لم يسمع تصريحًا بالتعليل فعلل باجتهاده. ثم جَلَسَ بَعْدُ، أي: استمر جلوسه بعد ذلك يعني: كان يقوم في وقت، ثم تركه أصلًا، وعلى هذا يكون فعله الأخير قرينة في أن الأمر بالقيام للندب، أو نسخ للوجوب المستفاد من ظاهر الأمر، والأول أرجح؛ لأن احتمال المجاز أولى من دعوى النسخ، قال الحافظ:\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٦٥٣٧)، والحاكم (١٣٢٠)، والبيهقي (٦٩٨٢).\n(٢) أخرجه: ابن حبان (٣٠٥٣).\n(٣) أخرجه: أحمد (١٧٢٤).","vol":"2","page":101},{"text":"والاحتمال الأول يدفعه ما رواه البيهقي في حديث على أنه أشار إلى قوم قاموا أن يجلسوا، ثم حدثهم بالحديث، ولذا قال بكراهة القيام جماعة، كذا قاله الزرقاني.\nقال محمد: وبهذا أي: بجلوسه - ﷺ - استمرارًا نأخذ، أي: نعمل ونُفْتي لا نرى أي: لا نستحب القيام للجنازة، والقيام لها كان هذا قبل جلوسه - ﷺ - شيئًا أي: معمولًا به، فَتُرِكَ، أي: ثم نُسِخَ، وهو أي: عدم القيام لها، المستفاد من قوله: ثم جلس بعد، قولُ أبي حنيفة، أي: نعمان بن ثابت بن طاوس بن هرمز، كان في الطبقة السادسة من أهل الكوفة، وهي في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة.\nلما فرغ من بيان (ق ٣٢٥) أحكام حمل الجنازة والقيام لها، شرع في بيان أحكام الصلاة على الميت، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>باب الصلاة على الميت والدعاء له</span>\nفي بيان أحكام الصلاة على الميت، أي: مطلقًا، وهي فرض كفاية على الأحياء بالإِجماع، والدعاء له فيها.\n٣١١ - أخبرنا مالك، حدثنا سعيد المَقْبُرِي، عن أبيه، أنه سأل أبا هريرة: كيف يُصَلَّى على الجنازة؟ فقال: أنا لعمر الله أخبرك، اتَّبِعهَا من أهلها، فإذا وُضِعَت كَبَّرْتَ فحمدتَ الله وصليت على نبيه، ثم قلت: اللهم عبدك وابن عبدك وابن أمتك، كان يشهد أن لا إله إلا أنت، وأن محمدًا عبدك ورسولك وأنت أعلم به، إن كان مُحْسِنًا فَزِدْ في إحسانه، وإن كان مُسِيئًا فتجاوز عنه، اللهم لا تحرمنا أجْرَهُ، ولا تَفْتِنَّا بعده.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا قراءةَ على الجنازة، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، أي نسب إلى\n_________\n(٣١١) صحيح، أخرجه: مالك (٥٢٢)، وعبد الرزاق في مصنفه (٦٤٢٩).","vol":"2","page":102},{"text":"ملك من ملوك اليمن يقال له: ذي أصبح، كان من أتباع التابعين، ومن الطبقة السابعة من أهل المدينة وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، حدثنا سعيد المَقْبُرِي، أي: بفتح الميم وسكون القاف وضم الموحدة، وكسر الراء، كان جارًا إلى المقبرة، وفي نسخة: سعيد بن أبي سعيد، بكسر العين المهملة وسكون التحتية فيهما، كما في رواية يحيى الليثي، عن مالك، عن أبيه، أي: أبي سعيد، اسمه كيسان، وأمه كانت من بني ليث، كذا قاله الذهبي في (أسماء الرجال)، وكان تابعيًا من الطبقة الرابعة من أهل المدينة، كذا قاله ابن حجر في (التقريب) (١)، أنه أي: كيسان سأل أبا هريرة كيف يُصَلَّى فكيف يسأل بها عن الحال، ويصلى بصيغة المضارع الغائب المجهول، أي: بأي حال يصلي المصلي صلاة، على الجنازة؟ وفي نسخة: بصيغة المفرد المخاطب المعلوم كيف يصلي أبا هريرة عليها، فقال: أي: أجاب عنه بلفظ يدل على التأكيد، أنا لعمر الله بفتح اللام الابتدائية وبضم العين المهملة والميم الساكنة والراء المهملة المضمومة المضافة إلى لفظة الجلال؛ لأنه موضوع للقسم؛ ولأنه مبتدأ وخبره محذوف تقديره لعمر الله قسمي، فمعناه ببقاء الله، ودوامه أحلف، كما قاله محمد الواني في (ترجمة الجوهري).\nأخبرك يا كيسان، وهو أبو سعيد السائل، اتَّبِعهَا بفتح الهمزة وبفتح التاء الفوقية المشددة، وكسر الموحدة المخففة وضم العين المهملة، أي: أشيع الجنازة من أهلها، أي: من عند أهلها، أو من محلها الغاية محذوفة، تقديره إلى المصلى يقربه قوله الآتي، فإذا وُضِعَت كَبَّرْتَ، ويجوز أن يكون كلمة \"من\" بمعنى مع، كما يؤيده ما روى يحيى الليثي عن مالك، حيث قال: فقال أبو هريرة: لعمر الله أنا أخبرك اتبعها مع أهلها، وقال: لأني رويت عن النبي - ﷺ -: \"حقُ المسلم على المسلم خمس: ردُ السلام، وزيارة المريض، واتباع الجنازة، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس\" (٢)، رواه البخاري ومسلم؛ لأني سمعتُ النبي - ﷺ - يقول: \"من خرج مع جنازة من بيتها وصلى عليها ثم يتبعها حتى تُدفن كان له قيراطان من الأجر، كل قيراط مثل أحد\"، رواه الشيخان واللفظ لمسلم، كذا قاله الزرقاني.\n_________\n(١) تقدم.\n(٢) أخرجه: البخاري (١٢٤٠)، ومسلم (٢١٦٢).","vol":"2","page":103},{"text":"فإذا وضعت أي: الجنازة للصلاة كبرت، أي: التكبيرة الأولى، فحمدتَ الله أي: أثنيت عليه ﷻ، أو قلت: \"سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك\"، وصليت على نبيه، أي: تعالى بعد التكبيرة الثانية، ثم أي: بعد التكبيرة الثالثة قلت: اللهم أي: يا الله؛ لأن أصله يا الله، فحذف ياء النداء من أوله؛ لئلا يجتمع الحرفان اللتان تقتضيان الصدارة الياء والألف، فأُلحق (ق ٣٢٦) في آخره الميم المشددة عوضًا عنها، فصار: اللهم هذا عبدك كذا في نسخة، وابن عبدك وابن أمتك، أي: جاريتك ولم يوجد في أكثر النسخ لفظ \"هذا\"، وفيه طلب زيادة الرحمة والعفو عن ذنوب عبده، فإن شأن الكرام الإِعراض عن ذنوب عبيدهم والإِكرام منه ﷿، كان أي: هذا العبد في دار الدنيا، يشهد أي: يعلم ويتيقن أن لا إله أي: لا معبود بالحق من غيرك، إلا أنت، معبود بالحق، وفي نسخة: وحدك لا شريك لك، أي: أنت واحد في ذاتك؛ لا من طريق العدد، ولكن عن طريق أنك لا شريك لك في صفتك السرمدية، وأن محمدًا عبدك ورسولك، وقد وعدت من يشهد ذلك الجنة، وعدك الحق فمن كان عفوك لا تعذبه، وأنت أعلم به، أي: منا أنه كان مخلصًا، أم لا، إن كان، وفي رواية ليحيى الليثي: اللهم إن كان مُحْسِنًا أي: مؤمنًا صالحًا، وفي نسخة: فإن كان بالفاء فَزِدْ في إحسانه، أي: ضاعف حسناته وثوابه، وإن كان مُسِيئًا أي: خاطئا في أعماله الظاهرة ومؤمنًا بقلبه، فتجاوز عنه، أي: فيما صدر عنه من سيئاته فلا تؤاخذه، اللهم أي: يا الله، لا تحرمنا بفتح التاء الفوقية وسكون الحاء المهملة وكسر الراء أجْرَهُ، أي: لا تجعلنا محرومين من أجر الصلوات عليه، وشهود جنازته، أو أجر المصيبة بموته، فإن المؤمن مصاب بأخيه المؤمن، ولا تَفْتِنَّا بكسر التاء الثانية، وتشديد النون، أي: ولا توقعنا في الفتنة، بعده، أي: بعد فراقه عنا، أي: لا تجعلنا مفتونين بما يشغلنا عنك، فإن كل شاغل عن الله تعالى فتنة، وفيه أن المصلي له أن يشرك نفسه في الدعاء بما شاء، فهاتان الدعوتان للمصلي لا للميت.\nقال محمد: وبهذا أي: بخبر أبا هريرة ﵁ نأخذ، أي: نعمل ونفتي بأن صلاة الجنازة فرض كفاية على الأحياء لقوله - ﷺ -: \"صلوا على صاحبكم\" (١)، يعني:\n_________\n(١) أخرجه: البخاري (٢٢٩١).","vol":"2","page":104},{"text":"الذي عليه الدين، كذا رواه البخاري في صحيحه، والأمر للوجوب، ولو كانت فرض عين لصلى عليه النبي - ﷺ -. وأركان صلاة الجنازة أربع تكبيرات. قال الإِمام الزاهدي في (شرح القدوري): والتكبيرات الأربع قائمة مقام أربع ركعات. . انتهى.\nولكن التكبيرة الأولى فريضة باعتبار الشروع بها، وركن باعتبار قيامها مقام ركعة كباقي التكبيرات، كذا في (المحيط)، فإن قيل: ما الحكمة إذ لم يفرض الركوع والسجود في صلاة الجنازة؟ الجواب: قيل لأن صلاة الجنازة دعاء وثناء واستشفاء للميت، والركوع والسجود مخصوصان للتعبد لله تعالى من غير واسطة اختص به الملة المحمدية؛ لأن السجدة كانت جائزة لتعظيم المخلوق في الملة السالفة، ونحن نهينا عن الركوع والسجود لغير الله تعالى، كذا في (خواتم الحكم).\nلا قراءةَ أي: من القرآن على الجنازة، وهو أي: عدم القراءة عليها قولُ أبي حنيفة، رحمه الله تعالى، وبه قال مالك، وقال الشافعي وأحمد: قراءة الفاتحة بعد التكبيرة الأولى واجبة، كذا قاله علي القاري.\n* * *\n\n٣١٢ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن ابن عمر كان إذا صلى على جنازة سَلَّم، حتى يُسْمِعَ مَنْ يَلِيه.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، يسلم عن يمينه ويساره، ويُسْمِع مَنْ يَلِيه، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وهو ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، وهو منسوب إلى ملك من ملوك اليمن، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، حدثنا نافع، أي: المدني، مولى عبد الله بن عمر أن ابن عمر كان إذا صلى على جنازة سَلَّم، حتى يُسْمِعَ من الإِسماع منْ يَلِيه، وكذا كان أبو هريرة وابن سيرين، وبه قال أبو حنيفة والأوزاعي ومالك، وفي رواية ابن القاسم: وكذا كان علي وابن عباس، وأبو أمامة بن سهيل وابن جبير والنخعي يرونه،\n_________\n(٣١٢) صحيح، أخرجه: مالك (٥٤١).","vol":"2","page":105},{"text":"وقال به الشافعي ومالك في رواية، ويعلم المأموم تحلله بانصرافه.\nقال محمد: وبهذا أي: بعمل ابن عمر، نأخذ، أي: نعمل ونُفتي، وكان ابن عمر يسلم عن يمينه ويساره، أي: حال كونه يجهر بالسلام، ويُسْمِع وفي نسخة: حتى مَنْ يَلِيه، أي: كان قريبًا منه يمينًا وشمالًا وخلفًا، وهو أي: إن جهر الإِمام سلام صلاة الجنازة، قولُ أبي حنيفة، ﵀.\nقال علي القاري: فقول الشمني: غير رافع بهما صوته، ليس في محله أو محمول على غير الإِمام، أو على المبالغة هنا، وقال الإِمام أحمد: يسلم واحدة عن يمينه، كما في الصلوات الخمس.\n* * *\n\n٣١٣ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن ابن عمر كان يصلي على الجنازة بعد العصر وبعد الصبح، إذا صُليتا لوقتهما.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا بأس بالصلاة على الجنازة في تَيْنِكَ الساعتين، ما لم تطلع الشمس، أو تتغير الشمس بصفرة للمغيب، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، أي: من ولد ملك ذو الأصبح من ملوك اليمن، من أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: محمد قال: حدثنا، حدثنا وفي نسخة: أنا، رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة أخرى: عن نافع، أي: المدني مولى عبد الله بن عمر، أن ابن عمر كان يصلي على الجنازة بعد العصر وبعد الصبح، أي بعد صلاتهما، إذا صُليتا لوقتهما، قال سعيد بن زيد الباجي المالكي: أي: لوقت الصلاتين المختار، وهو في العصر إلى الاصفرار، وفي الصبح إلى الإِسفار، وقال الحافظ العسقلاني: مقتضاه أنهما إذا أخرتا إلى وقت الكراهة عنده لا نصلي عليها حينئذٍ.\n_________\n(٣١٣) صحيح، أخرجه: مالك (٥٢٦)، والبيهقي في الكبرى (٤٥١٠).","vol":"2","page":106},{"text":"قال محمد: أي: ابن الحسن الشيباني، وبهذا أي: بعمل ابن عمر نأخذ، أي: نعمل، لا بأس أي: لا كراهة بالصلاة على الجنازة في تَيْنِكَ الساعتين، أي: في ذينك الوقتين وهما: بعد العصر والصبح، ما لم تطلع الشمس، أي: ما لم تسرع في الطلوع بأن يحمر، أو تتغير الشمس بصفرة للمغيب، والمعنى أنها حينئذٍ لا تجوز، لكن محله إذا حضرت الجنازة عندها فتجوز الصلاة عليها في (التحفة)، إذا حضرت جنازة في الأوقات المكروهة، فالأفضل أن يُصلى عليها ولا يؤخر، وهو أي: جواز صلاة الجنازة بعد صلاة العصر والصبح، قولُ أبي حنيفة، ﵀.\nوقال مالك: يُكره فعلها عند طلوع الشمس، وعند غروبها، ولا تُكره عند الشافعي كل صلاة وجد لها سبب في وقت من الأوقات، كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان حكم الصلاة على الميت، شرع في بيان حكم الصلاة على الجنازة، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>باب الصلاة على الجنازة في المسجد</span>\nفي بيان حكم الصلاة على الجنازة في المسجد، أي: حال كونها في المسجد الذي لم يجعل بصلاتها.\n٣١٤ - أخبرنا مالك أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أنه قال: ما صُلِّيَ على عمر إلا في المسجد.\nقال محمد: لا يُصَلَّى على جنازة في المسجد، وكذلك، بلغنا عن أبي هريرة: وموضع الجنائز بالمدينة خارج المسجد، وهو الموضع الذي كان النبي - ﷺ - يصلي على الجنازة فيه.\n_________\n(٣١٤) صحيح، أخرجه: مالك (٥٢٨).","vol":"2","page":107},{"text":"• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا وفي نسخة: محمد عن نافع، المدني، مولى ابن عمر ﵄، عن ابن عمر، أنه قال: ما صُلِّي على بناء المفعول على جنازة كذا في نسخة: عمر، إلا في المسجد، أي: مسجد المدينة، وروى ابن أبي شيبة وغيره أن عمر صلى على أبي بكر في المسجد، وأن صهيبًا صلى على جنازة عمر في المسجد، ووضعت الجنازة بحيال المنبر، أي: مقابله، قال ابن عبد البر: وذلك بمحضر الصحابة من غير نكير، يعني: فيكون إجماعًا سكوتيًا كذا قاله الزرقاني (١).\nقال محمد: لا يُصَلَّى على جنازة في المسجد، قال بعض الفضلاء: المراد بالمسجد مسجد حي، وذكر في (المحيط) أن صلاة الجنازة في المسجد الجامع مكروهة كمسجد الحي. انتهى. بخلاف المبني للجماعة والجمعة وصلاة العيدين والكسوفين والاستسقاء وصلاة الجنازة، وهذا أحد وجوه إطلاق المساجد عليه بصيغة الجمع، في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ (التوبة: ١٨)، وقيل: لعظمته ظاهرًا وباطنًا، أو لأنه قبلة المساجد، أو لأن جهاته كلها مساجد، وكذلك بلغنا عن أبي هريرة ﵁، ولعل المصنف أراد ما أخرجه الطحاوي في (معاني الآثار) عن أبي هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: \"مَنْ صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له\"، أي: من الأجر والثواب مطلقًا، أو كاملًا، وهو الأظهر، وفي رواية: \"فلا أجر له\"، أي: كاملًا، وفي رواية أخرى: \"فلا شيء عليه\"، كذا نقله المناوي في (كنوز الحقائق) عن أبي داود. وموضع الجنائز بالمدينة خارج المسجد، وهو الموضع الذي كان النبي - ﷺ - يصلي على الجنازة فيه، وذكر النسفي في (فتاواه)، أن صلاة الجنازة في المسجد الجامع على ثلاثة أوجه: الأولى: أن يكون الكل في المسجد، وهذا الوجه مكروه با لاتفاق تحريمًا إن خيف تلويث المسجد بها، وتنزيهًا إن كان المسجد مشغولًا بما لم يبذله، والثانية: أن يكون الميت والإِمام مع بعض خارج المسجد والباقي فيه، وهذا الوجه غير مكروه بالاتفاق، والثالثة: أن يكون الميت وحده خارج المسجد والإِمام والقوم في المسجد، وهذا الوجه مختلف فيه، وشمس الأئمة الحلواني اختار الكراهة فيه، كذا في (الشايج).\n_________\n(١) انظر: شرح الزرقاني (٢/ ٨٩).","vol":"2","page":108},{"text":"لما فرغ من بيان أحكام صلاة الجنازة في المسجد، شرع في بيان أحكام حمل الميت، وجعل الحنوط له وغسله، وهل ينقض وضوءه؟ فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>باب الرجل يحمل الميت أو يحنطه أو يغسله هل ينقض ذلك وضوءه</span>؟\nبالتنوين يحمل الرجل الميت، أي: يسن حمل الميت الكبير لأربعة رجال تكريمًا له؛ لقول ابن مسعود ﵁: \"إذا تبع أحدكم الجنازة فليأخذ بقوائم السرير الأربعة\"، وإذا كان الميت صغيرًا يحمله واحد على يديه تكريمًا له، ويكره حمله على ظهره أو على دابة بلا ضرورة، ويستحب لكل واحد أن يحمله من كل جانب عشر خطوات، ليكون حمله أربعين خطوة؛ لقوله - ﷺ -: \"من حمل جنازة أربعين خطوة كفرت عنه أربعين كبيرة\" (١)، كذا في (التبيين)، ويبدأ الحامل بمقدمها الأيمن، فيضعه على عاتقه الأيمن، ويمين الجنازة ما كان من جهة يسار الحامل قبل حملها، وأن الميت يلقى على ظهره ثم يضع مؤخرها الأيمن على عاتقه (ق ٣٢٩) الأيمن، ثم يضع مقدمها الأيسر على عاتقه الأيسر، ثم يختم بالجانب الأيسر على عاتقه الأيسر، فيكون من كل جانب عشر خطوات، أو يحنط من باب التفعيل، أي: يجعل غاسل الميت الحنوط على رأس الميت ولحيته، لم رُوي عن علي وابن عمر ﵄، وهو - أي: الحنوط - عطر مركب من أشياء طيبة، وكذلك يجعل الكافور على جبهة الميت وأنفه ويديه وركبتيه وقدميه؛ لأن الطيب سنة، وتخصيص الطيب في هذه المواضع تشريفًا لها وصيانة عن سرعة الفساد، كذا في (الدرر) والاختيار أو يغسله - أي الميت - هل ينقض ذلك؟ أي: الحمل المستفاد من لفظ \"يحمل\" أو تحنيط الميت أو غسله وضوءه، أي: وضوء الحامل، أو المحنط أو الغاسل، و\"أو\" هنا\n_________\n(١) أخرجه: الطبراني في الأوسط (٥٩٢٠)، وقال: لم يرو هذا الحديث عن أنس بن مالك إلا بهذا الإِسناد، تفرد به علي بن أبي سارة، ولم يرو عن النبي - ﷺ - إلا أنس بن مالك.\nقلت: وعلي بن أبي سارة ضعيف.\nقال أبو داود: تركوا حديثه. وقال البخاري: في حديثه نظر، وقال أبو حاتم: ضعيف.","vol":"2","page":109},{"text":"للتخيير، وذلك إشارة إلى الحمل، والتحنيط والغسل على سبيل المناوبة، والمناسبة بين هذا الباب والباب السابق ظاهرة.\n٣١٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع: أن ابن عمر حنط ابنًا لسعيد بن زيد، وحمله، ثم دخل المسجد فصلى ولم يتوضأ.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا وضوءَ على من حمل جنازة، ولا على من حَنَّطَ ميتًا أو كَفَّنَهُ، أو غَسَّلَهُ، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، يعني منسوب إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، كان من أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا وفي نسخة: أخبرني بالإِفراد، نافع، المدني، مولى ابن عمر، أن ابن عمر ﵁ حنط أي: جعل الحنوط ابنًا لسعيد بن زيد، يكنى أبا الأعور العدوي، أحد العشرة المبشرين بالجنة، أسلم قديمًا وحضر المشاهد كلها، وكانت فاطمة أخت عمر تحته بسببها كان إسلام عمر ومات بالعقيق، فحمل إلى المدينة، ودفن بالبقيع سنة إحدى وخمسين، وحمله، أي: حمل ميته، ثم دخل المسجد أي: المسجد المعد للجنازة أو مسجد المدينة، أو غيرها والله أعلم. فصلى ولم يتوضأ، وهذا دليل صريح على أنه من حمل الجنازة أو غسلها أو أعانها لا يلزم عليه الوضوء.\nقال محمد ﵀: وبهذا أي: بعمل ابن عمر نأخذ، أي: نعمل ونُفتي، لا وضوءَ على من حمل جنازة، ولا على عن حَنَّطَ ميتًا أوكَفَّنَهُ، أي: لف الكفن على الميت، أو غَسَّلَهُ، وهو أي: عدم لزوم الوضوء على هؤلاء قولُ أبي حنيفة، ﵀، فما أخرجه أبو داود وابن ماجه وابن حبان (١) عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: \"مَنْ غسَّل الميت فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ\"، محمول على الاحتياط أو على من لا يكون له\n_________\n(٣١٥) صحيح، أخرجه: مالك (٤٨).\n(١) أخرجه: أبو داود (٣١٦١)، والترمذي (٩٩٣)، وأحمد (٩٥٥٣)، وابن حبان (١١٦١)، وابن أبي شيبة (٣/ ١٥٥)، والبيهقي في الكبرى (١٤٧٥).","vol":"2","page":110},{"text":"طهارة؛ ليكون مستعدًا للصلاة؛ فلا يفوته شيء منها.\nلما فرغ من بيان عدم لزوم الوضوء على حامل الميت ومحنطه، وعدم لزوم الاغتسال على غاسله، شرع في بيان حكم حال الرجل تدركه الصلاة على الجنازة، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>باب الرجل تدركه الصلاة على الجنازة وهو على غير وضوء</span>\nفي بيان حكم حال الرجل تدركه من باب الأفعال، أي: تبلغه الصلاة التي تُصلى على الجنازة، إسناد فعل الإِدراك إلى الصلاة فجاز في الطرف وهو المسند إليه، وهي مجاز عقلي، وهو إسناد الفعل أو معناه إلى غير فاعل الفعل، إذا كان الفعل مبنيًا للفاعل أو إلى غير المفعول به، إذا كان مبنيًا للمفعول، فإن العقل إذا خلى بنفسه بعد قيام فعل الدرك بالصلاة محالًا؛ فإن فعل الدرك (ق ٣٣٠) فعل الرجل لا فعل الصلاة، كما قال تعالى في أول سورة الأنفال: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢]، أي: إذا قرأت آيات الله على أصحاب رسول الله - ﷺ - زادتهم إيمانًا، أسند الزيادة وهي فعل الله تعالى إلى الآيات لكونها سببًا؛ وكذلك هنا، فإن الصلاة على الجنازة سبب الإِدراك، فيكون إسناد الدرك إلى الصلاة من قبيل إسناد الفعل إلى سببه، وإن شئت تفصيله فارجع إلى الإِسناد الخبري من (شرح تلخيص المفتاح)، وهو أي: والحال أن الرجل الذي يدرك صلاة الجنازة على غير وضوء اتفقوا على أن من شرط صحة الصلاة على الجنازة الطهارة، قال الشعبي ومحمد بن جرير الطبري: تجوز بغير طهارة؛ لأنها دعاء واستغفار، فيجوز بلا طهارة، ووافقه إبراهيم بن علية، وهو ممن يرغب عن كثير، وهذا مذهب شاذ.\n٣١٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر أنه كان يقول: لا يصلي الرجل على جنازة إلا وهو طاهر.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا ينبغي أن يصلي على الجنازة إلا طاهر، قال: فإن فاجأته وهو على غير طُهُورٍ تَيَمَّمَ وصلى عليها، وهو قولُ أبي حنيفة.\n_________\n(٣١٦) صحيح الإسناد.","vol":"2","page":111},{"text":"• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الإِمام، الأصبحي، منسوب إلى ملك ذي أصبح، من ملوك اليمن، وهو من أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا وفي نسخة قال: ثنا نافع، أي: المدني مولى ابن عمر، عن ابن عمر ﵁ أنه كان يقول: لا يصلي الرجل هذا نفي بمعنى النهي تأكيدًا بأن الرجل لا يصلين على جنازة إلا وهو طاهر، أي: من الحدث الأكبر والأصفر، وهذا موقوف حقيقة، ومرفوع حكمًا، كما روى مسلم مرفوعًا، لا يقبل الله صلاة بغير طهور.\nقال محمد: وبهذا أي: بقول ابن عمر نأخذ أي: نعمل ونُفتي، لا ينبغي أي: لا يجوز ولا يصح، أن يصلي أي: أحد على الجنازة إلا طاهر، أي: حقيقة، فإن فاجأته أي: أدركته الصلاة فجاءت فبلغته بغتة، وهو أي: الرجل على غير طُهُورٍ أي: سواء كان محدثًا أو جنبًا، وفي نسخة: وضوء تَيَمَّمَ فإن التيمم خلف الوضوء أو الغسل، وهو في اللغة القصد، وفي الشريعة: طهارة حاصلة باستعمال الصعيد الطاهر في عضوين مخصوصين، وهما: الوجه واليدان إلى المرفقين، والأصل في شرعيته قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦]، وقوله - ﷺ -: \"التراب طهور المسلم ولو إلى عشر حجج ما لم يجد الماء\" (١)، والحاصل أن التيمم من خصائص هذه الأمة، لما روى مسلم عن حذيفة بن اليمان ﵁، أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"فُضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعلت تربتها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء\" (٢)، وشرط لصحة التيمم النية، وهو أن يقول من أراد التيمم حين ضرب يديه على ما يقيم به: نويت (٣) التيمم للطهارة من الحدث، وصورة التيمم على وجه المسنون أن يمسح بعد الضربتين بباطن أربع أصابع يده اليسرى ظاهر يده اليمنى من رؤوس الأصابع إلى المرفق، ثم يمسح بباطن كفه اليسرى باطن ذراع اليمنى إلى الرسغ، ويمر بباطن إبهام اليسرى على ظاهر إبهام اليمنى، ثم يفعل بيده اليسرى كذلك، وهذا هو الأحوط ولو مسح بكل الكف والأصابع جاز، كذا قاله\n_________\n(١) أخرجه: أبو داود (٣٣٣)، والترمذي (١٢٤)، وأحمد (٢٠٧٩٧).\n(٢) أخرجه: مسلم (٥٢٢).\n(٣) النية محلها القلب، فالتلفظ بها بدعة. (المحقق).","vol":"2","page":112},{"text":"فاضل الحلبي في (شرح المنية) (ق ٣٣١)، وصلى عليها، أي: على الجنازة بعد التيمم إلا الولي، ومن ينتظر له فيها كالسلطان والأمير، وهذه رواية الحسن عن أبي حنيفة، ﵀، وفي (الهداية) هو الصحيح، وظاهر الرواية جواز التيمم للولي أيضًا؛ لأن الانتظار فيها مكروه، وقد روى ابن أبي شيبة والطحاوي والنسائي في كتاب (الكنى) عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أنه قال: إذا خفت أن تفوتك صلاة الجنازة وأنت على غير وضوء فتيمم وصل عليها، وروى البيهقي أن ابن عمر أُتي بجنازة وهو على غير وضوء فتيمم، وصلى عليها، كذا قاله علي القاري، وهو أي: التيمم لصلاة الجنازة إذا خيف من فوتها، قولُ أبي حنيفة، ﵀.\nلما فرغ من بيان جواز التيمم لصلاة الجنازة إذا خيف من فوتها، شرع في بيان جواز الصلاة عليها بعد دفنها في قبرها، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>باب الصلاة على الميت بعد ما يدفن</span>\nفي بيان جواز الصلاة على الميت بعد ما أي: بعد زمن يدفن على بناء المفعول ونائب الفاعل مستتر فيه راجع إلى الميت.\n٣١٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب الزُّهَرِيّ، عن سعيد بن المسيَّب، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - نَعَى النَّجَاشِيّ في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلّى فصف بهم، وكَبَّر عليه أربع تكبيرات.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، مالك بن أنس بن عمير بن أبي عامر بن ذي أصبح، من ملوك اليمن، كان من أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، أخبرنا ابن شهاب أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، تابعي في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، عن سعيد بن\n_________\n(٣١٧) صحيح، أخرجه: البخاري (١٢٤٥)، ومسلم (٩٥١)، وأبو داود: (٢٢٠٤)، والنسائي (٢٠٤٢)، وأحمد (٩٣٦٣)، ومالك (٥٣٠).","vol":"2","page":113},{"text":"المسيَّب، أي: ابن حزن، يُكنى أبا محمد، تابعي مدني في الطبقة الأولى من أهل المدينة، وهو ابن أربع وثمانين سنة، قال سعيد بن المسيب: ما بقي أحدًا أعلم بقضاء قضاهُ رسول الله - ﷺ - وأبو بكر وعمر ﵄ مني، وما كان إنسان يجترئ عليه يسأله عن شيء حتى يستأذن الأمير، يسأله الرجل وهو مريض عن حديث، وكان مضطجعًا فجلس فحدثه، فقال له الرجل: وددت أنك لم تتعب، فقال: إني كرهتُ أن أحدثك عن رسول الله - ﷺ - وأنا مضطجع، وقال: لا تملؤوا أعينكم من أعوان الظلمة إلا بالإِنكار من قلوبكم، لكي لا تحبط أعمالكم الصالحة، وكان يسرد الصوم، وعن بريد مولاه قال: ما نُودي للصلاة منذ أربعين سنة إلا وسعيد بن المسيب في المسجد، وصلى الغداة بوضوء العشاء خمسين سنة، قال: ما أكرمت العباد أنفسها بمثل طاعة الله تعالى، ولا أهانتها بمثل معصية الله تعالى، وكفى بالمؤمن نصرة من الله تعالى أن يرى عدوه يعمل بمعصية الله تعالى، وقال: من استغنى بالله افتقر إليه الناس، وقال: إن الدنيا نزلة، فهي إلى كل نزلة أميل، وأنزل منها من أخذها بغير حقها، أو طلبها بغير وجهها، ووضعها في غير سبيلها.\nوقال: ما من شريف ولا عالم ولا ذي فضل إلا فيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه، من كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله، وكان قد ذهبت إحدى عينيه وهو يعيش بالأخرى، وقال: ما من شيء عندي أخوف من النساء، وما يلبس الشيطان من شيء إلا أتاه من قِبَل النساء، وكان عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم يقول: ما كان بالمدينة عالم إلا يأتيني بعلمه، (ق ٣٣٢) وأُوتي بما عند ابن المسيب، كذا قاله عبد الرحمن بن الجوزي من علماء الحنبلية في (طبقاته) (١).\nعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - نَعَى أي: أخبر الناس بموت النَّجَاشِيّ بفتح النون على المشهور، وقيل: تكسر وتخفيف الجيم المفتوحة والألف وأخطأ من شددهما، وبتشديد التحتية في آخره، وحكى المطرزي التخفيف ورجحه الصغاني، وهو: أي النجاشي لقب لكل من ملك الحبشة، واسمه أصحمة بن أبجر مالك الحبشة، أسلم على عهد رسول الله - ﷺ - ولم يهاجر إليه، وكان ردءًا للمسلمين، نافعًا، وأصحمة بوزن أربعة، وحاؤه مهملة، وقيل: بموحدة بدل الميم وقيل: صحمة بلا ألف ومعناه بالعربية عطية، كذا نقله الزرقاني عن (الإِصابة) من (الطبقات) لابن حجر، وفي (فتح\n_________\n(١) تقدم.","vol":"2","page":114},{"text":"القدير): نزل جبريل ﵇ فقال: يا رسول الله، إن الحبشة يكتم إسلامه من قومه الكفار، أتحب أن طوى تلك الأرض فتصلي عليه؟ قال: \"نعم\"، فضرب بجناحه الأرض فرفع له سريره، فصلى عليه، وخلفه صفان من الملائكة، وفي كل صف سبعون ألف ملك، ثم رجع فقال لجبريل ﵇: بم أدرك هذه الكرامة؟ قال: \"بحبه سورة الإخلاص، وقراءته إياها جائيًا وذاهبًا، قائمًا وقاعدًا\"، وعلى كل حال كما نقله الشرنبلالي في (إمداد المفتاح) عن (فتح القدير)، في اليوم الذي مات فيه، أي: كان إخبار جبريل بموت النجاشي إلى رسول الله - ﷺ - في يوم من رجب سنة تسع من الهجرة، كذا قاله ابن جرير وجماعة، وقيل: كان قبل الفتح ففيه جواز الإِعلام بالجنازة ليجتمع الناس للصلاة.\nوفي حديث: \"مَنْ صلى على جنازة كان له من الأجر كذا ... \"، وقوله - ﷺ -: \"لا يموت أحد من المسلمين، فيصلي عليه أمة من الناس يبلغون مائة فيشفعون له إلا شُفِّعُوا\"، وفيه دليل على الإِباحة وشهود الجنازة خير والدعاء إلى الخير خير إجماعًا، كذا قاله ابن عبد البر، وقال ابن العربي: يُؤخذ من مجموع الأحاديث ثلاث حالات:\nالأول: إعلام الأهل والأصحاب وأهل الصلاح، فهذا سُنَّة.\nوالثانية: دعوة الجُعْل للمفاخرة فهذا يكره.\nوالثالثة: الإِعلام بالنياحة ونحوه فهذا يحرم. وفي البخاري عن عقيل وصالح بن كيسان عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة: نعى لنا النجاشي يوم مات، فقال: \"استغفروا لأخيكم\"، وخرج بهم أي: بأصحابه إلى المصلّى أي: إلى موضع صلاة الجنازة، وقال ابن حجر في (الإِصابة): جاء من طريق زمعة بن صالح عن الزهري عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁، أنه قال: أصبحنا ذات يوم عند رسول الله - ﷺ - فأتاه جبريل فقال: إن أخاك أصحمة النجاشي قد تُوفي فصلوا عليه، فوثب رسول الله - ﷺ - ووثبنا معه حتى جاء المصلى، فصف بهم، الباء بمعنى مع، أي: صف معهم أو هو متعدٍ والباء زائدة للتأكيد، أي: صفهم؛ لأن الظاهر أن الإِمام متقدم، فلا يوصف بأنه صاف معهم الأعلى، (ق ٣٣٣) المعنى الآخر ولم يذكر كم صفهم. وفي النسائي عن جابر: كنتُ في الصف الثاني يوم صلى النبي - ﷺ - على النجاشي (١)، وفيه أنه\n_________\n(١) أخرجه: البخاري (١٣١٧)، والنسائي (١٩٧٤)، وأحمد (١٤٥٤٥).","vol":"2","page":115},{"text":"للصفوف على الجنازة تأثيرًا، ولو كثر الجمع؛ لأن الظاهر أنه خرج معه - ﷺ - عدد كثير، والمصلى أيضًا لا يضيق بهم لو صفوا فيه صفًا واحدًا، ومع ذلك صفهم، وهذا ما فهمه مالك بن هبيرة الصحابي، فكان يصف من يحضر صلاة الجنازة ثلاثة صفوف سواء قلوا أو كثروا، كذا قاله الزرقاني، وقال الحافظ ابن حجر: وبقي فيه إشكال، وهو إذا تعددت الصفوف والعدد قليل، أو كان الصف واحدًا والعدد كثيرًا أيهما أفضل؟ يقول الفقير: العدد الكثير أفضل ثوابًا؛ لأنه - ﷺ - أخبرنا الشفاعة عن العدد الكثير لا عن تعدد الصفوف، حيث قال آنفًا: \"لا يموت أحد من المسلمين، فيصلي عليه أمة من الناس يبلغون مائة، فيشفعون له إلا شُفِّعُوا\"، ومع هذا إن صف الملائكة كان صفين، وفي كل صف سبعون ألف ملك، ولو كان كثير عدد الصفوف خيرًا لكان صف الملائكة عددًا كثيرًا، وفيه إشعارٌ بأن الملائكة يحضرون صلاة الجنازة، كما يحضرها بنو آدم، وكَبَّر عليه أي: على النجاشي، أربع تكبيرات، أي: مقرونته بثناء وصلاة ودعوات، وفي الاقتصار على ذكر التكبيرات دلالة على أنها أركان والباقي سنن مكملات.\nوفي (الاستذكار) عن أبي حنيفة قال: كان رسول الله - ﷺ - يكبر على الجنازة أربعًا وخمسًا وسبعًا وثمانية، حتى جاء موت النجاشي فخرج إلى المصلى فصف الناس وراءه - ﷺ - فكبر أربعًا، ثم ثبت النبي - ﷺ - على أربع حتى توفاه الله ﷿، كذا قاله علي القاري، ففيه أن تكبيرات صلاة الجنازة أربعة، وهو المقصود من الحديث، واعترض بأن هذه صلاة على غائب لا على جنازة، فقال الفقهاء: شرائط صحة الصلاة على الجنازة ستة: أولها: إسلام الميت، وثانيها: طهارته، وثالثها: تقدمه على قدام الإِمام، ورابعها: حضوره أو حضور أكثر بدنه، أو نصفه مع رأسه، وخامسها: كون المصلي على الجنازة غير راكب بلا عذر، وسادسها: كون الميت على الأرض، فلا تصح الصلاة على غائب أجيب عنه بأن الصلاة على الميت الغائب جائزة عند الشافعي وأحمد وأكثر السلف، وقال الحنفية والمالكية: ذلك خصوصية له - ﷺ -، قال ابن عبد البر: ودلائل الخصوصية واضحة، لا يجوز أن يشركه فيها غيره؛ لأنه - والله أعلم - أحضر روحه بين يديه، أو رُفِعت له جنازته حتى شاهدها، كما رُفع له - ﷺ - بيت المقدس حين سألته قريش عن صفته، وعبر غيره عن ذلك بأنه كُشِف له عنه حتى رآه، فتكون كصلاة الإِمام على ميت رآه، ولم يره المأموم، ولا خلاف في جوازها، وأجيب أيضًا بأن ذلك خاص بالنجاشي لإِشاعة له أنه","vol":"2","page":116},{"text":"مات مسلمًا، واستئلاف قلوب الملوك الذين أسلموا في حياته - ﷺ - إذ لم يأت في حديث صحيح أنه - ﷺ - صلى على ميت غائب غيره، وأما حديث صلاته على معاوية الليثي فجاء من طرق لا تخلو من مقال، وعلى تسليم صلاحيته للحجية بالنظر إلى مجموع طرقه، رفع بما ورد أنه - ﷺ - رُفِعت له الحجب حتى شهد جنازته، (ق ٣٣٤) كذا قاله الزرقاني.\n* * *\n\n٣١٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب الزُّهريّ، أن أبا أُمامَة بن سهل بن حُنَيْف أخبره: أن مِسْكينَةً مرضت، فأُخْبِرَ رسول الله - ﷺ - بمرضها، قال: وكان رسول الله - ﷺ - يَعُودُ المساكين، ويسألُ عنهم، قال: فقال رسول الله - ﷺ -: \"إذا ماتت فآذنوني بها\"، قال: فأُتِيَ بجنازتها ليلًا، فكَرِهُوا أن يُؤذِنُوا رسول الله - ﷺ - بالليل، فلما أصْبَحَ رسول الله - ﷺ - أُخْبِرَ بالذي كان من شأنها، فقال رسول الله - ﷺ -: \"ألم آمُركم أن تُؤذِنُوني؟ \"، فقالوا: يا رسول الله، كَرِهْنَا أن نُخْرِجك ليلًا أو نُوقِظك، قال: فخرج رسول الله - ﷺ -، حتى صَفَّ بالناس على قبرها فصلَّى عليها، فكبَّرَ أربع تكبيرات.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، التكبير على الجنازة أربع تكبيرات، ولا ينبغي أن يُصَلَّى على جنازة قد صُلِّيَ عليها، وليس النبي - ﷺ - في هذا كغيره، ألا يُرَى أنه صَلَّى على النَّجَاشِيّ بالمدينة، وقد مات بالحبشة، فصلاة رسول الله - ﷺ - بركة وطهور، وليست كغيرها من الصلوات، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا ابن شهاب أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، تابعي في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، أن أبا أُمامَة بضم الهمزة اسمه أسعد، وقيل: سعد بن سهل بفتح فسكون، ابن حُنَيْف بضم الحاء المهملة وفتح النون، وسكون التحتية وبالفاء، سماه النبي - ﷺ - لما ولد قبل موته بسنتين اسم\n_________\n(٣١٨) صحيح، أخرجه: النسائي (١٩٠٧)، ومالك (٥٣١).","vol":"2","page":117},{"text":"جده لأمه أسعد بن زرارة، وكناه ومسح رأسه، فهو أي: أبو أمامة بن سهل صحابي من حيث الرؤية، تابعي من حيث الرواية، ومات سنة مائة، وأبو سهل بن حنيف أنصاري أوسي شهد بدرًا وأحدًا، والمشاهد كلها، وثبت مع النبي - ﷺ - يوم أُحد، وصحب عليّا بعده - ﷺ - واستخلفه على المدينة، ثم ولاه فارس، روى عنه ابنه أبو أمامة وغيره، مات بالكوفة، سنة ثمان وثلاثين، أخبره، أي: أخبر أبو أمامة ابن شهاب مرسلًا، أن مِسْكينَةً وفي حديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما: أنها امرأة سوداء كانت تَقُمُّ المسجد بقاف مضمومة، أي: تجمع القمامة، وهي الكناسة، وفي لفظ: كانت تنقي المسجد من الأذى، ولابن خزيمة: كانت تلتقط الخذف والعيدان من المسجد، وللبيهقي بإسناد حسن عن بريدة: أن أم محجن كانت مولعة بلقط القذى من المسجد بقاف ومعجمة مقصود في العين والشراب، ثم استعمل في كل شيء يقع في البيت وغيره، إذا كان قليلًا، وفي (الإِصابة) لابن حجر: محجنة، وقيل: أم محجن امرأة سوداء كانت تَقُمُّ المسجد، ذُكِرت في (الصحيح) بلا تسمية، مرضت، فأُخْبِرَ على بناء المفعول، رسول الله - ﷺ - بمرضها، قال سعيد بن زيد الباجي المالكي: فيه إخبار بضعفاء المسلمين، ولذا كان يخبر بمرضاهم، وذلك من تواضعه، وقال أبو عمر: فيه التحدث بأحوال الناس عند العالم إذا لم يكن مكروهًا، فيكون غيبة، قال: أي: أبو أمامة مرسلًا، وكان رسول الله - ﷺ - يَعُودُ المساكين، ويسألُ عنهم، أي: عن فقراء المسلمين سواء كانوا ذكورًا أو إناثًا لمزيد تواضعه وحسن خلقه، ففيه عيادة النساء وإن لم يكن محرمًا إن كانت طوافة وإلا فلا إلا أن يسأل عنها، ولا ينظر إليها، قاله أبو عمر، قال: أي: أبو أمامة، فقال رسول الله - ﷺ -: \"إذا ماتت فآذنوني بالمد، أي: أعلموني من الإِعلام بها\"، أي: بموتها، أو بحضور جنازتها لأحضر بجنازتها والاستغفار؛ لأن لها من الحق في بركة دعائه - ﷺ -، قال: أي: أبو أمامة، فأُتِيَ على بناء المفعول، بجنازتها ليلًا، لجوازه وإن كان الأفضل تأخيرها للنهار، ليكثر من يحضرها دون مشقة ولا تكلف، فإذا كان لقُربه فلا بأس به.\nولابن أبي شيبة: فأتوه ليأذنوه فوجدوه نائمًا، وقد ذهب الليل، فكَرِهُوا أي: الصحابة أن يُؤذِنُوا أي: يعلموا، وفي نسخة: أن يوقظوا رسول الله - ﷺ - بالليل، أي: تخوفوا عليه ظلمة الليل، وهوام الأرض، قال ابن أبي شيبة فدفناها، فلما أصْبَحَ رسول الله - ﷺ -، أُخْبِرَ على بناء المفعول، أي: أجيب بالذي كان من شأنها، أي: من موت","vol":"2","page":118},{"text":"المسكينة ودفنها، والمجيب أبو بكر (ق ٣٣٥) الصديق ﵁، فقال رسول الله - ﷺ -: \"ألم آمُركم بمد إلى الاستفهام التوبيخي، أن تُؤذِنُوني؟ \"، وفي نسخة: بها، أي: بجنازتها، فقالوا: يا رسول الله، كَرِهْنَا أن نُخْرِجك لَيلًا أو نُوقِظك، شكٌ من الراوي، ويحتمل أن تكون \"أو\" للتنويع لتنوع جوابهم، ولابن أبي شيبة: فقالوا: أتيناك يا رسول الله لنؤذنك بها فوجدناك نائمًا، فكرهنا أن نوقظك، وتخوفنا عليك ظلمة الليل وهوام الأرض، كذا قاله الزرقاني (١)، وقال السيوطي: زاد في حديث عامر بن ربيعة فقال رسول الله - ﷺ -: \"فلا تفعلوا، ادعوني بجنائزكم\"، رواه ابن ماجه، وفي حديث زيد بن ثابت، قال: \"فلا تفعلوا لا يموتن فيكم ميت ما كنتُ بين أظهركم إلا آذنتموني به، فإن صلاتي عليه له رحمة\"، أخرجه أحمد، قال: أي: الراوي، فخرج رسول الله - ﷺ - أي: من المدينة إلى مصلى الجنازة ووقف حتى صَفَّ بالناس على قبرها أي: على حذائه فصلَّى على قبرها، وفي نسخة: عليها، فكبَّرَ أربع تكبيرات، وهذا الشاهد للترجمة، وأما الصلاة على القبر فقال بمشروعيتها الجمهور ومنهم الشافعي وأحمد وابن وهب وابن عبد الحكم ومالك في رواية شاذة، والمشهور عنه منعه، وبه قال أبو حنيفة والنخعي وجماعة عنهم، إن دفن قبل الصلاة شرعت عليها في القبر، وإلا فلا، وأجابوا بأن ذلك من خصائصه، ورده ابن حبان بأن ترك إنكاره - ﷺ - على من صلى معه على القبر دليل على جوازه لغيره، وأنه ليس من خصائصه، وتعقب بأن الذي يقع بالتبعية لا ينهض دليلًا للأصالة، والدليل على الخصوصية ما زاده مسلم وابن حبان (٢) في حديث أبي هريرة ﵁: فصلى على القبر ثم قال: \"إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم\" وفي حديث زيد بن ثابت: \"فإن صلاتي عليها له رحمة\"، وهذا لا يتحقق في غيره، وقال مالك: ليس العمل على حديث النور، قال أبو عمر: يريد عمل المدينة، وما حكي عن بعض الصحابة والتابعين من الصلاة على القبر، إنما آثار بصرية وكوفية ولم نجد عن مدني من الصحابة فمن بعدهم أنه صلى على القبر. انتهى.\nواستدل به على التفصيل بين من صلى عليه فلا يُصلى عليه، بأن القصة وردت\n_________\n(١) انظر: شرح الزرقاني (٢/ ٨٣).\n(٢) أخرجه: مسلم (٩٥٦)، وأحمد (٨٨٠٤)، وابن حبان (٣٠٨٦).","vol":"2","page":119},{"text":"فيمن صلى عليه، وأجيب بأن الخصوصية تستحب على ذلك.\nقال ابن عبد البر: أجمع من يرى الصلاة على القبر أنه لا يُصلى عليه إلا بقرب دفنه، وأكثر ما قالوا في ذلك شهر، وقال غيره: اختلف في أمر ذلك فقيده بعضهم بشهر، وقيل: ما لم تبل الجثة، وقيل: يختص بمن كان من أهل الصلاة عند موتهم، قال الإِمام أحمد: رويت الصلاة على القبر عن النبي - ﷺ - من ستة وجوه حسان كلها، قال ابن عبد البر: بل تسعة كلها حسان، وساقها كلها بأسانيده في تمهيده، من حديث سهل بن حنيف وأبي (ق ٣٣٦) هريرة وعامر بن ربيعة وابن عباس وزيد بن ثابت، والخمسة في صلاته على المسكينة، وسعد بن عبادة في صلاة المصطفى على أم سعد بعد دفنها بشهر، وحديث الحصين بن وحوح في صلاته - ﵊ - على قبر طلحة بن البر، ثم رفع يديه وقال: \"اللهم القِ طلحة يضحك إليك، وتضحك إليه\"، أي: يرضى عنك وترضى عنه، وحديث أبي أمامة فصلى عليها، وحديث أنس أنه - ﷺ - صلى على امرأة بعد ما دُفِنَت، وهو محتمل للمسكينة وغيرها، فهي عشرة وغيرها، وكذا ورد من حديث بريدة عند البيهقي بإسناد حسن كما قدمناه في المسكينة فهي عشرة أوجه، كذا قاله الزرقاني.\nقال محمد - ﵀: وبهذا أي: بقول أبي أمامة بن سهل بن حنيف نأخذ أي: نعمل ونُفتي، التكبير على الجنازة أربع تكبيرات، ولا ينبغي أن يُصَلَّى أي: أحد من آحاد الأمة على جنازة قد صُلِّيَ عليها، أي في بلده أو غيره، وليس النبي - ﷺ - في هذا أي: الحكم كغيره أي: بل له خصوصيات، ومن خصائصه - ﷺ - روى الحاكم في مستدركه أن أهل البيت سألوا عن النبي - ﷺ - من يصلي عليك؟ قال: \"إذا غسلتموني وكفنتموني، ضعوني على السرير فاخرجوا؛ فإن أول من يصلي عليَّ من الملائكة جبريل، ثم ميكائيل، ثم إسرافيل، ثم ملك الموت مع جنوده، وأول من يُصلي عليَّ من بني آدم: العباس بن عبد المطلب، وبنو هاشم يخرجون ثم يدخل المهاجرون، ثم الأنصار، ثم الناس فوجًا فوجًا، فلما انقضى الناس يصلي الصبيان صفوفًا، ثم النساء\"، كذا قاله السيوطي في (خواتم الحكم) ولا يؤم؛ لأنه إمامكم حال حياته وحال مماته، وهذه الهيئة من خصائصه - ﷺ -، كذا قاله علي القاري في (شرح الشمائل) للترمذي، ومن خصائصه ما قاله المصنف: ألا يُرَى أي: ألم تعلم أنه أي: النبي - ﷺ - صَلَّى على النَّجَاشِيّ بالمدينة، وقد مات بالحبشة، أي: ولا شك أنه - ﷺ - هنالك والحال أن بين المدينة وبين الحبشة مسيرة شهر، فصلاة رسول الله - ﷺ - بركة","vol":"2","page":120},{"text":"وطهور، أي: رحمة ومظهرة عن الآثام، وكفارة لما سبق، وليست أي: صلاته كغيرها من الصلوات، لقوله تعالى في سورة التوبة: ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، وهو أي: التكبير في صلاة الجنازة أربع تكبيرات، أو عدم الصلاة على الجنازة بعد أن يُصلى عليها، قولُ أبي حنيفة، ﵀.\nلما فرغ من بيان حكم الصلاة على الميت بعد الدفن، شرع في بيان حكم الخبر من عذاب الميت، ببكاء أهله، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>باب ما رُويَّ أن الميت يُعَذَّب ببكاء الحي</span>\nفي بيان ما أي: في بيان حكم الخبر رُوي أن الميت يُعذب ببكاء الحي، وفي نسخة: أهله، أي: بسبب بكائه عليه إذا كان الميت راضيًا بنياحة لديه، وهي أي: النياحة، أن يقول: وا ويلاه، وا حزناه، وقيل: هي الصوت التي تعد المرأة خصال الميت.\n٣١٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، أنه قال: لا تبكوا على موتاكم، فإنَّ المَيِّت يُعَذَّب ببكاءِ أهله عليه.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن (ق ٣٣٧) أبي عامر الإِمام، من بني ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، كان من أتباع التابعين في الطبقة السابعة من أهل المدينة التي كانت في الإِقليم الثاني في الأقاليم السبعة، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، حدثنا، وفي نسخة بنا رمزًا إلى: أخبرنا عبد الله بن دينار، العدوي المدني، مولى ابن عمر، ثقة تابعي، من الطبقة الرابعة من أهل المدينة، مات سنة سبع وعشرين، عن عبد الله بن عمر، ﵄، أنه قال: لا تبكوا أي: أيها المؤمنون على موتاكم بطريق النياحة بأن يقول الباكي: وا ويلاه، وا حزناه.\nروى البخاري ومسلم (١) عن أبي مالك الأشعري ﵁، أنه قال: قال\n_________\n(٣١٩) صحيح الإسناد.\n(١) أخرجه: مسلم (٩٣٤).","vol":"2","page":121},{"text":"رسول الله - ﷺ -: \"النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة - أي: بين أهل الموقف - وعليها سربال - أي: قميص - من قطران، ودرع من جرب\"، فإنَّ الميت يُعَذَّب على صيغة المجهول، ببكاءِ أهله أي: أتباعه عليه، قيل: هذا محمول على ما إذا أوحى لأهله أن يبكوا عليه، ويشقوا ثيابهم، ويضربوا خدودهم، كما كان يفعل أهل الجاهلية، فيكون آمرًا بالمعصية وراضيًا بها؛ لأن الله تعالى قال في سورة الإِسراء: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥]، وهذا الحديث موقوف حقيقة، ومرفوع حكمًا.\n* * *\n\n٣٢٠ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن عَمْرة بنت عبد الرحمن، أنها أَخْبَرَتْهُ، أنها سمعت عائشة زوج النبي - ﷺ -، وذُكِرَ لها أن عبد الله بن عمر يقول: إنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّب ببكاءِ الحيِّ، فقالت عائشة: يغفر الله لابن عمر: أما إنه لم يكذب، ولكنه قد نَسِي أو أخطأ، إنما مَرَّ رسول الله - ﷺ - على جنازة يُبْكَى عليها، فقال: \"إنهم لَيَبْكُونَ عليها، وإنها لَتُعَذَّب في قبرها\".\nقال محمد: وبقول عائشة نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، حدثنا عبد الله بن أبي بكر، أي: ابن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، المدني القاضي، ثقة من الطبقة الخامسة، مات سنة خمس وثلاثين وهو ابن سبعين سنة، كذا قاله ابن حجر في (التقريب)، عن أبيه، أي: أبي بكر، عن عَمْرة بفتح العين المهملة وسكون الميم وفتح الراء المهملة، وفي آخره تاء التأنيث، وهي كانت في حجر عائشة وربتها، بنت عبد الرحمن، أي: ابن سعد بن زرارة أنها أي: عمرة أَخْبَرَتْهُ أي: أبا بكر أبا عبد الله، أنها أي: قالت عمرة: سمعت عائشة زوج النبي - ﷺ -، وذُكِرَ لها أي: والحال أنه قد ذكر الناس لعائشة ﵂ أن\n_________\n(٣٢٠) صحيح، أخرجه: البخاري (١٢٨٩)، ومسلم (٩٣٢)، والترمذي (١٠٠٦)، وابن ماجه (١٥٩٥)، وأحمد (٢٤٢٣٧)، ومالك (٥٥٣).","vol":"2","page":122},{"text":"عبد الله بن عمر يقول: إنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّب ببكاءِ الحيِّ، أي: من أهله عليه، فقالت عائشة: يغفر الله لابن عمر، أي: يسامحه فيما ذكر، أما بفتح الهمزة والميم المخففة، والألف حرف تنبيه، أنه أي: ابن عمر لم يكذب، أي: في نقله، ولكنه قد نَسِيَ أي: سبب ورود قوله، أو أخطأ أي: تأويله، وحمل الحديث على عمومه، إنما مَرَّ رسول الله - ﷺعلى جنازة يُبْكَى عليها أي: بصيغة المجهول، فقال - ﷺ -: \"إنهم أي: أصحاب الجنازة لَيبْكُونَ عليها أي: على الجنازة، وإنها لَتُعَذَّب في قبرها\"، أي: بذنبها، ولم ينفعها بكاؤهم عليها، وليحيى: إنما مرّ رسول الله - ﷺ - بيهودية يبكي عليها أهلها، فقال: \"إنكم لتبكون عليها، وإنها لتُعذب في قبرها\".\nقال محمد: وبقول عائشة ﵂ نأخذ، أي: نعمل، فإنه مطابق لقوله تعالى في سورة الإِسراء: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥]، وهو أي: قول عائشة، قولُ أبي حنيفة، ﵀، وهو لا ينافي في ما سبق من قول الجمهور، (ق ٣٣٨) أن تأويله أنه إن كان وصى بالنياحة أو رضي بالنياحة أو قصر في الوصية حينئذٍ تؤاخذ بالجناية، كذا قاله علي القاري.\nفإن قيل: هل للأرواح مقر بعد خروجها عن الأبدان قلت: أرواح المؤمنين في عليين، وأرواح الكافرين في سجين، وللروح بالبدن اتصال بحيث يصح أن يخاطب ويسلم عليها ويسأل ويعرض مقعدها، وغير ذلك مما ورد في شأنها لها شيئان: الدنيوي فيكون في مقرها هناك، وإنما يأتي الغلط من قياس هنا قياس الغائب على الشاهد، فيعتد أن الروح من جنس ما يُعهد من الأجسام إذا شغلت مكانًا لم يكن أن يكون في غيره، وهذا غلط محض، لقد رأى رسول الله - ﷺ - ليلة المعراج موسى ﵇ قائمًا يصلي في قبره، ورآه في السماء السادسة، فالروح كانت هناك في مثال البدن، ولها اتصال بالبدن بحيث يصلي في قبره، ويرد على المُسَلِم عليه، وهو في الرفيق الأعلى، ولا تنافي بين الأمرين، فإن شأن الأرواح غير شأن الأبدان، وقد مثل بعضهم بالشمس في السماء وشعاعها في الأرض، كروح المحمدي يرد من يصلي عليه قبره، وإنما مع القطع أن روحه في أعلى عليين، وهو - ﵇ - لا ينفك عن قبره، كما ورد عنه.\nفاعلم أن أمور البرزخ والآخرة على نمط غير المألوف في الدنيا، والحاصل أنه ليس","vol":"2","page":123},{"text":"للأرواح سعيدها وشقيها مقر واحد، وكلها على اختلاف محالها وتباين مقارها لها اتصال بأجسادها البرزخي في قبورها من عليين أو سجين، يشبه حالة النائم اتصالًا فإذا نقل الميت من قبر إلى قبر، فالاتصال المذكور يستمر، وكذا إذا تفرقت الأجزاء العنصرية لا تتفرق الأجزاء الأصلية البرزخية، المقدرة لكل هيكل، فهي كاملة بالجسد البرزخي لا تنحل بانحلال الهيكل المحسوس الشاهدي، كذا في (خواتم الحكم).\nلما فرغ من بيان كون الميت معذبًا ببكاء أهله، شرع في بيان أحوال القبر، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>باب القبر يتخذ مسجدًا أو يُصلى إليه أو يتوسد</span>\nفي بيان حكم القبر أي حال كونه يتخذ على صيغة المجهول مسجدًا أو يُصلى إليه، أو يتوسد أي: يستذر عليه وكلمة \"أو\" فيهما للتخيير.\n٣٢١ - أخبرنا مالك، حدثنا الزُّهريّ، عن سعيد بن المسيَّب، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"قاتل الله اليهود؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أنبيائِهِم مساجد\".\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر، الإِمام من بني ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، كان من أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: محمد قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا الزُّهريّ، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، ثقة، تابعي في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، عن سعيد بن المسيَّب، أي: ابن حزن، يُكنى أبا محمد، تابعي، كان في الطبقة الأولى من أهل المدينة، كذا قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي في طبقاته، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"قاتل الله اليهود؛ (ق ٣٣٩) هذا إخبار عن هلاكهم، أي: قتلهم، أو لعنهم، أو إخبار بمعنى الإِنشاء على معنى استحقوا بأن يدعوا أحد من أفراد الإِنسان عليهم بأن يقول: قاتلهم الله، اتَّخَذُوا قُبُورَ أنبيائِهِم\n_________\n(٣٢١) صحيح، أخرجه: البخاري (٤٣٧)، ومسلم (٥٣٠)، وأبو داود (٣٢٢٧)، والنسائي (٢٠٤٧)، وأحمد (١٠٣٣٨).","vol":"2","page":124},{"text":"مساجد\"، وفي نسخة: مسجد، أي: يسجدون إلى قبورهم ويتعبدون في حصورهم إلى ظهور نورهم، لكن لما كان هذا بظاهره يشاهد عبادة غير الله تعالى استحقوا أن يُقال لهم: قاتلهم الله، هذا تأويل حسن، والمعنى الظاهر الحقيقي وهو القتل والهلاك لا ينبغي إليه - ﷺ - بأنه قال: قاتلهم الله؛ لأنه مخالف للأصول، حيث قال تعالى في آخر سورة الأعراف: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، يعني: عليك يا محمد العفو عمن ظلمك، وأمر بما يرضاه العقل والشرع من الخصال الحميدة كالتقوى وصلة الرحم، وأعرض عن الجاهلين، أي: حذر نفسك عن المشركين بما صدر منهم السوء، يعني: احلم عنهم، ولا تغضب عليهم، واصبر على أخلاقهم السيئة، ولا تقابل أقوالهم الركيكة وأفعالهم الخسيسة بأمثاله، كذا في (عيون التفاسير)، و(اللباب).\nوقال تعالى في سورة القلم: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، قال القسطلاني في (المواهب اللدنية): ومن خُلقه - ﷺ -: الحلم والعفو مع القدرة، والصبر، وحسبك صبره وعفوه - ﷺ - عن الكافرين المحاربين له في أشد ما نالوه به من الجراح، والجهد، بحيث كسرت رباعية وجهه يوم أُحد، حتى صار الدم يسيل على وجهه الكريم - ﷺ - حتى شق ذلك على أصحابه شديدًا، وقالوا: لو دعوت عليهم يا رسول الله؟ فقال - ﷺ -: \"إني لم أُبعث لعانًا، ولكني بُعثتُ داعيًا إلى الله، ورحمةً للعالمين\"، فقال: \"اللهم اغفر لقومي واهد قومي فإنهم لا يعلمون\".\n* * *\n\n٣٢٢ - أخبرنا مالك، بلغني: أنَّ عليَّ بن أبي طالب، كان يَتَوَسَّد عليها ويضطجع عليها، قال بشر: يعني القُبُور.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، قال: أي: مالك بلغني أي: من غير إسناد، أنَّ علي بن أبي طالب، كان يَتَوَسَّد أي: يستند ظهره عليها أي: على القبور، ويضطجع عليها، قال بشر بن موسى، كذا في النسخة: أي: أحد من أصحاب مالك: يعني أي: يريد بضمير عليها القُبُور، فدل على فعل عليّ كرم الله وجهه على\n_________\n(٣٢٢) إسناده ضعيف، أخرجه: مالك (٥٣٩).","vol":"2","page":125},{"text":"جوازه، وليس فيه مهانة للقبر وصاحبه، بخلاف الجلوس فوقه والدوس عليه، ونحوه.\nفقد روى أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي (١) عن جابر أنه - ﷺ - نهى عن أن يُقعد على القبر، وأن يُجصص، وأن يُبنى عليه، فقيل: أراد القعود عليه تهاونًا بالميت والموت، ورُوي أنه - ﷺ - رأى رجلًا متكئًا على قبر فقال: \"لا تؤذ صاحب القبر\"، كذا في (النهاية)، فالنهي نهي للتنزيه، وعمل علي ﵁ محمول على الرخصة، إذا لم يكن على وجه المهانة، كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان أحكام ما يتعلق بالصلاة، شرع في بيان أحكام الزكاة، فقال: هذا\n* * *\n_________\n(١) أخرجه: مسلم (٩٧٠)، وأبو داود (٣٢٢٥)، والنسائي (٢٠٢٨)، وأحمد (١٣٧٣٥).","vol":"2","page":126},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-129>كتاب الزَّكَاة</span>\nأي: بيان أحكام الأحاديث التي تتعلق (ق ٣٤٠) بأحكام الزكاة، هذا كلام إضافي يجوز فيه وجهان رفعه على أنه خبر لمبتدأ محذوف، كما قدرناه ونصبه على تقدير خذ أو اقرأ نحوهما، والكتاب لغة: الفرض والحكم والقدر والجمع، تقول: كتبت الخيل إذا جمعته، واصطلاحًا: طائفة من المسائل واختار لفظ على؛ لأن في لفظ الكتب معنى الجمع، يقال: كتبت الخيل، أي: جمعت، والباب بمعنى النوع، وكان الفرض بيان أنواع الزكاة لا نوعها، وإضافة الكتاب إلى الزكاة من قبيل إضافة العام إلى الخاص، وذكر المصنف - ﵀ - الزكاة بعد الصلاة؛ لأنهما مقترنان في كتاب الله تعالى في اثنين وثمانين آية، وهذا يدل على أن التعاقب في غاية ذكاء المصنف.\nوالزكاة في اللغة بمعنى: يقال: زكا الزرع إذا نما، أي: زاد، لأنهما سبب نمو الأموال في الدنيا، والثواب في العقبى، كقوله تعالى في سورة سبأ: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩]، وبمعنى التطهير؛ لأنها تطهر صاحبها من الذنوب، أو رذيلة البخل، كقوله تعالى في سورة التوبة: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ الآية [التوبة: ١٠٣]، وفي الشريعة: أداء حق يجب في المال، ويعتبر في وجوبه الحول والنصاب، وهي فريضة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، أما الكتاب فكما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وأما السنة، فكما قال رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع: \"اتقوا ربكم وصَلُّوا خمسكم وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا ذا أَمْرِكُم تدخلوا جنة ربكم\" (١) رواه الترمذي، عن أبي أمامة، وأما الإِجماع فقد اجتمع علماء الأمة على فرضيتها من عهد رسول الله - ﷺ - من غير نكير، فمن جحد فرضيتها كفر، وإنما اختلف في بعض فروعها، وفرضت بعد الهجرة عند الأكثر، وقيل: في السنة الثانية قبل رمضان، وقيل: في السنة الأولى، وجزم ابن الأثير بأنها فُرِضت في السنة التاسعة، والله أعلم.\n_________\n(١) أخرجه: الترمذي (٦١٦)، وقال: حسن صحيح.","vol":"2","page":127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-130>باب زكاة المال</span>\n٣٢٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا الزُّهريّ، عن السائب بن يزيد، أنَّ عثمان بن عفان كان يقول: هذا شهر زكاتكم، فَمَنْ كان عليه دَيْنٌ فليُؤَدِّ دَيْنَهُ، حتى تَحْصُلَ أموالُكم فتُؤدُّوا منها الزكاة.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، مَنْ كان عليه دَيْنٌ، وله مالٌ فليدفع دَيْنَهُ من ماله، فإن بقي بعد ذلك ما تجب فيه الزكاة ففيه زكاة، وتِلْكَ مائتا درهم، أو عشرونَ مِثْقالًا ذهبًا فصاعدًا، وإن كان الذي بقي أقَلَّ من ذلك، بعد ما يدفع من ماله الدَّيْن، فليست فيه الزكاة، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر، الإِمام الأصبحي، أي: يُنسب إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، وكان من أتباع التابعين، ومن الطبقة السابعة من أهل المدينة، وفي نسخة: محمد قال: حدثنا مالك بن أنس، أخبرنا الزُّهريّ، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة، من التابعين، ومن الطبقة الرابعة من أهل المدينة، وفي نسخة: قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، عن السائب بن يزيد، أي: ابن سعد بن ثمامة الكندي، وقيل غير ذلك في نسبه، ويُعرف بابن النمر، صحابي صغير له أحاديث قليلة، وحج به - ﷺ - في حجة الوداع، وهو ابن سبع سنين، وولاه عمر سوق المدينة، مات سنة إحدى وتسعين بعد الهجرة، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة، كذا قاله ابن حجر في (التقريب من أسماء الرجال) (١)، أنَّ عثمان بن عفان (ت ٣٤١) كان يقول: وفي رواية البيهقي من وجه آخر عن الزهري، قال: أخبرني السائب بن يزيد أنه سمع عثمان بن عفان خطيبًا على منبر رسول الله - ﷺ -، هذا إشارة إلى أحد الأشهر الحُرم المعروفة عندهم، أو إلى شهر فرض فيه الزكاة عليهم، كذا قاله علي القاري، وقال الزرقاني: قيل: الإِشارة لرجب،\n_________\n(٣٢٣) صحيح، أخرجه: مالك (٥٩١)، والشافعي في المسند (٤٥٠)، والبيهقي في الكبرى (٧٦٩٩)، (٧٧٠٠).\n(١) انظر: التقريب (١/ ١٩٧).","vol":"2","page":128},{"text":"وأنه محمول على أنه كان تمام حول المال، كمن يحتاج إلى نقل نفي رواية البيهقي المذكورة على الزهري، ولم يسم السائب الشهر ولم أسأله عنه، شهر زكاتكم، لعلمه كان آخر حولهم أن لا تجب قبل حولانه، لما روى أبو داود عن الحارث الأعور، عن علي ﵁، عن النبي - ﷺ -: \"إذا كانت لك مائتا درهم، وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء في الذهب حتى يكون لك عشرون دينارًا وحال عليها الحول، ففيها نصف دينار، فما زاد فبحساب ذلك\"، قال: فلا أدري أعلي يقول بحساب ذلك أو رفعه إلى النبي - ﷺ -، وليس في مال زكاة حتى حال الحول عليه. قال النووي: حديث صحيح حسن، وقال الفقهاء: الزكاة هي: تمليك مال مخصوص لشخص مخصوص فرضت على حر مسلم مكلف مالك بنصاب من نقد، ولو تبرًا أو صليًا، أو آنية، أو ما يساوي قيمته من عروض تجارة، فارع عن الدين وعن حاجته الأصلية، كذا قاله التمرتاشي وغيره، ولذلك قال المصنف: فَمَنْ كان عليه دَيْنٌ أي: من حقوق العباد، فليُؤَدِّ دَيْنَهُ، أي: أولًا حتى تَحْصُلَ أموالُكم أي: محضة لكم، فتُؤدُّوا منها أي: من بقايا أموالكم بعد أداء دينكم الزكاة، أي: من جميع أموالكم؛ لأن ما قابل الدين لا زكاة فيه.\nقال محمد: وبهذا أي: بقول السائب بن يزيد نأخذ، أي: نعمل ونُفتي، مَنْ كان عليه دَيْنٌ، أي: حال أو مؤجل بأصالة أو كفالة، ولد مالٌ أي: زائد على الدين، فليدفع دَيْنَهُ من ماله، أي: فليحسب حساب أدائه، فإن بقي بعد ذلك أي: بعد أداء دينه ما يجب فيه الزكاة أي: بأن يكون قدره نصابًا أو أكثر، ففيه زكاة، وتِلْكَ أي: الفضلة التي تجب فيها الزكاة، مائتا درهم أي: من الفضة، أو عشرونَ مِثْقالًا ذهبًا أي: سواء يكون مضروبين أم لا، لما في الصحيحين في حديث أبي سعيد الخدري أن النبي - ﷺ - قال: \"ليس مما دون خمس أواق صدقة\"، والأواق: بضم الهمزة وفتح الواو والألف والقاف بعدها، جمع أوقية بضم الهمزة وسكون الواو وكسر القاف وتشديد الياء التحتية المفتوحة والتاء الفوقية أربعون درهمًا، فصاعدًا أي: فزائد على النصابين، وإن كان الذي بقي أي: بعد دفع الدين أقَلَّ من ذلك أي: مما ذكر من أحد النصابين، بعد ما يدفع من ماله الدَّين، أي: بقدر مقدور فليست فيه أي: فيما بقي منه، الزكاة، وهو أي: المذكور قولُ أبي حنيفة، ﵀.\n* * *","vol":"2","page":129},{"text":"٣٢٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا يزيد بن خُصيْفَة، أنه سأل سليمان بن يَسارٍ، عن رجل له مال وعليه مثله من الدَّيْنِ، أَعَلَيْهِ زكاة؟ قال: لا.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: حدثنا مالك بن أنس بن عمير بن أبي عامر، الإِمام الأصبحي، نسبة إلى ملك ذي أصبح، من ملوك اليمن، كان من أتباع التابعين من الطبقة السابعة من أهل المدينة، أخبرنا يزيد أي: بتحتية فزاي ابن خُصيْفَة، بخاء معجمة مضمومة، (ق ٣٤٢) ثم صاد مفتوحة مهملة وياء تحتية ساكنة، والفاء مصغر نسبة لجده، فهو يزيد عبد الله بن خصيفة بن عبد الله يزيد الكندي، المدني، ثقة، من أجلاء التابعين، وأكابر المجتهدين، أنه أي: يزيد بن خصيفة سأل سليمان بن يَسارٍ، أي: الهلالي المدني مولى ميمونة، وقيل: أم سلمة، ثقة، فاضل، أحد الفقهاء السبعة، من كبار التابعين، من الطبقة الثالثة من أهل المدينة، مات بعد المائة، وقيل: قبلها، كذا قاله ابن حجر في (التقريب) (١)، عن رجل له مال وعليه مثله من الدَّيْنِ، أَعَلَيْهِ زكاة؟ قال: لا، أي: لا زكاة عليه.\nقال محمد: وبهذا أي: بقول سليمان بن يسار نأخذ أي: نعمل، وهو أي: قول سليمان بن يسار، قولُ أبي حنيفة، وقول مالك والشافعي إن لم يكن له عرض ولا مال غيره، وللشافعي قول آخر أن الدين لا يمنع الزكاة؛ لأنها في عين المال والدين في الذمة، كذا قاله الزرقاني.\nلما فرغ من بيان بعض ما يجب في الزكاة، شرع في بيان بعض ما يجب فيه الزكاة، فقال: هذا\n* * *\n_________\n(٣٢٤) إسناده صحيح، أخرجه: مالك (٥٨٠)، والبيهقي في الكبرى (٧٧٠٧).\n(١) انظر: التقريب (٢/ ٦٧١).","vol":"2","page":130},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>باب ما تجب فيه الزكاة</span>\n٣٢٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صَعْصَعَة، عن أبيه، عن أبي سعيد الْخُدْرِيِّ، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"ليس فيما دون خمسة أوْسُقٍ من التمر صَدَقَة، ولا فيما دون خمس أوَاقٍ من الوَرِقِ صَدَقَة، وليس فيما دون خمس ذَوْدٍ من الإبل صَدَقَة\".\nقال محمد: وبهذا نأخذ، وكان أبو حنيفة يأخذ بذلك، إلا في خَصْلَةٍ واحدة، فإنه كان يقول: فيما أخرجت الأرض العُشْر، من قليل أو كثير، إن كانت تشرب سَيْحًا أو تسقيها السماء، وإن كانت تشرب بِغَرْب أو دَالِيَة فنصفُ العشْر، وهو قول إبراهيم النَّخَعِي ومُجاهد.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة أخرى: أنا رمزًا إلى أخبرنا، حدثنا، وفي نسخة: قال: بنا، أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صَعْصَعَة، بصادين بعد كل عين مهملة، الأنصاري، يُكنى أبا عبد الرحمن المدني، ثقة، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة تسع وثلاثين ومائة، كذا قاله ابن حجر (١)، عن أبيه، عن أبي سعيد الْخُدْرِيَّ، ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"ليس فيما دون خمسة أوْسُقٍ بفتح الهمزة وضم السين المهملة، جمع وسق، بفتح الواو أو أشهر من كسرها وأصله في اللغة الحمل، والمراد بها ستون صاعًا، وهو ألف وأربعون درهمًا، من التمر صَدَقَة، قال ابن عبد البر: كأنه جواب السائل سأله عن نصاب زكاة التمر، فلا يمنع الزكاة في غيره من الثمار والحبوب، بدليل الآثار والإِجماع، وليس فيما دون خمس أوَاقٍ بضم الهمزة وفتح الواو والقاف وما بينهما ألف، جمع أوقية بضم الهمزة وفتح الياء التحتية المفتوحة المشددة، وهي أربعون\n_________\n(٣٢٥) صحيح، أخرجه: البخاري (١٤٤٧)، ومسلم (٩٧٩)، وأبو داود (١٥٥٨)، والترمذي (٦٢٦)، والنسائي (٢٤٤٥)، وأحمد (١٠٦٤٧)، والدارمي (١٦٣٣)، ومالك (٥٧٥).\n(١) انظر: التقريب (٢/ ٥٢٩).","vol":"2","page":131},{"text":"درهمًا، من الوَرِقِ بكسر الراء وسكونها، كما قرئ بهما، أي: الفضة مطلقًا، أو المضروبة دراهم، وإنما تطلق على غيرها مجازًا خلافًا في اللغة، والمراد هنا: الفضة مضروبًا وغيرها، صَدَقَة، أي: زكاة حتى تكمل جملتها، وهي مائتا درهم، وليس فيما دون خمس ذَوْدٍ، بالإِضافة، وهي بفتح الذال المعجمة وسكون الواو والدال المهملة من الثلاثة إلى العشرة، لا واحد له إنما يُقال في الواحد بعير من لفظه، قال النووي: الرواية المشهورة بإضافة خمس إلى ذود، وروي بتنوين خمس فيكون زيد بدلًا منه، من الإبل صَدَقَة\"، فعلم أن نصاب الزكاة من الإِبل خمسة، فما دونها معفو، قال السيوطي: والحديث رواه الشافعي وأحمد، وأصحاب الكتب الستة كلهم عن أبي سعيد الخدري.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، وكان أبو حنيفة يأخذ بذلك، أي: بمضمون هذا الحديث كله، إلا في خَصْلَةٍ واحدة، أي: مسألة منفردة، وهي المتوسط من الأحكام الثلاثة، فإنه كان يقول: فيما أخرجت الأرض ولو كان من الخضراوات، العُشْر من قليل أو كثير، أي: ولو كان مما دون خمسة أوسق من التمر وغيره، إن كانت أي: الأرض (ق ٣٤٣) تشرب سَيْحًا أي: ماءً جاريًا على وجه الأرض كالأنهار، أو تسقيها السماء أي: من الأمطار، وإن كانت أي: الأرض تشرب بِغَرْب بفتح الغين المعجمة والراء الساكنة، والباء، أي: ولو كثير، كذا في (المصباح)، وفي معناه الدلو الصغير بل الأولى؛ لأن التعب فيه أكثر، أو دَالِيَة أي: دولاب تديره البقر أو غيره، وفي المغرب الدالية جزع طويل يركب تركيب مداق الأزرق رأسه مفترقة كبيرة يستقى بها، فنصفُ العشْر أي: سواء يكون قليلًا أو كثيرًا، وهو قول إبراهيم النَّخَعِي ومُجاهد، وهما من أجلَّاء التابعين، وأئمة المجتهدين، فما أنه خالف الإِجماع في ذلك مردود، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجب العشر فيما لا يبقى، وقدر البقاء بسنة من غير معالجة كثيرة ولا فيما دون خمس أوسق كل وسق ستون صاعًا بصاع النبي - ﷺ -، لما روى الترمذي عن معاذ أنه كتب إلى النبي - ﷺ - يسأله عن الخضراوات، وهي البقول، فقال - ﷺ -: \"ليس فيها شيء\"، ولما في الحديث السابق، وقد روى الشيخان عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا: \"ليس فيما دون خمس أوسق صدقة\"، ولأبي حنيفة - ﵀ على وجوب العشر في كل ما خرج من الأرض عموم قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٧]، وما روى البخاري من حديث ابن عمر ﵄","vol":"2","page":132},{"text":"أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"فما سقت السماء والعيون أو كان عثريًا العشر، وفيما سُقي بالنضح نصف العشر\"، والعثري بالعين المهملة والمثلثة المفتوحتين، قال الخطابي: هو الذي يشرب بعروقه من غير سقي، والمراد بالنضح هنا السواقي وحديث الخضراوات.\nقال الترمذي: إسناده ليس بصحيح، وحديث: \"ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة\" محمول على زكاة التجارة، وقيمة الوسق كانت يومئذ أربعين درهمًا، ولذلك لم يقل ليس في دون خمسة أوسق عشر.\nلما فرغ من بيان بعض ما يتعلق بالزكاة، شرع في بيان بعض ما يتعلق بها، فقال: هذا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>باب المال متى تجب فيه الزكاة</span>\nفي بيان حكم المال متى أي: الزمان تجب فيه الزكاة، أي: بعد أن يبلغ نصابًا، فهو ركن، والحول شرط بالإِجماع.\n٣٢٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، قال: لا تجب في مالٍ زكاة، حتى يَحُولُ عليه الحَوْل.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، إلا أن يَكْتَسِبَ مالًا فيجمعه إلى مالٍ عنده مما يُزَكّى، فإذا وَجَبَتْ الزكاة في الأوَّل زَكّى الثاني معه، وهو قولُ أبي حنيفة، وإبراهيم النَّخَعِيّ.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة أخرى: أنا، رمزًا إليه، أخبرنا، وفي نسخة: عن نافع، المدني، مولى ابن عمر، ﵄، عن ابن عمر، قال: لا تجب في مالٍ أي: أموال الزكاة زكاة، حتى يَحُولُ أي: يمضي عليه الحَوْل، بفتح الحاء المهملة وسكون الواو السنة، قال ابن عبد البر في (الاستذكار): قد رُوي هذا مرفوعًا من حديث عائشة، قال السيوطي: أخرجه ابن ماجه،\n_________\n(٣٢٦) صحيح، أخرجه: الترمذي (٦٣٢)، ومالك (٥٨٠).","vol":"2","page":133},{"text":"وقلت: وقد تقدم حديث علي كرم الله وجهه مرفوعًا.\nقال محمد: وبهذا أي: بقول ابن عمر نأخذ، أي: نعمل، وهو قولُ أبي حنيفة، ﵀، إلا أن يَكْتَسِبَ مالًا ولو قيل: المحصول بيوم فيجمعه أي: فيضمه إلى مالٍ عنده مما يُزَكّى، أي: وقد بلغ حوله، فإذا وَجَبَتْ الزكاة في الأوَّل أي: من المحصول المقدم زَكّى الثاني معه، أي: تبعًا له، فمن كان له مائتا درهم في أول السنة، وقد حصل في وسطها مائة درهم (ق ٣٤٤) مثلًا يضم إلى المائتين، ويعطى زكاة الكل عند الحول؛ لأن السنة على الأول، وهو قولُ أبي حنيفة، وإبراهيم النَّخَعِيّ، رحمهما الله، أي: سواء كان ذلك المستفاد بسبب من ذلك النصاب بأن اشترى في أثناء الحول بذلك النصاب بأن اشترى في أثناء الحول بذلك النصاب شيئًا واستفاد فيه، أو لم يكن بأن كان معه نصاب، فوهب له شيء أورث في أثناء الحول شيئًا من جنسه، وقال مالك والشافعي بأن كان المستفاد بسبب من النصاب ضم وإلا فلا يضم، والله أعلم، كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان أحكام ما يجب فيه الزكاة، شرع في بيان حال الرجل له على رجل دين، هل يجب عليه الزكاة قبل قبضه، قال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>باب الرجل يكون له الدَّين هل عليه فيه زكاة</span>\nفي بيان حال الرجل يكون له الدَّين، أي: على الرجل، هل يجب عليه فيه أي: في الدين الذي له على رجل الزكاة؟ وقد أورده يحيى في ترجمة الزكاة في العين من الذهب والفضة، وفي نسخة: باب الرجل يكون له قاطعة والدين عليه، هل يجب عليه فيه زكاة؟\n٣٢٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا محمد بن عُقبة؛ مولى الزبير، أنه سأل القاسم بن محمد، عن مكاتَب له قاطعه بمال عظيم، قال: قلت: هل فيه زكاة؟ قال القاسم: إن أبا بكر كان لا يأخذ من مالٍ صَدَقَة حتى يَحُولَ عليه الحَوْل، قال القاسم: وكان أبو بكر إذا أعْطَى الناس أعْطِيَاتِهم سأل الرجل: هل عندك\n_________\n(٣٢٧) صحيح الإسناد.","vol":"2","page":134},{"text":"من مال قد وجبت فيه الزكاة؟ فإن قال: نعم، أخذ من عطائه زكاة ذلك المال، وإن قال: لا، سَلَّم إليه عَطَاءَه.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، أخبرنا محمد بن عُقبة؛ بضم العين المهملة وسكون القاف، وفتح الموحدة والتاء الموحدة، أي: عقبة المكي عن فضيل بن عياض، وعنه تميم بن عمران القرشي مجهول، كذا قاله ابن حجر العسقلاني عن البيهقي، وهو مولى الزبير، أي: ابن العوام، أنه أي: محمد بن عقبة، سأل القاسم بن محمد، أي: ابن أبا بكر الصديق ﵁، عن حال مكاتَب له أي: لمحمد قاطعه بمال عظيم، قال أبو عمر: معنى مقاطعة المكاتب، أخذ مال معجل منه دون ما كوتب عليه ليعجل عتقه، قال: أي: السائل، قلتُ: أي: سألت: هل عليه فيه أي: في مال قطعه على مكاتب زكاة؟ قال القاسم: إن أبا بكر ﵁ كان لا يأخذ من مالٍ صَدَقَة أي: زكاة، كما في (الموطأ) ليحيى، حتى يَحُولَ عليه الحَوْل، أي: إلى غاية مضي السنة على المال، فكأنه أجاب: تجب الزكاة إذا أخذت المال منه أو تعلق بذمته وحال عليه الحول، وأجمع العلماء على اشتراط الحول في الماشية والنقد دون المعشرات، قال القاسم: هو ابن محمد بن أبي بكر الصديق: وكان أبو بكر إذا أعْطَى الناس أي: إذا أراد أن يعطيهم أعْطِيَاتِهم بفتح الهمزة وسكون العين المهملة، والطاء المكسورة، وفتح الياء التحتية المشددة، والألف والتاء الفوقية المكسورة جمع عطايا، وهو جمع عطية، أي: إذا أراد بكر أن يعطيهم أرزاقهم من بيت المال، يسأل وفي نسخة: سأل الرجل أي: منهم: هل عندك من مال قد وجبت عليك كما في (الموطأ) فيه الزكاة؟ أي: بأن يكون نصابًا فاضلًا عن دينك وحال عليه الحول، فإن قال: أي: المسؤول نعم، أخذ من عطائه زكاة ذلك المال، أي: الذي عند المسؤول، وحال عليه الحول، وإن قال لا، سَلَّم إليه أي: المسؤول عَطَاءَه، أي: تمامًا بلا أخذ شيء من عطائه لعدم الوجوب.\nقال محمد: وبهذا أي: بخبر القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵁، نأخذ أي: نعمل ونفتي، وهو أي: المذكور قولُ أبي حنيفة، ﵀.\n* * *","vol":"2","page":135},{"text":"٣٢٨ - أخبرنا مالك، أخبرني عمر بن حُسين، عن عائشة بنت قُدامَة بن مَظْعُون، عن أبيها، قال: كنتُ إذا قَبِضتُ عَطَائي من عثمان بن عفان سألني: هل عندك من مالٍ وَجَبَتْ عليك فيه الزكاة؟ فإن قلت: نعم، أخذ من عطائي زكاة ذلك المال، وإلا دفع إليَّ عطائي.\n• أخبرنا مالك، أي: أنس بن مالك بن عمير بن أبي عامر، الإِمام الأصبحي، أي: نسبة إلى ملك ذي أصبح، من ملوك اليمن، (ق ٣٤٥) كان من أتباع التابعين، في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وفي الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: محمد قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة أخرى: أنا، أخبرني وفي نسخة: أنبأني عمر بن حُسين، أي: ابن عبد الله بن الجمحي، مولاهم أبي قدامة المكي، ثقة، روى له مسلم. عن عائشة ﵂ بنت قُدامَة بضم القاف المخففة، أي: القرشية الجمحية، الصحابية، ابن مَظْعُون، بالظاء المعجمة، عن أبيها، أي: قدامة بن مظعون، وهو قرشي جمحي، خال عبد الله بن عمر، هاجر إلى أرض الحبشة، وشهد بدرًا وسائر المشاهد، قال: أي: قدامة بن مظعون: كنت إذا قَبِضتُ أي: أخذتُ، كما في نسخة، عَطَائي من عثمان بن عفان ﵁، أي: أيام خلافته، سألني: هل عندك من مالٍ وَجَبَتْ عليك فيه الزكاة؟ قال قدامة: فإن قلت: نعم، أخذ من عطائي أي: بعض النصيب الذي عادتي من بيت المال، زكاة ذلك المال، أي: الذي حال عليه الحول عندي، وإلا أي: وإن لم أقل: نعم، دفع إليَّ عطائي، أي: بكماله.\nلما فرغ من بيان حال الرجل يكون له على الناس دين، هل يجب عليه فيه زكاة أم لا، شرع في بيان زكاة الحلي، فقال: هذا\n* * *\n_________\n(٣٢٨) صحيح، أخرجه: مالك (٥٦٦)، وعبد الرزاق في مصنفه (٧٠٢٩)، والشافعي في المسند (٤٠٨)، والبيهقي في الكبرى (٧٤٤٩).","vol":"2","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>باب زكاة الحلي</span>\nفي بيان زكاة الحلي بضم الحاء المهملة وبكسر فكسر اللام وتشديد الياء التحتية وفتح فسكون لغات، جمع الحلية، أي: الزينة المصاغة من الذهب والفضة، أو المعمولة من غيرهما، كاللؤلؤ والياقوت والفيروز، وغيرها.\n٣٢٩ - أخبرنا مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، أن عائشة كانت تلي بنات أخيها، يتامى في حجرها، لهن حَلِيّ، فلا تُخْرج من حليهنّ الزكاة.\n• أخبرنا مالك وفي نسخة: محمد قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، عن عبد الرحمن بن القاسم، أي: ابن محمد بن أبي بكر الصديق، التيمي، المدني، ثقة جليل، قال ابن عيينة: كان أفضل أهل زمانه، من الطبقة السادسة من أهل المدينة، مات سنة ست وعشرين، وقال بعض المؤرخين: مات بعد العشرين، كما قاله ابن حجر في (التقريب) (١). عن أبيه، أي: القاسم بن محمد بن أبي بكر ﵁. أن عائشة أي: زوج النبي - ﷺ -، كانت تلي أي: متوليًا بنات أخيها، أي: بنات محمد بن أبي بكر الصديق ﵁، وتوليتها لهن على طريق الوصاية لهن، يتامى أي: حال لكونهن يتامى، والتقدير: وهن يتامى أو بذل في بنات أخيها، في حجرها، بفتح الحاء المهملة وسكون الجيم والراء، بمعنى المنع، أي: حال كون محمد بن أبي بكر الصديق في منع عمتهن الأدب، لهن حَلِيّ، بفتح فسكون، وبضم وكسر اللام وتشديد التحتية جمع الحلية، أي: الرخيص من الذهب والفضة، فلا تُخْرِج أي: عائشة من حليهنّ لأنهن لم يكن لهن للخطاب الزكاة، فلا تجب على الصبيان والصبيات؛ لأنها في اللغة يعني النماء والزيادة، وتستعمل بمعنى الطهارة - طاهرون من الآثام، فلا يحتاج بالخطاب بالمظهرات (٢).\n* * *\n_________\n(٣٢٩) صحيح أخرجه: مالك (٥٧١)، والشافعي في المسند (٤٣٥)، والبيهقي في الكبرى (٧٦٢٧).\n(١) انظر: التقريب (١/ ٣٤٧).\n(٢) كذا بالمتن، وهو غير واضح.","vol":"2","page":137},{"text":"٣٣٠ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن ابن عمر كان يُحَلِّي بناته وجَوارِيَهُ فلا يُخْرج من حليهنّ الزكاة.\nقال محمد: أمَّا ما كان من حلي جوهر ولؤلؤ، فليست فيه الزكاة على كل حالٍ، إلا أن يكون للتجارة، وأما ما كان من ذهبٍ أو فضة ففيه الزكاة، على كل حال، إلا أن يكون ذلك ليتيم أو يتيمة لم يبلُغا، فلا يكون في مالهما زكاة، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، وفي نسخة: أبنا، رمزًا إلى أخبرنا، حدثنا نافع، أي: المدني، مولى ابن عمر، أن ابن عمر (ق ٣٤٦) ﵁ كان يجلس بناته بتشديد اللام أي: يلبسهن الحلي وجواريه أي: سراريه، فلا يُخْرج من حليهنّ الزكاة، لأجلهن صبيات، والصبيات تخاطبين بالعبادات، وأما الجواري، فأنهن مملوكات، فلا يملكن شيئًا، قال رسول الله - ﷺ -: \"العبد وما يده لمولاه\".\nقال محمد: أمَّا ما كان من حلي جوهر ولؤلؤ، وهو مجرور معطوف على جوهر، وهو مضاف إليه الحلي، ويجوز أن يكونا بدلًا من حلي، فليست فيه الزكاة على كل حالٍ، أي: لو بلغت ما بلغت، وأما ما كان من ذهبٍ أو فضة ففيه الزكاة، أي: تجب على حر مسلم مكلف، مالك لنصاب من نقد، ولو كانت حليًا، أو آنية، أو ما يساوي قيمته من عروض تجارة، فارغ عن الدين وعن حوايجه الأصلية، وهي: أي حاجته الأصلية ما يدفع الهلاك عن الإِنسان تحقيقًا كالنفقة والدور لسكنى؛ وآلات الحرب للغازي، والثياب المحتاج إليها لدفع الحر والبرد، أو تقديرًا كالدين، فإن المديون إلى العباد محتاج إلى قضائه بما في يده من النصاب، دفعًا عن نفسه الحبس الذي هو كالهلاك، كذا قاله ابن الملك في شرح (مجمع البحرين)، إلا أن يكون ذلك أي: الحلي ليتيم أو يتيمة، قوله: لم يبلُغا، صفة احترازية عن اليتيم البالغ المالك للنصاب؛ فإنه تجب عليه الزكاة، قال الجوهري: اليتيم من الإِنسان من لا أب له، ومن سائر الحيوانات، ما لا أم له. انتهى. فلا يكون في مالهما أي: اليتيم واليتيمة زكاة، وكذا لا تجب الزكاة على غير اليتيم الصبي الغني؛ لأنه\n_________\n(٣٣٠) صحيح، أخرجه: مالك (٥٧٢)، والبيهقي في الكبرى (٧٦٢٨).","vol":"2","page":138},{"text":"- ﷺ - قال: \"رُفِعَ القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ\"، كذا في (الاختيار شرح المختار)، خلافًا لمالك والشافعي وأحمد في قولهم: تجب الزكاة في مال الصبي، كذا قاله علي القاري، وهو أي: عدم وجوب الزكاة على الصبي مطلقًا، قولُ أبي حنيفة، ﵀.\nلما فرغ من بيان زكاة الحلي، شرع في بيان ما يجب فيه العُشر، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>باب العشر</span>\nفي بيان ما يجب فيه العشر أو قطعة من مال الحربي أو الذمي وهو بضمتين وبضم واحد من العشرة، وكذا الخمس والثلث والربع، وفي نسخة: العشور.\n٣٣١ - أخبرنا مالك، حدثنا الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر، أن عمر كان يأخذ من النَّبَطِ، من الْحِنْطَةِ والزَّيْت نصف العُشْرِ، يُريد أن يكثر الحمل إلى المدينة، ويأخذ من القِطْنِيَّة العُشْر.\nقال محمد: يُؤخذ من أهل الذمة، مما اختلفوا فيه للتجارة، من قِطْنِيَّة كان أو غير قِطْنِيَّة نصف الْعُشْرِ، في كل سنة، ومن أهل الحرب إذا دخلوا أرض الإِسلام بأمانٍ العُشْر من ذلك كلِّه.\nوكذلك أمر عمر بن الخطاب زِيَاد بن حُدَيْر وأنس بن مالك حين بعثهما على عُشُورِ الكوفة والبصرة، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: بنا، وفي نسخة أخرى: محمد قال: أنا، رمزًا إلى أخبرنا مالك بن أنس بن عمير بن أبي عامر، الإِمام الأصبحي، أي: نسبة إلى ملك ذي أصبح، من ملوك اليمن، وكان من أتباع التابعين، ومن الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي في\n_________\n(٣٣١) صحيح، أخرجه: مالك (٦٠٨)، وعبد الرزاق في مصنفه (١٠١٢٦)، (١٩٢٨٢)، والشافعي في المسند (١٠١٧)، والبيهقي في الكبرى (١٩٢٧٩).","vol":"2","page":139},{"text":"الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، حدثنا، وفي نسخة: قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا الزهري، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، وكان من التابعين، ومن الطبقة الرابعة من أهل المدينة، عن سالم بن عبد الله أي: ابن عمر بن الخطاب ﵄، كان من التابعين، ومن الطبقة الثالثة من أهل المدينة، كذا قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي (١) من علماء الحنبلية، (ق ٣٤٧) عن عبد الله بن عمر، أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يأخذ من النَّبَطِ، بفتح النون الموحدة، قوم من الناس كانوا يسكنون ببطايح، وهي أودية فيها أحجار بين العراقين، أي: الكوفة والبصرة، كذا قاله محمد الواني في ترجمة الجوهوي، من الْحِنْطَةِ والزَّيْت أي: من حاصلهما لهم، أو مما يأتون بهما إلى المدينة للتجارة، وفي نسخة (الموطأ) ليحيى: والزبيب يدل على الزيت، نصف العُشْرِ، مفعول يأخذ، يُريد أي: يقصد عمر بذلك النصف، أن يكون الحمل أي: المحمول إلى المدينة، أي: المنورة، ويأخذ أي: عمر من القِطْنِيَّة بكسر القاف وسكون الطاء، وكسر النون وبفتح التحتية المشددة واحدة الغطافي كالعدس والحنطة، كذا في (الهداية)، وقال صاحب (المصباح): يقال: قطن بالمكان: أقام به، ومنه قيل: لما يدخل في البيوت من الحبوب، وتقيم زمانًا قطنية، بكسر القاف على النسبة، وضم القاف لغة، وفي (التهذيب): من اللغة القطنية اسم جامع للحبوب التي تطبخ كالعدس والباقلاء والحمصة والأرز والسمسم وليس القمح والشعير من القطاني، العُشْر، مفعول يأخذ.\nقال محمد: ويُؤخذ كذا - في النسخة - بالواو، من أهل الذمة، أي: ممن يُعطي الجزية مما اختلفوا فيه أي: ترددوا في إتيانه، للتجارة من قِطْنِيَّة كان أو غير قِطْنِيَّة نصف الْعُشْرِ، في كل سنة، ومن أهل الحرب أي: يأخذ منهم إذا دخلوا أي: بمالهم للتجارة أرض الإِسلام بأمانٍ العُشْر مرفوع على أنه نائب الفاعل ليؤخذ محذوف، أي: يأخذ العاشر من قال التجارة للحربي العشر بتمامه؛ لأن احتياج الحربي أشد وأكثر إلى الحماية؛ لكثرة طمع اللصوص في أموالهم، وذلك أن بلغ مالهم نصابًا ولم يعلم مقدار ما يأخذ عاشر أهل الحرب من تجار المسلمين لو دخلوا عليهم، وإن علم ما أخذوه من المسلمين أخذ عاشرنا مثله قليلًا أو كثيرًا تحقيقًا للمجازاة، ومقدار ما يبلغه مأمنه؛ لأنه يلزم علينا إيصالهم\n_________\n(١) انظر: صفة الصفوة (٢/ ٩٠).","vol":"2","page":140},{"text":"إلى مأمنهم، فلا فائدة في أخذ أموالهم، وإن كان أهل الحرب لا يأخذون من تجارنا شيئًا؛ لا يأخذ عاشرنا منهم شيئًا؛ لأنه أقرب إلى مقصود الأمان، كما بيناه في (سلم الفلاح شرح نور الإِيضاح)، من ذلك أي: يأخذ العاشر عشر القطنية، وغيرها من أموالهم، كله أي: جميع العشر من غير تفرقة بينهما. وكذلك أي: مثل ما أخذه عمر بن الخطاب، ﵁ من حنطة قوم النبط، وزيتهم نصف العشر، ومن القطنية العشر، أمر عمر بن الخطاب زِيَاد بن حُدَيْر بضم الحاء المهملة وفتح الدال المهملة وسكون التحتية وبالراء، وهو أبو المغيرة الأسدي الكوفي التابعي سمع عمر وعلي، وروى عنه خلق كثير منهم الشعبي، وأنس بن مالك بالنصب عطف على زياد، حين بعثهما أي: عمر على عُشُورِ الكوفة والبصرة، الظاهر أنه لف ونشر مرتب، وهو أي: أخذ نصف العشر من مال الذمي التاجر والعُشر بتمامه. من مال الحربي التاجر قولُ أبي حنيفة، ﵀، لما روى محمد بن الحسن في (الآثار) عن أبي حنيفة ﵀، عن الهيثم، عن أنس بن سيرين، قال: بعثني أنس بن مالك على الأيلة، فأخرج لي كتابًا من عمر بن الخطاب، ﵁: خُذ من أموال المسلمين من كل أربعين درهمًا بدرهم، ومن أهل الذمة من كل عشرين درهمًا بدرهم، وممن لا ذمة له من كل عشرة دراهم بدرهم، ورواه عبد الرزاق في مصنفه عن هشام بن حبان عن أنس بن سيرين، كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان أحكام العشر، شرع في بيان أحكام الجزية على أهل الكتاب والمجوس، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>باب الجزية</span>\nفي بيان أحكام الجزية، وهي بالكسر: ما يُؤخذ من أهل الذمة، وجمعها جزى، اتفق العلماء والأئمة على أن الجزية تضرب على أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى والمجوس، واختلفوا فيمن لا كتاب له، ولا شبهة كتاب عبدة الأوثان من العرب والعجم، فقال أبو حنيفة - ﵀: يؤخذ من العجم منهم دون العرب، وقال مالك: تؤخذ من كل كافر عربيًا كان أو أعجميًا إلا مشركي قريش خاصة، وقال الشافعي وأحمد في أظهر روايته: لا تؤخذ الجزية من عبدة الأوثان مطلقًا، واستنبط المصنف هذه الترجمة","vol":"2","page":141},{"text":"عن قوله تعالى في سورة التوبة: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، والمناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق إعداد آلة الجهاد بأخذ العُشر والجزية.\n٣٣٢ - أخبرنا مالك، حدثنا الزُّهري، أن النبي - ﷺ - أخذ من مجوس البَحْرَيْن الجِزْيَة، وأن عمر أخذها من مجوس فارس، وأخذها عثمان بن عفان من البَرْبَر.\n• أخبرنا مالك، حدثنا الزُّهري، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري التابعي، وكان في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، أن النبي - ﷺ - أخذ من مجوس البَحْرَيْن أي: من كفرة البحرين، وهو اسم جامع لبلاد على ساحل بحر الهند بين البصرة وعمان، وقال قوم: هي في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، والبحرين هكذا يتلفظ به في حال الرفع والنصب والجر ولم يسمع على لفظ المرفوع من أحد منهم على أنه قد حكي أنه يتلفظ بلفظ التثنية فيقولون: هذه البحيران، أو انتهينا إلى البحرين، كذا قاله ياقوت الحموي في (معجم البلدان) (١)، الجِزْيَة منصوب على أنها مفعول أخذ، وأن عمر بن الخطاب ﵁ أخذها أي: الجزية من مجوس فارس، أي: من كفرة بلاد فارس، وهي ولاية واسعة، وإقليم رابع من الأقاليم السبعة، وأول حدوده من جملة العراق وأرجان، ومن جهة كرمان السيرجان، ومن جهة ساحل بحر الهند سيراف، ومن جهة السند مكران، وأخذها أي: الجزية عثمان بن عفان من البَرْبَر، وهو كجعفر، اسم يشمل قبائل كثيرة من أهل المغرب، أوله ناحية من نواحي اليمامة، وآخره البحر المحيط، وفي الجنوب بلاد السودان، وهم أمم وقبائل لا تُحصى، يُنسب كل موضع إلى القبيلة التي تنزله، ويقال: المجموع بلادهم بلاد البربر، وهي الإِقليم الأول من الأقاليم السبعة.\nقال أبو النذر: البربر من ولد خارات بن عليق بن لود بن سام بن نوح ﵇،\n_________\n(٣٣٢) إسناده ضعيف، أخرجه: مالك (٦٠٣)، وابن أبي شيبة (٧/ ٥٨٣)، والبيهقي في الكبرى (١٩١٦٨).\n(١) انظر: معجم البلدان (١/ ٣٤٦).","vol":"2","page":142},{"text":"قال أكثر المؤرخين: الأشهر (ق ٣٤٩) في نسبهم أنهم بقية قوم جالوت لما قبله طالوت، وهربوا من المغرب فحصلوا في جبالهم وقاتلوا أهل بلادها ثم صالحوا على شيء يأخذونه منهم، وأقاموا بالجبال، وذكر محمد بن أحمد الحمداني في كتابه مرفوعًا إلى أنس بن مالك ﵁ أنه قال: جئت إلى النبي - ﷺ - ومعي وصيف، أي: غلام، فقال - ﷺ -: \"يا أنس ما جنس هذا الغلام؟ \"، قلتُ: بربري يا رسول الله، قال: \"بعه يا أنس ولو بدينار\"، فقلتُ: ولم يا رسول الله؟ قال: \"إنهم أمة بعث الله إليهم نبيًا فذبحوه وطبخوه وأكلوا لحمه\"، كذا قاله ياقوت الحموي في (معجم البلدان)، وهذا حديث مرسل ومدرج حقيقة ومتصل حكمًا؛ لكن وصله الدارقطني وابن عبد البر من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن مالك عن الزهري عن السائب بن يزيد بن سعيد بن ثمامة الكندي، صحابي صغير له أحاديث قليلة، وحج به - ﷺ - في حجة الوداع، وهو ابن سبع سنين، وولاه عمر سوق المدينة، مات سنة إحدى وتسعين، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة، كذا قاله ابن حجر في (التقريب من أسماء الرجال) (١).\n* * *\n\n٣٣٣ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن أسلم مولى عمر، أن عمر ضرب الجزية على أهل الورِق أربعين درهمًا، وعلى أهل الذهب أربعة دنانير، ومع ذلك أرزاق المسلمين وضيافة ثلاثة أيام.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، وفي نسخة أخرى: أنا، رمزًا إلى أخبرنا، حدثنا وفي نسخة: أبنا، رمزًا إلى أخبرنا نافع، أي: المدني ابن عمر، عن أسلم مولى عمر بن الخطاب ﵁، أن عمر ضرب الجزية أي: عينها وبينها، على أهل الورِق بكسر الراء، ويسكن، أي: الفضة، أربعين درهمًا، في كل سنة، وعلى أهل الذهب أربعة وفي نسخة: أربع دنانير، أي: في كل سنة، وإليه ذهب مالك، فلا يزاد ولا\n_________\n(١) تقدم.\n(٣٣٣) صحيح، أخرجه: مالك (٦٠٥)، وابن أبي شيبة (٧/ ٥٨٢)، والبيهقي في الكبرى (١٩١٩٨).","vol":"2","page":143},{"text":"ينقص إلا ممن يضعف عن ذلك فيخفف عنه بقدر ما يرى الإِمام، وقال الشافعي: أولها دينار، ولا حد لأكثرها، وقال أبو حنيفة وأحمد: أقلها على الفقراء القادرين على الكسب اثنى عشر درهمًا أو دينارًا في كل سنة، وعلى أوسطهم أربعة وعشرون درهمًا أو دينارًا في كل سنة، وعلى الأغنياء من أهل الذمة مع تسليم جزيتهم، أرزاق المسلمين أي: الحافظين ثغورهم التي تليهم.\nوقال سعيد بن زيد الباجي المالكي: يلزم على أهل الذمة أقوات من عندهم من أجناد المسلمين على قدر ما جرت عادة أهل تلك الجهة من الاقتيات، وقد جاء ذلك مفسرًا أن عمر بن الخطاب كتب إلى أمراء الأجناد أن عليهم من أرزاق المسلمين من الحنطة مدان، ومن الزيت ثلاثة أقساط كل شهر لكل إنسان من أهل الشام والجزيرة وودك وعسل، وضيافة ثلاثة أيام، قال سعيد بن زيد الباجي المالكي: يلزمهم في مدة الضيافة ما سهل عليهم، وجرت عادتهم باقتياته دون تكلف، وخروج عن عادة قوتهم، وقد شكى أهل الشام إلى عمر لما قدمها أنه إذا ترك بهم أحد من المسلمين كلفهم ذبح الدجاج والغنم، فقال عمر: أطعموهم مما تأكلون ولا تزيدوهم عنه، كذا قاله الزرقاني (١).\nفإن قلت: الكفر معصية فكيف يجوز أخذ العوض على التمكن منه ولأن جاز ذلك، فلم لا يجوز أخذ العوض على التخلية بين الزاني والزانية، وكذلك سائر المعاصي؟ قلت: هذا غلط محض نشأ عن الجهل بالأحكام الشرعية، والقواعد العلمية؛ لأن الجزية ليست للتمكين من الكفر، كما زعم هذا المعترض، وإنما هي لإِسقاط القتل الواجب، فيجوز إسقاطه بعوض كالقصاص، وِيدل على جواز أخذ الجزية قوله تعالى في سورة التوبة: (ق ٣٥٠) ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].\nومعنى قوله تعالى: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ قال ابن عباس ﵄: هو أن يعطوها بأيديهم يمشون كارهون، ولا يركبون بها ركبانًا، ولا يرسلون بها، وهم صاغرون، أي: يقهرون ذليلون، وقيل غير ذلك، كذا قاله محمد التمرتاشي في (منح الغفار).\n* * *\n_________\n(١) انظر: شرح الزرقاني (٢/ ١٨٧).","vol":"2","page":144},{"text":"٣٣٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب كان يُؤتى بنَعَم كثيرة من نَعَم الجزية.\nقال مالك: أراه يؤخذ من أهل الجزية في جزيتهم.\nقال محمد: السُنَّة أن تُؤخذ الجزية من المجوس من غير أن تُنكح نساؤهم ولا تُؤْكَل ذبائحهم، وكذلك بلغنا عن النبي - ﷺ -.\nوضرب عمر الجزية على أهل سواد الكوفة؛ على المُعْسِر اثني عشر درهمًا، وعلى الوسط أربعة وعشرين درهمًا، وعلى الغني ثمانية وأربعين درهمًا، وأما ما ذكره مالك بن أنس من الإِبل، فإن عمر بن الخطاب لم يأخذ الإِبل في جزية علمناها إلا من بني تَغْلِب، فإنه أضعف عليهم الصدقة، فجعل ذلك جِزْيتهم، فأخذ من إبلهم، وبقرهم وغنمهم.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا مالك بن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، أي: نسبة إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، وكان من أتباع التابعين في الطبقة السابعة من أهل المدينة، كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، أخبرنا وفي نسخة: محمد قال: بنا زيد بن أسلم، أي: أبو عبد الله وأبو أسامة العدوي المدني، مولى عمر، ثقة عالم، وكان يرسل، وكان في الطبقة الثالثة من أهل المدينة، مات سنة ست وثلاثين، وهو ابن أربع عشرة، عن أبيه، أي: أسلم المخضرمي، أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يُؤتى أي: إليه بنَعَم كثيرة من نَعَم الجزية، وهو بفتح العين والنون المهملة، أي: الحال الداعي، وهي جمع لا واحد له من لفظه وأكثر ما يقع على الإِبل، وقال أبو عبيد: النعم الجمال فقط والأنعام أيضًا، وقيل: النعم الإِبل خاصة، والأنعام أعم، فإن قلت: لم قال: من نعم الجزية ولم يقل: من نعم الصدقة؟ قلت: قال ذلك إشعارًا إلى أن الأغنياء والفقراء يجوز لهم الأكل من نعم الجزية، ونعم الصدقة للمسكين فقط، قال تعالى في سورة التوبة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠].\n_________\n(٣٣٤) صحيح الإسناد.","vol":"2","page":145},{"text":"قال مالك: أراه بضم الهمزة والألف بينهما راء مهملة، أي: أظن عمر ﵁ أنه قال: تؤخذ أي: الإِبل من أهل الجزية أي: من رجال أهل الكتاب الذين بلغوا الحلم لا تُؤخذ من صبيانهم ولا من نسائهم، لقوله تعالى في سورة التوبة: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، والصبيان والنساء لا يقاتلون، فلا يلزم عليهم الجزية، في جزيتهم، أي: لأجل جزيتهم، فكلمة \"في\" هنا للتعليل، قال تعالى في سورة يوسف من قصة زليخا (١): ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢]، وفي الحديث: أن امرأة دخلت النار في هرة حبستها.\nقال محمد - ﵀: السُنَّة أي: الطريقة المسلوكة في الدين أن تُؤخذ الجزية من المجوس، أي: من عبدة النار، من غير أن تُنكح نساؤهم ولا تُؤْكَل ذبائحهم؛ لأن لهم شبهة كتاب، وكذلك أي: مثل ما بلغ إلينا عن عمر بلغنا عن النبي - ﷺ -، أي: أنه - ﷺ - أخذ الجزية من بعض المجوس. وضرب أي: عين عمر الجزية على أهل سواد الكوفة؛ أي: أهل بستان العراق سمي به لسواده بالزرع والنخيل والأشجار؛ لأن جزية العرب التي لا زرع فيها ولا شجر كانوا أن أخرجوا من أرضهم ظهرت لهم خضرة الزرع والأشجار فسموه سوادا، كما إذا رأيت شيئًا من بعيد فقلت: ما ذاك السواد، وهم يسمون الأسود أخضر، والأخضر سوادًا، كذا قاله ياقوت الحموي في (معجم البلدان)، فإن المسلمين فتحوا الكوفة على عهد عمر بن الخطاب ﵁، فضرب الجزية على الإبل، (ق ٣٥١) على المُعْسِر أي: الذي يملك مائتي درهم أو أقل، أو المعتمل الذي يقدر على تحصيل الدراهم وبأي وجه كان، اثنى عشر درهمًا، أي: في كل سنة، وعلى الوسط أي: ضرب عمر الجزية على وسط الحال، وهو الذي له مال لكنه لا يستغني به عن العمل، والذي يملك فرق المائتين إلى عشرة آلاف، أربعة وعشرين درهمًا، أي: في كل سنة، وعلى الغني أي: فرض عمر الجزية على المكثر، وهو الذي يملك فوق عشرة آلاف ثمانية وأربعين درهمًا، في كل سنة، هذا قول الكرجي، وفي (الهداية): يؤخذ من الغني في كل شهر أربعة دراهم، ومن المتوسط درهمان، ومن الفقير درهم، كذا قاله التمرتاشي\n_________\n(١) امرأة العزيز (المحقق).","vol":"2","page":146},{"text":"معزيًا إلى (مختصر القدوري)، يعني وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، وقد وافقه أحمد في رواية أخرى، أنها في أهل اليمن خاصة مقدرة بدينار دون غيرهم، وأما ما ذكره مالك بن أنس من الإِبل، ففي اختلافه بحث، فإن عمر بن الخطاب ولم يأخذ من الإِبل في جزية أي: لأجل الجزية، علمناها أي: الجزية إلا من بني تَغْلِب، بفتح الفوقية وسكون الغين المعجمة وكسر اللام بعده موحدة، فإنه أي: عمر بن الخطاب ﵁، أضعف أي: جعل عليهم الصدقة مضاعفة، فجعل ذلك أي: المضاعف جِزْيتهم، أي: بني تغلب، فأخذ من إبلهم، وبقرهم وغنمهم، وبنو تغلب قوم من مشركي العرب طالبهم عمر بالجزية فأبوا أن يعطوها باسم الجزية وصالحوا على أنه اسم الصدقة مضاعفة، ويروى أن عمر قال: هاتوا وسموها ما شئتم. كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بجزية أهل الكتاب، شرع في بيان الأحاديث التي تتعلق بزكاة الرقيق والخيل العربي والفرس والفارسي، فقال: هذا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>باب زكاة الرقيق والخيل والبراذين</span>\nفي بيان ما يتعلق بأحكام زكاة الرقيق والخيل والبراذين، وهو بفتح الموحدة والراء المهملة وألف والذال المعجمة المكسورة، وبالتحتية الساكنة والنون جمع البرذون كفردوس، وهو الفرس الفارسي، قيل: هو أصبر على الكدِّ والمشقة من العربي، والعربي أسرع منه، قال ابن الأنباري: يقع على الذكر والأنثى برزونة على وزن مزبورة.\n٣٣٥ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن دينار، قال: سألتُ سعيد بن المسيب عن صدقة البَرَاذِينِ، فقال: أَوَ فِي الخيل صدقة؟\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، وفي نسخة أخرى: بنا، حدثنا، وفي\n_________\n(٣٣٥) صحيح، أخرجه: مالك (٦٠٢)، وابن أبي شيبة (٣/ ٤٣)، والشافعي في المسند (٤١٢)، والبيهقي في الكبرى (٧٥٠٨)، (٧٥١٠).","vol":"2","page":147},{"text":"نسخة: عن عبد الله بن دينار، أي: العدوي، مولاهم، يُكنى أبا عبد الرحمن، المدني التابعي، مولى ابن عمر، ثقة، كان من الطبقة الرابعة من أهل المدينة، مات سنة سبع وعشرين، قال: سألتُ سعيد بن المسيب بن حزن، يُكنى أبا محمد، تابعي كان من الطبقة الأولى من أهل المدينة، قال سعيد بن المسيب، ﵀: ما بقي أحد أعلم بقضاء قضاه رسول الله - ﷺ - وأبو بكر وعمر وعثمان مني، وما كان إنسانًا يجترئ عليه يسأله عن شيء حتى يستأذن كما يستأذن الأمير، سأله رجل، وهو مريض عن حديث، وكان مضطجعًا فجلس فحدثه فقال له الرجل: وددت أنك لم تتغن فقال: إني كرهت أن أحدثك عن رسول الله - ﷺ - وأنا مضطجع، وقال: \"لا تملؤوا أعينكم من أعوان الظلمة إلا (ق ٣٥٢) بإنكار قلوبكم لكي لا تحبط أعمالكم الصالحة\"، وكان يسرد الصوم، وعن بريدة مولاه قال: ما نودي للصلاة منذ أربعين سنة إلا وسعيد بن المسيب في المسجد، وصلى الغداة بوضوء العشاء خمسين سنة، قال: ما أكرم العباد أنفسهم بمثل طاعة، ولا أهانها بمثل معصية، وكفى بالمؤمن نصرة من الله تعالى أن يرد عدوه، يعمل بمعصية الله تعالى، وقال: من استغنى بالله افتقر إليه الناس، كذا قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي في (طبقاته) (١).\nعن صدقة البَرَاذِينِ، أي: زكاة أفراس العجم، فقال: أَوَ في الخيل: أي: جنس الخيول صدقة، والاستفهام للإِنكار لما للاستعلام لما كانت له فيما روى أو في الوضوء سرف يا رسول الله؟ قال: \"نعم، ولو كنت في شط نهر\"، والواو عطف على العبد المقدر، تقديره ليس في العبد للخدمة للمسلم صدقة، ولا في الخيل صدقة، والهمزة الاستفهامية هنا مقحمة، أي: زائدة بين المعطوف والمعطوف عليه يزيد الإِنكار المستفاد من فحوى الكلام، كما قاله الشيخ زادة في حاشية تفسير قوله تعالى في سورة الزخرف: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ١٨]، وكما يؤيده الحديث الآتي عن أبي هريرة ﵁، فالمراد بالخيل خيل الغزاة أو خيول لم تبلغ نصابًا، ونصاب الخيل خمسة، فإذا كانت أقل من خمسة لا تجر الزكاة، كذا قاله أبو جعفر الطحاوي، أو المراد بها التي لم تكن سائمة، أي: مكتفية بالرعي في أكثر الحول.\n* * *\n_________\n(١) تقدم.","vol":"2","page":148},{"text":"٣٣٦ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن دينار، عن سليمان بن يسار، عن عِرَاك بن مالك، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة\".\nقال محمد: وبهذا نأخذ، ليس في الخيل صدقة، سائمةً كانت أو غير سائمة.\nوأما قول أبي حنيفة: فإذا كانت سائمة يُطْلَب نسلها ففيها الزكاة، إن شئت في كل فرس دينار، وإن شئت فالقيمة في كل مائتي درهم خمسة دراهم، وهو قول إبراهيم النَّخَعِيّ.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر، الإِمام الأصبحي، أي: نسبة إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، وكان من أتباع التابعين، ومن الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا، رمزًا إلى أخبرنا، حدثنا وفي نسخة: عن عبد الله بن دينار، العدوي، مولاهم، أي: سيدهم، ويُكنى أبا عبد الرحمن المدني، مولى ابن عمر ثقة، تابعي من الطبقة الرابعة، مات سنة سبع وعشرين، عن سليمان بن يسار، الهلالي المدني مولى ميمونة، وقيل: أم سلمة، ثقة فاضل، أحد الفقهاء السبعة، من كبار التابعين، ومن الطبقة الثالثة، من أهل المدينة، مات بعد المائة وقيل: قبلها، عن عِرَاك بكسر العين المهملة والراء المخففة فألف وكاف ابن مالك، الغفاري الكناني المدني، ثقة فاضل، تابعي، من الطبقة الثالثة من أهل، المدينة، مات في خلافة يزيد بعد المائة، كذا قاله ابن حجر في (التقريب من أسماء الرجال) (١)، ففي سند هذا الحديث ثلاثة من التابعين، لكن عراك بن مالك أسنّ، وسليمان بن يسار أفقه. عن أبي هريرة ﵁، أنه قال: قال رسول الله - ﷺ - وفي نسخة: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"ليس على المسلم في عبده أي: إذا كان\n_________\n(٣٣٦) صحيح، أخرجه: البخاري (١٤٦٣)، ومسلم (٩٨٢)، وأبو داود (١٥٩٥)، والترمذي (٦٢٨)، والنسائي (٢٤٦٧)، وابن ماجه (١٨١٢)، وأحمد (٧٢٥٣)، ومالك (٦١٢).\n(١) انظر: التقريب (١/ ٣٩٨).","vol":"2","page":149},{"text":"للخدمة، ولا في فرسه أي: إذا لم يكن سائمة، ومكتفية بالرعي في أكثر الحول، صدقة، أي: زكاة، قال صاحب (الهداية): وتأويله ليس على المسلم الغازي في فرسه صدقة، انتهى.\nقال محمد: وبه، وفي نسخة: بهذا، أي: بهذا الحديث نأخذ أي: نعمل، ليس (ق ٣٥٣) في الخيل أي: جنسها صدقة سائمةً أي: مكتفية بالرعي في أكثر الحول، كانت أو غير سائمة، ووافقه أبو يوسف، واختاره الطحاوي، وفي (الينابيع)، وعليه الفتوى، وهو قول مالك والشافعي. وأما في قول أبي حنيفة ﵀، فإذا كانت أي: الخيل سائمة أي: مكتفية بالرعي في أكثر الحول يُطْلَب على صيغة المجهول نسلها مرفوع نائب الفاعل ليطلب والجملة صفة لسائمة، أي: إذا كانت الخيل واختلطت ذكورها بإناثها للتوالد والتناسل وطلب صاحبها ولدها، ففيها الزكاة، وليس المقصود بسومها لحمها ولا شحمها، ولا ركوبها فقط، بل المقصود بسومها نسلها مع جملتها، إن شئت أي: أيها السائل تؤخذ في كل فرس دينار، وإن شئت فالقيمة، أي: تؤخذ القيمة يعني صاحب مخير إن شاء أعطى عن كل فرس دينار، وإن شاء قرمها، وأعطى عن كل مائتي درهم خمسة دراهم، كما قال المصنف رحمه الله تعالى: ثم أي: بعد تخمين صاحب الفرس قيمة فرسه يعطي في كل مائتي درهم خمسة دراهم، وهو قول إبراهيم النَّخَعِيّ، والصحيح أن التخيير لصاحب المال، وجعله الطحاوي لأخذ الصدقة من العمال.\n* * *\n\n٣٣٧ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن أبي بكر عن أبيه، أن عمر بن عبد العزيز كتب إليه: ألا يأخذ من الخيل ولا العَسَل صدقة.\nقال محمد: أما الخيل فهي على ما وَصَفْتُ لك، وأما العسل ففيه العُشْر، إذا أصَبْتَ منه الشيء الكثير، خمسةَ أفْرَاقٍ فصاعدًا.\nوأما أبو حنيفة فقال: في قليله وكثيره العُشْر، وقد بلغنا عن النبي - ﷺ - أنه جعل في العسل العُشْر.\n_________\n(٣٣٧) صحيح، أخرجه: مالك (٦٠١)، والبيهقي في الكبرى (٧٥٠٩).","vol":"2","page":150},{"text":"• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، حدثنا عبد الله بن أبي بكر، أي: ابن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، المدني القاضي، ثقة في الطبقة الخامسة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة، وهو ابن سبعين سنة، كذا قاله ابن حجر، عن أبيه، أي: أبي بكر بن محمد بن عمرو بفتح العين، أن عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم أبي العاص الأموي أمير المؤمنين أمه أم عاصم حفصة بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، ولى إمرة المدينة للوليد، وكان مع سليمان كالوزير، وولي الخلافة بعد فَعُدَّ مع الخلفاء الراشدين، وكان في الطبقة الرابعة، مات في رجب سنة إحدى ومائة وله أربعون سنة، ومدة خلافته سنتان ونصف، ذلك في (التقريب) (١) لابن حجر، كتب إليه أي: إلى ابن أبي بكر بن محمد بن عمرو نسب إلى جده، وكان قاضي المدينة وهو بمنى ألا تأخذ من الخيل التي لم تكن سائمة أو لم تبلغ نصابًا وهو خمسة، أو التي كانت للغازي، ولا العَسَل لعله إذا كان في الأرض الخراجي صدقة، أي: لا عشرًا، وأما إذا كان العسل في الأرض العشري ففيه عشر، قال الزهري والأوزاعي وربيعة ويحيى بن سعيد: في العسل العشر، وهو قول أبي حنيفة، إلا أن الكوفيين لا يرون فيه زكاة إلا في الأرض العشري دون الأرض الخراجي، كذا قاله الزرقاني.\nقال محمد: أما الخيل فهي على ما وَصَفْتُ لك، أي: من الخلاف فيه وأما العسل ففيه العُشْر، وهو أحد الأجزاء العشرة، إذا أصَبْتَ أي: إذا نلت أيها المخاطب، منه أي: من العسل الشيء الكثير، نصب على أن مفعول أصبت خمسةَ مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هو خمسة، أو منصوب على أنه بدل بعض عن الشيء الكثير، ومضاف إلى أفْرَاقٍ وهو بفتح الهمزة وسكون الفاء والراء المهملة، فألف وقاف جمع فرق، وهو بفتحتين أو بسكون الراء: كيل معروف (ق ٣٥٤) في المدينة يسع ثلاثة آصع أو ستة عشر رطلًا أو أربعة أرباع، جمعه فرقان، كذا في (القاموس)، فصاعدًا، أي: فزائد.\nوأما أبو حنيفة فقال: في قليله وكثيره العُشْر أي: إذا كان في الأرض العشرية أو جبل، وقال الشافعي: لا شيء في العسل، وقال أبو يوسف: لا شيء في العسل الجبلي، وقد بلغنا عن النبي - ﷺ - أنه جعل في العسل العُشْر، أي: مطلقًا، فقد روى الترمذي\n_________\n(١) انظر: التقريب (١/ ٤٣١).","vol":"2","page":151},{"text":"وابن ماجه عن ابن عمر مرفوعًا: \"في العسل في كل عشرة أزق زق\" (١) وروى أحمد وابن ماجه والبيهقي، عن أبي سيارة المتعي قال: قلت: يا رسول الله، إن لي نحلًا، قال: \"إذا العشور\"، قلت: يا رسول الله، احمها لي فحماها لي (٢)، وروى عبد الرزاق في مصنفه عن أبي هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - كتب إلى اليمن أن يأخذ من أهل العسل العشور (٣).\n* * *\n\n٣٣٨ - أخبرنا مالك، حدثنا ابن شهاب، عن سليمان بن يَسَارٍ، أن أهل الشام قالوا لأبي عُبَيْدَةَ بن الجَرَّاح: خُذْ من خَيْلِنَا ورَقيقَنَا صَدَقة، فأبَى، ثم كتب إلى عمر بن الخطاب، فكتب إليه عمر: إن أَحَبُّوا فخذها منهم، وَاردُدْها عليهم - يعني على فقرائهم - وارزق رَقِيقَهم.\nقال محمد: القولُ في هذا، القولُ الأوَّلُ: ليس في فرس المسلم صدقة، ولا في عبده إلا في صدقة الفِطْر.\n• أخبرنا مالك بن أنس بن عمير بن أبي عامر، الإِمام الأصبحي، أي: نسب إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، كان من أتباع التابعين، ومن الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، وفي نسخة أخرى: بنا، وفي أخرى: أبنا رمزًا إلى أخبرنا، حدثنا وفي نسخة: قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن\n_________\n(١) أخرجه: الترمذي (٦٢٩)، وقال: ولا يصح عن النبي - ﷺ - في هذا الباب كبير شيء، والعمل على هذا عند أهل العلم، وبه يقول أحمد وإسحاق، وبعض أهل العلم ليس في العسل شيء، وصدقة بن عبد الله ليس بحافظ، وقد خولف صدقة بن عبد الله في رواية هذا الحديث عن نافع.\n(٢) أخرجه: ابن ماجه (١٨٢٣)، وعبد الرزاق في مصنفه (٦٩٧٣)، وابن أبي شيبة (٣/ ٣٣)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٥١)، حديث (٨٨٠)، والبيهقي في الكبرى (٧٥٤٩).\n(٣) أخرجه: عبد الرزاق في مصنفه (٦٩٧٢)، والبيهقي في الكبرى (٧٥٥٠).\n(٣٣٨) صحيح، أخرجه: مالك (٦٠٠)، والبيهقي في الكبرى (٧٥٠٦).","vol":"2","page":152},{"text":"كلاب، تابعي من الطبقة الرابعة من أهل المدينة، عن سليمان بن يسار الهلالي المدني، مولى ميمونة، وقيل: أم سلمة، ثقة، تابعي فاضل، أحد الفقهاء السبعة، من كبار التابعين، من الطبقة الثالثة، مات بعد المائة، وقيل: قبلها، كذا قاله ابن حجر.\nعن سليمان بن يَسَارٍ، أن أهل الشام قالوا لأبي عُبَيْدَةَ بن الجَرَّاح، الفهري، أمين هذه الأمة بالنص النبوي، أمَّره عمر على أهل الشام، وهو أحد العشرة المبشرة بالجنة، أسلم قديمًا، وشهد بدرًا، مشهور، مات شهيدًا بطاعون عمواس سنة ثمان عشرة وله ثمان وخمسون سنة، خُذْ من خَيْلِنَا أي: ولم يكن سائمة، ورقيقنا صَدَقة، أي: وإن كان للخدمة، فأبَى أي: امتنع منَ الأخذ؛ لأنه لا صدقة فيهما، ثم أي: بعد أمرهم إلى أبي عبيدة بن الجراح بالأخذ، كتب أي: أبو عبيدة وهو في الشام أمير لأهله، إلى عمر بن الخطاب، وهو خليفة في المدينة، فأبى عمر؛ لأنه علم أن لا زكاة فيهما، ثم كلموه أيضًا فكتب إلى عمر ذلك، كذا في (الموطأ) لمالك.\nوفي رواية يحيى: فكتب إليه عمر: إن أَحَبُّوا فخذها منهم، يريد أن هذا تطوع منهم، ومن تطوع بشيء أخذ منه سواء كان مما فيه يجب الصدقة، أو من غيره، وَاردُدْها عليهم يعني على فقرائهم، هذا تفسير المصنف أخذه من قوله تعالى في سورة التوبة ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠]، وارزق رَقِيقَهم أي: فقير أهل الشام، وقيل: معناه ارزق عبيدهم وإمائهم من بيت المال؛ لأن أبا بكر كان يفرض للسيد وعبده من الفيء، وكان عمر يفرض للسيد والعبيد وكذا (ق ٣٥٥) عثمان وعلي، كذا قاله الزرقاني، وقال علي القاري: ويحتمل أن يكون لرقيقهم رزق لكونهم في ثغر من ثغور المسلمين يستعان بهم في الحرب، ويحتمل أن يكون يريد بذلك أن هذا مكافأة لهم على [. . .] (١) الصدقة، كذا في (المنتقى).\nقال محمد - ﵀: القولُ في هذا أي: في الحديث هو القولُ الأول، وهو ما روى أبو هريرة عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة\" أي: زكاة إذا لم يكن للتجارة ولم يكن سائمة قوله: وليس في فرس المسلم صدقة تفسير للقول الأول، أي: إذا لم يكن فرس المسلم سائمة فليس فيه زكاة، ولا في عبده أي: إذا لم يكن للتجارة، إلا في صدقة الفِطْر؛ فإنها تجب على سيده لأجل عبده إذا كان لأجل عبده، إذا كان للخدمة.\n_________\n(١) ساقطة من الأصل.","vol":"2","page":153},{"text":"لما فرغ من بيان أحكام زكاة الرقيق والخيل والبراذين، شرع في بيان أحكام الركاز، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>باب الركاز</span>\nفي بيان أحكام الركاز، وهو بكسر الراء من الركز، وهو الإِثبات في الأرض، والمراد منه عند أهل الحجاز: كنوز الجاهلية المدفونة في الأرض، وعند أهل العراق، أي: البصرة والكوفة: المعادن، واللغة تحتملها؛ لأن كلًا منها مركوز في الأرض، أي: ثابت يقال: ركزه، أي: دفنه، والحديث الآتي على رأي أهل العراق والفقهاء الحنفية، قالوا: الركاز ما تحت الأرض مطلقًا، سواء كان خلقة أو بدفن للعباد، والمعدن خلقي، والكنز مدفون.\n٣٣٩ - أخبرنا مالك، حدثنا ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وغيرُه، أن رسول الله - ﷺ - قطع لبلال بن الحارث المزنيّ معادن من القَبَلِيَّة، وهي من ناحية الفُرُع، فتلك المعادن إلى اليوم لا يُؤخَذ منها إلا الزكاة.\nقال محمد: الحديث المعروف، أن النبي - ﷺ - قال: \"في الرِّكاز الخُمس\"، قيل: يا رسول الله، وما الرِّكاز؟ قال: \"المال الذي خلقه الله في الأرض يوم خلق السموات والأرض\"، فهذه المعادن فيها الخمس، وهو قولُ أبي حنيفة والعامَّة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، حدثنا وفي نسخة: قال: بنا ربيعة بن أبي عبد الرحمن، اسمه فروخ، ثقة، فقيه، تابعي، مشهور، وكان من الطبقة الخامسة من أهل المدينة، مات سنة ست وثلاثين، كذا في (التقريب) لابن حجر (١)،\n_________\n(٣٣٩) مرسل، أخرجه: أبو داود (٣٠٦١)، مالك (٥٦٩)، والبيهقي في الكبرى (٧٧٢٩)، مرسلًا، وأخرجه: أبو داود (٣٠٦٣)، وأحمد (٢٧٨١)، والبيهقي في الكبرى (١٢٠١٧) مسندًا من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده.\n(١) تقدم.","vol":"2","page":154},{"text":"وغيرُه أي: حدثنا غير ربيعة كثير من مشايخي، هذا تحويل المسند من مالك لتقوية الحديث، وقال الزرقاني: هذا الحديث مرسلًا عن جميع الرواة، ووصله البزار من طريق عبد العزيز الدراوردي عن ربيعة عن الحارث بن بلال بن الحارث المزني، عن أبيه، وأبو داود من طريق ثور بن [زيد] (١) عن عكرمة عن ابن عباس ﵄، أن رسول الله - ﷺ - قطع أي: أعطى لبلال بن الحارث المزنيّ بضم الميم وفتح الزاي، نسبة إلى قبيلة بني مزينة، وهو مدني، سكن وراء المدينة، ثم تحول إلى البصرة، أحاديثه في السنن وصحيحي ابن خزيمة وابن حبان، قال المدايني وغيره: مات سنة ستين وله ثمانون سنة، معادن جمع معدن نصب مفعول أقطع، من معادن القَبَلِيَّة، بفتح الباء والقاف الموحدة على وزن القمرية منسوبة إلى قبل، اسم موضع، يعني: أعطاه ليعمل فيها، ويخرج الذهب والفضة لنفسه، وفيه إقطاع المعادن، ولعلها كانت باطنة، فإن الظاهر لا يجوز إقطاعها إليهم إلا أن يكون من الخصوصيات، وهي أي: معادن القبلية، وفي كتاب (الأمكنة القلبية) بكسر القاف وبعدها لام مفتوحة فباء، كذا ذكره السيوطي، وفي نسخة: وهو أي: مكان (ق ٣٥٦) تلك المعادن من ناحية الفُرْع، بضم الفاء وسكون الراء والعين بعده، موضع بين مكة والمدينة، فتلك المعادن إلى اليوم لا يُؤخَذ منها إلا الزكاة، والمعادن بالزكاة ربع العشر كزكاة الذهب والفضة الغير المعدنين، وهذا يدل على وجوب الزكاة في المعادن، وهو مذهب مالك وأحد أقوال الشافعي، وأما أبو حنيفة فيوجب الخمس فيه، وفي (شرح الهداية) لابن الهمام: قال أبو عبيدة في كتاب (الأموال): حديث منقطع ومن انقطاعه ليس فيه أن النبي - ﷺ - أمر بذلك؛ وأما قوله: لا يؤخذ. . . إلى آخره فيجوز كون ذلك من أهل الولايات اجتهادًا منهم.\nقال محمد: الحديث المعروف، أن النبي - ﷺ - قال: \"في الرِّكاز الخُمس\"، رواه ابن مسعود، وأما ما رواه أبو بكر بن أبي داود في جزء من حديثه عن ابن عمر بلفظ: \"في الركاز العشر\" فغير معروف، قيل: يا رسول الله، وما الرِّكاز؟ قال: \"المال الذي خلقه الله فى الأرض يوم خلق السموات والأرض\"، فهذه المعادن فيها الخمس، وهو قولُ أبي حنيفة والعامَّة أي: الأكثرين من فقهائنا، أي: من الكوفيين، أو من أصحاب الإِمام والله أعلم بحقيقة المرام. وقال الشافعي وأحمد: لا شيء في المعادن لما في الكتب الستة عن أبي\n_________\n(١) في الأصل: يزيد، والمثبت هو الصواب.","vol":"2","page":155},{"text":"هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"العجماء جرحها جبار، والبئر والمعدن جبار\"، والحال أن في الركاز الخمس والمراد بالعجماء البهيمة، وبالجبار الهَدَر، وأجاب عنه علماؤنا بأن معنى الحديث عندنا أن من استأجر رجلًا لحفر معدن فانهار عليه، فهو هدر؛ لأن من استخرج معدنًا فهو له، كما سبق أن في الركاز الخمس، وهو يشمل المعدن والكنوز، حيث كل منهما يطلق عليه أنه مركوز.\nهذا وقال السيوطي: وقع في زمن شيخ الإِسلام عز الدين بن عبد السلام أن رجلًا رأى النبي - ﷺ - في المنام، فقاك له: اذهب إلى موضع كذا فاحفره، فإن فيه ركازًا فخذه ولا خمس عليك فيه، فلما أصبح ذهب إلى ذلك الموضع فحفره فوجد الركاز فاستفتى علماء عصره فأفتوه بأنه لا خمس عليه، لصحة رؤياه، وأفتى الشيخ عز الدين بن عبد السلام بأن عليه الخمس، قال: وأكثر ما ينزل منامه منزله حديث روي بإسناد صحيح وقد عارضه ما هو أصح منه، وهو الحديث المخرج في الصحيحين: \"في الركاز الخمس\" (١) انتهى.\nقال علي القاري: قلت: وأيضًا حديث المنام لا يعارض حديث اليقظة؛ فإن حال فإن حالها أقوى كما لا يخفى، ولهذا لا يخفى، ولهذا لا يجوز العمل بما يُرى في المنام إذا كان مخالفًا لشرعه - ﷺ -. انتهى.\nلما فرغ من بيان أحكام الركاز، شرع في بيان أحكام صدقة البقر، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>باب صدقة البقر</span>\nفي بيان أحكام صدقة، أي: زكاة البقرة: وهو اسم جنس يقع على الذكر والأنثى؛ فالتاء في البقرة للإِفراد لا للتأنيث، والبقر جماعة البقر مع (ق ٣٥٧) رعاتها، وفي معناه الجاموس، يعني: نصاب البقر والجاموس سواء، هو ثلاثون سائمة وحولية، ففيها تبيع وهو ولد البقر الذي تم له سنة، ودخل السنة الثانية.\n_________\n(١) أخرجه: البخاري (١٤٩٩)، ومسلم (١٧١٠).","vol":"2","page":156},{"text":"٣٤٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا حُمَيْدُ بن قَيْس عن طَاوْس، أن رسول الله - ﷺ - بعث معاذ بن جَبَل إلى اليمن، وأمره أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعًا، ومن كل أربعين مُسِنَّة، فَأُتِي بما دون ذلك فأبى أن يأخذ منه شيئًا، وقال: لم أسمع فيه من رسول الله - ﷺ - شيئًا حتى أرجع إليه، فَتُوفِّي رسول الله - ﷺ - قبل أن يقدم مُعاذ.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، ليس في أقل من ثلاثين من البقر زكاة، فإذا كانت ثلاثين ففيها تبيعٌ أو تَبيعَةٌ، والتَّبيع: الجَذَع الحَوْلِي، إلى أربعين، فإذا بلغت أربعين ففيها مُسِنَّة، وهو قولُ أبي حنيفة والعامة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، يعني نسب إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، وكان من أتباع التابعين، ومن الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، أخبرنا وفي نسخة قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا حُمَيْدُ بالتصغير ابن قَيْس، أي: المكي الأعرج أبي صفوان القارئ ليس به بأس، كان من الطبقة السادسة من أهل مكة المكرمة، مات سنة ثلاثين ومائة، وقال بعض المؤرخين: مات بعد المائة والثلاثين، عن طَاوْس، أي: ابن كيسان اليماني أبو عبد الرحمن الحميري، مولاهم الفارسي، يقال: اسمه ذكوان وطاوس لقب له، تابعي ثقة، فاضل، كان في الطبقة الثالثة من أهل اليمن وهو كان في الإِقليم الأول، مات سنة ست ومائة، وقيل: بعدها أن رسول الله - ﷺ - بعث أي: أرسل معاذ بن جَبَل بضم الميم، أنصاري شهد بدرًا وما بعدها إلى اليمن، أي: قاضيًا أو معلمًا بعد غزوة تبوك، وشيعه ماشيًا في خروجه وهو راكب، وطاوس لم يدرك معاذًا، ذكره ابن الهمام، فالحديث منقطع لكنه حجة عندنا، لا سيما وهو معتضد بأحاديث صحيحة في الوصل، صريحة، كما سنذكرها، فأمره أي: النبي - ﷺ - لمعاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعًا، وهو ولد البقرة تم سنة وطعن في السنة الثانية، سُمي به؛ لأنه يتبع أمه بعد تمام سنة، وهذا حكم التبعية، ومن كل أربعين أي: أمر النبي - ﷺ -\n_________\n(٣٤٠) إسناده حسن، أخرجه: مالك (٥٩٨).","vol":"2","page":157},{"text":"لمعاذ بن جبل أن يأخذ من كل أربعين بقرة لأهل اليمن مُسِنَّة، بضم الميم وكسر السين المهملة وفتح النون المشددة بنت البقرة التي تمت السنتين لها، وطعنت في السنة الثالثة، وحكمها واحد، فَأُتِي على بناء المفعول للماضي، أي: جيء معاذ بما دون ذلك أي: جاء أهل اليمن إلى معاذ بأقل من الثلاثين بقرة فقط أو أقل من الأربعين، فأبى أي: امتنع معاذ أن يأخذ منه أي: من أقل الثلاثين شيئًا، أي: زكاة، وقال: لم أسمع فيه أي: في حق الأخذ من أقل من الثلاثين من رسول الله - ﷺ - شيئًا أي: أمرًا أو نهيًا، فاستمر على ذلك، حتى أرجع إليه، أي: لا آخذ من الأقل من الثلاثين إلى أن ألقى رسول الله - ﷺ - وأسأله، قال طاوس: فَتُوفِّي أي: قُبض رسول الله - ﷺ - قبل أن يقدم أي: أن جاء مُعاذ، أي: من اليمن.\nقال ابن حجر في (الإِصابة): قدم معاذ من اليمن إلى المدينة في زمن خلافة أبي بكر ﵁، ثم ذهب إلى الشام، فإن قيل: لم اختار النبي (ق ٣٥٨) - ﷺ - معاذ بن جبل بأن يجعله قاضيًا على اليمن؟ أجيب بأنه اختاره بوحي من الله تعالى، لكمال فضله وورعه وحسن خلقه، وشفقته على خلق الله تعالى، قال أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي في (طبقاته): روى عن بحر بن يزيد بن قطيب السلوني قال: دخلتُ مسجد حمص، فإذا أنا بفتى حوله الناس، جعد قطط، فإذا تكلم كأنما يخرج من فيه نورٌ ولؤلؤ، فقلتُ: من هذا؟ قالوا: معاذ بن جبل.\nوعن أبي مسلم الخولاني قال: أتيتُ مسجد دمشق فإذا حلقة فيها كهول من أصحاب محمد - ﷺ - وإذا شاب فيهم أكحل براق الثناء، كلما اختلفوا في شيء ردوه إليه، فقلت لجليسه: من هذا؟ قال: هذا معاذ بن جبل، كان طوالًا أبيض، حسن الثنية، عظيم العينين، مجموع الحاجبين، ومن زهده أن عمر بن الخطاب ﵁ بعث مع غلامه صرة فيها أربعمائة دينار، وقال: اذهب بها إلى أبي عبيد، ثم قف ساعة فانظر ماذا يصنع، فذهب إليه الغلام فقال: أرسل بها إليك أمير المؤمنين، اصرف هذه في بعض حاجتك، فقال معاذ بن جبل: وصله الله ورحمه، ثم قال: تعالي يا جارية، اذهبي بهذه السبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان، حتى أنفذها فرجع الغلام إلى عمر، فأخبره فوجده قد أعد مثلها لمعاذ، فقال: اذهب وتله ساعة حتى تنظر ماذا يصنع، فقال الغلام: أعطى لك هذه أمير المؤمنين، اجعل هذه في بعض حاجتك، فقال معاذ بن جبل ﵁:","vol":"2","page":158},{"text":"وصله الله تعالى، وقال: يا جارية، اذهبي إلى بيت فلان بكذا، وإلى بيت فلان بكذا، فاطلعت امرأته فقالت: نحن والله مساكين فأعطنا، ولم يبق إلا ديناران فرمى بهما إليها، فرجع الغلام إلى عمر، فأخبره، فقال: إنهم إخوة بعضٌ من بعض.\nومن مرضه وفاته لما وقع الطاعون بالشام، واستقر فيها قال الناس: ما هذا إلا الطوفان، أي: عذاب، إلا أنه ليس بها، فبلغ ذلك معاذًا فقام خطيبًا، وقال: إنما هو رحمة ربكم ودعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم، والمراد بدعوة النبي - ﷺ -: \"اللهم اجعل هلاك أمتي بالطعن والطاعون\"، ولكن خافوا ما هو أشد من ذلك أن يغدو الرجل منكم من منزله لا يدري أمؤمن هو أم منافق، وخافوا إمارة الصبيان، وأن معاذًا يسأل الله أن لآل معاذ حظهم، فطعن ابنه عبد الرحمن ثم مات، فدعا ربه لنفسه، فطعن في راحة فجعل ينظر إليها ثم يقبل ظهر كفه، ثم يقول: ما أحب أن لي بما فيك شيئًا من الدنيا، قال أيضًا: إنها شهادة يختص بها الله ما يشاء، أيها الناس: أربع خصال من استطاع أن لا يدركه شيء منها فلا يدركه، قالوا: وما هو؟ قال: يأتي زمان يظهر فيه الباطل ويصبح أمر رجل على دين، ويمشي على آخر ويقول الرجل: والله ما أدري على ما أنا لا يعيش على بصيرة، ولا يموت ولا يعطي الرجل من المال مال الله على أن يتكلم بكلام الزور الذي يسخط الله، اللهم آت آل معاذ الأوفر من هذه الرحمة، فطعن ابناه، (ق ٣٥٩) فقال: كيف تجداكما؟ قالا: يا أبانا، الحق من ربك، فلا تكونن من المميزين، قال: وأنا ستجداني إن شاء الله من الصابرين، ثم طعنت امرأتاه فهلكتا، وطعن هو في إبهامه وجعل يمسها بفمه ويقول: اللهم إنها صغيرة فبارك فيها، فإنك تبارك في الصغير، واشتد به نزع الموت، فنزع نزعًا لم ينزعه أحد، وكان كلما أفاق فتح طرفه وقال: رب اخنقني خنقك، فوعزتك إنك لتعلم أن قلبي يحبك، ولما حضر الموت قال: انظروا، أصبحنا، فأنى نقيل؟ فقيل: لم يصبح حتى أتى، فقيل: أصبحت، فقال: أعوذ بالله ليلة صباحها النار، مرحبًا بالموت مرحبًا زائر جاء على فاقة، اللهم إني كنت أضافك، وأنا اليوم أرجوك، إنك تعلم أني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لكري الأنهار ولا لغرس الأشجار، ولكن لظمأ الهواجر، ولمكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر. انتهى.\nوهو مات بالشام سنة ثمان عشرة من الهجرة، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، ومروياته مائة وخمسون، كذا قاله علي القاري، في أول الشرح للحديث الأربعين.","vol":"2","page":159},{"text":"قال محمد: وبهذا أي: بما رواه طاوس عن معاذ بن جبل نأخذ أي: نعمل، قوله: ليس في أقل من ثلاثين من البقر زكاة، بيان بما رواه طاوس، وهذا مما لا خلاف فيه، فإذا كانت وفي نسخة: فإذا بلغت، أي: البقرة ثلاثين ففيها تبيعٌ أو تَبيعَةٌ، والتَّبيع: الجَذعَ وهو بفتح الجيم والذال المعجمة أتى عليه أكثر السنة الحَوْلِي أي: إذا كمل السنة وشرع في السنة الثانية، إلى أربعين، فإذا بلغت أي: بقرة أربعين عددًا ففيها مُسِنَّة، يعني: أو خمس إلى ستين، ثم في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة، وهو قولُ أبي حنيفة ﵀، أي: في رواية أسد بن عمرو، عنه، وقولهما في رواية الحسن عنه، وهو المذكور في المتون، أي: فيما يزاد نحسب إلى ستين، وفي رواية الحسن عنه أنه لا شيء في الزيادة حتى تبلغ إلى خمسين ففيها مسنة وربع مسنة أو ثلاث تبيع، والعامة، أي: هو قول جمهور الفقهاء كمالك والشافعي وأحمد، حيث إنهم ذهبوا إلى أنه لا شيء في الزيادة حتى تبلغ ستين.\nلما ذكر ما يتعلق بزكاة البقر، شرع في ذكر ما يتعلق بالكنز، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>باب الكنز</span>\nفي بيان حكم الكنز، وهو ما يضع صاحبه في الأرض ويدفنه، أم لا وأريد به ما يجمعه مطلقًا كما أشير إليه بقوله تعالى في سورة التوبة: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤]، فما فيه من سمة الكفر خمس وما فيه من سمة الإِسلام فكاللقطة، وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الأبواب السابقة هو النجاة، إذا أدى ما يلزم عليه، والهلاك إذا لم يؤد ما لزم عليه من الزكاة لما قال جابر بن عبد الله الأنصاري، ﵁: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"ما من صاحب إبل لا يفعل فيها حقها إلا جاءت يوم القيامة أكثر ما كانت، وقعد لها بقاع قرقر تستن عليه بقوائمها وأخفافها، وما صاحب بقر لا يفعل فيها حقها إلا جاءت يوم القيامة أكثر ما كانت، وقعد لها بقاع قرقر تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها، ليس فيها جراء ولا منكسر (ق ٣٦٠) قرنها، ولا صاحب كنز لا يفعل فيه حقه إلا جاء كنزه يوم القيامة شجاعًا أقرع يتبعه فاتحًا فاه، فإذا أتاه فر منه فيناد به، خذ كنزك الذي خبأته عني، فإذا أرى أن لا بد له","vol":"2","page":160},{"text":"منه سلك يده في فيه فيقضمها قضم الفحل\" رواه مسلم، قوله بقاع: بكسر الموحدة والقاف والعين المهملة هو الأرض، والقرقر بقافين مفتوحين ورائين مهملتين، هو الأملس، والظلف: البقر والغنم بمنزلة الحافر للفرس، والتسنن بتشديد النون أي: جرت بقوة، والشجاع بضم الشين المعجمة بكسرها هو الحية، وقيل: الذكر خاصة، وقيل: نوع من الحيات، والأقرع: هو الحية الذي ذهب شعر رأسها من طول عمره، كما فسره الإِمام المنذري.\n٣٤١ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، قال: سُئل ابن عمر عن الكَنْز، فقال: هو المال الذي لا تُؤدَّى زكاتُه.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، حدثنا وفي نسخة: عن نافع، المدني، مولى ابن عمر، قال: سُئل ابن عمر ﵁ عن الكَنْز، أي: المذموم الوارد في القرآن، فقال: هو المال الذي لا تُؤدَّى زكاتُه قال السيوطي: أخرجه ابن مردويه من طريق سعيد بن عبد العزيز، عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا، قلت: وقد روى البيهقي عن ابن عمر مرفوعًا: كل مال أدى زكاته فليس بكنز، وإن كان مدفونًا تحت الأرض، وكل مال لا تؤدى زكاته فهو كنز، وإن كان ظاهر على وجه الأرض.\n* * *\n\n٣٤٢ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: مَنْ كان له مالٌ لم يُؤدِّ زكاته مُثِّلَ له يوم القيامة شُجَاعًا أقْرعَ، له زَبِيبَتَان، يَطْلُبُه حتى يُمْكِنُهُ فيقول: أنا كَنْزُك.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر، الإِمام الأصبحي، أي: منسوب إلى ملك ذي أصبح، ملك اليمن، كان من أتباع التابعين، ومن الطبقة السابعة من أهل\n_________\n(٣٤١) صحيح، أخرجه: الشافعي في المسند (٤٥٣)، والبيهقي في الكبرى (٧٣٣٣)، والشعب (٣٣٠٨)، وقال البيهقي: وهذا هو الصحيح موقوف.\n(٣٤٢) صحيح، أخرجه: البخاري (١٣٣٨) مرفوعًا، وأخرجه: مالك (٥٨٣)، والشافعي في المسند (٣٩٣)، (٤٥٤) موقوفًا.","vol":"2","page":161},{"text":"المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا، رمزًا إلى أخبرنا، حدثنا وفي نسخة: محمد قال: بنا عبد الله بن دينار، العدوي، مولاهم، يُكنى أبا عبد الرحمن المدني، مولى ابن عمر، ثقة، من الطبقة الرابعة من أهل المدينة، تابعي، مات سنة سبع وعشرين، عن أبي صالح، اسمه ذكوان، تابعي ثقة فاضل، من الطبقة الثالثة من أهل اليمن، وهي في الإِقليم الأول من الأقاليم السبعة، عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: موقوفًا، ورفعه عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه عن أبي صالح عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: رواه البخاري، مَنْ كان له مالٌ وفي (الموطأ) لمالك: عنده مال، ولم يُؤدِّ زكاته مُثِّلَ بضم الميم وكسر المثلثة المشددة، وبعدها لام أي صور له، أي: في نظره ماله الذي لم يؤد زكاته، يوم القيامة شُجَاعًا بضم الشين المعجمة والنصب، مفعول ثان لمثل، والضمير الذي فيه يرجع إلى مال، وقد ناب عنه المفعول الأول، وقال الطيبي: ذهب يجري مجرى المفعول الثاني، أي: حول ماله شجاعًا، أي: حية عظيمة، وفي نسخة: شجاع أقْرَع، أي: قل شعر رأسه، وفي (القاموس): الأقرع من الحيات المتمعط شعر رأسه لكثرة سمه، ويقال: تمعط الذنب إذا قل شعره وسقط من داء عرض، له زَبِيبَتَان أي: تقطعان سودًا، وإن وهو بفتح الزاي المعجمة وموحدتين تثنية (ق ٣٦١) زبيبة، وهما الذبدتان اللتان في الشدقين، يقال: علم فلان حتى زبت شدقاه، أي: خرج الزبد منها، وقيل: لحمتان على رأسه مثل القرنين، وقيل: نابان يخرجان من فيه، يَطْلُبُه حتى يُمَكِنُه بضم التحتية وبفتح الميم وكسر الكاف والنون، أي: يتمكن منه، فيأخذه ويعضه، وَللبخاري والنسائي: فلا يزال يتبعه حتى يلقمه أصبعه، فيقول: أنا كَنْزُك، أي: نفسه أو انقلب عنه أو حذاؤه، وللبخاري: \"أقرع يطوف يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه يعني شدقيه، ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك\"، ثم قرأ قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٠]، وفائدة هذا القول زيادة العسرة والعذاب حتى ينفعه الذم، وفيه نوع من التهكم.\nلما فرغ من بيان أحكام زكاة الحلي والعشور والجزية والكنز، شرع في بيان مصارف كل واحد منهما، فقال: هذا\n* * *","vol":"2","page":162},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-141>باب من تحل له الصدقة</span>\nفي بيان حال من يحل له أخذ الصدقة، استنبط المصنف ﵀ هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة التوبة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠].\nوالمناسبة بين هذا الباب والأبواب السابقة، الأخذ ممن تجب عليه الإِعطاء لمن يستحق بها، وجاء بالشاهد على استنباطها فقال:\n٣٤٣ - أخبرنا مالك، حدثنا زيد بن أسْلَم، عن عَطاء بن يَسَار، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا تحلُ الصدقة لغني إلا لخمسة: لغازٍ في سبيل الله، أو لعاملٍ عليها، أو لغارمٍ، أو لرجُلٍ اشتراها بماله، أو لرجلٍ له جارٌ مسكين، تُصُدِّقَ على المسكين فأهْدَى إلى الغنيّ\".\nقال محمد: وبهذا نأخذ، والغازي في سبيل، الله إذا كان له عنها غِنىً، يَقدر بغِناه على الغَزْوِ في سبيل الله لم يُسْتَحَبّ له أن يأخذ منها شيئًا، وكذلك الغارم إذا كان عنده وَفاءٌ بِدَيْنِهِ وَفَضْلٌ تجب فيه الزكاة لم يُسْتَحَبّ أن يأخذ منها شيئًا، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، أي: أنس بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، كان منسوبًا إلى ملك ذي أصبح، من ملوك اليمن، وكان من أتباع التابعين، ومن الطبقة السابعة من أهل المدينة، كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي\n_________\n(٣٤٣) مرسل، أخرجه: أبو داود (١٦٣٥)، ومالك (٥٩٠)، وابن أبي شيبة (٣/ ١٠٠)، والحاكم (١٤٨١)، والبيهقي في الكبرى (١٣٤٣٩) مرسلًا.\nوأخرجه: ابن ماجه (١٨٤١)، وأحمد (١١١٤٤)، وعبد الرزاق في مصنفه (٧١٥١)، وابن خزيمة (٢٣٧٤)، والدارقطني (٢/ ١٢١)، والحاكم (١٤٨٠)، والبيهقي في الكبرى (١٣٤٤٠)، مسندًا من طريق زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد مرفوعًا.","vol":"2","page":163},{"text":"نسخة أخرى: أنا، رمزًا إلى أخبرنا، حدثنا وفي نسخة: قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا زيد بن أسْلَم، العدوي، مولى عمر بن الخطاب، ويُكنى أبا عبد الله، وأبا أسامة المدني، ثقة عالم، وكان يرسل، وكان من الطبقة الثالثة، مات سنة ست وثلاثين، كذا في (التقريب) (١) لابن حجر، عن عَطاء بالقصر ابن يَسَار، من التابعين، ومن الطبقة الثانية من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين، هذا الحديث كان مرسلًا وقد وصله أبو داود وابن ماجه والحاكم من طريق معمر، عن زيد بن أسلم، عن عطاء، عن أبي سعيد الخدري ﵁، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا تحلُ الصدقة لغني أي: صاحب نصاب لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ...﴾ [التوبة: ٦٠]، وكلمة إنما للحصر في الحكم؛ لأن كلمة أن للنفي، وما كذلك، وإذا دخلت النفي على نفي يفيد الإثبات والحصر، فيقتضي قصر جنس الصدقات على الأصناف المصروفة، وأنها مختصة بها لا تتجاوز عنها إلى غيرها، كأنه قيل: إنما هي لهم لا لغيرهم، إلا لخمسة، فتحل لهم لصفة أخرى، وهو: الفقراء، والعمل على الصدقات وغيرهما، لغازٍ في سبيل الله، لقوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وفي معناه منقطع الحاج، وابن السبيل، وهو المسافر الفقير الذي له مال في بلده لا معه، ولا يقدر عليه في الحال فجاز له الأخذ من الزكاة قدر حاجته، ولا يحل له أن تأخذها أكثر (ق ٣٦٢) من قدر حاجته فالحق به كل من غاب عن ماله وإن كان بلده. كذا في (الدرر)، أو لعاملٍ عليها، أي: لعامل الصدقة، لقوله تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ والمراد بعامل الصدقة: من يبعثه الإِمام لجمعها، فتعطى الصدقة، بقدر كفايته ولو غنيًا، وبقدر كفاية أعوانه في الوسط مدة ذهابهم وإيابهم ما دام الحال باقيًا ولو هلك ما جمعه لا يستحق، أما استحقاقه فلأنه فرغ نفسه لعمل من أمور المسلمين فيستحق على ذلك رزقًا كالقضاة، أما لو استغرق كفاية العامل الزكاة فلا تزاد الكفاية على نصف الزكاة المجموعة لا التنصيف عين للإِنصاف، ولهذا يجب على الإِمام من يكتفي بالوسط في المركب والمأكل والمشرب والملبس والخدم من غير تقليل وتكثير بل يكون بين ذلك قوامًا، أو لغارمٍ، أي: المديون استغرق دينه ماله، بحيث لا يفضل نصاب له، قال صاحب (الدرر): والمراد بالغارم في الآية من كان له مال على الناس لا يمكنه أخذه، انتهى.\n_________\n(١) تقدم.","vol":"2","page":164},{"text":"وفي (الفتاوى الظهرية) للمرغيناني: دفع الصدقة إلى من عليه دين أولى من الدفع إلى فقير لا دين عليه، انتهى، وقال الشافعي: الغارم أيضًا من يحمل غرامة لإِصلاح ذات البين، وإطفاء العداوة بين الحيين، أو لرجُلٍ أي: غني اشتراها أي: الصدقة بماله، من الفقير الذي أخذها، أو لرجلٍ أي: غني له جارٌ مسكين، أي: فقير، تُصُدِّقَ على المسكين بصيغة المجهول، فأهْدَى أي: الفقير تلك الصدقة إلى الغنيّ، وهو جاره، أو غيره، فتحل له؛ لأن الصدقة قد بلغت محلها فيه، وفيها قبله، وله جار خرج على جهة التمثيل فلا مفهوم له، فالمراد على أهدى الصدقة التي ملكها المسكين لجار أو لغيره، ويأتي في حديث أن رسول الله - ﷺ - جاء يوم إلى بيت عائشة ﵂ ورأى برمة يطبخ فيها لحم، فقال: \"يا عائشة، ما هذه البرمة؟ \" فقالت: هذه صدقة لبريرة، وهي جارية لعائشة، فقال - ﷺ -: \"هي صدقة لها، وهدية لنا نأكل منها\".\nاعلم أن ما يجتمع فى بيت المال من الأموال أربعة أنواع:\nالأول: زكاة السوائم والعشور ومال أخذه العاشر من التجار، ومصرفه ما بيَّن الله تعالى في سورة التوبة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ ..﴾ [التوبة: ٦٠].\nوالثاني: ما أُخِذَ من خُمس الغنائم والمعادن والركاز، ومصرفه الأصناف التي ذكرها الله تعالى في سورة الأنفال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١]، فسهم الله، وسهم الرسول واحد، وإنما ذكر تبركًا واستفتاحًا للكلام وإظهارًا لفضيلة، هذا المال، وسهم الرسول - ﷺ - سقط بموته، وسهم ذوي القربى ساقط عندنا، وهم قرابة الرسول - ﷺ - فيصرف اليوم إلى ثلاثة أصناف: اليتامى، والمساكين، وابن السبيل، وعند الشافعي سهم ذوي القربى ثابت.\nوالثالث: الخراج الجزية وما أُخذ من المستأمن (ق ٣٦٣) وأهل الذمة عند مرورهم على العاشر وغيرهم، ومصرفها عمارة الرباط والقناطير والجسور وسد الثغور، وشق الأنهار العظام، كجيحون والفرات ودجلة، ويصرف إلى أرزاق القضاه والولاة والمفتين والمحتسبين والحفاظ والمفسرين والمعلمين وأرزاق المقاتلة، ويصرف إلى من رصد الطريق في دار الأسواق، وحاصله أن هذا النوع من المال يصرف إلى عمارة الدين وصلاح دار الإِسلام والمسلمين.","vol":"2","page":165},{"text":"والرابع: ما أُخِذَ من تركة الميت الذي مات ولم يترك وارثًا أو زوجًا أو زوجة، ومصرفه نفقة المرضى وأدويتهم وعلاجهم، وهم فقراء، وكفن الموتى الذين لا مال لهم، ونفقة اللقيط، وعقل جنايته، ونفقة من هو عاجز عن الكسب، وليس له من يقضي عليه بنفقته، وما أشبه ذلك، والواجب على الأئمة والولاة والسلاطين أن إيصال الحقوق إلى أربابها، وأن لا يحبسوها عنهم على ما يرى من غير تفضيل وميل في ذلك، ولا يحل لهم منها إلا مقدار ما يكفيهم ويكفي أعوانهم.\nوإن فضل من بيت المال بعد إيصال الحقوق إلى أربابها قسموه بين المسلمين، وإن قصروا في ذلك فوباله عليهم ويستحقون، أو يسمع أباهم الظالم هذا زبدة ما في (غاية البيان)، نقلًا من شرح (مختصر الطحاوي).\nقال محمد: وبهذا أي: بهذا الحديث الذي رواه عطاء بن يسار مرسلًا عن رسول الله - ﷺ - نأخذ أي: نعمل ونُفتي، والغازي في سبيل الله إذا كان له عنها أى: عن أخذ الصدقة غِنىً أي: استغناءً بأن يكتفي عنها بغيرها مما عنده يَقدر بغِناه أي: يطيق بسببه على الغَزْوِ في سبيل الله لم يُسْتَحَبّ أي: لا ينبغي له أن يأخذ أي: بل ينبغي أن لا يأخذ منها أي: من الصدقة شيئًا.\nوفيه تنبيه على أنه لا يجوز أن يأخذ من قدر كفايته، بل الأولى أن يستقرض إن قدر كما ذكر ابن السبيل، وكذلك الغارم أي: المديون، إذا كان عنده وَفاءٌ بِدَيْنِهِ وَفضْلٌ أي: وزيادة قدر، تجب فيه الزكاة لم يُسْتَحَبّ أي: لا يحسن له أن يأخذ منها شيئًا، بل يجب أن لا يؤخذ منها شيئًا، وهو أي: المديون الذي له مال يكفي لدينه ومال زائد يجب فيه الزكاة ينبغي أن لا يأخذ من الصدقة، قولُ أي حنيفة، رحمه الله تعالى.\nلما ذكر ما يتعلق بحال من يحل له أخذ الصدقة، شرع في بيان أحكام زكاة الفطر، فقال: هذا\n* * *","vol":"2","page":166},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>باب زكاة الفطر</span>\nفي بيان أحكام زكاة الفطر، وهي في اللغة: الطهارة، روى البخاري عن ابن عباس ﵄، أنه قال: فرض رسول الله - ﷺ - زكاة الفطر طهرة للصائم من اللهو واللغو والرفث (١)، قوله: طُهرة، أي: تطهير للصائم عن ذنوبه، وقوله: من اللهو واللغو، أي: الكلام الباطل، وقوله: والرفث، أي: الكلام القبيح؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات، وقوله: الفطر، لفظ إسلامي، مأخوذ من الفطرة التي كانت بمعنى الحلقة، ولذلك قال ابن قتيبة: المراد بزكاة الفطر زكاة النفوس، ولكن الفقهاء اصطلحوا بها في صدقة الفطر من رمضان، وإضافتها إليها من قبيل إضافة السبب إلى سببه، وهي واجبة على كل مسلم حر، (ق ٣٦٤) غني عند أبي حنيفة، وفريضة عند الأئمة الثلاثة، وقيل: مستحبة، ولو كان غناؤه نصابًا غير تام، ووقت وجوبها عند طلوع الفجر الثاني من يوم عيد الفطر، وقال الشمني في شرح (النقاية): وقد أمر رسول الله - ﷺ - بزكاة الفطر في السنة التي فرض فيها رمضان قبل أن تفرض زكاة المال، وكان يخطب قبل الفطر بيومين فأمر بإخراجها. انتهى.\nوفرض صوم رمضان بعد ما صرفت القبلة إلى الكعبة لعشر من شعبان على رأس ثمانية عشر شهرًا من الهجرة، كذا في (منح الغفار)، والمراد بالوجوب الوجوب المصطلح عندنا، وإن ورد في السنة لفظ: فرض رسول الله - ﷺ - زكاة الفطر؛ لأن معناه أمر إيجاب، والأمر الثابت بدليل ظني إنما يفيد الوجوب والإِجماع المنعقد على وجوبها ليس قطعيًا ليكون الثابت الفرض؛ لأنه لم يُنقل تواتر؛ ولهذا قالوا: من أنكر وجوبها لا يكون كافرًا، كما في (منح الغفار)، وقدرها نصف صاع من بر أو صاع من غيره، وعندهم صاع من الكل، والأدلة مفصلة في محلها.\n٣٤٤ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن ابن عمر كان يبعث بزكاة الفطر إلى أن تُجْمَع عنده، قبل الفطر بيومين أو ثلاثة.\n_________\n(١) أخرجه: أبو داود (١٦٠٩)، وابن ماجه (١٨٢٧).\n(٣٤٤) صحيح، أخرجه: مالك (٦١٧)، والشافعي في المسند (٤٢٣)، والبيهقي في الكبرى (٧٤٦٣).","vol":"2","page":167},{"text":"قال محمد: وبهذا نأخذ، يعجبنا تعجيل زكاة الفطر قبل أن يخرج الرجل إلى المصلى، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا رمزًا إلى أخبرنا، حدثنا وفي نسخة: عن نافع، أي: المدني مولى ابن عمر، أن ابن عمر كان يبعث بزكاة الفطر أي: يرسلها إلى الذي تُجْمَع أي: الزكاة عنده، والظرف في قوله: قبل الفطر بيومين أو ثلاثة، متعلق بيبعث، وفي رواية البخاري: كان ابن عمر يعطيها للذي يقبلها، أي: الذي نصبه الإِمام لقبضها، وفي قوله: قبل الفطر، دليل على جواز إعطاء زكاة الفطر قبل يوم عيد الفطر.\nقال محمد: وبهذا أي: بقول ابن عمر نأخذ أي: نعمل، يعجبنا من الإِعجاب، أي: يستحب لنا تعجيل زكاة الفطر لقوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]؛ ولأن في التأخير أنه تفوته قبل أن يخرج الرجل إلى المصلى، متعلق بقوله: تعجيل زكاة الفطر، وللاتباع بحديث ابن عمر في الصحيحين، أن النبي - ﷺ - أمر بإخراج زكاة الفطر قبل خروج الناس إلى الصلاة، أي: إلى صلاة العيد، وهو أي: إخراج زكاة الفطر قبل الخروج إلى المصلى قولُ أبي حنيفة، ﵀، واتباع لقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤]، أي: إخراج زكاة فطره ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥]، أي: بالتكبير في طريق المصلى، ﴿فَصَلَّى﴾ أي: صلاة العيد، وقال خلف بن أيوب: يجوز إعطاءها في رمضان، ولا يجوز في غيرها قبله، وهو اختيار الإِمام أبي بكر محمد بن الفضل، وهو الصحيح، وعليه الفتاوى كما في (الظهرية)، وهو مذهب الشافعي، وقيل: يجوز في العشر الأخير من رمضان لا قبله، وهو الأظهر، وعند الحسن بن زياد ولا يجوز تعجيلها كالأضحية؛ فإنها لا تصح لأهل القرى، قبل طلوع الفجر الثاني من يوم الأضحى، ولا تصح لأهل المصر، قبل صلاة العيد، ثم إن زكاة الفطر لا تسقط بتأخيرها عن يوم عيد الفطر؛ لأنها شرعت لدفع حاجة الفقير، أو لإِغنائه عن المسألة في هذه الأيام، فلا يقدر وقت لأدائها كالزكاة.\nلما فرغ من بيان أحكام زكاة الفطر، شرع في بيان أحكام صدقة الزيتون (ق ٣٦٥)، فقال: هذا\n* * *","vol":"2","page":168},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>باب صدقة الزيتون</span>\nفي بيان أحكام صدقة الزيتون، وإنما أخَّر هذا الباب عن الأبواب السابقة؛ لأن وجوب الزكاة في الأبواب السابقة بالكتاب والسنة، ووجوب صدقة الزيتون بالقياس، والقياس ضعيف عن الكتاب والسنة، ولذا أخر هذا الباب عن غيره، وقال الإِمام مالك: والزيتون بمنزلة النخيل، ما كان منه سقية السماء أي: المطر والعيون والنهر ففيه العشر، وما يُسقى بالنضح والصب ففيه نصف العشر. انتهى.\nومعنى الصدقة هي العطية التي يُراد بها المثوبة عنده تعالى، وسميت بها؛ لأنها تطهر صدقة رغبة الرجل في تلك المثوبة كالصداق يظهر به صدق رغبة الزوج بالمرأة، كذا قاله التمرتاشي.\n٣٤٥ - أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، قال: صَدَقَة الزَّيْتُون العُشْر.\nقال محمد: وبه نأخذ، إذا خَرَجَ منه خمسةُ أوْسُقٍ فصاعدًا، ولا يلتفت في هذا إلى الزَّيْتِ، إنما يُنظر إلى الزَّيْتُون. وأما في قول أبي حنيفة: ففي قليله وكثيره العُشْر.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: إذا رمزًا إلى أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر، الإِمام الأصبحي، يعني نسب إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، كان من أتباع التابعين، ومن الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، عن ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، كان في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، قال: أي: ابن شهاب صَدَقَة الزَّيْتُون العُشْر، بضم العين المهملة وسكون الشين المعجمة، والراء، وهو أحد أجزاء العشرة.\nقال محمد: وبهذا أي: بقول ابن شهاب نأخذ أي: نعمل، إذا خَرَجَ منه أي: ظهر حاصله خمسةُ أوْسُقٍ جمع وسق بفتح الواو وسكون السين المهملة والقاف، مصدر ستون\n_________\n(٣٤٥) صحيح، أخرجه: مالك (٥٩٦).","vol":"2","page":169},{"text":"صاعًا بصاع النبي - ﷺ -، وكل صاع أربعة أمداد، والمُد مائتان وستون درهمًا، وعلى هذا يكون كل صاع ألفًا وأربعون درهمًا، كذا في (الأختري)، وقال محمد الواني: الوسق يقال له: ستون كيل فصاعدًا، أي: زائدًا؛ فإنه قياس على ما ورد من الثمر، كما تقدم، ولا يلتفت في هذا أي: الأمر والحُكم إلى الزَّيْتِ، أي: الدهن سواء كان قليلًا أو كثيرًا؛ لأنه إدام لا قوت، وإنما يأخذ العشر عن الزيتون لأمر دهنه بعد أن يتعصر ويبلغ زيتونه خمسة أوسق، إنما يُنظر في هذا، أي: في وجوب العشر إلى الزَّيْتُون، أي: إلى مقداره فقط مما لا يبلغ زيتونه خمسة أوسق، فلا زكاة فيه، كذا قاله مالك في (الموطأ)، وأما في قول أبي حنيفة - ﵀: ففي قليله أي: الزيتون، وكثيره العُشْر، أي: لما تقدم، وعن مالك روايتان أشهرهما الواجب، فيخرج المزكي - إن شاء الله - زيتونًا أو زيتًا، أي: دهنًا، وللشافعي قولان، وعن أحمد روايتان، أظهرهما عنه عدم الوجوب، كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق ببيان أحكام الزكاة، شرع في بيان أحكام الصيام، فقال: هذا\n* * *","vol":"2","page":170},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>أبواب الصِّيَام</span>\nفي بيان أحكام الصيام وهو بكسر الصاد المهملة والياء التحتية بدل من الواو وهما مصدران لصام يقال: صام الرجل يصوم صومًا وصيامًا وهي بمعنى واحد إلا أن أصل الصيام صوام، قلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها كالقيام، والصوم في اللغة: مطلق الإِمساك، وفي الشرع: عبارة عن إمساك مخصوص، وهو الإِمساك من الأكل والشرب والجماع من الصبح إلى الغروب مع النية كذا (ق ٣٦٦) قاله الجرجاني، عقب الإِمام محمد بن الحسن الشيباني في الزكاة بالصوم عملًا بقوله - ﷺ -: \"بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان والحج\".\n\nهكذا سمعت رسول الله - ﷺ - أخرجه مسلم (١) من رواية سعد بن عبيد الله. وأخذ هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] وإنما اختار أبواب الصيام بصيغة الجمع إشارة إلى أن الصوم أنواع فرض وواجب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>باب الصوم لرؤية الهلال والإفطار لرؤيته</span>\nفي بيان أحكام رؤية هلال شهر رمضان والشوال الصوم فكان باب مبتدأ وخبره لرؤية الهلال مجازًا، أو التقدير: كون الصوم فرضًا لأجل رؤية هلال شهر رمضان والإِفطار لرؤيته أي: شهر الشوال قال الجوهري: الهلال الثلاث ليالي من أول الشهر ثم قمر بعد ذلك. وقيل: الهلال وهو الشهر بعينه.\n٣٤٦ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، وعبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله - ﷺ - ذَكَرَ رمضان، فقال: \"لا تَصُومُوا حتى تَرَوُا الهلال، ولا تُفْطِروا حتى تَرَوْهُ، فإنْ غُمَّ عليكم فاقْدُرُوا له\".\nقال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة.\n_________\n(١) أخرجه: البخاري (٨)، ومسلم (١٦).\n(٣٤٦) صحيح، أخرجه: البخاري (١٩٠٦)، ومسلم (١٠٨٠)، وأبو داود (٢٣٢٠)، والنسائي (٢١٢١)، وابن ماجه (١٦٥٤)، وأحمد (٥٢٧٢)، ومالك (٦٣٣).","vol":"2","page":171},{"text":"• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا رمزًا إلى أخبرنا حدثنا وفي نسخة: عن نافع، أي: المدني وعبد الله بن دينار، أي: وحدثنا عبد الله بن دينار هذا تحويل المسند عن مالك تقوية للحديث، وهما مولى عبد الله بن عمر ثقتان تابعيان كان في الطبقة الثالثة من أهل المدينة، وكان عبد الله بن دينار في الطبقة الرابعة منها عن عبد الله بن عمر، ﵄ أن رسول الله - ﷺ - ذَكَرَ رمضان، أي شهره وفيه إيماء إلى جواز ذكره بدون شهر وقال سعيد بن زيد الباجي: وهو الصواب فقد جاء ذلك في أحاديث صحيحة كقوله - ﷺ -: \"إذا دخل رمضان فتح أبواب الجنة. . .\" الحديث، وكذا قال عياض أنه الصحيح، ومنعه أصحاب مالك لحديث: \"لا تقولوا: رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى، ولكن قولوا: شهر رمضان\" أخرجه ابن عدي وضعفه وفرق ابن باقلاني فقال: إن ذكرت قرينة على صرفه إلى الشهر كصمنا رمضان جاز وإلا امتنع كجاء ودخل. انتهى.\nوبالفرق قال أكثر الشافعية، قال النووي: والمذهبان فاسدان؛ لأن الكراهة إنما تثبت بنهي صاحب الشرع، لم يثبت فيه نهي ولا يصح قولهم: إنه اسم من أسماء الله تعالى؛ لأنه جاء فيه أثر ضعيف، وأسماء الله تعالى توقيفية لا تطلق إلا بدليل صحيح، ولو ثبت أنه اسم لم يلزم كراهة والصواب ما ذهب إليه المحققون أنه لا كراهة في إطلاق رمضان بقرنية ولا قرنية. كذا قاله الزرقاني. ولفظ رمضان في اللغة مأخوذ من رمض إذا احترق، سمي به؛ لأن الذنوب تحترق فيه، وهو غير منصرف للعلمية والألف والنون قال الفراء: يجمع على رماضين كسلاطين كذا قاله التمرتاشي فقال: أي: النبي - ﷺ -: \"لا تَصُومُوا أي: لا تشرعوا في صيام رمضان إذا لم يكمل شعبان ثلاثين يومًا، كذا في نسخة وكذا في (الموطأ) لمالك برواية محمد عن يحيى عن مالك، وفي نسخة لم يوجد الضمير بعد قوله: لا تصوموا وكذا لم يوجد في صحيح أصبهان عن (ق ٣٦٧) ابن عمر نهى رسول الله - ﷺ - المكلفين الموجودين في آخر شعبان عن صوم رمضان قبل رؤية هلاله نهيًا تنزيهيًا، إذ لا يخلو أن الشك في دخول رمضان أو خروجه، وعلى تقدير عدم خروجه يحرم الفطر وعلى تقدير عدم دخوله يكره الصوم على قصد أنه من رمضان، والنهي هو قول القائل لغيره على سبيل الاستعلاء: لا تفعل وهو أي: النهي يقتضي صفة القبح للمنهي عنه ضرورة حكمة الناهي وهو أي: المنهي عنه، إما أن يكون قبيحًا لذاته كالكفر وبيع الحر، أو قبيحًا لغير ذاته كصوم يوم النحر وهو أي: صوم يوم النحر قبيح في وصفه؛ لأنه إعراض عن ضيافة الله تعالى كصوم رمضان قبل رؤية هلاله، وهو قبيح في وصفه أن يلزم أن","vol":"2","page":172},{"text":"يؤدى قبل أوانه وهو حرام. هذا خلاصة ما قاله ابن مالك في (شرح المنار) حتى تَرَوُا الهلال، أي: هلال رمضان، والمراد به رؤية بعض المسلمين لا كل الناس، وظاهره إيجاب الصوم متى وجدت الرؤية ليلًا أو نهارًا لكنه محمول على صوم اليوم المستقبل، وفرق بعض العلماء بين ما قبل الزوال وما بعده، وخالف الشيعة الإِجماع فأوجبوه مطلقًا، وظاهره أيضًا النهي عن ابتداء صوم رمضان قبل رؤية الهلال فيدخل فيه صورة الغيم وغيرها.\nوقال سعيد بن زيد الباجي المالكي: مقتضاه منع صوم آخر شعبان يريد علي معنى التلقي لرمضان أو الاحتياط، وأما نقلًا فيجوز.\nقال ابن عبد البر: عند مالك والجمهور واستحب ابن عباس وجماعة الفصل بين شعبان ورمضان بفطر يوم أو يومين أو أيام كما استحبوا الفصل بين صلاة الفريضة والنافلة بكلام أو مشي أو تقدم أو تأخر من المكان. كذا قاله الزرقاني، وإذا كان في السماء علة من غيم أو غبار أو دخان أو ذباب قبل القاضي بمجلسه خبر واحد عدل أو خبر مستور الحال لم يظهر فسقه في ثبوت رمضان في القول الصحيح، ولا يشترط لفظة الشهادة ولا تقدم الدعوى لإِثبات رمضان كذا قاله الشرنبلالي في (نور الإِيضاح) وغيره من الحنفية ولا تُفْطروا أي: من صومكم لقصد عيد الفطر حتى تَرَوْهُ، أي: هلال الشوال وكلمة \"حتى\" تدلَ على أن ما بعدها غاية لما قبلها سواء كان جزاءً منه كما في أكلت السمكة حتى رأسها، أو غير جزء كما في قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وعلامة الغاية بوجود المعنيين أحدهما أن يكون ما قبل حتى قابلًا للامتداد، والآخر أن يكون ما بعد حتى دليلا صالحًا لانتهاء ما قبلها. كذا قاله عبد الرحمن بن مالك في (شرح المنار).\nوليس المراد بالرؤية رؤية جميع الناس يحتاج كل فرد إلى رؤيته بل المعتبر رؤية بعضهم وهو العدد الذي يثبت به الحقوق وهو عدلان فلا يثبت رمضان بعدل واحد عند مالك وأحمد خلافًا لأبي حنيفة والشافعي، فإنه يثبت بعدل واحد لحديث ابن عباس في (السنن) قال: جاء أعرابي إلى رسول الله - ﷺ - فقال: إني رأيت الهلال فقال: \"أتشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله؟ \" قال: نعم قال: \"يا بلال أذن في الناس أن يصوموا غدًا\" (١).\n_________\n(١) أخرجه: أبو داود (٢٣٤٠)، والترمذي (٦٩١)، وأحمد (١٩٤)، والدارمي (١٦٩٢).","vol":"2","page":173},{"text":"وشرط لثبوت هلال الفطر والأَضحى إذا كان بالسماء علة لفظ الشهادة (ق ٣٦٨) من حرين المكلفين غير محدودين في قذف لهو حرتين بلا دعوى، وإذا لم يكن بالسماء علة فلا بد من شهادة جمع عظيم لرمضان والفطر والأضحى، مقدار عود الجمع العظيم مفوض لرأي الإِمام في الأصح كذا في (نور الإِيضاح) فإنْ غُمَّ عليكم بضم الغين المعجمة وتشديد الميم أي: حال بينكم وبين هلال الصوم والفطر غيم أي: ستر من سحاب أو غبار ودخان أو ذباب ولم يظهر لكم فاقْدُرُوا له\" بهمزة الوصل وضم الدال تأكيدًا لقوله: لا تصوموا حتى تروا الهلال أي: فقدروا للهلال الذي أنتم فيه ثلاثون يومًا حرم الصوم لإِعراض عن ضيافة الله للتشبيه لأهل الكتاب؛ لأنهم زادوا في صومهم، كذا قاله التمرتاشي.\nوحكمة مشروعية الصوم: سكون النفس للإِمارة بإعراضها عن الفضول؛ لأنها إذا جاعت شبعت جميع الأعضاء فتنقبض اليد والرجل والعين وباقي الجوارح بمعنى قويت على البطش والنظر وفعل ما لا ينبغي فبانقباضها يضعف القلب وتحصل المراقبة، والعطف على المساكين بالإِحسان بألم الجوع لمن هو وصفه أبدا فيحسنوا به أو لذا لا ينبغي الإِفراط في السحور لمنعه الحكمة المقصودة والاتصاف بصفة الملائكة كما حررناه في (سلم الفلاح شرح نور الإِيضاح).\nقال محمد: وبهذا أي: بحديث رواه ابن عمر نأخذ، أي: نعمل ونفتي وهو قولُ أبي حنيفة ﵀.\nلما فرغ من بيان أحكام رؤية هلال شهر رمضان والشوال شرع في بيان نهاية وقت السحور لمن أراد أن يتسحر، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>باب متى يحرم الطعام على الصائم</span>\nمتى يحرم أي: في أي وقت يحرم فيه أكل الطعام على الصيام أي: لمن يريد أن يصوم. استنبط المصنف هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وأخذ سنية السحور من الأمر في قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ وأخذ نهاية الوقت للسحور من دلالة كلمة حتى في ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ﴾ وهي تدل على أن ما بعدها غاية لما قبلها كما ذكرتها آنفا.","vol":"2","page":174},{"text":"٣٤٧ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن بلالًا ينادي بِلَيْلٍ، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أمّ مَكْتُومٍ\".\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي أي: نسب إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، وكان من أتباع التابعين، ومن الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي كانت في الإقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: محمد قال: ثنا حدثنا عبد الله بن دينار، العدوي التابعي ويكنى أبا عبد الرحمن المدني مولى ابن عمر ثقة من الطبقة الرابعة من أهل المدينة عن ابن عمر، ﵄ أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن بلالًا ﵁ ينادي أي: يؤذن وهي رواية الأصيلي في البخاري بِلَيْلٍ، أي: فيه للتذكير وللتسحير كما روى في (الصحيحين) (١) مرفوعًا عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره فإنه يؤذن بليل ليرجع قائمكم وليتنبه نائمكم\" ثم قال القرطبي: إنه مذهب واضح على أن العمل المنقول بالمدينة على خلافه فلم يرده إلا بالعمل على ابن عبدة المالكي، وادعى بعض الحنفية (ق ٣٦٩) أن النداء قبل الفجر لم يكن بألفاظ الأذان، وإنما كان تذكيرًا أو تسحيرًا كما يقع للناس اليوم وليسميه أهل المصر إبرارًا وأهل الروم تمجيدًا وقال ابن قطان: أن ذلك في رمضان خاصة فكلوا واشربوا حتى ينادي أي: يؤذن ابن أمّ مَكْتُومٍ\" الفاء جواب لشرط محذوف تقديره: إذا كان أذان بلال تذكيرًا أو تسحيرًا فكلوا واشربوا إلى حين أذان ابن أم مكتوم فالأمران للإِباحة كقوله تعالى في سورة المائدة: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] والندب ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه بخلاف الواجب كذا قاله ابن مالك في (شرح المنار) ولكن الواجب أن يوجد نهاية الأكل حين أذان ابن أم مكتوم لأن حمل كلمة حتى أن تدل على أن ما بعدها غاية لما قبلها، فنهاية الليل حين أذان ابن أم مكتوم، فالأكل فيه لا يحل لمن يريد الصيام. فإن قيل: ما الحكمة في أمر النبي - ﷺ - للمكلفين بالسحور؟ أجيب بما رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه\n_________\n(٣٤٧) صحيح، أخرجه: البخاري (٦١٧)، ومسلم (١٠٩٢)، والنسائي (٦٣٧)، وأحمد (٥٢٦٣)، ومالك (١٦٣).\n(١) أخرجه: البخاري (٦٢١)، ومسلم (١٠٩٣).","vol":"2","page":175},{"text":"بالواسطة عن أنس بن مالك - ﵁ - أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"تسحروا فإن في السحور بركة\" أي: رحمة من الله واستغفارًا من الملائكة للمتسحر لما رواه الطبراني في (الأوسط) وابن حبان في (صحيحه) بالواسطة عن ابن عمر ﵄ أنه قال: قال رسول الله - ﷺ - \"إن الله وملائكته يصلون على المتسحرين\" كذا أورده الإِمام المنذري في (ترغيب السحور).\n* * *\n\n٣٤٨ - أخبرنا مالك، حدثنا الزهري، عن سالم، مثله، قال: وكان ابن أم مكتوم لا ينادي حتى يُقَال له: أصْبَحْتَ أصْبَحْتَ.\nقال محمد: كان بلال ينادي بليل في شهر رمضان، لسُحُورِ الناس، وكان ابن أم مكتوم ينادي للصلاة بعد طلوع الفجر، فلذلك قال رسول الله - ﷺ -: \"كُلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم\".\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: قال: بنا، وفي نسخة: أنا رمزًا إلى أخبرنا حدثنا، وفي نسخة: قال: بنا الزهري، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري أي: نسب إلى زهرة بن كلاب تابعي مدني، وكان من الطبقة الرابعة من أهل المدينة كذا قاله ابن الجوزي عن سالم، أي: ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، يكنى أبا عمر وأبا عبد الله المدني، أحد الفقهاء السبعة وكان شابًا عابدًا فاضلًا كان يشبه بأبيه في الهدى والسمت، وكان من كبار التابعين من الطبقة الثالثة مات في آخر سنة ست بعد المائة على الصحيح كذا قال ابن حجر في (التقريب) مثله، أي: مثل مَرْوّي عبد الله بن دينار عن ابن عمر مرفوع، هذا إسناد آخر لمالك في هذا الحديث قال ابن عبد البر: لم يختلف على مالك في الإِسناد الأول أنه موصول، وأما هذا فرواه يحيى وأكثر الرواة مرسلًا، ووصله القعنبي فقال: عن أبيه عبد الله بن عمر أنه قال: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إن بلالًا ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم\" قال: أي: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، ويجوز أن يعود الضمير المرفوع المستتر في \"قال\" إلى رسول الله - ﷺ - على ما وصله القعنبي\n_________\n(٣٤٨) صحيح، أخرجه: البخاري (٦١٧)، ومالك (١٦٤).","vol":"2","page":176},{"text":"يعني: قال رسول الله - ﷺ - وكان أي: والحال كان ابن أم مكتوم لا ينادي حتى يُقَال له: أصْبَحْتَ أي: دخلت في الصباح وفي (الموطأ) لمالك أصْبَحْتَ أصْبَحْتَ بالتكرار تأكيدًا لكونه أعمى، وفيه جواز أذان الأعمى إذا كان له من يخبره بالوقت.\nقال محمد: يعني المصنف به نفسه عبر عن نفسه للتواضع وللاتباع لقوله تعالى في سورة الشعراء: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥] كان بلال ينادي بليل في شهر رمضان، لسُحُورِ الناس، وكان (ق ٣٧٠) ابن أم مكتوم ينادي للصلاة بعد طلوع الفجر، فلذلك قال رسول الله - ﷺ -: \"كُلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم\" اسمه عمرو وقيل: اسمه الحصين فسماه النبي - ﷺ - عبد الله، ولا يمتنع أنه كان له اسمان وهو قرشي عامري، أسلم قديمًا، والأشهر في اسم أبيه قيس بن زائدة، وكان - ﷺ - يكرمه ويستخلفه على المدينة وشهد القادسية في خلافة عمر واستشهد بها، وقيل: رجع إلى المدينة فمات، وهو الأعمى المذكور في سورة (عبس) واسم أمه عاملة بنت عبد الله المخزومية، وزعم بعضهم أنه ولد أعمى فكنيت أمه به لاكتتام نور بصره، والمعروف أنه أعمى بعد بدر بسنتين، كذا قاله ابن حجر في (فتح الباري شرح البخاري)، وتعقب بأن نزول سورة عبس بمكة قبل الهجرة فالظاهر والله أعلم بعد البعثة.\nوقد روى ابن سعد والبيهقي عن أنس قال: إن جبريل أتى رسول الله - ﷺ - وعنده ابن أم مكتوم فقال: متى ذهب بصرك قال: وأنا غلام لفظ البيهقي: وأنا صغير فقال: قال الله تعالى: \"إذا ما أخذت كريمة عبدي لم أجد له أجر إلا الجنة\" (١) وفي الحديث جواز الأذان قبل الفجر الثاني، واستحباب أذان واحد بعد واحد في الفجر فقط، وأما اثنان معًا فمنع منه قوم وقالوا: أول من أحدثه بنوا أمية، وقال الشافعية: لا يكره إلا أن يحصل من ذلك فتنة وجواز اتخاذ المؤذنين في مسجد واحد، وأما الزيادة عليهما فليس في الحديث تعرض أو قد روي عن مالك: لا بأس أن يؤذن للقوم في السفر كذا قاله الزرقاني.\nلما فرغ من بيان آخر الوقت للتسحر شرع في بيان حكم ما يقتضي القضاء والكفار من أكل ما يتغذى به عمدًا، فقال: هذا\n* * *\n_________\n(١) أخرجه: البيهقي في الشعب (٩٩٥٩).","vol":"2","page":177},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>باب من أفطر متعمدًا في رمضان</span>\nفي بيان أحكام حال من رأى الصائم الذي نوى من الليل الصيام أفطر أي: أكل أو شرب ما يتغذى به، أو جامع في أحد السبيلين متعمدًا أي: غير ناسي ولا مخطئ ولا مضطر في رمضان أي: نهاره لزمه القضاء والكفارة، أما لزوم القضاء فلاستدراك المصلحة الغائبة، وأما لزوم الكفارة فلكمال الجناية وهي هتك حرمة الشهر بالأكل والشرب والجماع في نهار رمضان.\n٣٤٩ - أخبرنا مالك، حدثنا الزهري، عنْ حُمَيْد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أن رجلًا أفْطَرَ في رمضان، فأمره رسول الله - ﷺ - أن يُكَفِّرَ بِعِتْقِ رَقَبَةً، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينًا، قال: لا أجدُ، قال فأُتِيَ رسول الله - ﷺ - بِعَرَقٍ من تمر، فقال: \"خُذ هذا فتصدَّق به\"، فقال: يا رسول الله، ما أَجِدُ أحْوَجَ إليه مني، قال: \"كُلْهُ\".\nقال محمد: وبهذا نأخذ، إذا أفطر الرجل متعمدًا في شهر رمضان، بأكل أو شربٍ أو جِمَاع فعليه قضاءُ يوم مكانه، وكفارة الظِّهَار: أن يَعْتِق رَقَبَةً، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع أطعم ستين مسكينًا، لكل مسكين نصفُ صاع من حنطة، أو صاعٌ من تمر أو شعير.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، يعني ينسب إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، وكان من أتباع التابعين، من الطبقة السابعة من أهل المدينة، وهي في الإقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: محمد قال: بنا وفي نسخة أخرى: أنا، رمزًا إلى أخبرنا حدثنا وفي نسخة: بنا وفي نسخة أخرى: \"عن\" موضع \"أخبرنا\" الزهري، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري يعني: ينسب إلى زهرة بن كلاب، وكان تابعيًا مدنيًا من الطبقة الرابعة من أهل المدينة ومن التابعين عن حُمَيْد بن عبد\n_________\n(٣٤٩) صحيح، أخرجه: البخاري (١٩٣٦)، ومسلم (١١١١)، وأبو داود (٢٣٩٢)، والترمذي (٧٢٤)، وابن ماجه (١٦٧١)، وأحمد (٧٦٣٥)، (١٠٣٠٩)، والدارمي (١٧١٦)، ومالك (٦٦٠).","vol":"2","page":178},{"text":"الرحمن، أي: ابن عوف الرواسي ذكره ابن حبان في (الثقات) وهو من الطبقة الثالثة من التابعين عن (ق ٣٧١) أبي هريرة ﵁ قال الحافظ: هكذا توارد عليه أصحاب الزهري وأكثر من أربعين نفسًا جمعتهم في جزء مفرد أن رجلًا هو سليمان بن صخر، وهو أحد بني بياضة أفْطَرَ أي: وقع على أهله في عهد رسول الله - ﷺ - في شهر رمضان، أي: نهاره وقال أكثر الرواة عن الزهري: أن رجلًا وقع على امرأته في رمضان فذكروا ما أفطر به، فتمسك به أحمد والشافعي ومن وافقهما في لزوم الكفارة خاصة في الجماع؛ لأن الزمة بريئة فلا يثبت شيء فيها إلا بيقين. وقال مالك وأبو حنيفة وطائفة: عليه الكفارة بتعمد أكل أو شرب، ونحوهما أيضًا؛ لأن الصوم شرعًا: الامتناع من الطعام والجماع، فإذا ثبت في وجه من ذلك شيء في نظيره والجامع بينهما انتهاك حرمة الشهر بما يفسد الصوم عمدًا فأمره رسول الله - ﷺ - أن يُكَفِّرَ بِعِتْقِ رَقَبَة، أي: إن قدر عليها أو صيام شهرين متتابعين، أي: إن استطاع أو إطعام ستين مسكينًا، في التخيير مرتب قال ابن عبد البر: هكذا روى هذا الحديث مالك لم تختلف رواية بلفظ التخيير، وتابعه ابن جريج، وأبو أويس عن ابن شهاب عن ترتيب كفارة الظهار \"هل تستطيع أن تعتق رقبة\" قال: لا، قال: \"فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين\" قال: لا، قال: \"فهل تجد طعام ستين مسكينًا\" قال: لا. . . الحديث، وإليه ذهب أبو حنيفة والشافعي وطائفة فقالوا: لا ينتقل عن العتق إلا عند العجز منه، ولا عن [الصيام] (١) كذلك.\nوقال مالك وجماعة: هي على التخيير لظاهر حديث الباب الدال على أن الترتيب في الرواية الثانية ليس بمراد؛ لأنه اقتصر على الإِطعام في حديث عائشة في (الصحيحين) وغيرهما؛ ولذا قال مالك: الإِطعام أفضل؛ ولأنه سنة البدل في الصيام، ألا ترى أن الحامل والمرضع والشيخ الكبير والمفرط في قضاء رمضان حين دخل عليه رمضان آخر لا يؤمر واحد منهم بعتق ولا صيام، فصار الإِطعام له مدخل في الصيام ونظائر من الأصول؛ فلذا فضله مالك قال: أي: المسئول عن الأشياء الثلاثة لا أجدُ، أي: قوة على جميع ما ذكر، وفي حديث عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله - ﷺ - لسلمان بن صخر \"تصدق\" فقال: يا نبي الله ما لي شيء وما أقدر عليه، زاد ابن عيينة عن ابن شهاب فقال: \"اجلس\" فأُتِيَ رسول الله - ﷺ - بضم الهمزة مبنيًا للمفعول ولم يسم الآتي أي جيء لكن\n_________\n(١) في الأصل: العتق.","vol":"2","page":179},{"text":"للبخاري في الكفارات: فجاء رجل من الأنصار، وللدارقطني عن سعيد بن المسيب مرسلًا: فأتى رجلًا من ثقيف، قال الحافظ: فإن لم يحمل على أنه كان حليفًا للأنصار أو إطلاق الأنصار بالمعنى الأعم، وإلا فما في الصحيح أصح. بِعَرَقٍ من تمر، بفتح العين المهملة فراء مفتوحة فقاف، وروى بإسكان الراء والفتح أفصح وأشهر ذكره السيوطي، وهو الكيل العظيم يسعه ثلاثون صاعًا وقيل: خمسة عشرة كذا في (المغرب)، فقال: \"خُذْ هذا فتصدَّق به\"، أي: بالتمر الذي فيه (ق ٣٧٢) فقال: يا رسول الله، ما أَجِدُ الآن أحدًا أي: ما بين لابتي المدينة من الحرائر، فإن النكرة وقعت في سياق النفي فتفيد عمومًا أحْوَجَ إليه ضبط بالرفع على جعل ما تميمية والنصب على جعلها حجازية عاملة عمل ليس أي: ليس أحد من الناس أجده في الحال أفقر وأحق إلى أكله مني، ومن عيالي، فضحك رسول الله - ﷺ - حتى بدت أنيابه أي: أسنانه الرباعيات، وقد روي أن ضحكه كان تبسمًا في غالب أحواله، لكنه تعجب هنا من حال الرجل في كونه جاء أولًا هالكًا محترقًا، خائفًا على نفسه راغبًا في فدائها مهما أمكنه، فلما وجد الرخصة طمع أن يأكل الكفارة ثم قال - ﷺ -: \"كُلْهُ\" وفي رواية: \"أطعمه أهلك\" وفي رواية أخرى: \"عيالك\" واحتج القائل بأنه لا تجب الكفارة، ورد بأنه أباح له تأخيرها إلى وقت اليسر؛ لا أنه أسقطها عنه جملة، وليس في الحديث نفي استقرارها عليه بل فيه دليل لاستقرارها؛ لأنه أخبر النبي - ﷺ - بعجزه عن الخصال الثلاثة ثم أتى - ﷺ - بالتمر فأمره بإخراجه في الكفارة، فلو كانت تسقط بالعجز لما أمره بذلك، لكن لما احتاج إلى الإِنفاق على عياله في الحال أذن له في أكله وإطعام عياله، وبقيت الكفارة في ذمته ولم يبين ذلك له؛ لأن تأخيره البيان إلى وقت الحاجة وهو جائز عند الجمهور. وقال ابن العربي: كان هذا رخصة لهذا الرجل خاصة، أما اليوم فلا بد من كفارة كذا قاله الزرقاني.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: إنما نعمل بما رواه حميد ين عبد الرحمن عن أبي هريرة ﵁، إذا أفطر الرجل، وكذا المرأة متعمدًا أي: غير ساهٍ ولا مخطئ فإن من أفطر ساهيًا لا يلزمه شيء، وإن أفطر خطأ يلزمه القضاء فقط في شهر رمضان، أي: في نهاره بأكلٍ أو شربٍ أو جِمَاع أخره مبالغة في استواء أمره مع غيره فعليه أي: فيجب عليه شيئان أحدهما: قضاءُ يوم مكانه، أي: بدل يوم أكل فيه أو يومين أكل فيهما أو أيام أكل فيهن قصدًا. وثانيهما: وكفارة الظِّهَار وهو في اللغة: مصدر ظاهر من امرأته إذا قال لها: أنت علي كظهر أمي كذا في (الصحاح) و(المغرب)، وفي الشريعة: وهو تشبيه مسلم","vol":"2","page":180},{"text":"زوجته أو تشبيه ما يعبر عن أعضائها أو جزء شائع منها كبطنها أو فخذها بمحرم عليه تأبيدًا كأنت علي كظهر أمي أو رأسك أو رقبتك أو عنقك، أو نصفك كظهر أمي أو بطنها أو فخذها أو فرجها أو كظهر أختي أو عمتي، فيحرم على الزوج وطء امرأته ودواعيه بما ذكر حتى يكفر كذا قاله التمرتاشي في (تنوير الأبصار)، وهي أي: الكفارة أن يَعْتِقِ المفطر متعمدًا رَقَبَةً، أي: غير معيوبة بفوت منفعة البطش والمشي والكلام والنظر ولو كانت غير مؤمنة فإن لم يجد أي: المفطر رقبة ولا قيمتها فصيام أي: فله صيام شهرين متتابعين، أي: ليس فيهما يوم عيد ولا أيام التشريق للنهي عن صيامها وفي نسخة: صام لعله تصحيف عن صيام وإلا فمعنى فيصوم شهرين متتابعين فإن لم يستطع أي: فإن لم يقدر المفطر أن يصوم شهرين متتابعين فأطعم ستين مسكينًا، والشرط فيها أن يغديهم ويعشيهم غداء وعشاء (ق ٣٧٣) مشبعين أو يغديهم غدائين وليعشيهم عشائين أو عشاء وسحورًا لكل مسكين أي: يطعم المكفر لكل مسكين نصفُ صاع من حنطة، أو صاعٌ من تمر أو شعير ويعطي قيمته، وكفت كفارة واحدة عن أكل وشرب وجماع متعدد في أيام كثيرة لم يتخلل الجماع أو الأكل والشرب تكفير، ولو كان الجماع والأكل والشرب من رمضان على الصحيح التداخل بقدر الإِمكان، فإن تخلل التكفير بين الوطئين والأكلين والشربين لا تكفي كفارة واحدة في ظاهر الرواية لعدم حصول الزجر بعوده كما في (مراقي الفلاح) صورته: لو جامع مرارًا في يوم من رمضان واحد ولم يكفر كان عليه كفارة واحدة؛ لأنها شرعت للزجر وهو يحصل بواحد، فلو جامع فكفر ثم جامع مرة أخرى فعليه كفارة أخرى في ظاهر الرواية للعلم بأن الزجر لم يحصل بالأول، ولو جامع في رمضانين فعليه كفارتان، وإن لم يكفر للأولى في ظاهر الرواية.\nوقال محمد: عليه كفارة واحدة قال في (الأسرار): وعليه الاعتماد كذا في البزازية، ولو أفطر ثلاثة أيام فأعتق في كل يوم ثم استحقت الثالثة فعليه الكفارة الثالثة، ولو استحقت الأولى فعليه كفارة واحدة، ولو استحقت الثانية وحدها الأولى وحدها فلا شيء عليه؛ لأن ما بعدها يجزئ عن ما قبلها وما قبلها لا يجزئ عما بعدها كذا قاله التمرتاشي.\nلما فرغ من بيان أحكام الإِفطار متعمدًا في نهار رمضان، شرع في بيان أحكام حال الرجل دخل في الصباح في رمضان جنبًا وهو صائم، فقال: هذا\n* * *","vol":"2","page":181},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>باب الرجل يطلع له الفجر في رمضان وهو جنب</span>\nفي بيان حكم حال الرجل يطلع عليه الفجر أي: الفجر الثاني في رمضان وهو جنب أي: الحال أنه فمن يجب عليه الغسل سواء يكون من جماع أو احتلام أو انقطاع حيض أو نفاس، وقد أجمعوا في من أصبح صائمًا وهو جنب أن صومه صحيح، وأن المستحب الاغتسال قبل طلوع الفجر.\n٣٥٠ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن مَعْمَر، عن أبي يونس مولى عائشة، عن عائشة، أن رجلًا قال لرسول الله - ﷺ - وهو واقف على الباب وأنا أسمع: إني أصبحتُ جُنُبًا، وأنا أريدُ أن أصوم، فقال رسول الله - ﷺ -: \"وأنا أُصبح جُنُبًا ثم أغتسل وأصوم\"، فقال الرجل: إنك لستَ مثلنا؛ فقد غفر الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر، فغضب رسول الله - ﷺ - وقال: \"والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أَتَّقِي\".\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، يعني نسبة إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، وكان في الطبقة السابعة، من أتباع التابعين من أهل المدينة، وهي في الإقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: محمد بنا، رمزًا إلى أخبرنا: حدثنا وفي نسخة: قال: بنا، عبد الله بن عبد الرحمن أي: معمر بن حزم الأنصاري، يكنى أبا طوالة بضم المهملة المدني قاضي المدينة لعمر بن عبد العزيز ثقة في الطبقة الخامسة من التابعين، مات سنة أربع وثلاثين بعد المائة بعد ذلك، عن أبي يونس مولى عائشة، ﵂. ثقة في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين عن عائشة، ﵂ أن رجلًا قال لرسول الله - ﷺ - وهو واقف على الباب أي: من وراء باب رسول الله - ﷺ - كذا زاد مسلم وأنا أسمع: أي: الحال أنا أسمع قول ذلك الرجل يا رسول الله إني أصبحتُ جُنُبًا، وأنا أريدُ أن أصوم، أي: هل يصح الصيام فقال رسول الله - ﷺ -: \"وأنا أي: مثلك أُصبح جُنُبًا أي: أريد الصيام ثم أغتسل أي: بعد الصبح للصلاة (ق ٣٧٤) فأصوم أي: فلك في تبعية فأجابه بالفعل؛ لأنه أبلغ مما لو قال: اغتسل وصم وفيه إيماء إلى\n_________\n(٣٥٠) صحيح، أخرجه: مسلم (١١١٠)، وأبو داود (٢٣٨٩)، وأحمد (٢٣٨٦٤)، ومالك (٦٤١).","vol":"2","page":182},{"text":"أنه لا دخل للغسل في صحة الصوم وفساده، ولهذا لو استمر أحد على جنابته طول نهاره أو احتلم في أثنائه لم يضر صومه بالاتفاق، فكذلك الحكم في أول جزية لكن اعتقد الرجل أن ذلك من خصائصه؛ لأن الله تعالى يحل لرسوله ما شاء فقال الرجل: أي: يا رسول الله إنك لستَ مثلنا؛ كان الرجل لم يكن غالبًا في قيام المبني ولا في قيام المعنى وإلا فحقه أن يقول: إنا لسنا مثلك فلا يقاس حالنا على حالك، وإنما عدل عنه لشأنه - ﷺ - وبين ذلك بقوله: فقد غفر الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر، أي: ستر وحال بيتك وبين الذنب فلا يقع منك ذنب أصلًا؛ لأن الغفر الستر وهو إما بين العبد والذنب وإما بين الذنب وعقوبته فالأليق بالأنبياء الأول وبأممهم الثاني فهو كفاية عن العصة. هذا قول في غاية الحسن كذا قاله الزرقاني (١) فغضب رسول الله - ﷺ - فإن قيل: قوله: فغضب معارض بقوله تعالى في سورة النون: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] وخلقه - ﷺ - أن لا يغضب على أحد وأن يعفو عمن ظلمه كما قال - ﷺ - جوابًا لمن سأله عن أفضل العمل بأن يقول: \"حسن الخلق وهو أن لا تغضب\".\nعن علاء بن الشخير أن رجلًا جاء إلى النبي - ﷺ - من قبل وجهه فقال: يا رسول الله أي العمل أفضل؟ قال: \"حسن الخلق\" ثم أتاه عن شماله فقال: يا رسول الله أي العمل أفضل؟ قال: \"حسن الخلق\" ثم أتاه من خلفه فقال: يا رسول الله أي العمل أفضل؟ فالتفت إليه فقال: \"مالك لا تفقه حسن الخلق هو أن لا تغضب إن استطعت\"، رواه محمد بن نصر المروزي، وكما قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، أجيب عنه بأنه - ﷺ -، غضب لما ظهر من قوله من ترك الاقتداء بفعله - ﷺ - وقوله وتقديره في جميع الأحكام، فيجب علينا اتباعه - ﷺ - كما أمرنا تعالى في سورة الحشر: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].\nقال علي القاري: نعم له خصوصيات معلومات عند العلماء الكرام، لكنه ﵇ حيث دله على الحكم بفعله تبين أنه ليس مخصوص حكمه فغضب لأجله، ولا يبعد أن يكون وجه غضبه - ﷺ - ما ظهر في قول الرجل بحسب فهمه القاصر أنه مغفور فلا يبالي فعل أو ما فعل؛ لأنه إنما يخشى من لم يكن مغفورًا على أن مغفرته مرتبة على الذنب\n_________\n(١) انظر: شرح الزرقاني (٢/ ٢١٣).","vol":"2","page":183},{"text":"المقدر بل على الأمر فلهذا عقب وقال - ﷺ -: \"والله أي: مبالغة في القضية إني لأرجو بلام التأكيد للقسم ورجاءه أي: لا طمع وهو بمنزلة الاستثناء واقتداء بقول إبراهيم ﵇: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢] أن أكون أخشاكم لله أي: أخوفك له بحسب الباطن وأعلمكم بما أَتَّقِي\" أي: بما يجب أن أتقي منه من فعل أو ترك أو قول أو عدمه مما يتعلق بالظاهر، وحاصله أن غفران (ق ٣٧٥) ذنبي من فضل ربي، لا يمنعني أن كونه أخشاكم له ومن خشيتي أني أعلمكم بما أجتنب وأنتم لا تعلمون أحكام ربي فلا بد لكم من الاقتداء بي في أفعالي وأقوالي إلا ما خُص لي بدليل من أحوالي؛ لعموم قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١].\n* * *\n\n٣٥١ - أخبرنا مالك، حدثنا سُمَيّ مولى أبي بكر بن عبد الرحمن، أنه سمع أبا بكر بن عبد الرحمن يقول: كنتُ أنا وأبي عند مروان بن الحَكَم وهو أمير المدينة؛ فَذُكِرَ أن أبا هريرة قال: من أصبح جُنُبًا أفْطَرَ، فقال مروان: أقسمْتُ عليك يا أبا عبد الرحمن لتذهبنّ إلى أُمي المؤمنين: عائشة، وأُمِّ سلمة، فَسَلْهُمَا عن ذلك، قال: فذهب عبد الرحمن، وذهبتُ معه، حتى دخلنا على عائشة فسلَّمنا عليها، ثم قال عبد الرحمن: يا أمَّ المؤمنين، كنا عند مروان بن الحكم آنفًا، فذُكِرَ أن أبا هريرة يقول: من أصبح جُنُبًا أفطر ذلك اليوم، قالت: ليس كما قال أبو هريرة يا عبد الرحمن، أترغب عما كان رسول الله - ﷺ - يصنع، قال: لا والله، قالت: فَأشهدُ على رسول الله - ﷺ - أنه كان يُصبح جُنُبًا من جماع غير احتلام، ثم يصوم ذلك اليوم.\nقال: ثم خرجنا حتى دخلنا على أم سلمة، فسألهَا عن ذلك فقالت كما قالت عائشة.\n_________\n(٣٥١) صحيح أخرجه: أحمد (٢٥٥٥١)، ومالك (٦٢٩)، والنسائي في الكبرى (٢٩٤٧)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٣٨٤)، حديث (٩١٥).","vol":"2","page":184},{"text":"فخرجنا حتى جئنا مروان، فذكَرَ له عبد الرحمن ما قالتا، فقال: أقسمتُ عليك يا أبا محمد، لتركبن دابتي فإنها بالباب، فلْتذهبنَّ إلى أبي هريرة؛ فإنه بأرضه بالعقيق؛ قال: فركب عبد الرحمن وركبتُ معه حتى أتينا أبا هريرة، فتحدث معه عبد الرحمن ساعة ثم ذكر له ذلك، فقال أبو هريرة: لا علم لي بذلك، إنَّما أَخْبَرَنِيه مُخْبِر.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، ومن أصبح جُنُبًا من جماع من غير احْتِلام في شهر رمضان ثم اغتسل بعد ما طلع الفجر، فلا بأس بذلك، وكتاب الله يدل على ذلك، قال الله ﷿: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ - يعني الجماع - ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ - يعني الولد - ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ - يعني حتى يطلع الفجر -[البقرة: ١٨٧].\nفإذا كان الرجل قد رُخِّص له أن يُجَامِعَ، ويبتغي الولد ويأكل ويشرب حتى يطلع الفجر، فمتى يكون الغسل إلا بعد طلوع الفجر، فهذا لا بأس به، وهو قول أبي حنيفة، والعامة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: قال محمد: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا، رامزًا إلى أخبرنا مالك بن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، يعني نسبة إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، وكان في الطبقة السابعة من طبقات أتباع التابعين، من أهل المدينة وهي في الإقليم الثاني من الأقاليم السبعة أخبرنا سُمَيّ بصيغة التصغير هو مولى أبي بكر بن عبد الرحمن، بن الحارث بن هشام ثقة، في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ثلاثين بعد المائة مقتولًا بقديد كذا قاله ابن حجر في (التقريب) أنه أي: سُمي سمع أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث يقول: أي: أبو بكر كنتُ أنا وأبي أي: عبد الرحمن المدني له رؤية وكان من كبار التابعين وكنيته أبو محمد مات سنة ثلاثين عند","vol":"2","page":185},{"text":"مروان بن الحَكَمَ بن أبي العاص بن أمية أبو عبد الملك الأموي المدني، ولي الخلافة من جهة معاوية في آخر سنة أربع وستين، ومات سنة خمس من رمضان، وله ثلاث أو إحدى وستون سنة، لم يثبت له صحبة كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين كذا قاله ابن حجر في (التقريب) وهو أمير المدينة، فَذُكِرَ له بالبناء للفاعل أي: فأخبرني عبد الرحمن لمروان بن الحكم كما في (البخاري) أن أبا هريرة ﵁ يقول، وفي نسخة: قال من أصبح جُنُبًا أفْطَرَ، أي: بطل صومه لكنه أمسك وقضى بدله قال مروان: أقسمْتُ عليك أي: جعلتك مقسمًا عليك يا أبا عبد الرحمن لتذهبنّ إلى أُمي بضم الهمزة وفتح الميم ثقيلة أم المؤمنين: عائشة، وأُمِّ سلمة، ﵄ فَسَلْهُمَا عن ذلك، الحكم قال: أي: أبو بكر الراوي فذهب عبد الرحمن، يعني أباه وذهبتُ معه، ووقع عند (النسائي) من رواية عبد ربه بن سعيد عن أبي عياض عن عبد الرحمن: أرسلني مروان إلى عائشة ﵂ فأتيتها فلقيت غلامها ذكوان فأرسلته إليها فسألها عن ذلك فذكر الحديث مرفوعًا قال: فلقيت مروان فحدثنيه فأرسلني إلى أم سلمة فأتيتها فلقيت غلامها نافعًا فأرسلته إليها فسألها عن ذلك فذكر مثله.\nقال الحافظ: وفي إسناده نظر أن أبا عياض مجهول، فإن كان محفوظًا فيجمع بأن كلا من الغلامين كان واسطة بين عبد الرحمن وبينهما في السؤال، وسمع عبد الرحمن وابنه أبو بكر كلًا منهما من وراء الحجاب بعد الدخول كما قال حتى دخلنا على عائشة ﵂ أي: من وراء الحجاب فسلَّمنا على عائشة، أي: فردته ثم قال عبد الرحمن: يا أمَّ المؤمنين، كنا عند مروان بن الحكم آنفًا، بمد الهمزة وكسر النون وبقصر أي: في هذه الساعة، وفيه تنبيه لكل أحد أن يعلم أوان مجلس العلم والعلماء ويعمل به ولا أن يبدأ الكلام قبل أن يتكلم الأعلم منه حتى يتوجه الخطاب إليه لئلا يكون مبغوضًا عن أحد فذُكِرَ على بناء المفعول له لما في رواية يحيى أي: تكلم رجل لمروان نزل عبد الرحمن نفسه منزلة الغائب رعاية للأدب (ق ٣٧٦) والتفت في كلامه من التكلم إلى الغيبة تنشيطًا للسامع وتنبيهًا له إلى إصغاء كلامه، وكان مقتضى الظاهر أن يقول: فذكرنا له. هذا خلاصة ما قاله سعد الدين التفتازاني في (شرح المفتاح) فليراجع الإِسناد الخبري من باب الأولى أن أبا هريرة يقول: أي: موقوفًا ومعناه يفتي من أصبح جُنُبًا أفطر أي: أبطل صيام ذلك اليوم، قالت: أي: عائشة ﵂ ليس أي: الحكم والقول كما قال","vol":"2","page":186},{"text":"أبو هريرة يا عبد الرحمن، أترغب أي: أترجع يا عبد الرحمن عما كان رسول الله - ﷺ - يصنع، أي: لا تريده أنت بذلك مبالغة في الرد، فالهمزة للاستفهام الإِنكاري والرغبة إن استعملت نفي تكون بمعنى عدم الإِرادة كما قال محمد الواني قال: أي: عبد الرحمن لا أي: بل أريد ما يصنعه رسول الله - ﷺ - والله، تأكيد لا أنكره عبد الرحمن من إنكار عائشة رغبة عبد الرحمن بما يصنع رسول الله - ﷺ - قالت: أي: عائشة فأشهدُ بفتح الفاء الجوابية للشرط المحذوف وبفتح الهمزة والشين المعجمة الساكنة وبفتح الهاء والدال من الباب الرابع تقديره أن أقسمت بالله يا عبد الرحمن على أن لا تترك ما صنع رسول الله - ﷺ - فأحلف على رسول الله - ﷺ - أنه كان يُصبح من الإِصباح أي: دخل الصباح جُنُبًا من جماع غير احتلام، قصدت بذلك المبالغة في الرد والمنفي على أخلاقه لا مفهوم له؛ لأنه - ﷺ - كان لا يحتلم إذ الاحتلام من الشيطان وهو معصوم منه، كذا ذكره السيوطي وكذلك جميع الأنبياء فإنهم معصومون عن ذلك.\nأما الاحتلام بمعنى نزول المني في النوم من غير رؤية وقاع فهو غير مستحيل عليهم؛ لأنه ينشأ عن نحو إمتلاء البدن فهو من الأمور الخلقية والعادية التى يستوي فيها الأنبياء ﵈ وغيرهم كذا قاله علي القاري في (شرح المصابيح).\nوفيه جواز الجماع في ليالي رمضان وجواز تأخير الغسل إلى بعد طلوع الفجر كذا قاله القسطلاني في (المواهب اللدنية) ثم يصوم ذلك اليوم ولا يفطر، وهذا بإطلاقه يشمل صوم الفرض والواجب والنفل.\nقال: أي: الراوي ثم أي: بعد ما أخبرت لنا عائشة ﵂ عن دخول رسول الله - ﷺ - في الصباح جنبًا من جماع خرجنا أي: من عند عائشة ﵂ حتى دخلنا على أم سلمة، ﵂ فسألهَا أي: عبد الرحمن عن ذلك فقالت أي: أم سلمة كما أي: مثل ما قالت عائشة ظاهر المسألة أنها قالت: يا عبد الرحمن. . . إلى آخره لكن في رواية للنسائي فقالت أم سلمة ﵂: كان - ﷺ - يصبح جنبًا مني فيصوم ويأمرني بالصيام.\nقال الراوي: فخرجنا أي: من عند أم سلمة حتى جئنا مروان، أي: ابن الحكم كما في (الموطأ) لمالك فذكَرَ له أي: لمروان عبد الرحمن ما قالتا، فقال: أي: مروان أقسمتُ أي: جعلتك محلوفًا عليك يا أبا محمد، لتركبن دابتي أي: الخاصة فإنها بالباب، أي: واقفة مهيأة فلْتذهبنَّ إلى أبي هريرة ﵁؛ فإنه بأرضه بالعقيق؛ وهو موضع","vol":"2","page":187},{"text":"بالمدينة، وفي (ق ٣٧٧) رواية للبخاري: ثم قدر لنا أن نجتمع بذي الحليفة وكان لأبي هريرة هناك أرض، فظاهره أنهم اجتمعوا من غير قصد، لا تخالف بين قوله بذي الحليفة وبين قوله بالعقيق لاحتمال أنهما قصداه إلى العقيق فلم يجداه ثم وجداه بذي الحليفة، كان له بها أرض أيضًا فلتخبرنه ذلك أي: نقلهما المخالف لقوله: قال: أي: أبو بكر بن عبد الرحمن فركب عبد الرحمن وركبتُ معه أي: خلفه أو على دابة أخرى وذهبنا حتى أتينا أبا هريرة، فتحدث معه عبد الرحمن ساعة على طريق المصاحبة وعن البخاري: فقال له عبد الرحمن: إني ذاكرك أمرًا لولا أن مروان أقسم علي فيه لم أذكره لك ثم ذكر له ذلك، أي: بطريق الملاطفة فقال أبو هريرة: لا علم لي بذلك، أي: استقلالًا إنَّما أَخْبَرَنِيه مُخْبِر عنه ففي مسلم فقال أبو هريرة: سمعت ذلك من الفضل بن عباس ولم أسمعه من النبي - ﷺ -، وفي (البخاري) فقال له كذلك: أخبرني الفضل بن عباس وهو أعلم بما روى، والعهدة في ذلك عليه لا علي. وفي رواية النسفي عن البخاري: وهن أعلم لعلم أي: أزواج النبي - ﷺ -، وفي مسلم قال أبو هريرة: أهي قالتا ذلك؟ قال: نعم، قال: هما أعلم. ورجع أبو هريرة عما كان يقول في ذلك وهذا يرجح رواية النسفي.\nقال محمد: وبهذا أي: بما روي عن عائشة وأم سلمة نأخذ، أي: نعمل ومن أصبح جُنُبًا من جماع من غير احْتِلام أي: ولو كان من احتلام؛ فإن الاحتلام بالأولى في هذا المقام في شهر رمضان أي: ولو كان في صوم فرض أداء فضلًا عن أن يكون نفلًا أو قضاء ثم اغتسل بعد ما طلع الفجر، فلا بأس بذلك، أي: والمستحب خلاف ذلك إذ لم يكن عذر هنالك وكتاب الله يدل على ذلك، أي: على ما ذكر في الحكم المستفاد من حديثهما قال الله عز: أي: شأنه أو غلب حكمه على الأمور وجل أي: عظم بركاته في سورة البقرة: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ أي: من أولها إلى أخرها ﴿الرَّفَثُ﴾ أي: الجماع عن ابن عباس ﵄ أنه قال: الغشيان واللمس والإِفضاح أي: الحجالة والمباشرة الرفث، هو الجماع ولكن الله حيي كريم يكني ما شاء الله بيانًا للأدب إلى عباده لئلا يتكلموا بما يستكره ذكره ﴿إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ أي: زوجاتكم وسراريكم، روي أن المسلمين كانوا إذا أمسوا حل لهم الأكل والشرب والجماع إلى أن يصلوا العشاء الأخيرة، أو يرقدوا ثم إن عمر ﵁، باشر أهله بعد العشاء، فندم وأتي النبي - ﷺ - واعتذر إليه، فقال رسول الله - ﷺ -: \"ما كنت جديرًا بذلك\" فرجع مغتمًا فنزلت الآية، وعدي","vol":"2","page":188},{"text":"بإلى لتضمنه معنى الإفضاء والإِنهاء، وإيثاره ههنا لاستقباح ما ارتكبوه، ولذلك سمي خيانة وقرئ: الرفوث، وتقديم الظرف على القائم مقام الفاعل لما مر مرارًا من التشريف، فإن ما حقه التقديم إذا أخر تبقى النفس فترقبة إليه فيتمكن عندها وقت وروده فضل تمكن ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ أي: ستر كالفراش استئناف مبين لسبب الإِحلال وهو صعوبة الصبر عنهن مع شدة المخالطة وكثرة الملابسة بهن، وجعل كل من الرجل والمرأة لباسًا للآخر لأعتناقهما واشتمالهما بالليل. واللباس اسم لكل ما يستر الشيء فكان كل واحد (ق ٣٧٨) منهما ستر صاحبه عما لا يحل ومنه عن الضجر ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ استئناف آخر مبين لما ذكره من السبب والاختيان أبلغ من الخيانة كالاكتساب من الكسب، ومعنى تختانون تظلمونها بتعريضها للعقاب وتنقيص حظها من الثواب وبجماعهن بعد صلاة العشاء فإنه كان محرمًا أولًا ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: رجع عليكم بالتخفيف.\nوفيه دليل على جواز نسخ السنة بالقرآن كذا قاله أبو السعود، والشيخ زاده: ﴿وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ أي: محا ذنوبكم كذا في (الكواشي) ﴿فَالْآنَ﴾ أي: جامعهن وفي وقوع ذلك إنه للزمن الحاضر والأمر مستقبل أبدأ، وتأويله ما قاله أبو البقاء قال: والآن حقيقة الوقت الذي أنت فيه، وقد يقع على الماضي القريب منا وعلى المستقبل القريب تنزيل للقريب منزلة الحاضر وهو المراد هنا، لأن قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ أي: فالوقت الذي كان يحرم عليكم فيه الجماع من الليل، فالآن قد بحنا لكم مباشرتهن أي: مجامعتهن. كذا قاله ابن عاد في تفسير (اللباب) يعني أي: يريد الله تعالى مباشرة الجماع تفسير في المصنف ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أي: اطلبوا ما قدره الله لكم وقدره في اللوح يعني الولد هذا أيضًا تفسير منه، وفيه أن المباشر ينبغي أن يكون غرضه الولد؛ فإن الحكمة في خلق الشهوة وشرع الحكم لإِفضاء الشهوة وقيل: فيه نهي عن العزل فإن العزل لا يجوز في وطئ الحرائر إلا بإذنهن وقيل: نهى عن غير المأتي به؛ فإنه موضع الغرس؛ لأنه الحرث، والتقدير: وابتغوا المحل الذي كتب لكم ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ عطفًا على باشروهن، وهي نزلت في شأن حرقة بن قيس ﵁ إنه عمل في النخيل في النهار، فلما رجع إلى منزله غلب عليه النوم قبل أن يأكل شيئًا فأصبح صائمًا فامتعقه الصوم فرآه رسول الله - ﷺ - في آخر النهار، وقال له مالك بن قيس: أمسيت معيبًا فقال: ظللت أمس في النخيل نهاري كله حتى أمسيت فأتيت أهلي فأرادت أن تطعمني سنحًا فأبطأت على فنمت","vol":"2","page":189},{"text":"فأيقظوني فقد حرم على الطعام والشراب فلم آكل فأصبحت صائمًا، فأمسيت وقد جهدني الصوم فنزلت هذه ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ وهذان الأمران للإِباحة وليس للحتم مثل قوله تعالى في سورة الجمعة: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] فقد أباح الله الأكل والشرب للمؤمنين في ليالي رمضان إلى طلوع الفجر الثاني بقوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾ أي: البياض المعترض في أفق الشرق ﴿مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ أي: ظلمة الليل شبه أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق وما يمسه منه في غاسق الليل بخيطين أبيض وأسود والتقى بيان الخيط الأبيض بقوله تعالى: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ عن بيان الخيط الأسود، لدلالته عليه، وبذلك خرجا (ق ٣٧٩) عن الاستعادة إلى التمثيل، ويجوز أن يكون من للتبعيض فالتقدير كلوا واشربوا إلى إبداء بعض الفجر وروى عن عدي بن حاتم الطائي أنه قال: أخذت خيطين فجعلت انظر إليهما فلم يتبين الأبيض من الأسود ما لم يسفر، فأتيت رسول الله - ﷺ - فأخبرته بذلك فتبسم وقال: \"إنك لعريض القفا إنما هو سواد الليل وبياض النهار\" فنزل قوله تعالى: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فارتفع الاشتباه بقوله: \"عريض القفا\" كناية عن كلمتي يعني أي: يرد المصنف بالفجر في نسخة: ومبينة بقوله: حتى يطلع الفجر ثم يظهر وجه الاستدلال على ما قاله بقوله: فإذا كان الرجل أي: الذي يريد الصوم قد رُخِّص له أن يُجَامِعَ، ويبتغي الولد هذا قيد اتفاقي ويأكل ويشرب حتى يطلع الفجر، يعني ربما يتأخر الجماع عن الأكل والشرب؛ لأن الواو لمطلق الجمع فيقع آخر جماعه عن أول طلوع الفجر فمتى يكون الغسل أي: فلا يتحقق ولا يمكن غسله إلا بعد طلوع الفجر، فهذا أي: وقوع الجماع قبل طلوع الفجر ووقوع الغسل بعد طلوعه لا بأس به، أي: لا يضر صومه وهو أي: جواز الغسل بعد الفجر وعدم ضرره بالصوم قول أبي حنيفة، والعامة أي: عامة أكابر الأمة.\nلما فرغ من بيان أحكام حال الرجل أصبح جنبًا في رمضان، شرع في بيان أحكام القبلة للصائم، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>باب القبلة للصائم</span>\nفي بيان أحكام القبلة بضم القاف وسكون الموحدة واللام من التقبيل للصائم أي: سواء كان صائمًا للفرض أو الواجب أو التطوع.","vol":"2","page":190},{"text":"٣٥٢ - أخبرنا مالك، حدثنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، أن رجلًا قَبَّل امرأته وهو صائم، فَوَجِدَ من ذلك وَجْدًا شديدًا، فأرسل امرأته تَسْأَلُ له عن ذلك، فدخلتْ على أم سلمة زوج النبي - ﷺ -، فأخبرتها أم سلمة أن رسول الله - ﷺ - كان يُقبِّل وهو صائم، فرجعت إليه، فأخبرته بذلك فزَاده ذلك شرّا، وقال: إنا لسنا على مثل رسول الله - ﷺ -؛ يُحل الله لرسوله ما شاءَ، فرجعت المرأة إلى أم سلمة؛ فوجدت عندها رسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: \"ما بال هذه المرأة؟ \"، فأخبرته أم سلمة، فقال: \"ألا أخبرتها: أني أفعل ذلك؟ \"، قالت: قد أخبرتها، فذهبت إلى زوجها فأخبرته، فزاده ذلك شرًا، وقال: إنَّا لسنا على مثل رسول الله - ﷺ -؛ يُحل الله لرسوله ما يشاءُ، فغضب رسول الله - ﷺ -، وقال: \"والله إني لأتقاكم لله، وأعلمكم بحدود الله\".\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا مالك، أي: حدثنا مالك بن أنس بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، يعني منسوب إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، كان في الطبقة السابعة من طبقات أتباع التابعين من أهل المدينة وهي كانت في الإقليم الثاني من الأقاليم السبعة، حدثنا وفي نسخة: قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا زيد بن أسلم، العدوي مولى عمر يكنى أبا عبد الله أو أبا أسامة المدني ثقة عالم كان يرسل كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة مات سنة ست وثلاثين بعد المائة عن عطاء أي: بالقصر ابن يسار، الهلالي يكنى أبا محمد المدني مولى ميمونة ثقة فاضل صاحب مواعظ وعبادة، في الطبقة الثانية من طبقات صغار التابعين، من أهل المدينة مات سنة أربع وتسعين، وكان الحديث مرسلًا عند جميع الرواة ووصله عبد الرزاق بإسناد صحيح عن عطاء عن رجل من الأنصار أن رجلًا قَبَّل امرأته وهو صائم، أي: في رمضان كما في الموطأ لمالك في رواية يحيى فَوَجِدَ أي: ورد على قلبه تكلف كما قاله السيد الشريف من ذلك أي: لأجل قبلة امرأته وَجْدًا بفتح الواو وسكون الجيم أي: حزنًا شديدًا، أي: ولم يسعده أمرًا صغيرًا واستحى أن يسأل رسول الله - ﷺ - توقيرًا فأرسل امرأته أي: حال كونها تَسْأَلُ له فالضمير\n_________\n(٣٥٢) مرسل، أخرجه: مالك (٦٣١).","vol":"2","page":191},{"text":"المجرور عائد إلى رسول الله - ﷺ - (ق ٣٨٠) بمعونة المقام عن ذلك، إلى القبلة، هل يضر صومه ذلك فدخلتْ على أم سلمة زوج النبي - ﷺ -، أي: فذكرت المرأة المسألة لها فأخبرتها أم سلمة أن رسول الله - ﷺ - كان يُقبِّل؟ أي: يُقبِّلها كما في البخاري وهو صائم، فرجعت أي: المرأة إليه، إلى الرجل فأخبرته أي: زوجها بذلك فزَاده ذلك شرا، أي: محنة وبلية حيث ظن أن أم سلمة أفتت من عندها في القضية فقال: إنا لسنا على مثل رسول الله - ﷺ -؛ أي: من جميع الوجوه، يُحل الله: بضم التحتية وكسر الحاء المهملة، مِنْ أَحَلَّ: إذا أباح، أي: يجعل الله لرسوله ما شاءَ، أي: من الأشياء، كجواز الوصال، وزيادة النساء على الأربع إلى إحدى عشرة، فرجعت المرأة: والفاء بمعنى: ثم، كما في رواية يحيى، إلى أم سلمة؛ أي: هند بنت أُميَّة فوجدت أي: عندها؟ أي: عند أم سلمة رسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: \"ما بال هذه المرأة؟ \" أي: ما شأنها وحالها فأخبرته أم سلمة، أي بسؤالها أنها تسأل عن القبلة للصائم، فقال: أي: - ﷺ - \"ألا أخبرتها: بفتح الهمزة وتشديد اللام المفتوحة، وهي حرف للعرض، وهو الإِعلام، وحرف للتخضيض ومعناهما: طلب الشيء ولكن العرض: طلب بلين، والتحضيض: بِحَثّ، وتختص هذه بالجمل الفعلية، وهي بمعنى لولا التي تكون للتخضيض. قال تعالى في سورة النمل: ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾ [النمل: ٤٦]، وقال تعالى في سورة المنافقون: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [المنافقون: ١٠]، أني أفعل ذلك؟ \"، بكسر الكاف، وبفتح وفيه التنبيه على الإِخبار بأفعاله، ويجب عليهن أن بها ليقتدي به الناس، قال تعالى في سورة الأحزاب: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤].\nقال سعيد بن زيد الباجي أبو عمر: فيه إيجاب العمل بخبر الواحد كذا قاله: الزرقاني قالت: أي: أم سلمة، قد أخبرتها، فذهبت إلى زوجها فأخبرته، فزاده ذلك شرًا، أي: شرارة أو حرارة أو اضطراريًا، وقال: إنَّا لسنا على مثل رسول الله - ﷺ -؛ ولم يُحل الله أي: يجعل الله حلالًا لرسوله ما يشاءُ. فغضب رسول الله - ﷺ -، لاعتقاد التحضيض بلا علم، كما أشار إليه ابن العربي وابن عبد البر، وقال عياض: غضبه لذلك ظاهر؛ لأن السائل جوز وقوع المنهي عنه منه لكن لا حرج عليه إن غفر له، فأنكر - ﷺ - ذلك، وقال: \"والله إني لأتقاكم لله، وأعلمكم بحدوده فكيف تجوزون وقوع ما نهى عنه مِنِّي.","vol":"2","page":192},{"text":"قال ابن عبد البر: \"فيه دلالة على جواز القبلة للشاب والشيخ؛ لأنه لم يقل للمرأة زوجك أشيخ أو شاب، فلو كان بينهما فرق لسألها؛ لأنه المبين عن الله\". وقد أجمعوا على أن القبلة لا تكره لنفسها، وإنما كرهها من كرهها خشية ما تؤول إليه.\nوأجمعوا على أن من قبَّل وسَلِمَ من خروج المني فلا شيء عليه، وإن أمذى فكذلك عن الحنفية والشافعية والمالكية وعن أحمد يفطر وإن أمنى فسد صومه اتفاقًا كذا قاله (ق ٣٨١) الزرقاني يعني: لو أنزل الصائم من قبلة امرأته أو جاريته أو من مس البشرة أو من إيلاج ذكره إلى فخذ امرأته أو إلى بطنها أو من عبث بالكف لزمه القضاء دون الكفارة لقصور الجناية. كذا في (الدرر)، وكذا لو قبَّلت الصائمة زوجها فأنزلت: أفطرت، ولزمها القضاء فقط وإن أمذى أو أمذت لا يفسد الصوم. كذا في (الجوهرة).\n* * *\n\n٣٥٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو النَّضر مولى عمر بن عُبَيْد الله، أن عائشة ابنةَ طلحةَ أخبَرَتْهُ، أنها كانت عند عائشة زوج النبي - ﷺ -، فدخل عليها زوجها هنالك، وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، فقالت له عائشة: ما يمنعك أن تدنو إلى أهلك تقبِّلها وتلاعبها؟ قال: أُقَبِّلُها وأنا صائم؟ قالت: نعم.\nقال محمد: لا بأس بالقُبلة للصائم إذا مَلَكَ نفسه عن الجِماع، وإن خاف أن لا يملك نفسه فالكَفّ أفضل، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامَّةِ قَبْلَنَا.\n• أخبرنا مالك، بن أنس بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، يعني: منسوب إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، كان في الطبقة السابعة من طبقات أتباع التابعين من أهل المدينة كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة. وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا، رمزًا إلى أخبرنا، أخبرنا وفي نسخة قال: بنا أبو النَّضر: بفتح النون وسكون الضاد المعجمة وراء اسمه سالم بن أبي أميَّة مولى عمر بن عُبَيْد الله، بضم العين المهملة وفتح الموحدة وسكون التحتية ابن معمر القرشي التيمي المدني التابعي، كان في الطبقة الخامسة من أهل المدينة. كذا قاله الطيبي في (ذيل شرح مشكاة المصابيح) وابن حجر في (التقريب من أسماء الرجال): أن عائشة ابنةَ، وفي نسخة: بنت طلحةَ بن عبيد الله","vol":"2","page":193},{"text":"أحد العَشَرَةَ، القرشية، التيمية، أم عمران، كانت فائقة الجمال، ثقة، روى لها أصحاب الستة، أخبَرَتْهُ إلى مولى عمر بن عبيد الله، أنها أي: عائشة ابنت أبي طلحة كانت عند عائشة زوج النبي - ﷺ -، فدخل عليها أي: على عائشة الصديقة - ﵂ - زوجها أي: زوجته ابنت طلحة هنالك، أي: لكونها عمته بسبب ذلك، وهو أي: زوجها عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، أي: الصديق ﵁، فقالت له: أي: لابن أخيها عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر أي: الصديق عائشة: ما يمنعك، وفي نسخة: منعك أي: أيّ شيء يمنعك يا ابن أخي، أن تدنوا: أن تقرب، إلى أهلك أي: زوجتك تقبِّلها وتلاعبها؟ أي: يمس البشرة دون جماعها، ولعلها قصدت إفادته الحكم، وإلا فمعلوم أنه لا يقبلها بخصوص عائشة أم المؤمنين، قال: أُقَبِّلُها وأنا صائم؟ قالت: أي: الصديقة: نعم هي: بفتح النون والعين وسكون الميم، حرف تصديق، تأتي للتأكيد بما قبلها من الخبر. كذا قاله ابن هشام في (مغني اللبيب)، وفي هذا دلالة على أنها لا ترى تحريمها ولا أنها من الخصائص، وأنه لا فرق بين شاب وشيخ؛ لأن عبد الله كان شابًا ولا يعارض هذا ما للنسائي عن الأسود: قلت لعائشة: أيباشر الصائم؟ قالت: لا، قلت: أليس كان رسول الله - ﷺ - يباشر وهو صائم؟ قالت: كان أملككم لأَرْبِه لأن جوابها لأسود بالمنع محمول على تحريك شهوته؛ لأن فيه تعريضًا لإِفساد العبادات، كما أشعر به قولها: كان أملككم لأربه: وهو بفتح الهمزة وسكون الراء. وبالموحدة: الحاجة أو العضو. كذا في (الأختري). فحاصل ما أشارت إليه إباحة القبلة والمباشرة بغير جماع لمن ملك أَرْبه دون من لا يملك أو تحمل النهي على كراهة التنزيه.\nوقد روى أبي يوسف القاضي بلفظ: سئلت عائشة ﵂ عن المباشرة للصائم فكرهتها. فلا ينافي في الإِباحة المستفادة من حديث الباب، ومن قولها: الصائم له كل شيء إلا الجماع. رواه الطحاوي.\nفهذا حديث موقوف حقيقة. مرفوع حكمًا.\nقال محمد: لا بأس أي: لا فساد بالقبلة للصائم إذا ملك نفسه عن (ق ٣٨٢) الجماع وكذا عن الإِنزال بالمني فإن خاف أي: الصائم، أن لا يملك نفسه أي: عما ذكر فالكف أفضل أي:","vol":"2","page":194},{"text":"رعاية لحول الحمى، فحينئذ عدم كفه يكون مكروهًا، وهو أي: عدم كراهية القُبلة للصائم إذا مَلَكَ نفسه قول أبي حنيفة نعمان بن ثابت بن طاووس بن هرمز بن ملك بن شيبان، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين والعامَّةِ قَبْلَنَا أي: وقول الجمهور من المتقدمين وفي (كتاب الرحمة في اختلاف الأئمة) أن القبلة في الصوم محرم عند أبي حنيفة والشافعي في حق من تحرك شهوته.\nوقال مالك: هي محرمة فيه بكل حال، وعن أحمد روايتان: ولو قبَّل فأمذى لم يفطر عند الثلاثة، وقال أحمد: يفطر ولو نظر بشهوة فأنزل يفطر صومه عند الثلاثة، وقال مالك: يبطل انتهى. وإن قبَّل أو لمس فأنزل: قضى عندنا ولا كفارة عليه.\n* * *\n\n٣٥٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع عن ابن عمر، أنه كان ينهَى عن القُبْلَة والمُبَاشَرَةَ للصائم.\n• أخبرنا مالك، في نسخة: محمد. قال: بنا، أخبرنا وفي نسخة: عن نافع، المدني التابعي عن ابن عمر، أنه كان ينهَى أي: نهي تنزيه أو تحريم عن القُبْلَة: بضم القاف وسكون الموحدة ولام أي: تقبيل علي الفم أو الخد أو غيرهما، والمُبَاشَرَةَ بنحو لمس البشرة بلا جماع للصائم أي: مطلقًا؛ لأن من رعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه؛ لأنه لا يملك نفسه. لما في الصحيحين من حديث عائشة أنه - ﷺ - كان يقبل ويباشر وهو صائم.\nوالمراد بالمباشرة: اللمس والملامسة والملاعبة والمخالطة.\nوقد روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ أنه - ﷺ - سأله رجل عن المباشرة للصائم فرخص له، وأتاه آخر فنهاه فإذا الذي رخص له شيخ، والذي نهاه شاب. كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان حكم القبلة للصائم، شرع في بيان حكم الحجامة للصائم، فقال: هذا","vol":"2","page":195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>باب الحجامة للصائم</span>\nفي بيان حكم الحجامة على وزن الكتابة، وهي بكسر الحاء المهملة والجيم المضموضة والألف والميم والتاء اسم من الحجوم على ما ذكره الجوهري (١) وهي إخراج الإِنسان من بين الكتفين والأخدعين (٢) وهما بفتح الهمزة وسكون الخاء المعجمة والدال المفتوحة والعين عرقان من جانب العنق.\nقال في الشمائل: حدثنا عبدة عن سفيان الثوري عن جابر عن ابن عباس أظنه قال: أن النبي - ﷺ - احتجم في الأخدعين وبين الكتفين وأعطى الحجام أجرة (٣) للصائم اتفقوا على أن الحجامة تكره للصائم؛ فإنها لا تفطر إلا عند أحمد فإنه يفطر الحاجم والمحجوم لما ورد عن ثوبان مرفوعًا: \"أفطر الحاجم والمحجوم\" (٤) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم في مستدركه وأوله الجمهور بأن معناه تعرضًا للإِفطار وقيل: جاز لهما أن يفطر حيث كان بعد الغروب أو لضرورة المرض الدعوي وقيل: على جهة التغليظ لهما والدعاء لها.\nكذا في (النهاية) وكذا قاله علي القاري.\n_________\n(١) انظر: مختار الصحاح (ص ٥٣)، ولسان العرب (١٢/ ١١٧).\n(٢) انظر: النهاية (١/ ١٤)، ولسان العرب (٨/ ٦٦).\n(٣) أخرجه: أحمد (٢٨٩٩)، (٢٩٧٢)، (٢٠٩٢)، (٣٠٦٨)، وأبو يعلى (٢٣٦٠)، والطبراني في الكبير (١٢٥٨٧)، والخطيب في التاريخ (٥/ ٩)، وابن سعد في الطبقات (٢/ ٤٤٦)، من حديث ابن عباس ﵁، وفي الباب عن أبي هريرة ﵁، وجابر ﵁، وأنس ﵁، وغيرهم.\n(٤) أخرجه: أبو داود (٢٣٦٧)، (٢٣٧١)، وابن ماجه (١٦٨٠)، وأحمد (٢١٨٦٦)، (٢١٨٧٧)، والدارمي (١٦٨٢)، وابن حبان (٣٥٣٢)، وعبد الرزاق في مصنفه (٧٥٢٢)، وابن أبي شيبة (٢/ ٤٦٦)، والنسائي في الكبرى (٣١٣٣)، (٣١٣٤)، (٣١٣٦)، والطبراني في الكبير (١٤٠٦)، (١٤١٧)، والأوسط (٤٧٢٠)، والحاكم (١٥٥٨)، وابن خزيمة (١٩٦٣)، وابن الجارود في المنتقى (٣٨٦)، والبيهقي في الكبرى (٨٣٧١)، والطيالسي في مسنده (٩٨٩)، والبخاري في التاريخ الصغير (١٤٢٩) من حديث ثوبان ﵁.","vol":"2","page":196},{"text":"٣٥٥ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن ابن عمر، كان يحتجم وهو صائم، ثم إنه كان يحتجم بعد ما تَغْرُب الشمس.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، حدثنا وفي نسخة: عن نافع، المدني أن ابن عمر، ﵄ كان يحتجم وهو صائم، فيه إشارة إلي رخصة الحجامة للصائم، وكان من الورع بمكان قال ابن عبد البر: وقال سعيد بن زيد الباجي المالكي: لما كبر وضعف خاف أن تضطره الحجامة إلى الفطر أي: يفعل ذلك في حال قوة يأمن فيها الضعف ثم ترك خيفة الضعف لمَّا أسن. كذا قاله الزرقاني (١) ثم إنه كان أي: بعد ذلك يحتجم بعد ما تَغْرُب الشمس أي: احتياطًا وعمل بالعزيمة.\n* * *\n\n٣٥٦ - أخبرنا مالك، حدثنا الزُّهْرِيّ، أن سعدًا وابن عمر كانا يحتجمان وهما صائمان.\nقال محمد: لا بأس بالحجامة للصائم، وإنما كُرِهَت من أجل الضعف، فإذا أمِنَ ذلك فلا بأس، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، بن أنس بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، يعني: ينسب إلى ملك ذي أصبح، من ملوك اليمن، كان من أتباع التابعين في الطبقة السابعة من أهل المدينة، وفي نسخة: محمد بنا، حدثنا وفي نسخة: عن الزُّهْرِيّ، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب تابعي من الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة أن سعدًا\n_________\n(٣٥٥) إسناده صحيح.\n(١) انظر: شرح الزرقاني (٢/ ٢٣٤).\n(٣٥٦) أخرجه: مالك (٦٦٠)، وعبد الرزاق في مصنفه (٧٥٤٠).\nوقال ابن حجر: وأما أثر سعد، فقال مالك عن ابن شهاب أن سعد بن وقاص، وعبد الله بن عمر. . . وذكره هذا منقطع، تعليق التعليق (٣/ ١٧٩).\nوقال: وهذا منقطع عن سعد، لكن ذكره ابن عبد البر من وجه آخر عن عامر بن سعد عن أبيه، الفتح (٤/ ١٧٦).","vol":"2","page":197},{"text":"أي: سعد بن أبي وقاص ﵁ وابن عمر ﵄ كانا يحتجمان وهما أي: والحال صائمان ثم ترك ذلك ابن عمر كما قال نافع.\nقال ابن عبد البر (١): هذا الحديث منقطع وهو الذي روى عمر لا يمكن أن يكون قد رآه الراوي وقبل ما سقط ذكروا واحدًا من الرواة قبل الوصول إلي التابعي وإن تسقط أكثر من واحد يسمى معضلًا كذا قاله الأصوليون.\nقال محمد: لا بأس أي: لا فساد للصوم بالحجامة للصائم، وإنما كُرِهَت أي: في بعض الروايات من أجل الضعف، أي: بسبب ضعف يظهر للصائم ويكون موجبًا لإِفطاره أو ضعف نفس المحتجم فربما يسرب الدم فيكون باعثًا لإِفطاره فإذا أمِنَ ذلك ما ذكر فلا بأس، أي: لا كراهة وهو قودُ أبي حنيفة ﵀.\n* * *\n\n٣٥٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا هشام بن عُرْوَةَ، قال: ما رأيتُ أبي قطّ احتجم إلا وهو صائم.\nقال محمد: وبه نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا وفي نسخة: عن هشام بن عُرْوَةَ، قال: ما رأيتُ أبي أي: عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي المدني، يكنى أبا عبد الله المدني، فقيه، ثقة، مشهور، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل المدينة، قطّ أي: أبدًا احتجم إلا وهو صائم؛ لأنه كان يواصل الصوم.\nقال ابن عبد البر: عن سعيد بن زيد الباجي المالكي أنه قال: يحتمل أن يريد يحتجم قبل أن يأكل، وقال أبو عبد الملك: يحتمل أنه حكى له كثرة أفعاله وفي البخاري أن ثابتًا سأل أنس بن مالك: كنتم تكرهون الحجامة للصائم قال: لا إلا من الضعف.\nقال محمد: وبه أي: يقول هشام بن عروة نأخذ، أي: نعمل وهو قولُ أبي حنيفة ﵀ لما روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري والبزار وابن عباس أنه قال: قال رسول\n_________\n(١) انظر: شرح الزرقاني (٢/ ٢٣٤).\n(٣٥٧) أخرجه: البخاري (١٨٣٨).","vol":"2","page":198},{"text":"الله - ﷺ -: \"ثلاثة لا تفطر الصائم: القيء والحجامة والاحتلام\" (١).\nلما فرغ من بيان حكم الحجامة للصائم، شرع في بيان الصائم يذرعه القيء أو يتقيأ، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>باب الصائم يذرعه القيء أو يتقيأ</span>\nفي بيان حكم الصائم يذرعه أي: يغلبه القيء، أو يتقيأ أي: يتكلف الصائم القيء وفي نسخة: أو يستقي أي: يتعمد الصائم إخراج القيء أو يتقيأ بأن يدخل أصبعه في حلقه.\n٣٥٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن ابن عمر كان يقول: مَنِ اسْتَقَاءَ وهو صائم فعليه القَضَاء، ومَنْ ذَرَعه القَيْءُ، فليس عليه شيء.\nقال محمد: وبه نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، في نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا وفي نسخة: عن نافع، المدني مولى\n_________\n(١) أخرجه: الترمذي (٧١٩)، والطبراني في الأوسط (٤٨٠٦)، والدارقطني (٢/ ١٨٣)، والخطيب في التاريخ (٧/ ٦٨)، والبيهقي في الكبرى (٨٣٦٦)، والديلمي (٢٥٠٨)، وابن حبان في المجروحين (٢/ ٥٨)، وابن الجوزي في التحقيق (١١٠٧)، والعلل لأحمد بن حنبل (٢/ ١٣٥)، وابن عدي (٤/ ٢٦٧ - ٢٧٠ - ٢٧١)، وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٣٥٧)، وعبد بن حميد (٩٥٩)، ناسخ الحديث ومنسوخه لابن شاهين (٤٠٠).\nوقال الترمذي: حديث أبي سعيد حديث غير محفوظ.\nوقال البيهقي: كذا رواه عبد الرحمن بن زيد وليس بالقوي.\nوقال الدارقطني: لا يصح عن مالك، وعبد الله بن عيسى ضعيف.\nوقال أبو نعيم: تفرد به عن زيد ابنه عبد الرحمن.\nوقال الهيثمي في المجمع: رواه البزار بإسنادين أحدهما ظاهره الصحة (٣/ ١٧٠).\nوقال ابن حجر: وفي الباب عن ابن عباس عند البزار، وهو معلول.\nوضعف الألباني هذا الحديث بروايتيه في ضعيف الجامع (٢٥٦٧).\n(٣٥٨) أخرجه: مالك (٦٧٣)، والشافعي في الأم (٧/ ٥٢)، وابن أبي شيبة (٢/ ٢٩٧)، والبيهقي في الكبرى (٧٨١٦)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٢/ ٩٨).","vol":"2","page":199},{"text":"ابن عمر أن ابن عمر ﵄ كان يقول: مَنِ اسْتَقَاءَ أي: تعمد إخراج القيء وأخرجه ولو دون ملاء الفم لإِطلاق قوله: من استقاء وهو أي: والحال أن المستقي ذكر أنه صائم فعليه القَضَاء، وشرط يونس أن يكون القيء ملاء الفم؛ لأن ما دونه كالعدم حكمًا حتى لا ينقض الوضوء ومَن ذَرَعَه بالذال المعجمة والراء المهملة والعين المهملة أي: غلبه وسبقه القَيْءُ، ولو كان ملاء الفم، وهو ذاكر لصومه فليس عليه شيء أي: لا يجب عليه القضاء ولا الكفارة، والحديث موقوف ظاهرًا ومرفوع حكمًا لما رواه أصحاب السنن الأربعة من حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من ذرعه القيء وهو صائم فليس عليه القضاء، واستقاء عمدًا فليقض\" (١) أي: من دون الكفارة لعدم صورة الفطر.\nقال محمد: وبه أي: بما قاله ابن عمر ﵄ نأخذ، أي: نعمل وهو أي: ما قاله ابن عمر قولُ أي حنيفة رحمه الله تعالى، وبه قال مالك والشافعي ملأ فيه أم لا وعن أحمد روايتان أشهرهما أنه لا يفطر إلا بالفاحش، وعن ابن عباس وابن عمر أنه لا يفطر بالاستقاءة وأما إن ذرعه القيء فلم يفطر بالإِجماع. كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان حكم حال الصائم يذرعه القيء أو يستقي، شرع في بيان حكم الصوم في السفر، فقال: هذا\n* * *\n\n٨ -<span data-type=\"title\" id=toc-152> باب الصوم في السفر</span>\nفي بيان حكم الصوم في السفر أي: في حاله.\n٣٥٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن ابن عمر كان لا يصوم في السفر.\n_________\n(١) أخرجه: أبو داود (٢٣٨٠)، والترمذي (٧٢٠)، وابن ماجه (١٦٧٦)، والدارمي (١٦٨٠)، وابن حبان (٣٥١٨)، والدارقطني (٢/ ١٨٤)، والحاكم (١٥٥٧)، وابن خزيمة (١٩٦٠)، وأبو يعلى (٦٦٠٤)، وابن الجارود في المنتقى (٣٨٥)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٢/ ٩٧).\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.\nوقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\n(٣٥٩) أخرجه: مالك (٦٤٣)، وعبد الرزاق في مصنفه (٤٤٧٥)، (٤٤٨٦)، وابن جرير في التفسير (٢/ ١٥٢)، وابن سعد في الطبقات (٤/ ١٤٨).","vol":"2","page":200},{"text":"• أخبرنا مالك، من كبار أتباع التابعين، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا وفي نسخة: عن نافع، المدني مولى ابن عمر أن ابن عمر ﵄ كان لا يصوم في السفر؛ لأنه كان يرى أن الصوم في السفر لا يجزي؛ لأن الفطر عزيمة من الله لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤].\nفجعل عليه عدة، وبه قال أبوه عمر وأبو هريرة وعبد الرحمن بن عوف وقوم من أهل الظاهر، ويرده أحاديث الباب قاله ابن عبد البر (١): واحتجوا لذلك أيضًا بحديث الصحيحين أنه - ﷺ - في سفر في غزوة الفتح، كما في الترمذي رأى زحامًا ورجلًا قد ظلل عليه، فقال: \"ما هذا؟ \" قالوا: صائم، فقال: \"ليس من البر الصوم في السفر\"، ولمسلم: \"ليس البر أن تصوموا في السفر\" (٢) وزاد بعض الرواة: عليكم برخصة الله التي رخص لكم في سورة البقرة قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] كذا قاله الزرقاني (٣).\nاتفقوا على أن المسافر والمريض الذي لا يرجى برءة يباح لهما الفطر وإن صام صح وإن تضررا أكره.\n* * *\n\n٣٦٠ - أخبرنا مالك، حدثنا الزُّهْرِيّ، عن عُبَيْد الله بن عبد الله، عن ابن\n_________\n(١) انظر: التمهيد (٢٢/ ٥٣)، وشرح الزرقاني (٢/ ٢٢٧).\n(٢) أخرجه: البخاري (١٨٤٤)، ومسلم (١٨٧٩)، وأبو داود (٢٤٠٧)، والترمذي (٧١٠)، والنسائي في المجتبى (٢٢٥٦)، وأحمد (١٤٠١٧)، (١٤٨٥٨)، والدارمي (١٦٦١)، وابن حبان (٣٥٥١)، وعبد الرزاق في مصنفه (٤٤٧٠)، وابن أبي شيبة (٢/ ٤٣١)، والنسائي في الكبرى (٢٥٦٦)، (٢٥٦٨)، والطبراني في الأوسط (٧٣٥)، والشافعي في المسند (٧٦١)، والبيهقي في الكبرى (٨٢٤٥).\n(٣) انظر: شرح الزرقاني (٢/ ٢٢٧).\n(٣٦٠) أخرجه: البخاري (١٨٠٨)، (١٨١٢)، (٢٧٣٤)، ومسلم (١١١٣)، والنسائي (٢٢٥٣)، (٢٢٧٥)، وأحمد (٢٥٢٠)، (٢٨٣٩)، والدارمي (١٦٦٠)، ومالك (٥٧٦)، وابن حبان (٣٥٥٥)، (٣٥٦٣)، وعبد الرزاق في مصنفه (٤٤٧١)، (٤٤٧٢)، وابن أبي شيبة (٢/ ٤٣١)، وابن خزيمة (٢٠٣٤)، (٢٠٣٥)، والشافعي في المسند (٧٦٠)، والطبراني في الأوسط (٥٥٦)، وابن الجارود في المنتقى (٣٩٨)، والبيهقي في الكبرى (٨٢٣٤)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٢/ ٦٤)، والحميدي (٥١٤)، والطيالسي في مسنده (٢٧١٨)، وعبد بن حميد (٦٤٥).","vol":"2","page":201},{"text":"عباس، أن رسول الله - ﷺ - خرج عام فتح مكة في رمضان، فصام حتى بلغ الكَدِيد، ثم أَفْطَرَ فأَفْطَرَ الناسُ معه، وكان فتح مكة في رمضان، قال: وكانوا يأخذون بالأحْدَث فالأحْدَث، من أمر رسول الله - ﷺ -.\nقال محمد: مَنْ شاء صام في السفر، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ، والصوم أفضل لمن قَوِيَ عليه، وإنما بلغنا أن النبي - ﷺ - أَفْطَرَ حين سافر إلى مكة؛ لأنَّ الناس شَكَوْا إليه الْجُهْدَ من الصوم، فأفْطَرَ لذلك، وقد بلغنا أن حمزة الأسْلَمِيّ سأله عن الصوم في السفر، فقال: \"إن شئتَ فَصُمْ، وإنْ شئْتَ فأفطرْ\".\nفبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامَّةِ قبلنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، حدثنا في نسخة: عن الزُّهْرِيّ، أي: نسب إلى زهرة بن كلاب، والمراد به محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب تابعي، في الطبقة الرابعة في طبقات التابعين من أهل المدينة عن عُبَيْد الله بضم العين ابن عبد الله، بفتحها ابن عتبة بضم العين المهملة وسكون الفوقية أي: ابن مسعود عن ابن عباس، ﵄ أن رسول الله - ﷺ - خرج عام فتح مكة أي: من المدينة يوم الأربعاء: بعد العصر لعشر خلون في رمضان، لسنة ثمان من الهجرة فصام أي: في جميع مسيره حتى بلغ الكَدِيد، أي: وصله وهو بفتح وكسر الدال الأولى مكان بين عسفان وقديد وهو موقع بينه وبين المدينة بسبع مراحل أو نحوها وبينه وبين مكة ثلاث مراحل أو مرحلتان وهذا تعيين للمسافة. ثم أَفْطَرَ فأَفْطَرَ الناسُ معه، أي: حتى بلغوا مكة وكان فتح مكة في رمضان، أي: في زمان البركة وهي مضي العشر مع عشرة آلاف من الصحابة قال: أي: ابن عباس وكانوا أي: الصحابة يأخذون أي: يعلمون ويستدلون بالأحْدَث أي: بآخر أقواله وأفعاله - ﷺ - فالأحْدَث، من أمر رسول الله - ﷺ -.\nقال النووي: إنما يكون الأحدث ناسخًا إذا علم كونه ناسخًا أو يكون ذلك الأحدث راجحًا مع جوازهما وإلا فقد طاف على البعير وبقضاء مرة مرة، ومعلوم أن طواف الماشي والوضوء ثلاثًا ثلاثًا أرجح، وإنما فعل ذلك ليدل على الجواز، وهذا الحديث رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف عن مالك به، وتابعه الليث ويونس ومعمر وعقيل عن ابن شهاب","vol":"2","page":202},{"text":"في (الصحيحين) قال الحافظ أبو الحسن القابسي: هذا الحديث من مرسلات الصحابة؛ لأن ابن عباس كان مقيمًا مع أبويه بمكة فلم يشاهد هذه القصة وكان سمعه من غيره من الصحابة كذا قاله الزرقاني (١).\nقال محمد: مَنْ شاء صام في السفر، وَمَن شَاءَ أَفْطَرَ، والصوم أفضل لمن قَوِيَ عليه، أي: في قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٤].\nوجواب الشرط في الآية محذوف تقديره: إن كنتم تعلمون أيها المسافرون ما للصائمين من الفضل والكرامة لتمنيتم وتقولون: يا ليت لنا كل السنة رمضان لما قال أبو مسعود الغفاري ﵁ عن رسول الله - ﷺ - ذات يوم وقد أهل رمضان فقال: \"لو يعلم العباد ما في رمضان لتمنت أمتي أن تكون السنة كلها رمضان\" (٢).\nفقال رجل من بني خزاعة: يا نبي الله حدثنا فقال - ﷺ -: \"إن الجنة لتتزين لرمضان من رأس الحول إلي الحول، فإذا كان أول يوم من رمضان هبت ريح من تحت العرش فصفقت تضرب ورق أشجار الجنة فينظر الحور العين إلى ذلك فيقلن: يا ربنا اجعل لنا من عبادك في هذا الشهر زواجًا تقر أعيننا بهم وتقر أعينهم بنا\" قال - ﷺ -: \"فما من عبد يصوم يوم من رمضان إلا زوج زوجة من الحور العين في خيمة من درة كما نعت الله ﷿ حور مقصورات في الخيام، وعلى كل امرأة منهن سبعون حلة ليست عنها حلة على لون الأخرى ويعطى سبعين لونًا من الطيب ليس من لون على ريح الآخر لكل امرأة منهن سبعين ألف وصيفة أي: جارية لحاجتها وسبعون ألف وصيف أي: غلام، ومع كل وصيف صحفت أي قصعة من ذهب فيها لون طعام يجد لآخر لقمة منها لذة لم نجد لأوله، ولكل امرأة منهن سبعون سريرًا من ياقوتة حمراء، وعلي كل سرير سبعون فراشًا بطائنها من إستبرق فوق كل فراش سبعون أريكة يقال لها بالتركي: جارشف، ويعطي زوجها مثل ذلك على سرير من ياقوت أحمر موشحًا بالدر عليه من سوارين من ذهب هذا بكل يوم صامه من رمضان\n_________\n(١) قال ياقوت: الكديد تصغيره تصغير الترخيم، وهو موضع بالحجاز، ويوم الكديد من أيام العرب، وهو موضع على اثنين وأربعين ميلًا من مكة (٤/ ٤٤٢).\n(٢) انظر: شرح الزرقاني (٢/ ٢٢٢)، والفتح (٤/ ١٨٢).","vol":"2","page":203},{"text":"سوى ما عمل من الحسنات\" رواه ابن خزيمة والبخاري ومسلم وفي (صحيحهم) (١) (٢).\nقال الإِمام مالك والشافعي: الصوم أفضل للمسافر إن قوي عليه كما قال أبو حنيفة، وقال أحمد والأوزاعي: الفطر أحب مطلقًا لحديث \"من البر الصيام في السفر\" وإنما بلغنا أن النبي - ﷺ - أَفْطَرَ حين سافر إلى مكة أي: عام الفتح؛ لأنَّ الناس شَكَوا إليهِ الْجُهْدَ بفتح الجيم وضمها المشقة من الصوم، أي: من جهة الصيام في السفر فأفْطَرَ لذلك، أي: لهذا العذر والحديث رواه يحيى في (الموطأ) لمالك عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن عن بعض أصحاب رسول الله - ﷺ - أنه - ﷺ - أمر الناس في سفره عام الفتح بالفطر وقال: \"تقووا لعدوكم\" وصام رسول الله - ﷺ - لكمال قوته على رياضته قال أبو بكر: الذي حدثني لقد رأيت رسول الله - ﷺ - بالعرج يصب على رأسه الماء من العطش ومن الحر ثم قيل لرسول الله - ﷺ -: إن طائفة من الناس قد صاموا حين صمت قال: فلما كان رسول الله - ﷺ - بالكديد دعا قدح فشرب فأفطر الناس والعرج بفتح العين المهملة وسكون الراء قرية جامعة من عمل الفرع على أيام من المدينة. كذا نقله علي القاري عن السيوطي، وروى أن بعضهم صاموا بعد إفطاره - ﷺ - فقال: أولئك العصاة وقد بلغنا أن حمزة الأسْلَمِيّ صحابي يعد من أهل الحجاز روى عنه جماعة سأله أي: النبي - ﷺ - عن الصوم في السفر، فقال: \"إن شئتَ فَصُمْ، وإنْ شئْتَ فأفطُرْ\" والحديث رواه يحيى في موطئه لمالك عن هشام بن عروة عن أبيه أن حمزة بن عمر الأسلمي قال لرسول الله - ﷺ -: إن شئت فصم وإن شئت فأفطر (٣).\nقال محمد: فبهذا أي: بما رواه حمزة الأسلمي نأخذ، أي: نعمل وهو قولُ أبي\n_________\n(١) كذا في المخطوطة، والصواب: في صحيحيهما.\n(٢) أخرجه: ابن خزيمة (١٨٨٦)، وأبو يعلى (٥٢٧٣)، والبيهقي في الكبرى (٣٦٣٤)، وقال البيهقي: فيه جرير بن أيوب، وهو ضعيف.\nقال في المجمع: رواه أبو يعلى، وفيه جرير بن أيوب وهو ضعيف (٣/ ١٤١).\n(٣) أخرجه: البخاري (١٨٤١)، ومسلم (١١٢١)، والترمذي (٧١١)، والنسائي في المجتبى (٢٢٩٧)، (٢٢٩٩)، (٢٣٠٠)، وأحمد (٢٥١٣٧)، والدارمي (١٦٥٩)، ومالك (٦٤٢)، وابن حبان (٣٥٦٠)، وعبد الرزاق في مصنفه (٤٥٠٣)، والنسائي في الكبرى (٢٦٠٣)، (٢٦٠٥)، والطبراني في الكبير (٢٩٦٢)، وفي الأوسط (٤٧٧٨)، وفي الصغير (٦٨٠)، وابن خزيمة (٢٠٢٨)، (٢٠٥٣)، والبيهقي في الكبرى (٨٢٤٨)، والشافعي في المسند (٤٨٢).","vol":"2","page":204},{"text":"حنيفة، ﵀ والعامَّةِ قبلنا، ومما يدل علي ما قلنا حديث مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: كنا نغزوا مع رسول الله - ﷺ - في رمضان فمنا الصائم ومنا المفطر فلا يجد الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم (١) أي: لا يغضب، ولا ينكرون أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن، ويرون أن من وجد ضعفًا فأفطر فإن ذلك حسن. والله أعلم. كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان حكم الصوم في السفر، شرع في بيان حكم قضاء صوم رمضان، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>باب قضاء رمضان هل يفرَّق</span>؟\nفي بيان حكم قضاء أي: صوم رمضان، هل يفرق أي: قضاء صوم رمضان أو يتتابع استنبط المصنف هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] يعني من كان مريضًا في أيام شهر رمضان ولم يستطع أن يصوم فأفطر أو كان مسافرًا فيها فأفطر فعليه أن يقضي بعد رمضان مقدار أيام أكل فيها.\n٣٦١ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن ابن عمر، كان يقول: لا يُفَرَّق قَضَاءَ رمضان.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، حدثنا وفي نسخة: عن نافع، المدني مولى ابن عمر أن ابن عمر، ﵄ كان يقول: لا يُفَرَّق قَضَاءَ رمضان أي: من أفطر في رمضان أو سفر فمذهب ابن عمر تتابع القضاء، وكذا روى عن علي والحسن والشعبي، وبه قال أهل الظاهر، وذهب الجمهور ومنهم الأئمة الأربعة إلى استحبابه فقط،\n_________\n(١) أخرجه: مسلم (١١١٦)، والترمذي (٧١٣)، والنسائي في المجتبى (٢٣٠٨)، (٢٣٠٩)، وأحمد (١٠٦٩٩)، (١١٠٧٩)، وابن حبان (٣٥٥٨)، وابن أبي شيبة (٢/ ٤٣٣)، والنسائي في الكبرى (٢٦١٨) (٢٦١٩)، وابن خزيمة (٢٠٣٠)، والبيهقي في الكبرى (٨٢٦٠)، والرافعي في التدوين (٢/ ٣٢٤) من حديث أبي سعيد، وفي الباب عن أنس.\n(٣٦١) أخرجه: مالك (٦٦٦)، والبيهقي (٨٣٤٠).","vol":"2","page":205},{"text":"وبه قال جمع من الصحابة (١)، وإن كان القياس التتابع إلحاقًا لصفة القضاء وبصفة الأداء أو تعجيلًا لبراءة الذمة، فلا ينبغي أن يؤخر عن قدرته على ترتيبه، إلا أنه يبتدئ بعد يوم عيده إذا كان مريضًا فصح أو مسافرًا.\n* * *\n\n٣٦٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابنِ شهاب، أنَّ ابن عباس وأبا هريرة اخْتَلَفَا في قضَاءِ رمضان، فقال أحدهما: يُفرَّق بينه، وقال الآخر: لا يُفَرَّق بينه.\nقال محمد: الجمع بينه أفضل، فإن فَرَّقْتَ وأحْصَيْتَ العدة فلا بأس بذلك، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامَّةِ مِنْ قَبْلِنَا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، رمزًا إلى الحديث مالك بن عمير بن عامر الإِمام الأصبحي، يعني أنه منسوب، إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، كان في الطبقة السابعة من طبقات أتباع التابعين من أهل المدينة، وهي في الإقليم الثاني من الأقاليم السبعة، أخبرنا وفي نسخة: قال: ثنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، تابعي من الطبقة الرابعة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة أنَّ أبن عباس وأبا هريرة ﵄ اخْتَلَفَا في قضَاء رمضان، فقال أحدهما: يُفَرَّق بينه، أي: من قضاء ما فاته من أيام رمضان بأن أكل يوم وصام يومًا آخر إلى أن يقضي ما فاته تمامًا وقال الآخر: لا يُفَرَّق بينه أي: بين قضاء ما فاته بل يجب اتصاله بأن صام متتابعًا كل يوم إلى أن يتم ما فاته من رمضان، وزاد يحيى: لا أرى أيهما قال يفرق بينه، ولا أيهما قال لا يفرق بينه.\nقال ابن عبد البر: لا أدري (ق ٣٨٨) ابن شهاب هذا وقد صح عن ابن عباس وأبي هريرة أنهما أجازا تفريق قضاء رمضان، وقال: لا بأس بتفريقه لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤].\n_________\n(١) انظر: أحكام القرآن للجصاص (١/ ٢٥٩)، والمبدع (٣/ ٤٥)، وكشاف القناع (٢/ ٣٣٣)، وشرح الزرقاني (٢/ ٢٤٩ - ٢٥٠)، والقوانين الفقهية لابن جزي (ص: ٨٢).\n(٣٦٢) أخرجه: مالك (٦٦٤).","vol":"2","page":206},{"text":"وقالت عائشة ﵂: \"فعدة من أيام أخر متتابعات\" ثم سقطت متتابعات يحتمل أن معنى سقطت نسخت، وليس بين اللوحتين متتابعات فصح سقوطها ورفعها، وفي الفتح هكذا أخرجه مالك منقطعًا مبهمًا ووصله عبد الرزاق (١) معينًا عن معمر عن الزهري عن عبيد بن عبد الله عن ابن عباس فيمن عليه قضاء رمضان قال الله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] وأخرجه الدارقطني من وجه آخر عن معمر بسنده قال: صمه كما شئت (٢). رويناه في فوائد أحمد بن شبيب عن أبيه عن يونس عن الزهري بلفظ: لا يدرك كيف قضيتها إنما هي ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ فأحصه.\nوقال عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء: أن ابن عباس وأبا هريرة قالا: فرقه إذا أحصيته (٣). كذا قاله السيد محمد الزرقاني (٤).\nقال محمد: الجمع أي: الوصل بينه أي: قضاء ما فاته من رمضان أفضل، فإن فَرَّقْتَ وأحْصَيْتَ العدة أي: ضبطت العدد وحفظته؛ لئلا يكون ناقصًا هنالك فلا بأس بذلك، وهو قولُ أبي حنيفة، رحمه الله تعالى والعامَّةِ مِنْ قَبْلِنَا، ثم اعلم أن من فاته شيء من رمضان لم يجز له تأخير قضائه إلى دخول رمضان آخر، فإن أخره من غير عذر حتى دخل رمضان آخر، لزم القضاء لكل يوم منه. هذا مذهب الشافعي كذا قاله القاري.\nلما فرغ من بيان حكم قضاء رمضان، شرع في بيان حكم حال من صام تطوعًا ثم أفطر، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>باب من صام تطوعًا ثم أفطر</span>\nفي بيان حكم من صام تطوعًا ثم أفطر، ومن قواعد أئمتنا الحنفية أنه يلزم النقل\n_________\n(١) أخرجه: عبد الرزاق في مصنفه (٧٦٥٦) من حديث ابن عمر، وابن أبي شيبة (٢/ ٤٤٨) من حديث ابن عباس.\n(٢) أخرجه: الدارقطني (٢/ ١٩٢).\n(٣) أخرجه: عبد الرزاق في مصنفه (٧٦٦٤)، والدارقطني (٢/ ١٩٣).\n(٤) انظر: شرح الزرقاني (٢/ ٢٥٠).","vol":"2","page":207},{"text":"بالشروع صومًا كان أو صلاة أو حجًا أو عمرة لقوله تعالى في سورة القتال: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] ولقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ويوافقنا الشافعية في النسكين دون العبادتين، والقياس عدم الفرق أو يقاس الصوم والصلاة على الحج والعمرة من أن الأصل إطلاق النهي عن إبطال الأعمال. كذا قاله علي القاري.\n٣٦٣ - أخبرنا مالك، حدثنا الزُّهرِيّ، أن عائشة وحفصة أصبحتا صائمتين متطوِّعَتَيْنِ، فأُهْدِيَ لهما طعامٌ، فأَفْطَرَتَا عليه، فدخل عليهما رسول الله - ﷺ -، قالت عائشة: فقالت حفصة، وبَدَرَتْني بالكلام، وكانت ابنةَ أبيها: يا رسول الله إني أصبحتُ أنا وعائشة صائمتين متطوِّعتين، فأُهْدِيَ لنا طعامٌ، فأفطرنا عليه، فقال لهما رسول الله - ﷺ -: \"اقْضِيَا يومًا مكانه\" (١).\nقال محمد: وبهذا نأخذ، مَنْ صامَ تَطَوُّعًا ثم أفطر فعليه القضاء، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامَّةِ قبلنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، حدثنا وفي نسخة أخرى: عن الزُّهْرِيّ، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، يكنى أبا بكر، كان في الطبقة الرابعة من طبقات كبار التابعين، من أهل المدينة، أنه قال مرسلًا: أن عائشة وحفصة ﵄ زوجي النبي - ﷺ - كما في الموطأ ليحيى وصله ابن عبد البر (٢) عن عبد العزيز بن\n_________\n(١) أخرجه: أبو داود (٢٤٥٧)، والترمذي (٧٣٥)، والترمذي في العلل (٢٠٣)، وأحمد (٢٤٥٧٠)، (٢٤٥٧٦)، ومالك (٦٦٨)، وابن حبان (٣٥١٧)، والنسائي في الكبرى (٣٢٩١)، (٣٢٩٢)، (٣٢٩٧)، والشافعي في المسند (ص: ٨٤)، والطبراني في الأوسط (١٥٣٩٥)، والبيهقي في الكبرى (٨٤٤٨)، (٨٤٥٠)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٢/ ١٠٩)، وإسحاق بن راهويه في مسنده (٨٨٥)، وابن عدي في الكامل (٣/ ٢٣٤).\nوقال الترمذي: سألتُ محمدًا عن هذا الحديث فقال: لا يصح حديث الزهري عن عروة عن عائشة في هذا.\n(٢) انظر: التمهيد (١٢/ ٦٧ - ٧٢).","vol":"2","page":208},{"text":"يحيى عن مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة وقال: لا يصح عن مالك إلا المرسل؛ فإنه روى عن الزهري، وهو من كبار التابعين وعن عائشة ﵂ وله طرق عند النسائي والترمذي وضعناها كلها.\nوقال النسائي الصواب، والترمذي الأصح عن الزهري مرسل، قال الترمذي: وتابع مالكًا على إرساله معمر وعبيد الله بن عمر وزياد بن سعد وغير واحد من الحفاظ ونقل الترمذي عن ابن جريج قال: سألت الزهري أحدثك عروة عن عائشة قال: لم أسمع من عروة في هذا شيئًا، ولكن سمعت من ناس عن بعض سأله عائشة أصبحتا صائمتين أي: ناويتين الصيام متطوِّعَتَيْنِ، أي: متنفلتين فأُهْدِيَ لهما طعامٌ، أي: شاة في رواية أحمد عن عائشة ﵂ فأَفْطَرَتَا عليه، كلمة \"على\" بمعنى اللام التعليلية لما في قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] أي: لهدايته فقال: إياكم كذا قاله ابن هشام في (مغني اللبيب) (١) أي: فأفطر عائشة وحفصة ﵄ بعد ما نويتا الصيام تطوعًا لأجل هدية الطعام إليهما فدخل عليهما رسول الله - ﷺ -، قالت عائشة: أي: بادرت بالسؤال قبل تكلم حفصة وسألته - ﷺ - من صام تطوعًا ثم أفطر بهدية أهديت له ما يلزم عليه فقالت حفصة، ﵂ وبَدَرَتْني أي: والله سبقتني عائشة ﵂ بالكلام، أي: بالسؤال وكانت أي: الحال أنها ابنةَ أبيها: أي: في المسارعة في الخيرات، فهو غاية في مدحها لها تعني أنها كانت على خلق والدها أبي بكر الصديق ﵁ من الحدة والغلبة فإنه كان من مظاهر الجلال وأنا على صيغة أبي من الحكم والسكينة فإنه كان من مظاهر الجمال، والحاصل أنها قالت: يا رسول الله إني أصبحتُ أنا وعائشة صائمتين متطوِّعتين، أي: متنفلتين فأُهْدِيَ لنا طعامٌ، فأفطرنا عليه، أي: لأجله ولعله كان مما يضيع ويفسد بالأخير أي: يحوز قلب المهدي بامتناعهما عن أكله فإنه كان من باب الضيافة ورعاية لخاطر المضيف مستحب كما يستحب رعاية جانب الضيف فقال لهما رسول الله - ﷺ -: \"اقْضِيَا يومًا مكانه\" أي: بدل ذلك اليوم روى هذا الحديث أبو داود والترمذي والنسائي عن عروة.\n_________\n(١) انظر: مغني اللبيب (ص ١٩١).","vol":"2","page":209},{"text":"قال محمد: وبهذا أي: بهذا الحديث نأخذ، أي: نعمل مَن صامَ تَطَوُّعًا ثم أفطر أي: بعذر أو بغيره فعليه القضاء، أي: يجب عليه القضاء لا الكفارة؛ لأن الأمر في قوله - ﷺ -: \"اقضيا يومًا مكانه\" للوجوب وهو قولُ أبي حنيفة، رحمه الله تعالى والعامَّة قبلنا اعلم أن من شرع في صلاة تطوع أو صوم تطوع استحب عند الشافعي وأحمد إتمامًا ولو قطعها فلا شيء عليه.\nوقال أبو حنيفة ومالك: يجب الإِتمام كذا في كتاب الرحمة وذكر الشمني أن مالكًا قال: إن أفطر بعذر كمرض أو شدة جوع أو إكراهًا وسهوًا أو (ق ٣٨٩) خطأً فلا يجب قضاءه وإلا يجب، واستدل الشافعي وأحمد بما روى أحمد وأبو داود من حديث أم هانيء بنت أبي طالب أنها قالت: أن النبي - ﷺ - قال: \"الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر\" (١).\nولنا ما روى أبو داود والطيالسي في (مسنده) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: صنع رجل طعامًا ودعا رسول الله - ﷺ - وأصحابه فقال رجل: إني صائم فقال رسول الله - ﷺ -: \"أخوك تكلف وصنع لك طعامًا ودعاك أفطر واقض يومًا مكانه\" (٢) ورواه الدارقطني من حديث جابر ﵁، وقال: إن الرجل الذي صنع أبو سعيد الخدري ﵁.\nوما روى مسلم من حديث عائشة ﵂ أنها قالت: دخل النبي - ﷺ - ذات يوم فقال: \"هل عندكم من شيء\" فقلنا: لا، فقال: \"إني صائم\" ثم أتى يومًا آخر فقلنا:\n_________\n(١) أخرجه: الترمذي (٧٣٢)، وأحمد (٢٦٣٥٣)، (٢٦٨٣٩)، وأحمد في العلل (٥١٠٧)، والحاكم (١٥٩٩)، (١٦٠٠)، والبيهقي في الكبرى (٨٤٣١)، (٨٤٣٢)، (٨٤٣٤)، وإسحاق بن راهويه (٢١)، والدارقطني (١٧٥١٢) من حديث أم هانيء.\nوقال الترمذي: وحديث أم هانيء في إسناده مقال.\n(٢) أخرجه: الدارقطني (٢/ ١٧٨) من حديث جابر، والطبراني في الأوسط (٣٢٤٠)، والبيهقي في الكبرى (١٤٩٠٢) من حديث أبي سعيد، والطيالسي في مسنده (٢٢٠٣)، وقال في الجمع: رواه الطبراني في الأوسط: وفيه حماد بن أبي حميد وهو ضعيف، وبقية رجاله ثقات (٤/ ٥٣).","vol":"2","page":210},{"text":"يا رسول الله أهدي لنا (ق ٣٩٠) فقال: \"أرينيه فلقد أصبحت صائمًا\" فأكل (١) زاد النسائي: \"ولكن أصوم يوم مكانه\"، وصحح عبد الحق هذه الزيادة والحيس (٢) بفتح الحاء المهملة وسكون التحتية والسين المهملة تمر يخلط بسمن وأقط وقد يكون الدقيق بدل من الأقط، وهو بكسر الهمزة والقاف والطاء المهملة يقال له في اللسان التركي: كشر.\nلما فرغ من بيان حكم حال الصائم تطوعًا ثم أفطر، شرع في بيان فضيلة تعجيل الإِفطار، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>باب تعجيل الإفطار</span>\nفي بيان فضيلة تعجيل الإِفطار بعد تيقن غروب الشمس فلا يجوز فطر الشاك في غروبها؛ لأن الفرض إذا لزم الذمة لم يخرج منه إلا بيقين.\nقال ابن عبد البر (٣): أحاديث تعجيله وتأخير السحور صحاح متواترة، وروى عبد الرزاق وغيره عن عمرو بن ميمون الأودي قال: كان أصحاب محمد - ﷺ - أسرع الناس إفطارًا وأبطأهم سحورًا (٤).\n٣٦٤ - أخبرنا مالك، حدثنا أبو حازم بن دِينار، عن سهل بن سعد، أن\n_________\n(١) أخرجه: مسلم (١١٥٤)، وأبو داود (٢٤٥٥)، والترمذي (٧٣٤)، والنسائي في المجتبى (٢٣٢٥) (٢٣٢٧)، وأحمد (٢٣٧٠٠)، (٢٥٢٠٣)، وابن حبان (٣٦٢٨)، والنسائي في الكبرى (٢٦٣٢) (٢٦٣٥)، (٢٦٣٧)، والدارقطني (٢/ ١٧٦)، وابن خزيمة (٢١٤٣)، والطبراني في الأوسط (٧٣٦٤)، وأبو يعلى (٤٥٦٣)، والبيهقي في الكبرى (٨٤٢٤)، والحميدي (١٩٠)، وإسحاق بن راهويه (١٠٢٣).\n(٢) انظر: مختار الصحاح (ص: ٦٩)، والنهاية (١/ ٤٦٧)، (٥/ ٢٠٢)، ولسان العرب (١/ ١٩٩) (٦/ ٦١).\n(٣) انظر: التمهيد (٢٠/ ٢٣).\n(٤) أخرجه: عبد الرزاق في مصنفه (٧٥٩١)، وابن أبي شيبة (٢/ ٤٢٨)، والبيهقي في الكبرى (٨٢١٩).\n(٣٦٤) أخرجه البخاري (١٨٥٦)، ومسلم (١٠٩٨)، والترمذي (٦٩٩)، وابن ماجه (١٦٩٧)، =","vol":"2","page":211},{"text":"رسول الله - ﷺ - قال: \"لا يزالُ الناس بخيرٍ ما عجَّلوا الإفطار\".\nقال محمد: تعجيل الإِفطار وصلاة المغرب أفضل من تأخيرهما، وهو قولُ أبي حنيفة والعامَّةِ.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، يعني نسبة إلى مالك ذي أصبح، من ملوك اليمن، كان في الطبقة السابعة من طبقات كبار أتباع التابعين، من أهل المدينة، وفي نسخة: محمد قال: حدثنا وفي نسخة: قال: بنا، أبو حازم بن دِينار، بحاء مهملة وألف وزاي معجمة وميم لقبه الأعرج، واسمه سلمة بن دينار القاضي التابعي مولى ابن سفيان، ثقة عابد، كان في الطبقة الخامسة، مات في خلافة المنصور كذا قاله ابن حجر في (التقريب) (١) عن سهل بن سعد، الساعدي، نسب إلى ساعدة بن كعب بن الخزرجي الأنصاري من مشاهير الصحابة، وهو ابن خمس عشرة سنة حين مات النبي - ﷺ - وهو آخر من مات في المدينة من الصحابة، مات سنة إحدى وتسعين من الهجرة، وقال الواقدي: عاش مائة سنة كذا قاله ابن حجر في (الإِصابة من أسماء الصحابة) (٢) أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا يزالُ الناس أي: الصائمون، وفي نسخة: أمتي بخيرٍ أي: مصحوبين ببركة في متابعة سنة دون مواقفة بدعة أو في دينهم، ويؤيد المعنى الثاني ما رواه أبو داود وابن خزيمة وغيرهما عن أبي هريرة مرفوعًا: \"لا يزال الدين ظاهر ما عجل الناس الفطر؛ لأن اليهود يؤخرون\" (٣) ما عجَّلوا الإفطار\" عن تحقق غروب الشمس رؤية\n_________\n= وأحمد (٢٢٢٩٨)، (٢٢٣٢١)، والدارمي (١٦٥١)، ومالك (٦٣٤)، وابن حبان (٣٥٠٢)، (٣٥٠٦)، وعبد الرزاق في مصنفه (٧٥٩٢)، والنسائي في الكبرى (٣٣١٢)، وابن خزيمة (٢٠٥٩)، وأبو يعلى (٧٥١١)، والشافعي في المسند (٤٧٣)، والطبراني في الكبير (٥٨٨٠)، والبيهقي في الكبرى (٨٢١٠)، والشعب (٣٩١٣)، والروياني (١٠٢٢)، والفريابي في كتاب الصيام (٣٩) من حديث سهل.\n(١) انظر: التقريب (١/ ٢١٩).\n(٢) انظر: الإِصابة (٥/ ٣٩).\n(٣) أخرجه: أبو داود (٢٣٥٣)، وأحمد (٩٤٣٤)، (٩٨٠٩)، وابن حبان (٣٥٠٣)، (٣٥٠٩)، وابن أبي شيبة (٢/ ٤٢٩)، والنسائي في الكبرى (٣٣١٣)، والحاكم (١٥٧٣)، وابن خزيمة (٢٠٦٠)، والبيهقي في الكبرى (٨٢١١)، والشعب (٣٩١٦)، و(٨٨٩).","vol":"2","page":212},{"text":"أو شهادة وما ظرفية أي: مدة فعلهم ذلك امتثالًا للسنة واقفين عند حدودها غير مستنبطين بعقولهم ما يغير قواعدهما.\nوعلل - ﷺ - ذلك في حديث أبي هريرة المذكور بقوله: \"لأن اليهود والنصارى يؤخرون\" إلى ظهور النجم ولابن حبان والحاكم من حديث سهل أيضًا: \"لا تزال أمتي على سنتي ما لم تنتظر بفطرها النجوم\" (١) فيكره تأخيره إن قصد ذلك ورأى أن فيه فضيلة. قال سعيد بن زيد الباجي المالكي: وأما تأخيره علي غير هذا الوجه فلا كراهة فيه رواه ابن نافع عن مالك في المجموعة، وتمام الصوم غروب الشمس لقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وهذا يقتضي الأساس إلى أول جزء منه لكن لا بد من إمساك جزء من الليل لتيقن إكمال النهار وكذا نقله الزرقاني عن المنتقى.\nقال محمد: تعجيل الإِفطار وصلاة المغرب أي: تعجيلها أفضل من تأخيرها لخشية وقوعها قبل الغروب لشدة الالتباس، فيه لف ونشر المعنى تعجيله أفضل من تأخيره، وتعجيل أفضل من تأخيرهما، وهو قولُ أبي حنيفة ﵀ والعامَّةِ أي: جمهور علماء أهل السنة خلافًا للشيعة من طوائف المبتدعة حيث لم يفطروا حتى يشتبك النجوم.\n* * *\n\n٣٦٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن حُمَيْد بن عبد الرحمن بن عوف، أنه أخبره، أن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفَّان كانا يُصلِّيان المغرب حين ينظران اللَّيْل الأسود، قبل أن يُفْطِرَا، ثم يفطران بعد الصلاة في رمضان.\nقال محمد: هذا كله واسع، من شَاءَ أفطر قبل الصلاة، وَمَنْ شاء أفطر بعدها، وكل ذلك لا بأسَ به.\n_________\n(١) أخرجه: ابن حبان (٣٥١٠)، والحاكم (١٥٨٤)، وابن خزيمة (٢٠٦١)، وموارد الظمآن (٨٩١).\nوقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.\n(٣٦٥) أخرجه: مالك (٦٢٦)، وعبد الرزاق في مصنفه (٧٥٨٨)، وابن أبي شيبة (٢/ ٥١٧)، والشافعي في المسند (٤٧٤)، والبيهقي في الكبرى (٢١٤٦) (٨٢١٨).","vol":"2","page":213},{"text":"• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا، ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، كان في الطبقة الرابعة من كبار طبقات التابعين من أهل المدينة، وهي في الإقليم الثاني من الأقاليم السبعة عن حُمَيْد بالتصغير ابن عبد الرحمن بن عوف، الزهري المدني ثقة من الطبقة الثانية من كبار التابعين، مات سنة خمس ومائة، وقال بعض المؤرخين: روايته عن عمر مرسلة كذا قاله ابن حجر في (التقريب من أسماء الرجال) (١) أنه أي: حميد بن عبد الرحمن أخبره، أي: ابن شهاب أن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفَّان كانا يُصلِّيان المغرب أي: أول حين ينظران أي: يقبلان إلي اللَّيْل الأسود، أي: سواء أوله في أفق المشرق عند الغروب وهو معنى قوله - ﷺ -: \"إذا أقبل الليل من ها هنا وأدبر النهار من ها هنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم\" (٢) رواه الشيخان أي: أقبل من جهة المشرق وأدبر من جهة المغرب قبل أن يُفْطِرَا، ثم أي: بعد أن يصليان المغرب يفطران بعد الصلاة في رمضان وهو إما لبيان الجواز وإشعارًا أن مثل هذا التأخير لا ينافي الأمر بالتعجيل أو لعدم ما يفطران به عندهم قبل الصلاة، أو لأن الإِفطار المتعارف في عرفهم أن يتعشوا بطعامهم، وهذا ربما يخل بتعجيل صلاة المغرب، وأما إذا أمكن الاقتصار على نفس الإِفطار يأكل تمرة أو يشرب قطرة ثم يصلي ويتعش فهذا جمع حسن ووجه مستحسن.\nقال محمد: هذا كله واسع، أي: جائز ليسع أرباب الصيام من شَاءَ أفطر قبل الصلاة، وَمَن شاء أفطر بعدها، وكل ذلك لا بأسَ به وإنما كلام في الأفضل.\nلما فرغ من بيان استحباب تعجيل الإِفطار، شرع في بيان حكم إفطار الصائم يفطر قبل غروب الشمس ظانًا أنها قد غربت ولم تغرب، فقال: هذا\n* * *\n_________\n(١) انظر: التقريب (١/ ١٤٢).\n(٢) أخرجه: البخاري (٤٩٩١)، ومسلم (١١٠٠)، وأبو داود (٢٣٥١)، والترمذي (٦٩٨)، وأحمد (١٩٣)، (٢٣٢)، والدارمي (١٦٥٢)، وابن حبان (٣٥١٣)، وعبد الرزاق في مصنفه (٧٥٩٥)، وابن أبي شيبة (٢/ ٤٢٩)، والنسائي في الكبرى (٣٣١٠)، وابن خزيمة (٢٠٥٨)، والبيهقي في الكبرى (٨٠٩٧)، وأبو يعلى (٢٤٠)، والبزار (٢٦٠).","vol":"2","page":214},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-156>باب الرجل يفطر قبل المساء ويظن أنه قد أمسى</span>\nفي بيان حكم حال الرجل أي: الصائم يفطر قبل المساء أي: قبل غروب الشمس ويظن أنه أي: الصائم قد أمسى أي: دخل الليل.\n٣٦٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسْلَم، أنَّ عمر بن الخطاب أفطر في يوم من رمضان، في يوم غيم، ورَأى أنَّه قد أَمْسَى وغابت الشمس، فجاءَهُ رجلٌ، فقال: يا أمير المؤمنين، قد طَلَعَتِ الشمس، قال: الْخَطْبُ يَسِير، وقد اجتهدنا.\nقال محمد: مَنْ أفطر وهو يَرَى أن الشمس قد غابت، ثم عَلِمَ أنها لم تَغِبْ، لم يأكل بَقيّةَ يومِهِ، ولم يشرب، وعليه قَضَاؤُه، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، رامزًا إلى أخبرنا وفي نسخة: ثنا، رمزًا إلي حدثنا زيد أي: العدوي مولى عمر بن الخطاب، يكنى أبا عبد الله وأبا أسامة المدني ثقة (ق ٣٩١) عالم يرسل، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، مات سنة ست وثلاثين بعد المائة من الهجرة كذا قال ابن حجر في (التقريب) (١) أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ أفطر في يوم أي: يوم من أيام رمضان، في يوم غيم، ورَأى أي: فطن أنَّه أي: عمر قد أَمْسَى أي: دخل المساء وغابت الشمس، ثناء: من الرواي فجاءَهُ رجلٌ، فقال: يا أمير المؤمنين، قد طَلَعَت الشمس، أي: ظهرت قال: أي: عمر بن الخطاب الخطب بفتح الخاء المعجمة وسكون الطَاء والباء المؤخرة أي: الأمر والحال يسير أي: هين حقير، والمراد بالخطب القضاء، وباليسير الخفة. قال يحيى: قال مالك: يريد بقوله الخطب يسير القضاء فيما نرى أي: نظن أن الشمس غابت فأفطرنا، ثم ظهر لنا بخبر الواحد أن الشمس لم تغب فتصوم يومًا مكانه والاجتهاد في اللغة: بذل الوسع، وفي الاصطلاح: استغراق الوسع، ليحصل له ظن حكم شرعي كذا قاله السيد الجرجاني وروى عبد الرزاق عن عمر أنه قال: الْخَطْبُ يَسِير، وقد اجتهدنا نقضي يومًا وروي أنه قال: \"يا هؤلاء من كان أفطر فإن قضي\n_________\n(٣٦٦) أخرجه: مالك (٦٦٢)، وعبد الرزاق في مصنفه (٧٣٩٢)، والشافعي في المسند (٤٧٢)، والبيهقي في الكبرى (٨١٠٤).\n(١) انظر: التقريب (١/ ١٩١).","vol":"2","page":215},{"text":"يومًا يسير ومن لو لم يكن أفطر فليتم صومه\" وفي البخاري (١) عن هشام عن فاطمة عن أسماء بنت أبي بكر: أفطرنا على عهد النبي - ﷺ - في يوم غيم، ثم طلعت الشمس قيل لهشام: فأمروا بالقضاء قال: لا بد من قضاء، وقال معمر: سمعت هشام يقول: لا أدري أقضوا أم لا: انتهى. والجمهور ومنهم الأئمة الأربعة على القضاء. كذا قاله الزرقاني (٢).\nقال محمد: مَنْ أفطر وهو يَرى أي: يظن أن الشمس قد غابت، ثم عَلِمَ أنها لم تَغِبْ، لم يأكل بَقيّةَ يومِهِ، ولم يشرب، أي: قصاء لحق الوقت وعليه قَضَاؤُه، أي: قضاء صومه ذلك اليوم؛ لأنه مضمون بالمثل، ولا كفارة فيه لقصور الجناية وهو قولُ أبي حنيفة رحمه الله تعالى، ومعه سائر الأئمة، وكذا من تسحر علي ظن الفجر لم يطلع ثم ظهر أنه قد طلع يلزمه القضاء فقط. كذا في (التاتارحانية)، ويلزم عليه إمساك بقية يومه قضاء لحق ذلك اليوم، وإن أكل بقية يومه أثم لهتكه حرمة ذلك اليوم، فلا يلزم عليه شيء من غير قضاء ذلك اليوم؛ لأن أكل بقية يومه كان بعد فساد صومه بغلبة الظن لغروب الشمس فغالب الظن كاليقين.\nلما فرغ من بيان حكم الإِفطار بصوم رمضان قبل غروب الشمس عن ظن أنها قد غربت ثم ظهر أنها لم تغرب، شرع في بيان حكم الوصال في الصيام، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>باب الوصال في الصيام</span>\nفي بيان النهي عن الوصال في الصيام، وهو إمساك الليل مع النهار.\n٣٦٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله\n_________\n(١) أخرجه: البخاري (١٨٥٨)، وأبو داود (٢٣٥٩)، وابن ماجه (١٦٧٤)، وأحمد (٢٦٣٨٧)، والدارقطني (٢/ ٢٠٤)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ١٢٧)، حديث (٣٤٥)، والبيهقي في الكبرى (٨١٠٣) من حديث أسماء.\n(٢) انظر: شرح الزرقاني (٢/ ٢٤٩).\n(٣٦٧) أخرجه: البخاري (١٨٦١)، ومسلم (١١٠٢)، وأبو داود (٢٣٦٠)، وأحمد (٥٧٦١)، ومالك (٦٥٦)، وابن أبي شيبة (٢/ ٤٩٥)، والنسائي في الكبرى (٣٢٦٣)، وابن الجارود في المنتقى (٣٩٤)، والبيهقي في الكبرى (٨٤٥٦).","vol":"2","page":216},{"text":"- ﷺ - نهى عن الوِصَالِ، فقيل له: إنَّكَ تُوَاصِلُ، قال: \"إني لستُ كهيئتكم، إني أُطْعَمُ وأُسْقَى\".\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، أخبرنا وفي نسخة: عن نافع، المدني مولى ابن عمر عن عبد الله بن عمر، ﵄ أن رسول الله - ﷺ - نهى أي: نهي تنزيه، وقيل: تحريم، وهو الأصح عند الشافعية عن الوِصَالِ، أي: في الصيام بأن لا يفطر إن غربت الشمس وصبر جائعًا وصام غدًا، وكذا روى جويرية عن نافع عن البخاري وعبيد الله بن عمر عن نافع عن مسلم عن ابن عمر أنه - ﷺ - واصل فواصل الناس فشقى عليهم فنهاهم عن الوصال فقيل له: أي: - ﷺ - إنَّكَ تُوَاصِلُ، أي: ما الحكمة في نهيك لنا عنه قال: \"إني لستُ كهيئتكم، أي: مشابهًا لكم في صفاتكم وحالتكم يعني ليس حالي كحالكم، ولمسلم (١) عن أبي هريرة لستم في ذلك على صفتي ومنزلتي من ربي إني أُطْعَمُ وأُسْقَى\" بصيغة المفعول (ق ٣٩٢) فبها قيل هو على حقيقة، وأنه - ﷺ - كان يؤتى بطعام وشراب كرامة له في ليالي صيامه، وطعام الجنة وشرابها لا يقطع وصاله، ولا ينقص أجره ولا يفطر صيامه، ولا تجرى عليه أحكام التكليف.\nقال ابن عبد البر: الذي يفطر شرعًا إنما هو الطعام المعتاد، وأما الخارق للعادة كالمحضر من الجنة فعلى غير هذا المعنى وليس تعاطيه من جنس الأعمال، وإنما هو من جنس الثواب كأكل الجنة فيه الكرامة لا تبطل العبادة فلا يبطل بذلك صومه، ولا ينقطع وصاله ولا ينقص أجره والجمهور علي أنه مجاز عن لازم الطعام والشراب، وهو القوة فكأنه قال: يعطني قوة الأكل والشرب ويقبض على ما يسد مسدهما ويقوى على أنواع الطاعات من غير ضعف في القوة ولا كلال في الأجساد، أو المعنى أن الله تعالى يخلق فيه من الشبع والري ما يغنيه عن الطعام والشراب، فلا يحس بجوع ولا عطش والفرق بينه وبين ما قبله أنه عليه يُعطى القوة بلا شبع ولا ري بل مع الجوع والظمأ، وعلى الثاني يعطى القوة معهما ورجح ما قبله أن الثاني ينافي حال الصائم.\nويفوت المقصود من الصوم والوصال؛ لأن الجوع هو روح هذه العبادة بخصوصها كذا قال الزرقاني (٢). وجنح ابن قيم الجوزية إلى أن المراد أنه يشغله بالتفكير في عظمته\n_________\n(١) أخرجه: مسلم (١١٠٣).\n(٢) انظر: شرح الزرقاني (٢/ ٢٤١ - ٢٤٣).","vol":"2","page":217},{"text":"والتجلي بمشاهدته والتعذي بمعارفه وقرة العين بمحبته والاستغراق في مناجاته، وهذا الغذاء أعظم من غذاء الأجساد ومن له أدنى ذوق وتجربة يعلم استغناء الجسم لغذاء القلب والروح عن كثير الغذاء الجسماني. كذا نقله علي القاري عن السيوطي.\n* * *\n\n٣٦٨ - أخبرنا مالك، أخبرني أبو الزِّنَاد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"إياكم والوِصَال، إيَّاكم والوِصَال\"، قالوا: فإنَّك تُواصِلُ يا رسول الله، قال: \"إني لستُ كهيئتكم؛ إني أَبِيتُ يُطْعِمُني ربي ويَسْقِيني، فاكلَفُوا من الأعمال ما لكم به طَاقَةٌ\".\nقال محمد: وبهذا نأخذ، الوِصَال مكروه، وهو أن يواصل الرجل بين يومين في الصوم، لا يأكل في الليل شيئًا، وهو قولُ أبي حنيفة والعامَّة.\n• أخبرنا مالك، ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، نسبة إلى مالك ذي أصبح من ملوك اليمن، كان في الطبقة السابعة من أتباع التابعين من أهل المدينة، كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: محمد قال: بنا، رامزًا إلى أخبرنا، أخبرني بالإِفراد أبو الزِّنَادِ، بكسر الزاء المعجمة والنون والدال المهملة بينهما ألف وهو عبد الله بن ذكوان القرشي المدني، ثقة، فقيه، في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ثلاثين ومائة، وقال بعض المؤرخين: بعدها كذا قاله ابن حجر (١) عن الأعرج، كان اسمه عبد الرحمن بن هرمز، ويكنى أبا داود المزني مولى ربيعة بن الحارث، ثقة ثبت عالم، من الطبقة الثالثة من أهل المدينة، من التابعين مات سنة سبع عشرة ومائة في الهجرة (٢) عن الأعرج، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"إياكم والوِصَال،\n_________\n(٣٦٨) أخرجه: البخاري (١٨٥٦)، ومسلم (١١٠٣)، وأحمد (٧١٢٢)، والدارمي (١٦٥٥)، ومالك (٦٥٧)، وابن حبان (٣٥٧٦)، وعبد الرزاق في مصنفه (٧٧٥٤)، وابن أبي شيبة (٢/ ٤٩٦)، وأبو يعلى (٦٠٨٨)، والبيهقي في الكبرى (٨٤٥٨) من حديث أبي هريرة.\n(١) انظر: التقريب (١/ ٢٨٧).\n(٢) انظر: التقريب (١/ ٣٥٢).","vol":"2","page":218},{"text":"أي: احذروا عن صيام الوصال إياكم والوصَال مرتين للتأكيد أي: بعدوا أنفسكم عن وصال الصيام، وعند ابن أبي شيبة (١) بإسناد صحيح من طريق أبي ذرعة عن أبي هريرة بلفظ: \"إياكم والوصال\" ثلاث مرات للمبالغة عن نهي الوصال قالوا: أي: بعض الصحابة فإنَّك تُواصِلُ يا رسول الله، قال: \"إني لستُ كهيئتكم؛ يعني: ليس حالي كحالكم وإنما لم يقل لستم كهيئتي تواضعًا وبيانًا بالأدب لأصحابه إني أبيتُ أي: أمسي يُطْعِمُني بضم التحتية ربي ويَسْقِيني، بفتح أوله وضمه، وإنما آثر اسم الرب دون اسم الذات فلم يقل: يطعمني الله؛ لأنَ التجلي باسم الربوبية (ق ٣٩٢) أقرب إلى العباد من الألوهية؛ لأنها تجلي عظمة لا طاقة للبشر بها وتجلي الربوبية تجلي الرحمة وشفقة، وهي أليق بهذا المقام وللإِسماعيلي من حديث عائشة: \"أظل عند الله\" وكأنه بالمعنى فرواية الصحيحين منها عند ربي وقول الجمهور أنه مجاز عن لازم الطعام والشراب، وهو القوة قال بعضهم: وهو الصحيح؛ لأنه لو كان علي الحقيقة لم يكن مواصلًا وقيل: كان يوحى بطعام وشراب في النوم فيستيقظه ويجد الري والشبع.\nوقال النووي: في (شرح المهذب) (٢) معناه محبة الله تشغلني عن الطعام والشراب والحب البالغ يشغل عنهما كذا قاله الزرقاني (٣) فاكلَفُوا بهمزة الوصل وفتح اللام أمر حاضر جمع من الكلف، وهو بفتحتين مصدر من باب الرابع بمعنى الحرص على شيء يقال: كلفت بهذا الأمر إذا ولعت به أي: حرصت، كما قال محمد الواني في (ترجمة الجوهري) والفاء جواب الشرط محذوف تقديره: إن علمتم بأن حالي ليست كحالكم فاعملوا من الأعمال ما أي: يعمل لكم به طَاقَةٌ\" أي: قوة وقدرة لا يكون سببًا لضعف نية، وأما الأنبياء ﵈ فلهم القوة الإِلهية أو الغذاء اللدنية فلا يقاس الصعلوك بالملوك، وهو بضم الصاد واللام وسكون العين والواو والكاف بمعنى القصير، والحديث رواه الشيخان عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: \"إياكم والوصال إنكم لستم في ذلك مثلي أنا أبيت يطعمني ربي ويسقيني فاكلفوا من الأعمال ما تطيقون\".\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (٧١٢٢)، وابن أبي شيبة (٢/ ٤٩٦)، حديث (١١)، وابن خزيمة (٢٠٧١)، وأبو يعلى (٦٠٨٨) بلفظ الثلاث.\n(٢) انظر: المجموع (٦/ ٣٧٦).\n(٣) انظر: شرح الزرقاني (٢/ ٢٤٣).","vol":"2","page":219},{"text":"قال محمد: وبهذا أي: بما رواه أبو هريرة ﵁ نأخذ، أي: نعمل الوِصَال مكروه، أي: كراهة تنزيه لما زاد الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة في الصحيحين: فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال وصل بهم يومًا ثم يومًا ثم رأوا الهلال فقال: \"لو تأخر لزدتكم\" كالتنكيل (١) أي: مثل العقوبة لهم حين أبوا أن ينتهوا وبه استدل سعيد بن زيد الباجي المالكي وغيره على أن النهي عبر على التحريم؛ إذ لو كان له لم يخالفوا كما لو يخالفون بصوم العيد، وأما مواصلته بعد نهيه فليست تقديرًا بل تفريقًا وتنكيلًا أي: عذابًا فاحتمل ذلك لمصلحة النهي تأكيد زجرهم؛ لأنهم إذا باشروه ظهرت لهم حكمة النهي فكان أدعى إلى قبولهم لما يترتب عليه من الملك في العبادة والتقصير فيما هو أهم من الوصال، وأرجح من وظائف الصلاة والقراءة وغيرها والجوع ينافي ذلك. كذا قاله السيد محمد الزرقاني (٢) وهو أي: المكروه أن يواصل الرجل بين يومين أي: فصاعدًا في الصوم، أي: فرضًا أو نفلًا لا يأكل في الليل أي: الآتي شيئًا، أي: مطلقًا وهو أي: عدم كون الوصال بالصيام حسنًا قولُ أبي حنيفة ﵀ والعامَّة من الفقهاء.\nلما فرغ من بيان حكم الوصال بالصيام، شرع في بيان حكم الصيام في يوم عرفة، فقال: هذا\n* * *\n\n١٤ -<span data-type=\"title\" id=toc-158> باب صوم يوم عرفة</span>\nفي بيان حكم صوم يوم عرفة أي: بعرفات، والمناسبة ما بين هذا الباب والباب السابق عموم وخصوص النهي عن الصوم؛ فإن النهي عن الوصال في الباب السابق عام للمقيم والمسافر، والنهي عن الصوم في هذا الباب مخصوص لأهل عرفات (ق ٣٩٤).\n٣٦٩ - أخبرنا مالك، حدثنا سالمٌ أبو النضر - هو مولى عُمر بن عُبَيْد الله - عن عُمَير مولى ابن عباس، عن أُمِّ الفَضْلِ بنت الحارث، أنَّ أُناسًا تَمَارَوْا في\n_________\n(١) أخرجه: البخاري (١٨٦٤)، ومسلم (١١٠٣).\n(٢) انظر: شرح الزرقاني (٢/ ٢٤٣، ٢٤٤).\n(٣٦٩) أخرجه: البخاري (١٥٧٨)، ومسلم (١١٢٣)، ومالك (٨٣٠)، وعبد الرزاق في مصنفه (٧٨١٥)، وابن خزيمة (٢٨٢٨)، والطبراني في الكبير (٢٥/ ٢٤)، حديث (٣٦)، والأوسط (٩٢٥٠)، والبيهقي في الكبرى (٩٢٥٣).","vol":"2","page":220},{"text":"صوم رسول الله - ﷺ - يوم عَرَفَة، فَقَالَ بعضهم: صائم، وقال آخرون: ليس بصائم، فأرسلت أم الفَضْل بِقَدَح من لبن، وهو وَاقِفٌ بِعَرَفة، فشربه.\nقال محمد: مَنْ شَاء صام يوم عَرَفَةَ، وَمَنْ شَاءَ أفطر، إنما صومه تطَوعُّ، فإن كان إذا صامه يضعفه ذلك عن الدُّعَاءِ في ذلك اليوم فالإِفطار أفضل من الصوم.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، حدثنا وفي نسخة: قال: بنا، سالمٌ بن أمية وكنيته أبو النضر بفتح النون وسكون الضاد المعجمة وهو مولى عُمر بن عُبَيْد الله بالتصغير التيمي القرشي المدني كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، عن عُمَير تصغير عمر، وهو ابن عبد الله الهلالي أبو عبد الله المدني، كان من الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة مات سنة أربع ومائة (١) مولى ابن عباس، وقيل: مولى ابن أم الفضل عن أُمِّ الفَضْلِ اسمها لبابة بنت الحارث الهلالية زوجة العباس ﵁ أخت ميمونة بنت الحارث، زوج النبي - ﷺ - أنَّ أُناسًا تَمَارَوْا أي: اختلفوا وتنازعوا عند أم الفضل في صوم رسول الله - ﷺ - يوم عَرَفَة، فَقَالَ بعضهم: أي: هو كذا في رواية البخاري صائم، على جاري عادته في سرد الصوم في الحضر لما ورد في فضله: \"صوم يوم عرفة كفارة السنة الماضية والسنة المستقبلة\" كما رواه الطبراني في (الأوسط) عن أبي سعيد وقال آخرون: ليس بصائم، أي: لكونه مسافرًا فأرسلت أم الفَضْل أي: إليه - ﷺ - كما في البخاري بِقَدَح من لبن، أي: لينظر في أمره - ﷺ - وهو وَاقِفٌ على بعيره وقت الدعاء بِعَرَفة، فشربه أي: اللبن شفقة على الأمة ورحمة على العامة. زاد في حديث ميمونة والناس ينظرون.\nقال محمد: مَنْ شَاء أي: من المؤمنين من غير أهل عرفات صام يوم عَرَفَةَ، وَمَنْ شَاءَ أفطر، إنما صومه صوم يوم عرفة تطَوُّع، أي: مستحب علي غير الحاج أما الحاج، فلا يستحب له صومه، وإن كان قويًا؛ لأنه - ﷺ - أفطر إن قدر بترك الشيء المستحب بيانًا للجواز ويكون في حقه أفضل لمصلحة التبليغ فإن كان أي: المحرم إذا صامه أي: صام يوم عرفة\n_________\n(١) انظر: التقريب (١/ ١٩٤).","vol":"2","page":221},{"text":"يضعفه ذلك أي: الصوم عن الدُّعَاءِ أي: ونحوه من التلبية والقراءة والثناء في ذلك اليوم وكذا إذا كان الصوم يسيئ خلقه أو يتعبه في مشيه فالإِفطار أفضل من الصوم. روى أبو داود والنسائي وصححه ابن خزيمة والحاكم: أن أبا هريرة حدثهم أنه - ﷺ - نهى عن صوم يوم عرفة بعرفات (١)، وقد أخذ بظاهره قوم منهم يحيى بن سعيد الأنصاري فقال: يجب فطره للحاج. والجمهور على استحباب فطره حتى قال عطاء: من أفطره ليتقوى على الذكر كان له مثل أجر الصائم. كذا قال العسقلاني (٢)، ومن أراد من المؤمنين المقيمين أن يصوم يوم عرفة في الحضر والسفر إذا كان يقوى عليه كذا في (خلاصة الفتاوى).\nلما فرغ من بيان حكم الصيام في يوم عرفة، شرع في بيان حكم الصيام في الأيام التي نهى فيها عن الصوم، فقال: هذا\n* * *\n\n١٥ -<span data-type=\"title\" id=toc-159> باب الأيام التي يكره فيها الصوم</span>\nفي بيان أحكام الصيام في الأيام التي يكره أي: تحريمًا فيها الصوم أي: مطلق الصوم، وهي خمسة أيام يوم الفطر، ويوم الأضحى، وثلاثة أيام بعد يوم النحر.\nأما حرمة الصوم في يوم الفطر ويوم الأضحى (ق ٣٩٥).\nفلما رواه مالك في (الموطأ) عن محمد بن يحيى بن حبان بفتح الحاء والباء المثقلة عن الأعرج عبد الرحمن بن هرمز عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - نهى عن صيام يومين يوم الفطر ويوم الأضحى (٣) فصيامهما حرام على كل أحد من متطوع أو ناذر\n_________\n(١) أخرجه: أبو داود (٢٤٤٠)، وابن ماجه (١٧٣٢)، وأحمد (٧٩٧١)، وابن أبي شيبة (٤/ ٢٧٣)، والنسائي في الكبرى (٢٨٣٠)، (٢٨٣١)، وابن خزيمة (٢١٠١)، والحاكم (١٥٨٧)، والطبراني في الكبير (٧/ ٤٢٤)، والأوسط (٢٥٧٧)، والخطيب في التاريخ (٩/ ٣٤)، والبيهقي في الكبرى (٨٤٧٤)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٢/ ٧١)، والعقيلي (١/ ٢٩٨)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٤٤٨).\n(٢) انظر: الفتح (٤/ ٢٣٨).\n(٣) أخرجه: البخاري (١٨٩٣)، ومسلم (١١٣٨)، وأحمد (١٠٢٥٦)، ومالك (٦٥٤)، وابن حبان (٣٥٩٨)، والنسائي في الكبرى (٢٧٩٥)، والبيهقي في الكبرى (٨٢٤١) من رواية أبي هريرة.","vol":"2","page":222},{"text":"أو قاض فرضا أو متمتع وغير ذلك إجماعًا؛ لأنه معصية فلا يصومهما من نفسهما لحديث: \"من نذر أن يعص الله فلا يعصه\" (١) قال المازري: ذهب مالك أن من نذر صوم أحد العيدين لا ينعقد ولا يلزمه قضاء.\nوقال أبو حنيفة ﵀: يقضي وإن صام أجزأه مع كراهة والحجة عليه \"لا نذر في معصية\" (٢) وقضاؤه ليس من لفظ الناذر فلا معنى لإِلزامه، وذكر النووي (٣) أن الشافعي والجمهور على ذلك، وأن أبا حنيفة خالف الناس كلهم في ذلك قال ابن حجر العسقلاني: في (فتح الباري على صحيح البخاري) (٤) أصل الخلاف في المسألة أن النهي هل يقتضي النهي عنه قال الأكثر: لا وعن محمد بن الحسن الشيباني نعم، واحتج بأنه لا يقال للأعمى: لا يبصر؛ لأنه تحصل الحاصل فدل على أن صوم يوم العيد ممكن وإذا أمكن ثبت الصحة. كذا قاله الزرقاني (٥).\nوأما حرمة الصوم في الأيام الثلاثة بعد يوم النحر، فلما رواه المصنف عن مالك فقال:\n٣٧٠ - أخبرنا مالك، حدثنا أبو النضر مولى عُمر بن عُبَيْد الله، عن سليمان بن يَسَار، أنَّ رسول الله - ﷺ - نهى عن صيام أيام مِنَى.\n_________\n(١) أخرجه: البخاري (٦٣١٨)، وأبو داود (٣٢٨٩)، والترمذي (١٥٢٦)، والنسائي في المجتبى (٣٨١٥)، وابن ماجه (٢١٢٦)، وأحمد (٢٣٢١)، والدارمي (٢٢٥٠)، ومالك (٦٣)، وابن حبان (٤٣٨٧)، وابن أبي شيبة (٣/ ٤٦٩)، والنسائي في الكبرى (٤٧٥٠)، والشافعي في المسند (١٥٤٤)، والطبراني في الأوسط (٦٣٦٤)، وأبو يعلى (٤٨٦٣)، والبيهقي في الكبرى (١٩٣٦٦)، والشعب (٤٣٤٩).\n(٢) أخرجه: أبو داود (٣٢٩٠)، والترمذي (١٥٢٤)، (١٥٢٥)، والنسائي (٣٨٤٢)، (٣٨٤٣)، (٣٨٤٤)، وابن ماجه (٢١٢٥)، وأحمد (٢٥٥٦٦)، والبيهقي في الكبرى (٢٠٦٣٧).\nوقال الترمذي: هذا حديث لا يصح.\nوقال البيهقي: هذا الحديث لم يسمعه الزهري من أبي سلمة.\n(٣) انظر: المجموع (٨/ ٣٤٤).\n(٤) انظر: الفتح (٤/ ٢٣٩).\n(٥) انظر: شرح الزرقاني (٢/ ٢٤٠).\n(٣٧٠) أخرجه: مالك (٨٣٢)، والنسائي في الكبرى (٢٨٧٧).","vol":"2","page":223},{"text":"• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمر بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، من الطبقة السابعة من كبار أتباع التابعين، من أهل المدينة، وهو ابن تسعين سنة، وفي نسخة: محمد قال: بنا، حدثنا وفي نسخة: بنا، أبو النضر بفتح النون وسكون الضاد المعجمة اسمه سالم بن أمية القرشي التيمي المدني، ثقة، في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة تسعة وعشرين ومائة من الهجرة (١) مولى عُمر بضم العين ابن عُبَيْد الله، بتصغير عبد عن سليمان بن يَسَار، الهلالي المدني مولى ميمونة وقيل: أم سلمة ثقة فاضل، أحد الفقهاء السبعة، كان في الطبقة الثالثة من كبار التابعين مات بعد المائة، وقيل: قبلها كذا قاله ابن حجر في (التقريب) (٢) ولم يختلف على مالك بن أنس في إرسال كذا قاله أبو عمر (٣)، ووصله النسائي وقاسم بن أصبغ من طريق سفيان الثوري عن أبي النضر وعبد الله بن أبي بكر كلاهما عن سليمان بن يسار عن عبد الله بن حذافة أنَّ رسول الله - ﷺ - نهى عن صيام أيام مِنَى وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر كما في البخاري عن عائشة وابن عمر ﵄ قالا: لم يرخص في أيام التشريق أن يضمن إلا لمن لم يجد الهدي (٤) كذا قاله الزرقاني (٥). قيل: إنما سمي منى؛ لأن جبريل ﵇ لما أراد أن يفارق آدم صلوات الله على نبينا وعليه فقال: ماذا تتمنى فقال آدم: الجنة، فسمي ذلك الموضع منى.\n* * *\n\n٣٧١ - أخبرنا مالك، أخبرنا يزيد بن عبد الله بن الهادِ، عن أبي مُرَّة مولى عَقيل بن أبي طالب، أن عبد الله بن عمرو بن العاص، دخل على أبيه في أيام التَّشْريق، فقرّب له طعامًا، فقال: كُلْ، فقال عبد الله لأبيه: إني صائم، قال:\n_________\n(١) انظر: التقريب (١/ ١٩٤).\n(٢) انظر: التقريب (١/ ٢٢٩).\n(٣) انظر: التمهيد (٢١/ ٢٣١).\n(٤) أخرجه: البخاري (١٨٩٤)، وابن أبي شيبة (٤/ ٢٢٩)، والدارقطني (٢/ ١٨٥، ١٨٦)، والبيهقي في الكبرى (٨٥٥٠)، (٨٩٧٩).\n(٥) انظر: شرح الزرقاني (٢/ ٢٤٠).\n(٣٧١) أخرجه: مالك (٨٣٥).","vol":"2","page":224},{"text":"كل، أما علمتَ أن رسول الله - ﷺ - كان يأمرنا بالفطر في هذه الأيام.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا ينبغي أن يُصام أيام التشريق لمتعةٍ ولا لغيرها، لما جاء من النهي عن صومها عن النبي - ﷺ -، وهو قولُ أبي حنيفة والعامَّةِ من قَبْلِنَا.\nوقال مالك بن أنس: يصومها المتمتع الذي لا يجد الهدي، أوْ فاتته الأيام الثلاثة قبل يوم النحر.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا، يزيد بتحتية فزاء ابن عبد الله بن الهادِ، بغير ياء وفي (الموطأ) لمالك: الهادي بإثبات الياء، يكنى عبد الله المدني الليثي مكثر من الطبقة الخامسة من أهل المدينة، مات سنة تسع وثلاثين بعد المائة كذا في (التقريب) (١) لابن حجر عن أبي مُرَّة وهو مشهور بكنيته واسمه يزيد بن مرة بضم الميم وتشديد الراء المهملة مولى عَقِيل بفتح العين المهملة وكسر القاف وسكون التحتية والام ابن أبي طابي، وفي (الموطأ) لمالك (ق ٣٩٦) مولى أم هانئ، وفي نسخة: ابن وضاع هو مولى أخت عقيل بن أبي طالب، وفي نسخة: هو مولى بنت أبي طالب، وكلٌ منهما صواب أن عبد الله بن عمرو بن العاص، أي: القرشي السهمي أحد المكثرين بالعبادة والصحابي ابن الصحابي ابن عبد الله أخبره أنه دخل على أبيه أي: على عمرو بن العاص فوجده يأكل في أيام التَّشْريق، فقرّب أي: أبوه له طعامًا، فقال: كُلْ، أي: البتة أما علمتَ قال ابن هشام: الهمزة للاستفهام الإِنكاري بالتخفيف نافية فتكون تقريريًا؛ لأن النفي إذا دخل على النفي يكون للإِثبات كما قال تعالى لمحمد - ﷺ -: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾ [الفجر: ٦] فتكون حرف عرف بمنزلة لولا فتختص بالفعل نحو أما تقوم أما تقعد أن رسول الله - ﷺ - كان يأمرنا أي: معاشر المسلمين بالفطر في هذه الأيام أي: في أيام التشريق وفيه تغليب للتشريق على النحر.\nوفي مسلم (٢) عن كعب بن مالك أنه - ﷺ - بعثه وأوس بن الحارث في أيام التشريق\n_________\n(١) انظر: التقريب (٢/ ٦٧٣).\n(٢) أخرجه: مسلم (١١٤٢)، وأحمد (١٥٣٦٦)، والطبراني في الكبير (٦١٢)، (٩٧٨٩)، (١٩١)، والأوسط (١٨٢٥)، والصغير (٨١)، والبيهقي في الكبرى (٨٣٤٤).","vol":"2","page":225},{"text":"فنادى: \"أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وأيام منى أكل وشرب\". وزاد أصحاب السنن: \"وذكر الله فلا يصومن أحد\".\nقال محمد: وبهذا أي: بقول أبي يزيد عقيل بن أبي طالب نأخذ، أي: نعمل ولا ينبغي أن يُصام أيام التشريق والمراد بأيام التشريق أيام منى، وهو يوم النحر وبعده ثلاثة أيام، وإنما سمى هذه الأيام أيام التشريق؛ لأن الذبح فيها يجب فيها بعد شروق الشمس، وقيل: لأنهم كانوا يشرقون فيها لحوم الأضاحي إذا قدرت. كذا قاله قتادة.\nوقيل: لأنهم كانوا يشرقون للشمس في غير بيوت ولا أبنية للحج. هذا قول أبي جعفر محمد بن علي كذا قاله في (التمهيد) (١) لمتعةٍ أي: لصوم تمتع ولا لغيرها، أي: من قران وفدية وكفارة وقضاء ونذر ونافلة لما جاء من النهي عن صومها أي: عن صوم هذه الأيام يعني ورد عن النبي - ﷺ -، وهو أي: عدم الصوم في هذه الأيام قولُ أبي حنيفة والعامَّةِ من قَبْلِنَا وبه قال الشافعي في أظهر قوله.\nوقال مالك بن أنس: بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، صاحب المذهب يصومها أي: في أيام التشريق التمتع استدل مالك علي جواز الصوم للتمتع في أيام التشريق بحديث رواه الطحاوي والدارقطني (٢) عن عمر وعائشة ﵄: رخص رسول الله - ﷺ - للمتمتع إذا لم يجد الهدي أن يصوم أيام التشريق الذي لا يجد الهدي، أي: نفسه أو ثمة أوْ فاتته أي: المتمتع الذي لزمه أن يصوم الأيام الثلاثة قبل يوم النحر وسبعة أيام بعد يوم النحر بعجز عن دم التمتع الأيام الثلاثة قبل يوم النحر، ووافقه الشافعي في قوله القديم المختار وهو رواية عن أحمد، ثم يفوت صوم الأيام الثلاثة بفوت يوم عرفة عند أبي حنيفة، فإنه يسقط صومها ويستقر الهدي في ذمته على الراجح من مذهب الشافعي بصومها بعد ذلك، ولا يجب تأخبرها غير القضاء.\nوقال أحمد: إن أخره بغير عذر لزمه دم وإذا وجد الهدي، وهو (ق ٣٩٧) في صومها يستحب له الانتقال إلى الهدي وقال أبو حنيفة: يلزمه ذلك وسيجيء بيان ما يلزم على المتمتع في كتاب الحج إن شاء الله تعالى.\n_________\n(١) انظر: التمهيد (٢١/ ٢٣٢).\n(٢) أخرجه: الدارقطني (٢/ ١٨٦)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٢/ ٢٤٣)، وابن جرير في التفسير (٢/ ٢٥٠)، من طريق يحيى بن سلام، ويحيى ليس بالقوي.","vol":"2","page":226},{"text":"لما فرغ من بيان حكم الصيام في الأيام التي يكره فيها الصوم، شرع في بيان النية في الصوم من الليل، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>باب النية في الصوم من الليل</span>\nفي بيان النية في الصوم من الليل أخذ المصنف هذه الترجمة من قوله - ﷺ -: \"إنما الأعمال بالنيات\" (١) واتبع بشيخه الإِمام مالك في هذه الترجمة فإن النية في الصوم المطلق من الليل وشروطه عنده لصحة صوم المطلق سواء كان فرضًا أو واجبًا ونفلًا أداء أو قضاء، وأما عند أبي حنيفة فإنها من الليل شرطت لصحة قضاء صوم رمضان وقضاء ما أفسد من نفل وصوم الكفارة بأنواعها وصوم المنذور المطلق كقوله: إن شفى الله تعالى مريضي فعلي صوم يوم، فإن شفي يجب عليه أن ينوي الصوم من الليل، وأما أداء صوم رمضان وصوم التطوع فيجوز له النية من الليل إلى الضحوة الكبرى عند أبي حنيفة، وقال الشافعي وأحمد: النية من الليل شرطت في غير صوم النفل، وأما في النفل فتجوز من الليل إلى الضحوة الكبرى.\n٣٧٢ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن ابن عمر قال: لا يصوم إلا من أَجْمَعَ الصيام قبل الفجر.\nقال محمد: ومن أجمع أيضًا على الصيام قبل نصف النهار فهو صائم، وقد رُوي ذلك عن غير واحد، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة قبلنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، حدثنا وفي نسخة: قال: بنا، نافع، أن ابن عمر قال: لا يصوم أي: لا يصح أن يصوم إلا من أَجْمَعَ الصيام أي: عزم عليه وقصد له ونوى قبل الفجر هذا حديث موقوف على ابن عمر مرفوع عنه لما روى أصحاب السنن الأربعة من حديث عبد الله بن عمر عن أخته حفصة زوج النبي - ﷺ - أنها قالت: قال رسول\n_________\n(١) أخرجه: البخاري (١)، من حديث عمر.\n(٣٧٢) أخرجه: النسائي في المجتبى (٢٣٤٢)، ومالك (٦٢٣)، والنسائي في الكبرى (٢٦٥٢)، والبيهقي في الكبرى (٨٠٠٢).","vol":"2","page":227},{"text":"الله - ﷺ -: \"من لم يجمع الصيام من الليل فلا صيام له\" (١)\nقال محمد: ومن أجمع أي: قصد ونوى أيضًا أي: كما نوى قبل الفجر على الصيام أي: فرضًا أداء كان ونفل قبل نصف النهار أي: الشرعي وهو الضحوة الكبرى، وهي نصف النهار، فالنهار شرعي من طلوع الفجر إلى الغروب فحينئذ تقع النية في أكثر أجزاء النهار اللغوي؛ فإنها طلوع الشمس إلى غروبها فهو صائم، أي: فصومه صحيح عند أبي حنيفة ﵀ وقد رُوي ذلك أي: مضمون ما ذكر عن غير واحد، فلفظه غير مرفوع ومنصوب بنزع الخافض وهو جواز صوم أداء رمضان أو صوم النفل بنية من الليل إلي الضحوة الكبرى قولُ أبي حنيفة، رحمه الله تعالى والعامة قبلنا.\nواستدل مالك والشافعي وأحمد بقوله - ﷺ -: \"من لم يجمع الصيام من الليل فلا صيام له\" على أن النية في كل صوم قبل الفجر شريطة لصحته خلافًا لأبي حنيفة فإن قال: يجوز النية في الصيام بعد غروب الشمس إلى الضحوة الكبرى، وأجيب عن طرف الحنفية إليهم بأن المراء بقوله: فلا صيام له: الصيام الذي ليس له وقت معين لا يجوز بنية في النهار فصوم رمضان معين وقته فمن لم ينو ليلًا يجوز له النية نهارًا، وكذا نقله الشمني في (شرح النقاية) عن الطحاوي.\nوعلي هذا قال الشيخ الفقيه أبو الليث نصر بن محمد السمرقندي في (خزانة الفقه) (ق ٣٩٨): والأصل أن كل صوم له وقت معين يجوز بنية من النهار وكل صوم ليس له وقت معين لا يجوز بنية من النهار.\nلما فرغ من بيان أحكام النية في الصوم من الليل، شرع في بيان فائدة المداومة على الصيام، فقال: هذا\n* * *\n_________\n(١) أخرجه: أبو داود (٢٤٥٤)، والترمذي (٧٣٠)، والنسائي في المجتبى (٢٣٣٠)، (٢٣٣١)، (٢٣٣٧)، (٢٣٤٠)، والدارمي (١٦٥٠)، وابن أبي شيبة (٢/ ٤٤٧)، والنسائي في الكبرى (٢٦٥٠)، وابن خزيمة (١٩٣٣)، والدارقطني (٢/ ١٧٢)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ١٩٦)، حديث (٣٣٧)، والسنة للمروزي (١١٧).\nوقال الترمذي: حديث حفصة لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه.","vol":"2","page":228},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>باب المداومة على الصيام</span>\nفي بيان حكمة المداومة على الصيام وكذا المداومة على الفطر في بعض الأيام.\n٣٧٣ - أخبرنا مالك، حدثنا أبو النَّضر، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة، قالت: كان رسول الله - ﷺ - يصوم، حتى يُقال: لا يُفطر، ويُفْطِر حتى يُقال: لا يصوم، وما رأيتُ رسول الله - ﷺ - استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر صيامًا منه في شعبان.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، يعني نسبة إلى ملك ذي أصبح، من ملوك اليمن، كان في الطبقة السابعة من طبقات كبار أتباع التابعين، من أهل المدينة، في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: محمد قال: بنا، حدثنا وفي نسخة: قال: بنا، أبو النَّضر، بفتح النون وسكون الضاد المعجمة اسمه سالم بن أمية مولى عمر بن عبيد الله بن معمر القرشي التيمي المدني، كان في الطبقة (١) من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة تسعة وعشرين ومائة كذا قاله ابن حجر في (التقريب من أسماء الرجال) (٢) عن أبي سلمة أي: عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة مكثر، كان من الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، وكان مولده سنة بضع وعشرين ومات سنة أربعة وتسعين وأربع ومائة (٣) عن عائشة، قالت: كان رسول الله - ﷺ - أي: أحيانًا يصوم، أي: النوافل متتابعة حتى يُقال: لا يُفطر، أي: ينتهي صومه إلى غاية يقال: لا يفطر ويُفْطِر أي: أحيانًا ويستمر علي إفطاره حتى يُقال: لا يصوم، أي: ينتهي\n_________\n(٣٧٣) أخرجه: البخاري (١٨٦٨)، ومسلم (١١٥٦)، وأبو داود (٢٤٣٤)، والترمذي (٧٦٨)، والنسائي في المجتبى (٢١٧٦)، (٢٣٥٠)، وأحمد (٢٤٢٣٦)، (٢٥٥٢٢)، ومالك (٦٧٤)، وابن أبي شيبة (٢/ ٥١٤)، والنسائي في الكبرى (٢٦٦٠)، وابن خزيمة (٢١٣٣)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٢٥٦)، حديث (٥٢٨)، والبيهقي في الكبرى (٨٥١٢)، (٨٥٥٦)، وأبو يعلى (٤٦٣٣)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٢/ ٨٣)، وعبد بن حميد (١٥١٦)، والربيع في مسنده (٣١٣)، من رواية عائشة.\n(١) كلمة ناقصة ولا توجد في المخطوط.\n(٢) انظر: التقريب (١/ ١٩٤).\n(٣) انظر: التقريب (٢/ ٧٢٧).","vol":"2","page":229},{"text":"فطره إلى غاية يقال: لا يصوم وذلك لما رأى في المصلحة المتفقة والحكمة هنالك وما رأيتُ رسول الله - ﷺ - استكمل صيام شهر قط إلا رمضان؛ لئلا يظن وجوبه وكلمة \"قط\" على ثلاث أوجه:\nأحدها: أن تكون ظرف زمان كاستغراق ما مضى، وهذه بفتح القاف وتشديد الطاء مضمومة في أفصح اللغات، وتختص النفي يقال: ما فعلته قط، والعامة تقول: لا أفعل قط، وهو لحن، واشتقاقها من قططتها فمعناها: ما فعلته فيما انقطع من عمري؛ لأن الماضي منقطع عن الحال والاستقبال وبنيت لتضمنها معنى مذ وإلى أن المعنى مُذ أن خُلِقْت أي الآن وعلى حركة؛ لئلا يلتقي الساكنان، وكانت الضمة تنبيهًا بالغايات، وقد يكسر على أصل التقاء الساكنين، وقد تتبع قافه طاؤه في الضم، وقد يخفف طاؤه مع ضمها أو إسكانها.\nوالثاني: أن تكون بمعنى حسب، وهذه مفتوحة القاف ساكنة الطاء يقال: قطني وقطاء وقط زيد درهم كما يقال وحسب معربة.\nوالثالث: أن تكون اسم فعل بمعنى يكفي فيقال: قطني بنون الوقاية كما يقال: يكفيني وتكون نون الوقاية علي الوجه الثاني حفظًا للبناء وكذا قاله ابن هشام (١). وما رأيته في شهر أكثر بالنصب ثاني مفعول رأيت أي: ما علمته صيامًا بالنصب وروي بالخفض، قال السهيلي: وهو وهم كأنه كتب بلا ألف علي لغة من يقف على المنصوب بالنون بدون الألف فتوهم محفوظًا، أو ظن بعض الرواة أنه مضاف؛ لأن صيغة أفعل تضاف كثيرًا، فتوهمها مضافة وهي ممتنعة هنا قطعًا منه في شعبان متعلق بصيام الرفع أعمال العباد فيه، ففي النسائي عن أسامة (ق ٣٩٩) قلت: يا رسول الله، لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان قال: \"ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم\". (٢) فبين وجه صيامه دون غيره برفع الأعمال فيه وأنه يغفل عنه؛ لأنه لما اكتنفه\n_________\n(١) انظر: مغني اللبيب (ص: ٢٣٢).\n(٢) أخرجه: النسائي في المجتبى (٢٣٥٦)، (٢٣٥٧)، وأحمد (٢١٢٤٦)، والنسائي في الكبرى (٢٦٦٦)، والبيهقي في الشعب (٣٨٢٠)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ١٨)، والبغوي في مسند أسامة (٤٩)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٩٢).","vol":"2","page":230},{"text":"شهران عظيمان الشهر الحرام وشهر الصيام اشتغل الناس بهما، فسار مغفولًا عنه: ونحوه في حديث عائشة عند أبي يعلى لكن قال فيه: \"إن الله يكتب كل نفس ميتة تلك السنة فأحب أن يأتي أجلي وأنا صائم\" (١). ولا يعارضه النهي عن تقدم رمضان بيوم أو يومين لحمله على من لم يدخل في صيام اعتاده قال بعضهم: من الناس يظن أن صيام رجب أفضل منه؛ لأنه شهر حرام، وليس كذلك.\nلما فرغ من بيان حكم المداومة على الصيام، شرع في بيان فضيلة صوم عاشوراء، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-162>باب صوم عاشوراء</span>\nفي بيان فضيلة صوم يوم عاشوراء، وهو، بالمد على المشهور وحكى قصره، زعم ابن دريد أنه اسم إسلامي لا يعرف في الجاهلية رده عليه ابن دحية بحديث عائشة في الباب وبغيره وجمهور الصحابة والتابعين ومن بعدهم أنه عاشر المحرم.\nقال ابن المنير: وهو مقتضى الاشتقاق والتسمية، وقال الدارقطني: مصدر معدول من عاشر للمبالغة والتعظيم، وهو في الأصل صفة لليلة العاشرة؛ لأنه مأخوذ من العشر الذي هو اسم العقد واليوم مضاف إليها، فإذا قيل: يوم عاشوراء فكأنه قيل يوم الليلة إلا أنهم لما عدلوا به عن الصفة غلبت عليه الإِسمية ما استغنوا عن الموصوف فحذف الليلة فصار هذا اللفظ على اليوم العاشر، وقيل: هو تاسع المحرم.\nقال ابن المنير: فعلى اليوم مضاف لليلة الماضية وعلى الثاني مضاف لليلة الآتية، وفي مسلم (٢) عن الحكم بن الأعرج قلت لابن عباس ﵄: أخبرني عن صوم يوم عاشوراء فقال: إذا رأيت هلال المحرم فاعدد وأصبح يوم التاسع صائمًا قلت: هكذا كان - ﷺ - يصومه؟ قال: نعم.\n_________\n(١) أخرجه: أبو يعلى (٤٩١١) من حديث أبي هريرة لا من حديث عائشة.\n(٢) أخرجه: مسلم (١١٣٣)، وأبو داود (٢٤٤٦)، والترمذي (٧٥٤)، وأحمد (٣٢٠٢)، (٢٥٣٦)، وابن أبي شيبة (٢/ ٤٧٣)، والطبراني في الكبير (١٢٩٢٥)، والبيهقي في الكبرى (٨٤٨٨).","vol":"2","page":231},{"text":"وفي المصنف (١) عن الضحاك: عاشوراء يوم التاسع قيل: لأنه مأخوذ من العشر بالكسر في وراد الإِبل تقول العرب: عشر إذا أوردت اليوم التاسع؛ لأنهم يحسبون في الأظماء يوم الورود، فإذا قامت في الرعي يومين ثم وردت في الثالث قالوا: وردت رابعًا، وإن رعت ثلاثًا وفي الرابع وردت قالوا: وردت خمسًا، وإن بقيت فيه ثمانية وردت في التاسع قالوا: وردت عشرًا فيحسبون في كل هذا بقية اليوم الذي وردت فيه، وأول اليوم الذي تردد فيه بعده وعلى هذا يكون التاسع عاشوراء.\nوقال القاضي عياض والنووي (٢): الذي تدل عليه الأحاديث كلها أنه العاشر، وهو مقتضى اللفظ، وتقدير أخذه من الإِظماء بعيد، وحديث ابن عباس الثاني يرد عليه؛ لأنه قال في (مسلم) (٣) وغيره أنه - ﷺ - صام عاشوراء وأمر بصيامه فقيل: إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى فقال: \"إذا كان العام المقبل صمنا اليوم التاسع\". فلم يأت العام المقبل حتى توفي - ﷺ - فقد طرح بأن الذي كان يصومه ليس هو التاسع فتعين (ق ٤٠٠) كونه العاشر والتاسع، لم يبلغ، ولعله لو بلغه صامه مع العاشر كما في حديث: \"فصوموا التاسع والعاشر\" (٤)، وإلى استحباب الجمع بينهما ذهب مالك والشافعي وأحمد حتى لا يتشبه باليهود في آخر العاشر وقيل: للاحتياط في تحصيل عاشوراء للخلاف فيه والأول أولى.\n٣٧٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن حُمَيْد بن عبد الرحمن بن عوف، أنه سمع معاوية بن أبي سفيان عام حَجَّ، وهو على المنبر يقول: يا أهل المدينة أين علماؤكم، سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"هذا يوم عاشوراءَ لم يكتب الله عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن شاءَ فليصم، ومن شاء فليُفطر\".\n_________\n(١) أخرجه: ابن أبي شيبة (٢/ ٤٧٤) بإسناد صحيح.\n(٢) انظر: شرح النووي على مسلم (٨/ ١١).\n(٣) أخرجه: مسلم (١١٣٠)، وأبو داود (٢٤٤٥)، والبيهقي في الكبرى (٨٤٨٦).\n(٤) أخرجه: عبد الرزاق في مصنفه (٧٨٣٩) من حديث ابن عباس.\n(٣٧٤) أخرجه: البخاري (١٨٩٩)، ومسلم (١١٢٩)، ومالك (٦٥٢)، والنسائي في الكبرى (٢٨٥٥)، (٢٨٥٧)، وابن حبان (٣٦٢٦)، وابن خزيمة (٢٠٨٥)، والشافعي في المسند (٧٨٤)، والطبراني في الكبير (١٩/ ٣١٣)، حديث (٧٠٨)، والأوسط (١٢١٥)، والبيهقي في الكبرى (٨٥٠١).","vol":"2","page":232},{"text":"قال محمد: صيام يوم عاشوراءَ كان واجبًا قبل أن يفترض رمضان، ثم نسخه شهر رمضان، فهذا تطوع، فمن شاءَ صامه، ومن شاءَ لم يصمه، وهو قول أبي حنيفة، والعامة قبلنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، وفي نسخة أخرى: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا أخبرنا وفي نسخة قال: ثنا، ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة (١) عن حُمَيْد بالتصغير ابن عبد الرحمن بن عوف، من أهل المدينة، مات سنة خمس ومائة من الهجرة (٢) أنه أي: حميد سمع معاوية بن أبي سفيان هو صخر بن حرب بن أمية الأموي أبا عبد الرحمن الخليفة صحابي أسلم قبل الفتح، وكتب الوحي، ومات في رجب سنة ستين وقد قارب الثمانين (٣) عام حَجَّ، وكان أول حجة حجها بعد الخلافة سنة أربعة وأربعين وآخر حجة حجها سنة سبعة وخمسين ذكره ابن جرير قال الحافظ: ويظهر أن المرة في هذه الحجة الأخيرة، وكان تأخر بمكة أو المدينة بعد الحج إلى يوم عاشوراء وهو على المنبر أي: منبر المسجد النبوي يقول: يا أهل المدينة أين علماؤكم، أي: من التابعين قوله: أين ظرف مكان مبهم منصوب بيذهبون مقدر والاستفهام فيه للإِنكار شبه معاوية بن أبي سفيان ﵄ على سبيل الاستعارة التبعية حال علماء التابعين في اختلافهم فيحكم صوم يوم عاشوراء بحال قوم يتركون الطريق ويسلكون إلى طريق مختلفة غير موصولة إلى المطلوب.\nقال القاضي عياض وغيره: إن معاوية بن أبي سفيان ﵁ سمع عن بعض علماء التابعين أنه يوجب صوم يوم عاشوراء، وعن بعضهم أنه يحرمه وعن بعضهم أنه يكره فأراد إعلامهم أنه ليس كذلك، والمعنى أي طريق يسلكون أبين من هذا الطريق الذي ظهرت حقيقته واستقامته قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: لهذا اليوم أي: لأجله أو في حقه \"هذا يوم عاشوراءَ لم يكتب الله أي: لا يفرض الله تعالى عليكم صيامه، قال ابن\n_________\n(١) انظر: التقريب (٢/ ٥٥٢).\n(٢) انظر: التقريب (١/ ١٤٢).\n(٣) انظر: التقريب (١/ ٢٥٣).","vol":"2","page":233},{"text":"الهمام: قول معاوية لم يكتب الله إلى آخره لا ينافي في كونه واجبًا؛ لأن معاوية من مسلمة الفتح، وهو كان في سنة ثمان فإن كان سمع هذا بعد إسلامه، فإنما يكون سمعه سنة تسعة أو عشرة فيكون ذلك بعد نسخه بإيجاب رمضان الذي كان في السنة الثانية من الهجرة جمعًا بين الأدلة الصريحة في وجوبه، وإن سمعه قبله فيجوز كونه قبل افتراضه وأنا صائم، فمن شاءَ فليصم، ومن شاء فليُفطر\" هذا الحديث مرفوعًا ففي النسائي: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول في هذا اليوم: \"إني صائم فمن شاء منكم أن يصوم فليصم ومن شاء فليفطر\".\nقال محمد: صيام يوم عاشوراءَ كان واجبًا أي: لازمًا علينا، وهو لما لزم علينا بدليل فيه شبهة كخبر الواحد والعام غير المخصوص والآية المأولة تصدق الفطر والأضحية قبل أن يفترض رمضان، والفرض في اللغة التقدير، وفي الشرع ما ثبت بدليل قطعي كالكتاب والسنة (ق ٤٠١) والإِجماع، وهو على نوعين:\nفرض كفاية ففرض العين ما يلزم كل واحد إقامته ولا يسقط عن البعض بإقامة البعض كالإِيمان ونحوه، وفرض الكفاية ما لا يلزم جميع المسلمين إقامته ويسقط بإقامته البعض عن الباقين كالجهاد وصلاة الجنازة كذا بينه السيد الجرجاني ثم أي: بعد العلم بوجوب صوم يوم عاشوراء على الأمة أو بتخير أمته - ﷺ - بين صيامهم عاشوراء أو بين إفطارهم نسخه أي: بدل حكم عاشوراء شهر رمضان، وإسناد النسخ إلى الشهر مجاز من قبل إسناد السبب إلى المسبب والحاصل أن النسخ فيه جهتان:\nففي حق الله تعالى بيان محض لإِنهاء الحكم الأول وليس فيه معنى التبديل؛ لأنه كان معلومًا عند الله تعالى أنه ينتهي في وقته كذا بالناسخ فكان الناسخ بالنسبة علمه تعالى مبينًا للمدة لا رفعًا؛ لأن الرفع يقتضي الثبوت والبقاء لولاة وههنا البقاء بالنسبة إلى علمه تعالى محال؛ لأنه خلاف معلومه.\nوفي حق البشر تبديل؛ لأنه أزال ما كان ظاهر الثبوت ولحقه بشيء آخر وهذا على مثال القتل فإنه بيان انتهاء أجل المقتول عند الله تعالى؛ لأن المقتول ميت بانقضاء أجله عند أهل السنة والجماعة، إذ لا أجل سواه، وفي حق العباد تبديل وتغير وقطع للحياة، والمظنون استمرارها لولا القتل فلهذا يرتب عليه القصاص وسائر الأحكام؛ لأنا أُمِرنا بإرادة الإِحكام على الظواهر كذا قاله عبد الرحمن بن الملك في (شرح المنار) فهذا أي:","vol":"2","page":234},{"text":"صيام عاشوراء تطوع، أي: مستحب فمن شاءَ صامه، ومن شاءَ لم يصمه، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة قبلنا وذلك لما في (الصحيحين) (١) عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان يوم عاشوراء يومًا تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله - ﷺ - يصومه فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه. فلما فرض رمضان قال: \"من شاء صامه ومن شاء تركه\" كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان فضيلة يوم عاشوراء، شرع في بيان إحياء ليلة القدر، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>باب ليلة القدر</span>\nفي بيان فضيلة إحياء ليلة القدر، وهي ليلة خصها الله تعالى بهذه الأمة، تدور في كل سنة إلى يوم القيامة عند أهل السنة والجماعة، وفي تسميتها ثلاثة أقوال، وبها سميت به، لكونها ذا قدر وشرف عند الله تعالى، لقوله: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣] لنزول القرآن فيها كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] ولحصول الشرف والقدر والمرتبة عند الله لمن أحياها كما روى البخاري عن أبي هريرة رضي لله عنه أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنب\" (٢).\nوثانيها: سميت به؛ لأن القدر بفتح القاف وسكون الدال بمعنى التقدير والقضاء لتقدير أحكام السنة في تلك الليلة. قال تعالى في سورة الدخان: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ\n_________\n(١) أخرجه: البخاري (٣٦١٩)، ومسلم (١١٢٥)، وأبو داود (٢٤٤٢)، والترمذي (٧٥٣)، وأحمد (٢٣٧١٠)، والدارمي (١٧١٢)، ومالك (٨٥١)، وابن حبان (٣٦٢١)، وابن أبي شيبة (٢/ ٤٧١)، وعبد الرزاق في مصنفه (٧٨٤٤)، وابن خزيمة (٢٠٨٠)، والشافعي في المسند (٧٨٢)، وأبو يعلى (١٤٦٣٨)، والبيهقي في الكبرى (٨٤٩٤)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٢/ ٧٦) والربيع في مسنده (٣٠٩).\n(٢) أخرجه: البخاري (١٨٠٢)، ومسلم (٧٦٠)، وأبو داود (١٣٧٢)، والترمذي (٦٨٣)، والنسائي في المجتبى (٢٢٠١)، وأحمد (٩٠٣٤)، والدارمي (١٧٢٥)، والنسائي في الكبرى (٢٥١٦)، (٢٥١٧)، وابن خزيمة (١٨٩٤)، والطبراني في الأوسط (٨٨٢١)، وابن الجارود في المنتقى (٤٠٤)، وأبو يعلى (٦٣٢)، والبيهقي في الكبرى (٤٧٠٣)، (٨٦٠٨)، والشعب (٣٦١٢).","vol":"2","page":235},{"text":"حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ [الدخان: ٤، ٥]. أي: يفصل كل أمر عندنا، فإن قلت: التقدير والقضاء والقدر صفة أزلية لله تعالى قدر وقضا ما كان، وما يكون قبل أن يخلق السموات والأرض، كيف يكون التقدير والقدر في تلك الليلة وهي محدثة؟ أجيبُ عنه بأن المراد (ق ٤٠٢) بالتقدير إظهار أثر تعلق القدرة، وهو المقدور إلي الملائكة في تلك الليلة، وهذا القول اختيار عامة أهل السنة والجماعة.\nقال ابن عباس ﵄: يكتب في أم الكتاب في ليلة القدر ما هو كائن في السنة من الخير والشر والأرزاق والآجال، حتى الحاج بحج فلان ثم يسلم إلى خازنه قال تعالى في سورة الحجر: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ [الحجر: ٢١].\nوثالثها: سميت به لخفائها عن الناس؛ فإن القدر بفتح القاف وسكون الدال بمعنى التضييق، ومعنى التضييق إخفاؤها، وسبب إخفاء ليلة القدر أن يحيي من أرادها ليالي كثيرة كما أخفى رضائه في الطاعات حتى يرغبوا في الكل، وأخفى غضبه في المعاصي ليتحروا من الكل، وأخفى وليه فيما بين الناس حتى يعظموا الكل، وأخفى المستجاب من الدعوات ليدعوها بكلها، وأخفى الصلاة الوسطى ليحافظوا على كل الصلوات، وأخفى وقت الموت؛ ليكون المكلف على الاحتياط في جميع الأوقات. كما ذكرنا في نور الأفئدة في تفسير: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (١).\n٣٧٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"تحرّوا ليلة القدر، في السبع الأواخر من رمضان\".\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخري: أنا، وكل واحد منهما رمزًا إلى أخبرنا، أخبرنا وفي نسخة: قال: أنا، عبد الله بن دينار، العدوي سيدهم يكنى أبا عبد الرحمن المدني مولى ابن عمر ثقة تابعي، من الطبقة الرابعة من طبقات التابعين،\n_________\n(١) انظر: التقريب (١/ ٢٨٦).\n(٣٧٥) أخرجه: مسلم (١١٦٥)، وأبو داود (١٣٨٥)، وأحمد (٤٩١٩)، (٢٨٩٦)، ومالك (٦٩٠)، والنسائي في الكبرى (٣٤٠٠)، (١١٦٨٦)، وابن حبان (٣٦٨١)، وابن أبي شيبة (٢/ ٣٩٤)، والبيهقي في الكبرى (٨٦٣٢)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٤٧) من حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر.","vol":"2","page":236},{"text":"من أهل المدينة، كانت في الأقاليم السبعة، مات سنة سبع وعشرين ومائة كما قاله ابن حجر عن مولاه عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"تحرّوا بفتح الفوقية والحاء المهملة، وبضم الراء المهملة المشددة وإسكان الواو تحرى أي: اطلبوا بالجد والاجتهاد. ليلة القدر، في السبع الأواخر من رمضان\" أي: في أوتارها.\nقال ابن عبد البر: هكذا رواه محمد بن الحسن عن مالك عن عبد الله بن دينار، ورواه شعبة عن عبد الله بن دينار بلفظ: \"تحروها ليلة سبع وعشرين\" قال: المراد في ذلك العام فلا يخالف قوله فيما قبله في العشر الأواخر، أو يكون قاله، وقد مضى من الشهر ما يوجب ذلك أو أعلم، أو لأنها في العشر ثم أعلم أنها في السبع، أو خص على العشر من به بعض من القوة وعلى السبع من لا يقدر على العشر. انتهى. وهذا رواه مسلم عن يحيى النيسابوري عن مالك.\n* * *\n\n٣٧٦ - أخبرنا مالك، حدثنا هشام بن عروة عن أبيه، أن النبي - ﷺ - قال: \"تحرّوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان\".\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: قال محمد: بنا، حدثنا وفي نسخة: أنا، وفي نسخة أخرى: ثنا، هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، تابعي ثقة فقيه ربما دلس من الطبقة الخامسة، مات سنة خمس أو ست وأربعين، وله سبع وثمانون عن أبيه، مقطوعًا (١) وهو عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي المدني يكنى أبا عبد الله المدني ثقة فقيه مشهور، من الطبقة الثانية من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين كذا قاله ابن حجر (٢) وصله البخاري من طريق يحيى القطان وعبدة بن سليمان ومسلم من طريق ابن نمير ووكيع الأربعة عن هشام عن أبيه عن عائشة موصولًا أن النبي - ﷺ - قال: \"تحرّوا أي: اطلبوا وفي\n_________\n(٣٧٦) أخرجه: البخاري (١٩١٦)، ومسلم (١١٦٩)، والترمذي (٧٩٢)، وأحمد (٢٣٧٧١)، وابن أبي شيبة (٢/ ٣٩٤)، والبيهقي في الكبرى (٨٦١٢)، من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة موصولًا.\n(١) انظر: التقريب (٢/ ٦٣٦).\n(٢) انظر: التقريب (١/ ٣٩٩).","vol":"2","page":237},{"text":"رواية ابن نمير والقطان: التمسوا وهما بمعنى (ق ٤٠٣) الطلب لكن معنى التحري أبلغ؛ لأنه يقتضي الطلب بالجد والاجتهاد ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان\" أي: خصوصًا في أوتاره ولم يقع في شيء من طرق حديث هشام هذا التفسير بالوحي، ولكنه محمول عليه؛ لأن في الصحيح من رواية أبي سهيل بن مالك عن أبيه عن عائشة مرفوعًا: \"تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان\" (١) فيحمل المطلق على المقيد.\nثم اختلفوا في تعيينها على ثمانية أقوال:\nفقيل: الليلة الأولى من رمضان، وقيل: هي الليلة السابعة عشر منه، وقيل: التاسعة عشر منه، وقيل: الحادية والعشرين منه، وقيل: الثالثة وعشرون منه، وقيل: الرابعة والعشرون منه، وقيل: الخامسة والعشرون منه وقال: وقال أبي بن كعب وجماعة من الصحابة: السابعة والعشرون منه، وقيل: التاسعة والعشرون منه.\nوقال عبد الله بن عمر بن محمد بن علي البيضاوي (٢): أظن أن ليلة القدر السابعة من الليالي العشر الأخيرة وذكروا فيه أمارات أحدها: حديث ابن عباس أن السورة ثلاثون كلمة، وقوله: هي السابعة منها، ومنها ما نقل أيضًا عن ابن عباس أنه قال: ليلة القدر تسعة أحرف، وهو في هذه السورة مذكور ثلاث مرات فيكون السابعة والعشرين.\nلما فرغ من بيان فضيلة إحياء ليلة القدر، شرع في بيان أحكام الاعتكاف، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>باب الاعتكاف</span>\nفي بيان أحكام الاعتكاف، وهو لغة: اللبث والدوام على الشيء، وفي (النهاية): أنه متعد ومصدره العكف، ولازم فمصدره العكوف، فالمتعدي بمعنى الحبس والمنع، ومنه قوله تعالى في سورة الفتح: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]، وأما اللازم فهو الإِقبال على الشيء بطريقة المواظبة، ومنه قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿يَعْكُفُونَ\n_________\n(١) أخرجه: البخاري (١٩١٣)، وأحمد (٢٣٩٢٤)، والبيهقي في الكبرى (٨٦١٦)، والشعب (٣٦٧٢).\n(٢) انظر: تفسير البيضاوي (٥/ ٥١٣، ٥١٤).","vol":"2","page":238},{"text":"عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨] أي: يقيمون على عبادتها وهذا المعنى على القراءة بكسر الكاف وبضم القاف يكون بمعنى المواظبة كذا في (عيون التفاسير) وهو أي: الاعتكاف شرعًا: لبث ذكر في المسجد تقام فيه بجماعة الصلوات الخمس نيته، أو امرأة في مسجد بيتها عينه لصلاتها. واستنبط المصنف هذه الترجمة من قوله تعالى من سورة البقرة: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] والاعتكاف مستحب إلا إذا نذر فواجب، وفي العشر الأخيرة من رمضان سنة مؤكدة، وأقله يوم في الواجب، ولا بد له من صوم وكذا في النفل علي رواية الحسن، وأما على رواية الأصل وقول محمد: فأقله ساعة كذا قاله القاري، والمراد بالساعة مدة يسيرة غير محدودة فيحصل بمجرد المكث مع النية، ولو كان الذي نواه ماشيًا مارًا على غير جالس في المسجد، ولو ليلًا وهو حيلة من أراد الدخول من باب والخروج من باب آخر؛ لأن مبني النفل على المساهلة والاعتكاف مشروع بالكتاب كما مر والسنة كما روي المصنف بقوله.\n٣٧٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عُروة بن الزبير، عن عَمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة، أنها قالت: كان رسول الله - ﷺ - إذا اعتكفَ يُدني إليَّ رأسه فأُرَجِّلَه، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإِنسان.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا يخرج الرجل إذا اعتكف إلا لغائط أو بول، وأما الطعام والشراب فيكون في معتكفه، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، يعني منسوب إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، كان في الطبقة السابعة من طبقات كبار أتباع التابعين من أهل المدينة (١) وفي نسخة: محمد قال: ثنا، وفي نسخة أخرى: أنا، أخبرنا وفي\n_________\n(٣٧٧) أخرجه: البخاري (١٩٢٥)، ومسلم (٢٩٧)، والترمذي (٨٠٤)، والنسائي في المجتبى (٣٨٥)، وأحمد (٢٣٥٢١)، (٢٥٧٢٩)، والدارمي (١٠٥٦)، ومالك (٦٧٩)، والنسائي في الكبرى (٣٣٧٣)، (٣٣٧٤)، وابن حبان (٣٦٧٢)، وابن خزيمة (٢٢٣٠)، والطبراني في الأوسط (٥٦٩٦)، والصغير (١٠١٧)، وابن الجارود في المنتقى (٤٠٩)، وأبو يعلى (٤٦٣٢)، والبيهقي في الكبرى (٨٦٥٥)، والطيالسي في مسنده (١٤٤٣)، والربيع في مسنده (٢٦٥)، وإسحاق بن راهويه (٨٩٢)، من حديث عائشة.\n(١) انظر: التقريب (٢/ ٥٦٥).","vol":"2","page":239},{"text":"نسخة: ثنا، وفي نسخة أخرى: أنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، كان في الطبقة الرابعة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، كانت في الإِقليم (ق ٤٠٤) الثاني من الأقاليم السبعة، مات سنة أربع وعشرين ومائة في رمضان، كما قاله أحمد بن حجر في (التقريب) (١) ومحمد بن أحمد الذهبي في (الكاشف) (٢) عن عُروة بن الزبير، بن العوام بن خويلد الأسدي المدني، ويكنى أبا عبد الله المدني ثقة، فقيه، مشهور، كان في الطبقة (٣) من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين كذا قاله ابن حجر (٤) عن عُمرة بنت عبد الرحمن، أي: ابن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية، كانت في الطبقة الثالثة من طبقات التابعيات من النساء من أهل المدينة، وكانت قبل المائة، وقال بعض المؤرخين: ماتت بعد المائة عن عائشة، زوج النبي - ﷺ - أنها قالت: كان رسول الله - ﷺ - إذا اعتكفَ يُدني من الإِدناء: أي يقرب إليَّ رأسه وأنا في حجرتي فأُرَجِّلَه، من الترجيل فأمشط شعر رأسه وأنظفه، وأحسنه فهو مجاز في الحذف؛ لأن الترجيل للشعر لا للرأس، أو من إطلاق اسم المحل على الحال، وفيه أن إخراج البعض لا يجرى مجرى الكل، زاد في رواية: وأنا حائض، وفيه أن الحائض طاهرة وأن يدي المرأة ليست بعورة؛ إذ لو كانت عورتين لما باشرته بهما في اعتكافه لقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧].\nقال سعيد بن زيد الباجي المالكي في إباحة تناول المرأة رأس زوجها وترجيله ولمسه جلده بغير لذة: وإنما يمنع مباشرتها بالذة وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإِنسان أي البول والغائط كما فسرها الزهري واتفق على استثنائهما.\nقال محمد: وبهذا أي: بما روته عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة ﵂ نأخذ، أي: نعمل ولا يخرج الرجل أي: المعتكف عن معتكفه إذا اعتكف أي: اعتكافًا كاملًا إلا لغائط أو بول، وكذلك المرأة المعتكفة لا تخرج عن مسجد بيتها فالمعتكف لا يخرج عن معتكفه إلا لحاجة شرعية كالجمعة والعيدين فيخرج حتى يمكنه إدراكها مع صلاة\n_________\n(١) انظر: التقريب (٢/ ٥٥٢).\n(٢) انظر: الكاشف (٣/ ٩٦).\n(٣) ها هنا سقط في المخطوطة.\n(٤) انظر: التقريب (١/ ٣٩٩).","vol":"2","page":240},{"text":"سنتها قبلها، ثم يعود إلى معتكفه أو لحاجة طبيعية بالبول والغائط وإزالة نجاسة واغتسال من الجنابة باحتلام أو لحاجة ضرورية كانعدام المسجد وأداء شهادة تعينت عليه، وإخراج ظالم قهرًا أو تصرف أهل المسجد بحيث بطلت المقعودة من الاعتكاف أو خوف على نفسه ومتاعه من المعاندين فإن خرج ساعة بلا عذر معتبر فسد الاعتكاف الواجب، ولا إثم عليه.\nقال أبو يوسف ومحمد: إذا خرج المعتكف من معتكفه أكثر اليوم فسد وإلا فلا، قال عطاء بن أبي رباح التابعي تلميذ ابن عباس ﵄ وهو أحد مشايخ أبي حنيفة ﵀: مثل المعتكف كمثل رجل يتردد ويقف على باب ملك أو أمير لحاجة يقدر على قضائها عادةً فالمعتكف يقول بلسان الحال وإن لم ينطق بلسان المقال: يا رب لا أزال قائمًا على بابك حتى تقضي جميع حوائجي في الدين (ق ٤٠٥) والدنيا فإني مكروب، اكشف كربي واغفر الذنوب التي تبعدني عنك وأعطني ما يقربني إليك كذا قاله الشرنبلالي في (مراقي الفلاح).\nوينبغي للمعتكف أن يعتبر نفسه من أهل القبور انقطع عن قومه ويتفكر يوم يقوم الناس لرب العالمين، ويبكي ويتضرع بأنواع التضرع ويقول: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم. رواه البخاري (١) عن أبي بكر ﵁، وأما في نسخة: فأما بالفاء أي: أكل الطعام والشراب فيكون في معتكفه، على صفة اسم مفعول أي: محل اعتكافه وهو عدم خروج المعتكف من معتكفه أكثر من ساعة قولُ أبي حنيفة ﵀ خلافًا لأبي يوسف ومحمد، فإن عندهما يجوز للمعتكف أن يخرج من معتكفه للضرورة أقل من نصف يوم.\n* * *\n_________\n(١) أخرجه: البخاري (٧٩٩)، ومسلم (٢٧٠٥)، والترمذي (٣٥٣١)، والنسائي في المجتبى (١٣٠١)، وعمل اليوم والليلة (١٧٩)، وابن ماجه (٣٨٣٥)، وأحمد (٨)، والنسائي في الكبرى (١٢٢٥)، (٧٧١٠)، (١٠٠٠٧)، وابن حبان (١٩٧٦)، وابن أبي شيبة (٧/ ٥٥)، وابن خزيمة (٨٤٦)، وأبو يعلى (٣١)، (٣٢)، والبيهقي في الكبرى (٢٩٥٥).","vol":"2","page":241},{"text":"٣٧٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخُدْرِيّ، قال: كان رسول الله - ﷺ - يعتكف العشر الوُسُطَ من شهر رمضان، فاعتكف عامًا، حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين، وهي الليلة التي يخرج فيها من اعتكافه، قال: \"مَن كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر، وقد رَأيتُ هذه الليلة، ثم أُنسيتها، وقد رأيتُني من صُبْحَتِها أسجد في ماء وطين، فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وتر\"، قال أبو سعيد: فَمَطَرت السماء من تلك الليلة، وكان المسجد سقفه عريشًا، فوكف المسجد، قال أبو سعيد: فأبصرتْ عيناي رسول الله - ﷺ - انصرف وعلى جَبْهته وأنفه أثر الماء والطين من صبح ليلة إحدى وعشرين.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا وفي نسخة: قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا يزيد بن عبد الله بن الهادِ، أصله الهادي بالياء حذفت لغة ووصلًا ويكنى أبا عبد الله الليثي المدني، ثقة مكثر كان من الطبقة الخامسة من أهل المدينة، مات سنة تسع وثلاثين ومائة (١) عن محمد بن إبراهيم، أي: ابن الحارث بن خالد التيمي يكنى أبا عبد الله المدني ثقة له أفراد، من الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة مات سنة عشرين ومائة (٢) عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أي: ابن عوف الزهري المدني قيل: اسمه عبد الله وقيل: اسمه إسماعيل تابعي ابن الصحابي ثقة مكثر في الطبقة الثالثة من كبار التابعين، من أهل المدينة مات سنة أربع وتسعين وكان مولده سنة بضع وعشرين كذا قاله ابن حجر (٣) عن أبي سعيد الخُدْرِيّ، ﵁.\n_________\n(٣٧٨) أخرجه: البخاري (٧٨٠)، ومسلم (١١٦٧)، وأبو داود (١٣٨٢)، وابن ماجه (١٧٦٦)، وأحمد (١٠٨٠٢)، (١١١٨٦)، ومالك (٦٨٨)، والنسائي في الكبرى (٣٣٤٨)، وابن حبان (٣٦٨٥)، وعبد الرزاق في مصنفه (٧٦٨٥)، وابن خزيمة (٢٢٢٠)، وأبو يعلى (١١٥٨)، والبيهقي في الكبرى (٨٦٧٥)، والشعب (٣٦٧٣)، والربيع في مسنده (٣٢٢).\n(١) انظر: التقريب (٢/ ٦٧٣).\n(٢) انظر: التقريب (٢/ ٤٩٨).\n(٣) انظر: التقريب (٢/ ٧٢٧).","vol":"2","page":242},{"text":"قال ابن عبد البر (١): هذا حديث يروى في هذا الباب كذا قاله السيوطي (٢) قال: كان رسول الله - ﷺ - يعتكف العشر الوُسُطَ بضم الواو والسين جمع وسطى ويروى بفتح السين مثل كبر، ورواه سعيد بن زيد الباجي بإسكانها جمع واسط، كبازل وبزل، وأما الوسط بفتح الواو والسين فيحتمل أنه جمع أوسط أو هو جمع وسيط، كما يقال: كبير أو كبر، ويحتمل أنه اسم لجمع الوقت على التوحيد كوسط الدار ووسط الوقت والشهر كذا قاله الزرقاني (٣) من شهر رمضان، والاعتكاف المطلوب شرعًا على ثلاثة أقسام: واجب في المنذور، وسنة مؤكدة في العشر الأخير من رمضان لاعتكافه - ﷺ - العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى، ومستحب في وقت من الأوقات فاعتكف عامًا، مصدر عام أي: اعتكف في رمضان في سنة حتى إذا كان ليلة بالنصب وضبطه بعضهم بالرفع فاعل كان التامة بمعنى ثبت ونحوه إحدى وعشرين، وهي الليلة التي يخرج فيها أي: من عادته أن يخرج من اعتكافه، أي: معتكفه في ليلة إحدى وعشرين قال: - ﷺ - \"مَن كان اعتكف معي أي: من أراد مرافقتي من أصحابي فليعتكف العشر الأواخر، وقد رَأيتُ وفي رواية أبي سعيد الخدري (ق ٤٠٦) \"أُريت\" بهمزة مضمومة مبني للمفعول أي: أعُلِمت هذه الليلة، نصب على أنه مفعول به لا ظرف أي: أريت ليلة القدر، وقد جزم سعيد بن زيد الباجي أن الرؤية بمعنى البصر أي: رأى علامتها أي: أعلمت له بها.\nوهي السجود في الماء والطين ثم أُنسيتها، بصيغة المجهول أي: أنسانيها الله تعالى، ولعل الحكمة في نسيانها هو أن ينغفل الناس بتعظيمها وقد رأيتُني أي: رأيت نفسي في المنام في تلك الليلة من صُبْحَتِها أي: صبحة ليلة القدر يعني: أن كلمة \"من\" بمعنى في أسجد في ماء وطين، المراد أنه - ﷺ - نسي علم تعينها تلك السنة لا رفع وجودها؛ لأمره بطلبها بقوله: فالتمسوها أي: اطلبوا ليلة القدر في العشر الأواخر، من رمضان عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: إن رسول الله - ﷺ - اعتكف العشر الأول من رمضان، ثم اعتكف العشر الأوسط، ثم قال: \"أُتيت أي: أتاني ملك من الملائكة فقيل لي: إنها في\n_________\n(١) انظر: التمهيد (٢٣/ ٥٥).\n(٢) انظر: تنوير الحوالك (١/ ٢٩٧).\n(٣) انظر: شرح الزرقاني (٢/ ٢٨٦).","vol":"2","page":243},{"text":"العشر الأواخر\" رواه البخاري. والتمسوها أي: ليلة القدر في كل وتر\"، أي: من أوتار ليالي العشر الأواخر من رمضان من ليلة إحدى وعشرين والثالث والعشرين والخامس والعشرين والسابع والعشرين والتاسع والعشرين قال أبو سعيد: أي: الخدري الذي رواه البخاري عنه فَمَطَرت السماء من تلك الليلة، يقال: في الليلة الماضية التي الليلة إلى الزوال فيقال: البارحة، وفي رواية في (الصحيحين): وما نرى في السماء قزعة فجاءت سحابة فمطرت حتى سال سقف المسجد وكان المسجد أي: مسجد المدينة سقفه مرفوع على أنه بدل البعض من الكل وهو لفظ المسجد عريشًا، أي: على مثل العريش وإلا فالعريش هو السقف أي: أنه كان مظللا بالخوص والجريد، ولم يكن محكم البناء بحيث يمكن من المطر، وفي رواية: وكان السقف من جريد النخيل فوكف المسجد، أي: قطر الماء من سقفه وهو من قبيل ذكر المحال وإرادة الحال قال أبو سعيد: فأبصرت عيناي أي: رأيت وهو تأكيد كقولك: أخذت بيدي، وإنما يقال في أمر بغير الوصول إليه إظهارًا للتعجب من تلك الحالة الغريبة رسول الله - ﷺ - انصرف علينا أي: بعد ما فرغ من صلاة الصبح وعلى جَبْهته وفي رواية \"جبينه\" وأنفه أثر الماء والطين من صلاة صبح ليلة إحدى وعشرين متعلق، بقوله: انصرف.\nوفي رواية: فنظرت إليه وقد انصرف بين صلاة الصبح ووجهة وأنفه فيهما الماء والطين تصديق رؤياه، وفيه السجود على الطين، وحمله الجمهور على الخفيف والسجود على الجبهة والأنف جميعًا فإن سجد على أنفه وحده لم يجزه وعلى جبهته وحده أساء وأجزأه قاله مالك والشافعي لا يجزيه تظاهر هذا الحديث، وقال أبو حنيفة: إذا سجد على جبهته أو ذقنه أو أنفه أجزء لخبر: \"أمرت أن أسجد على سبعة آراب\" وذكر منها الوجه فأي شيء وضع (ق ٤٠٧) من الوجه أجزاءه، وليس بشيء؛ لأن هذا الحديث ذكر فيه جمع من الحفاظ الجبهة والأنف، وأخرجه البخاري عن مالك به وطرقه كثيرة في الصحيحين وغيرهما.\nوقال ابن عبد البر (١): هذا أصح حديث في الباب كذا قاله الزرقاني (٢).\n* * *\n_________\n(١) انظر: التمهيد (٢٣/ ٥٥).\n(٢) انظر: شرح الزرقاني (٢/ ٢٨٦).","vol":"2","page":244},{"text":"٣٧٩ - أخبرنا مالك، قال: سألتُ ابن شهاب الزهري، عن الرجل المعتكف يذهب لحاجته تحت سقف؟ قال: لا بأس بذلك.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا بأس للمعتكف إذا أراد أن يقضي الحاجة من الغائط أو البول أن يدخل البيت أو يمر تحت السقف، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، قال: سألتُ ابن شهاب الزهري، أي: محمد بن مسلم بن زهرة بن كلاب، كان من الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة (١) عن حال الرجل المعتكف أي: على صفة اسم الفاعل يذهب لحاجته أي: من البول أو الغائط تحت سقف؟ أي: خراب صار مزبلة ويكون حول المسجد قال: لا بأس بذلك أي: لكن البيت أفضل إن كان له فإنه أستر وأحوط.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا بأس أي: لا يكره للمعتكف إذا أراد أن يقضي الحاجة من الغائط أو البول أن يدخل البيت أي: بيته أو يمر تحت السقف، أي: ولو كان لغيره إذا علم رضى صاحبه به وهو قولُ أبي حنيفة رحمه الله تعالى ونفعنا الله ببركته.\nلما فرغ من ما يتعلق بأحكام الصوم، شرع في بيان ذكر ما يتعلق بأحكام الحج، فقال: هذا\n* * *\n_________\n(٣٧٩) أخرجه: مالك (٦٨١).\n(١) تقدم مرارًا.","vol":"2","page":245},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>كتاب الحَجّ</span>\nفي بيان أحكام هذا كلام إضافي يجوز فيه وجهان رفعه على أنه خبر للمبتدأ المحذوف كما قدرناه ونصبه على تقدير خذ أو اقرأ ونحوها.\nوالكتاب لغة إما مصدر بمعنى الكتب، وهو سمي به المفعول للمبالغة واصطلاحًا طائفة من المسائل، واختار المصنف لفظ كتاب على باب؛ لأن في لفظ الكتاب معنى الجمع يقال: كتبت الخيل أي: جمعت، والباب بمعنى النوع، وكان غرضه بيان أنواع الحج لأنواعه، وإضافة الكتاب إلى الحج من قبيل إضافة العام إلى الخاص، عقب الإِمام الصوم بالحج اتباعًا بقوله - ﷺ -: \"بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان والحج\" (١) رواه مسلم عن سعد بن عبيدة عن ابن عمر أن الحج بالفتح والكسر في اللغة: القصد أو قصد معظم، وفي الشرع: زيارة مكان مخصوص في زمان مخصوص بفعل مخصوص، والمراد بالزيارة المخصوصة الطواف بالبيت الحرام والوقوف بعرفات، والمراد بالمكان المخصوص البيت الشريف والجبل المسمى عرفات، والمراد بالزمان المخصوص زمان من طلوع الفجر يوم النحر إلى آخر العمر، وفي الوقوف بجبل عرفات من زوال الشمس يوم عرفة إلى طلوع الفجر يوم النحر، والمراد بالفعل المخصوص الطواف الفرض والسعي بين الصفا والمروة كذا قاله التمرتاشي.\nواستنبط المصنف، ﵀، هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] فرض الحج في السنة السادسة من الهجرة، وحج رسول الله - ﷺ - في السنة العاشرة منها كذا قاله السيواسي في (الفوائد).\n_________\n(١) أخرجه: البخاري (٨)، ومسلم (١٦)، والترمذي (٢٦٠٩)، والنسائي في المجتبى (٥٠١٦)، وأحمد (٥٦٣٩)، والنسائي في الكبرى (١١٧٣٢)، وابن حبان (١٥٨)، وابن خزيمة (٣٠٨)، والطبراني في الكبير (١٣٥١٨)، والأوسط (٦٢٦٤)، وأبو يعلى (٥٧٨٨)، والبيهقي في الكبرى (٧٣٢٢)، والشعب (٣٥٦٧).","vol":"2","page":247},{"text":"وقال علي القاري في (شرح الحديث الأربعين) للنووي: فرض الحج في السنة الخامسة أو السابعة (ق ٤٠٨) أو التاسعة انتهى، ولكل وجه وفرضيته ثابتة بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] وفي هذه الآية أنواع من التأكيد منها قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ﴾ يعني: أنه حق واجب لله في رقاب الناس؛ لأن على للإِلزام، ومنها أنه ذكر الناس ثم بدل منه من استطاع إليه وهي ضربان من التأكيد أحدهما: أن الإِبدال تنبيه للمراد وتكرير له والثاني: الإِيضاح بعد الإِبهام والتفصيل بعد الإِجمال وإيراد له في صورتين مختلفتين، ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ [آل عمران: ٩٧] مكان ومن لم يحج تغليظًا على تارك الحج؛ ولذا قال رسول الله - ﷺ -: \"من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهوديًا أو نصرانيًا\" (١) ومنها ذكر الاستغناء وذا دليل السخط على التارك والخزلان، ومنه قوله تعالى: ﴿عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ولم يقل عنه؛ لأنه إذا استغنى عن العالمين تناوله الاستغناء لا محالة؛ ولأنه يدل على الاستغناء الكامل فكان أدل على عظم السخط، كذا نقله عبد الرحمن المدعو بشيخ زادة عن صاحب (الكشاف) في (مجمع الأنهر).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>باب المواقيت</span>\nفي بيان أحكام المواقيت جمع الميقات وهو مكان الإِحرام فلا يجوز للحاج أو المعتمر أن يجاوزه إلا محرمًا، وفي لفظ المواقيت إشارة إلى أن موضع الإِحرام مختلف ومتعدد، واعلم أن الإِحرام شرط للمنسك، وهي فرضان عندنا النية والتلبية وكونه الميقات واجب، وميقات المكي ومن بمعناه للحج الحرام أو للعمرة الحل وأما ميقات الآفاق البعيدة من مكة فمما سيأتي في هذا الباب.\n٣٨٠ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع مولى عبد الله، عن عبد الله بن عمر: أن\n_________\n(١) أخرجه: الدارمي (١٧٣٣)، وابن أبي شيبة (٤/ ٣٩٢)، والبيهقي في الكبرى (٨٧٤٣)، والشعب (٣٩٧٩)، والروياني (١٢٤٦)، والفاكهي في أخبار مكة (٨٠١)، كلهم من حديث أبي أمامة، وقال الروياني: ضعفه الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير (٢/ ٢٢٢).\n(٣٨٠) أخرجه: البخاري (١٣٣)، ومسلم (١١٨٢)، والترمذي (٨٣١)، والنسائي في المجتبى (٢٦٥٠)، وابن ماجه (٢٩١٤)، وأحمد (٥١٥٠)، ومالك (٧٢٠)، والنسائي في الكبرى =","vol":"2","page":248},{"text":"رسول الله - ﷺ - قال: \"يُهلّ أهل المدينة من ذي الْحُلَيْفَة، ويُهلّ أهل الشام من الجُحْفَة، ويُهَلّ أهل نجد من قَرْنٍ\"، قال عبد الله بن عمر: ويزعمون أنه قال: \"ويُهلّ أهل اليمن من يَلَمْلَم\".\n• أخبرنا مالك، ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، يعني منسوب إلى ملك ذي أصبح، من ملوك اليمن، وكان في الطبقة السابعة من طبقات أتباع التابعين، من أهل المدينة، كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة (١)، وفي نسخة: محمد قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة: حدثنا وفي نسخة: عن نافع مولى عبد الله، عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله - ﷺ - قال: وللبخاري من طريق الليث عن نافع بن عمر أن رجلًا قام في المسجد فقال: يا رسول الله من أين تأمرنا أن نهل قال: \"يهل\" بضم أوله أي: يحرم.\nوعن النووي (٢) قال العلماء: الإِهلال رفع الصوت بالتلبية عند الدخول في الإِحرام. ذكره السيوطي (٣).\nوالمراد بالإِهلال الإِحرام، وهو يحصل بمجرد النية، والتلبية عندنا إجماعًا وبمجرد النية عند مالك والشافعي وأحمد، وأما رفع الصوت بالتلبية مستحب إجماعًا.\nوالحاصل: أن رفع الصوت بالتلبية ليس بشرط في تحقق الإِحرام، وإنما هو بيان كماله الشرعي بناءً على اعتبار معناه اللغوي. كذا قاله علي القاري.\nأما حكمة التلبية؛ فإن الإِنسان إذا ناده أحد جليل القدر أجاب بالتلبية فكيف من ناداه مولاه علام الغيوب ودعاه إلى جانبه ليكفر عنه الذنوب والآثام، وإذا قال عبدٌ: لبيك يقول الرب: أنا إليك ومتجل عليك، فاسئل ما تريد، (ق ٤٠٩) وأنا أقرب إليك من حبل الوريد كذا في (خواتم الحكم) قوله: \"يُهلّ خبر حقيقة وإنشاء معنى وأمرا في يُهلّ\n_________\n= (٨٦٣٢)، (٥٩٠٢)، وابن حبان (٣٧٦١)، وابن أبي شيبة (٤/ ٣٤٩)، وابن خزيمة (٢٥٩٣)، والشافعي في المسند (٥٢٤)، وأبو يعلى (٥٨٠٣)، والبيهقي في الكبرى (٨٩٨٩)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٢/ ١١٨)، والحميدي (٦٢٣) من حديث ابن عمر.\n(١) تقدم مرارًا.\n(٢) انظر: تحرير ألفاظ التنبيه (ص: ١٣٧).\n(٣) انظر: تنوير الحوالك (١/ ٣٠٧).","vol":"2","page":249},{"text":"أهل المدينة أي: من داخل المدينة أو قراها من ذي الْحُلَيْفَة، بضم الحاء المهملة وفتح اللام وسكون التحتية والفاء المفتوحة مصغر حلفة مكان معروف، وهي قرية خربت بينها وبين مكة مائتا ميل كذا قاله ابن حزم، وقال غيره: بينهما عشرة مراحل وتسعة، وبينها وبين المدينة ستة أميال، وقول ابن الصباغ: ميل واحد وهم يروه الحسن، وبها مسجد يعرف بمسجد الشجرة خراب وبها بئر يقال لها: بئر علي، وهي أبعد المواقيت من مكة فقيل: حكمة ذلك أن يعظم جوار أهل المدينة رفعًا بأهل الآفاق؛ لأن المدينة أقرب الآفاق إلى مكة أي: من له ميقات معين ويُهلّ أهل الشام زاد النسائي من حديث عائشة \"ومصر\" وزاد الشافعي في روايته \"والمغرب\" من الجُحْفَة، بضم الجيم وسكون الحاء المهملة، وهي قرية خربت بينها وبين مكة خمس مراحل أو ست، وقول النووي (١): ثلاث مراحل فيه نظر، وهي الجحفة اسمها في الأصل مَهْيَقة بفتح الميم وسكون الهاء وفتح التحتية بوزن علقمة، وقيل: بوزن علقمة والمشهور الأول، وسميت الجحفة؛ لأن السيل أجحف أي: استأصل قومًا نزلوا بها.\nقال ابن الحاسبي: كان العماليق يسكنون يثرب فوقع بينهم وبين بني عبيل بفتح العين المهملة وكسر الموحدة وهم أخوة فأخرجوهم من يثرب، فنزلوا مهيعة فجاء سيل فأجحفهم أي: استأصلهم فسميت والمصريون الآن يحرمون من رابغ براء مهملة وموحدة وغير معجمة قرب الجحفة، لكثرة حمائها فلا ينزل بها أحد إلا حم. ويُهَلّ أهل نَجْد كل مكان مرتفع وهو اسم لعشرة مواضع، والمراد هنا التي أعلى تهامة واليمن وأسفلها الشام والعراق من قَرْنٍ\"، بفتح القاف وسكون الراء فنون بلا إضافة، وفي حديث ابن عباس في الصحيحين: قرن المنازل (٢) \"بلفظ\" جمع المنزل والمركب الإِضافي هو اسم المكان وضبط الجوهري (٣) قرن بفتح الراء وغلطوه وبالغ النووي (٤) محكمي الاتفاق حكى تخطئته في\n_________\n(١) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم (٨/ ٨١).\n(٢) أخرجه: البخاري (١٤٥٢)، ومسلم (١١٨١)، من حديث ابن عباس.\n(٣) انظر: مختار الصحاح (ص: ٢٢٢).\n(٤) قال: بفتح القاف وإسكان الراء بلا خلاف بين أهل العلم من أهل الحديث واللغة والتاريخ والأسماء وغيرهم، وغلط الجوهري فيه غلطتين، فقال: بفتح الراء، وزعم أن أويسًا القرني ﵁ منسوب إليه، والصواب: إسكان الراء، وأن أويسًا منسوب إلى قبيلة معروفة يقال لها: بنو قرن، وهي بطن من مراد، والقبيلة المعروفة ينسب إليها المرادي، شرح مسلم (٨/ ٨١).","vol":"2","page":250},{"text":"ذلك، وفي نسبة أويس القرني إليه هو منسوب إلى قبيلة بني قرن بطن من مراد لكن حكى العياض عن القاسبي أن من سكن الراء أراد الجبل، ومن فتح أراد الطريق والجبل المذكور بينه وبين مكة من جهة المشرق مرحلتان وفي (أخبار مكة) (١) للفاكهي: أن قرن الثعالب جبل مشرف على أسفل من بينه وبين مسجد مني ألف وخمسمائة ذراع سمي قرن الثعالب لكثرة ما كان يأوي إليه من الثعالب، فقد ظهر أنه ليس من المواقيت قال عبد الله بن عمر بن الخطاب راوي الحديث ويزعمون أي: يقول بعض الصحابة والتابعين أنه أي: النبي - ﷺ - قال: \"ويُهلّ أي: يدخل في الإِحرام أهل اليمن وعده من أهل الهيئة من الإِقليم الأول من الأقاليم السبعة، وليحيى: قال عبد الله بن عمر: وبلغني أن رسول الله - ﷺ - قال: \"يهل أهل اليمن (ق ٤١٠) من يَلَمْلَم\" بفتح التحتية واللام وسكون الميمين بينهما اللام المفتوحة مكان جنوبي مكة على مرحلتين بمكة بينهما ثلاثون ميلًا، ويقال: ألملم بالهمزة وهو الأصل والياء تسهيل لها. وحكى ابن السيد (٢) وفيه يرمرم برائين بدل اللامين، وللبخاري من طريق الليث عن نافع عن ابن عمر لم أفقه هذه من النبي - ﷺ -، وفي الصحيحين عن سالم عن أبيه: وزعموا أن النبي - ﷺ - يهل أهل اليمن من يَلَمْلَم وهي من استعمال الزعم على القول المحقق، وهو يشعر بأن الذي بلغ ابن عمر ذلك جماعة. وقد ثبت ذلك عن ابن عباس في (الصحيحين) وجابر عن مسلم إلا أنه قال: حسبه رفعه عائشة عند النسائي والحارث بن عمرو السهمي عند أحمد وأبي داود والنسائي.\nقال ابن عبد البر (٣): اتفقوا على أن ابن عمر لم يسمع ذلك من النبي - ﷺ -، ولا خلاف بين العلماء أن مرسل الصحابي صحيح حجة، وكأنه لم يعتبر قول أبي إسحاق الإِسفرائيني أنه ليس بحجة، وهذا الحديث رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف ومسلم عن يحيى وأبو داود عن القعنبي وأحمد بن يونس كلهم عن مالك\n* * *\n_________\n(١) انظر: أخبار مكة (٤/ ٢٨١، ٢٨٢).\n(٢) انظر: إعانة الطالبين (٢/ ٣٠٢)، وحاشية البجرمي (٢/ ١١١)، وشرح الزرقاني (٢/ ٣٢١)، ومواهب الجليل (٣/ ٣١)، وحاشية العدوي (١/ ٦٥٤)، وفتح الباري (٣/ ٣٨٦)، ومعجم ما استعجم (٤/ ١٣٤٧)، ومعجم البلدان (٥/ ٤٣٣).\n(٣) انظر: التمهيد (٥/ ١٣٧)، وشرح الزرقاني (٢/ ٣٢١).","vol":"2","page":251},{"text":"٣٨١ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، أنه قال: قال عبد الله بن عمر: أمر رسول الله - ﷺ - أهل المدينة أن يُهلّوا من ذي الْحُلَيْفَةَ، وأهلَ الشام من الجُحْفَة، وأهل نَجْد من قَرْنٍ، قال عبد الله، أما هؤلاءِ الثلاثة فسمعتُهنّ من رسول الله - ﷺ -، وأخْبرتُ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"وأمَّا أهل اليمن فَيُهِلُّونَ من يَلَمْلَم\".\n• أخبرنا مالك، في نسخة: محمد قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة أخرى: ثنا، رمزًا إلى حدثنا، أخبرنا وفي نسخة: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا وكلاهما رمزًا إلى أخبرنا، وفي نسخة: قال: ثنا، عبد الله بن دينار، العدوي سيدهم يكني أبا عبد الرحمن المدني مولى ابن عمر، ثقة تابعي، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع وعشرين ومائة من الهجرة (١) أنه قال: قال عبد الله بن عمر: ﵄ أمر رسول الله - ﷺ - أهل المدينة أن يُهلّوا أي: أن يدخلوا في الإِحرام بأن يقولوا: اللهم إني أريد الحج لله لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك لا شريك لك من ذي الْحُلَيْفَةَ، قد مر بيانها في الحديث السابق، ففي هذا أن الخبر في رواية نافع مراد به الأمر، ولذا أتى به الإِمام تلوه، فهو من حسن التأليف وأهلَ الشام أي: أمرهم أن يهلوا من الجُحْفَة، وأهل نَجْد من قَرْنٍ، أي: قرن المنازل لا قرن الثعالب كذا قاله الزرقاني (٢).\nقال عبد الله، ابن عمر أما هؤلاءِ أي: المواضع الثلاثة أي: المذكورة فسمعتُهنّ من\n_________\n(٣٨١) أخرجه: البخاري (١٤٥٣)، ومسلم (١١٨٢)، والترمذي (٨٣١)، والنسائي في المجتبى (٢٦٥٠)، (٢٦٥٤)، وابن ماجه (٢٩١٤)، وأحمد (٢١٥٠)، ومالك (٧٢٠)، والنسائي في الكبرى (٣٦٣١)، وابن حبان (٣٧٥٩)، وابن أبي شيبة (٤/ ٣٤٩)، وابن خزيمة (٢٥٩٣)، والشافعي في المسند (٥٢٢)، (٥٢٣)، والطبراني في الأوسط (٤٩٥٨)، والبيهقي في الكبرى (٨٩٨٧)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٢/ ١١٨)، وأبو يعلى (٥٤٧٥)، والكفاية (ص: ٧٣)، من طرق عن ابن عمر.\n(١) تقدم مرارًا.\n(٢) انظر: شرح الزرقاني (٢/ ٣٢١، ٣٢٢)، والتمهيد (١٥/ ١٣٧، ١٣٨).","vol":"2","page":252},{"text":"رسول الله - ﷺ -، أي: من غير واسطة وأخْبرتُ على بناء المجهول للمتكلم وحده أي: سمعت من الصحابة أن رسول الله - ﷺ - قال: \"وأمَّا أهل اليمن فَيُهلُّونَ من يَلَمْلَم\"، ولم أسمع ذلك منه - ﷺ -. وحكى الأثرم عن أحمد أنه سئل أي سنة وقت النبي - ﷺ - المواقيت فقال عام حج.\nوفي الحديثين حرمة مجاوزة هذه المواقيت لمريد الحج والعمرة بلا إحرام وبه قال الأئمة الأربعة والجمهور وقالوا: عليه الدم لكن بدليل آخر.\n* * *\n\n٣٨٢ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن ابن عمر (ق ٤١١) أحْرَمَ من الفُرْع.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا حدثنا وفي نسخة: بنا، وفي نسخة أخرى: عن نافع، أي: المدني مولى ابن عمر ﵄ أن ابن عمر أحْرَمَ من الفُرْع (١) بضم الفاء وسكون الراء المهملة موضع بناحية المدينة يقال: هو أول قرية مارت إسماعيل وأمه التمر بمكة، وفيها عينان يقال لهما: المربض والنخف كانتا تسقيان عشرين ألف نخلة كانت لحمزة بن عبد الله بن الزبير، والربض: منابت الأراك في الأرض قال ابن عبد البر (٢): محله عند العلماء أنه مر بميقات لا يريد إحرامًا ثم بدا له فأهل منه وجاء إلى الفرع من مكة أو غيرها ثم بدا له في الإِحرام كما قاله الشافعي وغيره، وقد روى حديث المواقيت، ومحال أن يتعداه مع علمه به فوجب على نفسه وما هذا لا يظنه عالم.\n* * *\n\n٣٨٣ - أخبرنا مالك، أخبرني الثِّقَة عندي، أنَّ ابن عمر أحْرَمَ من إيلْيَاء.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، هذه مواقيت وَقَّتَها رسول الله - ﷺ -، فلا ينبغي لأحد أن يُجَاوِزَهَا إذا أراد حَجّا أو عُمْرَةً، إلا مُحْرِمًا، وأما إحرام عبد الله بن\n_________\n(٣٨٢) أخرجه: مالك (٧٢٢)، والبيهقي في الكبرى (٩٠٠٤).\n(١) انظر: معجم البلدان (٤/ ٢٥٢).\n(٢) انظر: التمهيد (١٥/ ١٥١)، وشرح الزرقاني (٢/ ٣٢٣).\n(٣٨٣) أخرجه: مالك (٧٢٣)، عن الثقة عنده.","vol":"2","page":253},{"text":"عمر من الفُرْع، وهو دون ذي الحُلَيْفَةَ إلى مكة، فإنَّ أمامها وقتٌ آخر، وهو الْجُحْفَة، وقد رُخِّصَ لأهل المدينة أن يُحرِموا من الجُحْفَة؛ لأنها وقت من المواقيت. بلغنا عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"من أحب منكم أن يستمتع بثيابه إلى الجحفة فليفعل\"، أخبرنا بذلك أبو يوسف، عن إسحاق بن راشد، عن أبي جعفر محمد بن عليّ، عن النبي - ﷺ - (١).\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا، أخبرني الثِّقَة عندي، أي: ربيعة بن أبي عبد الرحمن؛ اسمه فروخ ثقة تابعي فقيه مشهور، كان من الطبقة الخامسة من أهل المدينة، مات سنة ست وثلاثين ومائة، كذا قاله ابن حجر (٢) لما مرَّ من أن الثقة إذا أطلق يراد به ربيعة بن فروخ، وقال الزرقاني (٣): المراد بالثقة قيل: هو نافع أنَّ ابن عمر ﵄ أحْرَمَ أي: مرة من إيلْيَاء وبكسر أوله ممدودًا مخففًا، وقد يشدد الياء الثانية ويقصد الحاسمة اسم مدينة بيت المقدس، كذا في النهاية. وفيه جواز تقديم الإِحرام على الميقات بل قيل: هو الأفضل إذا أمكن ارتكاب المحظور، ويؤيده ما رواه الحاكم أنه سئل علي - كرم الله وجهه - عن قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] قال: أن تحرم من دويرة أهلك (٤). فالإِتمام في الآية بمعنى الإِكمال فيحمل الأمر على الاستحباب. كذا قاله علي القاري.\nوقال الزرقاني (٥): وأما كراهة تقديم الإِحرام على الميقات فهي خوف أن يعرض للمحرم إذا بعدت مسافته ما يفسد إحرامه، وأما قصيرها فلما فيه من التباس الميقات والتحليل عنه، وهذا مذهب مالك وجماعة من السلف، فأنكر عمر على عمران بن حصين إحرامه من البصرة، وأنكر عثمان بن عفان على عبد الله بن عامر إحرامه قبل الميقات.\nقال ابن عبد البر (٦): وهذا من هؤلاء - والله أعلم - كراهة أن يضيق المرء على نفسه\n_________\n(١) محمد بن علي، عن النبي - ﷺ - مرسل.\n(٢) انظر: التقريب (١/ ١٧٢).\n(٣) انظر: شرح الزرقاني (٢/ ٣٢٤).\n(٤) أخرجه: ابن أبي شيبة (٤/ ١٩٥)، والحاكم (٣٠٩٠)، والبيهقي في الكبرى (٨٧٨٧) (٩٠٠٩).\n(٥) انظر: شرح الزرقاني (٢/ ٣٢٤).\n(٦) انظر: شرح الزرقاني (٢/ ٣٢٤).","vol":"2","page":254},{"text":"ما وسع الله عليه، وأن يتعرض لما لا يُؤمَن أن يحدث في إحرامه، وذهب جماعة إلى جوازه من غير كراهة وبه قال الشافعية، وإن كان الأفضل الميقات من الإِحرام اقتداءً بفعله - ﷺ -، وأما حديث أبي داود عن أم سلمة مرفوعًا: \"من أهلَّ بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ووجبت له الجنة\" (١) ورواه ابن ماجه بلفظ: \"من أهلَّ بعمرة من بيت المقدس كانت كفارة لما قبلها من الذنوب\" (٢) وفي لفظ: \"من أهلَّ بعمرة من بيت المقدس غفر له\" (٣) فحديث معلول قال المنذري (٤): اختلف الرواة في متنه وإسناده اختلافًا كثيرًا وضعفه عبد الحق وغيره.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: إنما نعمل بما رواه الثقة هذه أي: المواضع مواقيت أي: أماكن موقتة وَقَّتَها أي: بيَّنها وعينها رسول الله - ﷺ -، لأهلها أي: لأهل المواقيت فلا ينبغي أي: لا يحل لأحد أن يُجَاوِزَهَا أي: المواقيت إذا أراد حَجّا أو عُمْرَةً، أي: بحجة أو عمرة أو بهما، ثم قيد أراد بهما غالبي وإلا (ق ٤١٢) فلا يحل لأحد من الأفاقي أن يتجاوز أحد المواقيت بلا إحرام إذا أراد دخول الحرم سواء أراد أحد النسكين أو لم يرد خلافًا للشافعي، ويؤيد مذهبنا ما رواه ابن أبي شيبة عن ابن عباس ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: \"لا يجاوز أحد الميقات إلا بإحرام\" (٥) وأما دخوله - ﷺ - عام الفتح بغير إحرام\n_________\n(١) أخرجه: أبو داود (١٧٤١)، والبخاري في التاريخ الكبير (١/ ١٦١)، وابن ماجه (٢٩٩٢)، وأحمد (٢٦٠١٧)، (٢٦٠١٨)، وابن حبان (٣٧٠١)، والدارقطني (٢/ ٢٨٣)، والطبراني في الأوسط (٦٥١٥)، وأبو يعلى (٦٩٢٧)، والبيهقي في الكبرى (٩٠٠٧)، والشعب (٤٠٢٦)، والمقدسي في فضائل مكة (٥٩)، والفاكهي في أخبار مكة (٨٨٥).\nوقال البخاري: فيه محمد بن عبد الرحمن بن عيسى.\nقال البخاري: ولا يتابع في هذا الحديث.\nوقال الذهبي: غريب، الميزان (٦/ ٧١).\nوقال ابن حجر: لا يثبت، التلخيص (٢/ ٢٣٠).\n(٢) أخرجه: ابن ماجه (٢٩٩٢).\n(٣) أخرجه: ابن ماجه (٢٩٩٣).\n(٤) انظر: الترغيب والترهيب (٢/ ١٢١، ١٢٢).\n(٥) أخرجه: ابن أبي شيبة (٤/ ٥٠٩) موقوفًا على ابن عباس (٤/ ٥٠٩) عن خصيف بن سعيد بن جبير مرفوعًا بلفظ: \"لا يجاوز أحد الوقت إلا المحرم\".","vol":"2","page":255},{"text":"فحكم مخصوص له وللصحابة بذلك الوقت؛ ولهذا قال رسول الله - ﷺ - في ذلك اليوم: \"إنها - أي: مكة - لا تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي وإنما أحلت لي ساعة من نهار ثم عادت حرامًا\" (١) ما يعني في الدخول بغير إحرام للإِجماع على الدخول بعده - ﷺ - للقتال مع الإحرام وأما إحرام عبد الله بن عمر من الفُرْع، وهو أي: الفرع دون أي: أقرب ذي الحُلَيْفَةَ إلى مكة، فإنَّ أمامها أي: قدامِ بقعة ذي الحليفة أو الفرع وقتٌ آخر أي: ميقات آخر متأخر وهو الْجُحْفَة، وقد رُخِّص بصفة المجهول أي: وقت الرخصة لأهل المدينة أن يُحرِموا من الجُحْفَة أي: سواء مروا على ذي الحليفة أم لا؛ لأنها وقت أي: ميقات من المواقيت والواجب أن لا يتجاوز عنه وأطلق الميقات لا عن الميقات الأول بلغنا عن النبي - ﷺ - أي: بإسناد الآتي أنه قال: من أحب منكم أي: يا أهل المدينة أن يستمتع بثيابه أي: بأن يلبس وأن يؤخر إحرامه إلى الجحفة فليفعل.\nوالحاصل: أن هذا رخصة، والإِحرام من الميقات الأول عزيمة، ولو لم يحرم المدني من ذي الحليفة وأحرم من الجحفة لا شيء عليه عندنا خلافًا للشافعي، ولكن كره بالاتفاق خروجًا عن الخلاف، فإنه مستحب إلا عند ابن أمير الحاج من أصحابنا ذكره في منسكه: إن تجاوز المدني إلى الجحفة في زماننا أفضل فإن المحرم ربما يرتكب محرمات في الطريق إذا طالت عليه المسافة وأخبرنا بذلك أي: بالحديث المتقدم أبو يوسف، عن إسحاق بن راشد، عن محمد بن علي عن أبي جعفر محمد الباقر بن زين العابدين بن عليّ، بن الحسين بن علي ﵃ وسمي هذا السند سلسلة الذهب عن النبي - ﷺ - بذلك.\nلما فرغ من بيان المواضع للإِحرام، شرع في بيان زمانه، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>باب الرجل يحرم في دبر الصلاة وحيث ينبعث به بعيره</span>\nفي بيان حكم حال الرجل يحرم أي: يدخل في الإِحرام مع رفع الصوت بالتلبية في دبر الصلاة، أي: عقب الصلاة التي كانت سنة الإِحرام، وحيث ينبعث به بعيره أي: يلبي مع رفع الصوت للإِحرام حين تقيمه راحلته، والباء للتعدية استنبط المصنف - رحمه الله تعالى - هذه الترجمة من فعله - ﷺ - كان يصلي في مسجد ذي الحليفة ركعتين فإذا استوت راحلته أهلَّ\n_________\n(١) أخرجه: البخاري (١١٢).","vol":"2","page":256},{"text":"أي: لبَّى برفع الصوت رواه الشيخان (١) وغيرهما من حديث أنس بن مالك - ﵁ - ومن قوله تعالى: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ الآية [الشمس: ١٢] الآية المراد بالانبعاث: القيام.\n* * *\n\n٣٨٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أنَّ عمر كان يصلي في مسجد ذي الْحُلَيْفَة، فإذا انبعثت به راحلته أحرم.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا وفي نسخة: عن نافع، أي: المدني مولى ابن عمر عن ابن عمر، أنه وفي نسخة: أنَّ عمر ﵁ كان أي: إذا (ق ٤١٣) قصد أحد النسكين يصلي في مسجد ذي الْحُلَيْفَة، أي: سنة الإِحرام فإذا انبعثت به أي: إذا أقامت راحلته أحرم أي: إن أراد حجًا مفردًا يقول عقب الركعتين: اللهم إني أريد الحج فيسره لي وتقبله مني، ثم يقول برفع الصوت: لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك ففيه صلاة الركعتين قبل الإِحرام وأنهما نافلتان.\nوبه قال الجمهور خلفًا وسلفًا، واستحب الحسن البصري الإِحرام بعد صلاة فرض؛ لأنه روى أن الركعتين كانتا صلاة الصبح وأجيب عنه بأن هذا لم يثبت، وهذا حديث موقوف على عمر حقيقةً ومرسلٌ مرفوع حكمًا وصله الشيخان وغيرهما في حديث أنس من طريق صالح بن كيسان عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ -: كان يصلي في مسجد ذي الحليفة ركعتين فإذا استوت به راحلته أهل (٢).\n* * *\n_________\n(١) أخرجه: البخاري (١٠٣٩)، ومسلم (٦٩٠)، وأبو داود (١٧٧٣)، والنسائي في المجتبى (٤٧٦)، وأحمد (١٤٦٢٢)، والدارمي (١٤٧٧)، والنسائي في الكبرى (٣٤٢)، (٣٥٣)، وابن حبان (٢٧٤٣)، وابن أبي شيبة (٢/ ٣٣١)، وعبد الرزاق في مصنفه (٤٣١٦)، وابن خزيمة (٩٤٨)، والشافعي في المسند (٩٣)، والطبراني في الأوسط (٨٢٠٠)، وابن الجارود في المنتقى (١٤٥)، وأبو يعلى (٣٦٣٣)، والبيهقي في الكبرى (٥٥٤٤)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٤١٧)، والخطيب في التاريخ (٣/ ٤٠٥)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ١٥٨)، والحميدي (١١٩٣)، والربيع في مسنده (٩١٧) من طرق عن ابن عباس.\n(٣٨٤) أخرجه: البخاري (١٤٧٩)، ومالك (٧٢٩)، والبيهقي في الكبرى (٩٠٥٩).\n(٢) تقدم.","vol":"2","page":257},{"text":"٣٨٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا موسى بن عُقْبَةَ، عن سالم بن عبد الله، أنَّه سمع ابن عمر يقول: بَيْدَاؤكُم هذه التي تكذبون على رسول الله - ﷺ - فيها، ما أَهَلَّ رسول الله - ﷺ - إلا من عند المسجد، مسجد ذي الحُلَيْفَة.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، يُحْرِمُ الرجل إن شاءَ في دُبُرِ صلاته، وإنْ شاء حين يَنْبَعِث به بعيره، وكُلٌّ حَسَنٌ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامةِ من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا، رامزًا إلى أخبرنا موسى بن عُقْبَةَ، بضم العين المهملة وسكون القاف ابن أبي عياش بتحتانية ومعجمة الأسدي مولى الزبير، ثقة، فقيه في المغازي لم يصح أن ابن معين لينه كان في الطبقة الثالثة، من التابعين، مات سنة إحدى وأربعين، وقيل بعد ذلك كذا في (التقريب) (١) عن سالم بن عبد الله، أي: ابن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، يكنى أبا عمر أو أبا عبد الله المدني، أحد الفقهاء السبعة، كان عابدًا فاضلًا وكان يشبَّه بأبيه في الهدي والسمت، وكان في الطبقة الثامنة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات سنة ست ومائة على الصحيح كذا قاله ابن حجر (٢) أنَّه أي: سالم سمع ابن عمر يقول: بَيْدَاؤكُم بالمد أهالي مفازتكم هذه التي فوق علمي ذي الحليفة لمن صعد الوادي قاله أبو عبيد البكري وغيره وأضافها إليهم لكونهم كذبوا بسببها كذبًا يحصل لها به الشرف تكذبون على رسول الله - ﷺ - أي: عنده - ﷺ - فيها، أي: بسببها ففي للتعليل نحو قوله تعالى في سورة يوسف: ﴿لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢] وحديث: \"دخلت النار امرأة في هرة\" فتقول: إنه أحرم منها ولم يحرم منها وما أهل وللحميدي عن سفيان عن ابن عقبة\n_________\n(٣٨٥) أخرجه: مسلم (١١٨٦)، وأبو داود (١٧٧١)، والنسائي في المجتبى (٢٧٥٦)، وأحمد (٥٣١٥)، ومالك (٧٢٧)، والنسائي في الكبرى (٣٧٣٨)، وابن حبان (٣٧٦٢)، وابن خزيمة (٢٦١١)، والبيهقي في الكبرى (٩٠٦٦)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٢/ ١٢٢)، وابن حزم في حجة الوداع (٥٢٠).\n(١) انظر: التقريب (٢/ ٦١١).\n(٢) انظر: التقريب (١/ ١٩٤).","vol":"2","page":258},{"text":"بسنده والله وما أَهَلَّ رسول الله - ﷺ - إلا من عند المسجد، يعني: مسجد ذي الحُلَيْفَة أي: بعد فراغه من صلاته عنده، ولمسلم من طريق حاتم بن إسماعيل عن موسى بن عقبة: ما أهل إلا من عند الشجرة حين قام به بعيره، ولا خلفه فالشجرة عند المسجد قال الحافظ: وكان ابن عمر ينكر رواية ابن عباس عند البخاري بلفظ: ركب راحلته حتى استوت به على البيداء، وقد زال الإِشكال ما رواه أبو داود والحاكم (١) من طريق سعيد بن جبير، قلت لابن عباس: عجبت لاختلاف أصحاب رسول الله - ﷺ - في إهلاله فقال: إني لأعلم الناس بذلك (ق ٤١٤)، إنما كانت من رسول الله - ﷺ - حجة واحدة فمن هناك اختلفوا خرج - ﷺ - حاجًا فلما صلى في مسجد ذي الحليفة ركعتين أوجب في مجلسه فأهل بالحج حين فرغ منهما، فسمع ذلك منه قوم فحفظوه، ثم ركب فلما انتقلت به راحلته أهل وأدرك ذلك قوم لم يشهدوا في المرة الأولى فسمعوه حين ذاك فقالوا: إنما أَهَلّ حين انتقلت راحلته، ثم مضى فلما علا شرف البيداء أهل وأدرك ذلك قوم لم يشهدوه فنقل كل واحد ما سمعه، وإنما كان إهلاله من مصلاه، وايم الله ثم أهل ثانيًا وثالثًا فعلى هذا كان إنكار ابن عمر من يخص الإِهلال بالقيام على شرف البيداء، وقد اتفق فقهاء الأمصار على جواز جميع ذلك، وإنما الخلاف في الأفضل انتهى.\nقال عياض: ليس من شرط الكذب العمد، فقول ابن عمر محمول على أن ذلك وقع منهم سهوًا إذا لم يظن به نسبة الصحابة إلى الكذب الذي لا يحل، وبسط هذا الولي العراقي فقال: إن قلت: كيف جعلهم كاذبين مع أنه وقع منهم باجتهاد فلا يطلق عليه الكذب، وإنما يطلق الخطأ قلت: الكذب عند أهل السنة: الإِخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه عمدًا في صدق اسم الكذب، فإن قلت: كان ينبغي الاحتراز عن هذه اللفظة؛ لأن المفهوم منها الذم والقائلون بذلك غير مذمومين بل مشكورون لصدوره عن اجتهاد قلت: زاد ابن عمر التنفير عن هذه المقالة يشنعها على قائلها ليحذر مع صدق اللفظ الذي ذكره. كذا قاله الزرقاني (٢).\n_________\n(١) أخرجه: أبو داود (١٧٧٠)، وأحمد (٢٣٥٤)، والحاكم (١٦٥٧)، والبيهقي في الكبرى (٩٠٦١).\n(٢) انظر: شرح الزرقاني (٢/ ٣٢٩).","vol":"2","page":259},{"text":"قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: بما ذكر في الحديثين جوازًا يُحْرِمُ أي: يدخل الرجل في الإِحرام إن شاءَ في دُبُرِ أي: عقب صلاته، أي: هو الأفضل وإنْ شاء حين يَنْبَعِث به أي: يقيمه بعيره، أي: دابته وكُلٌّ حَسَنٌ، أي: والأول أحسن وقد قال تعالى في سورة الزمر: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٥] وهو قولُ أبي حنيفة، والعامةِ من فقهائنا اعلم أن الأفضل يحرم عقب صلاة ركعتي الإِحرام إلا في قول الشافعي، وهو الأصح من مذهبه أنه يحرم إذا انبعثت به راحلته إن كان راكبًا، وإن كان ماشيًا إذا توجه إلى طريقه كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان زمان الإِحرام، شرع في بيان التلبية، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>باب التلبية</span>\nفي بيان أحكام التلبية، وهي مصدر لبى يلبي إذا أجاب بلبيك وخلافه معناه أجبتك إجابة بعد إجابة أن التثنية بحذف الزوائد للتكرير والتكثير كقوله تعالى في سورة الملك: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ﴾ الآية [الملك: ٤].\n٣٨٦ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع عن عبد الله بن عمر، أن تَلْبِيَةَ رسول الله - ﷺ -: \"لَبَّيْكَ اللَّهم لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شريك لك لَبَّيْكَ، إن الحمدَ والنِّعْمَةَ لك والمُلْك، لا شريك لك\"، قال: وكان عبد الله بن عمر يزيد فيها:\n_________\n(٣٨٦) أخرجه: البخاري (١٤٧٤)، ومسلم (١١٨٤)، وأبو داود (١٨١٢)، والترمذي (٨٢٥)، (٨٢٦) والنسائي في المجتبى (٢٧٤٨)، وابن ماجه (٢٩١٨)، وأحمد (٤٤٤٣)، (٥٠٦٧)، والدارمي (١٧٥٤)، ومالك (٧٢٥)، والنسائي في الكبرى (٣٧٢٨)، (٣٧٣٠)، وابن حبان (٣٧٩٩)، وابن أبي شيبة (٤/ ٢٨٣)، وابن خزيمة (٢٦٢١)، والشافعي في المسند (٥٧٠)، والطبراني في الأوسط (٥٠٤٠)، والصغير (٣٢٧)، والبزار (١٩٠١)، وابن الجارود في المنتقى (٤٣٣)، وأبو يعلى (٥٨٠٤)، والحميدي (٦٦٠)، والطيالسي في مسنده (١٨٢٤)، وعبد بن حميد (٧٢٦)، وابن الجعد (٢٧٩١)، والطرسوسي في مسنده (٧٥)، والمختارة (٢٦٢٢) من طريق عن ابن عمر.","vol":"2","page":260},{"text":"لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، والخَيْرُ بيَدَيْكَ، لَبَّيْكَ والرَّغْبَاءُ إليك والعَمَلُ.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، التَّلْبيةُ هي التَّلْبيةُ الأولى التي رُوي عن النبي - ﷺ -، وما زِدْتَ فَحَسَنٌ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، يعني منسوب إلى مالك (ق ٤١٥) ذي أصبح من ملوك اليمن، كان في الطبقة السابعة من طبقات كبار التابعين، من أهل المدينة، كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة (١) وفي نسخة: محمد قال: ثنا، حدثنا وفي نسخة: قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا، نافع المدني مولى عبد الله بن عمر ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة (٢) عن عبد الله بن عمر، أن تَلْبِيَةَ رسول الله - ﷺ -: أي: التي كان يداوم عليها ولا ينقص منها \"لَبَّيْكَ اللَّهم أي: بالله أجبناك فيما فيما دعوتنا.\nقال ابن عبد البر (٣): قال جماعة من العلماء: معنى التلبية إجابة دعوة إبراهيم حين أذن في الناس بالحج قال الحافظ: وهذا أخرجه عبد بن حميد وابن جرير (٤) وابن أبي حاتم في تفاسيرهم بأسانيد قوية عن ابن عباس ﵄ ومجاهد وعطاء وعكرمة وقتادة وغير واحد أقوى بما فيه أخرجه أحمد بن منيع في مسنده وابن أبي حاتم من طريق قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس قال: لما فرغ إبراهيم صلوات الله على نبينا وعليه من بناء البيت قيل: أذن في الناس بالحج قال: يا رب، وما يبلغ صوتي قال: أذن وعلي البلاغ قال: فنادى إبراهيم صلوات الله على نبينا وعليه: يا أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق فسمعه من بين السماء والأرض أفلا ترون الناس يجيبون من أقصى الأرض يلبون. ومن طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس وفيه: فأجابوه بالتلبية في أصلاب\n_________\n(١) تقدم مرارًا.\n(٢) تقدم مرارًا.\n(٣) انظر: التمهيد (١٥/ ١٣٢).\n(٤) انظر: جامع البيان (١٦/ ١٨١).","vol":"2","page":261},{"text":"الرجال وأرحام النساء، وأول من أجابه أهل اليمن فليس حاج يحج من يومئذ إلى أن تقوم الساعة إلا من كان أجاب إبراهيم يومئذ قال الزين بن المنير: وفي مشروعية التلبية تنبيه على إكرام الله تعالى لعباده بأن وقفهم على بيته إنما كان باستدعاء منه ﷾ كذا قاله الزرقاني (١).\nفإن قيل: من أي جبل أحجار الكعبة أخذها إبراهيم صلوات الله على نبينا وعليه حين بناها؟ أجيب: أخذها من خمسة جبال طور سيناء وطور رننا والجودي وأبي قبيس ونور، وفي أخذها من هذه الجبال عبرة للعالمين، فينبغي لمن يطوفها أن يعتبر وينظر بالإِجلال ويخشى من عظمة الله بالاحتجاب عن المعاصي بعد أن يطوفها؛ لأنه كان ضيفًا لله تعالى، والضيف لا يخالف المضيف وأن يتفكر أسرار قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ كرره ثلاثًا مبالغة في التأكيد، أو الأول عند الولادة والثاني عند القبض والثالث عند البعث إلى المحشر، أو الأول عند العهد والميثاق حين خاطب تعالى بقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] قال: بلى والثاني: في الدنيا بالاستقامة على موجب قوله تعالى: ﴿بَلَى﴾ والثالث: عن سؤال المنكر والنكير في القبر عن ربه، وعن دينه وعن نبيه، أو كرره ثلاث مرات باعتبار اختلاف الأحوال من الغنى والفقر والتوسط وفي ذكره ثلاث مرات واتفق عليه البلغاء، وأما تكرير ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٣] و﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥] فليس من التأكيد في شيء لا شريك لك لَبَّيْكَ، أي: لا في الألوهية (ق ٤١٦) ولا في الربوبية فلا يستحق غيرك المعبودية إن الحمدَ روي بكسر الهمزة، وهو أكثر وأشهر بفتحها على أن \"أن\" للتعليل، والمراد بالحمد والثناء، والشكر بقرينة قوله: والنِّعْمَةَ بكسر النون أي: المنحة والعطية لك أي: مختصة بكرمك وجودك، ولا يحصل نقمة لأحد إلا بجودك والمُلْك، بالنصب عطف على الحمد والنعمة، ولذا يستحب الوقوف عليه، والتقدير: والمُلْك لا شريك لك\"، في جميع ما ذكر من الحمد والنعمة والملك، فالجملة مؤكدة لما قبلها نافية الشركة لا حد فيها والمقصود منها التبري من الشرك والجلي والخفي.\nقال الزين بن المنير: قرب الحمد والنعمة وأفرد الملك؛ لأن الحمد متعلق النعمة،\n_________\n(١) انظر: شرح الزرقاني (٢/ ٣٢٦).","vol":"2","page":262},{"text":"ولهذا يقال: الحمد لله على نعمه فجمع بينهما كأنه قال: لا حمد إلا لك فهو معنى مستقل بنفسه ذكر للتحقيق أن النعمة كلها منه تعالى؛ لأن صاحب الملك قال: أي: نافع وكان عبد الله بن عمر يزيد فيها: أي: في آخرها فيقول لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ ثلاث مرات وَسَعْدَيْكَ أي: أساعد طاعتك بعد مساعدة في خدمتك والخَيْرُ بيَدَيْكَ، أي: الخير كله بيد الله ومن فضله أي: بقدرته وكرمه لَبَّيْكَ أي: بتصرفك في الدنيا والآخرة والاكتفاء بالخير مع أن الخير والنعم كلاهما بيديه إما تأدبًا في ترك نسبة الشر إليه أو كل شيء لا يكون خاليًا عن خير، كما يشير إليه ما ورد يا الله المحمود في أفعاله، وكما يقال: الخير فيما اختاره الله والرَّغْبَاءُ إليك وهو بفتح الراء مع المد وبضم الراء مع القصر وحكى فيه أبو علي فيه الفتح المستحق للعبادة والعَمَلُ أي: العمل لك خاصة أو منه إليك لا يستحق غيرك، ولا يجازى عليه سواك.\nقال ابن دقيق العيد: فإن قيل: كيف زاد ابن عمر في التلبية ما ليس منها مع أنه كان شديد التحري لاتباع السنة، وفي حديثه عند مسلم من رواية سالم عنه أن النبي - ﷺ - لا يزيد على هذه الكلمات أي: المذكورة؟ أولا أجاب بأنه رأى أن الزيادة على النص ليست نسخًا، وأن الشيء وحده كذلك هو مع غيره فزيادته لا تمنع من إتيانه بتلبية النبي - ﷺ - أو فهم عدم القصر على تلك الكلمات، وأن الثواب يضاعف بكثرة العمل واقتصار المصطفى لا قلة ما يكفي وأجاب الولي العراقي بأنه ليس فيه خلط السنة بغيرها بل أي: بما سمعه ضم إليه ذكرًا آخره معناه، وباب الأركان لا تحجر فيه إذا لم يؤد إلى تحريف ما قاله النبي - ﷺ - فإن الذكر خير موضوع، والاستكثار من حسن على أن أكثر هذا الذي زاده كان - ﷺ - يقول في دعاء استفتاح الصلاة، وهو \"لبيك وسعديك والخير في يديك والشر ليس إليك\" (١) انتهى، والجوابان متقاربان كذا قاله الزرقاني (٢).\n_________\n(١) أخرجه: مسلم (٧٧١)، وأبو داود (٧٦٠)، والترمذي (٣٤٢٢)، والنسائي في المجتبى (٨٩٦)، وأحمد (٨٠٥)، والدارمي (١٢١٨)، والنسائي في الكبرى (٩٧١)، وابن حبان (١٧٧٣)، وعبد الرزاق في مصنفه (٢٥٦٦)، وابن خزيمة (٤٦٢)، والدارقطني (٢٩٦٨)، والطبراني في الأوسط (٤٥٥٢)، والشافعي في المسند (١٣٩)، والبيهقي في الكبرى (٢٣٩١)، والشعب (٣١٣٣)، وأبو يعلى (٥٧٤)، والبزار (٥٣٦).\n(٢) انظر: شرح الزرقاني (٢/ ٣٢٧).","vol":"2","page":263},{"text":"قال محمد: وبهذا أي: بما رواه نافع عن ابن عمر نأخذ، أي: نعمل التَّلبيةُ أي: المسنونة هي التَّلْبيةُ الأولى التى روى أي: ابن عمر والأظهر أن يقال التي رُوي عن النبي - ﷺ -، بأسانيد متعددة، (ق ٤١٧) وما زِدْتَ أي: عليها أيها السالك في طريق المناسك أي: عليها فهو حَسَنٌ أي مستحب، وفي نسخة: فحسن أي: مستحسن ولا ينقص عنها فإنه مكروه اتفاقًا وهو أي: كون الزيادة على ما روى عن النبي - ﷺ - مستحبًا قولُ أبي حنيفة، والعَامَّة من فقهائنا.\nوروى الربيع عن الشافعي: إن زاد عليها كره، والأظهر أن يقال: إن زاد من الروايات المأثورة استحب وجاز إذا كان بخلافها؛ فإنه لا ينبغي أن يحمل فعل الصحابة على الكراهة مع أنه ورد في السنة أيضًا لبيك بحجة حقًا تعبدًا ورقًا ولبيك لا عيش إلا عيش الآخرة.\nوروى النسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: \"لبيك إله الخلق لبيك\" (١) وفي (الصحيحين) من \"لبيك عمرة وحجًا\" (٢). كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان أحكام التلبية، شرع في بيان وقت قطع التلبية، فقال: هذا\n* * *\n\n٤ -<span data-type=\"title\" id=toc-169> باب متى تقطع التلبية</span>\nبالتنوين أي: أي وقت تقطع التلبية أن تنتهي بأن لا يلبي بعده في الحج والعمرة.\n_________\n(١) أخرجه: النسائي في المجتبى (٢٧٥١)، وابن ماجه (٢٩٢٠)، وأحمد (٨٢٩٢)، (٨٤١٥)، (٩٨١٥)، والنسائي في الكبرى (٣٧٣٣)، وابن حبان (٣٨٠٠)، وابن خزيمة (٢٦٢٣)، (٢٦٢٤)، والحاكم (١٦٥٠)، وابن أبي شيبة (٤/ ٢٨٢)، والدارقطني (٢/ ٢٢٥)، والطبراني في الأوسط (٤٣٤٤)، والبيهقي في الكبرى (٩١١٤).\n(٢) أخرجه: البخاري (١٤٧٦)، ومسلم (١٢٣٢)، وأبو داود (١٧٩٥)، والنسائي في المجتبى (٢٧٢٨)، وأحمد (١١٩٧٦)، والنسائي في الكبرى (٣٧٠٩)، وابن حبان (٣٩٣٠)، وابن خزيمة (٢٦١٨)، والطبراني في الأوسط (٦٦٥٧)، (٨٧٥٣)، والبيهقي الكبرى (٨٩٠٨)، وابن سعد في الطبقات (٢/ ١٨٨).","vol":"2","page":264},{"text":"٣٨٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا محمد بن أبي بكر الثَّقَفِيّ، أنه أخبره، أنه سأل أنس بن مالك، وهما غَادِيَانِ إلى عَرَفَةَ، كيف كنتم تصنعون مع رسول الله - ﷺ - في هذا اليوم؟ قال: كان يُهِلّ الْمُهِلّ فلا يُنْكَر عليه، ويُكَبِّرُ الْمُكَبِّرُ لا يُنْكَر عليه.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، وفي نسخة أخرى: أنا، أخبرنا وفي نسخة قال: ثنا رمزًا إلى حدثنا محمد بن أبي بكر بن عوف الثَّقَفِيّ، الحجازي الثقة، كان من الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، كذا قاله ابن حجر (١) وليس له عن أنس ولا غيره سوى هذا الحديث الواحد أنه مفعول ثان لأخبرنا أن محمد بن أبي بكر أخبره، أي: مالك أنه: أي: محمد بن أبي بكر سأل أنس بن مالك، بن النضر بن ضمضم ﵁ أنه خدم رسول الله - ﷺ - تسع سنين، وكان من الطبقة الثالثة فيمن شهد الخندق وما بعدها من أصحاب رسول الله - ﷺ - كذا قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي في طبقاته، وهما أي: والحال أن محمد بن أبي بكر ﵀ وأنس بن مالك بن النضر بن ضمضم ﵁ غَادِيَانِ بالغين المعجمة والدال المهملة بينهما ألف وبالتحتية والنون بينهما ألف أي: ذاهبان غدوة من منى كذا في الموطأ لمالك إلى عَرَفَةَ أي: يذهبان يوم عرفة من منى إلى جبل عرفات كيف كنتم تصنعون أي: من الذكر مع رسول الله - ﷺ - في هذا اليوم؟ أي: من جهة التلبية وغيرها من الأذكار المروية، ولمسلم من طريق موسى بن عقبة عن محمد بن أبي بكر قلت: لأنس ﵁ غداة عرفة: ما تقول في التلبية في هذا اليوم؟ قال: أي: أنس ﵁ كان يُهِلّ بضم التحتية وكسر الهاء واللام المشددة أي يلبي الْمُهِلّ أي: الملبي برفع صوته بالتلبية فلا يُنْكَر عليه، بضم أوله على البناء للمجهول وفي رواية موسى بن عقبة لا يعيب أحدنا صاحبه، وفي مسلم عن ابن عمر غدونا مع\n_________\n(٣٨٧) أخرجه: البخاري (١٥٧٦)، ومسلم (١٢٨٥)، والنسائي في المجتبى (٣٠٠٠)، وأحمد (١٣١٠٩)، والدارمي (١٨١٨)، ومالك (٧٤٠)، والنسائي في الكبرى (٣٩٩١)، وابن حبان (٣٨٤٧)، وابن أبي شيبة (٤/ ٤٦٦)، والشافعي في المسند (١١٢٧)، والبيهقي في الكبرى (٦٣٦٣)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٢/ ٢٢٣)، والحجة للشيباني (٢/ ١٠٦).\n(١) انظر: التقريب (٢/ ٥٠٥).","vol":"2","page":265},{"text":"رسول الله - ﷺ - من منى إلى عرفات منا الملبي ومنا المكبر ويُكَبِّرُ الْمُكَبِّرُ لا يُنْكَر عليه بالبناء للفاعل فيها أي: النبي - ﷺ -.\nوقال بعض الشراح: بالبناء للمفعول فيهما، وقال الشيخ ولي الدين ظاهر: كلام الخطابي أن العلماء أجمعوا على ترك العمل بهذا الحديث، وأن السنة في الغدو من منى إلى عرفات بالتلبية فقط كذا قاله الزرقاني (ق ٤١٨) (١)، فيحصل تقريره - ﷺ - أن التلبية بعرفات مستحبة وفي (الحصن الحصين) أن التلبية بعرفات سنة رواه النسائي والحاكم من طريق سعيد بن جبير قال: كنت مع ابن عباس ﵁ بعرفات فقال: ما لي لا أسمع الناس يلبون فقلت: يخافون من معاوية، فخرج ابن عباس من فسطاطه فقال: لبيك اللهم لبيك، فإنهم قد تركوا السنة من بغض علي (١) واللفظ للنسائي، وقال الحاكم: صحيح على شرطهما وفي (الحصن الحصين) أنه - ﷺ - إذا سار إلى عرفات لبى وكبر. رواه مسلم وأبو داود عن ابن عمر ﵄.\n* * *\n\n٣٨٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عبد الله بن عمر، قال: كل ذلك قد رأيت الناس يفعلونه، وأما نحن فَنُكَبِّرُ.\nقال محمد: بذلك نأخذ، على أنَّ التلبية هي الواجبة في ذلك اليوم، إلا أن التكبير لا يُنْكَر على حالٍ من الحالات، والتَّلبية لا ينبغي أن تكون إلا في موضعها.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا وفي نسخة: قال ابن شهاب، أي محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، تابعي مدني، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، وهي كانت في الإقليم الثاني من الأقاليم السبعة عن عبد الله بن عمر، قال: كل ذلك أي: جميع ذلك من التلبية والتكبير قد رأيت الناس أي:\n_________\n(١) أخرجه: النسائي في المجتبى (٣٠٠٦)، والكبرى (٣٩٩٣)، وابن خزيمة (٢٨٣٠)، والحاكم (١٧٠٦)، والبيهقي في الكبرى (٩٥٣٠).","vol":"2","page":266},{"text":"الصحابة يفعلونه، والمعنى أن بعضهم كان يكبر وبعضهم يلبي وبعضهم يجمع بينهما وأما نحن فَنُكَبِّرُ. أي: نختار التكبير مع تجويز التلبية.\nقال محمد: بذلك أي: بما سبق من استحباب التلبية في عرفات نأخذ، أي: نعمل على أنَّ التلبية هي الواجبة أي: الثابتة بالدليل الظني في ذلك اليوم، والدليل الظني هو السنة إلا أن التكبير أي: ونحوه من الأذكار والدعوات وفي نسخة: لأن التكبير لكن هذه النسخة أولى بقرينة قوله: لا يُنْكَر على بناء المجهول على حالٍ من الحالات، والتَّلبية لا ينبغي أن تكون أي: توجد إلا في موضعها أي: في محل التلبية، وهو حال الإِحرام والمعنى أن التلبية في تلك الحالة سنة مؤكدة؛ لأنه لا يجوز أن يلبي من غير نية الإِحرام إلا قد ورد لفظ لبيك في بعض دعواته - ﷺ - نعم التلبية المسنونة المعروفة لم يعرف وجودها في غير حال الإِحرام مع أنه لا مانع أنه يأتي بها لنحو تعليم غيره في سائر الأيام.\n* * *\n\n٣٨٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن عبد الله بن عمر، كان يَدَع التَّلْبية إذا انتهى إلى الحَرَم حتى يَطُوفَ بالبيتِ وبالصَّفَا والْمَروَة، ثم يُلَبي حتى يَغْدُوَ مِن مِنَى إلى عَرَفَة، فإذا غَدَا ترك التَّلْبية.\n• أخبرنا مالك، بن أنس بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، يعني منسوب إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، وكان من الطبقة السابعة من طبقات كبار أتباع التابعين، من أهل المدينة، وهي كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة (١)، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا نافع، أي: المدني أن عبد الله بن عمر، ﵄ كان يَدَع أي: يقطع كما في الموطأ لمالك في الحج التَّلْبية أي: يتركها في إحرام الحج أصل يدع يودع بفتح التحتية وسكون الواو وفتح الدال المهملة والعين المهملة من الباب الثالث حذفت الواو لوقوعها في قرب حرف الحلق، ولكن النحاة أماتوا ماض يدع ويذر ومصدرهما وكذا في المستوفى أنه ورد في كلام العرب، ولا عبرة بكلام النحاة فيه، وإذا جاء نهر الله بطل نهر العقل، وإن كان نادرًا، وقال في (المغرب): أن النحاة زعموا أن العرب أماتت ذلك\n_________\n(٣٨٩) أخرجه: مالك (٧٤٣).\n(١) تقدم مرارًا.","vol":"2","page":267},{"text":"والنبي - ﷺ - أفصحهم وقال: \"لينتهين أقوام عن ودعهم الجماعات\" (١) كذا قلنا في تفسير قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ٣] إذا انتهى إلى الحَرَم أي: إلى أرض ويستمر على ذلك حتى يَطُوفَ بالبيتِ وبالصَّفَا (ق ٤١٩) والْمَروَة، أي: ويسعى بين الصفا والمروة وفي إعادة أحرف الجر تنبيه على أن المحرم للحج يلزم عليه أن يستمر على ترك التلبية إذا انتهى إلى الحرم حتى يتم السعي بين الصفا والمروة، ويؤيده قوله: ثم أي: بعد السعي يُلَبي أي: يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك حتى يَغْدُوَ أي: يذهب مِن مِنَى إلى عَرَفَة، فإذا غَدَا أي: ذهب إليها ترك التَّلْبية هذا في الحج وزاد يحيى في الموطأ: \"وكان يترك التلبية في العمرة إذا دخل المحرم\" وبه قال مالك في الحرم من الميقات.\n* * *\n\n٣٩٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم، أن عائشة كانت تترك التَّلْبية إذا راحت إلى الْمَوْقِف.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا، أخبرنا وفي نسخة: قال: عبد الرحمن بن القاسم، أي: ابن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي يكنى أبا محمد المدني ثقة جليل، قال ابن عيينة: كان أفضل أهل زمانه، وكان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ست وعشرين ومائة كذا قاله ابن حجر (٢). عن أبيه أبي القاسم أن عائشة أي: زوج النبي - ﷺ - ورضي الله عنها كانت تترك التَّلْبية إذا راحت أي: مالت إلى الْمَوْقِف إلى عرفات بعد الزوال ففي فعلها وفعل على ذلك وهما بالمكان من النبي - ﷺ - أقوى دليل على ترك العمل بحديث الفضل وإن كان صحيحيًا.\n_________\n(١) أخرجه: مسلم (٤٢٩)، والنسائي في المجتبى (١٣٦٩)، وابن ماجه (٧٩٤)، وأحمد (٢١٣٣)، والدارمي (١٥٣٣)، والنسائي في الكبرى (١٦٥٨)، (١٦٥٩)، وابن حبان (١٨٥٥)، والطبراني في الأوسط (٤٠٨)، وأبو يعلى (٤٧٦٥)، والبيهقي في الكبرى (٥٦٧٢)، والشعب (٣٠٠٨)، والطيالسي في مسنده (١٩٥٢).\n(٣٩٠) أخرجه: مالك (٧٤٢)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٢/ ٢٢٦).\n(٢) انظر: التقريب (١/ ٣٤٧).","vol":"2","page":268},{"text":"قال أبو عبد الملك: والمعنى في ذلك والله أعلم أن التلبية إجابة فهو يجيب إلى الأخذ في انتهاء المناسك ثم بعد ذلك التكبير والتهليل على ما بين - ﷺ - كذا قاله الزرقاني (١).\nوقال علي القاري: فهذا يدل على وقوع خلاف بين الصحابة وكان معاوية اختار هذه الرواية. بخلاف ابن عباس وغيره، وأما ما ذكره الحاكم والنسائي عن ابن عباس عن معاوية أو أتباعه تركوا السنة من بُغض على خلاف وجه له لا سيما والحاكم منهم من جهة التشبع.\n* * *\n\n٣٩١ - أخبرنا مالك، أخبرنا عَلْقَمة بن أبي عَلْقَمَةَ، أنَّ أُمَّهُ أخْبَرَتْهُ، أنَّ عائشة كانت تنزل بعَرَفةَ بِنَمِرَةَ، ثم تحوَّلَتْ فنزلت في الأرَاك، وكانت عائشة تُهِلّ ما كانت في منزلها، وَمَنْ كان معها، فإذا رَكِبَتْ وتوجَّهَتْ إلى الْمَوْقِف، تركت الإِهْلال، وكانت تُقيم بمكة بعد الحج، فإذا كان قبل هلال المحرَّم خرجت حتى تأتي الْجُحْفَة، فتُقيم بها حتى ترى الهلال، فإذا رَأَتِ الهلال أَهَلَّتْ بالعُمْرة.\nقال محمد: مَنْ أَحْرَمَ بالْحَجِّ أو قَرَنَ لَبَّى حتى يرمي الْجَمْرة بأوّل حَصَاةٍ يوم النَّحْر، فعند ذلك يقطع التَّلْبية.\nوَمَنْ أحْرَمَ بِعُمْرَةٍ مفردَةٍ لَبَّى حتى يستلم الركن للطَّوَاف، بذلك جاءت الآثار عن ابن عباس وغيره، وهو قولُ أبي حنيفة والعامَّة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، حدثنا، وفي نسخة: قال: أخبرني بالإِفراد عَلْقَمة بن أبي عَلْقَمَةَ، أي: بلال المدني ثقة علامة مولى عائشة، كان في الطبقة\n_________\n(١) انظر: شرح الزرقاني (٢/ ٣٤٤)، والتمهيد (١٣/ ٧٩).\n(٣٩١) أخرجه: مالك (٧٤٥).","vol":"2","page":269},{"text":"الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة مات سنة بضع وثلاثين بعد المائة من الهجرة (١) أنَّ أُمَّهُ أي: والدة علقمة اسمها مرجانة مولاة عائشة ﵂ مقبولة كانت في الطبقة الثالثة من طبقات التابعات، من أهل المدينة، كذا في (التقريب) (٢) لابن حجر أخْبَرَتْهُ، أي: علقمة أنَّ عائشة ﵂ كانت تنزل بعَرَفةَ أي: بقربها بِنَمِرَةَ، بفتح النون وكسر الميم موضع بعرفات، وقيل: بقربها خارج عنها، وهو الآن معروف بمسجد نمرة، وكان ذلك عملًا بالسنة كان - ﷺ - يضرب له خيمة بها فينزل قبل زمان الوقوف فيها ثم تحوَّلتْ أي: انتقلت عن نمرة لأجل رفع المزاحمة فنزلت في الأرَاك، بضم الهمزة موضع بعرفات من ناحية الشام وكانت عائشة ﵂ تُهِلّ أي: تلبي بلا رفع صوت ما كانت أي: ما دامت في منزلها، أي: الموضع الذي نزلت فيه وَمَنْ أي: ويهل من كان معها، أي: ويوافقها في التلبية من كان في خدمتها فإذا رَكِبَتْ أي: بعد الصلاة وتوجَّهَتْ إلى الْمَوْقِف، أي: بعرفات تركت الإِهْلال، أي: التلبية وكانت تُقيم أي: تسكن بمكة أي: في ذي الحجة كما فعلت مع النبي - ﷺ - بعد الحج، أي: بعد فراغها منه ثم تركت ذلك (ق ٤٢٠) فإذا كان قبل هلال أي: غرة شهر المحرَّم خرجت أي: من مكة حتى تأتي الْجُحْفَة، فتُقيم بها حتى ترى الهلال، أي: هلال شهر الله المحرم فإذا رَأَت الهلال أي: هلال المحرم أَهَلَّتْ أي: تلبي بالعُمْرة أي: ليكون عمرتها أفاقية؛ فإنها أفضل من أن يكون مكية، لا سيما والعمرة المكية لا تصح عند الحنبلية كذا قاله علي القاري. فتأتي مكة تفعل العمرة ثم تعود إلى المدينة لقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] فيستحب تخليص أشهره كلها للحج وخروجها للجحفة لفضل الإِحرام من الميقات والإِحرام من التنعيم إنما هو رخصة والميقات أفضل قاله أبو عبد الملك كذا قاله الزرقاني (٣).\nقال محمد: مَنْ أَحْرَمَ بالْحَجِّ أي: مفردًا أو قَرَنَ أي: جمع بين الحج والعمرة لَبَّى حتى يرمي الْجَمْرة بأوّل حَصَاةٍ رمى يوم النَّحْر، فدل على أنه يلبي في الحرم وغيره من عرفات ونحوها فعند ذلك أي: فحينئذ رمى أول حصاة في جمرة العقبة أول أيام النحر\n_________\n(١) انظر: التقريب (١/ ٤٠٨).\n(٢) انظر: التقريب (٢/ ٨٧٦).\n(٣) انظر: شرح الزرقاني (٢/ ٣٤٥، ٣٤٦).","vol":"2","page":270},{"text":"يقطع التَّلْبية لما في الصحيحين من حديث ابن عباس أن أسامة بن زيد كان ردف النبي - ﷺ - من عرفات إلى المزدلفة، والفضل بن عباس كان ردفه من مزدلفة إلى منى فكلاهما قالا لم يزل النبي - ﷺ - يلبي حتى في جمرة العقبة (١).\nوَمَنْ أحْرَمَ بِعُمْرَةٍ مفردَةٍ لَبَّى حتى يستلم الركن أي: يقبل الحجر الأسود، وصورة استلامه بالحجر الأسود أن يأتي المحرم للحج أو للقران حذاء الحجر الأسود ويرفع يديه كما رفعها في الصلاة ويجعل بياض كفيه نحو الحجر، ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير بسم الله، والله أكبر فيقبله إن قدر تقبيله من غير إزاء لما روي أنه - ﷺ -: قبل الحجر الأسود ووضع شفتيه عليه وبكى طويلًا ثم نظر فإذا هو بعمر فقال: \"يا عمر ههنا - أي: قف مكانك - تسكب العبرات\"، وقال: \"إنك قوي تؤذي الضعيف، فلا تزاحم الناس على الحجر الأسود ولكن إذا وجدت فرجة فاستلمه وإلا فأشر بيديك أو بشيء آخر فقبله\" (٢) كذا في (الفرائد) وهو كان أبيض مضيئًا ما بين المشرق والمغرب ثم صار أسود بخطايا بني آدم - روى عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إن الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة طمس الله نورهما ولو لم يطمس نورهما لأضاءت ما بين المشرق والمغرب\". كذا أورده محيي السنة في (المصابيح)، والمراد بالركن الحجر، وبالمقام مقام إبراهيم صلوات الله على نبينا وعليه، فإن قيل: ما الحكمة في الاستلام بالحجر الأسود؟ والجواب: ما روي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"إن الله تعالى أخذ الذر من ظهر آدم وقررهم بقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] قالُوا بَلَى كما في سورة الأعراف: كتبه في رقه وأودعه في الحجر فمن يستلم الحجر الأسود فهو كأنه يجدد عهده السابق والحجر الأسود يشهد له يوم القيامة.\n_________\n(١) أخرجه: البخاري (١٤٦٩)، ومسلم (١٢١٨)، وأبو داود (١٨١٥)، والترمذي (٩١٨)، والنسائي في المجتبى (٣٠٧٩)، وابن ماجه (٣٠٤٠)، وأحمد (١٨٠٥)، والدارمي (١٨٣٩)، والنسائي في الكبرى (٤٠٨٥)، وابن حبان (٣٨٠٤)، وابن أبي شيبة (٤/ ٣٤١)، وابن خزيمة (٢٨٨٥)، والشافعي في المسند (١٦٦٦٩)، وابن الجارود في المنتقى (٤٧٦)، والطبراني في الكبير (١٢٦٩٨)، والأوسط (٧٥٦)، والصغير (٦٣٨)، وأبو يعلى (٦٧١٦)، والبزار (٤١٤٢)، والبيهقي في الكبرى (٦٣٥٧).\n(٢) أخرجه: أحمد (١٩١)، راجع تعليق الشيخ شاكر.","vol":"2","page":271},{"text":"روي أن عمر بن الخطاب ﵁ في خلافته أتى إلى الحجر الأسود ووقف ثم قال: \"أما إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله - ﷺ - (ق ٤٢١) استلمك ما استلمتك\".\nفبلغ مقالته عليًا ﵁ فقال لعمر ﵁: بلى يا أمير المؤمنين فإن الحجر الأسود ينفع فقال له عمر ﵁: ما منفعته يا ختن رسول الله - ﷺ - قال: لو علمت ذلك في كتاب الله تأويله لقلت كما أقول.\n﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ الآية [الأعراف: ١٧٢] فلما أمروا أن الرب وأنهم العبيد كتب ميثاقًا في رق وألقمه في هذا الحجر أنه يبُعث يوم القيامة وله عينان ولسان وشفتان يشهد لمن وفى عهده فهو أمين الله تعالى في هذا الكتاب فقال له عمر: لا أبقاني الله بأرض لست بها يا أبا الحسن (١). كما قاله السيواسي في (شرح الملتقى) وقال علي القاري في (شرح مشكاة المصابيح) وبيان ذلك، قال ابن عباس ﵁ مسح الله تعالى أي: مسح ملك من الملائكة يأمره تعالى على ظهر آدم ﵇ فأخرج أرواح ذريته من صلبه على صورة الذر بعضها أبيض وبعضها أسود وانتشروا على يمين آدم صلوات الله على نبينا وعليه ويساره، فجعل الأرواح عقلاء وخاطبهم حين أشهدهم على أنفسهم بقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] وأمرهم بالإِيمان، ونهاهم عن الكفر فأقروا له تعالى بالربوبية ولأنفسهم بالعبودية حيث قالوا: بلى فكان لك منهم إيمانًا فهم يولدون على تلك الفطرة كما قاله أبو حنيفة رحمه الله تعالى في (الفقه الأكبر)، والمراد بالفطرة: الإِيمان جدد الله هذا العهد والميثاق، وذكر لنا هذا المسمى بإرسال الرسول - ﷺ - وإنزال القرآن، وفرض على الناس حج البيت ليحجوا به ويقبلوا الحجر الأسود ويجددوا عهودهم وميثاقهم السابق، فإن قيل: من حج فاستلم الحجر الأسود فقد جدد عهده وميثاقه السابق في عالم الأرواح، أما من لم يحج ولم يستلم الحجر الأسود بأي شيء يجدده؟ قلت: يجدده بقوله: الله أكبر في افتتاح الصلاة كما بيناه في باب افتتاح الصلاة من\n_________\n(١) رواه بتمامه الحاكم (١٦٨٢)، والبيهقي في الشعب (٤٠٤٠)، والرافعي في التدوين (٣/ ١٥١)، وقال البيهقي: أبو هارون العبدي غير قوي، وأبو هارون هذا هو عمارة بن جوين، كذبه حماد بن زيد، وقال أحمد: ليس بشيء، وقال ابن معين: ضعيف لا يصدق في حديثه، وقال النسائي: متروك الحديث، ميزان الاعتدال (٥/ ٢٠٩).","vol":"2","page":272},{"text":"هذا الشرح بذلك أي: يلزم استلام الحجر الأسود على من أحرم بعمرة مفردة للطَّوَاف، بذلك جاءت الآثار عن ابن عباس وغيره، وهو قولُ أبي حنيفة والعامَّة من فقهائنا.\nلما فرغ من بيان وقت قطع التلبية، شرع في بيان رفع الصوت بالرجال دون النساء، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>باب رفع الصوت بالتلبية</span>\nفي بيان رفع الصوت أي: رفع الرجل صوته بالتلبية أي: بغير رفع الصوت للنساء، فإنهن عورة وصوتهن عورة إلا أن يكون للضرورة.\n٣٩٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم، أن عبد الملك بن أبي بكر بن الحارث بن هشام؛ أخبره أن خَلَّاد بن السائب الأنصاري ثُمَّ من بني الحارث بن الْخَزْرَج، أخبره أنَّ أباهُ أخبرهُ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"أتاني جبريل ﵇ فأمرني أن آمر أصحابي - أو من معي - أن يرفعوا أصواتهم بالإهْلال أو بالتلبية\".\nقال محمد: وبهذا نأخذ، رفع الصوت بالتلبية أفضل، وهو قولُ أبي حنيفة والعامةِ من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، أخبرنا وفي نسخة: قال: ثنا، في نسخة أخرى: أنا، عبد الله بن أبي بكر أي: ابن محمد بن عمرو بن حَزْم، الأنصاري المدني\n_________\n(٣٩٢) أخرجه: أبو داود (١٨١٤)، والترمذي (٨٢٩)، والنسائي في المجتبى (٢٧٥٢)، وابن ماجه (٢٩٢٢)، وأحمد (١٦١٣١)، (١٦١٣٢)، والدارمي (١٧٥٥)، ومالك (٧٣١)، والنسائي في الكبرى (٣٧٣٤)، وابن حبان (٣٨٠٢)، وابن أبي شيبة (٣/ ٣٧٣)، والبخاري في التاريخ الكبير (٤/ ١٥٠)، والحاكم (١٦٥٢)، وابن خزيمة (٢٦٢٥)، والدارقطني (٢/ ٢٣٨)، والشافعي في المسند (٥٧٤)، والطبراني في الكبير (٦٦٢٦)، وابن الجارود في المنتقى (٤٣٤)، والبيهقي في الكبرى (٩٠٩٢)، والشعب (٤٠٢٠)، والبزار (٣٧٦٣)، والحميدي (٨٥٣)، والمختارة (١٢٨٩)، وقال الترمذي: حسن صحيح.","vol":"2","page":273},{"text":"القاضي ثقة تابعي كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة وهو ابن سبعين سنة كذا قاله ابن حجر (١) أن عبد الملك بن أبي بكر بن الحارث بن هشام؛ وفي نسخة: عبد الله بن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، ثقة من الطبقة الخامسة مات في أول خلافة هشام من التابعين (٢) أخبره أن خَلَّاد بن السائب بن سويد الخزرجي ثقة من الطبقة الثالثة، ووهم من زعم أنه صحابي كذا في (التقريب) (٣) الأنصاري ثُمَّ من بني الحارث بن الْخَزْرَج، أخبره أنَّ أباهُ أي: السائب (ق ٤٢٢) بن سويد الأنصاري أخبرهُ أي: خلاد أن رسول الله - ﷺ - قال: \"أتاني جبريل ﵇ فأمرني أي: عن الله تعالى أمر ندب عند الجمهور، ووجوب عند الظاهرية أن آمر أصحابي ولأحمد وابن ماجه وصححه ابن حبان والحاكم عن زيد بن خالد مرفوعًا: \"أتاني جبريل فقال: إن الله يأمرك أن تأمر أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية؛ فإنه من شعائر الحج\".\nفعلم من قوله أن آمر أصحابي أن الوحي مشروط بالتبليغ دون الإِلهام، والوحي يحصل بواسطة الملك المخصوص فلا يسمى الأحاديث القدسية بالوحي، وإن كانت كلام الله تعالى، وقد يحصل الوحي بشهود الملك وسماع كلامه فهو من الكشف الشهودي المتضمن للكشف المعنوي، والإِلهام من كشف المعنوي فقط؛ لأن الإِلهام قد يحصل من الله من غير واسطة الملك بالوجه الخاص. كذا في (خواتم الحكم) (٤) أو من معي بالشك، وفي رواية يحيى والشافعي وغيرهما من الرواة، وفيه إشارة إلى أن المصطفى قال أحد اللفظين أو كل منهما يسد عن الآخر وتجويز ابن الأسير أن الشك من النبي - ﷺ -؛ لأنه نوع سهو، ولا يعصم ركيك متعسف وفي رواية القعنبي ومن معي بالواو.\nقال الولي العراقي: يحتمل أنه زيادة إيضاح وبيان فإن الذين معه أصحابه، ويحتمل أن يريد بأصحابه الملازمين له المقيمين معه في بلدة، وهم المهاجرون والأنصار ومن معه\n_________\n(١) انظر: التقريب (١/ ٢٨١).\n(٢) انظر: التقريب (١/ ٢٨١).\n(٣) انظر: التقريب (١/ ١٦٠).\n(٤) انظر: خواتم الحكم.","vol":"2","page":274},{"text":"غيرهم ممن قدم ليحج معه ولم يره إلا في تلك الحجة، وقال غيره: عطفه على أصحابه لما قد يتوهم أن مراده الذين صحبوه وعرفوا به لطول الملازمة له دون من رافقه في وقت ما فجمع بينهما، ليفيد أن مراده كل من صحبه ولو في وقت ماض من لم يره إلا مرة واحدة ولم يكلمه فعطفهم عليهم لزيادة الاهتمام بشأن تعليمهم أن من قرب عهده بالإِسلام أو الهجرة أحق بتأكيد التعريف بالنسبة أن يرفعوا أصواتهم بالإهْلال أو بالتلبية\" إظهارًا لشعائر الإِحرام وتعليمًا للجاهل في ذلك المقام، وفي (الموطأ) ليحيى يريداهما يعني أنه - ﷺ - إنما قال أحد هذين اللفظين شك في ما قاله من ذلك فأتى بأو التي لأحد الشيئين.\nولابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن بكر بن عبد الله المزني قال: كنت مع ابن عمر ﵄ فلبى حتى أسمع ما بين الجبلين (١).\nوله أيضًا بسند صحيح: عن المطلب بن عبد الله قال: كان أصحاب رسول الله - ﷺ - يرفعون أصواتهم بالتلبية حتى تبح أصواتهم (٢). كذا قاله الزرقاني (٣).\nقال محمد: وبهذا أي: نعمل رفع الصوت بالتلبية أفضل، أي: من إخفاضه وهو قولُ أبي حنيفة والعامة من فقهائنا وقد ورد: \"أفضل الحج العج والثج\" (٤) وقيل: العج أي: برفع الصوت في التلبية، والثج: يصب ماء الهدي والتضحية.\nلما فرغ من بيان حكم رفع الصوت (ق ٤٢٣) بالرجال دون النساء وبالتلبية، شرع في أحكام الجمع بين الحج والعمرة عند الإِحرام، فقال: هذا\n* * *\n_________\n(١) أخرجه: ابن أبي شيبة (٤/ ٤٦٣)، صححه الحافظ في الفتح (٣/ ٤٠٨).\n(٢) أخرجه: ابن أبي شيبة (٤/ ٤٦٤).\n(٣) انظر: شرح الزرقاني (٢/ ٣٣٤).\n(٤) أخرجه: الترمذي (٢٩٩٨)، وابن أبي شيبة (٤/ ٤٦٤)، والدارقطني (٢/ ٢١٧)، والشافعي في المسند (٤٩٥)، والطبراني في الأوسط (٥٠٤١)، وأبو يعلى (٥٠٨٦)، والبيهقي في الشعب (٣٩٧٤)، من حديث ابن عمر، وفي الباب عن أبي بكر الصديق، وحديث ابن عمر فيه إبراهيم بن يزيد، وقد تكلم فيه بعضهم.","vol":"2","page":275},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-171>باب القران بين الحج والعمرة</span>\nفي بيان أحكام القران، وهو مصدر قرن من باب نصر وفعال يجيء مصدرًا من الثلاثي كلباس، وهو الجمع بين الشيئين يقال: قرنت البعير إذا جمعت بينهما بحبل، وهو في اللغة أن يقرن بالحج والعمرة كما أشار إليه بقوله: بين الحج والعمرة، وفي الشرح: القارن يقول من الميقات أو قبله بعد الصلاة التي يريد بهما الإِحرام: اللهم إني أريد الحج والعمرة فيسرهما لي وتقبلهما مني، ويقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، والقران أفضل عند أبي حنيفة وقال مالك والشافعي: الإِفراد أفضل، وقال أحمد: التمتع أفضل.\n٣٩٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن بن نوفل الأسدي، أن سليمان بن يسار، أخبره أن رسول الله - ﷺ - عامَ حَجَةِ الوداع كان مِنْ أصحابه مَنْ أَهَلَّ بحج، ومن أَهَلَّ بعمرة، ومنهم من جَمَعَ بين الحج والعمرة، قال: فَحَلّ من كان أهلّ بالعمرة، وأما من كان أَهَلَّ بالْحَجِّ، أو جمع بين الحج والعمرة فلم يَحِلّوا.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة والعامة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، أخبرنا وفي نسخة: قال: ثنا، محمد بن عبد الرحمن بن نوفل الأسدي، يكني أبا الأسود المدني التابعي يتيم عروة ثقةَ في الطبقة السادسة، من أهل المدينة، مات سنة بضع وثلاثين بعد المائة من الهجرة (١) أن سليمان بن يسار، أي: الهلالي المدني مولى ميمونة وقيل: أم سلمة ثقة فاضل أحد الفقهاء السبعة من كبار التابعين قال ابن حجر (٢): إنه كان في الطبقة الثالثة، واعتبر عبد الرحمن بن الجوزي\n_________\n(٣٩٣) أخرجه: البخاري (١٤٨٧)، ومسلم (١٢١١)، وأبو داود (١٧٧٩)، والنسائي (٢٩٩١)، وابن ماجه (٣٠٧٥)، وأحمد (٢٤٥٧٢)، ومالك (٧٣٨) مرسلًا، وابن حبان (٣٩٢٦)، والحاكم (١٧٨٢)، وابن خزيمة (٢٦٠٤)، والشافعي في المسند (١٠٦٢)، وأبو يعلى (٤٦٥٢)، والبيهقي في الكبرى (٩٥١١)، من طرق عن عائشة ﵂.\n(١) انظر: التقريب (٢/ ٥٣٥).\n(٢) انظر: التقريب (١/ ٢٢٩).","vol":"2","page":276},{"text":"أنه كان من الطبقة الأولى مات بعد المائة، وقال بعض المؤرخين: مات قبلها ومن مناقبه: أنه كان من أحسن الناس وجهًا فدخلت عليه امرأة فسألته نفسه، فقالت: أدن فخرج عن منزله هاربا فتركها فيه فرأى كما يرى النائم يوسف صلوات الله على نبينا وعليه، وكأنه يقول له: أنت يوسف قال: نعم أنا يوسف الذي هممت وأنت كسليمان الذي لم يهم، وخرج هو وأخوه عطاء بن يسار الهلالي مولى ميمونة حاجين ومعهما أصحاب فنزلوا بالأبواب، فانطلق سليمان وأصحابه لبعض حاجتهم وبقي عطاء يصلي فدخلت عليه امرأة جميلة فلما رأها ظن لها حاجة فأوجز ثم قال: ألك حاجة؟ قالت: نعم قال: وما هي؟ قالت: قم فأصب مني فإني قد وردت، ولا بعل لي قال: إليك عني، تحرقيني ونفسك بالنار ونظر إلى امرأة جميلة، وجعلت تراوده وتأبى إلا ما تريد فجعل يبكي ويقول: ويحك إليك عني واشتد بكاؤه، فلما نظرت إليه وما داخله من البكاء والجزع بكت لبكائه، فجعل يبكي وهي تبكي بين يديه، فجاء سليمان من حاجته فنظر إليها فبكى لبكائهما لا يدري ما أبكاهما، وجعل أصحابهما يأتون رجلًا رجلًا كلما أتى رجل فرآهم يبكون جلس يبكي لا يسألهم عن أمرهم، حتى كثر البكاء وعلا الصوت، فلما رأت الأعرابية ذلك قامت فخرجت فقام القوم فدخلوا، فلبث سليمان بعد ذلك لا يسأل أخاه إجلالًا له وهيبة وكان أسن من أخيه عطاء، ثم قدما مصرًا لبعض حاجتهما فلبثا بها ما شاء الله، فبينما عطاء ذات ليلة نائم إذا استيقظ وهو يبكي فقال سليمان: ما يبكيك؟ قال: رؤيا قال: ما هي؟ قال: لا تخبر بها أحد ما دمت (ق ٤٢٤) حيًا رأيت يوسف صلوات الله على نبينا وعليه وجئت أنظر إليه كمن ينظر فلما رأيت حسنه بكيت فقال: ما يبكيك؟ قلت: بأبي أنت وأمي يا نبي ذكرتك وامرأة العزيز وما ابتليت به من أمرها وما لقيت من السجن وفرقة يعقوب فبكيت من ذلك، وجعلت أتعجب منه قال: فهل تعجبت من صاحب المرأة البدوية بالأبواب فعرفت الذي أراد فبكيت واستيقظت باكيًا قال سليمان: أي أخي ما كان من حال تلك المرأة فقص عليه القصة فما أخبرتها حتى مات، فكان سليمان يصوم الدهر وعطاء يصوم يومًا ويفطر يومًا. كذا قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي في طبقاته.\nأخبره أي: أخبر سليمان بن يسار بمحمد بن عبد الرحمن مرسلًا وقدمت أن أبا الأسود وصله عن عروة عن عائشة ﵂ أنها قالت: أن رسول الله - ﷺ - عامَ","vol":"2","page":277},{"text":"حَجَةِ الوداع بفتح الواو وبكسر كان مِنْ أصحابه مَنْ أي: الذي أَهَلَّ أي: دخل في الإِحرام بحج، أي: مفرد وهم تسعون ألفًا ويقال: مائة ألف وأربعة عشر ألفا، ويقال: أكثر من ذلك. حكاه البيهقي، وهذا في عدة الذين خرجوا معه، وأما الذين حجوا معه فأكثر من ذلك كالمقيمين بمكة، والذين أتوا من اليمن مع علي وأبي موسى الأشعري ﵄ وفي حديث: \"إن الله وعد أن هذا البيت يحجه في كل سنة ستمائة ألف إنسان فإن نقصوا أكملهم الله بالملائكة\".\nقال الحافظ في (تسديد القوس) (١): هذا الحديث ذكره الغزالي ولم يخرجه شيخنا العراقي قوله: عام ظرف مضاف إِلى حجة تضاف إلى الوداع ومتعلق بخرج حذف تقديره: أن رسول الله - ﷺ - خرج إلى عام حجة الوداع ومعه من أصحابه ثلاثة أقسام الأول منها من أهل بحج، والثاني منها من أهل بعمرة، والثالث من أهل بحج وعمرة، أما من أهل أي: أحرم بحج مفرد فهو لا يخرج من إحرامه حتى كان يوم النحر وطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة وأما من أَهَلَّ بعمرة، فيتحرج إحرامه بأن يطوف ويسعى بين الصفا والمروة قبل أيام منى ومنهم من جَمَعَ بين الحج والعمرة، فلا يخرج من إحرامه حتى يكون يوم النحر بمعنى ومن أهل أي: أحرم بعمرة أي: وحدها، وفي نسخة: ومنهم مؤخرًا عن قوله ومنهم أي: من أصحابه - ﷺ - ما جمع بين الحج والعمرة أي: قرن بينهما والهاء في قوله: قال فَحلّ من كان أهلّ بالعمرة، تفصيلية تقديره: أما من أحرم بالعمرة فقط فخرج من إحرامه لها بعد ما طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة وحلق أو قصر وأما من كان أَهَلَّ أي: أحرم بالْحَجِّ، أو جمع بين الحج والعمرة فلم يَحِلّوا أي: لم يخرجوا من إحرامهما إلا بعد أن حلقوا بمنى في غير الجماع وبعد أن طافوا في سائر المحظورات قال الزرقاني (٢): لم يسق هديا فليحلل بعد ما طاف وسعى وحلق أو قصر بالإِجماع، ومن ساقه عند مالك والشافعي وجماعة وأحمد وجماعة لا يحل من عمرته حتى ينحر هديه (ق ٤٢٥) يوم النحر، لما في مسلم عن عائشة ﵂ مرفوعًا: من أحرم بعمرة ولم يهد فليحلل، ومن أحرم بعمرة وأهدى فلا يحل حتى ينحر هديه، ومن أهل بحج فليتم حجة، وهو ظاهر فيما قالوه، وأجيب بأن هذه الرواية مختصرة من الرواية الأخرى، وفي\n_________\n(١) تسديد القوس.\n(٢) انظر: شرح الزرقاني (٢/ ٣٤١).","vol":"2","page":278},{"text":"(الصحيحين) عن عائشة ﵂ مرفوعًا: \"من كان معه هدي فليهلل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا\" (١) فهذه مفسرة للمحذوف من تلك وتقديرها: من أحرم بعمرة وأهدى فليهلل بالحج مع العمرة، ولا يحل حتى ينحر هديه وهذا التأويل متعين جمعًا بين الروايتين، لاتحاد القضية والراوي انتهى.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: إنما نعمل بما رواه سليمان بن يسار وهو أي: ما فعلناه قولُ أبي حنيفة والعامة أي: عامة فقهائنا.\n* * *\n\n٣٩٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن عبد الله بن عمر خرج في الفتنة معتمرًا، وقال: إن صُدِدْتُ عن البيت صَنَعْنَا كما صنعنا مع رسول الله - ﷺ -؛ قال: فخرج وأهلَّ بالعمرة، حتى إذا ظهر على ظهر الْبَيْدَاءِ التفت إلى أصحابه، وقال: ما أمرهما إلا واحد، أُشْهِدُكم أني قد أَوْجَبْتُ الحج مع العُمْرَة فخرج حتى إذا جاءَ البيت طاف به، وطاف بين الصَّفَا والْمَرْوَة سَبْعًا سَبْعًا لم يزد عليه، ورأى ذلك مجزئًا عنه، وأَهْدَى.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، أخبرنا، في نسخة: قال: بنا، نافع، أي: المدني مولى عبد الله بن عمر أن عبد الله بن عمر خرج في الفتنة أي: خرج إلى مكة في فتنة الحجاج بن يوسف معتمرًا، أي: قاصدًا العمرة وقال: إن صُدِدْتُ على بناء المفعول أي: إن منعت عن البيت أي: عن طواف صَنَعْنَا أي: أنا ومن تبعني كما صنعنا أي: نحن الصحابة مع رسول الله - ﷺ -؛ أي: من التحلل بذبح الهدي والحلق والتقصير حين حصرنا بالحديبية قال: أي: نافع فخرج أي: ابن عمر من المدينة وأهلَّ أي: أحرم بالعمرة، من ذي الحليفة عام الحديبية من أجل أن رسول الله - ﷺ - أهل بعمرة عام الحديبية\n_________\n(١) أخرجه: البخاري (٤١٣٤)، ومسلم (١٢١١)، وانظر رقم (٣٩٣).\n(٣٩٤) أخرجه: البخاري (١٧١٨)، ومسلم (١٢٣٠)، وأحمد (٧١٩٢)، ومالك (٧٩٧)، والشافعي في مسنده (٥٨٠)، والبيهقي في الكبرى (١٠٢٠٧)، (٨٨٢٨)، وابن جرير في التفسير (٢/ ٢٢٠).","vol":"2","page":279},{"text":"وسار حتى إذا ظهر أي: صعد على ظهر الْبَيْدَاءِ أي: متن المغارة والصحراء التفت إلى أصحابه، أي: نظر إليهم وقال: أي: مخبرًا لهم بما أدى إليه نظره ما أمرهما أي: أمر الحج والعمرة إلا واحد، بالرفع أي: في حكم الحصر فإذا جاز التحليل في العمرة مع أنها غير محدودة بوقت فهو في الحج أجوز، وفيه العمل بالقياس أُشْهِدُكم أني قد أَوْجَبْتُ الحج مع العُمْرَة أي: دخلته عليها، وجمعت بينهما وإنما أشهد بذلك ولم يكتف بالنية؛ لأنه أراد الإِعلام لمن يريد الاقتداء، وفيه دليل على أن من أحرم بعمرة من الميقات ثم أحرم بحجة قبل أن يطوف أربعة أشواط من العمرة كان قارنًا وكذا إن أحرم من الميقات ثم أحرم بحجة قبل أن يطوف كان قارنًا لفعله - ﷺ - في حجة الوادع فخرج حتى إذا جاءَ البيت طاف به، أي: بالبيت وطاف بين الصَّفَا والْمَرْوَة سَبْعًا قيد لكل منهما أو للثاني وأطلق الأول لظهور أمره ووضوح قدره، ولكن سمى السعي بين الصفا والمروة طوافًا على طريق المشاكلة والطواف أن يزار البيت على الدور بأطرافه، والسعي بين الصفا والمروة أن يمشي بينهما راجلًا وراكبًا فالشركة بينهما الزيادة المخصوصة كما حكى تعالى عن عيسى صلوات الله على نبينا وعليه ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١١٦] لم يزد أي: حينئذ عليه، أي: على ما فعله ورأى ذلك أي: ما فعله من الاكتفاء بطواف واحد مجزئًا عنه، أي: كافيًا ولا يحتاج إلى طواف آخر للقدوم ولا إلى سعي آخر للحج مقدمًا أو مؤخرًا، وبه قال مالك والشافعي وأحمد والحديث في (الصحيحين) مبسوطًا، ولنا ما رواه النسائي عن إبراهيم بن محمد بن الحنفية (ق ٤٢٦) قال: طوفت مع أبي وقد جمع بين الحج والعمرة فطاف لهما طوافين، وسعى سعيين، وحدثني أن عليًا ﵁ فعل ذلك وحدثه أن رسول الله - ﷺ - فعل ذلك. وروى محمد بن الحسن في (الآثار) عن أبي حنيفة، عن منصور بن المعتمر عن إبراهيم النخعي عن أبي نصر السلم عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: \"إذا أهللت بالحج والعمرة فطاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين بين الصفا والمروة\" قال منصور: فلقيت مجاهدا وهو يفتي بطواف واحد لمن قرن فحدثته بهذا الحديث فقال: لو كنت سمعته لم أفت إلا بطوافين، وأما فلا أفتي إلا بهما انتهى.\nوبه قال ابن مسعود والشعبي والنخعي وجابر بن زيد وعبد الرحمن الأسود والثوري والحسن بن صالح وأَهْدَى أي: أرسل إلى المحرم حيوانًا يجوز أن يضحي به كإبل","vol":"2","page":280},{"text":"وبقرٍ وشاة فلم ينحر ولم يحل من شيء حرم منه ولم يحلق، ولم يقصر حتى كان يوم النحر حلق ونحر، ورأى أن قد مضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول، وقال ابن عمر: كذلك فعل رسول الله - ﷺ - كذا في الصحيحين، وهذا الهدي واجب على القارن والمتمتع لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وهو عندنا دم شكر وعند الشافعي دم جبر.\n* * *\n\n٣٩٥ - أخبرنا مالك، حدثنا صَدَقة بن يَسَار المكي، قال: سمعتُ عبد الله بن عمر، ودخلنا عليه قبل يوم التَّرْوِية بيومين أو ثلاثة، ودخل عليه الناس يسألونه، فدخل عليه رجل من أهل اليمن ثائر الرأس، فقال: يا أبا عبد الرحمن إني ضفَّرتُ رأسي، وأحْرَمْتُ بِعُمْرَة مفردة، فماذا ترى؟ قال ابن عمر: لو كنتُ معك حين أحرمت لأَمَرْتُكَ أن تُهلَّ بهما جميعًا، فإذا قدمت طفت بالبيت وبالصفا والمروة، وكنتَ على إحرامك، لا تَحِل من شيء حتى تحل منهما جميعًا يوم النحر وتنحر هديك.\nوقال له ابن عمر: خذ ما تطاير من شعرك واهْدِ، فقالت له امرأة في البيت: وما هديه يا أبا عبد الرحمن؟ قال: هديه ثلاثًا، كلَّ ذلك يقول هديُه، قال: ثم سكت ابن عمر، حتى إذا أردنا الخروجِ، قال: أمَا والله لو لم أجد إلا شاةً لكان أرى أن أذبحها أحبّ إليَّ من أن أصوم.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، القِرَانُ أفضل، كما قال عبد الله بن عمر.\nفإذا كانت عمرة، وقد حضر الحج وطاف لها وسَعَى؛ فليقصِّر، ثم ليُحرم بالحج، فإذا كان يومُ النَحر حلق؛ وشاةٌ تُجْزِئهُ، كما قال عبد الله بن عمر.\nوهو قولُ أبي حنيفة والعامة من فقهائنا.\n_________\n(٣٩٥) أخرجه: الشيباني في الحجة (٢/ ٦١)، (٢/ ٤٧٣).","vol":"2","page":281},{"text":"• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، حدثنا وفي نسخة: قال: بنا، صَدَقة بن يَسَار بفتح التحتية المهملة الخفيفة الجزري المكي، أي: نزيل مكة شرفها الله تعالى، كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وهو ثقة كان من الطبقة الرابعة مات في أول خلافة بني العباس وكان ذلك سنة اثنين وثلاثين ومائة قاله ابن حجر في (التقريب) (١).\nقال: سمعتُ عبد الله بن عمر، ودخلنا أي: والحال قد دخلنا نحن جماعة من التابعين عليه قبل يوم التَّرْوِية وهو اليوم الثامن من شهر ذي الحجة بيومين أو ثلاثة، ودخل عليه الناس يسألونه، أي: عن مفاسد المناسك وغيرها فدخل عليه رجل من أهل اليمن ثائر الرأس، أي: متفرق شعر رأسه لقلة دهنه وعدم مشطه فقال أي: الرجل: يا أبا عبد الرحمن وهو كنية عمر بن الخطاب إني ضفَّرتُ رأسي، بفتح الضاد المعجمة وفتح الفاء الخفيفة وبالتشديد بمعنى واحد أي: جعلته ضفائر كل ضفيرة على حدة وأحْرَمْتُ بِعُمْرَة مفردة، فماذا ترى؟ أي: أي حكم من الأحكام تختار، وفي نسخة: تأمرني قال ابن عمر: لو كنتُ معك أي: أيها اليمني حين أحرمت لأَمَرْتُكَ أن تُهلَّ أي: أن تدخل الإِحرام بالتلبية بهما أي: بالحج والعمرة جميعًا، أي: لأن القران أفضل من التمتع وكذا من الإِفراد على ما عليه جمهور المحققين فإذا قدمت أيها اليمني إلى مكة بعد فرض إحرامك وبها طفت بالبيت وبالصفا والمروة، أي: إذا دخلت في مكة طفت بالبيت الحرام وسعيت بالصفا والمروة للعمرة وكنتَ أي: واثبت على إحرامك، لا تَحِل من شيء أي: من محظورات الإِحرام حتى تحل منهما جميعًا أي: بأن تخرج من إحرام الحج والعمرة يوم النحر بأن ترمي جمرة العقبة وتنحر أي: تذبح هديك أي: للقران ثم تحلق رأسك وتخرج (ق ٤٢٧) من الإِحرامين إلا ما يتعلق بالجماع فإنه يتوقف على طواف الإِفاضة، وفي إعادة حرف الجر في قوله: بالصفا والمروة اعتناء بشأن السعي بين الصفا والمروة ودليل على جوابه بينهما.\nقال صاحب (النهاية): أصل هذا السعي سنة أن إبراهيم صلوات الله على نبينا وعليه لما هاجر بها وابنه إسماعيل صلوات الله على نبينا وعليه إلى واد غير ذي زرع وتركهما عند الكعبة، ثم رجع إلى الأرض المقدسة فعطشت هاجر وصعدت الصفا لترى\n_________\n(١) انظر: التقريب (١/ ٢٥٤).","vol":"2","page":282},{"text":"الماء فلم تر، فنزلت تمشي على هينتها تنظر إلى ولدها فلما بلغت بطن الوادي سعت، فلما خرجت منه مشت إلى المروة فعلت هكذا سبعًا، فلما أيست من الماء جاءت إلى ولدها فرأت ماء ينبع من تحت رجل ولدها إسماعيل بسبب ضرب جبريل ﵇ على الأرض عقب رجله أو طرف جناحه، فحمدت الله وخافت ضياع الماء فجعلت تضع حوله أحجارًا وقال جبريل صلوات الله على نبينا وعليه وسلم لهاجر: لا تخافي عن ضياعه فإن الله تعالى يسقي به أضيافه إلى يوم القيامة فقالت له: يبشرك الله بخير وقال - ﷺ -: \"لولا أم إسماعيل لكان ماء زمزم معينا إلى يوم القيامة\". كذا نقلناه في (سلم الفلاح).\nوقال له أي: للرجل اليمني ابن عمر: أي: بعد ما بين له العمل الأفضل خذ أي: الآن ما تطاير أي: ارتفع من شعرك أي: إما بحلقك أو قصرك واهْدِ، أي: ذبح يوم النحر للتمتع فقالت له امرأة في البيت: في البيت الحرام من العراق وما هديه بفتح فسكون فتحتية خفيفة وبكسر الدال وتشديد التحتية أي جنس من الحيوان وجب عليه أن يذبحه في الحرم يا أبا عبد الرحمن؟ قال: هديه أي: ما يطلق عليه الهدي من بعير أو بقر أو شاة ثلاثًا أي: قالته ثلاث، مرات كلَّ ذلك يقول هديُه، أي: في جوابه قال: أي: صدقة بن يسار المكي ثم أي: بعد الجواب للسائلة سكت ابن عمر، حتى أي: إلى غاية من الزمان إذا أردنا الخروج، أي: من عنده قال: أمَا بالتخفيف حرف تنبيه أي: اعلموا أيها المريدون الخروج من عندي والله لو لم أجد ما يجب على أن أذبحه إلا شاةً أي: فيما يجب علي من الهدي لكان أرى أن أذبحها أي: الشاة أحبّ إليَّ أي: أو أحب إلى من أن أصومَ أي: بدله ثلاثة أيام في الحج وسبعة بعد الرجوع، وهذا لا يخالف قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] بدنة أو بقرة؛ لأنه رجع عنه أو لأنه قيد بعدم الوجوه، فمن وجد البقرة أو البدنة فهو أفضل له.\nقال أبو عمر: هذا أصح من رواية من روى عن ابن عمر الصيام أحب إلي من الشاة؛ لأنه معروف في مذهب ابن عمر تفضيل إراقة الدماء في الحج على سائر الأعمال كذا قاله الزرقاني (١).\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: إنما نعمل بما رواه صدقة بن يسار القِرَانُ أي:\n_________\n(١) انظر: شرح الزرقاني (٢/ ٤٤٦).","vol":"2","page":283},{"text":"الإِحرام بالحج والعمرة أفضل، كما قال عبد الله بن عمر وفي (شرح مسلم) (١): اختلفت روايات الصحابة في صفة حجه - ﷺ - في حجة الوداع هل كان قارنًا أو مفردًا أو متمتعًا وطريق الجمع أنه - ﷺ - كان أولًا مفردًا ثم صار قارنًا، فمن روى الإِفراد روى (ق ٤٢٨) أول الأمر، ومن روى القران اعتمد آخر الأمر، ومن روى التمتع اللغوي، وهو الارتفاق يعني الانتفاع الأخروي بأداء النسكين انتهى، وقد وضع ابن حزم كتابًا (٢) في أنه كان - ﷺ - قارنًا في حجة الوداع وتأول باقي الأحاديث فإذا كانت عمرة، أي: إحرامها وحدها وقد حضر أي: المحرم بها الحج أي أشهره بأن أوقع طوافه فيه أو أكثر وطاف لها وسَعَى؛ أي: للعمرة فليقصِّر، أي: إن لم يحلق ليكون حلقه بعد حجه ثم ليُحرم بالحج، فإذا كان يومُ النَحر حلق؛ أي: بعد الرمي والذبح مثاةٌ أي: واحدة من ضأن أو معز تُجْزِئهُ، أي: عن هديه كما قال عبد الله بن عمر أي: لأنها أدنى ما يطلق عليه الهدي وهو قولُ أبي حنيفة والعامة من فقهائنا.\n* * *\n\n٣٩٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، أن محمد بن عبد الله بن نَوْفَل بن الحارث بن عبد المطلب حدَّثه: أنه سمع سعد بن أبي وقاص، والضحاك بن قيس عامَ حجَّ معاوية بن أبي سفيان، وهما يذكران التمتع بالعمرة إلى الحج؛ فقال الضحاك بن قيس: لا يُصْنَعُ ذلك إلا مَنْ جَهِلَ أمر الله تعالى، فقال سعد بن أبي وقَّاص: بئس ما قلتَ؛ قد صنعها رسول الله - ﷺ -، وصنعناها معه.\nقال محمد: القِرَانُ أفضل من الإِفراد بالحج، وإفراد العُمْرَة، فإذا قَرَنَ\n_________\n(١) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم (٨/ ١٣٥)، وتنوير الحوالك (ص: ٢٥٠).\n(٢) هو كتاب (حجة الوداع) مطبوع عدة طبعات.\n(٣٩٦) أخرجه: الترمذي (٨٢٣)، والنسائي في المجتبى (٢٧٣٣)، وأحمد (١٥٠٦)، والدارمي (١٧٥٩)، ومالك (٧٥٨)، والنسائي في الكبرى (٣٧١٤)، وابن حبان (٣٩٣٩)، والشافعي في المسند (١٠٦١)، وأبو يعلى (٨٠٥)، والبزار (١٢٣٢)، والبيهقي في الكبرى (٨٩٣٤)، وقال الترمذي: صحيح.","vol":"2","page":284},{"text":"طاف بالبيت لعمرته، وسَعَى بين الصفا والمروة، وطاف بالبيت لحجته، وسعَى بين الصفا والمروة، طوافان وسَعْيان أحبَّ إلينا من طوافٍ واحدٍ وسعْيٍ واحد، ثبت ذلك بما جاءَ عن عليّ بن أبي طالب: أنه أمر القَارِنَ بطَوافين وسَعْيَيْن، وبه نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة والعامَّةِ من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، يعني كان منسوبًا إلى ملك يقال له: ذو أصبح من ملوك اليمن، وكان في الطبقة السابعة من كبار أتباع التابعين، من أهل المدينة، وهي كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة (١) وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة: أنا وكل واحد منهما رمزًا إلى أخبرنا، أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا، أو أنا ابن شهاب، وهو محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة (٢) أن محمد بن عبد الله بن نَوْفَل بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي النوفلي المدني مقبول كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة (٣) وفي نسخة: حدَّثه: أي: ابن شهاب أنه أي: محمد بن عبد الله سمع سعد بن أبي وقاص، بن مالك الزهري، وهو أحد العشرة المبشرة بالجنة (٤) والضحاك بن قيس نصب على أنه عطف على سعد، وهو ابن خالد بن وهب القرشي الفهري الأمير المشهور صحابي، وهو أخو فاطمة بنت قيس كان أصغر سنًا منها يقال: إنه ولد قبل وفاة النبي - ﷺ - بسبع سنين أو نحوهما وينفون سماعه من النبي - ﷺ - قتل في وقعة \"مرج راهط\" سنة أربع وستين، وكان من ولاة معاوية وعماله كذا نقله علي القاري عن ابن عبد البر في (الاستيعاب) (٥) عامَ حجَّ معاوية بن أبي سفيان، وهما أي: سعد والضحاك يذكران المتعة أي: التمتع كما في نسخة: بالعمرة إلى الحج؛ أي: الإِحرام بأن يحرم بها في أشهره فقال الضحاك بن قيس، لا يُصْنَعُ ذلك أي: التمتع إلا مَنْ جَهِلَ أمر الله تعالى؛ لأنه تعالى قال في سورة البقرة: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] بأمره\n_________\n(١) تقدم مرارًا.\n(٢) تقدم مرارًا.\n(٣) انظر: التقريب (٢/ ٥٢٨ - ٥٣٢).\n(٤) انظر: التقريب (١/ ٢٠١).\n(٥) انظر: الاستيعاب (٤/ ١٧٠) رقم (٩٦٣)، والإصابة (٤/ ١٦٠)، رقم (٣١٨٧).","vol":"2","page":285},{"text":"بالإِتمام، يقتضي استمرار الإِحرام إلى فراغِ الحج ومنع التحلل والمتمتع يتحلل ويستمتع بما كان محظورًا عليه فقال سعد بن أبي وقَّاص: بئس ما قلتَ؛ أي: يا ابن أخي ملاطفة وتأنيسًا فإن الحظر الذي يجب عنه الحذر فقال الضحاك فإن عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك أي التمتع كما في (الموطأ) لمالك، روى الشيخان (١) واللفظ لمسلم عن أبي موسى: كنت أفتي الناس بذلك أي: بجواز التمتع في إمارة أبي بكر وعمر وإني لقائم بالموسم إذ جاءني رجل فقال: إنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في شأن النسك قال: إنه بكتاب الله تعالى فإنه تعالى قال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وأن نأخذ بسنة نبينا فإنه - ﷺ - لم يحل حتى نحر الهدي ولمسلم أيضًا فقال عمر: قد علمت (ق ٤٢٩) أن النبي - ﷺ - قد فعله وأصحابه ولكن كرهت أن تظنوا معربين بهن أي: النساء في الأراك ثم تروحون في الحج تقطروا رؤوسهم، فبين عمر العلة التي لأجلها كره التمتع، وكان في رأيه عدم الترفه للحاج بكل طريق فكره قرب عهدهم بالنساء لئلا يستمر البلل إلى ذلك بخلاف من بعد عهده ومن يعظم بتعظيم، فقال سعد: قد صنعها رسول الله - ﷺ -، أي: المتعة اللغوية، وهي الجمع بين الحج والعمرة وحكم القران والمتعة واحد للأنواع الثلاثة في الحج من الإِفراد والتمتع والقران جائز بالإِجماع، وإنما الخلاف في الأفضل منها كما قدمناه وصنعناها معه أي: فعلنا المتعة اللغوية والشرعية مع النبي - ﷺ -.\nوالحاصل: أن القران وقع منه - ﷺ - والتمتع من بعض أصحابه بعلمه واطلاعه فالطف في كل منهما جهل بأمر الله تعالى، وقال سعد بن زيد الباجي المالكي: إنما نهى عمر؛ لأنه لم ير الإِفراد أفضل منهما ولم ينه عنها على وجه التحريم.\nقال محمد: القِرَانُ عندنا أي: معشر الحنفية أفضل من الإِفراد بالحج، أي: مع إتيان عمرة بعده، وإلا فمن المعلوم أن العبادتين خير من عبادة واحدة إجماعًا فالمعنى أن بالجمع بينهما بإحرام أفضل من إتيانهما بإحرامين وإفراد العُمْرَة، أي: ومن إفراد العمرة في أشهر الحج وإفراد الحج بعدها ليكون متمتعًا وإلا فالعمرة سنة عندنا والحج وحده أفضل منها إجماعًا فإذا قَرَنَ أي: بين النسكين طاف بالبيت لعمرته، أي. طواف الفرد لها\n_________\n(١) أخرجه: البخاري (١٤٨٤)، ومسلم (١٢٢١)، والنسائي في المجتبى (٢٧٣٧)، وأحمد (٢٧٥)، والدارمي (١٧٦٠)، والنسائي في الكبرى (٣٧١٨)، وابن الجارود في المنتقى (٤٣٢)، وأبو يعلى (٧٢٧٨)، والبيهقي في الكبرى (٨٩٥١)، والطيالسي في مسنده (٥١٦)، والروياني (٥٥٧).","vol":"2","page":286},{"text":"وسَعَى بين الصفا والمروة، أي: لأجلها، وطاف بالبيت لحجته، أي: طواف القدوم فإنه من سنن حجته وسعى بين الصفا والمروة أي: إن أراد تقديمه وقوفه وجاز له بل الأفضل أن يؤخر حتى يسعى بعد طواف فرضه المسمى بطواف الإِضافة وطواف الركن طوافان وسَعْيان أرى أي: النسكين أحبَ إلينا أي: واجب علينا من طوافٍ واحدٍ أي: من عمرته وقدوم حجته وسعْيٍ واحد، أي: عن عمرته وحجته كما قال به مالك والشافعي وأحمد ثبت ذلك أي: ما ذكرنا من الطوافين والسعيين بما جاءَ عن عليّ بن أبي طالب: أنه أمر القَارِنَ بطَوافين وسَعْيَيْن، أي: كما قدمناه وبه نأخذ، أي: إنما نعمل بما رواه محمد بن عبد الله بن نوفل بن الحارث وهو أي: قاله محمد بن عبد الله بن نوفل قولُ أبي حنيفة والعامَّةِ من فقهائنا وقد ذكرنا بعضهم.\n* * *\n\n٣٩٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر، أن عمر بن الخطاب قال: افْصِلُوا بين حَجَكم وعُمْرَتَكُم، فإنَّه أتَمُّ لحجّ أحدكم، وأتمُّ لِعُمْرَتِه أن يعتمر في غير أشهر الحَجّ.\nقال محمد: يعتمر الرجل ويرجع إلى أهله، ثم يَحُج ويرجع إلى أهله، فيكون ذلك في سَفَرَيْن، أفضل من القِرَان في سفر واحد، ولكن القِرَان أفضل من الحجّ مفردًا والعُمْرة من مكة، ومن التمتُّع والحَجّ من مكة؛ لأنه إذا قَرَنَ كانت عُمْرَتُه وحَجَّته من بلده، وإذا تمتَّعَ كانت حَجَّتُهُ مَكِّيَّةً، وإذا أَفْرَدَ الحجّ كانت عُمْرَتُه مكيةً، فالقِرَان أفضل، وهو قولُ أبي حنيفة والعامَّةِ من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا، أخبرنا نافع، أي: المدني مولى ابن عمر عن عبد الله بن عمر، ﵄ أن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: افْصِلُوا أي: فرقوا يا معشر المسلمين بين حَجَكم وعُمْرَتَكُم، أي: بأن تحرموا بكل منهما وحده وأن لا يكون العمرة في أشهر الحج أي: تفريق الحج عن\n_________\n(٣٩٧) أخرجه: مالك (٧٦٥)، وابن أبي شيبة (٤/ ٢٣٤).","vol":"2","page":287},{"text":"العمرة فإنَّه أتَمُّ لحجّ أحدكم، وأتمُّ لِعُمْرتِه أي: حيث يكون كل في سفر منفرد بناء على أن الأجر على قدر المشقة أن يعتمر أي: أن يحرم المعتمر للعمرة في غير أشهر الحَجّ وهو شوال وذي القعدة وعشر من ذي الحجة والحاصل أنه قائل بأفضلية نوع من الإِفراد مما الخلاف فيه بين العباد.\nقال محمد: يعتمر الرجل أي: يفعل الرجل المعتمر أفعال العمرة، وهي الإِحرام لها من ميقاتها وطواف البيت سبعة أشواط مع الرمل في الثلاثة الأولى منها والسعي بين الصفا والمروة سبعة أشواط مع الهرولة بين الميلين الأخضرين في كل سعي، وأفعال العمرة في غير أشهر (ق ٤٢٩) الحج إما قبلها وإما بعدها أيام التشريق.\nويرجع إلى أهله، والعمرة جائزة في جميع السنة؛ لأنها غير مؤقتة، وتكره يوم عرفة والنحر وأيام التشريق فإن هذه الأيام مشتغلة بأفعال الحج فلو اشتغلت بالعمرة ربما اشتغلت عنها فتفوت ولو أداها فيها جازت مع الكراهة كصلاة التطوع في الأوقات الخمسة المكروهة كذا في الاختيار، ثم أي: بعد رجوع المعتمر إلى أهله يَحُج أي: يفعل أفعال الحج في ذلك العام ويرجع إلى أهله، فيكون ذلك إلى الرجوع إلى أهله بعد إتمام أفعال العمرة والحج في سَفَرَيْن، أفضل من القرَان في سفرٍ واحد، ولكن القِرَان أي: في سفر أفضل من الحجّ مفردًا والعُمْرة من مكة، أي: فضلًا عما لا يأتي بها ومن التمتُّع أي: من العمرة في أشهر الحج، فمن كان في الحال يحرم للعمرة في أشهر الحج أو قبل أشهر الحج ويطوف لها في أشهر الحج أربعة أشواط أو أكثر؛ لأن العمرة في المتمتع أن يوجد طواف العمرة أو أكثر في أشهر الحج فيطوف المتمتع ويسعى ويحلق أو يقصر ويبقى على إحرامه حتى يحرم بالحج يوم التروية ويحلل من الإِحرامين بالحلق يوم النحر كذا قاله الشمني في (شرح النقاية) والحَجّ من مكة؛ لأنه إذا قَرَنَ كانت عُمْرَتُه وحَجَّته أي: كلتاهما من بلده، أي: حيث أحرم بهما منه فيستحب حكم السفر عليهما وإن كان أفعال الحج تتأخر عن أفعال العمرة وإذا تمتَّعَ أي: وإذا أحرم الأفاقي خارج حرم مكة للعمرة والحج كانت حَجَّتُهُ مَكِّيَّةً، وعمرته أفاقية وإذا أَفْرَدَ الحجّ كانت عُمْرَتُه مكيةً، أي: إن أتى بها وسفره ينصرف إلى حجه فالقِرَان أي: إحرام الأفاقي بالحج مع العمرة أفضل، أي: بهذا الاعتبار مع قطع النظر عن ورود الأحاديث والآثار وهو أي: فضل القران من الإِفراد بالحج والإِفراد بالعمرة قولُ أبي حنيفة والعامَّةِ من فقهائنا كذا قاله علي القاري.","vol":"2","page":288},{"text":"والحاصل الإِحرام على أربعة أوجه: إحرام بحجة مفردة، وإحرام بعمرة مفردة، وإحرام بحجة وعمرة، وهو القران وإحرام بعمرة في الحج وهو التمتع.\nأما الإِحرام بحجة مفردة: أن يقول عند الميقات: اللهم إني أريد الحج فيسره لي وتقبله مني، ويقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. وأما الإِحرام بعمرة مفردة فهو أن يقول عند الميقات: اللهم إني أريد العمرة فيسرها لي وتقبلها مني ثم يقول كما ذكرنا، وإن شاء قال: لبيك بعمرة والعمرة أربعة أشياء الإِحرام من الميقات، والطواف، والسعي بين الصفا والمروة، والحلق أو التقصير.\nوأما الإِحرام بحجة وعمرة: فإنه يقول عند الميقات: اللهم إني أريد الحج والعمرة فيسرهما لي وتقبلهما مني، فيؤديهما جميعًا بإحرام واحد، ثم يذبح شاة بعد رمي جمرة العقبة في يوم النحر أو الفداء أو بعد الغد فإن لم يجد ما يذبح صام ثلاثة أيام في الحج آخرها يوم عرفة وسبعة إذا رجع إلى أهله.\nوأما الإِحرام بعمرة في الحج: وهو التمتع فصورته أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويأتي بأفعال العمرة، فإذا حل من عمرته يقيم بمكة حلالًا من غير أن يرجع إلى أهله، ثم يجيء بالحج من المسجد في يوم التروية (ق ٤٣١) ويفعل ما يفعله الحاج المفرد وعليه دم التمتع، فإن لم يجد ما يذبح فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله كذا قاله الشيخ أبو الليث نصر بن محمد السمرقندي في خزانة الفقه.\nلما فرغ من بيان حكم القران، شرع في بيان حكم حال من أرسل هديًا إلى الحرم، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>باب من أهدى هديًا وهو مقيم</span>\nوفي نسخة: فيمن أي: في بيان حكم حال من أهدى أي: أرسل هديًا أي: إلى الحرم وهو مقيم أي: والحال أنه قائم في بلده غير مريد أن يتلبس بإحرام فالهدي لغة وشرعًا واحد وهو ما يهدى إلى الحرم من شاة أو بقرة أو بعير ليقرب به إليه تعالى يقال: هدى بالتشديد على فعيل الواحدة هدية كمطية ومطى ومطايا كذا في (المغرب).","vol":"2","page":289},{"text":"٣٩٨ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم: أنَّ عَمْرَةَ بنت عبد الرحمن أخْبَرَتْهُ: أن زياد بن أبي سفيان كتب إلى عائشة: أن ابن عباس قال: مَنْ أَهْدَى هديا حَرُمَ عليه ما يَحْرُم على الحاجّ، وقد بَعَثْتُ بِهَدْيٍ فاكتُبي إليَّ بأمْرِك، أو مُرِي صاحِبَ الهَدْي، قالت عَمْرَة: قالت عائشة: ليس كما قال ابن عباس، أنا فَتَلْتُ قلائد هَدْي رسول الله - ﷺ - بيدي، ثم قَلَّدَها رسول الله - ﷺ - بيده، وبعث بها مع أبي، ثم لم يَحْرُم على رسول الله - ﷺ - شيء كان أحَلَّه الله، حتى نحر الهَدْي.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، وإنما يُحرم الذي يتوجَّه مع هَدْيِه، يريد مكة، وقد ساقَ بَدَنَتَه وقَلَّدَها، فهذا يكون مُحْرِمًا، حين يتوجَّه مع بَدَنَتِه المقلَّدة بما أرادَ حَجٍّ أو عُمْرَةٍ، فأمَّا إذا كان مُقيمًا في أهله لم يكن محرِمًا، ولم يحرم عليه شيء حَلَّ له، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن مالك بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، يعني منسوب إلى ملك ذي أصبح، من ملوك اليمن، وهو في الطبقة السابعة من كبار أتباع التابعين من أهل المدينة، وهي كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة في الأرض (١) وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا وكل واحدة منهما رمزًا إلى أخبرنا، حدثنا وفي نسخة قال: بنا، عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم: الأنصاري المدني القاضي، ثقة من طبَقات التابعين كان من الطبقة الخامسة مات سنة خمسة وثلاثين ومائة وهو ابن سبعين سنة كذا قاله في (التقريب) (٢). أنَّ عَمْرَةَ بنت عبد الرحمن\n_________\n(٣٩٨) أخرجه: البخاري (١٦١٣)، ومسلم (١٣٢١)، وأبو داود (١٧٥٨)، والنسائي في المجتبى (٢٧٧٤)، وابن ماجه (٣٠٩٤)، ومالك (٧٤٩٠)، والنسائي في الكبرى (٣٧٥٦)، وابن حبان (٤٠٠٩)، والطبراني في الأوسط (٣٧٩)، وأبو يعلى (٤٩٤٢)، والبيهقي في الكبرى (١٠٣٢١)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٢/ ٢٦٤)، وإسحاق بن راهويه (١٠١١).\n(١) تقدم مرارًا.\n(٢) انظر: التقريب (١/ ٢٨١).","vol":"2","page":290},{"text":"ابن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية ثقة من الطبقة الثالثة ماتت قبل المائة وقيل بعدها كذا قاله ابن حجر (١) أخْبَرَتْهُ: أي: عبد الله بن أبي بكر أن زياد بن أبي سفيان وهو صخر بن حرب بن أمية بن عبد الشمس بن عبد مناف صحابي شهير، أسلم عام الفتح، ومات سنة اثنين وثلاثين وقيل بعدها كذا قاله ابن حجر في (التقريب) (٢) لكن زياد بن أبي سفيان لا ابنه حقيقية وأمه سمية جارية الحارث بن كلدة، واختلف في وقت مولده فقيل: ولد عام الفتح وقيل: عام الهجرة، وقيل: قبل يوم بدر، يكنى أبا المغيرة ليست له صحبة ولا رواية كان رجلًا عاقلًا في دنياه ولكن تابعي قطعًا كذا قاله ابن عبد البر في (الاستيعاب) كتب إلى عائشة: زوج النبي - ﷺ - أن ابن عباس بفتح الهمزة وكسرها والفرق بينهما لا يخفى قال: مَنْ أَهْدَى أي: من بعث إلى مكة هديًا أي: بهدي كما في نسخة حَرُمَ عليه ما يَحْرُم على الحاجّ، من محظورات الإِحرام حتى ينحر الهدي وقد بَعَثْتُ بِهَدْيٍ أي: إلى الحرم وأنا مقيم غير محرم فاكتُبي إليَّ بأمْرِك، أي: حتى أعلم كيف أعمل أو مُرِي صاحِبَ الهَدْي، أي: الذي معه الهدي بما يصنع وكاأه كتب إليها لما بلغ إنكارها عليه روى سعيد بن منصور (٣) عن عائشة وقيل لها: إن زيادًا إذا بعث بالهدي أمسك عما يمسك المحرم حتى ينحر هديه فـ \"أو\" للتنويع بين الكتابة وبين الرواية، ولا يبعد أن تكون للشك قالت عَمْرَة: أي: بالسند المذكور لما جاء بسؤال زياد قالت عائشة: أي: في الجواب كتابة أو رواية ليس أي: الأمر كما قال ابن عباس، أي: بطريق العباس فإنه مخالف للنص الصريح المانع من التعليل ولو بالدليل الصحيح أنا فَتَلْتُ أي: دورت قلائد هَدْي رسول الله - ﷺ - بيدي، (ق ٤٣٢) بفتح الدال المهملة وتشديد التحتية، وفي رواية بالإِفراد على إرادة الجنس وفيه رفع مجاز أن تكون أرادت أنها فتلت من الصوف قلائد هداياه بأمره ثم قَلَّدَها رسول الله - ﷺ - وعلق القلائد على أعناق الهدايا وعليه سلم بيده، أي: الشريفة وفي التقييد هذا وفيما قبلها دفعًا للتجوز أنه لم يكن بأمر إحديهما وبعث بها أي: بالهدايا الدالة عليها القلائد مع أبي، أي: أبي بكر الصديق حين حج في السنة العاشرة أمير الحجاج قال ابن السني: أرادت عائشة بذلك علمها بجميع القصة ويحتمل أن تريد أنه أخر فعل النبي - ﷺ - لأنه حج\n_________\n(١) انظر: التقريب (٢/ ٨٦٩).\n(٢) انظر: التقريب (١/ ٢٥٣).\n(٣) أخرجه أحمد (٢٤٤٣٥)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٢/ ٢٦٥).","vol":"2","page":291},{"text":"في العام الذي يليه حجة الوداع؛ لئلا يظن ظان أن ذلك كان في أول الإِسلام، ثم نسخت فأرادت إزالة هذا اللبث والمكث ذلك بقوله: ثم لم يَحْرُم على رسول الله - ﷺ - شيءٌ أي: من محظورات الإِحرام وكان أحَلَّه الله، أي: قبل إرسال الهدي حتى نحر الهَدْي على بناء الماضي أي: نحره أبو بكر فإن السنة هي الحجة عند الاختلاف خصوصًا وقد صححها أهل المدينة وحتى للغاية أي: للدلالة على أن ما بعدها غاية لما قبلها يعني: من بعث هديًا إلى مكة وأقام ببلدة لم يحرم عليه شيء كان أحله الله إلى أن نحر الهدي بخلاف من بعث الهدي إلى مكة وتوجه إليها مع هديه، فإنه حرم عليه ما يحرم على المحرم حتى ذبح هديه في مكة.\nقال محمد: وبهذا أي: بما أخبرت عائشة ﵂ نأخذ، أي: نعمل وإنما يُحرم على الذي يتوجَّه أي: يريد أن يسافر مع هَدْيِه، يريد مكة، أي: أو غيرها من أرض النحر يقصد أحد النسكين وقد ساقَ بَدَنَتَه أي: أرسلها قدامها ومشى ورائها وقَلَّدَها، أي: والحال أنه قلدها وهذا قيد كمال فهذا أي: الشخص يكون مُحْرِمًا، أي: وعليه بعض الأشياء محرمًا حين يتوجَّه مع بَدَنَتِه المقلَّدة بما أرادَ حَجٍّ أو عُمْرَةٍ، أو من جمعهما فأمَّا إذا كان مُقيمًا في أهله لم يكن محرِمًا، ولم يحرم عليه شيء أي: بسبب بعثه هديًا حَلَّ له، أي: قبل ذلك وهو قول أبي حنيفة نعمان بن ثابت بن طاوس بن هرمز بن ملك بن شيبان، في أصح الرواية على ما في (الكافي).\nلما فرغ من بيان أحكام من بعث الهدي إلى مكة، شرع في بيان أحكام تقليد البدن وإشعارها، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>باب تقليد البدن وإشعارها</span>\nفي بيان أحكام تقليد البدن وإشعارها، البدن: بضم الموحدة وسكون الدال المهملة والنون جمع بدنة بفتحتين، وهي الإِبل والبقر عندنا والإِبل فقط عند الشافعي، وسميت بها لكبر بدنها ويستحب الهدي، وهو أن يسوق معه شيئًا من النعم ليذبحه في الحرم، ويستحب أن يقلد الإِبل فعلين ونحوها وكذا الغنم عند الثلاثة.\nوقال مالك: لا يستحب أن يقلد الغنم كذا في اختلاف الأئمة لكن ذكر ابن الهمام","vol":"2","page":292},{"text":"أحب من التحليل؛ لأن له ذكرًا في القران إلا في الشاة؛ فإنه ليس بسنة على ما ذكر صاحب (الهداية) ثم يستحب إشعار الهدي، إذا كان من إبل أو بقر في صفحة سنامه (ق ٤٣٣) الأيمن عند الشافعي وأحمد.\nقال مالك: في الجانب الأيسر، وقال أبو حنيفة: الإِشعار مكروه والأولى ما حمل عليه (الطحاوي) (١) من أن أبا حنيفة إنما كره إشعار أهل زمانه؛ لأنهم لا يهتدون إلى إحسانه وهو شق مجرد الجلد ليدمى بل كانوا يبالغون في اللحم حتى يكثر الألم ويخاف منه السراية إلى العظم وذلك لما في مسلم عن ابن عباس ﵄: أنه - ﷺ - أشعر بدنه من الجانب الأيسر (٢) وفي رواية: صلى الظهر بذي الحليفة، ثم دعا ببدنة فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن. وفي (الموطأ) لمالك عن نافع عن ابن عمر: كان إذا أهدى هديًا في المدينة يقلده بنعلين ويشعره في الشق الأيمن (٣)، فهذا يعارض ما في مسلم من حديث ابن عباس: أنه لم يكن أحد أشد اقتداءً بظهور فعل رسول الله - ﷺ - من ابن عمر. فلولا عليه وقوع ذلك من فعله - ﷺ - لم يستمر عليه فوجه التوفيق حينئذ هو ما صرنا إليه من الإِشعار فيهما حملًا له وأيتهن على رواية كل رأي الإِشعار من جانب، وهو واجب ما أمكن كذا حققه الإِمام ابن الهمام (٤).\n٣٩٩ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن عبد الله بن عمر، أنَّه كان إذا أَهْدَى هَدْيًا من المدينة قَلَّدَه وأشْعَرَه بذي الحُلَيْفَة، يُقَلِّده قبل أن يُشْعِرَه، وذلك في مكان واحد، وهو موجَّه إلى القبلة، يقلِّده بنعلين، ويُشْعِرَه من شقِّه الأيسر، ثم يُساق معه حتى يوقف به مع الناس بِعَرَفة، ثم يُدْفَع به معهم إذا دفعوا، فإذا قَدِمَ مِنىً من غَدَاةِ يوم النَّحْر نحره قبل أن يحلق أو يُقَصِّرَ، وكان ينحر هَدْيَه بيده، يَصُفُّهُنّ قِيامًا، ويوجِّههنّ إلى القبلة، ثم يأكلُ ويُطْعِمُ.\n_________\n(١) انظر: تفسير القرطبي (٦/ ٣٨)، والهداية شرح البداية (١/ ١٥٨)، وحاشية ابن عابدين (٢/ ٥٣٩)، والمبسوط للسرخسي (٤/ ١٣٨)، وشرح فتح القدير (٣/ ٩).\n(٢) أخرجه: مسلم (١٣٠٥).\n(٣) أخرجه: مالك (٨٤٣)، والبيهقي في الكبرى (١٠٣٠٢).\n(٤) انظر: حاشية (١).","vol":"2","page":293},{"text":"• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، وفي نسخة أخرى: أنا، حدثنا وفي نسخة: قال: بنا نافع، عن عبد الله بن عمر، أنَّه كان إذا أَهْدَى أي: إذا بعث إلى مكة هَدْيًا من المدينة أي: وهو قاصد للإِحرام قَلَّدَه أي: الهدي بنعل بأن يعلقه في عنقه أو قطعة مزادة وأشْعَرَه بذي الحُلَيْفَة، أي: أدماه في سنامه من ميقات أهل المدينة ليكون إشعارًا بأنه من شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد أي: ذوات القلائد أي: ولا قلائده فضلًا عن ذاته يُقَلِّده قبل أن يُشْعِرَه، وذلك أي: ما ذكر من التقليد والإِشعار في مكان واحد، أي: لا في مكانين بأن يكون أحدهما قبل الآخر وهو ابن عمر موجَّه أي: جاعل وجه هديه وفي نسخة: متوجه فالضمير المرفوع المنفصل كناية عن الهدي أي: والهدي يتوجه إلى القبلة، أي: إلى جهة الكعبة في حالتي التقليد والإِشعار يقلِّده بنعلين، أي: من النعال التي تلبس في الإِحرام قوله: يقلِّده بيان لما أجمله وكذا قوله. ويُشْعِرَه من شقِّه الأيسر، قوله: ويشعره من الإِشعار بكسر الهمزة وهي لغة الإِعلام وشرعًا شق سنام الهدي ثم يُساق أي: الهدي معه أي: مع ابن عمر حتى يوقف به أي: يجعل الوقوف بالهدي مع الناس بِعَرَفة، أي: بعرفات بيوم عرفة ثم يُدْفَع به معهم إذا دفعوا، أي: أفاضوا فإذا قَدِمَ مِنىً من غَدَاةِ يوم النَّحْر أي: من أول نهاره نحره أي: بعد طلوع الشمس فإنه المستحب للرمي وهو مقدم على الذبح قبل أن يحلق أو يُقَصِّرَ، ومفهومه أنه بعد أن يرمي وكان ينحر أي: يذبح هَدْيَه بيده؛ لأنه يستحب عند استحسان فعله، وقد نحر - ﷺ - في حجة الوداع ثلاثًا وستين بدنة بعدد سن عمره - ﷺ - وأمر بنحر البدن كلها مائة (١) يَصُفُّهُنّ بفتح التحتية وضم الصاد المهملة وتشديد الفاء المضمومة والهاء المضمومة والنون المشددة أي: يجعل ابن عمر (ق ٤٣٤) هداياه صافات قِيامًا، أي: قائمات لقوله تعالى في سورة الحج: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ [الحج: ٣٦] ولقوله تعالى في سورة الحج: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ [الحج: ٣٦] أي: عند نحرها ﴿صَوَافَّ﴾ أي: قيامًا على\n_________\n(١) أخرجه: مسلم (١٢١٨)، وأبو داود (١٠٥)، والترمذي (٨١٥)، وابن ماجه (٣٠٧٤)، وأحمد (١٤١٣٩)، والدارمي (١٨٥٠، ١٨٥١)، وابن حبان (٣٩٤٣)، وابن الجارود في المنتقى (٤٦٥)، وأبو يعلى (٦٧٣٩)، والبيهقي في الكبرى (٨٩٠٧)، والشعب (٧٣١٩)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٢/ ١٥٩)، وعبد بن حميد (١١٣٣).","vol":"2","page":294},{"text":"ثلاث قوائم قد صفت رجليها وإحدى يديها ويدها اليسرى معقولة أي: مشددة بحبل وتنحر على تلك الحال ويوجِّههنّ أي: ويجعل وجوه الهدايا عند نحرهن إلى القبلة، أي: إلى جهة الكعبة اتباعًا لقوله - ﷺ - فإنه كان يستقبل بذت القبلة فيستحب استقبالها بالأعمال التي يريد بها الله تعالى تبركًا واتباعًا للسنة.\nقال الراوي: ثم أي: بعد طبخ الهدي يأكلُ أي: بعضه ويُطْعِمُ أي: يعطي باقيه للفقراء والمساكين لقوله تعالى في سورة الحج: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦] أي: المتعفف الحال والمعترض للسؤال.\n* * *\n\n٤٠٠ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أنَّ عبد الله بن عمر، كان إذا وَخَزَ في سَنام بَدَنَته وهو يُشْعِرها، قال: بسم الله والله أكبر.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أو أنا حدثنا وفي نسخة عن نافع، أي: المدني مولى ابن عمر أنَّ عبد الله بن عمر، كان إذا وَخَزَ بالخاء المعجمة والزاي المعجمة أي طعن طعنة غير نافذة برمح أو بإبرة أو غير ذلك في سَنام بفتح السين المهملة بَدَنَته وهو يُشعِرها، أي: والحال أن يريد أن يشعرها أي: يقصد إشعارها قال: بسم الله والله أكبر فيستحب ذلك، امتثالًا لقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] واللام للندب وهذا الحديث موقوف ظاهرًا مرفوع حكمًا.\n* * *\n\n٤٠١ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أنَّ عبد الله بن عمر كان يُشْعِر بَدَنَته في الشِّقِّ الأيسر، إلا أن تكون صِعابًا مقَرَّنة، فإذا لم يستطع أن يدخل بينها أشْعَرَ من الشِّقِّ الأيسر، وإذا أراد أن يُشْعِرها وجَّهَهَا إلى القبلة، قال: فإذا أشْعَرَها، قال: بسم الله والله أكبر، وكان يُشْعِرها بيده وينحرها بيده قِيامًا.\n_________\n(٤٠٠) أخرجه: مالك (٨٤٤).\n(٤٠١) تقدم.","vol":"2","page":295},{"text":"قال محمد: وبهذا نأخذ، التقليد أفضل من الإِشعار، والإِشعار حَسَنٌ، والإِشعار من الجانب الأيسر، إلا أن تكون صِعَابًا مُقَرَّنة لا يستطيع أن يدخل بينها فيُشْعِرها من الجانب الأيسر أو الأيمن.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا حدثنا وفي نسخة: عن نافع، أي: المدني مولى ابن عمر أنَّ ابن عمر ﵁ كان يُشْعِر من الإِشعار أي: يريد إدماء بَدَنَته في الشِّقِّ بكسر الشين المعجمة وتشديد القاف بمعنى الجانب أي بدماء بدنته في الجانب الأيسر، من سنامها في الزمن الكثير إلا أن تكون البدنة يعني جنسها صِعابًا بكسر الصاد المهملة أي: متصعبة مقَرَّنة، بتشديد الراء المهملة أي مقرونة بعضها ببعض فإذا لم يستطع أي: ابن عمر أن يدخل بينها أي: بين البدن أشْعَرَ أي: أدما من الشِّقِّ الأيمن وهذا يدل على أنه كان يجمع الإِشعار بين الجانبين لكن الإِشعار من الأيمن أفضل وعمله أكثر الأيسر، أيسر وإذا أراد أن يُشْعِرها أي: البدن وجَّهَهَا إلى القبلة، أي: جانب الكعبة لأنها أحسن الجهات وأيمن التوجهات قال: أي: نافع فإذا وفي نسخة: وإذا بالواو أشْعَرَها، أي: إذا أراد ابن عمر إدماء بدنته قال: بسم الله والله أكبر، وكان أي: والحال أن ابن عمر يُشْعِرها بيده وينحرها بيده أي: يقطع عروق بدنته في أسفل أعناقها عند الصد؛ لأن فيها أيسر؛ لأن العروق مجتمعة في النحر، وهو بفتح النون وسكون الحاء والراء موضع القلادة وموضع قريب إلى الصدر كذا قاله محمد الواني في (ترجمة الجوهري) قِيامًا أي: قائمًا بنفسه لأمر النحر غير أمر بغيره؛ لأن الأعمال الآخرة أولى أن تكون بلا واسطة إن أمن وقوعها فعلم من خبر نافع أن ابن عمر قال حين أشعرها ونحرها: بسم الله والله أكبر بالواو امتثالًا وتبركًا لقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] كذا قاله الزرقاني (١).\nواستفيد منه الجواز للذابح حين ذبحها بسم الله والله أكبر بالواو (ق ٤٣٥) ولكن نقل الشمني في كتاب الذبائح من (شرح النقاية) عن الحلواني وقال: يستحب أن يقول الذابح حين ذبحها: بسم الله الله أكبر بلا واو لأن ذكر الواو تقطع فور التسمية انتهى، وهو أي فور التسمية مستفاد من قوله تعالى في سورة الحج: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦] ذهب أبو الحسن الكرخي من أصحاب أبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي\n_________\n(١) انظر: شرح الزرقاني (٢/ ٤٣٤).","vol":"2","page":296},{"text":"والقائلين بأن موجب الأمر التكرار يدل على الفور احتج من قال بالفور، ومعناه وجوب الأداء في الأول أوقات الإِمكان يلحقه الذم بالتأخير وبأن السيد إذا قالى لعبده اسقني وأخر العبد عُدَّ عاصيًا فلو لم يكن الأمر للفور لما كان كذلك، وهذا خلاصة ما قاله شارح المعنى من الأصول وفيه تفصيل فراجع إليه، وأول الآية: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الحج: ٣٦] قوله: ﴿وَالْبُدْنَ﴾ جمع بدنة كخشب وخشبة منصوب بمضمر قوله: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ﴾ [يس: ٣٩] وقوله: ﴿جَعَلْنَاهَا لَكُمْ﴾ [الحج: ٣٦] أي: البدن وقوله: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ أي: من أعلام دينه التي شرعها الله قوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ أى: في نحر البدن منافع دينية ودنيوية قوله: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ قيل: فيه حذف أي: فاذكروا اسم الله عليها عند نحرها وذبحها بأن تقولوا عند ذبحها: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر، اللهم منك وإليك قوله: ﴿صَوَافَّ﴾ حال من الهاء في عليها، أي: قائم على القوائم الأربع وقراءة ابن عباس ﵄ \"صوافن\" بمعنى على ثلاث قد علقت يدها الواحد والآية دلت على أن الإِبل تنحر قائمة قوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ أي: سقطت على الأرض بجنبها بعد النحر وسكنت حركتها قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ أى: حل لكم الأكل منها والطعام، وكان المشركون لا يأكلون من ذبائحهم فرخص للمعلمين بقوله: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ﴾ أي: الراضي بما عنده أو الذي يقنع بما أعطى من غير سؤال قوله: ﴿وَالْمُعْتَرَّ﴾ أي: المعترض بالسؤال قيل: السنة أن يأكل الرجل من لحم أضحيته قبل أن يتصدق قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثل ما وصفنا من نحرها قيامًا قوله: ﴿سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ﴾ أي: مع عظمها وقوتها، حتى تأخذوها منقادة فتعقلوها أي: تشدوها بحبل وتحبسوها صافة قوائمها ثم تطعنون في لباتها أي: موضع قلادتها ففيه إظهار منة الله تعالى على عباده قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: لعلكم تشكرون ربكم على هذه النعم.\nقال محمد: وبهذا أي: بقول ابن عمر نأخذ، أي: نعمل نحن أصحاب أبي حنيفة ولكن نقول عند ذبح أضحيتنا: باسم الله الله أكبر بغير واو؛ ولأنه تعارض النظم الكريم على قول ابن عمر: فخرجنا حكم النظم الكريم على حكم الخبر؛ لأن الأمر في قوله","vol":"2","page":297},{"text":"تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ [الحج: ٣٦] يدل علي الفورية على مذهب (ق ٤٣٦) الكرخي وبعض أصحاب الشافعي والتقليد أفضل من الإِشعار، أي: لعدم توهم الفرد في الأول، ولكون جوازه متفقًا عليه والإِشعار حَسَنٌ، أي: مستحسن عند الجمهور والإِشعار أي: الأحسن من الجانب الأيسر، إلا أن تكون صِعَابًا أي: مستصعب مُقَرَّنة أي: مقرونة بعضها ببعض لا يستطيع أي: لا يقدر صاحبها أن يدخل بينها فيُشْعِرها أي: قيدها من الجانب الأيسر أو الأيمن.\nلما فرغ من بيان تقليد البدن وإشعارها، شرع في بيان حكم حال من تطيب قبل أن يحرم، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>باب من تطيب قبل أن يحرم</span>\nفي بيان حكم حال من تطيب أي: استعمل طيبًا قبل أن يحرم وفي نسخة: باب بغير حرف الجر.\n٤٠٢ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن أسْلَم مولى عمر بن الخطاب، أنَّ عمر بن الخطاب وجد ريح طيبٍ وهو بالشجرة، فقال: مِمَّن رِيحُ هذا الطيب؟ فقال مُعَاويَة بن أبي سفيان: مِني يا أمير المؤمنين، قال: منك؟ لَعَمْرِي، قال: يا أمير المؤمنين إنَّ أمّ حبيبةَ طَيَّبَتْني، قال: عزمت عليك لترجعَنّ فلتغْسِلنّه.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، يعني: منسوب إلى ملك من ملوك اليمن، يقال له: ذو أصبح، كان في الطبقة السابعة من طبقات كبار أتباع التابعين، من أهل المدينة (١) وفي نسخة: محمد قال: ثنا، حدثنا أي: نافع، ابن عبد الله المدني مولى ابن عمر، ثقة ثبت فقيه مشهور كان من الطبقة الثالثة، مات سنة سبع\n_________\n(٤٠٢) أخرجه: مالك (٦١٧) (٧١٦)، وابن أبي شيبة (٣/ ٢٠٧)، والبيهقي في الكبرى (٩٠٤٩)، (٩٠٥٠)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٢/ ١٢٦).\n(١) تقدم مرارًا.","vol":"2","page":298},{"text":"عشرة ومائة أو بعد ذلك من الهجرة (١) عن أسْلَم أي: العدوي مولى عمر بن الخطاب، مخضرم مات سنة ثمانين بعد الهجرة، وقيل: بعد سنة وهو ابن مائة وإحدى عشرة سنة كذا قاله ابن حجر في (التقريب) (٢) أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ وجد ريح طيبٍ أي: من أحد المحرمين وهو بالشجرة، موضع قريب من المدينة بذي الحليفة على ستة أميال من المدينة فقال: أي: سأل مستفهمًا أو منكرًا مِمَّن رِيحُ هذا الطيب؟ أي: يفوح فقال مُعَاويَة بن أبي سفيان: وهو صخر بن حرب بن أمية الأموي أبو عبد الرحمن الخليفة، وهو أي: ابن أبي سفيان صحابي أسلم قبل الفتح وكتب الوحي، ومات في رجب سنة ستين، وقد قارب الثمانين بعد الهجرة كذا في (التقريب) (٣) مِني يا أمير الؤمنين، قال: منك؟ لَعَمْرِي، بفتح العين وضمها من الباب الرابع إذا عاش زمانًا طويلًا وهذا مخالف للقياس، وهو أن يكون غير فعله في مصدره متحركًا ومنه أطال الله عمرك، وهذه الألفاظ وإن كان مصدرا في المعنى ولكن يستعمل في القسم بفتح العين فقط، ماذا أدخلت عليه اللام الابتداء كان مرفوعًا على الابتدائية، وتقول لعمر الله وإذا كان اللام التوكيد للابتداء وكان الخبر محذوفًا يكون تقدير الكلام لعمر الله ما أقسم به، وإن لم تدخل عليه لام الابتداء يكون نصبه كنصب سائر المصادر، فتقول: عمر الله ما فعلت كذا وعمرك الله ما فعلت كذا فالمعنى في لعمر الله وعمر الله احلف ببقاء الله ودوامه كذا قاله محمد الواني في (ترجمة الجوهري)، وكان عمر ﵁ قاس هذا على قوله تعالى من سورة الحجر: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢] وإلا فمن المعلوم أن ليس لي أحد أن يحلف بغير الله ولا بحياة أحد سواه، وأما هو ﷾ فله أن يقسم بما شاء قال: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج: ١] ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر: ١ - ٣] كذا قال علي القاري قال: أي: معاوية معتذرًا يا أمير المؤمنين إنَّ أمّ حبيبةَ (ق ٤٣٧) وهي أخت بنت أبي سفيان إحدى أمهات المؤمنين، مشهورة بكنيتها، واسمها رملة طَيَّبَتْني، أي: مسحتني طيبًا مع أنها عالمة بأحوال النبي - ﷺ - في حال الإِحرام فقال: أي: عمر عزمت عليك أي: أقسمت عليك وألزمتك لترجعَنّ أي: إلى مكان فيه ماء\n_________\n(١) تقدم.\n(٢) تقدم.\n(٣) انظر: التقريب (١/ ٢٥٣).","vol":"2","page":299},{"text":"فلتغْسِلنّه وكان الطيب مما بقي عينه، ثم هذا الأمر يحتمل أن يكون بعد تلبية الإِحرام أو عند إرادته له، وفي رواية عبد الرزاق: أقسمت عليك لترجعن إلى أم حبيبة فلتغسلنه عنك كما طيبتك، وزاد في رواية أيوب عن نافع عن أسلم قال: فرجع معاوية إليها حتى لحقهم ببعض الطرق فهذا عمد مع جلالته لم يأخذ بحديث عائشة على ظاهره فتعين تأويله بما مر وسيأتي عليه الكلام.\n* * *\n\n٤٠٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا الصَّلْتُ بن (زُبَيْد) عن غير واحد من أهله، أنَّ عمر بن الخطاب وَجَدَ ريح طِيبٍ وهو بالشَّجَرَة، وإلى جنبه كثير بن الصَّلْت، فقال: مِمَّن ريح هذا الطيب؟ فقال كثير: مني، لَبَّدْتُ رأسي، وأردتُ أن أحلق، قال عمر: فاذهب إلى شَرَبَة فادلك منها رأسك حتى تُنْقِيَه، ففعل كثير بن الصَّلْت.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا أرَى أن يتطيبَ المُحْرِم حين يريد الإِحرام، إلا أن يتطيب، ثم يغتسل بعد ذلك.\nوأما أبو حنيفة، فكان لا يَرَى به بأسًا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، وفي نسخة أخرى: أنا أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا، الصَّلْتُ بفتح الصاد المهملة وسكون اللام بالمثناة الفوقية، وهو ابن أخي كثير بن الصلت بن (زييد) بضم الزاي وتحتيتين تصغير زيد الكندي، وثقه العجلي (١) وغيره، مدني، كان من الطبقة الثانية من التابعين في الدينة كذا قاله ابن حجر في (التقريب) (٢) عن غير واحد من أهله، أي: عن جمع كثير من أقارب الصلت أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ وَجَدَ ريح طيبٍ وهو أي: والحال أن عمر بن الخطاب ﵁ بالشَّجَرَة، أي: موضع بذي الحليفة قريب من المدينة بستة أميال وإلى جنبه أي:\n_________\n(٤٠٣) أخرجه: مالك (٧١٧).\n(١) انظر: تاريخ الثقات (ص: ٣٩٦)، رقم (١٤٠٧).\n(٢) انظر: التقريب (٢/ ٤٩٢).","vol":"2","page":300},{"text":"والحال وجد عند عمر بن الخطاب كثير بن الصَّلْت، بن معدي كرب الكندي المدني من كبار التابعين ولد في عهد النبي - ﷺ - كان في الطبقة الثانية ووهم من جعله صحابيًا كذا قاله في (التقريب) (١) فقال: أي: عمر كما في (الموطأ) (٢) لمالك مِمَّن ريح هذا الطيب؟ فقال كثير: أي: ابن الصلت مني، أي: يا أمير المؤمنين لَبَّدْتُ رأسي، أي: جعلت فيه شيئًا نحو الصمغ ليجتمع شعره؛ لئلا يشعث في الإِحرام ويقع فيه العمل وأردتُ أن أحلق، أي: بعد فراغ نسكي قال عمر: فاذهب إلى شَرَبَةٍ هي بالتحريك حويض حول النخلة كذا في (القاموس)، وقال مالك: الشربة حفير يكون عند أصل النخلة، وفي (التمهيد): الشربة مستنقع الماء عند أصول الشجر حوض يكون مقداريها، وقال ابن وهب: هو الحوض حول النخلة يجتمع فيها الماء، وروى ابن أبي شيبة (٣) عن بشير بن يسار لما أحرموا وجد عمر ريح طيب فقال: ممن هذا الريح فقال البراء بن عازب: مني يا أمير المدينة قال عمر: قد علمنا أن امرأتك عطرة أو عطارة، إنما الحاج الأوقر الأغير، فهذا عمر قد أنكر على صحابيتين وتابعي كبير الطيب بمحضر الجمع الكثير من الناس صحابة وغيرهم، وما أنكر عليه منهم أحد فهو من أقول الأدلة على تأويل حديث عائشة ﵂، وقد روى وكيع عن شيبة عن سعيد بن إبراهيم عن أبيه أن عثمان رأى رجلًا تطيب أي: استعمل طيبًا عند الإِحرام فأمره أن يغسل رأسه بطين كذا قال الزرقاني فادلك وهو أمر من الدلك من باب نصر منها رأسك وكلمة \"من\" بمعنى \"في\" كقوله تعالى في سورة الجمعة: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] والضمير المجرور عائد إلى شربة باعتبار الحوض، وهو مؤنث سماعي (ق ٤٣٨) حتى تُنْقِيَه، أي: من الإِنقاء أو التنقية أي: حتى تنظف رأسك من طيبك ففعل كثير بن الصَّلْت وهذا واضح؛ لأن التلبية بما يغطي الرأس، فإن كان مخلوط بطيب فيوجب دمين والإِدماء.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: إنما نحن أصحاب أبي حنيفة رحمه الله تعالى نعمل بأمر عمر بن الخطاب بعدم استعمال الطيب عند الإِحرام لا أرَى أي: لا أختار أن يتطيبَ أي: يستعمل المُحْرِم حين يريد الإِحرام، أي: إلا أن يتطيب، أي: بذلك الطيب أولًا ثم\n_________\n(١) تقدم.\n(٢) تقدم.\n(٣) أخرجه: ابن أبي شيبة (٤/ ٢٨٨).","vol":"2","page":301},{"text":"يغتسل بعد ذلك ليذهب جرمه وأما أبو حنيفة، رحمه الله تعالى وكذا بقية أصحابه، فإنه فكان لا يَرَى به أي: باستعمال المحرم طيبًا بأسًا أي: كراهة، بل المذهب أن مريد الإِحرام يستحب له أن يتطيب بأي طيب كان سواء مما يبقي عينه بعد الإِحرام ومما لا يبقي وبه قال الشافعي لما في البخاري (١) من حديث عائشة ﵂ أنها قالت: كان رسول الله - ﷺ - إذا أراد أن يحرم يتطيب بأطيب ما يجد، ثم أرى ويبقى الطيب في رأسه ولحيته بعد ذلك الإِحرام بثلاثة أيام كما في رواية.\nوقال محمد بن الحسن الشيباني: لا يتطيب بما يبقى عينه بعد الإِحرام لما روى البخاري ومسلم (٢) من حديث يعلى بن أمية قال: أتى النبي - ﷺ - متضمخ وعليه جبة فقال: يا رسول الله، كيف في رجل أحرم بعمرة وفي جبة بعد ما تضمخ بطيب فقال له النبي - ﷺ -: \"أما الذي بك فاغسله ثلاث مرات، وأما الجبة فانزعها ثم اصنع في عمرتك ما تصنع في حجتك\" وأجيب عنه بأنه منسوخ؛ لأنه كان في عام الجعرانة سنة ثمان وحديث عائشة في حجة الوداع سنة عشر يكره التطيب في اللباس بالاتفاق. كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان حكم حال من استعمل طيبًا قبل أن يحرم، شرع في بيان حكم حال من ساق إلى مكة هديًا فهلك هديه في الطريق، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>باب من ساق هديًا فعطب في الطريق أو نذر بدنة</span>\nفي بيان حكم حال من ساق أي: إلى مكة هديًا أي: بدنة فعطب بكسر الفاء من الباب الرابع أي: هلك.\n_________\n(١) أخرجه: البخاري (٢٦٨)، ومسلم (١١٩٠)، وأبو داود (١٧٤٦)، والنسائي في المجتبى (٢٦٩٩)، (٢٧٠٠)، وابن ماجه (٢٩٢٧)، وأحمد (٥٦٣١)، والنسائي في الكبرى (٣٦٧٣)، وابن حبان (١٣٧٦)، وابن أبي شيبة (٤/ ٢٨٣)، وابن خزيمة (٢٥٨٥)، والشافعي في المسند (٥٦٠)، والطبراني في الأوسط (١٢٤١)، وابن الجارود في المنتقى (٤١٥)، والبيهقي في الكبرى (٩٠٣٩).\n(٢) أخرجه: البخاري (١٤٦٣)، ومسلم (١١٨٠)، وأحمد (١٧٤٨٨)، وابن خزيمة (٢٦٧٠)، وابن الجارود في المنتقى (٤٤٧)، والبيهقي في الكبرى (١٣٦١٤)، والحميدي (٧٩٠).","vol":"2","page":302},{"text":"قال في (النهاية): وقد يعبر بالعطب عن آفة تعتريه وتمنعه عن المشي ويخاف عليها الهلاك في الطريق أي: في طريق مكة أو نذر بدنة أي: إبلًا إلى مكة.\n٤٠٤ - أخبرنا مالك، حدثنا ابن شهاب الزُّهْرِيّ، عن سعيد بن المسيَّب، أنَّه كان يقول: مَنْ ساقَ بَدَنَةً تطَوُّعًا، ثم عطبت فنحرها فليجعل قلادتَها ونعلها في دمها، ثم يتركها للناس يأكلونها، وليس عليه شيءٌ، فإن هو أكلَ منها أو أمر بأكلها فعليه الغُرْم.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا، أي: أخبرنا، مالك بن أنس بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، يعني منسوب إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، وكان من كبار أتباع التابعين، من الطبقة السابعة من أهل المدينة وهي كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة في وجه الأرض (١) حدثنا وفي نسخة: قال: بنا، ابن شهاب أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، تابعي مدني، كان في الطبقة الرابعة من أهل المدينة (٢) كذا قاله ابن الجوزي عن سعيد بن المسيَّب، أي: ابن حزن يكنى أبا محمد، وهو تابعي ثقة في الطبقة الأولى من أهل المدينة (٣) كذا قاله ابن الجوزي في طبقاته أنَّه كان يقول: مَنْ ساق بَدَنَةً تطَوُّعًا، ثم عطبت أي: قرب هلاكها حتى خيف عليها الموت وامتنع عليها السير فنحرها؛ لأن النحر بعد حقيقة الهلاك لا يتصور فليجعل قلادتَها بكسر القاف أي: ما قلدت به من قطعة مزادة أو نعل (ق ٤٣٩) فقوله: ونعلها عطف تفسيري لها بأكمل أنواعها في دمها، أي: فليغمسها فيه وليضرب بها جانب سنامها.\nوفائدة ذلك: إعلام الناس أنه هدي فيأكل منه الفقراء دون الأغنياء؛ لأن الإذن في تناوله معلق بشرط بلوغه محله، فينبغي أن لا يحل قبل ذلك أصلًا؛ لأن التصدق على الفقراء أفضل من أن يترك لحمه للسباع وفيه نوع تقرب وهو المقصود كذا في (سلم الفلاح) ثم يتركها للناس أي: لفقرائهم يأكلونها، حال واستئناف وليس عليه أي: على صاحب\n_________\n(٤٠٤) أخرجه: مالك (٨٤٧)، والبيهقي في الكبرى (١٠٣٩٠).\n(١) تقدم.\n(٢) انظر: التقريب (٢/ ٥٥٢).\n(٣) انظر: التقريب (١/ ٢١٢).","vol":"2","page":303},{"text":"الهدي شيءٌ، أي: بدل الهدي فإن هي أكلَ منها أو أمر بأكلها أي: أحد فعليه الغُرْم بضم العين المعجمة والراء المهملة والميم أي: الغرامة، وهي قيمة من أكل أن يتصدقها إلى الفقراء.\n* * *\n\n٤٠٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا هِشام بن عُرْوَة، عن أبيه: أن صاحِبَ هَدْي رسول الله - ﷺ - قال له: كيف نصنع بما عَطِبَ من الهَدْي؟ فقال رسول الله - ﷺ -: \"انحرها وأَلْقِ قِلادتها أو نَعْلَها في دمها، وخَلِّ بينها وبين الناس يأكلونها\".\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا، وفي نسخة: قال: أنا رامزًا إلى أخبرنا هِشام بن عُرْوَة، أي: ابن الزبير بن العوام الأسدي ثقة، فقيه ربما دلس، كان في الطبقة الخامسة من أهل المدينة ومات سنة ست أو خمس وأربعين ومائة وله سبع وثمانون سنة (١) عن أبيه: أبي عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي المدني، يكنى أبا عبد الله المدني، ثقة فقيه مشهور في الطبقة الثانية، مات سنة أربع وتسعين على الصحيح (٢) كذا قاله ابن حجر أن صاحِبَ هَدْي رسول الله - ﷺ - وهو ناجية بالنون والجيم وبالتحتية صحابي، وهذا الحديث مرسل ظاهرًا موصول حكمًا؛ لأن عروة بن الزبير ثبت سماعه من ناجية، فقد أخرجه ابن خزيمة من طريق عبد الرحيم بن سليمان عن هشام عن عروة قال: حدثني ناجية قوله: ابن حزيمة، وهو بضم الحاء المهملة وفتح الزاي المعجمة سكون التحتية وبعدها ميم مفتوحة والتاء بعدها كذا قاله علي القاري في (شرح نخبة الفكر)، ورواه أيضًا أبو داود وابن عبد البر من طريق سفيان بن سعيد الثوري والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح.\nقال ابن حجر في (الإِصابة) (٣): ولم يسم أحد منهم لكن قال بعضهم: الخزاعي وبعضهم: الأسلمي، ولا يبعد التعدد، فقد ثبت من حديث ابن عباس أن ذويبا الخزاعي حدثه أنه كان مع النبي أيضًا، وأخرج ابن أبي شيبة عن عروة أن النبي - ﷺ - بعث ناجية\n_________\n(١) انظر: التقريب (٢/ ٦٣٦).\n(٢) انظر: التقريب (١/ ٣٩٩).\n(٣) انظر: الإصابة (١٠/ ١٢٥).","vol":"2","page":304},{"text":"الخزاعي عينا في فتح مكة، وقد جزم أبو الفتح الأزدي وأبو صالح المؤذن بأن عروة تفرد بالرواية عن ناجية الخزاعي، فهذا يدل على أنه غير الأسلمي. انتهى. لكن جزمهما بذلك لا يدل على أن هذا الحديث عنه، وكذا بعثه عينًا في فتح مكة وكون ذويب مع البدن لا دلالة فيه على أنه السائل، فلعل الصواب رواية من قال: إنه الأسلمي ثم قال: إنه اختلف على ابن عباس فطائفة رووا عنه ما يدل على أنه ناجية الأسلمي، وطائفة رووا أن ذويبًا الخزاعي والد قبيعة حدثه، وربما بعث - ﷺ - أيضًا معه هديًا فسأله كما سأله ناجية انتهى.\nوقال ابن إسحاق عن بعض أهل العلم عن رجال من أسلم (ت ٤٤٠): إن ناجية بن جندب الأسلمي صاحب هدي رسول الله - ﷺ - قال أي: صاحب هديه - ﷺ - له أي: النبي - ﷺ - كيف بما عَطِبَ أي: قرب إلى الهلاك من الهَدْي؟ أي: على فرض وقوع العطب فقال رسول الله - ﷺ -: \"انحرها بكسر الهمزة وسكون النون وفتح الحاء المهملة وسكون الراء أي: اذبحها (البدنة) من قرب صدرها موضع القلادة وأَلْقِ أي: اغمس قلادتها أو نَعْلَها وكلمة \"أو\" إما للتنويع وإما للشك في دمها، قال مالك مرة: أمره بذلك ليَعلم أنه هدي فلا يستباح الأعلى الوجه الذي ينبغي تأوله مرة على أنه نهي أن ينتفع منها بشيء حتى لا تحبس قلادتها التقلد بها غيرها وخَلِّ أي: ترك بينها وبين الناس يأكلونها\" كذا الرواية بإثبات النون، فهو حال واستئناف زاد مسلم وغيره في حديث ابن عباس منها ولا على أهل رفقتك قال المازري: قيل نهاه عن ذلك حماية أن يساهل فينحره قبل أوانه.\nقال القرطبي: لأنه لو لم يمنعهم أمكن أن يبادر بنحره قبل أوانه، وهو من المواضع التي وقعت في الشرع وأحملها مالك على سد الذرائع، وهو أصل عظيم لم يظفر فيه غير مالك لدقة نظر. قال عياض: فما عطب من هدي التطوع لا يأكل منه صاحبه ولا سائقه ولا رفقته لنص الحديث وبه قال مالك والجمهور.\nوقالوا: لا يدل عليه لأنه موضع بيان، ولم يبين ذلك - ﷺ - بخلاف الهدي الواجب إذا عطب قبل محله، فيأكل منه صاحبه والأغنياء؛ لأن صاحبه يضمنه لتعلقه بذمته، وأجاز الجمهور بيعه، ومنعه مالك فإن بلغ محله لم يأكل من جزاء وفدية ونذر مساكين وأكل مما سوى ذلك على مذهب المشهور وبه قال فقهاء الأمصار وجماعة من السلف كذا قاله الزرقاني (١).\n* * *\n_________\n(١) انظر: شرح الزرقاني (٢/ ٤٣٧).","vol":"2","page":305},{"text":"٤٠٦ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن دينار، قال: كنتُ أرَى ابن عمر بن الخطاب يهدي في الحَجّ بَدَنَتَيْنِ بَدَنَتَيْنِ، وفي العُمْرَة بَدَنَة، قال: ورأيته في العُمْرَة ينحر بدنتهُ وهي قائمة، في حرفِ دار خالد بن أَسِيد، وكان فيها منزله، وقال: لقد رأيته طَعَنَ في لَبَّةِ بدنته، حتى خرجت سِنَّةُ الْحَرْبَة من تحت كتفها.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، حدثنا وفي نسخة: بنا عبد الله بن دينار، العدوي مولاهم، يكنى أبا عبد الرحمن المدني مولى ابن عمر، تابعي ثقة كان في الطبقة الرابعة من أهل المدينة مات سنة سبع وعشرين ومائة بعد الهجرة (١) قال: كنتُ أرَى أي: أبصر عبد الله بن عمر بن الخطاب يهدي من الإِهداء أي: يرسل في الحَجّ أي في حال إحرامه به بَدَنَتَيْنِ بَدَنَتَيْنِ، أي: في كل حج، كرر البدنتين لإِفادة عموم التثنية وفي العُمْرَة بَدَنَة، أي: في حال إحرامه بها بدنة واحدة لكل عمرة وهي سنة عند الجمهور والأئمة وقال: أي: ابن دينار ورأيته أي: ابن عمر في العُمْرَة ينحر بدنته بضم الموحدة وسكون الدال المهملة وبه قرأ الجمهور وبضمها وبها قرأ الأعرج رواية عن عاصم، وفي نسخة: بدنته وهي أي: والحال أن البدن أو البدنة قائمة، لاستحباب ذلك في حرِفِ أي: بطن دار خالد بن أَسِيد، بفتح الهمزة وكسر السين المهملة أن أبي العاص بن أمية، وهو أخو عتاب أمير زمانه وجد أمية بن عبد الله بن خالد قال هشام بن الحاسبي: أسلم يوم الفتح وأقام بمكة وكان من المؤلفة قيل: إنه فقد يوم اليمامة وقيل: مات قبل فتح مكة وفي نسخة: في حرف (ق ٤٤١) محرف عن الجرف، وكان فيها أي: والحال كان في دار خالد بن أسيد منزله، أي: موضع النزول كذا في (القاموس) وإن ابن عمر رضي الله تعالى عنه كان ينزلها إذا حج واعتمر والمقصود أنها كانت قريبة من المروة، وهي أفضل بقع الحرم لنحر بدن العمرة وقال: أي: عبد الله بن دينار لقد رأيته وفي (الموطأ): ليحيى ولقد أي: أحلف الله أبصرت ابن عمر، وفائدة القسم تقربه هذا الحكم وهو قوله: طَعَنَ في لَبَّةِ\n_________\n(٤٠٦) أخرجه: مالك (٨٣٨)، وابن أبي شيبة (٤/ ٣٣٠).\n(١) انظر: التقريب (١/ ٢٨٦).","vol":"2","page":306},{"text":"بدنته، وهي بفتح اللام وتشديد الموحدة المنحر من الصدر موضع القلادة من الإِبل حتى خرجت سِنَّةُ الْحَرْبَة أي: خرجت رأس فعل الرمح القصير من تحت كتفها أي: البدنة من قوة الطعنة.\n* * *\n\n٤٠٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو جعفر القارئ، أنه رَأى عبد الله بن عَيّاش بن أبي ربيعة أهدى عامًا بدَنَتَين؛ إحداهما بُخْتِيَّة.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، كل هَدْيِ تَطَوعُّ عَطِبَ في الطريق صُنِعَ به كما صَنَعَ، وخَلَّى بينه وبين الناس يأكلونه، ولا يعجبنا أن يأكل منه إلا مَنْ كان محتاجًا إليه.\n• أخبرنا مالك، أي: أنس بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، يعني منسوب إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، كان في الطبقة السابعة من أتباع التابعين، من أهل المدينة، وهي كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة من وجه الأرض (١) وفي نسخة: محمد قال: ثنا، وأنا أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا، وفي أخرى: أنا، أبو جعفر القارئ، أي: المقري وهو شيخ نافع أحد القراء العشرة المدني المخزومي سيدهم يقال له: يزيد بن القعقاع، وقيل: جندب بن ضرورة وقيل: فيروز، ثقة من الطبقة الرابعة، مات سنة سبع وعشرين وقيل: سنة ثلاثين ومائة بعد الهجرة، كذا قاله ابن حجر في (التقريب) (٢) أنه رَأى عبد الله بن عَيّاش بفتح المهملة وتشديد التحتية وسين معجمة، وكان في الطبقة السابعة من طبقات التابعين من أهل مصر كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة مات سنة سبعين (٣) ابن أبي ربيعة واسمه عمرو بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي، الصحابي ابن الصحابي ولد بالحبشة وحفظ عن النبي - ﷺ -، وروى عن\n_________\n(٤٠٧) أخرجه: مالك (٨٤٠)، وابن أبي شيبة (٤/ ٣٢٢).\n(١) تقدم مرارًا.\n(٢) انظر: التقريب (٢/ ٧٠٦).\n(٣) انظر: التقريب (١/ ٣٠٥، ٣٠٦).","vol":"2","page":307},{"text":"عمر وغيره وأبوه قديم الأسلمي أهدى أي: بعث إلى مكة عامًا أي: سنة من السنين بدَنَتَين؛ إحداهما بُختِيَّة بضم الموحدة وسكون الخاء المعجمة وكسر التاء الفوقية وفتح التحتية المشددة، وهي الأنثى من الجمال، والذكر البختي قال في (المشارق): هي إبل غلاظ لها سنامان، وفي (النهاية): هي جمال طوال الأعناق، وفي رواية نَجِيْبة بفتح النون وكسر الجيم وسكون التحتية وفتح الموحدة مؤنث نجيب، وفي (المشارق): وهو ما اتخذ للسير الرجائل وفي (النهاية) (١): هو القوي من الإِبل الخفيف السريع. كذا قاله الزرقاني (٢).\nقال محمد: وبهذا أي: بما رواه أبو جعفر القاري نأخذ، أي: نعمل كل هَدْيِ تَطَوُّع عَطِبَ في الطريق أي: قبل أن يصل إلى أرض الحرم صُنِعَ به بصيغة المجهول كما صَنَعَ، أي: ابن عمر وثبت عنه - ﷺ - وخَلَّى أي: وترك بينه وبين الناس أي: الفقراء ويأكلونه، أي: أو لا يأكلونه؛ فإنه ليس عليه إلزامه في أكله ولا يعجبنا أي: لا يجوز عندنا أن يأكل أي: صاحب الهدي منه أي: من الهدي ولو تطوعًا إلا مَنْ كان محتاجًا إليه أي: مضطر إليه.\nاعلم أن هدي التطوع إذا بلغ الحرم يجوز لصاحبه وغيره من الأغنياء أن يأكل (ق ٤٤٢) منه، وأما إذا لم يبلغ فلا يجوز لصاحبه أن يأكل منه ولا لغيره من الأغنياء؛ لأن القربة فيه بإزالة الدم في الحرم، وفي غيره بالتصدق كذا قاله علي القاري.\n* * *\n\n٤٠٨ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن عبد الله بن عمر كان يقول: الهَدْي ما قُلِّدَ أو أُشْعِرَ، وأوقف به بعَرَفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، وفي نسخة: أنا حدثنا وفي نسخة: قال: نافع، أي: ابن عبد الله المدني مولى ابن عمر، ثقة كذا في (التقريب) (٣) أن ابن عمر كان\n_________\n(١) انظر: النهاية (١/ ١٠١)، ولسان العرب (٢/ ٩).\n(٢) انظر: شرح الزرقاني (٢/ ٤٣٢).\n(٤٠٨) أخرجه: ابن أبي شيبة (٤/ ٢٥٣)، والبيهقي في الكبرى (١٠٣٠٥).\n(٣) تقدم مرارًا.","vol":"2","page":308},{"text":"يقول: وفي نسخة: عن عبد الله بن عمر أنه قال: الهَدْي أي: الكامل ما قُلِّدَ أو أُشْعِرَ، وأوقف به بعَرَفة فغيره ليس بهدي كامل إن اشتراه بمكة أو منى ولم يخرج به إلى الحل وعليه بدله فإن ساق من الحل استحب وقوفه بعرفات به هذا قول مالك وأصحابه كما في (الاستذكار) (١)، وفي هذا كله أن الإِشعار سنة.\nوفائدته: الإِعلام بأنها صارت هديًا ليتبعها من يحتاج إلى ذلك وحتى لو اختلطت بغيرها تميزت أو صلت بعرفات أو عطبت عرفها المساكين بالعلامة فأكلوها مع ما في ذلك من تعظيم شعار الشرع وحث الغير عليه.\nوبذلك قال الجمهور من السلف والخلف، وكرهه أبو حنيفة؛ لأنه مثله، وقد نهى عنها وعن تعذيب الحيوان فكان مشروعًا قبل النهي عن ذلك، وتعقب بأن النسخ لا يصار إليه بالاحتمال بل وقع الإِشعار في حجة الوداع وذلك بعد النهي عن المثلة بزمان قال الخطابي وغيره: الاعتلال بأنه من المثلة مردود بل هو من باب آخر كالكي وشق أذن الحيوان ليصير علامة وغير ذلك من الوسم، وكالختان والحجامة وشفقة الإِنسان على ماله عادةً فلا يتوهم سريان الجرح حتى يفضي إلى الهلاك وقد كثر تشنيع المتقدمين على أبي حنيفة في إطلاق كراهة الإِشعار حتى قال ابن حزم (٢): هذه طامة من طوام العالم أن يكون مثلة شيء فعله رسول الله - ﷺ -، إن لكل عقل يتعقب حكمه قال: وهذا قوله لأبي حنيفة لا نعلم له فيها متقدمًا من السلف، ولا موافق من فقهاء عصره إلا من قلده.\nوكذا قال الخطابي: لا أعلم أحدًا كرهه إلا أبا حنيفة وخالفه صاحباه وقالا بقول الجماعة، وتعقب بأن النخعي وافقه.\nوقال الترمذي (٣): سمعت أبا السائب يقول: كنا عند وكيع فقال له رجل روى عن إبراهيم النخعي: إن الإِشعار مثلة فقال وكيع: أقول لك: أشعر رسول الله - ﷺ - ويقول: قال إبراهيم النخعي: ما أحقك أن تحبس وقد انتصر الطحاوي فقال: لم يكره أبو حنيفة أصلًا الإِشعار، وإنما كره ما يفعل على وجه يخاف من هلاك البدن لسراية الجرح لا سيما\n_________\n(١) انظر: الاستذكار.\n(٢) انظر: المحلى (٧/ ١١١)، وشرح الزرقاني (٢/ ٤٣٤).\n(٣) انظر: سنن الترمذي (٣/ ٢٤٩)، ط. دار إحياء التراث العربي، بيروت، ت: شاكر.","vol":"2","page":309},{"text":"مع الطعن بالشفرة، فأراد سد باب عن العامة؛ لأنهم لا يراعون الحد في ذلك، وأما من كان عالمًا بالسنة في ذلك فلا، وقد ثبت عن عائشة وابن عباس ﵄ التخيير في الإِشعار وتركه كذا قاله الزرقاني (١).\n* * *\n\n٤٠٩ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن عبد الله بن عمر، أنَّه قال: مَنْ نَذَرَ بَدْنَة فإنَّه يقلِّدها نَعْلًا ويُشْعِرها، ثم يسوقها فينحرها عند البيت، أو بمنى يوم النحر، ليس له محِلّ دون ذلك، ومَنْ نَذَرَ جزُورًا من الإِبل أو البقر، فإِنَّه ينحرها حيث شاء.\nقال محمد: هذا قول ابن عمر، وقد جاء عن النبيّ - ﷺ - وعن غيره من أصحابه: أنهم رَخصوا في نحر البدنَة حيث شاءَ، وقال بعضهم: الهَدْي بمكة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، ولم يقل ذلك في البدنة، فالبدنة حيث شاءَ إلا أن ينوي الْحَرَم فلا ينحرها إلا فيه، وهو قولُ أبي حنيفة، وإبراهيم النَّخَعِيّ، ومالك بن أنس.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قالى: ثنا، وفي نسخة: أنا، حدثنا وفي (ق ٤٤٣) نسخة: قال: بنا، نافع بن عبد الله المدني مولى ابن عمر، ثقة ثبت فقيه مشهور من الطبقة الثالثة مات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك كذا قاله ابن حجر (٢) عن ابن عمر، أنَّه قال: مَنْ نَذَرَ بَدْنَة أي: من إبل أو بقرة فإنَّه يقلِّدها نَعْلًا أي: بطريقة الاستحباب وفي (الموطأ) لمالك: نعلين أن يجعلها في أعناقها علامة ويُشْعِرها، أي: يشق في سنامها ثم يسوقها أي: يذهب وراءها فينحرها عند البيت، أي: بمكة مطلقًا أو بمنىً يوم النحر، أي: أحد أيامه واليوم الأول أفضل ليس له أي: لمن نذر بدنه محِلّ بفتح الميم وكسر الحاء المهملة\n_________\n(١) انظر: شرح الزرقاني (٢/ ٤٣٤).\n(٤٠٩) أخرجه: مالك (٨٨٠)، والبيهقي في الكبرى (١٠٢٩٧).\n(٢) تقدم.","vol":"2","page":310},{"text":"واللام المشددة وهو موضع يذبح فيه الأضحية كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] كذا قاله محمد الواني في (ترجمة الجوهري)، وفي نسخة: يحل محرفا أي ليس لصاحب الهدي المنذور موضع يحل له أن ينحره فيه دون ذلك، أي: غير مكة أو منى، وإنما إشارة إلى مكة يكلمه ذلك وضعت للمشار إليه في مكان بعيد إشعارًا لشرفها وشرف الهدي الذي ينحر فيها وأي شيء كان شرفه أعظم من شرف الهدي فإنه قربة يقرب صاحبه إلى رحمة رب العالمين أو لبعدها عن أيدي المشركين إلى يوم القيامة كما قال تعالى في سورة التوبة: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] ومَنْ نَذَرَ بأن يقول: إن أوصلني الله إلى مقصودي فعلي أن أنحر جزُورًا بفتح الجيم وضم الزاي، وهو الإِبل خاصةً، يقع على الذكر والأنثى كذا في (المصباح) في اللغة فقوله: من الإِبل أو البقر، بعميم باعتبار الإِطلاق العرفي للتنويع فإنَّه أي: الناذر ينحرها أي: الجذور وإن أردت ذكرًا كذا في (النهاية) حيث شاء أي: في أي مكان؛ لأنه أراد إطعام لحمة مساكين، موضعه أو ما نوى من المواضع وكان ابن عمر ﵄ فرق بين نذر البدنة ونذر الجزور الأول خاص بالحرم والثاني أعم - والله أعلم - ولعل سبب ذلك قوله: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية [الحج: ٣٦].\nقال محمد: هو أي: ما ذكر قول ابنِ عمر، أي: مختارة أو هو منفرد به وقد جاء عن النبيّ - ﷺ - وعن غيره من أصحابه: أنهم رخصوا في نحر البدنَة يعني أيضًا حيث شاءَ، أي: الناذر وقال بعضهم: الهَدْي بمكة يعني إذا نذر هديًا مخصوصِ بمكة وما حولها من الحرم المحترم؛ لأن الله تعالى يقول في سورة المائدة: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، ولم يقل ذلك في البدنة، فالبدنة أي: نحرها حيث شاءَ أي: عند أخلاقها إلا أن ينوي الْحَرَم فلا ينحرها إلا فيه، وهو قولُ أبي حنيفة، وإبراهيم النَّخَعِيّ، ومالك بن أنس رحمهم الله تعالى.\n* * *\n\n٤١٠ - أخبرنا مالك، أخبرني عمرو بن عُبَيْد الأنصاريّ، أنه سأل سعيد بن المسيَّب، عن بَدَنَة جعلَتْها امرأتُه عليها، قال: فقال سعيد: البدن من\n_________\n(٤١٠) أخرجه: ابن أبي شيبة (٣/ ٥١٥)، والبيهقي في الكبرى (١٠٢٩٨).","vol":"2","page":311},{"text":"الإِبل، ومَحِلّ البدن البيت العتيق، إلا أن تكون سمَّتْ مكانًا من الأرض، فلتنحرها حيث سمَّت، فإن لم تجد بدنة فبقرة، فإن لم تكن بقرة فعشر من الغنم، قال: ثم سألتُ سالم بن عبد الله فقال مثل ما قال سعيد بن المسيّب، غير أنه قال: إن لم تجد بقرة فسبع من الغنم، قال: ثم جئتُ خَارِجَة بن زيد بن ثابت، فسألته، فقال مثل ما قال سالم، قال: ثم جئتُ عبد الله بن محمد بن علي، فقال مثل ما قال سالم بن عبد الله.\nقال محمد: البدن من الإِبل والبقر، ولها أن تنحرها حيث شاءَت، إلا أن تنوي الحرم، فلا تنحرها إلا في الحرم، ويكون هديًا، والبدنة من الإِبل والبقر تجزئ عن سبعة، ولا تجزئ عن أكثر من ذلك، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامةِ من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، أخبرني بالإِفراد، وفي نسخة: قال: أخبرني عمرو بن عُبَيْد الله بالتصغير، وهو ابن كعب (ق ٤٤٤) بن مالك الأنصاريّ، المدني ثقة كان في الطبقة السادسة (١) أنه أي: عمرو بن عبيد الله سأل سعيد بن المسيَّب بن حزن بن أبي وهب بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي كان واحدًا من العلماء الأثبات لفقهاء كبار التابعين، وكان من الطبقة الأولى من أهل المدينة، مات بعد التسعين من الهجرة كذا قاله ابن حجر (٢) وابن الجوزي في طبقاتهما عن بَدَنَة جعلَتْها امرأتُه أي: عمرو بن عبيد الله عليها، أي: ألزمتها على نفسها بأن نذرتها فقال سعيد: البدن من الإِبل، أي: دون البقر وهو موافق الشافعي في هذا ومَحِلّ البدن بفتح الميم وكسر الحاء المهملة واللام المشددة أي: موضع ذبحها الذي يحل وضع الظاهر موضع الضمير للتعظيم لها والمبالغة في البيان البيت العتيق، أي: القديم وهو الكعبة المكرمة، وسمي عتيقًا؛ لأنه أول بيت وضع للناس وجعل متعبدًا لهم والواضع هو الله تعالى.\nقال عبد الله بن عمر ومجاهد وقتادة والسدي: خلق زبدة بيضاء على الماء الذي صار\n_________\n(١) انظر: التقريب (١/ ٤٤٢).\n(٢) انظر: التقريب (١/ ٢١٢).","vol":"2","page":312},{"text":"من جوهر خلقه الله تعالى بقدرته من العدم فنظر إليه بنظر عظمته فصار ماء قدحت الأرض من تحته ثم الملائكة بنوا أصل البيت العتيق على الأرض قبل آدم صلوات الله على نبينا وعليه بألفي عام فيحجونه ويطوفون حوله إلى أن يهبط آدم من الجنة ثم أمر آدم بأن يبنيه ويطوف حوله، ثم عمره إبراهيم صلوات الله على نبينا وعليه، ثم عمره قوم من جرهم ثم العمالقة ثم قريش ثم الحجاج بن يوسف، وقال بعض المفسرين: سمي البيت عتيقًا؛ لأنه عتق من القتل والبغي والجراحات وغير ذلك في الجاهلية.\nقال أبو حنيفة ﵀: من لزمه القتل بردة أو قصاص أو غيرهما فدخل البيت العتيق لم يتعرض له ولكن لم يعط طعامًا ولا شرابًا حتى يخرج منه فيقتل، وقال بعضهم: سمي عتيقًا؛ لأنه عتق من الغرق يوم الطوفان في زمن نوح صلوات الله على نبينا وعليه.\nوقال بعضهم: سمي عتيقًا؛ لأنه عتق من الجبابرة المتسلطة، ولا يشكل بتسلط الحجاج عليه؛ لأن ابن الزبير تحصن بالبيت فاحتال لإخراجه ولم يكن قصده التسلط عليه كما قال في (عيون التفاسير) إلا أن تكون أي: المرأة سمَّتْ أي: عينت أو نوت مكانًا من الأرض، أي: غير الحرم فلتنحرها حيث سمَّت، أي: عينت فإن لم تجد بدنة فبقرة، أي: فإنها تقوم مقامه فإن لم تكن أي: إن لم تجد المرأة بقرة فعشر وفي نسخة: فعشرة أي: يقوم عشرة من الغنم، مقام إبل واحد، وكان القياس أن يقول: فسبعة من الغنم، لأن البدنة تجزئ عن سبعة رجال وكذا البقرة، والشاة عن واحد بالاتفاق وقال إسحاق بن راهويه: البقرة عن عشرة فالبدنة بالأولى عنده (ق ٤٤٥) قال: أي: عمرو بن عبيد الله ثم جئت سالم بن عبد الله فسألته أي: ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، ويكنى أبا عمر وأبا عبد الله المدني، أحد الفقهاء السبعة وكان ثبتًا عابدًا فاضلًا وكان يشبَّه بأبيه في الهدي والسمت، وكان من كبار التابعين، ومن الطبقة الثانية مات في آخر سنة ستة بعد المائة على الصحيح كذا في (التقريب) (١) يعني: قال عمرو بن عبيد الله: سألت سالم بن عبد الله عن المسألة بعينها فقال أي: سالم مثل ما قال سعيد بن المسّيب، غير أنه أي: لكن سالم بن عبد الله قال: إن لم تجد بقرة فسبع من الغنم، أي: يكفيه قال: أي: عمر ثم جئتُ خَارِجَة بن زيد بن ثابت، الأنصاري يكنى أبا زيد المدني، ثقة فقيه من الفقهاء\n_________\n(١) انظر: التقريب (١/ ١٩٤).","vol":"2","page":313},{"text":"السبعة أيضًا كان في الطبقة الثالثة مات سنة مائة، وقيل: قبلها ومن الهجرة كذا قاله ابن حجر (١) فسألته، أي: خارجة بن زيد فقال مثل ما قال سالم، قال: أي: عمر ثم جئتُ عبد الله بن محمد بن علي، أي: ابن أبي طالب وهو ابن الحنفية كان محمد بن علي من الطبقة الأولى من أهل المدينة (٢) قال أبو عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب: ليس بحاكم من لم يعاشر المعروف من لم يجد من معاشرته بدًا حتى يجعل الله له مخرجًا، وقال: من كرب عليه نفسه لم يكن للدنيا عنده قدر، وقال: إن الله تعالى جعل الجنة ثمنًا لأنفسهم بقوله في سورة التوبة: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] فلا تبيعوها بغيرها، وقال: كل ما يبتغي فيه وجه الله تعالى اضحمل، كتب ملك الروم إلى عبد الملك بن مروان يهدد ويوعد ويحلف له ليحملن إليه مائة ألف في البر ومائة ألف في البحر، فكتب إلى الحجاج أن اكتب لابن الحنفية وتهدده وتوعده، ثم أعلمني ما يرد عليك، فكتب إليه كتابًا شديدًا يتوعده بالقتل، فكتب إليه أبو عبد الله بن الحنفية: إن لله تعالى ثلاث مائة وستين نظرة إلى خلقه، وأنا أرجو أن ينظر إلي نظرة يمنعني بها منك، فبعث الحجاج به إلى عبد الملك بن مروان فكتب نسخته إلى ملك الروم فقال: ما خرج هذا منك ولا أنت كتبته، ولا خرج إلا من نبوة كذا قاله ابن الجوزي في طبقاته فقال أي: عبد الله بن محمد مثل ما قال سالم بن عبد الله.\nقال محمد: أي: ابن الحسن الشيباني البدن من الإِبل والبقر، أي: من كليهما في مذهبنا ولها أي: للمرأة الناذرة المذكورة أن تنحرها أي: البدن حيث شاءَت، أي: إذا طلقت وما قيدت إلا أن تنوي الحرم، أي: إن قصدت بقلبها وتلفظت بلسانها فلا تنحرها أي: حينئذ إلا في الحرم، ويكون أي: البدن هديًا، أي: تصير بالنية هديًا وبدونها يكون نذرًا مطلقًا والبدنة من الإِبل والبقر تجزئ أي: تكفي عن سبعة أي: يجوز أن يشارك سبعة رجال في بدنة كما في الأضحية بشرط إرادة الكل قربة، وإن اختلف أجناس القربة كالأضحية والقران والتمتع والعقيقة، ولو كان الكل من جنس واحد لكان (ق ٤٤٦)\n_________\n(١) انظر: التقريب (١/ ١٤٧).\n(٢) انظر: التقريب (١/ ٣١٢).","vol":"2","page":314},{"text":"أحب. كذا في (سلم الفلاح) ولا تجزئ أي: تكفي بدنة عن أكثر من ذلك، أن من سبعة رجال كما سبق عن سعيد بن المسيب وابن راهويه وتجزئ عن أقل من سبعة بالأولى وهو قولُ أبي حنيفة، والعامةِ من فقهائنا أي: من العلماء الحنفية ﵏.\nلما فرغ من بيان حكم حال الرجال ساق إلى مكة هديًا فعطب هديه في الطريق، شرع في بيان حكم حال الرجل يسوق بدنة فيحتاج إلى ركوبها، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-176>باب الرجل يسوق بدنة فيضطر إلى ركوبها</span>\nفي بيان حكم حال الرجل يسوق بدنة أي: يجعلها قدامه ويمشي خلفها فيضطر أي: يحتاج إلى ركوبها بأن عجز عن المشي ولم يجد مركوبًا غيرها.\n٤١١ - أخبرنا مالك، أخبرنا هشام بن عُرْوَةَ، عن أبيه، أنه قال: إذا اضْطُرِرْتَ إلى ركوب بدنتك فاركبها ركوبًا غير فَادح.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا رمزًا إلى أخبرنا، أخبرنا وفي نسخة: بنا، أو أنا هشام بن عُرْوَةَ، أي: ابن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي المدني يكنى أبا عبد الله المدني، ثقة فقيه كان من الطبقة الثانية، مات سنة أربع وتسعين على الصحيح كذا قاله ابن حجر في (التقريب) (١) أنه أي: عروة بن الزبير قال: إذا اضْطُرِرتَ إلى ركوب بدنتك فاركبها ركوبًا غير فَادح بالفاء والدال المهملة أي: غير مثقل ومؤلم صعب عليها لقوله - ﷺ -: \"اركبها بالمعروف إذا ألجئت إلى ظهرها\" (٢) فهذا الحديث موقوف ظاهرًا أو مرفوعًا حكمًا، وما بعده مرفوع ظاهرًا وتمام الحديث: \"وإذا\n_________\n(٤١١) أخرجه: مالك (٨٤٢)، والبيهقي في الكبرى (١٠٣٤١)، (١٠٣٤٤).\n(١) انظر: التقريب (٢/ ٦٣٦).\n(٢) أخرجه: مسلم (١٣٢٤)، وأبو داود (١٧٦١)، والنسائي في المجتبى (٢٨٠١)، وأحمد (١٤٠٠٤)، والنسائي في الكبرى (٣٧٨٤)، وابن خزيمة (٢٦٦٤)، وأبو يعلى (٢١٩٩)، والبيهقي في الكبرى (١٠٣٣٩)، (١٠٣٤٠)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٢/ ١٦٢)، من حديث جابر.","vol":"2","page":315},{"text":"اضطررت إلى لبنها فاشرب بعد ما يروى فصيله\" أي: ولدها كذا في (الموطأ) لمالك برواية يحيى بن يحيى الليثي، وكرهه مالك في حال الاختيار ولو فضل ربي فصيلها؛ لأنه نوع من الرجوع في الصدقة، وليتصدق بما فضل، ومحل الكراهة حيث لا ضرر وإلا عزم إن أضرها أو فصيلها بشربه أرش النقص والبدل إن حصل تلف. كذا قاله الزرقاني (١).\n* * *\n\n٤١٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن النبي - ﷺ - مرَّ على رجل يسوق بدنة، فقال: \"اركبها\"، فقال: إنها بدنة، فقال له - بعد مرتين -: \"اركبها ويلك\".\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا أبو الزِّناد، وهو عبد الله بن ذكوان القرشي المدني ثقة فقيه، من الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، مات سنة ثلاثين ومائة، وقيل بعدها كذا في (التقريب) (٢) عن الأعرج، اسمه عبد الرحمن بن هرمز، ويكني أبا داود المدني مولى ربيعة بن الحارث، ثقة ثبت عالم من الطبقة الثالثة مات سنة سبع عشرة ومائة من الهجرة كذا قاله ابن حجر (٣) عن أبي هريرة، ﵁ أن النبي - ﷺ - مرَّ على رجل قال الحافظ: لم أقف على اسمه بعد طول البحث (٤) يسوق بدنة، وهو عاجز في مشيه، زاد مسلم من طريق المغيرة عن أبي الزناد: ومقلده، والبخاري من وجه آخر: مقلده نقلًا، والبدنة يقع على الجمل والناقة والبقر وكثر استعمالها فيما كان هديًا، وفي البخاري قال مجاهد: سميت البدنة ببدنها بفتح الموحدة أو المهملة للأكثر وبضمها وسكون\n_________\n(١) انظر: شرح الزرقاني (٢/ ٤٣١ - ٤٣٣).\n(٤١٢) أخرجه: البخاري (١٦٨٩)، ومسلم (١٣٢٢)، وأبو داود (١٧٦٠)، والنسائي في المجتبى (٢٧٩٨)، وابن ماجه (٣١٠٣)، وأحمد (٩٩٤٢)، ومالك (٨٣٧)، والنسائي في الكبرى (٣٧٨١)، وابن حبان (٤٠١٤)، وابن أبي شيبة (٨/ ٤٠٧)، وأبو يعلى (٦٣٠٧)، والبيهقي في الكبرى (١٠٣٣٥) من طرق عن أبي هريرة، وفي الباب: عن عليٍّ، وأبو هريرة، وجابر، وعن أنس.\n(٢) انظر: التقريب (١/ ٢٨٧).\n(٣) انظر: التقريب (١/ ٣٥٢).\n(٤) انظر: التقريب (٢/ ٧٧٤ - ٧٧٥).","vol":"2","page":316},{"text":"الدال، وفي رواية: لبدانتها أي: لسمنيتها، ولعبد بن حميد عن مجاهد: إنما سميت البدن من قبل السمانة فقال له: \"اركبها\"، لضرورتك ففي رواية: أنه رأى رجلًا يسوق (ق ٤٤٧) بدنة وقد أجهد فقال: اركبها فقال: أي: الرجل إنها بدنة، أي: هدي فقال - ﷺ - له بعد مرتين أي بعد اعتزاره إنها بدنة \"اركبها ويلك\" أي: ويحك كما في طريق ابن عجلان عن أبي هريرة قال: \"اركبها ويحك\"، وهو بفتح الواو وسكون التحتية والحاء المهملة كلمة رحمة تستعمل في مقام الترحم كذا قاله محمد الواني، وزاد البخاري من رواية عكرمة عن أبي هريرة ﵁: فلقد رأيته ساير النبي - ﷺ - والنعل في عنقها، وهذه الطرق دالة على أنه أطلق البدنة على الواحدة من الإِبل المهداة إلى البيت إذ لو كان المراد مدلولها اللغوي لم يحسن الجواب بأنها بدنة؛ لأن كونها من الإِبل معلوم، فالظاهر أن الرجل ظن أنه خفي عليه كونها هديًا فقال: إنها بدنة، والحق أن ذلك لم يخف على النبي - ﷺ -؛ لأنها كانت مقلدة؛ ولذا قال لما زاد في مراجعته: ويلك تأديبًا لمراجعته مع عدم خفاء الحال عليه وبه جزم ابن عبد البر وابن العربي وبالغ فقال: الويل لمن راجع في ذلك بعد هذا ولولا أنه - ﷺ - اشترط ربه ما اشترط لهلك الرجل لا محالة قال القرطبي: ويحتمل أنه فهم منه ترك ركوبها على عادة الجاهلية في السائبة وغيرها، فزجره عن ذلك على الحالتين فهي دعاء ورجحه عياض وغيره.\nقالوا: الأمر هنا وإن قلنا: إنه للإِرشاد لكنه استحق الذم لتوقفه عن امتثال الأمر والذي يظهر أنه ما ترك الامتثال عنادًا، ويحتمل أنه ظن يلزم عزم بركوبها وآثم، وإن الإِذن بركوبها إنما هو للشفقة عليه، فلما أغلظ له بادر إلى الامتثال، وقيل: لأنه أشرف على هلكه من الجهد وويل يقال لمن وقع في هلكه، فالمعنى أشرفت على الهلكة فاركب فولي هذا إخبار، وقيل: هي كلمة تزعم بها العرب كلامها ولا تقصد معناها كقولهم: لا أم لك، ويقويه ما تقدم في بعض الروايات بلفظ ويحك بدل ويلك، فإنه يقال: ويلك لمن وقع في هلكة يستحقها، وويح لمن وقع في هلكة: لا يستحقها.\nوفي الحديث تكرير الفتوى والندب إلى المبادرة إلى امتثال الأمر، وزجر من لم يبادر وتوبيخه، وجواز مسايرة الكبار في السفر، وإن الكبير إذا رأى مصلحة للصغير لا يأنف عن إرشاده إليها. كذا قاله الزرقاني (١).\n* * *\n_________\n(١) انظر: شرح الزرقاني (٢/ ٤٣٠).","vol":"2","page":317},{"text":"٤١٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول: إذا نُتِجت البدنة فليحمل ولدها معها حتى ينحر معها، فإن لم يجد له محمَلًا فليحمله على أمه، حتى يُنحر معها.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا أخبرنا وفي نسخة: عن نافع بن عبد الله المدني مولى ابن عمر، ثقة ثبت فقيه مشهور، من الطبقة الثالثة مات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك (١) أن عبد الله بن عمر كان يقول: إذا نُتِجت بضم النون وكسر التاء الفوقية وفتح الجيم أي ولدت البدنة وفي نسخة: البدن فليحمل أي: صاحب البدنة ولدها أي: على غيرهما معها حتى ينحر معها، فإن لم يجد له أي: للولد محمَلًا بكسر الميم الأولى وسكون الحاء المهملة وفتح الميم الثانية أي: ما يحمل عليه فليحمله أي: صاحب البدنة على أمه، حتى ينحر على صيغة المجهول أي: إلى غاية يذبح الولد وفي نسخة: لينحر بدل \"حتى\" معها وليحيى: فإن لم يوجد له محل حمل على أمه.\n* * *\n\n٤١٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن ابن عمر - أو عمر - شك محمدٌ: كان يقول: من أهدى بدنة فضلَّت أو ماتت، فإن كانت نذرًا أبدلها، وإن كانت تطوعًا، فإن شاءَ أبدلها وإن شاء تركها.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، ومَنْ اضطر إلى ركوب بدنته فليركبها، فإن نَقَصها ذلك شيئًا تَصَدَّقَ بما نقصها، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا، رمزًا إلى أخبرنا نافع، أي: ابن عبد الله المدني مولى ابن عمر أن ابن عمر (أو عمر) شك محمدٌ: أراد المصنف إخبارًا عما وقع في نفسه من الشك ترغيبًا للطالبين أن يخبروا عما هو الواقع في أنفسهم من الشك أو اليقين، (ق ٤٤٨) وهو (أي الشك) أن يساوي الأمرين عند المتكلم لا يرجع أحدهما\n_________\n(٤١٣) أخرجه: مالك (٨٤١)، والبيهقي في الكبرى (١٠٣٤٣).\n(١) تقدم مرارًا.\n(٤١٤) أخرجه: مالك (٨٤٨)، والبيهقي في الكبرى (١٠٣٩١).","vol":"2","page":318},{"text":"على الآخر وكان أي: أحدهما يقول: من أهدى أي: بعث بدنة أي: مثلًا فضلَّت أي: ضاعت أو ماتت، أي: قبل بلوغها محل النحر فإن كانت نذرًا أي: واجبًا أخر أبدلها، أي: بمثلها؛ لأنها تعلقت بالذمة وإن كانت تطوعًا، أي: نفلًا فإن شاءَ أبدلها وإن شاء تركها أي لم يبدلها والأولى أولى كما لا يخفى.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: نعمل ومَنْ اضطر بصيغة المجهول أي: من الحق حال ضرورته إلى ركوب بدنته فليركبها، أي: ترفقًا معها فإن نَقَصها ذلك أي: ركوبها أو حمل متاع عليها شيئًا أي: من نقص بدنها تَصَدَّقَ بما نقصها، أي: بقيمة نقصها وهو قولُ أبي حنيفة رحمه الله تعالى.\nلما فرغ من بيان حكم حال الرجل يسوق بدنة فيضطر إلى ركوبها، شرع في بيان جناية المحرم، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-177>باب المحرم يقتل قملة أو نحوها أو ينتف شعرًا</span>\nفي بيان حكم حال الحرم أي: الذي أحرم للحج أو العمرة يقتل قملة بفتح القاف وسكون الميم واحد القمل أو غيرها أي: يقتل المحرم غير القملة من إلقائها على الأرض أو من قتل الصيد بغير ضرورة قتلها أو بنتف شعرًا أو غيره من ستر رأسه أو لبس ثياب المخيطة.\n٤١٥ - أخبرنا مالك، عن نافع، قال: المحرم لا يصلح له أن يَنْتِفَ من شعره شيئًا، ولا يحلقه ولا يُقَصِّره، إلا أن يصيبه أذىً من رأسه، فعليه فِدْيَة كما أمره الله تعالى، ولا يحل له أن يقلم أظفاره، ولا يقتل قملة، ولا يطرحها من رأسه إلى الأرض، ولا من جلده، ولا من ثوبه، ولا يقتل الصيد، ولا يأمر به، ولا يدل عليه.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا عن نافع، أي:","vol":"2","page":319},{"text":"ابن عبد الله المدني مولى ابن عمر، ثقة ثبت فقيه مشهور، من الطبقة الثالثة مات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك من الهجرة قال: المحرم لا يصلح له أي: لا يحل له أن يَنْتِفَ أي: أن يقلع وكذا أن يقطع من شعره شيئًا، أي: مطلقًا ولا يحلقه أي: لا يحل للمحرم أن يزيله بموس ولا يُقَصِّره، أي: بمقرض أو بتنورة إلا أن يصيبه أذىً من رأسه، أي: إن أصاب المحرم أذى من شعر رأسه فعليه فِدْيَة أي: يجب عليه فدية إذا أزال الأذى من رأسه كما أمره الله تعالى، فيِ سورة البقرة: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦] ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ الآية فالصيام مفسر بثلاثة أيام والصدقة بالطعام ستة مساكين كل مسكين نصف صاع من بر أو صاع من شعير والنسك بأدنى ما يطلق عليه الهدي من غنم أو بقر أو إبل وللتخير، وهذا عند العذر كما تقرر، وأما عند عدمه فيجب عليه دم متحتم مع الإِثم ولا يحل له أي: للمحرم أن يقلم أظفاره، أي: لا ينبغي للمحرم أن يقص أظفار يديه أو رجليه في مجلس واحد ويد ورجل في مجلس واحد، فإن الكل إذا كان في مجلس واحد لا يزاد على دم واحد؛ لأن الجناية من نوع واحد، وإن كان في مجالس تجب أربعة دماء إن قلم في كل مجلس يدًا أو رجلًا؛ لأن الغالب باتحاد المجلس كما في آية السجدة وإن قص يدًا ورجلًا منه فعليه دم أقسامه للربع مقام الكل كما في الحال كذا في (الدرر) ولا يقتل قملة، ولا يطرحها من رأسه إلى الأرض، ولا من جلده، ولا من ثوبه، أي: وإن فعلها وطرحها من رأسه وجلده وثوبه تصدق بما شاء كجرادة، وعن أبي يوسف في القملة يتصدق بكف، وعن محمد بكسرة من خبز كذا في الاختيار، وفي الكثير من القمل يجب (ق ٤٤٩) نصف صاع والكثير وهو الزائد على الثلاثة ولا يقتل أي: المحرم الصيد، أي: صيد البر، وأما صيد البحر محللًا للمحرم سواء كان مأكولًا أو لا هو الصحيح ولا يأمر به، أي: يقتل الصيد ولا يأخذه ولا يدل عليه أي: لا يشير المحرم على الصيد إلى قاتله وإن دل عليه سهوًا أو عمدًا فيلزم عليه قيمة الصيد بتقويم عدلين في موضع قتله إن كان له قيمة فيه كبلد أو أقرب موضع منه إن لم يكن فيه قيمة بأن يكون في الصحراء لا يباع فيه الصيد فلا بد من اعتبار الزمان والمكان في القيمة على الأصح كذا أغراه صاحب مجمع الأنهر إلى المحيط.\nقال محمد: وبهذا أي: بقول نافع ابن عبد الله المدني نأخذ، أي: نعمل وهو أي: قول نافع المدني قولُ أبي حنيفة رحمه الله تعالى.","vol":"2","page":320},{"text":"لما فرغ من بيان المحرم يقتل قملة أو غيرها وبيان ما لزمه عليه، شرع في بيان حكم حجامة المحرم، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>باب الحجامة للمحرم</span>\nفي بيان حكم الحجامة بكسر الحاء المهملة الاحتجام، سميت بذلك لما في المص قال في الحجام: المصاص للمحرم زاد في رواية علقها البخاري (١): \"من شقيقة كانت به\" وهي نوع من الصداع يعرض في مقدم الرأس وإلى أحد جانبيه انتهى.\n٤١٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن عبد الله بن عمر كان يقول: لا يحتجم المُحْرِم إلا أن يُضْطَرَّ إليه، مما لا بد له منه.\nقال محمد: لا بأس من أن يحتجم المحرم، ولكن لا يحلق شعرًا.\nبلغنا عن النبي - ﷺ - أنه احتجم وهو صائم محرم، فبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا، أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا، نافع بن عبد الله المدني مولى ابن عمر ثقة ثبت فقيه مشهور من الطبقة الثالثة مات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك من الهجرة (٢) أن عبد الله بن عمر كان يقول: لا يحتجم المُحْرِم إلا أن يُضْطَرَّ إليه، أي: إلى الاحتجام مما أي: من أمر لا بد له منه كذا في نسخة: أي: مما لا فراق عنه ولا علاج فيه إلا الحجامة؛ لأنه - ﷺ - لم يحتجم إلا لضرورة فإن احتجم لغير ضرورة حرمت، لأنه لزم منها قلع الشعر فإن كان في موضع لا شعر فيه فأجازها الجمهور ولا فدية، وأوجبها الحسن البصري وكرهها ابن عمر وبه قال مالك: لا يحتجم المحرم إلا من ضرورة، ولا يكره؛ لأنها قد تؤدى إلى ضعفه، كما كره\n_________\n(١) أخرجه: البخاري: كتاب الطب، باب الحجم من الشقيقة والصداع.\n(٤١٦) أخرجه: مالك (٧٧٣)، والشافعي في المسند (١٠٥٦).\n(٢) تقدم.","vol":"2","page":321},{"text":"صوم يوم عرفة للحجاج مع أن الصوم أخف من الحجامة، فبطل استدلال المجيز بأنه لم يقم دليل على تحريم إخراج الدم في الإِحرام، لأنا لم نقل بالحرمة بل بالكراهة لعلة أخرى قد علمت.\nقال محمد: لا بأس من أن يحتجم المحرم؛ لأن إخراج الدم لا يضر الإِحرام اتفاقًا؛ ولذا يجوز له القصد إجماعًا ولكن لا يحلق وفي نسخة: لا يحلقن شعرًا أي: وإن حلق بعذر فعليه الفدية المتقدمة من قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] والمراد بالصدقة نصف صاع من بر أو صاع من شعير، وإن حلق المحرم رأسه بغير عذر فعليه الدم، وإن لم يكن في موضع الحجامة شعر فلا بأس بها.\nبلغنا عن النبي - ﷺ - أنه احتجم وهو صائم محرم، أي: فوق رأسه، وفي رواية الصحيحين: وسط رأسه في حجة الوداع، كما جزم به الحازمي وغيره، وقد تقدم حلق المحجم موجب للدم في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: الواجب في حلق المحاجم الصدقة؛ لأنه صح أنه - ﷺ - احتجم وهو محرم (١) ولو كان حلق المحاجم يوجب الدم لما باشره - ﷺ -.\nوأجيب عنه بأنه يحتمل أنه - ﷺ - (ق ٤٥٠) احتجم في موضع لا شعر فيه أو احتجم بعذر؛ لأنه - ﷺ - لا يفعل ما يوجب الصدقة، كما لا يفعل ما يوجب الدم كذا قاله علي القاري فبهذا أي بقول ابن عمر نأخذ، أي: نعمل وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا أي: الحنفيين ولأبي داود والنسائي والحاكم عن أنس ﵁: أن النبي - ﷺ - احتجم وهو محرم على ظهر القدم من وجع كان به (٢) ولفظ الحاكم: \"على القدمين\"\n_________\n(١) أخرجه: البخاري (١٧٣٨)، ومسلم (١٢٠٢)، وأبو داود (١٨٣٥)، والترمذي (٨٣٩)، والنسائي في المجتبى (٢٨٤٥)، وأحمد (١٩٢٥)، والدارمي (١٧٦٥)، والنسائي في الكبرى (٣٢٠٦)، وابن حبان (٣٩٥٠)، وابن خزيمة (٢٦٥١)، والطبراني في الكبري (١١٣٨٦)، والأوسط (٢٤٥٥)، وابن الجارود في المنتقى (٤٤٢)، وأبو يعلى (٢٣٩٠)، ومسند أبي حنيفة (ص: ١١٧)، وعبد بن حميد (٦٢٢)، والحميدي (٥٠٠)، وابن الجعد (٢٩٩٤)، والمختارة (٢٠١٢).\n(٢) أخرجه: أبو داود (١٨٣٧)، والنسائي في المجتبى (٢٨٤٩)، وأحمد (١٢٢٧١)، والنسائي في =","vol":"2","page":322},{"text":"وقال: صحيح على شرطهما، وهذا يبين لعددها منه - ﷺ - في الإِحرام، ويحتمل أنهما في إحرام واحد وأن الثاني في عمرة، والأولى في حجة الوداع، وفيه الحجامة في الرأس وغيره للعذر وهو إجماع عليه، ولو أدت إلى قلع الشعر لكن يفدي إذا قلع لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦] وفيه مشروعية التداوي واستعمال الطيب والتداوي بالحجامة، وفي الحديث: \"إن أنفع ما تداويتم به الحجامة والقسط البحري\"، وفيه أيضًا: \"إن كان الشفاء في شيء ففي شرطة محجم أو شربة عسل أو كي وأنهي أمتي عن الكي\". كذا قاله الزرقاني (١).\nلما فرغ من بيان حكم الحجامة للمحرم، شرع في بيان حكم غطاء المحرم وجهه، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>باب المحرم يغطي وجهه</span>\nفي بيان حكم حال المحرم يغطي أي: يلقي على وجهه سترة أي: لا يجوز تغطية المحرم وجهه عندنا وبه قال مالك، خلافًا للشافعي وأحمد لما رواه الشافعي (٢) من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي - ﷺ - قال للذي وقص: \"خمروا وجهه\" أي: غطوه \"ولا تخمروا رأسه\" ولنا ما رواه مسلم والنسائي وابن ماجه عن ابن عباس ﵄ أن رجلًا أوقصته أي: رمته على ظهرها راحلته وهو محرم فمات فقال رسول الله - ﷺ -: \"اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تمسوه طيبًا ولا تخمروا رأسه، ولا وجهه؛ فإنه\n_________\n= الكبرى (٣٨٣٢)، وابن حبان (٣٩٥٢)، وابن خزيمة (٢٦٥٩)، والحاكم (١٦٦٥)، وأبو يعلى (٣٠٤١) من حديث أنس.\n(١) انظر: شرح الزرقاني (٢/ ٢٣٥).\n(٢) أخرجه: البخاري (١٢٠٦)، ومسلم (١٢٠٦)، وأبو داود (٣٢٣٨)، والترمذي (٩٥١)، والنسائي (٢٨٥٥)، وأحمد (٣٠٢٢)، والدارمي (١٧٩٤)، وابن حبان (٣٩٥٩)، والدارقطني (٢/ ٢٩٥) والشافعي في المسند (١٦١٣)، والطبراني في الكبير (١٢٣٦١)، والأوسط (٦٨٢٧)، والصغير (١٠٠٦)، وابن الجارود في المنتقى (٥٠٦)، والبيهقي في الكبرى (١٧٣٩)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٩٩، ٣٠٠)، والحميدي (٤٦٦)، والخطيب في التاريخ (٦/ ١٥٣)، والرافعي في التدوين (٤/ ١٠٩).","vol":"2","page":323},{"text":"يبعث يوم القيامة ملبيًا\" (١). قال ابن الهمام: أفاد الحديث أن للإِحرام أثرًا من تغطية الرأس والوجه بدليل آخر.\n٤١٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر، أن عبد الله بن ربيعة أخبره، قال: رأيتُ عثمان بن عفَّان بالْعَرْج وهو محرم، في يوم صائف، قد غَطَّى وجهه بقطيفة أُرْجُوَان، ثم أُتِيَ بلحم صَيْدٍ، فقال: كلوا، فقالوا: ألا تأكُلُ، فقال: لستُ كهيئتكم، إنما صِيد من أجلي.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا أخبرنا وفي نسخة: بنا، وفي أخرى: أنا عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني القاضي، ثقة من الطبقة الخامسة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة وهو ابن سبعين سنة كذا قاله ابن حجر (٢) أن عبد الله بن ربيعة العنبري حليف بني عدي يكنى أبا محمد المدني ولد على عهد النبي - ﷺ -، ولأبيه صحبة مشهورة وثقة العجلي (٣) مات سنة بضع وثمانين أخبره، قال: رأيتُ عثمان بن عفَّان بالْعَرْج بفتح العين المهملة وسكون الراء والجيم موضع بطريق المدينة وهو محرم، في يوم صائف، أي: من أيام الصيف اسم فاعل لا فعل له قد غَطَّى وجهه قال سعيد بن زيد الباجي المالكي: يحتمل أن يكون فعل ذلك لحاجة إليه أي: لضرورة باعثة عليه، وأن يكون رآه مباحًا فقد خالف غيره فقالوا: لا يجوز بقطيفة أُرْجُوَان، بالإِضافة والقطيفة: دثار له حمل والدثار ما يتدثر به الإنسان أي يتلفف به من كساء أو غيره، والأرجوان: بضم الهمزة (ق ٤٥١) والجيم بينهما راء ساكنة ثم واو مفتوحة فألف فنون صوف أحمر فيه خطوط حمر ثم أُتِيَ أي: جيء عثمان بلحم صَيْدٍ، بالإِضافة فقال: أي: عثمان لأصحابه كلوا، أي: أنتم فقالوا: ألا تأكُلُ، بفتح الهمزة وتخفيف اللام حرف عرض وتحضيض ومعناهما طلب الشيء، ولكن العرض طلب بلين\n_________\n(١) انظر: السابق.\n(٤١٧) أخرجه: مالك (٧٨٢)، والدارقطني في العلل (٣/ ١٣)، والشافعي في المسند (١١٠٩)، والبيهقي في الكبرى (٩١٦٧) (١٠٠٣٩).\n(٢) تقدم.\n(٣) انظر: تاريخ الثقات (ص: ٢٦٣).","vol":"2","page":324},{"text":"والتحضيض طلب بحث كما قاله ابن هشام في (مغني اللبيب) (١) أي: كل أنت فقال: لستُ كهيئتكم، أي: ما كان حالي كحالكم في هذه القصة إنما صِيد من أجلي وأنا محرم، وقد اختلف قول مالك فيما صيد لمحرم بعينه هل لغير من صيد لأجله أن يأكل في سائر من معه من المحرمين والمشهور من مذهبه عند أصحابه أنه لا يأكل ما صيد لمحرم معين أو غير معين، ولم يأخذوا بقول عثمان هذا قاله أبو عمر. كذا قاله الزرقاني (٢).\nوقد روى الحاكم في (مستدركه) عن جابر مرفوعًا: \"لحم صيد البر لكم حلال وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصد لكم\" (٣) وفي رواية أيضًا: \"ويصاد لكم\" والحديث رواه أبو داود والترمذي والنسائي أيضًا عن جابر مرفوعًا (٤)، وبه قال مالك والشافعي أنه إذا صاد حلال صيد لأجل محرم لا يحل للمحرم أكله، وعند أبي حنيفة للمحرم أن يأكل ما فعل الحلال فيه مجموع الصيد وذبحه سواء صيادة لأجل حلال ولأجل محرم، لكن بشرط عدم دلالة محرم عليه وأمره إليه لما روى في مسلم (٥) من حديث معاذ بن عبد الرحمن بن عثمان عن أبيه قال: كنا مع طلحة بن عبيد الله ونحن حرم فأهدى إليه طير وطلحة راقد فمنا من أكل ومنا من تورع، فلما انتبه أخبر فوافق من أكله وقال: أكلناه مع رسول الله - ﷺ -.\nوفي (الموطأ) (٦) من حديث هشام بن عروة عن أبيه أن الزبير بن العوام كان يتزود\n_________\n(١) انظر: مغني اللبيب (ص: ٤٧٠).\n(٢) انظر: شرح الزرقاني (٢/ ٣٧٨).\n(٣) أخرجه: أبو داود (١٨٥١)، والترمذي (٨٤٦)، والنسائي في المجتبى (٢٨٢٧)، وأحمد (١٤٤٧٨)، والنسائي في الكبرى (٣٨١٠)، وعبد الرزاق في مصنفه (٨٣٤٩)، وابن خزيمة (٢٦٤١)، والحاكم (١٦٥٩)، (١٧٤٨)، والدارقطني (٢/ ٢٩٠)، والبيهقي في الكبرى (١٠٠٣٦) من طريق عمرو بن أبي عمرو عن المطلب عن جابر مرفوعًا.\nوعمرو بن أبي عمرو ليس بالقوي عندهم. . والمطلب لا يُعرف له سماع من جابر.\n(٤) انظر: السابق.\n(٥) أخرجه: مسلم (١١٩٧)، والنسائي في المجتبى (٢٨١٦)، وأحمد (١٣٨٦) (١٣٩٥)، والدارمي (١٧٧٣)، والنسائي في الكبرى (٣٧٩٩)، وابن حبان (٥٢٥٦)، وابن أبي شيبة (٤/ ٣٩٣)، وابن خزيمة (٢٦٣٨)، وأبو يعلى (٦٣٥)، والبيهقي في الكبرى (١٠٠٢٥)، والبزار (٩٣١).\n(٦) أخرجه: مالك (٧٧٩)، وابن أبي شيبة (٣/ ٣٠٧)، والبيهقي في الكبرى (٩٦٩٦)، والآثار (٥٠٥).","vol":"2","page":325},{"text":"صفيف الظباء في الإِحرام والصفف ما يصف اللحم على اللحم ليشوى قال مالك: والصفيف القويد وقال (القاموس): الصفيف كأمير ما صف في الشمس ليجف أو على الجمر ليشوى، وأجاب الطحاوي عن حديث جابر بأن معناه ويصيد لكم بأمركم توفيقًا بين الأحاديث، وفي مسند أبي حنيفة (١) عن هشام بن عروة عن أبيه عن جده الزبير بن العوام قال: كنا نحمل الصيد صفيفًا وكنا نتزوده ونأكل ونحن محرمون مع رسول الله - ﷺ -. واختصره مالك في (الموطأ) وحاصله: نقل وقائع أحوال فيه لا عموم لها فيجوز كون ما كانوا يحملونه من لحوم الصيد للتزود فما لم يصد لأجل المحرمين بل هو الظاهر؛ لأنهم يتزودون من الحضر ظاهرًا والإِحرام بعد الخروج من الميقات في أثناء السفر فالأولى بالاستدلال في هذا المقام ما ذكره الإِمام ابن الهمام على أصل المطلب والمراد حديث أبي قتادة على وجه المعارضة على ما في الصحيحين فإنهم لما سألوه - ﷺ - لم يجب بحله لهم حتى سألهم عن واقع الحل كان موجوده أم فقال - ﷺ -: \"أمعكم أحد آمره أن يحمل عليها أو أشار إليها\" قالوا: لا قال: \"فكلوا إذن\" فلم كان من الموانع أن يصار لنظم في سلك ما يسأل عنه منها في التفحص عنها لتجيب بحكم عند خلوها وهذا المعنى كالصريح في نفي كون الاصطياد مانعًا فيعارض حديث جابر ويقدم عليه لقدرة ثبوته، إذ هو في الصحيحين وغيرهما من الكتب الستة بخلاف ذلك كذا قاله علي القاري.\n* * *\n\n٤١٨ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن عبد الله بن عمر، كان يقول: ما فوق الذَّقَن من الرأس، فلا يخمره المُحْرِم.\nقال محمد: وبقول ابن عمر نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة والعامة من فقهائنا.\n• أخيرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى، أنا حدثنا وفي نسخة: عن (ق ٤٥٢) نافع بن عبد الله المدني مولى ابن عمر، ثقة ثبت فقيه مشهور من الطبقة\n_________\n(١) انظر: مسند أبي حنيفة (ص: ٢٤٨).\n(٤١٨) أخرجه: مالك (٧١٠)، وابن أبي شيبة (٤/ ٣٧٠)، والبيهقي في الكبرى (٩١٧١).","vol":"2","page":326},{"text":"الثالثة مات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك من الهجرة (١) أن ابن عمر، ﵄ أنه كان يقول: ما فوق الذَّقَن بفتحتين وهو الوجه من الرأس، أي: جملته في باب الإِحرام فلا يخمره المُحْرِم أي: فلا يغطيه وإن الوجه من حكم الرأس بالنسبة إلى الرجل وأما المرأة فلا تكشف رأسها بل تكشف وجهها لما روى الدارقطني والبيهقي والطبراني عن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ليس على المرأة إحرام إلا في وجهها وكفيها\" (٢).\nقال الدارقطني: الصواب وقفه على ابن عمر. أقول: لكنه في حكم المرفوع فإن مثله ما يقال بالرأي على أن قول الصحابي عندنا حجة إذا لم يخالف ولو سدلت شيئًا على وجهها مجافيًا عنه جاز لما روى أبو داود وابن ماجه من حديث عائشة ﵂ أنها قالت: كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله - ﷺ - محرمات، فإذا جاوزنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزونا كشفناه (٣).\nقال محمد: وبقول ابن عمر نأخذ، أي: نعمل وهو قولُ أبي حنيفة والعامة من فقهائنا ﵏ وقد سبق خلاف بعض المتأخرين من المجتهدين.\nلما فرغ من بيان حكم غطاء المحرم وجهه، شرع في بيان حكم غسل المحرم رأسه واغتساله له، فقال: هذا\n* * *\n_________\n(١) تقدم مرارًا.\n(٢) أخرجه: الدارقطني (٢/ ٢٩٤)، والبيهقي في الكبرى (٩١٢٩).\nوقال البيهقي: قال أبو أحمد بن عدي: لا أعلمه، يرفعه عن عبيد الله غير أبي الجمل هذا.\nقال الشيخ: وأيوب بن محمد أبو الجمل ضعيف عند أهل العلم بالحديث، فقد ضعفه يحيى بن معين، وغيره، وقد روى هذا الحديث من وجه آخر مجهول، عن عبيد الله بن عمر مرفوعًا، والمحفوظ موقوف.\n(٣) أخرجه: أبو داود (١٨٣٣)، وأحمد (٢٣٥٠١)، والبيهقي في الكبرى (٩١٣١)، وفيه يزيد بن أبي زياد: ضعيف.\nانظر: الدراية في تخريج أحاديث الهداية (٤٨٢)، وتلخيص الحبير (٢/ ٢٧٢).","vol":"2","page":327},{"text":"١٥ -<span data-type=\"title\" id=toc-180> باب المحرم يغسل رأسه ويغتسل</span>\nفي بيان حكم حال الحرم يغسل رأسه ويغتسل أي: يحمي بدنه من غير قصد إزالة وسخه.\n٤١٩ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن عبد الله بن عمر: كان لا يغسل رأسه وهو محرم، إلا من احتلام.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن النضر بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، يعني: كان من ولد ملك يقال له: ذي أصبح من ملوك اليمن، وكان في الطبقة السابعة من كبار أتباع التابعين من أهل المدينة، وهي كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة من وجه الأرض (١)، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا، حدثنا وفي نسخة: قال: بنا نافع بن عبد الله المدني مولى ابن عمر، ثقة تابعي ثبت فقيه مشهور كان في الطبقة الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك من الهجرة (٢) أن ابن عمر: كان لا يغسل رأسه وهو محرم، إلا من احتلام فكان يعمل بالأفضل لما روى الترمذي وابن ماجه (٣) من حديث ابن عمر قال: قام رجل فقال: يا رسول الله من الحاج الشعث التفل والشعث: المنتثر شعر الرأس والتفل: التارك الطيب، وقد قال تعالى في سورة الحج: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] والتفث: الوسخ كذا ذكرا المطرزي عن قطرب قوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] يعني: ليزيلوا أوساخهم كذا في (عيون التفاسير).\n* * *\n_________\n(٤١٩) أخرجه: مالك (٧٠٢).\n(١) تقدم.\n(٢) تقدم.\n(٣) أخرجه: الترمذي (٢٩٩٨)، وابن ماجه (٢٨٩٦)، وابن أبي شيبة (٤/ ٥٣٥)، والشافعي في المسند (٤٩٥)، والبيهقي في الكبرى (٨٧٢١)، والشعب (٣٩٧٤)، وابن عدي في الكامل (١/ ٢٢٧).\nوقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه من حديث ابن عمر إلا من حديث إبراهيم بن يزيد الخوزي المكي، وقد تكلم بعض أهل الحديث في إبراهيم بن يزيد من قبل حفظه.\nوقال البيهقي: وإنما امتنعوا منه لأن الحديث يعرف بإبراهيم بن يزيد الخوزي، وقد ضعفه أهل العلم بالحديث.","vol":"2","page":328},{"text":"٤٢٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، عن إبراهيم بن عبد الله بن حُنين، عن أبيه، أن عبد الله بن عباس، والمِسْوَر بن مَخْرَمَةَ تَمَارَيَا بالأبْوَاءِ، فقال ابن عباس: يغسل المحرم رأسه، وقال المِسْور: لا، فأرسله ابن عباس إلى أبي أيوب يسأله، فوجده يغتسل بين القَرْنَيْن، وهو يُسْتَر بثوب؛ قال: فسلمتُ عليه، فقال: من هذا؟ فقلت: أنا عبد الله بن حُنين، أرسلني إليك ابن عباس، أسألك: كيف كان رسول الله - ﷺ - يغسل رأسه وهو محرم؟ فوضع يده على الثوب وطَأطَأه حتى بدا لي رأسه، ثم قال لإِنسان يصب الماءَ عليه: اصبُب، فصبّ على رأسه، ثم حرَّك رأسه بيده، فأقبل بيده وأدبر، فقال: هكذا رأيته يفعل.\nقال محمد: وبقول أبي أيوب نأخذ، لا نرى بأسًا بأن يغسل المحرم رأسه بالماءِ، وهلْ يزيده الماء إلا شَعَثًا! وهو قولُ أبي حنيفة والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، وفي أخرى: أنا أخبرنا وفي نسخة: عن زيد بن أسلم، العدوي مولى عمر يكنى عبد الله وأبا أسامة المدني، ثقة عالم كان يرسل وكان من الطبقة الثالثة، مات سنة ست وثلاثين ومائة من الهجرة (١) عن إبراهيم بن عبد الله الهاشمي مولاهم المدني يكنى أبا إسحاق ثقة من الطبقة الثالثة مات بعد المائة كذا قاله ابن حجر (٢) ابن حُنين، بضم المهملة وفتح النون الأولى الهاشمي مولاهم مدني ثقة من الطبقة الثالثة، مات في خلافة يزيد بن عبد الملك في أول المائة الثانية (٣) وليحيى\n_________\n(٤٢٠) أخرجه: البخاري (١٧٤٣)، ومسلم (١٢٠٥)، وأبو داود (١٨٤٠)، والنسائي في المجتبى (٢٦٦٤)، وابن ماجه (٢٩٣٤)، وأحمد (٢٣٠٣٦)، والدارمي (١٧٣٩)، ومالك (٦٩٩)، والنسائي في الكبرى (٣٦٤٥)، وابن حبان (٣٩٤٨)، وابن أبي شيبة (٤/ ٢١٣)، والدارقطني (٢/ ٢٧٢)، والطبراني في الكبير (٣٩٧٨)، والبيهقي في الكبرى (٩٢١٣).\n(١) انظر: التقريب (١/ ١٨٩).\n(٢) انظر: التقريب (١/ ٣٠).\n(٣) انظر: السابق.","vol":"2","page":329},{"text":"ومالك عن زيد بن أسلم عن نافع عن إبراهيم بن عبد الله إلى آخره قال ابن عبد البر (١): لم يتابع أحد من رواة (الموطأ) يحيى على إدخال نافع بن زيد وإبراهيم وهو خطأ لا شك فيه، وهو مما يحفظ من أخطاء يحيى في (الموطأ) (ق ٤٥٣) وغلطه ابن وضاح بطرحه كذا ذكره السيوطي (٢) عن أبيه، أي: عبد الله بن حنين أن عبد الله بن عباس، والمِسْوَر بكسر الميم وسكون المهملة وفتح الواو ابن مَخْرَمَةَ بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الراء، وهو ابن أخت عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي ولد بمكة بعد الهجرة بعد السنتين، وقدم به إلى المدينة في ذي الحجة سنة ثمان وقبض النبي - ﷺ - وله ثمان سنين وسمع منه وحفظ عنه وكان فقيهًا من أهل الفضل والديانة ولم يزل بالمدينة إلى أن قتل عثمان بن عفان وانتقل إلى مكة فلم يزل بها حتى مات معاوية (٣) تَمَارَيَا أي: اختلافا في جواز غسل المحرم وعدمه بالأبْوَاءِ، بفتح الهمزة وسكون الموحدة والمد، وهو جبل قرب مكة وعنده بلدة تنسب إليه قبل سمي بذلك لوبائه، وهو على القلب وإلا لقيل الأوباء فقال ابن عباس: ﵄ يغسل الحرم رأسه، أي: جوازًا وقال المِسْور: لا، أي: لا يجوز أو لا يغسله استحبابًا ويلائم الأول قوله فأرسله ابن عباس أي: عبد الله بن حنين كما قاله لمالك في (الموطأ): قال عبد الله بن حنين: فأرسلني عبد الله بن عباس إلى أبي أيوب أي: خالد بن زيد الأنصاري، وهو صحابي جليل يسأله، أي: عن حكم الغسل للمحرم فوجده أي: أبا أيوب يغتسل وهذا من الاتفاقات الحسنة إن كان محرمًا بين القَرْنَيْن، بفتح القاف تثنية قرن وهما الخشبتان القائمتان على رأس البير وشبههما وقد بينهما خشبة تجر عليها الحبل المستقي به ويعلوا عليها البكرة كذا ذكره السيوطي وهو أي: الحال أن أبا أيوب يُسْتَر بثوب؛ بصيغة المجهول، وفي رواية (الصحيحين): وهو مستتر بثوب قال: أي: ابن حنين فسلمتُ عليه؛ فقال: من هذا؟ أي: المسلم فقلت: أنا عبد الله بن حُنين، أرسلني إليك ابن عباس، إنما اقتصر عليه؛ لأنه أرسله إليه، ومن باب الاكتفاء والاختصار على من هو أفضل لديه أسألك: أي: على لسانه كما، وقع اختلاف في شأن بيانه وفي رواية: يسألك كيف كان رسول الله - ﷺ - يغسل رأسه وهو محرم؟ وفيه أنه لم يكن النزاع في كيفية غسله لكنها تفيد زيادة في بيان جواز فعله.\n_________\n(١) انظر: التمهيد (٤/ ٢٦٠).\n(٢) انظر: تنوير الحوالك (١/ ٢٣٨).\n(٣) تقدم.","vol":"2","page":330},{"text":"قال ابن عبد البر: فيه أن ابن عباس ﵄ كان علم غسل رأس المحرم عنه - ﷺ - أنبأه أبو أيوب وغيره؛ لأنه كان يأخذ عن الصحابة، ألا ترى أنه قال: كيف يغسل رأسه، ولم يقل هل كان يغسل؟\nوقال ابن دقيق العيد: هذا يشعر بأن ابن عباس كان عنده علم بأصل الغسل، فإن السؤال عن كيفية الشيء إنما يكون بعد العلم بأصله، وإن غسل البدن كان عنده متقرر الجواز إذا لم يسأل عنه إنما سأل عن كيفية غسل الرأس، ويحتمل أن يكون ذلك؛ لأنه موضع الإِشكال؛ لأن الشعر عليه وتحريك اليد يخاف منه نتف الشعر وتعقب بأن النزاع بينهما إنما وقع في غسل الرأس.\nوقال الحافظ العسقلاني: لم يقل: هل كان يغسل رأسه ليوافق اختلافهما؟ بل سأل عن الكيفية، لاحتمال أنه لما رآه يغتسل وهو محرم فهم من ذلك الجواب، ثم أحب أن لا يرجع إلا بفائدة (ق ٤٥٤) أخرى فسأله عن الكيفية كذا قاله الزرقاني (١) فوضع أي: أبو أيوب الأنصاري يده على الثوب أي: الساتر عليه وطَأطَأه بهمزتين على وزن جلب أي: خفض الثوب وأزاله عن رأسه حتى بدا بالتخفيف أي: ظهر لي رأسه، أي: رأس أبي أيوب الأنصاري ﵁ ثم قال لإِنسان أي: لرجل هناك ولم يعلم اسمه يصب الماءَ عليه: أي: قاله أبو أيوب لا يصبه على رأسه اصبُب، بضم الهمزة وسكون الصاد المهملة وضم الباء الموحدة الأولى أمر مخاطب أي: صب الماء فصبّ أي: إنسان الماء على رأسه، أي: رأس أبي أيوب الأنصاري في نسخة: فيصب ثم حرَّك أي: أبو أيوب رأسه بيده، فأقبل بيده وأدبر، أي: بها وليحيى: بيديه، فأقبل بهما وأدبر أي: بهما والمراد بيد جنسه ولا تنافي بينهما وهو يدل على جواز ذلك ما لم يؤده إلى نتف الشعر والبيان بالفعل أبلغ من القول فقال: أي: أبو أيوب هكذا رأيته أي: النبي - ﷺ - يفعل أي: يغسل في حال الإِحرام على ما هو الظاهر في مقام المرام لكن بقي الكلام أنه هل كان غسله - ﷺ - بسبب من الأسباب أم لا على أنه - ﷺ - كان محفوظًا من الاحتلام.؟\nوفي رواية ابن جريج عن زيد بن أسلم بهذا الإِسناد: فأمرّ أبو أيوب بيديه على رأسه جميعًا فأقبل بهما وأدبر، وزاد سفيان بن عيينة فرجعت إليهما فأخبرتهما فقال المسور بن\n_________\n(١) انظر: شرح الزرقاني (٢/ ٣٠٢).","vol":"2","page":331},{"text":"مخرمة لابن عباس: لا أماريك أبدًا أي: لا أجادلك، وفيه رجوع المختلفين إلى من يظنان أن عنده علم ما اختلف فيه وقبول خبر الواحد، وأنه كان مشهورًا عند الصحابة؛ لأن ابن عباس أرسل عبد الله بن حنين يسأل أبا أيوب، ومن ضرورة ذلك قبول خبر أبي أيوب عن النبي - ﷺ -، وقبول خبر عبد الله بن حنين عن أبي أيوب والرجوع إلى النص عند الاختلاف وترك الاجتهاد والقياس عند النص.\nقال ابن عبد البر: وفيه أن الصحابة إذا اختلفوا لم يكن أحدهما حجة على الآخر إلا بدليل، وإن حديث \"أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم\" محله في النقل عنه - ﷺ - كما قال أهل النظر كالمزني؛ لأن كلًا منهم ثقة مأمون عدل لا في الاجتهاد والرأى وإلا لقال ابن عباس للمسور بن مخرمة: أنت نجم وأنا نجم فبأينا اقتدى اهتدى، ولم يحتج إلى طلب البرهان في السنة على صحة قوله، ولذا حكم سائر الصحابة إذا اختلفوا وفي الاستعانة بالطهارة لقوله: اصبب قال القاضي عياض: والأولى تركها إلا لحاجة.\nوقال ابن دقيق العيد: ورد في الاستعانة أحاديث صحيحة وفي تركها شيء لا يقابلها في الصحة، وأخرجه البخاري عن عبد الله بن يوسف ومسلم عن قتيبة بن سعيد وأبو داود عن القعنبي الثلاثة عن مالك وتابعه سفيان بن عيينة وابن جريج عن زيد بن أسلم كذا قاله الزرقاني (١).\nقال محمد: وبقول أبي أيوب أي: الموافق لرأي ابن عباس نأخذ، أي: نعمل؛ لأن علمين خير من علم واحد ولأن المثبت مقدم على النافي؛ ولأن الأصل الجواز (ق ٤٥٥) حتى ثبت دليل قوي على منعه لا نرى أي: لا نعلم بأسًا أي: جناية بأن يغسل المحرم رأسه بالماءِ أي: سواء غسل سائر بدنه أم لا، نعم الأولى أن لا يغسل رأسه لئلا تموت هوامه ولا يرفع شعثه وغباره لما سبق، وأما قوله: وهل يزيده الماء إلا شَعَثًا! ففيه نظر، فإن الشعث محركة انتشار الشعر وتغيره وتفرقه كما ينتشر رأس السواك، ولا شك أن الماء يحصل له الاجتماع والالتئام والله أعلم بحقيقة المرام، وهو أي جواز غسل المحرم رأسه واغتساله وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا لما تقدم من الحديث وهو في الصحيحين، وفي البخاري قال ابن عباس ﵄: يدخل المحرم الحمام، وفي مسند الشافعي وفي\n_________\n(١) انظر: السابق.","vol":"2","page":332},{"text":"كتاب الحج الأكبر: أن ابن عباس ﵄ دخل الحمام بالجحفة وهو محرم وقال: ما يعبأ الله من أوساخنا شيء.\n* * *\n\n٤٢١ - أخبرنا مالك، أخبرنا حُميد بن قيس المكي، عن عطاء بن أبي رباح، أن عمر بن الخطاب قال ليَعْلى ابن مُنْيَة وهو يصبّ على عمر ماءً، وعمر يغتسل: اصبب على رأسي، قال له يعْلى: أتريد أن تجعلها فيّ؟ إن أمرتني صَبَبْت، قال: اصببْ فلم يزده الماء إلى شَعَثًا.\nقال محمد: لا نرى بهذا بأسًا؛ وهو قولُ أبي حنيفة والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا حُميد بالتصغير ابن قيس المكي، الأعرج يكني أبا صفوان، ليس به بأس، من الطبقة السادسة، مات سنة ثلاثين ومائة وقيل بعدها (١) عن عطاء بن أبي رباح، بفتح الراء المهملة والموحدة اسمه أسلم القرشي مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل لكنه كثير الإِرسال من الطبقة الثالثة، مات سنة أربع عشرة ومائة على المشهور، وقيل: إنه تغير بآخرة ولم يكن ذلك منه كذا في (التقريب) (٢) أن عمر بن الخطاب قال ليَعْلى بكسر اللام وفتح التحتية وسكون العين المهملة واللام المفتوحة والتحتية على وزن سلمى ابن مُنْيَة بضم الميم وسكون النون وفتح التحتية وهي أمه واسم أبيه أمية بن أبي عبيدة بن همام التميمي حليف قريش، صحابي مات سنة بضع وأربعين (٣) وهو أي: يعلى ابن منية يصبّ على عمر ماءً، وهو يغتسل أي: الحال أن عمر يغتسل: محرمًا اصبب على رأسي، يعني أمر عمر ليعلى ابن منية صب الماء على رأسي قال له أي: لعمر يعْلى:\n_________\n(٤٢١) أخرجه: مالك (٧٠٠).\n(١) انظر: التقريب (١/ ١٤٢).\n(٢) انظر: التقريب (١/ ٤٠١).\n(٣) انظر: التقريب (٢/ ٦٨١).","vol":"2","page":333},{"text":"أتريد أن تجعلها أي: هذه الخصلة أو الفعلة فيّ؟ أي: بسببي وفي نسخة: بكسر الفاء وتشديد التحتية المفتوحة أي في كسبي إن أمرتني أي: بالعزيمة صَبَبْت، وإلا فاستعنت قال عمر ليعلى ابن منية: اصببْ بضم الهمزة وسكون الصاد المهملة وبضم الموحدة الأولى وسكون الثانية فلم يزده الماء إلى شَعَثًا أي: انتشارًا وتفرقًا، ولعل مراد عمر ﵁ محمول على إعادة العرب، فإنهم عند إرادة الإِحرام يدهنون شعورهم ويطيبونها بالعطر فحينئذ لا شك في التئامها واجتماعها وبالغسل يفوت تلك فيتفرق الشعر هنالك والماء يلبد الشعر ويدخله مع ذلك الغبار، وهذا يقتضي أن غسله لم يكن لجنابة أن الإِجماع على أن المحرم إذا كان جنبًا أو المرأة حائضًا أو نفساء وطهرت يغسل رأسه، واختلف في غسل المحرم تبردًا أو غسل رأسه فأجازه الجمهور بلا كراهة كما قاله عمر: لا يزيده الماء إلا شعثًا.\nقال عياض: وتؤول عن مالك مثله وتؤول عليه الكراهة (ق ٤٥٦) أيضًا، وقد كره عمر المحرم رأسه في الماء، وعللت، الكراهة بأنه في تحريك يده في غسله أو غمسه قد يقتل بعض الدواب أو يسقط بعض الشعر وقيل: لعله رواه من تغطية الرأس وكره فقهاء الأمصار غسل الرأس بالخطمى والسرر وأوجب مالك وأبو حنيفة فيه الفدية وأجازه بعض السلف إذا كان ملبدًا انتهى.\nوقال الشافعية: لا فدية عليه إذا لم ينتف الشعر.\nقال محمد: لا نرى أي: لا نظن بهذا أي: بغسل المحرم رأسه إذا لم يقتل هوام رأسه بأسًا؛ أي: كريهًا وهو قولُ أبي حنيفة والعامة من فقهائنا وهذا تأكيد لما تقدم والله أعلم.\nلما فرغ من بيان حكم غسل المحرم رأسه أو اغتساله، شرع في بيان حرمة لبس الثياب المخيطة أو المصبوغة بطيب من حمرة أو صفرة للمحرم، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>باب ما يكره للمحرم أن يلبس من الثياب</span>\nفي بيان حكم ما يكره أي: يحرم للمحرم أي: بحج أو عمرة أن يلبس من الثياب بيان لما، والمراد بالثياب ثوب مخيط أو مصبوغ بطيب من حمرة أو صفرة.","vol":"2","page":334},{"text":"٤٢٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أن رجلًا سأل رسول الله - ﷺ -: ماذا يلبس المُحْرِم من الثياب؛ فقال: \"لا يلبس القُمُصَ ولا العمائم ولا السَّرَاوِيلات، ولا البَرَانِسَ، ولا الخِفاف، إلا أحدٌ لا يجد نعلين، فليلبس خُفَّيْن، وليقْطَعْهُمَا أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا من الثياب شيئًا مسّه الزعفران ولا الوَرْس\".\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، وفي نسخة أخرى: بنا، أو أنا رمزًا إِلى أخبرنا، أخبرنا وفي نسخة: عن نافع بن عبد الله المدني مولى ابن عمر، ثقة ثبت فقيه تابعي مشهور، من الطبقة الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك، كذا قاله ابن حجر (١) عن ابن عمر، ﵁ أن رجلًا قال الحافظ (٢): لم أقف على اسمه في شيء من الطرق سأل رسول الله - ﷺ -: ماذا يلبس بفتح الموحدة أي: يتلبس المُحْرِم أي: بحج أو عمرة من الثياب؛ قوله: \"ما\" مبتدأ متضمن بمعنى الاستفهام ولفظ \"ذا\" اسم إشارة خبر لما يلبس صفة \"ذا\"، والمحرم فاعل يلبس، ومن الثياب بيان بما، والمبتدأ مع خبره متعلق بسأل فالمعنى يا رسول الله أي شيء من الثياب يلبسه المحرم للحج أو العمرة؟ وللبخاري من طريق الليث عن نافع: ما نلبس من الثياب إذا أحرمنا؟ وهو مشعر بأن السؤال كان قبل الإِحرام، وحكى الدارقطني عن أبي بكر النيسابوري أن في رواية ابن جريج والليث عن نافع أن ذلك كان في المسجد ولم أر ذلك في شيء من الطرق عنهما، نعم أخرج البيهقي من طريق أيوب وعبد الله بن عوف كلاهما عن نافع عن عمر قال: نادى رجل رسول الله - ﷺ - وهو يخطب بذلك المكان، وأشار نافع إلى مقدم المسجد فظهر\n_________\n(٤٢٢) أخرجه: البخاري (١٤٦٨)، ومسلم (١١٧٧)، والترمذي (٨٣٣)، والنسائي في المجتبى (٢٦٦٨)، وابن ماجه (٢٩٢٩)، وأحمد (٤٩٨٣)، والدارمي (١٧٤٦)، ومالك (٧٠٣)، والنسائي في الكبرى (٣٦٥٤)، وابن حبان (٣٧٨٤)، وابن أبي شيبة (٤/ ٥٤٣)، وابن خزيمة (٢٦٨٢)، والدارقطني (٢/ ٢٣٠)، والشافعي في المسند (٥٤٢)، والطبراني في الأوسط (٥٠٣٥)، وأبو يعلى (٥٨٠٥)، والبيهقي في الكبرى (٩١٤١).\n(١) تقدم.\n(٢) انظر: الفتح (٣/ ٤٠١).","vol":"2","page":335},{"text":"أن السؤال كان بالمدينة وللبخاري ولمسلم عن ابن عباس ﵄ أنه - ﷺ - خطب بذلك في عرفات فيحمل على التعدد، ويؤيده أن في حديث ابن عباس ابتدأ به في الخطبة، وفي حديث ابن عمر أجاب به السائل فقال: أي: رسول الله - ﷺ - كما في (الموطأ) ليحيى: \"لا يلبس أي: المحرم القُمُصَ بضم القاف والميم جمع قميص، وفي رواية التنيسي: لا يلبس بالرفع على الأشهر خبر عن حكم الله أن هو جواب السؤال وخبر بمعنى النهي، وبالجزم على النهي وكسر لالتقاء الساكنين ولا العمائم بفتح العين المهملة جمع عمامة بكسر العين سميت بذلك؛ لأنها تعم جميع الرأس ولا السَّرَاويلات، أو جمع الجمع أو جمع سروال فارسي معرب، والروايتين بالنون لغة وبالشين المعجمة لغة أيضًا ولا البَرَانِسَ، (ق ٤٥٧) بفتح الموحدة والراء المهملة وألف، وبكسر النون والسين المهملة جمع البرنس بضمتين، وهو قلنسوة طويلة أو كل ثوب رأسه دراعة كان أو جبة ولا الخِفاف، بكسر الخاء المعجمة جمع خف فنبه بالقميص على كل ما في معناه وهو المخيط المعمول على قدر البدن، وبالسراويل على المخيط المعمول على قدر بعض منه كالتبان والقفاز وغيرهما وبالعمائم والبرانس على كل ثوب يغطي رأسه مخيطًا أو غيره، وبالخفاف على ما يستر الرجل كالجورب وغيره، والمراد بتحريم المخيط ما يلبس على الوضع الذي جعله له ولو في بعض البدن، فلو ارتدى بالقميص مثلًا قال الخطابي: ذكر العمامة والبرنس معًا ليدل على أنه لا يجوز تغطية الرأس لا بالمعتاد ولا بالنادر.\nقال الحافظ (١): إن أراد لبسه كالقبع صح ما قال، وإلا فمجرد وضعه على رأسه على هيئة الحامل له لا يضر في مذهبه كالانغماس بالماء، فإنه لا يسمى لابسًا وكذا ستر الرأس باليد، وأجمعوا على اختصاص النهي بالرجل فيجوز للمرأة لبس جميع ما ذكره حكاه ابن المنذر، فإن قيل: السؤال وقع عما يجوز لبسه والجواب وقع عما لا يجوز فما حكمته؟ أجاب العلماء كما قال النووي (٢): بأن هذا الجواب من بديع الكلام وجزله ما لا يُلبس منحصر فصرح به، وأما الجائر فغير منحصر فقال: لا يلبس كذا أي: يلبس ما سواه.\nوقال البيضاوي (٣): أجاب بما لا يلبس ليدل بالالتزام من طريق المفهوم على ما\n_________\n(١) انظر: الفتح (٣/ ٤٠١).\n(٢) انظر: شرح النووي على مسلم (٨/ ٧٣).\n(٣) انظر: شرح الزرقاني (٢/ ٣٠٦)، والفتح (٣/ ٤٠٢)، ونيل الأوطار (٥/ ٦٧).","vol":"2","page":336},{"text":"يجوز، وإنما عدل عن الجواب؛ لأنه أحصر وأحضر، وفيه إشارة إلى أن حق السؤال أن يكون عما لا يلبس؛ لأنه الحكم العارض في الإِحرام المحتاج لبيانه إذ الجواز ثابت بالأصل المعلوم بالاستصحاب مكان اللائق السؤال عما لا يلبس، قال غيره: وهذا يشبه أسلوب الحكيم، ويقرب منه قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ الآية [البقرة: ٢١٥] فعدل من جنس المتفق وهو المسئول عنه إلى جنس المتفق عليه؛ لأنه الأهم وقال ابن دقيق العيد: استفادة منه أن المعتبر في الجواب ما يحصل منه المقصود كيف كان ولو يتغير أو زيادة، ولا تشترط المطابقة.\nقال الحافظ: وهذا كله على هذه الرواية وهي المشهورة عن نافع، وقد رواه أبو عوانة من طريق ابن حجر عن نافع بلفظ: ما يترك المحرم، وهي شاذة، والاختلاف فيها على ابن جريج لا على نافع، ورواه سالم عن ابن عمر بلفظان: أن رجلًا قال: يا رسول الله، ما يجتنب المحرم من الثياب؟ أخرجه أحمد عن ابن عيينة عن الزهري فقال مرة: ما يترك، ومرة ما يلبس. وأخرجه البخاري من طريق إبراهيم بن سعد عن الزهري بلفظ نافع، فالاختلاف فيه عن الزهري شعر بأن بعضهم رواه بالمعنى فاستقامت رواية نافع لعدم الاختلاف فيها، واتجه البحث المتقدم وطعن بعضهم في قول من قال: إنه من الأسلوب الحكيم بأنه كان يمكن الجواب بما يحصر أنواع ما يلبس كأن يقال: ما لبس بخيط ولا على قدر البدن كالقميص أو بعضه كالسراويل والخف ولا يستر الرأس (ق ٤٥٨) أصلًا، ولا يلبس ما يوجب الفدية إلا أحدٌ بالرفع بدل من فاعل لا يلبس، وهو أول من نصبه في الاستثناء المتصل بعد النفي وشبهة، وبها قرئ قوله تعالى في سورة النساء: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ الآية [النساء: ٦٦] وعليه الجمهور، وإلا قليل منهم في قراءة الشامي لا يجد نعلين، أي: حقيقة وحكمًا زاد معمر عن الزهري زيادة حسنة تفيد ارتباط ذكر النعلين بما سبق، وهي قوله: وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين فإن لم يجد النعلين فليلبس خُفَّيْن، كذا في (الموطأ) لمالك ليحيى والظاهر الخفين أي: خفيه، ثم رأيت أنه لذلك في رواية الصحيحين ظاهرة الوجوب لكنه لما شرع للتسهيل لم يناسب التثقيل، وإنما هو للرخصة وليقْطَعْهُمَا أسفل من الكعبين، والواو المطلق الجمع، فلا يرد أن لبسهما إنما يجوز بعد قطعهما، والراد بالكعبين العظمان الناتئان عن مفصل الساق والقدم، وهذه الأحكام مختصة بالرجال دون النساء، وفيه أن واجد النعلين لا يلبس الخفين المقطوعين، وهو قول الجمهور، وأجازه الحنفية وبعض الشافعية.","vol":"2","page":337},{"text":"قال ابن العربي: إن صار كالنعلين جاز وإلا فمتى سترا من ظاهر الرِّجْل شيئًا لم يجب إلا للفاقد، وهو من لا يقدر على تحصيله لفقده، أو ترك بذلك المال له أو عجزه عن الثمن إن وجد معه أو عن الأجرة، ولو بيع بغير فاحش لا يلزمه شراؤه أو وهب له لم يلزمه قبوله إلا إن أعير له، وظاهر الحديث أنه لا فدية على من لبسهما إذا لم يجد نعلين.\nوقال الحنفية يجب كما إذا احتاج لحلق رأسه يحلق ويفتدي، وتعقب بأنها لو وجبت لبينها النبي - ﷺ -؛ لأنه وقعت الحاجة، وأيضًا لو وجبت فدية لم يكن للقطع فائدة لا تجب إذا لبسهما بلا قطع، فإن لبسهما مع وجود نعلين افتدى عند مالك والليث.\nوقال أبو يوسف: لا فدية، وعن الشافعي قولان: وظاهر أيضًا أن قطعهما منوط في جواز لبسهما، خلافًا للمشهور عن أحمد في إجازة لبسهما بلا قطع، لإِطلاق حديث ابن عباس وجابر في الصحيحين بلفظ: \"ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين\" (١) وتعقب بأنه يوافق حمل المطلق على المقيد، فينبغي أن يقول به هنا، فإن حمله عليه جيد لأن التقييد ورد بصفة الأمر، وذلك زيادة على الصور المطلقة، فلو عمل بالمطلق، الذي هو حديث ابن عمر يقول عمرو بن دينار، وقد روى الحديثين. انظروا أيهما قبل. رواه الدارقطني، وقال: إن أبا بكر النيسابوري قال: حديث عمر قبل؛ لأنه بالمدينة قبل الإِحرام، وحديث ابن عباس بعرفات، وأجاب الشافعي عن هذا في (الأم) فقال كلاهما صادق حافظ، وزيادة ابن عمر لا تخالف ابن عباس لاحتمال أن تكون غربت عنه أو شك أو قالها فلم ينقلها عنه بعض رواته ويؤيده أنه ورد في بعض طرق حديث ابن عباس موافقته لحديث ابن عمر، أخرجه النسائي (٢) عن ابن عباس مرفوعًا بلفظ: وإذا لم يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما (ق ٤٥٩). أسفل من الكعبين. وإسناده صحيح وزيادة الثقة مقبولة، وبعضهم سلك الترجيح.\nفقال ابن الجوزي: حديث ابن عمر اختلف في رفعه ووقفه، وحديث ابن عباس لم يختلف في رفعه.\nقال الحافظ: وهو مردود فلم يختلف عن ابن عمر رفع الأمر بالقطع إلا في رواية شاذة، على أنه اختلف في حديث ابن عباس، فرواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن سعيد\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٤٦٨) ومسلم (١١٧٧).\n(٢) النسائي (٥/ ١٣١).","vol":"2","page":338},{"text":"ابن جبير عنه موقوفًا، ولا يرتاب أحد من المحدثين أن حديث ابن عمر أصح من حديث ابن عباس؛ لأنه جاء بإسناد وصف بأنه أصح الأسانيد، واتفق عليه عنه غير واحد من الحفاظ منهم نافع وسالم بخلاف حديث ابن عباس، فلم يأت مرفوعًا إلا من رواية جابر بن زيد عنه حتى قال الأصيلي: إنه شيخ بصري لا يعرف مع أنه معروف موصوف بالفقه عند الأئمة، ومنهم من اعتل بقول عطاء: القطع فساد والله لا يحب الفساد، وتعقب بأن الفساد إنما يكون فيما نهى عنه الشارع لا فيما أذن فيه، وحمل ابن الجوزي الأمر بالقطع على الإِباحة لا على الاشتراط عملًا بالحديثين لا يخفى تكلفه، كذا قاله الزرقاني ولا تلبسوا بفتح أوله وثالثه من الثياب أي: من أنواعه شيئًا أي: مما يطلق عليه الثوب مخيطًا أو غيره مسّه أي: أصابة أو صبغة الزعفران بفتح الزاي المعجمة وسكون العين المهملة وفتح الفاء والراء وبعد ألف ونون دواء معروف، إلا أنه يستعمل بالتعريف والتنكير، وإذا استعمل بالتنكير نون؛ لأنه ليس فيه إلا ألف ونون فقط، وهو لا يمنع الصرف كذا قاله محمد الواني ومحمد الزرقاني ولا الوَرْس بفتح الواو وسكون الراء والسين المهملة، نبت أصفر يصبغ به. كذا في (النهاية).\nوقال ابن العربي: ليس الورس بطيب، ولكنه نبه به على اجتناب الطيب وما يشبهه في ملائمة الشم، فيؤخذ منه تحريم أنواع الطيب على المحرم، وهو مجمع عليه فيما يقصد به الطيب، وهذا الحكم شامل النساء قبل، فعدل عما تقدم إشارةً إلى اشتراكهما، وفيه نظر بل إن الظاهر أن نكتة العدول أن الذي يخالف الزعفران والورس لا يجوز لبسه سواء كان فيما يلبسه المحرم أو لا يلبسه.\nقال الحافظ: والظاهر أنه لا ينافي بين النكتتين. وقال الوالي العراقي: نبه بهما على ما هو أطيب منهما رائحة المسك والعنبر ونحوهما، وإذا حرم في الثوب ففي البدن أولى وفي معناه تحريمه في المأكول؛ لأن الناس يقصدون تطيب طعامهم، كما يقصدون تطييب لباسهم وكل هذا متفق عليه بين العلماء، وهذا فيما يقصد بالتطيب به، أما الفواكه كالأترج والتفاح وأزهار البر كالبنفسج والقيصوم، ونحوهما فليس بحرام؛ لأنه لا يقصد للتطيب. انتهى في حكاية الاتفاق في المأكول المطيب نظر؛ لأن فيه خلافًا عند المالكية.\nوقال الحنفية: لا يحرم؛ لأن الموارد للبس والتطيب والأكل لا يعد تطيبًا قال العلماء: والحكمة في منع الحرم من اللباس أنه يدعو إلى الجماع ولأنه مناف للحج، فإن","vol":"2","page":339},{"text":"الحاج أشعث أغبر، والقصد أن يبعد عن الترفة وزينة الدنيا وملازها ويجمع همه لمقاصد الآخرة والاتصاف بصفة الخاشع، وليتذكر القدوم على ربه فيكون (ق ٤٦٠) أقرب إلى مراقبته وامتناعه من ارتكاب المحظورات، وليتذكر به الموت ولباس الأكفان ويتذكر البعث ويوم القيامة حفاة عراة وليتضائل بتجرده عن ذنوبه، وهذا الحديث رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف، وإسماعيل بن أبي أويس، ومسلم عن يحيى، وأبي داود عن القعنبي، والنسائي عن قتيبة، وابن ماجه عن أبي مصعب الستة عن مالك به، وله طرق عندهم كذا قاله (الزرقاني) (١).\n* * *\n\n٤٢٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، قال: قال عبد الله بن عمر: نهى رسول الله - ﷺ - أن يَلْبسَ الْمُحْرِم ثوبًا مصبوغًا بزعفران أو وَرْس، وقال: \"مَنْ لم يجد نعلين فليلبس خُفَّين وَلْيَقْطَعهما أسفل من الكعبين\".\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا، وفي نسخة: ثنا، أخبرنا وفي نسخة عن عبد الله بن دينار، العدوي سيدهم، يكنى أبا عبد الرحمن المدني التابعي مولى ابن عمر ثقة، من الطبقة الرابعة من أهل المدينة، مات سنة سبع وعشرين ومائة، كذا في (التقريب) قال: قال عبد الله بن عمر: ﵁ نهى رسول الله - ﷺ - أي: نهي تحريم أن يَلْبسَ بفتح أوله وثالثه الْمُحْرِم أي: رجلًا كان أو امرأة ثوبًا مصبوغًا بزعفران أو وَرْس، وهو بفتح الواو وسكون الراء والسين المهملتين نبت أصفر مثل نبات السمسم طيب الريح، ويصبغ به بين الحمرة والصفرة ينبت في بلاد اليمن، وفي معناه الصفر وقال: أي: - ﷺ - مَنْ لم يجد نعلين أي: حقيقة وحكمًا بأن بيع بغير فاحش فليلبس خُفَّين بالتنكير وليحيى النيسابوري الخفين بالتعريف وَلْيَقْطَعهما أسفل من الكعبين\" أي: أن قطعهما شرط في جواز لبسهما خلافًا للحنابلة، ولا فدية خلافًا للحنفية، والكعبان هما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم، ويؤيده ما رواه ابن\n_________\n(١) في شرحه (٢/ ٣٠٩).\n(٤٢٣) صحيح: أخرجه الشافعي في الأم (٢/ ١٤٧) وفي المسند (١/ ٣٠١) والبخاري في اللباس (٥٨٥٢) ومسلم (٣/ ١١٧٧) والنسائي في المناسك (٥/ ١٢٩) وابن ماجه (٢٩٣٢).","vol":"2","page":340},{"text":"أبي شيبة (١) عن عروة قال: إذا اضطر المحرم إلى الخفين خرق ظهورهما وترك فيهما قدر ما تستمسك رجلاه، وجمهور أهل اللغة على أن في كل قدم كعبين، وقيل: المراد بهما هنا العظم الذي في وسط القدم عند معقد الشراك، ورُد بأنه لا يعرف لغة وقد أنكره الأصمعي لكن قال الزين العراقي إنه أقرب إلى عدم الإحاطة على القدم، ولا يحتاج القول به إلى مخالفة اللغة، بل يوجد ذلك في بعض ألفاظ حديث ابن عمر.\nففي رواية الليث عن نافع عنه: \"فليلبس الخفين ما أسفل من الكعبين\"، فقوله: ما أسفل بدل من الخفين، فيكون اللبس لهما أسفل من الكعبين والقطع منهما فما فوق، وليس في قوله: وليقطعهما أسفل ما يدل على قصد للقطع على دون الكعبين، بل يراد مع الأسفل ما يخرج القدم عن كونه مسورًا بإحاطة الخف عليه، ولا حاجة حينئذ إلى مخالفة أهل اللغة انتهى وهذا الحديث رواه البخاري في اللباس عن عبد الله بن يوسف ومسلم هنا عن يحيى كلاهما عن مالك به.\n* * *\n\n٤٢٤ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن عبد الله بن عمر، أنَّه كان يقول: لا تَنْتَقِبْ المرأة الْمُحْرِمَة، ولا تلبس القُفَّازَيْن.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا، وفي أخرى: ثنا، أخبرنا، وفي نسخة عن نافع، بن عبد الله المدني التابعي مولى ابن عمر ثقة ثبت فقيه مشهور، من الطبقة الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك. كذا في (التقريب) عن عبد الله بن عمر، أنَّه كان يقول: لا تَنْتَقِبْ بفوقيتين مفتوحتين ونون مفتوحة ثم قاف مشددة (ق ٤٦١) ثم موحدة من النقاب، وهو ما يستر به الوجه أي: لا تلبس المرأة الْمُحْرِمَة، أي: للحج أو للعمرة النقاب من البرقع ونحوه إلا إذا جافت بينه وبين وجهها، والنقاب وهو الخمار الذي تشده الرأة على الأنف أو تحت المحاجر، وإن قرب من العين حتى لا تبدو أجفانها فهو الوصواص بفتح الواو وسكون الصاد المهملة الأولى؛ فإن\n_________\n(١) المصنف (٣/ ٣٢٥).\n(٤٢٤) إسناده صحيح: أخرجه البغوي في شرح السنة (٧/ ٢٤٢).","vol":"2","page":341},{"text":"نزل إلى طرف الأنف فهو اللفاف، بكسر اللام وبالفاء، فإن نزل إلى الفم ولم يكن على الأرنبة من شيء فهو اللثام، بالمثلثة، وهو يحتمل أن يكون نهيًا أو نفيًا يكون معناه نهيًا. كذا قوله: ولا تلبس بفتح الباء الموحدة القُفَّازَيْن بضم القاف وتشديد الفاء تثنية قفاز، بوزن رمان، وهو شيء يعمل لليدين يحشى بقطن تلبسهما المرأة للبرد، وما تلبسه المرأة في يدها فيغطي أصابعها وكفيها عند معانات الشيء في غزل ونحوه، فيحرم على المرأة المحرمة ستر وجهها وكفيها بقفازين أو أحدهما بأحدهما أو بغيرهما، وهكذا رواه مالك موقوفًا وتابعه عبد الله العمري وليث بن أبي سليم وأيوب السختياني وموسى بن عقبة في إحدى الروايتين عنه، كلهم عن نافع موقوفًا، كما في البخاري وأبي داود وأخرجاه من طريق الليث عن نافع، فجعله من جملة المرفوع في الحديث السابق، فقال بعد قوله: \"ولا ورس ولا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين\"، وتابعه عليه موسى بن عقبة وجويرية بن إسحاق وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة لكن بينت رواية عبيد الله عن نافع عن ابن راهويه وابن خزيمة أنه مدرج من قول ابن عمر كما أشار إليه البخاري، وأيده برواية مالك هذه، وهو أي الحديث المدرج زيد فيه إما من كلام رسول الله بأن يزاد في حديث آخر ومن زيل ذلك الحديث بإسناد آخر، ومن كلام الصحابي للإِيضاح أَو نحوه.\nكذا قاله الأصوليون، واستشكل الحكم بالإِدراك؛ لأنه ورد النهي عن النقاب والقفازين مرفوعًا مفردًا رواه أبو داود (١) عن إبراهيم بن سعد المدني، عن نافع عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - قال: \"المحرمة لا تنتقب ولا تلبس القفازين\"، قال أبو داود: إبراهيم شيخ مدني ليس له كبير حديث، وقال ابن عدي: ليس بالمعروف.\nوقال في (الميزان): طريق ابن إسحاق: حدثني نافع عن ابن عمر أنه سمع رسول اللهِ ينهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب وما مس الورس والزعفران من الثياب، ويلبس بعد ذلك ما أحبت من الوان الثياب قال في (الاقتراح): دعوى الإِباحة في أول المتن ضعيفة، وأجبّ بأن النقاب إذا اختلفوا، وكان مع أحدهم زيادة قدمت، ولا سيما إن كان حافظًا، خصوصًا إن كان أحفظ، والأمر هنا كذلك، فإن عبيد الله بن عمر عن نافع أحفظ من جميع من خالف، وقد فصل المرفوع من الموقوف وتقوى برواية مالك، وهو أحفظ أصحاب نافع، وأما الذي ابتدأ: في المرفوع بالموقوف؛ فإنه من التصرف من الرواية\n_________\n(١) أبو داود (١٨٢٥).","vol":"2","page":342},{"text":"بالمعنى، فكأنه رأى أشياء متعاطفة فقدم وأخر لجواز ذلك عنده، ومع الذي فصلا زيادة علم، فهو أولى. كما قال (ق ٤٦٢) الحافظ ونحوه لشيخه زين العراقي الحافظ في شرح الترمذي.\n* * *\n\n٤٢٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن أسْلَم مولى عمر بن الخطاب، أنَّه سمع أسْلَم يُحَدِّث عبد الله بن عمر، أن عمر بن الخطاب رأى على طَلْحَة بن عُبَيْد الله ثوبًا مصبوغًا وهو مُحْرِم، فقال عمر: ما هذا الثوب المصبوغ يا طَلْحَة؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إنما هو من مَدَرٍ، فقال: إنكم أيها الرَّهطُ أئمة يَقْتَدِى بكم الناس، ولو أن رجلًا جاهلًا رأى هذا الثوب لقال: إنَّ طلحة كان يلبس الثياب المُصَبَّغَة في الإِحرام.\nقال محمد: يُكْرَهُ أن يلبس الْمُحْرِم المُشْبَعَ بالعُصْفُر، والمصبوغ بالوَرْس أو الزَّعْفَرانِ، إلا أن يكون شيءٌ من ذلك قد غُسِلَ فذهب ريحه، وصار لا ينفَضُّ، فلا بأس بأن يلبسه، ولا ينبغي للمرأة أن تَنْتَقِب، فإن أرادت أن تُغَطِّي وجهها فلتَسْدُل الثَّوْب سدْلًا من فوق خِمارها على وجهها، وتجافيه عن وجهها، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامّة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: ثنا، أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا نافع، بن عبد الله المدني مولى ابن عمر ثقة فقيه تابعي مشهور، من الطبقة الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك عن أسْلَم مولى عمر بن الخطاب، ﵁، يكنى أبا عبد الله العدوي المدني، ثقة عالم من الطبقة الثالثة، مات سنة ست وثلاثين. كذا قاله ابن حجر (١) أنه أي: نافعًا سمع أسْلَم يُحَدِّث عبد الله بن عمر، أي: يرويه ويحكيه أن عمر بن الخطاب ﵁ رأى على طَلْحَة بن عُبَيْد الله التيمي أحد العشرة المبشرة ثوبًا مصبوغًا بغير زعفران وورس وهو أي: طلحة بن عبيد الله مُحْرِم،\n_________\n(٤٢٥) إسناده صحيح.\n(١) التقريب (١/ ١٠٤).","vol":"2","page":343},{"text":"فقال عمر: ما هذا الثوب المصبوغ يا طَلْحَة؟ فقال: أي: طلحة يا أمير المؤمنين، إنما هو أي: الثوب المصبوغ من مَدَرٍ، بفتح الدال والميم المهملة وراء أي: من طين أحمر يقال مفرة قال: أي: عمر إنكم أيها الرَّهطُ أي: الأكابر من أصحاب النبي - ﷺ - أئمة أي: من المجتهدين يَقْتَدِي بكم الناس، أي: في أمور الدين لقوله - ﷺ -: \"أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم\" ولو أن رجلًا جاهلًا رأى هذا الثوب أي: على مثل ذلك من بعيد عن مقامك لقال: إنَّ طلحة كان يلبس الثياب المُصَبَّغَة وفي نسخة: المصبوغة في الإِحرام ولم يفرق بين الحلال والحرام، مع أن نفس هذا اللون مع قطع النظر عن كونه طيبًا لا يليق بالعلماء الكرام، وزاد ابن الهمام: فلا تلبسوا أيها الرهط شيئًا من هذه الثياب المصبغة. انتهى.\nفإن صح كونه في محضر من الصحابة أفاد منع المتنازع فيه وغيره يخرج الأزرق بالإِجماع عليه، ويبقى المتنازع فيه في المنع، هذا آخر كلامه وفق مرامه فإنما كره عمر ذلك لئلا يقتدى به الجاهل فيظل جواز لبس الورس والزعفران، فلا حجة فيه لأبي حنيفة، فإن العصفر طيب، وفيه الفدية.\nقال ابن المنذر: وقد أجازه الجمهور لبس العصفر للمحرم. كذا قاله علي القاري والزرقاني (١).\nقال محمد: يُكْرَهُ أن يلبس الْمُحْرِم المُشْبَعَ بضم الميم وسكون الشين المعجمة وفتح الموحدة من أشبع الثوب صبغًا إذا أكثر صبغه حتى انتهى غايته كذا في (ضياء العلوم) بالعُصْفُر، بضمتين نبت [] (٢) اللحم الغليظ وعصفر ثوبه صبغه به أو المصبوغ بالوَرْس أو الزَّعْفَرانِ، وفي نسخة: أو الزعفران إلا أن يكون شيءٌ من ذلك قد غُسِلَ فذهب ريحه، وصار لا ينفَضُّ، بفتح الفاء وتشديد الضاد المعجمة، أي: لا يتناثر منه الطيب أو لا يفوح منه فلا بأس أي: لا حرمة بأن يلبسه، أي: حينئذ ولا ينبغي للمرأة أي: يحرم عليها إذا كانت محرمة أن تَنْتَقِب، أي: تلبس النقاب ولا تغطي وجهها من الحجاب فإن أرادت أن تُغَطِّي وجهها أي: لمقابلة غير محرم ونحو ذلك فلتَسْدُل بضم الدال من باب نصر ولا يقال: أسدل بالألف على ما في (المصباح)، أي: فلترخ وترسل الثَّوْب سدْلًا أي: إرخاء وإرسالًا من غير ضم جانبيه من فوق خِمارها بكسر أوله أي: ما يغطي به وجهها من\n_________\n(١) في شرحه (٢/ ٣١١).\n(٢) كلمة بالأصل لم أتبينها.","vol":"2","page":344},{"text":"خشب (ق ٤٦٣) أو قصب على وجهها، وتجافيه أي: تباعد، المراد الثوب المسدول عن وجهها، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامّة من فقهائنا وقد قدمنا دليلنا وبينا خلاف من خالفنا في حق الرجل، وأما كون إحرام المرأة فلا أعلم خلافًا لذلك.\n* * *\n\n٤٢٦ - أخبرنا مالك، حدثنا حُمَيْدُ بن قَيْس المكي، عن عطاء بن أبي رَباح، أنَّ أعرابيًا جاءَ إلى رسول الله - ﷺ - وهو بِحُنَيْنِ، وعلى الأعرابي قميصٌ به أثر صُفْرَة، فقال: يا رسول الله، إني أهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ، فكيف تأمرني أن أصنع؟ فقال رسول الله - ﷺ -: \"انزع قميصك، واغسل هذه الصُّفْرَة عنك، وافعل في عمرتك مثل ما تفعل في حَجِّكَ\".\nقال محمد: وبهذا نأخذ، ينزع قميصه، ويغسل الصُّفْرَة التي به.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا، وفي أخرى: ثنا، حدثنا وفي أخرى: قال: بنا، حُمَيْدُ بن قَيْس المكي، الأعرج يكنى أبا صفوان القارئ ليس به بأس من الطبقة السادسة، مات سنة ثلاثين ومائة، وقيل بعدها عمت عطاء بن أبي رَباح، بفتح الراء والموحدة، اسمه أسلم القرشي سيدهم المكي الشافعي، ثقة فقيه فاضل من الطبقة الثالثة، مات سنة أربع عشرة ومائة على المشهور، لكنه أرسله، ووصله البخاري (١) ومسلم (٢) وأبو داود (٣) والترمذي (٤) والنسائي (٥) من طرق عن عطاء عن صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه أنَّ أعرابيًا جاءَ إلى رسول الله - ﷺ - قال الحافظ: لم أقف\n_________\n(٤٢٦) صحيح: وإسناده مرسل أخرجه البخاري (١٦٩٧) ومسلم (١١٨) وأبو داود (١٨١٩) الترمذي في الحج باب (٢٠) والنسائي (٥/ ٤٢).\n(١) البخاري (١٦٩٧).\n(٢) مسلم (١١٨٠).\n(٣) أبو داود (١٨١٩).\n(٤) الترمذي في الحج باب (٢٠).\n(٥) النسائي (٥/ ١٤٢) رقم (٢٧١٠).","vol":"2","page":345},{"text":"على اسمه، لكن في تفسير الطرطوسي أن اسمه عطاء بن منية قال ابن فتحون: إن ثبت ذلك فهو أخو يعلى راوي الخبر، ويجوز أن يكون خطأ من اسم الراوي؛ فإنه من رواية عطاء عن صفوان بن يعلى، عن أبيه، ومنهم من لم يذكر بين عطاء ويعلى أحدًا، وقول شيخنا ابن الملقن: يجوز أنه عمرو بن سواد؛ لأن في الشفا عنه: أتيت رسول الله - ﷺ - وأنا متخلق فقال: \"ورس ورس حط حط\" وغشيني بيده في بطني فأوجعني. . . الحديث، لكن عمرو هذا لا يدرك ذا فإنه صاحب ابن وهب معترض، فأما أولًا، فليست هذه القصة شبيهة بهذه القصة حتى يفسر صاحبها بها، وأما ثانيًا ففي الاستدراك غفلة عظيمة؛ لأن من يقول: أتيت النبي - ﷺ - لا يتخيل أنه صاحب صاحب مالك، بل إن ثبت فهو آخر اتفاقًا في الاسم واسم الأب ولم يثبت؛ لأنه انقلب على شيخنا فإنما الذي في الشفا سواد بن عمر، وقيل: سواد ابن عمرو، وأخرج حديثه المذكور عبد الرزاق في (مصنفه) والبغوي في (معجمه) وهو أي: النبي - ﷺ - بِحُنَيْنِ، بالتصغير وادي بالطائف.\nقال ابن عبد البر: المراد منصرفه من غزوة حنين، والموضع الذي لقيه فيه هو الجعرانة، وفي الصحيحين (١) وغيرهما أن يعلى قال لعمر: أرني النبي - ﷺ - حين يوحى إليه فبينا النبي - ﷺ - بالجعرانة ومعه نفر من أصحابه جاء رجل فقال: يا رسول الله كيف ترى في رجل أحرم بعمرة وهو متضمخ بطيب؟ فسألت النبي - ﷺ - فجاء الوحي فأشار عمر إلى يعلى وعلى رسول الله - ﷺ - ثوب قد أظل به فأدخل رأسه فإذا رسول الله - ﷺ - محمر الوجه وهو يغط ثم سري عنه وعلى الأعرابي قميصٌ ورواية: وعليه جبة به أثر صُفْرَة، أي: من ورس وزعفران فقال: يا رسول الله، إني أهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ، أي: أحرمت بها بالنية والتلبية فكيف تأمرني أن أصنع؟ أي: في عمرتي فقال رسول الله - ﷺ -: أي: بعد سكوته حتى نزل عليه الوحي ثم سري عنه فقال: \"أين الذي سأل عن العمرة\" فأتي به فقال: \"انزع بكسر الزاي أي: اقلع (ق ٤٦٤) قميصك، أي: لأنه مخيط واغسل هذه الصُّفْرَة ولمسلم: \"اخلع هذه الجبة واغسل هذا الزعفران عنك\"، أي: بدنك، ولعل أصابه بعض شيء منه والأفضل الثوب غير محتاج إليه عند عدم لبسه، ولا يبعد أن يكون غيره فليلبسه على خلاف عامة من قبله ووضعه على كتفه موضع ردائه أو يجعله مكان إزاره، زاد الصحيحان: ثلاث مرات، قال عياض وغيره: يحتمل أنه من لفظ النبي - ﷺ - فيكون نص\n_________\n(١) البخاري (١٤٣٦٣) ومسلم (١١٥٦).","vol":"2","page":346},{"text":"في تكرار الغسل مرة ثم مرة على عادته أنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا لتفهم عنه وافعل في عمرتك أي: في أعمالها مثل ما تفعل في حَجِّكَ\" أي: في أفعاله، وكان أمر الحج وأفعاله معلومًا عنده.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، ينزع قميصه، ويغسل الصُّفْرَة التي به قال ابن العربي: كأنهم كانوا في الجاهلية يخلقون الثياب ويجتنبون الطيب في الإِحرام إذا حجوا ويتساهلون في العمرة، فأخبره النبي - ﷺ - أن مجراهما واحد. قاله الزرقاني.\nلما فرغ من بيان حرمة لبس الثياب مخيط أو المصبوغ بطيب من حمرة أو صفرة للمحرم بالحج أو العمرة، شرع في بيان ما رخص للمحرم من قتل الدواب، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-182>باب ما رخص للمحرم أن يقتل من الدواب</span>\nفي بيان أي: فعل ما رخص بضم الراء وتشديد الخاء المعجمة المكسورة والصاد المهملة أي: سهل من التسهيل ضد التضييق للمحرم، أي: بالحج أو العمرة واللام فيه اللام الفائدة، كما في قوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] أي: أبيح لأجل المحرم، وفائدته أن يقتل من الدواب أي: المعدودة إذا اقتضت الحاجة إلى قتلها.\n٤٢٧ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن عبد الله بن عمر، أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"خمسٌ من الدَّوابِّ ليس على المُحْرِم في قتلهنّ جُناح: الغُرَابُ، والفَأرَةُ، والْعَقْرَبُ، والحِدَأةُ، والكلبُ العَقُور\".\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، وفي نسخة أخرى: بنا، وفي أخرى: أنا حدثنا وفي نسخة عن نافع، بن عبد الله المدني التابعي مولى ابن عمر ثقة ثبت فقيه مشهور، من الطبقة الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك كذا قاله ابن حجر عن عبد الله بن عمر، ﵄ أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"خمسٌ مبتدأ نكرة لتخصيصه\n_________\n(٤٢٧) صحيح: أخرجه البخاري (١٨٢٦) ومسلم (١٢٠٠) وأبو داود (١٨٤٦) والنسائي (٥/ ١٩٠) وابن الجارود في المنتقى (٤٤٠) وأحمد في المسند (٢/ ٥٢) والطحاوي (٢/ ١٦٦) والبيهقي (٥/ ٢٠٩، ٢١٠).","vol":"2","page":347},{"text":"بقوله: من الدَّوابِّ أي: غير صيد البر وخبره ليس على المُحْرم في قتلهن جُناح أي: إثم ولو في الحرم فضلًا عن غير المحرم والإِحرام الغُرَابُ، أي: الذي يأكل الحية وهو الغراب الأبقع، زاد في حديث عائشة الأبقع وهو الذي في ظهره أو بظنه بياض يختلس وينقر ظهر البعير وينزع عينه والفَأرَةُ، بالهمزة وتبدل ألفا، ويستوي فيها الأهلية والوحشية روى الطحاوي عن يزيد بن أبي نعيم أنه سأل أبا سعيد الخدري: لم سميت الفأرة الفويسقة قال: استيقظ النبي - ﷺ - ذات ليل وقد أخذت فأرة فتيلة لتحرق عليه البيت فقام إليها وقتلها، وأحل قتلها للحلال والمحرم.\nوفي أبي داود (١) عن ابن عباس ﵄ أنه قال: جاءت فأرة فأخذت تجر الفتيلة فجاءت بها فألقتها بين يدي النبي - ﷺ - على الجمرة التي كان قاعدًا عليها فأحرقت منها موضع درهم زاد الحاكم (٢) فقال - ﷺ - \"فاطفؤوا سرجاكم، فإن الشيطان يدل مثل هذه على هذا فتحرقكم\". قال الحاكم: صحيح الإِسناد، وليس في الحيوان أفسد من الفأرة؛ (ق ٤٦٥) لأنه لا يبقى على حقير ولا جليل إلا أهلكه وأتلفه والْعَقْرَبُ، واحدة العقارب، مؤنثة والأنثى عقربة، وعقرباء بالمد بلا طرف ولها ثمانية أرجل، وعيناها في ظهرها تلدغ وتؤلم إيلامًا شديدًا، وربما ماتت بلسعتها الأفعى، وتقتل الفيل والبعير بلسعتها، ولا تضرب الميت ولا النائم حتى يتحرك شيء من بدنه فتضربه، وتأوي إلى الخنافس وتسالمها.\nوفي ابن ماجه (٣) عن عائشة ﵂، قالت: لدغت النبي - ﷺ - عقرب وهو في الصلاة فلما فرغ قال: \"لعن الله العقرب ما تدع مصليًا ولا غيره، اقتلوها في الحل والحرم والحية أولى بالقتل\" والحِدَأةُ، بكسر الحاء وفتح الدال المهملتين مقصورًا حدًا بكسر الحاء والقصر والهمزة كعنب وعنبة، وهي أخس الطير تخطف أطعمة الناس، وفي حديث عائشة والحُدَيّا بضم الحاء وفتح الدال وشد الياء مقصور تصغير الحداة والكلبُ العَقُور\" بمعنى عاقر أي: جارح، وهو بفتح العين وضم القاف وسكون الواو والراء أي: المجنون والذي يعض. قال النووي: اختلفوا فيه فقيل: هو الكلب المعروف خاصة وقيل: الذئب وحده، وقال جمهور العلماء: المراد به كل عاقر مفترس غالبًا كالسبع والنمر\n_________\n(١) أبو داود (٤/ ٣٦٣) رقم (٥٢٤٧).\n(٢) الحاكم في المستدرك (٤/ ٣١٧).\n(٣) ابن ماجه (١٢٤٦).","vol":"2","page":348},{"text":"والذئب والفهد ونحوها، وقال ابن الهمام: اسم الكلب يتناول السباع بأسرها ويدل عليه أنه - ﷺ - قال داعيًا على عتبة بن أبي لهب: \"اللهم سلط عليه كلبًا من كلابك\" فافترسه السبع انتهى.\nوحكى عن النخعي لا يجوز للمحرم قتل الفأرة قال الخطابي: هذا مخالف للنص خارج عن أقاويل العلماء، وعن علي ومجاهد: لا يقتل الغراب ولكن يرهبه، قال عياض: لا يصح عن علي، وهو مخالف للأحاديث الصحيحة، لكن يوافقه ما لأبي داود (١) والترمذي (٢) وقال: حسن، وابن ماجه (٣) عن أبي سعيد مرفوعًا: \"ويرمي الغراب ولا يقتله\"، قال الخطابي: يشبه أن المراد به الغراب الصغير الذي يأكل الحب، وهو الذي استثناه مالك من جملة الغرابات وقال عطاء: فيه الفدية ولم يتابعه أحد، والحديث رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف، ومسلم عن يحيى كلاهما عن مالك به، وتابعه ابن جريج والليث عن جرير بن حازم وعبيد الله وأيوب ويحيى بن سعيد، كل هؤلاء عن نافع عن ابن عمر: سمعت النبي - ﷺ - إلا ابن جريج، وتابعه محمد بن إسحاق. قال مسلم في صحيحه: كذا قاله السيد محمد الزرقاني (٤).\n* * *\n\n٤٢٨ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"خمسٌ من الدَّوابِّ مَنْ قَتَلَهُنَّ وهو مُحْرِم فلا جُناح عليه: الْعَقْرَبُ، والفَأرَةُ، والكلبُ العَقُور، والغُرَابُ، والحِدَأةُ\".\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، حدثنا وفي نسخة: قال: بنا عبد الله بن دينار، العدوي، مولاهم يكنى أبا عبد الرحمن المدني مولى ابن عمر، ثقة من الطبقة الرابعة من تابعي أهل المدينة، مات سنة سبع وعشرين ومائة عن ابن عمر، ﵁\n_________\n(١) أبو داود (١٨٤٨).\n(٢) الترمذي في الحج باب (٢١).\n(٣) ابن ماجه في المناسك (٣٠٩١).\n(٤) في شرحه (٢/ ٣٨٣).\n(٤٢٨) صحيح: تقدم.","vol":"2","page":349},{"text":"قال رسول الله - ﷺ - قال: \"خمسٌ من الدَّوابِّ جمع الدابة، وهي ما يدب على الأرض المفصلة في قوله تعالى في سورة النور: ﴿خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ الآية [النور: ٤٥] مَنْ قَتَلَهُنَّ أي: والحال وهو مُحْرِم أو في الحرَم فغيره أولى فلا جُناح عليه: أي: لا إثم عليه الْعَقْرَبُ، والفَأرَةُ، والكلبُ العَقُور، أي: الجارح المفترس كأسد وذئب، سماهما كلابًا، لاشتراكهما في السبعية، وفي نسخة: قوله: والكلب العقور. وقع في آخر الحديث بعد قوله: والغُرَابُ، والحِدَأةُ\" سمى به لسواده، ومنه قوله تعالى في سورة (ق ٤٦٦) الملائكة: ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧] وهما لفظان بمعنى واحد، والعرب يتشاءمون به إذا توجهوا بطريق ولقوا بغراب رجعوا عنه وتقوَّلوا زعمًا أنه لا خير في هذا الطريق وتركوا العمل، فلذا اشتقوا الغربة والاغتراب وغراب البين هو الأبقع قال (صاحب المجالسة): سمي بذلك؛ لأنه بان من نوح صلوات الله على نبينا وعليه ليختبر أمر الطوفان والحدأة بزنة عنبة.\n* * *\n\n٤٢٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عمر بن الخطاب، أنَّه أمر بقتل الحَيَّات في الحَرم.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، يعني منسوب إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، وكان في الطبقة السابعة من كبار أتباع التابعين، من أهل المدينة، وفي نسخة: محمد ثنا، أو أنا أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، تابعي من الطبقة الرابعة من أهل المدينة عن عمر بن الخطاب، ﵁ أنَّه أمر بقتل الحَيَّات في الحَرم أي: سواء كان القاتل محرمًا أو حلالًا، ففي غير المحرم بالطريق الأولى؛ إما لأنه بلغه الحديث الذي فيه الجهة، وإما لأنها أولى من العقرب قال الأبي: قد صح النهي عن قتل حيات البيوت بلا إنذار فهو مختص لهذا العموم، والإنذار عند مالك في حيات البيوت المدينة أكثر من حيات بيوت غيرها.\n* * *\n_________\n(٤٢٩) إسناده ضعيف لانقطاعه بين الزهري وعمر.","vol":"2","page":350},{"text":"٤٣٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، قال: بلغني أن سعد بن أبي وقاص كان يقول: أمر رسول الله - ﷺ - بقتل الوَزَغ.\nقال محمد: وبهذا كله نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة والعامّة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري قال بلغني أي: بواسطة أن سعد بن أبي وقاص أي: أحد العشرة المبشرين بالجنة كان يقول: أمر رسول الله - ﷺ - بقتل الوَزَغ بفتح الواو والزاي المعجمة المفتوحة جمع الوزغة، وهي سام أبرص، واتفقوا على أنه من الحشرات المؤزية، وروى الشيخان والنسائي وابن ماجه عن أم شريك: أنها استأمرت النبي - ﷺ - في قتل الوزغان فأمرها بذلك.\nوفي الصحيحين أن النبي - ﷺ - أمر بقتل الوزغ، وأسماه فويسقًا، وقال: \"كان ينفخ النار على إبراهيم\". وكذلك رواه أحمد في مسنده (١)، وفي الصحيح (٢) عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: \"من قتل وزغة في أول ضربة فله مائة حسنة، وفي الثانية دون ذلك وفي الثالثة دون ذلك\" وروى الطبراني (٣) بإسناد ضعيف عن ابن عباس ﵁: أن النبي - ﷺ - قال: \"اقتلوا الوزغة، ولو في جوف الكعبة\".\nقال محمد: وبهذا أي: بما رواه ابن شهاب كله نأخذ، أي: نعمل وهو أي: ما قاله ابن شهاب وهو قولُ أبي حنيفة والعامّة من فقهائنا ﵏.\nلما فرغ من بيان ما رخص للمحرم من قتل الدواب المعدودة في الحل والحرم، شرع في بيان حكم الرجل يفوته الحج، فقال: هذا\n* * *\n_________\n(٤٣٠) إسناده ضعيف والحديث صحيح: أخرجه البخاري (٣١٨٠) ومسلم (٢٢٣٨) والنسائي (٥/ ١٨٩) وابن ماجه (٣٢٣١).\n(١) المسند (١/ ١٧٦).\n(٢) صحيح مسلم (٢٢٤٠).\n(٣) الطبراني في الأوسط (٦٣٠١).","vol":"2","page":351},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-183>باب الرجل الْمُحْرِم يفوته الحج</span>\nفي بيان حكم حال الرجل يفوته الحج، وهو أن يحرم به، ولم يحصل له الوقوف بعرفات في وقته، وهو من الزوال من يوم عرفة إلى طلوع فجر يوم النحر (ق ٤٦٧).\n٤٣١ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن سليمان بن يَسَار: أن هَبَّار بن الأسود جاءَ يوم النحر، وعمر ينحر بُدْنَهُ، فقال: يا أمير المؤمنين، أخطأنا في العِدَّة، كنا نرى أن هذا اليوم يوم عَرَفَة، فقال له عمر: اذهب إلى مكة فَطُفْ بالبيت سبعًا وبين الصفا والمروة سبعًا، أنت ومن معك، وانحر هَدْيًا إن كان معك، ثم احلقوا أو قصِّروا، وارجعوا فإن كان قَابلٌ فَحُجُّوا واهدوا، فمن لم يجد فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، إلا في خَصلة واحدة، لا هَدْي عليهم من قابل ولا صوم، وكذلك روى الأعمش عن إبراهيم النَخَعيِّ، عن الأسود بنِ يزيد، قال: سألتُ عمر بن الخطاب، عن الذي يفوته الحج، فقال: يَحِل بعُمْرة، وعليه الحج من قابل، ولم يذكر هديًا، قال: ثم سألتُ بعد ذلك زيد بن ثابت، فقال: مثل قول عمر.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، وكيف يكون عليه هدي، فإن لم يجد فالصيام، وهو لم يتمتع في أشهر الحج؟\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، وفي نسخة أخرى: بنا، أخبرنا وفي نسخة عن نافع، بن عبد الله المدني التابعي مولى ابن عمر، ثقة ثبت فقيه مشهور، من الطبقة الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك عن سليمان بن يَسَار: الهلالي المدني، مولى ميمونة، وقيل: مولى أم سلمة، ثقة فاضل أحد الفقهاء السبعة، من كبار التابعين من الطبقة الأولى، مات بعد المائة، وقيل قبلها. كذا قاله ابن حجر في\n_________\n(٤٣١) إسناده صحيح.","vol":"2","page":352},{"text":"(التقريب) (١) ومن مناقبه أنه كان من أحسن الناس وجهًا، فدخلت عليه امرأة فسألته نفسه فامتنع فقالت: ادن فخرج من منزله هاربًا، وتركها فيه فرأى فيما يرى النائم يوسف صلوات الله على نبينا وعليه وكأنه يقول له: أنت يوسف قال: نعم أنا يوسف، وخرج هو وأخوه عطاء حاجين ومعهما أصحاب فنزلوا بالأبواء، فانطلق سليمان وأصحابه لبعض حاجتهم، وبقى عطاء يصلي فدخلت عليه امرأة جميلة، فلما رآها ظن أن لها حاجة فأوجز ثم قال لها: ألك حاجة؟ قالت: نعم قال: وما هي؟ قالت: قم فأصب مني، فإني أطلب أن تطأني، ولا بعل لي، قال: إليك عني لا تحرقيني ونفسك بالنار، ونظر إلى امرأة جميلة، وجعلت تراوده، أي تريده عن نفسه ولا تأتي إلا ما تريد، فجعل يبكي ويقول: ويحك إليك عني، واشتد بكاؤه، فلما نظرت إليه وما داخله من البكاء والجزع بكت لبكائه، فجعل يبكي وهي تبكي بين يديه، وجعل أصحابه يأتون رجلًا رجلًا، حتى أتى رجل فرآهم يبكون فجلس يبكي لبكائهم، لا يسألهم عن أمرهم حتى كثر البكاء وعلا الصوت، فلما رأت الأعرابية ذلك قامت فخرجت فقام القوم فدخلوه، فلبث سليمان بعد ذلك لا يسأل أخاه إجلالًا له وهيبة له، وكان أسن منه، ثم قدما مصر لبعض حاجتهم فلبثا بها ما شاء الله فبينا عطاء ذات ليلة نائم إذ استيقظ وهو يبكي، فقال سليمان: ما يبكيك؟ قال: رؤيا، قال: ما هي؟ قال: لا تخبر بها أحدًا ما دمت حيًا، رأيت يوسف صلوات الله على نبينا وعليه، فجئت أنظر إليه فيمن ينظر، فلما رأيت حسنه بكيت، فقال: ما يبكيك قلت: بأبي أنت وأمي يا نبي الله، ذكرتك وامرأة العزيز وما ابتليت به من أمرها، وما لقيت من السجن وفرقة يعقوب صلوات الله على نبينا وعليه، فبكيت من ذلك، وجعلت أتعجب منه، قال: فهلا تعجب من صاحب المرأة البدوية بالأبواء، فعرفت الذي آراه فبكيت واستيقظت باكيًا، قال سليمان: أي أخي، وما كان من حالى تلك المرأة، فقص عليه القصة فما أُخبِر بها أحدٌ حتى مات، فكان سليمان يصوم الدهر وعطاء يصوم يومًا ويفطر يومًا. كذا قاله (ابن الجوزي) في طبقاته أن الحباء بفتح الحاء وتشديد الموحدة ابن الأسود بن المطلب بن أسد بن العزى بن قصي القرشي الأسدي أسلم بالجعرانة بعد فتح مكة، صحابي شهير، وللبخاري في (التاريخ) عن موسى بن عطية عن سليمان بن يسار\n_________\n(١) التقريب (١/ ٢٥٥).","vol":"2","page":353},{"text":"عن هَبَّار أنه حدثه أنه جاءَ يوم النحر، أي: وصل فيه من السفر وعمر (ق ٤٦٨) ﵁ ينحر بُدْنَهُ، بضم الموحدة وسكون الدال المهملة والنون جمع بدنة، وهي الإِبل، قوله: عمر إلى آخره جملة حالية فقال: أي: هبار بن الأسود يا أمير المؤمنين، أخطأنا في العِدَّة، أي: في عدد أيام ذي الحجة كنا أي: أنا ورفقتي نرى بضم النون وفتح الراء أي: نظن أن هذا اليوم أي: اليوم الذي نحن فيه يوم النحر يوم عَرَفَة، فلهذا تأخرنا والحج فأما [] فما نقصد في إحرامنا؟ فقال له عمر: اذهب إلى مكة فَطُفْ أي: أنت ومن معك بالبيت سبعًا أي: واقطع التلبية عند استلام الحجر كالعمرة وبين الصفا والمروة سبعًا، أنت ومن معك، وانحر هَدْيًا إن كان معك، أي: إن وجد الهدي معك ومعهم، وكان هبار قد حج من الشام كما في رواية ثم احلقوا وهو الأفضل أو قصِّروا، وارجعوا أي: إلى بلادكم إن أردتم فإنكم قد أحللتم فإن كان قَابلٌ أي: عام المستقبل فَحُجُّوا أي: قضاء واهدوا، أي: وجوب لقوله فمن لم يجد أي: الهدي حقيقة أو حكمًا فليصم أي: بدل الهدي ثلاثة أيام أي: متوالية أم لا في الحج أي: في الشهر بعد إحرامه به، فالأفضل أن يكون آخرها يوم عرفة رجاء أن يجده وسبعة إذا رجعتم أي: عن الحج وفرغتم عن أفعاله في أيامه ولو بمكة أو إذا رجعتم إلى بلادكم، فإن الأمر موسع عليكم، وفي البخاري عن سالم قال: كان ابن عمر يقول: أليس حسبكم سنة رسول الله - ﷺ - إن حبس أحدكم عن الحج طاف بالبيت وبالصفا والمروة ثم حل من كل شيء حتى يحج عام قابل، أفيهدي أو يصوم إن لم يجد هديًا، قول الصحابي بكذا له حكم الرفع، وهو قد صرح بإضافتها له - ﷺ -، فهو مرفوع بلا ريب. كذا قاله محمد الزرقاني (١).\nقال محمد: وبهذا أي: بما ذكره نأخذ، أي: نعمل وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، وفي نسخة: قبلنا أي من الصحابة والتابعين والأئمة والمجتهدين إلا في خَصلة واحدة، أي: فإنها ليست بواجبة بل مستحبة، كما بينها بقوله: لا هَدْي أي: وجوبًا عليهم أي: على فائتي الحج من قابل ولا صوم، وكذلك أي: كما ذكر لك أيها المخاطب من وجوب أفعال العمرة دون وجود الهدي والصوم وروى وفي نسخة: ذكر الأعمش يكنى أبا محمد، روى عن عيسى بن يونس، قال: ما رأينا في زماننا مثل\n_________\n(١) في شرحه (٢/ ٤٤١).","vol":"2","page":354},{"text":"الأعمش، وما رأيت الأغنياء والسلاطين في مجلس أحد أحقر منهم في مجلس الأعمش وهو محتاج إلى درهم، قال وكيع: كان الأعمش قريبًا من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى، واختلفت إليه ستين سنة، ما رأيته يقضي ركعة، وكان من النساك، وكان محافظًا على الصلاة في الجماعة وعلى الصف الأول، وكان في الطبقة الرابعة من أهل الكوفة، وهي في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة في وجه الأرض، عن إبراهيم بن يزيد بن الأسود النَخَعّيِّ، يكنى أبا عمر كان في الطبقة الثالثة من أهل الكوفة عن الأسود بن يزيد بن قيس، بن عبد الله يكنى أبا عمرو، وهو ابن أخي علقمة بن قيس، وهو أكبر من علقمة، كان حج ثمانين حجة وعمرة، وكان من مشايخ التابعين، وكان في الطبقة الأولى من أهل الكوفة، مات سنة أربع وسبعين كذا قاله (أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي) في طبقاته قال: أي: الأسود بن يزيد سألتُ عمر بن الخطاب، ﵁ عن الذي يفوته الحج، فقال: يَحِل أي: عن إحرامه (ق ٤٦٩) بالعُمْرَة، أي: بأفعالها وعليه الحج من قابل، ولم يذكر هديًا، أي: لو كان واجبًا لذكره ثم أي: قال الأسود: سألتُ بعد ذلك أي: بعد ما سألت عمر بن الخطاب عمن يفوته الحج زيد بن ثابت، المدني تابعي ثقة، فقيه من الطبقة الثالثة، مات سنة مائة من الهجرة فقال: أي: زيد بن ثابت مثل ما قال عمر وفي نسخة: مثل قول عمر بدون ذكر الهدي وبدله، فما روى عن عمر بن الخطاب محمول على الاستحباب، وحاصله أن فائت الحج طاف وسعى وتحلل وقضى بإحرام جديد من قابل لازم عليه ولا طواف في الصدر فلو لم يتحلل وبقى محرمًا إلى قابل فحج بذلك الإِحرام لم يصح حجه؛ لأن الإِحرام له شبه بالركن وشبه بالشرط.\nقال محمد: وبهذا أي: بما رواه الأعمش عن عمرو بن زيد بن ثابت نأخذ، أي: نعمل وتفتي؛ لأنه أقوى رواية كما بينه بقوله: وكيف يكون عليه أي: على ما فاته الحج هدي، أي: واجب فإن لم يجد فصيام، وفي نسخة: فالصيام بدله وهو لم يتمتع في أشهر الحج؟ أي: لا تمتع المنون وفق مني ولا القران الذي في معناه، والآية إنما أنزلت فيهما، حيث قال تعالى في سورة البقرة: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦] فالجملة الجزائية لا تترتب إلا على تحقق الجملة الشرطية والله أعلم بالكلية والجزائية، ولعل عمر","vol":"2","page":355},{"text":"﵁ قال: من على المحرم في وجوب الهدي، وبه قال مالك والشافعي، ولنا ما رواه الدارقطني (١) من حديث ابن عباس وابن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من وقف بعرفات بليل فقد أدرك الحج، ومن فاته عرفات بليل فقد فاته الحج فليحل بعمرة، وعليه الحج من قابل\" ولم يذكر الهدي، ولو كان واجبًا لذكره؛ لأن الحج يعطي بالمثل فقط كالصلاة والصوم، وإنما وجب الدم على المحصر ليتحلل به فائت الحج بأفعال العمرة، فلا يجمع بينهما والله أعلم كما قاله على القاري.\nلما فرغ من بيان حكم حال من فاته الحج، شرع في بيان أحكام حال المحرم لينزع ويطرح عن بعيره ما يؤذيه من القراد والقمل، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>باب الحلمة والقراد ينزعه المحرم</span>\nفي بيان الحلمة والقراد الكبير كذا في (القاموس)، والقراد بضم القاف وفتح الراء المهملة والدال بينهما ألف يقال له: باللسان التركي كنه، أي: يفعله ويطرحه عن بعيره من غير قتل.\n٤٣٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن عبد الله بن عمر كان يكره أن ينزع الْمُحْرِم حَلَمة أو قرادًا عن بعيره.\nقال محمد: لا بأس بذلك، قول عمر بن الخطاب في هذا أعْجَبُ إلينا من قول عبد الله بن عمر.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا وأنا، في نسخة: ثنا، أخبرنا وفي نسخة عن نافع، بن عبد الله المدني مولى ابن عمر، ثقة ثبت، فقيه مشهور من الطبقة الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك من الهجرة كذا قاله ابن حجر (٢) أن عبد الله بن\n_________\n(١) الدارقطني (٢/ ٢٤١).\n(٤٣٢) إسناده صحيح.\n(٢) في التقريب (١/ ٥٥٩).","vol":"2","page":356},{"text":"عمر كان يكره أن ينزع أي: يقلع الْمُحْرِم حَلَمة بفتحتين جمع أو قرادًا بضم القاف والراء والدال وألف بينهما بوزن غراب، و\"أو\" للتنويع لا للشك عن بعيره وأما عن نفسه فيجوز؛ لأنه ليس من دواب الإِنسان وفي نسخة: عن بعيره.\nقال محمد: لا بأس بذلك، أي: لا كراهة للمحرم أن يطرح عن بعيره شيئًا مؤذيًا به بغير قتله قول عمر بن الخطاب ﵁، وهو في الحديث الثاني من هذا الباب في هذا أي: الحكم وفي نسخة: وفي ذلك الأمر أعْجَبُ أي: أحب أو أوجب إلينا من قول عبد الله بن عمر؛ لأن مقامه في العلم دون والده، ولعله كان يمنعه ويقسيه على نزع (ق ٤٧٠) المحرم قملة وطرحه عن بدنه والفرق بينهما ظاهر؛ لأنها مؤذية بطبعها، وليست بصيد ولا متولد من بدن أي إنسان.\n* * *\n\n٤٣٣ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، عن محمد بن إبراهيم التَّيْمِيّ عن ربيعة بن عبد الله بن الهُدَيْر، قال: رأيتُ عمر بن الخطاب يُقَرّد بعيره بالسُّقْيَا وهو مُحْرِم، فيجعله في طين.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا بأس به، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أو أنا، وفي نسخة أخرى: ثنا، حدثنا عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، ﵁ كان من الطبقة السابعة، مات سنة إحدى وسبعين عن محمد بن إبراهيم بن الحارث بن خالد القرشي التَّيْمِيّ، يكنى أبا عبد الله المدني ثقة له أفراد، كان من الطبقة الرابعة مات سنة عشرين ومائة من الهجرة على الصحيح كذا قاله ابن حجر (١) عن ربيعة بن عبد الله بن الهُدَيْر،\n_________\n(٤٣٣) إسناده ضعيف. فيه عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم ضعيف كما قال الحافظ في التقريب (١/ ٣١٤).\n(١) التقريب (١/ ٤٦٥).","vol":"2","page":357},{"text":"بضم الهاء وفتح الدال المهملة، كان من الطبقة السادسة من التابعين كذا قاله ابن حبان قال: أي: ربيعة بن عبد الله رأيتُ عمر بن الخطاب يُقَرّد بعيره بضم التحتية وفتح القاف وتشديد الراء المكسورة أي: يزيل عنه القراد ويلقيه بالسُّقْيَا بضم السين المهملة وسكون القاف التحتية وألف مكسورة قرية جامعة بين مكة والمدينة وهو مُحْرِم، أي: والحال أن عمر محرم بالحج أو العمرة فيجعله أي: فيرميه في طين أي: لئلا يرجع إلى البعير ليكون أعون على قتله، ولأنه يرى حاله.\nقال محمد: وبهذا أي: بقول ربيعة بن عبد الله لا بغيره نأخذ، أي: نعمل ونفتي لا بأس به، أي: لا جناية بقتله فضلًا عن نزعه، وفي معناه البعوض والبرغوث وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا أي: الحنفية.\nلما فرغ من بيان حكم نزع المحرم القراد عن بعيره، شرع في بيان حكم لبس المحرم المنطقة والهميان، فقال: هذا\n* * *\n\n٢٠ -<span data-type=\"title\" id=toc-185> باب لبس المنطقة والهميان للمحرم</span>\nفي بيان حكم لبس المحرم المنطقة بكسر الميم وفتح الطاء المهملة ما يشد به وسط الرجل والهميان للمحرم، وهو بكسر الهاء وسكون الميم وفتح التحتية وألف ونون على وزن غلمان، هو الذي يجعل فيه النفقة ويشده على الوسط ويشبه تكة السروال.\n٤٣٤ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع: أن عبد الله بن عمر كان يكره لبس المِنْطَقَة للمحرم.\nقال محمد: هذا أيضًا لا بأس به، قد رَخَّص غير واحدٍ من الفقهاء في لبس الهِمْيان للمُحْرِم، وقال: استوثقْ من نفقتك.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أو أنا، وفي نسخة أخرى: ثنا حدثنا وفي نسخة عن نافع بن عبد الله المدني مولى ابن عمر، ثقة مشهور فقيه، كان من الطبقة الثالثة،\n_________\n(٤٣٤) إسناده صحيح.","vol":"2","page":358},{"text":"مات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك كذا في (التقريب) (١) أن عبد الله بن عمر كان يكره أي: تنزيهًا لبس المِنْطَقَة للمحرم يعني وكذا لبس الهميان، والظاهر أنه لا يلزم من كراهية لبس المنطقة كراهة لبس الهميان؛ لأن في الثاني ضرورة حفظ، والضرورات تبيح المحظورات بخلاف مجرد المنطقة، ولما كان عبادته مهمة للمشاركة بينهما في حكم الكراهة.\nقال محمد: هذا أي: لبس المحرم منطقة أيضًا أي: مثل ما فعله عمر بن الخطاب من تقدير بعيره ورميه في طين ما يؤذي بعيره لا بأس به، أي: لا كراهة للمحرم أن يلبس منطقة وهميان وسيف وسلاح وتختم بغير طيب وختان وفصد وحجامة وجبر كسر وحك رأسه وبدنه من غير أن يسقط من بدنه شيء كذا نقلناه من (تهذيب نور الإِيضاح) للشرنبلالي عن (تنوير الأبصار) وغيره، وإنما كرهه ابن عمر تنزيهًا قد رَخَّص غير واحدٍ أي: كثير من الفقهاء في لبس الهِمْيان للمُحْرِم، وقال: أي: غير واحد منهم استوثقْ أمر مخاطب من الاستوثاق أي: استحفظ واستحكم من نفقتك أي: من أجلها فإنها زاد طريقك، ويستوي فيه كون النفقة له أو لغيره؛ لأن شده ليس (ق ٤٧١) بلبس مخيط قالوا: لو شد المنطقة أو السيف أو تختم بخاتم لا يكره، كما نقلناه آنفًا، وعن أبي يوسف يكره شد المنطقة الإِبريسم، يعني لكونه حريرًا، وفي الجملة يسمى لبسا، فإن قلت: لو لم يكن الشد لبسًا لما كرهوا شد الإِوار بحبل أو غيره مع أنه مكروه إجماعًا.\nقلت: يثبت كراهته بالحديث وهو أنه - ﷺ - رأى رجل شد ما فوق إزاره حبلًا، فقال: ألق الحبل كذا نقله علي القاري عن (شرح المجمع).\nلما فرغ من بيان حكم لبس المحرم المنطقة والهميان، شرع في بيان حكم حال المحرم يحك جلده، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>باب المحرم يحك جلده</span>\nفي بيان حكم حال المحرم يحك جلده أي: جزء من جسده برفق بحيث لا يقطع شعره.\n_________\n(١) التقريب (١/ ٥٥٩).","vol":"2","page":359},{"text":"٤٣٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا عَلْقَمَة بن أبي عَلْقَمة، عن أُمِّه، قالت: سمعتُ عائشة تُسأل عن المحرم يحك جلده، فتقول: نعم، فليحكّ وَلْيَشْدُدْ، ولو رُبِطَتْ يَدَايَ ثم لم أجد إلا أن أحك برجليَّ لاحتككت.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: ثنا، أي: حدثنا مالك بن أنس بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، يعني منسوب إلى ملك ذي أصبح، من ملوك اليمن، كان في الطبقة السابعة من طبقات كبار أتباع التابعين، من أهل المدينة، وهي كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة في وجه الأرض أخبرنا وفي نسخة أخرى: ثنا عَلْقَمَة بن أبي عَلْقَمة، واسمه بلال مولى أم عائشة روى عن أنس بن مالك وعن أُمِّه أي: مرجانة علق لها البخاري في الحيض، وهي مقبولة كانت في الطبقة الثالثة كما قال ابن حجر (١) قال: سمعتُ عائشة زوج النبي - ﷺ - تُسأل بصيغة المجهول عن المحرم يحك أي: يحك جلده، أي: بدنه فتقول: نعم، أي: يجوز له الحك فليحكّ أمر إباحة بالحك وكذا وَلْيَشْدُدْ، بفتح التحتية وسكون الشين المعجمة وضم الدال الأولى وسكون الثانية أي: وليبالغ في الحك إذا أراد ولو رُبِطَت بصيغة المجهول أي: شدت يَدَايَ أي: كلتاهما فرضا وتقديرًا واحتجت إلى حك بدني ثم لم أجد أي: شيئا أحك به إلا أن أحك برجليَّ بصيغة التثنية أو لاحتككت لو قدرت عليه.\nقال محمد: وبهذا أي: بقول أم علقمة نأخذ، أي: نعمل وهو قولُ أبي حنيفة رحمه الله تعالى قولًا لاحتككت زادته أم علقمة عن المسئول عنه لكن يحمل قولها: وليشدد عن مالك على ماذا كان يرى ما يحكه، فإن لم يره كرأسه وظهره، فإنما يجوز الحك برفق؛ لأنه إذا شدد مع عدم الرؤية ربما أتى على شيء من الدواب ولا يشعر به.\nلما فرغ من بيان حكم احتكاك المحرم، شرع في بيان حكم تزوج المحرم، فقال: هذا\n* * *\n_________\n(٤٣٥) إسناده ضعيف. فيه أم علقمة واسمها مرجانة قال عنها الحافظ في التقريب: مقبولة.\n(١) التقريب (١/ ٧٥٣).","vol":"2","page":360},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-187>باب الْمُحْرِم يتزوج</span>\nفي بيان حكم حال المحرم يتزوج، يعني: أو يزوج وما يتبعهما في الخطبة والعقد وغيرهما.\n٤٣٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن نُبَيْهِ بن وهب: أخي بني عبد الدار، أن عُمر بن عُبَيْد الله أرسل إلى أبان بن عثمان، وأبان أمير على المدينة، وهما مُحْرمان فقال: إني أردتُ أن أُنْكِحَ طلحة ابن عمر ابنة شيبة بن جبير، وأردتُ أن تحضُر ذلك، فأنكر عليه أبان، وقال: إني سمعتُ عثمان بن عفان قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يَنكِحُ المُحْرِم ولا يخطب، ولا يُنْكِح\".\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أو أنا، وفي نسخة: ثنا أخبرنا وفي نسخة: عن نافع، بن عبد الله المدني ثقة ثبت فقيه مولى ابن عمر، مشهور كان من الطبقة الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك عن نُبَيْهِ بضم النون وفتح الموحدة وسكون تحتية فهاء ابن وهب بن عثمان العبدري المدني ثقة أخي بني عبد بن قصي كان من الطبقة الثالثة من صغار التابعين روى عنه نافع، مات سنة ستة وعشرين أن عُمر بن عُبَيْد الله بضم العينين أي: ابن معمر بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة القرشي التيمي وجده معمر صحابي، وهو ابن عم أبي قحافة والد الصديق أرسل إلى أبان بفتح الهمزة وتخفيف الموحدة ابن عثمان بن عفان الأموي المدني الثقة، مات سنة خمس ومائة وأبان يومئذ أمير على المدينة، وفي رواية يحيى (ق ٤٧٢) في موطئه أمير الحجاج أي من جهة عبد الملك، ويمكن التوجيه بينهما بأن يكون أميرًا على المدينة حتى يكون أميرًا للحجاج، وأقام غيره مقامه في المدينة حتي يعود من الحج وهما أي: عمر بن عبيد الله وأبان مُحْرمان فقال: أي: عمر إني أردتُ أن أُنْكِحَ بضم الهمزة أي أزوج طلحة بن عمر القرشي التيمي، وقال بعضهم: الأنصاري والأول صحيح، ففي مسلم من رواية أيوب عن نافع عن نبيه بعثني عمر بن عبيد الله وكان يخطب بنت شيبة بن جبير، وفي نسخة: ابنة شيبة واسمها. أمة الحميد كما ذكره الزبير بن بكار وغيره. قوله: جبير بالتصغير أي: ابن عثمان\n_________\n(٤٣٦) صحيح. أخرجه مسلم (١٤٠٩) وأبو داود (١٨٤١، ١٨٤٢) والترمذي (٨٤٠) والنسائي (٥/ ١٩٢) وابن ماجه (١٩٦٦) وأحمد (١/ ٦٤، ٦٨) والدارمي (٢/ ٣٧) والطيالسي في مسنده (٧٤) والبيهقي في السنن (٥/ ٦٥) وفي معرفة السنن والآثار (٧/ ٩٧٣٨).","vol":"2","page":361},{"text":"ابن أبي طلحة العبدري وأردتُ أن تحضُر ذلك، أي: مجلس العقد هنالك فيه ندب الاستئذان لحضور العقد، وفي نسخة: إن مخفقة من إني فأنكر عليه أبان، أي: جوازه فقال: ألا أراه عراقيًا جافيًا كما في رواية لمسلم، وله في أخرى: أعرابيًا أي جاهلًا بالسنة كالأعراب ومعنى رواية القاف أخذ بمذهب أهل العراق تاركًا بالسنة وقال: أي: أبان بن عثمان بن عفان الأموي المدني إني سمعتُ عثمان بن عفان ﵁، يعني أباه، وفي تصريحه سمعت رد على من قال: أنه لم يسمع أباه فالمثبت مقدم على المنفي قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يَنكِحُ بفتح التحتية نفيًا أو نهيًا أي: لا يعقد لنفسه المُحْرِم أي: بحج أو عمرة أو بهما ولا يخطب، يحتمل الخطبة بكسر الخاء المعجمة وسكون الطاء المهملة وبضم الخاء وسكون الطاء وفتح الموحدة فيهما، لكن المراد هنا الأول؛ لأن الخطبة بكسر المعجمة وسكون المهملة وفتح الموحدة، بمعنى دعوة المرأة للتزوج، كذا قاله محمد الواني في (ترجمة الجوهري) ولا يُنْكح\" بضم التحتية وسكون النون لا يزوج غيره بولاية ولا وكالة فيه حرمة العقد، وبه قال الجمهور من الصحابة فمن بعدهم، فلو عقد لم يصح وليفسخ أبدًا بطلقة عند مالك للاختلاف فيه، فيزال الاختلاف بالطلاق احتياطًا للفرج.\nوقال الشافعي: بلا طلاق، وقال أبو حنيفة والكوفيون: يصح نكاحه وإنكاحه، وأجابوا عن هذا الحديث بأنه ليس نهيًا عن نكاح المحرم بل هو إخبار عن حاله، وأنه لاشتغاله بنسكه ولا يتبع زمانه لعقد النكاح ولا يتفرغ له، وبأنه المراد بالنكاح هنا الوطء لا العقد، فقوله: لا ينكح ولا يطأ، وتعقب بأن الرواية الصحيحة بالجزم على النهي لا على حكاية الحال وحمله عليها لا يكون إخبارًا عن أمر شرعي، بل عن قصة يشترك في معرفتها الخاص والعام وحمل كلام الشارع على الشرعيات التي لا تعلم إلا من جهة أولى أيضًا، فإن أبان بن عثمان بن عفان روى الحديث فهم أن المراد النهي وأنكر عمر بن عبيد الله وأقام عليه الحجة بالحديث، وحمل النكاح على الوطء لا فائدة فيه إن هو أمر مقرر يعلمه كل واحد، وأيضًا فهو خلاف فهم راويه، ولو صح في الجملة الأولى لم يصح في الثانية، فإن قوله: ولا ينكح نهي عن التزويج بلا شك، وإذا منع من العقد لغيره فأولى لنفسه، ولا حجة لهم في قول ابن عباس أن النبي - ﷺ - تزوج ميمونة ﵂ وهو محرم رواه البخاري (١) ومسلم (٢) وأصحاب\n_________\n(١) البخاري (١٧٤٠).\n(٢) مسلم (١٤١٠).","vol":"2","page":362},{"text":"السنن (١)؛ لأن ابن المسيب وغيره وهموه في ذلك؛ فإنه انفرد به وخالفته ميمونة وأبو رافع، فرويا أنه - ﷺ - نكحها، وهو حلال وهو (ق ٤٧٣) أولى بالقبول؛ لأن ميمونة وهي الزوجة، وأبو رافع هو السفير أي: المصلح بينهما فهما أعرف بالواقعة من ابن عباس؛ لأنه ليس من التعلق بالقصة ما لهما ولصغره حينئذ عنهما إن لم يكن في سنهما ولا يقرب منه، فإن لم يكن وهما فهو قابل للتأويل بأن معنى وهو محرم أي: في الحرم؛ لأن ابن عباس عربي فصيح يتكلم وهم يقولون: أحرم وأنجد، وأتهم إذا دخل الحرم ونجد وتهامة أو في الشهر الحرام كقوله: قتلوا ابن عفان الخليفة محرمًا في الشهر الحرام فإن لم يكن محرمًا بحج ولا بعمرة أو هو على مذهبه أن من قلد هديه صار محرمًا بالتقليد، فلعل لين عباس علم نكاحه بعد أن قلد هديه - ﷺ - أو أن عقد الإِحرام من خصائصه - ﷺكما هو المعتمد عند المالكية والشافعية، وعلى تقدير الإِغماض عن هذا كله فقد تعارض هو وحديث ميمونة وأبي رافع فسقط الاحتجاج بالخبرين، ووجب الرجوع إلى حديث عثمان؛ لأنه لا معارض له كذا ذكره ابن عبد البر وغيره، ويرجحه أن الصحيح عند أهل الأصول ترجيح القول إذا تعارض هو والفعل لقوة القول، لدلالته بنفسه على الفعل فإنه يدل بواسطة القول، ولتعدي القول إلى الغير والفعل يحتمل قصره عليه، وقد أخرج حديث عثمان هذا مسلم في النكاح عن يحيى، وأبو داود في الحج عن القعنبي كلاهما عن مالك به، ورواه أيضًا النسائي والترمذي وابن ماجه وابن حبان وكلهم من طريق مالك، وتابعه مطر الوراق وأيوب بن موسى وسعيد بن أبي هلال عن بقية، وفي مسلم كما قاله الفاضل السيد محمد الزرقاني (٢).\n* * *\n\n٤٣٧ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن ابن عمر كان يقول: لا ينكح المحرم ولا يخطب على نفسه، ولا على غيره.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: ثنا، حدثنا وفي\n_________\n(١) أبو داود (١٨٤٤)، والترمذي (٨٤١)، والنسائي (٥/ ١٩١)، وابن ماجه (١٩٦٥).\n(٢) في شرحه (٢/ ٣٦٧).","vol":"2","page":363},{"text":"نسخة: عن نافع، بن عبد الله المدني، ثقة ثبت فقيه مشهور، مولى ابن عمر كان من الطبقة الثالثة، مات سنة سبع وعشرين ومائة من الهجرة أن ابن عمر ﵁ كان يقول: لا ينكح المحرم بفتح التحتية وسكون النون أي: لا يتزوج المرأة لنفسه ولا يخطب أي: لا يدعو المرأة إحالة نكاحها على نفسه، ولا على غيره أي: ولا يطلب المحرم بتزويج المرأة ولاته ووكالة على غيره.\n* * *\n\n٤٣٨ - أخبرنا مالك، حدثنا أبو غَطَفَان بن طَريف، أخبره أن أباه طريفًا تزوج امرأة وهو محرم، فرد عمر بن الخطاب نكاحه.\nقال محمد: قد جاءَ في هذا اختلاف، فأبطل أهل المدينة نكاح المحرم، وأجاز أهل مكة وأهل العراق نكاحه، وروى عبد الله بن عباس أن رسول الله - ﷺ - تزوج ميمونة بنت الحارث، وهو محرم، فلا نعلم أحدًا ينبغي أن يكون أعلم بتزوّج رسول الله - ﷺ - ميمونة من ابن عباس، وهو ابن أختها، فلا نرى بتزوج المحرم بأسًا، ولكنه لا يقبل ولا يمس حتى يَحِل، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامةِ من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا، وفي نسخة ثنا، حدثنا داود بن الحصين الأموي مولاهم، يكنى أبا سليمان المدني ثقة إلا في عكرمة ورأى رأي الخوارج، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين المحدثين، من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة أن أبا غَطَفَان بفتح الغين المعجمة والطاء المهملة والفاء على وزن نزوان بالفتحات من [طريق] (١) بفتح المهملة فكسر وليحيى طريق المري بضم الميم وتشديد الراء المهملة المديني اسمه سعد تابعي أخبره أي: غطفان إلى داود بن الحصين أن أباه طريفًا تزوج أي: امرأة، كذا في الموطأ ليحيى وهو أي: والحال أن طريفًا\n_________\n(٤٣٧) إسناده صحيح. أخرجه البيهقي في السنن (٥/ ٦٥) وفي معرفة السنن والآثار (٧/ ٩٧٥٧).\n(١) ساقطة من الأصل.","vol":"2","page":364},{"text":"محرم، فرد عمر بن الخطاب ﵁ نكاحه أي: أبطله لفساده ففيه دلالة على العمل بالحديث على ظاهره.\nقال محمد: أي: ابن الحسن الشيباني قد جاءَ هذا في أي: الحكم والباب اختلافًا، أي: في النقول والروايات (ق ٤٧٤) من الأخبار والآثار فأبطل أهل المدينة نكاح المحرم، وأجاز أهل مكة وأهل العراق نكاحه، يعني والحكم المعتبر ما عليه الأكثر فهذا أحد وجوه الترجيح والآخر قوله وروى عبد الله بن عباس ﵁ أن رسول الله - ﷺ - تزوج ميمونة بنت الحارث، وهو محرم، فلا نعلم أحدًا ينبغي أن يكون أعلم بتزوّج رسول الله - ﷺ - ميمونة من ابن عباس، ﵄ وهو ابن أختها، فلا نرى على صيغة المجهول أي: لا نظن بتزوج المحرم بأسًا، أي: جناية ولكنه لا يقبل من التقبيل ولا يمس أي: لا يمس كما في نسخة يعنى يمتنع المحرم عن مقدمات الجماع فضلًا عنه حتى يَحِل، يخرج من إحرامه وهو قولُ أبي حنيفة، والعامةِ من فقهائنا وفي كتاب (الرحمة) في كتاب الأمة: أنه لا يجوز للمحرم أن يعقد النكاح لنفسه ولا لغيره ولا أن يوكل فيه بالإِجماع، فلو فعل ذلك لم ينعقد عند الثلاثة وقال أبو حنيفة: ينعقد وجوَّز له مراجعته عند الثلاثة.\nوقال أحمد: لا يجوز: انتهى. ولا يخفى أن أبا حنيفة لم يقل بحرمة عقد النكاح، فلا يصح قوله: بالإِجماع ولا قوله: وجوَّز مراجعته عند الثلاثة على الإِطلاق. كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان حكم تزوج المحرم وخطبته امرأة، شرع في بيان حكم الطواف أي: طواف بالبيت الحرام بعد العصر والفجر، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>باب الطواف بعد العصر وبعد الفجر</span>\nفي بيان حكم الطواف أي: طواف البيت الحرام بعد العصر وبعد الفجر أي: بعد صلاتهما.","vol":"2","page":365},{"text":"٤٣٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزبير المكي، أنه كان يرى البيت يخلو بعد العصر وبعد الصبح، ما يطوف به أحد.\nقال محمد: إنما كان يخلو؛ لأنهم كانوا يكرهون الصلاة بتينك الساعتين، والطواف لا بدّ له من ركعتين، فلا بأس بأن يطوف سبعًا ولا يصلي الركعتين حتى ترتفع الشمس، وتبيض، كما صنع عمر بن الخطاب، أو يصل المغرب، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا، وفي نسخة أخرى: ثنا أخبرنا أبو الزبير المكي، وهو محمد بن مسلم تدر بفتح المثناة وسكون الدال المهملة وضم الراء الأسدي، مولاهم صدوق إلا أنه يدلس كان من الطبقة الرابعة، مات سنة ستة ومائة بعد الهجرة، كذا قاله ابن حجر في (التقريب) (١) أنه كان يرى البيت أي: حول الكعبة يخلو بعد العصر وبعد الصبح، أي: بعد صلاتهما ما يطوف به أي: بالبيت أحد أي: من الطائفين، لعله أراد بلفظ: \"أحد\" المبالغة في حد القلة؛ لأن النكرة إذا وقعت في سياق النفي تفيد العموم، وكان بعض علماء زمانه قاس الطواف نفسه على الصلاة بعدهما في الكراهة؛ لقوله - ﷺ -: \"الطواف كالصلاة\".\nقال ابن عبد البر: كره الثوري والكوفيون الطواف بعد العصر والصبح، فإن فعل فليؤخر الصلاة قال الحافظ: ولعل هذا عند بعض الكوفيين، ولأن المشهور، عن الحنفية أن الطواف بعدهما لا يكره، وإنما تكره الصلاة.\nقال محمد: بن الحسن: كذا في نسخة إنما كان أي: المطاف يخلو؛ عن الطائفين لأنهم أي: الصحابة والتابعين، كانوا يكرهون الصلاة بتينك الساعتين، أي: في هذين الوقتين، لما ورد النهي عنهما فيهما أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا يتحرى أي لا يقصد أحدكم، فيصلي عند طلوع الشمس ولا عند غروبها\"، كذا أخرجه المصنف ﵀ في باب الصلاة عند طلوع الشمس، وعند غروبها عن ابن عمر ﵄؛ فإن\n_________\n(٤٣٩) إسناده حسن.\n(١) التقريب (١/ ٥٠٦).","vol":"2","page":366},{"text":"الشيطان يطلع قرناه مع طلوع الشمس ويغربان مع غروبها وقد أشبعنا بتفصيله هناك، فإن شئت فراجعه والطواف لا بدّ له من صلاة ركعتين، أي: وجوبًا، ويستحب الموالاة بين الطواف وصلاته إن لم يجد مانعًا، وحيث يجوز تأخير الصلاة عن (ق ٤٧٥) الطواف بعذر فلا بأس بأن يطوف سبعًا أي: وأكثر في وقت كراهة الصلاة النافلة كما بعد طلوع الفجر قبل صلاته وبعده ولا يصلي الركعتين أي: ركعتي الطواف حتى ترتفع الشمس، وتبيض، أي: وتذهب جملة وهو كالتفسير لما قبله كما صنع عمر بن الخطاب، أي: على ما سيجيء بيانه وبرهانه أو يصل المغرب، أي: حتى يصلي المغرب، أي: فرضه ثم يصلي الركعتين قبل سنته ولكونهما واجبتين إلا عند ضيق وقته، فتقدم السنة لفوتها وسعة وقتها وهو قولُ أبي حنيفة ولم يقل: وتغرب؛ لأن الصلاة النافلة بعد الغروب قبل صلاة المغرب مكروهة؛ لأنها تؤدي إلى تأخير المغرب، وهو يستحب تعجيله قبل أن يشبك النجوم، فإن تشبك النجوم وقت صلاة أهل الكتاب.\n* * *\n\n٤٤٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، أن حُميد بن عبد الرحمن أخبره، أن عبد الرحمن أخبره، أنه طاف مع عمر بن الخطاب بعد صلاة الصبح بالكعبة، فلما قضى طوافه نظر فلم ير الشمس، فركب ولم يسبِّح حتى أناخ بذي طُوى، فسبّح ركعتين.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، ينبغي أن لا يصلِّي ركعتي الطواف حتى تطلعُ الشمس وتبيضّ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، أي: حدثنا مالك بن أنس بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، يعني: منسوب إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، كان في الطبقة الثالثة من طبقات أتباع التابعين من أهل المدينة أخبرنا وفي نسخة: ثنا، وفي نسخة: قال: بنا، ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، أن حُميد بالتصغير ابن عبد الرحمن أي: ابن عوف الرواسي، ذكره ابن حبان في الثقات، وهو كان من الطبقة الثالثة من طبقات","vol":"2","page":367},{"text":"التابعين. كذا قاله ابن حجر في التقريب (١) أخبره، أي: حميد بن شهاب أن عبد الرحمن أخبره، يعني: قال حميد: أخبرني أنه طاف أي: بالبيت الحرام مع عمر بن الخطاب ﵁ بعد صلاة الصبح بالكعبة، قيده بها احترازًا من الصفا والمروة فلما قضى أي: أتم عمر بن الخطاب طوافه نظر إلى جانب الشرق فلم ير الشمس، أي: لم تطلع ولم ترتفع فركب ولم يسبِّح أي: لم يصل صلاة الطواف وذهب حتى أناخ أي: برك راحلته، وأجلسه والصق بطن بعيره بالأرض بذي طُوىً، بفتح الواو ويضم ويكسر، وينون ويلوك، وهو موضع بقرب مكة ينزل فيه أمير الحاج فسبّح أي: صلى ركعتين أي: الطواف أداء إذ العمر كله وقت، ويجوز أداءه حيث كان من حرم أو حل، وإن كان خلف المقام أفضل ثم داخل البيت، ثم الحطيم ثم سائر المسجد، ثم باقي أرض الحرم المحترم وفي رواية سفيان ثم خرج إلى المدينة، فلما كان بذي طوى وطلعت الشمس صلى ركعتين، رواه ابن منده.\nقال محمد: وبهذا بخبر حميد بن عبد الرحمن نأخذ، أي: نعمل وينبغي أن لا يصلِّي ركعتي الطواف أي: بعد صلاة الصبح سواء طاف في وقت الكراهة أم لا بأن طاف قبل الصبح مثلًا حتى تطلعُ الشمس وتبيضّ، أي: وكذا الحكم فيه بعد صلاة العصر وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا فإن قلت: يجوز الوتر بعد الفجر قبل صلاة وبعدهما، فلم لا يجوز صلاة الطواف وهما واجبان؟ قلت: الفرق بينها أن الوتر واجب بإيجاب الله تعالى، وصلاة الطواف تجب فعل الطائف سواء يكون الطواف واجبًا عليه أم لا؛ فتأمل فإنه موضع ذلك.\nلما فرغ من بيان حكم طواف البيت الحرام بعد صلاة العصر وبعد الفجر، شرع في بيان حكم الصيد الذي يذبحه الحلال أو يصيده، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>باب الحلال يذبح الصيد أو يصيده هل يأكل المحرم منه أم لا</span>؟\nفي بيان حكم حال الحلال يذبح الصيد، أي صيد البر ويصيده هل يحل أن يأكل\n_________\n(١) التقريب (١/ ١٨٢).","vol":"2","page":368},{"text":"المحرم منه أم لا وقد تقدم أنه كان (ق ٤٧٦) صاده بأمر محرم أو دلالته أو إشارته وإعانته لا يحل له أن يأكل فيه عندنا وعند مالك والشافعي إذا صاده لأجل محرم أيضًا لا يحل له أن يأكل منه، ويحل لغيره أن يأكل منه، وهذا إذا ذبح الحلال الصيد، وأما إذا ذبحه المحرم فهو حرام مطلقًا، هذا وأن الصيد غير مأكول، ولا تولد من مأكول لم يحرم قتله على المحرم عند الثلاثة، وقال أبو حنيفة: يحرم بالحلال قتل كل وحشي ويجب بقتله الجزاء إلا الذئب، ويؤيده عموم قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ الآية [المائدة: ٩٦] ووجه استثناء الذئب أنه فسر الكلب العقور في الحديث والله أعلم.\n٤٤١ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتْبَةَ بن مسعود، عن عبد الله بن عباس، عن الصَّعب بن جَثَّامَة الليثيّ، أنَّهُ أهْدَى لرسول الله - ﷺ - حمارًا وَحْشِيًا، وهو بالأبْوَاءِ - أو بوَدَّان - فردَّه رسول الله - ﷺ -، فلما رَأى ما في وجهي قال: \"إنَّا لم نَرُدُّهُ عليك إلا أَنَّا حُرُمٌ\".\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أو أنا، وفي أخرى: ثنا، أخبرنا وفي نسخة: قال: ثنا، ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري التابعي، من الطبقة الرابعة، من أهل المدينة، عن عبيد الله بضم العين المهملة وفتح الموحدة وسكون التحتية تصغير ابن عبد الله بفتحها ابن عُتْبَةَ بضم العين المهملة وسكون المثناة وفتح الموحدة والهاء ابن مسعود، الهذلي أحد الفقهاء، يكنى أبا عبد الله المدني ثقة ثبت فقيه، كان من الطبقة الثالثة، مات سنة أربعة وتسعين، وقيل: سنة ثمان وقيل غير ذلك كذا قاله ابن حجر (١) عن عبد الله بن عباس، الحسبي الترجمان عن الصَّعب بفتح أوله وسكون المهملة والموحدة ابن جَثَّامَة بفتح الجيم وتشديد المثلثة فألف فميم ابن قيس بن ربيعة بن عبد الله بن يعمر الليثيّ، حليف قريش أمه أخت أبي سفيان بن حرب، واسمها فاختة، وقيل:\n_________\n(٤٤١) صحيح، أخرجه الشافعي في المسند (١/ ٣٢٣) والبخاري في جزاء الصيد (١٨٢٥) ومسلم (١١٩٣) والترمذي (٨٤٩) والنسائي (٥/ ١٨٣) وابن ماجه (٣٠٩٠) والطحاوي في شرح معاني الآثار (١٧٠٢) والبيهقي في الكبرى (٥/ ١٩٢) وفي معرفة السنن والآثار (٧/ ١٠٥٦٩).\n(١) التقريب (١/ ٣٧٢).","vol":"2","page":369},{"text":"زينب ويقال: هو أخو محكم بن جثامة، وكان صحابيًا مات في خلافة عثمان على الأرجح. كذا في التقريب (١) أنَّهُ أي: الصعب بن جثامة أهْدَى لرسول الله - ﷺ - حمارًا وَحْشِيًا، لا خلاف عن مالك أيضًا في هذا وتابعه معمر وابن جريج، وعبد الرحمن بن الحارث، وصالح بن كيسان والليث، وابن أبي ذئب، وشعيب بن أبي حمزة ويونس ومحمد بن عمرو بن علقمة كلهم قالوا: حمارًا وحشيًا كما قال مالك، وخالفهم سفيان بن عيينة عن الزهري فقال: هديت له من لحم حمار وحشي رواه مسلم، مكان من إطلاق الكل على الجزء، وهو أي: والحال أنه - ﷺ - بالأبْوَاءِ بفتح الهمزة وسكون الموحدة والمد، جبل بينه وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون مَيلًا، سمي بذلك لتبوء السيول به لا لما فيه من الوباء إذ لو كان كذلك يقبل الأوبأ أو هو مقلوب منه أو بوَدَّان شك من الرواي، وهو بفتح الواو وتشديد الدال المهملة فألف فنون على وزن شتات، اسم موضع قريب من الجحفة، أو قرية جامعة أقرب إلى الجحفة من الأبواء بينهما ثمانية أميال فردَّه رسول الله - ﷺ -، أي: رد الحمار على الصعب لكونه - ﷺ - محرمًا والراوي غافل عن هذا المعنى فتغير وجهه خوفًا من غضبه - ﷺ - لغير هذا المعنى، واتفقت الروايات بأكملها على رده إلا ما رواه ابن وهب والبيهقي من طريق بإسناد حسن عن عمرو بن أمية أن الصعب أهدى للنبي - ﷺ - عجز حمار وحشي وهو (ق ٤٧٧) بالجحفة، وأكل القوم، قال البيهقي: إن كان هذا محفوظًا فلعله أراد الحي، وقيل: اللحم.\nقال الحافظ: وفيه نظر، فإن كانت الطرق كلها محفوظة، فلعله رده حيًا لكونه صيد لأجله ورد اللحم تارة لذلك، وقيل: تارة أخرى حيث علم أنه لم يصد لأجله.\nوقد قال الشافعي: إن كان الصعب أهدى حمارًا حيًا فليس للمحرم أن يذبح حمارًا وحشيًا حيًا، إن كان أهدى لحمًا فيحتمل أن يكون علم أنه صيد لأجله، ونقل الترمذي عن الشافعي أنه - ﷺ - رده لظنه أنه صيد من أجله فتركه على وجه التنزه، ويحتمل أن يحمل القبول المذكور في حديث عمرو بن أمية على حال رجوعه - ﷺ - من مكة، ويؤيده أنه جازم بوقوع ذلك في الجحفة، وفي غيرها من الروايات بالأبواء أو بودان فلما رَأى أي: رسول الله - ﷺ - كما في (الموطأ) ليحيى ما في وجهي أي: من الكراهة لما حل له من الكسر برد\n_________\n(١) التقريب (١/ ٢٧٦).","vol":"2","page":370},{"text":"هديته قال: متعذرًا أو تطييبًا لقلية \"ألا\" بفتح الهمزة وتخفيف اللام صيغة التنبيه على ما في نسخة \"إنَّا بكسر الهمزة وفتح النون المشددة فألف لوقعها في الابتداء لم نَرُدُّهُ بفتح الدال رواه المحدثون، وقال محققو النحاة: إنه غلط، والصواب ضم الدال كآخر المضاعف من كل مضاعف مجزوم اتصل به ضمير المذكر مراعاة للواو التي توجبها ضمة الهاء بعدها لخفاء الهاء، فكان ما قبلها ولي الواو، ولا يكون ما قبل الواو إلا مضمومًا: هذا في المذكر، أما المؤنث مثل ردها فمفتوح الدال مراعاة للألف.\nذكره القاضي عياض وغيره وجوز الكسر وهو ضعيفًا ضعف من الفتح، أوهم ثعلب فصاحة الفتح وقد غلَّطوه؛ لأنه ذكر في الفصيح ولم ينبه على ضعفه أي: لم نرد الحمار الوحشي عليك لعله من العلل إلا أَنَّا بفتح الهمزة وتشديد النون أي لأجل أنا حُرُمٌ\" بضم الحاء المهملة، والراء جمع حرام والحرام محرم أي: لأنا محرمون، ومنه قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ الآية [المائدة: ٩٦] وتمسك بظاهرها من حرم لحم الصيد على المحرم مطلقًا صاده المحرم أو صاده حل له أو لم يصيده، وبه قال على وابن عمر وابن عباس؛ لأنه - ﷺ - علل رده بأنه محرم ولم يقل بأنك صدته لنا، وفيه رد ما لا يجوز للمهدي الانتفاع به، وأخرجه البخاري عن عبد الله بن يوسف، ومسلم عن يحيى: كلاهما عن مالك به والترمذي والنسائي وابن ماجه كلهم من طريق مالك أيضًا كذا قاله الفاضل السيد محمد الزرقاني (١).\n* * *\n\n٤٤٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، أنَّه سمع أبا هريرة يحدِّث عبد الله بن عمر، أنَّه مَرّ به قومٌ مُحْرِمون بالرَّبَذَة، فاستفتوه في لحم صَيْدٍ وَجَدُوا: أحِلَّةً يأكلونه؟ فأفْتَاهم بأكله، قال: ثم قَدِمَ على عمر بن الخطاب فسأله عن ذلك، فقال عمر: بِمَ أفْتَيْتَهُمْ؟ قال: أَفْتَيْتُهُمْ بأكله، قال عمر: لو أفْتَيْتَهُمْ بغيره لأوْجَعْتُك.\n_________\n(١) في شرحه (٢/ ٣٧٨).\n(٤٤٢) إسناده صحيح.","vol":"2","page":371},{"text":"• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أو أنا، وفي نسخة أخرى: ثنا، أخبرنا وفي نسخة: قال: ثنا، وفي نسخة أخرى: أنا أو بنا، ابن شهاب، هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري تابعي ثقة، من الطبقة الرابعة، من أهل المدينة عن سالم بن عبد الله، بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، يكنى أبا عمر أو أبا عبد الله المدني، أحد الفقهاء السبعة، كان ثبتًا عابدًا فاضلًا يشبه بأبيه في الهدى والسمت، وكان من الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين، من أهل المدينة، مات في آخر سنة ست بعد المائة على الصحيح، كذا قاله ابن حجر (١) أنَّه سمع أبا هريرة يحدِّث عبد الله بن عمر، يعني أباه أنَّه أي: أبا هريرة مَرّ به قومٌ مُحْرِمون بالرَّبَذَة، بفتح الراء المهملة والموحدة والذال المعجمة المفتوحة، قرية قرب المدينة ولا يخالف قوله في السابق حتى إذا كان بالربذة وجد ركبًا؛ لأنه يحمل على أنه وجدهم مارين (ق ٤٧٨) به لما استقر بالربذة، فالقصة واحدة فاستفتوه في لحم صَيْدٍ وَجَدُوا أي: القوم المستفتون أحِلَّةً بفتح الهمزة وكسر المهملة واللام المشددة المفتوحة جمع حلال، أي: جماعة حلال من الربذة يأكلونه؟ فأفْتَاهم أي: أبو هريرة بأكله، أي: بأكل ذلك اللحم ثم قَدِمَ أي: جاء أبو هريرة بعد ما أفتاهم بأكل ذلك اللحم على عمر بن الخطاب ﵁ فسأله أي: أبو هريرة عمر عن ذلك، أي: عما أفتاهم من أكل ذلك اللحم وردد الشارح علي القاري في السائل، حيث فسر الضمير المستتر في قوله فسأله بقوله أي: أبو هريرة عمر عن ذلك، أو عمر أبا هريرة، وعلل تفسيره على الترديد بقوله: لما بلغه مجمل ما هنالك، ولعله لم يقال (بالموطأ) ليحيى حيث فيه السائل والمسئول بأن قال: ثم قدمت المدينة على عمر بن الخطاب فسألته عن ذلك أي: لشكي في فتواي فقال عمر ﵁: يا أبا هريرة بم أصله بما كما في نسخة فحذف الألف؛ لأن حرف الجر إذا ما دخلت على ما الاستفهامية يحذف ألفها تخفيفًا للفظ الكثير التداول، أو فرقًا بين ما الاستفهامية والإِسمية، كما في قوله تعالى في سورة الصف: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] والمعنى بماذا أفْتَيْتَهُمْ؟ قال أي: أجاب أبو هريرة لسؤال عمر بقوله: أَفْتَيْتُهُمْ بأكله، قال عمر: لو أفْتَيْتَهُمْ يا أبا هريرة بغيره أي: بمنع أكله لأوْجَعْتُك بالضرب المؤلم، أو بالكلام العنيف كما يقتضيه تأديب المقام، ففي هذا أن حل ما لم يصده المحرم لا صيد له بل صاده الحلال لنفسه كان أمرًا مقررًا عندهم لا يجوز\n_________\n(١) التقريب (١/ ٢٢٦).","vol":"2","page":372},{"text":"الاجتهاد في الإِفتاء بخلافه إلا فالمجتهد لا لوم عليه فيما أداه اجتهاده، فضلًا عن الإِيجاع بضرب أو غيره كذا قاله الزرقاني (١).\n* * *\n\n٤٤٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو النَّضْر، مولى عمر بن عُبَيْد الله، عن نافع مولى أبي قَتَادَةَ، عن أبي قَتَادة، أنه كان مع رسول الله - ﷺ -، حتى إذا كان ببعض الطريق تخلَّفَ مع أصحابِ له مُحْرِمين، وهو غير مُحْرِم، فرأى حِمارًا وَحْشِيًا، فاستوى على فرسه، فسأل أصحابه أن يُنَاوِلوه سوطه، فأبَوْا، فسألهم أن يُنَاوِلُوهُ رُمحه، فأبَوْا، فأخذه، ثم شدَّ على الحمار فقتله، فأكل منه بعض أصحاب رسول الله - ﷺ -، وأَبَى بعضهم، فلما أدركوا رسول الله - ﷺ - سألُوهُ عن ذلك، فقال: إنما هي طُعْمَةٌ أطْعَمَكُمُوها الله.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا أبو النَّضْر، بفتح النون وسكون الضاد المعجمة، اسمه سالم بن أمية، مولى عمر بن عُبَيْد الله، بن معمر القرشي التيمي المدني، تابعي روى عنه مالك والثوري وابن عيينة، كان من الطبقة الخامسة من أهل المدينة عن نافع بن عباس بموحدة ومهملة وتحتانية ومعجمة ابن محمد الأقرع، المدني الثقة، مولى أبي قَتَادَةَ، الأنصاري كما ذكره النسائي والعجلي وغيرهما، وقال ابن حبان وغيره: قيل له ذلك للزومه له إنما هو مولى عقيلة بنت طلق الغفارية، كان من الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة عن أبي قَتَادة، هو الحارث بن ربعي بكسر الراء وسكون الموحدة بعدها مهملة السلمي، بفتحتين المدني شهد أحدًا وما بعدها، ولم يصح شهوده بدرًا، مات سنة أربع وخمسين من الهجرة، كذا قاله ابن حجر أنه كان مع\n_________\n(١) في شرحه (٢/ ٣٧٣).\n(٤٤٣) صحيح: أخرجه البخاري (١٨٢٣) ومسلم (٥٧/ ١١٦٤) وأبو داود (١٨٥٢) والترمذي (٨٤٧) والنسائي (٥/ ١٨٢) وعبد الرزاق في المصنف (٨٣٣٧) وأحمد في المسند (٥/ ١٩٠، ٣٠١، ٣٠٥، ٣٠٧) والدارمي (٢/ ٣٨) والبيهقي في السنن (٥/ ٣٢٢) وفي معرفة السنن والآثار (٧/ ١٠٥٧٦) والطحاوي في شرح معاني الآثار (٢/ ١٧٣).","vol":"2","page":373},{"text":"رسول الله - ﷺ -، حتى إذا كان ببعض الطريق أي: طريق مكة كما في (الموط) أليحيى، وفي (الصحيحين) من رواية عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه: انطلقنا مع النبي - ﷺ - عام الحديبية فأحرم أصحابه ولم أحرم حتى كانوا ببعض الطريق مكة تخلَّفَ أي: عن مرافقة النبي - ﷺ - مع أصحابٍ له مُحْرِمين، وهو أي: والحال أن أبا قتادة غير مُحْرِم، قال النووي: فإن قيل: كيف كان أبو قتادة غير محرم وقد جاوز ميقات المدينة، وقد تقرر أن من أراد حجًا أو عمرة لا يجوز له مجاوزة الميقات غير محرم. قال القاضي: وجواب هذا أن المواقيت لم تكن وقتت بَعدُ، وقيل؛ لأنه (ق ٤٧٩) - ﷺ - بعثه ورفقته يكشف عدوًا لهم بجهة الساحل. ذكره السيوطي.\nوفي الجوابين: بحث؛ أما الأول فبعد أن لم يوقت بعد، وأما الثاني فلأن بعثه ورفقائه بعد المجاوزة بدليل كونهم محرمين معه؛ فالأوجه أنه أخر إحرامه ليحرم من الميقات الثاني، كما تقدم كذا قاله علي القاري.\nوفي البخاري من طريق عمرو بن الحارث وهم محرمون، وأنا رجل على فرسي وكنت رقًا على الجبال فبينا أنا على ذلك إذ رأيت الناس متشوفين فذهبت أنظر فرأى حِمارًا وَحْشِيًا، فاستوى على فرسه، وفي رواية عمر: وكنت نسيت سوطي، وفي رواية عبد الله بن أبي قتادة: فسقط مني سوطي، فلعله أطلق النسيان على السوط وعكسه تجوزًا فسأل أصحابه أن يُنَاوِلوه سوطه، فأبَوْا، أي: امتنعوا عن مناولته إياه حيث عرفوا أنه قصد الصيد، وفي رواية عمرو قالوا: لا نعينك عليه فسألهم أن يُنَاوِلُوهُ رُمحه، فأبَوْا، فأخذه، أي: ما ذكر من سقوطه ورمحه ثم شدَ أي: حمل على الحمار أي: الوحشي فقتله، أي: برمحه وطبخه، وفي رواية عبد الله بن أبي قتادة، قلت: ناولني السوط، قالوا: والله لا نعينك عليه بشيء، فنزلت فتناولته ثم ركبت، فأدركت الحمار من خلفه وهو وراء أكمة فطعنته برمحي فعقرته، وفي رواية عمرو: فأتيت إليهم فقلت لهم: قوموا فاحتملوا قالوا: لا تمسه، فحملته حتى جئتهم به فأكل منه بعض أصحاب رسول الله - ﷺ -، أي: بناء على أن الأصل جوازه وأَبَى بعضهم، أي: من الأكل، وفيه جواز الاجتهاد في الفروع، والاختلاف فيها إذا استند كلُّ إلى دليل في ظنه، وفي رواية: أنهم شكوا في أكله إياه وهم حرم، وفي أخرى: فقلنا: إنا نأكل لحم صيد ونحن محرمون، فلما أدركوا رسول الله - ﷺ - سألُوهُ عن ذلك، أي: ذكروا له القصة على ما هي عليه وأن أصحابه لم يعينوه بمناولة سوط","vol":"2","page":374},{"text":"ولا رمح ولا غيرهما، وفي رواية عمرو: وأبى بعضهم فقلت لهم: أنا أستوقف لكم النبي - ﷺ - فأدركته فحدثته الحديث، وفي رواية عبد الله بن أبي قتادة فقلنا: نأكل لحم صيد ونحن محرمون فحملنا ما بقي من لحمها فقال: - ﷺ -: \"هل منكم أحد أمره أو أشار إليه بشيء\"، وفي رواية أخرى: \"وأعانه\" قالوا: لا، فقال: أي: \"كلوا ما بقي من لحمها\" إنما هي طُعْمَةٌ بضم الطاء المهملة وسكون العين المهملة فميم وهاء أي طعامه أو لقمة أطْعَمَكُمُوها الله ﷿ أي: رزقكموها وأحلها لكم.\nوالحديث رواه أصحاب الكتب الستة من حديث أبي قتادة: أنهم كانوا في مسير لهم بعضهم محرم وبعضهم ليس بمحرم، قال: فرأيت حمارًا وحشيًا فركبت فرسي، وأخذت الرمح، واستعنت بهم فأبوا أن يعينوني فاختلست سوطًا من بعضهم وشددت على الحمار فأصبته، فأكلوا منه فأشفقوا، وفي نسخة: واستبقوا فسئل عن ذلك النبي - ﷺ - فقال: \"أمنكم أحد أمره أي: يحمل عليها أو أشار إليها؟ \" قالوا: لا قال: \"فكلوا، ما بقي من لحمها\"، وفي لفظ مسلم: \"هل أشرتم، هل أعنتم\"، قالوا: لا، قال: \"فكلوا\" وفيه جواز أكل المحرم لحم الصيد إذا لم يكن منه دلالة وإعانة عليه أو إشارة إليه، فإن صاده أو صيد لأجله بإذنه أم بغير إذنه حرم عند الجمهور لحديث جابر مرفوعًا: \"صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصد لكم\" رواه أبو داود والنسائي، وإلى هذا ذهب (ق ٤٨٠) الجمهور ومالك والشافعي وأحمد.\nوقال أبو حنيفة وطائفة: يجوز أكل ما صيد لأجله؛ لظاهر حديث أبي قتادة أنه صاده لأجلهم، وتعقب بأنه يحتاج إلى نقل أنه صاده لأجلهم، والجمع بينه وبين حديث جابر بما ذهب إليه الجمهور أولى من طرح حديث جابر كذا. قاله الزرقاني.\n* * *\n\n٤٤٤ - أخبرنا مالك، حدثنا زيد بن أسْلَم، عن عَطاءِ بن يَسار، أنَّ كَعْبَ الأحبار أقْبَلَ من الشام في رَكْبٍ مُحْرِمين، حتى إذا كانوا ببعض الطَّرِيق، وجدوا لحم صَيْدٍ، فأفتاهم كَعْب بأكله، فلما قدموا على عمر بن الخطاب\n_________\n(٤٤٤) إسناده صحيح.","vol":"2","page":375},{"text":"ذكروا ذلك له، فقال: مَنْ أفْتاكم بهذا؟ قالوا: كعب، قال: فإني قد أمَّرْتُه عليكم حتى ترجعوا، ثم إنه لما كان ببعض الطَّريق طَريقِ مكة، مَرَّت بهم رِجْلٌ من جَرَاد، فأفْتاهم كعب بأن يأكلوه ويأخذوه، فلما قدموا على عمر ذكروا ذلك له، فقال: ما حملك على أن تفتيهم بهذا؟ قال: يا أمير المؤمنين، والذي نفسي بيده، إن هو إلا نَثْرَة حوت، يَنْثُرُهُ في كل عام مرتين.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أو أنا، وفي أخرى: ثنا حدثنا زيد بن أسْلَم، العدوي مولى عمر، يكنى أبا عبد الله أو أبا أسامة المدني، ثقة عالم، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، مات سنة ستة وثلاثين عن عَطاءِ بن يَسار، الهلالي، يكنى أبا محمد المدني مولى ميمونة ثقة، فاضل صاحب مواعظ وعبادة، كان في الطبقة الثانية من طبقات صغار التابعين، مات سنة ستة وتسعين وأربع أنَّ كَعْبَ الأحبار بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة فألف فراء كان من علماء اليهود وأسلم بعد سيد الأبرار فصار من التابعين الأخيار، وهو أي: الأحبار جمع حبر بكسر الحاء المهملة وفتحها وأيضًا كما لأوله إما لكثرة كتابته بالحبر بإيحاء العلماء وقول المحد: كعب الحبر ولا تقل: الأحبار، فيه نظر [فيه] أثبت غير واحد، وهو أي: كعب بن ماتع بفوقية أدرك زمن النبوة وأسلم في خلافة عمر على المشهور كذا قاله الزرقاني (١) كان في الطبقة الأولى من طبقات التابعين من أهل الشام وهي كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة من وجه الأرض.\nقال أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي: من بعض مناقب كعب الأحبار أنه قال: ما كرم عبد على الله تعالى إلا زاد البلاء عليه شدة، ولا أعطى رجل زكاة فنقصت من ماله ولا حبسها فذادت فيه، لا يسرق سارق إلا حسب له من رزقه، وقال: إن سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر دوي حول العرش يذكرون بصاحبها، والعمل الصالح في الخزائن، وقال: ما استقر لعبد ثناء في الأرض حتى يستقر في السماء، وقال: لأن أبكي من خشية الله حتى تسيل دموعي على وجنتي أحب إلى أن أتصدق بوزني ذهبًا، والذي نفس كعب بيده، ما بكى عبد من خشية الله حتى تقع قطرة من دموعه على الأرض فتمسه النار أبدًا حتى يعود قطر السماء الذي وقع على الأرض من حيث جاء، ولن يعود أبدًا.\n_________\n(١) في شرحه (١/ ٣١٨).","vol":"2","page":376},{"text":"وقال: من تعبد الله تعالى ليلة حيث لا يراه من يعرفه خرج من ذنوبه كما يخرج من ليلته انتهى أقْبَلَ من الشام في رَكْبٍ بفتح الراء وسكون الكاف والموحدة اسم لأصحاب الإِبل أي: في جمع مُحْرِمين، أي: بعمرة، كذا في رواية حتى إذا كانوا ببعض الطَّرِيق، أي: ببدء إحرامهم وجدوا لحم صَيْدٍ، صاده حلال بغير إحرام فأفتاهم كَعْب بأكله، فلما قدموا على عمر بن الخطاب أي: بالمدينة المنورة ذكروا ذلك له، أي: لعمر ففيه تنبيه على أنهم أحرموا من دويرة أهلهم بعد دخول أشهر الحج، فإنه أفضل لمن أمن ارتكاب المحظور، فقد روى أنهم أحرموا بها من بيت المقدس، لحديث ورد بذلك فقال: أي: عمر مَنْ أفْتاكم بهذا؟ أي: بأكل المحرم لحم الصيد قالوا: كعب، أي: أفتانا به قال أي: عمر فإني قد أمَّرْتُه عليكم بتشديد الميم (ق ٤٨١) أي: جعلته أميرًا عليكم حتى ترجعوا، إلى بلدكم ثم لما كانوا أي: كعب الركب ببعض الطَّريق طَريقِ مكة، عطف بيان مَرَّت بهم أي: عبرت عليهم رِجْلٌ بكسر الراء وسكون الجيم أي: قطيع من جَرَاد، فأفْتاهم كعب بأن يأكلوه ويأخذوه، الواو بمجرد الجمع، في (الموطأ) ليحيى أن يأخذوه فيأكلوه فلما قدموا على عمر أي: في المدينة بعد رجوعهم من مكة ذكروا ذلك أي: ما أفتى به كعب له، أي: لعمر فقال: أي عمر ما حملك أي: يا كعب على أن تفتيهم بهذا؟ أي: على تجوز أكل الجراد للمحرمين قال: يا أمير المؤمنين، والذي نفسي بيده، إن هو أي: ما هو يعني: الجراد إلا نَثْرَة حوت، بفتح النون وسكون المثلثة وأصلها ما يلقيه الإِنسان عند الامتحان والعطاس في (النهاية) أي: عطسته حوت يَنْثُرُهُ إي: يرميه في كل عام مرتين وبذلك ورد حديث مرفوع عند ابن ماجه (١) عن أنس ﵁: أن الجراد نثره الحوت من البحر وفي أبي داود (٢) والترمذي (٣) وابن ماجه (٤) عن أبي هريرة مرفوعًا: الجراد من صيد البحر، وفي رواية: إنما هو من صيد البحر، لكنها أحاديث ضعفها أبو داود والترمذي وغيرهما، فلا حجة فيها لمن أجاز للمحرم صيده.\nولذا قال الأكثر كمالك والشافعي أنه صيد البر، فيحرم التعرض له، وفيه قيمته\n_________\n(١) ابن ماجه (٣٢٢١).\n(٢) أبو داود (١٨٥٣).\n(٣) الترمذي (٨٥٠).\n(٤) ابن ماجه (٣٢٢٢).","vol":"2","page":377},{"text":"وقد جاء ما يدل على رجوع كعب عن هذا، فروى الشافعي بسند صحيح أو حسن عن عبد الله بن أبي عمار أقبلنا مع معاذ بن جبل وكعب الأحبار في الناس محرمين من بيت المقدس بعمرة حتى إذا كنا ببعض الطريق وكعب على نار يصطلي فمرت به رجل جرد أي: قطيع من الجراد فأخذ جرادتين فقتلهما، وكان قد نسي إحرامه فذكره فألقاهما فلما قدمنا المدينة على عمر قص عليه كعب قصة الجرادتين فقال: ما جعلت على نفسك قال: درهمين قال: بخ، درهمان خير من مائة جرادة نعم لو عم الجراد المسالك، ولم يجد بدا من وطئه فلا ضمان، وليحفظ منه وقد توقف ابن عبد البر في أنه من نثرة حوت بأن المشاهدة تدفعه، وقد روى سعيد بن زيد الباجي المالكي عن كعب قال: خرج أوله من منخر حوت فأفاد أن أوله خلقه من ذلك، وهذا أشبه.\nقال وما ذكره كعب الأحبار من ذلك لا تعلم صحته ولم يكذبه عمر ولا صدقه؛ لأنه خشي أنه علم ذلك من التوراة والسنة فيما حدثوا به أن لا يصدقوا ولا يكذبوا لئلا يكذبوا في حق جاؤوا به أو يصدقوا في باطل اختلفوا أوائلهم وحرفوه عن مواضعهم، كذا قاله الزرقاني (١).\n* * *\n\n٤٤٥ - أخبرنا مالك، حدثنا زيد بن أسْلَم، أن رجلًا سأل عمر بن الخطاب فقال: إني أصَبْتُ جَرَادَات بِسَوْطِي، فقال: أطعم قبضةً من طعام.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا حدثنا وفي نسخة: قال: بنا زيد بن أسْلَم، العدوي مولى عمر، يكنى أبا عبد الله وأبا أسامة المدني ثقة عالم، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة ست وثلاثين، كذا قاله ابنِ حجر (٢) أن رجلًا سأل عمر بن الخطاب ﵁ فقال: إني أصَبْتُ جَرَادَات بِسَوْطِي، أي: قتلتهن بضرب سوطي عليهن وأنا محرم أي: والحال أنا محرم على ما في\n_________\n(١) في شرحه (٢/ ٣٧٥).\n(٤٤٥) إسناده صحيح.\n(٢) التقريب (١/ ٢٢٢).","vol":"2","page":378},{"text":"نسخة فقال: أطعم قبضةً كذا في الأصل بالضاد المعجمة وهي بفتح القاف والضم أكثر ما قبضت عليه من شيء من طعام أي: من حنطة، والأظهر أنه بالصاد المهملة، وهي بالفتح وبضم ما ملأ كفاك من الطعام، وهذا هو المناسب للمقام.\n* * *\n\n٤٤٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا هشام بن عُرْوَة، عن أبيه أنَّ الزُّبَيْر بن العَوَّام كان يتزَوَّد صَفيف الظِّباءِ في الإِحرام.\nقال محمد: وبهذا كلِّه نأخذ، إذا صادَ الحلال الصَّيْد فذبحه لا بأس بأن يأكل المُحْرِم من لحمه، إن كان صِيد من أجله، أو لم يُصَدْ من أجله؛ لأن الحلال صادَه وذبحه، وذلك له حَلال، فخرج من حال الصَّيْد، وصار لحمًا، فلا بأس بأن يأكل المُحْرِم منه.\nوأما الجراد فلا ينبغي للمحرم أن يصيده، فإن فعل كَفَّرَ، وتَمْرَةٌ خيرٌ من جَرَادَة، كذلك قال عمر بن الخطاب، وهذا كلّه قولُ أبي حنيفة والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا أخبرنا وفي نسخة: قال: ثنا، هشام بن (ق ٤٨٢) عُرْوَة، عن أبيه أنَّ أي: أباه الزُّبَيْر بن العَوَّام الأسدي ثقة فقيه ربما دلس، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة مات سنة ست أو خمس وأربعين ومائة من الهجرة، وله سبع وثمانون سنة. كذا قاله ابن حجر كان يتزَوَّد أي: يتخذ في السفر طعامًا صَفيف الظِّباءِ بكسر الظاء المعجمة وفتح الموحدة والألف الممدودة جمع الظبي في الإِحرام أي: عند قصده.\nقال مالك: والصفيف بصاد مهملة وفائين بينهما تحتية بزنة أمير، هو القديد، وفي القاموس: الصفيف كأمير ما صف في الشمس وعلى الجمر ليتشوى.\nقال محمد: وبهذا كلِّه نأخذ، أي: إنما نعمل أنا وأصحاب أبي حنيفة بجميع ما\n_________\n(٤٤٦) إسناده صحيح.","vol":"2","page":379},{"text":"روى في هذا الباب إذا صادَ الحلال الصَّيْد فذبحه أي: الحلال إن ذبحه المحرم للصيد حرام عليه وعلى غيره إذ يصير نجسة فلا بأس بأن يأكل المُحْرِم من لحمه، أي: من لحم صيد الحلال وذبحه إن كان أي: سواء كان صِيد بصيغة المجهول أي: اصطيد من أجله، أي: بلا دلالة محرم وأمره أو لم يُصَدْ بصيغة المجهول من أجله؛ خلافًا لما ذهب إليه عثمان، وبه قال مالك والشافعي مستدلين بما رواه أبو داود (١) والترمذي (٢) من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري أنه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصد لكم بأمركم\" لأن الحلال صادَه وذبحه، وذلك أي: ما ذكر من الفعلين له أي: للمحرم حَلال، أي: بالإِجماع فخرج من حال الصَّيْد، وصار لحمًا، أي: كسائر اللحوم فلا بأس أي: لا كراهة بأن يأكل المُحْرِم منه أي: كما يجوز له أن يأكل من لحم الغنم ونحوه إذا ذبحه حلال أو محرم اتفاقًا.\nوأما الجراد فقد اختلف العلماء في كونه صيد البحر أو البر فلا ينبغي للمحرم أن يصيده، أي: يأخذه ويأكل منه؛ لأنه الأحوط وعليه الأكثر فإن فعل كَفَّرَ، أي: بقيمته وتَمْرَةٌ خيرٌ من جَرَادَة، أي: كما رواه ابن أبي شيبة عن عمرو بن عباس كذلك قال عمر بن الخطاب، ﵁ أي: كما رواه يحيى في (موطئه) عن مالك عن يحيى بن سعيد أن رجلًا جاء إلى عمر بن الخطاب ﵁ فسأله عن جرادة قتلها وهو محرم فقال عمر لكعب: تعالى حتى تحكم فقال: درهم درهم فقال عمر لكعب: إنك لتجد الدراهم تمرة خير من جرادة انتهى.\nولا يخفى هذا من كعب مخالفًا لما سبق من فتواه، ولا الحق من عمر فيما أمضاه، ولعلهما رجعًا عن قولهما أولًا أو رجع كعب إلى رأي عمر لما تبين أنه أظهر وهذا كلّه قولُ أبي حنيفة والعامة من فقهائنا وفي (شرح الهداية) لابن الهمام وعليه كثير من العلماء لكنه يشكل عليه ما في أبي داود والترمذي عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في حجة أو عمرة فاستقبلنا رجل، أي: قطيع من جراد فجعلنا نضربه بسياطنا وقسينا فقال: - ﷺ -: \"كلوه فإنه من صياد البحر\" فعلى هذا لا يكون فيه شيء وتبع عمر أصحاب المذاهب انتهى.\nقال علي القاري: يحل للمحرم أكل الجراد عند الأئمة الأربعة سواء مات بحتف أو\n_________\n(١) أبو داود (١٨٥١).\n(٢) الترمذي (٨٤٦).","vol":"2","page":380},{"text":"بغير سبب أو بذكاة أو باصطياد مجوسي أو مسلم أو بقطع شيء منه أم لا، وعن أحمد إذا قتله البرد لم يؤكل، وملخص مذهب مالك: إن قطعت رأسه حل أكله وإلا فلا، والدليل على عموم حمله قوله - ﷺ - (ق ٤٨٣): \"أحلت لنا ميتتان ودمان: الجراد والسمك والكبد والطحال\" رواه الشافعي (١) وأحمد (٢) والدارقطني (٣) والبيهقي (٤) من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر مرفوعًا.\nقار البيهقي: وروى موقوفًا على ابن عمر وهو أصح، قلت: إنه في حكم المرفوع، كما لا يخفى.\nلما فرغ من بيان حكم صيد البر والبحر يصيده الحلال هل يحل للمحرم أكله أم لا، شرع في بيان جواز العمرة في أشهر الحج، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-190>باب الرجل يعتمر فى أشهر الحج ثم يرجع إلى أهله من غير أن يحج</span>\nفي بيان حكم حال الرجل يعتمر في أشهر الحج وهو شوال وذو القعدة والعشر الأوائل من ذي الحجة، كذا في (ملتقى الأبحر) ثم أي: بعمرة في أشهر الحج يرجع أي: المعتمر إلى أهله أي: إلي بلده من غير أن يحج، أي: في السنة.\n٤٤٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيِّب، أن عمر بن أبي سَلَمَة المخزوميّ، استأذن عمر بن الخطاب أن يعتمر في شَوَّال، فأذن له عمر، فاعتمر في شَوَّال، ثم قَفَلَ إلى أهله ولم يَحُجّ.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، ولا مُتْعَة عليه، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أو أنا، وفي أخرى: ثنا، أخبرنا وفي\n_________\n(١) الشافعي في مسنده (١/ ٣٤٠).\n(٢) أحمد في المسند (٢/ ٩٧).\n(٣) الدارقطني في السنن (٤/ ٢٧١).\n(٤) البيهقي في الكبرى (٧/ ٢٥٤).\n(٤٤٧) إسناده صحيح.","vol":"2","page":381},{"text":"نسخة: قال: ثنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة عن سعيد بن المسِّيب، أي: ابن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عامر بن عمر بن مخزوم القرشي المدني المخزومي أحد العلماء الأثبات، كان في الطبقة الأولى من كبار طبقات التابعين من أهل المدينة، اتفقوا على أن مرسلاته من أصلح المراسيل، وقال المدني: لا أعلم في كبار التابعين أوسع علمًا منه، مات بعد التسعين بيسير من الهجرة. كذا قاله ابن الجوزي وابن حجر أن عمر بن أبي سَلَمَة المخزوميّ، أي: نسبة إلى قبيلة المخزوم من قريش ربيب النبي - ﷺ - وأمه أم سلمة، زوج النبي - ﷺ - ولد بأرض الحبشة في السنة الثانية من الهجرة، وتوفي رسول الله - ﷺ - وله تسع سنين، ومات في زمن عبد الملك بن مروان بالمدينة وله ثلاث وثمانين سنة. حفظ عن رسول الله - ﷺ -، ورى عنه أحاديث وعنه جماعة. كذا قاله علي القاري استأذن أي: طلب عمر ابن أبي سلمة عن عمر بن الخطاب ﵁ أن يعتمر في شَوَّال، أي: من المدينة ونحن هنا فأذن له عمر، فاعتمر في شَوَّال، ثم قَفَلَ أي: رجع إلى أهله أي: بلده ولم يَحُجّ أي: في تلك السنة، وفي هذا دليل على جواز العمرة في أشهر الحج، وفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄. أنه قال: كانوا أي: أهل الجاهلية يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض.\nقال العلماء: هذا من مبتدعاتهم الباطلة التي لا أصل لها ولابن حبان عن ابن عباس قال: والله ما أعمر رسول الله - ﷺ - عائشة ﵂ في ذي الحجة إلا ليقطع ذلك أمر المشركين، فإن هذا الحي من قريش، ومن دان دينهم كانوا يقولون. . . فذكر نحوه.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: نعمل بما روي سعيد بن المسيب عن عمر بن أبي سلمة ﵄ ولا مُتْعَة عليه، أي: لا دم عليه للمتمتع وإن شرطه أن يجتمع عمرته وحجته في أشهر الحج مع إحرامه في سنة واحدة وهو قولُ أبي حنيفة رحمه الله تعالى هذا يدل على أنه المكي أيضًا لو اعتمر ولم يحج في عامه لا يجب عليه شيء، خلافًا لابن الهمام ومن تابعه من الأنام وسنقرر هذا المبحث رواية ودراية في هذا المقام.\n* * *\n\n٤٤٨ - أخبرنا مالك، حدثنا صَدَقَة بن يَسَار المكي، عن عبد الله بن عمر،\n_________\n(٤٤٨) إسناده صحيح.","vol":"2","page":382},{"text":"أنَّه قال: لأَنْ أعتمر قبل الحج، فأهدي، أحَبُّ إليَّ من أن أعتمر في ذي الحجَّة بعد الحجّ.\nقال محمد: كل هذا حَسَنٌ وَاسِعٌ، إن شاءَ فعل، وإن شاءَ قَرَن وأَهْدَى، فهو أفضل من ذلك.\nأخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا، أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا، وفي أخرى: ثنا صَدَقَة بن يَسَار المكي، الجوزي، ثقة كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل مكة، مات في أول خلافة بني العباس، وكان ذلك سنة اثنين وثلاثين ومائة من الهجرة. كذا قاله ابن حجر في (التقريب) (١) (ق ٤٨٤) عن عبد الله بن عمر، أنَّه قال: لأَنْ أعتمر أي: في أشهر الحج قبل الحج، أي: قبل أن أحج بأن أكون قارنًا أو متمتعًا فأهديَ، أي: لأحدهما شكرًا للجمع بينهما أحَبُّ إليَّ من أن أعتمر في ذي الحجَّة أي: بعد أيام التشريق بعد الحجّ أي: بعد أن أحج.\nقال محمد: كل هذا أي: كل ما ذكر من أنواع الحج قرانًا وتمتعًا وإفرادًا حَسَنٌ أي: مستحسن وَاسِعٌ، أي: جائز فعله، وفي نسخة: واسع حسن إن شاءَ فعل، أي: ما ذكره من الإِفراد وإن شاءَ قَرَن أي: جمع بين النسكين بأحد النوعين وأَهْدَى، أي: ذبح في منى أو صام بدله، كما هو معروف فهو أي: القران بنوعيه، وفي نسخة: وهو بالواو أفضل من ذلك أي من الإِفراد، وفي نسخة: ومن ذلك كله أي: من جميع ما ذكر من أنواع الحج، كما نقرره في محله إن شاء الله تعالى.\n* * *\n\n٤٤٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا هشام بن عُرْوَةَ، عن أبيه، أن النبي - ﷺ - لم يعتمر إلا ثلاثَ عُمَرٍ؛ إحداهنّ في شَوَّال، والاثنتين في ذي الْقَعْدَة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أو أنا، وفي أخرى: ثنا أخبرنا وفي نسخة:\n_________\n(١) التقريب (١/ ٢٧٦).\n(٤٤٩) إسناده صحيح.","vol":"2","page":383},{"text":"قال: ثنا، هشام بن عُرْوَةَ، أي: ابن الزبير بن العوام الأسدي المدني، ثقة فقيه ربما دلس، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة ست أو خمس وأربعين من الهجرة، وله سبع وثمانون سنة كذا قاله ابن حجر (١) عن أبيه، عن عروة مرسلًا أن النبي - ﷺ - لم يعتمر أي: بعد الهجرة إلا عُمَرٍ؛ بضم ففتح ويصرف جمع عمرة إحداهنّ في شَوَّال، والاثنتين في ذي الْقَعْدَة بفتح القاف وبكسر. كذا في نسخة الشارح وفي (المتون) ذي القعدة بالإِفراد، وفي الصحيحين (٢) وسنن الترمذي (٣) وأبي داود (٤) عن قتادة قال: سألت أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه عن كم حج رسول الله - ﷺ - قال: حج حجة واحدة واعتمر أربع عمر، عمرة في ذي القعدة، وعمرة في الحديبية، وعمرة مع حجه، وعمرة الجعرانة حيث قسم غنيمة حنين، ولفظه رواية الترمذي، وقال: حسن صحيح، وفي رواية الصحيحين: اعتمر أربع عمر كلها في ذي القعدة إلا التي مع حجته، عمرة الحديبية أو زمن الحديبية في ذي القعدة من العام المقبلة في ذي القعدة، وعمرة من جعرانة حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة وعمرة في حجته، وفي رواية أبي داود عن عون عن عائشة ﵂ أنها قالت: أن رسول الله - ﷺ - اعتمر عمرتين ذي القعدة وعمرة في شوال، فلعلها أراد بها التي في ضمن حجته، ووقع ابتداء إحرامه وشروعه في إحرامه في شوال، ولم يذكر عمرة وهي الحديبية أولًا؛ حيث لم يأت النبي - ﷺ - بأفعالها في ذلك العام ويؤيده أنه في رواية أبي داود عن مجاهد سئل ابن عمر: كم اعتمر النبي - ﷺ - قال: عمرتين فبلغ عائشة لقد علم أن رسول الله اعتمر ثلاث سوى التي قرنها بحجة الوداع وكان ابن عمر لم يعد المقرونة بالحج، فإنه - ﷺ - كانا قارنًا لعمره المفردة في الحقيقة شأن إحديهما عمرة القضاء بعد عام الحديببة وعمرة الجعرانة هذا.\nوعن عروة بن الزبير قال: كنت أنا وابن عمر مستندين إلى حجرة عائشة وإنا لنسمع صوتها بالسؤال قال: فقلت: يا أبا عبد الرحمن اعتمر النبي - ﷺ - في رجب؟ قال: نعم\n_________\n(١) التقريب (١/ ٥٧٣).\n(٢) البخاري (٤/ ١٥٩٩) ومسلم (٢/ ٩١٦).\n(٣) الترمذي (٣/ ١٧٩).\n(٤) أبو داود (٢/ ١٥٠).","vol":"2","page":384},{"text":"فقلت لعائشة: أي (ق ٤٨٥) أختاه أما تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن قالت: وما يقول؟ يقول: اعتمر النبي - ﷺ - في رجب فقالت: يغفر الله لأبي عبد الرحمن لعمري ما اعتمر في رجب وما اعتمر من عمرة إلا وأنا معه قال: وابن عمر يسمع ما قال لا ولا نعم سكت واحتاج بعضهم إلى تأويل ما وقع عن عائشة ﵂ من أنه اعتمر في شوال وعن ابن عمر من أنه اعتمر في رجب، فقال: إنما يجوز نسبته إلى النبي - ﷺ - باعتبار أنه أمر الناس بها، فعملت بحضرته وقدرها لا أنه - ﷺ - بنفسه اعتمرها، كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان جواز العمرة في أشهر الحج، شرع في بيان فضل العمرة في شهر رمضان، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>باب فضل العمرة في شهر رمضان</span>\nفي بيان فضل العمرة في رمضان، أي: في أيامه أو لياليه، لاجتماع شرف الزمان والمكان.\n٤٥٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا سُمَيّ مَوْلَى أبي بكر بن عبد الرحمن، أنَّه سمع مَوْلاهُ أبا بكر بن عبد الرحمن يقول: جاءَت امرأة إلى النبي - ﷺ - فقالت: إني كنت تجَهَّزْتُ للحجّ وأردته، فاعْتُرِضَ لي، فقال لها رسول الله - ﷺ -: \"اعتمري في رمضان، فإنَّ عُمْرةً فيه كحِجَّةٍ\".\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا رمزًا إلى أخبرنا وفي نسخة أخرى: ثنا رمزًا، إلى حدثنا أخبرنا وفي نسخة: قال: ثنا سُمَيّ بالتصغير مَوْلَى أبي بكر بن عبد الرحمن، بن الحارث بن هشام، ثقة كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ثلاثين ومائة مقتولًا بقديد. كذا قاله ابن حجر (١) أنَّه سمع مَوْلاهُ أبا بكر بن عبد الرحمن والمولى يطلق على الرقيق تارة وعلى السيد أخرى\n_________\n(٤٥٠) إسناده صحيح.\n(١) التقريب (١/ ٢٦٦).","vol":"2","page":385},{"text":"يقول أبو بكر بن عبد الرحمن المخزومي اسمه عبد الله كان صدوقًا، في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة: كذا في (التقريب) (١) جاءَت امرأة إلى النبي - ﷺ - فقالت: إني كنتُ تجَهَّزْتُ للحجّ أي: هيئات ما لزم في طريق الحج وأردته، فاعْتُرِضَ لي، بصيغة المجهول أي: فحصل لي عارض كان مانعًا من خروجي، وفي بعض طرقه: فأصابتنا هذه القرحة الحصبة أو الجدري كذا ذكره السيوطي فقال لها رسول الله - ﷺ -: \"اعتمري في رمضان، فإنَّ عُمْرةً فيه كحِجَّة\" أي: أن ثواب العمرة في رمضان كثواب الحج المبرور، كما روى مالك في (موطئه) عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلى الجنة\"، وفيه أن أعمال البر قد تفضل بعضها على بعض في أوقات، وأن الشهور بعضها أفضل من بعض والعمل في بعضها أفضل من بعض، وأن شهر رمضان بما يتضاعف فيه عمل البر وذلك دليل على عظم فضله، وأن الحج أفضل من العمرة، لما فيه من زيادة المشقة والعمل، لأم طليق قصة مثل هذه أخرجها ابن السكن وابن منده في (الصحابة) والدولابي في (الكنى) من طريق ابن حبيب أن أبا طلق حدثه أن امرأته أم طليق قالت له وكان له جمل يغزو عليه وناقة يحج عليها: أعطني جملك أحج عليه قال: جملي حبس في سبيل الله فقالت: إن الحج في سبيل الله قالت: فأعطني الناقة وحج أنت على الجمل قال: لا أوثرك على نفسي من نفقتك قال: ما عندي فضل غنى وعن عيالي ما أخرج به وما أترك لكم قالت: إنك لو أعطيتني أخلفه الله، فلما أبيت عليها قالت: إذا لقيت رسول الله - ﷺ - فأقرئه مني (ق ٤٨٦) السلام وأخبره بالذي قلت لك، فأتيته فأقرأته السلام منها، وأخبرته بما قالت فقال: \"صدقت أم طليق لو أعطيتها الجمل لكان في سبيل الله، ولو أعطيتها الناقة لكانت وكنت في سبيل الله، ولو أعطيتها من نفقتك لأخلفها الله\" وسألته ما يعدل الحج؟ قال: \"عمرة في رمضان\"، وسنده جيد.\nقال الحافظ: وزعم ابن عبد البر أن أم معقل هي أم طليق لها كنيتان، وفيه نظر؛ لأن أبا معقل مات في عهد النبي - ﷺ -، وأن أبا طلق عاش حتى سمع منه طلق بن حبيب، وهو من صغار التابعين فدل على تغاير المرأتين، ويدل عليه تغاير السياقين أيضًا.\n_________\n(١) التقريب (١/ ٦٢٣).","vol":"2","page":386},{"text":"وفي البخاري (١) ومسلم (٢) وغيرهما عن ابن عباس ﵄ لما رجع النبي - ﷺ - من حجته قال لأم سنان الأنصارية: \"ما منعك من الحج؟ \" قالت: كان لنا ناضحان، أي: ناقتان فركب أبو فلان؛ أي: زوجها وابنها على إحديهما والآخر ينبغي أرضا لنا قال: \"فإذا كان رمضان فاعتمري فيه، فإن عمرة في رمضان تعدل في حجة معي\"، والظاهر أن المراد بهذه العمرة أن تكون إفاقية، ولهذا لم تجوِّز الحنبلية غيرها، وأما عند الحنفية والشافعية فيحتمل أن تكون شاملة لعمرة إفاقية ومكية فيستحب إنهاؤها لأهل مكة إلا أن المالكية يقولون بكراهة العمرة زيادة على المرة في كل سنة، فعلى هذا صرف الأوقات إلى الطواف أفضل من تعدد العمرات للمكي ومن بمعناه، إذ الأولى استحبابه مجمع عليه، بخلاف الثاني لاختلاف وقع فيه المقصود باللذات، وهو الطواف في ذلك المقام، وإنما الإِتيان بالإِحرام وسيلة إلى ذلك المرام. كذا قاله الزرقاني وعلي القاري.\nلما فرغ من بيان فضل العمرة في شهر رمضان، شرع في بيان المتمتع، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-192>باب المتمتع ما يجب عليه من الهدي</span>\nبالتنوين على أنه مرفوع خبر لمبتدأ محذوف، كما قدرناه المتمتع بصيغة اسم الفاعل من التمتع، وهو في اللغة الانتفاع أو النفع وفي الشرع المتمتع هو الذي يحرم بعمرة من الميقات في أشهر الحج، ويطوف بالبيت للعمرة، ثم يسعى بين الصفا والمروة، ويحلق رأسه أو يقصر للخروج من الإِحرام إن شاء أو بقي محرمًا حتى يحرم للحج، ويتحلل من الإِحرامين يوم النحر إن لم يسق الهدي، وإن ساقه لا يتحلل إلى أن يبلغ يوم النحر كما قال ما أي: من يجب عليه من الهدي، فالمتمتع مرفوع مبتدأ وكلمة ما موصولة أو موصوفة، ولفظ يجب خبره، ومن الهدي مرفوع الحل على أنه فاعل يجب، فمن زائدة وإنما آثر المصنف ذكر كلمة ما على من الموضوعة لذي العلم المناسب بهذا المقام لإِرادة معنى الوصفية هو معنى اسم الفاعل؛ الذي هو المتمتع، فإن كلهم ما تستعمل في الصفات، فإذا أردت أن\n_________\n(١) البخاري (١٧٦٤).\n(٢) مسلم (١٢٥٦).","vol":"2","page":387},{"text":"تسأل عن صفة زيد تقول: ما هو، والجواب عنه عالم زاهد، وإذا سألت عن ذاته تقول: من هو فالجواب عنه أنه زيد، إلا أنه عدل عن كلمة من إلى ما، لدلالته على الوصفية وبلوغ الوصف إلى أقصى (ق ٤٨٧) الغاية، بحيث يكون الموصوف عجيب الشأن يحسب اتصاف به أو لإِرادة تفخيم لشأن المتمتع وتعجيبًا لأمره، وأي عجب مما إذا أراد المتمتع الإِحرام، وقال: اللهم إني أريد العمرة فيسرها لي وتقبلها مني، اللهم لبيك، يقول الرب: أنا لبيك ومتجل عليك، فاسأل ما تريد وأنا أقرب إليك من حبل الوريد، فاطلب تفصيل هذا في حاشية تفسير قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥] من كتابنا (نور الأفئدة) وفي حل الإِحرام من (سلم الفلاح).\n٤٥١ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن دينار، قال: سمعتُ عبد الله بن عمر يقول: مَنْ اعتمر في أشهر الحجّ في شَوَّال، أو ذي القعْدَة، أو ذي الحجة، فقد استمتع ووَجَبَ عليه الهدي، أو الصيام إن لم يجد هَدْيًا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: أنا، وفي أخرى: ثنا حدثنا عبد الله بن دينار، العدوي، يكنى أبا عبد الرحمن المدني، مولى ابن عمر ثقة، في الطبقة الرابعة من طبقات أهل المدينة، مات سنة سبع وعشرين ومائة من الهجرة قال: سمعتُ عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁ أنه يقول: مَنْ اعتمر في أشهر الحجّ وهو مجمل بيان قوله في شَوَّال، أو ذي القعْدَة، بكسر القاف وفتحها وكلمة \"أو\" هنا وفيما بعده للتنويع أو ذي الحجة، أي: في العشر الأول من ذي الحجة بكسر الحاء المهملة، لا غير والمراد به تسعة أيام منه ففي إطلاق الكل وإرادة البعض، وتسميتها شهرًا تغليب الأكثر فقد استمتع أي: صار متمتعًا إن حج في عامه ذلك ووَجَبَ عليه الهدي، أي: دم الشكر للجمع بين النسكين، وهما العمرة والحج في سفر واحد أو الصيام أي: وجب الصيام ثلاثة أيام من أشهر الحج ويكن آخر الأيام يوم عرفة فيصوم يومًا قبل يوم التروية ويومًا يوم التروية ويومًا يوم عرفة، ولا يجوز صوم الثلاثة في يوم النحر وأيام التشريق عند أبي حنيفة، وقيل: يجوز صوم الثلاثة في يوم النحر وأيام التشريق عند الثلاثة وصيام سبعة أيام إذا رجع من منى إلى بلده، فلو صامها قبل الرجوع لم يجز عند الأكثر، ومنهم الشافعي\n_________\n(٤٥١) إسناده صحيح.","vol":"2","page":388},{"text":"وقيل: يجوز صيامهما بعد الفراغ من أعمال الحج، وبه قال أبو حنيفة وقال الزهري: وهو المراد من الرجوع في الآية من قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦].\nقال مالك وذلك إذا أقام حتى الحج ثم حج عن عامه، فلو لم يحج منه أو أعاد إلى بلده ثم حج في عامه لم يكن متمتعًا إن لم يجد هَدْيًا أي: أو ثمنه يوم النحر، فإنه يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع من حجه أو بلده، فالقران في معنى التمتع من جهة الهدي أو الصيام.\n* * *\n\n٤٥٢ - أخبرنا مالك، حدثنا ابن شهاب، عن عُرْوَة بن الزُّبَيْر، عن عائشة، أنها كانت تقول: الصيام لمن تمتَّعَ بالعُمْرَة إلى الحجّ، فمن لم يجد هَدْيًا ما بينَ أن يُهِلَّ بالحجّ إلى يوم عرفة؛ فإن لم يصم صام أيامَ مِنًى.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا، حدثنا وفي نسخة: قال: بنا أو أنا، ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، المدني ثقة فقيه، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين من الهجرة على الصحيح. كذا قاله ابن حجر (١) عن عائشة، ﵂ أنها كانت تقول: الصيام أي: الأيام الثلاثة لمن تمتَّعَ أو استمتع وانتفع بالتقرب إلى الله بالعُمْرَة إلى الحجّ، أي: إلى وقت الحج يعني: قبل انتفاعه بتقربه إليه بالحج فمن أي: من أجل من، وفي نسخة: لمن أي: مختص لمن لم يجد هَدْيًا أي: يوم النحر فقوله: ما بينَ أن يُهِلَّ بالحجّ أي: أن يحرم به؛ لأنه أول وقت وجوب الهدي أو بل (ق ٤٨٨) والمشهور عن أبي حنيفة وأحمد أنه إذا أحرم جاز له صومها إلى يوم عرفة؛ ظرف للصيام، والمعنى أنه يجب أن يقع الصيام ثلاثة أيام ما بينهما متوالية أو متفرقة، فالأفضل أن يؤخرها إلى أن يقع آخرها يوم عرفة رجاء أن يجد الهدي؛ الذي هو الأصل، فإن فاته كلمة أو بعضه تعين الهدي في ذمته\n_________\n(٤٥٢) إسناده صحيح.\n(١) في التقريب (١/ ٧٠٧).","vol":"2","page":389},{"text":"عندنا، وأما قولهما: فإن لم يصم أي: قبل عرفة صام أيامَ مِنًى فأخذ به، وهو رواية عن أحمد وقول للشافعي، والأظهر عنده عدم جوازه كمذهبنا ثم لا يفوت صومهما بفوت يوم عرفة إلا عند أبي حنيفة، وأما على الراجح من مذهب الشافعي فيصومهما بعد ذلك ولا يجب بتأخيرها غير القضاء وإن أخره بغير عذر لزمه دم عند أحمد، وإذا وجد الهدي وهو في صومها استحب له الانتقال إلى الهدي.\nوقال أبو حنيفة: يلزمه ذلك، وأما صوم السبعة فعند الشافعي قولان: أصحهما إذا رجع إلى أهله، وهو مذهب أحمد، والثاني الجواز قبل الرجوع، وفي وقت جواز ذلك وجهان أحدهما: إذا خرج من مكة وهو قول مالك، وثانيهما: إذا فرغ من الحج وإن كان بمكة وهو قول أبي حنيفة، هذا وقد ذكر يحيى هذين الحديثين في صيام المتمتع.\n* * *\n\n٤٥٣ - أخبرنا مالك، حدثنا ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر، مثل ذلك.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا حدثنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري المدني الثقة، كان من الطبقة الرابعة، من طبقات التابعين، من أهل المدينة عن سالم بن عبد الله، بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، يكنى أبا عمرو وأبا عبد الله المدني أحد الفقهاء السبعة، وكان ثبتًا عابدًا فاضلًا يشبه بأبيه في الهدي والسمت، وكان في الطبقة الثانية من كبار طبقات التابعين من أهل المدينة، كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة من الأرض عن عبد الله بن عمر، مثل ذلك أي: مثل قول عائشة ﵂.\n* * *\n\n٤٥٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أنَّه سمع سعيد بن المسيَّب\n_________\n(٤٥٣) إسناده صحيح.\n(٤٥٤) إسناده صحيح.","vol":"2","page":390},{"text":"يقول: مَنْ اعتمر في أشهر الحج في شَوَّال، أو في ذي القعْدَة، أو في ذي الحجة، ثم أقام حتى يَحُجّ فهو مُتَمَتِّع، قد وَجَبَ عليه ما اسْتَيْسَرَ من الهَدْي، أو الصيام إن لم يجد هَدْيًا، وَمَنْ رجع إلى أهله ثم حَجّ فليس بمتمتِّع.\nقال محمد: وبهذا كُلِّه نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة والعامّة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أو أنا، وفي نسخة أخرى: ثنا أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا أو أنا، وفي نسخة أخرى: ثنا يحيى بن سعيد، بن قيس الأنصاري المدني، يكنى أبا سعيد القاضي، ثقة تابعي ثبت، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة مات سنة أربع وأربعين. كذا قاله ابن حجر (١) أنَّه سمع سعيد بن المسيَّب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات، كان في الطبقة الأولى من طبقات فقهاء كبار التابعين، من أهل المدينة، اتفقوا على أن مرسلاته أصلح المراسيل.\nوقال المدني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه، وقيل: إنه سيد التابعين، وقيل: أفضلهم مع أنه ورد خير التابعين أويس القرني، كذا قاله ابن الجوزي وابن حجر في (طبقاته) و(تقريبه) يقول: مَنْ اعتمر في أشهر الحج في شَوَّال، أو في ذي القعْدَة، بفتح وكسرها أي: بأن وقع أكثر طواف عمرته في الأشهر أو في ذي الحجة، ثم أقام أي: بمكة أو غيرها من غير رجوع إلى بلده حتى يَحُجّ أي: في تلك السنة فهو مُتَمَتِّع، قد وَجَبَ عليه ما اسْتَيْسَرَ من الهَدْي، وأقله شاة أو الصيام أي: المعروف مِن الأيام العشرة إن لم يجد هَدْيًا، وَمَنْ رجع إلى أهله أي: بعد إتمامه أفعال عمرته ثم حَجّ فليس بمتمتِّع أما لو رجع قبل الطواف أو بعده قبل الحلق ثم عاد وحج كان متمتعًا؛ لأن إلمامه أي: نزوله إلى بلده فاسد هنا بخلاف الأول فإن إلمامه صحيح.\nقال محمد: وبهذا (ق ٤٨٩) كُلِّه نأخذ، أي: إنما نعمل بجميع ما روى يحيى بن سعيد بن المسيب أي: ما قاله يحيى بن سعيد وهو قولُ أبي حنيفة والعامّة من فقهائنا أي من العلماء الحنفية.\n_________\n(١) في التقريب (١/ ٥٩١).","vol":"2","page":391},{"text":"لما فرغ من بيان حكم حال المتمتع، شرع في بيان حكم الرمل بالبيت الحرام، فقال: هذا\n* * *\n\n٢٨ -<span data-type=\"title\" id=toc-193> باب الرمل بالبيت</span>\nفي بيان حكم الرمل بالبيت أي: الكعبة بفتح الراء والميم والمهملتين واللام أن يحرك في مشيه كتفيه كالبارز يتبختر بين الصفين.\n٤٥٥ - أخبرنا مالك، حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه، عن جابر بن عبد الله الحَرَامي، أنَّ رسول الله - ﷺ - رَمَلَ من الحَجَر إلى الحَجَر.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، والرَّمل ثلاثة أشواط من الحَجَر إلى الحَجَر، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامَّةِ من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: قال: ثنا حدثنا وفي نسخة: قال: ثنا جعفر الصادق ابن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، يكنى أبا عبد الله المعروف بالصادق، فقيه إمام، كان في الطبقة السادسة من طبقات أتباع التابعين من أهل المدينة، مات سنة ثمان وأربعين ومائة عن أبيه، أي: محمد الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب.\nومن مناقب جعفر الصادق أنه قال: الصواعق تصيب المؤمن وغير المؤمن ولا تصيب الذاكر.\nوقال: الغني والعز يجولان في طلب المؤمن؛ فإذا أوصلا إلى مكان فيه التوكل لوصلاه. وقال: ما دخلت قلب أمرئ شيء من الكبر إلا نقص من عقله مثل ما دخله قل أو كثر، وقال: سلاح اللئام قبيح الكلام، وقال: لموت العالم أحب إلى الشيطان من موت سبعين عابدًا. وقال: ما اغرورقت عين بمائها إلا حرم الله وجه صاحبها على النار، فإن سالت على الخدين لم يرهق وجهه قتر ولا ذلة، وما من شيء إلا له جزاء إلا الدمعة، فإن الله يكفر بها بحور الخطايا، ولو أن باكيًا بكى في أمة لحرم الله تلك الأمة على النار، وقال\n_________\n(٤٥٥) صحيح: أخرجه مسلم في صحيحه (١٢٦٣) والترمذي (٣/ ٢١٢).","vol":"2","page":392},{"text":"لابنه يا بني إياك والكسل والضجر، فإنهما مفتاح كل شر، إنك إن كسلت لم ترد حقًا وإن ضجرت لم تقر على حق، عن عروة بن عبد العزيز قال: سألت محمدًا عن حلية السيوف فقال: لا بأس به قد حلى أبو بكر الصديق سيفه، قلت: وتقول الصديق، فوثب وثبة واستقبل القبلة ثم قال: نعم الصديق، نعم الصديق، نعم الصديق فمن لم يقل الصديق فلا صدق الله قولًا في الدنيا وفي الآخرة وعن جابر قال: قال لي محمد: بلغني أن قومًا بالعراق يزعمون أنهم يحبون وينالون أبا بكر وعمر ويزعمون أني أمرتهم بذلك، فأبلغهم أني إلى الله بريء منهم، والذي نفس محمد بيده لو وليت لتقربت لله تعالى بدمائهم، لا نالني شفاعة محمد أن لم أكن أستغفر لهما وأترحم عليهما، إن أعداء الله لغافلون عنهما يا جابر، إني لمحذور وإني لمشغل القلب.\nقلت: وما ذاك قال: إنه من دخل قلبه صافي خالص دين الله شغله الله عما سواه في الدنيا، وما عسى أن تكون هل هو إلا مركب ركبته أو ثوب لبسته أو امرأة أصبتها إن المؤمنين لم يطمئنوا إلى الدنيا لبقاء فيها، ولم يأمنوا قدوم الآخرة عليهم ولم يصمهم عن ذكر الله تعالى ما سمعوا بآذانهم من الفتنة، ولم يعمهم عن نور الله تعالى ما رأوها بأعينهم من الريبة، فقال: بثواب الأبرار، وإن ذكرت أعانوك قولين بحق قوامين بأمر الله، فأنزل الدنيا كمنزل نزلت به، وخرج حاجًا فلما دخل المسجد الحرام نظر إلى البيت فبكى حتى علا صوته، فقال له مولاه: أفلح بأبي وأمي إن الناس ينظرون (ق ٤٩٠) إليك فلو رفعت بصوتك قليلًا قال: ويحك ولم لا أبكي لعل الله ينظر إليَّ منة برحمته فأفوز بها عنده غدًا، ثم طاف بالبيت، ثم ركع عند المقام فرفع رأسه من سجوده فإذا موضع سجوده مبتل من دموعه. عن عبد الله بن عطاء قال: ما رأيت العلماء عند أحدًا أصغر علمًا منهم عند محمد، لقد رأيت الحاكم عنده كان متعلمًا وفقد بلغه له، فقال: لئن ردها الله تعالى لأحمدنه بمحامد يرضاها، فما لبس أن أتى بها بسرجها ولجامها فركبها، فلما استوى عليها وضم إليه ثيابه رفع رأسه إلى السماء وقال: الحمد كله لله لم يزد عليها، وكان يقول في جوف الليل: أمرتني فلم آتمر وزجرتني فلم أذدجر، هذا عبدك بين يدك، ولا اعتذر، وقال: وكفى بالمرء عيبًا أن يبصر من الناس ما يعمر عليه من نفسه وأن يأمر الناس بما لا يستطيع التحول عنه، وأن يؤذي جليسه بما لا يعنيه أوصى أن يكفن في ثوبه الذي كان يصلي فيه كذا قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي في (طبقاته) عن جابر بن عبد الله","vol":"2","page":393},{"text":"الحَرَامي، بفتح الحاء المهملة والراء المهملة ضد الحلال نسبة إلى جده حرام بن كعب الأنصاري، ثم السلمي بفتح السين المهملة واللام، صحابي ابن صحابي، غزا تسع عشرة غزوة وشهد العقبة الثانية مع أبيه وهو صغير، وكان من المكثرين الحفاظ المسنين، كف بصره في آخر عمره، ومات بالمدينة بعد السبعين من الهجرة، وهو ابن أربعة وتسعين سنة كذا قاله ابن حجر في (التقريب) (١).\nوالشارح علي القاري في شرح هذا لحديث أنَّ رسول الله - ﷺ - رَمَلَ أي: في طواف القدوم كما في حديث ابن عمر من الحَجَر أي: الأسود منتهى إلى الحَجَر وهو بفتحتين فيهما؛ ففي الصحيحين عن ابن عمر ﵄: كان - ﷺ - إذا طاف في الحج والعمرة أول ما يقدم؛ فإنه يسعى ثلاثة أطواف بالبيت، ثم يمشي أربعة أشواط ثم يصلي سجدتين، ثم يطوف بين الصفا والمروة، وفي رواية لهما: كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول خب ثلاثًا فمشى أربعًا، وكان السعي ببطن المسيل إذا طاف بين الصفا والمروة، وكان ابن عمر يفعل ذلك، فالرمل سنة في الثلاثة الأول، فلو ترك فيها بقي كتارك السورة في الركعتين الأوليين لا يقرؤها في الأخريين؛ لأن هيئة الطواف في الأربع الأخيرة السكينة، فلا تغير ولا فرق في سنية الرمل بين ماش وراكب ومحمول لمرض أو صبي، ولا دم بتركه عند الجمهور، وظاهر هذا الحديث استيعاب الرمل في جميع الطواف.\nوفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄: قدم رسول الله - ﷺ - وأصحابه فقال المشركون: إنه يقدم عليكم وقد هنتهم حمى يثرب فأمرهم النبي - ﷺ - أن يرملوا الأشواط الثلاثة وأن يمشوا ما بين الركنين ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا بقي عليهم، وهذا صريح في عدم الاستيعاب فيعارض حديث جابر وأجيب، بأنه متأخر لكونه في حجة الوداع في سنة عشر فهو ناسخ لحديث ابن عباس ففي القضية سنة سبع، وكان في المسلمين ضعف بالبدن فرملوا إظهار القوة واحتاجوا إلى ذلك فيما عدا بين الركنين اليمانيين؛ لأن المشركين جلوس في الحجر فلا يرونهم بينهما فلما حج - ﷺ - سنة عشر رمل من الحجر إلى الحجر فوجب الأخذ به؛ لأنه الآخر من فعل النبي - ﷺ -. وحديث الباب رواه مسلم (٢) عن القعنبي ويحيى عن مالك، ومن طريق ابن وهب عن مالك وابن\n_________\n(١) التقريب (١/ ١٣٦).\n(٢) مسلم (١٢٦٣).","vol":"2","page":394},{"text":"جريج بلفظ: أن رسول الله - ﷺ - رمل الثلاثة أطواف من الحجر إلى الحجر.\nقال مالك: وذلك الأمر الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا، وقال به جميع العلماء إلا ابن عباس، وفي مسلم وغيره عن أبي الطفيل قلت لابن عباس: أرأيت هذا الرمل بالبيت ثلاثة أطواف ومشي أربعة أسنة هو، فإن قومك يزعمون أنها سنة؟ قال: صدقوا وكذبوا قال: إن رسول الله - ﷺ - قدم مكة، فقال المشركون: إن محمدًا وأصحابه لا يستطيعون أن يطوفوا بالبيت من الهزال، وكانوا يحسدونه فأمرهم أن يرملوا ثلاثًا ويمشي أربعًا أي: صدقوا في أن المصطفى فعله وكذبوا في أنه سنة، لإِظهار القوة للكفار، وقد ذال ذلك المعنى. هذا معنى كلامه، وكان عمر بن الخطاب لحظ هذا المعنى ثم رجع عنه ففي الصحيحين أنه قال: ما لنا وللرمل، إنما كنا رأينا المشركين وقد أهلكهم الله ثم قال: شيء صنعه النبي - ﷺ - ولم نحب أن نتركه.\nزاد الإِسماعيلي: ثم رمل فهم بتركه لفقد سببه ثم رجع لاحتمال أنه له حكمة لم يطلع عليها، فراعى الاتباع أولى، وقد يكون فعله باعثًا عن تذكر سببه، فيذكر نعمة الله تعالى على أن أعز الإِسلام وأهله ثم لا يشكل قوله رأينا مع أن الرياء بالعمل مذموم؛ لأن صورته وإن كانت صورته الرياء لكنها ليست مذمومة؛ لأن المذموم يظهر العمل ليقال: إنه عامل ويعمله إذا لم يره أحد، وما وقع لهم إنما هو من المخادعة في الحرب لأنهم أوهموا المشركين أنهم أقوياء لئلا يطمعوا فيهم وقد صح: \"الحرب خدعة\"، كما قاله الزرقاني (١).\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: نعمل بحديث جابر بن عبد الله الحرامي الرَّمل ثلاثة أشواط وفي نسخة: وفي ثلاثة أشواط من الحَجَر إلي الحَجَر، أي: الأسود لا ركن اليماني كما قال بعضهم وهو أي: ما قاله جابر بن عبد الله الحرامي قولُ أبي حنيفة، والعامَّةِ من فقهائنا أي: من أتباع أبي حنيفة ﵀ ونفعنا الله بعلمه وبركته، وأما الاضطباع فمن أول أطوافه إلى آخره لما روى أبو داود (٢) والمنذري وقال: حديث حسن عن ابن عباس ﵄ أن رسول - ﷺ - وأصحابه اعتمروا من الجعرانة فرملوا بالبيت وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم ثم قذفوها على عواتقهم اليسرى تفسير لقوله: وأما\n_________\n(١) في شرحه (٢/ ٤٠٤).\n(٢) أبو داود (١٨٨٤).","vol":"2","page":395},{"text":"الاضطباع ثم الرمل والاضطباع سنتان في كل طواف بعده سعي عند المالكية واجبتان عند الحنفية والشافعية.\nلما فرغ من بيان حكم الرمل بالبيت، شرع في بيان حكم الرمل للمكي وغيره، فقال: هذا\n* * *\n\n٢٩ -<span data-type=\"title\" id=toc-194> باب المكي وغيره يحج أو يعتمر .. هل يجب عليه الرمل</span>؟\nفي بيان حكم حال المكي وغيره يحج أو يعتمر فكلمة \"أو\" للتنويع وفيها رد لمذهب أحمد بن حنبل؛ فإنه لم يجوز العمرة للمكي وفي جمعه المكي وغيره في هذه الترجمة في إشارة إلى أن المكي وغيره يجوز لهما أن يعتمر في سنة عمرات كثيرة عند الحنفية والشافعية خلافًا لمالك؛ فإنه لم يجوز العمرة للمكي إلا واحدة في سنة كما نقلنا في باب فضل العمرة في شهر رمضان هل يجب عليه أي: على المكي الرمل، أي: إذا طاف البيت في الأشواط الثلاثة الأول، وإنما اختار المصنف كلمة هل التي لطلب التصديق ولتخصيص المضارع بالاستقبال (ق ٤٩١) بحكم الوضع كالسين وسوف، وإشعار المعنيين، أحدهما: الرمل وثانيهما: وجوبه على الطائف كما قال الخطيب الدمشقي في (تلخيص المفتاح) حيث قال: كلمة هل بسيطة ومركبة البسيطة هي التي تطلب بها وجود الشيء أو لا وجوده كقوله: الحركة موجودة أو لا موجودة، والمركبة هي التي تطلب بها وجود الشيء أو لا وجوده له كقوله: هل الحركة دائمة أو لا دائمة، فإن المطلوب وجود المداوم للحركة أو لا وجوده لها، وكذلك المطلوب هنا وجوب الرمل على الطائف، فالاستفهام حينئذ للتقرير هنا وهو حمل المخاطب علي الإِقرار، والمعنى هل يجب الرمل على الطائف بل هو يجب عليه.\n٤٥٦ - أخبرنا مالك، حدثنا هشام بن عُرْوَةَ، عن أبيه أنَّه رَأى عبد الله بن الزُّبَيْر أحْرَمَ بِعُمْرَة من التَّنْعيم، قال: ثم رأيتُه سَعَى حول البيت؛ حين طافَ الأشواط الثلاثة.\n_________\n(٤٥٦) إسناده صحيح.","vol":"2","page":396},{"text":"قال محمد: وبهذا نأخذ، الرَّمَل واجب على أهل مكة وغيرهم، في العمرة والحَجّ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامَّةِ من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا حدثنا وفي نسخة: قال: ثنا هشام بن عُرْوَةَ، بن الزبير بن العوام الأسدي، ثقة فقيه ربما دلس، كان من الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة ست أو خمس وأربعين ومائة، وله سبع وثمانون سنة عن أبيه أي: عن عروة أنَّه أي: عروة رَأى أي: أخاه عبد الله بن الزُّبَيْر القرشي الأسدي المدني التابعي، يكنى أبا الحارث ثقة عابد، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة إحدى وعشرين ومائة من الهجرة كذا قاله الزرقاني أحْرَمَ بِعُمْرَة من التَّنْعيم، وهو المعروف الآن بمسجد عائشة قال: أي: عروة ثم رأيتُه أي: عبد الله سَعَى أي: رمل حول البيت؛ حين وفي نسخة: حتى لعلها تصحيف طافَ الأشواط الثلاثة أي: الأول.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: إنما نعمل بما رواه عروة بن الزبير عن أخيه عبد الله بن الزبير ونفتي بأن الرَّمَل واجب على أهل مكة وغيرهم، في العمرة والحَجّ؛ لأن دليله ظني وهو أي: القول وجوب الرمل في طواف الأشواط الثلاثة الأول على أهل مكة وغيرهم قولُ أبي حنيفة، والعامَّةِ صت فقهائنا أي: من أتباع أبي حنيفة خلافًا لمالك فإن الرمل في طواف الأشواط الثلاثة، الأول سنة لأهل مكة؛ لما روى عن نافع بن عبد الله المدني مولى ابن عمر أن عبد الله بن عمر: كان إذا أحرم من مكة لم يطف بالبيت طواف الإِفاضة ولا بين الصفا والمروة حتى يرجع من منى، وكان لا يرمل إذا طاف حول البيت إذا أحرم من مكة كذا في نسخة الشارح الزرقاني (١) للموطأ وليحيى عن مالك.\nلما فرغ من بيان حكم حال المكي وغيره يحج أو يعتمر هل يجب عليه الرمل، شرع في بيان حكم حال المعتمر والمعتمرة، فقال: هذا\n* * *\n_________\n(١) في شرحه (٢/ ٤٠٥).","vol":"2","page":397},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-195>باب المعتمر أو المعتمرة ما يجب عليهما من التقصير والهدي</span>\nفي بيان حكم حال المعتمر أو المعتمرة ما يجب عليهما من التقصير والهدي كلمة \"أو\" للتنويع، وجمع بينهما ليكون نصًا على اتحاد حكمها إلا أن التقصير يتعين في حق المرأة ويجوز في حق الرجل، وإن كان الحلق أفضل بالنسبة إليه وما مبتدأ وخبره جملة، وضمير التثنية عائد إلى المعتمر والمعتمرة، ومن التقصير متعلق إلى يجب وبيان.\n٤٥٧ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن أبي بكر، أن مَوْلاةً لَعَمْرَة بنت عبد الرحمن، يُقالُ لها: رُقَيَّة، أَخْبَرَتْهُ أنها كانت خرجت مع عَمْرَة بنت عبد الرحمن إلى مكة، قالت: فدخلت عَمْرَة مكة يوم التَّرْوِيَة، وأنا معها، قالت: فطافت بالبيت، وبين الصَّفا والمروة، ثم دخلت صُفَّة المسجد، فقالت: أَمَعَكِ مِقَصَّان؟ فقلتُ: لا، قالت: فالتمسيه لي، قالت: فالتمَسْتُهُ، حتى جئتُ به، فأخَذَتْ من قُرُون رأسها، قالت: فلما كان يوم النحر؛ ذبحت شاة.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، للمعتمر والمعتمرة، ينبغي أن يُقَصِّر من شعره إذا طافَ وسَعَى، فإذا كان يوم النحر ذبح ما اسْتَيْسَرَ من الهَدْيِ، وهو قولُ أبي حنيفة والعامّة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا حدثنا عبد الله بن أبي بكر، بن محمد بن عمرو بن حزم من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة من الهجرة، وهو ابن سبعين سنة كذا قاله ابن حجر (١) أن مَوْلاةً أي: معتقة لَعَمْرَة بفتح العين بنت عبد الرحمن، ابن أسعد بن زرارة (ق ٤٩٢) الأنصارية المدنية، كانت في الطبقة الثالثة من طبقات التابعيات المشهورات، وكانت في حجر عائشة أم المؤمنين، ﵂ وربتها وروت عنها كثيرًا من حديثها أو غيرها، وروى عنها جماعة، ماتت قبل المائة، ويقال بعدها كذا في (التقريب) (٢) يُقالُ لها أي: لمولاتها رُقَيَّة، بالتصغير أَخْبَرَتْهُ أي: عبد الله بن أبي بكر\n_________\n(٤٥٧) إسناده صحيح.\n(١) التقريب (١/ ٢٩٧).\n(٢) التقريب (١/ ٧٥٠).","vol":"2","page":398},{"text":"أنها كانت خرجت مع عَمْرَة بنت عبد الرحمن إلى مكة، أي: للحج متمتعة قالت: أي: رقية فدخلت عَمْرَة مكة يوم التَّرْوِيَة، وهو اليوم الثامن من ذي الحجة وأنا معها، أي: رفقة عمرة قالت: أي: رقية فطافت أي: عمرة بالبيت، أي: طواف العمرة وبين الصَّفا والمروة، أي: سعت بينهما لتمام العمرة ثم دخلت صُفَّة المسجد، بضم الصاد المهملة وفتح الفاء المشددة المفردة صفف كغرفة وغرف قال ابن حبيب: هي مؤخر المسجد، وقيل: هي قريبة من المسجد فقالت: أي: عمرة أَمَعَكِ أي: يا رقية مِقَصَّان؟ بكسر الميم وفتح القاف وتشديد الصاد المهملة المشددة، أي: مقراض كما في نسخة.\nوقال الجوهري: المقص المقراض، ويقال: مقصان إذ له طرفان يقصان فقلتُ: لا، قالت: فالتمسيه لي، أي: اطلبيه وحصليه لأجلي قالت: أي: رقية فالتمَسْتُهُ، أي: فطلبت المقراض ووجدته حتى جئتُ به، أي: وأعطيتها فأخَذَتْ من قُرُون أي: ضفائر رأسها أي: فقطعت أي: من شعر رأسها قدر أنملة من جميعها، قالت: أي: رقية فلما كان أي: وجد يوم النحر؛ ذبحت شاة أي: لتمتعها حيث أحرمت بالحج عقب تحللها من عمرتها.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: إنما نعمل بما رواه عبد الله بن أبي بكر للمعتمر والمعتمرة، أي: لأصلهما سواء كان في حكمهما ينبغي أي: يجب على المعتمر مطلقًا أن يُقَصِّر من شعره إذا طافَ أي: بالبيت وسَعَى، أي: بين الصفا والمروة، لكن التقصير في حق المتمتع بعد فراغ عمرته أفضل من حلقه ليكون الحلق بعد فراغ حجته فإذا كان يوم النحر ذبح أي: بعد الرمي قبل الحلق ما اسْتَيْسَرَ من الهَدْيِ، أي: وأقله شاة كما سيأتي وهو أي: ما قاله عبد الله بن أبي بكر قولُ أبي حنيفة والعامّة من فقائنا أي: من أتباع أبي حنيفة.\n* * *\n\n٤٥٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا جعفر بن محمد، عن أبيه، أنَّ علِيّا - ﵁ - كان يقول: ما اسْتَيْسَرَ من الهَدْي: شاةٌ.\n_________\n(٤٥٨) إسناده صحيح.","vol":"2","page":399},{"text":"• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: قال: ثنا أخبرنا جعفر بن محمد، وهو ابن علي بن الحسين بن على بن أبي طالب، الهاشمي، يكنى أبا عبد الله المعروف بمحمد الصادق، فقيه إمام كان في الطبقة السادسة من طبقات أتباع التابعين، مات سنة ثمان وأربعين ومائة كذا قاله ابن حجر (١) عن أبيه، أي: محمد الباقر الصادق أنَّ علِيّا أي: علي بن أبي طالب ﵁ كان يقول: ما اسْتَيْسَرَ من الهَدْي: شاةٌ؛ لأن النعم اسم للإِبل، والبقر والغنم، وقد سماها الله تعالى هديًا بقوله هديًا بالغ الكعبة، وهذا من بديع الاستنباط أو الفقه.\n* * *\n\n٤٥٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أنَّ عبد الله بن عمر، كان يقول: ما اسْتَيْسَرَ من الهَدْي: بعيرٌ أو بقرةٌ.\nقال محمد: وبقول عليّ بن أبي طالب نأخذ؛ ما اسْتَيْسَرَ من الهَدْي: شاةٌ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامَّةِ من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا أخبرنا وفي نسخة: عن نافع، أي: ابن عبد الله المدني مولى ابن عمر، كان في الطبقة الثالثة مات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك من الهجرة كذا قاله ابن حجر (٢) أنَّ عبد الله بن عمر، كان يقول: ما اسْتَيْسَرَ من الهَدْي: بعيرٌ أو بقرةٌ أي: لأهل الحيرة استحبابًا، فلا يخالف قول على وابن عباس شاة على ذلك قول ابن عمر لو لم أجد إلا شاة لكان أحب إلي ممن أصوم، ومعلوم أن أعلى الهدي بدنة، فكيف تكون ما استيسر وكلمة للشك من الراوي.\nقال محمد: وبقول عليّ بن أبي طالب نأخذ؛ أي: (ق ٤٩٣) إنما نعمل بقول علي ﵁؛ لأنه أعلم وأفقه من ابن عمر ووافقه الأكثرون ما اسْتَيْسَرَ من الهَدْي: شاةٌ، أي: معروفة كما في باب الأضحية، وهو أي: كون ما استيسر من الهدي شاة قولُ\n_________\n(١) التقريب (١/ ١٤١).\n(٤٥٩) إسناده صحيح.\n(٢) التقريب (١/ ٥٥٩).","vol":"2","page":400},{"text":"أبي حنيفة، والعامَّةِ من فقهائنا أي: من أتباع أبي حنيفة ﵀، وفي كتاب (الرحمة في اختلاف) الأئمة أنه يجب على المتمتع والقارن دم وهو شاة باتفاق الأئمة الأربعة كما قاله علي القاري والزرقاني.\nلما فرغ من بيان حال المعتمر والمعتمرة، شرع في بيان دخول مكة بغير إحرام، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-196>باب دخول مكة بغير إحرام</span>\nفي بيان جواز دخول من يدخل مكة شرفها الله تعالى بغير إحرام أي: بغير نية أحد النسكين إذا لم يكن دخولها في المواقيت.\n٤٦٠ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن عبد الله بن عمر اعتمر، ثم أقبل حتى إذا كان بقُدَيْد، جاءَهُ خبر من المدينة، فرجع، فدخل مكة بغير إحْرَام.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، من كان في المواقيت أو دونها إلى مكة؛ ليس بينه وبين مكة وقت من المواقيت التي وقتت، فلا بأس أن يدخل مكة بغير إحرام، وأما من كان خلف المواقيت، أيّ وقت من المواقيت، التي بينه وبين مكة فلا يدخلنّ مكة إلا بإحرام، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامَّة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: أنا رمزًا، إلى أخبرنا، وفي نسخة أخرى: ثنا، حدثنا وفي نسخة: قال: ثنا نافع، أي: ابن عبد الله المدني مولى ابن عمر، ثقة فقيه من الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك من الهجرة، كذا قاله ابن حجر (١) أن عبد الله بن عمر ﵁ اعتمر، أي: أتي بعمرة وفرغ منها ثم أقبل أي: توجه إلى المدينة واستمر على سفرها حتى إذا كان بقُدَيْد، بضم القاف وفتح الدال المهملة الأولى وسكون التحتية والدال المهملة قرية جامعة بين مكة والمدينة جاءَهُ خبر من المدينة، أي: مما كان مانعًا عن التوجه إليها فرجع، أي: عن طريق المدينة فدخل مكة بغير إحْرَام أي: لقرب الموضع بمكة. هذا الحديث\n_________\n(٤٦٠) إسناده صحيح.\n(١) التقريب (١/ ٥٥٩).","vol":"2","page":401},{"text":"موقوف حقيقة ومرفوع حكمًا؛ لما روى أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله - ﷺ - دخل مكة عام الفتح في رمضان وعلى رأسه المغفر أي: بيضة من حديد مثل القلنسوة، فلما نزعه جاء رجل فقال: يا رسول الله إن ابن خطل يتعلق بأستار الكعبة فقال رسول الله - ﷺ -: \"اقتلوه\"، قال مالك جوابًا من كون المغفر على رأسه: ولم يكن - ﷺ - يومئذ محرمًا كذا في (الموطأ): ليحيى.\nقال ابن إسحاق وغيره: إنما أمر بقتل ابن خطل؛ لأنه أسلم فبعثه - ﷺ - مصدقًا وبعث معه رجلًا من الأنصار، وكان معه مولى مسلم يخدمه فنزل منزلًا فأمر المولى أن يذبح شيئًا أي: من ذكر المعز ويصنع له طعامًا ونام واستيقظ ولم يصنع له شيئًا فقتله ثم ارتد، والعياذ بالله ولحق بمكة، كذا قاله الزرقاني (١)، كان اسم ابن خطل عبد العزى فلما أسلم سماه النبي - ﷺ - عبد الله، أخرج عمر بن شبة في كتاب (مكة) عن السائب بن يزيد ﵁: رأيت رسول الله - ﷺ - استخرج من تحت أستار الكعبة ابن خطل فضرب عنقه صبرًا بين زمزم ومقام إبراهيم وقال: \"لا يقتل قرشي بعد هذا صبرًا\" ورجاله ثقات إلا أن في أبي معشر مقالًا، واختلف هل قاتل سعيد بن الحارث أو عمار بن ياسر أو سعد بن أبي وقاص أو سعيد بن زيد أو أبو برزة؟ وذكر ابن هشام في (تهذيب السيرة) بأن سعيد بن الحارث وأبا برزة اشتركا في قتله، وقال أبو حنيفة وأصحابه: من لزمه (ق ٤٩٤) القتل بردة أو قصاص أو غيرهما لا يتعرض لقتله، ولكن ألجئ إلى الخروج من الحرم بأن لا يعطى طعامًا ولا شرابًا فيخرج فيقتل، وتأول الحديث على أنه كان في الساعة التي أبيح فيها له القتل بها، وأجيب بأن إنما أبيحت له ساعة الدخول حتى استولى عليها وقتل ابن خطل، واحتج بهذا الحديث ابن شهاب والحسن البصري وداود وأتباعه على دخولها بلا إحرام، وقالوا: إن موجب الإِحرام عليه بحج أو عمرة لم يوجبه الله تعالى ولا رسوله - ﷺ -، ولا اتفق عليه، وأبى ذلك الجمهور.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: إنما أنا وأصحاب أبي حنيفة ﵀، نعمل بحديث ابن عمر من كان في المواقيت أي: نفسها أو دونها أي: أسفل فيها أقرب إلى مكة؛ أي: إلى جهتها ليس بينه أي: بين المواقيت وبين مكة وقت أي: ميقات، وفي نسخة: بينه فالضمير راجع إلى من أي: من داخل الميقات أقرب إلى مكة ليس بينه وبين\n_________\n(١) في شرحه (٢/ ٥٢٨).","vol":"2","page":402},{"text":"مكة ميقات آخر من المواقيت التي وقتت، أي: عينت وبينت كالجحفة، فإنها بين ذي الحليفة ومكة ميقات ثان لا يجوز التجاوز لأحد عن أحدهما بغير إحرام إذا قصد دخول أرض الحرم سواء أراد أحد النسكين أم لا خلافًا لمن خالفنا.\nوالحاصل أنه إذا كان بعد الميقات أو في داخل ميقات الثاني فلا بأس أي: ضرر أن يدخل مكة بغير إحرام، أي: إذا لم يرد أحد النسكين وأما من كان خلف المواقيت، أي: الآفاقية التي لم يصل الميقات أيّ وقت بفتح الهمزة وفتح التحتية المشددة للاستفهام الإِقراري أي: أي ميقات من المواقيت، التي بينه أي: وجدت المواقيت بين ذلك وبين مكة سواء تعدد الميقات أم لا فلا يدخلنّ أي: أحد البتة مكة أرض الحرم إلا بإحرام، أي: إما بحجة أو عمرة أو بهما في محلهما أم لا وهو أي: دخول من كان خارج المواقيت في مكة بالإِحرام وهو قولُ أبي حنيفة، والعامَّةِ من فقهائنا أي: أتباع أبي حنيفة رحمه الله تعالى.\nلما فرغ من بيان عدم جواز دخول مكة بغير إحرام، شرع في بيان حال الحاج والمعتمر لمن كان خارج الميقات إذا أراد كل واحد منهما أن يخرج من إحرامه، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>باب فضل الحلق وما يجزئ من التقصير</span>\nفي بيان فضل الحلق وما أي: وبيان عمل يجزئ أي: يكفي وهو بضم التحتية وسكون الجيم وكسر الزاي المعجمة وبعدها تحتية بلا همزة من الإِجزاء من التقصير، بيان استعمال أكثر من التحليق، كما أن استعمال التقصير أكثر من استعمال القصر.\n٤٦١ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع عن عبد الله بن عمر، أن عمر بن الخطاب قال: من ضَفَرَ فليحلق، ولا تَشَبَّهُوا بالتَّلْبيد.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، أو أنا حدثنا وفي نسخة: عن نافع بن عبد الله المدني مولى ابن عمر، ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة عن ابن عمر، ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: من ضَفَرَ بفتح الطاء المعجمة والفاء والراء المهملة، أي أدخل بعض شعر رأسه في بعض\n_________\n(٤٦١) إسناده صحيح.","vol":"2","page":403},{"text":"وجعل ضفائر وكل ضفيرة على حدة بثلاث طاقات فما فوقها فليحلق وجوبًا واستحبابًا على ما سيأتي فإن كان الأمر للوجوب فالتقصير لم يجزه وعليه الحلق ولا تَشَبَّهُوا بفتح التاء والشين المعجمة وبالموحدة المشددة، أي لا تشبهوا علينا ويجوز بضم التاء وفتح الشين وكسر الموحدة المشددة من الفعيل، فالمعنى لا تشبهوا الضفر بالتَّلْبيد في (المغرب) أن الملبدين يجعل شعر رأسه لزوقًا (ق ٤٩٥) بصمغ ونحوه ليلتصق، ولئلا يدخل القمل والغبار بينه وليبقى رأسه نظيفة، وهذا الحديث موقوف على عمر ظاهرًا مرفوع حكمًا، وليحيى عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: من عقص رأسه أو ضفر أو لبد فقد وجب عليه الحلق، ولا يجزيه التقصير إلى هذا ذهب الجمهور منهم مالك والثوري وأحمد والشافعي في قوله القديم قال في الجديد كالحنفية، ولا يتعين إلا أن نذره أو كان شعره خفيفًا لا يمكن تقصيره وإذا لم يكن له شعر فيمر الموسي على رأسه.\nقال ابن دقيق العيد: إن السبب فيهما مختلف فالذي في الحديبية سببه توقف من الصحابة عن الإِحلال، لما دخل عليهم من الحزن لكونهم منعوا الوصول إلى البيت منع اقتدارهم في أنفسهم على ذلك، فخالفهم - ﷺ - وصالح قريشًا على أن يرجع من العام المقبل، فلما أمرهم بالحلال توقفوا فأشارت أم سلمة أن يحل ففعل فحلق بعض وقصر بعض فكان من بادر إلى الحلق أسرع إلى امتثال ممن قصر.\n* * *\n\n٤٦٢ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"اللهم ارحم المُحَلِّقِينَ\"، قالوا: والمُقَصِّرين يا رسول الله، قال: \"اللهم ارحم المُحَلِّقِينَ\"، قالوا: والمُقَصِّرين يا رسول الله، قال: \"والمُقصِّرِينَ\".\nقال محمد: وبهذا نأخذ، مَنْ ضَفَر فليحلق، والحلق أفضل من التقصير، والتقصير يجزئ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامَّةِ من فقهائنا.\n_________\n(٤٦٢) حديث صحيح: أخرجه البخاري (٢/ ٢١٣) ومسلم (٩٤٥) (٢٢٧٤) وأبو داود (١٩٧٩) وأحمد (٢/ ٧٩، ١٣١) والبيهقي (٥/ ١٠٣) والعقيلي في الضعفاء (٤/ ٤٧).","vol":"2","page":404},{"text":"• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أو أنا حدثنا وفي نسخة: قال: بنا، أو أنا نافع، بن عبد الله المدني مولى ابن عمر ثقة فقيه، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، وهي كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة في وجه الأرض عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: أي: في حجة الوداع، كما هو ظاهر عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: حلق رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع وناس من أصحابه وقصر بعضهم \"اللهم ارحم المُحَلِّقِينَ\"، قالوا: أي: بعض الصحابة من المحلقين أو المقصرين أو منهما جميعًا على طريق الالتماس والتلقين.\nقال الحافظ: ولم أقف في شيء من طرقه على الذي تولى السؤال في ذلك بعد الحث الشديد والمُقَصِّرين يا رسول الله، أي: قل: وارحم المقصرين فإنك رحمة للعالمين قال: \"اللهم ارحم المُحَلِّقِينَ\"، أي: وأعرض عن قبول التلقين قالوا: ثانيًا قل: والمُقَصِّرين يا رسول الله، فالعطف على محذوف هو يسمى العطف التلقيني كقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤] أولها ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ فاطلب تفسير من التفاسير قال: \"اللهم ارحم المُحَلِّقِينَ\" أي: كما قاله أَولًا وثانيًا قالوا: أي: ثالثًا قل: والمُقَصِّرين يا رسول الله، قال: أي: رسول الله - ﷺ - في المرتين الثانية أو الثالثة أو الرابعة بحسب اختلاف الروايات \"والمُقصِّرِينَ\" والحديث في الصحيحين وغيرهما.\nقال الحافظ: فيه إعطاء المعطوف حكم المعطوف عليه، ولو تخلل بينهما السكون بلا عذر ثم هو هكذا في معظم الروايات عن مالك، والدعاء للمحلقين مرتين وعطف المقصرين عليهم في المرة الثالثة وانفرد يحيى بن بكير رواه (الموطأ) بإعادة ذلك ثلاث مرات نبه عليه ابن عبد البر في (التقضي)، واعتله في (التمهيد) بل فيه أنهم لم يختلفوا على مالك في ذلك وقد راجعت أصل سماعي من موطأ يحيى بن بكير فوجدته كما قال في (التقضي)، وفي رواية الليث عن نافع عن مسلم، وعلقها البخاري ﵀ المحلقين مرة أو مرتين قالوا: والمقصرين قال: \"والمقصرين\" والشك في الليث وإلا فأكثرهم موافق لرواية مالك، وعلقه البخاري (ق ٤٩٦) من رواية عبيد الله بالتصغير عن نافع قال في الرابعة: المقصرين، ولمسلم من وجه آخر عن عبيد الله بلفظ مالك سواء، وبيان كونها في","vol":"2","page":405},{"text":"الرابعة أن قوله: والمقصرين عطف على مقدر أي: وارحم المحلقين، وإنما قال بعد دعائه لهم ثلاث مرات فيكون دعائه للمقصرين في الرابعة، ورواه أبو عوانة من طريق الثوري عن عبيد الله بلفظ: قال في الثالثة والمقصرين، والجمع بينهما واضح بأن من قال الرابعة فعلى ما شرحناه، ومن قال الثالثة: أراد أن المقصرين عطف على الدعوة الثالثة أو أراد بالثالثة مسألة السائلين وصلى الله عليه وسلم لا يراجع بعد ثلاث، ولو لم يدعو لهم ثالث سأله ما سألوه، ولأحمد من طريق أيوب عن نافع بلفظ: \"اللهم اغفر للمحلقين\"، قالوا: وللمقصرين حتى قالها ثلاثًا أو أربعًا ثم قال: \"والمقصرين\" ورواية من جزم مقدمة على من شك، واختلف المتكلمون على هذا الحديث في الوقت الذي قال فيه ذلك.\nفقال ابن عبد البر: لم يذكر أحد من رواة نافع عن ابن عمر أن ذلك كان يوم الحديبية وهو تقصير وحذف، وإنما جرى ذلك يوم الحديبية حين صد عن البيت، وهذا محفوظ مشهور من حديث ابن عمر وأبي سعيد الخدري وابن عباس وأبي هريرة وحبش بن جنادة وغيرهم، ثم أخرج حديث أبي سعيد الخدري بلفظ: سمعت رسول الله - ﷺ - يستغفر لأهل الحديبية للمحلقين ثلاثًا وللمقصرين مرة، وحديث ابن عباس بلفظ: حلق رجال يوم الحديبية وقصر آخرون فقال - ﷺ -: \"رحم الله المحلقين\"، الحديث، وحديث أبي هريرة ولم يثق لفظه بل قال معناه وتجوز في ذلك فليس في حديثه تعيين الموضع، ولم يقع من شيء من طريق التصريح بسماعه له من النبي - ﷺ -، ولو وقع لقطعت بأنه كان في حجة الوداع؛ لأنه شهدها ولم يشهد الحديبية، ولم يسق ابن عبد البر عن ابن عمر في هذا شيئًا، ولم أقف على تعيين الحديبية في شيء من الطريق عنه، بل صرح موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر بأنه في حجة الوداع رواه البخاري في المغازي، وعنده من رواية الجويرية ابن أسماء ومسلم من رواية الليث كلاهما عن نافع عن ابن عمر ما يشعر بأن ذلك وقع في حجة الوداع وإليه يومئ صنيع البخاري.\nوأما سبب تكرير الدعاء للمحلقين في حجة الوداع، فقال ابن الأثير في (النهاية): كان أكثر من حج معه - ﷺ - لم يسق الهدي فلما أمرهم أن يفسخوا الحج إلى العمرة ثم يتحللوا منها ويلحقوا رؤوسهم شق عليهم، فلما لم يكن لهم بد من الطاعة كان التقصير في أنفسهم أخف ففعله أكثرهم فرجح النبي - ﷺ - فعل من حلق؛ لأنه أبين في امتثال وفيه نظر وإن تبعه عليه غير واحد؛ لأن المتمتع يستحب له أن يقصر في العمرة ويحلق في الحج","vol":"2","page":406},{"text":"إذا قرب بين النسكين، وقد كان ذلك هنا، والأولى قول الخطابي وغيره أن عادة العرب حب توفير الشعور والتزين بها والحلق فيهم قليل، وربما رواه من الشهرة ومن ذي الأعاجم، فلهذا كرهوا الحلق واقتصروا على التقصير. وفي حديث الباب من الفوائد: أن التقصير يجزي عن الحلق، وهو مجمع عليه. كذا قاله الزرقاني (١).\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: نعمل بما رواه ابن عمر عن عمر بن الخطاب مَنْ صَفَر فليحلق، والحلق أفضل (ق ٤٩٧) من التقصير، لأنه أبلغ في العبادة وأبين للخضوع والذلة، وأدل على صدق النية والمقصر يبقى على نفسه شيئًا فما يتزين به بخلاف الحالق، فيشعر بأنه ترك ذلك لله تعالى والتقصير يجزئ، من الإِجزاء أي: يكفي عن الحلق، وهو أي: قيام التقصير مقام الحلق قولُ أبي حنيفة، والعامَّةِ من فقهائنا أي: من أتباع أبي حنيفة ﵀.\n* * *\n\n٤٦٣ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع: أن ابن عمر كان إذا حلق في حج أو عمرة، أخذ من لحيته وشاربه.\nقال محمد: وليس هذا بواجب، من شاءَ فعله، ومن شاءَ لم يفعله.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: ثنا حدثنا وفي أخرى: عن نافع بن عبد الله المدني مولى ابن عمر، ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة أن ابن عمر كان إذا حلق في حج أو عمرة، أخذ من لحيته أي: من طولها أو عرضها إذا كانت زائدة على قبضة ومن شاربه أي: إذا طال.\nقال محمد: وليس هذا أي: الأخذ من اللحية والشارب بواجب، أي: من واجبات الحج أو العمرة بل الأولى مستحبة والثانية سنة من شاءَ فعله، أي: إذا احتاج إليه بعد خروجه من إحرامه ليكون تكميلًا لقضاء تفثه ومن شاءَ لم يفعل أي: حيث لم يجب عليه إلا حلقه أو تقصيره قبل إعفاء اللحية وقص الشارب من سنن إبراهيم، صلوات الله على نبينا وعليه، وقيل: عشر خصال من السنن خمسة في الرأس: كقص الشارب\n_________\n(١) في شرحه (٢/ ٥٢٨).\n(٤٦٣) إسناده صحيح.","vol":"2","page":407},{"text":"والمضمضة والاستنشاق والسواك وحلق العانة والختان والاستنجاء بالماء، كذا قاله الشيخ شهاب أحمد بن محمود السيوسي في (عيون التفاسير).\nلما فرغ من بيان فضل الحلق على التقصير وبيان كيفية التقصير عن الحلق، شرع في بيان قدوم المرأة إلى مكة بحج أو عمرة فما تعمل إذا حاضت قبل دخولها مكة أو بعد دخولها بها، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-198>باب المرأة تقدم مكة بحج أو عمرة فتحيض قبل قدومها أو بعد ذلك</span>\nفي بيان حال المرأة تقدم من باب علم، أي: تمشي سرعة إلى مكة بحج أو عمرة والباء سببية كقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٥٤].\nوكما يقال: لقيت يزيد الأسد أي: بسبب لقائي إياه فتحيض قبل قدومها أي: إلى مكة أو بعد ذلك فالفاء تعقيبية، كما في قوله تعالى في سورة الحج: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج: ٦٣] وكما يقال: تزوج فلان فولد له أن ألم يكن بينهما إلا مدة الحمل وإن كانت متطاولة كذا قاله ابن الهمام.\n٤٦٤ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن ابن عمر كان يقول: المرأة الحائض التي تُهلّ بحج أو بعمرة، تهلّ بِحَجَّتِهَا، أو بعمرتها إذا أرادت، ولكن لا تطوف بالبيت ولا بين الصفا والمروة حتى تطهر، وتشهد المَنَاسِكَ كلها مع الناس، غير أنها لا تطوف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، ولا بقرب المسجد، ولا تِحِلّ حتى تطوف بين الصَّفا والمروة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: ثنا حدثنا وفي نسخة: قال: ثنا نافع، أي: ابن عبد الله المدني، ثقة فقيه مشهور مولى ابن عمر، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة أن ابن عمر كان يقول: المرأة الحائض وكذا\n_________\n(٤٦٤) إسناده صحيح.","vol":"2","page":408},{"text":"النفساء التي تُهلّ أي: تحرم بحج بأن تقول: اللهم إني أريد الحج فيسره وتقبله مني، اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك أو بعمرة، أي: تحرم بأن تقول: اللهم إني أريد العمرة فيسرها لي وتقبلها مني، اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك تهلّ بحَجَّتِهَا، أو بعمرتها أي: يجوز لها أن تحرم بأيتهما إذا أرادت؛ لأن الحيض، وكذا النفساء لا يمنعها عن جواز إحرامها في أي وقت شاءت، بل تغتسل لإِحرامها إلا أنها لا تصلي سنة الإِحرم لعذرها (ق ٤٩٨) ولكن لا تطوف بالبيت أي: طواف العمرة؛ لأن دخولها في المسجد حرام كذا طوافها من غير طهارتها عن جنابتها؛ لأن الطهارة شرط في صحته ولا بين الصفا والمروة أي: ولا تسعى بينهما فهو من باب علفتها تبنًا وماء باردًا أو التقدير: ولا تطوف مجازًا؛ لأن صحة السعي متوقفة على طواف صحيح قبله، وإلا فالطهارة في السعي غير واجبة إجماعًا حتى تطهر، أي: بانقطاع الحيض وغسلها بعده وتشهد أي: والحال أنها تحضر المَنَاسِكَ كلها أي: من وقوف عرفات والمزدلفة ورمي الجمرة مع الناس أي: مع سائرهم من غير فرق غير أنها لا تطوف بالبيت أي: طواف الإِفاضة ولا بين الصفا والمروة، أي: ولا تسعى بينهما؛ لأن السعي يتوقف على تقدم طواف قبله، فإذا امتنع الطواف امتنع السعي لأجله، لا لأن الطهارة شرط في السعي؛ إذ لا تشترط عند الكافة إلا ما حكاه ابن المنذر عن الحسن البصري والمجد بن تيمية ورواية عن أحمد، وحكى ابن المنذر عن عطاء قولين فيمن بدأ بالسعي قبل الطواف وبالإِجزاء، قال بعض أهل الحديث. أسامة بن شريك أن رجلًا سأل النبي - ﷺ -، فقال: سعيت قبل أن أطوف قال: \"طف ولا حرج\" وعلى الجمهور لا يجزيه وأولوا حديث أسامة على من سعى بعد طواف القدوم وقبل الإِفاضة ولا بقرب المسجد، أي: فضلًا عن دخولها فيه، ولو من غير طواف ولا تِحِلّ من الباب الثاني، كذا قاله محمد الواني في ترجمة (صحاح الجوهري)، أي: ولا تخرج من إحرامها بالكلية إن كانت معتمرة أو بالنسبة إلى غير الحاج إن كانت حاجة سواء كانت مفردة أو قارنة حتى تطوف بين الصفَّا والمروة.\n* * *\n\n٤٦٥ - أخبرنا مالك، حَدَّثني عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن\n_________\n(٤٦٥) إسناده صحيح.","vol":"2","page":409},{"text":"عائشة زوج النبي - ﷺ - أنها قالت: قدمت مكة، وأنا حائض، لم أطُف بالبيت ولا بين الصَّفا والمروة، فشكوت ذلك إلى رسول الله - ﷺ - فقال: \"افعلي ما يفعلُ الحاجّ، غير أنْ لا تطوفي بالبيت حتى تَطْهُرِي\".\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا حَدَّثني بالإِفراد وفي نسخة: حدثنا بالجمع، وفي نسخة أخرى: قال: أنا أو بنا رمزًا إلى أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي، يكنى أبا محمد المدني ثقة جليل، قال ابن عيينة: كان أفضل أهل زمانه، وكان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، ومات سنة ست وعشرين من الهجرة، كذا في (التقريب) عن أبيه، أي: عن القاسم ابن محمد بن أبي بكر الصديق، أحد الفقهاء السبعة المشهورين، كان أفضل أهل زمانه في علو شأنه، وكان في الطبقة الثانية من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، وقد نقلنا منقبته عن طبقات ابن الجوزي في باب القراءة في صلاة الجمعة، عن عائشة ﵂ زوج النبي - ﷺ - وفي نسخة: زوج النبي - ﷺ - أنها قالت: قدمت مكة، أي: في حجة الوداع وأنا حائض، أي: حينئذ ولم أطُف بالبيت ولا بين الصَّفا والمروة، أي: لما تقدم فشكوت ذلك أي: ما وقع لي ومنعني عن طواف البيت إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: \"افعلي ما يفعلُ الحاجّ، أي: من الوقوفين ورمي الجمرة ونحوها والمعنى أرفضي عمرتك وأحرمي بالحج وافعلي جميع أفعاله غير أنْ لا تطوفي بالبيت حتى تَطْهُرِي\" أي: من حيضك وتغتسلي فتطوفي وتسعي بعده قوله: تطهري بفتح التاء وسكون الطاء المهملة وضم الهاء كذا في ما وقفت عليه من الأصول، كذا قاله بعض الشراح.\nوقال الحافظ: بفتح التاء والطاء المهملة والهاء (ق ٤٩٩) المشددتين على حذف أحد الطائين وأصله تتطهري، ويؤيده ما رواه مسلم (١) حتى تغسلي، والحديث ظاهر في نهي الحائض عن الطواف لو فعلته وفي معناه الجنب والنفساء والمحدث، وهو قول الجمهور.\nوقال الحاكم وحماد ومنصور وسليمان: لا بأس بالطواف على غير طهارة رواه ابن أبي شيبة وفي هذا تعقب على قول النووي: انفرد به أبو حنيفة بأن الطهارة ليس بشرط في الطواف، واختلف أصحابه في وجوبها وجبره الدم إن فعله فلم ينفرد بذلك كما ترى،\n_________\n(١) مسلم (٢/ ٨٧٣).","vol":"2","page":410},{"text":"فعله أراد انفراده من الأئمة الثلاثة، لكن عند أحمد أن الطهارة للطواف واجبة تجبر بالدم وللمالكية قول يوافقه انتهى.\nوقال ولي الدين: في الحديث دليل على امتناع الطواف على الحائض، وهو مجمع عليه، لكن اختلفوا في علته على حسب اختلافهم في اشتراط الطهارة في صحة الطواف، فقال الجمهور ومالك والشافعي وأحمد باشتراطهما، فالعلة في بطلانها عدم الطهارة وقال أبو حنيفة وداود: ليست شرطًا، فالعلة كونها ممنوعة من اللبث في المسجد بل ومن دخوله على رأي كذا قاله الزرقاني (١).\n* * *\n\n٤٦٦ - أخبرنا مالك، حدثنا ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة أنها قالت: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - عامَ حَجة الوَداع، فأهْلَلْنَا بِعُمْرَة، ثم قال رسول الله - ﷺ -: \"مَنْ كان معه الهَدْي فليُهِلّ بالحج والعُمْرَة، ثم لا يَحِل حتى يَحِلّ منهما جميعًا\"، قالت: فقدمتُ مكة وأنا حائض، ولم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكوتُ ذلك إلى رسول الله - ﷺ - فقال: \"انقُضي رأسك، وامتشطي، وأهلِّي بالحج، ودعي العمرة\"، قالت: ففعلت؛ فلما قضينا الحج أرسلني رسول الله - ﷺ - مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التَّنْعيم، فاعتمرتُ، فقال رسول الله - ﷺ -: \"هذه مكان عمرتك\"، وطاف الذين حَلوا؛ بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من مِنى، وأما الذين كانوا جمعوا الحج والعمرة، فإنما كانوا طافوا طوافًا واحدًا.\nقال محمد: وبهذا كله نأخذ، الحائض تقضي المناسك كلها، غير أن لا تطوف بالبيت، ولا تسعى بين الصَّفَا والمروة، حتى تَطْهُرَ، فإن كانت أهَلَّت بعمرة، فخافت فوت الحج، فلتُحْرِم بالحج وتقف بعرفة، وترفض العمرة،\n_________\n(١) في شرحه (٢/ ٥٠١).\n(٤٦٦) إسناده صحيح: أخرجه أحمد في المسند (٦/ ١٦٣).","vol":"2","page":411},{"text":"فإذا فرغت من حجتها قضت العمرة، كما قضتها عائشة، وذبحت ما اسْتَيْسَرَ من الهَدْي.\nبلغنا أن النبي - ﷺ - ذبح عنها بقرة، وهذا كله قولُ أبي حنيفة، إلَّا من جمع الحجّ والعُمْرَة، فإنه يطوف طوافين، ويَسْعى سَعْيَيْن.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا حدثنا وفي نسخة: قال: بنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة عن عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي المدني، يكني أبا عبد الله المدني، ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل المدينة مات سنة أربع وتسعين من الهجرة. كذا قاله ابن حجر في (التقريب) (١) عن عائشة ﵂ أنها قالت: خرجنا أي: معشر الصحابة مع رسول الله - ﷺ - عامَ حَجة الوَداع بفتح الواو وبكسر سميت بذلك؛ لأنه - ﷺ - ودع الناس فيها ولم يحج بعد، وكانت سنة عشر من الهجرة. كذا قاله علي القاري فأهْلَلْنَا بِعُمْرَة، أي: أحرم بعضنا بعمرة مفردة ليكون متمتعًا وقيل: المعنى أهللنا بها بعد أن فتحنا الحج، وهو إخبار عن حالها وكان من كان مثلها في إهلال بعمرة، لا عن فعل جميع الناس، فلا تنافي في قولها المتقدم، فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحج وعمرة، ومنا من أهل بالحج وقد اختلفت الروايات فيما أحرمت به عائشة اختلافًا كثيرًا ثم قال رسول الله - ﷺ -: \"مَنْ بعد إحرامهم بالحج وقربهم من مكة يسوق كما في رواية عائشة أو بعد طوافهم بالبيت، كما في رواية جابر، ويحتمل كما قال القاضي عياض وغيره أنه قال مرتين في الموضعين، وأن العزيمة كانت أخرى لا أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة من كان معه الهَدْي بإسكان الدال وخفة الياء وبكسرها وتشديد الياء الأولى أفصح كالهدي إلى الحرم من الأنعام وسوق الهدي سنة لمن يريد الحج أو العمرة فليُهِلّ بالحج والعُمْرَة، أي: فليحرم بالحج مع العمرة، كما في (الموطأ) ليحيى، والواو في والعمرة بمعنى المصاحبة أي: فليقرن بينهما فإنه أفضل من غيره ولا شك أنه - ﷺ - كان ممن معه هدي فكان قارنًا إذ لا يتصور أنه يأمر الناس بشيء ويفعل بخلافه ثم لا يَحِل (ق ٥٠٠) بكسر الحاء المهملة فيه وفيما يأتي أي: لا يخرج\n_________\n(١) التقريب (١/ ٣٨٩).","vol":"2","page":412},{"text":"صاحب الهدي قارنًا أو متمتعًا عن إحرامه حتى يَحِلّ منهما جميعًا\"، أي: يخرج من الحج والعمرة معًا، بأن يحلق أو يقصر بعد الرمي والذبح يوم النحر. وفيه دلالة على أن السبب في بقاء من ساق الهدي، كما يقول أبو حنيفة وأحمد وجماعة متمسكين برواية عقيل عن الزهري في الصحيحين فقال - ﷺ -: \"من أحرم بعمرة ولم يهد فلا يحلل حتى ينحر هديه، ومن أحرم بحج فليتم حجة\" وهي ظاهرة في الدلالة لمذهبهم، وقال مالك والشافعي وجماعة: يحل بتمام العمرة قياسًا على الإِجماع على من يسق هديًا؛ ولأنه يحل من نسكه فوجب أن يحل له كل شيء وأجابوا عن هذه الرواية بأن فيها حذف بينته رواية مالك هذه، وتقديره: ومن أحرم بعمرة وأهدى فليتحلل بالحج، وحينئذ فلا يحل حتى ينحر هديه، وهذا التأويل متعين؛ لأن فيه جمعًا بين الروايتين لأن القصة واحدة والمخرج واحد وهو عائشة قالت: فقدمتُ مكة وأنا حائض، جملة إسمية وقعت حالًا كان ابتداء حيضها بسوق كما صح عنها وذلك يوم السبت لثلاث خلت من ذي الحجة ولم أطف بالبيت أي: طواف العمرة؛ لأن الطهارة شرط فيه؛ ولأنه في المسجد ولا تدخله الحائض ولا بين الصفا والمروة، أي: للعمرة؛ لأن شرطه تعقب الطواف.\nقال الطيبي: عطف على المنفي قبله على تقدير ولم أسع، هذا مثال من يقول: علفتها تبنًا وماء باردًا، ويجوز أن يقدر ولم أطف على تقدير المجاز لما في الحديث وطاف بين الصفا والمروة سبعة أشواط، ولعل هذا المجاز من قبيل تسمية المقارن باسم قرينه، وإنما ذهب إلى التقدير دون الانسحاب، لئلا يلزم استعمال اللفظ الواحد حقيقة ومجازًا في حالة واحدة؛ لأن حقيقته الطواف الشرعي لم توجد لأنها الطواف بالبيت، وأجيب أيضًا بأنه سمي السعي طوافًا على حقيقته اللغوية، فالطواف لغة المشي فشكوتُ ذلك إلى رسول الله - ﷺ - لما دخل عليها وهي تبكي فقال: \"ما يبكيك\" فقلت: لا أصلي كما في رواية عنها في الصحيح كنَّت بذلك عن الحيض، وهي من لطيف الكنايات.\nوفي مسلم عن جابر: أن دخوله عليها وشكواها كان يوم التروية فقال: \"انقُضي بضم القاف وكسر الصاد المعجمة رأسك، أي: حلي ضفر شعر رأسك وامتشطي، أي: سرحيه، والمعنى: اخرجي من عمرتك وأهلِّي بالحج، أي: وأحرمي به ودعي العمرة\"، أي: اتركيها برفضها، ظاهره أنه - ﷺ - أمرها أن تجعل عمرتها حجًا، ولذا قالت يرجع الناس بحج وعمرة، فأعمرها من التنعيم واستشكل أن العمرة لا ترفض كالحج.","vol":"2","page":413},{"text":"وقال مالك: ليس العمل على هذا الحديث قديمًا ولا حديثًا، قال ابن عبد البر: يريد لبس العمل عليه في رفض العمرة وجعلها حجًا بخلاف جعل الحج عمرة، فإنه وقع للصحابة، واختلفوا في جوازه من بعدهم وأجاب جماعة منهم الشافعي باحتمال أن معنى دعي عمرتك، اتركي التحلل منها وأدخلي عليها الحج، فتصير قارنة ويؤيده قوله في رواية مسلم وأمسكي على العمرة، أي: على أعمالها وإنما قالت: وأرجع بحج لاعتقادها أن إفراد العمرة بالعمل أفضل كما وقع لغيرها من أمهات المؤمنين. ولمسلم أيضًا: فقال لها - ﷺ -: \"طوافك يسعك لحجك وعمرتك\" فهذا صريح (ق ٥٠١) في أنها قارنة، وتعقب بأن قوله: \"انقضي رأسك وامشطي\" ظاهر في إبطال العمرة، وأن المحرم لا يفعل مثل ذلك لتأديه إلى نتف الشعر، وأجيب بجوازهما للمحرم حيث لا يؤدي إلى نتف الشعر مع الكراهة لغير عذر، وكان ذلك لأذى برأسها فأباح لها ذلك كما أباح لكعب بن عميرة الحلاق لأذى برأسه ونقض رأسها لأجل الغسل، لتهل بالحج ولا سيما إن كانت ملبدة فتحتاج إلى نقض الضفر. ولعل المراد بالامتشاط تسريح شعرها بأصابعها برفق، حتى لا يسقط منها شيء ثم تضفره كما كان أو عادة الشكوى بعد رمي جمرة العقبة فأباح لها الامتشاط حينئذ.\nقال المازري: هو تعسف بعيد من لفظ الحديث أو كان مذهبها أن المعتمر إذا دخل مكة استباح ما يستبيحه الحاج إذا رمى الجمرة.\nقال الخطابي: وهذا لا يعلم من جهة قالت: أي: عائشة ففعلت؛ بسكون اللام أي: عملت ما أمرت به من النقض والامتشاط والإِهلال بالحج وترك العمرة بظاهره. استدل الحنفية على أن المرأة إذا أحرمت بالعمرة متمتعًا فحاضت قيل أن تطوف تترك العمرة وتهل بالحج مفردًا، كما صنعت عائشة ﵂، فإنها تركتها وحجت مفردة، ويقويه ما لأحمد عن عطاء عنها وأرجع بحجة ليس معها عمرة، ورد بأن في رواية عطاء عنها ضعفًا. وفي مسلم في حديث جابر أن عائشة أهلت بعمرة حتى إذا كانت بسرف حاضت فقال لها النبي - ﷺ -: \"أهلي بالحج\" حتى إذا طهرت طافت بالكعبة وسعت فقال: فتحللت من حجك وعمرتك قالت: يا رسول الله إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حجت قال: \"فأعمرها من التنعيم\" فهذا صريح في أنها كانت قارنة، وإنما أعمرها من التنعيم تطييبًا لقلبها لكونها لم تطف بالبيت لما دخلت معتمرة، وفي رواية مسلم: وكان - ﷺ - رجلًا سهلًا إذا هويت الشيء تابعها عليه فلما قضينا الحج أي: أديته","vol":"2","page":414},{"text":"وفرغت منه أرسلني رسول الله - ﷺ - مع أخي عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التَّنْعيم بفتح الفوقية وسكون النون وكسر المهملة مكان خارج مكة على أربعة أميال منها إلى جهة المدينة، كما نقله الفاكهاني.\nوقال المحب الطبري: أبعد من أدنى الحل إلى مكة بقليل وليس بطرف الحل بل نحوهما نحو الميل، ومن أطلق عليه طرف الحل فهو تجوز. وروى الفاكهاني عن عبيد بن عمير: إنما يسمى التنعيم؛ لأن الجبل الذي عن يمين الداخل يقال له: ناعم والذي عن يساره يقال له: منعم، والوادي نعمان أي بفتح النون فاعتمرتُ أي: منه فقال رسول الله - ﷺ -: \"هذه أي: العمرة، وفي (الموطأ) ليحيى: هذا أي: الاعتمار مكان عمرتك\" بالرفع خبر والنصب على الظرفية وعامله محذوف، وهو الخبر أي: كائنة مجعولة مكان عمرتك ومضاف إلى عمرتك.\nقال القاضي عياض: والرفع أوجه عندي إذ يرد به الظرف وطاف الذين حَلوا؛ بالحاء المهملة المفتوحة واللام المضمومة المشددة وسكون الواو، أي: خرجوا من إحرام العمرة بالبيت أي: بسبب طواف البيت طواف العمرة وبين الصفا والمروة، أي: وسعى الذين حلوا بين الصفا والمروة وفي (الموطأ) لمالك (ق ٥٠٢). ثم حلوا أي: خرجوا من إحرام العمرة بالحلق أو التقصير ثم أي: بعد طواف العمرة وسعيها بينهما أو بعد الخروج عن إحرامها بالحلق أو التقصير طافوا طوافًا آخر أي: بلا إفاضة، ووقع لبعض رواة البخاري: طوافًا واحدًا، والصواب الأول كذا قاله القاضي عياض بعد أن رجعوا من مِنى، أي: لحجهم يوم النحر، ويحتمل أنهم قدموا السعي أو أخروه وأما الذين كانوا أي: من الصحابة جمعوا الحج والعمرة، أي: بأن أحرموا بها فإنما كانوا طافوا طوافًا واحدًا أي: على زعمها؛ لأن القارن يكفيه طواف واحد؛ لأن أفعال العمرة تندرج في أفعال الحج، وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وأحمد والجمهور.\nوقال الحنيفة: لا بد للقارن طوافين وسعيين؛ لأن القران هو الجمع بين العبادتين، فلا يتحقق القران إلا بالإِتيان بأفعال كل منهما، والطواف والسعي مقصودان فيهما فلا يتداخلان إذ لا تداخل في العبادات. كذا قاله الزرقاني (١).\nقوله: وطاف الذي أهلوا بالبيت. . . إلى آخره كلام مدرج عن عائشة رضي الله\n_________\n(١) في شرحه (٢/ ٥٠٠).","vol":"2","page":415},{"text":"عنها وعطف على قولها فقال رسول الله - ﷺ -، وهذا حديث مدرج، وهو ما زيد فيه من كلام رسول الله - ﷺ - بأن يزاد في حديث من حديث آخر وبأن زيد ذلك الحديث بإسناد آخر ومن كلام الصحابي للإِيضاح أو نحوه، كما قاله الأصوليون.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: إنما نعمل وإنما وأتباع أبي حنيفة نقول بما رواه عروة بن الزبير عن عائشة الحائض تقضي المناسك كلها، أي: جميعها مما لا يتوقف صحتها على طهارتها غير أن بفتح الهمزة وسكون النون المخففة من الثقيلة، وضمير الشأن محذوف وتقديره: غير أنه، أي: الشأن لا تطوف أي: الحائض ولا تسعى بين الصَّفَا والمروة، حتى تَطْهُرَ، كما قدمناه فإن كانت أي: الحائض أهَلَّت أي: أحرمت بعمرة، فخافت فوت الحج، فلتُحْرِم بالحج وتقف بعرفة، وترفض العمرة، أي: تتركها وتفسخها فإذا فرغت من حجتها قضت العمرة، كما قضتها عائشة، ﵂ وذبحت أي: لرفضها ما اسْتَيْسَرَ أي: ما تيسر من الهَدْي وهو الشاة.\nبلغنا أن النبي - ﷺ - ذبح عنها بقرة، وفي رواية: ذبح عن نسائه بقرة وهذا كله أي: جميع ما تقدم قولُ أبي حنيفة، أي: مذهبه المختار إلَّا من جمع الحجّ والعُمْرَة، أي: بالقران فإنه يطوف طوافين، ويَسْعى سَعْيَيْن أي: قياسًا عن المتمتع وعملًا برواية على وهي الأصح والأرجح من رواية عائشة ﵂.\nلما فرغ من بيان حال المرأة تقدم إلى مكة بحج أو عمرة، شرع في بيان المرأة تحيض في حجها قبل أن تطوف طواف الزيارة، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>باب المرأة تحيض في حجتها قبل أن تطوف طواف الزيارة</span>\nفي بيان حال المرأة تحيض في حجتها، أي: بين زمان الوقوف بعرفات وبين زمان طواف الزيارة وكلمة: \"في\" في حجتها ظرف الزمان كقوله تعالى في سورة الروم: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ٣، ٤] كذا قاله ابن الهمام قبل أن تطوف أي: البيت طواف الزيارة، ويسمى طواف الإِفاضة، وطواف الركن؛ لأن طواف الوداع وإن كان واجبًا إلا أنه يسقط بالعذر اتفاقًا.","vol":"2","page":416},{"text":"٤٦٧ - أخبرنا مالك، أخبرني أبو الرِّجَال، أن عَمْرَةَ أخبرتْهُ، أنَّ عائشة كانت إذا حَجَّت ومعها نساءٌ، فخافت أن تحيض؛ قَدَّمَتْهُنَّ يوم النحر فأفَضْنَ، فإنْ حِضْنَ بعد ذلك لم تَنتظر، تنْفِر بهنَّ، فَأَفَضْنَ، وهُنَّ حُيَّض، إذا كُنَ قد أفَضْنَ.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، كان ينسب إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، وكان في الطبقة السابعة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، وهي في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة في وجه (ق ٥٠٣) الأرض وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا أخبرني وفي نسخة: قال: بنا أبو الرِّجَال، بكسر الراء المهملة وبجيم مخففة، جمع رجل كان له عشرة أبناء وكان اسمه محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن الحارثة الأنصارية، كان في الطبقة السادسة من أهل المدينة أنَّ عَمْرَةَ بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية المدينة، كانت في الطبقة الثالثة من طبقات التابعيات من أهل المدينة.\nوقال بعض المؤرخين: إنها ماتت قبل المائة، وقيل بعدها من الهجرة، كذا قاله ابن حجر أخبرتْهُ، أي: أبا الرجال أنَّ عائشة أم المؤمنين ﵂ كانت إذا حَجَّت أي: إذا وقفت في عرفات؛ لأنه - ﷺ - قال: \"الحج عرفة فمن أدرك عرفة أدرك الحج\". رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، كذا أورده المناوي في (كنوز الحقائق) ومعها نساءٌ، أي: من رفقائها فخافت أي: عليهن أن تحيض؛ أي: قبل طواف الزيارة فيحتاج إلى تأخرهن قَدَّمَتْهُنَّ يوم النحر فأفَضْنَ، أي: طفن البيت طواف الزيارة والإِفاضة وهي لا تخاف عليهن أخرت طوافهن إلى الليل استنبطت عائشة ﵂ ذلك من استفهامه - ﷺ - عن طواف صفية بنت حييِّ يوم النحر فإنْ حِضْنَ بعد ذلك أي: بعد طواف الزيارة لم تَنتظر، أي: لا تأمر بهن الانتظار؛ لأنهن فعلن الواجب تنْفِر بهنَّ بكسر الفاء، أي: تخرج معهن، فَأَفَضْنَ، وهُنَّ حُيَّض، بضم الحاء المهملة وفتح التحتية المشددة، جمع حائض إذا كُنَ قد أفَضْنَ أي: طفن طواف الإِفاضة تصريح بما علم ضمنًا وتوكيد لوجوب طواف\n_________\n(٤٦٧) إسناده صحيح.","vol":"2","page":417},{"text":"الإِفاضة عليهن، وعدم سقوطه عنهن، بخلاف طواف الوداع عقب المرفوع بالموقوف للإِشارة إلى بقاء العمل به، وأنه لا يطرقه احتمال النسخ، بل هو ناسخ لما أوهم خلافه.\n* * *\n\n٤٦٨ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن أبي بكر، أن أباه أخبره عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة، زوج النبي - ﷺ - قالت: قلتُ: يا رسول الله، إنَّ صفيَّة بنت حُييّ قد حاضَتْ، لعلَّها تحبِسنا، قال: \"ألم تكن طافَتْ معكنَّ بالبيت\"، قُلْنَ: بلي، قال: \"فاخرجن\".\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: ثنا حدثنا وفي نسخة: قال: بنا عبد الله بن أبي بكر، بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني ثقة، قال أحمد: حديثه شفاء، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، قال المؤرخون: إنه مات سنة خمس وثلاثين ومائة، وكان ابن سبعين سنة. كذا في (التقريب) لابن حجر (١) أن أباه أي: أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، ولي القضاء والموسم زمن عمر بن عبد العزيز كان في الطبقة الخامسة، مات سنة عشرين ومائة أخبره أي: ابنه عبد الله عن عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصاري المدنية ثقة، كانت في الطبقة الثالثة من طبقات التابعيات من أهل المدينة.\nقال المؤرخون: إنها ماتت قبل المائة، وقال بعضهم: بعدها من الهجرة كذا قاله ابن حجر عن عائشة، أم المؤمنين ﵂ فهذا من باب رواية الأكابر، وعن الصحابة قالت: قلتُ: يا رسول الله، إنَّ صفيَّة بنت حُييّ بضم الحاء المهملة وفتح التحتية وتشديد الثانية إحدى أمهات المؤمنين قد حاضَتْ، أي: في أيام منى يوم النفر أي: الإِفاضة من منى، كما في الصحيحين عن الأسود عن عائشة، وفي (الموطأ) ليحيى فقال (ق ٥٠٤) رسول الله - ﷺ -: \"لعلَّها تحبِسنا\"، أي: تمنعنا من الخروج من مكة إلى المدينة حتى تطهر وتطوف، قال: الكرماني لعل هنا ليست للترجي بل للاستفهام أو الظن أو ما شاكله أي: كالتوهم قال: \"ألم تكن أي: صفية طافَتْ معكنَّ بالبيت\"، أي: طواف الإِفاضة، وفي\n_________\n(٤٦٨) إسناده صحيح: أخرجه البخاري (٣٢٢) وغيره.\n(١) التقريب (١/ ٢٩٧).","vol":"2","page":418},{"text":"رواية: \"ألم تكن أفاضت\" قُلْنَ: بلى، أي: طافت معنا وفي رواية التنيسي، قالوا: بلى أي: النساء ومن معهم من المحارم قال: \"فاخرجن\" أي: فإنه يسقط طواف الوداع عنهن بعذرهن وفي رواية قال: فاخرجي خطابًا بالصيغة؛ لأنها كانت حاضرة، كما في مسلم أو لعائشة، كلاهما عن مالك به.\n* * *\n\n٤٦٩ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه أن أبا سَلَمَة بن عبد الرحمن بن عوف، أخبره عن أمّ سُلَيْم ابنة مِلْحَان، قالت: استَفْتَيْتُ رسول الله - ﷺ - فيمن حاضَتْ أو وَلَدَتْ بعد ما أفَاضَتْ يوم النحر، فأذن لها رسول الله - ﷺ - فخرجت.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أيما امرأة حاضَتْ قبل أن تطوف يوم النحر طوافَ الزِّيَارَة، أو وَلَدَتْ قبل ذلك، فلا تَنْفِرَنَّ حتى تطوف طواف الزِّيَارة، فإن كانت طافَتْ طوافَ الزيارة ثم حاضَتْ أو وَلَدَتْ، فلا بأس بأن تنفِر قبل أن تطوف طوافَ الصَّدَر، وهو قولُ أبي حنيفة والعامّة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا حدثنا وفي نسخة: قال: بنا، وفي أخرى: ثنا عبد الله بن أبي بكر، بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني القاضي، ثقة كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة من الهجرة وهو ابن سبعين سنة، كما قاله ابن حجر (١) عن أبيه أي: عن أبي بكر بن محمد أن أبا سَلَمَة بن عبد الرحمن بن عوف، الزهري المدني، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقة مكثر كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين أو أربع ومائة قال بعض المؤرخين: كان مولده سنة بضع وعشرين، كما قاله ابن حجر (٢) أخبره أي: أبو بكر بن محمد عن أمّ سُلَيْم بالتصغير ابنةِ مِلْحَان،\n_________\n(٤٦٩) إسناده صحيح.\n(١) التقريب (١/ ٢٩٧).\n(٢) التقريب (١/ ٦٤٥).","vol":"2","page":419},{"text":"بكسر الميم وسكون اللام ابن خالد الأنصاري، والدة أنس بن مالك ﵁ وفي نسخة: بنت ملحات، ويقال: اسمها سهلة أو رميلة أو رمينة أو مليكة أو اليفة من الصحابيات العالمات، قالت: استَفْتَيْتُ رسول الله - ﷺ - فيمن حاضَتْ أو وَلَدَتْ شك من الراوي إن كانت نفساء بعد ما أفاضت يوم النحر، أي: قبل طواف الوداع قوله: يوم النحر بيان لوقت الواجب؛ لا أنه قيد احترازي فأذن لها رسول الله - ﷺ - أي: أن تخرج من غير طواف الوداع لها فخرجت أي: أم سليم إلى المدينة بلا طواف الوداع، وهذا الحديث إن سلم أن فيه انقطاعًا؛ لأن أبا سلمة لم يسمع أم سليم، فله شواهد فأخرج الطيالسي في مسنده: حدثنا هشام هو الدستوائي، عن قتادة عن عكرمة، قال: اختلف ابن عباس ﵄ وزيد بن ثابت في المرأة إذا حاضت، وقد طافت بالبيت يوم النحر فقال زيد: يكون آخر عهدها بالبيت وقال ابن عباس: تنفر إن شئت، فقالت الأنصارية: لا نتابعك يا ابن عباس وأنت تخالف زيد، فقال: اسئلوا صحابتكم أم سليم، فقالت: حضت بعد ما طوفت بالبيت فأمرني - ﷺ - أن أنفر، وفي مسلم (١) والنسائي (٢) والإِسماعيلي عن طاوس: كنت مع ابن عباس فقال له زيد بن ثابت: تفتي أن تصدر الحائض قبل أن يكون آخر عهدها بالبيت، فقال: أما لي فسل فلانة الأنصارية هل أمرها النبي - ﷺ - بذلك فرجع إليه فقال: ما أراك إلا قد صدقت. ولفظ النسائي: فسألها، ثم رجع وهو يضحك فقال الحديث لها حدثتني، وللإِسماعيلي: فقال ابن عباس: سأل أم سليم وهو صاحبها (ق ٥٠٥) هل أمرهن - ﷺ - بذلك؟\nقال الحافظ: وقد عرف برواية عكرمة أن الأنصارية هي أم سليم وأما صواحبها فلم أقف على تسميتهن انتهى.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: نعمل ونقول بما روته أم سليم بنت ملحان أيما امرأةٍ حاضَتْ قبل أن تطوف يوم النحر طوافَ الزِّيَارَة، أو وَلَدَتْ كانت نفساء قبل ذلك، أي: طواف الزيارة فلا تَنْفِرَنَّ أي: فلا تسافر حتى تطوف طواف الزِّيَارة، وإن كانت وفي نسخة: فإن بالفاء طَافَتْ طوافَ الزيارة ثم حاضَتْ أو وَلَدَتْ، فلا بأس بأن تنفِر قبل أن تطوف طوافَ الصَّدَر، بفتحتين وهو طواف الوداع؛ لأنه من واجبات الحج، وهو يسقط\n_________\n(١) مسلم (١٣٢٨).\n(٢) النسائي في الكبرى (٢/ ٤٦٧).","vol":"2","page":420},{"text":"بالعذر، ولا يجب فيه شيء وهو أي: المذكور قولُ أبي حنيفة والعامّة من فقهائنا أي: من أتباع أبي حنيفة، وفي اختلاف الأئمة: إذا حاضت المرأة قبل طواف الإِفاضة لم تنفر حتى تطهر وتطوف، ولا يلزم الجمال حبس الجمل لها بل ينفر مع الناس ويركب غيرها مكانها عند الشافعي وأحمد، وقال مالك: يلزمه حبس الجمل أكثر من مدة الحيض وزيادة ثلاثة أيام، وعند أبي حنيفة: أن الطواف لا يشترط فيه الطهارة، وتطوف وترحل مع الناس انتهى. ولا يخفى أن المعنى من الحنفية ينبغي أن يقول لها: يحرم عليك دخول المسجد والطواف لكن لو طفت صح حجك وتلزمك بدنة لجنابتك.\nلما فرغ من بيان حكم حال المرأة تحيض في حجتها قبل أن تطوف طواف الزيارة، شرع في بيان حال المرأة تريد الحج والعمرة فتلد أو تحيض قبل أن تحرم.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>باب المرأة تريد الحج أو العمرة فتلد أو تحيض قبل أن تُحْرِم</span>\nفي بيان حكم حال المرأة تريد الحج أو العمرة، وفي نسخة بالواو فتلد أي: تكون نفساء أو تحيض قبل أن تحرم، فيه إشارة إلى أنه لا يلزم من الإِرادة تحقيق النية، ولذا لا يلتقي عن النية قوله: اللهم إني أريد الحج أو العمرة، فإنما في الدعاء إخبار، ولا بد في النية من الإِنشاء.\n٤٧٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، أن أسماء بنت عُمَيْس؛ وَلَدَت محمد بن أبي بكر بالبَيْدَاءِ، فَذَكَرَ ذلك أبو بكر لرسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: \"مُرْهَا؛ فلتغتسل، ثم لِتُهِلَّ\".\nقال محمد: وبهذا نأخذ في النُّفَسَاءِ والحائض جميعًا، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامَّةِ من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا عبد الرحمن بن القاسم، بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي، يكنى أبا محمد\n_________\n(٤٧٠) أخرجه النسائي في المجتبى (٥/ ١٢٧).","vol":"2","page":421},{"text":"المدني ثقة تابعي جليل، قال ابن عيينة: كان أفضل أهل زمانه، وكان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة في وجه الأرض، كما قاله ابن حجر (١) عن أبيه، أي: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵁، قال أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي: كان القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، وقد سبق منقبته في باب القراءة في صلاة الجمعة أن أسماء قيل: أصله وسماء، وقيل: إنه جمع اسم فهو غير منصرف للعلمية والتأنيث بنت عُمَيْس؛ بالتصغير وَلَدَت محمد بن أبي بكر أي: الصديق ﵁ بالبَيْدَاءِ، وهي مقدمة الصحراء بذي الحليفة فَذَكَرَ ذلك أبو بكر ﵁ لرسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: \"مُرْهَا؛ أي: أمر ندب فلتغتسل، أي: غسل الإِحرام، وهو للنظافة؛ ولذا لا يقوم مقامه التيمم ثم لِتُهِلَّ\" بكسر اللام وضم التاء الفوقية وكسر الهاء وفتح اللام المشددة، أي: لتحرم من غير صلاة.\nقال القعنبي وابن بكير وابن مهدي ويحيى بن يحيى، عن أبيه أن أسماء، وعلى كل حال فهو مرسل؛ لأن القاسم لم يلحق أسماء، وقد وصله مسلم وأبو داود وابن ماجه من طريق عبيد الله بن عمر عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أبي بكر الصديق، ورواه ابن عبد البر من طريق إسحاق بن محمد الفروي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، قال: ولهذا اختلاف في إسناد هذا الحديث أرسله مالك فكثيرًا ما كان يصنع ذكره السيوطي.\nقال محمد: وبهذا نأخذ أي: أنا وأصحاب أبي حنيفة، إنما نعمل بما رواه عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه في النُّفَسَاءِ والحائض جميعًا، أي: لأن حكمها فتجدد شرعًا وهو أي: اتحاد حكم النفساء والحائض قولُ أبي حنيفة، والعامَّةِ من فقهائنا من أتباع أبي حنيفة في العمل.\nلما فرغ من بيان حكم حال المرأة تلد أو تحيض قبل أن تحرم، شرع في بيان حكم المستحاضة في الحج، فقال: هذا\n* * *\n_________\n(١) في التقريب (١/ ٣٤٨).","vol":"2","page":422},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-201>باب المستحاضة في الحج</span>\nفي بيان حكم المستحاضة في الحج، اعلم أن ما نقص عن أقل الحيض وهو ثلاثة أيام أو زاد على حيض المبتدأ، وهو عشرة أيام وعلى نفاسها، وهو أربعون يومًا أو على العادة، وجاز أكثرهما وما رأت حامل استحاضة، وحكمها أنها لا تمنع صلاة وصومًا ووطئًا ونحوها.\n٤٧١ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزبَيْر المكي، أنَّ أبا مَاعِزٍ، عبد الله بن سفيان، أخبره أنَّه كان جالسًا مع عبد الله بن عمر، فجاءَتْه امرأةٌ تستفتيه، فقالت: إني أقبلتُ أُريدُ أن أطوف بالبيت؛ حتى إذا كنتُ عند باب المسجد أهْرَقْتُ، فرجعتُ حتى ذَهَبَ ذلك عني، ثم رجعتُ إلى المسجد أيضًا، فقال لها ابن عمر: إنما ذلك رَكْضَةً من الشيطان، فاغتسلي، ثم استَثْفِري بِثَوْبٍ، ثم طُوفي.\nقال محمد: وبهذا نأخذ؛ هذه المُسْتَحَاضَة، فلتتوضَّأ وتَسْتَثفِر بثوب، ثم تطوف، وتصنع ما تصنع الطاهرة، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامَّةِ من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: أنا، أخبرنا أبو الزبَيْر المكي، هو محمد بن مسلم تدرس، بفتح التاء الفوقية وسكون الدال المهملة وضم الراء الأسدي، مولاهم صدوق إلا أنه يدلس، كان في الطبقة الرابعة من طبقات أهل المدينة، وهي كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة في وجه الأرض أنَّ أبا مَاعِزٍ، اسمه عبد الله بن سفيان، بن عبد الله الثقفي الطائي وثقه النسائي، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات أهل الطائف، كما قاله ابن حجر في (التقريب) (١) أخبره أي: أبا الزبير أنَّه كان أي: أبا عامر جالسًا مع عبد الله بن عمر، ﵄ فجاءَتْه امرأةٌ تستفتيه، أي:\n_________\n(٤٧١) إسناده حسن.\n(١) التقريب (١/ ٣٠٦).","vol":"2","page":423},{"text":"طلبت الفتوى فقالت: إني أقبلتُ أي: توجهت وقصدت أُريدُ أن أطوف بالبيت؛ أي: للحج أو للعمرة، ولا دلالة في الحديث صريحًا على عنوان الباب حتى إذا كنتُ عند باب المسجد أي المسجد الحرام أهْرَقْتُ، أي: صببت الدم فرجعتُ حتى ذَهَبَ ذلك عني، أي: وطهرت وتطهرت ثم أقبلت أي: ثانيًا، حتى كنت عند باب المسجد فرجعت ثانيًا حتى ذهب ذلك عني ثم رجعت إلى المسجد أيضًا، فقال لها ابن عمر: إنما ذلك بكسر الكاف رَكْضَةً من الشيطان، وهي بفتح الراء المهملة وسكون الكاف والضاد المعجمة ضرب بالرجل ومنه قوله تعالى في سورة (ص): ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص: ٤٢] أراد الإِضرار والأذى بسببها، والمعنى أن الشيطان وجد بذلك طريقًا إلى التلبيس عليها في أمر دينها في طهرها وصلاتها حتى نساها ذلك عادتها، وصار التقدير كأنه ركضها برجله من ركضاته كذا في (النهاية) فاغتسلي، ولعل أمرها بالغسل لتقدم حيضها أو لتكمل طهارتها، ونظافتها، وإلا فالمستحاضة تتوضأ، وإذا استمر دمها لكل وقت يجب عليها الوضوء، وأما إذا نسيت عادتها فيجب عليها لكل صلاة غسل على حدة ثم استَثْفِري بِثَوْبٍ، اربطي ثوبًا على مخرج الدم على هيئة الثغر في الدابة ثم طُوفي وكذا الحكم الصلاة، وإن تقاطر دمها.\nقال محمد: وبهذا نأخذ؛ أي: نعمل بما رواه أبو الزبير المكي هذه أي: المرأة (ق ٥٠٦) المُسْتَحَاضَة، أي: لا الحائض فلتتوضَّأ وتَسْتَثفِر بثوب، أي: لئلا يتلوث بدنها ولا يتلطخ ثوبها ثم تطوف، وتصنع ما تصنع الطاهرة، أي: من الصلاة والتلاوة من المصحف ونحوها وهو قولُ أبي حنيفة، والعامَّةِ من فقهائنا أي: من علماء الحنفية.\nلما فرغ من بيان حكم حال المستحاضة في الحج، شرع في بيان حكم حال من يريد دخول مكة، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>باب دخول مكة وما يُستحب من الغُسل قبل الدخول</span>\nفي بيان حكم حال من يريد دخول مكة، وما يستحب له من الغسل بيان ما قبل الدخول أي: دخوله مكة ليلًا أو نهارًا والظرف متعلق بالغسل، والمناسبة بين هذا الباب والباب السابق استحباب الغسل على المستحاضة في الحج، وعلى من يريد دخول مكة.","vol":"2","page":424},{"text":"٤٧٢ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن ابن عمر: أنَّه كان إذا دَنَا من مكة باتَ بذي طَوَّى بين الثَّنِيَّتَيْنِ حتى يُصْبِح، ثم يُصلّي الصبح، ثم يدخل من الثَّنِيَّة التي بأعْلَى مكة، ولا يدخل مكة إذا خرج حاجَّا أو مُعْتَمِرًا حتى يغتسل، قبل أن يدخل، إذا دَنَا من مكة بذي طُوْى، ويأمر من معه فيغتسلوا قبل أن يدخلوا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أو أنا، وفي نسخة أخرى: ثنا رمزًا إلى أخبرنا أو حدثنا وفي نسخة: قال: بنا، وفي نسخة أخرى: نافع، أي: ابن عبد الله المدني، فاضل ثقة مشهور، مولى ابن عمر، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة عن ابن عمر: ﵄ أنَّه كان إذا دَنَا أي: قرب من مكة بات أي: مكث ليلًا بذي طَوَّى مثلثة الطاء والفتح أشهر، وبفتح الواو وبضمها، وحكى كسرها وينون ولا ينون وهو واد بقرب مكة على نحو نصف فرسخ، فيعرف في وقتنا بالزاهر والجوخي في طريق التنعيم، وينزل فيه أمراء الحاج دخولًا أو خروجًا، فمن نونه جعله اسمًا للوادي، ومن منعه جعله اسمًا للبقعة مع العلمية، أو منعه للعلمية مع تقدير العدل من طاف، كذا في (المصباح) بين الثَّنِيَّتَيْن بالثاء المثلثة المفتوحة والتحتية الساكنة وبعدها نون أي: بين العقبتين حتى يُصْبِح، فإن بات أي: مكث ليلًا بذي طوى إلى أن يطلع الفجر ثم يُصلّي الصبح، ومن ثم إيماء إلى الإِسفار.\nوفي رواية أيوب عن نافع: فإذا صلى الغداة اغتسل، ويحدث أن رسول الله - ﷺ - فعل ذلك رواه البخاري ومسلم وغيرهما أي: المذكور من البيات والصلاة والغسل ثم يدخل أي: مكة من الثَّنِيَّة التي بأعْلَى مكة، التي ينزل منها المعلا ومقابر مكة بجنب المحصب، وهي التي يقال لها: الحجون بفتح الحاء المهملة وضم الجيم، وكانت صعبة المرتقى فهدها معاوية ثم عبد الملك بن مروان ثم المهدي على ما ذكره الأزرقي، ثم سهل في سنة إحدى عشرة وثمان مائة موضع، ثم سهل كلها في زمن سلطان قهر الملك ٤ المؤيد في حدود العشرين وثمان مائة، وفي البخاري عن إبراهيم بن المنذر وأبي داود عن عبد الله بن\n_________\n(٤٧٢) إسناده صحيح.","vol":"2","page":425},{"text":"جعفر البرمكي، كلاهما عن معز عن مالك عن نافع عن ابن عمر قال: كان رسول الله - ﷺ - يدخل من الثنية السفلى. قال الحافظ: ليس هذا الحديث في (الموطأ) ولا رأيته في غريب مالك والدارقطني، ولم أقف عليه إلا من رواية معن بن عيسى، وقد عزا على الإِسماعيلي استخراجه، فرواه عن ابن ناجية عن البخاري مثله كذا قاله الزرقاني ولا يدخل أي: ابن عمر مكة إذا خرج أي: من المدينة حاجَّا أي: مفردًا أو قارنًا أو مُعْتَمِرًا حتى يغتسل، أي: لدخول مكة استحبابًا قبل أن يدخل، أي: مكة كما في (الموطأ) ليحيى إذا دَنَا أي: قرب من مكة بذي طُوْى، أي: اقتداء بفعله - ﷺ - (ق ٥٠٧)، ليكون دخوله الأكمل والأفضل، وكان ابن عمر من أتبع الناس له - ﷺ - ويأمر من معه أي: بذلك فيغتسلوا قبل أن يدخلوا أي: مكة تحصيلًا للمستحب؛ لأنه يندب لغير حائض ونفساء؛ لأنه للطواف وهما لا تدخلان المسجد، كما قال - ﷺ -: \"وافعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت للإحرام، والوقوف\"، وهذا كيفية الدخول، وأما من أراد الخروج فيخرج من آخر مكة من المسفلة، وهي طريق الشبيكة فينزل بذي طوى ثم يسافر منه، لما في مسلم من حديث عائشة: أن النبي - ﷺ -، لما جاء إلى مكة دخل من أعلاها وخرج من أسفلها كذا قاله الزرقاني وعلي القاري.\n* * *\n\n٤٧٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم أن أباه القاسم، كان يدخل مكة ليلًا، وهو مُعْتَمِر، فيطوف بالبيت والصَّفَا والمروة، ويؤخِّر الحِلَاق حتى يُصْبِح، ولكنه لا يعود إلى البيت فيطوف به حتى يحلق، قال: وربما دخل المسجد فأوْتَرَ فيه، ثم انصرفَ، ولم يقرب البيت.\nقال محمد: لا بأسَ بأن يدخل الرجل مكة، إن شاء ليلًا، وإن شاء نهارًا؛ فيطوف ويسْعَى، ولكنه لا يعجبنا له أن يعود في الطَّوَاف حتى يحلق أو يُقَصِّر، كما فعل القاسم، وأما الغُسْل حين يدخل فهو حَسَنٌ، وليس بواجب.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: أنا، أخبرنا وفي نسخة:\n_________\n(٤٧٣) إسناده صحيح.","vol":"2","page":426},{"text":"قال: بنا عبد الرحمن بن القاسم أي: ابن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي، يكنى أبا محمد المدني ثقة جليل قال ابن عيينة: كان أفضل أهل زمانه، وكان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، ومات سنة ست وعشرين ومائة وقيل بعدها، كذا قاله ابن حجر (١)، ومنقبته سبقت في باب القراءة في صلاة الجمعة أن أباه القاسم، أي: ابن محمد بن أبي بكر الصديق كان يدخل مكة ليلًا، وهو مُعْتَمِر، قيد وقوعي لا احترازي فيطوف بالبيت كما في الصحيحين عن عائشة ﵂. أن أول شيء بدأ به رسول الله - ﷺ - حين قدم مكة أن توضأ ثم طاف بالبيت والصَّفَا والمروة، أي: سعي بينهما ليلًا لبيان جوازهما ليلًا، وكانت العبادة أفضل أن تكون بالخفية ويؤخِّر الحِلَاق بكسر الحاء المهملة أي: الحلاقة، وفي نسخة: الحلق حتى يُصْبِح، ولعل تأخيره لعدم وجود السراج عنده ولكنه لا يعود إلى البيت فيطوف به أي: ثانيًا حتى يحلق، أي: أو يقصر ليقع التوالي بين طواف الأول وحلقه من غير فاصل بينهما، وإن كان جائز وربما دخل المسجد أي: آخر الليل فأوْتَرَ فيه، أي: تهجد مع الوتر في المسجد ثم انصرفَ، أي: عن المسجد، وفي نسخة: وانصرف بالواو ولم يقرب البيت أي: للطواف ولا للاستلام.\nقال محمد: لا بأسَ بأن يدخل الرجل مكة، أي: وقت قصدها إن شاء ليلًا، وإن شاء نهارًا؛ لكن عمل السر خير من العلانية في غير الفريضة فيطوف ويسْعَى، أي: ليلًا أو نهارًا ولكنه أي: الشأن لا يعجبنا أي: لمحرم طاف وسعى، وكذا إذا طاف ولم يسع بالأولى أن يعود في الطَّوَاف أي: فضلًا لما قدمناه واحتياطًا؛ لأنه يوجب الوسوسة حتى يحلق أو يُقَصِّر، كما فعل القاسم، وهو أحد الفقهاء السبعة من أهل المدينة، وكان من أفضل أقرانه في زمانه من علو شأنه وأما الغُسْل أي: الذي كان يفعله ابن عمر يأمر به غيره حين يدخل أي: مكة فهو حَسَنٌ، أي: مستحب وليس بواجب أي: ولا سنة مؤكدة، لما سبق أنه - ﷺ - دخل مكة ليلًا في عمرته ونهارًا في حجته.\nلما فرغ من بيان حكم حال من يريد دخول مكة وما يستحب له من الغسل، شرع في بيان حكم السعي بين الصفا والمروة، فقال: هذا\n* * *\n_________\n(١) في التقريب (١/ ٣٤٨).","vol":"2","page":427},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-203>باب السعي بين الصفا والمروة</span>\nفي بيان حكم السعي بين الصفا والمروة، وهو واجب في النسكين وعند الشافعي فيها، (ق ٥٠٨) والمشي فيه واجب عندنا خلافًا للشافعي.\n٤٧٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر، أنه كان: إذا طاف بين الصفا والمروة؛ بدأ بالصفا فَرَقِيَ حتى يبدو له البيت، قال: وكان يكبر ثلاث تكبيرات، ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، يفعل ذلك: سبع مرات، فذلك إحدى وعشرون تكبيرة، وسبع تهليلات، ويدعو فيما بين ذلك، ويسأل الله تعالى، قال: ثم يهبط، فيمشي، حتى إذا جاءَ بطن المَسِيل سعى، حتى يظهر منه، ثم يمشي حتى يأتي المَرْوَة، فيرقَى، فيصْنَعُ عليها مثل ما صنع على الصفا، يصنع ذلك سبع مرات، حتى يفرغ من سعيه.\nوسمعتُه يدعو على الصفا: اللهم إنك قلت: ادعوني أستجب لكم، وإنك لا تُخلف الميعاد، وإني أسألك كما هديتني للإسلام، أن لا تنزِعه مني، حتى تَوَفَّاني وأنا مسلم.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ابنا أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا نافع، أي: ابن عبد الله المدني، التابعي ثقة عالم مشهور، مولى ابن عمر، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، وقال المؤرخون: إنه مات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك من الهجرة كما في (التقريب) (١) عن عبد الله بن عمر، ﵄ أنه كان: إذا طاف بين الصفا والمروة؛ أي: أراد السعي بينهما بدأ بالصفا أي: لقوله - ﷺ - حين قارب الصفا: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ١٥٨]، وفي رواية: \"ابدؤوا بما بدأ الله به\" وهو سنة، وقيل: واجب وقيل: شرط.\n_________\n(٤٧٤) إسناده صحيح.\n(١) التقريب (١/ ٥٥٩).","vol":"2","page":428},{"text":"قال الخطابي: فيه أنه اعتبر تقديم المبدأ به في التلاوة فقدمه، وأن الظاهر في حق الكلام أن المبدأ ومقدم في الحكم على ما بعده، والساعي إذا بدأ بالمروة لم يعتد به ذلك. انتهى.\nونحوه لابن عبد البر وبهذا قال مالك والشافعي والجمهور: وأصرح منه في الدلالة رواية النسائي (١): \"ابدؤوا بما بدأ الله به\"، هكذا بصيغة الأمر للجمع، كذا قاله الزرقاني فَرَقِيَ بكسر القاف أي: صعد ابن عمر، وهذا يتصور إن كان ماشيًا حتى يبدو له البيت، بضم الدال وفتح الواو حتى يظهر له الكعبة ويعاينها ويستقبلها قال: وكان يكبر ثلاث تكبيرات، أي: يقول: الله أكبر ثلاث مرات ويرفع يديه، كما في الدعاء؛ لا أنه يرفعهما ويخفضهما كما يفعله السفهاء ثم يقول: وثم بمعنى الواو، كما وجد الواو مكان ثم في (الموطأ) ليحيى لا إله أي: لا مستحق للعبادة إلا الله أي: إلا الذات المستجمع لصفات الكمالات، وهو بدل العين من العين من محل لا إله، كما في (العيون) وحده نصب حال، أي: منفردًا بالذات لا شريك له، أي: في حقيقة الصفات عقلًا وسمعًا، وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم إنما هو إله واحد له الملك بضم الميم أي: ملك الدنيا والآخرة ظاهرًا وباطنًا ملك العلم والحلم والقناعة والإِيمان والمعرفة وسلك، السلطة العامة والسياسة الخاصة، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء بإعطاء ملكه له، ويذل من يشاء بنزعه عنه بيده الخير، وكذا الشر في عطائه ومنعه وله الحمد، أي: في الدنيا والآخرة على كل حال، وفي كل حال يحيي أي: يوجد من يشاء، ويميت أي: يسلب حياته أو يحيي بالإِيمان والعمل ويميت بالكفر وهو أي: والحال أنه تعالى على كل شيء أي: تعلقت به الإِرادة قدير، أي: تام القدرة.\nوفي رواية لمسلم وغيره: مرفوعًا زيادة: لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، وفيه دليل على إثبات أهل السنة والجماعة ورد الفرق الضالة، فإن العبد وفعله بخلق الله تعالى، وعليه التسليم بربه والرضا بقضائه والعلم بأنه تعالى عزيز في حكمته، وأنه ضعيف عاجز، وفي تفسير (الكواش) في قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] أوحى الله تعالى إلى داود صلوات الله\n_________\n(١) النسائي (٥/ ٢٣٦).","vol":"2","page":429},{"text":"على نبينا وعليه (ق ٥٠٩) يا داود اعرفني وأعرف نفسك، فقال: يا رب فكيف أعرفك وأعرف نفسي، فقيل: اعرف نفسك بالضعف والعجز والفناء، واعرفني بالقدرة والقوة والبقاء انتهى يفعل ذلك: أي: يقول ما ذكر من التكبيرات الثلاثة والتهليل المذكور مع رفع يديه، ولذا عبر عنه بيفعل تغليبًا سبع مرات، فذلك أي: مجموع ما ذكر إحدى وعشرون تكبيرة، وسبع تهليلات، ويدعو أي: يطلب من الله ما شاء من مراداته وحاجاته فيما بين ذلك، أي: المذكور من المرات السبع على الوجه المسطور ويسأل الله تعالى، عطف تفسيري أو الدعاء باللسان والسؤال بالجنان، وفي نسخة: قال: أي نافع ثم أي: بعد الدعاء والسؤال يهبط، بكسر الموحدة، أي: ينزل عبد الله بن عمر من الصف فيمشي، أي: على هنية وسكون في هنية حتى إذا جاءَ بطن المَسِيل وهو المحازي للميلين الأخضرين الأولين سعى، أي: أسرع في مشيه حتى يظهر منه، أي: يعلو من بطن المسيل وحاذى الميلين الأخضرين الأخيرين ثم يمشي أي: على مهله حتى يأتي المَرْوَة، فيرقَى، بفتح التحتية والقاف من باب علم أي: فصعد ابن عمر ﵁ فيصْنَعُ عليها أي: على المروة مثل ما صنع على الصفا، أي: من استقبال الكعبة وغيره فينحرف قليلًا إلى يمينه، ويكبر ويهلل ويدعو فيما بين ذلك، كما تقدم آنفا ويصنع ذلك أي: ما ذكر من السعي سبع مرات، أي: الأربعة عشر كما توهم بعضهم حتى يفرغ من سعيه أي: بأن يقع ختمه على المروة، كما في الرواية.\nوسمعتُه عطف على قال أي: قال نافع: سمعت ابن عمر حال كونه يدعو على الصفا: أي: من جملة ما ورد عنه من الدعاء اللهم إنك قلت: ادعوني أستجب لكم، وإنك لا تُخلف الميعاد، أي: الوعد في المبدأ والمعاد وإني أسألك كما هديتني إلى الإِسلام، وفي نسخة: للإِسلام، أي: الإِمضاء التام والهداية تتعدى بهما كما في قوله تعالى: ﴿يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] وتتعدى أيضًا بلا واسطتها، كقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] أن لا تنزعه بكسر الزاي المعجمة أي: لا تخلع الإِسلام مني، حتى تَوَفَّاني بحذف إحدى التائين أي: حتى تقبضني وتميتني، كما خلقتني على الإِسلام وأمتني على الإِسلام وأنا مسلم أي: والحال الآن أنا مسلم ظاهرًا وباطنًا، فهو مضمون توفني مسلمًا وألحقني بالصالحين، وهو تعليم الأمة أو تعظيم لله تعالى على وجه العزة، والحديث رواه","vol":"2","page":430},{"text":"ابن أبي شيبة في مصنفه أيضًا من قول ابن عمر موقوفًا، كذا قاله علي القاري. وفيه تنبيه أنه لا يجوز لأحد من المؤمنين غير الأنبياء والمبشرين بالجنة أن يقطع لنفسه ولغيره بحسن الخاتمة، قال رسول الله - ﷺ -: \"من قال: أنا مؤمن حقًا فهو كافر أو منافق\" رواه الديلمي في مسند الفردوس، وأورده المناوي في (كنوز الحقائق) في حديث: خير الخلائق.\nقال السخاوي: معناه من قال: أنا مؤمن جزمًا بحسن الخاتمة فهو كافر، وهو مقصور بعلم الله تعالى، فينبغي للمؤمن أن يقول في آناء الليل وأطراف النهار: ثبت قلبي على دينك، واقبضني على (ق ٥١٠) دينك، واحشرني مع نبيك.\n* * *\n\n٤٧٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا جعفر، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله - ﷺ - حين هبط من الصفا، مشى حتى إذا انصبَّت قدماه في بطن المسِيل سعى، حتى ظهر منه، قال: وكان يكبر على الصفا ثلاثًا، ويهلل واحدة، يفعل ذلك ثلاث مرات.\nقال محمد: وبهذا كله نأخذ، إذا صعِدَ الرجل الصفا كبر وهلل، ثم هبط ماشيًا حتى يبلغ بطن الوادي، فيسعى فيه حتى يخرج منه، ثم يمشي مشيًا على هِينَتِهِ حتى يأتي المروة، فيصعَد عليها، فيكبِّر ويهلِّل، ويدعو، يصنع ذلك بينهما سبعًا، يسعى في بطن الوادي في كل مرة منها، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامَّةِ من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، يعني منسوب إلى ذي أصبح ملك من ملوك اليمن، وكان في الطبقة السابعة من طبقات كبار أتباع التابعين من أهل المدينة، وهي كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة في وجه الأرض، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: أنا أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا، وفي أخرى: أنا جعفر، بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، يكنى أبا عبد الله المعروف بالصادق، صدوق فقيه إمام، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة","vol":"2","page":431},{"text":"مات سنة ثمان وأربعين من الهجرة، وذكر منقبته في باب الرمل بالبيت عن أبيه، أي: محمد الباقر عن جابر بن عبد الله، بن عمرو بن حرام بمهملتين الأنصاري، ثم السلمي بفتح السين المهملة واللام، صحابي غزا تسع عشرة غزوة، ومات بالمدينة بالسبعين من الهجرة وهو ابن أربعة وتسعين. كذا قاله ابن حجر (١) أن رسول الله - ﷺ - حين هبط بفتح الموحدة أي: نزل من الصفا، مشي أي: على راحلته حتى إذا أنصبَّت قدماه بتشديد الموحدة أي: انحدرتا في بطن المسِيل سعى، أي: أسرع في مشيه حتى ظهر منه، أي: طلع من المسيل قال: أي: جابر وكان أي: النبي - ﷺ - يكبر على الصفا ثلاثًا، ويهلل واحدة، أي: ثم يدعو ثم يعيدها يفعل ذلك ثلاث مرات كذا في رواية مسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجه وأبي عوانة عن جابر أيضًا، ولعله ما اطلع على الزيادة بخلاف ابن عمر، فإنه كان بالغًا في مقام المتابعة والاستفادة ويمكن الجمع بأن العدد بحسب النسك.\nقال محمد: وبهذا كله نأخذ، أي: إنما نعمل بجميع من ذكر في هذا الباب إذا صعِدَ الرجل أي: المحرم على الصفا وفي حكم المرأة، ولا يبعد أن يقال: المرأة لا ينبغي أن تصعد لأن مبنى أمرها التستر كبر وهلل، ودعا أي: وأقله مرة واحدة منها وأكثره سبعًا، كما مضى ثم هبط ماشيًا أي: إلا إذا كان معذور فيكون راكبًا حتى يبلغ بطن الوادي، أي: أوله فيسعى فيه أي: فيبالغ في سرعته حتى يخرج منه، أي: من بطن الوادي ويصل إلى آخره ثم يمشي مشيًا مفعول مطلق على هِينَتِهِ بكسر الهاء وسكون التحتية وفتح النون وكسر الفوقية أي: على سهولة في مشيه كذا قاله محمد الواني في (ترجمة الجوهري) حتى يأتي المروة، فيصعَد عليها، أي: يستقبل الكعبة المكرمة ويرفع يديه فيكبِّر ويهلِّل، ويدعو، أي: كما تقدم يصنع ذلك أي: ما ذكر من المشي بينهما سبعًا، أي: لا زيادة عليها ولا نقص منها يسعى أي: يسرع في بطن الوادي في كل مرة منها، أي: لا في ثلاثة الأول، قياسًا على ما في الطواف من عدد الرمل، وهو أي: السرعة في بطن الوادي في كل مرة من السعي السبع وهو قولُ أبي حنيفة، والعامَّةِ من فقهائنا الحنفية خلافًا للطحاوي من الحنفية وبعض الشافعية.\n_________\n(١) في التقريب (١/ ١٣٦).","vol":"2","page":432},{"text":"حيث قالوا: إن الذهاب من الصفا إلى المروة ومنها إلى الصفا مجموع ذلك شوطًا، كما أن الشوط في الطواف من الحجر إلى الحجر، ويرده قول جابر: فلما كان آخر طوافه على المروة؛ لأن مقتضى قولهم: أن يكون آخر طوافه (ق ٥١١) على الصفا، والفرق بين السعي والطواف أن السعي يتم بالمروة فيكون الرجوع تكرارًا، والطواف لا يتم إلا بالوصول إلى الحجر، كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان حكم السعي بين الصفا والمروة، شرع في بيان حكم الطواف بالبيت راكبًا وماشيًا، فقال: هذا\n* * *\n\n٣٩ -<span data-type=\"title\" id=toc-204> باب الطواف بالبيت راكبًا أو ماشيًا</span>\nفي بيان حكم الطواف بالبيت أي: بالكعبة المكرمة راكبًا أو ماشيًا، المشي واجب إلا لضرورة فيجوز الركوب، فكان الأولى أن يقدم لفظة ماشيًا، كما لا يخفى وقد يقال: قدم لفظة راكبًا لورود الحديث الآتي على صفة الركوب.\n٤٧٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن بن نَوْفَل الأسدي، عن عروة، عن زينب بنت أبي سَلَمَة، عن أم سلمة زوج النبيّ - ﷺ -، أنها قالت: شكيتُ: فذكرتُ ذلك لرسول الله - ﷺ -، فقال: \"طوفي من وراء الناس، وأنت راكبة\"، قالت: فطفتُ ورسول الله - ﷺ - يصلي إلى جانب البيت، ويقرأ بـ ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ١، ٢].\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا بأس للمريض وذي العلة أن يطوف بالبيت، محمولًا، ولا كفارة عليه، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامَّةِ من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، كان منسوبًا إلى\n_________\n(٤٧٦) حديث صحيح: أخرجه البخاري (١/ ١٢٥) (٢/ ١٨٨، ١٩٠) (٦/ ١٧٥) ومسلم في الحج (٢٥٨) وأبو داود (١٨٨٢) وأحمد في المسند (٩/ ٢٩٠) والبيهقي في الكبرى (٥/ ١٠١) والنسائي (٥/ ٢٢٣) وابن خزيمة (٥٢٣) (٢٧٧٦).","vol":"2","page":433},{"text":"ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، كان في الطبقة السابعة من طبقات كبار أتباع التابعين من أهل المدينة، وكان ابن تسعين سنة. كذا قاله الإِمام الواقدي، وقال بعض المؤرخين: مكث في بطن أمه ثلاث سنين ومات بالمدينة سنة تسع وتسعين ومائة، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: أنا كل واحد منهما رمزًا إلى أخبرنا، أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا محمد بن عبد الرحمن بن نَوْفَل بفتح النون وسكون الواو وبعدهما فاء مفتوحة ولام ابن خويلد الأسدي، القرشي، يكنى أبا الأسود المدني يتيم عروة ثقة كان في الطبقة السادسة من طبقات أهل المدينة مات سنة بضع وثلاثين ومائة، كما قال ابن حجر في (التقريب) (١) عن عروة، بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي المدني، يكنى أبا عبد الله كان ثقة فقيهًا، وكان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين، على الصحيح. كذا قاله ابن حجر (٢).\nاعلم أن كلمة \"عن\" في اصطلاح المحدثين كلمة للسماع والإِجازة لكن عنعنة المعاصر محمولة على السماع سواء ثبت الملقي بينهما أم لا عند الجمهور، خلافًا للبخاري حيث يشترط الملقي، ولا شبهة في ثبوت الملقي بين محمد بن عبد الرحمن بن نوفل وبين عروة بن الزبير بن العوام عن زينب بنت أبي سَلَمَة، أي: كان اسمه عبد الله بن عبد الأسد المخزومي الصحابي، وبنته صحابية ربيبة النبي - ﷺ -، وعند البخاري من طريق يحيى بن أبي زكريا عن هشام عن أبيه عن أم سلمة، لم يذكر زينب، وتعقبه الدارقطني في كتاب (التتبع) بأنه منقطع، فقد رواه حفص بن غياث عن هشام عن أبيه عن زينب عن أمها، ولم يسمعه عروة من أم سلمة، ورده الحافظ بأن سماعه منها ممكن، فإنه أدرك من حياتها نيفًا وثلاثين سنة، وهو معها في بلد واحد أو يحتمل أن يكون اسمه أولا من زينب عن أمها، ثم سمعه من الأم فحدث به على الوجهين، فلا يكون منقطعًا، قال: وقد زاد الأصيلي في طريق هشام عن زينب، وقد رواه ابن السكن عن علي بن عبد الله بن ميثر عن محمد بن حرب شيخ البخاري فيه ليس فيه زينب، وهو المحفوظ من حديث هشام فأما أبو الأسود فبإثبات زينب كما قاله الزرقاني (٣).\n_________\n(١) التقريب (١/ ٤٩٣).\n(٢) التقريب (١/ ٣٨٩).\n(٣) في شرحه (٢/ ٤١٤).","vol":"2","page":434},{"text":"أنها أي: أم سلمة قالت: شكيتُ أي: مرضت أو شكوت إلى رسول الله - ﷺ - من وجع بي أو برجل وأنا أريد الطواف فذكرتُ ذلك لرسول الله - ﷺ -، أي: بأن أقول: إني مريضة فقال: \"طوفي من وراءِ الناس\"، (ق ٥١٢) أي: من الطوافين والمصلين، والأظهر لما سيأتي من أن سنة النساء التباعد عن الرجال في الطواف، ولأن بقربها يخاف تأذي الناس بدابتها وقطع صفوفهم وأنتِ راكبة، أي: على دابة، زاد في رواية هشام بعيرك، وبيَّن فيها أن طواف الوداع ولفظه: أن رسول الله - ﷺ - أراد الخروج ولم تكن أم سلمة طافت، فقال لها: \"إذا أقيمت صلاة الصبح فطوفي على بعيرك\" قالت: فطفتُ أي: راكبة بعيري ورسول الله - ﷺ - يصلي إلى جانب البيت، أي: يصلي صلاة الصبح بالناس ملصقًا بالكعبة، وبعض أصحابه من رواته وآخرون متحلقًا حول الكعبة ليتأتى لها الطواف راكبة ويقرأ بـ ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ١، ٢] أي: سورة الطور كلها أو بعضها.\nفائدة: ذكرها بيان كمال استحضارها، وفيه جواز طواف الراكب لعذر، ويلحق به المحمول للعذر، أما بلا عزر فمنعه مالك وكرهه الشافعي، لقوله تعالى في سورة الحج: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] ولو طاف راكبًا لم يطف به إنما طاف به غيره، وركوبه - ﷺ - إنما كان للعذر، ففي أبي داود (١) عن ابن عباس ﵄: قدم النبي - ﷺ - وهو يشتكي فطاف على راحلته، وفي حديث جابر عند مسلم أنه - ﷺ - طاف راكبًا ليراه الناس ويسألوه، فيحتمل أنه فعل ذلك للأمرين، ولذا ركوب أم سلمة للعذر، زاد هشام في روايته فعلت ذلك فلم تصل حتى خرجت أي: من المسجد أو من مكة، فدل على جواز صلاة ركعتي الطواف خارجًا من المسجد أن لو كان ذلك شرطًا لازمًا أقرها - ﷺ - على ذلك في رواية حسان بن إبراهيم عن هشام عن الإِسماعيلي قالت: ففعلت ذلك، ولم أصل حتى خرجت فصليت وفيه رد على من قال: يحتمل أنها أكملت طوافها قبل صلاة الصبح ثم أدركتهم فصلتهم معهم ورأت أنها يجزيها عن ركعتي الطواف، واستدل به على أن من نسي ركعتي الطواف قضاها، حيث ذكرها من حل أو حرم وهو قول الجمهور، نعم قال مالك: إن تباعد ورجع إلى بلده فعليه دم، وتعقبه ابن المنذر بأن ذلك ليس أكبر من صلاة مكتوبة، وليس على من تركها غير قضائها حيث ذكرها، وهو مردود بأن للحج\n_________\n(١) أبو داود (١٨٨١).","vol":"2","page":435},{"text":"متعلقات، وأحكام تخصه لا دخل فيها للقياس، واستدل به ابن بطال وغيره على جواز إدخال الدواب التي يؤكل لحمها المسجد للحاجة؛ لأن بولها لا ينجسه بخلاف غيرها من الدواب، وتعقب بأنه ليس في الحديث دلالة على عدم الجواز مع عدم الحاجة بل ذلك دائر مع التلوث وعدمه، بحيث يخشى التلويث منع الإِدخال، وقد قيل: إن ناقته - ﷺ - كان مُنَوَّقَة، أي: مدربة معلمة، فيؤمن منها ما يحذر من التلويث وهي سائرة، ولعل بعير أم سلمة كان كذلك قيل: والحديث ظاهر في الدلالة على طهارة بول البعير وبعره ويقاس عليه بقية مأكول اللحم، والقول بأن الناقة منوقة لم يثبت إنما أبداه الحافظ احتمالًا وترجى أن (ق ٥١٣) بعير أم سلمة كذلك ممنوع، والحديث رواه البخاري عن الإسماعيلي والقعنبي والتنيسي ومسلم عن يحيى؛ الأربعة عن مالك به، كما قال الزرقاني.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: إنما نعمل بما رواه محمد بن عبد الرحمن بن نوفل عن عروة بن الزبير لا بأس أي: لا حرج للمريض أي: ضعيف البدن وذي العلة أي: كالأعرج، والزمن ومن به وجع الرجل ونحوه من مغمى عليه أن يطوف بالبيت، محمولًا، أي: على إنسان أو دابة سواء كان رجل أو امرأة ولا كفارة عليه، أي: على المريض حيث يكون معذورًا، وأما إذا طاف راكبًا من غير عذر فيصح ويجب عليه دم عند أبي حنيفة؛ لأن المشي فيه من الواجبات عندنا، وهو أي: طواف المريض بالبيت راكبًا بلا كفارة عليه قولُ أبي حنيفة، والعامَّةِ من فقهائنا أي: من أتباع أبي حنيفة بن النعمان بن ثابت، رحمة الله عليه.\n* * *\n\n٤٧٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر، عن ابن أبي مُلَيْكَة، أنَّ عمر بن الخطاب مَرَّ على امرأةٍ مَجْذُومَة تطوف بالبيت، فقال: يا أمَةَ الله، اقعدي في بيتك، ولا تؤذي الناس، فلما تُوُفِّي عمر بن الخطاب أتَتْ مكة، فقيل لها: هَلَكَ الذي كان يَنْهَاكِ عن الخروج، قالت: والله لا أُطِيعُهُ حَيّا وأعْصِيه مَيِّتًا.\n_________\n(٤٧٧) إسناده صحيح.","vol":"2","page":436},{"text":"• أخبرنا مالك، وفي نسخة: قال: بنا أخبرنا عبد الله بن أبي بكر، بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني القاضي، ثقة كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة من الهجرة، وهو ابن سبعين سنة، كذا قاله ابن حجر (١) عن ابن أبي مُلَيْكَة، بضم الميم بالتصغير، يقال: اسمه زهير التيمي، مولى عبد الله بن جدعان، أدرك ثلاثين من الصحابة، كان ثقة فقيهًا، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، ومات سنة سبع عشرة ومائة من الهجرة أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ مَرَّ على امرأةٍ مَجْذُومَة أي: أصابها داء الجزام، وهو بضم الجيم وبالذال المعجمة: مرض يشق الجلد ويقطع اللحم ويسقط تطوف بالبيت، أي: الكعبة المكرمة نافلة، على ما هو الظاهر من توجه النهي عليها فقال: أي: عمر يا أمَةَ الله، بفتح الهمزة وتخفيف الميم أي: جاريته اقعدي في بيتك، أي: فلا تخرجي منه ولا تؤذي الناس، أي: بريح الجزام بخروجك معهم وقربك منهم، إذ هو من العلل المعدية بحسب العادة الجارية عند بعض الناس، وقد ورد \"فر من الجزام فرارك من الأسد\" وهذا بالنسبة إلى العامة، وأما الخاصة الواصلة إلى مقام التوكل والنظر إلى مقام الوحدة والقائلة: من أعدى الأول فلا يبالون بمخالطتها ومؤاكلتها، فقد روى أبو داود (٢) وابن ماجه (٣) وابن حبان (٤) والحاكم (٥) وابن السني عن جابر: أن رسول الله - ﷺ - أخذ بيد مجزوم فوضعها معه في القصعة وقال: \"كله ثقة بالله\"، وفي رواية زيادة: \"وتوكل عليه\" فلما تُوُفِّي عمر بن الخطاب ﵁ أتَتْ مكة، فقيل لها: هَلَكَ أي: مات الذي كان يَنْهَاك عن الخروج، أي: الطواف ونحوه قالت: والله لا أُطِيعُهُ حَيّا وأعْصِيه مَيِّتًا أي: بل أطيعه حيًا وميتًا؛ لأنه أمر بحق لا يجوز نقض أمره إلا باجتهاد واحد يكون فوق قدرة، وهو مفقود غير موجود وهذا من المعلوم أن خروجها من غير أن يترتب إذا بان تطوف خفية في ليلة مظلمة غير ممنوع لها، ولا يحرم منه أن يجوز لها دخول مكة من غير إحرام، وهو\n_________\n(١) التقريب (١/ ٢٩٧).\n(٢) أبو داود (٣٩٢٥).\n(٣) ابن ماجه (٢/ ١١٧٢).\n(٤) ابن حبان (٦١٢٠).\n(٥) الحاكم (٤/ ١٥٢).","vol":"2","page":437},{"text":"ينافي عموم الأحكام الشرعية، فيتعين حمل النهي على خروجها على طريق البر وذات العرفية، كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان حكم الطواف بالبيت راكبًا أو ماشيًا، شرع في بيان حكم استلام الركن، فقال: هذا\n* * *\n\n٤٠ -<span data-type=\"title\" id=toc-205> باب استلام الركن</span>\nفي بيان حكم استلام الركن (ق ٥١٤)، أي: تقبيل الحجر الأسود فإنه الفرد الكامل الذي ينصرف إليه المطلق ويتبعه الركن اليماني، لما روى مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: وهو يطوف بالبيت للركن الأسود: إنما أنت حجر، ولولا أني رأيت رسول الله - ﷺ - قبلك ما قبلتك فقبله، وروى الحاكم عن أبي هارون العبدري عن أبي سعيد الخدري: حججنا مع عمر بن الخطاب، فلما طاف استقبل الحجر فقال: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله - ﷺ - قبلك ما قبلتك، ثم قبله فقال له علي بن أبي طالب: بلى إنه يضر وينفع، قال: بم؟ بكتاب الله تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، خلق الله آدم ومسح، أي: مسح ملك من ملائكة الله تعالى على ظهره فقدرهم أنه الرب وأنهم العبيد، وأخذو عهودهم مواثيقهم وكتب ذلك في رق، وكان لهذا الحجر عينان ولسان فقال: افتح ففتح فاه فألقمه ذلك الرق، وقال: اشهد لمن وافاك بالموافاة يوم القيامة، وإني أشهد سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"يؤتى يوم القيامة بالحجر الأسود، وله لسان ذلق يشهد لم يستلمه بالتوحيد\"، فهو يا أمير المؤمنين يضر وينفع، فقال عمر: أعوذ بالله أن أعيش في قوم لست فيهم يا أبا الحسن ﵃. انتهى.\nوبيان ذلك قال ابن عباس ﵄: مسح الله تعالى أي: مسح ملك (١) بأمره تعالى على ظهر آدم صلوات الله على نبينا وعليه، فأخرج أرواح ذريته من صلبه على\n_________\n(١) هذا تأويل باطل، لا دلالة عليه من تأويلات الأشاعرة - المحقق.","vol":"2","page":438},{"text":"صورة الذر، بعضها أبيض وبعضها أسود وانتشروا على يمين آدم، صلوات الله على نبينا وعليه ويساره فجعل للأرواح عقلًا، فخاطبهم حين أشهدهم على أنفسهم بقوله: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ وأمرهم بالإِيمان ونهاهم عن الكفر فأقروا لله تعالى بالربوبية ولأنفسهم بالعبودية، حيث قالوا: بلى فكان ذلك منهم إيمانًا فهم يولدون على تلك الفطرة، كما قاله أبو حنيفة رحمه الله تعالى في الفقه الأكبر، والمراد بالفطرة الإِيمان، جدد الله تعالى هذا العهد والميثاق، وذكر لنا هذا المنسى بإرسال الرسول، وأنزل القرآن وفرض على أغنياء المؤمنين حج البيت، ليحجوا به ويقبلوا الحجر الأسود ويجددوا عهودهم وميثاقهم السابق.\nوروى جابر ﵁: أن رسول الله - ﷺ - لما قدم مكة أتى الحجر الأسود واستلمه. كذا في (المصابيح) وهو كان أبيض مضيئًا ما بين المشرق والمغرب، ثم صار أسود بخطايا بني آدم، وروى عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إن الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة، طمس الله نورهما ولو لم يطمس نورهما لأضاء ما بين المشرق والمغرب\" (١) كذا أورده محيي السنة في (المصابيح).\nوالمراد بالركن: الحجر الأسود، وبالمقام: مقام إبراهيم صلوات الله على نبينا وعليه، وبالطمس: إذهاب النور، والتأويل الحسن أن فضل الحجر الأسود ومقام إبراهيم على سائر الأحجار كفضل ياقوت (ق ٥١٥) الجنة الباقية على ياقوت هذه الفانية.\n٤٧٨ - أخبرنا مالك، حدثنا سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري عن عُبيد بن جُريج، أنه قال لعبد الله بن عمر: يا أبا عبد الرحمن، رأيتك تصنع أربعًا؛ ما رأيتُ أحدًا من أصحابك يصنعها، قال: فما هنّ يا ابن جريج؟ قال: رأيتك لا تَمَسُّ من الأركان إلا اليمانَيْن، ورأيتك تلبس النعال السَّبْتية؛ ورأيتك تصبُغُ بالصفرة، ورأيتك إذا كنت بمكة أهلَّ الناس إذا رأوا الهلال ولم تهل أنت حتى يكون يوم التَّرْوِيَة.\n_________\n(١) أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٢١٣) والحاكم في المستدرك (١/ ٤٥٦) والبيهقي في الكبرى (٥/ ٧٥).\n(٤٧٨) إسناده صحيح.","vol":"2","page":439},{"text":"قال عبد الله: أما الأركان؛ فإني لم أر رسول الله - ﷺ - يَمَسّ إلا اليمانَيْن، وأما النعال السِّبتية: فإني رأيتُ رسول الله - ﷺ - يلبس النعال التي ليس فيها شعر، ويتوضأُ فيها، أنا أحب أن ألبسها، وأما الصُّفرة: فإني رأيتُ رسول الله - ﷺ - يصبُغُ بها، وأنا أحبُ أن أصبغ بها، وأما الإِهلال، فإني لم أرّ رسول الله - ﷺ - يُهل حتى تنبعث به راحلته.\nقال محمد: هذا كله حسن، ولا ينبغي أن يستلم من الأركان إلا الركن اليماني والْحَجَر، وهما اللذان استلمهما ابن عمر، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامَّةِ من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، بن أنس بن عمير بن أبي عامر الإمام الأصبحي، كان منسوبًا إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، وكان في الطبقة السابعة من طبقات كبار أتباع التابعين من أهل المدينة، من الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا حدثنا سعيد بكسر العين وسكون التحتية ابن أبي سعيد اسمه كيسان المَقْبُري، بضم الباء الموحدة وفتحها، وهو المدني ثقة كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات في حدود العشرين ومائة عن عُبيد بن جُريج، بتصغيرها التيمي مولاهم المدني، ثقة كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة.\nقال الحافظ: وليس بينه وبين عبد الملك بن العزيز بن جريج المكي مولى ابن أمية نسبة، فقد يظن أن هذا عنه، وليس كذلك وهذا من رواية الأقران عن الأقران؛ لأن عبيدًا أو سعيدًا تابعيًا من طبقة واحدة أنه أي: عبيد بن جريج قال لعبد الله بن عمر: يا أبا عبد الرحمن، كنية ابن عمر رأيتك تصنع أربعًا؛ أي: من الخصال ما رأيتُ أحدًا من أصحابك أي: أقرانك وأمثالك من الصحابة والتابعين والمراد بعضهم يصنعها، أي: تلك المعدودات الأربع لم يصنع مثل صنعك، وإن كان يصنع بعضهما.\nقال المازري: وظاهر السياق انفراد ابن عمر ﵄ بما ذكر دون غيره ممن رواه عبيد قال: فما هنّ وفي نسخة: وما هي يا ابن جريج؟ بضم الجيم وفتح الراء المهملة وسكون التحتية والجيم هو عبيد قال: رأيتك لا تَمَسُّ بفتح الميم وتشديد السين المهملة أي لا تلمس باليد والقبلة ولا تستلم من الأركان الأربعة للكعبة إلا اليمانَيْن، أي: الركنين","vol":"2","page":440},{"text":"اليمانين بتخفيف الياء؛ لأن الألف بدل من إحدى يائي النسب ولا يجمع بين البدل والمبدل منه، وفي لغة قليلة بتشديدها علي أن الألف زائدة لا بدل، والمراد بها الركن اليماني، والركن الذي فيه الحجر الأسود وهو الركن العراقي وظاهره أن غير ابن عمر من الصحابة الذين رآهم عبيد كانوا يستلمون الأركان كلها وصح ذلك عن معاوية وابن الزبير، وروي عن الحسن والحسين وجابر، ورواه ابن أبي شيبة عن عباد بن عبد الله بن الزبير أنه رأى أباه يستلم الأركان كلها، وقال: إنه ليس شيء من البيت مهجورًا، ومن قول ابن عمر ﵁ إنما نزل رسول الله - ﷺ - استلام الركنين الشاميين؛ لأن البيت لم يبق على قواعد إبراهيم، وعلي هذا أحمد بن القصار وتبعه ابن التين استلام ابن الزبير لهما أنه لما عَمَّر الكعبة أتمها على قواعد إبراهيم صلوات الله على نبينا وعليه، ويؤيده ما ذكره الأزرقي من أن ابن الزبير لما فرغ عن بنائها خرج إلى التنعيم واعتمر، وطاف البيت واستلم الأركان جميعًا حتى قبل ابن الزبير وعنده، عن ابن إسحاق بلغني أن آدم صلوات الله على نبينا وعليه، لما حج استلم الأركان كلها وأن إبراهيم وإسماعيل صلوات الله على نبينا وعليه فرغنا عن بناء البيت طافا به سبعًا يستلمان الأركان كلها، والجمهور على ما دل عليه حديث ابن عمر أنه لا يستلم إلا الركن الأسودي واليماني ورأيتك تلبس بفتح الموحدة (ق ٥١٦) النعال السَّبْتية؛ بكسر السين المهملة وسكون الموحدة، وهي التي لا شعر فيها وهي من السبت، وهي الحلق، والإِزالة، وقيل: سميت بذلك؛ لأنها سبغت بالدباغ أي: لانت وقيل: السبت كل جلد مدبغ، وقيل: جلود البقر مدبوغة كانت أو لا، وقيل: هو نوع من الدباغ يقلع الشعر، وقيل: النعل السبتية كانت سوداء لا شعر فيها.\nوقال القاضي عياض: وكان من عادة العرب لبس النعال بشعرها غير مدبوغة، وكانت المدبوغة تعمل بالطائف وغيره، وإنما يلبسها أهل الرفاهية كذا ذكره السيوطي ورأيتك تصبُغُ بضم الموحدة وفتحها وحكى كسرها بالصفرة، بضم الصاد المهملة وسكون الفاء المهملة المفتوحة: والحناء، أي: تصبغ ثوبك أو شعرك بالصفرة ورأيتك إذا كنت أي: مستقر بمكة أهلَّ الناس أي: رفعوا أصواتهم بالتلبية للإِحرام بحج أو عمرة إذا رأوا الهلال أي: من أول شهر ذي الحجة ولم تهلل أنت بلامين بفك الإِدغام حتى يكون أي: يوجد، وفي رواية: كان أي: وجد يوم بالرفع فاعل يكون التامة والنصب خبر على أنها ناقصة يوم التَّرْوِيَة وهو ثامن من ذي الحجة، سمي به؛ لأن الناس كانوا يرون فيه الماء، أي:","vol":"2","page":441},{"text":"يسقون دوابهم، ويحملونه معهم من مكة إلى عرفات ليستعملوه في الشرب وغيره، فتهل أنت وتبين جوابه أنه كان لا يهل حتى يركب قاصدًا إلى منى.\nقال عبد الله: أي: ابن عمر في جوابه أما الأركان؛ التي ذكرتها وتخصص باستلام الركنين منها فسببه المتابعة فإني لم أر رسول الله - ﷺ - يَمَسّ أي: قبل إلا اليمانَيْن، أي: مع تفاوت الاستلام فيهما، فإن زاد التقبيل في الحجر دون اليمان، وفي رواية: وضع الجبهة أيضًا على الحجر خاصة، روى الحاكم وصححه عن ابن عباس ﵄: أن النبي - ﷺ - سجد على الحجر وروى ابن المنذر والحاكم، وصححه عن ابن عباس أيضًا أنه كان يقبله ويسجد عليه بجبهته وقال: رأيت عمر قبله وسجد عليه، ثم قال: رأيت رسول الله - ﷺ - فعل ذلك وفعلته، وأما استلام الركن اليماني من غير تقبيل فحسن في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: يفعل فيه كما يفعل بالحجر الأسود، ولا يستلم الركن العراقي والشامي، وعن الأئمة الأربعة خلافًا لبعض السلف، وتبعهم بعض أهل البدعة ولنا ما تقدم من الحديث، وقد رواه الجماعة إلا الترمذي، ولأن الركن العراقي والشامي ليسا بركن في الحقيقة، وإنما هي من وسط البيت؛ لأن بعض الحطيم من البيت وأما النعال السِّبتية أي: واختيار لبسها فإني رأيتُ رسول الله - ﷺ - يلبس النعال التي ليس فيها شعر، ويتوضأُ فيها، فيه إيماء إلى وجه امتياز ما لم يكن فيها شعر فأنا أحب أن ألبسها، أي: متابعة لمن لبسها وتوفي بعض الأحيان، وأما الصُّفرة أي: الصبغ بها (ق ٥١٧) فإني رأيتُ رسول الله - ﷺ - يصبُغُ بها وأنا أحبُ أن أصبغ بها.\nقال المازري: قيل المراد به صبغ شعر رأسه بالحناء؛ فإنه ينفع الصداع ويقيد لدفع الحرارة ويثبت عنه - ﷺ - صبغة به، كما حرره علي القاري في (شرح الشمائل)، وقيل: المراد به صبغ الثوب.\nقال المازري: وهو الأشبه؛ لأرة ينقل أنه صلى الله تعالى عليه وسلم صبغ شعره، وقال القاضي عياض: هو أظهر الوجهين، وقد جاءت آثار عن ابن عمر ﵁ بين فيها تصفير ابن عمر لحيته.\nواحتج أنه - ﷺ - كان يصفر لحيته بالورس والزعفران. رواه أبو داود وذكر أيضًا في حديث آخر احتجاجه أنه - ﷺ - كان يصبغ بها ثيابه حتى عمامته، وأجيب عن الأول باحتمال أنه كان مما يتطيب؛ لأنه كان يصبغ بها شعره.","vol":"2","page":442},{"text":"وقال ابن عبد البر: لم يكن - ﷺ - يصبغ بالصفرة إلا ثيابه، وأما الخضاب فلم يكن يخضب، وتعقبه في (المفهم) بأن في سنن أبي داود عن أبي رمثة قال: انطلقت مع أبي نحو النبي - ﷺ - فإذا هو ذو وقرة وفيها ردع من حناء، وعليه بردان أخضران قال لي العراقي: وكان ابن عبد البر إنما أراد نفي الخضاب في لحيته فقط. كذا قاله الزرقاني.\nوأما الإِهلال، أي: الإِحرام من أول الهلال فتركته، وأخرته إلى يوم التروية فإني لم أرّ رسول الله - ﷺ - يُهل أي: يحرم مطلقًا بحج أو عمرة حتى تنبعث به راحلته أي: تستوي قائمة إلى طريقها والمعنى أنه - ﷺ - لم يكن يتقدم على زمان الإِحرام ولا على مكانه وأنه جوز التقديم بالشروط الواردة في شأنه؛ فإن اتبعه لا أتقدم عليه ولا أتأخر عنه، فإنه كمثال المتابعة.\nقال محمد: هذا أي: الذي ذكر كله أي: جميعه حسن، أي: مستحسن، والاستحسان في اللغة هو عد الشيء واعتقاده حسنًا، وفي الاصطلاح: هو اسم لدليل من الأدلة الأربعة يعارض القياس الجلي ويعمل به إذا كان أقوى منه، سموه بذلك لأنه في الأغلب يكون أقوى من القياسِ الجلي فيكون به قياسًا مستحسنًا قال الله تعالى: في سورة الزمر: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٧، ١٨] كذا قاله السيد الشريف (محمد الجرجاني الحنفي) ولا ينبغي أي: بل يكره أن يستلم من الأركان إلا الركن اليماني والْحَجَر، أي: أن استلام مما ينبغي أن لا يترك، وقدم اليماني وإن كان حقه التأخر إيماء إلى ما سيق من التغليب وهما اللذان استلمهما ابن عمر، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامَّةِ من فقهائنا أي: أتباع أبي حنيفة، وتبعه الأربعة، وعن ابن عباس وابن الزبير وجابر أن استلام الركنين الآخرين يستحب ويسميان الشاميين بتغليب الشامي على العراقي. كذا قاله علي القاري.\n* * *\n\n٤٧٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن محمد بن أبي بكر الصديق، أخبر عبد الله بن عمر، عن عائشة، أن\n_________\n(٤٧٩) حديث صحيح: أخرجه الشافعي في الأم (٢/ ١٧٦) والبخاري (١٥٨٣) ومسلم (٣٩٩) والنسائي في الحج (٥/ ٢١٤) وفي التفسير في الكبرى كما في تحفة الأشراف (١١/ ٤٧١).","vol":"2","page":443},{"text":"رسول الله - ﷺ - قال: \"ألم تَرَيْ: أن قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا على قواعد إبراهيم؟ \"، قالت: فقلتُ: يا رسول الله، أفلا تردها على قواعد إبراهيم، قالت: فقال: \"لولا حِدْثان قومك، بالكُفر\"، قالت: فقال عبد الله بن عمر: لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله - ﷺ -، ما أرى رسول الله - ﷺ - ترك استلام الركنين اللذين يليان الحِجْر، إلا أن البيت لم يتم على قواعد إبراهيم.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: أنا أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة عن سالم بن عبد الله، بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، أبو عمر أبو عبد الله المدني، أحد الفقهاء السبعة كان ثبتًا (ق ٥١٨) عابدًا فاضلًا كان يشبه بأبيه في الهدي والسمت، وكان في الطبقة الثانية من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات سنة ست بعد المائة. كذا في (التقريب) (١) لابن حجر أن عبد الله بن محمد بن أبي بكر الصديق، التيمي أخبر القاسم بن محمد، ثقة كان في الطبقة الثالثة من طبقات ثقات التابعين، قتل بوقعة الحرة سنة ثلاث وستين. كذا قاله ابن حجر في (التقريب) (٢) أخبره عبد الله بن عمر، كذا ليحيى إيفاد.\nقال الحافظ ابن حجر: بنصب عبد الله على المفعولية، أي: أخبر هو عبد الله، وظاهره أن سالمًا كان حاضرًا لذلك، والمحفوظ الأول، وقد رواه معمر عن الزهري عن سالم، لكنه اختصره. وأخرجه مسلم من رواية نافع عن عبد الله بن محمد بن أبي بكر عن عائشة، فتابع فيه عن عائشة، ﵂ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"ألم تَرَيْ: مجزوم بحذف النون وفتح التاء الفوقية والراء المهملة وسكون التحتية، أي: ألم تعلمي أن قومك أي: قريشًا، وفيه تلطيف معها حيث نصب قريشًا إليها، وإيماء إلى بني هاشم أخص منهم وإن كانوا من قريش أيضًا حين بنوا الكعبة أي: حين أرادوا بنائها مجددة بعد خرابها اقتصروا على قواعد إبراهيم؟ \" أي: أنقصوها عن أساسها حيث أخرجوا الحطيم عنها، لقلة النفقة والقواعد جمع قاعدة، وهي بمعنى الأساس، وفي النسخ المصحَّفة: اقتصروا\n_________\n(١) التقريب (١/ ٢٢٦).\n(٢) التقريب (١/ ٣٢٠).","vol":"2","page":444},{"text":"بالقاف، وهي لا تنبغي؛ لأن الاقتصار بكسر الهمزة وسكون القاف بمعنى الحبس، والاختصار بكسر الهمزة وسكون الخاء المعجمة والتاء الفوقية والصاد والراء المهملتين بمعنى التنقيص، ويؤيده كلمة عن في قواعد إبراهيم وهي ثلاثة أركان؛ لأنها شكلي مكعب، ولذلك سميت بالكعبة تشبيهًا بها، فإن قيل: ما الحكمة كان البيت في الوضع القديم مثل الشكل المكعب، وهي في الحقيقة ذات الركنين الحجر واليماني وأما الركن الشامي والعراقي فقد حدثا بسب التربيع لسر إلهي يعرفه العارفون.\nالجواب: أما السر في كونها في الوضع القديم مثلث الشكل المكعب فإشارة إلى قلوب الأنبياء ﵈؛ فإن خواطرهم خواطر إلهي وخواطر ملكي وخواطر نفسي، أما السر في كونها في هذا الوضع القديم على الركنين الحجر واليماني والإِشارة إلا تفرده تعالى في مرتبة الذات ومرتبة الأسماء والصفات في كونها على أربعة أركان بالوضع الحادث، فإشارة إلى قلوب المؤمنين؛ لأن قلب المؤمن لا يخلو خواطر إلهي وملكي ونفساني وشيطاني فركن الحجر بمنزلة الخواطر الإِلهي واليماني بمنزلة المكي، والشامي بمنزلة النفساني، والركن العراقي بمنزلة الخاطر الشيطاني؛ لأن الشارع شرع أن يقال عنده: أعوذ بالله من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق، وبالذكر المشروع تعرف من ابن الأركان كما ذكره الشيخ الأكبر في (الفتوحات المكية).\nاختلف في أول من بناها، فحكى المحب الطبري أن الله وضعها لا ببناء واحد، وللأزرقي (ق ٥١٩) عن علي بن الحسين أن الملائكة بنتها قبل آدم صلوات الله على نبينا وعليه، ولعبد الرزاق عن عطاء: أول من بني البيت آدم.\nوعن وهب بن منبه: أول من بناها شيث بن آدم، وقيل: أول من بناها إبراهيم صلوات الله على نبينا وعليه، وجزم به كثير زاعمًا أنه أو من بناها مطلقًا إذا لم يثبت عن معصوم أنه كان مبنيًا قبله، ويقال عليه: لم يثبت عن معصوم أنه أول من بناها.\nوقد روى البيهقي في (الدلائل) عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - قصة بناء آدم لها ورواه الأزرقي وابن شيخ وابن عساكر موقوفًا على ابن عباس وحكمه الرفع أنه لا يقال رأيا. وأخرج الشافعي عن محمد بن كعب القرظي قال: حج آدم فلقيته الملائكة، فقالوا: بر نسكك يا آدم، ولابن أبي حاتم عن ابن عمر: أن البيت رفع في الطوفان، فكان الأنبياء بعد ذلك يحجونه، ولا يعلمون مكانه حتى بوأه الله لإِبراهيم فبناه على أساس آدم صلوات","vol":"2","page":445},{"text":"الله على نبينا وعليه، وجعل طوله في السماء سبعة أذرع بذراعهم، وفي الأرض فلا يكن ذراعًا بذراعهم، وأدخل الحجر في البيت، ولم يجعل له سقفًا وجعل له بابًا وحفر له بئرًا عند بابه يلقى فيه ما يهدى للبيت، فهذه الأخبار إن كانت مفرداته ضعيفة لكن يقوي ببعضها بعضًا، وروى ابن أبي شيبة، وابن راهويه وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي عن على أن بناء إبراهيم لبث ما شاء الله أن يلبث ثم انهدم فبنته العمالقة، ثم انهدم فبنته جرهم ثم بناه قصي بن كلاب نقله الزبير بن بكار وجزم به (الماوردي) ثم قريش فجعلوا ارتفاعها ثمانية عشر ذراعًا وفي رواية: عشرين، ولعل راويها جبر الكسر ونقصوا من طولها ومن عرضها أذرعًا أدخلوها في الحجر لضيق النفقة بهم على وجه الحلال من غير شبهة في صرف بنائها، ثم لما حوصر ابن الزبير من جهة يزيد بن معاوية تضعضعت بالرمي من المنجنيق فهدها في خلافته، وبناها على قواعد إبراهيم ﵇، فأعاد طولها على ما هو عليه الآن وأدخل من الحجر تلك الأذرع، وجعل لها بابًا آخر، فلما قتل ابن الزبير شاور الحجاج عبد الملك بن مروان في نقض بناء ابن الزبير فكتب إليه أما ما زاد في طولها فأقره، وأما ما زاده في الحجر فرده إلى بنائه وسد الباب الذي فتحه ففعل، كما في مسلم عن عطاء.\nوذكر الفاكهاني: أن عبد الملك، ندم على إذنه للحجاج في هدمها ولعن الحجاج وبناء الحجاج إلى الآن.\nونقل ابن عبد البر: وتبعه القاضي عياض وغيره، أن الرشيد وأباه المهدي أوجده المنصور أراد أن يعيد الكعبة على فعلة ابن الزبير فناشده مالك وقال: أخشى أن تصير ملعبة للملوك فترك هذا بعينه خشية جدهم الأعلى عبد الله بن عباس ﵄ فإنه أشار على ابن الزبير لما أراد هدمها وتجديد بنائها وأن يرم ما وهي منها ولا يتعرض لها بزيادة ولا نقص؛ لا آمن من يجيء بعدك فيغير الذي صنعت أخرجه الفاكهاني، ولم يتفق لأحد من الخلفاء ولا غيرهم تغير شيء مما صنعه الحجاج إلى الآن (ق ٥٢٠) إلا في الميزاب والباب وعتبة، وكذا وقع ترميمهم الجدار والسقف وسلم السطح [. . . .] (*) جدد فيها الرخام.\nقال ابن جريج: أول من فرشها بالرخام الوليد بن عبد الملك، وهو أي: الرخام بضم الراء المهملة وفتح الخاء المعجمة وألف بعدها ميم حجر مرمر أبيض لين كذا قاله محمد الواني عن (القاموس) قالت: أي: عائشة فقلتُ: يا رسول الله، أفلا تردها\n_________\n(*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: كلمة لم أتبينها في المطبوع","vol":"2","page":446},{"text":"فالهمزة للاستفهام والفاء عطف على تحب مقدرًا بعد الهمزة واللام للنفي، فالهمزة الإِنكارية إذا دخلت على النفي تفيد الإِثبات، والمسئول منه رد الكعبة المكرمة على أصل بناء إبراهيم ﵇ والمعنى الحب أن ترد الكعبة المشرفة على قواعد إبراهيم، أي: على أساسه قالت: فقال: أي: رسول الله - ﷺ - كما في (الموطأ) ليحيى \"لولا حِدْثان بكسر الحاء المهملة وسكون الدال المهملة وفتح المثلثة فألف ونون مبتدأ حذف خبره وجوبًا، أي: موجود يعني لولا قرب زمن قومك بالكُفر\"، لفعلت أي: لرددتها على قواعدها، كذا في نسخة الشارح و(الموطأ) لمالك، وأما عندي من النسخ فلم توجد لفظ: فعلت، فحينئذ تكون لفظ لولا للتمني، وفي رواية للشيخين: \"لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لأمرت بهدم البيت، فأدخلت فيه ما أخرج منه والزقته بالأرض وجعلت له بابين بابًا شرقيًا وبابًا غربيًا فبلغت به أساس إبراهيم ﵇\"، وفيه ترك ما هو صواب خوف وقوع مفسدة أشد واستئلاف الناس إلى الإِيمان، واجتناب ولي الأمر ما يسارع إلى إنكاره، وما يخشى منه تولد الضرر عليهم في دين أو دنيا، وإلف قلوبهم بما لا يُترك فيه واجب كما ساعدتهم على ترك الزكاة وشبه ذلك، وفيه تقديم الأهم من دفع المفسدة وجلب المصلحة وأنهما إذا تعارضا يرى رفع المفسدة، وحدث الرجل مع أهله في الأمور العامة، وفيه سد الذرائع وفي رواية للشيخين أخاف أن تنكر قلوبهم إذا دخل الجدار في البيت، وأن الصق بابه إلى الأرض قال: أي: عبد الله بن محمد بن أبي بكر الصديق فقال عبد الله بن عمر: لئن كانت عائشة ﵂ واللام توطئة للقسم والله لئن كانت عائشة سمعت هذا أي: قوله: \"لولا حدثان قومك بالكفر\" من رسول الله - ﷺ -.\nقال القاضي عياض: ليس هذا شك في روايتها، فإنها من الحفظ والضبط بحيث لا يستراب فيما نقله ولكن كثيرًا من كلام العرب ما يأتي بصوِرة الشك مرادًا به اليقين والتقرير ومنه قوله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ﴾ [الأنبياء: ١١١] وقوله تعالى في سورة سبأ: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي﴾ الآية [سبأ: ٥٠] ما أرى بضم الهمزة وفتح الراء أي ما أظن رسول الله - ﷺ - ترك استلام الركنين افتعال من الإِسلام والمراد هنا مهما بالقبلة أو اليد اللذين يليان بكسر اللام أي: يقربان الحِجْر، بكسر الحاء المهملة وسكون (ق ٥٢١) الجيم، وهو معروف على صفة نصف الدائرة وقدرها تسعة وثلاثون ذراعًا كذا ذكره علي القاري، ويقال له: حجر إسماعيل إلا أن البيت لم يتم على قواعد","vol":"2","page":447},{"text":"إبراهيم ﵇ أي: لا يقع الركنان على وجه التمام على أساس إبراهيم، صلوات الله على نبينا وعليه فالموجود الآن من جهة الحجر نقض الجدار الذي بنته قريش، فلذا لم يستلم النبي - ﷺ -. كذا قاله الزرقاني (١).\nلما فرغ من بيان حكم استلام الركن الحجر الأسود وتقبيله، شرع في بيان حكم الصلاة في الكعبة وبيان آداب دخولها، فقال: هذا\n* * *\n\n٤١ -<span data-type=\"title\" id=toc-206> باب الصلاة في الكعبة ودخولها</span>\nفي بيان حكم الصلاة في الكعبة، وبيان آداب دخولها وآداب فتحها، والمناسبة بين هذا الباب والباب السابق المساس بها من خارجها وداخلها على التعظيم.\n٤٨٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله - ﷺ -: دخل الكعبة هو وأسامة بن زيد، وبلال، وعثمان بن طلحة الحجبي فأغلقها عليه، ومكث فيها، قال عبد الله: فسألتُ بلالًا حين خرجوا ماذا صنع رسول الله - ﷺ -؟ قال: جعل عمودًا عن يساره، وعمودين عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءَه، ثم صلى، وكان البيت يومئذٍ على ستة أعمدة.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، الصلاة في الكعبة حسنة جميلة، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامَّةِ من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، بن أنس بن عمير بن عامر الإِمام الأصبحي، يعني منسوب إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، وكان في الطبقة السابعة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، التي كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة على وجه الأرض، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: أنا أخبرنا وفي نسخة: عن نافع، بن عبد الله المدني، مولى ابن عمر ثقة ثبت فقيه مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة،\n_________\n(١) الزرقاني (٢/ ٤٠٧)\n(٤٨٠) صحيح: أخرجه البخاري (١٥٩٩) ومسلم (٣٨٨/ ١٣٩) وأبو داود (٢٠٢٣، ٢٠٢٤، ٢٠٢٥) والنسائي في المناسك (٥/ ٢١٦، ٢١٧) وابن ماجه (٢/ ٢١٨).","vol":"2","page":448},{"text":"ومات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك من الهجرة كذا قاله ابن حجر عن عبد الله بن عمر، بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله - ﷺ -: دخل الكعبة أي: عام الفتح، كما في البخاري في (الجهاد) عن يونس بن يزيد عن نافع عن ابن عمر: أقبل النبي - ﷺ - يوم الفتح من أعلى مكة، وله في (المغازي) عن فليح عن نافع، وهو مردف أسامة على القصواء ثم اتفق ومعه بلال وعثمان بن طلحة حتى أناخ في المسجد، وفي رواية فليح: عند البيت فدخل، ولمسلم وعبد الرزاق عن أيوب عن نافع: ثم دعا عثمان بن طلحة بالمفتاح فذهب إلى أمه فأبت أن تعطيه، فقال: والله لتعطينه أو لأخرجن هذا السيف من صلبي، فلما رأت ذلك أعطيته فجاء به إلى رسول الله - ﷺ - ففتح الباب وظهر من رواته فليح أن فاعل فتح هو عثمان المذكور، ولكن روى القاري من طريق ضعيف عن ابن عمر قال: كان بنو أبي طلحة بن عون أنه لا يستطيع أحد فتح الكعبة غيرهم فأخذ رسول الله - ﷺ - المفتاح ففتحها بيده ودخل هو وأسامة بن زيد بن حارثة الكلبي الحب بن الحب الخليق كل منهما للإِمارة بالنص النبوي المختص أبوه بأن الله تعالى لم يصرح في كتابه باسم أحد من الصحابة سوى زيد البدري وبلال، أي: ابن رباح بفتح الراء المهملة والموحدة الخفيفة أحد السابقين الأولين وعثمان بن طلحة أي: ابن أبي طلحة بن عبد العزى بن عبد الدار بن قصي بن كلاب القرشي الحجبي بفتح الحاء المهملة والجيم وتشديد التحتية نسبة إلى جماعة الكعبة أي: بوابها؛ ولذا يقال لأهل بيته الحجبية ويعرفون بالشيبيين نسبة إلى شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، هو ابن عم عثمان هذا لا ولده، وله أيضًا صحبة ورواية زاد مسلم (ق ٥٢٢) من طريق آخر: ولم يدخلها معهم أحد.\nوللنسائي عن عوف عن نافع زيادة الفضل بن عباس، ولأحمد عن ابن عباس: حدثني أخي الفضل وكان معه حين دخلها فأغلقها، أي: عثمان أو بلال عليه أي: النبي - ﷺ - خوفًا من الازدحام ولبعض رواة (الموطأ) لمالك: فأغلقها بضمير التثنية لعثمان وبلال، وفي رواية: فأغلقوا عليهم الباب، وجمع بينها بأن عثمان هو المباشر لذلك؛ لأنه وظيفته ولعل بلالا ساعده في ذلك ورواية الجمع يدخل فيها الأمر بذلك والراضي به، زاد أبو عوانة: من دخل ومكث فيها، بفتح الكاف وضمها أي: لبث النبي - ﷺ - في الكعبة على طريق الإعظام، زاد يونس بن يزيد نهارًا طويلًا وفليح زمانًا بدل نهارًا وفي رواية جويرية عن نافع: فأطال، ولمسلم عن ابن عوف عن نافع: فمكث فيها مليًا أي: زمانًا، وعن","vol":"2","page":449},{"text":"أيوب: عن نافع: فمكث فيها ساعة، والنسائي فوجدت شيئًا فذهبت ثم جئت سريعًا فوجدت النبي - ﷺ - خارجًا منها قال عبد الله أي: ابن عمر فسألتُ بلالًا ولمسلم من وجه آخر بلال أو عثمان بن طلحة بالشك، والمحفوظ أنه سأل بلالًا، كما رواه الجمهور، ولأبي يعلى عن عبد الرحمن بن العلاء عن ابن عمر: أنه سأل بلالًا وأسامة بن زيد، ولأحمد والطبراني أنه سأل أسامة، ولمسلم والطبراني فقلت: أين صلى؟ فقالوا: فإن كان محفوظًا حمل على أنه ابتداء بلال بالسؤال، ثم أراد زيادة الاستثبات فسأل عثمان وأسامة بن زيد ويؤيده قوله في رواية لمسلم بالشك، وكأنه لا يقف على بقية الروايات حين خرجوا أي: كلهم منها، وفي رواية: ثم خرجوا فابتدر الناس الدخول فسبقتهم وفي رواية أخرى: وكنت رجلًا قويًا فبادرت الناس فبدرتهم، وفي رواية أخرى: كنت أول الناس ولج على أثره، وفي رواية أخرى: فرقيت الدرجة فدخلت البيت، وفي رواية مجاهد عن ابن عمر واجد بلالًا قائمًا بين البابين فسألته ماذا صنع رسول الله - ﷺ -؟ أي: في الكعبة وللصحيحين: عن سالم، عن أبيه فسأله هل صلى فيه؟ قال: نعم، وفي رواية: فسألته أين صلى؟ فظهر أنه سأل أولًا هل صلى أم لا؟ ثم سأل عن موضع صلاته قال: جعل عمودًا بالإِفراد أي: من أعمدة الكعبة واسطواناتها عن يساره، وعمودين عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءَه، هكذا روى يحيى الأندلسي، ويحيى النيسابوري، والشافعي وابن مهدي في إحدى الروايتين عنهما جعل عمودين عن يمينه، وعمودًا عن يساره بتثنية الأول وإفراد الثاني، عكس الرواية الأولى، والجمع باحتمال تعدد الواقعة بعيد لا تحاد مخرج الحديث، ورجح البيهقي الرواية الثانية، وكان توجيهها معًا ثم صلى، أي: الركعتين قريبًا من الباب الغربي المسدود بها وكان البيت يومئذٍ على ستة أعمدة أما على رواية عبد الله بن يوسف والجمهور بإفراد عمود فيها فمشكل من قوله: وكان البيت. . . إلخ لأنه يشعر بأن ما عن يمينه أو يساره اثنان وجمع بأنه حيث (ق ٥٢٣) ثنى أشار إلى ما صار إليه بعد ذلك ويرشد إليه قوله: وكان البيت يومئذ؛ لأنه يشعر بأنه تغير هيئته الأولى.\nوقال الكرماني: لفظ عمود جنس يحتمل الواحد والاثنين مجمل بينته رواية التثنية، ويحتمل أن تكون الأعمدة على سمت واحد بل ثنا على سمت، والثالث على غير سمتهما ويشعر به رواية البخاري عن جويرية عن نافع عن ابن عمر: صلى بين العمودين المقدمين قال الحافظ العسقلاني: ويؤيده أيضًا رواية مجاهد عن ابن عمر بلفظ: بين","vol":"2","page":450},{"text":"الساريتين اللتين عن يسار الداخل، وهو صريح في أنه هذا لا عمودان على اليسار وأنه - ﷺ - بينهما فإنه يحتمل أنه كان ثم عمودًا أخر على اليمين، لكنه بعيد وعلى غير سمت العمودين، فيصح رواية جعل على يمينه عمودين، ورواية جعل عمودًا عن يمينه.\nقال الكرماني تبعًا لغيره: ويجوز هناك ثلاثة أعمدة، فصلى إلى جنب الأوسط فمن قال جعل عمودًا عن يمينه وعمودًا عن يساره لم يعتبر الذي صلى إلى جانبه كذا قاله الزرقاني.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: نعمل بما رواه نافع عن ابن عمر الصلاة فرضًا أو نفلًا في الكعبة هي اسم المعرضة التي هي قبلة للناس، واسم لهوائها إلى عنان السماء لا يرى أنه لو صلى أبي قبيس لجاز، ولا بناء بين يديه ولا سترة، وليست رسمًا للبناء بأن الحيطان لو وضعت في موضع آخر فصلى إليها لا تجوز كذا في العناية حسنة جميلة، أي: غاية الجمالة وهو قولُ أبي حنيفة، والعامَّةِ من فقهائنا وقال مالك: لا نجوز الفرض فيها ولعل وجه منعه أنه مستقبل من وجه ومستدبر من وجه آخر فتدبر، كذا قال علي القاري.\nلما فرغ من بيان حكم الصلاة في الكعبة والدخول بها، شرع في بيان الحج عن الغير نيابة، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-207>باب الحج عن الميت أو عن الشيخ الكبير</span>\nفي بيان جواز الحج عن الميت، وعن الشيخ الكبير بطريقة النيابة كلمة \"أو\" للتنويع بأن النيابة بالحج عن الميت أو عن المريض الذي لا يرجى زوال مرضه جائرة، أشار المصنف ﵀ بهذه الترجمة إلى مذهب أهل السنة والجماعة، فعندهم أن الإِنسان يجوز له أن يجعل ثواب عمله لغيره سواء كان صلاة أو صومًا أو صدقة أو قراءة قرآنًا أو ذكرًا أو طوافًا أو حجًا أو عمرة أو غير ذلك.\nبدليل قوله تعالى في سورة بني إسرائيل: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤] يخبر تعالى عن ملائكة في سورة غافر: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر: ٧] بدليل أحاديث كثيرة،","vol":"2","page":451},{"text":"منها في الصحيحين (١) حين ضحى رسول الله - ﷺ - بكبشين فجعل أحدهما عن أمته وهو مشهور، وسيجيء تفصيله في كتاب الضحايا وما يجزئ منها إن شاء الله تعالى، ومنها ما رواه أبو دواد (٢) أنه - ﷺ - قال: \"اقرؤوا على موتاكم سورة يس حينئذ\"، فليس قوله تعالى في سورة النجم: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] على ظاهره، وفيه تأويلات أقر بها ما اختاره المحقق الكمال بن الهمام أنها مقيدة بهبة العامل يعني ليس للإِنسان (ق ٥٢٤) من سعي غيره نصيب إلا إذا وهب له وحينئذ يكون، فإن قلت: ما الجواب عن قوله - ﷺ -: \"لا يصوم أحد عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد\" قلنا: أجيب عنه بأنه في الخروج عن العهدة لا في حق الثواب إليهم عند أهل السنة والجماعة قال التمرتاشي في (منح الغفار) عن شيخه صاحب (بحر الرائق): والظاهر أنه لا فرق بين أن ينوي عند الفعل للغير أو يفعله لنفسه ثم بعد ذلك يجعل ثوابه لغيره لإِطلاق كلامهم. انتهى.\nاعلم أن العبادة المالية كالزكاة وصدقة الفطر والأضحية تقبل النيابة مطلقًا أي: سواء كانت في حالة القدرة أو العجز؛ لأن المقصود يحصل بفعل النائب، فالمعتبر نية الموكل لا نية الوكيل، وأما العبادة البدنية كالصلاة والصوم والاعتكاف فلا تقبل النيابة فيها مطلقًا أي: سواء كانت في حالة العجز أو في حالة القدرة، وأما العبادة المركبة من البدن والمال كالحج فتقبل النيابة عند العجز فقط بشرط دوام العجز للأمر عن الحج بنفسه إلى موته فتجوز نيابة المأمور الحج عن العاجز ويقول المأمور عند الإِحرام بعد الركعتين: لبيك بحجة عن فلان والأعمال بالنيات كما أشبعناه في (سلم الفلاح شرح نور الإِيضاح).\n٤٨١ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، أن سليمان بن يسار، أخبره أن عبد الله بن عباس أخبره، قال: كان الفضل بن عباس رَدِيف رسول الله - ﷺ -، قال: فأتت امرأة من خَثْعَم تستفتيه، قال: فجعل الفضل ينظر إليها، وتنظر إليه، قال: وجعل رسول الله - ﷺ - يصرف وجه الفضل بيده إلى الشق الآخر،\n_________\n(١) البخاري (٥/ ٢١١٣) ومسلم (٣/ ١٥٥٦).\n(٢) أبو داود (٣/ ١٩١).\n(٤٨١) حديث صحيح: أخرجه البخاري (١٧٥٦) ومسلم (٢/ ٨٩١).","vol":"2","page":452},{"text":"قالت: يا رسول الله، إن فريضة الله جلَّ وعزَّ على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا، لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحجُ عنه؟ قال: \"نعم\"، وذلك في حَجَةِ الوداع.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: أنبا أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا، وفي نسخة: أخرى: أنا رمزًا، إلى أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، التابعي كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة قال أي: ابن شهاب كما في نسخة أن سليمان بن يسار، الهلالي المدني مولى ميمونة، وقيل: مولى أم سلمة ثقة فاضل أحد الفقهاء السبعة، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، ومات بعد المائة وقيل قبلها، قاله ابن حجر أخبره أي: ابن شهاب أن عبد الله بن عباس ﵄ أخبره، أي: سليمان بن يسار قال: كان الفضل بن عباس وهو أكبر ولده، وبه يكنى أبوه استشهد في خلافة عمر قال الترمذي: سألت محمدًا يعني البخاري عن هذا فقال: أصح شيء هنا ما روى عن ابن عباس عن الفضل.\nقال محمد: ويحتمل أن يكون ابن عباس سمعه من الفضل وغيره ثم رواه بلا واسطة. انتهى. وكأنه رجح هذا؛ لأن الفضل كان رديف المصطفى حينئذ، وكان عبد الله قد تقدم من مزدلفة إلى منى مع الضعفة، فكان الفضل حدث أخاه بما شاهده في تلك الحالة، لكن عند أحمد والترمذي أن العباس كان حاضرًا فلا مانع أن عبد الله كان معه محملة تارة عن أخيه وتارة حدث به عن مشاهدة فقال: كان الفضل رَدِيف رسول الله - ﷺ -، أي: راكبًا خلفه، زاد البخاري من رواية شعيب عن الزهري: على عجز راحلته، وفيه جواز الإِرداف، وهو من التواضع، ولا خلاف فيه إذا أطاقته الدابة والرجل الجليل جميل به والارتداف والأنفة من متجبر وتكبر كذا قاله ابن عمر قال: أي: عبد الله بن عباس فأتت أي: فجاءت امرأة وهي أسماء بنت عميس من المهاجرات (ق ٥٢٥) من خَثْعَم بفتح الخاء المعجمة وسكون المثلثة وفتح العين المهملة غير مصروف للعلمية والتأنيث، باعتبار القبيلة للعلمية ووزن الفعل قبيلة مشهورة وسميت باسم جدها، واسمه أفتل بن أنمار قال ابن العباس عن أبيه: إنما سمي خثعم. يحمل يقال له: خثعم، ويقال: إنه لما تحالف ولد أفتل على أخوته نحروا بعيرًا ثم تخثعموا بدمه أي: تلطخوا به بلغتهم تستفتيه، أي: تسأله عن مسألة قال: أي: عبد الله وجعل أي: شرع رسول الله - ﷺ -","vol":"2","page":453},{"text":"يصرف أي: يدير وجه الفضل أي: عنها بيده إلى الشق الآخر، بكسر الشين المعجمة وتشديد القاف بمعنى الجانب، وإنما يصرف النبي - ﷺ - بيده وجه الفضل إنكارًا باليد فإنه أقوى من اللسان؛ ولأنه أبلغ في هذا الشأن لاشتماله على امتناع كل منهما عن العصيان.\nقال ابن عبد البر: وتبعه القاضي عياض فيه ما يلزم الأئمة من تغيير ما يخشى الفتنة ومنعه ما ينكر في الدين.\nوقال النووي: فيه حرمة النظر إلى الأجنبية وتغير المنكر باليد قدر عليه.\nقال الأبي: إن صرف وجه الفضل ليس الوقوع في المحرم كما يعطيه كلام القاضي عياض والنووي، وإنما هو لخوف الوقوع كما يعطيه كلام القرطبي انتهى.\nوقال الوالي العراقي: إن أراد النووي تحريم النظر عند خوف الفتنة فهو محل وفاق من العلماء، وإن أراد الأعم من خوفها وأمنه ففي حالة أمنها خلاف مشهور للعلماء، وهما وجهان ولا يصح الاستدلال بالحديث على التحريم في هذه الحالة لأن الأمر محتمل لكل منهما، بل الظاهر أن المصطفى خشى عليهما الفتنة، وبه صرح جابر في حديثه الطويل عن الترمذي: أن النبي - ﷺ - لوى عنق الفضل فقال له العباس: لويت عنق ابن عمك فقال: \"رأيت شابًا وشابة فلم آمن الشيطان عليهما\".\nقال النووي نفسه: فهذا يدل على أن وضع يده على الفضل كان لدفع الفتنة عنه وعنها، وفي مسلم عن جابر: وضع يده على وجه الفضل فكأنه صرف وجهه بل عنقه ووضع يده عليه مبالغة في منعه، وهذا أولى من قول الوالي العراقي فعل كلًا منهما في وقت فلوى عنقه تارة ووضع يده على جبهته تارة، وبين استفتائها بقوله: فقالت: أي: أسماء بنت عميس يا رسول الله، إن فريضة الله جلَّ وعزَّ على عباده في الحج أي: فمن استطاع إليه سبيلًا أدركت أي: الفريضة أبي مفعول أي: عميس شيخًا حال كبيرًا، نعت له أي: في مشيخته وضعف بنيته أشد الحالة بحيث إنه لا يستطيع أي: لا يقدر أن يثبت أي: قعودًا ورقودًا على الراحلة، صفة بعد الصفة أو من الأصول المتداخلة أو شيخًا بدل لكونه موصوفًا أي: وجب عليه الحج بأن أسلم وهو شيخ كبير وحمل له المال في هذه الحالة والأول أوجه، كذا قاله الطيبي أفأحجُ عنه؟ أي: يصح أن أنوي عنه فأحج قال: \"نعم\"، أي: حجي عنه وقال: \"أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان (ق ٥٢٦) يقبل منك\" فقالت: نعم، فقال: \"والله أحق أن يقبل\"، فدل ذلك على جواز الحج عن","vol":"2","page":454},{"text":"الغير عند العجز وأنه يقع عن المحجوج عنه، كذا قاله صاحب (الاختيار) و(المنح)، وبه استدل من قال كالشافعي تجب الاستنابة عن العاجز عن الحج الفرض.\nقال القاضي عياض: ولا حجة فيه؛ لأن قولها إلى فريضة الله إلى آخره لا يوجب دخول أبيها في هذا الفرض وإنما الظاهر من الحديث أنها أخبرت أن فرض الحج بالاستطاعة نزل وأبوها غير مستطيع، فسألت هل يباح أن تحج عنه ويكون له في ذلك أجر ولا يخالفه قوله، وفي رواية: \"فحجي عنه\"؛ لأنه أمر ندب وإرشاد ورخصة لها أن تفعل لما رأى من حرصها على تحصيل الخير لأبيها.\nوقال أبو عمر: حديث الخثعمية خاص لها لا يجوز أن يتعدى إلى غيرها لقوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وكان أبوها ممن لا يستطيع فلم يكن عليه الحج فكانت ابنته مخصوصة بذلك الجواب، وممن قال بذلك مالك وأصحابه.\nقال المازري: فإن الظاهر في الاستطاعة أنها البدنية، إذ لو كانت المالية لقال حجاج البيت فرع بين الأصلين أحدهما على بدن صرف كالصلاة والصوم، فلا استنابة فيه والثاني مال صرف كالصدقة.\nوقال القاضي عياض: الاستطاعة عند مالك هي القدرة ولو على رجليه دون مشقة قادعة، وقال الأكثر: هي الزاد والراحلة وجاء فيه حديث لكن ضعفه أهل الحديث، وتأويله عندنا أنه أحد أنواع الاستطاعة هي السبب فقد تضمن الزاد والراحلة أمر الطريق وصحة الجسم. كذا قاله الزرقاني وذلك أي: المقال والسماع في حَجَةِ الوداع بفتح الواو وبكسر، وفيه تنبيه على هذا الحكم لم يقع منسوخًا، كذا قاله علي القاري، وفي رواية شعيب عن الزهري: يوم النحر وفي الترمذي وأحمد ما يدل على أن السؤال وقع عند المنحر بعد الفراغ من الرمي، وهذا الحديث رواه البخاري وأبو داود عن القعنبي والبخاري أيضًا عن عبد الله بن يوسف، ومسلم عن يحيى، والنسائي من طريق ابن القاسم، والأربعة عن مالك به كذا قاله الزرقاني (١).\n* * *\n_________\n(١) في شرحه (٢/ ٣٩٠).","vol":"2","page":455},{"text":"٤٨٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا أيوب السَّخْتِياني، عن ابن سيرين، عن رجل أخبره عن عبد الله بن عباس، أن رجلًا أتى النبي - ﷺ - فقال: إنَّ أمي امرأة كبيرة لا تستطيع أن نحملها على بعير، وإن رَبَطْناها خِفْنا أن تموت، أفأحجُ عنها؟ قال: \"نعم\".\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة: أنا أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا أيوب السَّخْتِياني، بفتح السين المهملة وكسرها وسكون الخاء المعجمة وكسر الفوقية وفتح التحتية، نسبة إلى نوع جلد مدبوغ، يكنى أبا بكر تميمة، اسمه كسيان البصري، ثقة ثبت حجة، كان في الطبقة الخامسة من طبقات كبار الفقهاء والعباد من أهل البصرة، كانت في الإِقليم الثالث، من الأقاليم السبعة على وجه الأرض، مات سنة إحدى وعشرين ومائة، وهو ابن خمسة وستين سنة، كذا قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي وابن حجر العسقلاني الشافعي وغيرهما في طبقاتهم عن محمد بن سيرين، الأنصاري مولى أنس بن مالك، يكنى أبا بكر بن أبي عمرة البصري، ثقة عابد كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار العباد، من أهل البصرة، مات سنة عشرة ومائة كذا قاله ابن حجر في (التقريب)، وسيرين منع صرفه للعلمية ومطلق المزيد على مذهب أبي علي الفارسي النحوي، كذا قاله علي القاري.\nومن مناقب محمد بن سيرين: إذا ذكر الناس عنده رجلًا بسيئة ذكره محمد بن سيرين (ق ٥٢٧) بأحسن ما يعلم، وكان يحدث رجلًا فقال: ما رأيت الرجل الأسود ثم قال: استغفر الله، ما أراني إلا قد اغتبته، ودخل عليه طوق بن وهب فقال: كأني أراك شاكيًا، قال: أجل، قال: اذهب إلى فلان الطبيب فاسق صفته، ثم قال: اذهب إلى فلان فإنه أطيب منه ثم قال: أستغفر الله أراني قد اغتبته، وكان قد أعطي هديًا وسمتًا وخشوعًا، وكان الناس إذا رأوه ذكروا الله تعالى، وكان يمر في السوق فيكثر الناس، وكان إذا مشى معه رجل قام وقال: ألك حاجة، فإن كان له حاجة قضاها، فإن عاد مشى معه، قام وقال: ألك حاجة قال مورق العجلي: ما رأيت رجلًا أفقه في ورعه ولا أروع في فقهه من محمد بن سيرين قال: إذا أراد الله بعبد خيرًا جعله واعظًا من قبله يأمره وينهاه\n_________\n(٤٨٢) حديث صحيح: أخرجه البخاري (١٧٥٤) وغيره.","vol":"2","page":456},{"text":"وأوصى أنس بن مالك ﵁ أن يغسله، فقيل له في ذلك، وكان محبوسًا، فقال: لا أستطيع فقالوا: قد استأذنا الأمير فقال: إن الأمير لم يحسبني إنما حسبني صاحب الحق فأذن له صاحب الحق فخرج فغسله، قال: يونس بن عبيد أما ابن سيرين، فإنه لم يعرض له أمران في دينه إلا أخذ بأوثقهما، واشترى شيئًا فأشرف فيه على ثمانين ألف فعرض في قلبه عنه شيء فتركه، قال سليمان التيمي: لقد تركته في شيء ما يختلف فيه أحد من العلماء، وقال هشام بن حسان: تركها في شيء ما ترون به اليوم بأسًا، وكان إذا دعا إلى وليمة دخل من له فيقول: اسقوني شربة من سويق فيقال: أنت تذهب إلى الوليمة وتشرب سويقًا فيقول: إني أكره أن أحمل جر جوعي على طعام الناس، وكان إذا دخل على أمه لا يكلمها بلسانه كله تخشعًا لها، ودخل رجل وهو عند أمه فقال: ما حاله يشتكي شيئًا قالوا: لا، ولكن هكذا يكون إذا كان عندها، وبعث ابن هبيرة إليه وأتى الحسن والشعبي فدخلوا عليه فقال لابن سيرين: ماذا رأيت حين قربت من بابنا قال ظلمًا فاشيًا فغمزه ابن أخيه بمنكبه فالتفت إليه فقال: إنك لست تسأل، إنما نسئل، فأرسل إلى الحسن بأربعة آلاف درهم، وإلى محمد بن سيرين بثلاثة آلاف درهم، وإلى الشعبي بألفين، فأما ابن سيرين فلم يأخذ فقيل: ما منعك أن لا تقبل؟ قال: إنما أعطاني كان يظنه بي، ولئن كنت كما ظن فما ينبغي لي أن أقبل، وإن لم أكن كما ظن فبالأحرى أن لا يجوز لي أن أقبل، وكان له حوانيت لا يكريها إلا من أهل الذمة، وكان إذا سئل عن الرؤيا قال: اتق الله في اليقظة ولا يضرك ما رأيت في المنام، وكان ربما سمع بكاؤه وهو يصلي في جوف الليل، وكان إذا ذكرت الموت مات كل عضو منه على حدته. كذا قاله ابن الجوزي في (طبقاته)، أي عن رجل من التابعين أخبره عن عبد الله بن عباس، أن رجلًا أتى النبي - ﷺ - فقال: إنَّ أمي امرأة كبيرة لا تستطيع أن نحملها أي: نركبها على بعير، أي: خوفًا لسقوطها لعدم قدرتها على استمساكها بنفسها وإن رَبَطْناها أي: فوق بعيرها خِفْنا أن تموت، أي: لشدة ربطها وقلة ضبطها أفأحجُ أي: أنا عنها؟ أي: نيابة قال: \"نعم\" بفتح النون وفتح العين المهملة وسكون الميم حرف تصديق، لما بعد الاستفهام أي: حج عن أمك.\n* * *","vol":"2","page":457},{"text":"٤٨٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا أيوب السَّخْتِيانيّ، عن ابن سِيرين، أنّ رجلًا كان جَعَلَ عليه ألا يبلغ أحدٌ من وَلَدِه الْحَلَبَ فيحلب ويشرب ويَسْقيه إلا حَجّ وحَجّ به، قال: فبلغ رجلٌ من وَلَدِه الذي قال، وقد كبر الشيخ، فجاءَ ابنه إلى النبي - ﷺ -، فأخبره الْخَبَرَ، فقال: إنَّ أبي قد كبر، وهو لا يستطيع الحجّ، أفأحُجّ عنه؟ قال: \"نعم\".\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا بأسَ بالحجّ عن الميّت، وعن المرأة والرجل إذا بَلَغَا من الكِبَرِ ما لا يستطيعان أن يَحُجّا، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامّةِ من فقهائنا.\nوقال مالك بن أنس: لا أرَى أن يَحُجّ أحدٌ عن أحد.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: أنا أخبرنا وفي نسخة: بنا، في أخرى: قال: ابنا أيوب السَّخْتِيانيّ، (ق ٥٢٨) عن محمد بن سِيرين، وهو من أجلاء التابعين وفضلاء المعبرين أنّ رجلًا كان جَعَلَ عليه أو نذر على نفسه أن ألا يبلغ أحدٌ أي: لا يصل عمر أحد كائن من وَلَدِه بفتحتين يطلق على المصدر أي: وقت حَلَبَ الناقة فيحلب بضم اللام نصب بإضمار أن عطفًا على أن يبلغ ليدل على نفي البلوغ والحلب عقبه مطلقًا، كما قال عبد الله بن عمر بن محمد بن علي البيضاوي في تفسير قوله تعالى في سورة الملائكة: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: ٣٦] أي: فلا يموتون فيها يعني: فلا يحلب ولده فحلبه دخل في حكم النفي، وكذا دخل في حكم الشرب المفهوم من قوله: فيشرب بفتح الراء من الباب الثاني، أي: فلا يشرب ولده ويَسْقيه: أي: ولا يسقي اللبن وغيره إلا حَجّ أي: الرجل الناذر منفردًا أو حجَّ به، أي: مع والده فالباء فيه للمصاحبة، كما في قوله تعالى في سورة هود: ﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ﴾ [هود: ٤٨] أي: معه وصورته أن رجلًا من الأصحاب الكرام نذر بأن يقول: إن بلغ عمر ولد من أولادي إلى وقت حلب الناقة، فحلب وشرب وأسقاه فعلي مستقلا أو حج مع ولدي فإذا","vol":"2","page":458},{"text":"كان الأمر كذلك لزمه الحج، كما قال: أي: محمد بن سيرين فبلغ أي: وصل عمر رجلٌ من وَلَدِه أي: من ولد الناذر الذي قال، أي: شرط ونذر أبوه بالحج وقد كبر بكسر الموحدة أي: والحال أسر الشيخ، وضعف قواه ولم يقدر الركوب على الدابة وعجز عن الحج بنفسه فجاءَ ابنه إلى النبي - ﷺ -، فأخبره الْخَبَرَ، أي: المذكور وبيانه فقال: وفي نسخة بالواو إنَّ أبي قد كبر، وهو لا يستطيع الحجّ، بنفسه لضعفه أفأحُجّ عنه؟ والاستفهام للاستعلام أي: أخبرني يا رسول الله، هل يصح أن أحج عنه قبل أن أحج عن نفسي؟ وبعده قال: \"نعم\". أي: حجي عنه هذا الحديث مرسل، وهو الذي يرويه التابعي عن النبي - ﷺ - مع عدم ذكر الصحابي وذلك عند أبي حنيفة وأحمد وأكثر العلماء، وعند الشافعي هو الذي يستوي صدقه وكذبه بأن لا يكون في متنه ولا في روايته خلل بين لكن جهل بعض رواته بعينه، فإن كان صحابي يسمى مرسلًا، وإن كان غيره يسمى منقطعًا\nقال محمد: أي: ابن حسن الشيباني وبهذا نأخذ، أي: إنما نعمل ونفتي بما رواه محمد بن سيرين لا بأس بالحجّ عن الميّت، أي: نفلًا أو فرضًا بوصية أو بغيرها، ولا دليل عليه إلا بقياس الميت على الحي أو بدليل آخر. كذا قاله علي القاري وعن المرأة والرجل أي: الحيين إذا بَلَغَا من الكِبَرِ ما أي: حالة لا يستطيعان أن يَحُجّا، أي: بأنفسهما وهو أي: جواز الحج عن الميت وعن المرأة والرجل إذ لم يستطيعا أن يحجا بأنفسهما وهو قولُ أبي حنيفة، والعامّةِ من فقهائنا وعليه الجمهور وفي نسخة: وهذا ويقع الحج عن الأمر على المذهب الظاهر لحديث محمد بن سيرين وأسماء بنت عمير من المهاجرات لكنه يشترط أهلية الماء بصحة أفعال الحج فجاز (ق ٥٢٩) نيابة المرأة والعبد، والصرورة وهو بفتح الصاد المهملة وضم الراء الأولى وفتح الثانية وبينهما واو ساكنة وهاء في آخرها هو الذي لم يحج عن نفسه نفلًا أو غيره، لكن يجب عن رؤية الكعبة الحج لنفسه وعليه أن يتوقف إلى عام قبل ويحج لنفسه أو يحج بعد عودته إلى أهله بماله كما في (المنح) وغيره.\nوقال مالك أي: أنس: بن مالك بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي لا أرَى أي: لا أختار أن يَحُجّ أحدٌ عن أحد أي: إذا كان حيًا لما تقدم من الأحاديث، ولما ذكر في كتاب (الرحمة) أن النيابة في حج الفرض عن الميت يجوز بالاتفاق، وكذا في التطوع عند أبي حنيفة وأحمد والشافعي قولان أصحهما المنع، والله أعلم. كذا قاله علي القاري.","vol":"2","page":459},{"text":"لما فرغ من بيان ما يتعلق بجواز الإِحجاج عن الميت، وعن المريض الذي لا يرجى زوال مرضه، شرع في بيان ما يتعلق بالصلاة بمنى يوم التروية، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-208>باب الصلاة بمنى يوم التروية</span>\nفي بيان حكم الصلاة بمنى يوم التروية أي: اليوم الثامن من شهر ذي الحجة يسمى به؛ لأنهم كانوا يرون إبلهم فيه، ويأخذون الماء ليشرب يوم عرفة، وقيل: سميت تروية لأن آدم صلوات الله على نبينا وعليه رأى فيه حواء ﵂ واجتمع بها، أو لأن إبراهيم صلوات الله على نبينا وعليه رأى ليلته ذبح ابنه فأصبح يتروى، أو لأن جبريل ﵇ أري إبراهيم فيه المناسك، أو لأن الإِمام يعلم الناس فيه المناسك، وهي شاذة، إذ لو كان من الأول لقيل يوم الرؤية أو الثانية لقيل يوم التروي بتشديد الواو، والثالث لقيل الرؤيا، والرابع لقيل: الرواية كذا قاله الزرقاني.\n٤٨٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أنَّ عبد الله بن عمر، كان يصليّ الظُّهْرَ والعصرَ والمغربَ والعشاءَ والصُّبْحَ بمنَّى، ثم يغدو إذا طَلَعتِ الشمس إلى عَرَفَة.\nقال محمد: هكذا السُّنَّة، وإن عجِّلَ أو تأخَّرَ، فلا بأس، إن شاءَ الله تعالى، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا وفي نسخة: أبنا، وفي أخرى: قال: بنا نافع، بن عبد الله المدني التابعي مولى ابن عمر، ثقة ثبت فقيه مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك كذا في (التقريب) لابن حجر (١) أنَّ عبد الله بن عمر، ﵄ كان يصليّ الظُّهْرَ والعصرَ والمغربَ والعشاءَ والصُّبْحَ بمنَّى، بعرفة ويمنعه وفيه تنبيه أنه كان يخرج من مكة بعد طلوع الشمس إلى منى ثم أي: بعد أداة الصلوات الخمس بمنى يوم التروية يغدو أي:\n_________\n(٤٨٤) إسناده صحيح.\n(١) التقريب (١/ ٥٥٩).","vol":"2","page":460},{"text":"يذهب وقت الغدوة من منى إذا طَلَعتِ الشمس إلى عَرَفَة اتباعًا لما رواه ابن عمر وغيره من فعل النبي - ﷺ - وهذا الحديث موقوف على ابن عمر حقيقة ومرفوع حكمًا، لما روى مسلم عن جابر، فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى وركب - ﷺ - فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر من أبي داود (١) والترمذي وأحمد (٢) والحاكم عن ابن عباس ﵄: صلى النبي - ﷺ - الظهر يوم التروية والفجر يوم عرفة بمنى، ولأحمد عنه - ﷺ - بمنى خمس صلوات.\nولابن خزيمة والحاكم عن عبد الله بن الزبير قال: من سنة الحج أن يصلي الإِمام الظهر وما بعدها والفجر بمنى ثم يغدون إلى عرفات.\nوقد استحب ذلك الأئمة الأربعة وغيرهم، وأما قول أنس عن الشيخين افعل كما يفعل أمراؤك (ق ٥٣٠) فإشارة إلى متابعة أولي الأمر، والاحتراز عن مخالفة الجماعة، وأن ذلك ليس بواجب، وأن الأمر إذ ذاك ما كانوا يواظبون على صلاة الظهر ذلك اليوم بمكان معين. كذا قاله الزرقاني.\nقال محمد: هكذا السُّنَّة، أي: المأثورة، وإلا فهي المستحبة كما يدل عليه قوله: وإن عجَّلَ أي: تقدم إلى عرفات في يوم التروية أو قبله أو تأخَّرَ، أي: عن صبح عرفة لضرورة عن غيرها بحيث يصل عرفات في وقت وقوفها وفي نسخة: فإن عجل أو أخر فلا بأس، إن شاءَ الله تعالى، وإنما استثنى احتياطًا؛ لاحتمال جعل تأخره - ﷺ - في منى كان للنسك وقصد العبادة ولضرورة قلة الماء بعرفات هو للاستراحة ولحوق الجماعة المتأخرة، وعلى كل تقدير فالأولى هو المتابعة تعبدًا في الطاعة وهو أي: عدم البأس في تقدم عرفات في يوم التروية أو تأخره قولُ أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، ولا أعلم خلافًا في ذلك.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بالصلاة في منى يوم التروية، شرع في بيان ما يتعلق بالغسل بعرفات، فقال: هذا\n* * *\n_________\n(١) أبو داود (١٩١١).\n(٢) الترمذي (١/ ٢٩٧)، وأحمد (٢٧٠١).","vol":"2","page":461},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-209>باب الغُسل بعرفة يوم عرفة</span>\nفي بيان حكم الغسل بعرفات يوم التروية، وهو سنة للحاج ولا لغيره في عرفات لا خارجها، ويكون فعله بعد الزوال للوقوف على الأصح. كذا قاله الشرنبلالي في (مراقي الفلاح).\n٤٨٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أنَّ ابن عمر كان يغتسل بِعَرَفَة، يومَ عَرَفَة، حين يريد أن يروح.\nقال محمد: هذا حَسَنٌ، وليس بواجب.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا وفي نسخة: عن نافع، أي: عبد الله المدني التابعي مولى ابن عمر، ثقة ثبت مشهور فقيه، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، مات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك أنَّ ابن عمر كان يغتسل بِعَرفَة، يومَ عَرَفَة، حين يريد أن يروح أي: يذهب بعد الزوال إلى موقف الدعاء.\nقال محمد: هذا أي: الاغتسال بعرفات في يوم عرفة للوقوف حَسَنٌ، أي: مستحسن، وهو لا ينافي كونه سنة مؤكدة، بل ويشير إليه قوله: وليس بواجب بل هو قريب إليه. كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بالغسل بعرفات يوم عرفة، شرع في بيان الإِفاضة من عرفات، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>باب الدفع من عرفة</span>\nفي بيان حكم الدفع من عرفات، أي: الانصراف منها إلى المزدلفة، سمي به دفعًا لازدحامهم إذا انصرفوا منها، فيدفع بعضهم بعضِ، استنبط المصنف هذه الترجمة من مفهوم قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ الآية [البقرة: ١٩٨].\n_________\n(٤٨٥) إسناده صحيح.","vol":"2","page":462},{"text":"٤٨٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا هشام بن عُرْوَة، أن أباه أخبره، أنه سمع أسامة بن زيد يُحَدِّث عن سَيْرِ رسول الله - ﷺ - حين دَفَعَ من عَرَفَة، قال: كان يَسِيرُ العنَق، حتى إذا وَجَدَ فَجْوَةً، نَصَّ، قال هشام: والنَّصُّ أَرْفَعُ من العَنَق.\nقال محمد: بلغنا أنَّه قال - ﷺ -: \"عليكم بالسَّكينة، فإنَّ البِّرَ ليس بإيضاع الإبل، وإيجاف الْخَيْل\"، فبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: أنا أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا هشام بن عُرْوَة، بن الزبير بن العوام الأسدي التابعي، ثقة فقيه ربما دلس، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ست أو خمس وأربعين بعد المائة وله سبع وثمانون سنة. كذا قاله ابن حجر (١) أن أباه أي: عروة بن الزبير بن العوام أخبره، أنه سمع أسامة بن زيد ﵁ مولى رسول الله - ﷺ - يُحَدِّث أي: يخبر عن سَيْرِ رسول الله - ﷺ - أي: عن كيفيته حين دَفَعَ أي: انصرف من عَرَفَة، أي: إلى المزدلفة فقال: أي: أسامة بن زيد ﵁ كان أي: صلى الله تعالى عليه وسلم يَسِيرُ العنَق، بضم المهملة والنون والقاف سير بين الإِبطاء والإِسراع، وفي (شرح المشارق): وهي سير سهل في سرعة.\nوقال القزاز: (ق ٥٣١) سير سريع، وقيل: الذي يتحرك به عنق الدابة، وفي (الفائق): العنق الخطو الفسيح، وانتصب على المصدر المؤكد من لفظ الفعل. وفي (التمهيد): سير معروف للدواب يستعمل مجازًا في غيرها حتى إذا وَجَدَ فَجْوَةً بفتح الفاء وسكون الجيم فواو مفتوحة أي مكانًا متسعًا.\nقال النووي: ورواه بعض الرواة في (الموطأ) فرجة بضم الفاء وفتحها وسكون الراء وهو بمعنى الفجوة نَصَّ، بفتح النون وتشديد الصاد فأسرع قال هشام: والنَّصُّ أَرْفَعُ من العَنَق أي: أوسع وأسرع منه، والحاكي مالك في رواية يحيى الليثي: قال مالك: قال هشام بن عروة والنص فوق العنق أي: أرفع منه في السرعة.\n_________\n(٤٨٦) حديث صحيح: أخرجه البخاري (٢/ ٦٠٠).\n(١) في التقريب (١/ ٥٧٣).","vol":"2","page":463},{"text":"قال محمد: بلغنا أنَّه أي: الشأن قال - ﷺ -: \"عليكم بالسَّكينة، أي: الزموا بالوقار والسكون والطمأنينة فإنَّ البِّرَ بكسر الموحدة وتشديد الراء المهملة أَي الطاعة والإِحسان في العبادة ليس بإيضاع الإبل، أي: بإسراعها وإيجاف الْخَيْل\"، أي: إعدائها وعدوها بسرعة، والحديث في البخاري (١) عن ابن عباس ﵁ أنه وقع مع النبي - ﷺ - يوم عرفة فسمع النبي - ﷺ - وراءه زجرًا شديدًا وضربًا للإِبل، فأشار بسوطه إليهم، وقال: \"أيها الناس عليكم بالسكينة\"؛ لأن البر ليس بالإِيضاع، والإِيضاع الإِسراع فبهذا نأخذ، أي: نعمل بما رواه ابن عباس ﵄ وهو أي: ما رواه أسامة بن زيد أو ابن عباس قولُ أبي حنيفة.\nلما فرغ من بيان ذكر ما يتعلق بالدفع والإِفاضة من عرفات، شرع في ذكره ما يتعلق من الحكم في بطن محسر، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-211>باب بطن محسر</span>\nفي بيان ما يتعلق بطن محسر بضم الميم وفتح الحاء المهملة وتشديد السين المهملة المكسورة، واد بين المزدلفة ومنى، يسمى واد النار وقد عذب فيه بعض الكفار.\n٤٨٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن ابن عمر كان يُحَرِّك راحلته في بطن محسِّر كَقَدْر رَمْيَة بِحَجَر.\nقال محمد: هذا كله وَاسِعٌ، إن شئت حَرَّكْتَ، وإن شِئتَ سِرْتَ على هِينَتك.\nبَلَغَنا أن النبي - ﷺ - قال في السِّيْرَيْن جميعًا: \"عليكم بالسَّكِينَة\"، حين أفاضَ من عَرَفَة، وحين أفاضَ من المُزْدَلِفَة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا وفي نسخة: عن نافع، بن عبد الله المدني، ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات\n_________\n(١) البخاري (٢/ ٦٠٠).\n(٤٨٧) إسناده صحيح.","vol":"2","page":464},{"text":"سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك أن أبن عمر كان يُحَرِّك راحلته في بطن محسِّر كَقَدْر رَمْيَة بِحَجَر أي: عملًا بالسنة وفي نسخة: الحجر.\nقال محمد: هذا كله وَاسِعٌ، أي: أمره إن شئت حَرَّكْتَ، أي: دابتك أيها المخاطب وإن شِئتَ سِرْتَ على هِينَتك بكسرها وسكون التحتية وفتح النون ففوقية بعدها، أي: السكونة والوقار، فإنه لا يجب عليك شيء والأمران مستويان بل المشية على الهيئة أولى، كما يدل عليه قوله: بَلَغَنا أن النبي - ﷺ - قال في السِّيْرَيْن أي: سير عرفات إلى المزدلفة وسير من المزدلفة إلى منى جميعًا: أي: تأكيد لهما \"عليكم بالسكينة\"، حين أفاضَ أي: قال وقت رجوعه من عَرَفَة، وحين أفاضَ أي: رجع من المُزْدَلِفَة أي: إلى منى وهما بيان السيرين، لكن لا يخفى أن هذا المكان بخصوصه مقيد من مطلقه، وقد استحب في المذاهب الأربعة، ويدل عليه حديث جابر حتى أتى بطن محسر فحرك قليل.\nلما فرغ من بيان ذكر ما يتعلق ببطن محسر، شرع في ذكر ما يتعلق بالصلاة في المزدلفة، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-212>باب الصلاة بالمزدلفة</span>\nفي بيان حكم الصلاة بالمزدلفة، سميت بها لإِجماع الناس فيها ومنه قوله تعالى في (ق ٥٣٢) سورة الشعراء: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ٦٤] أي: جمعناهم، وقيل: من الازدلاف بمعنى التقريب، ومنه قوله تعالى في هذه السورة أيضًا: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ﴾ الآية [الشعراء: ٩٠]، أي: قربت أو لاقتراب الناس إلى منى بعد الإِفاضة من عرفات، وقيل: لأن حواء أزلفت إلى آدم فيها. كذا في (سلم الفلاح) وفي كتاب (الترجمة): أنه يجمع بين صلاة المغرب والعشاء في وقت العشاء بالإِجماع فلو صلى كل واحد منهما في وقتها جاز عند مالك والشافعي وأحمد.\nوقال أبو حنيفة: لا تجوز تلك أي: الصلاة في عرفات أو في طريقها، والمعنى: أنها تفسد فسادًا موقوفًا فيجعل إعادتها عليه في المزدلفة وقت العشاء، إلا أنه لو لم يعدها إلى أن طلع الفجر عادت صحيحة كذا قاله علي القاري.","vol":"2","page":465},{"text":"٤٨٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن عبد الله بن عمر: كان يصلي المغرب والعشاءَ بالمُزْدَلِفَة جميعًا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا وفي نسخة: عن نافع، أن عبد الله بن عمر: كان يصلي المغرب والعشاءَ بالمُزْدَلِفَة جميعًا أي: أجمع بينهما جمع تأخير كما دل على ذلك روايات أخر منها التي يليها، وقوله: في رواية ابن أبي ذئب عن ابن شهاب بإقامة جمع بينهما، وإن كان ليس في هذا اللفظ من حيث هو ما يدل على أنه جمع بينهما، لأنه مدلول جميعًا تأكيد كونه صلاهما بالمزدلفة فأما جمعهما أو كل واحدة في وقتها فلا دليل فيه على ذلك وإن كان الواقع أنه جمع بينهما.\n* * *\n\n٤٨٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله - ﷺ -: صلى المغرب والعشاءَ بالمُزْدَلِفَة جميعًا.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن مالك بن عمير بن أبي عامر، الإِمام الأصبحي، كان في الطبقة السابعة من طبقات كبار أتباع التابعين، من أهل المدينة، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، يكنى أبا بكر كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، كذا قاله أبو الفرج بن الجوزي الحنبلي في (طبقاته) عن سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر، بن الخطاب ﵄ القرشي العدوي يكنى أبا عمر وأبا عبد الله المدني، أحد الفقهاء السبعة، كان ثبتًا عابدًا فاضلًا كان يشبه بأبيه في الهدي والسمت، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات في آخر سنة ست بعد المائة، كذا في (التقريب) لابن حجر (١) عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ -: صلى المغرب والعشاءَ بالمُزْدَلِفَة جميعًا أي: جمعهما جمع تأخير، والحديث الأول موقوف على ابن عمر، والثاني مرفوع ولكنهما حجتان عندنا، والموقوف هو المروي من أقوال الصحابة وأفعالهم\n_________\n(٤٨٨) إسناده صحيح.\n(١) التقريب (١/ ٢٢٦).","vol":"2","page":466},{"text":"من ذلك قولهم: كنا نفعل كذا أو نقول كذا بلا رفع إلى رسول الله - ﷺ - فيسمى موقوفًا، والمرفوع ما أضيف إلى النبي - ﷺ - خاصة من قول أو فعل أو تقرير سواء كان متصلًا أو منقطعًا فالمتصل قد يكون مرفوعًا وغير مرفوع.\n* * *\n\n٤٩٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن عديّ بن ثابت الأنصاري، عن عبد الله بن يزيد الخَطْمِي، عن أبي أيوب الأنصاري، قال: صلى رسول الله - ﷺ - المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعًا في حَجَّة الوَدَاع.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا يصلي الرجل المغرب حتى يأتي المُزْدَلِفَة، وإن ذهب نصف الليل، فإن أتاها أَذَّنَ وأقام، فيصلي المغرب والعشاء بأذانٍ وإقامةٍ واحدة، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: أخبرنا، وفي أخرى: بنا أخبرنا يحيى بن سعيد، بن قيس الأنصاري المدني، يكنى أبا سعيد القاضي، ثقة ثبت كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة أو بعدها كذا قال ابن حجر عن عديّ بالدال ابن ثابت الأنصاري، الكوفي، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل (ق ٥٣٣) الكوفة، وهي في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة من أوجه الأرض، مات سنة ست عشرة ومائة، وفيه رواية تابعي عن تابعي يحيى عن عدي عن عبد الله بن يزيد بفتح التحتية قبل الزاي ابن زيد بلا ياء ابن حصين الأنصاري الخَطْمِي، بفتح الخاء المعجمة وسكون الطاء نسبة إلى بني خطمة، بطن من الأنصار، صحابي صغير في رواية الليث عند مسلم. وكان أميرًا على الكوفة على عهد ابن الزبير. كذا قاله الزرقاني عن أبي أيوب الأنصاري اسمه خالد وأبوه زيد بن كليب، كان من كبار الصحابة، شهد بدرًا ونزل النبي - ﷺ - حين قدم المدينة، مات غازيًا بالروم سنة خمسين، وقيل بعدها، وقبره الشريف في خارج صور القسطنطينية يزار اليوم نفعنا الله بشفاعته، وفيه رواية صحابي عن صحابي قال: صلى رسول الله - ﷺ - المغرب والعشاء بالمزدلفة\n_________\n(٤٩٠) صحيح: أخرجه البخاري (١٠٤١) ومسلم (٢/ ٩٣٧).","vol":"2","page":467},{"text":"جميعًا أي: جمعهما جمع تأخير كما صلى الظهر والعصر جمع تقديم بعرفات، ولا يخفى علتهما وحكمهما في حَجَّة الوَدَاع، وهذا الحديث رواه البخاري في (المغازي) عن القعنبي عن مالك به، وتابعه سليمان عن بلال عند الشيخين والليث بن سعد عند مسلم، كلاهما عن يحيى بن سعيد.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: إنما نعمل بما رواه أبو أيوب الأنصاري ﵁ لا يصلي الرجل أي: المرأة إذا كانا محرمين بالحج المغرب أي: لا في عرفات ولا في طريقها حتى يأتي المُزْدَلِفَة، وإن ذهب نصف الليل، أي: كذا إذا كان أكثر فإن أتاها أي: المزدلفة أَذَّنَ وأقام، فيصلي المغرب والعشاء بأذانٍ وإقامةٍ واحدة، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا وقال زفر: بأذان وإقامتين، وهو اختيار الطحاوي من أصحابنا هو الأصح من جهة الرواية والدراية كما حقق بعض أئمتنا.\nلما فرغ من بيان حكم الصلاة بالمزدلفة، شرع في بيان ما يحرم على الحاج بعد رمي جمرة العقبة يوم النحر، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-213>باب ما يحرم على الحاج بعد رمي جمرة العقبة يوم النحر</span>\nفي بيان ما أي: فعل يحرم على الحاج بعد رمي جمرة العقبة يوم النحر، والجمرة بفتح الجيم وفتح الراء المهملة والتاء للوحدة، والعقبة بفتحتين ثالثة الجمرات على حد منى من جهة مكة، وليس من منى ويقال لها: الجمرة الكبرى والأخيرة، كما نقله شيخي زادة صاحب (مجمع الأنهر) عن القهستاني، فجمرة العقبة اسم لموضع في منى عين لرمي الحصاة السبعة، فكان جمرة العقبة تركيبًا لاسم مكان كتركيب بعل بك.\n٤٩١ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، وعبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، أن عمر بن الخطاب خطب الناس بِعَرَفَة يُعَلِّمهم أمر الحج، وقال لهم فيما قال: ثم إذا جئتم مِنى فَمَنْ رَمى الجمرة التي عند العَقَبَة فقد حَلَّ له ما حَرُم\n_________\n(٤٩١) إسناده صحيح.","vol":"2","page":468},{"text":"عليه، إلا النَّساء والطيب، لا يَمَسّ أحدُ نساءً ولا طيبًا، حتى يطوف بالبيت.\n• أخبرنا مالك وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا وفي نسخة: عن نافع، أي: ابن عبد الله المدني عطف عليه بالواو وإشارة إلى تحويل السند تقوية الحكم فقال: وعبد الله بن دينار، وكل منهما، مولى ابن عمر، لكن نافع كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، وعبد الله بن دينار كان في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، مات الأول سنة (ق ٥٣٤) سبع عشرة ومائة من الهجرة، والثاني مات سنة سبع وعشرين ومائة من الهجرة عن عبد الله بن عمر، ﵄ أن عمر بن الخطاب ﵁ خطب الناس أي: وعظ لهم بِعَرَفة أي: في مسجد نمرة اتباعًا لرسول الله - ﷺ - يُعَلِّمهم أمر الحج، أي: بعض أحكامه وقال لهم فيما قال: أي: مقامه ثم أي: بعد رجوعهم من عرفات ومزدلفة ثم إذا جئتم مِنَّى فَمَنْ رَمى الجمرة التي عند العَقَبَة فقد حَلَّ له ما حَرُم عليه، أي: بالحلق والتقصير إلا النَّساء وقد أجمع عليه العلماء والطيب، وهو قول بعض الفقهاء لا يَمَسّ أحدٌ نساءً أي: لا يمسهن بشهوة فضلًا عن جماعهن ولا طيبًا، أي: لأنه من مقدمات الجماع حتى يطوف بالبيت أي: طواف الإِفاضة: وهذا مذهب عمر في الطيب وكرهه مالك فقط. وقال الشافعي وغيره: إلا النساء خاصَّة.\n* * *\n\n٤٩٢ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن دينار، أنه سمع عبد الله بن عمر يقول: قال عمر بن الخطاب: مَنْ رَمَى الجمرة ثم حلق أو قَصَّرَ ونحر هَدْيًا إن كان معه، فقد حَلَّ له ما حَرُمَ عليه في الحج إلا النِّساءَ والطيب، حتى يطوف بالبيت.\nقال محمد: هذا قول عمر وابن عمر، وقد رَوَتْ عائشة خلاف ذلك، قالت: طَيَّبْتُ رسول الله - ﷺ - بيَدَيّ هاتين، بعد ما حلق، قبل أن يزور البيت؛ فأخذنا بقولها، وعليه أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك وفي نسخة: محمد قال: بنا حدثنا عبد الله بن دينار، العدوي\n_________\n(٤٩٢) إسناده صحيح.","vol":"2","page":469},{"text":"سيدهم، يكنى أبا عبد الرحمن المدني، مولى ابن عمر، ثقة كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع وعشرين بعد المائة من الهجرة أنه سمع عبد الله بن عمر يقول: قال عمر بن الخطاب: ﵁ مَنْ رَمى الجمرة أي: جمرة العقبة ثم حلق أو قَصَّرَ ونحر هَدْيًا أي: قبلها ولو نحر بعد الحلق أو التقصير لزمه الدم إن كان أي: الهدي معه، أي: أو عليه فقد حَلَّ له ما حَرُمَ عليه في الحج أي: إحرامه من المحظورات جميعًا إلا النِّساءَ أي: أصالة والطيب، أي: تبعية حتى يطوف بالبيت أي: طواف الركن.\nقال محمد: هذا أي: الذي ذكر قول عمر وابن عمر، رضي الله تعالى عنهما أي: مذهبهما ومختارهما وقد رَوَتْ عائشة ﵂ خلاف ذلك، قالت: طَيَّبْتُ رسول الله - ﷺ - بيَدَيّ هاتين، بيان وتأكيد للتثنية بعد ما حلق، قبل أن يزور البيت؛ أي: يطوف طواف الزيارة فأخذنا أي: عملنا بقولها، حيث كان مرفوعًا وعليه أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n* * *\n\n٤٩٣ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: كنتُ أُطَيِّب رسول الله - ﷺ - لإِحْرَامِه قبل أن يُحْرِم، ولِحِلِّه قبل أن يطوف بالبيت.\nقال محمد: فبهذا نأخذ في الطيب قبل زيارة البيت، ونَدعَ ما رَوى عمر وابن عمر، وهو قولُ أبي حنيفة والعامَّة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: أنا حدثنا عبد الرحمن بن القاسم، بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي، يكنى أبا محمد المدني ثقة جليل، قال ابن عيينة: كان أفضل أهل زمانه، وكان في الطبقة السادسة من طبقات أهل المدينة، ومات سنة ست وعشرين بعد المائة كذا قاله ابن حجر في (التقريب) (١) عن أبيه، أبي القاسم بن\n_________\n(٤٩٣) إسناده صحيح: أخرجه البخاري (٢/ ٥٥٨) ومسلم (٢/ ٨٤٦).\n(١) التقريب (١/ ٢٨١).","vol":"2","page":470},{"text":"محمد بن أبي بكر الصديق، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل المدينة، كذا قاله ابن الجوزي في (طبقاته) عن عمته عائشة ﵂ أنها قالت: كنتُ أُطَيِّب رسول الله - ﷺ - لإِحْرَامِه قبل أن يُحْرِم، ولِحِلِّه بكسر الحاء المهملة واللام المكسورة المشددة أي: ولإِحلالة قبل أن يطوف بالبيت أي: طواف الزيارة.\nقال محمد: فبهذا نأخذ في الطيب أي: إنما نعمل ونستعمل الطيب قبل زيارة البيت، بما رواه (ق ٥٣٥) القاسم بن محمد عن عائشة ﵂ ونَدَع أي: نترك ما رَوى عمر وابن عمر، ﵄ وهو أي: بما رواه القاسم بن محمد قولُ أبي حنيفة والعامَّة من فقهائنا رحمهم الله تعالى.\nلما فرغ من بيان فعل يحرم على الحاج بعد رمي جمرة العقبة يوم النحر، شرع في بيان المكان الذي يرمى فيه الجمار، فقال: هذا\n* * *\n\n٤٩ -<span data-type=\"title\" id=toc-214> باب من أي موضع يرمي الحجارة</span>؟\nبالتنوين من أي موضع يرمي أي: فيه الجمار بكسر الجيم جمع الجمرة الشاملة للعقبة وغيرها.\n٤٩٤ - أخبرنا مالك قال: سألتُ عبد الرحمن بن القاسم: من أين كان القاسم بن محمد يرمي جَمْرَة العَقَبَة؟ قال: من حيث تَيَسَّرَ.\nقال محمد: أفضل ذلك أن يرميها من بطن الوادي، ومن حيث ما رماها فهو جائز، وهو قولُ أبي حنيفة والعامّة.\n• أخبرنا مالك، بن أنس بن مالك بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، يعني منسوب إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، كان في الطبقة السابعة من طبقات كبار أتباع التابعين من أهل المدينة، وهي كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة من وجه الأرض قال: سألتُ عبد الرحمن بن القاسم سبق طبقاته آنفًا من أين أي: في أي موضع كان القاسم بن\n_________\n(٤٩٤) إسناده صحيح.","vol":"2","page":471},{"text":"محمد وهو أحد الفقهاء السبعة من أهل المدينة يرمي جَمْرَة العَقَبَة؟ قال: من حيث تَيَسَّرَ أي: من جوانبها علوها وسفلها.\nقال محمد: أفضل ذلك أن يرميها من بطن الوادي، أي: لفعله - ﷺ - كما في حديث جابر ومن حيث ما رماها فهو جائز، وهو قول أبي حنيفة والعامّة فلو رمى من أعلى العقبة جاز لحصول المقصود، وكان تاركًا للأفضل وإن ترتب عليه أذى فهو حرام، وسيأتي حكم سائر الجمرات.\nلما فرغ من بيان موضع رمي الجمار، شرع في بيان الحكم في رمي الجمار، فقال: هذا\n* * *\n\n٥٠ -<span data-type=\"title\" id=toc-215> باب تأخير رمي الجمار من علة أو من غير علة وما يُكره من ذلك</span>\nفي بيان الحكم في تأخير رمي الجمار، أي: عن بعض أوقاتها من علة أو من غير علة، وما أي: وبيان رمي الجمار يكره من ذلك، أي: لأجل تأخيره عن أوقاتها من غير علة، أما رميها في أوقاتها فواجب عند أبي حنيفة وأيامها كلها وقت قضائها وبخروجها يفوت أداؤها.\n٤٩٥ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن أبي بكر، أن أباه أخبره، أن أبا البدَّاح بنِ عاصم بن عديّ أخبره عن أبيه عاصم بن عديّ، عن رسول الله - ﷺ - أنَّه رَخَّص لرعاءِ الإِبل في البَيْتُوتَة، يرمون يوم النحر، ثم يرمون من الغَدِ، أو من بعد الغَدِ لِيَوْمَيْن، ثم يرمون يوم النَّفْرِ.\nقال محمد: مَنْ جَمع رَمْي يومين في يوم، من عِلَّةٍ أو من غير عِلَّة، فلا كَفَّارة عليه، إلا أنَّهُ يُكْرَه له أن يَدَع ذلك من غير عِلة، حتى الغَد.\nوقال أبو حنيفة: إذا ترك ذلك حتى الغَد فعليه دَمٌ.\n_________\n(٤٩٥) أخرجه أبو داود (٢/ ٢٠٢) والترمذي (٣/ ٢٨٩) والنسائي (٥/ ٢٧٣) وابن ماجه (٢/ ١٠١٠) والمنتقى لابن الجارود (١/ ١٢٨) والحاكم في المستدرك (١/ ٦٥٢).","vol":"2","page":472},{"text":"• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا حدثنا وفي نسخة: قال: بنا عبد الله بن أبي بكر، بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني القاضي، ثقة كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين بعد المائة من الهجرة وهو ابن سبعين سنة أن أباه أبا بكر بن محمد أخبره، أن أبا البدَّاح بفتح الموحدة وتشديد الدال المهملة فألف فحاء مهملة ابن عاصم بن عديّ بن الجد بفتح الجيم ابن العجلان بن الحارثة حليف الأنصاري، قال الواقدي: أبو البداح لقب غلب عليه وكنيته أبو عمرو. انتهى.\nويقال: اسمه عدي، وهو ثقة كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين، مات سنة عشرة ومائة وقيل: بعد ذلك وزعم من له صحبة كذا قاله ابن حجر (١) وله أربع وثمانون سنة، فعلى هذا يكون ولد سنة ست وعشرين بعد النبي - ﷺ - أو بخمس عشرة وهذا يدفع قول من زعم أن له صحبة، ويدفع قول ابن منده: أدرك النبي - ﷺ - كذا قاله الزرقاني (٢) أخبره أي: أبو البداح إلى أبي بكر بن محمد عن أبيه عاصم بن عديّ، وهو أي عاصم (ق ٥٣٦) شهد أحدًا، ولم يشهد بدرًا؛ لأنه - ﷺ - استعمله على قباء أو على أهل العالية، وضرب له سهمه فكان كمن شهدها يقال: رده من الروحاء، وللطبراني عن ابن إسحاق: إنه عاش خمس عشرة ومائة عن رسول الله - ﷺ - أنَّه رَخَّصَ أي: جوز وأباح لرعاءِ الإِبل بكسر الراء المهملة والمد جمع راع في البَيْتُوتَة، مصدر بات خارجين عن منى، كما في (الموطأ) ليحيى يرمون أي: جمرة العقبة يوم النحر، أي: لا قبلة في الليل من نصف الأخير؛ كما قال به الشافعي ثم يرمون من الغَدِ، أو من بعد الغَدِ ليَوْمَيْن، أي: لأحدهما أداء ولآخر قضاء، ولا يبعد أن يكون أو للتنويع أو بمعنى الواو فلا إشكال ثم يرمون يوم النَّفْرِ بفتح النون وسكون الفاء الانصراف من منى أي: اليوم الأخير أي: لتقدم الثلاثة، وهذا الحديث رواه أبو داود (٣) عن القعنبي والنسائي (٤) والترمذي (٥)\n_________\n(١) في التقريب (١/ ٦٢١).\n(٢) في شرحه (٢/ ٤٩٣).\n(٣) أبو داود (٢/ ٢٠٢).\n(٤) النسائي (٥/ ٢٧٣).\n(٥) الترمذي (٣/ ٢٨٩).","vol":"2","page":473},{"text":"وقال: حسن صحيح وابن ماجه (١) من طرق عن مالك به، وتابعه سفيان بن عيينة عند أصحاب السنن، لكنه قال عن أبي البداح بن عدي.\nقال البيهقي: وكذا قال روح بن القاسم عن عبد الله بن أبي بكر فكأنهما نسبا أبا البداح إلى جده، ولكن اختلف فيه على سفيان بن عيينة فعند أبي داود عن مسدد والترمذي عن محمد بن يحيى بن أبي عمرو عن سفيان بن عيينة عن عبد الله ومحمد بن أبي بكر عن أبيها عن أبي البداح، ورواه النسائي عن الحسين بن حريث ومحمد بن المثنى عن سفيان بن عيينة عن عبد الله وحده كذا قاله الزرقاني (٢).\nقال محمد: منْ جَمع رَمْي يومين في يوم، من عِلَّةٍ أي: من عذر، وهو ظاهر يدل عليه الحديث أو من غير عِلَّة، أي: من غير عذر فلا كَفَّارة عليه، عنده وكذا عند أبي يوسف إلا أنَّهُ يُكْرَه له أن يَدعَ ذلك أي: يتركه من غير عِلة، أي: إلى الغد بتأخيره إليه حتى الغَد أي: إلى الغد على ما في نسخة أي: حتى مجيئه.\nوقال أبو حنيفة: أي: فيما اختاره إذا ترك ذلك حتى الغَد فعليه دَمٌ أي: للتأخير وما يترتب عليه من التقصير وهو الأصح كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان الحكم في تأخير رمي الجمار عن بعض أوقاتها من علة أو من غير علة، وما يكره من ذلك، شرع في بيان الحكم في رمي الجمار راكبًا، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-216>باب رمي الجمار راكبًا</span>\nفي بيان الحكم في رمي الجمار راكبًا يجوز رميها راكبًا وماشيًا، وإنما الخلاف في الأفضل.\n٤٩٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، أنه قال: إن الناس كانوا إذا رموا الجمار مَشَوْا ذاهبين وراجعين، وأوَّل منْ رَكَب مُعَاوِيَةُ بن أبي سفيان.\n_________\n(١) ابن ماجه (٢/ ١٠١٠).\n(٢) في شرحه (٢/ ٤٩٣).\n(٤٩٦) إسناده صحيح.","vol":"2","page":474},{"text":"قال محمد: المَشْيُ أفضل، وَمَنْ رَكَبَ فلا بأسَ بذلك.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا وفي نسخة: بنا عبد الرحمن بن القاسم، بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي، يكنى أبا محمد المدني ثقة جليل، قال ابن عيينة: مات سنة ست وعشرين بعد المائة من الهجرة. كذا في (التقريب) (١) عن أبيه، أي: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، ﵁، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل المدينة، كذا قاله ابن الجوزي في (الطبقات) أنه قال: إن الناس أي: الصحابة والتابعين كانوا إذا رموا الجمار مَشَوْا ذاهبين أي: إليها وراجعين، أي: عنها وأوَّل مَنْ رَكَب مُعَاوِيَةُ بن أبي سفيان أي: عملًا بالرخصة (ق ٥٣٧) وتنبيهًا على الجواز، وكان به ضرورة كان معاوية بن أبي سفيان بن صخر بن حرب بن أمية الأموي، يكنى أبا عبد الرحمن الخليفة، صحابي أسلم قبل الفتح وكتب الوحي، مات في رجب سنة ستين وقد قارب الثمانين، وكان أبو سفيان هو صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الأموي، صحابي شهير أسلم عام الفتح ومات سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: بعد هذا كذا قاله ابن حجر في (التقريب)، وقد روى أبو داود والبيهقي عن ابن عمر: أنه كان يأتي الجمار في الأيام الثلاثة بعد يوم النحر ماشيًا وذاهبًا وراجعًا، ويخبر أن النبي - ﷺ - كان يفعل ذلك.\nقال محمد: المَشْيُ أفضل، أي: لأنه في العبادة قياسًا على الطواف والسعي، مِع أن الحج ماشيًا أفضل لقوله تعالى في سورة الحج: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ [الحج: ٢٧] أي: مشاة ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ أي: بعير ضعيف، ففي تقدير المشاة إشعار بأنه أفضل، كما صرح ابن عباس، وأما أنه - ﷺ - حج راكبًا فلبيان الرخصة ودفع الحرج عن الأمة وَمَنْ رَكَبَ أي: ولو بلا عذر فلا بأسَ بذلك أي: بخلاف الطواف والسعي فيما هناك لتفاوت المقامات.\nحكى إبراهيم بن الجراح قال: دخلت على أبي يوسف يومًا فوجدته مغمى عليه، ففتح عينيه فرآني، فقال: يا إبراهيم، أيما أفضل للحاج أن يرمي راجلًا أو راكبًا؟ فقلت: راجلًا فخطأني أي: حملني إلى الخطأ، ثم قلت: راكبًا فخطأني فقلت: فما يقول الإِمام قال: كل رمي بعده رمي يرميها الرامي ماشيًا وكل لبس بعده رمي يرميها الرامي راكبًا،\n_________\n(١) التقريب (١/ ٣٤٩).","vol":"2","page":475},{"text":"فخرجت من عنده فسمعت بكاء النساء في داره، فقيل: أي قبض أبو يوسف فلو كان شيء أفضل من مذاكرة العلم لا يشتغل به في هذه الحالة؛ لأن هذه الحالة حالة الندامة والحسرة، كذا في (منح الغفار).\nلما فرغ من بيان حكم رمي الجمار راكبًا، شرع في بيان حكم ما يقال عند الجمار والوقوف عند الجمرتين، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-217>باب ما يقول عند الجمار والوقوف عند الجمرتين</span>\nفي بيان حكم ما أي: الذكر مطلقًا يقول أي: الرامي، وفي نسخة: يقال عند الجمار: جمع جمرة وهو اسم المجتمع الحصي، سمي بذلك لاجتماع الناس بها يقال: تجمر بنوا فلان إذا اجتمعوا، وقيل: إن العرب تسمى الحصى الصغار جمارًا فسميت بذلك للشيء بلازمه، وقيل: لان آدم وإبراهيم صلوات الله على نبينا وعليهما لما عرض له إبليس فحصبه جمرة بين يديه أي: أسرع ذكره في (الفتح).\nوقال الشهاب العراقي: الجمار اسم للحصى لا للمكان والجمرة اسم للحصى لا للمكان، والجمرة للحصاة، وإنما سمي الموضع جمرة باسم ما جاوره، وهو اجتماع الحصى فيه والوقوف عند الجمرتين إحديهما الأولى التي إلى مسجد الخيف أقرب ومن بابه الكبير إليها ألف ذراعًا وماليًا ذراع وأربع وخمسون ذراعًا، وسدس ذراع، ومنها إلى الجمرة الوسطى مائتا ذراع وخمسة وسبعون ذراعًا، ومن الجمرة الوسطى إلى جمرة العقبة مائتا ذراع وثمانية أذرع كل ذلك بذراع الحديد.\n٤٩٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أنَّ ابن عمر كان يُكَبِّر كل ما رَمَى الْجَمْرَة بِحَصاةٍ.\nقال محمد: وبهذا نأخذ.\nأخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: أنا أخبرنا وفي نسخة: عن نافع، بن عبد الله المدني، ثقة مشهور فقيه مولى ابن عمر، كان في الطبقة الثالثة من\n_________\n(٤٩٧) إسناده صحيح.","vol":"2","page":476},{"text":"طبقات التابعين من أهل المدينة أنَّ ابن عمر كان يُكَبِّر كل ما رَمَى الْجَمْرَة بِحَصاةٍ والمعنى كبر مع كل حصاة كما في حديث جابر.\nقال محمد: وبهذا نأخذ أي: (ق ٥٣٨) ونقول: إنه مستحب.\n* * *\n\n٤٩٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أنَّه كان يقف عند الجمرتين الأولَيَيْن، يقف وُقُوفًا طويلًا، ويُكَبِّر الله ويُسَبِّحه، ويدعو الله، ولا يقف عند العَقَبَة.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: أنا أخبرنا وفي نسخة عن نافع، بن عبد الله المدني، ثقة فقيه مشهور مولى ابن عمر ﵄، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة عن ابن عمر، ﵄ أنَّه كان يقف عند الجمرتين الأولَيَيْن، إحديهما الأولى التي تلي مسجد منى، أي: مسجد الخيف، والثانية الوسطى يقف وُقُوفًا طويلًا، أي: يمكث مكثًا طويلًا مقدار ما يقرأ سورة البقرة، كما رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن عطاء عن ابن عمر ويُكَبِّر الله أي: بأن يقول: الله أكبر زاد نساكم على أثر كل حصاة، أي من السبع، ففيه مشروعية التكبير عند كل حصاة، وأجمعوا على أن من تركه لا شيء عليه إلا الثوري، فقال: يطعم وإن جبره بدم فأحب إليَّ ويُسَبِّحه، أي. ينزهه عما لا يليق به، مثل أن يقول: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم ويدعو الله، أي: يطلب من الله تعالى حاجته في الدنيا والآخرة، مستقبل القبلة، فإن الدعاء مستجاب هناك، وفي (البحر الرائق) معزيًا إلى الرسالة المنسوبة إلى الحسن البصري أنه أرسلها إلى أهل مكة يقول فيها: إن الدعاء مستجاب في خمسة عشر موضعًا:\nأحدها: في الطواف، وثانيها: عند الملتزم، وهو موضع ما بين باب الكعبة الكرمة، وبين الحجر الأسود، وثالثها: تحت الميزاب، ورابعها: في البيت، وخامسها: عند بئر زمزم، وسادسها: خلف المقام، وسابعها: على الصفا، وثامنها: على المروة، وتاسعها:\n_________\n(٤٩٨) إسناده صحيح.","vol":"2","page":477},{"text":"في السعي، وعاشرها: في عرفة، والحادي عشر: في المزدلفة، والثاني عشر: في منى، والثالث عشر: عند الجمرة الأولى، والرابع عشر: عند الجمرة الوسطى، والخامس عشر: عند جمرة العقبة، وزاد غيره: عند رؤية البيت الشريف، فهي ستة عشر موضعًا. كذا في (منح الغفار) للتمرتاشي ولا يقف أي: لا يمكث الرامي الحصاة عند العَقَبَة أي: للدعاء لضيق المقام وحصول الزحام، وفي البخاري من رواية سالم عن ابن عمر يقول: هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - يفعل.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: إنما نعمل بما رواه نافع بن عبد الله المدني عن سيده ابن عمر ﵄، وهو أي: ما قاله نافع قولُ أبي حنيفة رحمه الله تعالى أي: تنزه عما لا يليق بشأنه.\nلما فرغ من بيان حكم ما يقال عند الجمار والوقوف عند الجمرتين، شرع في بيان حكم الجمار قبل الزوال أو بعده، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-218>باب رمي الجمار قبل الزوال أو بعده</span>\nفي بيان حكم رمي الجمار قبل الزوال، أي: قبل ميل الشمس عن بطن السماء إلى طرف المغرب أو بعده \"أو\" للتنويع، فقبل الزوال يرمي جمرة العقبة وبعده البقية.\n٤٩٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أنه كان يقول: لا تُرْمَى الجمار حتى تزول الشمس؛ في الأيام الثلاثة التي بعد يوم النحر.\nقال محمد: وبهذا نأخذ.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا وفي نسخة: عن نافع، بن عبد الله المدني عن ابن عمر، ﵄ أنه كان يقول: لا تُرْمي بصيغة المجهول الجمار حتى تزول أي: تميل الشمس؛ عن خط الاستواء إلى جانب الغرب في الأيام الثلاثة التي بعد يوم النحر، وأما يوم النحر فيجوز الرمي قبل الزوال وبعده إلا (ق ٥٣٩) أن الأفضل قبلهم.\n_________\n(٤٩٩) إسناده صحيح.","vol":"2","page":478},{"text":"قال محمد: وبهذا نأخذ لكن رمي في اليوم الرابع قبل الزوال صح عند أبي حنيفة مع الكراهة؛ لأنه خالف السنة، وقال: لا يصح فيلزم إعادة رميها بعده عند الجمهور والأئمة الأربعة، وأما ما روي من جواز رمي الجمار قبل الزوال في اليوم الثاني والثالث فهو ساقط الاعتبار: كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان حكم رمي الجمار قبل الزوال وبعده في الأيام الثلاثة التي بعد يوم النحر، شرع في بيان المكث ليلًا خارج جمرة العقبة، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-219>باب البيتوتة وراء عقبة منى وما يكره من ذلك</span>\nفي بيان حكم البيتوتة، أي: مكث الحاج ليلًا وراء العقبة، أي: خارج جمرة العقبة ليالي منى، وما أي: فعل يكره من ذلك أي: البيتوتة وراء العقبة فإن المكث ليلًا من ليالي منى خارج العقبة من جهة مكة مكروه تنزيهًا، والبيتوتة بمنى في أيام التشريق سنة عن أبي حنيفة وأحمد وواجبة عند الشافعي وجمهور المحدثين.\n٥٠٠ - أخبرنا مالك أخبرنا نافع، قال: زَعموا أن عمر بن الخطاب كان يبعث رجالًا يُدْخِلون الناس من وراء العَقَبة إلى مِنىً، قال نافع: قال عبد الله بن عمر: قال عمر بن الخطاب: لا يبيتنّ أحدٌ من الحاج لَيَالي منى وراء العَقَبة.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا ينبغي لأحدٍ من الحاجّ أن يبيت إلا بمنًى ليالي الحجّ، فإن فعل فهو مكروه، ولا كَفَّارَة عليه، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامّة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا نافع، بن عبد الله المدني ثقة فقيه مشهور مولى ابن عمر، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، قال: أي: نافع المدني زعموا أي: قال بعض التابعين، وإنما قال: زعموا، ولم يقل قالوا؛ لأنهم قالوا ما قالوه بلا حصول يقين لهم.\n_________\n(٥٠٠) إسناده صحيح.","vol":"2","page":479},{"text":"قال السيد الشريف محمد الجرجاني: الزعم هو القول بلا دليل انتهى. يعني ادعى بعض التابعين أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يبعث رجالًا يُدْخِلون أي: من الإِدخال الناس من وراء العَقَبة أي: من خارج جمرة العقبة إلى مِنىً، أي: في داخلها.\nقال ابن مالك من النحويين: ويمكن أن تكون كلمة \"إلى\" مرادفة \"في\"، كما في قوله تعالى في سورة النساء والأنعام: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنعام: ١٢] أي: في يوم القيامة، كما قاله ابن هشام في (مغني اللبيب)، وهل العقبة من منى أم لا، المشهور المذكور عن كثير منهم أنها ليست من منى من جهة مكة، وهي التي بايع النبي - ﷺ - الأنصار عندها على الهجرة قال نافع: قال عبد الله بن عمر ﵄ قال عمر بن الخطاب ﵁ لا يبيتنّ نهي غائب مؤكد من باب التفعيل أي: لا يمكثن أحدٌ من الحاجّ لَيَالي منى وراء العَقَبة أي: من جهة مكة، فإذا كان النهي تحريمًا يجب الدم على من بات خارج العقبة عند الشافعي والجمهور من المحدثين، وإذا كان تنزيهًا لا شيء عليه، لكنه خالف السنة، وقد روى ابن نافع عن مالك: من حبسه مرض فبات بمكة فعليه هدي إلا لرعاء الإِبل للحديث الآتي وأهل الساقية للحديث الصحيح: رخص النبي - ﷺ - للعباس رضي الله تعالى عنه أن يبيت بمكة أيام منى من أجل سقايته، كما قاله الزرقاني.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: إنما نعمل بما رواه ابن عمر عن عمر بن الخطاب ﵁ لا ينبغي لأحدٍ من الحاجّ أن يبيت إلا بمنًى ليالي الحجّ، فإن فعل أي: إن بات في غير منى خارج جمرة العقبة فهو مكروه، أي: بكراهة التنزيه لمخالفته السنة ولا كَفَّارَة عليه، أي: لعدم وجوب البيتوتة بمنى وهو أي: عدم وجوب الكفارة على من بات في غير منى في ليالي أيام التشريق قولُ أبي حنيفة، والعامّة من فقهائنا أي: من أتباع أبي حنيفة رحمه الله تعالى.\nلما فرغ من بيان حكم (ق ٥٤٠) البيتوتة للحاج خارج منى في ليالي أيام التشريق، شرع في بيان حكم الحاج من تقديم نسك على نسك، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-220>باب من قدم نسكًا قبل نسك</span>\nفي بيان حكم حال (من) أي: الحاج قدَّم نسكًا على نسك بضم النون وسكون","vol":"2","page":480},{"text":"السين، بمعنى العبادة يقال: مسك ينسك، من باب الأول كذا قاله محمد الواني، وهو مما يجب تقديمه على بعض أو تأخير عنه.\n٥٠١ - أخبرنا مالك، حدثنا ابن شهاب، عن عيسى بن طَلْحَةَ بن عُبَيْد الله أنَّه أخبره، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنَّ رسول الله - ﷺ -، وَقَفَ للناس عام حَجَّة الوداع، يسألونه، فجاءَ رجلٌ فقال: يا رسول الله، لم أشْعُر، فنحرتُ قبل أن أرْمِي، قال: \"ارْمِ ولا حَرَج\"، وقال آخرُ: يا رسول الله، لم أشعرُ فحلقتُ قبل أن أذبح، قال: \"اذبح ولا حَرَج\"، قال: فما سُئل رسول الله - ﷺ - عن شيءٍ يومئِذٍ قُدِّمَ ولا أُخِّرَ، إلا قال: \"افعل ولا حرج\".\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا حدثنا وفي نسخة: بنا، وفي أخرى: ثنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن زهرة بن كلاب، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة على وجه الأرض، عن عيسى بن طَلْحَةَ بن عُبَيْد الله بالتصغير القرشي التيمي المدني، يكنى أبا محمد ثقة فاضل، كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات سنة مائة كما في (التقريب) لابن حجر (١) وأبو طلحة أحد العشرة، وكان زوج أم سلمة بعد وفاة زوجها الأول مالك أبي أنس، خادم رسول الله - ﷺ - فكان أنس بن مالك ربيبة أنَّه أي: عيسى بن طلحة أخبره، أي: ابن شهاب عن عبد الله بن عمرو بفتح العين ابن العاص، بغير الياء، وبها خطأ. كما قال علي القاري في (فتح القدير شرح المشكاة)، ﵄ أنَّ رسول الله - ﷺ -، وَقَفَ أي: توقف على ناقته، كما في رواية صالح عند البخاري ويونس عند مسلم بلفظ: على راحلته، فرواية يحيى القطان جلس في حجة الوداع للناس أي: لأجلهم عام حَجَّة الوداع، وفي رواية: وقف عند الجمرة، وفي رواية أخرى: فخطب يوم النحر.\nقال القاضي عياض: جمع بعضهم بأنه توقف واحد، ومعنى خطب أي: أعلم الناس؛ لأنها من خطب الحج المشروعة قال: ويحتمل أن ذلك في موطنين: أحدهما: على راحلته عند الجمرة، ولم يقل في هذا خطب، والثاني: يوم النحر بعد صلاة الظهر\n_________\n(٥٠١) صحيح: أخرجه البخاري (١/ ٤٣) ومسلم (٢/ ٩٤٨).\n(١) التقريب (١/ ٤٣٩).","vol":"2","page":481},{"text":"وذلك في وقت الخطبة المشروعة من خطب الحج يعلم الإِمام فيها الناس ما بقي عليهم من مناسكهم، وصوَّب النووي هذا الثاني، فعن البخاري وغيره عن ابن عمر أنه - ﷺ - وقف يوم النحر بين الجمرات، فذكر خطبته فلعل ذلك وقع بعد أن أفاض ورجع إلى منى انتهى. فطفق الناس يسألونه، أي: عن مسائل حجهم فجاءَ رجلٌ قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: لم أقف على اسمه بعد البحث الشديد ولا على اسم أحد ومما سأل في هذه القصة، وكانوا جماعة، لكن في حديث أسامة بن شريك عند الطحاوي وغيره: كان الأعراب يسألونه فكان هذا هو السبب في عدم ضبط أسمائهم فقال: يا رسول الله، لم أشْعُر، بضم العين أي: لم أدر وجوب الترتيب أو سنة فنحرتُ قبل أن أرْمِي، قال: \"ارْمِ أي: بعد النحر ولا حَرَج\"، أي: لا إثم عليك بالجهل بالأحكام، وهو عذر في بداية الإِسلام وقال آخرُ: يا رسول الله، لم أشعُر أي: لم أفطن يقال: شعرت الشيء شعورًا إذا أفطنت له وقيل: الشعور العلم، ولم يفصح في رواية مالك بمتعلق الشعور، وبينه يونس عند مسلم بلفظ: لم أشعر الرمي قبل الحلق فحلقتُ أي: شعر رأسي قبل أن أذبح، والفاء سببية جعل الحلق سببًا عن عدم الشعور كأنه يعتذر لتقصيره قال: أي: - ﷺ - (ق ٥٤١) \"اذبح أي: بعد الحلق ولا حَرَج\"، أي: لا إثم في تأخيره، لما مر.\nقال القاضي عياض: ليس أمرًا بالإعادة، وإنما هو إباحة لما فعل لأنه سأل عن أمر فرغ منه، فالمعنى افعل ذلك متى شئت ونفي الحرج بين في رفع الفدية عن العامد والساهي، وفي مسائل الإِثم عن الساهي، فالأصل أن تارك السنة عمدًا لا يأثم إلا أن يتهاون فيأثم للتهاون لا للتحرك قال: أي: عبد الله بن عمر فما سُئل رسول الله - ﷺ - عن شيءٍ يومئِذٍ أي: من مسائل الحج قُدِّمَ أي: فيما يستحق التأخير كالطواف والسعي ولا أُخِّرَ، أي: فيما يستحق التقديم من الرمي والحلق والذبح إلا قال: \"افعل أي: المؤخر ولا حرج\" أي: في تقديم المؤخر، والحديث في الصحيحين، وبظاهره أخذ الشافعي وأبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة: إن حلق قبل الرمي أو نحر القارن أو المتمتع قبل الرمي أو حلق قبل الذبح أو أخر طواف الفرض أو الحلق عن أيام النحر يجب عليه دم، وأما لو طاف قبل الرمي والحلق فلا شيء عليه، ويكره، ودليل أبو حنيفة ما رواه ابن أبي شيبة والطحاوي من حديث ابن عباس قال: من قدم شيئًا في حجة أو أخره فليهرق لذلك دمًا.\n* * *","vol":"2","page":482},{"text":"٥٠٢ - أخبرنا مالك، حدثنا أيوب السَّخْتِيانِيّ، عن سعيد بن جُبَيْر، أنَّ ابن عباس كان يقول: مَنْ نَسِيَ من نُسُكه شيئًا أو تَركَ فَلْيُهْرِق دمًا، قال أيوب: لا أدري، أقال: تَرَكَ أم نَسِيَ.\nقال محمد: وبالحديث الذي رُوي عن النبي - ﷺ - نأخُذُ، أنَّه لا حرج في شيء من ذلك.\nقال أبو حنيفة: لا حَرَجَ في شيءٍ من ذلك، ولم يرَ في شيءٍ من ذلك كَفَّارَة إلا في خَصْلَةٍ واحدة، المُتَمَتِّع والقَارِن، إذا حَلَقَ قبل أن يذبح، قال: عليه دَمٌ، وأما نحن فلا نَرَى عليه شيئًا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا حدثنا وفي نسخة: قال: ثنا أبو أيوب السَّخْتِيانيّ، اسمه كيسان بفتح المهملة بعدها معجمة ثم مثناة تحتانية وبعد الألف نون، يكنى أبا بكر البصري ثقة ثبت حجة، كان في الطبقة الخامسة من طبقات كبار الفقهاء العباد، من أهل البصرة، وهي كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة من وجه الأرض، ومات سنة إحدى وعشرين ومائة وهو ابن خمسة وستين سنة. كما قاله ابن حجر (١) عن سعيد بن جُبَيْر، الأسدي وهو مولاهم الكوفي ثقة ثبت فقيه، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل الكوفة، كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة من وجه الأرض، قتل بين يدي الحجاج بن يوسف سنة خمس وتسعين وهو ابن سبع وخمسين، وقال بعض المؤرخين: هو ابن تسعة وأربعين عن عبد الله بن عباس ﵄ أنه كان يقول: مَنْ نَسِيَ من نُسُكه بضم النون وسكون السين أي: من أراد الحج وترك فعلًا من أفعال الحج بنسيانه أو من أفعال عمرته ارتكب بالنسيان من محظورات إحرامه شيئًا وفي معناه من جهل أو تَرَكَ عمدًا أو خطأ فَلْيُهْرِق دمًا، بضم التحتية وسكون المهملة ويفتح أي: فليذبح، وبهذا قال مالك وجماعة قال أيوب أي: ابن أبي تميمة كيسان السختياني لا أدري، أقال: أي: سعيد بن جبير تَرَكَ أم نَسِيَ يعني: أنه إنما قال أحدهما فـ \"أو\" للشك لا للتنويع.\n_________\n(٥٠٢) إسناده صحيح.\n(١) في التقريب (١/ ١١٧).","vol":"2","page":483},{"text":"قال محمد: وبالحديث الذي رُوي عن النبي - ﷺ - نأخُذُ، أي: نعمل بظاهره أنَّه أي: النبي - ﷺ - قال: لا حرج أي: لا إثم في شيء من ذلك أي: من نسيان النسك بناء على أن الترتيب مسنون، فلا إثم عليه بتقديم النسك على بعض بالنسيان.\nوقال أبو حنيفة: لا حَرَجَ في شيءٍ من ذلك، أي: حيث بما كان جاهلًا بما هنالك ولم يرَ أي: لم يتحر في شيءٍ من ذلك أي: مما ذكر من التقديم والتأخير كَفَّارَة أي: من وجوب الدم إلا في خَصْلَةٍ واحدة، وهي تقديم فعل من أفعال الحج على بعضها حتى إن المُتَمَتِّع والقَارِن، إذا حَلَقَ أي: شعر رأسه أو قصره قبل أن يذبح، قال: عليه دَمٌ، أي: عليه وعلى أمثاله وقد تقدم (ق ٥٤٢) غير ذلك فالحصر غير حقيقي وأما نحن أي: أراد المصنف نفسه وأبا يوسف فلا نَرَى عليه شيئًا أي: لا تقضي على الناس بأي من الكفارة بنسيانه.\nلما فرغ من بيان حكم حال الحاج، قدم نسكًا على نسك مما يجب تقديمه أو تأخيره، شرع في بيان حكم الصيد، فقال: هذا\n* * *\n\n٥٦ -<span data-type=\"title\" id=toc-221> باب جزاء الصيد</span>\nفي بيان حكم جزاء الصيد أي: صيد البر إذا صاده المحرم في حال إحرامه استنبط المصنف رحمه الله تعالى هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ الآية [المائدة: ٩٥] فالمناسب بين هذا الباب والباب السابق معلوم.\n٥٠٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزبير، عن جابر بن عبد الله، أن عمر بن الخطاب قَضَى في الضَّبْعُ بكبْش، وفي الغَزَالِ بِعَنْز، وفي الأرْنَبِ بعَنَاق، وفي اليَرْبُوع بِجَفْرة.\n_________\n(٥٠٣) أخرجه الدارقطني في السنن (٢/ ٢٤٧) والبيهقي في الكبرى (٥/ ١٨٣) والشافعي في مسنده (١/ ٢٢٦).","vol":"2","page":484},{"text":"قال محمد: وبهذا كله نأخذ، لأن هذا مثله من النَّعَم.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا وفي نسخة: ثنا، وفي أخرى: قال: بنا أبو الزبير، المكي هو محمد بن مسلم تدرس بفتح المثناة وسكون الدال المهملة وضم الراء الأسدي مولاهم، صدوق إلا أنه يدلس، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل مكة، مات سنة ست ومائة كما في (التقريب) لابن حجر (١) عن جابر بن عبد الله، الأنصاري ﵄ أن عمر بن الخطاب ﵁ قَضَى أي: حكم وهو في العرف نسبة أمر إلى أمر آخر إيجابًا أو سلبًا، وفي الشرع خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين باقتضاء أو تخيير والخطاب في اللغة توجيه الكلام نحو الغير بلا إفهام، ثم نقل إلى ما يقع به التخاطب، وهو هنا الكلام (٢) النفسي الأزلي لكن تعلقه حادث مثل معنى قولهم: حل بعد أن يحل هو أن تعلق به الحل بعد أن لم يحل، ولا يلزم من حدوث التعلق حدوث المتعلق، فلا يرد السؤال كما قاله ابن مالك في (شرح المنافي) في بحث أحكام الشرع في الضَّبْعُ بفتح الضاد المعجمة وضم الموحدة لغة قيس وبسكون الموحدة لغة تميم، وهي أنثى وقيل: يقع على الذكر والأنثى، وربما قال في الأنثى ضبعة بالهاء والذكر ضبعان والجمع ضباعين، ويجمع مضموم الباء على ضباع وساكنها على أضبع، يقال باللسان التركي: يللي قورت بكبْش، أي: يجب على الحرم أن يذبح كبشًا ويتصدق إلى فقراء مكة بقتله الضبع وفي الغَزَالِ أي: يلزم على المحرم في قتل الظبي أن يذبح بِعَنْز، بفتح فسكون أنثى المعز للتقارب بينهما وفي الأرْنَبِ بعَناق، بفتح العين المهملة والنون الأنثى من أولاد المعز قبل كمال حول وفي اليَرْبُوع يفعول هذا الفأر الوحشي، كما قاله علي القاري، وقال الزرقاني (٣): هو دويبة نحو الفأرة، ولكن ذنبه وأذناه أطول منها ورجلاه أطول من يديه، عكس الزرافة والجمع اليرابيع، والعامة يقولون: جربوع بالجيم بِجَفْرةٍ بجيم مفتوحة وفاء ساكنة، الأنثى من أولاد المعز ما بلغ أربعة أشهر قال الحبيب: ففي الأرنب واليربوع عنز مسنة.\nقال محمد: وبهذا كله نأخذ، أي: إنما نعمل بجميع ما رواه جابر في هذا الباب عن\n_________\n(١) في التقريب (١/ ٥٠٦).\n(٢) هذا خطأ، بل الصواب أنه كلام من صوت وحرف كما جاءت به السنة خلافًا للمؤلف، المحقق.\n(٣) في شرحه (٢/ ٥٠٧).","vol":"2","page":485},{"text":"عمر بن الخطاب (ت ٥٤٣) ﵁ لأن هذا أي: ما ذكر من العوض أمثلة أي: أشبهة من النَّعَم بفتح النون والعين جمع الأنعام في الأنواع الثمانية، وفي نسخة: مثله بدل أمثلة وحقيقة المثل المماثلة صورة ومعنى والنظر كذلك فلا نعدل عنه إلا عند عدمه، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف أنه لو اعتبر المثل من حيث الصورة لما احتيج إلى العدلين؛ لأنه لا يخفى على أحد، ولما احتيج إلى حكم جديد في كل مقتول، كما قاله علي القاري.\nلما ذكر ما يتعلق بجزاء الصيد إذا صاده المحرم في حال إحرامه، شرع في ذكر ما يتعلق برفع المحرم عن عضوه الأذى، فقال: هذا\n* * *\n\n٥٧ -<span data-type=\"title\" id=toc-222> باب كفارة الأذى</span>\nفي بيان ما يتعلق كفارة الأذى أي المؤذي الذي أزاله المتأذي عضوه استنبط المصنف رحمه الله تعالى هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦] فالمناسبة بين هذا البَاب وبين الباب السابق إحسان المحرم إلى الغير بجنايته في حال إحرامه.\n٥٠٤ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الكريم الجَزَرِيّ، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عُجْرَة، أنه كان مع رسول الله - ﷺ - مُحْرِمًا، فآذاه القُمَّل في رأسه، فأمره رسول الله - ﷺ - أن يحلق رأسه، وقال: \"صُم ثلاثة أيام، أو أطْعِمْ ستة مساكين، مُدَّيْن مُدَّيْن، أو انْسُك شاة، أيّ ذلك فَعَلْتَ أجزأ عنك\".\nقال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة والعامة.\nأخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: ثنا حدثنا عبد الكريم بن مالك الجَزَرِيّ، بفتح الجيم والزاي المعجمة، يكنى أبو أمية وهو الخضرمي بالخاء والضاد المعجمتين نسبة إلى قرية من اليمامة في اليمن، كان في الإقليم الثالث من الأقاليم\n_________\n(٥٠٤) صحيح: أخرجه البخاري (١٧٢٠) ومسلم (١٢٠١).","vol":"2","page":486},{"text":"السبعة من وجه الأرض، وهو ثقة متقن، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين، مات سنة سبع وعشرين بعد المائة وهو ابن ثلاث وثمانين سنة عن مجاهد، بن جبر بفتح الجيم وسكون الموحدة، يكنى أبا الحجاج المخزومي مولاهم المكي ثقة، إمام في التفسير وفي العلم، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل مكة، مات سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث أو أربع بعد المائة وهو ابن ثلاث وثمانين سنة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، الأنصاري المدني ثم الكوفي، ثقة كان في الطبقة الثانية من طبقات كبار التابعين، من أهل الكوفة كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة. كما في (التقريب) لابن حجر (١) (وخلاصة الهيئة) للسيد علي قال ابن الخلكان: إن عبد الرحمن بن أبي ليلى غرق في نهر البصرة وقيل: فقد بدير الجماجم سنة ثمان وثمانين في وقعة بني الأشعث، وقال بعض المؤرخين: إنه فقد سنة إحدى وثمانين، وقيل: سنة اثنتين وثمانين من الهجرة. انتهى عن كعب بن عُجْرَة، ﵁ وهو بضم العين المهملة وسكون الجيم وفتح الراء المهملة ابن أمية البلوي حليف الأنصار، شهد الحديبية، ونزلت فيه قصة الفدية وسكن الكوفة، ومات بالمدينة سنة إحدى وخمسين أنه أي: كعب كان مع رسول الله - ﷺ - مُحْرِمًا، أي: بالحديبية فآذاه القُمَّل بفتح القاف وسكون الجيم هوام في رأسه، وفي البخاري: عينه، وقف على رسول الله - ﷺ - بالحديبية ورأسه يتهافت قملًا، وفي رواية: القمل يتكثر على وجهي، ولأحمد: وقع القمل في رأسي ولحيتي حتى حاجبي وشاربي فقال - ﷺ -: \"لقد أصابك بلاء\". وفي الطبراني: إن هذا الأذى قلت: شديدًا يا رسول الله فأمره رسول الله - ﷺ - أن يحلق رأسه، أي: يزيل شعر رأسه وهو أعم (ق ٥٤٤) من أن يكون بموسي أو مقصرًا أو نورة وقال: \"صُم ثلاثة أيام، أي: متواليات أو متفرقات، كذا ذكره علي القاري قوله: صم ثلاثة أيام بيان لقوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] كما بان قوله بصدقة يقولها أو أطْعِمْ ستة مساكين، المراد بهم ما يشمل الفقر مُدَّيْن مُدَّيْن، بالتنكير، لإِفادة عموم التثنية أي: اطعم كل مسكين نصف صاع من حنطة أو صاعًا من شعير أو انْسُك بضم السين أي: اذبح شاة، أيّ ذلك بفتح الهمزة وفتح التحتية المشددة منصوب محلًا؛ لأنه مفعول لقوله: فَعَلْتَ قدم عليه لصدارة الاستفهام وذلك إشارة إلى المذكور من الصوم والطعام وذبح الشاة أجزأ عنك\" بغير الهمزة بعد الألف، كما وجد بغيرها قوله - ﷺ -:\n_________\n(١) التقريب (١/ ٣٤٩).","vol":"2","page":487},{"text":"\"والصوم لي وأنا أبه\"، وهو جواب الاستفهام أي كفاك وجاز لك فأو في الكتاب والسنة للتخيير.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا نعمل بما رواه عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة وهو أي: ما قاله عبد الرحمن بن أبي ليلى قولُ أبي حنيفة والعامة ولا أعلم خلافًا في ذلك كما قاله علي القاري.\nلما فرغ عما يتعلق بكفارة الأذى بالمحرم، شرع في ذكر ما يتعلق بحال من قدم الصبيان والنساء والمرضى من المزدلفة إلى منى، فقال: هذا\n* * *\n\n٥٨ -<span data-type=\"title\" id=toc-223> باب من قدم الضعفة من المزدلفة</span>\nفي بيان ما يتعلق بحال من قدم الضعفة بفتحتين أي: الضعفاء من الصبيان والنساء والمرضى والشيخ الكبير، ومن به عذر من المزدلفة أي: إلى منى خوفًا من التأذي بالعجلة والزحام، ولعل وجه تغيير التعبير في السنة عما وقع من التقديم والتأخير في الذكر لبيان الرخصة والرحمة على الأمة، وأما ترتيب الكتاب فإشعار بالأفضل فالأفضل في هذا الباب والله أعلم بالصواب.\n٥٠٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن سالم وعبيد الله ابني عبد الله بن عمر أن عبد الله بن عمر كان يُقَدِّم صِبْيَانه من المُزْدَلِفَة إلى مِنى، حتى يُصَلُّوا الصبح بِمنى.\nقال محمد: لا بأس بأن يقدّم الضَّعَفَة ويوعز إليهم أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن مالك بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، يعنى كان منسوبًا إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، وكان في الطبقة السابعة من طبقات كبار أتباع التابعين، من أهل المدينة، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا أخبرنا وفي\n_________\n(٥٠٥) إسناده صحيح.","vol":"2","page":488},{"text":"نسخة: ثنا نافع، أي: ابن عبد الله المدني مولى عبد الله بن عمر، ثقة فقيه شهير، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة عن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي، يكنى أبا عمر أو أبا عبد الله المدني، أحد الفقهاء السبعة، كان ثبتًا عابدًا فاضلًا، وكان يشبه بأبيه في الهدي والسمت، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين، من أهل المدينة ومات آخر سنة ست بعد المائة، وعبيد الله بالتصغير يكنى أبا بكر شقيق سالم، ثقة كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، أراد بالسالم وعبيد الله ابني عبد الله بن عمر بن الخطاب أن عبد الله بن عمر كان أي: اقتدى به - ﷺ - حيث يقَدِّم بعض نسائه وصِبْيَانه من المُزْدَلِفَة إلى مِنى، منهم ابن عباس ﵄ يقدم صبيانه من المزدلفة إلى منى، أي: بعد مضى نصف الليل قيل: إنما سُمي منى؛ لأن (ق ٥٤٥) جبريل ﵇ لما أراد أن يفارق عن آدم صلوات الله على نبينا وعليه فقال: ماذا تتمنى فقال آدم: الجنة فسمي ذلك الموضع منى حتى يُصَلُّوا الصبح بِمنى أي: يرموا جمرة العقبة بعد الفجر أو طلوع الشمس قبل أن يأتي الناس.\nقال محمد: لا بأس أي: لا إثم للحاج بأن يقدّم الضَّعَفَة بفتحتين أي: ضعفاته من صبيانه ونسائه، وفي الصحيحين من رواية ابن شهاب عن سالم: كان ابن عمر يقدم ضعفة أهله فيقفون عند مشعر الحرم بالمزدلفة بليل يذكرون الله ما بدا لهم ثم يدفعون قبل أن يقف الإِمام وقبل أن يدفع إلى منى فمنهم من يقدم منى لصلاة الفجر، ومنهم من يقدم بعد ذلك، فإذا قدموا الجمرة، وكان ابن عمر يقول أرخص في أولئك رسول الله - ﷺ - ويوعز إليهم بكسر الغين المعجمة من أوعز إليه بكذا تقدم وأمر كذا في (المغرب) والمعنى يأمرهم ويؤكد عليهم أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس، أي: ليكونوا عاملين بالسنة، وإلا فيجوز الرمي بعد الصبح إجماعًا وهو أي: رواه نافع عنهما قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا وجوزه الشافعي بعد نصف الليل.\nلما فرغ عما يتعلق بحال من قدم الضعفاء من المزدلفة إلى منى شرع في بيان جلال البدنة من الإِبل والبقر، فقال: هذا\n* * *","vol":"2","page":489},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-224>باب جلال البدن</span>\nفي بيان حكم جلال البدن الجلال: بكسر الجيم وتخفيف اللام جمع جل بضم الجيم ما يجعل على ظهر البعير كثوب الإِنسان يلبسه تقية من البرد والوسخ وهو والبدن بالضم جمع بدنة محركة فهي الإِبل والبقر عندنا والإِبل خاصة عند الشافعي.\n٥٠٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن ابن عمر كان لا يشق جِلال بُدْنه وكان لا يُجلِّلها حتى يغدوَ بها من منى إلى عرفة، وكان يُجَلِّلها بالحُلَل والقَبَاطي، والأنْمَاطِ؛ ثم يبعث بِجِلالها، فيكسوها الكعبة، قال: فلما كُسِيَتْ الكعبة هذه الكسوة أقْصَرَ مِنَ الجِلال.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا وفي نسخة: بنا، وفي أخرى: ثنا نافع، بن [عبد] (*) الله المدني مولى ابن عمر، ثقة فقيه شهير، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة أن ابن عمر كان لا يشق أي: لا يقطع جِلال بُدْنه وكان أي ابن عمر ﵁ لا يُجلِّلها أي: لا يلبس البدن جلها حتى يغدوَ بها أي: إلى غاية إذهاب البدن في أول النهار وبجلالها أو معها من منى إلى عرفة، وكان يُجَلِّلها بالحُلَل متعلق بيجللها، والحلل بضم الحاء المهملة وفتح اللام الأولى المخففة جمع حلة، وهي بضم الحاء المهملة وتشديد اللام المفتوحة ثوب من برود اليمن، ولا يسمى حلة إلا أن يكون ثوبين من جنس واحد، روى البيهقي من طريق يحيى بن بكير عن مالك، وقال: زاد فيه غيره عن مالك إلا موضع السنام، أي: لا يشق ابن عمر جلال البدن إلا موضع سنامها وإن نحرها نزع جلالها مخافة أن يفسدها الدم، ثم يتصدق بها أي: لئلا تسقط وليظهر الإِشعار، لئلا تستر تحتها ونقل عياض أن التحليل يكون بعد الإِشعار، لئلا تتلطخ بالدم وأن شق الجلال الأسنمة إن قلت قيمتها وإن كانت نفيسة لم تشق، وروى ابن المنذر من طريق أسامة بن زيد عن نافع أن ابن عمر كان يجلل بدنه الأنماط والبرود والجر حتى يخرج من المدينة ثم ينزعها فيطولها (ق ٥٤٦) حتى يكون يوم عرفة فيلبسها إياها حتى ينحرها ثم يتصدق بها، قال نافع: ربما دفعها إلى بني شيبة.\n_________\n(٥٠٦) إسناده صحيح.\n\n(*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: ما بين المعكوفتين سقط من المطبوع","vol":"2","page":490},{"text":"قال الحافظ: وفي هذا كله استحباب التقليد والتجليل والإِشعار وذلك يقتضي أن إظهار التقرب بالهدي أفضل من إخفائه، والمقرر أن إخفاء العمل الصالح غير الفروض أفضل من إظهاره، فأما أن يقال: إن أفعال الحج مبنية على الظهور كالإِحرام والطواف والوقوف، فكان الإشعار والتقليد كذلك فيختص ذلك من عموم الإِخفاء وأما أن يقال: لا يلزم من التقليد والإِشعار وغيرها إظهار العمل الصالح؛ لأن الذي يهديها يمكنه أن يبعثها مع من يقلدها ويشعرها ولا يقول: إنها لفلان فتحصل سنة التقليد مع كتمان العمل، وأبعد من استدل بذلك على أن العمل إذا شرع فيه صار فرضًا وإنما يقال: إن التقليد جعل علمًا لكونها هديًا حتى لا يطمع صاحبها في الرجوع فيما انتهى.\nولعل الجواب بالتخصيص أولى كذا قاله الزرقاني (١) والقَبَاطي، بفتح القاف جمع قبطية بالضم وهو ثوب من ثياب مصر دقيقة بيضاء كأنها منسوبة إلى القبط، وهم أهل مصر وضم القاف من تغير النسبة، وهذا من الثياب وأما الإِنسان القبطي بالكسر لا غير والأنْمَاطِ؛ بفتح الهمزة جمع النمط بفتحتين، وهو ثوب من صوف مطرح على الهودج. كذا في (المعرب) وقيل: ضرب من البسطة له حمل رقيق وهو بفتح الخاء المعجمة والميم المفتوحة واللام يقال له باللسان التركية: سحيق ثم يبعث أي: يرسل بعد نحرها بِجِلالها، فيكسوها الكعبة، أي: فيلبسها إياها تعظيما لها عن نظر الحقارة إليها قال: أي: نافع فلما كُسِيَتْ الكعبة بصيغة المجهول أي: لبست هذه الكسوة بالنصب، وهي بالضم والكسر الثوب واللباس على ما في (القاموس) وفي (المصباح)، والكسر أشهر والمعني أن الكعبة حين كسيت الكسوة المعروفة أقْصَرَ مِنَ الجِلال بفتح الهمزة والصاد والراء المهملتين المفتوحتين على أنه ماض، أي: ترك ما كان يفعله من أن يكسوها الجلال؛ لاستغنائها عنها ويصرفها في محل آخر أهم منها أول من كسى الكعبة تبع ملك اليمن، ثم كسا العرب في الجاهلية، ثم كساها رسول الله - ﷺ - بالثياب اليمانية، كساها عمر وعثمان رضي الله تعالى عنهما بالثياب القباطية ثم كساها ابن الزبير ﵁ ثم بعد ذلك يبعث كل سنة بالديباج لكسوة الكعبة المشرفة، وأول من كسا البيت بالديباج والدة العباس بن عبد المطلب حين أضلت العباس صغيرًا فنذرت إن وجدته نسكوا الكعبة المشرفة فوجدته ففعلت، وأول من جرد الكعبة وكشفها وطرح عنها الكسوة في الجاهلية، وكانت قبل ذلك لا تجرد\n_________\n(١) في شرحه (٢/ ٤٣٦).","vol":"2","page":491},{"text":"بل تخفف عنها بعض كسوتها معاوية بن الحكم، وأول من كسا الكعبة المكرمة يعلى بن منبه، وكان عاملًا على اليمن للإِمام عثمان ﵁ فعل ذلك بأمره كما قاله الجلال الدين السيوطي في الكتاب المسمى (بالأوائل).\n* * *\n\n٥٠٧ - أخبرنا مالك، سألتُ عبد الله بن دينار: ما كان ابن عمر يصنع بجِلال بُدنه؟ حين أقْصَرَ عن تلك الكسوة، قال عبد الله بن دينار: كان ابن عمر يتصدق بها.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، ينبغي أن يتصدّق بِجِلال البدن وبخطمها، وأن لا يعطي الجزَّار من ذلك شيئًا، ولا من لحومها.\nوبلغنا أن النبي - ﷺ - بعث مع عليّ بن أبي طالب بهذي، فأمره أن يتصدَّق بِجِلاله، وبِخُطِمِهِ، وأن لا يعطي الجزَّار من خُطْمه وجلاله شيئًا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا قال: أي: مالك سألتُ (ق ٥٤٧) عبد الله بن دينار العدوي مولاهم يكنى أبا عبد الرحمن المدني ابن عمر، ثقة كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع وعشرين بعد المائة كذا في (التقريب) (١) ما كان ابن عمر يصنع بجِلال بكسر الجيم وبلا حقيقة بُدنه؟ بضم الموحدة وسكون الدال المهملة والنون حين أقْصَرَ أي: ابن عمر عن تلك الكسوة، قال عبد الله بن دينار كان ابن عمر يتصدق بها أي: البدن على فقراء الحرم وفي الكلام وضع الظاهر موضع الضمير لإِيضاح المرام، كما قاله علي القاري.\nقال المهلب ليس التصدق بجلال البدن فرضًا، وإنما صنع ذلك ابن عمر؛ لأنه أراد أن لا يرجع في شيء أهداه الله ولا في شيء أضيف إليه، وفي الصحيحين (٢) عن علي\n_________\n(٥٠٧) إسناده صحيح.\n(١) التقريب (١/ ٣٠٢).\n(٢) البخاري (٢/ ٦١٠).","vol":"2","page":492},{"text":"أمرني رسول الله - ﷺ - أن أتصدق بجلال البدن التي نحرت وبجلودها، وفيه استحباب التجليل والتصدق بذلك الجل، ولفظ: أمر لا يقتضي الوجوب؛ لأن ذلك في وصيفة افعل لا لفظ أمر، كما قاله الزرقاني (١).\nقال محمد: وبهذا نأخذ، إنما نعمل بما رواه عبد الله بن دينار عن ابن عمر ينبغي أي: يجب ويتعين أن يتصدّق أي: صاحب الهدي بِجِلال البدن بضم الموحدة وسكون الدال المهملة وبِخُمُطِها، بضم الخاء المعجمة وفتح الطاء المهملة والميم جمع خطام البعير، وهو زمامه المعروف والباء فيه وفي ما قبله بمعنى المصاحبة، وفي إعادتها وعدم الاكتفاء بدلالة القرينة عليها دلالة على أن للمصنف مزيد اعتناء واهتمام في هذا الحكم، وإشعارًا بأنه يجب على صاحب الهدي أن يتصدق مع زمامه وأن لا يعطي الجزَّار أي: لأجل أجرته وهو بفتح الجيم وتشديد الزاء المعجمة والألف، والراء المهملة رجل يذبح الهدي ويقطع اللحم من ذلك شيئًا، أي: مما ذكر من جلال البدن ولا من لحومها وفي معناها جلودها، بل يعطى أجرته من غيرها ثم إن كان فقيرًا فلا بأس أن يعطيه شيئًا منها.\nوبلغنا أن النبي - ﷺ - بعث مع عليّ بن أبي طالب بهدي، أي: مشتمل على مائة بدنة فأمره أي: عليًا أن يتصدَّق بِجِلاله، وبِخُطِمِها، أي: الهدي وفي نسخة الشارح بجلالها وتأنيث الضمير باعتبار البدن والهدايا وأن لا يعطي الجزَّار أي: لأجل أجرته من خُطْمه وجلاله شيئًا والأمر بعدم الإِعطاء، فهي عن العطاء، والحديث رواه الجماعة إلا الترمذي عن علي ﵁ قال: أمرني رسول الله - ﷺ - أن أقوم على بدنه وأقسم جلوده وجلاله أو أمرني أن لا أعطي الجزار منها شيئًا، وقال: نحن نعطيه من عندنا، كما قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان حكم جلال البدن، شرع في بيان ما يتعلق بحكم المحصر، فقال: هذا\n* * *\n_________\n(١) في شرحه (٢/ ٤٣٥).","vol":"2","page":493},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-225>باب المحصر</span>\nفي بيان ما يتعلق بحكم المحصر، باسم المفعول من أحصره إذا حبسه ومنعه، وفي الشرع: هو المنع عن ركني الحج، وعن طواف العمرة. استنبط المصنف رحمه الله تعالى، هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦].\n٥٠٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه أنه قال: من أُحْصِرَ دون البيت، بمرض فإنه لا يَحِل حتى يطوف بالبيت، وهو يتداوى مما اضْطُر إليه، ويفتدي.\nقال محمد: بلغنا عن عبد الله بن مسعود، أنه جعل المحصر بالوجع كالمحصر بالعَدُوّ، فَسُئِلَ عن رجل اعتمر، فنهشته حَيّة، فلم يستطع المضي، فقال عبد الله بن مسعود: ليبعث بهدي ويواعد أصحابه يومَ أمَارٍ، فإذا نحر عنه الهدْيُ حَلَّ، وكانت عليه عمرة مكان عمرته.\nوبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامّة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا ابن شهاب، وهو محمد بن مسلم بن زهرة بن كلاب، يكنى أبا بكر، كان في الطبقة الرابعة من طبقات كبار التابعين، من أهل المدينة، عن سالم بن عبد الله، أي: ابن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، يكنى أبا عمر أو أبا عبد الله المدني، أحد الفقهاء السبعة، كان ثبتًا عابدًا فاضلًا، وكان يشبه بأبيه في الهدي والسمت، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين، مات آخر سنة ست بعد المائة قاله ابن حجر (١) عن أبيه أي: عبد الله بن عمر بن الخطاب أنه قال: من أُحْصرَ على بناء المفعول أي: منع دون البيت، أي: قبل وصوله إليه وحصوله لديه بمرض أي: ونحوه عدو كافر، كما هو مذهب الشافعي فإنه لا يَحِل أي: لا يخرج من إحرامه حتى يطوف\n_________\n(٥٠٨) إسناده صحيح.\n(١) في التقريب (١/ ٢٢٦).","vol":"2","page":494},{"text":"بالبيت، أي: ولو امتد الأيام ولا يخفى ما فيه من الحرج العام وما يترتب من الآثام وهو يتداوى أي: يعالج نفسه من المحظورات مما اضْطُر إليه، بصيغة المجهول أي: بما حصل له من الضرورات، ويفدي أي: بما يجب عليه من أنواع الكفارات، وليحيى: إن اضطر إلى لبس شيء من الثياب التي لا بد منها أو الدواء صنع ذلك ويفتدي.\nقال سعيد بن زيد الباجي المالكي: كون المحصر بمرض لا يحل حتى يطوف إلى آخره مذهب ابن عمر، وإليه ذهب الشافعي، وقال أبو حنيفة: له التحلل حيث أحصر، يعني سواء اشترط ذلك في ابتداء إحرامه، كما قاله الشافعي.\nقال محمد: بلغنا عن عبد الله بن مسعود، ﵁ أنه جعل المحصر بالوجع بفتح الجيم أي: المرض المؤلم كالحصر بالعَدُوّ، أي: قياسًا عليه ولمساعدة اللغة إليه على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فَسُئِلَ أي: ابن مسعود، والفاء تفصيلية عن رجل قيد واقعي لا احترازي اعتمر، أي: أحرم بعمرة فنهشته بالشين المعجمة، وفي لغة بالمهملة أي: لدغة حَيّة، فلم يستطع المضي، أي: إلى الحرم بأفعال العمرة فقال عبد الله بن مسعود: ليبعث بصيغة الأمر الغائب بهدي أي: ليرسل مع بعض أصحابه ويواعد أصحابه يومَ أمَارٍ، بفتح الهمزة بمعنى أمارة أي: مواعد وقتًا معينًا فإذا نحر عنه الهدْيُ بصيغة المجهول حل أي: خرج من إحرامه، ولا صلاة عليه ولا يقصر، وإن يحلق فحسن، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد.\nوقال أبو يوسف: عليه الحلق، وإن لم يحلق فلا شيء عليه؛ لأن النبي - ﷺ - وأصحابه ﵃ أحصروا بالحديبية، فأمرهم بعد بلوغ الهدايا محلها أن يحلق وحلق - ﷺ -، ولهما أن الحلق عرف قربه إذا كان مرتبًا على أفعال الحج، ولم توجد أفعاله هنا وأمر - ﷺ - لأصحابه بالحلق ليعرف المشركون قوة عزمهم على الانصراف، فيحصل الأمن من كيد المشركين فلا يشتغلوا بأمر الحرب (ق ٥٤٩).\nأقول: ولا مانع من أن يكون الحلق الواجب متضمنًا لهذه المراتب، وأيضًا فكما أن الحلق عرف قربه إذا كان مرتبًا على أفعال الحج، فكذلك يترتب على أفعال العمرة وإنما سقطت الأعمال للضرورة، وما لا يدرك كله لا يترك كله، وأيضًا ظاهر الآية مؤيد لقول أبي يوسف حيث قال تعالى بعد قوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] وهو الحرم ذبحه فيه مجرد وصوله،","vol":"2","page":495},{"text":"فالمعنى أن الحلق متوقف عليه كما أن الإِحلال متوقف على ذبح الهدي وكانت عليه عمرة مكان عمرته لقضاء رسول الله - ﷺ - وأصحابه عمرة الحديبية التي أحصروا فيها، وكأنه تسمى عمرة القضاء، وأوله الشافعي بأن القضاء بمعنى القضية.\nوبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامّة من فقهائنا والله أعلم كما قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان حكم المحصر، شرع في بيان ذكر ما يتعلق بحكم تكفين المحرم، فقال: هذا.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-226>باب تكفين المحرم</span>\nبالتنوين أي: كائن في بيان ما يتعلق بحكم تكفين المحرم، أي: إذا مات محرمًا وما يتعلق به من تغطية رأسه ووجهه وتطييبه، فإضافة التكفين إلى المحرم من قبيل إضافة المصدر إلى مفعوله.\n٥٠٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن عبد الله بن عمر كَفَّنَ ابنه واقِدَ بن عبد الله، وقد مات محرمًا بالجُحْفَة وخَمَّر رأسه.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، إذا مات، فقد ذهب الإِحرام عنه.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا أخبرنا وفي نسخة: أنا، وفي أخرى: عن نافع، بن عبد الله المدني مولى ابن عمر، ثقة ثبت فقيه مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة بعد المائة. كذا في (التقريب) (١) أن عبد الله بن عمر كَفَّنَ أي: أدرج فيه ابنه واقِدَ بالقاف على وزن ناقد ابن عبد الله، هو واقد بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي المدني، ثقة تابعي نسب إلى جد أبيه، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين، كما قاله ابن حجر (٢) ومات أي: والحال أن واقد قد مات محرمًا بالجُحْفَة بضم الجيم\n_________\n(٥٠٩) إسناده صحيح.\n(١) التقريب (١/ ٥٥٨).\n(٢) في التقريب (١/ ٥٧٩).","vol":"2","page":496},{"text":"وسكون الحاء المهملة وفتح موضع الإِحرام أي: حاجًا أو معتمرًا وَخَمَّر رأسه بتشديد الميم أي: غطاه، وفي (الموطأ) لمالك برواية يحيى: ووجهه، وقال: لولا أنا حرم أي محرمون لطيبناه.\nوقال مالك: وإنما يعمل الرجل ما دام حيًا فإذا مات فقد انقضى العمل، أي: فلا يمتنع تطيب الميت الحرم، ولا تغطية وجهه، وبهذا قال أبو حنيفة وأتباعه، وأجابوا عن حديث ابن عباس في الصحيحين: وقصت برجل محرم ناقته فقتلته، فأتى رسول الله - ﷺ - فقال: \"اغسلوه وكفنوه ولا تغطوا رأسه، ولا تقربوه طيبًا، فإنه يبعث ملبيًا\" (١)، أي: بأنها واقعة عين لا عموم لها؛ لأنه علل ذلك بقوله: ما يبعث ملبيًا، وهذا الأمر لا يتحقق في غيره وجوده فيكون خاصًا بذلك الرجل لو استمر بقاؤه على إحرامه لأمر بقضاء بقية مناسكه، ولو أريد التحريم في كل محرم، يقال: فإن المحرم، كما قال: \"الشهيد يبعث وجرحه يثعب دمًا\"، وجواب من منع ذلك؛ لأن الأصل أنه كما ثبت لواحد في زمن النبي - ﷺ - ثبت لغيره، يظهر التخصيص كما قال السيد محمد الزرقاني (٢).\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه نافع عن ابن عمر وهو أي: ما قاله (ق ٥٥٠) ابن عمر قولُ أبي حنيفة، إذا مات، فقد ذهب الإِحرام أي: حكمه عنه وفي القضية خلاف الشافعية، وتحقيقها في المبسوطات الفقهية. كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم تكفين المحرم، شرع في ذكر ما يتعلق بحكم حال من أدرك عرفات ليلة المزدلفة، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>باب من أدرك عرفة ليلة المزدلفة</span>\nفي بيان حكم حال من أدرك عرفات ليلة المزدلفة، فإن لها حكم عرفات في صحة الوقفة.\n٥١٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن عبد الله بن عمر، كان يقول: من\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٧٤٢) ومسلم (١٢٠٦).\n(٢) في شرحه (٢/ ٣١٣).\n(٥١٠) إسناده صحيح.","vol":"2","page":497},{"text":"وقف بعرفة من ليلة المزدلفة قبل أن يطلع الفجر، فقد أدرك الحج.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة والعامّة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أو أنا أخبرنا نافع، بن عبد الله المدني مولى ابن عمر، ثقة عالم فقيه مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة أن عبد الله بن عمر، كان يقول: من وقف بعرفة أي: بعد زوال الشمس من وسط السماء من يوم عرفة ولو من ليلة المزدلفة قبل أن يطلع الفجر، أي: فجر يوم النحر فقد أدرك الحج أي: سلم من فوته ففي فحوى كلامه أيضًا أنه لا يكفي الوقوف قبل الزوال عند أبي حنيفة، وبعده قبل غروب الشمس من يوم عرفة، وأن الوقوف في ركن إنما هو بالليل عند مالك، وذهب الأكثرون إلى أنه إذا وقف أي جزء من زوال الشمس يوم عرفة إلى طلوع فجر يوم النحر فقد أدرك الحج، واختاره جمع من أصحابنا.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: إنما نعمل بما رواه نافع بن عبد الله المدني عن ابن عمر، وهو أي: قول قاله ابن عمر قولُ أبي حنيفة والعامّة ولا أعرف فيه خلافًا عن أحد من الأئمة.\nلما فرغ من بيان حكم حال من أدرك عرفات ليلة المزدلفة، شرع في بيان حكم حال من ثبت بمنى عند غروب الشمس من اليوم الثاني من أيام التشريق، فقال: هذا\n* * *\n\n٦٣ -<span data-type=\"title\" id=toc-228> باب من غربت له الشمس وهو في النفر الأول وهو بمنى</span>\nفي بيان حكم حال من غربت له الشمس، أي: ظهر لغروبها في النفر الأول، أي: الانصراف في اليوم الثاني من أيام التشريق، فيكون النفر الثاني هو اليوم الثالث من منى من أيام التشريق، وهو بمنى أي: والحال بما ظهر له غروب الشمس في النفر الأول وجد بمنى وقت الانصراف منه استنبط المصنف رحمه الله تعالى هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ الآية [البقرة: ٢٠٣].\n_________\n(٥١١) إسناده صحيح.","vol":"2","page":498},{"text":"٥١١ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول: من غربت له الشمس من أوسط أيام التشريق وهو بمنى فلا ينفِرنَّ حتى يرمي الجمار من الغد.\nقال محمد: وبه نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا أخبرنا وفي نسخة: عن نافع، بن عبد الله المدني، مولى ابن عمر ثقة فقيه مشهور، تابعي كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك. كذا في (التقريب) (١) عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه كان يقول: من غربت له الشمس واللام الجار هنا للتعليل أي: لأجل توقفه في منى، كما في قوله تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ﴾ [قريش: ١، ٢] وتعلقها بـ ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾، وقيل: بما قبله أي: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ٥] ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ من أوسط أيام التشريق وهو بمنى جملة حالية أي: والحال أنه لم ينفر من منى قبل غروبها فلا ينفِرنَّ أي: لا يخرجن من منى بعد غروبها حتى يرمي الجمار من الغد أي: بعد الزوال عند الجمهور، ولو رمى فيه قبل الزوال صح عند أبي حنيفة ويكره.\nقال محمد: وبه نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه نافع (ق ٥٥١) عن ابن عمر وهو أي: ما قاله ابن عمر، ﵄ قولُ أبي حنيفة، والعامة من أي: من فقهائنا، كما في نسخة.\nاعلم أن الأفضل أن يقيم ويرمي يوم الرابع، وإن لم يقم نفر قبل غروب الشمس من يومه، فإن لم ينفر حتى يرمي في اليوم الرابع، ولو نفر من الليل قبل طلوع الفجر من اليوم الرابع من أيام الرمي لا شيء عليه وقد أساء، ولا يلزمه رمي يوم الرابع في ظاهر الرواية نص عليه محمد في الرقيات، وإليه أشار في الأصل، وهو المذكور في المتون.\nوروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يلزمه أن ينفر قبل الغروب، وليس له أن ينفر بعده حتى لو نفر بعد الغروب قبل الرمي يلزمه دم، كما لو نفر بعد طلوع الفجر، وهو قول\n_________\n(١) في التقريب (١/ ٥٥٨).","vol":"2","page":499},{"text":"للأئمة الثلاثة، فوجه الظاهر أن قبل الغروب اليوم الثالث يجوز النفر فكذا بعده بجامع أن كلًا من الوقتين لا يجوز الرمي فيه عن الرابع، ووجه روايته عن أبي حنيفة ﵀ ومن تبعه أن النفر في اليوم لا في الليل؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] والجواب: أن لياليها الثلاثة تابعة لأيامها الماضية، ولذا جاز رمي أيامها في لياليها اتفاقًا.\nلما فرغ من بيان حكم حال من وجد بمنى وقت الانصراف منه وقد غربت الشمس من اليوم الثاني من أيام التشريق، ولم ينصرف منه قبل الغروب، شرع في بيان حكم حال من انصرف من منى في اليوم الأول والثاني من أيام التشريق، والحال أنه لم يحلق ولم يقصر، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>باب من نفر ولم يحلق</span>\nفي بيان حكم حال من نفر أي: انصرف من منى، ولم يحلق أي: سواء نفر في اليوم الأول والثاني، والحال أنه لم يحلق، ولم يقصر بعد الرمي أو قبله.\n٥١٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن عبد الله بن عمر لقي رجلًا من أهله يقال له: المجَبَّر قد أفاض ولم يحلق رأسه ولم يقصّر؛ جهل ذلك، فأمره عبد الله بن عمر أن يرجع فيحلق رأسه أو يقصر، ثم يرجع إلى البيت فَيُفِيض.\nقال محمد: وبهذا نأخذ.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: قال: بنا، وفي أخرى: ثنا أخبرنا وفي نسخة: بنا نافع، ابن عبد الله المدني، مولى ابن عمر ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة، وقيل بعد ذلك أن عبد الله بن عمر لقي رجلًا من أهله أي: من أقاربه هو ابن أخيه عبد الرحمن الأصغر ابن عمر بن الخطاب، وهو الذي يقال له: المجَبَّر بضم الميم وفتح الجيم وفتح الموحدة المشددة بوزن محمد لقب\n_________\n(٥١٢) إسناده صحيح.","vol":"2","page":500},{"text":"بذلك واسمه أيضًا عبد الرحمن قيل: لأن أباه مات وهو حمل، فلما ولد سمته حفصة باسم أبيه، وقالت: لعل الله يجبره وقيل: سقط فجبر فقيل له: المجبر قد أفاض أي: والحال أن المجبر نفر من منى ولم يحلق رأسه ولم يقصّر؛ أي: قبل الإِفاضة جهل ذلك، أي: لم يعلم عبد الرحمن الأصغر حلق رأسه أو قصره أو منى فأمره عبد الله بن عمر أن يرجع أي: إلى منى فإن الحلق به أفضل إجماعًا فيحلق رأسه أو يقصر، أي: مع أنه يجوز فعلها في الحرم مطلقًا ثم يرجع إلى البيت فَيُفِيض أي: ليالي بالترتيب، فإنه أمر مندوب، إذ لو طاف قبل الرمي والحلق لا شيء عليه ويكره، وكذا لو حلق في منى من أرض الحرم لخالف الأفضل.\nقال محمد: وبهذا نأخذ أي: لا نعمل إلا بما رواه نافع عن عبد الله بن عمر بن الخطاب.\nلما (ق ٥٥٢) فرغ من بيان حكم حال من انصرف من منى، ولم يحلق رأسه، شرع في بيان حكم حال من يجامع امرأته بعد الوقفة بعرفات قبل أن يفيض، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-230>باب الرجل يجامع بعرفة قبل أن يفيض</span>\nفي بيان حكم حال الرجل، أي: المحرم للحج يجامع امرأته أي: بعد الوقوف بعرفات قبل أن يفيض، أي: أن يرجع منها بعد إدراك الوقفة.\n٥١٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزبير المكي، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس: أنه سئل عن رجل وقع على امرأته قبل أن يفيض، فأمره أن ينحر بدنة.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، قال رسول الله - ﷺ -: \"من وقف بعرفة فقد أدرك الحج، فمن جامع بعد ما يقف بعرفة لم يفسد حجه، ولكن عليه بدنة لِجِمَاعِه، وحَجُّهُ تامّ، وإذا جامع قبل أن يطوف طواف الزيارة لا يفسد حجه\"، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامَّة من فقهائنا.\n_________\n(٥١٣) في إسناد الموقوف عنعنة أبي الزبير فهو مدلس.","vol":"2","page":501},{"text":"• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا أبو الزبير المكي، محمد بن مسلم، تدرس بفتح المثناة وسكون الدال المهملة وضم الراء الأسدي، مولاهم صدوق إلا أنه يدلس، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل مكة، مات سنة ست ومائة عن عطاء بن أبي رباح، بفتح الراء المهملة والموحدة المخففة، واسمه أسلم القرشي مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل لكنه كثير الإرسال، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل مكة، مات سنة أربع عشرة ومائة على المشهور، كذا قاله ابن حجر (١) عن ابن عباس: ﵄ أنه سئل عن رجل وقع أي: جامع على امرأته وهو بمنى، كما في (الموطأ) برواية يحيى قبل أن يفيض، أي: طواف الإِفاضة والزيارة فأمره أن ينحر بدنة أي: إذا جمع مرة أو مرارًا واتحد المجلس، وأما إن اختلف فبدنة للأول وشاة للثاني في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد: يكفيه كفارة واحدة، كما بينها في (سلم الفلاح شرح نور الإِيضاح).\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: إنما نعمل بما رواه عطاء بن أبي رباح عن أبي رباح عن ابن عباس قال سعيد بن زيد الباجي المكي: وهذا إذا طاف بعد رمي جمرة العقبة، أو بعد يوم النحر وقبل الإِفاضة، وأما إن جامع قبل رمي يوم النحر فالمشهور من مذهب مالك أن حجه فاسد. كذا قاله علي القاري.\nقال رسول الله - ﷺ -: \"من وقف بعرفة فقد أدرك الحج، (٢) أي: لم يفته، وهذا معنى قوله: فمن جامع أي: قبل الحلق بعد ما يقف بعرفة أي: ولو ساعة لم يفسد حجه، ولكن عليه بدنة لِجِمَاعِهِ، أي: كفارة وحَجُّهُ تامّ، أي: لما في السنن الأربعة عن عروة بن مضر أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"فمن شهد صلاتنا هذه، أي صلاة بمزدلفة، وقف معنا حتى يدفع وقد وقف بعرفات قبل ذلك ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه وقضى تفثه\" وحقيقة التمام غير مرادة لبقاء طواف الزيارة، وهو ركن المراد به إلا من الفساد وإذا جامع قبل أن يطوف طواف الزيارة لا يفسد حجه\" وهو أي: ما قاله رسول الله - ﷺ - من قوله: \"من وقف\n_________\n(١) في التقريب (١/ ٣٩١).\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣/ ٢٢٦، ٤٠٤).","vol":"2","page":502},{"text":"بعرفات فقد أدرك حجه\" (١) قولُ أبي حنيفة، والعامَّة من فقهائنا والحاصل أنه وطئ قبل وقوف عرفات أفسد حجه ومضى فيه أي: تم أفعال حجه بأن يتحلل عن إحرامه بالوقوف في عرفات والطواف بالبيت سبعة أشواط، ليخرج عما التزمه من الحج صورة، ولو كان حجه فاسدا وإحرامه عبثًا فيذبح شاة ويقضي حجه من قابل سنة بإحرام جديد، كما قلنا في (سلم الفلاح شرح نور الإِيضاح).\nوقال الشافعي: يجب عليه بدنة اعتبارًا بالجماع بعد الوقوف، بل أولى؛ لأن الجماع قبله في مطلق الإِحرام (ق ٥٥٣) وبخلاف بعده أجيب بأنه لما وجب القضاء في الجماع قبل الوقوف أخف معنى الجناية، فيجب الشاة، وقد روى البيهقي (٢) عن يزيد بن نعيم الإِسلامي التابعي أن رجلًا جامع امرأته وهما محرمان فسألا رسول الله - ﷺ - فقال لهما: \"اقضيا نسككما واهديا هديًا\" واسم المهدي يتناول الشاة، كما يتناول البدنة وفي البدنة أكمل لكن الواجب انصراف المطلق إلى الكمال وفي الماهية لا إلى الأكمل وماهية الهدي كاملة فيها، وقد تقدم تحقيق هذا المبحث في تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وأن الجمهور على أنه الشاة، وأما جماعه بعد الوقوف بعرفات قبل الحلق سواء يقع قبل الرمي أو بعده فيوجب بدنة لما سبق في الحديث ولا يفسد حجه.\nقال الشافعي: وهو أظهر القولين في مذهب مالك: يفسد إذا جامع قبل الرمي اعتبارًا لو جامع قبل الوقوف؛ لأن كلًا منهما قبل التحلل، وجوابه تقدم وإذا جامع بعد الحلق قبل الطواف يجب شاة، ولو جامع بعد طواف الزيارة وبعد الحلق فعليه شاة، لوجود الجماع في الإِحرام. كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان حكم حال الرجل يجامع امرأته بعرفات قبل أن يرجع شرع في بيان تعجيل الإِهلال، فقال: هذا\n* * *\n_________\n(١) تقدم قريبًا.\n(٢) في السنن الكبرى (٥/ ١٦٦، ١٦٧).","vol":"2","page":503},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-231>باب تعجيل الإهلال</span>\nفي بيان حكم تعجيل الإِهلال أي: تقديم الإحرام بالنسبة إلى المكي ومن بمعناها في المقام.\n٥١٤ - أخبرنا مالك، حدثني عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب قال: يا أهل مكة، ما شأن الناس يأتون شُعْثًا، وأنتم مُدَّهِنُون، أهِلُّوا إذا رأيتم الهلال.\nقال محمد: تعجيل الإِهلال أفضل من تأخيره، إذا ملكت نفسك، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامّة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا حدثني عبد الرحمن بن القاسم التيمي، يكنى أبا محمد المدني ثقة جليل، قال ابن عيينة: كان أفضل زمانه، وكان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ست وعشرين ومائة من الهجرة عن أبيه، أي: عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات قبل المائة، كما قاله عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي في طبقاته، وقد سبق منقبته أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: يا أهل مكة، ما شأن الناس يأتون أي: من مكان بعيد ويحضرون مكة شُعْثًا، بضم الشين المعجمة وسكون المهملة وبعد مثلثة أي: مغبرين متلبدين لعدم التعاهد بالدهن وأنتم مُدَّهِنُون، بتشديد الدال، أي: متدهنون ومستطيبون، والتدهن هنا عبارة عن عدم إحرامهم كأنه قيل: الذي كان بعيد الدار أشعث لأجل القدوم إلى مكة، فأولى للإِهلال لها كما قال أهِلُّوا أي: أحرموا للحج قال: الأمر استحبابي إذا رأيتم الهلال أي: هلال ذي الحجة وهذا مما لم يوافق عمر ابنه عبد الله فكان يهل يوم التروية، واحتج أنه لم ير النبي - ﷺ - يهل حتى تنبعث به راحلته أي: تستوي قائمًا إلى طريقه، وبكل من القولين قاله جماعة من السلف والأئمة وهو روايتان عن مالك، والخلاف في الأفضل؛ إذ يجوز كلّ بإجماع كما مر كذا قاله الزرقاني.\n_________\n(٥١٤) إسناده صحيح: أخرجه أحمد (٢/ ٥، ١٠، ٦٣) والنسائي في الكبرى (٢/ ٤٧٧) (٦/ ١٣٨) والحميدي في مسنده (٢/ ٢٨٦).","vol":"2","page":504},{"text":"قال محمد: تعجيل الإِهلال أي: تقديم الإحرام أفضل من تأخيره، أي: بعد دخول وقته إذا ملكت نفسك، أي: أيها المخاطب عن الوقوع في المحظور وهو قولُ أبي حنيفة، والعامّة من فقهائنا.\nلما فرغ من بيان حكم (ق ٥٥٤) تعجيل الإِحرام وتأخيره بعد دخول وقته، شرع في بيان ما يتعلق بِذِكْرِ يتكلم به الذَّاكِر عند الرجوع عن الحج والعمرة والغزو وغيرها إلى أهله، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-232>باب القفول من الحج أو العمرة</span>\nفي بيان ما يقال عند القفول، بضم القاف والفاء وسكون الواو وبعدها اللام أي: الرجوع، ومنه القافلة سميت بها تناولًا إلى الحج وغيره، كما قال من الحج والعمرة أي: إلى أهله.\n٥١٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله - ﷺ - كان إذا قَفَلَ من حَجٍّ أو عُمْرَةٍ أو غَزْوٍ يُكَبِّر على كل شَرَفٍ من الأرض، ثلاث تكبيرات، ثم يقول: \"لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له المُلْك وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قدير، آيبُونَ، تائبون، عابدُونَ، ساجدُونَ لرَبِّنَا حامِدُونَ، صَدَقَ الله وعْدَه، ونَصَرَ عَبْدَه، وَهَزَمَ الأحزابَ وَحْدَه\".\n• أَخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا نافع، أي: ابن عبد الله المدني، مولى ابن عمر، ثقة فقيه مشهور تابعي، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة من الهجرة عن عبد الله بن عمر، ﵄ أن رسول الله - ﷺ - كان إذا قَفَلَ أي: إذا رجع إلى أهله من حَجٍّ أو عُمْرَةٍ أو غَزْوة والحصر لبيان الواقع يُكَبِّر أي: يقول الله أكبر على كل شَرَفٍ بفتحتين أي: مكان مرتفع من الأرض، أي: العلوية والسفلية ثلاث تكبيرات، أي: ثلاث مرات متوالية ثم يقول: \"لا إله إلا الله أي: المعبود الواجب الوجود المنعوت بالكرم والجود وحده نصب حال أي: متفرد بالذات وكمال الصفات لا شريك له، أي: ذاتًا وصفة فهو تأكيد لا قبله له المُلْك بضم الميم أي: الملك الظاهر والباطن الملك له لا لغيره وله الحمد، أي: جنس الحمد مختص له، والمعنى","vol":"2","page":505},{"text":"أن كل حمد صدر عن كل حامد، فهو له حقيقة، ولو حمد غيره صورة يحيي ويميت أي: يوجد الحياة والموت، وله الحياة الأبدية الذاتية وحياة غيره عارضية وهو على كل شيءٍ قدير أي: تعلقت به الإرادة قديرًا أي: تام القدرة، وهي جملة حالية أيضًا آيبُونَ، أي: نحن راجعون ظاهرًا تائبون، أي: باطنًا عابدُونَ، ساجِدُونَ أي: مصلون أو منقادون لرَبِّنَا يحتمل أن يتعلق بما قبله أو بما بعده حامِدُونَ، أي: مثنون بالحسنى من الأسماء، وشاكرون في السراء والضراء صَدَقَ الله وَعْدَه، أي: في إظهار الدين وكون العافية للمتقين وغير ذلك من أمور اليقين ونَصَرَ عَبْدَه، أي: عبده خاص المواقف على قدم الإِخلاص وأتباعه من العوام والخواص وَهَزَمَ الأحزابَ وهم الذين اجتمعوا يوم الخندق وتحزبوا على عداوة رسول الحق وَحْدَه\" أي: من غير قتال من الآدميين بل بإرسال ريح وجنود من الملائكة المقربين، والحمد لله رب العالمين.\nلما فرغ من بيان الذكر عند الرجوع عن الحج والعمرة، شرع في بيان الفعل عند الرجوع عنها.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-233>باب الصَّدَرِ</span>\nفي بيان الصدر بفتحتين أي: الرجوع، ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ﴾ [الزلزلة: ٦].\n٥١٦ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن عبد الله بن عمر، أن رسولَ الله - ﷺ - كان إذا صَدَر من الحج أو العُمْرَة أناخَ بالبطْحَاءِ التي بذي الحُلَيْفَة، فَيُصَلِّي بها يكبر ويُهَلِّل، قال: وكان عبد الله بن عمر يفعل ذلك.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن مالك بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، يعني منسوب إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، كان في الطبقة السابعة من طبقات كبار التابعين، من أهل المدينة حدثنا نافع، أي: ابن عبد الله المدني مولى ابن عمر، ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة\n_________\n(٥١٦) إسناده صحيح، أخرجه مسلم (١٢٥٧).","vol":"2","page":506},{"text":"ومائة من الهجرة عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - كان إذا صدر أي: إذا طاف البيت (ق ٥٥٥) بطواف الصدر المسمى بطواف الوداع ورجع من الحج أو العُمْرَة أناخَ بنون وألف وخاء معجمة، أي: برك وأقعد راحلته على أربع قوائمة بالبطْحَاءِ وهو في الأصل مسيل واسع فيه دقاق الحصبا، ولذا وصفه بقوله التي بذي الحُلَيْفَة، احترازًا عن البطحاء التي بين مكة والمدينة فَيُصَلِّي بها أي: حمد الله تعالى ويُهَلِّل، أي: كما سبق في الباب الذي تقدم.\nقال الزرقاني (١): وليس هذا من مناسك الحج، وإنما يؤخذ منه أماكن نزوله - ﷺ - ليتأتى به فيها؛ إذ لا يخلوا شيء من أفعاله عن حكمة وأيضًا لطلب فعل ذلك الموضع، لما في الصحيحين: عن سالم عن أبيه أن رسول الله - ﷺ - أري بذي الحليفة، فقيل له: إنك ببطحاء مباركة (٢) انتهى. قال: أي: نافع وكان وفي نسخة: فكان عبد الله بن عمر يفعل ذلك أي: مثل فعله - ﷺ - وفيه تنبيه على أنه مستحب لأهل المدينة أنهم ينزلون في ذي الحليفة ذهابًا وإيابًا، وينبغي أن يكون كذا أمر غيرهم ولعل فائدة هذا لحوق السابق من الرفقة وزيادة المتعة حال الرجعة بشيوع خبر الوصلة، وهذا الحديث مشتمل على الصدر اللغوي بخلاف قوله.\n* * *\n\n٥١٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر، أن عمر بن الخطاب قال: لا يَصْدُرَنَّ أحدٌ من الحاجّ حتى يطوفُ بالبيت، فإنَّ آخِرَ النُّسُكِ الطَّوَافُ بالبيت.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، طوافُ الصَّدَر واجِبٌ على الحاجّ، ومن تركه فعليه دَمٌ، إلا الحائض والنُفساءَ فإنها تَنْفِر ولا تطوف إن شاءَتْ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامَّة من فقهائنا.\n_________\n(١) في شرحه (٢/ ٤٨٧).\n(٢) أخرجه البخاري (١٤٦٢) ومسلم (١٣٤٦).\n(٥١٧) إسناده صحيح.","vol":"2","page":507},{"text":"• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: حدثنا أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر، أن عمر بن الخطاب قال: لا يَصْدُرَن أي: لا ينصرفن من مكة أحدٌ من الحاجّ أي: الأفاقي حتى يطوفُ بالبيت، أي: طواف الصدر المسمى طواف الوداع فإنَّ آخِرَ النُّسُكِ أي: الواجبة الطَّوَافُ بالبيت والأفضل تأخيره إلى حين خروجه ولو قدمه جاز عند أبي حنيفة خلافًا للشافعي.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه ابن عمر عن عمر طوافُ الصَّدَر واجِبٌ أي: فرض عملي؛ لأنه دليله ظني على الحاجّ من أهل الآفاق.\nومن تركه أي: طواف الصدر بأن خرج من مكة بغير عذر فعليه دَمٌ، أي: شاة إلا الحائض والنُفساءَ فإنها أي: كل واحدة منهما تَنْفِر أي: ترجع ولا تطوف الواو حالية معرضة لا عاطفة لقوله إن شاءَتْ؛ لأنه متعلق بتفسير والمعنى إذا اضطرت بسبب خروج أهل بلدها أو لعذر آخر ظهر لها إذ لا يجوز ترك الواجب من غير عذر، ومعه يكون مسقطًا للدم وهو قولُ أبي حنيفة، والعامَّة من فقهائنا وفي الصحيحين من حديث ابن عباس قال: أمر الناس بأن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض، ولو نوى الأفاقي الاستيطان بمكة أو حولها قبل النفر الأول صار من أهل مكة وسقط عنه طواف الوداع كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان حكم طواف الصدر شرع في بيان حكم المرأة المحرمة، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-234>باب المرأة يكره لها إذا حلت من إحرامها أن تمتشط حتى تأخذ من شعرها</span>\nفي بيان حكم حال المرأة المحرمة، هل يكره لها إذا حلت أي: إذا أرادت الخروج من إحرامها أن تمتشط أي: أن تسرح شعرها حتى تأخذ من شعرها أي: شعر رأسها قدر أنملة، فإن القصر متعين في حقها.\n٥١٨ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن عبد الله بن عمر، أنه كان يقول:\n_________\n(٥١٨) إسناده صحيح.","vol":"2","page":508},{"text":"المرأة المُحْرِمة إذا حَلَّت لا تَمْتَشِط حتى تأخذ من شعرها؛ شعرِ رأسها، وإن كان لها هَدْيٌ لم تأخذ من شعرها شيئًا حتى تنحر.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامّة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا حدثنا نافع، أي: ابن عبد الله المدني، مولى ابن عمر عن عبد الله بن عمر، أنه كان يقول: المرأة المُحْرِمة أي: بالحج والعمرة إذا حَلَّت أي: إذا أرادت الخروج من إحرامها لا تَمْتَشِط أي: لا تسرح شعر رأسها حتى تأخذ (ق ٥٥٦) من شعرها؛ وهذا مجمل بيانه شعرِ رأسها، وإن كان لها هَدْيٌ أي: هدي واجب أو تطوع لم تأخذ من شعرها شيئًا حتى تنحر أي: إلى غاية ذبح بدنتها، وهذا الترتيب بالنسبة إلى القارن أو المتمتع واجب، وأما بالنسبة إلى المفرد فمندوب، وقد تقدم.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه نافع عن ابن عمر وهو قولُ أبي حنيفة، والعامّة من فقهائنا.\nلما فرغ من بيان حكم حال المرأة المحرمة تريد أن تخرج من إحرامها، شرع في بيان حكم النزول بالمحصب، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-235>باب النزول بالمحصب</span>\nفي بيان حكم النزول بالمحصب، بضم الميم وفتح الهاء المهملة المخففة والصاد المهملة المشددة والموحدة.\nقال ابن عبد البر وتبعه عياض: هو اسم لمكان متسع بين مكة ومنى، وهو أقرب إلى منى، ويقال له: الأبطح والبطحاء وخيف بين كنانة وكان الكفار اجتمعوا فيه وتحالفوا على ضرار رسول الله - ﷺ - فنزل - ﷺ - فيه إراءة لهم لطيف صنع الله تعالى به وتكريمه بنصره وفتحه، فذلك سنة كالرمل والطواف كذا في شرح (المجمع).\nوقال شمس الأئمة السرخسي في مبسوطه: والأصح أن التحصيب سنة ولو ساعة، وإلا فالأفضل أن يصلي فيه العصر والظهر والمغرب والعشاء ويهجع هجعة، أي: ينام نومة ثم يدخل مكة على ما ذكره ابن الحمام، ويؤيده قوله:","vol":"2","page":509},{"text":"٥١٩ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن عبد الله بن عمر، أنه كان يصلي الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمحصّب، ثم يدخل من الليل فيطوف بالبيت.\nقال محمد: هذا حسن، ومن تركَ النزول بالمحصّب فلا شيء عليه، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا حدثنا نافع، عن عبد الله بن عمر، أنه كان يصلي الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمحصّب، ثم يدخل أي: مكة من الليل أي: آخره فيطوف بالبيت أي: طواف الوداع ويتوجه إلى المدينة.\nوقال الشافعي: النزول بالمحصب ليس نسبة، لما في الكتب الستة من حديث عائشة، ﵂ أنها قالت: إنما ترك رسول الله - ﷺ - المحصب ليكون أسمح لخروجه، وليس بسنة فمن شاء تركه ومن شاء لم يتركه (١)، ولنا ما رواه مسلم (٢) من حديث نافع عن ابن عمر: إنه كان يرى التحصيب سنة.\nقال نافع: قد حصب رسول الله - ﷺ - والخلفاء بعده. أقول: الأظهر أنه مستحب، وليس سنة مؤكدة، إذ المحصب لا يسع بجميع الحاج بلا شبهة، فلا يقاس على الرمل أو يقال: إنها سنة مؤكدة على طريق الكفاية أو متعينة على أفراد الحاج، وهذا أمر تركه الناس بالكلية إلا من نزل فيه من أعراب البادية من غير القصد والنية، والله ولي دينه وناصر نبيه.\nقال محمد: هذا أي: النزول بالمحصب حسن، أي: مستحسن ومستحب ومن تركَ النزول بالمحصّب فلا شيء عليه، اتفاقًا إذ ليس بواجب وهو قولُ أبي حنيفة رحمه الله تعالى.\nلما فرغ من بيان حكم النزول بالمحصب، شرع في بيان حكم حال الرجل يحرم من مكة، فقال: هذا\n* * *\n_________\n(٥١٩) إسناده صحيح.\n(١) صحيح أخرجه البخاري (١٦٧٦) ومسلم (١٢١١) وغيرهما.\n(٢) برقم (١٣١٠) (٢/ ٩٥١).","vol":"2","page":510},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-236>باب الرجل يُحرم من مكة هل يطوف بالبيت</span>؟\nفي بيان حكم حال الرجل يحرم من مكة هل يطوف بالبيت، أي: طواف القدوم المختص بالأفاقي من الحاج.\n٥٢٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر أنه كان إذا أحرم من مكة لم يطف بالبيت، ولا بين الصفا والمروة، حتى يرجع من مِنىً، ولا يسعى إلا إذا طاف حول البيت.\nقال محمد: إن فعل هذا أجزأ، وإن طاف وسعى ورَمَل قبل أن يخرج أجزأه ذلك، كل ذلك حسن، إلا أنَّا نُحبّ له أن لا يترك الرَّمل بالبيت في الأشواط الثلاثة الأوَل، إن عجل أو أخَّر، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا نافع، أي: ابن عبد الله المدني، مولى ابن عمر، ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، (ق ٥٥٧) عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه كان إذا أحرم أي: رحل من مكة لم يطف بالبيت، إذ ليس سنة، فإن كان الطواف مستحبًا في جميع الأزمنة ولا بين الصفا والمروة، أي: ولا يسعى بينهما التوقف صحته على تقديم طواف ما حتى يرجع من مِنىً، ولا يسعى أي: للحج إلا إذا طاف حول البيت أي: طواف الإِفاضة.\nوالحاصل: أنه كان يختار أن يقع سعي الحج بعد طواف الفرض، وإن جوز تقديم سعي الحج بعد طواف نفل نفل، ثم إنه لا يسعى بعد طواف الفرض، إذ السعي لا يكرر، واختلفوا في الأفضل؛ فقيل: الثاني وقيل: الأول، وقيل: تأخير السعي أفضل للمقيمين، وتقديمه للقادمين، وينبغي أن يكون هو المعول؛ لأن الشافعي لا يجوِّز التقديم للمكي فتأمل.\nقال محمد: إن فعل هذا أي: تأخير السعي أجزأ، وإن طاف أي: أيّ طواف كان وسعى ورَمَل وفي نسخة: لفظ رمل مقدم على سعى، فإن السعي والرمل مستحبان في\n_________\n(٥٢٠) إسناده صحيح.","vol":"2","page":511},{"text":"كل طواف بعده سعي قبل أن يخرج إلى عرفات أجزأه ذلك، أما ما ذكر من التقديم أيضًا كل ذلك أي: ما ذكر حسن، أي: جائز مستحسن إلا أنَّا نُحبّ له أن لا يترك الرَّمل بالبيت في الأشواط الثلاثة الأوَل، أي: وإن وجد المزاحمة إن عجل أو أخَّر، أي: السعي والاضطباع تابع للرمل، إلا أنه في الأشواط السبعة وهو قولُ أبي حنيفة.\nلما فرغ من بيان حكم حال الرجل يحرم من مكة هل يطوف بالبيت، شرع في حكم حال المحرم يحتجم، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-237>باب المحرم يحتجم</span>\nفي بيان حكم حال المحرم يحتجم أي: للضرورة أو في محل لا شعر فيه يحلق.\n٥٢١ - أخبرنا مالك، حدثنا يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار، أن رسول الله - ﷺ - احتجم فوق رأسه وهو يومئذٍ محرم، بمكان من طريق مكة، يقال له: لَحْيُ جَمَل.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا بأس بأن يحتجم الرجل وهو محرم، اضطر إليه أو لم يُضطر إليه، إلا أنه لا يحلق شعرًا، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، حدثنا يحيى بن سعيد، بن قيس الأنصاري المدني، يكنى أبا سعيد القاضي ثقة تابعي ثبت، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين بعد المائة عن سليمان بن يسار، الهلالي المدني، مولى ميمونة وقيل: أم سلمة، ثقة فاضل أحد الفقهاء السبعة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة، وقال بعض المؤرخين: مات قبل المائة، كما في (التقريب في أسماء الرجال) (١) لابن حجر قال السيوطي: هذا مرسل ولكن وصله البخاري ومسلم\n_________\n(٥٢١) صحيح: أخرجه البخاري (١٨٣٥) ومسلم (٨٧/ ١٢٠٢) وأبو داود (١٨٣٥) والترمذي (٨٣٩) والنسائي (٥/ ١٩٣).\n(١) التقريب (١/ ٢٥٥).","vol":"2","page":512},{"text":"من طريق سليمان بن بلال عن علقمة عن الأعرج، عن عبد الله بن عتبة أن رسول الله - ﷺ - احتجم فوق رأسه أي: من قفاه وهو يومئذٍ محرم، أي: في حجة الوداع، كما جزم به الحازمي وغيره، والجملة حالية، وفي رواية الصحيحين وسط رأسه،، وقيد بالطرف؛ لأنها لا تختص بالرأس ولا بالقفا بل تكون في سائر البدن لغة سميت بذلك لما فيها من المصنف.\nقال في (المحكم): الحجم المص الحجام المصاص، زاد في رواية علقها البخاري: من شقيقة كانت به وهو نوع من الصداع يعرض من مقدم الرأس وإلى أحد جانبيه بمكان من طريق مكة، وهو إلى المدينة أقرب، وقيل: عقبة وقيل: ماء ولأبي داود (١) والنسائي (٢) والحاكم (٣) عن أنس أن النبي - ﷺ - احتجم وهو محرم على ظهر القدم من وجع كان به، ولفظ الحاكم: على ظهر القدمين، وقال: صحيح على شرطهما، وهذا يبين تعددهما منه في الإِحرام، ويحتمل أنهما في إحرام واحد، وأن الثاني في عمرة، والأول في حجة الوداع وفي الحجامة في الرأس وغيرِه للعذر، وهو إجماع ولو أدت إلى قلع الشعر لكن يفتدي إذا قلع لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ (ق ٥٥٨) الآية [البقرة: ١٩٦]، وفيه مشروعية التداوي واستعمال الطيب في التداوي بالحجامة، وفي الحديث: \"إن أنفع ما تداويتم به الحجامة والقسط البحري\" (٤)، وفيه أيضًا: \"إن كان الشفاء في شيء ففي شرطه محجم، أو شربة عسل أو كي بنار، وأنهى أمتي عن الكي\" (٥) كذا قاله الزرقاني يقال له أي: للمكان الذي احتجم فيه. - ﷺ - لحْيُ جَمَل بفتح اللام وسكون الحاء المهملة وتحتيتين، لامها مفتوحة ومضاف إلى جمل بفتح الجيم والميم موضع بين مكة والمدينة.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه سليمان بن يسار الهلالي عن رسول الله - ﷺ - لا بأس أي: لا كراهة بأن يحتجم الرجل وهو محرم، اضطر إليه أو لم\n_________\n(١) أبو داود (١٨٣٧).\n(٢) النسائي (٥/ ١٩٤) رقم (٢٨٤٩).\n(٣) المستدرك (١/ ٦٢٣).\n(٤) صحيح: أخرجه البخاري (٥٣٧١) ومسلم (١٥٧٧).\n(٥) صحيح: أخرجه البخاري (٥٣٥٦) وغيره.","vol":"2","page":513},{"text":"يُضطر إليه، إلا أنه لا يحلق شعرًا، إلا إن اضطر إليه ويعطي كفارة وهو قولُ أبي حنيفة.\n* * *\n\n٥٢٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، قال: لا يحتجم المحرم إلا أن يُضطر إليه.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا، وفي أخرى: عن نافع، أي: ابن عبد الله المدني، مولى ابن عمر، ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة عن ابن عمر، ﵄ أنه قال: لا يحتجم المحرم أي: في موضع له شعر يحتاج إلى قطعه إلا أن يُضطر إليه أي: إلى الاحتجام فيفتدي، كما علم من قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولا منافاة بين هذا الحديث وبين ما تقدم، فإن احتجم لغير ضرورة حرمت إن لزم منها قلع الشعر، فإن كان في موضع لا شعر فيه فأجازها الجمهور ولا فدية، وأوجبها الحسن البصري وكرهها [ابن عمر] (١) كما قاله علي القاري والزرقاني.\nلما فرغ من بيان حكم حال المحرم يحتجم، شرع في بيان حكم دخول مكة بسلاح، فقال: هذا\n* * *\n\n٧٣ -<span data-type=\"title\" id=toc-238> باب دخول مكة بسلاح</span>\nباب في بيان حكم دخول مكة بسلاح أي: من سيف أو مغفر أو غيرهما للضرورة.\n٥٢٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن أنس بن مالك، أن رسول\n_________\n(٥٢٢) إسناده صحيح.\n(٥٢٣) صحيح: أخرجه البخاري (٥٨٠٨) ومسلم (١٣٥٧) وأبو داود (٢٦٨٥) والترمذي (١٦٩٣) والنسائي (٢٠٠، ٢٠١) وابن ماجه (٢٨٠٥) وأحمد (٣/ ١٠٩، ١٦٤) والدارمي (٢/ ٧٣ - ٧٤) وابن أبي شيبة في المصنف (١٤/ ٤٩٢) والحميدي في مسنده (١٢١٢) والبيهقي في الكبرى (٧/ ٥٩).\n(١) ساقطة من الأصل.","vol":"2","page":514},{"text":"الله - ﷺ - دخل مكة عام الفتح، وعلى رأسه المِغْفَر، فلما نزعه جاءَه رجل فقال له: ابنُ خَطَل متعلِّق بأستارِ الكعبة، قال: \"اقتلوه\".\nقال محمد: إنَّ النبي - ﷺ - دخل مكة حين فتحها غيرَ مُحْرِم، ولذلك دخل وعلي رأسه الِمغْفَر، وقد بلَغَنَا أنَّه حين أَحْرَمَ من حُنَيْن، قال: \"هذه العُمْرَة لدخولنا مكة بغير إحرام\"، يعني: يوم الفَتْح.\nوكذلك الأمر عندنا: مَنْ دخل مكة بغير إحرام، فلا بدّ له من أن يخرج فَيُهِلَّ بِعُمْرَةٍ أو حَجَّةٍ، لدخوله مكة بغير إحْرام، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامّة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، كان في الطبقة الرابعة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة. قال الحافظ ابن حجر: بعد ما سرد طرقًا كثيرة لهذا الحديث غير طريق مسلم عن الزهري، كيف يحل لأحد أن يتهم إمامًا من أئمة المسلمين بغير علم ولا إطلاق (١)؟.\nقال السيوطي: يريد برد قول من قال الحديث تفرد به مالك عن ابن شهاب عن أنس بن مالك، ﵁ أن رسول الله - ﷺ - دخل مكة عام الفتح، أي: فتحها وعلى رأسه المِغْفَر، وهو ما يغطي به الرأس من السلاح كالبيضة ونحوها فلما نزعه أي: قلعه عن رأسه جاءَه رجل أي: إلى النبي - ﷺ - فقال له: ابنُ خَطَل بفتح الخاء المعجمة والطاء المهملة، واسمه عبد الله، وقيل: عبد العزى وقيل: هلال وصححه الزبير بن بكار، وذكره السيوطي، وكان قد ارتد وقيل: مسلما وفي رواية: كان يهجو رسول الله - ﷺ - بالشعر، وفي نسخة: هذا ابن خطل متعلِّق بأستارِ الكعبة، قال: أي: - ﷺ - اقتلوه فقتلوه واختلف (ق ٥٥٩) في قاتله، كما بينه علي القاري في (شرح الشمائل) للترمذي.\nقال محمد: بغلنا أي: من غير هذا الطريق على ما في نسخة: إنَّ النبي - ﷺ - دخل مكة حين فتحها أي: أراد فتحها غيرَ مُحْرِم، أي: حال بحسب الظاهر من عدم التجرد، وإلا فالإِحرام حقيقة النية اتفاقًا، وزيادة التلبية ولذلك أي: ولدخوله - ﷺ - مكة حين أراد\n_________\n(١) انظر شرح الزرقاني (٢/ ٥٢٩).","vol":"2","page":515},{"text":"فتحها من غير إحرام دخل وعلى رأسه المغفر وهذا ليس صريحًا في عدم إحرامه لاحتمال أن يكون لبسه لضرورة الحرب المتوقع عملًا بقوله تعالى: ﴿خذُوا حِذْرَكمْ﴾ [النساء: ٧١] إلا أنه لم يحفظ عنه - ﷺ - ما يترتب على حقيقة الإِحرام من الطواف والسعي، فعلم أنه لم يكن محرمًا، وقد قيل في توجيهه: إنه مما أبيح له ولأصحابه في ذلك الوقت فيكون من الخصائص أو محمولًا على ما ذكره المصنف بقوله وقد بلَغَنَا أنَّه - ﷺ - بسند بعد المشايخ الكرام حين أَحْرَمَ من حُنَيْن، أي: حين رجوعه من حنين وتقسيم غنائمه بالجعرانة وإحرامه بالعمرة منها قال: هذه العُمْرَة أي: المحددة كفارة أو قضاء لدخولنا مكة بغير إحرام، يعني يوم الفَتْح.\nوكذلك الأمر أي: الحكم عندنا أي: في مذهبنا مَنْ دخل أي: من أهل الآفاق مكة أي: وسائر الحرم بغير إحرام، أي: بأحد النسكين فلا بدّ له من أن يخرج أي: إلى ميقات أي ميقات فَيُهِلَّ بِعُمْرَةٍ أو حَجَّةٍ، لدخوله مكة أي: لدخولها سابقًا بغير إحْرام، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامّة من فقهائنا أي: لأنه من جاوز الميقات بغير إحرام، يريد دخول مكة فعليه أحد النسكين عما لزمه بالدخول غير محرم ودم لترك الوقت من غير خلاف عندنا إن رجع إلى الميقات من عامه ذلك فأحرم بحجه عليه من حجة الإسلام أو حجة منذورة أو عمرة منذورة أجزأه عما لزمه دخول مكة بغير إحرام، وسقط عنه دم المجاوزة، ولو لم يعد إلى الميقات والمسألة بحالها فأحرم من مكة أو خارجها داخل المواقيت أجزأه عما لزمه لدخول مكة، ولكن يجب عليه الدم اتفافًا لترك التلبية من الميقات. كذا في (شرح المجمع)، فهو - ﷺ - ترك الميقات الآفاقي وأحرم من ميقات العمرة، فيلزمه دم على مقتضى القواعد الشرعية، ولا محذور فيه، كما تحقق في احتجامه - ﷺ - فوق رأسه، فإنه لم يتصور عدم وجود الشعر في ذلك المقام، ولا شك في دخوله - ﷺ - تحت عموم الأحكام، وكذا قاله علي القاري.\nلما فرغ عما يتعلق بالعبادات، شرع في بيان ما يتعلق بالمعاملات وابتدأ من بعضها بالنكاح؛ لأن فيه من المصالح الدنيوية والدينية من حفظ النفس عن الزنا وظهور الأسرار به، فقال: هذا\n* * *","vol":"2","page":516},{"text":"المهيأ في كشف أسرار الموطأ\nبرواية محمد بن الحسن الشيباني (المتوفى سنة ١٨٩ هـ)\n\nتأليف\nعثمان بن سعيد الكماخي (المتوفى سنة ١١٧١ هـ)\n\nتحقيق وتخريج\nأحمد علي\n\n[الجزء الثالث]","vol":"3","page":null},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"3","page":2},{"text":"الْمُهَيَّأ في كَشفِ أسرَارِ الموَطّأِ\n[٣]","vol":"3","page":3},{"text":"جميع حقوق الطبع محفوظة للناشر\n\nاسم الكتاب: المهيأ في كشف أسرار الموطأ\nاسم المؤلف: عثمان بن سعيد الكماخي\nاسم المحقق: أحمد علي\nالقطع: ١٧ × ٢٤ سم\nعدد الصفحات: ١٨٨٨ صفحة\nعدد المجلدات: ٤ مجلدات\nسنة الطبع: ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٥ م\n\nرقم الإيداع: ٢٩٦٥/ ٢٠٠٥ م\nالترقيم الدولي: ٥ - ٠٨٨ - ٣٠٠ - ٩٧٧\n\nدار الحديث\nطبع - نشر - توزيع\n١٤٠ شارع جوهر الصقلي أمام جامعة الأزهر\nتليفون: ٥٨٩٩٤٠٩/ ٥٩١٨٧١٩/ ٥٩١٩٦٩٧ - فاكس: ٥٩١٩٦٩٧\nwww.darelhadith.com\nE-mail: info@darelhadith.com","vol":"3","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-239>كتاب النِّكَاح</span>\n\nوفي نسخة: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) كتاب النكاح، هذا كلام إضافي يجوز فيه من الإِعراب وجهان: رفعه على أنه خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هذا كتاب كما قدرناه، فلفظ هذا اسم الإِشارة وضع لأن يشار المحسوس بالإِشارة الحسية، والمراد بالمحسوس اللفظ الدال على المعنى، أي: هذا اللفظ كتاب أي: مكتوب في بيان أحكام النكاح، ونصبه على أنه مفعول لفعل مقدر تقديره: خذ أو اقرأ الكتاب، وهو لغة: إما مصدر بمعنى الجمع [ستر به] (١) به المفعول (ق ٥٦٠) للمبالغة أو فعال بني للمفعول للمبالغة، واصطلاحًا: مسائل اعتبرت مستقلة شملت أنواعها؛ لأن النكاح له أنواع من نكاح المسلم والذمي والحر والرق والنكاح في اللغة: حقيقة في الوطء ومجاز في العقد، وقيل: مشترك بينهما، وفي الشرع: حقيقة في العقد الموضوع لملك المتعة، فلا بد من علل أربع:\nأحدها: العلة الفاعلية: وهي المتعاقدان، يقول: أحدهما زوجني والآخر زوجتك.\nوثانيها: العلة المادية: وهي الإِيجاب والقبول.\nوثالثها: العلة الصورية: وهي الارتباط بالإِيجاب والقبول.\nورابعها: العلة الغائية: وهي المصالح المتعلقة بالنكاح كما قاله التمرتاشي في (منح الغفار)، قال: هذا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-240>باب الرجل يكون له نسوة، كيف يقسم بينهن</span>\nباب في بيان أحكام القسم من طرف الرجل الذي يكون عنده نسوة، كيف يقسم أي: بيتوتته بينهن قيد بالنسوة، والمراد بهن الزوجات؛ لأن السراري وأمهات الأولاد لا حق لهن في القسم.\nقال الخطيب الدمشقي: ويسأل بكيف عن الحال أي: عن وصف الشيء وهيئته التي يكون عليها، فإن كيف في حكم الظرف بمعنى في، أي: حال، فتارة تكون في محل الرفع على الخبرية، كما في قولك: كيف زيد؟ وأخرى في محل النصب على الحالية كما في قولك:\n_________\n(١) هكذا بالأصل.","vol":"3","page":5},{"text":"كيف جئت؟ كما قاله السيد الشريف الجرجاني في (شرح المفتاح) ونقل ابن هشام في (مغني اللبيب) عن سيبويه أن كيف ظرف، وعن السيرافي والأخفش أنها اسم غير ظرف، وعن ابن مالك أنه قال: لم يقل أحد أن كيف ظرف، لكونها سؤال عن الأحوال العامة سميت ظرفًا لأنها في تأويل الجار والمجرور، واسم الظرف يطلق عليها مجازًا انتهى. قوله: يقسم من الباب الثاني، تقول: قسمت قسمًا وهو بفتح القاف وسكون السين المهملة بمعنى قطع الشيء، ويجيء بمعنى التقدير، يقال: فلان يقسم أمره قسمًا أي: يقدره وينظر فيه، كما قاله محمد الواني في (ترجمة صحاح الجوهري)، واستنبط المصنف ﵀ هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة النساء: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣].\n٥٢٤ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الملك بن أبي بكر بن الحارث بن هشام: أن النبي - ﷺ - حينَ بنى بأمِّ سلمة، قال لها حين أصبحت عنده: \"ليس بكِ على أهلك هوان؛ إن شئت سبَّعْتُ عندكِ، وسبعتُ عندهن، وإن شئتِ ثَلَّثْتُ عندك ودُرْتُ عندهن\"، قالت: \"ثلّث\".\nقال محمد: وبهذا نأخذ، ينبغي إن سَبَّع عندها أن يسبِّع عندهن، لا يزيد لها عليهنَّ شيئًا، وإن ثلَّثَ عندها أن يثلث عندهن، وهو قولُ أبي حنيفة والعامّة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن مالك بن عمير بن عامر، صاحب المذهب، الأصبحي، يعنى منسوب إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، كان في الطبقة السابعة من طبقات كبار أتباع التابعين من أهل المدينة، كانت في الإقليم الثاني من الأقاليم السبعة من وجه الأرض حدثنا عبد الله بن أبي بكر، أي. ابن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني القاضي، ثقة كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة وهو ابن سبعين سنة. كذا في (تقريب التهذيب) (١) لابن حجر عن\n_________\n(٥٢٤) صحيح: أخرجه مسلم في الرضاع باب ١٢ رقم (٤١، ٤٢) وأبو داود (٢١٢٢) وابن ماجه (١٩١٧) وأحمد في المسند (٦/ ٢٩٢) والبيهقي في الكبرى (٧/ ٣٠٠) وابن سعد في الطبقات (٨/ ٦٥) والطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ٢٨، ٢٩).\n(١) التقريب (١/ ٢٩٧) والتهذيب (٥/ ١٤٤).","vol":"3","page":6},{"text":"عبد الملك بن أبي بكر أي: ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: المخزومي المدني، ثقة كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة مات في أول خلافة هشام عن أبيه أي: عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث قال ابن عبد البر: ظاهر هذا الحديث أنه منقطع أي: مرسل، وهو متصل صحيح قد سمعه أبو بكر من أم سلمة، كما في مسلم وأبي داود وابن ماجه (١) من طريق محمد بن أبي بكر عن عبد (ق ٥٦١) الملك عن أبيه عن أم سلمة ﵂ أن النبي - ﷺ - حين بنى بأمِّ سلمة، هند بنت أبي أمية المخزومية الفاضلة بأربعة الجمال، يعني: أنه - ﷺ - وقت التزوج بأم سلمة والدخول عليها قال لها حين أصبحت أي: وقت دخوله في الصباح عنده: أي: في بيته - ﷺ - \"ليس بك بكسر الكاف أي: يا أم سلمة وفي رواية: أنه ليس بك بضمير الأمر أو الشأن على أهلك أي: الذي دخلت عليه هوان؛ أي: احتقار.\nقال النووي: معناه لا يلحقك ولا يضيع من حقك شيء بل تأخذينه كاملًا.\nقال القاضي عياض: والمراد بأهلك هنا نفسه - ﷺ -، وكل من الزوجين أهل، أي: لا أفعل فعلًا يظهر به هوانك علي أو تظنيه، وفيه اللطف والرفق بمن يخشى من كراهة الحق حتى يتبين له وجه الحق.\nقال الأبي: وقيل: المراد بأهلها قبيلتها؛ لأن الإِعراض عن المرأة وعدم المبالاة بها يدل على عدم المبالاة بأهلها، فالباء على الأول متعلقة بهوان، وعلى الثاني للسببية أي: لا يلحق أهلك هوان بسببك إن شئت سبَّعْت عندكِ، بتشديد الموحدة أي: بت عندك سبع ليال وسبعتُ عندهن، أي: عند سائر الأزواج، الظاهر يعني أقمت عند كل واحدة من نسائي سبعا للتسوية في القسمة بينهن وإن شئت ثَلَّثت عندك أي: أقمت ثلاثًا عندك خاصة لك ودُرْتُ بضم الدال المهملة وسكون الراء وضم التاء للمتكلم وحده من الدور أي: أدور بعد ذلك بالنساء بالقسم يومًا يومًا، ففيه حجة لمالك في أن القسم لا يكون إلا يومًا واحدًا وأجازه الشافعي يومين أو ثلاثًا ثلاثًا ولا خلاف في جواز أكثر من يوم مع التراضي، هكذا قال عياض وغيره.\nقال الأبي: وإنما يدل لمالك إن كان معنى درت ما ذكره وإلا فقد قال المخالف: معناه\n_________\n(١) انظر تخريج الحديث السابق.","vol":"3","page":7},{"text":"درت بالتثليث، ورده ابن العربي بأن هذه زيادة لا تقبل إلا بدليل وبقوله - ﷺ -: \"للبكر سبع وللثيب ثلاث\" (١) فجعله حكمًا مبتدأ، والأولى في رده أن قوله: درت إحالة على ما عرف من حاله، والمعروف منه في القسم إنما كان يومًا يومًا، وفي رواية لمسلم (٢) فقال - ﷺ -: \"إن شئت زدتك وحاسبتك به للبكر سبع وللثيب ثلاث\" قالت: \"ثلّث\" قال عياض: اختارت التثليث مع أخذها بثوبه حرصًا على إقامته عندها؛ لأنها رأت إذا سبع بها لغيرها لم يقرب رجوعه إليها.\nوقال الأبي: لاطفها - ﷺ - بهذا القول الحسن، أي: ليس بك على أهلك هوان تمهيد للعذر في الاقتصار على الثلاث أي: ليس اقتصاري عليها لهوانك علي، ولا لعدم رغبة فيك، ولكنه الحاكم ثم خيرها بين الثلاث ولا قضاء لغيرها وبين السبع ويقضي لبقية أزواجه فاختارت الثلاث ليقرب رجوعه إليها؛ لأن في قضاء السبع لغيرها طول مغيبه عنها انتهى.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه عبد الملك عن أبيه أبي بكر بن عبد الرحمن ينبغي إن سَبَّع عندها أي: الجديدة أن يسبِّع عندهن، أي: البقية لا يزيد أي: لها عليهنَّ شيئًا، وإن ثلَّثَ عندها أن يثلث عندهن، فيه أن ظاهر الحديث السابق أي: بعد التثليث هو الدور، ولا يفهم من التثليث عندهن إلا من دليل خارج يحتاج إلى بيانه، وقد قال مالك والشافعي وأحمد: إذا كانت الزوجة ثيبًا أقام عندها (ق ٥٦٢) ثلاثًا، وإن كانت بكرًا قام عندها سبعًا ثم يدور بالتسوية بعد ذلك، لما في مسلم (٣) عن خالد عن أبي قلابة عن أنس قال: إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها [سبعا]، وإذا تزوج الثيب على البكر أقام عندها ثلاثًا.\nقال خالد: ولو قلت: رفعه لصدقت، ولكنه قال: السنة كذلك. ورواه ابن ماجه (٤) قال رسول الله - ﷺ -: \"للثيب ثلاثًا وللبكر سبعًا\" وهو قولُ أبي حنيفة والعامّة من فقهائنا لإِطلاق قوله تعالى في سورة النساء ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣] أي: لا يجوزوا وقوله تعالى في سورة النساء:\n_________\n(١) صحيح: أخرجه مسلم في الصحيح (١٤٥٩).\n(٢) مسلم (١٤٥٩).\n(٣) مسلم (١٤٦١).\n(٤) ابن ماجه (١٩١٦).","vol":"3","page":8},{"text":"﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩] ولما روى أصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من كان له امرأتان فمال إلى أحدهما جاء يوم القيامة وشقه مائل\" (١) أي: مفلوج وما رووه أيضًا عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان رسول الله - ﷺ - يقسم فيعدل ويقول: \"اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك\" يعني: القلب، كذا ذكره علمائنا، وفيه أنه إذا كان التخصيص وقع شرعًا يكون عدلًا فلا منافاة ولا معارضة أصلًا كما قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان حكم حال الرجل تزوج امرأة بكرًا ونسوة ثيبة كيف يقسم بينهن؟ شرع في بيان قدر أقل المهر، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-241>باب أدنى ما يتزوج عليه المرأة</span>\nباب في أدنى ما أي: أقل المهر تزوج الرجل عليه المرأة أي: على أقل المهر وهو عشرة دراهم.\n٥٢٥ - أخبرنا مالك، حدثنا حُميد الطويل، عن أنس بن مالك، أن عبد الرحمن بن عوف جاء إلى النبي - ﷺ -، وعليه أثرَ صُفرة، فأخبره: أنه تزوج امرأة من الأنصار، قال: \"كم سُقْتَ إليها؟ \" قال: وزن نَوَاة من ذهب، قال له: \"أَوْلِمْ ولو بِشَاةٍ\".\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أدنى المهر عشرة دراهم ما تُقطع فيه اليد، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود، (٢١٣٣) والترمذي (١١٤١) والنسائي (٧/ ٦٣) وابن ماجه (١٩٧٠).\n(٥٢٥) صحيح: أخرجه مالك برواية أبي مصعب الزهري (١٦٨٩) ومن طريق مالك أخرجه البخاري (٥١٥٣) ومسلم (١٤٢٧) وأبو داود (٢١٠٩) والترمذي (١٩٣٣) والنسائي (٦/ ١٣٧) والحميدي (٢٢١٨) وعبد الرزاق (١٠٤١١) وأحمد في المسند (٣/ ١٩٠) والبيهقي في الكبرى (٧/ ٢٣٦، ٢٣٧).","vol":"3","page":9},{"text":"• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا حدثنا وفي نسخة: قال: ثنا حُميد بالتصغير أي: ابن أبي حميد البصري الطويل، اختلف في إسلام أبيه على نحو عشرة أقوال، وهو ثقة مدلس، وعابه زائدة لدخوله في شيء من أمر الأمراء، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل البصرة، وهي كانت في الإقليم الثالث من الأقاليم السبعة في وجه الأرض، مات سنة اثنتين ويقال: ثلاث وأربعين ومائة، وهو قائم يصلي، وهو ابن خمس وسبعين سنة، كما قاله ابن حجر (١) وإنما وصف بالطويل لطول يديه أو لأنه كان له جار يقال له: حميد القصير يريد الطويل للفرق بينهما عن أنس بن مالك، ﵁ أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه جاء إلى النبي - ﷺ -، وعليه أثرَ صُفرة، أي: ما يتعلق ببدنه أو ثوبه من طيب النساء كزعفران ونحوه فأخبره: أنه تزوج امرأة من الأنصار، أي: أنه حصل له منها الصفار قال: أي: - ﷺ - \"كم سقت إليها؟ \" بضم السين المهملة وسكون القاف، من السوق، والمعنى: كم أرسلت لها من المهر مطلقًا أو المعجل قال: وزن نَوَاة أي: نواة التمر من ذهب، قال أي: النبي - ﷺ - له: أَوْلِمْ بفتح الهمزة وسكون الواو وكسر اللام، وهو أمر استحباب أي: أجعل وليمة لعرسك وأطعم أصحابك ولو بِشَاةٍ أي: ونحوها من طعام.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه أنس بن مالك ﵁ (ق ٥٦٣) أدنى المهر أي: أقله عشرة دراهم أي: مضروبة أو غير مضروبة أو تساويها من غيرها ما تُقطع فيه اليد، أي: نصاب قطع اليد في السرقة، قال محمد في (الأصل): بلغنا أن أقل المهر عشرة دراهم عن علي وعبد الله بن عمر وعامر وإبراهيم. انتهى وهو دينار عندنا.\nوقال مالك في (الموطأ): ولا أرى أن تنكح المرأة بأقل من ربع دينار وهو نصاب السرقة عنده، أو ثلاثة دراهم، وهو أي: كون أقل المهر عشرة دراهم قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. ويؤيده ما رواه الدارقطني (٢) والبيهقي في السنن الكبرى (٣) من طرق ضعيفة، إلا أنها يقوى بعضها ببعض أن النبي - ﷺ - قال: \"لا مهر أقل من عشرة دراهم\".\n_________\n(١) في التقريب (١/ ١٨١).\n(٢) الدارقطني في السنن (١/ ٢٤٦).\n(٣) البيهقي في الكبرى (٧/ ٢٤٠).","vol":"3","page":10},{"text":"وقال الشافعي وأحمد: كل ما جاز أن يكون ثمنا جاز أن يكون مهرًا، لما في الصحيحين (١) من قوله - ﷺ -: \"التمس ولو خاتمًا من حديد\" وما في الترمذي (٢) وابن ماجه (٣) عن عبد الله بن ربيعة أن النبي - ﷺ - أجاز نكاح امرأة على نعلين، وما في سنن أبي داود (٤) عن جابر أنه - ﷺ - قال: \"من أعطى صداق امرأة ملء كفيه، فقد استحل\" أي: البضع وأجيب بأن الكل محمول على المعجل فتأمل ولا تعجل، والله أعلم.\nلما فرغ من بيان قدر أو أقل المهر، شرع في بيان ما لا يجوز في النكاح، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-242>باب لا يجمع الرجل بين المرأة وعمتها في النكاح</span>\nباب في بيان حكم لا يصح أن يجمع الرجل بين المرأة وعمتها في النكاح وكذا بين المرأة وخالتها، فالمناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق العدم والملكة.\n٥٢٦ - أخبرنا مالك، حدثنا أبو الزِّنادِ، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا يَجْمَع الرجل بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها\".\nقال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا حدثنا وفي نسخة: قال: ثنا أبو الزِّنادِ، هو عبد الله بن ذكوان القرشي، المدني ثقة فقيه كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة ثلاثين بعد المائة عن عبد الرحمن أي: ابن هرمز، ولقبه\n_________\n(١) البخاري (٤٨٤٢) ومسلم (١٤٢٥).\n(٢) الترمذي (١١١٣).\n(٣) ابن ماجه (١٨٨٨).\n(٤) أبو داود (٢١١٠).\n(٥٢٦) صحيح، أخرجه من طريق مالك الشافعي في مسنده (٢/ ١٨) وفي الأم (٥/ ٥) والبخاري في النكاح (٩/ ١٦٠) ومسلم في النكاح (١٤٠٨) والنسائي في النكاح (٦/ ٩٦) والبيهقي في السنن (٧/ ١٦٥) وفي معرفة السنن والآثار (١٠/ ١٣٨٤٨).","vol":"3","page":11},{"text":"الأعرج، ويكنى أبا داود المزين، مولى ربيعة بن الحارث ثقة ثبت عالم، كان في الطبقة الثالثة من أهل المدينة مات سنة سبع عشرة بعد المائة. كذا قاله ابن حجر في (تقريب التهذيب) (١) عن أبي هريرة: ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا يَجْمَع الرجل بين المرأة وعمتها، في نكاح واحد ولا بين المرأة وخالتها\". أي: حرم الجمع بينهما فلو نكحهما معًا بطل نكاحهما، إذ ليس تخصيص إحديهما بالبطلان بأولى من الأخرى، فإن نكحهما مرتبا بطل نكاح الثانية؛ لأن الجمع حصل بها، وقد بين ذلك في رواية أبي داود والترمذي، وقال: صحيح من وجه آخر عن أبي هريرة رفعه: لا تنكح المرأة على عمتها، ولا العمة على بنت أخيها، ولا المرأة على خالتها، ولا الخالة على بنت أخيها، ولا تنكح الصغرى على الكبرى ولا الكبرى على الصغرى.\nوالمراد بالكبرى: العمة والخالة وبالصغرى بنت الأخ وبنت الأخت، وهو من عطف التفسير على جهة التأكيد والبيان؛ ولذا لم يجئ بينهما بالعاطف وكرر النفي تأكيد من الجانبين.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه أبو هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا قال عياض: أجمع المسلمون على الأخذ بهذا المنهي إلا طائفة من الخوارج لا يلتفت إليها، واحتجوا بقوله تعالى في سورة (ق ٥٦٤) النساء ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] ثم قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وقالوا: الحديث خبر واحد، والآحاد لا تخصص القرآن ولا تنسخه، وهي مستحيلة خلاف بين الأصوليين، والصحيح الأمرين؛ لأن السنة تبين ما جاء عن الله تعالى؛ ولأن علة المنع من الجمع بين الأختين وهي ما تحتمل عليه الغيرة من التقاطع والتدابر موجود في ذلك، وقال بعض أهل السنة: عليه جملة القرابة فمنع الجمع بين بنت العم وبنت العمة والخال والخالة، والجمهور على خلافه وقصر التحريم على ما ورد فيه نص أو ما ينطق عليه لفظه من العمات والخالات وإن علون، كما قال ابن شهاب في الصحيحين: فترى عمة أبيها وخالة أبيها بتلك المنزلة، وهو صحيح؛ لأن كل منهما يطلق عليه اسم عمة وخالة؛ لأن العمة هي كل امرأة تكون أختًا لرجل له عليك ولادة، فأخت الجد للأب عمة، وأخت الجد للأم خالة انتهى.\n_________\n(١) التقريب (١/ ٣٥٢).","vol":"3","page":12},{"text":"وقال النووي: العمة حقيقة إنما هي أخت الأب، وتطلق مجازًا على أخت الجد أو أب الجد، وإن علا والخالة أخت الأم، وتطلق على أخت أم الأم أو أم الجدة سواء كانت الجدة لأم أو لأب، وهذ الحديث رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف ومسلم عن القعنبي كلاهما عن مالك كذا قاله الزرقاني (١).\n* * *\n\n٥٢٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أنه سمع سعيد بن المسيب ينهئ أن تُنْكَح المرأة على خالتها، أو عمتها، وأن يطأ الرجل وَلِيدة في بطنها جنين لغيره.\nقال محمد: وبه نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا يحيى بن سعيد، بن قيس الأنصاري المدني، يكنى أبا سعيد القاضي، ثقة تابعي ثبت، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين بعد المائة أنه سمع سعيد بن المسيب بن حزن بن وهب بن عمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار، كان في الطبقة الأولى من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، اتفقوا على أن مرسلاته أصح المراسيل، وقال المدني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه، مات بعد التسعين بيسير وهو ابن أربع وثمانين سنة كما قاله ابن الجوزي في (طبقاته) وابن حجر في (تقريب التهذيب) (٢) ينهى أي: تحريمًا أن تُنْكَح المرأة على خالتها، أو عمتها، أو كذا العمة والخالة على بنت الأخ وبنت الأخت، كما في الحديث قبله، وفي مسلم (٣) من وجه آخر عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ -: نهى عن أربع نسوة أن يجمع بينهن: المرأة وعمتها والمرأة وخالتها، وله من وجه آخر عنه مرفوعًا: لا تنكح\n_________\n(١) في شرحه (٣/ ١٨١).\n(٥٢٧) إسناده صحيح.\n(٢) التقريب (١/ ٢٤١).\n(٣) مسلم (١٤٠٨).","vol":"3","page":13},{"text":"المرأة على بنت الأخ ولا بنت الأخت على الخالة وأن يطأ الرجل وَلِيدة أي: أمة في بطنها جنين لغيره أي: كيلا يسقى ماء ذرع غيره سواء كان من حرام أو حلال؛ لقوله - ﷺ -: \"لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تحيض\" رواه أحمد (١) وأبو داود (٢) وصححه الحاكم عن أبي سعيد.\nقال محمد: وبه نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله سعيد بن المسيب وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا؛ ولهذا قالوا: صح نكاح حبلى من زنا، ولا توطأ حتى تضع، وقال مالك والشافعي وأحمد وأبو يوسف وزفر: لا يصح والله أعلم. كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان حلال الرجل لا يصح له أن يجمع بين المرأة وبين عمتها وخالتها في النكاح، شرع في بيان حكم الرجل يخطب على خطبة أخيه، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-243>باب الرجل يخطب على خطبة أخيه</span>\n(ق ٥٦٥) باب في بيان حكم حال الرجل يخطب بضم الطاء المهملة من الباب الأول، أي: يدعو تزوج المرأة على خطبة أخيه بكسر الخاء المعجمة وسكون الطاء المهملة والموحدة المفتوحة، أي: على دعوة تزوج المرأة يعنى يطلب الرجل أن يتزوج امرأة على طلب أخيه تزوجها.\n٥٢٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حَبَّان عن عبد الرحمن بن هُرْمُز الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا يخطب أحدكم على خِطْبَةِ أخيه\".\n_________\n(١) أحمد في المسند (٣/ ٢٨).\n(٢) أبو داود في السنن (٢١٥٧).\n(٥٢٨) حديث صحيح: أخرجه الشافعي في الأم (٥/ ٣٩) وفي الرسالة (٨٤٧) والنسائي في النكاح باب النهي أن يخطب الرجل على خطبة أخيه.\nوأخرجه من حديث ابن عمر الشافعي في الأم (٥/ ٣٩) وفي الرسالة (٨٤٨) والبخاري في البيوع (٢١٦٥) ومسلم في البيوع (٣٧٣٨) وأبو داود (٣٤٣٦) والنسائي (٧/ ٢٥٨) وابن ماجه (٢١٧١).","vol":"3","page":14},{"text":"قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا يحيى بن سعيد، بن قيس الأنصاري المدني، يكنى أبا سعيد القاضي ثقة ثبت، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين بعد المائة من الهجرة، عن محمد بن يحيى بن حَبَّان بفتح المهملة ثم موحدة ثقيلة ابن أبي سعيد الأنصاري المدني ثقة فقيه، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة مات سنة إحدى وعشرين ومائة وهو ابن أربع وسبعين سنة عن عبد الرحمن بن هُرْمُز الأعرج، يكنى أبا داود المدني مولى ربيعة بن الحارث، ثقة ثبت عالم كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة من الهجرة وكذا قاله ابن حجر في (تقريب التهذيب) (١) عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا يخطب أحدكم على خِطْبَة أخيه\" أي: لا يطلب أحدكم تزوج امرأة أراد أحد من غيركم أن يتزوجها قبل أحدكم قوله: لا يخطب نفي استقبال، بمعنى نهي غائب وهو أبلغ من صريح النهي.\nقال عياض وغيره المنع إنما هو بعد الركون لحديث فاطمة بنت قيس حين أخبرت أنه خطبها ثلاثة، فلم تنكر دخول بعضهم على بعض، ويأتي تفسير الركون قال الخطابي: وهو قول أخيه دليل على أن الأولى مسلم، فإن كان يهوديًا أو نصرانيًا لم يمنع، وإليه ذهب الأوزاعي والجمهور على خلافه وأجابوا بأن ذكر الأخ جرى على الطالب، وأنه أسرع امتثالًا، والمعنى في ذلك ما فيه من الإِيذاء أو التقاطع.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه أبو هريرة وهو أي: ما قاله أبو هريرة قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا وفي (الموطأ) لمالك عن نافع عن عبد الله بن عمران أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه المسلم\"، أي: وكذا الذمي، زاد ابن جريج عن نافع عن ابن عمر \"حتى ترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب الأول\"، رواه البخاري.\n_________\n(١) التقريب (١/ ٣٥٢).","vol":"3","page":15},{"text":"قال ابن القاسم: النهي إنما هو في غير الفاسق أما الفاسق فيخطب على خطبته، قال عياض: لا ينبغي أن يختلف فيه والفرق أنه لا يقر على فسقه بخلاف الذمي وقد تابع ابن جريج في البخاري أي: الليث وعبد الله وزاد: إلا أن يؤذن، كما قاله الزرقاني (١).\nلما فرغ من بيان حكم حال الرجل لا يصح أن يخطب على خطبة أخيه، شرع في بيان حكم حال الثيب، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-244>باب الثَّيِّب أحقُ بنفسها من وليها</span>\nباب في بيان حكم حال الثيب، وهي أحق بنفسها من وليها أي: في مقام عقدها.\n٥٢٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عبد الرحمن ومُجَمِّع ابنَيْ يزيد بن جَارِيَة الأنصاري، عن خَنْسَاءَ بنت خِدام أن أباها زَوَّجها وهي ثَيِّب، فكرهت ذلك، فجاءَت رسول الله - ﷺ -، فَرَدَّ نكاحه.\nقال محمد: لا ينبغي أن تُنْكَح الثَّيِّب ولا البِكْر إذا بلغت؛ إلا بإذنهما، فأما إذن البكر فَصَمْتُها، وأما إذن الثَّيِّب فرضاها بلسانها، زَوَّجَها والدها أو غيره، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم، التيمي المدني، قال ابن عيينة: كان أفضل أهل زمانه ثقة جليل، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين، مات سنة ست وعشرين ومائة، وقيل: بعدها عن أبيه، وعن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق أحد الفقهاء، وكان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل المدينة عن عبد الرحمن ومُجَمِّع ابنَيْ يزيد بن جَارِيَة بالجيم والتحتية الأنصاري، يكنى أبا محمد المدني أخي عاصم بن عمر لأمه يقال: ولد في حياة النبي - ﷺ - ثقة تابعي، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين (ق ٥٦٦) من أهل المدينة، مات سنة ثلاث وتسعين، وعن\n_________\n(١) في شرحه (٣/ ١٦٢).\n(٥٢٩) إسناده صحيح.","vol":"3","page":16},{"text":"أخيه مجمع بضم الميم وفتح الجيم وتشديد الميم الثانية المكسورة وعين مهملة الأنصاري الأول المدني، تابعي كان في الطبقة الثانية من طبقات كبار التابعين، مات سنة ستين في خلافة معاوية ابني بالتثنية يعني كانا ابن يزيد بتحتيتين بينهما زاي معجمة ابن جارية بالجيم والراء المهملة والتحتية الأنصاري الأوسي يكنى أبا عبد الرحمن ذكره ابن سعد وغيره في الصحابة. وقال ابن منده: يزيد بن جارية، وقيل: زيد فجعلهما واحد أو الصواب أنهما أخوان كما قاله ابن حجر في (الإِصابة) عن خَنْسَاءَ بفتح الخاء المعجمة فنون ساكنة وسين مهملة كحمراء: كذا في (التقريب) لابن حجر (١).\nوقال بعضهم: بالذال المعجمة الأنصارية الأوسية، زوج أبي لبابة صحابية معروفة من بني عمرو بن عوف بنت خِدام بكسر الخاء المعجمة وتخفيف الدال المهملة أو المعجمة أن أباها أي: خدام الصحابي، يقال: هو ابن وديعة، ويقال: هو ابن خالد، وقال أبو نعيم: يكنى أبا وديعة زَوَّجها أي: من غير إذنها وهي ثَيِّب، أي: وهي بالغة فكرهت ذلك، الرجل الذي أنكحها أبوها إياه، ولم يعرف الحافظ اسمه فجاءَت رسول الله - ﷺ -، فقالت: إن أبي أنكحني رجلًا وإن عم ولدي أحب إلى منه فَرَدَّ نكاحه أي: بطل نكاح أبيها أو نكاح زوجها وجعل أمرها إليها، كما في رواية عبد الرزاق (٢) عن أبي بكر بن محمد، وله عن نافع بن جبير: فأتت النبي - ﷺ - فقالت: إن أبي زوجني وأنا كارهة، وقد ملكت أمري، قال: \"فلا نكاح له انكحي من شئت\"، فرد نكاحه ونكحت أبا لبابة الأنصاري، وأخرج الواقدي عن خنساء بنت خدام أنها كانت تحت أنيس بن قتادة قتل عنها يوم أحد، فزوجها أبوها رجلًا من مزينة فكرهته، وجاءت إلى النبي - ﷺ - فرد نكاحه فتزوجها أبو لبابة فجاءت بالسائب عن أبي لبابة.\nقال أبو عمر: هذا الحديث مجمع على صحته، والقول به؛ لأن من قال: لا نكاح إلا بولي قال: لا يزوج الثيب وليها أبوها أو غيره إلا بإذنها ورضاها، ومن قال: ليس للولي مع الثيب أمرا وأجازه بلا ولي، فأولى بالعمل بهذا الحديث، ولا خلاف أن الثيب لا يجوز لأبيها ولا غيره جبرها على النكاح إلا الحسن البصري، فقال: نكاح الأب جائز على بنته بكرًا كانت أم ثيبًا كرهت أم لا.\n_________\n(١) التقريب (١/ ٧٤٦).\n(٢) عبد الرزاق في المصنف (٦/ ١٤٧).","vol":"3","page":17},{"text":"قال إسماعيل القاضي: لا أعلم أحدًا قال بقوله في الثيب، وروى عبد الرزاق (١) عن ابن عباس ﵄: ليس للولي مع الثيب أمر أختلف في بطلانه ولو رضت وقال الشافعي وأحمد: لأنه - ﷺ - لم يقل لخنساء: إلا أن تجيزي وكذا قال مالك: إلا أن ترضى بالقرب بالبلد فيجوز؛ لأنه كان في وقت واحد وفور واحد، وقال أبو حنيفة وأصحابه: لها أن تجيزه فتجويزه أو تبطيله فيبطل انتهى كما قاله الزرقاني (٢).\nقال محمد: لا ينبغي أن تُنْكَح الثَّيِّب ولا البِكْر إذا بلغت؛ إلا بإذنهما، فأما إذن البكر فَصَمْتُها، وأما إذن الثَّيِّب فرضاها بلسانها، أي: صريحًا سواء زَوَّجَها والدها أو غيره أي: من أوليائها حقيقة أو حكمًا وهو أي: إذن الثيب برضاها بلسانها قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا لما رواه الجماعة إلا البخاري من حديث (ق ٥٦٧) ابن عباس قال رسول الله - ﷺ -: \"الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صمتها\" (٣) والمراد بالأيم بفتح الهمزة وتشديد التحتية المكسورة الثيب التي لا زوج لها إذا كانت بالغة عاقلة.\nوقال الشافعي وأحمد: لا ينعقد النكاح بعبارة النساء لما رواه أبو داود (٤) والترمذي (٥) وحسنه من حديث عائشة ﵂ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل ونكاحها باطل ونكاحها باطل فأدخل بها فالمهر ما استحل من فرجها\". كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان حكم حال الثيب، شرع في بيان حكم حال الرجل يكون عنده أكثر من أربع نسوة ويريد أن يتزوج، فقال: هذا\n* * *\n_________\n(١) عبد الرزاق في المصنف (٦/ ١٤٥).\n(٢) في شرحه (٣/ ١٨٧).\n(٣) أخرجه مسلم (١٤٢١) وأبو داود (٢٠٩٨) والترمذي (١١٠٨) والنسائي (٣٢٦٠) وابن ماجه (١٨٧٠).\n(٤) أبو داود (٢٠٨٣).\n(٥) الترمذي (١١٠٢).","vol":"3","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-245>باب الرجل يكون عنده أكثر من أربع نسوة فيريد أن يتزوج</span>\nباب في بيان حكم حال الرجل من أهل الجاهلية، يكون عنده أي: يوجد تحت نكاحه أكثر من أربع نسوة، أي: قبل إسلامه ويسلم، فيريد أن يتزوج أي: أن يقررهن تحت نكاحه بعد إسلامه، قال يونس: التزوج ليس من كلام العرب، وأما قوله تعالى في سورة الطور: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الطور: ٢٠] فمأول بمعني قررناهم بهن. كذا قاله محمد الواني في (ترجمة صحاح الجوهري) فالفاء في قوله: فيريد عطف على يسلم كما قررناه.\n٥٣٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، قال: بلغنا أن رسول الله - ﷺ - قال لرجل من ثقيف؛ وكان عنده عشر نسوة - حين أسلم الثقفي - فقال له: \"أمْسِكْ منهن أربعًا وفارِق سائِرِهن\".\nقال محمد: وبهذا نأخذ، يختار منهنّ أربعًا: أيتهن شاءَ، ويُفَارِق ما بقي\nوأما أبو حنيفة فقال: نكاح الأربع الأوَل جائِز، ونكاح من بقي منهنّ باطل، وهو قولُ إبراهيم النَّخَعِيّ.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: قال: بنا أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، ثقة فقيه مدني كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين المحدثين من أهل المدينة، كانت في الإقليم الثاني من الأقاليم السبعة من وجه الأرض قال: أي: ابن شهاب بلغنا فالحديث مرسل، وهو حجة عندنا إلا أنه لم يحضره أو أخصر أن رسول الله - ﷺ - قال لرجل اسمه غيلان من ثقيف؛ من أهل الطائف والحجاز وكان عنده عشر نسوة - أي: أسلمن حين أسلم الثقفي - قبيلة كبيرة وجملة كان حالية معترضة فقال أي: - ﷺ - له أي: للرجل من القبيلة الثقفية \"أمْسِكْ وفي رواية: اختر منهن أربعًا وفارِق سائِرِهن\" أي: باقيهن.\n_________\n(٥٣٠) أخرجه مالك في الموطأ برواية أبي مصعب الزهري (١٦٩٣) والشافعي في الأم (٥/ ١٦٣) والترمذي (١١٢٨) وابن ماجه (١٩٥٣).","vol":"3","page":19},{"text":"قال ابن عبد البر: هكذا رواه جماعة (الموطأ) لمالك، وأكثر رواة ابن شهاب، ورواه ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن عثمان بن محمد بن أبي سويد أن رسول الله - ﷺ - قال: لغيلان بن ثقفية الثقفي حين أسلم فذكره، ووصله معمر عن ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر يقولون: إنه من خطأ معمر بما حدث به بالعراق انتهى.\nوقد رواه الترمذي (١) وابن ماجه (٢) من طريق معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه، قال الترمذي: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: هذا غير محفوظ، والصحيح ما رواه شعيب وغيره عن الزهري قال: حدثت عن عثمان بن محمد بن أبي سويد الثقفي فذكره انتهى. وقد حدث به جماعة من أهل البصرة عن معمر، ويقال: أن معمرًا أحدث بالبصرة أحاديث وَهِمَ فيها، وقد كشف مسلم في كتاب (التمييز) عن علة وبينها بيانًا متنافيًا فقال: كان عند الزهري في قصة غيلان حديثان أحدهما مرفوع والآخر موقوف فأدرج معمر المرفوع على إسناد الموقوف، وأما المرفوع فرواه عقيل عن الزهري قال: بلغنا عن عثمان بن محمد (ق ٥٦٨) بن أبي سويد أن غيلان: فذكره، وأما الموقوف فرواه الزهري عن سالم عن أبيه أن غيلان طلق نساءه في عهد عمر وقسم ميراثه بين بنيه. . . الحديث انتهى. أي: أدرجه في أوله، وهو في مسند إسحاق بن راهويه عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه: أن غيلان أسلم وتحته عشر نسوة فقال له النبي - ﷺ -: \"اختر منهن أربعًا\" فلما كان في عهد عمر طلق نساءه وقسم ماله بين بنيه، فبلغ ذلك عمر فقال: والله لأني لأظن الشيطان فيما يسترق من السمع بموتكم، فقذفه في نفسك ولا أريك تمكث إلا قليلًا، وايم الله لترجعن في مالك، ولتراجعن نساؤك أو لأورثهن منك ولآمرن بقبرك فيرجم كما يرجم قبر أبي رغال، ومات غيلان في آخر خلافة عمر، كما قاله السيد محمد الزرقاني (٣).\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه ابن شهاب يختار منهنّ أي: من عشر نسوة أربعًا: أيتهن شاءَ، ويُفَارِق ما بقي.\nوأما أبو حنيفة فقال: نكاح الأربع الأوَل بضم الهمزة وتخفيف جمع الأولى مؤنث\n_________\n(١) الترمذي (١١٢٨).\n(٢) ابن ماجه (١٩٣٥).\n(٣) في شرحه (٣/ ٢٧٨).","vol":"3","page":20},{"text":"الأول جائِز، ونكاح من بقي منهنّ باطل، وهو قولُ إبراهيم النَّخَعِيّ بفتح النون والخاء المعجمة وهو من أجلاء التابعين وأكابر المجتهدين، ولعل مأخذهما قوله - ﷺ -: \"وفارق سائرهن\" حيث لم يقل: طلقهن لكن يشكل بأن عقود الجاهلية صحيحة قبل الدخول في الأحكام الإِسلامية، وأيضًا فلعل الأربع الأواخر حوامل منه، فيترتب عليه المفاسد العرفية، والظاهر أن التعبير بالمفارقة بناء على فسخ الزيادة بالآية الناسخة لجوازها قبل ذلك وهي قوله تعالى في سورة النساء: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] فإن سورة النساء مدنية بالإِجماع فالمعول نكاح من بقي منهن باطل موقوف على دليل صح في السماع، نعم بعد ظهور هذا الحكم لو تزوج شخص زيادة على الأربع، فلا خلاف في بطلان الزائدة وصحة الأول فتأمل، وفي كتاب (الرحمة) من أسلم وتحته أكثر من أربع نسوة.\nقال مالك والشافعي وأحمد: يختار منهن أربعًا ومن الأختين واحدة.\nوقال أبو حنيفة: إن كان العقد وقع عليهن في حالة واحدة فهو باطل وإن في عقود صح النكاح في الأربع الأول، وكذا الأختان.\n* * *\n\n٥٣١ - أخبرنا مالك، حدثنا رَبِيعَة بن أبي عبد الرحمن، أن الوليد سأل القاسم وعُرْوَةَ - وكانت عنده أربع نسوة - فأراد أن يَبِتَّ واحدة ويتزوج أخرى، فقالا: نعم، فارق امرأتك ثلاثًا وتزوج، وقال القاسم: في مجالس مختلفة.\nقال محمد: لا يُعجبنا أن يتزوَّج الخامسة، وإن بَتَّ طلاق إحداهن حتى تنقضي عِدَّتها؛ لا يعجبنا أن يكون ماؤه في رحم خمس نِسْوَة حرائر، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا حدثنا رَبِيعَة بن أبي عبد الرحمن، التيمي مولاهم أبو عثمان المدني، المعروف بربيعة الرأي واسم أبيه فروخ، ثقة فقيه مشهور، قال\n_________\n(٥٣١) إسناده صحيح.","vol":"3","page":21},{"text":"ابن سعد: كانوا يسقونه لموضع الرأي كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ست وثلاثين ومائة على الصحيح كما في (تقريب التهذيب) (١) أن الوليد أي: ابن عبد الملك بن مروان عام قدم المدينة سأل القاسم أي: ابن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي، يكنى أبا محمد المدني ثقة جليل.\nقال ابن عيينة: كان أفضل زمانه، وكان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ست وعشرين ومائة. كذا قاله ابن حجر (٢) وعُروَةَ - أي: ابن الزبير ابن العوام بن خويلد الأسدي المدني، يكني أبا عبد الله المدني (ق ٥٦٩) ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين على الصحيح، كما في (تقريب التهذيب) وكانت عنده أي: تحت الوليد أربع نسوة - أي: من الحرائر فأراد أن يَبِتَّ بفتح التحتية وكسر الموحدة وتشديد الفوقية، أي: أراد أن يطلق كما في نسخة: تطليقة واحدة بائنة ويقطعها عن الرجل، إذا وصل معنى البتة: القطع، ومنه البتة، والرباعي لغة في الثلاثي وتستعملان لازمين ومتعديين ويتزوج أخرى، أي: في عدة الأولى فقالا: أي: أجاب القاسم وعروة من سؤال الوليد بقولهما نعم، أي: جاز إلا أنه بالبينونة الكبرى لا الصغرى فارق امرأتك ثلاثًا أي: طلقها بالثلاثة فالتعبير من الطلاق الثلاث بالمفارقة إشعار بأن الرجل يكون تحته أربع نسوة، يريد أن يطلق واحدة منهن وتزوج، خامسة يجب عليه أن يطلقها ثلاث تطليقات، وينتظر حتى ينقضي عدة المطلقة ثم يتزوج خامسة؛ لئلا يجمع خمس نسوة حكمًا تحت نكاحه، فلا خلاف في بطلان الزائد على الأربع وتزوج أي: بواحدة أخرى وأطلق عروة الطلاق بالثلاث فقال القاسم: في مجالس مختلفة أي: أيكون على وفق السنة دون البدعة، ورواه يحيى في موطأ مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أن القاسم بن محمد وعروة بن الزبير كانا يقولان في الرجل يكون عنده أربع نسوة فيطلق إحداهن البتة: إنه يتزوج إن شاء ولا ينتظر أن ينقضي عدتها ولو طلقها واحدة أو لم يتزوج حتى ينقضي عدتها.\nقال محمد: لا يُعجبنا أي: لا يحل لنا أن يتزوَّج أي: أحد الخامسة، وإن بَتَّ طلاق\n_________\n(١) التقريب (١/ ٢٠٧).\n(٢) في التقريب (١/ ٤٥١).","vol":"3","page":22},{"text":"إحداهن أي: وإن طلق إحداهن طلاقًا بائنًا حتى تنقضي عِدَّتها؛ وهنا من العدة التي على الرجل أيضًا كما قالوا لا يعجبنا أن يكون ماؤه أي: مبنى الرجل المطلق للرابعة في رحم خمس نِسْوَة حرائر، والحاصل: إنه لا يحل له إلا أربع حقيقة أو علمًا وهو أي: ما قاله القاسم وعروة قولُ أبي حنيفة، والعامه من فقهائنا رحمهم الله تعالى.\nلما فرغ من بيان حكم حال الرجل يكون تحته أربع نسوة ويريد أن يطلق إحداهن ويتزوج خامسة، شرع في بيان حكم يوجب مهرًا، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-246>باب ما يُوجب الصداق</span>\nفي بيان ما أي: عمل يوجب: يقضي الصداق بفتح أوله وكسره: مهر المرأة وجمعه الصدقات استنبط المصنف رحمه الله تعالى هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤] أي: عطية.\n٥٣٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن زيد بن ثابت، قال: إذا دخل الرجل بامرأته وأُرْخِيت الستور عليهما فقد وجب الصداق.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\nوقال مالك بن أنس: إن طلقها بعد ذلك لم يكن لها إلا نصف الصداق، إلا أن يطول مكثها ويتلذذ منها، فيجب الصداق.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري المدني، كان في الطبقة الرابعة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة، كذا قاله ابن حجر (١) عن زيد بن ثابت، بن الضحاك بن لوذان بن عمرو بن عوف بن مالك بن النجار الأنصاري البخاري، يكنى أبا خارجة المدني الصحابي\n_________\n(٥٣٢) إسناده صحيح: أخرجه البيهقي في الكبرى (٧/ ٢٥٦) وفي معرفة السنن والآثار (١٠/ ١٤٣٧٧).\n(١) في التقريب (١/ ٥٠٦).","vol":"3","page":23},{"text":"مشهور، كتب الوحي قال مسروق: كان من الراسخين في العلم، مات سنة خمس أو ثمان وأربعين وقيل بعد الخمسين، كما في (التقريب) (١).\nقال: إذا دخل الرجل بامرأته أي: على زوجته الجديدة فأُرْخِيت الستور وإن لم يكن هناك إرخاء ستر ولا غلق الباب عليهما فقد وجب الصداق أي: كله.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله زيد بن ثابت ﵁، وهو أي: ما قاله زيد بن ثابت (ق ٥٧٠) قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا قال ابن المنذر: هو قول عمر وعلي وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمر وجابر ومعاذ وقول الشافعي القديم، وقال في الجديد: يجب على الزوج إذا طلق بعد الخلوة من غير وطء نصف المهر المسمى، وأحمد يوافق أبي حنيفة.\nوقال مالك بن أنس بن مالك بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، صاحب المذهب من كبار أتباع التابعين، ومن الطبقة السابعة من أهل المدينة: إن طلقها بعد ذلك أي: بعد ما ذكر من دخولها عليها وإرخاء الستور لديها لم يكن لها إلا نصف المهر، وفي نسخة: الصداق أي: لعدم الجماع الحقيقي إلا أن يطول مكثها أي: معه ويتلذذ أي: الرجل منها، أي: بلمسها وتقبيلها أو تفخيذها فيجب الصداق أي: جميعه فإنها في حكم جماعها، وحد ابن القاسم طول المكث والخلوة بالعام، وأصل ذلك قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٣٧]، ويؤيد مذهبنا الحديث المتقدم وقوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ﴾ [النساء: ٢١] أي: وصل من غير فصل، إن حقيقة الإفضاء الدخول وهو مكان الخلاء، وما رواه مالك في (الموطأ) عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب القرشي أن عمر بن الخطاب قضى في المرأة إذا تزوجها الرجل أنه إذا أرخيت الستور فقد وجب الصداق، ولأنها سلمت المبدل تستحق البدل، كما في إجازة الدار، والله أعلم بحقيقة الأسرار.\nلما فرغ من بيان ما يوجب الصداق، شرع في بيان حكم الشغار، فقال: هذا\n* * *\n_________\n(١) التقريب (١/ ٢٢٢).","vol":"3","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-247>باب نكاح الشغار</span>\nفي بيان حكم نكاح الشغار بكسر الشين المعجمة والغين المعجمة فألف وراء مصدر شاغر يشاغر شغارًا ومشاغرة، كذا قاله ابن وهب، وفي رواية أيوب عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا شغار في الإسلام\" (١).\n٥٣٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله - ﷺ - نهى عن الشِّغار، والشِّغار: أن يُنكح الرجل ابنته، على أن يُنكِحهُ الآخر ابنته؛ ليس بينهما صداق.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا يكون الصداق نكاح امرأة.\nفإن تزوَّجها على أن يكون صداقها أن يزوِّجَهُ ابنته فالنكاح جائِز، ولها صداق مثلها من نسائها، لا وَكْسَ ولا شَطَطَ، وهو قول أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا نافع، بن عبد الله المدني، مولى ابن عمر، ثقة ثبت فقيه مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة من وجه الأرض عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله - ﷺ - نهى عن الشِّغار، أي: نهيًا تحريمًا. والحديث رواه أحمد وأصحاب الكتب الستة والشِّغار: أن ينكح بضم التحتية وسكون النون وكسر الكاف أي: يزوج الرجل ابنته، أي: مثلًا أو أخته أو أمه على أن يُنكِحَهُ الآخر ابنته؛ ليس\n_________\n(١) صحيح: أخرجه مسلم في النكاح رقم (٦٠) والترمذي (١١٢٣) وابن ماجه (١٨٨٥) وأحمد في المسند (٣/ ١٦٢، ١٦٥، ٢١٦) وابن أبي شيبة (٤/ ٣٨١) وابن حبان في صحيحه (٧٣٨) وعبد الرزاق في المصنف (١٠٤٣٣) والطبراني في الكبير (١١/ ٣٥٨).\n(٥٣٣) إسناده صحيح: أخرجه الشافعي في الأم (٥/ ٧٦/ ١٧٤) والبخاري في النكاح (٥١١٢) ومسلم في النكاح (٣٤٠٣) وأبو داود (٢٠٧٤) والترمذي (١١٢٤) والنسائي (٦/ ١١٢) وابن ماجه (١٨٨٣) وأحمد في المسند (٢/ ٧، ١٩) والبيهقي في الكبرى (٧/ ١٩٩) وفي معرفة السنن والآثار (١٠/ ١٤٠٧٢).","vol":"3","page":25},{"text":"بينهما صداق أي: مهر بل يضع كل منهما صداق الأخرى، مأخوذ من قولهم: شغر البلد عن السلطان إذا خلا عنه لخلوه عن الصداق أو لخلوه عن بعض الشرائط.\nوقال ثعلب: من قولهم: شغر الكلب إذا رفع رجله ليبول كان كل من الوليين يقول للآخر: لا ترفع رجل ابنتي حتى أرفع رجل ابنتك، وفي التشبيه بهذه الهيئة القبيحة تقبيح للشغار وتغليظ على فاعله، وأكثر رواه مالك لم ينسبوا هذا التفسير لأحد، ولذا قال الشافعي: ما أدري أهو من كلام النبي - ﷺ - أو ابن عمر أو نافع أو مالك وصله بالمتن المرفوع بين ذلك ابن مهدي والقعنبي ومحرق بن عوف فيما أخرجه أحمد.\nقال سعيد بن زيد الباجي المالكي قوله: نهى عن الشغار مرفوع اتفاقًا وباقيه من تفسير نافع، والظاهر أنه من جملة الحديث حتى يتبين أنه من (ق ٥٧١) قول الراوي. انتهى.\nقال عياض عن بعض العلماء: كان الشغار من نكاح الجاهلية ويقول: شاغرني وليي بوليتك أي: عاوضني جماعًا بجماع، ولا خلاف في أن غير الثيب من الإِماء والأخوات وغيرهن حكم البنت.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه نافع عن ابن عمر لا يكون الصداق نكاح أمرأة كذا في الأصل، والظاهر إنه وهم، ويمكن حمله على القلب.\nفإن تزوَّجها أي: امرأة من وليها على أن يكون صداقها أن يزوِّجَهُ ابنته أي: مثلًا فالنكاح جائِز، أي: والشرط فإنه لا يفسد النكاح بفساد الصداق عند أبي حنيفة والشافعي.\nوعن مالك وأحمد روايتان ولها أي: لازم عليه لأجلها صداق مثلها من نسائها، أي: من من نساء قومها باعتبار وصفها لا وَكْسَ بفتح الواو وسكون الكاف والسين المهملة أي: لا نقص ولا شَطَطَ، بفتحتين أي: ولا زيادة، ومنه قوله تعالى في سورة الجن: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾ [الجن: ٤] أي: كاملًا باطلًا متعديًا عن الحق وهو أي: ما رواه نافع قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا ﵏.\nلما فرغ من بيان حكم في نكاح الشغار، شرع في بيان حكم في نكاح السر، فقال: هذا\n* * *","vol":"3","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-248>باب نكاح السر</span>\nفي بيان حكم نكاح السر، أي: تزويج الخفية، وهو أن يعقد بغير حضور نصاب الشهادة وشرائطه، والمناسبة بين هذا الباب والباب السابق عدم صحة النكاح بالشغار والسر.\n٥٣٤ - أخبرنا مالك، عن أبي الزُّبَيْر، أن عمر أُتي برجل في نكاح لم يشهد عليه إلا رجل وامرأة، فقال عمر: هذا نكاح السِّرِّ، ولا نجيزه، ولو كنتَ تَقَدَّمْتَ فيه لَرُجِمْتَ.\nقال محمد: وبهذا نأخذ؛ لأن النكاح لا يجوز في أقلّ من شاهدَيْن، وإنما شهد على هذا الذي ردّه عمر؛ رجل وامرأة، فهذا نكاح السِّرِّ؛ لأن الشهادة لم تكمل، ولو كملت الشهادة برجلين أو رجل وامرأتين كان نكاحًا جائزًا، وإن كان سِرا، وإنما يَفْسُد نكاح السِّرِّ، أن يكون بغير شهود، فأما إذا كملت فيه الشهادة؛ فهذا نكاح العَلانِيَة، وإن كانوا أسَرُّوه.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا عن أبي الزُّبَيْر المكي، وهو محمد بن مسلم، تدرس بفتح المثناة وسكون الدال المهملة وضم الراء الأسدي، مولاهم صدوق إلا إنه يدلس، كان في الطبقة الرابعة، مات سنة ست ومائة كذا في (تقريب التهذيب) (١) أن عمر بن الخطاب ﵁ أُتِي بصيغة المجهول أي: جيء برجل في نكاح أي: لأجل تزوج ولم يشهد عليه إلا رجل وامرأة، فقال عمر: هذا نكاح السِّرِّ، ولا بد في النكاح من الإِعلان، ولو بحضور حرين أو حر وحرتين مكلفين مسلمين سامعين مما لفظ العاقدين ولا نجيزه، ولا تعتبره ولا نصححه، بل نقول بفساده وبطلانه؛ لأنه - ﷺ - قال: \"لا نكاح إلا\n_________\n(٥٣٤) إسناده ضعيف: أخرجه الشافعي في الأم (٥/ ٢٢) والبيهقي في معرفة السنن والآثار (١٠/ ١٣٦٤٠) وقال: هذا عن عمر منقطع والذي روى سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن وسعيد بن المسيب أن عمر قال: لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل.\n(١) التقريب (١/ ٥٠٦).","vol":"3","page":27},{"text":"بولي وشاهدي عدل\" رواه أحمد (١) والطبراني (٢) والبيهقي (٣) وغيرهم وإسناده صحيح ولو كنتَ أي: أيها الرجل تَقَدَّمْتَ فيه أي: فعلت قبل ذلك مثله وسبقت غيري لَرُجِمْتَ بصيغة المجهول لأن الشهادة لم تتم فيه وقد أجازه الكوفيون بشهادة رجل وامرأتين، وقال مالك: لا دخل للنساء في النكاح، وإنما يصح بشهادة عدلين إلا أن مالكًا أجاز العقد بدون شهادة ثم يشهد أن قبل الدخول، كذا قاله الزرقاني.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه أبو الزبير المكي عن عمر بن الخطاب ﵁ لأن النكاح لا يجوز في أقلّ من شاهِدَيْن، أي: حقيقة أو حكمًا وإنما شهد على هذا أي: على نكاح الرجل الذي ردّه عمر؛ أي: أبطله رجل وامرأة، أي: فالناقص من نصاب الشهادة امرأة أخرى فهذا نكاح السِّرِّ؛ لأن الشهادة لم تكمل، بضم الميم أي: لم تتم لما قدمناه (ق ٥٧٢) ولو كملت بضم الميم أي: وإن تمت الشهادة أي: نصابها برجلين أو رجل وامرأتين كان نكاحًا جائزًا، وإن وصلية كان سِرا، أي: خفيًا عن غيرهما وإنما يَفْسُد نكاح السِّرِّ، أن يكون بغير شهود، أي: كاملين فأما إذا كملت فيه الشهادة؛ فهذا نكاح العَلانِيَة، وإن وصلية كانوا أي: أهل للعقد أسَرُّوه والحاصل إن لم يشترط كون النكاح علانية بالنسبة إلى جميع القبيلة وأهل القرية أو المحلة، وقال أهل المدينة: يجوز النكاح بغير شهود إذا أعلنوا؛ لأن ابن عمر زوج ولم يحضر شاهدين وزوج الحسن بن علي بن الزبير وما معهما أحد كذا قاله ابن المنذر، ولعلهما وعدا الزواج فحمل على حقيقة جمعًا بين الأحاديث، ففي الترمذي (٤) عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - قال: \"البغايا اللاتي ينكحن أنفسهن بغير بينة، والبغايا الزواني\" وروى عنه أيضًا مرفوعًا: أنه قال: \"لا نكاح إلا ببينة\" وفي كتاب الرحمة: لا يصح النكاح إلا بشهادة عند الثلاثة، وقال مالك: يصح من غير شهادة، إلا إنه اعتبر وترك التراضي بالكتمان حتى عقد في السر واشترط كتمان النكاح فسخ عند مالك وعند الثلاثة لا يضر كتمانهم مع حضور الشاهدين، كذا قاله علي القاري.\n* * *\n_________\n(١) أحمد (٤/ ٣٩٤، ٤١٣، ٤١٨) (٦/ ٢٦٠).\n(٢) الطبراني في الكبير (٨/ ٣٥١) (١١/ ٣٤٠) (١٢/ ٦٤).\n(٣) البيهقي (٧/ ١٠٧، ١٠٨).\n(٤) الترمذي في السنن (١١٠٣) وقال: قال يوسف بن حماد: رفع عبد الأعلى هذا الحديث في التفسير وأوقفه في كتاب الطلاق ولم يرفعه.","vol":"3","page":28},{"text":"٥٣٥ - قال محمد: أخبرنا محمد بن أبان، عن حَمَّاد، عن إبراهيم، أنَّ عمر بن الخطاب أجاز شهادة رجل وامرأتين في النكاح والفُرْقَة.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• قال محمد: أخبرنا محمد بن أبان، بفتح الهمزة والموحدة المخففة فألف ونون، يعرف ويمنع أي: ابن إسحاق الأسدي النحوي الكوفي ثقة، تكلم فيه الأزدي بلا حجة، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل الكوفة، وهي في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، كذا قاله ابن حجر في (تقريب التهذيب) (١) وسيد علي في (خلاصة الهيئة)، ما الحكمة في إظهار النكاح بين يدي الشهود؟ يقال: إن الله لما خلق حواء بأحسن صورة وانتشر نور وجهها في السموات السبع والجنة واشتاقت الملائكة إلى رؤيتها، فأرادوا أن ينالوا من بركتها، فأمر الله بالعاقدة بين يدي الشهود بين آدم وحواء، وأمر جبريل بأن يخطب فخطب جبريل حتى سمع أهل السموات خطبته، فصار ذلك أصلًا لا ولادة. كذا في (خواتم الحكم) عن حَمَّاد، بن مسلم أبي سليمان الأشعري مولاهم أبي إسماعيل الكوفي، فقيه صدوق له أوهام كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل الكوفة، كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، مات سنة عشرين ومائة عن إبراهيم، بن يزيد النخعي بن الأسود بن عمرو بن ربيعة بن الحارث بن سعد بن مالك كان من أجلاء التابعين، وكان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، وروى عن عائشة ﵂ في حال الصباوة ولم يسمع عنها، وأدرك الصحابي، مات سنة ست وتسعين وقبل سنة خمس ومائة، وهو ابن ست وأربعين. كما قاله المؤرخون أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ أجاز شهادة رجل وامرأتين في النكاح والفُرْقَة أي: وفي الفسخ وما يتعلق بها من الرجوع ونحوه.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه إبراهيم النخعي عن عمر بن الخطاب ﵁ وهو قولُ أبي حنيفة رحمه الله تعالى.\n_________\n(٥٣٥) إسناده حسن.\n(١) التقريب (١/ ٤٦٥).","vol":"3","page":29},{"text":"وقال الشافعي: لا ينعقد النكاح بحضور حر وحرتين؛ لأن عنده شهادة في غير المال (ق ٥٧٣) وتوابعه لا تقبل، وبه قال أحمد.\nلما فرغ من بيان الحكم في نكاح السر من غير حضور الشاهدين عند العقد، شرع في بيان حكم حال الرجل يجمع بين المحارم من النساء بالنكاح وملك اليمين.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-249>باب الرجل يجمع بين المرأة وابنتها، وبين المرأة وأختها في ملك اليمين</span>\nفي بيان حكم حال الرجل يجمع بين المرأة وابنتها وبين المرأة وأختها في ملك اليمين قيد للمسألتين ومتعلق بجمع، وهذا الجمع جائز، وأما الجمع بينهما في النكاح والوطء فغير جائز، قال التمرتاشي في (تنوير الأبصار): حرم الجمع نكاحًا وحدة، ولو من طلاق بائن وطئًا بملك يمين بين امرأتين أيتهما فرضت ذكرًا لم تحل له الأخرى.\n٥٣٦ - أخبرنا مالك، حدثنا الزُّهْرِيّ، عن عُبَيْد الله بن عبد الله بن عُتْبَةَ، عن أبيه، أن عمر سُئِل عن المرأة وابنتها، مما مَلَكَتْ اليمين، أتُوطَأ إحداهما بعد الأخرى؟ قال: لا أحب أن أجِيزهما جميعًا، ونهاه.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا حدثنا الزُّهْرِيّ، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، ثقة فقيه ثبت تابعي، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة عن عُبَيْد الله بضم العين مصغرًا ابن عبد الله بفتح العين ابن عُتْبَةَ، بضم العين المهملة وسكون الفوقية ابن مسعود الهذلي المدني، الثقة المثبت، أحد الفقهاء عن أبيه، أي: عن عبد الله بن عتبة الهذلي عبد الله بن مسعود، ولد في عهد النبي - ﷺ - وثقه العجلي وجماعة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين مات سنة أربع وتسعين، وقيل سنة ثمان، وقيل غير ذلك. كذا في (تقريب التهذيب) (١) أن عمر بن الخطاب رضي الله\n_________\n(٥٣٦) إسناده صحيح.\n(١) التقريب (١/ ٣٧٢).","vol":"3","page":30},{"text":"عنه سُئِل عن المرأة وابنتها، مما مَلَكَتْ اليمين أي: يمين الرجل بشراء ونحوه، وإيثار السائل كلمة \"ما\" على من إجراء النساء مجرى غير العقلاء لكثرة حب الشهوات فيهن من الأكل والشرب واللباس وغير ذلك، أو إرادة معنى الوصفية فيهن، فإن كلمة \"ما\" وضعت لما لا يعقل، وقد يراد بها الصفة؛ فإنها تقع استفهامًا للسؤال عنها، فتقول: زيد ما هو؟ فيجاب: بعالم أو جاهل بخلاف \"من\"، فإنها تختص بذوي العلم، وقد أريد هنا الصفة، فالصفة لهن الفتنة على الرجال كثيرًا قال رسول الله - ﷺ -: \"ما تركت بعد فتنة أضر على الرجال من النساء\" (١) رواه البخاري عن أبي أمامة ﵁ أتُوطَأ إحداهما بعد الأخرى؟ أي: ما الحكم فيه قال: أي: عمر كذا في (الموطأ) لمالك لا أحب أن أخبرها بفتح الهمزة وسكون الخاء المعجمة وضم الموحدة أطاؤهما، يقال للحراث: خبير ومنه المخابرة وفي نسخة: \"أجِيزهما\" بضم الهمزة وكسر الجيم وسكون التحتية وفتح الزاي المعجمة من الإِجازة جميعًا، قوله: ونهاه عطف على قال أي: نهى عمر بالسائل نهي تحريم عن الجمع بينهما وطأ والمعنى: إنه لا يطأ واحدة حتى يحرم الأخرى بعتقهما أو بعتق بعضهما أو بتمليك جميعهما أو بعضها أو تزويجها أو بكتابتها.\n٥٣٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا الزُّهْرِيّ، عن قَبِيصَة بن ذؤيب، أن رجلًا سأل عثمان عن الأُخْتَيْن مما مَلَكَتْ اليمين، هل يُجمع بينهما؟ فقال: أحَلَّتهما آية وَحَرَّمَتهما آية؛ ما كنتُ لأصْنَعَ ذلك، ثم خرج، فلقي رجلًا من أصحاب رسول الله - ﷺ -، فسأله عن ذلك فقال: لو كان لي من الأمر شيء ثم أتيت بأحدٍ فعل ذلك؛ جعلته نَكَالًا، قال ابن شهاب: أراهُ عَلِيّا.\nقال محمد: وبهذا نأخذ لا ينبغي أن يُجمع بين المرأة وابنتها، ولا بين المرأة وأختها في مِلْك اليمين.\nقال عمار بن ياسر: ما حَرَّم الله من الحَرَائِر شيئًا إلا وقد حَرَّم من الإِماءِ مثله، إلا أن يجمعهنّ رجل، يعني بذلك: أنه يجمع ما شاءَ من الإِماءِ، ولا يحل له فوق أربع حرائر، وهو قولُ أبي حنيفة.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٨٠٨) ومسلم (٢٧٤٠).\n(٥٣٧) إسناده صحيح.","vol":"3","page":31},{"text":"• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا وفي نسخة: عن الزُّهْرِيّ، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري المدني ثقة فقيه، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، عن قَبِيصَة بفتح القاف وكسر الموحدة وسكون التحتية وفتح الصاد المهملة ابن ذؤيب، بذال معجمة وبفتح الهمزة المخففة، أو مبدلة وسكون التحتية فموحدة مصغر ذويب بن حلحة بمهملتين مفتوحتين بينهما لام ساكنة الخزاعي، يكنى أبا (ق ٥٧٤) سعيد أو أبا إسحاق المدني، نزيل دمشق من أولاد الصحابة، وله رؤية، مات سنة بضع وثمانين، كذا في (تقريب التهذيب) أن رجلًا سأل عثمان بن عفان ﵁ عن الأُخْتَيْن مما مَلَكَتْ اليمين، أي: بالشراء أو بالإِثراء: الهبة هل يُجمع بينهما؟ في وطء أي: يجوز الجمع بينهما ملكًا بالإِجماع وقال: أحَلَّتهما آية وهي قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] أي: ملكًا يمينًا لا نكاحًا، وقال غيره: هي قوله تعالى في سورة المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٥، ٦] وقيل: هذا أقرب، ولو أراد ما قال ابن حبيب لقال: أحلتهما آيتان وَحَرَّمَتهما آية؛ وهي قوله تعالى في سورة النساء أيضًا: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] بلا خلاف وبعد أن بين لسائله اختلاف الآيتين أخبره بما اختاره هو بقوله: ما كنتُ لأصْنَعَ واللام جواب القسم المقدر، أي: والله ما كنت لأفعل ذلك، أي: الجمع بين الأختين في الوطء ولا جوزه قال قبيصة: ثم خرج، أي: الرجل السائل من عند عثمان بن عفان فلقي رجلًا أي: آخر من أصحاب رسول الله - ﷺ -، فسأله عن ذلك أي: عما تقدم ليرى ما عنده من العلم فعلمان خير من علم واحد، والصحابة كانوا مجتهدين في أمر الدين فقال أي: الرجل المسئول لو كان لي من الأمر شيء أي: من الحكومة بالعقوبة ثم أتيت بصيغة المجهول، أي: جئت بأحدٍ فعل ذلك؛ أي: الجمع بين المحارم بالنكاح أو الوطاء جعلته نَكَالًا، أي: صيرته بعذابي عبرة مانعة من ارتكاب مثل ما فعل وموعظة، ومنه قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٦٦] قال الأزهري: النكال العقوبة التي ينكل الناس عن فعل ما جعلت له جزاء قال أبو عمر: لم يقل حددته حد الزنا؛ لأن المتأول ليس بزان إجماعًا، وإن أخطأ الإِمام لا يقدر بجهله، وهنا شبه قوية وهي قول عثمان وغيره.\nقال ابن شهاب: أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري أراهُ بضم الهمزة أي:","vol":"3","page":32},{"text":"ظن الرجل المسئول من أصحاب النبي - ﷺ - عَلِيّا ﵁؛ لأنه يوافق عثمان في هذه المسألة، ولا يبعد أن يكون الرجل هو ابن مسعود إذ سئل عن الرجل يجمع بين الأختين المملوكتين في الوطء كرهه فضل الله تعالى بقوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] فقال: وبعيرك أيضًا مما ملكت يمينك، والمعنى أن قوله تعالى: ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] ليس على عمومه بل المراد ما ملكت أيمانكم من النساء وغيرها المذكور فيما سبق، وتقدم تحريم الأختين ولا يلزم من جواز وطء الأم والبنت والأخت بملك اليمين، وهو خلاف الإِجماع ونص القرآن؛ ولهذا سئل وهب بن منبه من تلاميذ أبي حنيفة، ومن أهل اليمين، ومنقبته في طبقات ابن الجوزي عن وطء الأختين المملوكتين، فقال في التوراة: يكفر من جمع بين الأختين المملوكتين، وما فصل لنا حرتين ولا مملوكتين على أن الأظهر إنه استثناء الأساري من النساء، خصوصًا على القاعدة الحقيقية أن يكون الاستثناء من الجملة الأخيرة، كما حقق في قوله تعالى في سورة النور: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ الآية [النور: ٤، ٥]، والأصل في الاستثناء أن يكون متصلًا.\nوأما قول البيضاوي: فرجح على التحريم وعثمان التحليل وقول علي ﵁ أظهر؛ لأن آية التحليل مخصوصة في غير ذلك، ولقوله - ﷺ - (ق ٥٧٥): \"ما اجتمع الحلال والحرام إلا غلب الحرام\" فغير مستقيم من وجهين؛ لأن عثمان وعليًا قد اتفقا على التحريم كما تقدم والحديث الذي ذكره لا أصل له، كما صرح به السيوطي.\nقال محمد: وبهذا نأخذ كله أي: لا نعمل إلا بما رواه الزهري عن قبيصة بن ذؤيب بجميعه لا ينبغي أي: لا يحل لأحد أن يُجمع بين المرأة وابنتها، ولا بين المرأة وأختها أي: وطأ ونكاحًا في مِلْك اليمين أي: وجدنا في ملك اليمين.\nقال عمار بن ياسر: ﵁ ما حَرَّم الله من الحَرَائِر شيئًا إلا وقد حَرَّم من الإِماءِ مثله، إلا أن بفتح الهمزة وسكون النون خفيفة من الثقيلة وضمير الشأن محذوف يجمعهنّ رجل، إلى هنا كلام عمار بن ياسر، ولما كان الجمع مبهمًا بينه قوله: يعني أي: يريد عمار بن ياسر بذلك: أي: بقوله: إلا أن يجمعهن أنه يجمع ما شاءَ من الإِماءِ، أي: في ملك اليمين من غير اعتبار عدد ولو تجاوز عن ألف ولا يحل له فوق أربع حرائر، أي:","vol":"3","page":33},{"text":"من النساء وهو أي: عدم الحل فوق أربع حرائر من النساء قولُ أبي حنيفة أي: وكافة الفقهاء من أهل السنة والجماعة، وإنما خص بذكر قول أبي حنيفة اعتناء بشأن أبي حنيفة، أو يقال: اكتفى المصنف عن الأدنى بذكر الأعلى عنده.\nلما فرغ من بيان حكم حال الرجل يجمع بين المرأة وابنتها وبين المرأة وأختها في ملك النكاح، وفي ملك اليمين وطأ، شرع في بيان حكم حال الرجل ينكح ولا يطاءها لعلة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-250>باب الرجل ينكح المرأة ولا يصل إليها لعلة بالمرأة أو الرجل</span>\nفي بيان حكم حال الرجل ينكح المرأة، أي: يتزوجها ولا يصل إليها أي: لا يقدر أن يطأها لعلة أي: وجدت بالمرأة كالرتق، أو العلة وجدت بالرجل وهي كالعنة والجباب أو لعلة وجدت فيهما كالجنون ونحوه.\n٥٣٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، أنه كان يقول: مَنْ تَزَوَّجَ امرأة فلم يستطع أن يمسها، فإنَّه يُضْرَبْ له أجَلُ سَنَةٍ، فإن مَسَّها، وإلا فُرِّقَ بينهما.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، إن مضت سنة ولم يمسَّها، خُيِّرَت، فإن اختارته فهي زوجته، ولا خِيَارَ لها بعد ذلك أبدًا، وإن اختارت نفسها فهي تطليقة بائنة، وإن قال: إني قد مَسستُها في السَّنَة، إن كانت ثَيِّبًا فالقول قوله، مع يمينه، وإن كانت بِكْرًا نَظَرَ إليها النساء، فإن قالوا: هي بِكْرٌ، خُيِّرت، بعد ما تُحَلَّف بالله ما مَسَّها، وإن قالوا: هي ثَيِّبٌ، فالقول قوله مع يمينه، لقد مَسَّها، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، بن أنس بن مالك بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، صاحب المذهب يعني كان من بني ذي أصبح، وهو ملك من ملوك اليمن، وكان في الطبقة السابعة\n_________\n(٥٣٨) إسناده صحيح: هو في رواية أبي مصعب الزهري رقم (١٦٨٥) وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٦/ ٢٥٣).","vol":"3","page":34},{"text":"من كبار أتباع التابعين من أهل المدينة، وله تسعون سنة أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري المدني ثقة فقيه، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة عن سعيد بن المسيب، بن حزن بن وهب بن عمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي أحد العلماء الأثبات من فقهاء المدينة، كان في الطبقة الأولى من كبار التابعين من أهل المدينة، مات بعد التسعين بيسير وهو ابن أربع وثمانين سنة كما قاله ابن حجر (١) وابن الجوزي أنه كان يقول: مَنْ تَزَوَّجَ امرأة فلم يستطع أي: لم يقدر أن يمسها، أي: يجامعها لمانع به بأن يكون عنينًا أو خصيًا فإنَّه يُضْرَبْ أي: يقطع له أجَلُ سَنَةٍ، أي: قمرية على الأصح؛ لأن فيها أربعة فصول: فصل الربيع، وفصل الخريف، وفصل الصيف، وفصل الشتاء لعلة يقدر أن يجامعها في فصل منها، والسنة القمرية ثلاثمائة وأربعة وخمسون يومًا، وصححه في الواقعات والوالجية، وهو ظاهر الرواية كما في الهداية، وقيل: سنة شمسية، وهي تزيد عن القمرية بأحد عشر يومًا.\nقال صاحب (الخلاصة): وعليه الفتوى، كما في (منح الغفار) فإن مَسَّها، أي: جامعها، ولو مرة قرت وإلا أي: وإن لم يمسها فُرِّقَ بينهما أي: فرق القاضي بينهما إن طلبته وتبين مطلقة.\nوقال أحمد: يفسخ ثم لها كل المهر إن خلا بها ونصفه إن لم يخل بها.\nوقال الشافعي: (ق ٥٧٦) لا يجب شيء من المهر ولا متعة؛ لأنه فسخ عنده، وتجب العدة، وبه قال مالك والشافعي وأحمد، وقد روى ابن أبي شيبة في (مصنفه) عن هيثم عن محمد بن مسلم عن الشعبي أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى شريح أن يؤجل العنين سنة من يوم يرفع إليه، فإن استطاعها فبها، وإلا فخيرت المرأة، فإن شاءت أقامت، وإن شاءت فارقه، وروى أيضا عن علي ﵁ وابن مسعود والمغيرة بن شعبة ﵃: أن العنين يؤجل سنة.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله سعيد بن المسيب، من سادات التابعين وهو قولُ أبي حنيفة، إن مضت سنة ولم يمسَّها، خُيِّرَت، أي: بين المقام عنده والمفارقة عنه فإن اختارته أي: بعد ظهور عيبه فهي زوجته، أي: بلا طلاق ولا فسخ ولا\n_________\n(١) التقريب (١/ ٢٤١).","vol":"3","page":35},{"text":"خِيَارَ لها بعد ذلك أبدًا، أي: الرجوع إلى المطالبة بخلاف ذلك في إسقاط حقها بالنفقة والحضانة، فإن لها الرجوع بعد ذلك، والفرق ظاهر لا يخفى، والمجرب لا يجرب وإن اختارت نفسها فهي تطليقة بائنة، والمعنى فرق بينهما ويقع طلقة بائنة حتى لو تزوجها بعد تفريق القاضي، لم يكن لها خيار لرضاها بحاله، بل لو تزوج امرأة أخرى عالمة بحاله ففي الأصل: لا خيار لها، وعليه الفتوى لعلمها بعيبه، وبه قال أحمد والشافعي في القديم وإن قال: إني قد مَسستُها بكسر السين الأولى وتفتح أي: جامعتها في السَّنَة، أي: في أثنائها إن كانت أي: المرأة ثَيِّبًا فالقول قوله، مع يمينه، وإن كانت بِكْرًا نَظَرَ إليها النساء، أي: العارفات فإن قالوا: هي بِكْرٌ، خُيِّرت، بعد ما تُحَلَّف بالله ما مَسَّها، أي: لم يجامعها ولو بالإِنزال وبدونه مع قيام ذكره، ولعل هذا هو يمين استظهار وإن قالوا: هي ثَيِّبٌ، فالقول قوله مع يمينه، لقد مَسَّها، والحاصل فيه إذا كانت ثيبًا فالقول قوله ابتداء وانتهاء مع يمينه، فإن كل ابتداء يؤجل سنة، وإن كل في الانتهاء تخيرت المرأة، وإذا كانت بكرًا تقول النساء: يؤجل في الابتداء ويخير في الانتهاء وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n* * *\n\n٥٣٩ - أخبرنا مالك، حدثنا مُجَبَّر، عن سعيد بن المسيَّب، أنَّه قال: أيُّمَا رجل تزوّج امرأة وبه جُنون أو ضُرّ، فإنها تُخَيَّر، إن شاءَت قَرَّت، وإن شاءَت فَارَقَتْ، ولا خِيَارَ لها إلا في العِنِّين والمَجْبُوب.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا مُجَبَّر، بضم الميم وفتح الجيم وتشديد الموحدة المفتوحة والراء المهملة تابعي صرعه بعيره وكسر ساقه فشده بخشبات عن سعيد بن المسيَّب، بن حزن بن وهب بن عمرو بن عامر بن مخزوم، القرشي المخزومي أحد العلماء الأثبات، كان في الطبقة الأولى من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات بعد التسعين بيسر ابن أربع وثمانين سنة، كما قال ابن الجوزي وابن حجر (١) أنَّه قال: أي: مرسلًا أيُّمَا رجل تزوّج امرأة وبه جُنون أي: مسلوب عقله أو ضُرّ، بضم الضاد\n_________\n(٥٣٩) هو في الموطأ برواية أبي مصعب الزهري (١٦٠٩) ورواية يحيى (٥٦٣).\n(١) التقريب (١/ ٢٤١).","vol":"3","page":36},{"text":"المعجمة والراء المهملة المشددة، أي: ضرر آخر كالبرص والجزام فإنها تُخَيَّر، إن شاءَت قَرَّت، أي: أقامت معه وقامت وإن شاءَت فَارَقَتْ، أي: عنه بالمطالبة لما ينالها من الضرر وتخيرها نفسه.\nقال الخطيب الدمشقي: في (تلخيص المفتاح) ويسأل بأيهما يميز أحد المتشاركين في أمر يعمهما، والمراد بالأمر مضمون ما أضيف إليه (ق ٥٧٧) كلمة أي: كقوله تعالى في سورة مريم: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا﴾ [مريم: ٧٣] أي: تخير أصحاب محمد، فالمؤمنون والكافرون قد اشتركا في الفريقين وسألوا عما يميز أحدهما عن الآخر، مثل الكون كافرين قائلين لهذا القول، ومثل الكون أصحاب محمد - ﷺ - كما قاله سعد الدين التفتازاني في شرحه فأي مرفوع مضاف إلى موصوف ورجل صفته، وتزوج رجل وبه جنون خبر مقدم ومبتدأ مؤخر مرفوع محله؛ لأنه خبر لأي فمحل كلمة \"أي\" منصوب على أنه مقول قال، ورجل جنس شامل إلى رجل واحد وأكثر منه، وهم مشاركون في الرجولية يميز بعضهم عن بعض بصفة الجنون وغيره من العقل والعلم.\nقال محمد: إذا كان أي: عيبه أمرًا لا يحتمل بصيغة المجهول، أي: لا يمكنها المقام معه إلا بضربها خيرت، فإن شاءت أي: أقامت معه وإن شاءت قرت فارقت، وإلا أي: وإن كان عيبه أمر يحتمل، كما في نسخة فلا خِيَارَ لها وفي نسخة: ولا خيار بالواو إلا في العِنِّين وهي بكسر العين وكسر النون الأولى الممدودة المشددة على وزن دليل: من لا يريد النساء، والاسم منه العُنة بالضم، كما في اللغة، وفي الشرع عندنا: من لا يصل إلى النساء مع وجود الآلة أو من يصل إلى الثيب دون البكر، أو إلى بعض النساء دون بعضها وذلك لمرض به أو لضعف في خلقته أو لكبر في سنه، أو في غير ذلك، وعند مالك: العنين من لا يأتي بذكره الجماع لصغره والمَجْبُوب أي: الخصيِّ سواء كان مسلولًا وهو الذي سلت خصيتاه أو موجودًا وهو الذي قطعت خصيتاه، فهو كالعنين في التأجيل؛ لأن الوطء منه متوقع ففرق حالًا يطلبها، فيتعين أن يحمل المجبوب على الخصي بنوعيه، فإنه حقيقة أو حكمًا.\nوالحاصل أنه إذا كان بالزوج جنون أو برص أو جزام، فلا خيار عند أبي حنيفة وأبي يوسف وقال محمد: لها الخيار دفعًا للضرر عنها، كما في الجب والعنة بخلاف جانبه؛ لأنه يتمكن من دفع الضرر عنه بالطلاق، ولهما أن الأصل عدم الخيار لما فيه من إبطال حق","vol":"3","page":37},{"text":"الزوج وإنما ثبت في الجبة والعنة، لأنهما تخلان بالمقصود والمشروع له بالنكاح وهذه العيوب غير مخلة به فافترقا، كذا في (الهداية).\nلما ذكر ما يتعلق بأحكام حال الرجل ينكح المرأة ولا يجامعها لعلة معه، شرع بذكر ما يتعلق بنكاح البكر البالغة، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-251>باب البكر تستأمر في نفسها</span>\nفي بيان ما يتعلق بحكم نكاح البكر تستأمر بصيغة المجهول في نفسها أي: تستأذن وتطلب أمرها في حق نكاحها إذا كانت عاقلة بالغة.\n٥٤٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن الفَضْل، عن نافع بن جُبَيْر، عن ابن عباس، أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"الأيم أحَقُّ بنفسها من وَلِيِّها، والبكْرُ تُسْتَأمر في نفسها، وإذنها صُماتُها\".\nقال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، وذات الأب وغير ذات الأب في ذلك سواء.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا عبد الله بن الفَضْل، بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي المدني، ثقة من رجال الجميع، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة عن نافع بن جُبَيْر، بالتصغير ابن مطعم بن عدي القرشي النوفلي، يكنى أبا محمد وأبا عبد الله المدني، ثقة فاضل كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين، مات سنة تسع وتسعين ومائة كما في (تقريب التهذيب) (١) عن ابن\n_________\n(٥٤٠) صحيح: أخرجه مسلم (١٤٢١) وأبو داود (٢٠٩٨) والترمذي (١١٠٨) والنسائي (٦/ ٨٤) وابن ماجه (١٨٧٠) وأحمد (١/ ٢١٩، ٢٤١) والدارقطني (٣/ ٢٣٩، ٢٤٠) وعبد الرزاق في المصنف (١٠٢٣٨) وابن أبي شيبة في المصنف (٤/ ١٣٦) والشافعي في المسند (٢/ ١٢) وفي الأم (٥/ ١٧) وسعيد بن منصور (٥٥٦) والدارمي (٢/ ١٣٨) والطبراني في الكبير (١٠/ ١٠٧٤٣) (١٠٧٤٤) (١٠٧٤٥) والبيهقي في الكبرى (٧/ ١١٨، ١٢٢) وفي معرفة السنن والآثار (١٠/ ١٣٥٦٦).\n(١) التقريب (١/ ٥٥٨).","vol":"3","page":38},{"text":"عباس، أي: كما رواه (ق ٥٧٨) الجماعة إلا البخاري عنه أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"الأيم بفتح الهمزة وكسر التحتية المشدودة والميم: امرأة لا زوج لها، سواء كانت بكرًا أو ثيبًا كما قاله محمد الواني في (ترجمة الجوهري). لكن المراد به هنا الثيب وهي أحَقُّ بنفسها، أي: أولى بها من وَلِيِّها، أي: لا تحتاج إلى رضى وليها إذا تزوجت كقولها وهي عاقلة بالغة أحق بالمشاركة أي: أن لها في نفسها في النكاح حقًا ولوليتها حقًا آكد من حقه، كما قاله النووي، وقال عياض: يحتمل من حيث اللفظ أن المراد إنها أحق في كل شيء من عقد وغيره، ويحتمل أنها أحق بالرضى أن لا تزوج حتى تنطق بالإِذن بخلاف البكر، لكن لما صح قوله - ﷺ -: \"لا نكاح إلا بولي\" (١) مع غيره من الأحاديث الدالة على اشتراط الولي تعين الاحتمال الثاني أن المراد أحق بالرضا دون العقد، وأن حق الولي في العقد، ودل أفعل التفضيل المقتضى المشاركة أن لوليها حقًا، لكن حقها آكد، وحقها أن لا يتم ذلك إلا برضاها، كذا قاله السيد الشريف محمد الزرقاني (٢).\nوالبكْرُ أي: البالغ، وفي رواية شعبة عن مالك واليتيمة مكان البكر تُسْتَأمر في نفسها، أي: يطلب وليها إذنها في حق نكاحها تطييبًا لنفسها، سواء كان وليها أباها أو غيرها وإذنها صماتها بضم الصاد المهملة أي سكوتها وفي (المصباح) أن وإذنها صُماتُها\" مثل زكاة الجنين زكاة أمه، قوله: والبكر تستأمر في نفسها شاهد للترجمة، وفي هذا الحديث إشعار بأن الزيادة في نصاب الشهود لا تضر بحكم الشهادة، بل تؤكدها في الدعوة كأنها تزكية بالشهود.\nقال ابن عبد البر (٣): هذا حديث رفيع المقام، وأصل من أصول الأحكام رواه عن مالك جماعة من الأجلة الفخام، منهم شعبة والسفيان ويحيى بن سعيد القطان وقيل: رواه عنه أبو حنيفة، ولا يصح كما نقله علي القاري عن السيوطي قال القرطبي: هذا منه - ﷺ - مراعاة لتمام صوتها وإبقاء لاستحيائها؛ لأنها لو تكلمت صريحًا لظن أنها راغبة في الرجال، وذلك لا يليق في البكر، واستحب العلماء أن تعلم أن صماتها إذن، واختلف\n_________\n(١) صحيح تقدم.\n(٢) في شرحه (٣/ ١٦٤).\n(٣) في التمهيد (١٩/ ٧٤).","vol":"3","page":39},{"text":"قول مالك في حل البكر هنا على اليتيمة، كما جاء مفسرًا في الرواية الأخرى وحمله على ظاهره، ولو ذات أب لكن على الندب لا للوجوب كما قاله الشافعي وأحمد وغيرهما، وقال الكوفيون والأوزاعي: يلزم ذلك في كل بكر.\nومفهوم الحديث أن ولي البكر أحق بها من نفسها؛ لأن الشيء إذا قيد بالنص أوصافه دل على أن ما عداه بخلافه، فقوله: في الثيب أحق بنفسها جمع نصًا ودلالة، والعمل بالدلالة واجب كوجوبه بالنص وإنما شرع للولي استئذانها تطييبًا لها لا وجوبًا بدليل جعله صماتها إذنها، والصمات ليس بإذن حقيقة وإنما جعل بمنزلة الإذن؛ لأنها قد تستحي أن تفصح، ورواه مسلم عن سعيد بن منصور وقتيبة بن سعد ويحيى التيمي الثلاثة عن مالك به، وأخرجه أحمد والشافعي وأصحاب السنن كلهم من طريق مالك، وتابعه زياد بن سعد عن عبد الله بن الفضل بإسناده بلفظ: \"الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر يستأذنها أبوها وإذنها (ق ٥٧٩) صماتها\"، وربما قال: \"وصماتها إقرارها\" رواه مسلم، كما قاله الزرقاني.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه ابن عباس ﵄ وهو قولُ أبي حنيفة، وذات الأب وغير ذات الأب في ذلك أي: في استئذان البكر البالغة بتزويجها سواء.\nوحاصله: أن تزويج البكر البالغة العاقلة بغير رضاها لا يجوز لأحد بحال، وعند الشافعي يجوز للأب والجد تزويجها بغير رضاها صغيرة كانت أو كبيرة، وبه قال مالك في الأب، وهو أشهر الروايتين عند أحمد في الجد، وقال مالك وأحمد في رواية أخرى: لا يثبت ولاية الإِجبار، ولا يجوز لغير الأب والجد تزويج الصغيرة حتى تبلغ وتأذن.\nوقال أبو حنيفة: يجوز لسائر العصبات تزويجها غير أنه لا يلزم العقد في حقها فيثبت لها الخيار. كذا قاله علي القاري.\n* * *\n\n٥٤١ - أخبرنا مالك، أخبرنا قَيْس بن الربيع الأسَدي، عن عبد الكريم\n_________\n(٥٤١) إسناده حسن.","vol":"3","page":40},{"text":"الجَزرِي، عن سعيد بن المسيَّب، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"تُسْتَأذَن الأبْكار في أنفسهنَّ ذَوَاتِ الأب، وغير الأب\".\nقال محمد: فبهذا نأخذ.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا قَيْس بن الربيع الأسَدي، يكنى أبا محمد الكوفي، صدوق تغير للكبر، وأخذ عنه ابنه ما ليس من حديثه فحدث به، كان في الطبقة السابعة من طبقات التابعين من أهل الكوفة، كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة من وجه الأرض، مات سنة بضع وستين بعد المائة من الهجرة عن عبد الكريم بن مالك الجَزرِي، يكنى أبا سعيد مولى بني أمية، وهو الخضرمي بالخاء المعجمة والضاد المعجمة نسبة إلى قرية من اليمامة، كانت في الإِقليم الثالث، وهو ثقة متقن، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل اليمامة، كانت بلدة من بلاد اليمن والجزيرة وهي جزيرة ابن عمر، وهي بلدة فوق الموصل بينها ثلاثة أيام، وهي في الإقليم الثالث، كما قاله في (معجم البلدان) عن سعيد بن المسيَّب، بن حزن بن وهب بن عمرو بن عامر بن عمران ابن مخزوم القرشي المخرومي، أحد العلماء الأثبات، كان في الطبقة الأولى من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات بعد التسعين بيسير وهو ابن أربع وثمانين سنة، كذا قاله ابن حجر وابن الجوزي قال: أي: مرسلًا اتفقوا على أن مرسلاته أصلح المراسيل وقال المدني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا من سعيد بن المسيب قال رسول الله - ﷺ -: \"تُسْتَأذَن الأبْكار في أنفسهن أي: يطلب الإذن من الأبكار في أمر من حقهن من النكاح وغيره إذا كن عاقلات بالغات ذَوَاتِ الأب، وغير الأب أي: سواء فيهن، وهو يحتمل أن يكون مرفوعًا أو مدرجًا من كلام سعيد بن المسيب ولذا لم يقل به الشافعي، وإلا فمراسيل سعيد بن المسيب حجة بلا خلاف.\nقال محمد: فبهذا نأخذ أي: لا نعمل إلا بما رواه سعيد بن المسيب.\nلما ذكر ما يتعلق بنكاح البكر، شرع في بيان حكم النكاح بغير ولي، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-252>باب النكاح بغير ولي</span>\nفي بيان حكم النكاح بغير ولي، وفي نسخة: إذن الولي، وهو عصبته على تربيتهم","vol":"3","page":41},{"text":"بشرط حرية وتكليف، ثم الأم ذو الرحم الأقرب فالأقرب، ثم مولى الموالات، ثم القاضي في منشورة تزويج الأيتام.\n٥٤٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا رجل، عن سعيد بن المسيب، قال: قال عمر بن الخطاب: لا يصلح لامرأة أن تُنكح إلا بإذن وليها، أو ذي الرأي من أهلها والسلطان.\nقال محمد: لا نكاح إلا بَوَليّ، فإن تَشاجَرَت هي والوَلِيّ، فالسُّلطان وَلِيّ مَنْ لا وَلِيّ له.\nوأما أبو حنيفة فقال: إذا وضعت نفسها في كفاءة ولم تُقَصِّر في نفسها في صَدَاق، فالنكاح جائز، ومن حُجَّته قول عمر هذا الحديث: \"أو ذي الرَّأي من أهلها\"، أنه ليس بوَلِيّ، وقد جاز نكاحه؛ لأنَّه إنما أراد أن لا تُقَصِّر بنفسها، فإذا فعلت هي ذلك جاز.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: أخبرنا رجل، ولم يذكر اسمه عن سعيد بن المسيب، قال: قال عمر بن الخطاب: ﵁ لا يصلح أي: لا يصح لامرأة أن تُنكح بصيغة المجهول إلا بإذن وليها، أي: الأقرب أو ذي الرأي من أهلها أي: ولو كان بعيدًا.\nقال مالك: في المدينة هو الرجل من العشيرة أو ابن العم أو المولى، وروى ابن نافع عنه أن الرجل من عصبتها، وقال ابن (ق ٥٨٠) الماجشون: العشيرة قد تعظم، إنما هو الرجل من البطن أو من بطن من أعتقها؛ لأن البطن ألصق من العشيرة أو السلطان لأنه ولي لمن لا ولي له، قال سعيد بن زيد الباجي المالكي: يهديه من له حكم من إمام أو قاض فيزوجها مع عدم الولي إمامه فروى أصبغ عن ابن القاسم: ليس له أن يزوج حتى يسأله، وإن امتنع بغير عذر زوجها، فإن بدر السلطان أو ذي الرأي من أهلها فأنكحها في المؤونة يمضي ورأي [حث] (١) عمر على المساواة، وحكى ابن حبيب عن ابن القاسم ورده أنه لو كان ذلك لرد قول مالك بتقديم الأبعد، وإنما معناه: إذا لم يكن لها ولي من القرابة.\n_________\n(٥٤٢) إسناده ضعيف: لإِبهام شيخ مالك.\n(١) في الأصل: حيث.","vol":"3","page":42},{"text":"وقال أبو عمر: اختلف أصحابنا في قول عمر هذا فقال بعضهم: كل واحد من هؤلاء يجوز نكاحه إذا أصاب وجه النكاح من الكفء والصلاح.\nوقال آخرون: على الترتيب لا على التخيير، كما قاله الزرقاني (١).\nقال محمد: لا نكاح أي: لا يصح النكاح إلا بوَليّ، فإن تَشاجَرَت أي: تنازعت هي والوَلِيّ أي: بأن رضيت هي دونه. فالسُّلطان وَلِيّ منْ لا وَلِيّ له أي: والولي المذكور عند مخالفته لها صار كالقدم.\nوأما أبو حنيفة فقال: إذا وضعت نفسها في كفاءة ولم تُقَصِّر في نفسها أي: في حقها في صَدَاق، أي: مهر مثلها فالنكاح جائز، أي: منفذ من غير اعتراض ولي عليها ومن حُجَّته أي: بعض أدلة أبي حنيفة ﵀ قول عمر ﵁ هذا الحديث: \"أو ذي الرَّأي من أهلها\"، أنه ليس بَوَلِيّ، أي: أقرب وقد جاز أي: عمر ﵁ نكاحه؛ أي: تزويج ذي الرأي لأنَّه إنما أراد أن لا تُقَصِّر بنفسها، أي: من اعتبار كفاءة وتمام مهر المثل، وفي نسخة: نفسها فإذا فعلت هي أي: بنفسها ذلك أي: ما ذكر من أمر الكفاءة ومهر المثل جاز أي: النكاح؛ لأن المقصود من المولى ذلك فإن المرأة قد تقصر في حقها، لنقصان عقلها وميل بعلها أن لا تلتفت إلى كدها وتمام مهرها، فإذا قامت بهما بنفسها فلا اعتراض لأحد عليها.\nوالحاصل: أنه ينفذ نكاح امرأة مكلفة ثيبًا كانت أو بكرًا ولو من غير كفء بلا ولي، وله اعتراض فيما لو زوجت نفسها من غير الكفء بأن يطلب من الحاكم التفريق بينهما للحوق الباذلة بمظاهرة غير الكفء وهذا كله عند أبي حنيفة، وكان أبو يوسف أولًا يقول: إن النكاح لا ينعقد إذا كان لها ولي، ثم رجع وقال: إن كان الزوج كفءً انعقد النكاح وإلا لم ينعقد، ثم رجع وقال: ينعقد سواء كان الزوج كفء أو لم يكن، وقال مالك: ينعقد إذا كانت خسيسة، وقال الشافعي وأحمد: لا ينعقد بعبارة النساء، لما تقدم، كما قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان حكم النكاح من غير وليها، شرع في بيان حكم النكاح بغير تقدير المهر، فقال: هذا\n* * *\n_________\n(١) في شرحه (٣/ ١٦٥).","vol":"3","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-253>باب الرجل يتزوج المرأة ولا يفرض لها صداقًا</span>\nفي بيان حكم حال الرجل يتزوج المرأة ولا يفرض من الإِفراض، أي: لا يقدر لها صداق بفتح الصاد المهملة أي: مهرًا ومات زوجها عنها ولم يدخل بها.\n٥٤٣ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن بنتًا لِعُبَيْد الله بن عمر، وأمها ابنة زيد بن الخطاب، كانت تحت ابن لعبد الله بن عمر، فمات ولم يُسَمِّ لها صَدَاقًا فقامت أمها تطلب صَدَاقها، فقال ابن عمر: ليس لها صَدَاق، ولو كان لها صَدَاق لم نمسكه، ولم نَظلمها، فأبَت أن تقبل ذلك، وجعلوا بينهم زيد بن ثابت، فَقَضَى ألَّا صداق لها، ولها الميراث.\nقال محمدٌ: ولسنا نأخذ بهذا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا حدثنا،، في نسخة: عن نافع، بن عبد الله المدني مولى ابن عمر ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة أن بنتًا لِعُبَيْد الله بالتصغير ابن عمر، وأمها بالرفع ابنة زيد بن الخطاب، وهو أخو عمر، والجملة معترضة، أسلم قبله، واستشهد (ق ٥٨١) قبله كانت تحت ابن لعبد الله بن عمر، فمات أي: ابن عبد الله، وهو زوجها ولم يُسَمِّ لها صَدَاقًا أي: مهرًا عند عقدها فقامت أمها تطلب صَدَاقها، أي: وكالة عنها فقال ابن عمر: ليس لها صَدَاق، أي: مهرًا مسمي من أصله ولو كان لها صَدَاق أي: تستحقها لم نمسكه، أي: لم نمنعه منها ولم نَظلمها، أي: لم ننقصها فأبَت أي: أمها تبعًا لها أن تقبل ذلك، أي: ترضى ما قاله ابن عمر من ليس لها صداق وجعلوا أي: قوم الزوج والزوجة حكمًا، وفي نسخة بالواو وبينهم زيد بن ثابت، أي: قاضيًا أو مفتيًا فقضى أي: حكم ألَّا صداق لها، أي: لبقاء بضعها ولها الميراث أي: بالموت، وهو الثمن إن ترك ولدًا وإلا فلها الربع مما ترك وبهذا قال علي وجمهور الصحابة.\nوقال جماعة منهم: يجب الصداق بالموت، وقاله الشافعي، وهو قول شاذ عندنا، ورجحه ابن العربي وغيره، لما في السنن لأبي داود والترمذي وقال: حسن صحيح عن\n_________\n(٥٤٣) إسناده صحيح.","vol":"3","page":44},{"text":"معقل بن يسار ﵁: أن بروع بنت واشق نكحت بلا مهر فمات زوجها قبل أن يفرض لها صداقا، فقضى لها - ﷺ - بمهر نساءها وبالميراث لكن قال مالك: ليس عليه العمل كذا قاله الزرقاني (١).\nقال محمدٌ: ولسنا نأخذ بهذا أي: بحكم زيد بن ثابت، وفي نسخة الشارح: بها أي: بحكومة زيد بن ثابت أو لا لمعارض له أقوى.\n* * *\n\n٥٤٤ - أخبرنا أبو حنيفة، عن حَمَّاد، عن إبراهيم النَّخَعِيّ، أن رجلًا تزوج امرأة ولم يَفْرِض لها صَدَاقًا، فمات قبل أن يدخل بها، فقال عبد الله بن مسعود: لها صداق مثلها من نسائها، لا وَكْسَ ولا شَطَط، فلما قضى قال: فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان، فقال رجل من جلسائه: بَلَغَنَا أنَّهُ مَعْقِل بن يَسَار الأشجعي، وكان من أصحاب رسول الله - ﷺ -: قَضَيْتَ والذي يُحْلَفُ به بِقَضَاءِ رسول الله - ﷺ - في بِرَوْعَ ابنة وَاشِق الأشْجَعِيّة.\nقال: ففرح عبد الله فَرْحَة ما فرح قبلها مثلها، لموافقة قوله قولَ رسول الله - ﷺ -.\nوقال مسروق بن الأجْدع: لا يكون ميراثٌ حتى يكون قبله صَدَاق.\nقال محمد: فبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا أبو حنيفة، أي: سلطان المجتهدين في المذاهب، وبرهان الأئمة في المشارق والمغارب الإِمام الأعظم، نعمان بن ثابت بن طاوس بن هرمز بن ملك بن شيبان، كان في الطبقة السادسة من طبقات صغار التابعين، ولد في عهد الصحابة سنة ثمانين من الهجرة، ولقي جماعة منهم كأنس بن مالك وعاص بن الطفيل وعبد الله بن الزهري وسهل بن سعد\n_________\n(١) في شرحه (٣/ ١٧٠) والحديث أخرجه أبو داود (٢١١٤) والترمذي (١١٤٥).\n(٥٤٤) إسناده صحيح.","vol":"3","page":45},{"text":"الساعدي، ونشأ في زمن التابعين، مات سنة خمس ومائة ببغداد، هي في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، وهو ابن سبعين سنة عن حَمَّاد، بن أبي سليمان مسلم مولى إبراهيم بن أبي موسى الأشعري الكوفي فقيه صدوق، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل الكوفة، كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة مات سنة عشرين ومائة، عن إبراهيم بن زيد النَّخَعِيّ، بن الأسود بن عمرو بن ربيعة بن الحارث بن سعد بن مالك، كان في الطبقة الرابعة، من كبار التابعين، من أهل الكوفة، مات سنة ست وتسعين من الهجرة، وهو ابن ست وأربعين سنة، كما قاله الاقتصاري في (طبقات الحنفية) أن رجلًا تزوج امرأة ولم يَفْرِض بكسر الراء أي: لم يقدر ولم يعين لها صَدَاقًا، فمات قبل أن يدخل بها، فقال عبد الله بن مسعود: أي: بعد اجتهاده شهرًا لها صداق مثلها من نسائها، أي: من نساء قومها في موافقة وصفها لا وَكْسَ ولا شَطَط، أي: لا نقصان ولا زيادة، فلما قضى أي: بما سبق قال: فإن يكن صوابًا فمن الله، أي: فهو بعض إلهاماته تعالى إلى وإن يكن خطأ فمني أي: من تحدث نفسي ومن الشيطان، أي: من وسوسته وهي الدعوة خفيفة لا تسمع والله ورسوله بريئان، أي: منزهان عن الخطأ، ولعله قال ذلك لئلا يتوهم أن حديثه هذا في حكم المرفوع، وذكر الله لتزين الكلام وذكر رسوله للتلذذ، والحال يجوز صدور الخط والنسيان عنه - ﷺ - وإلا لما دعا عند العرش في ليلة (ت ٥٨٢) المعراج بقوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] فقل رجل من جلسائه: أي: من رفقاء ابن مسعود لما كان بينهما بَلَغَنَا أنَّهُ أي: الرجل هو مَعْقِل بفتح الميم وسكون العين وكسر القاف ابن سنان بكسر أوله ابن مطهر الأشجعي، وكان أي: معقل من أصحاب رسول الله - ﷺ - نزل المدينة ثم الكوفة واستشهد بالحرة سنة ثلاث وستين، كذا في (تقريب التهذيب)، والجملة معترضة بين القول ومقوله وهو قَضَيْتَ أي: حكمت بابن مسعود والذي يُحْلَفُ به بصيغة المجهول قسيمت اعتراضية بِقَضَاء رسول الله - ﷺ - والمعنى قضيت بعين قضائه - ﷺ - ومثله في بِرَوْعَ ابنة بكسر الموحدة في المشهور على ما ذكره ابن الهمام، ويروي بفتحها وسكون الراء المهملة وفتح الواو والعين المهملة بنت وَاشِق الأشْجَعِيّة أي: الصحابية، قال بعض أهل اللغة: كسر الباء خطأ لأنه لا يؤخذ فعول بالكسر [الآخر دع بفتح معروف] (١) وعتود اسم واد عتود وزرود.\n_________\n(١) هكذا بالأصل.","vol":"3","page":46},{"text":"وقال بعضهم: رواه المحدثون بالكسر ولا سبيل إلى دفع الرواية، وأسماء الأعلام لا مجال للقياس فيها، فالصواب جواز الفتح والكسر كما في (المصباح) بل الكسر أولى؛ لأن رواية المحدثين أقوى من رواية اللغويين لقوة سند الأولين، وضعف معتمد الآخرين، وبهذا بطل قول صاحب (القاموس): لا يكسر.\nقال: أي: النخعي ففرح عبد الله أي: ابن مسعود ﵁ فَرْحَة أي: عظيمة ما فرح قبلها مثلها، أي: أبدًا وإنما فرح هذا الفرح لموافقة قوله قولَ رسول الله - ﷺ -.\nوقال مسروق بن الأجْدع: وهو أحد أكابر التابعين لا يكون ميراثٌ حتى يكون قبله صَدَاق يعني الميراث يتفرع على الصداق المتفرع على النكاح بمهر حقيقة أو حكمًا والميراث متفق عليه، فينبغي أن يكون الصداق كذلك.\nقال محمد: فبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه إبراهيم النخعي عن عبد الله بن مسعود ﵁ وهو أي: ما قاله النخعي قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا فإن قيل: ما الحكمة في وضع المهر للمرأة في النكاح، ولا مهر في ملك اليمين إذا وهبت أو سبيت، الجواب: أنه تعالى لما أدخل آدم الجنة أباح له الحوراء وجميع النعم إلا تلك الشجرة فلما خلق حواء أراد آدم صلوات الله على نبينا وعليه أن يمسها، فأوحى الله إليه أن لا يجوز ذلك إلا بيدك فقال آدم: وما بدلها وليس لي ملك فإن الجنة وما فيها ملك لك، فأوحى الله تعالى إليه أن صل على نبيي محمد - ﷺ - عشر مرات حتى تكون بدلًا لها، فصلى آدم صلوات الله على نبينا وعليه، على نبينا - ﷺ - عشر مرات؛ ولهذا قال مشايخنا: إن المهر لا يكون أقل من عشرة دراهم، كذا في (خواتم الحكم).\nلما فرغ من بيان حكم حال الرجل يتزوج امرأة ولا يقدر لها مهرًا، شرع في بيان حكم حال المرأة تتزوج في عدتها، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-254>باب المرأة تتزوج في عدتها</span>\nفي بيان حكم حال المرأة تتزوج في عدتها أي: بزوج آخر استنبط المصنف ﵀ هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الآية [البقرة: ٢٣٢] نزلت في","vol":"3","page":47},{"text":"معقل بن يسار حين طلق أبو الدحداح أخته ثم ندم فخطبها بعد عدتها فرضيت ومنعها أخوها أن تتزوج قوله: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي: انقضت عدتهن قوله: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ أي: لتحبسوهن ولا تمنعوهن قوله: ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ أي: الذين يرغبن فيهم ويصلحون لهن قوله: ﴿إِذَا تَرَاضَوْا﴾ أي: النساء والمريدون نكاحهن قوله: ﴿بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: بما يحسن في الدين من نكاح جديد ومهر (ق ٥٨٣) صالح وقيل: بمهر المثل كما فسرها شهاب الدين أحمد بن محمود السيواسي في (عيون التفاسير).\n٥٤٥ - أخبرنا مالك، أخرنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيَّب، وسليمان بن يَسَارٍ أنهما حَدَّثا: أن ابنة طَلْحَة بن عُبَيْد الله، كانت تحت رُشَيْد الثَّقَفِيّ، فطلَّقها، فنكحت في عِدَّتها أبا سعيد بن مُنَبِّهٍ أو أبا الجُلاس بن مُنَيَّة فضربها عمر، وضرب زوجها بالمِخْفَقَة ضَرَبَاتٍ، وفرَّقَ بينهما، وقال عمر: أيّما امرأة نكحت في عِدَّتها، فإن كان زوجها الذي تزوجها لم يدخل بها فرّق بينهما، واعتدت بقية عدتها من الأول، ثم كان خاطبًا من الخُطاب، وإن كان قد دخل بها، فرَّق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من الأول، ثم اعتدت عِدَّتها من الآخر، ثم لم ينكحها أبدًا، قال سعيد بن المسيب: ولها مهرها، بما استحل من فرجها.\nقال محمد: بلغنا أن عمر بن الخطاب رجع عن هذا القول إلى قول علي بن أبي طالب.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري التابعي المدني، ثقة فقيه، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة من وجه الأرض عن سعيد بن المسيَّب، بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات كان في الطبقة الأولى، من كبار طبقات التابعين، من أهل المدينة اتفقوا\n_________\n(٥٤٥) إسناده صحيح.","vol":"3","page":48},{"text":"على أن مرسلاته أصلح المراسيل، وقال المدني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه، مات بعد التسعين بيسير، وهو ابن أربع وثمانين سنة. كذا قاله ابن الجوزي وسليمان بن يَسَارٍ الهلالي المدني مولى ميمونة وقيل: أم سلمة، ثقة فاضل أحد الفقهاء السبعة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة، وقيل: قبلها، كما في (تقريب التهذيب) عطفه على سعيد بن المسيب، وهو تحويل من المصنف ومن مالك لتقوية الحكم، حيث قال أي: سعيد بن المسيب وسلمان بن يسار: حَدَّثا أي: ابن شهاب وغيره أن ابنة طَلْحَة بن عُبَيْد الله، هو أحد العشرة المبشرة كانت تحت رُشَيْد وفي نسخة: بفتح وكسر الثَّقَفِيّ، أي: نسبة إلى ثقيف قبيلة من الطائف ثم المدني الخضرمي فطلَّقها، فنكحت في عِدَّتها أي: قبل انقضائها رجل غيره فطلقها يعني به أبا سعيد وفي نسخة بغير ياء ابن مُنَبِّهٍ بضم الميم وفتح النون وتشديد الموحدة المكسورة فهاء أو أبا الجُلاس كغراب بن عمرو بن سويد صحابيان على ما في (القاموس) ابن مُنَيَّة بضم الميم وفتح النون وتحتية مشددة مفتوحة فتاء تأنيث، والشك من أحد الرواة فضربها عمر بن الخطاب ﵁ تعزيرًا، وقد ضربها لتحقق ذنبها وتقدم رضاها، وربما إنها غرت خطيبها بفراغها وضرب زوجها أي: لتقصيره فيها وعدم محصنه عنها بالمِخْفَقَة ضَرَبَاتٍ وهي بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الفاء والقاف شيء يضرب به، على ما في (القاموس) ويقال: خفقه إذا ضربه بشيء عريض كالدرة، كذا في (المصباح) ويقال لها باللسان التركي: توره وفرَّقَ بينهما، بتشديد الراء أي: حكم بالفراق بينهما وقال عمر أيضًا أي: كما ضربها وزوجها على ما في نسخة: أيّما امرأة وفي نسخة: \"أيتما\" بفتح الهمزة وتشديد التحتية المفتوحة والتاء الفوقية مضمومة فميم وألف، وكلمة \"أي\" مرفوعة على أنها مبتدأ واستفهامية متضمنة معنى الشرط، وما زائدة تأكيدة لإِبهام \"أي\" وامرأة مجرورة لإِضافة \"أي\" إليها فخبرها، وجوابها جملة، فإن كان زوجها نكحت على بناء المجهول وفي نسخة: أنكحت من باب الأفعال في عِدَّتها، متعلق بنكحت فإن كان زوجها الذي تزوجها أي: عقدها في عدتها لم يدخل بها أي: لم يجامعها بعد عقدها فرّق بينهما، أي: حكم بينهما القاضي بالتفريق واعتدت بقية عدتها من الأول، أي: من زوجها الأول، وأما الزوج الثاني فلا عدة له لعدم الدخول بها لقوله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ الآية","vol":"3","page":49},{"text":"[الأحزاب: ٤٩] ثم أي: بعد عدتها من زوجها الأول كان أي: الزوج الآخر بعد تمام العدة خاطبًا من الخُطاب، أي: طالبًا عقدها من الأجانب فتنكح من شاءت، ولا يكون الآخر أحق بها وإن كان أي: زوجها الآخر قد دخل بها، أي: جامعها فرَّق بينهما، ثم اعتدت أي: توقفت إلى أن تمت بقية عدتها من الأول، ثم (ق ٥٨٤) أي: بعد إتمام بقية عدتها من زوجها الأول اعتدت إلى أن تتم عِدَّتها من الآخر، بكسر الخاء المعجمة أي: لتقدر أن تزوج بزوج آخر ثم أي: بعد إتمامها عدة الزوج الثاني لم ينكحها أي: لا ينكحها الزوج الثاني أبدًا، أي: زجرًا له وسياسة في حقها جزاء لسرعته ومبادرتها إليه قبل انقضاء عدتها قال سعيد بن المسيب: ولها مهرها، أي: الأقل من المهر المسمى لها أو من مهر مثل بما استحل من فرجها أي: الزوج حيث دخلها، وأما إذا لم يدخل بها فلا مهر لها إذ نكاحها فاسد من أصله.\nقال محمد: بلغنا أن عمر بن الخطاب ﵁ رجح عن هذا القول إلى قول علي بن أبي طالب ﵁ أي: الذي يأتي بيانه.\n* * *\n\n٥٤٦ - أخبرنا الحسن بن عُمَارَة، عن الحكم بن عتيبة، عن مجاهد، قال: رجع عمر بن الخطاب في التي تُزَوَّج في عِدَّتها إلى قول عليّ، وذلك: أن عمر قال: إذا دخل بها فرّق بينهما، ولم يجتمعا أبدًا، وأخذ صَدَاقها فجُعل في بيت المال، فقال عليّ: لها صداقها بما استحل من فرجها، وإذا انقضت عِدَّتها من الأوَّل تزوجها الآخر إن شاء، فرجع عمر إلى قول عليّ.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• قال محمد: أخبرنا الحسن بن عُمَارَة، بضم العين المهملة وتخفيف الميم المفتوحة فألف وراء وتاء البجلي مولاهم، يكنى أبا محمد الكوفي قاضي بغداد متروك، كان في الطبقة السابعة من طبقات التابعين من أهل بغداد، وهي في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة من وجه الأرض مات سنة ثلاث وخمسين ومائة عن الحكم بن عتيبة، بضم العين المهملة وفتح\n_________\n(٥٤٦) إسناده ضعيف جدًا.","vol":"3","page":50},{"text":"التاء وسكون التحتية وفتح الموحدة والهاء، يكنى أبا محمد الكندي الكوفي، ثقة كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل الكوفة، كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة مات سنة ثلاث عشرة ومائة وله نيِّف وستون عن مجاهد، بن جبر بفتح الجيم وسكون الموحدة، يكنى أبا الحجاج المخزومي مولاهم المكي، ثقة إمام في التفسير وفي العلم، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل مكة، مات سنة إحدى أو اثنتين أو أربع بعد المائة وله ثلاث وثمانون، كما قاله ابن حجر في (تقريب التهذيب) (١) قال: رجع عمر بن الخطاب ﵁ عن حكمه السابق في التي أي: في حق امرأة تُزَوَّج في عِدَّتها أي: ودخل بها إلى قول عليّ بن أبي طالب ﵁ وذلك: أي: تفصيله وتوضيحه أن عمر قال: إذا دخل بها أي: الزوج الثاني فرّق بينهما، أي: بين المرأة وبين الزوج الثاني ولم يجتمعا أبدًا، أي: توبيخًا لهما وتأديبًا لهما وأخذ صَدَاقها أي: مهرها فجُعل في بيت المال، أي: لزيادة زجرها بحرمان أجرها فقال عليّ: كرم الله وجهه أي: زاد الله نور وجهه، قيل: وإنما دعي له بكرم الله وجهه؛ لأنه لم ينظر إلى عورته الغليظة أبدًا بغير ضرورة، وفي نسخة: ﵁ لها صداقها بما استحل أي: استمتع من فرجها، أي: ببعضها بنكاح فاسد وإذا انقضت عدَّتها من الأوَّل أي: من الزوج الأول تزوجها الآخر بكسر الخاء المعجمة أي: ينكحها الزوج بنكاح جديد إن شاء، أي: إذ لا عدة ثانية، وأما إذا زاد ثالث أن يتزوجها، فلا يجوز حتى تخرج من عدة الثاني فرجع عمر ﵁ إلى قول عليّ بن أبي طالب ﵁ فإن الحق أحق أن يتبع إذا ظهر، والمجتهد قد يخطئ وقد يصيب فيؤجر في كل منهما إذا كان خطؤه في العمليات، وإذا كان في الاعتقاديات فلا يؤجر ولا يعذر.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله على ﵁ وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا رحمهم الله تعالى.\n* * *\n\n٥٤٧ - أخبرنا يزيد بن عبد الله بن الهَادِ، عن محمد بن إبراهيم، عن\n_________\n(١) التقريب (١/ ٥٢٠).\n(٥٤٧) إسناده صحيح.","vol":"3","page":51},{"text":"سليمان بن يَسَار، عن عبد الله بن أبي أُمَيَّة: أن امرأة هَلَك عنها زوجها، فاعتدت أربعة أشهر وعشرًا، ثم تزوّجت حين حَلَّت، فمكثت عند زوجها أربعة أشهر ونصفًا، ثم وَلَدَت ولدًا تامّا، فجاء زوجها إلى عمر بن الخطاب، فدعا عمر نساء من نساءِ أهل الجاهلية قدماء، فسألهن عن ذلك، فقالت امرأة منهنّ: أنا أُخْبرك: أما هذه المرأة فهلك زوجها حين حملت، فَأُهْريقت الدماء، فَحَشَفَ وَلَدُها في بطنها، فلما أصابها زوجها الذي نكحته وأصاب الولدَ الماء، تحرّك الولد في بطنها، وكبر، فَصَدَّقها عمر بذلك، وفرَّق بينهما، وقال عمر: أما إنه لم يبلغني عنكما إلا خير، وأَلْحَقَ الولد بالأوّل.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، الولد ولد الأوّل، لأنها جاءت به عند الآخر لأقل من ستة أشهر، ولا تلد المرأة ولدًا تامّا لأقل من ستة أشهر؛ فهو ابنٌ للأوَّل، ويفرق بينها وبين الآخر، ولها المهر، بما استحلّ من فرجها: الأقَلُّ مما سمى لها ومن مهر مثلها، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا يزيد بن عبد الله بن (ق ٥٨٥) الهَادِ، بحذف الياء ويجوز إثباتها أو ابن أسامة الليثي يكني أبا عبد الله المدني ثقة مكثر، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة مات سنة تسع وثلاثين بعد المائة، كذا في (تقريب التهذيب) (١) عن محمد بن إبراهيم، بن الحارث بن خالد التيمي، يكنى أبا عبد الله المدني ثقة له أفراد، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة عشرين بعد المائة من الهجرة عن سليمان بن يَسَار، الهلالي المدني مولى ميمونة، وقيل: أم سلمة، ثقة فاضل أحد الفقهاء السبعة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة وقيل قبلها عن عبد الله بن أبي أُمَيَّة: أسند الخطيب البغدادي من طريق البغدادي قال محمد بن عمر: مات النبي - ﷺ - ولعبد الله بن أبي أمية ثمان سنين، كما قاله ابن حجر في (الإِصابة): أن امرأة هَلَك أي: مات عنها زوجها، فاعتدت أي: توقفت أربعة أشهر وعشرًا، أي: ليال ثم\n_________\n(١) التقريب (١/ ٦٠٢).","vol":"3","page":52},{"text":"تزوّجت حين حَلَّت، أي: خرجت من عدتها فمكثت عند زوجها أي: لبثت وقعدت عند زوجها الثاني أربعة أشهر ونصفًا، أي: نصف شهر ثم وَلَدَت ولدًا تامَّا، أي: كاملًا غير سقط ناقص الخلقة فجاء زوجها إلى عمر بن الخطاب، ﵁ أي: فأخبره بما جرى له في هذا الباب فدعا عمر نساء أي: جماعة من نساءِ أهل الجاهلية قدماء، فسألهن عن ذلك، أي: مما جرى هنالك فقالت امرأة منهنّ: أنا أُخْبرك: أي: بحقيقة الأمر أما هذه المرأة فهلك وفي نسخة الشارح: فإنما زوجها حين حملت، أي: حبلت فَأُهْريقت بضم الهمزة وسكون وفتحها، أي: صببت الدماء، فَحَشَّ بفتح الحاء المهملة وبفتح السين المعجمة المشددة، بمعنى يبس وَلَدُها في بطنها، كما يقال: أحشيت السيد إذا يبست وثلث، كما قاله محمد الواني في (ترجمة الجوهري) فلما أصابها أي: وطئها زوجها الذي نكحته على بناء الماضي للمجهول وأصاب أي: وصل الولدَ بالنصب على أنه مفعول مقدم على الفاعل اهتمامًا لشأنه: وهو الماء أي: مني زوجها، تحرّك الولد في بطنها، وكبر، بفتح الكاف وضم الموحدة، أي: جشم وظهر كبره وثقله، فإذا قرئ بكسر الموحدة يكون بمعنى أسن أي: طال عمره لكن المراد هو الأول هنا فَصَدَّقها عمر بذلك، أي: الخبر وفرَّق بينهما، أي: حكم أو أمر بالتفريق بينهما وقال عمر: أما بالتحقيق للتنبيه إنه أي: الشأن لم يبلغني عنكما إلا خير، أي: صلاح وديانة وإنما قال عمر هذا القول تطييبًا بقلبي الزوج والزوجة وترغيبًا بهما لإِطاعة الشرع وأَلْحَقَ الولد بالأوّل أي: سلمه بأقارب زوجها الأول توفر عنها، فإن قيل: كيف يصل ماء الزوج الثاني إلى الولد في بطن أمه وقد طبع الله فم الرحم، أجيب عنه بأن مائه يصل إليه فيه بالترشح، كما يجتمع البول في المثاني بالترشح كذا نقله الزيلعي عن الأطباء.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله عمر بن الخطاب ﵁ الولد ولد الأوّل، لأنها جاءت به أي: ولدته عند الآخر بفتح الخاء المعجمة وكسرها والأول أظهر فتدبر لأقل من ستة أشهر، اللام للتوقيت أي: زمان أقل من أقل مدة الحمل ولا تلد المرأة ولدًا تاما لأقل من ستة أشهر؛ لقوله تعالى في سورة الأحقاف: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] فأكثر الرضاع حولان، وأقل الحمل ستة أشهر فهو ابنٌ للأوَّل، (ق ٥٨٦) ويفرق أي: يحكم القاضي بالتفريق بينها وبين الآخر، أي: سواء","vol":"3","page":53},{"text":"دخل بها الزوج الثاني أو لم يدخل، ولا تتزوج حتى تلد الولد ولها المهر، بما استحلّ من فرجها: أي: وإن دخل بها كما هو الظاهر من بيان القضية الأقَلُّ مما سمى لها ومن مهر مثلها، أي: إن لم يسم لها وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\nلما فرغ من بيان حكم حال المرأة تتزوج في عدتها بزوج آخر، شرع في بيان حكم حال الرجل يعزل عند الجماع، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-255>باب العزل</span>\nفي بيان حكم حال الرجل يقصد العزل، هو أن يجامع الرجل امرأته فإذا قرب الإِنزال نزع الذكر وأنزل خارج الفرج.\n٥٤٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا سالم أبو النَّضر، عن عامر بن سعد بن أبي وقَّاص، عن أبيه، أنه كان يَعْزِل.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا أخبرنا سالم بن أبي أمية أبو النَّضر، مولى عمر بن عبيد بن معمر القرشي التيمي المدني، ثقة ثبت، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة تسع وعشرين بعد المائة من الهجرة عن عامر بن سعد بن أبي وقَّاص، الزهري المدني، ثقة كان في في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين، ابن الصحابي، مات سنة أربع ومائة عن أبيه، أي: عن سعد بن أبي وقاص ﵁، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة أنه كان يَعْزِل أي: عن نسائه أو إمائه، والثاني هو الظاهر وهو شاهد للترجمة.\n* * *\n\n٥٤٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا سالم أبو النضر، عن عبد الرحمن بن أفْلَح مولى أبي أيُّوب الأنصاري، عن أم ولد أبي أيوب، أن أبا أيوب كان يَعْزِل.\n_________\n(٥٤٨) إسناده صحيح.","vol":"3","page":54},{"text":"• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا سالم أبو النضر، بفتح النون وسكون الضاد المعجمة، مولى عمر بن عبيد الله بن معمر القرشي التيمي المدني، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، كذا قاله ابن حجر في (تقريب التهذيب) (١) والطيبي في (شرح مشكاة المصابيح) عن عبد الرحمن بن أفْلَح هو عمر بضم العين ابن كثير المدني، ثقة، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة مولى أبي أيُّوب اسمه خالد بن زيد، والمراد بالمولى ولاء الحليف يعني: عبد الرحمن بن أفلح حليف الأنصاري، كالإِمام مالك بن أنس، هو أصبحي صلبية وقيل له: التيمي لكون نفره أصبح مولى لتيم قريش بالحلف، وقيل: لأن جد مالك عمير بن أبي عامر، كان أجيرًا لطلحة بن عبد الله التيمي وطلحة محتلف بالتجارة كذا قاله عبد الرحيم بن الحسين العراقي في (شرح الألفية من الأصول) الأنصاري الصحابي شهد بدرًا، ونزل المدينة حين قدم النبي - ﷺ - فيها، مات غازيًا بالروم سنة خمسين، وقيل بعدها كذا في (تقريب التهذيب) وقبره الشريف خارج عن صور القسطنطينية نحو الميلين يزال الآن عن أم ولد أبي أيوب، أن أبا أيوب خالد بن زيد ﵁ كان يَعْزِل أي: ينزل المني خارج الفرج إذا وطئ؛ لأنه كان يرى الترخيص فيه كزيد وجابر وابن عباس وسعد قال ابن عبد البر: هو قول جمهور الفقهاء يعني أن العزل بغير إذنها.\n* * *\n\n٥٥٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا ضَمْرَة بن سعيد المازني، عن الحجَّاج بن عمرو بن غَزِيَّة: أنه كان جالسًا عند زيد بن ثابت، فجاءَه ابن قَهْد: رجل من أهل اليمن، فقال: يا أبا سعيد، إن عندي جَوَاريَ، ليس نسائي اللاتي أُكِنُّ بِأعْجَبَ إليَّ منهنّ، وليس كلهن يعجبني أن تحمل مني، أفأعزل؟ قال: أفْتِه يا حجّاج، قال: قلتُ: غفر الله لك، إنما نجلس إليك لنتعلم منك، قال: أفْتِه، قال: قلتُ: هو حَدَّثَك، إن شئتَ أعطشته وإن شئتَ سقيته، قال: وقد كنتُ أسمع ذلك من زيد، فقال زيد: صَدَقَ.\n_________\n(١) التقريب (١/ ٢٢٦).\n(٥٥٠) إسناده صحيح.","vol":"3","page":55},{"text":"قال محمد: وبهذا نأخذ، لا نرى بالعزل بأسًا عن الأَمَة، فأما الحُرَّة فلا ينبغي أن يُعْزَل عنها إلا بإذنها، وإذا كانت الأمة زوجة الرجل فلا ينبغي أن يَعْزِل عنها إلا بإذن مولاها، وهو قولُ أبي حنيفة.\nأخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا ضَمْرَة بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم ابن سعيد بكسر العين المازني، الأنصاري المدني، ثقة كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة عن الحجَّاج بن عمرو بفتح العين وسكون الميم ابن غَزِيَّة: بفتح العين المعجمة وكسر الزاي وتشديد التحتية المفتوحة الأنصاري المازني المدني صاحبي شهد صفين مع علي، صفين بكسر الصاد (ق ٥٨٧) المهملة وتشديد الفاء المكسورة وسكون التحتية فنون موضع قرب الرقة بشاطئ الفرات، كانت فيه الوقعة العظمى بين علي ومعاوية غرة صفر سنة سبع وثلاثين، فمن ثمة احترز الناس عن السفر في صفر وذلك أن عليًا ﵁ بايعة أهل الحل والعقد بعد قتل عثمان ﵁، وامتنع معاوية في أهل الشام إليه مع جرين البجلي بالدخول في الطاعة، فأبى فخرج إليه علي في أهل العراق في سبعين ألفًا فيهم تسعون بدريًا وسبعمائة من أهل بيعة الرضوان وأربعمائة في سائر المهاجرين والأنصار، وخرج معاوية في أهل الشام في خمسة وثمانين ألفًا من أهل العراق عشرون ألفًا وقيل: خمسة وأربعون ألفًا من أهل الشام وخمسة وعشرون ألفًا من أهل العراق، وآل الآمر في معاوية ومن معه إلى طلب التحكيم. ثم رجع علي إلى العراق فخرجت عليه الحرورية فقتلهم بالنهروان، ومات بعد ذلك فبايع ابنه الحسن ﵁ أربعون ألفًا على الموت، وخرج بالعساكر لقتال أهل الشام، وخرج إليه معاوية فوقع بينهم الصلح، كما قال - ﷺ -: \"إن ابني هذا سيد ولعل الله يصلح بين الفئتين من المسلمين\". كذا قاله الزرقاني.\nأنه أي: الحجاج بن عمرو كان جالسًا عند زيد بن ثابت، أي: الأنصاري فجاءَه ابن قَهْد: بفتح القاف وسكون الهاء فدال مهملة على في المعنى، وقيل: بالفاء إذا لم يعرف بقاف إلا قيس بن قحد رجل من أهل اليمن، بدل من ابن قهد فقال: أي: ابن قهد لزيد يا أبا سعيد، إن عندي جَوَاريَ، بفتح الجيم جمع جارية أي: إماء ليس نسائي اللاتي أُكِنُّ بضم الهمزة وكسر الكاف وتشديد النون صلة الموصول والعائد إليه محذوف، أي: ليس","vol":"3","page":56},{"text":"لي نساء أسترها وأضمها إليَّ بِأعْجَبَ أي: أحسن وأرغب إليَّ منهنّ، أي: إمائي وليس كلهن أي: والحال لم يكن جميع إمائي يعجبني على صيغة الجمع المؤنث الغائبة من باب الأفعال أي: يرضيني أي تحمل أي أن تحمل كل واحدة منهن مني، لأني أحتاج إلى بيعهن ونحو ذلك أفأعزل؟ أي: عن كلهن أو بعضهن قال أي: زيد أمر إلى حجاج بن عمر أفْتِه أي: أجب إلى رجل من أهل اليمن يا حجّاج، ولعله كان معروفًا بالفقه من التابعين قال: أي: الحجاج قلتُ: أي: لزيد بن ثابت غفر الله لك، هذا على منوال عفى الله عنك وحفظك وأمثال ذلك إنما نجلس إليك أي: عندك كما في (الموطأ) لمالك لنتعلم منك، وفي نسخة: لنعلم من باب علم لكن الأولى أحسن، والمعنى أنك أعلم مني، فكيف أفتي بمحضرتك ومع وجود الماء لا يجوز التيمم قال: أفْتِه، أي: أجبه امتحانًا لعلمه، أو لعدم استحضاره في حكمه قال: أي: حجاج قلتُ: أي: للسائل هو أن يضع أمامك حَرثَك، أي: موضع زرعك وفيه قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] إن شئتَ أعطشته أي: منعت الماء عنه وإن شئتَ سقيته أي: رويته، وفيه إشارة إلى أن ترك منزل أفضل فإن الحرث بالماء أكمل قال: أي: الحجاج وقد كنتُ أسمع ذلك أي: الجواب من زيد، أي: فجوابي كان مثبتًا على جوابه فقال زيد: أي: للسائل صَدَقَ أي: المجيب؛ (ق ٥٨٨) لأنه حله.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله حجاج بن عمرو لا نرى بالعزل بأسًا أي: كراهة عن الأَمَة، أي: فإنها مملوكة وليس لها رضاء معتبر في الحجاج وغيره، وأيضًا قد يكره الرجل ولادة الأمة ونسلها من حيث جناية أصلها، أو من جهة فوق ما له في فصلها فأما الحُرَّة فلا ينبغي أي: لا يجوز أن يُعْزَل عنها إلا بإذنها، وإذا كانت الأمة أي: أمة أحد زوجة الرجل أي: تزوجها بشرائطه فلا ينبغي أن يَعْزِل عنها إلا بإذن مولاها، أي: مالكها من سيدتها وهو قولُ أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وبه قال مالك وأحمد المسألتين خلافًا للشافعي فيهما على الراجح مذهبها.\n* * *\n\n٥٥١ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن\n_________\n(٥٥١) إسناده صحيح.","vol":"3","page":57},{"text":"عبد الله بن عمر، أن عمر بن الخطاب قال: ما بالُ رجالٍ يَعْزِلون عن ولائِدهم، لا تأتيني وليدة فيعترف سيدها أنه قد ألَمَّ بها، إلا ألحقتُ به ولدها، فاعزلوا بعدُ أو اتركوا.\nقال محمد: إنما صنع هذا عمر على التهديد للناس، أن يُضَيِّعوا ولائِدهم وهم يطئونهن.\nقد بلغنا أن زيد بن ثابت وطئ جارية له، فجاءت بولد، فنفاه.\nوأن عمر بن الخطاب وطئ جارية له فحملت، فقال: اللهم لا تُلحق بآل عمر من ليس منهم، فجاءَت بغلام أسود، وأَقَرَّت أنه من الراعي، فانتفى منه عمر.\nوكان أبو حنيفة يقول: إذا حصّنها ولم يدعها تخرج فجاءَت بولد لم يسعه فيما بينه وبين ربه أن ينتفي منه، فبهذا نأخذ.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا ابن شهاب أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، المدني ثقة، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة عن سالم بن عبد الله، أي: ابن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، يكنى أبا عبد الله المدني، أحد الفقهاء السبعة، كان ثبتًا عابدًا فاضلًا، وكان يشبه بأبيه في الهدي والسمت، وكان في الطبقة الثالثة من كبار التابعين، مات في آخر سنة ست ومائة بعد الهجرة عن عبد الله بن عمر، أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: ما بالُ أي: أي شيء يخطر بقلوب رجالٍ يَعزِلون عن ولائِدهم، بفتح الواو واللام فألف وكسر الهمزة والدال المهملة على وزن قلائد جمع الوليدة، أي: عن إمائهم لا تأتيني وليدة أي: أمة فيعترف سيدها أي: يقر مولاها أنه قد ألَمَّ بها، بفتح الهمزة واللام وتشديد الميم المفتوحة، أي: جامعها إلا ألحقتُ به أي: أضم سيدها ولدها، وحكمت بأنه ولده، ولو لم تعترف أنه منه فاعزلوا بعدُ بضم الدال مبنيًا أي: بعده، كما في نسخة، والمعنى بعد هذا الحكم إن شئتم فاعزلوا أو اتركوا أي: العزل.","vol":"3","page":58},{"text":"قال محمد: إنما صنع عمر هذا أي: حكم عمر ﵁ على التهديد للناس، أن يُضَيِّعوا أي: لئلا يضيعوا أو كراهة أن يضيعوا ولائِدهم أي: إمائهم وهم أي: الناس يطئونهن جملة حالية احترازية.\nقد بلغنا أن زيد بن ثابت وطئ جارية له، فجاءت بولد، فنفاه أي: زيد فدل على جواز نفي ولدها بعد وطئها، ولعل ذلك بسبب خروجها ودخولها واحتمال غيره بوصلها.\nوأن عمر بن الخطاب ﵁ وطئ جارية له فحملت، بفتح الميم فحبلت فقال: أي: عمر بن الخطاب اللهم لا تُلحق من الإِلحاق بآل عمر بمد الهمزة بأتباع عمر وأولاده وأقربائه من ليس منهم، أي: ليس من آل عمر أو من كان من أولاد الزنا فجاءَت أي: فولدت جارية له بغلام أسود، فأقرت أي: فاعترفت أنه أي: الغلام من الراعي، فانتفى منه عمر أي: تبرء من أن يكون ولده، وهل هنا معارض بما سبق عن الظاهر، لا لأن انتفائه بعد إقرارها، بل ويدل على وفاق ما تقدم وعاؤه.\nوكان أبو حنيفة يقول: إذا حصّنها أي: الجارية الموطؤة بأن حفظها من وصولها إلى غيره ولم يدعها أي: لم يتركها تخرج أي: من محلها إلى موضع يوجب الريبة والشبهة فجاءَت بولد لم يسعه بفتح السين المهملة أي: لم يجز له فيما بينه وبين ربه ﷿ أي: ديانة لا قضاء (ق ٥٨٩) وحكومة الفرق بين الديانة والقضاء صورتهما لو استفتى أحد عن فقيه أن لفلان علي درهم وقد قضيته برئت ذمتي منه فإنه يقضيه بالبراءة عن دينه، وإذا سمع القاضي ذلك منه يقضي عليه بالدين إلا أن يقيم بينه على الإِبقاء، كذا قال عزمي زادة في (حاشية المنار) أن ينتفي منه، أي: من ذلك الولد، مفهومه أنه إذا لم يحصنها فجاءت بولد جاز له أن لا يقربها فبهذا نأخذ أي: بقول أبي حنيفة نعمل ونفتي.\n* * *\n\n٥٥٢ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع عن صفية بنت أبي عُبَيْد قالت: قال عمر بن الخطاب: ما بالُ رجالٍ يطئون ولائِدهم، ثم يدَعُونهن فيخرجن، والله لا\n_________\n(٥٥٢) إسناده صحيح.","vol":"3","page":59},{"text":"تأتيني وَلِيدَة فيعترف سيدها أن قد وطِئَها إلا ألحقتُ به ولدها، فأرسلوهن بعدُ أو أمسكوهن.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا حدثنا نافع بن عبد الله المدني مولى ابن عمر ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة عن صفية بنت أبي عُبَيْد بالتصغير أي: ابن مسعود الثقفية، زوج ابن عمر قيل: لها إدراك، وأنكره الدارقطني، وقال العجلي: ثقة، كانت في الطبقة الثانية من طبقات التابعيات، من أهل المدينة قالت: قال عمر بن الخطاب: ﵁ ما بالُ أي: أي شيء خطر إلى قلوب رجالٍ يطئون ولائِدهم، أي: إمائهم ثم يدَعُونهن بفتح الدال المخففة أي: يتركونهن فيخرجن، أي: من بيوتهن من غير أن يكون أحد معهن والله لا تأتيني وَلِيدَة أي: أمة فيعترف سيدها أن قد وطِئَها إلا ألحقتُ من الإِلحاق أي: حكمت وضممت به أي: بالسيد ولدها، فأرسلوهن بعدُ مبني على الضم أو أمسكوهن أي: أسكنوهن، كما في نسخة: واحفظوهن.\nلما فرغ من بيان أحكام النكاح، شرع في بيان أحاكم الطلاق، فقال: هذا\n* * *","vol":"3","page":60},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-256>كتاب الطلاق</span>\nفي بيان أحكام الطلاق، وهو في اللغة: إزالة القيد وتحليله، وفي الشرع: إزالة ملك النكاح، والمناسبة بين هذا الكتاب وبين الكتاب السابق التضاد من التعقيد والتحليل، وإنما قدم كتاب النكاح على كتاب الطلاق؛ لأن مفهوم النكاح وجودي، ومفهوم الطلاق عدمي، وفي الوجود شرف والشريف مقدم على غيره عقلًا وشرعًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-257>باب طلاق السنة</span>\nفي بيان أحكام طلاق السنة هو أن يطلق الرجل امرأته ثلاثًا في ثلاثة أطهار، وطلاق البدعة أن يطلقها ثلاثًا بكلمة واحدة، كذا قاله السيد محمد الجرجاني، فإضافة الطلاق إلى السنة من قبيل إضافة الموصوف إلى صفاته.\nقال ابن الهمام: المراد بالطلاق السني: هو المباح؛ لأن الطلاق ليس عبادة في نفسه يثبت له ثواب، فمعنى المسنون ما ثبت على وجه لا يوجب عقابًا إذا ترك نعم يثاب إذا وقعت له داعية إلى أن يطلقها عقب الجماع أو حائضًا أو ثلاثًا فمنع نفسه إلى الطهر الآخر.\n٥٥٣ - أخبرنا مالك، قال: حدثنا عبد الله بن دينار، قال: سمعتُ ابن عمر يقرأ: \"يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لقُبُل عدتهن\".\nقال محمد: طلاق السنَّة: أن يُطَلقها لقُبُل عدّتها طاهرًا في غير جماع، حين تطهرُ من حيضها قبل أن يجامعها، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا حدثنا عبد الله بن دينار، العدوي، مولاهم، يكنى أبا عبد الرحمن المدني مولى ابن عمر، ثقة كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع وعشرين ومائة من الهجرة قال: سمعتُ\n_________\n(٥٥٣) إسناده صحيح.","vol":"3","page":61},{"text":"ابن عمر يقرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وفي نسخة: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ فيفيد أن المراد به هو أمته ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ أي: إذا أردتم طلاقهن ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ لقُبُل بضم القاف الموحدة، كما روى يحيى في (الموطأ لمالك) في جامع الطلاق ﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أي: في استقبال عدتهن، قال مالك: يعني بذلك: أن يطلق في كل طهر مرة لا أكثر، وكأنه أتى بكل ليشتمل ما إذا كان الطهر عقب حيض طلقت فيه وراجعها؛ لأنه يصدق عليه إنه طلق لاستقبال العدة، وإن الأمر في هذا الحديث بأن يمسكها حتى تحيض ثم تطهر للندب لا للوجوب.\nقال القشيري وغيره: هذه القراءة على التفسير لا التلاوة، وهي تصحح أن المراد بالأقراء الأطهار إذ لا يستقبل (ق ٥٩٠) في الحيض عند الجميع ولا يفتي عند أحد من الطائفتين قاله عياض، وفي مسلم في بعض طرق حديث ابن عمر وقراء النبي - ﷺ -: \"فطلقوهن في قبل عدتهن\"، فتأويل القراءة المشهورة ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أن اللام متعلق بمحذوف مثل مستقبلات جمعًا بين القراءة والروايات، لحديث: \"طلاق الأمة تطليقة وعدتها حيضتان\" وهو قول الخلفاء الأربعة وغيرهم من أكابر الصحابة وأجلاء التابعين، رضي الله تعالى عنهم أجمعين، فإذا طلقت المرأة في الطهر المتقدم على القراءة الأولى من أقرائها فقد طلقت مستقبلة لعدتها، وقد ورد: \"دعي الصلاة أيام أقرائك\"، ومذهب الشافعي أن القرء: هو الطهر، فعلى التقدير الأول عدتهم أو وقتها على أن اللام للتوقيت.\nقال محمد: طلاق السنَّة: أن يُطَلقها لقُبُل عدتها طاهرًا أي: طاهرة غير حائض في غير جماع، أي: كان حين تطهرُ من حيضها قبل أن يجامعها، أي: في ذلك الطهر وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n* * *\n\n٥٥٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر: أنه طلَّق امرأته وهي حائض، في عهد رسول الله - ﷺ - فسأل عمر عن ذلك رسول الله - ﷺ -\n_________\n(٥٥٤) صحيح، أخرجه الشافعي في الأم (٥/ ١٨٠) والبخاري (٥٢٥١) ومسلم (١٤٧١) وأبو داود (٢١٧٩) والنسائي (٦/ ١٣٨) وأحمد في المسند (٢/ ٦٣) والدارمي (٢/ ١٦٠) والبيهقي في السنن (٧/ ٣٢٣، ٤١٤) وفي معرفة السنن والآثار (١١/ ١٤٦١٨).","vol":"3","page":62},{"text":"فقال: \"مُره فليراجعها، ثم يُمسكها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، إن شاء أمسكها بعدُ، وإن شاءَ طلَّقها قبل أن يمَسَّها، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلَّق لها النساء\".\nقال محمد: وبهذا نأخذ.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا أخبرنا وفي نسخة: عن نافع، بن عبد الله بن عمر ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، مات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك عن عبد الله بن عمر: أنه طلَّق امرأته قال السيوطي: اسمها آمنة بمد الهمزة وكسر الميم بنت غفار، بكسر المعجمة وتخفيف الفاء وبالراء كما ضبط أبي نقطة، وعزاه لابن سعد، ذكر أنه وجده كذلك بخط الحافظ أبي الفضل ابن ناصر، أو بنت عمار بفتح العين المهملة والميم المشددة.\nقال الحافظ: والأول أولى في مسند أحمد اسمها النوار، فيمكن أن يكون اسمها آمنة ولقبها النوار صحابية، وظاهر هذه الرواية في هذا الحديث مرسل؛ لأن نافعًا لم يدرك ذلك، وليس بمراد فقد رواه غيره في (الموطأ)، كيحيى والنيسابوري وإسماعيل وغيرهما وهي حائض، جملة حالية، زاد الليث عن نافع عن ابن عمر: تطليقة واحدة، أخرجه مسلم وقال جود الليث في قوله: تطليقة واحدة قال عياض: يعني: أنه حفظ وأتقن ما لم يتقنه غيره، ممن لم يُفسِّر كم الطلاق وممن غلط ووهم، وقال: طلقها ثلاثًا في عهد رسول الله - ﷺ - أي: في زمان حياته فسأل عمر أي: ابن الخطاب عن ذلك أي: عن حكم طلاق ابنه على هذه الصفة رسول الله - ﷺ - قال ابن العربي: يحتمل أن سؤال عمر بن الخطاب؛ لأن النازلة لمن تكن وقعت فسأل ليعلم الحكم، ويحتمل أنه علمه من قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ وقوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، والحيض ليس بقرء إلى بيان الحكم فيه، ويحتمل أن يكون سمع النهي والأوسط فقال: رسول الله - ﷺ - أي: لعمر: \"مُره أي: عبد الله أمر استحباب أو أمر إيجاب، أصله اأمر بهمزتين الأولى للوصل مضمومة تبعًا للعين مثل انصر، والثانية فاء الكلمة ساكنة تبدل تخفيفًا من جنس حركة سابقتها فيقال: أومر، فإذا أوصل الفعل بما قبله زاله همزة الوصل","vol":"3","page":63},{"text":"وسكنت الهمزة الأصلية، كما في قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ [طه: ١٣٢] لكن استعملتها العرب بلا همزة فقالوا: مره لكثرة الدور؛ ولأنهم حذفوا أولًا الهمزة الثانية تخفيفًا ثم (ق ٥٩١) حذفوا همزة الوصل استغناء عنها لتحرك ما بعدها أي: مر ابنك عبد الله فليراجعها، أي: بالقول، أو الفعل حال عدتها الرجعية، والأمر للوجوب عند مالك وجماعة، وصححه صاحب (الهداية) من الحنفية، وللندب عند الأئمة الثلاثة، ولا حجة لهم في أنه إنما أمره بالرجعة أبوه، وليس له أن يضع الشرع؛ لأنه أمره بأمر النبي - ﷺ - وهو مبلغ، وأما استدلالهم بقوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] وغيرها من الآيات المقتضية للتخيير بين الإِمساك للرجعة أو الفراق بتركها، فيجمع بينهما وبين الحديث بحمل الأمر فيه على الندب جمعًا بينهما، فليس بنا إذ الأصل في الأمر الوجوب فيحمل عليه، ويخص عموم الآيات بمن لم يطلق في الحيض ثم يُمسكها أي: يديم إمساكها وإلا فالرجعة إمساك وفي رواية يحيى التيمي: ثم ليتركها ولإِسماعيل: ثم ليمسكها بإعادة اللام مكسورة، ويجوز تسكينها كقراءة ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] فالكسر على الأصل في لام الآخر فرق بينهما وبين لام التأكيد والسكون للتخفيف إجراء للمنفصل مجرى المتصل، وفي رواية: ثم ليدعها حتى تطهير، ثم تحيض أي: حيضة أخرى ثم تطهر، إن شاء أمسكها بعدُ، أي: بعد الطهر من الحيض الثاني وإن شاءَ طلَّقها قبل أن يمَس، ولإِسماعيل: يمسها أي: يجامعها في طهر مس فيه للتلبيس أن لا يدري أحملت فتعتد بالوضع أو لا فبالإِقرار وقد يظهر الحمل فيندم على الفراق، وقد ذهب بعض الناس إلى جبره على الرجعة كالمطلق في الحيض فإن قيل: لم أمره أن يؤخر الطلاق إلى الطهر الثاني؟ أجيب بأن حيض الطلاق والطهر الثاني له بمنزلة قرء واحد، فلو طلق فيه، لصار كموقع طلقتين في قرء واحد، وليس ذلك بطلاق السنة، وبأنه عاقبه بتأخير الطلاق تغليظًا عليه جزاء بما فعله من الحرام من الطلاق في الحيض، وإن شاء طلقها قبل أن يمسها، أي: يجامعها، وفي نسخة: يمس بغير إضافة إلى ضمير المؤنث فتلك العدة التي أمر الله أي: بقوله في سورة الطلاق: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] أن تطلَّق لها النساء\" مرفوع على أنه نائب الفاعل لقوله أن تطلق فمحله منصوب؛ لأنه مفعول لقوله: أمر الله ولها ظرف لغو متعلق لتطلق، والظرف اللغو ما يكون الكلام تامًا بدونه، والأصل في كلام الفصيح أن يؤخر الظرف اللغو عن فاعل الفعل ومفعوله، لكن قدم هنا على الفاعل","vol":"3","page":64},{"text":"لاهتمام، كما فصلنا في (نور الأفئدة) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤].\nوحاصله أن اللام في لها بمعنى في عند الشافعي، ولام العلة عندنا وسماها ابن الملك في (شرح المشارق) لام العاقبة وفي صحة كونه لها مطابقة، كذا قاله علي القاري.\nقال محمد: وبهذا نأخذ أي: لا نعمل إلا بما رواه عمر بن الخطاب عن رسول الله - ﷺ - ذكر الطحاوي: إنه يطلق في الطهر الذي يلي الحيضة التي طلقها فيها، وفي التحفة أنه القياس، وهو المختار في المتون، وذكر محمد في الأصل أنها إذا طهرت من الحيضة الأخرى يطلقها، قبل الجماع إن شاء.\nقال الكرخي: ما ذكره الطحاوي قول أبي حنيفة ﵀، وما في الأصل قولهما انتهى.\nقال أبو عمر: جمهور العلماء أن الطلاق في الحيض واقع وإن كرهه جميعهم، ولا يخالف في ذلك إلا أهل البدع والجهل الذين يرون الطلاق لغير السنة لا يقع، وروى ذلك عن بعض التابعين، وهو شذوذ (ق ٥٩٢) لم يرجع أحد من العلماء، وقد سئل ابن عمر أتعتد بتلك الطلقة قال: نعم، روى ذلك عنه من طرق، وفي بعضها قال: أفرأيت إن عجز واستحمق، أو عجز من فرض آخر فلم يأت به، أكان يعذر، وكان إذا سئل يقول: إن طلقت امرأتك وهي حائض مرة أو مرتين، فإن أمر أن تراجعها وإن طلقتها ثلاثًا فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجًا غيرك، فلو كان غير لازم لم يلزمه ثلاثًا كان أو واحدة، ومن جهة النظر أن الطلاق ليس من القرب كالصلاة، فلا تقع الأعلى سببها، وإنما زوال عصمة فإن أوقعه على غير سببه أثم ولزمه، ومحال أن يلزم المطيع المتبع للسنة طلاقه، ولا يلزم العاصي فيكون أحسن حالًا من المطيع وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١] أي: عصى ربه وفارق امرأته، وكذلك المطلق في الحيض.\nوقال النووي: أجمعت الأمة على تحريم طلاق الحائض الحائل بغير رضاها، فإن طلقها، أثم ووقع، وشذ بعض أهل الظاهر فقال: لا يقع لأنه لا يؤذن فيه ما شبه طلاق الأجنبية، والصواب الأول، وبه قال العلماء كافة، لأمره - ﷺ - بالمراجعة، فلو لم يقع لم تكن رجعة كما قاله الزرقاني.\nلما فرغ من بيان طلاق السنة، شرع في بيان حكم طلاق الحرة تحت العبد، فقال: هذا\n* * *","vol":"3","page":65},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-258>باب طلاق الحرة تحت العبد</span>\nفي بيان حكم طلاق الحرة تحت العبد، وكذا طلاق الأمة تحت الحر فعندنا يعتبر عدد الطلاق بالنساء، وهو قول لسفيان الثوري وأحمد وإسحاق وعند مالك والشافعي بالرجال.\n٥٥٥ - أخبرنا مالك، حدثنا الزهري، عن سعيد بن المسيَّب: أن نُفَيعا مكاتَب أم سلمة كانت تحته امرأة حرة فطلَّقها اثنتين، فاستفتى عثمان بن عفّان، فقال: حرُمت عليك.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: ثنا، حدثنا الزهري، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري المدني ثقة، كان في الطبقة الرابعة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة عن سعيد بن المسيَّب: بن حزن بن وهب بن عمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار، في الطبقة الأولى من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، وقال المدني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه، مات بعد التسعين بيسير من الهجرة، وهو ابن أربع وثمانين سنة، كما قاله ابن الجوزي أن نُفَيعا تصغير نفع أو نافع مكاتَب أم سلمة وهو ثقة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين. كذا في (تقريب التهذيب) (١) كانت تحته امرأة حرة فطلَّقها اثنتين، فاستفتى عثمان بن عفّان، فقال: حرُمت عليك أي: بالبينونة الكبرى، ولنا ما روى أبو داود (٢) والترمذي (٣) وابن ماجه (٤) عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"طلاق الأمة يطلب تطليقتان وعدتها حيضتان\" ورواه ابن ماجه (٥) أيضًا في حديث ابن عمر، والحاكم (٦) من حديث ابن عباس عن النبي - ﷺ -، وكذا الدارقطني (٧).\n_________\n(٥٥٥) إسناده صحيح.\n(١) التقريب (١/ ٢٤١).\n(٢) أبو داود (١١٨٢).\n(٣) الترمذي (٢١٨٩).\n(٤) ابن ماجه (٢٠٨٠).\n(٥) ابن ماجه (٢٠٧٩).\n(٦) الحاكم (٢/ ٢٢٣).\n(٧) الدارقطني (٤/ ٣٨، ٣٩).","vol":"3","page":66},{"text":"وقال الترمذي: حديث غريب والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب رسول الله - ﷺ - وغيرهم.\nوفي سنن الدارقطني: قال القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب: عمل به المسلمون، وهذا إجماع.\nوقال مالك: شهرة الحديث تغني عن صحة سنده، كما ذكره الزيلعي في (شرح الكنز).\n* * *\n\n٥٥٦ - أخبرنا مالك، حدثنا أبو الزِّناد، عن سليمان بن يسار: أن نُفَيْعًا كان عبدًا لأم سلمة - أو مُكاتبًا - وكانت تحته امرأة حرّة، فطلقها تطليقتين، فأمره أزواج النبي - ﷺ - أن يأتي عثمان فيسأله عن ذلك، فلقيه عند الدَّرَجِ، وهو آخذ بيد زيد بن ثابت، فسأله، فابتدراه جميعًا فقالا: حَرُمَتْ عليك حَرُمَتْ عليك.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا حدثنا أبو الزِّناد، هو عبد الله بن ذكوان القرشي المدني ثقة فقيه، كان في الطبقة (ق ٥٩٣) الخامسة من طبقات التابعين، مات سنة ثلاثين ومائة وقيل: بعدها عن سليمان بن يسار: الهلالي المدني مولى ميمونة، وقيل: أم سلمة ثقة فاضل أحد الفقهاء السبعة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة وقيل: قبلها أن نُفَيْعًا بالتصغير كان عبدًا أي: رقًا لأم سلمة - أو مُكاتبًا - لها كما جزم المصنف به فيما تقدم، وكان اسمها هند بنت أبي أمية وكانت تحته امرأة حرّة، فطلقها تطليقتين، وفي نسخة: اثنتين، ثم أراد أن يراجعها أي: ظنًا منه أنه كالحر فأمره أزواج النبي - ﷺ - أن يأتي عثمان أي: ابن عفان كما في نسخة: فيسأله عن ذلك، أي: عن حكمه فلقيه أي: عثمان عند الدَّرَج، بفتحتين جمع درجة يريد به درج المسجد وهو أي: والحال أن عثمان آخذ بيد زيد بن ثابت، أي: ابن الضحاك بن لوزان الأنصاري البخاري يكنى أبا سعيد وأبا خارجة، صحابي مشهور كاتب الوحي.\n_________\n(٥٥٦) إسناده صحيح.","vol":"3","page":67},{"text":"قال مسروق: كان من الراسخين في العلم، مات سنة خمس أو ثمان وأربعين وقيل: بعد الخمسين كذا في (تقريب التهذيب) فسأله، فابتدراه جميعًا أي: تسارعا في جوابه كلاهما معًا فقالا: أي: كلاهما معًا أو قالا على المناوبة على أن الفاء بمعنى ثم مجازًا، كما كانت بمعنى ثم في قوله تعالى في سورة المؤمنون: ﴿فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ [المؤمنون: ١٤] حَرُمَتْ عليك حَرُمَتْ عليك التكرير للتأكيد في المبالغة في كل منهما أو كل جملة معتدلة لأحدهما، والحديث رواه مالك في (موطئه) عن أبي الزناد والشافعي في مسنده عن مالك إلى آخره، وروى عبد الرزاق في (مصنفه) عن عثمان وزيد بن ثابت وابن عباس ﵃ أجمعين أنهم قالوا: الطلاق للرجال والعدة للنساء.\n* * *\n\n٥٥٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع عن ابن عمر، قال: إذا طلَّق العبد امرأته اثنتين فقد حرمت عليه حتى تنكح زوجًا غيره، حرةً كانت أو أمة، وعدة الحرة ثلاثة قروء، وعدة الأمة حيضتان.\nقال محمد: قد اختلف الناس في هذا، فأما ما عليه فقهاؤنا: فإنهم يقولون: الطلاق بالنساء والعدة بهن؛ لأن الله ﷿ قال: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ فإنما الطلاق للعدة، فإذا كانت الحرة وزوجها عبدٌ فعدتها ثلاثة قروء، وطلاقها ثلاث تطليقات للعدّة، كما قال الله ﵎، وإذا كان الحر تحته الأمة فعدتها حيضتان وطلاقها للعدة تطليقتان، كما قال الله ﷿.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا نافع بن عبد الله المدني مولى ابن عمر ثقة فقيه ثبت مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين مات سنة سبع عشرة ومائة أو بعد ذلك عن ابن عمر، ﵁ قال: إذا طلَّق العبد امرأته اثنتين أي: تطليقتين بمرة أو مرتين فقد حرمت عليه حتى تنكح زوجًا غيره، أي: ثم يطلقها زوج آخر وتعتد حرةً كانت أي: سواء كانت تلك المرأة حرة أو أمة، أي: لأن المنظور إليه في الطلاق\n_________\n(٥٥٧) إسناده صحيح.","vol":"3","page":68},{"text":"الزوج وعدة الحرة ثلاثة قروء، بضم القاف والراء وسكون الواو فهمزة جمع قرء وهو الحيض عند أبي حنيفة والطهر عند الشافعي وعدة الأمة حيضتان أي: وإن كان زوجها حرًا لأن العبرة في عدة المرأة.\nقال محمد: محمد بن الحسن الشيباني قد اختلف الناس في هذا، أي: الحكم المذكور فأما ما أي: حكم عليه فقهاؤنا: فإنهم يقولون: الطلاق بالنساء أي: حرة أو أمة والعدة بهن؛ أي: كذلك لأن الله ﷿ قال: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ فإنما الطلاق للعدة، أي: يتبعها في العدة فإذا كانت المرأة الحرة وزوجها عبدٌ فعدتها ثلاثة قروء، أي: حيض عند أبي حنيفة أو أطهارًا عند الشافعي وطلاقها ثلاث تطليقات للعدّة، كما قال الله ﵎، أي: وفقًا لحكمه وإذا كان الحر تحته الأمة فعدتها حيضتان وطلاقها للعدة تطليقتان، كما قال الله ﷿ ويؤيده ما سبق من حديث \"طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان\" (١)، فإن قيل: المراد بالحديث الأمة التي تحت العبد أجيب (ق ٥٩٤) بأن عدة الأمة لا تختلف بالحر والعبد، والتقييد في حق الطلاق يوجب التقييد في حق العدة ولم يقل به أحد فكان باطلًا.\n* * *\n\n٥٥٨ - قال محمد: أخبرنا إبراهيم بن يزيد المكي، قال: سمعتُ عطاء بن أبي رباح يقول: قال عليّ بن أبي طالب ﵁: الطلاق بالنساء والعدة بهن، وهو قول عبد الله بن مسعود، وأبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• قال محمد: أي: بسند آخر أخبرنا إبراهيم بن يزيد المكي، الخوزي بضم الخاء المعجمة والواو الساكنة والزاي، يكني أبا سهيل مولى بني أمية متروك الحديث، كان في الطبقة السابعة من طبقات التابعين من أهل مكة، مات سنة مائة وإحدى وخمسين كما في (تقريب التهذيب) (٢) قال: سمعتُ عطاء بن أبي رباح بفتح الراء والموحدة واسم أبي رباح\n_________\n(١) تقدم قريبًا.\n(٥٥٨) إسناده ضعيف جدًا: فيه إبراهيم بن زيد المكي وهو متروك الحديث كما قال الحافظ في التقريب.\n(٢) التقريب (١/ ٩٥).","vol":"3","page":69},{"text":"أسلم القرشي مولاهم المكي ثقة فقيه فاضل لكنه كثير الإِرسال، كان في الطبقة الثالثة من طبقات أجلاء التابعين من أهل مكة، مات سنة أربع عشرة بعد المائة من الهجرة يقول: قال عليّ بن أبي طالب ﵁: الطلاق بالنساء أي: عدده معتبر بالزوجات حرائر أو إماء والعدة بهن، أي: وفق طلاقهن وهو قول عبد الله بن مسعود، وأبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\nلما فرغ من بيان طلاق الحرة تحت العبد، شرع في بيان حكم حال المرأة التي طلقت طلاقًا بائنًا أو مات عنها زوجها، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-259>باب ما يُكره للمطلقة المبتوتة والمتوفى عنها من المبيت في غير بيتها</span>\nفي بيان حكم ما أي خروج يكره للمطلقة المبتوتة، أي: يكره الخروج للمرأة المطلقة البائة والمتوفى عنها، أي: يكره خروج المرأة التي مات زوجها عن بيتها حتى ينقضي عدتها، من البيت بيان بما أي: من أن تسكن ليلًا في غير بيتها، استنبط المصنف ﵀ من قوله تعالى في سورة الطلاق: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ الآية [الطلاق: ١].\n٥٥٩ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن ابن عمر كان يقول: لا تَبِتْ المبتوتة ولا المتوفي عنها إلا في بيت زوجها.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أما المُتوفَى عنها فإنها تخرج بالنهار في حوائجها ولا تبيت إلا في بيتها، وأما المطلقة مبتوتة كانت أو غير مبتوتة فلا تخرج ليلًا ولا نهارًا ما دامت في عدتها، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n_________\n(٥٥٩) إسناده صحيح.","vol":"3","page":70},{"text":"• أخبرنا مالك، بن أنس بن مالك بن عمير بن أبي عامر الإِمام صاحب المذهب الأصبحي، يعني من بني ملك ذي أصبح، من ملوك اليمن المدني، كان في الطبقة السابعة من طبقات كبار التابعين، من أهل المدينة كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة مات في المدينة وله تسعون سنة حدثنا نافع، بن عبد الله المدني مولى ابن عمر ثقة فقيه ثبت مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة أن ابن عمر ﵄ كان يقول: لا تَبِتْ أي: لا تسكن ليلًا المبتوتة أي: المطلقة البائنة ولا المتوفي عنها أي: ولا تسكن ليلًا المرأة التي مات عنها زوجها إلا في بيت زوجها وإذا كان الأمر هكذا في الطلقة الصغرى والكبرى، وفي المتوفى عنها ففي الطلقة الرجعية بالأولى، وبه أخذ أبو يوسف وقال تعالى في سورة الطلاق: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦].\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه نافع عن ابن عمر أما المُتوفَى عنها فإنها تخرج بالنهار في حوائجها أي: في تحصيل ما لزمت لها حيث لا نفقة لها ولا تبيت أي: لا تسكن ليلًا إلا في بيتها، أي: حقًا لله وأما المطلقة مبتوتة أي: بائنة صغرى أو كبرى كانت أو غير مبتوتة أي: بأن تكون مطلقة رجعية فهى الأولى فلا تخرج ليلًا ولا نهارًا ما دامت في عدتها، أي: لاستحقاق نفقتها فلا يجوز لها الخروج من بيتها وهو أي: عدم خروج المرأة المطلقة بائنة من بيتها قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا (ق ٥٩٥) عن علي وابن عباس وجابر وعائشة ﵃ تعد المتوفي عنها زوجها حيث شاءت، وهو قول الحسن وعطاء.\nأقول: ولعل دليل عدم خروج المتوفى عنها زوجها قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٤٠]، فلما نسخ مدة الحول بأربعة أشهر وعشرًا بقي عدم الخروج على أصله كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان حكم حال المرأة المطلقة بائنة والمرأة التي مات زوجها شرع في بيان حكم حال الرجل يأذن لعبده في التزويج، فقال: هذا\n* * *","vol":"3","page":71},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-260>باب الرجل يأذن لعبده في التزويج هل يجوز طلاق المولى عليه</span>؟\nفي بيان حكم حال الرجل يأذن لعبده بالتزويج على وزن التكريم، أو هي لا تنبغي في المقام لأن التزويج بمعنى الإنكاح، كما قاله محمد الواني من أهل اللغة هل يجوز طلاق المولى عليه؟ المراد بالرجل الشخص وبالمولى أعم من المالك والمالكة.\n٥٦٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول: من أذن لعبده في أن ينكح، فإنه لا يجوز لامرأته طلاقٌ إلا أن يطلقها العبدُ، فأمّا أن يأخذ الرجل أمةَ غلامه أو أمَة وليدته فلا جُناح عليه.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا نافع، بن عبد الله المدني، مولى ابن عمر عن عبد الله بن عمر ﵁ أنه كان يقول: من أذن لعبده في أن ينكح بفتح التحتية وكسر الكاف أي: أن يتزوج فإنه لا يجوز لامرأته أي: لا مرأة العبد طلاقٌ أي: من سيدها وغيره إلا أن يطلقها العبدُ، أي: حقيقة أو حكمًا بالتعليق أو التوكيل فقد ورد الطلاق بيد من أخذ الساق.\nقال محمد بن عبد الله التمرتاشي في (تنوير الأبصار): لا يقع طلاق المولى على امرأة عبده انتهى؛ لأنه ليس بزوجها، ولقول ابن عباس ﵁ جاء إلى النبي - ﷺ - رجل فقال: يا رسول الله سيدي زوجني أمته، وهو يريد أن يفرق بيني وبينها فصعد النبي - ﷺ -: فقال: \"يا أيها الناس، ما بال أحدكم يزوج عبده من أمته ثم يريد أن يفرق بينهما، إنما الطلاق لمن أخذ بالساق\"، رواه ابن ماجه من رواية ابن لهيعة وهو ضعيف، ورواه الدارقطني عن غيره في (المناوي) قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يملك العبد ولا الأمة شيئًا إلا الطلاق\" كما نقله في (منح الغفار) عن تبيين الكنز فأمّا أن يأخذ الرجل أي: المتصرف المالك بالخدمة أو الوطء وغيرهما أمةَ غلامه أي: جارية عبده حصلها عنده أو أمَة وليدته\n_________\n(٥٦٠) إسناده صحيح.","vol":"3","page":72},{"text":"أي: جارية جاريته كسبتها فلا جُناح أي: لا إثم عليه فإن العبد، وما في يده كان لمولاه أن لا يملك شيئًا ولو ملكه مولاه خلافًا لمالك.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما ذكر من الحكمين السابقين وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n* * *\n\n٥٦١ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر أن عبدًا لبعض ثقيف جاء إلى عمر بن الخطاب فقال: إن سيدي أنكحني جاريته فلانة؛ وكان عمر يعرف الجارية - ثم هو يطؤها. فأرسل عمر إلى الرجل فقال: ما فَعَلَتْ جاريتك فلانة؟ قال: هي عندي، قال: هل تطؤها؟ فأشار إليه بعضُ من كان عند عمر، فقال: لا، فقال عمر: أما والله لو اعترفتَ لجعلتك نكالًا.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا ينبغي إذا زوّج الرجل جاريته عبدَهُ أن يطأها، لأن الطلاق والفرقة بيد العبد إذا زوجه مولاه، وليس لمولاه أن يفرِّق بينهما بعد أن زوجها؛ فإن وطئها يُنَدِّم إليه في ذلك، فإن عاد أدّبه الإِمام على قدر ما يرى من الحبس أو الضرب، ولا يبلغ بذلك أربعين سوطًا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا نافع، أي: ابن عبد الله المدني مولى ابن عمر ثقة فقيه ثبت مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة عن ابن عمر أن عبدًا لبعض ثقيف أي: لواحد من قبيلة بني ثقيف، وهم من أهل الحجاز جاء إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال: إن سيدي أنكحني أي: زوجني جاريته فلانة؛ إنما ذكر العبد اسم الجارية لأنها معروفة عند عمر حيث قال ابن عمر وكان (ق ٥٩٦) عمر يعرف الجارية أي: بوصفها أو الجملة معترضة وهو أي: والحال أن سيدي هو يطؤها. فأرسل عمر إلى الرجل أي: إلى سيدها فقال: أي: عمر ﵁ ما فَعَلَتْ جاريتك بصيغة الفاعل أو المفعول والمعنى: ما صنعت بها وما جرى لها قال: هي عندي، أي: في\n_________\n(٥٦١) إسناده صحيح.","vol":"3","page":73},{"text":"ملكي وتحت تصرفي قال: هل تطؤها؟ أي: تجامعها أحيانًا وذلك بطريقة الأنباط خوف من إنكاره لو بسط له البساط فأشار إليه أي: إلى سيد العبد بعدم الإِقرار خوفًا من السياط بعضُ مرفوع على أنه فاعل أشار ومضاف إلى من كان عنده أي: حاضرًا عند عمر من الصحابة أو غيرهم فقال: أي: سيد العبد لا، أي: ما أطؤها وذلك إشارة إلى الستر في حدود التعاذير أفضل وتلقين الإِنكار أكمل كما قال - ﷺ -: \"من ستر مسلمًا ستره الله تعالى في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه\" (١) فقال عمر: أما بفتح الهمزة وتخفيف الميم تنبيه والله قسم للتأكيد لو اعترفتَ أي: بوطئها بعد تزويجها زوجًا لجعلتك نكالًا أي: عبرة في العقوبة في باب الحكومة.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه نافع عن ابن عمر لا ينبغي أي: لا يحل إذا زوّج الرجل جاريته عبدَهُ أو غيره أن يطأها، لأنها بقيت زوجة لغيره لأن الطلاق والفرقة أي: بنحو الفسخ بيد العبد إذا زوجهما مولاه، وليس لمولاه أن يفرِّق بينهما أي: بين عبده وجاريته زوجين بعد أن زوجها، أي: بطريقة الاستقلال وكذا مولاته في تلك الحال، بخلاف ما إذا تزوج بغير إذنه فإن له أن يبقى الأمر وله أن يفسخ فإن وطئها أي: بعد ذلك يُنَدِّم إليه بضم الياء وتشديد الدال المفتوحة أن يوبخ عليه وينبه في ذلك، أي: إن علم جهله بما هنالك فإن عاد أي: في وطئها ويمسها بشهوة ونحوها أدّبه الإِمام على قدر ما يرى من الحبس والضرب، في نسخة: أو الضرب ولا يبلغ بذلك أي: لا يصل ضربه بتأديبه أربعين سوطًا فإن أكثر التعزير تسعة وثلاثون سوطًا، وأقله ثلاثة أسواط ولا يفرق الضرب في التعذير على بدن المضروب، والتعذير مفوض إلى رأي الحاكم بقدر ما يرى المصلحة فيه على ما قيل أن التعذير على مراتب تقدير أشراف الأشراف وهم العلماء، والعلوية بالأعلام وهو أن يقول القاضي: بلغني أنك تفعل كذا وكذا فلا تفعل، وتعذير الأشراف وهم الأمراء والدهاقين بالأعلام والجر إلى باب القاضي والخصومة، وتعذير الأسواط وهم السوقة بالجر والحبس، وتعذير الأخس بهذا كله وبالضرب كذا في أكثر المعتبرات، روى أبي سفيان أن التعذير من السلطان بأخذ المال جائز كذا في (الظهيرية).\n_________\n(١) صحيح أخرج البخاري (٣/ ١٦٨) ومسلم في الذكر (٣٨) وأبو داود في الأدب باب (٤٦) والترمذي (١٤٢٦) وابن ماجه (٢٢٥) (٢٥٤٤) وأحمد في المسند (٢/ ٩٢، ٢٥٢) والبيهقي في الكبرى (٦/ ٩٤).","vol":"3","page":74},{"text":"وفي (الخلاصة): سمعت عن ثقة أن التعذير بأخذ المال أن رأى القاضي ذلك أو الوالي مصلحة جاز، ومن جملة ذلك رجل لا يحضر الجماعة يجوز تعذيره بأخذ المال انتهى.\nوأفاد في البزارية معنى التعذير بأخذ المال على إمساك شيء من ماله عنده مده ليزجره ثم يعيد الحكم إليه لا أن يأخذه الحاكم لنفسه أو لبيت المال كما يتوهمه الظلمة، إذ لا يجوز (ق ٥٩٧) لأحد من المسلمين أخذ مال أحد بغير حق شرعي، وفي المجتبى لم يذكر كيفية الأخذ، وأرى أن يأخذها فيمسكها فإن آيس من توبته فيصرفها إلى ما يرى، وفي (شرح الآثار) التعذير بأخذ المال كان في ابتداء الإِسلام ثم نسخ، كذا في باب التعذير من (منح الغفار).\nلما فرغ من بيان عدم جواز تطليق السيد جاريته عن عبده الذي تزوجها بإذن سيده، شرع في بيان جواز خلع امرأته إذا وقع النفور بينهما، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-261>باب المرأة تختلع من زوجها بأكثر مما أعطاها أو أقل</span>\nفي بيان حكم حال المرأة تخلع بصيغة المفعول أو الفاعل أي: تنزع المرأة عن زوجها، أو تفتدي نفسها وفي تختلع من الافتعال من زوجها بأكثر مما أي: من مال أعطاها أو أقل، والخلع المستفاد من لفظ تخلع بفتح الخاء المعجمة وسكون اللام فعين مهملة مصدر من الباب الثالث، وفي اللغة: النزع يقال: خلع ثوبه ونعله إذا نزعهما، وفي الشرع: إزالة ملك النكاح المتوقفة على قبولها بلفظ الخلع أو بما في معناه، إنما سمي النزع خلعًا لأن كل من الزوجين كان لباسًا للآخر في المعنى قال تعالى في سورة البقرة: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] فكأنه بمفارقته عن الآخر نزع لباسه فضم مصدره وهو الخلع تفرقة بين اللباس الحسي والمعنوي، كما قاله الزرقاني (١).\nفالمناسبة بين هذا الباب والباب السابق العدم والملكة، استنبط المصنف هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة البقرة أو الأعراف: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] أي: لا جناح على الزوج فيما أخذ ولا على المرأة فيما أعطيت.\n_________\n(١) في شرحه (٣/ ٢٣٨).","vol":"3","page":75},{"text":"٥٦٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع أن مولاة لصفيّة اختلعت من زوجها بكل شيء، فلم ينكره ابن عمر.\nقال محمد: ما اختلعت به المرأة من زوجها فهو جائز في القضاء، وما نحبّ له أن يأخذ أكثر مما أعطاها، وإن جاءَ النشوز من قبلها، فأمّا إذا جاء النشوز من قبله لم نُحبّ له أن يأخذ منها قليلًا ولا كثيرًا، وإن أخذ فهو جائز في القضاء، وهو مكروه له في ما بينه وبين ربه، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا نافع أن مولاة أي: المعتوقة لصفيّة أي: بنت أبي عبيد اختلعت على صيغة المجهول أي: طلقت من زوجها بكل شيء، والباء متعلقة باختلعت بمعنى طلقت أي: طلقها زوجها بمقابلة كل شيء ملكتها فلم ينكره ابن عمر أي: مع أن الظاهر أن كل شيء أكثر مما أخذته من زوجها، وقال المزني الخلع غير جائز؛ لأن الآية منسوخة بقوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] وأجيب بأن شرط النسخ العلم بتأخر الناسخ وتعدد الجمع بينهما؛ أما الأول فهو ظاهر، وأمال الثاني فإنه يمكن حمل عدم الأخذ على ما سوى رضاها من الخلع ونحوه.\nقال محمد: ما أي: مال اختلعت به أي: طلقت بمقابلته المرأة من زوجها أي: سواء كان المال قليلًا أو كثيرًا فهو أي: الخلع بمقابلة المال جائز في القضاء، أي: في ظاهر الحكومة الشرعية وما نحبّ أي: والحال أنا لا نرضى له أن يأخذ أي: الزوج إن أراد تطليقها بمقابلة المال أكثر مما أعطاها، وإن جاءَ النشوز بضم النون والشين المعجمة وسكون الواو والزاي أي: العصيان والضررمن قبلها، بكسر القاف وفتح الموحدة وكسر اللام من جانبها وطرفها.\nقال القدوري: وهو رواية الأصل وفي (الجامع الصغير) أن الفضل يطلب له لا طلاق قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ١٨٧] ووجه ما في الأصل، وهو\n_________\n(٥٦٢) إسناده صحيح.","vol":"3","page":76},{"text":"الصحيح ما روى ابن أبي شيبة وعبد الرزاق في مصنفيهما عن عطاء قال: جاءت امرأة إلى النبي - ﷺ - تشكو زوجها فقال: \"أتردين عليه حديقته التي أصدقك\" قالت: نعم وزيادة قال: \"أما الزيادة فلا\" (١)، وأخرج الدارقطني (٢) عن عطاء أن النبي - ﷺ - قال: \"لا يأخذ الرجل من المختلعة أكثر مما أعطاها\" فأمّا إذا جاء النشوز أي: العصيان والشقاق من قبله بكسر القاف (ق ٥٩٨) وفتح الموحدة وكسر اللام أي: من جانب الرجل لم نُحبّ له أي: لا نرضى بل يكره أن يأخذ منها أي: بدلًا عن خلعها قليلًا ولا كثيرًا، وقال مالك: لا يجوز لقوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٢٠] وإن أخذ أي: شيئًا بعد نشوزه فهو أي: فأخذه جائز في القضاء، أي: لا يجوز في الديانة كما قال المصنف وهو مكروه له في ما بينه وبين ربه، وهو أي: جواز الأخذ قضاء لا ديانة قولُ أبي حنيفة والعامة من فقهائنا.\nلما فرغ من بيان مشروعية الخلع إجمالًا، شرع في بيان كمية وقوع الطلاق في الخلع، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-262>باب الخلع كم يكون من الطلاق</span>\nفي بيان أحكام الخلع كم يكون أي: الخلع من الطلاق، الخلع بضم الخاء المعجمة وسكون اللام والعين المهملة: إبانة الرجل زوجته كما يقال: خلع امرأته خلعًا كذا قاله محمد الواني من أهل اللغة، والخلع طلاق بائن عند أبي حنيفة.\nوقال أحمد وإسحاق بن راهويه في القديم: هو فرقة بغير طلاق لما روى عبد الرزاق (٣) في مصنفه من رواية طاوس عن ابن عباس ﵄ أنه قال: لو طلق رجل امرأته تطليقتين ثم اختلعت منه حل له أن ينكحها، ذكر الله تعالى الطلاق في أول\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٦/ ٥٠٢).\n(٢) الدارقطني (٣/ ٢٥٥).\n(٣) في المصنف (٦/ ٤٨٧).","vol":"3","page":77},{"text":"الآية وفي آخرها الخلع بينهما، ولنا ما روى عبد الرزاق (١) وابن أبي شيبة (٢) في مصنفيهما عن سعيد بن المسيب: أن النبي - ﷺ - جعل الخلعة تطليقة بائنة، لكن في مسنده إرسال وهو حجة عند الجمهور وكذا مرسل سعيد بن المسيب عند الشافعي، ويؤيده ما رواه الدارقطني (٣) والبيهقي (٤) في سننيهما عن ابن عباس ﵄ أن النبي - ﷺ -: \"جعل الخلعة تطليقة بائنة\" لكن في سنده عباد بن كثير فيه كلام.\n٥٦٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن جُمْهان مولى الأسْلميِّين، عن أم بكرٍ الأسلمية: أنها اختلعت من زوجها عبد الله بن أُسَيْد، ثم أتيا عثمان بن عفان في ذلك فقال: هي تطليقة؛ إلا أن تكون سمّت شيئًا فهو على ما سمَّتْ.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، الخُلع تطليقة بائنة إلا أن يكون سمى ثلاثًا أو نواها، فتكون ثلاثًا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا هشام بن عروة، الأسدي ثقة فقيه ربما دلس، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ست أو خمس وأربعين ومائة عن أبيه، أي: عن عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي المدني، يكنى أبا عبد الله المدني ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثانية من كبار طبقات التابعين، مات سنة أربع وتسعين على الصحيح عن جُمْهان مولى الأسْلميِّين، وهو بضم الجيم وسكون الهاء أسلمي مدني قديم مقبول في الطبقة الثانية من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة عن أم بكرٍ الأسلمية: نسبة إلى قبيلة أسلم أنها اختلعت بصيغة المجهول أي: طلقت بائنًا بمقابلة المال من زوجها عبد الله بن أُسَيْد، بالتصغير ثم أتيا أي: الزوجان مختلفان عثمان بن عفان ﵁ في ذلك أي: في شأن ذلك الحكم من أنه طلقة أو\n_________\n(١) عبد الرزاق في مصنفه.\n(٢) ابن أبي شيبة (٤/ ١١٧).\n(٣) الدارقطني (٤/ ٤٥).\n(٤) البيهقي (٧/ ٣١٦).\n(٥٦٣) إسناده ضعيف: فيه جمهان مولى الأسلميين وهو مقبول كما قال الحافظ في التقريب.","vol":"3","page":78},{"text":"فرقة فقال: هي أي: المرأة والخلع والتأنيث باعتبار خبره تطليقة؛ أي: ذات تطليقة واحدة إلا أن تكون أي: المرأة سمّت شيئًا أي: ذكرت أو نوت الزيادة، وفي نسخة: إلا أن يكون سمى شيئًا فهو أي: الخلع مبني علي ما سمَّتْ وفي نسخة: على ما سمى أي: (ق ٥٩٩) صرح.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله عثمان بن عفان ﵁ من أن الخُلع تطليقة بائنة إلا أن يكون سمى ثلاثًا أو نواها، فتكون ثلاثًا وفي (الزخيرة) ولو خلعها ثم قال: انو به الطلاق فإن لم يذكر بدلًا صدقة ديانة وقضاء وإن ذكر لا يصدق ديانة ولا قضاء انتهى. وإن قالت: طلقني ثلاثًا بألف فطلقها واحدة في المجلس فبائنة بثلاث الألف وقال مالك: بالألف. وقال أحمد: بغير شيء، وإن قالت: طلقني ثلاثًا على ألف فطلقها تقع رجعية بكل شيء عند أبي حنيفة وبالألف عند مالك وبائنة بثلث الأف عند أبي يوسف ومحمد والشافعي.\nلما فرغ من بيان كمية الطلاق في الخلع شرع في بيان حكم تعليق الطلاق بشيء.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-263>باب الرجل يقول: إذا نكحت فلانة فهي طالق</span>\nفي بيان حكم حال الرجل يقول: إذا نكحت فلانة فهي طالق شرط صحة تعليق الملكة كأن يقول لمنكوحته: إن دخلت الدار فأنت طالق، أو الإضافة إلى الملك بأن يعلق على نفس الملك نحو: إن ملكت طلاقك فأنت طالق، أو على سببه نحو: إن تزوجتك فأنت طالق، وقال: لا يصح التعليق المضاف إلى الملك، وقال مالك: إذا لم يسم امرأة بعينها أو قبيلة أو أرضا ونحو هذا فليس يلزمه ذلك لما في (الموطأ) لمالك أن عبد الله بن مسعود كان يقول: من قال: كل امرأة أنكحها فهي طالق إذا لم يسم قبيلة أو امرأة بعينها فلا شيء عليه قال مالك: وهذا أحسن ما سمعت، وللشافعي ما روى أبو داود (١) والترمذي (٢) وابن ماجه (٣) عن عامر\n_________\n(١) أبو داود (٣/ ٢٢٨).\n(٢) الترمذي (١١٨١) وقال: حديث حسن صحيح وهو أحسن شيء روى في هذا الباب وهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم، روى ذلك عن علي بن أبي طالب وابن عباس وجابر بن عبد الله وسعيد بن المسيب والحسن وسعيد بن جبير وعلي بن الحسين وشريح وجابر بن زيد وغير واحد من فقهاء التابعين وبه يقول الشافعي.\n(٣) ابن ماجه (٢٠٤٧).","vol":"3","page":79},{"text":"الأحول، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه قال: قال - ﷺ -: \"لا نذر لابن آدم فيما لا يملك ولا عتق له فيما لا يملك ولا طلاق له فيما لا يملك\" قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح أو هو أحسن شيء روى في هذا الباب، ولنا ما في (الموطأ) أن عمر بن الخطاب ﵁، وعبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود ﵃، وسالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد وابن شهاب وسليمان بن يسار كانوا يقولون: إذا حلف الرجل بطلاق المرأة قبل أن ينكحها ثم أثم أي: حنث أن الطلاق لازم له إذا أنكحها أي: قبل الحنث، وروى ابن أبي شيبة في (مصنفه): عن سالم والقاسم وعمر بن عبد العزيز والشعبي والنخعي والزهري والأسود وأبي بكر بن عبد الرحمن ومكحول في رجل قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق أو كل امرأة أتزوجها فهي طالق قالوا: هو كما قال، وفي لفظ: يجوز ذلك عليه أي: يقع، وروى عبد الرزاق في (مصنفه) عن معمر عن الزهري أنه قال في رجل قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، وكل أمة أشتريها فهي حرة فهو كما قال، فقال معمر: أوليس قد جاء: \"لا طلاق قبل النكاح ولا عتق إلا بعد الملك\". قال: إنما ذلك أن يقول الرجل: امرأة فلان طالق وعبد فلان حر.\n٥٦٤ - أخبرنا مالك، قال أخبرنا مُجَبَّر، عن عبد الله أنه كان يقول: إذا قال الرجل: إذا نكحت فلانة فهي طالق، فهي كذلك إذا نكحها، وإن طلقها واحدة أو اثنتين أو ثلاثًا فهو كما قال.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا مُجَبَّر، بضم الميم وفتح الجيم وفتح الموحدة المشدودة فراء اسمه عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن عبد الرحمن ثلاثة ابن عمر بن الخطاب كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل المدينة عن عبد الله أنه كان يقول: إذا (ق ٦٠٠) قال الرجل: إذا نكحت فلانة فهي طالق، فهي كذلك أي: طالق إذا نكحها، أي: بمجرد عقدها وإن طلقها واحدة أو اثنتين أو ثلاثًا أي: في ضمن تعليقه فهو كما قال أي: وفق تطليقته.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله عبد الله بن عمر وهو قولُ أبي حنيفة رحمه الله تعالى.\n* * *\n_________\n(٥٦٤) إسناده صحيح.","vol":"3","page":80},{"text":"٥٦٥ - أخبرنا مالك، عن سعيد بن عمرو بن سُليم الزُّرَقي، عن القاسم بن محمد، أن رجلًا سأل عمر بن الخطاب، فقال: إني قلتُ: إن تزوجتُ فلانة فهي عليَّ كظهر أمِّي، قال: إن تزوجتها فلا تقربها حتى تُكَفِّر.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، يكون مُظاهرًا منها، إذا تزوجها فلا يقربها حتى يُكَفِّر.\n• أخبرنا مالك، عن سعيد بكسر العين وقيل: بسكونها بلا ياء ابن عمرو بفتح العين ابن سُليم بالتصغير الزُّرَقي، بضم الزاي وفتح الراء المهملة وبالقاف الأنصاري وثقه ابن معين وابن حبان كان في طبقة التابعين مات سنة أربع وثلاثين ومائة عن القاسم بن أبي بكر الصديق ﵁ كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل المدينة، كما قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي (في طبقاته) أن رجلًا سأل عمر بن الخطاب، ﵁ فقال: أي: السائل إني قلتُ: إن تزوجتُ فلانه أي: وسمي باسمها فهي عليَّ كظهر أمِّي، أي: في الحكم قال أي: عمر بن الخطاب للسائل إن تزوجتها فلا تقربها حتى تُكَفِّر، وفي (القاموس) من الكفارة ما كفر به من صدقة أو صوم أو نحوها انتهى، وهي مبنية على الستر فيه، لأنها من الكفر وهو التغطية والترفيه تشبيه المعقول بالمحسوس، فإن عمر يشبه كلام القائل الذي قال: إن تزوجت فلانة فهي علي كظهر أمي بمرض الجرب الذي أصاب البعير، وكان مجروبًا لا ينتفع منه حتى يدهن بقطران ونحوه وشبه كفارة هذا القول بدواء الجرب، فلا يحل أن يطأ الرجل امرأته إن تزوجها بعد أن يقول: إن تزوجت فلانة فهي علي كظهر أمي حتى يكفر كما لا ينتفع من البعير المجروب حتى يخلص من جربه، وكفارة هذا القول تحرير رقبة، وإن لم يجد ما يعتقه صيام شهرين متتابعين قبل الجماع لها في أثناء الشهرين وليس فيهما رمضان وأيام نهي عن صومها، فإن أفطر بعذر أو بغيره أوطئها في أثناء الشهرين عامدًا أو ساهيًا استأنف الصوم عند أبي حنيفة ومحمد خلافًا لأبي يوسف، فإن عجز عن الصوم أطعم ستين مسكينًا كالفطرة كما في (منح الغفار).\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله عمر بن الخطاب ﵁\n_________\n(٥٦٥) إسناده صحيح.","vol":"3","page":81},{"text":"وهو قولُ أبي حنيفة أي: قائل هذا الكلام مظاهرًا منها أي: من المرأة إذا تزوجها ولا يقربها أي لا يجامعها حتى يكفر أي: كفارة الظهار.\nلما فرغ من بيان حكم تعليق الطلاق بشيء، شرع في بيان حكم حال المرأة يطلقها زوجها تطليقتين فتزوج زوجًا فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-264>باب المرأة يطلقها زوجها تطليقة أو تطليقتين فتتزوج زوجًا ثم يتزوجها الأول</span>\nباب في بيان حكم المرأة يطلقها زوجها تطليقة أو تطليقتين أي: فينقض عدتها فتزوج زوجًا غيره أي: غير زوجها الأول، علي ما في نسخة الفاء بمعنى ثم للتراخي في الزمان كما في قوله تعالى في سورة المؤمنون: ﴿فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخلَقْنَا الْمُضغَةَ عِظَامًا﴾ الآية [المؤمنون: ١٤] ثم أي: بعد انقضاء عدتها من الزوج الثاني يتزوجها أي: بعقدها مجددًا زوجها الأول فالزوج الثاني يهدم ما دون (ق ٦٠١) الثلاث من الطلاق عند أبي حنيفة وأبي يوسف خلافًا لمحمد، وبه قال مالك والشافعي وأحمد وزفر، ومن أدلتهم ما أخرجه المصنف بقوله:\n٥٦٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا الزهري، عن سليمان بن يسار وسعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: أنه استفتى عمر بن الخطاب في رجل طلق امرأته تطليقة أو تطليقتين ثم تركها حتى تحل، ثم تنكح زوجًا غيره فيموت، أو يطلقها فيتزوجها الأول، على كم هي؟ قال عمر: هي على ما بقي من طلاقها.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، فأما أبو حنيفة فقال: إذا عادت إلى زوجها الأول بعد ما دخل بها الآخر عادت على طلاق جديد، ثلاث تطليقات مستقبلات، وهو قول ابن عباس، وابن عمر.\n_________\n(٥٦٦) إسناده صحيح.","vol":"3","page":82},{"text":"• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا الزهري، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة عن سليمان بن يسار أي: الهلالي المدني مولى ميمونة وقيل: أم سلمة ثقة فاضل أحد الفقهاء السبعة المخزومي، كان في الطبقة الثالثة من كبار التابعين مات بعد المائة وقيل قبلها وسعيد بن المسيب، عطفه على سليمان بن يسار إشارة لتحويل السند تقوية للحكم، وهو ابن حزن بن أبي عمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي أحد العلماء الأثبات كان في الطبقة الأولى من كبار التابعين، اتفقوا على أن مرسلاته أصلح المراسيل، وقال المدني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه، مات بعد التسعين بيسير وهو ابن أربع وثمانين سنة، كما قاله ابن حجر (١) وابن الجوزي عن أبي هريرة: ﵁ أنه استفتى على صيغة المجهول أي: طلب الفتوى طالب من عمر بن الخطاب ﵁ في رجل أي: في حق رجل طلق امرأته تطليقة أو تطليقتين ثم تركها حتى تحل، أي: إلى انقضاء عدتها كلمة حتى للغاية أي: للدلالة على أن ما بعدها غاية لما قبلها سواء كان جزء منه كما في أكلت السمكة حتى رأسها، أو غير جزء كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّي مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥] وأما عند الإطلاق أي: عند انفصام القرينة فالأكثر على أن ما بعدها داخل فيما قبلها، كما أن إلى للغاية، كذا قاله ابن مالك في (شرح المنار) ثم أي: بعد انقضاء عدتها تنكح أي: تتزوج زوجًا غيره أي: غير زوج الأول فيموت، أي: الزوج الثاني بعد وطئها أو يطلقها أي: الزوج الثاني بعد أن جامعها فيتزوجها الأول، أي: بعد فراغها من عدة الثاني على كم هي؟ هذا محل السؤال، والمعنى أن المرأة على كم عدد من الطلاق عند الأول قال عمر: هي على ما بقي من طلاقها أي: فيما يملكها بما بقى من الثلاث سواء كان طلاقها من الأول واحدة أو اثنتين.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما سبق من الحديث، وقد رواه البيهقي في (المعرفة) من طريق الشافعي عن ابن عيينة عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عتبة وسليمان بن يسار: أنهم سمعوا أبا هريرة يقول: سألت عمر بن الخطاب ﵁ عن رجل من أهل البحرين طلق امرأته تطليقة أو تطليقتين، ثم\n_________\n(١) في التقريب (١/ ٢٥٥).","vol":"3","page":83},{"text":"انقضت عدتها فتتزوج غيره ثم فارقها، ثم تزوجها قال: هي عنده على ما بقي: كما قاله علي القاري.\nوالمراد من أهل البحرين: أهل البلاد على ساحل بحر الهند بين البصرة وعمان كذا قاله الياقوت الحموي في (معجم البلدان) فأما أبو حنيفة أي: ومن تبعه كأبي يوسف وفي نسخة: وأما بالواو فقال: إذا عادت إلى زوجها الأول بعد ما دخل بها الآخر عادت على طلاق جديد، أي: حيث هدم الزوج الثاني ما دون الثلاث ثلاث تطليقات مستقبلات، أي: إن كانت حرة وتطليقتين إن كانت أمة ففي أصل ابن الصواف كذا في نسخة وهو أي: قول أبي حنيفة وهو إذا عادت إلى الأول بعد ما دخل بها الآخر عادت على طلاق جديد ثلاث تطليقات (ق ٦٠٢) مستقبلات وهو قول ابن عباس، وابن عمر ﵄، والدليل عليه ما روى محمد في (الآثار) عن أبي حنيفة عن حماد بن أبي سلمة عن سعيد بن جبير قال: كنت جالسا عند عبد الله بن عتبة بن مسعود إذ جاءه أعرابي فسأله عن رجل طلق امرأته تطليقة أو تطليقتين ثم انقضت عدتها وتزوجت زوجًا غيره، فدخل بها ثم مات عنها أو طلقها ثم انقضت عدتها، فأراد الأول أن يتزوج على كم هي فالتفت إلى ابن عباس فقال: ما تقول في هذا يهدم الزوج الثاني والواحدة واثنتين والثلاث وأسأل ابن عمر قال: فلقيت ابن عمر فسألته فقال: مثل ما قال ابن عباس ﵄.\nلما فرغ من بيان حكم حال المرأة يطلقها زوجها تطليقة أو تطليقتين فتزوجت زوجًا غيره ثم يتزوجها الأول، شرع في بيان حكم حال الرجل يجعل أمر امرأته بيدها أو غيرها، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-265>باب الرجل يجعل أمر امرأته بيدها أو غيرها</span>\nباب في بيان حكم الرجل يجعل أمر امرأته بيدها أو غيرها أي: يجعلها تخييرًا في تطليق نفسها.\n٥٦٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا سعيد بن سليمان بن زيد بن ثابت، عن خارجة\n_________\n(٥٦٧) إسناده صحيح.","vol":"3","page":84},{"text":"ابن زيد بن ثابت: أنه كان جالسًا عنده، فأتاه بعض بني أبي عتيق؛ وعيناه تدمعان، فقال له: ما شأنك؟ قال: مَلَّكتُ امرأتي أمرها ففارقتني، فقال له: ما حملك على ذلك؟ فقال: القدر، فقال زيد بن ثابت: ارتجعها إن شئت فإنما هي واحدة، وأنت أمْلَك بها.\nقال محمد: هي عندنا على ما نوى الزوج، فإن نوى واحدة، فهي واحدة بائنة، وهو خاطب من الخطَّاب، وإن نوى ثلاثًا فثلاث، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، وقال علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان: القضاءُ ما قضتْ.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا سعيد بن سليمان بن زيد بن ثابت، الأنصاري المدني، قاضيها ثقة كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة عن خارجة بن زيد أي: ابن ثابت: الأنصاري، يكنى أبا زيد المدني ثقة فقيه كان في الطبقة الثالثة مات سنة مائة وقيل: قبلها عن زيد بن ثابت أي: ابن الضحاك بن لوزان الأنصاري البخاري، يكنى أبا سعيد أو أبا خارجة صحابي مشهور كتب الوحي، قال مسروق. كان من الراسخين في العلم، مات سنة خمس أو ثمان وأربعين وقيل: بعد الخمسين كذا في (تقريب التهذيب) أنه أي: خارجة كان جالسًا عنده، أي: عند أبيه زيد بن ثابت فأتاه بعض أي: محمد بن عبد الله من بني أبي عتيق؛ وهو محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق التيمي المدني مقبول روى له البخاري والستة وعيناه تدمعان، بفتح الميم أي: تسيلان دمعًا من شدة البكاء فقال أي: زيد بن ثابت له: أي: لبعض وهو محمد بن عبد الله ما شأنك؟ أي: حالك قال: مَلَّكتُ امرأتي بفتح الميم وتشديد اللام أي: جعلتها أمرها بيدها ففارقتني.\nاعلم أن التفويض طلاقها إليها بأن قال لها: اختاري ينوي به الطلاق، أو قال لها: طلقي نفسك فينعقد بمجلس علمها غائبة كانت أو حاضرة فتطلق نفسها ما دامت في مجلسها ذلك، وإن قامت منه أو أخذت في عمل آخر خرج الأمر من يدها.\nوقال الزهري وقتادة ومالك: في رواية الشافعي في القديم لا ينعقد بالمجلس.","vol":"3","page":85},{"text":"وقال أحمد: لا ينعقد الأمر باليد بالمجلس ولنا ما روى عبد الرزاق (١) في (مصنفه) عن ابن مسعود أنه قال: \"إذا ملكها أمرها فتفرقا قبل أن تنقضي شيء فلا أمر لها\" وما روى أيضًا عن جابر بن عبد الله أنه قال: \"إذا خير الرجل امرأته فلم تختر في مجلسها ذلك فلا خيار لها\" وما روى عبد الرزاق وابن أبي شيبة (٢) عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ﵄ - قالا: \"أيما رجل ملك امرأته أمرها بيدها وخيرها ثم افترقا (ق ٦٠٣) من ذلك المجلس فليس لها خيار وأمرها بيد زوجها\".\nقال البيهقي: وقد تعلق بعض من يجعل لها الخيار، ولو قامت من المجلس بحديث تخير عائشة ﵂: وهو في (الصحيحين) \"إني ذاكر لك أمرًا فلا عليك لا تعجلين فيه حتى تستشرين فيه أبويك\"، وهذا يعني الاستدلال به غير ظاهر؛ لأنه - ﷺ - لم يخيرها بإيقاع الطلاق بنفسها وإنما خيرها على أنها إن اختارت نفسها أحدث عليها الطلاق لقوله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨] انتهى.\nلكن إن قال: كلما شئت فإنه يتقيد بمجلس علمها، وأما إذا فوض طلاقها إلى غيرها لا يتقيد بالمجلس اتفاقًا؛ لأن ذلك توكيل بالطلاق وأمر بإيقاعه والتوكيل، والأمر لا يقتضيان القول كأمر الشارع وكباقي الوكالاة فقال له: ما حملك أي: أي شيء أقدمك على ذلك؟ أي: على ما فعلته من التفويض والتخيير حتى أوقعت في يدها التخيير فقال: القدر، أي: تعلق الإرادة الذاتية بالأشياء في أوقاتها الخاصة كذا فسرها محمد الجرجاني، فيه إثبات مذهب أهل السنة والجماعة ورد مذهب المعتزلة قال رسول الله - ﷺ -: \"كل شيء بقدر حتى العجز والكيس\" رواه الإِمام أحمد في مسنده (٣).\nقال أبو حنيفة في (الفقه الأكبر): وجميع أفعال العباد من الحركة والسكون كسبهم على الحقيقة والله خالقها، إن أفعال العباد من الإِيمان والكفر والطاعة والمعصية كلها بمشيئة الله وعلمه وقضائه وقدره انتهى.\n_________\n(١) في المصنف (٦/ ٥٢٤).\n(٢) في المصنف (٤/ ٨٩).\n(٣) أحمد (٢/ ١١٠).","vol":"3","page":86},{"text":"ومذهب المعتزلة أن الله تعالى يريد الإِيمان والطاعة من العبد والعبد يريد الكفر والمعصية لنفسه، فيقع مراد العبد دون مراد الله تعالى، فتكون إرادته غالبة على إرادة الله تعالى، وأما عندنا فكل ما أراده الله تعالى فهو واقع فهو تعالى يريد الكفر من الكافر، ويريد الإِيمان من المؤمن، وعلى هذا فإرادة الله غالبة على إرادة العبد مثلًا إذا كان للرجل على إنسان دين وكان في ذلك المديون قادرًا على أداء الدين وقال والله لأقضين هذا الدين غدًا إن شاء الله تعالى، فإذا جاء الغد ولم يقض غدًا الدين لم يحنث وعلى قول المعتزلة حنث، فعلم من هذه المسألة أن مشيئة الله غالبة دون مشيئة العبد عند أصحابنا إذا علمت أن جميع الأشياء من الخير والشر بمشيئته تعالى وعلمه وقضائه وقدره.\nفاعلم أن الطاعات كلها بأمر الله وبمحبته ورضائه وعلمه ومشيئته وقضائه وتقديره، والمعاصي كلها بعلمه وقضائه وتقديره ومشيئته لا بمحبته ولا برضائه ولا بأمره؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، فلا تتعلق محبته بالفساد من الكفر والمعاصي وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف: ٢٨] أي: بالقبيح من الكفر والمعاصي، وهذا يدل على أن أمر الله لا يستلزم أن يوافق إرادته بل قد يأمر بالشيء، ولكن لا يريده كإيمان أبي جهل بن هشام وينهى عن السيئ ويريده ككفر أبي جهل، والمعتزلة يقولون: أن أمر الله وإرادته (ق ٦٠٤) متطابقات في كل مأمور به مراد الله وكل منهي عنه ليس بمراد الله وقلنا: إن الأمر والإِرادة قد يختلفان؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [النحل: ٣٦] صريح في قولنا وهو أن الأمر بالإِيمان عام في حق الكل، أما إرادة الإِيمان به تعالى بالبعض وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥] كذا قاله أحمد بن محمد البهنساوي في شرح (الفقه الأكبر لأبي حنيفة) ﵀ قال له أي: لبعض وهو محمد بن عبد الله، زيد بن ثابت: ارتجعها إن شئت أي: رجوعها فإنما هي أي: المرأة مطلقة بطلقة واحدة، أي: من الطلاق عند الإِطلاق وأنت أمْلَك بها أي: من غيرك لقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨].\nقال محمد: هذا أي: الإِطلاق عندنا على ما نوى الزوج، أي: به فإن نوى واحدة، فهي واحدة بائنة، وهو أي: الزوج خاطب من الخطَّاب، بضم فتشديد جمع خاطب","vol":"3","page":87},{"text":"والمعنى إنه لا يراجعها بل ينكحها إنكاحًا ثانيًا وإن نوى ثلاثًا، أي: فحكمه معلوم وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\nوقال مالك: تفسخ بالتفويض ثلاث لأن الثلاث أتم ما يكون من الاختيار، وبه قال أحمد، وفي (الهداية) إنه يقع طلقة رجعية اعتبارًا لما أتت به من صريح الطلاق فقيل: هذا سهو، وقيل: فيها روايتان إحداهما: أنه يقع طلقة رجعية؛ لأن لفظهما صريح، والأخرى: إنها بائنة وهذا أصح كما في (شرح الوقاية) إنما كانت بائنة؛ لأن التفويض في البائن ضرورة ملكها أمرها، وقد خرج كلهما جوابًا له فتصير الصفة المذكورة في التفويض مذكورة في الإِيقاع، وقال علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان ﵄: القضاءُ ما قضت أي: الحكم ما نوت من رجعية أو بائنة واحدة أو ثلاث؛ لأن الظاهر مفوض إليها ويعمل هذا عند إطلاق زوجها، فلا ينافي ما تقدم والله أعلم بالصواب.\n* * *\n\n٥٦٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة أنها خطبت على عبد الرحمن بن أبي بكر قريبةَ ابنةَ أبي أُميّة، فَزُوِّجَتْه، ثم إنهم عتبوا على عبد الرحمن بن أبي بكر وقالوا: ما زوّجنا إلا عائشة، فأرسلت إلى عبد الرحمن فذكرت ذلك له، فجعل عبد الرحمن أمر قُرَيْبَة بيدها، فاختارته وقالت: ما كنتُ لأختار عليك أحدًا، فقرّت تحته، فلم يكن ذلك طلاقًا.\n• أخبرنا مالك وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا، وفي أخرى: أنا عبد الرحمن بن القاسم، بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي يكنى أبا محمد المدني ثقة جليل، قال ابن عيينة: كان أفضل أهل زمانه، وكان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ست وعشرين ومائة عن أبيه، أي: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵁ كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل المدينة، كما قاله عبد الرحمن بن الجوزي في (طبقاته) عن عائشه ﵂ أنها خطبت بفتح الخاء المعجمة، وكسر الطاء المهملة، وفتح الموحدة، وسكون الفوقية أي: تكلمت وطلبت لأجل النكاح على أخيها على عبد الرحمن بن أبي بكر\n_________\n(٥٦٨) إسناده صحيح.","vol":"3","page":88},{"text":"الصديق ﵁ قريبةَ بفتح القاف وكسر الراء المهملة وسكون التحتية وفتح الموحدة فتاء تأنيث على وزن حبيبة، ويقال: بالتصغير ابنةَ أبي أُميّة، بن المغيرة المخزومية الصحابية أخت أم سلمة أم المؤمنين، وكانت موصوفة (ق ٦٠٥) بالجمال روى عمر بن شيبة لما فُتحت مكة قال سعد بن عبادة: ما رأينا من نساء قريش ما كان يذكر من جمالهن فقال - ﷺ -: \"هل رأيت من بنات أبي أمية قريبة\" فَزُوِّجَتْه، بصيغة المجهول أي: زوجها أهلها إياه، وبصيغة المعلوم أي: صارت عائشة ﵂ سببًا لتزويج قريبة إلى أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ثم إنهم أي: أهلها عتبوا بفتح الفوقية أي: غضبوا على عبد الرحمن بن أبي بكر والمعنى: أن قوم قريبة كرهوا بعض ما عنده من سوء الخلق أو قلة الرزق وقالوا: ما زوّجنا إلا عائشة، أي: إنما وثقنا بفضلها وحسن خلقها وإنها لا ترضى لنا بإيذاء ولا أضرار في وليتنا، يعني ما صار سبب زوجنا إلا هي وشكوا عنه عندها فأرسلت أي: عائشة إلى عبد الرحمن فذكرت ذلك له، أي: إما حضورًا أم غيبة فجعل عبد الرحمن أمر قُرَيْبَة بيدها، فاختارته أي: زوجها عبد الرحمن وقالت: ما كنتُ لأختار عليك أحدًا، أي: وإنما ذلك الكلام من باب العتاب في المقام فقرّت تحته، أي: فاستقرت واستمرت معه فلم يكن ذلك أي: اختيارها له طلاقًا.\nوفي (جامع الترمذي) اختلف أهل العلم في الخيار، فروى عن عمر وعبد الله بن مسعود ﵄ أنهما قالا: إن اختارت نفسها فواحدة بائنة، وروى عنهما أيضًا: إنما قالا واحدة تملك الرجعة وإن اختارت زوجها فلا شيء، وروى عن علي ﵁ أنه قال: إن اختارت نفسها فواحدة بائنة وإن اختارت زوجها تملك الرجعة.\nوقال زيد بن ثابت: إن اختارت زوجها فواحدة وإن اختارت نفسها فثلاث انتهى.\nولنا إن اختارت زوجها لم يقع شيء وهو قول أكثر أهل العلم، لما روى البخاري (١) ومسلم (٢) من حديث عائشة قالت: \"خيرنا النبي - ﷺ - فاخترنا الله تعالى ورسوله، فلم يعد ذلك شيئًا\" ففيه بحث، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(١) البخاري (٤٩٦٢).\n(٢) مسلم (١٤٧٧).","vol":"3","page":89},{"text":"٥٦٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: أنها زوّجت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر المنذرَ بنَ الزبير، وعبد الرحمن غائب بالشام، فلما قدم عبد الرحمن، قال: ومثلي يُصنع به هذا ويُفتات عليه ببناته؟ فكلمت عائشة المنذرَ بن الزبير، فقال: فإن ذلك في يد عبد الرحمن، فقال عبد الرحمن: ما لي رغبة عنه، ولكن مثلي ليس يُفتات عليه في بناته، وما كنتُ لأردّ أمرًا قضيته فقرّت امرأته تحته، ولم يكن ذلك طلاقًا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: ﵂ أنها زوّجت أي: بطريق الولاية حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر ﵁ كانت من ثقات التابعيات روى لها مسلم والثلاثة المنذرَ بنَ الزبير، ابن العوام الأسدي، يكنى أبا عثمان شقيق عبد الله، وهو مفعول ثان لزوجته وعبد الرحمن غائب بالشام، جملة حالية معترضة مبنية لسبب تزوجها مع وجود أبيها وذكر مصعب الزبيدي أن المنذر غاضب أخاه عبد الله فخرج من مكة إلى معاوية، فأجازه بجائزة عظيمة وأقطعه أرضًا بالبصرة، وذكر الزبير بن بكار: أن المنذر كان عند عبيد الله بن زياد لما امتنع عبد الله بن الزبير من مبايعة يزيد بن معاوية، فكتب يزيد إلى عبيد الله أن يوجه إليه المنذر فبلغه فهرب إلى مكة، فقتل في الحصار الأول بعد وقعة الحرة سنة أربع وستين، فلما قدم عبد الرحمن، وفي نسخة مصحفة: عبد الله أي: جاء من سفره قال: ومثلي بكسر الميم أي: وأمثلي يُصنع به هذا أي: تزويج بنته في غيبته ويُفتات عليه بصيغة المجهول من الافتيات المأخوذ من الفوت أي: يستبد برأيه ولم يأمر فيه من هو أحق منه بالأمر ببناته؟ أي: في حق بعضهن، (ق ٦٠٦) والمعنى لا يصلح أمرهن بغير إذني فكلمت عائشة المنذرَ بن الزبير، أي: أخبرته بقول أخيها عبد الرحمن بما جرى على لسانه فقال: أي: المنذر فإن ذلك أي: اختيارها وأمرها من عندي في يد عبد الرحمن، أي: فيختار ما يشاء في حقها فقال عبد الرحمن: ما لي رغبة عنه، أي: ليس لي زهدًا عنه وإعراضًا منه ولكن مثلي ليس يُفتات عليه في بناته، أي: لا يعقل شيء بدون أمره وما كنتُ لأردّ أمرًا\n_________\n(٥٦٩) إسناده صحيح.","vol":"3","page":90},{"text":"قضيته بكسر التاء خطابًا لأخته عائشة أي: حكمت يا عائشة فقرّت: استمرت امرأته أي: زوجة المنذر حفصة تحته، أي: المنذر ولم يكن ذلك أي: القول المذكور عند الزوج طلاقًا هذا شاهد للجزء الثاني من ترجمة الباب.\nقال مالك: في (الموَّازِيَّةِ) إنما كان ذلك لمثل عائشة لمكانها من رسول الله - ﷺ - أي: لأنه إنما يجوز إجازة المجيز تزويج ابنه أو أخيه أو جده إذا كان قد فوض له أموره وإلا لم يجز، ولو أجازه الأب كما (في المدونة) وعائشة ولست واحدة من هؤلاء ولم يفوض لها أموره فالجواز في إجازة فعلها خصوصية، قال ابن القاسم: وأظنها وكلت عند العقد، ولكنهم نصوا أن ولي المرأة لا يؤكل إلا بمثله وعائشة لا يصح كونها وكيلًا عن أخيها، فكيف توكل؟ إلا أن يقال: ما نصوا عليه إذا وكل الولي من يتولى العقد، أما إذا كان وكل من يوكل من يتولى العقد فلا مانع أن يوكل امرأة مثلًا، وذكر الزبير بن بكار: أن المنذر فارق حفصة فتزوجها حسن بن علي فاختارت المنذر عليه حتى طلقها فأعادها المنذر كما قاله الزرقاني.\n* * *\n\n٥٧٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر: أنه كان يقول: إذا ملَّك الرجل امرأته القضاءُ ما قضتْ، إلا أن ينكر عليها، فيقول: لم أرد إلا تطليقة واحدة؛ فتحلف على ذلك، ويكون أملك بها في عدتها.\n• أخبرنا مالك، بن أنس بن مالك بن عمير بن أبي عامر الإِمام، صاحب المذهب، منسوب إلى ملك ذي أصبح من ملوك اليمن، كان في الطبقة السابعة من طبقات كبار أتباع التابعين، من أهل المدينة، كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة من وجه الأرض كما قاله السيد علي في (خلاصة الهيئة) وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا نافع، أي: ابن عبد الله المدني مولى ابن عمر، ثقة فقيه ثبت مشهور كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة من الهجرة عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه كان يقول: إذا ملَّك بفتح الميم وتشديد اللام، أي: فوض الرجل امرأته أمرها أي: أمر طلاقها إليها القضاءُ أي: الحكم ما قضتْ، أي: طلاق حكمت به\n_________\n(٥٧٠) إسناده صحيح.","vol":"3","page":91},{"text":"امرأته من طلاق واحدة أو أكثر، لأنهما حقيقة في زوال الملك الزوج عنها إلا أن ينكر عليها، أي: الزوج فيقول لم أرد بضم الهمزة وكسر الراء المهملة وسكون الدال، أي: ما أردت إلا تطليقة واحدة؛ أي: رجعية فتحلف على ذلك، أي: على ما نوى فيكون أي: زوجها، وفي نسخة: بالواو أملك بفتح الهمزة وسكون الميم وفتح اللام، فكان أي: أحق وأولى بها من غيرها في عدتها أي في مدة عدتها، وفي (الموطأ) لمالك وفي رواية يحيى ما كانت في عدتها أي: ما دامت المرأة في عدتها له.\n* * *\n\n٥٧١ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيَّب، أنه قال: إذا ملَّك الرجل امرأته أمرها فلم تفارقه، وقرّت عنده، فليس ذلك بطلاق.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، إذا اختارت زوجها فليس ذلك بطلاق، وإذا اختارت نفسها فهو على ما نوى الزوج، فإن نوى واحدة فهي واحدة بائنة، وإن نوى ثلاثًا فثلاث، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا أخبرنا يحيى بن سعيد، بن قيس الأنصاري المدني، يكنى أبا سعيد القاضي، ثقة ثبت كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة عن سعيد بن المسيَّب، (ق ٦٠٧) بن حزن بن وهب بن عمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات، كان في الطبقة الأولى من طبقات التابعين، من أهل المدينة، وقال المدني: لا أعلم في كبار التابعين أوسع علمًا منه مات بعد التسعين بيسير من الهجرة وهو ابن أربع وثمانين سنة، كذا قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي في (طبقاته) أنه قال: إذا ملَّك أي: فوض الرجل امرأته أمرها أي: أمر طلاقها فلم تفارقه، أي: بأن اختارته حقيقة أو حكمًا وقرّت بفتح القاف وتشديد الراء المفتوحة أي: ثبتت عنده، فليس ذلك بطلاق أي: لردها ما ملكت.\n_________\n(٥٧١) إسناده صحيح.","vol":"3","page":92},{"text":"قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله سعيد بن المسيب إذا اختارت المرأة زوجها فليس ذلك بطلاق، وإذا اختارت نفسها فهو على ما نوى الزوج، أي: لأن الطلاق بيد من له الساق كما ورد فإن نوى واحدة فهي أي: المرأة مطلقة طلقة واحدة بائنة، أي: لأنها أقل ما ملك له نفسها وإن نوى ثلاثًا فثلاث، أي: فإنه أتم وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\nلما فرغ من بيان حكم حال الرجل يجعل أمر امرأته بيدها أو غيره، شرع في بيان حكم حال الرجل يكون تحته أَمة فيطلقها ثم يشتريها، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-266>باب الرجل يكون تحته أمة فيطلقها ثم يشتريها</span>\nباب في بيان حكم حال الرجل يكون تحته أَمة فيطلقها ثم يشتريها أطلق بتطليقها وأراد تطليقها ثلاثًا.\n٥٧٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا الزهري، عن أبي عبد الرحمن، عن زيد بن ثابت: أنه سُئل عن رجل كانت تحته وليدة فأبَتَّ طلاقها ثم اشتراها، أيحلّ أن يمسها؟ فقال: لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا الزهري، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، عن أبي عبد الرحمن، وهو طاوس بن كيسان اليماني الحميري مولاهم الفارسي يقال: اسمه ذكوان، وطاووس لقبه ثقة فقيه فاضل، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل اليمن، كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، مات سنة ست ومائة، وقيل: بعدها كما قاله ابن حجر في (تقريب التهذيب).\nقاله الزرقاني: إنما كتم اسم أبي عبد الرحمن وهو طاووس مع جلالته؛ لأن طاووسًا\n_________\n(٥٧٢) إسناده صحيح.","vol":"3","page":93},{"text":"كان يطعن على بني أمية ويدعو عليهم في مجلس هشام، روى عن طاوس فقال للسائل: أما أنك لو رأيت طاووسًا لعلمت أنه لا يكذب ولا يحبه بأنه يروي أو لا يروي انتهى.\nعن زيد بن ثابت: بن الضحاك كتب الوحي قال: مسروق كان زيد بن ثابت من الراسخين في العلم، مات سنة خمس أو ثمان وأربعين، وقيل: تحت عقده وليدة أي: جارية فأبَتَّ طلاقها بتشديد التاء يقال: بتَّ الرجل طلاق امرأته إذا قطعها عن الرجعة، وأبت طلاقه بألف والمراد هنا البينونة الكبرى أي: ثلاث طلقات ثم اشتراها، أي: وهي عنده أيحلّ أن يمسها؟ أي: يجامعها فقال: لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره لعموم الآية، وعلى هذا جمهور العلماء والأئمة الأربعة، خلافًا لقول السلف: تحل لعموم الآية ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ﴾ [النساء: ٣] قال ابن عمر: هذا خطأ لأنها تبيح الأمهات والأخوات والبنات فكذا سائر المحرمات.\n(ق ٦٠٨) قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بهذا الحديث وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا والله أعلم.\nلما فرغ من بيان حكم حال الرجل يكون تحت عقده أمة فيطلقها ثم يشتريها، شرع في بيان حكم حال الأمة تكون تحت العبد، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-267>باب الأمه تكون تحت العبد فتعتق</span>\nباب في بيان حكم حال الأمة تكون تحت العبد أي: الذي لسيدها أو لغيره فتعتق أي: يكون لها الخيار.\n٥٧٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أنه كان يقول: في الأمة تحت العبد فَتُعْتَق: أن لها الخيار ما لم يمسّها.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا نافع، بن عبد الله المدني مولى ابن عمر، ثقة فقيه فاضل ثبت كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة،\n_________\n(٥٧٣) إسناده صحيح.","vol":"3","page":94},{"text":"مات سنة سبع عشرة ومائة، عن ابن عمر، ﵄ أنه كان يقول: في الأمة أي: في حقها كانت تحت العبد فَتُعْتَق: على بناء المجهول أي: يعتقها سيدها أن لها الخيار ما لم يمسّها أي: ما دام لم يجامعها.\n* * *\n\n٥٧٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، أن زَبْرَاءَ مولاةً لبني عدي بن كعب أخبرته: أنها كانت تحت عبدٍ، وكانت أمة، فأعتقت فأرسلت إليها حفصة وقالت: إني مخبرتُكِ خبرًا، وما أحبّ أن تصنعي شيئًا إنَّ أمرك بيدكِ ما لم يمسّك، فإن مسّك فليس لك من أمرك شيء، قالت: ففارَقَتْه.\nقال محمد: إذا علمت أن لها خيارًا فأمرها بيدها، ما دامت في مجلسها ما لم تقم منه، أو تأخذ في عمل آخر أو يمسها، فإذا كان شيء من هذا بطل خيارها، فأما إن مسها ولم تعلم بالعتق، أو علمت به ولم تعلم أن لها الخيار، فإن ذلك لا يبطل خيارها، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن عروة بن الزبير، بن العوام بن خويلد الأسدي المدني يكنى أبا عبد الله المدني ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين على الصحيح. كما قاله ابن حجر، أن زَبْرَاءَ بالزاي المعجمة المفتوحة فموحدة ساكنة فراء مهملة فألف ممدودة على وزن صفراء، كما ضبطها ابن الأثير هي مولاةً معتقة لبني عدي بن كعب أخبرته: أي: عروة بن الزبير أنها كانت تحت عبدٍ، وكانت أمة، أي: يومئذ فأعتقت بصيغة المجهول أي: أعتقني سيدي فأرسلت إليها حفصة في (الموطأ) لمالك وقالت: أي: زبراء فأرسلت إلى حفصة زوج النبي - ﷺ - فدعتني وقالت:\n_________\n(٥٧٤) إسناده صحيح.","vol":"3","page":95},{"text":"إني مخبرتُكِ بضم الميم وسكون الخاء المعجمة فموحدة مكسورة فراء مفتوحة فتاء مضمومة مضافة إلى الكاف خبرًا، أي: أمرًا يتضمن خيرًا وما أحبّ أي: لا أرضى أن تصنعي شيئًا أي: حتى تتأملي في أمرك وتختاري ما يليق بقدرك إنَّ أمرك بيدكِ أي: اختيارك ما لم يمسّك، أي: ما دام لم يجامعك زوجك فإن مسّك فليس لك من أمرك شيء، أي: سقط خيارك، وفي نسخة: من الأمر قالت: أي: زبراء ففارَقَتْه أي: فاخترت نفسي وتركت زوجها، وفي (الموطأ) لمالك: فقلت هو الطلاق ثم الطلاق ثم الطلاق ففارقته ثلاثًا لأني كرهت الثبات معه.\nقال محمد: إذا علمت أي: الجارية أن لها خيارًا أي: عند عتقها فأمرها بيدها، أي: إذا أعتقت ما دامت في مجلسها ما لم تقم منه، فإنه علامة الأعراض أو تأخذ أي: ما لم تشرع في عمل آخر فإنه في معنى الإِعراض أو حكمه أو يمسها، أي: وما لم يجامعها فإذا كان أي: وقع شيء من هذا أي: مما ذكر بطل خيارها، فأما إن مسها ولم تعلم بالعتق، أو علمت به أي: بالعتق ولم تعلم أن لها الخيار، فإن ذلك أي: ما ذكر من المس وعدم العلم لا يبطل خيارها، أي: يستمر بعد علمها إلى آخر عملها وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا وللشافعي أقوال أصحها: أن لها الخيار على الفور، والثاني إلى ثلاثة أيام، والثالث ما لم تمكنه من الوطء، ولو عتقت وزوجها حر فلا خيار لها عند مالك والشافعي وأحمد.\nوقال أبو حنيفة: يثبت لها الخيار مع حريته، ومنشأ الخلاف اختلاف الروايات في حرية زوج بريرة وعدمها مما يدل على أنه حرمًا روى الجماعة إلا مسلمًا من حديث إبراهيم عن الأسود عن عائشة واللفظ للبخاري أنها قالت: يا رسول الله إني اشتريت بريرة لأعتقها وإن أهلها يشترطون ولاءها فقال: \"أعتقيها، فإنما الولاء لمن أعتق\"، قال: فإن اشتريتها فأعتقتها قال: وخيرت فاختارت نفسها وقالت: لو أعطيت كذا وكذا ما كنت معه، قال الأسود: وكان زوجها حرًا أو عبدًا أسود يقال له: مغيث كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي ودموعه تسيل على لحيته فقال النبي - ﷺ - للعباس: \"يا عباس ألا تعجب من شدة حب مغيث بريرة ومن شدة بغض بريرة\" فقال لها - ﷺ -: \"لو راجعته\" قالت: يا رسول الله أتأمرني به فقال - ﷺ -: \"إنما أنا شافع\"، قالت: لا حاجة لي منه.","vol":"3","page":96},{"text":"وأجيب بأنه كان عبدًا أسود معتوقًا جمعًا بين الحديثين، وقد أسند الطحاوي عن طاووس أنه قال: للأمة الخيار إذا أعتقت وإن كانت تحت قرشي، وعن ابن سيرين والشعبي: تخير حرًا كان زوجها أو عبدًا، وعن مجاهد: تخير وإن كانت تحت أمير المؤمنين.\nلما فرغ من بيان حكم حال الأمة تكون تحت العبد فتعتق، شرع في بيان حكم طلاق المريض، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-268>باب طلاق المريض</span>\nباب في بيان حكم حال طلاق المريض، ويسمى طلاق الفارّ بتشديد الراء فمن غالب حاله الهلاك كمريض عجز عن إقامة مصالحه خارج البيت، وكذا من بارز في الحرب أو قدم لقصاص أو رجم وأبان زوجته بغير رضاها ومات ولو بغير ذلك السبب وهي في العدة ترثه عند الجمهور، خلافًا للشافعي.\n٥٧٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا الزهري، عن طلحة بن عبد الله بن عوف، أن عبد الرحمن بن عوف طلق امرأته وهو مريض، فورّثها عثمان منه بعد ما انقضت عدتها.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا الزهري، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، عن طلحه بن عبد الله بن عوف الزهري المدني القاضي ابن أخي عبد الرحمن يلقب: طلحة المدني، ثقة مكثر، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع وتسعين ومائة، وهو ابن اثنين وسبعين سنة، كذا في (تقريب التهذيب) أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ طلق امرأته تماضر بالفوقية فميم فألف ثم ضاد معجمة فراء مهملة بنت الأصبغ الكلبية الصحابية أم ابنة أبي سلمة وهو مريض، أي: مرض الموت فورّثها بفتحتين وتشديد الراء المهملة المفتوحة وثاء مثلثة مفتوحة أي جعل امرأة\n_________\n(٥٧٥) إسناده صحيح.","vol":"3","page":97},{"text":"عبد الرحمن بن عوف وارثًا منه عثمان رضي الله تعالى عنه منه أي: من عبد الرحمن بن عوف بعد ما انقضت عدتها هذا بظاهره يوافق مذهب أبي ليلى، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبي عبيد من أنها ترثه بعد العدة ما لم تتزوج بزوج آخر، وعن مالك والليث وإن تزوجت بزوج، لكن التحقيق، أن قوله بعد ما انقضت ظرف لعدتها لا لمات وأنه غير مذكور في العبارة، ومما يدل على ذلك: أنه روى أن عبد الرحمن بن عوف لما بتَّ طلاق امرأته تماضر بنت الأصبغ بن زياد بن الحصين الكلبية في مرضه ومات عبد الرحمن وهي في العدة (ق ٦١٠) ورَّثها عثمان ﵁ بمحضر من المهاجرين والأنصار، فقال: ما اتهمته ولكن أردت السنة أي: طلاقها كذا قاله (علي القاري).\nقال الواقدي: هي أول كلبية نكحها قرشي ولم تلد له غير أبي سلمة، وروى بسند مرسل أن النبي - ﷺ - بعث عبد الرحمن إلى بني كلب وقال: إن استجابوا لك فتزوج ابنة ملكهم أو سيدهم، فلما قدم دعاهم إلى الإِسلام فاستجابوا وأقام من قام منهم على إعطاء الجزية فتزوج عبد الرحمن بن عوف تماضر بنت الأصبغ ثم قدم المدينة انتهى.\n* * *\n\n٥٧٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن الفضل، عن الأعرج، عن عثمان: أنَّه ورَّث نساء ابن مُكْمِل منه؛ كان طلق نساءه وهو مريض.\nقال محمد: يرثنه ما دُمْن في العدة، فإذا انقضت العدة قبل أن يموت فلا ميراث لهن، وكذلك ذكر هُشَيْم بن بشير عن المغيرة الضبي، عن إبراهيم النَّخَعِيّ، عن شريح: أن عمر بن الخطاب كُتِبَ إليه في رجل طلق امرأته ثلاثًا وهو مريض: أن وَرِّثها ما دامت في عدتها، فإذا انقضت العدة فلا ميراث لها، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا عبد الله بن الفضل، بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي المدني، تابعي ثقة من رجال الجميع، كان في الطبقة الرابعة من طبقات صغار التابعين، من أهل المدينة، عن الأعرج، عبد الرحمن بن\n_________\n(٥٧٦) إسناده صحيح.","vol":"3","page":98},{"text":"هرمز يكنى أبا داود المزني، مولى ربيعة بن الحارث، ثقة ثبت عالم كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، مات سنة سبع عشرة ومائة من الهجرة، كذا قاله ابن حجر عن عثمان: ابن عفان ﵁ أنَّه ورَّث بتشديد الراء جعل وارثًا نساء ابن مُكْمِل بضم الميم وسكون الكاف وكسر الميم الثانية فلام اسمه عبد بن مكمل بن عوف بن الحارث بن زهرة بن كلاب، كذا ذكره الطبري وعمر بن شيبة في الصحابة، واستدركه ابن فتحون وقال: أكثر ما يأتي في الرواية أن مكمل غير مسمى، وسماه بعضهم عبد الرحمن وهو وهم إنما عبد الرحمن ابنه وهو شيخ للزهري كما قاله العسقلاني في (الإِصابة) منه؛ أي: من ابن مكمل كان طلق نساءه وهن ثلاث كما رواه عبد الرزاق وهو أي: والحال أن ابن مكمل مريض ثم مكث بعد طلاقه سنتين فورثهن عثمان بن عفان ﵁ بعد انقضاء عدتهن كما رواه عبد الرزاق، فلم يمنعهن طلاقه عن الميراث لوقوع طلاقه في مرض موته فقضى بذلك عثمان ولم ينكر أحد عليه.\nقال محمد: يرثنه ما دُمْن في العدة، فإذا انقضت العدة أي: عدتهن قبل أن يموت أي: الرجل فلا ميراث لهن، أي: لما سبق، ولما روى عن عمر وعائشة وابن مسعود وابن عمر وأبي بن كعب ﵃ أن الفار ترث ما دامت في العدة، وعن إبراهيم: جاء عروة البارقي إلى شريح من عند عمر بخمس خصال منها ما إذا طلق المريض امرأته ثلاثة ورثته إذا مات وهي في العدة وكذلك أي: كما ذكرته لك أيها المخاطب ذكره هُشَيْم بالتصغير ابن بشير عن المغيرة الضبي، بتشديد الموحدة عن إبراهيم النَّخَعِيّ، بفتح الخاء المعجمة عن شريح: بالتصغير وهو من أجلاء التابعين وأكابر القضاة في الدين وأعيانهم المجتهدين أن عمر بن الخطاب ﵁ كُتِبَ إليه في رجل طلق امرأته ثلاثًا وهو مريض: جملة حالية من فاعل طلق أن أي: بأن أو أي وَرِّثها أمر من التوريث ما دامت في عدتها، أي: بعد موته فإذا انقضت العدة ثم مات فلا ميراث لها، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا وقال الشافعي في الجديد وأبو ثور وابن المنذر: لا ترث مطلقًا؛ لأن سبب الإِرث وهو الزوجية قد ارتفع قبل الموت فصار كما لو طلقها قبل الدخول وفي الصحة؛ ولهذا لو حلف أن لا زوجة له (ق ٦١١) لا يحنث، ولنا أن الزوجية سبب إرثها والزوج قصد إبطال حقها فيرد عليه قصده بتأخير عمله إلى انقضاء العدة لبقاء بعض الأحكام، بخلاف ما إذا ماتت هي حيث لا يرثها؛ لأنه رضي بذلك وبخلاف ما إذا طلقها","vol":"3","page":99},{"text":"بسؤالها لأنها رضيت ببطلان حقها، وأما عدم الحنث فلأن مبني الإِيمان على العرف مع إمكان نفيه على الحقيقة، ولا ينافي في بقاء بعض أحكام الزوجية في الجملة والله سبحانه أعلم. ثم العدة لامرأة الفار للبائن بعد الأجلين من عدة الوفاة، وعدة الطلاق بأن تتربص أربعة أشهر وعشرًا من وقت الموت فيها ثلاث حيض من وقت الطلاق.\nوقال أبو يوسف: تعتد بثلاثة أقراء لا بأبعد الأجلين، وهو قول مالك والشافعي، لأن العدة وجبت في حياته فتكون بالأقراء، ولنا أن فيما قلناه احتياطًا فكان أولى، وأما الرجعي فما للموت اتفاقًا؛ لأن النكاح قائم على كل وجه، وقد انقطع بالموت فيدخل في عموم قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٤٠] كذا قاله: علي القاري.\nلما فرغ من بيان حكم طلاق المريض، شرع في بيان حكم حال المرأة طلقت أو مات عنها زوجها وهي حامل، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-269>باب المرأة تطلق أو يموت عنها زوجها وهي حامل</span>\nباب في بيان حكم حال المرأة تطلق على صيغة المجهول أو يموت عنها زوجها وهي حامل أي: حبلى من المطلق أو من الميت استنبط المصنف روح هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة الطلاق: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ الآية [الطلاق: ٤] واحتج بقوله:\n٥٧٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا الزهري: أن ابن عمر سئل عن المرأة يُتوفى عنها زوجها، قال: إذا وضعت فقد حلَّت، قال رجل من الأنصار كان عنده: إن عمر بن الخطاب قال: لو وضعت ما في بطنها وهو على سريره لم يدفن بعدُ لحلَّت.\nقال محمد: وبه نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n_________\n(٥٧٧) إسناده ضعيف: لانقطاعه بين الزهري وابن عمر قال ابن معين: لم يسمع من ابن عمر شيئًا.","vol":"3","page":100},{"text":"• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا الزهري: أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، أن ابن عمر ﵄ سئل عن المرأة أي: عن حكم حال جنس امرأة يُتوفى بصيغة المجهول وقد يفتح فاءه كما في قراءة شاذة لقوله تعالى في سوره البقرة: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٠] أي: ينقضون أجلهم أي: يموتون، إنما سمي الموت بالتوفي لترتبه على تمام الأجل قدر له عنها زوجها، قال: إذا وضعت أي: حملها فقد حلَّت، أي: للزوج ولو قبل مضي أربعة أشهر وعشرا قال رجل من الأنصار كان عنده: أي: عند ابن عمر تقوية لفتياه إن عمر بن الخطاب ﵁ قال: أي: في هذا الكتاب لو وضعت ما في بطنها وهو أي: زوجها الميت على سريره أي: نعشه ومغسله لم يدفن بعدُ تأكيد لما قبله لحلَّت باللام كما في (الموطأ) لمالك.\nجواب لو أي: خرجت من العدة لقوله تعالى في سورة الطلاق: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] حيث لا فصل فيه بين الحرة والأمة ولا بين المطلقة المنسوخة والمتوفى عنها والموطوءة بشبهة ولا بين الحامل الثابت النسب وغيره، وعن علي وابن عباس ﵃: تعتد المتوفي عنها بأبعد الأجلين فتعتد بأربعة أشهر وعشرًا فيها ثلاث حيض لأن قوله تعالى: ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنِّ أَن يَضَعْنَ حَملَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] يوجب العدة بوضع الحمل وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] يوجب الأشهر فيجمع احتياطًا بينهما ودليل عامة العلماء ما روى مالك: صاحب المذهب في (الموطأ) (ق ٦١٢) \"أن عبد الله بن عباس وأبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف اختلفا في المرأة تنفس بعد وفاة زوجها بليال فقال أبو سلمة: إذا وضعت ما في بطنها فقد حلت فقال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي يعني: أبا سلمة فأرسلوا كريبًا مولى ابن عباس إلى أم سلمة زوج النبي - ﷺ - يسألها عن ذلك فجاءهم فأخبرهم أنها قالت: ولدت سبيعة الأسلمية بعد وفاة زوجها بليالي فذكرت ذلك لرسول الله - ﷺ - فقال: \"قد حللت فانكحي من شئت\" وفي (البخاري) في تفسير سورة الطلاق وأواخر سورة البقرة \"أن ابن مسعود ﵁ أنه قال: أتجعلون عليها التغليظ ولا تجعلون الرخصة فنزلت سورة النساء القصوى بعد الطول: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ","vol":"3","page":101},{"text":"أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ انتهى: رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه بلفظ: من شاء لاعنته فنزلت سورة النساء القصوى بعد أربعة أشهر وعشرا.\nقال محمد: وبه نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه الزهري عن ابن عمر وهو أي: ما قاله ابن عمر قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا والعامة يطلق على معظم الشيء وعلى جميعه، والظاهر أن الخطاب أراد بالعامة الكل كما قاله عبد الرحيم بن الحسين الأثري في (شرح الألفية من أصول الحديث).\n* * *\n\n٥٧٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع عن ابن عمر قال: إذا وضعت ما في بطنها حلَّت.\nقال محمد: وبهذا نأخذ في الطلاق والموت جميعًا، تنقضي عنها بالولادة، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا نافع بن عبد الله المدني مولى ابن عمر ثقة فقيه فاضل مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة من الهجرة عن ابن عمر ﵄ قال: إذا وضعت ما في بطنها أي: من الجنين حلَّت أي: لها أن تتزوج سواء طلقها زوجها أو توفي عنها زوجها.\nقال محمد: وبهذا نأخذ في الطلاق وهو بالاتفاق والموت جميعًا، أي: لا فرق بينهما تنقضي عنها بالولادة، أي: وحدها من غير انضمام أمر آخر إليها وهو قولُ أبي حنيفة ﵀.\nلما فرغ من بيان حكم حال المرأة طلقت أو مات عنها زوجها وهي حامل، شرع في بيان حال المولى، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-270>باب الإيلاء</span>\nباب الإِيلاء أي: في بيان حكمه هو في اللغة: اليمين، يقال: ألى يولي إيلاء\n_________\n(٥٧٨) إسناده صحيح.","vol":"3","page":102},{"text":"كأعطى يعطي إعطاء، وفي الشرع: حلف على ترك وطء المنكوحة مسلمة كانت أو كتابية، وحرة كان أو أمة، في مدة الإِيلاء، وحكمه: وقوع طلقة بائنة إن برأ والكفارة والجزاء إن حنث، وأقل مدته للحرة أربعة أشهر، وللأمة شهران، ولا حد لأكثرها، وصورة الإيلاء أن يقول المولى للمنكوحة الحرة: والله لا أقربك أربعة أشهر، وللأمة والله لا أقربك شهرين فلا إيلاء لو حلف على أقل من أقل المدتين بأن قال للحرة: والله لا أقربك شهرين أو ثلاثة أشهر، وللأمة: والله لا أقربك شهرًا.\nوقال الشافعي: مدة إيلاء الأمة أيضًا أربعة أشهر؛ لأن هذه المدة ضربت لإِظهار الظلم بمنع الحق في الجماع (ق ٦١٣) والحرة والأمة سواء، ولنا أن هذه المدة ضربت إجلال البينونة فشابهت مدة العدة في تصنيف مدة العدة فكذا في مدة الإِيلاء، والجامع فوات الحل بهما كما قاله الشمني والتمرتاشي وابن مالك في (شرح النقاية) و(تنوير الأبصار) و(مجمع البحرين)، ووجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق معنى يوجب البينونة من أن المرأة إذا طلقت أو مات زوجها عنها فولدت ما في بطنها بانت وحل لها أن تتزوج زوجًا في الحال وكذا الحكم في الإِيلاء، استنبط المصنف ﵀ هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] أي: يحلفون على ترك قربان أزواجهم أربعة أشهر فصاعدًا بالله أو بتعليق ما يشق عليهم وأيد استنباطه بقوله:\n٥٧٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا الزُّهري، عن سعيد بن المسيَّب قال: إذا آلى الرجل من امرأته ثم فاء قبل أن يمضي أربعة أشهر فهي امرأته، لم يذهب من طلاقها شيء، وإن مضت الأربعة قبلِ أن يفيء فهي تطليقة، وهو أمْلَك بالرجعة ما لم تنقض عدتها، قال: وكان مَرْوان يقضي به.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا الزُّهري، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة من وجه الأرض، عن سعيد بن المسيَّب بن حزن بن وهب بن عمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي أحد العلماء الأثبات، كان في\n_________\n(٥٧٩) إسناده صحيح.","vol":"3","page":103},{"text":"الطبقة الأولى من طبقات كبار التابعين، من أهل المدينة، اتفقوا على أن مرسلاته أصلح المراسيل، وقال المدني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه، مات بعد التسعين وبيسير وهو ابن أربع وثمانين سنة، كذا قاله ابن الجوزي وابن حجر (١) في (طبقاتهما) قال: إذا آلى أي: حلف الرجل من امرأته أي: بأن قال: والله لا أقربك أربعة أشهر إن كانت حرة، أو قال: والله لا أقربك شهرين إن كانت أمة، فالإِيلاء الذي يكون بمعنى الحلف يتعدى بعلي لكنه ضمن معنى البعد فكأنه قال: إذا بعد الرجل من امرأته شبه سعيد بن المسيب الحكم المعقول المستفاد من قول الرجل لامرأته، والله لا أقربك أربعة أشهر إلى مكان بعيد محسوس وهو استعارة تبعية ثم فاء أي: رجع عن يمينه بأن يجامع امرأته قبل أن يمضي أربعة أشهر وهي مدة الإِيلاء في الحرة وشهران في الأمة فهي امرأته، لم يذهب من طلاقها شيء، أي: لكنه حنث ووجب الكفارة في الحلف بالله وسقط الإِيلاء بانحلال اليمين بالحنث بإجماع العلماء وإن مضت الأربعة أشهر أي: في الحرة والشهران في الأمة قبل أن يفيء أي: أن يرجع عن يمينه بالوطء أو ما يقوم مقامه عند عدم القدرة عليه فهي مطلقة تطليقة، أي: بائنة عندنا، وقيل: رجعية وهو أي: زوجها أمْلَك أي: أولى وأقوى بالرجعة أي: بالرجوع إليها ما لم تنقض أي: ما دامت لم تتم عدتها، قال: أي: سعيد بن المسيب وكان مَرْوان أي: ابن الحكم يقضي به أي: يحكم بكونها رجعية.\nوقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم من التابعين: إذا مضى أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة، وقيل: إذا مضت أربعة أشهر (ق ٦١٤) يوقف فإما أن يفيء ويرجع إلى جماعها وإما أن يطلقها، وبه قال مالك والشافعي وأحمد، كذا ذكره الترمذي في (جامعه) وليحيى عن مالك أنه بلغه أن مروان بن الحكم كان يقضي في الرجل إذا آلى من امرأته أنها إذا انقضت الأربعة الأشهر فهي تطليقة، وله عليها الرجعة ما دامت في العدة.\nقال مالك: وعلى ذلك كان رأي ابن شهاب.\n* * *\n\n٥٨٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر، قال: أيُّما رجلٍ\n_________\n(١) ابن حجر في التقريب (١/ ٢٤١).\n(٥٨٠) إسناده صحيح.","vol":"3","page":104},{"text":"آلى من امرأته فإنه إذا مضت الأربعة الأشهرُ وُقِفَ حتى يطلق أو يفيء، ولا يقع عليها طلاق، وإن مضت الأربعة الأشهر حتى يوقف.\nقال محمد: بلغنا عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت: أنهم قالوا: إذا آلى الرجل من امرأته فمضت أربعة أشهر قبل أن يفيءَ فقد بانت بتطليقة بائنة، وهو خطاب من الخطَّاب، وكانوا لا يَرَوْنَ أن يُوقف بعد الأربعة، وقال ابن عباس في تفسير هذه الآية ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦، ٢٢٧]، قال: الفيء: الجماع في الأربعة الأشهر، وعزيمة الطلاق انقضاء الأربعة الأشهر، وإذا مضت بانت بتطليقة، ولا يُوقَف بعدها، وكان عبد الله بن عباس أعلم بتفسير القرآن من غيره، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا نافع، بن عبد الله المدني مولى ابن عمر ثقة فقيه، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة عن ابن عمر، ﵄ وفي نسخة: عن عبد الله بن عمر قال: أيُّما رجلٍ بفتح الهمزة وتشديد التحتية المضمومة فميم وألف محله مرفوع على أنه مبتدأ واستفهام متضمن معنى الشرط، وما زائدة تأكيد لإِبهام، ورجل مجرور لإِضافة كلمة أيما آلى صفة رجل أي: حلف من امرأته فإنه أي: الشأن إذا مضت الأربعة الأشهرُ وُقِفَ على صيغة المجهول جواب إذا، والجملة الشرطية محلها مرفوعة لأنها خبر للمبتدأ الثاني وهو فإنه والمبتدأ الثاني مع خبره خبر وجواب لأيما يعني: إذا حلف رجل أن لا يطأ امرأته أربعة أشهر وانقضت قبل أن يطأها وقف أي: أمسك حتى يطلق أي: بنفسه كما رواه الحاكم أو يفيء، أي: يرجع إلى جماعها فأو للتخيير ولا يقع عليها طلاق، وإن وصلية مضت الأربعة الأشهر ولم يجامع امرأته فيها حتى يوقف أي: يمكث إلى أن يطلقها بنفسه أو يرجع إلى جماعها، وبه قال مالك حيث قال في (موطئه) ليحيى قال مالك: وذلك الأمر عندنا انتهى.","vol":"3","page":105},{"text":"وبه أخذ الشافعي، وأحمد، وعارضه بعض الحنفية بما رواه ابن أبي شيبة (١) بسند على شرط الشيخين عن ابن عباس، وابن عمر قالا: إذا آلى رجل فلم يف حتى مضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة كما.\nقال محمد: بلغنا عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت: ﵃ أنهم قالوا: إذا آلى أي: حلف الرجل من امرأته فمضت أربعة أشهر قبل أن يفيءَ أي: قبل أن يجامع امرأته فيها إذا كانت حرة، أو مضي شهران قبل أن يجامعها فيهما إذا كانت أمة فقد بانت أي: منه كما في نسخة بتطليقة بائنة، وهو أي: الزوج خاطب من الخطَّاب، بضم فتشديد جمع خاطب أي: واحد من الطالبين نكاحها فإنه ينكحها نكاحًا جديدًا، وهو تأكيد أن المطلقة ليست برجعية وكانوا أي: المذكورون أو غيرهم من السلف لا يَرَوْنَ أي: لا يختارون أن يُوقف أي: أن يمكث المولى بعد الأربعة، الأشهر وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: في تفسير هذه الآية ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾ بالهمزة وقد تبدل بالواو ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ أي: انتظام مدتها ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ أي: رجعوا فيهن ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وفيه إيماء إلى أن الفيء أفضل ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ أي: استمروا على عدم الفيء حتى تنقضي الأربعة أشهر ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ أي: بمقالتهم ﴿عَلِيمٌ﴾ أي: بنياتهم، روى الواحدي في (أسباب نزول القرآن) بسنده عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: كان إيلاء أهل الجاهلية السنة والسنتين وأكثر من ذلك فوقت الله أربعة أشهر فمن كان إيلاؤه أقل من أربعة أشهر، وكانت امرأته حرة فليس مؤلي.\nوقال سعيد بن المسيب من التابعين: كان الإِيلاء ضرار أهل الجاهلية كان الرجل منهم لا يريد المرأة ولا يحب أن يتزوجها فيحلفان لا يقربها أبدًا وكان يتركها كذلك لا أيما ولا ذات بعل، فجعل الله الأجل الذي يعلم به ما عند الرجل من المرأة أربعة أشهر وأنزل ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ الآية، كذا قال الشيخ الإِمام العلامة عبد الله بن مسعود تاج الشريعة الشمني في (شرح النقاية) قال أي: ابن عباس ﵄ الفيء مصدر فاء الجماع في الأربعة الأشهر، وعزيمة الطلاق انقضاء الأربعة الأشهر، أي: الدالة على عدم الرغبة منها وإذا مضت أي: تلك المدة بانت بتطليقة، ولا يُوقَف أي: لا ينتظر ولا يمكث\n_________\n(١) المصنف (٤/ ١٣٠).","vol":"3","page":106},{"text":"بعدها، أي: بعد انقضائها كما لا يوقف قبلها إجماعًا وكان عبد الله بن عباس أعلم بتفسير القرآن من غيره، أي: قال - ﷺ - في حقه: \"اللهم علمه القرآن وفقه في الدين\" والمراد بتعليم القرآن: تأويله كما قاله - ﷺ -: \"اللهم علمه الحكم وتأويل الكتاب\" رواه أحمد بن حنبل في مسنده (١) وهو أي: ما قاله عمر وعثمان وابن مسعود قولُ أبي حنيفة، أي: الكل من والعامة من فقهائنا.\nلما فرغ من بيان حكم حال الإِيلاء، شرع في بيان حكم حال الرجل يطلق امرأته ثلاثًا قبل الدخول بها، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-271>باب الرجل يطلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها</span>\nباب في بيان حكم حال الرجل يطلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها، فإذا قال لها: أنت طالق ثلاثًا وهي غير مدخول بها يقعن، وهو قول عمر، وعلي، وابن عباس وأبي هريرة وبه قال جمهور العلماء.\nقال الحسن البصري، وعطاء وجابر بن زيد: تقع واحدة؛ لأنها تبين بقوله: أنت طالق إلى عدة فيصادفها قوله: ثلاثًا وهي بائن، وصار قوله: أنت طالق وطالق وطالق، ولنا أن الثلاث صفة للطلاق الذي أوقعه والموصوف لا يوجد بدون الصفة، فصار الكلام كقوله: أوقعت عليك ثلاث تطليقات.\n٥٨١ - أخبرنا مالك، أخبرنا الزُّهري، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثَوْبَان، عن محمد بن إياس بن البُكير، قال: طلَّق رجل امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها، ثم بدا له أن ينكحها، فجاءَ ليستفتي، قال: فذهَبْتُ معه، فسأل أبا هريرة وابن عباس فقالا: لا يَنْكحها حتى تنكح زوجًا غيره، فقال: إنما كان طلاقي إياها واحدة، قال ابن عباس: أرسلْت من يدك ما كان لك من فضْل.\n_________\n(١) المسند (١/ ٣٥٩).\n(٥٨١) إسناده حسن.","vol":"3","page":107},{"text":"قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا؛ لأنه طلَّقها ثلاثًا جميعًا فوقعن عليها جميعًا معًا، ولو فرّقهن وقعت الأولى خاصة، لأنها بانت بها قبل أن يتكلم بالثانية، ولا عدّة عليها، فتقع عليها الثانية والثالثة ما دامت في العدة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: قال: بنا أخبرنا الزُّهري، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة، وهو ثقة فاضل كان في الطبقة الرابعة من طبقات كبار التابعين المحدثين، من أهل المدينة عن محمد بن عبد الرحمن بن ثَوْبَان، بلفظ تثنية ثوب، العامري القرشي المدني ثقة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة عن محمد بن إياس بكسر الهمزة ابن البُكير، تصغير بكر وهو خليفة بني بكير مكي، صدوق، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل مكة، كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة من وجه الأرض قال: طلَّق رجل امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها، ثم بدا له أي: ظهر عنده أن ينكحها، أي: يتزوجها زعمًا منه أنه وقع واحدة بائنة فجاءَ أي: إلى المدينة ليستفتي، أي: يطلب بالفتوى من بعض الصحابة قال: أي: محمد بن إياس فسأل أبا هريرة وابن عباس فقالا: لا يَنْكحها بصيغة الغيبة والخطاب أي: لا تتزوجها حتى تنكح زوجًا غيره، أو غير زوجها الأول ويطأها ويطلقها، أو يموت عنها وتخرج من عدة الثاني فقال: أي: الرجل المستفتي إنما كان طلاقي أي: قصدي في تطليقي إياها أي: بهذا اللفظ واحدة، أي: لا زائدة قال ابن عباس: أرسلْت من يدك أي: اختيارك ما كان لك من فضْل أي: زيادة طلاق اقتصرت على واحدة أو اثنتين، وأما حيث أرسلت الثلاثة جملة واحدة، فما بقي لك من أمرك شيء في يدك.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله: محمد بن إياس وهو أي: ما قاله محمد بن إياس قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، قال عبد الرحيم بن الحسين الأثري في (شرح الألفية من أصول علم الحديث): وعامة الشيء يطلق بإزاء معظم الشيء وبإزاء جميعه، والظاهر أن الخطابي أراد الكل ولو أراد الأكثر لا فرق بين العلماء والفقهاء لأنه طلَّقها ثلاثًا جميعًا أي: مجموعًا لا متفرقًا بعطف أو غيره فوقعن أي الثلاث عليها جميعًا معًا، أي: مرة واحدة ولو فرّقهن أي: بالعطف بأن قال: أنت طالق وطالق وطالق بالتكرير من غير عطف نحو: أنت طالق طالق طالق وقعت الأولى خاصة، أي: وحدها","vol":"3","page":108},{"text":"لأنها بانت بها أي: كلمته الأولى وهي: أنت طالق قبل أن يتكلم بالثانية، ولا عدّة عليها، أي: بقوله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩].\nوالحاصل: أنه لو كان عليها العدة وقال ما قال متفرقًا فتقع عليها الثانية والثالثة ما دامت في العدة وقال مالك والشافعي في القديم والأوزاعي والليث بن سعد: تطلق ثلاثًا ولا تبين بالأول، ولو طلقها مفرقًا.\nوقال أحمد: إن ذكر بالواو تطلق ثلاثًا ولا تبين بالأول؛ لأن المذكور بحرف الجمع كالمذكور بلفظ الجمع، ولهم أن المجلس واحد وهو يجمع المتفرقات فتقع الثلاث، ولنا أن الواو لمطلق العطف، وليس آخر الكلام ما يصير أوله من شرط واستثناء فيقع كل واحد إيقاعًا على حدة فتبين بالأول ولم يبعد محله للثاني؛ لأنها غير معتدة، كما قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان حكم حال الرجل يطلق امرأته قبل الدخول بها، شرع في بيان حكم حال المرأة يطلقها زوجها فتتزوج رجلًا فيطلقها قبل أن يدخل الدخول، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-272>باب المرأة يطلقها زوجها فتتزوج رجلًا فيطلقها قبل الدخول</span>\nباب في بيان حكم حال المرأة يطلقها زوجها فتتزوج رجلًا فيطلقها أي: ثم يطلقها زوجها الثاني قبل الدخول أي: قبل أن يطأها ولو بغير إنزال أو في حيض أو صوم أو إحرام ويكون بالغًا أو مراهقًا بالنكاح الصحيح.\nوقال الشافعي في القديم الوطء بالنكاح الفاسد يحل.\nوقال مالك وأحمد في رواية: الوطء في الحيض والإِحرام لا يحل كالنكاح الفاسد.\nوقال سعيد بن المسيب: لا يشترط الوطء واستغرب هذا منه حتى قيل: لم يبلغه الحديث، والأظهر أنه حمل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] على مجرد العقد وجعل الحديث من قبيل الأمر (ق ٦١٧) بما هو الأفضل فتأمل.","vol":"3","page":109},{"text":"٥٨٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا المِسْور بن رفاعة القُرظي، عن الزّبير بن عبد الرحمن بن الزّبير: أن رفاعة بن سمْوَالٍ طلَّق امرأته تميمة بنت وهب في عهد رسول الله - ﷺ - فنكحها عبد الرحمن بن الزبير، فأعرض عنها فلم يستطع أن يمسّها، ففارقها ولم يمسها، فأراد رفاعة أن ينكحها، وهو زوجها الأول الذي طلَّقها، فَذُكِرَ ذلك لرسول الله - ﷺ - فنهاه عن تزويجها، وقال: \"لا تَحِلُ لك حتى تذوق العُسَيْلة\".\nقال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة؛ لأن الثاني لم يجامعها، فلا يحلّ لها أن ترجع إلى الأول حتى يجامعها الثاني.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا المِسْور بكسر الجيم، وسكون السين المهملة وفتح الواو فراء مهملة ابن رفاعة بكسر الراء المهملة القُرظي، بضم القاف، وفتح الراء المهملة فظاء معجمة مكسورة نسبة إلى بني قريظة كان مقبولًا، وكان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، مات سنة ثمان وثمانين ومائة عن الزّبير بن عبد الرحمن بن الزّبير: كلاهما بفتح، وروى عن ابن بكير أن الأول مضموم والثاني مفتوح كان قرظيًا مدنيًا مقبولًا وكان في الطبقة السادسة كذا في (تقريب التهذيب) (١) أن رفاعة بن شمْولٍ بفتح الشين المعجمة وكسرها وسكون الميم وفتح الواو فلام طلَّق امرأته تميمة بفتح المثناة، وقيل بضمها قيل: اسمها أميمة، وقيل: سمية كذا ذكره السيوطي، والظاهر أنها بفتح وكسر أو بضم ففتح بنت وهب في عهد رسول الله - ﷺ -، ثلاثًا.\nقال ابن عبد البر: كذا أكثر الرواة مرسل، ووصله ابن وهب عن مالك، فقال عن أبيه، وابن وهب من أجل من روى عن مالك في هذا الشأن وأثبتهم فيه، وتابعهم أيضًا ابن القاسم وعلي بن زياد وإبراهيم بن طهمان وعبيد الله بن عبد المجيد الحنفي كلهم عن مالك وقالوا فيه: عن أبيه وهو صاحب القصة. ذكره السيوطي فنكحها عبد الرحمن بن الزبير،\n_________\n(٥٨٢) إسناده ضعيف: فيه المسور بن رفاعة قال الحافظ: مقبول وفيه أيضًا الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير مقبول أيضًا كما قال الحافظ في التقريب.\n(١) التقريب (١/ ٢١٤).","vol":"3","page":110},{"text":"قال النووي: هو ابن باطيا ويقال: باطيا، وكان عبد الرحمن صحابيًا، والزبير كان يهوديًا في غزوة بني قريظة قال: وما ذكرنا من أنه ابن باطيا القرظي هو الذي ذكره ابن عبد البر والمحققون، وقال ابن منده وأبو نعيم: إنما هو عبد الرحمن بن الزبير بن أمية الأوسي والصواب الأول، كما ذكره السيوطي فأعرض عنها أي: لم يتمكن منها فلم يستطع أن يمسّها، أي: يجامعها إما لعنة أو سحر أو لعلة أخرى ففارقها أي: طلقها وأراد أن يفارقها ولم يمسها، أي: والحال أنه ما جامعها فأراد رفاعة أن ينكحها، أي: يتزوجها وهو أي: رفاعة زوجها الأول الذي طلَّقها، أي: ظنًا منه أن مجرد النكاح كافٍ في التحلل لا سيما مع تحقق التعلل فَذُكِرَ أي: هو وغيره فيكون بصيغة المجهول ذلك أي: ما جرى من المذكور لرسول الله - ﷺ - فنهاه عن تزويجها، أي: لنفسه والمعنى عن تزوجها حينئذ وقال: \"لا تَحِلُ لك حتى تذوق أي: هي العُسَيْلة\" تصغير العسل، وهي كناية عن الجماع شبه لذته بلذة العسل، وأنث العسل؛ لأن فيه لغتين التذكير والتأنيث، كذا ذكره النووي.\nوحاصل المقام: إن الإِنزال ليس بشرط في تلك الأحوال.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه رفاعة عن رسول الله - ﷺ - وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة، من فقهائنا لأن الثاني أي: زوجها الثاني لم يجامعها، أي: حق الجماع وكان وقع منه الملامسة فلا يحلّ لها أن ترجع إلى الأول أى: بنكاح جديد حتى يجامعها الثاني أي: ويطلقها أو يموت عنها أي: وتخرج عن عدته، وقد روى أصحاب الكتب الستة من حديث عائشة ﵂ أنها قالت: سئل رسول الله - ﷺ - عن رجل طلق امرأته، فتزوجت زوجًا غيره فدخل بها، ثم طلقها قبل أن يواقعها أتحل لزوجها الأول؟ قال: \"لا حتى يذوق الآخر من عسيلتها (ق ٦١٨) ما ذاق الأول\"، وفي رواية: \"مثل ما ذاق الأول\"، وروى أحمد في (مسنده) عن مروان عن أبي عبد الملك المكي عن عبد الله بن أبي مليكة عن عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - قال: \"العسيلة الجماع\" ورواه الدارقطني في (سننه) لكن المكي مجهول. والله أعلم.\nلما فرغ من بيان حكم حال المرأة يطلقها زوجها فتتزوج آخر فيطلقها قبل الدخول بها، شرع في بيان حكم حال المرأة تسافر قبل انقضاء عدتها، فقال: هذا\n* * *","vol":"3","page":111},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-273>باب المرأة تسافر قبل انقضاء عدتها</span>\nباب في بيان حكم حال المرأة تسافر، فالسفر المفهوم من قوله: تسافر في اللغة: قطع المسافة، وفي الشرع: مسيرة ثلاثة أيام من أقصر أيام السنة بسير وسط نهارًا مع الاستراحات كذا قاله الحسن بن عمار بن يوسف الشرنبلالي في (نور الإِيضاح) قبل انقضاء عدتها أي: سواء طلقها زوجها أو مات عنها زوجها.\n٥٨٣ - أخبرنا مالك، حدثنا حُميد بن قيس الأعرج المكي، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيَّب، أن عمر بن الخطاب كان يردّ المتوفى عنهن أزواجهن من البيداء يمنعهن الحج.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، لا ينبغي لامرأة أن تسافر في عدتها حتى تنقضي عدتها؛ من طلاق كانت أو موت.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا حدثنا حُميد بالتصغير ابن قيس الأعرج المكي، يكنى أبا صفوان القاري ليس به بأس، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل مكة، مات سنة ثلاثين ومائة، وقيل: بعدها عن عمرو بن شعيب، بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص صدوق، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، مات سنة ثمان عشرة ومائة، عن سعيد بن المسيَّب، بن حزن بن وهب بن عمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي كان أحد العلماء الأثبات من كبار الفقهاء، وكان في الطبقة الأولى من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يردّ المتوفى عنهن أزواجهن من البيداء وهو أول الصحراء بذي الحليفة يمنعهن الحج أو من شروط وجوب الحج خلو المرأة عن العدة سواء كان معها محرم في سفرها أم لا، أما إذا طلقها أو مات عنها في السفر بينها وبين مصرها دون ثلاثة أيام رجعت إلى مصرها؛ لأنه ليس بابتداء الخروج بل هو بناء، وإن كان مدة السفر من كل جانب خيرت بين المضي والرجوع سواء كان معها ولي أو لا، وندبا الرجوع ليكون الاعتداد في منزل الزوج كذا في (الدر).\n_________\n(٥٨٣) إسناده حسن.","vol":"3","page":112},{"text":"قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله عمر وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، لا ينبغي أي: لا يحل لامرأة أن تسافر في عدتها حتى تنقضي أي: تنتهي عدتها؛ من طلاق كانت أي: تلك العدة أو موت انتهى.\nلما فرغ من بيان حكم حال المرأة تسافر قبل انقضاء عدتها، شرع في بيان حكم حال المرأة تسافر قبل انقضاء عدتها شرع في بيان حكم المتعة، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-274>باب المتعة</span>\nباب في بيان حكم المتعة بضم الميم، وسكون المثناة وفتح العين المهملة فهاء اسم الفائدة مطلقًا، كذا قاله محمد الواني في (شرح الجوهري) ولكن هنا متعة النكاح وصورة نكاح المتعة أن يقول: بحضرة الشهود متعني نفسك كذا وكذا ويذكر مدة من الزمان، وقدرًا من المال، وذلك لا يصح لما روى مسلم من حديث إياس بن سلمة بن الأكوع قال: رخص رسول الله - ﷺ - عام أوطاس في المتعة ثلاثًا ثم نهى عنها.\nقال البيهقي: وعام أوطاس وعام الفتح واحد؛ لأنه بعد الفتح بيسير وفي كتاب (الناسخ والمنسوخ) للحازمي: قد كانت المتعة مباحة في صدر الإِسلام (ق ٦١٩) وإنما أباحها النبي - ﷺ - للسبب الذي ذكره ابن مسعود كما في (الصحيحين) عن قيس بن حازم قال: سمعت عبد الله بن مسعود ﵁ يقول: \"كنا نغزوا مع رسول الله - ﷺ - ليس لنا نساء فقلنا: ألا تستخص فنهانا عن ذلك ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل ثم قرأ عبد الله بن مسعود ﵁ قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧] \" أي: عن المتجاوزين من الحلال إلى الحرام، وللسبب الذي ذكره ابن عباس ﵄ كما روى الترمذي (١) عن ابن عباس ﵄ قال: إنما كانت المتعة في أول الإِسلام كان الرجل يقدم البكرة ليس له بها معرفة فيتزوج المرأة بقدر ما يرى أنه يقيم فتحفظ له متاعه وتصلح له سببه حتى إذا أنزلت الآية ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾\n_________\n(١) الترمذي (١١٢٢).","vol":"3","page":113},{"text":"[المؤمنون: ٦] قال ابن عباس: كل فرج سواها حرام كما قاله الشمني في (شرح النقاية).\n٥٨٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا الزهري، عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي، عن أبيهما، عن جدّهما عليّ ﵁: أنه قال لابن عباس: نهى رسول الله - ﷺ - عن مُتْعة النساء يومَ خَيْبَر، وعن أكل لحوم الحُمُر الإِنسيّة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: قال: بنا أخبرنا الزهري أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب ثقة فاضل، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين المحدثين، من أهل المدينة عن عبد الله بن محمد الباقر بن علي بن أبي طالب الهاشمي ابن الحنفية ثقة، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، مات سنة تسع وتسعين بالشام والحسن عطف على عبد الله إشارة لتحويل السند لتقوي الحكم وهو ابن محمد الباقر أيضًا يكنى أبا محمد المدني وأبا محمد بن الحنفية ثقة فقيه يقال: إنه كان أول من تكلم في الإِرجاء، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة مائة أو قبلها بسنة كذا في (تقريب التهذيب) يعني بهما ابني محمد بن علي، أي: ابن الحسين بن علي بن أبي طالب عن أبيهما، أي: محمد الباقر عن علي بن أبي طالب ﵁ عن جدّهما عليّ ﵁: أنه قال لابن عباس ﵄: نهى رسول الله - ﷺ - عن مُتْعة النساء يومَ خَيْبَر، قال النووي في (شرح صحيح مسلم): أن المتعة أبيحت مرتين وحرمت مرتين، فكانت حلالًا قبل خيبر ثم حرمت يوم خيبر، ثم أبيحت يوم الفتح وهو يوم أوطاس لاتصالهما، ثم حرمت يومئذ بعد ثلاثة أيام تحريمًا مؤبدًا إلى يوم القيامة وعن أكل لحوم الحُمُر بفتحتين جمع الحمار الإِنسيّة بفتحتين وبكسر فسكون احتراز من الوحشية.\nقال النووي: ضبطوه بوجهين كسر الهمزة وسكون وفتحها ورجحها عياض، وقال: إنه رواية الأكثرين، كذا ذكره السيوطي، وقيل: ثلاثة أشياء نسخت مرتين: المتعة، ولحوم الحمر، والتوجه إلى القبلة.\nقال الحازمي: ولم يبلغنا أن النبي أباحها لهم، وهم في بيوتهم وأوطانهم وكذلك\n_________\n(٥٨٤) صحيح: أخرجه البخاري (٣٩٧٩) ومسلم (١٤٠٦) والترمذي (١١٢١) والنسائي (٧/ ٢٠٣) وابن ماجه (١٩٦١) وأحمد (٣/ ٤٠٤) وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٣٦٣) وابن عدي في الكامل (٦/ ٢٢٠٢) والخطيب في تاريخه (٦/ ١٠٢) (٨/ ٤٦١) والعقيلي في الضعفاء (٢/ ٣٥٢).","vol":"3","page":114},{"text":"نهاهم عنها غير مرة وأباحها لهم في أوقات مختلفة بحسب الضرورة حتى حرمها عليهم في آخر سنة وذلك في حجة الوداع، فكان تحريم تأبيد لا خلاف فيه بين الأئمة وفقهاء الأمصار إلا طائفة من الشيعة، ويحكى عن ابن جريج وما يحكى عن ابن عباس فيها، فإنه كان يتأول إباحتها للمضطر (ق ٦٢٠) إليها لطول الغربة وقلة اليسار والجدة ثم توقف وأمسك عن الفتوى.\n* * *\n\n٥٨٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا الزهري، عن عروة بن الزبير، أن خَوْلة بنت حكيم دخلت على عمر بن الخطاب فقالت: إن ربيعة بن أميَّة استمتع بامرأةٍ مولَّدةٍ فحملت منه، فخرج عمر فَزِعًا يجرّ رداءَه، فقال: هذه المتعة، لو تقدمتُ فيها لرجَمْت.\nقال محمد: المتعة مكروهة، ولا ينبغي، وقد نَهى عنها رسول الله - ﷺ - فيما جاء في غير حديث، ولا اثنين، وقول عمر: لو كنت تقدمتُ فيها لرجمْتُ، إنما نضَعُه من عمر على التهديد، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا الزهري، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب ثقة، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين المحدثين من أهل المدينة عن عروة بن الزبير، بن العوام بن خويلد الأسدي المدني أبا عبد الله المدني ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين المحدثين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين على الصحيح كذا في (تقريب التهذيب) (١) أن خَوْلة بنت حكيم وهي امرأة عثمان بن مظعون أخي رسول الله - ﷺ - رضاعًا، وكانت امرأة صالحة فاضلة، روى عنها جماعة، ذكرها صاحب (المشكاة) في الصحابيات دخلت على عمر بن الخطاب ﵁ فقالت: إن ربيعة بن أمية استمتع بامرأةٍ مولَّدةٍ أي: أخذها بالمتعة وجامعها فحملت\n_________\n(٥٨٥) إسناده صحيح.\n(١) التقريب (١/ ٣٨٩).","vol":"3","page":115},{"text":"منه، فخرج عمر فَزِعًا بكسر الزاي أي: مرعوبًا يجرّ رداءَه، أي: ورداءه من شدة غضبه فقال: أي: عمر هذه المتعة، أي: المحرمة المنسوخة لو تقدمتُ فيها لرجَمْت الخطاب لربيعة، والمعنى إنك سومحت في العقوبة لجهلك بنسخ المتعة، ولكون الحدود تدرأ بالشبهة.\nقال محمد: المتعة مكروهة، أي: محرمة؛ لأن ما ذكره فهو حرام عند محمد ولا ينبغي، أي: فلا تحل وقد نَهى عنها رسول الله - ﷺ - أي: نهي تحريم فيما جاء أي: في حديث ورد عنه - ﷺ - في غير حديث، أي: واحد ولا اثنين، والمعنى في أحاديث كثيرة قاربت أن تكون متواترة وقول عمر: لو كنت تقدمتُ فيها لرجمْتُ، بصيغة المجهول إنما نضَعُه أي: نجعله من عمر على التهديد، أي: لوقوع الخلاف في المسألة في الجملة إذ قال بحلتها طائفة من الشيعة، ويحكى عن ابن جريج وابن عباس، ونظيرهما النكاح الفاسد وإن كان يسمى المتعة نكاحًا باطلًا بخلاف النكاح المؤقت فإنه فاسد عند الجمهور، وقال زفر: النكاح صحيح والشرط باطل وهو أي: ما قاله عمر قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، وعليه فقهاء الأمصار وعلماء الأعصار كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان حكم المتعة، شرع في بيان حكم حال الرجل تكون عنده امرأتان فيؤثر إحديهما على الأخرى، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-275>باب الرجل يكون عنده امرأتان فيؤثر إحداهما على الأخرى</span>\nباب في بيان حكم حال الرجل تكون أي: توجد عنده امرأتان فيؤثر أي: يختار إحديهما على الأخرى، استنبط المصنف هذه الترجمة في معنى قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ الآية [النساء: ١٢٨] وفي تفسير البغوي: إن هذه الآية نزلت في عمرة ويقال: خولة بنت محمد بن مسلمة وفي زوجها سعد بن الربيع ويقال: رافع بن خديج.\n٥٨٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن رافع بن خَدِيج: أنه تزوج ابنة محمد بن مَسْلَمة فكانت تحته، فتزوج عليها امرأة شابّة فآثر الشابة عليها،","vol":"3","page":116},{"text":"فناشدْته الطلاق فطلقها واحدة، ثم أمهلها، حتى إذا كادت تحلّ ارتجعها، ثم عاد فآثر الشابة عليها، فناشدته الطلاق فطلقها واحدة، ثم أمهلها، حتى إذا كادت أن تحلَّ ارتجعها، ثم عاد فآثر الشابة عليها فناشدته الطلاق، فقال: ما شئتِ، إنما بقيت واحدة، فإن شئت استقررت على ما ترين من الأثَرة، وإن شئت طلقتك، قالت: بل أستقرّ على الأثَرة، فأمسكها على ذلك، ولم ير رافعٌ أن عليه في ذلك إثمًا حين رضيتْ أن تستقر على الأثرة.\nقال محمد: لا بأس بذلك إذا رضيت به الرأة، ولها أن ترجع عنه إذا بدا لها، وهو قول أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، أي: ابن أنس بن مالك بن عمير بن أبي عامر الإمام صاحب المذهب من بني ذي أصبح ملك من ملوك اليمن، كان في الطبقة السابعة من كبار أتباع التابعين من أهل المدينة أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين المحدثين من أهل المدينة عن رافع بن خَدِيج: ﵁ ابن رافع بن عدي الحارثي الأوسي الأنصاري أول مشاهده أحد ثم الخندق، مات سنة ثلاث أو أربع وسبعين، وقيل: قبلها وقد أصابه سهم يوم أحد فقال له رسول الله - ﷺ -: \"أنا شهيد لك (ق ٦٢١) يوم القيامة\" وانقضت جراحته زمن عبد الملك بن مروان فمات في المدينة سنة ثلاث وسبعين وهو ابن ستة وثمانين سنة.\nأنه تزوج ابنة محمد بن مَسْلَمة بفتح الميم وسكون السين المهملة وفتح اللام والميم الثانية المفتوحة فهاء الأنصاري الصحابي فكانت أي: ابنة محمد تحته، أي: في نكاح رافع بن خديج وفي (الموطأ) لمالك: حتى كبرت أي: أسنت فتزوج عليها امرأة شابّة أي: فتاة كما في (الموطأ) لمالك فآثر أي: اختار الشابة عليها، أي: في الاستمتاع بها إلا في القسم والمبيت عندها قال ابن عبد البر: يريد بالإِيثار ميل نفسه إليها والنشاط لها، لا أنه آثرها عليها في مطعم وملبس ومبيت؛ لأن هذا لا ينبغي أن يظن بمثل رافع بن خديج فناشدته الطلاق أي: طلبت منه الطلاق بالمبالغة واليمين المؤكدة أن يطلقها فطلقها واحدة، أي: برأي نفسها وتبريد الحرارة خلفها ثم أي: بعد الطلاق الواحدة أمهلها، أي: أنظرها وجعلها متأخرة؛ لأن الإِمهال والتأخير خير من التعجيل قال رسول الله - ﷺ -: \"التأدة -","vol":"3","page":117},{"text":"أي: التأني - في كل شيء خير، إلا في عمل الآخرة\" رواه أبو داود سليمان بن أشعث السجستاني عن سعد بن أبي وقاص ﵁ حتى إذا كادت أي: قاربت أن تحلّ أي: أن تخرج من عدتها ارتجعها، أي: راجعها ثم عاد أي: على حاله فآثر الشابة أي: اختارها فناشدته أي: حلفته على الطلاق، أي: ثانيًا فطلقها واحدة أي: ثانيًا ثم أمهلها أي: أنظرها حتى إذا كادت أن تحل أي: تنقضي عدتها ارتجعها أي: راجعها لا يقال: هذا مضارة، فإنه لم يقصد به إلا إصلاح حالها وتسكين بالها بالتدرج من مطاوعة مقالها كما يدل عليه ما سيأتي ثم عاد أي: حاله فأثر الشابة فناشدته الطلاق أي: ثالثًا فقال أي: لها ما شئتِ، أي: أي شيء أردت؛ فإنك مخيرة إنما بقيت واحدة، أي: من عدد الطلاق الثلاث فإن شئت أي: الإِقامة عندنا استقررت أي: ثبت على ما ترين من الأثَرة، بفتح الهمزة والتاء المثلثة وبالكسر والسكون هما الاسم من أثر يؤثر إيثارًا أي: اختاره اختيارًا وإن شئت أي: المفارقة الكلية عنا طلقتك، قالت: بل أستقرّ على الأثَرة، أي: لا تطلقني وأنا أستمر على اختياري بك فأمسكها على ذلك، أي: على اختيارها وهو استمرارها تحت نكاحه ولم ير رافعٌ أي: ابن خديج أن عليه بفتح الهمزة والنون المخففة من الثقيلة والجار والمجرور وخبرها المقدم في ذلك أي: إمساكها أن إثمًا المؤخر حين رضيت أن تستقر على الأثْرة وذلك لما روي أن سودة أم المؤمنين ﵂ كانت امرأة كبيرة وأراد النبي - ﷺ - أن يفارقها، فقالت: لا تفارقني وإنما أحب أن أبعث في نسائك، وقد جعلت نوبتي لعائشة فأمسكها رسول الله - ﷺ - وكان يقسم لعائشة يومها ويوم سودة.\nقال محمد: لا بأس أي: لا جناح بذلك القسم بذلك إذا رضيت به المرأة، ولها أن ترجع عنه أي: عما رضي إلى مطالبة حقها إذا بدا لها، أي: ظهر لها رأي آخر وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\nلما فرغ من بيان حكم حال الرجل تكون عنده امرأتان فيختار إحديهما على الأخرى، شرع في بيان أحكام اللعان، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-276>باب اللعان</span>\nباب في بيان أحكام اللعان، وهو مصدر يلاعنه ملاعنة ولعانًا يقال: لاعن امرأته","vol":"3","page":118},{"text":"ملاعنة ولعانًا وهو في اللغة: بمعنى الطرد (ق ٦٢٢) والبعد، وفي الشرع: ما يجري بين الزوجين من الشهادات الأربع المقرونة باللعن من الرجل وبالغضب من المرأة، وصفة اللعان أن يبدأ بالزوج فيقول أربع مرات: أشهد بالله أني صادق فيما رميتها به، وفي الخامسة لعنة الله عليها إن كان كاذبًا فيما رميها به من الزنا، يشير إليها في جميع ذلك، ثم تقول هي أربع مرات: أشهد بالله أنه كاذب فيما رماني به من الزنا، وتقول الزوجة في الخامسة: غضب الله عليه إن كان صادقًا فيما رماني به من الزنا تشير إليه وفي جميع ذلك.\nوسبب اللعان: قذف الرجل امرأته العفيفة والبريئة عن الزنا بأن قال لها: يا زانية، أو رأيتك تزنين، أو أنت زانية وهو قائم مقام حد القذف في حق الزوج ومقام حد الزنا في حق الزوجة، يعني: أنهما إذا تلاعنا سقط عنهما حد القذف وحد الزنا.\nوشرط اللعان: قيام الزوجة وكون النكاح صحيحًا فلا لعان بقذف المبانة والميتة، وأهل اللعان من هو أهل للشهادة فلا لعان بين الزوج المسلم وبين الزوجة الكافرة ولا بين مملوكين ولا إذا كان أحدهما صبيًا، أو مجنونًا أو محدودًا بقذف، وحكم اللعان حرمة الوطء والاستمتاع بعد التلاعن، وقبل تفريق القاضي بينهما عن مالك والشافعي وزفر من أصحاب أبي حنيفة خلافًا لأبي حنيفة، فإن عنده يلزم بتفريق القاضي بأن يقول: فرقت بينكما، وكذا روي عن أبي يوسف، فلو مات أحدهما قبل التفريق ورثه الآخر، كما قاله التمرتاشي والشمني في شرح (تنوير الأبصار والنقاية)، واستنبط المصنف هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة النور: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور: ٧].\n٥٨٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر: أن رجلًا لاعَنَ امرأته في زمان رسول الله - ﷺ -، فانتفى من ولدها، ففرَّق رسول الله - ﷺ - بينهما، وألحق الولد بالمرأة.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، إذا نَفَى الرجل ولدَ امرأته ولَاعَنَ فُرِّق بينهما، ولزم الولد أمَّه، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة محمد قال: بنا أخبرنا نافع، بن عبد الله المدني مولى ابن\n_________\n(٥٨٧) حديث صحيح، أخرجه مسلم (١٤٩٤) وأبو داود (٢/ ٢٧٨) وابن ماجه (١/ ٦٦٩).","vol":"3","page":119},{"text":"عمر ثقة فقيه ثبت مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين المحدثين من أهل المدينة عن ابن عمر: ﵄ أن رجلًا هو عويمر العجلاني لاعَنَ امرأته أي: زوجته خولة بنت قيس العجلانية في زمان رسول الله - ﷺ -، فانتفى بالفاء وهمزة الوصل وسكون النون وفتح الفاء فألف مقصورة فعل لازم على وزن اكتفى أي تبوء من ولدها، قال الطيبي: الفاء سببية فالمعلانة كانت سببا لانتفاء الرجل من ولد المرأة والحاقد بها ففرَّق بتشديد الراء رسول الله - ﷺ - بينهما، أي: بين الزوجين المتلاعنين ففيه دليل على أن التفرقة بينهما لا تكون إلا بتفريق القاضي.\nوقال زفر أيضًا: تقع الفرقة بنفس تلاعنها، وهو المشهور من مذهب مالك، والمروي عن أحمد، لما روى الدارقطني في سننه بإسناد جيد من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: \"المتلاعنان لا يجتمعان\" وروى أيضًا عن علي وابن مسعود وابن عباس موقوفًا.\nوقال الشافعي: تقع الفرقة بلعان الرجل وحده وألحق الولد والمرأة أي: بأمه فترث منه ما فرض الله لها ونفاه عن الرجل فلا توارث بينهما.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه ابن عمر عن النبي - ﷺ - إذا نَفَى الرجل ولدَ امرأته ولَاعَنَ أي: معها فُرِّق بينهما، ولزم الولد أمَّه، أي: فانتفى نسبه من أبيه وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\nلما فرغ من بيان أحكام اللعان، شرع في بيان أحكام المتعة، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-277>باب متعة الطلاق</span>\nباب في بيان أحكام متعة الطلاق، وهو بضم الميم وسكون التاء المثناة وفتح العين المهملة فهاء اسم لشيء يستفاد به ومنه متعة النكاح، ومتعة الطلاق، ومتعة الحج، ولكن هذا اسم لا يعطي للمرأة المطلقة غير المدخول بها بأن تمتع به جبرًا لها، فإضافة المتعة إلى الطلاق من قبيل إضافة المسبب إلى السبب استنبط المصنف هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ أولها ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ","vol":"3","page":120},{"text":"مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦].\n٥٨٨ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن ابن عمر، قال: لكل مطلقة مُتعة إلا التي تطلق وقد فرض لها صداق فلم تُمَسّ، فحسبُها نصفُ ما فُرِضَ لها.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، وليست المتعة التي يُجبر عليها صاحبها إلا متعة واحدة؛ هي متعة التي يطلق امرأته قبل أن يدخل بها ولم يَفرض لها، فهذه لها المتعة واجبة، يؤخذ بها في القضاء، وأدنى المتعة لباسها في بيتها: الدرع والملحَفة والخمار، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا حدثنا نافع، بن عبد الله المدني مولى ابن عمر، ثقة فقيه ثبت مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين المحدثين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة عن ابن عمر، قال: لكل مطلقة مُتعة إضافة الكل إلى مطلقة للإِحاطة بأفراد المطلقات، يعني يجب على الأزواج أن يعطوا المتعة لجميع الزوجات المطلقات سواء كن طلقن قبل الدخول بهن أزواجهن ولم يسم لهن مهر، أو بعد الدخول بهن أزواجهن ولم يسم لهن مهر، أو قبل الدخول بهن أزواجهن ويسمي لهن مهر أو بعد الدخول بهن أزواجهن ويسمي لهن مهر، لكن يجب على الزوج أن يعطي لآخر منهن المتعة عند أبي حنيفة لإِزالة الحقد عن قلبهن، والمراد بالمتعة الدرع والملحفة والخمار إلا التي استثناء من قوله: متعة، أي: لكن امرأة تطلق وقد فرض بصيغة المجهول أي: يسمى لها صداق بفتح الصاد المهملة والدال المهملة فألف وقاف أي: مهر فلم تُمَسّ، بصيغة المجهول أي: لم تجامع ولم توجد مع زوجها في خلوة صحيحة فحسبُها أي: فيكفيها نصفُ ما فُرِضَ أي: سمى لها من المهر لأنه لم يحصل لها كسر، وبضعها باق.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه نافع عن عمر وليست المتعة التي يُجبر على صيغة المجهول عليها أي: يحكم على إعطائها صاحبها أي: زوجها أو صاحب المتعة إلا متعة واحدة؛ هي متعة التي يطلق امرأته قبل أن يدخل بها ولم يَفرض لها، أي:\n_________\n(٥٨٨) إسناده صحيح.","vol":"3","page":121},{"text":"لم يسم لها صداق أي: مهر فهذه أي: المرأة التي طلقت قبل أن يدخل بها زوجها يؤخذ بها أي: المتعة في القضاء، أي: بالحكم في الدنيا.\nوالحاصل أن المتعة لا تجب عندنا إلا لهذه، ويستحب لسائر المطلقات إلا المطلقة التي لم يطأها وقد يسمى لها مهر فإنه لم يستحب المتعة لها إلا نصف المهر المسمى وأدنى المتعة لباسها أي: ما تلبسه في بيتها: الدرع وهو ما يستر البدن كالقميص والملحَفة بكسر فسكون ففتح ما احتاجت إليه للصلاة كالإِزار والخِمار، بكسر الخاء المعجمة ما يستر الرأس وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا وذهب الحسن وسعيد بن جبير إلى أن لكل مطلقة متعة سواء كان قبل الفرض والمسيس، أو بعد الفرض وقبل المسيس، ومتعة الحسن بن علي امرأة له بعشر آلاف درهم فقال: متاع قليل من حبيب مفارق أي: من خليل جليل (ق ٦٤٢) كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان متعة الطلاق، شرع في بيان ما يكره للمرأة المعتدة من الزينة، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-278>باب ما يكره للمرأة من الزينة في العدة</span>\nباب في بيان حكم ما يكره للمرأة من الزينة في العدة كالكحل والمزعفر والمعصفر والدهن والحناء والطيب لكن الكحل ليس مكروهًا بالعذر.\n٥٨٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن صفيّة بنت أبي عُبيد اشتكت عَيْنُها وهي حادّ على عبد الله بعد وفاته، فلم تكتحل حتى كادت عينها أن تَرمَص.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا ينبغي أن تكتحل بكحل الزينة، ولا تدهن ولا تتطيّب، وأما الذُّرُور، ونحوه فلا بأس به، لأن هذا ليس بزينة، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى قال: ثنا أخبرنا نافع، بن عبد الله المدني مولى ابن عمر ثقة، فقيه مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين\n_________\n(٥٨٩) إسناده صحيح.","vol":"3","page":122},{"text":"المحدثين أن صفيّة بنت أبي عُبيد بالتصغير الثقفية أدركت النبي - ﷺ - وأبوها صحابي كذا قاله ابن منده، ونفى الدارقطني إدراكها، قال ابن حجر في (الإِصابة) على نفي إدراك السماع منه، وذكرها العجلي وابن سمان في (ثقات التابعيات) اشتكت عَيْنُها وهي حادّ بتشديد الدال بلا هاء؛ لأنه نعت للمؤنث لا يشترك فيه المذكر مثل طالق وحائض أي: تاركة الزينة وخضابها بعد وفاة زوجها كما قال: وهي حاد على عبد الله بعد وفاته، فلم تكتحل حتى كادت أي: قاربت عينها أن تَرمَص بفتح الميم وسكون الراء والصاد المفتوحة المهملة من الرمص محركة بصاد مهملة: وسخ أبيض يجتمع الموق من باب قدح ولا منافاة ما في (الصحيحين) أن ابن عمر رجع من الحج فقيل له: إن صفية في السياق فأسرع السير وجمع جمع تأخير وكان ذلك في إمارة ابن الزبير؛ لأنها عوفيت ثم مات زوجها في حياتها.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله نافع بن عبد الله المدني لا ينبغي أي: لا يحل لامرأة مات زوجها عنها وهي في العدة أن تكتحل بكحل الزينة، ولا تدهن ولا تتطيّب، وأما الذُّرُور، ونحوه وفي نسخة: وأما الذرور بالواو وبضم الذال المعجمة وبالفتح وضم الراء الأولى وسكون الواو: دواء يابس يجعل في العين ونحوه فلا بأس به، أي: لا يحرم؛ لأن هذا أي: الذرور ليس بزينة، وهو أي: عدم الحرمة بالدواء للمعتدة قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا كما قال مالك في (الموطأ) تدهن المتوفى عنها زوجها بالزيت والشبرق وهو دهن السمسم وما أشبه ذلك إذا لم يكن فيه طيب، ولا تلبس المرأة الحادة على زوجها شيئًا من الحلي خاتمًا ولا خلخالًا ولا غير ذلك من الحلي كسوار وخرس وقرط ذهبًا كان كله أو فضة.\nقال سعيد بن زيد الباجي المالكي: ويدخل فيه الجوهر والياقوت كما قاله الزرقاني (١).\n* * *\n\n٥٩٠ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن صفيّة بنت أبي عُبيد، عن حفصة أو عائشة، أو عنهما جميعًا، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحِدّ على ميت فوق ثلاث ليال، إلا على زوج\".\n_________\n(١) في شرحه (٣/ ٣٠٣).\n(٥٩٠) إسناده صحيح.","vol":"3","page":123},{"text":"قال محمد: وبهذا نأخذ، ينبغي للمرأة أن تُحدّ على زوجها حتى تنقضي عدتها، ولا تتطيّب ولا تدّهن لزينة، ولا تكتحل لزينة حتى تنقضي عدتها، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى قال: ثنا حدثنا نافع، وفي نسخة: أخبرنا، وفي أخرى: بنا عن صفيّة بنت أبي عُبيد، كانت من ثقات التابعيات كما نقله الزرقاني عن العجلي وابن حبان عن حفصة أي: ابنة عمر بن الخطاب أو عائشة، أي: ابنة أبي بكر الصديق وأو للشك من الراوي أو عنهما جميعًا، فأو بمعنى واو الجمع أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر نفي بمعنى النهي والتقييد بذلك خرج مخرج الغالب كما يقال: هذا طريق المسلمين (ق ٦٢٥) مع أنه يسلكه غيرهم فالكتابة كذلك عند الجمهور، وهو المشهور عند مالك.\nوقال أبو حنيفة والكوفيون ومالك في رواية وابن نافع وابن كنانة وأشهب وأبو ثور: لا إحداد عليها لظاهر الحديث، وأجيب بأنه الغالب أو لأن المؤمنة هي التي تنفع بالخطاب وتنقاد، فهذا الوصف لتأكيد التحريم وتغليظه، وقد خالف أبو حنيفة قاعدته في إنكاره المفاهيم أن تُحِدّ بضم فكسر أو بفتح فكسر أي: ترك الزينة على ميت كأبيها وأمها وابنها وسائر أقاربها فوق ثلاث ليال، إلا على زوج فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرًا كما زاد في رواية يحيى بن سعيد عن نافع عند مسلم، والحديث يعم كل زوجة صغيرة أو كبيرة حرة أو أمة، مدخولا بها لا عند الجمهور.\nوقال أبو حنيفة: لا إحداد على صغيرة ولا أمة زوجة، وعموم الحديث حجة عليه، فبالوجه الذي يلزمها العدة الإِحداد؛ ولهذا الوجه اعتدت غير مدخول بها في الوفاة استظهار الحجة الزوج بعد موته، إذ لو كان حيًا لبين أنه دخل بها كما لا يحل عليه بالدين حتى تظهر له يمين الطالب قالوا: وهي الحكمة في جعل عدة الوفاة أزيد من عدة المطلقة؛ لأنه لما عدم الزوج استظهر له بأتم وجوه البراءة وهي أربعة أشهر وعشر؛ لأنه الأمر الذي يتبين فيه الحمل فبعد الرابع ينفخ فيه الروح وزيدت العشر حتى تتبين حركته، ولذا جعلت عدتها بالزمان الذي يشترك في معرفته الجميع ولم توكل إلى أمانة النساء فتجعل بالإِقراء كالمطلقات، كل ذلك حوطة للميت لعدم المحامي عنه ولزمت عدة الوفاة لصغيرة؛ لأن كون الزوجة صغيرة نادر فشملهن الحكم وعمتهن الحوطة، ثم قوله: \"إلا على زوج\"","vol":"3","page":124},{"text":"إيجاب بعد النفي، فيقتضي حصر الإِحداد في المتوفي عنها، فلا إحداد على مطلقة عند الأكثر ومالك والشافعي، رجعية كانت أو بائنة أو مثلثة واستحبه أحمد والشافعي للرجعية، وأوجبه أبو حنيفة والكوفيون على المثلثة.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه حفصة وعائشة ﵄ ينبغي للمرأة أي: يجب عليها أن تُحدّ على زوجها حتى تنقضي عدتها، ولا تتطيّب ولا تتزين تدّهن لزينة، ولا تكتحل لزينة حتى تنقضي عدتها، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\nقال القاضي عياض: استفيد وجوب الإِحداد في المتوفي عنها زوجها من اتفاق العلماء على حمل الحديث على ذلك مع أنه ليس في لفظه ما يدل على الوجوب كذا ذكره السيوطي وهو غريب، فإنه وإن كان مصدر الحديث لا يدل على الوجوب أو الاستثناء من نفي حلال الإِحداد لغير الزوج ثبوت جلبة للزوج إلا أن آخر الحديث صريح في الوجوب حيث قال: لا تلبس مصبوغًا ولا تكتحل، ولا تمس طيبًا ولا ينافي بين الحل والوجوب، ويجوز أن يكون الاستثناء منقطعًا أي: لكن الإِحداد على الزوج واجب. بقي الكلام في معتدة البائن هل تحد أم لا؟\nفقال مالك والشافعي: لا تحد؛ لأن الحداد واجب إظهار للتأسف على موت الزوج وفي بعدها إلى مماته قد أوحشها بالإِبانة فلا تأسف لفوته، ولنا أنه واجب إظهار للتأسف على فوت نعمة النكاح الذي هو سبب لصونها وكفاية لمؤنها والإِبانة فيها (ق ٦٢٦) ذلك الفوت كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان حكم ما يكره للمرأة من الزينة في العدة، شرع في بيان حكم حال المرأة تخرج من منزلها قبل انقضاء العدة، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-279>باب المرأة تنتقل من منزلها قبل انقضاء عدتها من موت أو طلاق</span>\nباب في بيان حكم حال المرأة تنتقل من منزلها قبل انقضاء عدتها من موت أو","vol":"3","page":125},{"text":"طلاق، وفرض هذه الترجمة من الأحكام التي تؤخذ من الآيتين في سورة البقرة إحديهما: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] وثانيهما: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] والمناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق إظهار الحزن على فوت نعمة النكاح.\n٥٩١ - أخبرنا مالك، أخبرني يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد وسليمان بن يسار، أنه سمعهما يذكران أن: يحيى بن سعيد بن العاص، طلق ابنة عبد الرحمن بن الحَكَم البتَّة، فانْتَقَلها عبد الرحمن، فأرسلت عائشة إلى مروان، وهو أمير المدينة: اتق الله واردد المرأة إلى بيتها، قال مروان في حديث سليمان: إن عبد الرحمن غلبني، وقال في حديث القاسم: أوَ ما بلغك شأن فاطمة بنت قيس؟ قالت عائشة: لا يضيرك؟ ألا تذكر حديث فاطمة، قال مروان: إن كان بك الشر فحسبك ما بين هذين من الشرّ.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا ينبغي للمرأة أن تنتقل من منزلها الذي طلقها فيه زوجها طلاقًا بائنًا كان أو غيره، أو مات عنها فيه حتى تنقضي عدتها، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا أخبرني وفي نسخة: أخبرنا يحيى بن سعيد، بن قيس الأنصاري المدني يكنى: أبا سعيد القاضي ثقة ثبت، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين المحدثين من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة أو بعدها عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل المدينة وسليمان بن يسار، الهلالي المدني مولى ميمونة، وقيل: أم سلمة ثقة فاضل، كان أحد الفقهاء السبعة، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين والمحدثين، من أهل المدينة، ومات بعد المائة وقيل: قبلها، عطف سليمان بالواو على القاسم بن محمد، رمزًا إلى تحويل السند لتقوي الحكم أنه أي: يحيى بن سعيد سمعهما\n_________\n(٥٩١) إسناده صحيح.","vol":"3","page":126},{"text":"أي: القاسم بن محمد وسليمان بن يسار حال كونهما يذكران أي: كلاهما أن: يحيى بن سعيد بن العاص، بلا ياء؛ لأنه أجوف الأموي أخو عمرو الأشدق، ثقة كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، مات في حدود الثمانين كذا في (تقريب التهذيب) طلق ابنة عبد الرحمن بن الحَكَم بفتحتين ابن العاص أخو مروان قال في المقدمة: هي عمرة فيما أظن البتَّة، أي: طلقة بائنة فانْتَقَلها عبد الرحمن، أي: طلب نقلها من بيت زوجها إلى بيته فمعنى انتقل نقل، لكن نقل (القاموس) نقلته فانتقل يشعر أن الانتقال لازم في الأحوال فلا يبعدان يضمن معنى الأخذ أي: أخذها أو نقلها فأرسلت عائشة ﵂ إلى مروان، أي: ابن الحكم أخو عبد الرحمن وعم المطلقة وهو أمير المدينة: أي: من جهة معاوية اتق الله أي: في تجويز هذا المنكر؛ لأنه ﷾ قال في سورة الطلاق: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق: ١] واردد المرأة إلى بيتها، أي: بيت طلقت فيه حتى تعتد فيه فالإِضافة لأدنى الملابسة قال مروان أي: في جواب عائشة في حديث سليمان: أي: في رواية سليمان بن يسار عنه إن عبد الرحمن غلبني، أي: فلم أقدر على منعها ولم يسمع الكلام مني وقال أي: مروان في حديث القاسم: أي: في رواية عنه: أوَ ما بلغك والهمزة للإِنكار والواو عطف على نسيتي مقدرًا بعد الهمزة، وما نافية، والكاف في بلغك مكسورة خطابًا لعائشة أي: أنسيتي يا عائشة ما كان من أحوال المرأة المطلقة ولم يبلغك شأن فاطمة بنت قيس؟ أي: خبرها من جواز خروجها عن بيتها بعد طلاقها حيث لم تعتد في بيت زوجها وانتقلت إلى غيره (ق ٦٢٧) قالت عائشة: أي: لمروان لا يضيرك؟ ألا تذكر حديث فاطمة، أي: لا ينفعك حديثها فإن لها شأن غير شأن غيرها، فلا يقاس عليها في أمرها لأن خروجها من بيت زوجها كان لعلة فيجوز انتقال المطلقة من منزلها بسبب.\nوفي البخاري: (١) عابت عائشة أي: على فاطمة بنت قيس أشد العيب وقالت: إن فاطمة كانت في مكان وحشي مخيف على ناصيتها فلذلك رخص النبي - ﷺ - في الانتقال وفي (النسائي) عن سعيد بن المسيب أنها كانت لسنة.\nولأبي داود عن سليمان بن يسار: إنما كان ذلك من سوء الخلق قال مروان: أي:\n_________\n(١) البخاري (٥٠١٧).","vol":"3","page":127},{"text":"لعائشة من كمال حماقته ولزوم جهالته: إن كان بك الشر أي: مرادك وقوع الشر وحصول الضر فأترك هذا الأمر فحسبك أي: يكفيك في جواز انتقال عمرة ما بين هذين ما وقع بين الزوجين أو ما بين أبيها وزوجها من الشرّ أي: المجوز للانتقال، وهذا أخرجه البخاري عن إسماعيل عن مالك به أعلم المعتدة تستحق السكنى والنفقة ما دامت في العدة.\nوأما المعتدة البائنة فلها السكنى حاملًا كانت أو حائلا عند أكثر أهل العلم، وهو قول الحسن والعوفي والشعبي، وروى عن ابن عباس ﵄ أنه قال: لا سكنى لها إلا أن تكون حاملًا، واحتج من لم يجعل لها السكنى بحديث فاطمة بنت قيس أن النبي - ﷺ - أمرها أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم ولا حجة فيه، لما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: كانت فاطمة بنت قيس في مكان وحشي مخيف على ناصيتها، وقال سعيد بن المسيب: إنما نقلت لطول لسانها على أحمائها وكان للسانها ذراته.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد وسليمان بن يسار لا ينبغي أي: لا يحل للمرأة أن تنتقل من منزلها الذي طلقها فيه زوجها طلاقًا بائنًا كان أو غيره، أي: بائن وهو الرجعي أو مات عنها فيه أي: إلا أن تخرج بأن كان من نصيبها من دار الميت لا يكفيها وأخرجها الورثة من نصيبها، أو خافت مالها أو الانهدام، أو لم تجد كري البيت، وعن علي وعن ابن عباس، وجابر وعائشة ﵃ أجمعين: تعتد المتوفى عنها حيث شاءت وهو قول الحسن وعطاء حتى تنقضي عدتها، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n٥٩٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع: أن ابنة سعيد بن زيد بن نُفيل طلّقت البتة، فانتقلت، فأنكر ذلك عليها ابن عمر.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا نافع: أي: ابن عبد الله المدني مولى ابن عمر، ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة أن ابنة سعيد بن زيد أي: ابن عمرو بن نُفيل بضم النون، وفتح الفاء العدوي، أحد العشرة كانت تحت عبد بن عمرو بن عثمان الأموي لقبه: المطرف بسكون الطاء المهملة وفتح الراء، ثقة مات بمصر سنة ست وتسعين طلّقت البتة،\n_________\n(٥٩٢) إسناده صحيح.","vol":"3","page":128},{"text":"أي: بائنة فانتقلت، أي: تحولت عن بيتها إلى غيره فأنكر ذلك أي: الانتقال عليها ابن عمر أي: المخالف القرآن ولعدم احتياجها إلى الانتقال.\n* * *\n\n٥٩٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا سعد بن إسحاق بن كعب بن عُجْرة، عن عمته زينب ابنة كعب بن عجرة: أن الفُريْعة ابنة مالك بن سنان، وهي أخت أبي سعيد الخُدريّ: أخبرته أنها أتت رسول الله - ﷺ - تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خُدرة، فإنَّ زوجي خرج في طلب أعْبُد له أبقوا، حتى إذا كان بطرف القَدُّوم أدركهم فقتلوه، قالت: فسألتُ رسول الله - ﷺ - أن يأذن لي أن أرجع إلى أهلي في بني خُدرة، فإن زوجي لن يتركني في مسكن يملكه، ولا نفقة، فقال: \"نعم\"، فخرجتُ حتى إذا كنتُ بالحجرة دعاني - أو أمر من دعاني - فدُعيتُ له، فقال: \"كيف قلت؟ \"، فرددت عليه القصة التي ذكرتُ له، فقال: امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله، قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرًا، قالت: فلما كان في خلافة عثمان أرسل إليَّ يسألني عن ذلك فأخبرته بذلك، فاتبعه وقضى به.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا في نسخة: قال: بنا سعد بفتح فسكون، وفي نسخة: بكسر العين وسكون ابن إسحاق بن كعب بن عُجْرة، بضم العين المهملة، وسكون الجيم وفتح الراء المهملة فهاء البلوي المدني حليف الأنصار ثقة، كان في الطبقة (ق ٦٢٨) الخامسة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات بعد الأربعين ومائة كذا في (تقريب التهذيب) (١) عن عمته زينب بنت وفي نسخة: ابنة كعب بن عجرة: صحابية تزوجها أبو سعيد الخدري كذا في (التجريد) تبعًا لابن الأمين وابن فتحون، وذكر غيرهم في التابعين، وابن حبان في (الثقات)، وروى عنها ابنا أخويها سعد بن إسحاق\n_________\n(٥٩٣) إسناده صحيح.\n(١) التقريب (١/ ٢٣٠).","vol":"3","page":129},{"text":"وسليمان بن محمد بن كعب بن عجرة، كذا نقله الفاضل السيد محمد الزرقاني أن الفُريْعة بضم الفاء وفتح الراء المهملة وسكون التحتية ففتح العين المهملة فهاء ابنة مالك بن سنان، بكسر السين المهملة صحابي وهي أخت أبي سعيد الخُدريّ: وهو سعد بن مالك الصحابي الأنصاري الشهير وأمها حبيبة بنت عبد الله بن أبي أخبرته أي: أخاها أنها أتت أي: جاءت رسول الله - ﷺ - تسأله في أن ترجع إلى أهلها في بني خُدرة، بضم الخاء المعجمة وسكون الدال المهملة قبيلة من الأنصار فإنَّ زوجي وليحيى: فإن زوجها خرج في طلب أعْبُد بفتح الهمزة وسكون العين وضم الموحدة جمع عبد له أبقوا، بفتح الموحدة أي: هربوا حتى إذا كان أي: زوجها بطرف القَدُّوم قال في (النهاية): هو بالتخفيف والتشديد موضع على ستة أميال من المدينة أدركهم أي: لحقهم فقتلوه، قالت: أي: الفريعة فسألتُ رسول الله - ﷺ - أن يأذن لي أن أرجع أي: من بيت الزوج إلى أهلي في بني خُدرة، فإن زوجي لن يتركني في مسكن بفتح الميم وسكون السين المهملة وفتح الكاف أي منزل يملكه، ولا نفقة، فقال: أي: رسول الله - ﷺ - نعم، بفتح النون والعين وسكون الميم حرف إعلام وجواب لسؤال أي: ارجعي إلى أهلك فخرجتُ أي: بعد فراغه - ﷺ - من الكلام من عنده حتى إذا كنتُ بالحجرة بضم الحاء المهملة وسكون الجيم والراء المهملة فهاء، وفي رواية أو بالمسجد دعاني - أي: بنفسه - ﷺ - أو أمر من دعاني - شك من الراوي فدُعيتُ له، بصيغة المجهول أي: فرجعت إليه فقال: أي: النبي - ﷺ - \"كيف قلت؟ \"، أي: المسألة فرددت عليه القصة التي ذكرتُ له، أي: ذكرتها له أولًا من شأن زوجي فقال: امكثي بضم الكاف أي: توقعي والبثي في بيتك أي: ولو كان الكري من عندك حتى يبلغ الكتاب أجله، أي: حتى تنقضي مدة العدة قالت: فاعتددت فيه أي: مكثت في حجرتي أربعة أشهر وعشرًا، قالت: فلما كان في خلافة عثمان أي: زمان خلافته وعهد حكومته أرسل أي: عثمان إليَّ يسألني عن ذلك فأخبرته بذلك، فاتبعه أي: قبله وقضى به.\nقال البغوي: فمن قال بوجوب السكنى قال إذنه الفريعة أولًا بالرجوع إلى أهلها صار منسوخًا بقوله آخرًا: امكثي في بيتك، ومن لم يوجب السكنى قال: أمرها بالمكث في بيتها آخرًا استحبابًا لا وجوبًا وفيه قبول خبر الواحد.\n* * *","vol":"3","page":130},{"text":"٥٩٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيَّب: أنه سُئِل عن المرأة يطلقها زوجها وهي في بيتٍ بكراءِ، على مَنْ الكراءِ؟ قال: على زوجها، قالوا: فإن لم يكن عند زوجها، قال: فعليها، قالوا: فإن لم يكن عندها، قال: فعلى الأمير.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: حدثنا أخبرنا وفي أخرى: ثنا يحيى بن سعيد، أي: ابن قيس الأنصاري المدني يكنى أبا سعيد القاضي ثقة ثبت كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين بعد المائة عن سعيد بن المسيَّب: بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات، كان في الطبقة الأولى من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، اتفقوا على أن مرسلاته أصلح المراسيل، وقال المدني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه، مات (ق ٦٢٩) بعد التسعين بيسير وهو ابن أربع وثمانين سنة، كذا قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي وابن حجر في (طبقاتهما) أنه أي: سعيد بن المسيب سُئِل بصيغة المجهول عن المرأة يطلقها زوجها وهي في بيتٍ بكراءِ، أي: بإجارة على مَنْ الكراءِ؟ أي: في مدة العدة قال: أي: سعيد بن المسيب على زوجها، قالوا: أي: بعض السائلين فإن لم يكن عند زوجها، أي: شيء للكراء قال: أي: سعيد بن المسيب فعليها، أي: يجب الإِجارة للسكنى على المرأة المطلقة قالوا: أي: بعض السائلين فإن لم يكن عندها، أي: فإن لم تجد المطلقة ما يعطي للإِجارة قال: فعلى الأمير أي: من بيت المال.\n* * *\n\n٥٩٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن ابن عمر طلق امرأته في مسكن حفصة زوج النبي - ﷺ -، وكان طريقه في حجرتها، فكان يسلك الطريق الأخرى من أدبار البيوت إلى المسجد؛ كراهية أن يستأذن عليها حتى راجعها.\n_________\n(٥٩٤) إسناده صحيح.\n(٥٩٥) إسناده صحيح.","vol":"3","page":131},{"text":"قال محمد: وبهذا نأخذ، لا ينبغي للمرأة أن تنتقل من منزلها الذي طلَّقها فيه زوجها إن كان الطلاق بائنًا أو غير بائن أو مات عنها فيه، حتى تنقضي عدتها، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا أخبرنا نافع، أي: ابن عبد الله المدني مولى ابن عمر ثقة فقيه ثبت مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة أن ابن عمر طلق امرأته في مسكن حفصة زوج النبي - ﷺ -، وهي أخته وكان طريقه أي: ممر ابن عمر في حجرتها، أي: على بيت حفصة فكان أي: ابن عمر بعد ذلك يسلك الطريق الأخرى أي: الكائنة من أدبار البيوت أي: من وراء بيت حفصة وغيرها إلى المسجد؛ كراهية بتخفيف الياء وفي نسخة: كراهة أن يستأذن عليها أي: مطلقته أو على أخته لكونها عندها حتى أي: استمر على ذلك حتى راجعها أي: ورد امرأته إلى نكاحه.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه نافع عن ابن عمر لا ينبغي أي: لا يحل للمرأة أن تنتقل من منزلها الذي طلَّقها فيه زوجها إن كان الطلاق بائنًا أو غير بائن أو مات عنها فيه، أي: ذلك المنزل حتى تنقضي عدتها، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\nلما فرغ من بيان حكم حال المرأة التي لا تنتقل من منزلها قبل انقضاء عدتها من موت أو طلاق، شرع في بيان حكم عدة أم الولد، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-280>باب عدة أم الولد</span>\nباب في بيان حكم عدة أم الولد المراد بها الجارية ولدت من سيدها ولو سقطًا يرى بعض خلفه ومات سيدها فإنها تصير معتوقة.\n٥٩٦ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن ابن عمر: أنه كان يقول: عدّة أم الولد إذا توفى عنها سيدها حيضة.\n_________\n(٥٩٦) إسناده صحيح.","vol":"3","page":132},{"text":"• أخبرنا مالك، بن أنس بن مالك بن عمير بن أبي عامر الأصبحي الإِمام صاحب المذهب، كان في الطبقة السابعة من طبقات كبار أتباع التابعين والمحدثين من أهل المدينة، كان في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، مات وهو ابن تسعين سنة، حدثنا نافع، أي: ابن عبد الله المدني مولى ابن عمر ثقة فقيه ثبت مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة بعد الهجرة عن ابن عمر: ﵄ أنه كان يقول: عدّة أم الولد إذا توفى عنها سيدها حيضة أي: واحدة وتسميتها عدة تجوز عن الاستبراء وبه قال مالك والشافعي إلا أنها إذا لم تحضر فشهر عند الشافعي وثلاثة أشهر عند مالك، وبه قال أحمد، ولنا ما روى محمد بن الحسن في الأصل عن علي وابن مسعود وإبراهيم النخعي أنهم قالوا: عدة أم الولد ثلاث حيض، وكذا روى الحاكم علي وابن سيرين وعطاء، وروى أيضًا أن عمرو بن العاص أمر أم ولد أعتقت أن تعتد بثلاث حيض وكتب إلى عمر بذلك (ق ٦٣٠) فكتب إليه عمر بحسن رأيه.\n* * *\n\n٥٩٧ - قال محمد: أخبرنا الحسن بن عُمارة، عن الحكم بن عُيَينة، عن يحيى بن الجَزَّار، عن عليّ بن أبي طالب ﵁ أنه قال: عدة أم الولد ثلاث حيض.\n• قال محمد: أخبرنا الحسن بن عُمارة، البجلي مولاهم يكنى أبا محمد الكوفي قاضي بغداد متروك، كان في الطبقة السابعة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل الكوفة، كان في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة من وجه الأرض، مات سنة ثلاث وخمسين ومائة بعد الهجرة عن الحكم بن عُيَينة، بضم العين المهملة وفتح المثناة وسكون التحتية وفتح الموحدة فهاء ومصغرًا، يكنى أبا محمد الكندي الكوفي ثقة ثبت، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل الكوفة، مات سنة ثلاث عشرة أو بعدها ومائة وله نيف وستون كما قاله الإمام الذهبي في (تهذيب التذهيب) وابن حجر في (تقريب التهذيب) عن يحيى بن الجَزَّار، العرني بفتح الجيم وتشديد الزاي وألف وراء وبضم العين المهملة\n_________\n(٥٩٧) إسناده ضعيف: فيه الحسن بن عمارة متروك.","vol":"3","page":133},{"text":"وفتح الراء ثم نون الكرخي، قيل: اسم أبيه زياد بزاي وموحدة وألف ونون، وقيل: بل لقبه هو صدوق رمي بالتشيع، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل الكوفة كذا في (تقريب التهذيب) عن عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي الله عنه أنه قال: عدة أم الولد ثلاث حيض بكسر ففتح جمع حيضة.\n* * *\n\n٥٩٨ - أخبرنا مالك، عن ثور بن يزيد، عن رجاءِ بن حَيْوة: أن عمرو بن العاص سئل عن عدة أم الولد، فقال: لا تُلبسوا علينا في ديننا، إن تكُ أمة فإن عدتها عدة حُرةٍ.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، وإبراهيم النَّخَعِيّ، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا عن ثور بن يزيد، بن زياد تحتانية في أوله اسم أبيه أبو خالد الحمصي، ثقة ثبت إلا أنه يرى القدر، كان في الطبقة السابعة من طبقات التابعين من أهل حمص وهي كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة من وجه الأرض، عن رجاءِ بن حَيْوة: بفتح الحاء المهملة وسكون التحتية وفتح الواو الكندي يكنى أبا المقدام ويقال: أبو نصر الفلسطيني ثقة فقيه، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل الفلسطين، وهي آخر كور الشام من ناحية مصر قصبتها البيت المقدس، كان في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة من وجه الأرض كما قاله ياقوت الحموي في (معجم البلدان) مات سنة خمسين.\nوقال بعض المؤرخين: مات خمس وخمسين ومائة كما في (تقريب التهذيب) أن عمرو بن العاص وفي نسخة: عمر بن الخطاب سئل بصيغة المجهول عن عدة أم الولد، فقال: لا تُلبسوا بتشديد الموحدة المكسورة أي: لا تخلطوا علينا في ديننا، أي: أمرنا إن تكُ أمة أي: من ابتدائها فإن عدتها عدة حُرةٍ أي: باعتبار انتهائها.\n_________\n(٥٩٨) إسناده صحيح.","vol":"3","page":134},{"text":"قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله عمرو بن العاص وهو قولُ أبي حنيفة، وإبراهيم النَّخَعِيّ، والعامة من فقهائنا.\nلما فرغ من بيان عدة أم الولد، شرع في بيان أحكام ألفاظ الكنايات عن الطلاق فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-281>باب الخلية والبرية وما يشبه الطلاق</span>\nباب في بيان أحكام ألفاظ الكنايات عن الطلاق وهي الخلية والبرية وما يشبه الطلاق أي: من نحو بائنة ومرام من كنايات الطلاق دون صريحها.\n٥٩٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع عن عبد الله بن عمر: أنه كان يقول: الخلية والبريّة ثلاث تطليقات، كل واحدة منهما.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: حدثنا أخبرنا نافع أي: ابن عبد الله المدني مولى ابن عمر ثقة فقيه ثبت مشهور عن عبد الله بن عمر: ﵄ أنه كان يقول: الخلية بفتح الخاء المعجمة وكسر اللام وتشديد التحتية والبريّة بفتح الموحدة وتشديد التحتية وأصلها (ق ٦٣١) ثلاث تطليقات، كل واحدة منهما أي: من اللفظين لا الجمع بينهما وهذا محمول على ما إذا نوى الثلاث، وأما إذا لم ينو شيئًا، أو نوى واحدة أو اثنتين فيقع واحدة بائنة.\nوقال مالك والشافعي وأحمد: يقع بها رجعي، وقال علي وزيد بن ثابت: الواقع بها بائن.\n* * *\n\n٦٠٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، قال: كان رجلٌ تحته وليدة، فقال لأهلها: شأنكم بها، قال القاسم: فرأى الناس أنها تطليقة.\n_________\n(٥٩٩) إسناده صحيح.\n(٦٠٠) إسناده صحيح.","vol":"3","page":135},{"text":"قال محمد: إذا نوى الرجل بالخلية والبريّة ثلاث تطليقات فهي ثلاث تطليقات، وإذا أراد بها واحدة فهي واحدة بائن؛ دخل بامرأته أو لم يدخل بها، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا يحيى بن سعيد، بن قيس الأنصاري المدني يكنى أبا سعيد القاضي ثقة ثبت، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة بعد الهجرة عن القاسم بن محمد، بن أبي بكر الصديق ﵁، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، كما قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي في (طبقاته) قال: كان رجلٌ تحته وليدة، أي: جارية مزوجة علىهى فقال لأهلها: شأنكم بها، بالنصب أي: الزموها أو خذوها، والمعنى: الحقي بأهلك وهو من باب الكنايات قال القاسم: أي: ابن محمد أحد الفقهاء السبعة من أهل المدينة فرأى الناس أي: الصحابة والتابعون أنها تطليقة أي: إما بائنة كبرى إن نوى الثلاث، أو صغرى أو رجعية إن طلقها على خلاف في ذلك.\nقال محمد: إذا نوى الرجل بالخلية والبريّة أي: وكذا في نحوها من ألفاظ الكنايات ثلاث تطليقات فهي ثلاث تطليقات، أي: بلا خلاف في ذلك وإذا أراد بها واحدة أو اثنتين أو لم يرد بها شيئًا في واحدة بائنة؛ وفي نسخة: بائن بدون التاء أي: لا رجعي كما قاله بعض الأئمة دخل بامرأته أو لم يدخل بها، أي: يستويان وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا\nلما فرغ من بيان أحكام ألفاظ الكنايات عن الطلاق، شرع في بيان حكم حال الرجل يولد له فيغلب عليه الشبه، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-282>باب الرجل يولد له فيغلب عليه الشبه</span>\nباب في بيان حكم حال الرجل يولد له أي: تضع امرأته ولدًا فيغلب عليه الشبه بفتحتين أي: مشابه غير والديه مما يورث الشبهة النسبية له، ولفظ باب في عرف العلماء، والبلغاء اسم لما يتوصل منه إلى المقصود، فإضافته إلى الرجل إضافة فيه مقدرة بمضاف كما قدر.","vol":"3","page":136},{"text":"٦٠١ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب عن سعيد بن المسيَّب، عن أبي هريرة: أن رجلًا من أهل البادية أتى رسول الله - ﷺ - فقال: إنَّ امرأتي ولدت غلامًا أسود، فقال رسول الله - ﷺ -: \"هل لك من إبل؟ \"، قال: نعم، قال: \"ما ألوانها؟ \"، قال: حُمْر، قال: \"فهل فيها من أَوْرَق؟ \"، قال: نعم، قال: \"فبما كان ذلك؟ \"، قال: أراه نزعه عِرق يا رسول الله، قال: \"فلعل ابنك نزعه عرق\".\nقال محمد: لا ينبغي للرجل أن ينتفي من ولده، بهذا أو نحوه.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا وفي أخرى: ثنا أخبرنا ابن شهاب أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة عن سعيد بن المسيَّب، بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي أحد العلماء الأثبات، كان في الطبقة الأولى من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، اتفقوا على أن مرسلاته أصلح المراسيل وقال المدني: لا أعلم في كبار التابعين أوسع علمًا منه، مات بعد التسعين بيسير، كما قال ابن حجر (١) وقال ابن الجوزي: وهو ابن أربع وثمانين سنة انتهى. عن أبي هريرة: ﵁ أن رجلًا من أهل البادية وفي رواية الشيخين: أن أعرابيًا، لكن معنى الروايتين واحد؛ لأن الأعراب بفتح الهمزة وسكون العين سكان البادية والعرب بفتحتين سكان المصر أو من كان من نسل إسماعيل صلوات الله على نبينا وعليه، كما قال أهل اللغة أتى أي: جاء إلى رسول الله - ﷺ - فقال: إنَّ امرأتي ولدت غلامًا أسود، أي: ولد الشبه فأورثني فيه الشبهة في تحقيق النسب وفي رواية (ق ٦٣٢) الصحيحين زيادة: وإني أنكرته فقال رسول الله - ﷺ - أي: لتصوير المسألة على وجه يدخل في معقول السائل بما يناسب مقامه من الوسائل المشغلة على الدلائل \"هل لك من إبل؟ \"، قال: نعم، قال: \"ما\n_________\n(٦٠١) صحيح: أخرجه البخاري (٧/ ٦٨) (٨/ ٢١٥) (٩/ ١٢٥) ومسلم (١١٣٧) وأبو داود (٢٢٦٠) والترمذي (٢١٢٨) والنسائي (٦/ ١٧٨) وابن ماجه (٢٠٠٢) (٢٠٠٣) وأحمد (٢/ ٢٣٩، ٤٠٩) (٣/ ١٤) والبيهقي (٤/ ١٨٦) (٧/ ٤١١) (٨/ ٢٥٢) (١٠/ ١٥٩).\n(١) التقريب (١/ ٢٤١).","vol":"3","page":137},{"text":"ألوانها؟ \"، ولعل صيغة الجمع للمقابلة قال: حُمْر، بضم فسكون جمع حمراء قال: \"فهل فيها أي: يوجد من أَوْرَق؟ \" بفتح الهمزة وسكون الواو وفتح الراء فقاف أي: آدم كذا في المغرب وأراد به أسمر، وفي التهذيب من اللغة: أن الأورق من كل شيء ما يكون لونه الرماد قال: نعم، أي: قد يكون فيها قال: \"فبما كان ذلك؟ \"، أي: فبأي سبب وقع ذلك التخالف هنالك.\nوفي نسخة: قال: فأين كان ذلك، وفي رواية: فأين ترى ذلك جاء بها، وفي نسخة أخرى: فبأي شيء كان قال: أراه بضم الهمزة أي: أظنه نزعه عِرق بكسر أوله، وفي رواية عرق نزعها يقال: نزع أهله إذا أشبهه والمعنى مشابهة عرق من عروق العمل يا رسول الله، قال: \"فلعل ابنك نزعه عرق\" أي: من عروق أصولك، وفي رواية: فلعل هنا عرق نزعه، زاد الشيخان: ولم يرخص له في الانتفاء منه، الفاء في \"فلعل\" فاء فصيحة، وهي عند الأصوليين والنحويين ما كان مدخولها جزاء لجملة شرطية مقدرة فيما قبلها، كما ذهب إليها صاحب (الكشاف) وفاء النتيجة عند أهل الميزان كذا قاله المعتبي الرهاوي في (شرح المنار) \"ولعل\" للتوقع وهو ترجي المحبوب، \"وابنك\" منصوب على أنه اسم لعل، ومحل جملة \"نزعه عرق\" مرفوع على أنها خبر للعل، والمعنى: إن ظننت نزع العرق فترجى أن ابنك جره عرق، وفي إسناد النزع إلى العرق مجاز عقلي أو استعارة بالكناية، وهي أن تذكر المشبه وتريد المشبه به وقرينتها أن يقارن بالمشبه ما يلائم بالمشبه به وهو فعل النزع، فالمراد بالعرق هو الفاعل المختار على طريق الكناية بواسطة المبالغة في التشبيه وقريبتها هنا إسناد النزع الذي هو فعل الفاعل المختار إلى العرق مجازًا شبه رسول الله - ﷺ - نزع العرق بفعل الفاعل الحقيقي إعلامًا للأعرابي بكمال قدرته تعالى، وتعليمًا له بأنه تعالى: بخلق ما يشاء ويحكم ما يريد ولا يسأل عن فعله تعالى.\nقال محمد: لا ينبغي أي: لا يجوز للرجل أن ينتفي من ولده، بهذا أي: الشبهة من السواد المخالف للون أبيه أو نحوه من البياض وأمثاله وفي نسخة لهذا باللام.\nلما فرغ من بيان حكم حال الرجل أشبه في ولده الذي ولدته امرأته منه، شرع في بيان حكم حال الرجل وامرأته كافرين فأسلمت المرأة قبل أن يسلم زوجها، فقال: هذا\n* * *","vol":"3","page":138},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-283>باب المرأة تُسْلِم قبل زوجها</span>\nباب في بيان حكم حال المرأة أي: الكافرة تسلم أي: من الإِسلام قبل زوجها أي: قبل إسلامه.\n٦٠٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب: أنَّ أُمّ حكيم بنت الحارث كانت تحت عِكرمة بن أبي جهل، فأسلمت يوم الفتح، وخرج عِكْرمة هاربًا من الإِسلام حتى قدم اليمن، فارتَحَلَتْ أُمّ حكيم حتى قدمت عليه ودَعَتْه إلى الإِسلام فأسلم، وقدم على النبي - ﷺ -، فلما رآه النبي - ﷺ - وثب إليه فرحًا وما عليه رداء حتى بايعه.\nقال محمد: إذا أسلمت المرأة وزوجها كافر في ديار الإِسلام لم يفرق بينهما حتى يعرض على الزوج الإِسلام، فإن أسلم فهي امرأته، وإن أبى أن يُسْلِم فُرِّقَ بينهما، وكانت فرقتهما تطليقة بائنة، وهو قول إبراهيم النَّخعي، وأبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا وفي أخرى: قال: ثنا أخبرنا وفي نسخة: قال: ثنا ابن شهاب: أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة أنَّ أُمّ حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومية الصحابية بنت الصحابي كانت تحت أي: ابن عمتها عِكرمة بن أبي جهل، أي: عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي الجاهل المعروف، كان يكنى أبا الحكم فكناه النبي - ﷺ - بأبي جهل فغلبت عليه هذه الكنية فأسلمت أي: أم حكيم يوم الفتح، أي: بمكة وخرج عِكْرمة هاربًا من الإِسلام حتى قدم اليمن، (ق ٦٣٣) وعند ابن إسحاق عن ابن شهاب عن عروة واستأمنت أم حكيم لعكرمة من النبي - ﷺ - فأمنه، وذكر موسى بن عقبة عن الزهري واستأذنته - ﷺ - في طلب زوجها عكرمة فأذن لها وأمنه فارتَحَلَتْ أُمّ حكيم أي: وراء زوجها عكرمة حتى قدمت عليه أي: على زوجها في اليمن بإذن المصطفى ودَعَتْه إلى\n_________\n(٦٠٢) إسناده صحيح.","vol":"3","page":139},{"text":"الإِسلام فأسلم، أي: وحسن إسلامه بحيث إذا فتح المصحف كان يقول: هذا كلام ربي ويغشى عليه، واستشهد بالشام في خلافة أبي بكر على الصحيح، وأخرج ابن مردويه والدارقطني والحاكم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه: أن عكرمة لما ركب البحر أصابهم عاصف فقال أصحاب السفينة: أخلصوا فإن ألهتكم لا تغني عنكم ها هنا فقال عكرمة: والله لئن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص فلا ينجني في البر غيره، اللهم إن لك عهدًا إن عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمدًا حتى أضع يدي في يده فلأجدنه عفوًا كريمًا.\nوروى البيهقي عن الزهري والواقدي عن شيوخه: أن امرأته قالت: يا رسول الله قد ذهب عنك عكرمة إلى اليمن وخاف أن تقتله فأمنه قال: \"هو آمن\" فخرجت في طلبه فأدركته وركب سفينة ونوتي يقول: له أخلص أخلص قال: ما أقول؟ قال: قل لا إله إلا الله، قال: ما هربت إلا من هذا وإن هذا أمرًا تعرفه العرب حتى النواتي ما الدين إلا ما جاء به محمد وغير الله ما في قلبي، وجاءت أم حكيم تقول: يا ابن عم جئتك من عند أبر الناس وأوصل الناس خير الناس، لا تهلك نفسك إني قد استأمنت لك رسول الله - ﷺ -، فرجع معها وجعل يطلب جماعها فتأبى وتقول: أنت كافر وأنا مسلمة فقال: إن أمرًا منعك مني لأمر كبير، فلما قدم مكة قال - ﷺ -: \"يأتيك عكرمة مؤمنًا فلا تسبوا أباه، فإن سب الميت يؤذي الحي\"، فكأنه لما طلب جماعها وأبت وقال ما قال دعته إلى الإِسلام فأسلم كما قاله الزرقاني (١) في باب (نكاح المشرك إذا أسلمت زوجته قبل إسلامه) في (شرح الموطأ لمالك)، وقدم على النبي - ﷺ -، أي: عام الفتح بمكة فلما رآه النبي - ﷺ - وثب بموحدة أي: قام بسرعة إليه أي: مقبلا عليه فرحًا بفتح الراء وكسرها فهو صفة مشبهة على أنه مصدر مبالغة أو تقديره: ذا فرح وهو حال على كل تقدير ورمى عليه أي: على موضع قعودة رداءه الخاص لاستعجاله بالقيام حين رآه، وفي نسخة: رداء أي: من جملة أرديته وفي نسخة: ورد عليه رداء حتى بايعه أي: عاهده واستمر يقبل عليه ويتوجه إليه حتى بايعه لديه وفي (الترمذي) (٢) من حديثه قال النبي - ﷺ - يوم جئته: \"مرحبًا بالراكب المهاجر\"، وعند البيهقي عن الزهري: فوقف بين يديه ومعه زوجته منتقبة، فقال: إن هذه\n_________\n(١) في شرحه (٣/ ٢٠٤).\n(٢) الترمذي (٢٧٣٥).","vol":"3","page":140},{"text":"أخبرتني أنك أمنتني، فقال - ﷺ -: \"صدقت فأنت آمن\" قال: إلى ما تدعوا قال: \"أدعو إلى أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وكذا عن خصال الإِسلام\"، قال: ما دعوت إلا إلى خير وأمر جميل، قد كنت فينا يا رسول الله قبل أن تدعونا وأنت أصدقنا حديثًا وأبرنا ثم قال، فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول، ثم قال: يا رسول الله، علمني خير شيء أقوله (ق ٦٤٣) قال: \"تقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله\"، فقال: ثم ماذا؟ قال: \"تقول أشهد الله وأشهد من حضرني أني مسلم مجاهد مهاجر\"، فقال ذلك عكرمة.\nوفي (فوائد يعقوب الجصاص): عن أم سلمة مرفوعًا: رأيت لأبي جهل عنقا في الجنة فلما أسلم عكرمة قال - ﷺ -: \"يا أم سلمة هو هذا\".\nقال محمد: إذا أسلمت المرأة وزوجها كافر في ديار الإِسلام جملة حالية لم يفرق بينهما حتى يعرض على الزوج أي: على زوجها الإِسلام، فإن أسلم فهي امرأته، أي: باقية على ما كان فيه من الزواج وإن أبى أن يُسْلِم أي: امتنع عن الإِسلام فُرِّقَ بينهما، وكانت فرقتهما تطليقة بائنة، وهو قول إبراهيم النَّخعي، رحمهما الله تعالى.\nلما فرغ من بيان حكم حال المرأة الكافرة أسلمت قبل إسلام زوجها، شرع في بيان حكم انقضاء الحيض، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-284>باب انقضاء الحيض</span>\nباب بالتنوين؛ لأنه خبر لمبتدأ محذوف كما قدر أو بالسكون فلا إعراب له؛ لأن الإِعراب ملحق بعد التركيب، وهي في اللغة النوع مطلقًا، وفي عرف الفقهاء نوع من المسائل التي اشتملت عليها كتاب كما قاله الشمني في (شرح النقابة) أي: هذا باب في بيان حكم انقضاء أي: انقطاع الحيض أي: انتهاء مدته التي يترتب عليها انقضاء العدة، وإضافة الانقضاء إلى الحيض من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف بها، والمناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق تملك الزوج بامرأته، وبيانه أن رجلًا إذا طلق امرأته تطليقة تم تركها حتى انقطع دمها من الحيضة الثالثة، ودخلت مكان غسلها وجاء زوجها قبل غسلها وقال لها: قد راجعتك فهي زوجته كما كانت قبل الطلاق، وكذا أن امرأة كافرة تحت كافر","vol":"3","page":141},{"text":"إذا أسلمت قبل أن يسلم زوجها فعرضت عليه الإِسلام فأسلم فهي زوجته وإلا خيرت وأي رجل شاءت تتزوج.\n٦٠٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب عن عُروة بن الزبير، عن عائشة أم المؤمنين قالت: انتقلت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر حين دخلت في الدّم من الحيضة الثالثة، فذكرتُ ذلك لعمرة بنت عبد الرحمن، فقالت: صدق عُروة، وقد جادلها فيه ناسٌ، وقالوا: إن الله يقول: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، فقالت: صدقتم، وتدرون ما الأقراءُ؟ إنما الأقراءُ الأطهار.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا ابن شهاب أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة عن عُروة بن الزبير، بن العوام بن خويلد الأسدي المدني يكنى أبا عبد الله المدني، ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثانية من كبار التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين على الصحيح كما في (تقريب التهذيب) عن عائشة ﵂ قالت: انتقلت أي: تحولت عن بيتها حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق أي: لما طلقها زوجها المنذر بن الزبير بن العوام حين دخلت أي: شرعت وابتدأت في الدّم من الحيضة الثالثة، قال: ابن شهاب فذكرتُ أي: أنا ذلك أي: ما رواه عروة لعمرة بنت عبد الرحمن أي: ابن أسعد بن زرارة وهي كانت في حجرة عائشة وربتها وروت عنها كثيرًا من حديثها وغيرها، وروى عنها جماعة وهي من التابعيات المشهورات الأنصاريات فقالت: أي: عمرة صدق عُروة، أي: فيما روى عن عائشة وقد جادلها أي: خالف لعائشة فيه أي: في هذا الفصل والحكم ناسٌ، أي: جماعة من الصحابة والتابعين وقالوا: وفي رواية: فقالوا: بالفاء إن الله ﷿ يقول: في سورة (ق ٦٣٥) البقرة: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، أي: يمضي من حين الطلاق فقالت: أي: عائشة صدقتم، أي: أيها الناس في أنه تعالى قال ذلك وتدرون والواو عطف على صدقتم بحذف الهمزة الاستفهامية المقدر قبل الواو وتقديره: صدقتم فيما\n_________\n(٦٠٣) إسناده صحيح.","vol":"3","page":142},{"text":"أخبرتم أو تعلمون ما الأقراءُ؟ بفتح الهمزة وسكون القاف والراء فألف ممدودة جمع قرء بضم القاف وسكون وهمزة مثل قفل وأقفال إنما الأقراءُ الأطهار هذا من قصر الموصوف على الصفة يعني: والمطلقات لا يتجاوزن في عدتهم ثلاثة قروء وقصر القلب؛ لأن العراقيين قالوا: والمراد بالقرء الحيض، وجمهور أهل المدينة قالوا: القرء الطهر وهذا الحديث حجة لمالك والشافعي، ودليل أبي حنيفة أن الاستبراء بحيضة، كما رواه أحمد وأبو داود في سبايا أوطاس وأصل العدة للاستبراء، فيكون بالحيض، ويؤيده حديث عدة الأمة حيضتان، وروى ابن ماجه عن عائشة ﵂ أنها قالت: \"أمرت بريرة أن تعتد بثلاث حيض\" ومذهبنا قول الخلفاء الأربعة والعبادلة وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وأبي الدرداء، وعبادة بن الصامت، وزيد بن ثابت، وأبي موسى الأشعري وطائفة من التابعين، قال أحمد بن حنبل: كنت أقول الأطهر، ثم وقفت لقول الأكابر كما قاله علي القاري.\n* * *\n\n٦٠٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: أنه كان يقول مثل ذلك.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن زهرة بن كلاب، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة عن أبي بكر اسمه محمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: أي: المخزومي المدني ثقة، كان في الطبقة الثانية من طبقات كبار التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين أنه أي: أبا بكر كان يقول مثل ذلك أي: كقول عائشة وأبو بكر هذا تابعي سمع عائشة وأبا هريرة وروى عنه الشعبي والزهري.\n* * *\n\n٦٠٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، وزيد بن أسلم، عن سليمان بن يسار: أن رجلًا من أهل الشام يُقال له: الأحوص، طلق امرأته ثم مات حين دخلت\n_________\n(٦٠٤) إسناده صحيح.\n(٦٠٥) إسناده صحيح.","vol":"3","page":143},{"text":"في الدّم من الحيضة الثالثة، فقالت: أنا وارثته، وقال بنوه: لا ترثينه، واختصموا إلى معاوية بن أبي سفيان، فسأل معاوية فَضالة بن عُبيد وناسًا من أهل الشام فلم يجد عندهم علمًا فيه، فكتب إلى زيد بن ثابت، فكتب إليه زيد بن ثابت: إنها إذا دخلت في الدم من الحيضة الثالثة فإنها لا ترثه ولا يرثها، وقد برئت منه وبرئ منها.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا نافع، أي: ابن عبد الله المدني مولى ابن عمر ثقة فقيه ثبت مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة وزيد بن أسلم، أي: العدوي مولى عمر بن الخطاب يكنى أبا عبد الله بن أسامة المدني ثقة عالم، وكان يرسل كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ست وثلاثين ومائة، عطفه على نافع رمز إلى تحويل السند لتقوي الحكم عن سليمان بن يسار الهلالي المدني مولى ميمونة، وقيل: أم سلمة ثقة فاضل أحد الفقهاء السبعة، كان في الطبقة الثانية من طبقات كبار التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات بعد المائة، وقيل: قبلها، كذا قاله ابن حجر في (تقريب التهذيب) أن رجلًا من أهل الشام يُقال له: الأحوص، بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة وفتح الواو والصاد المهملة هو ابن عبد شمس بن عبد مناف، ذكر ابن الكلبي والبلاذري أنه كان عاملًا لمعاوية على البحرين وسعى لمروان بن الحكم، والمراد بالبحرين اسم للبلاد على ساحل بحر الهند (ق ٦٣٦) بين البصرة وعمان، وقيل: قصبة هجر، وقيل: هجر هي قصبة البحرين، وقال قوم: هي من الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة وعرضها أربع وثلاثون درجة كما قاله ياقوت الحموي في (معجم البلدان) طلق امرأته أي: في صحته أو مرضه ثم مات حين دخلت أي: شرعت وابتدأت في الدّم من الحيضة الثالثة، أي: قبل إكمال حيضتها فقالت: أي: ادعت بأن قالت: أنا وارثته، أي: لأنه مات وأنا في العدة بناء على أن المراد بالقرء الحيض الكوامل وقال بنوه: أي: أولاد الميت منها أو من غيرها لا ترثينه، أي: لأنك خرجت من العدة قبل موته بناء على أن المراد بالقروء الأطهار، أو على أن الكمال ليس بشرط فيكون فعل لقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ الآية [البقرة: ١٩٧] واختصموا أي: تنازعوا وترافعوا الأمر إلى معاوية بن أبي سفيان، اسمه صخر بن حرب بن أمية الأموي، يكنى أبا عبد الرحمن الخليفة صحابي أسلم قبل الفتح وكتب الوحي،","vol":"3","page":144},{"text":"ومات في رجب سنة ستين وقد قارب الثمانين فسأل معاوية فَضالة بفتح أوله ابن عُبيد بالتصغير وهو أنصاري أول مشاهده أحد ثم شهد ما بعدها وبايع تحت الشجرة ثم انتقل إلى الشام فسكن دمشق وقضى بها لمعاوية زمن خروجه إلى صفين وناسًا وجمعًا آخرين من أهل الشام أي: علماؤهم فلم يجد عندهم علمًا فيه، أي: بحيث يرتضيه أو لوقوع الخلافة فيه فكتب إلى زيد بن ثابت، فكتب إليه زيد بن ثابت: أي: يسأله إنها إذا دخلت أي: شرعت وابتدأت في الدم من الحيضة الثالثة فإنها لا ترثه ولا يرثها، أي: زوجها وقد برئت منه أي: خلصت عنه وبرئ منها وهذا بناء على إحدى الوجهين السابقين.\n* * *\n\n٦٠٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع مولى ابن عمر، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب: مثل ذلك.\nقال محمد: انقضاءُ العدة عندنا الطهر من الدم من الحيضة الثالثة؛ إذا اغتسلت منها.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا نافع أي: ابن عبد الله المدني مولى ابن عمر، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب: مثل ذلك أي: نحو ما تقدم.\nقال محمد: انقضاءُ العدة عندنا الطهر من الدم من الحيضة الثالثة؛ إذا اغتسلت منها أي: لأنها قبل غسلها في حكم الحيض\n* * *\n\n٦٠٧ - قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم: أن رجلًا طلق امرأته تطليقة يملك الرجعة، ثم تركها حتى انقضى دمها من الحيضة الثالثة ودخلت مغتسلها وأدْنَتْ ماءَها، فأتاها فقال: قد راجعتك، فسألت عمر بن الخطاب عن ذلك وعنده عبد الله بن مسعود، فقال عمر: قل فيها برأيك،\n_________\n(٦٠٦) إسناده صحيح.","vol":"3","page":145},{"text":"فقال: أراه يا أمير المؤمنين أحقّ برجعتها ما لم تغتسل من حيضتها الثالثة، فقال عمر: وأنا أرى ذلك، ثم قال عمر لعبد الله بن مسعود: كُنَيْفٌ ملئ علمًا.\n• قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة، أي: سلطان العلماء المجتهدين في المذاهب برهان الأئمة في المشارق والمغارب الإِمام الأعظم والهمام الأكرم، نعمان بن ثابت بن طاووس بن هرمز بن ملك بن شيبان، ولد في عهد الصحابة سنة ثمانين ولقي جماعة منهم كأنس بن مالك بن ضمضم، وعامر بن الطفيل، وعبد الله بن الزهري، وسهل بن سعد الساعدي وغيرهم ﵃، كان في الطبقة السادسة من طبقات صغار التابعين من أهل بغداد، كان في الإِقليم الثالث، مات فيها سنة خمسين ومائة وهو ابن سبعين سنة كما قاله المؤرخون، عن حماد، أي: ابن أبي سليمان مسلم مولى ابن أبي موسى الأشعري، كان في الطبقة الخامسة من طبقات أفضل التابعين، من أهل الكوفة كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، مات فيها سنة عشرين ومائة عن إبراهيم بن يزيد النخعي بن الأسود بن عمرو بن ربيعة بن حارث بن سعد بن مالك، كان في الطبقة الرابعة من طبقات كبار التابعين من أهل الكوفة، كان أعلم أهل الكوفة والمقتدي في وقته، وكان يفتي وهو ابن ست عشرة سنة مات فيها سنة ست وتسعين، وقيل: خمس ومائة وهو ابن ست وأربعين (ت ٦٣٧) كما في (طبقات الحنفية) أن رجلًا طلق امرأته تطليقة يملك الرجعة، ثم تركها حتى انقضى دمها من الحيضة الثالثة ودخلت مغتسلها أي: المكان تريد الغسل فيها وأدْنَتْ ماءَها، أي: قربت إلى ماء غسلها فأتاها أي: زوجها فقال: لها قد راجعتك، فسألت عمر ابن الخطاب ﵁ عن ذلك أي: عما وقع من صحة الرجوع وعدمه وعنده عبد الله بن مسعود، ﵁ أي: حاضر فقال عمر: قل فيها أي: في حق المرأة أو في جواب المسألة برأيك، أي: بناء على عدم التصريح في الكتاب والسنة وابن مسعود كان مشهورًا بالرأي الثاقب فقال: أي: ابن مسعود أراه أي: أختار أن الرجل زوجها يا أمير المؤمنين جملة ندائية معترضة وهو أحقّ برجعتها ما لم تغتسل من حيضتها الثالثة، فقال عمر: ﵁ وأنا أرى ذلك، أي: مثل رأيك ثم قال عمر لعبد الله بن مسعود: ﵄ أي: لأجله وفضله كُنَيْفٌ بضم الكاف وفتح النون وسكون التحتية ففاء، تصغير كنف وهو بكسر الكاف وسكون النون ففاء: وعاء أداة الراعي يضع فيه آلته، فيه استعارة بالكناية شبه عمر ﵁ قلب عبد الله بن مسعود رضي الله","vol":"3","page":146},{"text":"عنهما وعاء أداة الراعي وأثبت للمشبه ما يلازم بالمشبه به وهو العلم للمبالغة في وفرة علمه فكأنه قال: قلبك ملئ بصيغة المجهول علمًا نصبه على التمييز والتصغير للمدح والتعظيم على ما في (المغرب) و(المصباح).\nقال علي القاري: ولا يبعد أن يكون التصغير للتشبيه فإن ابن مسعود كان قصيرًا جدًا، والمعنى أنه وإن كان صغيرًا في المبنى إلا أنه كبيرًا في المعنى انتهى، والتنوين في علمًا للتنويع أي: ملئ قلبك علمًا من أنواع العلوم.\n* * *\n\n٦٠٨ - قال محمد: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن ابن شهاب الزهري عن سعيد بن المسيب، قال: قال علي بن أبي طالب: هو أحق بها حتى تغتسل من حيضتها الثالثة.\n• قال محمد: أخبرنا سفيان بن عيينة، بن أبي عمران ميمون الهلالي يكنى أبا محمد الكوفي ثم المكي، ثقة حافظ فقيه حجة، إلا أنه تغير حفظه في آخره، وكان ربما دلس لكن عن الثقات، من رؤوس الطبقة الثامنة من طبقات التابعين، مات في رجب سنة ثمان وتسعين ومائة وهو ابن إحدى وتسعين سنة كما قاله الحافظ ابن حجر في (تقريب التهذيب) عن ابن شهاب أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ثقة كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، عن سعيد بن المسيب، بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات، كان في الطبقة الأولى من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد التسعين بيسير وهو ابن أربع وثمانين سنة كذا قاله ابن حجر (١) أنه قال: قال علي بن أبي طالب: ﵁ هو أي: الزوج أحق بها أي: إلى المرأة في الرجوع حتى تغتسل من حيضتها الثالثة أي: إلى فراغها من غسلها\n* * *\n_________\n(٦٠٨) إسناده صحيح.\n(١) في التقريب (١/ ٢٤١).","vol":"3","page":147},{"text":"٦٠٩ - قال محمد، أخبرنا عيسى بن أبي عيسى الخياط، المديني، عن الشعبي عن ثلاثة عشر من أصحاب رسول الله - ﷺ - كلهم قال: الرجل أحقّ بامرأته حتى تغتسل من حيضتها الثالثة، قال عيسى: وسمعتُ سعيد بن المسيَّب يقول: الرجل أحق بامرأته حتى تغتسل من حيضتها الثالثة.\nقال محمد: فبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• قال محمد، أخبرنا عيسى بن أبي عيسى الخياط، بالخاء المعجمة والتحتية وألف وطاء مهملة صانع الخياطة المديني، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة إحدى وخمسين ومائة بعد الهجرة عن الشعبي بفتح المعجمة (ق ٦٣٨) وسكون العين المهملة فموحدة وتحتية اسمه: عامر بن شراحيل وكنيته أبو عمر، وكان ثقة فقيهًا فاضل مشهور، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، قال مكحول: ما رأيت أفقه منه بعد المائة وله ثمانون سنة عن ثلاثة عشر من أصحاب رسول الله - ﷺ - وفي نسخة: من أصحاب النبي كلهم قال: الرجل أحقّ بامرأته حتى تغتسل من حيضتها الثالثة، أي: فراغها من غسلها قال عيسى: وسمعتُ سعيد بن المسيَّب يقول: الرجل أحق بامرأته حتى تغتسل من حيضتها الثالثة كرر لتأكيد الحكم ولطلاق الرجعية ستة شرائط:\nأولها: أن يكون الطلاق بلفظ صريح مثل: طلقتك، أو أنت طالق أو مطلقة، أو بلفظ يكون كناية عن الطلاق مثل: اعتدي واستبرئي رحمك، أو أنت واحدة إذا نوى بلفظ واحدة طلاقًا.\nوثانيها: أن لا يكون الطلاق بمقابلة المال.\nوثالثها: كون الطلاق دون الثلاثة.\nورابعها: كون المرأة مدخول بها.\nوخامسها: أن تكون العدة قائمة.\nوسادسها: أن لا يكون الطلاق موصوفًا بتشديده فللزوج أن يراجعها بأن يقول لها:\n_________\n(٦٠٩) إسناده ضعيف جدًا: فيه عيسى بن أبي عيسى قال الحافظ فيه: متروك من السادسة.","vol":"3","page":148},{"text":"راجعتك، وإن أبت ما دامت في العدة، وله أن يفعل لها ما يوجب الحرمة المطاهرة من وطئها ولمسها، كذا قاله في (الفوائد).\nقال محمد: فبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه عيسى عن الشعبي وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\nلما فرغ من بيان حكم انتهاء المدة التي تترتب عليها انقضاء الحيض، شرع في بيان حكم حال المرأة التي يطلقها زوجها طلاقًا فيملك الرجعة، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-285>باب المرأة يطلقها زوجها طلاقًا يملك الرجعة فتحيض حيضة أو حيضتين ثم ترتفع حيضتها</span>\nباب في بيان حكم حال المرأة يطلقها زوجها طلاقًا يملك الرجعة فتحيض حيضة أو حيضتين ثم ترتفع حيضتها أي: تنقطع بسبب الإِرضاع لا بالإِياسة.\n٦١٠ - أخبرنا مالك، أخبرني يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حَبّان: أنه كان عند جده امرأتان: هاشميةٌ وأنصاريةٌ، فطلق الأنصارية، وهي ترضع، وكانت لا تحيض وهي ترضع، فمر بها قريب من سنة، ثم هلك زوجها حبَّان عند رأس السنة أو قريب من ذلك، ولم تحض، فقالت: أنا أرثه ما لم أحض، فاختصموا إلى عثمان بن عفان، فقضى لها بالميراث، فلامَتْ الهاشمية عثمان، فقال: هذا عمل ابن عمك، وهو أشار علينا بذلك، يعني عليّ بن أبي طالب ﵃ أجمعين.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرني يحيى بن سعيد، بن قيس الأنصاري المدني يكنى أبا سعيد القاضي ثقة ثبت، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين بعد الهجرة عن محمد بن يحيى الأنصاري المدني ثقة فقيه، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، مات سنة إحدى وعشرين\n_________\n(٦١٠) إسناده صحيح.","vol":"3","page":149},{"text":"ومائة وهو ابن أربع وسبعين سنة ابن حَبّان: بفتح الحاء المهملة وتشديد الموحدة أي: ابن منقذ بن عمرو الأنصاري المازني المدني ثقة، كان في الطبقة الثانية من طبقات كبار التابعين وقيل: صحابي ابن صحابي كما في (تقريب التهذيب) (١) أنه أي: الشأن كان عند جده أي: جد محمد بن يحيى وهو حبان بن منقذ الصحابي امرأتان: أي: إحديهما هاشميةٌ أي: منسوبة إلى بني هاشم وأنصاريةٌ، وثانيهما منسوبة إلى قبيلة الأنصار فطلق الأنصارية، وهي ترضع، جملة حالية وكانت من عادتها أن لا تحيض وهي الأنصارية ترضع، وهما حالتان متداخلتان فمر بها قريب من سنة، ثم هلك أي: عنها زوجها حبَّان عند رأس السنة أو قريب من ذلك، ولم تحض، أي: لأجل الرضاعة فقالت: أي: المرأة الأنصارية أنا أرثه ما لم (ق ٦٣٩) أحض، أي: أنها كانت من ذوات الحيض ولم تصل إلى حد الإِياس فاختصموا أي: الأنصارية وبقية الورثة ترافعوا القضية إلى عثمان بن عفان، ﵁ فقضى أي: حكم لها للأنصارية بالميراث، فلامَتْ الهاشمية عثمان، أي: على حكمه فقال: أي: عثمان في جوابها هذا أي: الحكم عمل ابن عمك، بكسر الكاف خطابًا للهاشمية وهو أي: ابن عمك أشار أي: رفع علينا بذلك، أي: الحكم السابق قال ذلك تطييبًا لخاطرها يعني أي: ابن عم الهاشمية عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه.\n* * *\n\n٦١١ - أخبرنا مالك، أخبرنا يزيد بن عبد الله بن قُسَيْط، ويحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيَّب، أنه قال: قال عمر بن الخطاب: أيّما امرأة طلقت فحاضت حيضة أو حيضتين، ثم رفعت حيضتها فإنها تنتظر تسعة أشهر، فإن استبان بها حَمْل فذلك، وإلا اعتدت بعد التسعة أشهر، ثم حلت.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا يزيد بتحتية فزاي ودال ابن عبد الله بن قُسَيْط، بضم القاف وفتح السين المهملة وسكون التحتية فطاء مهملة، وهو ابن أسامة الليثي يكنى أبا عبد الله المدني الأعرج ثقة، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين،\n_________\n(١) التقريب (١/ ٥٩١).\n(٦١١) إسناده صحيح.","vol":"3","page":150},{"text":"مات سنة اثنين وعشرين ومائة وله تسعون سنة ويحيى بن سعيد، بن قيس الأنصاري المدني، يكنى أبا سعيد ثقة ثبت، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع ومائة عطفه على يزيد بن عبد الله إشعارًا لتحويل السند لتقوي الحكم كلاهما عن سعيد بن المسيَّب، بن حزن بن وهب بن عمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي أحد العلماء الأثبات، كان في الطبقة الأولى من طبقات التابعين من أهل المدينة، اتفقوا على أن مرسلاته أصلح المراسيل، وقال المديني: لا أعلم في التابعين أحدًا أوسع علمًا منه، مات بعد التسعين بيسير وهو ابن أربع وثمانين سنة كما قاله ابن حجر، وابن الجوزى أنه قال: قال عمر بن الخطاب: ﵁ أيّما امرأة بفتح الهمزة وضم التحتية المشددة فميم وألف مرفوع على أنه مبتدأ واستفهامية متضمنة معنى الشرط، وما زائدة لتأكيد الإِبهام في أي مضاف إلى امرأة طلقت بضم الطاء المهملة وكسر اللام المشددة صفة امرأة فحاضت حيضة أو حيضتين، عطف على طلقت ثم رفعت بصيغة المجهول أي: امتدت انقطاع حيضتها مرفوع نائب الفاعل لرفعت فإنها تنتظر تسعة أشهر، أي: إتيان الحيضة هذه الجملة خبر لمبتدأ وجواب الشرط متضمن بصيغة المفعول أي: أن امرأة إذا طلقت فحاضت حيضة أو حيضتين ثم إن لم تحض فإنه تنتظر تسعة أشهر؛ لأن الحمل تضع غالبًا في تسعة أشهر فإن استبان أي: إن ظهر بها أي: في تسعة أشهر حَمْل فذلك، أي: فالحكم أنه تعتد بوضع الحمل وإلا أي: وإن لم يتبين الحمل اعتدت بعد التسعة أي: الأشهر ثلاثة أشهر، أي: تجعلها في حكم الآية ثم حلت أي: خرجت من العدة وحل لها التزوج.\n* * *\n\n٦١٢ - قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، أن علقمة بن قيس طلق امرأته طلاقًا يملك الرجعة، فحاضت حيضة أو حيضتين، ثم ارتفع حيضها عنها، ثمانية عشر شهرًا ثم ماتت، فسأل علقمة عبد الله بن مسعود عن ذلك، فقال: هذه امرأة حَبَس الله عليك ميراثها فكُلْه.\n_________\n(٦١٢) إسناده حسن.","vol":"3","page":151},{"text":"• قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة، ﵀ أي: النعمان بن ثابن بن طاوس بن هرمز ابن مالك بن شيبان، سلطان المجتهدين في المذاهب، برهان الأئمة في المشارق والمغارب، الإِمام الأعظم الكوفي سيد بني تميم، فقيه مشهور كان في الطبقة السادسة من طبقات صغار التابعين، فإنه ولد في عهد الصحابة سنة ثمانين ومائة ومات سنة خمسين ومائة ببلدة بغداد وهو ابن سبعين سنة في أشهر الروايات بالإِسناد ﵀، (ق ٦٤٠) نفعنا الله بعلمه وبركته وشفاعته عن حماد، بن أبي سليمان مسلم مولى إبراهيم بن أبي موسى الأشعري الكوفي تابعي سمع أنس بن مالك ﵁، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل الكوفة، كان في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، مات سنة عشرين ومائة بعد الهجرة عن إبراهيم، بن يزيد النخعي بفتح النون والخاء المعجمة والعين اسم قبيلة في اليمن كذا في (القاموس) كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، وكان قد رأى عائشة ﵂ ودخل عليها وسمع منها وأدرك عصر الصحابة، وكان أعلم الكوفة والمقتدى في وقته، وكان يفتي وهو ابن ست عشرة سنة، مات سنة ست وتسعين وهو ابن ست وأربعين سنة أن علقمة بن قيس بن عبد الله بن مالك النخعي طلق امرأته طلاقًا يملك الرجعة، فحاضت حيضة أو حيضتين، ثم ارتفع حيضها عنها، ثمانية عشر شهرًا ثم ماتت، أي: المرأة قبل أن يكمل مدة العدة بالحيض الباقية فسأل علقمة أي: زوجها عبد الله بن مسعود ﵁ عن ذلك، أي: عما يترتب هنالك من ميراثها وغير ذلك فقال: أي: ابن مسعود ﵁ هذه امرأة حَبَس الله عليك ميراثها أي: أوقفه لك بتطويل مدة عدتها فكُلْه أي: الميراث فالأمر للندب فإنه حلال ورزقك من غير حسابك.\n* * *\n\n٦١٣ - قال محمد: أخبرنا عيسى بن أبي عيسى الخياط، عن الشعبي، أن علقمة بن قيس سأل ابن مسعود عن ذلك فأمره بأكل ميراثها.\nقال محمد: فهذا أكثر من تسعة أشهر وثلاثة أشهر بعدها، فبهذا نأخذ،\n_________\n(٦١٣) إسناده ضعيف جدًا: فيه عيسى بن أبي عيسى الحناط متروك كما قال الحافظ في التقريب.","vol":"3","page":152},{"text":"وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا؛ لأن العدة في كتاب الله جل وعز على أربعة أوجه لا خامس لها: للحامل حتى تضع، والتي لم تبلغ الحيضة ثلاثة أشهر، والتي قد يئست من المحيض ثلاثة أشهر، والتي تحيض ثلاث حيضٍ، فهذا الذي ذكرتم ليس بعدة الحائض ولا غيرها.\n• قال محمد: أخبرنا عيسى بن أبي عيسى الخياط، بالخاء المعجمة وفتح التحتية والألف وبالموحدة والطاء المهملة، كان قد عالج الصنايع الثلاثة وهو متروك، وكان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين، مات سنة إحدى وخمسين ومائة بعد الهجرة عن الشعبي، اسمه عامر بن شراحيل والشعبي بفتح الشين المعجمة وسكون العين وبالموحدة والتحتية، يكنى أبا عمرو، ثقة مشهور فقيه فاضل كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين قال مكحول: ما رأيت أفقه منه بعد المائة، وله نحو من ثمانين سنة كما في (تقريب التهذيب) أن علقمة بن قيس سأل ابن مسعود عن ذلك أي: حكم ما سبق فأمره بأكل ميراثها أي: وافق ابن مسعود في ذلك الحكم.\nقال محمد: كذا في نسخة فهذا أي: العدد المذكور في مدة امرأة علقمة السطور أكثر من تسعة أشهر أي: انتظار ظهور الحبل وثلاثة أشهر بعدها، أي: بعد تسعة أشهر لأجل العدة بناء على جعلها في حكم عدة المستحاضة وهي سنة، كما سوق ثاني بعد تسعة أشهر لأجل العدة بناء على جعلها في حكم فبهذا أي: بما ذكر من قول ابن مسعود وابن معمر نأخذ، أي: نعمل ونفتح وهو أي: قول ابن مسعود وقول ابن معمر قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا؛ لأن العدة في كتاب الله جل وعز على أربعة أوجه: لا خامس لها: أي: الأربعة أشهر للحامل حتى تضع، أي: بقوله تعالى في سورة الطلاق: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] والتي لم تبلغ الحيضة أي: لصغرها فإن عدتها ثلاثة أشهر، والتي أي: المرأة قد يئست أي: قطعت رجاء من المحيض لكسرها ووصولها إلى ما بين الخمسين والستين فعدتها ثلاثة أشهر، أي: كذلك لقوله تعالى في سورة الطلاق: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ الآية [الطلاق: ٤] والتي تحيض (ق ٦٤١) فعدتها ثلاث حيضٍ، أي: لقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] أي: حيض","vol":"3","page":153},{"text":"فهذا الذي ذكرتم أي: من التفصيلات الذي به أشرتم ليس بعدة الحائض ولا غيرها أي: من التي لم تحض لصغرها ولا تم قياس يقتضيه فيكون القول به مرجوحًا.\nلما فرغ من بيان حكم حال المرأة يطلقها زوجها طلاقًا يملك الرجعة فتحيض حيضة أو حيضتين ثم ترتفع حيضتها، شرع في بيان حكم عدة المستحاضة، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-286>باب عدة المستحاضة</span>\nباب في بيان حكم عدة المستحاضة وهي اسم مصدر لصلاة وأضافتها إلى المستحاضة من إضافة المسبب إلى السبب.\nاعلم أن ما نقص عن أقل الحيض وهو ثلاثة أيام أو زاد على حيض المبتدأ وهو عشرة أيام أو نفاسها وهو أربعون يومًا أو على العادة فيهما وجاوز أكثرهما، وما رأت حامل استحاضة وحكمها أن لا تمنع صلاة وصومًا ووطءًا.\n٦١٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب أن سعيد بن المسيَّب، قال: عدة المستحاضة سنة.\nقال محمد: المعروف عندنا أن عدتها على أقرائها التي كانت تجلس فيما مضى، وكذلك قال إبراهيم النَّخَعي وغيره من الفقهاء، فيه نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، ألا ترى أنها تترك الصلاة أيام أقرائها التي كانت تجلس؛ لأنها فيهن حائض، فكذلك تعتد بهن، فإذا مضت ثلاثة قروءٍ منهن بانت إن كان ذلك أقل من سنة أو أكثر.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا ابن شهاب أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ثقة فقيه، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة أن سعيد بن المسيَّب، بن حزن بن وهب بن عمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي أحد العلماء الأثبات كان في الطبقة الأولى من طبقات التابعين من أهل المدينة،\n_________\n(٦١٤) إسناده صحيح.","vol":"3","page":154},{"text":"اتفقوا على أن مرسلاته أصلح المراسيل، وقال المدني: لا أعلم في كبار التابعين أوسع علمًا منه، مات بعد التسعين بيسير وهو ابن أربع وثمانين سنة كذا قاله ابن الجوزي، وفي نسخة: أن سعيد بن المسيب قال: عدة المستحاضة سنة بفتحتين أي: عام واحد كامل إن غير بين الدمين بلا خلاف، فإن ميزت فعدتها بالأقرار، وقال ابن وهب بالسنة مطلقا وهما روايتان عند مالك كذا قاله الزرقاني (١).\nقال محمد: المعروف عندنا أن عدتها على أقرائها أي: حيضتها التي كانت تجلس أي: عن الصلاة والصوم والوطء فيما مضى، أي: من مدتها المعروفة وكذلك قال إبراهيم النَّخَعي وغيره من الفقهاء، أي: جمهورهم وبه نأخذ، أي: إنما نعمل بما قاله إبراهيم النخعي وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، ألا ترى أي: ألم تعلم أنها أي: المرأة المستحاضة تترك الصلاة أيام أقرائها التي كانت تجلس؛ لأنها فيهن حائض، أي: وفي غيرها طاهر يجب عليها صومها وصلاتها فكذلك تعتد بهن، فإذا مضت ثلاثة قروءٍ منهن بانت إن كان ذلك أي: مقدار مدتها أقل من سنة أو أكثر أي: بالأولى.\nلما فرغ من بيان أحكام عدة المستحاضة، شرع في بيان أحكام الرضاع، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-287>باب الرضاع</span>\nباب في بيان أحكام الرضاع، والباب في اللغة: النوع مطلقًا، وفي العرف: نوع من المسائل كما قاله الشمني في (شرح النقاية) والرضاع بفتح الراء وكسرها من باب علم أو ضرب اسم مصدر وهو: المص كما قال أهل اللغة: الرضاع مص الثدي مطلقًا، وقال (ق ٦٤٢) أهل الشرع في الرضاع: مص الصبي ثدي الآدمية في وقت مخصوص وهو حولان، ونصف عند أبي حنيفة وحولان فقط عند أبي يوسف ومحمد وهو الصحيح وبه صرح ابن الهمام في (فتح القدير) حيث قال: الأصح قولهما كذا في (منح الغفار)، وقال زفر: ثلاث سنين، وعن مالك سنتين وأيام، وعند عائشة وداود يثبت به الرضاع بعد البلوغ وسيأتي الكلام على تحقيق المرام.\n_________\n(١) في شرحه (٣/ ٢٧٣).","vol":"3","page":155},{"text":"٦١٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع: أن عبد الله بن عمر كان يقول: لا رضاع، إلا لمن أرضع في الصغر.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا نافع: أي: ابن عبد الله المدني مولى ابن عمر ثقة فقيه ثبت مشهور، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة بعد الهجرة أن عبد الله بن عمر كان يقول: لا رضاع، أي: لا يثبت البنوة والأبوة والأموة والأخوة رضاعًا إلا لمن أرضع في الصغر أي: يثبت الحرمة لمن مص ثدي المرأة في وقت مخصوص كما مر آنفًا، والمراد بالمص وصول اللبن من ثدي المرأة إلى جوف الصغير من فمه أو أنفه في مدة الرضاع، فشمل ما إذا حلبت لبنها في قارورة فأخرجته إلى جوفه يثبت الحرمة وإن لم يوجد المص، وإنما قال: أرضع وهو بمعنى مص لانه سبب لوصول اللبن إلى الجوف، فأطلق السبب وأراد المسبب، فلا فرق بين المص والصبت والسعوط والوجود، كما نقله التمرتاشي عن (الخانية).\n* * *\n\n٦١٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر، عن عَمْرَة بنت عبد الرحمن، عن عائشة أن رسول الله - ﷺ - كان عندها، وأنها سمعت رجلًا يستأذن في بيت حفصة، فقالت عائشة: فقلت: يا رسول الله، هذا رجلٌ يستأذن في بيتك، قال رسول الله - ﷺ -: \"أراهُ فلانًا\" لعمِّ لحفصة من الرضاعة، قالت عائشة: يا رسول الله، لو كان عمي من الرضاعة حيّا دخل عَليّ؟ قال: \"نعم\".\n• أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر، بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني القاضي، ثقة كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة بعد الهجرة وهو ابن سبعين سنة، كذا قاله ابن حجر (١) عن\n_________\n(٦١٥) إسناده صحيح.\n(٦١٦) إسناده صحيح.\n(١) في التقريب (١/ ٢٩٧).","vol":"3","page":156},{"text":"عَمْرَة بنت عبد الرحمن، بن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية ثقة، كانت في الطبقة الثالثة من طبقات التابعيات من أهل المدينة، وماتت قبل المائة وقيل: بعدها كذا في (تقريب التهذيب) (١) عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أن رسول الله - ﷺ - كان عندها، أي: في حجرتهما يومًا من الأيام وأنها أي: عائشة ﵂ سمعت رجلًا قال الحافظ: لم أعرف اسمه يستأذن في بيت حفصة، أي: في دخول بيتها فقالت عائشة: أي: مريدة علم الحكم فقلت: يا رسول الله، هذا رجلٌ يستأذن في بيتك، أي: الذي فيه حفصة أم المؤمنين قال رسول الله - ﷺ -: \"أراهُ بضم الهمزة: أي: أظن يعني المستأذن فلانًا\"، أي: وسماه اسمه لعم لحفصة من الرضاعة، أي: طلبه دخول بيتي لأجل عم حفصة من الرضاعة، وفي نسخة: لعم حفصة أي: من أجله قالت عائشة: هذا من باب الالتفات من التكلم إلى الغيبة، ومقتضى السياق أن تقول: فقلت: وفائدته تشويق السامع إلى ما نقول يا رسول الله، لو كان عمي من الرضاعة حيّا دخل عَليّ؟ بتشديد التحتية أي: هل كان يحل له أن يدخل علي، وفي نسخة: فلانًا بالنصب على أن يكون خبر كان فيكون (ق ٦٤٣) لفظ حيا حالا منه.\nقال الحافظ: لم أقف على اسم عم عائشة أيضًا، وهم من فسره بأفلح أخي أبي القعيس؛ لأن أبا القعيس والد عائشة من الرضاعة، وأما أفلح فهو أخوه وهو عمها من الرضاعة، وقد عاش حتى جاء يستأذن على عائشة فامتنعت فأمرها رسول الله - ﷺ - أن تأذن له كما يأتي، والمذكور هنا عمها وأخو أبيها أبي بكر من الرضاعة أرضعتهما امرأة واحدة، وقيل: هما واحد وغلطه النووي بأن عمل في حديث أبي القعيس كان حيًا والآخر كان ميتًا كما يدل عليه قولهما لو كان حيًا، وإنما ذكرت ذلك في العم الثاني؛ لأنها جوزت تبدل الحكم فسألت مرة أخرى، قال الحافظ: ويحتمل أنها ظنت أنه مات لبعد عهدها به ثم قدم بعد ذلك فأستأذن قال: أي: رسول الله - ﷺ - \"نعم\" أي: كان يجوز دخوله عليك؛ لأن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة أي: النسب.\n* * *\n_________\n(١) التقريب (١/ ٧٥٠).\n(٦١٧) إسناده صحيح، أخرجه البخاري (٣/ ٢٢٢) ومسلم في الرضاع (٢/ ٩، ١٣) وأبو داود =","vol":"3","page":157},{"text":"٦١٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن سليمان بن يسار، عن عائشة: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"يَحرُمُ من الرضاعة ما يَحْرُم من الولادة\".\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا عبد الله بن دينار، العدوي المدني مولاهم، يكنى أبا عبد الرحمن المدني مولى ابن عمر ثقة فقيه، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة سبع وعشرين ومائة عن سليمان بن يسار، الهلالي مولى ميمونة وقيل: أم سلمة ثقة فاضل، أحد الفقهاء السبعة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة وقيل: قبلها من الهجرة عنِ عائشة: ﵂ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"يَحرُمُ من الرضاعة أي: من أجلها ما يَحْرُم من الولادة\" بكسر الواو أي: من النسب من تحريم النكاح ابتداء ودواما ونشر الحرمة بين الرضيع وأولاد المرضعة فيحرم عليها هو وفروعه من نسب ورضاع، ويحرم عليه جميع أولادها ما تقدم وما تأخر، وتحرم عليه هي وأخواتها من نسب ورضاع ويصير ابنا لزوجها صاحب اللبن فيحرم هو وأصوله وفروعه من نسب ورضاع إلى آخر ما بين في الفقه، ومن جواز النظر والخلوة والمسافرة دون سائر أحكام النسب كميراث ونفقة وعتق ورد شهادة وهذا الحديث رواه الترمذي من طريق يحيى القطان، وكذا روى أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن عائشة بلفظ: \"يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب\" كذا قاله الزرقاني.\n* * *\n\n٦١٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: أنه كان يدخل عليها مَنْ أرضعته أخواتُها وبناتُ أخيها، ولا يَدخل عليها من أرضعه نساءُ إخوتها.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم، بن محمد\n_________\n= (٢٠٥٥) والنسائي (٦/ ٩٩) وابن ماجه (١٩٣٧، ١٩٣٨) وأحمد في المسند (٦/ ٤٤، ٥١، ٦١) والدارمي (٢/ ١٥٦) والبيهقي (٦/ ٢٥٧) (٧/ ١٥٩).","vol":"3","page":158},{"text":"ابن أبي بكر الصديق التيمي يكنى أبا محمد المدني ثقة جليل، قال ابن عيينة: كان أفضل أهل زمانه، وكان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ست وعشرين ومائة عن أبيه، أي: عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ثقة، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل المدينة، عن عائشة: أنه كان يدخل عليها أي: من الرجال مَنْ أرضعته أخواتُها (ق ٦٤٤) أي: إذا كان لهن من غير أخواتها وبناتُ أخيها، ولا يَدخل عليها أي: من الرجال من أرضعه نساءُ إخوتها؛ لأن المرضع إنما هي المرأة والرجل لم يرضع، فلا يحرم عند جماعة كابن عمرو وجابر وجماعة من التابعين وداود بن علية كما حكاه أبو عمر قائلًا: وحجتهم أن عائشة كانت تفتي بخلاف حديث أبي القعيس، يعني والعبرة عند قوم برأي الصحابي إذا خالف مرويه، قال: ولا حجة في ذلك؛ لأن لها أن تأذن لمن شاءت من محارمها من شاءت، ولكن لم يعلم أنها حجبت من ذكر إلا بخبر واحد كما علمنا المرفوع بخبر واحد فوجب علينا العمل بالسنة إذ لا يضرها من خالفها انتهى.\nوقد نسب المازني لعائشة القول بأن لبن الفحل لا يحرم.\n* * *\n\n٦١٩ - أخبرنا مالك، أخبرشا الزهريّ، عن عمرو بن الشَّريد: أن ابن عباس سُئِل عن رجلٍ كانت له امرأتان فأرضعت إحداهما غلامًا والأخرى جارية، فسُئِلَ: هل يزوج الغلام الجارية؟ قال: لا، اللَّقاح واحد.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا الزهريّ، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة ثقة، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة عن عمرو بفتح العين، وكسر الميم ابن الشَّريد: بفتح الشين المعجمة وكسر الراء فتحتية ودال، يكنى أبا الوليد الثقفي الطائفي، ثقة كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل الطائف،\n_________\n(٦١٩) إسناده صحيح: أخرجه الترمذي (٣/ ٤٥٤) رقم (١١٤٩) والدارقطني (٤/ ١٧٩) والشافعي في مسنده (١/ ٣٠٦) والبيهقي في الكبرى (٧/ ٤٥٣) وسعيد بن منصور في السنن (١/ ٢٧٦).","vol":"3","page":159},{"text":"كذا في (تقريب التهذيب) (١) أن ابن عباس ﵁ سُئِل عن رجلٍ كانت له امرأتان وفي رواية قتيبة ومعن عن مالك بسنده: جاريتان فأرضعت إحداهما غلامًا والأخرى جارية، أي: بنت صغيرة من أولاد غيره فسُئِلَ: هل يزوج الغلام الجارية؟ قال: لا، أي: يتزوج اللَّقاح واحد وهو بفتح اللام ماء الفحل، ويحتمل أن يكون اللقاح بمعنى الإِلقاح يقال: ألقح الفحل الناقة إلقاحًا ولقاحًا كما تقول: أعطا إعطاء وعطاء، فالأصل فيه للإِبل ثم يستعار للنساء، وهذا الحديث رواه الترمذي عن قتيبة ومن طريق معن عنهما عن مالك والمعنى أنه لا يجوز للغلام أن يتزوج الجارية وإن كان أمهما متعددا لأنه باعتبار حصوله من الرجل متخذًا فيها أخ وأخت رضاعيان.\n* * *\n\n٦٢٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا إبراهيم بن عقبة: أنه سأل سعيد بن المسيَّب عن الرضاعة فقال: ما كان في الحولين، وإن كانت قطرة واحدة فهي تحرّم، وما بعد الحولين فإنما هو طعامٌ يأكله.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا إبراهيم بن عقبة: بضم العين المهملة وسكون القاف وفتح الموحدة فهاء أي: ابن أبي عياش الأسدي مولاهم المدني أخ موسى ثقة، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة أنه سأل سعيد بن المسيَّب عن الرضاعة فقال: أي: سعد ما كان أي: وقوع الرضاع في الحولين، أي: اتفاقًا ولو كانت أي: وإن كانت قطرة واحدة أي: ولو بمصة وصلت إلى جوف الطفل فهي أي: القطرة التي مصها الطفل ووصلت جوفه تحرّم، بضم المثناة وفتح الحاء المهملة وتشديد الراء المكسورة فميم وما بعد الحولين فإنما هو طعامٌ يأكله أي: لا يحصل به الرضاعة، وبه قال الشافعي ومن تبعه وتقدم خلاف غيره.\n* * *\n_________\n(١) التقريب (١/ ٤٢٣).\n(٦٢٠) إسناده صحيح.","vol":"3","page":160},{"text":"٦٢١ - أخبرنا مالك، أخبرنا إبراهيم بن عقبة: أنه سأل عُروة بن الزبير، فقال له مثل ما قال سعيد بن المسيَّب.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا إبراهيم بن عقبة: أنه سأل عُروة بن الزبير، أي: من مدة الرضاعة فقال أي: عروة بن الزبير له مثل ما قال سعيد بن المسيَّب أي: لموافقته لاجتهاده (ق ٦٤٦).\n* * *\n\n٦٢٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا ثور بن زيد: أن ابن عباس كان يقول: ما كان في الحولين وإن كانت مصّة واحدة فهي تحرّم.\n• أخبرنا مالك: وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا ثور بن زيد: الديلمي بكسر الدال المهملة بعدها تحتانية ساكنة، المدني، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة كذا في (التذهيب) أن ابن عباس ﵄ كان يقول: ما كان في الحولين أي: من الرضاعة وإن وصلية كانت مصّة واحدة فهي تحرّم تمسكًا بعموم الأحاديث وعليه جمهور العلماء من الصحابة والتابعين والأئمة كعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عمر، ومالك، وأبو حنيفة، والأوزاعي، والثوري وهو مشهور ومذهب أحمد، وتمسكوا أيضًا بقوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] والمصة توجب تسمية المرأة أما في الرضاعة، وتعقب بأنه إنما تكون دليلًا لو كان اللفظ واللاتي أرضعناكم أمهاتكم فيثبت أُما بما قل من الرضاعة، وأُجيب بأن مفهوم التلاوة: وأمهاتكم اللاتي أرضعناكم محرمات لأجل أنهن أرضعناكم فتعود إلى معنى ما قالوا، وتوجب تعليق الحكم بما يسمى رضاعًا كذا قاله الزرقاني (١).\n* * *\n\n٦٢٣ - أخبرنا مالك: أخبرنا نافع مولى عبد الله بن عمر، أن سالم بن عبد الله أخبره: أن عائشة أم المؤمنين أرسلت به وهو يُرضَع إلى أختها أم كلثوم بنت\n_________\n(٦٢١) إسناده صحيح.\n(١) في شرحه (٣/ ٣١٠).","vol":"3","page":161},{"text":"أبي بكر، فقالت: أرضعيه عشر رضعات حتى يدخل عليّ، فأرضعتني أمّ كُلثوم بنت أبي بكر ثلاث رضعات، ثم مَرِضَتْ فلم ترضعني غير ثلاث مرات فلم أكن أدخل على عائشة من أجل أن أمّ كُلثوم لم تتم لي عشر رضعات.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا نافع أي: ابن عبد الله المدني ثقة فقيه ثبت مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة بعد الهجرة مولى عبد الله بن عمر، أن سالم بن عبد الله أي: ابن عمر بن الخطاب أخبره: أي. نافعًا أن عائشة أم المؤمنين ﵂ أرسلت به أي: سالم وهو أي: والحال أن سالمًا كان يُرضَع بصيغة المجهول لأنه لا يقدر أن يأكل الطعام لصغره إلى أختها متعلق بأرسلت أم كلثوم بضم الكاف بدل من أختها بنت أبي بكر، الصديق ﵁ عند اليتيمة مات أبوها وهي حمل، فوضعت بعد وفاته وقصتها بذلك صحيحة في (الموطأ) لمالك وغيره أرسلت حديثًا فذكرها بسببه ابن منده وابن السكن في الصحابة فقالت: أي: عائشة لأم كلثوم أرضعيه عشر رضعات بفتح الضاد المعجمة حتى يدخل عليّ، أي: بعد بلوغه وفي نسخة: تدخل عليه فأرضعتني أمّ كُلثوم بنت أبي بكر ثلاث رضعات، ثم مَرِضَتْ فلم ترضعني غير ثلاث مرات فلم أكن أدخل على عائشة من أجل أن أمّ كُلثوم لم تُتم لي عشر رضعات قال السيوطي: هذه خصوصية لأزواج النبي - ﷺ - خاصة دون سائر النساء.\nقال عبد الرزاق (١) في (مصنفه): عن معمر أخبرني ابن طاوس عن أبيه قال: لأزواج النبي - ﷺ - رضعات معلومات وليس لسائر النساء رضعات معلومات، ثم ذكر حديث عائشة هذا وحديث حفصة الذي بعده، وحينئذ فلا يحتاج إلى تأويل سعيد بن زيد الباجي المالكي وهو قوله: لعله يظهر لعائشة النسخ بخمس إلا بعد هذه القصة انتهى. وبه يراد إشارة ابن عبد البر إلى الشذوذ رواية نافع هذه بأن أصحاب عائشة الذين أعلم بها من نافع وهم: عروة والقاسم وعمرة رووا عنها خمس رضعات فوهم من روى عشر رضعات؛ لأنه صح عنها أن الخمس نسخن العشر ومحال أن نعمل بالمنسوخ. كذا قاله وهو سهو؛ لأن نافعًا قال: إن سالمًا أخبره عن عائشة وكل منهما ثقة حجة حافظ، وقد\n_________\n(١) عبد الرزاق في المصنف (٧/ ٤٦٧).","vol":"3","page":162},{"text":"أمكن الجمع بأنهما خصوصية للزوجات الشريفات كما قاله طاوس فلا وهم ولا شذ، وكذا قاله الزرقاني (١) (ق ٦٤٧).\n* * *\n\n٦٢٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن صفية ابنة أبي عُبيد، أنها أخبرته: أن حفصة أرسلت بعاصم بن عبد الله بن سعد إلى فاطمة ابنة عمر ترضعه عشر رضعات ليدخل عليها، ففعلت، فكان يدخل عليها؛ وهو يوم أرضعتْه صغير يرضع.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا نافع، بن عبد الله المدني مولى ابن عمر ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة عن صفية ابنة أبي عُبيد، بالتصغير ابن مسعود الثقفية زوج ابن عمر قيل لها: إدراك، وأنكره الدارقطني، وقال العجلي: ثقة، فهي كانت في الطبقة الثانية من طبقات التابعيات عن أهل المدينة كذا في (تقريب التهذيب) أنها أخبرته: أي: نافعًا أن حفصة أم المؤمنين أرسلت بعاصم بن عبد الله بن سعد بسكون العين إلى فاطمة ابنة عمر أي: ابن الخطاب وهي أختها كما في (الموطأ) لمالك ترضعه استيناف عشر رضعات ليدخل أي: عاصم عليها، أي: على حفصة عند كبره وبلوغه ففعلت، أي: فأرضعته عشر رضعات فكان أي: عاصم يدخل عليها؛ أي: لأنها خالته من الرضاعة وهو يوم أرضعتْه صغير أي: جدًا كما بينه بقوله: يرضع بصيغة المجهول أي: حال إرضاعه دون وقت كبره.\n* * *\n\n٦٢٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر، عن عَمرة، عن عائشة، قالت: كان فيما أنزل الله من القرآن: عشر رضعات معلومات يُحرّمْن، ثم\n_________\n(١) في شرحه (٣/ ٣١١).\n(٦٢٤) إسناده صحيح.\n(٦٢٥) إسناده صحيح: أخرجه مسلم (٢/ ١٠٧٥) وأبو داود (٢/ ٢٢٣) والترمذي (٣/ ٤٥٥) والنسائي (٦/ ١٠) وابن ماجه (١/ ٦٢٥).","vol":"3","page":163},{"text":"نسخْن \"بخمسٍ معلومات\"، فتُوفِّي رسول الله - ﷺ - وهنّ مما يُقرأ من القرآن.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا عبد الله بن أبي بكر، أي: ابن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني القاضي ثقة، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة وهو ابن سبعين سنة كذا قاله ابن حجر عن عَمرة، أي: بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية كانت ثقة، وكانت من الطبقة الثالثة من طبقات التابعيات من أهل المدينة، ماتت قبل المائة، وقال بعض المؤرخين: إنها ماتت بعد المائة عن عائشة، ﵂ قالت: كان فيما أنزل الله من القرآن: عشر رضعات معلومات وصفها بذلك تحرزًا عما شك وصوله. كذا قاله القرطبي يحرمن بتشديد الراء المكسورة ثم نسخْن بصيغة المجهول أي: نسخت المصات عشر مرات \"بخمسٍ مصات معلومات\"، فتُوفِّي رسول الله - ﷺ - وهنّ أي: الخمس مما يُقرأ من القرآن أي: المنسوخ فالمسخات العشر نسخت بخمس ولكن هذا النسخ تأخر حتى توفي رسول الله - ﷺ -، وبعض الناس لم يبلغه النسخ فصار يتلوه قرآنا فلما بلغه تركه فالعشر على قولها أي: قول عائشة منسوخة الحكم والتلاوة، والخمس منسوخة التلاوة فقط كآية الرجم وهي \"الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما\".\nوقال ابن عبد البر: وبه تمسك الشافعي لقوله: لا يقع التحريم إلا بخمس رضعات تصل إلى الجوف، وأجيب بأنه لم يثبت قرآن وهي قد أضافته إلى القرآن، واختلف عنها في العمل به فليس سنة ولا قرآن.\nوقال المازني: لا حجة فيه لأنه لم يثبت إلا من طريقها والقرآن لا يثبت بالآحاد، فإن قيل: إذا لم يثبت أنه قرآن بقي الاحتجاج به في عدد الرضعات، لأن المسائل العملية يصح التمسك وفيها بالأحاد قبل هذا أو إن قاله بعض الأصوليين فقد أنكره جدًا منهم، لأنها لم ترفعه فليس بقرآن ولا حديث، وأيضًا تذكره على أنه حديث، وأيضًا ورد بطريق الآحاد فيما جاءت العادة فيه التواتر، فإن قيل: إنما لم ترفعه ولم يتواتر؛ (ق ٦٤٨) لأنه نسخ قلنا: قد أجبتم أنفسكم فالمنسوخ لا يعمل به، وكذا قول عائشة وهي مما يتلى من القرآن أي: من القرآن المنسوخ، فلو أرادت من القرآن الثابت لاشتهر عند غيرها من الصحابة كما اشتهر سائر القرآن، ولذا قال مالك: وليس العمل على هذا الحديث بل التحريم يثبت ولو بمصة وصلت إلى الجوف عملًا بظاهر القرآن وأحاديث الرضاع، وبهذا","vol":"3","page":164},{"text":"قال الجمهور من الصحابة والتابعين والأئمة وعلماء الأمصار حتى قال الليث: أجمع المسلمون أن قليل الرضاعة وكثيره يحرم في المهد ما يفطر الصائم.\nوهذا أي: الحديث رواه مسلم (١) عن يحيى، وأبو داود (٢) عن القعنبي، والترمذي (٣) من طريق معن، والنسائي (٤) من طريق القاسم الأربعة عن مالك به، وتابعه محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر نحوه عن ابن ماجه (٥)، وتابعه يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمرة نحوه عند مسلم كما قاله الزرقاني.\n* * *\n\n٦٢٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، قال: جاء رجلٌ إلى عبد الله بن عمر وأنا معه عند دار القضاءِ؛ يسأله عن رضاعة الكبير، فقال عبد الله بن عمر: جاءَ رجلٌ إلى عمر بن الخطاب، فقال: كانت لي وليدة فكنتُ أصيبها، فعمدت امرأتي إليها فأرضعْتها، فدخلتُ عليها، فقالت امرأتي: دونَك قد والله أرضعتُها، قال عمر: أوْجِعْها وائت جاريتَك، فإنما الرضاعة رضاعة الصغير.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: قال: ثنا مالك أخبرنا عبد الله بن دينار، العدوي مولاهم، يكنى أبا عبد الرحمن المدني مولى ابن عمر ثقة، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع وعشرين ومائة قال: جاء رجل أي: لم يعرف اسمه إلى عبد الله بن عمر وأنا معه عند دار القضاءِ؛ أي: بالمدينة يسأله أي: حال كون الرجل سأل ابن عمر عن رضاعة الكبير، فقال عبد الله بن عمر: جاءَ رجلٌ قال أبو عمر: هو أبو عيسى بن جبر الأنصاري ثم الحارث البدري إلى عمر بن الخطاب، ﵁ فقال: أي: الرجل كانت لي وليدة أي: جارية فكنتُ\n_________\n(١) مسلم (٢/ ١٧٥).\n(٢) أبو داود (٢/ ٢٢٣).\n(٣) الترمذي (٣/ ٤٥٥).\n(٤) النسائي (٦/ ١٠٠).\n(٥) ابن ماجه (١/ ٦٢٥).\n(٦٢٦) إسناده صحيح.","vol":"3","page":165},{"text":"أصيبها، أي: أطأها كما في (الموطأ) لمالك فعمدت بفتح الميم أي قصدت امرأتي إليها فأرضعْتها، أي: لتحرم علي فدخلتُ عليها، أي: على امرأتي وأفادت أن أدخل على وليدتي فقالت امرأتي: دونَك أي: الزم نفسك والله قد أرضعتها، وفي نسخة: قد والله أرضعتُها، أي: فحرمت عليك قال عمر: ﵁ أوْجِعْها بكسر الهمزة وسكون الواو وفتح الجيم وسكون العين، أمر من الباب الرابع أي اضربها إيجاعًا مؤلمًا وائت جاريتَك، أي: بما أردت من الجماع وغيره فإنما الرضاعة رضاعة الصغير أي: كما دلت عليه الأحاديث والتنزيل.\n* * *\n\n٦٢٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب - وسئل عن رضاعة الكبير - فقال: أخبرني عُروة بن الزبير أن أبا حُذيفة بن عُتْبة بن ربيعة كان من أصحاب رسول الله - ﷺ -، شهد بدرًا وكان تبني سالمًا الذي يقال له مولى أبي حذيفة، وهو يرى أنه ابنه، وأنكحه ابنة أخيه فاطمة بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة وهي من المهاجرات الأوَل، وهي يومئذٍ من أفضل أيامَى قريش، فلما أنزل الله في زيد ما أنزل: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥]، رُدّ كل أحد تُبني إلى أبيه، فإن لم يكن يُعلم أبوه ردّ إلى مواليه، فجاءَت سهلة ابنة سُهَيْل امرأة أبي حذيفة، وهي من بني عامر بن لؤي إلى رسول الله - ﷺ - فيما بلغنا - فقالت: كنا نرى سالمًا ولدًا، وكان يدخل عليَّ وأنا فُضْل، وليسْ لنا إلا بيتٌ واحد، فما ترى في شأنه؟ فقال لها رسول الله - ﷺ - فيما بلغنا: \"أرضعيه خمس رضعات فيَحرُم بلبنك أو بلبنها\"، وكانت تراه ابنًا من الرضاعة، فأخذت بذلك عائشة فيمن كانت تحب أن يدخل عليها من الرجال، وكانت تأمر أمّ كلثوم وبنات أخيها يرضعْن لها من أحببن أن يدخل عليها، وأبى سائر أزواج النبي - ﷺ - أن\n_________\n(٦٢٧) أخرجه أحمد في المسند (٦/ ٢٠١) وعبد الرزاق في المصنف (١٣٨٨٧) وابن سعد في الطبقات (٨/ ١٩٨).","vol":"3","page":166},{"text":"يدخل عليهن بتلك الرضاعة أحدٌ من الناس، وقلن لعائشة: والله ما نرى الذي أمر به رسول الله - ﷺ - سَهْلة بنت سُهيل إلا رخصة لها في رضاعة سالم وحده من رسول الله - ﷺ -، والله لا يدخل علينا بهذه الرضاعة أحد، فعلي هذا كان رأي أزواج رسول الله - ﷺ - في رضاعة الكبير.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا مالك أخبرنا ابن شهاب أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، ثقة كان من الطبقة الرابعة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات سنة خمس ومائتان، وفي نسخة: بالواو سئل عن رضاعة الكبير أي: هل تؤثر التحريم فقال: أخبرني عُروة بن الزبير أي: ابن العوام بن خويلد الأسدي المدني، يكنى أبا عبد الله المدني ثقة فقيه مشهور، كان من الطبقة الثانية من طبقات كبار التابعين، مات سنة أربع وتسعين على الصحيح.\nقال ابن عبد البر: هذا يدخل في المسند أي: الموصول للقائه عائشة وسائر أزواجه - ﷺ - وللقائه سهلة بنت سهيل، وقد وصل جماعة منهم معمر وعقيل ويونس وابن جريج عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة بمعناه، ورواه عثمان بن (ق ٦٤٩) عمر وعبد الرزاق كلاهما عن مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أن أبا حُذيفة اسمه مهشم وقيل: هاشم بن عُتْبة بن ربيعة أي: ابن عبد الشمس بن عبد مناف القرشي العبشمي كان طوالًا حسن الوجه كان من أصحاب رسول الله - ﷺ -، أي: السابقين إلى الإِسلام وكان من كبار الصحابة.\nقال ابن إسحاق: أسلم أبو حذيفة بعد ثلاث وأربعين إنسانًا وهاجر الهجرتين وصلى القبلتين شهد بدرًا وسائر المشاهد، واستشهد يوم اليمامة وهو ابن ستة وخمسين سنة وكان تبني سالمًا الفارسي المهاجري الأنصاري الذي يقال له أي: لسالم مولى أبي حذيفة، قال البخاري: كان مولى امرأة من الأنصار.\nقال ابن حبان: يقال لها: ليلى، ويقال: شُبيبة بفتح المثلثة وفتح الموحدة الثانية بنت يسار بفتح التحتية والمهملة المخففة فألف فراء ابن زيد بن عبيد وكانت امرأة أبي حذيفة وبهذا جزم ابن سعد، وقيل: اسمها سلمى.\nوقال ابن شاهين: سمعت ابن أبي داود يقول: هو سالم بن معقل مولى بنت يسار الأنصاري أعتقته سائبية فولى أبا حذيفة فتبناه أي: اتخذه ابنًا، وشهد اليمامة وكان معه","vol":"3","page":167},{"text":"لواء المهاجرين فسقطت يمينه فأخذه بيساره فقطعت فاعتنقه إلى أن صرع فقال: ما فعل أبو حذيفة؟ قيل: قُتل، قال: فأضجعوني بجنبه فأرسل عمر ميراثه إلى معتقه بنته فقالت: إنما أعتقته سائبة فجعله في بيت المال، رواه عبد الله بن المبارك، وذكر ابن سعد أن عمر أعطى ميراثه لأمة فقال: كليه وكان ذلك ترك إلى أن تولى عمر، وإلا فاليمامة كانت في خلافة أبي بكر فكان أبي حذيفة تبنى سالمًا كما كان تبنى رسول الله - ﷺ - زيد بن حارثة أي الكلبي: فأنكح أبو حذيفة سالمًا أي: أراد تزويجه وهو أي: والحال أن سالمًا يرى بصيغة المجهول أي: يظن أنه ابنه، أي: أبي حذيفة وأنكحه أي: زوج أبو حذيفة سالمًا ابنة أخيه فاطمة وأعاد لفظ أنكح لطول الكلام بالفصل بقوله وهو. . . إلخ، وهو أحسن موجود في القرآن كقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ الآية [البقرة: ٨٩] فأعاد لما جاءهم لطول الكلام بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة وهي أي: والحال أن فاطمة يومئذ كانت من المهاجرات الأوَل، بضم الهمزة وفتح الواو المخففة فلام جمع أول وهي يومئذٍ من أفضل أيامَى قريش، بضم الهمزة وتحتية المخففة الفتوحة فألف وميم مفتوحة وتحتية جمع أيم بفتح الهمزة وتحتية المشددة المكسورة فميم من لا زوج لها بكرًا أو ثيبًا في رواية شعيب عن الزهري وكان من تبنى رجلًا في الجاهلية دعاه الناس إليه وورثه ميراثه فلما أنزل الله تعالى في زيد أي: ابن حارثة ما أنزل: يحتمل صيغة الفاعل والمفعول وبيان قوله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ﴾ أي: أعدل في حكمه ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥]، فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم (ق ٦٥٠) في الدين ومواليكم أولياؤكم كما في الموطأ لمالك رُدّ بصيغة المفعول كل أحد تُبني بصيغة المجهول إلى أبيه، أي: الذي ولده فإن لم يكن يُعلم بصيغة المجهول أبوه ردّ بصيغة المجهول إلى مواليه، وفي رواية شعيب: فمن لم يعلم له أب كان مولى وأخًا ويدل يا أخي يا مولاي في الدين فجاءَت سهلة بفتح الموحدة وسكون الهاء ابنة سُهَيْل بضم السين مصغرًا وهو ابن عمرو بفتح العين أسلمت قديمًا بمكة وهي امرأة أبي حذيفة، وهاجرت معه إلى الحبشة فولدت له هناك محمدًا وهي ضرة معتقة سالم الأنصاري وكي من بني عامر بن لؤي بضم اللام وفتح الهمزة وتحتية نسبية وقد تبدل الهمزة واوًا فهي قرشية عامرية وأبوها صحابي شهير إلى رسول الله - ﷺ - فيما بلغنا - أي: بإسناد فقالت: كنا أي: قبل نزول الآية نرى بضم النون أي: نظن سالمًا","vol":"3","page":168},{"text":"ولدًا، أي: بالتبني في الحكم الشرعي وكان أي: سالم يدخل عليَّ وأنا فُضْل، بضم الفاء والضاد المعجمة الساكنة قدم أي: مكشوفة الرأس والصدر كذا قاله ابن وهب، وقيل: على ثوب واحد لا إزار تحته وقيل: متوشحة بثوب واحد على عاتقها خالفت بين طرفيه.\nقال ابن عبد البر: أصحهما الثاني لأن كشف الحرة الصدر لا يجوز عند محرم وغيره وليس لنا إلا بيتٌ واحد، أي: فلا يمكن الاحتجاب منه فما ترى في شأنه؟ وفي (الموطأ) لمالك فماذ ترى؟ أي: أي شيء تختار لنا يا رسول الله في حال سالم فقال لها أي: لسهلة امرأة أبي حذيفة رسول الله - ﷺ - فيما بلغنا: أي: موصولًا أو مرسلًا \"أرضعيه خمس رضعات قال ابن عبد البر: وفي رواية يحيى بن سعيد الأنصاري عن ابن شهاب بإسناده عشر رضعات والصواب ما رواه المصنف عن مالك وتابعه يونس خمس رضعات فيَحرُم أي: تزوج سالم بك بلبنك أو بلبنها\"، شك من الراوي والخطاب للمرأة، زاد في مسلم فقالت: كيف أرضعه وهو رجل كبير فتبسم - ﷺ - وقال: \"قد علمت أنه رجل كبير وكان قد شهد بدرًا\"، وفي لفظ له: \"أرضعيه تحرمي عليه\" ويذهب الذي في نفس أبي حذيفة فرجعت إليه فقالت: قد أرضعته، فذهب ما كان قبل الرضاعة في نفس أبي حذيفة من الغيرة.\nقال أبو عمر: صفة رضاع الكبير أن يحلب له اللبن ويسقاه، فأما تلقمه المرأة ثديها فلا ينبغي أحد من العلماء، وقال عياض: ولعل سهلة حلبت لبنها فيشربه من غير أن يمس ثديها ولا التقت بشرتاهما إذ لا يجوز رؤية الثدي ولا مسه ببعض الأعضاء.\nوقال النووي: وهو حسن، ويحتمل أنه عُف عن مسه للحاجة كما خص بالرضاعة مع الكبير وأيده بعضهم بأن ظاهر الحديث أنه رضع من ثديها، لأنه تبسم وقال: قد علمت أنه رجل كبير ولم يأمره بالحلب وهو موضع بيان ومطلق الرضاع يقتضي مص الثدي فكأنه أباح لهما ذلك لما تقرر في نفسهما أنه ابنها وهي أمه فهو خاص بهما لهذا المعنى كما قاله الزرقاني وكانت أي: سهلة بنت سهيل زوجة أبي حذيفة بعد ذلك تراه أي: تعلم سالمًا ابنًا من الرضاعة، أي: ولم تحجب عنه فأخذت بذلك أي: (ق ٦٥١) استدلت بقوله - ﷺ -: \"أرضعيه تحرمي عليه\" عائشة أي: أم المؤمنين ﵂ فيمن أي: في حق امرأة تحب أي: ترضى أن يدخل عليها من الرجال، أي: الأجانب وكانت أي: عائشة ﵂ تأمر أمّ كلثوم وهي أختها صغيرة منها وبنات أخيها أي: عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق تأخر إسلامه إلى قبيل الفتح وشهد اليمامة والفتوح، ومات سنة ثلاث وخمسين","vol":"3","page":169},{"text":"في طريق مكة فجأة كذا في (تقريب التهذيب) أن يرضعْن من باب الأفعال لها أي: لأجل عائشة وكلمة \"لها\" لم توجد في نسخة قديمة ولا في الموطأ لمالك من محله منصوب؛ لأنه مفعول أن يرضعن أحببن أي: رضيت عائشة أن يدخل عليها، أي: على عائشة ﵂ وفي (الموطأ) لمالك من الرجال فيكون بيانًا لمن وفائدة كلمة لها تخصيص هذا الحكم لعائشة لا لغيرها من أزواج النبي - ﷺ - كما قال وأبى سائر أزواج النبي - ﷺ - أي: امتنعن أن يدخل عليهن بتلك الرضاعة أحدٌ من الناس، زاد أبو داود: حتى يرضع في المهد وقلن أي: أزواجه - ﷺ - لعائشة: ﵂ والله ما نرى أي: نقسم بالله ما نعلم في الحال الذي أي: الإِرضاع أمر به رسول الله - ﷺ - سَهْلة بنت سُهيل إلا رخصة لها أي: لسهلة بنت سهيل في رضاعة سالم وحده وهذا اليمين لغو؛ لأنه بمين في الحال كما يؤثر ما في (الموطأ) لمالك: لا والله فإن العرب يقولون أي أثناء كلامهم: لا والله ولا بالله من رسول الله - ﷺ -، متعلق برد منه والله لا يدخل علينا بهذه الرضاعة أي: التي وقعت في حال الكبير أحد.\nوفائدة القسم من أزواج النبي - ﷺ - تأكيد الإِخبار منهم بأن الرضاعة في حال الكبر لا تحرم النكاح بين الرضيع والمرضعة وقطع أطماع عائشة بأن امرأة من أزواجه - ﷺ - إذا أرضعت رجلًا بالغًا يدخل عليها فعلي هذا كان رأي اختيار أزواج رسول الله - ﷺ - في رضاعة الكبير فأجازته عائشة ومتعهن باقيهن، وفي مسلم عن ابن أبي مليكة أنه سمع هذا الحديث عن القاسم عن عائشة قال: فظلت أو قريبًا منها لا أحدث به رهبة، ثم لقيت القاسم فأخبرته قال: حدثه عني أن عائشة أخبرت به، قال أبو عمر: هذا يدل على أنه حديث تُرك قديمًا ولم يعمل به ولا تلقاه الجمهور بالقبول على عمومه، بل تلقوه على أنه مخصوص لسهلة بنت سهيل كما قاله الزرقاني.\n* * *\n\n٦٢٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، أنه سمعه يقول: لا رضاعة إلا في المهد، ولا رضاعة إلا ما أثبت اللحم والدم.\nقال محمد: لا يحرّم الرضاع إلا ما كان في الحولين، فما كان فيهما من\n_________\n(٦٢٨) إسناده صحيح.","vol":"3","page":170},{"text":"رضاع وإن كانت مصّة واحدة فهي تحرّم، كما قال عبد الله بن عباس وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير، وما كان بعد الحولين لم يحرّم شيئًا؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فتمام الرضاعة الحولان فلا رضاعة بعد تمامها يحرّم شيئًا، وكان أبو حنيفة يحتاط بستة أشهر بعد الحولين، فيقول: يحرّم ما كان في الحولين وبعدهما إلى تمام ستة أشهر، وذلك ثلاثون شهرًا، ولا يُحرّم ما كان بعد ذلك، ونحن لا نرى أنه يحرّم ما كان بعد الحولين.\nوأما لبن الفَحْل: فإنا نراه يحرّم، ونوى أنه يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب، فالأخ من الرضاعة من الأب تحرم عليه أخته من الرضاعة من الأب، وإن كانت الأمَّان مختلفتين إذا كان لبنهما من رجل واحد، كما قال عبد الله بن عباس: اللَّقاح واحد، فبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا يحيى بن سعيد، بن قيس الأنصاري المدني يكنى أبا سعيد القاضي ثقة، كان من الطبقة الخامسة في طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة من الهجرة عن سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهو ابن عمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي أحد العلماء الأثبات، كان في الطبقة الأولى من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، اتفقوا على أن مرسلاته أصلح المراسيل، وقال المدني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه، مات بعد التسعين بيسير وهو ابن أربع وثمانين سنة، كذا قاله ابن حجر (١) وابن الجوزي في (طبقاتهما) أنه أي: يحيى سمعه أي: سعيد يقول: لا رضاعة أي: محرمة إلا في المهد، وهو يمهد للصبي لينام فيه ولا رضاعة أي: معتبرة إلا ما أنبت اللحم والدم أي. إنما هما فرضا الكبير لا يحرم لأنه لا ينبت شيئًا منهما، وللترمذي (٢) وحسنه \"لا رضاعة إلا ما فتق الأمعاء\n_________\n(١) التقريب (١/ ٢٤١).\n(٢) الترمذي (٣/ ٤٥٨).","vol":"3","page":171},{"text":"وكان قبل الحولين\" ولأبي داود عن ابن مسعود موقوفًا: \"لا رضاع إلا ما أنشز العظم وأنبت اللحم\" ورواه مرفوعًا: \"إنما الرضاع ما أنشر العظم وفتق الأمعاء\".\nقال محمد: لا يحرّم الرضاع أي: المص بالنكاح إلا ما أي: رضاع كان في الحولين، أي: في أربعة وعشرين شهرًا من الرضع هذا مدة الرضاع فما كان فيهما أي: في الحولين من الرضاع بيان بما وفي نسخة: من رضاع وإن كانت أي: الرضاع مصّة واحدة أي: قطرة واحدة فهي تحرّم، أي: النكاح كما قال عبد الله بن عباس وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير، وسبق أحاديث وردت بذلك وبيان صدق الشافعي هنالك وما أي: الرضاعة كان بعد الحولين لم يحرّم شيئًا؛ لأن الله ﷿ قال: في سورة البقرة: ﴿وَالْوَالِدَاتُ﴾ أي: الأمهات ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ﴾ أي: أربعة وعشرين شهرًا من الرضع نزلت لبيان مدة الرضاع المثبت للحرمة، قوله: ﴿يُرْضِعْنَ﴾ خبر في معنى الأمر أي: ليرضعن، والأمر للاستحباب لأنه لا يجب على المطلقة إرضاع ولدها من زوجها الذي طلقها إن وجد من ترضعه ويجب إن لم توجد، ولم يقبل الولد ثدي غير الأم أو عجز الأب عن الاستئجار قوله: ﴿كَامِلَيْنِ﴾ وصف للحولين بالكمال لتأكيد إرادة الحقيقة؛ لأن بعض الحولين يسمى حولين تجوزًا فعلم بالكاملين أن المراد بغير نقصان قوله: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، لبيان لمن توجه إليه الحكم أي: هذا الحكم لمن أراد تمام الرضاع، واللام تتعلق بيرضعن حولين لمن أراد أن يكمل الإِرضاع من الأب؛ لأن الأب يجب عليه إرضاع الولد دون الأم إلا إذا رضيت الأم بإرضاعه، فالإِرضاع مستحب من الأم ولا تجبر عليه، ولا يجوز استئجار الأم عند أبي حنيفة ما دامت زوجة ويجوز عند الشافعي، فمفهومه أنه يجوز عدم تمامها إن أراد كما جاء في قوله تعالى: سورة البقرة: ﴿فَإِنْ أَرَادَا﴾ أي: الوالدان ﴿فِصَالًا﴾ أي فطامًا للصغير قبل الحولين ﴿عَنْ تَرَاضٍ﴾ باتفاق ﴿مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾ أي: بمشاورتهما ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ أي: لا حرج على الوالدان \"في ذلك\" يعني: سواء زاد على الحولين أو نقصا وهذه توسعة بعد التحديد.\nقال العلماء: إن قطع الغلام عن الثدي لا يضر الولد وإنما اعتبر اتفاق الوالدين لما في الأدب من الولاية وفي الأم شفقة فتمام الرضاعة الحولان فلا رضاعة أي: كانت بعد تمامها أي: الرضاعة، وفي نسخة: تمامها يحرّم شيئًا، أي: لأنه لا زيادة على الكمال وكان أبو حنيفة يحتاط بستة أشهر بعد الحولين، أي: مستدلًا بقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ","vol":"3","page":172},{"text":"شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] يعني جعل مدة الحمل والفصال ثلاثون شهرًا، والظاهر أنها مدة لكل واحد منهما، وقد دل الدليل على انقضاء هذه المدة (ق ٦٥٣) في حق الحمل ويتبقى في الآخر وهو الفصال على حالها فيقول: أي: أبو حنيفة يحرّم ما كان في الحولين أي: في السنتين وبعدهما أي: بعد الحولين إلى تمام ستة أشهر، وذلك أي: مجموعهما ثلاثون شهرًا، ولا يُحرّم ما كان بعد ذلك، أي: لأن الرضيع لا يحصل فطامه في ساعة واحدة، بل لا بد من زيادة على الحولين يتعود فيها بالطعام ينسى اللبن فقدر ذلك بأدنى مدة الحمل وهي ستة أشهر لأنها مدة ينتقل فيها الصبي من غذا إلى غذاء؛ لأن غذاء الجنين غير هذا الرضيع، كذا علله بعض العلماء وفيه بحث؛ لأنه يمكن بهذا التدرج قبل الحولين نعم لو لم يجز الطعام قبلهما فربما كان يعتبر مثل هذا؛ لأن الضرورات تبيح المحظورات، ومع هذا كون القول به أحوط بعيد إذ لا ضرر في نفي الرضاعة بخلاف إثباتها فإن يتفرغ عليه أمور كثيرة كما لا يخفى ونحن أي: نفسه وأبو يوسف وغيرهما من العلماء الحنفية لا نرى أي: لا نختار أنه يحرّم أي: ما كان بعد الحولين ونرى أي: يختار أنه لا يحرم ما كان بعد الحولين تأكيد لما قبله وربما كان تلك العبارتين باعتبار النسختين.\nوأما لبن الفَحْل: أي: الرجل وهو زوج المرأة بأن يكون لبنها فمنه فإنا نراه يحرّم، أي: عليه وعلى من ينسب إليه ونرى أنه يحرم من الرضاع وفي نسخة: الرضاعة ما يحرم من النسب، أي: كل ما ورد في الأحاديث الصحيحة فالأخ من الرضاعة من الأب تحرم عليه أخته من الرضاعة من الأب، كما قال تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣] وإن كانت الأمَّات أي: أم الأخ والأخت مختلفتين إذا كان لبنهما من رجل واحد، كما قال عبد الله بن عباس: اللَّقاح بكسر اللام أي: اللبن واحد، فبهذا أي: بما ذكر من لبن الفحل نأخذ، أي: نعمل جميعًا وهو قولُ أبي حنيفة رحمه الله تعالى.\nلما فرغ من بيان أحكام الطلاق وغيره، شرع في بيان أحكام الأضحية، فقال: هذا\n* * *","vol":"3","page":173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-288>كتاب الضحايا وما يُجزئ منها</span>\nكتاب الضحايا، أي: في بيان الأحاديث التي تتعلق بأحكام الأضحية، هذا الكلام إضافي يجوز فيه وجهان من الإِعراب: رفعه على أنه خبر لمبتدأ محذوف، كما قدر، ونصبه على تقدير حذف الكتاب، أو إقراء الكتاب وغيرهما، والكتاب لغة مصدر بمعنى كتب، سُمي به المفعول للمبالغة، واصطلاحًا من المسائل، واختار المصنف رحمه الله تعالى لفظ الكتاب على لفظ باب؛ لأن في لفظ الكتاب معنى الجمع، يقال: كتبت الخيل إذا جمعت، والباب بمعنى النوع، وكان غرض المصنف بيان أنواع الأضحية، وإضافة الكتاب إلى الضحايا من قبيل إضافة العام إلى الخاص؛ لأن الضحايا جمع ضحية كعطايا جمع عطية، والأضاحي جمع أضحية بضم الهمزة في الأكثر وكسرها اتباعًا لكسر الحاء، والأضحى جمع أضحاه مثل أرطا وأرطاه وهو اسم لما يُذبح من النعم تقربًا إلى الله تعالى في يوم العيد.\nقال عياض: سُميت بذلك لأنها تفصل في وقت الضحى وهو ارتفاع النهار، فسُميت باسم زمن فعلها، وفي الشرع: اسم لحيوان مخصوص يُذبح بنية القربة عند وجود شرائطها وسببها، وشرائطها الإِسلام والإِقامة واليسار التي تتعلق به وجوب صدقة الفطر، وسببها الوقت وهو أيام النحر، وركنها: ذبح يجوز ذبحها، وجه المناسبة (ق ٦٥٤) بين هذا الكتاب وبين كتاب الطلاق معنى التباعد؛ لأن الرجل إذا طلق امرأته وقع التباين بينه وبينها، وكذلك إذا ذبح رجل أضحية وقع التباين بين جسمها وروحها.\nقدَّم المصنف كتاب الطلاق على كتاب الضحايا؛ لأن دليل الطلاق قطعي، قال تعالى في سورة الطلاق: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، والخطاب للنبي - ﷺ - مع أمته، ودليل الضحايا ظني، وهو ما رواه الطبراني في (الأوسط) (١) عن علي ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: \"يا أيها الناس ضحوا واحبسوه بدمائها، فإن الدم وإن وقع في الأرض فإنه يقع في حرز الله تعالى\"، ورُوي مرفوعًا\n_________\n(١) الطبراني في الأوسط (٨/ ١٧٦).","vol":"3","page":175},{"text":"وصححه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من وجد سعة لأن يضحي فلم يضح فلا يحضر مصلانا\" (١)، كذا في (الترغيب والترهيب) (٢).\nوما يُجزئ منها، أي: وبيان حكم الحيوان يجزئ من الإِجزاء مهموز اللام لكن الهمزة قلبت ياء لوقوعها في الطرف وانكسار ما قبلها، أي: يكفي، ويجوز أن يكون حيوان أضحية قوله: منها بيان بما، والضمير المجرور عائد إلى الضحايا، فالمراد بما حيوان يجوز أن يكون أضحية مثل الشاة إذا تمت لها سنة وطعنت في الثانية، وكذا الماعز والبقر إذا تمت له سنتان وطعنت في الثالثة؛ والإِبل إذا تم له خمس سنين وطعن في السادسة.\nوفي نسخة: باب الضحايا ولكن لم يظهر فائدتها.\n٦٢٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن عبد الله بن عمر كان يقول في الضحايا والبُدْن: الثِّنيّ فما فوقه.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا نافع، ابن عد الله المدني، مولى ابن عمر، ثقة فقيه ثبت مشهور، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة، أن عبد الله بن عمر كان يقوله في الضحايا والبُدْن: بضم الموحدة وسكون الدال جمع بدنة محركة، وهي الإِبل والبقر أيضًا فهو تخصيص بعد التعميم، والمعنى أنه يقول في وقوع جوازهما، الثِّنيّ فما فوقه، الثني تكريم وهو ما سقط ثنيته بكسر الثاء المثلثة وسكون النون وهو الأضراس الأربع التي في مقدم الأنف، والثني من الإِبل ما له خمس سنين وطعن في السادسة، ومن البقر ما له سنتان وطعن في الثالثة، ومن الغنم ما له سنة وطعن في الثانية.\n* * *\n_________\n(١) أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٤٢٢)، والبيهقي في الكبرى (٩/ ٢٦٠).\n(٢) الترغيب والترهيب (٢/ ١٠٠).\n(٦٢٩) إسناده صحيح.","vol":"3","page":176},{"text":"٦٣٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أنه كان ينهى عما لم تُسنَّ من الضحايا والبُدْن، وعن التي نُقِص من خلْقها.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أنه كان ينهى عما أي: عن حيوان لم تُسنَّ بفتح التاء المثناة وكسر السين، وتشديد النون، وفي نسخة: لم تسن بالفك، أي: لم تبدل أسنانها، من الضحايا والبُدْن بيان بما في عمياء، وعن التي أي: الضحايا نُقِص من خلْقها، بفتح الخاء المعجمة وسكون اللام فقاف، أي: من عضوها كالقرن والأذن والرجل والإِلية، قوله: وعن التي نقص من خلقها، صح من رواية من روى عن جواز الأضحية بالبتراء، إلا أنه يحتمل أن اتقاء ابن عمر لمثل ذلك يحتمل أنه لما نقص منها خلقه وحمله منها على عمومه أولى، وأجمعوا على جواز الجماء في الضحايا، فدل على أن النقص المكروه هو ما تتأذى به البهيمة وينقص من ثمنها ومن شحمها، كما قاله الزرقاني (١).\n* * *\n\n٦٣١ - أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر: أنه ضحّى مرة بالمدينة فأمرني أن أشتري له كبشًا فحِيلًا أقْرَنَ، ثم أذبحه يوم الأضحى في مصلى الناس، ففعلت، ثم حمل إليه فحلق رأسه حين ذُبِح كبشه، وكان مريضًا لم يشهد العيد مع الناس، قال نافع: وكان عبد الله بن عمر يقول: وليس حِلاق الرأس بواجب على من ضحّى إذا لم يحجّ، وقد فعله عبد الله بن عمر.\nقال محمد: وبهذا كله نأخذ، إلا في خصلة واحدة، الجَذَع من الضأن إذا كان عظيمًا أجزأ في الهدي والأضحية، وبذلك جاءَت الآثار، والخصيّ من الأضحية يجزئ مما يجزئ منه الفحل.\n_________\n(٦٣٠) إسناده صحيح.\n(١) في شرحه (٣/ ٩٤).\n(٦٣١) إسناده صحيح.","vol":"3","page":177},{"text":"وأما الحِلاق، فنقول به بقول عبد الله بن عمر: إنه ليس بواجب على من لم يحجّ في يوم النحر، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا نافع، أي: ابن عبد الله المدني، مولى ابن عمر، فقيه، (ق ٦٥٥) ثبت مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة، عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه ضحّى بفتح الضاد المعجمة والحاء المهملة المفتوحة المشددة، أي: أراد أن يضحي مرة بالمدينة فأمرني أن أشتري له كبشًا فحِيلًا بفتح الفاء وكسر الحاء المهملة وتحتية ساكنة فلام، أي: ذكر لا أنثى، وقيل: هو عظيم الخلق، وقال البوني: ويحتمل أن يريد لا خصي، أقْرَنَ أي: ذا قرنين، قالوا: ويجوز الجماء، وهي التي لا قرن لها؛ لأنه لا يتعلق بها مقصود، لكن قد نهى - ﷺ - أن الضحي بعصباء الأذن والقرن، رواه أحمد والأربعة والحاكم عن علي - كرَّم الله وجهه - فيحمل على النهي التنزيهي، وكذا لا يجوز الشولاء وهي المجنونة، ثم أذبحه بالنصب عطف اشترى، أي: لأجله يوم الأضحى أي: عيد الأضحى، في مصلى الناس أي: مصلى عيدهم بالمدينة أو غيرها اتباعًا للمصطفى، قال: نافع ففعلت أي: ما أمرني به من الشراء والذبح بالمصلى، ثم حُمِل أي: الكبش المذبوح إليه أي: إلى عبد الله بن عمر كما في (الموطأ) لمالك، فحلق رأسه مقتضى الفاء التعقيبية أن الحلَّاق بعد حمل الكبش إليه والظرف في فقوله: حين ذُبِح بصيغة المجهول كبشه، مجازية؛ لأنها لما وقعت بعدد بقرب كأنها فعلت حينه أو الظرف حقيقة والتجوز في التعقيب، وكان مريضًا لم يشهد العيد صلاته مع الناس، ولعله علة ذبحه في المصلى بدلًا من حصوله بنفسه، فالاستناب في الذبح لا ينافي في أن الأفضل الذبح بيده عن أحسنه، وقدر اتباعًا للفعل النبوي، قال نافع: وكان عبد الله بن عمر يقول: وليس حِلاق الرأس بكسر أوله، أي: حلق شعر رأسه بواجب على من ضحّى إذا لم يحجّ، وقد فعله عبد الله بن عمر، جملة حالية، هذا الحديث موقوف على عبد الله بن عمر حقيقة، ومرفوع حكمًا، لما في (الصحيحين) عن أنس بن مالك ﵁: كان النبي - ﷺ - يضحي بكبشين أملحين أقرنين، فذبحهما بنية، وفي (الصحيحين) أيضًا عن ابن عمر ﵄، كان النبي - ﷺ - يذبح وينحر بالمصلى، وفيه استحباب إبراز الإِمام أضحيته بالمصلى، وفيهما دلالة على أن تلك عادته، ففيه أفضلية الضأن في الضحايا، كما قال مالك،","vol":"3","page":178},{"text":"وضرورة أنه - ﷺ - لا يواضب إلا ما هو أفضل، وحديث البيهقي عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - يضحي الجزور أحيانًا، وبالكبش إذا لم يجد الجذور، ضعيف، في سنده عبد الله بن عمر، وفيه مقال، وفيه أن الذكر أفضل من الأنثى؛ لأن لحمه أطيب، وندب التضحية بالأقرن، وأنه أفضل من الأحجم الذي لا قرن له، كذا قاله الزرقاني.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بجميع ما رواه نافع هنا عن ابن عمر، إلا في خصلة واحدة أي: تفهم من الأحاديث من عموم الشيء أنه لا يجوز ما لم يبلغ الشيء مطلقًا، والحال أن نقول: الجَذَع من الضأن إذا كان عظيمًا أجزأ أي: كفى وجاز في الهدي والأضحية، والجذع بفتح الجيم والذال المعجمة المفتوحة فعين مهملة ولد الضأن، جاء عليه أكثر من ستة أشهر، وعن الأزهري أن الجذع من الضأن ما أتى عليه ثمانية أشهر، وهو عند الفقهاء ما تم له ستة أشهر، وذكر الزعفراني أنه ابن سبعة أشهر، وتفسير (ق ٦٥٦) العظيم أنه لو خلط بالثنايا اشتبه على الناظر أنه منها، وبذلك أي: بجواز الجذع جاءَت الآثار، أي: وردت الأخبار، منها ما أخرجه مسلم (١) عن جابر ﵁ مرفوعًا: \"لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن\"، والخصيّ من الأضحية يجزئ مما يجزئ منه الفحل؛ لأن لحمه أطيب.\nوروى أبو داود وابن ماجه من حديث جابر بن عبد الله، وأحمد من حديث عائشة وأبي هريرة وأبي رافع وأبي الدرداء ﵄، أن رسول الله - ﷺ - ذبح يوم النحر كبشين أقرنين أملحين موجودين ثم الذكر من الضأن والمعز أفضل إذا استويا، والأنثى من الإِبل والبقر أفضل إذا استويا، والجواميس كالبقر، والمراد من الهدي ما يُنقل للذبح من النعم إلى الحرم.\nوأما الحِلاق، فنقول به بقول عبد الله بن عمر: إنه ليس بواجب على من لم يحجّ في يوم النحر، أي: وأما ما فعله فهو من باب بيان الجواز، وهو أي: ما قاله ابن عمر قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، أي: من أتبع أبي حنيفة رحمه الله تعالى، قال مالك: الأضحية سُنَّة مؤكدة على كل مقيم ومسافر الحج، وليست بواجبة، أي: بفرض، هذا زيادة في البيان لدفع توهم أن مراده شرعت، فلا ينافي الوجوب فبين المراد والحجة في\n_________\n(١) مسلم (٣/ ١٥٥٥).","vol":"3","page":179},{"text":"السنية ما رواه مسلم (١) من طريق شعبة، عن مالك، عن عمرو بن مسلم، عن سعيد بن المسيب، عن أم سلمة أن النبي - ﷺ - قال: \"إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره\"، ولمسلم، غيره من وجه آخر عن أم سلمة مرفوعًا: \"إذا دخل العشر - أي: عشر ذي الحجة - فأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره ولا من بشره شيئًا\"، ففي قوله: أراد دليل على أنها غير واجبة، وصرح بالسنة في حديث الطبراني (٢) عن ابن عباس مرفوعًا: \"الأضحية عليَّ فريضة ولا تُكتب عليكم\"، قال الحافظ: رجاله ثقات لكن من رفعه خلق فصرح في هذا الحديث بأنها سنة؛ وأن الوجوب في خصائصه.\nوروى أحمد (٣) وأبو يعلى (٤) والدارقطني (٥) والحاكم (٦) عن ابن عباس، رفعه: \"كُتِبَ عليَّ النحر ولم يُكتب عليكم\"، وهو أيضًا في خصائصه لكن إسناده ضعيف وتساهل الحاكم وصححه، وأقرب ما يتمسك به للوجوب الذي ذهب إليه الحنفية، حديث أبي هريرة رفعه: \"مَنْ وَجَدَ سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا\"، أخرجه ابن ماجه ورجاله ثقات، كذا قاله الزرقاني.\n* * *\n\n٦٣٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن عبد الله بن عمر لم يكن يضحي عما في بطن المرأة.\nقال محمد: وبه نأخذ، لا يُضَحى عما في بطن المرأة.\n_________\n(١) مسلم (٣/ ١٥٦٥).\n(٢) الطبراني في الكبير (١١/ ٢٦٠) رقم (١١٦٧٤).\n(٣) أحمد (١/ ٣١٧).\n(٤) أبو يعلى في مسنده.\n(٥) الدارقطني (٤/ ٢٨٢).\n(٦) الحاكم في المستدرك.\n(٦٣٢) إسناده صحيح.","vol":"3","page":180},{"text":"• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا نافع، أن عبد الله بن عمر ﵄ لم يكن يضحي عما أي: عن جنين في بطن المرأة، أي: لأنه ما خرج إلى دار التكليف.\nقال محمد: وبه نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه نافع عن ابن عمر: لا يُضَحى عما في بطن المرأة، ولعله لا يشبه إلى قول أبي حنيفة إذ لا رواية عنه.\nلما فرغ من بيان أجناس الحيوان يجوز الأضحية منها، شرع في بيان حيوان لا يجوز أن يكون أضحية، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-289>باب ما يُكره من الضحايا</span>\nباب في بيان ما أي: حيوان يُكره أي: كراهة تحريم من الضحايا أو من الحيوانات التي لا تجوز أن تكون أضحية، وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الكتاب السابق الإِباحية والحظر.\n٦٣٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا عمرو بن الحارث: أن عُبيد بن فيروز أخبره عن البراء بن عازب: أن رسول الله - ﷺ - سُئِلَ: ماذا يُتَّقى من الضحايا؟ فأشار بيده، وقال: \"أربع\"، وكان البراءُ يشير بيده ويقول: يدي أقصر من يده - ﷺ - وهي: \"العرجاء البين ظلعها، والعوراء البيّن عورها، والمريضة البيّن مرضها، والعجْفاءُ التي لا تُنْقى\".\nقال محمد: فبهذا نأخذ، فأما العرجاءُ فإذا مشت على رجلها فهي تجزئ، وإذا كانت لا تمشي لم تجزئ؛ وأما العوراءُ فإن كان بقي من البصر أكثر من نصف البصر أجزأت، وإن ذهب النصف فصاعدًا لم تجزئ، وأما المريضة التي فسدت لمرضها، والعجفاءُ التي لا تُنْقَى فإنهما لا يُجزئان.\n_________\n(٦٣٣) إسناده صحيح.","vol":"3","page":181},{"text":"• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا، أخبرنا عمرو بن الحارث بن يعقوب بن عبد الله الأنصاري، مولاهم مصري، يُكنى أبا أيوب، (ق ٦٥٧) ثقة فقيه حافظ، كان في الطبقة السابعة من طبقات التابعين من أهل مصر، ولد سنة اثنين وتسعين بعثه صالح بن أمية من المدينة إلى مصر مؤدبًا لبنيه، مات قديمًا قبل الخمسين والمائة، كذا في (تقريب التهذيب) عَنْ، وفي نسخة: أَنَّ عُبيد بن فيروز الشيباني، مولاهم يُكنى أبا الضحاك والكوفي، نزيل الجزيرة وهي بلده، بناها ابن عمر فوق الموصل، بينهما ثلاثة أيام، كان في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، كان ثقة، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل الكوفة أو الجزيرة، كذا قاله ياقوت الحموي وابن حجر في (معجم البلدان)، و(تقريب التهذيب)، أخبره أي: عمرو بن الحارث عن البراء بن عازب بن الحارث بن عدي الأنصاري الأوسي، صحابي ابن صحابي، ﵁، نزيل الكوفة، استصغر يوم بدر، فكان لدة ابن عمر، مات سنة اثنين وسبعين، سأل رسول الله - ﷺ -: ماذا يُتَّقى أي: أي شيء من الحيوانات تحترز عنه من الضحايا؟ بيان بما قال سعيد بن زيد الباجي المالكي: دل هذا على أن للضحايا صفات يُتقى بعضها، ولو لم يعلم أنها منها شيء، لسئل: هل يتقى من الضحايا شيء؟ فأشار أي: النبي - ﷺ - بيده، وقال: \"أربعًا\"، أي: تتقي، وفي نسخة: أربع بالرفع، أي: لا يجوز من الضحايا أربع، كما في رواية، وكان البراءُ بن عازب يشير بيده أي: موافقة بما رواه من رسول الله - ﷺ -، كما وافقه - ﷺ - أبو ذر الغفاري ﵁، ومسح يده على أنفه وقال حين روى عنه - ﷺ -: \"رغم أنف أبي ذر\".\nكما روى مسلم (١) عن أبي ذر ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"مَنْ مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة\"، وقال أبو ذر: وإن زنى يا رسول الله؟ قال: \"وإن زنى\"، قال أبو ذر: وإن زنى يا رسول الله؟ قال: \"وإن زنى\"، قال أبو ذر في المرة الثالثة: وإن زنى وإن سرق؟ قال: \"وإن زنى وإن سرق\"، ووضع - ﷺ - يده على جبهة أبي ذر وأمرَّها على أنفه، وقال تلطفًا: \"رغم أنف أبي ذر\"، وفي هذا الحديث دليل على إباحة ما يقوله المحدث ويفعله أثناء تحديثه، فما يشوق السامعين للعلم ويؤلف قلوبهم،\n_________\n(١) مسلم (١/ ٩٤)، رقم (٩٤).","vol":"3","page":182},{"text":"ويقول: يدي أقصر من يده - ﷺ - أي: حسا ومعنى، هذا من قبيل إطلاق اسم الكل على البعض، ففي رواية ابن عبد البر عن ابن وهب، عن عمرو والليث وابن لهيعة بسندهم عن البراء بن عازب ﵁ أنه يقول: سمعتُ رسول الله - ﷺ -، وأشار بإصبعه، قال: وإصبعي أقصر من إصبع رسول الله - ﷺ -، وهو يشير بإصبعه ويقول: \"لا يجوز من الضحايا أربع\"، وهي: أي: الأربع: العرجاء البين أي: الظاهر ظلْعُها، بفتح الظاء المعجمة، وإسكان اللام، أي: عرجها، وهي التي لا تلحق الغنم في مشيها، وقال أبو حنيفة: تجزئ ويرد عليه الحديث، ولا شك أن العرجاء تجزئ وتمشي، والعرج من صفات المشي، وأما التي لا تمشي فلا يقال لها: عرجاء، فإن خف العرج فلم يمنعها أن تسير بسير الغنم أجزأت، كما هو مفهوم الحديث، والعوراء بالمد تأنيث، البيّن عورها، بفتحتين، كذا قاله علي القاري، وهو ذهاب بصر إحدى عينيها، فإن كان بها بياض قليل على الناظر لا يمنعها الإِبصار، (ق ٦٥٨) أو كان على غير الناظر أجزأت، قاله محمد عن مالك، وهو مفهوم الحديث، والمريضة البيّن مرضها، أي: بأي مرض كان يشرط وضوحه، فهو عام عطف عليه خاصًا، بقوله: والعجْفاءُ بالمد مؤنث أعجف الضعيفة، التي لا تُنْقى، بضم الفوقية وإسكان النون وقاف، أي: لا مخ في عظامها، وفي رواية قاسم بن أصبغ: والكسيرة التي لا تنقي، يريد بها التي لا تقوم ولا تنهض من الهزال.\nوهذه العيوب الأربع مجمع عليها، وما في معناها داخل فيها، ولا سيما إذا كانت العلة فيها أبين، فإذا لم تجز العوراء والعرجاء والعمياء ومقطوعة الرجل أخرى وقد أم المرض والعرج الخفيفين، والنقطة اليسيرة في العين، والمهزولة التي ليست بغاية من الهزال تجزئ من الضحايا والهدايا، كما قاله الفاضل الزرقاني (١).\nقال محمد: فبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه البراء بن عازب عن رسول الله - ﷺ - ونغمرها بما تبين، فأما العرجاءُ فإذا مشت أي: إلى المذبح والمرعى على رجلها فهي تجزئ، من الإِجزاء مهموزًا، أي: يكفي ويجوز بها، ولكن قُلبت الهمزة ياء لوقوعها فيها، وانكسار ما قبلها، وإذا كانت لا تمشي أي: بنفسها لم تجزئ؛ في نسخة: لا تجزئ، وأما العوراءُ فإن كان بقي من البصر أي: قوة لأكثر من نصف البصر أجزأت، أي: فإن\n_________\n(١) في شرحه (٣/ ٩٣).","vol":"3","page":183},{"text":"العبرة للأكثر، وفي نسخة: أجزت بلا همزة، وهي لغة، وإن ذهب النصف فصاعدًا لم تجزئ، وأما المريضة التي فسدت لمرضها، أي: تغيرت، والعجفاءُ التي لا تُنقَى فإنهما لا يُجزئان، وكذا لا تجزئ عند أبي حنيفة ما ذهب أكثر ثلث أذنها، أو عينها، أو إليتها، أو ذيلها، وقال أبو يوسف ومحمد: إذا بقى أكثر من النصف أجزأه، وهو اختيار أبي الليث، وفي كون النصف فإنهما روايتان عنهما.\nلما فرغ من بيان حكم ما يكره في الضحايا شرع في بيان ما ينهى من أكل لحوم الضحايا بعد ثلاثة أيام، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-290>باب لحوم الأضاحي</span>\nباب في بيان حكم لحوم الأضاحي بتشديد التحتية جمع الأضحية، وهي بضم الهمزة وسكون الضاد المعجمة، وكسر الحاء المهملة، وتشديد التحتية المفتوحة فهاء، حيوان يُذبح في أيام النحر لم ينحر على وجه التقرب.\n٦٣٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الله بن واقد، أن عبد الله بن عمر أخبره: أن رسول الله - ﷺ - نهى عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، قال عبد الله بن أبي بكر: فذكرتُ ذلك لِعَمْرة بنت عبد الرحمن فقالت: صدق، سمعتُ عائشة أم المؤمنين تقول: دفّ ناسٌ من أهل البادية حضرةَ الأضحى في زمان رسول الله - ﷺ -، فقال: \"ادّخروا لثلاث ليالٍ، وتصدَّقوا بما بقي\"، فلما كان بعد ذلك قيل لرسول الله - ﷺ -: لقد كان الناس ينتفعون في ضحاياهم يجملون منها الودَك، ويتخذون منها الأسقية، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"وما ذلك\" - أو كما قال - قالوا: يا رسول الله نهيتَ عن\n_________\n(٦٣٤) حديث صحيح، أخرجه مسلم (١٩٧٢)، والنسائي (٧/ ٢٣٣)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ١٨٦)، وابن حبان في صحيحه (٥٩٢٥)، وأحمد في المسند (٣/ ٣٨٨)، والبيهقي في السنن (٩/ ٢٩٠، ٢٩١).","vol":"3","page":184},{"text":"إمساك لحوم الأضاحي بعد ثلاث، فقال رسول الله - ﷺ -: \"إنما نهيتكم من أجل الدَّافة التي كانت دَفَّت حَضْرَة الأضحى، فكلوا وتصدقوا وادَّخروا\".\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر، بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، المدني القاضي ثقة، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة وهو ابن سبعين سنة، عن عبد الله بن واقد، بن الحارث بن عبد الله الحنفي، يُكنى أبا رجاء الهروي الخراساني، وهي بلدة عظيمة في طرف الشرق، كانت في الإِقليم الرابع من الأقاليم السبعة، وعبد الله بن واقد، كان ثقة، وموصوفًا بخصال من الخير، وكان في الطبقة السابعة من طبقات التابعين من أهل خراسان، مات سنة بضع وستين ومائة، أن عبد الله بن عمر ﵄، أخبره: أي: عبد الله بن واقد: أن رسول الله - ﷺ - نهى عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، أي: بعد ثلاث ليال، قال عبد الله بن أبي بكر، فذكرتُ ذلك أي: حديث ابن عمر ﵄ لِعَمْرة بنت عبد الرحمن أي: الأنصارية فقالت: صدق، أي: عبد الله بن واقد، سمعتُ عائشة أم المؤمنين ﵂ تقول: دفّ بفتح الدال المهملة وتشديد الفاء المفتوحة، أي: أتى ناسٌ من أهل البادية، والدافة الجماعة القادمة، (ت ٦٥٩) قاله ابن حبيب، وقال الخليل: قومٌ يسيرون إلينا، حضرةَ الأضحى بالنصب على الظرفية، أي: وقت الأضحى، في زمان رسول الله - ﷺ -، فقال: أي: رسول الله - ﷺ -: \"ادّخروا بتشديد الدال المهملة وأصله تحروا بالمعجمة من الذخيرة، أي: امكسوا واحبسوا منه لثلاث، أي: لثلاث ليالٍ، كما في النسخة، وتصدَّقوا بما بقي\"، وهذا كان أمر للوجوب في سنه محط، فلما كان بعد ذلك أي: في العام المقبل، وقد سألوا: هل يفعلون كما فعلوا العام الماضي؟ قال ابن المنير: كأنهم فهموا النهي ذلك العام كان على سبب خاص، والدافة فإذا ورد العام على سبب خاص حال في النفس من عمومه وخصوصه، هو استحالة، فلما كان مظنته الاختصاص عادوا للسؤال، فبيَّن لهم أنه خاص بذلك السبب، ويشبه أن يستدل بهذا من يقول: إن العام يضعف عمومه بالسبب، فلا يبقى على أصالته ولا ينتهي به إلى التخصيص، ألا ترى أنهم لو اعتقد بقاء العموم على أصالته لما سألوا، ولو اعتقدوا الخصوص لما سألوا، بدل سؤالهم على أنه ذو شانين، وهذا اختيار الجويني، كما قاله الزرقاني.","vol":"3","page":185},{"text":"قيل لرسول الله - ﷺ -: لقد كان الناس ينتفعون في ضحاياهم أي: في الادخار والتزود ويجملون بسكون الجيم وضم الميم، أي: يذيبون منها الودَك، بفتحتين، أي: الشحم، ويتخذون منها أي: من جلود الضحايا الأسفية، جمع السقاء، وهي: أداة الماء، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"وما ذلك\" أي: أي السبب الذي منعهم من الانتفاع، أو كما قال، شك الراوي أي: في هذا المعنى، ولو كان بخلاف المبنى، قالوا: يا رسول الله نهيتَ أي: نهي تحريم عن إمساك لحوم الأضاحي بعد ثلاث، أي: ثلاث ليال، فقال رسول الله - ﷺ -: \"إنما نهيتكم من أجل الدَّافة بالدال المهملة، وبعد الألف فاء ثقيلة، أصله لغة الجماعة، التي كانت دَفَّت حَضْرَة الأضحى، أي: في وقته، فكلوا وتصدقوا وادَّخروا، بتشديد الدال المهملة وكسر الخاء المعجمة، أمر استحباب ورخصة، زاد يحيى: يعني أي: رسول الله - ﷺ - بالدافة قومًا مساكين قدموا المدينة، فأراد أن يعينهم، ولذا قالت عائشة ﵂، وليست بعزيمة، ولكن أراد أن يطعم منها والله أعلم بنيته، وهذا الحديث رواه مسلم من طريق روح بن عبادة، وأبو داود عن القعنبي، كلاهما عن مالك به.\n* * *\n\n٦٣٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزّبير المكي، عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله - ﷺ - نهى عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، ثم قال بعد ذلك: \"كلوا وتزوّدوا وادَّخروا\".\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا بأس بالادخار بعد ثلاث، والتزوّد، وقد رخّص في ذلك رسول الله - ﷺ - بعد أن كان نهى عنه، فقوله الآخِرُ ناسخٌ للأوَّل، فلا بأس بالادّخار والتزوُّد من ذلك، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة.\n• أخبرنا مالك، في نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا أبو الزّبير المكي، هو محمد بن مسلم، تدرس بفتح المثناة وسكون الدال المهملة، وضم الراء، الأسدي، مولاهم صدوق، إلا أنه يدلس، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل مكة، مات سنة ستة ومائة، عن جابر بن عبد الله، الصحابي ابن الصحابي، أنه أخبره، أي: أبا الزبير\n_________\n(٦٣٥) صحيح، انظر السابق.","vol":"3","page":186},{"text":"المكي، أن رسول الله - ﷺ - نهى عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، أي: ثلاث ليال من وقت التضحية، واختلف في أنه كان نهي تحريم أو تنزيه، وصححه المهلب لقول عائشة: التضحية كنا نملح منها، ونقدد (ق ٦٦٠) إلى النبي - ﷺ - بالمدينة فقالوا: لا نأكل إلا ثلاثة أيام، قالت: وليست بعزيمة، ولكن أراد أن يطعم منه، والله أعلم.\nثم قال بعد ذلك أي: سنة أخرى: \"كلوا وتزوّدوا وادَّخروا\".\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعلم إلا بما رواه جابر، لا بأس أي: لا كراهة بالادخار بعد ثلاث، والتزوّد، أي: وبالتزود وأيضًا بعد ثلاث، وقد رخّص في ذلك أي: فيما ذكر من الادخار والتزود رسول الله - ﷺ - بعد أن كان نهى عنه، أي: عما ذكر، فقوله الآخِرُ ناسخٌ للأوَّل، وهو نص يزيل حكم النص الآخر، كما في (صحاح الجوهري). والنسخ بفتح النون وسكون السين المهملة والخاء المعجمة: التغيير، كما يقال: نسخت الريح آثار الدار إذا غيرتها.\nوالحاصل: أن النسخ فيه جهتان، ففي حق الله تعالى بيان محض لانتهاء الحكم الأول ليس فيه معنى التبديل؛ لأنه كان معلومًا عند الله تعالى أنه ينتهي في وقت كذا بالناسخ، فكان الناسخ بالنسبة إلى علمه تعالى مبينًا للمدة، وفي حق البشر تبديل؛ لأنه أزال ما كان ظاهر الثبوت، ولحقه شيء آخر، وهذا على مثال القتل؛ فإنه بيان انتهاء أجل المقتول عند الله تعالى؛ لأن المقتول ميت بانقضاء أجله عند أهل السنة والجماعة، إذ لا أجل له سواه، وفي حق العباد تبديل وتغيير وقطع للحياة المظنون استمرارها لولا القتل؛ فلهذا يترتب عليه القصاص وسائر الأحكام، لأنا أمرنا إيراد الأحكام على الظواهر، كذا قاله عبد اللطيف بن الملك في (شرح المنار)، فلا بأس أي: لا كراهة بالادّخار والتزوُّد من ذلك، أي: من لحم الضحايا، وهو أي: جواز الادخار من لحوم الضحايا، قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n* * *\n\n٦٣٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزبير المكيّ، أن جابر بن عبد الله أخبره: أن رسول الله - ﷺ - كان نهى عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، ثم قال بعد ذلك: \"كُلوا وادَّخروا وتَصدَّقُوا\".\n_________\n(٦٣٦) انظر السابق.","vol":"3","page":187},{"text":"قال محمد: وبهذا نأخذ، لا بأس بأن يأكل الرجل من أضحيته ويدّخر ويتصدق، وما نحب له أن يتصدق بأقل من الثلث، وإن تصدّق بأقل من ذلك جاز.\n• أخبرنا مالك، في نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا أبو الزبير المكيّ، هو محمد بن مسلم الأسدي، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل مكة، مات سنة ست ومائة بعد الهجرة، أن جابر بن عبد الله أخبره: أن رسول الله - ﷺ - كان في أول الأمر نهى عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، أي: ثلاث ليال، ثم قال بعد ذلك: \"كُلوا وادَّخروا أي: هيئوا لحوم الضحايا ذخيرة للأيام والأشهر، وتَصدَّقُوا\".\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه جابر بن عبد الله الأنصاري عن رسول الله - ﷺ -: لا بأس أي: لا كراهة بأن يأكل الرجل من أضحيته ويدّخر ويتصدق منها، لما قال تعالى في سورة الحج: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨]، ولا نحب أي: لا نرى حسنًا له أي: لصاحب الأضحية أن يتصدق بأقل من الثلث، وإن تصدّق بأقل من ذلك أي: الثلث جاز، وكذا جاز لو لم يتصدق بشيء من لحم أضحيته.\nلما فرغ من بيان حكم لحوم الضحايا، شرع في بيان حكم حال الرجل يذبح أضحيته قبل الصبح أو قبل صلاة العيد، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-291>باب في الرجل يذبح أضحيته قبل أن يغدو يوم الأضحى</span>\nباب في بيان حكم الرجل يذبح أضحيته قبل أن يغدو أي: قبل أن يدخل الصباح، هذا في حق أهل القرى، أو قبل أن يصلي صلاة العيد، وهذا في حق أهل المصر يوم الأضحى، هذا ظرف لقوله: قبل أن يغدو؛ لأن ذبح الأضحية قبل الصبح بعد يوم الأضحى إلى قبيل غروب الشمس من اليوم الثالث من أيام التشريق يصح للمصري والقروي. وجه المناسبة بين هذا الباب بين الباب السابق (ق ٦٦١) بيان المعنى المتضاد؛ لأن في الباب السابق بيان نسخ الحكم السابق وتبديله في هذا الباب بيان إبقاء الحكم السابق على حاله.","vol":"3","page":188},{"text":"٦٣٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن عبّاد بن تميم: أن عُوَيمر بن أشقر ذبح أضحيته قبل أن يغدوَ يومَ الأضحى، وأنه ذكر ذلك لرسول الله - ﷺ - فأمره أن يعود بأضحية أخرى.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، إذا كان الرجل في مصر يصلي فيه العيد فذبح قبل أن يصلي الإِمام فإنما هي شاة لحم، ولا تجزئ من الأضحية، ومن لم يكن في مصر وكان في بادية أو نحوها من القرى النائية عن المصر؛ فإن ذبح حين يطلع الفجر أو حين تطلع الشمس أجزأه، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا، أخبرني بالإِفراد، وفي نسخة أخبرنا، وفي أخرى: ثنا يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني، يُكنى أبا سعيد القاضي، ثقة ثبت، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة بعد الهجرة، عن عبّاد بفتح العين المهملة، وفتح الموحدة المشددة فالألف والدال مهملة ابن تميم، بفتح الفوقية وكسر الميم وسكون التحتية، فميم ثابتة، ابن غزيَّة الأنصاري المازني المدني، ثقة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، وقد قيل: له رؤية، أن عُوَيمر بضم العين المهملة وفتح الواو وسكون التحتية وكسر الميم فراء مُصغر عامر بن أشقر، بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة، وفتح القاف فراء مهملة، ابن عدي الأنصاري المازني، كذا نسبه ابن عبد البر، يُكنى أبا عمر، ذبح أضحيته قبل أن يغدوَ من الغدوة، وهي بالضم البكرة، من بين صلاة الفجر وطلوع الشمس، وفي رواية أنه ذبح قبل الصلاة يومَ الأضحى، أي: عيده، وهو اليوم الأول، ويومًا بعده، لما روى مالك في (الموطأ) عن نافع عن ابن عمر أنه كان يقول: الأضحى يومان بعد يوم الأضحى، قال مالك: وبلغني أن علي بن أبي طالب كان يقول مثل ذلك، وأنه ذكر ذلك أي: الذبح المذكور على وجه المسطور لرسول الله - ﷺ -، أي: بعد ما صلى، فأمره أن يعود بأضحية أخرى، أي: بأن يذبح بدلها، وأنه لم يصادف، (ق ٦٦٢) قال ابن عبد البر: لم يختلف عن مالك في هذا الحديث، وظاهر اللفظ الانقطاع؛ لأن عبادًا لم يدركه الوقت،\n_________\n(٦٣٧) إسناده صحيح.","vol":"3","page":189},{"text":"ولذا زعم ابن معين أنه مرسل، لكن سماع عباد من عويمر ممكن، وقد صرح به في رواية عبد العزيز الدراوردي عن يحيى بن سعيد، عن عباد بن تميم أن عويمر بن أشقر أخبر أنه ذبح قبل الصلاة، وذكر ذلك لرسول الله - ﷺ - بعد ما صلى فأمره أن يعيد أضحيته، وفي رواية حماد بن سلمة عن يحيى بن عباد عن عويمر أنه ذبح قبل أن يصلي فأمره - ﷺ - أن يعيد، فهاتان الروايتان تدلان على غلط يحيى بن معين، وأن قوله ذلك ظن لم يصب فيه، انتهى ملخصا.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه يحيى بن سعيد عن عباد بن تميم إذا كان الرجل في مصر يصلي فيه العيد أي: صلاته فيه صفة كاشفة، فذبح قبل أن يصلي الإِمام فإنما هي أي: المذبوحة شاة لحم، أي: لا قربة، ولا تجزئ بضم المثناة، وسكون الجيم، وكسر الزاي، وسكون التحتية، أي: لا تكفي الشاة من الأضحية، لما أخرجه الشيخان عن البراء بن عازب قال: ضحى خالي أبو بردة قبل الصلاة، فقال رسول الله - ﷺ -: \"تلك شاة لحم\"، فقال: \"ضحي بها ولا تضح لغيرك، من ضحى قبل الصلاة فإنما ذبح لنفسه، ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه، وأصاب سنة المسلمين\"، ومن لم يكن في مصر (ق ٦٦٣) أي: يصلي فيه، وكان في بادية عطف تفسيري أو نحوها من القرى النائية أي: البعيدة عن المصر أي: جنسه احتراز من القرى التي في فناء مصر، فإن حكمها كحكمه، فإن ذبح حين يطلع الفجر أي: الفجر الثاني، أو حين تطلع الشمس وما بعده أجزأه، وأو للتخيير، والأفضل هو الأخير للمشابهة بأهل المصر.\nوالحاصل: أن يغير ذبح الأضحية عن الصلاة في حق من عليه صلاة العيد، وهو المصري دون أهل السواد؛ لأن التأخير لاحتمال التشاغل عن الصلاة، ولا معنى له في حق القروي، إذ لا صلاة عليه، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وذهب مالك والشافعي والأوزاعي أنهم لا يجوزونها بعد الصلاة، وقبل ذبح الإِمام لأهل المصر، لحديث مسلم عن جابر أن النبي - ﷺ - صلى يوم النحر بالمدينة فسبقه رجال وظنوا أنه قد نحر، فأمره - ﷺ - \"من كان نحر قبله أن يعيد بنحر آخر، ولا ينحر حتى ينحر\"، وقال الحسن في قوله تعالى في سورة الحجرات: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]، نزلت في قوم ذبحوا قبل النبي - ﷺ - فأمرهم أن يعيدوا، أخرجه ابن المنذر، لكن هذا من خصائص النبي - ﷺ -، لما يدل عليها هذه الآية، وجوز أبو حنيفة والليث والثوري الذبح بعد","vol":"3","page":190},{"text":"الصلاة وقبل ذبح الإِمام لحديث البراء بن عازب، مرفوعًا من نسك قبل الصلاة فإنما هي شاة لحم، لكن الأولى لصاحب الأضحية أن يؤخر ذبحها ليقع بعد ذبح الإِمام أضحيته احتياطًا، وعملًا بأقوال جميع الأئمة، كما قاله الزرقاني.\nلما فرغ من بيان حكم حال الرجل الذي يذبح أضحيته قبل أن يغدو يوم الأضحى، شرع في بيان أجناس الحيوانات يجوز منها الأضحية، وبيان كمية الشركاء في الأضحية، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-292>باب ما يجزئ من الضحايا عن أكثر من واحد</span>\nباب في كمية ما يجزئ أي: يكفي من الضحايا، بيان بما عن أكثر من واحد، متعلق بيجزئ عن وجه التنازع، أي: باب في بيان أضحية فيها اشتراك سبعة رجال أن يذبحوها للتقرب، وجه المناسبة بين هذا الباب والباب السابق معنى الاختلاف بين الأئمة واتفاقهم.\n٦٣٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا عُمارة بن صياد: أن عطاء بن يسار أخبره أن أبا أيوب صاحب رسول الله - ﷺ - أخبره، قال: كنا نضحّي بالشاة الواحدة يذبحها الرجل عنه وعن أهل بيته، ثم تباهى الناس بعد ذلك، فصارت مباهاة.\nقال محمد: كان الرجل يكون محتاجًا فيذبح الشاة الواحدة يضحي بها عن نفسه؛ فيأكل ويُطعم أهله، فأما شاةٌ تُذبح عن اثنين أو ثلاثة أضحية فهذه لا تجزئ، ولا تجزئ الشاة إلا عن الواحد، وهو قولُ أبي حنيفة والعامة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا أخبرنا عُمارة بضم العين المهملة، وتخفيف الميم الممدودة، فرواها ابن صياد بفتح الصاد المهملة وتشديد التحتية\n_________\n(٦٣٨) إسناده صحيح.","vol":"3","page":191},{"text":"فألف ودال، اسم جده واسم أبيه أكيمة، بضم الهمزة وفتح الكاف وسكون التحتية، وفتح الميم والهاء، مصغر أكمه، وهو الذي وُلِدَ من أمه عمي، يكنى أبا الوليد الليثي، المدني، ثقة كان في الطبقة الثامنة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة إحدى ومائة وهو ابن تسع وسبعين سنة، كذا في (تقريب التهذيب)، أن عطاء بن يسار الهلالي، يُكنى أبا محمد المدني، مولى ميمومة، ثقة فاضل، صاحب مواعظ وعبادة، كان في الطبقة الثانية من طبقات صغار التابعين، من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين، أخبره أن أبا أيوب هو خالد بن زيد الأنصاري صاحب رسول الله - ﷺ - أخبره، قال: كنا نضحّي بالشاة الواحدة أي: من الأغنام يذبحها الرجل عنه أي: عن نفسه وعن أهل بيته أي: تطوعًا، (ق ٦٦٣) ثم تباهى الناس أي: تفاخروا وتكاثروا بعد ذلك، فصارت أي: التضحية مباهاة، أي: مبالغة ومفاخرة، فبعدت عن السنة، فإنما عاب ذلك للمباهاة.\nقال محمد: كان الرجل يكون محتاجًا أي: إلى اللحم وفقيرًا لا يجب عليه التضحية، فيذبح في يوم النحر الشاة الواحدة أي: للتبرك لا للتقرب، يضحي أي: الرجل المسلم المقيم لصاحب النصاب، بها أي: الشاة الواحدة عن نفسه للتقرب، فيأكل أي: صاحب الأضحية عن أضحيته، ويُطعم أهله أي: يطبخ لحم أضحيته ويدعو أتباعه ويحضرهم عنده، ويجعل اللحم المطبوخ بين يديهم، ويأمرهم بأن يأكلوا، ويعطيهم اللحم غير مطبوخ، والإِطعام على هذين المعنيين أعم من الإِعطاء صورته من حنث في يمينه يجوز له أن يُكَفِّر بأن يدعو بعشرة مساكين ويشبعهم في الغداة والعشي، أو يدفع يد كل واحد منهم نصف صاع من بر أو صاعًا من تمر أو شعير، فأما الزكاة وصدقة الفطر فتدفعان بأيدي الفقراء فقط، كما ذكرناه في كتاب الزكاة من (سلم الفلاح).\nفأما شاةٌ واحدة تُذبح بصيغة المجهول، عن اثنين أو ثلاثة أضحية أي: بطريق الوجوب، فهذه أي: أضحية الشاة الواحدة عن متعدد، لا تجزئ أي: لا تكفي، ولا تجزئ الشاة إلا عن الواحد، إذا كانت واجبة عليه، وهذا كالتأكيد لما قبله، وهو أي: جواز أضحية الشاة الواحدة عن رجل واحد، قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n* * *","vol":"3","page":192},{"text":"٦٣٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزّبير المكي، عن جابر بن عبد الله، قال: نحرنا مع رسول الله - ﷺ - بالحُديبيَة البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، البدنة والبقرة تجزئ عن سبعة في الأضحية والهدي؛ متفرقين كانوا أو مجتمعين، من أهل بيت واحد أو غيره، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا، أخبرنا أبو الزّبير المكي، هو محمد بن مسلم الأسدي، مولاهم، صدوق إلا أنه يدلس، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل مكة، مات سنة ست ومائة، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، ﵄، على ما رواه الجماعة إلا البخاري، قال: نحرنا مع رسول الله - ﷺ - بالحُديبيَة أي: عام الحديبية بضم الحاء المهملة وفتح الدال وسكون التحتية وكسر الموحدة وفتح التحتية الثانية المخففة فهاء على المشهور، أو بينه وبين مكة عشرة أميال، أو خمسة عشر ميلًا عن طريق جدة قريبًا من جدة، البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة، على معنى أنهم اشتركوا في الأجر، وكان القياس أنه لا يجوز البقرة أو البعير إلا عن فرد؛ لأن الإِراقة واحدة، وهي القربة، إذ تركناه لهذا الحديث ولا نص في الشاة، فبقيت على أصل القياس، ثم كل من البقرة والبعير يجوز عن ستة، وعن خمسة، وعن ثلاثة، على ما ذكره محمد في الأصل، وعن اثنين على أصح الروايتين؛ لأنه إذا أجاز عن السبعة فعن ما دونهم أولى، ولا يجوز عن ثمانية أخذًا بالقياس فيما لا نص فيه، فكذا أخرج الترمذي (١) وقال: حديث حسن غريب، والنسائي (٢) وأحمد (٣) وابن حبان (٤) في\n_________\n(٦٣٩) صحيح، أخرجه مسلم (٣١٢٧)، والترمذي (١٥٠٢)، وأبو داود (٢٨٠٩)، والنسائي (٢/ ٢٤٢)، وابن ماجه (٣١٣٢)، والبيهقي في الكبرى (٥/ ١٦٨، ١٦٩)، وفي معرفة السنن والآثار (١٤/ ١٩٠٩٦).\n(١) الترمذي (٣/ ٢٤٩).\n(٢) النسائي في الكبرى (٣/ ٥٩)، رقم (٤٤٨٢).\n(٣) أحمد (٥/ ٤٠٦).\n(٤) ابن حبان (٩/ ٣١٨)، (٤٠٠٧) الإِحسان.","vol":"3","page":193},{"text":"(صحيحه) عن ابن عباس ﵄، أنه قال: كنا مع رسول الله - ﷺ - في سفر فحضر الأضحى فاشتركنا في البقرة سبعة رجال، كما قاله علي القاري، لكن إنما يجوز الاشتراك عن سبعة إذا لم يكن لأحدهم أقل من سبع، وهي بضم السين والموحدة والعين المهملة جزء واحد من سبعة أجزاء، حتى إذا مات رجل وترك ابنًا وامرأة وبقرة وضحيا بها لم يجز في نصيب الابن أيضًا لفوات وصف القربة في البعض، وعدم تجزيء هذا الفعل في كونه قربة، كذا نقله صاحب (الدرر) عن (الكافي).\n(ق ٦٦٤) وندب كون الاشتراك قبل الشراء ليكون أبعد عن الخلاف بين الأئمة، حيث قال زفر: من اشترى بدنة لأضحية ثم جعل ستة رجال شركاء له في بدنة مشربة لا يجوز؛ لأنه أعدها للقربة، فلا يجوز بيعها ولا رجوع عنها، كذا في (المورد).\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: إنما يجوز شركة سبعة رجال في بقرة لأضحية ولغيرها من القربات بما رواه أبو الزبير المكي عن جابر بن عبد الله الأنصاري وبغيره، البدنة والبقرة أي: كل منهما تجزئ أي: تكفي عن سبعة في الأضحية والهدي؛ وغيرها من الكفارة والنذر والعقيقة، متفرقين أي: حال كون الشركاء أجانب أو مجتمعين من أهل بيت واحد أو غيره، أي: ولو كانوا من بيوت متعددة إن لم يكن لفرد منهم أقل من سبع، كما ذكر آنفًا ولم يكن أحدهما كافرًا أو يريد اللحم، وهو أي: جواز اشتراك سبعة رجال في الأضحية والهدي، قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، وتقسيم لحم الأضحية وزنًا لأجزاء إلا إذا ضم معه من أكارعها أو جلودها ليكون في جانب شيء من اللحم ومن الأكارع أو ليكون في كل جانب شيء من اللحم وبعض الجلد فحينئذٍ يجوز صرفًا للجنس إلى خلاف الجنس.\nلما فرغ من بيان ما يجزئ من الضحايا عن أكثر من واحد، شرع في بيان الذبائح، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-293>باب الذبائح</span>\nباب في بيان الذبائح، جمع ذبيحة، فعيل بمعنى مفعول يعني: مذبوح، ويستوي فيه المذكر والمؤنث، ويقال للمذبوح: ذبيحة، والتاء للنقل من الوصفية إلى الاسمية","vol":"3","page":194},{"text":"فيكون الذبيحة اسمًا للحيوان المذبوح، وهو أي: الباب في اللغة: النوع سطلقًا، وفي العُرف: نوع من المسائل التي اشتمل عليها الكتاب، كذا قاله الشمني.\nقوله: بابٌ بالتنوين، خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هذا باب أو بالوقوف فلا نصيب له من الإِعراب، فإضافة الباب إلى الذبائح بمعنى في تقديره: هذا باب كائن في بيان الذبائح، وإضافته إليها من قبيل إضافة العام إلى الخاص، وإنما اختار المصنف الذبائح بلفظ الجمع إشعارًا إلى أنواع الذبيحة فإن بعضه مباح الأكل وبعضه حرام، أما مباحه: ما ذُبح بذكر اسم الله تعالى عليه، وأما حرامه فما ذبح ولم يذكر اسم الله عليه، وأنه فسق، والناسي لا يسمى فاسقًا كما هو ظاهر في الآية، وإنما قدم باب ما يجزئ من الضحايا عن أكثر من واحد على باب الذبائح اعتناءً لشأن الضحايا؛ لأنها تذبح للتقرب إلى الله تعالى. والمناسبة بين هذا الباب والباب السابق معنى إراقة الدم مطلقًا.\n٦٤٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار: أن رجلًا كان يرعى لِقْحة له بأُحُدِ، فجاءَها الموت فذكّاها بشِظاظٍ، فسأل رسول الله - ﷺ - عن أكلها، فقال: \"لا بأس بها فكلوها\".\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا، أخبرنا زيد بن أسلم، أي: العدوي مولى عمر، يكنى أبا عبد الله أو أبا أسامة المدني، ثقة، عالم كان يرسل، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة ست وثلاثين، عن عطاء بن يسار الهلالي، يُكنى أبا محمد المدني، مولى ميمومة، ثقة فاضل، صاحب مواعظ وعبادة، كان في الطبقة الثانية من صغار التابعين، من أهل المدينة، ومات سنة أربع وتسعين، كذا في (تقريب التهذيب) (١)، أن رجلًا أي: من الأنصار من بني حارثة، وهو بطن من الأوس، كان يرعى لِقْحة له بكسر اللام وسكون القاف والحاء المهملة المفتوحة فهاء: ناقة ذات لبن، بأُحُدِ وهو بضمتين: جبل عظيم (ق ٦٦٥) قريب من\n_________\n(٦٤٠) صحيح، أخرجه البخاري في الذبائح (٥٥٠٥)، وابن ماجه (٣١٨٢)، وأحمد (٦/ ٣٨٦)، والطبراني في الكبير (١٩/ ١٩٠).\n(١) التقريب (١/ ٣٩٢).","vol":"3","page":195},{"text":"المدينة، وقد ورد في حقه: \"أُحُدٌ جبل يحبنا ونحبه\"، فجاءَها أي: فأصاب اللقحة الموت أي: مقدماته، فذكّاها بتشديد الكاف، أي: فذبحها، كما في نسخة، بشِظاظٍ بكسر السين المعجمة وإعجام الظائين: العود المحدد، وفسِّر في بعض طرق الحديث بالوتد، كذا نقله علي القاري عن السيوطي، وفي رواية أيوب: فنحرها بوتد، فقلت لزيد وتد من حديد ومن خشب؟ قال: بل من خشب، وفي رواية يعقوب بن جعفر عن زيد عن عطاء، فأخذها الموت فلم يجد شيئًا ينحرها به، فأخذ وتدًا فذكاها به، حتى طرق دمها، فعلى هذا فالشظاظ الوتد، فسأل رسول الله - ﷺ - عن أكلها، فقال. \"لا بأس أي: لا كراهة بها كلوها، وفي نسخة: فكلوها بالفاء أمر إباحة، ففيه دليل على أن الذبح يحل بكل ما فيه حدة كالقصب والحجر، قال أبو عمر، أي: ابن عبد البر: هذا مرسل عند جميع الرواة، ووصله أبو العباس محمد بن إسحاق السراج من طريق أيوب والبزار من طريق جرير بن حازم، كلاهما عن زيد عن عطاء عن أبي سعيد الخدري.\n* * *\n\n٦٤١ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن رجل من الأنصار: أن معاذ بن سعد - أو سعد بن مُعاذ - أخبره أن جارية كانت لكعب بن مالك ترعى غنمًا له بسَلْع، فأصيبت منها شاة فأدركتها فذبحتها بحجر، فسئل رسول الله - ﷺ - عن ذلك فقال: \"لا بأس بها فكلوها\".\nقال محمد: وبهذا كله نأخذ، كل شيء أفرى الأوداج وأنهر الدم فذبحتَ به فلا بأس بذلك، إلا السن والظفر والعظم، فإنه مكروه أن يذبح بشيءٍ منه، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا، أخبرنا نافع بن عبد الله المدني، مولى ابن عمر، ثقة ثبت فقيه، مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة، عن رجل من الأنصار، يحتمل أنه\n_________\n(٦٤١) صحيح، انظر ما تقدم.","vol":"3","page":196},{"text":"ابن كعب بن مالك، كما في رواية البخاري عن عبد الله عن نافع عن ابن كعب بن مالك عن أبيه، والابن عبد الرحمن، كما رجحه الحافظ، وقيل: عبد الله، وبه جزم المزي في (الأطراف)، أن معاذ بن سعد أو سعد بن مُعاذ شك من الراوي، وسعد هذا أشهلي، أسلم بالمدينة بين العقبة الأولى والثانية، وأسلم بإسلامه بنو عبد الأشهل، ودارهم أول دار أسلمت من الأنصار، وسماه رسول الله - ﷺ - سيد الأنصار، شهد بدرًا وأُحدًا وغيرها، أخبره أن جارية أي: لا تسم لكعب بن مالك الأنصاري والصحابي الخزرجي، شهد العقبة الثانية، وكان أحد شعراء النبي - ﷺ -، وهو أحد الثلاثة الذين تخلفوا عن رسول الله - ﷺ - في غزوة تبوك، وكف بصره في آخر عمره، كانت ترعى غنمًا له أي: قطعة غنم لكعب بن مالك، بسَلْع، بفتح السين المهملة، وسكون اللام، فعين مهملة: جبل بالمدينة، ومتعلق بترعى، فأصيبت منها شاة بصيغة المجهول، أي: أصابت مقدمة الموت شاة من تلك الغنم، فأدركتها أي: الجارية بتلك الشاة حيّة، فذبحتها بحجر، وفي نسخة: ثم ذبحها ولكنه بمعنى الفاء التعقيبية، كما قال تعالى في سورة المؤمنون: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ [المؤمنون: ١٤]، فسئل رسول الله - ﷺ - عن ذلك فقال: \"لا بأس بها فكلوها\". والحديث أخرجه البخاري أيضًا عن كعب بن مالك، أن جارية كانت لهم ترعى بسلع فأبصرت شاة من غنمها موتًا فكسرت حجرًا فذبحتها، (ق ٦٦٦) فقال كعب لأهله: لا تأكلوا حتى آتي النبي - ﷺ - فأسأله أو حتى أرسل إليه، فأتى النبي - ﷺ - أو بعثه إليه فأمر النبي - ﷺ - بأكلها، فالأمر باقي، وفيه جواز التزكية بالحجر، وجواز ما ذبحته المرأة سواء كانت حرة أم أمة كبيرة كانت أو صغيرة، طاهرة كانت أو غير طاهرة؛ لأنه - ﷺ - أباح ما ذبحته ولم يستفصل، وهذا قول الجمهور، ومالك في (المدونة)، والشافعي، ونقل ابن عبد الحكم عن مالك الكراهة، وأخرجه البخاري عن إسماعيل عن مالك، وتابعه عبيد الله وجويرية بن إسماعيل عند البخاري، والليث بن سعد عند الإِسماعيلي وعلَّقه البخاري الثلاثة عن نافع، كذا قاله الزرقاني (١).\nقال محمد: وبهذا كله نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه سعد بن معاذ، كل شيء أفرى بفتح الهمزة وسكون الفاء قراءة مفتوحة وتحتية على وزن أقطع لفظًا ومعنًا،\n_________\n(١) في شرحه (٣/ ١٠٩).","vol":"3","page":197},{"text":"الأوداج بفتح الهمزة وسكون الواو ودال مهملة، فألف وجيم: جمع ودج، أي: العروق التي تحيط بالعنق لقطع في الذبح، أي: كل محدة تشق العروق المحيطة بالعنق، وأنهر الدم أي: أساله وكثر، فذبحتَ به فلا بأس بذلك، أي: الذبح بكل ما وصف، إلا السن والظفر بفتحتين وسكون الثاني، وبكسر السين وتشديد النون، وذلك لما أخرجه البخاري (١) عن عبادة بن رفاعة بن رافع عن جده، أنه قال: يا رسول الله، ليس لنا مدي، فقال: \"ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل، ليس الظفر والسن، أما الظفر فمدي الحبشة، وأما السن فعظم\"، والعظم أي: مطلقًا، فإنه مكروه أن يذبح بشيءٍ منه، وذلك أن العظم يتنجس بالدم إذا ذبح به، وقد نهينا عن تنجيسه لأنه زاد إخواننا من الجن، وأما الظفر فإن الجِنَّة يحلونه محل المدي، ومذهبنا النهي عن التشبه بالكفار، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\nقال صاحب (الهداية): فكلموا في معنى المكروه والمروي عن محمد نصًا أن كل مكروه حرام؛ إلا أنه لم يجد نصّا قاطعًا لم يطلق عليه لفظ الحرام، وعن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه إلى الحرام أقرب. انتهى. وهذا في كراهة التحريم، وفي (الحاشية اليعقوبية) أن المكروه كراهة التنزيه، وعند محمد كان تركه أولى مع عدم المنع عن الفعل، ويقابله المندوب، أي: ما كان فعله أولى مع عدم المنع عن الترك. انتهى.\nوفي كلام ابن الهمام أن الحرام في مقابلة الفرض، وكراهة التحريم في مقابلة الوجوب، وكراهة التنزيه في مقابلة السنة، كما قاله علي القاري.\n* * *\n\n٦٤٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيّب أنه كان يقول ما ذبح به إذا بَضَعَ فلا بأس به إذا اضْطُررتَ إليه.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا بأس بذلك كلِّه، على ما فسرت لك، وإن\n_________\n(١) البخاري (٥٢٢٣)، (٥/ ٢١٠٦).\n(٦٤٢) إسناده صحيح.","vol":"3","page":198},{"text":"ذُبِح بسنٍّ أو ظفر منزوعين فأفرى الأوْداج وأنْهر الدم أكل أيضًا، وذلك مكروه وإن كانا غير منزوعين فإنما قتلها قتلًا فهي ميتة لا تؤكل، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: قال: ثنا، أخبرنا يحيى بن سعيد بن حزن بن وهب بن عمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار، كان في الطبقة الأولى من كبار التابعين، من أهل المدينة، اتفقوا على أن مرسلاته (ق ٦٦٧) أصلح المراسيل، وقال المدني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه، مات بعد التسعين بيسير، وهو ابن أربع وثمانين سنة، أنه كان يقول ما أي: جارح ذبح به بصيغة المجهول إذا بَضَعَ بفتح الموحدة وتشديد الضاد المعجمة، وقد يخفف أي: إذا قطع الحلقوم والودجين، فلا بأس به، أي: لا كراهة في الذبح بالمحددة، إذا اضْطُررتَ إليه، أي: إن احتجت إليه في الذبح أشد الاحتياج، وإلا فالمستحب الذبح بالحديد المشحوذ لحديث: \"وليحد شفرته\"، وذكاة الضرورة جرح أين ما كان من البدن، وذكاة الاحتياج بين الحلق واللبة وهي الصدر، وعروق الذبح الحلقوم وهي مجرى النفس، والمريء، وهي مجرى الطعام والشراب، والودجان، وهما مجرى الدم، وهل الذبح بقطع الثلاث منهما، عند أبي حنيفة، وهو قول أبي يوسف أولًا، ثم رجع إلى أنه لا بد من قطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين، وعن محمد أنه لا بد من قطع أكثر من واحد من الأربعة، وهو رواية عن أبي حنيفة.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله سعيد بن المسيب: لا بأس بذلك كلِّه، أي: لا كراهة في الذبح بكل محدة، على ما فسرت لك، أي: بينت وسرحت فإن في نسخة: وإن بالواو ذُبِح بسنٍّ أو ظفر منزوعين أي: مقطوعين ومفصولين عن محلهما، فأفرى الأوْداج وأنْهر أي: أسال الدم أكل أيضًا، أي: كما أكل المذبوح بكل محدة وفيه خلاف للشافعي، وذلك مكروه؛ لأن في الذبح بسن أو ظفر تشبه بالكفار كما مرّ، لكن ينبغي التحرز أو يستحب الخروج من الخلاف؛ ولأن الدليل من الحديث مطلق، فإن كانا أي: السن والظفر غير منزوعين بأن يكونا قائمين في محلهما، فإنما قتلها أي: الذبح قتلًا، أي: غير ذبح شرعي، فالضمير المنصوب عائد إلى المذبوح باعتبار النفس، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، أو باعتبار الميتة، كما فسرت","vol":"3","page":199},{"text":"بقوله: فهي ميتة لا تؤكل، وهو قولُ أبي حنيفة نعمان بن ثابت بن طاوس بن هرمز بن مالك بن شيبان الكوفي، كان في الطبقة السادسة من طبقات صغار التابعين، من أهل الكوفة، مات ببغداد في سنة خمسين ومائة بعد الهجرة، وهو ابن سبعين سنة.\nلما فرغ من بيان حكم الذبائح، شرع في بيان حكم الصيد، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-294>باب الصيد وما يُكره أكله من السباع وغيرها</span>\nباب في حكم الصيد أي: مطلقًا، سواء كان حلالًا أكله أو حرامًا، وهو مصدر من صاد يصيد، وقد يطلق على المصطاد، والمراد هنا الاصطياد، وما أي: وبيان حكم المصطاد يكره من السباع، بيان بما نحو الأسد والفهد والثعلب والذئب وغيرها، لكن يجوز اصطيادها للانتفاع بجلدها وغيره.\nوجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق معنى الحل والحرمة فيهما.\n٦٤٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن أبي إدريس الخَوْلاني، عن أبي ثعلبة الخُشَني: أن رسول الله - ﷺ - نهى عن أكل كل ذي نابٍ من السباع.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، المدني، ثقة فقيه، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، عن أبي إدريس الخَوْلاني، بفتح الخاء المعجمة، وسكون الواو واللام الممدودة فنون مكسورة فتحتية نسبة إلى خولان بن مالك، كان ابن عبد الله، ولد في حياة النبي - ﷺ - يوم حنين، وسمع من كبار الصحابة، وكان في الطبقة الثانية من طبقات كبار التابعين، من أهل الشام، كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، قال سعيد بن عبد العزيز: كان أبو إدريس الخولاني عالم الشام بعد أبي الدرداء، مات سنة ثمانين بعد الهجرة، كما قاله ابن حجر. عن أبي ثعلبة الخُشَني ﵁، بضم الخاء المعجمة، وفتح الشين المعجمة بعدها نون، منسوب إلى بني خشين، صحابي مشهور بكنيته، بايع\n_________\n(٦٤٣) صحيح، أخرجه البخاري (٥٢١٠)، ومسلم (١٩٣٢)، وغيرهما.","vol":"3","page":200},{"text":"النبي - ﷺ - بيعة الرضوان، وأرسله إلى قومه فأسلموا، وقيل: اسمه جرثوم أو جرثمة أو جرثم، أو جرهم، أو لاثر، أو لاشر، أو لاشق، أو لاسوق، واختلف في اسم أبيه أيضًا، فقيل: عمرو، أو قيل: قيس، وغير ذلك، قال ابن الكلبي: قال أبو ثعلبة الخشني: إني لأرجو الله أن لا يحنقني كما أراكم تحنقون عند الموت، فبينما هو يصلي في جوف الليل قُبِضَ وهو ساجد، فرأت ابنته في النوم أن أباها قد مات، فاستيقظت فزعة فقالت: أين أبي؟ فقيل لها: في صلاة، فنادته فلم يجبها، فوجدته ساجد فحرَّكته، فسقط ميتًا، سكن الشام أو حمص، ومات سنة خمس وسبعين، وقيل غير ذلك بكثير بعد الأربعين في أواخر خلافة معاوية، كما قاله الزرقاني، أن رسول الله - ﷺ - نهى أي: نهي تحريم عن أكل كل ذي نابٍ، قال ابن الأثير: الناب السن التي خلف الرباعية، والمراد كل ذي ناب مطلقًا، أو المراد ناب يعدو به ويصول على غيره ويصطاد ويعدو بطبعه غالبًا، بخلاف غير العادي كثعلب وضبع، وبه قال الليث والشافعي، وأصحاب مالك المدنيين، من السباع، بكسر السين المهملة جمع السبع بفتح وضم ويسكن بها وبها قُرئ قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ الآية [المائدة: ٣]، وقيل: سُمي به لأنه يمكث في بطن أمه سبعة أشهر، ولا تلد الأنثى أكثر من سبعة أولاد، ولا ينزو الذكر من الأنثى إلا بعد سبع سنين من عمره، كما قاله علي القاري، فمن للتبعيض أو للجنس، إذ المراد يعدو به كما علم بقرنية قوله: ناب، ولم يقل: كل سبع تنبيهًا على الافتراس والتعدي وإلا فلا فائدة بذكر الناب، إذ السباع كلها ذات أنياب، وقد ورد في حل الضبع أحاديث لا بأس بها، وأما الثعلب فورد في تحريمه حديث خزيمة بن جزء عند الترمذي وابن ماجه، ولكن سنده ضعيف، كما في (الفتح)، وقال في (النهاية): ذكر في بعض المواضع أن الخفاش يؤكل، وذُكِرَ في بعضها أنه لا يؤكل لأنه من السباع. انتهى.\n* * *\n\n٦٤٤ - أخبرنا مالك، حدثنا إسماعيل بن أبي حكيم، عن عُبَيْدة بن سفيان الحضرمي، عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"أكل كل ذي نابٍ من السباع حرام\".\n_________\n(٦٤٤) صحيح، انظر السابق.","vol":"3","page":201},{"text":"قال محمد: وبهذا نأخذ، يكره أكل كُلّ ذي نابٍ من السباع، وكلِّ ذي مِخْلب من الطير، ويكره من الطير أيضًا ما أكل الجيفَ مما له مِخلب، أو ليس له مخلب، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، وقول إبراهيم النَّخَعي.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: قال: ثنا، حدثنا إسماعيل بن أبي حكيم القرشي مولاهم المدني، ثقة، كان في الطبقة السادسة، من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة ثلاثين ومائة بعد الهجرة، عن عَبَيْدة بفتح العين المهملة وكسر الموحدة، ابن سفيان بن الحارث الحضرمي، أي: منسوب إلى حضرموت المدني التابعي الثقة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين، من أهل المدينة، مات بعد المائة، عن أبي هريرة، ﵁، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"أكل كل ذي نابٍ من السباع حرام\".\n(ق ٦٦٩) فذكره بلفظ حديث أبي ثعلبة الخشني على رواية يحيى، وهو نص في حرمة الحيوان المفترس، ورواه مسلم من طريق ابن مهدي، وابن وهب عن مالك به، قال مالك: وهو الأمر المعمول به عندنا بالمدينة، قال الترمذي: وعليه العمل عند أكثر أهل العلم، وعن بعضهم لا يحرم، وظاهر مذهب (الموطأ) التحريم.\nورواه ابن وهب وابن عبد الحكم عن مالك نصًا، ورجحه ابن عبد البر، وقيل: مكروه عملًا على الكراهة، ولفظ حرام شذ به يحيى عن رواية (الموطأ) في حديث أبي ثعلبة لكنهم اتفقوا على لفظ حرام في حديث أبي هريرة، فيُحمل على المنع الصادق على الكراهة، وهو المشهور في المذهب، كما قال ابن العربي وغيره، وظاهر المذهب لقول مالك فيها: لا أحب أكل السبع والثعلب والذئب والهرة الوحشي والإنسي ولا شيء من السباع، والقول الثالث لأصحاب مالك المدنيين الفرق بين ما يعدو كالأسد والنمر فيحرم، وبين ما لا يعدو كالضبع والهرة والثعلب والذئب فيكره، نقله عنهم ابن حبيب، ووجه المشهور قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية [الأنعام: ١٤٥]، فإنه يدل على عدم غير ما فيها لكن نفي الحرمة لا يقتضي الحل عينًا، بل يحتمل الكراهة أيضًا، فاحتيط بذلك، وتعقب بأن الآية مكية، وحديث التحريم بعد الهجرة باتفاق، وبأنها خرجت مخرج الرد على شيء خاص وهو ما حكى الله عنهم بقوله","vol":"3","page":202},{"text":"تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٩]، وأُجيب بأن الحديث لا دليل فيه على الحرمة لاحتمال أكل مصدر مضاف إلى الفاعل، فيكون كقوله تعالى في سورة المائدة: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ [المائدة: ٣]، وقال ابن عبد البر: إن النهي أن تنظر إلى ما ورد فيه، فإن ورد على ملكك فهو نهي إرشاد كالأكل بالشمال وأخذ الكتاب به، والاستنجاء باليمين، وما ورد غير ملكك فهو على التحريم كالشفاء، وعن قليل ما أُسكر كثيره، وعن بيع حبل الحبلة، واستباحة الحيوان من هذا القسم، قال: وحمل النهي عن التنزيه ضعيف لا يعضده دليل صحيح. انتهى، وهو على اختياره ترجيح التحريم، كذا قاله الزرقاني (١).\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه عبيدة بن أبي سفيان بن الحارث الحضرمي عن أبي هريرة ﵁، يكره أي: يحرم أكل كُلّ ذي نابٍ من السباع، وكلِّ ذي مِخْلب من الطير، لما روى أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله - ﷺ - نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وعن كل ذي مخلب من الطير، ويكره أي: يحرم من الطير أيضًا أي: كما يحرم أكل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير ما أكل الجيفَ بكسر ففتح جمع جيفة، وهي: النجاسة، مما له مِخلب، أو ليس له مخلب، أي: هما سيان، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، وقول إبراهيم النَّخَعي.\nلما فرغ من بيان حكم الصيد الذي يكره أكله من كل ذي ناب ومخلب، شرع في بيان حكم الضب، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-295>باب أكل الضب</span>\nباب في بيان حكم أكل الضب، بفتح الضاد المعجمة، وتشديد الموحدة دويبة معروفة بأرض اليمن وأرض نجد، ولم تكن بأرض الحجاز، يقال لها باللسان التركي: (كلي)، وإنما سميت ضبًا لقربها (ق ٦٧٠) إلى الأرض؛ لأن الضب في الأصل الالتصاق\n_________\n(١) في شرحه (٣/ ١٢١).","vol":"3","page":203},{"text":"بأرض، كذا قاله محمد الواني في (ترجمة الجوهري)، قال السيوطي: الضب دويبة لطيفة من خصياته أن له ذكرين في أصل واحد، يعيش سبعمائة سنة ولا يشرب الماء، بل يكتفي بالنسيم، وهو ريح الصباح، ويبول في كل أربعين يومًا قطرة، ولا يسقط له سن، وما أحسن قول حاتم الأصم شعرًا:\nوكيف أخاف الفقر والله رازقي ... ورازق هذا الخلق في العسر واليسر\nيكفل بالأرزاق للخلق كلهم ... فللضب في البيداء وللحوت في البحر\nوالمناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق ظاهرة.\n٦٤٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن أبي أُمامة بن سهل بن حُنيف عن عبد الله بن عباس، عن خالد بن الوليد بنِ المغيرة، أنه دخل مع رسول الله - ﷺ - بيت ميمونة زوج النبي - ﷺ -، فأُتي بضبّ مَحْنوذ فأهْوى إليه رسول الله - ﷺ - بيده، فقال بعض النسوة اللاتي كنّ في بيت ميمونة: أخبروا رسول الله - ﷺ - بما يريد أن يأكل منه، فقيل: هو ضبّ، فرفع يده، فقلتُ: أحرامٌ هو، قال: \"لا، ولكنه لم يكن بأرض قومي؛ فأجدُني أعافه\"، قال: فاجْتَرَرْتُه، فأكلتُ ورسول الله - ﷺ - ينظر.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: قال: بنا، وفي أخرى: ثنا، أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، عن أبي أُمامة أي: سعد أو أسعد بن سهل بن حُنيف بالتصغير الأنصاري، له رؤية، وأبوه صحابي بدري، عن عبد الله بن عباس، عن خالد بن الوليد بن المغيرة، أي: المخزومي، يقال له: سيف الله، أنه أي: خالد بن الوليد دخل مع رسول الله - ﷺ - بيت ميمونة زوج النبي - ﷺ -، فأُتي بفتح الهمزة، أي: فجيء بضبّ مَحْنوذ، بفتح الميم وسكون\n_________\n(٦٤٥) صحيح، أخرجه البخاري (٥/ ٢٠٦٠)، ومسلم (٣/ ١٥٤٣)، وأبو داود (٣/ ٣٥٣)، والنسائي (٧/ ١٩٧)، وابن حبان (١٢/ ٦٩)، وأبو عوانة في مسنده (٥/ ٣٨)، والدارمي (٢/ ١٢٨)، والشافعي في مسنده (١/ ١٦٨)، وأحمد في المسند (١/ ٣٣٢).","vol":"3","page":204},{"text":"الحاء المهملة، وضم النون، فواو ساكنة، ثم ذال معجمة، أي: مشوي بالحجارة المحماة بالنار، ومنه قوله تعالى في سورة هود: ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود: ٦٩]، فأهْوى بفتح الهمزة وسكون الهاء وفتح الواو فتحتية، أي: مد إليه أي: إلى الضب المشوي رسول الله - ﷺ - وكم يده أي: ليأخذه فيأكله، فقال بعض النسوة التي، وفي نسخة: اللاتي كنّ في بيت ميمونة أي: لم يسم النسوة، والقائل ميمونة، كما في مسلم وغيره: أخبروا رسول الله - ﷺ - بما يريد أن يأكل منه، والمعنى: سموه باسمه لمعرفة حكمه، فقيل: أي: بعضهن: هو ضبّ، ولفظ مسلم من طريق ابن الأصم عن ابن عباس، فقالت ميمونة: يا رسول الله إنه لحم ضب، فرفع يده، أي: امتنع من أكله، قال خالد: فقلتُ: أحرامٌ هو؟ أي: حيث امتنعت من أكله؟ قال: \"لا، أي: ليس بحرام، ولكنه أي: الضب لم يكن بأرض قومي؛ أي: من الحجاز الذي يسكنه قريش، فأجدُني أي: نفسي وطبعي أعافه\"، بفتح الهمزة وضم الفاء، أي: أكرهه، ومعنى الاستدراك هنا تأكيد الخبر، كأنه لما قال: \"ليس بحرام\" قيل: ولم لا تأكله أنت؟ قال: \"لأنه لم يكن بأرض قومي\"، والفاء للسببية في فأجدني، قال: أي: خالد بن الوليد، كما رواه ابن بكير بن الأشج عن مالك: فاجْتَرَرْتُه، بجيم ساكنة ففوقية فراء مكسورة، أي: جررته فأكلتُ، وفي نسخة: فاجتذبته فأكلته، ورسول الله - ﷺ - ينظر، فاجتمع فيه الدليل القولي والتقريري على جواز أكله خلافًا لقول صاحب (الهداية) من الحنفية يكره لنهيه - ﷺ - عائشة لما سألته عن أكله، لكنه ضعيف فلا يُحتج به، وحكى عياض تحريمه عن قوم، قال النووي: وما أظنه يصح عن أحد.\nقال أبو عمر ابن عبد البر: فيه أن - ﷺ - لا يعلم الغيب، وإنما يعلم منه ما يظهره الله عليه، وأن النفوس تعاف ما لم تعهد، وحل الضب؛ وأن من الحلال ما تعافه النفس، وأن الحرمة والحل ليسا مردودين إلى الطباع، وإنما الحرام ما حرمه الكتاب والسنة، وكان في معنى ما حرمه أحدهما، قال: ودخول خالد وابن عباس (ق ٦٧١) بيت ميمونة، وفيه النسوة كان قبل نزول الحجاب. انتهى.\nوليس يلازم أن يجوز أنه وبعده وهن مستترات، وأما ميمونة فخالة ابن عباس، وخالد بن الوليد. انتهى.\n* * *","vol":"3","page":205},{"text":"٦٤٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، قال: نادى رجل رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله، كيف ترى في أكل الضب؟ قال: \"لستُ بآكله ولا مُحَرِّمه\".\nقال محمد: جاءَ في أكل الضبّ اختلاف، فأما نحن فلا نرى أن يُؤكل.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا، أخبرنا عبد الله بن دينار، العدوي، مولاهم يُكنى أبا عبد الرحمن المدني، مولى ابن عمر، ثقة، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة سبع وعشرين ومائة، كذا في (تقريب التهذيب)، عن عبد الله بن عمر، ﵄ أنه قال: نادى رجل، وفي نسخة: سأل رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله، كيف ترى أي: أي شيء تختار في أكل الضب؟ أي: أيحل أكله أم يحرم؟ قال: \"لستُ بآكله بمد الهمزة، ولا مُحَرِّمه\"، رواه مسلم أيضًا، قال ابن العربي: سبب عدم أكله، لاستكراهه عن رائحته، فيكون من باب أكل البصل والثوم ولنزول عليه الملك بالوحي، كما روى ابن بكير بن الأشج عن مالك، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري المازني، عن سليمان بن يسار الهلالي، أنه قال مرسلًا: دخل رسول الله - ﷺ - بيت ميمونة بنت الحارث الهلالية، أم المؤمنين، فأُتي بضباب فيها بيض ومعه عبد الله بن عباس وخالد بن الوليد، فقال - ﷺ -: \"من أين لكم هذا؟ \" فقالت ميمونة: أهدته إليَّ أختي هزيلة بنت الحارث، فقال لعبد الله بن عباس وخالد بن الوليد: \"كُلا\"، فقالا: أفلا تأكل أنت يا رسول الله؟ فقال: \"إني يحضرني من الله حاضرة\"، أي: يجيء ملك بالوحي، فلا ينبغي أن يجد عندي رائحة لا يرضى عنها.\nقال محمد: قد جاءَ في أكلة وفي نسخة: في أكل الضب اختلاف، أي: في الأحاديث، فأما نحن أنا مع أصحاب أبي حنيفة، فلا نرى أي: لا نختار أن يُؤكل، أي: الضب، احتياطًا، لتعارض الأدلة.\n* * *\n_________\n(٦٤٦) أخرجه النسائي (٧/ ١٩٧)، وأحمد في المسند (٢/ ٣٣، ٦٢)، وابن سعد في الطبقات (١/ ٢/ ١٢٢)، وعبد الرزاق في المصنف (٨٦٧٢)، والعقيلي في الضعفاء (٣/ ٤٥٢).","vol":"3","page":206},{"text":"٦٤٧ - أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد عن إبراهيم عن عائشة أنه أُهدي لها ضب، فأتاها رسول الله - ﷺ - فسألته عن أكله فنهاها عنه، فجاءَت سائلة فأرادت أن تطعمها إياه، فقال لها رسول الله - ﷺ -: \"أتطعمنها مما لا تأكلين\".\n• أخبرنا أبو حنيفة، نعمان بن ثابت بن طاوس بن هرمز بن مالك بن شيبان، سلطان المجتهدين في المذهب، الإِمام الأعظم، كان في الطبقة السادسة من طبقات صغار التابعين، فإنه ولد في عهد الصحابة سنة ثمانين بعد الهجرة، ومات سنة خمسين ومائة ببلدة بغداد، كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، وهو ابن سبعين سنة في أشهر الروايات.\nعن حماد أي: ابن مسلم يكنى أبا سليمان مولى إبراهيم بن أبي موسى الأشعري، كان في الطبقة الخامسة من طبقات فقهاء أهل الكوفة، مات سنة عشرين ومائة (١)، عن إبراهيم بن يزيد النخعي بن الأسود بن عمرو بن ربيعة بن الحارث بن سعد بن مالك، كان في الطبقة الرابعة من طبقات كبار التابعين، من أهل الكوفة، مات سنة ست وتسعين، وقيل: خمسة ومائة، وهو ابن ست وأربعين سنة. عن عائشة ﵂، أنه أي: الشأن أهدي يصيغة المجهول لها ضب، فأتاها أي: جاء رسول الله - ﷺ - فسألته أي: عائشة عن أكله فنهاها عنه، أي: عن أكله، فجاءَت سائلة أي: امرأة فقيرة، فأرادت أي: عائشة أن تطعمها إياه، أي: الضب، فقال لها أي: لعائشة رسول الله - ﷺ -: \"أتطعمنها مما لا تأكلين\" أنتِ يا عائشة؟\n* * *\n\n٦٤٨ - قال محمد: أخبرنا عبد الجبار، عن ابن عباس الهمدانيّ، عن عزيز بن مَرثَد، عن الحارث، عن علي بن أبي طالب ﵁: أنه نهى عن أكل الضبّ والضبع.\nقال محمد: فترْكه أحبّ إلينا من أكله، وهو قول أبي حنيفة.\n_________\n(٦٤٧) أخرجه أبو حنيفة في مسنده (٢/ ٢٣٨).\n(١) التقريب (١/ ١٣٨).","vol":"3","page":207},{"text":"• قال محمد: أخبرنا عبد الجبار بن العلاء بن عبد الجبار العطار البصري، يُكنى أبا بكر، نزيل مكة، لا بأس به، كان في الطبقة العاشرة من طبقات صغار التابعين من (ق ٦٧٢) أهل البصرة، مات سنة ثمان وأربعين ومائة بعد الهجرة، كذا قاله ابن حجر (١)، عن ابن عباس الهمدانيّ، بفتح الهاء وسكون الميم، نسبة إلى قبيلة، عن عزيز بن مَرثَد، عن الحارث، عن علي بن أبي طالب ﵁: أنه نهى عن أكل الضبّ والضبع، بضم الضاد المعجمة، وفتح الموحدة: والعين المهملة، يقال له باللسان التركي: (سرثلان) و(ياللي فورت)، قال أبو حنيفة: الضبع حرام، وبه قال سعيد بن المسيب، والثوري مجتمعين بأنه ذو ناب من السباع، وقد نهى رسول الله - ﷺ - عن أكل كل ذي ناب من السباع، وقال مالك: يُكره أكلها، والمكروه عنده ما أثم بأكله ولا يقطع بتحريمه، وفي البيهقي (٢) عن عبد الله بن مغفل السلمي قال: قلتُ: يا رسول الله، ما تقول في الضبع، قال: \"لا آكله ولا أنهى عنه\"، وقال الشافعي: حل أكله مستدلًا بما روى عبد الرحمن بن أبي عمار قال: سألتُ جابر بن عبد الله عن الضبع أصيد هو؟ قال: نعم، أخرجه الترمذي (٣)، وقال: حسن صحيح.\nقال محمد: فترْكه أي: ترك لحم الضب، أحبّ إلينا من أكله؛ لأنه أحوط في حقه، وهو قول أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، وقال بعض علمائنا: إنه لا يحل الحشرات؛ لأنها من الخبائث، وقد قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وأما ما رُوي من إباحة أكل الضب فمحمول على ابتداء الإِسلام قبل أن يحرم الخبائث.\nلما فرغ من بيان حكم أكل الضب، شرع في بيان أكل السمك الذي رماه البحر، فقال: هذا\n* * *\n_________\n(١) في التقريب (١/ ٣٣٢).\n(٢) في الكبرى (٩/ ٣١٩).\n(٣) الترمذي (٤/ ٢٥٢) رقم (١٧٩١).","vol":"3","page":208},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-296>باب ما لفظه البحر من السمك الطافي وغيره</span>\nباب في بيان حكم ما لفظه أي: طرحه البحر أي: إلى الساحل من السمك، بيان بما الطافي صفة السمك، قال المطرزي في (المغرب): طفا الشيء فوق الماء يطفو طفوًا إذا علا، ومنه السمك الطافي، وهو الذي يموت في الماء فيعلو ويظهر، أي: يعلو فوق الماء ولم يرسب، وغيره، أي: غير السمك مما يعيش في الماء.\nوجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق الاصطياد سواء كان صيد البر أو البحر.\n٦٤٩ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن عبد الرحمن بن أبي هريرة سأل عبد الله بن عمر، عمّا لفظه البحر، فنهاهُ عنه، ثم انقلبَ فدعا بالمصحف، فقرأ ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ قال نافع: فأرسلني إليه: أن ليس به بأس فكله.\nقال محمد: وبقول ابن عمر الآخر نأخذ؛ لا بأس بما لفظه البحر وما حَسَر عنه الماء، إنما يكره من ذلك الطافي، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا، حدثنا نافع، أي: ابن عبد الله المدني، مولى ابن عمر، ثقة فقيه، ثبت مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة، أن عبد الرحمن بن أبي هريرة وقيل: ليس لعبد الرحمن هذا في (الموطأ) حديث غيره، سأل عبد الده بن عمر، عمّا أي: عن السمك الذي لفظه بالفاء والظاء المعجمة المفتوحتين، ماضي يلفظ من باب ضرب أي: طرحه البحر، فنهاهُ عنه، أي: عن أكله، ثم أي: بعد نهيه عن أكله، انقلبَ أي: رجح ابن عمر عن قوله بالنهي عن أكل السمك الذي رماه البحر، فدعا بالمصحف، أي: طلب احتياطًا، فالباء زائدة، فقرأ قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾ أيها الناس حلالًا كنتم أو محرمين صَيْدُ الْبَحْرِ أي: ما صيد بالحيلة حال حياته، ﴿وَطَعَامُهُ﴾، أي: البحر، وهو ما قذفه ميتًا ونصب عنه الماء بلا علاج، قال نافع: فأرسلني أي: ابن عمر إليه، أي: إلى عبد الرحمن بن أبي هريرة كما في (الموطأ) ليحيى أن ليس به بأكل صيد\n_________\n(٦٤٩) إسناده صحيح.","vol":"3","page":209},{"text":"البحر، بأس أي: كراهة فكله، أي: يا عبد الرحمن.\nقال محمد: وبقول ابن عمر الآخر مجرور على أنه صفة قوله: نأخذ؛ أي: لا نعمل إلا بالقول الآخر لابن عمر: لا بأس بما (ق ٦٧٣) لفظه البحر وما حَسَر بفتح المهملات، ماضٍ من الباب الثاني، أي: انكشف وغار عنه الماء، إنما يكره أي: يحرم من ذلك الطافي، أي: من السمك الذي يعلو على الماء ميتًا، وهو أي: حل ما لفظه الماء وحرمة ما على الماء، قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، لما أخرجه أبو داود وابن ماجه من حديث جابر أن رسول الله - ﷺ - قال: \"ما ألقاه البحر أو جزر عنه فكلوه، وما مات فيه وطفا فلا تأكلوه\". وروى ابن أبي شيبة وعبد الرزاق في (مصنفيهما) كراهة أكل الطافي عن جابر بن عبد الله وعلي وابن عباس وابن المسيب وأبو الشعثاء والنخعي وطاوس والزهري وغيرهم.\nلما فرغ من بيان حكم السمك الذي ألقاه البحر إلى الساحل وما علا على الماء، شرع في بيان حكم السمك الذي مات فيه، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-297>باب السمك يموت في الماء</span>\nباب في بيان حكم السمك يموت في الماء أي: بسببه وغيره.\nوجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق في بيان حكم السمك.\n٦٥٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، عن سعد الجاريّ بن الجار قال: سألتُ ابن عمر عن الحيتان يقتُل بعضها بعضًا ويموت صَرَدًا، قال: ليس به بأس، قال: وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يقول مثل ذلك.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، إذا ماتت الحيتان من بردٍ أو حُرٍّ أو قَتْل بعضِها بعضًا فلا بأس بأكلها، فإذا ماتت ميتة نفسِها فطفت فهذا الذي يكره من السمك، فأما ما سوى ذلك فلا بأس به.","vol":"3","page":210},{"text":"• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا، أخبرنا زيد بن أسلم العدوي، مولى عمر، يُكنى أبا عبد الله أو أبا أسامة المدني، ثقة عالم، كان يرسل، وكان في الطبقة الثالثة، مات سنة ست وثلاثين ومائة بعد الهجرة، عن سعد بن الجاريّ بالجيم وتخفيف الراء: مدينة بساحل البحر بينها وبين المدينة يوم وليلة، وقيل: الجار ساحل المدينة من وراء ينبع، ابن الجار، وليحيى عن سعيد الجاري، مولى عمر بن الخطاب ﵁، قال: سألتُ ابن عمر عن الحيتان، بكسر الحاء المهملة جمع الحوت، أبدلت واو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، ومنه قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٦٣]، يقتُل بعضها بعضًا وتموت أي: الحيتان صَرَدًا، بفتحتين، أي: تموت لأجل البرد، قالوا: ومعنى أو التخيير به، كما في (الموطأ) ليحيى، أو تموت، قال ابن هشام في (مغني اللبيب): الواو تُستعمل على أوجه: أحدهما: أن تكون بمعنى أو في التقسيم، كقولك: الكلمة اسم وفعل وحرف، والثاني: أن تكون بمعنى أو في الإِباحة والتخيير، كما يقال: جالس الحسن وابن سيرين، أي: أحدهما، انتهى، وفي نسخة: وفي أصل ابن الصواف: وتموت بردًا، قال: أي: ابن عمر: ليس به بأس، أي: لا كراهة بأكل السمك الذي مات بردًا، فقال سعيد الجاري: وفي نسخة: قال بلا فاء، وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يقول مثل ذلك، أي: كما قاله ابن عمر، يعني قال: لا كراهة في أكله، وليحيى قال سعيد الجاري: ثم سألتُ عبد الله بن عمرو بن العاص فقال مثل ذلك.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل أنا وأصحاب أبي حنيفة إلا بما رواه سعيد الجاري عن ابن عمر: إذا ماتت الحيتان من بردٍ أو حُرٍّ أو قَتْل بعضِها بعضًا فلا بأس بأكلها، فإذا ماتت ميتة نفسِها بالإِضافة اللاميتة فطفت أي: علت على الماء، فهذا الذي يكره من السمك، أي: لما تقدم، فأما ما سوى ذلك فلا بأس به.\nوقال الدميري - من الشافعية: السمك بجميع أنواعه حلال بغير ذبح، سواء مات بسبب ظاهر أو صدمة حجر، أو انحسار ماء، أو ضرب (ق ٦٧٤) الصياد، أو مات حتف أنفه لعموم قوله - ﷺ -: \"أُحِل لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد، والكبد والطحال\"، وأجمع المسلمون على طهارة ميتتهما ولو صادهما مجوسي لقول الحسن البصري: رأيتُ سبعين صحابيًا كلهم يأكلون صيد المجوس من الحيتان، ولا يتجلجل ولا ينحصر في صدورهم شيء.","vol":"3","page":211},{"text":"فائدة لطيفة: حُكي أن هارون الرشيد خرج ذات يوم للصيد، فأرسل شاهينًا له، فغاب زمانًا ثم أتى وفي فمه سمكة، فأحضر الرشيد العلماء وسألهم عن ذلك، فقال مقاتل بن سليمان: يا أمير المؤمنين روينا عن جدك خير الأمة عبد الله بن عباس ﵄، أنه قال: الجو محمود ومملوء بأمم مختلفة الخلق، وفيه دواب تبيض بيضة وتفرخ فرخًا على هيئة السمك، ولها أجنحة ليست بذوات ريش، فأجاز مقاتل بن سليمان بجوائز سخية على ذلك الخبر، كذا نقله السيوطي عن (حياة الحيوان).\nلما فرغ من بيان حكم السمك، شرع في بيان حكم الجنين إذا ذبح أمه، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-298>باب ذكاة الجنين ذكاة أمه</span>\nباب في بيان حكم ذكاة الجنين، والذكاة بالذال المعجمة: الذبح، والجنين بفتح الجيم وكسر النون بينهما تحتية: هو ولد ما دام في بطن أمه، وهي مبتدأ مضاف إلى الجنين كإضافة غلام زيد، وخبره: ذكاة أمه، يعني: إذا كان لرجل شاة وفي بطنها ولد فذبح أمه، ثم خرج الولد ميتًا حل أكله كما حل أكل السمك الذي مات بسبب خروجه من الماء.\nووجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق الذبح الحكمي.\n٦٥١ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع: أن عبد الله بن عمر كان يقول: إذا نُحرت الناقة فذكاة ما في بطنها ذكاتُها إذا كان قد تمّ خَلقه ونبت شعره، فإذا خرج من بطنها ذُبح حتى يخرج الدمُ من جوفه.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: قال: بنا، وفي أخرى: ثنا، أخبرنا نافع، أي: عبد الله المدني، مولى ابن عمر، ثقة فقيه، ثبت مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة، أن عبد الله بن عمر كان يقول: إذا نُحرت الناقة فذكاة ما في بطنها أي: في الولد، ذكاتُها أي: يقوم مقامها؛ لأنه جزء فذكاتها ذكاة لجميع أجزائها، إذا كان قد تمّ خَلقه بفتح الخاء المعجمة وسكون القاف، أي: أجزائه\n_________\n(٦٥١) إسناده صحيح.","vol":"3","page":212},{"text":"أو هيئته، فالإِضافة بيانية، ونبت شعره، أي: في أعضائه، وبه قال أبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة وزفر والحسن بن زياد: ولا يحل أكل الجنين الميت وجد في بطن أمه سواء كان أشعر أو لم يُشعر، فإذا خرج أي: الجنين من بطنها أي: بطن الناقة حيا ذُبح أي: اتفاقًا ندبًا كما يفيده السياق، حتى يخرج الدمُ أي: دم الذابحة، من جوفه، أي: من جوف الجنين الشامل لخلقه وأوداجه، هذا موقوف حقيقة ومرفوع حكمًا، روى أبو داود عن جابر والحاكم عن ابن عمر مرفوعًا: ذكاة الجنين إذا أشعر ذكاة أمه، ولكنه يذبح حتى ينصاب ما فيه في الدم، ويعارضه حديث ابن عمر رفعه ذكاة الجنين ذكاة أمه أشعر أو لم يشعر، ولكن فيه مبارك (ق ٦٧٥) بن مجاهد ضعيف، ولتعارض الحديثين لم يأخذ بهما الشافعية، فقالوا: ذكاة أمه ذكاته مطلقًا، ولا الحنفية فقالوا: إلا مطلقًا، ومالك: وألغى الثاني لضعفه، وأخذ بالأول لاعتضاده بالموقوف الذي رواه فقيد به بقوله - ﷺ -: \"ذكاة الجنين ذكاة أمه\"، رواه أبو داود وصححه الحاكم عن جابر وأحمد وأبو داود والترمذي وحسنه، وصححه الحاكم، وابن حبان عن أبي سعيد، وجاء من رواية جمع من الصحابة وهو يرفع ذكاة في الموضعين مبتدأ وخبر، أي: ذكاة أمه ذكاة له، وروي بالنصب على الظرفية كحديث طلوع الشمس، أي: وقت طلوعها، أي: ذكاته حاصلة وقت ذكاة أمه، قال الخطاب وغيره: ورواية الرفع هي المحفوظة، والمراد بالجنين الذي خرج ميتًا فيأكل بذكاة أمه لأنه جزء منها عند مالك والشافعي وغيرهما، لما جاء في بعض طرق الحديث من السائل: يا رسول الله، إنا ننحر الإِبل ونذبح البقر والشاة، فنجد في بطنها الجنين فنلقيه أو نأكله؟ فقال: \"كلوه إن شئتم\".\n* * *\n\n٦٥٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا يزيد بن عبد الله بن قسيْط، عن سعيد بن المسيب، أنه كان يقول: ذكاة ما في بطن الذبيحة ذكاة أُمَّه، إذا كان قد نبت شعره وتمّ خلقه.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، إذا تمّ خَلقه فذكاته في ذكاة أُمِّه، ولا بأس\n_________\n(٦٥٢) إسناده صحيح.","vol":"3","page":213},{"text":"بأكله، فأما أبو حنيفة: فإنه كان يكره أكله حتى يَخْرج حيّا فيذكى، وكان يرْوي عن حماد عن إبراهيم، أنه قال: لا تكون ذكاة نفسٍ ذكاة نَفسَيْن.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: قال: بنا، وفي أخرى: ثنا، أخبرنا يزيد بن عبد الله بن قسيْط، بضم القاف، وفتح السين المهملة، وسكون التحتية، فطاء مهملة، ابن أسامة الليثي الأعرج ثقة، يُكنى أبا عبد الله المدني، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة اثنتين وعشرين ومائة وله سبعون سنة، عن سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات، كان في الطبقة الأولى من طبقات كبار الفقهاء، من أهل المدينة، اتفقوا على أن مرسلاته أصلح المراسيل، وقال المدني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه، مات بعد التسعين بيسير، وهو ابن أربع وثمانين سنة، كذا قاله ابن الجوزي، وابن حجر، أنه كان يقول: ذكاة ما في بطن الذبيحة أي: إبلًا أو بقرًا أو غنمًا، ذكاة أُمَّه أي: كذكاتها فيه من التشبيه البليغ، إذا كان قد نبت شعره وتمّ خلقه، أي: هيئته التي خلقها الله عليها، ولو ناقص يدًا ورجل، كذا قاله سعيد بن زيد الباجي المالكي، قوله: نبت شعره، أي: شعر جسده لا شعر عينيه وحاجبيه، وإلا لم يؤكل، كذا قاله الزرقاني (١).\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله سعيد بن المسيب، إذا تمّ خَلقه أي: ومن جملة تمام خلقه إجزائه نبت شعره، فذكاته في ذكاة أُمِّه، أي: حكمًا، فلا بأس أي: لا كراهة بأكله، أي: حل أكله، لما أخرجه أبو داود (٢) عن جابر، والترمذي (٣)، وقال: حسن، عن أبي سعيد الخدري ﵁، أن النبي - ﷺ - قال: \"ذكاة الجنين ميت حل أكله\"، وبه قال الشافعي. فأما أبو حنيفة: فإنه كان يكره أكله أي: يقول: لا يحل أكله، حتى يَخْرج أي: إلى أن يخرج حيّا فيذكى، (ق ٦٧٦) أي: فيذبح، ومعنى الحديث عنده كذكاة أمه، والتشبيه بهذا الطريق كثير، قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، ويدل على هذا أنه روي ذكاة\n_________\n(١) في شرحه (٣/ ١١١).\n(٢) أبو داود (٣/ ١٠٣).\n(٣) الترمذي (٤/ ٧٢).","vol":"3","page":214},{"text":"أمه بالنصب، أي: يذكى ذكاة مثل ذكاة أمه، فإن قيل: لو لم يحل أكله بذكاة أمه لما حل ذبح أمه؛ لأن في ذبحها إضاعتها، وقد نهى النبي - ﷺ - عن إضاعة المال، أُجيب بأن موته ليس بمتيقن، بل يُرجى إدراكه حيّا يذبح فلا يحرم ذبح أمه مع أن الضرورة تبيح المحظورات، وكان أي: أبو حنيفة يروي عن حماد عن إبراهيم، أي: النخعي، أنه أي: إبراهيم النخعي، قال: لا تكون ذكاة نفسٍ ذكاة نَفسَيْن، أي: لا تقوم مقامها.\nلما فرغ من بيان حكم ذكاة الجنين، شرع في بيان حكم أكل الجراد، فقال: هذا\n* * *\n\n١١ -<span data-type=\"title\" id=toc-299> باب أكل الجراد</span>\nباب في بيان حكم أكل الجراد، وقد تقدم في باب الحلال يذبح الصيد: هل يحل أن يأكل المحرم منه أم لا؟ لا من أكل الجراد خلق أولًا من غطسته الحوت في السفينة مرتين.\nوجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق حكم الأكل، أجمع المسلمون على إباحة أكله، وقد قال عبد الله بن أبي أوفى: غزونا مع رسول الله - ﷺ - سبع غزوات نأكل الجراد، رواه البخاري (١) وأبو داود (٢) والحافظ وأبو نعيم، وفيه: ويأكله معنا، ويروي ابن ماجه (٣) عن أنس ﵁ أنه قال: كان أزواج النبي - ﷺ - يتهادين الجراد في الأطباق.\n٦٥٣ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، عن عمر بن الخطاب أنه سئل عن الجراد، فقال: ودِدتُ أن عندي قُفْعَةً من جراد، فأكل منه.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، فجرادٌ ذُكِّي كُلّه لا بأس بأكله إن أُخِذَ حيًا أو ميتًا، وهو ذكيّ كله على كل حال، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n_________\n(١) البخاري (٥١٧٦).\n(٢) أبو داود (٣/ ٣٥٧)، رقم (٣٨١٢).\n(٣) ابن ماجه (٣٢٢٠).\n(٦٥٣) إسناده صحيح.","vol":"3","page":215},{"text":"• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، حدثنا عبد الله بن دينار العدوي، مولاهم، يُكنى أبا عبد الرحمن المدني، مولى ابن عمر، ثقة تابعي، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة سبع وعشرين ومائة بعد الهجرة، عن عبد الله بن عمر، عن عمر بن الخطاب ﵁، أنه سئل عن الجراد، أي: أيحل أكله أم لا؟ فقال: ودِدتُ بكسر الدال، أي: أحببت، أي: تمنيت أن عندي بفتح الهمزة وسكون النون، قوله: عندي ظرف يكون مقدرًا فهو مفعول وددت، قُفْعَةً بضم القاف وسكون الفاء وفتح العين المهملة والفوقية: زنبيل بغير عروة، يُعمل من ورق النخل، كذا في (صحاح الجوهري)، مرفوعة على أنها اسم يكون مقدرًا، من جراد، متعلق بمملوءة مقدرة صفة قفعة، فآكل بمد الهمزة وضم الكاف، نصب على أنه عطف على يكون، منها، أي: مما في قفعة.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه ابن عمر عن عمر بن الخطاب ﵁، فجرادٌ أي: فحينئذٍ ذُكِّي أي: مذكى حكمًا، كُلّه أي: جميع أنواعه، لا بأس أي: لا كراهة بأكله إن أُخِذَ على صيغة المجهول، وفي نسخة: أن أخذه حيًا أو ميتًا، وهو ذكيّ أي: مذكى في حكمه على كل حال، أي: سواء أخذه حيًا أو ميتًا، فهو تأكيد لما قبله، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. وفي (حياة الحيوان) للدميري: الأربعة يحل أكلها سواء مات حتف أنفه، أو بذكاة، أو باصطياد مجوسي أو مسلم قطع منه شيء أم لا، وعن أحمد: إذا قتله البرد لم يؤكل، وملخص مذهب مالك: إن قطعت رأسه (ق ٦٧٧) حل وإلا فلا، والدليل على عموم حله قوله - ﷺ -: \"أُحِلت لنا ميتتان ودمان: الكبد والطحال، والسمك والجراد\"، رواه الشافعي (١) وأحمد (٢) والدارقطني (٣) والبيهقي (٤) عن ابن عمر مرفوعًا، ورُوي عنه موقوفًا لكنه في حكم المرفوع، والله أعلم، كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان حكم أكل الجراد، شرع في بيان حكم الذبائح، فقال: هذا\n* * *\n_________\n(١) في مسنده (١/ ٣٤٠).\n(٢) أحمد (٢/ ٩٧).\n(٣) الدارقطني (٤/ ٢٧١).\n(٤) البيهقي (٩/ ٢٥٧).","vol":"3","page":216},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-300>باب ذبائح نصارى العرب</span>\nباب في بيان حكم ذبائح، جمع ذبيحة، وهي حيوان من شأنه أن يُذبح فيخرج السمك والجراد؛ لأن ليس من شأنها الذبح بلا ذكاة، وهي نوعان: ضرورية وهي جرح عضو نعم توحش أو سقط في البئر ولم يكن ذبحة؛ لأن ذكاة الاضطرار إنما يصار إليها عند العجز عن ذكاة إلاختياري، واختيارية، وهي: ذبح الحلقوم والمريء والودجان، وفي (المغرب): الحلقوم عرق يجري النفس، والمريء بفتح اليم وكسر الراء المهملة والهمزة في آخره يجري فيه العلف والودجان بفتحتين، والجيم والألف والنون تثنية الودج، وهو عرق يجري فيه الدم، فالذبائح مضاف إلى نصارى الحرب، فإضافته إلى العرب من قبيل إضافة خيار القوم، والمراد بنصارى العرب أهل الكتاب مطلقًا، سواء كان يهوديًا أو نصرانيًا، قال تعالى في سورة المائدة: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٥]، يعني في هذا الزمان يبين لكم حل المذبوحات بذكر اسم الله عليها، ثم قال في ترخيص ذبائح أهل الكتاب؛ لأنهم يدعون بوحدانيته تعالى بقوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥]، يعني بهم: اليهود والنصارى، ومن دخل في دينهم بعد مبعثه - ﷺ - فلا يحل ذبيحته؛ لأنه مرتد لا ملة له، وتارك ما عليه، وكذا لا يحل ذبيحة وثني ومجوسي ولا ذبيحة مسلم وكتابي تركا ذكر اسم الله تعالى عمدًا عند ذبحها، كذا في (عيون التفاسير) و(المعالم) و(غرر الدرر).\nفإن قلت: فإذا كان المراد بنصارى العرب أهل الكتاب مطلقًا، فما وجه تقييد النصارى بالعرب؟ فالجواب: والله أعلم بالصواب: وتقييده به اهتمامًا لشأنهم فإنهم صدقوا أولًا بنبوة النبي - ﷺ - كأبي بكر الصديق ﵁، وكذبوها أولًا كأبي جهل بن هشام شدد الله عليه عذابه.\nوجه المناسبة بين هذا الباب والباب السابق إباحة أكل الجراد وذبيحة أهل الكتاب، اعلم أن العلماء قد أجمعوا على أن الذبائح المعتد بها: ذبيحة المسلم العاقل الذي يمكن منه الذبح سواء في ذلك الذكر والأنثى، الصغير والكبير، والحر والعبد.\n٦٥٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا ثور بن زيد الدِّيلي، عن عبد الله بن عباس،\n_________\n(٦٥٤) إسناده صحيح.","vol":"3","page":217},{"text":"أنه سئل عن ذبائح نصارى العرب، فقال لا بأس بها، وتلا هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا ثور باسم الحيوان المعروف، ابن زيد الدِّيلي، بكسر الدال المهملة بعدها تحتانية ساكنة، المدني، ثقة، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة بعد الهجرة، عن عبد الله بن عباس ﵄، أنه سُئل عن ذبائح نصارى العرب، أي: عن ذبائح أهل الكتاب ممن تنصر، وظاهره العموم الشامل من تنصر قبل البعثة وبعده، لكن الصحيح أنه خاص بمن دخل في دين النصارى قبل البعثة، (ق ٦٧٨) فإن من دخل في دينهم بعد البعثة فهو مرتد لا تحل ذبيحته كما ذكرنا آنفًا، فقال: لا بأس بها، أي: لا حرمة في أكل ذبائح نصارى العرب، وتلى هذه الآية في سورة المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: ٥١]، أي: في النصرة لاتحاد ملتهم واجتماعهم في الكفر، نزلت نهيًا عن موالاة أعداء الدين وذلك حين كان وقعة أُحد، فإن بعض الناس من المسلمين فيها خاف أن يظهر عليهم الكفار فأراد أن يعاشرهم ويواليهم وليأمن منهم، فقال تعالى: لا تتخذوهم أولياء في العون والنصرة كالمؤمنين، ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ﴾ أي: من يتخذ اليهود والنصارى أولياء ﴿مِنْكُمْ﴾ فعم الخطاب ما خص المسلمين ولا بغير العرب، وقيل: الخطاب للعرب، ﴿فَإِنَّهُ﴾ أي: من يتخذهم أولياء ﴿مِنْهُمْ﴾ أي: على دينهم ومعهم في النار بنفاقهم، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ أي: لا يرشد الذين ظلموا أنفسهم بموالاة أعداء الله تعالى.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: إنما نعمل بقول ابن عباس ﵄، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة، ﵏ من فقهائنا.\nلما فرغ من بيان حكم ذبائح نصارى العرب، شرع في بيان حكم الطير المقتول بالحجر، فقال: هذا\n* * *","vol":"3","page":218},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-301>باب ما قتل الحجر</span>\nباب في بيان حكم ما أي: طير قتل بالحجر، أي: بسبب ثقله عليه، وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق الإِصلاح والإِفساد.\n٦٥٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، قال: رميْتُ طائرين بحجر وأنا بالجُرف فأصبتهما، فأما أحدهما فمات، فطرحه عبد الله بن عمر، وأما الآخر فذهب عبد الله يذكِّيه بقَدُوم فمات قبل أن يذكيه، فطرحه أيضًا.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، ما رُمي من الطير فقتل به قبل أن تُدرَك ذكاتُه لم يؤكل، إلا أن يخرق أو يُبَضَّع، فإذا خَرَق أو بضَّعَ فلا بأس بأكله، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: قال بنا، وفي أخرى: ثنا، أخبرنا نافع بن عبد الله المدني، مولى ابن عمر، ثقة فقيه، ثبت مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، مات سنة سبع عشرة ومائة بعد الهجرة، قال: رميْتُ طائرين بحجر وأنا بالجُرف جملة حالية، والجرف بضم الجيم والراء والفاء موضع قريب من المدينة بطريق مكة على فرسخ، فأصبتهما أي: فضربتهما فأخذتهما، فأما أحدهما فمات أي: قبل ذبحه، فطرحه عبد الله بن عمر، وأما الآخر أي: الذي كان فيه أثر الحياة، فذهب عبد الله أي: ابن عمر، أراد وشرع يذكِّيه أي: أن يذبحه بقَدُوم، بفتح القاف وضم الدال المهملة، وسكون الواو، فميم على وزن رسول، آلة النجار، فمات قبل أن يذكيه، فطرحه أي: عبد الله بن عمر، كما في (الموطأ) لمالك أيضًا، أي: لأنه من قبيل الموقوذة التي لم تدرك ذكاته.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: إنما نعمل بما قاله نافع المدني، ما رُمي من الطير أي: من حجر أو خشب أو نحوهما فقتل به قبل أن تُدرَك ذكاتُه لم يؤكل، أي: يحرم أكله، إلا أن يخزق بالخاء المعجمة والزاي المكسورة، يقال: خزق السهم القرطاس، أي: ينفذ منه\n_________\n(٦٥٥) إسناده صحيح.","vol":"3","page":219},{"text":"أو يُبَضَّع، بتشديد الضاد المعجمة المكسورة، أي: يقطع ويشق، فإذا خَرَق أو بضَّعَ فلا بأس أي: فلا حرمة بأكله، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، ﵏.\nلما فرغ من بيان حكم الطير قتل بالحجر، شرع في بيان حكم النعم تذبح قبل أن تموت، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-302>باب الشاة وغير ذلك تذكى قبل أن تموت</span>\nباب في بيان حكم الشاة وغير ذلك تُذكى بصيغة المجهول، أي: تذبح قبل أن تموت، والمراد بالشاة واحدة من الغنم، وبغير ذلك الإِبل والبقر والظبي والطير وأمثالها، وإنما أشار المصنف إلى الشاة بذلك يشار به إلى البعيد، والحال أن مقتضى الظاهر وغيرها بالضمير المؤنث اهتمامًا بشأنها، قال تعالى في سورة الصافات: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧]، أي: بكبش عظيم الجثة، سمين أو عظيم القدر؛ لأنه يفدي (ق ٦٧٩) به الله نبيّا ابن نبي ابن نبي، من نسله سيد المرسلين، وذلك أن الأغنام لا تنام بعد نصف الليل، ولذلك قل نسلها.\nتدبر وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق، معنى الإِفساد والإِصلاح.\n٦٥٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن أبي مُرّة أنه سأل أبا هريرة عن شاة ذبحت فتحرك بعضها، فأمره بأكلها، ثم سأل زيد بن ثابت فقال: إن الميتة لتتحرك ونهاه.\nقال محمد: إذا تحركت تحركًا أكبر الرأي فيه والظنُّ أنها حيّة أُكِلَتْ، وإذا كان تحركها شبيهًا بالاختلاج، وأكبرُ الرأي والظنُ في ذلك أنها ميتة لم تُؤكل.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني، يُكنى أبا سعيد القاضي، ثقة ثبت، كان في الطبقة الخامسة من طبقات\n_________\n(٦٥٦) إسناده صحيح.","vol":"3","page":220},{"text":"التابعين، من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة بعد الهجرة، عن أبي مُرّة، بضم الميم وتشديد الراء المهملة المفتوحة، اسمه يزيد، وهو مولى عقيل بن أبي طالب، ويقال: مولى أخته أم هانئ، مدني مشهور بكنيته، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، أنه سأل أبا هريرة ﵁، عن شاة ذبحها وهي كانت مريضة أو مضروبة ونحوهما، فتحرك بعضها أي: بعض عضو من أعضاء الشاة بعد ذبحها، فأمره أي: أبو هريرة بأكلها، بناء على أن الحركة دالة على الحياة، ثم سأل أي: أبو مرة استقرارًا بالحكم في قلبه زيد بن ثابت بن الضحاك بن لوث، الأنصاري البخاري، يُكنى أبا سعيد وأبا خارجة، كان صحابيًا مشهورًا كاتب الوحي، قال مسروق: كان أبو مرة من الراسخين في العلم، مات سنة خمس أو ثمان وأربعين بعد الهجرة، فقال: أي: زيد بن ثابت ﵁: إن الميتة لتتحرك أي: أحيانًا ونهاه عن أكلها احتياطًا.\nقال محمد: إذا تحركت تحركًا أكبرُ الرأي فيه والظنُّ أي: غالبة أنها حيّة أي: كانت قبل التذكية أُكِلَتْ، أي: جاز أكلها، وإذا كان تحركها شبيهًا بالاختلاج، أي: اضطراب العضو، وفي نسخة: باختلاج بالتنوين، وأكبرُ الرأي والظنُ في ذلك أي: التحرك، أنها أي: المذبوحة ميتة أي: قبل التذكية، لم تُؤكل، وفي (تفسير البغوي): وإنما يحل ما ذكيته بعد ما جرحه السبع أو أكله منه شيئًا إذا أدركته الحياة مستقرة فيه فذبحه، فأما ما أصار بجرح السبع أي: حالة المذبوح فهو في حكم الميتة، فلا يكون حلالًا وإن ذبحته، انتهى.\nلما فرغ من بيان حكم الشاة وغيرها تذكى قبل أن تموت، شرع في بيان حكم حال الرجل يشتري اللحم ولا يعلم حاله، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-303>باب الرجل يشتري اللحم فلا يدري أذكى هو أو غير ذكى</span>\nباب أي: كائن في بيان حكم حال الرجل يشتري اللحم، فلا يدري أي: لا يعلم الرجل أذكي بهمزة الاستفهامية وفتح الذال المعجمة وكسر الكاف وتشديد التحتية المنونة، مثل رضي إعلالًا وإدغامًا، أي: هل مذبوح بذكر اسم الله، هو أي: ذو اللحم من نحو الإِبل والبقر والغنم، أم غير ذكي، أم متصلة؛ لأنها يتقدم عليها همزة يطلب بها فيلزم","vol":"3","page":221},{"text":"التعبير نحو أزيد في الدار أم عمرو، وإنما سُميت متصلة لأن ما قبلها وما بعدها لا يستغني بأحدهما عن الآخر، كذا قاله ابن هشام في (مغني اللبيب).\nوجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق حصول المعنى الجزم والتردد في قلب الرجل إذا رأى الشاة واللحم.\n٦٥٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا هشام بن عروة، عن أبيه، قال: سُئِلَ رسول الله - ﷺ - فقيل له: يا رسول الله، إن ناسًا من أهل البادية يأتوننا بلُحْمان فلا ندري هل سمّوا عليها أم لا، قال: فقال رسول الله - ﷺ -: \"سمّوا الله عليها ثم كلوها\"، قال: وذلك في أول الإِسلام.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، إذا كان الذي يأتي بذلك مسلم أو من أهل الكتاب، فإن أتى بذلك مجوسي فذكر أن مسلمًا ذبحه أو رجلًا من أهل الكتاب لم يصدّق، ولم يؤكل بقوله.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرشا هشام بن عروة بن الزبير بن العوام الأسدي، ثقة فقيه، ربما دلس، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، (ق ٦٨٠) مات سنة ست أو خمس وأربعين ومائة وله سبع وثمانون سنة، عن أبيه، أي: عن عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي، يُكنى أبا عبد الله المدني، ثقة، كان فقيه مشهور، في الطبقة الثانية من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين على الصحيح، كذا في (تقريب التهذيب) أنه قال: سُئِلَ رسول الله - ﷺ - هذا إجمال بينه بقوله: فقيل له: يا رسول الله، إن ناسًا من أهل البادية أي: مثلًا يأتوننا وفي نسخة: يأتونا بتشديد النون، أي: يجيئونا بلُحْمان بضم الميم جمع لحم، أي: بقطع من اللحم، فلا ندري هل سمّوا بفتح الميم المشددة، أي: ذكروا اسم الله عليها أي: على صاحبة اللحم عند ذبحها أم لا، قال: أي: عروة مرسلًا، فقال رسول الله - ﷺ -: \"سمّوا الله بضم الميم، أي: اذكروا أنتم اسم الله عليها أي: على قطعة من اللحم ثم كلوها\"،\n_________\n(٦٥٧) صحيح، أخرجه البخاري (٢٠٥٧)، وأبو داود (٢٨٢٩).","vol":"3","page":222},{"text":"والمعنى أنكم غير مأمورين بالتجسس والتنصص فإنه يورث الوسوسة والحرج في الدين، وإنما عليكم بما أمرتم به من التسمية عموا ولو كان الذابح مؤمنًا أو كتابيّا أو يسميه غيره، قال ابن الملك في (شرح المشارق): ليس معناه: أن تسميتكم الآن تنوب عن تسمية المذكي، بل فيه بيان أن التسمية مستحبة عند الأكل، وإنما لم يعرفوا ذكر اسم الله عليه عند ذبحه يصح أكله، إذا كان الذابح ممن يصح أكل ذبيحته، حملًا لحال المسلم على الصلاح، انتهى. قال: أي: مالك كما ليحيى: وذلك أي: جواز الأكل مع التسمية باللحم لمَ ذَبَحَهُ بذكر اسم الله عليه، في أول الإِسلام، وهذا قد يوهم نسخ ما فيه من الأحكام وليس كذلك كما لا يخفى على العلماء الأعلام هذا الحديث مرسل، لكن اختلف في حد الحديث المرسل، فالمشهور أنه ما رفعه التابعي إلى النبي - ﷺ - سواء كان من كبار التابعين كعبيد الله بن عدي بن الخيار، وقيس بن أبي حازم، وسعيد بن المسيب وأمثالهم، أو من صغار التابعين كالزهري، وأبي حازم، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأشباههم، والقول الثاني: أنه ما رفعه التابعي الكبير إلى النبي - ﷺ -، فهذه الصورة لا خلاف فيها كما قاله ابن الصلاح، وأما مراسيل صغار التابعين، فإنها لا تسمى مرسلة على هذا القول، بل هي منقطعة كما نقله عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن العراقي في (شرح الألفية)، عن ابن عبد البر الأجهم.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما أرسله عروة بن الزبير إلى رسول الله - ﷺ -، وهو قولُ أبي حنيفة، إذا كان الذي يأتي بها، أي: بتلك اللحوم، وفي نسخة: بذلك مسلمًا أو من أهل الكتاب، أي: يهوديا أو نصرانيا أو كان حربيا وصار كتابيا، فإن أتى بذلك مجوسي أي: عابد نار، وفي معناه الوثني وهو عابد الصنم والمرتد، فذكر أن مسلمًا ذبحه أو رجلًا من أهل الكتاب أي: ذبحه، لم يصدّق، أي: فيما ذكره المجوسي، ولم يؤكل بقوله، أي: لأنه ليس من أهل الديانة، بل من أرباب الخلابة والخداعة والخيانة، والله أعلم.\nلما فرغ من بيان حكم حال الرجل يشتري اللحم ويشك بأنه ذبح بذكر اسم الله عليه أو ترك عمدًا، شرع في بيان حكم الصيد يصيده الكلب المعلم، فقال: هذا\n* * *","vol":"3","page":223},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-304>باب صيد الكلب المعلم</span>\nباب في بيان حكم الصيد يصيده الكلب المعلم، بفتح اللام المشددة، وهو الذي (ق ٦٨١) إذا زُجِرَ انزجر، وإذا أُرْسِل أطاع، وإذا أخذ الصيد لم يؤكل فإذا وُجِدَ ذلك منه مرارًا وأقله ثلاث مرات كان معلمًا يحل قتيله، استنبط المصنف رحمه الله تعالى هذه الترجمة من قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة: ٤]، في سورة المائدة، حيث قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [المائدة: ٤]، نزلت هذه الآية حين سأل عدي بن حاتم الطائي وأصحابه وقالوا: يا رسول الله، إنا قوم نتصيد بالكلاب والبزاة، وهو جمع البازي، فما يحل لنا من المطاعم والصيود؟ وذلك السؤال عند آية تحريم المحرمات، فقال تعالى: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤]، أي: الذبائح على ذكر اسم الله تعالى قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة: ٤]، أي: أحل لكم صيد الذي صاده الكلاب والبزاة وغيرهما من سباع البهائم وسباع الطيور، قوله: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾، حال، أي: حال كونكم مدربين بالكلاب والبزاة بإرسالهن على الصيود، والمراد بالكلب جميع سباع البهائم؛ لأن العرب يسمي كل السباع كلبًا، قوله: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾، حال من المكلبين، أي: حال كونكم مدربين الكلاب في طلب الصيد، قوله: ﴿مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾، أي: على لسان رسوله، فلا بأس بصيد الكلب إذا كان معلمًا، قوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾، أن الجارحة المعلمة إذا جرحت بإرسال صاحبها فأخذت الصيد وقتلته ولم يأكل كانت معلمة، وكان المأخوذ حلالًا، وفي الكتب الستة: فأمسك وقتل، عن عدي بن حاتم الطائي عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"إذا أرسلت كلبك وسميت فأمسك وقتل ولم يأكل فكل، فإن كان أكل فلا تأكل، فإنه أمسك على نفسه\"، قوله: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، أي: سموا على المذبوح عند الذبح باسم أو على أرسل على الصيد من الكلب والبازي عند الإِرسال، وفي الآية بيان أن ذكر اسم الله على الذبيحة شرط حالة الذبح وحال إرسال الجارحة على الصيد أو حاله رمي السهم إلى الصيد، قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾، أي: من أكل الميتة، أو من ترك التسمية على المذبوح أو المرسل، أو السهم عهدًا، قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ","vol":"3","page":224},{"text":"الْحِسَابِ﴾، أي: سريع المجازاة، كذا في (عيون التفاسير)، وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق وجوب التسمية.\n٦٥٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن عبد الله بن عمر كان يقول في الكلب المُعلَّم: كل ما أمسك عليك إن قَتَل أو لم يَقتل.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، كُلْ ما قتل وما لم يَقْتل إذا ذكّيته ما لم يأكل منه، فإن أكل منه فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه، وكذلك بلغنا عن ابن عباس، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا، أخبرنا نافع بن عبد الله، المدني، مولى ابن عمر، ثقة فقيه، ثبت مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، مات سنة سبع عشرة ومائة بعد الهجرة، أن عبد الله بن عمر كان يقول في الكلب المُعلَّم، أي: أمر بأمر إباحة بصاحب الكلب المعلم بأن أمر كل ما أي: الصيد أمسك أي: أخذ الكلب المعلم، عليك أي: لأجلك، وكلمة \"على\" للتعليل، قال الله تعالى في سورة (ق ٦٨٢) البقرة: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥]، أي: لهدايته إياكم، إن قَتَل أو لم يَقتل، أي: ما لم يأكل منه، هذا حديث موقوف حقيقة ومرفوع حكمًا.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه نافع عن ابن عمر، كُلْ أيها المخاطب أمر إباحي، ما قتل وما لم يَقْتل إذا ذكّيته أي: إن ذبحته وهو ظرف لما لم يقتل، ما لم يأكل منه، هذا قيد للفعلين، فإن أكل منه، أي: مما أخذه الكلب، فلا تأكل، هذا تصريح بما علم ضمنًا، فإنما أمسك على نفسه، أي: إنه يأخذ لأجلك والشرط على ما تقدم أنه عليك، فإن فاته يحرم أكله، وعليه أكثر أهل العلم، وكذلك أي: كما بلغك أيها المخاطب عن ابن عمر، بلغنا أي: بإسناد لنا، عن ابن عباس، وهو قول عطاء وطاوس والشعبي، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة أي: الجماعة من فقهائنا، وهو أصح قول\n_________\n(٦٥٨) إسناده صحيح.","vol":"3","page":225},{"text":"الشافعي، لما في الصحيح: \"وإن أكل فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه\"، ورخص بعضهم في أكله، منهم ابن عمر وسلمان الفارسي، وسعد بن أبي وقاص، وبه قال مالك لما رُوي عن أبي ثعلبة الخشني، أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا أرسلتَ كلبك وذكرت اسم الله فكل وإن أكل منه\"، ويشترط عند علمائنا الجرح في أي موضع كان لتحقق الذكاة الاضطرارية، ولتحقق التسمية بالجوارح، وإن كانت بمعنى الكواسب، وعن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه لا يشترط، وروى الحسن بن زياد عنهما لإِطلاق قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]، هذا إذا أكل الكلب المعلم من الصيد، قال أبو حنيفة - ﵀: لا يحل وما صاده قبل ذلك، وقال مالك: يحل، وللشافعي قولان: أحدهما كمالك، والثاني كأبي حنيفة، وهو الراجح، وبه قال أحمد، وجارحة الطير في الأكل كالكلب، وبه قال الثلاثة، وقال أبي حنيفة: لا يحرم ما أكل منه، والله أعلم، كذا قاله علي القاري.\nقال جلال الدين السيوطي في (أولياته): من صاد من الملوك وعلم الكلاب وعلم الطير الصيد، واتخذ السروج وقوانين الملوك، وهو: شيخ شاة، وهو القهرمان الأول من بني آدم، وهو المسمى مراد عند الفارس، وهو تلميذ إدريس ﵇، وصاحب دعوته على دينه، قصر عفاريت الجن وكان حكيمًا عالمًا بطبائع الأشياء، وعلم المستخير، وهو من حراس الملوك الأول. انتهى. قال الحلواني: للفهد خصال حميدة، فينبغي للعاقل أن لا يجاهر عدوه بالخلاف، ولكن يترصد الفرصة مقصودة من غير إتعاب نفسه، ومنها أنه لا يعدو خلف صاحبه ولا يعطيه حتى يرتبه خلفه، كأنه يقول: صاحبي هو المحتاج إليَّ فلا أذل نفسي، وهكذا ينبغي لكل عاقل أن لا يذل نفسه فيما يفعله لغيره، ومنها أنه لا يتعلم بالضرب، ولكن يضرب الكلب بين يديه إذا أكل من الصيد فيتعلم بذلك، وهكذا ينبغي لكل عاقل أن يتعظ بغيره، كما قيل: السعيد هو من اتعظ بغيره، والشقي من اتعظ منه غيره ولا يتعظ هو بما علمه للناس، ومنها أنه لا يتناول الخبث من اللحم، وإنما يطلب من صاحبة اللحم الطيب، وهكذا ينبغي لكل عاقل أن لا يتناول إلا الطيب، ومنها أنه يثب ثلاثًا وخمسًا، فإن لم يتمكن أي: وإن لم يقدر (ق ٦٨٣) على أخذه تركه، ويقول: لا أقتل نفسي فيما أعمل لغيري، وهكذا ينبغي لكل عاقل أن لا يلقي نفسه للهلاك لغيره، كذا قاله الزيلعي في (شرح الكنز).","vol":"3","page":226},{"text":"لما فرغ من بيان حكم صيد الكلب المعلم، شرع في بيان حكم العقيقة، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-305>باب العقيقة</span>\nباب في بيان حكم العقيقة، وهي بفتح العين المهملة وكسر القاف الممدودة وفتح القاف الثانية والتاء للنقل، اسم للسهم الذي يرميه أهل الجاهلية في زمان الجاهلية إلى طرف السماء حين قتل رجل من قبيلة، فإن رجع طاهرًا يرضى ورثة المقتول بدية، وإن رجع ملطخًا بدم يقتلون القاتل قصاصًا، لكنها هنا اسم للحيوان الذي يذبح في اليوم السابع من مولود الولد للتقرب إلى الله تعالى، كما قاله محمد الواني في (شرح صحاح الجوهري)، وإضافة لفظة باب إلى العقيقة من قبيل إضافة العام إلى الخاص، فإن الباب في اللغة بمعنى النوع مطلقًا، وفي عُرف الفقهاء نوع من السائل التي يشمل عليها الكتاب، كذا قاله الشمني في (شرح النقاية).\nووجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق الذبح الحقيقي.\n٦٥٩ - أخبرنا مالك، حدثنا زيد بن أسلم، عن رجل من بني ضَمْرة عن أبيه، أن النبي - ﷺ - سُئِلَ عن العقيقة، قال: \"لا أحب العُقوق\"، فكأنه إنما كره الاسم، وقال: \"مَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ فأحبَّ أن يَنْسُكَ عن وَلَدِهِ فليفعل\".\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، حدثنا زيد بن أسلم العدوي، مولى عمر، يُكنى أبا عبد الله وأبا أسامة، المدني، ثقة عالم، كان يرسل، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة ست وثلاثين ومائة من الهجرة، عن رجلٍ من بني ضَمْرة بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم وفتح الراء المهملة والهاء، قال خالد بن مهران أبو المنازل البصري الحذاء: لا أعرف هذا الصخري من هو، عن أبيه، أي: عن\n_________\n(٦٥٩) أخرجه أبو داود (٢٨٤٢)، والنسائي (٧/ ١٦٢)، وأحمد في المسند (٢/ ١٨٢، ١٨٣)، والبيهقي في الكبرى (٩/ ٣٠٠)، وفي معرفة السنن والآثار (١٤/ ١٩١٤٤).","vol":"3","page":227},{"text":"ضمرة بن سعيد بن أبي حنة بمهملة ثم نون، وقيل بموحدة، الأنصاري ثقة، كان في الطبقة الرابعة من طبقات كبار التابعين، من أهل المدينة جل روايتهم، كذا قاله في (تقريب التهذيب)، أن النبي - ﷺ - سُئِلَ عن العقيقة، قال: \"لا أحب العقوق\"، بضمتين، أي: العصيان وترك الإِحسان، وأصله مخالفة الولد بوالديه وأحدهما بما يؤذيهما، فكأنه أي: النبي - ﷺ - إنما كره الاسم، أي: لا مسماه الذي هو ذبح واحدة تجزئ عن أضحية لنصه عليها في عدة أحاديث، وقد تقرر في علم الفصاحة الاحتراز عن لفظ يشترك فيه معنييان: أحدهما مكروه فجاء به مطلقًا، وقال: أي: النبي - ﷺ -: \"مَنْ وُلِدَ على بناء المفعول لَهُ وَلَدٌ أي: ذكر أو أنثى، فأحبَّ أن يَنْسُكَ بضم السين من باب نصر أي: أن يتقرب إلى الله تعالى بذبح حيوان عن وَلَده أي: لولادة ولده وكلمة \"عن\" للتعليل، قال تعالى في سورة هود: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ [هود: ٥٣]، أي: لقولك، يعني: قال قوم هود صلوات الله على نبينا وعليه حين قال هود لقومه: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢) قَالُوا﴾ [هود: ٥٢، ٥٣]، أي: قوم هود: ﴿يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ﴾، أي: حجة واضحة على قولك، ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾، أي: نترك عبادة آلهتنا لقولك هذا، ﴿وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾، أي: بمصدقين بأنك رسول الله، كذا في (عيون التفاسير)، فليفعل، أي: فليذبح ضحية، هذا حديث مرسل؛ لأنه رفعه ضمرة بن (ق ٦٨٤) سعيد التابعي إليه - ﷺ -، وكان ما دفعه التابعي إليه مرسل، فهذا الحديث مرسل، وهذا الأمر إباحي؛ لأنه - ﷺ - علق الذبح بالمشيئة، حيث قال: \"مَنْ وُلِدَ له ولد فأحب أن ينسك\"، ولا يخفى أن الميتة تنفي الفرضية دون السنية، قال في كتاب (الرحمن في اختلاف الأئمة): إن العقيقة سنة مشروعة عند مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: هي مباحة، ولا أقول: إنها مستحبة، وعن أحمد روايتان، أشهرهما أنها سنة، والثانية أنها واجبة، واختارها بعض أصحابه، ولفظ حديث عمرو بن شعيب: \"مَنْ أحب أن ينسك عن ولده فليفعل عن الغلام شاتين، وعن الجارية شاة\"، وروى الترمذي (١) مرفوعًا: \"عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة\"، وقال: حديث حسن صحيح، ولا يمس رأس المولود بدم العقيقة اتفاقًا، وقال الشافعي\n_________\n(١) الترمذي (٤/ ٩٦).","vol":"3","page":228},{"text":"وأحمد: يستحب أن لا يكسر عظام العقيقة، بل يطبخ أجزاء أجزاء تفاؤلًا بسلامة أعضاء المولود، ويقول عند ذبح العقيقة: اللهم هذه عقيقة فلان، دمها بدمه، ولحمها بلحمه، وعظمها بعظمه، وجلدها بجلده، وشعرها بشعره، والباء في هذه المعطوفات للمقابلة، ويقول عند ذبحها: اللهم اجعل فداء لابن فلان من النار، ويحلق شعر رأس المولود في اليوم السابع لا قبله، ويتصدق بوزنه فضة، ويسمى المولود في اليوم السابع من الولادة بأحسن الأسماء، كعبد الله وعبد الرحمن ومحمد؛ فإنه يُدعى باسمه واسم أبيه، ثم يؤذن في أذنه اليمنى ويقيم في يسراه، لقوله ﵇: \"مَنْ وُلِدَ له مولود فأذن في يمناه وأقيم في يسراه رفعت عنه أم الصبيان\"، وهو مرض يعرض بالصبيان، ومن لم يشبع من هذا فليراجع في (شرح المصابيح)، و(شرح شرعة الإِسلام).\n* * *\n\n٦٦٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر، أنه لم يكن يسأله أحدٌ من أهله عقيقةً إلا أعطاها إياه، وكان يعقّ عن ولده بشاة شاة عن الذكر والأنثى.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر، أنه لم يكن يسأله أحدٌ من أهله عقيقةً أي: عن نفسه مما فاته عند تولده، إلا أعطاها إياه، وفي نسخة: أعطاه إياه، فالضمير المذكور راجع إلى العقيقة باعتبار المذبوح، وفائدة الاستثناء إشعار بأن عبد الله بن عمر كان من أشد الصحابة اتباعًا للسنة، فيحب نشرها، وفيه قصر الفاعل على المفعول، ومعنى قصر الفاعل على المفعول مثلًا قصر الفعل المسند إلى الفاعل على المفعول، فالمقصور عليه مؤخر مع أداة الاستثناء، وهو الضمير المستتر في أعطاها، فليراجع تفصيله في (علم البيان).\nوكان أي: عبد الله بن عمر يعقّ بضم العين المهملة، وتشديد القاف في باب نصر، أي: يذبح، عن ولده بضم الواو وسكون اللام، ويجوز فتح اللام والواو، أي: يذبح بسبب أولاده، بشاة شاة أي: يذبح لكل واحد منهم شاة واحدة، عن الذكر والأنثى، أي:\n_________\n(٦٦٠) إسناده صحيح.","vol":"3","page":229},{"text":"سواء كما قاله ابن مالك، ورُوي أنه - ﷺ - عق عن الحسن والحسين كبشًا كبشًا، ولا يخفى أن الاكتفاء بواحد لا ينافي فضل التعدد.\n* * *\n\n٦٦١ - أخبرنا مالك، أخبرنا جعفر بن محمد بن علي، عن أبيه، أنه قال: وَزَنَتْ فاطمةُ بنت رسول الله - ﷺ - شعر حسن وحسين وزينب وأم كُلثوم فتصدقتْ بوزن ذلك فضَّة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا جعفر وهو الصادق بن محمد وهو الباقر بن علي، وهو زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الهاشمي، يكنى أبا عبد الله، المعروف بالصادق صدوق فقيه إمام، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين، مات سنة ثمان وأربعين ومائة من الهجرة، عن أبيه أي: عن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، يُكنى أبا جعفر الباقر، ثقة فاضل، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة بضع وعشر ومائة، كما في (تقريب التهذيب) (١)، (ق ٦٨٥) أنه أي: محمد بن علي، قال: أي: مرسلًا، وَزَنَتْ فاطمةُ بنت رسول الله - ﷺ - شعر حسن أي: بأمر أبيها، ففي الترمذي عن علي ﵁ أنه قال: عن رسول الله - ﷺ - عن الحسن بكبش، وقال: \"يا فاطمة احلقي رأسه وتصدقي بزنة شعره فضة\"، قال: فوزناه فكان درهمًا أو بعض درهم، وحسين ﵄، بضم الحاء المهملة، روى أحمد عن علي قال: لما ولد الحسن سميته حربًا، فجاء رسول الله - ﷺ - فقال: \"أروني ابني ما سميتموه؟ \" قلنا: حربًا، قال: \"بل هو حسن\"، فلما وُلِدَ الحسين فذكره مثله، وقال: \"بل هو حسين\"، فلما ولد محسن، فذكر مثله، وقال: \"بل هو محسن\"، ثم قال: سميتهم بأسماء ولد هارون بشر وبشير ومبشر، إسناده صحيح، ومحسن بضم الميم وفتح الحاء، وكسر السين المهملة المشددة، مات صغيرًا، وزينب وُلِدَت في حياة جدها، وكانت لبيبة جزلة عاقلة، ولها قوة جنان، وتزوجها عبد الله ابن عمها\n_________\n(٦٦١) إسناده حسن.\n(١) في التقريب (١/ ٤٩٧).","vol":"3","page":230},{"text":"جعفر، فولدت له عليّا وأم كلثوم وعونًا وعباسًا ومحمدًا، وأم كُلثوم وُلِدَتْ قبل وفاة جدها - ﷺ - وتزوجها عمر بن الخطاب، وأمهرها أربعين ألفًا، فولدت له زيدًا ورقية، ولم يعقبا، ثم تزوجها بعد موت عمر: عون بن جعفر، ثم مات فتزوجها أخوه محمد بن جعفر، ثم مات فتزوجها أخوهما عبد الله بن جعفر، فماتت عنه فتزوج أختها زينب، فتصدقتْ بوزن ذلك أي: شعرهم فضَّة، أي: يحمل بأمره - ﷺ - كما أمرها في الحسن. قال ابن عبد البر: أهل العلم يستحبون ما فعلته فاطمة مع العقيقة، ودونها السعيد بن زيد الباجي المالكي: التصدق بزنة الشعر حسن، وعمل برواية في الصحيح مرفوعًا، \"مع الغلام عقيقة فاهر يقول عنه دمًا وأميطوا عنه الأذى\"، فسره ابن الجلاب تبعًا للأصمعي بحلق رأسه، كذا قاله الزرقاني (١).\n* * *\n\n٦٦٢ - أخبرنا مالك، أخبرني ربيعة بن أبي ربيعة عبد الرحمن، عن محمد بن علي بن حسين، أنه قال: وزنتْ فاطمة بنت رسول الله - ﷺ - شعر حسن وحسين وزينب وأم كُلثوم فتصدقتْ بزنته فضة.\nقال محمد: أما العقيقة، فبلغنا أنها كانت في الجاهلية، وقد فعلت في أوّل الإِسلام، ثم نسخ الأضحى كلَّ ذَبْح كان قبله، ونسخ صومُ شهر رمضان كلَّ صوم كان قبله، ونسخ غسل الجنابة كل غسل كان قبل، ونَسَخَت الزكاة كل صدقة كانت قبلها، كذلك بلغنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرني بالإِفراد، وفي نسخة: قال: بنا ربيعة الرأي، واسم أبيه ابن أبي ربيعة عبد الرحمن التميمي مولاهم، يُكنى أبا عثمان المدني المعروف بربيعة الرأي، واسم أبيه فروخ، ثقة فقيه مشهور، قال ابن سعد: يتقونه لموضع الرأي، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، ومن أهل المدينة، مات سنة ست وثلاثين ومائة على الصحيح، وقيل: ثلاث، وقال سعيد بن زيد الباجي المالكي:\n_________\n(١) في شرحه (٣/ ١٢٩).","vol":"3","page":231},{"text":"ستة واثنين وأربعين ومائة، كذا قاله ابن حجر (١)، عن محمد بن علي بن الحسين، وقد سبق بيان طبقته آنفًا، أنه قال: مرسلًا، وزنتْ فاطمة بنت رسول الله - ﷺ - شعر حسن وحسين وزينب وأم كُلثوم فتصدقتْ بوزن الشعر فضة أي: فيندب ذلك، وبالذهب أيضًا معمولة كانت أو غير معمولة.\nقال محمد: أما العقيقة، فبلغنا أنها كانت في الجاهلية، أي: سنة أو واجبة على زعمهم أو معمولة عندهم، وقد فعلت في أوّل الإِسلام، أي: بطريق الوجوب ليوافق قوله: ثم نسخ الأضحى كلَّ ذَبْح كان قبله، أي: مشروعًا من العقيقة والعتيرة والرجبية، فكان الرجل إذا ولدت له الناقة أو الشاة ذبح أول ولد فأكل وأطعم، ويسمى العتيرة، وقيل في تفسير العتيرة: أن الرجل كان إذا نذر نذرًا بأنه إذا وقع كذا أو بلغ شأنه كذا فعليه أن يذبح من كل عشرة منها شاة، وكان (ق ٦٨٦) العرب يذبحون الشاة في رجب يدعى الرجبية، فإسناد النسخ إلى الأضحى كان مجازًا مرسلًا من قبيل: أنبت الربيع البقل؛ لأن النسخ في اللغة عبارة عن تبديل حكم إلى حكم آخر، وهو فعل الأضحى، وكذا الحكم في المعطوفات، ونسخ صومُ شهر رمضان كلَّ صومٍ كان قبله، أي: واجبًا كأيام البيض ويوم عاشوراء، ونسخ غسل الجنابة كل غسل كان قبل، أي: واجب أو لم أعرفه ما هو، ونَسَخَت الزكاة كل صدقة كانت قبلها، وهذا أيضًا غير معروف، كذلك بلغنا، أي: في أسانيدنا، وفيه أن الفريضة إذا نُسخت تبقى الفضيلة التي تترتب عليها المثوبة، كصلاة التهجد، وصوم عاشوراء، وهي تنافي الإِباحة التي لا ثواب فيها ولا عقاب، وفي (البدائع) ذكر محمد في (الجامع الصغير): ولا يعق عن الغلام ولا عن الجارية، وأنه إشارة إلى الكراهة؛ لأن العقيقة كانت فضيلة ومتى نسخ الفضل لا يبقى إلا الكراهة، بخلاف الصوم والصدقة، فإنهما كانتا من الفرائض، فإذا نسخت الفضيلة يجوز التنفل بهما، قلت: وفيه بحث؛ لأن الفضيلة إذا نسخت تبقى الإِباحة؛ لأن النسخ ما توجه إلا إلى الفضيلة فيبقى أصل الإِباحة، وهذا على تقدير أنه كان فضيلة، وإلا فالظاهر من ذكرها مع الصوم والصدقة أنها على منوالهما في كونها واجبة، كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان أحكام العقيقة، شرع في بيان أحكام الديّات، فقال: هذا\n* * *\n_________\n(١) التقريب (١/ ٢٠٧).","vol":"3","page":232},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-306>أبواب الديات</span>\nكتاب في بيان أحكام الديَّات، وفي نسخة: أبواب الديّات، وهي جمع الديَّة، وهي مصدر ودى القاتل المقتول، إذا أعطى وليه المال الذي هو بدل النفس، ثم قبل لذلك المال، الديَّة تسمية بالمصدر، ولذا جُمِعَت، وهي كعدة في حذف الفاء الفعل، كذا في (المغرب) وغيره؛ لأن التاء في آخر الديَّة عوض عن الواو كعدة، والكتاب لغة: مصدر بمعنى الكتب، وهو الجمع، سُمي به المفعول للمبالغة، واصطلاحًا: طائفة من المسائل، وإضافته إلى الديات من قبيل إضافة العام إلى الخاص، وإنما قال: الديات بلفظ الجمع للإِشعار بتعدد أنواعها، واستنبط المصنف ﵀ هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة النساء: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]، وجه المناسبة بين هذا الباب وبين باب العقيقة، إعطاء المال إلى الغير استحبابًا ووجوبًا.\n٦٦٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر، أن أباه أخبره عن الكتاب الذي كان رسول الله - ﷺ - كتبه لعمرو بن حزم في العُقُول، فكتب: \"أن في النفس مائة من الإبل، وفي الأنف إذا أوعب جَدْعًا مائة من الإبل، وفي الجائفة ثلث النفس، وفي المأمومة مثلها، وفي العين خمسين، وفي اليد خمسين، وفي الرِّجل خمسين، وفي كل إصبع مما هنالك عشر من الإبل، وفي السنّ خمس من الإبل، وفي الموضحة خمس من الإبل\".\nقال محمد: وبهذا كله نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة.\n_________\n(٦٦٣) إسناده ضعيف، ولكن الحديث صححه جمع من أهل العلم، منهم ابن عبد البر وغيره، قال الحاكم في حديث حكيم بن حزام: هذا حديث صحيح الإِسناد ولم يخرجاه. وقال ابن الجوزي - ﵀ في التحقيق: قال أحمد بن حنبل - ﵀: كتاب عمرو بن حزم في الصدقات صحيح.\nوقال الزيلعي في نصب الراية (٢/ ٢٤١): وقال بعض الحفاظ المتأخرين: ونسخة كتاب عمرو بن حزم تلقاها الأئمة بالقبول وهي متوارثة، يرجعون إليها ويدعون آراءهم. =","vol":"3","page":233},{"text":"• أخبرنا مالك وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر، أي: ابن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، المدني القاضي، ثقة كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة، وهو ابن سبعين سنة، أن أباه أي: أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أخبره أي: حكى أبو بكر بن محمد لابنه عبد الله عن الكتاب الذي كان رسول الله - ﷺ - كتبه أي: أمر كاتبه بأن قال: اكتب لعمرو بن حزم بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي، فميم، أي: ابن لوزان الأنصاري البخاري، شهد الخندق وما بعدها، وكان عاملًا للنبي - ﷺ - على نجران، مات بعد الخمسين من الهجرة، وغلط من قال في خلافة عمرو، وهو كتاب جليل، فيه أنواع كثيرة من الفقه في الذكاة، والديَّات، والأحكام، وذكر الكبائر، والطلاق، والعتاق، وأحكام الصلاة في الثوب الواحد، والأجنب (ق ٦٨٧) فيه، ومس المصحف، وغير ذلك، أخرجه النسائي وابن حبان موصولان من طريق الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه عن جده، أن رسول الله - ﷺ - كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن والديَّات وبعث به مع عمرو بن حزم، فقدم على أهل اليمن، وهذه نسخة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من محمد النبي إلى شرحبيل بن عبد كلال والحارث بن عبد كلال، ونعيم بن عبد كلال، قيل: ذي رعين ومعافير، وهمدان، أما بعد: فذكر الحديث بطوله، وفيه: في العُقُول، أي: الديَّات، بضم العين المهملة والقاف، وسكون الواو، فلام: جمع العقل، يقال: عقلت القتل عقلًا أديت ديته، قال الأصمعي: سُميَّت الديَّة عقلًا تسمية بالمصدر؛ لأن الإِبل كانت تُعقل بفناء ولي القتيل، ثم كثر الاستعمال حتى أطلق العقل على الديَّة إبلًا كانت أو نقدًا، فكتب، يحتمل صيغة الفاعل والمفعول: \"أن في النفس أي: في قتلها خطأ سواء كانت حرًا مسلمًا أو ذميّا مائة من الإبل، أي: وما يقوم مقامها من الذهب ألف دينار، ومن الفضة عشرة آلاف درهم عند أبي حنيفة.\n_________\n= وقال ابن عبد البر في الاستذكار (٨/ ١٠): وكتاب عمرو بن حزم هذا قد تلقاه العلماء بالقبول والعمل، وهو عندهم أشهر وأظهر من الإِسناد الواحد المتصل.\nوقال أيضًا (٢٥/ ٨): وفي إجماع العلماء في كل مصر على معاني ما في حديث عمرو بن حزم دليل واضح على صحة الحديث، وأنه يستغني عن الإِسناد لشهرته عند علماء أهل المدينة وغيرهم.","vol":"3","page":234},{"text":"روى الدارقطني في (سننه) عن الحسين بن صفوان، عن عبد الله بن أحمد رحمويه، عن إبراهيم بن سعد بن شهاب، أن أبا بكر وعمر ﵄ كانا يجعلان ديَّة اليهودي والنصراني المعاهدين دية الحر المسلم، وأخرج ابن أبي شيبة نحوه عن علقمة ومجاهد، وعطاء، والشعبي، وإبراهيم النخعي، والزهري، وروى عبد الرزاق عن أبي حنيفة عن الحكم بن عيينة، عن علي ﵁ أنه قال: دية كل ذمي مثل دية المسلم، وقال أبو حنيفة: وهو قولي؛ لأنه حُرّ معصوم الدم فتكمل ديته كالمسلم، وقال الشافعي: دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم، وهو قول أحمد، وقال مالك: ديَّة اليهودي والنصراني نصف دية المسلم، وللشافعي ما رواه في مسنده عن فضيل بن عياض عن منصور عن ثابت بن قيس، عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قضى في اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم، وفي المجوسي ثمان مائة درهم؛ لأن نقصان الكفر فوق نقصان الأنوثة، وبالأنوثة تنتصف الدية بالإِجماع، فينبغي أن يكون بالكفر أنقص من النصف، فيكون ثلث دية المسلم، وهي عندي اثنى عشر ألف درهم؛ ولأن الديَّة تنصف باعتبار الرق، وهو أثر من آثار الكفر فلا ينتقص باعتبار الكفر ولي؛ ولأن عقد الذمة أولى من الإِسلام، فينبغي أن لا يؤثر في حقن الدم مثل الإِسلام، وقولهم نقصان الكفر فوق نقصان الأنوثة مُسلَّم؛ إلا أن الدية في المرأة باعتبار نقصانها في المالكية؛ لأنها مالكة لما دون النكاح، ولا نقصان في المالكية للذمي، وقولهم: إن الديَّة ينتقص باعتبار الرق، غير مُسلَّم، بل تنتقص بنقصان المالكية، ولا تأثير للكفر في نقصان المالكية، واستدلالهم بنقصان عقد الذمة عن الإِسلام ساقط، لأن الإِحراز والتقويم بالدار عندنا وهما في ذلك سواء، كذا قاله عبد الله بن مسعود تاج الشريعة في (شرح النقاية).\nوفي الأنف أي: في قطعه أو إتلافه كلًا أو بعضًا، (ق ٦٨٨) إذا أوعبت بضم الهمزة، وسكون الواو وكسر العين المهملة، وفتح الموحدة، والتاء الساكنة، أي: إن استوصلت بحيث لم يبق منه شيء، وفي نسخة: بالباء التحتية وهي بمعناها، جَدْعًا بفتح الجيم وسكون الدال المهملة والعين المهملة منونًا أي: قطعًا، مائة من الإبل، أي: تمام الدية، وفي الجائفة اسم فاعل من جافته تجوفه، إذا وصلت لجوفه، أي: أن في الجراحة التي وصلت إلى الجوف ثلث النفس، أي: من الدية، وفي المأمومة مثلها، قيل لها: مأمومة؛ لأن فيها معنى المفعولية في الأصل، وجمعها على لفظ مأمومات، وهي الشجة","vol":"3","page":235},{"text":"التي تصل إلى أم الدماغ وهي الجلدة التي فيها الدماغ، أي: والدية، وفي الشجة التي تصل إلى أم الدماغ فدية الجائفة، وهي ثلث دية النفس، وفي العين أي: وإن في إحدى العينين دية خمسين، أي: إبلًا في سنن أبي داود والنسائي، أنه - ﷺ - كتب كتابًا إلى أهل اليمن فيه الفرائض والسنن والديَّات، وبعث به مع عمرو بن حزم، فكان فيه وفي العينين الدية الكاملة، وفي العين الواحدة نصف الدية، وفي الرجل الواحدة نصف الدية.\nوفي اليد الواحدة نصف الدية، وعلى هذا القياس يجب دية كاملة في اثنين مما في البدن منه اثنان كالعينين واليدين والرجلين والشفتين والأذنين والأنثيين، وفي أحدهما نصف الدية، وفي الرِّجل بكسر الراء المهملة وسكون الجيم، أي: إذا كانت واحدة خمسين أي: إبلًا، وفي كل إصبع بتثليث الهمزة والموحدة، وهي: تسعة فما هنالك أي: في الرجل واليد عشر من الإبل، لما أخرجه الترمذي، وقال: حسن صحيح، وابن حبان في صحيحه عن ابن عباس ﵄ أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"دية أصابع اليدين والرجلين سواء عشر من الإبل لكل أصبع\"، وما أخرجه الجماعة إلا مسلمًا عن ابن عباس ﵄ أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"هذه وهذه سواء\"، يعني الإِبهام والخنصر، وفي السنّ خمس من الإبل، أي: سواء كان أضراسًا أو ثنايا أو رباعيات، لما أخرجه أبو داود عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، قال: قضى رسول الله - ﷺ - في الأسنان خمس من الإِبل، في كل سن، وفي الموضحة وهي الشجة التي تكشف العظم، أي: تكسره وتظهره خمس من الإبل\".\nقال محمد: وبكذا كله نأخذ، أي: نعمل بجميع ما رواه عبد الله بن أبي بكر في هذا الكتاب الديات، وهو أي: ما قاله أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\nلما فرغ من بيان محل كامل الدية ومحل بعضها، شرع في بيان محل بعض الديَّة، فقال: هذا\n* * *","vol":"3","page":236},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-307>باب الدية في الشفتين</span>\nباب في بيان الديَّة في الشفتين، والمفرد الشفة، يقال: أصله شفهة؛ لأن تصغيرها شفيهة، والجمع شفاه بالهاء، كذا في (الأختري).\n٦٦٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيَّب، قال: في الشفتين الدّية، فإذا قطعت السفلى ففيها ثلث الدّيَّة.\nقال محمد: ولسنا نأخذ بهذا: الشفتان سواء؛ في كل واحدةٍ منهما نصف الدِّية، ألا ترى أن الخِنصر والإِبهام سواء، ومنفعتهما مختلفة، وهو قول إبراهيم النَّخَعي، وأبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا، أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة، ثقة فقيه، كان في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، عن سعيد بن المسيَّب، بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عامر بن عمران (ق ٦٨٩) بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات، كان في الطبقة الأولى من كبار طبقات التابعين، ومن أهل المدينة، واتفقوا على أن مراسيله أصلح المراسيل، مات بعد التسعين بيسير وهو أربع وثمانين، كذا قاله ابن حجر (١)، وابن الجوزي.\nقال: في الشفتين أي: حكم في قطع الشفتين الدّية، أي: الكاملة، وفي الشفة الواحدة نصف الدية، ولا فرق بينهما عند الجمهور، خلافًا لابن المسيب، حيث قال: فإذا قطعت أي: الشفة السفلى بضم السين المهملة وسكون الفاء واللام المفتوحة وتحتية ضد العليا من الشفتين، ففيها ثلث الدّيَّة، أي: ترجى للسفلى على العليا؛ لأن الدية مختلف باختلاف المنفعة.\nقال محمد: ولسنا نأخذ بهذا، أي: لا ينبغي لنا أن نعمل بما قاله سعيد بن المسيب، ولكن نقول: الشفتان سواء؛ في كل واحدةٍ منهما نصف الدِّية، ألا ترى أن الخِنصر\n_________\n(٦٦٤) إسناده صحيح.\n(١) في التقريب (١/ ٢٤١).","vol":"3","page":237},{"text":"والإِبهام سواء، أي: كما تقدم في الحديث، ومنفعتهما مختلفة، أي: فإن الإِبهام منفعتهما أكثر وأقوى كما لا يخفى، وهذا قول إبراهيم النَّخَعي، وأبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، وفي رواية أبي داود والنسائي مرفوعًا، أن في الشفتين الدية، وظاهرة الإِطلاق من غير التفرقة.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بدية الشفتين، شرع في بيان ما يتعلق بدية العمد، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-308>باب دية العمد</span>\nباب في بيان ما يتعلق بدية العمد، اتفقوا على أن الدية للمسلم الحر الذكر مائة من الإِبل في مال القاتل العامد إذا عدل إلى الدية، ثم اختلفوا: هل هي حالة أو مؤجلة؟ فقال مالك والشافعي وأحمد: هي حالة، وقال أبو حنيفة: هي مؤجلة في ثلاث سنين، واختلفوا في دية العمد، فقال أبو حنيفة وأحمد في إحدى روايتيه: هي أرباع الكل سن من الأسنان الإِبل منها خمس وعشرون بنت مخاض، ومثلها بنت لبون، ومثلها حقاق، ومثلها جذاع، وقال الشافعي: يؤخذ ثلثه ثلاثون حقة وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة هي حوامل، وبه قال أحمد في روايته الأخرى.\n٦٦٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، قال: قد مضت السُّنَّة، أن العاقلة لا تحمل شيئًا من دية العمد إلا أن تشاء.\nقال محمد: وبهذا نأخذ.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا، أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، ثقة فقيه، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، كان في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، قال: قد مضت أي: سبقت السُّنَّة، هي في اللغة: الطريقة المرضية، وفي الشريعة هي الطريقة المسلوكة في الدين من غير افتراض ولا وجوب، وهي تطلق على قول الرسول - ﷺ - وفعله","vol":"3","page":238},{"text":"وسكوته عند أمر يعاينه، وعلى طريقة الصحابة ﵃، والحديث والخبر مختصان بالقول، كذا قاله السيد محمد الجرجاني وعبد اللطيف بن فرشت في (شرح المنار)، أن العاقلة أي: أهل الديوان وهم الجيش الذين كتب أسماءهم في الديوان، لا تحمل أي: لا تلتزم على نفسها شيئًا من دية العمد، فإنها مخيرة إن شاءت أعطاها، وإن لم تشأ لم تعطها كما قال: إلا أن تشاء؛ فإن دية المقتول عمدًا تلتزم على القاتل فقط.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله ابن شهاب (ق ٦٩٠).\n* * *\n\n٦٦٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس، قال: لا تَعقل العاقلة عمدًا ولا صلحًا ولا اعترافًا ولا ما جَنى المملوك.\nقال محمد: فبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، كذا في نسخة: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه، أي: أبي الزناد عبد الله بن ذكوان القرشي، المدني، ثقة فقيه، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ثلاثين ومائة بعد الهجرة، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، الهزلي، يُكنى أبا عبد الله المدني، ثقة فقيه ثبت، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين ومائة.\nعن ابن عباس، ﵄، قال: لا تَعقل العاقلة أي: لا تُعطى دية المقتول عمدًا أهل الديوان القاتل لزومًا، بل هي مخيرة بين إعطائها وإمساكها، يعني لا تلزم العاقلة دية المقتول إذا كان القتل عمدًا أي: محضًا، ولا صلحًا ولا يتحمل العاقلة دية المقتول إذا صولح الجاني من الدية على مال، ولا اعترافًا ولا ما جَنى المملوك، أي: إذا جنى عبد أو أمة على إنسان لا يلتزم عاقلة مولى العبد الجاني دية جنايته.\nقال محمد: فبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n_________\n(٦٦٦) إسناده حسن.","vol":"3","page":239},{"text":"لما فرغ من بيان دية العمد، شرع في بيان دية الخطأ، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-309>باب دية الخطأ</span>\nباب في بيان دية الخطأ، وهو بفتح الخاء المعجمة والطاء المهملة مقصورًا وِقديمة عند العمد، استنبط المصنف هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢]، وجه المناسبة بين هذا الباب والباب السابق التضاد.\n٦٦٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن سليمان بن يسار، أنه كان يقول: في دية الخطأ عشرون بنتَ مخاض، وعشرون بنتَ لَبون، وعشرون ابنَ لبون، وعشرون حِقَّة، وعشرون جَذَعة.\nقال محمد: ولسنا نأخذ بهذا، ولكنا نأخذ بقول عبد الله بن مسعود (١)، وقد رواه ابن مسعود عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"دية الخطأ أخماس، عشرون بنت مخاض، وعشرون ابن مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون حقَّة، وعشرون جَذَعة أخماس\"، وإنما خَالَفنا سليمان بن يسار في الذكور فجَعلها من بني اللبون، وجعلها عبد الله بن مسعود من ابني المخاض، وقول أبي حنيفة مثل قول ابن مسعود.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سليمان بن يسار الهلالي المدني، مولى ميمونة، وقيل: أم سلمة، ثقة فاضل، أحد الفقهاء السبعة، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين، من أهل المدينة، مات بعد المائة، أنه كان يقول: في دية الخطأ عشرون بنتَ مخاض، وهي الإِبل التي تم لها السنة\n_________\n(٦٦٧) إسناده صحيح.\n(١) أخرجه البيهقي في الكبرى (٨/ ٧٥).","vol":"3","page":240},{"text":"وطعنت في السنة الثانية، سميت بذلك لأن أمها في الغالب تصير ذات مخاض، أي: حمل بأخرى، والمخاض أيضًا وجع الولادة، وعشرون بنتَ لَبون، وعشرون ابنَ لبون، وهي الإِبل التي تم لها سنتان ودخلت في السنة الثالثة، سميت بها لأن أمها في الغالب ذات لبن من أخرى، وعشرون حِقَّة، بكسر الحاء المهملة وفتح القاف المشددة، وبعدها هاء، وهي الإِبل التي تم لها ثلاث سنين ودخلت في الرابعة، وسميت بذلك لأنها استحقت الحمل والركوب، وعشرون جَذَعة، بفتح الجيم والذال المعجمة والمفتوحة والعين المهملة المفتوحة، ثم الهاء، وهي الإِبل التي تم لها السنة الرابعة ودخلت في السنة الخامسة، سميت بذلك لمعنى في أسنانها يعرفها أهل اللغة وهي أقصى سن.\nقال محمد: ولسنا نأخذ بهذا، أي ما كنا أنا وأصحاب أبي حنيفة نعمل بقول سليمان بن يسار، ولكنا نأخذ أي: نحن نعمل ونفتي بقول عبد الله بن مسعود، ﵁، لأنه أفضل، مع أن حديثه مرفوع لا بينه بقوله، وقد رواه ابن مسعود عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"دية الخطأ أخماس، عشرون بنت مخاض، وعشرون ابن مخاض، وفي ترجيح ما رواه ابن مسعود على قول سليمان بن يسار تيسير لمن يلزم عليه الدية لأن قيمة ابن مخاض (ق ٦٩١) قليل من قيمة ابن لبون، وفي قول سليمان بن يسار تغليظ للخطائي وتزجير للعامد بقتل النفس، فالتزجير إحياء الناس، كما أن القصاص إحياء الباقين، ولكل وجهة. وعشرون بنت لبون، وعشرون حقَّة، وعشرون جَذَعة أخماس\"، وإنما خَالَفنا سليمان بن يسار في الذكور أي: في تعيينها فجعلها أي: جعل سليمان بن يسار الذكور من بني اللبون، وجعلها أي: الذكور عبد الله بن مسعود من ابني المخاض، وقول أبي حنيفة مثل قول ابن مسعود.\nوحديثه هذا أخرجه أصحاب السنن عن ابن مسعود أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"في دية الخطأ عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابني مخاض ذكر\"، قال الترمذي: لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وقد رُوي عنه موقوفًا، وقال مالك والشافعي: مكان عشرين بنت مخاض، عشرين ابن لبون، لما في الكتب الستة من حديث سهل بن خيثمة في الذي وداه النبي - ﷺ - بمائة من إبل الصدقة، وبني المخاض لا مدخل لها في الصدقات، وأجاب الأصحاب عنه بأنه - ﷺ - تبرع بذلك دفعًا لفتنة الأنام، ولم تجعل حكمًا من الأحكام.","vol":"3","page":241},{"text":"وقال النووي في (شرح مسلم): المختار ما قاله جمهور أصحابنا وغيرهم أن معناه أنه - ﷺ - اشتراها من أهل القتيل. انتهى، وقيل: لا حجة عنه لأنهم لم يدعوا إلى أهل خيبر إلا قتله عمدًا فيكون ديته دية العمد، وهي من أسنان الصدقة، وإنما الخلاف في الخطأ، كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بدية الخطأ، شرع في بيان ما يتعلق بدية الأسنان مطلقًا، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-310>باب دية الأسنان</span>\nباب في بيان أحكام دية الأسنان بفتح الهمزة جمع سن مؤنثة وزن حمل وأحمال، والعامة يقولون: إسنان بالكسر والضم وهو خطأ، وهو أعم من الضرس وغيره لغة، اقتبس المصنف ﵀ هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: ٤٥]، ووجه المناسبة بين هذا الباب والباب السابق الإِطلاق والتقييد.\n٦٦٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا داود بن الحصين، أن أبا غَطَفان أخبره: أن مروان بن الحكم أرسله إلى ابن عباس يسأله: ما في الضرس؟ فقال عبد الله بن عباس: إن فيه خمسًا من الإِبل، قال: فردني مروان إلى ابن عباس، فقال: فلم تجعل مقدَّم الفم مثل الأضراس؟ قال: فقال ابن عباس: لولا أنك لا تعتبر إلا بالأصابع عَقْلها سواء.\nقال محمد: وبقول ابن عباس نأخذ، عقل الأسنان سواء، وعقل الأصابع سواء؛ في كل أصبع عُشر الدية، وفي كل سن نصف عُشر الدية، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا، أخبرنا داود بن\n_________\n(٦٦٨) إسناده صحيح.","vol":"3","page":242},{"text":"الحصين، الأموي مولاهم، يكنى أبا سليمان المدني ثقة، إلا في عكرمة، رُمي برأي الخوارج، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة بعد الهجرة، كذا قاله ابن حجر العسقلاني (١)، أن أبا غَطَفان بفتح العين المعجمة وفتح الطاء المهملة والفاء فألف ونون على وزن نزوان المري بن طريف أو ابن مالك المري بالراء، المدني، قيل: اسمه سعد، ثقة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين، مات بعد المائة، أخبره: أن مروان بن الحكم بن العاص بن أمية، يكنى عبد الملك الأموي، ولي الخلافة في المدينة من جهة معاوية في آخر سنة أربع وستين ولم يثبت له صحبة، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة خمس في رمضان قبل المائة، وهو ابن ثلاث أو إحدى وستين سنة، كذا في (تقريب التهذيب)، أرسله إلى ابن عباس ﵄، (ق ٦٩٢) يسأله: ما في الضرس؟ أي: أي شيء من الدية تلزم للضرس الذي قلع خطأ؟ فقال عبد الله بن عباس: إن فيه أي: في واحدة خمسًا من الإِبل، أي: لقوله - ﷺ -: \"وفي السن خمس\"، قال أي: أبو غطفان: فردني مروان أي: ثانيًا حتى أسأل إلى أبن عباس، ﵄، فقال: أي: أبو غطفان على وجه الالتفات من التكلم إلى الغيبة لنشاط السامع وللإِصغاء بكلامه، وللتنبيه على أن هذا الحكم عظيم، ومقتضى أن يقال، فقلت: أي: سألت عبد الله بن عباس بأن أقول له: فلم تجعل أي: يا ابن عباس مقدَّم الفم أي: الثنايا والفاء عطف على مقدر وهو مدخول الهمزة الاستفهامية مقدرة كما جيئت في (الموطأ) ليحيى أتجعل مقدم الفم مثل الأضراس؟ وهي غير الثنايا، والمعنى: هل رويت يا ابن عباس عن النبي - ﷺ - دية الثنية والضرس سواء، فلم تجعل دية مقدم الفم كدية الأضراس؟ قال: أي: أبو غطفان: فقال ابن عباس ﵄: لولا أنك لا تعتبر أي: لا تقيس إلا بالأصابع أي: لكان كافيًا لك، فحذف جواب لو، وإنما قال له ذلك مجازاة لما رُوي إليه من أن جعل الأسنان مثل الأضراس خلاف القياس، وإلا فابن عباس روى عن النبي - ﷺ - الأصابع والأسنان والثنية والضرس سواء أخرجه الإسماعيلي، وفي البخاري (٢) عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - قال:\n_________\n(١) في التقريب (١/ ١٩٨).\n(٢) في البخاري (٦/ ٢٥٢٦) رقم (٦٥٠٠).","vol":"3","page":243},{"text":"\"هذه وهذه سواء\" يعني الخنصر والإِبهام، ولأبي داود عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده: \"الأصابع كلها سواء، كلهن فيه عشر عشر من الإبل\"، كذا قاله الزرقاني، عَقْلها أي: دية الأصابع كلها، سواءُ، أي: مستوية مع اختلاف ما فيها من تفاوت المنفعة.\nقال محمد: وبقول ابن عباس نأخذ، أي: نعمل ونقول: عقل الأسنان أي: ديتها سواء أي: لا فرق بين أفرادها، قال الأصمعي: وجه التسمية الدية عقلًا؛ لأن كل إبل تربط عند باب وإرث المقتول لأجله ديته، ثم شاع استعمال لفظ العقل في كل دية كانت دنانيرًا ودراهم، كذا قاله محمد الواني في (ترجمة الجوهري)، وعقل الأصابع سواء؛ في كل أصبع عُشر الدية، بضم العين المهملة وسكون الشين المعجمة والراء، وهي عشرة من الإِبل، وفي كل سن نصف عُشر الدية، وهو خمس من الإِبل لزوم دية كل سن نصف عشر الدية، وهو أي: لزوم دية كل سن نصف عشر الدية الكاملة قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، لما أخرجه أبو داود (١) عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: أنه قضى رسول الله - ﷺ - في الأسنان خمس من الإِبل في كل سن، ولما في كتاب عمرو بن حزم: وفي السن خمس من الإِبل، ولما أخرجه أبو داود (٢) وابن ماجه (٣) عن قتادة عن عكرمة، عن ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - قال: \"الأسنان سواء الثنية والضرس سواء، هذه وهذه سواء\"، ولو قلع جميع أسنانه يجب ستة عشر ألفًا، وفي البدن عضو الدية، أكثر من دية النفس سوى الأسنان، وفي الكوسج يجب أربعة عشر ألفًا؛ لأن أسنانه تكون ثمانية وعشرين، حُكي أن امرأة قالت لزوجها: يا كوسج، فقال: إن كنت كوسجًا فأنت طالق، (ق ٦٩٣) فسئل أبو حنيفة عن ذلك فقال: تعد أسنانه إن كانت ثمانية وعشرين فهو كوسج، وهذا يدل على أن الكوسج أنواع باختلاف تفاوت اللحية، وما ذكره الإِمام حقيقة العلامة لكن فيه إشكال؛ لأن مدار الإِيمان على العرف في الأمكنة والأزمان، كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان أحكام دية الأسنان مطلقًا، شرع في بيان أحكام دية السن والعين المخصوصين، فقال: هذا\n* * *\n_________\n(١) أبو داود (٤٥٦٣).\n(٢) أبو داود (٤٥٦٠).\n(٣) ابن ماجه (٢٦٥٠).","vol":"3","page":244},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-311>باب أرش السن السوداء والعين القائمة</span>\nباب في بيان أحكام أرش السن السوداء، وهو بفتح الهمزة وسكون الراء المهملة والشين المعجمة هو اسم للمال الواجب على ما دون النفس، كذا قاله السيد الشريف محمد الجرجاني الحنفي، قال الإِمام المطرزي في (المغرب): الأرش دية الجراحات، انتهى، السوداء بفتح السين المهملة وسكون الواو والدال الممدودة صفة شيء مطلقًا، وأما السواد بفتح السين والواو فألف ودال فمصدر، كذا قاله أهل اللغة والعين القائمة، أي: وبيان أحكام دية العين القائمة.\n٦٦٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أن سعيد بن المسيَّب كان يقول: إذا أصيبت السنّ فاسودّت ففيها عَقلها تاما.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، إذا أصيبت السن فاسودّت أو احمّرت أو اخضرّت فقد تم عَقْلُها، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا، أخبرنا يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني، يكنى أبا سعيد القاضي، ثقة، ثبت، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة بعد الهجرة، أن سعيد بن المسيَّب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات، كان في الطبقة الأولى من طبقات كبار التابعين، من أهل المدينة، مات بعد التسعين، وهو ابن أربع وثمانين سنة، كذا في (تقريب التهذيب) (١)، كان يقول: إذا أصيبت السنّ، أي: بحجر ونحوه فاسودّت أي: فتغيرت لونها عما كانت في أصلها، ففيها عقلها أي: ديتها المعروفة وهي نصف العشر، تاما، أي: من غير نقص منها.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله سعيد بن المسيب، إذا أصيبت\n_________\n(٦٦٩) إسناده صحيح.\n(١) التقريب (١/ ٢٤١).","vol":"3","page":245},{"text":"السن فاسودّت أو احمّرت أو اخضرّت أي: تغيرت ولو اصفرت، فقد تم عَقلُها، أي: ديتها، فهو بمنزلة تلفها، وهو قولُ أبي حنيفة، أي: ومن أتبعه.\n* * *\n\n٦٧٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار، أن زيد بن ثابت كان يقول في العين القائمة: إذا فُقئت مائة دينار.\nكال محمد: ليس فيها عندنا أرش معلوم، ففيها حكومة عدل، فإن بلغت الحكومة مائة دينار أو أكثر من ذلك كانت الحكومة فيها، وإنما نضع هذا من زيد بن ثابت لأنه حكم بذلك.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار الهلالي المدني، مولى ميمونة، وقيل: أم سلمة، ثقة فاضل، أحد الفقهاء السبعة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين، من أهل المدينة، مات بعد المائة، وقيل: قبلها، كذا في (تقريب التهذيب) (١)، أن زيد بن ثابت بن الضحاك بن لوفان الأنصاري البخاري، يُكنى أبا سعيد، وأبا خارجة، صحابي مشهور، كتب الوحي، قال مسروق: كان من الراسخين في العلم، مات سنة خمس أو ثمان وأربعين، وقيل: بعد الخمسين من الهجرة، كان يقول في العين القائمة أي: الثابتة الصحيحة إذا فُقئت، بضم الفاء وكسر القاف وفتح الهمزة، وسكون التاء الفوقية، أي: غارت العين بأن شق حدقتها، وفي نسخة: إذا طُفئت، أي: أطمس نورها، مائة دينار، قال سيد محمد الزرقاني (٢): ولم يأخذ بهذا مالك، بل قال: إن أمكن أن يفعل ذلك بالجاني وإلا فالعقل كالخطأ، انتهى، وقولهم: أبو حنيفة سوى بين الفقء (ق ٦٩٤) والقلع أراد التسوية حكمًا لا لغة، لأن الفقأ ما ذكره، والقلع أن نزع حدقتها بعروقه، كذا قاله علي القاري عن (المغرب).\n_________\n(٦٧٠) إسناده صحيح.\n(١) التقريب (١/ ٢٥٥).\n(٢) في شرحه (٤/ ٢٢٩).","vol":"3","page":246},{"text":"قال محمد: ليس عندنا فيها أي: فقء العين أرش معلوم، أي: دية مقدرة مفهومة، ففيها حكومة عدل، أي: مطلقة، وفسر صاحب (الاختيار) حكومة العدل، بأن يقوم المجروح عبدًا سالمًا أو صحيحًا وجريحًا، فما نقصت الجراحة من القيمة يعتبر من الدية كما فسرها المصنف بقوله: فإن بلغت الحكومة وفي نسخة: وإن بلغت بالواو مائة دينار أو أكثر من ذلك كانت الحكومة فيها، أي: معتبرة وإنما نضع أي: نحمل هذا أي: الحكم من زيد بن ثابت، أنه، وفي نسخة: لأنه حكم بذلك، فيكون واقعة اتفاقية فرعية لا قضية فرعية شرعية، وتفسير حكومة عدل أن يقوم المجني عليه، وهذا تفسير الحكومة عند الطحاوي، بل هذا الأثر يقوم عبدًا معه، فقدروا التفاوت بين القيمتين من الدية هو الحكومة العدل وبه يفتى، كذا قاله قاضيان، وبه أخذ الحلواني، وهو قول مالك والشافعي وأحمد، وكل من يحفظ عند العلم، كذا قاله ابن المنذر.\nوقال بعض المشايخ في تفسيرها: ينظر إلى قدر ما يحتاج إليه من النفقة إلى أن تبرأ هذه الجراحة، فيجب على الجاني، فإن عرف القاضي مقداره وإلا فسأل من له علم بذلك من الأطباء، وقالوا: وهذا لا يقوى لأن الناس يتفاوتون في ذلك، فمنهم من يكون أبطأ براء، ومنهم من يكون أسرع براء، وهذا إذا بقي للجراحة أثر ما إذا لم يبق فقال أبو يوسف: لا شيء على الجاني، وقال محمد: يلزمه قدر ما أنفق إلى أن يبرأ، وقال أكثر أهل العلم بقول أبي يوسف ﵀.\nلما فرغ من بيان دية السن السوداء والعين إذا فقئت، شرع في بيان ما يتعلق بأحكام أحوال الجماعة يجتمعون على قتل رجل واحد، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-312>باب النفر يجتمعون على قتل واحد</span>\nباب في بيان أحكام أحوال النفر، بفتح النون والفاء فراء مهملة، أي: الجماعة من الثلاثة إلى العشرة من الرجال، فإضافة الباب إلى النفر من قبيل إضافة العام إلى الخاص، يجتمعون على قتل واحد، أي: بالإِضافة.\nووجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق اللازم والملزوم، والمراد بالأول الدية، وبالثاني سببها.","vol":"3","page":247},{"text":"٦٧١ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيَّب أن عمر بن الخطاب قتل نفرًا - خمسة أو سبعة - برجلٍ قَتَلوه قَتْلَ غِيلة، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء قتلْتُهم به.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، إن قتل سبعةٌ أو أكثر من ذلك رجلًا عمدًا قَتْلَ غِيلة أو غير غيلة، ضربوه بأسيافهم حتى قتلوه قُتِلوا به كلهم، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا، أخبرنا يحيى بن سعيد، بن قيس الأنصاري، المدني، يُكنى أبا سعيد القاضي، ثقة ثبت، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة من الهجرة، عن سعيد بن المسيَّب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات، كان في الطبقة الأولى من طبقات كبار التابعين، من أهل المدينة، اتفقوا على أن مرسلاته أصلح المراسيل، وقال المدني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه، مات بعد التسعين بيسير، وهو ابن أربع وثمانين سنة، كما قاله ابن الجوزي وابن حجر في طبقاته (وتقريب تهذيبه)، (ق ٦٩٥) أن عمر بن الخطاب ﵁ قتل نفرًا جماعة خمسة منصوب على أنه بدل بعض من نفر، فإنه جماعة من ثلاثة إلى عشرة، وفي نسخة: خمسة نفر بإضافتها إليه، أو سبعة، شك من الراوي، برجلٍ أي: بسبب قصاص رجل واحد غلام اسمه أصيل من أهل صنعاء، قَتَلوه أي: شاركوا في قتله، قَتْلَ غِيلة، بكسر الغين المعجمة، وسكون التحتية وفتح اللام، فهاء مجرور مضاف إليه لقتل، أي: خدعة وخفية، وقال أي: عمر: لو تمالأ بفتح الفوقية والميم واللام وألف بينهما وفتح الهمزة في آخره على وزن تعاون لفظًا ومعنى، أي: اجتمع عليه أي: على قتله فرضًا، أهل صنعاء بالمد، مدينة عظيمة معروفة في بلاد اليمن، كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، وإنما خصها بالذكر لأنها كانت موضع نزول النازلة التي استغنى فيها، قتلْتُهم به، جواب لو كما ذكر في (الموطأ) ليحيى، وهذا مختصر من أثر وصله ابن وهب.\n_________\n(٦٧١) إسناده صحيح.","vol":"3","page":248},{"text":"ورواه من طريق قاسم بن أصبغ والطحاوي، والبيهقي، قال ابن وهب: حدثني جرير بن حازم أن المغيرة بن حكيم حدثه عن أبيه أن امرأة بصنعاء غاب عنها زوجها وترك في حجرها ابنًا له من غيرها غلامًا يُقال له: أصيل، فاتخذت المرأة بعد زوجها خليلًا، فقالت له: إن هذا الغلام يفضحنا فاقتله فأبى، فامتنعت منه، فطاوعها فاجتمع على قتل الغلام الرجل ورجل آخر والمرأة وخادعها فقتلوه ثم قطعوه عضوًا عضوًا منه، وجعلوه في عيبة - بفتح المهملة وسكون التحتية فموحدة - وعاد من أدم فوضعوه في ركية بتشديد التحتية بئر لم تطو في ناحية القرية ليس فيها ماء، فأخذ خليلها، ثم اعترف الباقون، فكتب لعلي وهو يومئذٍ أمير بشأنهم إلى عمر، فكتب عمر بقتلهم جميعًا، وقال: والله لو أن أهل صنعاء اشتركوا في قتله لقتلهم أجمعين، كذا قاله الزرقاني (١).\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله عمر بن الخطاب ﵁، إن قتل سبعةٌ أي: وما دونها بالأولى، وذكر السبع إشعار بأن العدد الثابت في القضية كما رواه عبد الرزاق في (مصنفه) من غير شك، أو أكثر من ذلك أي: لو بلغ ألفا رجلًا أي: ممن لا يستحق القتل، عمدًا أي: بالعمد دون الخطأ، قَتْلَ غِيلة أو غير غيلة، فيه إيحاء إلى أن قتل غيلة في الحديث حكاية الواقعة، ضربوه بأسيافهم أي: أو ما يقوم مقامها، حتى قتلوه قُتِلوا به كلهم، وهو قولُ أبي حنيفة، ﵀، والعامة من فقهائنا، وهو قول مالك والشافعي وأحمد، وأكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين، منهم علي وشريح، وقال ابن الزبير، والزهري، وابن سيرين، وابن أبي ليلى، وعبد الملك، وربيعة، وداود، وابن المنذر، وأحمد في رواية: لا تقتلوه به ويجب الدية (ق ٦٩٦) عليهم؛ لأن مفهوم النفس بالنفس أن لا يقتل بالنفس الواحدة أكثر من واحدة؛ ولأن في القصاص يجب المساواة ولا مساواة بين العشرة والواحدة، وكلهم حملوا حديث عمر على السياسة، كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان أحكام أحوال الجماعة قتلوا مجتمعين رجلًا واحدًا، شرع في بيان حكم حال الشخصين، فقال: هذا\n* * *\n_________\n(١) في شرحه (٤/ ٢٤٨).","vol":"3","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-313>باب الرجل يرث من دية امرأته والمرأة من دية زوجها</span>\nباب في بيان حكم الرجل يرث من دية المرأة، أصله يورث من الباب الثاني، فسقطت الواو لوقوعها بين الباء وبين كسرة الراء، ومصدره ورث بكسر الواو وسكون الراء فتاء مثلثة فقلبت واوه همزة تبعًا لمضارعه في الحذف والقلب، وكان أرث بكسر الهمزة وسكون الراء فمثلثة فالإِرث، والميراث اسم لشيء تركه الميت، كذا قاله محمد الواني، والمعنى: الرجل يأخذ من تركة امرأة بعد موتها من ديتها، والمرأة ترث، أي: تأخذ من دية زوجها.\nاستنبط المصنف - ﵀ هذه الترجمة من مفهوم قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢]؛ لأن الإِرث والميراث اسم عما تركه الميت.\nووجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق بسبب حياة بني آدم وهو القصاص أو أخذ الميراث؛ لأن في قصاص القاتل بقاء حياة الغير، وكذا في أكل الميراث حياة الباقين.\n٦٧٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب أن عمر بن الخطاب نَشَدَ الناس بمنى من كان عنده علم في الدية أن يخبرني به، فقام الضَّحاك بن سفيان، فقال: كتب إليَّ رسول الله - ﷺ - في أشيم الضِّبابي: \"أن وَرِّثْ امرأته من ديته\"، فقال له عمر: ادخل الخِباء حتى آتيك، فلما نزل أخبره الضحاك بن سفيان بذلك، فقضى به عمر بن الخطاب.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لكل وارث في الدية والدمّ نصيب امرأةً كان الوارث أو زوجًا أو غير ذلك، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا ابن شهاب هو: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، المدني، ثقة فقيه، كان في الطبقة الرابعة من طبقات كبار التابعين، من\n_________\n(٦٧٢) في سنده انقطاع.","vol":"3","page":250},{"text":"أهل المدينة، مات بعد المائة من الهجرة، أن عمر بن الخطاب ﵁، نَشَدَ الناس بمنى أي: سألهم فيها، فيه استعارة تبعية؛ لأن عمر ﵁ شبه الحكم في الدية بالضالة، حيث عبر عن السؤال بالنشد، فإنه يطلب به الضالة، يقال: نشدت الضالة أنشدها نشدة، ونشدانًا من الباب الأول إذا طلبتها ونشدت الله بمعنى سألتك يا الله، أي: الله، أسألك بالله كأنك ذكرته إياه، فنشد أي: تذكر، كذا قاله محمد الواني في ترجمة (صحاح الجوهري)، من كان عنده علم في الدية أي: من جهة إرثها يخبرني به، فقام الضَّحاك بن سفيان بن عوف بن أبي بكر بن الكلاب، قال ابن عبد البر: هكذا رواه جماعة أصحاب مالك، ورواه أصحاب ابن شهاب عنه، وابن شهاب عن سعيد بن المسيب، ورواية سعيد بن المسيب عن عمر يجري مجرى المتصل لأنه قد رواه، وقد صحح بعض العلماء سماعه عنه، ومن طريق هشيم عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: جاءت امرأة إلى عمر تسأل أن يورثها من دية زوجها، قال: لا أعلم شيئًا، فنشد الناس الحديث، وفي طريق معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب قال: ما أرى الديَّة إلا للعصبة؛ لأنهم يعقلون عنه، فهل يسمع أحد منكم عن رسول الله - ﷺ - شيئًا؟ فقال: أي: الضحاك بن سفيان بن عوف (ق ٦٩٧) بن أبي بكر الكلابي، وكان رسول الله - ﷺ - استعمله على الأعراب، فذكر الحديث فقال: كتب إليَّ رسول الله - ﷺ - أن أورث امرأة، كذا في (الموطأ) ليحيى، في أشيم بوزن أحمد الضِّبابي بفتح الضاد المعجمة فموحدة فألف وموحدة ثانية وتحتية مشددة، نسبة إلى ضباب، بطن من بني الحارث ومن قريش، وبكسرها إلى ضباب بن عامر بن صعصعة فقلعة الضباب محلة بالكوفة، ذكره السيوطي، وزاد يحيى قال ابن شهاب: فكان قتل أشيم خطأ، قاله ابن عبد البر، روى مشكدانة عن ابن المبارك، عن مالك، عن الزهري، عن أنس قال: كان قتل أشيم خطأ، قال: وهو غريب جدًا، والمعروف أنه من قول ابن شهاب، فإنه كاف يدخل كلامه في الأحاديث كثير، كذا نقله علي القاري عن السيوطي أن ورث بفتح الهمزة وسكون النون مصدرية، والباء مقدرة أو تفسيرية، وكلمة ورث بفتح الواو وكسر الراء المشددة فمثلثة ساكنة أمر معروف، وفي نسخة: \"أن أورث بضم الهمزة وفتح الواو وكسر الراء المهملة المشددة فمثلثة، امرأته أي: امرأة هشيم من ديته\"، أي: من دية زوجها أشيم، فقال له عمر بن الخطاب ﵁، أي: للضحاك: ادخل الخِباء بكسر الخاء المعجمة وموحدة","vol":"3","page":251},{"text":"ممدودة، أي: الخيمة حتى آتيك، أي: أو تحقق السؤال عنك، واسمع الجواب منك، فلما نزل أي: عمر بن الخطاب أخبره الضحاك بن سفيان بذلك، أي: بالخبر، وروى ابن شاهين من طريق ابن إسحاق، عن الزهري، قال: حُدثت عن المغيرة بن شعبة أنه قال: حدثت عمر بن الخطاب بقصة أشيم فقال: ابنيني على هذا بما أعرف، فنشدت الناس في الموسم فأقبل رجل يُقال له زرارة بن جزي فحدثه عن النبي - ﷺ - بذلك، وأخرج أبو يعلى والحسن بن سفيان بإسناد حسن عن المغيرة بن شعبة أن زرارة بن جزي قال لعمر بن الخطاب: إن النبي - ﷺ - كتب إلى الضحاك بن سفيان أن يورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها، وكان قتل أشيم خطأ، فقضى به أي: بما أخبره الضحاك بن سفيان عن النبي - ﷺ -، عمر بن الخطاب، ﵁، أي: بعد رواية الضحاك وزرارة بن جزي والمغيرة بن شعبة، ذلك له عن النبي - ﷺ - كما علم، لا لأنه لا يقبل خبر الواحد بل لإِشاعة الخبر، وإشهاده بالموسم، ورد ما كان رواه أن الدية إنما هي للمعصية، لأنهم يعقلون عنه؛ لأنه قياس مع النص، قال أبو عمر: هذا حديث ابن شهاب عن مالك وغيره أن الضحاك بن سفيان أخبر عمر، وقول ابن عيينة أن الضحاك كتب إليه وهم، إنما الضحاك كتب إليه النبي - ﷺ -، وفيه أن العالم الجليل قد يخفى عليه من السنن والعلماء ما يكونوا عند من هو دونه في العلم، وأخبار الآحاد (ق ٦٩٨) علم خاصة لا ينكر أن يخفى منه الشيء على العلم وهو عند غيره، كذا قاله الزرقاني.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بخبر الضحاك بن سفيان، قضى به عمر بن الخطاب ﵁، لكل وارث في الدية والدمّ نصيب أي: حظ وحصة، امرأةً أي: زوجة، كان الوارث أو زوجًا أو غير ذلك، أي: من الورثة ذكر أو أنثى، صغيرًا أو كبيرًا، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، وقال مالك: لا يرث الزوجان من الانقطاع الزوجية بالموت، ولا وجوب الدية بعده، ولا يخفى أن هذا تعليل في مقابلة النص من الدليل غير مقبول، وكذا يثبت حق الزوجين في القصاص عند الجمهور لقوله - ﷺ -: \"مَنْ ترك مالًا أو حقًا فهو لورثته\"، ولا شك أن القصاص حقه؛ لأنه بدل نفسه فيستحقه جميع الورثة بحسب إرثهم كالدية، وقال ابن أبي ليلى: لا حق لهما في القصاص كذا قاله علي القاري.","vol":"3","page":252},{"text":"لما فرغ من بيان حكم الرجل يرث من امرأته وامرأة ترث من دية زوجها، شرع في بيان حكم أرش الجروح، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-314>باب الجروح وما فيها من الأروش</span>\nباب في بيان حكم الجروح وما فيها من الأرش، أي: من دية الجراحة، استنبط المصنف الجروح في هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، وأول الآية: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥].\nاعلم أنه يجب القود فيما دون النفس من الأعضاء المماثلة، روى البخاري عن أنس أن الربيع بن النضر لطمت جارية فانكسرت سنها فطلبوا القود، فوضعوا عليهم الأرش، فأبوا إلا القصاص فجاء أخوها أنس بن النضر وقال: يا رسول الله أتكسر سن الربيع، والذي بعثك بالحق لا ينكسر سنها، فقال رسول الله - ﷺ -: \"كتاب الله القصاص\"، فرضي القوم وعفوا، فقال رسول الله - ﷺ -: \"إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره\"، ولفظ القصاص يُبنى على المماثلة، فكل ما أمكن رعاية المماثلة فيه يجب فيه القصاص، وما لا فلا، ومن الأولى قطع اليد من المفصل، وكذا الرِجل والأذن ومارن الأنف، وكذا كل الرجل يمكن فيها المماثلة، كالموضحة وعين قائمة ذهب نورها، إلا إن قلعت العين ولا قود في عظم إلا في السن، فقلع أن قلعت تبرد بالمبرد إن كسرت، ولا قود في الجائفة ولا في اللسان، ولا في الذكر، إلا أن قطع من الحشفة.\n٦٧٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، قال: في كل نافذة في كل عضوٍ من الأعضاء ثُلُث عقْل ذلك العضو.\nقال محمد: في هذا أيضًا حكومة عدل، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n_________\n(١) كذا في المخطوطة، ولعل الصواب \"شبابة\".","vol":"3","page":253},{"text":"• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا، يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري، المدني، يُكنى أبا سعيد القاضي، ثقة ثبت، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة بعد الهجرة، عن سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمر بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات، كان في الطبقة الأولى من طبقات كبار التابعين، من أهل المدينة، مات بعد التسعين بيسير، وهو ابن أربع وثمانين سنة، كما قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي، قال: في كل نافذة أي: جراحة تنفذ في كل عضوٍ من الأعضاء ثُلُث عقْل أي: دية ذلك العضو، أي: لو قطع فرضًا وتقديرًا وجه تسمية الدية عقلًا؛ لأن كل إبل تربط عند باب وارث المقتول لأجله ديته، ثم شاع استعمال لفظ العقل في كل (ق ٦٩٩) دية كذا قاله الأصمعي.\nقال محمد: في ذلك، أي: في جراحة وفي نسخة: في هذا أيضًا أي: كما قال ليس عندنا في العين القائمة إذا فقئت أرش معلوم ففيها، حكومة عدل، وكذلك في عضو من الأعضاء حكومة عدل، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، والله أعلم بالصواب، وقد مرّ تفسير حكومة العدل في آخر باب أرش السن السوداء.\nلما فرغ من بيان حكم دية الجروح شرع في بيان حكم دية الجنين، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-315>باب دية الجنين</span>\nباب في بيان حكم دية الجنين، وهو بفتح الجيم وكسر النون، وسكون التحتية، ثم نون، ولد ما دام في الرحم.\n٦٧٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيَّب، أن رسول الله - ﷺ - قضى في الجنين يُقتل في بطن أمه بغُرَّةٍ عبد أو وَلِيدةٍ، فقال الذي قُضي عليه: كيف أغرم من لا أكل ولا شَرب، ولا نَطَق ولا استهلّ، ومثل ذلك يُطلّ؟! فقال رسول الله - ﷺ -: \"إنما هذا من إخوان الكهّان\".\n_________\n(٦٧٣) إسناده صحيح.","vol":"3","page":254},{"text":"• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيَّب، أن رسول الله - ﷺ - قضى أي: حكم في الجنين أي: جنسه أو في فرد منه وقيس عليه غيره يُقتل في بطن أمه جملة حالية أو صفة، كما قيل بهما في قوله تعالى في سورة الجمعة: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥]، وفي قول الشاعر:\nولقد أمر على اللئيم يسبني ... . . . . . . . . . . . .\nوالمقتول في بطن أمه، سواء كان ذكر أو أنثى أو خنثى، ولو مضغة أو علقة أو ما يعلم أنه ولد عند مالك بغُرَّةٍ أي: بالتنوين متعلق بقضى، وهي بضم العين المعجمة وتشديد الراء المهملة المفتوحة خيار المال كالفرس والبعير والنجيب والعبد والأمة الفارهة، كذا في (المغرب)، عبد أو وَلِيدةٍ، أي: جارية، وهما مجروران على أنهما عطفا بيان بغرة أو يدلان عنها، ورويا بالرفع بتقدير هي عبد أو وليدة، يعني المراد بالغرة التي تكون دية الجنين عبد أو جارية يساوي كل منهما خمسين دينارًا أو ستمائة درهم، وهي نصف عشر الدية أم الجنين إن كان الجاني من أهل الذهب والفضة، وإن كان من أهل الإِبل فخمسة من الإِبل، وإن كان من أهل الغنم فمائة من الشاة، فهو نصف عشر الدية الكاملة كما سيأتي في الحديث الثاني من هذا الباب، فقال الذي قُضِي عليه: بصيغة المجهول، وفي نسخة بصيغة الفاعل وهو ﵇، وفي رواية البخاري فقال: ولي المرأة التي غرت، بضم الغين المعجمة وفتح الراء الثقيلة التي قضى عليها بالغرة ووليها هو ابنها مسروج، ورواه عبد الغني، والأكثر إذ القائل زوجها جملة ابن النابغة الهذلي، وللطبراني أنه عمران بن عويمر أخو مليكة، قال الحافظ: فيحتمل تعدد القائلين، فإسناد هذه صحيح أيضًا. انتهى، وفيه دلالة قوية لقول مالك وأصحابه وأصحابهما؛ لأن المفهوم من اللفظ إذن المقضي عليه واحد معين، وهو الجاني، إذ لو قضى بها على العاقلة يقبل، فقال الذي قضي عليهم: وفي القياس إن كان جان جنايته عليه، إلا بدليل معارض له كل إجماع أو السنة، وقد قال تعالى في آخر سورة البقرة: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقال في سورة فاطر: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨]، كما قاله الزرقاني. كيف أغرم أي: بأي حال أعطي غرم من لا شرب أي: لبنًا ولا ماء، ولا أكل ولا نَطَق ولا استهلّ، أي: لا صاح ولا تصوت عند الولادة؟، وليحيى بن بكير ما شرب، فإن قيل: لم اختار المصنف رواية من لا شرب ولا أكل إلى آخره، ولم يختر رواية ما لا","vol":"3","page":255},{"text":"شرب ولا أكل مع أنها كلمة تستعمل في الجمادات وفي غير ذوي العقول، وكلمة من تستعمل في الإِنسان وذوي العقول؟ (ق ٧٠٠) أجيب: اختيار رواية من لا شرب إثباتًا بمذهب الحنفي، وجواب على المذهب المالكي، فإن عندهم الآية ثابتة، لما خرج من بطن أمه ولو كان مضغة أو علقة، حيث قال خليل بن إسحاق المالكي: وفي الجنين وإن علقة عشر أمة، وأما عندنا فلا دية في الجنين إلا في الجنين الذي استبان بعض خلقه، فإنه بمنزلة الجنين التام في جميع الأحكام، لإِطلاق أن النفس بالنفس، ولأنه ولد في أمومية الولد، كذا في (الهداية)، ومقتضى الظاهر أن كيف أعزم من لم يشرب ولم يأكل وعدل عنه وعبر بالماضي تنبيهًا على تحقق وقوعه نحو: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٦٨]، بمعنى: يصعق، ومثل ذلك أي: المقتول يُطلّ، بفتح التحتية وفتح الطاء المهملة وتشديد اللام أي: يهدر ويلغي ويبطل، وفي نسخة: بطل بفتح الموحدة وطاء مهملة مفتوحة ولام مخففة من البطلان، فقال أي: الراوي: إن رسول الله - ﷺ -: \"إنما هذا أي: القائل المسجع بالهذيان المخالف لحكم القرآن، من إخوان الكهّان\"، بضم الكاف وتشديد الهاء وبعدها ألف ونون، جمع الكاهن، أي: واحد منهم وهو الذي يخبر عن الكوائن في مستقبل الزمان، ويدَّعي معرفة الأسرار ومطالعة علم الغيب، كذا قاله السيد الشريف محمد الجرجاني الحنفي، وهو ضال عن الطريق المستقيم، ومضل الناس عنه. قال رسول الله - ﷺ -: \"من أتى كاهنًا فصدَّقَهُ بما يقول، فقد كفر بما أُنْزِلَ على محمد\"، رواه البخاري عن أبي هريرة، فإن معرفة الأسرار والغيب مقصورة إلى الله تعالى، وروى أبو داود (١) في (سننه) عن المغيرة بن شعبة: أن امرأتين كانتا تحت رجل من هذيل فضرب إحداهما إلى الأخرى بعود فقتلها، فاجتمعوا إلى رسول الله - ﷺ -، فقال أحد الرجلين: كيف ندي أي: يغطي من لا صاح عند الولادة ولا أكل ولا شرب، فقال: أسجع كسجع الأعراب، فقضى فيه غرة فجعلته على عاقلة المرأة. وأخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وتجب في سنة عندنا، وفي ثلاث سنين عند الشافعي، فإن قيل: لم قال رسول الله - ﷺ -: \"إنما هذا من إخوان الكهان\"؟ لمشابهة كلام الرجل الذي قال: كيف أغرم من لا شرب ولا أكل كلام الكهان فىِ سجعه دفع ما أوجبه - ﷺ -.\n* * *\n_________\n(١) أبو داود (٤٥٦٨).","vol":"3","page":256},{"text":"٦٧٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة: أن امرأتين من هُذيل استَبَّتَا في زمان رسول الله - ﷺ - فرمت إحداهما الأخرى، فطرحت جنينها، فقضى فيه رسول الله - ﷺ - بغُرَّة عبدٍ أو وليدة.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، إذا ضُرب بطن المرأة الحرّة فألقت جنينًا ميتًا ففيه غُرةٌ عبدٌ أو أمةٌ أو خمسون دينارًا أو خمسمائة درهم؛ نصف عشر الدية، فإن كان من أهل الإِبل أُخذ منه خمسٌ من الإِبل، وإن كان من أهل الغنم أخذ منه مائة من الشاة، نصف عُشر الدية.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا، أخبرنا ابن شهاب هو محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، كان في الطبقة الرابعة، من طبقات كبار التابعين، من أهل المدينة، مات بعد المائة من الهجرة، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أي: ابن عوف الزهري، المدني، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقة مكثر، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من كبار أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين أو أربع ومائة، وكان مولده سنة بضع وعشرين، عن أبي هريرة ﵄، أن امرأتين من هُذيل بضم الهاء وفتح الذال المعجمة، نسبة إلى هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر، ولا يخالفه رواية الليث عن ابن شهاب: امرأتين من بني لحيان؛ لأنه يظن من هذيل، استَبَّتَا بتشديد الموحدة، أي: تشتما في زمان رسول الله - ﷺ - فرمت إحداهما الأخرى، قال السيوطي: اسم القاتلة أم عفيف بنت مشروح، والمقتولة: مليكة بنت عويم، فطرحت أي: ألقت الأم جنينها أي: بسبب رميها، زاد في رواية (ق ٧٠١) ابن خالد: فاختصموا إلى رسول الله - ﷺ -، فقضى فيه رسول الله - ﷺ - بغُرَّة بضم العين المعجمة وتشديد الراء المهملة المفتوحة منونًا، بياض والوجه عبر به عن الجسد كله، وإطلاقًا بالجزء على الكل، عبدٍ أو وليدة، أي: أمة بجرهما بدل من غرة، وكلمة \"أو\" للتنويع، ورواه بعضهم بالإِضافة البيانية، والأول أقيس وأصوب؛ لأنه حينئذٍ يكون من إضافة الشيء إلى نفسه،\n_________\n(٦٧٥) حديث صحيح، أخرجه البخاري (٥٤٢٦)، ومسلم (١٦٨١)، والنسائي (٨/ ٤٨)، وابن حبان (١٣/ ٣٧٣)، والبيهقي في الكبرى (٨/ ١١٢).","vol":"3","page":257},{"text":"ولا يجوز إلا بالتأويل كما ورد قليلًا، والمراد بالغرة: العبد والأمة، وإن كانا أسودين، وإن كان في الأصل في الغرة البياض في الوجه، لكن توسعوا في إطلاقها على الجسد كله، كما قالوا: أعتق رقبة، وقول أبي عمرو بن العلاء المقري: المراد الأبيض لا الأسود، إذ لولا أنه - ﷺ -، وعليه أراد بالغرة معنى زائدًا على شخص العبد والأمة ما ذكرها، وتعقبه النووي بأنه خلاف ما اتفق عليه الفقهاء من أجزاء الغرة السوداء، قال أهل اللغة: الغر عند العرب: أنفس الشيء وأطلقت هنا على الإِنسان؛ لأن الله تعالى خلقه في أحسن تقويم فهو أنفس المخلوقات، كذا قاله الزرقاني (١).\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله أبو هريرة، إذا ضُرب بطن المرأة الحرّة قيد بها؛ لأن في جنين الأمة إن كانت حاملًا من زوجها نصف عشر قيمته في الذكر، وعشر قيمته في الأنثى وإن كانت حاملًا من مولاها أو من المعروف يجب الغرة المذكورة في جنين الحرة ذكرًا كان أو أنثى لأنه حر، وقال الشافعي: في جنين الأمة عُشر قيمة الأم، وبه قال مالك وأحمد وابن المنذر، وهو قول إبراهيم النخعي والزهري وقتادة وإسحاق، فألقت جنينًا ميتًا، قيده به؛ لأنها إن ألقت جنينها حيّا فمات تجب دية كاملة وإن ألقت ميتًا فماتت الأم يجب غرة ودية، وإن ماتت الأم فألقت ميتًا تجب دية الأم، وبه قال أحمد، ففيه أي: ففي جنين ميت فقط غُرةٌ عبدٌ أو أمةٌ أو خمسون دينارًا أو خمسمائة درهم؛ أي: بطريق القيمة نصف عشر الدية، لما روى ابن أبي شيبة في (مصنفه) أن عمر بن الخطاب قوم الغرة خمسين دينارًا، وكل دينار بعشرة دراهم، وأخرج البزار في (مسنده) عن عبد الله بن بريدة أن امرأة حذفت امرأة، فقضى رسول الله - ﷺ - في ولدها بخمسمائة ونهى عن الحذف، وأخرج أبو داود في (سننه) عن إبراهيم النخعي قال: الغرة خمسمائة يعني درهما، قال: وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: خمسون دينارًا، وروى إبراهيم الحربي في كتابه (غريب الحديث) عن أحمد بن حنبل، عن وكيع بن سفيان، عن طارق عن الشعبي: خمسمائة، ورُوي أيضًا عن أحمد بن حنبل عن عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: الغرة خمسون دينارًا، وهي عندنا وعند الشافعي على عاقلة الضارب لما سبق من أنه - ﷺ - جعل على عاقلة المرأة الضاربة، وقال مالك: في ماله لأنه بدل الجزء، وبه قال أحمد إذا كان ضرب الأم عمدًا أو مات الجنين وحده، وأما إذا كان خطأ أو شبه عمد، فقال: إنه\n_________\n(١) في شرحه (٤/ ٢٢٤).","vol":"3","page":258},{"text":"على العاقلة، فإن كان من قتل الجنين من أهل الإِبل أُخذ منه خمسٌ من الإِبل، أي: نصف عشر الدية، وإن كان أي: القاتل من أهل الغنم أخذ منه أي: من القاتل مائة من الشاة، نصف عُشر الدية، بيان له ولما (ق ٧٠٢) قبله والجنين الذي تبين بعض خلقه كالجنين التام فيما ذكر من الأحكام.\nلما فرغ من بيان حكم دية الجنين، شرع في بيان حكم دية الجراحة في الوجه والرأس، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-316>باب الموضحة في الوجه والرأس</span>\nباب في بيان حكم دية الموضحة، بضم الميم وسكون الواو وفتح الضاد المعجمة والحاء المهملة والهاء، أي: المجروحة حال كونها في الوجه والرأس، فإضافة الباب إلى الموضحة من قبيل الإضافة إلى الخاص، ووجه المناسبة بين هذا الباب والباب السابق دية الجزء المنفصل من الإِنسان والمتصل منه.\n٦٧٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار، قال: في الموضحة في الوجه إن لم تُعِبْ الوجهَ مثل ما في الموضحة في الرأس.\nقال محمد: الموضحة في الوجه والرأس سواء؛ في كل واحد نصف عشر الدية، وهو قول إبراهيم النَّخَعي، وأبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا يحيى بن سعيد، أي: ابن قيس الأنصاري المدني، يُكنى أبا سعيد القاضي، ثقة ثبت كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة بعد الهجرة، أنه سمع، عن سليمان بن يسار، أي: الهلالي المدني، مولى ميمونة، وقيل: أم سلمة، ثقة فاضل، أحد الفقهاء السبعة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين، من أهل المدينة، مات بعد المائة، كذا في (تقريب التهذيب)، أنه قال: في الموضحة في الوجه أي: في الشجة التي\n_________\n(٦٧٦) إسناده صحيح.","vol":"3","page":259},{"text":"تظهر العظم إن لم تُعِبْ الوجهَ أي: عاب المتاع من باب عاب فهو عائب وعابه صاحبه فهو معيب، يتعدى ولا يتعدى، والفاعل في هذا أعايب، كذا في (المصباح)، وفي (القاموس)، عاب لازم ومتعد، مثل ما في الموضحة في الرأس، أي: الموضحة في الوجه مثل الموضحة في الرأس، إلا أن تعيب الوجه ليزاد في ديتها ما بينها وبين نصف دية الموضحة في الرأس، فيكون فيها خمسة وسبعون دينارًا كما في (الموطأ) ليحيى عن مالك.\nقال محمد: الموضحة في الوجه والرأس سواء؛ أي: لعدم اعتبار تفاوت المنفعة، في كل واحد نصف عشر الدية، وهو قول إبراهيم النَّخَعي، أحد أكابر المجتهدين، وأبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\nلما فرغ من بيان حكم دية الموضحة في الوجه والرأس، شرع في بيان حكم هلاك ما في البئر، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-317>باب البئر جبار</span>\nباب في بيان حكم ما هلك في البئر بكسر الموحدة، وبسكون التحتية المنقلبة من همزة ساكنة، وما قبلها موحدة مكسورة، ويجوز تسهيلها وهي مؤنثة، قال تعالى في سورة الحج: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ [الحج: ٤٥]، ويجوز تنكيرها على معنى القلب والطوي جبار بضم الجيم وتخفيف الموحدة، أي: هدر لا شيء فيه ولا ضمان على ربها في كل ما سقط فيها من غير صنع أحد.\n٦٧٧ - أخبرنا مالك، حدثنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيَّب، وعن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"جَرْحُ العجماء جُبَارٌ، والبئر جُبَار، والمعدن جُبَار، وفي الرِّكاز الخُمس\".\nقال محمد: وبهذا نأخذ، والجُبار الهَدَرُ، والعجماء الدابَّة المنفلتة تجرح\n_________\n(٦٧٧) صحيح، أخرجه البخاري (١٤٩٩)، ومسلم (٤٣٨٦)، والنسائي (٥/ ٤٥).","vol":"3","page":260},{"text":"الإِنسان أو تعقره، والبئر والمعدن: الرجلُ يستأجر الرجل يَحْفُر له بئرًا أو معدِنًا فيسقط عليه فيقتله، فذلك هَدَر، وفي الرِّكاز الخمس، والرِّكاز ما استُخرج من المعدن من ذهب أو فضة أو رصاص أو نُحاس أو حديد أو زِئبق ففيه الخمس، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا، حدثنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، كان في الطبقة الرابعة من طبقات كبار التابعين، من أهل المدينة، مات بعد المائة، عن سعيد بن المسيَّب، أي: ابن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم، القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات، كان في الطبقة الأولى من طبقات كبار التابعين، من أهل المدينة، مات بعد التسعين بيسير وهو ابن أربع وثمانين سنة، وعن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن، أي: ابن عوف الزهري المدني، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقة مكثر تابعي ابن الصحابي، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين أو بعد المائة، عطف على قوله عن أبي سلمة على سعيد بن المسيب، تحويل للسند لتقوية الحكم، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"جَرْحُ بفتح الجيم على المصدر لا غير قاله الأزهري، فأما بالضم فاسم مضاف إلى العجماء بفتح العين المهملة، وسكون الجيم، وبالمد تأنيثًا أعجم، وهو البهيمة، ويُقال أيضًا لا تتكلم، جُبَارٌ، بضم الجيم (ق ٧٠٣) وتخفيف الموحدة، أي: هدر لا شيء فيه.\nقال أبو عمر: جرحها جنايتها، وأجمع العلماء أن جنايتها نهار أو جرحها بلا سبب فيه لأحد أنه هدر لا دية فيه، ولا إرث، فلا يختص الهدر بالجرح بل كل الإِتلافات ملحقة بها، قال عياض: وإنما عبر بالجرح؛ لأنه الأغلب، أو هو مثال به على ما عداه، وفي رواية التنيسي عن مالك العجماء جبار، ولا بد من تقدير أن لا معنى لكون العجماء نفسها جبار أو دلت رواية مسلم بلفظ: \"العجماء جرحها جبار\" على أن ذلك المقدر هو جرحها، فوجب المصير إليه، والبئر بكسر الموحدة وبسكون التحتية مهموزة، جُبَار أي: هدر لا ضمان على ربها في كل ما سقط فيها من غير صنع أحد إذا حفرها في موضع يجوز حفرها فيه كملكه، أو داره أو فناءه، أو صحراء الماشية، أو في طريق واسع محتمل، ونحو","vol":"3","page":261},{"text":"ذلك، هذا قول مالك والشافعي والليث وداود وأصحابهم، كذا قاله في (التمهيد).\nوقال أبو عبيد: المراد بالبئر هنا العادية القديمة التي لا يعلم لها مالك، وتكون في البادية فيقع فيها إنسان أو دابة فلا شيء في ذلك على أحد، والمعدن بضم الميم وسكون العين المهملة وكسر الدال المهملة: المكان من الأرض يخرج منه شيء من الجواهر والأجسام كالذهب وفضة وحديد ونحاس ورصاص وكبريت وغيرها، جُبَار، أي: لا ضمان فيه كالبئر، وليس المعنى أنه لا زكاة فيه، وإنما المعنى أن من استأجر رجلًا ليعمل في معدن فهلك فهدر لا شيء على ما استأجره ولا دية له في بيت المال، ولا غيره، والأصل في زكاته قبل الإِجماع قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وصحح الحاكم أنه - ﷺ - أخذ من معادن القبيلة الصدقة، وفي الرِّكاز بكسر الراء وتخفيف الكاف فألف فزاي، وهو كما نقله الإِمام في الزكاة دفن الجاهلية، الخُمس أي: في الحال لا بعد الحول باتفاق سواء في دار الإِسلام أو الحرب، قليلًا أو كثيرًا، نقدًا أو تبره كنحاس وجوهر على ظاهر الحديث، وإليه مالك وغيره، وهذا الحديث رواه أصحاب الكتب الستة بلفظ العجماء جبار.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بهذا الحديث، والجُبار الهَدَرُ، بفتح الهاء والدال المهملة والراء، أي: باطل لا دية فيه، والعجماء الدابَّة المنفلتة بضم الميم، وسكون النون، وفتح الفاء، وكسر اللام، وفتح المثناة والهاء، أي: المتخلصة الخارجة بغير تصرف صاحبها، تجرح الإِنسان أو تعقره، من الباب الثاني، أي: تقطعه سواء يكون ليلًا أو نهارًا، والبئر والمعدن، أي: صورتهما الرجلُ يستأجر الرجل أي: الآخر، يَحْفُر له بئرًا أو معدنًا بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر الدال والنون، اسم مال خلقه الله تعالى في الأرض والجمع معادن كالذهب والفضة والحديد، فيسقط أي: جدار أو حجر، عليه فيقتله، فذلك هَدَر، وأما من حفر بئرًا في طريق فتلف به إنسان ضمن عاقلته ديته؛ لأنه متسبب بالتلف متعد بشغل الطريق، وبه قال مالك وأحمد خلافًا للشافعي، وإن تلف بحفر البئر في الطريق بهيمة ضمن الحافر من ماله إن لم يأذن بحفره الإِمام، لأنه متعد في الحفر فيضمن ما تلف به، وفي الرِّكاز الخمس، أي: بيان ما ذكره بقوله، والركاز بكسر الراء والكاف، فألف وزاي، أي: مال تحت الأرض، كما قال، ما استُخرج من الأرض، من المعدن من ذهب، أو فضة، أو رصاص بالفتح، (ق ٧٠٤) أو نُحاس بالضم، أو حديد","vol":"3","page":262},{"text":"أو زِئبق كدرهم وزبرجد معرب، ومنه ما استخرج من حجارة معدنية بالنار ودخانه يهرب الحيات والعقارب من البيت، وما أقام منها قتله كذا في (القاموس)، ففيه الخمس، بضمتين وبضم فسكون، يعني لو وجد الرجل ذهبًا أو فضة أو غيرها في أرض خراجية، وهي التي فتحها الإِمام قهرًا أو عشرية وهي التي فتحها صلحًا أخذ الإِمام جزءًا واحدًا من خمسة أجزاء، فما وجده مسلم أو ذمي وباقي الخمس مما وجده المسلم من أربعة أخماس لمالك الأرض أن ملكت، وإلا فيكون الباقي للواجد، كذا بيناه في (سلم الفلاح) و(شرح نور الإِيضاح)، وهو أي: أخذ الإِمام الخُمس مما استُخْرِج في أرض خراجية أو عشرية، قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n* * *\n\n٦٧٨ - أخبرنا مالك، حدثنا ابن شهاب، عن حزام بن سعد بن مُحيِّصة، أن ناقةً للبراء بن عازب دخلت حائطًا لرجل فأفسدت فيه، فقضى رسول الله - ﷺ - أنَّ على أهل الحوائط حفظها بالنهار، وأما ما أفسدت المواضي بالليل فالضمان على أهلها.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، حدثنا ابن شهاب، عن حزام بن سعد أو ابن ساعدة، ابن مُحيِّصة، بضم الميم وفتح الحاء المهملة وكسر التحتية المشددة، وفتح الصاد المهملة المخففة، والتاء الفوقية، وهو ابن مسعود الأنصاري، وقد نسب إلى جده، ثقة كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات بعد المائة من الهجرة، كذا قاله ابن حجر في (تقريب التهذيب) (١)، أن ناقةً للبراء بن عازب ﵁، دخلت حائطًا أي: بستانًا لرجل فأفسدت فيه أي: بعض الفساد، فقضى رسول الله - ﷺ - أنَّ على أهل الحوائط حفظها أي: الحائط بالنهار، وأما ما أفسدت المواضي بالليل فالضمان على أهلها، أي: المواشي، قال الشافعي وأحمد وهو قول مالك وأكثر أهل الحجاز: يضمن صاحب الدابة المنفلتة أفسدت ليلًا أو نهارًا لهذا الحديث، وأجيب بأن ما رويناه\n_________\n(٦٧٨) إسناده صحيح.\n(١) التقريب (١/ ١٥٥).","vol":"3","page":263},{"text":"متفق عليه مشهور، وما رواه مرسل وهو ليس بحجة عند الشافعي، لذا قاله بعض علمائنا وفيه بحث؛ لأن المرسل حجة عند الجمهور، والحجة اللزومية على أن المطلق قابل للتعقيد، والله أعلم.\nلما فرغ من بيان حكم ما قتل في البئر، شرع في بيان حكم حال من قتل نفسًا خطأً، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-318>باب من قتل خطأ ولم تعرف له عاقلة</span>\nبابٌ بالتنوين، أو في بيان حكم حال من قتل أي: نفسًا خطأ ولم تعرف له، أي: والحال أنه لم توجد للقاتل العاقلة، وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق التضاد وهو العمد والخطأ، وهو مقابل للصواب.\nاعلم أن العاقلة أهل الديوان لمن هو منهم تؤخذ الدية من خطاياهم متى خرجت، سواء خرجت في ثلاث سنين أو أكثر أو أقل، روى ابن أبي شيبة (١) في (مصنفه) عن جابر قال: أول من فرض الفرائض ودون الدواوين وعرف العرفاء: عمر بن الخطاب، قال صاحب (الهداية): وأهل الديوان أهل الروايات، وهم أهل الجيش الذين كتب أسماءهم في الديوان، والعطاء ما يُفرض للمقاتلة، والرزق ما يُفرض لفقراء المسلمين، إذا لم يكونوا مقاتلة، وقال مالك والشافعي وأحمد وأكثر أهل العلم: الدية على العشيرة وهم العصبات؛ لأنه كان كذلك في عهد رسول الله - ﷺ -؛ ولا نسخ بعده؛ لأنه لا يكون إلا بوحي على لسان (ق ٧٠٥) نبي، ولا نبي بعده؛ ولأنها صلة وإلا ولي الأقارب، واختلف في الآباء والبنين، فقال الشافعي وأحمد في رواية: ليس آباء القاتل وإن علوا، ولا أبناؤه وإن سفلوا من العاقلة، وقال مالك وأحمد في رواية: يدخل في العاقلة أبو القاتل وابنه، وهو قولنا: عند عدم أهل الديوان، ولنا أن عمر رضي الله تعالى عنه لما دون الدواوين جعل العقل على أهل الديوان، وكان ذلك محضر الصحابة من غير نكير، روى ابن أبي شيبة في (مصنفه) عن الحكم قال عمر: أول من جعل الدية عشرة عشرة في عطيان المقاتلة\n_________\n(١) ابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٣٤٣).","vol":"3","page":264},{"text":"دون الناس، وروى أيضًا عن الشعبي وعن إبراهيم النخعي أنهما قالوا: أول من فرض العطاء عمر بن الخطاب ﵁، وفرض فيه الدية كاملة في ثلاث سنين، وروى عبد الرزاق (١) في (مصنفه) عن عمر أنه جعل الدية في الأعطية في ثلاث سنين، وفي لفظ: قضى بالدية في ثلاث سنين في كل سنة ثلاث على أهل الديوان، في عطياتهم، وأما قولهم: ولا نسخ بعده - ﷺ -، فجوابه أن هذا ليس بنسخ بل تقدير معنى؛ لأن الفعل على أهل النصرة، وكانت النصرة بأنواع القربة وبالعهد وبالحلف وبولاء العتاقة وبالعد، وهو أن يصدق القوم ولا يكون معهم، وفي عهد عمر صارت بالديوان فجعله على أهله اتباعًا للمعنى، ولهذا قالوا: لو كان اليوم قوم يتناصرون بالحرف كانت عاقلتهم على أهل حرفتهم هذا، والعاقلة في القاتل لمن ليس من أهل الديوان يؤخذ بثلاثة دراهم أو أربعة من كل واحدة منهم في ثلاث سنين، لما روينا عن عمر بن الخطاب ﵁، وقال مالك وأحمد في رواية: لا تقدير في أخذها بل يحملون ما يطيقون؛ لأن التقدير لا يثبت إلا بالتوقيف ولا نص فيه فيفوض إلى رأي الحاكم كتقادير النفقات، كذا نقله علي القاري عن شمس الأئمة الحلواني ومظهر الدين المرغيناني.\n٦٧٩ - أخبرنا مالك، أخبرني أبو الزناد، أن سليمان بن يسار أخبره أن سائبةً كان أعتقه بعض الحجّاج، وكان يلعب هو وابن رجل من بني عائذ، فقتل السائبةُ ابن العائذي، فجاء العائذي أبو المقتول إلى عمر بن الخطاب يطلب دية ابنه، فأبى عمر أن يديَهُ، وقال: ليس له مولى، قال العائذي له: أرأيت لو ابني قتله، قال: إذن تُخرجوا دِيَتَه، قال العائذي: هو إذن كالأرقم إن يُتْرك يَلْقَم، وإن يُقْتَل يُنْقَم.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، ألا ترى أن عمر أبطل ديته عن القاتل، ولا نراه أبطل ذلك إلا لأن له عاقلة، ولكن عمر لم يعرفها، فيجعل الدية على العاقلة، ولو أن عمر لم ير أن له مولى، ولا أنَّ له عاقلة لجعل دية من قُتِل في ماله أو\n_________\n(١) في المصنف (٩/ ٤٢٠).\n(٦٧٩) إسناده صحيح.","vol":"3","page":265},{"text":"على بيت المال، ولكنه رأى له عاقلة ولم يعرفهم، لأن بعض الحاج كان أعتقه ولم يُعرف المُعتِقُ ولا عاقلتُه، فأبطل ذلك عمر حتى يُعرف، ولو كان لا يرى له عاقلة لجعل ذلك عليه في ماله أو على المسلمين في بيت مالهم.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: أخبرني، وفي أخرى: محمد قال: بنا، أخبرني أبو الزناد وهو: عبد الله بن ذكوان القرشي، المدني، ثقة فقيه، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة ثلاثين ومائة من الهجرة، أن سليمان بن يسار أي: الهلالي، المدني، مولى ميمونة، وقيل: أم سلمة، ثقة فاضل، أحد الفقهاء السبعة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين، من أهل المدينة، مات بعد المائة، أخبره أن سائبةً كان أعتقه بعض الحجّاج، جمع حاج، قال السيوطي: السائبة عبدٌ يُعتق بأن يقول له مالكه: أنت سائبة يريد به عتقه، ولا ولاء له عليه، فالعتق ماض على هذا بإجماع، وإذا اختلف الفقهاء في الولاء وفي كراهة هذا اللفظ وإباحته، والجمهور على كراهته لقوله تعالى في سورة المائدة: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ﴾ [المائدة: ١٠٣]، فكلمة في قوله: ﴿مِنْ بَحِيرَةٍ﴾ زائدة لتأكيد النفي نزول في بيان أن المحلل والمحرم بالشريعة هو الله تعالى، وليس بغيره أن يسن شريعة (ق ٧٠٦) بها يحل ويحرم، لعمرو بن يحيى أخو بني كعب غير شريعة إسماعيل، صلوات الله على نبينا وعليه، فقال: إن الله أمرني بها افتراء على الله الكذب، أي: لم يجعل الله حرامًا من بحيرة، وهي ناقة ولدت خمسة أبطن آخرها ذكر، فبحرت، أي: شق أذنها واسعًا مشبهًا بالبحر وحرم ركوبها، وتركت لترعى في المرعى، فإذا ماتت اشتركت فيها الرجال والنساء، قوله: ﴿وَلَا سَائِبَةٍ﴾ أي: ولم يجعل الله تعالى في الحيوانات حرامًا من سائبة وهي: من الأنعام التي خامس ولدها ذكر، فبحروا أذنها وتركوها مع أمها وحرموا منافعها على الرجال والنساء، فإذا ماتت اشتركوا فيها لو السائبة منها ما نذروا تسببها لا لمتهم إذا برؤوا من مرضهم أو جاؤوا من سفرهم وسلموها إلى خدام بيت المتهم، وكانوا صوفها وأولادها للرجال دون النساء، كذا في (عيون التفاسير)، فكان، أي: السائب يلعب مع ابن رجل، وفي نسخة: وكان يلعب هو وابن رجل من بني عايذ، بكسر التحتية، وقال: معجمة أصله عاوز، فقلبت الواو ياء، وفي نسخة: من بني عابد بكسر الموحدة والدال المهملة نسبة إلى عابد بن عمر بن مخزوم بكسر الهمزة، والذال المعجمة، نسبة إلى عائذ بن عمر بن بني سنان، ذكره","vol":"3","page":266},{"text":"السيوطي، فقتل السائبةُ ابن مفعول لقتل ومضاف إلى العائذي، وهو اسم رجل، فجاء العائذي بياء نسبية كفارسي، أبو المقتول بدل من العائذي، أو عطف بيان منه إلى عمر بن الخطاب ﵁، يطلب أي: حال كونه يطلب، وفي نسخة: فطلب دية ابنه، فأبى أي: امتنع عمر بن الخطاب ﵁ أن يديَهُ، أي: يحكم بدية المقتول على أحد، فأصل يديه يؤدى من باب ضرب، فحذفت الواو لوقوعها بين الياء التحتية وبين كسرة، يقال: ودي يدي دية، والهاء في دية عوض عن الواو المحذوفة في مضارعها، فمعنى قيمة دم المقتول، وقال أي: عمر: ليس له أي: للسائبة القاتل مولى أي: حتى يكون عاقلته فيؤخذ منه ديته، قال العائذي له: أي: لعمر ﵁: أرأيت أي: أخبرني يا عمر لو ابني قتله، أي: السائبة ما كان حكمه؟ قال: إذن أي: فإذا كان القاتل ابنك تُخرجوا أي: أنت وقومك دِيَتَه، فإنك عاقلة ابنك، وأما السائبة القاتل فليس له مولى يكون عاقلة له، قال العائذي: هو أي: السائبة إذن كالأرقم، بفتح الهمزة، وسكون الراء المهملة، والقاف المفتوحة والميم: الحية التي فيها بياض وسواد أو أحمر وسواد، إن يُتْرك على صيغة المجهول يَلْقَم، بفتح أوله، وإسكان اللام، وفتح القاف، وأصله الأكل بسرعة، وإن يُقْتَل بضم أوله وفتح ثالثه، يُنْقم، بكسر القاف من باب ضرب لغة القرآن، وفي لغة بفتح القاف من باب تعب، وهي أولى هنا بالسجع، ومعناه: إن تركت قتله قتلك، وإن قتلته كان له من ينقم منك، وهو مثل من أمثال العرب مشهور. قال ابن الأثير: (ق ٧٠٧) كانوا في الجاهلية يزعمون أن الجن تطلب بثأر الجان وهي الحية الرفيعة، فربما قاتله وربما أصابه خلل، وهذا مثل يجتمع عليه شران يدري كيف يصنع بهما.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله عمر بن الخطاب ﵁، ألا ترى أي: لم تنظر أن عمر ﵁ أبطل ديته أي: المقتول على القاتل أي: وحده، ولا نراه أي: لا نظن عمر أبطل ذلك أي: وجوب دية المقتول مطلقًا إلا أي: لكن عمر امتنع أن يحكم بدية المقتول على القاتل فقط ابتداءً لأن له أي: للقاتل عاقلة، أي: مبهمة مجهولة، ولكن عمر لم يعرفها، أي: عاقلة القاتل بعينها، والواو في \"ولكن عمر\": للعطف، لكن عمر يستفاد من كلمة إلا وكلمة لكن بفتح اللام الممدودة، وكسر الكاف، وسكون النون استدراك، وهو في اللغة طلب تدارك السامع، وفي الاصطلاح رفع توهم تولد على كلام سابق، كذا قاله السيد الجرجاني، يعني: توهم من قوله ولا نراه","vol":"3","page":267},{"text":"أبطل ذلك تعارض لقوله: ألا ترى أن عمر أبطل ديته عن القاتل، فدفع المصنف هذا التوهم بقوله ألا، وعطف عليه قوله: ولكن عمر لم يعرفها، فيجعل الدية أي: دية المقتول على العاقلة، وفي نسخة: على عاقلته بالإِضافة، أي: على قدر حالتهم، ولو أن عمر لم ير أن له أي: للسائبة القاتل مولى أي: أصلًا، ولا أنَّ له عاقلة أي: مطلقًا لجعل دية من أي: المقتول قُتِل بصيغة المجهول في ماله، أي: مال القاتل إن كان موسرًا، أو على بيت المال، أي: إن كان القاتل معسرًا، ولكنه أي: عمر رأى له عاقلة ولم يعرفهم، أي: بخصوصهم لأن بعض الحجاج، وفي نسخة تنبغي أن تصحح: بعض الحاج كان أعتقه ولم يُعرف بصيغة المجهول المُعتِقُ بصيغة اسم الفاعل نائب الفاعل لقوله: لم يعرف، أي: لم يعلم المعتق بعينه، ولا عاقلتُه، أي: لأنهم فرع الأول في المعرفة، فأبطل ذلك أي: وجوب الدية عمر حتى يُعرف، أي: حتى تبين معتقه وعاقلته، ولو كان لا يرى له عاقلة أي: من أول الأمر لجعل ذلك أي: لوجوب الدية عليه أي: على السائب القاتل في ماله أي: إذا كان غنيًا، أو على المسلمين في بيت مالهم، أي: إن كان القاتل فقيرًا.\nلما فرغ من بيان حكم من قتل خطأ، ولم تُعرف له عاقلة، شرع في بيان القسامة، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-319>باب القسامة</span>\nباب في بيان القسامة، هي بفتح القاف مصدر لأقسم أو اسم لمصدره، ثم القوم الذين يحلفون سموا به، وسببها وجود القتيل في المحلة أو في معناها، وركنها: قولهم بالله ما قتلناه، وما علمناه قاتلًا، وشرطها: أن يكون المقسم رجلًا حرًا عاقلًا، وحكمها: القضاء بوجوب الدية، وإضافة باب إلى القسامة من إضافة العام إلى الخاص، ووجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق السببية والمسببية.\n٦٨٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن سليمان بن يسار، وعِراك بن مالك الغِفاري، أنهما حدثاه: أن رجلًا من بني سعد بن ليث أجْرى فرسًا\n_________\n(٦٨٠) إسناده صحيح.","vol":"3","page":268},{"text":"فوطِئ على إصبع رجل من جُهينة فَنَزَفَ منها الدم فمات، فقال عمر بن الخطاب للذين ادُّعِيَ عليهم: أتحلفون خمسين يمينًا: ما مات منها؟ فأبوا وتحرَّجوا في الأيمان، فقال للآخرين: احلفوا أنتم، فأبَوْا، فقضى بشَطْر الدّية على السعديِّين.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا، أخبرنا ابن شهاب، هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، المدني، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة خمس وعشرين بعد المائة، عن سليمان بن يسار الهلالي، مولى ميمونة، (ق ٧٠٨) وقيل: أم سلمة، ثقة فاضل، أحد الفقهاء السبعة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين، مات بعد المائة، وعِراك بكسر العين المهملة فراء مهملة مخففة، وقيل: مشددة فألف وكاف، ابن مالك الغِفاري الكناني المدني التابعي الفاضل، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات بعد المائة في خلافة يزيد، كذا في (تقريب التهذيب)، عطف قوله: عراك على قوله: سليمان إشعار التحويل السند لتقوي الحكم، أنهما أي: سليمان بن يسار، وعراك بن مالك، حدثاه أي: ابن شهاب، أن رجلًا أي: لم يسمَّ من بني سعد بن ليث بن أبي بكر بن عبد مناة بن كنانة، والنسبة إليه السعدي، أجْرى بفتح الهمزة وسكون الجيم، أي: أسرع فرسًا أي: في جريه فوطِئ أي: حافر فرسه على إصبع رجل منِ جُهينة بضم الجيم وفتح الهاء وسكون التحتية وفتح النون فهاء قبيلة: من قضاعة، فَنَزَفَ بفتح النون والزاي المعجمة ففاء، أي: سال منها أي: من إصبعه الدم بكثرة، حتى ضعف، فمات أي: بسببه، فقال عمر بن الخطاب ﵁: للذين ادُّعِيَ عليهم، بصيغة المجهول، يعني: إنكارهم أنه مات بسببه، أي: ادعى أولياء صاحب أصبع على أولياء صاحب فرس: أتحلفون بالله خمسين يمينًا: ما مات أي: لم يمت منها؟ أي: تلك الجهة، فأبوا أي: نكلوا وتحرَّجوا بفتح الفوقية والحاء المهملة وتشديد الراء المهملة المفتوحة والجيم والواو فألف للجمع، أي: امتنعوا عن الأيمان، بفتح الهمزة، وسكون التحتية والميم، فألف ونون جمع يمين، أي: حلف يعني لم يحلفوا احترازًا عن الحرج والوقوع في الإِثم، فقال أي: أمر عمر بالحلف للآخرين أي: لأولياء المقتول: احلفوا على صيغة الأمر، أنتم أيها المدَّعون خمسين يمينًا، وفي نسخة: أتحلفون كما في (الموطأ) ليحيى: أتحلفون أنتم أنه مات منها؟ فأبَوْا أي: امتنعوا عن الحلف، فقضى","vol":"3","page":269},{"text":"أي: حكم عمر بشَطْر الدّية أي: بنصفها على السعديِّين، أي: المنسوبين إلى بني سعد.\n* * *\n\n٦٨١ - أخبرنا مالك، حدثنا أبو ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن، عن سهل بن أبي حَثْمة: أنه أخبره رجال من كبراء قومه: أن عبد الله بن سهل ومحيِّصة خرجا إلى خَيْبر من جهْد أصابهما فأتى محيصة فأخبر أن عبد الله بن سهل قد قُتِلَ وطُرح في فقيرٍ أو عين، فأتى يهودَ فقال: أنتم قتلتموه، فقالوا: والله ما قتلناه، ثم أقبل حتى قَدِمَ على قومه، فذكر ذلك لهم، ثم أقبل هو وحويِّصة؛ وهو أخوه أكبر منه، عبد الرحمن بن سهل، فذهب ليتكلم، وهو الذي كان بخيبر، فقال له رسول الله - ﷺ -: \"كَبِّر كبِّر\" يريد السن - فتكلم حُويِّصة، ثم تكلم مُحَيِّصة، فقال رسول الله - ﷺ -: \"إما أن تَدُوا صاحبَكم وإما أن تؤذنوا بحرب\"، فكتب إليهم رسول الله - ﷺ - ذلك فكتبوا له: إنا والله ما قتلناه، فقال رسول الله - ﷺ - لِحُويِّصَة ومُحَيِّصَة وعبد الرحمن: \"تحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟ \" قالوا: لا، قال: \"فتحلف لكم يهود\"، قالوا: ليسوا بمسلمين، فَوَدَاهُ رسول الله - ﷺ - من عنده، فبعث إليهم بمائة ناقة، حتى أدخلت عليهم الدار، قال سهل بن أبي حَثْمة: لقد ركضتني منها ناقة حمراء.\nقال محمد: إنما قال لهم رسول الله - ﷺ -: \"أتحلفون وتستحقون دمَ صاحبكم\"، يعني بالدية ليس بالقود، وإنما يدل على ذلك: أنه إنما أراد بالدية دون القود قوله في أول الحديث: \"إما أن تدوا صاحبكم وإما أن تؤذنوا\n_________\n(٦٨١) صحيح، أخرجه البخاري (٢٧٠٢)، ومسلم (٤٢٦٣ - ٤٢٧٠)، وأبو داود (٤٥٢٠، ٤٥٢١، ٤٥٢٣)، والترمذي في الديات (١٤٢٢)، والنسائي (٨/ ٧ - ٨ - ٩ - ١٠)، وابن ماجه (٢٦٧٧)، وأحمد (٤/ ١٤٢)، والشافعي في مسنده (٢/ ١١٢، ١١٣)، وعبد الرزاق في المصنف (١٨٢٥٨)، وابن أبي شيبة في المصنف (٩/ ٣٨٣)، والدارقطني (٣/ ١١٠)، والبيهقي في الكبرى (٨/ ١٢٠).","vol":"3","page":270},{"text":"بحرب\"، فهذا يدل على آخر الحديث وهو قوله: \"أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم\"، لأن الدم قد يستحق بالديّة كما يستحق بالقود، لأن النبي - ﷺ - لم يقل لهم: أتحلفون وتستحقون دم من ادعيتم، فيكون هذا على القود، وإنما قال لهم: \"تحلفون وتستحقون دم صاحبكم\"، فإنما عنى به: تستحقون دم صاحبكم بالدية، لأن أول الحديث يدل على ذلك وهو قوله: \"إما أن تدوا صاحبكم وإما أن تؤذنوا بحرب\"، وقال عمر بن الخطاب: القسامة تُوجب العَقْل ولا تُشِيط الدَّمَ، في أحاديث كثيرة.\nفبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، حدثنا أبو ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن، ويقال: اسمه عبد الله، تابعي، قال علي القاري: ويُطلق أبو ليلى على الوالد وولده، انتهى، وهو مدني ثم كوفي، ثقة، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين، من أهل الكوفة، كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، كذا قاله ابن حجر في (تقريب التهذيب)، وسيد علي في (خلاصة الهيئة)، وقال ولي الدين التبريزي صاحب (المشكاة) في أسماء رجاله: أن عبد الرحمن بن ليلى سمع أباه وخلقًا كثيرًا من الصحابة، وعنه الشعبي ومجاهد وابن سيرين وجماعة من التابعين، قال ابن خلكان: إن عبد الرحمن بن أبي ليلى غرق في نهر البصرة، وقيل: فُقِدَ بدير الجماجم سنة ثمان وثمانين في وقعة بني الأشعث، وقيل: سنة إحدى وثمانين، وقيل: سنة اثنين من الهجرة، انتهى. عن سهل بفتح المهملة فسكون ابن أبي حَثْمة، بفتح الحاء المهملة وسكون المثلثة: ابن ساعدة بن عامر الأنصاري الخزرجي المدني صحابي صغير ولد سنة ثلاث (ق ٧٠٩) من الهجرة، وله أحاديث، مات في خلافة معاوية، أنه أخبره رجال من كبراء بضم الكاف وفتح الموحدة والراء المهملة ممدودة، مضاف إلى قومه أي: مشايخهم وقدمائهم، وهم: محيصة وحويصة ابنا مسعود وعبد الله وعبد الرحمن ابنا سهل، أن عبد الله بن سهل هو ابن زيد بن كعب الأنصاري المارثي، ومحيِّصة بضم الميم وفتح الحاء المهملة وكسر التحتية المشددة على الأشهر، وفتح الضاد المهملة، ابن مسعود بن كعب الحارثي الأوسي، أسلم قبل أخيه","vol":"3","page":271},{"text":"حويصة، خرجا إلى خَيْبر بعد فتحها، وعند ابن إسحاق: فخرج عبد الله بن سهل من جهْد بفتح الجيم وسكون الهاء، أي: من أجل جوع وقحط أصابهما، وفي مسلم: خرجا إلى خيبر في زمن رسول الله - ﷺ - وهي يومئذٍ صلح وأهلها يهود، فأتى بضم الهمزة وكسر التاء محيصة أي: فجاء آت، فأخبر بصيغة المفعول أن عبد الله بن سهل قد قُتِلَ وطُرح بضم أولهما، أي: رُمي في فقير بفتح الفاء وكسر القاف وهو البئر القريبة الواسعة الفم وقيل: الحفرة التي تكون حول النخل، وبين أو عين، شك من الراوي، وعند ابن إسحاق: وجد في عين قد كسرت عنقه، فأتى أي: محيصة يهودَ أي: جماعة يهود وهو غير منصرف للعلمية وتأنيث القبيلة مع وزن الفعل، فقال أي: لهم: أنتم أي: يا سكان خيبر قتلتموه، أي: حيث إنكم سكان خيبر وأعداء للمسلمين، ولعله كان به جرح أو أثر ضرب أو خنق أو خروج دم من أذنيه أو عينيه؛ لأن الخالي عنده لا قسامة فيه عندنا ولا دية وهو قول أحمد في رواية، وحماد والثوري، وقال مالك والشافعي وأحمد في رواية: ليس الأثر شرطًا بل الشرط اللوث، وهو ما يوقع في القلب صدق مدعي من أثرهم على ثيابه، أو عداوة ظاهرة، أو شهادة عدل، أو جماعة غير عدول، أن أهل المحلة قتلوه؛ لأنه - ﷺ - لم يسأل الأنصار بل كان يقتلهم أثر فيه أولا، ولنا أن القسامة في الدية لتعظيم الدم وصيانته عن الهدر، وذلك في القتل دون الموت حتف الأنف والقتل يُعرف بالأثر، فقالوا: أي: أهل خيبر والله ما قتلناه أي: عبد الله بن سهل، ثم أي: بعد حلفهم أقبل أي: محيصة، حتى قَدِمَ على قومه، أي: بني حارثة، فذكر ذلك أي: ما وقع لهم، ثم أقبل هو أي: محيصة وحويِّصة؛ بضم الحاء المهملة وفتح الواو وكسر التحتية المشددة على الأشهر، وقد تخفف وصاد مهملة هو ابن مسعود بن كعب الأوسي، شهد أحدًا والخندق وسائر المشاهد، وهو أي: حويصة أخوه أي: محيصة أكبر منه، أي: من محيصة، وعند ابن إسحاق أنه - ﷺ - قال بعد قتل كعب بن الأشرف: \"مَنْ ظفرتم به من اليهود فاقتلوه\"، فوثب محيصة على تاجر يهودي فقتله، فجعل حويصة يضربه وكان أسن منه، وذلك قبل أن يسلم حويصة، وعبد الرحمن بن سهل، أي: ابن زيد بن كعب الحارثي أخو المقتول، فذهب أي: محيصة ليتكلم، وهو الذي كان بخيبر، جملة حالية مبنية لعله تقدمه في القضية، حيث كان حاضرًا هناك، وفي الرواية اللاحقة، فذهب عبد الرحمن ليتكلم لمكانه من أخيه وجمعه باحتمال (ق ٧١٠) أن كل منهما أراد الكلام، فقال أي: لمحيصة رسول","vol":"3","page":272},{"text":"الله - ﷺ -: \"كَبِّر كَبِّر\" أي: قَدِّم الأكبر، وأن يبدأ في الكلام والتكرار للتأكيد والاهتمام في المرام، يريد السن، إرشاد إلى الأدب في تقديم الأسن، وفيه أن المشركين في معنى من معاني الدعوة وغيرها كالمسلمين في ابتداء الكلام أكبرهم، فإذا سمع منهم تكلم الأصغر فيُسمع منه إن احتيج له، فإن كان فيهم من له بنان ولتقديمه وجه فلا بأس بتقديمه، وإن صغر، قاله ابن عبد البر. وأخرج بسنده أنه قدم وفد من العراق على عمر بن [عبد] (*) العزيز، فنظر عمر إلى شاب منهم يريد الكلام، فقال: كبروا، فقال الفتى: يا أمير المؤمنين، إن الأمر ليس بالسن، ولو كان كذلك لكان في المسلمين من هو أسن منك، قال: صدقت: تكلم - رحمك الله - فقال: أما وقد شكر. . . فذكر الخبر. انتهى.\nوحقيقة الدعوى إنما هي لعبد الرحمن أخي القتيل لاحق لابن عمه فيها، فإنما أمر - ﷺ - أن يتكلم الأكبر لأنه لم يكن المراد حينئذٍ الدعوى بل سماع صورة القصة وعند الدعوى يدعى المستحق أو المعني، أن الأكبر يكون وكيلًا له، كذا قاله الزرقاني (١).\nفتكلم حُويِّصة، ثم تكلم مُحَيِّصة، فقال رسول الله - ﷺ -: أي: لليهود المُدعى عليهم: \"إما بكسر الهمزة أن تَدُوا صاحبَكم بفتح الفوقية وخفة الدالة المهملة، أي: تعطوا أيها اليهود دية صاحبكم، وإما أن تؤذنوا أي: تعلموا بحرب\"، أي: من الله ورسوله، هذا تهديد وتشديد أن لا قدرة لهم على حربه - ﷺ - مع ما هم فيه من غاية الذلة وكناية عن نسخ الجزية وترك الإِجارة، فكتب إليهم رسول الله - ﷺ - أي: أمر رسول الله - ﷺ - كاتبًا بالكتب إلى اليهود في ذلك أي: الجنس الذي نقل إليه هذا على تقدير إقرارهم وعدم إنكارهم، فكتبوا أي: اليهود له أي: لجواب رسول الله - ﷺ -: إنا والله ما قتلناه، وزاد في رواية: وما علمنا قاتله، هذا حكاية قول الجميع؛ لأن الواحد منهم إذا حلف يقول: ما قتلتُ ولا علمتُ له قاتله، لا ما قتلناه لجواز أنه قتله وحده، فإذا حلف ما قتلناه كان صادقًا في يمينه؛ لأنه لم يقتله مع غيره؛ فإن قيل: يجوز في ما قلت أن يكون قتله مع غيره كان في يمينه كاذبًا؛ لأن الجماعة متى قتلوا واحدًا كان كل واحد منهم قاتلًا، ولهذا يجب القصاص على كل واحد منهم في العمد والكفارة في الخطأ، كذا حققه بعض الحنفية، فإن قيل: المراد بقوله: ما قتلناه ما قتله واحد، فيقال: يحتمل أن يكون صادقًا في نفسه؛ إلا أنه\n_________\n(١) في شرحه (٤/ ٢٥٧).\n\n(*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: ما بين المعكوفتين سقط من المطبوع","vol":"3","page":273},{"text":"يكون كاذبًا في حق غيره لعدم إحلافه في إثباته ونفيه، فقال رسول الله - ﷺ - لِحُويِّصَة ومُحَيِّصَة وعبد الرحمن: \"تحلفون، وليحيى: أتحلفون؟ بهمزة الاستفهام، يعني: خمسين رجلًا، وتستحقون دم صاحبكم؟ \" أي: قصاصًا على ما هو الظاهر أو دية كما سيأتي، قالوا: أي: الحويصة والمحيصة وعبد الرحمن: لا، أي: لا نحلف، وفي رواية ابن المفضل: وكيف نحلف ولم نشهد ولم نر، ووقع في الصحيح من رواية سعيد بن عبيد عن بشير بن يسار، فقال لهم رسول الله - ﷺ -: \"تأتون بالبينة\".\nوفي النسائي: عن عمرو بن شعيب (ق ٧١١) عن أبيه عن جده، فقال - ﷺ - لعبد الرحمن بن سهل - وهو أخو المقتول: \"أقم شاهدين على قاتل أخيك عبد الله بن سهل، أرفعه إليك برمته\"، فقال: إني لم أصب شاهدين، وإنما أصبح قتيلًا على أبوابهم، فقال أبو عمر: هذه رواية أهل العراق عن بشير بن يسار، وفي رواية أهل المدينة عنه أثبت وهم به أقعد ونقلهم أصح عند العلماء.\nوقد حكى الأثرم عن أحمد أنه ضعف رواية سعيد بن عبيد عن بشير، وقال: الصحيح عنه ما رواه يحيى بن سعيد، وإليه أذهب، وقال بعضهم: ذكر البينة وهم؛ لأنه وإن سلم أنه لم يلن مع اليهود فيها منه - ﷺ - قد علم أن خيبر حينئذ لم يكن بها أحد من المسلمين، وأجيب بأنه وإن سلم أنه لم يلن مع اليهود فيها من المسلمين أحد، لكن في القصة أن جماعة من المسلمين خرجوا يمتارون تمرًا فيجوران طائفة أخرى خرجت لمثل ذلك، ويحتمل أنه - ﷺ - طلب البينة أولًا فلم تكن لهم بينة فعرض عليهم الإِيمان فامتنعوا، فعرض عليهم تحليف المدعي عليه، قال - ﷺ - لأصحاب المقتول: \"فتحلف لكم يهود\"، أي: المتهمون بأن حلف خمسون رجلًا حرًا مكلفًا منهم فتختارهم، قالوا: لا، أي: لا نرضى أنهم يحلفون، ليسوا بمسلمين، أي: فليس لهم أيمان؛ لأن فيهم كفر أعظم من أن يحلفوا على إثم، فَوَدَاهُ بفتح الواو والدال المهملتين الخفيفتين، فألف، أي: فأعطى رسول الله - ﷺ - دية المقتول إلى ورثة من عنده، أي: من خالص ماله أو من بيت المال؛ لأنه عاقلة المسلمين وولي أمرهم، فبعث إليهم أي: ورثة المقتول بمائة ناقة، أي: دفعًا للمنازعة، حتى أدخلت على بناء المجهول، أي: النوق، عليهم أي: على أصحاب المقتول وهم في الدار، وهو كناية عن قربها لديهم ووصولها إليهم، قال سهل بن أبي حَثْمة: لقد ركضتني بفتح الراء المهملة والكاف والضاد المعجمة المفتوحة، وسكون الفوقية والنون: الوقاية،","vol":"3","page":274},{"text":"أي: ضربتني برجلها، ومنه قوله تعالى في سورة ص: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: ٤٢]، منها أي: من تلك الإِبل، فدخلت مربدهم فركضتني برجلها، وقال ذلك ليبين ضبطه للحديث، ضبطًا شافيًا بليغًا.\nوفيه مشروعية القسامة، وبه أخذ كافة الأئمة والسلف من الصحابة والتابعين وعلماء الأمة، كمالك والشافعي في أحد قوليه، وأحمد عن طائفة التوقف فيها، فلم يروا القسامة ولا أثبتوا لها في الشرع، كذا قاله الزرقاني (١).\nقال محمد: إنما قال لهم رسول الله - ﷺ -: \"أتحلفون وتستحقون دمَ صاحبكم\"، يعني يريد النبي - ﷺ - استحقاق دية بالدية ليس بالقود، بفتحتين، أي: ليس مراده أن استحقاقه بالقصاص، وفيه أنه ينافيه قوله فيدفع برمته إليهم، إلا أن يقال: أي يدفع ديته بتمامها، وإنما يدل على ذلك، أي: على ما ذكره من إرادة الدية لا القود، فقوله: أنه أي: بدل من ذلك إنما أراد بالدية دون القود قوله في أول الحديث، (ق ٧١٢) أي: مخاطبًا اليهود: \"إما بكسر الهمزة أن تدوا كلمة أن مصدرية وبفتح الفوقية والدال المهملة المضمومة، والواو الساكنة فألف، أي: أعطوا صاحبكم أي: الدية أيها اليهود، وإما أن تؤذنوا أي: تعلموا بحرب\" أي: من الله ورسوله، وفيه أنه يحتمل أن يكون هذا قبل تحقق اليمين من أحد الجانبين، فهذا أي: ما صدر في صدر الحديث يدل على آخر الحديث من جهة المراد، وهو قوله: \"أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم\"، لأن الدم قد يستحق بالدية كما يستحق بالقود، أي: بالقصاص والكلام في المراد فيهما وإلا فالأمر لا يخلو منهما، والظاهر أن الدية هي المراد؛ لأن النبي - ﷺ - لم يقل لهم أي: لورثة المقتول: أتحلفون وتستحقون دم من ادعيتم، أي: عليه ليكون صريحًا في المراد، فيكون هو أي: اللفظ محمولًا على القود\" أي: نصًا، وإنما قال لهم: \"تحلفون وتستحقون دم صاحبكم\"، أي: ديته، يحتمل احتمالين، فالإِضافة قد تكون لأدنى ملابسة، فإنما عنى به أي: أراد النبي - ﷺ - بقوله: تستحقون دم صاحبكم بالدية، لأن أول الحديث يدل على ذلك، أي: على القود، وفي نسخة: على هذا، وهو أي: أول الحديث قوله: \"إما أن تدوا صاحبكم وإما أن تؤذنوا بحرب\"، وقد قال عمر بن الخطاب ﵁: أي: ما يكون كالنص في هذا الباب: القسامة تُوجب\n_________\n(١) في شرحه (٤/ ٢٥٩).","vol":"3","page":275},{"text":"العَقْل؛ لأن الدية لفظ، ولا تُشِيط الدَّمَ، أي: من نشاط دمه إذا بطل، وهو من باب ضرب وأشاطه السلطان أبطله، وهدره، ومنه قول بعض الشافعية: ويشاط الدم بالقسامة، كما في (المغرب)، وفي بعض النسخ الأصل: ولا تهدر بل ولا تشيط، والمعنى: لا تبطله بالكلية، فلا بد من الدية في القصة، في أحاديث كثيرة، أي: في ضمنها ومع جملتها.\nفبهذا نأخذ، أي: فإنما نعمل بقول عمر بن الخطاب ﵁، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، ثم عندنا يبدأ بالمدعى عليهم في الأيمان، وهو قول عمر والشعبي والنخعي والثوري، وقال مالك والشافعي وأحمد: يُبدأ بالمدعين في الأيمان فإن حلفوا استحقوا دم المقتول وإن نكلوا حلف المدعي عليهم خمسين يمينًا وإن حلفوا برؤوا، وهو مذهب يحيى بن سعيد وربيعة وأبي الزناد، والليث بن سعد، لقوله - ﷺ - لأولياء عبد الله قوله فيما رواه البيهقي (١): أفتريكم يهود بخمسين رجلًا ولنا ما في الكتب الستة من حديث ابن عباس، أن النبي - ﷺ - قال: \"اليمين على المدعين عليه\"، وما رواه ابن أبي شيبة من قضاء عمر في القتيل الذي وجد في اليمين بين وادعة وأوجب، فكتب عامل عمر بن الخطاب ﵁ أن قِسْ بين الحيين قال: أيهما كان أقرب فخذهم به فقاسوه فوجدوه أقرب إلى وداعة فأخذنا وأغرمنا وأحلفنا، فقلنا: يا أمير المؤمنين، أتحلفنا وتغرمنا؟ قال: نعم، فاحلف خمسين رجلًا بالله، ما قتلت ولا علمت قاتلًا.\nوقد روى أبو داود والطيالسي وإسحاق بن راهويه والبزار في (مسانيدهم)، والبيهقي في سننه (٢) عن أبي سعيد الخدري ﵁، أن قتيلًا وجد بين حيين فأمر النبي - ﷺ - أن يقاس إلى أيهما أقرب، فوجد أقرب إلى الحيين أي قبيلتين، (ق ٧١٣) بشير، قال أبو سعيد الخدري: كأني أنظر إلى شبر رسول الله - ﷺ - فألقى ديته عليهم بعد يمين خمسين رجلًا منهم فإن لم يكن في المحلة خمسون من أهل القسامة كتب الحلف عليهم إلا أن يتم لما روى ابن أبي شيبة في (مصنفه) أن عمر بن الخطاب ﵁ رد عليهم الإِيمان حتى وفوا، وروي أيضًا عن شريح قال: جاءت القسامة فلم يوفوا خمسين فردوا\n_________\n(١) البيهقي في الكبرى (٨/ ١١٨).\n(٢) أخرجه البيهقي في الكبرى (٨/ ١٢٦).","vol":"3","page":276},{"text":"عليهم القسامة حتى أوفوا، وروى عبد الرزاق في (مصنفه) عن سفيان الثوري عن مغيرة عن إبراهيم النخعي: إذا لم تبلغ القسامة كرروا حتى يحلف خمسين يمينًا، ولأن الخمسين واجب بنص الحديث فيجب إتمامها ما أمكن، ولا يطلب فيها الوقوف على الفائدة، مع أنها قد تكون سببًا لنكولهم؛ ولأن فيه استعظام أمر الدم فكمل وتكرار اليمين من واحد على سبيل الوجوب ممكن شرعًا كما في اللعان، والله هو المستعان.\nلما فرغ من بيان أحكام الديَّات، شرع في بيان أنواع الحدود، فقال: هذا\n* * *","vol":"3","page":277},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-320>كتاب الحدود في السرقة</span>\nكتاب: أي: كائن في بيان أنواع الحدود، أي: حال كونها في السرقة، والكتاب لغة: مصدر بمعنى الكتب، وهي الجمع، يسمى به المفعول للمبالغة، واصطلاحًا: طائفة من المسائل، وإضافته إلى الحدود من قبيل إضافة العام إلى الخاص، وفي نسخة: أبواب الحدود بدل كتاب الحدود وهو جمع حد، وهو في اللغة: المنع، وفي الشرع: عقوبة مقدرة، ووجبت حقًا لله تعالى، وإنما قال: الحدود بلفظ الجمع إشعارًا بأنواع الحدود، كحد الزنا، والقذف، وشرب الخمر، لكنها هنا مخصوصة في حدود السرقة لما قيدها بقوله: من السرقة، وهي في اللغة: أخذ الشيء من الغير على وجه الخفية، وفي الشريعة في حق القطع: أخذ مكلف خفية قدر عشرة دراهم مضروبة محروزة بمكان أو حافظ بلا شبهة، كذا قاله السيد محمد الجرجاني الحنفي، استنبط المصنف ﵀ هذا الباب من قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧]، لما كان المقصود من الحدود انزجارًا عن أسبابها كان الأهم تقديم حد السرقة على غيره؛ لأن في السرقة إتلاف المال، فإتلافه سبب لإِتلاف النفس، فالمال مخلوق وقاية للنفس، فحد السرقة وهو قطع يد السارق سبب لإِبقاء المال وإبقاؤه سبب لإِبقاء النفس، فالنفس مقدمة فكذلك سببها. ووجه المناسبة بين هذا الكتاب وبين الكتاب السابق الديات: إحياء النفس وجزؤها؛ لأن في أخذ الدية عن القاتل، وفي قطع اليد في السارق زجر غيره عن قتل النفس وعن السرقة، وهذا المعنى إحياء النفس وإبقاؤها حكمًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-321>باب العبد يسرق من مولاه</span>\nباب العبد، أي: هذا المذكور كائن في بيان حكم حال العبد يسرق من مولاه، أي: العبد الذي يأخذ من مال سيده في مكان محرز خفية، والسرقة المستفادة من قوله: يسرق قد مرّ بيان معناها اللغوي والشرعي، وقال بعض الفضلاء: السرقة هي: أخذ مكلف خفية قدر وزن عشرة دراهم مضروبة جيدة وزن كل عشرة سبع مثاقيل كما في الزكاة، أو ما يبلغ قيمته وزن عشرة دراهم بقول رجلين عدلين، أو بإقراره مرة عند أبي","vol":"3","page":279},{"text":"حنيفة ومحمد، وهو قول أكثر العلماء، ومرتين عند (ق ٧١٤) أبي يوسف وأحمد وابن أبي ليلى وزُفر، وقال الحسن وداود وابن بنت الشافعي: ليس للسرقة نصاب مقدر لإِطلاق الدية، ولما روى الشيخان (١) عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لعن الله السارق بسرق بيضة فيقطع يده، ويسرق الحبل ويقطع يده\"، وأجيب بأن الآية مقيدة بالنصاب كما هي مقيدة بالمال، وبأن الحديث قال فيه البخاري: قال الأعمش: كانوا يرون أنه بيض الحديد، والحبل ما يساوي دراهم، والراد بالحبل حبل السفينة، وقال مالك وأحمد: نصاب السرقة ربع دينار أو ثلاثة دراهم، وقال الشافعي والأزرعي والليث: ربع دينار لما في الصحيحين من حديث عائشة ﵂ عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"لا يُقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا\"، وسيأتي أدلتنا، كذا قاله علي القاري.\n٦٨٢ - أخبرنا مالك، حدثنا الزهري، عن السائب بن يزيد: أن عبد الله بن عمرو بن الحَضْرَمِيّ؛ جاء إلى عمر بن الخطاب بعبدٍ له، فقال: اقطع هذا فإنه سرق، فقال: وماذا سرق؟ قال: مِرْآةً لامرأتي ثمنها ستون درهمًا، قال عمر: أرسله؛ ليس عليه قطع، خادمُكم سرق متاعكم.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أيّما رجلٍ له عبد سرق من ذي رحم مَحْرم منه، أو من مولاه، أو من امرأة مولاه، أو من زوج مولاته، فلا قطع عليه فيما سَرق، وكيف يكون عليه القطع فيما سرق من أخته، أو أخيه، أو عمته، أو خالته، وهو لو كان محتاجًا زَمِنًا أو صغيرًا، وكانت محتاجة أجبر على نفقتهم، وكان لهم في ماله نصيب، فكيف يُقطع من سرق ممن له في ماله نصيب، وهذا كله قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا، حدثنا الزهري، وهو محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة، ثقة فقيه، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين\n_________\n(١) البخاري (٦/ ٢٤٣٩) رقم (٦٤٠١)، ومسلم (٣/ ١٣١٤) رقم (١٦٨٧).\n(٦٨٢) إسناده صحيح.","vol":"3","page":280},{"text":"من أهل المدينة، مات بعد المائة من الهجرة، عن السائب بن يزيد ﵁، هو ابن سعيد بن ثمامة الكندي، وقيل غير ذلك في نسبته، صحابي صغير له أحاديث قليلة، وحج به - ﷺ - في حجة الوداع، وهو ابن سبع سنين، وولاه عمر سوق المدينة، مات سنة إحدى وتسعين، وقيل قبل ذلك، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة، كذا قاله العسقلاني في (تقريب التهذيب) (١)، أن عبد الله بن عمرو بفتح العين ابن الحَضْرَمِيّ؛ بفتح الحاء المهملة، وسكون الضاد المعجمة، واسمه عبد الله بن عمار حليف بني أمية، وهو ابن أخي العلاء بن الحضرمي، قتل أبوه في السنة الأولى من الهجرة النبوية كافرًا، قال ابن حجر في (الإِصابة): ومقتضى موت أبيه أن يكون له عند الوفاة النبوية نحو تسع سنين، فهو من أهل هذا القسم، أي: الأول من الصحابة. انتهى، جاء إلى عمر بن الخطاب ﵁، بعبدٍ له، فقال: اقطعْ يد هذا العبد فإنه سرق، حذف مفعوله للتعميم، فقال: أي: عمر: وماذا أي: أي شيء سرق؟ قال: أي: أجاب عبد الله بن عمرو بسؤال عمر بن الخطاب ﵁ بأن قال: سرق مِرْآةً وهي بكسر الميم وسكون الراء المهملة ومد الهمزة والفوقية أنه النظر لامرأتي ثمنها ستون درهمًا، قال عمر: أرسله؛ أي: العبد، ليس عليه قطع، أي: قطع يده فإنه خادمُكم سرق متاعكم، أي: فلا يجتمع عليكم أمران، وكأنه سقط بعض مالكم على بعض فسر بما تحته.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله عمر بن الخطاب ﵁، أيما رجلٍ كلمة \"أيما\" مرفوعة على أنها مبتدأ واستفهامية متضمنة معنى الشرط، وما زائدة تأكيدة لإِبهام، أي: ورجل مجرور لإِضافة، أي: إليه، فخبرها وجوابها جملة فلا قطع عليه، له أي: رجل ثابت له، عبد سرق من متاع ذي رحم مَحْرم منه، أي: مدة الرجل وذو الأرحام من العبد أولاد بناته، وأولاد أخواته، وبنات أخواته، وأبناء إخوته، والعمات والأعمام لأمه، وخاله وخالته، كذا قاله السيد الشريف الجرجاني، أو من مولاه، أي: أو سرق العبد من متاع سيده، أو سرق من أي: متاع امرأة مولاه، أو (ق ٧١٥) من زوج مولاته، أي: سيدته، فلا قطع عليه أي: على العبد فيما سَرق، أي: من المال، وكيف يكون عليه أي: وأي حال يلزم على العبد السارق القطع أي: قطع يده فيما\n_________\n(١) التقريب (١/ ٢٢٨).","vol":"3","page":281},{"text":"أي: في مال سرق أي: العبد به من أخته، أو أخيه، أو عمته، أو خالته، أي: من جهة أمه، وهو أي: والحال أن العبد لو كان محتاجًا زَمِنًا أي: مقعدًا أو صغيرًا أي: بحيث ما يقدر على الكسب، وكانت أي: الأمَة محتاجة أي: إلى الشفعة والكسوة أجبر بصيغة المجهول، أي: أمر الحاكم إلى سيد العبد المحتاج والصغير والأمة المحتاجة على نفقتهم، وكان أي: فثبت لهم أي: للعباد والإِماء في ماله نصيب أي: حظ، فكيف يُقطع أي: يد من سرق ممن له أي: من متاع من للسارق، في ماله أي: في مال المسروق منه نصيب، أي: حظ عظيم، وهذا أي: المذكور هنا كله قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\nلما فرغ من بيان حكم العبد يسرق من مال سيده، شرع في بيان حكم حال السارق يسرق ما كان في مكان غير محرز، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-322>باب من سرق تمرًا أو غير ذلك مما لم يحرز</span>\nباب في بيان حكم من سرق تمرًا أو غير ذلك، أي: من الحيوانات، مما أي: من موقع لم يحرز، أي: لم يمنع وصول يد غير صاحبه فيه، ووجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق التقييد والإِطلاق.\n٦٨٣ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حُسين، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا قطع في ثمر معلَّق، ولا في حريسةِ جَبَل، فإذا آواه المُرَاح أو الجرينُ فالقطع فيما بلغ ثمن المِجَنّ\".\nقال محمد: وبهذا نأخذ، من سَرَقَ تمرًا في رؤوس النخل، أو شاة في\n_________\n(٦٨٣) حسن، أخرجه الشافعي في الأم (٦/ ١٣٣)، وأبو داود (١٧١٠)، والترمذي (١٢٨٩)، وحسنه، والنسائي في كتاب قطع السارق، باب الثمر المعلق يُسرق، والبيهقي في الكبرى (٨/ ٢٦٣)، وفي معرفة السنن والآثار (١٢/ ١٧١٤٠).\nوقال ابن عبد البر في التمهيد (٢٣/ ٣١٣): وحديث عمرو بن شعيب أصل عند جمهور أهل العلم في مراعاة الحرز واعتباره في القطع.","vol":"3","page":282},{"text":"المرعى، فلا قطع عليه، فإذا أُتِيَ بالثمر الجرين أو البيت وأتي بالغنم المُرَاح، وكان لها من يحفظها فجاء سارق سَرق من ذلك شيئًا يساوي ثمن المِجن ففيه القطع، والمِجنّ كان يساوي يومئذٍ عشرة دراهم، ولا يقطع في أقل من ذلك، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حُسين بن الحارث بن عامر بن نوفل الملكي النوفلي، ثقة، عالم بالمناسك، من رجال الجميع، كان في الطبقة الخامسة من طبقات صغار التابعين، من أهل مكة، مات بعد المائة من الهجرة، قال أبو عمر: لم تختلف رواة (الموطأ) في إرساله، ويتصل معناه من حديث عبد الله بن عمر وغيره، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا قطع أي: لا يقطع يد السارق في ثمر بفتح المثلثة والميم معلَّق بالنخل والشجر قبل أن يجزئ ويحرز، وكلمة \"في\" في قوله: ثمر للتعليل، كما في قوله - ﷺ -: \"إن امرأة دخلت النار في هرة حبستها\"، ولا في حريسةِ جَبَل، بفتح الحاء المهملة وكسر الراء الممدوة، وفتح السين المهملة والفوقية، مضافة إلى جبل فعيلة، بمعنى مفعولة، أي: ليس في الماشية المحروسة في الجبل بالمرعى قطع يد السارق إذا سرقها؛ لأن الحريسة لم تكن حرزًا عادة أو يقال لها باللسان التركية: (طاغدة أو لأن قيون أغلى) كما في ترجمة (صحاح الجوهري)، فإذا آواها بفتح الهمزة المدودة والضمير المؤنث راجع إلى حريسة، وفي نسخة بالضمير المذكر العائد إلى حريسة باعتبار المال، أي: إذا أنزل وأدخل الماشية صاحبها في المراح بضم الميم وفتح الراء المهملة فألف، وحاء مهملة وهو موضع مبيت الغنم، والفرق بين المعنى الثاني للحريسة وبين معنى المُرَاح، أن معنى المراح موضع له سطح وباب يغلق بخلاف المعنى الثاني للحريسة، أو الجرينُ بفتح الجيم وكسر الراء الممدودة فنون: هو الموضع الذي يُجمع فيه الثمار عطف على المراح، أي: إذا أدخل الثمار صاحبها فيه، فالقطع فيما بلغ أي: فيلزم قطع يد السارق بالمسروق الذي بلغ ثمنه قدر ثمن المِجَنّ\"، بكسر الميم وفتح الجيم وتشديد النون: الترس وثمنه ثلاثة (ق ٧١٦) دراهم بين - ﷺ - وهي حالة كون المال في حرزه فلا قطع على من سرق من غير حرز إجماعًا إلا ما شذ الحسن والظاهرية، قال ابن العربي: اتفقت الأئمة على أن شرط القطع أن يكون المسروق محرزًا يحرز مثله ممنوعًا من الوصول إليه بمانع، خلافًا لقول","vol":"3","page":283},{"text":"الظاهرية لا تُقطع في كل فاكهة رطبة ولو كانت محرزة، وقاسوا عليها الأطعمة الرطبة التي لا تدخر، كذا قاله الزرقاني (١).\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بحديث رواه عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي الحسين مرسلًا: من سَرَقَ تمرًا في رؤوس النخل، أو شاة في المرعى، بفتح الميم وسكون الراء المهملة والعين المهملة المفتوحة الممدودة، اسم مشترك بين معنى الكلاء بكسر الكاف نبت أخضر وبفتحها بمعنى المرعى، وبين موضع الكلاء كما فصلناه في (نور الأفئدة)، في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ [الأعلى: ٤]، لكنه هنا مخصوص لمكان الكلاء، كما أشار المصنف - ﵀ إلى هذا المعنى بكلمة في فلا قطع عليه، أي: لعدم وجود الأحراز، وإن كان في حائط، وروى النسائي (٢) وابن ماجه (٣) عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو أن النبي - ﷺ - سُئِلَ عن التمر المعلق فقال: \"من أصاب تقية من ذي حاجة غير متخذة خبية فلا شيء عليه، ومن سرق منه شيئًا بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع\"، وفي (المغرب) الجرين: المربد، وهو الموضع الذي يلقى فيه الرطب ليجف، وجمعه جرون، كذا قاله الشمني في (شرح النقاية)، فإذا أُتِيَ بالثمر الجرين أو البيت وأتي بالغنم المُرَاح، وكان لها أي: الغنم من يحفظها فجاء سارق سَرق من ذلك شيئًا يساوي أي: قيمته ثمن المِجن ففيه القطع، أي: قطع يد السارق، والمِجنّ بكسر الميم المخفف وتشديد النون: الترس، كان يساوي يومئذٍ أي: في عهد رسول الله - ﷺ - عشرة دراهم، ولا قطع أي: يد السارق في أقل من ذلك، أي: من عشرة دراهم، وهو أي: عدم قطع يد السارق إذا سرق أقل من عشرة دراهم قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. هذا جواب على مالك وأحمد والشافعي لما قاله مالك وأحمد: نصاب السرقة ربع دينار أو ثلاثة دراهم، وقال الشافعي والأوزاعي والليث: نصاب السرقة ربع دينار، كما مر تفصيله في شرح ترجمة باب العبد يسرق من مولاه.\n* * *\n_________\n(١) في شرحه (٤/ ١٨٩).\n(٢) في الكبرى (٤/ ٣٤٤)، والصغرى (٨/ ٨٥).\n(٣) ابن ماجه في السنن (٢/ ٨٦٥).","vol":"3","page":284},{"text":"٦٨٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حَبَّان: أن غلامًا سَرَق وَدِيّا من حائط رجل، فغرسه في حائط سيده، فخرج صاحب الودِيِّ يلتمس ودِيَّهُ فوجده، فاستعدى عليه مروان بن الحَكم فسجنه وأراد قطع يده، فانطلق سيد العبد إلى رافِع بن خَدِيج، فسأله، فأخبره أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: \"لا قَطْعَ في ثَمَرٍ ولا كَثَرٍ\"، والكَثَر: الجُمّار، قال الرجل: إن مروان أخذ غلامي، وهو يريد قطع يده، فأنا أحب أن تمشي معي إليه فتخبره بالذي سمعتَ من رسول الله - ﷺ -، فمشى معه حتى أتى مروان فقال له رافع: أخذتَ غلام هذا؟ قال: نعم، قال: فما أنت صانع به، قال: أريد قطع يده، قال: فإني سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"لا قطع في ثَمَر ولا كَثَر\"، فأمر مروان بالعبد فأُرْسِلَ.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا قطع في ثمرٍ مُعلَّق في شجر، وَلا في كَثَر، والكثر: الجمّار، ولا في ودِيّ، ولا في شجر، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى قال: مالك حدثنا، أخبرنا يحيى بن سعيد، أي: ابن قيس الأنصاري المدني، يُكنى أبا سعيد القاضي، ثقة، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة أربعين ومائة بعد الهجرة، عن محمد بن يحيى بن حَبَّان، بفتح الحاء المهملة والموحدة المشددة، ابن سعد الأنصاري المدني، ثقة فقيه، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة إحدى وعشرين ومائة من الهجرة وهو ابن أربع وسبعين سنة، كذا في (تقريب التهذيب)، أن غلامًا أي: عبد أسود لواسع بن حبان، عم محمد، كذا في (التمهيد)، سَرَق وَدِيّا بفتح\n_________\n(٦٨٤) أخرجه الشافعي في الأم (٦/ ١٣٣)، والمسند (٢/ ٨٣، ٨٤)، وأحمد في المسند (٣/ ٤٦٣)، والدارمي في السنن (٢/ ١٧٤)، وأبو داود (٤٣٨٨)، والترمذي (٤/ ٥٢، ٥٣) رقم (١٤٤٩)، والنسائي (٨/ ٨٧)، وابن ماجه (٢/ ٨٦٥)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ١٧٢)، والبيهقي في الكبرى (٨/ ٢٦٣).","vol":"3","page":285},{"text":"الواو، وكسر الدال المهملة، وتشديد التحتية، أي: نخلًا صغيرًا من حائط رجل، أي: من داخل (ق ٧١٧) جداره، وهو لم يسم، وفي رواية حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى أن غلامًا لعمه واسع بن حبان سرق وديًا من أرض جاره، فغرسه في حائط أي: بستان سيده، فخرج صاحب الودِيِّ يلتمس أي: حال كون صاحبه يطلب ودِيَّهُ فوجده، أي: في بستان جاره، فاستعدى عليه بهمزة الوصل وسكون السين المهملة، وفتح الفوقية، وسكون العين المهملة، وفتح الدال المهملة المخففة فألف، فإن أصله عدو بالفتحات، فزيدت في أوله الهمزة والسين والتاء، فكان استعدو، يقال: استعديت على فلان الأمير فأعداني، أي: استعنت به عليه فأعانني، كذا قاله محمد الواني في ترجمة (صحاح الجوهري). يعني: أحضر صاحب الودي الغلام إلى حضور مروان بن الحَكم، وقال له: هذا الغلام سرق من حائطي وديّا، والحال أن مروان بن الحكم أمير المدينة حينئذ من جهة معاوية ﵁، فسجنه بفتح المهملة وتشديد الجيم المفتوحة والنون المفتوحة المخففة، أي: فجعله محبوسًا في السجن، وأراد قطع يده، أي: يد الغلام، فانطلق سيد العبد أي: والممع بن حبان إلى رافع بن خَدِيج ﵁، بفتح الخاء المعجمة، وكسر الدال المهملة، وسكون التحتية فجيم، وهو ابن رافع بن عدي الأنصاري الأوسي الحارثي، أول مشاهده أُحد ثم الخندق، مات سنة ثلاث أو أربع وسبعين، وقيل: قبل ذلك، فسأله عن ذلك، فأخبره أي: رافع إلى سيد العبد، أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: \"لا قَطْعَ أي: لا يجوز قطع يد الرجل في ثَمَرٍ بفتح المثلثة والميم، أي: في سرقة ثمر معلق على شجر وقبل أن يجز ويحرز، ولا كَثَرٍ\"، بفتح الكاف والمثلثة فراء مهملة، والكَثَر: الجُمّار، بالجيم المضمومة، وتشديد الميم المفتوحة فألف، ثم راء مهملة، وهي شيء أبيض ناعم يخرج من رأس النخل وهو شحمه الذي يخرج به الكافور، وهو وعاء الطلع من جوفه سمي جمارًا أو كثر؛ لأنه أصل الكوافير، وحيث تجتمع وتكثر كما في (الفائق)، وهذا التعبير مدرج في رواية شعبة: قلتُ ليحيى بن سعيد: ما الكثر؟ فقال: الجمار يقال له باللسان التركية: (خوماكويكي)، قال الرجل: أي: سيد العبد: إن مروان أي: ابن الحكم أخذ غلامي أي: عبدي، وهو أي: والحال أن مروان بن الحكم يريد قطع يده، فأنا أحب أن تمشي أي: إليه، معي إليه فتخبره بالذي سمعتَ من رسول الله - ﷺ -، فمشى أي رافع بن خديج ﵁ معه حتى أتى مروان فقال أي: فسأل، أي:","vol":"3","page":286},{"text":"لمروان بن الحكم رافع: أخذتَ أي: هل أخذت وحبست في السجن غلام هذا؟ أي: الرجل، قال: نعم، أي: أخذته، قال: أي: رافع بن خديج: فما أنت صانع أي: أي شيء تفعل؟ له، وفي هذا من اللطف في الخطاب ما لا يخفى، حيث لم يقل له: إن هذا قد أخذت له غلامًا وأردت قطع يده، قال: أي: أجاب مروان: أريد قطع يده، أي: يد الغلام لأنه سرق، قال: أي: رافع له: فإني سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"لا قطع في ثَمَر ولا كَثَر\"، زاد في رواية الترمذي وغيره: إلا ما أواه الجرين، فأمر مروان بالعبد فأُرْسِلَ، أي: أطلق فخلي سبيله من السجن، وفي رواية يزيد بن هارون (ق ٧١٨) عن يحيى بن سعيد فأرسله مروان فباعه أو نفاه، أي: باعه سيده، وهذا الحديث أخرجه أحمد والأربعة، وصححه ابن حبان من طريق عن مالك وغيره، كلها عن يحيى بن سعيد، قال ابن العربي: فإن كان فيه كلام فلا يلتفت إليه، وقال الطحاوي: تلقت الأئمة منه بالقبول، وقال أبو عمر، أي: ابن عبد البر: هذا حديث منقطع؛ لأن محمد بن يحيى لم يسمعه من رافع، وتابع مالكًا عليه سفيان الثوري، والحمادان، وأبو عوانة، ويزيد بن هارون، وغيرهم، ورواه ابن عيينة عن يحيى عن محمد عن عمه واسع عن رافع، وكذا رواه حماد بن زيد المدايني عن شعبة عن يحيى بن سعيد به، فإن صح هذا وقيل عنه: أبي ميمونة عن رافع ولم يتابع عليه، وقد خولف حماد بن زيد أيضًا، فإنما رواه غيره عن شعبة عن يحيى عن محمد عن رافع كما رواه مالك كما قاله الزرقاني (١).\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه محمد بن يحيى بن حبان: لا قطع أي: لا يصح قطع يد في ثمرٍ مُعلَّق في شجر، أي: عليه، وَلا في كَثَر: والكثر: الجمّار، وقد مر تفسير الجمار آنفًا، ولا في ودِيّ، أي: لا يصح قطع يد السارق سرق نخلًا صغيرًا، ولا في شجر، أي: ولو كان في حائط، وهو قولُ أبي حنيفة - ﵀.\nلما فرغ من بيان حكم حال الرجل سرق ثمرًا معلقًا على شجر وغنمًا في المرعى، شرع في بيان حكم حال الرجل يسرق منه شيء، فقال: هذا\n* * *\n_________\n(١) في شرحه (٤/ ٢٠٠).","vol":"3","page":287},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-323>باب الرجل يُسرق منه الشيء يجب فيه القطع فيهبه للسارق بعد ما يرفعه إلى الإمام</span>\nباب في بيان حكم حال الرجل يُسرق منه الشيء، مرفوع نائب فاعل يسرق، يجب صفة للشيء، فيه، أي: لأجل الشيء المسروق، والقطع، أي: قطع يد السارق، فيهبه أي: يهب الرجل الشيء المسروق إلى السارق بعد ما يرفعه، أي: بعد إحضار الرجل سارقًا إلى الإِمام، أي: إلى حضور السلطان أو نائبه.\nووجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق: العفو والإِيجاب من جهة الشارع في قطع يد السارق.\n٦٨٥ - أخبرنا مالك، حدثنا الزهري، عن صفوان بن عبد الله بن صفوان، أن صفوان بن أميَّة قيل له: إنه من لم يهاجر هلك، فدعا براحلته فركبها حتى قدم على رسول الله - ﷺ -، فقال: إنه قيل لي: إنه من لم يهاجر هلك، فقال له رسول الله - ﷺ -: \"ارجع أبا وهب إلى أباطح مكة\"، فنام صفوان في المسجد متوسدًا رداءَه، فجاء سارق فأخذ رداءه، فأخذ السارق فأُتي به رسول الله - ﷺ -، فأمر رسول الله - ﷺ - بالسارق أن تُقطع يده، فقال صفوان: يا رسول الله، إني لم أُرد هذا، هو عليه صدقة، فقال رسول الله - ﷺ -: \"فهلَّا قَبْلَ أن تأتيني به\".\nقال محمد: إذا رُفِعَ السارق إلى الإِمام أو القاذف، فوهبَ صاحبُ الحد حدّه، لم ينبغ للإِمام أن يعطل الحدّ، ولكنه يمضيه، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n_________\n(٦٨٥) صحيح، أخرجه الشافعي في الأم (٦/ ١٣١)، وأبو داود (٤٣٩٤)، والنسائي كتاب قطع السارق، باب الرجل يتجاوز للسارق عن سرقته، وابن ماجه (٢٥٩٥)، وأحمد في المسند (٣/ ٤٠١)، والدارمي (٢/ ١٧٢)، والحاكم في مستدركه (٤/ ٣٨٠)، وصححه ووافقه الذهبي.","vol":"3","page":288},{"text":"• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، حدثنا الزهري، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، تابعي مدني، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات بعد المائة، عن صفوان بن عبد الله بن صفوان بن أمية الأمري القرشي التابعي، ثقة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل مكة، مات بعد المائة من الهجرة، كذا في (تقريب التهذيب) (١).\nقال: أي: صفوان بن عبد الله حاكيًا عن جده صفوان بن أميَّة بن خلف بن وهب بن قدامة جمح القرشي المكي، الصحابي من المؤلفة، مات أيام قتل عثمان بن عفان ﵁، وقيل: سنة إحدى أو اثنين وأربعين، قيل لصفوان بن أمية بالتصغير: إنه شأن من لم يهاجر هلك، فدعا براحلته فركبها حتى قدم على رسول الله - ﷺ -، فقال: إنه قيل لي: إنه من لم يهاجر أي: من مكة وغيرها إلى المدينة هلك، أي: مات عاصيًا إن كان الهجرة قبل فتح مكة فرضًا أو شرطًا لقبول الإِسلام بالنسبة إلى غير المستضعفين، وكان قائل ذلك لم يسمع قوله - ﷺ -: \"لا هجرة بعد الفتح\".\nوفي رواية أخرجها أبو عمر أنه قيل له: إنه لا يدخل الجنة إلا من قد هاجر، وقال صفوان بن عبد الله: قال جدي صفوان بن عبد الله، قال جدي صفوان بن أمية: (ق ٧١٩) لا أنزل منزلي حتى آتي النبي - ﷺ -، فدعا براحلته فركبها حتى قَدِمَ، بكسر الدال المهملة المخففة المدينة على رسول الله - ﷺ - فقال: إنه، أي: الشأن قد قيل لي: إنه أي: الشأن، وفي نسخة: إنه من لم يهاجر هلك، فقال له: أي: صفوان بن أمية رسول الله - ﷺ -: \"ارجع أبا وهب أي: يا أبا وهب إلى أباطح مكة\"، أي: فإنه لا هجرة بعد فتح مكة، كما رواه البخاري (٢)، فنام صفوان في المسجد النبوي متوسدًا رداءَه، أي: جاعلًا رداءه تحت رأسه مكان وسادته، فجاء سارق فأخذ رداءه، أي: من تحت رأسه، فأخذ أي: صفوان بن أمية السارق فاُتي به رسول الله - ﷺ -، فأمر رسول الله - ﷺ - بالسارق أن تُقطع يده، أي: يد السارق، فقال صفوان: يا رسول الله، إني لم أُرد هذا، أي: قطع يده، وإنما أردتُ تأديبه أو نحو ذلك، هو أي: المأخوذ عليه صدقة، أي: هبة له مني، كأنه ظن أن\n_________\n(١) التقريب (١/ ٢٧٧).\n(٢) البخاري (٣/ ١٠٢٥)، رقم (٢٦٣١).","vol":"3","page":289},{"text":"القطع موكول إلى إرادته؛ لأن ذلك كان قبل أن يتفقه في الدين، فقال رسول الله - ﷺ -: \"فهلَّا بتشديد اللام، أي: فلم تهبه له قَبْلَ أن تأتيني به\"، فمعنى هلا إذا دخلت على الماضي تكون لتوبيخ المخاطب، ولومه على ترك الفعل، ومعناه في المضارع الحض والحث على الفعل والطلب له، فهي في المضارع بمعنى الأمر ولا يكون التخصيص في الماضي الذي قد فات إلا أنها تستعمل كثيرًا في لوم المخاطب على أنه ترك في الماضي شيئًا يمكن تداركه في المستقبل فكأنها من حيث المعنى للتخصيص على فعل مثال ما فات، كما في (شرح الكافية).\nوالحديث رواه أبو داود (١)، والنسائي (٢)، وابن ماجه (٣)، وأحمد (٤) في (مسنده) من غير وجه عن صفوان بن أمية أنه طاف بالبيت وصلى، ثم لف رداءه فوضعه تحت رأسه فنام فأتاه لص فاستله من تحت رأسه، فأخذه فأتى به النبي - ﷺ -، فقال: إن هذا سرق ردائي، فقال له النبي - ﷺ -: \"أسرقت رداء هذا؟ \"، قال: \"اذهبا به فاقطعا يده\"، فقال صفوان بن أمية: ما كنتُ أريد أن أقطع يده في ردائي؟ قال: فلو كانت الهبة قبل أن تأتيني.\nقال محمد: إذا رُفعَ السارق إلى الإِمام أي: الحاكم أو القاذف، أي: الحد عليهما بإقرار أو بينة، فوهبَ صاحبُ الحد حدّه، أي: صاحب الحق حقه، كما في نسخة: لم ينبغ للإِمام أي: لا يجوز له أن يعطل الحدّ، أي: يبطله، ولكنه أي: الإِمام يمضيه، أي: ينفذه ويقضيه، وهو أي: عدم الجواز للإِمام أن يعطل الحد بعد رفعه إليه، قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\nلما فرغ من بيان حكم حال الرجل يُسرق منه الشيء يجب فيه قطع يد السارق إذا رفع إلى الإِمام، شرع في بيان حكم حال مسروق يجب فيه القطع، فقال: هذا\n* * *\n_________\n(١) أبو داود (٤٣٩٤).\n(٢) النسائي كتاب قطع السارق، باب الرجل يتجاوز للسارق عن سرقته.\n(٣) ابن ماجه (٢٥٩٥).\n(٤) أحمد (٣/ ٤٠١).","vol":"3","page":290},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-324>باب ما يجب فيه القطع</span>\nباب في بيان حكم ما أي: مال يسرق يجب فيه، أي: لأجل سرقته السارق القطع أي: قطع يد السارق.\n٦٨٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع مولى عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر: أن النبي - ﷺ - قطع في مِجَنّ ثمنه ثلاثة دراهم.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا نافع أي: ابن عبد الله المدني، مولى عبد الله بن عمر، المدني، ثقة ثبت، فقيه مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، مات سنة سبع (ق ٧٢٠) عشرة ومائة من الهجرة.\nعن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي - ﷺ - قطع أي: أمر بقطع يد السارق في مِجَنّ أي: لأجل سرقته المجن، بكسر الميم وفتح الجيم، وتشديد النون، أي: الترس، قيمته مبتدأ خبره: ثلاثة دراهم، هذا نصاب قطع اليد عند أهل المدينة، وأما النصاب عند أهل العراق فعشرة دراهم كما قاله المصنف فيما سيأتي في الحديث الثالث من هذا الباب.\nقال ابن عبد البر: هذا الحديث أصح حديث رُوي في ذلك، وأخرجه البخاري عن مسلم عن يحيى كلاهما عن مالك به، وتابعه جريرية بن أسماء، وموسى بن عقبة، وعبيد الله بن عمر، عند البخاري، ومحمد بن إسحاق عند الإِسماعيلي، كلهم بلفظ ثمنه، والليث بن سعد عند مسلم بلفظ: قيمته، كلهم عن نافع به.\n* * *\n_________\n(٦٨٦) صحيح، أخرجه البخاري (٦٧٩٥)، ومسلم (١٦٨٦)، وأبو داود (٤٣٨٥)، والنسائي (٨/ ٧٦، ٧٧)، وأحمد في المسند (٢/ ٦٤)، والشافعي في المسند (٢/ ٨٣)، والطيالسي في مسنده (١٨٤٧)، والبيهقي في الكبرى (٨/ ٢٥٦)، وفي معرفة السنن والآثار (١٢/ ١٧٠٧٦)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ١٦٢)، والدارقطني (٣/ ١٩٠).","vol":"3","page":291},{"text":"٦٨٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر، عن عَمْرَة بنت عبد الرحمن، أن عائشة زوج النبي - ﷺ - خرجت إلى مكة ومعها مولاتان ومعها غلام لبني عبد الله بن أبي بكر الصديق، وأنه بعث مع تينك المرأتين بِبُردٍ مُرَجَّل قد خِيطت عليه خرقة خضراءُ، قالت: فأخذ الغلام البُرْد فَفَتَقَ عنه، فاستخرجه، وجعل مكانه لِبْدًا أو فَرْوة، وخاط عليه، فلما قدمنا المدينة دفعنا ذلك البرد إلى أهله، فلما فتقوا عنه وجدوا ذلك اللّبد ولم يجدوا البرد، فكلموا المرأتين، فكلمتا عائشة أو كتبتا إليها، واتهمتا العبد، فسئل عن ذلك فاعترف، فأمرت به عائشة فقطعت يده، وقالت: القطع في ربع دينار، فصاعدًا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، المدني القاضي ثقة، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة، وهو ابن سبعين سنة، عن عَمْرَة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية، المدنية ثقة، كانت في الطبقة الثالثة من طبقات التابعيات، من أهل المدينة، ماتت بعد المائة، كما قاله ابن حجر (١)، أن عائشة زوج النبي - ﷺ - خرجت إلى مكة أي: بحج أو عمرة ومعها مولاتان أي: معتقتان، وليحيى ومعها مولاة لها، أي: لم أقف على اسم أحد من الثلاثة، ومعها غلام أي: عبد لبني عبد الله بن أبي بكر الصديق، ﵁، أي: أنهم مشتركون فيه، أو كان لأحد منهم، وأنه أي: الشأن بُعث بصيغة المجهول، أي: أُرْسِلَ مع تينك المرأتين أي: المولاتين بِبُردٍ مُرَجَّل بفتح الميم وكسر الجيم، نوع من برود اليمن، قد خِيطت عليه أي: على ذلك البرد، خرقة خضراءُ، أي: لفافة له، قالت: أي: عمرة بنت عبد الرحمن: فأخذ الغلام أي: على غفلة منها البُرْد فَفَتَقَ أي: فقص خياطة الخرقة عنه أي: عند البُرد فاستخرجه، أي: البرد منها، وجعل مكانه أي: بدل البرد لِبْدًا بكسر فسكون، أي: ما يتلبد من شعر\n_________\n(٦٨٧) إسناده صحيح.\n(١) في التقريب (١/ ٧٥٠).","vol":"3","page":292},{"text":"أو صوف، أو فَرْوة، بالهاء، ويُقال أيضًا بحذفها، ما يُلبس من جلد الغنم ونحوها، شك الراوي، وخاط أي: الغلام لبدًا عليه، أي: على الخرقة الخضراء، فالضمير المذكر عائد على الخرقة بتأويل الثوب، فلما قدمنا المدينة دفعنا ذلك البرد إلى أهله، على زعمهم، فلما فتقوا أي: شقوا وفتحوا عنه أي: عن البرد على زعمهم، وجدوا ذلك اللّبد يعني: أو الفرو ولم يجدوا البرد، فكلموا أي: أصحاب البرد إلى المرأتين، أي: المولاتين، فكلمتا عائشة أي: بلا واسطة، أو كتبتا إليها، أي: إلى عائشة، شك من الراوي، واتهمتا العبد، بتشديد التاء الفوقية الأولى، أي: ظنت المرأتان أن العبد أخذ البرد، فَسُئِلَ أي: العبد عن ذلك أي: عن مال البرد فاعترف أي: العبد بأخذ البرد، فأمرت به عائشة أي: بقطع يده على سبيل الفتوى فقطعت يده، بصيغة المجهول، أي: قطعها الحاكم، وقالت: أي: عائشة ﵂: القطع في ربع دينار (ق ٧٢١) فصاعدًا، نصب على الحال المؤكدة، وهي التي لا تنفك عن صاحبها ما دام موجودًا غالبًا نحو زيد أبوك، عطوفًا، فالعطوفية لا تنتقل عن الأب في غالب الأمر، كذا قاله السيد الشريف الجرجاني في (تعريفاته).\nولفظه في (الصحيحين) مرفوعًا: \"لا يُقطع السارق إلا في ربع دينار\"؛ ولأن صرف الدينار على عهد رسول الله - ﷺ - كان باثني عشر درهمًا، كذا قاله علي القاري.\nوقال الإِمام القرطبي المفسر: أول من حكم بقطع السارق في الجاهلية الوليد بن المغيرة، وأمر الله تعالى بقطعه في الإِسلام، فكان أول سارق قطعه - ﷺ - كله من الرجال: الخيار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، ومن النساء: فاطمة المخزومية.\n* * *\n\n٦٨٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن عَمْرَة بنت عبد الرحمن: أن سارقًا سَرَق في عهد عثمان أتْرُجَّةً فأمر بها عثمان أن تقوّم، فقوّمت بثلاثة دراهم، مِنْ صرْف اثني عشر درهمًا بدينار، فقطع عثمان يده.\n_________\n(٦٨٨) إسناده صحيح.","vol":"3","page":293},{"text":"قال محمد: قد اختلف الناس فيما تُقطع فيه اليد، فقال أهل المدينة: ربع دينار، ورَوَوا هذه الأحاديث، وقال أهل العراق: لا تُقطع اليد في أقل من عشرة دراهم، وروَوْا في ذلك عن النبي - ﷺ -، وعن عمر، وعن عثمان، وعن عليّ، وعن عبد الله بن مسعود، وعن غير واحد، وإذا جاء الاختلاف في الحدود أخذ فيها بالثِّقة، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: حدثنا، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن عَمْرَة بنت عبد الرحمن، وقد مر بيان طبقة عبد الله بن أبي بكر وعمرة بنت عبد الرحمن آنفًا، أن سارقًا سَرَق في عهد عثمان ﵁، أي: في زمان خلافته، أتْرُجَّةً بضم الهمزة وسكون الفوقية وتشديد الجيم المفتوحة: أفضل الثمار المأكولة الذي يقصد بها الريح الطيب، وفيها: أترنجة، بزيادة النون، وأترجة بحذف وترنجة بحذف الهمزة، كذا ذكره عياض، فأمر بها عثمان أن تقوّم، بضم الفوقية وفتح القاف وتشديد الواو المفتوحة فميم: فقوّمت بثلاثة دراهم، مِنْ صرْف اثني عشر درهمًا بدينار، فقطع عثمان يده، أي: فأمر بقطع يد السارق، وقال مالك: أجب ما يجب فيه القطع إلى ثلاثة دراهم، سواء اتضع الصرف أو ارتفع، وحديث عثمان هذا أحب ما لسمعته إليَّ، وفي (مسند أحمد) عن عائشة عن النبي - ﷺ -: \"اقطعوا في ربع دينار، ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك\"، وكان ربع دينار يومئذٍ ثلاثة دراهم، والدينار اثني عشر درهما.\nقال محمد: قد اختلف الناس أي: العلماء فيما تُقطع فيه اليد، أي: في قدره، فقال أهل المدينة، أي: فقهائها ومنهم مالك، وتابعه الشافعي: ربع دينار، أي: حقيقة أو حكمًا، ورَوَوا هذه الأحاديث، أي: ونحوها فيما استدلوا بها، وقال أهل العراق: أي: فقهاء الكوفة: لا تُقطع اليد في أقل من عشرة دراهم، وروَوْا في ذلك عن النبي - ﷺ -، أي: في أحاديث، منها ما أخرجه الطحاوي في (شرح الآثار) عن أم أيمن أنها قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تُقطع يد السارق إلا في مجنة\"، وفي نسخة: \"حجفة\"، وقُوِّمَت يومئذٍ على عهد رسول الله - ﷺ - بدينار أو عشرة دراهم.\nورواه الطبراني في (معجمه) أيضًا، وهو حديث إما منقطع أو مرسل، ولكنه يتقوى","vol":"3","page":294},{"text":"بغيره من الأحاديث المرفوعة والموقوفة، فمن المرفوعة ما أخرجه أبو داود في (سننه) (١) من حديث عطاء (ق ٧٢٢) عن ابن عباس ﵄: أن النبي - ﷺ - قطع يد رجل في مجن قيمته عشرة دراهم.\nورواه النسائي (٢) والحاكم في (مستدركه) (٣) وقال: صحيح على شرط البخاري، ومن الأحاديث الموقوفة: أُتِي عمر بن الخطاب برجل سرق ثوبًا، فقال لعثمان: قَوِّمه، فَقَوَّمَهُ بثمانية دراهم فلم تقطعه، وعن عمر، أي: ورواه عنه، وعن عثمان، وعن عليّ، وعن عبد الله بن مسعود، ﵃، وعن غير واحد، أي: وعن كثير من الصحابة والتابعين مرفوعًا وموقوفًا، فإذا جاء الاختلاف في الحدود أخذ فيها بالثقة، أي: بالأحوط لأن الحدود تندرئ بالشبهات، ففي حديث ابن ماجه (٤) عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: \"ادفعوا الحدود عن عباد الله ما وجدتم له مدفعًا\"، وعن عائشة: \"ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن وجدتم للمسلم مخرجًا فخلوا سبيله، فإن الإمام لأن يخطئ في العفو خيرٌ من أن يخطئ في العقوبة\"، رواه ابن أبي شيبة (٥) في (مصنفه)، والترمذي (٦) في (سننه)، والحاكم (٧) في (مستدركه)، والبيهقي (٨) في (سننه)، وهو أي: ما رواه عمر وعثمان وعلي وابن مسعود ﵃، قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\nلما فرغ من بيان حكم مال سُرِق، شرع في بيان حكم السارق، فقال: هذا\n* * *\n_________\n(١) أبو داود (٤٣٨٦).\n(٢) في الكبرى (٤/ ٣٤٢).\n(٣) المستدرك (٤/ ٤٢٠).\n(٤) ابن ماجه (٢٥٤٥).\n(٥) في المصنف (٥/ ٥١١).\n(٦) الترمذي (٤/ ٣٣).\n(٧) الحاكم في المستدرك (٤/ ٤٢٦).\n(٨) البيهقي في الكبرى (٨/ ٢٣٨).","vol":"3","page":295},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-325>باب السارق يسرق وقد قطعت يده أو يده ورجله</span>\nباب في بيان حكم السارق يسرق وقد قطعت يده أو يده ورجله، يعني: يقطع يمين السارق ثم رجله اليسرى إن عاد، فإن عاد ثالث لا يُقطع بل يُحبس في السجن حتى يتوب عند الحنفية، وقال الشافعي: إن سرق ثالثًا يقطع يده اليسرى، وإن سرق رابعًا يقطع رجله اليمنى، لما روى النسائي (١) في (سننه) عن الحارث اللحمي أن النبي - ﷺ - أُتِي بلص فقال: \"اقتلوه\"، قالوا: يا رسول الله، إنما سرق، قالوا: اقطعوا، ثم سرق فقطعت رجله، ثم سرق في عهد أبي بكر حتى قطعت قوائمه كلها، ثم سرق الخامسة، فقال أبو بكر: كان رسول الله - ﷺ - أعلم بهذا حين قال: \"اقتلوه\"، وروى الدارقطني في (سننه)، والطبراني في (معجمه) عن عصمة بن مالك قال: سرق مملوك أربع مرات والنبي - ﷺ - يعفو عنه، ثم سرق الخامسة فقطع يده، ثم السادسة فقطع رجله، ثم السابعة فقطع يده، ثم الثامنة فقطع رجله، وقال - ﷺ -: \"أربع بأربع\"، أي: أربع عقوبات بسبب أربع خصال.\n٦٨٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه: أن رجلًا من أهل اليمن أقطع اليد والرِّجل قدم فنزل على أبي بكر الصديق، وشكا إليه: أن عامل اليمن ظلمه، قال: فكان يصلي من الليل، فيقول أبو بكر، وأبيك: ما ليلك بليل سارقٍ، ثم افتقدوا حليًا لأسماء بنت عُميس امرأة أبي بكر، فجعل الرجل يطوف معهم، ويقول: اللهم عليك بمن بيَّت أهل هذا البيت الصالح، فوجدوهُ عند صائغ زعم أن الأقطع جاء به، فاعترف الأقطع أو شُهِدَ عليه - فأمر به أبو بكر فقُطعت يده اليسرى، قال أبو بكر: والله لدُعاؤه على نفسه أشد عندي عليه من سرقته.\nقال محمد: قال ابن شهاب الزهري: يُروى ذلك عن عائشة أنها قالت: إنما كان الذي سَرَق حلي أسماءَ أقطع اليد اليمنى فقطع أبو بكر رجله اليسرى،\n_________\n(١) النسائي (٨/ ٨٩).\n(٦٨٩) إسناده صحيح.","vol":"3","page":296},{"text":"وكانت تُنكر أن يكون أقطع اليد والرجل، وكان ابن شهاب أعلم من غيره بهذا ونحوه من أهل بلاده، وقد بلغنا أن عمر بن الخطاب وعليّ بن أبي طالب، أنهما لم يزيدا في القطع على قطع اليد اليُمنى والرجل اليسرى، فإن أُتِي به بعد ذلك لم يقطعاه وضمنَّاهُ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي، يكنى أبا محمد المدني، ثقة جليل، قال ابن عيينة: كان أفضل أهل زمانه، وكان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ست وعشرين ومائة بعد الهجرة، كما قاله ابن حجر (١)، عن أبيه أي: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵁، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات قبل المائة، كذا قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي الحبلي في (طبقاته)، أن رجلًا من أهل اليمن أي: لم يسمّ، أقطع اليد وهو بفتح الهمزة وسكون القاف وفتح الطاء المهملة ونصب العين، صفة رجل، ومضاف إلى اليد، أي: رجل قطع يده اليمنى، والرِّجل أي: اليسرى في (ق ٧٢٣) السرقة، قدم أي: المدينة، فنزل على أبي بكر الصديق ﵁، أي: في زمان خلافته، وشكا إليه: أن عامل اليمن ظلمه، أي: قطع يده ورجله ظلمًا، قال: أي: الراوي فكان أي: الرجل الشاكي يصلي من الليل، أي: بعضه، فيقول أبو بكر، أي: متعجبًا، وأبيك، قسم على معنى: ورب أبيك، أو كلمة جرت على لسان العرب لا يقصدون بها القسم، ما ليلك أي: في الطاعة بليل سارقٍ، أي: في المعصية؛ لأن قيام الليل ينافي السرقة.\nثم افتقدوا أي: فقدوا حليًا أي: عقدًا أو قلادة لأسماء بنت عُميس بضم العين المهملة وفتح الميم وسكون التحتية وسين مهملة، امرأة أبي بكر، أي: الصديق ﵁، أم ابنه محمد، وهي صحابية شهيرة، فجعل الرجل أي: شرع أن يطوف أي: يدور ويفتش معهم، أي: مع اللذين بُعِثُوا للتفتيش عن القلادة، ويقول: اللهم يا الله عليك أي. الزم بقهرك بمن بيَّت بفتح الموحدة وتحتية المشددة من التبييت، وهو تسوية الشيء في\n_________\n(١) في التقريب (١/ ٣٤٨).","vol":"3","page":297},{"text":"النفس وتدبيره أو تبديله ليلًا للمكر، أهل مفعول يبيت بمعنى دبر ومضاف إلى أهل البيت صفة هذا الصالح، منصوب صفة بأهل، يعني: اللهم قهر بمن أغار على أصحاب هذا البيت بأخذ العقد ليلًا بالمكر عليهم، فوجدوهُ أي: أصحاب البيت حليّا هو عقد عند صائغ بالصاد المهملة والألف والتحتية المكسورة فغين معجمة، أي: صانع الحلي، زعم أي: قال الصائغ: إن الأقطع جاء به، أي: إليه فاعترف به، أي: بأخذ الحلي الأقطع أو شُهِدَ عليه بصيغة المجهول، شك من الراوي، وفي نسخة صحيحة: وشهدوا عليه بالواو، فأمر به أبو بكر أي: الصديق، كما في نسخة فقُطعت يده اليسرى، وقال أبو بكر: والله لدُعاؤه على نفسه أشد عندي عليه من سرقته؛ لأن فيها خطأ للنفس في الجملة بخلاف الدعاء عليها، أو لما فيه من عدم المبالاة بالكبائر.\nقال محمد: قال ابن شهاب الزهري: يُروى ذلك أي: الحديث المذكور عن عائشة رضي الله تعالى عنها، أنها قالت: إنما كان الذي سَرَق حلي أسماءَ أقطع اليد اليمنى فقطع أبو بكر ﵁ رجله اليسرى، وكانت تُنكر أن يكون أقطع اليد والرجل، وكان ابن شهاب أعلم من غيره أي: من الرواة بهذا ونحوه أي: من الأحاديث، من أهل بلاده، أي: من المدينة وحولها، وقد بلغنا أن عمر بن الخطاب ﵁، وعليّ بن أبي طالب ﵁ أنهما لم يزيدا في القطع على قطع اليد اليُمنى والرجل اليسرى، فإن أُتِي به أي: جيء بالسارق بعد ذلك أي: بعد ما ذكر في قطعهما لم يقطعاه.\nروى ابن أبي شيبة عن مكحول أن عمر قال: إذا سرق فاقطعوا يده، ثم إن عاد فاقطعوا رجله، ولا تقطعوا يده الأخرى، وزروه يأكل بها، ويستنجي بها، ولكن احبسوه عن المسلمين، وروى محمد بن الحسن في كتاب (الآثار) عن أبي حنيفة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة عن علي بن أبي طالب، قال: إذا سرق السارق فقطعت يده اليمنى، فإن عاد قطعت رجله اليسرى، فإن عاد حبسه السجن حتى يحدث خيرًا، إني لأستحيي من الله (ق ٧٢٤) أن أدعه ليس له يد يأكل بها أو يستنجي، ورجل يمشي بها.\nوروى ابن أبي شيبة عن بعض أصحابه: أن عمر استشارهم في سارق، فأجمعوا على مثل قول عليٍّ ﵁، وضمنَّاهُ، أي: عمر وعلي ﵄، ما أخذه أو قيمته، وأما ما قطع السارق به أن بقي رد وإلا فلا يضمن، وقال الشافعي وأحمد وأبو ثور والنخعي وحماد والحسن وإسحاق والليث: يضمن في الحالين، وقال علماؤنا","vol":"3","page":298},{"text":"والثوري: لا يجتمع الضمان مع القطع، لما روى النسائي (١) بإسناد فيه مجهول عن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله - ﷺ - قال: \"تغرم صاحب سرقة إذا أقيم عليه الحد\"، وقال مالك: إن كان السارق معسرًا لا ضمان عليه، وإن كان موسرًا انظر للجانبين، وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة وجوب الضمان في الاستهلاك دون الهلاك، وهو أي: عدم القطع في الثالث والرابع قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\nلما فرغ من بيان حكم السارق، شرع في بيان حكم حال العبد يأبق ثم يسرق، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-326>باب العبد يأبق ثم يسرق</span>\nباب في بيان حكم حال العبد يأبق ثم يسرق، وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق إطلاق وتقييد.\n٦٩٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا شافع، أن عبدًا لعبد الله بن عمر سَرَق وهو آبق، فبعث به عبد الله بن عمر إلى سعيد بن العاص ليقطع يده، فأبى سعيدُ أن يقطع يده، وقال: لا تقطع يدُ الآبق إذا سَرَق، فقال له عبد الله بن عمر: في أي كتاب الله وجدتَ هذا؟ أن العبد الآبق لا تُقطع يده؟ فأمر به عبد الله بن عمر فقُطعت يده.\nقال محمد: تُقطع يد الآبق وغير الآبق إذا سرق، ولكن لا ينبغي أن يقطع يد السارق أحدٌ إلا الإِمام الذي إليه الحكم، لأنه حدّ لا يقوم به إلا الإِمام، أو من ولّاه الإِمام ذلك، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، أخبرنا نافع أي: ابن عبد الله المدني،\n_________\n(١) في الكبرى (٤/ ٣٥٠)، وفي الصغرى (٨/ ٩٢).\n(٦٩٠) إسناده صحيح.","vol":"3","page":299},{"text":"مولى ابن عمر، ثقة فقيه ثبت مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة بعد المائة من الهجرة، أن عبدًا أي: لم يسمّ لعبد الله بن عمر ﵄ سرق وهو آبق، فبعث أي: أرسل به أي: بالعبد السارق عبد الله بن عمر إلى سعيد بن العاص بغير ياء على الصحيح، ابن آمنة القرشي الأموي، له صحبة، وكان سنه يوم موت النبي - ﷺ - تسع سنين، وقُتِلَ أبوه يوم بدر كافرًا، وكان سعيد فصيحًا مشهورًا بالكرم، فلما مات في قصره بالعقيق سنة ثلاث وخمسين، كان عليه ثمانون ألف دينار، فوفاها عنه عمرو الأشدق، وهو أي: سعيد بن العاص أمير المدينة من جهة معاوية، وكان عايش على تخلفه في حروبه، فاعتذر، ثم ولاه المدينة، فكان يعاقب بينه وبين مروان في ولايتها، ليقطع يده أي: يد العبد، فأبى سعيدُ أن يقطع يده، وقال: أي: أبو سعيد بن العاص: لا تقطع يدُ الآبق إذا سَرَق، ولعله قاس على عبد سرق من سيده أو عرسه أو سيدته؛ لما روى السائب بن يزيد قال: شهدتُ عمرو قد جاء عبد الله بن عمرو بن الحضرمي بغلام له، فقال: إن غلامي هذا سرق فاقطعه، فقال عمر: ما سرق؟ قال: سرق مِرات لامرأتي قيمتها أو ثمنها ستون درهمًا، فقال عمر: أرسله، لا قطع عليه، وقال مالك وأبو ثور: يقطع في عرسه لعدم استحقاقه النفقة في مالها، بخلاف السيد، وقال داود: يقطع لسرقته، قال سيده أيضًا لعموم الآية، وهي: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، فقال له أي: لسعيد، عبد الله بن عمرِ أي: منكرًا عليه في كتاب الله تعالى، وفي نسخة: في أي كتاب الله تعالى وجدت هذا؟ أي: الذي ذكرتُ هو أن العبد الآبق لا تُقطع يده؟ فأمر به أي: بالقطع عبد الله بن عمر فقُطعت يده، أي: يد العبد الآبق السارق لقوة الدليل على ذلك، وهو قوله تعالى في سورة المائدة: (ق ٧٢٥) ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨]، قوله: أَيْديَهُمَا، أي: أيديهما، وفي قراءة عبد الله بن عمر: \"والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم\"، رواه الترمذي، ودخلت الفاء في الخبر فاقطعوا لتضمن المبتدأ والخبر معنى الشرط، إذ المعنى: والذي يسرق والتي سرقت فاقطعوا أيديهما، والاسم الموصول متضمن معنى الشرط، وإنما قدم في الآية نظم السارق على السارقة؛ لأن السرقة في الرجال أكثر، وقدمت الزانية في قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا﴾ [النور: ٢]؛ لأن داعية الزنا في الإِناث أكثر، ولأن الأنثى","vol":"3","page":300},{"text":"سبب في وقوع الزنى؛ لأنه لا يأتي غالبًا إلا بطوعها، وأتى بصيغة الجمع ثم التثنية إشارة إلى أن المراد جنس السارق فلوحظ الجمع والتثنية بالنظر إلى الجنسين المتلفظ بهما قوله: ﴿جَزَاءً﴾ نصب على المصدر، قوله: ﴿نَكَالًا﴾، أي: عقوبة لهما ﴿مِنَ اللَّهِ﴾، قوله: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾، أي: غالب على أمره، قوله: ﴿حَكِيمٌ﴾، أي: في خلقه، كما قاله الزرقاني (١).\nقال محمد: تُقطع يد الآبق وغير الآبق أي: سواء إذا سرق أي: من مال غير سيده، وهذا كالجمع عليه، ولكن لا ينبغي أي: لا يجوز أن يقطع يد السارق أحدٌ إلا الإِمام الذي إليه الحكم وفي نسخة: إلا الإِمام الذي إليه الحكم لأنه أي: القطع حدّ لا يقوم به إلا الإِمام، أو من ولّاه الإِمام ذلك، أي: نيابة لما تقدم، وهو قولُ أبي حنيفة، ﵀، أي: خلافًا للثلاثة.\nلما فرغ من بيان حكم حال العبد يأبق ثم يسرق، شرع في بيان حكم حال المختلس، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-327>باب المختلس</span>\nباب في بيان حكم حال المختلس بضم الميم وسكون الخاء المعجمة، وفتح الفوقية وكسر اللام فسين مهملة، أي: المختطف ليلًا أو نهارًا، وفي (المغرب): الخلس: أخذ الشيء من مظاهر بسرعة.\n٦٩١ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب: أن رجلًا اختلس شيئًا في زمن مروان بن الحكم، فأراد مروان قطع يده، فدخل عليه زيد بن ثابت، فأخبره أن لا قطع عليه.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا قطع في المختلس، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n_________\n(١) في شرحه (٤/ ١٩٣).\n(٦٩١) إسناده صحيح.","vol":"3","page":301},{"text":"• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، حدثنا، وفي نسخة: أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، ثقة فقيه، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، ومن فقهائهم، مات بعد المائة من الهجرة، أن رجلًا اختلس شيئًا أي: أخذ متاعًا بسرعة في مكان غير محرز في زمن مروان بن الحكم، وهو أمير المدينة، فأراد مروان قطع يده، أي: الرجل، فدخل عليه زيد بن ثابت، فأخبره أنه أي: الشأن لا قطع عليه، أي: الرجل المختلس.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله ابن شهاب، لا قطع في المختلس، أي: لأجل المال المأخوذ بنهب، وهو أي: قطع يد الرجل المختلس قولُ أبي حنيفة رحمه الله تعالى؛ لما أخرجه أصحاب السنن الأربعة عن جابر ﵁ عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع\"، قال الترمذي: حديث حسن صحيح، سكت عنه عبد الحق في أحكامه، وابن القطان بهذه، فهو صحيح عندهما، وعند أحمد: يقطع يد جاحد العارية، وبه قال إسحاق، لما أخرجه مسلم عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة ﵂ أنها قالت: (ق ٧٢٦) كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتحجره، فأمر النبي - ﷺ - بقطع يدها، وأجيب بأن ذكر العارية في هذا الحديث وقع لقصد التعريف؛ لا لأنه سبب القطع، فإنها كانت كثيرة الاستعارة والحجر، حتى عُرِفَت به، واستمرت على ذلك حتى سرقت، فأمر النبي - ﷺ - بقطع يدها؛ بدليل الأحاديث التي طرح فيها بالسرقة، وقيل: الحديث منسوخ بما رويناه من حديث جابر، وقيل: إن قطعها كانت سياحة لتكرار ذلك الفعل، كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان حكم حال المختلس، شرع في بيان الحدود في الزنا، فقال: هذا\n* * *","vol":"3","page":302},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-328>كتاب الحدود في الزنا</span>\nأبواب الحدود في الزنا؛ وهي جمع باب، وهو في اللغة: النوع، وفي العرف نوع من المسائل التي اشتملت عليها الكتاب، وإضافتها إلى الحدود من قبيل إضافة العام إلى الخاص، والحدود جمع حد، وهو في اللغة: المنع، ولهذا يسمى لمنعه الناس من الدخول، وفي الشرع: عقوبة مقدرة واجبة حقًا لله تعالى، فلا يُسمى التعزير حدًا؛ لأنه غير مقدر، وإنما قال: الحدود إشعارًا بأنواع الحدود كحد القذف، وحد شرب الخمر، والزنا، لكنها مخصوصة في حد الزنا، كما قيدها بقوله: في الزنا، أي: الزنا بالقصر عند أهل الحجاز، وبالمد عند أهل نجد وطيئ، مكلف من قبل مشتهاه، خالية عن مالك وشبهة، وتثبت الزنا أربعة من الرجال في مجلس واحد بالزنا، فيسألهم الإِمام عن الزنا ما هو؟ وكيف هو؟ وأين زنى؟ ومتى زنى؟ وبمن زنى؟ فإن بيَّنوه وقالوا: رأينا وطئها في فرجها كالميل في المكحلة وعدلوا سرًا وعلنًا، حكم الإِمام بالزنا، كذا في (غرر الأحكام).\nوجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق التناول بحق الغير بسرعة.\nلما فرغ من تعريف الحدود لغة وشرعًا، شرع في بيان الرجم، فقال: هذا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-329>باب الرجم</span>\nباب الرجم في بيان ما يوجب الرجم، وهو بفتح الراء المهملة وسكون الجيم: الرمي بالحجارة والقتل به، يقال: رجمه أرجمه رجمًا من الباب الأول، كما قاله محمد الواني في ترجمة (صحاح الجوهري)، ويقال: رجم الزاني بالحجارة في قضاء حتى يموت فيقتل ويكفن ويصلى عليه؛ لما روى ابن أبي شيبة في (مصنفه) في كتاب الجنائز عن أبي معاوية، عن أبي حنيفة عن علقمة بن مرثد عن ابن بريدة قال: لما رجم ماعز ﵁ قالوا: يا رسول الله، ما نصنع به، قال: \"اصنعوا به ما تصنعون بموتاكم من الغسل والكفن والحنوط والصلاة عليه\".\nوروى الجماعة إلا البخاري من حديث عمر أن ابن حصين ﵁ أن امرأة من جهينة أتت النبي - ﷺ - وهي حُبلى من الزنا، فقالت: يا نبي الله أصبت حدًا فأقمه عليَّ،","vol":"3","page":303},{"text":"فدعا النبي - ﷺ - وليها، فقال: \"أحسن إليها، فإذا وضعت فأتني بها\"، ففعل فأمر بها النبي - ﷺ - فشدت عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت، ثم صلى عليها، فقال له عمر: تصلي عليها يا نبي الله وقد زنت؟ فقال: \"لقد تابت توبة لو قُسِّمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدتَ توبة من أجادت بنفسها لله؟ \"؛ ولأنه قتل بحق فصار كالمقتول في القصاص، كذا قاله الشمني في (شرح النقاية).\n٦٩٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عبد الله بن عباس أنه سمع عمر بن الخطاب يقول: الرجم في كتاب الله ﷿ حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء؛ إذا قامت عليه البيّنة أو كان الحَمْل أو الاعتراف.\n• أخبرنا مالك، (ق ٧٢٧) وفي نسخة: محمد قال: حدثنا، أخبرنا ابن شهاب، وهو محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، فقيه كان في الطبقة الرابعة من طبقات كبار أهل المدينة، مات بعد المائة من الهجرة، عن عبيد الله أي: بالتصغير ابن عبد الله بن عتبة، ابن مسعود الهذلي، يُكنى أبا عبد الله المدني، ثقة، فقيه ثبت، كان في الطبقة الثالثة من كبار التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة، كذا في (تقريب التهذيب)، عن عبد الله بن عباس ﵄ أنه سمع عمر بن الخطاب ﵁ يقول: الرجم بفتح الراء المهملة وسكون الجيم، أي: القتل برمي الأحجار في كتاب الله تعالى حق أي: ثابت حكمه ولو دفع لفظه، على من زنى أي: وطئ من قبل خال عن مالك وشبهة إذا أحصن بصيغة الفاعل والمفعول، من الرجال والنساء؛ يقال: رجل محصن بالكسر، إذا حصن نفسه بالنكاح، وبالفتح إذا حصنه غيره، وقرئ بهما، ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾، والمحصنات، المراد بالمحصن هنا حر مكلف مسلم، وقرئ بهما: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ وطء امرأة قبل الزنا بنكاح صحيح، وهما بصفة الإِحصان، إذا قامت عليه أي: على رجل زان البيّنة وهي شهادة أربعة رجال بالزنا، أو كان الحَمْل أي: من غير أن يكون لها زوج، أو الاعتراف، أي: بإقراره أربعًا بأنه زنى في أربعة مجالس، وقال مالك والشافعي: يكفي في الإِقرار مرة\n_________\n(٦٩٢) إسناده صحيح.","vol":"3","page":304},{"text":"واحدة، وقال أحمد وابن أبي ليلى: لا يختلف اختلاف مجالس المقر، والأدلة مبسوطة، وسيأتي بعضها مضبوطة، فإن قيل له: أمرنا بالرجم للمحصن دون غيره؟\nفالجواب: قيل: لأن فعله فعل الحمير والكلاب، وهن تضرب بالحجارة والخشب؛ لأنه لما تزوج وامتثل أمر الله تعالى حصلت له الكرامة ونشر الشكر عليه، كذلك خالف أمر الله تعالى فينشر الحجارة عليه إهانة له، وقال بعض العلماء: إنما واجب الرجم على المحصن؛ لأنه لما تزوج ذاق طعم الغيرة، وعلم مقدار حرزها، فالإِقدام على الزنا مع علمه على قبحه وما يترتب عليه من الغيرة في أهل أوجب عليه الرجم، لأنه فعل مع الناس ما لا يجب أن يفعل، وأما الذي لم يتزوج فلم يعرف مقدار الغيرة، فوجب عليه الحد بمائة جلدة خاصة، لكنه فيه تنبيه إلى أن ذنب العالم أقبح من ذنب الجاهل، وكذلك عقاب العالم الغير عامل أشد من عقاب الجاهل، قال الله تعالى في سورة الزمر: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]، أي: لا يستوي القانتون والعاصون، كذا في (خواتم الحكم)، و(عيون التفاسير).\n* * *\n\n٦٩٣ - أخبرنا مالك، حدثنا يحيى بن سعيد، أنه سمع سعيد بن المسيَّب يقول: لما صدر عمر بن الخطاب من منى أناخ بالأبطح، ثم كَوَّم كَوْمة من بطحاء، ثم طرح عليها ثوبه، ثم استلقى ومدّ يده إلى السماء، فقال: اللهم كَبُرَت سني، وضعفت قوتي، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرّط، ثم قدم المدينة فخطب الناس فقال: يا أيها الناس: قد سُنَّت لكم السُّنن، وفُرضت لكم الفرائض، وتُرِكتم على الواضحة - وصفَّق بإحدى يديه على الأخرى - ألا أن لا تضلوا بالناس يمينًا وشمالًا، ثم إياكم أن تهلِكوا عن آية الرجم: أن يقول قائل: لا نجد حدَّين في كتاب الله، فقد رجم رسول الله - ﷺ - ورجمنا، وإني والذي نفسي بيده، لولا أن يقول الناس زاد عمر بن الخطاب في\n_________\n(٦٩٣) إسناده صحيح.","vol":"3","page":305},{"text":"كتاب الله لكتبتها: \"الشيخ والشيخة إذا زَنَيَا فارجموهما البتة\"، فإنا قد قرأناها، قال سعيد: فما انسلخ ذو الحجة حتى قُتِلَ عمر.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا حدثنا يحيى بن سعيد أي: ابن قيس الأنصاري المدني، يكنى أبا سعيد القاضي، ثقة، ثبت، كان في الطبقة الخامسة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة بعد الهجرة، أنه سمع سعيد بن المسيَّب أي: ابن حزن بن وهب بن عمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات، كان في الطبقة الأولى من طبقات أهل المدينة، اتفقوا على أن مرسلاته أصلح المراسيل، وقال المدني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه، مات بعد التسعين بيسير، وهو ابن أربع وثمانين سنة، كذا قاله (ق ٧٢٨) ابن حجر (١) وابن الجوزي.\nيقول: لما صدر أي: رجع عمر بن الخطاب ﵁ من منى أي: في آخر حجاته للسنة ثلاث وعشرين، أناخ أي: راحلته بالأبطح أي: المحصب، ثم كَوَّم بتشديد الواو، أي: جمع كَوْمة بفتح الكاف وضمها، أي: قطعة ورفع رأسها من بطحاء أي: صغار الحصى، أي: جمعها لها رأسًا، ثم طرح أي: ألقى ثوبه أي: على الكومة، وفي نسخة: عليه، أي: على المجموع من التراب والحصى ثوبه أي: رداءه، ثم استقلى أي: رقد على قفاه وأسند ظهره عليها، ومدّ يديه أي: رفعهما إلى السماء أي: لإِظهار التضرع والدعاء، وهي قبلة اليدين. فقال: اللهم أي: يا الله كَبُرَت بكسر الموحدة سني أي: عمري، فهي مؤنثة، يعني: طال عمري، يقال: كبر في القدر من باب كرم، وكبر في السن من باب علم على ما في (المغرب)، وضعفت قوتي أي: وهنت قواي وأعضائي وسكوني وحركتي بسبب كبر سني، وانتشرت رعيتي أي: التي أقوم بتسييرها وسياستها، وهي: أي: الرعية كل من جملة حفظ الراعي ونظره، ومنه حديث: \"كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته\"، فاقبضني بكسر الموحدة: فتوفني إليك أي: راجعًا إليك راضيًا مرضيّا وراعيًا مرعيّا حال كوني غير مضيع على صيغة اسم الفاعل، من باب التفضيل، أي: لا تجعلني مضيعًا بأمر من أوامرك التي أمرتني بها، ولا مفرّط من التفريط، وهو\n_________\n(١) التقريب (١/ ٢٤١).","vol":"3","page":306},{"text":"التقصير، يعني فتوفني حال كوني غير مقصر بسبب التهاون بأمرك أو غير مجاوز لحكم من أحكامك، ثم قدم المدينة فخطب الناس أي: وعظهم، وللبخاري (١) عن ابن عباس ﵄: فقدمنا المدينة في عقب ذي الحجة، فلما كان يوم الجمعة عجلنا بالرواح إلى أن قال: فجلس عمر على المنبر، فلما سكت المؤذن، قام فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد؛ فإني قائل لكم مقالة قد مر التي إذ أقولها لا أدري لو لها بين يدي أجلي فمن عقلها ووعاها، أي: حفظها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته، ومن خشي أن لا يعقلها، قال: لا أحل لأحد أن يكذب عليَّ، فقال: يا أيها الناس: قد سُنَّت بضم السين المهملة وتشديد النون المفتوحة وسكون الفوقية، أي: شرعت لكم السُّنن، بضم السين وفتح النون المخففة فنون بعدها، أي: الشرائع، وفُرضت على بناء المفعول للعلم بالفاعل، لكم الفرائض، أي: قضى الله لكم أحكامه، وتُرِكتم بصيغة المفعول، أي: وترككم النبي - ﷺ - على الواضحة أي: على الطريقة الظاهرة المستقيمة المؤيدة بالكتاب والسنة القديمة، وصفَّق بفتح الصاد المهملة وفتح الفاء المشددة، وفتح القاف، أي: ضرب بإحدى يديه على الأخرى وكان العرب يضرب إحدى اليدين على الأخرى إذا أراد أحدهم أن ينبه غيره، ويستدعي إقباله عليه، وربما فعله إذا صاح على شيء وتعجب من شيء، إلا بكسر الهمزة وتشديد اللام، أي: لكن أن لا تضلوا بالناس وكلمة إن شرطية والباء للتعدية، ولا يبعد أن تكون إلا للتنبيه، وإن زائدة، يمينًا وشمالًا أي: بالانتقال عن الطريقة الواضحة إلى أطرافها واختلاف طرقها لهوى أنفسكم، كما قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الآية [الأنعام: ١٥٣]، ثم قال: إياكم أي: أحذركم أن تهلِكوا عن آية الرجم، بفتح الهمزة، (ق ٧٢٩) أي: سبب الغفلة عنها وعدم العمل بها، أن بفتح الهمزة، يقول قائل: لا نجد حدَّين في كتاب الله تعالى أحدهما: الرجم، والآخر: الجلد، إنما فيه حد واحد وهو الجلد، وفي حديث ابن عباس عن عمر: أن الله تعالى بعث محمدًا - ﷺ - وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله آية الرجم فقرأناها وعقلناها ووعينا، أي: حفظناها، فقد رجم رسول الله - ﷺ - أي: أمر برجم من أحصن وهو ماعز والغامدية واليهودية، ورجمنا أي: أنا والصدِّيق بمحضر من الصحابة من غير نكير، وكذلك النبي - ﷺ - قبلنا، وإني وفي نسخة: والذي\n_________\n(١) البخاري في الصحيح (٦/ ٢٥٠٤).","vol":"3","page":307},{"text":"نفسي بيده، لولا أن يقول الناس أي: لولا مخافة قولهم: زاد عمر بن الخطاب في كتاب الله أي: القرآن شيئًا من عنده، لكتبتها أي: آية الرجم وهي: الشيخ والشيخة، قال مالك صاحب المذهب: يريد عمر بالشيخ والشيخة الثيب من الرجال، والثيبة من النساء، كذا في نسخة ابن العربي برواية عن مالك، إذا زَنَيَا فارجموهما البتة، وزيد في رواية: نكالًا من الله والله عزيز حكيم، فإنا قد قرأناها، ثم نسخت تلاوة، وبقيت حكمًا، قال الزركشي في البرهان: ظاهره إن كتابتها جائزة، وإنما منعه قول الناس، وإذا كانت جائزة لزم أن تكون ثابتة؛ لأن هذا الشأن المكتوب، وقد قال فيه: إنه لو كانت التلاوة باقية، لبادر عمر ولم يعرج على مقالة الناس؛ لأنها لا تصلح مانعة، وبالجملة فهذه الملازمة مشكلتهم. انتهى، قاله الزرقاني، والذي يظهر أنه ليس مراد عمر هذا الخطأ، وإنما مراده المبالغة والحث على العمل بالرجم؛ لأن معنى الآية باق وإن نسخ لفظها، إذ لا يسمع عن عمر مع مزيد فقهه تجويز كتبها مع نسخ لفظها فلا إشكال فيه. انتهى.\nقال سعيد بن المسيب: فما انسلخ أي: مضى ذو الحجة أي: الشهر الذي خطب فيه هذه الخطبة، حتى قُتِلَ عمر ﵁، أي: استشهد بيد فيروز النصراني عبد المغيرة بن شعبة، يكنى أبا لؤلؤة.\n* * *\n\n٦٩٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر: أن اليهود جاؤوا إلى النبي - ﷺ -، فأخبروه أن رجلًا منهم وامرأة زنيَا، فقال لهم النبي - ﷺ -: \"ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ \"، فقالوا: نفضحهما ويُجلدان، فقال لهم عبد الله بن سلام: كذبتم إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها، فجعل أحدهم يده على آية الرجم، ثم قرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله: ارفع يدك، فرفع\n_________\n(٦٩٤) صحيح، أخرجه البخاري في المناقب (٣٦٣٥) (٦٨٤١)، ومسلم (١٦٩٩)، وأبو داود (٤٤٤٦)، والبيهقي في الكبرى (٨/ ٢١٤)، وفي معرفة السنن والآثار (١٣/ ١٨٧٥٠).\nوأخرجه بنحوه البخاري (١٣٢٩)، ومسلم (١٦٩٩)، ومختصرًا الترمذي (١٤٣٦)، وأحمد (٢/ ٦٣١٧).","vol":"3","page":308},{"text":"يده، فإذا فيها آية الرجم، فقالوا: صدقت يا محمد، فيها آية الرجم، قال: فأمر بهما رسول الله - ﷺ - فَرُجِمَا، قال ابن عمر: فرأيت الرجل يحنأ على المرأة يقيها الحجارة.\nقال محمد: وبهذا كله نأخذ، أيّما رجل مسلم زنى بامرأة وقد تزوج قبل ذلك بامرأة حرّة مسلمة وجامعها فعليه الرجم، وهذا هو المحصن، فإن كان لم يجامعها ولم يدخل بها أو كانت تحته أمة أو يهودية أو نصرانية لم يكن بها محصنًا ولم يُرجم، وضرب مائة، وهذا كله قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا نافع، أي: ابن عبد الله المدني، مولى ابن عمر، ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة بعد المائة من الهجرة، عن عبد الله بن عمر ﵄ أن اليهود أي: طائفة منهم من أهل خيبر، وذكر ابن العربي عن الطبري عن المفسرين منهم: كعب بن الأشرف، وكعب بن الأسعد، وسعيد بن عمرو، ومالك بن الصيف، وكنانة بن أبي الحقيق، وعباس بن قيس، ويوسف بن عازوراء، جاءُوا إلى النبي - ﷺ -، أي: في ذي القعدة سنة أربع، فأخبروه أن رجلًا منهم لم يعرف الحافظ اسمه، وفتحت أن لسدها مسد المفعول، وامرأة أي: اسمها بسرة، بضم الموحدة وسكون السين المهملة، ثم راء وفوقية، كذا ذكره ابن العربي في (أحكام القرآن)، زنيَا، أي: والحال أنهما محصنان يهوديان، وذكر أبو داود سبب مجيئهم من طريق الزهري: سمعت رجلًا من مزينة ممن تتبع العلم، وكان عند سعيد بن المسيب يحدث عن أبي هريرة ﵁، قال: زنى رجل (ق ٧٣٠) من اليهود بامرأة فقال بعضهم لبعض: اذهبوا إلى هذا النبي فإنه بعث بالتخفيف فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلنا، واحتججنا بها عند الله، وقلنا: فتيا نبي من أنبيائك، قال: فأفتوا النبي - ﷺ - وهو في المجلس جالس في أصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم: ما ترى في رجل وامرأة منهم زنيا؟ فقال لهم النبي - ﷺ -: \"ما تجدون في التوراة ما مبتدأ استفهامية، وتجدون جملة في محل الخبر والمبتدأ، والخبر معمول المقول، والتقدير: أي شيءٌ تجدونه في التوراة، فيتعلق حرف الجر بمفعول ثاني بوجه، في شأن الرجم؟ \"، أي: في حكمه، هل هو مذكور فيها أم لا، وإذا كان فيها، فما لكم لا تعلمون بها، وهو","vol":"3","page":309},{"text":"موافق لما عندنا، قال النووي: قال العلماء: وهذا السؤال لا لتقليدهم ولا لمعرفة الحكم منهم، وإنما هو لإِلزامهم بما يعتقدونه في كتابهم الموافقة لحكم الإِسلام، إقامة الحجة عليهم وإظهار لما كتبوه، وبدلوه من حكم التوراة، فأرادوا تعطيل نصها ففضحهم الله، وذلك إما بوحي من الله تعالى إليه، أنه موجود في التوراة، ولم يغير، وإما بإخبار من أسلم منهم كعبد الله بن سلام، فقالوا: نفضحهما بفتح النون وسكون الفاء وفتح الضاد المعجمة والحاء المهملة من الفضيحة، أي: لكشف مساويهما ونبينهما للناس، ويُجلدان، بفتح أوله وفتح ثالثه مبنيًا للمفعول، أي: يُضربان بالجلد مائة.\nوالحاصل أثبتوا لهما الجلد، وأنكروا الرجم، فقال لهم عبد الله بن سلام، وهو من أحبار اليهود ومن ذرية يوسف بن يعقوب، حليف الخزرج له أحاديث وفضل، وشهد له النبي - ﷺ - بالجنة، مات سنة ثلاث وأربعين بعد الهجرة: كذبتم أي: في مقولتكم إن فيها أي: ثبت في التوراة آية الرجم، أي: على الزاني المحصن، وفي رواية للشيخين، فقال عبد الله بن سلام: ادعهم يا رسول الله بالتوراة، فأتى، وفي رواية أيوب قال: أي: النبي - ﷺ -: فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين، فأتوا بفتح الهمزة والفوقية بالتوراة، فنشروها أي: ففتحوها وبسطوها، زاد في رواية أيوب فقالوا: الرجل ممن رضون يا أعور اقرأ، فجعل أي: فوضع أحدهم هو عبد الله بن صور اليهودي الأعور يده على آية الرجم، ثم قرأ ما قبلها وما بعدها، وهذا يدل على أنهم ما حرفوها وأبقوها على حالها، إلا أنهم كانوا ينحرفون عن العمل بها، فقال له عبد الله بن سلام، بفتح السين وتخفيف اللام، أي: لمن وضع يده عليها: ارفع يدك أي: عنها، فرفع يده، فإذا فيها أي: في التوراة آية الرجم، أي: موجودة تحت يده، كما في رواية للشيخين، فقالوا: أي: اليهود، وليحيى: صدق، أي: عبد الله بن سلام، وفي نسخة: صدقت يا محمد، فيها أي: موجودة في التوراة آية الرجم، زاد في رواية أيوب: ولكننا نكاتمه بيننا، وفي رواية البزار: قال - يعني النبي - ﷺ -: \"فما منعكم أن ترجموهما؟ \" قالوا: ذهب سلطاننا فكرهنا القتل، زاد في حديث البراء بن عازب: نجد الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا نجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا (ق ٧٣١) التحميم، أي: تقبيح الوجه والجلد، مكان الرجم.\nولأبي داود عن جابر: فدعا رسول الله - ﷺ - بالشهود في أربعة فشهدوا أنهم رأوا","vol":"3","page":310},{"text":"ذكره في فرجها، مثل الميل في المكحلة، فأمر بهما رسول الله - ﷺ - فَرُجِمَا، زاد في رواية للشيخين: عند البلاط، وهو مكان عند السوق والمسجد النبوي، قال ابن عمر ﵄: فرأيت الرجل يحنأ بفتح التحتية وإسكان المهملة فنون مفتوحة فهمزة، أي: يميل على المرأة، قوله: يقيها الحجارة، جملة حالية أو استئنافية مبنية، أي: يقيها عنها، وليحيى: يحني على المرأة بسكون الحاء المهملة فكسر النون بعده تحتية ساكنة، وقال يحيى: سمعتُ مالكًا يقول: معنى يحني: يكب عليها حتى تقع عليه الحجارة دونها، وقال ابن عبد البر: أكثر شيوخنا قالوا: عن يحيى: يحني بالحاء، وقال بعضهم: بالجيم، والصواب فيه عند أهل العلم يجنأ بالجيم، والهمزة، أي: يميل عليها من جنأ عليه، إذا مال عليه وعطف إليه، وفي (القاموس): حنى عليه كفرح وجعل وأكب، وحنت على ولدها عطفت، كما حنت، فتفسير الإِمام مالك يناسب مادة الجيم والهمزة.\nقال الزرقاني: وظاهر الحديث أن الإِسلام ليس شرطًا فلا يرجم كافر، وأجابوا عن الحديث بأنه - ﷺ - إنما رجمهما بحكم التوراة، تنفيذًا للحكم عليهم بما في كتابهم وليس هو من حكم الإِسلام في شيء، وهو فعل في واقعة حال عينية محتملة لا دلالة فيها على العموم في كل كافر. انتهى.\nقال محمد: وبهذا كله نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه نافع على العموم عن عبد الله بن عمر، أيّما رجل مسلم زنى بامرأة أي: حرة مسلمة، وقد تزوج أي: ولو مرة قبل ذلك، أى: الزنا بامرأة حرّة مسلمة وجامعها أي: حقيقة ليكون حجة عليه، حيث عرف طريق الحال، فعليه الرجم، وهذا هو المحصن، أي: شرعًا، فإن كان لم يجامعها أي: بعد تزوجها إنما تزوجها ولم يدخل بها أي: مطلقًا، أو دخل بها لكن لم يجامعها، أو كانت تحته أمة أو يهودية أو نصرانية لم يكن بها محصنًا ولم يُرجم، وضرب مائة، أي: مائة جلدة لقوله تعالى في سورة النور: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، والمراد بهما البكران، والحديث رواه أصحاب الكتب الستة مختصرًا أو مطولًا من حديث ابن عمر، وهذا كله قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\nفإن قيل: لم جلد البكر مائة جلدة؟\nالجواب: قال النيسابوري: لأن السنة ثلاثمائة وستون يومًا، يذهب منها في الحيض في كل شهر عشرة أيام، فيكون مائة وعشرين يومًا، والنفاس أربعين يومًا، فيبقى","vol":"3","page":311},{"text":"مئتان، لكل واحد من الزانيين مائة جلدة على عدد أيام الاستمتاع التي تسلم لهما، وتخلو الوقت بقضاء شهوتهما، ولم تشغلا فيها بالوطء والحلال، وقيل: الحكمة في العدد المذكور؛ لأن أربع نسوة حلال، فيذهب من كل شهر خمسة أيام في أوسط أيام فيبقى خمسة وعشرون يومًا، فيكون للأربع نسوة مائة يوم، فاضربوه (ق ٧٣٢) مائة جلدة، حيث لم يشتغل بالحلال، ولأن السنة اثنا عشر شهرًا، وكل شهر أربع جمعات، وكل شهر ثلاثون يومًا وثلاثون ليلة، وكل يوم وليلة أربعة وعشرون ساعة، فيكون جملة مائة، لم يشتغل في جميع هذه المدة بالحلال، فاجلدوه مائة، وللشرع أطوار وحكم في تعيين الأعداد والحدودية والعلمية يعرفها العارفون والحكماء والأدباء، والله أعلم، كذا في (خواتم الحكم).\nلما فرغ من بيان ما يوجب الرجم بأربع شهود، شرع في بيان ما يوجب الرجم بالإِقرار، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-330>باب الإِقرار بالزنا</span>\nباب في بيان حكم الإِقرار، أي: إقرار الزاني بالزنا، وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق: الحكم بالرجم، لكن شرط الحكم به في الباب السابق شهادة، وفي هذا الباب إقرار.\n٦٩٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجُهني: أنهما أخبراه: أن رجلين اختصما إلى رسول الله - ﷺ -، فقال أحدهما: يا نبي الله اقض بيننا بكتاب الله، وقال الآخر\n_________\n(٦٩٥) صحيح، أخرجه الشافعي فى الأم (٦/ ١٣٣)، وفي المسند (٢/ ٧٨، ٧٩)، والبخاري في الأيمان والنذور (٦٦٣٣)، وفي الحدود (٦٨٤٢)، وأبو داود (٤٤٤٥)، والترمذي (١٤٣٣)، والنسائي (٨/ ٢٤٠، ٢٤١)، والطبراني في الكبير (٥١٩٠)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ١٣٥)، والبيهقي في معرفة السنن والآثار (١٢/ ١٦٦٧٦)، وأحمد في المسند (٤/ ١١٥، ١١٦)، والحميدي في مسنده (٨١١)، والدارمي (٢/ ١١٧).","vol":"3","page":312},{"text":"وهو أفْقَهَهُما: أجل يا رسول الله، فاقض بيننا بكتاب الله وائذن لي في أن أتكلم، قال: تكلم، قال: إن ابني كان عسيفًا على هذا، يعني أجيرًا، فزني بامرأته، فأخبروني أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة وجارية لي، ثم إني سألتُ أهل العلم فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وإنما الرجم على امرأته، فقال رسول الله - ﷺ -: \"أما والذي نفسي بيده لأقضينَّ بينكما بكتاب الله، أما غنمك وجاريتك فرَدٌّ عليك\"، وجَلَد ابنه مائة وغرّبه عامًا، وأمر أُنَيْسًا الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر، فإن اعترفت فارجمها، فاعترفت فرجمها.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي نسخة أخرى: قال: ثنا، أخبرنا ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وقد سبق بيان طبقاتهم في باب الرجم، عن أبي هريرة ﵁، أي: عمرو بن عامر، أي: عبد الرحمن بن صخر، هما قولان من نحو ثلاثين قولًا في اسمه واسم أبيه، وزيد بن خالد الجُهني، بضم الجيم وفتح الهاء وكسر النون وتشديد التحتية نسبة إلى قبيلة بني جهينة بالتصغير، أنهما أخبراه، أي: عبد الله بن عبد الله بن عتبة، أن رجلين أي: لم يعرف الحافظ اسمهما، اختصما أي: احتكما إلى رسول الله - ﷺ -، فقال أحدهما: يا نبي الله اقض أي: احكم بيننا بكتاب الله، أي: بحكمه، وفي رواية الشيخين: فقام رجل من الأعراب، فقال: أنشدك الله إلا قضيت بيننا بكتاب، قيل: وكان ذلك قبل نسخ تلاوة آية الرجم، وقال الآخر: بمد الهمزة، وفتح الخاء المعجمة، وهو أفقههما، حيث ظهر منه التأدب، قال حافظ الدين العراقي: يحتمل أن الراوي كان عارفًا بهما قبل أن يتحاكما، فوصف الثاني بأنه أفقه من الأول مطلقًا، ويحتمل في هذه القصة الخاصة لحسن أدبه في استئذانه أولًا وترك رفع صوته إن كان الأول رفعه، أجل، بفتح الهمزة والجيم وسكون اللام، يا رسول الله فاقض أي: فاحكم بيننا بكتاب الله، فإنما هذا لا ذلك وهما يعلمان أنه - ﷺ - لا يحكم إلا بحكم الله، ليحكم بينهما بالحكم الصرف، لا بالنصائح والترغيب فيما هو الأرفق بهما، أو أمرهما بالصلح، أو للحاكم أن يفعل ذلك، وائذن لي في أن أتكلم، أي: قبله، قال: أمر بالتكلم بأن قال: تكلم، أمر حاضر، قال: إن ابني لم يعرف الحافظ اسمه، كان عسيفًا بفتح العين المهملة","vol":"3","page":313},{"text":"وكسر السين المهملة وسكون التحتية، وبالفاء، أي: أجيرًا على هذا، أي: عند الرجل الحاضر أو لأجله، فكلمة \"على\" إما بمعنى عند أو اللام التعليلية، يعني أي: يريد بالعسيف أجيرًا، فزني بامرأته، لم يعرف الحافظ اسمها، فأخبروني بصيغة الجمع، أي: بعض أهل العلم، وفي (الموطأ) لمالك برواية (ق ٧٣٣) يحيى وابن القاسم: فأخبرني بالإِفراد، وهو الأحسن، كما قاله الزرقاني: إن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة متعلق بافتديت، ومن للبدل نحو: أرضيتم بالحياة الدنيا من الأخرى، أي: افتديت بمائة شاة بدل الرجم، وجارية لي، وبرواية يحيى: بجارية بالموحدة، ثم إني سألتُ أهل العلم، قال الحافظ: لم أقف على أسمائهم ولا عددهم الكبراء من العلماء عن جواز الافتداء، فأخبروني إنما على ابني جلد مائة أي: حدًا، أو تغريب عام، أي: لأنها محضة، فقال رسول الله - ﷺ -: \"أما بالتخفيف حرف للتنبيه، والذي نفسي أي: أقسم بالله الذي كان نفسي بيده أي: بيده التي لا يعلم كنهها إلا هو، والمراد بها صفة الحفظ عند المتأخرين، لأقضيَّن بينكما بكتاب الله تعالى، أي: القرآن على ظاهره المنسوخ لفظه، الثابت حكمه، وهو قول عمر الآتي: \"الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة\"، وأشار إلى قوله تعالى في سورة النساء: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥]، وفسَّر النبي - ﷺ - السبيل برجم المحصن، رواه مسلم، أو المعنى بحكم الله وقضاؤه كقوله - ﷺ -: \"كتاب الله فيكم\"، أي: حكمه وقضاؤه عليكم، وما قضى به - ﷺ - هو حكم الله تعالى، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤]، ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].\nفلما أمر باتباعه وطاعته جاز أن يقال: لكل حكم حكم به حكم الله وقضاؤه، إذ ليس في القرآن إن من زنى وافتدى يره فداؤه، ولا أن عليه نفي سنة عن البلد مع الجلد، وعلى الثيب الرجم وقد اتسم أن يقضي بينكما بكتاب الله وهو صادق، وقال: أما غنمك وجاريتك فرَدٌّ أي: مردود عليك، وهو من إطلاق المصدر على المفعول نحو نسخ اليمين، أي: منسوخة، ولذا كان بلفظ واحد للجمع والواحد قوله: وجَلَد ابنه مائة عطف على قوله، فقال رسول الله - ﷺ -، أي: أمر من يجلده أن يجلده مائة جلدة حدًا، وغرّبه عامًا، أي: نفاه عن وطنه سياسة سنة، وهذا يتضمن أن ابنه كان بكرًا، أو أنه اعترف بالزنا، فإن إقرار الأب عليه لا يُقبل، وقرينة اعترافه حضوره مع أبيه، كما في رواية","vol":"3","page":314},{"text":"أخرى: أن ابني هذا، وسكوته على ما نسبه إليه، وفي النسائي عن عمرو بن شعيب عن الزهري، كان ابن لي أجيرًا لامرأة هذا، وابني لم يحصن، فصرح أنه بكر، وفيه تغريب البكر الزاني، خلافًا لقول أبي حنيفة: لا يغرب؛ لأنه زيادة على النص، والزيادة عليه بخبر الواحد نسخ، فلا يجوز، وأجيب بأن الزيادة ليست بنسخ، إذ حكم النص باق وهو الجلد والتعذيب بالنسبة، وأمر أُنَيْسًا تصغيرًا لأنس الأسلمي وهو ابن الضحاك، (ق ٧٣٤) وقال ابن عبد البر: هو أنيس بن مرثد، وقال النووي: والأول هو الصحيح المشهور، أن يأتي امرأة الآخر، بمد الهمزة وفتح الخاء المعجمة فراء أي: لتعلمها أن الرجل قذفها بابنه، فلها عليه حد القذف فتطالبه أو تعفو عنه، فاستحب أن يلقن الرجوع عن الإِقرار بالزنا، فإن اعترفت رجمها\"، فاعترفت فرجمها، أي: أنيس؛ لأنه حكمه في ذلك، لكن في رواية الليث عن الزهري فاعترفت فأمر بها رسول الله - ﷺ - فرجمت، وهو ظاهر في أن أنيسًا إنما كان رسولًا ليستمع إقرارها فقط، وأن تنفيذ الحكم إنما كان منه - ﷺ - ويشكل كونه اكتفى بشاهد واحد، وأجيب بأن رواية مالك والشافعي أنه يكفي في الإِقرار مرة واحدة، ووجه الدلالة أنه - ﷺ - علق رجمها باعترافها، ولم يشترط الأربع.\n* * *\n\n٦٩٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا يعقوب بن زيد، عن أبيه زيد بن طلحة، عن عبد الله بن أبي مُلَيْكَة: أنه أخبره: أن امرأة أتت النبي - ﷺ -، فأخبرته أنها زنت وهي حامل، فقال لها رسول الله - ﷺ -: \"اذهبي حتى تضعي\"، فلما وضعت أتته، قال لها: \"اذهبي حتى تُرضعي\"، فلما أرضعَتْ أتته، فقال لها: \"اذهبي حتى تستودِعيه\"، فاستودَعَتْهُ، ثم جاءَته، فأمر بها فأُقيم عليها الحد.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: قال: حدثنا، أخبرنا يعقوب بن زيد، عن أبيه زيد بن طلحة، أي: التيمي القرشي، يكنى أبا يوسف المدني، قاضي المدينة، صدوق، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد\n_________\n(٦٩٦) حديث صحيح، أخرجه مسلم (٤٣٥١)، وأبو داود (٤٤٣٣)، والنسائي في الرجم من السنن الكبرى كما في تحفة الأشراف (٤/ ٧٤).","vol":"3","page":315},{"text":"المائة من الهجرة، عن جده عبد الله بفتح العين، ابن عُبيد الله بالتصغير ابن أبي مُلَيْكَة، بالتصغير، التيمي المدني، أدرك ثلاثين من الصحابة، ثقة فقيه، كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة من الهجرة، كذا في (تقريب التهذيب) لابن حجر (١). أنه أخبره، قال ابن عبد البر: هكذا قال يحيى، فجعل الحديث لعبد الله بن مليكة مرسلًا عنه، وقال القعنبي وابن القاسم وابن بكير: عن مالك عن يعقوب بن زيد عن أبيه زيد بن طلحة بن عبد الله بن مليكة، فجعلوا الحديث لزيد بن طلحة مرسلًا، وهذا هو الصواب، وكذا رواه ابن وهب عن مالك، ثم قال: وأخبرني ابن لهيعة عن محمد بن عبد الرحمن عن عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان عن محمود بن لبيد الأنصاري، وروي مرسلًا من وجوه كثيرة، وصح بمعناه عن بريدة وعمران بن حصين، أن امرأة أي: من غامد كما في مسلم من حديث بريدة، وله ولأبي داود من حديث عمران بن جهينة، ولا تنافي، فغامد بغين معجمة فألف فميم مكسورة، فدال مهملة بطن من جهينة، وروى ابن منده بسند ضعيف عن عائشة سمعتُ سبيعة القرشية قالت: يا رسول الله، إني زنيتُ فأقم عليَّ حدود الله، الحديث بنحو حديث الغامدية المذكور، فإن صح فيكون ذلك واقعًا لهما معًا، أتت أي: جاءت النبي - ﷺ -، فأخبرته أنها زنت، وفي مسلم: عن بريدة فقالت: يا رسول الله طهرني، فقال: \"ويحك ارجعي، فاستغفري الله، وتوبي إليه\"، فقالت: أراك تريد أن تردني، كما رددت ماعز بن مالك، قال: \"وما ذاك؟ \"، قالت: إنها معي من الزنا، وهي حامل، أي: من الزنا، كما في مسلم عن عمران بن بريدة، ففال لها رسول الله - ﷺ -: \"اذهبي حتى تضعي\"، (ق ٧٣٥) أي: ما في بطنك لمنع رجم الحبلى؛ لأنه لا يلزم عليه قتل الولد بلا جناية، وفي مسلم عن بريدة: فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت، وفيه عن عمران: فدعا نبي الله وليها فقال: \"أحسن إليها، فإذا وضعت فأتني بها\"، فلما وضعت أتته، أي: جاءته، وفي حديث بريدة: فلما أتته بالصبي في خرقة، قالت: هذا قد ولدته، قال أي: رسول الله - ﷺ - لها: \"اذهبي حتى تُرضعي\"، أي: إلى أن تفرغي من إرضاعه، فقال - ﷺ -: \"لا نرجمها وندع ولدها صغيرًا ليس له من يرضعه\"، فقام رجل من الأنصار وقال: إليَّ إرضاعه يا نبي الله، وفي مسلم عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: \"اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه\"،\n_________\n(١) التقريب (١/ ٧٣٤).","vol":"3","page":316},{"text":"فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز، فقال: يا نبي الله فطمته، وقد أكل الطعام، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين، فلما أرضعَتْ أتته، أي: جاءت إلى النبي - ﷺ -، فقال أي: أمر لها: بأن قال: \"اذهبي حتى تستودِعيه\"، أي: عند أحد يربيه ويحاضنه ويحافظه، فاستودَعَتْهُ، ثم جاءَته، فأمر بها فأُقيم عليها الحد، أي: الرجم، كما في رواية يحيى، فرجمت، وفي مسلم عن عبد الله بن بريدة عن أبيه، ثم أمرها فحفر لها إلى صدرها، فأمر الناس فرجموها فنقل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها فنضح الدم على وجه خالد فسبها، فسمعه النبي - ﷺ - فقال: \"مهلًا يا خالد، فوالذي نفسي بيده، لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له\"، ثم أمر بها فصلى عليها فدفنت، وفي مسلم أيضًا عن عمران بن حصين: ثم صلى عليها فقال له عمر: تصلي عليها يا نبي الله وقد زنت؟ فقال: \"لقد تابت توبة، لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت توبة أفضل من جادت بنفسها؟ \"، وهذه الرواية صريحة في أنه - ﷺ - صلى عليها، كذا قاله الزرقاني (١).\n* * *\n\n٦٩٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب: أن رجلًا اعترف على نفسه بالزنا، على عهد رسول الله - ﷺ -، وشهد على نفسه أربع شهادات، فأمر به فَحُدّ.\nقال ابن شهاب: فمن أجل ذلك يؤخذ المرءُ باعترافه على نفسه.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا ابن شهاب، أي: مرسلًا أن رجلًا أي: ماعزًا ﵁، كما قاله الزرقاني عن النسائي، اعترف أي: أقرَّ بالزنا على نفسه، على عهد رسول الله - ﷺ -، وقد رواه الشيخان من طريق عقيل وشعيب بن شهاب عن أبي سلمة وسعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، ومن طريق يونس صرح في كثير من طرق الحديث، وشهد على نفسه أربع شهادات، أي: مرات، فأعرض عنه ثلاثة، ثم قال له: \"أبك جنون في الرابعة\"، ثم قال لأهله: \"أيشتكي؟ أم به جنة؟ \"، قال القرطبي: لما\n_________\n(١) في شرحه (٤/ ١٧٢).\n(٦٩٧) انظر السابق.","vol":"3","page":317},{"text":"ظهر عليه من الحال الذي حال الجنون، وذلك أنه دخل منتثر الشعر ليس عليه رداء يقول: زنيت فطهرني، كما في مسلم عن جابر بن سمرة، واسم المرأة التي زنا بها فاطمة بنت قتادة، أي: جارية هزال بن يزيد الصحابي، من بني أسلم، كذا رواه النسائي، وقيل: منيرة، وفي (طبقات ابن سعد) اسمها مبيرة، وفي مسلم عن بريدة: جاء ماعز فقال: يا رسول الله، طهرني، فقال: \"ويحك ارجع واستغفر الله وتب إليه\"، فرجع غير بعيد، ثم جاء فقال: يا رسول الله طهرني، قال مثل ذلك، حتى إذا كانت الرابعة قال - ﷺ -: \"فبم أطهرك؟ \" قال: من الزنا، فسأل: \"أبه جنون؟ \" فأخبر أنه ليس بمجنون، فقال: \"أشرب خمرًا؟ \"، فقام رجل (ق ٧٣٦) فاستشم فاه فلم يجد منه ريح خمر، فقال - ﷺ -: \"أزنيت؟ \" قال: نعم، فأمر أي: - ﷺ - به فَحُدّ، أي: فرجم، كما في (الموطأ) لمالك برواية يحيى، زاد في حديث جابر بالمصلى، أي: فرجم بالمصلى، فلما أزلفته الحجارة فر فأدركه فرجم حتى مات، فقال له النبي - ﷺ -: \"لو سترت ولم تخبرني، لكان خيرًا لك\"، أي: في أمرك، وفي مسلم عن بريدة فكان الناس فيه فريقين، قائل يقول: هلك لقد أحاطت به خطيئته، وقائل يقول: ما توبة أفضل من توبة ماعز، من أنه جاء إلى رسول الله - ﷺ - فوضع يده في يده، قال: اقتلني بالحجارة، فلبثوا بذلك يومين أو ثلاثة ثم جاء - ﷺ - وهم جلوس فسلم ثم جلس، فقال: \"استغفروا لماعز بن مالك\"، فقالوا: غفر الله لماعز بن مالك، فقال: \"لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم\".\nوفي النسائي (١) عن أبي هريرة مرفوعًا: \"لقد رأيته بين أنهار الجنة ينغمس يتنعم\"، ولأحمد عن أبي ذر رفعه: \"قد غفر الله له وأدخله الجنة\"، وفي هذا منقبة عظيمة لماعز ﵁، كحديث الباب؛ لأنه استمر على طلب إقامة الحد عليه مع توبة، ليتم تطهيره، ولم يرجع عن إقراره مع أن الطبع البشري يقتضي أنه لا يستمر على الإِقرار بما يقتضي موته فجاهد بنفسه على ذلك، وقوى عليها، والصحيح عن ابن عباس ﵄: لما أتى ماعز بن مالك النبي - ﷺ - قال: \"لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت\"، قال: لا يا رسول الله، قال: \"أنكتها؟ \"، لا يكني، قال: فعند ذلك أمر برجمه.\nقال ابن شهاب: فمن أجل ذلك أي: لأجل شهادة الرجل أربع مرات على نفسه\n_________\n(١) في الكبرى (٤/ ٢٨٨)، رقم (٧٢٠٠).","vol":"3","page":318},{"text":"بالزنا، يؤخذ المرءُ باعترافه على نفسه، أي: إذا تكرر في باب الزنا، وهذا الحديث يدل على اعتبار الإقرار أربع مرات، وسيأتي ما يؤيده من الروايات.\n* * *\n\n٦٩٨ - أخبرنا مالك، حدثنا زيد بن أسلم، أن رجلًا اعترف على نفسه بالزنا على عهد رسول الله - ﷺ -، فدعا رسول الله - ﷺ - بسوطٍ فأتي بسوط مكسور، فقال: فوق هذا، فأُتي بسوط جديد لم تقطع ثمرته، فقال: بين هذيْن، فأتي بسوط قد رُكِب به، فَلَانَ، فَأُمِرَ به فَجُلِدَ، ثم قال: \"أيها الناس، قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله، فمن أصاب من هذه القاذورات شيئًا فليستتر بستر الله، فإنه من يُبْدِلَنَا صفحتَه نُقِمْ عليه كتاب الله\".\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: حدثنا، حدثنا زيد بن أسلم العدوي، مولى عمر، يكنى أبا عبد الله، أو أبا أسامة المدني، ثقة عالم، وكان يرسل، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، مات سنة ست وثلاثين ومائة من الهجرة، ورواه عبد الرزاق عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير مرسلًا مثله، وأخرجه ابن وهب من مرسل كريب نحوه، ولا أعلمه يستفد بلفظه من وجه، كذا قاله ابن عبد البر، أن رجلًا اعترف على نفسه بالزنا على عهد أي: زمان حياة رسول الله - ﷺ -، فدعا أي: طلب لأجله، رسول الله - ﷺ - بسوطٍ أي: ليجد به لأنه غير محصن، فأتي أي: جيء بسوط مكسور، أي: مقطوع، فقال: فوق هذا، أي: في القوة لخفة الإِيلام، هذا فأُتي بسوط جديد لم تقطع ثمرته، بفتح المثلثة والميم والراء المهملة وفوقية، أي: طرفه، قال الجوهري: وثمرة السياط عقد أطرافها، وقال أبو عمر: أي: لم يمتهن ولم يلن والثمرة الطرف، فقال: بين هذيْن، فأتي بسوط قد رُكِب به، بصيغة المجهول، أي: ذهب عقدة طرفه، فَلَانَ، أي: صار لينًا مع بقاء صلابته بعدم كسره، وفي نسخة: ولان بالواو بدل الفاء، فَأُمِرَ أي: رسول الله - ﷺ -، به أي: بالسوط الوسط بين القوي والخفيف، وهو سوط لا عقدة له؛ لأن عليّا رضي\n_________\n(٦٩٨) أخرجه الشافعي في الأم (٦/ ١٤٥)، والبيهقي في الكبرى (٨/ ٣٢٦)، وفي معرفة السنن والآثار (١٣/ ١٧٤٨٤)، (١٣/ ١٧٥٠٩).","vol":"3","page":319},{"text":"الله عنه لما أراد أن يقيم الحد كسر عقدته، وينزع ثيابه إلا الإِزار ويفرق الضرب على (ق ٧٣٧) جميع بدنه إلا رأسه وفرجه ووجهه، فَجُلِدَ، أي: مائة جلدة؛ لأن الزاني غير محصن، ثم قال: \"أيها الناس: قد آن بمد الهمزة وفتح النون الخفيفة، أي: حان وقرب الوقت لكم أن تنتهوا عن حدود الله، أي: التي حرمها، فمن أصاب من هذه القاذورات أي: السيئات والشبهة بالنجاسات، سمى رسول الله - ﷺ - الأفعال القبيحة كالزنا، وشرب الخمر، وقذف المحصنات: قاذورات؛ لأن حقها أن تقذر فوصفت بما يوصف بها صاحبها، شيئًا فليستتر بستر الله، بفتح السين أو كسرها، أي: بسبب ما ستر الله عليه فليتب إليه ولا يظهر لنا، فإنه أي: الشأن من يُبْدِلَنَا من الإِبراء: أي: يظهر صفحتَه بفتح الصاد المهملة وسكون الفاء وفوقية، أي: جريمته يعني: من كشف وأظهر لنا ما يوجب الحد أو التعزير نُقِمْ عليه كتاب الله ﷿\"، فيجب على الشخص إذا فعل ما يوجب الستر على نفسه والتوبة، فإن خالف واعترف عند الحاكم أقامه عليه.\n* * *\n\n٦٩٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن صفية بنت أبي عُبيد حدثته عن أبي بكر الصديق: أن رجلًا وقع على جارية بكر فأحْبلها، ثم اعترف على نفسه أنه زنى ولم يكن أُحْصن، فأمر به أبو بكر فجُلد الحدّ ثم نُفي إلى فَدَك.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا نافع، أي: ابن عبد الله المدني، مولى ابن عمر، ثقة فقيه، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة بعد الهجرة، أن صفية بنت أبي عُبيد، أي: ابن مسعود الثقفية، زوجة ابن عمر، قيل لها: أرواك، وأنكرها الدارقطني، وقال العجلي: ثقة، فهي كانت في الطبقة الثالثة من طبقات التابعيات من أهل المدينة، ماتت قبل المائة من الهجرة، حدثته أي: أخبرت نافعًا، عن أبي بكر الصديق ﵁، أن رجلًا وقع وطئ على جارية بكر فأحْبلها، ثم اعترف على نفسه أنه زنى ولم يكن أُحْصن، بفتح فسكون، فأمر به أبو بكر الصديق ﵁، فجُلد الحدّ أي: أقام عليه الحد بمائة جلدة حدًا، ثم نُفي أي:\n_________\n(٦٩٩) إسناده صحيح.","vol":"3","page":320},{"text":"غُرِّب سياسة إلى فَدَك، بفتح الفاء والدال المهملة، والكاف قرية بناحية الحجاز، وبلدة بينها وبين المدينة يومان، وبينها وبين خيبر دون مرحلة، ولا جمع في غير المحصن بين الجلد والنفي، إلا تعزيرًا وسياسة، وقال الشافعي وأحمد والنووي والأوزاعي: يجمع بينهما، وقال مالك: يجمع بينهما في الرجل دون المرأة، وفي الحر دون العبد، وقال الشافعي وأحمد: يُنفى العبد نصف سنة، ومن نفي حبس بالموضع الذي ينفى إليه، ولهم ما روى البخاري من حديث زيد بن خالد الجهني عن النبي - ﷺ - أنه الحد عليه، وما روى الترمذي من حديث نافع عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - ضرب وغرب، وأن أبا بكر ضرب وغرب، وأن عمر ضرب وغرب، ولنا ما روى عبد الرزاق في (مصنفه) عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب، قال: غرب عمر ربيعة بن أمية بن خلف في الشراب في خيبر، فلحق بهرقل فتنصف، فقال: لا أقرب بعده مسلمًا.\nوروي أيضًا عن أبي حنيفة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي، قال: قال ابن مسعود في البكر يزني بالبكر يجلدان مائة وينفيان سنة، (ق ٧٣٨) قال: وقال على حبسهما: من الفتنة أن ينفيا، ورواه أيضًا بهذا السند محمد بن الحسن في الآثار.\n* * *\n\n٧٠٠ - أخبرنا مالك، حدثنا يحيى بن سعيد، قال: سمعتُ سعيد بن المسيَّب يقول: إن رجلًا من أسلم أتى أبا بكر، فقال له: إن الآخِرَ قد زنى، فقال له أبو بكر: هل ذكرت هذا لأحد غيري، قال: لا، قال أبو بكر: تُب إلى الله واستتر بستر الله، فإن الله يقبل التوبة عن عباده.\nقال سعيد: فلم تقرّ به نفسه حتى أتى عمر بن الخطاب، فقال له كما قال لأبي بكر، فقال له عمر كما قال له أبو بكر، قال سعيد: فلم تقرّ به نفسه حتى أتى النبي - ﷺ - فقال له: الآخِرَ قد زنى، فقال سعيد: فأعرض عنه رسول الله\n_________\n(٧٠٠) صحيح، أخرجه البخاري (٦٨١٥)، ومسلم (٤٣٤١)، والنسائي في الرجم من الكبرى، كما في تحفة الأشراف (١٠/ ١٩).","vol":"3","page":321},{"text":"- ﷺ -، فقال له ذلك مرارًا، كل ذلك يُعرض عنه، حتى إذا أكثر عليه بعث إلى أهله فقال: \"أيشتكي، أبه جِنَّةٌ؟ \"، فقالوا: يا رسول الله إنه لصحيح، قال: \"أبِكْرٌ أم ثيب؟ \"، قالوا: ثَيّب، قال: فَأَمَرَ به فَرُجِمْ.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، حدثني بالإِفراد، وفي نسخة: حدثنا بالجمع، وفي أخرى عن بدل: حدثني يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني، أبا سعيد القاضي، ثقة ثبت، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة مات سنة أربع وأربعين ومائة، قال: سمعتُ سعيد بن المسيَّب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات، كان في الطبقة الأولى من طبقات التابعين من أهل المدينة، وقال المدني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه، مات بعد التسعين بيسير، وهو ابن أربع وثمانين سنة، كذا في (تقريب التهذيب)، هذا حديث مرسل من طريق مالك، وتابعه طائفة على إرساله عن يحيى بن سعيد، ورواه الزهري، فاختلف عليه فيه، ورواه يونس عنه عن أبي سلمة عن جابر وشعيب وعقيل عنه عن أبي سلمة وابن المسيب عن أبي هريرة، ورواه مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁، يقول: إن رجلًا من أسلم هو ماعز بن مالك، كما صرح به في كثير من طرق الحديث، واتفق عليه الحفاظ، أتى أي: جاء أبا بكر ﵁، فقال له: إن الأخر قد زنى وهو بهمزة مفتوحة مقصورة وخاء معجمة مكسورة فراء الأرذل الأرداء والأبعد، وقيل اللئيم، ومعناه الرَّذِل الذي زنى كأنه يدعو على نفسها ويعيبها بما نزل به من موافقة الزنى، قال أبو عبيد: ومن هذا قولهم السؤال آخر كسر الرجل، أي أرذل كسب الرجل، وقال الأخفش: كنى عن نفسه بكسر الخاء، وهذا إنما يكون لمن حدث عن نفسه بقبيح فكره أن ينسب ذلك إلى نفسه. انتهى.\nفقال له أبو بكر: هل ذكرت هذا لأحد غيري، وفي رواية: لأحد قبلي كأنه أراد هل ذكر للنبي - ﷺ - أم لا، قال: لا، قال أبو بكر: لما قيل عليه من الرأفة بالأمة: تُب إلى الله ﷿، أي: ارجع عما فعلت من المعصية كلها بالطاعة إلى الذي غلب في حكمه وظهر حكمه على جميع المحكومات في الدنيا والآخرة، واستتر بستر الله، أي: بينك وبين الخلق، فلا تظهر أنت ما يستره عليك، فإن الله يقبل التوبة عن عباده، إذا صحت شرائطها.","vol":"3","page":322},{"text":"قال سعيد أي: ابن المسيب، فلم تقرّ به نفسه بفتح التاء الفوقية وكسر القاف وضم الراء المهملة المشددة أن تطمئن بكلام الصديق ﵁ نفسه، حتى أتى عمر بن الخطاب، ﵁، فقال له أي: عمر، كما قال لأبي بكر، فقال له عمر كما قال له أبو بكر، قال سعيد: فلم تقرّ به نفسه أي: لم تطمئن بكلام عمر بن الخطاب نفسه، أي قلبه لشدة إشفاقه وخوفه، حتى أتى أي: جاء إلى النبي - ﷺ - وهو في المسجد فناداه، فقال له الأخِرَ بفتح الهمزة المقصورة وكسر الخاء المعجمة فراء، أي الأرذل والدني والمراد بالأخر نفسه: قد زنى، فقال سعيد أي: ابن المسيب: فأعرض عنه رسول الله - ﷺ -، فقال أي: سعيد بن المسيب، فقال أي: الأخر له أي: لرسول الله - ﷺ -، ذلك أي: خبر الزنا مرارًا، أي: ثلاث مرات، كما في (الموطأ) لمالك، وكل ذلك أي: في كل قول (ق ٧٣٩) بالزنا يُعرض أي: رسول الله - ﷺ - عنه، أي: عن المخبر عن نفسه بالزنا.\nوعند البخاري من طريق ابن شهاب عن أبي سلمة وعن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ فتنحى لشق وجهه الذي أعرض قبله، فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأعرض عنه، فجاء لشق وجهه الذي أعرض عنه، فقال: إني زنيت، حتى إذا أكثر عليه أي: المرة الرابعة، ففي حديث أبي هريرة المذكور، فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه - ﷺ - فقال: \"أبك جنون؟ \" فقال: لا، فقال: \"أحضنت؟ \"، قال: نعم، ولا ينافي سؤاله عن ذلك قوله: بعث أي: النبي - ﷺ - إلى أهله أي: أهل ماعز بن مالك، فقال: \"أيشتكي، أي: هل يكون مريضًا يذهب بمرضه عقله، أبه وفي نسخة: هل بدل الهمزة جِنَةٌ؟ \"، بكسر الجيم وتشديد النون المفتوحة؛ لأنه سأَله أولًا ثم بعث إلى أهله؛ لأنه استنكر ما وقع منه، إذ مثل ذلك لا يقع من العاقل القوي، فقالوا: يا رسول الله إنه لصحيح، أي: في العقل والبدن، قال: أي: النبي - ﷺ - له: \"أبِكْرٌ أم ثيب؟ \"، أي: هل تزوجت زوجة ودخلت بها بعقد صحيح؟ قال: أي أخبر عن حاله بأنه قال: إني ثيّب، قال: فَأَمَرَ به فَرُجِمْ.\nزاد في (الصحيح) عن جابر فرجمناه بالمصلى، فكنتُ فيمن رجمه، فلما أن القنه بالحجارة فر فأدرك فرجم حتى مات، قال في المقدمة: والذي أدركه لما هرب فقتله عبد الله بن أنيس، وقال ابن جريج عمر، حكاه الحاكم عنه، وكان أبو بكر الصديق رأس الذين رجموه، ذكره ابن سعد. انتهى.","vol":"3","page":323},{"text":"فتقرب إلى الله أولًا بنصحه بأمره بالتوبة والستر، فلما ثبت على الإِقرار تقرب ثانيًا إلى الله، واحتج الحنفية والحنابلة بظاهره في اشتراط الإِقرار أربع مرات، وأنه لا يكفي بما دونها قياسًا على الشهود، وأجاب المالكية والشافعية في عدم اشتراط ذلك بقوله - ﷺ -: \"واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها\"، ولم يقل ارجع مرات، وبحديث الغامدية إذا لم ينقل أنه تكرر إقرارها، وإنما قرر على ماعز بن مالك، لأنه شك في عقله، ولذا قال: \"أبك جنون؟ \"، وقال لأهله: \"أيشتكي؟ أبه جنة؟ \"، فإن الإِنسان غالبًا لا يصبر على إقرار ما يقتضي هلاكه من غير سؤال، مع أن له طريقًا إلى سقوط الإِثم بالتوبة، ولذا سأل أهله مبالغة في تحقيق حاله وصيانة دم المسلم، فيبنى عليه الأمر لا على مجرد إقراره بعموم الجنون، فإنه لو كان مجنونًا له يعذر قوله أنه وليس به جنون لأن إقرار المجنون ليس بمعتبر قال ابن عبد البر: وفيه الجنون المعتوه لا حد عليه، لأنه - ﷺ - قال: \"رُفِعَ القلم عن ثلاث: الصبي والمجنون والنائم\"، وأن إظهار الإِنسان ما يأتيه من الفواحش جنون لا يفعله إلا المجانين، وأنه ليس من شأنه ذي العقول كثرة ما يلزم ستره والاعتراف به عند السلطان وغيره، وإنما من شأنهم الستر (ق ٧٤٠) على أنفسهم والتوبة.\nوكما يلزمهم الستر على غيرهم يلزمهم الستر على أنفسهم، وإن وجد غير حد البكر، ولا خلاف فيه لكن قيل: من العلماء رأى على الثيب الجلد والرجم، وروي ذلك عن علي وعبادة بن الصامت، وتعلق به داود وأصحابه والجمهور أن الثيب يرجم ولا يجلد، وقال الخوارج والمعتزلة: لا يرجم مطلقًا، وإنما الحد الجلد لثيب أو بكر، وهو خلاف إجماع أهل السنة والجماعة، كذا قاله الزرقاني (١).\n* * *\n\n٧٠١ - أخبرنا مالك، أخبَرنا يحيى بن سعيد، أنه بلغه أن رسول الله - ﷺ - قال لرجلٍ من أسلم يُدْعَى هزَّالًا: \"يا هزَّال، لو سترته بردائك كان خيرًا لك\".\n_________\n(١) في شرحه (٤/ ١٦٩).\n(٧٠١) إسناده ضعيف، وصل الحديث أبو داود (٤٣٧٧)، (٤٣٧٨)، وأخرجه أيضًا النسائي في الكبرى كما في تحفة الأشراف (٩/ ٧٠).","vol":"3","page":324},{"text":"قال يحيى: فحدثت بهذا الحديث في مجلس فيه يزيد بن نُعيم بن هَزَّال، فقال يزيد: هَزَّال جدّي، والحديث حقّ.\nقال محمد: وبهذا كله نأخذ، لا يُحدّ الرجل باعترافه بالزنا حتى يُقرّ أربع مرات في مجالس مختلفة، وكذلك جاءت السنة، لا يؤخذ الرجل باعترافه على نفسه بالزنا حتى يُقر أربع مرات، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، وإن أقرّ أربع مرات ثم رجع، قُبِلَ رجوعه وخُلِّي سبيله.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا يحيى بن سعيد، وقد سبق بيان طبقته آنفًا أنه بلغه، أي: أنه قال: بلغني، كما في (الموطأ) لمالك، برواية يحيى قال مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب، أنه قال: بلغني أن رسول الله - ﷺ - قال لرجلٍ من أسلم بفتح الهمزة وسكون السين المهملة وفتح اللام والميم، قبيلة قال فيها: \"أسلم سلمها الله\" يُدْعَى أي: يُسمى هزَّالًا، بفتح الهاء والزاي المفتوحة المشددة ابن يزيد الصحابي، وفي رواية النسائي أن هزالًا كانت له جارية وأن ماعزًا وقع عليها، فقال: انطلق فأخبر رسول الله - ﷺ -، فعسى أن ينزل فيك قرآن، فانطلق فأخبره، فأمر به فرجم، وفي هذه الرواية دليل على أن الإِحصان ليس شرطًا في الرجم عند الشافعي وأحمد، لكن أجيب منها من جانب الحنفية والمالكية بأن الجارية التي وقع عليها ماعز بن مالك، كانت قد أعتقها سيدها هزال، وأنكحها إلى مسلم حر فوطئها، وكان الزاني والزانية محصنين، فقال النبي - ﷺ -: \"يا هزَّال، لو سترته بردائك وهو كناية عن إخفاء أمره وقيده بالرداء اهتمامًا بأمر الستر، كان أي: سترك خيرًا لك\"، من أمرك لماعز بن مالك بإخباري، لما في الستر على المسلم من الثواب الجزيل.\nروى مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة (١) ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: \"مَنْ نَفَّسَ عن مسلمٍ كربة من كرب الدنيا نَفَّسَ الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومَنْ يَسَّرَ على مُعسرٍ في الدنيا يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن سترَ على مسلمٍ في الدنيا ستر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه\"، كذا أورده الإِمام المنذري في (الترغيب والترهيب).\n_________\n(١) أخرجه مسلم في الذكر (٣٨)، وأبو داود (٤٩٤٦)، والترمذي (١٩٣٠).","vol":"3","page":325},{"text":"قال يحيى أي: ابن سعيد، فحدثت أي: أخبرت بهذا الحديث في مجلس فيه يزيد بتحتية قبل الزاي ابن نُعيم بالتصغير ابن هَزَّال، أي: الأسلمي، فقال أي: يزيد بن نعيم: هَزَّال جدّي، والحديث صحيح حقّ، أي: ثابت بلا شبهة، واستدل به على أن الستر أفضل في الحدود.\nقال محمد: وبهذا كله نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه مالك عن يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني القاضي بالمدينة: لا يُحدّ الرجل أي: وكذا المرأة باعترافه بالزنا حتى يُقرّ بفتح التحتية وكسر القاف وتشديد الراء المهملة، أي: إلى أبي بكر والخبر بالزنا على نفسه أربع مرات، أي: خلافًا لبعضهم في أربع مجالس مختلفة، أي: خلافًا للآخرين، وكذلك جاءت السنة، (ق ٧٤١) أي: الثابتة الصريحة، لا يؤخذ، وفي نسخة: [لا يؤخذ] (١)، أي: لا يحد الرجل باعترافه على نفسه بالزنا؛ لأن الاعتراف به مرة يورث الشبهة فلا يحد بالشبهة، قال رسول الله - ﷺ -: \"ادرؤوا الحدود بالشبهات\"، رواه ابن عدي، كذا قاله النووي في (كنوز الحقائق)، حتى يُقر أربع مرات، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، وإن أقرّ أي: بالزنا أربع مرات ثم رجع، أي: عن إقراره به قبل حده أو في وسطه قُبِلَ رجوعه وخُلِّي سبيله، بصيغة المجهول، أي: تُرك عند الحد، وهو قول الشافعي وأحمد ورواية مالك، وعنه أنه لا يخلى سبيله؛ لأن الحد وجب بإقراره، فلا يبطل بعد ذلك بإنكاره، وعنه إن ذكر لإِقراره تأويلًا بأن قال: حسبت المفاوضة زنى خلي ثم إنه يخلى إذا رجع قبل إكمال الحد؛ لأن الرجوع يحتمل الصدق كالإِقرار وليس أحد يكذبه فيه بخلاف ما فيه حق العبد، وهو القصاص والقذف لوجود من يكذبه، والله أعلم، كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم الزنا، شرع في بيان ما يتعلق بحكم الإِكراه في الزنا، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-331>باب الاستكراه في الزنا</span>\nفي بيان حكم الاستكراه في الزنا، والاستكراه هو الإِكراه وهو ضد الطوع، وجه المناسبة بين هذا الباب والباب السابق التضاد.\n_________\n(١) هكذا بالأصل، ولعلها: لا يؤاخذ.","vol":"3","page":326},{"text":"٧٠٢ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن عَبْدًا كان يقوم على رقيق الخُمس، وأنه استكره جاريةً من ذلك الرقيق، فوقع بها، فجلده عمر بن الخطاب ونفاه، ولم يجلد الوليدة من أجل أنه استكرهها.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا، حدثنا نافع، أن عَبْدًا كان يقوم، أي: يتولى على رقيق الخُمس، بضمتين وإسكان الميم لغة، أي: يتولى عبد على قيام الخدمة وإنفاق النفقة على الأرقاء التي أصابت بيت المال من مال الغنيمة، وأنه أي: عبد تولى على أمور الأسراء استكره بسين التأكيد، أي: أكره جارية من ذلك الرقيق، فوقع أي: فجامع العبد بها، أي: بجارية فجلده أي: ضرب العبد خمسين جلدة عمر بن الخطاب ﵁، لأنه كان بكرًا، ونفاه أي: سياسة، ولم يجلد الوليدة أي: الجارية، من أجل أنه استكرهها، قال الله تعالى في سورة النور: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٣٣]، أي: لهن كما قرئ.\n* * *\n\n٧٠٣ - أخبرنا مالك، حدثنا ابن شهاب، أن عبد الملك بن مروان قضى في امرأة أصيبت مستكرهة بصداقها على من فعل ذلك.\nقال محمد: إذا استُكرِهت المرأة فلا حدّ عليها، وعلى من استكرهها الحدّ، فإذا وجب عليه الحدّ بطل الصداق، ولا يجب الحدّ والصداق في جِماع واحد، فإن دُرِئ عنه الحدّ بشبهة وجب عليه الصداق، وهو قولُ أبي حنيفة، وإبراهيم النَّخَعي، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، حدثنا ابن شهاب، أن عبد الملك بن مروان قضى أي: حكم في امرأة\n_________\n(٧٠٢) إسناده صحيح.\n(٧٠٣) إسناده صحيح.","vol":"3","page":327},{"text":"أصيبت أي: جُومِعَت مستكرهة بصداقها متعلق بقضى، أي: بمهر مثلها على من فعل ذلك، متعلق بصداقها، أي: حكم قاض المدينة عبد الملك بن مروان بن الحكم بمهر امرأة على رجل زناها مكرهة.\nقال محمد: إذا استُكرِهت المرأة أي: حرة أو امرأة أمة، فلا حدّ عليها، وعلى من أي: يجب على الذي استكرهها الحدّ، فإذا وجب عليه الحدّ بطل الصداق، أي: مهر المثل يعني كما لا يجمع بين القطع والضمان، ولا يجب الحدّ والصداق في جِماع واحد، احترازًا من أنه إذا وقع جماع ثان ولم يجد شبهة، فإنه يجب به الصداق، (ق ٧٤٢) ولعل حكم مروان محمول على ذلك، وهذا معنى قوله: فإن دُرِئ أي: دفع عنه الحدّ بشبهة أي: في الفعل والذات، كما هو مذكور في (المبسوطات)، وجب عليه الصداق أي: مهر المثل، وهو قولُ أبي حنيفة، وإبراهيم النَّخَعي، والعامة من فقهائنا، والله أعلم.\nلما فرغ من بيان حكم الاستكراه في الزنا، شرع في بيان حد المماليك في الزنا والسُكْر، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-332>باب حد المماليك في الزنا والسكر</span>\nفي بيان حد المماليك، وجمع المملوك كالمناكير، جمع المنكور في الزنا والسكر متعلقات في الحد، وهو: أي السكر بفتح السين المهملة، وسكون الكاف، فراء مهملة السد وزوال الإِدراك بالخمور، قوله: في الزنا والسكر قيدان احترازان عن نحو القتل والسرقة، فإنه لا فرق فيما بين الأحرار والمماليك، وجه المناسبة بين هذا الباب والباب السابق السبب والمسبب.\n٧٠٤ - أخبرنا مالك، حدثنا يحيى بن سعيد، أن سليمان بن يسار، أخبره عن عبد الله بن عَيَّاش بن أبي ربيعة المخزومي، قال: أمرني عمر بن الخطاب في فتية من قريش فجلدنا ولائدَ من ولائد الإِمارة خمسين خمسين في الزنا.\n_________\n(٧٠٤) إسناده صحيح.","vol":"3","page":328},{"text":"• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، حدثنا يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني، يُكنى أبا سعيد القاضي، ثقة ثبت، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة، أن سليمان بن يسار الهلالي المدني، مولى ميمونة زوج النبي - ﷺ - وقيل: هو مولى أم سلمة ﵂، ثقة فاضل، أحد الفقهاء السبعة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة، كذا قاله ابن حجر (١)، أخبره عن عبد الله بن عَيَّاش بتشديد التحتية وشين معجمة، ابن أبي ربيعة، واسمه عمرو بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، المخزومي القرشي، كان أبوه قديم الإِسلام فهاجر إلى الحبشة، فولد له هذا بها وحفظ عن النبي - ﷺ - وعن عمر وغيره، روى عنه ابنه الحارث، ونافع وسليمان بن يسار وغيرهم، كذا قاله ابن حجر في الإِصابة، قال: أمرني عمر بن الخطاب ﵁ في فتية جمع قلة لفتى، وهو الشاب القوي الحديث، ويستعار للمملوك، وإن كان شيخًا كالغلام من قريش فجلدنا، أي: نحن مع جماعة من قريش، ولائدَ جمع وليدة، وهي الجارية من ولائد الإِمارة بكسر الهمزة، وتفتح، أي: سلطنة الخليفة، وهو عمر ﵁ خمسين خمسين أي: لكل جارية خمسين جلدة، في الزنا أي: بسببه في حدهن من الزنا، وذلك لقوله تعالى في سورة النساء: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، أي: من الجد أن الرجم لا ينصف، ولأن الإِحصان معدوم في حقهن لعقد شرطه وهو الحرية، وإذا ثبت النصف في الإِماء للرق ثبت في العبيد.\nودلالة أن النص الوارد في أحد المثلين وارد في الآخر، كذا قاله علي القاري.\nما الحكمة في لزوم على الإِماء نصف ما على المحصنات من العذاب، وهو الجلد؟\nالجواب: ما رواه ابن جريج وابن عيينة، وغيرهما، عن يحيى بن سعيد، وروى معمر عن الزهري أن عمر بن الخطاب ﵁ جلد ولائد من الخمس أبكارًا في الزنا، قال أبو عمر: هذا كله أصح، وأثبت مما رُوي عن عمر أنه سئل عن الأمة كم حدها؟ فقال: القت، فروتها، وراء الدار بالفروة القناع، أي: ليس عليها قناع ولا حجاب\n_________\n(١) في التقريب (١/ ٧٥٣).","vol":"3","page":329},{"text":"لخروجها إلى كل موضع يرسلها أهلها لا تقدر على الامتناع منه، ولذا لا تقدر على الامتناع من الفجور، فلا حد عليها، وهكذا قال طائفة: لا حد (ق ٧٤٣) عليها، أي: على الأمة حتى تنكح، وعليه تأولوا حديث زيد وأبي هريرة، وروى القولان عن أنس، وقد قرئ: \"فإذا أَحصن\"، بفتح أوله، أي: أسلمن أو عففن عند الأكثر، ومعناه عند البعض تزوجن، وبضمها، أي: أحصن بالزواج، أي: أنهم أحصنوهن عند من شرطه، وعند غيرهم معناه أحصن بالإِسلام، فكان الزوج يحصن بالأمة، فكذلك الإِسلام يحصنها، والمعنيان متداخلان في القراءتين، كذا قاله الزرقاني (١).\n* * *\n\n٧٠٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي هريرة وعن زيد بن خالد الجُهني: أن رسول الله - ﷺ - سُئل عن الأمة إذا زنت ولم تُحصَن، فقال: \"إذا زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها ثم بيعوها ولو بضفيرٍ\"، قال ابن شهاب: لا أدري أبَعْدَ الثالثة أو الرابعة، والضفير: الحبل.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، يجلد المملوك في حدّ الزنا نصف حدّ الحر، خمسين جلدة، وكذلك القذف وشرب الخمر السكر، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا ابن شهاب، وهو محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، ثقة فقيه، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة خمس وعشرين بعد المائة، عن عبيد الله بالتصغير ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهزلي، يُكنى أبا عبد الله المدني، ثقة فقيه ثبت، كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين، وقيل: سنة ثمانين بعد\n_________\n(١) في شرحه (٤/ ١٨٤).\n(٧٠٥) صحيح، أخرجه البخاري (٢٠٤٦)، ومسلم (١٧٠٣).","vol":"3","page":330},{"text":"المائة، عن أبي هريرة وعن زيد بن خالد الجُهني، أشار بالعطف إلى تحويل السند تقوية بالحكم، أن رسول الله - ﷺ - سُئل عن الأمة أي: الجارية إذا زنت ولم تُحصن، بفتح الصاد وكسرها وسكون النون وتخفيفها.\nوعن النووي: قال الطحاوي: لم يذكر أحد من الرواة قول: ولم تحصن، غير مالك، وأشار إلى تضعيفها بذلك، وأنكر الحفاظ هذا على الطحاوي، قالوا: بل روى هذه اللفظة ابن عيينة، ويحيى بن سعيد، فحصل أن هذه اللفظة صحيحة، وليس فيها حكم مخالف؛ لأن الأمة تجلد نصف جلد الحرة، سواء أحصنت أم لا، كذا ذكره السيوطي.\nفقال: \"إذا زنت فاجلدوها، أي: نصف جلد الحرة، ثم إذا زنت فاجلدوها، ثم إذا زنت فاجلدوها، ثم أي: بعد الثلاث بيعوها ولو بضفيرٍ\" أي: بمضفور من الحبل، قال ابن شهاب: لا أدري أي: لا أعرف، أبَعْدَ الثالثة أو الرابعة، وقع قوله: ثم بيعوها، والضفير: الحبل، أي: يحتمل أن يكون قوله: والضفير الحبل من كلام الزهري، أو من تفسير غيره.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بهذا الحديث، يجلد المملوك في حدّ الزنا نصف حدّ الحر، خمسين جلدة، أي: في الزنا، وكذلك القذف، أي: يحد به حد الحر أربعين جلدة، وشرب الخمر وكذلك يحد به أربعين في شرب الخمر مطلقًا، قليلًا أو كثيرًا، السكر، بفتح السين المهملة وسكون الكاف فراء مهملة زوال الإِدراك بسبب الخمر وغيره كالنبيذ وغيره، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، إلا أن السكران في حق الحد زائل العقل بناء على قول أبي حنيفة، هو من لا يعرف الرجال من النساء، ولا الأرض من السماء، وأما في حق الحرمة فعنده اختلاط الكلام احتياط في الجهتين.\nوقال أبو يوسف ومحمد ومالك والشافعي وأحمد: السكران مطلقًا، أي: في حق الحد وفي حق الحرمة هو الذي يخلط في كلامه، قال في (المبسوط): وإليه أكثر المشايخ واختار للفتوى؛ لأنه هو المتعارف.\n* * *","vol":"3","page":331},{"text":"٧٠٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزِّناد، عن عمر بن عبد العزيز: أنه جَلد عبدًا في فِرْيَةٍ ثمانين، قال أبو الزِّناد: فسألتُ عبد الله بن عامر بن ربيعة فقال: أدركتُ عثمان بن عفان والخلفاء هلمّ جرّا، فما رأيتُ أحدًا منهم ضرب عبدًا في فِرْيَةٍ أكثر من أربعين.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا يُضرب العبدُ في الفِرْيَة إلا أربعين جلدةً، نصف حدّ الحرّ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا أبو الزِّناد، بكسر الزاي، هو عبد الله بن ذكوان القرشي المدني، ثقة فقيه، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ثلاثين ومائة، وقيل بعدها، عن عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم، (ق ٧٤٤) يُكنى أبا العاص الأموي، أمير المؤمنين، أمه أم عاصم حفصة بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، ولي أمر المدينة للوليد، وكان مع سليمان كالوزير، وولي الخلافة بعده فعد مع الخلفاء الراشدين، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات في رجب سنة إحدى ومائة، وله أربعون سنة، ومدة خلافته سنتان ونصف، كذا في (تقريب التهذيب)، أنه أي: عمر بن عبد العزيز جَلد عبدًا في فِرْيَةٍ بكسر الفاء وسكون الراء، أي: قذف ثمانين، أي: جلدة حملًا لظاهر قوله تعالى في سورة النور: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، على عمومة، قال أبو الزِّناد: فسألتُ عبد الله بن عامر بن ربيعة العدوي مولاهم، ولد في عهد رسول الله - ﷺ -، وأبوه صحابي شهير، وفي (الموطأ) لمالك عن ذلك، أي: الفعل لإِشكاله إذ الآية مخصوصة بالجر، فقال: أدركتُ عثمان بن عفان والخلفاء هلمّ جرّا، أي: أعدادًا أعدادًا كأعداد حبوب التسبيح الذين أدركتهم من الصحابة كعلي بن أبي طالب، والحسن بن علي ومعاوية ﵃، وهو أي: لفظة هلم اسم فعل بُني لوقوعه موقع الأمر يستوي فيه الواحد والجمع، والذكر والأنثى عند أهل الحجاز، وأصله عند البصريين ها لم بفتح الهاء وضم اللام وألف بينهما، ففتح الميم المشددة مأخوذ من لم إذا قصده حذفت الألف\n_________\n(٧٠٦) إسناده صحيح.","vol":"3","page":332},{"text":"عن الهاء للتخفيف، فصار هلم بفتح اللام وضم اللام وفتح الميم المشددة، كذا قاله عبد الله بن عمر بن محمد بن علي البيضاوي في تفسير قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾ [الأنعام: ١٥٠]، فاطلب تفصيله هناك، فما رأيتُ أحدًا أي: من الصحابة ضرب عبدًا في فِرْيَةٍ بكسر الفاء وسكون الراء المهملة وفتح التحتية فهاء، أي: قذف أكثر من أربعين، أي: جلدة، فدل أنهم خصوا الآية بالأحرار، كقوله تعالى في سورة النساء: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، والعبد في معنى الآية بجامع الرق.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما أخبره أبو الزناد عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، لا يُضرب العبدُ في الفِرْيَة أي: في القذف إلا أربعين جلدةً، نصف حدّ الحرّ، أي: قياسًا على حده في الزنا من التنصيف، ولعل عمر بن عبد العزيز خص حكم التنصيف بالزنا، وأجرى حد القذف على عمومه، وهو من الأئمة المجتهدين، وهو أي: ضرب العبد في القذف أربعين جلدة، قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، ويؤيده ما ذكره بقوله:\n* * *\n\n٧٠٧ - أخبرنا مالك، حدثنا ابن شهاب، وسئل عن حدّ العبد في الخمر فقال: بلغنا أن عليه نصف حد الحرّ، وأن عمر وعثمان وعليّا وعبد الله بن عمر جلدوا عبيدهم نصف حدّ الحر في الخمر.\nقال محمد: وبهذا كله نأخذ، الحدُّ في الخمر والسُكر ثمانون، وحد العبد في ذلك أربعون، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، حدثنا ابن شهاب، وهو محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، كان في الطبقة الرابعة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة، وسئل في (الموطأ) لمالك، أنه سئل عن حدّ العبد أي: الرقيق ولو\n_________\n(٧٠٧) إسناده صحيح.","vol":"3","page":333},{"text":"أنثى في الخمر أي: في شربها، فقال: بلغنا أي: عن النبي - ﷺ - أن عليه أي: على العبد نصف حد الحرّ، أي: في الخمر، وهو أربعون جلدة، وأن عمر أي: بلغنا أن عمر وعثمان وعليّا وعبد الله بن عمر ﵃، وكذلك في (الموطأ) لمالك، وفي نسخة: لا تعتد عليها، وأن عمر وعليا وعثمان وابن عامر جلدوا عبيدهم نصف حدّ الحر في الخمر، أي: في هذا قياسًا أجمعوا عليه، وأصله قوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، فينبغي أن يكون حكم القذف كذلك إلا أن يفرق بأن القذف حق العبد.\nقال محمد: وبهذا كله نأخذ، (ق ٧٤٥) أي: إنما نعمل بمجموع ما رُوي في هذا الباب، الحدُّ في الخمر أي: مطلقًا والسُكر أي: والحد في السكر من غيرها ثمانون أي: جلدة، وحد العبد في ذلك أي: في شرب الخمر أربعون جلدة، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، والله أعلم.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-333>باب الحد في التعريض</span>\nفي بيان ما يتعلق الحد في التعريض، وهو بفتح الفوقية وسكون العين والراء المكسورة وسكون التحتية والضاد المعجمة كلام يفهم به السامع مراد المتكلم من غير تصريح، كذا قاله السيد الشريف، وجه المناسبة بين هذا الباب والباب السابق التصريح والتعريض فيما يقتضي الحد.\n٧٠٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الرِّجال: محمد بن عبد الرحمن، عن أمه: عَمْرة بنت عبد الرحمن: أن رجلين في زمان عمر استبّا، فقال أحدهما: ما أبي بزانٍ ولا أمي بزانيةٍ، فاستشار في ذلك عُمر بن الخطاب، فقال قائل: مَدَحَ أباه وأمَّه، وقال آخرون: قد كان لأبيه وأمه مدح سوى هذا، نرى أن تجلده الحدّ، فجلده عمر الحدّ ثمانين.\n_________\n(٧٠٨) إسناده صحيح.","vol":"3","page":334},{"text":"قال محمد: قد اختلف في هذا على عمر أصحاب النبي - ﷺ -، فقال بعضهم: لا نرى عليه حدّا مدح أباه وأمه، فأخذنا بقول من درأ الحد منهم، وفيمن درأ الحد، وقال: ليس في التعريض جلد، عليّ بن أبي طالب، فبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا أبو الرِّجال، بكسر الراء المهملة وفتح الجيم فألف ولام، وهو محمد بن عبد الرحمن، أي: ابن حارثة بن النعمان الأنصاري، من بني النجار، بفتح النون، وتشديد الجيم المفتوحة، وراء بينهما ألف بطن من الخزرج، ثقة كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة، عن أمه: عَمْرة بنت عبد الرحمن، أي: ابن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية، ثقة، كانت في الطبقة الثالثة من طبقات التابعيات من أهل المدينة، ماتت بعد المائة، كذا في (تقريب التهذيب) (١)، أن رجلين أي: لم يسميا في زمان عمر أي: في خلافته ﵁، استبّا، أي: شتم كل واحد منهما الآخر، فقال أحدهما: ما أبي بزانٍ ولا أمي بزانيةٍ، أي: فاعرضا هذا الكلام إلى عمر بن الخطاب ﵁، فاستشار في ذلك أي: في موجب هذا الكلام التعريض عُمر بن الخطاب ﵁، أي: بحضرة جمع من الصحابة والتابعين تطييبًا لقلوبهم وإظهار آبائهم، قال النبي - ﷺ -: \"ما شقي عبدًا قط بمشورة، وما سعد باستغناء رأي\"، فقال قائل: أي: من الصحابة في مجلس المشاورة: مَدَحَ أباه وأمَّه، أي: فلا يلزمه شيء، وقال آخرون: قد كان لأبيه وأمه مدح سوى هذا، بكسر السين المهملة، وفتح الواو المقصورة، أي: غير هذا، أي: الكلام المعدول في مقام الاستباب، فيلزمه الحد؛ لأن التلويح أبلغ في التصريح، فلذا نرى أي: نختار أن تجلده الحدّ، فجلده عمر بن الخطاب ﵁ الحدّ ثمانين، أي: جلدة؛ لأنه وافق رأيه اجتهادهم، لا تقليدًا لهم، والصحابة مجتهد فليس على مجتهد أن يقلد غيره.\nقال محمد: قد اختلف في هذا على عمر بن الخطاب ﵁، أصحاب النبي - ﷺ -، فقال بعضهم: لا نرى أي: لا نختار عليه حدّا مدح أباه وأمه، أي: وبعضهم\n_________\n(١) التقريب (١/ ٧٥٠).","vol":"3","page":335},{"text":"أشاروا إلى الحد كما سبق، فأخذنا أي: عملنا بقول من درأ من ترك الحد منهم، أي: من الصحابة؛ لأنه أحوط، قوله: وممن درأ الحد، خبر مقدم، وقال: ليس في التعريض جلد، جملة حالية، وقوله: عليّ بن أبي طالب ﵁، مبتدأ مؤخر فتقديم المسند على المسند إليه فتخصيصه بالمسند إليه، نحو: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥، ٢٦]. قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل (ق ٧٤٦) إلا بقول علي بن أبي طالب، وهو أي: ما قاله علي بن أبي طالب، قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\nوقال مالك وأحمد، وفي رواية: يحد عملًا بقول عمر ومن وافقه، ولنا ما رواه البخاري (١) ومسلم (٢) من حديث أبي هريرة ﵁ أن أعرابيًا قال: يا رسول الله، إن امرأتي ولدت غلامًا أسود، قال: \"هل لك من إبل؟ \"، قال: نعم، قال: \"وما ألوانها؟ \" قال: حمر، قال: \"فهل منها من أورق؟ \"، أي: إبل لونه مائل إلى السواد؟، قال: إن فيها أورق، قال: \"فأين أيتها ذلك؟ \"، قال: لعله نزعه - أي جره - عرق، قال: \"وكذلك هذا الولد نزعه عرق\"، وترجم عليه البخاري: باب إذا عرض ينفي الولد، وزاد في لفظ: وإن أنكرته تعرض أن ينفيه، وما روى أبو داود (٣) والنسائي (٤) من حديث ابن عباس، قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، إن امرأتي لا تمنع يد لامس، قال: \"عذبها\"، أي: طلقها، كما في رواية، قال: أخاف أن تتبعها نفسي، قال: \"فاستمتع بها\"، وفي رواية: \"فأمسكها\"، وقوله: لا تمنع يد لامس، كناية عن زناها؛ ولأن الله تعالى فرق بين التعريض بالخطبة في العدة، فأباحه، وبين التصريح فمنعه، حيث قال: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ الآية [البقرة: ٢٣٥]، فليفرق بينهما في القذف أيضًا، ولأنه تعالى أوجب الحد في القذف، تصريح الزنا، فلم يمكن لنا إيجابه بكنايته إلحاقًا لها به دلالة؛ لأن الكناية دون التصريح، لما فيها من الاحتمال، والله أعلم بحقيقة الحال.\n_________\n(١) البخاري (٦/ ٢٥١١).\n(٢) مسلم (٢/ ١١٣٧).\n(٣) أبو داود (٢/ ٢٢٠).\n(٤) النسائي في الكبرى (٣/ ٢٧٠)، وفي الصغرى (٦/ ٦٧).","vol":"3","page":336},{"text":"لما فرغ من بيان ما يتعلق بحد الحد في التعريض، شرع في بيان ما يتعلق الحد في الشرب، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-334>باب الحد في الشراب</span>\nفي بيان ما يتعلق بالحد في الشرب، قوله باب، لغة: فرجة يدخل فيها الداخل من خارج، والعكس، وعرفًا: جملة مشتملة على فصول ومسائل غالبًا، وهو مرفوع على أنه خبر لمبتدأ مقدر كما قدرناه، ومضاف إلى الحد، يجوز لنا يكون منصوبًا لمقدر، كما قدرنا، وظرف في الشرب حال من الحد أو صفة منه، أي: كائن في حق الشرب، وجه المناسبة بين هذا الباب والباب السابق إيلام الحد بالضرب الذي يتعلق مرة بالقول ومرة بالفعل.\n٧٠٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب أن السائب بن يزيد أخبره قال: خرج علينا عمر بن الخطاب فقال: إني وجدتُ من فلانٍ ريح شراب فسألته، فزعم أنه شَرِبَ طلاءً، وأنا سائل عنه، فإن كان يُسكر جلدته الحدّ، فجلده الحدّ.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا ابن شهاب، هو محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة، ثقة فقيه، كان في الطبقة الرابعة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة، أن السائب بن يزيد، هو ابن سعيد بن ثمامة الكندي، وقيل غير ذلك في نسبته، ويعرف بابن النمر، صحابي صغير، له أحاديث قليلة، وحج بالنبي - ﷺ - في حجة الوداع، وهو ابن سبع سنين، وولاه عمر سوق المدينة، مات سنة إحدى وتسعين، وقيل قبل ذلك، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة، كذا في (تقريب التهذيب) (١). أخبره قال: خرج علينا عمر بن الخطاب ﵁ فقال: إني وجدتُ من فلانٍ أي: هو ابنه عبيد الله بالتصغير، كما في البخاري ريح شراب أي: في فم ابنه\n_________\n(٧٠٩) إسناده صحيح.\n(١) التقريب (١/ ٢٢٨).","vol":"3","page":337},{"text":"عبيد الله، فسألته، أي: الفلان، فزعم أي: فقال عمر ظانًا أنه شَرِبَ طلاءً، (ق ٧٤٧) بكسر الطاء المهملة ومد اللام، قال في المقدمة: وهو ما طبخ من عصير العنب حتى يغلظ وشبه بطلاء الإِبل، وهو القطران الذي يطلى به الجرب، وهو ماء عنب طبخ وذهب أقل من ثلثه، وأنا سائل عنه، أي: عما شرب، فإن كان يُسكر كثيره جلدته الحدّ، أي: فسأل عنه فوجده يسكر، فجلده أي: فجلد عمر بن الخطاب ﵁ بابن السائب بن يزيد هو عبيد الله الحدّ، أي: التام، وهو ثمانون جلدة، اعلم أنه لا يحد بمجرد الريح لاحتمال أن يكون مكرهًا أو مضطرًا، وقال مالك: وهو رواية عن أحمد يحد من وجد منه رائحة الخمر؛ لأن رائحتها منه يدل على شربها، فصار كإقراره بالشربة، كذا قاله علي القاري.\n* * *\n\n٧١٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا ثور بن زيد الدِّيلي، أن عمر بن الخطاب استشار في الخمر يشربها الرجل، فقال له عليِّ بن أبي طالب: أرى أن تضربه ثمانين، فإنه إذا ما شربها سكِر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى - أو كما قال - فجلد عمر في الخمر ثمانين.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا ثور بفتح المثلثة وسكون الواو والراء المهملة، هو ابن يزيد، وفي نسخة: زيد الدِّيلي، بكسر الدال المهملة وسكون التحتية وكسر اللام فتشديد التحتية، المدني، اسمه محمد بن البرقي، ثقة، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة، أن عمر بن الخطاب ﵁ استشار أي: مع الصحابة في الخمر أي: في قدر حدها يشربها الرجل، بأخياره، فالمراد به المكلف ذكرًا كان أو أنثى، وإنما استشار؛ لأن النبي - ﷺ - لم يبينه، كما في الصحيحين، عن علي أي: لم يقدر فيه حدًا مضبوطًا، فقال له عليِّ بن أبي طالب ﵁: أرى بفتح الهمزة والراء المهملة: أي: اختيار أن تضربه ثمانين، أي: جلدة إذا كان حرًا الحد القذف، فإنه إذا ما شربها سكِر، كفرح، أي: أزال عقله، وإذا سكر هذى، أي: خلط وتكلم بما لا ينبغي، وإذا هذى افترى، أي: كذب وقذف، أو كما قال، أي: شك من الراوي، أي قال علي فيكون نقلًا بالمعنى، وفي رواية بعد افترى: وعلى المفتر ثمانون حد الفرية، فجلد عمر في الخمر ثمانين، أي: موافقة لعلي رضي الله","vol":"3","page":338},{"text":"عنه، لا تقليدًا له، وبه قال مالك وأحمد في رواية، واختاره ابن المنذر، وفي أبي داود والنسائي عن عبد الرحمن بن أزهر في قصة الشاب الذي ضربه النبي بخيبر وفيه: فلما كان عمر كتب إليه خالد بن الوليد، أن الناس قد انهمكوا في الشرب وتحاقروا العقوبة، قال: وعنده المهاجرون والأنصار، فسألهم فاجتمعوا على أن يضربه ثمانين، وفي مسلم عن أنس ﵁، فلما كان عمر استشار الناس فقال له عبد الرحمن بن عوف: نصف الحدود ثمانون، فأمر به عمر ﵁.\nقال ابن عبد البر: وانعقد عليه إجماع الصحابة، ولا مخالف لهم منهم، وعليه جماعة التابعين، وجمهور فقهاء المسلمين، والخلاف في ذلك كالشذوذ المحجوج بقول الجمهور، وتعقب بما في الصحيحين، عن علي ﵁ أنه جلد الوليد في خلافة عثمان ﵁ أربعين، ثم جلد النبي - ﷺ - أربعين، وأبو بكر وعمر ثمانين، وكل سنة وهذا أحب إليَّ، فلو أجمعوا على الثمانين في زمن عمر لما خالفوا في زمن عثمان، وجلدوا أربعين، إلا أن يكون مراد عمر (ق ٧٤٨) أنهم أجمعوا على الثمانين بعد عثمان، فيصح كلامه، كذا قاله الزرقاني (١).\nلما فرغ من بيان حد الشرب الخمر، شرع في بيان حد شرب المسكر، فقال: هذا\n* * *\n_________\n(١) في شرحه (٤/ ٢٠٥).","vol":"3","page":339},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-335>كتاب الأشربَة</span>\nفي بيان الأشربة جمع القلة، أي: المسكر الذي يتخذ من أي شيء، كذا في نسخة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-336>باب شراب البتع والغبيراء وغير ذلك</span>\nشراب البتع في بيان حكم الشربة يتخذ من البتع، وهو بكسر الموحدة وسكون المثناة الفوقية والعين المهملة، وهو شراب العسل، وكان أهل اليمن يشربونه كما رواه عبد الرحمن بن عوف، في رواية شعيب عن الزهري بسنده عند البخاري، قال أبو عمر: بلا خلاف عند أهل اللغة والفقه، والغبيراء بضم الغين المعجمة وفتح الموحدة وسكون التحتية فراء مهملة فألف ممدودة على وزن حميراء نبيذ الذرة، وقيل: نبيذ الأرز، وبه جزم ابن عمر، وغير ذلك، أي: مما ذكر كنبيذ البطيخ والتين والكمثري، ونحوها، وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق الإِطلاق والتقييد مما يوجب الحد.\n٧١١ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة زوج النبي - ﷺ -، قالت: سُئِل رسول الله - ﷺ - عن البَتْع فقال: \"كلّ شراب أسكر فهو حرام\".\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا ابن شهاب، وهو محمد بن مسلم بن زهرة بن كلاب، ثقة فقيه، كان في الطبقة الرابعة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة، عن أبي سلمة اسمه إسماعيل أو عبد الله، أو اسمه وكنيته، ابن عبد الرحمن بن عوف، الزهري المدني، تابعي ابن الصحابي، ثقة مكثر الرواية، كان في\n_________\n(٧١١) صحيح، أخرجه البخاري (٥٨٥)، ومسلم (٦٧ - ٢٠٠١)، وأبو داود في الأشربة (٣٦٨٢)، والترمذي في الأشربة (١٨٦٣)، والنسائي في الأشربة (٨/ ٢٩٨)، وابن ماجه (٣٣٨٦)، والدارمي (٢/ ١١٣)، والدارقطني (٤/ ٢٥١)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ٢١٦)، والبيهقي في الكبرى (٨/ ٢٩١)، وأحمد في المسند (٦/ ٣٦، ٩٦).","vol":"3","page":341},{"text":"الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين ومائة، عن عائشة ﵂، قالت: سُئِل رسول الله - ﷺ - عن البتْع، بكسر الموحدة بفتح وسكون المثناة الفوقية، وقد تفتح، وعين مهملة، وهو شراب العسل، وكان أهل اليمن يشربونه، فقال: أي: - ﷺ -: \"كل شراب أسكر فهو حرام\"، النبيذ المحرم هو الذي يحد عندنا من كثيره، وهو ما أسكر ولا يحد من قليله، وهو ما لا يسكر، وبه قال النخعي، وأبو وائل، وقال مالك والشافعي وأحمد والأوزاعي والحسين وقتادة وعمر بن عبد العزيز: يحد في قليله وكثيره كالخمر، وقال أبو ثور: من شربه متأولًا فلا حد عليه؛ لأنه مختلف فيه فأشبه النكاح بلا ولي، ولنا ما روى ابن أبي شيبة في (مصنفه) أن عمر بن الخطاب ﵁ سائر رجلًا في سفر وكان صائمًا، فلما أفطر مال إلى قرية فقال له عمر: إنما جلدتك بسكرك.\nواعلم أنه يحد صائمًا، وبه قال مالك والشافعي وأحمد ليحصل المقصود من الحد.\n* * *\n\n٧١٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار: أن النبي - ﷺ - سُئِلَ عن الغُبَيْراءَ فقال: \"لا خير فيها\"، ونهى عنها، فسألت زيدًا ما الغُبَيْرَاءُ؟ فقال: السَّكْرَكَة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا زيد بن أسلم، العدوي المدني مولى عمر، يُكنى أبا عبد الله وأبا أسامة، ثقة عالم، كان يرسل الحديث، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ست وثلاثين ومائة، عن عطاء بن يسار الهلالي، يُكنى أبا محمد المدني، مولى ميمونة، ثقة فاضل صاحب مواعظ وعبادة، كان في الطبقة الثانية من طبقات صغار التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين (ق ٧٤٩) ومائة بعد الهجرة، أنه كان مرسلًا، أن النبي - ﷺ - سُئِلَ عن الغُبَيْراءَ، بضم الغين المعجمة، وفتح الموحدة، وسكون التحتية والراء المهملة، فألف ممدودة، نبيذ الذرة، وقيل: نبيذ الأرز، فقال: \"لا خير فيها\"؛ لأنها مسكرة، سواء كانت قليلة أو كثيرة، ونهى\n_________\n(٧١٢) أخرجه أحمد في المسند (٢٢/ ١٥٨)، وهو في الموطأ برواية أبي مصعب الزهري (١٨٣٨).","vol":"3","page":342},{"text":"عنها، أي: نهيًا تحريمًا، فسألتُ قال مالك: فسألتُ زيدًا أي: ابن أسلم: ما الغُبَيْرَاءُ؟ فقال: السَّكْرَكَة، بسين مهملة، وكاف مضمومتين، وراء ساكنة، ثم كاف مفتوحة، فهاء فهي لفظة حبشية، وقد عربت فقيل الترفع، كذا في (النهاية)، وقال بعض أهل اللغة: هي بفتح السين وسكون الكاف الأولى وفتح الراء المهملة والكاف الثانية، وبالهاء، وفي الحديث: \"إياكم والغبيراء، فإنها خمر الأعاجم\".\nلما فرغ من بيان الحد في شرب المسكر، شرع في بيان تحريم الخمر، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-337>باب تحريم الخمر وما يُكره من الأشربة</span>\nفي بيان تحريم الخمر وما يكره من الأشربة بيان بما\n٧١٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، عن ابن وَعْلة المصري، أنه سأل ابن عباس عما يُعصر من العنب، فقال ابن عباس: أهدى رجلٌ لرسول الله - ﷺ - راوية خمرٍ، فقال له النبي - ﷺ -: \"هل علمتَ أن الله حرَّمها؟ \"، قال: لا، فسارَّ الرجلُ إنسانًا إلى جنبه، فقال النبي - ﷺ -: \"بِمَ سارَرْتَهُ؟ \" قال: أمرته أن يبيعها، فقال: \"إن الذي حرَّم شربها حرَّم بيعها\"، قال: ففتح المزادتين حتى ذهب ما فيهما.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا زيد بن أسلم، وقد مر بيان طبقته آنفًا، عن ابن وَعْلة المصري، بفتح الواو وسكون العين المهملة واللام المفتوحة فمثناة فوقية، اسمه عبد الرحمن المصري التابعي الصدوق، وفي رواية ابن وهب عن مالك عن زيد عن عبد الرحمن بن وعلة النسائي، من أهل مصر، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل مصر، كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة.\n_________\n(٧١٣) صحيح، أخرجه مسلم في المساقاة (١٥٧٩)، والنسائي في البيوع (٧/ ٣٠٧، ٣٠٨)، والشافعي في المسند (١/ ١٤، ١٤١)، والبيهقي في الكبرى (٦/ ١١، ١٢).","vol":"3","page":343},{"text":"أنه سأل ابن عباس ﵄ عما يُعصر من العنب، فقال ابن عباس: أهدى رجلٌ اسمه كيسان الفقي، كما رواه أحمد من حديثه، لرسول الله - ﷺ - راوية خمرٍ، بالإِضافة، أي: مزادتها، وأصل الراوية البعير يحمل الماء عليها فيها المبالغة، ثم أطلقت الراوية على كل دابة يحمل عليها الماء، ثم على المزادة، ولفظ رواية أحمد عن كيسان: أنه كان يتجر في الخمر، وأنه أقبل من الشام، فقال: يا رسول الله إني جئتك بشراب جيد، وعنده أيضًا عن ابن عباس، كان للنبي - ﷺ - صديق من ثقيف أو دوس، فلقيه يوم الفتح براوية خمر يهديها إليه، فقال له النبي - ﷺ -: \"هل علمتَ أن الله ﷿ حرَّمها؟ \"، أي: غلب في أمره، وظهر في حكمه ولا يُسئل عما يفعله، حرَّمها في سورة المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]، قال: أي: الرجل: لا، أي: لم أعلم بذلك، فسارَّ الرجلُ بتشديد الراء، أي تكلم خفية، إنسانٌ إلى جنبه، وفي رواية أحمد عن ابن عباس ﵄: فأقبل الرجل على غلامه فقال: بعها، ولابن وهب: فسارّ إنسانًا فقال له: أي: للإِنسان، تكلم خفية برجل في جنبة النبي - ﷺ -، أصله بما محذوف الألف؛ لأن حرف الجر أدخل على ما الاستفهامية يحذف ألفها تخفيفًا للفظ الكثير التداول، أو فرق بين الاستفهامية والإِسمية، أو إخبارًا عن شدة اتصال ما بحرف الجر، حتى صارت كالجزء منه، فمعناه: أي شيء كلمته خفية، كما فصلناه في تفسير عم يتساءلون، في كتابنا (نور الأفئدة). قال: أمرته ببيعها، أي: ظنًا منه أنه يحرم شربها لا بيعها، فقال: أي: النبي - ﷺ -: \"إن الذي أي: الله ﷿ حرَّم شربها حرَّم بيعها\"؛ لأنه رجس، أي: نجس، وهو لا يصح بيعه، ولا يؤدي إلى شربها، وفي حديث كيسان، (ق ٧٥٠) قال: إنها حرمت وحرم ثمنها.\nقال: أي: الراوي، ففتح أي: الرجل المزادتين، بفتح الميم والزاي، تثنية مزادة، وهي القربة؛ لأنه يتزود فيها الماء، حتى ذهب ما فيهما، أي: من الخمر، ففيه وجوب إراقته لفعله ذلك بحفرته - ﷺ -، وأقره عليه هذا إذا كانت عند مسلم صورة إذا أسلم ذمي وفي يده الخمر والخنزير فأتلفها آخر لا يضمنها بلا إتلاف لأنهما بمال في حق المسلم، بخلاف خمر الذمي، وخنزيره، حيث يضمنها بلا إتلاف، لأنهما مال في حق الذمي، كذا في كتاب (الغصب من الدرر).","vol":"3","page":344},{"text":"وقد اختلف في وقت تحريم الخمر، فقيل: سنة أربع بعد الهجرة، وقيل: سنة ست، وقيل: سنة ثمان، قال الحافظ: وهو الظاهر لرواية أحمد عن ابن عباس، أن الرجل المهدي راوية الخمر لقيه - ﷺ - يوم الفتح، وروى أحمد وأبو يعلى عن تميم الداري: أنه كان يهدي لرسول الله - ﷺ - كل عام راوية خمر، فلما كان عام حرمت جاء براويته فقال: \"أشعرت أنها قد حرمت بعدك؟ \" قال: أفلا أبيعها وأنتفع، فنهاه، ففي هذا تأييد الوقت المذكور، فإن إسلام تميم الداري كان بعد الفتح. وروى أصحاب السنن عن عمر ﵁ أنه قال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزل قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ الآية [البقرة: ٢١٩]، فقرأت عليه، فقال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزل في قوله تعالى في سورة النساء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]، فقرأت عليه، فقال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزل في قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠، ٩١].\nقال عمر ﵁: انتهينا، صححه علي بن المدني والترمذي، انتهى.\nوبحديث عمر قد يجمع بين الأقوال الثلاثة باحتمال أن كل مرة كانت في سنة منها، وزعم مغلطاي أنها حرمت في شوال سنة ثلاث، والواقدي أنه عقد قول حمزة إنما أنتم عبيد لأبي يعني سنة اثنين، ويرد عليه حديث الصحيح عن جابر: اصطبح الخمر ناس يوم أحد فقتلوا من يومهم جميعًا شهداء. ثم أحذر أن يخطر ببالك أن النبي - ﷺ - شرب الخمر قبل تحريمها، فلا يلزم من أهدى الراوية إليه كل عام قبل التحريم أن يشرب، بل يهديها أو يتصدق بها، أو نحو ذلك، وقد صانه الله تعالى من قبل النبوة عما يخالف شرعه، وهو لم يشرب الخمر المحضرة من الجنة ليلة المعراج، وهذا الحديث رواه مسلم في البيع من طريق ابن وهب عن مالك به، وتابعه حفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم، وتابعه يحيى بن سعيد عن عبد الرحمن بن وعلة في مسلم أيضًا، كذا قاله الزرقاني.\n* * *","vol":"3","page":345},{"text":"٧١٤ - اخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر أن رجلًا من أهل العراق قال لعبد الله بن عمر: إنا نبتاع من تمر النخل والعنب فنعصره خمرًا، فنبيعه، فقال له عبد الله بن عمر: إني أُشهد الله عليكم وملائكته، ومن سمع من الجنّ والإِنس أنِّي لا آمركم أن تبتاعوها فلا تبتاعوها ولا تعصروها ولا تسقوها، فإنها رجس من عمل الشيطان.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، ما كرهنا شربه من الأشربة الخمر والسّكر، ونحو ذلك، فلا خير في بيعه ولا أكل ثمنه.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا نافع، أي: ابن عبد الله المدني مولى ابن عمر، ثقة ثبت فقيه، مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة، عن ابن عمر ﵄، أن رجلًا من أهل العراق بكسر العين المهملة والراء المهملة فألف، وقاف، أي: الكوفة والبصرة، كانتا في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، قال لعبد الله بن عمر ﵄: يا أبا عبد الرحمن، وهو كنية ابن عمر: إنا نبتاع أي: نشتري من تمر النخل والعنب والقصب أي: قصب السكر، فنعصره أي: من الإِعصار، خمرًا، فنبيعه، أي: فهل ذلك حرام، أي: ولعلهم كانوا حديثي عهد بالإِسلام. فقال له عبد الله بن عمر: إني أُشهد الله عليكم وملائكته، ومن سمع من الجن والإِنس أنِّي بذلك لزيادة الزجر والتهويل والإِشارة إلى أن حرمت ذلك فجمع عليها، لا آمركم أن تبتاعوها أي: فلا تشتروها، ولا تعصروها ولا تسقوها، أي: أنفسكم وغيرها، وهو من سقى أو أسقى، وفي (الموطأ) برواية يحيى: إني لا آمركم أن تبتاعوها، ولا تبيعوها، ولا تعصروها، ولا تشربوها، ولا تسقوها، أي: غيرها، فإنها أي: الخمر رجس أي: نجس من عمل الشيطان، أي: فاجتنبوه لعلكم تفلحون، كما في الآية.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما روى نافع عن ابن عمر، وفي نسخة: كله نأخذ، ما أي: شيء كرهنا أي: حرمنا شربه من الأشربة الخمر وهو حرام\n_________\n(٧١٤) إسناده صحيح.","vol":"3","page":346},{"text":"قطعًا، والسّكر، بفتحتين عصر الرطب إذا اشتد، كذا في (المغرب)، ونحو ذلك، أي: من أنواع النبيذ.\nقال الميرك: اعلم أنه جرت عادة أصحاب الحديث إذا روي بإسنادين أو أكثر وساقوا الحديث بإسناد أولًا، ثم ساقوا بإسناد آخر يقولون في آخره: مثله أو نحوه اختصارًا، والمثل يستعمل بحسب الاصطلاح فيما إذا كان الموافقة بين الحديثين في اللفظ والمعنى، والنحو فيستعمل إذا كانت الموافقة في المعنى فقط، هذا هو المشهور فيما بينهم، وقد يستعمل كل واحد منهما مقام الآخر. كذا قاله علي القاري في (شرح الشمائل)، في حدثنا سفيان بن وكيع في باب خُلق رسول الله - ﷺ -، فلا خير في بيعه ولو لغير مسلم، ولا أكل ثمنه، أي: لأنه لا بركة فيه.\n* * *\n\n٧١٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"مَنْ شَرِبَ الخمر في الدنيا، ثم لم يَتُب منها حُرِمَها في الآخرة، فلم يُسْقَها\".\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا نافع، وفي نسخة: عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"مَنْ شَرِبَ الخمر في الدنيا، ثم لم يَتُب منها أي: من شربها حتى مات، وفي لفظ: ثم إشعار بأن تراخي التوبة لا يمنع قبولها إلى أن يغرغر حُرِمَها بضم الحاء المهملة وكسر الراء المهملة الخفيفة من الحرمان، وهو حذف الإِيصال، أي: منع من شربها في الآخرة، فلم يُسْقَها\" بصيغة المجهول، ولمسلم من طريق أيوب عن نافع: فمات وهو مدمنها لم يشربها في الآخرة، قال ابن العربي: ظاهر الحديث أنه لا يشربها في الجنة؛ وذلك لأنه استعمل ما أمر بتأخير ما وعد به فحرمه عند ميقاته، كالوارث إذا قتل مورثه، فإنه يحرم ميراثه لاستعجاله؛ ولهذا قال نفر من الصحابة ومن العلماء، وهو موضع احتمال وتوقف وإشكال والله أعلم كيف يكون الحال؟\n_________\n(٧١٥) صحيح، أخرجه البخاري (٥٥٧٥)، ومسلم (٥١٢٤)، والنسائي في الأشربة (٨/ ٣١٧).","vol":"3","page":347},{"text":"قال القرطبي: يقول بظاهره أنه يحرم ذلك وإن دخل الجنة إذا لم يتب لاستعجاله ما أخر الله له في الآخرة وارتكاب ما حرم عليه في الدنيا.\nوقد أخرج الطيالسي بسند صحيح، وابن حبان والحاكم عن أبي سعيد الخدري (١) ﵁ أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"مَنْ لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة، ولم يلبسه هو\"، قال: فهذا نص صريح إن كان كله مرفوعًا، وإن كانت الجملة الأخيرة مدرجة من كلام الراوي، فهو أعرف بالحديث، قال الحافظ: وفصل بعض المتأخرين (ق ٧٥٢) بين من يشربها مستحلًا، فهو الذي لا يشربها أصلًا؛ لأنه لا يدخل الجنة وبين شربها عالمًا بتحريمها فهو حل الخلاف، فقيل: إنه الذي يحرم شربها مدة والوصال تعذيبه إن عذب، أو المعنى أن ذلك جزاؤه إن جوزي، كذا قاله الزرقاني (٢).\n* * *\n\n٧١٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري، عن أنس بن مالك: أنه قال: كنتُ أسقي أبا عُبيدة بن الجرّاح، وأبا طلحة الأنصاري، وأبي بن كعب شرابًا من فضيخ وتمر، فأتاهم آت فقال: إن الخمر قد حُرِّمَتْ، فقال أبو طلحة: يا أنس قم إلى هذه الجِرار فاكسرها، فقمت إلى مهراس لنا فضربتها بأسفله حتى تكسّرت.\nقال محمد: النقيع عندنا مكروه، ولا ينبغي أن يُشرب من البُسْر والتمر والزبيب، وهو قولُ أبي حنيفة، إذا كان شديدًا يُسكر.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري، الدني، يكنى أبا يحيى، ثقة حجة، كان في الطبقة\n_________\n(١) الحاكم (٤/ ١٥٧)، وابن حبان (١٢/ ٢٤٥)، والطيالسي (١/ ١٠).\n(٢) في شرحه (٤/ ٢١١).\n(٧١٦) إسناده صحيح.","vol":"3","page":348},{"text":"الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة اثنين وثلاثين ومائة، عن أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم الخزرجي رضي الله تعالى عنه، أنه قال: كنتُ أي: قبل تحريم الخمر أسقي بفتح الهمزة أو ضمها أبا عُبيدة بالتصغير، اسمه: عامر بن الجرّاح، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأبا طلحة، وهو زيد بن سهل الأنصاري، زوج أم أنس، وجد إسحاق، وأبي بن كعب وهو سيد القراء وكبير الأنصار وعالمهم، زاد في رواية لمسلم، وأبو دجانة، وسهيل بن بيضاء، ومعاذ بن جبل، وأبا أيوب، شرابًا من فضيخ بفتح الفاء وكسر الضاد المعجمة، وسكون التحتية والخاء المعجمة، شراب يتخذ من البسر المكسور حتى يسكر بسرعة، وتمر لمسلم من طريق قتادة عن أنس أنه قال: أسقاهم من مزادة فيها خليط بسر وتمر.\nوللبخاري من طريق بكر بن عبد الله عن أنس: أن الخمر حرمت يومئذ التمر والبسر، ولأحمد عن حميد عن أنس: حتى كان الشراب يأخذ فيهم، ولابن أبي عاصم: حتى مالت رؤوسهم، قال أنس: فأتاهم آت أي: فجاءهم رجل، قال الحافظ: لم أقف على اسمه، فقال: إن الخمر قد حُرِّمَتْ، فقال أبو طلحة: أي: زيد بن سهل، وهو زوج أم أنس لربيبه الساقي: يا أنس قم إلى هذه الجِرار بكسر الجيم، جمع جرة، التي فيها الشراب المذكور، فاكسرها أي: اسكب ما فيها، قال أنس: فقمت إلى مهراس لنا بكسر الميم وسكون الهاء، فراء مهملة، فألف وسين مهملة، أي: حجر مستطيل ينقر ويدق فيه، ويتوضأ، وقد استعير للخشبة التي يدق فيها الحب، فقيل لها: مهراس من الحجر أو الصفر الذي يهرس فيه الحبوب، وغيرها، فضربتها أي: الجرار بأسفله حتى تكسّرت.\nوفي رواية إسماعيل عن مالك فقال أبو طلحة: قم يا أنس فأهرقها، وفي رواية لمسلم: سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل، فيه حجة قوية في قبول خبر الواحد؛ لأنهم أثبتوا به نسخ الشيء الذي كان مباحًا، حتى قدموا من أجله على تحريمه والعمل بمقتضاه من صب الخمر وكسر أوانيها.\nوأخرجه البخاري في الأشربة عن إسماعيل، وفي الجر الواحد عن يحيى بن قزعة، ومسلم في الأشربة من طريق ابن وهب كلهم عن مالك به، وله طرق عندنا وعند غيرهما، قال أبو عمر: هذا الحديث وما كان مثله يدخل في المسند عند الجميع.","vol":"3","page":349},{"text":"قال محمد: النقيع عندنا مكروه، وهو شراب ينقع في الماء من غير طبخ، كذا في (النهاية)، وفي (المغرب)، أنقع الزبيب في الخابية ونقعه: أي: ألقاه فيها ليبتل ويخرج منه الحلاوة، واسم لشراب النقع، ولا ينبغي أي: ولا يحل أن يُشرب من البُسْر والتمر والزبيب، وهو قولُ أبي حنيفة، ﵀، أنه إذا كان شديدًا يُسكر، وأما إذا لم يسكر فلا يحرم، وهو من قبيل الخليطين، وسيأتي الكلام إن شاء الله تعالى.\nولما فرغ من بيان حرمة شرب الخمر الخالصة، شرع في بيان حرمة شرب الشراب المختلط، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-338>باب الخليطين</span>\nفي بيان حكم شرب الشرابين الخليطين، أي: المخلوطين، وهو أن يجمع التمر والزبيب والرطب والبسر ويطبخ أدنى طبخة، ويترك إلى أن يغلي، ويشتد، كذا في (شرح النقاية)، وجه المناسبة بين هذا الباب والباب السابق حرمة الشرب.\n٧١٧ - أخبرنا مالك، أخبرني الثقة عندي، عن بكير بن عبد الله بن الأشجّ، عن عبد الرحمن بن حُباب الأسْلَمي، عن أبي قتادة الأنصاري أن النبي - ﷺ - نهى عن شُرب التمر والزبيب جميعًا، والزَّهْوُ والرَّطب جميعًا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: قال محمد، قال: بنا، أخبرنا، وفي نسخة قال: بنا الثقة عندي، قيل: هو مخرمة بن بكير أو ابن لهيعة، فقد رواه الوليد بن مسلم عن عبد الله بن لهيعة عن بكير بالتصغير ابن عبد الله بن الأشجّ، بفتح الهمزة والشين المعجمة وتشديد الجيم، هو مولى بني مخزوم، يكنى أبا عبد الله، أو أبا يوسف المدني المخزومي، نزل بمصر، ثقة، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل مصر، كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، مات سنة عشرين، وقيل: بعدها، ومائة بعد الهجرة، عن\n_________\n(٧١٧) صحيح، أخرجه البخاري (٥٢٨٠)، ومسلم (١٩٨٨).","vol":"3","page":350},{"text":"عبد الرحمن بن حُباب بضم الحاء المهملة والموحدتين الأولى خفيفة بينهما ألف، الأسْلَمي بفتح الهمزة، وسكون السين المهملة، وفتح اللام فالميم وتحتية شديدة ثقة تابعي، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة، كذا قاله ابن حجر.\nعن أبي قتادة الأنصاري، هو الحارث، ويقال: عمر أو النعمان بن ربعي، بكسر الراء وسكون الموحدة، وكسر العين المهملة، وتحتية، ابن بلوم السلمي المدني، شهد أحدًا وما بعدها، ولم يصح شهوده بدرًا، ومات سنة أربعة وخمسين، وقيل: سنة ثمان وثلاثين من الهجرة، والأول أصح وأشهر، كذا في (تقريب التهذيب)، أن النبي - ﷺ - نهى عن شُرب التمر والزبيب جميعًا، أي: لأن أحدهما يشتد به الآخر فيسرع الإِسكار، والزَّهْوُ بفتح الراء وسكون الهاء، وهو البس الملون على ما في (المغرب)، أي: نهى عن شربها جميعًا، وعن شرب: الزهو والرَّطب جميعًا، وهو نهي كراهة، وقيل: تحريمي لإِسراع الإِسكار، بخلطها فقد يظن عدم بلوغ الإِسكار، وقد يكون بلغه.\nوهذا الحديث رواه البخاري (١) ومسلم (٢) من وجه آخر، عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه، قال: نهى النبي - ﷺ - أن يُجمع بين التمر والزهو والتمر والزبيب، وينبذ كل واحد منهما على حدة، وفي مسلم عن أبي سعيد مرفوعًا: \"من شرب منكم النبيذ فليشربه زبيبًا فردًا وتمر فردًا أو بسرًا فردًا\"، وجاء أيضًا النهي عن ذلك من حديث ابن عباس وجابر وأبي سعيد الخدري ﵃، قال أبو عمر: أحاديث الباب صحيحة متواترة، تلقاها العلماء بالقبول.\n* * *\n\n٧١٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار: أن النبي - ﷺ - نهى عن نبيذ البُسْر والتمر والزبيب جميعًا.\n_________\n(١) البخاري (٥٢٨٠).\n(٢) مسلم (١٩٨٨).\n(٧١٨) إسناده مرسل.","vol":"3","page":351},{"text":"• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا زيد بن أسلم العدوي، مولى عمر، يُكنى أبا عبد الله وأبا أسامة المدني، ثقة عالم كان يرسل، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ست وثلاثين ومائة، عن عطاء بن يسار الهلالي، يكنى أبا محمد المدني، مولى ميمونة، ثقة فاضل صاحب مواعظ وعبادة، كان يرسل، وكان في الطبقة الثانية من طبقات صغار التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين.\nأن النبي - ﷺ - نهى أن ينبذ البُسْر بضم الموحدة وسكون السين المهملة فراء مهملة، والتمر بمثناة فوقية وميم ساكنة فراء مهملة، جميعًا، أي: حال كونهما مجتمعين، والتمر والزبيب جميعًا، ذهب مالك وأحمد والشافعي في أحد قوليه إلى تحريم النبيذ الذي جمع فيه بين الخليطين المذكورين، ونحوهما، وإن لم يكن منهما (ق ٧٥٤) مسكرًا عملًا بهذا الحديث، وأبو حنيفة والشافعي في قوله الآخر: لا يحرم ما لم يسكر، فإن قيل: أخرج مسلم عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن الزبيب والتمر والبسر، وقال: نبيذ كل واحد منهما على حدته أجيب بأنه محمول على شدة العيش أو سعته على الناس، روى هذا محمد في الآثار عن أبي حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم النخعي، رحمهم الله تعالى.\nلما فرغ من بيان حكم نبيذ الخليطين، شرع في بيان حكم النبيذ المتخذ في الدباء والمزفت، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-339>باب نبيذ الدُّبَّاء والمُزَفَّت</span>\nبالتنوين، أي: كائن في بيان حكم نبيذ الدباء بضم الدال المهملة وتشديد الموحدة الممدودة أو المقصورة، وهو فرع، والمزفت بضم الميم وفتح الزاي وتشديد الفاء المثناة الفوقية الوعاء المطلي بالزفت، وهو القار، وهذا مما يحدث التغيير في الشراب سريعًا، ذكره في (المغرب).","vol":"3","page":352},{"text":"٧١٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أن النبي - ﷺ - خطب في بعض مغازيه، قال ابن عمر: فأقبلْتُ نحوه فانصرف قبل أن أبلغه، فقلت: ما قال؟ قالوا: نهى أن يُنْبَذَ في الدُّبَّاءِ والمُزَفَّت.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، ﵄، أن النبي - ﷺ - خطب أي: وعظ الناس في بعض مغازيه أي: غزواته، قال ابن عمر: فأقبلْتُ نحوه أي: توجهت إليه؛ لأسمع كلامه - ﷺ -، فانصرف أي: من خطبته قبل أن أبلغه، أي: أن أصل إليه، فقلت: أي: سألت لبعض الأصحاب: ما قال؟ أي: أي شيء تكلم قالوا: أي: أجابني بعض الأصحاب: نهى رسول الله - ﷺ - أن يُنْبَذَ بضم التحتية وسكون وفتح الموحدة والذال المعجمة، أي: يطرح في الدُّبَّاءِ بضم الدال المهملة وتشديد الموحدة الممدودة، أو المقصورة، أي: قرع، والمُزَفَّت، بضم الميم وفتح الزاي وتشديد الفاء المفتوحة والمثناة الفوقية، أي: الوعاء المطلي بالزفت الأسود، وفي رواية: والنقير، والختم الخشب المنحوت، والختم الجرة الخضراء، وكان ذلك في أول الإِسلام، ثم نسخ بقوله - ﷺ -: \"كنتُ نهيتكم عن الأشربة إلا في ظروف الأدم، فاشربوا في كل وعاء غير أن تشربوا سكرًا\"، رواه مسلم (١) عن بريدة.\n* * *\n\n٧٢٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، أن النبي - ﷺ - نهى أن يُنْبَذَ في الدُّبَّاءِ والمُزَفَّت.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي بضم الحاء المهملة، وفتح الراء المهملة بعدها قاف، يكنى أبا شبل، بكسر الشين\n_________\n(٧١٩) إسناده صحيح.\n(١) مسلم (٩٧٧).\n(٧٢٠) صحيح، أخرجه مسلم في الأشربة (١٩٩٣)، والنسائي في الأشربة (٨/ ٣٠٥)، والبيهقي في معرفة السنن والآثار (١٣/ ١٧٤٠٥)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ٢٢٧).","vol":"3","page":353},{"text":"المعجمة وسكون الموحدة وبعدها اللام، المدني، صدوق ربما وهم، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ثلاث وثلاثين ومائة، عن أبيه، أي: عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي، يكنى أبا شبل، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، أن النبي - ﷺ - نهى أن ينبذ بصيغة المجهول، أي: أن يطرح في الدباء، أي: القرع، والمزفت، أي: من الجرار لإِسراع إسكار ما ينبذ فيهما.\nلما فرغ من بيان حكم ما ينبذ في الدباء والمزفت، شرع في بيان حكم نبيذ الطلاء، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-340>باب نبيذ الطلاء</span>\nفي بيان حكم نبيذ الطلاء، أي: منبوذ فيه، وهو بكسر الطاء المهملة كل ما يُطلى به قطران ونحوه، ويقال: لكل ما غلظ من الأشربة طلاء على التشبيه، حتى سمي به الثلث، كذا في (المغرب).\n٧٢١ - أخبرنا مالك، أخبرنا داود بن الحُصين، عن واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ، عن محمود بن لبيد الأنصاري: أن عمر بن الخطاب حين قدم الشام شكا إليه أهل الشام وباء الأرض وثِقلها، قالوا: لا يصلح لنا إلا هذا الشراب، قال: اشربوا العسل، قالوا: لا يصلحنا العسل، قال رجل من أهل الأرض: هل لك أن أجعل لك من هذا الشراب شيئًا لا يُسكر، قال: نعم، فطبخوه حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه، فأتوا به عمر بن الخطاب، فأدخل إصبعه فيه ثم رفع يده فتبعه يتمطَّط، فقال: هذا الطلاءُ مثلُ طلاءِ الإِبل، فأمرهم أن يشربوه، فقال له عُبادة بن الصامت: أحللتَها والله، قال: كلا والله ما أحللتُها، اللهم إني لا أُحلُّ شيئًا حَرَّمْتَهُ عليهم، ولا أُحَرِّمُ عليهم شيئًا أَحْلَلْتَهُ لهم.\n_________\n(٧٢١) إسناده صحيح.","vol":"3","page":354},{"text":"قال محمد: وبهذا نأخذ، لا بأس بشراب الطِّلاء الذي ذهب ثلثاه وبقي ثلثه وهو لا يُسكر، فأمَّا كل معتَّق يُسكر فلا خير فيه.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، أخبرنا داود بن الحُصين الأموي، مولاهم يُكنى أبا سليمان المدني، ثقة إلا في عكرمة، كان في الطبقة السادسة من (ق ٧٥٥) طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة، عن واقد بالقاف ابن عمرو بفتح العين المهملة ابن سعد بن معاذ الأنصاري الأشهلي، يُكنى أبا عبد الله المدني، ثقة تابعي، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ست وعشرين ومائة، عن محمود بن لبيد الأنصاري الأوسي الأشهلي، يُكنى أبا نعيم المدني، صحابي صغير، وحكى روايته عن الصحابة، مات سنة ست وتسعين وله تسع وتسعون سنة، كذا في (تقريب التهذيب) لابن حجر (١).\nأن عمر بن الخطاب ﵁ حين قدم الشام أي: في زمان خلافته، شكا إليه أهل الشام وباء الأرض أي: عن طاعونها وثِقلها بكسر الثاء المثلثة وفتح القاف فلام بعدها، أي: ثقل مائها، وقالوا: عطف على شكى: لا يصلح لنا إلا هذا الشراب، لعله كان عندهم نوع من الشراب غير الخمر من أنواع النبيذ، فيكون الاستثناء منقطعًا، فقال: أي: عمر: اشربوا العسل أي: فإنه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون، قالوا: أي: أهل الشام، لا يصلحنا العسل، أي: لا يوافق أمزجتنا؛ لأنه حلو وأمزجتنا حارة، قال رجل من أهل الأرض أي: أرض الشام: هل لك أي: رغبة أن أجعل لك من هذا الشراب شيئًا لا يُسكر، قال: نعم، فطبخوه حتى ذهب أي: منه ثلثاه وبقي ثلثه، فأتوا به عمر بن الخطاب ﵁، أي: ليعرضوا عليه، فأدخل أي: عمر إصبعه فيه ثم رفع يده فتبعه وفي (الموطأ) ليحيى فتبعها يتمطَّط أي: يتمدد، أراد أنه ثخين على ما في (النهاية)، فقال: هذا الطلاءُ بالمد، أي: ما يطبخ من العصير حتى يغلظ مثلُ طلاءِ الإِبل، وفي رواية: ما أثبته بطلاء الإِبل، أي: ما يطلى به جربها من قطران ونحوه، فأمرهم أي: بأهل الشام أن يشربوه، أي: على سبيل التداوي؛ لأنه لم يره مسكرًا، وفيه إشعار بأن\n_________\n(١) التقريب (١/ ٥٢٢).","vol":"3","page":355},{"text":"المسكر لا يتداوى به، إلا أن ينتقل من طبعه إلى الحل، فقال له أي: لعمر عُبادة بن الصامت أي: أحد فضلاء الصحابة أحللتَها أي: جعلت الخمر حلالًا يا عمر والله، هذا يمين لغو، وهي حلفه كاذبًا يظنه صادقًا، كما إذا حلف أن في هذا الكوز ماء بناء على أنه رآه كذلك، ثم ارتق ولم يعرفه، وحكمها أن يرجى عفوه، وإنما سميت لغوًا لأنها لا يعتبرها؛ فإن اللغو اسم لما لا يفيد شيئًا، وعند الشافعي اليمين اللغو أن يجري على لسانه بلا قصد، سواء كان في الماضي والآتي، بأن قصد التسبيح، فجرى على لسانه اليمين، مثل هذا خلاصة ما في (الدرر)، قال: أي: عمر كلا ردع، أي: انزجر عن هذا القول، والله ما أحللتُها، أي: الخمر، اللهم إني لا أُحلُّ لهم أي: لا أبيح لهم، أي: لأهل الشام شيئًا حَرَّمْتَهُ عليهم، ولا أُحَرِّمُ عليهم شيئًا أَحْلَلْتَهُ لهم.\nوكان عمر اجتهد في ذلك تلك المرة، ثم رجع عنه، فحد ابنه في شرب الطلاء.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله عمر بن الخطاب ﵁، من أن الشراب إذا لم يسكر يباح شربه، كما قال، أي: محمد بن الحسن، لا بأس أي: لا كراهة بشراب الطِّلاء الذي ذهب ثلثاه وبقي ثلثه وهو لا يُسكر، أي: مطلقًا قليلًا أو كثيرًا، فأمَّا كل معتَّق بضم الميم (ق ٧٥٦) وفتح العين المهملة وتشديد الفوقية، أي: العتيق والقديم، يُسكر أي: في ساعته أوسع التراجي، فلا خير فيه، أي: لا يتداوى به؛ لأنه نجس، فلا يتداوى به، وأما أبوال الإِبل شربها العرنيون بإذن النبي - ﷺ - لهم لأجل الدواء بجربهم فمختص لهم.\nقال البخاري: ورأي عمر وأبو عبيدة بن الجراح ومعاذ شرب الطلاء على الثلث، وروي في النسائي شربه عن أبي موسى الأشعري، وقال أبو داود: سألتُ أحمد عن شرب الطلاء إذا ذهب ثلثاه وبقي ثلثه، فقال: لا بأس به، قلتُ: إنهم يقولون: إنه يسكر، قال: لو كان يسكر ما أحله عمر، ثم اعلم أنه حل نبيذ التمر والزبيب مطبوخًا أدنى طبخة بأن طبخ حتى نضج، وإن اشتد إذا شرب ما لم يسكر بلا نية لهو وطرب، بل بنية التقوي، وكذا حل نبيذ العسل والتين والبسر والشعير والذرة، وإن لم يطبخ بلا نية لهو وطرب بل التقوي.\nلكن حل ذلك أبي حنيفة وأبي يوسف، فلا يحد شاربه، وإن أسكر منه.","vol":"3","page":356},{"text":"وقال محمد: كل مسكر كثيره حرم قليله من أي نوع كان، ويحد السكران فيه.\nوالفتوى في زماننا على قول محمد بن الحسن الشيباني؛ لأن الفساق يجتمعون عليها ويقصدون اللهو بشرابها والسكر بسببها.\nلما ذكر ما يتعلق بالإِحياء، شرع بذكر ما يتعلق بالأموات، فقال: هذا\n* * *","vol":"3","page":357},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-341>كتاب الفرائض</span>\nفي بيان أحكام الفرائض، هذا كلام إضافي يجوز فيه من الإِعراب وجهان: رفعه على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هذا كتاب كما فسرناه فلفظ \"هذا\" اسم الإِشارة، وضع لأنه يشار به إلى محسوس بالإِشارة الحسية، والمراد بالمحسوس اللفظ الدال على المعنى أي: هذا اللفظ كتاب أي: مكتوب في بيان أحكام الفرائض، ونصبه على أنه مفعول لفعل مقدر وهو خذ واقرأ الكتاب، وهو لغة إما مصدر بمعنى الجمع يسمى به المفعول للمبالغة أو فعال بني للمفعول كاللباس بمعنى الملبوس، واصطلاحًا: مسائل اعتبرت مستقلة شملت أنواعها وهو أي: الفرائض جمع فريضة بمعنى المفروضة أي مقدرة لما فيها من السهام المقدرة في الميراث، والمراد بالفرائض هنا علم بفتح العين واللام فميم بعدهما يعرف منه كيفية قسمة المواريث بين مستحقها وقد ورد: \"تعلموا الفرائض وعلموا الناس، فإنه نصف العلم وهو ينسى وهو أول شيء نزع من أمتي\" رواه ابن ماجه (١) والحاكم (٢) عن أبي هريرة.\nوفي رواية الترمذي عنه: \"تعلموا الفرائض والقرآن وعلموا الناس فإني مقبوض\".\nقال جلال الدين السيوطي في (الأوليات): روى أبو هريرة ﵁: أول علم ينزع من هذه الأمة الفرائض. . . الحديث.\n٧٢٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن قبيصة بن ذؤيب: أن عمر بن الخطاب فرض للجَدِّ الذي يَفْرض له الناس اليوم.\nقال محمد: وبهذا نأخذ في الجَدِّ، وهو قول زيد بن ثابت، وبه يقول العامة، وأما أبو حنيفة فإنه كان يأخذ بقول أبي بكر الصديق وعبد الله بن عباس: فلا يورّث الإِخوة معه شيئًا.\n• أخبرنا مالك، بن أنس بن مالك بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، ينسب إلى ذي\n_________\n(١) الحاكم (٤/ ٣٦٩).\n(٢) الترمذي (٢٠٩٠).","vol":"3","page":359},{"text":"أصبح، وهو ملك من ملوك اليمن المدني، كان في الطبقة السابعة من طبقات كبار أتباع التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة وله تسعون سنة أخبرنا ابن شهاب، وهو محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، كان في الطبقة الرابعة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة من الهجرة عن قبيصة (ق ٧٥٨) بفتح القاف وكسر الموحدة وسكون التحتية والصاد المهملة المفتوحة فهاء ابن ذؤيب: بالذال المعجمة المضمومة، تصغير ذئب بهمزة ويبدل فيهما وهو حلحلة بمهملتين مفتوحتين بينهما لام ساكنة الخزاعي أبا سعيد وأبا إسحاق المدني نزيل دمشق من أولاد الصحابة، وله رؤية مات سنة بضع وثمانين كذا في (تقريب التهذيب) أن عمر بن الخطاب ﵁ فرض أي: حكم للجَدِّ الذي يَفْرض له أي: للحد الناس أي: العامة من العلماء اليوم أي: من مقاسمة الأخ الواحد بالنصف والاثنين بالثلث، فإن زاد وأقله الثلث وفي (الموطأ) لمالك أنه قال: بلغني عن سليمان بن يسار أنه قال: فرض عمر وعثمان بن عفان وزيد بن ثابت للجد مع الأخوة الثلث وصورته من مات وترك جده أو خاله لأبويه فالمال المتروك يقسم بينهما على النصفية، وإن ترك الجد مع الأخوين أو ثلاث أخوة فالمسألة من ستة الثلث للجد، والثلثان لهم عند مالك والشافعي وأحمد وأبو يوسف ومحمد.\nكما قال محمد: وبهذا نأخذ أي: إنما نعمل ونفتي بقول عمر بن الخطاب ﵁ في الجَدِّ، مع الأخوة وهو أي: ما قاله عمر وزيد بن ثابت قول العامة، أي: جمهور الفقهاء وأما أبو حنيفة فإنه كان يأخذ أي: يعمل في الجد أي: في حق إرثه بقول أبي بكر الصديق ﵁ وعبد الله بن عباس: ﵄ فلا يورّث الإِخوة أي: فلا يجعلهم أبو حنيفة وارثًا معه أي: مع الجد شيئًا أي: الجد يأخذ جميع الأموال؛ لأنه بمنزلة الأب، فكما يسقطون من الميراث بالأب فكذا بالجد، وفي (شرح الفرائض السراجية) للسيد قال أبو بكر الصديق ومن تابعه من الصحابة ﵃ كابن عباس ﵄ وابن الزبير وابن عمرو، وحذيفة بن اليمان وأبي سعيد الخدري، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وأبي موسى الأشعري، وعائشة وغيرهم ﵃ وبنو الأعيان وبنو العلات من الأخوة والأخوات أي: لأب وأم أو لأب: لا يرثون مع الجد، كما لا يرثون مع الأب بل الجد يستبد بجميع المال كالأب، وهذا قول أبي حنيفة وشريح وعطاء وعروة بن الزبير وعمر بن عبد العزيز والحسن البصري وابن سيرين، وبه يفتى عند الحنفية، وقال","vol":"3","page":360},{"text":"علي وأحمد كما مر وبنو الأخيان أي: الأخوة للأم، فيعطون مع الجد إجماعًا، وهذه مسألة مشكلة، ولذا قال علي ﵁ سألوني عن المعضلات إلا مسألة الجد وقد توقف بعضهم فيها وامتنع جماعة من الفتوى في الجد وقال محمد بن مسلمة: تقضي فيه بالصلح.\nوقال محمد بن الفضل البخاري: يدفع إليه السدس الذي اجتمعت عليه الصحابة، ويصالح عن الباقي، ثم إن أبا حنيفة اختار قول أبي بكر الصديق؛ لأنه ثبت على قوله ولم يختلف عنه الرواية، وقد روى عن أبي عبيدة السليماني أنه قال: حفظت عن عمر في الجد سبعين قضية (ق ٧٥٨) يخالف بعضها بعضًا.\nوفي رواية: أن عمر خطب الناس، فقال: هل رأى أحد منكم النبي - ﷺ - قضي للجد بشيء؟ فقال رجل: رأيته حكم للجد بالسدس، فقال: من كان من الورثة؟ فقال: لا أدري، فقال: لا دريت، ثم قام آخر فقال: رأيته قضى للجد بالثلث، فقال: من كان من الورثة؟ فقال: لا أدري، فقال: لا دريت، وعلى هذه الوتيرة شهد ثالث بالنصف ورابع بالجميع، ثم إنه جمع الصحابة في بيت ليتفقوا في الجد على قول واحد فسقطت حية من السقف فتفرقوا مذعورين أي: خائفين، فقال عمر: أبى والله أن يجتمعوا في الجد على شيء.\nومما يدل على ما اختاره أبو حنيفة: ما نقل عن ابن عباس أنه قال: ألا يتقي زيد يجعل ابن الابن ابنًا ولا يجعل أبو الأب أبًا، ثم اعلم أن عليًا وابن مسعود وزيد بن ثابت بعد اتفاقهم على توريث الأخوة من الجد، اختلفوا في كيفية القسمة على أقوال ثلاثة، ومحلها الكتب المبسوطة، كذا قاله علي القاري.\n* * *\n\n٧٢٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عثمان بن إسحاق بن خرشة، عن قبيصة بن ذؤيب، أنه قال: جاءت الجدّة إلى أبي بكر تسأله ميراثها، فقال: مَا لَكِ في كتاب الله من شيء، وما علمتُ لك في سنّة نبي الله شيئًا، فارجعي حتى أسأل الناس، قال: فسأل الناس، فقال المغيرة بن شُعبة:\n_________\n(٧٢٣) إسناده صحيح.","vol":"3","page":361},{"text":"سمعتُ رسول الله - ﷺ - أعطاها السُدس، فقال: هل معك غيرُك؟ فقال محمد بن مَسْلمة فقال مثل ذلك، فأنفذه لها أبو بكر، ثم جاءت الجدة الأخرى إلى عمر بن الخطاب تسأل ميراثَها، فقال: مَا لَكِ في كتاب الله من شيء وما كان القضاء الذي قضى به إلا لغيرِك، وما أنا بزائد في الفرائض من شيء، ولكن هو ذاك السدس، فإن اجتمعتما فيه فهو بينكما، وأيتكما خلت به فهو لها.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، إذا اجتمعت الجدّتان: أم الأم وأم الأب فالسدس بينهما، وإن خلت به إحداهما فهو لها، ولا ترث معها جدةٌ فوقَها، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا أبن شهاب، عن عثمان بن إسحاق بن خرشة، بالخاء المعجمة المفتوحة وسكون الراء المهملة وفتح الشين المعجمة ثم هاء، القرشي العامري ثقة الدوري في رواية ابن معين، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة مات بعد المائة عن قبيصة بفتح القاف وكسر الموحدة وسكون التحتية وفتح الصاد المهملة فهاء ابن ذؤيب، بضم الذال المعجمة وفتح الهمزة وسكون التحتية فموحدة تصغير ذئب بهمزة ويبدل فيهما ابن حلحلة بحائين المهملتين مفتوحتين بينهما لام ساكنة الخزاعي يكنى أبا إسحاق وأبا سعيد المدني، نزيل دمشق ولد يوم الفتح، وقيل: يوم حنين وأتى به النبي - ﷺ - وعن عمرو وعثمان وبلال وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم، وروى عنه ابنه إسحاق والزهري والمكحول وغيرهم، وعده أبو الزناد في فقهاء المدينة، مات سنة ست وثمانين أنه قال: جاءت الجدّة أي: أم الأم إلى أبي بكر الصديق ﵁ تسأله ميراثها، لها أي: من ولد فقال: أي: أبو بكر لها مَا لَكِ أي: ليس لك في كتاب الله من شيء، أي: فريضة مقدرة وما علمنا أي: نحن وما حضرنا أو الصيغة للتعظيم لك في سنّة رسول الله - ﷺ - أي: من قوله وفعله شيئًا، أي: مما يكون لك فارجعي حتى أسأل الناس، أي: بقية الصحابة عن ذلك قال أي: الراوي فسأل الناس، بعد ما صلى الظهر كما في رواية عبد الرزاق عن عمر فقال المغيرة بن شُعبة: ﵁ وهو ابن مسعود الثقفي، أسلم قبل الحديبية وولي إمارة البصرة، ثم الكوفة ومات سنة خمسين","vol":"3","page":362},{"text":"على الصحيح عند المؤرخين حضرت رسول الله - ﷺ - وفي نسخة: النبي وإنما قال حضرت، ولم يقل: حاضرت رعاية للأدب وتركًا بإيهام التسوية بينه وبين النبي - ﷺ - في الجلسة في المكان أعطاها أي: الجدة السُدس، فقال: أي: أبو بكر الصديق ﵁: يا مغيرة (ق ٧٥٩) ابن شعبة هل معك غيرُك؟ أي: حين حضرت رسول الله - ﷺ -، كان أبو بكر طلب الحجة من المغيرة بن شعبة على صحة خبره حضرت رسول الله - ﷺ -، وأعطاه بها السدس، قال النبي - ﷺ -: \"البينة على المدعي واليمين على من أنكر\" وأراد زيادة التثبت والاستظهار مع الإِمكان وفتوا الحديث لعدم قبول خبر الواحد، أي: علمان خير من علم واحد ولا فخبر الواحد العدل مقبول اتفاقًا فقال محمد بن مَسْلمة أي: الأنصاري الصحابي، وكان من الفضلاء، مات بعد الأربعين فقال مثل ذلك، أي: مثل ما قال المغيرة فأنفذه بالهاء والذال المعجمتين المفتوحين لها أبو بكر الصديق ﵁ أي: أنفذ الحكم بالسدس للجدة، فيه استعارة بالكناية تشبيه المعقول بالمحسوس فإنه بثبوت حكمه بالسدس لها أي: لنفوز السهم بالصيد كما يقال: نفذ السهم لرميه وهي بفتح الراء المهملة وكسر الميم وفتح التحتية المشدودة الصيد كذا قال محمد الواني في (ترجمة الجوهري)، فيعتبر فيه أنواع الاستعارة ثم أي: بعد إنفاذ حكمه بالسدس للجدة جاءت الجدة الأخرى أي: أم الأب إلى عمر بن الخطاب ﵁ تسأل ميراثَها، فقال: أي: عمر مَا لَكِ بكسر الكاف أي: ليس لك يا امرأة في كتاب الله من شيء وما كان القضاء الذي أي: الحكم الذي قضى بصيغة المجهول أي: حكم رسول الله - ﷺ - أو خليفته به أي: السدس إلا لغيرِك، بكسر خطاب لأم الأب، والمراد بالغير أم الأم وما أنا بزائد في الفرائض من شيء، أي: حتى أقيس ولكن هو أي: المفروض أو الحكم ذاك بكسر الكاف أي: نصيبك الذي قضى لأم الأب، وهو السدس، فإن اجتمعتما بصيغة التثنية المخاطبة أي: أيتها الجدتان فيه أي: في السدس فهو بينكما، أي: بالسوية وأيتكما خلت به أي: انفردت بالسدس فهو لها.\nقال الزرقاني: وفيه أن الصديق لم يكن له قاض ولا خلاف فيه، وذهب العراقيون إلى أن أول من استقضى عمر فبعث شريحًا إلى الكوفة قاضيًا، وبعث كعب بن سور إلى البصرة قاضيًا.","vol":"3","page":363},{"text":"وقال مالك: أول من استقضى معاوية، وهذا رواه أصحاب السنن من طريق مالك وغيره.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل بما قضى به عمر بن الخطاب ﵁ إذا اجتمعت الجدّتان: أم الأم وأم الأب فالسدس بينهما، أي: بالسوية وإن خلت به أي: انفردت بالسدس إحداهما فهو لها، فورثة من مات وترك أم أمه وأباه وأم الأب فالقسمة التركة تكون من ستة: سهم واحد منها لأم الأم، وخمسة أسهم لأبيه ولا شيء لأم الأب؛ لأن الأب يحجب الأجداد والجدات الذين من قبله ولا ترث معها أي: مع كل واحدة من الجدتين جدةٌ فوقَها، أي: مطلقًا سواء كانت الفوقية أم الجد أو أب الجد؛ لأن الجد يحجب من جانبه جدتيه، كما أن أب الميت يحجب من جانبه جدتيه عن ميراث ابنه وهو أي: إصابة السدس للجد فقط قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا وإنما قال: من فقهائنا، ولم يقل من علمائنا إشعارًا بأن المراد بالفقهاء جميع العلماء والحنفية كما أفاد مراده بقوله: والعامة، وهي تطلق بإزاء معظم (ق ٧٦٠) الشيء وبإزاء جميعه وهو الثاني هنا، كما أراد الخطاب بعامة الفقهاء الكل كما قاله عبد الرحيم بن الحسين العراقي في (شرح الألفية من أصول الحديث).\nثم اعلم أن للجدة السدس لأم كانت أو لأب واحدة كانت أو أكثر متحاذيات في الدرجة، كأم أم الأم وأم أم الأب؛ لأن القربى يحجب البعدى، أما إعطاء الجدة الواحدة السدس فلما رواه أبو سعيد الخدري ومغيرة بن شعبة وقبيصة بن ذؤيب من أنه - ﷺ - أعطاها السدس، وأما التشريك بينهما في ذلك إذا كن أكثر متحاذيات، فلما روى أن أم الأم جاءت إلى الصديق، وقالت: اعطني ميراث ولد ابنتي فقال: اصبري حتى أشاور أصحابي، فإني لم أجد لك في كتاب الله نصًا، ولم أسمع قبل من رسول الله - ﷺ - شيئًا، ثم سألهم فشهد المغيرة بإعطاء السدس، فقال: هل معك أحد فشهد به أيضًا محمد بن مسلمة، فأعطاه ذلك، ثم جاءت أم الأب وطلبت الميراث، فقال: أرى أن في ذلك السدس بينكما، وهو لمن انفردت منكما فيه فشركتما فيه.\nوفي رواية أخرى: أن أم الأم جاءت إلى عمر، وقالت: أنا أولى الميراث من أم الأب؛ إذ لو ماتت لم يرثها ولد ولدها ولو مت لورثني ولد ولدي فقال: هو ذلك السدس، فإن اجتمعتما فهو بينكما، وأيتكما خلت به فهو لها فحكم بالتشريك بينهما فقد","vol":"3","page":364},{"text":"أجمعا على أن الجدات الصحيحات المتحاذيات يتشاركن في السدس بالسوية، وذهب ابن عباس إلى أن الجدة أم الأم مقام عند عدمها فتأخذ الثلث إذا لم يكن للميت ولد ولا أخوة والسدس إذا كان له أحدهما، كما أن الجد أب الأب يقوم مقام الأب عند عدمه ثم إن الأم لا يزاحمها في فريضتها أحد من الجدات فكذلك أم الأم لا يزاحمها أحد منهن، ورَّد بأن الأولاد بالأنثى ليس سببًا لاستحقاق المدلي فريضة للمدلي به كبنات البنات وبنات الأخوات لكما تركن هذا القياس في الجدات بالسنة، ولم يرد فيها ما زاد على السدس فاكتفيا به والله أعلم. كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بميراث الجد والجدة شرع في بيان ما يتعلق بميراث العمة، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-342>باب ميراث العمة</span>\nفي بيان ما يتعلق ميراث العمة والخالة ونحوهما من ذوي الأرحام، وهم من لا سهم له وليس بعصبية وأكثر الصحابة أنهم يرثون عند عدم أصحاب الفرائض والعصبات منهم: عمر وعلي وابن مسعود وأبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وأبي الدرداء وابن عباس ﵃ في رواية عنه مشهورة وغيرهم، وتابعهم في ذلك من التابعين علقمة والنخعي وشريح والحسن البصري وابن سيرين وعطاء ومجاهد وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر، ومن وافقهم.\nوقال زيد بن ثابت وابن عباس في رواية شاذة: عنه لا ميراث لذوي الأرحام، ويوضع المال في بيت المال وبه قال مالك والشافعي واحتجوا بأنه تعالى ذكر في آيات المواريث نصف ذوي الفرائض والعصبات، ولم يذكر لذوي الأرحام شيئًا ولو كان لهم حق لبينه وما كان ربك نسيًا، وبأنه - ﷺ - لما استجر عن ميراث العمة والخالة قال: \"أخبرني جبريل أن لا شيء لهما\"، ولنا قوله تعالى في سورة الأنفال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ الآية [الأنفال: ٧٥] أي: أولي (ق ٧٦١) ميراث بعض فيما كتب الله وحكم به؛ لأن هذه الآية نسخت التوارث بالموالاة، كما كان في ابتداء قدومه - ﷺ - بالمدينة فما كان لمولى الموالاة والمؤاخاة في ذلك الزمان صار مصروفًا إلى ذوي الرحم وما","vol":"3","page":365},{"text":"بقي عندنا من إرث مولى الموالاة صار متأخرًا من إرث ذي الأرحام، فقد شرع الله لهم الميراث بل فصل بين ذوي الأرحام ليس له شيء منهما، فيكون ثابتًا لكل بهذه الآية فلا يجب تفصيلهم كلهم في آيات المواريث، وأيضًا روى أن رجلًا رمي بسهم إلى سهل بن حنيف فقتله، ولم يكن له وارث إلا خاله، فكتب في ذلك أبو عبيدة بن الجراح إلى عمر فأجابه بأنه - ﷺ - قال: \"الله ورسوله [مولى] (*) من لا مولى له والخال وارث من لا وارث له\"، وأيضًا لما مات ثابت الدحداح قال - ﷺ - لقيس بن عاصم: \"هل تعرفون له نسبًا فيكم؟ \" فقال: إنه كان فينا غريبًا فلا نعرف له إلا ابن أخت وهو أبو لبابة بن عبد المنذر، فجعل رسول الله - ﷺ - ميراثه له، وأجيب عنه الحديث الذي روى بأنه محمول على وروده قبل نزول الآية، أو على العمة والخالة لا ترثان مع عصبة ولا مع ذي فرض يرد عليه فإن الردَّ على ذوي الفروض مقدم على توريث ذوي الأرحام وإن كان يرثونه مع من لا يرد عليه كالزوج والزوجة.\n٧٢٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم: أنه كان يسمع أباه كثيرًا يقول: كان عمر بن الخطاب يقول: عجبًا للعمة تُورَث ولا تَرِث.\nقال محمد: إنما يعني عمر بهذا فيما نرى: أنها تُورَث: لأن ابن الأخ ذو سهم، ولا تَرِث: لأنها ليست بذات سهم، ونحن نروي عن عمر بن الخطاب، وعليِّ بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، أنهم قالوا في العمة والخالة: إذا لم يكن ذو سهم ولا عصبة فللخالة الثلث، وللعمة الثلثان، وحديث يرويه أهل المدينة لا يستطيعون ردّه أن ثابت بن الدَّحْدَاح مات ولا وارث له، فأعطي رسول الله - ﷺ - ماله أبا لُبَابَة بن عبد المنذر - وكان ابن أخته - ميراثه، وكان ابن شهاب يورِّث العمّة، وذوي القرابات بقراباتهم، وكان من أفقه أهل المدينة وأعلمهم بالرواية.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا محمد بن أبي بكر بن عمرو بن\n_________\n(٧٢٤) إسناده صحيح.\n\n(*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: ما بين المعكوفتين سقط من المطبوع","vol":"3","page":366},{"text":"حزم: بالحاء المهملة والزاي الأنصاري البخاري بالنون والجيم المدني القاضي بها اسمه وكنيته واحد، وقيل: يكنى أبا محمد ثقة عابد، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة عشرين ومائة كذا في (تقريب التهذيب) أنه كان يسمع أباه كثيرًا أي: سماعًا كثيرًا وفي كثير من الأوقات يقول: كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول: عجبًا للعمة أي: يقول كلامًا معجبًا مخصوصًا لها تُورَث بضم الفوقية وسكون الواو وفتح الراء المهملة فمثلثة، أي: ترثها ابن أخيها ولا تَرِث أي: منهم شيئًا هذا قول مالك والشافعي خلافًا للحنفية حيث قال المصنف ﵀:\nقال محمد: إنما يعني عمر بهذا أي: الكلام فيما نرى: بصيغة المجهول أي: نظن، وفي نسخة: فيما يرى بصيغة المفرد الغائب المعلوم أي: فيما نحتا أنها أي: العمة تُورَث: أي: العمة لأنها ليست بذات سهم، وحاصله أنها لا ترث مع أرباب السهام كما ترث مع أصحاب العصبات، ولا يلزم منه أنها لا ترث عند عدمها، إذ قد ثبت عن عمر وغيره توريث ذوي الأرحام، وهذا معنى قوله: ونحن أي: إنا وأصحاب أبي حنيفة نروي عن عمر بن الخطاب، وعليِّ بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، ﵃ أي: وغيرهم من الصحابة وعن جماعة من التابعين أنهم قالوا في العمة والخالة: إذا لم يكن ذو سهم ولا عصبة فللخالة الثلث، وللعمة الثلثان، وهذا إذا اجتمعا وإلا فالكل لكل منهما إذا أفرد قوله: وحديث أي: هذا حديث صحيح يرويه أهل المدينة (ق ٧٦٢) أي: كسفيان والزهري ومالك بن أنس وغيرهم لا يستطيعون ردّه أي: إلى الكمال صحته حجة لنا على المالكي وأيدها بقوله: أن ثابت بن الدَّحْدَاح بفتح الدالين بينهما حاء مهملة ساكنة وبعد الدال الثانية ألف وحاء مهملة مات ولا وارث له، أي: من أصحاب الفروض والعصبة فأعطي رسول الله - ﷺ - ماله أبا لُبَابَة بضم اللام ابن عبد المنذر وكان ابن أخته جملة معترضة بين المفعولين ميراثه، أي: متروكات ثابت وكان ابن شهاب أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري يورِّث أي: يجعل العمّة، وذوي القرابات من سائر ذوي الأرحام وارثا بقراباتهم، أي: بحسب قربهم وبعدهم في مراتبهم وكان أي: ابن شهاب من أفقه أهل المدينة وأعلمهم بالرواية أي: برواية الحديث قوله: أفقه أفعل تفضيل من فقيه، وهو أي: الفقيه هو العارف بما له وما عليه عملا، أو العالم بأحكام الشريعة العملية من أدلتها التفصيلية، أو العالم بكل الأحكام الشرعية والعملية التي قد ظهر نزول الوحي بها والتي","vol":"3","page":367},{"text":"انعقد الإِجماع عليها مع ملكة الاستنباط لا صحيح منها. كذا قاله في الرمزي في (شرح الطريقة المحمدية) صورته: من مات وترك عمته لأبوين وخالتهم لأم فثلثان من المال المتروك لعمته وثلثه لخالته، وكذلك عكسه كما قال الشيخ الإِمام سراج الملة والدين محمد بن عبد الرشيد السجاوندي.\n* * *\n\n٧٢٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا محمد بن أبي بكر، عن عبد الرحمن بن حنظلة بن عجلان الزرقي، أنه أخبره، عن مولى لقريش كان قديمًا يُقال له: ابن مرسلي، قال: كنتُ جالسًا عند عمر بن الخطاب، قال: فلما صلى صلاة الظهر قال: يا يرفأ هلمّ ذلك الكتاب، لكتابٍ كان كتبه في شأن العمة يسأل عنه ويستخير الله فيه، هل لها من شيء فأتى به يرفأ، ثم دعا بتنور فيه ماء أو قدح فمحا ذلك الكتاب فيه، ثم قال: لو رضيت الله أقرك، لو رضيت الله أقرك.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: أخبرنا مالك أخبرنا محمد بن أبي بكر، هو ابن محمد بن عمرو بن حزم بالحاء المهملة والزاي الأنصاري النجاري بالنون والجيم المشددة والراء المهملة فتحتية، منسوب إلى بني النجار المدني قاضيها اسمه وكنيته واحد، وقيل: يكنى أبا محمد ثقة عابد، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة عشرين ومائة عن عبد الرحمن بن حنظلة أي: ابن النعمان بن عامر بن عجلان بكسر العين المهملة وسكون الجيم فألف بين اللام والنون وفي نسخة: ابن حنظلة عن حنظلة بن عجلان، وهو ابن عمرو بن عامر بن الزرقي، بضم الزاي وفتح الراء المهملة فقاف وتحتية، نسبة إلى عامر بن زريق بالتصغير الأنصاري، ذكر العدوي أنه شهد أحد وأنه حلف على خولة زوج حمزة بن عبد الطلب، كما قاله في الإِصابة أنه أخبره، عن مولى لقريش أي: عن حلف لقريش فالمولى يجيء لمعان منها: معنى حلف، كما قاله الفاضل عبد الرحيم بن الحسين في أواخر شرح الألفية العراقية من أصول الحديث كان أي: مولى القرشي قديمًا أي: في قديم الأيام. يُقال له: ابن مرسلي، بكسر الميم وسكون الراء المهملة وسين مهملة فتحتية، وهو مكسور منون قال: كنتُ جالسًا عند عمر بن","vol":"3","page":368},{"text":"الخطاب، ﵁ أي: يومًا قال: فلما صلى صلاة الظهر قال: أي: حاجبه ومولاه يا يرفأ بفتح التحتية وسكون الراء المهملة ففاء مفتوحة وألف بعدها همزة مضمومة وقد تبدل ألفًا للخفة، وهو مولى عمر وبوابه هلمّ أي: أحضر، وهو اسم فعل بني لوقوعه موقع الأمر يستوي (ق ٧٦٣) فيه الواحد والجمع والذكر والأنثى عند أهل الحجاز ذلك الكتاب، لكتابٍ كان كتبه في شأن العمة يسأل عنه بصيغة المجهول ويستخير الله بالموحدة من الاستخبار، أي: يطلب عمر ﵁ عمله من الله تعالى فيه، أي: في ظهور أمره هل لها أي: للعمة من شيء أي: مع ذوي الفروض والعصبة فأتى به أي: بالكتاب جواب الأمر والجمل الثلاثة معترضة يرفأ، وكأنه بعد ما أتاه تغير ما كان رآه من سؤال الناس فصمم على محوه ثم دعا بتنور بفتح الفوقية وسكون الواو أي: إناء يشرب فيه ماء أو قدح شك من الراوي. فمحا ذلك الكتاب فيه، ثم قال: لو رضيك الله أي: وارثه أقرك أي: أثبتك في كتابه كما أقر النساء الوارثات فيه لو رضيك الله أقرك أي: ذكرك أعاد للتأكيد وقيل: أقرك حتى أسأل أو أستخبر.\nلما فرغ من بيان ميراث العمة والخالة، شرع في بيان حكم المال المتروك تركه النبي - ﷺ -، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-343>باب النبي - ﷺ - هل يُورَث</span>\nفي بيان حكم المال المتروك تركه النبي - ﷺ -، وهل يورث أي: هل يأخذ فاطمة بنت النبي - ﷺ - وأزواجه المطهرات من المال تركة النبي - ﷺ - باسم الميراث وباسم النفقة.\n٧٢٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا تَقْسم ورثتي دينارًا، ما تركتُ بعد نفقة نسائي ومؤونة عاملي فهو صدقة\".\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا أبو الزِّناد، وهو عبد الله بن ذكوان القرشي المدني، ثقة فقيه، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة،\n_________\n(٧٢٦) إسناده صحيح.","vol":"3","page":369},{"text":"مات سنة ثلاثين ومائة، وقيل: بعدها عن الأعرج، وهو عبد الرحمن بن هرمز، ويكنى أبا دواد المدني مولى ربيعة بن الحارث ثقة ثبت عالم، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، سنة سبع عشرة بعد المائة، كذا قاله ابن حجر في (تقريب التهذيب) عن أبي هريرة، ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا يَقْسم بفتح التحتية، وفي نسخة بالفوقية مرفوعًا وفي نسخة مجزومًا، وفي نسخة: لا تقسم من الأفعال تأوله الأربعة ومال الكل إلى واحد والنفي بمعنى النهي أبلغ من النهي الصريح.\nوقال ابن عبد البر: الرواية برفع الميم على الخبر كذا ذكره السيوطي.\nوقال الحافظ العسقلاني: لا يقسم بإسكان الميم على النهي وبضمها على النفي، وهو الأشهر وبه تقسم المعنى حتى لا يعارض ما ثبت أنه - ﷺ - لم يترك ما لا يورث عنه، وتوجيه رواية النهي أنه لم يقطع بأنه لا يخلف شيئًا بل كان ذلك محتملًا فنهاهم عن قسمة ما يخلف أن أنفق ورثتي أي: هم الورثة باعتبار أنهم كذلك بالقوة لكن منعهم من الميراث الدليل الشرعي، وهو الحديث الآتي: \"لا نورث ما تركناه صدقة\" دينارًا، وفي (الموطأ) لمالك برواية يحيى: دنانير ولسائر الرواة دينارًا.\nقال ابن عبد البر: هو الصواب كذا ذكره السيوطي، وفي رواية الترمذي: دينارًا ولا درهمًا ما تركتُ بعد مبني على الفتح ومضاف إلى نفقة نسائي ومؤونة عاملي فهو صدقة\".\nقال سفيان بن عيينة: كان أزواج النبي - ﷺ - في معنى المعتدات سائر الأوقات أو كن لا يجوز أن ينكحن أبدًا فجرت لهن النفقة وأراد بالعامل الخليفة بعده، وكان النبي (ق ٧٦٤) - ﷺ - يأخذ نفقة من الصفايا التي كانت له من أموال بني نضير وفدك ويصرف الباقي في مصالح المسلمين ثم وليها أبو بكر الصديق ثم عمر كذلك، فلما صارت إلى عثمان استغنى عنها بماله، فأقطعها مروان وغيره من أقاربه فلم يزل في أيديهم حتى ردها عمر بن عبد العزيز.\nقال سعيد بن زيد الباجي المالكي: وقد قيل المراد به أمواله التي خصه الله بها يخرج من نفقة نسائه ومؤنة العامل، ثم ما بقي يكون صدقة والمراد بعامله كل عامل يعمل وللمسلمين من خليفة أو غيره فإن كل من قام بأمر المسلمين بشريعته، فهو عامل له - ﷺ -، فلا بد أن يكفي مؤنته والإِيضاح. كذا ذكره السيوطي.\n* * *","vol":"3","page":370},{"text":"٧٢٧ - أخبرنا مالك، حدثنا ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبي - ﷺ -، أن نساء النبي - ﷺ - حين مات رسول الله - ﷺ - أردْنَ أن يبعثن عثمان بن عفان إلى أبي بكر: يسألنه ميراثهن من رسول الله - ﷺ - فقالت لهن عائشة: أليس قد قال رسول الله - ﷺ -: \"لا نُورث، ما تركنا صدقة\".\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: حدثنا وفي نسخة: قال: حدثنا ابن شهاب، وهو محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، المدني ثقة فقيه، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة عن عروة بن الزبير، وهو ابن العوام بن خويلد الأسدي المدني، يكنى أبا عبد الله المدني، ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين على الصحيح، كذا قاله ابن حجر (١) عن عائشة زوج النبي - ﷺ -، أن نساء النبي - ﷺ - حين مات رسول الله - ﷺ - أردْنَ أي: باتفاقهن أن يبعثن عثمان بن عفان إلى أبي بكر: ﵄ أي: وكيل منهن يسألنه ميراثهن أي: ثمنهن، كما في نسخة من رسول الله - ﷺ - فقالت لهن عائشة: ﵂ أليس قد قال رسول الله - ﷺ -: \"لا نُورث، بصيغة المجهول من الإِيراث أي: نحن معاشر الأنبياء ما تركنا صدقة\" بالرفع على أن ما موصولة والعائد محذوف، أي: كلامًا تركناه فهو صدقة، كما في رواية الترمذي، وجاء في حديث آخر: أن النبي - ﷺ - لا يورث، إنما ميراثه في فقراء المسلمين المساكين، وفيه إشعار بأنه كان رحمة للعالمين في حال حياته وانتقال ذاته.\nوالحاصل أن الرواة اتفقوا على رفع صدقة، فبطل قول الشيعة أن ما نافية وصدقة مفعول تركته، فإنه روى بهتان ومناقضة لصدر الكلام عيان، فلو صحت رواية النصب لكان ينبغي أن يخرج على نطاق الروايات الصريحة ويوافق المعاني الصحيحة بأن يقول: هي مفعول الخبر المحذوف أي الذي تركناه ومبذول صدقة، ونظيره ما جاء في التنزيل ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ بالنصب في قراءة شاذة، ثم قواه: لا نورث فحذف من واستتر ضمير\n_________\n(٧٢٧) صحيح، أخرجه البخاري (٦٧٣٠)، ومسلم في الجهاد (١٧٥٨)، وأبو داود (٢٩٧٦)، وأحمد (٦/ ١٤٥)، والبيهقي (٦/ ٣٠١)، وابن سعد في الطبقات (٢/ ٣١٤).\n(١) التقريب (١/ ٣٨٩).","vol":"3","page":371},{"text":"المتكلم في الفعل فانقلب الفعل عن لفظ الغائب إلى لفظ المتكلم، كما في قوله تعالى في سورة يوسف ﴿نرتع ونلعب﴾ أي: يرتع إبلنا فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه فقد ورد في الصحيح: \"العلماء ورثة الأنبياء، وأن العلماء لم يورثوا\" أي: لم ينالوا \"دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم\" من قوله تعالى في سورة النمل: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: ١٦] وقوله تعالى في سورة مريم: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم: ٦] فالمراد أن النبي - ﷺ - لا يورث من المال، ثم النبي - ﷺ - يحتمل الجنس والمعهود، وهذا الأظهر لآية المقصور وقال سعيد بن زيد الباجي المالكي: أجمع أهل السنة أن هذا حكم جميع الأنبياء.\nوقال ابن علية: إن ذلك (ق ٧٦٥) لنبينا - ﷺ - خاصة وقالت الإِمامية: إن جميع الأنبياء يورثون. كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بميراث النبي - ﷺ -، شرع في بيان ما يتعلق بميراث لا يرثه المسلم من الكافر.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-344>باب لا يرث المسلم الكافر</span>\nفي بيان الحكم وهو أن لا يرث المسلم الكافر أي: أو على العكس، اعلم أن الكافر لا يرث من المسلم إجماعًا ولا المسلم من الكافر على قول علي وزيد بن ثابت وعامة الصحابة، وإليه ذهب علمائنا والشافعي لقوله - ﷺ -: \"لا يتوارث أهل ملتين شيء\"، والقياس أن يرث المسلم من الكافر ولا يرث الكافر منه، وإليه ذهب معاذ بن جبل ومعاوية بن أبي سفيان والحسن ومحمد بن الحنفية ومحمد بن علي بن الحسين ومسروق.\nوالجواب: أن المراد العلو بحسب الحجة أو القهر والغلبة أي: النصرة فلا يرث المسلم منه يستند إلى حال إسلامه ويكون ما اكتسبه في زمان ردته فيئًا للمسلمين وقال كلاهما لورثته.\nوقال الشافعي: كلاهما فيء؛ لأنه مات كافرًا والمسلم لا يرث الكافر، ثم هو مال حرب لا أمان له، فيكون فيئًا، وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق أن ينتقل المال المتروك إلى الأولاد.","vol":"3","page":372},{"text":"٧٢٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عليّ بن حسين بن علي بن أبي طالب عن عمر بن عثمان بن عفان، عن أسامة بن زيد: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا يرث المسلم الكافر\".\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم، والكفر ملَّة واحدة، يتوارثون به وإن اختلفت مللُهم: يرث اليهودي النصراني، والنصراني اليهودي، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، في نسخة: محمد قال: بنا وفي أخرى قال: حدثنا أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري المدني، فقيه كان في الطبقة الرابعة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة عن عليّ بن حسين بن علي بن أبي طالب ﵁ زين العابدين ثقة ثبت فقيه فاضل مشهور، كان في طبقات التابعين مات سنة ثلاث وتسعين، وقيل: غير ذلك كذا في (تقريب التهذيب) (١) عن عمر بن عثمان بن عفان، قال ابن عبد البر: لا خلاف في أن عثمان له ولد يسمى عمر بضم العين وفتح الميم والراء وآخر يسمى عمرو بفتح العين وسكون الميم، وإنما الاختلاف في أن هذا الحديث هل هو لعمر فأصحاب ابن شهاب غير مالك يقولون فيها عن عمر.\nوقال ابن حجر هو عمر بن عثمان بن عمر بن موسى بن عبيد الله بن معمر التيمي المدني، صدوق ولي قضاء البصرة، ومات بالمدينة سنة ست وستين ومائة، كان في الطبقة الثامنة من طبقات التابعين من أهل المدينة عن أسامة بن زيد: ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا يرث المسلم الكافر\" ورواه أحمد وأصحاب الكتب الستة (٢). عنه أيضًا مرفوعًا: \"لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر\".\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه ابن شهاب عن علي بن حسين\n_________\n(٧٢٨) صحيح، أخرجه البخاري في الفرائض (٦٧٦٤)، ومسلم في أول كتاب الفرائض (٤٠٦٣)، وأبو داود (٢٩٠٩)، والترمذي (٢١٠٧)، والنسائي في الفرائض من الكبرى كما في تحفة الأشراف (٤/ ٤٢٣)، وابن ماجه (٢٧٢٩، ٢٧٣٠).\n(١) التقريب (١/ ٤٠٠).\n(٢) انظر تخريج الحديث السابق.","vol":"3","page":373},{"text":"ابن علي بن أبي طالب لا يرث المسلم الكافر، وفيه خلاف تقديم ولا الكافر المسلم، وهذا إجماع والكفر أي: أنواعه ملَّة واحدة، كما ذكره المزني في مختصره عن الشافعي، وذكره أبو القاسم عن مالك أيضًا يتوارثون به أي: بسبب كفرهم وإن اختلفت مللُهم: يرث اليهودي النصراني، والنصراني اليهودي، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\nوقال ابن أبي ليلى: اليهود والنصارى يتوارثون فيما بينهم وبين المجوس واستدل بأنها قد اتفق على التوحيد والإِقرار وإنزال الكتاب فهما على ملة واحدة بخلاف المجوس حيث ينكرون التوحيد ويثبتون إلهين بزدان وأهَرَمَنْ، ولا يعترفون بنبي ولا كتاب فنزل منهم أهل ملة أخرى، وذهب بعض الفقهاء إلى عدم التوارث من اليهود والنصارى أيضًا لاختلاف اعتقادهم في نبي وكتاب فهم أهل ملتين شتى كالمسلمين مع النصارى، بخلاف أهل الأهواء المعتزلة والروافض ونحوهم، فإنهم معترفون بالأنبياء والكتب ويختلفون في تأويل الكتاب والسنة، وهذا لا يوجب اختلاف الملة، محمد قال:\n* * *\n\n٧٢٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عليّ بن حسين، قال: وَرِثَ أبا طالب عقيل، وطالب ولم يرثْه عليّ.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: ثنا وأخرى: بنا، رمزًا إلى أخبرنا ابن شهاب، عن عليّ بن حسين، أي: ابن علي بن أبي طالب قال: أي: علي بن حسين وَرِثَ أبا طالب عقيل، بفتح العين المهملة وكسر الكاف وسكون التحتية فلام وطالب أي: ابناه الكافران حينئذ ولى يرثْه عليّ ﵁ أي: لكونه مسلمًا، ولذلك تركنا نصيبنا من الشعب والله أعلم.\nلما فرغ من بيان الحكم وهو أن لا يرث المسلم الكافر، شرع في بيان ما يتعلق بميراث الولاء، فقال: هذا\n* * *\n_________\n(٧٢٩) إسناده صحيح.","vol":"3","page":374},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-345>باب ميراث الولاء</span>\nفي بيان ما يتعلق ميراث الولاء وهو بفتح الواو ومد اللام، والمراد به هنا ولاء العتاقة وقد قدر الولاء لمن أعتق، رواه الطبراني عن ابن عباس ﵄، وفي رواية الطبراني عن عبد الله بن أبي أوفى والحاكم والبيهقي عن ابن عمر: \"الولاء لحمة كالحمة النسب لا يباع ولا يوهب\" رواه الشافعي في مسنده عن محمد بن الحسن عن أبي يوسف عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أيضًا، فمن أعتق فولاؤه أي: فميراثه لسيده ذكرًا كان سيده أو أنثى، وأن شرطه عدمه لما رواه أصحاب الكتب الستة في حديث عائشة ﵂، أنها لما اشترت بريرة اشترط أهلها أن ولائها لهم، فسألت النبي - ﷺ - فقال: \"أعتقيها، فإن الولاء لمن أعتق\" وآخر العصبات السببية مولى العتاقة، وهو مقدم عندنا على ذوي الأرحام والرد على الفروض وهو قول علي وزيد بن ثابت.\nوقال ابن مسعود وهو مؤخر عن ذوي الأرحام أيضًا واستدل بقوله تعالى في سورة الأنفال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] أي: بعضهم أقرب من بعض فمن ليس له رحم، والميراث مبني على القرب وبقوله - ﷺ - لمن أعتق عبدًا وهو مولا له: \"فإن شكرك فهو خير له وإن كفرك، وهو شر له وإن مات ولم يترك وارثًا وذوي الأرحام من قبيل الورثة\".\nوالجواب: أما من الآية فهو أن سبب نزولها ما روى أنه - ﷺ - لما قدم المدينة آخى بين المهاجرين والأنصار، وكانوا يتوارثون بذلك، فنسخ الله هذا الحكم بهذه الآية وبين أن الرحم مقدم على المؤاخاة والموالاة، ولا نزاع لنا في تقدم ذوي الرحم على موال الموالات، وأما من الحديث فهو أنه - ﷺ - أراد بقوله: \"ولم يدع وارثًا\" أنه لم يدع وارثًا هو عصبة ألا ترى أنه قال في آخره: \"كنت أنت عصبته\" ولم يقل: أنت وارثه، وإذا كان (ق ٧٦٧) مولى العتاق محصلة وهو آخر العصبات، كما دل عليه الحديث كان مقدمًا على ذوي الأرحام والرد لتقدم العصبات عليها، كذا قاله علي القاري. محمد قال:\n٧٣٠ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أخبره أن","vol":"3","page":375},{"text":"أباه أخبره، أن العاص بن هشام هَلَكَ وترك بنين له ثلاثة ابنين لأم ورجلًا لعلَّة فهلك إحدى الابنين الذين هما للأم، وترك مالًا وموالي، فورثه أخوه لأمه وأبيه، وورث ماله وولاء مَواليه، ثم هلك أخوه وترك ابنه وأخاه لأبيه، فقال ابنه: قد أحرزْتُ ما كان أبي أحرز من المال وولاء الموالي، وقال أخوه: ليس كله لك إنما أحرزت المال، فأما ولاء الموالي فلا، أرأيت لو هلك أخي اليوم ألستُ أرثه أنا، فاختصموا إلى عثمان بن عفان، فقضى لأخيه بولاء الموالي.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، الولاءُ للأخ من الأب دون بني الأخ من الأب والأم، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: ثنا بدل أخبرنا حدثنا عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، بفتح العين، أي: الأنصاري المدني البخاري بفتح النون وتشديد الجيم القاضي، ثقة كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة وهو ابن سبعين سنة أن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أي: القرشي المخزومي المدني التابعي ثقة، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات في أول خلافة هشام. كذا في (تقريب التهذيب) (١) أخبره أن أباه أي: أبا بكر أحد فقهاء المدينة أخبره، أن العاص قال علي القاري: وهو بغير الياء لأنه أجوف لا ناقص، كما توهم ابن هشام هَلَكَ أي: قتل يوم بدر كافرًا وترك بنين له ثلاثة بالنصب على البدل ابنين لأم أي: شقيقًا يعني لأبوين ورجلًا أي: وابنًا كبير لعلَّه بفتح العين المهملة واللام المشددة أي: امرأة أخرى، والجمع علات إذا كان الأب واحدًا والأمهات شتى قيل: مأخوذ من العلل، وهو الشرب بعد الشرب، لأن الأب لما تزوج امرأة بعد أخرى صار كأنه شرب مرة بعد أخرى فهلك إحدى الابنين الذين هما للأم، أي: لأب وترك مالًا وموالي، أي: معتقين له فورثه أخوه لأمه وأبيه، وورث ماله أي: متركاته وفي نسخة: لم يجد كلمة وورث، كما لم توجد في (الموطأ) لمالك فحينئذ ماله بالنصب بدل من ضمير فورثه، وكذلك قوله: وولاء مَواليه، أي: ورث ولاء موالي أخيه ثم هلك\n_________\n(١) التقريب (١/ ٣٦٢).","vol":"3","page":376},{"text":"أخوه أي: مات الذي ورث وولاء الموالي، كذا في (الموطأ) لمالك برواية يحيى بن يحيى الليثي وترك ابنه وأخاه لأبيه، أي: لا لأمه فقال ابنه: قد أحرزْتُ أي: ضممت وملكت ما كان أبي أحرز من المال أي: مال أخيه وولاء الموالي، أي: ومن ولاء مواليه أيضًا وقال أخوه: أي: أخو الميت وهو المنازع ليس كله لك وفي نسخة: ليس كذلك إنما أحرزت المال، أي: بلا شبهة وأما ولاء الموالي وفي نسخة: فأما بالألف فلا، أي: فلا أحرزت أو فلا سبيل لك أرأيت أي: أخبرني لو هلك أخي الأول الذي ورث أبوك منه المال والولاء اليوم أي: حيث لم يكن له أخ غير بعد موت شقيقه الذي هو أبوك ألستُ أرثه أنا، أي: دونك لأن الأخ وأن الأب مقدم على ابن الأخ الشقيق فالواجب أن ينتقل إلى الولاء فاختصموا إلى عثمان بن عفان، ﵁ فقضى أي: عثمان لأخيه بولاء الموالي أي: دون ابنه وفي هذه القصة إشكال؛ لأن العاص قتل يوم بدر كافرًا، فكيف يموت في زمان عثمان ويتحاكم إليه في إرثه والذي يرفع الإِشكال أن يكون التحاكم في الإِرث تأخر إلى زمان عثمان، لكن من يقتل يوم بدر كافرًا لا يتحاكم في إرثه إلى عثمان في خلافته، ثم وجدت أن الذي تحاكم إلى (ق ٧٦٨) عثمان ولد العاص بن هشام، فيحتمل أنه سعيد الذي ذكره ابن أبي حاتم كذا قاله الحافظ في (تعجيل المنفعة) وسهوه ظاهر، فإنه لم يتخاصم في إرث العاص وإنما ذكر في صدر الخبر لبيان أنه خلف شقيقين وواحد؛ لأنه أحرى والذي تخاصم إلى عثمان إنما هو ابن العاص وابن ابنه الذي مات أبوه قبل ذلك، وقد كان ورث شقيقه ماله وولاء مواليه بلا ولد فاختصما في ولاء مواليه دون إرثه ولا ذكر لميراث العاص أصلا فلا إشكال. كذا قاله الزرقاني.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما أخبره أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام الولاءُ للأخ من الأب أي: عند عدم الأخ من الأب والأم دون بني الأخ من الأب والأم، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n* * *\n\n٧٣١ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر، أن أباه أخبره أنه كان جالسًا عند أبَان بن عثمان، فاختصم إليه نفر من جُهينة ونفر من بني الحرث بن\n_________\n(٧٣١) إسناده صحيح.","vol":"3","page":377},{"text":"الخزرج، وكانت امرأة من جهينة تحت رجل من بني الحرث بن الخزرج يقال له: إبراهيم بن كليب، فماتت فورثها ابنها وزوجها، وتركت مالًا وموالي، ثم مات ابنها، فقال ورثَتُه: لنا ولاءُ الموالي، وقد كان ابنها أحرزه، وقال الجهنيون: ليس كذلك، إنما هم موالي صاحبتنا فإذا مات ولدها، فلنا ولاؤهم ونحن نرثهم، فقضى أبان بن عثمان للجهنيّين بولاء الموالي.\nقال محمد: وبهذا أيضًا نأخذ، إذا انقرض ولدها الذكور رجع الولاء وميراث من مات بعد ذلك من مواليها إلى عَصَبتها، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: قال: حدثنا أخبرنا عبد الله بن أبي بكر، أن أباه أي: أبا بكر بن حزم أخبره أنه كان جالسًا عند أَبان بفتح الهمزة وتخفيف الموحدة ابن عثمان، أي: ابن عفان فاختصم إليه نفر من جُهينة بضم الجيم وفتح الهاء وسكون التحتية وفتح النون فهاء ونفر من بني الحرث بن الخزرج وهو بطن من الأنصار وكانت امرأة من جهينة تحت رجل أي: تحت نكاحه من بني الحرث بن الخزرج يقال له: إبراهيم بن كليب، بضم الكاف مصغرًا فماتت أي: المرأة فورثها ابنها وزوجها، وتركت مالًا وموالي، أي: عتقاء لها ثم مات ابنها، فقال ورثَتُه: ابنها لنا ولاءُ الموالي، وقد كان ابنها أحرزه، أي: الولاء فينتقل إلينا كالمال.\nوقال الجهنيّون: ليس كذلك، إنما هم أي: موالي صاحبتنا أي: بنتنا فإذا مات ولدها، وفي نسخة: ولدنا بضم الواو وبفتحها وسكون اللام، أي: ولادنا فلنا ولاؤهم ونحن نرثهم، أي: رجوعًا إلى الأصل فقضى أبان بفتح الهمزة وتخفيف الموحدة ابن عثمان للجهنيّين بولاء الموالي أي: بميراث العتقاء لهم.\nقال محمد: وبهذا أيضًا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما أخبره أبو بكر بن عمرو بن حزم، كما علمنا بما أخبره أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث إذا انقرض أي: مات ولدها أي: أولادها الذكور رجع الولاء أي: ميراث عتقاء المرأة المتوفية وميراث من أي:","vol":"3","page":378},{"text":"متروكات ابن مات بعد ذلك أي: بعد موت أمه من مواليها معتق يرجع أي: يرجع الميراث من عتقاء المرأة المتوفاة إلى عَصَبتها، وهي أبوها، كما قال السكاكي صاحب (معراج الدراية على الهداية) في عيون المذاهب إذا مات المولى أي: السيد ثم معتقه فميراثه لأقرب عصبة مولاه، أي: سيد المعتق هذا إن وجد ابن الابن للمرأة المتوفاة، وإن لم يوجد فالولاء لعم ابنها لأبوين إن وجد، وإلا فلعم الابن لأب إن وجد، وإلا فلابن العم لأبوين وإن سفل وهو أي: رجوع ميراث العتقاء إلى عصبة ابن المعتق إذا انقرض أبناء الذكور للمعتق قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n* * *\n\n٧٣٢ - أخبرنا مالك، أخبرني مخبر، عن سعيد بن المسيَّب، أنه سُئِل عن عبدٍ له ولدٌ من امرأةٍ حرة، لمن ولاؤهم؟ قال: إن مات أبوهم وهو عبد لم يُعتق فولاؤهم لموالي أمهم.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، وإن أعتق أبوهم قبل أن يموت جرّ ولاؤهم فصار ولاؤهم لموالي أبيهم، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد أخبرنا أخبرني بالإِفراد مخبر، من الإِخبار أي: محدث أو ناقل، وهو عكرمة، وكان مالك يكره؛ ولذا يعبر عنه في (الموطأ) برجل، وإنما يكتم اسمه لكلام سعيد بن المسيب، وقد احتج العلماء وأصحاب (ق ٧٦٩) السنن بعكرمة وتنكية مسلم أي: عدل منه ولم يخرج عنه إلا حديثًا واحدًا في الحج، لما قيل فيه: إنه كان يقبل جوائز الأمراء، وقد صنفوا في الرد عنه وعما قيل، لسعيد بن جبير هل أحد أعلم منك؟ قال: عكرمة، وهو مولى ابن عباس ﵄، يكنى أبا عبد الله أصله من البربر، وهو أحد فقهاء مكة سمع ابن عباس وغيره من الصحابة، وروى عنه خلق كثير، وكان ينتقل من بلد إلى بلد.\nقال أبو المنذر وغيره: البربر من ولد فاران بن عمليق بن لود بن سام بن نوح صلوات الله على نبينا وعليه، والأكثر الأشهر في نسبهم أنهم بقية قوم جالوت، لما قتل طالوت هربوا من المغرب فحملوا في جبالها وقاتلوا أهل بلادها ثم صالحوهم على شيء يأخذونه","vol":"3","page":379},{"text":"منهم وأقاموا بالجبال، وذكر محمد بن أحمد الهمداني في كتابه مرفوعًا إلى أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهما أنه قال: جئت إلى النبي - ﷺ - ومعي وصيف أي: غلام بربري فقال: \"يا أنس ما جنس هذا الغلام؟ \" قلت: بربري يا رسول الله قال: \"إنهم أمة بعث الله إليهم نبيًا فذبحوه وطبخوه وأكلوا لحمه\". كذا قاله ياقوت الحموي في (معجم البلدان) عن سعيد بن المسيَّب، أنه سُئِل عن عبدٍ له ولدٌ بفتحتين وبضم فسكون أي: أولاد من امرأةٍ حرة، أي: كانت أمة فأعتقت لمن ولاؤهم؟ قال: أي: سعيد بن المسيب إن مات أبوهم وهو عبد قوله: لم يُعتق صفة كاشفة لدفع توهم أن طلاقه عليه باعتبار ما كان فولاؤهم أي: ميراث الأولاد مات أبوهم رقًا لموالي أي: لسيد أمهم أي: وإن أعتق أبوهم قبل الموت لم يكن لهم الولاء وفي (الموطأ) لمالك برواية يحيى عن مالك عن ربيعة بن عبد الرحمن أن الزبير بن العوام اشترى عبدًا فأعتقه ولذلك العبد بنون من امرأة حرة، فلما أعتقه الزبير قال: هم موالي أمهم، بل هو موالينا فاختصموا إلى عثمان بن عفان فقضى عثمان للزبير بولائهم.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله سعيد بن المسيب وإن أعتق أبوهم قبل أن يموت جرّ ولاؤهم أي: أوصل ميراث الأولاد إلى مواليهم فصار ولاؤهم أي: رجع ميراث الأولاد لموالي أي: المعتق على صيغة اسم الفاعل أبيهم، أي: الأولاد وهو أي: مصير ميراث الأولاد لموالي أبيهم إن أعتق أبيهم قبل أن يموت قولُ أبي حنيفة، والعامة وقد روى البيهقي عن علي وابن مسعود وزيد بن ثابت ﵃، أنهم كانوا يجعلون الولاء للكبير من العصبة ولا يورثون النساء من الولاء إلا من أعتق، وروى ابن أبي شيبة عن الحسن أنه قال: لا يرث النساء من الولاء إلا من أعتق أو أعتق من أعتق، وعن عمر بن عبد العزيز أنه قال: \"لا يرث النساء من الأولاد والأمة أعتقن أو كاتبن\" وروى نحوه عن محمد بن سيرين وابن المسيب وعطاء والنخعي، وأما ما ذكره فقهائنا حديث لا ولاء للنساء إلا ما أعتقن أو أعتقن من أعتقن أو كاتب من كاتبن أو دبر من دبرن أو جروه معتقهن أو معتق معتقهن، وهذا موجود في كتب الحديث.\nلما فرغ من ما يتعلق بولاء الموالي، شرع في بيان ما يتعلق بميراث صبي سبي من بلده إلى بلد الإِسلام، فقال: هذا\n* * *","vol":"3","page":380},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-346>باب ميراث الحميل</span>\nفي بيان حكم ميراث الحميل، وهو بفتح الحاء المهملة وكسر الميم الممدودة بمعنى المحمول وهي صبي مسبي سبي من بلده إلى بلد الإِسلام كذا في (المصباح).\n٧٣٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا بُكَيْر بن عبد الله بن الأشجّ، عن سعيد بن المسيَّب، قال: أبى عمر بن الخطاب أن يورِّثَ أحدًا من الأعاجم إلا ما ولد في العرب.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا يُورث الحَمِيل الذي يُسبى أو تسبى معه امرأة، فتقول: هو ولدي، أو تقول: هو أخي، أو يَقول: هي أختي، ولا نسب من الأنساب يورّث إلا بِبَيِّنةٍ، إلا الوالدُ والولدُ فإنه إذا دعا الوالد أنه ابنه وصدّقه فهو ابنه، ولا يحتاج في هذا إلى بينة، إلا أن يكون الولد عبدًا فيكذبه مولاه بذلك، فلا يكون ابن الأب ما دام عبدًا حتى يصدقه المولى، والمرأة إذا ادّعت الولد وشهدت امرأة حرة مسلمة على أنها وَلَدَته وهو يصدقها وهو حرّ فهو ابنها، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا أخبرنا بُكَيْر بالتصغير ابن عبد الله بن الأشجّ، بفتح الهمزة والشين المعجمة وتشديد الجيم، مولى بني مخزوم، يكنى أبا عبد الله أو أبا يوسف المدني نزل بمصر ثقة، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل مصر، مات سنة عشرين، وقيل: بعدها ومائة. كذا في (تقريب التهذيب) (١) عن سعيد بن المسيَّب، ابن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات، كان في الطبقة الأولى من طبقات كبار\n_________\n(٧٣٣) صحيح، أخرجه البخاري (٤/ ٢)، ومسلم في الوصية (١، ٤)، وأبو داود، كتاب الوصايا، (باب ١)، والترمذي (٩٧٤)، وابن ماجه (٢٦٩٩)، والنسائي (٦/ ٢٣٩)، وأحمد في المسند (٢/ ٨٠)، والبيهقي في الكبرى (٦/ ٢٧٢)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٥٢)، وغيرهم.\n(١) في التقريب (١/ ١٢٨).","vol":"3","page":381},{"text":"التابعين من أهل المدينة، اتفقوا على مرسلاته أصلح المراسيل، وقال المدني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه، مات بعد التسعين بيسير، وهو ابن أربع وثمانين سنة. كذا قاله ابن الجوزي وابن حجر في طبقاتهما قال: أي: ابن المسيب أبى امتنع عمر بن الخطاب ﵁ أن يورِّثَ أحدًا من الأعاجم أي: غير العرب من أهل الفرس والترك والهند ونحوهم إلا ما ولد في العرب أي: لأنه معروف النسب، وفي (المغرب) الحميل في حديث عمر: الذي يحمل من بلده إلى الإِسلام وتفسيره في الكتاب أنه صبي مع امرأة تحمله، وتقول: هذا بني، وفي كتاب (الدعوى) الحميل عندنا: كل نسب كان في أهل الحرب.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله ابن المسيب عن عمر بن الخطاب لا يُورث أي: لا يؤخذ من المال الذي تركه الحَمِيل أي: الصبي الذي يُسبى أي: هو أو تسبى معه امرأة، فتقول: أي: المرأة هو أي: الحميل ولدي، أو تقول: هو أخي، أو يَقول: أي: من معها هي أختي، ولا نسب من الأنساب يورّث إلا بِبَيِّنَةٍ، إلا الوالدُ والولدُ وفي نسخة: والوالد مقدم على الولد فإنه إذا دعا الوالد أنه ابنه وصدّقه فهو ابنه، وفي نسخة: فإنه بدل فهو ولا يحتاج في هذا إلى بينة، إلا أن يكون الولد عبدًا فيكذبه مولاه أي: سيده بذلك، فلا يكون ابن الأب ما دام عبدًا حتى يصدقه المولى، والمرأة إذا ادّعت الولد وشهدت امرأة حرة مسلمة على أنها وَلَدَته وهو أي: المولي يصدقها وهو أي: الولد حرّ فهو ابنها، وهو أي: كون الولد حرًا بتصديقها المولى إذا دعت أنه ابني وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بالميراث، شرع في بيان ما يتعلق بالوصية، فقال: هذا\n* * *\n\nفضل الوصية\nفي بيان حكم الوصية وفي نسخة: فضل بدل باب وهي: تمليك شيء مضاف إلى ما بعد الموت، كذا قاله السيد محمد الجرجاني، وهي واجبة على الموصي إذا كان عليه حق لله تعالى كالزكاة والحج أو حق للعباد، وإلا فمستحبة. وجه المناسبة بين هذا الباب والباب السابق معنى يظهر بعد الموت.","vol":"3","page":382},{"text":"٧٣٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"ما حقّ امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته عنده مكتوبة\".\nقال محمد: بهذا نأخذ، هذا حسن جميل.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا أخبرنا نافع، بن عبد الله المدني مولى ابن عمر ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"ما نافية أي: ليس حقّ امرئ مسلم أي: ولو في حال صحة وعافية وسقط لفظ (ق ٧٧١) مسلم في رواية أحمد عن إسحاق بن عيسى عن مالك، والوصف به خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له للتهيج لتقع المبادرة لامتثاله، لما يشعر به من نفي الإِسلام عن تارك ذلك؛ فإن النهي يتمثل الأمر ويجتنب النهي إنما هو المسلم ووصية الكافر جائزة في الجملة إجماعًا حكاه ابن المنذر، وبحث فيه السبكي بأنها شرعت زيادة في العمل الصالح والكافر لا عمل له بعد الموت، وأجاب بأنهم نظروا إلى أن الوصية كالإِعتاق، وهو يصح من الذمي والحربي قوله: له شيء صفة لامرئ يوصي فيه بصيغة المجهول صفة للشيء، أي: يجب أن يوصي به مما له أو عليه.\nقال ابن عبد البر: تختلف الرواة عن مالك في هذا اللفظ ورواه أيوب وعبيد الله كلاهما عن نافع عند مسلم بلفظ: له شيء يريد أن يوصي فيه، رواه الشافعي عن سفيان عن نافع بلفظ: امرئ يؤمن بالوصية.\nقال أبو عمر: فسره ابن عيينة أي: يؤمن بأنها حق، وأخرجه أبو عوانة من طريق هشام بن الغاز، وابن عبد البر عن سليمان بن موسى كلاهما عن نافع بلفظ: \"لا ينبغي لمسلم أن يبيت ليلتين إلا وصية عنده مكتوبة\"، وأخرجه الإِسماعيلي من طريق روح بن عبادة عن مالك وابن عون جميعًا عن نافع بلفظ: \"ما حق امرئ مسلم له مال يريد أن يوصي فيه\" وأخرجه الطحاوي وابن عبد البر من طريق ابن عون بلفظ: \"لا يحل لامرئ مسلم له مال\".","vol":"3","page":383},{"text":"قال أبو عمر: لم يتابع ابن عون على هذه اللفظة.\nقال الحافظان: عني عن نافع بلفظهما فمسلم، لكن المعنى يمكن أن يتخذ، كما يأتي وإن عني عن ابن عمر فمردود، فقد رواه الدارقطني من طريق عمرو بن دينار عن ابن عمر مرفوعًا: \"لا يحل لمسلم يبيت ليلتين إلا وصية مكتوبة عنه\" قوله: يبيت صفة ثانية لمسلم ومفعوله محذوف تقديره: آمنا أو ذكرا أو موعود، كما جزم به الطيبي والخبر ما دل عليه الاستثناء، ويحتمل أن يبيت خبر لمبتدأ بتأويله بالمصدر تقديره ما حقه بيتوتة ليلتين إلا وهي بهذه الصفة فاتفع الفعل بعد حذف أن قوله تعالى في سورة الرعد: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ الآية [الرعد: ١٢]؛ لأن قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ في موضع الخبر والفعل لا يقع مبتدأ فيقدران فيه حتى يكون في معنى المصدر فيصح حينئذ وقوعه مبتدأ ممن له ذوق يعلم هذا ويعلم أن ما قاله بغير المعنى، ورد بأن في رواية النسائي من طريق فضيل بن عياض عن عبيد الله عن نافع: أن يبيت، فصرح بأن المصدرية ولم يظهر فساد ولا تغيير معنى أن غايته أنه ظرف، والآية مبتدأ فاختلاف الإِعراب فيها لا يقتضي فساد القياس، إذ التنظير من حيث تقدير أن، ولو اختلفا في الإِعراب والفعل مرفوع في الآية والحديث ليلتين كذا لأكثر الرواة ولأبي عوانة والبيهقي من طريق أيوب: \"ليلة أو ليلتين\"، ولمسلم والنسائي من طريق الزهري عن سالم عن أبيه: \"يبيت ثلاث ليال\"، فكان ذكر الليلتين والثلاث دفع الحرج لتزاحم إشكال المرء الذي يحتاج إلى ذكرها، ففسخ له هذا القدر ليتذكر ما يحتاج إليه (ق ٧٧٢) اختلافات الروايات فيه دال على أن التقريب للتحديد، والمعنى: لا يمضي عليه زمان وإن قل إلا ووصيته الواو للحال عنده مكتوبة\" أي: بخطه أو بغير خطه.\nقال الطيبي: في الليلتين والثلاث بالذكر تسامح في إرادة المبالغة، أي: لا ينبغي أن يبيت زمنا ما وقد سامحناه في الليلتين والثلاث، فلا ينبغي له أن يتجاوز ذلك، وفيه أن الأشياء ينبغي أن تضبط بالكتابة؛ لأنها أثبت من الضبط بالحفظ؛ لأنه يخون غالبًا واستدل به على جواز الاعتماد على الكتابة والخط، ولو لم يقرن ذلك بالشهادة، وخص أحمد ومحمد بن نصر المروزي ذلك بالوصية، لثبوت ذلك فيها دون غيرها من الأحكام، وأجاب الجمهور بأن الكتابة ذكرت لما فيها من ضبط الشهور عليها، كما قاله الفاضل محمد الزرقاني.\nقال محمد: بهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه نافع عن ابن عمر هذا أي: العمل","vol":"3","page":384},{"text":"بهذا الحديث حسن جميل بالجيم أي: في غاية من الحسن والكمال والحديث رواه مالك وأحمد وأصحاب الكتب الستة جميعهم عن ابن عمر، كما أورده مالك في ترجمة الأمر بالوصية من (الموطأ) برواية يحيى.\nلما فرغ من بيان وجوب الوصية واستحبابها على المسلم مطلقًا، شرع في بيانها خاصة، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-348>باب الرجل يوصي عند موته بثلث ماله</span>\nفي بيان حكم حال الرجل يوصي عند أى: موته بثلث ماله بأقل من الثلث عند غني ورثته أو استغنائهم بحصتهم كتركها بلا أحدهما وصحت الوصية بالثلث للأجنبي، لما أخرجه ابن ماجه في (سننه) عن طلحة بن عمر والمكي عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة لكم في أعمالكم\" (١) وإنما قال: \"تصدق عليكم. . .\" إلى آخره؛ لأن القياس يقتضي أن لا يجوز الوصية؛ لأنها تمليك شيء مضاف إلى حال زوال الملك، ولو أضاف حد التمليك إلى حال فقام الملك بأن قال ملكتك غدًا كان باطلًا فهذا أولى لا أن الشارح أجازها لحاجة الناس إليها، فإن الإِنسان مغرور بأمله مقصر في عمله فإذا أعرض له عارض فخاف مجيء أجله احتاج إلى تلاقي ما فاته بماله على وجه لو تحقق ما يخافه لحصل، ويجوز أن يبقى الملك بعد موت المالك باعتبار الحاجة، كما في قدر التجهيز والدين وقد نطق بها الكتاب والسنة، وانعقد عليه إجماع الأمة. وجه المناسبة بين هذا الباب والباب السابق الإِطلاق والتقييد.\n٧٣٥ - أخبرنا مالك حدثنا عبد الله بن أبي بكر بن حزم، أن أباه أخبره أن عمرو بن سُلَيم الزُّرَقي، أخبره: أنه قيل لعمر بن الخطاب: إن ههنا غلامًا يفَاعًا\n_________\n(١) أخرجه أحمد في المسند (٦/ ٤٤١)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ١٠٤)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٧٩٤).\n(٧٣٥) إسناده صحيح، أخرجه البيهقي (٦/ ٢٨٢)، (١٠/ ٣١٧).","vol":"3","page":385},{"text":"من غَسّان، ووارثه بالشام، وله مالك، وليس ههنا إلا ابن عمٍّ له، فقال عمر: مروه فليوص لها، فأوصى لها بمالٍ يقال له: بئر جُشَم، قال عمرو بن سُليم: فَبِعْتُ ذلك المال بثلاثين ألفًا بعد ذلك، وابنة عمه التي أوصى لها هي أم عمرو بن سُليم.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا حدثنا عبد الله بن أبي بكر بن حزم، الأنصاري المدني القاضي، ثقة كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة، وهو ابن سبعين سنة كذا قاله ابن حجر أن أباه أخبره أي: أبا بكر بن حزم أن عمرو بفتح العين المهملة وسكون فراء ابن سُلَيم بالتصغير ابن خلدة بفتح الخاء المعجمة وسكون اللام الأنصاري الزُّرَقي، بضم الزاي وفتح الراء المهملة فقاف نسبة إلى بني ذريق بالتصغير، بطن من الأنصار، كان في الطبقة الأولى كان من طبقات كبار التابعين ومشاهيرهم، ويقال: له رؤية وأبوه صحابي، مات سنة أربع ومائة. كذا قاله العلامة الذهبي الشافعي في (ميزان الاعتدال في نقد الرجال) (١) وابن حجر في (تقريب التهذيب) (٢) أخبره: أنه أي: الشأن قيل لعمر بن الخطاب: إن ههنا أي: بالمدينة غلامًا يفَاعًا بفتح التحتية والفاء بزنة كلام مرتفع من غَسّان، بفتح الغين المعجمة وتشديد السين المهملة، وفي (المغرب): غلامًا يافع لم يبلغ ويفاع بمعنى يافع، وهي قبيلة من الأزد ووارثه أي: القريب بالشام، أي: وهو مريض في هذا المقام وله مال، أي: عظيم وليس ههنا من ورثة البعيدة إلا ابنة عمٍّ قال أي: الراوي فهل يوصي لها؟ فقال عمر: مروه فليوص لها أي: بثلث ماله قال أي: الراوي فأوصى لها بمالٍ أي: من عقار يقال له أي: للمال بئر جُشَم، بضم الجيم وفتح الشين المعجمة فميم قال عمرو بن سُليم، فَبِعْتُ ذلك المال أي: وكالة عنها بثلاثين ألفًا وفي (الموطأ) لمالك برواية يحيى بثلاثين ألف درهم بعد ذلك، أي: بعد أمره بالوصية وابنة عمه أي: الغلام التي أوصى أي: الغلام لها هي أم عمرو بن سُليم بن خلدة الزرقي الراوي الخبر المذكور.\n* * *\n_________\n(١) ميزان الاعتدال (٣/ ٢٦٣).\n(٢) التقريب (١/ ٤٢٢).","vol":"3","page":386},{"text":"٧٣٦ - أخبرنا مالك أخبرنا ابن شهاب، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، أنه قال: جاءني رسول الله - ﷺ - عامَ حَجة الوداع يعودني من وجع اشتدَّ بي، فقلتُ: يا رسول الله بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنةٌ لي، أفأتصدق بثلثي مالي، قال: \"لا\"، قال: بالشطر، قال: \"لا\"، قال: فبالثلث؟ ثم قال رسول الله - ﷺ -: \"الثلث والثلث كثير - أو كبير - إنك إن تَذَر ورثتَك أغنياء خيرٌ من أن تَذَرهم عالةً يتكفَّفُونَ الناس، وإنك لن تُنفق نفقةً تبتغي بها وجهَ الله إلا أُجِرْتَ بها حتى ما تجعل في امرأتك\"، قال: قلتُ: يا رسول الله أخلَّفُ بعد أصحابي، قال: \"إنك لن تُخلَّف فتعمل عملًا صالحًا تبتغي به وجه الله تعالى إلا ازددتَ به درجة ورفعة، ولعلك أن تُخْلِفَ حتى ينتفع بك أقوامٌ ويُضَرَّ بك آخرون، اللهم امض لأصحابي هجرتهم ولا تردّهم على أعقابهم، لكن البائس سعد بن خولة، يرثى له رسول الله - ﷺ - إن مات بمكة\".\nقال محمد: الوصايا جائزة في ثلث مال الميت بعد قضاء دينه، وليس له أن يوصي بأكثر من ثلثه، وإن أوصى بأكثر من ثلثه فأجازته الورثة بعد موته فهو جائز، وليس لهم أن يرجعوا بعد إجازتهم، وإن ردّوا رجع ذلك إلى الثلث، لأن النبي - ﷺ - قال: \"الثلث، والثلث كثير\"، فلا يجوز لأحد وصية بأكثر من الثلث إلا أن يُجيزوا الورثة، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، ثقة فقيه، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين مات سنة خمس وعشرين ومائة عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، الزهري المدني، ثقة\n_________\n(٧٣٦) صحيح، أخرجه البخاري (١٢٩٥) (٤٤٠٩)، ومسلم في الوصية (٤١٣١، ٤١٣٢)، وأبو داود (٢٨٦٤)، والترمذي (٢١١٦)، والنسائي في الوصايا (٦/ ٢٤١)، وفي عشرة النساء في الكبرى كما في التحفة (٣/ ٢٩٧)، وابن ماجه في الوصايا (٢٧٠٨).","vol":"3","page":387},{"text":"كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع ومائة، كما قاله ابن حجر (١) عن سعد بن أبي وقاص ﵁، أحد العشرة المبشرة بالجنة أنه قال: جاءني رسول الله - ﷺ - عامَ حَجة الوداع يعودني كذا في نسخة: أن يزورني عام حجة الوداع أي: سنة عشر هكذا اتفق عليه أصحاب الزهري، لابن عيينة فقال: في فتح مكة أخرجه الترمذي وغيره، واتفق الحفاظ على أنه وهم فيه وقد أخرجه البخاري في الفرائض من طريق فقال: بمكة، ولم يذكر الفتح.\nقال الحافظ: وقد وجدت لابن عيينة مستند عن أحمد والبزار والطبراني والبخاري في التاريخ عنه وابن سعد من حديث عمرو بن الغازي أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قدم مكة فخلف سعدًا مريضًا، حيث خرج إلى حنين فلما قدم من الجعرانة معتمرًا أدخل عليه وهو مغلوب، فقال: يا رسول الله أنا لي مالًا وإني أورث كلالة، أفأوصي بمالي. . . الحديث، وفيه: قلت: يا رسول الله أميت أنا بالدار التي خرجت منها مهاجرًا؟ قال: \"إني لأرجو أن يرفعك الله حتى ينتفع بك أقوام. . .\" الحديث، فلعل ابن عيينة انتقل ذهنه من حديث إلى حديث، ويمكن الجمع بين الروايتين بأن ذلك وقع له مرتين مرة عام الفتح ولم يكن له وارث من الأولاد أصلًا، ومرة عام حجة الوداع وكانت له بنت فقط يعودني، أي: يزورني من وجع وهو بالفتح اسم لكل مرض اشتدَ بي، أي: قوي على ما في رواية: أشفيت منه على الموت فقلتُ: يا رسول الله بلغ مني وفي نسخة: بي بدل مني الوجع ما ترى، أي: الغاية من الكثرة والغلبة وطول المدة وأنا ذو مال، أي: كثيرًا؛ لأن التنوين للكثرة وفي رواية قد جاء صريحًا في بعض طرقه ذي مال كثير ولا يرثني إلا ابنةٌ لي، قال النووي وغيره: معناه: (ق ٧٧٤) لا يرثني من الولد أو من خواص الورثة أو من النساء، وإلا فقد كان لسعد عصبات؛ لأنه من بني زهرة، وكانوا كثيرًا، وقيل: معناه: لا يرثني من أصحاب الفروض أو خصها بالذكر على تقدير: ولا يرثني، فمن أخاف عليه الضياع والعجز إلا ابنه أو أظن أنها ترث جميع المال، واستكثرتها نصف التركة.\nوقال الحافظ: وهذه البنت زعم بعض من أدركناه أن اسمها عائشة، فإن كان محفوظًا فهو غير عائشة بنت سعد الذي روت الحديث عند البخاري في الوصايا والطب\n_________\n(١) في التقريب (١/ ٢٣٢).","vol":"3","page":388},{"text":"وهي تابعية، عمرت حتى أدركها مالك، وروى عنها وماتت سنة سبع عشرة ومائة أفأتصدق بثلثي مالي، بالتثنية والاستفهام للاستخبار، وهكذا رواه الزهري، ومثله في رواية عائشة بنت سعد عن أبيها، في (الصحيح)، وفيه من رواية سعد بن إبراهيم عن عامر بن سعد عن أبيه قلت: يا الله أوصي بمالي كله، وجمع بينهما بأنه سأل أولًا عن الكل ثم عن الثلثين ثم عن النصف ثم عن الثلث، وذكر مجموع في رواية جرير بن يزيد عن أحمد وبكير بن مسمار عن النسائي كلاهما عن عامر بن سعد قال: أي: رسول الله - ﷺ -: \"لا\"، قال: أي: سعد فقلت: فبالشطر، بالجزء على ثلثي مالي، أي: إذا تصدق بالنصف قال: \"لا\"، وفي الصحيح من وجه آخر عن عطف لأمر عين أبيه قال: النصف كثير فقلت فبالثلث؟ ثم أي: بعد أن سأل عن الثلث قال رسول الله - ﷺ -: \"الثلث بالنصب على الإِغراء أو بفعل فصل نحو عين الثلث وبالرفع خبر مبتدأ أي: المشروع والثلث أو مبتدأ محذوف الخبر، أي: الثلث كاف أو فاعل لفعل مقدر يكفيك الثلث.\nقال ابن عبد البر (١): هذا الحديث أصل للعلماء في قصر الوصية على الثلث لا أصل لهم غيره والثلث كثير بمثلثة أي: بالنسبة إلى ما دونه ويحتمل أنه مسوق بالنسبة لبيان الجواز بالثلث؛ ولأن الأولى أن ينقص عنه، وهو ما يبتدره الفهم، ويحتمل لبيان أن التصدق بالثلث هو الأكمل أي: كثير أجره، وأن معناه كثير غير قليل أو كبير بالموحدة شك من الراوي أي: عظيم وفيه تنبيه على أن الثلث رخصة دونه مستحبة إنك بالكسر على الاستئناف وبالفتح بتقدير حرف الجر، أي: لأنك إن تَذَر بهمزة والذال المعجمة أي: تترك ورثتَك أي: بنتك المذكورة وأولاد أخيك هاشم بن عتبة بن أبي وقاص الصحابي وأخوته، فعبر بورثته لتدخل البنت وغيرها ممن يرثه، لو مات إن ذاك أو بعد ذلك أغنياء أي: بما تتركه لهم خيرٌ.\nقال السيوطي: ضبط بفتح الهمزة على \"أن\" مصدرية في محل المبتدأ والخبر خير وبكسرها شرطية على تقدير: فهو خير من أن تَذَرهم عالةً أي: فقراء جمع عائل، وفعله عال يعيل إذا اقتضى يتكفَّفُونَ الناس، أي: بفتحتان وتشديد الفاء الأولى أي: يسألونهم بأكفهم يقال: تكفف الناس، واستكف إذا بسط كفه للسؤال أو سأل (ق ٧٧٥) ما يكف\n_________\n(١) في التمهيد (٨/ ٣٨٠).","vol":"3","page":389},{"text":"عنه الجوع، أو سأل كفافًا من الطعام والمعنى يطلبون الصدقة من أكف الناس، وإنك لن تُنفق نفقةً تبتغي بها أي: تريد بالنفقة وجهَ الله تعالى أي: رضاه أو لقاؤه إلا أُجِرْتَ بها بضم الهمزة مبني للمفعول فهو علة للنهي، كأنه قيل: لا تفعل؛ لأنك إن مت تركت ورثتك أغنياء، وإن عشت تصدقت وأنفقت فالأجر حاصل لك في الحالين ونبه بالنفقة على غيرها من وجوه البر والإِحسان حتى ما موصولة أو مصدرية أي: الذي تجعل أي: تضعه في أي: في فم امرأتك\"، حقيقة أو حكمًا بأن يكون كفاية عن الإِنفاق عليها فيثاب عليه مع أنه واجب شرعًا وعرفًا وله حظ ونصيب فالاستلذاذ بها فبالأولى إنفاقه على غيرها، وفي رواية في الصحيح: حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك، وقول ابن بطال: تجعل بالرفع و\"ما\" كافة كفت حتى عملها تعقبه في (المصابيح)، بأنه لا معنى للتركيب حينئذ إن تأملت بل هي اسم موصول وحتى عاطفة أي: لا أجرت بتلك النفقة حتى بالشيء الذي تجعله في فم امرأتك، ولا يرد أن شرطية حتى العاطفة على المجرور إعادة الخافض لابن مالك قيده بأن لا يتعين للعطف نحو عجبت من القدم حتى بينهم قال: أي: سعد قلتُ: يا رسول الله أخلَّفُ بضم الهمزة وفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام المفتوحة ففاء وهمزة الاستفهامية محذوفة تقديره: أخلف بعد أصحابي، أي: أخلف بصيغة المجهول المتكلم، وليحيى: أخلف، أي: بمكة من أجل مرضي بعد توجهه - ﷺ - وأصحابه الكرام إلى المدينة وكانوا يكرهون الإِقامة بمكة لكونهم هاجروا فيها وتركوا الله تعالى كذا قاله السيوطي قال أي: النبي - ﷺ -: \"إنك لن تُخلَّف أي: بعد أصحابك فتعمل عملًا صالحًا تبتغي أي: تطلب به وجه الله تعالى أي: رضاه إلا ازددتَ به أي: بذلك العمل الصالح درجة ورفعة، أي: طبقة من الجنة طولها ما بين السماء والأرض ومرتبة عند الله تعالى أراد بذلك التلبية ولعلك أن تُخْلِفَ أي: بأن يطول عمرك يريد أن في خبر لعل تشبيهًا لها تعني كما تحذفونها من خبر عسى تشبيهًا لها بلعل حتى ينتفع بك أقوامٌ أي: المسلمون بالغنائم بما يستفتح الله على يديك من بلاد الكفر ويُضَرَّ بك آخرون، أي: وهم المشركون الهالكون على يدك وحيدك، وفيه تنبيه على أن الصبر على ما تكره النفس فيه خير كثير كما قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا، وأن الرضا بالقضاء بأن الله الأعظم، والله سبحانه أعلم.\nثم انتقل النبي - ﷺ - من حال التفرقة مع الخلق إلى مقام الجمع بالحق فقال: اللهم","vol":"3","page":390},{"text":"امض بهمزة مقطوعة من الإِمضاء، وهو إنفاذ أي: أتمم لأصحابي هجرتهم أي: أقبل وأكمل ثواب الهجرة التي هاجروها من مكة إلى المدينة ولا تردّهم على أعقابهم، أي: بترك هجرتهم ورجوعهم عن مستقيم حالهم.\nقال ابن عبد البر: ففيه سد الذريعة لأن قوله ذلك؛ لئلا يتذرع بالمرض أحد لأجل (ق ٧٧٦) أحب الوطن لكن البائس بموحدة وهمزة وسين مهملة، الذي عليه أثر البؤس أي: شدة الفقر والحاجة سعد بن خولة، بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو ولام وتاء تأنيث، القرشي العامري وقيل: من خلفائهم وقيل: مواليهم، وقيل: هو فارسي من اليمن حالف بني عامر وشهد بدرًا، وقال في بعضهم: اسمه خولي بكسر اللام وتشديد التحتية واتفقوا على أنه بسكون الواو يرثى بفتح التحتية وسكون الراء المهملة وكسر المثلثة فتحتية أي: يتحزن عليه ويتوجع له أي: لأجله سعد بن خولة رسول الله - ﷺ - أن مات بمكة\" بفتح الهمزة ولا يصح كسرها، لأنها شرطية لما يستقبل، وهو كان قد مات سعد بن خولة في حجة الوداع، كما في (الصحيحين).\nقال السيوطي: قوله: لكن البائس سعد بن خولة آخر كلام النبي - ﷺ -، وقوله: يرثي له إلى آخره مدرج من كلام الراوي تفسير المعنى هذا الكلام، أو أنه صلى الله تعالى عليه وسلم نهاه وتوجع عليه لكونه مات بمكة انتهى.\nقال ابن عبد البر (١): زعم أهل الحديث أن قوله: يرثي. . . إلى آخره من كلام الزهري.\nقال الحافظ (٢): وكأنهم استندوا إلى ما رواه أبو داود الطيالسي عن إبراهيم بن سعد عن الزهري، فإنه فصل ذلك لكن عند البخاري في الدعوات عن موسى بن إسماعيل عن إبراهيم بن سعد البائس سعد بن خولة قال سعد: يرثي له إلى آخره فهذا صريح في وصله، فلا ينبغي الجزم بإدراجه. وزاد البخاري في الطب عن عائشة بنت سعد عن أبيها: ثم وضع يده على جبهتي ثم مسح وجهي وبطني ثم قال: \"اللهم اشفه وأتمم له هجرته\" فما زلت أجد بردها ولمسلم: قلت: فادع الله يشفيني، قال: \"اللهم سعد\" ثلاث مرات، وفي الحديث استحباب زيارة المريض من الإِمام فمن دونه، ويتأكد باشتداد المرض ووضع اليد على جبهته، ومسح وجهه فالعضو الذي يألمه والفسح له بطول العمر، وجواز إخبار\n_________\n(١) في التمهيد (٨/ ٣٩١).\n(٢) الفتح (٥/ ٣٦٥).","vol":"3","page":391},{"text":"المريض بشدة مرضه وقوة ألمه إذا لم يقرن بذلك شيء مما يمنع أو يكره من التبرم وعدم الرضى بل لطلب دعاء أو دواء، وربما استحب وأن ذلك لا ينافي في الاتصاف بالصبر المحمود، وإذا جاز ذلك أثنى المريض كان الإِخبار بعد البرء أجوز وأن أعمال البر والطاعة إذا كان منهما ما لا يمكن استداركه قام غيره في الثواب والأجر مقامه.\nقال محمد: الوصايا جائزة في ثلث مال الميت بعد قضاء دينه، لأن قضاء الدين من فروض العين وليس له أي: للميت أن يوصي بأكثر منه أي: من الثلث، وإن أوصى بأكثر من ذلك أي: الثلث فأجازته الورثة بعد موته فهو أي: الإِيصاء بأكثر منه جائز، وفيه تنبيه على أن إجازتهم قبل موته غير معتبرة لعدم تعلق حق لهم بماله وليس لهم أي: للورثة أن يرجعوا بعد إجازتهم، أي: الواقعة بعد موته وإن ردّوا أي: وصيته رجع ذلك إلى الثلث، أي: وبطل الزائد عليه لا أصله لأن النبي - ﷺ - قال: \"الثلث، أي: عين الثلث والثلث كثير\"، (ق ٧٧٧) فلا يجوز لأحد وصية مرفوعة لأنها فاعل يجوز بأكثر من الثلث إلا أن يُجيزوا الورثة، وهو أي: جواز الوصية بأكثر من الثلث بإجازتهم قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، وأخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه عن أبي أمامة ﵁ أن النبي - ﷺ - خطب فقال: \"الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث\" (١).\nقال الترمذي: حديث حسن صحيح، ورواه النسائي عن عمرو بن خارجة مرفوعًا، فلا أوصي لوارث، فأجازوا أي: الورثة جاز وإلا فلا وإن اجتمع الوصايا وضاق عنها الثلث قوم الفرض وإن أخره الوصي عن غيره؛ لأنه أهم فإن تساوت قُوَّة قَدَّم مَا قَدَّمَه الموصي؛ لأن الظاهر من حال الإِنسان أن يبدأ بما هو أهم عنده والله أعلم.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بالوصية، شرع في بيان ما يتعلق اليمين والنذر، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-349>باب الأيمان والنذور وأدنى ما يجزئ في كفارة اليمين</span>\nفي بيان أحكام الأيمان، بفتح الهمزة وسكون التحتية فألف ونون جمع يمين، وهو\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٤/ ٤٢٣)، رقم (٢١٢٠)، وقال: حسن صحيح، وأبو داود (٣/ ١١٤)، رقم (٢٨٦٨)، وابن ماجه (٢/ ٩٠٥)، رقم (٢٧٢٣)، وأخرجه النسائي في الكبرى (٤/ ١٠٧)، رقم (٦٤٦٨)، عن عمرو بن خارجة مرفوعًا.","vol":"3","page":392},{"text":"في اللغة مشتركة بين الجارحة والقسم والقوة، كما قال تعالى في سورة الحاقة: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] أي: بالقوة، وفي الشرع: هي عبارة عن عمد قوي بها عزم الحالف على الفعل أو الترك أو عن تعليق الجزاء بالشرط فإنه أيضًا يمين حتى لو حلف أن لا يحلف، فقال: إن دخلت الدار فعبدي حر يحنث عند العامة، وعند أصحاب أبي حنيفة: الظاهر أنه لا يحنث وركنها اللفظ المستعمل فيها وشرطها العقل والبلوغ والإِسلام، وحكمها شيئان وجوب البر بتحقيق الصدق في نفس اليمين، والثاني وجوب الكفارة بالحنث. كذا قاله محمد التمرتاشي في (منح الغفار) والنذور، أي: وبيان أحكام النذور بضم النون والذال المعجمة وسكون الواو فراء مهملة جمع النذر، وهو بفتح النون وسكون الذال المعجمة والراء المهملة إيجاب عين الفعل المباح على نفسه تعظيمًا لله تعالى. كذا عرفه السيد محمد الجرجاني، ولذا قال عبد الله بن عمر بن محمد بن البيضاوي الشيرازي في تفسير قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧]: من وفى بما أوجبه على نفسه تعظيمًا لله تعالى، كان أوفى بما أوجبه الله عليه وأدنى ما يجزي بلا أي: وبيان أقل الشيء يكفي في كفارة اليمين. وجه المناسبة بين هذا الكتاب وبين الكتاب السابق حكم يظهر بعد الموت، وهو الميراث وبعد اليمين، وهو وجوب البر بتحقيق الصدق في نفس اليمين ووجوب الكفارة بالحنث.\n٧٣٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن عبد الله بن عمر كان يُكَفِّر عن يمينه بإطعام عشرة مساكين، لكل إنسان مدّ من حنطة، وكان يعتق الجوَارِ إذا وكَّدَ في اليمين.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا أخبرنا نافع، أي: ابن عبد الله المدني، مولى ابن عمر ثقة فقيه ثبت مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة أن عبد الله بن عمر كان يُكَفِّر عن يمينه أي: عن حنثه بإطعام عشرة مساكين، لكل إنسان أي: يعطي لكل مسكين، كما في (الموطأ) لمالك برواية يحيى مدّ من حنطة، وهو بضم الميم وتشديد الدال المهملة نصف صاع، كما قدره علماؤنا وهو مد النبي - ﷺ - وكان يعتق الجوَارِ إذا وكَّدَ في اليمين أي: في مذهبه وهو بفتح الواو وتشديد الكاف، يقال: وكدت اليمين توكيدًا أو أكدت اليمين تأكيدًا.\n_________\n(٧٣٧) إسناده صحيح، وانظر المدونة الكبرى (٣/ ١١٩).","vol":"3","page":393},{"text":"قال السيوطي: (ق ٧٧٨) قيل لنافع: ما التأكيد قال: تزداد اليمين في الشيء الواحد انتهى، ولا يخفى أن \"أو\" في قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩] للتخيير، ولما كان تحرير الرقبة أكثر قيمة استعمله ابن عمر في أكبر جريمة مخالفة للنفس ومهاجرًا لها عن متابعة هواها.\n* * *\n\n٧٣٨ - أخبرنا مالك، حدثنا يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار، قال: أدركتُ الناس وهم إذا أعطوا المساكين في كفارة اليمين أعطوا مدا مدا من حنْطة، بالمدّ الأصغر، ورأوا أن ذلك يجزئ عنهم.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا حدثنا يحيى بن سعيد، بن قيس الأنصاري المدني، يكنى أبا سعيد القاضي، ثقة ثبت كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة عن سليمان بن يسار، بفتح التحتية وخفة السين المهملة الهلالي المدني، مولى ميمونة وقيل: مولى أم سلمة، ثقة فاضل أحد الفقهاء السبعة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة وقيل: قبلها. كذا في (تقريب التهذيب) (١) قال: أدركتُ الناس يعني الصحابة وهم إذا أعطوا المساكين في كفارة اليمين أعطوا مدا مدا من حِنْطة، أي: لكل مسكين بالمدّ الأصغر، أي: مد النبي - ﷺ - وهو نصف صاع من بر كما مر، وكما صرح به الإِمام مالك، والمد الأكبر مد هشام بن إسماعيل المخزومي، وكان غلامًا لبني أمية على المدينة ورأوا أي: اختاروا أن ذلك أي: المد الأصغر يجزئ أي: يكفي عنهم لأن جميع الكفارات به ما عدا المظاهر.\n* * *\n\n٧٣٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن عبد الله بن عمر قال: من حلف\n_________\n(٧٣٨) إسناده صحيح.\n(١) التقريب (١/ ٢٥٥).\n(٧٣٩) إسناده صحيح، أخرجه البيهقي في الكبرى (١٠/ ٥٦)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ١١٨).","vol":"3","page":394},{"text":"بيمين فوكَّدها ثم حنث، فعليه عتق رقبة أو كسوة عشرة مساكين، ومن حلف بيمين فلم يوكدها فحنث فعليه إطعام عشرة مساكين، لكل إنسان مدّ من حنطة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام.\nقال محمد: إطعام عشرة مساكين غداءً وعشاءً ونصف صاع من حنطة أو صاع من تمر أو شعير.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا نافع، أن عبد الله بن عمر قال: من حلف بيمين أي: على يمين، كما في رواية أي: على مقسم عليه؛ لأن حقيقة اليمين جملتان أحدهما مقسم به والآخر مقسم عليه، فذكر الكل وأريد به البعض، وقيل: ذكر اسم الحال وأريد المحل؛ لأن المحلوف عليه محل اليمين، كما قاله علي القاري فوكَّدها أي: كررها على ما سبق ثم حنث، بكسر النون أي: نقض يمينه فعليه عتق رقبة أو كسوة عشرة مساكين، أي: لكل مسكين ثوب يستر عامة بدنه قميص أو إزار أو رداء أو قباء أو كساء ومن حلف بيمين أي: على مقسم عليه فلم يوكدها أي: ولم يكررها فحنث أي: ثم حنث كما في (الموطأ) لمالك برواية يحيى فعليه إطعام عشرة مساكين، أريد ما يشمل الفقراء لكل إنسان مدّ بالرفع مبتدأ مؤخر من حنطة، أي: ونحوها قال تعالى في سورة المائدة: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] فمن لم يجد أي: أحد الأشياء الثلاثة فصيام ثلاثة أيام أي: متتابعات كما في قراءة شاذة، وبه قال علماؤنا خلافًا للشافعي وهذا التنويع الذي ذكره ابن عمر ﵄، فلعله اختيار منه بما صدر في اجتهاده عنه.\nقال محمد: إطعام عشرة مساكين غداءً وعشاءً قال البغوي: ولو غداهم وعشاهم لا يجوز، وجوزه أبو حنيفة، ويروي ذلك عن علي ﵁، ولا يجوز الدراهم والدنانير ولا الخبز ولا الدقيق، بل يجب إخراج الحب إليهم، وجوز أبو حنيفة كل ذلك ونصف صاع من حنطة أو صاع من تمر أو شعير ولما روى المصنف أول الباب إلى هنا عن مالك روى عن مشايخه غير الإِمام مالك إلى الباب الآتي فقال (ق ٧٧٩):\n* * *","vol":"3","page":395},{"text":"٧٤٠ - قال محمد: أخبرنا سلَّام بن سُليم الحنفي، عن أبي إسحاق السَّبيعي عن يرفاء مولى عمر بن الخطاب، قال: قال عمر بن الخطاب: يا يرفاء، إني أنزلتُ مال الله مني منزلة اليتيم، إذا احتجت أخذت منه، وإذا أيسرت رددته، وإن استغنيت استعففت، وإني قد وُلِّيتُ من أمر المسلمين أمرًا عظيمًا، فإذا أنت سمعتني أحلف على يمين فلم أمضها فأطعم عني عشرة مساكين، خمسة أصْوُع بُرٍّ، بين كل مسكينين صاع.\n• قال محمد: أخبرنا سلَّام بن سُليم بالتصغير الحنفي، مولاهم، يكنى أبا الأحوص الكوفي ثقة متقن صاحب حديث، كان في الطبقة السابعة من طبقات التابعين من أهل الكوفة، مات سنة تسع وسبعين ومائة عن أبي إسحاق السَّبيعي بفتح السين المهملة وكسر الموحدة نسبة إلى سبيع بن سبع، وهو مكثر عابد، اسمه عمرو بن [عبد] (*) الله الهمداني، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل الكوفة، وذكر السيوطي أن السبيع مثلثة نسبة إلى سبع بطن من همدان، ومحلة السبيع بالكوفة، مات سنة تسع وعشرين ومائة وقيل: قبل ذلك عن يرفاء بفتح التحتية وسكون الراء المهملة والفاء فألف ممدودة مولى عمر بن الخطاب، ﵁ قال: قال عمر بن الخطاب: يا يرفاء: إني أنزلتُ مال الله أي: مال بيت المال مني بمنزلة وفي نسخة: منزلة مال اليتيم، أي: في قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] إذا احتجت أي: إليه أخذت منه، وإذا أيسرت أي: إن صرت غنيًا رددته، أي: أعطيت عوضًا عما أخذت وإن استغنيت، أي: على وجه الكفاف استعففت أي: طلبت العفاف وإني قد وُلِّيتُ بكسر اللام أي: توليت من أمر المسلمين أي: من جملة أمورهم اللازمة في ظهورهم أمرًا عظيمًا، أي: وشأنًا جسيمًا ربما أغفل عن بعض أقوالي وأفعالي من كثرة اشتغالي وشدة أحوالي فإذا أنت سمعتني أحلف على يمين أي: على المقسم عليه فلم أمضها أي: فلم أبرها بل أحنث فيها فأطعم عني عشرة مساكين، خمسة أصْوُع بُرٍّ، فيه إضافتان، والأصوع على زنة أرجل جمع الصاع\n_________\n(٧٤٠) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٤/ ٥٠٣)، وعبد الرزاق في مصنفه (٨/ ٤٠٤).\n\n(*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: ما بين المعكوفتين سقط من المطبوع","vol":"3","page":396},{"text":"وصوع بالضم وصيعان، كما في (القاموس) بين كل مسكينين صاع يعني: لكل مسكين نصف صاع من بر.\n* * *\n\n٧٤١ - قال محمد: أخبرنا يونس بن أبي إسحاق، حدثنا أبو إسحاق، عن يسار بن نُمَير، عن يرفاء غلام عمر بن الخطاب، أن عمر بن الخطاب قال له: إنَّ عليَّ أمرًا من أمر الناس جسيمًا فإذا رأيتني قد حلفتُ على شيء فأطعم عني عشرة مساكين، كل مسكين نصف صاع من بر.\n• قال محمد: أخبرنا يونس بن أبي إسحاق، بن السبيعي، يكنى أبا إسرائيل الكوفي، صدوق يهم قليلًا، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل الكوفة، مات سنة اثنين وخمسين ومائة. كذا قاله ابن حجر (١) حدثنا أبو إسحاق، عن يسار بن نُمَير، بالتصغير أبو قبيلة المدني مولى عمر ثقة نزل الكوفة، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل الكوفة، مات قبل المائة عن يرفاء بفتح التحتية وسكون الراء المهملة والفاء فألف ممدودة غلام عمر بن الخطاب، ﵁ أن عمر بن الخطاب قال له: إنَّ عليَّ أمرًا أي: عظيمًا من أمر الناس جسيمًا أي: معظمًا شبه عمر ما التزمه من أمور العباد جبلًا مرتفعًا، يقال: تجسمت الرمل والجبل إذا ركبه لما نقله الجوهري عن ابن السكيت، وفي نسخة: إني على أمر الناس جسيم فإذا رأيتني قد حلفتُ على شيء أي: وحنثت فيه فأطعم عني عشرة مساكين، كل مسكين نصف صاع من بر.\n* * *\n\n٧٤٢ - قال محمد: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن منصور بن المعتمر، عن شقيق بن سلمة، عن يسار بن نمير، أن عمر بن الخطاب أمر أن يُكفَّر عن يمينه بنصف صاع لكل مسكين.\n_________\n(١) في التقريب (١/ ٦١٣)، (٧٤١).\n(٧٤٢) إسناده صحيح.","vol":"3","page":397},{"text":"• قال محمد: أخبرنا سفيان بن عيينة، بضم العين المهملة وفتح التحتية الأولى وسكون الثانية وفتح النون فهاء أي: ابن أبي عمران ميمون الهلالي، يكنى أبا محمد الكوفي ثم المكي ثقة حافظ فقيه إمام حجة إلا أنه تغير حفظه في آخره، كان ربما دلس لكن عن الثقات، (ق ٧٨٠) كان رؤوس الطبقة الثامنة من طبقات التابعين من أهل مكة، مات في رجب سنة ثمان وتسعين ومائة وله إحدى وتسعون سنة، عن منصور بن المعتمر، بكسر الميم الثانية ابن عبد الله السلمي، يكنى أبا عتاب بمثنات ثقيلة فألف وموحدة الكوفي ثقة، في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل الكوفة، مات سنة اثنين ومائة عن شقيق بن سلمة، الأسدي، يكنى أبا وائل الكوفي ثقة مخضرم، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز عن يسار بن نمير، وقد سبق بيان طبقته آنفًا أن عمر بن الخطاب ﵁ أمر أن يُكفَّر عن يمينه بنصف صاع لكل مسكين.\n* * *\n\n٧٤٣ - قال محمد: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عبد الكريم، عن مجاهد، قال: في كل شيء من الكفارة فيه إطعام المساكين نصف صاع لكل مسكين.\n• قال محمد: أخبرنا وفي نسخة: محمد قال: ثنا سفيان بن عيينة، قد سبق طبقته عن عبد الكريم، بن راشيد أو ابن راشد البصري، صدوق كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل البصرة عن مجاهد، بن جبر بفتح الجيم وسكون الموحدة، يكنى أبا الحجاج المخزومي مولاهم المكي، ثقة إمام في التفسير وفي العلم، كان في الطبقة الثالثة من طبقات أهل مكة، مات سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث أو أربع ومائة وله ثلاث وثمانون سنة قال: في كل شيء من الكفارة أي: من جنس الكفارات فيه إطعام المساكين نصف صاع لكل مسكين والله أعلم.\nلما فرغ من بيان أحكام الأيمان والنذور وبيان ما يكفي في كفارة اليمين، شرع في بيان حكم حال الرجل يحلف بالمشي إلى بيت الله، فقال: هذا\n* * *\n_________\n(٧٤٣) إسناده حسن.","vol":"3","page":398},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-350>باب الرجل يحلف بالمشي إلى بيت الله</span>\nفي بيان حكم حال الرجل يحلف بالمشي إلى بيت الله، فأضافه إليه للتشريف أي: مسجد من المساجد ليطابق الحديث الوارد، وإلا فعند الإِطلاق يراد به الكعبة المعظمة أو المسجد الحرام؛ ولذا قال علماؤنا: إنه إذا قال على المشي إلى بيت الله أو الكعبة أو إلى مكة أو بمكة يجب عليه حج أو عمرة مشيًا، وبه قال مالك وأحمد والشافعي في قول، والقياس أن لا يجب عليه شيء؛ لأنه التزم المشي، وهو ليس بقربة مقصودة، والنذر بما ليس بقربة مقصودة غير لازم، ووجه الاستحسان أن هذه العبادة كناية عن إيجاب الإِحرام مشيًا شرعًا.\nكما لو قال: علي إحرام بحجة أو عمرة ماشيًا، محمد قال:\n٧٤٤ - أخبرنا مالك، أخبرني عبد الله بن أبي بكر، عن عمته، أنها حَدَّثَتْه عن جدته: أنها كانت جعلت عليها مشيًا إلى مسجد قُبَاء، فماتت ولم تقضه، فأفتى ابن عباس ابنتها أن تمشي عنها.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا أخبرني عبد الله بن أبي بكر، ابن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني القاضي بها، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة وهو ابن سبعين سنة عن عمته، قال ابن الخزاعي: عمرة بنت حزم عمة جد عبد الله بن أبي بكر وقيل لها: عمته مجازًا، وتعقبه الحافظ بأن عمرة صحابية قديمة روى عنها جابر الصحابي، فرواية عبد الله عنها منقطعة؛ لأنه لم يدركها فالأظهر أن المراد عمته الحقيقية، وهي أم كلثوم انتهى. والأصل الحمل على الحقيقة وقيل: مدعي العمدة المجازية بيان الرواية أتى فيها دعواه، خصوصًا مع ما لزم عليها من انقطاع السند والأصل خلافه أنها حَدَّثَتْه عن جدته: أنها كانت جعلت أي: التزمت عليها أي: على نفسها مشيًا إلى مسجد قُبَاء، بضم القاف وبفتح الموحدة وألف الممدودة (ق ٧٨١) غير صرف على ثلاثة أميال بالمدينة، وسببه أنه ورد أن الذهاب إلى مسجد قباء بمنزلة عمرة، فالنذر به قربة مقصودة فيه أشكل؛ إذ صرح\n_________\n(٧٤٤) إسناده صحيح.","vol":"3","page":399},{"text":"بعض علمائنها أنه لو قال على الذهاب والخروج إلى بيت الله أو مسجد رسول الله - ﷺ - أو بيت المقدس أو مسجد الأقصى، لا يلزمه شيء في قولهم جميعًا؛ لأن لالتزام الإِحرام بالحج أو العمرة بهذه الألفاظ غير متعارف.\nوقال مالك وأحمد: ينعقد نذره في المشي إلى مسجد النبي - ﷺ - إلى مسجد الأقصى، لقوله: - ﷺ - في الحديث الصحيح: \"لا يشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا\" (١) فماتت ولم تقضه، أي: نذرها فأفتى ابن عباس ابنتها أن تمشي عنها؛ لأن الأصل أن الإِتيان إلى قباء مرغب فيه ولا خلاف أنه قربة لمن قرب منه، ومذهب ابن عباس قضاء المشي للميت كذا وغيره، روى ابن أبي شيبة عنه: إذا مات وعليه نذر قضى عنه وليه، ولا يعارضه ما رواه ابن أبي شيبة عنه: \"لا يصلي أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد\"؛ لأن النفي في حق الحي والإِثبات في حق الميت، ولم يأخذ بقوله في المشي الأئمة. كذا قاله الزرقاني. فإن قيل: الأنظر للمشي في الواجبات، ومن شرط صحة النذر أن يكون من جنس المنذور واجبًا.\nوالجواب: أنه له نظيرًا، وهو المشي في الطواف والسعي، وكذا مشي المكي الذي لا يجد راحلة، وهو قادر على المشي، فإنه يجب عليه أن يحج ماشيًا.\n* * *\n\n٧٤٥ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن أبي حبيبة، قال: قلت لرجل وأنا حديث السن: ليس على الرجل يقول: عليَّ المشي إلى بيت الله، ولا يسمي نذرًا شيءٌ، فقال الرجل: هل لك إلى أن أعطيك هذا الجرْو لجرْو قثَّاءٍ في يده، وتقول: عليَّ مشي إلى بيت الله، قلت: نعم، فقلته، فمكثت حينًا حتى عَقَلْتُ فقيل لي: إن عليك مشيًا، فجئتُ سعيد بن المسيب، فسألته عن ذلك، فقال: عليك مشي، فمشيت.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢/ ٧٦، ٧٧)، (٣/ ٢٥، ٢٦)، ومسلم في الحج، باب ٩٥، رقم (٥١١)، وباب ٧٤ رقم (٤١٥)، وأبو داود (٢٠٣٣)، والترمذي (٣٢٦)، والنسائي في المناسك (ب ١٠)، وابن ماجه (١٩٦) (١٤٠٩) (١٤١٠).\n(٧٤٥) في إسناده عبد الله بن أبي حبيبة لم أجد فيه جرحًا ولا تعديلًا.","vol":"3","page":400},{"text":"قال محمد: وبهذا نأخذ، من جعل عليه المشي إلى بيت الله لزمه المشي، إن جعله نذرًا أو غير نذر، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، في نسخة: محمد قال: أخبرنا مالك حدثنا عبد الله بن أبي حبيبة، المدني الطائي مولى الزبير بن العوام، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، روى عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، مات بعد المائة من الهجرة قال: أي: عبد الله بن أبي حبيبة قلت لرجل وأنا حديث السن أي: والحال أنا شاب قال سعيد بن زيد الباجي المكي: يريد أنه لم يكن فقه لحداثة سنة ليس على الرجل يقول: أي: أن يقول، كما في (الموطأ) لمالك برواية يحيى عليَّ المشي إلى بيت الله، ولا يسمي أي: ولم يقل نذرًا قوله: شيءٌ، مرفوع على أنه اسم ليس والجار والمجرور خبرها مقدمًا، يعنى لا يجعله نذرًا، بل ورده يمينًا قال ابن حبيب عن مالك: كان عبد الله يومئذ قد بلغ الحلم واعتقد أن لفظ الالتزام إذا عري من لفظ النذر لم يجب عليه شيء فقال أي: إلى الرجل: أي: المخاطب هل لك أي: ميل إلى أن أعطيك هذا الجرْو وبتثليث الجيم، وهو الصغير من كل شيء لجرو قثَّاءٍ في يده، قوله: لجرو قثاء إضافة تجريدية والقثاء بكسر القاف وتشديد المثلثة معروف أو الخيار.\nقال الزرقاني (١): شبهت صغار الخيار بصغار أولاد الكلاب للينها ونعوضها أي: وقثاؤها موضوع أو حاصل في يده قوله: وتقول: عطف على قوله: أعطيتك، أي: هل للأميل إلى أن تقول: عليَّ مشي إلى بيت الله، قلت: نعم، أي: لي ميل إلى أن أقوله فقلته، أي: هذا القول أي: قلت علي مشي إلى بيت الله فمكثت بفتح الكاف وضمها، أي: فلبثت حينًا أي: زمانًا حتى عَقَلْتُ بفتح (ق ٧٨٢) القاف أي: تعقلت وعرفت أنه لا بد من تحقيق هذه المسألة، فسألت بعض العلماء فقيل لي: إن عليك مشيًا، أي: إلى بيت الله فجئتُ سعيد بن المسيب، أي: إليه فسألته عن ذلك، أي: عن حكم ذلك القول فقال: أي: أجاب بأن قال: عليك مشي، فمشيت أي: إلى بيت الله إما بحج أو بعمرة.\nقال مالك: وهذا الأمر عندنا، وقاله ابن عمرو وطائفة من العلماء وروى مثله عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وروى أيضًا عنه إذ فيه كفارة يمين، والمعروف عن\n_________\n(١) في شرحه على الموطأ (٢/ ١٢٠).","vol":"3","page":401},{"text":"ابن المسيب خلاف ما روى عنه ابن أبي حبيبة وأنه لا شيء عليه حتى يقول: علي نذر مشي إلى الكعبة، وأظنه جعل قوله: علي المشي إخبار بباطل؛ لأن الله تعالى لم يوجبه عليه في كتاب ولا سنة حتى يقول: نذرت المشي أو علي نذر المشي، أو على الله المشي نذرًا والنذر شرعًا: إيجاب المرء فعل البر على نفسه، وهذا خالف مالكًا فيه أكثر العلماء، وذلك نذر على مخاطره، والعبادات إنما تصح بالنيات ولا بالمخاطرة، ولهذا إذا لم يكن له نية، فكيف يلزمه ما لم يقصد به طاعة؟ ولذا قال محمد بن عبد الحكم: من جعل على نفسه المشي إلى قلة إن لم يرد حجًا ولا عمرة فلا شيء عليه كذا نقله الزرقاني عن ابن عبد البر.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بقول سعيد بن المسيب من جعل عليه أي: من التزم على نفسه المشي إلى بيت الله أي: إلى الكعبة أو المسجد الحرام لزمه المشي، إن جعله نذرًا أي: يجعله مجرد يمين أو غير نذر، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا وفي المنتقى وقاضخان عن محمد: من قال: لله علي المشي إلى بيت الله تعالى ثلاثين سنة عليه ثلاثون حجة أو ثلاثون عمرة، ولو نذر المشي إلى بيت الله ونوى مسجد المدينة أو بيت المقدس أو آخر لا يلزمه شيء، وإن لم يكن نية فعلى المسجد الحرام.\nولما فرغ من بيان حكم حال الرجل يحلف بالمشي إلى بيت الله تعالى، شرع في بيان حكم حال رجل جعل على نفسه المشي ثم عجز، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-351>باب من جعل على نفسه المشي ثم عجز</span>\nفي بيان حكم حال من جعل على نفسه أي: وجب عليها المشي ثم عجز أي: عن المشي.\n٧٤٦ - أخبرنا مالك، عن عُروة بن أذَيْنَة، أنه قال: خرجتُ مع جدّةٍ لي تمشي، وكان عليها مشي حتى إذا كنا ببعض الطريق عجَزَتْ فأرْسلَتْ مولى لها إلى عبد الله بن عمر ليَسْأله، وخرجتْ مع المولى، فسأله، فقال عبد الله بن عمر: مُرها فلْتركب ثم لتمش من حيثُ عجزتْ.\n_________\n(٧٤٦) إسناده صحيح، وانظر المحلى (٧/ ٢٦٦)، والمغني (٩/ ١٢).","vol":"3","page":402},{"text":"قال محمد: قد قال بهذا قومٌ، وأحبُّ إلينا من هذا القول: ما رُوي عن عليّ بن أبي طالب ﵁.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: حدثنا عن عُروة بن الزبير بن أذَيْنَة، بتصغير الأذن، وهو الليثي الشاعر، من بني ليث بن بكر بن كنانة، وهذا لقبه، ولجده مالك بن الحارث رواية عن علي. كذا قاله ابن عبد البر (١) وذكر البخاري فقال: مدني روى عنه مالك وعبيد الله بن عمر وذكره ابن حبان في الثقات أنه قال: خرجتُ مع جدّةٍ لي تمشي، وكان عليها أي: واجب بالنذر مشي إلى بيت الله، وهو كناية عن الحج أو العمرة حتى إذا كنا ببعض الطريق عجَزَتْ بفتح الجيم وبكسر أي: أعيت ولم تقدر على المشي فأرْسلَتْ أي: جدتي مولى لها إلى عبد الله بن عمر ليَسْأله، وخرجتْ مع المولى، أي: جملة اعتراضية معنى لأسمع الجواب من ابن عمر بلا واسطة فسأله، فقال عبد الله بن عمر: مُرها فلْتركب أي: حال عجزها ثم لتمش أي: وقت قدرتها من حيثُ عجزتْ أي: قضاء لما فاتها فتمشي ما ركبت.\nقال محمد: قد قال بهذا قومٌ، يعني: حكموا أنها تركب ثم تمشي وأحبُ إلينا من هذا القول: ما رُوي عن عليّ بن أبي طالب ﵁ وهو بينه بقوله:\n* * *\n\n٧٤٧ - قال محمد، أخبرنا شعبة بن الحجّاج، عن الحكم بن عتيبة، عن إبراهيم النَّخَعي، عن علي بن أبي طالب ﵁، أنه قال: من نذر أن يحجّ ماشيًا ثم عجز فليركب وليحجّ ولينحر بدنة.\nقال محمد: وجاء عنه في حديث آخر: ويُهدي هَديه، فبهذا نأخذ، يكون الهَدْي مكان المشي، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n_________\n(١) انظر شرح الزرقاني (٣/ ٧٧)، فيما نقله عن ابن عبد البر، والبخاري.\n(٧٤٧) إسناده ضعيف، لانقطاعه بين إبراهيم النخعي وعلي بن أبي طالب، قال أبو حاتم: لم يلق أحدًا من أصحاب النبي - ﷺ - إلا عائشة، ولم يسمع منها شيئًا فإنه دخل عليها وهو صغير.\nوقال أبو زرعة: إبراهيم النخعي عن عمر وعلي وسعد بن أبي وقاص مرسل.","vol":"3","page":403},{"text":"• قال محمد، أخبرنا شعبة بن الحجّاج، بن الورد العتكي (ق ٧٨٣)، مولاهم، يكنى أبا بسطام الواسطي ثم البصري ثقة حافظ متقن، كان الثوري يقول: هو أمير المؤمنين في الحديث، وهو أول من فتش بالعراق عن الرجال وذب عن السنة، كان عابدًا، وكان في الطبقة السابعة من طبقات التابعين من أهل البصرة، مات سنة ستين ومائة عن الحكم بفتحتين ابن عتيبة، بضم العين المهملة وسكون المثناة وبفتح الموحدة مصغرًا، يكنى أبا محمد الكندي الكوفي، ثقة ثبت، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل الكوفة، كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، مات سنة ثلاث عشرة أو بعدها ومائة وهو ابن ستين سنة وزيادة. كذا في (تقريب التهذيب من أسماء الرجال) (١) و(الخلاصة في الهيئة) عن إبراهيم أي: ابن يزيد بن قيس بن الأسود النَّخَعي، يكنى أبا عمران الكوفي الفقيه، ثقة إلا أنه يرسل كثيرًا، كان في الطبقة الخامسة في اعتبار ابن حجر، وفي الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل الكوفة، في اعتبار بعض الطبقات الحنفية، مات سنة ست وتسعين وهو ابن خمسين سنة، كذا قاله ابن حجر (٢).\nوقال بعض المؤرخين: وهو ابن ست وأربعين سنة عن علي بن أبي طالب ﵁، أنه قال: من نذر أن يحجّ ماشيًا ثم عجز أي: عن المشي فليركب وليحجّ ولينحر بدنة أي: وهي الأفضل والأكمل.\nقال محمد: وجاء عنه في حديث آخر: ويُهدي هَديه، أي: وأقل الهدي شاة فبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه إبراهيم النخعي عن علي بن أبي طالب ﵁ يكون الهَدْي مكان المشي، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا فمن جعل على نفسه أن يحج ماشيًا فإنه لا يركب حتى يطوف طواف الزيارة وإن جعل عمرة فحتى يحلق، وفي الأصل: حُيِّرَ بين الركوب والمشي، وفي (الجامع الصغير): أشار إلى وجوب المشي، وهو الظاهر وهو الصحيح، وحمل رواية الأصل على من شق عليه المشي، ثم اختلفوا في محل ابتداء المشي؛ لأن محمد لم يذكره فقيل: يبدأ من الميقات وقيل: من حيث الإِحرام، وعليه فخر الإِسلام والإِمام العتابي وغيرهما، وقيل: من بيته، وعليه شمس الأئمة\n_________\n(١) (١/ ١٧٥).\n(٢) في التقريب (١/ ٩٥).","vol":"3","page":404},{"text":"السرخسي وصاحب (الهداية) وصححه قاضخان والزيلعي وابن الهمام؛ لأن المراد عرفًا، ثم لو ركب في كل الطريق أو أكثر بعذر أو بلا عذر لزمه دم؛ لأنه تركه واجبًا فيخرج عن العهدة، وإن ركب في الأقل تصدق بعذره من قيمة الشاة، ثم المذهب عندنا: أن من نذر أن يصلي في مكان قد صلى في غيره دونه أجزء خلافًا لزفر، فإنه يجب عنده أن يصلي فيه أو في موضع أو صل منه. والله أعلم.\nوقال مالك والشافعي: تعين فعلها فيه، وهو الأصح من قول الشافعي.\n* * *\n\n٧٤٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، قال: كان عليَّ مشيٌ، فأصابتني خاصِرةٌ، فركبتُ حتى أتيتُ مكة، فسألتُ عطاء بن أبي رباح وغيره، فقالوا: عليك هَدي، فلما قدمتُ المدينة سألت، فأمروني أن أمشي حيثُ عجزتُ مرة أخرى، فمشيت.\nقال محمد: وبقول عطاء نأخذ، يركب وعليه هدْي لركوبه، وليس عليه أن يعود.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: حدثنا أخبرنا يحيى بن سعيد، بن قيس الأنصاري المدني، يكنى أبا سعيد القاضي ثقة ثبت، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين أو بعدها ومائة أنه قال: كان أي: وجب عليَّ مشيٌ، فأصابتني خاصِرةٌ، بخاء معجمة وصاد مهملة أي: علة في خاصرتي فركبتُ حتى أتيتُ مكة، فسألتُ عطاء بن أبي رباح وغيره، فقالوا: عليك هَدي، أي: بدون إعادة المشي فلما قدمتُ المدينة سألت، أي: أهلها من الفقهاء عن ذلك فأمروني أن أمشي أي: مرة (ق ٧٨٤) أخرى حيثُ عجزتُ مرة أخرى، فمشيت أي: وبه أفتى ابن عمر، كما مر.\nقال محمد: وبقول عطاء نأخذ، يركب أي: للضرورة وعليه هدْي لركوبه، وليس عليه أن يعود أي: في مشيه في محل ركوبه وقد روى الحاكم في مستدركه (١) وقال:\n_________\n(٧٤٨) إسناده صحيح.\n(١) (٤/ ٣٤٠)، وقال: هذا حديث صحيح الإِسناد ولم يخرجاه. =","vol":"3","page":405},{"text":"صحيح الإِسناد عن الحسن عن عمران بن حصين أنه قال: ما خطبنا رسول الله - ﷺ - خطبة إلا أمرنا بالصدقة ونهانا عن المثلة، وقال: \"إن المثلة أن ينذر الرجل أن يحج ماشيًا، فمن نذر أن يحج ماشيًا فليهد هديًا وليركب\"، وروى أحمد في مسنده (١) عن عكرمة عن ابن عباس: أن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تحج ماشية فسأل النبي - ﷺ - فقال: \"إن الله ﷿ غني عن نذر أختك لتركب ولتهد بدنة\".\nلما فرغ من بيان حكم حال الرجل أوجب على نفسه المشي ثم عجز عنه، شرع في بيان حكم الاستثناء في اليمين، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-352>باب الاستثناء في اليمين</span>\nفي بيان حكم الاستثناء في اليمين، محمد قال:\n٧٤٩ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن عبد الله بن عمر، قال: مَنْ قال: والله، ثم قال إن شاء الله، ثم لم يفعل الذي حلف عليه، لم يحنث.\n_________\n= قلت: إسناده ضعيف لانقطاعه بين الحسن وعمران، قال علي بن المديني: سمعتُ يحيى وقيل له: الحسن يقول: سمعتُ عمران بن حصين فقال: أما عن تفقه فلا، وقال صالح بن أحمد بن حنبل: قال أبي: قال بعضهم: حدثني عمران بن حصين يعني إنكارًا عليه أنه لم يسمع من عمران بن حصين.\nوقال علي بن المديني وأبو حاتم: لم يسمع من عمران بن حصين وليس يصح ذلك من وجه يثبت، وقال إسحاق بن منصور: قلت ليحيى بن معين: ابن سيرين والحسن سمعا عمران بن حصين؟ قال ابن سيرين: نعم.\nقال ابن أبي حاتم: يعني أن الحسن لم يسمع من عمران بن حصين.\n(١) أخرجه أحمد في المسند (١/ ٣١١)، وصحح إسناده الشيخ أحمد شاكر - ﵀ - في المسند.\n(٧٤٩) إسناده صحيح، أخرجه الشافعي في الأم (٧/ ٦٢) باب الاستثناء في اليمين، وأبو داود في الأيمان والنذور (٣٢٦١) (٣٢٦٢) باب الاستثناء في اليمين، والترمذي في الأيمان والنذور، باب ما جاء في الاستثناء في اليمين (١٥٣١)، وقال: حسن، والنسائي في الأيمان والنذور، باب من حلف فاستثنى، وابن ماجه في الكفارات (٢١٠٥)، وأحمد في المسند (٢/ ١٠).","vol":"3","page":406},{"text":"قال محمد: وبهذا نأخذ؛ إذا قال: إن شاء الله ووصلها بيمينه فلا شيء عليه، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن عبد الله بن عمر، قال: مَنْ قال: والله، أي: لا أفعلن كذا ثم قال: إن شاء الله، ثم لم يفعل الذي حلف عليه، أي: بأن يفعل أو فعل الذي حلف عليه أن لا يفعل لم يحنث أي: لأجل استثنائه، وذلك لأن المشيئة وعدمها غير معلوم، والوقوع بخلافها محال، وهذا قد رواه أيوب عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا: \"من حلف على يمين فقال: إن شاء الله فقد استثني\" رواه أبو داود به (١) الترمذي (٢) بلفظ: \"فلا حنث عليه\"، وقال: لم يرفعه غير أيوب.\nوقال البيهقي: المحفوظ وقفه، وتعقب بأن غيره يرفعه أيضًا، ورجاله ثقات، وقد صححه الحاكم. كذا قاله الزرقاني (٣).\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه نافع عن ابن عمر ﵄ إذا قال: إن شاء الله ووصلها بيمينه فلا شيء عليه، وهو قولُ أبي حنيفة ﵀.\nلما فرغ من بيان حكم الاستثناء في اليمين، شرع في بيان حكم حال الرجل يموت وعليه نذر، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-353>باب الرجل يموت وعليه نذر</span>\nفي بيان حكم حال الرجل يموت وعليه نذر وهو إيجاب عين الفعل المباح على نفسه تعظيمًا لله تعالى، كذا قاله السيد الشريف محمد الجرجاني، محمد قال:\n٧٥٠ - أخبرنا مالك، حدثنا ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة\n_________\n(١) رقم (٣٢٦١).\n(٢) رقم (١٥٣١).\n(٣) في شرحه (٣/ ٨٤).\n(٧٥٠) صحيح، أخرجه البخاري في الوصايا (٢٧٦١)، ومسلم في النذور (١٦٣٨)، وأبو داود (٣٣٠٧)، وأحمد (١/ ٢١٩، ٣٢٩، ٣٧٠)، والحميدي (٥٢٢)، والطيالسي (٢٧١٧).","vol":"3","page":407},{"text":"ابن مسعود، عن عبد الله بن عباس: أن سعد بن عُبادة استفتى رسول الله - ﷺ - فقال: إن أمِّي ماتت وعليها نذر لم تقضه، قال: \"اقضِه عنها\".\nقال محمد: ما كان من نذر صدقة أو حجّ فقضاه عنها أجزأ ذلك إن شاء الله، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، حدثنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري التابعي فقيه، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة عن عبيد الله بضم العين ابن عبد الله بفتحها ابن عتبة بضم العين المهملة وسكون المثناة وفتح الموحدة فهاء ابن مسعود، الهزلي، يكنى أبا عبد الله المدني ثقة ثبت، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين وقيل. سنة ثمان ومائة كذا قاله ابن حجر (١) عن عبد الله بن عباس: ﵄ أن سعد بن عُبادة بضم العين المهملة وفتح الموحدة فألف ودال فهاء الأنصاري الخزرجي أحد النقباء وسيد الخزرج وأحد الأجواد. وقع في (صحيح مسلم) أنه شهد بدرًا والمعروف عند أهل المغازي أنه تهيَّأ للخروج فنهش فأقام ومات (ق ٧٨٥) بالشام سنة خمس عشرة، وقيل غير ذلك.\nقال الحافظ: هكذا رواه مالك وتابعه الليث وبكر بن وائل وغيرهما عن الزهري استفتى رسول الله - ﷺ - فقال: إن أمِّي وهي عمرة بنت مسعود وقيل: سعد بن قيس الأنصارية الخزرجية، أسلمت وبايعت ماتت والحال أن النبي - ﷺ - غائب في غزوة دومة الجندل، وكانت في شهر ربيع الأول سنة خمس، وكان ابنها سعد معه فقدم - ﷺ - فجاء قبرها فصلى على قبرها بعد دفنها بشهر. ذكره ابن سعد، فهذا الحديث مرسل صحابي، لأن ابن عباس ﵄ كان يومئذ بمكة مع أبويه، فيحتمل أنه حمل عن سعد أو عن غيره وعليها نذر وجب كأن علقته على شيء حصل لم تقضه، أي: لتعذره بسرعة موتها أو أخرته لجواز تأخيره، إذ لا يلزم تعجيله ما لم يغلب على الظن والفوات، ويستحب تعجيله لبراءة الذمة، ويحتمل أن يريد عليها نذر لم يجب أداؤه فماتت قبله لم يلزم قضاؤه وإن فعل فحسن، كما قال عمر للنبي - ﷺ -: إني نذرت اعتكاف يوم في\n_________\n(١) في التقريب (١/ ٣٧٢).","vol":"3","page":408},{"text":"الجاهلية، فقال: \"أوف بنذرك\" (١) فأمره بوفائه وإن لم يلزمه ما نذره في كفره، والأظهر الأول؛ لأن على إنما تستعمل فيما يجب كما أن الأظهر أن نذرها مطلقًا إذ لو كان مقيدًا لاستفسره النبي - ﷺ - عنه؛ لأن المقيد منه ما يجوز وما لا يجوز كذا قاله سعيد بن زيد الباجي المالكي.\nوقال ابن عبد البر (٢): قيل: كان صيامًا نذرته ولا يثبت ذلك، وأطال في تضعيفه، وقيل: كان عتقًا لحديث القاسم بن محمد أن سعدًا قال: إن أمي هلكت فهل ينفعها أن أعتق عنها فقال - ﷺ -: \"نعم\" وقيل: كان نذرها صدقة لآثار جاءت في ذلك، وقيل: كان نذرها نذرًا مطلقًا على ظاهر حديث ابن عباس: وكفارته كفارة اليمين عند الأكثر، وروى ذلك عن عائشة وابن عباس وجابر وجماعة من التابعن انتهى.\nقال: أي: النبي - ﷺ - \"اقضِه عنها\" أي: استحبابًا لا وجوبًا خلافًا للظاهرية تعلقًا بظاهر الأمر قائلين سواء كان النذر في مال أو بدونه، وروى الدارقطني في (الغرائب) عن حماد بن خالد عن مالك بسنده أن سعدًا قال: يا رسول الله أينفع أمي أن أتصدق عنها وقد ماتت؟ قال: \"نعم\" قال: فما تأمرني؟ قال: \"اسق الماء\".\nقال محمد: ما كان من نذر صدقة أو حجّ يعني أو عمرة وما يجوز النيابة فيه بخلاف صلاة وصوم قضاه عنها أي: من غير وصية أجزأ أي: كفى ذلك إن شاء الله تعالى، وأما إذا كان غير وصية فيحكم بأنه أجزأ عنه من غير استثناء وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا والله أعلم.\nلما فرغ من بيان حكم حال الرجل يموت وعليه نذر، شرع في بيان حكم حال من حلف أو نذر في معصية الله، فقال: هذا.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-354>باب من حلف أو نذر في معصية</span>\nفي بيان حكم حال من حلف أي: أقسم أو نذر في معصية الله، وهي ما نهى عنها الشرع (ق ٧٨٦) سواء كانت معصية الله أو للعباد، كالعقوق بالوالدين، محمد قال:\n_________\n(١) صحيح، أخرجه البخاري (١٩٣٧).\n(٢) في التمهيد (١٤/ ١٣).","vol":"3","page":409},{"text":"٧٥١ - أخبرنا مالك، حدثنا طلحة بن عبد الملك، عن القاسم بن محمد، عن عائشة زوج النبي - ﷺ -، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"مَنْ نَذَرَ أن يطيع الله فليطعْه، وَمَنْ نَذَرَ أن يعصيه فلا يعصه\".\nقال محمد: فبهذا نأخذ، من نذر نذرًا في معصية ولم يسمّ فليطع الله ﷿، وليكفِّر عن يمينه، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، حدثنا طلحة بن عبد الملك، الأيلي بفتح الهمزة بعدها تحتية ساكنة ثقة، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات بعد المائة عن القاسم بن محمد، بن أبي بكر الصديق كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات قبل المائة. كما قاله أبو الفرج عبد الرحمن الجوزي عن عمته عائشة زوج النبي - ﷺ -، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"مَنْ نَذَرَ أن يطيع الله فليطعْه، بالجزم جواب الشرط والأمر للوجوب، فينقلن المستحب واجبا بالنذر شرعًا إيجاب المباح، وهو يتحقق في الطاعات وأما المعاصي، فلا شيء فيها مباح حتى يجب بالنذر، فلا يتحقق فيه النذر، فلو نذر صوم يوم العيد لم يجب عليه، ولو نذر ذبح ولده فباطل، وإليه ذهب مالك والشافعي وفقهاء الحجاز، رواه القعنبي ويحيى بن بكير وأبو مصعب وسائر رواة (الموطأ) عن مالك مسندًا. كذا قاله الزرقاني (١).\nقال محمد: فبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه القاسم بن محمد عن عائشة من نذر نذرًا في معصية الله ولم يسمّ كذا في نسخة فليطع الله أي: بترك تلك المعصية وليكفِّر عن يمينه، وهو قولُ أبي حنيفة رحمه الله تعالى فمتى حلف على معصية كعدم الكلام مع أحد أبويه ينبغي أن يحنث في الحال، ويكفر عن يمينه بحديث مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من حلف على يمين، أي مقسم عليه فرأى غيرها خيرًا منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير\" (٢) فإن ظاهره يقتضي وجود الحنث إذا لم يكن\n_________\n(٧٥١) صحيح، أخرجه البخاري (٨/ ١٧٧)، وأبو داود (٣٢٨٩)، والترمذي (١٥٢٦)، والنسائي (٧/ ١٧)، وابن ماجه (٢١٢٦)، وأحمد في المسند (٦/ ٣٦، ٤١)، والدارمي (٢/ ١٨٤)، والبيهقي (٩/ ٢٣١) (١٩/ ٦٨، ٧٥)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٤٦).\n(١) في شرحه (٣/ ٨٢).\n(٢) صحيح، أخرجه مسلم في صحيحه (١٦٥٠).","vol":"3","page":410},{"text":"المحلوف عليه معصية، ثم الفاء جزائية لا تعقيبية، كما توهم بعضهم، والواو للجمعية، فلا يصلح أن يكون حجة لمالك وأحمد في أن الكفارة تجزئ بلا حنث.\nوقال الشافعي: إن كانت بالمال مجوزة، وإن كان بالصوم لا يجوزه ووجه مجزوم، فالحديث نحو قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، حيث لا دلالة فيها على الترتيب، وعندنا: لم يجزئ الكفارة بل حنث؛ لأن الكفارة لستر الجناية ولا جناية قبل الحنث، كما لا يصح كفارة القتل قبل الجرح، نعم أبو داود والنسائي بسند صحيح من حديث عبد الرحمن بن سمرة عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"يا عبد الرحمن إذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرًا منها فكفر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير\"، لكن قد تجيء كلمة \"ثم\" بمعنى الواو، كما بينه في شرح (مغني اللبيب) أو يؤل هذا محمول على المبالغة أو التقدير، فلينو التكفير فلا بد من تأويل وإلا فيقتضي وجوب تقديم (ق ٧٨٧) الكفارة على الحنث، ولا قائل به مع أن الحديث الأول معارض برواية مسلم له أيضًا بلفظ: \"فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه\" والحديث الثاني معارض بما أخرجه الإِمام أبو محمد القاسم بن حرب السرقسطي في (كتاب الغريب) عن حازم عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: \"من حلف على يمين فرأي غيرها خيرًا منها فليأته ثم ليكفر عن يمينه\" كذا قاله علي القاري.\n* * *\n\n٧٥٢ - أخبرنا مالك، أخبرني يحيى بن سعيد، قال: سمعتُ القاسم بن محمد يقول: أتت امرأة إلى ابن عباس، فقالت: إني نذرتُ أن أنحر ابني، فقال: لا تنحري ابنك وكفِّري عن يمينك، فقال شيخ عند ابن عباس جالس: كيف يكون في هذا كفارة؟ قال ابن عباس: إن الله ﷿ قال: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ ثم جعل فيه من الكفارة ما قد رأيت.\n_________\n(٧٥٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٨/ ٤٥٩)، والطبراني في الكبير (١١٤٤٣) (١١٩٩٥)، وفي الأوسط، وذكره الهيثمي في المجمع (٤/ ١٩٠)، وعزاه للطبراني في الكبير والأوسط وقال: ورجاله رجال الصحيح.","vol":"3","page":411},{"text":"قال محمد: وبقول ابن عباس نأخذ، وهذا مما وصفتُ لك، وأنَّه من حلف أو نذر نذرًا في معصية فلا يعصينّ وليكَفِّرَنَّ عن يمينه.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: أخبرني بالإِفراد، وفي نسخة: قال: ثنا يحيى بن سعيد، بن قيس الأنصاري المدني يكنى أبا سعيد القاضي، ثقة ثبت، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين أو بعدها ومائة قال: أي: يحيى بن سعيد سمعتُ القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵁ يقول: أتت أي: جاءت امرأة إلى ابن عباس، ﵄ فقالت: إني نذرتُ أن أنحر ابني، أي: أذبحه كما كان يفعله الجاهلية فقال أي: ابن عباس لها: لا تنحري ابنك أي: لأن ابنك نفس حرم الله قتلها إلا بالحق ونذرك هذا باطل ومعصية وكفِّري عن يمينك، أي: بكفارة يمين، وروى عن ابن عباس ﵄ بنحر مائة من الإِبل ديته، وروى عنه أيضًا بنحر كبش، كما فدا به إبراهيم صلوات الله على نبينا وعليه وتلا: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] وروى قوله الأول عن عثمان وابن عمر، وحجته حديث: \"لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين\" (١) وهو حديث معلول، وروى الأخير أنه عن علي كما نقله الزرقاني عن ابن عبد البر، والحديث المعلل هو ما اطلع علي علة قادحة بأن في الرواية والمروي، فليطلب الطالب تفصيلة وتصحيحه في (شرح الألفية) العراقي لعبد الرحمن بن الحسين من الأصوليين.\nوقال سعيد بن زيد الباجي المالكي: وإنما سماه يمينًا؛ لأن كفارته ككفارة اليمين عنده، ولعلمه منها جاء أنها أتت بذلك على وجه اليمين فقال شيخ أي: من مشايخ العرب عند ابن عباس ﵄ جالس: كيف يكون في هذا كفارة؟ وهو نذر معصية قال ابن عباس: أرأيت إن أخبرني إن الله قال: أي: في سورة المجادلة ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٣] أي: يقول أحدهم لامرأته: أنت علي كظهر أمي ثم جعل أي: الله فيه أي: في قولهم هذا من الكفارة ما قد رأيت. أي: علمت في بقية الآية وهي قوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ\n_________\n(١) تقدم.","vol":"3","page":412},{"text":"سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٣، ٤] الآية السابقة من هذه السورة: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ الآية [المجادلة: ٢].\nقال ابن عبد البر (١): لأن معنى الاعتبار في ذلك بكفارة الظهار؛ لأن الظهار ليس بنذر ونذر المعصية جاء فيه نص النبي (ق ٧٨٨) - ﷺ - في الحديث اللاحق: \"من نذر أن يعصي الله فلا يعصيه\".\nكما قال محمد: وبقول ابن عباس نأخذ، وهذا مما وصفتُ لك، وأنَّه من حلف أو نذر نذرًا في معصية فلا يعصينّ أي: بالإِجماع وليكَفِّرَنَّ عن يمينه، وبه قال أحمد خلافًا لمالك والشافعي، وفي كتاب (الرحمة) في اختلاف الأئمة: ومن نذر ذبح ولده لم يلزمه شيء عند الشافعي.\nوقال أبو حنيفة ومالك: يلزمه ذبح شاة، وعن أحمد روايتان: إحداهما: يلزمه ذبح شاة، والآخرى: كفارة يمين، ولو نذر ذبح نفسه أو نذر ذبح عبده لم يلزمه شيء عند الأئمة الثلاثة، وعن أحمد روايتان أحداهما: يلزمه ذبح كبش، والأخرى: كفارة يمين، كما قاله علي القاري.\n* * *\n\n٧٥٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: \"مَنْ حلف على يمين فرأى خيرًا منها، فليُكَفِّر عن يمينه وليفعل\".\nقال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا أخبرنا سهيل بالتصغير ابن أبي صالح، بن ذكوان البغدادي مجهول، كان في الطبقة العاشرة من طبقات التابعين من أهل بغداد،\n_________\n(١) في التمهيد (٢/ ٦٤).\n(٧٥٣) صحيح، أخرجه الشافعي في الأم (٧/ ٦١)، ومسلم في الصحيح (٤١٩٣ - ٤١٩٥)، والترمذي (١٥٣٠)، والنسائي في الكبرى كما في التحفة (٩/ ٤١٦).","vol":"3","page":413},{"text":"كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، مات بعد المائتين كذا في (تقريب التهذيب) لابن حجر (١) و(خلاصة الهيئة) لسيد علي، وفي نسخة: ابن سهيل لكن لم يوجد لفظ: ابن في جمع الموطآت برواية عن مالك، ولا في كتب (الأسماء الرجال) ولا في طبقاتهم عن أبيه، أي: عن أبي صالح ذكوان السمان عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: \"مَنْ حلف على يمين أي: على المحلوف عليه فرأى غيرها نصب على المفعول الأول لرأي والثاني قوله: خيرًا منها، فليُكَفِّر عن يمينه وليفعل\" أي: الذي هو خير. كذا في (الموطأ) لمالك برواية يحيى، يعني: من حلف يمينًا حقًا ثم بدا له أمرًا فعله أفضل من يمينه فليفعله وليكفر، وظاهر الحديث أخبر التفكير قبل الحنث، وعليه مالك والشافعي وأصحابهما، وهو الثابت في حديث عبد الرحمن بن سمرة وأبي هريرة.\nومنع أبو حنيفة وأصحابه؛ لأن الكفارة تجب بالحنث، والعجب أنهم لا تجب الزكاة عندهم إلا بتمام الحول، وأجازوا تقديمها قبله من غير أن يرووا في ذلك مثل هذه الآثار وأبوا تقديم الكفارة قبل الحنث مع كثرة الرواية بذلك والحجة في السنة ومن خالفها محجوج بها كذا قاله ابن عبد البر: وهذا الحديث رواه مسلم من طريق ابن وهب والترمذي عن قتيبة، كلاهما عن مالك به، وتابعه سليمان بن بلال وعبد العزيز بن عبد المطلب، كلاهما عن سهيل في مسلم أيضًا. كذا قاله الزرقاني (٢).\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: إنما نعمل بما رواه أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ - وهو قولُ أبي حنيفة ﵀ والله أعلم.\nلما فرغ من بيان حكم حال من حلف أو نذر في معصية، شرع في بيان حكم الحلف بغيره تعالى، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-355>باب من حلف بغير الله ﷿</span>\nفي بيان حكم حال من حلف بغير الله تعالى أي: من الممكنات، محمد قال:\n_________\n(١) التقريب (١/ ٢٥٨).\n(٢) في شرحه (٣/ ٨٥).","vol":"3","page":414},{"text":"٧٥٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله - ﷺ - سمع عمر بن الخطاب وهو يقول: لا وأبي، فقال رسول الله - ﷺ -: \"إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمُت\".\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا ينبغي لأحد أن يحلف، إلا بالله، فمن كان حالفًا فليحلف بالله، ثم ليبرر أو ليصمت.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أي: ابن عبد الله المدني مولي ابن عمر، ثقة ثبت فقيه عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله - ﷺ - سمع عمر بن الخطاب والحال أنه كان في راكب الإِبل عشرة فصاعدًا، وفي مسند يعقوب (ق ٧٨٩) ابن أبي شيبة في غزوة وهو أي: والحال أن عمر يحلف بأبيه بأن يقول: لا وأبي، أي: أقسم بأبي أفعل كذا وكذا، فكلمة \"لا\" صلة جيئت كتأكيد القسم، وفي رواية عبد الله بن دينار عند مسلم، وكانت قريش تحلف بآبائها فقال رسول الله - ﷺ -: زاد القعنبي: ألا حرف تنبيه \"إن الله ينهاكم عم الخطاب ليعم غير ابن الخطاب أن تحلفوا بآبائكم، أي: صادقين أو كاذبين؛ لأن الحلف يقتضي التعظيم والتعظيم في الحقيقة، إنما هي لله وحده، وفي مصنف ابن أبي شيبة عن عكرمة قال: قال عمر: حدثت قومًا حديثًا فقلت: لا وأبي فقال رجل من خلفي: لا تحلفوا بآبائكم، فالتفت فإذا رسول الله - ﷺ - يقول: \"لو أن أحدكم حلف بالمسيح هلك والمسيح خير من آبائكم\".\nقال الحافظ: وهذا مرسل يتقوى بشاهد وفي الترمذي وقال: حسن، والحاكم وقال: صحيح عن ابن عمر أنه سمع رجلًا يقول: لا والكعبة، فقال: لا تحلف بغير الله، فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"من حلف بغير الله فقد كفر وأشرك\" (١) والتعبير\n_________\n(٧٥٤) حديث صحيح، أخرجه الشافعي في الأم (٧/ ٦١)، والبخاري في الأيمان والنذور (٦٦٤٦)، وفي المناقب باب أيام الجاهلية (٧/ ١٤٧)، ومسلم رقم (٤١٧٥ - ٤١٨٠)، وأبو داود (٣/ ٢٢٢)، والترمذي (٣/ ١٠٩)، والنسائي (٧/ ٥٠٤)، وابن ماجه (٢٠٩٤)، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ٢٨).\n(١) أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٦٧، ٨٧، ١٢٥)، والترمذي (١٥٣٥)، والحاكم في المستدرك (١/ ١٨)، والبيهقي (١٠/ ٢٩)، وابن حبان في صحيحه (١١٧٧)، والطحاوي في مشكل الآثار (١/ ٣٥٨، ٣٥٩).","vol":"3","page":415},{"text":"بذلك مبالغة في الزجر والتغليظ، وهل النهي للتحريم أو للتنزيه؟ قولان شهيران معًا عند المالكية، والمشهور عند الشافعية أنه للتنزيه، وعند الحنابلة التحريم، وبه قال الظاهرية.\nوقال ابن عبد البر (١): لا يجوز الحلف بغير الله بالإِجماع، ومراده ينفي الجواز والكراهة أعم من التحريم والتنزيه، فإنه قال في موضع آخر: جمع العلماء على أن اليمين بغير الله مكروهة منهي عنها لا يجوز لأحد الحلف بغيره تعالى، وإنما خص الحديث بالآباء لوروده على سببه المذكور، أو لكونه غالب حلفهم لقوله في الرواية الأخرى: وكانت قريش تحلف بآبائها ويدل على التعميم قوله: فمن كان حالفًا فليحلف بالله أي: لا بغيره من الآباء وغيرهم، ثم ليبرر من الإِبرار يقال: برت يمينه من باب فرح، أي صدقت وبر الحالف في يمينه وأبرها أمضاها على الصدق. كذا في (المغرب) أو ليصمُت\" أي: ليسكت عن اليمين مطلقًا وهو بضم الميم كما ضبطه غير واحد، وكأنه الرواية المشهورة وإلا فقد قال الطوفي: سمعناه يكسرها، وهو القياس؛ لأن القياس فعل بفتح العين في الماضي وكسرها في المستقبل، كضرب يضرب ويفعل بضم العين فيه دخيل، كما في (خصائص) ابن جني، أي: لا يحلف لا أنه يلزمه الصمت إذا لم يحلف بالله فهو نظير قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٣] أي: أم لم تدعوهم، والتخيير في حق من وجبت عليه اليمين فيحلف ليبرأ أو يترك ويعزم، وظاهر أن اليمين بالله مباحة؛ لأن أول مراتب الأمر الإِباحة، وإليه ذهب الأكثر، وهو الصحيح نقلًا؛ لأنه - ﷺ - حلف كثيرًا وأمره الله به: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ ونظرًا لأنه تعظيم لله تعالى، لكن اتفق العلماء والفقهاء على أن اليمين تنعقد بالله وذاته وصفاته العلية، فكان المراد بقوله: بالله الذات لا (ق ٨٩٠) خصوص لفظ الله، فمن حلف بغيره لم تنعقد يمينه كان المحلوف به يستحق التعظيم كالأنبياء ﵈ والملائكة أولًا كالآحاد، ويستحق التحقير كالشياطين والأصنام، وليستغفر الله لإِقدامه على ما نهى عنه ولا كفارة، نعم استثنى بعض الحنابلة من ذلك الحلف بنبينا - ﷺ - فقال: تنعقد به اليمين وتجب الكفارة بالحنث؛ لأنه - ﷺ - أحد ركني الشهادة الذي لا تتم به ولا حجة في ذلك، إذ لا يلزم من انعقاد اليمين به ولا جواز الحلف به، ولا سيما مع صحة هذا النهي التصريح عنه - ﷺ - جيد عن ذلك ولله تعالى\n_________\n(١) في التمهيد (١٤/ ٣٦٦).","vol":"3","page":416},{"text":"أن يقسم بما شاء من خلقه، كالليل والنهار ليعجب بها المخلوقين ويعرفهم قدرتهم لعظم شأنها عندهم، ولدلالتها على خالقها أما المخلوق فلا يقسم إلا بالخالق كذا قاله الزرقاني (١).\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه ابن عمر عن رسول الله - ﷺ - لا ينبغي أي: لا يجوز لأحد أن يحلف، بأبيه ولا بغيره من أمه وأخيه وصاحبته وبنيه فمن كان أي: فمن أراد أن يكون حالفًا فليحلف بالله، ثم ليبرر أي: إن كان البر خيرًا من الحنث أو ليصمت وقد روى أبو داود (٢): \"من حلف بالأمانة فليس منا\" وورد في مسند أحمد (٣): \"من حلف فليحلف برب الكعبة\" فلا يجوز القسم بالنبي والقرآن والكعبة.\nلما فرغ من بيان حكم حال من حلف بغير الله تعالى، شرع في بيان حال من نذر باب جعل ماله لباب الكعبة، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-356>باب من جعل ماله لباب الكعبة</span>\nفي بيان حكم حال الرجل يقول ماله، أي: يجعل ماله بأن نذره في رتاج الكعبة الرتاج: بكسر الراء المهملة والفوقية فألف وجيم الباب العظيم، وجعل فلان ماله في رتاج الكعبة، أي: نذره لها هديًا، وليس المراد نفس الباب كذا في نسخة (المغرب) و(المصباح).\n٧٥٥ - أخبرنا مالك، أخبرني أيوب بن موسى؛ من ولد سعيد بن العاص، عن منصور بن عبد الرحمن الحَجَبي، عن أمه، عن عائشة زوج النبي - ﷺ -، أنها قالت فيمن قال: ما لي في رِتَاج الكعبة، يكفِّر ذلك ما يكفر اليمين.\nقال محمد: قد بلغنا هذا عن عائشة رضوان الله عليها، وأحبّ إلينا أن يفي بما جعل على نفسه، فيتصدق بذلك، ويمسك ما يَقُوتُه، فإذا أفاد مالًا تصدق بمثل ما كان أمسك، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n_________\n(١) في شرحه (٣/ ٨٩).\n(٢) في كتاب الأيمان والنذور (٣٢٥٣)، وسنده صحيح.\n(٣) في المسند (٦/ ٣٧٢).\n(٧٥٥) إسناده صحيح.","vol":"3","page":417},{"text":"• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا مالك أخبرني أيوب بن موسى؛ من ولد بضم الواو وفتحها وسكون اللام والدال المهملة مضاف إلى سعيد أي: من أولاد سعيد بن العاص، بغير تحتية، فإن أصله عوص أجوف واوي، يكنى أبا موسى المكي الأموي ثقة كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل مكة، مات سنة اثنين وثلاثين ومائة من الهجرة عن منصور بن عبد الرحمن بن طلحة بن الحارث العبدي الحَجَبي، بفتح الحاء المهملة والجيم والموحدة، نسبة إلى حجاب الكعبة، وهو ابن صفية بنت شيبة ثقة، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل مكة مات سنة سبع أو ثمان وثلاثين ومائة كذا في (تقريب التهذيب) (١) عن أبيه أي: عن عبد الرحمن وفي نسخة: عن أمه، كما في (الموطأ) لمالك عن أمه صفية بنت شيبة بن عثمان بن أبي طلحة العبد عن عائشة زوج النبي - ﷺ -، أنها قالت فيمن قال: ما لي في رِتَاج الكعبة، أي: بابها يعني أن عائشة ﵂ سئلت عن رجل قال: ما لي في رتاج الكعبة، فقالت: يكفِّر ذلك أي: القول ما يكفر اليمين وهو أن يعتق العبد أو يكسو عشرة مساكين أو (ق ٧٩١) يطعمهم وإن لم يستطع أحد بهن فيصوم ثلاثة أيام متتابعات، أي: إذا أراد أن يصرف فيما يتعلق بالكعبة من عمارتها ونحوها، والمعنى أنه مخير بين الوفاء بنذره وبين الكفارة في حنثه.\nقال الزرقاني (٢): ولم يأخذ الإِمام مالك بهذا الحديث، وفي (المدونة) عنه: لا يلزمه شيء لا كفارة يمين ولا غيرها.\nوقال الشافعي وأحمد: عليه الكفارة يمين.\nوقال أبو حنيفة: عليه إخراج ماله كله ولا يترك إلا ما يداري عورته، ويقدمه فإذا أفاد قيمته وأخرجه.\nقال ابن عبد البر (٣): أظنه جعله كالمفلس يقسم ماله بين غربائه ويترك ما لا بد منه انتهى.\nكما قال محمد: قد بلغنا هذا أي: الحديث عن عائشة رضوان الله عليها، وأحبّ\n_________\n(١) (١/ ٥٤٧).\n(٢) في شرحه (٣/ ٩١).\n(٣) في التمهيد (٣/ ٩١).","vol":"3","page":418},{"text":"إلينا أي: إلى أصحاب أبي حنيفة أن يفي بما جعل على نفسه، فيتصدق بذلك، أي: بما في يده من ماله ويمسك ما يَقُوتُه، أي: ما يكفيه وعياله من القوت ويقويه على الطاعة من غير الفوت فإذا أفاد أي: إذا قبض وأمسك مالًا تصدق بمثل ما كان أمسك، أي: حتى يتصدق عليه أنه تصدق بجميع ما في يده، وإنما يمسكه ما يقوته الضرورات تبيح المحظورات، ولأنه لا يجب عليه في الفور فيمسكه ثم يتداركه إذا كان حيًا أو يوصي به إذا حضره الموت، لئلا يقع الفوق وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\nلما فرغ من بيان حكم حال من جعل ماله بباب الكعبة، شرع في بيان حكم حال الرجل حلف باللغو، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-357>باب اللغو في الأيمان</span>\nفي بيان حكم اللغو في الأيمان سميت به؛ لأنها لا يعتد بها؛ فإن اللغو اسم لما لم يفد شيئًا يقال: لغى رجل إذا أي: شيء لا فائدة فيه كذا قاله التمرتاشي في (منح الغفار) وجه المناسبة بين هذا الباب والباب السابق أن لا يلزمه شيء على من حلف باللغو، ولا على من قال: ما لي لباب الكعبة، فإن الباب ليس من شأنه أن يكون مالكًا حتى يوجد التمليك والتملك عند مالك، واستنبط المصنف ﵀ هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٥].\n٧٥٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عائشة، أنها قالت: لغو اليمين: قول الإِنسان: لا والله، وبلى والله.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، اللغو: ما حلف عليه الرجل، وهو يرى أنه حقّ فاستبان له بعدُ أنه على غير ذلك، فهذا من اللغو عندنا.\n_________\n(٧٥٦) إسناده صحيح، أخرجه الشافعي في الأم (٧/ ٦٣)، باب لغو اليمين، والبيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ٤٨).","vol":"3","page":419},{"text":"• أخبرنا مالك، وفي نسخة: قال محمد: ثنا أخبرنا هشام بن عُروة، بن الزبير بن العوام الأسدي المدني ثقة فقيه ربما دلس، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ست أو خمس وأربعين ومائة، وله سبع وثمانون سنة عن أبيه، أي: عن عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي يكنى أبا عبد الله المدني ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين، مات سنة أربع وتسعين على الصحيح. كذا قاله ابن حجر (١) عن عائشة، أنها قالت: لغو اليمين: قول الإِنسان: لا والله، وبلى والله. وروي هكذا: لا والله لا والله ولم يتابعه على ذلك أحد والصواب لا والله وبلى والله.\nوقال الحافظ ابن حجر (٢): صرح بعضهم برفعه عن عائشة، فأخرجه أبو داود (٣) من رواية إبراهيم عن عطاء عنها مرفوعًا. (ق ٧٩٢) وأشار أبو داود إلى أنه اختلف على عطاء وعلى إبراهيم في رفعه ووقفه.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه عروة عن عائشة ﵂ يعني نقيده بقولنا اللغو: ما حلف عليه الرجل، وهو يرى أي: يظن أنه حقّ أي: ثابت وواقع فاستبان له بعدُ أي: فظهر للرجل بعد حلفه أنه أي: المحلوف عليه على غير ذلك، أي: على خلاف ما حلف عليه، كما إذا حلف أن في هذا الكون ماء بناء على أنهاره كذلك، ثم أريق ولم يظهر كما رآه أو كما إذا حلف بأن قال: والله أن المستقبل زيد فإذا هو عمرو فهذا من اللغو عندنا وروى هذا عن ابن عباس ﵄، وفي المعرفة للبيهقي نحوه عن عائشة قالت: هو حلف الرجل على علمه ثم لا يجد على ذلك.\nوفي (مصنف) عبد الرزاق (٤) نحوه عن مجاهد قال: هو الرجل يحلف على شيء يرى أنه كذلك وليس كذلك، وهو أيضًا قول مالك. كذا قاله علي القاري.\nوقال الشافعي: يمين اللغو هي اليمين التي لا يقصدها الحالف، وهو ما يجري على ألسنة الناس في كلماتهم من غير قصد اليمين من قوله: لا والله وبلى والله، سواء كان في\n_________\n(١) في التقريب (١/ ٣٨٩).\n(٢) في فتح الباري (١١/ ٥٤٨).\n(٣) في السنن رقم (٣٢٥٤).\n(٤) في المصنف (٨/ ٤٧٤).","vol":"3","page":420},{"text":"الماضي أو الحال أو في المستقبل، وأما عندنا فلا لغو في المستقبل بل اليمين على أمر في المستقبل يمين مقصورة، وفيها الكفارة إذا حنث قصد اليمين أو لم يقصد، وإنما اللغو في الماضي والحال، وما ذكر محمد في الآثار حكاية عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى: أن اللغو ما يجري بين الناس من قولهم: لا والله وبلى والله، فذلك محمول عندي على الماضي أو الحال وعندنا ذلك لغو فيرجع حاصل الخلاف بيننا وبين الشافعي في يمين لا يقصدها الحالف في المستقبل، فعندنا ليست بلغو وفيها الكفارة، وعنده هي لغو ولا كفارة فيها. كذا في (منح الغفار) وحكم اليمين اللغو أن يرجى عفوه تعالى، فإن قيل: فما معنى التعليق بالرجاء وهو منصوص عليه بقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] والمنصوص مقطوع به قلنا: نعم لكن صورة اليمين مختلفة فيها، وإنما علق بالرجاء الصورة التي ذكرناها بقوله: إن حلف كاذبًا يظنه صادقًا، وذلك غير معلوم بالنص كذا في (المنح).\nلما فرغ عن بيان أحكام الإِيمان، شرع في بيان أحكام البيوع، فقال: هذا\n* * *","vol":"3","page":421},{"text":"المهيأ في كشف أسرار الموطأ\nبرواية محمد بن الحسن الشيباني (المتوفى سنة ١٨٩ هـ)\n\nتأليف\nعثمان بن سعيد الكماخي (المتوفى سنة ١١٧١ هـ)\n\nتحقيق وتخريج\nأحمد علي\n\n[الجزء الرابع]","vol":"4","page":null},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"4","page":2},{"text":"الْمُهَيَّأ في كَشفِ أسرَارِ الموَطّأِ\n[٤]","vol":"4","page":3},{"text":"جميع حقوق الطبع محفوظة للناشر\n\nاسم الكتاب: المهيأ في كشف أسرار الموطأ\nاسم المؤلف: عثمان بن سعيد الكماخي\nاسم المحقق: أحمد علي\nالقطع: ١٧ × ٢٤ سم\nعدد الصفحات: ١٨٨٨ صفحة\nعدد المجلدات: ٤ مجلدات\nسنة الطبع: ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٥ م\n\nرقم الإيداع: ٢٩٦٥/ ٢٠٠٥ م\nالترقيم الدولي: ٥ - ٠٨٨ - ٣٠٠ - ٩٧٧\n\nدار الحديث\nطبع - نشر - توزيع\n١٤٠ شارع جوهر الصقلي أمام جامعة الأزهر\nتليفون: ٥٨٩٩٤٠٩/ ٥٩١٨٧١٩/ ٥٩١٩٦٩٧ - فاكس: ٥٩١٩٦٩٧\nwww.darelhadith.com\nE-mail: info@darelhadith.com","vol":"4","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-358>أبواب البيوع والتجارات والسلم</span>\nفي بيان أنواع البيوع جمع بيع، وهو في اللغة: المبادلة مطلقًا، وفي الشرع: مبادلة المال المتقوم بالمال المتقوم تمليكًا وتملكًا في التجارات جمع التجارة، وهي عبارة عن شراء شيء ليبيع بالربح، وإنما جمعهما باعتبار أنواعهما من بيع العين بالعين وهي المقايضة؛ سمي بالمقايضة لتساوي العوضين في العينية، يقال: هما قبضان أي: متساويان وبيع الدين بالعين، وهو السلم وبيع العين بالدين وهو بيع النسيئة وبيع الثمن بالثمن وهو الصرف. كذا قاله ابن مالك في (شرح مجمع البحرين) وإنما سمي البيع بيعًا؛ لأن البائع يمد باعه إلى المشتري حالة العقد غالبًا كما سمي صفقة؛ لأن أحد المتبايعين يصفق يده على يد صاحبه. كذا قاله الزرقاني.\nوالسلم هو في اللغة: التقديم والتسليم، وفي الشرع: اسم لعقد يوجب الملك في الثمن عاجلًا وفي المثمن (ق ٧٩٣) آجلًا، فالمبيع يسمي مسلمًا فيه، والثمن رأس المال، والبائع مسلم إليه والمشتري رب التسليم، كذا قاله السيد محمد الجرجاني الحنفي، وجه المناسبة بين هذا الكتاب والكتاب السابق الأيمان والوفاء بما لزم فإن من حلف باليمين المنعقد لزم عليه الكفارة إن حنث وما باع شيئًا يلزم عليه أن يسلمه إلى المشتري، وإنما قدم كتاب الأيمان على كتاب البيوع اهتمامًا لشأنها؛ لأن في اليمين تعظيم لله تعالى، وفي نسخة: أبواب البيوع والسلم بفتحتين نوع من التجارة فعطفه من قبيل عطف الخاص على العام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-359>باب بيع العرايا</span>\nفي بيان حكم حال بيع العرايا بفتح العين المهملة والراء المهملة وتحتية قبلها ألف وبعدها ألف بزنة نداما، جمع العرية بفتح العين المهملة وكسر الراء المهملة وفتح التحتية المشددة فمثناة بزنة طرية. قال سعيد بن زيد الباجي المالكي: العرية ما منح من ثمن النخل، كما صوبه الزرقاني.\n٧٥٧ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن عبد الله بن عمر، عن زيد بن\n_________\n(٧٥٧) صحيح، أخرجه البخاري (٢٠٦٤)، ومسلم (١٥٣٩)، والترمذي (١٣٠٢) وغيرهم.","vol":"4","page":5},{"text":"ثابت، أن رسول الله - ﷺ - رخَّص لصاحب العرِيَّة أن يبيعها بخَرْصها.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا مالك حدثنا نافع، بن عبد الله المدني مولى ابن عمر ثقة فقيه ثبت مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة عن عبد الله بن عمر، عن زيد بن ثابت، ﵄ أن رسول الله - ﷺ - رخَّص لصاحب العرِيَّة بفتح المهملة وتشديد التحتية الرطب والعنب على الشجر أن يبيعها بخَرْصها بفتح الخاء المعجمة وسكون الراء المهملة والصاد المهملة، أي: ثمن مقدر ومخمن على الثمر أي: رخص - ﷺ - أن يبيع الثمر على الشجر على وجه التخمين والتقدير، وفيه من لطائف الإِسناد صحابي عن صحابي.\n* * *\n\n٧٥٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا داود بن الحُصين، أن أبا سفيان مولى ابن أبي أحمد أخبره عن أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - رخَّص في بيع العرايا بالتمر فيما دون خمسة أوسُق- أو في خمسة أوسق - شكَّ داود: لا يدري: أقال خمسة أو فيما دون خمسة.\nقال محمد: وبهذا نأخذ.\nوذكر مالك بن أنس: أن العريَّة إنما تكون أن الرجل يكون له النخل فيطعمُ الرجل منها ثمرة نخلة أو نخلتين يلقطها لعياله، ثم يثقل عليه دخوله حائطه فيسأله أن يتجاوز له عنها، على أن يعطيه بمكيلتها تمرًا، عند صِرام النخل.\nفهدا كله لا بأس به عندنا، لأن التمر كله كان للأول، فهو يعطي منه ما شاء، فإن شاء سلم له تمرًا لنخله، وإن شاء أعطاه بمكيلتها من التمر؛ لأن هذا كله لا يجعل بيعًا، ولو جعل بيعًا لما حل تمر بتمر إلى أجل.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، وفي أخرى: أنا أخبرنا داود بن الحُصين،\n_________\n(٧٥٨) صحيح، أخرجه البخاري (٢٠٧٨)، ومسلم (١٥٣٩).","vol":"4","page":6},{"text":"بالتصغير الأموي مولاهم، يكنى أبا سليمان المدني، ثقة إلا في عكرمة ورأى برأي الخوارج لكن لم يكن داعية، ووثقه ابن معين والنسائي والعجلي، وكنى برواية مالك عنه توثيقًا، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة كذا في (تقريب التهذيب) أن أبا سفيان قيل: اسمه وهب، وقيل: قزمان مولى عبد الله ثقة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة ابن أبى أحمد اسمه عبد بلا إضافة ابن جحش الأسدي الصحابي، أخي زينب أم المؤمنين أخبره عن أبي هريرة: ﵁ أن رسول الله - ﷺ - رخَّص بتشديد الخاء المعجمة المفتوحة من الترخيص في بيع العرايا بفتح العين المهملة جمع عرية بزنة فعيلة.\nقال الجمهور: بمعنى فاعلة؛ لأنها عرية بإعراء مالكها أي: أفرده لها من باقي النخل، فهي عارية وقيل: بمعنى مفعولة من عراه يعروه إذا أتاه؛ لأن مالكها يعروها، أي: يأتيها فهي معرورة، وفسرها مالك فقال: العرية أن يعري الرجل برجل تحتله ثم يتأذى بدخوله عليه، فرخص له أن يشتريها منه بثمر أسنده ابن عبد البر.\nوقال سعيد بن زيد الباجي: العرية الموهوب ثمرها، وفي البخاري عن سعيد بن جبير: العرايا تمر يهب نخلها.\nقال الأبي: وإطلاق رواية الحديث بإضافة البيع إليها يمنع تفسيرها بأنها (ق ٧٩٤) هبة التمر وأنها النخلة، فالصواب تفسيرها بأنها ما منح من ثمر النخل. كذا قاله الزرقاني (١) فيما دون خمسة أوسُق بفتح فسكون فضم جمع وسق، وهو بفتح أوله أفصح وأشهر من كسره صاع بصاع النبي - ﷺ - أو في خمسة أوسق شك داود: أي: ابن الحصين شيخ الإِمام مالك لا يدري: أقال أي: هل قال شيخه أبو سفيان خمسة أو فيما دون خمسة وبسبب هذا الشك اختلف قول الإِمام مالك فقصر في المشهور الحكم على خمسة أوسق فأقل اتباعًا لما وجد عليه العمل، لأن الخمسة أو مقادير المال الذي يجب فيه الزكاة من هذا الجنس، فقصر الرفق على شرائها فما زاد عليها خرج إلى المال الكثير الذي يطلب فيه التجار مع ما فيه من المزابنة، وعنه أيضًا. قصر الجواز على أربعة، فأقل عملًا بالمحقق؛ لأن الخمسة شك فيها أو العرايا رخصة أصلها المنع، فيقصر الجواز على المحقق،\n_________\n(١) الزرقاني في شرحه (٣/ ٣٣٨).","vol":"4","page":7},{"text":"وسبب الخلاف أن النهي عن المزابنة وقع مقرونًا بالرخصة في العرايا؛ ففي الصحيح (١): نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع التمر بالتمر ورخص في العرية أن تباع بخرصها يأكلها، وفي الحديث دلالة أن الرخصة إنما هي فيما يكال فيحتج به، لأحد القولين يعني المشهور بتعميمها في التمر، وكلها يبيس ويدخر كالزبيب وغيره.\nقال القرطبي: وهو الأول؛ لأن النص إنما هو في التمر.\nقال محمد: وبهذا نأخذ أي: لا نعمل إلا بما رواه هنا أبو هريرة عن النبي - ﷺ -.\nوذكر مالك بن أنس: بن مالك بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، من كبار أتباع التابعين أن العريَّة إنما تكون أي: قصتها وحالتها أن الرجل يكون له النخل أي ملكًا له والنخل اسم جنس مفرد النخلة فيطعمُ أي: فيهب الرجل المالك الرجل أي: المسكين منها أي: من جملة النخل ثمرة نخلة أو نخلتين أي: من بستانه يلقطها بضم القاف أي: يأخذها لعياله، جملة استئنافية متضمنة للتعليل أو حالية ثم يثقل عليه أي: يشق على مالكها دخوله أي: دخول الرجل المعطي في فك يوم حائطه أي: بسبب ما أو لا يرضى بالخلف في الوعد والرجوع في الهبة فيسأله أن يتجاوز له عنها، أي: يسامح له عن أخذها بعينها على أن يعطيه أي: بدل عنها بمكيلتها أي بمقدار ما يكال به ويقاس عليه تمرًا، عند صِرام النخل بكسر الصاد المهملة أي: جذاذها وقطع ثمرها، وحاصله أنه يعطيه مكان ذلك تمر مجذوذ بالخرص لدفع ضرره عن نفسه.\nفهذا كله لا بأس به عندنا، لأن التمر كله كان للأول، فهو يعطي منه ما شاء، فإن شاء سلم له تمرًا لنخله، أي: ليأخذ من ثمرها وإن شاء أعطاه بمكيلتها أي: بمقدارها من التمر: لأن هذا أي: العطاء كله لا يجعل بيعًا، أي: حقيقة بل مجازًا. وخلاصته أن الموهوب لا يصير ملكًا للموهوب له ما دام متصل بملك الواهب فما يعطيه من الثمر لا يكون عوضًا بل هبة مبتدأة، وإنما سمي بيعًا لأنه في صورته ولو جعل بيعًا أي: حقيقيًا لما حل تمر بتمر إلى أجل أي: لدخول الربا فيه من جهتين عدم التساوي والنسيئة، وقد نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع التمر بالتمر كما رواه الشيخان وأبو داود عن سهل بن أبي حثمة (٢)،\n_________\n(١) البخاري (٢٠٦٢)، ومسلم (١٥٨٨).\n(٢) تقدم قريبًا.","vol":"4","page":8},{"text":"ولهذا لا يجوز بيع تمر مجذوذ بمثل على النخل خرصًا، لما روى مسلم (١) عن زيد بن أبي أنيسة قال: حدثنا أبو الوليد المكي وهو جالس عند عطاء بن أبي رباح عن جابر قال: نهى (ق ٧٩٥) رسول الله - ﷺ - عن المحاقلة والمزابنة والمخابرة، والمحاقلة: أن يباع النخل بكيل من الطعام معلوم، والمزابنة: أن يباع النخل بأوساق من التمر، والمخابرة: أن يذرع الأرض على الثلث والربع وأشباه ذلك.\nقال زيد بن أبي أنيسة: قلت لعطاء بن أبي رباح: أسمعت جابر بن عبد الله يذكر هذا عن رسول الله - ﷺ -؟ قال: نعم.\nوقال الشافعي: يجوز فيما دون خمسة أوسق لما تقدم في الحديث، ولنا قوله - ﷺ -: \"التمر بالتمر مثلا بمثل\" وما على النخل تمر فلا يجوز بيعه بالتمر إلا كذلك، وأما العرية التي فيها الرخصة فهي العطية دون البيع، وبه قال مالك تفسيرها تقدم، والله أعلم، ثم إن اتفق أن ذلك المروي كان أقل من خمسة أوسق أو خمسة أوسق، فظن الراوي أن الرخصة مقصورة على ذلك القدر. كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان حكم بيع العرايا، شرع في بيان حكم بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-360>باب ما يكره من بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها</span>\nفي بيان حكم ما يكره أي: عمل يكره من باب علم من بيع الثمار بيان بما قبل أن يبدو صلاحها أي: يظهر صلاحها عن فسادها ويأمن عما يضرها في بلادها.\n٧٥٩ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) في الصحيح رقم (١٥٣٦).\n(٧٥٩) صحيح، من طريق مالك، أخرجه الشافعي في المسند وفي الأم (٣/ ٤٧)، وعبد الرزاق في المصنف (١٤٣١٥)، والإِمام أحمد في المسند (٢/ ٦٢، ٦٣)، والبخاري في البيوع (٢١٩٤)، ومسلم في البيوع (١٥٣٤)، وأبو داود في البيوع (٣٣٦٧)، والنسائي في البيوع (٧/ ٢٦٢)، وابن ماجه (٢٢١٤)، والدارمي (٢/ ٢٥١، ٢٥٢)، والبيهقي في الكبرى (٥/ ٢٩٩).","vol":"4","page":9},{"text":"نهى عن بيع الثمار حتى يبدوَ صلاحُها، نهى البائع والمشتري.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، وفي أخرى: أنا رمزًا إلى أخبرنا حدثنا نافع، عن عبد الله بن عمر، ﵄ أن رسول الله - ﷺ - نهى عن بيع الثمار بكسر المثلثة جمع الثمر وهو اسم جنس مفرده الثمرة حتى يبدوَ صلاحُها، قيل: المراد بظهور صلاحها أن يصلح لتناول بني آدم ولعلف الدواب نهى البائع أي: عن بيعها لئلا يأكل مال أخيه بالباطل والمشتري أي: عن شرائها مبالغة في النهي عنها، لئلا يضيع ماله فإن بدأ الصلاح جاز، وبه قال الجمهور وصحح الحنفي البيع حالة الأصل قبل بدو الصلاح وبعده، وأبطل شرط الإِبقاء قبله وبعده وبدو الصلاح في بعض حائط كان في بيع ما جاوزه لا ما بعد عنه على المشهور.\nقال عبد اللطيف بن عبد العزيز في (شرح مجمع البحرين): ولنا أن الثمار قبل ظهور صلاحها مال متقوم في الحال ومنتفع به في المال، فيجوز بيعها كالحشيش انتهى. وإنما كفى بدو صلاح بعضه؛ لأن الله تعالى امتن علينا بجعل الثمار لا تطيب دفعة واحدة إطالة لزمن النقلة، فلو اعتبر الجميع لأدى إلى أن يباح شيء قبل كمال صلاحه وتباع الحبة بعد الحبة وفي كل منهما حرج عظيم، ويجوز البيع قبل الصلاح بشرط القطع إذا كان المقطوع منتفعًا به كالحصرم إجماعًا، فإن كان على التبعية منع إجماعًا، وهذا الحديث رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف، ومسلم عن يحيى، كلاهما عن مالك به وتابعه عبيد الله وموسى كلاهما عن نافع به. كذا قاله الزرقاني، وروى مسلم وأبو داود والترمذي عن ابن عمر: أنه - ﷺ - نهى عن بيع النخل حتى تزهو، وعن السنبل حتى تبيض ويأمن العاهة أي: الآفة التي تصيبها، وفي مسند أحمد وسنن أبي داود عن علي ﵁: أنه - ﷺ - نهى عن بيع الثمرة قبل أن تدرك، وفي مسند أحمد عن عائشة: نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها ويأمن العاهة. كذا قاله علي القاري.\n* * *\n\n٧٦٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الرّجال: محمد بن عبد الرحمن، عن أمه\n_________\n(٧٦٠) أخرجه الشافعي في مسنده (٢/ ١٤٩)، ومن طريقه أخرجه البيهقي في الكبرى (٥/ ٣٠٥)، وفي معرفة السنن (٨/ ١١١٦٦).","vol":"4","page":10},{"text":"عَمْرَة: أن رسول الله - ﷺ - نهى عن بيع الثمار حتى ينجو من العاهة.\nقال محمد: لا ينبغي أن يبتاع شيءٌ من الثمار على أن يترك في النخل حتى يبلغ، إلا أن يحمرّ أو يصفرّ، أو يبلغ بعضُه فإذا كان كذلك فلا بأس ببيعه على أن يُترك حتى يبلغ، فأما إذا لم يحمرّ أو يصفرّ وكان أخضر، أو كان كُفَرَّى فلا خير في شرائه، على أن يترك حتى يبلغ ولا بأس بشرائه على أن يقطع ويباع، وكذلك بلغنا عن الحسن البصري أنه قال: لا بأس، ببيع الكُفَرَّى، على أن يقطع، فبهذا نأخذ.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا أخبرنا أبو الرجال: بكسر الراء المهملة وتخفيف الجيم (ق ٧٩٦) مشهور بهذه الكنية، وهي لقب وكنيته في الأصل أبو عبد الرحمن واسمه محمد بن عبد الرحمن، بن حارثة الأنصارية ثقة، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة عن أمه عَمْرَة: بفتح العين المهملة وسكون الميم وفتح الراء فهاء غير مرد وعطف بيان لأم، وهي بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية، كانت في الطبقة الثالثة من طبقات التابعيات من أهل المدينة، ماتت بعد المائة، كذا قاله ابن حجر (١) هذا الحديث مرسل من هذا الطريق، وموصول من طريق خارجة بن عبد الله بن سلمان بن زيد بن ثابت عن أبي الرجال عن عمرة عن عائشة رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله - ﷺ - نهى عن بيع الثمار حتى ينجو أي: إلى غاية الخلاص من العاهة أي: الآفة.\nقال مالك: وبيع الثمار قبل بدو صلاحها من بيع الغرر المنهي، فلما أباح - ﷺ - بيعها بعد بدو صلاحها علم أنها خرجت من الغرر والغالب حينئذ سلامتها، فإن أصابتها جائحة فهي نادرة لا حكم لها، نقله الزرقاني عن أبي عمر.\nقال محمد: لا ينبغي أن يبتاع شيءٌ من الثمار أن يترك أي: بشرط أن يبقى في النخل أي: على الشجر حتى يبلغ، أي: إلى أن يدرك كماله إلا أن يحمرّ أو يصفرّ، أو يبلغ بعضُه أي: دون بعض، فإنه يباع حينئذ ويترك حتى يكمل بلوغه، وكلمة \"أو\" فيها\n_________\n(١) في التقريب (١/ ٧٥٠).","vol":"4","page":11},{"text":"للتنويع وهي معنى قوله: فإذا كان كذلك فلا بأس ببيعه على أن يُترك حتى يبلغ، أي: إلى كماله فأما إذا لم يحمرّ أو يصفرّ وكان أخضر، أو كان كُفَرَّى بضم الكاف وفتح الفاء وتشديد الراء فألف مقصورة وعاء طلع النخل، ويقال له بالتركي: حزما أغابك ما نبد أظهور ايدن ميوه سناك. كذا قاله محمد الواني في (ترجمة الجوهري)، والكفر أستر ولذا سمي كُمّ النخل؛ لأنه يستر ما في جوفه، وفي (المغرب): الكم الستر ومنه الثمرة بالكسر وبالضم غلافها فلا خير في شرائه، على أن يترك حتى يبلغ أي: لأن الأجزاء الزائدة بعد الترك كانت معروفة حال البيع فيكون شراء المعدوم مع الموجود فيفسد. كذا قاله عبد اللطيف بن عبد العزيز في (شرح مجمع البحرين) ولا بأس بشرائه على أن يقطع ويباع، أي: في الفور من غير أن يترك حتى يبلغ وكذلك بلغنا عن الحسن البصري أنه قال: لا بأس، ببيع الكُفَرَّى، على أن يقطع، أي: سواء يباع أم لا فقوله فيما سبق: ويباع قيد اتفاقي لكثرة وقوعه فبهذا نأخذ أي: إنما العمل بما بلغنا عن الحسن البصري.\n* * *\n\n٧٦١ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزِّناد، عن خارجة بن زيد، عن ثابت؛ أنه كان لا يبيع ثماره حتى تطلع الثريّا، يعني بيع النخل.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا مالك أخبرنا أبو الزِّناد وهو عبد الله بن ذكوان القرشي المدني ثقة فقيه، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ثلاثين وقيل: بعدها ومائة عن خارجة بن زيد، بن ثابت الأنصاري، يكنى أبا زيد المدني ثقة فقيه، كان فى الطبقة الثالثة من طبقات أهل المدينة، مات بعد المائة وقيل: قبلها. كذا قاله ابن حجر (١) عن ثابت؛ أي: ابن الضحاك (ق ٧٩٧) بن لوزان الأنصاري البخاري، يكنى أبا سعيد وأبا خارجة، صحابي مشهور كتب الوحي.\nقال مسروق: كان من الراسخين في العلم، مات سنة خمس أو ثمان وأربعين\n_________\n(٧٦١) أخرجه مالك في الموطأ برواية أبي مصعب الزهري (٣/ ٢٥٠)، ورواية محمد بن الحسن (٧٦١) وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ٥٠٨)، وعلقه البخاري عن الليث عن أبي الزناد عن خارجة بن زيد عن زيد بن ثابت.\n(١) في التقريب (١/ ١٨٦).","vol":"4","page":12},{"text":"وقيل: بعد الخمسين، كما في (تقريب التهذيب) (١) أنه كان لا يبيع ثماره حتى تطلع الثريّا، يعني بيع النخيل أي: ثمرها لا مطلق ثمارها، واعلم أنه صح بيع ثمرة لم يبدو صلاحها في المذهب الأصح عندنا؛ لأنه منتفع به في المال، فصار كبيع الطفل والجحش بفتح الجيم وسكون الحاء ولد الحمار. كذا في الجوهري.\nوقال مالك والشافعي وأحمد وشمس الأئمة السرخسي من أصحابنا: لا يجوز والحيلة في جوازه أن يباع مع الشجر فيكون تبعًا لها وعلى هذا الخلاف الزرع، وأما بدء صلاحها فلا خلاف بين العلماء في جوازه، وإنما الخلاف في تفسير بدو صلاحها، وعلى ما في الخلاصة عن التجريد أن يكون منتفعًا به، وعند الشافعي: هو ظهور النفيخ ومبادي الحلاوة، ثم إذا قلنا: صح بيع الثمرة يجب على المشتري قطعها في الحال ليتفرغ ملكة البائع من ملكه، وهذا إذا اشتراها مطلقًا أو شرط القطع، أما إذا شرط ترك الثمرة على الشجر والزرع على الأرض فيفسد البيع، أما إذا لم يبدأ صلاحها أو بدأ ولم يتبين عظمها فباتفاق، وأما إذا تناهى عظمها فعند أبي حنيفة وأبو يوسف، لأنه شرط لا يقتضيه العقد، وهو شغل ملك الغير.\nوقال محمد: لا يفسد استحسانًا وهو قول مالك والشافعي وأحمد ومختار الطحاوي لتعامل الناس به من غير مكر، بخلاف ما إذا لم يتناه عظمها؛ لأنها حينئذ يزيد زيادتها في ملك البائع، أعني الشجر والأرض فكأنه ضم المعدوم إلى الموجود واشتريها في (الأسرار) الفتوى على قول محمد، وفي (التحفة): الصحيح قولهما؛ لأن التعامل لم يكن بشرط الترك، وإنما كان بالإِذن بالترك من غير شرط. كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان حكم بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها، شرع في بيان حكم حال الرجل يبيع بعض الثمر ويستثني بعضه.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-361>باب الرجل يبيع بعض الثمر ويستثني بعضه</span>\nبالتنوين، في بيان حكم حال الرجل يبيع بعض الثمر ويستثني بعضه، أي: بعضًا\n_________\n(١) التقريب (١/ ٢٢٢).","vol":"4","page":13},{"text":"معلومًا منه، وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق حكم الكراهة في البيع وعدمها فيه.\n٧٦٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن محمد بن عمرو بن حزم باع حائطًا له يقال له: الأفْراق بأربعة آلاف درهم، واستثنى منه بثمانمائة درهم تمرًا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا مالك، وفي أخرى: أخبرنا عبد الله بن أبي بكر، بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني القاضي بها، ثقة كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة وهو ابن سبعين سنة عن أبيه، أي: أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري النجاري بالنون والجيم المشددة المدني القاضي، اسمه وكنيته واحد، وقيل: يكنى أبا محمد ثقة عابد، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة عشرين ومائة وقيل غير ذلك كذا في (تقريب التهذيب) (١) عن محمد بن عمرو بن حزم باع حائطًا له أي: بستانًا مشتملًا على نخل وغيره يقال له أي: يسمى الحائط الأفْراق بفتح الهمزة وسكون الفاء وآخره قاف موضع بالمدينة بأربعة آلاف درهم، (ق ٧٩٨) واستثنى منه أي: من ثمن الحائط بثمانمائة درهم تمرًا أي: بقيمتها تمرًا وهي دون الثلث.\n* * *\n\n٧٦٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الرِّجال، عن أمه عَمْرَة بنت عبد الرحمن، أنها كانت تبيع ثمارها وتستثني منها.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا مالك، وفي أخرى: محمد أخبرنا أبو الرِّجال، بكسر الراء وتخفيف الجيم، مشهور بهذه الكنية، وهي لقبه وكنيته في الأصل أبو عبد الرحمن بن حارثة الأنصارية، ثقة كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، عن أمه عَمْرَة بنت عبد الرحمن، بن سعد بن زرارة الأنصارية التابعية المدنية،\n_________\n(٧٦٢) إسناده صحيح، أخرجه الشافعي في الأم (٣/ ٦٠)، وابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ٣٣٢).\n(١) (١/ ٦٢٤).\n(٧٦٣) إسناده صحيح.","vol":"4","page":14},{"text":"كانت في الطبقة الثالثة من طبقات التابعيات، ماتت بعد المائة أنها كانت تبيع ثمارها أي: من حائطها وتستثني منها أي: بعضها معلومًا منها.\n* * *\n\n٧٦٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا ربيعة بن عبد الرحمن، عن القاسم بن محمد: أنه كان يبيع ثماره ويستثني منها.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا بأس بأن يبيع الرجل ثمره ويستثني بعضه، إذا استثنى شيئًا في جملته ربعًا أو خُمسًا أو سُدسًا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا مالك أخبرنا ربيعة بن عبد الرحمن، التيمي مولاهم، يكنى أبا عثمان المدني المعروف بربيعة الرأي، واسم أبيه فروخ ثقة فقيه مشهور، قال ابن سعد: كان يتقونه لموضع الرأي، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ست وثلاثين ومائة على الصحيح، وقال سعيد بن زيد الباجي المالكي: سنة اثنين وأربعين ومائة عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵁، في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات قبل المائة كذا قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي أنه كان يبيع ثماره ويستثني منها أي: بعضًا معلومًا منها.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه قال القاسم بن محمد لا بأس أي: لا كراهة بأن يبيع الرجل ثمره أي: من شجره ويستثني بعضه، لكن لا مطلق بل إذا استثنى شيئًا في جملته أي: معينًا ربعًا أو خُمسًا أو سُدسًا وفي (الموطأ) لمالك برواية يحيى: والأمر المجتمع عليه عندنا أن الرجل إذا باع ثمر حائطه له أن يستثني منه ما بينه وبين ثلث الثمر لا تجاوز ذلك وما كان دون الثلث لا بأس به، أي: لا شددة انتهى، وفي رواية الحسن بن زياد عن أبي حنيفة وهو قول الطحاوي: أنه يفسد البيع استثناء قدر معلوم من الثمر مجذوذة كانت أو غير مجذوذة؛ لأنه ربما لا يبقى شيئًا بعد المستثنى فيخلو العقد عن\n_________\n(٧٦٤) إسناده صحيح، أخرجه الشافعي في الأم (٣/ ٦٠)، وابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ٣٣٢)، والبيهقي في معرفة السنن والآثار (٨/ ١١٢٠٦).","vol":"4","page":15},{"text":"الفائدة بخلاف ما إذا استثنى نخلًا معينًا؛ لأن الباقي معلوم بالمشاهدة، وأما على ظاهر الرواية فينبغي أن يجوز؛ لأن الأصل إنما يجوز إيراد العقد عليه بانفراده يجوز استثناؤه، وبيع قفيز من جرة جائر، فكذا إذا استثناه بخلاف الاستثناء كذا في (الهداية).\nلما فرغ من بيان حكم حال الرجل يبيع بعض الثمر ويستثني بعضه، شرع في بيان كراهة بيع التمر بالرطب، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-362>باب ما يكره من بيع التمر بالرطب</span>\nفي بيان ما أي: عمل يكره من بيع التمر بالرطب بيان بما.\n٧٦٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن يزيد؛ مولي الأسود بن سفيان: أن زيدًا أبا عيَّاش مولى لبني زهرة، أخبره أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن اشتراء البيضاء بالسُّلْت، فقال له سعد: أيهما أفضل؟ قال: البيضاء، قال: فنهاني عنه، وقال: إني سمعتُ رسول الله - ﷺ - سُئل عن اشتراء التمر بالرطب، فقال: \"أينقص الرطبُ إذا يبس؟ \"، قالوا: نعم، فنهى عنه.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا خير في أن يشتري الرجل قُفِيز رطب بقفيز تمر، يدًا بيد؛ لأن الرطب ينقبض إذا جف، فيصير أقل من قفيز، فلذلك فسد البيع فيه.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا أخبرنا عبد الله بن يزيد؛ بتحتية قبل الزاي المخزومي المدني، زاد الشافعي وأبو مصعب وغيرهما مولي الأسود بن سفيان: من شيوخ\n_________\n(٧٦٥) صحيح، أخرجه الشافعي من طريق مالك في المسند (٢/ ١٥٩) وفي الرسالة فقرة (٩٠٧)، وأبو داود في البيوع (٣٣٥٩)، والترمذي في البيوع (١٢٢٥)، والنسائي في البيوع (٧/ ٢٦٨، ٢٦٩)، وابن ماجه (٢٢٦٤)، وأحمد في المسند (٢/ ١٧٥)، والطيالسي في مسنده (٢١٤)، وعبد الرزاق في المصنف (١٤١٨٥)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٣٨، ٣٩)، والبيهقي في الكبرى (٥/ ٢٩٤، ٢٩٥)، وقال الترمذي: حسن صحيح.","vol":"4","page":16},{"text":"مالك، ثقة كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ثمان وأربعين ومائة أن زيدًا أبا عيّاش بفتح العين المهملة وتشديد التحتية فألف وشين معجمة تابعي مدني ثقة صدوق مولى لبني زهرة، بضم الزاي وسكون الهاء، وهو زهرة بن كلاب أخبره أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن اشتراء البيضاء (ق ٧٩٩) أي: الشعير كما ورد بوجه آخر ولا خلاف فيه عن مالك، ووهم وكيع فقال عنه: الذرة، ولم يقله غيره، والبيضاء عند العرب الشعير والسمرة عندهم البر. قاله أبو عمر بالسُّلْت، بضم السين المهملة وسكون اللام حب بين الحنطة والشعير في طبعه وبرودته كذا قاله الأزهري.\nوقال الجوهري: قيل: إنه ضرب من الشعير لا قشر له انتهى. فقال له سعد: كما في (الموطأ) لمالك أيهما أفضل؟ أي: أكثر في الكيل والكمية أن لا عبرة بالكيفية من جهة القواعد الشرعية في باب الأموال الربوية قال: البيضاء، أي: الشعير قال: فنهاني عنه، أي: عن بيعها بها متفاضلًا، لتقاربهما في المنفعة والخلقة وغيرها وقال: أي: سعد محتجًا لفتواه بالمنع إني سمعتُ رسول الله - ﷺ - سُئل عن اشتراء التمر بالرطب، فقال أي: رسول الله - ﷺ - كما في (الموطأ) لمالك: \"أينقص الرطبُ إذا يبس؟ \"، قالوا: نعم، فنهى عنه أي: عن بيع التمر بالرطب لعدم التماثل رواه أصحاب السنن الأربعة، أي: النسائي والترمذي وأبو داود وابن ماجه رحمهم الله تعالى، فقاس سعد ما سئل عنه من الشعير والسلت على ما سئل - ﷺ - من التمر بالرطب بجامع تقارب المنفعة.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه سعد بن أبي وقاص عن رسول الله - ﷺ - لا خير في أن يشتري الرجل قُفِيز رطب بقفيز تمر، يدًا بيد، أي: ولو كانا مقبوضين في مجلس العقد؛ لأن الرطب ينقبض إذا جف، أي: يبس فيصير أقل من قفيز، أي: فيدخل في رباء المتفاضل فلذلك فسد البيع فيه وهذا قولهما، وبه قال مالك والشافعي وأحمد، وجوز أبو حنيفة ﵀ بيع الرطب بالتمر مثلًا بمثل لقوله - ﷺ - في حديث عبادة بن الصامت: \"والتمر بالتمر مثلًا بمثل والملح بالملح مثلًا بمثل سواء بسواء يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كانت يدًا بيد\" (١) وذلك أن الرطب إن كان تمرًا أجاز البيع بأول الحديث، وهو قوله: التمر بالتمر، وإن كان غير تمر جاز\n_________\n(١) صحيح، تقدم.","vol":"4","page":17},{"text":"بآخره، وهو قوله: \"إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم\"، وفيه أنه قد يقال: إنه غيره من وجه وعينه من وجه بل هو نوع واحد، وإنما الخلاف من جهة الكيفية، فالوجه مراعاة المثلية في الكمية لا سيما وفيه النصوص النبوية كذا قال علي القاري.\nلما فرغ من بيان كراهة بيع التمر بالرطب، شرع في بيان حكم البيع إذا لم يقبض المبيع، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-363>باب بيع ما لم يُقبض من الطعام وغيره</span>\nفي بيان حكم بيع ما لم يقبض ومن الطعام وغيره، المراد بالطعام هذا الحب المأكول، والمراد بغيره كل ما يباع من المنقول، وفي العقار خلاف ما يأتي.\n٧٦٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن حكيم بن حزام ابتاع طعامًا أمر به عمر للناس، فباع حكيم الطعام قبل أن يستوفيه، فسمع بذلك عمر بن الخطاب فردّه عليه، وقال: لا تبع طعامًا ابتعته حتى تستوفيه.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا مالك، وفي أخرى: محمد أخبرنا نافع، ابن عبد الله المدني، مولى ابن عمر ثقة ثبت مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة مات سنة سبع عشرة ومائة أن حكيم بن حزام بكسر الحاء المهملة والزاي فألف وميم هو ابن خويلد بن أسد بن عبد العزى القرشي الأسدي ابن أخي خديجة أم المؤمنين، ﵂ أسلم يوم الفتح وصحب وله أربعة وسبعون سنة، ثم عاش إلى سنة أربع وخمسين أو بعدها وكان عالمًا بالنسب كذا قاله الزرقاني (١) ابتاع أي: اشترى طعامًا أمر به أي: بحكيم عمر بن الخطاب ﵁ للناس، أي: بعضهم فباع حكيم الطعام قبل أن يستوفيه، أي: بقبضه فسمع بذلك عمر بن الخطاب ﵁ فردّه عليه، أي: بيعه وقال: لا تبع طعامًا ابتعته أي: اشتريته حتى تستوفيه أي: إلى أن تقبضه.\n* * *\n_________\n(١) في شرحه (٣/ ٣٦٨).","vol":"4","page":18},{"text":"٧٦٧ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من ابتاع طعامًا فلا يبعْه حتى يقبضه\".\nقال محمد: وبهذا نأخذ، وكذلك كل شيء بيع من طعام أو غيره، فلا ينبغي أن يبيعه الذي اشتراه حتى يقبضه، وكذلك قال عبد الله بن عباس؛ قال: أما الذي نهى عنه رسول الله - ﷺ - فهو الطعام أن يُباع حتى يُقبض.\nوقال ابن عباس: ولا أحسب كل شيء إلا مثل ذلك.\nقال محمد: فبقول ابن عباس نأخذ، الأشياء كلها مثل الطعام، لا ينبغي أن يبيع المشتري شيئًا اشتراه حتى يقبضه، وكذلك قول أبي حنيفة، إلا أنه رخَّصَ في العقار والدور والأرضين لا تُحَوَّل أن تباع قبل أن تقبض، أما نحن فلا نجيز شيئًا من ذلك حتى يقبض.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد ثنا مالك، وفي أخرى: أنا مالك أخبرنا، وفي نسخة: ثنا نافع، عن عبد الله بن عمر: ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من ابتاع أي: اشترى طعامًا فلا يبعْه حتى يقبضه\" رواه أحمد والشيخان والنسائي وابن ماجه عن ابن عمر، وقيد الطعام اتفاقي؛ لأن بيع ما لم يقبض منهي منقولًا كان أو عقارًا عند محمد والشافعي وزفر، ومنهي في المنقول فقط عند أبي حنيفة وأبو يوسف، وقال مالك وأحمد: يجوز فيما سوى الطعام، فعلى هذا يكون قيد الطعام للاحتراز.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه ابن عمر هنا عن النبي - ﷺ - وكذلك أي: كما لا يباع ما اشتراه من الطعام من قبل أن يقبضه عندنا كل شيء بيع من طعام أو غيره، أي: سواء كان منقولًا أو عقارًا فلا ينبغي أن يبيعه الذي اشتراه حتى يقبضه، أي: وقيض كل شيء بحسب ما يليق به، كما هو مقدر في محله وكذلك أي:\n_________\n(٧٦٧) صحيح، أخرجه مسلم في البيوع (٣٧٧١)، وأحمد في المسند (٢/ ١١١)، وأبو داود في البيوع (٣٤٩٥)، والنسائي في البيوع (٧/ ٢٨٦)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ٣٨)، والبيهقي في الكبرى (٥/ ٣١٤).","vol":"4","page":19},{"text":"كما قال عبد الله بن عمر عن رسول الله - ﷺ - قال عبد الله بن عباس؛ ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: أي: محمد بن حسن الشيباني أما الذي نهى عنه رسول الله - ﷺ - فهو الطعام قوله: أن يُباع مفعول نهي وقوله: حتى يُقبض على بناء المجهول عطف على أن يباع المناسبة من أن المعطوف يعقب المعطوف عليه، كما أن الغاية تعقب المغيَّا، أو للدلالة على أن ما بعد حتى غاية لما قبلها، فيجوز له أن يبيعه عقب قبضه، كما يجوز أن يأكل المكلف بالصوم من أول الليل إلى غايته، وهو طلوع الفجر الثاني، كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧].\nوقال ابن عباس: ﵄ ولا أحسب أي: ولا أظن كل شيء من المنقولات والعقارات والأراضي إلا مثل ذلك أي: الطعام في الحكم، وهو أن لا يجوز للمشتري أن يبيعه قبل قبضه.\nقال محمد: فبقول ابن عباس نأخذ، أي: نعمل ونقول الأشياء كلها مثل الطعام، أي: من غير فرق بين المنقول والعقار لا ينبغي أن يبيع أي: المشتري شيئًا اشتراه حتى يقبضه، أي: قبضًا شرعيًا كقبض المفتاح في العقار وتطهير البستان من الأحجار والشوكة وكذلك أي: مثل ما قاله ابن عباس قول أبي حنيفة، أي: في المنقول كله إلا أنه أي: لكن أبا حنيفة رخَّصَ في الدور بضم الدال وسكون الواو فراء جمع الدار، وفي معناها البيوت والعقارات بالفتح كل ملك (ق ٨٠١) ثابت كالدار والنخل والأرضين بفتح الراء تعميم بعد التخصيص لا تُحَوَّل صفة كاشفة أي: لا تنتقل من مكانها أن تباع أي: هذه الأشياء قبل أن تقبض، فقال المصنف: أما نحن أي: وأصحاب أبي حنيفة فلا نجيز من الإِجازة أي: لا نختار شيئًا من ذلك أي: البيع حتى يقبض أي: المبيع.\n* * *\n\n٧٦٨ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن عبد الله بن عمر، أنه قال: كنا نبتاع الطعام في زمان رسول الله - ﷺ -، فبعث علينا من يأمرنا بانتقاله من المكان الذي نبتاعه فيه إلى مكان سواه قبل أن نبيعه.\n_________\n(٧٦٨) صحيح، من طريق مالك أخرجه مسلم في البيوع (٣٧٦٨)، وأخرجه أبو داود في البيوع (٣٤٩٣)، والنسائي في البيوع (٧/ ٢٨٧)، والبيهقي في الكبرى (٥/ ٣١٤).","vol":"4","page":20},{"text":"قال محمد: إنما كان يراد بهذا القبض؛ لئلا يبيع شيئًا من ذلك حتى يقبضه، فلا ينبغي أن يبيع شيئًا اشتراه رجل حتى يقبضه.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد، أخبرنا مالك، وفي أخرى: محمد ثنا مالك حدثنا نافع، عن عبد الله بن عمر، أنه قال: كنا نبتاع الطعام أي: نشتري في زمان رسول الله - ﷺ - أي: تارة في مكانه وتارة في غيره فبعث أي: يرسل - ﷺ - علينا من يأمرنا محله نصب على أنه مفعول يبعث بانتقاله أي: بتحويل المتاع من المكان الذي نبتاعه أي: نشتري المبيع فيه إلى مكان سواه قبل أن نبيعه لأن بنقله يحصل قبضه وهذا قد خرج مخرج الغالب، والمراد القبض، وفرق مالك في المشهور عنه الجزاف، فأجاز بيعه قبل قبضه، لأنه مريء فيكفي فيه التخلية بينه وبين الكيل والموزون فلا بد من الاستيفاء، وقد روين أحمد عن ابن عمر مرفوعًا: \"من اشترى بكيل أو وزن فلا يبعه حتي يقبضه\"، ففي قوله: بكيل أو وزن دليل على ما خالفه بخلافه، وجعل مالك رواية: حتى يستوفيه تفسيرًا الرواية: حتى يقبضه؛ لأن الاستيفاء لا يكون إلا بالكيل والوزن على المعروف لغة: قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٢، ٣] والحديث أخرجه مسلم عن يحيى عن مالك كذا قاله الزرقاني (١).\nقال محمد: إنما كان يراد بهذا القبض؛ لئلا يبيع شيئًا من ذلك أي: المبيع حتى يقبضه، فلا ينبغي أن يبيع شيئًا اشتراه رجل حتى يقبضه وروى أبو داود (٢) وابن حبان في صحيحه والحاكم (٣) في مستدركهـ وصححه عن عبد الله بن عمر قال: ابتعت زيتًا في السوق لما استوجبته لقيني رجل فأعطاني فيه ربحًا حسنًا، فأردت أن أضرب على يده، فأخذ رجل من خلفي بذراعي، فالتفت فإذا هو زيد بن ثابت، فقال: تبعه حيث ابتعته حتى تجوزه أي: تنتقله إلى رحلك، لأن رسول الله - ﷺ - نهى أن تباع السلعة حيث يبتاع حتى تجوزها التجار إلى رحالهم. هذا وصح تصرف البائع في الثمر قبل قبضه لعدم المانع. كذا قاله علي القاري.\n_________\n(١) في شرحه (٣/ ٣٦٨).\n(٢) رقم (٣٤٩٩).\n(٣) (٢/ ٤٦).","vol":"4","page":21},{"text":"لما فرغ من بيان حكم بيع ما لم يقبض من الطعام وغيره، شرع في بيان حكم حال الرجل يبيع المتاع نسيئة، ثم يقول للمشتري: عجلني من الثمن شيئًا وأحط عنك شيئًا، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-364>باب الرجل يبتاع المتاع أو غيره بنسيئة ثم يقول أنفدني وأضع عنك</span>\nفي بيان حكم حال الرجل يبيع المتاع أو غيره، المتاع في اللغة: ما ينتفع به فالطعام متاع والبز متاع، وكذا الجارية والغلام والذهب والفضة والفرس والإِبل والبقر والغنم والحرث قال الله تعالى فى سورة آل عمران: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤] قوله: نسيئة بفتح النون وكسر السين المهملة وفتح الهمزة والفوقية منصوب على أنه تمييز يرفع الإِبهام عن البيع، وهي بيع العين (ق ٨٠٢) بالدين إلى أجل مسمى، ثم أي: بعد البيع مؤجلًا يقول: أي: البائع بسبب طلب المشتري: أنفذني أي: أعطني بعض الثمن معجلًا وأضع عنك أي: فأحط عنك بعض الثمن.\n٧٦٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزِّناد، عن بُسْر بن سعيد، عن أبي صالح بن عبيد مولى السفاح، أنه أخبره: أنه باع بَزّا من أهل دار نخلة إلى أجل، ثم أراد الخروج إلى الكوفة فسألوه أن ينقدوه ويضع عنهم، فسأل زيد بن ثابت فقال: لا آمرك أن تأكل ذلك، ولا تؤكله.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، من وجب له دين على إنسان إلى أجل، فسأله أن يضع عنه ويعجّل له ما بقي لم ينبغ ذلك، لأنه يعجِّل قليلًا بكثير دينًا، فكأنه يبيع قليلًا نقدًا بكثير دينًا، وهو قول عمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، وهو قولُ أبي حنيفة.\n_________\n(٧٦٩) إسناده ضعيف، أخرجه مالك في الموطأ برواية أبي مصعب الزهري (٢٦٦٨)، فيه أبو صالح مولى السفاح مجهول لا يُعرف بغير هذا، كما قاله ابن عبد البر في الاستذكار (٢٠/ ٢٥٩).","vol":"4","page":22},{"text":"• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا مالك أخبرنا أبو الزِّناد، بكسر الزاي وخفة النون فألف ودال مهملة، وهو عبد الله بن ذكوان القرشي المدني ثقة فقيه، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ثلاثين ومائة، وقيل: بعدها عن بُسْر بضم الموحدة وسكون السين المهملة فراء ابن سعيد، بكسر العين وسكون التحتية فدال مهملة المدني العابد الحافظ، مولى بني الحضرميت ثقة جليل، كان فى الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات قبل المائة عن أبي صالح بن عبيد بالتصغير.\nقال العسقلاني في (تقريب التهذيب) (١): صوابه أنه يقال: محمد بن عبيد بن أبي صالح الملكي نزيل بيت المقدس، كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، وكان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل بيت المقدس، وهو مولى السفاح، أي: معتقه، وهو بفتح السين المهملة وتشديد الفاء وآخره حاء مهملة خليفة بني العباس، واسمه عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عياض، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة أنه أي: أبا صالح بن عبيد أخبره: أي: بسر بن سعيد أنه أي: أبا صالح باع بَزّا عن ابن دريد هو المتاع من الثياب خاصة، وعن الليث: ضرب من الثياب، وعن ابن الأنباري رجل حسن البز أي: الثياب.\nوقال المصنف رحمه الله تعالى: في السير البز عند أهل الكوفة: ثياب الكتان والقطن على ثياب الصوف والخز، كذا في (المغرب).\nوالحاصل: أنه باع ثوبًا من أهل دار نخلة بفتح النون وسكون الخاء المعجمة محل بالمدينة فيه البزازون إلى أجل، أي: وقت معين ثم أراد أي: أهل دار نخلة الخروج أي: من مكانهم إلى الكوفة فاستعمال الكوفة والبصرة باللام في المشهور دون مكة فسألوه أي: قال أهل دار نخلة لأبي صالح بايع أن ينقدوه أي: يعطوا ثمنه معجلًا ويضع أي: يسقط البائع بعض الثمن عنهم، أي قبل الأجل فسأل أي: أبو صالح البائع زيد بن ثابت الصحابي المشهور ﵁ فقال: لا آمرك أن تأكل ذلك، أي: ثمنه نقدًا ولا تؤكله بضم الفوقية وسكون الواو وكسر الكاف وفتح اللام أي: ولا تطعمه غيرك، لما روى البخاري (٢) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه\".\n_________\n(١) (١/ ٤٩٥).\n(٢) في صحيحه، رقم (١٣)، (١/ ١٤).","vol":"4","page":23},{"text":"قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه أبو صالح بن عبيد عن زيد بن ثابت ﵁ من وجب له دين على إنسان إلى أجل، أي: إلى وقت معلوم في الزمان المستقبل فسأله أي: فطلب المشتري من بائعه أن يضع عنه أي: يسقط بعض الثمن عن المشتري ويعجّل أي: المشتري له أي: للبائع ما بقي أي: من الثمن بعد حطه عنه لم ينبغ ذلك، أي: لا يجوز لأنه أي: المشتري يعجِّل قليلًا أي: (ق ٨٠٣) عينًا قليلًا بكثير دينًا، فكأنه أي: البائع يبيع قليلًا نقدًا بكثير دينًا، وهو قول عمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، ﵃ وهو قولُ أبي حنيفة رحمه الله تعالى، صورته: من له مائة درهم مؤجلة، فأخذ خمسين قبل الأجل على أن تضع خمسين لم يجز؛ لأنه اشترى مائة مؤجلة بخمسين معجلة فدخل النسيئة والتفاضل فى الجنس الواحد وذا ربا. كذا قاله سعيد بن زيد الباجي عن عبد الله بن عمر أنه سئل عن الرجل يكون له الدين على الرجل إلى أجل فيضع عنه صاحب الحق ويعجله الآخر، أي: البائع بعد الوضع، فكره عبد الله بن عمر ونهى عنه لمنع وضع وتعجل، وبه قال الحكم بن عتيبة والشعبي ومالك وأبو حنيفة وأجازه ابن عباس، ورواه من المعروف وحكاه الجهني عن ابن القاسم.\nقال ابن زرقون: ورواه، وهما عن سعيد بن المسيب والشافعي القولان، واحتج المجيز بخبر ابن عباس لما أمر - ﷺ - بإخراج بني النضير قالوا: لنا على الناس ديون لم تحل، أي: لم يتم وقتها فقال: \"ضعوا وتعجلوا\"، وأجاب المانعون باحتمال أن هذا الحديث قبل نزول تحريم الربا. كذا قاله الزرقاني.\nلما فرغ من بيان حكم حال الرجل يبيع المتاع أو غيره نسيئة ثم يقول للمشتري: أنفذني بعض الثمن وأسقط عنك بعضه، شرع في بيان حكم حال الرجل يشتري الشعير بالحنطة، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-365>باب الرجل يشتري الشعير بالحنطة</span>\nفي بيان حكم حال الرجل يشتري الشعير بالحنطة، أي: هل يجوز التفاضل أم لا إذا كان يدًا بيد.","vol":"4","page":24},{"text":"٧٧٠ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن سليمان بن يسار، أخبره أن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث فَنِيَ عَلَفُ دابته، فقال لغلامه: خذ من حنطة أهلك واشتر به شعيرًا، ولا تأخذ إلا مثلًا بمثل.\nقال محمد: ولسنا نرى بأسًا بأن يشتري الرجل قفيزين من شعير بقفيز من حنطة يدًا بيد.\nوالحديث المعروف في ذلك عن عبادة بن الصامت أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"الذهب بالذهب مِثْلًا بمثل، والفضة بالفضة مثلًا بمثل، والحنطة بالحنطة مثْلًا بمثل، والشعير بالشعير مِثْلًا بمثل\"، ولا بأس أن يأخذ الذهب بالفضة والفضة أكثر، ولا بأس بأن يأخذ الحنطة بالشعير والشعير أكثر، يدًا بيد، في ذلك أحاديث كثيرة معروفة، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا مالك، وفي أخرى: محمد أخبرنا مالك حدثنا نافع، أي: ابن عبد الله المدني مولى ابن عمر، ثقة فقيه ثبت مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة أن سليمان بن يسار، الهلالي المدني، مولى ميمونة وقيل: أم سلمة ثقة فاضل، أحد الفقهاء السبعة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة وقيل قبلها أخبره أن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة الزهري، ولد عهد رسول الله - ﷺ -، ومات أبوه في ذلك فعد ذلك من الصحابة، وقال العجلي: من كبار التابعين. كذا في (تقريب التهذيب) (١) فَنِيَ بفتح الفاء وكسر النون أي نفذ وفرغ عَلَفُ دابته، أي: شعيرها أو غيرها فقال لغلامه: خذ من حنطة أهلك أو بعضًا منها طعامًا واشتر به أي: بمقابله المهلك شعيرًا، أي: نقدًا ولا تأخذ إلا مثلًا بمثل أي: متساويين بلا زيادة ولا نقصان في أحدهما لاتحاد جنسهما.\n_________\n(٧٧٠) إسناده صحيح، أخرجه مالك في الموطأ برواية أبي مصعب الزهري (٢٥٧٨).\n(١) (١/ ٣٣٦).","vol":"4","page":25},{"text":"قال محمد: ولسنا نرى أي: لا نظن بأسًا أي: كراهة وحرامًا بأن يشتري الرجل قفيزين أي: فصاعدًا من شعير بقفيز من حنطة يدًا بيد والحديث المعروف في ذلك أي: فيما يستدل به على جواز التفاضل بين الأجناس المختلفة عن عبادة بن الصامت ﵁ أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"الذهب بالذهب مِثْلًا بمثل، والفضة بالفضة مثلًا بمثل، أي: في الوزن والحنطة بالحنطة مثْلًا بمثل، (ق ٨٠٤) أي: في الكيل والشعير بالشعير مِثْلًا بمثل\"، أي: في الكيل وسيأتي بقية حديثه ولا بأس أي: لا حرمة أن يأخذ الذهب بالفضة أي: بمقابلتها والفضة أكثر، جملة حالية.\nولا بأس بأن يأخذ الحنطة بالشعير والشعير أكثر، وكذلك العكس فيهما بالفرض والتقدير يدًا بيد، أي: كونهما متقابضين في المجلس في ذلك أي: ثبت في جواز الشراء بأكثر مما باعه إذا كان المبيع مخالفًا في الجنس بما اشتراه أحاديث كثيرة معروفة.\nمنها حديث عبادة بن الصامت رواه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه عنه مرفوعًا بلفظ: \"الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبز بالبز والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلًا بمثل سواء يدًا بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي سواء\" (١) وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا أجمع المسلمون على أنه يجوز بيع الذهب بالذهب منفرد أو الورق بالورق منفردًا بتبرها ومضروبًا وحليها مثلًا بمثل وزنًا بوزن، يدًا بيد، وأن لا يباع شيئًا غائبًا بمؤخر، واتفقوا على أنه يجوز بيع الذهب بالفضة والفضة بالذهب متفاضلين يدًا بيد، ويحرم نسيئة واتفقوا على أنه لا يجوز بيع الحنطة بالحنطة والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح إلا مثلًا بمثل، يدًا بيد، ويجوز بيع التمر بالملح والملح بالتمر متفاضلين يدًا بيد. والله أعلم.\nلما فرغ من بيان حكم حال الرجل يشتري الشعير بالحنطة، شرع في بيان حكم حال الرجل يبيع الطعام نسيئة ثم يشتري بذلك الثمن شيئًا آخر.\n* * *\n_________\n(١) صحيح، تقدم مرارًا.","vol":"4","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-366>باب الرجل يبيع الطعام نسيئة ثم يشتري بذلك الثمن شيئًا آخر</span>\nفي بيان حكم حال الرجل يبيع الطعام نسيئة، وهو بيع العين بالدين ثم يشتري بذلك الثمن شيئًا آخر، أي: قبل أن يقبضه، أشار بذلك وضع للمشار إليه البعير إلى أن شراء المؤمن شيئًا بثمن مؤجل لم يقبض بعيد عنه لا ينبغي ذلك. محمد قال:\n٧٧١ - أخبرنا مالك، حدثنا أبو الزِّناد، أن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار كانا يكرهان أن يبيع الرجل طعامًا إلى أجل بذهب، ثم يشتري بذلك الذهب تمرًا قبل أن يقبضها.\nقال محمد: ونحن لا نرى بأسًا أن يشتري بها تمرًا قبل أن يقبضها، إذا كان الثمن بعينه، ولم يكن دينًا.\nوقد ذُكِرَ هذا القول لسعيد بن جُبير فلم يره شيئًا، وقال: لا بأس به، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: قال: ثنا مالك حدثنا أبو الزِّناد، بكسر الزاي وتخفيف النون هو عبد الرحمن بن ذكوان القرشي المدني ثقة فقيه، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين المحدثين من أهل المدينة، مات سنة ثلاثين ومائة أن سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات، كان في الطبقة الأولى من طبقات كبار الفقهاء والمحدثين من أهل المدينة، مات بعد التسعين بيسير، وهو ابن أربع وثمانين سنة وسليمان بن يسار وقد سبق بيان طبقته في الباب السابق آنفًا كانا يكرهان يمنعان أن يبيع الرجل أي: وكذا المرأة طعامًا أي: حنطة كما فى (الموطأ) لمالك إلى أجل بذهب، أي: مثلًا ثم يشتري بذلك الذهب أي: الذيفي ذمة البائع دينًا تمرًا أي: مثلًا قبل أن يقبضها أي: قيمة الطعام من الذهب ونحوه.\nقال محمد: ونحن أي: أنا وأصحاب أبى حنيفة لا نرى بأسًا أي: لا تقول حرامًا أن\n_________\n(٧٧١) إسناده صحيح.","vol":"4","page":27},{"text":"يشتري أي: البائع المذكور بها أي: بقيمة الطعام تمرًا أي: مثلًا قبل أن يقبضها، إذا كان الثمن بعينه، أي: حاضر (ق ٨٠٥) ولم يكن دينًا وقد ذُكِرَ بناء المجهول هذا القول أي: قول سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار لسعيد بن جُبير الأسدي مولاهم الكوفي، ثقة فقيه ثبت، كان في الطبقة الثانية من طبقات كبار التابعين من أهل الكوفة، وروايته عن عائشة وأبو موسى الأشعري مرسلة، وقد قتل بين يدي الحجاج سنة خمس وتسعين، وهو ابن سبع وخمسين وقيل: تسع وأربعين كذا قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي في طبقاته ولم يره شيئًا، أي: مقبولًا ومنقولًا وقال: لا بأس به، أي: لأن الأصل هو الجواز إلا بدليل ولا دليل فيه ظاهرًا وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\nلما فرغ من بيان حكم حال الرجل يبيع الطعام نسيئة، ثم يشتري بذلك الثمن شيئًا آخر قبل أن يقبض ثمن الطعام، شرع في بيان حكم حال الرجل يزيد ثمن مبيع لا لرغبة إلى شرائه بل ليخدع به غيره، وحكم حال رجل يستقبل المتاع خارج البلد ويأخذ من صاحبه، ويجيء إلى البلد فيبيعه بزيادة من الثمن.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-367>باب ما يُكره من النجش وتلقي السلع</span>\nفي بيان حكم ما، أي: عمل يره أي: يحرم من النجش بفتح النون وسكون الجيم والشين المعجمة أن تساوم السلعة بأزيد من ثمنها وأنت لا تريد شرائها يراك الآخر فيقع فيه. كذا في (القاموس) و(المغرب) وفي (مختصر النهاية) والنجش: أن يمدح السلعة لينفقها أو يروجها انتهى. وتلقي السلع بكسر السين المهملة وفتح اللام والعين المهملة جمع سلعة، وهي المتاع، أي: استقبالها وأخذها من صاحبها قبل أن يدخل البلد ويعلم سعرها.\n٧٧٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله - ﷺ - نهى عن تلقي السلع حتى تهبط الأسواق، ونهى عن النَّجش.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، كلّ ذلك مكروه.\n_________\n(٧٧٢) إسناده صحيح، أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٧، ٩٢)، وابن حبان في صحيحه (١١/ ٣٣٤)، وأبو يعلى في مسنده (٩/ ١٥٥، ١٦٥).","vol":"4","page":28},{"text":"فأما النَّجَش: فالرجل يحضر فيزيد في الثمن، ويعطي فيه ما لا يريد أن يشتري به، ليسمع بذلك غيره، فيشتري على سَوْمه، فهذا ما لا ينبغي.\nوأمَّا تلقِّي السلع: فكل أرض كان ذلك يضر بأهلها فليس ينبغي أن يفعل ذلك بها فإذا كثرت الأشياء بها حتى صار ذلك لا يضر بأهلها فلا بأس بذلك، إن شاء الله تعالى.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا مالك، وفي أخرى: محمد قال: أخبرنا مالك، وفي نسخة: قال: أنا، رمزًا إلى أخبرنا وفي أخرى: قال: ثنا، رمزًا إلى حدثنا نافع، عن عبد الله بن عمر: ﵄ أن رسول الله - ﷺ - نهى أي: تحريمًا عن تلقي الأسواق ونهى عن النَّجش وروى الترمذي (١) وابن ماجه (٢) عن ابن مسعود ﵁: أن رسول الله - ﷺ - نهى عن تلقي البيوع، وفي رواية لابن ماجه (٣): \"نهى عن تلقي الجلب\"، وروى الشيخان (٤) والنسائي (٥) وابن ماجه (٦) عن ابن عمر أنه - ﷺ -: \"نهى عن النجش\" فالنجش حرام، وهو أن يزيد في الثمن لا لرغبة بل ليخدع به غيره، وإذا اغتر به إنسان فاشتراه فشراؤه صحيح عند الأئمة الثلاثة.\nوقال مالك: والشراء باطل وفيه تشبيه بليغ، فإنه - ﷺ - شبه حال الرجل يزيد ثمن المتاع ليخدع غيره ويرغبه بشرائه بزيادة الثمن، والحال أنه لا يريد شرائه بحال الصياد يخدعون في إخراجهم الصيد من مكانه، كما يقال: بخشت الصيد أبخشه بخشًا إذا أبعده عن مكانه بالخدع. كذا في (القاموس) و(لسان العرب)، فإن قيل: لم قدم تلقي السلع على النجش مع أن الحرمة فيها سواء، أجيب اهتمامًا لشأن تلقي السلع، فإن الضرر (ق ٨٠٦) فيه للعامة.\n_________\n(١) في سننه (١٢٢٠).\n(٢) في سننه (٢١٨٠).\n(٣) في السنن (٢١٧٩).\n(٤) البخاري (٢١٤٢) و(٦٩٦٣)، ومسلم (٣٧٤٥).\n(٥) في السنن (٧/ ٢٥٨).\n(٦) في السنن (٢١٧٣).","vol":"4","page":29},{"text":"قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: نقول كلّ ذلك أي: ما ذكر من الأمرين مكروه أي: كراهة التحريم لما يترتب عليه من الضرر العظيم؛ فإن النهي يقتضي صفة القبح للمنهي عنه ضرورة حكمة الناهي، قال الله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] كذا قاله في المنار.\nفأما النَّجَش: فالرجل يحضر أي: في السوق ونحوه فيزيد في الثمن، أي: في ثمن المبيع من غير ميل له إلى شرائه ويعطي فيه أي: من الثمن ما لا يريد أن يشتري به، أي: حقيقة ليسمع بذلك غيره، فيشتري أي: الغير على سَوْمه، فيغتر بقوله زعمًا منه أنه يريده فيأخذه به أو يزيده فهذا ما لا ينبغي أي: لما ورد \"لا ضرر ولا ضرار\"، \"ولا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه\"، \"ومن غشنا فليس منا\".\nوأمَّا تلقِّي السلع: فكل أرض كان ذلك أي: التلقي يضر بأهلها فليس ينبغي أن يفعل ذلك بها أي: لما تقدم من الضرر بالعامة فإذا كثرت الأشياء بها أي: في الأرض حتى صار ذلك أي: التلقي لا يضر بأهلها فلا بأس أي: فلا كراهة بذلك أي التلقي إن شاء الله تعالى وإنما استثنى احتياط في حكم الله تعالى، كما يقال في آخر الفتوى: والله سبحانه أعلم. كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان كراهة استقبال المتاع خارج البلد قبل دخوله فيه لبيعه فيه بزيادة الثمن وبيان كراهة النجش، وهو أن يزيد الرجل ثمن المبيع، ولا يريد شراءه ليرغب المشتري بشرائه، شرع في بيان مشروعية السلم، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-368>باب الرجل يُسْلم فيما يُكال</span>\nفي بيان حكم الرجل يسلم، أي: يسلف والسلم في اللغة: تقديم قيمة الشيء كذا قاله محمد الواني، وقال السيد الشريف محمد الجرجاني: وهو في اللغة: التقديم والتسليم، وفي الشرع: اسم العقد يوجب الملك في الثمن عاجلًا، وفي المثمن آجلًا فالمبيع يسمى مسلمًا فيه، والثمن رأس المال والبائع مسلمًا إليه والمشتري رب السلم. انتهى فيما أي: شيء يكال مجهول يكيل فيما يكال كلمة \"في\" للظرف المكاني. قال تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ [الروم: ١ - ٣]، كذا قال ابن هشام في (مغني اللبيب)","vol":"4","page":30},{"text":"و\"ما\" بمعنى الذي قال تعالى: ﴿وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩]، كما قاله عمر النسفي في تفسير التيسير، يعني يقدم المشتري ثمن المكيل المؤجل في المكان الذي يكيل البائع المكيل فيه ويسلم إلى المشتري، ويصح أخذ المشتري المكيل حيث شاء، استنبط المصنف هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾، الآية [البقرة: ٢٨٢] والسلم عادة فيكون بما ليس بموجود في ملكة، فيكون العقد معجلًا، وهو مشروع بهذه الآية، فإنها تشتمل السلم والبيع بثمن معجل وبالنسيئة، وهي قوله - ﷺ -: \"من أسلم منكم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم\" (١) وبالإِجماع.\n٧٧٣ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن عبد الله بن عمر كان يقول: لا بأس أن يبتاع الرجل طعامًا إلى أجل معلوم، بسعر معلوم، إن كان لصاحبه طعام أو لم يكن، ما يكن في زرع لم يبد صلاحه، أو في ثمر لم يبد صلاحه، فإن رسول الله - ﷺ - نهى عن بيع الثمار وعن شرائها حتى يبدو صلاحها.\nقال محمد: وهذا عندنا لا بأس به، وهو السَّلم، يُسْلِمه الرجل في طعام إلى أجل معلوم، بكيل معلوم، من صنف معلوم، ولا خير في أن يشترط ذلك من زرع معلوم أو من نخل معلوم، وهو قولُ أبي حنيفة رحمه الله تعالى.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا مالك، وفي أخرى: محمد أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن عبد الله بن عمر كان يقول: لا بأس أن يبتاع أي: أن يشتري الرجل أي: بطريق السلف طعامًا أي: من الحبوبات والموزونات والمعدودات إلى أجل معلوم، أي: لا مبهم كوقت الحصاد ونحوه بسعر معلوم، وهي بكسر السين المهملة وسكون العين المهملة (ق ٨٠٧) فراء مهملة، يقال له باللغة التركية: نزخ أو نزخ بازار لرده جاري أولور. كذا قاله محمد الواني في (شرح الجوهري) إن كان لصاحبه أي: لصاحب المشتري، وهو البائع الذي يسمى له الفقهاء مسلم إليه طعام أي: حنطة مزروعة أو لم يكن، أي: له\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه (١٦٠٤).\n(٧٧٣) إسناده صحيح، المرفوع أخرجه البخاري (٢١٩٤)، ومسلم في البيوع (١٥٣٤)، وغيرهما، وقد تقدم.","vol":"4","page":31},{"text":"طعامًا ما لم يكن أي: البيع في زرع أي: في زراعة لم يبد صلاحه، أي: لم يظهر أو في ثمر أي: على شجر لم يبد صلاحه، أي: بأن لم يؤمن فساده فإن رسول الله - ﷺ - نهى عن بيع الثمار وعن شرائها حتى يبدو صلاحها أي: كما مر والزرع في حكم الثمر.\nقال محمد: وهذا أي: ما تقدم عندنا لا بأس به، وهو السَّلم، بفتحتين وهو المسمى ببيع السلم، وهو في اللغة السلف، وفي الشرع بيع أجل بعاجل يُسْلِمه الرجل أي: يقدم الثمن في طعام أي: معلوم قدره وجنسه كبر وشعير إلى أجل معلوم، وأقله شهر. كذا وروى عن محمد وهو الأصح وعليه الفتوى بكيل معلوم، من صنف معلوم، أي: نوع ووصف كجيد ولا خير أي: لا فائدة في أن يشترط ذلك أي: دفعه أو أخذه من زرع معلوم أو من نخل معلوم، أي: لاحتمال فسادها بالعاهة والآفة وهو أي: عدم الفائدة في الشرط في صحة السلم أن يكون المسلم فيه من زرع معلوم ونخل معلوم قول أبي حنيفة ﵀ ويدل على صحة السلف الكتاب والسنة والإِجماع كما مر آنفًا.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بالسلم ما يكال فيما باع، شرع في بيان ما يتعلق بالبيع بشرط سلامة المبيع عن عيب شرعي، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-369>باب بيع البراءة</span>\nفي بيان ما يتعلق إلى بيع أي: من شرط البراءة أي: براءة المبيع من عيب شرعي.\n٧٧٤ - أخبرنا مالك، حدثنا يحيى بن سعيد، عن سالم بن عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر: أنه باع غلامًا بثمانمائة درهم بالبراءة، فقال الذي ابتاع العبدَ لعبد الله بن عمر: بالعبد داء لم تسمِّه، فاختصما إلى عثمان بن عفان، فقال الرجل: باعني عبدًا وبه داء، فقال ابن عمر: بعته بالبراءة، فقضى عثمان على ابن عمر أن يحلف بالله: لقد باعه العبد وما به داء يعلمه، فأبى عبد الله بن عمر أن يحلف، فارتجع الغلام فصحّ عنده العبد، فباعه عبد الله بن عمر بعد ذلك بألف وخمسمائة درهم.\n_________\n(٧٧٤) إسناده صحيح.","vol":"4","page":32},{"text":"قال محمد: وبلغنا عن زيد بن ثابت أنه قال: من باع غلامًا بالبراءة فهو بريء من كل عيب، وكذلك باع عبد الله بن عمر بالبراءة ورآها براءة جائزة، فبقول زيد بن ثابت وعبد الله بن عمر، نأخذ، من باع غلامًا أو شيئًا وتبرّأ من كل عيب، فرضي بذلك المشتري وقبضه على ذلك، فهو بريء من كل عيب؛ علمه أو لم يعلمه؛ لأن المشتري قد برأه من ذلك.\nفأما أهل المدينة فقالوا: يبرأ البائع من كل عيب لم يعلمه، فأما من علم وكتم فإنه لا يبرأ منه، وقالوا: إذا باعه بيع الميراث برئ من كل عيب؛ علمه أو لم يعلمه؛ إذا قال: ابتعتك بيع الميراث، فالذي يقول: أتبرأ إليك من كل عيب وبيّن ذلك أحرى أن يَبْرأ لما اشترط من هذا، وهو قول أبي حنيفة، وقولنا، والعامة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: حدثنا مالك، وفي أخرى: أنا، رمزًا إلى أخبرنا، وفي أخرى: محمد أخبرنا مالك، حدثنا يحيى بن سعيد، بن قيس الأنصاري المدني يكنى أبا سعيد القاضي ثقة ثبت، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين المحدثين من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين أو بعدها ومائة عن سالم بن عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر ﵄ ابن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، يكنى أبا عمر أو أبا عبد الله المدني أحد الفقهاء السبعة، كان ثبتًا وعابدًا فاضلًا يشبه بأبيه في الهدي والسمت، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين المحدثين من أهل المدينة، مات في آخر سنة ست بعد المائة على الصحيح، كذا قاله ابن حجر العسقلاني (١) أنه باع غلامًا له أي: مملوكًا لابن عمر بثمانمائة درهم بالبراءة، أي: بشرط براءة بيعه عن ضمان عيب في عبد مجملًا فقال الذي أي: المشتري ابتاع العبدَ أي: اشتراه لعبد الله بن عمر: أي: بعد مضي مدة عن بيعة بالعبد داء أي: مرض قديم لم تسمِّه، لي أي: لم تعين لي ذلك الداء ولم تبرأ عنه بخصوصه، ولعل ابن عمر قال: الخصوص داخل في ضمن العموم، وقد ورد: كل الصيد في جوف الفراء، وصار مثلًا مشهورًا فاختصما أي: رفع ابن عمر\n_________\n(١) في التقريب (١/ ٢٢٦).","vol":"4","page":33},{"text":"والمشتري الحكم بعد المنازعة باعني أي: ابن عمر عبدًا وبه داء، أي: مرض فقال (ق ٨٠٨) ابن عمر: بعته بالبراءة، أي: عن عيب مطلقًا فقضى عثمان ﵁ على ابن عمر أن يحلف بالله: لقد باعه العبد وما به أي: والحال أنه ليس بالعبد داء مرض يعلمه، فأبى أي: امتنع عبد الله بن عمر أن يحلف، فارتجع الغلام أي: استرده فصحّ عنده الغلام، أي: العبد كما في نسخة: فباعه أي: الغلام المسترد عبد الله بن عمر بعد ذلك أي: بعد برئه بألف وخمسمائة درهم أي: بضعف ما باعه أولًا.\nقال محمد: وبلغنا عن زيد بن ثابت ﵁ أنه قال: من باع غلامًا أي: عبدًا مملوكًا بالبراءة فهو أي: فبائعه بريء من كل عيب، أي: ولا يضمن له ولا يحلف عليه وكذلك أي: مثل ما قال زيد بن ثابت باع عبد الله بن عمر بالبراءة ورآها أي: واختار البراءة براءة جائزة، فبقول زيد بن ثابت وعبد الله بن عمر، نأخذ، أي: إنما نعمل بقولهما لا بقول عثمان بن عفان فعلمان خير من علم واحد، وقولهما أقرب إلى القياس والاحتياج إلى تعامل الناس كمن باع غلامًا أي: مملوكًا أو شيئًا أي: آخر من حيوان أو غيره وتبرّأ أي: أظهر براءة البيع من كل عيب، فرضي بذلك أي: البيع وقبضه أي: المبيع على ذلك، أي: العقد المراء فهو أي: فبائعه بريء من كل عيب؛ أي: في مبيعه علمه أي: سواء علم البائع عيب المبيع أو لم يعلمه، لأن المشتري قد برأه بتشديد الراء المهملة أي: صحح براءة البائع من ذلك أي: العيب حيث قبله على عيبه البرء عنه قوله: فأما أهل المدينة أي: فقهائهم من المالكية التابعين لعثمان فقالوا عطف على قوله قال: محمد عن زيد بن ثابت.\nقال ابن هشام: وفائدة العطف ربط المفصل بالمجمل قال تعالى في سورة النساء: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣] وقال سعد الدين في شرح أما بعد من (شرح التلخيص): كلمة أما أصلها مهما، وهو مبتدأ متضمن معنى الشرط لزمه الفاء لجوابه غالبًا. انتهى فعلم من مفهومه غالبًا أن الفاء قد تحذف عن جواب أو، كما حذفت في قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦].\nقال ابن هشام: قلت: الأصل فيقال لهم: أكفرتم فحذف القول استغناء بالمقول فتبعته الفاء في الحذف انتهى. والأمر هنا كذلك تقديره مهما يكن من شيء، فأما أهل","vol":"4","page":34},{"text":"المدينة قالوا فكلمة \"قالوا\": جواب لأما حقيقة، وأما جوابه حكمًا محذوف، وتقديره: فأما أهل المدينة فإنهم قالوا: يبرأ البائع من كل عيب لم يعلمه، أي: البائع بكل عيب فأما ما أي: عيب علم وكتم فإنه أي: البائع لا يبرأ منه، أي: شرعًا ولم تبرأ منه وقالوا: أي: والحال أن فقهاؤها قالوا: إذا باعه بيع الميراث برئ من كل عيب؛ علمه أو لم يعلمه؛ إذا قال: أي: المشتري ابتعتك أي: اشتريت، وفي نسخة: ابتعت منك هذا بيعَ الميراث، فالذي أي: البائع يقول: أتبرأ إليك من كل عيب وبيّن أي: صرح ذلك أي: الإِبراء العام فهو أحرى بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة فراء مهملة، أي: أليق وأولى من بيع الميراث أن يَبْرأ لما اشترط من هذا، أي: وأطلق في ذلك وهو قول أبي حنيفة، وقولنا، والعامة أي: من فقهاء الأمة، وهو الأصح من مذهب الشافعي، ويروي عن مالك أنه لا يبرأ في غير الحيوان ويبرأ (ق ٨٠٩) في الحيوان مما لا يعلمه دون ما علمه؛ لما روى أن ابن عمر ﵄ باع عبدًا من زيد بن ثابت بشرط البراءة فوجد به عيبًا فأراد رده فلم يقبله ابن عمر فترافعا، أي: اختصما إلى عثمان فقال عثمان لابن عمر: أتحلف أنك لم تعلم هذا العيب فقال: لا فرده عليه. كذا نقله الشمني، ولا يخفى أنه مخالف لما نقله الإِمام محمد.\nوقال أحمد في رواية وهو قول الشافعي: لا يبرأ البائع عن العيب، فإن خيار العيب ثابت في الشرع، فلا ينتفي بالشرط كسائر المقتضيات العقد ولنا أن الإِبراء إسقاط والجهالة في الإِسقاط لا يقضي إلى المنازعة فلا تكون مفسدة ثم يدخل في البراءة من كل عيب العيب الموجود عند العقد، والحادث بعد العقد قبل القبض في ظاهر الرواية عن أبي يوسف، وهو قول أبي حنيفة أيضًا.\nوقال محمد: لا يدخل الحادث وبه قال أبو يوسف أيضًا وزفر ومالك والشافعي رحمهم الله تعالى. كذا قال علي القاري.\nلما فرغ من بيان حكم بيع البراءة، شرع في بيان حكم بيع الغرر، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-370>باب بيع الغرَر</span>\nفي بيان حكم بيع الغرر بفتحتين، بوزن ضرر اسم جامع لبياعات كثيرة كجهل ثمن ومثمن وسمك في الماء وطير في الهواء، وعرفه المازني بأنه: ما تردد بين السلامة والعطب","vol":"4","page":35},{"text":"وتعقبه ابن عرفة: بأنه غير جامع لخروج الغرر الذي في فاسد البيع الجزاف وبيعتين في بيعة، وقال ابن الملك: بيع الغرر هو البيع الذي فيه خطر انفساخه بهلاك المبيع انتهى.\nاستنبط المصنف هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة الملائكة: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [فاطر: ٥].\n٧٧٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو حازم بن دينار عن سعيد بن المسيَّب، أن رسول الله - ﷺ -: نهى عن بيع الغَرر.\nقال محمد: وبهذا كله نأخذ، بيع الغرر كلّه فاسد، وهو قولُ أبى حنيفة، والعامة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا مالك أخبرنا أبو حازم اسمه سلمة بن دينار، ويكنى أبا حازم الأعرج الأثور النمار المدني القاضي مولى الأسود بن سفيان، ثقة عابد، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين المحدثين من أهل المدينة، مات في خلافة منصور عن سعيد بن المسيَّب، بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عامر بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات، كان في الطبقة الأولى من طبقات كبار الفقهاء المحدثين، من أهل المدينة، مات بعد التسعين بيسير، وهو ابن أربع وثمانين سنة. كذا قاله ابن الجوزي وابن حجر، وقد رواه مرسلًا.\nوقال ابن عبد البر: وقد رواه مسلم عن طريق عبيد الله بن عمر عن أبي الزناد، عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ -: نهى عن بيع الغَرر؛ لأنه أكل أموال الناس بالباطل على تقدير أن لا يحصل المبيع، وقد نبه - ﷺ - على هذه العلة في بيع الثمار قبل بدو الصلاح بقوله: \"أرأيت إن منع الله الثمر فبم يأكل أحدكم مال أخيه\".\nقال المازري: وقيل: علته ما يؤدي إليه من التنازع كبيع الآبق والثمر قبل بدو الصلاح وقيل: علة الغرر، لاشتماله على حكمة هي عجز البائع عن التسليم، وهو ما أشار إليه المازري من ذهاب المال باطلًا على تقدير عدم الحصول، وهذا كتعليل (ق ٨١٠)\n_________\n(٧٧٥) صحيح، أخرجه مسلم (١٥١٣)، وأبو داود (٣٣٧٦)، والترمذي (١٢٣٠)، والنسائي (٧/ ٢٦٢)، وابن ماجه (٢١٩٤)، وأحمد في المسند (٢/ ٤٣٦ - ٤٩٦).","vol":"4","page":36},{"text":"القصر بوصف السفر لاشتماله على حكمة درء المشقة، وكان بعضهم ينكر على فقهاء وقته يقول: تعلوه بالغرر ولا تعرفون وجه العلة فيه.\nقال المازري: أجمعوا على فساد بيع الغرر كجنين والطير في الهواء والسمك في الماء، وعلى صحة بعضها كبيع الجبة المحشوة وإن كان حشوها لا يرى، وكراء الدار شهرًا مع احتمال نقصانه وتمامه، ودخول الحمام مع اختلاف لبثهم فيه، والشرب من فم السقاء مع اختلاف الشرب، واختلفوا في بعضها فوجب أن يفهم أنهم إنما منعوا ما أجمعوا على منعه لقوة الغرر وكونه مقصورًا، وإنما جازوا ما أجمعوا على جوازه ليسارته، مع أنه لم يقصد تدعو الضرورة إلى العفو عنه، وإذا ثبت استنباطه من هذين الأصلين وجب رد المسائل المختلف فيها بين فقهاء الأمصار إليها، فالمجيز أي: الغرر فالمنع أقرب لظاهر الحديث.\nقال محمد: وبهذا كله أي: بجميع أنواعه نأخذ أي: نعمل ونفتي بيع الغرر كلّه أي: بجميع أفراده كبيع الطير في الهواء والسمك في الماء فاسد، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا أي من فقهاء الأمة، فلا يجوز بيع ما فيه غرر كحمل في بطن، ولؤلؤ في صدف ولين في ضرع، لما روى ابن ماجه من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي - ﷺ - نهى عن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع (١)، وروى الشافعي بسنده عن ابن عباس ﵄: أنه نهى عن بيع اللبن في ضرع الغنم، والصوف على ظهرها، وروى مرفوعًا، والصحيح أنه موقوف.\n* * *\n\n٧٧٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيَّب، أنه كان يقول: لا ربا في الحيوان، وإنما نهى من الحيوان عن ثلاث: عن المضامين، والملاقيح، وحَبَل الحَبَلة.\nوالمضامين: ما في بطون الإِناث من الإِبل، والملاقيح: ما في ظهور الجمال\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه في السنن (٢١٩٦).\n(٧٧٦) إسناده صحيح، في الموطأ برواية أبي مصعب الزهري (٢٦١٠).","vol":"4","page":37},{"text":"• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا، وفي أخرى: محمد قال: بنا مالك أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، كان ثقة فقيهًا، وكان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين المحدثين من أهل المدينة مات بعد المائة، كذا قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي عن سعيد بن المسيَّب، قد سبق طبقته آنفًا أنه كان يقول: لا ربا في الحيوان، بفتح المهملة وسكون التحتية، وهو أعم من الإِنسان مما بيع اللحم بالحيوان من غيره ومن جنسه إلا إذا كان اللحم أكثر مما في الحيوان، ليكون اللحم مقابل اللحم والزائد مقابلًا للسقط؛ لأنه لو لم يكن كذلك لتحقق الربا من حيث زيادة السقط ومن حيث زيادة اللحم.\nوقال مالك وأحمد والشافعي: لا يجوز بجنسه أصلًا، ومذهب مالك وأحمد: يجوز بغير جنسه، والأصح في مذهب الشافعي أنه يجوز بغير جنسه، لعموم النهي فيما روى مالك في (الموطأ) وأبو داود والحاكم في (المراسيل) عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله - ﷺ -: نهى عن بيع الحيوان (١)، وهو مع قوله - ﷺ - في الحديث الآخر: \"إذا اختلفت الأنواع فبيعوا كيف شئتم\" دليل مالك وأحمد، ولأبي حنيفة أنه بيع موزون بغير موزون، فيصح كيف ما كان، كما لو باع الثوب بالقطن، وهذا لأن الحيوان ليس بموزون، بل هو عددي متفاوت؛ لأن الموزون ما يعرف بالوزن والحيوان لا يعرف به، والمراد بالنهي في حديث سعيد بن المسيب ما إذا كان أحدهما نسيئة، وإنما لم يجز إذا كان أحدهما نسيئة؛ لأن (ق ٨١١) المتأخر منهما لا يمكن ضبطه، ويؤيده ما رواه أحمد والنسائي عن سمرة بن جندب أنه - ﷺ - نهى عن بيع الحيوان نسيئة (٢)، فحينئذ لا تناقض بين روايتي ابن المسيب، ويؤيده قوله: وإنما نهى من الحيوان عن ثلاث: أي: صور عن المضامين، جمع مضمون يقال: ضمن الشيء بمعنى يضمنه، ومنه قولهم: مضمون الكتاب كذا وكذا والملاقيح، على وزن المفاتيح جمع ملقوح وحَبَل الحَبَلة بفتح الحاء المهملة فيها وروى سكون الموحدة في الأولى.\n_________\n(١) أخرجه من طريق مالك الشافعي في المسند (٢/ ١٤٥)، والبيهقي في السنن (٥/ ٢٩٧)، وفي معرفة السنن والآثار (٨/ ١١١٣٩)، وهو في الموطأ برواية أبي مصعب (٢٦١٣)، وبرواية محمد بن الحسن (٧٨٣).\n(٢) أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٣١٠)، والنسائي (٧/ ٢٩٢).","vol":"4","page":38},{"text":"قال عياض وتبعه النووي: وهو غلط قال أهل اللغة: الحبلة جمع حابل كطالب وطلبة، وتفسيره في آخر الحديث من قول ابن عمر، ذكره السيوطي، فسر الإِمام مالك لفظ المضامين والملاقيح بقوله:\nوالمضامين: بيع ما في بطون الإِناث من الإِبل، أي: من الولد والملاقيح: هو بيع ما في ظهور الجمال بكسر الجيم كان مفرده جملًا وجمعه أجمالًا بفتح الهمزة، كذا قاله في (القاموس) يعني: نهى عن بيع الوبر وهو متصل بظهر الإِبل لأنه غرر.\n* * *\n\n٧٧٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله - ﷺ - نهى عن بيع حَبَل الحَبَلة، وكان بيعًا يبتاعه الجاهلية، يبيع أحدهم الجزور إلى أن تُنْتَجُ الناقةُ، ثم تنتجُ الذي في بطنها.\nقال محمد: هذه البيوع كلها مكروهة، ولا ينبغي لأنها غرر عندنا، وقد نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع الغرر.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله - ﷺ - نهى أي: نهي تحريم عن بيع حَبَل الحَبَلة، بفتح الحاء المهملة فيها، وكذا الباء الموحدة إلا أن الأول مصدر حبلت المرأة، والثاني اسم جمع حابل كظالم وظلمة وكاتب وكتبة.\nوقال الأخفش: هو جمع الحابلة. قال ابن الأنباري في الحبلة للمبالغة كقولهم: شجرة.\nقال أبو عبيد: والحبل مختص بالأميات، ولا يقال في غيرهن من الحيوان الأحمل إلا ما في الحديث، ورواه بعضهم بسكون الباء في الأول، وهو غلط قاله عياض وكان\n_________\n(٧٧٧) صحيح، الموطأ برواية محمد بن الحسن (٧٧٧)، والموطأ برواية أبي مصعب (٢٦٠٩)، ومن طريق مالك أخرجه البخاري (٢١٤٣)، وأبو داود (٣٣٨٠)، والنسائي (٧/ ٢٩٣)، والبيهقي في السنن (٥/ ٣٤٠)، وفي معرفة السنن والآثار (٨/ ١١٤٥٩)، وأخرجه مسلم (١٥١٤)، من حديث الليث عن نافع.","vol":"4","page":39},{"text":"أي: بيع الحبلة بيعًا نبايعه وفي نسخة: يبتاعه أهل الجاهلية، أي: يشتر بها أهلها كان الرجل منهم يبيع أحدهم أي: من الجاهلية الجزور بفتح الجيم وضم الزاي أي: الناقة.\nوقال الزرقاني (١): وهو البعير سواء كان ذكرًا أو أنثى إلى أن تُنْتَجُ بضم أوله وسكون النون وفتح الفوقية الثانية، أي: تلد وهو من الأفعال التي لم تسمع إلا مبنية للمفعول نحن جن وزهي علينا، أي بكر الناقةُ، مرفوع بإسناد تنتج إليها، أي: تضع ولدها فولد نتاج بكسر النون من تسمية المفعول بالمصدر ثم تنتجُ الذي في بطنها أي: ثم تعيش المولودة حتى تكبر ثم تلد، وعلة النهي ما في الأجل من الغرر، وهذا التفسير من قول ابن عمر، كما جزم به عبد البر وغيره لما في مسلم من طريق عبيد الله بن نافع عن ابن عمر قال: كان أهل الجاهلية يتبايعون لحم الجزور إلى حبل الحبلة، وحبل الحبلة أن تنتج الناقة ثم تحمل التي نتجت، فنهاهم رسول الله - ﷺ -، وبه فسره مالك والشافعي وغيرهما، وقيل: هو بيع ولد ولد الناقة الحامل في الحال، بأن يقول: إذا نتجت الذي في بطنها فقد بعتك ولدها، فنهى عنه؛ لأنه بيع ما ليس بمملوك ولا معلوم ولا مقدور على تسليمه فهو غرر، وبه فسره أحمد وإسحاق وجماعة من اللغويين، وهو أقرب الألفاظ إلى اللفظ، لكن الأولى أقوى؛ لأنه تفسير ابن عمر وليس مخالفًا (ق ٨١٢) للظاهر، فإن ذلك هو الذي كان في الجاهلية، والنهي وارد عليه ومذهب المحققين من أهل الأصول تقديم تفسير الراوي إذا لم يخالف الظاهر.\nقالى الطيبي: فإن قيل تفسير مخالف لظاهر الحديث، فكيف يقال: إذا لم يخالف الظاهر، وأجاب باحتمال أن المراد بالظاهر الواقع، فإن هذا البيع كان في الجاهلية بهذا الأجل حلا للفظ بل بيان المواقع، ومحصل هذا الخلاف كما قال ابن التنيسي: هل المراد البيع إلى أجل أو بيع الجنين، وعلى الأول هل المراد بالأجل ولادة الأم أو ولادة ولدها، وعلى الثاني، هل المراد بيع الجنين الأولى بيع جنين الجنين، فصار أربعة أقوال انتهى.\nوقال المبرد: هو عندي بيع حبل الكرامة؛ لأنها تحبل بالعنب كما جاء في حديث آخر: نهي عن بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه (٢) ويكون هذا أصلًا في منع البيع بثمن إلى أجل مجهول.\n_________\n(١) في شرحه (٣/ ٣٨٤).\n(٢) تقدم.","vol":"4","page":40},{"text":"قال السهيلي: وهو غريب لم يسبقه إليه أحد في تأويل الحديث، وأخرجه البخاري عن عبد الله بن يوسف عن مالك به وتابعه الليث عن نافع عند مسلم بدون ذكر التفسير وعبيد الله عن نافع كما علم كذا قاله الزرقاني.\nقال محمد: هذه البيوع كلها مكروهة، أي: تحريمًا ولذا قال: ولا ينبغي أي: ولا تجوز مباشرتها لأنها غرر عندنا، أي: لا يدري أيخرج أم لا يخرج، فإن خرج لم يدر أيكون حسنًا أم قبيحًا أو تامًا أو ناقصًا عندنا وقد نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع الغرر (١) أي: مطلقًا، وهو يشمل هذه البيوع كلها ونحوها. كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان حكم بيع الغرر، شرع في بيان حكم بيع المزابنة، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-371>باب بيع المزابنة</span>\nفي بيان حكم بيع المزابنة بضم الميم وفتح الزاي فألف ثم بالموحدة المفتوحة والنون فهاء على وزن المفاعلة من الزبن، وهو الدفع الشديد، ومنه الزبانية ملائكة النار، فإنهم يزبنون الكفرة فيها، أي: يدفعون ويقال للحرب: زبون، لأنها تدفع أبنائها للموت، وناقة زبون إذا كانت تدفع حالبها عن الحلب، سمي به هذا البيع المخصوص؛ لأن كل واحد من المتبايعين يزبن، أي: يدفع الآخر عن حقه بما يزاد منه، فإذا وقف أحدهما على ما يكره تدافعًا، فيحرص أحدهما على فسخ البيع والآخر على إمضائه، كذا قاله الفاضل السيد محمد الزرقاني.\n٧٧٨ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله - ﷺ - نهى عن بيع المُزَابَنة، والمزابنة: بيع الثَّمر بالتَّمر كيلًا، وبيع العنب بالزبيب كيلًا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا مالك، قال: حدثنا نافع، بن عبد الله المدني مولى ابن عمر ثقة ثبت فقيه مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين\n_________\n(١) تقدم أيضًا.\n(٧٧٨) صحيح، أخرجه البخاري (٢٠٧٣)، ومسلم (١٥٣٩).","vol":"4","page":41},{"text":"والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله - ﷺ - نهى عن بيع المُزَابَنة، قد مر آنفًا تفسير المزابنة، ورواه الشيخان والنسائي وابن ماجه عنه أيضًا كذلك، وفسرها ابن عمر فقال: والمزابنة: بيع الثمر بفتح المثلثة والميم فراء مهملة، أي: الرطب على النخل ولابن بكير بيع الرطب بالتمر بالتاء الفوقية وسكون الميم اليابس وقيل: بيع التمر (ق ٨١٣) بالتمر على الشجر كيلًا، أو موزونًا وبيع العنب بالزبيب كيلًا كما رواه مسلم عن عبيد الله عن نافع قوله: كيلًا قيد لهما، لما رواه أبو داود (١) عن ابن عمر أيضًا أنه - ﷺ - نهى عن بيع التمر بالتمر كيلًا، وعن بيع العنب بالزبيب، وعن بيع الزرع بالحنطة، وفي الحديث دلالة على أن تفسير الحديث الأول مرفوع. كذا قاله علي القاري.\nووقع في رواية إسماعيل عن مالك: وبيع الزبيب بالكرم كيلًا من باب القلب، فالأصل إدخال الباء على الزبيب، كما رواه الجمهور، زاد في رواية أيوب عن نافع: إن زاد فلي وإن نقص فعلي.\nقال ابن عبد البر: هذا التفسير إما مرفوع أو من قول الصحابي الراوي فيسلم له لأنه أعلم به، وفيه جواز تسمية العنب كرمًا وحديث النهي عن تسميته به للتنزيه وعبر به هذا البيان الجواز قيل: وهذا على أن التفسير مرفوع، أما على أنه من قول الصحابي فلا، وأخرجه البخاري عن إسماعيل وعبد الله بن يوسف ومسلم عن يحيى ثلاثتهم عن مالك به، وتابعه أيوب عن الشيخين وعبيد الله والليث ويونس والضحاك وموسى بن عقبة، كلهم عن نافع عند مسلم نحوه. كذا قاله الفاضل السيد محمد الزرقاني (٢).\n* * *\n\n٧٧٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيَّب، أن رسول الله - ﷺ - نهى عن المُزَابنة، والمُحاقلة، والمزابنة: اشتراء الثمر بالتمر،\n_________\n(١) أبو داود في السنن (٣/ ٢٥١).\n(٢) في شرحه (٣/ ٣٤٦).\n(٧٧٩) صحيح، أخرجه مالك في الموطأ برواية محمد بن الحسن رقم (٧٨٠)، وبرواية أبي مصعب الزهري (٢٥١٩)، ومن طريق مالك أخرجه الشافعي في الأم (٣/ ٦٢)، والبخاري في البيوع (٢١٨٦)، ومسلم في البيوع (١٥٤٥)، والبيهقي في معرفة السنن والآثار (٨/ ١١٢٤٥).","vol":"4","page":42},{"text":"والمحاقلة: اشتراء الزرع بالحنطة، واستكراء الأرض بالحنطة، قال ابن شهاب: سألته عن كرائها بالذهب والورِق فقال: لا بأس به.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ثقة ثبت، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين المحدثين من أهل المدينة، مات بعد المائة عن سعيد بن المسيَّب، أي: مرسلًا وهو ابن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات، كان في الطبقة الأولى من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة اتفقوا على أن مرسلاته من أصلح المراسيل، وقال المدني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه، مات بعد التسعين بيسير، وهو ابن أربع وثمانين سنة. كذا قاله أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزري الحنبلي وابن حجر في (طبقاتهما) أن رسول الله - ﷺ - نهى أي: تحريمًا عن المُزَابنة، والمُحاقلة، والمزابنة: بضم الميم وفتح الزاي فألف وفتح الموحدة والنون والتاء الفوقية اشتراء الثمر بمثلثة وفتح الميم بالتمر، وسكون الميم فهي في النخل والمحاقلة: بضم الميم وفتح الحاء المهملة فألف وفتح القاف واللام فهاء اشتراء الزرع بالحنطة، أي: القمح واستكراء الأرض بالحنطة، أي: القمح، وبه عبر في مسلم وهو عنده مرسلًا أيضًا من رواية عقيل، فهو متابع لمالك.\nقال ابن عبد البر (١): هذا حديث مرسل في (الموطأ) عند جميع الرواة، وكذا رواه أصحاب ابن شهاب عنه، وقد روى النهي عنهما جماعة منهم جابر وابن عمر وأبو هريرة ورافع بن خديج، وكلهم سمع منه ابن المسيب وقد رواه ابن أبي شيبة، عن أبي الأحوص، عن طارق، عن سعيد بن المسيب، عن رافع بن خديج قال: \"نهى - ﷺ - عن المحاقلة والمزابنة (ق ٨١٤) وقال: إنما يزرع ثلاثة: رجل له أرض فهو يزرعها، ورجل منح أرضًا فهو يزرع ما منح، ورجل استكرى أرضًا بذهب أو فضة\" انتهى. وأخرجه الخطيب عن أحمد بن أبي طيبة عيسى بن دينار الجرجاني عن مالك عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة موصولًا، والجرجاني وإن كان صدوقًا لكنه له أفراد قال ابن شهاب هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري سألنا وفي نسخة: سألت أي: سعيد بن المسيب عن\n_________\n(١) في التمهيد (٦/ ٤٤١).","vol":"4","page":43},{"text":"كرائها أي: كراء الأرض بالذهب والورِق بكسر الراء وسكونها أي: الفضة فقال: لا بأس به أي: يجوز وعليه نص الحديث، كما رأيت.\n* * *\n\n٧٨٠ - أخبرنا مالك، حدثنا داودُ بن الحُصين: أن أبا سفيان مولى ابن أبي أحمد، أخبره أنه سمع أبا سعيد الخُدري يقول: نهى رسول الله - ﷺ - عن المُزَابَنة والمُحَاقلة.\nوالمزابنة: اشتراء الثمر في رؤوس النخل بالتمر، والمحاقلة: كراء الأرض.\nقال محمد: المزابنة عندنا: اشتراء الثمر في رؤوس النخل بالتمر كيلًا، لا يُدرى التَّمر الذي أعطى أكثر أو أقل، والزبيب بالعنب، لا يُدرى أيهما أكثر، والمحاقلة: اشتراء الحبّ في السنبل بالحنطة كيلًا، لا يدري أيهما أكثر، فهذه المحاقلة، وهذا كله مكروه، ولا ينبغي، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة، وهو قولنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال حدثنا داودُ بن الحُصين: الأموي مولاهم، يكنى أبا سليمان المدني ثقة، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة أن أبا سفيان اسمه وهب، وقيل: قزمان بضم القاف وسكون الزاي مولى أبي: عبد الله بن أحمد، وفي نسخة: ابن أبي أحمد عبد بن جحش الأموي، ثقة كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة. كذا في (تقريب التهذيب) (١) أخبره أنه سمع أبا سعيد الخُدري ﵁ يقول: نهى رسول الله - ﷺ - عن المُزَابَنة والمُحَاقلة والمزابنة: اشتراء الثمر في رؤوس النخل بالتمر، بفتح التاء الفوقية وسكون الميم، فهي في رؤوس النخل والمحاقلة: كراء الأرض أي: بالحنطة أي: بما في معناها من جميع الطعام على اختلاف أنواعه، وتفسيرها بذلك يجئ\n_________\n(٧٨٠) صحيح، انظر السابق.\n(١) (١/ ٢٨٨).","vol":"4","page":44},{"text":"على أن الحقل الأرض التي تزرع كخبر ما تصنعون بمحاقلكم، أي: بمزاربكم ومنه لا تنبت البقلة إلا الحقلة، وهذا التفسير مرفوع أو من قول أبي سعيد فيسلم له لأنه أعلم به، ورواه البخاري عن عبد الله بن يوسف ومسلم من طريق ابن وهب، كليهما عن مالك، كذا قاله الزرقاني.\nقال محمد: المزابنة عندنا: اشتراء الثمر بفتح الثاء المثلثة والميم فراء مهملة، وقيل: بالتاء المراد به الرطب لقوله: في رؤوس النخل بالتمر أي: في الأرض كيلًا أي: بالتخمين، وكذا وزنًا لأن العلة متحدة وهي قوله: كيلًا، لا يُدرى التَّمر الذي أعطى أكثر أو أقل، أي: فيدخل فيه الربا والزبيب بالعنب، أي: كذلك لا يُدرى أيهما أكثر، أي: أو أقل والمحاقلة: اشتراء الحبّ في السنبل بالحنطة أي: المحصودة كيلًا، أي: بالتخمين لا يدري أيهما أكثر، أي: أو أقل فهذه المحاقلة، أي: عندنا وهذا أي: أمثاله كله أي: بجميع أفراده مكروه، أي: نهي عنه بنهي تحريم ولا ينبغي، أي: لا يجوز مباشرته وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا أي: جمهور أصحاب أبي حنيفة، لا خلاف فيه عندنا.\nلما فرغ من بيان حكم بيع المزابنة والمحاقلة وتفسيرها، شرع في بيان حكم شراء الحيوان باللحم، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-372>باب شراء الحيوان باللحم</span>\nفي بيان حكم شراء الحيوان باللحم، وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق عدم جواز المعاملة المذكورة؛ لأنه لا يدري هل في الحيوان مثل اللحم الذي أعطاه، أو أقل أو أكثر فهما من جنس واحد، فيكون من المزابنة وهي حرام.\n٧٨١ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزِّناد، عن الأعرج، عن سعيد بن المسيَّب، قال: نُهي عن بيع الحيوان باللحم، قال: قلتُ لسعيد: أرأيت رجلًا اشترى شارفًا بعشر شياه، فقال سعيد: إن كان اشتراها لينحرها فلا خير في\n_________\n(٧٨١) إسناده صحيح.","vol":"4","page":45},{"text":"ذلك، قال أبو الزِّناد: وكان مَنْ أدركت من الناس يَنْهَونَ عن بيع الحيوان باللحم، وكان يُكْتَب في عهود العمّال في زمن أبَانَ وهشام يُنْهون عن ذلك.\n• أخبرنا مالك، (ق ٨١٥) وفي نسخة: محمد قال: ثنا مالك أخبرنا أبو الزِّناد، هو عبد الله بن ذكوان القرشي المدني، ثقة ثبت فقيه، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ثلاثين وقيل: بعدها ومائة عن سعيد بن المسيَّب، بن حزن بن وهب بن عمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات، كان في الطبقة الأولى من طبقات التابعين المحدثين، من أهل المدينة مات بعد التسعين بيسير، وهو ابن أربع وثمانين سنة، كذا قاله ابن الجوزي وابن حجر (١) قال. نُهي على صيغة المجهول عن بيع الحيوان باللحم، وهي نهي تحريم للتفاضل في الجنس الواحد، فهو من المزابنة إذ لا يدرى هل في الحيوان مثل اللحم الذي أعطاه أكثر أو أقل فيكون ربا قال: أي: أبو الزناد قلتُ لسعيد: أرأيت رجلًا أي: أخبرني عن حال رجل اشترى شارفًا بشين معجمة وألف ثم راء مهملة مسكوره وفاء، أي: المسنة من النوق والجمع الشرف مثل بازل وبزل بعشر شياه، بكسر أوله جمع شاة أو قال: أي: الراوي بشاة أي: قال بعشر شاة بصيغة المفرد فقال سعيد: إن كان اشتراها بلحم وفي نسخة: لينحرها أي ليبيعها ويستفيد من ثمنها فلا خير في ذلك، أي: فلا يجوز إذ كأنه اشتراها بلحم وفي نسخة: لينحرها، ومفهومه أنه إن اشتراها ليستنتجها وينتفع بمنافعها فلا بأس به فحينئذ جاز اشتراؤها قال أبو الزِّناد: وكان وفي (الموطأ) لمالك: مَنْ أدركت من الناس يَنْهَونَ وفي نسخة: ينهى أن يزجر رجل من السلف عن بيع الحيوان باللحم، وكان ذلك أي: النهي يُكْتَب بصيغة المجهول في عهود العمّال بضم العين المهملة وتشديد الميم أي: أحكام العاملين في زمن أبَانَ أي: ابن عثمان بن عفان وهشام أي: ابن إسماعيل كما في (الموطأ) لمالك يُنْهون أي: يزجرون عن ذلك أي: عن بيع الحيوان باللحم فيدل على شهرة ذلك بالمدينة.\n* * *\n\n٧٨٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا داود بن الحُصين، أنه سمع سعيد بن المسيَّب\n_________\n(١) في التقريب (١/ ٢٤١).\n(٧٨٢) إسناده صحيح، أخرجه البيهقي في الكبرى (٥/ ٢٩٧).","vol":"4","page":46},{"text":"يقول: كان من مَيْسِر أهل الجاهلية، بيع اللحم بالشاة والشاتين.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا مالك أخبرنا داود بن الحُصين، قد سبق بيان طبقته آنفًا أنه سمع سعيد بن المسيَّب يقول: كان من مَيْسِر بفتح الميم وسكون التحتية وفتح السين المهملة فراء مهملة أي: قمار أهل الجاهلية، بيع اللحم أي: لحم الجزور بالشاة والشاتين أي: فيغلبون ويغلبون.\nقال أبو عمر: هذا أنه من القمار والمزابنة؛ لأنه قال ميسر وهو القمار. قال إسماعيل: إنما دخل في المزابنة؛ لأنه لو ضمن له من جزوره أو شاته المعينة أرطالًا فما زاد فله وما نقص فعليه كان هو المزابنة، فلما منع ذلك لم يجز اشتراء الجزور ولا الشاة بلحم؛ لأنه يصير إلى ذلك المعنى.\n* * *\n\n٧٨٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم عن سعيد بن المسيَّب، أنه بلغه: أن رسول الله - ﷺ - نهى عن بيع اللحم بالحيوان.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، من باع لحمًا من لحوم الغنم بشاة حيّة، لا يدري اللحمُ أكثر أو ما في الشاة من اللحم؛ فالبيع فاسد مكروه، لا ينبغي، وهذا مثل المزابنة والمحاقلة.\nوكذلك بيع الزيت بالزيتون، ودهن السمسم بالسمسم.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: ثنا مالك أخبرنا زيد بن أسلم العدوي مولى عمر، يكنى أبا عبد الله وأبا أسامة المدني ثقة عالم، كان يرسل، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ست وثلاثين ومائة عن سعيد بن المسيَّب، وقد سبق بيان طبقته ونسبه وسنه آنفًا أنه بلغه: أن رسول الله - ﷺ - نهى عن بيع اللحم بالحيوان. أي: نهي تحريم للتفاضل في الجنس الواحد فهو من المزابنة إذ لا يدري، هل الحيوان مثل اللحم الذي أعطاه أقل أو أكثر.\n_________\n(٧٨٣) إسناده ضعيف، والحديث صحيح، وقد تقدم قريبًا.","vol":"4","page":47},{"text":"قال ابن عبد البر (١): (ق ٨١٦) لا أعلم يتصل من وجه ثابت، وأحسن أسانيده مرسل سعيد هذا، ولا خلاف عن مالك في إرساله، ورواه يزيد بن مروان عن مالك عن ابن شهاب عن سهل بن سعد وهذا إسناد موضوع لا يصح عن مالك به مرسلًا، وصححه الحاكم، وله شاهد أخرجه البزار من حديث ابن عمر كذا قاله الزرقاني.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بهذا الحديث رواه سعيد بن المسيب سن باع لحمًا من لحوم الغنم بشاة حيّة، أي: مثلًا لا يدري اللحمُ أكثر أو ما في الشاة أي: أكثر من اللحم؛ فالبيع فاسد أي: لاحتمال الربا وقد تقدم اختلاف الأئمة فيه مكروه، أي: تحريمًا لما قال لا ينبغي، أي: لا يجوز وهذا مثل المزابنة والمحاقلة أي: في تحقق الربا لكن فرق أبو حنيفة بينه وبينهما وكذلك أي: فاسد بيع الزيت بالزيتون، أي: ثمرة الزيتون بالزيت أي: دهنه ودهن السمسم بالسمسم أي: إلا أن يكون الزيت أكثر من الزيت الذي في الزيتون، والدهن أكثر في السمسم ليكون قدرها بمثله والزائد بالتفل، وعند مالك والشافعي وأحمد: لا يجوز أصلًا كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان حكم شراء الحيوان باللحم، شرع في بيان حكم بيع المساومة والمبايعة، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-373>باب الرجل يساوم الرجل بالشيء فيزيد عليه آخر</span>\nفي بيان حكم حال الرجل يساوم، أي: يكالم الرجل بالشيء أي: في ثمنه فيزيد عليه آخر.\nقال ابن الملك: صورة التساوم أن يقول واحد للمشتري بعد تراض المتعاقدين: رد السلعة لا بيع منك خيرًا منه، أو يقول للبائع: استرده لأشتريه منك بأكثر.\nقيل: ومجرد سكوت أحدهما لا يدل على رضاه، بل لا بد من تصريحه، فإن وجد ما يدل على رضاه ففيه وجهان: كذا قاله النووي.\n٧٨٤ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا يبع بعضكم على بيع بعض\".\n_________\n(١) في التمهيد (٤/ ٣٢٢).\n(٧٨٤) صحيح، أخرجه مالك في الموطأ برواية أبي مصعب (٢٧٠١)، والبخاري في البيوع (٢١٦٥)، =","vol":"4","page":48},{"text":"قال محمد: وبهذا نأخذ، لا ينبغي إذا ساوم الرجل رجلًا بشيء أن يزيد عليه غيره فيه، حتى يشتري أو يَدَع.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك حدثنا نافع، عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا يبع بالجزم على النهي، وفي رواية: لا يبيع بإثبات الياء على الخبر، وهو أبلغ في النهي من النهي الصريح. قال الخطيب الدمشقي محمد بن عبد الرحمن القزويني وهي بلدة في الإِقليم الرابع من الأقاليم السبعة، في (تلخيص المفتاح): الخبر قد يقع موقع الإِنشاء لحمل المخاطب على مطلوب المتكلم، بأن يكون المخاطب ممن لا يحب أن يكذب الطالب كقولك لصحابك الذي لا يحب تكذيبك: تأتيني غدًا مقام ائتني تحمله باللطف وجه على الإِتيان؛ لأنه إن لم يأتك غدًا صرت كاذبًا من حيث الظاهر لكون كلامك في صورة الخبر انتهى أي: لا يبيع بعضكم أيها المخاطبون على بيع بعض\" عدي بعلى؛ لأنه ضمن الاستعلاء رواه الشيخان عن أنس، وصورته: أن يشتري رجل شيئًا من آخر بالخيار، أو يساومه بثمن معين وتراضى المتعاقدان على ذلك، فيأتي آخر فيعرض سلعته بثمن أنقص منه أو أجود، ومعنى التساوم باللسان التركي: بازار الشمت.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: إنما نعمل بما رواه عبد الله بن عمر عن النبي - ﷺ - لا ينبغي (ق ٨١٧) أي: لا يجوز إذا ساوم الرجل الرجل وفي نسخة: رجلًا بدل من الرجل بشيء أن يزيد عليه غيره فيه، أي: إذا تراضيا حتى يشتري أو يَدَع أي: يتركه وإذا كانت الزيادة بعد السوم منهيًا فيعد البيع بالأولى، وقيل: النهي مخصوص بما إذا لم يكن في الصورة غير فاحش، فإذا كان فله أن يدعوه إلى الفسخ ليبيع منه بأرخص منه دفعًا للضرر عنه، وفي رواية الصحيحين عن أبي هريرة بلفظ: \"لا يسم المسلم على سوم أخيه المسلم\"، يقال: سام السلعة يسومها إذا طلبها الشراء، وذكر المسلم ليس للتقيد، فلا فرق بين المسلم وغيره عند الجمهور خلافًا للأوزاعي وغيره، بل لأنه أسرع امتثالًا فذكر المسلم والأخ إخراج مخرج الغالب، ولا يعتبر المفهوم المخالف. كذا قاله علي القاري والزرقاني.\n_________\n= ومسلم (١٤١٢)، وأبو داود (٣٤٣٦)، والنسائي في البيوع (٧/ ٢٥٨)، وابن ماجه (٢١٧١).","vol":"4","page":49},{"text":"لما فرغ من بيان حكم بيع المساومة، شرع في بيان حكم ما يوجب البيع، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-374>باب ما يوجب البيع بين البائع والمشتري</span>\nفي بيان حكم ما أي: الإِيجاب والقبول يقتضي بين البائع والمشتري وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق رد المشتري للبيع في حال الخيار على البائع إذا لم يرض المشتري عن المبيع، وكذا رد المبيع على البائع إذا رأى عند غير البائع مبيعًا أحسن من مبيع البائع.\n٧٨٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه، ما لم يتفرقا؛ إلا بيع الخيار\".\nقال محمد: وبهذا نأخذ، وتفسيره عندنا على ما بلغنا، عن إبراهيم النخعي أنه قال: المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا، قال: ما لم يتفرقا عن منطق البيع، إذا قال البائع: قد بعتك، فله أن يرجع، ما لم يقل الآخر قد اشتريت، وإذا قال المشتري: قد اشتريتُ بكذا وكذا، فله أن يرجع ما لم يقل البائع قد بعت، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك، أخبرنا، وفي نسخة: عن بدل أخبرنا نافع بن عبد الله المدني مولى ابن عمر ثقة فقيه مشهور كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين المحدثين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة، وفي نسخة: عن عبد الله بن دينار بدل نافع عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"المتبايعان أي: المتعاقدان من البائع والمشتري كل واحد منهما بالخيار خير كل أي: محكوم له بالخيار، وهو بكسر الخاء المعجمة اسم من الاختيار وهو طلب خير الأمرين من إمضاء البيع أو رده\n_________\n(٧٨٥) صحيح، أخرجه الشافعي في الرسالة فقرة (٨٦٣)، والبخاري في البيوع (٢١١١)، ومسلم في البيوع (٤٣، ١٥٣١)، وأبو داود (٣٤٥٤)، والنسائي في البيوع (٧/ ٢٤٨)، وابن ماجه (٢١٨١).","vol":"4","page":50},{"text":"على صاحبه، ما لم يتفرقا؛ أي: عن الكلام في متعلقات العقد، وفي نسخة: قال: \"كل متبايعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا\" أي: لا يتقرر البيع بين البائع والمشتري إلى غاية تفرقهما من الكلام.\nوفي النسائي: يفترقا بتقديم الفاء، ونقل ثعلب عن المفضل بن سلمة: افترقا بالكلام وتفرقا بالأبدان، ورده ابن العربي بقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [البينة: ٤] فإنه ظاهر في التفرق بالكلام؛ لأنه بالاعتقاد، وأجيب بأنه من الأزمة في الغالب؛ لأن من خالف آخر في عقيدته كان مستدعيًا لمفارقته إياه ببدنه.\nقال الحافظ: ولا يخفى ضعف هذا الجواب، والحق حمل كلام المفضل بن سلمة على الاستعمال بالحقيقية، وإنما استعمال أحدهما في موضع الآخر اتساعًا إلا بيع الخيار\" مستثنى من قوله: ما لم يتفرقا.\nقال عياض: وهذا أهل في جواز بيع المطلق والمقيد قال الأبي: يعني بالمطلق المسكوت عن تعيين مدة الخيار فيه، وبالمقيد ما عين فيه مدة الخيار، وإنما يكون أصلًا في بيع الخيار على أن الاستثناء من مفهوم الغاية، أي: فإن تفرقا فلا خيار إلا في بيع شرط فيه الخيار، وقيل: إنما الاستثناء من الحكم والمعنى المتبايعان (ق ٨١٨) بالخيار ما لم يتفرقا إلا في بيع شرط فيه عدم الخيار فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وقيل: المعنى إلا بيعًا جرى فيه التخيير بأن يقول أحدهما للآخر في المجلس: اختر فيختار، فيلزم العقد ويسقط خيار المجلس، فعلى هذين لا يكون أصلًا في بيع الخيار انتهى.\nقال سعيد بن زيد الباجي المالكي: والأول أظهر؛ لأن الخيار إذا أطلق شرعًا فهم منه إثباته لا قطعه.\nقال ابن عبد البر: أجمع العلماء على ثبوت هذا الحديث وقال به أكثرهم.\nقال مالك في (الموطأ): وليس لهذا عندنا حد معلوم والأمر معمول به فيه يعني ليس للخيار حدًا بثلاثة أيام، كما حده الكوفيون والشافعي كذا قاله الزرقاني.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: إنما نعمل بهذا الحديث رواه نافع عن عبد الله بن عمر، ولما كان ظاهر الحديث يفيد خيار المجلس كما قال به الشافعي وأحمد قال: وتفسيره أي: وتأويله عندنا على ما بلغنا، عن إبراهيم النخعي أنه قال: المتبايعان بالخيار ما لم","vol":"4","page":51},{"text":"يتفرقا، هذا حديث صحيح قال: أي: إبراهيم النخعي معناه ما لم يتفرقا عن منطق البيع، أي: ما يتعلق بعقده من إيجاب وقبول وشرط ونحو ذلك إذا قال البائع قد بعتك، فله أن يرجع، أي: عن قوله بعت ما لم يقل الآخر أي: المشتري قد اشتريت، زيادة \"قد\" لمجرد التحقيق، وليست شرطًا في الإِيجاب وإذا قال المشتري قد اشتريت بكذا وكذا، أي: بثمن معين سابقًا ولاحقًا فله أن يرجع أي: المشتري من قوله اشتريت ما لم يقل البائع قد بعت، وحاصله ما لم يتفرقا في أقوالهما لا في أبدانهما، كقوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠] ويسمى خيار القبول، وفي لفظ الحديث إشارة إلى ذلك، فإنهما متبايعان حالة البيع حقيقة وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\nلما فرغ من بيان حكم ما يوجب البيع بين البائع والمشتري، شرع في بيان حكم الاختلاف بين البائع والمشتري في ثمن البيع.\n* * *\n\n١٧ -<span data-type=\"title\" id=toc-375> باب الاختلاف في البيع ما بين البائع والمشتري</span>\nفي بيان حكم الاختلاف في البيع، أي: ثمن المبيع بين البائع والمشتري أي: والحال أنهما اعترفا بنفس البيع، وإنما اختلفا في قدر ثمن المبيع، وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق في الاتفاق والاختلاف في وقوع البيع الصحيح.\n٧٨٦ - أخبرتما مالك، أنه بلغه أن ابن مسعود كانُ يُحدِّث أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"أيُّمَا بَيِّعَان تبايعا، فالقولُ ما قال البائع أو يترادّان\".\nقال محمد: وبهذا نأخذ، إذا اختلفا في الثمن تحالفا وترادّا البيع، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا؛ إذا كان المبيع قائمًا بعينه، فإن كان المشتري قد استهلكه فالقول ما قال المشتري في الثمن، في قول أبي حنيفة، وأما في قولنا فيتحالفان ويترادّان القيمة.\n_________\n(٧٨٦) إسناده ضعيف، هو في الموطأ برواية أبي مصعب الزهري (٢٦٦٥)، وبرواية يحيى (٦٨١)، وأخرجه الطبراني في الكبير (١٠/ ٧٢)، رقم (٩٩٨٧).","vol":"4","page":52},{"text":"• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أنه بلغه أد ابن مسعود ﵁ كان يُحدِّث أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"أيُّمَا بفتح الهمزة وضم التحتية المشددة بيعين بفتح الموحدة وتشديد التحتية المكسورة وفتح العين المهملة وسكون التحتية فنون، أي: البائع والمشتري وفيه تغليب البائع على المشتري كالقمرين تبايعا، أي: ثم اختلفا في ثمن مبيعهما فالقولُ ما قال البائع وفي نسخة صحيحة: فالقول قول البائع أو يترادّان\" بتشديد الدال، والحديث رواه الطبراني (١) عن ابن مسعود ﵁ بلفظ: \"البيعان إذا اختلفا في البيع تراد البيع\".\nقال محمد: وبهذا نأخذ، إذا اختلفا أي: البائع والمشتري في الثمن أي: في قدره تحالفا وترادّا البيع، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا؛ إذا كان البيع قائمًا أي: موجودًا بعينه، أي: في يد المشتري أو البائع فإن كان (ق ٨١٩) المشتري قد استهلكه أي: ثم اختلف فالقول ما قال المشتري في الثمن، أي قول أبي حنيفة، وأما في قولنا يعني: أصحابه فيتحالفان ويترادّان القيمة أي: عند من يكون منهما، وفي كتاب (الرحمة): إذا حصل الاختلاف بين المتبايعين في قدر الثمن ولا بينة تحالفا بالاتفاق، والأصح من مذهب الشافعي أنه يبدأ بيمين البائع.\nوقال أبو حنيفة: يبدأ بيمين المشتري، فإن كان المبيع هالكًا واختلفا في قدر ثمنه، تحالفا عند الشافعي وفسخ البيع ورجع بقيمة المبيع إن كان قيمًا وإن كان مثليًا وجب على المشتري مثله، وهذا إحدى الروايتين عن مالك.\nوقال أبو حنيفة: لا تحالف مع هلاكه، ويكون القول قول المشتري، ويروى ذلك عن أحمد ومالك وقال زفر وأبو ثور: القول قول المشتري بكل حال، وعن الشعبي وابن جريج: أن القول قول البائع واختلف ورثتهما كاختلافهما.\nوقال أبو حنيفة: إن كان المبيع في يد وارث البائع تحالفا، وإن كان في يد وارث المشتري فالقول قوله مع يمينه، وأما إن اختلفا المتبايعان في شرط الأجل وقدره أو في شرط الخيار وقدره أو شرط الرهن والضمان بالمال، أو بالعهدة تحالفا عند الشافعي ومالك.\nوقال أبو حنيفة ومحمد: لا تحالف في هذه الشرائط، والقول قول من ينفيها.\n_________\n(١) في الكبير (١٠/ ٧٢)، رقم (٩٩٨٧).","vol":"4","page":53},{"text":"لما فرغ من بيان حكم الاختلاف بين البائع والمشتري في قدر ثمن المبيع، شرع في بيان حكم حال الرجل يبيع المتاع، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-376>باب الرجل يبيع المتاع بنسيئة فيفلس المبتاع</span>\nفي بيان حكم حال الرجل يبيع المتاع نسيئة فيفلس البتاع أي: فيفتقر المشتري ويعجز عن أداء ثمنه.\n٧٨٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"أيُّمَا رجلٍ باع متاعًا فأفلس الذي ابتاعه ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئًا فوجده بعينه فهو أحقُّ به، وإن مات فصاحبه فيه أُسْوة الغُرَماءِ\".\nقال محمد: إذا مات وقد قبضه فصاحبه فيه أسْوة الغرماء، وإن كان لم يقبض المشتري المبيع فهو أحقّ من بقية الغرماءِ حتى يستوفي حقه، وكذلك إن أفلس المشتري ولم يقبض ما اشترى، فالبائع أحقُّ بما باع حتى يستوفي حقَّه.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن زهرة الزهري، ثقة فقيه كان في الطبقة الرابعة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، بن المغيرة المخزومي المدني، قيل: اسمه محمد، وقيل: المغيرة، وقيل: أبو بكر اسمه، وكنيته أبو عبد الرحمن، وقيل: اسمه وكنيته ثقة فقيه عابد، كان في الطبقة الثانية من طبقات كبار التابعين المحدثين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين، وقيل غير ذلك.\nقال ابن عبد البر: هكذا في جميع الموطآت ولجميع الرواة عن مالك مرسلًا إلا عبد الرزاق يحلف عنه فوصله عن مالك عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -، وكذا اختلف أصحاب الزهري عنه في إرساله ووصله ورواية\n_________\n(٧٨٧) إسناده ضعيف لإرساله، وهو في الموطأ برواية أبي مصعب (٢٦٨٦).","vol":"4","page":54},{"text":"من وصله صحيحة فقد رواه عمر بن عبد العزيز عن أبي بكر عن أبي هريرة وبشير بن نهيك وهشام بن يحيى كلاهما لأبي هريرة لا يرويه غيره فيما علمت انتهى.\nأن رسول الله - ﷺ - قال: \"أيُّمَا رجلٍ بفتح الهمزة وضم التحتية المشددة فميم وألف مرفوع محلا على أنه مبتدأ، واستفهامية متضمنة بمعنى الشرط، وما زائدة لتأكيد الإِبهام في أي، ومضاف إلى الرجل وخيره فهو أحق سيجيء، والمراد بالرجل إنسان مطلقًا (ق ٨٢٠) وذكره غالبي.\nقال الزرقاني: رجل يجوز رفعه على أنه بدل من \"أي\"، وليس المبدل منه على نية الطرح انتهى. قوله: باع محله مجرور على أنه صفة رجل متاعًا أي: الرجل فأفلس فافتقر الذي ابتاعه أي: اشتراه ولم يقبض أي: والحال أن البائع الذي باعه أي: المبتاع قوله: من ثمنه متعلق بقوله: ولم يقبض شيئًا أي: قليلًا أو كثيرًا فوجده أي: صاحب المتاع متاعه في يد المشتري بعينه أي: من غير تصرف فيه فهو أي: البائع أحقُّ به، أي: بالمتاع من الغرماء؛ لأن المفلس يمكن أن ينظر له ذمه بخلاف الميت وكذا قال: وإن مات المشتري فصاحب المتاع فيه أي: في الدين الذي كان في ذمة المشتري أُسْوة أي: مساو الغُرَماءِ\" وفي نسخة: للغرماء، وبهذا قال مالك وأحمد؛ ولنصه - ﷺ - على الفرق بين المفلس والموت، وهو قاطع لموضع الخلاف.\nوقال الكوفيون: ليس أحق به فيهما.\nوقال الشافعي: هو أحق به فيهما لحديث أبي داود وابن ماجه وغيرهما عن أبي المعتمر عمر وابن نافع بن عمر بن خلدة الزرقي، قال: أتينا أبا هريرة في صاحب لنا أفلس، فقال أبو هريرة: قضى رسول الله - ﷺ -: \"أيما رجل مات أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه\"، وأجيب بأن أبا المعتمر ليس بمعروف بحمل العلم كذا قاله الزرقاني.\nقال محمد: إذا مات أي: المشتري وقد قبضه أي: والحال أن المشتري قبض المتاع حين اشتراه قبل موته فصاحبه أي: صاحب المتاع فيه أي: في أخذ ما في يد المشتري أسْوة بضم الهمزة وسكون السين المهملة والواو ثم الهاء أي: مساو الغرماء، وفي نسخة للشارح: للغرماء، وبه قال مالك وأحمد.\nوقال الشافعي: هو أحق بها كما لو كان المفلس حيًا، وإن كان لم يقبض المشتري","vol":"4","page":55},{"text":"أي: المتاع حين المبيع فهو أي: البائع أحقّ به أي: يستحق بأخذ المبيع من بقية الغرماءِ حتى يستوفي حقه، أي: أحق البائع في أخذ حقه تمامًا من سائر الغرماء، فإن زاد على حقه فهو للغرماء أو لورثته إن لم يكن غريم وكذلك إن أفلس المشتري ولم يقبض ما اشترى، بضم التحتية وسكون الشين المعجمة وفتح المثناة الفوقية ثم راء مهملة وألف، وهو المبيع بعينة، ولذا إذا لم يقبض البائع من ثمن المبيع شيئًا فالبائع أحقُّ بما باع حتى يستوفي حقَّه والله أعلم.\nلما فرغ من بيان حكم حال الرجل يبيع المتاع فيفتقر المشتري، شرع في بيان حكم حال الرجل يشتري الشيء، أو يبيعه فيخدع في شرائه وبيعه، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-377>باب الرجل يشتري الشيء أو يبيعه فيغبن فيه أو يسعر على المسلمين</span>\nفي بيان حكم حال الرجل يشتري الشيء أو يبيعه فيغبن أي: فينخدع فيه أي: فيما يشتريه أو فيما يبيعه يقال: غبن الشيء، وفيه كفرح غبنًا وغبنا أغفله أو غلط فيه، وغبنه في البيع خدعه وقد غبن كعني فهو مغبون، والتغابن أن يغبن بعضهم بعضًا أو يسعر على المسلمين بضم التحتية وفتح السين المهملة وتشديد (ق ٨٢١) العين المهملة المكسورة فراء عطف على يشتري لا على فيغبن، وأو للتنويع، كذا قاله علي القاري.\n٧٨٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر: أن رجلًا ذَكَرَ لرسول الله - ﷺ -: أن يُخْدَع في البيع، فقال له رسول الله - ﷺ -: \"مَنْ بايَعتَهُ فقل: لا خِلَابَة\"، فكان الرجل إذا باع قال: لا خِلابَة.\nقال محمد: نري أن هذا كان لذلك الرجل خاصة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا عبد الله بن دينار، العدوي\n_________\n(٧٨٨) صحيح، أخرجه مسلم في البيوع (٤٨)، وأحمد في المسند (٢/ ٧٢)، والبيهقي في الكبرى (٥/ ٢٧٣).","vol":"4","page":56},{"text":"مولاهم، يكنى أبا عبد الرحمن المدني مولى ابن عمر، ثقة تابعي، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع وعشرين ومائة عن عبد الله بن عمر: رضي الله تعالى عنهما أن رجلًا هو حبان بن منقذ بفتح الحاء المهملة وتشديد الموحدة، ومنقذ بضم الميم وسكون النون وكسر القاف والذال المعجمة، وهو الأنصاري كما قاله ابن ماجه في (سننه) والبخاري في (تاريخه)، كذا قاله ابن عبد البر، وقال: وهو أصح ذَكَرَ لرسول الله - ﷺ -: أنه يُخْدَع بضم التحتية وسكون الخاء المعجمة وفتح الدال المهملة فعين مهملة، أي: يراد به المكروه ويغبن غبنًا فاحشًا في البيع، أي: من حيث لا يعلم ويبدي له غير ما يكتم.\nقال عياض: وفي الحديث أنه الذي ذكر ذلك لم يفقد التميز والنظر لنفسه بالكلية، فعل ذلك كان يعتريه أحيانًا ويتبين ذلك إذا انتبه انتهى. وعند الشافعي وأحمد وابن ماجه والدارقطني أن حبان بن منقذ كان ضريرًا، وكان قد شج في رأسه مأمومة وقد ثقل لسانه عند الدارقطني وابن عبد البر من طريق محمد بن إسحاق قال: حدثني محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع بن حبان أن جده منقذ بن عمر وكان قد أتى عليه سبعون ومائة سنة، فكان إذا بايع غبن فذكر ذلك للنبي - ﷺ - فقال الحديث، وأخرج ابن عبد البر من طريق ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر أن منقذًا شبح في رأسه مأمومة في الجاهلية فخبلت لسانه، فكان يخدع في البيع فقال له رسول الله - ﷺ -: \"مَنْ بايَعتَهُ أي: من الناس فقل: لا خِلَابَة\"، بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللام وفتح الموحدة أي: لا خيانة في الدين؛ لأن الدين النصيحة، فلا لنفي الجنس وخبر: لا خلابة محذوف.\nوقال (التوربشتي): لقنه - ﷺ - هذا القول ليلفظ به عند البيع ليطاع به صاحبه على أنه ليس من ذوي البصائر في معرفة البيع ومقادير القيمة فيها، ليرى له كما يرى لنفسه، وكان الناس في ذلك الزمان إخوانًا لا يغبنون أخاهم السلم، وينظرون له أكثر ما ينظرون لأنفسهم انتهى. فكان الرجل إذا باع قال: لا خِلابَة ففي مسلم من طريق إسماعيل بن جعفر عن ابن دينار يقول: لا خيانة.\nقال عياض: بالتحتية؛ لأنه كان ألثغ يخرج اللام من غير مخرجها، ولبعضهم لا خنابة بالنون، وهو تصحيف، وفي بعض روايات مسلم: \"لا خذابة\" بالذال المعجمة انتهى. وفي رواية أبي عمر من طريق نافع، قال ابن عمر: فسمعته يقول: إذا باع لا خذابة، وعند الدارقطني والبيهقي بإسناد حسن: ثم أنت بالخيار في كل سلعة ابتعتها ثلاث ليال","vol":"4","page":57},{"text":"فإن رضيت فاسكت فإن سخطت فاردد بقي حتى أدرك (ق ٨٢٢) زمن عثمان، وهو ابن مائة وثمانين سنة فكثر الناس في زمن عثمان فكانا إذا اشترى شيئًا فقيل له: إنك غبت فيه رجع، فيشهد له رجل من الصحابة بأن النبي - ﷺ - جعله بالخيار ثلاثًا فيرد له دراهمه، وروى الترمذي عن أنس أن رجلًا كان في عقله ضعف، وكان يبايع وكان أهله أتوا النبي - ﷺ - فقالوا: احجر عليه فدعاه فنهاه فقال: يا رسول الله لا أصبر على البيع فقال: \"إذا بايعت فقل: لا خلابة وأنت في كل سلعة ابتعتها بالخيار ثلاث ليال\"، كذا قاله الفاضل السيد محمد الزرقاني (١).\nقيل: أفاد الحديث لا خلابة لفظ وضع شرعًا لاشتراط ثلاثة أيام، فإذا قال أحدهما فأقره الآخر وعلما معناه الشرعي خُيِّرا ثلاثة أيام، قال: وزعم أنه خاص لمن خاطبه - ﷺ - ليس ذلك، إذ لا بد للخصوصية من الدليل هنالك.\nقال محمد: نري أي: نختار أن هذا كان لذلك الرجل خاصة.\nقال النووي: واختلف العلماء في هذا الحديث، فجعله بعضهم خاصًا في حقه، فإنه لا خيار بغبن لغيره، وعليه أبو حنيفة والشافعي، وقيل: للمغبون الخيار هذا الحديث بشرط أن يبلغ الغبن بثلث القيمة، كذا قاله علي القاري.\nوقد استدل أحمد والبغداديون في ذلك المالكية على القيام بالغبن غير المعتاد وحدده بالثلث لا أقل؛ لأنه غبن يسير انتصب له التجار، فهو كالمدخول عليه وأبى ذلك الجمهور والأئمة الثلاثة، وقالوا: لا رد بالغبن ولو خالف العادة وتجازب الفريقان قوله تعالى في سورة النساء: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩] فقال: الأقل الغبن المخالف للعادة من ذلك، وقال الجمهور: قد استثنى من التجارة عن تراض، وهذا عن تراض، وكذا تجاذبون فهم الحديث فقال البغداديون وأحمد: فيه الخيار للمغبون، وقال الجمهور: هي واقعة عين وحكاية حال لا يصح دعوى العموم فيها على أنه لا يجعل الخيار إلا بشرط، فالحديث حجة لعدم القيام بالغبن، إذ لو كان ثابتًا لم يأمره بالشرط بأن يقول لا خلابة، كذا قاله الزرقاني.\n* * *\n_________\n(١) في شرحه (٣/ ٤٣٣).","vol":"4","page":58},{"text":"٧٨٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا يونس بن يوسف، عن سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب مرّ على حاطب بن أبي بَلْتعة وهو يبيع زبيبًا له بالسوق، فقال له عمر: إما أن تزيد في السّعر، وإما أن ترفع من سوقنا.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا ينبغي أن يسعّر على المسلمين، فيقال لهم: بيعوا كذا وكذا بكذا وكذا، ويجبرون على ذلك، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: محمد قال: ثنا مالك أخبرنا يونس بن يوسف، بن حماس بكسر الحاء المهملة وخفة الميم فألف وسين مهملة ثقة عابد من عباد أهل المدينة، لمح مرة امرأة فدعا الله فأذهب عينيه ثم دعاه فردها عليه، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة عن سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات كان في الطبقة الأولى من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد التسعين بيسير وهو ابن أربعة وثمانين سنة كما قاله ابن الجوزي وابن حجر (١) أن عمر بن الخطاب ﵁ مرّ على حاطب بن أبي بَلْتعة بفتح الموحدة وسكون اللام وفتح الفوقية وفتح العين المهملة اسمه عمرو بن عمير اللخمي حليف بني أسد صحابي شهد بدرًا اتفاقًا، ومات سنة ثلاثين عن خمس وستين سنة وهو يبيع زبيبًا له بالسوق، أي: يبيعه في سوق المدينة بأرخص ما يبيع الناس فقال له (ق ٨٢٣) عمر: إما أن تزيد في السّعر، إما أن تبيع بمثل ما يبيع أهل السوق وإما أن ترفع من سوقنا أي: لئلا تضر بأهل السوق، وإلى هذا ذهب جماعة أن الواحد والاثنين ليس له البيع بأرخص ما يبيع أهل السوق دفعًا للضرر.\nوقال بذلك القاضي عبد الوهاب: قال ابن رشد في (البيان): وهو غلط ظاهر إذ لا\n_________\n(٧٨٩) إسناده صحيح.\n(١) في التقريب (١/ ٢٤١).","vol":"4","page":59},{"text":"يلائم أحد على المسامحة في البيع والحيطة فيه بل يشكر على ذلك أن فعله لوجه الناس، ويؤجر إن فعله لوجه الله تعالى، كذا قاله الزرقاني (١).\nوقال بعض المحققين: أن ابن الرشيد ليس في البيان على الرشاد بل وهب الرشاد لعبد الوهاب، وقضى بالحق وبيَّن الصواب فإنه إذا كان في شيء لنفع بعض الناس وضرر على أكثرهم يمنع عنه، كما لو وضع جسر كبير على نهر لعبور التجار عليه ووقع الضرر به على أهل البلاد، ولم يأمنوا من العدو ولقلع الجسر ولو انتفع به بعض الناس.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا ينبغي أن يسعّر على المسلمين، أي: لا يجوز أن يوضع عليهم سعر معين فيقال لهم: وفي نسخة الشارح: فيقول أي: المحتسب بيعوا كذا وكذا أي: من الطعام بكذا وكذا، أي: بمقابلة الثمن المعين ويجبرون على ذلك، بصيغة المجهول، أي: لا ينبغي أن يقهر المسلمون على تسعير واحد بل لهم أن يبيعوا ما شاؤوا، إلا إنهم لا يزيدون على ما يبيعه الناس أكثرهم وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا وفي كتاب (الرحمة في اختلاف الأمة): ويحرم التسعير عند أبي حنيفة والشافعي وعن مالك أنه قال: إذا خالف واحد من أهل السوق أو يعتزل عنهم ثم إن سعر السلطان على الناس فباع الرجل متاعه وهو لا يريد بيعه بذلك ولا يقدر على تلك البيع كان مكرهًا.\nوقال أبو حنيفة: إكراه السلطان يمنع صحة البيع وإكراه غيره لا يمنعها.\nلما فرغ من بيان حكم حال الرجل يشتري الشيء أو يبيعه فيغبن فيه، شرع في بيان حكم الاشتراط في البيع وما يفسده، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-378>باب الاشتراط في البيع وما يفسده</span>\nفي بيان حكم الاشتراط في البيع وما يفسده أي: البيع من الشروط.\n٧٩٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن عبد الله بن مسعود اشترى من امرأته الثقفية جارية، واشترطت عليه أنك إن\n_________\n(١) في شرحه (٣/ ٣٨١).","vol":"4","page":60},{"text":"بعتها فهي لي بالثمن الذي تبيعها به، فاستفتى في ذلك عمر بن الخطاب، فقال: لا تَقْرَبْها وفيها شرط لأحد.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، كل شرط اشترط البائع على المشتري، أو المشتري على البائع، ليس من شروط البيع وفيه منفعة للبائع أو المشتري، فالبيع به فاسد، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: ثنا مالك أخبرنا الزهري، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، ثقة كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة عن عبيد الله بالتصغير ابن عبد الله بن عتبة، بضم العين المهملة وسكون الفوقية وفتح الموحدة فهاء هو ابن مسعود الهزلي، يكنى أبا عبد الله المدني ثقة فقيه ثبت، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة مات سنة أربع وتسعين، وقيل: سنة ثمان، وقيل: غير ذلك كذا في (تقريب التهذيب) أن عبد الله بن مسعود ﵁ اشترى من امرأته أي: زينب الثقفية أي: المنسوبة إلى قبيلة ثقيف بالحجاز جارية، أي: مملوكة واشترطت عليه أي: على زوجها (ق ٨٢٤) المشتري أنك إن بعتها أي: بعد ذلك فهي لي أي: لا تبيعها لغيري بالثمن الذي تبيعها به، أي: حينئذ لا بالثمن الذي اشتريتها مني أي: ابن مسعود فاستفتى أي: ابن مسعود في ذلك أي: في جواز هذا العقد ونفيه عمر بن الخطاب، ﵁ فقال: لا تَقرَبْها أي: الجارية على وجه التملك وفيها شرط لأحد أي: من البائع وغيره.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بفتوى عمر بن الخطاب ﵁ كل شرط اشترط البائع على المشتري، أو المشتري على البائع، ليس من شروط البيع أي: من لوازمه ومقتضياته كشرط الملك للمشتري في البيع وشرط تسليم المبيع وشرط حبس المبيع لاستيفاء الثمن وشرط انتفاع المشتري في المبيع؛ لأن هذا كله يثبت بمطلق العقد فلا يزيده الشرط إلا تأكيدًا وفيه أي: في ذلك الشرط منفعة أي: فائدة ومصلحة للبائع أو المشتري، أما البائع حكمًا لو باع شيئًا بشرط أن يقرضه المشتري درهم، أو يهدي إليه هدية أو باع دارًا على أن يسكنها شهرًا، أو على أن يسلمها إلى رأس الشهر، وأما المشتري فكما لو اشترى ثوبًا على أن يعطيه البائع أو يخيطه قميصًا أو قباء فالبيع به فاسد، أي: من","vol":"4","page":61},{"text":"أصله فإن الشرط قد يكون باطلًا والبيع صحيح، ولا بد أيضًا من تقييد ما لا يلائم العقد بأن الشرع لم يرد بجوازه، فإن ما ورده بجوازه لا يفسد كالبيع بشرط الخيار أو الأجل، وكذا ما تعارف الناس عليه كشراء نعل على أن يجدوه أو يشركه البائع، فإن البيع لا يفسد استحسانًا للتعامل، وهو حجة يترك بها القياس، وإنما لا يجوز البيع بشرط لا يقتضيه العقد لنهيه - ﷺ - عن بيع شرط إلا ما ذكرناه من الشروط الجائزة مستثنى من هذا النهي، فيبقى ما عداه دخلًا تحته وهو أي: المذكور قولُ أبي حنيفة رحمه الله تعالى.\nوقد روى الطبراني في (معجمه (١) الأوسط) عن عبد الله بن أيوب المقري عن محمد بن سليمان الدهلي عن عبد الوارث بن سعيد قال: قدمت مكة فوجدت بها أبا حنيفة وابن أبي ليلى وابن أبي شبرمة، فسألت أبا حنيفة عن رجل باع بيعًا وشرط شرطًا فقال: البيع باطلٌ والشرط باطلٌ أتيت ابن أبي ليلى فسألته فقال: البيع جائز، والشرط باطل، ثم أتيت ابن أبي شبرمة فسألته فقال: البيع جائز والشرط جائز، فقلت: سبحان الله ثلاثًا، من فقهاء العراق اختلفوا في مسألة واحدة، فأتيت أبا حنيفة فأخبرته، فقال: لا أدري ما قالا: حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي - ﷺ - أنه نهى عن بيع وشرط البيع باطل والشرط باطل، ثم أتيت ابن أبي ليلى فأخبرته فقال: لا أدري ما قالا: حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ أنها قالت: أمرني رسول الله - ﷺ - أن أشتري بريرة فأعتقها البيع جائز فالشرط باطل، ثم أتيت ابن أبي شبرمة فسألته فقال: لا أدري حدثني مسعر بن كدام عن محارب بن دثار عن جابر قال: بعت رسول الله - ﷺ - ناقة وشرط حملانها (ق ٨٢٥) إلى المدينة، البيع جائز والشرط جائز والحديثان الأخيران مؤولان كما حقق في محلهما كذا قاله علي القاري.\n* * *\n\n٧٩١ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر: أنه كان يقول: لا يطأ الرجل وَلِيدةً إلا وليدةً إن شاء باعها، وإن شاء وهبها، وإن شاء صنع فيها ما شاء.\n_________\n(١) في الأوسط (٤/ ٣٣٥)، رقم (٤٣٦١).\n(٧٩١) إسناده صحيح.","vol":"4","page":62},{"text":"قال محمد: وبهذا نأخذ، وهذا تفسير: أن العبدَ لا ينبغي أن يَتَسَرَّى؛ لأنه إن وهب لم يَجز هبته، كما يجوز هبة الحرّ، فهذا معنى قول عبد الله بن عمر، وهو قول أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا نافع، أي: ابن عبد الله المدني مولى ابن عمر ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة عن عبد الله بن عمر: أنه كان يقول: لا يطأ الرجل وَلِيدةً أي: لا يجامع جارية من الجواري إلا وليدةً أي: يجامع جارية مملوكة، كما يؤيد هذا التفسير ما في نسخة الشارح: وليدته أي: مملوكته شرعًا إن شاء باعها، أي: بعد ذلك وإن شاء وهبها، أي: لمن أراده وإن شاء صنع فيها ما شاء أي: من أنواع الخدمة أو ما أراد من التدبير والعتق ونحو ذلك.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله نافع عن ابن عمر وهذا أي: الحديث تفسير أي: تبيين لقول بعضهم أن العبدَ أي: المأذون للتجارة لا ينبغي أي: لا يجوز أن يَتَسَرَّى؛ من باب التفعل أي: لا يجوز للمملوك أن يأخذ جارية يطأها لأنه أي: العبد إن وهب بصيغة المجهول لم يَجز هبته، أي: لا يجوز للعبد الموهوب له أن يهب الموهوب؛ لأن العبد وما في يده لمولاه والمولى لم يأذن لعبده أن يهب بما في يده كما يجوز هبة الحرّ، أي: بخلاف الحر، فإنه يملك تصرف مملوكه كيف ما شاء شركًا فهذا أي: المعنى المفهوم معنى قول عبد الله بن عمر، يعني: أن العبد لا ينبغي أن يتسرى وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، ومما ينبغي التنبيه عليه أنه لا يجوز للعبد المأذون أن يتخذ أمة للمجامعة، وإن صرح المولى بإجازته حتى إن المولى لو سلم إلى مأذونه أمته المملوكة، فقال: أعطيتها ووهبتها لك فتمتع بها تمتع الرجال من النساء فقبضها فوطأها يكون زنا محضا وحرامًا صرفا ولا فرق بينها وبين الأجنبيات إلا بسقوط الحد للشبهة. كذا نقله علي القاري عن العتابية.\nلما فرغ من بيان حكم الاشتراط في البيع وما يفسده، شرع في بيان حكم حال الرجل باع شجرة النخل مؤبرة وعبدًا عنده مال، فقال: هذا\n* * *","vol":"4","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-379>باب من باع نخلًا مؤبرًا أو عبدًا وله مال</span>\nفي بيان حكم حال الرجل من باع نخلًا مؤبرًا، بضم الميم وفتح الهمزة وتشديد الموحدة المفتوحة فراء مهملة أي: شجرة نخل جعلها طلع الإِناث مشقوقًا، وأخذ من طلع الذكر فترك فيه ليكون ذلك بإذن الله تعالى أجود مما لم يؤبر أو عبدًا وله مال أي: من مال سيده أو غيره وكان يتصرفه.\n٧٩٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"مَنْ باعَ نخلًا قد أُبِّرَتْ فثمرتها للبائع، إلا أن يشترطها المبتاع\".\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر، رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله - ﷺ - قال: \"مَنْ باعَ نخلًا قد أُبِّرَتْ بضم الهمزة وتشديد الموحدة المكسورة وتخفيفها والتأبير التلقيح، وهو أن يشق طلع الإِناث، ويؤخذ من طلع الذكور فيذر فيه ليكون ذلك بإذن الله أجود مما لم يؤبر وهو خاص (ق ٨٢٦) بالنخل وألحق به ما انعقد من ثمر غيرها، كالتين يعلق ذكره على غصن الإِناث، فيخرج عن الذكر ذباب فيجلس على الإِناث وتصلح ولم تتساقط وإلا تتساقط بإذن الله تعالى، وفيه إشارة إلى تسليم العبد إلى عادة الله تعالى كما اعتقد إلى قدرة الله تعالى فثمرتها بمثلثة وتاء تأنيث للبائع، أي: لا للمشتري وتترك في النخل إلى الجذاذ، ولكليهما السقي ما لم يضر بالآخر، فجعل الشارح الثمر ما دام مستكنًا في الطلع كالولد في بطن الحامل إذا بيعت كان الحمل تابعًا لها، فإذا ظهر تميز حكمه، ومعنى ذلك أن كل ثمر بارز يرى في شجرة إذا بيعت أصول الشجر لم تدخل هذه الثمار في البيع إلا أن يشترطها المبتاع\" أي: المشتري بأن الثمرة تكون له، ويوافقه البائع على ذلك فتكون للمشتري فإن قيل: اللفظ مطلق، فمن أين يفهم أن المشتري اشترط الثمر لنفسه. أجيب بأن تحقيق إلا مستثنى يبين المراد، بأن لفظ الافتعال يدل أيضًا عليه كما يقال: كسب لعياله واكتسب لنفسه، ومفهوم الحديث إن لم يؤبر فالثمر للمشتري، وفي جواز شرطها البائع لنفسه ومنعه قولان للشافعي ومالك.\n_________\n(٧٩٢) صحيح، أخرجه الشافعي في الأم (٤/ ٤١)، والبخاري في البيوع (٢٢٠٤)، ومسلم في البيوع (٧٧، ١٥٤٣)، وأبو داود (٣٤٣٤)، والنسائي (٧/ ٢٩٧)، وفي الشروط من الكبرى، كما في تحفة الأشراف (٣/ ٢٠٩)، وابن ماجه (٢٢١٠).","vol":"4","page":64},{"text":"وقال أبو حنيفة: هي للبائع أبرت أو لم تؤبر وللمشتري مطالبته بقلعها عن النخل في الحال ولا يلزمه الصبر إلى الجذاذ، وإن شرط إبقاءه إليه فسد البيع؛ لأنه شرط لا يقتضيه العقد قال: وتعليق الحكم بما لأبار إما للتنبيه به على ما لم يؤبر، أو لغير ذلك ولم يقصد به نفي الحكم عما سوى المذكور، وفيه أن ذلك يحتاج إلى دليل وقد رده بعضهم بأن التنبيه بإنما يكون بالأدنى على الأعلى وبالشكل على الواضح، وما ذكر خارج عن الوجهين، وردَّه الأبي بأن المذكور في الأصول إنه يكون أيضًا بالأدنى على الأعلى، وحاصل أخذ المذهبين أن مالكًا والشافعي استعملا الحديث لفظًا ودليلًا أي: منطوقًا ومفهومًا، ويسمى في الأصول دليل الخطاب، وهو مفهوم المخالفة الثابت منه نقيض حكم المنطوق للسكوت عنه غير أن الشافعي استعمله بلا تخصيص، ومالكًا مخصصًا بالمشتري كما مر، وأبو حنيفة استعمله لفظًا ومعقولًا، وتسميته الأصوليون جواز تذكير النخل.\nقال عياض: ولا خلاف فيه، وقد قال - ﷺ - للأنصار: \"لا عليكم أن لا تفعلوا فتتركوا التذكير\" فنقصت الثمار، فقال: \"أنتم أعلم بأمر دنياكم وما حدثتكم به عن الله فهو حق\" ورواه البخاري هنا وفي الشروط عن عبد الله بن يوسف ومسلم عن يحيى: كلاهما عن مالك به. ورواه أبو داود والنسائي في الشروط وابن ماجه في التجارات كلهم من طريق مالك، وغيره، كذا قاله الزرقاني (١).\n* * *\n\n٧٩٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر: أن عمر بن الخطاب قال: من باع عبدًا وله مال؛ فماله للبائع، إلا أن يشترط المبتاع.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر: أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال: من باع عبدًا وله مال؛ أي: عنده أو في تصرفه شيء من مال سيده أو غيره فماله للبائع، أي: أن العبد وما في يده لمولاه إلا أن يشترط المبتاع أي: المشتري (ق ٨٢٧)\n_________\n(١) في شرحه (٣/ ٣٣٥).\n(٧٩٣) إسناده صحيح.","vol":"4","page":65},{"text":"بأن له دون غيره، وفي نسخة: إلا أن يشترطها، فالضمير المؤنث للحال؛ لأنه اسم الجنس تذكيره وتأنيثه سواء باعتبار القطعة.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله عبد الله بن عمر عن عمر بن الخطاب وهو قولُ أبي حنيفة والعامة من فقهائنا وفي كتاب (الرحمة) إذا ملك عبده مالًا وباعه وقلنا: إنه يملك لم يدخل ماله في البيع، وكذا إذا أعتقه وحكى ذلك عن مالك، فإذا باع عبدًا أو جارية وعليهما ثياب لم يدخل ثيابهما في البيع بالاتفاق وعن ابن عمر ﵄: يدخل جميع ما عليهما، وقال قوم: يدخل ما يستر به العورة.\nلما فرغ من بيان حكم حال من باع نخلًا مؤبرًا أو عبدًا وله مال، شرع في بيان حكم حال الرجل يشتري الجارية ولها زوج وتهدى إليه، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-380>باب الرجل يشتري الجارية ولها زوج أو تهدى إليه</span>\nبالتنوين أي: نوع من المسائل التي تتعلق إلى حال الرجل يشتري الجارية ولها زوج أو تهدى إليه، وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق عقد المبايعة.\n٧٩٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا الزهري، عن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن، أن عبد الرحمن بن عوف اشترى من عاصم بن عديّ جارية، فوجدها ذات زوج، فردّها.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا يكون بيعها طلاقًا، فإذا كانت ذات زوج فهذا عيب فيها، تردّ منه، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا الزهري، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة ثقة فقيه، كان في الطبقة الرابعة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة عن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل ثقة مكثر كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من\n_________\n(٧٩٤) إسناده صحيح.","vol":"4","page":66},{"text":"أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين أو أربع ومائة، وكان مولده سنة بضع وعشرين، كذا قاله ابن حجر (١) أن عبد الرحمن بن عوف فيه وضع الظاهر موضع الضمير دفعًا لتوهم غيره اشترى من عاصم بن عديّ جارية، أي: ظانًا أنها خالية من الزوج فوجدها ذات زوج، فردّها أي: بهذا العيب.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله عبد الرحمن بن عوف قوله: لا يكون بيعها طلاقًا، استئناف حيث قال بعضهم: يكون بيعها طلاقها فإذا كانت أي: ظهرت ذات زوج فهذا أي: كونها مزوجة عيب فيها، أي: بالنسبة إلى غرض المشتري تردّ به أي: إن شاء المشتري ردها وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\nوفي (المحيط): والنكاح في الدين عيب فيها أي: في العبد والجارية، وعند الشافعي: إن كان الدين عن شراء أو استقراض بغير إذن المولى فليس بعيب؛ لأنه يتأخر إلى ما بعد العتق، وإن كان من جناية في يد البائع ولم يفده فهي عيب.\n* * *\n\n٧٩٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، أن عبد الله بن عامر أهدى لعثمان بن عفان جارية من البصرة لها زوج، فقال عثمان: لن أقربها حتى يفارقها زوجها، فأرضى ابنُ عامر زوجَها وفارقها.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا ابن شهاب، أن عبد الله بن عامر أي: ابن ربيعة العنبري حليف بني عدي، يكنى محمد المدني، ولد على عهد النبي - ﷺ - ولأبيه صحبة مشهورة ووثقه العجلي، مات سنة بضع وثمانين. كذا في (التقريب) (٢) أهدى لعثمان بن عفان ﵁ جارية من البصرة لها زوج، فقال عثمان ﵁: لمن أقربها أي: بالقول حتى يفارقها زوجها، فأرضى ابنُ عامر زوجَها وفارقها. أي: فقبلها عثمان ﵁.\n_________\n(١) في التقريب (١/ ٦٤٥).\n(٧٩٥) إسناده صحيح.\n(٢) التقريب (١/ ٣٠٩).","vol":"4","page":67},{"text":"لما فرغ من بيان حكم حال الرجل يشتري الجارية ولها زوج أو تهدى إليه، شرع في بيان وقت الضمان قيمة البيع إلى ثلاثة أيام مطلقًا، أو إلى السنة لو اشترط البائع وللمشتري الخيار إلى السنة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-381>باب عهدة الثلاث والسنة</span>\nفي بيان وقت عهدة بضم العين المهملة وسكون الهاء وفتح الدال المهملة والفوقية أي: الضمان، وهي مبتدأ نكرة مخصصة بخبره، وهو الثلاث أي: ضمان البائع يشترط الخيار، والسنة عطف على الثلاث أي: ومدة ضمان البائع نقصان البيع إذا ظهر عيبه أو مدة رد المشتري إذا ظهر عيبه نحصر إلى السنة إذا اعتد بها، اعلم أن خيار الشرط أنواع: فاسد اتفاقًا كما إذا قال المشتري: اشتريت على أني بالخيار أيامًا أو على أني بالخيار أبدًا؛ لأنه علق الخيار بوقت مجهول، وجائز اتفاقًا وهو أن يقول: اشتريت على أني بالخيار ثلاثة أيام فما دونها، ومختلف وهو أن يقول المشتري: اشتريت على أني بالخيار شهرًا أو شهرًا وشهرين، فإنه فاسد عند أبي حنيفة وزفر والشافعي وجائز عند أبي يوسف ومحمد كما قاله في (الدرر).\n٧٩٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر، قال: سمعتُ أبان بن عثمان بن عفان وهشام بن إسماعيل يُعلِّمان الناس عهدةَ الثلاث وعهدة السنة؛ يخطبان به على المنبر.\nقال محمد: لسنا نعرف عهدة الثلاث ولا عهدة السنة، إلا أن يشترط الرجل للرجل خيار ثلاثة أيام أو خيار سنة، فيكون ذلك على ما اشترط، وأما في قول أبي حنيفة فلا يجوز الخيار إلا ثلاثة أيام.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا عبد الله بن أبي بكر، بن محمد بن عمرو بفتح العين ابن حزم بفتح الحاء المهملة والزاي الساكنة فميم، كذا في\n_________\n(٧٩٦) إسناده صحيح.","vol":"4","page":68},{"text":"نسخة وهو الأنصاري المدني القاضي بها، ثقة كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة وهو ابن سبعين سنة، كذا قاله ابن حجر (١) قال: سمعتُ أبان بفتح الهمزة وخفة الموحدة ابن عثمان بن عفان الأموي المدني، يكنى أبا سعيد المدني، ثقة كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة خمس ومائة وهشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي المكي مجهول، كان في الطبقة السابعة من طبقات التابعين من أهل مكة، مات بعد المائة، كذا في (تقريب التهذيب) (٢) وذكره ابن حبان في الثقات، ولي المدينة من طرف عبد الملك بن مروان، كذا قاله الزرقاني (٣) يُعلِّمان الناس عهدةَ أي: يذكر كل واحد من أبان بن عثمان وهشام بن إسماعيل إلى الضمان على البائع نقصان المبيع قوله: الثلاث والسنة خبرًا لمبتدأ محذوف، وتقديره: وقت الضمان على البائع بنقصان البيع إذا ظهر عيبه بعد العقد منتهى إلى ثلاثة أيام وإلى اثنى عشر شهرًا عند الإِمام مالك وأحمد لو لم يشترط البائع والمشتري الخيار إلى ثلاثة أيام بالاتفاق إذا اشترط الخيار إلى ثلاثة أيام، وإلى السنة؛ عند أبي يوسف ومحمد إذ اشترطت الخيار إلى السنة يخطبان به أي: بما ذكر على المنبر أي: ولا ينكر أحد عليهما، هذا الحديث (ق ٨٢٩) مقطوع وهو موقوف على التابعين، كذا قاله الخطيب البغدادي.\nقال محمد: لسنا نعرف عهدة الثلاث ولا عهدة السنة أي: لا في الكتاب ولا في السنة، إلا أن يشترط الرجل للرجل خيار ثلاثة أيام أو خيار سنة، فيكون ذلك أي: العقد على ما اشترط، أي: إذا لم يكن ذلك شرطًا وصلب العقد فلا عهدة، أي: فلا ضمان على البائع لا في ثلاثة أيام ولا في سنة وأما في قول أبي حنيفة فلا يجوز الخيار إلا ثلاثة أيام أي: فلا يجوز عهدة السنة عنده مطلقًا. وفي (المحيط): لو شرط الخيار أبدًا أو مطلقًا أو مؤقتًا بوقت مجهول فسد خلافًا لمالك وأحمد من حيث قال مالك في (الموطأ): ما أصاب العبد أو الوليدة في الأيام الثلاثة من حين يشتريان حتى تنقضي الثلاثة فهو من البائع، أي: ضمانه على البائع للمشتري رده وإن عهدة السنة من الجنون والجزام والبرص\n_________\n(١) في التقريب (١/ ٢٩٧).\n(٢) التقريب (١/ ٥٧٢).\n(٣) في شرحه (٣/ ١١٨).","vol":"4","page":69},{"text":"فهي قليلة الضمان كثيرة الزمان، فإذا مضت السنة ولم يظهر عيب المبيع فقد برئ البائع من العهدة والضمان.\nلما فرغ من بيان حكم وقت الضمان على البائع بنقصان المبيع إذا ظهر عيبه، شرع في بيان حكم بيع الولاء، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-382>باب بيع الولاء</span>\nفي بيان حكم بيع الولاء بفتح الواو واللام الممدودة لغة: بمعنى المقاربة والمناصرة، وشرعًا: عبارة عن عصوبة متراضية عن عصوبة النسب يرث منها المعتق، ويلي أمر النكاح والصلاة عليه، وقد ورد: \"الولاء لمن أعتق\" رواه أحمد (١) والطبراني (٢) عن ابن عباس، وفي رواية: \"الولاء لحمة كلحمة النسب، لا يباع ولا يوهب\" رواه الطبراني عن عبد الله بن أبي أوفى والحاكم والبيهقي عن ابن عمر ﵄.\n٧٩٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله - ﷺ - نهى عن بيع الولاء، وعن هبته.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا يجوز بيع الولاء ولا هبته، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا عبد الله بن دينار، العدوي مولاهم، يكنى أبا عبد الرحمن المدني مولى ابن عمر ثقة مات سنة سبع وعشرين ومائة عن عبد الله بن عمر: ﵄ أن رسول الله - ﷺ - نهى عن بيع الولاء، بفتح الواو وممدود وأصله من الولي، وهو القرب، وأما من الإِمارة فالولاء بكسر الواو، وقيل: بالوجهين، ويطلق على معان والمراد به هنا ولاء الأنعام بالعتق وعن هبته أي: نهى عن هبة\n_________\n(١) أحمد (١/ ٣٦١).\n(٢) الطبراني في الأوسط (١/ ١٩٢)، وفي الكبير (١١/ ٢٥٨).\n(٧٩٧) صحيح، تقدم.","vol":"4","page":70},{"text":"الولاء وكانوا في الجاهلية ينقلون الولاء بالبيع وغيره فنهى عن ذلك، وهذا الحديث من أفراد دينار، واحتاج الناس فيه إليه، كما قال أبو عمر وغيره حتى قال مسلم: الناس كلهم عيال على عبد الله بن دينار في هذا الحديث، وأخرج أبو يعلى وابن حبان عن ابن دينار عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب ولا يورث\" واللحمة بالضم الاختلاط كالاختلاط في النسب؛ فإنها تجري مجرى النسب في الميراث قال (الأبي): هذا منه - ﷺ - تعريف لحقيقة الولاء شرعًا، ولا تجد تعريفًا أتم منه، والمعنى أن بين العتق والعتيق نسبة تشبه نسبة النسب وليست به، ووجه (ق ٨٣٠) الشبه أن العبد لما فيه من الرق كالمعدوم في نفسه والمعتق صيَّره موجودا كما في الولد كان معدومًا فتسبب الآن في وجوده انتهى.\nوأصله قول ابن العربي: معنى الولاء لحمة كلحمة النسب أن الله أخرجه بالحرية إلى النسب حكمًا، كما أن الأب أخرجه بالنطفة إلى الوجود حسًا؛ لأن العبد كان كالمعدوم في حق الأحكام لا يقضي ولا يلي ولا يشهد، فأخرجه سيده بالحرية إلى وجود هذه الأحكام من عدمها فلما شابه حكم النسب أنيط بالعتق؛ فلذا جاء إنما الولاء لمن أعتق، وألحق برتبة النسب فنهى عن بيعه وعن هبته.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه ابن عمر عن رسول الله - ﷺ - لا يجوز بيع الولاء ولا هبته، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا أي: من أتباع أبي حنيفة.\n* * *\n\n٧٩٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر: أن عائشة زوج النبي - ﷺ - أرادت أن تشتري وليدة فتعتقها، فقال أهلها: نبيعك على أن ولاءها لنا، فذكرتُ ذلك لرسول الله - ﷺ - فقال: \"لا يمنعك ذلك فإنما الولاءُ لمن أعتق\".\nقال محمد: وبهذا نأخذ، الولاءُ لمن أعتق، لا يُتحوّل عنه، وهو كالنسب، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n_________\n(٧٩٨) صحيح، أخرجه البخاري (٨/ ١٩٣، ١٩٦)، ومسلم (١١٤١)، وابن سعد في الطبقات (٨/ ٦٣)، والنسائي (٧/ ٣٠٠)، وعبد الرزاق (١٣٠٠٨)، وأبو داود (٢٩١٥).","vol":"4","page":71},{"text":"• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا نافع، أي: ابن عبد الله المدني مولى ابن عمر ثقة فقيه ثبت مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع وعشرين ومائة عن عبد الله بن عمر: أن عائشة زوج النبي - ﷺ - الزوج والزوجة بمعنى امرأة الرجل لكن الزوج أفصح، قال تعالى لآدم: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] أرادت أن تشتري وليدة أي: جارية يقال لها: بريرة فتعتقها، أي: بعد شرائها والفاء عاطفة على تشتري، وفي رواية: لتعتقها باللام فقال أهلها: أي: ملاك الوليدة نبيعك بكسر الكاف خطاب لعائشة أي: الوليدة على أن ولاءها لنا، أي: لا لك فذكرت أي: عائشة ذلك أي: شرطهم لرسول الله - ﷺ - فقال: \"لا يمنعك نهي غائب أي: يا عائشة ذلك أي: الشرط عن شرائه؛ لأنه مخالف للشرع فإنما الولاءُ لمن أعتق\" بلام الاختصاص أي: لأن الولاء مختص بمن أعتق، كذا قاله الكرماني وجوزه غيره أن يكون للاستحقاق كما في قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] أو للصيرورة، وكل منها نفي أن يكون الولاء لغير من أعتق.\nقال المازري: فيه حجة لمالك والشافعي وأحمد أنه لا ولاء لملتقط اللقيط خلافًا لاستحقاق، ولا لمن أسلم على يديه خلافًا للحنفية، والولاء في جميعهم للمسلمين إلا أن يكون لأحدهم وارث.\nوقال أبو حنيفة ﵀: لكل أحد أن يوالي من شاء فيرثه والحديث على الجميع؛ لأن إنما للحصر تثبت الحكم للمذكور وتنفيه على من سواه، وعبر عنها بعضهم بتحقيق المتصل والمنفصل.\nقال الأبي: كلمة \"إنما\" مركبة من \"أن\" التي حرف توكيد و\"من ما\" التي هي حرف نفي والأصل بقاء الحروف على معانيها اعتد الضم لما استحال رد النفي إلى نفس المثبت، لما فيه من التناقض وجب حمله على إثباته للمذكور ونفيه عمن سواه، وبه عرف معنى لتحقيق المتصل وتمحيق المنفصل النهي فالقصر قصر القلب، والحديث رواه البخاري في العتق والبيع عن عبد الله بن يوسف، وفي الفرائض عن قتيبة بن سعيد، ومسلم عن يحيى: الثلاثة (ق ٨٣١) عن مالك، به كذا قاله الزرقاني.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه ابن عمر عن عائشة ﵂ الولاءُ لمن أعتق، أي: مطلقًا لا يُتحوّل عنه، أي: لا ينقل الولاء عن المعتق وعصبته","vol":"4","page":72},{"text":"لا يبيعه ولا يهبه وهو أي: الولاء كالنسب، أي: كلحمة في لزومه لأهله من غير تحوله شاؤوا أم أبوا لزومًا شرعيًا، وهو أي: مقصورية الولاء لمن أعتق قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\nقال الفقهاء: وعامة الشيء يطلق بإزاء معظم الشيء وبإزاء جميعه، والظاهر أن الخطاب أراد الكل ولو أراد الأكثر لما فرق العلماء والفقهاء، كذا قاله في شرح الألفية للعراقي.\nلما فرغ من بيان حكم بيع الولاء، شرع في بيان حكم بيع أم الولد، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-383>باب بيع أمهات الأولاد</span>\nفي بيان حكم بيع أمهات الأولاد، أي: من السراري إذا أقر بهم استأذنهن، أشار بصيغة الجمع إلى أنواع أمهات الأولاد، سواء كانت مدبرة لمسلم أو ذمي أو مكاتبة لهما، فإنهن لا يبايعن ولا يورثن، فإنهن كن حرائر يوضع حملهن من سيدها.\n٧٩٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر قال: قال عمر: أيُّما وليدة وَلَدت من سيدّها؛ فإنه لا يبيعها ولا يهبها ولا يُوَرّثها وهو يستمتع منها، فإذا مات فهي حرة.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا نافع، عن ابن عمر قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: أيُّما وليدة أي: جارية وَلَدت أي: وضعت حملها من سيدّها؛ فإنه لا يبيعها ولا يهبها ولا يُوَرّثها بالتخفيف والتشديد أي: لا يعطيها الإِرث من ماله وهو أي: سيدها الولد يستمتع منها، أي: ينتفع بالجماع والخدمة في نفس أم الولد، وفي نسخة: بها أي: بمدة حياتها، وفي رواية: ما عاش، أي: ما دام حيًا فإذا مات أي: سيدها فهي حرة وقال ربيعة: يتعجل عتقها.\n_________\n(٧٩٩) إسناده صحيح.","vol":"4","page":73},{"text":"قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: إنما نعمل بقول عمر بن الخطاب وهو أي: ما قاله عمر بن الخطاب قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا اتفق الأئمة الأربعة على أن أمهات الأولاد لا تباع. وهذا مذهب السلف والخلف إلا ما يحكى عن بعض الصحابة وقال أبو داود الأصفهاني وبشر الموسي: يجوز بيع أمهات الأولاد، ولا يعتق بموت الموالي، لما روى أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث جابر قال: بعنا أمهات الأولاد في عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر، فلما كان عمر نهانا عن ذلك فانتهينا، ثم نسخ وشاع نسخه زمن عمر، كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ عن بيان حكم بيع أمهات الأولاد، شرع في بيان حكم بيع الحيوان ببعضه نسيئة أو نقدًا.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-384>باب بيع الحيوان بالحيوان نقدًا ونسيئة</span>\nفي بيان حكم بيع الحيوان بالحيوان أي: ببعضه نسيئة أي: زمانًا متراضيًا ونقدًا، أي: متعجلًا غير متراخ.\n٨٠٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا صالح بن كَيْسَان، أن الحسن بن محمد بن علي أخبره: أن عليّ بن أبي طالب باع جملًا له يُدْعَى عُصَيْفِيرًا، بعشرين بعيرًا إلى أجل.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا صالح بن كَيْسَان، المدني، يكنى أبا محمد وأبا الحارث مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز، ثقة فقيه، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل (ق ٨٣٢) المدينة، مات سنة ثلاثين أو بعد الأربعين ومائة، كذا قاله ابن حجر (١) أن الحسن بن محمد أي: الباقر ابن علي بن أبي طالب الهاشمي، يكنى أبا محمد المدني وأبا محمد بن الحنفية، ثقة فقيه، يقال: إنه أول من تكلم في الإِرجاء لكنه في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة مائة أو\n_________\n(٨٠٠) إسناده صحيح.\n(١) في التقريب (١/ ٢٧٣).","vol":"4","page":74},{"text":"قبلها، كذا في (تقريب التهذيب) أخبره: أن عليّ بن أبي طالب ﵁ باع جملًا له بفتح الجيم والميم أي: بعيرًا ملكًا له يُدْعَى بضم التحتية وسكون الدال أي: يسمى عُصَيْفِيرًا، تصغير عصفور لقب به لسرعة سيره كالطير بعشرين بعيرًا أي: صغارًا إلى أجك أي: إلى وقت معين متراخ والبعير اسم الجنس كالإِنسان يقع على الذكر والأنثى، والجمل مختص بالذكر، والناقة مختصة بالأنثى، فإن قيل: ما الفائدة في البيع إلى أجل معين أجيب بأن فيه منافع مختلفة.\n* * *\n\n٨٠١ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن عبد الله بن عمر اشترى راحلةً بأربعة أبعرة مضمونة عليها يوفيها إياه بالربذة.\nقال محمد: بلغنا عن عليّ بن أبي طالب خلاف هذا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا نافع، أن عبد الله بن عمر اشترى راحلةً أي: مركبًا من الإِبل ذكرًا كان أو أنثى، وقيل: هي الناقة التي تصلح أن ترحل، وجمعها رواحل بأربعة أبعرة على زنة أفعلة جمع بعير، يقع على الذكر والأنثى مضمونة عليها أي: في ذمته يوفيها أي: صاحبها وافيا كاملًا إياه أي: صاحبها بالربذة متعلق بالمشتري، وهو بفتح الراء المهملة والموحدة والذال المعجمة، فكان معروفًا في قرب المدينة قد دفن أبو ذر الغفاري ﵁.\nقال محمد: بلغنا عن عليّ بن أبي طالب ﵁ خلاف هذا وقد تقدم تحقيق الخلاف في هذا عن غيره أيضًا، وفي نسخة: ذلك بدل لفظ هذا.\n* * *\n\n٨٠٢ - قال محمد: أخبرنا ابن أبي ذؤيب، عن يزيد بن عبد الله بن قُسَيْط، عن أبي حسن البزار، عن رجل من أصحاب رسول الله - ﷺ -، عن عليّ\n_________\n(٨٠١) إسناده صحيح.\n(٨٠٢) تقدم.","vol":"4","page":75},{"text":"ابن أبي طالب ﵁: أنه نهى عن بيع البعير بالبعيرين إلى أجل، والشاة بالشاتين إلى أجل، وبلغنا عن النبي - ﷺ -: أنه كان نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، فبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• قال محمد: أخبرنا مالك كذا في نسخة الشارح، أخبرنا ابن أبي ذؤيب تصغير ذئب مولى حازم بن حرملة الغفاري، مجهول، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، مات سنة بعد المائة عن يزيد بن عبد الله بن قُسَيْط، تصغير قسط ابن أسامة الليثي، يكنى أبا عبد الله المدني الأعرج، ثقة، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة اثنين وعشرين ومائة، وله تسعون سنة عن أبي حسن البزار، بالزاي ثم الراء المهملة عن رجل من أصحاب رسول الله - ﷺ -، عن عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه نهى عن بيع البعير بالبعيرين إلى أجل، أي: إلى وقت معلوم متأخر والشاة بالشاتين إلى أجل، أي: وهذا القياس في سائر الحيوانات وبلغنا عن النبي - ﷺ -: أنه كان نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، بفتح النون وكسر السين المهملة والهمزة المفتوحة والفوقية أي: وقتًا معلومًا متراخيًا، وروى أحمد وابن ماجه عن جابر مرفوعًا: لا بأس ببيع الحيوان واحد باثنين يدًا بيد فبهذا الحديث نأخذ، نعمل ونفتي وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\nوقال مالك في (موطئه): أنه سأل ابن شهاب (ق ٨٣٣) عن بيع الحيوان اثنين بواحد إلى أجل فقال: لا بأس بذلك أي: يجوز.\nوقال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا انتهى.\nلما فرغ من بيان حكم بيع الحيوان بالحيوان نسيئة ونقدًا، شرع في بيان حكم البيع على الشركة، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-385>باب الشركة في البيع</span>\nفي بيان حكم الشركة في البيع، وهي بفتح الشين المعجمة وكسر الراء وبكسرهما الاشتراك، وفي نسخة: في البيوع، والمراد بها شركة خاصة، وهي أن يكون المال لواحد والخدمة لآخر.","vol":"4","page":76},{"text":"٨٠٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا العلاءُ بن عبد الرحمن بن يعقوب، أن أباه أخبره، قال: أخبرني أبي، قال: كنتُ أبيعُ البزَّ في زمن عمر بن الخطاب ﵁، وأن عمر قال: لا يبيعن في سوقنا أعجمي، فإنهم لم يتفقهوا في الدين، ولم يقيموا الميزان والمكيال، قال يعقوب: فذهبتُ إلى عثمان بن عفان ﵁، فقلت له: هل لك في غنيمة باردة، قال: ما هي؟ قال: قلتُ: بَزٌّ قد علمتُ مكانَه، يبيعه صاحبه برخص لا يستطيع بيعه، أشتريه لك ثم أبيعه لك، قال: نعم، فذهبت فصفقت بالبزِّ ثم جئتُ به، فطرحته في دار عثمان، فلما رجع عثمان فرأى العُكومَ في داره، قال: ما هذا؟ قالوا: بَزٌّ جاء به يعقوب، قال: ادعوه لي، فجئتُ، قال: ما هذا؟ فقلتُ: هذا الذي قلتُ لك، قال: أنَظَرْتَهُ؟ فقلت: قد كفيتُك، ولكن رابَهُ حَرَسُ عمر، قال: نعم، فذهبتُ مع عثمان إلى حرس عمر، فقال: إن يعقوب يبيع بَزّي فلا تمنعوه، قالوا: نعم، فجئت بالبز السوقَ، فلم ألبث ثم جعلتُ ثمنه في مزودٍ وذهبتُ به إلى عثمان ﵁، وبالذي اشتريتُ البزّ منه، فقلت له: عُدَّ الذي لك، فاعتدّه وبقي مال كثير، قال: فقلتُ لعثمان: هذا لك، أما إني لم أظلم فيه أحدًا، قال: جزاك الله خيرًا، وفرح بذلك، قال: قلت: أما إني قد علمت مكان بيعة مثلها، أو أفضل، قال: وعائد أنت؟ قلت: نعم إن شئت، قال: قد شئت، قال: قلت فإني باغ خيرًا فأشركني، قال: نعم، بيني وبينك.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا بأس أن يشترك الرجلان في الشراء بالنسيئة، وإن لم يكن لواحد منهما رأس مال، على أن الربح بينهما، والوضيعة على ذلك، وإن ولي الشراء والبيع أحدهما دون صاحبه ولا يفضل واحد منهما صاحبَه في الربح فإنَّ ذلك لا يجوز أن يأكل أحدهما ربح ما ضمن صاحبه، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n_________\n(٨٠٣) إسناده حسن.","vol":"4","page":77},{"text":"• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا وفي نسخة: قال: بنا العلاءُ بن عبد الرحمن بن يعقوب، الحرقي بضم الحاء المهملة وفتح الراء المهملة بعدها قاف، يكنى أبا شبل بكسر الشين المعجمة وسكون الباء الموحدة المدني، صدوق ربما وهم، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة بضع وثلاثين ومائة كذا في (تقريب التهذيب) أن أباه أي: أبا العلاء، وهو عبد الرحمن بن يعقوب أخبره، أي: العلاء قال: أخبرني أبي، أي: يعقوب قال: كنتُ أبيعُ البزَّ بتشديد الزاي الثياب في زمن عمر بن الخطاب ﵁، وأن عمر قال: لا يبيعن بصيغة النهي، وفي نسخة: لا يبيعه بصيغة النفي والمراد النهي عن البيع والشراء في سوقنا أي: أهل المدينة أعجمي، أي: غير عربي فإنهم كالعبد لم يتفقهوا في الدين، أي: في مسائله الشرعية وأحكامه الفرعية قال تعالى في سورة التوبة: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩٧] والأعاجم كانوا في حكمها أوائل الإِسلام قبل (إحكام الأحكام)، ويقال: فقه كفرح إذا علم فهو فقيه وفقه بالضم مثله وقيل: الضم إذا صار الفقه سجية، كذا في (المصابيح) وقد ورد: \"الناس معادن كمعادن الذهب والفضة خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا\" أو ولم يقيموا الميزان وفي نسخة: والمكيال أي: بالعدل والاعتدال، وفيه دليل على جوازه منع الحطام بعض أهل السوق عن البيع والشراء مع العذر تخليصًا عن المصائب، وفيه دليل على وجوب علم البيع والشراء على أهل السوق، ولئلا يكونوا من الغدارين خرّج الحاكم والطبراني والبيهقي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين\" يعني: أن قومًا إذا نقصوا الكيل والوزن لم تنبت الأرض شيئًا سواء وقع مطر أو لم يقع وعاقبهم الله بالقحط وضيق القوت والعيش، وأول الحديث قال رسول الله - ﷺ -: \"خمس بخمس، ما نقص العهد قوم إلا سلط الله عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله ﷿ إلا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين (ق ٨٣٤) ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر\" وروى مسلم (١) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لكل\n_________\n(١) مسلم (٣/ ١٣٥٩).","vol":"4","page":78},{"text":"غادر لواء عند استه، يرفع في الجو بقدر غدره\" قوله: \"لواء\" علم لتشهيره بما جناه بوضع أسفله قوله: \"عندا سته\" بكسر الهمزة وسكون السين المهملة، وهو الدبر وقوله: \"بقدر غدره\" أي: بحسب غدره قوةً وضعفًا إهانةً له، وإعلامًا للخلائق عمله القبيح قال يعقوب: فذهبتُ إلى عثمان بن عفان ﵁، أي: في زمن خلافة عمر بن الخطاب ﵁ فقلت له: هل لك أي: ميل ورغبة في غنيمة باردة، أي: في منفعة وفائدة زائدة قال: أي: عثمان ما هي؟ أي: أيُّ غنيمة هي فائدة قال: قلتُ: بَزٌّ قد علمتُ مكانَه، يبيعه صاحبه أي: البز وهو الثوب، وفي نسخة: يبيع برخص بضم الراء المهملة وسكون الخاء المعجمة، ثم صاد مهملة، أي: يسر وسهولة عن قيمة السوق وسببه أنه لا يستطيع بيعه، أي: لأنه أعجمي ممنوع عن بيعه في السوق أو بسبب غير ذلك أشتريه لك أي: من مالك ثم أبيعه لك، أي: وكالة قال: أي: عثمان جوابًا لسؤال يعقوب نعم، أي: اشتره ثم بعه؛ لأن لي رغبة إلى فائدة زائدة فذهبت فصفقت بالبزِّ أي: اشتريت الثوب، وأصل الصفق وضع اليد على اليد في البيع والبيعة، ثم جعل عبارة عن العقد نفسه، وقول ابن عمر البيع صفقة أو خيار أي: بيع بات بخيار، كذا في (المغرب) ثم جئتُ به، أي: بالبز فطرحت أي: ألقيت في دار عثمان، فلما رجع عثمان فرأى العُكومَ بضم العين المهملة والكاف المضمومة وسكون الواو ثم ميم جمع العكم بكسر العين وسكون الكاف، يقال له بلسان التركي: بوك دنكي وبيوك جوال به ابجنده توبلر أوله، كذا في (الأختري) في داره، قال: ما هذا؟ أي: أيُّ شيء هذا قالوا: أي: خدامه بَزٌّ أي: ثوبًا جاء به يعقوب، قال: ادعوه لي، أي: فجاء الداعي من طرف عثمان، وقال: إن عثمان يطلبك فجئتُ، إليه فقال: أي: سألني بأن قال: ما هذا؟ فقلتُ هذا الذي قلتُ أي: أخبرت لك، بأن عمر منع أن يبيع رجلٌ أعجمي في سوقنا فإنهم لم يفقهوا في الدين، وأنا أعلم رجلًا خارج السوق يبيع ثوبًا أرخص مما يباع في السوق وأخبرتني؛ لأن أشتريه لك بقيمة يسيرة وأبيعه لك بفائدة زائدة قال: أي: عثمان أنَظَرْتَهُ؟ أي: هل أبصرت داخله فقلت: كفيتُك، أي: جعلتك كافيه أمره وفي نسخة: قد كفيتك ولكن رابني من الريب أي: أوقعني في شك حَرَسُ عمر، بفتح المهملتين وبعدهما سين مهملة، أي: حفاظ عمر في السوق والحاصل إنه خاف من جهتهم في شرائه، وبيعه قال: أي: يعقوب بفتح النون والعين المهملة وسكون الميم حرف (ق ٨٣٥) إعلام، كذا قاله ابن هشام في (مغني اللبيب)","vol":"4","page":79},{"text":"أي: أعلمك يا عثمان أن حجاب عمر في السوق يمنعوه البيع والشراء فذهبتُ مع عثمان إلى حرس عمر، فقال: إن يعقوب يبيع بَزّي أي: ثوبي فلا تمنعوه، أي: من بيعه في السوق قالوا: أي: الحراس نعم، أي: لا نمنعه فجئت بالبز السوقَ، فلم ألبث بفتح الموحدة أي: فلم أمكث ثم جعلتُ ثمنه في مزودٍ بكسر الميم وسكون الزاي وفتح الواو فدال مهملة، أي: وعاء، وأصله دعاء الزاد وذهبتُ وفي نسخة: ثم ذهبت به أي: بالمزود إلى عثمان وبالذي أي: البائع الذي اشتريتُ البزّ منه، أي: نسيئة فقلت له: أي: لبائعه عد بضم العين وتشديد الدال المفتوحة أمر أصله عُدَّ الذي أي: الثمن لك، من ثمنه فاعتدّه بتشديد الدال أي فعده وأخذه وبقي مال كثير، أي: زائد على قدر ثمنه قال: أي: يعقوب فقلتُ لعثمان: ﵁ هذا أي: ما بقي من مال بعد قضاء حق البائع لك، أي: خاصة أما بفتح الهمزة وتخفيف الميم حرف تنبيه إني لم أظلم فيه أي: في شرائي أو بيعي أحدًا، أي: لم أنقص حق أحد كقوله تعالى: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ الآية [الكهف: ٣٣] قال أي: عثمان راضيًا عن عملي جزاك الله خيرًا، وفرح بذلك، أي: بسبب قولي أني لم أظلم فيه أحد فرحًا كثيرًا قال: أي: يعقوب قلت: أي: لعثمان أما بالتخفيف إني قد علمت مكان بيعة أي: بيع صفقة بز مثلها، أي: مثل المنفعة أو أفضل، كلمة أو للتخيير أي: أزيد منها قال: أي: عثمان ليعقوب الحرقي وعائد أنت؟ أي: وراجع أنت في أمرك قال: أي: العلاء بن عبد الرحمن حاكيًا عن يعقوب بأنه قال قلت أي: لعثمان: نعم بفتح النون والعين وسكون الميم أي: اعلم أنك إن شئت، أي: إن أردت يا عثمان بأن أشتري الثوب الثوب بثمن قليل مما يباع في السوق وأبيعه بربح زائد والربح بيني وبينك على الشركة قال: أي: عثمان قد شئت، أي: رضيت قال: أي: يعقوب قلت: فإني باغ أي: طالب خيرًا أي: أنواع الخير فأشركني، أي: اجعلني معك في ربحك قال: نعم، بيني وبينك أي: الربح مناصفة، كما يدل عليه إطلاق العبارة.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: إنما نعمل بهذا الحديث لا بأس أي: لا كراهة أن يشترك الرجلان أي: مثلًا في الشراء بالنسيئة، وإن لم يكن لواحد منهما رأس مال، على أن الربح بينهما، والوضيعة على ذلك، يقال: وضع تجارته خسر ولم يربح، والوضيعة في معنى الحطيطة والنقصان تسمية، بالمصدر، وبيع المواضعة خلاف بيع المرابحة، كذا في (المغرب) قال أي: محمد وإن ولي الشراء والبيع أي: باشرها أحدهما دون صاحبه ولا","vol":"4","page":80},{"text":"يفضل واحد منهما صاحبَه في الربح فإنَّ ذلك أي: عقد الشركة لا يجوز أي: وسببه أن يأكل أحدهما ربح ما ضمن صاحبه، وهو قولُ أبي حنيفة، (ق ٨٣٦) والعامة من فقهائنا كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بالشركة، شرع في بيان ما يتعلق بالقضاء، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-386>باب القضاء</span>\nفي بيان ما يتعلق إلى القضاء، وهو في اللغة: الحكم والفراغ عن الأمر، وفي الشرع: الإِلزام وفصل الخصومات، وقطع المنازعات، وهو فرض كفاية بالإِجماع، فإن لم يصلح للقضاء إلا واحد تعين عليه، كذا قاله الشمني، أورد المصنف باب القضاء بعد الشركة؛ لأنه إنما يحتاج إذا كان بين الشريكين منازعة.\n٨٠٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن الأعرج، عن أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا يمنع أحدكم جاره أن يغرس خشبة في جداره\"، قال: ثم يقول أبو هريرة: ما لي أراكم عنها مُعرضين، والله لأرميّن بها بين أكتافكم.\nقال محمد: وهذا عندنا على وجه التوسّع من الناس بعضِهم على بعض، وحُسن الخُلق، فأما في الحكم فلا يُجْبرون على ذلك.\nبلغنا أن شُريحًا اختُصِم إليه في ذلك، فقال للذي وضع خشبة: ارفع رجلك عن مطيّة أخيك، فهذا الحكم في ذلك والتوسع أفضل.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، هو محمد بن مسلم الزهري التابعي المدني، ثقة كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة مات بعد المائة عن الأعرج، هو عبد الرحمن بن هرمز يكنى أبا داود المزني مولى ربيعة بن الحارث، ثقة ثبت عالم كان في\n_________\n(٨٠٤) صحيح، أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٤٦٣)، والبخاري في المظالم (٢٤٦٣)، ومسلم (٤٠٥٣)، (٤٠٥٤)، والشافعي في المسند (٢/ ١٩٣)، والحميدي في المسند (١٠٧٦)، وأبو داود (٣٦٣٤)، والترمذي (١٣٥٣)، وابن ماجه (٢٣٣٥)، والبيهقي في الكبرى (٦/ ٦٨).","vol":"4","page":81},{"text":"الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة بعد المائة كذا قاله ابن حجر (١) عن أبي هريرة: ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا يمنع بالرفع خبر بمعنى النهي، وفي رواية الجزم على أن لا ناهية، وعن أحمد: \"لا يمنعن\" بزيادة نون التأكيد، وهي تؤكد رواية الجزم أحدكم جاره أي: الملاصق.\nقال السيوطي: هذا أمر ندب عند الجمهور، وفيه أن الظاهر النهي تنزيه عندهم انتهى. كما يؤيد الخبر الذي أتاه - ﷺ - في موقع الاستثناء حيث قال: لا يمنع، ولم يقل: لا يمنعن لحمله أمته باللطف وجه على إتيانهم بمطلوبه، وهو عدم امتناعهم من أن يأذنوا جارهم بأن يضعوا خشبتهم على جدارهم، ولو أتى: بصيغة الإِنشاء ونهاهم عن امتناعهم عن الإِذن بذلك ولم ينتهوا عنه لكانوا عاصين الله ورسوله، ولذلك أتى بصيغة النفي في موقع النهي، فلا ينبغي أن يمنع أحد جاره أن يغرس أي: يضع خشبة في جداره\"، أي: فوق جداره خشبة جاره أو يدق مسمارًا في داخل جدار داره، وهي بالتنوين مفرد وفي رواية بالهاء بصيغة الجمع.\nوقال المزني عن الشافعي عن مالك: خشبه بلا تنوين بهاء الوقف، وقال عن يونس بن عبد الأعلى عن وهب عن مالك: خشبة بالتنوين.\nقال أبو عمر بن عبد البر: والمعنى واحد؛ لأن المراد بالواحدة الجنس.\nقال الحافظ: وهذا الذي يتعين للجمع بين الروايتين وإلا فقد يختلف المعنى؛ لأن أمر الخشبة الواحدة أخف في مسامحة الجار بخلاف الخشب الكثير لما فيه من الضرر، ثم يدعي ورثة صاحب الخشب أن الجدار لنا، ورجح ابن العربي رواية الإِفراد؛ لأن الواحدة مرفق، وهي التي يحتاج للسؤال عنها قال: أي: الأعرج ثم أي: بعد روايته هذا الحديث محافظة على العمل به وحضًا عليه لما رآهم توقعوا عنه يقول أبو هريرة: ما لي بسكون التحتية أو بفتحها (ق ٨٣٧) أراكم عنها أي: عن هذه السنة أو المقالة مُعرضين، كلمة \"ما\" هذا للتعجب وأن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه تعجب من حال نفسه في رؤيتهم بأنهم أعرضوا عن هذه السنة واشتغلوا عما سمعوا عنه، ولم يقبلوا عليها بل طأطؤوا ونكسوا رؤوسهم وأنكر عليهم إعراضهم ولا يخفى أنه لا معنى للاستفهام العاقل عن حال نفسه، كما أخبر تعالى لنبيه - ﷺ - عن تعجب سليمان صلوات الله على نبينا وعليه، حين لم ير\n_________\n(١) في التقريب (١/ ٣٥٢).","vol":"4","page":82},{"text":"الهدهد في مكانه فقال: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ [النمل: ٢٠] كذا في سورة النمل والله لأرميّن أي: لأطرحن بها أي: بالخشبة بين أكتافكم بالفوقية جمع كتف، وروي بالنون، وهي جمع كنف بفتحها، وهو الجانب يعني إن لم ترضوا وضع خشبة الجار في جدارهم لأطرحن بين أجنابكم، وهو للمبالغة في إجراء الحكم بهذه السنة، وقد كان أبو هريرة أمير بالمدينة وقاضيًا بها، والمعنى إن لم تقبلوا هذا الحكم وتعملوا به راضين لأجعلن الخشبة بين رقابكم كارهين.\nقال محمد: وهذا عندنا على وجه التوسّع من الناس أي: المساهلة والمسامحة بعضِهم على بعض، أي: في مقام الرفق وحُسن الخُلق، أي: مع عموم الخلق فأما في الحكم أي: القضاء الشرعي الحتم فلا يُجْبرون بصيغة المجهول، أي: فلا يقهر الجيران على ذلك أي: الرضا بذلك.\nبلغنا أن شُريحًا اختُصِم إليه في ذلك، بصيغة المجهول أي: تخاصم بعضهم بعض وترافعوا إلى شريح فقال أي: شريح للذي وضع خشبة: على جدار غيره دون إذنه ارفع رجلك عن مطيّة أخيك، بفتح الميم وكسر الطاء المهملة وفتح التحتية المشددة أي: دابة صالحة للركوب وما أحسن هذه العبارة في مقام الاستعارة فهذا أي: القول منه هو الحكم أي: الشرعي في ذلك أي: الأمر والتوسع أفضل أي: لمن يقبل، والله أعلم.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بالقضاء، شرع في بيان ما يتعلق بالهبة والصدقة، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-387>باب الهبة والصدقة</span>\nفي بيان ما يتعلق بحكم الهبة والصدقة، وهو من قبيل عطف الخاص على العام كعطف الروح على الملائكة في تنزل الملائكة والروح، فالهبة مصدر محذوف الأول معوض عنه هاء التأنيث، وأصله وهب بتسكين الهاء وتحريكها ومعناها لغة: تبرع وتفضل بما ينفِع الموهوب له مطلقًا، أي: سواء كان مالًا أو غيره، قال الله تعالى في سورة مريم: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ [مريم: ٥] وقال تعالى في سورة حم عسق: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ [الشورى: ٤٩] وشرعًا: تمليك عين بلا عوض. كذا قاله في (شرح النقاية) والغرر.","vol":"4","page":83},{"text":"٨٠٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا داود بن الحُصين، عن أبي غطَفَان بن طريف المرّي، عن مروان بن الحكم، أنه قال: قال عمر بن الخطاب: مَنْ وَهَبَ هبةً لصلةِ رحم، أو على وجه صدقةٍ، فإنه لا يرجع فيها، ومن وهب هبة يرى أنه إنما أراد بها الثواب فهو على هبته، يرجع فيها إن لم يرض منها.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، من وهب هبة لذي رحم محرم أو على وجه صدقة وقبضها الموهوب له، فليس للواهب أن يرجع فيها، ومن وهب هبة لغير ذي رحم محرَم وقبضها فله أن يرجع فيها إن لم يُثب منها، أو يُزَدْ خيرًا في يده، أو تخرج من ملكه إلى ملك غيره، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك، وفي أخرى: محمد قال: ثنا مالك أخبرنا داود بن الحُصين، الأموي مولاهم، يكنى أبا سليمان المدني، ثقة إلا في عكرمة ورأى برأي الخوارج لكن لمن يكن داعية، وثقه ابن معين والنسائي والعجلي وكفى برواية مالك عنه توثيقًا. كذا قاله ابن حجر (١) والزرقاني عن أبي غطَفَان بالفتحات فألف ونون ابن طريف بالتصغير المرّي، المدني، وقيل: اسمه سعد، ثقة كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة كذا في (تقريب التهذيب) عن مروان بن الحكم بن العاص بن أمية، يكنى أبا عبد الملك الأموي المدني، ولي الخلافة من جهة معاوية في آخر سنة أربعة وستين، ومات سنة خمس في رمضان وله ثلاث أو إحدى وستون سنة، لم يثبت له صحبة، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل المدينة والمحدثين أنه قال: قال عمر بن الخطاب: ﵁: \"أن\" كذا في نسخة مَن وَهَبَ هبةً لصلةِ رحم، أي: لقرابة قريبة أو على وجه صدقةٍ، أي: بإعطاء فقير على طريق شفقة فإنه لا يرجع فيها، أي: لا يصح له الرجوع في تلك الهبة ومن وهب هبة يرى بصيغة\n_________\n(٨٠٥) أخرجه الشافعي في الأم (٤/ ٦١)، وعبد الرزاق في المصنف (٧/ ١٧٧)، (٩/ ١٠٥، ١٠٦، ١٠٧)، وهو في الموطأ برواية أبي مصعب (٢٩٤٧).\n(١) في التقريب (١/ ١٩٨).","vol":"4","page":84},{"text":"المجهول أي: يظن أنها أي: الواهب إما أراد بها الثواب المكافأة والعوض في الدنيا فهو على هبته، أي: حكم يرجع فيها أي: يجوز له أن يعود في هبته إن لم يرض بصيغة المجهول منها أي: من أهل هبتها.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه داود بن الحصين عن أبي غطفان من وهب هبة لذى رحم محرم أو على وجه صدقة وقبضها الموهوب له، فليس للواهب أن يرجع فيها، أي وقبل القبض له أن يرجع فيها بلا خلاف ومن وهب هبة لغير ذي رحم محرم وقبضها أي: ولو قبضها فله أن يرجع فيها إن لم يُثب بضم التحتية وفتح المثلثة وسكون الموحدة أي: ما لم يعوض منها، يقال: ثاب يثوب إذا رجع وعاد، ومنه الثواب والجزاء؛ لأنه نفع يعود إلى المجزي أو يُزَدْ بصيغة المجهول أي: ولم يزد خيرًا أي: زيادة منفعة متصلة في نفس الموهوب كبناء وغرس وسمن في يده، أي: في تصرف الموهوب له، ووجه كون الزيادة قانعة إلى الرجوع وهو يصح في الموهوب والزيادة، ليست بموهبة، فلم يصح الرجوع فيها والفصل غير ممكن ليرجع في الأصل لا الزيادة فامتنع الرجوع أو تخرج من ملكه إلى ملك غيره، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، واعلم أن الرجوع يصح لمن وهب هبة لأجنبي عنها بتراض أو حكم قاض.\nوقال مالك والشافعي وأحمد في ظاهر مذهبه: لا يصح الرجوع في الهبة إلا للوالدين فيما وهبا لولدهما لهم ما روى أصحاب السنن الأربعة وقال الترمذي: حديث حسن عن ابن عباس وابن عمر أن النبي - ﷺ - قال: \"لا يحل لرجل أن يعطي عطيته فيرجع فيها الوالد فيما يعطي لولده، ومثل الذي يعطي عطيته فيرجع فيها كمثل الكلب يأكل فإذا شبع قاء، ثم عاد في قيئه\" وما رواه الجماعة إلا الترمذي من حديث أبي هريرة وابن عباس وابن عمر ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: \"العائد في هبته كالعائد في (ق ٨٣٩) قيئه\" (١) ولنا ما روى ابن ماجه (٢) من حديث أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال \"الرجل أحق بهبته ما لم يثب منها\" وأجيب عمَّا روى بأن المراد نفي الاستيلاء بالرجوع إلا الوالد، وبيان\n_________\n(١) صحيح، أخرجه البخاري (٣/ ٢١٥)، ومسلم في الهبات (ب ٢) رقم (٨)، وأبو داود (٣٥٣٨)، والنسائي (٦/ ٢٦٦، ٢٦٧)، وابن ماجه (٢٣٨٥)، والبيهقي في الكبرى (١٨٠)، والطبراني (١٠/ ٣٥٢)، (١١، ٤٦).\n(٢) ابن ماجه (٢/ ٧٩٨).","vol":"4","page":85},{"text":"حرام الكرامة جمعًا بين الحديثين ثم المانع في الرجوع سبعة أشياء: الزيادة المتصلة، وموت أحدهما، وعوض أضيف إليها، وخروجها من ملك الموهوب له، والزوجية وقت الهبة، والقرابة المحرمية، وهلاك الموهوب، وضابطها حروف دمع خزقة، فالدال الزيادة والميم موت الواهب أو الموهوب له والعين العوض، والخاء خروج الهبة عن ملك الموهوب له، والزاي الزوجية، والقاف القرابة، والهاء هلاك الموهوب، كذا قاله علي القاري.\n\nلما فرغ عما يتعلق بالعطية المنتهية إلى موت الموهوب له، شرع في بيان أحكام<span data-type=\"title\" id=toc-388> باب النحلى</span>، فقال: هذا\n* * *\n\nباب النُحْلَى\nفي بيان النحلى بضم النون وسكون الحاء المهملة وفتح اللام وقصر الألف أي: العطية مطلقًا، والنحل بضم النون وسكون الحاء المهملة ثم اللام مصدر أي: إهداء العطية إلى الغير، يقال: نحلته من العطية أنحله نحلة من باب [] (١) كذا قاله محمد الواني، وإما بكسر النون وفتح الحاء المهملة ثم لام فجمع نحلة قال تعالى في سورة النساء: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤] أي: هبة من الله لهن وفريضة عليكم كذا قاله الزرقاني (٢).\n٨٠٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيَّب: أن عثمان بن عفان ﵁ قال: من نحل وَلَدًا له صغيرًا لم يبلغ أن يَجُوزَ نُحْلة فأعلن بها وأشهد عليها فهي جائزة، وإن وليها أبوه.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، وينبغي للرجل أن يسوِّي بين ولده في النِّحلة، ولا يفضل بعضهم على بعض، فمن نحل نَحلةً وَلَدًا أو غيره فلم يقبضها الذي نَحَلها حتى مات الناحل أو المنحول فهي مردودة على الناحل، وعلى ورثته،\n_________\n(١) طمس بالأصل.\n(٢) في شرحه (٤/ ٥٢).","vol":"4","page":86},{"text":"ولا تجوز للمنحول حتى يقبضها، إلا الولد الصغير؛ فإن قبض والده له قبضٌ، فإذا أعلنها وأشهد عليها فهي جائزة لولده، ولا سبيل للوالد إلى الرجعة فيها، ولا إلى اعتصارها، بعد أن أشهد عليها، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيَّب: أن عثمان بن عفان ﵁ قال: من نحل وَلَدًا له صغيرًا لم يبلغ أن يَجُوزَ نُحْلة فأعلن بها وأشهد عليها فهي جائزة، وإن وليها أبوه.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، وينبغي للرجل أن يسوِّي بين ولده في النِّحلة، ولا يفضل بعضهم على بعض، فمن نحل نَحلةً وَلَدًا أو غيره فلم يقبضها الذي نَحَلها حتى مات الناحل أو المنحول فهي مردودة على الناحل، وعلى ورثته، ولا تجوز للمنحول حتى يقبضها، إلا الولد الصغير؛ فإن قبض والده له قبضٌ، فإذا أعلنها وأشهد عليها فهي جائزة لولده، ولا سبيل للوالد إلى الرجعة فيها، ولا إلى اعتصارها، بعد أن أشهد عليها، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا] (١).\n* * *\n_________\n(١) لم يتعرض المصنف - ﵀ - لشرح هذا، فلعله سقط من نسخة المصنف، والله أعلم.","vol":"4","page":87},{"text":"٨٠٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن حُميد بن عبد الرحمن بن عوف، وعن محمد بن النُّعمان بن بَشير، يُحدّثانه، عن النُّعمان بن بشير، أنه قال: إن أباه أتى به إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: إني نَحَلْتُ ابني هذا غلامًا كان لي، قال له رسول الله - ﷺ -: \"أكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَه مثل هذا؟ \" قال: لا، قال: \"فأرجعه\".\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك، وفي أخرى: ثنا بدل بنا أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم الزهري، ثقة ثبت كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة خمس ومائة على الصحيح وعن محمد بن النُّعمان بن بَشير، الأنصاري يكنى أبا سعيد، ثقة كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات بعد المائة عطف المصنف محمد بن النعمان على حميد إشعارًا لتحويل السند لتقوي الحكم يُحدّثانه، أي: ابن شهاب عن النُّعمان بن بشير، أنه قال: إن أباه أي: بشير بن سعد بن مثلبة بن الجلاس بضم الجيم وتخفيف اللام وآخره مهملة، الخزرجي البدري وشهد غيرها، ومات في خلافة أبي بكر سنة ثلاث عشرة ويقال: إنه من بايع أبا بكر من الأنصار، وقيل: عاش إلى خلافة عمر، وقد روى هذا الحديث عن النعمان عدد كثير من التابعين منهم: عروة بن الزبير عند مسلم وأبي داود والنسائي أتى به أي: انطلق بي أبي يحملني إلى رسول الله - ﷺ -، ولابن حبان فأخذ بيدي وأنا غلام، وجمع بينهما بأنه أخذ بيده فمشى معه بعض الطريق وحمل في بعضها لضعف أو عبر عن استتباعه إياه بالحمل فقال: إني نَحَلْتُ بفتح النون والحاء المهملة وسكون اللام أي: أعطيت ابني هذا أي: النعمان غلامًا أي: عبد كان لي، أي: مملوكًا، وفي الصحيحين عن الشعبي عن النعمان أعطاني، فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله - ﷺ - فأتاه فقال: إني أعطيت (ق ٨٤٠) ابني من عمرة عطية، ولمسلم والنسائي: سألت أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله فالتوى بها سنة أي: مطلها، ولابن حبان: حولين، وجمع بأن المدة أزيد من سنة فجبر الكسره تارة وألقى أخرى قال: ثم بدا له فوهبها لي فقالت: له لا أرضى\n_________\n(٨٠٧) صحيح، أخرجه البخاري (٢٥٨٦)، ومسلم في الهبات (١٦٢٣)، والنسائي (٦/ ٢٥٨)، والترمذي (١٣٦٧)، وأبو داود (٣٥٤٢)، وابن ماجه (٢٣٧٥).","vol":"4","page":88},{"text":"حتى تشهد النبي - ﷺ - قال له رسول الله - ﷺ -: زاد في رواية للشيخين: فقال: \"ألك ولد سواه\" قال: نعم، قال: \"أكُلَّ وَلَدِكَ بهمزة الاستفهام الاستخباري والنصب بقوله: نحلت أي: أعطيت مثل هذا؟ \" ولمسلم: \"أكلهم وهبت مثل هذا الغلام\" قال: لا، وللدارقطني عن مالك قال: لا والله يا رسول الله.\nوقال مسلم لما رواه من طريق الزهري عن يونس ومعمر فقال: \"أكل بنيك\"، وأما الليث وابن عيينة فقال: أكل ولدك.\nوقال الحافظ: ولا منافاة بينهما؛ لأن لفظ ولد يشمل الذكور والإِناث، وإما بنين فإن كانوا ذكورًا فظاهر وإن كانوا إناثًا وذكورًا، فعلى سبيل التغليب، ولم يذكر ابن سعد لبشير ولدًا غير النعمان، وذكر له بنتًا اسمها أبية بموحدة، تصغير أبي قال: أي: رسول الله - ﷺ - \"فأرجعه\" أي: رد العبد إليك، وهذا أمر استحبابي عند الجمهور، ففي كتاب (الرحمة): من وهب لأولاده شيئًا استحب له أن يسوي بينهم عند أبي حنيفة ومالك، وهو الراجح من مذهب الشافعي وذهب أحمد ومحمد بن الحسن إلى أنه يفضل الذكور على الإِناث كقسمة الإِرث وهو وجه في مذهب الشافعي، وتخصيص بعض الأولاد بالهبة مكروه بالاتفاق لا يلزمه، وقال أحمد: يلزمه الرجوع، كذا قاله علي القاري والزرقاني.\n* * *\n\n٨٠٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عُروة، عن عائشة، أنها قالت: إن أبا بكر كان نَحَلَها جذَاذَ عشرين وسقًا، من ماله بالعالية، فلما حضرته الوفاة، قال: والله يا بُنَيَّة، ما من الناس أحدٌ أحبّ إليَّ غنيً بعدي منكِ، ولا أعزَّ عليَّ فقرًا منكِ، وإني كنتُ نحلتُك من مالي جَذَاذَ عشرين وسقًا، فلو كنت جذذتيه واحتزيته كان لك، وإنما هو اليوم مال وارث؛ وإنما هو أخوكِ وأختاكِ، فاقتسموه على كتاب الله، قالت: يا أبتِ، والله لو كان كذا وكذا لتركته، إنما هي أسماء، فمنِ الأُخرى، قال: ذُو بَطْنٍ بنتِ خارجة، أراها جاريةً، فولَدت جارية.\n_________\n(٨٠٨) إسناده صحيح.","vol":"4","page":89},{"text":"• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم الزهري عن عُروة بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي المدني، يكنى أبا عبد الله المدني ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل المدينة مات سنة أربع وتسعين على الصحيح عن خالته عائشة، ﵂ أنها قالت: إن أبا بكر الصديق أي: عبد الله بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة التيمي أبي بكر بن أبي قحافة الصديق الأكبر، خليفة رسول الله - ﷺ -، مات في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة وله ثلاث وستون سنة كان نَحَلَها أي: وهب لها جذَاذَ بكسر الجيم وضمها وبالدالين المهملين، وقيل بالمعجمتين، أي: حصاد عشرين وسقًا، أي: من نخله إذا جد أي: قطع، وهو بفتح الواو قدر ستين صاعًا، وفي نسخة جاد بفتح الجيم والدال المهملة الثقيلة بينهما ألف من ماله بالغابة، بالغين المعجمة وبفتح الموحدة وبينهما ألف ثم الهاء، وصحف من قالها بتحتية، وهو موضع على بريد المدينة في طريق الشام، ووهم من قال من عوالي المدينة، كان بها أملاك لأهلها استولى عليها الخراب وغلط القائل أنها شجر لا مالك له، بل لاحتطاب الناس ومنافعهم فلما حضرته الوفاة، أي: أسبابها وعلائمها قال: والله يا بُنَيَّة، بالتصغير للبنت للشفقة ما من الناس أحدٌ أحبّ إليَّ غنيً بعدي منكِ، بكسر الكاف أي: من أولادي وغيرهم ولا أعزَّ أي: أشد وأشق عليّ فقرًا أي: حاجة منكِ، أي: فإنك (ق ٨٤١) محبوبة أيضًا من أجل كونك زوجة لحبيب الله ومحبوبه والتوسع عليك كالتوسع عليه - ﷺ -، وفيه أن الغنى أحب إلى الفضلاء من الفقر وإني قد كنت نحلتُك من مالي جَذَاذَ أي: حصاد عشرين وسقًا، وقد سبق معنى الوسق آنفًا فلو كنت جذذتيه بفتح الجيم والدال المهملة الأولى وإسكان الثانية أي: قطعتيه واحتزتيه بفتح الواو العاطفة وسكون الحاء المهملة وفتح الفوقية وسكون الزاي وكسر الفوقية وسكون التحتية المتولدة فيهما من كسرتيهما أي: جزيتيه وقطعتيه كان لك، أي: قطعًا ولا يشاركك أحد في حياتي ولا في مماتي، لأن الحيازة والقبض شرط تمام الهبة، فإن وهب الثمر على الكيل فلا يكون الحيازة إلا بالكيل بعد الجد، ولذا قال: جددتيه واحتزتيه. كذا قاله سعيد بن زيد الباجي المالكي.\nوقال أبو عمر بن عبد البر: اتفق الخلفاء الأربعة على أن الهبة لا تصح إلا مقبوضة، وبه قال الأئمة الثلاثة.","vol":"4","page":90},{"text":"وقال أحمد وأبو ثور: تصح الهبة والصدقة بلا قبض، روى ذلك عن علي من وجه لا يصح فإنما هو أي: الوارث أخواكِ أي: عبد الرحمن ومحمد وأختاكِ، أي: إحديهما أسماء امرأة الزبير بن العوام وأخرى الموجودة في بطن امرأة أبي بكر فإنها كانت حيلة في أم كلثوم عن أبي بكر الصديق فاقتسموه أي: المال على كتاب الله، أي: حكمه المستفاد من الكتاب والسنة وإجماع الأمة قالت: أي: عائشة فقلت: كما في (الموطأ) لمالك برواية يحيى يا أبتِ، بكسر التاء وفتحها وقرئ بها في السبعة والله لو كان أي: الجذاذ أو مالك كذا وكذا كناية عن شيء كثير زيد مما وهبه لها لتركته، لبقية ورثتك اتباعًا للشرع وطلبًا لرضاك إنما هي أي: أختي أسماء، هي وحدها مع أخي محمد فمنِ الأُخرى، أي: الأخت التي ذكرتها، وهي ليست موجودة معنا قال: أي: أبو بكر الصديق ذُو بَطْنٍ أي: صاحبة بطن بمعنى الكائنة في بطن حبيبة بنتِ خارجة بن زيد بن أبي زهرة بن مالك الأنصاري الخزرجي صحابية بنت صحابي شهد بدرًا، وآخى النبي - ﷺ - بينه وبين أبي بكر ويقال: إنه استشهد بأحد أراها بضم الهمزة أي: أظن الجنين، فضمير الجنين مؤنثًا باعتبار جاريةً، أي: بنتًا بمكاشفة أو برؤيا صادقة فولَدت أي: امرأة أبي بكر الصديق بنت خارجة بعد موته جارية أي: أنثى فسميت أم كلثوم وهذا عُدَّ من كرامات أبي بكر الصديق. هذا الحديث موقوف على أبي بكر.\nقال الحافظ العراقي في (شرح الألفية): والموقوف ما قصرته بواحد من الصحابة قولًا أو فعلًا أو نحوهما ولم يتجاوز به إلى النبي - ﷺ - سواء اتصل إسناده إليه أم لم يتصل انتهى.\n* * *\n\n٨٠٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عُروة بن الزُّبير، عن عبد الرحمن بن عبد القاريِّ: أن عمر بن الخطاب قال: ما بالُ قوم يَنْحَلون أبناءَهم نُحْلًا، ثم يُمسكونها، فإن مات ابنُ أحدهم قال: ما لي بيدي ولم أعطه أحدًا، وإن مات هو قال: هو ابني كنتُ أعطيته إياه، من نحل نحلة لم يحزها الذي نحلها حتى تكون إن مات لورثته فهو باطل.\n_________\n(٨٠٩) إسناده صحيح، أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٩/ ١٠٢).","vol":"4","page":91},{"text":"• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك، وفي أخرى: ثنا بالمثلثة ونون بدل بنا أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم الزهري التابعي المدني، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، كانت في الإِقليم الثاني (ق ٨٤٢) من الأقاليم السبعة، مات بعد المائة عن عُروة بن الزُّبير، بن العوام بن خويلد الأسدي المدني يكنى أبا عبد الله المدني، ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين على الصحيح. كذا في (تقريب التهذيب) (١) عن عبد الرحمن بن عبد بدون إضافة القاريِّ بتشديد التحتية نسبةً إلى القارة بطن من خزيمة بن مدركة المدني، عامله عمر بن الخطاب على بيت المال يقال: إنه رأى النبي - ﷺ -، وذكره العجلي في ثقات التابعين، واختلف الواقدي فيه قال: تارة له صحبة، وتارة: تابعي، مات سنة ثمان وثمانين. كذا قاله الزرقاني أن عمر بن الخطاب قال: ما بالُ أي: كيف رجال قومٍ يَنْحَلون بفتح أوله وثالثه أي: يعطون أبناءَهم نُحْلًا، بضم النون وسكون الحاء المهملة أي: عطيته بلا عوض ثم يُمسكونها، أي: عندهم ولا يقضون العطية لهم قال أي: عمر فإن مات ابنُ أحدهم أي: المنحول قال: أي: الأب ما لي بيدي ولم أعطه أحدًا، وإن ما هو قال: هو أي: إن قرب الأب إلى موته قال الأب عند موته: هو أي: المنحول لابني كنتُ أعطيته إياه، أي: ليحرم باقي ورثته من الإِرث، ولا يصح له ذلك إن لم يقع القبض في الهبة في حياته من نحل نحلة بضم النون وكسرها وسكون الحاء المهملة فلام أي: من وهب عطيته لم يحزها بضم الحاء المهملة وسكون الزاي أي: لم يضم الواهب تلك العطية إلى الذي نحلها بصيغة المجهول أي: أعطيها حتي تكون بالتاء الفوقية أي: النحلة وبالياء التحتية أي: الذي نحل له، وفي المعنى قلب كما كان في قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ الآية [البينة: ٤] فقوله: لم يحزها من حاز يجوز أي: جمع جمعًا، كقال يقول قولًا صفة حقيقية لقوله: نحلة وحكمًا لجملة نحل، كما يؤيده ما في (الموطأ) لمالك بالفاء حيث قال: من نحل نحلة فلم يحزها. فالموصول مع صلته منصوب محله؛ لأنه مفعول ثان لقول نحل فكلمة حتى بمعنى كي التعليلية، كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧] وكقولك: أسلم حتى تدخل\n_________\n(١) التقريب (١/ ٣٨٩).","vol":"4","page":92},{"text":"الجنة، فالمعنى من وهب عطية إلى ابن لورثته فهي أي: العطية غير مقبوضة باطل أي: حكمها لأن القبض شرط في صحة الملك للهبة، وهذا إن كان ولده المنحول كبير بخلاف ما إذا كان صغيرًا؛ لأن تصرف الأب كتصرف الابن الصغير.\n* * *\n\n٨١٠ - أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيَّب، أن عثمان بن عفان قال: من نحل ولدًا له صغيرًا لم يبلغ أن يحوز نُحلة فأعلن بها وأشهد عليها فهي جائزة، وإن وليها أبوه.\nقال محمد: وبهذا كله نأخذ، ينبغي للرجل أن يسوي بين ولده في النحلة، ولا يفضل بعضهم على بعض، فمن نحل نحلة ولدًا أو غيره فلم يقبضها الذي نحلها حتى مات الناحل والمنحول فهي مردودة على الناحل وعلى ورثته، ولا تجوز للمنحول حتى يقبضها إلا الولد الصغير، فإن قبض والده له قبض فإذا أعلنها وأشهد بها فهي جائزة لولده ولا سبيل للوالد إلى الرجعة فيها، ولا إلى اغتصابها، بعد أن أشهد عليها، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، حدثنا وفي نسخة: عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيَّب، أن عثمان بن عفان ﵁ قال: من نحل أي: من وهب ولدًا له صغيرًا لم يبلغ أي: لم يصل إلى أن يحوز أي: إلى أن يضم الموهوب له إلى نفسه نُحلة فأعلن أي: فأعلم أبوه بها أي: النحلة قوله: وأشهد عليها كالتفسير لما قبلها فهي أي: جائزة، وإن وليها أي: متصرف النحلة أبوه أي: لأن تصرفه بمنزلة تصرف ولده.\nقال محمد: وبهذا كله نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما ذكر في هذا الباب ينبغي للرجل أن يسوي بين ولده (ق ٨٤٣) بفتحتين أو بضم فسكون أي: أولاده في النحلة، أي: القطعة الموهوبة ولا يفضل بعضهم على بعض، أي: في النحلة فمن نحل أي: وهب نحلة أي:\n_________\n(٨١٠) إسناده صحيح.","vol":"4","page":93},{"text":"عطية ولدًا أو غيره أي: كالأخ وغيره قريبًا أو أجنبيًا فلم يقبضها أي: العطية الذي نحلها بصيغة المجهول، أي: أعطى له العطية حتى مات أي: غاية موته الناحل والمنحول فهي أي: النحلة مردودة على الناحل أي: إن مات المنحول وعلى ورثته، أي: إن مات الناحل ولا تجوز للمنحول أي: أن يتصرف في النحلة حتى يقبضها إلا الولد الصغير، فإن قبض أي: في حكم قبضه والده له قبض فإذا أعلنها وأشهد بها فهي جائزة لولده ولا سبيل للوالد إلى الرجعة فيها، أي: إلى الرجوع في أخذها عنه ولا إلى اعتصارها، وفي نسخة: اغتصابها أي: أخذها عنه علانية بعد أن أشهد عليها، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\nلما فرغ من بيان حكم النحل والنحل، شرع في بيان ما يتعلق بالعمري والسكنى، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-389>باب العمرى والسكنى</span>\nفي بيان ما يتعلق بحكم العمرى والسكنى بضم أولهما وسكون أوسطهما وقصر آخرهما، وحكى ضم العين والميم وفتح العين وإسكان الميم، يقال: أعمرته دارًا أو أرضًا أو إبلًا إن أعطيته إياها، وقلت له: هي لك عمرى أو عمرك فإذا مرت رجعت إلي والسكنى كذلك وهو أن يجعل مسكنها في مدة عمره وبعدها إلى صاحبها قال: لبيد الشاعر:\nوما المال إلا معمرات ودائع ... ولا بد يومًا أن ترد الودائع\nوقال سعيد بن زيد الباجي المالكي: هي هبة منافع الملك عمر الموهوب له، أو مدة وعمر عقبة لا هبة الرقبة.\nقال أبو عمر بن عبد البر: وسواء عند مالك وأصحابه ذكر ذلك لفظ العمرى أي: كقوله: أعمرتك داري أو الاعتمار أو السكنى والاغتلال أو الإِرفاق أو الإِنحال، أو نحو ذلك من ألفاظ العطايا. كذا قاله الزرقاني (١).\n_________\n(١) في شرحه (٤/ ٦٠).","vol":"4","page":94},{"text":"٨١١ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"أيُّما رجل أُعْمِرَ عُمْرَى له ولعقبه؛ فإنها للذي يُعطاها؛ لا ترجع إلى الذي أعطاها؛ لأنه أعطى عطاءً وقعت المواريث فيه\".\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، وقيل: كنيته، ثقة مكثر، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين ومائة كذا قاله ابن حجر عن جابر بن عبد الله: الأنصاري الصحابي أن رسول الله - ﷺ - قال: \"أيُّما بفتح الهمزة وضم التحتية المشددة فميم ثم ألف مرفوع على إنه مبتدأ واستفهامية متضمنة معنى الشرط، وما زائدة لتأكيد الإِبهام والتعميم أي: في أي، ومضاف إلى رجل أي: إنسان أُعْمِرَ بضم أوله مبنى للمفعول صفة رجل عُمْرَى على زنة صلبى كاعتمرتك هذه الدار مثلًا له ولعقبه؛ أي: لورثته.\nقال النووي: العقب بفتح العين المهملة وكسر القاف أولاد الإِنسان ما تناسلوا انتهى. فإنها أي: العمرى، وهي الدار للذي يُعطاها؛ بصيغة المفعول وفي رواية: أعطيها ألا ترجع أي: لا تعود العمرى إلى الذي أي: المعطي أعطاها: هذا آخر المرفوع وقوله (ق ٨٤٤): لأنه أعطى عطاءً وقعت المواريث فيه\" مدرج من قول أبي سلمة بين ذلك ابن أبي ذئب عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن جابر عن النبي - ﷺ -: \"إنه قضى فيمن أعمر عمرى له ولعقبه فهي له قبله، لا يجوز للمعطي فيها شرط\".\nقال أبو سلمة: لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث فقطعت المواريث بشرطه رواه مسلم.\n_________\n(٨١١) صحيح، أخرجه الشافعي في الأم (٤/ ٦٣)، والبخاري (٢٦٢٥)، ومسلم (٤١١٠ - ٤١١٦)، وأبو داود في البيوع (٣٥٥٠)، والترمذي (١٣٥٠)، والنسائي في العمرى (٦/ ٢٧٥)، وابن ماجه في الهبات (٢٣٨٠)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ٩٣)، والبيهقي في الكبرى (٦/ ١٧٢)، وفي معرفة السنن والآثار (٩/ ١٢٣٢٤).","vol":"4","page":95},{"text":"المدرج أنواع: إما مدرج في أول الحديث من قول بعض رواته، إما الصحابي أو من بعده موصولًا بالحديث من غير فصل بين الحديث وبين ذلك الكلام بذكر قائله، فليس على من يعلم حقيقة ويتوهم أن الجميع مرفوع.\nمثال المدرج في أوله: ما رواه شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أسبغوا الوضوء ويلٌ للأعقاب من النار\" فقوله: \"أسبغوا الوضوء\" من قول أبي هريرة وصل بالحديث في أوله كذلك رواه البخاري (١) في (صحيحه) عن آدم بن أبي إياس عن شعبة بن محمد بن زياد عن أبي هريرة قال: \"أسبغوا الوضوء\" فإن أبا القاسم - ﷺ - قال: \"ويل للأعقاب من النار\".\nومثال المدرج في وسطه: ما رواه الدارقطني في سننه عن عبد الحميد بن جعفر عن هشام بن عروة عن أبيه عن بسرة بنت صفوان قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"من مس ذكره أو أنثييه أو رفغه فليتوضأ\" فقوله: أنثييه والرفغين ليس من كلام رسول الله - ﷺ -، وإنما هو من قول عروة بن الزبير، فأدرجه الراوي في متن الحديث، وقد بيَّن ذلك حماد وأيوب.\nومثال المدرج في آخره: ما رواه أبو داود عن عبد الله بن محمد النفيلي عن الزهري عن الحسن بن الحر عن القاسم بن مخيمرة قال: أخذ علقمة بيده فحدثني أن عبد الله بن مسعود أخذه بيده، وأن رسول الله - ﷺ - أخذ بيد عبد الله بن مسعود فعلمنا التشهد في الصلاة، قال: فذكر مثل حديث الأعمش إذا قلت هذا أو قضيت هذا فقد قضيت صلاتك إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد، فقوله: إذا قلت. . . إلى آخره وصله زهير بن معاوية أبو خيثمة بالحديث المرفوع في رواية أبي داود هذه.\nقال الحاكم: قوله: إذا قلت هذا مدرج في الحديث من كلام عبد الله بن مسعود. كذا قاله في شرح الألفية للعراقي، وفائدة المدرج للإِيضاح أو نحوه فليراجع تفصيله في كتب الأصول، ولمسلم من طريق أبي الزبير المكي عن جابر قال: جعل الأنصار يعمرون المهاجرين فقال النبي - ﷺ -: \"أمسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدها؛ فإنه من أعمر عمرى فهي للذي أعمرها حيًا وميتًا ولعقبه\" وفيه صحة العمرى، وإليه ذهب الجمهور إلا ما حكى عن داود وطائفة لكن ابن حزم قال بصحتها وهو شيخ الظاهرية ثم الجمهور إنها\n_________\n(١) البخاري (١/ ٧٣).","vol":"4","page":96},{"text":"تتوجه إلى الرقبى كسائر الهبات.\nوقال مالك والشافعي في القديم: إنها تتوجه إلى المنفعة دون الرقبة.\n* * *\n\n٨١٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن ابن عمر ورّث حفصة دارَها، وكانت حفصةُ قد أسكنت بنتَ زيد بن الخطاب ما عاشت، فلما توفيت ابنةُ زيد بن الخطاب قبض عبد الله بن عمر المسكن ورأى أنه له.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، العُمْرى هبة، فمن أعْمَر شيئًا فهو له، والسكنى عارية، ترجع إلى الذي أسكنها، وإلى وارثه بعده، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\nوالعمرى: إن قال: هي له ولعقبه، أو لم يقل: ولعقبه، فهو سواء.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا (ق ٨٤٥) مالك أخبرنا نافع، أن ابن عمر ﵁ ورّث بتشديد الراء أورث حفصة أي: بنت عمر أم المؤمنين دارَها، بالنصب وكانت حفصةُ قد أسكنت أي: في تلك الدار بنتَ عمها زيد بن الخطاب ما عاشت، أي: مدة حياتها فلما توفيت أي: ماتت ابنةُ زيد بن الخطاب قبض عبد الله بن عمر المسكن ورأى أي: اختار أنه أي: المسكن له أي: انتقل إليه بالإِرث من أخته.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: إنما نعمل بما رواه نافع عن ابن عمر العُمْرى هبة، فمن أعْمَر بصيغة المجهول شيئًا فهو أي: ذلك الشيء من الدار أو البستان أو نحوهما له، أي: حيًا وميتًا فيرجع إلى ورثته والسكنى أي: لأحد عارية، ترجع إلى الذي أسكنها، أي: حال وجودها وإلى وارثه بعده، ففرق بين العمري والسكنى وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\nوالعمرى: إن قال: هي له ولعقبه، أو لم يقل: ولعقبه، فهو سواء.\nوالحاصل: أن من أعمر إنسانًا فقال: أعمر بك داري، فإنه يكون قد وهب له الأمتاع في مدة عمره، وإذا مات رجعت رقية الدار إلى مالكها، وهو المعمر، وهذا مذهب\n_________\n(٨١٢) إسناده صحيح.","vol":"4","page":97},{"text":"مالك، وإذا قال: أعمرتك وعقبتك فإن عقبه يملكون منفعتها، فإن لم يبق أحد منهم رجعت الرقبة إلى المالك؛ لأنه وهب المنفعة ولم يهب الرقبة، وهو قول الشافعي.\nوقال أبو حنيفة وأحمد والشافعي في أحد قوليه: يصير الدار ملكًا للمعمر وورثته لا يعود إلى ملك المعطي الذي هو المعمر، فإن لم يكن للمعمر وارث كان لبيت المال، والرقبى حكمها حكم العمرى عند الشافعي وأحمد وأبي يوسف، وقال مالك وأبو حنيفة ومحمد: الرقبي باطلة وهي أن يقوم شخص لآخر رقبتك هذه الدار، وهي لك رقبى أو هي لك حياتك على أني إن مت قبلك فهي لك وإن مت قبلي فهي لي، وسميت لذلك؛ لأن كل واحد يرقب موت صاحبه، وأما إذا قال: أعمرتك داري هذه أو هي لك عمري أو ما عشت، أو مدة حياتك، أو ما حييت، فإذا مت فهي رد عليَّ صح العمري، وبطل الشرط، وهو قول ابن عباس وابن عمر عن علي وشريح ومجاهد وطاووس والثوري، وفي الصحيحين عن أبي سلمة عن جابر أن النبي - ﷺ - كان يقول: \"العمرى لمن وهب له\". كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ عن بيان ما يتعلق بالعمرى والسكنى، شرع في بيان ما يتعلق بالصرف والربا، فقال: هذا\n* * *","vol":"4","page":98},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-390>كتاب الصرف وأبواب الربا</span>\nفي بيان حكم الصرف، وهي في اللغة: الرفع، والرد، وفي الشريعة: بيع الأثمان بعضها بعض، فإضافة الكتاب إلى الصرف بمعنى في من قبيل إضافة العام إلى الخاص؛ لأن الكتاب لغة: مصدر بمعنى الكتب، وهو الجمع سمي به المفعول للمبالغة (ق ٨٤٦) واصطلاحًا: طائفة من المسائل، وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق الدفع والرد في كل منهما، وأبواب الربا، أي: وبيان أنواعه وحرمته، وهو في اللغة: الزيادة، وفي الشرع: هو فضل حال عن عوض شرط لأحد المتعاقدين في المعاوضة، وإنما اختار المصنف لفظ أبواب بلفظ الجمع إشعارًا إلى أنواع الربا؛ فإن الباب في اللغة بمعنى النوع، واستنبط هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] وما أخرجه أبو داود (١) من حديث ابن مسعود ﵁ أن رسول الله - ﷺ -: \"لعن آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه\".\n٨١٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع عن عبد الله بن عمر: أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لا تبيعوا الورق بالذهب، أحدهما غائب والآخر ناجز، فإن استنظرك إلى أن يلجَ بيته فلا تُنظره، إني أخافُ عليكم الرَّمَاءَ، والرَّماءُ هو الربا.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا نافع بن عبد الله المدني ابن عمر، ثقة فقيه ثبت مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة عن عبد الله بن عمر: أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لا تبيعوا الورق بكسر الراء ويسكن. أي: الفضة تبرًا أو غيره بالذهب أي: مطلقًا وكذا العكس أحدهما غائب أي: عن المجلس أو نسيئة والآخر ناجز، أي: نقد حاضر والجملة حالية احترازية، فإذا بيع الورق بالذهب يدًا بيد جاز ولو كان بالتفاضل فإن استنظرك أي: إن طلبه البائع أو المشتري\n_________\n(١) أبو داود (٣/ ٢٤٤)، رقم (٣٣٣٣).\n(٨١٣) إسناده صحيح.","vol":"4","page":99},{"text":"تأخرك أو استنظارك إلى أن يلجَ بيته أي: يدخله لضرورة له أو لأجل أن يأتي بقيته ما عنده فلا تُنظره، من الإِنظار إن لا تمهله أو من النظر بمعنى الانتظار أي: لا تنتظره فإنه لا يخالف المجلس، فيكون ربا النسيئة، وهذا معنى قوله: إني أخافُ عليكم أي: أيها المكلفين الرَّمَاءَ، بفتح الراء ومد الميم والرَّماءُ هو الربا أي: الزيادة، وفي نسخة الشارح: هو الرباء بالهمزة ولعله للمشاكلة إذا لم يذكر في المشارق وغيره سوي القصر.\n* * *\n\n٨١٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، قال: قال عمر بن الخطاب: لا تبيعوا الذَّهب بالذهب: إلا مِثْلًا بمثْل، ولا تبيعوا الوَرِق بالورِق، إلا مثلًا بمثل، ولا تبيعوا الذهب بالورق؛ أحدهما غائب والآخر ناجز، وإن استنظركَ حتى يَلِجَ بيتَه فلا تُنظره، إني أخافُ عليكم الرّبا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا عبد الله بن دينار، العدوي مولاهم يكنى أبا عبد الرحمن المدني مولى ابن عمر، ثقة تابعي كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع وعشرين ومائة عن عبد الله بن عمر، رضي الله تعالى عنهما أنه قال: قال عمر بن الخطاب: ﵁ لا تبيعوا الذَّهب بالذهب: والباء للمقابلة إلا مِثْلًا بمثْل، إلا حال كونهما متماثلين أي متساويين في الوزن والحلول والتقايض في المجلس ولا تبيعوا الوَرِق بالورِق، إلا مثلًا بمثل، فالمعتبر في الذهب والفضة هو الكمية لا الكيفية ولا تبيعوا الذهب بالورق؛ أحدهما غائب أي: عن المجلس والآخر ناجز، أي: حاضر وإن استنظركَ أي: إن طلب البائع أو المشتري عن الآخر الانتظار والتأخر حتى يَلِجَ أي: إلى أن يدخل بيتَه فلا تُنظره، أي: فلا تمهله إني أخافُ عليكم الرّبا.\n* * *\n\n٨١٥ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن أبي سعيد الخُدري: أن رسول الله\n_________\n(٨١٤) إسناده صحيح.\n(٨١٥) صحيح، أخرجه الشافعي في مسنده (٢/ ١٥٧)، وفي الرسالة فقرة (٧٥٨)، والبخاري في البيوع (٢١٧٧)، ومسلم (١٥٨٤)، والنسائي (٧/ ٢٧٨)، والطيالسي في مسنده (٢١٨١).","vol":"4","page":100},{"text":"- ﷺ - قال: \"لا تبيعوا الذَّهب بالذهب إلا مثلًا بمثْلٍ، ولا تُشِفُّوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورِق بالورِق إلا مثلًا بمثْل، ولا تُشِفُّوا بعضَها على بعض، ولا تبيعوا منها شيئًا غائبًا بناجز\".\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا حدثنا نافع بن عبد الله المدني مولى ابن عمر عن أبي سعيد الخُدري: أي: سعد بن مالك أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا تبيعوا الذَّهب بالذهب إلا مثلًا بمثْلٍ، أي: إلا حال كونهما متماثلين أي: متساويين مع الحلول والتقابض في المجلس ولا تُشِفوا بضم (ق ٨٤٧) التاء الفوقية وكسر الشين المعجمة وبضم الفاء المشددة من الشف بالكسر الزيادة أي: لا تفضلوا بعضها على بعض، أي: في الوزن ولا تبيعوا الورِق بالورِق بكسر الراء فيهما أي: الفضة إلا مثلًا بمثْل، بكسر الميم أي: إلا حال كونهما متماثلين ومتساويين في الوزن ولا تُشِفُّوا أي: لا تفضلوا بعضَها على بعض، ولا تبيعوا منها أي: من أنواع الفضة أو الذهب شيئًا غائبًا أي: أجلًا بناجز\" بنون وجيم بينهما ألف ثم زاي أي: بحاضر فلا بد التقايض في المجلس، وفيه أن الزيادة وإن قلَّت فهي حرام؛ لأن المشفوف الزيادة القليلة، ومنه الشفافة الإِناء وهي البقية القليلة من الماء، ولا خلاف في منع الصرف المؤخر في دينار في ذمة أحد صرفه الآن أو في ذمة، وصرف في ذمة أخرى فيتقاضان معًا.\nفذهب مالك وأصحابه إلى جواز الصورتين بشرط حلول ما في الذمة وأن يتأخر في المجلس، وأجاز أبو حنيفة وأصحابه الصورتين وإن لم يحل ما في الذمة فيهما مراعاة لبراءة الذمم.\nوأجاز الشافعي وابن كنانة وابن وهب: الصورة الأولى دون الثانية.\nقال عياض: ورواه البخاري عن عبد الله بن يوسف ومسلم عن يحيى: كلاهما عن مالك به ورواه الترمذي والنسائي أيضًا من طريق مالك. كذا قاله الزرقاني (١).\n* * *\n_________\n(١) في شرحه (٣/ ٣٥٦).","vol":"4","page":101},{"text":"٨١٦ - أخبرنا مالك، حدثنا موسى بن أبي تميم، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، لا فضل بينهما\".\n• أخبرنا مالك، حدثنا موسى بن أبي تميم، المدني ثقة تابعي، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة. كذا قاله ابن حجر عن أبي هريرة: ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، أي: يباع أحدهما بالآخر يدًا بيد لا فضل بينهما\" أي: لا زيادة في أحدهما فيحرم الربا في الذهب والفضة لعلة الثمنية الغالبة فالربويان المتحد جنسهما كذهب بذهب، وفضة بفضة، يحرم فيها التفاضل، وكذا النسيئة والتفرق قبل التقايض، وقد زاد في حديث علي عند ابن ماجه وصححه الحاكم عقب قوله: \"لا فضل بينهما، فمن كانت له حاجة بورق فليصرفها بذهب، ومن كانت له حاجة بذهب فليصرفه بالورق، والصرف هاء وهاء\" وهذا الحديث رواه مسلم من طريق ابن وهب عن مالك وتابعه سليمان بن بلال عن موسى به عند مسلم أيضًا ورواه النسائي من طريق مالك وغيره.\n* * *\n\n٨١٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن مالك بن أوْسٍ بن الحَدَثَان: أنه أخبره: أنه التمس صَرفًا بمائة دينار، قال: فدعاني طلحة بن عُبيد الله، قال: فَتَراوَضْنَا حتى اصْطَرَفَ مني، فأخذ طلحة الذهب يقلِّبها في يده، ثم قال: حتى يأتي خازني من الغابة، وعمرُ بن الخطاب يسمع كلامه، فقال: لا\n_________\n(٨١٦) صحيح، أخرجه الشافعي في المسند (٢/ ١٥٧)، وفي الرسالة (٧٥٩)، وأحمد في المسند (٢/ ٣٧٩، ٤٨٥)، ومسلم في المساقاة (٨٥، ١٥٨٨)، والنسائي في البيوع (٧/ ٢٧٨)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ٦٩)، والبيهقي في الكبرى (٥/ ٢٧٨).\n(٨١٧) صحيح، أخرجه الشافعي في المسند (٢/ ١٥٥، ١٥٦)، وأحمد في المسند (١/ ٤٥)، وعبد الرزاق في المصنف (١٤٥٤١)، والبخاري في البيوع (٢١٧٤)، ومسلم (١٥٨٦)، والترمذي (١٢٤٣)، والنسائي في البيوع (٧/ ٢٧٣)، وابن ماجه (٢٢٥٩)، (٢٢٦٠)، والحميدي في مسنده (١٢)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٩٩، ١٠٠)، والدارمي (٢/ ٢٥٨).","vol":"4","page":102},{"text":"والله، لا تفارقه حتى تأخذ منه، ثم قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاءَ، والبرّ بالبرّ ربا إلا هاءَ وهاءَ، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء\".\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك، وفي أخرى: ثنا بدل بنا أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم الزهري المدني، ثقة كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة عن مالك بن أوْسٍ بن الحَدَثَان: بفتح المهملتين والمثلثة ابن عوف النصري بفتح النون وإسكان المهملة من بني نصر بن معاوية يكنى أبا سعيد المدني، كان في الطبقة الأولى من طبقات التابعين من أهل المدينة، (ق ٨٤٨) مات سنة اثنين وتسعين في قول الجمهور، وهو ابن أربعة وتسعين كذا قاله الزرقاني أنه أي: مالك بن أوس أخبره: أي: ابن شهاب أنه أي: مالك بن أوس التمس بصيغة المجهول أي: طلب رجل عندي مني صَرفًا أي: بيعًا للفضة بمائة دينار، أي: ذهب كانت معه قال: أي: مالك بن أوس فدعاني طلحة بن عُبيد الله، بصيغة التصغير وهو أحد العشرة المبشرة بالجنة قال: فَتَراوَضْنَا بإسكان الضاد المعجمة أي: تجاذبنا حديث البيع والشراء، وهو ما بين المتبايعين من الزيادة والنقصان؛ لأن كل واحد يرضي صاحبه، وقيل: هي المواصفة بالسلعة بأن يصف كل منهما سلعة للآخر حتى اصْطَرَفَ أي: اشترى، وفي (القاموس): اصطرف تصرف في طلب الكسب مني، أي: ما كان معي فأخذ طلحة الذهب يقلِّبها في يده، والذهب يذكر ويؤنث فلا حاجة إلى أنه ضمن الذهب معنى العدد، وهو المائة فأنثه لذلك ثم قال: أي: طلحة حتى أي: أصبر إلى أن يأتى خازني أي: وكيلي من الغابة، يعني حينئذ أعطيك الصرف من الصفة فالغابة بغين معجمة فألف فموحدة موضع قرب المدينة به أموال لأهلها، وكان لطلحة بها مال نحل وغيره، وإنما قال ذلك طلحة لظنه جوازه كسائر البيوع وما كان بلغه حكم المسألة.\nقال المازري: وإنه كان يرى جواز المواعدة في الصرف، كما هو قول عندنا وأنه لم يقبضها، وإنما أخذها يقلبها وعمرُ بن الخطاب يسمع أي: كلامه، فقال: أي: عمر لمالك بن أوس لا والله، لا تفارقه أي: عن طلحة حتى تأخذ أي: إلى غاية أخذك أيها المالك بن أوس منه، أي: من طلحة عوض الذهب الذي أعطيته إليه ولفظه: \"لا\" النافية الدالة على فعل القسم لتأكيد القسم شائع في كلامهم، كما قال امرؤ القيس:","vol":"4","page":103},{"text":"لا وأبيك ابنة العامري ... لا يدعى القوم أني أفر\nقوله: ابنة العامري: منادى حذف حرف النداء، أي: يا ابنة العامري أنا لا أفر من الحرب، وأنا مميز بذلك ومشتهر به حتى لا يدعي أحد في حقي، وكذلك كلمة \"لا\" هنا أي: قال عمر: اقسم بالله عليك يا مالك بن أوس أن لا اتفاق عن مجلس الصرف إلى غاية أخذك من طلحة عوض الذهب، وجواب القسم محذوف تقديره: لتمكثن في مجلس العقد إلى نهاية أخذ عوض الذهب عنه، ويجوز أن يكون لفظة هنا لنفي القسم، كما كانت كذلك في قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: ١] كأنه قال عمر: لا أقسم عليك يا مالك بن أوس ولكن أسألك غير مقسم أن لا تفارق عن طلحة إلى غاية أخذك منه بدل ما أعطيته من الذهب.\nوفي رواية: والله لتعطينه ورقه، وهذا خطاب لطلحة وفيه تفقد عمر أحوال رعيته في دينهم والاهتمام بهم، وتأكيد الأمر باليمين وأن الخليفة والسلطان إذا سمع أو رأى ما لا يجوز وجب عليه أن ينهى عنه، والإِرشاد إلى الحق ثم قال: أي: عمر مستدلًا على المنع بالسنة؛ لأنها الحجة عند التنازع قال رسول الله - ﷺ -: (ق ٨٤٩) \"الذهب بالورق بفتح الواو وكسر الراء أي: الفضة، هكذا رواه أكثر أصحاب الزهري ومعمر وابن عيينة لم يقولوا: الذهب بالذهب في كل حديث عمر، وهم الحجة على من خالفهم وهو المناسب لسياق القصة ربا أي: في جميع الأحوال إلا هاء وهاءَ، بالمد وفتح الهمزة فيها على الأصح الأشهر أنهما اسم فعل بمعنى قوله تعالى: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩]، يقال: هاء درهما أي: خذ درهمًا فنصب درهما باسم الفعل، كما ينصب بالفعل وبالقصر يقوله المحدثون وأنكره الخطابي وقال: الصواب المد، وتجوز كسر الهمزة نحو هات وسكونها نحو خف، وأصلها هاك بالكاف فقلبت همزة، وليس المراد أنها من نفس الكلمة وإنما المراد أصلها في الاستعمال، وهي حرف خطاب.\nقال ابن مالك: وحقها أن لا تقع بعد إلا كما لا يقع بعدها خذ، فإذا وقع قدر قول قبله يكون به محكيًا أي: لا مقولًا عنده من المتعاقدين هاء وهاء.\nقال الطيبي: فإذن محله النصب على الحال، والمستثنى منه مقدر يعني بيع الذهب بالورق ربا في جميع الحالات إلا حال الحضور والتقايض، فكنى عنه بقوله: هاء وهاء؛ لأنه لازمه.","vol":"4","page":104},{"text":"وقال الأبي: محله النصب على الظرفية والبرّ بالبرّ بضم الموحدة القمح، وهو الحنطة أي: بيع أحدهما بالآخر ربا إلا أي: مقولًا عنده من المتعاقدين هاءَ أي: من أحدهما وهاءَ، أي: من الآخر والثمر بالتمر أي: بيع أحدهما بالآخر ربًا بالتنوين من غير همزة إلا هاء وهاء، أي: من المتعاقدين والشعير بالشعير بفتح الشين المعجمة على المشهور وقد يكسر.\nقال ابن مكي: كل فعيل وسطه حرف مكسور يجوز كسر ما قبله في لغة بني تميم. قال: وزعم الليث أن قومًا من العرب يقولون ذلك وإن لم تكن عينه حرف حلق. نحو كبير وجليلة وكريم أي: يبيع الشعير بالشعير ربًا إلا أي: مقولًا عنده من المتعاقدين هاء وهاء\" أي: يقول كل واحد منهما للآخر خذ، وظاهره أن البر والشعير صنفان.\nوبه قال أبو حنيفة والشافعي وفقهاء المحدثين وغيرهم.\nوقال مالك والليث: ومعظم علماء المدينة والشام من المتقدمين أنهما صنف واحد. زاد مسلم من حديث أبي سعيد: والملح بالملح وأوله: الذهب بالذهب، والفضة بالفضة ومثله عنده من حديث عبادة بن الصامت، وفي حديث الباب أن النساء يمتنع في ذهب بذهب بورق وهي جنسان مختلفان يجوز التفاضل بينهما إجماعًا ونصًا فأجرى أن لا يجوز في ذهب ولا ورق بورق لحرمة التفاضل فيهما إجماعًا ونصًا أي: فليس حديث عمر مقاصرًا عن حديث غيره، فتجب المناجزة في الصرف ولا يجوز التأخير ولو كان بالمجلس لم يتفرقا عند مالك ومحمد قول عمر عنده: لا تفارقه حتى تأخذ منه أن ذلك على الفور لا على التراخي، وهو المعقول من لفظه - ﷺ -: \"هاء وهاء\".\nوقال أبو حنيفة والشافعي: يجوز التفاضل بالصرف ما لم يتفرقا وطالت المدة وانتقالًا إلى مكان آخر واحتجوا بقول عمر، وجعلوه تفسيرًا لما رواه وبقوله، وإن استنظرك إلى أن يلج بيته فلا تنظره. كذا قال الفاضل (ق ٨٥٠) الزرقاني (١).\n* * *\n\n٨١٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار أو عن\n_________\n(١) في شرحه (٣/ ٣٥٨).\n(٨١٨) إسناده صحيح.","vol":"4","page":105},{"text":"سليمان بن يسار أنه أخبره: أن معاوية بن أبي سفيان باع سِقَايَة من ورِق أو ذهب بأكثر من وزنها، فقال له أبو الدرداء: سمعتُ رسول الله - ﷺ - ينهى عن مثل هذا؛ إلا مثلًا بمثل، قال له معاوية: ما أرى بها بأسًا، قال له أبو الدرداء: من يعذِرني من معاوية، أخبره عن رسول الله - ﷺ - ويُخبرني عن رأيه، لا أساكنك بأرضٍ أنت بها، قال: فقدم أبو الدَّرداءِ على عمر بن الخطاب، فأخبره، فكتب إلى معاوية أن لا يبيعَ إلا مثلًا بمثل، وَزْنًا بوزن.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: قال: بنا مالك أخبرنا زيد بن أسلم، العدوي مولى عمر يكنى أبا عبد الله المدني وأبا أسامة ثقة عالم كان يرسل، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات أهل المدينة، وكانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة من وجه الأرض، مات سنة ست وثلاثين ومائة عن عطاء بن يسار بتحتية أي: الهلالي يكنى أبا محمد المدني مولى ميمونة ثقة فاضل صاحب مواعظ وعبادة، كان في الطبقة الثانية من طبقات صغار التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين أو عن سليمان بن يسار شك من الراوي، وهو الهلالي المدني مولى ميمونة، وقيل: أم سلمة ثقة فاضل أحد الفقهاء السبعة، كان أخًا لعطاء بن يسار وكان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة مات بعد المائة أنه أخبره: أن معاوية بن أبي سفيان اسمه صخر بن الحارث باع سِقَايَة بالكسر وهي إناء يستقى منه من ورِق أو ذهب بأكثر من وزنها، أي: من مثله من ورق أو ذهب.\nقال ابن حبيب: زعم أصحاب مالك أن السقاية قلادة من ذهب فيها جواهر، وليس كما قالوا فالقلادة لا تسمى سقاية، بل هي كأس كبير يشرب بها ويكال بها، وأما القلادة وهي العقد التي تعلقها المرأة على غيرها، فغيرها ابتاعها معاوية بستمائة دينار، وفيها تبر وجوهر من لؤلؤ وياقوت وزبرجد، فنهاه عبادة بن الصامت وأخبره أنه سمع رسول الله - ﷺ - ينهى عن ذلك فقال له أبو الدرداء: قيل: اسمه عمير وقيل: عامر بن قيس الأنصاري صحابي جليل عابدًا أول مشاهده أحُدٌ مات في خلافة عثمان وقيل: عاش بعد ذلك سمعتُ رسول الله - ﷺ - ينهى عن مثل هذا؛ أي: البيع في المال الربوي إلا مثلًا بمثل، أي: إلا حال كونهما متساويين وزنًا بوزن قال له أي: لأبي الدرداء معاوية:","vol":"4","page":106},{"text":"ما أرى أي: لا أظن بها أي: وفي نسخة: ما نرى لكن الأولى أولى، كما في (الموطأ) لمالك وهذا الرأي صدر عنه إما من تكبر وعناد أو من اجتهاد، وقد أخطأ فيه لكن كان يجب عليه حينئذ أن يرجع بعد سماع الحديث لا سيما من أبي الدرداء، وهو موثوق بلا خلاف قال له أبو الدرداء: من يعذِرني بكسر الذال المعجمة من معاوية، أي: من يلزمه على فعله ولا يلومني عليه أو من يقوم بعذري إذا جاريته بصنعه ولا يلومني على ما أفعل به، أو من ينصرني يقال: غدرته إذا نصرته أخبره أي: أنا أخبره، كما في (الموطأ) لمالك عن رسول الله - ﷺ - ويُخبرني أي: معاوية عن رأيه، أي: المجرد مع أن التعليل لا يصح في معارضة النص.\nقال ابن عبد البر أبو عمر: كان ذلك منه أنفة من أن يرد سنة علمها من سنن رسول الله - ﷺ - برأيه وصدور العلماء تضيق عند مشاهدة مثل ذلك وهو عندهم عظيم، قال: جائز للمرء أن (ق ٨٥١) يهجر من لم يستمع منه ولم يطعه، وليس هذا من الهجرة المكروهة، ألا ترى أن رسول الله - ﷺ - أمر الناس أن لا يكلموا كعب بن مالك حين تخلف عن غزوة تبوك، وهذا أصل عند العلماء في مجانبة من ابتدع وهجرته وقطع الكلام عنه، وقد رأى ابن مسعود رجلًا يضحك في جنازة فقال: والله لا أكلمك أبدًا قاله أبو عمر: - يعني ابن عبد البر - فتكون هذه من باب التكبر على المتكبر صدقة من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣] لا أساكنك أي: لا أمكث معك بأرضٍ أنت بها، أي: الراوي قال: فقدم والفاء بمعنى ثم، كما قال مالك: في (الموطأ) ثم قدم أبو الدَّرداءِ أي: من الشام على عمر بن الخطاب، أي: في المدينة فأخبره، بذلك أي: بما جرى في هذا الباب فكتب أي: عمر بن الخطاب إلى معاوية أن لا يبيع ذلك أي: ما ذكر من المتماثلين ذهبًا أو فضة إلا مثلًا بمثل، وَرْنًا بوزن.\nقال أبو عمر: لا أعلم أن هذه عرضت لمعاوية مع أبي الدرداء إلا من هذا الوجه، وإنما هي محفوظة لمعاوية مع عبادة بن الصامت والطرق متواترة بذلك عنهما انتهى. والإِسناد صحيح وإن لم يرو من وجه آخر من الأفراد الصحيحة، والجمع ممكن؛ لأنه عرض له ذلك مع عبادة بن الصامت وأبي الدرداء كذا قاله الزرقاني.\n* * *","vol":"4","page":107},{"text":"٨١٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا يزيد بن عبد الله بن قُسَيْط الليثي: أنه رأى سعيد بن المسيَّب يُراطل الذهب بالذهب، قال: فيفرِّغُ الذهب في كِفَّة الميزان، ويفرّغ الآخر الذهبَ في كِفته الأخرى، قال: ثم يرفع الميزان، فإن اعتدل لسان الميزان أخذ وأعطى صاحبه.\nقال محمد: وبهذا كله نأخذ، على ما جاء من الآثار، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: قال: بنا مالك أخبرنا يزيد بن عبد الله بن قُسَيْط بالتصغير أي: ابن أسامة الليثي: يكنى أبا عبد الله المدني الأعرج، ثقة كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة اثنين وعشرين ومائة وله تسعون سنة أنه رأى سعيد بن المسيَّب يُراطل بضم التحتية وفتح الراء المهملة المكسورة بينهما ألف فلام أي: يوزن الذهب بالذهب، من رطلت الشيء كنصر وزنته بيدك لتصرف وزنه تقريبًا قال: أي: الراوي فيفرِّغُ بالتشديد والتخفيف أي: فيصب سعيد بن المسيب الذهب أي: ذهبه كما في (الموطأ) لمالك في كِفَّة الميزان، بكسر الكاف والضم لغة وتشديد الفاء ويفرّغ الآخر الذهبَ الذي يراطله على يديه في كِفته أي: الميزان الأخرى، قال: أي: الراوي ثم يرفع الميزان، فإن اعتدل لسان الميزان أخذ أي: ما يريده وأعطى صاحبه أي: ما أراده فتجوز المراطلة بالكفتين، وفي حديث القلادة في مسلم انزع ذهبها واجعله في كفة، وفي جوازها بالصنجة قولان: والجواز أصوب. كذا قاله المازري قوله: بالصنجة بفتح الصاد المهملة وسكون النون وفتح الجيم، يقال لها بلغة التركية: تراز وطائي. كذا في (الأختري).\nقال محمد: وبهذا كله نأخذ، أي: إنما نعمل أنا وأصحاب أبي حنيفة بجميع ما ذكر في هذا الباب على ما جاء من الآثار، أي: وفسق ما وردت الأخبار وصحت عن الأخبار وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا والله أعلم.\nلما فرغ من بيان الربا مطلقًا، شرع في بيانه مقيدًا، فقال: هذا\n* * *\n_________\n(٨١٩) إسناده صحيح.","vol":"4","page":108},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-391>باب الربا فيما يُكال أو يوزن</span>\nفي بيان الربا فيما يكال أو يوزن، قال علماؤنا: البر والشعير والتمر والملح (ق ٨٥٢) كيلي وإن ترك الناس الكيل فيه، والذهب والفضة وزني وإن ترك الناس الوزن فيه وغيرهما على العرف، وهو الصحيح وبه يفتى.\n٨٢٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزِّناد، أنه سمع سعيد بن المسيَّب يقول: لا ربا إلا في ذهب أو فضة، أو ما يُكال أو يُوزن، مما يؤكل أو يُشرب.\nقال محمد: إذا كان ما يُكال من صنف واحد، أو كان ما يوزن من صنف واحد، فهو مكروه أيضًا: إلا مثلًا بمثل، يدًا بيد، بمنزلة الذي يؤكل ويشرب، وهو قول إبراهيم النَّخَعي، وأبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك بن أنس بن مالك بن عمير بن أبي عامر الإِمام الأصبحي، كان في الطبقة السابعة من طبقات أتباع التابعين من أهل المدينة، قال: الذهبي في (الكاشف): ولد صاحب المذهب الإِمام مالك بن أنس سنة تسعين وثلاث، ومات سنة تسع وسبعين ومائة انتهى.\nقال بعض المؤرخين: وهو ابن تسعين سنة أخبرنا أبو الزِّناد، وهو عبد الله بن ذكوان القراشي المدني ثقة فقيه، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، مات سنة ثلاثين ومائة وقيل: بعدها أنه سمع سعيد بن المسيَّب يقول: لا ربا إلا في ذهب أو فضة، أي: إذا لم يراع فيه شرائط صحتها أو ما يُكال أو يُوزن، مما يؤكل أو يُشرب اعلم أن الأعيان المنصوص على تحريم الربا فيها بالإِجماع ستة الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح، فالذهب والفضة تحريم الربا فيها عند الشافعي بعلة واحدة لازم وهي أنهما من جنس الأثمان.\nوقال أبو حنيفة: العلة فيها موزون جنس فيحرم الربا في سائر الموزونات، وأما الأربعة الباقية ففي علتها للشافعي قولان: الجديد إنها معطوفة فيحرم الربا في الماء والأدهان على الأصح، والقديم إنها مقطوعة أو مكيلة أو موزونة.\n_________\n(٨٢٠) إسناده صحيح.","vol":"4","page":109},{"text":"وقال أبو حنيفة: العلة أنها مكيلة في جنس.\nوقال مالك: العلة القوت ما يصلح للقوت في الجنس، وعن أحمد روايتان أحدهما كقول أبي حنيفة، وثانيهما كقول الشافعي.\nوقال أهل الظاهر: الربا غير معلل وهو مختص بالمنصوص عليه وعن جماعة من الصحابة أنهم قالوا: الربا في النسيئة فلا يحرم التفاضل وفي الكفاية اختلاف الجنس يعرف الاسم والمقصودة بالحنطة والشعير جنسان عندنا وعند الشافعي لكونهما مختلفين اسمًا ومعنى وعند مالك جنس واحد.\nقال محمد: إذا كان ما يُكال من صنف أي: من نوع واحد، أي: ولو لم يكن مأكولًا ولا مشروبًا أو كان ما يوزن من صنف واحد، فهو مكروه أيضًا: أي: إذا بيع أحدهما متفاضلان أو مؤجلًا إلا مثلًا بمثل، أي: في الكيل يدًا بيد، تشترط التقابض في المجلس بمنزلة الذي يؤكل ويشرب، وهو قول إبراهيم النَّخَعي، وأبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n* * *\n\n٨٢١ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"التمر بالتمر مثلًا بمثل\"، فقيل: يا رسول الله، إن عاملك على خَيبر وهو رجل من بني عديّ من الأنصار أخذ الصاع بالصاعين، قال: \"ادعوه لي\"، فدُعي له، فقال له رسول الله - ﷺ -: \"أتأخذ الصاع بالصاعين\"، قال: يا رسول الله، لا يعطوني الجنيب بالجمْع إلا صاعًا بصاعين، قال رسول الله - ﷺ -: \"بِع الجمْع بالدراهم، واشترِ بالدراهم جنيبًا\".\n• أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، العدوي مولى عمر بن الخطاب، يكنى أبا عبد الله وأبا أسامة المدني، ثقة عالم كان يرسل، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ست وثلاثين ومائة عن عطاء بن يسار، الهلالي، يكنى أبا محمد المدني مولى ميمونة، ثقة فاضل صاحب مواعظ وعبادة كان في الطبقة الثانية في طبقات صغار\n_________\n(٨٢١) أخرجه البيهقي في معرفة السنن والآثار (٨/ ١١١٠٦)، وهو في الموطأ برواية أبي مصعب الزهري (٢٥١٥).","vol":"4","page":110},{"text":"التابعين من أهل المدينة والمحدثين، مات سنة أربع وتسعين. كذا في (تقريب التهذيب) وهو مرسل، والحديث المرسل: (ق ٨٥٣) ما رفعه التابعي إلى النبي - ﷺ - سواء كان من كبار التابعين، كعبد الله بن الخيار وسعيد بن المسيب وأمثالهما أو من صغار التابعين كالزهري وعطاء بن يسار وغيرهما، واختلفوا في الاحتجاج بالمرسل فذهب مالك بن أنس صاحب المذهب وأبو حنيفة نعمان بن ثابت وأتباعهما، لكن الشافعي لا يحتج بالمرسل إلا إذا أرسله ثقة من كبار التابعين من طريق آخر ورفعه من وجه آخر كذا قاله الحافظ العراقي.\nقال ابن عبد البر: وصل هذا الحديث داود بن قيس عن زيد بن أسلم عن عطاء عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"التمر بالتمر مثلًا بمثل\"، مصدر في موضع الحال أي: موزونًا وفي رواية بالرفع فقيل: يا رسول الله، إن عاملك على خَيبر وهو رجل من بني عديّ من الأنصار يأخذ أي: يشتري وفي نسخة: باع بدل يشتري الصالح أي: من التمر الجيد بالصاعين، أي: من التمر الرديء من جنسه قال: \"ادعوه لي\"، فدُعي له، أي: لرسول الله - ﷺ - فقال له رسول الله - ﷺ -: \"لا تأخذ الصاع بالصاعين\"، وفي نسخة: أتأخذ الصاع بالصاعين قال: يا رسول الله، لا يعطوني وفي (الموطأ) لمالك: لا يبيعونني الجنيب بفتح الجيم وسكون النون تمر رديء مجموع من أنواع مختلفة بالجمْع إلا صاعًا بصاعين، قال رسول الله - ﷺ -: \"بِع الجمْع بالدراهم، واشترِ بالدراهم أي: تمر جنيبًا\" أي: جيد، وذلك حيلة شرعية في دفع الربا؛ لأنه فعله باجتهاد قبل نزوله آية الربا، وقبل أن يتقدم إليه - ﷺ - بالنهي عن التفاضل.\n* * *\n\n٨٢٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد المجيد بن سُهيل، والزهريّ، عن ابن المسيَّب، عن أبي سعيد الخدري وعن أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - استعمل رجلًا على خيبر، فجاء بتمر جَنيب، فقال رسول الله - ﷺ -: \"أكلَّ تمر خيبر هكذا جنيبًا؟ \" قال: لا والله يا رسول الله، ولكني آخذ الصاع من هذا بصاعين والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله - ﷺ -: \"فلا تفعل، بع تمرك بالدراهم، ثم اشتر بالدراهم جنيبًا\"، وقال في الميزان مثل ذلك.\n_________\n(٨٢٢) إسناده صحيح.","vol":"4","page":111},{"text":"قال محمد: وبهذا كله نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا عبد المجيد بفتح الميم وكسر الجيم وسكون التحتية ثم الدال المهملة ابن سُهيل، بالتصغير: زوج الثريا بنت عبد الله المدني يقول فيه عمر أبي بن ربيعة:\nأيها المنكح الثريا سهيل ... عمرك الله، كيف يلتقيان\nهي شامية إذا ما استقثت ... وسهيل إذا استقل يمان\nأي: سهيل بن عبد الرحمن بن عوف، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين والزهريّ، أي: قال مالك: وأخبرنا الزهري محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة عطفه على عبد المجيد، إشارة إلى تحويل السند تقوية بالحكم عن ابن المسيَّب، كان في الطبقة الأولى من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد التسعين بيسير وهو ابن أربع وثمانين سنة. كذا قاله بن الجوزي عن أبي سعيد الخدري صحابي ابن الصحابي وعن أبي هريرة: عبد الرحمن بن صخر أو عمرو بن عامر أن رسول الله - ﷺ - استعمل رجلًا يقال له: سوار بن غزية بفتح الغين وكسر الزاي وفتح التحتية المشددة ثم هاء بوزن عطية، كما سماه الداروردي عن عبد المجيد عن أبي عوانة والدارقطني أي: جعله أمير على خيبر، فجاء أي: إلى النبي - ﷺ -، وفي نسخة: فجاءهم أي: فقدم على أهالي خيبر بتمر جَنيب، أي: جيد فقال له (ق ٨٥٤) رسول الله - ﷺ -: \"أكلَّ تمر خيبر هكذا أي: طيب جنيبًا؟ \" جيد قال: لا والله يا رسول الله، ولكني بكسر النون المشددة والياء للمتكلم آخذ الصاع من هذا أي: الطيب بصاعين أي: الرديء والصاعين أي: من الجنيب بالثلاثة، أي: من الرديء فقال رسول الله - ﷺ -: \"فلا تفعل، هذا الخطاب خاص وعام لغيره بيع تمرك بالدراهم، أي: مثلًا ثم اشتر بالدراهم جنيبًا\"، أي: تمرًا جيدًا، وهذه الحيلة الشرعية في الكيل، وفي رواية: واشتر ثمنه من هذا وقال في الميزان مثل ذلك ومثل بالرفع مبتدأ مؤخر، وبالنصب مفعول قال أي: فيما يوزن من الربويات: إذا احتج إلى بيع بعضهما ببعض قولًا مثل ذلك القول الذي قاله في الكيل، والمعنى أن غير الجيد منه يباع ثم يشترى بثمنه الجيد.\nقال محمد: وبهذا كله نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه أبو سعيد الخدري وأبو هريرة رضي الله تعالى عنهما هنا وهو أي: ما رواهما قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n* * *","vol":"4","page":112},{"text":"٨٢٣ - أخبرنا مالك، عن رجل: أنه سأل سعيد بن المسيَّب، عن الرجل يشتري طعامًا من الجار بدينار ونصف درهم، أيعطيه دينارًا أو نصف درهم طعامًا؟ قال: لا، ولكن يعطيه دينارًا أو درهمًا، ويَرُد عليه البائع نصفَ درهم طعامًا.\nقال محمد: هذا الوجه أحبّ إلينا، والوجه الآخر يجوز أيضًا إذا لم يعطه المشتري من الطعام الذي اشترى أقلَّ مما يصيب النصف درهم منه في البيع الأوّل، فإن أعطاه منه أقلَّ مما يصيب نصف الدرهم من البيع الأول لم يجز، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك عن رجل: سبق الكلام عليه، وهو عبد المجيد بن سهيل أنه سأل سعيد بن المسيَّب، عن الرجل وفي نسخة: عن الذي يشتري طعامًا أي: حنطة من الجار أي: من الشريك في التجارة ذكره في (القاموس) بدينار ونصف درهم، أي: نسيئة أيعطيه دينارًا أو نصف درهم أي: هل يعطي المشتري إلى البائع أي بقيمتها طعامًا؟ أي: ببدل الدينار ونصف الدرهم اللذين اشترى بهما طعامًا قال: لا، أي: فإنه يصير ربا نسيئة ولكن يعطيه دينارًا أو درهمًا، ويَرُد عليه البائع نصفَ درهم طعامًا أي: ليكون بيعًا ثانيًا وإسقاطًا بما كان في ذمته من الدين، ونظيره ما في (الشمني) لو كان باع درهمين ودينارا بدرهم ودينارين جازبان يصرف كل جنس، بخلاف جنسه تصحيحًا للعقد كما لو باع كرَّ بُرٍ وكرُّ شعير بكري برٍ وكري شعير.\nقال محمد: هذا الوجه أحبّ إلينا، أي: في المخلص والوجه الآخر يجوز أي: كما جاز للمشتري أن يعطي إلى البائع إلى المشتري ببدل نصف الدرهم الذي أعطاه المشتري إلى البائع زائدًا على ما لزم عليه من دينار ونصف درهم؛ لأنه أعطاه درهمًا تامًا أيضًا إذا لم يعطه المشتري من الطعام الذي اشترى أقلَّ قوله: أقل ظرف لقوله إذا لم يعطه مما يصيب النصف درهم منه في البيع الأول، فإن أعطاه منه أقلَّ مما يصيب نصف الدرهم من البيع الأول لم يجز، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا. والله أعلم.\n_________\n(٨٢٣) إسناده ضعيف لإِبهام شيخ مالك.","vol":"4","page":113},{"text":"لما فرغ من بيان ما يتعلق بالربا فيما يكال أو يوزن، شرع بذكر ما يتعلق إلى حكم حال الرجل ثبت له على رجل العطايا والدين فيزيد أن يبيعه قبل أن يقبضه، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-392>باب الرجل يكون له العطاء أو الدين على الرجل فيبيعه قبل أن يقبضه</span>\nفي بيان ما يتعلق بحكم حال الرجل يكون له العطايا أو الدين على الرجل فيبيعه قبل أن يقبضه؛ فإن قيل: لم خص البعض بالذكر، ولم يقل: قبل أن يستوفي فيه؟\nأجيب فإنه أشار إلى اليسير في مذهبنا كما اشترى طعامًا بثمن معلوم واكتال (ق ٨٥٦) البائع بعض الطعام في وعاء المشتري وحبس بعضه لأجل الثمن جاز للمشتري أن يبيع الطعام المحبوس عند البائع، فإن قبض البعض قبض الكل حكمًا خلافًا لمالك، حيث قال في (الموطأ): لا يبيع شيئًا مما كان من الطعام وغيره على رجل حتى يقبضه يستوفيه انتهى.\n٨٢٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أنه سمع جميل المؤذن يقول لسعيد بن المسيَّب: أيّ رجل اشترى هذه الأرزاق التي يُعطاها الناس بالجار، فابتاع منها ما شاء الله، ثم أُريد أن أبيع الطعام المضمون عليَّ إلى ذلك الأجل، فقال له سعيد: أتريد أن توفيهم من تلك الأرزاق التي ابتعت؟ قال: نعم، فنهاه عن ذلك.\nقال محمد: لا ينبغي للرجل إذا كان له دين أن يبيعه حتى يستوفيه، لأنه غَرَرٌ فلا يدري أيخرج أم لا يخرج، وهو قولُ أبي حنيفة ﵀.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، قد سبق طبقته أنه سمع جميل بفتح الجيم وكسر الميم وإسكان التحتية ثم لام، هو ابن عبد الرحمن المؤذن المدني أمه من ذرية سعد القرظ، وكان يؤذن سمع سعيد بن المسيَّب: وعمر بن [عبد] (*) العزيز، وعنه مالك بواسطة يحيى وبلا\n_________\n(٨٢٤) إسناده صحيح.\n\n(*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: ما بين المعكوفتين سقط من المطبوع","vol":"4","page":114},{"text":"واسطة، والصواب أن اسم أبيه عبد الرحمن، كما هنا، وقيل: اسمه عبد الله بن سويد أو سوادة. كذا ذكره ابن الحذاء يقول لسعيد بن المسيب: أيّ رجل اشترى هذه الأرزاق التي يُعطاها بالتحتية أو الفوقية الناس بالرفع نائب فاعل يعطى بتحتية، والنصب على أنه المفعول الثاني لتعطى بالفوقية بالجار، بالجيم ثم ألف ثم الراء المهملة المخففة: مدينة على ساحل البحر بينها وبين المدينة يوم وليلة. كذا في (النهاية) فابتاع منها أي: اشترى بعض الأرزاق ما شاء الله، أي: في الذمة بدليل قوله: ثم أُريد أن أبيع الطعام المضمون عليَّ أي: ذلك الأجل، فقال له سعيد: أتريد أن توفيهم أي: تعطيهم من تلك الأرزاق التي ابتعت؟ أي: اشتريتها أولًا قال: نعم، فنهاه عن ذلك قال الفاضل السيد محمد الزرقاني: زاد في ذلك في (الموطأ): قال مالك: وذلك رأيي أي: خوفًا من التساهل في ذلك حتى يشترط القبض أو يسعه قبل أن يستوفيه، فمنع عن ذلك للذريعة التي يخاف منها التطرف إلى المحذور إن قلت. انتهى.\nقال محمد: لا ينبغي أي: لا يجوز للرجل إذا كان له دين على الناس من الطعام وغيره أن يبيعه حتى يستوفيه، أي: غاية أخذ الدائن حقه تمامًا من المديون لأنه غَرَرٌ أي: بيع فيه خدعة وحيلة فلا يدري أي: الدائن أيخرج أي: المال أم لا يخرج، وهو قولُ أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وبه قال مالك، فإن قيل: ما الفائدة في قوله: لا ينبغي للرجل إذا كان له دين أن يبيعه حتى يستوفيه، وهو مخالف لما في الترجمة حيث قال هنالك: الرجل يكون له العطايا أو العين على الرجل، فيبيعه قبل أن يقبضه.\nأجيب بأنه أشار هنالك إلى الرخصة، وهنا إلى الجواز وهو مذهب مالك.\n* * *\n\n٨٢٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا موسى بن مَيْسَرة، أنه سمع رجلًا يسأل سعيد بن المسيَّب، فقال: إني رجلٌ أبيع الدين، وذكر له أشياء من ذلك، فقال له ابن المسيَّب: لا تبع إلا ما أويْتَ إلى رحلك.\nقال محمد: وبه نأخذ، لا ينبغي للرجل أن يبيع دينًا له على إنسان إلا من\n_________\n(٨٢٥) إسناده صحيح.","vol":"4","page":115},{"text":"الذي هو عليه؛ لأن بيع الدَّين غَرَرٌ، لا يدري أيخرج أم لا، وهو قول أبي حنيفة ﵀.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا موسى بن ميسرة بفتح الميم وسكون التحتية وفتح السين المهملة والراء المهملة فالهاء، فهو الديملي بكسر الدال وسكون التحتية، مولاهم يكنى أبا عروة المدني ثقة كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ثلاثين (ق ٨٥٦) ومائة. كذا قاله ابن حجر (١) أنه سمع رجلًا يسأل سعيد بن المسيَّب، فقال: إني رجلٌ أبيع الدين، أي: على إنسان أحيانًا وذكر له أشياء من ذلك، أي: من تصدير ما هنالك فقال له ابن المسيَّب: لا تبع إلا ما أويْتَ بالمد ويقصر أي: ابتعت به إلى رحلك أي: منزلك، وهو كناية عن قبضه.\nقال محمد: وبه نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله سعيد بن المسيب لا ينبغي للرجل أن يبيع دينًا له على إنسان إلا من الذي هو عليه، لأن بيع الدَّين غَرَرٌ، أي: خدعة بالنسبة إلى غير الديون لا يدري أيخرج أي: من المديون أم لا، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى، اعلم أنه لا يجوز بيع مشتري منقول قبل قبضه وقيد بالمنقول؛ لأن بيع العقار يجوز قبل قبضه.\nوقال الشافعي ومحمد وزفر: لا يجوز أيضًا؛ لأنه مبيع لم يقبض فلا يصح بيعه كالمنقول.\nوقال مالك: بجميع التصرفات إن كان غير الطعام؛ لأنه - ﷺ - قال في الطعام: \"يدًا بيد\" وقيل: القبض لا يأتي ذلك.\nوقال أحمد: لا يجوز بيعه قبل القبض إن كان مكيلًا أو موزونًا أو معدودًا أو إن لم يكن يجوز، ولنا ما روى أبو داود (٢) وابن حبان (٣) في صحيحه والحاكم في (مستدركه) (٤) وصححه عن عبد الله بن عمر قال: ابتعت زيتًا في السوق، فلما استوجبته لقيني رجل\n_________\n(١) في التقريب (١/ ٥٥٤).\n(٢) أبو داود (٣/ ٢٨٢).\n(٣) ابن حبان في صحيحه.\n(٤) الحاكم في المستدرك (٢/ ٤٦).","vol":"4","page":116},{"text":"فأعطاني فيه ربحًا حسنًا، فأردت أن أضرب على يده فأخذ رجل من خلفي بذراعي فالتفت فإذا زيد بن ثابت، فقال: لا تبعه حيث ابتعته حتى تجوزه إلى رحلك، فإن رسول الله - ﷺ - نهى أن تبتاع السلع حيث تبتاع حتى تجوزها التجار إلى رحالهم. كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم حال الرجل يكون له العطايا أو الدين على الرجل، فيبيع قبل أن يقبضه، شرع في بيان ما يتعلق بحكم حال الرجل يكون عليه الدين، فيقضي أفضل مما أخذ، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-393>باب الرجل يكون عليه الدين فيقضي أفضل مما أخذه</span>\nفي بيان ما يتعلق بحكم حال الرجل يكون عليه الدين فيقضي أفضل مما أخذ أي: أحسن منه أو أزيد.\n٨٢٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا حُميد بن قيس المكي، عن مجاهد، قال: استسلف عبد الله بن عمر من رجل دراهم، ثم قضى خيرًا منها، فقال الرجل: هذه خيرٌ من دراهمي التي أسلَفْتُك، فقال ابن عمر: قد علمتُ، ولكن نفسي بذلك طيّبة.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا حُميد بالتصغير ابن قيس المكي، الأعرج، يكنى أبا صفوان القاري، ليس به بأس كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل مكة، مات سنة ثلاثين ومائة، وقيل بعدها عن مجاهد بن جبر بفتح الجيم وسكون الموحدة، يكنى أبا الحجاج المخزومي مولاهم المكي ثقة إمام في التفسير وفي العلم، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل مكة مات سنة إحدى أو اثنين أو ثلاث أو أربع ومائة، وهو ابن ثلاث وثمانين سنة كذا قاله في (تقريب التهذيب) (١) قال: استسلف عبد الله بن عمر من\n_________\n(٨٢٦) إسناده حسن.\n(١) التقريب (١/ ٥٢٠).","vol":"4","page":117},{"text":"رجل دراهم، أي: معيبة ثم قضى أي: أداه دراهم خيرًا منها، أي: في الكيفية فقال الرجل: يا أبا عبد الرحمن، وهو كنية ابن عمر هذا أي: ما أعطيته (ق ٨٥٧) إلى، وفي نسخة صحيحة: هذه أي: الدراهم التي أعطيتها إلى خيرٌ من دراهمي التي أسلَفْتُك، أي: فهل علمت ذلك ويجوز أي: أخذ فقال ابن عمر: قد علمتُ، أي: خيرية دراهمي ولكن نفسي بذلك طيّبة أي: فيحل لك، وهذا أحسن قضاء والشرع لم يفرق بين الجيد والرديء في المال الربوي.\n* * *\n\n٨٢٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي رافع: أن رسول الله - ﷺ - استسلف من رجل بَكْرًا، فقدِمَتْ عليه إبلٌ من الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بَكْرَهُ، فرجع إليه أبو رافع، فقال: لم أجد فيها إلا جَملًا رباعيًا خَيَارًا، قال: أعطه إياهُ؛ إن خيار الناس أحسنهم قضاء.\nقال محمد: وبقول ابن عمر نأخذ، لا بأس بذلك إذا كان من غير شرط اشترطه عليه، وهو قول أبي حنيفة ﵀.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، العدوي مولى عمر، يكنى أبا عبد الله وأبا أمامة المدني، ثقة عالم وكان يرسل، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة تسع وثلاثين ومائة عن عطاء بن يسار، الهلالي، يكنى أبا محمد المدني مولى ميمونة أم المؤمنين، ثقة فاضل صاحب مواعظ وعبادة، كان في الطبقة الثانية من طبقات صغار التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين عن أبي رافع: كان اسمه أسلم أو إبراهيم أو ثابت أو هرمز أو سنان أو صالح أو يسار أو عبد الرحمن أو يزيد أو قزمان، فيه أقوال عشرة.\nقال ابن عبد البر: أشهر ما قيل فيه: اسمه أسلم القبطي مولى رسول الله - ﷺ - قيل:\n_________\n(٨٢٧) صحيح، أخرجه مسلم (٣/ ١٢٢٤)، رقم (١٦٠٠).","vol":"4","page":118},{"text":"بدري ولم يشهدها وشهد أحدًا وما بعدها، وقيل: كان مولى العباس فوهب للنبي - ﷺ - فأعتقه، وروى عنه أحاديث ومات في أول خلافة علي ﵁ على الصحيح أن رسول الله - ﷺ - استسلف من رجل قال (الأبي): السين في استفعل للطلب، وقد تكون للتحقيق وهي هنا كذلك؛ لأنه إخبار عن ماض بَكْرًا، بفتح الباء الموحدة وسكون الكاف وهو الفتى من الإِبل كالغلام من الذكور والقلوص: الفتية من النوق، كالجارية من الإِناث، وفيه جواز أخذ الدين للضرورة، وقد كان النبي - ﷺ - يكرهه، وإلا فقد خير فاختار التقلل من الدنيا والقناعة. كذا قاله في (الإِكمال) وفي (المفهم): فإن قيل: كيف عمر ذمنه بالدين، وقد كان يكرهه، وقال في الحديث: \"إياكم والدين، فإنه شين\"، وفي آخر: \"فإنه هم بالليل ومذلة في النهار\"، وكان كثيرًا ما يتعوذ منه حتى قيل: ما أكثر ما تستعيز من المغرم، فقال: \"إن الرجل إذا غرم حدث فكذب\".\nأجيب بأنه إنما كداين لضرورة، ولا خلاف في جوازه لها فإن قيل: لا ضرورة له؛ لأن الله تعالى خيره أن تكون بطحاء مكة له ذهبًا رواه الترمذي، ومن هو كذلك، فأين الضرور؟\nأجيب بأنه لما خيَّره اختار الإِقلال من الدنيا والقناعة، وما عدل عنه زهدًا فيه لا يرجع إليه، فالضرورة لازمة، وأيضًا فالدين إنما هو مذموم لتلك اللوازم المذكورة، وهو معصوم منها، وقد يجب وإن كان لغير ضرورة كره للأحاديث المذكورة، لما فيه من تعريض النفس للمذلة.\nوأما السلف بالنسبة إلى معطيه فمستحب؛ لأنه من الإِعانة على الخير، وأخرج البزار (١) عن ابن مسعود ﵁: \"قرض مرتين يعدل (ق ٨٥٨) صدقة مرتين\"، وفي حديث آخر: \"درهم الصدقة بعشرة ودرهم القرض بسبعين\" فقدِمَتْ أي: جاء عليه - ﷺ - إبلٌ من الصدقة، أي: الزكاة فأمر - ﷺ - مولاه أبا رافع أن يقضي الرجل بَكْرَهُ، أي: مثل بكره ليسلف منه، ولم يسم ذلك الرجل، وفي مسند أحمد أنه أعرابي، وفي أوسط الطبراني عن العرباض ما يفهم أنه هو، لكن في النسائي والحاكم ما يقتضي أنه غيره، فكأن القصة وقعت لأعرابي ووقع نحوها للعرباض فرجع إليه أي: إلى النبي - ﷺ - أبو رافع،\n_________\n(١) البزار (٥/ ٤٤).","vol":"4","page":119},{"text":"فقال: لم أجد فيها أي: فيما بين إبل الصدقة إلا جَملًا رباعيًا بضم الراء وتخفيف التحتية وهو الإِبل الذي استكمل ست سنين، فدخل في السابعة.\nقال الهروي: إذا ألقي البعير رباعيته في السنة السابعة فهو رباعي، ورباعيات الأسنان الأربعة التي تلي الثنايا من جانبها خَيَارًا، صفة على المبالغة فقال: أي: النبي - ﷺ - أعطه بهمزة قطع وكسر الطاء إياهُ؛ إن خيار الناس أحسنهم قضاء أي: الدين.\nقال البوني: أظنه أراد أن الله يوفق لهذا خيار الناس. انتهى. كذا قاله الفاضل السيد محمد الزرقاني.\nوقال النووي: مما يستشكل فيقال: كيف قضى من إبل الصدقة أجود من الذي يستحقه الغريم، مع أن الناظر لا يجوز تبرعها منها.\nوالجواب: أنه - ﷺ - افترض لنفسه، فلما جاءت إبل الصدقة اشترى منها رباعيًا أجود ممن استحقه فملكه بثمنه، وأوفاه متبرعًا بالزيادة من ماله، ويدل عليه ما في رواية مسلم قال: اشتروا شيئًا فأعطوه إياه. انتهى. كذا قاله السيوطي وبهذا يزول إشكال الآخر وهو بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، وقد تقدم نهيه - ﷺ - كما مر عليه الكلام.\nقال محمد: وبقول ابن عمر نأخذ، لا بأس بذلك إذا كان من غير شرط اشترطه عليه، أي: في حال العقد لأنه لو شرط عليه الزيادة لصار ربًا وهو قول أبي حنيفة ﵀.\n* * *\n\n٨٢٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، قال: مَنْ أسْلَفَ سَلَفًا فلا يشترط إلا قضاءه.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا ينبغي له أن يشترط أفضل منه، ولا يشترط عليه أحسن منه، فإن الشَّرْط في هذا لا ينبغي، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n_________\n(٨٢٨) إسناده صحيح.","vol":"4","page":120},{"text":"• أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، ﵁ قال: مَنْ أسْلَفَ سَلَفًا فلا يشترط إلا قضاءه أي: لا زيادة عليه ولا نقصان عنه.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا ينبغي له أي: لمن أسلف أن يشترط عليه أي: في العقد أفضل منه، أي: إعطاء أزيد منه في الكمية ولا يشترط عليه أحسن منه، أي: في الكيفية فإن الشَّرْط في هذا أي: في العقد الذي هو السلف لا ينبغي، أي: لا يجوز وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم حال الرجل يكون عليه دين فيقضي أفضل مما أخذ، شرع في بيان العمل يكره، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-394>باب ما يكره من قطع الدراهم والدنانير</span>\nفي بيان ما أي: الفعل يكره، أي: أن يفعله من قطع الدراهم والدنانير أي: كسرها وإبطال صورها.\n٨٢٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيَّب، أنه قال: قطع الذَّهب والورِق من الفساد في الأرض.\nقال محمد: لا ينبغي قَطْع الدراهم والدنانير لغير منفعة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا يحيى بن سعيد بن قيس\nالأنصاري المدني، قد سبق طبقته في باب الرجل يكون له العطايا أو الدين على الرجل عن\nسعيد بن المسيَّب، أنه قال: قطع الذَّهب والورِق أي: كسر الفضة والذهب، أي: حتى\nيصير أخف وزنًا من الدراهم والدنانير المتعارفة، وفي معناه غشهما من الفساد في\nالأرض؛ (ق ٨٥٩) لأنه نوع سرقة بل أكبر منها لسراية ضررها إلى العامة في كسر سكة\nالمسلمين، فتنبيه للعامة واختلال في أمورهم، وجاء عن سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي\nرباح في قوله تعالى في سورة النمل: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ\n_________\n(٨٢٩) إسناده صحيح.","vol":"4","page":121},{"text":"وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [النمل: ٤٨] أن إفسادهم كان قطع الذهب والفضة، وعن زيد بن أسلم في قوله تعالى في سورة هود: ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ [هود: ٨٧] قال: قطع الدنانير والدراهم.\nوقال غيره: هو الجس الذي كانوا يفعلونه، وروى ابن أبي شيبة أنه - ﷺ - نهى عن كسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس.\nقال أبو عمر بن عبد البر: إسناده لين. كذا قاله الزرقاني.\nقال محمد: لا ينبغي أي: لا يجوز قَطْع الدراهم والدنانير لغير منفعة أي: للعباد، والظاهر أن مراد ابن المسيب من قطعهما نقص شيء منها ومراد محمد من قطعها كسرها وإبطال صورهما وجعلها مصوغًا وطروفًا ونحوهما والله أعلم. كذا قال علي القاري.\nلما فرغ من بيان ما يكره من قطع الدراهم والدنانير، شرع في بيان حكم المعاملة والمزارعة في النخل والأرض، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-395>باب المعاملة والمزارعة في الأرض والنخل</span>\nفي بيان حكم أحكام المعاملة: وهي أن يعطي صاحب النخل والبستان نخله وبستانه لآخر ليعمل فيها، على شرط يكون نصفه لمحصول أو ثلثه أو ربعه لصاحب البستان ونصفه الآخر أو ثلثه أو ربعه للعامل فيها، والمزارعة: وهي أن يعطي صاحب الأرض الخالية من الأشجار أرضه إلى آخر ليزرعها على شرط أن يكون نصف المحصول أو ثلثه أو ربعه لصاحبه الأرض ونصفه الآخر أو ثلثه أو ربعه للحارث قوله: في النخل قيد المعاملة، وقوله: والأرض قيد المزارعة.\n٨٣٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا ربيعة بن أبي عبد الرحمن، أن حنظلة الأنصاري أخبره، أنه سأل رافع بن خديج عن كراء المزارع، فقال: قد نُهي عنه، قال حنظلة: فقلتُ لرافع: بالذهب والورق؟ فقال رافع: لا بأس بكرائها بالذهب والورِق.\n_________\n(٨٣٠) إسناده صحيح.","vol":"4","page":122},{"text":"قال محمد: وبهذا نأخذ، لا بأس بكرائها بالذهب، والورِق، وبالحنطة كيلًا معلومًا، وضَرْبًا معلومًا، ما لم يُشترط ذلك مما يخرج منها، فإن اشترط مما يخرج منها كيلًا معلومًا فلا خير فيه، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\nوقد سُئل عن كرائها سعيد بن جبير بالحنطة كيلًا معلومًا، فرَخَّصَ في ذلك، وقال: هل ذلك إلا مثل البيت يُكرى.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا ربيعة بن أبي عبد الرحمن، التيمي مولاهم يكنى أبا عثمان المدني المعروف بربيعة الرأي، واسم أبيه فروخ ثقة فقيه مشهور، قال ابن سعد: كانوا يثقونه لموضع الرأي، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ست وثلاثين ومائة أن حنظلة بن قيس بن عمرو بن حصن بن خلدة الزرقي المدني الأنصاري ثقة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة. كذا قاله في (تقريب التهذيب) أخبره، أنه سأل رافع بن خديج بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة وإسكان التحتية وجيم هو ابن رافع بن عدي الأنصاري الأوسي هو أول من شهد أحدًا ثم الخندق، مات سنة ثلاث أو أربع وسبعين وقيل: قبل ذلك عن كراء المزارع، بفتح الميم جمع المزرعة، هي مكان الزرع فقال: أي: رافع بن خديج قد نُهي عنه، على بناء المجهول أي: نهانا رسول الله - ﷺ - عن كراء المزارع وظاهره منع كرائها مطلقًا وإليه ذهب الحسن وطاووس وأبو بكر الأصم، قال: لأنها إذا استؤجرت وخربت لعلها يحترق ذرعها فيردها، وقد زادت وانتفع ربها ولم ينتفع المستأجر، ومن حجتهم حديث الصحيحين (ق ٨٦٠) وغيرهما مرفوعًا: \"من كانت له أرض فليزرعها، فإن لم يفعل فليمسك أرضه\" قال حنظلة: فقلتُ أي: سألت لرافع: ابن خديج بالذهب والورق؟ أي: أنهى عن كرائها بهما؟ فقال رافع: لا بأس أي: لا حرمة بكرائها بالذهب والورِق أي: الفضة ونحوهما، وفي رواية للشيخين من لا إنما نهى عنه ببعض ما يخرج منها.\nقال مالك في (موطئه): أما بالذهب والورق فلا بأس به، وهو يتحمل أنه قال ذلك اجتهادًا أو علم ذلك بالنص على جوازه، وقد روى أبو داود والنسائي بإسناد صحيح عن سعيد بن المسيب عن رافع بن خديج قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن المحاقلة والمزابنة وقال: إنما يزرع ثلاثة: رجل له أرض، ورجل منح أرضًا، ورجل أكرى أرضًا بذهب أو فضة،","vol":"4","page":123},{"text":"وهو يرجح أنه ما قاله رافع مرفوع، لكن بين النسائي من وجه آخر المرفوع منه النهي عن المحاقلة والمزابنة، وأن بقيته مدرج من كلام ابن المسيب، وقد مر تفصيل الحديث المدرج. كذا قاله الزرقاني (١).\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه حنظلة عن رافع بن خديج لا بأس بكرائها بالذهب، والورِق، أي: بالنقد وما في معناها وبالحنطة ونحوهما من الشعير والأرز والذرة كيلًا معلومًا، أي: عند المتعاقدين وضَرْبًا أي: صنفًا معلومًا، أي: عندهما ما لم يُشترط ذلك أي: ما ذكر من القدر والصنف المعلومين من الحنطة مثلًا مما يخرج منها، أي: من تلك الأرض فإن اشترط مما يخرج منها كيلًا معلومًا أي: فضلًا أن يكون مجهولًا فلا خير فيه، أي: لأنه حرام وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\nوقد سُئل عن كرائها سعيد بن جبير بالحنطة كيلًا معلومًا، فرَخَّصَ في ذلك، وقال: هل ذلك أي: في القياس إلا مثل البيت يُكرى أي: بالحنطة أو الذهب أو الفضة ونحوهما.\n* * *\n\n٨٣١ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيَّب، أن رسول الله - ﷺ - حين فتح خيبر قال لليهود: \"أقرّكم ما أقركم الله، على أن الثَّمَرَ بيننا وبينكم\"، قال: وكان رسول الله - ﷺ - يبعث عبد الله بن رواحة فيخرصُ عليهم، ثم يقول: إن شئتم فلكم وإن شئتم فلي، قال: فكانوا يأخذونه.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيَّب، أن رسول الله - ﷺ - أي: يوم فتح خيبر بوزن جعفر: مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع ونخل كثير، على حين ثمانية برد من المدينة إلى جهة الشام هذا حديث مرسل.\nقال ابن عبد البر: وصله جميع رواة الموطأ وأكثر أصحاب ابن شهاب، ووصله\n_________\n(١) في شرحه (٣/ ٤٧٢).\n(٨٣١) هو في الموطأ برواية أبي مصعب الزهري (٢٣٩٧)، وقال ابن عبد البر: أرسله جميع رواة الموطأ وأكثر أصحاب ابن شهاب، وأخرجه الشافعي في مسنده (٢/ ١٣٥)، والبيهقي في معرفة السنن والآثار (٨/ ١٢٠٧٨).","vol":"4","page":124},{"text":"منهم طائفة منهم صالح بن أبي الأخضر أي: وهو ضعيف، فزاد عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال لليهود أي: ليهود خيبر أقرّكم أي: على أراضي خيبر وذراعتها ما أقركم الله، أي: مدة التي قدرها لمسافتكم فيها لا دلالة فيه لمن قال: يجوز المسافات مدة مجهولة؛ لأنه محمول على مدة العهد؛ لأنه كان عازمًا على إخراج الكفار من جزيرة العرب لمحبتة، استقبال الكعبة؛ لأنه كان لا يتقدم في شيء إلا بوحي قد ذكر ذلك لليهود منتظرًا للقضاء فيهم إلى أن حضرتهم الوفاة فأتاه الوحي فقال: \"لا يبقين دينان بأرض العرب\" فلما بلغ عمر ذلك كان خاصًا به - ﷺ - ينتظر قضاء الله، وقيل: لأنهم كانوا عبيدًا له، كما قال ابن شهاب، ويجوز بين السيد وعبده ما لا يجوز بين الأجنبيين؛ إذ للسيد أخذ ما بيده عند الجميع. كذا قاله ابن عبد البر على أن الثَّمَرَ بالمثلثة أي: الحاصل منها من الثمر والزرع بيننا وبينكم، أي: نصفين، كما (ق ٨٦١) في الصحيحين (١) عن ابن عمر أن النبي - ﷺ - عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع.\nقال عياض: هو مفسِّر للإِبهام في حديث (الموطأ) فإن المسافات لا تجوز مبهمة، والجزء فيها ما يتفقان عليه قل أو كثر قال: أي: سعيد بن المسيب وكان رسول الله - ﷺ - يبعث عبد الله بن رواحة بفتح الراء المهملة ابن ثعلبة بن امرئ القيس الأنصاري الخزرجي الشاعر، أحد السابقين شهد بدرًا واستشهد بمؤتة، وكان ثالث الأمراء بها في جمادى الأولى سنة ثمان فيخرصُ بضم الراء المهملة ثم صاد مهملة أي: يجوز ويخمن قدر الثمر أو الزرع الحاصل بينه وبينهم أي: بمعرفتهم ثم يقول: إن شئتم فلكم أي: هذا المقدار وتضمنونه نصيب المسلمين وإن شئتم فلي، أي: فأنتم مخيرون وأضمن نصيبكم قال: أي: عبد الله بن رواحة فكانوا يأخذونه أي: يختارونه، وعن جابر: \"خرص ابن رواحة أربعين ألف وسق، ولمَّا خيرهم أخذوا الثمرة وأدوا عشرين ألف وسق\".\nقال ابن مزين: سألت عيسى عن فعل ابن رواحة: أيجوز للمساقين أو المشتركين، فقال: لا ولا يصح إلا كيلًا إلا أن تختلف حاجتهما إليه، فيقسمانه بالخرص فتأول خرص ابن رواحة للقسمة خاصة. كذا قاله الفاضل محمد الزرقاني (٢).\n* * *\n_________\n(١) البخاري (٤٠٠٢)، ومسلم (٣/ ١١٨٦).\n(٢) في شرحه (٣/ ٤٥٩).","vol":"4","page":125},{"text":"٨٣٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن سليمان بن يسار، أن رسول الله - ﷺ - كان يبعث عبد الله بن رواحة، فيخرص بينه وبين اليهود، قال: فجمعوا له حليّا من حليّ نسائهم، فقالوا: هذا لك وخفف عنَّا وتجاوز في القسم، فقال: يا معشر اليهود، والله إنكم لمِن أبغض خلق الله إليَّ، وما ذلك بحاملي أن أحيف عليكم، أمّا الذي عَرَضتم من الرِّشوة فإنها سُحْت، وإنا لا نأكلها، فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا بأس بمعاملة النخل على الشَّطر، والثلث، والربع، وبمزارعة الأرض البيضاء على الشطر والثلث والربع، وكان أبو حنيفة يكره ذلك، ويذكر أن ذلك هو المخابرة التي نهى عنها رسول الله - ﷺ -.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم الزهري التابعي، ثقة كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة عن سليمان بن يسار، الهلالي المدني مولى ميمونة، وقيل: أم سلمة ثقة فاضل أحد الفقهاء السبعة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة. كذا قاله ابن الجوزي في (طبقاته) أن رسول الله - ﷺ - كان يبعث عبد الله بن رواحة، أي: إلى خيبر فيخرص أي: فيخمن بينه وبين اليهود، أي: حاصل نموهم قال: أي: عبد الله بن رواحة فجمعوا له حليّا بضم الحاء المهملة وكسر اللام وتشديد التحتية من حليّ نسائهم، وفي (المغرب): الحلي على مفعول جمع حلي كثدي جمع ثدي، وهو ما تتحلى به المرأة من ذهب أو فضة وقيل: أو جواهر فقالوا: أي: أهالي خيبر هذا أي: الحلي لك أي: خاصة وخفف أي: ارفع عنَّا أي: في الخرص وتجاوز أي: في القسم، أي: بالمسامحة معنى فقال: يا معشر بفتح الميم وسكون العين المهملة والشين المعجمة المفتوحة أي: قبائل اليهود، والله إنكم لمِن بفتح اللام وكسر الميم وسكون النون تأكيد القسم أبغض خلق الله إليَّ، أي: إلى قلبي أو عندي أو في معتقدي وما ذلك أي: بغضكم مع هذا بحاملي بباعث لي أن أحيف أي: أغدر عليكم، أي: من أجور عليكم أمّا الذي\n_________\n(٨٣٢) هو في الموطأ برواية أبي مصعب (٢٣٩٨)، ووصله أبو داود وابن ماجه عن ابن عباس وجابر.","vol":"4","page":126},{"text":"عَرَضتم من الرِّشوة بالكسر وسكون الشين المعجمة أي: الجعلة للجاه فإنها أي: الرشوة سُحْت، بضم وسكون وبضمتين، أي: حرام أخذها سحت البركة ويستأصلها بالكلية وإنا أي: (ق ٨٦٢) معشر المسلمين لا نأكلها، أي: الرشوة مطلقًا فقالوا: أي: معاشر اليهود بهذا أي: بالعدل قامت السموات والأرض أي: ما عندنا أو قام أهلها واستقام حالهما وحسن مآلهما.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه سليمان بن يسار هنا لا بأس بمعاملة النخل على الشَّطر، أي: النصف والثلث، والربع، أو نحوهما من الخمس والثمن وبمزارعة الأرض البيضاء أي: الخالية من الأشجار على الشطر والثلث والربع، أي: وأمثالها وكان أبو حنيفة يكره ذلك، أي: عمل المزارعة ويذكر أن ذلك هو المخابرة التي نهى عنها رسول الله - ﷺ - والمخابرة بالخاء المعجمة والموحدة والمزارعة على نصف معين من النصف ونحوه، وإنما لا يصح عند أبي حنيفة، لما أخرجه مسلم عن ثابت بن الضحاك أن رسول الله - ﷺ - نهى عن المزارعة، وأمر بالمؤاجرة، وقال: \"لا بأس بها\"، وما رواه ابن أبي شيبة عن ثابت بن الحجاج عن زيد بن ثابت ﵁ قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن المخابرة قلت: وما المخابرة؟ قال: \"أن تأخذ الأرض بنصف أو ثلث أو ربع\"، وأما ما أخذه النبي - ﷺ - فإنما كان خراج مقاسمة بطريق المن والصلح، وذلك جائز بدليل أنه - ﷺ - لم يبين لهم المدة، وإن كانت مزارعة بينهما لا يجوز عن من يجيزها إلا ببيان المدة.\nوقال أبو بكر الرازي: ومما يدل على أن ما شرط عليهم من نصف الثمر والزرع كان على وجه الجزية، إذ لم يرد في شيء من الأخبار أن النبي - ﷺ - أخذ منهم الجزية إلى أن مات، ولا أبو بكر إلى أن مات، ولا عمر إلى أن أجلاهم عن جزيرة العرب، ولو لم يكن جزية لأخذ منهم الجزية حين نزلت آية الجزية ثم الحلية، لجوازها عند أبي حنيفة أن يستأجر رب البذرة العامل بأجر معلوم إلى مدة معلومة، وإذا قضيت المدة يعطيه بعض الخراج عما وجب له من الأجر في ذمته فيجوز ذلك برضاهما كالدين إذا أعطى عنه خلاف جنسه، وأما عندهم فصح المزارعة بشروطها المعتبرة المذكورة في الكتب المبسوطة، وبه يفتي لحاجة الناس إليها وتعامل الأمة بها، ولما أخرجه الجماعة إلا النسائي عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من تمر أو زرع، وفي لفظ: \"لما افتتحت خيبر سأل اليهود رسول الله - ﷺ - أن يقرهم فيها على أن يعملوا على نصف ما","vol":"4","page":127},{"text":"يخرج منها من الثمر والزرع، فقال رسول الله - ﷺ -: \"نقركم فيها على ذلك ما شئنا\".\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم المعاملة والمزارعة في النخل والزرع، شرع في بيان ما يتعلق بحكم إحياء الأرض، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-396>باب إحياء الأرض بإذن الإمام أو بغير إذنه</span>\nبالتنوين أي: باب كائن في بيان حكم إحياء الأرض بإذن الإِمام أو غير إذنه، أراد بإحياء الأرض إحياء الموت منها، وهو أرض بلا نفع لانقطاع مائها ونحوه، ولا يعرف مالكها بعيدة من العامر بحيث لا يسمع فيها الصوت من أقصى العامر.\n٨٣٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا هشام بن عُروة، عن أبيه، قال: قال النبي - ﷺ -: \"مَنْ أحيا أرضًا ميِّتة فهي له، وليس لعرقٍ ظالمٍ حق\".\n• أخبرنا مالك، أخبرنا هشام بن عُروة، بن الزبير بن العوام الأسدي المدني، ثقة فقيه ربما دلس، كان في الطبقة الخامسة من طبقات (ق ٨٦٣) التابعين من أهل المدينة، مات سنة ست أو خمس وأربعين ومائة، وله سبع وثمانون سنة عن أبيه أي: عن عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي المدني، يكنى أبا عبد الله المدني ثقة فقيه مشهور كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين على الصحيح قال: أي: عروة بن الزبير مرسلًا قال النبي - ﷺ -: \"مَنْ أحيا أرضًا ميِّتة فهي له، أي: تلك الأرض ملك له مسلمًا كان أو ذميًا، أذن له الإِمام أو لم يأذن، وبه قال الجمهور.\nوقال أبو حنيفة: لو أحياها بغير إذن الإِمام لا يملكها وليس لعرقٍ ظالمٍ حق\" بكسر العين المهملة وسكون الراء وتنوين القاف، وظالم مجرور صفة له، وحق مرفوع على أنه اسم لكلمة ليست أي: لم يثبت حق لرجل ظالم غرس شجرًا أو ذرع بذرًا بالأرض التي أحياها زيد قيل: غرسها رجل ليغتصبها عند يده ظلمًا. كذا فسره محمد الواني في (ترجمة الجوهري)، ووصف العرق بالظالم الذي هو صفة صاحبه مجاز.\n* * *\n_________\n(٨٣٣) صحيح، أخرجه البخاري (٥/ ١٨)، والترمذي (١٣٧٨)، وأبو داود (٣٠٧٣)، وأحمد في المسند (٣/ ٣٣٨، ٣٨١).","vol":"4","page":128},{"text":"٨٣٤ - أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر، عن عمر بن الخطاب، أنه قال: من أحيا أرضًا ميتة فهي له.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، من أحيا أرضًا ميتة بإذن الإِمام أو بغير إذنه فهي له، وأما أبو حنيفة فقال: لا يكون له إلا أن يجعلها له الإِمام، قال: وينبغي للإِمام إذا أحياها أن يجعلها له، فإن لم يفعل لم تكن له.\n• أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، أي: ابن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، يكنى أبا عمر أو أبا عبد الله المدني، أحد الفقهاء السبعة، كان ثقة عابدًا فاضلًا، وكان يشبه بأبيه في الهدي والسمت، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة على الصحيح. كذا قاله ابن حجر (١) عن عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر، عن عمر بن الخطاب، ﵁ أنه قال: من أحيا أرضًا ميتة فهي له أي: لما سبق، ولما في الترمذي (٢) وقال: حديث حسن صحيح عن جابر بن عبد الله: أن النبي - ﷺ - قال: \"من أحيا أرضًا ميتة فهي له\"؛ ولأنه تال مباح سبقت يده إليه فيملكه، كما في الحطب والصيد.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه عبد الله بن عمر عن أبيه من أحيا أرضًا ميتة بإذن الإِمام أو بغير إذنه فهي له، وأما أبو حنيفة فقال: أي: على ما اختاره لا تكون أي: الأرض له أي: لمن أحياها إلا أن يجعلها له الإِمام، أي: أولًا قال: أي: أبو حنيفة وينبغي للإِمام إذا أحياها أي: أحد بغير إذنه أن يجعلها له، أي: لمن أحياها إياها فإن لم يفعل أي: الإِمام ذلك لا أولًا ولا آخرًا لم تكن أي: الأرض له أي: لمن أحياها، روى الطبراني من حديث معاذ رضي الله تعالى عنه أن النبي - ﷺ - قال: \"ليس للمرء إلا ما طابت نفس إمامه به\". ولأن ما يتعلق به حق جماعة المسلمين لا يختص واحد دون واحد إلا بإذن الإِمام، وأصله الرزق من بيت المال، ثم من حجر أرضًا بأن وضع حجرًا أو شيئًا للإِعلام بأن قصد إحيائها ولم يعمرها ثلاث سنين دفعها الإِمام إلى غيره اتفاقًا، لما روى\n_________\n(٨٣٤) إسناده صحيح.\n(١) التقريب (١/ ٢٢٦).\n(٢) الترمذي (٣/ ٦٦٢).","vol":"4","page":129},{"text":"مسلم في كتاب (الخراج) عن الحسن بن عمارة عن الزهري عن سعيد بن المسيب أنه قال: قال عمر ﵁: من أحيا أرضًا ميتة فهي له، وليس للمحتجر حق بعد ثلاث سنين، كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم إحياء الأرض بإذن الإِمام أو بغير إذنه، شرع (ق ٨٦٤) في بيان ما يتعلق بحكم الصلح في الشرب وقسمة الماء، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-397>باب الصلح في الشرب وقسمة الماء</span>\nفي بيان حكم الصلح بضم الصاد المهملة وسكون اللام وبعدها حاء مهملة: اسم يستعمل مذكرًا ومؤنثًا من المصالحة، وهي المسالمة بعد المنازعة. كذا في (صحاح الجوهري)، وفي الشريعة: عقد يرفع النزاع. كذا قاله السيد الشريف محمد الجرجاني أي: حال كونه في الشرب وقسمة الماء الشرب بالكسر النصيب من الماء، وفي الشريعة عن نوبة الانتفاع بالماء سقيًا للمزارع أو الدواب. كذا في (المغرب)، والأصل في هذا الباب ما أخرجه ابن ماجه (١) في (سننه) عن ابن عباس والطبراني في (معجمه) عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - قال: \"المسلمون شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار\"، وزاد ابن ماجه: \"وثمنه حرام\"، والمراد بالماء الجزر أي: الموضع الذي انقطع الماء فيه، وبالكلأ: الحشيش الذي ينبت بنفسه من غير أن يذرعه أحد ويسقيه وإن كان في أرض غيره، وبالنار: الاستضاءة والاصطلاء والإِيقاد من لهبها في الصحراء لا الجمر؛ لأنه ملكه.\n٨٣٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر، أنه بلغه أن رسول الله - ﷺ - قال في سيل مَهْزُور وَمُذَيْنِب: \"يُمْسَك حتى يبلغ الكعبين، ثم يُرسل الأعلى على الأسفل\".\nقال محمد: وبه نأخذ، لأنه كان كذلك الصلح بينهم، ولكل قوم ما اصطلحوا وأسلموا عليه من عيونهم وسيولهم وأنهارهم وشِرْبهم.\n_________\n(١) ابن ماجه (٢/ ٨٢٦).\n(٨٣٥) إسناده ضعيف لإِرساله.","vol":"4","page":130},{"text":"• أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني القاضي فيها ثقة، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة وهو ابن سبعين سنة أنه بلغه أن رسول الله - ﷺ - قال في سيل مَهْزُور بفتح فضم وادي بني قريظة وَمُذَيْنِب: تصغير مذنب واد بالمدينة \"يُمْسَك بصيغة المجهول أي: يؤاخذ الماء والمعنى الأعلى حتى يبلغ الكعبين، أي: من القدمين ثم يُرسل الأعلى على الأسفل\" أي: هلم جرا إلى آخره. قال ابن عبد البر: لا أعلمه متصلًا من وجه من الوجوه مع أنه حديث مدني مشهور عند أهل المدينة يستعمل عندهم معروف معمول به، ومهزور ومذينب واديان بالمدينة قال: وسئل أبو بكر البزار عن حديث الباب، فقال: لست أحفظ فيه بهذا اللفظ عن النبي - ﷺ - حديثًا ثابتًا، وقد خرج ابن ماجه نحوه من حديث ثعلبة بن مالك القرظي.\nوقال البيهقي: إنه مرسل، وثعلبة من الطبقة الأولى من تابعي أهل المدينة. كذا ذكره السيوطي.\nقال محمد: وبه نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه عبد الله بن أبي بكر عن النبي - ﷺ - لأنه كان كذلك الصلح بينهم، ولكل قوم ما اصطلحوا وأسلموا عليه من عيونهم وسيولهم وأنهارهم وشِرْبهم أي: ونصيبهم أي: لشربهم وذرعهم وسقي دوابهم، وهذا الكلام من الإِمام محمد قد توهم أنه ليس له أصل في الكتاب والسنة، لكن ذكره البغوي في تفسير قوله تعالى في سورة النساء: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ الآية [النساء: ٦٥] حديث البخاري (١): حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن الزهري، أخبرني عروة بن الزبير أن الزبير كان يحدث أنه خاصم رجلًا من الأنصار قد (ق ٨٦٥) شهد بدرًا إلى رسول الله - ﷺ - في سراح من الحرة إلى سيل منها، وهي حجارة سود في بقعة معروفة بالمدينة كان يسقيان به كلاهما، فقال رسول الله - ﷺ - للزبير: \"اسق يا زبير ثم أرسل إلى جارك\"، فغضب الأنصاري، فقال: يا رسول الله، إن كان ابن عمك، فتلون وجه رسول الله - ﷺ - ثم قال: \"اسق ثم احبس حتى يبلغ الجدر\" أي: أصله فاستوعى رسول الله - ﷺ - أي: استوعب للزبير حقه، وكان رسول الله - ﷺ - قبل ذلك أشار على الزبير أي: فيه مشقة\n_________\n(١) البخاري (٢/ ٨٣٢).","vol":"4","page":131},{"text":"وللأنصاري، فلما أحفظ الأنصاري أغضب رسول الله - ﷺ - استوعى للزبير حقه في صريح الحكم.\nقال عروة: قال الزبير: والله ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ذلك: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية [النساء: ٦٥].\n* * *\n\n٨٣٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا عمرو بن يحيى، عن أبيه، أن الضحّاك بن خليفة ساق خليجًا له من العُرَيْض، فأراد أن يمر به في أرض لمحمد بن مَسْلمة، فأبى محمد بن مسلمة، فقال له الضحّاك: لم تمنعني وهو لك منفعة تشرب به أولًا وآخرًا، ولا يضرّك؟ فأبى، فكلَّم فيه عمر بن الخطاب، فدعا محمد بن مَسلمة، فأمره أن يخلّي سبيله، فأبى، فقال عمر: لم تمنع أخاك ما ينفعه، وهو لك نافع تشرب به أولًا وآخرًا ولا يضرك، قال محمد: لا والله، فقال عمر: والله ليمرّن به ولو على بطنك، فأمره عمر أن يجريه.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبي حسن المازني، المدني ثقة، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ثلاثين ومائة عن أبيه، يحيى بن عمارة بن حسن الأنصاري المدني، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة أن الضحّاك بن خليفة الصحابي ساق خليجًا له أي: نهرًا منقطعًا من النهر الأعظم حتى النهر الصغير من العُرَيْض، وهو بالتصغير واد بالمدينة فأراد أن يمر به في أرض لمحمد بن مَسْلمة، ﵁ بفتح الميم وسكون السين المهملة وفتح اللام والميم فهاء صحابي أنصاري مشهور فاضل، مات بعد الأربعين. كذا قاله ابن حجر فأبى أي: امتنع محمد بن مسلمة، فقال له الضحّاك: لم تمنعني أي: من إدخاله وهو لك منفعة تشرب به أي: بسببه أو منه أولًا وآخرًا، والجملة مستأنفة مبينة للمنفعة ولا يضرّك؟ أي: شيئًا فأبى، فكلَّم أي: الضحاك فيه عمر بن الخطاب، ﵁ فدعا أي: عمر محمد بن مَسلمة، فأمره أن\n_________\n(٨٣٦) إسناده صحيح.","vol":"4","page":132},{"text":"يخلّي سبيله، فأبى، فقال عمر: لم تمنع أخاك ما ينفعه، وهو لك نافع تشرب به أولًا وآخرًا ولا يضرك، قال محمد: لا والله، أي: أخليه أن يمر به في أراضي فقال عمر: والله ليمرّن به أي: بالخليج ولو على بطنك، قاله للمبالغة فأمره أي: الضحاك عمر أن يجريه أي: يمر به.\n* * *\n\n٨٣٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، أنه كان في حائط جدّه ربيعٌ لعبد الرحمن بن عوف، فأراد عبد الرحمن أن يحوّله إلى ناحية الحائط، هي أرفق بعبد الرحمن وأقرب إلى أرضه، فمنعه صاحب الحائط، فكلم عبد الرحمن عمر بن الخطاب، فقضى لعبد الرحمن بتحويله.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، أنه أي: الشأن كان في حائط جدّه أي: بستانه ربيعٌ أي: نهر صغير لعبد الرحمن بن عوف، فأراد عبد الرحمن أن يحوّله إلى ناحية الحائط، أي: من ذلك الحائط هي أي: تلك الناحية أرفق بعبد الرحمن أي: أوفق وأقرب إلى أرضه، بحصص أو قصيرًا فمنعه صاحب الحائط، فكلم عبد الرحمن عمر بن الخطاب، ﵁ فقضى لعبد الرحمن بتحويله\n* * *\n\n٨٣٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الرِّجال، عن عَمرة بنت عبد الرحمن، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا يُمنع نقع بئر\".\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أيُّما رجلٍ كانت له بئر فليس له أن يمنع الناس أن يستقوا منها لشفاههم وإبلهم وغنمهم، فأمَّا لزرعهم ونخلهم؛ فله أن يمنع ذلك، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n_________\n(٨٣٧) إسناده صحيح.\n(٨٣٨) إسناده ضعيف لإرساله، أخرجه أحمد في المسند (٦/ ١٣٩، ٢٦٨) موصولًا، والحاكم (٢/ ٦١)، والبيهقي (٦/ ١٥٢)، وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.","vol":"4","page":133},{"text":"• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا أبو الرِّجال، بكسر الراء المهملة وتخفيف الجيم، مشهور بهذه الكنية وهي لقب، كنيته، (ق ٨٦٦) في الأصل أبو عبد الرحمن، اسمه محمد بن حارثة الأنصاري، ثقة كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة عن عَمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية التابعية، كانت في الطبقة الثالثة من طبقات التابعيات من أهل المدينة، مات بعد المائة أن رسول الله - ﷺ - وفي نسخة: عن رسول الله - ﷺ -، هذا الحديث مرسل لكنه وصله غير واحد قال: \"لا يُمنع بصيغة المجهول نهيًا أو نفيًا نقع بئر\" بنون مفتوحة فقاف ساكنة مهملة فضل ماؤها الذي يخرج منها قبل أن يصير في إناء، يعني الرجل يحفرها بالفلاة ويسقي منها مواشيه، فإن سقاها فليس له أنه يمنع الفاضل غيره.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه عمرة بنت عبد الرحمن هنا أيُّما رجلٍ كانت له بئر فليس له أن يمنع الناس أن يستقوا منها أي: من البئر وهو مؤنث، في (القاموس): البئر انثى، وقال صاحب (الكشاف): التاء مقدرة في بعض الأسماء المؤنثة، نحو: أرض ونعل فإن التاء فيها مقدرة، بدليل تصغيرها على أريضة ونعيلة، فإن التاء التي تظهر في المصغر تدل على أن المكبر مؤنث، فإن قيل: لِمَ لَمْ تدخل التاء في لفظ البئر مع أنها تدخل على صفتها في قوله تعالى: ﴿بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ [الحج: ٤٥]؟\nأجيب عنه لو أدخلت في لفظها ما يلزم أن تكون البئر مخصوصة معينة، وليست كذلك، فإنها جنس شامل بجميع أفرادها لشفاههم وإبلهم وغنمهم، يقال: هم أهم الشفة أي: الذين لهم من الشرب شفاههم وأن يستقوا دوابهم وصاحب المشافهات على ابن إسحاق الحنظلي؛ لأنه زعم أن ما ذكر من التفسير كله مسند إلى رسول الله - ﷺ - فكأنه شافهه. كذا في (المغرب). وأمَّا لزرعهم وفي نسخة: فأما بالفاء ونخلهم؛ أي: إذا أرادوا أن يأخذوا من مائها لزرعهم وأشجارهم فله أي: لصاحب البئر أن يمنع ذلك، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بالصلح في الشرب وقسمة الماء، شرع في بيان ما يتعلق بحكم حال الرجل يعتق نصيبًا له من مملوك إلى آخره.\n* * *","vol":"4","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-398>كتاب العِتَاق</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-399>باب الرجل يعتق نصيبًا له من مملوك أو يسيب سائبة أو يوصي بعتق</span>\nفي بيان ما يتعلق بحكم حال الرجل يعتق نصيبًا له من مملوك أو يسيب سائبة أو يوصي بعتق، فكلمة أو فيها للتنويع في مقام التفريع.\n٨٣٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا هشام بن عُروة، عن أبيه، أن أبا بكر ﵁ سيّب سائبة. قال محمد: قال رسول الله - ﷺ - في الحديث المشهور: \"الولاءُ لمن أعتقَ\"، وقال عبد الله بن مسعود: لا سائبة في الإِسلام، ولو استقام أن يعتق الرجل سائبة فلا يكون لمن أعتقه ولاؤه لاستقام لمن طلب من عائشة أن تُعتق، ويكون الولاءُ لغيرها، فقد طلب ذلك منها، فقال لها رسول الله - ﷺ -: \"الولاءُ لمن أعتق\"، فإذا استقام أن لا يكون لمن أعتق ولاء استقام أن يُستثنى عليه الولاءُ، فيكون لغيره، واستقام أن يهب الولاء ويبيعه، وقد نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع الولاء وعن هبته والولاء عندنا بمنزلة النسب، وهو لمن أعتق إن أعتق سائبة أو غيرها، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا هشام بن عُروة بن الزبير بن العوام الأسدي المدني، ثقة فقيه ربما دلس، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ست أو خمس وأربعين ومائة عن أبيه، أي: عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي المدني، يكنى أبا عبد الله المدني ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع (ق ٨٦٧) وتسعين على الصحيح. كذا قاله ابن حجر (١) أن أبا\n_________\n(٨٣٩) إسناده صحيح.\n(١) في التقريب (١/ ٣٨٩).","vol":"4","page":135},{"text":"بكر ﵁ سيّب سائبة لعله كناية عن إعتاق رقبة البراءة ولائها بمرة، ولا بد من تأويل قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ﴾ [المائدة: ١٠٣] ثم رأيت (البغوي) قال في تفسيره عن أبي عبيدة: أن السائبة البعير الذي سيب، وذلك أن الرجل من أهل الجاهلية إذا مرض أو غاب له قريب نذر فقال: إن شفاني الله أو رد غائبي فناقتي هذه سائبة، ثم يسيبها فلا يجلس عن رعاء ولا ماء، ولا يركبها أحد.\nوقال علقمة: هي العبد يسيب على أن لا ولاية عليه ولا ميراث، وقال النبي - ﷺ -: \"إنما الولاء لمن أعتق\".\nقال محمد: قال رسول الله - ﷺ - في الحديث المشهور: \"الولاءُ لمن أعتقَ\"، رواه أحمد والطبراني عن ابن عباس، وقد سبق، وروى البخاري عن ابن عمر بلفظ: \"إنما الولاء لمن أعتق\" وقال عبد الله بن مسعود: ﵁ لا سائبة في الإِسلام، أي: وإنما كان عادة في الجاهلية ولو استقام أي: صح أن يعتق الرجل سائبة ولا وفي نسخة: فلا يكون لمن أعتقه ولاؤه لاستقام أي: يصح لمن طلب من عائشة أن تُعتق، أي: عائشة ويكون الولاءُ لغيرها، أي: لغير عائشة من موالي بريرة فقد وفي نسخة: وقد طلب بصيغة المجهول ذلك أي: الولاء منها، أي: من عائشة في أثناء سومها للجارية بنية عتقها فقال لها رسول الله - ﷺ -: \"الولاءُ لمن أعتق\"، أي: وإن شرط لغيره؛ لأن تعريف المسند إليه وتقديمه يفيد قصر الصفة على الموصوف بطريق قصر القلب فإذا استقام أن لا يكون لمن أعتق ولاء استقام أي: صح أن يُستثنى عليه أي: عن المعتق الولاءُ، فيكون لغيره واستقام أن يهب الولاء ويبيعه، وقد نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع الولاء وهبته، وقد روى الطبراني (١): عن عبد الله بن أبي أوفى والحاكم (٢) والبيهقي (٣) عن ابن عمر مرفوعًا: \"الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب\" والولاء عندنا بمنزلة النسب، وهو لمن أعتق أي: لا غير إن أعتق سائبة أو غيرها، أي: فالحكم سواء وهو قولُ أبي حنيفة، ﵀ والعامة من فقهائنا.\n* * *\n_________\n(١) الطبراني في الأوسط (٢/ ٨٢).\n(٢) الحاكم في المستدرك (٤/ ٣٧٩).\n(٣) البيهقي في الكبرى (٦/ ٢٤٠).","vol":"4","page":136},{"text":"٨٤٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من أعتق شِرْكًا له في عبدٍ وكان له من المال ما يبلغ ثمن العبد، قوم قيمة العدْل، ثم أعطى شركاؤه حصصهم، وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق عنه ما أُعتق\".\nقال محمد: وبهذا نأخذ، من أعتق شقصا في مملوك فهو حرّ كله، وإن كان الذي أعتق موسرًا ضمن حصة شركائه من العبد، وإن كان معسرًا سعى العبدُ لشركائه في حصصهم، وكذلك بلغنا عن النبي - ﷺ -.\nوقال أبو حنيفة: يعتق عليه بقدر ما عتق، والشركاء بالخيار: إن شاؤوا أعتقوا كما أعتق، وإن شاؤوا ضَمَّنوه، إن كان موسرًا، وإن شاءوا اسْتَسْعوا العبد في حِصصهم، فإن استَسْعَوا أو أعتقوا كان الولاءُ بينهم على قدر حصصهم، وإن ضَمَّنُوا المعتق كان الولاءُ كله له ورجع على العبد بما ضُمِّنَ واستسعاه به.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من أعتق يحتمل أن تكون \"من\" شرطية أو موصولة، وعلى التقديرين من صنع العموم، فتأول كل من يلزمه عتقه، وهو الحر المسلم المكلف لا صبي ولا مجنون ولا عبد لم يأذن له سيده، فإن أذن أو أمضاه لزمه وقوم عليه، ولا الكافر؛ لأن العتق قربة وليس من أهلها، وبأنه ليس بمخاطب بالفروع على الصحيح. كذا قاله الأبي شِرْكًا بكسر الشين المعجمة وسكون الراء المهملة أي: نصيبًا، وفي رواية أيوب عن نافع: عن أيوب أيضًا وكلاهما في البخاري عن نافع، والكل بمعنى واحد والشرك في الأصل مصدر أطلق على متعلقه، وهو العبد المشترك ولا بد من إضمار جزاء مشتركًا وما أشبهه؛ لأن المشترك هو الجملة له في عبدٍ قال القرطبي: (ق ٨٦٨) العبد لغة المملوك والذكر ومؤنثه أمة من غير لفظه، وسمع عبدة، والمراد به هنا الجنس كقوله تعالى في سورة مريم: ﴿إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] فإنه يتناول الذكر والأنثى قطعًا أو إلحاقًا بالأنثى به لعدم الفارق، قال عياض:\n_________\n(٨٤٠) إسناده صحيح: أخرجه البخاري (٣/ ١٨٩) ومسلم في الإِيمان (٤٧) والبيهقي في الكبرى (٦/ ٩٦، ٤٧٤).","vol":"4","page":137},{"text":"وغلط ابن راهويه: فقال: لا تقويم في عتق الإِناث وقوفًا مع لفظ عبد، وأنكره عليه حذاق أهل الأصول؛ لأن الأمة في معنى العبد، فهو من القياس في معنى الأصل، والقياس كالمنصوص عليه انتهى وكان له أي: المعتقة من المال هو ما يتمول، والمراد به هنا ما يبيع نصيب الشريك ويباع عليه في ذلك ما يباع على المفلس قاله عياض.\nوفي رواية: ما بلا لام أي: شيء، كما كان به في (الموطأ) لمالك وحيث قال: من المال ما يبلغ ثمن العبد، أي: ثمن بقيته؛ لأنه موسر بحصته، والمراد قيمته؛ لأن الثمن ما اشترى به واللازم هنا القيمة لا الثمن، قوم بضم القاف وكسر الراء المشددة أي: قدر قيمة العدْل، قيمة العدل بالنصب، والعدل بفتح العين المهملة والدال واللام أي: المثل لا زيادة على قيمتها ولا نقصان عنها ثم أعطى بالبناء المجهول شركاؤه مرفوع نائب فاعل حصصهم، بالنصب مفعول ثان لأعطى أي: نصيب شركاؤه من ماله؛ فإن كان الشريك واحدًا أعطاه جميع الباقي اتفاقًا، فلو كان مشتركًا بين ثلاثة فأعتق أحدهم حصتهم، وهي الثلث والثاني حصته، وهي السدس ففي تقويم نصيب صاحب النصف بالتسوية، لتساويهما في الإِتلاف؛ ولأنه لو انفرد لقوم عليه قل نصيبه أو أكثر ويقوم على قدر الحصص قولان، الجمهور على الثاني، وهو المشهور ومذهب المدونة.\nقال القرطبي: وظاهره أنه يقوم كاملًا لا عتق فيه وهو معروف المذهب، وقيل: يقوم على بعضه حر، والأول أصح؛ لأن سبب التقويم جناية المعتق بتفويته نصيب شريكه، فيقوم على ما كان عليه يوم الجناية كالحكم في سائر الجنايات المقومة.\nقال عياض: ولأن المعتق كان قادرًا على أن يدعو شريكه ليبيع جميعه، فيحصل له نصف جميع الثمن فلما منعه هذا ضمن ما منعه معه وعتق بفتح العين عليه العبد، أي: وحده ويكون ولاؤه له بعد إعطاء القيمة على ظاهره فلو أعتق الشريك قبل أخذ القيمة نقد عتقه على المشهور وإلا أي: وإن لم يكن له مال يبلغ ثمن العبد فقد عتق عنه أي: من العبد ما أُعتق\" بضم الهمزة أي: من حصته معتقه.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه ابن عمر هنا عن رسول الله - ﷺ - من أعتق شِقصًا بكسر الشين المعجمة وسكون القاف والصاد المهملة أي: نصيبًا في مملوك أي: عبدًا أو أمة فهو حرّ كله، العتق لا يتجزأ وإن كان الذي أعتق موسرًا أي: غنيًا ضمن حصة شركائه من العبد، وإن كان معسرًا أي: فقيرًا سعى العبدُ لشركائه في حصصهم،","vol":"4","page":138},{"text":"وكذلك أي: مثل ما بلغني عن نافع بلغنا عن النبي - ﷺ - وكأنه أراد ما رواه أصحاب (ق ٨٦٩) الكتب الستة عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من أعتق شقصًا له في عبد فخلاصه في ماله إن كان له مال، فإن لم يكن له مال استسعى العبد غير مسوق\".\nوقال أبو حنيفة: يعتق عليه أي: على معتقه بقدر ما عتق، والشركاء بالخيار: إن شاؤوا أعتقوا كما أعتق، وإن شاؤوا ضَمَّنوه، أي: معتقه إن كان أي: المعتق موسرًا، وإن شاؤوا اسْتَسْعوا العبد في حِصصهم، أي: نصيبهم فإن استَسْعَوا أي: العبد كما في نسخة: أو أعتقوا كان الولاءُ بينهم على قدر حصصهم، وإن ضَمَّنُوا المعتق كان الولاءُ كله له ورجع على العبد بما ضُمِّنَ واستسعاه به هذا، وإن أعتق مولى بعض عبده صح عند أبي حنيفة وسعى فيما بقي، وقال: أعتق كله ولا يستسعيه، وهو قول مالك والشافعي وأحمد وقتادة والثوري والشعبي.\n* * *\n\n٨٤١ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن عبد الله بن عمر أعتق ولدَ زنًا وأمه.\nقال محمد: لا بأس بذلك، وهو حسن جميل، بلغنا عن ابن عباس أنه سُئِل عن عبدين أحدهما لبَغِيَّةٍ، والآخر لِرشدَةٍ، أيُّهما يُعتق؛ قال: أغلاهما ثمنًا بدينار، فهكذا نقول، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا حدثنا نافع، أن عبد الله بن عمر أعتق ولدَ زنًا وأمه أي: والدته التي زنت به.\nقال محمد: لا بأس أي: لا كراهة بذلك أي: بإعتاق ولد الزنى وأمه وهو حسن جميل، أي: مستحسن شرعًا وعرفًا، فيه دلالة على جواز عتق غير الصالحين ولو كان عتق الصلحاء أفضل، على أنه يحتمل أن يكون أمه شابة والولد صغيرًا أو كبيرًا وظهر صالحًا أو أراد الخلاص بعد ما ظهر عنهم، وأما حديث: \"ولد الزنى شر الثلاثة\" فقد رواه أحمد وأبو داود والحاكم والبيهقي عن أبي هريرة (١).\n_________\n(٨٤١) إسناده صحيح.\n(١) أخرجه الحاكم (٢/ ٢٣٣) والبيهقي في الكبرى (١٠/ ٥٧) وأبو داود في السنة (٤/ ٢٩) والطبراني في الأوسط (٧/ ٢١٠) وفي الكبير (١٠/ ٢٨٥).","vol":"4","page":139},{"text":"وفي رواية للطبراني والبيهقي بزيادة إذا عمل بعد أبويه، وفي (النهاية): قيل: هذا جاء رجل بعينه، وكان موسومًا بالشر، وقيل: هذا عام، وإنما صار ولد الزنى شرًا من والديه؛ لأنه شرهم أصلًا ونسبًا وولادة؛ ولأنه خلق من ماء الزنى والزانية فهو خبيث، وقيل: لأن الحد يقام عليهما بلغنا عن ابن عباس ﵄ أنه سُئِل عن عبدين أحدهما لِبَغِيَّةٍ، بفتح اللام وكسر الموحدة وسكون الغين المعجمة أي: لولد زانية، وفي نسخة: لبغية بفتح وكسر فتشديد أي: لولد زانية والآخر لِرشدَةٍ، أي: لولد صالحة أيُّهما يُعتق؛ أي: ينبغي إعتاقه بأن يكون هو أفضل من غيره قال: أغلاهما أي: إما بمعجمة أو بمهملة أو أزيدهما ثمنًا بدينار، أي. ولو بدينار؛ لأن الأجر على قدر المشقة على النفس بقدر القيمة، فهذا قد يقال من هذه الحيثية؛ لأن جميع الوجوه أن المذكور في عقول العامة والخاصة أن إعتاق الأصل أفضل فهكذا وفي نسخة: وبهذا نقول، أي: نعمل قياسًا على ذبح الهدي فإنه كما يكون أعلى فهو أعلى وربما يكون بينهما الفرق على ما لا يخفى وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n* * *\n\n٨٤٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، قال: توفي عبد الرحمن بن أبي بكر في نومٍ نامَهُ، فأعتقت عائشة عنه رقابًا كثيرة.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا بأس أن يعتق عن الميت، فإن كان أوصى بذلك كان الولاءُ له، وإن كان لم يوص بذلك كان الولاءُ لمن أعتق، ويلحقه الأجر إن شاء الله تعالى.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني، يكنى أبا سعيد القاضي ثقة ثبت، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة قال: توفي أي: مات عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق أسلم قبيل فتح مكة وشهد اليمامة والفتوح، ومات في نومٍ نامَهُ، فجأة في طريق مكة سنة ثلاث وخمسين، وقيل: بعدها فأعتقت عنه أخته عائشة (ق ٨٧٠) أي: زوج النبي - ﷺ - رقابًا\n_________\n(٨٤٢) إسناده صحيح.","vol":"4","page":140},{"text":"كثيرة؛ لأنها روت قول سعد أفأتصدق عنهما فقال - ﷺ -: \"نعم\" كما مر، والعتق من أفضل أنواع الصدقة، ومرت رواية: \"أعتق عن أمك فلعلها سمعت ذلك\".\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه يحيى بن سعيد لا بأس أي: يجوز أن يعتق عن الميت، بصيغة المجهول فإن كان أوصى بذلك أي: بأن يعتق بعض مماليكه كان الولاءُ له، وإن كان لم يوص بذلك كان الولاءُ لمن أعتق، أي: إذا كان مملوكًا له ويلحقه أي: من أعتق له الأجر أي: زجر الإِعتاق إن شاء الله تعالى وفيه دلالة على أن أحدًا لا يعمل خيرًا إلا بتوفيق الله ولا شرًا إلا بخذلانه فله الفضل والحق عليكم بإعتاق العبد وإن لم يشأ الله إعتاقكم به لم تعتقوا فإعتاقكم به ونيلكم الأجر بمنه وفضله، ولا يلزم منه استقلال العبد، كما يدل عليه المعتزلة؛ لأن قدرة العبد كاسبة لا مؤثرة تأثير الإِيجاد كما فصلناه في (نور الإِيضاح الأفئدة) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] وإنما استثنى؛ لأنه لم يقع عن وصيته، كما تقول في باب الإِيصاء في الحج وعدمه.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم حال الرجل يعتق نصيبًا له من مملوكه أو يسيب سائبة أو يوصي بعتق، شرع في ذكر ما يتعلق بحكم بيع المدبر، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-400>باب بيع المدبر</span>\nفي بيان حكم بيع المدبر، وهو في اللغة: مطلق المبادلة، وفي الشرع: مبادلة المال المتقوم تمليكًا وتملكًا. كذا قاله السيد الشريف محمد الجرجاني، المدبر بضم الميم وفتح الدال المهملة وفتح الدال وفتح الموحدة المشددة، ثم راء عبد مملوك أعتق بعد موت سيده، فالمدبر لا يباع ولا يوهب، ولا يخرج عن ملك مولاه إلا الحرية، اقتبس المصنف هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق إخراج المال عن الملك.\n٨٤٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الرِّجال: محمد بن عبد الرحمن، عن\n_________\n(٨٤٣) إسناده صحيح.","vol":"4","page":141},{"text":"أمه: عَمْرَة بنت عبد الرحمن، أن عائشة زوج النبي - ﷺ - كانت أعتقت جارية لها عن دُبُرٍ منها، وأن عائشة بعد ذلك اشتكت ما شاء الله أن تشتكي ثم دخل عليها رجل سِنْديّ، فقال لها: أنت مَطْبُوبة، قالت له عائِشة: ويلك، ومن طبّني، قال: امرأة من نعْتها كذا وكذا، فوصفها، وقال: إن في حَجْرها الآن صبيّا قد بال، فقالت عائشة: ادع لي فلانة جارية لها كانت تخدُمها، فوجدوها في بيت جيران لهم في حَجْرها صبيّ، قالت: الآن حتى أغسل بول هذا الصبيّ، فغسلته ثم جاءت، فقالت لها عائشة: أسحرتني؟ قالت: نعم، قالت: لِمَ؟ قالت: أحببت العتق، قالت: فوالله لا تَعْتِقَنَّ أبدًا، ثم أمرت عائشة ابن أخيها أن يبيعها من الأعراب ممن يسيءُ مَلَكَتَها، قالت: ثم ابتع لي بثمنها رقبة ثم أعتقها، فقالت عمرة: فلبثَتْ عائشة ما شاء الله من الزمان ثم إنها رأت في المنام أن اغتسلي من آبارٍ ثلاث يمد بعضُها بعضًا، فإنك تُشْفَيْن، فدخل على عائشة إسماعيل بن أبي بكر، وعبد الرحمن بن أسعد بن زُرَارة، فذكرت لهم عائشة الذي رأت، فانطلقا إلى قناة، فوجدا آبارًا ثلاثة يمد بعضها بعضًا، فاستقوا من كل بئر منها ثلاث شُجُبٍ حتى ملؤوا الشُّجُبَ من جميعها، ثم أتوا بذلك الماء إلى عائشة - ﵂ -، فاغتسلت به فشُفيت.\nقال محمد: أمَّا نحن فلا نرى أن يُباع المدبّر، وهو قول زيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، وبه نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الرِّجال: بكسر الراء المهملة وتخفيف الجيم مشهور بهذه الكنية، وهي لقب، وكنيته في الأصل أبو عبد الرحمن واسمه محمد بن عبد الرحمن بن حارثة الأنصاري، ثقة، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة عن أمه: عَمْرَة بنت عبد الرحمن، بن سعد بن زرارة الأنصارية التابعية المدنية، كانت في الطبقة الثالثة من طبقات التابعيات من أهل المدينة، مات بعد المائة كذا قاله الحافظ","vol":"4","page":142},{"text":"ابن حجر (١) أن عائشة زوج النبي - ﷺ - كانت أعتقت جارية لها عن دُبُرٍ منها، أي: عقب من موتها ثم أي: بعد إعتاقها بها وأن عائشة ﵂ بعد ذلك أي: بعد إعتاقها بها اشتكت أي: مرضت ما شاء الله أي: مدة شاء الله تعالى أن تشتكي ثم دخل عليها وفي نسخة: إنه أي: الشأن دخل عليها أي: على عائشة ﵂ رجل سِنْديّ، بكسر السين المهملة وسكون النون وكسر الدال نسبة إلى السند من بلاد الهند، كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة فقال لها: أنت مَطْبُوبة، أي: مسحورة والسحر بكسر السين وسكون الحاء المهملتين كل شيء لطف ودنى سببه قالت له أي: للرجل السندي عائِشة: ﵂ ويلك، بفتح الواو وسكون (ق ٨٧١) التحتية وفتح اللام كلمة تستعمل في محل الغضب والخزي ونصبها بفعل مقدر ومضاف إلى كاف الخطاب، تقديره: أوصلك الله ويلًا أي: عذابًا وإنما قدم المفعول الثاني، وهو الويل على المفعول الأول، وهو كاف الخطاب اهتمامًا بشأنه، لكن كلمة الويل هنا بمعنى الويح، وهو بفتح الواو وسكون التحتية والحاء المهملة كلمة بمعنى الترحم فالمعنى رحمك الله أي: ليرحمك الله ومن طبّني، قال: امرأة من نعْتها أي: من وصفها كذا وكذا، وهما كلمتان مركبتان من كاف التشبيه وذا للإِشارة مكنيًا عن العدد كذا قاله ابن هشام فوصفها، وقال: إن في حَجْرها الآن بفتح الهمزة وسكون اللام ومد الهمزة ثم نون، أي: زمان آنت فيه في الحال صبيّا قد بال، فقالت عائشة: أي: لبعض أصحابها أو خدمها ادعو لي فلانة جارية وفي نسخة: لجارية لها كانت تخدُمها، أو هي التي دبرتها فوجدوها في بيت جيران لهم في حَجْرها صبيّ، فقالوا لها قومي اذهبي إلى عائشة فإنها تطلبك فقالت: الآن أجيبها فلتصبر علي حتى أغسل بول هذا الصبيّ، فغسلته ثم جاءت، فقالت لها أي: لجارية عائشة أسحرتني؟ بإشباع كسرة التاء قالت: نعم، قالت: لِمَ؟ قالت: أحببت العتق، قالت: أي: عائشة فو الله لا تعتقين بصيغة المجهول أبدًا، وتأكيدًا لعدم عتقها بالقسم والتأكيد من الدلالة على غاية قبحها ما لا يخفى، وهل يوجد شيء أقبح من السحر والكفر، وجمهور العلماء يوجبون قتل الساحر، كما في مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في المنصوص عنه، وهنا هو المأثور عن الصحابة كعمر وابن عمر وعثمان وغيرهم، ثم اختلف هؤلاء هل يستتاب أم لا، وهل يكفر بالسحر أم يقتل لسعيه في الأرض الفساد.\n_________\n(١) في التقريب (١/ ٧٥٠).","vol":"4","page":143},{"text":"وقالت طائفة: إن قتل بالسحر قتل وإلا عوقب بدون القتل إن لم يكن في قوله وعمله كفر، وهذا هو المنقول عن الشافعي، وهو قول في مذهب أحمد، وقد تنازع العلماء في حقيقة السحر وأنواعه، والأكثرون يقولون: إنه قد يؤثر في موت المسحور ومرضه من غير وصول شيء ظاهر إليه، وزعم بعض المعتزلة أنه مجرد تخيل، واتفقوا كلهم على أن ما كان من جنس دعوة الكواكب السبعة أو غيرها أو السجود لها والتقرب إليها بما يناسبها من اللباس والخواتم والبخور ونحو ذلك، فإنه كفر، وهو من أعظم الشر، واتفقوا كلهم أيضًا على أن كل رقبة وتغريم وقسم فيه شرك بالله، فإنه لا يجوز التكلم به، وكذا الكلام الذي لا يعرف معناه لا يتكلم به لإِمكان أن يكون فيه شرك بالله لا يعرف، ولذا قال النبي - ﷺ -: \"لا بأس بالرقي ما لم يكن شركًا\".\nكذا قال علي القاري في ملحقات شرح (فقه الأكبر لأبي حنيفة ﵀): ثم أمرت عائشة ﵂ ابن أختها وفي نسخ: ابن أخيها أن يبيعها من الأعراب أي: من البادية ممن يسيءُ بضم التحتية وكسر السين الممدودة فهمزة مَلَكَتَها، بفتحتين أي: يعذبها بكثرة خدمتها وقلة راحتها قالت: ثم أي: بعد بيعها ابتع لي أي: اشتر بثمنها رقبة أي: جارية ثم أعتقها، أي: بدلها ففعل فقالت عمرة فلبثَتْ: أي: مكثت (ق ٨٧٢) عائشة ما شاء الله من الزمان ثم إنها رأت في المنام أن اغتسلي من آبارٍ ثلاثة وفي نسخة: ثلاث بدل المثلثة يمد بعضُها بعضًا، فإنك تُشْفَيْن، بصيغة المفعول فدخل على عائشة إسماعيل بن أبي بكر الأنصاري الزرقي يكنى أبا إسحاق القاري، ثقة كان في الطبقة الثامنة من طبقات التابعين، مات سنة خمس وثمانين وعبد الرحمن بن أسعد بن زُرَارة، فذكرت لهما أي: لإِسماعيل بن أبي بكر وعبد الرحمن بن أسعد بن زُرَارة، وفي نسخة: لهم أي: لأتباع لها عائشة الذي رأت، أي: في منامها فانطلقنا إلى قناة، بضم القاف وفتح النون المقصودة ثم تاء مجرى الماء تحت الأرض، ويقال باللسان التركي: كارين فوجدا آبارًا ثلاثة يمد بعضها أي: يجري ماء بعضها بعضًا، فاستقوا أي: أخذ أتباع عائشة ماء من كل بئر منها ثلاث شُجُبٍ بضم الشين المعجمة والجيم والموحدة جمع شجب بفتح وسكون وهو القربة البالية حتى ملؤوا الشُّجُبَ من جميعها، أي: الآبار وفي نسخة: من جمعهن ثم أتوا بذلك الماء إلى عائشة ﵂، فاغتسلت فيه أي: به فشُفيت بصيغة المجهول أي: برئت من مرضها، ومن المجربات أنه من كان مسحورًا حتى زال عقله فعلاجه أن","vol":"4","page":144},{"text":"يتجر لنفسه بإحراق الحمامة، وهي نبت وحشيش تنبت في أرض مصر القاهرة توجد في الطائفة العطارين.\nقال محمد: أمّا نحن فلا نرى أي: لا نختار أن يُباع المدبّر، أي: لا بعيب ولا بغيره، والمعنى أن ما فعلت عائشة إنما هو مذهب لها مختص بها وهو أي: عدم جواز بيع المدبر قول زيد بن ثابت، ﵁ وعبد الله بن عمر، أي: يقول كل منهما وبه نأخذ، أي: نعمل ونقضي وهو أي: قول كل منهما قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\nوقال الشافي وأحمد وداود: يباع المدبر عند الحاجة، وكذا يوهب ويتصدق به لما روى البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن دينار عن جابر: أن رجلًا من الأنصار أعتق غلامًا له عن دبر له مالًا غيره فبلغ ذلك النبي - ﷺ - فقال: \"من يشتريه مني\" فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم فدفعها إليه.\nقال عمر: وسمعت جابرًا يقول: عبدًا قبطيًا مات عام أول، ولنا قوله تعالى في سورة المائدة ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وما روي عن الدارقطني من حديث عبيدة بن حسان عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"المدبر لا يباع ولا يوهب، وهو من ثلث المال\" وأجيب عن حديث جابر بجوابين أحدهما: إنه حكاية فعل، فلا عموم له فيكون محمولًا على المدبر المقيد، وهو يجوز بيعه عندنا إلا أن بينوا أنه كان مدبرًا مطلقًا وهؤلاء يقدرون على ذلك، وثاني الجوابين أنه محمول على بيع الخدمة والمنفعة دون الرقية.\n* * *\n\n٨٤٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أنه سمع سعيد بن المسيَّب يقول: من أعتق وليدة عن دُبُرٍ منه؛ فإنَّ له أن يطأها وأن يتزوجها، وليس أن يبيعها ولا يهبها، وولدُها بمنزلتها.\nقال محمد: وبه نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا يحيى بن سعيد، بن قيس\n_________\n(٨٤٤) إسناده صحيح.","vol":"4","page":145},{"text":"(ق ٨٧٣) الأنصاري المدني، يكنى أبا سعيد القاضي ثقة ثبت، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة أنه سمع سعيد بن المسيَّب كان في الطبقة الأولى من طبقات التابعين من أهل المدينة يقول: من أعتق وليدة أي: جارية عن دُبُرٍ منه؛ أي: بعد موته فإنَّ له أن يطأها وقال الزهري ومالك: في رواية لا توطء.\nوقال الأوزاعي: إن كان لا يوطئها قبل التدبير لا يطؤها بعده وأن يتزوجها، أي: غيره وليس أن يبيعها ولا يهبها، أي: لأحد وولدُها بمنزلتها أي: فإن الحمل يتبع أمه في الملك والعتق وفروعه ومنها التدبير، ومذهب الشافعي أن المدبر إذا ولدت من نكاح أو زنى لا يصير ولدها مدبرًا، وأن الحامل إذا دبر جاء ولدها مدبرًا، وعن أحمد وجابر بن زيد وعطاء لا يتبعها ولدها في التدبير حتى يعتق بموت سيدها.\nقال محمد: وبه نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\nلما فرغ من بيان حكم بيع المدبر، شرع في بيان حكم الدعوى والشهادة، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-401>باب الدعوى والشهادات وادعاء النسب</span>\nفي بيان حكم الدعوى، وهو مشتق من الدعاء، وهو الطلب به في الشرع: قول يطلب الإِنسان إثبات حق على الغير والشهادات، وهو في الشريعة: أخبار عن عيان لفظ الشهادة في مجلس القاضي بحق للغير على آخر، والإِخبارات ثلاثة إما بحق للغير على آخر وهو الشهادة، أو بحق للغير على آخر وهو الدعوى، أو بالعكس وهو الإِقرار كذا قاله السيد محمد الجرجاني وادعاء النسب.\n٨٤٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا الزهري، عن عُروة بن الزبير، عن عائشة: أنها قالت: كان عُتبة بن أبي وقَّاص عهد إلى أخيه سعد بن أبي وقاص أن ابن\n_________\n(٨٤٥) صحيح: أخرجه البخاري (٢٠٥٣) و(٢٧٤٥) (٤٣٠٣) ومسلم في الرضاع باب الولد للفراش وتوقي الشبهات، وأبو داود (٢٢٧٣) والنسائي (٦/ ١٨٠) وابن ماجه (٢٠٠٤) والدارقطني (٤/ ٢٤١) والبيهقي في الكبرى (٦/ ٨٦).","vol":"4","page":146},{"text":"وَلِيدةِ زَمْعَة مني، فاقبِضهُ إليك، قالت: فلما كان عامُ الفتح أخذه سعد، وقال: ابن أخي قد كان عهد إليَّ فيه أخي، فقام إليه عَبْدُ بن زمعة، وقال: أخي ابن وليدة أبي، وُلد على فراشه، فتساوقا إلى رسول الله - ﷺ -، فقال سَعْد: يا رسول الله، ابن أخي قد كان عهد إليَّ فيه أخي عُتبة، وقال عبدُ بن زمعة: أخي وابن وَلِيدة أبي، وُلِدَ على فراشه، فقال رسول الله - ﷺ -: \"هو لك يا عبدُ بن زمعة\"، وقال: \"الولد للفراش وللعاهر الحَجَر\"، ثم قال لسودة بنت زمعة: \"احتجبي منه\"، لِمَا رأى من شَبهه بعتبة، فما رآها حتى لقي الله ﷿.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، والولد للفراش وللعاهر الحجر، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا الزهري، أي: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري، يكنى أبا بكر الفقيه الحافظ، متفق على جلالته وإتقانه، وهو كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة خمس وعشرين ومائة عن عُروة بن الزبير، بن العوام بن خويلد الأسدي المدني، يكنى عبد الله المدني ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين على الصحيح: كذا قاله في (تقريب التهذيب) عن عائشة: ﵂ أنها قالت: كان عُتبة بضم المهملة وسكون الفوقية ابن أبي وقَّاص روى مالك عن الزهري أن عتبة مات على شركه كما جزم به الدمياطي والسفاقسي وغيرهما.\nقال ابن حجر في (الإِصابة): لم أر من ذكره من الصحابة إلا ابن منده، واشتد إنكار أبي نعيم عليه في ذلك، وقال: هو الذي كسر رباعية النبي - ﷺ - يوم أحد، ما علمت له إسلامًا بل روي عبد الرزاق من مرسل سعيد بن المسيب ومعتصم بن عتبة أنه - ﷺ - دعا على عتبة يومئذ إذ لا يحول عليه الحول حتى يموت كافرًا، فما حلَّ عليه الحول حتى مات كافرًا إلى النار، وروى (ق ٨٧٤) الحاكم بإسناد فيه مجاهيل عن حاطب بن أبي بلتعة أنه لما رأى ما فعل عتبة قال: يا رسول الله من فعل بك هذا قال: \"عتبة\" قلت: أين توجه فأشار إلى حيث توجه، فمضيت حتى ظفرت به فضربته بالسيف فطرحت رأسه فنزلت، فأخذت","vol":"4","page":147},{"text":"رأسه وسيفه وجئت إلى رسول الله - ﷺ - فنظر إلى ذلك ودعا لي فقال: \"رضي الله عنك\" مرتين وهذا لا يصح؛ لأنه لو قتل كيف كان يوصي أخاه سعدًا، وقد يقال: لعله ذكر ذلك له قبل وقوع الحرب احتياطًا.\nوبالجملة فليس في شيء من الآثار ما يدل على إسلامه بل فيها ما يطرح بموته على الكفر، فلا معنى لإِيراده في الصحابة وقد استدل ابن منده بما لا دلالة فيه على إسلامه، وهو قوله: كان عتبة بن أبي وقاص عهد بفتح العين المهملة وكسر الهاء أي: أوصى إلى أخيه سعد بن أبي وقاص وهو أحد العشرة المبشرة بالجنة، وأول من رمي بسهم في سبيل الله وأحد من فداه - ﷺ - بأبيه وأمه، وروى ابن إسحاق عنه: ما حرصت على قتل رجل قط حرصي على قتل أخي عتبة، لما صنع برسول الله - ﷺ -، ولقد كفاني من قوله - ﷺ -: \"اشتد غضب الله على من دمى وجه رسوله\" أن ابن وَلِيدةِ بفتح الواو وكسر اللام الممدودة أو جارية زَمْعَة بفتح الزاي وسكون الميم، وقد تفتح مني، أي: ابنى بسبب ذنى بها صدر عني فاقبِضهُ بهمزة وصل وكسر الموحدة إليك، أي: فخده متصرفًا فيه، فإن أمره راجع إليك ونفقته وتربيته واجب عليك، وأصل هذه القصة أنه كانت لهم في الجاهلية إماء يزنين، وكانت ساداتهن تأتيهن في خلال ذلك فإذا أتت إحداهن بولد فربما يدعيه السيد، وربما يدعيه الزاني، فإذا مات السيد ولم يكن ادعاه ولا أنكره فادعاه ورثته لحق به، إلا أنه لا يشاركه مستلحقه في ميراثه إلا أن يستحقه قبل القسمة، وإن كان أنكره السيد لم يلحق به وكان لزمه ابن قيس أمة على ما وصف عليها ضربة، وهو يلم بها حمل كان يطف أنه من عتبة أخي سعد فعهد عتبة إلى أخيه سعد قبل موته أن يستلحق الحمل الذي بأمة زمعة قالت: أي: عائشة فلما كان عامُ الفتح أي: فتح مكة برفع عام اسم كان، وفي رواية بنصبه بتقدير في أخذه سعد، أي: بناء على وصية أخيه وقال: أي: سعد هو ابن أخي أبي عتبة.\nوفي رواية معمر عن الزهري: فلما كان يوم الفتح رأى سعد الغلام فعرفه بالشبه فاحتضنته إليه وقال: ابن أخي ورب الكعبة قد كان عهد إليَّ فيه أخي، أي: في حقه وأخذه فقام إليه أي: سعد عَبْدُ بلا إضافة ابن زمعة بن قيس القرشي العامري أسلم يوم الفتح روى ابن أبي عاص بسند (ق ٨٧٥) حسن عن عائشة زوج النبي - ﷺ - تزوج سودة بنت زمعة فجاء أخوها عبد بن زمعة من الحجر فجعل يحثوا التراب على رأسه، فقال بعد أن أسلم: إني لسفيه يوم أحثوا التراب على رأسي أن تزوج رسول الله - ﷺ - بسودة أختي.","vol":"4","page":148},{"text":"قال أبو عمر بن عبد البر: كان من سادات الصحابة ﵃ وقال: أخي أي: هو أخي ابن وليدة أبي، أي: ابن جارية أبي وُلد بضم الواو وكسر اللام على فراشه، كناية عن ملكه ويجب تصرفه كأنه سمع أن الشرع أثبت حكم الفراش فاحتج به، وقد كانت عادة الجاهلية إلحاق النسب بالزنا، وكانوا يستأجرون الإِماء للزنا: فإن اعترفت الأم أنه له لحق به ولم يقع ابن وليدة زمعة في الجاهلية، إما لعدم الدعوى، وإما لأن الأمة لم تعترف بعتبة، وقيل: كانت موالي الولائد يخرجوهن للزنا ويضربون عليهم الضرائب، وكان وليد زمعة كذلك.\nقال الحافظ: والذي يظهر من سياق القصة أنها كانت أمة متفرشة لزمعة أي: مملوكة لها فزنى بها عتبة، وكانت عادة الجاهلية في مثل ذلك أن السيد إذا استلحقه لحقه، وإن نفاه انتفى عنه، وإن أعاده غيره رد ذلك إلى السيد فظهر بها حمل ظن أنه من عتبة فأختصما فيها فتساوقا أي: تدافعا بعد تخاصمهما وتنازعهما في الولد أي: ساق كل منهما صاحبه فيما ادعاه إلى رسول الله - ﷺ -، وحاصله إنما ترافعا إليه - ﷺ - فقال سَعْد: يا رسول الله، ابن أخي قد كان عهد إليَّ فيه أخي عُتبة، وقال عبدُ بن زمعة: أخي وابن وَلِيدة أبي، وُلِدَ على فراشه، وللقعنبي: فنظر رسول الله - ﷺ - إلى ابن وليدة زمعة فإذا هو أشبه الناس بعتبة بن أبي وقاص فقال رسول الله - ﷺ -: زاد القعنبي \"هو أخوك يا عبدُ بن زمعة\"، بضم الدال على الأصل، ويروى بفتحها ونصب نون ابن على الوجهين، وسقط في رواية النسائي أداة النداء فيبني على ذلك بعض الحنفية فقال: إنما ملكه إياه؛ لأنه ابن أمة أبيه لا أنه ألحق به قال عياض: وليس كما زعم فالرواية إنما هي بالياء على تسليم إسقاطها، فعبد هنا علم والعلم يحذف حرف النداء ومنه ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: ٢٩] انتهى.\nولذا قالت طائفة: هؤلاء أي: هو أخوك كما ادعيت قضى ذلك بعلمه؛ لأن زمعة كان صهره ففراشه كان معروفًا عنده - ﷺ - لا بمجرد دعوى عبد على أبيه بذلك ولم يثبت إقراره به، ولا تقبل دعوى أحد على غيره ولا لاستلحاق عبد له؛ لأن الأخ لا يصلح استلحاقه عند الجمهور، وفي القضاء بالعلم خلاف. قاله ابن عبد البر: على أن من خصائصه - ﷺ - الحكم بعلمه.\nوقال الطحاوي: معنى هو لك أي: بيدك تمنع منه من سواك، كما قال في اللقطة: \"هي لك بيدك تدفع غيرك عنها حتى يأتي صاحبها\" لا على أنها ملك ثم قال: أي: النبي","vol":"4","page":149},{"text":"- ﷺ - تعميمًا (ق ٨٧٦) للحكم بعد تخصيصه \"الولد للفراش أي: وهو للمرأة، والعرب تكني عن المرأة بالفراش والمضجع والمرقد والمطية كل ذلك على سبيل التشبيه والتمثيل، فاللام في الفراش للعهد أي: للولد للحالة التي يمكن فيها الافتراش أن تأتي الوطء، فالحرة فراش بالعقد عليها مع إمكان الوطء والحمل، فلا ينتفي عن زوجها سواء أشبه أم لا ونجري بينهما الأحكام من أرث وغيره إلا بلعان والأمة إن أقر سيدها بوطئها أو ثبت بينة عند الحجازيين، وقال الكوفيون: إن أقر بالولد وللعاهر اسم فاعل أي: من عهد الرجل المرأة إذا أتاها للفجور، وعهدت وهي تعهدت إذا زنت، والعهر: الزنا، ومنه الحديث: \"اللهم ابدل العهر بالعفة\" كذا قاله عياض الحَجَر\"، أي: الخيبة لا حق له في الولد، وقيل: المراد به الرجم يعني: أن الحجر بفتح الحاء المهملة وسكون الجيم بمعنى المنع عن الغير وبفتح الحاء والجيم بمعنى الحصى كذا في (القاموس)، وقيل: المراد به الرجم، وفيه أنه ليس كل زان يرجم وإنما يرجم المحصن وأنه لا يلزم من وجه نفي الولد عنه كذا نقله علي القاري عن السيوطي ثم قال أي: النبي - ﷺ - لسودة بنت زمعة: أي: المؤمنين \"احتجبي منه\"، أي: من عبد الرحمن لِمَا بكسر اللام وخفة الميم أي لأجل ما رأى أي: وللتنبيه رواه من شَبهه البين بعتبة بن أبي وقاص قوله: احتجبي أمر ندبي أمرها النبي - ﷺ - به ندبًا احتياطًا، لأنه في ظاهر الشرع أخذها حيث ألحق بأبيها، إلا أنه لما رأى الشبه البين خشي أن يكون من مائه فيكون أجنبيًا منها، فأمرها بالاحتجاب احتياطًا. كذا قاله النووي، قالت عائشة ﵂: فما رآها أي: عبد الرحمن حتى لقي الله ﷿ أي: مات قال عياض وغيره: قيل: هي على وجه الندب لا سيما في حق أزواجه - ﷺ - وتغليظ أمر الحجاب عليهن وزيادتهن فيه على غيرهن.\nقال القرطبي: فهو قوله لأم سلمة وميمونة، وقد دخل عليهم ابن أم مكتوم: \"احتجبي منه\" فقالت: إنه أعمى فقال - ﷺ -: \"أفعمياوان أنتما الستما تبصرانه\"، وقال لفاطمة بنت قيس: \"انتقلي إلى بيت ابن أم مكتوم تضعين ثيابك عنده فإنه لا يراك\" فأباح لها ما منعه لأزواجه.\nوقال المازري: لو ثبت أنه أخرها لعدم البينة وإقرار من يلزمه إقراره. كذا قاله الزرقاني (١).\n_________\n(١) في شرحه (٤/ ٢٩).","vol":"4","page":150},{"text":"قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه عروة بن الزبير عن عائشة ﵄ والولد للفراش أي: للمرأة وللعاهر أي: للزاني الحجر، أي: الرجم؛ لأنه محصن، وهذا القدر حديث مشهور كاد أن يكون متواترًا؛ حيث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن عائشة وأحمد والشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة وأبو داود عن عثمان، والنسائي عن ابن مسعود وعن ابن الزبير، وابن ماجه عن عمر وعن أم الولد وهو زوجها أو مولاها والمرأة تسمى فراشًا؛ لأن الرجل يفترشها كذا في (النهاية) وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\nلما فرغ من بيان حكم الدعوى والشهادات وادعاء النسب، شرع في بيان حكم اليمين مع الشهادة، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-402>باب حكم اليمين مع الشاهد</span>\nفي بيان حكم اليمين مع الشاهد، وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق السبب والمسبب.\n٨٤٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا جعفر بن محمد، عن أبيه، أن النبي - ﷺ - قضى باليمين مع الشاهد.\nقال محمد: وبلغنا عن النبي - ﷺ - خلافُ ذلك.\nقال محمد: ذكر ذلك ابنُ أبي ذئب عن ابن شهاب الزهري، قال: سألته عن اليمين مع الشاهد، فقال: بدْعة، وأول من قضى بها معاوية، وكان ابن شهاب أعلم عند أهل المدينة بالحديث من غيره، وكذلك ذكر ابنُ جُريج أيضًا عن عطاء بن أبي رباح، أنه قال: كان القضاءُ الأول لا يُقبل إلا شاهدان، فأول من قضى باليمين مع الشاهد عبد الملك بن مروان.\n_________\n(٨٤٦) إسناده صحيح: أخرجه الشافعي في الأم (٦/ ٢٥٤) ومسلم (٤٣٩٢) وأبو داود (٣٦٠٨) (٣٦٠٩) والنسائي في القضاء من الكبرى كما في تحفة الأشراف (٥/ ١٨٧) وابن ماجه (٢٣٧٠).","vol":"4","page":151},{"text":"• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا جعفر بن محمد، وهو عبد الله المعروف الصادق الهاشمي المدني، فقيه إمام كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ثمان وأربعين ومائة عن أبيه، وهو محمد بن أبي الحسين بن علي بن أبي طالب، يكنى أبا جعفر الباقر، ثقة ثبت فاضل، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة بضع عشرة ومائة. كذا قاله ابن حجر في (تقريب التهذيب) (١)، وقد وصل هذا الحديث غيره أن النبي - ﷺ - قضى أي: الحكم باليمين مع الشاهد.\nقال محمد: وبلغنا عن النبي - ﷺ - خلافُ ذلك أي: ما يناقضه وهو أنه لا يقبل القضاء إلا بشاهدين، أو أراد به حديث الصحيحين: \"البينة على المدعي واليمين على من أنكر\"، فإن القسمة تنافي الشركة.\nقال محمد: ذكر ذلك أي: الحكم ابنُ أبي ذئب هو إسماعيل بن عبد الرحمن بن ذؤيب الأسدي ثقة كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة عن ابن شهاب الزهري، قال: أي: ابن أبي ذئب سألته أي: ابن شهاب عن اليمين مع الشاهد، فقال: بدْعة، أي: خلاف ما ثبت من السنة وأول من قضى بها معاوية، وقال محمد: وكان ابن شهاب أعلم عند أهل المدينة بالحديث من غيره، وكذلك أي: كما سأل ابن أبي ذئب لابن شهاب عن اليمين مع الشاهد ذكر ابنُ جُريج بضم الجيم وفتح الراء وسكون التحتية ثم جيم، وهو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم المكي ثقة فقيه فاضل، وكان يدلس ويرسل، وكان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل مكة، مات سنة خمسين أو بعدها بعد المائة وقد جاوز التسعين، وقيل: جاوز المائة ولم يثبت. كذا قال ابن حجر قوله: أيضًا تأكيد بما سبق من السؤال عن عطاء بقصر الطاء ابن أبي رباح، بفتح الراء والموحدة، واسم أبي رباح أسلم القرشي مولاهم المكي ثقة فقيه فاضل، لكنه كثير الإِرسال، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل مكة، مات سنة أربع عشرة ومائة كذا في (تقريب التهذيب) أنه قال: كان القضاءُ الأول أي: السابق في زمنه - ﷺ - ومن بعده من الخلفاء الأربعة لا يُقبل إلا شاهدان، فأول من قضى أي: حكم\n_________\n(١) التقريب (١/ ٦٢٨).","vol":"4","page":152},{"text":"باليمين مع الشاهد عبد الملك بن مروان أي: بعد معاوية أو في المدينة فلا تنافي بينهما، إذ الأول قد يكون إضافي، وفي (شرح الكنز)، ومثال ما يكون مخالفًا للدليل الشرعي، وهو الكتاب والسنة وإجماع الأمة القضاء بشاهد ويمين، فإنه لا ينفذ قضاء القاضي فيه، ولا ينفذ تنفيذه وفي كتاب (الرحمة): اتفق الأئمة على أنه لا يصح الحكم باليمين والشاهد في غير الأحوال وحقوقها ثم اختلفوا (ق ٨٧٨) في الأموال وحقوقها هل يصح الحكم فيها بالشاهد واليمين أم لا؟\nقال مالك والشافعي وأحمد: يصح وقال أبو حنيفة: لا يصح انتهى، ودليلهم ما روى مسلم عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قضى بيمين وشاهد، وأجيب بأنه منقطع.\nقال الترمذي: سألت البخاري عن الحديث، فقال: إن عمرو بن دينار لم يسمعه عن ابن عباس، ولو سلم فمثل هذه العبارة لا تفيد العموم؛ لأن الحجة في المحكي لا في الحكاية، والمحكي عنه قد يكون خاصًا والله أعلم. كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان حكم اليمين مع الشاهد، شرع في بيان حكم الاستحلاف بين الخصماء، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-403>باب استحلاف الخصوم</span>\nفي بيان حكم استحلاف الخصوم أي: طلب الخصوم اليمين بينهم، وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق الإِطلاق والتقييد.\n٨٤٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا داودُ بن الحُصين، أنه سمع أبا غَطَفان يقول: اختصم زيد بن ثابت وابنُ مُطيع في دارٍ إلى مَروان بن الحكم، فقضى على زيد بن ثابت باليمين على المِنْبَر، فقال له زيد: أحْلِف له مكاني، فقال مروان: لا والله إلا عند مقاطع الحقوق، قال: فجعل زيدٌ يحلف أن حقَّه لَحَق وَأَبَى أن يحلف عند المِنْبَر، فجعل مروان يعجب من ذلك.\n_________\n(٨٤٧) إسناده صحيح.","vol":"4","page":153},{"text":"قال محمد: وبقول زيد بن ثابت نأخذ، وحيثما حلف الرجل فهو جائز، ولو رأى زيد بن ثابت أن ذلك يلزمه ما أبَى أن يعطي الحقّ الذي عليه، ولكنه كره أن يعطي ما ليس عليه، فهو أحق أن يؤخذ بقوله وفعله ممن استحلفه.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك، وفي أخرى: ثنا أخبرنا داودُ بن الحُصين، الأموي مولاهم يكنى أبا سليمان المدني، ثقة إلا في عكرمة ورمى رأي الخوارج لكن لم يكن داعية، ووثقه ابن معين والنسائي والعجلي وكفى برواية مالك عنه توثيقًا، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة أنه سمع أبا غَطَفان بفتحتان اسمه سعد بن طريف بفتح الطاء المهملة وكسر الراء وسكون التحتية ثم فاء المري بضم الميم وتشديد الراء المدني، ثقة كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة يقول: اختصم زيد بن ثابت ﵁ الأنصاري وعبد الله بنُ مُطيع بن الأسود العدوي المدني له رؤية وكان رأس قريش يوم الحرة وأمَّره عروة بن الزبير على الكوفة، ثم قتل معه سنة ثلاث وسبعين في دارٍ أي: كانت بينهما، والمعني تخاصمًا فيها وترافعا في الحكم إلى مَروان بن الحكم، وهو أمير المدينة من جهة معاوية فقضى أي: حكم مروان على زيد بن ثابت باليمين على المِنْبَر، أي: عند منبر النبي - ﷺ - فقال له أي: لمروان زيد: أحْلِف له أي: لعبد الله بن مطيع مكاني، أي: هذا فقال له مروان: لا والله أي: لا يحلف والله إلا عند مقاطع الحقوق، قال: أي: أبو غطفان فجعل أي: شرع زيدٌ يحلف أن حقَّه لَحَق أي: باق لم يقبضه وَأَبَى أي: زيد بن ثابت، وفي نسخة: يأبى أن يحلف عند المِنْبَر، أي: حوالي المنبر بناء على التغليظ في اليمين عرفًا فجعل مروان بن الحكم يعجب من ذلك أي: يتعجب ويستنكر ما هنالك يعني امتناع زيد مع علمه أنها تغلظ بالمكان.\nقال مالك: كره زيد صبر اليمين، وقال الشافعي: بلغني أن عمر حلف على المنبر في خصومة كانت بينه وبين رجل وأن عثمان ردت عليه اليمين على المنبر فافتدى منها وقال: أخاف أن توافق قدر بلاء فيقال بيمينه.\nقال الشافعي: واليمين على المنبر مما لا خلاف فيه عندنا في قديم ولا حديث فعاب قولنا هذا غائب، ترك فيه موضع حجتنا بسنة رسول الله - ﷺ - والآثار بعده عن الصحابة","vol":"4","page":154},{"text":"وزعم أن زيد لا يرى اليمين على المنبر وإنا روينا عند ذلك وخالفناه إلى قول مروان، فما منع زيد لو لم يعلم أن اليمين على المنبر حق أن يقول مقاطع الحقوق فجلس الحكم، كذا قاله الزرقاني (١).\nقال محمد: وبقول زيد بن ثابت نأخذ، لأنه أجل من مروان في العلم والعرفان وحيثما حلف الرجل أي: بعد الحكم عند القاضي فهو جائز، ولو رأى زيد بن ثابت أن ذلك يلزمه (ق ٨٧٩) أي: اليمين عند المنبر ما أبى أي: لما كان يأبى أن يعطي الحقّ الذي عليه، أي: من اليمين في محله ولكنه أي: بإبائه كره أن يعطي ما ليس عليه، أي: فيكون بدعة وزيادة حكومة فهو أي: زيد بن ثابت أحق أن يؤخذ بقوله وفعله أي: لكونه مانعًا مما استحلفه أي: في مكان معين من غير دليل عليه وحجة لديه.\nوالحاصل أن اليمين لا يغلظ عند أبي حنيفة، وقال الشافعي: يغلظ، وعن أحمد روايتان كالمذهبين، وقال مالك: يغلظ فيما ليس بمال ولا القصد منه المال كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ عما يتعلق باستحلاف الخصوم، شرع بما يتعلق بالرهن، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-404>باب الرهن</span>\nفي بيان حكم الرهن، وهو في اللغة بفتح الراء وسكون الهاء ثم نون مطلق الحبس، وفي الشرع: حبس الشيء بحق يمكن أخذه منه كالدين، ويطلق على المرهون تسمية للمفعول باسم المصدر كذا قاله السيد محمد الجرجاني، وجه المناسبة بين هذا الباب والباب السابق الحل والعقد بالقول والفعل فتأمل.\n٨٤٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا يَغْلَقُ الرهن\".\n_________\n(١) في شرحه (٤/ ٦).\n(٨٤٨) أخرجه الشافعي في مسنده (٢/ ١٦٤) وفي الأم (٣/ ١٦٧) والبيهقي في الكبرى (٦/ ٣٩) والحاكم في المستدرك (٢/ ٥١) وصححه البغوي في شرح السنة (٢١٣٢) وعبد الرزاق في مصنفه (١٥٠٣٤).","vol":"4","page":155},{"text":"قال محمد: وبهذا نأخذ، وتفسير قوله: \"لا يَغْلَقُ الرهن\": أن الرجل كان يرهن الرهن عند الرجل، فيقول له: إن جئتُك بمالِك إلى كذا وكذا، وإلا فالرهن لك بمالك، فقال رسول الله - ﷺ -: \"لا يَغْلَقُ الرهن، ولا يكون للمرتهن؛ بماله\"، وكذلك نقول، وهو قولُ أبي حنيفة، وكذلك فسره مالك بن أنس.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، أي: مرسلًا، وعن معن بن عيسى موصولًا عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا يَغْلَقُ بفتح التحتية واللام الرهن\" الرواية برفع القاف على الخبر أي: ليس يغلق أي: لا يذهب ولا يتلف باطلًا، وقال النحاة: لم يوجد له مخلص، وفي (المصباح): من غلق الرهن كفرح استحقه المرتهن انتهى. أي: لا يستحقه المرتهن إذا لم يستفكه صاحبه.\nقال مالك في (الموطأ): وتفسير ذلك فيما نرى ونظن والله أعلم بمراد نبيه أن يرهن الرجل الرهن عند الرجل بالشيء وفي الرهن زيادة عما رهن به فيقول الراهن للمرتهن: إن جئتك بحقك إلى أجل يسميه له أخذت رهني وإلا فالرهن لك بما رهن فيه.\nقال مالك: فهذا لا يصلح ولا يحل وهذا النبي نهى عنه، وإن جاء صاحبه بالذي رهن به بعد الأجل فالرهن له أو يباع فيأخذ حقه ويرد ما فضل.\nوقال مالك: وأرى هذا الشرط منسوخًا لا عبرة به وبنحوه فسره طاووس والنخعي وشريح القاضي وسفيان الثوري والزهري انتهى. وكان هذا من فعل الجاهلية أن الراهن إذا لم يرد ما عليه في الوقت العين ملك المرتهن فأبطله أهل الإِسلام.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه هنا سعيد بن المسيب مرسلًا عن رسول الله - ﷺ - وتفسير قوله - ﷺ -: \"لا يَغْلَقُ الرهن\": أن الرجل كان يرهن الرهن عند الرجل، فيقول له: إن جئتُك بمالِك إلى كذا وكذا، أي: من المدة المعينة وإلا فالرهن لك بما لك، أي: بدل مالك فقال رسول الله - ﷺ -: \"لا يَغْلَقُ الرهن، ولا يكون للمرتهن؛ بماله\"، وكذلك نقول، أي: أهل الكوفة وهو قولُ أبي حنيفة، وكذلك فسره مالك بن أنس بن عمير بن أبي عامر الأصبحي كان في الطبقة السابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، قال الذهبي في (الكاشف): ولد الإِمام مالك سنة ثلاث وتسعين ومائة، ومات سنة تسع وسبعين ومائة.","vol":"4","page":156},{"text":"لما فرغ من بيان حكم الرهن شرع في بيان حكم حال الرجل (ق ٨٨٠) عند الشهادة، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-405>باب الرجل تكون عنده الشهادة</span>\nفي بيان حكم حال الرجل يكون عنده الشهادة لأحدًا وعلى أحد.\n٨٤٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر، أن أباه أخبره عن عبد الله بن عمرو بن عثمان، أن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري أخبره: أن زيد بن خالد الجُهني أخبره: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"ألا أخبركم بخبر الشهداء: الذي يأتي بالشهادة - أو يخبر بالشهادة قبل أن يُسْأَلَها\"، شكّ عبد الله بن أبي بكر أيتهما.\nقال محمد: وبهذا نأخذ: من كانت عنده شهادة لإِنسان لم يعلم ذلك الإِنسان بها، فليخبره بشهادته، وإن لم يَسألها إياه.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا، وفي نسخة: قال: بنا بدل أخبرنا عبد الله بن أبي بكر، أي: ابن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني القاضي، ثقة كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة أن أباه أي: أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري النجاري بالنون الجيم المدني القاضي، اسمه وكنيته واحد وقيل: يكنى أبا محمد ثقة عابد كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة عشرين ومائة، وقيل غير ذلك أخبره عن عبد الله بن عمرو بن عثمان، الأموي يلقب بمطرف بضم الميم وتشديد الطاء وفتح الراء ثقة شريف كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، مات بمصر سنة ست وتسعين، وقيل: بعد المائة أن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري البخاري يقال: ولد في عهد النبي - ﷺ -\n_________\n(٨٤٩) صحيح: أخرجه مسلم في الأقضية (٤٤١٤) وأبو داود (٣/ ٣٠٤) والترمذي (٢٢٩٥ - ٢٢٩٧) والنسائي في القضاء من الكبرى وابن ماجه (٢٣٦٤).","vol":"4","page":157},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: ليست له صحبة كذا قاله في (تقريب التهذيب) (١) وجزم جلال الدين عبد الرحمن السيوطي في (شرح الموطأ) (٢) لمالك أنه كان من التابعين أخبره: أن زيد بن خالد الجُهني بضم الجيم وفتح الهاء وكسر النون نسبة إلى قبيلة جهينة مصغرًا المولى لهم، صحابي مشهور، مات سنة ثمان وستين أو سبعين بالكوفة وله خمس وثمانون سنة كذا، قاله ابن حجر أخبره: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"ألا بفتح الهمزة وتخفيف اللام حرف تنبيه أخبركم بخبر الشهداء: أي: جمع شاهد الذي يأتي بالشهادة - ويخبر بالشهادة شك من الراوي، ويحتمل أن تكون \"أو\" للتنويع وفي نسخة: يجيء بدل من يخبر قبل أن يُسْأَلَها\"، بصيغة المجهول أي: الشهادة، ورواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي عنه أيضًا شكّ عبد الله بن أبي بكر أيتهما قال قبل أن يسألها كذا في النسخة.\nقال محمد: وبهذا نأخذ: أي: لا نعمل هنا إلا بما رواه زيد بن خالد الجهني ﵁ من كانت عنده شهادة لإِنسان لم يعلم ذلك الإِنسان بها، فليخبره بشهادته، أي: ندبًا أو وجوبًا وإن وصلية لم يَسألها إياه وقيل: إنه محمول على شهادة الحسبة في غير حقوف الآدميين المختصة بهم، فمن علم شيئًا من هذا النوع وجب عليه أن يرفعه إلى القاضي بتلك الشهادة كذا قاله علي القاري عن النووي.\nلما فرغ من بيان حكم حال الرجل يكون عنده الشهادة، شرع في بيان ما يتعلق بحكم اللقطة، فقال: هذا\n* * *\n_________\n(١) انظر: \"التقريب\" (١/ ٣٠٤).\n(٢) انظر: \"تنوير الحوالك\" (١/ ١٠٧).","vol":"4","page":158},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-406>باب اللقطَة</span>\nفي بيان حكم ما يتعلق باللقطة بضم اللام وفتح القاف والطاء ثم تاء وهي مال يوجد على الأرض ولا يعرف مالك، وهي علي وزن الهمزة والضحكة مبالغة في الفاعل، وهي لكونها مالًا مرغوبًا جعلت أخذًا مجازًا لكونها سببًا لأخذ من رأها كذا قاله السيد محمد الجرجاني.\nوقال بعض الشارحين: وهي أمانة سواء كانت في الحلال أو الحرام، وسواء كانت متاعًا أو بهيمة، وجه المناسبة بين هذا الباب والباب السابق وجوب الأداء بما عنده من الشهادة واللقطة، لكن الأول معنوي والثاني صوري، فإن من كان شاهدًا (ق ٨٨١) على شيء أوله وجب عليه الشهادة إذا طلبت منه، وكذلك من أخذ اللقطة ووجد صاحبها فطلبها وجب عليه ردها لصاحبها.\n٨٥٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب الزهري، أن ضَوَالَّ الإِبل كانت في زمن عمر بن الخطاب إبلًا مرسلة تُنَاتَجُ، لا يَمَسّها أحد، حتى إذا كان زمنُ عثمان بن عفان، أمر بمعرفتها وتعريفها، ثم تُباعُ فإذا جاء صاحبها أعطي ثمنها.\nقال محمد: كلا الوجهين حسن، إن شاء الإِمام تركها ترعى حتى يجيء أهلها، فإن خاف عليها الضَّيعة أو لم يجد من يرعاها فباعها، ووقف ثمنها، حتى يأتي أربابها فلا بأس بذلك.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا ابن شهاب الزهري، أن ضَوَالَّ الإِبل بفتح الضاد المعجمة وتشديد اللام جمع ضالة مثل دابة ودواب الأصل في الضلال الغيبة ومنه قيل للحيوان الضائع: ضالة للذكر والأنثى والجمع الضوال ويقال لغير\n_________\n(٨٥٠) صحيح: أخرجه مالك (٥٢٩) والبيهقي في الكبري (١٢٣١٢).","vol":"4","page":159},{"text":"الحيوان: ضائع ولقطة، وضل البعير غاب وخفى موضعه، وأضللته بالألف أي: فقدته كذا قاله الأزهري (١)، فإضافة الضوال إلى الإِبل من إضافة العام إلى الخاص وكانت أي: الضالة أو اللقطة في زمن أي: وقت خلافة عمر بن الخطاب ﵁ إبلًا مرسلة أي: مسيبة غير مضبوطة ولا مربوطة، وزاد في نسخة: مؤبلة بضم الميم وفتح الهمزة وفتح الموحدة المشددة ثم لام مفتوحة فهاء منصوبة على أنها صفة مرسلة أي: مجتمعة فهو تشبيه بليغ بحذف أداة التشبيه أي: كالمؤبلة المقتناة في عدم تعرض أحد إليها واجترائها في الكلاء وضحه بقوله: تُنَاتَجُ، بحذف أحد التائين أي: تتناتج بعضها بعضًا كالمقتناة لا يَمَسّها أحد، أي: لا يأخذها للنهي عن التقاطها حتى أي: لم يأخذها إلى حين إذا كان زمنُ عثمان بن عفان، أي: وقت خلافة ابن عفان أمر بمعرفتها أي: أولًا وتعريفها، أي: ثانيًا بعد التقاطها خوفًا من الخونة ثم أي: بعد تعريفها مدة يليق بها تُباعُ فإذا جاء صاحبها أعطي ثمنها بصيغة المجهول؛ لأن هذا أضبط له.\nقال محمد: كلا الوجهين أي: من طريق عمر وعثمان حسن، أي: مستحسن شرعًا وعرفًا إن شاء الإِمام تركها ترعي كما في نسخة حتى يجيء أهلها، أي: فيأخذها فإن خاف عليها الضَّيعة بفتح الضاد المعجمة وسكون التحتية وفتح المهملة أي: التفتت أو لم يجد من يرعاها أي: يراعي حالها فباعها، ووقف بتشديد القاف أي: حبس ثمنها، أي: جعل ثمنها موقوفًا ومحفوظًا حتى أي: إلى النهاية يأتي أربابها فلا بأس بذلك أي: بما ذكر من بيعها وحفظ ثمنها إلى أن يأتي صاحبها ويعطيها إلى صاحبها.\n* * *\n\n٨٥١ - أخبرنا مالك أخبرنا نافع، أن رجلًا وجد لُقَطَة، فجاء إلى ابن عمر فقال: إني وجدتُ لُقَطَةً، فما تأمرني فيها، فقال ابن عمر: عَرِّفها، قال: قد فعلتُ، قال: زِدْ، قالَ: قد فعلتُ، قال: لا آمرك أن تأكلها، لو شئْتَ لم تأخذها.\n_________\n(١) انظر: \"الزاهر\" (ص: ٣٦٦).\n(٨٥١) إسناده صحيح.","vol":"4","page":160},{"text":"• أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن رجلًا لم يسم وجد لُقَطَة، فجاء إلى ابن عمر ﵄ فقال: إني وجدتُ لُقَطَةً، فما تأمرني فيها، فقال ابن عمر: عَرِّفها، بتشديد الراء المكسورة قال: قد فعْلتُ، أي: عرفتها قال: زِدْ، قالَ: أي: الرجل الواجد قد فعلتُ، قال: أي: ابن عمر لا آمرك أن تأكلها، أي: وأنت تريد أن تأكلها لو شئْتَ أي: عدم أكلها ولا تملكها بلا ضمان لم تأخذها أي: وكان يرى كراهة الالتقاط مطلقًا.\n* * *\n\n٨٥٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أنه قال: سمعتُ سليمان بن يَسَار يحدِّث أن ثابت بن الضحاك الأنصاري حدَّثه: أنه وجد بعيرًا بالحَرَّة فعرّفه، ثم ذكر ذلك لعمر بن الخطاب فأمره أن يُعَرِّفَه، قال ثابت لعمر: قد شغلني عن ضيعتي، فزعموا أنه قال له: أرسله حيث وجدته.\nقال محمد: وبه نأخذ، من التقط لُقَطَة تساوي عشرة دراهم فصاعدًا عَرَّفَها حولًا، فإن عُرِفَت وإلا تصدق بها، فإن كان محتاجًا أكلها، فإن جاء صاحبها خَيَّره بين الأجر وبين أن يَغْرمَها، وإن كان قيمتها أقل من عشرة دراهم عَرَّفها على قَدْرِ ما يرى أيامًا، ثم صنع بها كما صنع بالأولى، وكان الحكم فيها إذا جاء صاحبها كالحكم في الأولى، وإن ردّها في موضعها الذي وجدها فيه فقد برئ منها، ولم يكن عليه في ذلك ضمان.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: لنا مالك أخبرنا يحيى بن سعيد، بن قيس الأنصاري المدني، يكنى أبا سعيد القاضي ثقة ثبت، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين أو بعدها ومائة أنه قال: سمعت سليمان بن يَسَار بفتح الياء والسين الخفيفة الفقيه الهلالي المدني مولى ميمونة، وقيل: أم سلمة ثقة فاضل، أحد الفقهاء السبعة كان في الطبقة الثالثة (ق ٨٨٢) من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة يحدِّث أن ثابت بن الضحاك أي: الخليفة الأنصاري الأشهلي\n_________\n(٨٥٢) صحيح: أخرجه مالك (٥٢٧) والبيهقي في \"الكبرى\" (١٢٣١١).","vol":"4","page":161},{"text":"الصحابي الشهير المتوفى سنة أربع وستين على الصواب، ووهم من قال سنة خمس وأربعين حدَّثه: أي: أخبره أنه وجد بعيرًا بالحَرَّة بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء أي: ذات حجارة السود بظاهر المدينة فعرّفه، بتشديد الراء ثم أي: بعد تعريفها مرارًا ذكر ذلك أي: التعريف بها لعمر بن الخطاب ﵁ فأمره أي: إلى ثابت بن الضحاك أن يُعَرِّفَه، أي: ثانيًا قال ثابت لعمر: قد شغلني أي: منعني تعريفه عن ضيعتي، بفتح الضاد المعجمة وسكون التحتية وفتح العين أي: ملكي ومزرعتي، كذا قاله الجوهري، أو عن خدمة عيالي فقال له: أرسله حيث وجدته أي: في المكان الذي وجدته فيه.\nقال محمد: وبه نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه سليمان بن يسار عن ثابت بن الضحاك من التقط أي: وجد لُقَطَة تساوي أي: قيمتها عشرة دراهم فصاعدًا أي: وزيادة عليها عَرَّفَها حولًا، بفتح الحاء المهملة وسكون الواو ثم لام أي: سنة فإن عُرِفَت بصيغة المجهول أي: اللقطة وإلا أي: وإن لم تعرف اللقطة سنة تصدق بها، أي: إن كان الواجد غنيًا فإن كان محتاجًا أي: فقيرًا أكلها، فإن جاء صاحبها خَيَّره بين الأجر أي: بين أن يختار أجر الصدقة وبين أن يَغرْمَها، بفتح التحتية وسكون الغين المعجمة وفتح الراء من باب علم أي: يقضي قيمة له أي: لصحاب المال كأنها دين على الملتقط فيلزم عليه أداء دينه لما أخرجه البزار في (مسنده) والدارقطني في (سننه) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول - ﷺ - نهى عن اللقطة قال: \"لا تحل فمن التقط شيئًا فليعرفه سنة فإن جاء صاحبه فليرده إليه فإن لم يأت فليتصدق به فإن جاء فليخيره بين الأجر وبين الذي له\" وإن كان قيمتها أقل من عشرة دراهم عَرَّفها على قَدْرِ ما يرى أي: يليق بها أيامًا، أي: مفوضًا أمرها إلى المبتلى به ثم صنع بها كما صنع بالأولى أي: من التفصيل بين الغني والفقير وكان الحكم فيها أي: والحال أن الحكم في اللقطة التي كان قيمتها أقل من عشرة دراهم ثم صنع بها كما صنع بالأولى، وفي نسخة: كما كان في الأولى أي: كما كان قيمة اللقطة تساوي عشرة دراهم فصاعدًا عرفها حولًا، فإن عرفها وجاء صاحبها ردها وإلا يتصدق بها إن كان الملتقط غنيًا، وإن كان فقيرًا أكلها، ثم إن جاء صاحبها خيره بين الأجر وبين أن يغرمها إليه فعلم من هذا أن اللقطة كانت أمانة في يد الملتقط وكان الحكم فيها إذا جاء صاحبها كالحكم في الأولى، وإن ردّها في موضعها الذي وجدها فيه فقد برئ منها، أي: تخلص من عهدتها ولم يكن","vol":"4","page":162},{"text":"عليه في ذلك أي: الرد ضمان أي: غرامة لصاحبها إن ضاعت، وهذا القول المفصل روى محمد عن أبي حنيفة، وقدر محمد في الأصل مده التعريف بالحول من غير تفصيل بين القليل والكثير، وهو قول مالك والشافعي لما روى الشيخان (١) عن زيد بن خالد الجهني قال: سأل رجل رسول الله - ﷺ - عن اللقطة فقال: عرفها سنة ثم اعرف عفاصها أي: وعائها ووكائها أي: رباطها ثم استبقها فإن جاء صاحبها فردها، والصحيح أن شيئًا من هذه التقادير ليس بلازم وأن تفويض التقدير إلى رأى الأخذ لإِطلاق حديث مسلم عن أبي بن كعب (ق ٨٨٣) أن رسول الله - ﷺ - قال في اللقطة: \"فإن جاء أحد يخبرك بعددها وعائها ووكائها فأعطه، إياها وإلا فاستمتع بها\" وفي رواية: \"وإلا فهي كسبيل مالك\"، وما روى من التقييد بالسنة لعلة لكون اللقطة المسئول عنها كانت تقتضي ذلك، أو لأن الغالب في اللقطة شيئًا يعلم أن صاحبه لا يطلبه كالنواة وقشر الرمان يكون إلقاؤه إباحة حتى جاز الانتفاع به من غير تعريف، ولكنه يبقى على ملك مالكه أن التمليك من المجهول لا يصح وملك المبيح لا يزول بالإِباحة. كذا قاله علي القاري بتشديد التحتية نسبة إلى قارة بطن من خدمة بن مدركة.\n* * *\n\n٨٥٣ - أخبرنا مالك، حدثنا يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيَّب، قال: قال عمر وهو مسند ظهره إلى الكعبة: من أخذ ضالة فهو ضال.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، وإنما يَعني ذلك: من أخذها لِيَذْهَبَ بها، فأما من أخذها ليردّها وليعرّفها، فهذا لا بأس به.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا، وفي نسخة: حدثنا يحيى بن سعيد، وقد سبق ترجمته من قبل عن سعيد بن المسيَّب، بكسر الياء وفتحها قال: قال\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٩١) ومسلم (١٧٢٢).\n(٨٥٣) إسناده صحيح: أخرجه مالك (٥٢٨) وابن أبي شيبة (٥/ ١٩٥) وعبد الرزاق في مصنفه (١٨٦١٢) والبيهقي في الكبرى (١٢٣٠٧).","vol":"4","page":163},{"text":"عمر بن الخطاب ﵁ وهو مسند ظهره إلى الكعبة، جملة معترضة من أخذ ضالة فهو ضال أي: عن طريق الصواب أو آثم أو ضامن إن هلكت عنده، عبر بها عن الضمان بالمشاكلة وذلك أنه إذا التقطها فلم يعرفها فقد أضر بصاحبها وصار سببًا في تضليله عنها فكان مخطئًا ضالًا عن الحق، وأصل هذا حديث مرفوع أخرجه أحمد ومسلم والنسائي عن زيد بن خالد الجهني ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من أوى ضالة فهو ضال ما لم يعرفها\" (١) فقيد الضال بعدم التعريف، فلا حجة لمن كره اللقطة مطلقًا في أثر عمر هذا ولا في قوله - ﷺ -: \"حرق النار\" أخرجه النسائي بإسناد صحيح عن الجارود العبيدي؛ لأن الجمهور حملوها على من لم يعرفها جمعًا بين الحديثين وحرق بفتح الحاء والراء وقد تسكن أي: تؤدي أخذها للتملك فهو تشبيه بليغ بحذف أداة التشبيه للمبالغة كذا قاله الفاضل الزرقاني (٢).\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب وإنا يَعني أي: يريد عمر بن الخطاب ذلك: أي: يكون أخذ ضالًا من أخذها لِيَذْهَبَ بها، أي: لنفسه لردها إلى صاحبها فأما من أخذها ليردّها وليعرّفها، فهذا لا بأس به أي: فلا ضلالة له.\nوالحاصل أن اللقطة أمانة إذا شهد على أخذ ليردها على صاحبها لما روى إسحاق بن راهويه في (مسنده) عن عياض بن حمار أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من أصاب لقطة فليشهد ذا عدل ثم لا يكتم\" وأما لم يشهد وأدى أنه أخذها للرد ضُمِّنَ عند أبي حنيفة ومحمد أن حجة المالك أخذ للرد.\nوقال أبو يوسف: لا يضمن لأن صاحبها يدعي بسبب الضمان وهو ينكر فكان القول قوله كما في الغضب، وهو قول مالك والشافعي وأحمد؛ لأن الإِشهاد غير واجب عندهم بل مستحب هذا وإن بين مدعي اللقطة علامتها حل الدفع ولا يجب بلا حجة وهو قول الشافعي، وقال مالك وأحمد وأبو داود وابن المنذر: يجب الدفع بالعلامة لقوله - ﷺ - في الحديث السابق فإن جاء أحد يجزك بعددها وعائها ووكائها فأعطه إياها.\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٧٢٥) وأحمد (١٦٦٠٧) ومالك (١٤٨٧).\n(٢) انظر: \"شرح الزرقاني\" (٤/ ٦٨).","vol":"4","page":164},{"text":"لما فرغ عن ذكره ما يتعلق بحكم اللقطة، شرع (ق ٨٨٤) في ذكر ما يتعلق بحكم الشفعة، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-407>باب الشفعَة</span>\nفي بيان ذكر الأحاديث التي تتعلق بحكم الشفعة، هي في اللغة بالضم رسم من الشفع وهو الضم، سميت بذلك لما فيها ضم المشتري إلى الشفيع، وفي الشريعة تملك العقار على مشتريه جبر بمثل ثمنه الذي اشتراه به.\n٨٥٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا محمد بن عُمَارة، قال: أخبرني أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حَزم، أن عثمان ﵁ قال: إذا وقعت الحدود فلا شفعة، ولا شفعة في بئر ولا فحل نخل.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا محمد بن عُمَارة، بضم العين ابن عمرو بن حزم الأنصاري المدني صدوق، كان في الطبقة السابعة من صغار التابعين من أهل المدينة، وكان أبوه عمارة بن عمرو بن حزم في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة كذا قاله الحافظ ابن حجر أخبرني أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حَزم، الأنصاري النجاري بالنون والجيم المشددة المدني القاضي اسمه وكنيته واحد، وقيل: يكنى أبا محمد، ثقة عابد كان في الطبقة الخامسة، من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة عشرين ومائة أن عثمان بن عفان ﵁ قال: إذا وقعت الحدود في أرض وهو جمع حد وهو هنا ما تتميز به الأملاك بعد القسمة، وأصل الحد المنع فتحديد الشيء يمنع خروج شيء منه ويمنع دخوله فيه فلا شفعة، فيها لأنها لا محل لها بعد تميز الحقوق بالقسمة فصارت غير مشاعة.\nقال مالك والشافعي وأحمد: لا شفعة للجار بل للشريك وحده لما ذكر، ولما روى البخاري (١) عن أبي سلمة عن جابر بن عبد الله قال: \"قضى رسول الله - ﷺ - بالشفعة في\n_________\n(٨٥٤) إسناده حسن، أخرجه مالك (١٤٢٣) وعبد الرزاق في مصنفه (١٤٤٢٦) والبيهقي في الكبرى (١١٧٧٣).\n(١) أخرجه البخاري (٢٢١٤).","vol":"4","page":165},{"text":"كل ما يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة\"، ولنا أن الشفعة للشريك في نفس المبيع ثم للشريك في حق المبيع كالشرب والطريق ثم لجار ملاصق فعندنا الشفعة كل واحد من هذه الثلاثة على هذا الترتيب، وهو قول سفيان الثوري وعبد الله بن المبارك كما ذكر الترمذي في (جامعه) وأبو داود في البيوع والترمذي في الأحكام وقال: حسن صحيح وقال: لا شفعة في بئر ولا فحل نخل بفتح الفاء وسكون الحاء المهملة ثم لام مضاف إلى نخل، وإضافته إليه من قبيل إضافة الموصوف إلى صفته، كخاتم فضة، فالمراد بالفحل حصير يجعل من ورق النخل، وفي الحديث: \"أنه - ﷺ - دخل على رجل من الأنصار وفي ناحية البيت فحل أي: حصير فأمر بناحية منه فرشت ورش عليه الماء ثم صلى عليه، كذا قاله الفاضل محمد الواني، فلا يصح الشفعة في البئر ولا في فحل النخل لأنهما لا يقبلان القسمة.\n* * *\n\n٨٥٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن أبي سَلمة بن عبد الرحمن، أن رسول الله - ﷺ - قضى بالشفعة فيما لم يُقْسم، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة فيه.\nقال محمد: قد جاءت في هذا أحاديث مختلفة، والشريك أحقُّ بالشفعة من الجار، والجار أحقُّ من غيره، بلغنا ذلك عن النبي - ﷺ -.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، وفي نسخة: قال: بنا، ابن شهاب عن أبي سَلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقة مكثر تابعي ابن الصحابي كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين، وكان مولده سنة بضع وعشرين من الهجرة كذا في (تقريب التهذيب).\nقال ابن عبد البر أبو عمر: هذا حديث مرسل لأكثر رواة (الموطأ) لمالك وموصول\n_________\n(٨٥٥) مرسل: وقد سبق مسندًا عند البخاري (٢٢١٤) من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر مرفوعًا.","vol":"4","page":166},{"text":"في رواية عبد الملك بن الماجشون عن مالك، وكذا في رواية أبي عاصم النبيل ويحيى بن أبي قتيلة وابن وهب يخلو عنه فقالوا عن أبي هريرة، وذكر الطحاوي أن قتيبة (ق ٨٨٥) وصله عن مالك والله أعلم. أن رسول الله - ﷺ - قضى بالشفعة أي: بين الشركاء فيما أي: في كل شيء مشترك مشاع قابل للقسمة لم يُقْسم، أي: بالفعل بين الشركاء فإذا وقعت الحدود أي: إذا تميز الأملاك بعد القسمة وصرفت الطرق بين الشركاء فلا شفعة فيه أي: لأنه لا محل لها بعد تميز الحقوق وبالقسمة فصارت غير مشاعة، وهذا الحديث نص في ثبوت الشفعة في المشاع، وصدور هذا الحديث يشعر ثبوتها في المنقولات، وسياقه يشعر باختصاصها بالعقار، وهو مشهور وفي مذهب مالك والشافعي وأحمد؛ لأنه أكثر الأنواع ضررًا والمراد بالعقار ما يحتمل القسمة فما لا يحتملها لا شفعة فيه لأن يقسمه تبطل منفعته، وعن مالك رواية بالشفعة احتمل القسمة أم لا وللبيهقي عن ابن عباس مرفوع: \"الشفعة في كل شيء\" (١) ورجاله ثقات، لكن أعلَّ بالإِرسال إلا أنه له شاهدًا من حديث جابر بإسناد لا بأس به، وشذ عطاء فأخذ بظاهره فقال بالشفعة في كل شيء حتى التراب، ونقله بعض الشافعية عن مالك، ورد بأنه لا يعرف عند أصحابه وحمله الجمهور على العقار لحديث الباب ونحوه وهو أصل ثبوت الشفعة، وأخرجه مسلم (٢) عن أبي الزبير المكي عن جابر بلفظ: \"قضى رسول الله - ﷺ - في كل مشترك لم يقسم ربعة أو حائط ولا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن شاء أخذ وإن شاء ترك فإذا باع فلم يؤذنه فهو أحق به\" والربعة بفتح الراء تأنيث الربع وهو المنزل والحائط والبستان، وفيه أنه لا شفعة للجار؛ لأنه حصر الشفعة فيما لا يقسم فما قسم لا شفعة فيه وقد صار جارًا، وبه قال الجمهور وأثبتها أبو حنيفة والكوفيون كذا قاله الزرقاني (٣). وقال المصنف ﵀:\nقال محمد: قد جاءت في هذا أي: في حكم الشفعة أحاديث مختلفة، أي: طرقها والشريك أي: في العين أو فيما يتعلق به أحقُّ بالشفعة من الجار، أي: الملاصق والجار أحقُّ من غيره، بلغنا ذلك أي: حاصله عن النبي - ﷺ - أي: كما حررناه وقدرناه.\n* * *\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في \"الكبرى\" (١١٨٠٦).\n(٢) أخرجه مسلم (١٦٠٨).\n(٣) انظر: شرح الزرقاني (٣/ ٤٧٦).","vol":"4","page":167},{"text":"٨٥٦ - أخبرنا عبد الله بن عبد الرحمن بن يَعْلى الثقفي أخبرني عَمرو بن الشَّريد عن الشَّريد بن سُويد قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"الجارُ أحقّ بصقبه\".\nقال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا عبد الله بن عبد الرحمن بن يَعْلى بن كعب الطائفي يكنى أبا يعلى الثقفي، صدوق ويهم، كان في الطبقة السابعة من طبقات صغار التابعين، من أهل الطائف، كانت في الإِقليم الثاني من الأقاليم السبعة، مات بعد المائة أخبرني وفي نسخة: قال: أخبرني عَمرو بن الشَّريد بفتح الشين المعجمة الثقفي، يكنى أبا الوليد الطائفي ثقة كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل الطائف، مات بعد المائة عن أبيه الشَّريد أي: بالتصغير البصري قال: مرسلا قال رسول الله - ﷺ -: \"الجارُ أحقّ بصقبه\" بفتح الصاد المهملة وسكون القاف ثم موحدة عمود طويل وسط البيت، يعني: الجار أحق بشفعة عمود جاره وفي نسخة: بسقبه بالسين (ق ٨٨٦) والقاف والموحدة، وهو بمعنى القرب كذا قاله محمد الواني، رواه البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن نافع والنسائي وابن ماجه عن الشريد بن سويد، وفي رواية لأحمد والأربعة عن جابر بلفظ: \"الجار أحق بشفعة جاره وينظر بها إن كان غائبًا إذا كان طريقهما واحد\".\nقال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، والله أعلم.\nلما فرغ من ذكر ما يتعلق بذكر الشفعة، شرع في ذكر ما يتعلق بحكم المكاتب، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-408>باب المكَاتب</span>\nفي بيان ما يتعلق بحكم المكاتب أي: الكتابة في اللغة: الجمع، وفي الشرع: المكاتبة إعتاق الملوك يدًا وتصرفًا حالًا ورقبة مالًا؛ ولهذا قيل: المكاتب طار من ذل\n_________\n(٨٥٦) حسن الإسناد: أخرجه ابن ماجه (٢٤٩٦) وأحمد (١٨٩٦٧) وأصله عند البخاري.","vol":"4","page":168},{"text":"العبودية ولم يزل مباحة الحرية، وصورته أن يكاتب قنه بمال حال أو منجم أو مؤجل فإن أديته، فأنت حر وإن عجزت فأنت قن وقبل العبد فكان مكاتبًا، استنبط المصنف ﵀ هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة النور: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]، وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق اتصاله المملوك نوعًا إلى ملك المالك فإن الجار إذا قال حين سمع أن جاره الملاصق باع أرضه أنا شفيعه لا يملك المشتري بما اشتراه، وكذلك العبد المكاتب إذا لم يقض بدل الكتابة تمامًا لم يخلص عن ملك مولاه قال - ﷺ -: \"المكاتب عبد ما بقي عليه درهم\" (١) كذا في شرح (الاختيار شرح المختار).\n٨٥٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أنه كان يقول: المُكَاتَبُ عَبْدٌ ما بقيَ عليه من كتابته شيء.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، وهو بمنزلة العبد في شهادته وحدوده وجميع أمره، إلا أن لا سبيل لمولاه على ما له ما دام مكاتبًا.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، ﵁ أنه كان يقول: المُكَاتَبُ عَبْدٌ ما بقيَ عليه من كتابته شيء وفي رواية أبي داود (٢) عنه مرفوعًا: المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبه درهم.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، وهو بمنزلة العبد في شهادته وحدوده وجميع أمره، إلا أن لا سبيل لمولاه على ما له ما دام مكاتبًا.\n* * *\n\n٨٥٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا حُميد بن قيس المكيّ، أن مكاتبًا لابن المتوكل\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٣٩٢٦) وعبد الرزاق في مصنفه (١٥٧٢٨) والبيهقي في \"الكبرى\" (٢٢٢٥٧).\n(٨٥٧) صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ٦٦) وعبد الرزاق في مصنفه (١٥٧٢٢) والبيهقي في الكبرى (٢٢٢٦٣).\n(٢) أخرجه أبو داود (٣٩٢٦).\n(٨٥٨) صحيح: أخرجه مالك (٥٧٣).","vol":"4","page":169},{"text":"هلك بمكة وترك عليه بقيّةً من مكاتبته، وديونًا للناس، وترك ابنه، فأشكل على عامل مكة القضاء في ذلك، فكتب إلى عبد الملك بن مروان، يسأله عن ذلك، فكتب إليه عبد الملك: أن ابدأ بديون الناس فاقضها، ثم اقض ما بقي عليه من كتابته، ثم اقسم ما بقي من ماله بين ابنته ومواليه.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا: أنه إذا مات بدئ بديون الناس، ثم مكاتَبَتِه، ثم ما بقي كان ميراثًا لورثته الأحرار من كانوا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا حُميد بالتصغير ابن قيس المكيّ، الأعرج يكنى أبا صفوان القاري ليس به بأس، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين، من أهل مكة، مات سنة ثلاثين، وقيل: بعدها ومائة كذا في (تقريب التهذيب) (١) أن مكاتبًا أي: كان اسمه عباد لابن أي: لابن المتوكل هلك أي: مات بمكة وترك عليه بقيّةً من مكاتبته، أي: بدل كتابته وديون الناس بالنصب عطف على بقية وفي نسخة: وديونًا للناس، وترك ابنه، أي: وله مال فأشكل بصيغة غير الفاعل أي: اشتبه على عامل مكة أي: على أميرها يومئذ القضاء في ذلك، أي: الأمر لعدم علمه به فكتب إلى عبد الملك بن مروان، أي: الخليفة بالشام يسأله عن ذلك، أي: عن قضاء متروكاته المكاتب فكتب إليه أي: إلى عامل مكة عبد الملك: أن بفتح الهمزة وسكون النون ابدأ بكسر الهمزة وسكون الموحدة أمر من بدأ يبدأ بديون الناس فاقضها، أي: فاحكم بديون الناس (ق ٨٨٧) قبل الحكم بميراث الورثة ثم اقسم ما بقي عليه أي: من ماله من كتابته، أي: من بدل كتابته لسيده ثم اقسم ما بقي من ماله بين ابنته أي: النصف بالفرضية ومواليه أي: بين معتقيه الذين كاتبوه البقية بالعصبية.\nقال أبو عمر بن عبد البر: قضى بذلك معاوية بن الحكم قبله، ذكر معمر عن قتادة عن معبد الجهني قال: سألني عبد الملك عن المكاتب يموت وله ولدًا حرار فقلت: قضى عمر أن ماله كله لسيده، وقضى معاوية أن سيده يعطي بقية كتابته، ما بقي لولده الأحرار،\n_________\n(١) تقدم.","vol":"4","page":170},{"text":"ومالك لا يقول بهذا لأنه جاء من وجوه أن بنته كانت حرة، أمها حرة والمكاتب لا يرثه وارث إذا مات قبل العتق وإنما يرثه من معه من ورثته في كتابته وإلا فكله لسيده كما قضى به عمر، وقال زيد بن ثابت ﵁، كذا قاله السيد الفاضل محمد الزرقاني (١).\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما قاله حميد بن قيس المكي وهو أي: ما قاله حميد بن قيس قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا أي: المكاتب إذا مات أي: وله مال بدئ بصيغة المجهول بديون الناس، ثم مكاتَبَتِه، أي: بقية من بدل كتابته فإنها دين عليه ثم ما بقي أي: من المال كان ميراثًا لورثته الأحرار من كانوا أي: رجالًا ونساء من أصحاب الفروض والعصبات، أما أصحاب الفروض فاثنى عشر نفر أربعة منها من الرجال وهم الأب والجد وهو أب الأب وإن علا والأخ لأم والزوج، وثمان منها من النساء، وهن الزوجة والبنت وبنت الابن وإن سفلت والأخت لأب وأم الأخت لأب والأم والجدة الصحيحة، وأما العصبات فثلاثة أنواع أولها عصبة نسبية، وثانيها عصبة غير نسبية فاطلب تفصيلها في كتب الفرائض.\nفالحاصل أن المكاتب إذا مات عن وفاء ولم يفسخ كتابتة وقضى للبدل من ماله وحكم بموته حرًا؛ لأن البدل بموته انتقل إلى تركته كسائر الديون، فإن أدى منها صار كأدائه بنفسه قبل الموت وحكم بإرث ورثته منه ما بقي من ماله وحكم بعتق أولاده حال كونهم ولد أو في كتابته، أو حال كونهم شراهم أو حال كونه كوتب وولده صغيرًا؛ لأن هؤلاء يتبعونه في الكتابة فيتبعونه في عتقه، أو حال كونه كوتب هي وولده كبيرًا بكتابته واحدة؛ لأنهما صارا باتحاد الكتابة كشخص واحد، فإذا حكم بعتق أحدهما في وقت حكم بعتق الآخر فيه هذا لو عجز طاب ما أدي لسيده الذي ليس بمصرف الصدقة؛ لأنه أدى إليه من صدقة تصدق بها عليه، فإن الملك قد تبدل وتبدل الملك كتبدل العين كما أنه أشار إليه النبي - ﷺ - في حديث بريرة (٢) حيث قال في الحكم الذي تصدق به عليها: هو لها صدقة ولنا هدية، وصار كالفقير يموت عن صدقة أخذها حيث تطيب لوارثه الغني، وكالفقير إذا استغنى حيث تطيب له ما أخذه من الزكاة (ق ٨٨٨) حال الفقر وكابن السبيل إذا أخذ الصدقة ثم إذا وصل إلى ماله ومعه شيء منها حيث يطيب له؛ لأن المحرم على\n_________\n(١) انظر شرح الزرقاني (٤/ ١٢٩).\n(٢) أخرجه البخاري (١٤٢٢).","vol":"4","page":171},{"text":"الغني هو الأخذ وهو ليس بموجود، فمن أخذ حال الحاجة ثم استغنى ولو أباح الفقير للغني والهاشمي عبر ما أخذه من الزكاة لا يطيب له؛ لأن الملك لم يتبدل.\n* * *\n\n٨٥٩ - أخبرنا مالك، أخبرني الثقة عندي، أن عُروة بن الزبير وسليمان بن يسار سُئلا عن رجل كاتبَ على نفسه وعلى وَلَده ثم هلك الكاتب وترك بنين، أيَسْعَونَ في كتابة أبيهم أم هم عبيد، فقالا: بل يَسْعَون في كتابة أبيهم، ولا يوضع عنهم: بموت أبيهم شيء.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، فإذا أدّوا عُتِقوا جميعًا، وقال مالك بن أنس: أخبرني مُخْبرٌ أن أمَّ سَلَمة زوج النبي - ﷺ - كانت تقاطع مكاتبتها بالذهب والورق.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرني الثقة عندي، أشار مالك بقوله: عندي إلى شيخه ربيعة بن أبي عبد الرحمن بن فروخ التيمي المدني، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة ست وثلاثين ومائة أن عُروة بن الزبير وسليمان بن يسار سُئلا عن رجل كاتبَ على نفسه وعلى وَلَده بضم الواو وسكون اللام ثم دال مهملة جمع ولد بفتحتين أي: على أولاده الصغار والكبار وبفتحة الواو واللام بمعنى الأولاد فإن الولد اسم الجنس يشمل على الواحد والاثنين والثلاثة هلك أي: مات الكاتب وترك بنين، أيَسْعَونَ أي: هل يسعى بنو المكاتب في كتابة أبيهم وفي نسخة: في مكاتبة أبيهم أم هم عبيد، أي: رقاق فقالا أي: كلاهما معًا وفي نسخة: فقال أي: أجاب كل واحد من عروة بن الزبير وسليمان بن يسار على سبيل المناوبة، لكن النسخة الأولى: فإنهما تسارعا معًا إلى الجواب اهتمامًا لشأن هذا الحكم أي: ليسوا عبيدًا بل يَسْعَون أي: البنون في كتابة أبيهم، ولا يوضع عنهم: أي: لا يحط عن البنين بموت أبيهم شيء أي: من بدل الكتابة ولو قال.\n_________\n(٨٥٩) أخرجه مالك (٥٧٨).","vol":"4","page":172},{"text":"قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه الثقة عن عروة بن الزبير وسليمان بن يسار وهو أي: ما قاله الثقة قولُ أبي حنيفة، فإذا أدّوا أي: بدل الكتابة عُتِقوا جميعًا، أي: لكلهم مجتمعين وقال مالك: وإن كانوا صغارًا لا يطيقون السعي لم ينتظر بهم أن يكبروا وكانوا رقيقًا لسيد أبيهم إلا أن يكون ترك المكاتب ما يؤدي به عنهم نحوهم إلى أن يتكلفوا السعي أي: إلى أن يقدروا عليه، فإن كان فيما ترك ما يؤدي عنهم أدى ذلك عنهم وتركوا على حالتهم حتى يبلغوا السعي، فإن أدوا ما بقي عتقوا وإن عجزوا رقوا لسيد أبيهم انتهى.\nأخبرنا مالك: وفي نسخة: قال مالك بن أنس: أخبرني مُخْبرٌ بصيغة اسم الفاعل أي: محدث، وفي نسخة: محمد وهو مصحف عن مخبر كما يؤيده ما قاله مالك في (الموطأ) أنه بلغه أن أمَّ سَلَمة زوج النبي - ﷺ - كانت تقاطع بضم الفوقية مكاتبها بكسر الموحدة جمع مكاتب، فإن أم سلمة ﵂ كاتبت عدة منهم: سليمان وعطاء وعبد الله وعبد الملك أي: تأخذ منهم عاجلًا بالذهب والورق بكسر الراء أي: الفضة فشأنها يحط ما عليهم من بدل الكتابة بمقابلة أخذ الذهب والفضة عاجلًا والله أعلم، قال أبو عمر: ذكر مالك جواز القطاعة عن أم سلمة؛ لأن ابن المكاتب ينهى عنها إلا بالعروض ويراه من باب صنع وتعجل كذا قاله الفاضل السيد محمد الزرقاني (١).\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم المكاتب، شرع في بيان حكم المال هي للإِعطاء إلى رجل تجاوز على الخيال، فقال: هذا\n* * *\n\nباب السبق في الخيل\nفي بيان حكم السبق أي: حال كونه في الخيل والسبق بفتحتين مال يجعل هذا على المسابقة يقال له في اللسان (ق ٨٨٩) التركي: \"أو كدك ويا رش أهلي ما بينلرندة وضع اتد كلري ما لدرو\"، والمعنى هذا باب كائن في بيان جواز إعطاء القوم ما لهم لصاحب الخيل بمجاوزته في العدو على سائر الخيال في المسابقة، وجه المناسبة بين هذا الباب والباب السابق أخذ المال قيل الوقت المعين له وبعده.\n_________\n(١) انظر شرح الزرقاني (٤/ ١٤٣).","vol":"4","page":173},{"text":"٨٦٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، قال: سمعتُ سعيد بن المسيَّب يقول: ليس برِهان الخيل بأس، إذا أدخلوا فيها محلِّلًا إن سبق أخذ السبَقَ، وإن سُبق لم يكن عليه شيء.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، إنما يكره من هذا: أن يضع كل واحد منهما سَبَقًا، فإن سبق أحدُهما أخذ السَّبقَيْن جميعًا، فيكون هذا كالمبايعة، فأما إذا كان السَّبق من أحدهما أو كانوا ثلاثة والسَّبق من اثنين منهم، والثالث ليس منه سَبَق إن سَبَق أخَذَ وإن لم يسبق لم يغرم: فهذا لا بأس به أيضًا، وهو المحلِّل الذي قال سعيد بن المسيب.\nأخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني يكنى أبا سعيد القاضي، ثقة ثبت كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين أو بعدها ومائة قال: سمعتُ سعيد بن المسيَّب يقول: ليس برِهان الخيل بأس، أي: لا كراهة بما يتراهن على الخيل إذا أدخلوا فيها أي: في المسابقة بالخيل محلِّلًا بكسر اللام أي: متوسعًا بين المتسابقين وهو من يجعلها حلالًا إن سبق بصيغة الفاعل أي: بخيل أخذ السبَقَ، بفتحتين أي: المال المرهون وإن سُبق بصيغة المجهول لم يكن عليه شيء أي: شرط أن لا يخرج المحلل من عنده شيئًا ليخرج العقد من صورة القمار، وهو أن يخرج كل منهما سبقًا فمن غلب أخذه فهذا ممنوع اتفاقًا وأجمعوا على جواز المسابقة بلا عوض لكن قصرها مالك والشافعي على الحافر والنصل لحديث: \"لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر\" (١) رواه الترمذي، وحسنه ابن حبان وصححه عن أبي هريرة ﵁، وخصه بعض العلماء بالخيل، وأجازه عطاء في كل شيء.\n_________\n(٨٦٠) صحيح: أخرجه مالك (٤٨) وابن أبي شيبة (٧/ ٧١٤) والبيهقي في الكبرى (٢٠٣٣١).\n(١) أخرجه أبو داود (٢٥٧٤) والترمذي (١٧٠٠) والنسائي في \"المجتبى\" (٣٥٨٧) وابن ماجه (٢٨٧٨) وأحمد (٩٧٨٨) والنسائي في \"الكبرى\" (٤٤٢٧) وابن حبان (٤٦٩٠) والشافعي في \"المسند\" (١٥٨٤) والطبراني في \"الأوسط\" (٢١٨٩) والصغير (١٥٠) والبيهقي في \"الكبرى\" (٢٠٣٠٨).","vol":"4","page":174},{"text":"قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل ولا نفتي إلا بما قاله هنا سعيد بن المسيب إنما يكره أي: تحريمًا من هذا: أن يضع كل واحد منهما سَبَقًا: أي: مالا للغالب فإن سبق أحدُهما أي: أحد السابقين على صاحبه أخت السَّبقَيْن بفتحتين أي: المالين المرهونين جميعًا، فيكون هذا أي: وضع كل واحد من المسابقين ما لا ليأخذه الغالب في العدو كالمبايعة، أي: كالقمار في الحرمة فأما إذا كان السَّبق أي: المال من أحدهما أو كانوا أي: الشارعون بالسابقة ثلاثة والسَّبق أي: المال الموضع من اثنين منهم، والثالث أي: والحال أن الرجل الثالث من المسابقين ليس منه سَبَق أي: حال، وفي نسخة: فيه أي: لم يوضع لأجل الثالث مال إن سَبَق أي: إن غالب الثالث في العدو والسعي عليهما أخَذَ أي: بما وضعها وإن لم يسبق بصيغة الفاعل أي: وإن لم يتجاوز الثالث عليها لم يغرم: أي: لا يلزم بأخذ الثالث مالا من صاحبه، وفي نسخة: وإن سبق بصيغة المجهول فهذا أي: جواز المسابقة إذا توسط الثالث بين الاثنين لا بأس به أي: لا حرمة فيه أيضًا، أي: بجواز المسابقة فيما سبق بلا كراهة وهو أي: الثالث المحلِّل الذي قال أي: ذكره سعيد بن المسيب.\nواعلم أنه يجوز المسابقة على الأقدام والخيل والبغال والحمير والإِبل والرمل؛ لأنها من أسباب الجهاد ويحتاج إليها في إقامة هذه الفريضة على العباد، فإن شرط فيه جعل مال من أحد الجانبين وسبقهما بأن يقول أحدهما لصاحبه: إن سبقتني فلك كذا، وإن سبقتك فلا شيء لي، أو من ثالث إن سبقتنا فالمال لك، وإن سبقناك فلا شيء لنا جاز في هذين الوجهين لاشتماله على التحريض على آلة الحرب، وأما إذا شط الجعل من الجانبين فحرم لكونه قمارًا، (ق ٨٩٠) إلا أن يكون بينهما محلل بفرس ليصير الغير بينهما بحيث يتوهم أنه سبق، وإنما قيد به لأن في سر المحلل لو لم يكن مثلهما لم يجز؛ لأنه لا فائدة في إدخاله بينهما ولم يخرج من أن يكون قمارًا، ثم إن سبقهما أخذ منهما الجعل أو سبقاه لم يعطهما شيئًا وفيما بينهما أيهما سبق أخذ من صاحبه، وعلى هذا التفصيل إذا تنازعا في مسألة ورجعا إلى شيخ لأن في ذلك حثًا على العلم كما كان في المسابقة حثًا على الجهاد، والله رؤوف بالعباد. كذا قاله علي القاري.\n* * *","vol":"4","page":175},{"text":"٨٦١ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، أنه سمع سعيد بن المسيَّب يقول: إن القَصْواء ناقة النبي - ﷺ - كانت تَسبق كلما وَقعت في سِباق، فوقعت يومًا في إبل فسُبقت، فكانت على المسلمين كآبة أن سُبقتْ، فقال رسول الله - ﷺ -: \"إن الناس إذا رفعوا شيئًا - أو أرادوا رفع شيءٍ - وضعه الله\".\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا بأس بالسَّبْق، في النَّصْل، والحافر، والخفّ.\nأخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، أنه سمع سعيد بن المسيَّب يقول: إن القَصْواء ناقة النبي - ﷺ - كانت تَسبق أي: أمثالها من النوق كلما وَقعت في سِباق، أي: لم يغلب أبدًا فوقعت يومًا في إبل أي: في مسابقة إبل فسُبقت، بصيغة المجهول فكانت على المسلمين كآبة أي: حزن وملالة أن سُبقتْ، أي: لأجل مغلوبيتها فقال رسول الله - ﷺ -: \"إن الناس أي: جميعهم إذا رفعوا شيئًا - أي: إن أرادوا شك من الراوي رفع شيء وضعه الله\" أي: إظهارًا لقدرته وضعف خليقته ويشير إليه قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨]، ومفهوم الحديث أنهم إذا خفضوا أو أرادوا خفض شيء رفعه الله سبحانه نقضًا عليهم وتنبيهًا لهم أنه هو الرافع والخافض، لا رافع لما خفضه ولا خافض لما رفعه، وأنهم لو اجتمعوا على شيء لم يقدره الله لم يقدروا عليه ولم يصلوا إليه، وإن كان من جملتهم الأنبياء والأولياء.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل أنا وأصحاب أبي حنيفة إلا بما قاله سعيد بن المسيب لا بأس أي: لا كراهة بالسَّبْق، أي: بأخذ المال في مسابقة النَّصْل، أي: الرمي بالسهم والحافر، أي: حافر الخيل والبغال والحمير والخفّ أي: خفاف الإِبل.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم السابقة في الخيل، شرع في بيان ما يتعلق بحكم السير والغزو.\n* * *\n_________\n(٨٦١) مرسل: أخرجه الدارقطني (٤/ ٣٠٢).","vol":"4","page":176},{"text":"باب السِّيَر\n\nالسير، وفي نسخة:<span data-type=\"title\" id=toc-409> أبواب السير </span>وهو بكسر ففتح جمع السيرة بمعنى الطريق، وأصلها حالة السير إلا أنها غلبت في لسان أهل الشرع على المغازي وما يتعلق بها من لوازم الغزاة كآلة الجهاد وغيرها.\n٨٦٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أنه بلغه عن ابن عباس ﵁ أنه قال: ما ظهر الغُلُول في قومٍ قطّ إلا ألقى في قلوبهم الرُّعب، ولا فشا الزنا في قومٍ قط إلا كثر فيهم الموت، ولا نَقَصَ قوم المكيال والميزان إلا قُطع عنهم الرزق، ولا حَكَم قومٌ بغير الحقّ إلا فشا فيهم الدّم، ولا ختر قومٌ العهد إلا سلَّط الله عليهم العدوّ.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني يكنى أبا سعيد القاضي، ثقة ثبت كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة أنه بلغه وقد رواه أبو عمر بن عبد البر متصل عن ابن عباس ﵁ أنه قال: موقوفًا، حكمه الرفع؛ لأنه لا يقال رأيًا، وقد رواه ابن ماجه وغيره بنحوه عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - بدون الجملة الأولى وهي ما ظهر الغُلُول بضم الغين المعجمة واللام أي: الخيانة في المغنم سمي بذلك؛ لأنه أخذه يغله أي: يخفيه في متاعه، وأجمعوا على أنه من الكبائر قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦١] في قومٍ قطّ بفتح القاف وتشديد الطاء المهملة المضمومة ظرف زمان لاستغراق ما مضى، ويختص بالنفي يقال ما فعلته (ق ٨٩١) قط أي: ما فعلته فيما انقطع عمري؛ لأن الماضي منقطع عن الحال، والاستقبال ويبنى على الضم لتضمنه معنى مذ وإلى وعلى الحركة لئلا يلتقي ساكنان، فالمعنى ما ظهر الخيانة في قوم في زمان الماضي أصلًا بمال الغنيمة إلا ألقى بصيغة المجهول أي: خلق الله في قلوبهم الرُّعب، بضم الراء وسكون العين المهملة وسكونها أي: الخوف معافاته النقيض قال: المال يقوي القلب فلما\n_________\n(٨٦٢) مرسل: أخرجه مالك (٢٨).","vol":"4","page":177},{"text":"أخذوه بغير حل خافوا، قال ابن عبد البر: من عدوهم فجبنوا عن لقائهم، فظهر العدو عليهم ثم يحتمل أن ذلك فيمن غل دون من لم يغل ولم يرضو به، وإلا ظهر أنه عام مع القدرة إلى التغيير ولم يفعلوا أو لم تنكره قلوبهم قال تعالى في سورة هود: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ﴾ [هود: ١١٦] وقال تعالى في سورة الأعراف: ﴿الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ الآية [الأعراف: ١٦٥] ولا فشا أي: ظهر وكثر وانتشر الزنا في قومٍ قط أي: لم ينكر على فاعله إلا كثر فيهم الموت، أي: الوباء. خرج عبد الله بن حميد وأبو جعفر محمد بن الجرير الطبري وغيرهم بإسناد قوي، وأخرج الطبراني من طريق محمد بن إسحاق عن سالم أبي نصر: أن موسى صلوات الله على نبينا وعليه لما نزل في أرض بني كنعان أي: قوم طعم بن باعوراء، وهو رجل مجاب الدعوة وعنده الاسم الأعظم من أسمائه تعالى، فقالوا: بنوا إسرائيل عند بلعم هذا موسى جاء في بني إسرائيل ليخرجنا من بلادنا، فذكروا الفتنة نحوه أي: عند بلعم وأبسطوا الكلام منه وقالوا في الكلام كثيرًا، ثم قال بلعم: لم يبق إلا المكر والحيلة، فأمرهم بأن قال لهم: جملوا النساء وأعطوهن السلاح ثم أرسلوهن إلى العسكر، فإنهن إن زنى رجل منهم كفيتموهم ففعلوا ما أمرهم، فلما دخلت النساء العسكر مرت امرأة من الكنعانيين اسمها كستى بنت صور برجل من عظماء بني إسرائيل يقال له: زمري بن شلوم رأس سبط أي: جماعة، فأخذ بيدها حين أعجبه جمالها ثم أقبل حتى وقف على موسى صلوات الله على نبينا وعليه فقال: إني أظنك ستقول هذه المرأة حرام عليك، فقال موسى: أجل هي حرام عليك لا تقربوها وقال الرجل: فوالله لا نطيعك في هذه الباب وأدخلها في قبته فزنى بها فأرسل الله تعالى الطاعون في بني إسرائيل، وكان فنحاص بن العيزار بن هارون صاحب أمر موسى، ورجل قد أعطي بسطة في الخلق وقوة في البطش، وكان فنحاص غائبًا، فجاء وراء الطاعون يحرس ويحيط بني إسرائيل، فأخبر الخبر فأخذ حربته، ثم دخل القبة فانتظمها بحربته وهما متضاجعان، ثم خرج بهما وشرع يقول: اللهم هكذا نفعل بمن يعصيك ورفع الطاعون، فأحصى من هلك من الطاعون فيما بين أن أصاب أمر المرأة إلى أن قتله فنحاص سبعون ألفًا، والمقلل لهم يقول: عشرون ألفًا كما فصلناه في رسالتنا (بركات الأبرار) ولا نَقَصَ قوم المكيال والميزان (ق ٨٩٢) وقال ما أشرفت من الأرض أعلاها تهامة واليمن وأسفلها العراق والشام وأولها جهة الحجاز ذات عرق كذا في (القاموس).","vol":"4","page":178},{"text":"قال مالك: بلغني أن عمر بن عبد العزيز وهو سادس أو خامس الخلفاء الراشدين كتب إلى عامل من عماله أنه بلغنا أن رسول الله - ﷺ - كان إذا بعث سرية يقول لهم: \"أغزوا بسم الله في سبيل الله\" أي: ابدؤوا بذكر اسم الله تعالى حال كونكم مخلصًا نياتكم تقاتلون من كفر بالله ولا تختلفوا في المغنم، ولا تتركوا الوفاء بالعهد، ولا تقطعوا بأذن القتلى ولا أنفهم، ولا تقتلوا صبيانًا، وفيه فوائد مجمع عليها وهي: تحريم الغدر، والغلول، وقتل الصبيان إذا لم يقاتلوا، أو كراهة المثلة وهي قطع الأنف والأذن والشفة، وفيه أيضًا استحباب وصية الإِمام أمراء جيوشه بالتقوى، والرفق وتعريفهم ما يحتاجون في غزوهم وما يجب عليهم وما يحل لهم وما يحرم عليهم وما يكره، وما يستحب كذا قاله الزرقاني (١) عن النووي.\nوالمراد بأهل نجد أهل محارب بها أمره - ﷺ - أن يشن عليهم الغارة فسار الليل وتستر في النهار فهجم على حاضر منهم عظم فأحاط بهم وقاتل منهم رجال، فقتل من أشرافهم فغنموا إبلًا كثيرة، وفي رواية لمسلم (٢): أصبنا إبلًا وغنمًا، وذكر أهل السير أنها مائتا بعير وألفا شاة، فكان سهامهم بضم السين المهملة وسكون الهاء جمع سهم أي: نصيب كل واحد اثنا عشر بعيرًا ونفلوا بضم النون وتشديد الفاء المكسورة أي: أعطى للسرية أميرهم بعيرًا بعيرًا، وأعطى كل واحد منهم زيادة علي السهم المستحق له، واختلف الرواة في القسم والتنفيل هل كانا معًا من أمير ذلك الجيش أو من النبي - ﷺ - وأحدهما من أحدهما؛ فلأبي داود وابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر فخرجت فيها فأصبنا نعمًا كثيرًا وأعطانا أميرنا بعيرًا لكل إنسان، ثم قدمنا على النبي - ﷺ - فقسم بيننا غنمتين فأصاب كل رجل اثنى عشر بعيرًا، الخمس، وأخرجه أبو داود من طريق شعيب عن أبي جمرة عن نافع عن ابن عمر قال: بعثنا - ﷺ - في جيش قبل نجد وانبعثت سرية من الجيش، فكان سهمان الجيش اثنى عشر بعيرًا، ونفل أهل السرية بعيرًا فكانت سهمانهم ثلاثة عشر بعيرًا، وأخرجه ابن عبد البر من هذه الوجه، وقال في روايته: إن ذلك الجيش كان أربعة آلاف أي: الذين خرجت منهم السرية الخمس عشر كما عند ابن سعد وغيره، فظاهر رواية الليث عن مسلم\n_________\n(١) انظر: \"شرح الزرقاني\" (٣/ ١٨).\n(٢) أخرجه البخاري (٣٠٧٥)، ومسلم (١٧٤٩).","vol":"4","page":179},{"text":"أن ذلك صدر من أمير الجيش وأن النبي - ﷺ - أقر ذلك وأجازه؛ لأنه قال فيه: ولم يغيره النبي - ﷺ -، وفي راوية عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن نافع عنده أيضًا: ونفل رسول الله - ﷺ - بعيرًا بعيرًا وهذا يحمل على التقدير فتجتمع الروايتان (ق ٨٩٣) أي: نفسهما أو ما فيهما إلا قُطع عنهم الرزق، أي: البركة فيه أو ضيق عليهم القوة كما في نسخة، عليهم لا أصل الرزق، فلأننا في بين هذا ونحوه كحديث: \"إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه\" وبين أحاديث: \"إن الرزق لا تزيده الطاعة ولا تنقصه المعصية\" كذا قاله الفاضل السيد محمد الزرقاني، يقول الفقير: والمراد بالرزق طيبه وحسنه فإنه مطلقًا، وهو يصرف إلى كماله وهو الطيب والحسن، روى لم يجئ جبريل إلى النبي - ﷺ - إلا أمره أن يقول: \"اللهم ارزقني طيبًا واستعملني صالحًا\" كذا أخرجه الترمذي في (النوادر) الرزق الحسن ما يصل إلى صاحبه بلا كد في طلبه وقيل: هو ما وجد غير مترقب ولا محسب ولا مكتسب كذا عرفه السيد الشريف محمد الجرجاني ولا حَكَم قومٌ أي: أئمة قوم بغير الحق أي: بغير ما أنزل الله ﷿ إلا فشا أي: كثر فيهم الدّم، أي: القتال والفتن التي تقتضي الجراحات بالمحاربة بينهم ولا ختر بفتح الخاء المعجمة والتاء الفوقية المفتوحة ثم راء مهملة مفتوحة أي: لا خدع ولا غدر ولم ينقض قومٌ في زمن الماضي وفي نسخة: قط العهد أي: بعهد الله ورسوله يعني لم يحكموا بكتابه تعالى وبسنة رسوله.\nقال ناصر الدين أبو الخير عبد الله بن عمرو بن محمد بن علي البيضاوي الشيرازي: قيل عهد الله ثلاثة:\nالأول: عهد أخذه الله تعالى على جميع ذرية آدم بأن يقروا بربوبيته حين أخرجهم من آدم على صورة الذرة بعضها أبيض وبعضها أسود، وانتشروا على يمين آدم ويساره فجعلهم عقلاء فخاطبهم حين أشهدهم على أنفسهم بقوله: ﴿أَلَسْتُ بِربِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] وأمرهم بالإِيمان ونهاهم عن الكفر، فأقروا له تعالى بالربوبية ولأنفسهم بالعبودية حيث قالوا: ﴿بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] فكان ذلك منهم إيمانًا حقيقيًا أو حكميًا فهم يولدون على تلك الفطرة.\nوالثاني: عهد أخذه الله على النبيين بأن يقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه.\nوالثالث: عهد أخذه الله على العلماء بأن بينوا الحق ولا يكتمونه ولا يحكمون بغيره، والمراد هنا الأول كذا فصلناه في حاشية تفسير قوله تعالى: ﴿إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ","vol":"4","page":180},{"text":"يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين: ٢] إلا سلَّط بصيغة المجهول الله عليهم العدوّ جزاء بما اجترحوه من نقص العهد المأمور بالوفاء به.\n* * *\n\n٨٦٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله - ﷺ - بعث سَرِيَّةً قِبَلَ نَجْد، فغنموا إبلًا كثيرة، فكانت سُهْمَانُهم اثنى عشر بعيرًا، ونُفِّلوا بعيرًا بعيرًا.\nقال محمد: كان النَّفَل لرسول الله - ﷺ -؛ يُنَفِّل من الخُمُس أهلَ الحاجة، وقد قال الله ﷿: ﴿الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] فأما اليومَ فلا نفل بعد إحراز الغنيمة إلا من الخُمُس لمحتاج.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا نافع، عن ابن عمر: ﵄ أن رسول الله - ﷺ - بعث سَرِيَّةً أي: في شعبان سنة ثمان قبل فتح مكة، وكان أبو قتادة أميرها، السرية بفتح السين وكسر الراء المهملة وتشديد التحتية المفتوحة والفوقية أي: قطعة من الجيش، قيل: هي الخيل تبلغ أربعمائة ونحوها، وسميت بها لأنها تسير بالليل ويخفى ذهابها كذا قاله السيوطي (١): ولأنها خلاصة العسكر وخيارهم من الشيء النفيس قِبَلَ بكسر القاف وفتح الموحدة أي: جهة نَجْد، بفتح النون وسكون الجيم والدال المهملة جمع أنجاد بفتح الهمز وسكون النون وبعد الجيم ألف (ق ٨٩٣) ودال.\nقال النووي: معناه أن أمير السرية نفلهم فأجازه النبي - ﷺ - فجازت نسبته لكل منهما، كذا قاله الفاضل السيد محمد الزرقاني (٢).\nقال محمد: كان النَّفَل بفتحتين وهو الغنيمة لرسول الله - ﷺ -؛ أي: خاصة يُنَفِّل من الخُمُس أهلَ الحاجة، وقد قال الله ﷿: ﴿الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] قال\n_________\n(٨٦٣) صحيح: أخرجه البخاري (٣١٣٤) ومسلم (١٧٤٩) وأبو داود (٢٧٤٤) وأحمد (٥٢٦٦) والدارمي (١٢٤٨١) ومالك (٩٨٧).\n(١) انظر: \"تنوير الحوالك\" (١/ ٢٩٨).\n(٢) انظر: \"شرح الزرقاني\" (٣/ ٢١).","vol":"4","page":181},{"text":"أهل التفسير: سبب نزول هذه الآية هو أن النبي - ﷺ - قال يوم بدر: \"من أتى مكان كذا فله من النفل كذا، ومن قتل قتيلًا فله كذا، ومن أسر أسيرًا فله كذا\"، فلما التقوا سارع إليه الشبان وأقام الشيوخ ووجوه الناس عند الريان، فلما فتح الله على المسلمين جاؤوا يطلبون ما جعل لهم النبي - ﷺ - فقال الأشياخ كن ردًا لكم ولو انهزمتم لانحرفتم إلينا، فلا تذهبوا بالغنائم دوننا، وقام أبو اليسر بن عمرو الأنصاري أخوتي مسلمة، فقال: يا رسول الله إنك وعدت أن من قتل قتيلًا فله كذا، ومن أسر أسيرًا فله كذا، فإنا قد قتلنا سبعين وأسرنا سبعين، فقام سعد بن معاذ فقال: والله ما منعنا أن نطلب ما طلب هؤلاء إزهادة في الآخرة ولا جبن عن العدو ولكن كرهنا أن يعرى مصارفك فتعطف عليه وعليهم خيل من المشركين فيصيبوك، فأعرض عنهما رسول الله - ﷺ - وقال سعد: يا رسول الله إن الناس كثير والغنيمة دون ذلك فإن تعطي هؤلاء الذين ذكرت لا يبقى لأصحابك كثير شيء، فنزلت ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] فقسمه رسول الله - ﷺ - فأما اليومَ فلا نفل بعد إحراز الغنيمة إلا من الخُمُس لمحتاج.\nوفي تفسير البغوي قال مجاهد وعكرمة والسدي: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآية [الأنفال: ٤١] كانت الغنائم يومئذ للنبي - ﷺ - فنسخها الله بالخمس.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هي ثابتة غير منسوخة أي: الحكم فيها لله والرسول، وقد بين الله مصارفيها في قوله: ﴿أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١] كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بالسير والغزاة، شرع في بيان ما يتعلق بحال الرجل يعطي له في طريق الفرد شيء.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-410>باب الرجل يعطي الشيء في سبيل الله</span>\nفي بيان ما يتعلق بحال الرجل يعطي بصيغة المجهول الشيء في سبيل الله أي: في طريق الغزو، ووجه المناسبة بين هذا الباب والباب السابق هو اللازم والملزوم فتأمل.","vol":"4","page":182},{"text":"٨٦٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيَّب، أنه سئل عن الرجل يُعطي الشيء في سبيل الله، قال: إذا بلغ رأس مغزاته فَهو له.\nقال محمد: هذا قول سعيد بن المسيب، وقال ابن عمر: إذا بلغ وادي القُرى فهو له، وقال أبو حنيفة وغيره من فقهائنا: إذا دفعه إليه صاحبه فهو له.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني يكنى أبا سعيد القاضي، ثقة ثبت كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين أو بعدها ومائة عن سعيد بن (ق ٨٩٤) المسيَّب لات حزن بن وهب بن عمرو بن عامر بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي أحد العلماء الأثبات كان في الطبقة الأولى، من طبقات التابعين من أهل المدينة ومن كبار علمائها، اتفقوا على أن مرسلاته أصلح المراسيل، وقال المدني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه، مات بعد التسعين بيسير وهو ابن أربع وثمانين سنة كذا قاله الحافظ العسقلاني أنه سئل عن الرجل يُعطي بصيغة المجهول الشيء في سبيل الله، أي: في طريق الغزو قال: إذا بلغ أي: الرجل رأس مغزاته بفتح الميم والعين المعجمة فزاء ثم ألف وفوقية موضع الغزو فَهو أي: المال المعطى له أي: ثبت له ملكًا وفيه حل ذلك المغازي وإن كان غنيًا فليس كالصدقة.\nقال محمد: هذا أي: كون الرجل مالكًا بما أعطى له إذا بلغ موضع الغزو قول سعيد بن المسيب، وقال ابن عمر: إذا بلغ وادي القُرى بضم القاف وفتح الراء المهملة المقصورة موضع بقرب المدينة؛ لأنه رأس الغزاة فمنه يدخل إلى أول الشام فهو ما أعطى له، يعني إنه ملك له، وإنما قال: إذا بلغ ورأى القرى خيفة أن يرجع المعطي فلف المعطية ولم يبلغ صاحبه مراده فيها، فإذا بلغ الوادي كان أغلب أحواله أن لا يرجع حتى يغزو وقال أبو حنيفة وغيره من فقهائنا: أي: نحن معشر أهل الكوفة إذا دفعه إليه صاحبه أي: وقبضه الآخر فهو له.\nلما فرغ من بيان حكم حال الرجل يعطي الشيء في طريق الغزو، شرع في بيان إثم الخوارج وفضل أهل السنة والجماعة، فقال: هذا\n* * *\n_________\n(٨٦٤) صحيح.","vol":"4","page":183},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-411>باب إثم الخوارج وما في لزوم الجماعة من الفضل</span>\nفي بيان إثم الخوارج، جمع الخارج وهم فرقة من سبعين فرقة من الفرق الإِسلامية يخرجون في زمان الصحابة والتابعين وأتباع التابعين إلى يوم القيامة على الإِمام الحق، اتفق المسلمون على إمامته لقصدهم عزله عن إمامته وسبب إثمهم إكفارهم المسلمين المرتكبين الكبيرة، فإنهم نسبوا عليًا ﵁ إلى الكفر، وخرجوا عليه بنهروان، وهم اثنى عشر ألف رجل فدعاهم إلى الطاعة له فأبوا وقتلهم جميعًا إلا عشر رجال ثم توالدوا وتكاثروا كما في (الملل والنحل) للشهرستاني، وإضافة الإِثم إلى الخوارج من قبيل إضافة الحال إلى محلها، وما في لزوم الجماعة من الفضل أي: وبيان فضل من استقر في مذهب أهل السنة والجماعة.\nوذلك أنه قال الشيخ أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى لأستاذه أبي علي الجبائي: ما تقول في ثلاثة إخوة الأول مطيع والثاني عاص والثالث صبي فقال: الأول يثاب بالجنة والثاني يعاقب والثالث لا يثاب ولا يعاقب.\nوقال الأشعري: فإن قال الثالث: يا رب لم أمتني صبيًا وما أبقيتني إلى أن أكبر فأومن بك وأطيعك فأدخل الجنة، فقال علي الجبائي: يقول الرب: إن كنت أعلم منك إنك لو (ق ٨٩٥) كبرت لعصيت فدخلت النار فكان الأصلح لك أن تموت صبيًا.\nقال الأشعري: فإن قال الثاني لله: لم تمتني صبيًا لئلا أعطي فلا أدخل النار ماذا يقول الرب، فبهت الجبائي، وترك الأشعري مذهبه واشتغل وهو ومن تابعه بإبطال رأي المعتزلة وإثبات ما وردت به السنة ومضى عليه الجماعة، فسموا أهل السنة والجماعة كذا قال سعد الدين التفتازاني في (شرح العقائد).\n٨٦٥ - أخبرنا مالك، أخبرني يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن: أنه سمع أبا سعيد الخُدْري يقول: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"يخرج فيكم قومٌ تَحْقرون صلاتكم مع صلاتهم، وأعمالَكم مع أعمالهم، يقرؤُون القرآن لا يجاوز حَنَاجِرَهم، يَمْرُقون من الدِّين مُرُوقَ السهم\n_________\n(٨٦٥) صحيح، أخرجه البخاري (٥٠٥٨) ومسلم (١٠٦٤) وأحمد (١١١٨٥) ومالك (٤٧٧).","vol":"4","page":184},{"text":"من الرَّميَّة، تنظر في النصل، فلا ترى شيئًا، تنظر في القِدْح، فلا ترى شيئًا، تنظر في الرّيش، فلا ترى شيئًا، فتَتمارى في الفُوق\".\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا خير في الخروج، ولا ينبغي إلا لزوم الجماعة.\n• أخبرنا مالك، أخبرني يحيى بن سعيد، وقد سبق طبقته آنفًا عن محمد بن إبراهيم، بن الحارث بن خالد الغيمي، يكنى أبا عبد الله المدني، ثقة له أفراد، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة عشرين ومائة على الصحيح عن أبي سَلَمَة بن عبد الرحمن: بن عوف الزهري المدني، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقة مكثر، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين، وكان مولده سنة بضع وعشرين أنه سمع أبا سعيد الخُدْري اسمه سعيد بن مالك بن سنان الصحابي ابن الصحابي يقول: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: يخرج فيكم أي: فيما بينكم أيها الأمة قومٌ أي: هم الذين خرجوا على علي بن أبي طالب ﵁ يوم النهروان فقتلهم فهم أصل الخوارج، وأول خارجة خرجت إلا أن منهم طائفة كانت ممن قصر المؤمنين يوم الدار في قتل عثمان ﵁، وسموا خوارج من قوله يخرج كذا قاله في (التمهيد) تَحْقِرون بكسر القاف أي: تستقلون أيها المؤمنون صلاتكم مع صلاتهم، وفي نسخة: يحقرون بصيغة الجمع الغائب أي الخوارج وأعمالَكم مع أعمالهم، أي: لكمال مبالغتهم في تحسين الأعمال الظاهرة، وهو من قبيل عطف العام على الخاص كقوله تعالى في سورة نوح: ﴿وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح: ٢٨] يقرءُون القرآن أي: آناء الليل والنهار.\nوفي رواية للبخاري: \"يتلون كتاب الله رطبًا\" أي: لمواظبتهم على تلاوته، فلا يزال لسانهم رطبًا بها أو هن من تحسين الصوت بها لا يجاوز أي: ثواب قراءتهم أو جميع طاعتهم حَنَاجِرَهم، جمع حنجرة، وهي الحلقوم، والمعنى أنه ﷾ لا يقبلها ولا يرفعها كأنها لم تجاوز حلقومهم، أو أنهم لا يعلمون بالقرآن فلا يثابون على قرائته، فلا يحصل لهم غير مجرد القراءة، وهذا المعنى ظاهر في علماء زماننا فإنهم يدعون بأن يقولون: نحن من أهل السنة والجماعة، ويقولون ما لا يفعلون ويقرؤون القرآن ولا يجاوز","vol":"4","page":185},{"text":"قلوبهم القاسية؛ فإن منهم (ق ٨٩٦) يقرؤون قوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣] ثم يميلونهم ويحبونهم ويترددون أبوابهم ويجالسون معهم ويصدقونهم فيما يكذبون ويأكلون طعامهم كما تأكل الأنعام، ومنهم منٍ يقرؤون قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] ثم يأكلون أموالهم، ومنهم من يقرؤون قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] وفي آية أخرى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] ثم يحملون بغير ما أنزل الله ومنهم يقرؤون قوله تعالى: ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة: ٤٠] وقوله تعالى: ﴿هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١، ٢٢] ويرون الفتوى في (خلاصة الفتاوى) من ألقى الفتوى إلى الأرض كفر ثم يجالسون مجالس الدرس لتعليمهم المتعلمين ويلقون كتبهم في الأرض تساهلًا وعدم مبالاتهم بها، وهي لا تخلوا من آية قرآنية كيف يكون حالهم يوم يقوم الناس لرب العالمين؟\nفيجب على المؤمنين كلهم أن يعظموا القرآن بأنواع التعظيم، منها أن يرفعوا عند قراءتهم وتعليمهم وتعلمهم حذاء صدورهم لروائها وقال الله تعالى: ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٤] ويخاف عليهم أن ينزع القرآن والذين عن قلوبهم إن لم يعملوا بما قرؤوا كما قال - ﷺ -: \"يَمْرُقون بضم الراء أي: يخرجون سريعًا من الدِّين أي: عن طاعة الإِمام، وقيل: المراد بالدين الإِسلام فهو حجة لمن كفر الخوارج كما روى البخاري: \"يمرقون من الإسلام\"، وقيل: المراد بالدين الطاعة فلا حجة فيه بكفرهم.\nقال الحافظ: والذي يظهر أن المراد بالدين الإِسلام كما مر وخرج الكلام مخرجًا الزجر وأنهم بفعلهم ذلك يخرجون من الإِسلام الكامل مُرُوقَ السهم بالنصب أي: كخروجه من الرَّميَّة، بفتح الراء المهملة وكسر الميم وفتح التحتية المشددة أي: صيد البرية ينظر أي: الرامي وفي نسخة: تنظر بصيغة المفرد المخاطب أي: أيها الرامي في النصل، بفتح النون وسكون الصاد المهملة فلام أي: الحديدة التي في آخر السهم فلا يرى شيئًا، أي: من أثر الدم، وفي نسخة: فلا ترى بالفوقية خطاب للرامي يخظر في القِدْح، بكسر القاف وسكون الدال المهملة وحاء فمهملة أصل السهم وقده فلا يرى شيئًا، أي: وقيه،","vol":"4","page":186},{"text":"وفي نسخة: تنظر في القدح فلا ترى بالفوقية فيها ينظر في الرّيش، أي: ريش السهم المركب عليه فلا يرى شيئًا، أي: من أثر الدم، وفي نسخة: فلا ترى بالفوقية وتَتمارى بفتح الفوقية أي: تشاكل أي: أيها الرامي، وفي نسخة: فتتمارى بالفاء بدل الواو في الفُوق بضم الفاء موضع الوتر من السهم، أي: تشكل هل علق بريش من الدم.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل هنا إلا بما رواه أبو سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله - ﷺ - لا خير في الخروج، أي: على الإِمام ولا في أصحابه من الخوارج ولا ينبغي أي: ولا يحل إلا لزوم الجماعة أي: وقبول الحاكم (ق ٨٩٧) المولي بالسمع والطاعة درءًا لفتح باب الفتنة وما يترتب عليه من أسباب المحنة.\n* * *\n\n٨٦٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"مَنْ حَمَلَ علينا السلاح فليس منا\".\nقال محمد: من حمل السلاح على المسلمين فاعْتَرَضَهم به لقتْلهم، فمن قتله فلا شيء عليه، لأنه أحلَّ دمه باعتراضه الناسَ بسيفه.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"مَنْ حَمَلَ علينا السلاح بكسر السين أي: آلات الحرب فليس منا\" أي: من أهل شريعتنا والحديث رواه أحمد والشيخان وابن ماجه عن ابن عمر أيضًا.\nقال محمد: من حمل السلاح على المسلمين فاعْتَرَضَهم به أي: بحمله لقتْلهم، أي: لقتالهم فمن قتله أي: ثم قتله الآخر لدفعه فلا شيء عليه، أي: لا دية ولا قصاص على قاتله لأنه أحلَّ دمه باعتراضه الناسَ بسيفه وأصله قوله تعالى في سورة الحجرات: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ\n_________\n(٨٦٦) صحيح: أخرجه البخاري (٧٠٧٠) ومسلم (٩٨) والنسائي (١٤١٠) وابن ماجه (٢٥٧٦) وأحمد (٦٣٤٥).","vol":"4","page":187},{"text":"الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ٩، ١٠].\n* * *\n\n٨٦٧ - أخبرنا مالك، أخبرني يحيى بن سعيد، أنه سمع سعيد بن المسيَّب يقول: ألا أخبركم وأحدّثكم بخيرٍ من كثير من الصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى، قال: إصلاحُ ذات البَيْن، وإياكم والبِغْضَة فإنها هي الحالقة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك، وفي أخرى: قال: ثنا مالك أخبرني يحيى بن سعيد، أنه سمع سعيد بن المسيَّب يقول ألا: بفتح الهمزة واللام المخففة حرف تنبيه أخبركم وأحدّثكم شك من الراوي أي: ألا أعلمكم كما في نسخة بخيرٍ من كثير من الصلاة والصدقة؟ أي: النافلين قالوا: بلى، زاد يحيى: يا رسول الله قال: إصلاحُ ذات البَيْن، وليحيى: صلاح ذات البين، وفي نسخة: من صلح ذات البين.\nقال سعيد بن زيد الباجي المالكي: صلاح الحال التي بين الناس وإنها خير من النوافل كذا ذكره السيوطي، في (المغرب) قوله: إصلاح ذات البين أي: الأحوال التي بينهم وإصلاحها بالتعهد والتفقد، ولما كانت ملابسة البين وصفت به فقيل لها: ذات البين كما قيل للإِسرار: ذات الصدور لذلك وإياكم أي: حذروا أنفسكم والبِغضَة بكسر الموحدة، والبغضة سواء ذات البين بقرينة المقابلة فإنها هي الحالقة أي: للدين كما في رواية، والمعنى إنها الهالكة المهلكة كحلق الشعر والمراد أنها لا تبقى شيئًا من الحسنات حتى يذهب بها، كما يذهب الحلق بالشعر من الرأس ويتركه عاريًا لا شيء عليه ولا ساتر لديه.\nهذا حديث مقطوع؛ لأنه قول التابعي ولكنه مرفوع في رواية أخرى كما روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁: وسواء ذات البين فإنها الحالقة. كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بحال الخوارج، شرع في بيان ما يتعلق بقتل النساء من الكفار الحربيين، فقال: هذا\n* * *\n_________\n(٨٦٧) صحيح.","vol":"4","page":188},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-412>باب قتل النساء</span>\nفي بيان ما يتعلق بقتل النساء أي: المحاربات، وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق الخروج على المسلمين بقصد الفتنة والقتل.\n٨٦٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - رأى في بعض مغازيه امرأة مقتولة، فأنكر ذلك، ونهى عن قتل النساء والصبيان.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا ينبغي أن يُقتل في شيءٍ من المغازي امرأة، ولا شيخٍ فانٍ، إلا أن تُقَاتِل المرأة فَتُقْتَل.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، ﵄ أن رسول الله - ﷺ - رأى في بعض مغازيه بفتح الميم أي: أماكن غزوه فتح مكة كما في (أوسط) الطبراني امرأة أي: لم تسم مقتولة، فأنكر ذلك، أي: ما وقع هنالك فقال: \"ما كانت هذه تقاتل\" ونهى عن قتل النساء أي: لضعفهن عن القتال (ق ٨٩٨) والصبيان أي: لقصورهم عن فعل الكفر لما في إبقائهم جميعًا من الانتفاع بالمسلمين، إما بالرق وبالفداء فيمن أن يجوز أن يفادى به، وقد اتفق الجميع - كما نقل عن ابن بَطَّال وغيره - على منع القصد إلى قتل النساء والصبيان، وحكى الحازمي قولًا بجواز قتلهما على ظاهر حديث الصعب بن جثامة بأحاديث النهي.\nروى الأئمة الستة (١) عن الصعب بن جثامة قال: سئل رسول الله - ﷺ - عن أهل الدار يبيتون من المشركين فيصاب من نسائهم ونواديهم، قال: \"هم منهم\"، وفي ابن حبان عن الصعب بن جثامة أنه السائل، والأولى الجمع بين الحديثين بأن معنى قوله: \"هم منهم\" أي: في الحكم في تلك الحالة المسؤول عنها، وهي ما إذا لم يكن الوصول إلى قتل الرجال إلا ذلك وقد خيف على المسلمين، فإذا أصيبوا لاختلاطهم بهم لم يمتنع ذلك وليس المراد إباحة قتلهم بطريق القصد إليهم مع القدرة على تركه جمعًا بينهما بدون دعوى نسخ. كذا قاله الفاضل السيد محمد الزرقاني (٢).\n_________\n(٨٦٨) صحيح: أخرجه البخاري (٣٠١٤) ومسلم (١٧٤٤) وأبو داود (٢٦٦٨) والترمذي (١٥٦٩) وابن ماجه (٢٨٤١) وأحمد (٢٣١٤) (٤٧٢٥) والدارمي (٢٤٦٢) ومالك (٩٨١).\n(١) أخرجه: البخاري (٣٠١٣) ومسلم (١٧٤٥) وأبو داود (٣٦٧٢) والترمذي (١٥٧٠) وابن ماجه (٢٨٣٩).\n(٢) انظر: \"شرح الزرقاني\" (٣/ ١٦).","vol":"4","page":189},{"text":"قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل هذا إلا بما رواه ابن عمر عن رسول الله - ﷺ - لا ينبغي أي: لا يحل أن يُقتل في شيءٍ من المغازي وهو أعم من أن يكون في غزو الكفار أو الخوارج الفجار صبي ولا امرأة، ولا شيخٍ فانٍ، إلا أن تُقَاتِل المرأة فَتُقْتَل كذا في النسخ الكثير، وكذا إذا كانت المرأة ملكة والصبي ملكًا في إبقائهما خوف الفتنة فيقتلان وإلا فلا، بل يسترقان وفيهما منفعة للمسلمين والله أعلم.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم نساء الكفار الحربيين وصبيانهم وشيوخهم الفاني، شرع في بيان حكم المرتد، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-413>باب المرتد</span>\nفي بيان ما يتعلق بحكم الرشد، وهو في اللغة هو: الراجع مطلقًا، وفي الشرع: هو الراجع عن دين الإِسلام، ولكن الردة إجراء كلمة الكفر على اللسان بعد الإِيمان، وشرائط صحة الردة: العقل والطوع، فلا تصح ردة المجنون ولا الصبي الذي لا يعقل، ولا تصح عن المكره عليها، من ارتد - العياذ بالله تعالى - عرض عليه الإِسلام وتكشف شبهته ويحبس ثلاثة أيام، إن استهل فإن أسلم فهو المقصود وإلا قتل، كذا قاله الفاضل محمد بن عبد الله التمرتاشي في (منح الغفار)، وجه المناسبة بين هذا الباب والباب السابق القتل بسبب إهانة الإِسلام.\n٨٦٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن عبد القاريُّ، عن أبيه، قال: قدم رجل على عمر بن الخطاب من قِبَل أبي موسى، فسأله عن الناس، فأخبره، ثم قال: هل عندكم من مُغْربَة خبر؟ قال: نعم، رجل كفر بعد إسلامه، فقال: ماذا فعلتم به؟ قالوا: قَرّبنَاهُ فضربنا عُنُقَه، قال: عمر: فهلا طَبَّقْتم عليه بيتًا - ثلاثًا - وأطعمتموه كل يوم رغيفًا، واستتبتموه، لعله\n_________\n(٨٦٩) صحيح: أخرجه مالك (٤٨٦) والشافعي في \"المسند\" (١٤٨٢) والبيهقي في \"الكبرى\" (١٧٣٦١).","vol":"4","page":190},{"text":"يتوب ويرجع إلى أمر الله، اللهم إني لم آمر ولم أحضر ولم أرْض إذ بلغني.\nقال محمد: إن شاء الإِمام أخَّر المرتد ثلاثًا، إن طمع في توبته أو سأله ذلك المرتد، وإن لم يطمع في ذلك لم يسأله المرتد فقتله فلا بأس بذلك كله.\nأخبرنا مالك، أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن عبد بالتنوين القاريُّ، بتشديد التحتية نسبة إلى قارة بطن من خزيمة بن مدركة المدني، عامله عمر بن الخطاب على بيت المال يقال: إنه رأى النبي - ﷺ -، وذكره العجلي في ثقات التابعين، واختلف قول الواقدي فيه، قال تارة: له صحبة، وقال تارة: تابعي، مات سنة ثمان وثمانين كذا قاله الزرقاني عن أبيه، قال: قدم رجل على عمر بن الخطاب ﵁ من قِبَل بكسر القاف وفتح الموحدة (ق ٨٩٩) أي: من جانب أبي موسى، أي: الأشعري من اليمن فسأله أي: عمر عن الناس، أي: عن أحوالهم فأخبره، ثم قال: أي: عمر هل عندكم من مُغْربَة خبر؟ بضم الميم وكسر الراء المهملة مضاف إلى قضية عربية من الخبر قال: نعم، وليحيى قال له عمر: هل كان فيكم من مغربة خبر؟ فقال: نعم رجل كفر بعد إسلامه، فقال: ماذا أي: أي شيء فعلتم به؟ قالوا: قَرّبْنَاهُ بتشديد الراء أي: أحضرناه فضربنا عُنُقَه، قال: عمر: فهلا طَبَّقتم بتشديد الموحدة أي: لم أغلقتم عليه بيتًا - ثلاثًا - أي: ثلاث ليال، وفي (الموطأ) لمالك برواية يحيى قال عمر: فلا حبستموه ثلاثًا وأطعمتموه كل يوم رغيفًا، أي: قطعة خبز واستتبتموه، أي: فطلبتم منه توبة لعله يتوب أي: حال كونه، راجيًا أن يتوب عن كفره ويجدد الشهادة ويتبرأ عن كل دين سوى دين الإسلام ويرجع أي على وجه المبالغة إلى أمر الله، أي: دينه وهو الإِسلام قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] وفي (الموطأ) لمالك برواية يحيى: قال عمر: اللهم أي: يا الله إني لم آمر ولم أحضر ولم أرْض إذ بلغني أي: فلا تؤاخذني بما فعله بعض أمرائي من غير رضائي.\nقال محمد: إن شاء الإِمام أخَّر المرتد ثلاثًا، إن طمع في توبته أي: ويعرض عليه الإِسلام على سبيل الندب دون الوجوب؛ لأن الدعوة قد بلغته وهو لمالك والشافعي وأحمد أو سأله ذلك المرتد، أي: أو استمهله، فإن تاب فهو المقصود وإلا قتل.\nوقال محمد في (النوادر): عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه يستحب أن يؤجل ثلاثة أيام طلب ذلك أو لم يطلب وإن لم يطمع أي: الإِمام في ذلك أي: في دعوة الإِسلام ولم","vol":"4","page":191},{"text":"يسأله المرتد أي: لم يستمهله فقتله فلا بأس بذلك كله وفي أصح قولي الشافعي: إن تاب في الحال وإلا قتل، وهو اختيار ابن المنذر.\nوقال سفيان الثوري: يستتاب ما رجى عوده.\nوقال الزهري: يدعى ثلاثًا فإن أبى قتل، وفي (المبسوط): وإن ارتد ثانيًا وثالثًا وكذلك يستتاب.\nقال أكثر أهل العلم: لقوله تعالى في سورة التوبة: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥].\nوقال مالك: وأحمد والليث: وهو رواية عن أبي يوسف: لا يستتاب من يكرر منه ذلك الزنديق لقوله تعالى في سورة النساء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٣٧].\nولنا في الزنديق روايتان: رواية لا يقبل توبة كقولك، وفي رواية: تقبل كقول الشافعي، والخلاف في حق أحكام الفتيا، وأما فيما بينه وبينه تعالى فيقبل بلا خلاف في سورة النساء في حق المنافقين: ﴿الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا﴾ إلى قوله: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤٦] والآية التي استدلوا بها إنما هي في حق من ازداد كفرًا لا في حق من أمن وأظهر التوبة.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم المرتد، شرع في بيان ما يتعلق بحكم لبس الحرير للذكر، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-414>باب ما يُكره من لبس الحرير والديباج</span>\nفي بيان حكم ما يكره أي: تحريمًا من لبس الحرير والديباج وهو ثوب غليظ من الحرير ويقال له في اللسان الفارسي: (ديبا)، ووجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق معنى يجعل صاحبه ذليلًا، وإنما قال: يكره ولم يقل: يحرم؛ لأنه لم يثبت حرمته بدليل قطعي كما قاله علي القاري.","vol":"4","page":192},{"text":"٨٧٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أن عمر بن الخطاب قال لرسول الله - ﷺ -، ورأى حُلَّةً سِيَراءَ تباع عند باب المسجد، فقال: يا رسول الله لو اشتريت هذه الحُلَّة فلبستها يوم الجمعة وللوفود إذا قدموا عليك؟ قال: \"إنما يلبس هذه من لا خَلاق له في الآخرة\"، ثم جاء رسول الله - ﷺ - منها حُلل فأعطى عمر منها حُلَّة، فقال: يا رسول الله كَسَوْتنيها، وقد قُلْتَ في حُلَّةٍ عُطَارِدٍ ما قلْتَ؟ قال: \"إني لم أَكْسُكَها لتلبسها\"، فكساها أخًا له من أمه مُشركًا بمكة.\nقال محمد: لا ينبغي للرجل المسلم أن يلبس الحرير والديباج والذهب، كل ذلك مكروه للذكور من الصغار والكبار، ولا بأس به للإِناث، ولا بأس أيضًا بالهديَّة للمشرك المحارب؛ ما لم يُهْدَ إليه سلاحٌ أو كُرَاع، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: أخبرنا مالك أخبرنا نافع، عن ابن عمر، ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ قال لرسول الله - ﷺ -: ورأى أي والحال أن عمر قد رأى حُلَّةً سِيَراءَ بالإِضافة وتركها على الصفة أو على التمييز، والحلة ثوبان مخيطان من الوجه والحَشو إذا ورد؛ كذا قاله السيوطي، والسيراء بكسر السين المهملة وفتح التحتية وبالراء، والمد.\nقال مالك: أي: حرير، وقال الأصمعي: ثياب فيه خطوط من حرير أو قز، وإنما قيل فيها سيراء لسير الخطوط فيها وقيل: حرير خالص.\nقال عياض وابن قرقول: ضبطناه على المتقنين حلة سيراء بالإِضافة، كما يقال: ثوب خز وعن بعضهم بالتنوين على الصفة أو البدل، وقيل: وعليه أكثر المحدثين، قال الخطابي: يقال: حلة سيراء كما يقال: ناقة عشرة أشهر إلى ولادتها فسميت عشراء، وكذلك الحلة سميت سيراء؛ لأنها مأخوذة من السيور هذا وجه التشبيه تباع عند باب\n_________\n(٨٧٠) صحيح: أخرجه البخاري (٨٨٦) ومسلم (٢٠٦٨) وأبو داود (٤٠٤٠) والنسائي (٥٢٩٥) وابن ماجه (٣٥٩١) وأحمد (٥٧٦٣) ومالك (١٧٠٥).","vol":"4","page":193},{"text":"المسجد، النبوي، ولمسلم عن جرير بن حازم عن نافع عن ابن عمر: رأى عمر عطارد التميمي تعمم حلة بالسوق، وكان رجلًا يغشى الملوك ويصيب منهم فقال: يا رسول الله لو اشتريت هذه الحُلَّة فلبستها يوم الجمعة أي: فإنه محضر الجمع العظيم وللوفود وفي (الموطأ) لمالك: وللوفد وهو بفتح الواو وسكون الفاء والدال، قوم جاؤوا على السلطان بطريق الرسالة من جانب ملك آخر إذا قدموا عليك؟ لكان حسنًا ويجوز أن يكون كلمة \"لو\" للتمني.\nوفي رواية للبخاري: فلبستها للعيد وللوفد، وللنسائي: وتجملت بها للوفود والعرب إذا أتوك وإذا خطبت للناس يوم العيد وغيره قال: أي: - ﷺ - \"إنما يلبس هذه أي: الحلة، وفي رواية جرير: إنما يلبس الحرير من لا خَلاق أي: لا نصيب له أي: من الخير في الآخرة\"، وفي رواية لأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن ابن عمر مرفوعًا: \"إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة\" (١) وهو خرج على سبيل التغليظ، وإلا فالمؤمن العاصي لا بد من دخول الجنة فله فيها ما يشتهيه كما أن عمومه مخصوص بالرجال لقيام الأدلة على إباحة الحرير للنساء ثم جاء أي: رسول الله - ﷺ - منها أي: من جنس تلك الحلة السيراء حُلل فاعل جاء فأعطى أي: النبي - ﷺ - عمر بن الخطاب ﵁ منها حُلَّة، أي: بعث بها إليه كما في رواية البخاري، ولمسلم من رواية جرير: وبعث إلى أسامة بن زيد بحلة وأعطى علي بن أبي طالب حلة فقال أي: عمر كما في (الموطأ) لمالك يا رسول الله كَسَوْتنيها، بحذف همزة الاستفهام أي: أكسوتنيها، كما وجدت في (الموطأ) لمالك (ق ٩٠١) يعني: أجوزتني أن أكسوها.\nوفي رواية جرير: فجاء عمر بحلته يحملها فقال: بعثت إلي بهذه وقد أي: والحال أنك قُلْتَ في حُلَّة عُطَارِدٍ بضم العين المهملة والطاء المهملة فألف وراء مهملة مكسورة فدال مهملة، وهو ابن حاجب بن زارة بن عدي التيمي الدارمي وفد في بني تميم وأسلم وحسن إسلامه وله صحبة ما قلْتَ؟ إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة قال أي: رسول الله - ﷺ -: \"إني لم أَكْسُكَها أي: لم أجوز لك لتلبسها\"، بل أعطيتها لك لتنتفع بقيمتها أو لتعطي بمن لم يحرم عليه لبسها فكساها عمر أخًا له أي: كائنًا له من أمه مُشركًا\n_________\n(١) أخرجه: أبو داود (٤٠٤٠) والنسائي (٥٣٢٢) وابن ماجه (٣٥٩١) وأحمد (٤٧٥٣).","vol":"4","page":194},{"text":"بمكة أي: كائنًا بمكة أعطاها إياه.\nقال محمد: لا ينبغي أي: لا يحل للرجل المسلم أي: العاقل أن يلبس الحريري والديباج والذهب، وكذا الفضة إلا ما استثنى كل ذلك مكروه أي: حرام للذكور من الصغار فيه خلافًا والكبار، ولا بأس أي: لا كراهة به أي: بلبس الحرير وغيره للإِناث، أي: كبارهن وصغارهن ولا بأس أي: لا ضرر أيضًا أي: كما لا حرمة بلبس الحرير لصغار المؤمنات وكبارهن بالهديَّة إلى المشرك المحارب؛ وفي نسخة: للمشرك باللام بدل إلى لكنها لغيرها أولى ما لم يُهدَ إليه سلاحٌ أي: آلة حرب أو درع، أي: آلة الحفظ، وهو قميص من حديد يلبس عند المحاربة تحصنًا به من السهام والسيف، وفي نسخة: أو كراع بضم الكاف وفتح الراء المهملة فألف وعين مهملة، اسم جنس يشمل الخيل والحمير والبغال، وهو آلة الحرب، فيكره للمسلم أن يباع آلة الحرب ويهديها للحربي؛ لأنها تؤدى إلى خروجهم على أهل الإِسلام وطغيانهم، وكلمة \"أو\" للتنويع لا للشك، وهو أي: عدم جواز لبس الحرير لذكور المؤمنين وإهداء الحربي للحربي وجوازهما لغيرهما قولُ أي حنيفة، والعامة من فقهائنا أي: من أهل الكوفة، من أتباع أبي حنيفة.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم لبس الحرير لذكور المسلمين، شرع في بيان ما يتعلق بلبس الخاتم من ذهب، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-415>باب ما يكره من التختم بالذهب</span>\nفي بيان حكم ما يكره أي: تحريمًا من التختم بالذهب أي: في حق ذكور المؤمنين، ووجه المناسبة بين الباب وبين الباب السابق حرمة لبس الحرير والذهب لذكور المؤمنين محمد قال:\n٨٧١ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: اتخذ رسول الله - ﷺ - خاتمًا من ذهب، فقام رسول الله - ﷺ - فقال: \"إني كنتُ ألبس\n_________\n(٨٧١) أخرجه البخاري (٦٦٥١) ومسلم (٢٠٩١) والترمذي (١٧٤١) والنسائي (٥١٦٤) وأحمد (٥٨١٧).","vol":"4","page":195},{"text":"هذا الخاتم\"، فنبذه، وقال: \"والله لا ألبسه أبدًا\"، قال: فنبذ الناس خواتيمهم.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا ينبغي للرجل أن يتختم بذهبٍ ولا حديد ولا صُفْر، ولا يتختم إلا بالفضة، فأما النساء فلا بأس بتختم الذهب لهن.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، العدوي مولاهم أي: سيدهم يكنى أبا عبد الرحمن المدني مولى ابن عمر معتقه، ثقة كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة سبع وعشرين ومائة عن ابن عمر، ﵄ قال: اتخذ أي: لبس رسول الله - ﷺ - خاتمًا بفتح التاء الفوقية وبكسرها ما يختم به من ذهب، وللنسائي من وجه آخر عن ابن عمر: اتخذ النبي - ﷺ - خاتمًا من ذهب فلبسه ثلاثة أيام، وفي الصحيحين عن ابن شهاب عن أنس ﵁: أنه رأى في يد النبي - ﷺ - خاتمًا من ورق يومًا واحدًا ثم ألقاه، فان كان قوله: من ورق وهما من الزهري جرى على لسانه لفظ ورق. كما نقله عياض عن جميع أهل الحديث، وصوابه من ذهب كما ثبت ذلك هنا من غير وجه عن أنس وابن عمر فيجمع بأن قول أنس: يومًا واحدًا ظرف لرؤية أنس لا (ق ٩٠٢) لمدة اللبس.\nوقول ابن عمر: ثلاثة أيام ومدة خاتم الفضة يومًا واحدًا كما قال أنس، ولا ينافيه رواية الصحيح: سئل أنس ﵁: هل اتخذ النبي - ﷺ - خاتمًا؟ فقال آخر ليلة صلاة العشاء إلى شطر الليل ثم أقبل علينا بوجهه، فكأني أنظر إلى وبيض خاتمه لحمله على أنه مرآة في تلك الليلة كذلك، واستمر في يده بقية يومه ثم طرحه في آخر ذلك اليوم، كما نقله الزرقاني (١) عن الحافظ ابن حجر فقام أي: ثم قام كما في (الموطأ) لمالك رسول الله - ﷺ - أي: خطيبًا.\nوفي رواية ثم جلس على المنبر فقال: \"إني كنتُ ألبس هذا الخاتم\"، أي: قبل ذلك لكونه صباحًا فنبذه، أي: فطرحه لما حرم عليه بوحي واجتهاد وقال: \"والله لا ألبسه أبدًا\"، قال: أي: أنس ﵁ فنبذ الناس خواتيمهم تبعًا، وفي الصحيحين (٢) عن نافع عن ابن عمر: أنه - ﷺ - اتخذ خاتمًا من ذهب وجعل فصه مما يلي كفه، فاتخذ الناس فرمى به، وقال: \"لا ألبسه\" أبدًا ثم اتخذ خاتمًا من فضة، فاتخذ الناس خواتمهم الفضة.\n_________\n(١) انظر: شرح الزرقاني (٤/ ٤٠٣).\n(٢) أخرجه: البخاري (٥٨٦٥) ومسلم (٢٠٩١).","vol":"4","page":196},{"text":"قال ابن عمر: فلبس الخاتم بعد النبي - ﷺ - أبو بكر ثم عمر ثم عثمان حتى وقع منه في بير أريش.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه ابن عمر لا ينبغي أي: لا يحل للرجل أن يتختم بذهبٍ لما سبق وعليه الأربعة ولا حديد ولا صُفْر، بضم فسكون أي: النحاس وقيل: أجوده، لما أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي (١) عن عبد الله بن بريدة عن أبيه، قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - خاتم من حديد فقال: \"مالي أرى عليك حلية أهل النار\"، ثم جاءه وعليه خاتم من شبة فقال لي: \"ما أجد منك ريح الأصنام\"، فقال: يا رسول الله من أي شيء أتخذ؟ قال: \"اتخذه من ورق ولا تتمه مثقالًا\" ولا يتختم إلا بالفضة، أي: ونحوها مما أبيح لبسها كالعقيق ونحوه فأما النساء فلا بأس بتختم الذهب لهن لقوله - ﷺ - في الأحاديث الصحيحة، وقد أخذ ذهبًا في يد وحريرًا في يد: \"هذان حرامان على ذكور أمتي وحل لإناثها\".\nلما فرغ من بيان حكم التختم من الذهب للذكور، شرع في بيان حكم حلب الماشية للغير بغير إذنه.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-416>باب الرجل يمر على ماشية الرجل فيحتلبها بغير إذنه وما يُكره من ذلك</span>\nفي بيان ما يتعلق بحكم حال الرجل يمر على ماشية الرجل، والماشية: المال من الإِبل والغنم، قال ابن السكيت: وبعضهم جعل البقر من الماشية كذا في (المصباح) فيحتلبها بغير إذنه وما يكره أي: وما يحرم كما في نسخة له أي: للمار بذلك أي: الاحتلاب وهو استخراج ما في الضرع من اللبن كالحلاب بالكسر، والحلب بفتح الحاء المهملة وسكون اللام ويحرك. وفي (النهاية) حديث: \"لا تسقوني حلب المرأة\"؛ لأن حلب المرأة عيب عند العرب، فإن النساء إذا حلبن ربما أخذهن البول ولسن مثل الرجل يتمسحن بالأرض، فربما يتمسحن بثوبها أو بيدها، ثم ترجع إلى الضرع وفي يدها شيء من النجاسة فلذا تنزه\n_________\n(١) أخرجه: أبو داود (٤٢٢٣) والترمذي (١٧٨٥) والنسائي (٥١٩٥) وأحمد (٦٤٨٢).","vol":"4","page":197},{"text":"عنه، ووجه المناسبة بين هذا الباب والباب السابق حدود الله وحدود عباده. محمد قال: كذا في نسخة:\n٨٧٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا يحتلبنّ أحدكم ماشية امرئ بغير إذنه، أيحب أحدكم أن تُؤتى مشربته فتُكسَر خِزانَتُهُ، فيُنقل طعامُه، فإنما تخزن لهم ضروعُ مواشيهم أطعمتهم، فلا يَحتلبن أحد ماشية امرئٍ بغير إذنه\".\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا ينبغي لرجل مرّ على ماشية رجل أن يحلب منها شيئًا بغير أمر أهلها، وكذلك إن مرّ على حائط فيه نخلٌ أو شجر فيه ثمر، فلا يأخذنَّ من ذلك شيئًا، ولا يأكله إلا بإذن أهله، إلا أن يُضطرّ إلى ذلك؛ فيأكل ويشرب ويغرم ذلك لأهله، وهو قولُ أبي حنيفة.\nأخبرنا مالك، أخبرنا نافع بن عبد الله المدني مولى ابن عمر ثقة ثبت فقيه مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة، عن ابن عمر، ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا يحتلبنّ وفي نسخة: لا يحلبن بكسر اللام وضمها والنون مؤكدة أحدكم ماشية امرئ بغير إذنه، أي: تصريحًا أو تلويحًا أي: إشارة بأن علم رضاه بها أيحب أحدكم أن تُؤتى مشربته بفتح الميم وسكون الشين المعجمة وضم الراء المهملة أي: يأتي أحد غرفته وخزانته بكسر الخاء المعجمة: ما يخزن أو موضعه فينتقل بصيغة التي يوضع فيها متاعه العزيز عنده من طعام وغيره فتُكسَر بصيغة المجهول خِزانَتُهُ، بكسر الخاء المعجمة: ما يخزن أو موضعه فيُنقل بصيغة المجهول طعامُه، أي: فيؤخذ ويتحول فإنما تخزن بضم الزاي أي: يحفظ لهم ضروعُ مواشيهم أطعمتهم، والمعني أن ضروع مواشيهم في حفظ اللبن بمنزلة خزانتكم فمن حلب مواشيهم فكان كسر خزانتهم وسرق منها متعتهم فإذا كان الأمر كذلك فلا يَحتلبن أحد ماشية امرئٍ بغير إذنه\" فهذا تأكيد للحكم السابق وتفريع على التعليل اللاحق، والله أعلم بالحقائق.\n_________\n(٨٧٢) صحيح، أخرجه البخاري (٢٤٣٥) ومسلم (١٧٢٦) وأبو داود (٢٦٢٣) وابن ماجه (٢٣٠٢) ٨٧٢ (٤٤٩١) ومالك (١٨١٢).","vol":"4","page":198},{"text":"قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل هنا إلا بما رواه ابن عمر عن رسول الله - ﷺ - لا ينبغي أي: لا يحل لرجل مرّ على ماشية رجل أن يحلب منها شيئًا بغير أمر أهلها، وكذلك أي: كما لا ينبغي لرجل إلى آخره إن مرّ على حائط له أي: لرجل فيه نخلٌ أو شجرٌ فيه ثمر، بالمثلثة فلا يأخذنَّ من ذلك شيئًا، ولا يأكله إلا بإذن أهله، أي: حقيقة أو حكمًا إلا أن يُضطَّر إلى ذلك؛ فيأكل أي: من الحائط ويشرب أي: من لبن الماشية ويغرم ذلك أي: يضمن قيمة أكله لأهله، أي: إن قدر عليه وهو قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم حال الرجل يمر على ماشية الرجل فيحلبها بغير إذنه، شرع في بيان نزول أهل الذمة مكة والمدينة وما يكره من ذلك، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-417>باب نزول أهل الذمة مكة والمدينة وما يُكره من ذلك</span>\nفي بيان حكم نزول أهل الذمة مكة والمدينة وما يكره من ذلك أي: ما يحرم من إقامتهم فيها بعد ثلاثة أيام، وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق حرمة استعمال ما عينه الشارح باستعماله، محمد قال:\n٨٧٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر: أن عمر ضَرَبَ لليهود والنصارى والمجوس بالمدينة إقامة ثلاثة أيام، يَتَسَوَّقُون ويقضون حوائجهم، ولم يكن أحد منهم يقيم بعد ثلاث.\nقال محمد: إن المدينة ومكة وما حولهما من جزيرة العرب، وقد بلغنا عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"لا يبقى دينان في جزيرة العرب\"، فأخرج عمر من لم يكن مسلمًا من جزيرة العرب لهذا الحديث.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر: ﵄ أن عمر بن الخطاب ﵁ ضَرَب أي: عين لليهود والنصارى والمجوس أي: عبدة النار ونحوهم من المشركين، والمعين أنه عين لهم في إقامتهم بالمدينة إقامة ثلاثة أيام، أي: على سبيل المهلة يَتَسَوَّقُون أي: حال كونهم يطلبون السوق في أغراضهم من البيع والشراء ويقضون\n_________\n(٨٧٣) صحيح: أخرجه البيهقي في \"الكبرى\" (٥٥٥٤) (١٩٢٧٥).","vol":"4","page":199},{"text":"حوائجهم، مما يتعلق بالسوق ولم يكن أي: وفد عليهم أنه لم يكن أحد منهم يقيم أي: بالمدينة بعد ذلك أي: بعد ثلاث ليال.\nقال محمد: إن المدينة ومكة وما حولهما كجدة والينبوع ونحوهما من جزيرة العرب، وهي ما أحاط به بحر الهند وبحر الشام نحو دجلة والفرات وساحل البحر إلى أطرف الشام طولًا، ومن جدة إلى ريف العراق عرضًا كذا في (القاموس).\nوقال الأصمعي: من أقصى عدن أبين إلى ريف العراق (ق ٩٠٤) طولًا ومن جدة وساحل البحر إلى حرم الشام عرضًا.\nقال الجوهري: سميت لأن بحر فارس وبحر السودان أحاطها بجانبيها، وأحاط بالجانب الشمالي دجلة والفرات.\nوقال مالك: في حديث أنس: \"إن الشيطان آيس أن يعبد في جزيرة العرب\" أراد المدينة نفسها ذكره في (النهاية)، لكن الظاهر أن المراد في الحديث مكة والمدينة وما حولها كما أفاده المصنف وقد بلغنا أي: بإسناد كما سيأتي عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"لا يبقى دينان في جزيرة العرب\"، وهو يحتمل أن يكون نفيًا مجردًا فيكون من المعجزات بأخبار بعض المغيبات، ويحتمل أن يكون مبناه نفيًا ومعناه نهيًا وهذا أظهر لقوله فأخرج عمر ﵁ من لم يكن مسلمًا من جزيرة العرب لهذا الحديث أي: لأجل هذا الخبر فتدبر كذا، قاله علي القاري.\n* * *\n\n٨٧٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا إسماعيل بن أبي حكيم، عن عمر بن عبد العزيز، قال: بلغني أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا يبقينّ دينان بجزيرة العرب\".\nقال محمد: قد فعل ذلك عمر بن الخطاب، فأخرج اليهود والنصارى من جزيرة العرب.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا إسماعيل بن أبي حكيم، القرشي مولاهم أي: بعض القرشي\n_________\n(٨٧٤) مرسل.","vol":"4","page":200},{"text":"المدني ثقة كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من المحدثين من أهل المدينة، مات سنة ثلاثين ومائة عن عمر بن عبد العزيز، بن مروان بن الحكم أبى العاص الأموي، أمير المؤمنين، أمه أم عاصم حفصة بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، ولي أمره بالمدينة للوليد وكان مع سليمان كالوزير، وولي الخلافة بعده فعد من الخلفاء الراشدين، من الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من المحدثين في أهل المدينة، مات في رجب سنة إحدى ومائة وله أربعون سنة، ومدة خلافته سنتان ونصف كذا في (تقريب التهذيب) قال: أي: مرسلًا، وهو في الصحيحين وغيرهما من طرق عن عائشة بلغني أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا يبقينّ أي: لا يجتمعان كما في (الموطأ) لمالك (١) دينان أي: صاحب دينين هذا نفي بمعنى النهي، والدين في اللغة: الملة والشريعة، وفي العرف: هو وضع إلهي يدعو أصحاب العقول قبول ما هو عند الرسول، كذا قاله السيد الشريف محمد الجرجاني بجزيرة العرب\" هي: مكة والمدينة واليمامة.\nقال محمد: قد فعل ذلك أي: بمضمون ما تقدم هنالك عمر بن الخطاب، ﵁ فأخرج اليهود والنصارى أي: والمجوس والذين أشركوا، ولعل وجه حذفهم هنا أنهم يفهمون بالأولى من جزيرة العرب أي: مكة والمدينة.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم نزول أهل الذمة مكة والمدينة وما يكره من ذلك، شرع في بيان حكم حال الرجل يقيم الرجل من مجلسه ليجلس فيه، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-418>باب الرجل يقيم الرجل من مجلسه ليجلس فيه وما يُكره من ذلك</span>\nفي بيان ما يتعلق بحكم حال الرجل يقيم الرجل من مجلسه ليجلس فيه وما يكره من ذلك أي: وبيان ما يحرم لأجل ظلمه إلى غيره بتعديه إلى حق غيره.\n_________\n(١) أخرجه: مالك (٦٩٨).\n(٨٧٥) صحيح: أخرجه البخاري (٩١١) ومسلم (٢١٧٧) وأبو داود (٤٨٢٨) والترمذي (٢٧٤٩) والدارمي (٢٦٥٣).","vol":"4","page":201},{"text":"٨٧٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - كان يقول: \"لا يقيم أحدكم الرجل من مجلسه فيجلس فيه\".\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا ينبغي للرجل المسلم أن يصنع هذا بأخيه، يقيمه من مجلسه ثم يجلس فيه.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، ﵄ أن رسول الله - ﷺ - كان يقول: \"لا يقيم أي: لا يبعد أحدكم الرجل أراد به الجنس الشامل للفقير والغني من مجلسه أي: عن مكانه الذي يباح له فيجلس فيه\" فإن إبعاد الغير عن مكانه بلا إذن منه ظلم فالظلم ظلمة.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه ابن عمر عنه (ق ٩٠٥) - ﷺ - لا ينبغي للرجل المسلم أن يصنع هذأ أي: ونحوه من التعدي بأخيه، أي: المسلم يقيمه من مجلسه أي: الذي يستحقه ثم يجلس فيه وكذا إذا لم يجلس فيه قبل، ويستثنى منه ما إذا كان المجلس مختصًا بقاض أو مفتٍ أو مدرس في المسجد وقعد فيه غيره فله أن يقيمه ويجلس فيه، كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان حكم حال الرجل يقيم الرجل من مكانه ويجلس فيه، شرع في بيان حكم الرقى، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-419>باب الرقى</span>\nالرقي: بضم الراء المهملة وفتح القاف جمع رقية، وهو ما يقرأ للمعالجة محمد قال:\n٨٧٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أخبرتني عَمْرة، أن أبا بكر دخل على عائشة وهي تشتكي، ويهودية تَرْقيها، فقال: ارقيها بكتاب الله.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا بأس بالرُّقى بما كان في القرآن، وبما كان من\n_________\n(٨٧٦) صحيح: أخرجه مالك (١٧٥٦).","vol":"4","page":202},{"text":"ذكر الله، فأما ما كان لا يُعرف من الكلام فلا ينبغي أن يُرْقَى به.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني يكنى أبا سعيد القاضي، ثقة ثبت كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة أخبرتني عَمْرة، بفتح العين وسكون الميم وفتح الراء والتاء الفوقية بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصاري المدنية، كانت في الطبقة الثالثة من طبقات التابعيات من أهل المدينة، ماتت بعد المائة أن أبا بكر أي: الصديق ﵁ دخل على عائشة ﵂ وهي تشتكي، أي: مرضت ويهودية أي امرأة منسوبة إلى اليهود تَرْقيها، بكسر القاف فقال: أي: أبو بكر كما في (الموطأ) لمالك ارقيها بكتاب الله يحتمل أن تكون أمرًا بأن ترقيها بما في كتاب التوراة من أسماء الله الحسنى ومحامده العلى مما يعرف صحة مبناه ومعناه، وأن يكون صيغة متكلم أي: أنا أرقيها بكتاب الله أي: القرآن فيكون متضمنًا لنهيها عن رقيها.\nقال الزرقاني (١): يجوز لليهودية الرقية بالقرآن إن رجي إسلامها، وبالتوراة إن كانت معربة بالعربي، أو أمن تغييرهم لها فتجوز الرقية بالله وبأسمائه وصفاته باللسان العربي وبما يعرف معناه بشرط اعتقاد أن الرقية لا تؤثر بنفسها، بل بتقدير الله.\nقال عياض: اختلف قول مالك في رقية اليهودي والنصراني وبالجواز، قال الشافعي: قال الربيع: سألت الشافعي عن الرقية فقال: لا بأس أن ترقي بكتاب الله وبما يعرف من كتاب الله، وروى ابن وهب عن مالك كراهة الرقية بالحديدة والملح وعقد الخيط والذي يكتب خاتم سليمان وقال: لم يكن ذلك من أمر الناس القديم انتهى.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: نعمل هنا بما رواه عمرة عن أبي بكر ﵁ لا بأس أي: لا كراهة بالرُّقى بما كان أي: موجود في القرآن، وبما كان من ذكر الله تعالى أي: منطلقًا شرط أن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بتقدير الله سبحانه فأما ما كان لا يُعرف من الكلام أي: بأن يكون بلغة لا يفهم معناها فلا ينبغي أي: لا يجوز أن يُرْقَى به أي: يحتمل أن يكون فيه باسمه من كتاب الكفرة إلا أن يكون معروضًا على النبي - ﷺ - رقية من الحمة فأذن لنا فيها، وقال: إنما هي من مواثيق الجن بسم الله شبحة قرينة ملحة (ق ٩٠٦)\n_________\n(١) انظر: \"شرح الزرقاني\" (٤/ ٤١٧).\n(٨٧٧) مرسل: أخرجه مالك (٧٩٦) وابن أبي شيبة (٥/ ٤٤٧).","vol":"4","page":203},{"text":"بجد قفط قال الجزري: هذه كلمات لا يعلم معناها بقرائة كما وردت، محمد قال:\n* * *\n\n٨٧٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أن سليمان بن يَسار أخبره أن عُروة بن الزبير أخبره: أن النبي - ﷺ - دخل بيت أم سلمة، وفي البيت صبيّ يبكي، فذكروا أن به العينَ، فقال رسول الله - ﷺ -: \"أفلا تستَرْقون له من العين؟ \".\nقال محمد: وبه نأخذ، لا نرى بالرقية بأسًا إذا كانت من ذكر الله ﷿.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، قد مر طبقاته آنفًا أن سليمان بن يَسار الهلالي المدني مولى ميمونة، وقيل: أم سلمة ثقة فاضل أحد الفقهاء السبعة كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين المحدثين من أهل المدينة، وقد مر منقبته، مات بعد المائة، وقيل: قبلها كذا في (تقريب التهذيب) وفيه رواية النظير عن النظير أن عُروة بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي المدني يكنى أبا عبد الله المدني ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين، ومولده في أوائل خلافة عثمان كذا قاله ابن حجر أخبره: أي: مرسلًا.\nقال أبو عمر - يعني بن عبد البر- عن جميع رواة الموطأ: وهو صحيح بسند معناه من طرق ثباته، وقد رواه البزار عن أبي معاوية عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار عن عروة عن أم سلمة ﵂ أن النبي - ﷺ - دخل بيت أم سلمة، زوج النبي - ﷺ - وفي البيت صبيّ أي: لم يسم يبكي، أي: بشدة فذكروا أي: بعد سؤاله عنه وقبله أن به العينَ، أي: أصابته، وفي صحيح البخاري ومسلم (١) من طريق الزهري عن عروة عن زينب بنت أم سلمة عن أمها أن النبي - ﷺ - رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة أي: صفرة فقال: \"استرقوا لها، فإن بها النظر\"، والصبي يطلق على الذكر والأنثى فقال له أي: لأجله رسول الله - ﷺ -: \"أفلا تستَرْقون له أي: لخلاص الصبي من العين؟ \" أي: من إصابتها، قوله: \"أفلا تسترقون\" استئناف مسوق لتقرير ما ذكر من جواز الرقى من طرف الله تعالى وهمزة\n_________\n(١) أخرجه: البخاري (٥٧٣٩) ومسلم (٢١٩٧).","vol":"4","page":204},{"text":"للتقرير والفاء للعطف على تذكرون مقدرًا بعد الهمزة أي: هل تذكرون الصبي المشتكي ولا تردون في قدره وعادته فإن عادته جرت إذا قرئ القرآن على المرضى شفي، قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢] وقال تعالى: ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٤].\nقال أبو الفرج عبد الرحمن بن القيم الجوزي: والغرض العلاج النبوي لهذه العلة فمن التعوذات والرقى بالكتاب قراءة المعوذتين، والفاتحة، وآية الكرسي، ومنها التعوذات النبوية نحو: أعوذ بكلمات الله التامات من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة، ونحو: أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق، وزرأ، ومن شر ما نزل من السماء، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما زرأ، والأرض، ومن شر ما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار، وشر طوارق، قول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، ومنها رقية جبريل للنبي - ﷺ - كما رواه مسلم: أرقيك.\nقال محمد: وبه نأخذ، أي: لا نعمل بالرقى هنا إلا بما رواه عروة بن الزبير مرسلًا عن رسول الله - ﷺ - وفي نسخة: وبهذا بدل به لا نرى بالرقية بأسًا أي: لا كراهة إذا كانت من ذكر الله تعالى والله أعلم. محمد قال:\n* * *\n\n٨٧٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا يزيد بن خُصَيْفَة، أن عمر بن عبد الله بن كعب السلمي، أخبره أن نافع بن جبير بن مُطْعم أخبره، عن عثمان بن أبي العاص: أنه أتى إلى رسول الله - ﷺ -، قال عثمان: وبي وجع حتى كاد يُهلكني، قال: فقال رسول الله - ﷺ -: \"امسحه بيمينك سبع مرات، وقل: أعوذ بعزَّة الله وقدرته من شرِّ ما أجِدُ\"، ففعلتُ ذلك فأذهب الله ما كان بي، فلم أزل آمرًا به أهلي وغيرهم.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا يزيد بن خُصَيْفَة، بضم الخاء المعجمة وفتح الصاد المهملة وسكون التحتية ثم فاء أي: ابن عبد الله بن يزيد الكندي المدني وقد ينسب لجده كما نسب\n_________\n(٨٧٨) صحيح: أخرجه مسلم (٢٢٠٢) وأبو داود (٣٨٩١) والترمذي (٢٠٨٠) وابن ماجه (٣٥٢٢) وأحمد (١٥٨٣٤) ومالك (١٧٥٤).","vol":"4","page":205},{"text":"إليه هنا، وهو ثقة كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة أن عمرو بفتح العين ابن عبد الله بن كعب الأسلمي، بفتحتين الأنصاري المدني وهو ثقة كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة، وفيه رواية الأعلى على الأدنى أخبره أن نافع بن جبير بن مُطْعم القرشي النوفلي، يكنى أبا محمد وأبا عبد الله المدني وهو ثقة فاضل كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة تسع وتسعين أخبره، عن عثمان بن أبي العاص: الثقفي الطائفي يكنى أبا عبد الله صحابي شهير استعمله النبي - ﷺ - على الطائف، مات في خلافة معاوية بالبصرة كذا في (تقريب التهذيب) أنه أتى إلى رسول الله - ﷺ -، قال: عثمان: وبي أي: والحال أصابني وجع أي: ألم عظيم حتى كاد أي: قارب أن يُهلكني، ولمسلم وغيره من رواية الزهري عن عثمان: أنه شكى إلى رسول الله - ﷺ - \"وجعًا يجده في جسده منذ أسلم\" (١) قال: أي: عثمان فقال رسول الله - ﷺ -: \"امسحه أي: بموضع تجد فيه ألمًا بيمينك سبع مرات، وقل: أعوذ أي: أعتصم بعزَّة الله أي: بغلبته وعظمته وقدرته أي: على خلقة من شرِّ ما أجِدُ\"، زاد في رواية مسلم: \"وأحاذر\"، وللطبراني والحاكم أنه يقول ذلك في كل مسحة من السبع، وللترمذي وحسنه، والحاكم وصححه وابن ماجه من حديث أنس: \"من شر ما أجد وأحاذر من وجعي هذا\".\nقال عثمان: ففعلتُ ذلك فأذهب الله ما كان بي، أي: من الوجع فلم أزل آمرًا بمد الهمزة به أهلي وغيرهم؛ لأنه من الأدوية الإِلهية، والطب النبوي، لما فيه من ذكر الله والتفويض إليه والاستعاذة الطبيعي لاستقصاء إخراج المادة وفي السبع خاصة لا توجد في غيرها، وقد خص - ﷺ - السبع في غير ما موضع بشرط قوة اليقين وصدق النية، قال بعضهم: ويظهر أنه إذا كان المريض نحو طفل أن يقول من يعوذه: من شر ما يجد ويحاذر، والحديث رواه الترمذي من طريق معن بن عيسى عن مالك به، وقال: هذا حديث صحيح كذا قاله الفاضل السيد محمد الزرقاني (٢).\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم الرقى، شرع في بيان ما يتعلق بحكم الفأل (ق ٩٠٨)، فقال: هذا\n* * *\n_________\n(١) أخرجه: مسلم (٢٢٠٢).\n(٢) انظر: \"شرح الزرقاني\" (٤/ ٤١٥).","vol":"4","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-420>باب ما يُستحب من الفأل والاسم الحسن</span>\nفي بيان ما يستحب من الفأل، وهو التيمن والتبرك بالكلمة الموافقة للمراد كالراشد والنجيح، والاسم الحسن إن سمعه من ذي حاجة عن قصد التفاؤل كسماع مريض يا سالم، وطالب ضالة يا واجد، وخارج لحاجة يا راشد، ووجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق طلب الخير بشيء من الله تعالى.\n٨٧٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أن النبي - ﷺ - قال لِلَقْحَة عنده: \"مَنْ يحلب هذه؟ \" فقام رجل، فقال له: \"ما اسمك؟ \"، فقال له: مُرّةٌ، فقال: \"اجلس\"، ثم قال: \"مَنْ يحلبُ هذه الناقة؟ \"، فقام رجل، فقال له: \"ما اسمك؟ \"، قال: حَربٌ، قال: \"اجلس\"، ثم قال: \"مَنْ يحلب هذه الناقة؟ \"، فقام آخر فقال: \"ما اسمك؟ \"، قال: يعيش، قال: \"احلب\".\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك، وفي أخرى: ثنا مالك أخبرنا يحيى بن سعيد، مرسلًا فإن يحيى بن قيس الأنصاري المدني، كان من صغار التابعين في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة، فكان إسناده إلى رسول الله - ﷺ - مرسلًا، كذا قاله الحافظ العراقي في (الألفية) أن النبي - ﷺ - قال لِلَقْحَة عنده: اللام الأولى هنا للتعليل، كما في قولك: قلت لك ذلك أي: لأجلك بخلاف، قلت: لك كذا، وكذا فإنها حلة، واللقحة بالكسر والفتح ناقة قريبة العهد بالنتاج \"مَنْ يحلب هذه؟ \" أي: اللقحة والناقة فقام رجل، ليحلبها فقال له: \"ما اسمك؟ \"، فقال له: مُرّةٌ، وهي ضد الحلوة فقال: \"اجلس\"، ثم قال: \"مَنْ يحلبُ هذه الناقة؟ \"، فقام رجل، فقال له: \"ما اسمك؟ \"، قال: حَربٌ، قال: \"اجلس، ثم قال: \"مَنْ يحلب هذه الناقة؟ \"، فقام آخر فقال: \"ما اسمك؟ \"، قال: يعيش، قال: \"احلب\".\nقال ابن عبد البر: ليس هذا من أجاب الطيرة؛ لأنه محال أن ينهى عن شيء ويفعله وإنما هو من باب طلب الفأل الحسن، وقد كان أخبرهم عن شر الأسماء أنه حرب ومرة فأكد ذلك حتى لا يسمع أحد بهما كذا ذكره السيوطي (١).\n_________\n(٨٧٩) مرسل: أخرجه مالك (٨٦٦).\n(١) انظر: \"تنوير الحوالك\" (١/ ٢٤٥).","vol":"4","page":207},{"text":"وفي (الموطأ) لمالك برواية يحيى الليثي عن يحيى بن سعيد أن عمر بن الخطاب ﵁ قال لرجل: ما اسمك؟ فقال: حمرة قال: ابن مرة؟ قال: ابن شهاب، قال: ممن؟ قال: من الحرقة، قال: أين مسكنك؟ قال: بحرة النار، قال: يا بأيها قال: بذات لظى قال: أدرك أهلك فقد احترقوا، قال: فكان كما قال عمر بن الخطاب، والحرقة بفتح الراء المهملة لقب بطن من جهينة منهم عبد الرحمن بن العلاء الحرقي، وهو الذي كان في بطن أمه أربع سنين كما في (المغرب).\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم الفأل، شرع في بيان ما يتعلق بحكم الشرب قائمًا، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-421>باب الشرب قائمًا</span>\nفي بيان ما يتعلق بحكم الشرب قائمًا، وهوِ بكسر الشين المعجمة وفتحها وضمها شرب الماء من الباب الرابع نحو قوله: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٥]، ووجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق إباحة القول والفعل المخصوص.\n٨٨٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، أن عائشة زوج النبي - ﷺ - وسعد بن أبي وقّاص كانا لا يَرَيَان بشرب الإِنسان وهو قائم بأسًا.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، أن عائشة زوج النبي - ﷺ - وسعد بن أبي وقّاص كانا لا يَرَيَان بشرب الإِنسان وهو قائم بأسًا أي: كراهة يعني ويحملان ما ورد من النهي عن الشرب قائمًا على التنزيه، ففي صحيح مسلم وغيره أن النبي - ﷺ -: \"نهى عن الشرب قائمًا\" (١) بل في رواية لمسلم: \"لا يشربن أحدكم قائمًا فمن نسي فليستقيء\" (٢)، لكن في (شمائل الترمذي) عن ابن عباس: أن النبي - ﷺ - شرب من زمزم وهو قائم، فالتوفيق بينهما أن النهي محمول (ق ٩٠٩) على التنزيه، وشربه قائمًا لجواز عذره ولخصوصية الماء زمزم، وأما قوله: فليستقئ محمول على الاستحباب أو المبالغة في الاجتناب والله أعلم.\n* * *\n_________\n(٨٨٠) صحيح.\n(١) أخرجه: مسلم (٢٠٢٥).\n(٢) أخرجه: مسلم (٢٠٢٦).","vol":"4","page":208},{"text":"٨٨١ - أخبرنا مالك، أخبرني مُخْبرٌ أن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان ﵃ أجمعين: كانوا يشربون قيامًا.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا نرى بالشرب قائمًا بأسًا، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، أخبرني مُخْبرٌ والمراد بالمخبر عكرمة مولى ابن عباس ﵄ وإنما عبر عنه بمخبر؛ لأنه أخذ بجائزة الملك، فالأولى للعالم أن يزهد عن مثل هذه الجائزة لئلا يطعن بين الأبرار أن عمر بن الخطاب ﵁ وعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان ﵃ أجمعين: كانوا يشربون أي: حال كونهم قيامًا وقال جبير بن مطعم: رأيت أبا بكر الصديق يشرب قائمًا ففيه جواز ذلك بلا كراهة، وقد صح: \"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ\".\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل هنا إلا بما رواه مالك بالواسطة عن النبي - ﷺ - وعن عمر وعثمان وعلي ﵃ أجمعين لا نرى بالشرب قائمًا بأسًا، أي: كراهة كما يفيده ظاهر النهي واحتمال شربه قائمًا لعذره وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا أي: علماء الكوفة، ولي قول أكثر العلماء لا ينبغي أن يشرب قائمًا والله أعلم.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم الشرب قائمًا، شرع في بيان ما يتعلق بحكم الشرب في آنية الفضة، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-422>باب الشرب في آنية الفضة</span>\nأي: كائن في بيان حكم الشرب في آنية الفضة، وكذا الحكم في الذهب، ووجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق الإِباحة والكراهة.\n٨٨٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن زيد بن عبد الله بن عمر، عن\n_________\n(٨٨١) إسناده ضعيف.\n(٨٨٢) صحيح: أخرجه البخاري (٥٦٣٤) ومسلم (٢٠٦٥) وابن ماجه (٣٤١٣) وأحمد (٢٦٠٢٨) والدارمي (٢١٢٩). ومالك (١٧١٧).","vol":"4","page":209},{"text":"عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصدّيق، عن أم سَلَمة زوج النبي - ﷺ -: أن النبي - ﷺ - قال: \"إن الذي يشرب في آنية الفضة إنما يُجَرْجِر في بطنه نارَ جهنم\".\nقال محمد: وبهذا نأخذ، يُكره الشرب في آنية الذهب والفضة، ولا نرى بأسًا في الإِناء المُفَضَّض، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أي: ابن عبد الله المدني مولى ابن عمر ثقة فقيه مشهور، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة عن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ثقة كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل المدينة، ولد في خلافة جده عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصدّيق، التيمي مقبول (١) كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد السبعين عن أم سَلَمة هند بنت أبي أمية زوج النبي - ﷺ -: أن النبي - ﷺ - قال: \"إن الذي يشرب في آنية الفضة، ولمسلم من طريق عثمان بن مرة عن عبد الله بن عبد الرحمن ابن خالته أم سلمة مرفوعًا: \"من شرب من إناء ذهب أو فضة\"، وله أيضًا من رواية على بن مسهر عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن نافع: \"إن الذي يأكل ويشرب في آنية الذهب والفضة\" ولكن تفرد ابن مسهر بقوله: يأكل إنما يُجَرْجِر في بطنه بضم التحتية وفتح الجيم الأولى وكسر الثانية بينهما راء ساكنة وآخره راء أيضًا صوت تردد البعير في حنجرته إذا هاج وصبت الماء في الحلق أي: يجرعه جرعًا متداركًا.\nقال النووي: اتفقوا على كسر الجيم الثانية وتعقب بأن الموفق بن جمرة حكى فتحها، وكذا ابن مالك في (الشواهد) ورد بأنه لا يعرف أن أحدًا من الحفاظ رواه مبنيًا للمفعول، ويبعد اتفاق الحفاظ قديمًا وحديثًا على ترك رواية ثابتة، وأيضًا فإسناده إلى الفاعل أصل وإلى المفعول فرع فلا يصار إليه بلا فائدة نارَ جهنم\" بالنصب مفعول يجرجر على أن الجرجرة بمعنى الصب أو التجرع، فالفاعل ضمير الشارب، وسمي مجرجرًا للنار تسمية للشيء باسم ما يؤول إليه، وبالرفع على أنه فاعل على أن النار هي التي تصون في البطن والأول أشهر، فقال الطيبي: أما الرفع فمجاز (ق ٩١٠) لأن جهنم حقيقة لا تجرجر\n_________\n(١) أقول: بل ثقة، فقد وثقه ابن حبان، والذهبي والحديث في \"صحيح البخاري\" من طريقه.","vol":"4","page":210},{"text":"في جوفه، والجرجرة: صوت البعير عند الحنجرة، لكنه جعل صوت تجرع الإِنسان للماء في هذه الأواني المخصوصة لوقوع النهي عنه واستحقاق العقاب على استعمالها بجرجرة نار جهنم في بطنه من طريق، وقد يجعل يجرجر بمعنى يصب، ويكون نار جهنم منصوبًا على أن ما كافة أو مرفوعًا على أن خبر إن واسمها ما الموصولة ولا تجعل حينئذ كافة، وفيه حرمة استعمال الذهب والفضة في الأكل والشرب والطهارة والأكل من أحدهما، والتجمر بمجمرة منها والبول في إناء، وحرمة الزينة به واستعماله لا فرق بين رجل وامرأة، وإنما فرق بينهما في التحلي لما يقصد في المرأة من الزينة للزوج، وأخرجه البخاري عن إسماعيل عن يحيى كلاهما عن مالك به كذا قاله الزرقاني.\nوقد أشبعنا حرمة استعمال الذهب والفضة على الرجال والنساء في باب الرجل يركع دون الصف ويقرأ في ركوعه.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل هنا إلا بما رواه أم سلمة عن النبي - ﷺ - يُكره الشرب أي: يحرم الأكل والشرب على الذكور والإِناث في آنية الفضة والذهب، وفي نسخة: لفظة الذهب مقدم على الفضة ولا نرى أي: لا نختار - نحن أهل الكوفة - بذلك أي: بالشرب والأكل بأسًا أي: كراهة في الإِناء المُفَضَّض، أي: المرصع بالفضة وكذا المذهب أي: المشدود بشرط كون المستعمل متقيًا موضع الفضة وهو أي: عدم الكراهة بالشرب في الإِناء المفضض قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم الشرب في آنية الفضة، شرع في بيان ما يتعلق بحكم الشرب والأكل باليمين، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-423>باب الشرب والأكل باليمين</span>\nفي بيان ما يتعلق بحكم الشرب والأكل باليمين، قدم الشرب على الأكل تفاؤلًا وإحسانًا ظنه على الله أن يجعل الشارب بيمينه من أصحاب اليمين كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ [الإنسان: ٥] وإشعارًا بأن الماء أشرف من الطَّعام كما قال تعالى: ﴿مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠].","vol":"4","page":211},{"text":"٨٨٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن أبي بكر بن عُبيد الله، عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا أكل أحدُكم فليأكل بيمينه، وليشربْ بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشِماله، ويشرب بشماله\".\nقال محمد: وبه نأخذ، لا ينبغي أن يأكل الرجل بشماله، ولا يشرب بشماله، إلا من عِلَّة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا ابن شهاب، عن أبي بكر بن عُبيد الله، بالتصغير عن عبد الله بن عمر بن الخطاب تابعي ثقة، وأبوه شقيق سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد الثلاثين ومائة عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا أكل أحدُكم أي: إذا أراد أن يأكل فليأكل بيمينه، أي: بيده اليمنى من اليمين وهو البركة وليشربْ بيمينه، ولأحمد ومسلم وأبي داود: \"إذا شرب فليشرب بيمينه\" (١)؛ لأن من حق النعمة القيام بشكرها، ومن حق الكرامة أن تتناول باليمنى وقدم الأكل لحكم إجراء الشرع على وفق الطباع؛ ولأنه سبب للعطش فيكره تنزيهًا لا تحريمًا عند الجمهور فعلهما بالشمال إلا لعذر وأرشد لعلة ذلك بقوله: فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله\" أي: حقيقة؛ لأن العقل لا يحيله والشرع لا ينكره، وقد ثبت به الخَبر فلا يحتاج إلى تأويله (ق ٩١١) بأن معناه إن فعلتم كنتم أولياؤه لأنه يحمل أوليائه على ذلك.\nقال ابن عبد البر: وهذا ليس بشيء فلا معنى لحمل شيء من الكلام على المجاز إذا أمكنت الحقيقة فيه بوجه ما.\nوقال ابن العربي: وإن نفى عن الجن الأكل والشرب فقد وقع في حبالة الحاد وعدم إرشاد بل الشيطان، وجميع الجان يأكلون ويشربون وينكحون ويولد لهم ويموتون وذلك جائز عقلًا، وورد به الشرع وتظافرت به الأخبار فلا يخرج عن هذا الضمان إلا حمار، ومن زعم أن أكلهم شم فما شم رائحة العلم انتهى.\n_________\n(٨٨٣) صحيح: أخرجه مسلم (٢٠٢٠) وأبو داود (٣٧٧٦) والترمذي (١٨٠٠) وأحمد (٤٥٢٣) ومالك (١٧١٢).\n(١) تقدم.","vol":"4","page":212},{"text":"ويقوي ما في مسلم أن الجن سألوا الزاد، فقال - ﷺ -: \"كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحمًا\" لأن ضرورته لحمًا إنما يكون للأكل حقيقية، وروى ابن عبد البر عن وهب بن منبه تلميذ أبي حنيفة: الجن أصناف فغالبهم لا يأكلون ولا يشربون ولا يتوالدون، وصنف تفعل ذلك ومنهم السعالي والغيلان والقطرب.\nقال الحافظ: وهذا إن شئت جامعًا للقولين، ويؤيده ما لابن حبان والحاكم عن أبي ثعلبة الخشني مرفوعًا: \"الجن على ثلاثة أصناف: صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء، وصنف حيات، وصنف يحملون ويظعنون ويرحلون\" (١).\nولابن أبي الدنيا: مرفوعًا نحوه، لكن قال في الثالث: \"وصنف عليهم الحساب والعقاب\" انتهى.\nقال السهيلي: ولعل الصنف الطيار هو الذي لا يأكل ولا يشرب إن صح القول به، وقال صاحب (أكام المرجانَ): وبالجملة فالقائلون الجن لا يأكل ولا يشرب إن أرادوا جميعهم فباطل، لمصادمة الأحاديث الصحيحة وإن أرادوا وأصنفًا منهم فمحتمل لكن العمومات تقتضي أن الكل يأكلون ويشربون انتهى.\nوأخذ جماعة من ظاهر الحديث حرمة الأكل بالشمال ووجوبه باليمين ولصحة الوعيد في الأكل بالشمال ففي مسلم (٢) عن سلمة بن الأكوع أن النبي - ﷺ -: رأى رجلًا يأكل بشماله، فقال: \"كل بيمينك\"، قال: لا أستطيع. فقال: \"لا استطعت ما منعه إلا الكبر\"، فما رفعها إلى فيه بعد أي: فما استطاع رفعها بعد ذلك إلى فمه، وأخرج الطبراني ومحمد بن الربيع الجيزي بسند صحيح عن عقبة بن عامر أن النبي - ﷺ - رأى سبيعة الأسلمية تأكل بشمالها فقال - ﷺ -: \"أخذها داء عزة\" فقيل: أو بها قرحة فقال: \"وإن\" فمرت بغزة فأصابها الطاعون فماتت، وأجيب بأن الدعاء ليس بترك المستحب بل لقصد المخالفة كبرًا بلا عذر، فدعا على الرجل فشلت يمينه والمرأة فماتت، وبهذا لا يرد أن دعاءه - ﷺ - المقصود به الزجر لا الدعاء الحقيقي، والحديث رواه مسلم عن قتيبة بن سعيد عن مالك به وتابعه\n_________\n(١) أخرجه: ابن حبان (٦١٥٦) والحاكم (٣٧٠٢) والطبراني في \"الكبير\" (٢٢/ ٢١٤) حديث (٥٧٣).\n(٢) أخرجه: مسلم (٢٠٢١).","vol":"4","page":213},{"text":"سفيان وعبيد الله بن عمر في مسلم أيضًا، كذا قاله السيد الفاضل محمد الزرقاني.\nقال محمد: وبه نأخذ، أي: لا نعمل هنا إلا بما رواه عبد الله بن عمر عن رسول الله - ﷺ -: لا ينبغي أي: لا يجوز للمكلف أن يأكل الرجل بشماله، ولا يشرب بشماله إلا من عِلَّة أي: لضرورة فلا بأس بأن يستعين بيساره في الأكل وغيره، وكان النبي - ﷺ - يأخذ (ق ٩١٢) الخبز بيمينه والبطيخ بيساره، فيأكل من هذا الخبز مرة، ومن هذا البطيخ أخرى وقال - ﷺ -: \"من أكل القثاء بلحم وفي الجزام\" رواه ابن عدي كذا أورده المناوي في (كنوز الحقائق).\nلما فرغ من بيان ما ذكر ما يتعلق بحكم الشرب والأكل باليمين، شرع في ذكر ما يتعلق بحكم حال الرجل يشرب ثم يعطي من عن يمينه، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-424>باب الرجل يشرب ثم يناول من عن يمينه</span>\nفي ذكر ما يتعلق بحكم حال الرجل يشرب، ثم يناول أي: يعطي من عن يمينه كلمة \"من\" لابتداء الغاية، وكلمة \"عن\" اسم بمعنى الجانب، كما قال ابن هشام في (مغني اللبيب) أن كلمة \"عن\" تكون اسمًا بمعنى الجانب، وذلك متعين إذا دخلت عليها \"من\"، وهو كثير كقوله: فلقد أراني للرماح رديئة من عن يميني مرة، وأما في أخرى وقال: ويحتمله عندي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧] فتقدر معطوفة على مجرور من لأعلى من ومجرورها انتهى. وجه المناسبة بين هذا الباب والباب السابق معنى الإِباحة.\n٨٨٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن أنس بن مالك، أن رسول الله - ﷺ - أُتِي بلبن قد شِيب بماء، وعن يمينه أعرابي وعن يساره أبي بكر، فشرب ثم أعطى الأعرابي، وقال: \"الأيمن فالأيمن\".\n_________\n(٨٨٤) صحيح: أخرجه: البخاري (٢٣٥٢) (٥٦١٩) ومسلم (٢٠٢٩) وأبو داود (٣٧٢٦) والترمذي (١٨٩٣) وابن ماجه (٣٤٢٥) وأحمد (١١٧١١) والدارمي (٢١١٦) ومالك (١٧٢٣).","vol":"4","page":214},{"text":"قال محمد: وبه نأخذ.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن أنس بن مالك بن النضر بن الضمضم الخزرجي ﵁ أن رسول الله - ﷺ - أُتِي بضم أوله وهو في دار أنس بلبن أي: حلب شاة داجن قد شِيب بكسر الشين المعجمة أي: خلط بماء، أي: من البئر التي في دار أنس، كما بين هذا كله في رواية شعيب عن الزهري عند البخاري وعن يمينه أعرابي بفتح الهمزة وسكون العين أي: رجل من أهل البادية لم يسم اسمه، وزعم أنه خالد بن الوليد خلط واضح؛ لأن الأعرابي هذا كان عن يمينه - ﷺ -، وخالدًا كان عن يساره؛ لأن خالدًا كان من أجل قريش، والحال لا يقال لخالد: أعرابي. كذا قاله ابن عبد البر وعن يساره أبي بكر، الصديق ﵁ فشرب ثم أعطى الأعرابي أي: عن يمينه ثم وقال: \"الأيمن فالأيمن\" ضبط بالنصب على تقدير: أعط الأيمن، وبالرفع على تقدير: الأيمن أحق، قاله الكرماني وغيره والفاء في \"فالأيمن\" بمعنى ثم يعني: قال رسول الله - ﷺ - للأعرابي: ثم أعط الذي في جانبة الأيمن ثم وثم إلى أن ينتهي.\nقال محمد: وبه نأخذ قال أنس: فهي سنة أي: تقدمة الأيمن وإن كان مفضولًا، ولا يخالف في ذلك إلا ابن حزم، فقال: لا يجوز تقدمة غير الأيمن إلا بإذنه.\nوأما حديث: أبي يعلى الموصلي بإسناد صحيح عن ابن عباس ﵁ قال: كان رسول الله - ﷺ -: إذا أسقى قال: \"ابدؤوا بالكبراء\" (١) وقال: بأكابر محمول على ما إذا لم على جهة (٢) يمينه أحد، بل كانوا كلهم تلقاء وجهه مثلًا، وفيه أن خلط اللبن بالماء للشرب جائز بخلاف البيع فغش.\n* * *\n\n٨٨٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو حازم، عن سهل بن سعد الساعديِّ: أن رسول الله - ﷺ - أُتي بشراب فشرب منه وعن يمينه غلام وعن يساره أشياخ، فقال\n_________\n(١) أخرجه: الطبراني في \"الأوسط\" (٣٧٨٦)، وأبو يعلى (٢٤٢٥) والبيهقي في الشعب (١١٠٠٦).\n(٢) كذا في المخطوطة، ولعل الأصح أن يقول: إذا لم يكن على جهة.\n(٨٨٥) صحيح: أخرجه: البخاري (٢٣٦٦) ومسلم (٢٠٣٠) وأحمد (٢٢٣١٧) ومالك (١٧٢٤).","vol":"4","page":215},{"text":"للغلام: \"أتأذن لي في أن أعطيه هؤلاء؟ \"، فقال: لا والله، لا أوثر بنصيبي منك أحدًا، قال: فَتَلَّه رسول الله - ﷺ - في يده.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا أبو حازم، الأعرج اسمه سلمة بن دينار المدني القاضي مولى الأسود بن سفيان، ثقة عابد، كان في الطبقة الثامنة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات في خلافة منصور عن سهل بن سعد الساعديِّ: الأنصاري أن رسول الله - ﷺ - وفي نسخة: أن النبي (ق ٩١٣) - ﷺ - أُتي بضم الهمزة وكسر الفوقية بشراب أي: لبن ففي رواية إسماعيل بن جعفر عن أبي حازم عن سهل: أتي بقدح من لبن فشرب منه أي: بعض اللبن وعن يمينه غلام أي: أصغر القوم، كما في رواية البخاري وغيره، وهو ابن عباس ﵄، وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وقيل: خمس عشرة سنة، وقيل: عشر سنين حين توفي رسول الله - ﷺ - كما عند ابن أبي شيبة وغيره من حديثه، وكلمة عن هنا بمعنى بعد قال تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩] أي: لتلاقن أيها الناس حالًا بعد حال يعني وبعد شربه - ﷺ - اللبن حضر في جانب يمينه غلام وعن يساره أشياخ، سمى منهم خالد بن الوليد فقال للغلام: \"أتأذن لي أن أعطيه أي: اللبن، وفي نسخة: في أن أعطيه هؤلاء؟ \"، أي: الذين في اليسار، وفي حديث ابن عباس أن الشربة حق لك أولًا فقال: أي: الغلام لا والله، أي: لا أرضى يا رسول الله ولا أوثر بنصيبي منك أحدًا، وفي حديث ابن عباس: فقلت: ما أنا بمؤثر بسؤرك علي أحد فَتَلَّه بفتح الفوقية واللام المشددة أي: وضع اللبن رسول الله - ﷺ - في يده أي: في يد الغلام، وفيه تنبيه على أنه كان الأولى يأخذ بما أشار إليه - ﷺ -، وكان الأولى تقديم الأيمن في الشرب ونحوه وإن كان صغيرًا أو مفضولًا، وأما تقديم الأفاضل والكبار فهو عند التساوي في الحقوق في باقي الأوصاف، وأن الجلساء شركاء في الهدية على جهة الأدب والفضل لا الوجوب، للإِجماع على أن المطالبة بذلك لا تجب لأحد، وقد روى مرفوعًا: \"جلساؤكم شركاؤكم في الهدية\" بإسناد فيه كذاب (١) قاله ابن عبد البر: وإنما استأذن الغلام هذا ولم يستأذن الأعرابي في الحديث قبله استئلافًا لقلب الأعرابي وتطييبًا لنفسه، وشفقة أن يسبق إلى قلبه شيء يهلك به لقرب عهده بالجاهلية، ولم يجعل للغلام في ذلك؛ لأنه لقرابته وسنه دون\n_________\n(١) في الأصل: كذا.","vol":"4","page":216},{"text":"الأشياخ فاستأذن تأدبًا، ولئلا يوحشهم بتقديمه عليهم وتعليمًا بأنه لا يدفع الأيمن إلا بإذنه، ورواه البخاري عن إسماعيل وقتيبة بن سعد ويحيى بن قزعة وعبد الله بن يوسف، ومسلم عن قتيبة كلهم عن مالك. كذا قاله السيد الفاضل محمد الزرقاني (١).\nلما فرغ من ذكر ما يتعلق بحكم حال الرجل يشرب ثم يعطي بمن في جانبه، شرع في ذكر ما يتعلق إلى فضل إجابة الدعوة، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-425>باب فضل إجابة الدعوى</span>\nفي بيان ما يتعلق إلى فضل إجابة الدعوى أي: العامة.\n٨٨٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا دُعي أحدكم إلى وليمة فليأتها\".\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا بدل أخبرنا، وفي أخرى: ثنا أخبرنا نافع، عن ابن عمر: ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا دُعي أحدكم إلى وليمة فليأتها\" أي: إلى طعام النكاح، وقيل: إلى طعام الأملاك (٢) خاصَّة. قاله عياض، والوليمة مشتقة من الولم، وهو الجمع؛ لأن الزوجين يجتمعان أو إلى مكان الوليمة، والأمر للإِيجاب والمراد وليمة العرس كما حمله عليه (٣) مالك في المدونة وغيره (ق ٩١٤)؛ لأنها المعهودة عندهم، ويؤيده رواية مسلم من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا: \"إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس فليجب\" فتجب إجابة من عين وإن كان صائمًا؛ لأن ابن عمر كان يأتها وهو صائم كما في مسلم بشروط في الفروع، كما حكى عليه عياض الاتفاق، لكن نوزع بقول ابن القصار: المذهب لا تجب الإِجابة، وإن كان\n_________\n(١) انظر: شرح الزرقاني (٤/ ٣٧٥).\n(٨٨٦) صحيح: أخرجه البخاري (٥١٧٣) ومسلم (١٤٢٩) وأبو داود (٣٧٣٦) وأحمد (٤٦٩٨) ومالك (١١٥٩).\n(٢) كذا في الأصل.\n(٣) في الأصل: \"عليك\"، ولعل ما ذكرناه هو الأصوب.","vol":"4","page":217},{"text":"ضعيفًا، أما وليمة غيره فلا تجب؛ لأن عثمان بن أبي العاص دعي إلى ختان فلم يجب، وقال: لم نكن ندعى له على عهد رسول الله - ﷺ - رواه أحمد وأحبها الظاهرية لظاهر الحديث.\nقال عياض: وحملها مالك، والأكثر على الندب وكره مالك لأهل الفضل الإِجابة لكل طعام دعي إليه وتأوله غيره على غير طعام السرور كختان وأملاك (١) وحادث سرور، لما في مسلم عن أيوب عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا: \"إذا دعي أحدكم أخوه فليجب عرسًا كان أو غيره\" إن لم يوجد فيها مانع من الأعذار الشرعية، كما قاله الزرقاني (٢). محمد قال: كذا في نسخة:\n* * *\n\n٨٨٧ - أخبرنا مالك، حدثنا ابن شهاب، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أنه قال: بئس الطعام طعام الوليمة، يُدعى إليها الأغنياء ويترك المساكين، ومن لم يأت الدعوة فقد عصى الله ورسوله.\n• أخبرنا مالك، حدثنا ابن شهاب؛ أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة، كان ثقة فقيهًا، وكان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة عن الأعرج، وهو عبد الرحمن بن هرمز، يكنى أبا داود المزني مولى ربيعة بن الحارث، ثقة ثبت عالم، كان في الطبقة الثالثة من طبقات المحدثين، من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة كذا في (تقريب التهذيب) عن أبي هريرة، ﵁ أنه قال: قال ابن عبد البر: رواة مالك لم يصرحوا برفعه، ورواه ابن القاسم عنه مصرحًا برفعه، وكذا أخرجه الدارقطني في (الغرائب) من إسماعيل بن سلمة بن قعنب عن مالك مصرحًا برفعه إلى النبي - ﷺ - بئس الطعام أي: شر الطعام كما في (الموطأ) لمالك طعام الوليمة، وإنما سماه بئسا وشرًا لقوله: يُدعى إليها الأغنياء ويُترك المساكين، أي: الفقراء فهي من هذه الحيثية\n_________\n(١) في الأصل: \"ونفاس\".\n(٢) انظر: \"شرح الزرقاني\" (٣/ ٢٠٩).\n(٨٨٧) صحيح: أخرجه البخاري (٢٠٩٢) ومسلم (٢٠٤١) وأبو داود (٣٧٨٢) (٢٠٥٠) والترمذي (١٨٥٠) وأحمد (١٢٧٢٩) ومالك (١١٦١).","vol":"4","page":218},{"text":"مذمومة، وإلا فمن حيثية أنها سنة مأثورة بقوله - ﷺ -: \"أولم ولو بشاة\"، وكان يولم - ﷺ - أيضًا بنفسه فهي محمودة، كذا قاله علي القاري. وتعقبه الطيبي بأن التعريف في الوليمة للعهد الخارجي، وكان من عادتهم مراعاة الأغنياء فيها وتخصيصهم بالدعوى وإيثارهم، وقوله: يدعى إلى آخره استئناف بياني، لكونها شر الطعام، ومثل هذا لا يحتاج إلى تقدير من قوله: ويترك المساكين حال، والعامل يدعى أي: يدعي لها الأغنياء، والحال أنه يترك المساكين والفقراء، والإِجابة واجبة فيكون الدعاء سببًا لأكل المدعو شر الطعام وقول التنقيح: جملة يدعى في موضع الصفة لطعام ردة في (المصابيح) بأن الظاهر أنها صفة الوليمة على (ق ٩١٥) جعل اللام جنسية مثلها في قوله: ولقد أمر على اللئيم يسبني، ويستغني حينئذ عن تأويل تأنيث الضمير على تقدير كونها صفة الطعام، انتهى. ومن لم يأت الدعوة بفتح الدال على المشهور، وهي أعم من الوليمة؛ لأنها خاصة بالعرس، كما نقله أبو عمر - يعني ابن عبد البر - من أهل اللغة.\nوقال النووي: بفتح الدعوة الطعام، أما دعوة النسب فبكسرها هذا قول جمهور العرب أي: من لم يجبها بغير عذر فقد عصى الله ورسوله وهذا ظاهر في أن إجابة الوليمة واجبة، والحديث رواه الدارقطني في (فوائد ابن مدرك) عن أبي هريرة: \"بئس الطعام طعام العرس يطعمه الأغنياء ويمنعه المساكين\" وروى الترمذي عن ابن مسعود ﵁ مرفوعًا: \"طعام أول يوم حق، وطعام الثاني سنة، وطعام الثالث سمعة، ومن سمع سمع الله به\" وفي رواية لمسلم عن أبي هريرة بلفظ: \"شر الطعام الوليمة يمنعها من يأتيها، ويدعى من يأباها، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله\" وفي رواية الطبراني عن ابن عباس ﵄ ولفظه: \"شر الطعام طعام الوليمة: يدعى إليها الشبعان ويحبس عنها الجائع\" كذا قاله علي القاري.\nمحمد قال: كذا في نسخة.\n* * *\n\n٨٨٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس\n_________\n(٨٨٨) صحيح: أخرجه: البخاري (٢٠٩٢) ومسلم (٢٠٤١) وأبو داود (٣٧٨٢) (٢٠٥٠) والترمذي (١٨٥٠) وأحمد (١٢٧٢٩) ومالك (١١٦١).","vol":"4","page":219},{"text":"ابن مالك، قال: سمعته يقول: إن خيّاطًا دعا رسول الله - ﷺ - لطعام صنعه، قال أنس: فذهبتُ مع رسول الله - ﷺ - إلى ذلك الطعام فقرب إلى رسول الله - ﷺ - خبزًا من شعير ومرقًا فيه دُبّاء، قال أنس: فرأيتُ رسول الله - ﷺ - يتتبع الدُبَّاء من حول الصحفة، قال: فلم أزل أحبّ الدُبَّاء منذ يومئذٍ.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وهو زيد الأنصاري المدني، يكنى أبا يحيى، ثقة حجة، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة والمحدثين، مات سنة اثنين وثلاثين ومائة عن أنس بن مالك، بن النضر بن الضمضم الخزرجي، خادم رسول الله - ﷺ - ﵁ قال: أي: إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة سمعته أي: أنس وهو عمه أخو أبيه لأمه يقول: أي: حال كون أنس يقول: إن خيّاطًا بفتح الحاء المعجمة والتحتية المشدودة، ولم يعرف الحافظ اسمه دعا رسول الله - ﷺ - طعام وفي نسخة: لطعام باللام صنعه، قال أنس: فذهبتُ مع رسول الله - ﷺ - إلى ذلك الطعام فقرب أي: الخياط إلى رسول الله - ﷺ - خبزًا من شعير بفتح الشين المعجمة وكسر العين الممدودة ومرقًا بفتحتين والقاف يقال بالتركي: شوربا فيه دُبّاء، بضم وتشديد الموحدة الواحدة دباءة فهمزته منقلبة عن حرف علة وخطأ المجد الجوهري في ذكره في المقصور أي: فيه قرع، زاد في رواية القعنبي وابن بكير والمثنى وقديد قال أنس ﵁: فرأيتُ رسول الله - ﷺ - يتتبع بإسكان الفوقية وخفة الموحدة مفتوحة أي: يفتش الدباء أي القرع من حول الصحفة؛ أي: من دائرة القصعة: زاد في رواية يأكلها أي: لأنها كانت تعجبه ويترك القديد إذ كان لا يشتهيه حينئذ، ففيه أن المؤاكل لأهله وخدمه يأكل ما يشتهيه حيث رآه ذلك الإِناء إذا علم أن مؤاكله لا يكره ذلك، وإلا فلا يتجاوز ما يليه وقد (ق ٩١٦) أن أحدًا لا يكره منه - ﷺ - شيئًا. بل كانوا يتبركون بريقه وغيره مما مسه، بل كانوا يتبادرون إلى نخامته فيستدلكون بها قال: أنس ﵁: فلم أزل أحبّ الدُبَّاء أي: أكلهم منذ يومئذٍ أي: لبعد ذلك اليوم، كما في (الموطأ) لمالك.\nوقد ورد من قوله - ﷺ -: \"أنها شجرة أخي يونس\"، فلم أزل أحب الدباء محبة زائدة بعد ذلك اليوم اقتداء به - ﷺ -، ولأحمد عن أنس أنه - ﷺ - قاله له: \"إذا طبخت قدرًا فأكثر فيها من الدباء فإنها تنشد قلب الحزين\" وللطبراني عن واثلة بن الأسقع مرفوعًا: \"عليكم بالقرع\"، فإنه يزيد في الدماغ\" وللبيهقي عن عطاء مرسلًا: \"عليكم بالقرع، فإنه يزيد في","vol":"4","page":220},{"text":"العقل ويكبر الدماغ\" وزاد بعضهم: أنه \"يجلوا البصر ويلين القلب\" وفي (تذكرة) القرطبي: أن \"الدباء والبطيخ من الجنة\".\n* * *\n\n٨٨٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا إسحاق بن عُبيد الله بن أبي طلحة، قال: سمعتُ أنس بن مالك يقول: قال أبو طلحة لأمّ سُليم: لقد سمعتُ صوت رسول الله - ﷺ - ضعيفًا أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيءٍ، قالت: نعم، فأخرجتْ أقراصًا من شعير، ثم أخذتْ خمارًا لها ثم لَفَّت الخبز ببعضه، ثم دسته تحت يدي، وردتني ببعضه، ثم أرسلتني إلى رسول الله - ﷺ - قال: فذهبت به فوجدتُ رسول الله - ﷺ - جالسًا في المسجد ومعه الناس، فقمتُ عليهم، فقال لي رسول الله - ﷺ -: \"أأرسلك أبو طلحة؟ \" قلت: نعم، قال: فقال: \"بطعام؟ \"، فقلتُ: نعم، فقال رسول الله - ﷺ - لمن معه: \"قوموا\"، فانطلقْتُ بين أيديهم، ثم رجعتُ إلى أبي طلحة، فأخبرته الخبر، فقال أبو طلحة: يا أم سُليم، قد جاء رسول الله - ﷺ - وليس عندنا من الطعام ما نطعمهم، كيف نصنع؟ فقالت: الله ورسوله أعلم، قال: فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله - ﷺ -، فأقبل هو ورسول الله - ﷺ - حتى دخلا، فقال رسول الله - ﷺ -: \"هلمي يا أم سُلَيم ما عندك\"، فجاءت بذلك الخبز، قال: فأمر به رسول الله - ﷺ - فَفُتَّ، وعَصَرَت أم سُلَيم عكةً لها؛ فآدمته، ثم قال رسول الله - ﷺ - ما شاء الله أن يقول، ثم قال: \"ائذن لعشرة\"، فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال: \"ائذن لعشرة\"، فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال: \"ائذن لعشرة\"، فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال: \"ائذن لعشرة\"، فأذن لهم حتى أكل القوم كلهم وشبعوا، وهم سبعون أو ثمانون رجلًا.\n_________\n(٨٨٩) صحيح: أخرجه البخاري (٣٥٧٨) ومسلم (٢٠٤٠) والترمذي (٣٦٣٠) وأحمد (١٢٠٨٢) ومالك (١٧٢٥).","vol":"4","page":221},{"text":"قال محمد: وبهذا كله نأخذ، ينبغي للرجل أن يجيب الدعوة العامة ولا يتخلف عنها إلا لعلَّة، فأمَّا الدعوة الخاصّة، فإن شاءَ أجاب وإن شاء لم يجب.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، وفي أخرى: قال: ثنا أخبرنا إسحاق بن عُبيد الله بن أبي طلحة، وهو زيد بن سهل الأنصاري البخاري، وهو مشهور بكنيته، وهو زوج أم أنس بن مالك بنت ملحان، فلما مات مالك أبو أنس بالشام بالتجارة من أم سليم فأراد أبو طلحة أن ينكحها وأبت؛ لأنه كافر ودعته إلى الإِسلام فأسلم، فقالت: إني أتزوجك ولا آخذ منك صداقًا لإِسلامك فتزوجها أبو طلحة لقد سمعتُ صوت رسول الله - ﷺ - ضعيفًا أعرف فيه الجوع، أي: أثره فهل عندك من شيءٍ، أي: شيء من طعام، وفي رواية أنس عن أحمد: أن أبا طلحة رأى رسول الله - ﷺ - طاويًا (١).\nوعند أبي يعلى من طريق محمد بن سيرين عن أنس: أنا أبا طلحة بلغه أنه ليس عند رسول الله - ﷺ - طعام فآجر نفسه بصاع من شعير فعمل بقية يومه ذلك ثم جاء به (٢). . . الحديث، وفيه إشعار بأن القصة متعددة، وفي رواية عمرو بن عبد الله بن أبي طلحة عند مسلم وأبي يعلى قال: رأى أبو طلحة رسول الله - ﷺ - مضطجعًا يتقلب بطنًا لظهر.\nوفي رواية يعقوب بن عبد الله بن أبي طلحة عند مسلم عن أنس قال: جئت رسول الله - ﷺ - فوجدته جالسًا مع أصحابه يحدثهم، وقد عصب بطنه بعصابة فسألت بعض أصحابه فقال: من الجوع، فذهبت إلى أبي طلحة فأخبرته فدخل على أم سليم فقال: أعندك شيء، فإني مررت على النبي - ﷺ - وهو يقرئ أصحاب الصفة سورة النساء، وقد ربط على بطنه حجرًا قالت. نعم، فأخرجتْ أقراصًا بفتح الهمزة وسكون القاف جمع قرص أي: خبز من شعير، ثم أخذتْ خمارًا لها بكسر الخاء المعجمة وهي المقنعة التي توضع على الرأس وتغطي بها ثم لَفَّت وفي رواية: فلفت الخبز ببعضه أي: بطرف خمارها ثم دسته بتشديد السين المهملة أي: أخفته تحت (ق ٩١٧) يدي أي: إبطي وردتني ببعضه أي: جعلت بعضه مردودًا فوق رأسي حماية من الشمس، وفي رواية: ولاستني ببعضه أي: دارت بعض الخمار على رأسي مرتين كالعمائم تم أرسلتني إلى رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) أخرجه: الترمذي (٢٣٦٠) وابن ماجه (٣٣٤٧) وأحمد (٢٣٠٣) (٣٥٣٥) من حديث ابن عباس.\n(٢) أخرجه: أبو يعلى (٢٨٣٠).","vol":"4","page":222},{"text":"فذهبت ول فوجدتُ رسول الله - ﷺ - جالسًا في المسجد المراد به هنا الموضع الذي أعده النبي - ﷺ - للصلاة فيه حين محاصرة الأحزاب للمدينة في غزوة الخندق ومعه الناس، أي: أصحابه فقمتُ عليهم، أي: وقفت وفي رواية: فسلمت عليهم فقال لي رسول الله - ﷺ -: \"أأرسلك أي: هل أرسلك أبو طلحة؟ \" قلت: نعم، وفي نسخة: فقلت بالفاء قال: كذا في نسخة أي: أنس فقال: \"لطعام؟ \"، وفي (الموطأ) لمالك برواية يحيى: بطعام بالباء الموحدة بدل اللام فقال رسول الله - ﷺ - لمن معه: \"قوموا\"، ظاهره أنه - ﷺ - مفهم أن أبا طلحة استدعاه إلى منزله فلذلك قال لمن عنده: قوموا وأول الكلام يقتضي أن أم سليم وأبا طلحة أرسلا الخبز مع أنس أن يأخذه النبي - ﷺ - فيأكله فلما وصل أنس ورأى كثرة الناس حول النبي - ﷺ - استحى وظهر له أن يدعو النبي - ﷺ - ليقوم معه وحده إلى المنزل فيحصي مقصودهم من إطعامه، ويحتمل أن يكون ذلك عن رأى من أرسله حيث عهد إليه أنه إذا رأى كثرة الناس يستدعي النبي - ﷺ - وحده خشية أن لا يكفي ذلك النبي ومن معه، وقد عرفوا إيثاره - ﷺ - وأنه لا يأكل وحده، ووقع في رواية يعقوب بن عبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس عن أبي نعيم وأصله عند مسلم فقال لي أبو طلحة: يا أنس اذهب فقم قريبًا من رسول الله - ﷺ - فإذا أقام فدعه حتى يتفرق عنه أصحابه ثم اتبعه حتى إذا قام عتبة بابه فقل له: إن أبي يدعوك قال: أي: أنس فانطلقْتُ بين أيديهم، ثم رجعتُ إلى أبي طلحة، وفي نسخة الشارح علي القاري: حتى جئت أبا طلحة فأخبرته الخبر، فقال أبو طلحة: يا أم سُليم: قد جاء رسول الله - ﷺ - بالناس أي: بجمع عظيم منهم وليس عندنا من الطعام ما نطعمهم، كيف نصنع؟ وفي نسخة: فكيف نصنع فقالت: الله ورسوله أعلم، قال: أي: أنس فانطلق أبو طلحة أي: مستقبلًا للمشايعة حتى لقي رسول الله - ﷺ -، فأقبل هو ورسول الله - ﷺ - حتى دخلا، وفي نسخة: فأقبل رسول الله - ﷺ - وأبو طلحة معه فقال رسول الله - ﷺ -: \"هلمي أي: أحضري يا أم سُلَيم ما عندك\"، أي: من الطعام فجاءت بذلك الخبز، أي: الذي أرسلته مع أنس فأمر به أي: الخبز رسول الله - ﷺ - فَفُتَّ، بضم الفاء وتشديد التاء الفوقية أي: كسرت وعَصَرَت أم سُلَيم عكةً لها؛ وفي نسخة: لهم أي: عصرتها لأجل الناس بضم العين المهملة وتشديد الكاف المفتوحة: وعاء من جلد مستدير يختص بالسمن والعسل، وهو بالسمن أخص على ما في (النهاية) فآدمته، بالمد وبالقصر بالتشديد جعلت فيه إدامًا. كذا في (النهاية) ثم قال رسول الله - ﷺ - فيه كذا في نسخة ما شاء","vol":"4","page":223},{"text":"الله أن يقول، أي: من الدعاء والثناء بالأسماء وفي رواية (ق ٩١٨) مبارك بن فضالة فقال: هل من سمن فقال أبو طلحة: قد كان في العكة شيء فجاء بها فجعلا يعصرانها حتى خرج، ثم مسح رسول الله - ﷺ - القرص فانتفخ وقال: \"بسم الله\" فلم يزل يصنع ذلك، والقرص ينتفخ حتى رأيت القرص من الجفنة يتسع وفي رواية النضر بن أنس: فجئت بها ففتحتها رباطها ثم قال: \"بسم الله اللهم أعظم فيها البركة\" فعرف بهذا المراد بقوله فقال فيها ما شاء الله أن يقول ثم قال أي: النبي - ﷺ - لأبي طلحة أو لأنس: \"ائذن لعشرة\"، فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال \"ائذن لعشرة\"، فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا، تم خرجوا، تم قال: \"ائذن لعشرة\"، فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال: \"ائذن لعشرة\"، فأذن لهم حتى أكل القوم كلهم وشبعوا، وهم سبعون أو ثمانون رجلًا رواه البخاري ومسلم.\nوفي رواية لمسلم أنه قال: \"ائذن لعشرة\" فدخلوا فقال: \"كلوا وسموا الله تعالى\"، فأكلوا حتى فعل ذلك ثمانين رجلًا ثم أكل النبي - ﷺ - وأهل البيت وترك سئورًا أي: بقية، وهو بالهمزة وقد يبدل، وفي رواية للبخاري: قال: \"أدخل علي عشرة\" حتى عد أربعين، ثم أكل النبي - ﷺ - فجعلت أنظر هل نقص منها شيء، وفي رواية يعقوب: أدخل علي ثمانية، فما زال حتى دخل ثمانون، ثم دعاني ودعا أمي وأبا طلحة فأكلنا حتى شبعنا انتهى.\nوهذا يدل على تعدد القصة، فإن أكثر الروايات فيها أنه أدخلهم عشرة عشرة سوى هذا قاله الحافظ ابن حجر قال: وظاهر أنه - ﷺ - دخل منزل أبي طلحة وحده وصرح بذلك في رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى ولفظه: فلما انتهى رسول الله - ﷺ - إلى الباب فقال: \"اقعدوا\" ودخل وفي رواية يعقوب عن أنس فقال أبو طلحة: يا رسول الله إنما هو قرص! فقال: \"إن الله سيبارك فيه\"، وفي رواية: فقال أبو طلحة: يا رسول الله، إنما أرسلت أنسًا يدعوك وحدك ولم يكن عندنا ما يشبع من أرى، فقال: \"ادخل، فإن الله سيبارك فيما عندك\".\nقال العلماء: وإنما أدخلهم عشرة عشرة والله أعلم؛ لأنها قصة واحدة لا يمكن الجماعة الكثيرة أن تقدروا على التناول منها مع قلة الطعام فجعلهم عشرة عشرة لينالوا من الأكل ولا يزدحمون.\nقال محمد: وبهذا كله نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك ﵁ ينبغي للرجل أن يجيب الدعوة العامة ولا يتخلف","vol":"4","page":224},{"text":"عنها إلا لعلَّة، أي: يشبهه في طعامه والمنكر في مقامه أو المرض أو كَبَرَ لا لِكِبْرِ فأما الدعوة الخاصّة، أي: كضيافة الخياط فإن شاءَ أجاب وهو السنة ومن حسن العشرة وإن شاء لم يجب أي: لحصوله المنة أو وصول السمعة فهو مخير لعدم الإِيجاب والله الملهم للصواب.\nمحمد قال: كذا في نسخة.\n* * *\n\n٨٩٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"طعام الاثنين كافٍ للثلاثة، وطعامُ الثلاثة كافٍ للأربعة\".\n• أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزِّناد، وهو عبد الله بن ذكوان القرشي المدني ثقة فقيه، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ثلاثين ومائة عن الأعرج، اسمه عبد الرحمن بن هرمز، ويكنى أبا داود المزني مولى ربيعة بن الحارث ثقة ثبت، عالم، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين المحدثين من أهل المدينة، (ق ٩١٩) مات سنة سبع عشرة ومائة، كذا في (تقريب التهذيب) (١) عن أبي هريرة، ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"طعام الاثنين كاف للثلاثة، أي: بحسب القناعة أو شبع الأقل قوت الأكثر، أو لحصول البركة ونزول الرحمة، وفي نسخة: كاف في الثلاثة وطعام الثلاثة كافٍ للأربعة\"، وفي نسخة: \"كاف الأربعة\" رواه الشيخان والترمذي عنه أيضًا ورواه أحمد ومسلم والترمذي والنسائي عن جابر ولفظه: \"طعام الواحد يكفي اثنين وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية فاجتمعوا عليه ولا تفرقوا\" (٢) والله أعلم.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بفضل إجابة الدعوة، شرع في بيان ما يتعلق بفضل المدينة، فقال: هذا\n* * *\n_________\n(٨٩٠) صحيح: أخرجه: البخاري (٥٣٩٢) ومسلم (٢٠٥٨) والترمذي (١٨٢٠) وابن ماجه (٣٢٥٤) وأحمد (٧٢٧٨) ومالك (١٧٢٦).\n(١) تقدم.\n(٢) أخرجه: مسلم (٢٠٥٩) وابن ماجه (٣٢٥٤) وأحمد (١٣٨١٠) والدارمي (٢٠٤٤).","vol":"4","page":225},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-426>باب فضل المدينة</span>\nفي بيان ما يتعلق إلى فضل المدينة أي: الطيبة السكينة.\n٨٩١ - أخبرنا مالك، أخبرنا محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله أن أعرابيًا بايع النبي - ﷺ - على الإِسلام، ثم أصابه وَعْك بالمدينة، فجاء إلى رسول الله - ﷺ - فقال: أقلني بيعتي، فأبى، ثم جاءه فقال: أقلني بيعتي، فأبى، ثم جاءه فقال: أقلني بيعتي، فأبى، فخرج الأعرابي، فقال رسول الله - ﷺ -: \"إن المدينة كالكِير تنفي خبثها، وينصَعُ طيبُها\".\n• أخبرنا مالك، أخبرنا محمد بن المنكدر بن عبد الله بن الهدير بالتصغير التيمي، ثقة فاضل كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين المحدثين من أهل المدينة، مات سنة ثلاثين أو بعدها ومائة وزيادة كذا قاله ابن حجر (١) عن جابر بن عبد الله الأنصاري الصحابي ابن الصحابي أن أعرابيًا أي: بدويًا.\nقال الحافظ: لم أقف على اسمه إلا أن الزمخشري ذكر في (ربيع الأبرار) أنه قيس بن أبي حازم، وهو مشكل؛ لأنه كان في الطبقة الثانية من طبقات كبار التابعين من أهل الكوفة، ويكنى أبا عبد الله الكوفي ويقال: له رؤية وهو الذي يقال: إنه اجتمع له أنه يروي عن العشرة مات بعد التسعين أو قبلها، وهو ابن مائة سنة ونيف كذا قاله ابن حجر (٢) بايع النبي - ﷺ - على الإِسلام، أي: على قبول أحكامه بوجه الدوام ثم أصابه أي: الأعرابي وَعْك بفتح الواو وسكون العين المهملة أي: حمر بالمدينة، فجاء إلى رسول الله - ﷺ - وفي رواية سفيان الثوري: فجاء الغد محمومًا فقال: يا رسول الله أقلني أمر من الإِقالة وهي بكسر الهمزة أي: فسخ بيعتي، أي: على الإِسلام. كذا قاله عياض وقال غيره: إنما استقاله من الهجرة، ولم يرد الارتداد عن الإِسلام.\n_________\n(٨٩١) صحيح: أخرجه: البخاري (٧٢٠٩) ومسلم (١٣٨٣) والترمذي (٣٩٢٠) والنسائي (٤١٨٥) ومالك (١٦٣٩).\n(١) تقدم.\n(٢) تقدم.","vol":"4","page":226},{"text":"قال ابن بطال: بدليل أنه لم يرحل ما عقده إلا بموافقة النبي - ﷺ - على ذلك، ولو أراد الردة فيها لقتله إذ ذاك، وحمله بعضهم على ذلك من المقام بالمدينة فأبى، أي: امتنع رسول الله - ﷺ - عن الإِقالة ثم جاءه أي: ثانية فقال: أقلني بيعتي، فأبى، أي: امتنع ثم جاءه ثالثة فقال: أقلني بيعتي، فأبى، أي: امتنع أن يقيله؛ لأنها إن كانت بعد الفتح فهي على الإسلام فلم يقله؛ لأنه لا يحل الرجوع على الكفر وإن كانت قبله فهي على الهجرة والمقام معه بالمدينة ولا يحل للمهاجر أن يرجع إلى وطنه. كذا قاله عياض، وردَّه الأبي فقال: الأظهر أنها على الهجرة لقوله: دعك، ولو كانت على الإِسلام كانت ردة؛ لأن الرضى بالدوام على الكفر كفر انتهى. فخرج الأعرابي، أي: من المدينة إلى البادية؛ لأنه كان ممن قال تعالى في حقه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج: ١١] فقال رسول الله - ﷺ -: \"إن المدينة كالكير أي: ككير الحداد، وهو بكسر الكاف وسكون التحتية فراء أي: المبني من الطين، وقيل: الزق الذي ينفخ فيه النار والمبني المكور. كذا في (النهاية) تنفي بفتح الفوقية وسكون النون وبالفاء أي: تزيل خبثها، (ق ٩٢٠) بفتح الخاء المعجمة الموحدة والمثلثة أي: وسخها وقذرها، ويرى بضم الخاء وسكون الموحدة أي: الشيء الخبيث والأول أشبه لمناسبة الكير وينصَعُ بفتح التحتية وسكون النون وفتح الصاد وعين المهملة من النصوع، وهو الخلوص أي: يخلص طيبُها\" بكسر الطاء المهملة وسكون التحتية المخففة منصوب على أنه مفعول ينصع، وفي رواية: طيّبها بتشديد التحتية المكسورة مرفوع على أنه فاعله.\nقال الأبي: وهي الرواية الصحيحة وهو أقوم معنى؛ لأنه ذكره في مقابلة الخبيث، وأي مناسبة بين الكير والطيب شبه النبي - ﷺ - المدينة وما يصيبها ساكنها الجهد بالكير وما يدور عليه بمنزلة الخبيث من الطيب، فيذهب الخبيث ويبقى الطيب، وكذلك المدينة تنفي شرارها بالحمى والجوع وتطهر خيارها وتزكيها. انتهى. كذا قاله الفاضل السيد محمد الزرقاني.\nوالمعنى: يخرج من المدينة من لم يخلص إيمانه ويبقى من يخلص إبقائه وهذا الحديث أخرجه البخاري في الأحكام عن القعنبي وعبد الله بن يوسف، وفي (الاعتصام) عن إسماعيل ومسلم في الحج عن يحيى الأربعة عن مالك به، وتابعه سفيان الثوري عن محمد بن المنكدر، عند البخاري، وبنحوه وفيه إيماء إلى قوله تعالى: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ","vol":"4","page":227},{"text":"لِلطَّيِّبِينَ﴾ [النور: ٢٦] وإشارة إلى قوله ﷾ في سورة الرعد: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الرعد: ١٧] وبيعة النبي - ﷺ - في هذا المنوال، وقد قال تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بفضل المدينة، شرع في بيان ما يتعلق بحكم اقتناء الكلاب، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-427>باب اقتناء الكلب</span>\nباب في بيان ما يتعلق بحكم اقتناء الكلب أي: اتخاذه، وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق الطبع الخبيث، فإن صاحب الطبيعة الخبيثة لا يبقى بالمدينة ويتخذ الكلب من غير فائدة.\nمحمد قال: كذا في نسخة.\n٨٩٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا يزيد بن خُصيفَة، أن السائب بن يزيد أخبره أنه سمع سفيان بن أبي زهير، وهو رجل من شَنُوءَة، وهو من أصحاب رسول الله - ﷺ - يحدّث أناسًا معه، وهو عند باب المسجد، قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"من اقتنى كلبًا لا يغني عنه زَرعًا ولا ضرعًا نقص من عمله كلّ يوم قيراط\"، قال: قلتُ: أنتَ سمعتَ هذا من رسول الله - ﷺ -؟ قال: إي ورب هذا المسجد.\nقال محمد: يكره اقتناءُ الكلاب لغير منفعة، فأما كلب الزرع أو الضرع أو الصيد أو الحَرس فلا بأس به.\n_________\n(٨٩٢) صحيح: أخرجه: البخاري (٢٣٢٣) ومسلم (١٥٧٦) وابن ماجه (٣٢٠٦) وأحمد (٢١٤٠٦) ومالك (١٨٠٧).","vol":"4","page":228},{"text":"• أخبرنا مالك، أخبرنا يزيد بتحتية فزاي ابن خُصيفَة، بضم الخاء المعجمة وفتح الصاد المهملة وسكون الياء التحتية والفاء المفتوحة فهاء وهو جده وأبوه عبد الله بن خصيفة بن عبد الله يزيد الكندي المدني، وقد ينسب إلى جده، ثقة كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين المحدثين من أهل المدينة، مات بعد المائة كذا في (تقريب التهذيب) أن السائب بن يزيد بن سعيد بن ثمامة الكندي، وقيل غير ذلك في النسبة، ويعرف بابن النمر، صحابي صغير له أحاديث قليلة، وحج به - ﷺ - في حجة الوداع وهو ابن سبع سنين، وولاه عمر سوق المدينة مات سنة إحدى وتسعين بعد الهجرة، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة أخبره أنه سمع سفيان بن أبي زهير، بالتصغير الأزدي وهو رجل من شَنُوءَة، بفتح الشين المعجمة وضم النون وبعدها همزة مفتوحة مولى وهو من أصحاب رسول الله - ﷺ - أي: فهو عادل ثقة بلا شبهة وهو يحدّث أناسًا وفي (الموطأ) لمالك، وهو يحدث ناسًا معه، أي: جمعًا وهو عند باب المسجد، أي: مسجد المدينة أو المسجد الحرام، وهو الأظهر لما يأتي قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"من اقتنى كلبًا (ق ٩٢١) أي: اتخذه لا يغني عنه أي: لا يحفظ له زَرعًا ولا ضرعًا أي: ما فيه زراعة أو ماشية.\nقال عياض: المراد بكلب الزرع الذي يحفظه من الوحش بالليل والنهار لا الذي يحفظه من السارق، وكلب الماشية الذي يسرح معها لا الذي يحفظها من السارق، وقد أجاز مالك اتخاذه للحفظ من السارق انتهى. يعني لما في معنى المنصوص عليه به، كما أشار ابن عبد البر: واتفقوا على أن المأذون في اتخاذه هو ما لم يتفق على قتله، وهو الكلب العقور نقص من عمله أي: من أجر عمله كلّ يوم قيراط\"، وهو نصف دانف وفي (صحاح الجوهري) الدانف سدس الدرهم قال: أي: السائب بن يزيد قلتُ: أي: سألت سفيان بن زهير أنتَ سمعتَ أي: هل سمعت هذا أي: الخبر من رسول الله - ﷺ -؟ قال: إي بكسر الهمزة وسكون التحتية حرف جواب بمعنى نعم فتكون لتصديق الخبر وإعلام المختبر ولو عد الطالب ويوصل باليمين أي: نعم سمعته بلا واسطة ورب الكعبة ورب هذا المسجد.\nقال محمد: يكره اقتناءُ الكلب أي: اتخاذه لغير منفعة، فأما كلب الزرع أو الضرع أي: الماشية كالغنم وغيره أو الصيد أو الحَرس أي: حفظ وحراسة فلا بأس به أي: لا كراهة فيه.\n* * *","vol":"4","page":229},{"text":"٨٩٣ - أخبرنا مالك، عن عبد الملك بن مَيْسرة، عن إبراهيم النَّخَعي، قال: رخَّص رسول الله - ﷺ - لأهل البيت القاصي في الكلب يتخذونه.\nقال محمد: فهذا للحرَس.\n• أخبرنا مالك، عن عبد الملك بن مَيْسرة، البصري مقبول، كان في الطبقة السابعة من طبقات التابعين المحدثين من أهل البصرة مات بعد المائة من الهجرة (١) عن إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النَّخَعي، يكنى أبا عمران الكوفي الفقيه إلا أنه يرسل كثيرًا، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين المحدثين من أهل الكوفة، مات سنة تسع وتسعين وهو ابن خمسين سنة قال: أي: مرسلًا رخَّص رسول الله - ﷺ - لأهل البيت القاصي في الكلب يتخذونه.\nقال محمد: فهذا رخصة اتخاذ الكلب في البيت البعيد عن العمارة للحرَس أي: للحفظ عن السارق.\n* * *\n\n٨٩٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، قال: من اقتنى كلبًا إلا كلب ماشية أو ضاريًا نُقِصَ من عمله كل يوم قيراطان.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، العدوي مولاهم، يكنى أبا عبد الرحمن المدني مولى ابن عمر، ثقة كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين المحدثين من أهل المدينة، مات سنة سبع وعشرين ومائة كذا قاله ابن حجر.\nعن عبد الله بن عمر، ﵄ قال: من اقتنى كلبًا أي: ليس الذي اتخذ كلبًا إلا كلب ماشية أو ضاريًا بضاد معجمة وألف وراء مهملة وتحتية منصوبة عطف على كلب أي: معلمًا للصيد معتادًا له.\n_________\n(٨٩٣) مرسل.\n(١) انظر: التقريب (١/ ٣٦٩).\n(٨٩٤) صحيح، أخرجه: البخاري (٥٤٨٢) ومسلم (١٥٧٤) والترمذي (١٤٨٧) والنسائي (٤٢٨٦) وأحمد (٤٩٢٥).","vol":"4","page":230},{"text":"قال عياض: والمراد بكلب الماشية هو الذي يسرح معها لا الذي يحفظها من السارق نُقِصَ من عمله أي: من ثواب عمله كل يوم قيراطان ورواه أحمد والشيخان والترمذي والنسائي عن ابن عمر أيضًا، ولا يخالفه قوله في الحديث قبله قيراط؛ لأن الحكم الزائد لكون راو حفظ ما لم يحفظ الآخر، وأنه صلى الله تعالى عليه وسلم أخبر أولًا بنقص قيراط واحد فسمعه الراوي الأول، ثم أخبرنا ثانيًا بنقص قيراطين زيادة في التأكيد في التغير من ذلك، فسمعه الراوي الثاني أو تبرك على حالين، فنقص القيراطين باعتبار كثرة الأضرار باتخاذه (ق ٩٢٢) والقيراط باعتبار قلته أو القيراطان لمن اتخذه بالمدينة المنورة خاصة، والقيراط بما عداها أو يلحق بالمدينة سائر البلدان والقرى، ويختص بالقيراط بأهل البوادي وهو ملتفة إلى معنى كثرة التأذي وقتله، والمراد بالنقص أن الإِثم الحاصل باتخاذه يوازن قدر قيراط أو قيراطين من أجر عمله، فينقص من ثواب عمله المتخذ بقدر ما يترتب عليه من الإِثم باتخاذه، وهو قيراط أو قيراطان وقيل: النقص امتناع الملائكة من دخول بيته أو يلحق الأدنى بالمارين كذا قاله الزرقاني (١).\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم اقتناء الكلب، شرع في بيان ما يتعلق بما يكره من الكذب وغيره، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-428>باب ما يكره من الكذب وسوء الظن والتجسس والنميمة</span>\nفي ذكر ما يتعلق بحكم ما يكره من الكذب، وهو الخبر بعد المطابقة للواقع، وقيل: هو إخبار لا على ما عليه المخبر عنه وسوء الظن وهو الاعتقاد الراجح مع احتمال النقيض، والتجسس هو التفتيش عن مواطن الأمور والنميمة هي نقل الكلام من قوم إلى قوم على جهة الإفساد وكذا قاله السيد محمد الجرجاني وصاحب (النهاية).\nاقتبس المصنف رحمه الله تعالى هذه الترجمة من قوله تعالى من سورة الحجرات: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ الآية [الحجرات: ١٢] وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق كون الرجل إثمًا بما لا ينبغي له محمد قال: كذا في نسخة.\n_________\n(١) انظر: \"شرح الزرقاني\" (٤/ ٤٧٦).","vol":"4","page":231},{"text":"٨٩٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا صفوان بن سُليم، عن عطاء بن يسار: أن رسول الله - ﷺ - سأله رجل فقال: يا رسول الله أكْذِبُ امرأتي؟ فقال رسول الله - ﷺ -: \"لا خير في الكذب\"، قال: يا رسول الله أعِدُها وأقول لها؟ فقال رسول الله - ﷺ -: \"لا جُناح عليك\".\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا خير في الكذب في هزال ولا جِد، فإن وسع الكذبُ في شيءٍ ففي خصلةٍ واحدةٍ: أن ترفع عن نفسك أو عن أخيك مظلمة، فهذا نرجوا أن لا يكون به بأس.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا صفوان بن سُليم، بالتصغير المدني يكنى أبا عبد الله الزهري مولاهم ثقة مفتي عابد رمي بالقدر، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين المحدثين من أهل المدينة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة (١) عن عطاء بن يسار الهلالي، يكنى أبا محمد المدني مولى ميمونة، ثقة فاضل صاحب مواعظ وعبادة، كان في الطبقة الثانية من طبقات صغار التابعين المحدثين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين كذا في (تقريب التهذيب) قال أبو عمر: لا أحفظه مسندًا بوجه من الوجوه، وقد رواه ابن عيينة عن صفوان عن عطاء بن يسار مرسلًا أن رسول الله - ﷺ - سأله رجل فقال: يا رسول الله اكْذِبُ بصيغة المتكلم وحذف همزة الاستفهام استغناء عن همزة الوصل امرأتي؟ فقال رسول الله - ﷺ -: \"لا خير في الكذب\" أي بل هو شر كله؛ قال الله تعالى في سورة النحل: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١٠٥] والمعنى: لا خير في أصل الكذب أو فيه غالبًا إذ قد يجب الكذب، وقد يجوز كما يدل عليه سؤاله ثانيًا قال: أي: الرجل يا رسول الله أعِدُها بهمزة الاستفهام في الوعد أي: هل أتكلم لامرأتي وأقول لها؟ بلساني إني أفعل لك كذا وكذا، وليس في نيتي فعلًا ولا إعطاؤه لها فقال رسول الله - ﷺ -: \"لا جُناح أي: لا حرج عليك\" ولعله مقتبس من قوله تعالى في سورة النساء: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ (ق ٩٢٣) نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ الآية [النساء: ١١٤]، وقد ورد: \"وليس بالكذب من أصلح بين الناس فقال خيرًا أو تمنى خيرًا\" بتشديد الميم أي: زاد أو بتخفيفه\n_________\n(٨٩٥) مرسل: أخرجه مالك (١٨٥٩).\n(١) انظر: \"التقريب\" (١/ ٢٥٥).","vol":"4","page":232},{"text":"أي: بلغه وأوصله رواه البغوي بسنده، ورواه أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي (١) عن أم كلثوم بنت عقبة بلفظ: \"ليس الكذب يصلح بين الناس فينمي\" أي: يزيد خيرًا.\nقال سعيد بن زيد الباجي: فرق بين الكذب والوعد؛ لأن الكذب ماض وهذا مستقبل، وقد يمكنه تصديق خبره كذا نقله علي القاري عن السيوطي.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل هنا إلا بما رواه عطاء بن يسار مرسلًا عن رسول الله - ﷺ - ونقول: لا خير في الكذب في جِده، أي: في عمد ولا هزال وفي نسخة: الهزل مقدم على جد بأن يقول للصبي شيئًا يعطيه ويظهره له وليس في نيته إعطاؤه له وعد منه عرض الزيل من غير شيء فيه على الدابة لأن يأخذها فإن وسع الكذبُ في شيءٍ أي: ولو جاز في شيء من الأشياء ففي خصلةٍ واحدةٍ: أي: لا غيرها أن ترفع عن نفسك أو عن أخيك مظلمة، بكسر اللام أي: ظلم فهذا نرجوا أي: نحن ومعشر الفقهاء أن لا يكون به بأس أي: كراهة فيه لدفع الضرر.\n* * *\n\n٨٩٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إياكم والظن، فإن الظن أكذبُ الحديث، ولا تجَسَّسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا\".\n• أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزِّناد، وهو عبد الله بن ذكوان القرشي المدني فقيه، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين المحدثين من أهل المدينة، مات سنة ثلاثين ومائة عن الأعرج، اسمه عبد الرحمن بن هرمز ويكنى أبا داود المزني مولى ربيعة بن الحارث، ثقة ثبت عالم في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة عن أبي هريرة: ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إياكم اسم منصوب على المفعولية بفعل محذوف لضيق الوقت عن ذكره والواو في قوله: والظن، للعطف على إياكم، كما أشار إليه الشيخ الرضي في بحث، ويجب حذف عامل المفعول به في قوله: إياك والأسد\n_________\n(١) أخرجه: البخاري (٢٦٩٢) ومسلم (٢٦٠٥) وأبو داود (٤٩٢٠) والترمذي (١٩٣٨).\n(٨٩٦) صحيح: أخرجه: البخاري (٥١٤٤) ومسلم (٢٥٦٣) وأبو داود (٤٩١٧) والترمذي (١٩٨٨) وأحمد (٧٧٩٨) ومالك (١٦٨٤).","vol":"4","page":233},{"text":"من (شرح الكافية)، والمعنى: احذروا أيها المكلفون أنفسكم اتباع الظن وبعد الظن عن أنفسكم، والمراد بالظن سوء الظن وهو أن تظن وتتكلم وإن لم يتكلم، فهو عفوي والظن عبارة عما تركن وتميل إليه النفس ويميل إليه القلب وسوء الظن حرام وسبب تحريمه أن أسرار القلوب لا يعلمها إلا علام الغيوب، فليس لك أن تعتقه في غيرك سواء إلا إذا انكشف لك بعيان لا يحتمل التأويل، فعند ذلك لا تعتقد إلا ما علمته وشاهدته، فما لم تشاهده أو لم تسمعه ثم وقع في قلبك فإنما الشيطان يلقيه إليك، فينبغي لك أن تكذبه فإنه أفسق الفساق.\nوقال العارف (زروق): إنما ينشأ الظن الخبيث عن القلب الخبيث فإن الظن أقام المظهر مقام المضمر إذ القياس أن يقال: فإنه لزيادة تمكن المسند إليه في ذكر [] (١) حثًا على الاجتناب أكذبُ الحديث، أي: حديث النفس أشد ضررًا لتعديته إلى غيره بإلقاء الشيطان في نفس الإِنسان ولا تجَسَّسوا، أي: لا تبحثوا (ق ٩٢٤) ولا تتفصحوا عن معايب الناس ومساويهم.\nوفي رواية: بالحاء المهملة، وقد ورد \"يا معشر من آمن بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه\" ولأحمد والشيخين بروايتهم عنه: \"ولا تحسسوا\" بالحاء المهملة أي: لا تطلبوا الشيء بالحاسة كاستراق السمع وإبصار الشيء حقيقة ولا تنافسوا، بفاء وسين من المنافسة، وهي الرغبة في النفيس والانفراد به، والمراد به هنا التنافس في الدنيا لطلب الظهور على الناس والتكبر عليهم، وأما التنافس في طريق البر محمود، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦] ولا تحاسدوا، أي: لا تطلبوا زوال النعمة عن غيركم ولا تباغضوا، أي: لا يبغض بعضكم بعضًا في الأمور الدنيوية، وإلا فقد ورد مدح الحب في الله والبغض في الله من جهة الأمور الدينية والأحوال الأخروية ولا تدابروا، أي: لا تهاجروا عن الإخوان بانقطاع السلام والكلام والإِحسان، وأصل التدابر المعاداة والمقاطعة؛ إذ كل منهما يولي عن صاحبه دبره محسوسًا بالأبدان ومعقولًا بالعقائد وكونوا عباد الله بحذف النداء إخوانا\" أي: اكتسبوا ما تصيرون به إخوانًا مما ذكر وغيره، فإذا تركتم ذلك كنتم إخوانًا وإذا لم تتركوه صرتم أعداء، والحديث رواه أحمد والشيخان. محمد قال: بنا مالك، كما في نسخة.\n* * *\n_________\n(١) طمس بالأصل.","vol":"4","page":234},{"text":"٨٩٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"مِنْ شَرّ الناس ذو الوَجْهَيْنِ، الذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه\".\n• أخبرنا مالك، قال: أخبرنا أبو الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، ﵁ عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"مِنْ شَرّ الناس أي: كلهم، وحمله على ذلك أبلغ في الذم، وفي رواية للإِسماعيلي: \"من شر خلق الله\" وللبخاري (١) عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁: \"شر الناس يوم القيامة عند الله تعالى\" ذو الوَجْهَيْنِ، وهو مجاز عن الجهتين مثل المدحة والذمة لا حقيقة، وفسره بقوله: الذي يأتي هؤلاء أي: القوم بوجه، وهؤلاء أي: القوم بوجه\" أي: فيظهر عند كل أنه منهم ومخالف للآخرين مبغض لهم، وعند الإِسماعيلي: الذي يأتي هؤلاء بحديث وهؤلاء.\nقال القرطبي: إنما كان من شر الناس؛ لأن حاله حال المنافقون إذا هو يتخلق بالباطل وبالكذب يدخل الفساد بين الناس.\nوقال: النووي: لأنه يأتي كل طائفة بما يرضيها فيظهر لها أنه منها ومخالف لضدها وصيغة نفاق محض وكذب وخداع وتحيل على الاطلاع على أسرار الطائفتين، وهي مداهنة محرمة.\nقال القاضي عياض وغيره: فأما من قصد بذلك الإِصلاح المرغب فيه فيأتي لكل بكلام فيه صلاح واعتذار لكل واحد عن الآخر، وينقل له عن الجميع محمول مرغب فيه.\nلما فرغ من بيان ما يكره من الكذب وسوء الظن والتجسس والنميمة، شرع في بيان ما يتعلق بكف الرجل نفسه عن سؤال الصدقة من الناس، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-429>باب الاستعفاف عن المسألة والصدقة</span>\nالاستعفاف أي: في بيان ما يتعلق بطلب العفاف، وهو كف النفس عن المسألة أي:\n_________\n(٨٩٧) صحيح: أخرجه: أبو داود (٤٨٧٢) وأحمد (٩٦٧٢) ومالك (١٨٦٤).\n(١) أخرجه: البخاري (٦٠٥٨).","vol":"4","page":235},{"text":"من الناس والصدقة أي: وكف الرجل نفسه من أخذ الصدقة إن أعطيت بلا سؤال استنبط المصنف هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ (ق ٩٢٥) إِلْحَافًا﴾ الآية [البقرة: ٢٧٣]، ووجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق معنى الكراهة بالكراهة بالكذب وغيره والسؤال عن الناس وغيره. محمد قال: بنا مالك. كذا في نسخة.\n٨٩٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي سعيد الخُدري: أن أناسًا من الأنصار سألوا رسول الله - ﷺ - فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى أنفَدَ ما عنده، فقال: \"ما يكن عندي من خير فلن أدّخره عنكم، ومن يستعفف يَعفُّه الله، ومن يستغنِ يُغنه الله، ومن يَتَصَبَّر يصبره الله، وما أُعطي أحدٌ عطاءً هو خيرٌ وأوسع من الصبر\".\n• أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد الليثي، أي: بالمثلثة من أنفسهم، وقيل: مولاهم المدني نزيل الشام ثقة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة خمس أو سبع ومائة وقد جاوز ثمانين سنة. كذا في (تقريب التهذيب) عن أبي سعيد الخُدري: ﵁ أن أناسًا من الأنصار قال الحافظ: لم يتعين لي أسماؤهم إلا أن في النسائي ما يدل على أن أبا سعيد الراوي منهم للطبراني عن حكيم بن حزام أنه خوطب ببعض ذلك، لكنه ليس أنصار إلا بالمعنى الأعم سألوا رسول الله - ﷺ - أي: شيئًا من المال فأعطاهم، ثم سألوه أي: ثانيًا فأعطاهم، ثم سألوه أي: ثالثًا فأعطاهم، حتى أنفَدَ ما عنده، أي: أفناه ولم يبق شيئًا منه، وهو مأخوذ من نفذ بفتح النون وكسر الفاء فدال مهملة من باب علم بمعنى نفى وانقطع، ومنه قوله تعالى في سورة النحل: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦] ويتعدى بالهمزة فقال: أنفدته أي: أفنيته على ما في (المصباح) فقال: أي: النبي - ﷺ - والفاء بمعنى ثم كما كان في (الموطأ)\n_________\n(٨٩٨) صحيح: أخرجه: البخاري (١٤٦٩) ومسلم (١٠٥٣) وأبو داود (١٦٤٤) والترمذي (٢٠٢٤) والنسائي (٢٥٨٨) وابن ماجه (٢٨٩٣) وأحمد (١٥٨٣) ومالك (١٨٨٠).","vol":"4","page":236},{"text":"لمالك ثم قال: \"ما يكن ما شرطية، وفي رواية: ما يكون فما موصولة، والمعنى ما يوجد عندي من خير أي: من مال وجواب الشرط فلن أدّخره عنكم، بفتح الهمزة وتشديد الدال المهملة المفتوحة وكسر الخاء المعجمة فراء مهملة أي: لن أجعله ذخيرة لغيركم أو لن أحبسه وأخباه ولن أمنعه ومن يستعفف بالفائين من الاستعفاف أي: من يطلب العفة والمكسر أي: الحبس عن المال سؤال يَعفُّه الله، من الإِعفاف جواب لمن المتضمنة بمعنى الشرط أي: يصنعه الله من الوقوع في المزلة ومن يستغنِ أي: يظهر الغنا بما عنده من اليسير عن المسألة يُغنه الله، أي: من فضله عما سواه وقنعه الله بما لديه وأرضاه ومن يَتَصَبَّر أي: من يصدق المصبر ويؤثره ويختاره بعد الفجر يصبره الله، بتشديد الوحدة أي يوفقه الله ويعنه على الصبر فإن الله مع الصابرين، وقال تعالى في سورة النحل: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧] وقد ورد: \"وأن النصر مع الصبر\" وما أُعطي بضم الهمزة مبني للمفعول أحدٌ نائب الفاعل عطاءً نصب على أنه مفعول ثان لأعطى هو خيرٌ أي: أفضل أجرًا وأوسع أي: أكثر نفعًا من الصبر\" فإن للصبر عليه مقدار المقامات العلا، كما قال تعالى: في سورة الملائكة: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] محمد قال: بنا مالك، كذا في نسخة.\n* * *\n\n٨٩٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر، أن أباه أخبره أن رسول الله - ﷺ - استعمل رجلًا من بني عبد الأشهل على الصدقة، فلما قدم سأله أبْعِرَةً من الصدقة، قال: فغضب رسول الله - ﷺ -، حتى عُرِفَ الغضبُ في وجهه، وكان مما يُعرف به الغضب في وجهه: أن تحمّر عيناه، ثم قال: \"الرجل يسألني ما لا يصلحُ لي ولا له، فإن منعتُه كرهتُ المنعَ، وإن أعطيتُهُ أعطيتُهُ ما لا يصلح لي ولا له\"، فقال الرجل: يا رسول الله، لا أسألك منها شيئًا أبدًا.\nقال محمد: لا ينبغي أن يُعطى من الصدقة غنيّ، وإنما نرى أن النبي - ﷺ - قال ذلك؛ لأن الرجل كان غنيّا، ولو كان فقيرًا لأعطاه منها.\n_________\n(٨٩٩) مرسل: أخرجه: مالك (١٨٨٧).","vol":"4","page":237},{"text":"• أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني القاضي فيها ثقة، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة خمسة وثلاثين ومائة وهو ابن سبعين سنة أن أباه أي: أبا عبد الله، وهو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أخبره أي: مرسلًا ورواه أحمد بن منصور البلخي متصلًا عن مالك عن عبد الله عن أبيه عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله - ﷺ - استعمل رجلًا من بني عبد الأشهل بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة بطن من الأوس على الصدقة، أي: أخذها وجمعها وإتيانها فلما قدم سألة أي: عن النبي - ﷺ - أبْعِرَةً بفتح الهمزة وسكون الموحدة وكسر العين المهملة ثم راء فوقية جمع البعير، وهو الإِبل كذا قاله محمد الواني من الصدقة، أي: زيادة على أجر عمله كما ذكره السيوطي قال: أي: أبو بكر الراوي فغضب رسول الله - ﷺ -، أي: غضبًا شديدًا حتى عُرِفَ أثر الغضبُ في وجهه، أي: - ﷺ - فإن قيل: كيف يصح إسناد الغضب إلى رسول الله - ﷺ - مع أنه تعالى قال في شأنه - ﷺ -: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] ومن حسن الخلق أن لا يغضب.\nعن العلاء بن الشخير: أن رجلًا جاء إلى النبي - ﷺ - من قبل وجهه فقال: يا رسول الله أي: العمل أفضل؟ قال: \"حسن الخلق\"، ثم أتاه عن يمينه فقال: أي العمل أفضل يا رسول الله؟ قال: \"حسن الخلق\"، ثم أتاه عن شماله فقال: أي العمل أفضل؟ قال: \"حسن الخلق\"، ثم أتاه من بعده أي: من خلفه فقال: يا رسول الله، أي العمل أفضل؟ فالتفت إليه رسول الله - ﷺ - فقال: \"ما لك لا تفقه حسن الخلق أن لا تغضب إن استطعت\". رواه محمد بن نصر المروزي.\nأجيب بأن الغضب شرعًا هو غليان دم القلب لدفع المؤذيات عن القلب قبل وقوعها فيه، ولطالب حصول الشفاء القلب بالانتقام من الجاني عليه بعد وصولها فيه، فغضبه - ﷺ - رجلًا سائل زيادة على أجر عمله من قبيل طلب حصول شفاء القلب إلى آخره، وهو حسن الخلق، فإنه إذا غضبه صانه من أن يكون غاصبًا من بيت المال وصان بيت المال من أن يكون مصروفًا إلى غير محله، فهذه الصيانة من حسن الخلق وكان مما يُعرف به الغضب في وجهه: أن تحمّر عيناه، أي: لشدة الغضب وكان يظلمه ثم قال: \"الرجل يسألني ما أي: شيئًا لا يصلحُ لي أي: إعطاؤه ولا له، أي: ولا يصلح له أخذه فإن منعتُه كرهتُ المنعَ،","vol":"4","page":238},{"text":"أي: بطريق الطبع؛ لأنه - ﷺ - مجبول على الوجود وعدم المنع وإن أعطيتُهُ أي: وإن أردت أن أعطي لذلك الرجل لا على وفق الشرع أعطيتُهُ ما أي: شيئًا لا يصلح لي ولا له\"، أي: لعدم حله فقال الرجل: يا رسول الله، لا أسألك منها أي: من الصدقة شيئًا أبدًا أي: حتى أعلم أنه يصلح لي.\nقال محمد: لا ينبغي أن لا يجوز أن يُعطى من الصدقة أي: من مالها غنيّ، أي: إلا العالم بقدر عمله وإنما نرى بضم النون أو فتحها أي: نظن أو نعتقد أن النبي - ﷺ - قال ذلك، أي: ما تقدم من الامتناع لأن الرجل كان غنيّا، أي: وليس له إلا قدر عمله ولو كان فقيرًا لأعطاه منها أي: زيادة على ما أعطاه حتى أغناه.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بالاستعفاف والاستغناء عن المسألة والصدقة، شرع في بيان ما يتعلق بحكم حال الرجل يكتب إلى الرجل، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-430>باب الرجل يكتب إلى رجل يبدأ به</span>\nفي بيان ما يتعلق بحكم حال الرجل يكتب إلى الرجل يبدأ به أي بالرجل المكتوب إليه. محمد قال: بنا مالك، كذا في نسخة.\n٩٠٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر: أنه كتب إلى أمير المؤمنين عبد الملك يبايعه فكتب:\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أما بعد، لعبد الله بن عبد الملك أمير المؤمنين، من عبد الله بن عمر، سلامٌ عليك، إني أحمدُ إليك الله الذي لا إله إلا هو، وأقرّ لك بالسمع والطاعة على سنة الله وسنة رسول الله - ﷺ - فيما استطعت.\nقال محمد: لا بأس إذا كتب الرجل إلى صاحبه أن يبدأ بصاحبه قبل نفسه.\n_________\n(٩٠٠) صحيح: أخرجه: البخاري (٧٢٠٣) ومالك (١٨٤٣).","vol":"4","page":239},{"text":"• أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر: ﵄ أنه كتب إلى أمير المؤمنين عبد الملك أي: ابن مروان (ق ٩٢٧) بن الحكم بن أبي العاص الأموي يكنى أبا الوليد المدني ثم الدمشقي، كان طالب علم قبل الخلافة ثم اشتغل بها فتغير حاله، ملك ثلاث عشرة سنة استقلالًا، وقبلها منازعًا لابن الزبير تسع سنين، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة والدمشقي، مات سنة ست وثمانين في شوال وقد جاوز الستين. كذا قاله ابن حجر يبايعه أي: خوفًا من الضرر والعدوان فكتب:\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أما بعد، لعبد الملك أي: هذا مكتوب لأجله أو المعنى إلى عبد الملك أمير المؤمنين، وفي نسخة غير معتمدة: لعبد الله بن عبد الملك من عبد الله بن عمر، سلامٌ عليك، إنِّي أحمدُ إليك الله الذي لا إله إلا هو، أي: إليك حمدًا وأقرّ لك بالسمع والطاعة على سنة الله وسنة رسول الله - ﷺ - أي: على وفق حكمهما فيما استطعت أي: عملًا بقوله تعالى في سورة النساء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ الآية [النساء: ٥٩] وقوله - ﷺ -: \"اسمعوا وأطيعوا وإن أمر عليكم عبد حبشي\" (١) وقوله - ﷺ -: \"لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق\" (٢) وفي قوله: فيما استطعت إشعار بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ [التغابن: ١٦].\nقال محمد: لا بأس إذا كتب الرجل إلى صاحبه أن يبدأ بصاحبه قبل نفسه استدلالًا بفعل ابن عمر فيكون محمولًا على جوازه لا سيما إذا كان المكتوب إليه يخاف من شر ما لديه، ويؤيده أيضًا قوله:\n* * *\n\n٩٠١ - قال محمد: عن عبد الرحمن بن أبي الزِّناد عن أبيه عن خارجة بن زيد عن زيد بن ثابت أنه كتب إلى معاوية:\n_________\n(١) أخرجه: البخاري (٦٩٣).\n(٢) أخرجه: أحمد (١٠٩٨).\n(٩٠١) صحيح.","vol":"4","page":240},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، لعبد الله بن معاوية أمير المؤمنين، من زيد بن ثابت.\nقال محمد: ولا بأس بأن يبدأ الرجل بصاحبه قبل نفسه في الكتاب.\n• قال محمد: عن عبد الرحمن بن أبي الزِّناد عن أبيه عن خارجة بن زيد عن زيد بن ثابت أنه كتب إلى معاوية:\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، لعبد الله بن معاوية أمير المؤمنين، من زيد بن ثابت وهو من أفاضل كتبة رسول الله - ﷺ - ولذا استدل بفعله وقال:\nقال محمد: ولا بأس بأن يبدأ الرجل بصاحبه قبل نفسه في الكتاب أي: في المكتوب إن كان بظاهره يخالف ما في الكتاب من قوله تعالى في سورة النمل: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠] وكذا يعارض مكاتبيه - ﷺ - لأهل الإِسلام للملوك وغيرهم من الأنام، فإن الكل مصدر بقوله: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ من محمد رسول الله إلى هرقل وإلى كسرى وإلى النجاشي وإلى المقوقس وإلى المنذر بن ساوى وإلى ملك غسان وإلى صاحب اليمامة وغيرهم.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بحال الرجل يكتب إلى الرجل يبدأ به، شرع في بيان ما يتعلق بحكم الاستئذان إذا أريد الدخول على المحارم، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-431>باب الاستئذان</span>\nفي بيان ما يتعلق بحكم الاستئذان في طلب الإِذن في الدخول على المحارم، وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق الاستحباب والوجوب. اقتبس هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة النور: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور: ٢٧] وقد أجمعوا على مشروعية الاستئذان وتظاهرت بها دلائل القرآن والسنة.\nمحمد قال: بنا مالك، كذا في نسخة.","vol":"4","page":241},{"text":"٩٠٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا صفوان بن سُليم، عن عطاء بن يَسار: أن النبي - ﷺ - سأله رجل، فقال: يا رسول الله: أَسْتأْذِن على أمي؟ قال: \"نعم\"، قال الرجل: إني معها في البيت، قال: \"استأذن عليها\"، قال: إني أخدُمها، قال رسول الله - ﷺ -: \"أتحب أن تراها عريانة؟ \"، قال: لا، قال: \"فاستأذِنْ عليها\".\nقال محمد: وبهذا نأخذ، الاستئذان حَسَنٌ، وينبغي أن يستأذن الرجل على كل من يَحْرُم عليه النظر إلى عورته ونحوها.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا صفوان بن سُليم، بالتصغير المدني، يكنى أبا عبد الله الزهري مولاهم، ثقة مفتي عابد رأى القدر، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة اثنين وثلاثين ومائة وهو ابن اثنين (ق ٩٢٨) وسبعين سنة كذا في (تقريب التهذيب) (١) عن عطاء بن يَسار: الهلالي يكنى أبا محمد المدني مولى ميمونة، ثقة فاضل صاحب مواعظ وعبادة، كان في الطبقة الثانية من طبقات صغار التابعين من المحدثين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين.\nقال ابن عبد البر: هذا حديث مرسل صحيح لا أعلمه يستند من وجه صحيح ولا صالح أن النبي - ﷺ - سأله رجل، فقال: أي: يا رسول الله: أَسْتأْذِنُ أي: أطلب الإِذن إن أردت الدخول على أمي؟ قال: \"نعم\"، قال الرجل: إني معها في البيت، يعني أنهما ساكنان في البيت الواحد، ويقول الله تعالى: ﴿غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: ٢٧] قال: أي: النبي - ﷺ - \"استأذن عليها\"، أي: إذا أردت الدخول عليها، ولو كنت معها في بيت واحد قال: أي: الرجل إني أخدُمها، يعني: ويكثر دخولي عليها وخروجي عنها ظنًا أن فيه حرجًا قال رسول الله - ﷺ -: \"استأذن عليها\". كذا في نسخة يعني: لما رآه - ﷺ - مجادلًا نبهه على ما غفل عنه مما يقع حجته فقال: \"أتحب أن تراها عريانة؟ \"، بضم العين المهملة وسكون الراء قال: لا، أي: لا أحب ذلك قال: \"فاستأذِنْ عليها\" أي: فإنها قد تكون عارية وأنت خالي\n_________\n(٩٠٢) مرسل: أخرجه: مالك (١٧٩٦).\n(١) انظر: التقريب (١/ ٢٥٥).","vol":"4","page":242},{"text":"الذهن عنها فتدخل عليها فتريها عارية فتضرر هي وكذلك أنت.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه عطاء مرسلًا إلى النبي - ﷺ - الاستئذان حَسَنٌ، وينبغي أن يستأذن الرجل على كل من يَحْرُم عليه النظر إلى عورته ونحوها أي: من سائر بدنه كفخذه، ولو كان من محارمه.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بالاستئذان، شرع في بيان ما يتعلق بحكم استصحاب التصاوير والجرس وغيرهم من التماثيل، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-432>باب التصاوير والجرس وما يُكره منها</span>\nفي بيان ما يتعلق بحكم استصحاب التصاوير أي: تماثيل الحيوانات والجرس وما يكره منها، أي: من التصاوير، وفي نسخة: منه فالضمير المجرور عائد إلى الجرس، والجرس محركة ما يعلق بعنق الدابة فيصوت، كذا في (المغرب)، والأولى تقديم الجرس على التصاوير وفاقًا بالأحاديث استنبط هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢] وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق معنى الأمر والنهي. محمد قال: بنا كذا في نسخة.\n٩٠٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن سالم بن عبد الله، عن الجرّاح مولى أم حبيبة، عن أم حبيبة: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"العِير التي فيها جَرَسٌ لا تصحبها الملائكة\".\nقال محمد: إنما نرى ذلك كُره في الحرب؛ لأنه يُنذر به العدوّ.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن سالم بن عبد الله، بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، يكنى أبا عمر وأبا عبد الله المدني، أحد الفقهاء السبعة، وكانا ثبتًا عابدًا فاضلًا، وكان يشبه بأبيه في الهدي والسمت، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين المحدثين من أهل المدينة، مات في آخر سنة ست بعد المائة عن الجرّاح بفتح الجيم وتشديد\n_________\n(٩٠٣) ضعيف: أخرجه: أبو داود (٢٥٥٤) وأحمد (٢٦٢٤٠) والدارمي (٢٦٧٥).","vol":"4","page":243},{"text":"الراء مولى أم حبيبة، عن أم حبيبة: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"العير بكسر العين المهملة وسكون التحتية ثم راء أي: القافلة التي فيها جَرَسٌ بضم الجيمَ والراء ثم سين مهملة، وحكى القاضي عياض إسكان الراء والتخفيف أنه يفتحها اسم الآلة وسكونها اسم الصوت يعني: القافلة التي تعلق على عناق الدواب جرسًا، يقال لها باللسان التركي: جاك لا تصحبها أي: لا تقرن بالعير التي علقت آلة الجرس على أعناق دوابهم الملائكة\" أي: غير الكتبة هذا شاهد على الجزء الثاني من الترجمة.\nقال محمد: أي: المصنف ﵀ إنما روى أي: الإِمام مالك وفي نسخة: نرى بصيغة المجهول أي: كره عن الجرس ذلك أي: النهي في الحرب، أي: لا في غيره لأنه يُنذر به أي: بالجرس العدوّ وفيه أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وقد ورد: \"الجرس من أمر الشيطان\" رواه أحمد في مسنده ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة ﵁، وفي رواية لأحمد ومسلم وأبي داود والترمذي عن أبي هريرة ﵁ بلفظ: \"لا تدخل الملائكة بيتًا فيه جرس\" (١).\n* * *\n\n٩٠٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو النَّضْر مولى عمر بن عَبْد الله بن عبد الله بن عُتْبة بن مسعود: أنه دخل على أبي طلحة الأنصاري يعوده، فوجد عنده سهل بن حُنيف، فدعا أبو طلحة إنسانًا، يَنْزعُ نَمَطًا تحته، فقال سهلُ بن حُنيف: لم تنزِعُه؟ فقال: لأن فيه تصاوير، وقد قال رسول الله - ﷺ - فيها ما قد علمت، قال سهل: أوَلَم يقل: \"إلا ما كان رَقْمًا في ثوب؟ \"، قال: بلى، ولكنه أطيب لنفسي.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، ما كان فيه تصاوير من بساط يُبسط، أو فراش، أو وسادة، فلا بأس بذلك، إنما نكره ذلك في الستر، وما يُنصب نصْبًا، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n_________\n(١) أخرجه: أبو داود (٤٢٣١) وأحمد (٢٥٥٢١).\n(٩٠٤) صحيح: أخرجه: الترمذي (١٧٥٠) والنسائي (٥٣٤٩) ومالك (١٨٠٢).","vol":"4","page":244},{"text":"• أخبرنا مالك، أخبرنا أبو النَّضر بفتح النون وسكون الضاد المعجمة ثم راء، اسمه سالم بن أمية مولى عمر بن عبيد الله بن معمر القرشي التيمي المدني، يعد من التابعين، روى عنه مالك والثوري وابن عيينة، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين المحدثين، من أهل المدينة، كذا قاله الطيبي في (ذيل شرح مشكاة المصابيح) وابن حجر في (تقريب التهذيب).\nمولى عمر بن عبيد الله بضم العين المهملة وفتح الموحدة وسكون التحتية عن عبيد الله بالتصغير ابن عبد الله بفتح العين ابن عُتْبة بن مسعود: الهذلي، يكنى أبا عبد الله المدني، ثقة فقيه ثبت، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين المحدثين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين وقيل: سنة ثمان وتسعين، كذا قاله ابن حجر.\nأنه دخل على أبي طلحة الأنصاري الخزرجي كان اسمه زيد بن سهل يعوده، أي: يزوره في موضعه فوجد عنده سهل بن حُنيف، بضم الحاء المهملة وفتح النون وسكون التحتية ثم فاء فدعا أبو طلحة إنسانًا، أي: رجلًا من خدمه يَنْزعُ أي: يخرج نَمَطًا بفتح النون والميم وطاء مهملة ضرب من البسط له خمل رقيق كذا ذكره السيوطي (١).\nقوله: خمل بفتح الخاء المعجمة وسكون الميم ثم لام يقال له بالتركي: صحق تحته، أي: كائنًا تحت بدنه فقال أي: لأبي طلحة سهلُ بن حُنيف: لم تنزِعُه؟ أي: لأي شيء ترفعه فقال: لأن فيه تصاوير، أي: تماثيل ذات أجسام هذا شاهد للجزء الأول من الترجمة وقد قال رسول الله - ﷺ - فيها أي: في حق التصاوير ما قد علمت، أي: أبا سهل من قوله: \"إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه تماثيل أو صورة\" (٢) رواه أحمد والترمذي وابن حبان عن أبي سعيد الخدري ﵁، وفي رواية علي كرم الله وجهه أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب ولا صورة (٣) رواه ابن ماجه قال سهل: ألَم يقل: وفي نسخة: أولم يقل بالواو فالواو عطف على مقدر تقديره: ألم تعلم يا أبا طلحة ما قاله - ﷺ -، وألم يقل رسول الله - ﷺ -: \"إلا ما كان رَقْمًا بفتح الراء المهملة وسكون القاف أي نقشًا في ثوب؟ \"، قال: بلى،\n_________\n(١) انظر: \"تنوير الحوالك\" (١/ ٢٤١).\n(٢) أخرجه: الترمذي (٢٨٠٥) وأحمد (١١٤٤٨) وابن حبان (٥٨٤٩) وأبو يعلى (١٣٠٣).\n(٣) أخرجه: ابن ماجه (٣٦٥٠) وابن أبي شيبة (٦/ ٧١).","vol":"4","page":245},{"text":"أي: قد قال ذلك ولكنه أي: إلا أن الثوب الذي فيه نقش أطيب لنفسي أي: لقلبي كما في نسخة للبعد عن الصور من حيث هو قال ابن العربي: حاصل ما في اتخاذ الصور أنها كانت ذات أجسام حرم إجماعًا (ق ٩٣٠) وإن كانت رقمًا فأربعة أقوال: الجواز مطلقًا لظاهر هذا الحديث، والمنع مطلقًا حتى الرقم والتفصيل، فإن كانت الصورة ثابتة الهيئة قائمة الشكل حرام وإن قطعت الرأس وتفرقت الأجزاء، وهذا هو الأصح، والرابع: إن كان مما يثمن جاز، وإن كان معلقًا فلا انتهى.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل أنا وأهل الكوفة هنا إلا بما رواه عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ما أي: بساط كان فيه تصاوير من بساط يُبسط، أو فراش، أو وسادة، أي: يتوسد أي مستند فلا بأس بذلك، أي: لا كراهة باستعماله هكذا إنما نكره أي: يحرم ذلك أي: البساط ذو الصور في الستر، أي: المعلق وما يُنصب نصْبًا، أي: ظاهرًا والأعلى تعظيمه وهو أي: جواز استعمال البساط ذي الصور بساطًا وفراشًا ووسادة قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا والله أعلم.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم استعمال ذي الصورة، شرع في بيان ما يتعلق بحكم اللعب بالنرد، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-433>باب اللعب بالنرد</span>\nفي بيان ما يتعلق بحكم اللعب بالنرد بفتح النون وسكون الراء المهملة ثم دال مهملة بلغة الفرس حلو، ويسمى الكصاب والأرق والنردشير قيل: إن الأوائل في أمور الدنيا وجدوها على أسلوبين:\nأحدهما: ما يجري بحكم الاتفاق فوضعوا له النرد للشعر النقش به.\nوالثاني: ما يجري بحكم السعي والتحصيل فوضعوا له الشطرنج لتشعر النفس وتنهض الخواطر إلى عمل مثله من المطلوبات، ويقال: إن واضع النرد وضعه على رأي أصحاب الحيوية وواضع الشطرنج وضعه على وضع القدرية.\nمحمد قال: بنا كذا في نسخة.","vol":"4","page":246},{"text":"٩٠٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا موسى بن ميسرة، عن سعيد بن أبي هند، عن أبي موسى الأشعري: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"مَنْ لَعِبَ بالنَّرْد فقد عصى الله ورسوله\".\nقال محمد: لا خير باللعب كلها من النرد والشَّطْرنج، وغير ذلك.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا موسى بن ميسرة، الدياي بكسر الدال وسكون التحتية، مولاهم يكنى أبا عروة المدني ثقة، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة ثلاث وثلاثين ومائة عن سعيد بن أبي هند، الفزاري مولاهم ثقة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين المحدثين، مات سنة ست عشرة وقيل بعدها ومائة كذا في (تقريب التهذيب) عن أبي موسى اسمه عبد الله بن قيس الأشعري: ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"مَنْ لَعِبَ بالنَّرْد بفتح النون وسكون الراء ودال مهملة قطع ملونة من خشب البقس وعظم الفيل وغير ذلك فقد عصى الله ورسوله\" كذا روى أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم في (مستدركه)، وإنما هي عن لعب النرد؛ لأنه يوقع العداوة والبغضاء ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة ويشغل القلب فيحرم اللعب به باتفاق السلف، بل حكى بعضهم عليه الإجماع ونوزع، وقيل: سبب حرمته أن واضعه سابور بن أردشير أول ملوك ساسان شبه رقعته بوجه الأرض والتقسيم الرباعي بالفصول الأربعة، والشخوص الثلاثين بثلاثين يومًا والسواد والبياض بالليل والنهار، والبيوت اثنى عشر لشهور السنة، والكعاب الثلاثة بالأقفية السماوية فيما للإِنسان وعليه ما ليس له ولا عليه والخصال بالأعراض التي يسعى الإِنسان لأجلها، وللعب بها بالكسب فصار من يلعب بها حقيقًا بالوعيد، (ق ٩٣١) لاجتهاده في إحياء سنة المجوس المتكبرة على الله وهذا الحديث رواه أبو داود وغيره من طريق مالك وقال الحاكم: على شرط الشيخين.\nقال محمد: لا خير أي: في آلة اللعب باللعب أي: بسبب اللعب الحرام كلها من النرد بيان باللعب الحرام، فإن بعض اللعب مباح كملاعبة الزوج مع زوجته والسيد مع\n_________\n(٩٠٥) صحيح: أخرجه: أبو داود (٤٩٣٨) وابن ماجه (٣٧٢٦) وأحمد (١٩٠٥٧) ومالك (١٧٨٦) والحاكم (١٦٠).","vol":"4","page":247},{"text":"أمته، وكملاعبة الفرس مع فرسه، وصاحب القوس مع قوسه، والسيف مع سيفه لاستعداد الحرب، وأما اللعب بالنرد فحرام بالاتفاق مسقط للعدالة بالإِجماع؛ فإنه كبيرة. كذا قاله محمد القهستاني في (جامع الرموز) قال رسول الله - ﷺ -: \"من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه\" رواه مسلم عن بريدة ﵁.\nقال النووي: معناه في حال أكله منه فشبه اللعب به في تحريمه بتحريم أكله، وقال غيره: هو كناية عن تزكية، وهو حرام فدل على تحريم اللعب وهو نص حديث المصنف عن مالك: \"فقد عصى الله ورسوله\" كما قاله الفاضل السيد محمد الزرقاني (١).\nوالشَّطْرنج، وغير ذلك وهو بكسر الشين المعجمة وسكون الطاء المهملة وفتح الراء المهملة وسكون النون ثم جيم على وزن جردقل بكسر الجيم وسكون الراء وفتح الدال وسكون القاف، ثم لام، يعني اللعب به حرام وكبيرة عندنا.\nقال علي القارى: حرمته إذا كان بشرط قمار وأما بدونه وشروط أخر فمباح عند الشافعي انتهى.\nقال في (الكافي): وفي إباحته إعانة للشيطان على الإِسلام والمسلمين انتهى.\nقال رسول الله - ﷺ -: \"ملعون من لعب بالشطرنج والناظر إليها كالآكل لحم الخنزير\" رواه عبدان وأبو موسى الأشعري وابن حزم ﵃ أجمعين كذا أورده جلال الدين السيوطي في (الجامع الصغير).\nقال الذهبي: وأكل لحم الخنزير حرام بإجماع المسلمين، ومن ثمة ذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد إلى تحريمه، أعني الشطرنج.\nوقال الشافعي: يكره ولا يحرم فقد لعبه جماعة من الصحابة ومن لا يحصى من التابعين ومن بعدهم كذا قاله المناوي.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم اللعب بالنرد، شرع في بيان ما يتعلق بحكم الناظر إلى اللعب.\n* * *\n_________\n(١) انظر: \"شرح الزرقاني\" (٤/ ٤٥٥).","vol":"4","page":248},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-434>باب النظر إلى اللعب</span>\nفي بيان حكم النظر إلى اللعب المباح فالألف واللام في اللعب للعهد، وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق معنى الكراهة والإِباحة. محمد قال: بنا، كذا في نسخة.\n٩٠٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو النضر، أنه أخبره من سمع عائشة رضوان الله عليها تقول: سمعتُ صوت أناس يلعبون من الحَبَشِ وغيرهم يومَ عاشوراء، قالت: فقال رسول الله - ﷺ -: \"أتحبِّينَ أن ترين لَعِبَهم؟ \" قالت: قلتُ: نعم، قالت: فأرسل رسول الله - ﷺ - إليهم، فجاؤُوا، وَقام رسول الله - ﷺ - بين الناس، فوضع كفَّه على الباب، ومدّ يده، ووضعتُ ذَقْني على يده، فجعلوا يلعبون وأنا انظر، قالت: فجعل رسول الله - ﷺ - يقول: \"حسبك. قالت: وأسكتُ مرتين، أو ثلاثًا، ثم قال لي: \"حسبك\"، فقلتُ: نعم، فأشار إليهم فانصرفوا.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا أبو النضر، وقد ذكر طبقاته قبل الباب السابق أنه أخبره يعني: قال: أبو النضر أخبرني من مرفوع محله؛ لأنه فاعل لا خبره سمع عائشة رضوان الله عليها تقول: أي: حال كون عائشة تقول: سمعتُ صوت أناس يلعبون أي: بالحربة، وهي من آلات الحرب وفيها دفع الكرب من الحَبَشِ بيان لأناس وهو بفتحتين جنس من السودان وغيرهم يومَ عاشوراء، أي: يوم العاشر من شهر المحرم (ق ٩٣٢) على ما في نسخة؛ فإن قيل: ما الحكمة في لعبهم يوم عاشوراء، أجيب بأنهم أظهروا السرور وجعلوا ذلك اليوم عيدًا بتخليص الله تعالى أجدادهم نوح صلوات الله على نبينا وعليه من الغرق بالماء حين ملئ بين المشرق والمغرب بالماء وهم في أصلاب آبائهم في ذلك اليوم قالت: فقال رسول الله - ﷺ -: \"أتحبِّينَ أي: يا عائشة أن ترين أي: أن تنظر لَعِبَهم؟ \" قالت: أي: حكت عن نفسه بأن تقول: قلتُ: نعم، أي: أحب النظر إلى لعبهم فأرسل رسول الله - ﷺ - إليهم، أي: داعيًا لهم فجاؤُوا، أي: قرب الدار وقام رسول الله - ﷺ - بين الناس، أي:\n_________\n(٩٠٦) إسناده ضعيف.","vol":"4","page":249},{"text":"خارج الباب فوضع كفَّه على الباب، ومدّ يده، أي: لزيادة الحجاب ووضعتُ ذَقْني على يده؛ أي: على طريق الإِحباب فجعلوا أي: شرعوا يلعبون وأنا انظر، أي: إلى لعبهم قالت: فجعل رسول الله - ﷺ - يقول: \"حسبك\"، بتقدير حرف الاستفهام أي: أيكفيك قالت: وأسكتُ مرتين، أو ثلاثًا، ثم قال لي: كذا في نسخة \"حسبك\"، فقلتُ: نعم، أي: يكفيني النظر إلى لعبهم فأشار إليهم فانصرفوا.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بالنظر إلى اللعب المباح، شرع في بيان ما يتعلق بحكم إيصال المرأة شعر رأسها بشعر غيرها من الآدميين، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-435>باب المرأة تصل شعرها بشعر زوجها</span>\nفي بيان ما يتعلق بحكم حال المرأة تصل شعرها بشعر غيرها أي: من الآدميين، وهو مكروه، ووجه المناسبة بين هذا الباب والباب السابق معنى الاستحسان والكراهة، وهما ضدان.\nمحمد قال: بنا كذا في نسخة.\n٩٠٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن حُميد بن عبد الرحمن، أنه سمع معاوية بن أبي سفيان عام حَجَّ وهو على المنبر يقول: يا أهل المدينة، أين علماؤكم - وتناول قُصَّةً من شعر كانت في يدي حَرَسيّ - سمعتُ رسول الله - ﷺ - ينهى عن مثل هذه، ويقول: \"إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذها نساؤهم\".\nقال محمد: وبهذا نأخذ، يكره للمرأة أن تصل شعرًا إلى شعرها، أو تتخذ قُصَّة شعر، ولا بأس بالوصل في الرأس إذا كان صوفًا، فأما الشعر من شعور الناس فلا ينبغي، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n_________\n(٩٠٧) صحيح: أخرجه البخاري (٣٢٨١) ومسلم (٢١٢٧) وأبو داود (٤١٦٧) والترمذي (٢٧٨١) والنسائي (٥٢٦٠) ومالك (٨١٢) والشافعي في \"المسند\" (٧٨٣) والطبراني في \"الكبير\" (١٩/ ٣٢٦) حديث (٧٤٣).","vol":"4","page":250},{"text":"• أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب بن زهرة بن كلاب، فقيه ثبت، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات بعد المائة عن حُميد بالتصغير ابن عبد الرحمن بن الزهري المدني ثقة، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة خمس ومائة على الصحيح أنه سمع معاوية بن أبي سفيان اسمه صخر بن حرب الأموي عام حَجَّ أي: سنة سبع وخمسين وهو على المنبر أي: منبر رسول الله - ﷺ - بالمدينة.\nقال ابن جرير: أو حجة حجها بعد الخلافة سنة أربع وأربعين وآخر حجة حجها بعد الخلافة سنة تسع وخمسين يقول: يا أهل المدينة، أين علماؤكم - أي: بالحديث أو علماؤكم المنكرون لهذا الحكم ولذلك المنكر وتناول أي: أخذ معاوية قُصَّةً بضم القاف وتشديد الصاد المهملة المفتوحة خصلة، وهي قطعة حبل مفتول من شعر تزيدها المرأة في شعرها كتوهم كثرته كانت في يدي حَرَسيّ - بفتح الحاء المهملة والراء وكسر السين المهملات وتحتية من خدمة الذين يحرسونه، زاد في رواية الطبراني: \"وجدت هذه عند أهلي وزعموا أن النساء يزرنه في شعورهن\"، وفي رواية ابن المسيب: \"ما كنت أرى يفعل هذا غير اليهود\" سمعتُ رسول الله - ﷺ - (ق ٩٣٣) ينهى عن مثل هذا، أي: الفعل وفي نسخة: هذه أي: القصة ووصل بالشعر ويقول: \"إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذ هذه أي: الفعلة وفي نسخة: اتخذها نساؤهم\" أي: وهم رضوا بذلك، وفيه إشارة إلى أن هذا أمر منكر حتى في المل السابقة فإنهم نهوا تحريمًا عن ذلك فاتخذوه استخفافًا فهلكوا.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل هنا إلا بما رواه حميد بن عبد الرحمن عن معاوية بن أبي سفيان يكره أي: تحريمًا للمرأة أن تصل شعرًا إلى شعرها، أي: ولو طاق، وفي نسخة: شعرها مقدم على شعرًا أو تتخذ قُصَّة بضم القاف وفتح الصاد المهملة المشددة مضاف إلى شعر، أي: قاصة من شعر الرأس، والذي منعوا منه جاء عن نبينا مثله عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: أن رسول الله - ﷺ - \"لعن الواصلة والمتوصلة والواشمة والمتوشمة\" (١) رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وغيره،\n_________\n(١) أخرجه: البخاري (٥٩٣٧) ومسلم (٢١٢٤).","vol":"4","page":251},{"text":"قوله: الواصلة: هي المرأة التي تصل الشعر بشعر النساء والمتوصلة: المعمول بها ذلك وقوله: الواشمة: هي التي تغرز اليد أو الوجه بالارثم تحشوا ذلك المكان كحلًا أو مدادًا، والمتوشمة: المعمول بها ذلك. كذا قاله الإِمام المنذري في (ترهيبه).\nقال الفاضل محمد الزرقاني: قوله: إن رسول الله - ﷺ -: \"لعن الواصلة والمتوصلة\" يحتمل أنه يكون خبرًا فيكون حكاية من الله تعالى، ويحتمل أنه دعا منه - ﷺ - لا ينبغي لشأنه الشريف أن يدعو بالشيء من فعل ذلك من أمته، ولأنه تعالى أمره بأنه قال: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]؛ ولأنه كان رحمة للعالمين وأنه تعالى أثنى عليه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] وسبب ورود هذا الحديث عن عائشة ﵂ أن جارية من الأنصار تزوجت وأنها مرضت فتمعط أي: سقط شعر رأسها، فأرادوا أن يصلوها فسألوا النبي - ﷺ - فقال: \"لعن الله الواصلة والمتوصلة\" وفي رواية: أن امرأة من الأنصار زوجت ابنتها فتمعط شعر رأسها فجاءت إلى النبي - ﷺ - فذكرت ذلك له وقالت: إن زوجها أمرني أن أصل في شعرها، فقال: \"لا إنه قد لعن الموصولات\". (١) كذا رواه البخاري ومسلم ولا بأس بالوصل في الرأس أي: في شعر الرأس إذا كان صوفًا، أي: شعر الضأن، وكذا إذا كان وبرًا وهو شعر الإِبل، فإن الشعر إذا أطلق فالمراد به شعر المعز، كما قال تعالى في سورة النحل: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا﴾ [النحل: ٨٠] لكن المصنف ﵀ أراد بالصوف شعر الحيوان مطلقًا ليتناول شعر الفرس ونحوه أيضًا لقوله: فأما الشعر من شعور الناس فلا ينبغي، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا وفي قاضي خان: لا بأس للمرأة أن يجعل في قرونها وذؤابتها شيئًا من (ق ٩٣٤) الوبر، ويكره أن تصل شعرها بشعر غيرها انتهى.\nولا يخفى أن إطلاق الحديث تفيد العموم ولو من شعرها لا سيما والعلة هو التزوير، فلا يظهر فرق بين شعر وشعر في التصوير كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم حال المرأة تصل شعرها بشعر غيرها، شرع في بيان ما يتعلق بالشفاعة، فقال: هذا\n* * *\n_________\n(١) أخرجه: البخاري (٢١٢٢) (٥٢٠٥).","vol":"4","page":252},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-436>باب الشفاعة</span>\nفي بيان ما يتعلق بالشفاعة، وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق ترهيب وترغيب.\nمحمد قال: بنا مالك، كذا في نسخة.\n٩٠٨ - أخبرنا مالك، حدثنا ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إنَّ لكل نبي دعوة، فأريدُ إن شاء الله أن أختبئ دعوتي شفاعةً لأمتي يوم القيامة\".\n• أخبرنا مالك، حدثنا ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل ثقة مكثر، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين أو أربع ومائة، وكان مولده سنة بضع وعشرين. كذا في (تقريب التهذيب) عن أبي هريرة ﵁ عن أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إنَّ لكل نبي دعوة، أي: مستجابة في حق العامة من الأمة، وقد صرفوها في إهلاك أممهم فأريدُ إن شاء الله أي: إن وقع وفق إرادته أن أختبئ وفي (الموطأ) لمالك: أن أخبئ أي: أخفي وأُأخر دعوتي شفاعةً لأمتي أي: خاصة بالأصالة ولغيرهم تبعًا يوم القيامة\" والمراد بها الشفاعة الكبرى في المقام المحمود الذي يحمده الأولون والآخرون، وفيه تنبيه على أنه رحمة للعالمين، وإيماء إلى أن سائر الأمم أمته بالقوة الرحمانية أو بالفعل أيضًا اعتبار المسابقة الروحانية.\nوالحديث رواه أحمد والشيخان عن أنس بلفظ: \"إن لكل نبي دعوة قد دعا في أمته فاستجيب له، وإني اختبأت دعوتي شفاعةً لأمتي يوم القيامة\" كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم الشفاعة، شرع ما يتعلق في الطيب، فقال: هذا\n* * *\n_________\n(٩٠٨) صحيح: أخرجه: البخاري (٦٣٠٤) ومسلم (١٩٨) والترمذي (٣٦٠٢) وابن ماجه (٤٣٠٧) وأحمد (٩٩٣٨) والدارمي (٢٨٠٥) ومالك (٤٩٢).","vol":"4","page":253},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-437>باب الطيب للرجل</span>\nالطيب للرجل أي: في بيان جواز استعمال الرجل الطيب.\nمحمد قال: بنا كذا، في نسخة.\n٩٠٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أن عمر بن الخطاب كان يتطيَّب بالمسك المفتَّت اليابس.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا بأس بالمسك للحي وللميت أن يُتَطيَّب به، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني يكنى أبا سعيد القاضي ثقة ثبت، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة أن عمر بن الخطاب كان يتطيَّب أي: يستعمل بالمسك المفتَّت أي: المسكر اليابس.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه يحيى بن سعيد عن عمر بن الخطاب موقوفًا لا بأس بالمسك أي: باستعماله للحي وللميت أن يُتَطيَّب به، أي: بل يستحب لاستعماله - ﷺ - حيًا وميتًا وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا أي: علماء أهل الكوفة.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بجواز استعمال الرجل الطيب، شرع في بيان ما يتعلق بجواز الدعاء على الكفار.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-438>باب الدعاء</span>\nالدعاء أي: في بيان جواز دعاء المؤمنين على الكفار.\nقال محمد: بنا كذا في نسخة.\n_________\n(٩٠٩) إسناده صحيح.","vol":"4","page":254},{"text":"٩١٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك قال: دعا رسول الله - ﷺ - على الذين قَتَلوا أصحاب بئر مَعُونَة ثلاثين غداةً، يدعو على رِعْل وذكوان ولحْيَان وعصيَّة: عصت الله ورسوله، قال أنس: نزل في الذين قُتِلوا ببئر مَعُونة قرآن قرأناه حتى نُسخ: بلّغوا قومنا أنَّا قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، الأنصاري المدني، يكنى أبا يحيى ثقة حجة، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين (ق ٩٣٥) والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة عن أنس بن مالك قال: دعا رسول الله - ﷺ - على الذين قَتَلوا أي: من المشركين أصحاب بئر مَعُونَة بفتح الميم وضم العين المهملة وسكون الواو بعدها نون موضع ببلاد هزيل بين مكة وعسفان، وذلك في صفر على رأس سنة وثلاثين شهرًا من الهجرة على رأس أربعة أشهر قوله: ثلاثين غداةً، أي: صباحًا ظرف لقوله: دعا رسول الله - ﷺ - يدعو جملة استئنافية على رِعْل بكسر الراء وسكون العين المهملة ثم لام بطن من بني سليم ينسبون إلى رعل بن عوف بن مالك وذكوان بفتح الذال المعجمة وسكون الكاف فألف بين الواو والنون بطن من سليم ينسبون أيضًا إلى ذكوان بن ثعلبة ولحْيَان بكسر اللام وسكون الحاء المهملة فألف بين التحتية والنون وعصيَّة: بالتصغير عصت الله ورسوله، أي: هذه الطوائف نعت أو حال أو استئناف فيه تقليل قال أنس: نزل في الذين قُتِلوا أي: في حق المقتولين ببئر مَعُونة قرآن أي: بعض منه قرأناه أي: أولًا حتى نسخ: أي: تلاوته، وهو قوله تعالى حكاية عنهم: بلّغوا قومنا أنَّا قد لقينا ربنا يحتمل أن يكون فاعلًا أو مفعولًا فرضي عنا ورضينا عنه والحديث في صحيح مسلم، وهذه الغزوة تعرف بسرية القراء وكان من أمرها كما قال ابن إسحاق: إنه قدم أبو براء عامر بن مالك مع جعفر المعروف بملاعب الأسنة على رسول الله - ﷺ - فعرض عليه الإِسلام ولم يبعد عن الإِسلام، وقال: يا محمد لو بعثت رجلًا من أصحابك إلى نجد فدعوتهم إلى أمرك رجوت أن يستجيوا لكم فقال - ﷺ -: \"إني أخشى نجد عليهم\". قال أبو براء: أنا لهم جار أي: حافظ فابعثهم، فبعث رسول الله - ﷺ - المنذر بن عمرو رفعة القراء وهم سبعون،\n_________\n(٩١٠) صحيح: أخرجه: البخاري (٢٦٥٩) ومسلم (٦٧٧).","vol":"4","page":255},{"text":"وقيل: أربعون، وقيل: ثلاثون، وقد بين قتادة في روايته أنهم كانوا يختطبون بالنهار ويصلون بالليل.\nوفي رواية ثابت: يشترون به الطعام لأهل الصفة ويتدارسون القرآن بالليل فساروا حتى نزلوا بشر معونة، فبعثوا حزام بن ملحان بكتابه - ﷺ - إلى عدو الله عامر بن الطفيل العامري، فلما أتاه لم ينظر في كتابه حتى عدى على رجل فقتله، ثم استصرخ بني عامر فلم يجيبوه وقالوا: لن تحقر بإبراء وقد عقد لهم عقدًا وجوارًا أي: حفظًا، فاستصرخ عليهم قبائل من سليم وعصية ورعلًا فأجابوه إلى ذلك، ثم خرجوا حتى غشوا القوم فأحاطوا بهم في رحالهم فلما رأوهم أخذوا سيوفهم وقاتلوهم حتى قتلوا إلى آخرهم قال ابن سعد عن أنس: \"ما رأيت رسول الله - ﷺ - وجد على أحد ما وجد على أصحاب بئر معونة\" أي: حزن عليهم حزنًا شديدًا أو أمرًا مريرًا. كذا قاله الفاضل علي القاري.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بجواز دعاء المسلمين بالشر على الكفار، شرع في بيان ما يتعلق برد السلام، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-439>باب رد السلام</span>\nفي بيان ما يتعلق بكيفية رد السلام وما (ق ٩٣٦) فيه من الفضل اقتبس هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦]، وجه المناسبة بين هذا الباب والباب السابق رد الكلام إلى الغير بالخير والشر.\nمحمد قال: بنا كذا في نسخة.\n٩١١ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو جعفر القاري، قال: كنتُ مع ابن عمر فكان يُسلَّم عليه، فيقول: السلام عليكم، فيرد مثل ما يُقال له.\nقال محمد: لا بأس به، وإن زاد: الرحمة والبركة فهو أفضل.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا أبو جعفر القاري، بتشديد التحتية المدني المخزومي، مولاهم اسمه يزيد بن القعقاع، وقيل: جندب بن فيروز، وقيل: فيروز، ثقة كان في الطبقة\n_________\n(٩١١) إسناده صحيح.","vol":"4","page":256},{"text":"السابعة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة سبع وعشرين وقيل: سنة ثلاثين ومائة قال: كنت مع ابن عمر فكان يُسلَّم عليه، بصيغة المجهول أي: فكان الناس يسلمون فيقول: السلام عليكم، يرد وفي نسخة: فيرد بالفاء مثل ما يُقال له أي: بعينه بغير زيادة عليه، والمثل يستعمل بحسب اصطلاح المحدثين، فأما إذا كان الموافقة بين المحدثين في اللفظ والمعنى والنحو يستعمل بحسب اصطلاح المحدثين إذا كانت الموافقة في المعنى فقط كذا قاله المبرك في (شرح الشمائل) للترمذي.\nقال محمد: لا بأس به، وإن زاد: الرحمة والبركة أي: بأن قال ورحمة الله وبركاته وفي نسخة: البركة مقدمة على الرحمة فهو أفضل أي: لأنه وافق بما قال تعالى: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وذلك أن رسول الله - ﷺ - لما عظم لربه في المعراج بأنواع التعظيم في ثلاث كلمات مكافأة بكلماته - ﷺ -، وقال: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته فليطلب معنى التشهد في كتابنا (سلام الفلاح).\n* * *\n\n٩١٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة: أن الطُفَيْل بن أبي بن كعب أخبره، أنه كان يأتي عبد الله بن عمر، فيغدو معه إلى السوق، قال: فإذا غَدَوْنا إلى السوق لم يمرّ عبد الله بن عمر على سقَّاطٍ ولا صاحب بيع ولا مسكينٍ ولا أَحَدٍ إلا سَلَّمَ عليه عبد الله، قال الطفيل: فجئتُ عبد الله بن عمر يومًا فاستتبعني إلى السوق، قال: فقلتُ: ما تصنع بالسوق؟ ولا تقف على البيع، ولا تسأل عن السلع، ولا تساوم بها، ولا تجلس في مجلس سوق، اجلس بنا ههنا نتحدث، قال: فقال عبد الله بن عمر: يا أبا بطن - وكان الطفيل ذا بطن: إنما نغدو من أجْل السلام؛ نُسلِّمُ على من لقينا.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة: وقد مر ترجمته في الباب\n_________\n(٩١٢) صحيح: أخرجه: البخاري في الأدب المفرد (١٠٣٧) ومالك (٨٤٠) والبيهقي في \"الشعب\" (٨٧٩٠)","vol":"4","page":257},{"text":"السابق أن الطُفَيْل بضم الطاء المهملة وفتح الفاء وسكون التحتية ثم لام ابن أبي بن كعب الأنصاري الخزرجي، كان يقال له: أبو بطن، لعظم بطنه ثقة يقال له: ولد في عهد النبي - ﷺ -، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، أخبره، أنه كان يأتي عبد الله بن عمر، يجيء إلى خدمة عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁ فيغدو معه بفتح التحتية وسكون الغين المعجمة وضم الدال وسكون الواو يصحب الطفيل بن أبي بن كعب مع ابن عمر إلى السوق، قال: أي: الطفيل وإذا غَدَوْنا وفي نسخة: فإذا بالفاء بدل الواو إلى السوق لم يمرّو في (الموطأ) لمالك: لم يمرر بفك الإِدغام عبد الله بن عمر على سقَّاطٍ بفتح السين المهملة وتشديد القاف أي: بائع المتاع الرديء وحقيره ولا صاحب بيعة أي: مطلقًا وفي (الموطأ) لمالك: ولا صاحب بيع بكسر الموحدة وسكون التحتية وفتح العين فهاء.\nقال الهروي: من البيع كالركية والسرية والقعدة فالسقاط تباع السقط ولا مسكينٍ أي: من فقراء المسلمين ولا أَحَدٍ أي: ممن لقيه، وهو عام قدم عليه الخاص اهتمامًا به إلا سَلَّمَ عليه عبد الله، أي: مبادرة، فإن السلام سنة ومع هذا أفضل من جوابه مع أنه فريضة قال الطفيل: أي: ابن أبي بن كعب كما في نسخة فجئتُ عبد الله بن عمر يومًا فاستتبعني (ق ٩٣٧) إلى السوق، أي: طلبني أن أتبعه عليها قال: أي: الطفيل فقلتُ: أي: لابن عمر وما تصنع في السوق؟ وفي نسخة: بالسوق وأنت لا تقف أي: والحال أنت يا ابن عمر لا تمكث زمانًا قليلًا على البيع، بفتح الموحدة وتشديد التحتية المكسورة ثم العين المهملة أي: البائع ولا تسأل عن السلع، بكسر السين المهملة وفتح اللام فعين مهملة جمع السلعة وهي المتاع ولا تساوم بها، ولا تسأل عن قيمة السلع ولا عن ثمنها وما يتعلق بها ولا تجلس في مجلس سوق، أي: لتنزه فيها بالنظر على من يمر من أهلها اجلس أمر مخاطب من باب ضرب والباء للمصاحبة كما في قوله تعالى في سورة هود: ﴿اهْبِطْ بِسَلَامٍ﴾ [هود: ٤٨] أي: معه كذا قاله ابن هشام يعني قال الطفيل: قلت لابن عمر: اجلس معنا ههنا نتحدث، أي: نتكلم في أمر ديننا ولا نذهب إلى السوق لعدم الحاجة له قال: فقال عبد الله بن عمر: يا أبا بطن - قوله: وكان الطفيل ذا بطن -: جملة معترضة أو استئنافية أو حالية أي: فكأنه يقال له: أبو بطن لعظم بطنه إنما نغدو من أجْل السلام؛ نُسلِّمُ على من لقينا أي: هو من لقيناه نحن، والمعنى إنما يذهب إليها لأجل إدراك هذه الفضيلة الجليلة والسنة الجميلة","vol":"4","page":258},{"text":"التي تترتب عليها المثوبة الجزيلة، ولا يبعد أن يكون مراده مع هذا أنه يذكر في موضع الغفلة عن نظرات عناية الحضرة كما ورد ذكر الله في الغافلين بمنزلة الصابر في الفائزين، وعن ابن مسعود ﵁ أنه قال: السلام اسم من أسماء الله وضعه في الأرض فأفشوه بينكم، فإذا سلم على القوم فردوا عليه كان له عليهم فضل درجة؛ لأنه ذكرهم، فإن لم يردوا عليه رد عليه من هو خير منهم وأطيب، أسنده أبو عمر وعبد الله بن سالم ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام\" (١) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.\n* * *\n\n٩١٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن اليهود إذا سلَّم عليكم أحدهم، فإنما يقول: السام عليكم، فقولوا: عليكَ\".\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا عبد الله بن دينار، العدوي مولاهم، يكنى أبا عبد الرحمن المدني مولى ابن عمر، ثقة كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من المحدثين من أهل المدينة، مات سنة سبع وعشرين ومائة عن عبد الله بن عمر، ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن اليهود جمع يهودي كروم ورومي أي: دأبهم إذا سلَّم عليكم أحدهم، فإنما يقول: السام عليكم، أي: الموت، ومنه الحديث: \"لكل داء دواء إلا السام\" قيل: وما السام قال: \"الموت\"، فإن السام بلا لام الهلاك وباللام الأمان من الهوان فقولوا: عليكَ\" بلا واو وفي نسخة: عليكم بكاف الجمع المخاطب، وهو ساقط عن قلم الكاتب فلا اعتبار لها، وفي البخاري عن التنيسي بالواو، وجاءت\n_________\n(١) أخرجه: الترمذي (٢٤٨٥) وابن ماجه (٣٢٥١) وأحمد (٢٣٢٧٢) والدارمي (١٤٣٢) وابن أبي شيبة (٨/ ٣٣٨) والحاكم (٤٢٨٣) والطبراني في \"الأوسط\" (٥٤١٠) والبيهقي في \"الكبرى\" (٤٧٥٢) والشعب (٨٧٤٩).\n(٩١٣) صحيح: أخرجه: مسلم (٢١٦٤) وأبو داود (٥٢٠٦) والترمذي (١٦٠٣) وأحمد (٤٥٤٩) ومالك (١٧٩٠).","vol":"4","page":259},{"text":"الأحاديث في مسلم بحذفها وإثباتها، وهو أكثر واختار ابن حبيب الحذف؛ لأن الواو تقتضي إثباته على نفسه حتى يصح العطف، فيدخل معهم فيما دعوا به، وقيل: هي للاستئناف لا للعطف. كذا نقله الزرقاني (١) عن المازري، وكأنه قال: وعليك ما تستحقه من الذم.\nوقال القرطبي: وكأنه (ق ٩٣٨) قال: والسلام عليك وهذا كله بعيد، والأولى أنها على بابها للعطف، غير أنها تجاب فيهم ولا يجابون فينا كما قال - ﷺ -.\nورواية الحذف أحسن معنى، كما اختاره المصنف، ورواية الإِثبات أصح وأشهر يعني في مسلم، وقال النووي: الصواب جواز الحذف.\nقال القاضي عياض: وقال قتادة: مرادهم بالسام السامة أي: تسامون دينكم مصدر سمت سامه وسامًا مثل رضاعًا، وقد جاء هكذا مفسرًا من قوله - ﷺ -. وعلى هذا فرواية حذف الواو أحسن.\nقال الماوردي: وأخبار بعضهم في الرد ﵈ بكسر السين أي: الحجارة، قال عبد الوهاب: والأولى أولى؛ لأن السنة وردت به؛ لأن الرد إنما يكون في جنس المردود، ولا يجوز للمسلم أن يبدأ بالسلام على الذين بلا حاجة عنده؛ لأن فيه إعزاز للكفار، وهو حرام، وإذا اجتمع المسلمون والكفار في محل يسلم عليهم ينوي المسلمين بالسلام، ولو قال: السلام على من اتبع الهدى يجوز. كذا في (الاختيار)، ويجوز للمسلم رد السلام للذي يقوله: وعليكم ولا يزيد على قوله: عليكم السلام ولا الرحمة ولا البركة، كما مر في (فتاوى) قاضي خان.\n* * *\n\n٩١٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو نعيم: وهب بن كَيْسان، عن محمد بن عمرو بن عطاء، قال: كنتُ جالسًا عند عبد الله بن عباس، فدخل عليه رجلٌ يماني، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ثم زاد شيئًا مع ذلك أيضًا، فقال ابن عباس: من هذا؟ وهو يومئذٍ قد ذهب بصره، قالوا: هذا اليمانيّ\n_________\n(١) انظر: \"شرح الزرقاني\" (٤/ ٤٥٨).\n(٩١٤) صحيح: أخرجه: مالك (٨٣٦).","vol":"4","page":260},{"text":"الذي يغشاك، فعرّفوه إياه حتى عرفه، فقال عبد الله بن عباس: إن السلام انتهى إلى البركة.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، إذا قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فليكفف، فإن اتباع السنة أفضل.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرنا أبو نعيم: أي: المسلم اسمه وهب بن كَيْسان، القرشي مولاهم المدني ثقة، كان في الطبقة الرابعة من طبقات كبار التابعين المحدثين من أهل المدينة، مات سنة سبع وعشرين ومائة كذا قاله محمد بن أحمد الذهبي في (الكاشف) وابن حجر في (تقريب التهذيب) (١) عن محمد بن عمرو بفتح العين وسكون الميم ابن عطاء، القرشي العامري المدني، ثقة كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات في حدود العشرين والمائة، ووهم من قال: إن القطان تكلم فيه أو أنه خرج مع محمد بن عبد الله بن حسن فإن ذلك هو ابن عمرو بن علقمة قال: كنتُ جالسًا عند عبد الله بن عباس، ﵄ فدخل عليه رجلٌ يماني، بالتخفيف والتشديد فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ثم زاد شيئًا مع ذلك أيضًا، أي: مثل رضوانه وتحياته فقال ابن عباس: ﵄ من هذا؟ وهو أي: الحال أن ابن عباس يومئذٍ قد ذهب بصره، قالوا: هذا اليمانيّ الذي يغشاك، أي: يأتيك ويتردد إليك فعرّفوه إياه حتى عرفه، فقال وفي (الموطأ) لمالك قال: أي: محمد بن عمرو بن عطاء فقال عبد الله بن عباس: إن السلام أي: المأثور في الجواب انتهى إلى البركة أي: إلى قوله: وبركاته، ولا ينبغي الزيادة على ما ورد من السنة.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، إذا قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أي: سواء يكون ابتداء أو جوابًا فليكفف، أي: فليمتنع من الزيادة فإن اتباع السنة أي: ولو مع القلة أفضل أي: من البدعة، ولو مع الكثرة.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق برد السلام، شرع في باب الإِشارة في الدعاء، فقال: هذا\n* * *\n_________\n(١) انظر: التقريب (٢/ ٦٥٢).","vol":"4","page":261},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-440>باب الإشارة في الدعاء</span>\nالدعاء أي: في بيان مشروعية الدعاء مع الإِشارة، وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق إظهار الشفقة على خلق الله تعالى.\n٩١٥ - أخبرنا مالك، أخبرني عبد الله بن دينار، قال: رآني ابن عمر وأنا أدعو وأشير بأصبعيّ أصبع من كل يد فنهاني.\nقال محمد: وبقول ابن عمر نأخذ، ينبغي أن يشير بأصبع واحدة، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا أخبرني بالإِفراد، وفي (ق ٩٣٩) نسخة: أخبرنا بالجمع عبد الله بن دينار، وقد مر ترجمته قال: رآني ابن عمر وأنا أدعو وأشير أي: أنا بأصبعي بصيغة التثنية قوله: أصبع مجرور على أنه بدل أصبعي أي: أنا أشير بأصبع من كل يد فنهاني عن الإِشارة بأصبعين، وأمرني بالإِشارة بأصبع واحدة وقال: أحد أحد، وينبغي أن يشير في التوحيد بأصبع واحدة ليقطع المطابقة قال تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النحل: ٥١].\nقال محمد: وبقول ابن عمر نأخذ، وفي نسخة: نقول أي: نفتي ينبغي أن يشير أي: الموحد بأصبع واحدة، أي: حالة الدعاء مطلقًا، وكذا في التشهد عند قوله: أشهد أن لا إله إلا الله بأن يرفعها عند قوله: لا إله ويضعها عند قوله: إلا الله ليوافق النفي الرفع والإِثبات الوضع موافقته بين القول والفعل وهو قولُ أبي حنيفة.\n* * *\n\n٩١٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أنه سمع سعيد بن المسيَّب يقول: إن الرجل لَيُرْفَعُ بدعاءِ وَلَدِهِ مِنْ بَعْدِه، وقال بيديه: فرفَعها إلى السماء.\n_________\n(٩١٥) صحيح، أخرجه: مالك (٤٩٢).\n(٩١٦) صحيح: أخرجه: مالك (٤٩٣) وابن أبي شيبة (٧/ ١١٩) وابن أبي الدنيا في \"مكارم الأخلاق\" (٢٢٠).","vol":"4","page":262},{"text":"• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا يحيى بن سعيد، وقد مر بيان ترجمته أنه سمع سعيد بن المسيَّب كان في الطبقة الأولى من كبار التابعين والمحدثين من أهل المدينة يقول: إن الرجل لَيُرْفَعُ بصيغة المجهول أي: يرفع درجة الميت بدعاءِ وَلَدِهِ مِنْ بَعْدِه، أي: بعد وفاته أي: حيث يقول في حقه: اللهم اغفر له أو اللهم ارحمه ونحو ذلك وقال أي: أشار بيديه: فرفَعها إلى السماء أي: إلى جانب السماء؛ لأنها قبلة الدعاء، لكنه لا يرفع بصره إليها لئلا يتوهم أنه ﷾ مختص بجهة العلو من بين الجهات، كما قاله المجسمة من الفرق الضالة، وأنه تعالى ليس بجسم، ولا جوهر والإِعراض لا بمتحيز بمكان، ولا زمان، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بكيفية الدعاء شرع في بيان ما يتعلق بحكم حال الرجل يترك أخاه بقطع السلام والكلام فوق ثلاثة أيام.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-441>باب الرجل يهجر أخاه المسلم</span>\nفي بيان حكم حال الرجل يهجر أخاه أي: يترك الكلام والسلام عن أخيه الحقيقي أو الحكمي.\n٩١٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب عن عطاء بن يزيد، عن أبي أيوب الأنصاري صاحب رسول الله - ﷺ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا يحلُّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيُعرض هذا، ويُعْرِض هذا، وَخَيْرُهما الذي يبدأُ بالسلام\".\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا ينبغي الهجرةُ بين المسلمين.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا، مالك أخبرنا ابن شهاب أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ثقة، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل\n_________\n(٩١٧) صحيح: أخرجه: البخاري (٦٠٧٦) ومسلم (٥٥٩) وأبو داود (٤٩١٠) والترمذي (١٩٣٢) وأحمد (١٢٩٤١).","vol":"4","page":263},{"text":"المدينة، مات سنة خمس وعشرين ومائة عن عطاء بن يزيد، بالتحتيتين بينهما زاي في آخره دال مهملة الليثي من أنفسهم وقيل: مولاهم المدني نزيل الشام، ثقة كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة خمس أو سبع ومائة وقد جاوز ثمانين سنة كما في (تقريب التهذيب) (١) عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ صاحب رسول الله - ﷺ - أي: حامل اللواء لرسول الله - ﷺ - غزا بالروم مع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ومات فيه، ودفن خارج سور القسطنطينية ويزار قبره الشريف إلى الآن نفعنا الله بشفاعته قال: \"لا يحلُّ لمسلمٍ أن يهجر أخاه أي: يتركه بقطع الكلام فوق ثلاث ليال، وفي معناه ثلاثة أيام يلتقيان أي: يتلاقيان فيُعرض هذا، أي: عن السلام والكلام ويُعْرِض هذا، أي: كذلك وَخَيْرُهم أي: خير جنس المسلم وهو في (الموطأ) لمالك وخيرهما أي: أكثرهما ثوابًا الذي يبدأُ بالسلام\" أي: ثم بالكلام هذا الحديث موقوف ظاهرًا (ق ٩٤٠) ومرفوع حكمًا، كما روى أبو داود والنسائي (٢) بإسناد على شرط البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، فمن هجر فوق ثلاث فمات دخل النار\".\nوروى الطبراني برواية ثقات عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا تدابروا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخوانًا هجر المؤمنين ثلاث ليال، تكلما فنعم وإلا أعرض الله ﷿ عنهما حتى يتكلما\" كذا أورده الإِمام المنذري في (ترهيبه).\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا ينبغي أي: لا يحل الهجرةُ أي: التدابر بين المسلمين.\nقال السيوطي: النهي عن الهجران ثلاث ليال إنما هو هجر لحظ نفسه، وأما أهل البدع فهجرتهم دائمة.\nقال ابن العربي: وإنما جوز في الثلاث؛ لأن المراد في ابتداء الغضب مغلوب فرخص له في ذلك حتى يسكن غضبه.\nقال ابن عبد البر: هذا العموم مخصوص بحديث كعب بن مالك ورفيقيه حيث أمر رسول الله - ﷺ - أصحابه بهجرهم قال: وأجمع العلماء أن من خاف من مكالمة أحد وصلته\n_________\n(١) انظر التقريب (١/ ٤٢٠).\n(٢) أخرجه: أبو داود (٤٩١٤) وأحمد (٨٨٤٨) والنسائي في \"الكبرى\" (٩١٦١).","vol":"4","page":264},{"text":"ما يفسد عليه دينه ويدخل عليه مضرة في دنياه أنه يجوز له مجانبته وبعده فرب صوم جميل خير من مخالطة مؤذية.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم الهجرة والتدابر من المسلم، شرع في بيان ما يتعلق بالخصومة في الدين، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-442>باب الخصومة في الدين والرجل يشهد على الرجل بالكفر</span>\nأي: كائن في بيان ما يتعلق بحكم الخصومة، أي المجادلة في الدين، أي: أصول الدين والرجل أي: وبحكم حال الرجل يشهد على الرجل بالكفر وإن قصد رجل بالخصومة والجدال تخجيل الخصم وإظهار فضله على الذي يجادله فهو حرام، بل هو كفر عند بعض، كما في (خلاصة الفتاوي)، وإن قصد بها إظهار الحق وهو نادر لقلة المصنف فهو جائز؛ لأن طلب الحق مطلوب، واستنبط المصنف ﵀ هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة غافر: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [غافر: ٤]. وجه المناسبة بين هذا الباب والباب السابق حصول معنى البينونة بين الرجلين إذا هاجر كل منهما عن الآخر وخاصم في أمر الدين بغير حق.\n٩١٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أن عمر بن عبد العزيز قال: من جعل دينه غَرضًا للخصومات أكثر التَّنَقُّل.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا ينبغي الخصومات في الدين.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا يحيى بن سعيد، قد مر بيان طبقاته أن عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص الأموي، أمير المؤمنين أمه أم عاصم حفصة بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، ولي إمرة المدينة للوليد، وكان مع سليمان كالوزير، وولي الخلافة بعده فعُدَّ مع الخلفاء الراشدين، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة إحدى ومائة وله أربعون سنة ومدة خلافته\n_________\n(٩١٨) صحيح: أخرجه: الدارمي (٣٠٩) وابن أبي الدنيا في \"الغيبة والنميمة\" (٢٢) و\"الصمت\" (١٦١).","vol":"4","page":265},{"text":"سنتان ونصف، كما قاله ابن حجر (١) قال: من جعل دينه غَرضًا أي: هدفًا للخصومات أي: لأنواع الجدال أكثر التَّنَقُّل جواب لمن المتضمنة معنى الشرط، فقد أكثر القيل والقال لأرباب التعطيل شبه عمر بن عبد العزيز الدين المعقول بالهدف المحسوس والأقوال الباطلة بالرامين سهامهم إلى المرمى، والكفر المعقول بالهدف المقطوع بإصابة سهام الرامي إليه في (ق ٩٤١) عدم النفع أصاحبهما، وفي (الظهيرية) أن رجلان تخاصما فقال أحدهما: لا حول ولا قوة إلا بالله، وقال الآخر: لا حول ليس على أمر أو قال: مالي أفعل بلا حول ولا قوة إلا بالله أو قال: لا حول لا يغني من جوع أو الخبز أو لا يكفي من الخبز أو لا يأتي من لا حول شيء، أو قال: لا حول لا يشرد في القصعة كفر في الوجوه كلها.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل هنا أنا أهل الكوفة إلا بما رواه يحيى بن سعيد عن عمر بن عبد العزيز لا ينبغي الخصومات أي: المجادلة في الدين أي: في الأحكام الدينية فالسؤال عن المشكلات ومواضع الغلط للتغليظ أو التجميل حرام؛ لما خرج أبو داود عن معاوية ﵁ أن رسول الله - ﷺ -: \"نهى عن الأغلوطات\" وهي جمع أغلوطة، أي المسألة التي لا يدرك وجهها في أول الأمر فيقع الخصم في الغلط كما قاله خواجة زاده في (حاشية الطريقة المحمدية).\nمحمد قال: بنا كذا في نسخة.\n* * *\n\n٩١٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أيما امرئٍ قال لأخيه: كافر، فقد باءَ بها أحدهما\".\nقال محمد: لا ينبغي لأحد من أهل الإِسلام أن يشهد على رجل من أهل الإِسلام بذنب أذنبه بكفرٍ، وإن عظم جُرمه، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n_________\n(١) تقدم.\n(٩١٩) صحيح: أخرجه: البخاري (٦١٠٤) ومسلم (٦٠) وأحمد (٤٦٧٣) ومالك (١٨٤٤).","vol":"4","page":266},{"text":"• أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أيما امرئٍ أي: أي رجل قال لأخيه: أي: في الإِسلام كافر، بالتنوين أي: هو كافرًا وأنت كافرًا على ما نسخه، وفي نسخة أخرى: يا كافر بحرف النداء فقد باءَ بموحدة ممدودة أي: رجع لها أي: بكلمة الكفر، وفي نسخة: به بتذكير الضمير المجرور أي: رجع بمضمون كلمة الكفر بها أحدهما\" أي: لأنه إن كان القائل صادقًا في نفس الأمر فالمقول له كافر وإن كان كاذبًا، فقل جعل القائل الإِيمان كفرًا. كذا حمله البخاري على تحقيق الكفر على أحدهما، وحمله غيره على الزجر والتغليظ، فظاهره غير مراد.\nوقال سعيد بن زيد الباجي المالكي: إن كان المقول له كافرًا فهو كما قال، وإلا خيف على القائل أن يصير كافرًا، والحديث رواه البخاري في (الأدب) عن إسماعيل عن مالك به، كما قاله الفاضل محمد الزرقاني وصورته ما في المحيط: \"من قال لرجل مسلم يا كافر فسكت المخاطب\" قال الفقيه أبو بكر البلخي: يكفر هذا القاذف وقال غيره من مشايخ بلخ: لا يكفر ثم جاء الفقيه أبو بكر البلخي إلى بلخ فأفتى بعض أئمة البنجارا أن القاذف يكفر فرجع الكل إلى فتوى أبي بكر فقالوا: كفر، ولكن أخي جلبي في هدية المهديين نقلًا عن (البزارية المختارة) في أمثال هذه الأقوال: إن لم يعتقد الشاتم كفر المخاطب لا يكفر الشاتم وإن اعتقد كفره كفر، كما نقلناه في رسالتنا (بركات الأبرار).\nقال محمد: لا ينبغي أي: لا يصح لأحد من أهل الإِسلام أن يشهد على رجل من أهل الإِسلام قوله: بذنب بأن يشهد أذنبه محلًا مجرور على أنه صفة بذنب أي: فعله بكفرٍ، متعلق بيشهد، وإن وصلية وإن عظم جُرمه، بضم الجيم وسكون الراء المهملة أي: وإن عظم عند الخالق والمخلوق، ثم ما فعله كترك الصلاة والكذب وقتل النفس بغير حق وسائر الكبائر مما عدى الكفر؛ لأنه تعالى قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ (ق ٩٤٢) ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الآية [النساء: ٤٨] وهو أي: المذكور قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا أي: خلافًا للخوارج والمعتزلة.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بالخصومة في أمر الدين، شرع في بيان ما يتعلق بحكم أكل الثوم ودخول المساجد، فقال: هذا\n* * *","vol":"4","page":267},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-443>باب ما يُكره من أكل الثوم</span>\nأي: كائن في بيان حكم ما يكره من أكل الثوم بضم الثاء المثلثة والواو فميم يقال له باللغة التركية: \"صارمسق\"، وجه المناسبة بين هذا الباب والباب السابق الكراهة المعنوية والحسية. محمد قال: بنا مالك كذا في نسخة.\n٩٢٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيَّب، أن النبي - ﷺ - قال: \"من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنّ مسجدنا؛ يؤذينا بريح الثُّوم\".\nقال محمد: كره ذلك لريحه، فإذا أمَتَّهُ طَبْخًا فلا بأس به، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيَّب، أي: مرسلًا أن النبي - ﷺ - قال: \"من أكل من هذه الشجرة بالفتحات أي: نبت يقوم على ساقه من نباتات الأرض، وفي رواية الخبيثة أي: بزيادة لفظة الخبيثة على الشجرة فلا يقربنّ مسجدنا؛ أي: معشر المسلمين وفي نسخة: مساجدنا يؤذينا جملة حالية واستئنافية تعليلية من فاعل فلا يقربن بريح الثُّوم\" وفي معناه كل ما له رائحة كريهة باقية بعد أكله كالبصل والكراث؛ لما في الصحيحين عن جابر مرفوعًا: \"من أكل ثومًا أو بصلًا فليعتزلنا أو ليعتزل مساجدنا وليقعد في بيته\" أي: فإنه لا يصلح حينئذ لطيب مجلسنا.\nقال محمد: كره ذلك لريحه، أي: الخبيثة، كما أشار إليها فإذا أمَتَّه أي: أزلت ريحه الخبيثُ طَبْخًا أي: بالطبخ فلا بأس به، فلا كراهة بأكله ودخوله المسجد وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا أي: من علمائنا.\nقال بعض أهل العلم النهي عن مسجد النبي - ﷺ - خاصة وحجة الجمهور: \"فلا يقربن مساجدنا\" وهذا صريح في النهي عن دخول كل مسجد، والله أعلم.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم أكل الثوم، شرع في بيان ما يتعلق بالرؤيا، فقال: هذا\n* * *\n_________\n(٩٢٠) مرسل: وأصله عند البخاري (٨٥٤) ومسلم (٥٦٤).","vol":"4","page":268},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-444>باب الرؤيا</span>\nالرؤيا، بضم الراء المهملة وسكون الهمزة وفتح التحتية ثم ألف مقصورة مصدر كالرؤية، فجعلت ألف التأنيث فيها مكان تاء التأنيث للفرق: ما يراه النائم واليقظان، غير أن الرؤيا كالقربى مختصة بما يكون في النوم وأن الرؤية كالقربة مختصة بما يكون في اليقظة، فالرؤيا ما خلفه الله تعالى في قلب النائم من الإِدراك على نحو ما يدرك في حال اليقظة بواسطة الحواس الخمس الباطنة كما قاله أبو البقاء في (الكليات) والزرقاني في (شرح الموطأ) لمالك ملخصًا قال رسول الله - ﷺ -: \"الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين من النبوة\" (١) كذا رواه مالك في (الموطأ) بالواسطة عن أنس بن مالك ﵁ قوله: \"الحسنة\" أي: الرؤيا الصادقة أو المبشرة، قوله: \"الصالح\" أي: غالب رؤيا الصالحين، وإلا فالصالح قد يروي الأضغاث والأحلام، فالمراد بالجزء جزء من علم الله النبوة، وهو الاطلاع على بعض الغيب، فمن أخبره بما لم يره فقد افترى على الله كذبًا، بل هو أعظم جناية من كذب اليقظة حيث يدعى الاتصال بعالم الملكوت وحلول الفيض عليه، فإن قيل: إن كان المراد من علم النبوة (ق ٩٤٣) إطلاعًا على بعض الغيب كان للكافر نصيبًا منها كرؤية صاحب السجن مع يوسف صلوات الله على نبينا وعليه، ورؤيا ملكهم وغير ذلك.\nوقد ذكر أن جالينوس عرض له ورم في المحل الذي يتصل منه بالحجاب فأمره الله في المنام بفصد العرق الضارب من كفه اليسرى فبرئ.\nأجيب بأن الكافر وإن لم يكن محلًا لها، فلا يمتنع أن يرى ما يعود عليه بخير في دنياه، كما أن كل مؤمن ليس لها ثم لا يمتنع رؤيته ما يعود عليه بخير وينوي، فإن الناس في الرؤيا ثلاث درجات: الأنبياء ﵈، ورؤياهم كلها صدق، وقد يقع فيها ما يحتاج إلى التعجير والصالحون والغالب على رؤيا الصدق، وقد يقع فيها ما لا يحتاج إلى تعبير وما عداهم يقع في رؤياهم الصدق والأضغاث، ويقل فيها الصدق والكفار يندر في رؤياهم الصدق جدًا، ويرشد لذلك خبر مسلم مرفوعًا: \"وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا\" وجه المناسبة بين هذا الباب والباب السابق عروض الكراهة الاختيارية والاضطرارية في الإِنسان.\nمحمد قال: بنا مالك، كذا في نسخة.\n_________\n(١) أخرجه: البخاري (٦٩٨٣) وابن ماجه (٣٨٩٣) وأحمد (١٢٠٩٩) ومالك (١٧٨١).","vol":"4","page":269},{"text":"٩٢١ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، قال: سمعتُ أبا سلمة بن عبد الرحمن يقول: سمعتُ أبا قتادة يقول: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان، فإذا رأى أحدكم الشيء يكرهُه فليُنْفِثْ عن يساره ثلاث مرات إذا استيقظ، وليتعوّذ من شرها، فإنها لن تضره إن شاء الله\".\n• أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، الأنصاري المدني، يكنى أبا سعيد القاضي في المدينة ثقة ثبت، في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين قال: سمعتُ أبا سلمة بن عبد الرحمن أي: ابن عوف الزهري المدني قيل: اسمه عبد الله وقيل: إسماعيل ثقة مكثر، كان في الطبقة الثانية، من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين أو أربع ومائة، وكان مولده سنة بضع وعشرين يقول: سمعتُ أبا قتادة الأنصاري اسمه الحارث، وقيل: عمرو، وقيل: نعمان بن ربعي بكسر الراء وسكون الموحدة بعدها مهملة بن ملوم بضم الموحدة والمهملة بينهما لام ساكنة السلمي بفتحتين المدني شهد أحدًا وما بعدها، ولم يصح شهوده بدرًا، مات سنة أربع وخمسين وقيل: ثمان وثلاثين من الهجرة كما قاله ابن حجر العسقلاني.\nيقول: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"الرؤيا زاد يحيى بن يحيى الليث في (الموطأ) لمالك: \"الصالحة\" أي: الرؤية الحسنة أو الصادقة المنتظمة الواقعة على شروطها الصحيحة، وهي ما فيه بشارة أو تنبيه على غفلة من الله، أي: تبشير منه تعالى وتنذير والحلم بضم الحاء المهملة وسكون اللام أو بضمها كما في (النهاية) أي: الرؤيا المفظعة والشنيعة، وهي سوء الظاهر وسوء التأويل من الشيطان، أي: من إلقائه بخوف ويحزن الإِنسان بها.\nقال القاضي عياض: إضافة إلى نسبة الرؤيا إلى الله إضافة تكريم وتشريف لطهارتها من حضور الشيطان وإفساده لها وسلامتها من الأضغاث أي: التخليط وجمع الأشياء المتضادة بخلاف الرؤيا المكروهة، وإن كانت جميعًا من خلق الله تعالى وبإرادته، ولا فعل\n_________\n(٩٢١) صحيح: أخرجه: البخاري (٥٧٤٧) ومسلم (٢٢٦١) وأبو داود (٥٠٢١) والترمذي (٢٢٧٧) وابن ماجه (٣٩٠٩) وأحمد (٢٢٠١٩).","vol":"4","page":270},{"text":"للشيطان فيها لكنه يحضرها ويرتضيها ويسر بها، فكذا نسبت إليه، ولأنها مخلوقة على طبعه من التحذير والكراهة التي خلق عليها، أو لأنها توافقه ويستحسنها لما فيها من شغل بال المسلم وتضرره (ق ٩٤٤) بها قال بعضهم: والتحذير وإن كان غالبًا من الشيطان، فقد يكون في الصالحة إنذارًا من الله واعتناء منه بعيدة؛ لئلا يفجأه ما قدر عليه فيكون منه على حذر واهية، كما أن رؤيا الصالحين الغالب عليها الصحة، وقد تكون فيها أضغاث نادر العوارض من وسوسة نفس وحديثها أو غلبه خاطر.\nقال ابن الجوزي: الرؤيا والحلم واحد غير أن صاحب الشرع خص الخير باسم الرؤيا والشر باسم الحلم فإذا رأى أحدكم الشيء وفي رواية: شيئًا يكرهُه فليُنْفِثْ بضم الفاء وكسرها أي: فلينفخ طرد الشيطان الذي حضر الرؤية المكروهة تحقيرًا له واستقذارًا عن يساره؛ لأنها محل الأقذار ونحوها ثلاث مرات للتأكيد.\nوفي رواية الشيخين: \"فليبصق عن يساره\"، وفي رواية أخرى: \"فليتفل\".\nقال القاضي عياض: اختلف في التفل والنفث، فقيل: معناهما واحد، لا يكونان إلا بريق وقيل: يشترط في التفل ريق يسير، ولا يكون في النفث، وقيل: عكسه، فالمطلوب طرد الشيطان وإظهار احتقاره واستقذاره إذا استيقظ، أي: من نومه، وفي رواية: حين يستيقظ وليتعوّذ أي: فليعتصم بالله من شرها، أي: من شر تلك الرؤيا، وفي رواية: من شر الشيطان فإنها أي: الرؤيا المكروهة لن تضره إن شاء الله\" أي: بعد التعوذ به ﷾.\nوفي رواية: بدون لفظ إن شاء الله فيكون ذلك للتبرك، والحديث رواه الشيخان وأبو داود والترمذي عن أبي قتادة، وفي رواية مسلم عنه بلفظ: \"الرؤيا الصالحة من الله والرؤيا السوء من الشيطان، فمن رأى رؤيا يكره منها شيئًا فلينفث عن يساره، وليتعوذ بالله من الشيطان، فإنها لا تضره ولا يخبر بها أحد، فإن رأى رؤيا حسنة فليبشر ولا يحدث بها إلا من يحب\" (١) وندب تعبيرها قبل طلوع الشمس فيرد قول بعض أهل التعبير، المستحب أنه من طلوعها إلى غروبها.\nقال بعض العلماء المعبرين: لا تقصص رؤياك على امرأة ولا تخبرها حتى تطلع\n_________\n(١) أخرجه: مسلم (٢٢٦١).","vol":"4","page":271},{"text":"الشمس، قال المهلب: تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح أولى من غيره من الأوقات لحفظ صاحبها لها لقرب عهده بها قيل: يعرض له نسيانها ولحضور ذهن العاجز وقلة شغله بالفكرة فيما يتعلق بمعاشه، فهذه عدة فوائد لتعبيرها أو النهار، كما قاله الزرقاني (١).\nفروع: قال المعبرون: من رأى في منامه المصطفى - ﷺ - فإنه يحصل له الفرح بعد الغم ويقضي دينه وإن كان محبوسًا أو مقيدًا، فإنه يخلص من حبسه وقيده يأمن من خوفه وإن كان في ضيق وقحط فيتوافر الخير والنعمة وعليه، وأما إذا كان غنيًا، فإنه يزاد غناه.\nوقال أبو هريرة ﵁: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"من رآني في المنام فقد رآني حقًا، فإن الشيطان لا يتمثل بي\" (٢) وقيل: رؤيته - ﷺ - تدل على سلامة العقبى، وقيل: إن كان مغلوبًا ينتصر على أعدائه، وإن كان مريضًا شفاه الله تعالى، ومن رأى أنه يزور نبيًا من الأنبياء سواء كان حيًا أو ميتًا، فإن ذلك يؤول على ثلاثة أوجه: الأول: إن كان متقيًا زاد تقواه، وإن كان عاصيًا تاب الله عليه، والثاني: (ق ٩٤٥) يزور كما رأى، وحصوله خير وبركة، والثالث: دليل على أنه من أهل الجنة ومن الفائزين، ومن رأى أحدًا منهم صلوات الله عليهم وسلامه وهو شيخ كبير، فإنه يكون راحة لأهل ذلك المكان، ومن رأى أحدًا منهم على صورة حسنة فهو قريب من ذلك.\nوقال جعفر الصادق بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي: رؤية الأنبياء ﵈ أو واحد منهم تؤول على أحد عشر وجهًا: رحمة، ونعمة، وعز، وعلو قدرة، ودولة، وظفر وسعادة ورياسة وقوة أهل السنة والجماعة أو الخير في الدنيا والآخرة، أو راحة لأهل المكان، ومن رأى أحدًا منهم ألبسه شيء أو أعطاه فهو حصول بركة وشفاعة يوم القيامة، وقال بعضهم من علماء المعبرين: من رأى المصطفى - ﷺ - ألبسه شيئًا من ثيابه أو دفع إليه خاتمه أو سيفه أو نحو ذلك نال ما يليق به من ملك أو علم أو عبادة، ومن رأى أنه يقبله فلينظر فيما يروى عنه وليتق الله تعالى ولينتهي.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بالرؤيا، شرع في بيان ما يتعلق بجامع الحديث، فقال: هذا\n* * *\n_________\n(١) انظر: شرح الزرقاني (٤/ ٤٥١).\n(٢) أخرجه: مسلم (٢٢٦٦).","vol":"4","page":272},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-445>باب جامع الحديث</span>\nأي: كائن في بيان جمع الحديث أي: في بيان الحديث الذي جمع فيه أربعة أحكام، فإضافة الجامع إلى الحديث من إضافة الصفة إلى موصوفها عند الكوفيين، كما أشار إليها (الجامي) في (شرح الكافية) وفي نسخة: للحديث.\n٩٢٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حَبّان، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن بيعتين، وعن لِبستين، وعن صلاتين، وعن صوم يومين، فأما البيعتان: فالمنابذةُ والملامسة، وأما اللبستان: فاشتمال الصمَّاء والاحتباء في ثوب واحد كاشفًا عن فرجه، وأما الصلاتان: فالصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، والصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وأما الصيامان: فصيام يوم الأضحى، ويوم الفطر.\nقال محمد: وبهذا كله نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حَبّان، بفتح الحاء المهملة وتشديد الموحدة ابن منقذ الأنصاري المدني، ثقة فقيه، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة إحدى وعشرين ومائة وهو ابن أربع وسبعين سنة عن عبد الرحمن الأعرج، اسمه عبد الرحمن بن هرمز، ويكنى أبا داود المزني مولى ربيعة بن الحارث، ثقة ثبت عالم، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة عن أبي هريرة، ﵁ قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن بيعتين، بفتح الموحدة وسكون التحتية وفتح العين المهملة ثم الفوقية المفتوحة فسكون التحتية ثم نون أي: نهي النبي - ﷺ - عن نوعين من البيع وعن لِبستين، أي: نهي عن الهيئتين في لبس الواحد وعن صلاتين أي: حين طلوع الشمس\n_________\n(٩٢٢) صحيح: أخرجه: البخاري (٥٨٢١) ومسلم (١٥١٢) وأبو داود (٤٠٨٠) والترمذي (١٧٥٨) وابن ماجه (٣٥٦٠) وأحمد (٨٧٢٦) والدارمي (١٣٧٢) ومالك (١٧٠٤).","vol":"4","page":273},{"text":"وعند غروبها وعن صوم يومين، أي: نهى رسول الله - ﷺ - نهي تحريم عن صيام يوم الفطر ويوم الأضحى، هذا الحديث مدرج، أما جزؤه الأول فرواه المصنف بالواسطة عن أبي هريرة، وأما الجزء الثاني فروي عن عبد الله بن عمر كما رواه الطبراني بالواسطة عنه، وأما الجزء الثالث فرواه عن ابن عمر في باب الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، حيث قال: إن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا يتحرى\" أي: لا يقصد \"أحدكم فيصلي عند طلوع الشمس ولا عند غروبها\" وأما الجزء الرابع فرواه هنا عن أبي هريرة ﵁، لعل مراد المصنف بإيراد (ق ٩٤٦) هذا الحديث هنا إرشاد للطالبين إلى طريق كيفية التصنيف والتأليف بالعلوم الشرعية، فإن دأب الفقهاء أن يذكروا في باب واحد مسائل مترتبة ثم يذكرون في آخر الباب مسائل شتى.\nلما ذكر أربع أحكام إجمالًا شرع في تفصيلها فقال فأما البيعتان: فالمنابذةُ بضم الميم وذال معجمة من باب المفاعلة، وهي أي: المنابذة أن يطرح الرجل إلى الرجل ثوبه وأن يطرح إليه الآخر ثوبه على غير تأمل منهما بأن لا ينظر ثوبه ولا يقلبه ويقول: كل واحد منهما هذا بهذا على الإِلزام من غير نظر ولا تراض، والملامسة وهي أن يمس الرجل ثوبه بيده ولا ينشره ولا يظهر له ما فيه أو أن يشتريه ليلًا ولا يعلم ما فيه، هذا تفسير المنابذة والملامسة ملخصًا عن تفسيرهما عن الإِمام مالك.\nوقيل المراد بالمنابذة: أن يقول الرجل للآخر: انبذ إلي الثوب أو الحصاة فإذا أنبذته وجب البيع، وبالملامسة: أن يقول: وجب البيع بمجرد المس وللبيان ما يشعر بأنه كلام من دونه - ﷺ - ولفظه: وزعم أن الملامسة أن يقول الرجل للآخر: أبيعك ثوبي بثوبك، ولا ينظر أحد منهما إلى ثوب الآخر ولكن يلمسه، والمنابذة بأن يقول: انبذ ما معي وتنبذ ما معك يشتري كل منهما من الآخر، ولا يدري كل واحد منهما كم مع الآخر ونحو ذلك، وقيل المنابذة: نبذ الحصاة والصحيح أنها غيره.\nقال ابن عبد البر: كان بيع المنابذة وبيع الملامسة وبيع الحصاة بيوعًا للجاهلية، فنهى رسول الله - ﷺ - عنها وقال: والحصاة أن تكون ثياب مبسوطة فيقول المبتاع للبائع: أي ثوب من هذا الثياب وقعت عليه الحصاة التي أرمي بها فهي لي بكذا، فيقول البائع: نعم، فهذا وما كان مثله غرر وقمار، وهذا الحديث رواه البخاري عن إسماعيل، ومسلم عن يحيى كلاهما عن مالك به والملامسة، وأما اللبستان: فاشتمال الصمَّاء وبفتح الصاد المهملة","vol":"4","page":274},{"text":"وتشديد الميم الممدودة أي: اشتماله الثوب بأن يتحلل نفسه بثوبه وإسباله من غير أن يرفع طرفه ويلتف فيه، ولا يمكنه إخراج يديه إلا من أسفله فيخاف ظهور عورته، سمي صماء لسد المنافذ كلها كالصخرة الصماء والاحتباء في ثوب واحد بكسر الهمزة وسكون الحاء المهملة وكسر الفوقية، ومد الموحدة: القعود على الإِلية وينصب ويضم الساقين إلى البطن بالثوب كاشفًا عن فرجه، حال عن الاحتباء، وهذه القعدة تسمى الحبوة بضم الحاء وكسرها وسكون الموحدة وفتح الواو، وكان ذلك عادة العرب وحكمة النهي خوف كشف العورة، كما قال المناوي وأما الصلاتان: فالصلاة أي: النافلة وما في معناها من ركعتي الطواف بعد العصر أي: بعد أداء فرضه حتى تغرب الشمس، أي: إلى غاية غروبها والصلاة بعد الصبح أي: بعد فرضه حتى تطلع الشمس، أي: إلى ارتفاعها قدر رمح أو رمحين، فإن النوافل مكروهة فيما دون القضاء وصلاة الجنازة وسجدة التلاوة وسبب نهيه - ﷺ - عن الصلاة في هذين الوقتين ما قاله عمر بن الخطاب ﵁: \"لا تحروا بصلاتكم عند طلوع الشمس ولا غروبها (ق ٩٤٧) فإن الشيطان يطلع قرناه مع طلوعها ويغربان مع غروبها\" وقد مر معنى القرنين ومعنى طلوعهما في باب الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها وأما الصيامان: أي: المنهيان عنهما فصيام يوم الأضحى أي: يوم النحر وأيام التشريق ويوم الفطر أي: فإنه يحرم فيهما الصيام؛ لأنهما يوم الأكل والشرب، والصيام في هذين اليومين إعراض عن ضيافة الله تعالى.\nقال محمد: وبهذا كله نأخذ، أي: لا نعمل في هذا الباب إلا بما رواه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه عن رسول الله - ﷺ - وهو قولُ أبي حنيفة أي: وكذا قول غيره.\n* * *\n\n٩٢٣ - أخبرنا مالك، أخبرني مُخْبرٌ أن ابن عمر قال - وهو يوصي رجلًا: لا تَعتَرض فيما لا يعنيك، واعتزل عدوّك، واحذر خليلك إلا الأمين، ولا أمين إلا من خشي الله، ولا تصحب فاجرًا كي تتعلَّم من فجوره، ولا تفش إليه سرك، واستشر في أمرك الذين يخشون الله ﷿.\n_________\n(٩٢٣) إسناده ضعيف.","vol":"4","page":275},{"text":"• أخبرنا مالك، قال أخبرني بالإِفراد، وفي نسخة: أخبرني مُخْبرٌ ولعله نافع أن ابن عمر ﵄ قال - وهو يوصي رجلًا -: أي: من أصحابه بما يليق من أمر ونهي في بابه لا تَعتَرض أي: لا تتعرض ولا يشتغل فيما لا يعنيك، أي: لا ينفعك من قول وفعل في دينك ودنياك: لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣] وبحديث: \"إن من إسلام المرء ترك ما لا يعنيه\" رواه الترمذي وغيره وأعتزل عدوّك، أي: ابعد نفسك عنه ولا تخالطه واحذر خليلك أي: صديقك من أن يخونك إلا الأمين، أي: في أمر الدين ولا أمين أي: كاملًا إلا من خشي الله، وفي الحديث: \"لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له\" رواه أحمد (١) وغيره ولا تصحب فاجرًا أي: ولا تقارن فاسقًا كي تتعلَّم من فجوره، أي: لأنك تتعلم من فسقه فإن الصحبة تؤثر، وقد ورد: \"المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل\" ولا تفش إليه من الإِشفاء أي: لا تظهر إلى الفاجر سرك، أي: فإنه غير مأمون في أمر دينه، فكيف يكون مأمون في أمر غيره واستشر في أمرك أي: الذي يهمك ولم تعلم فيه خيرك من شرك الذين يخشون الله عز أي: غالب في حكمه، وهو أحكم الحاكمين وجل أي: كثر على السنة أولياؤه ذكر حمده، فإنهم ينصحون لإِخوانهم ويتباركون في بيانهم وقد ورد: \"المستشار مؤتمن\" وفي التنزيل: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وفي الحديث: \"ما خاب من استخار ولا ندم من استشار\".\n* * *\n\n٩٢٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزّبير المكيّ، عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله - ﷺ - نهى أن يأكل الرجل بشماله، أو يمشي في نعل واحدة، أو يشتمل الصماء، أو يَحتَبي في ثوب واحد كاشفًا عن فرجه.\nقال محمد: يُكره للرجل أن يأكل بشماله، وأن يشتمل الصمّاء،\n_________\n(١) أخرجه: أحمد (١١٩٧٥) وابن حبان (١٩٤) والطبراني في \"الأوسط\" (٢٦٢٧) وأبو يعلى (٢٨٦٣) والبيهقي في \"الكبرى\" (١٢٩٥٩) والشعب (٤٣٥٤).\n(٩٢٤) صحيح: أخرجه: مسلم (٢٠٩٩) وأحمد (١٤٢٩٥) ومالك (١٧١١).","vol":"4","page":276},{"text":"واشتمال الصّماء: أن يشتمل وعليه ثوب، فيشتمل به فتكشفَ عورته من الناحية التي تُرفع من ثوبه، وكذلك الاحتباءُ في الثوب الواحد.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا أبو الزّبير المكيّ، وهو محمد بن مسلم المكي تدرس بفتح المثناة وسكون الدال المهملة وضم الراء المهملة والسين المهملة، مولاهم صدوق إلا أنه يدلس، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل مكة، مات سنة ست ومائة عن جابر بن عبد الله: السلمي بفتحتين الأنصاري الصحابي وابن الصحابي أن رسول الله - ﷺ - نهى أي: نهيًا تنزيهيًا على الأصح أن يأكل الرجل أي: وكذا المرأة بشماله، أي: لا لعذر وكذا الشرب بشماله أو التناول به والإِعطاء به، فإنه من عمل الشيطان أو يمشي أي: ونهى أن يمشي في نعل واحدة، صفة لأنها مؤنثة فكره ذلك لمفارقة الوقار ومشابهة الشيطان ومشقة في المشي أو يشتمل الصماء، بفتح الصاد المهملة (ق ٩٤٨) ومد الميم أي: نهى أن يجعل الرجل ثوبه على أحد عاتقيه فيبدو أحد شقيه ليس عليه ثوب: أي: لأن يده تصير داخل ثوبه فإذا أصابه شيء يريد الاحتراس منه والاتقاء بيديه تعذر عليه، وإذا أخرجها من تحت الثوب انكشفت عورته وبهذا فسرها الفقهاء، وقالوا: يحرم أن يكشف بعض عورته وإلا كرهت.\nوفسرها اللغويون: بأن يشتمل في الثوب حتى يجلل به جسده له لا يرفع منه جانب، ولذا سميت صماء؛ لأنه يسد على يديه ورجليه النافذ كلها كصخرة حتى لا فرق فيها ولا صدع، وقد مر قريبًا أو يَحتَبي وفي (الموطأ) لمالك: بفتح أوله وكسر الموحدة أي: وأن يقعد الرجل على إليته وينصب ساقيه ويضمهما إلى بطنه بالثوب، كما قال في ثواب واحد كاشفًا عن فرجه فيحرم فإن كان مستورًا فرجه فلا حرمة، وهذا الحديث رواه مسلم، عن قتيبة بن سعيد عن مالك به.\nقال محمد: يُكره أي: تنزيهًا أو تحريمًا للرجل أي: وكذا للمرأة أن يأكل بشماله، وأن يشتمل الصمّاء، واشتمال الصّماء: أن يشتمل كذا في نسخة: وفي نسخة: أو يشتمل وعليه ثوب، فيشتمل به أي: اشتمالًا غير تام فتكشفَ عورته من الناحية التي تُرفع ثوبه، وفي نسخة: ترفع من ثوبه وكذلك الاحتباءُ في الثوب الواحد. والحاصل أن النهي عنهما لاشتمالهما على كشف العورة بهما فإنه حرام عند الأجنبي إجماعًا.","vol":"4","page":277},{"text":"لما فرغ من بيان جامع الحديث، شرع في بيان ما يتعلق بالزهد والتواضع، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-446>باب الزهد والتواضع</span>\nفي بيان ما يتعلق إلى الزهد والتواضع، الزهد في الدنيا ترك الحرص فيها والقناعة بما رزق والتواضع ضد التكبر والتجبر، وحاصلهما ترك محبة المال والجاه، وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق التضاد.\n٩٢٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، أن ابن عمر أخبره، أن رسول الله - ﷺ - كان يأتي قُبَاءَ راكبًا وماشيًا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا عبد الله بن دينار، أن ابن عمر أخبره، أن رسول الله - ﷺ - كان يأتي قُبَاءَ أي: لزيارة مسجد قباء راكبًا أي: تارة وماشيًا أي: وكلاهما يدل على كمال زهده وتواضعه، فإنه كان قادرًا على أن يركب الفرس والبغل والناقة وفق على شأنه وعزة جاهه وسلطانه، وروى أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم النخعي عن الأسود أن عمر بن الخطاب ﵁ دخل على النبي - ﷺ - في شكاء أي: في مرض ومحنة شكاها، فإذا هو على عباء أي: كساء خشن قطوانية وخرقة من صوف (١) أو خز فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، كسرى وقيصر على الديباج وأنت على هذا فقال: \"يا عمر أما ترضى أن يكون لهم الدنيا ولنا الآخرة\"، ثم إن عمر مسه فإذا هو في شدة الحمى فقال: تحم أي: يصيبك الحمى هكذا وأنت رسول الله، فقال: \"إن أشد هذه الأمة بلائها ثم الخير ثم الخير، وكذلك كانت الأنبياء ﵈ قبلكم\" كما في مسند أبي حنيفة رحمه الله تعالى.\n* * *\n_________\n(٩٢٥) صحيح: أخرجه: البخاري (١١٩٤) ومسلم (١٣٩٩) والنسائي (٦٩٨) وأحمد (٤٤٧١) ومالك (٤٠٢).\n(١) في الأصل: شوها.","vol":"4","page":278},{"text":"٩٢٦ - أخبرنا مالك أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة: أن أنس بن مالك حدَّثه هذه الأحاديث الأربعة: قال أنس: رأيتُ عمر بن الخطاب وهو يومئذٍ أمير المؤمنين، وقد رَقَّع بين كتفيه برقاع ثلاث، لَبَّدَ بعضها فوق بعض، وقال أنس: وقد رأيتُ عمر يُطرح له صاع تمرٍ فيأكله حتى يأكل حَشَفه، وقال أنس: وسمعتُ عمر بن الخطاب ﵁ يومًا وخرجتُ معه حتى دخل حائطًا، فسمعته يقول وبيني وبينه جدار وهو في جوف الحائط: عمرُ بن الخطاب أميرُ المؤمنين، بخ بخ، والله يا ابْنَ الخطاب، لتتقينَّ الله ﷿ أو ليعذبَنَّكَ، قال أنس: وسمعتُ عمر بن الخطاب وسلم عليه رجل، فردّ ﵇، ثم سأل عمر الرجلَ: كيف أنت؟ قال الرجل: أحْمَدُ الله إليك، فقال عمر: هذه أردتُ منك.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة: الأنصاري المدني، يكنى أبا يحيى ثقة حجة كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين (ق ٩٤٩) والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة اثنين وثلاثين ومائة أن أنس بن مالك ﵁ حدَّثه هذه الأحاديث الأربعة: أي: الآية قال أنسْ رأيتُ عمر بن الخطاب ﵁ وهو يومئذٍ أمير المؤمنين، وقد رَقَّع أي: من الترقيع بين كتفيه أي: ثوبًا له واقعًا بينهما برقاع ثلاث، لَبَّدَ بعضها فوق بعض، أي: في محل واحد أو المعنى أن ترقيعه لم يكن على هيئة الرفق، وهذا يدل على كمال زهده ﵁ في جهة اللبس وقال أنس بن مالك ﵁: وقد رأيتُ عمر ﵁ يُطرح له وفي (الموطأ) لمالك برواية يحيى: وهو يومئذ أمير المؤمنين صاع تمرٍ فيأكله حتى يأكل حَشَفه، بفتحتين أي: ردية وهي في غاية زهده من جهة الأكل وقال أنس: وسمعتُ عمر بن الخطاب ﵁ يومًا وخرجتُ معه حتى دخل حائطًا، أي: بستانًا فسمعته يقول وبيني وبينه جدار وهو في جوف الحائط: أي: يخاطب نفسه ويعاتبها عمرُ بن الخطاب أميرُ المؤمنين، بخ بخ، وهي بفتح الموحدة كلمة واحدة يتكلم المتكلم بها عند الرضا عن شيء ومدحه وقد يكررها عند المبالغة في الرضا\n_________\n(٩٢٦) صحيح، أخرجه: مالك (١٧٠٦).","vol":"4","page":279},{"text":"والتحسين ويجوز في إعراب الخاء ثلاثة أوجه: أن تكون ساكنة، والثاني: أن تكون مكسورة مشددة ومنونة، والثالث: أن تكون مكسورة مخففة ومنونة ويعبر بها باللسان التركي \"أيو أيو\" والله يا ابْنَ الخطاب، لتتقينَّ الله بنون مؤكدة أو ليعذبَنَّكَ، الله والمعنى أنه لا يغرنك إمارتك ولا زهدك وعبادتك فإنه لا خلاف في العقبى إلا بكمال التقوى في الدنيا، وفي هذا نهاية تواضعه مع ربه وعدم غروره وعجبه بفضائله ومنصبه قال أنس: وسمعتُ عمر بن الخطاب وسلم عليه رجل، فردّ ﵇، ثم سأل عمر الرجلَ: كيف أنت؟ أي: في الأحوال قال الرجل: أحْمَدُ الله إليك، أي: أحمده منهيًا إليك أو أنهي حمده لك، والمعنى شكرك الله على كل حال أو حالي محمود بعون الملك المتعال فقال عمر: هذه أي: الكلمة الطيبة أردتُ منك أي: قصدت بسؤالي منك.\n* * *\n\n٩٢٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا هشام بن عُروة، عن أبيه، قال: قالت عائشة: كان عمر بن الخطاب ﵁ يبعث إلينا بأحِظَّائنا من الأكارع والرؤُوس.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: أخبرنا هشام بن عُروة بن الزبير بن العوام الأسدي المدني، ثقة فقيه ربما دلس كان في الطبقة الخامسة من طبقات المحدثين والتابعين من أهل المدينة، مات سنة ست أو خمس وأربعين ومائة وله سبع وثمانون عن أبيه، أي: عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي المدني يكنى أبا عبد الله المدني ثقة فقيه مشهور كان في الطبقة الثالثة من طبقات المحدثين والتابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين على الصحيح ومولده في أوائل خلافة عثمان بن عفان ﵁ قال: قالت عائشة: ﵂ كان عمر بن الخطاب ﵁ يبعث إلينا أي: إلى أمهات المؤمنين بأحِظَّائنا أي: بحظوظنا وأنصبائنا وفي نسخة: بعطايانا من الأكارع والرؤُوس أي: من أكارع الغنم ورأسها عند ذبحها، والمعنى نأكل منها ولا نرغب عنها الزهد ما في الدنيا ورغبتنا في العقبى.\n* * *\n_________\n(٩٢٧) إسناده صحيح.","vol":"4","page":280},{"text":"٩٢٨ - أخبرنا مالك، أخبرني يحيى بن سعيد، أنه سمع القاسم بن محمد يقول: سمعتُ أسْلم مولى عمر بن الخطاب يقول: خرجتُ مع عمر بن الخطاب وهم يريد الشام، حتى إذا دنا من الشام أناخ عمر، وذهب لحاجته، قال أسْلَمُ: فطرحْتُ فَرْوَتي بين شِقّي رَحْلي، فلما فرغ عمر عمد إلى بعيري فركبه على الفَرْوَة، وركب أسلم بعيره، فخرجا يسيران حتى لقيهما أهل الأرض، يتلقون عمر، قال أسلم: فلما دَنَوْا منا أشَرْتُ لهم إلى عمر، فجعلوا يتحدثون بينهم، فقال عمر: تطمح أبصارهم إلى مراكب من لا خلاق لم: يريد مراكب العجم.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرني يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري يكنى أبا سعيد القاضي، ثقة ثبت كان في الطبقة الخامسة من طبقات المحدثين والتابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة أنه سمع القاسم أي: ابن محمد بن أبي بكر الصديق يقول: سمعتُ أسلم (ق ٩٥٠) مولى عمر بن الخطاب يقول: خرجتُ مع عمر بن الخطاب وهو يريد الشام، أي: أيام خلافته حتى إذا دنا من الشام أي: قرب إليها أناخ عمر، أي: راحلته وذهب لحاجته، أي: من نقض وضوئه قال أسْلَمُ: فطرحْتُ فَرْوَتي بين شِقّي رَحلي، أي: رجل بعيري فلما فرغ عمر أي: عن حاجته ورجع عمر إلى بعيري أي: قصده فركبه أي: بعيري على الفَرْوَة، أي: فروى من كمال تواضه وزهده وركب أسلم بعيره، أي: وركبت بعير عمر بإشارة منه فخرجا أي: عمر وأسلم يسيران حتى لقيهما أهل الأرض، أي: أرض الشام يتلقون عمر، أي: يريدون تلقيه قال أسلم: فلما دَنَوْا أي: قرب أهل الشام منا أشَرْتُ لهم إلى عمر، أي: ليعرفوه لعدم التفرقة بينه وبين عبده في زيه لكمال زهده وعدم تقيده فجعلوا أي: فشرعوا حال كونهم يتحدثون بينهم، أي: تعجبًا من صنيع عمر وتواضعه فقال عمر: ﵁ تطمح أي: ترفع أبصارهم أي: بأنها تنظر إلى مراكب من لا خلاق لهم: أي: لا نصيب لهم في العقبى يريد مراكب العجم أي: من ملوك قيصر وكسرى ونحوهما وكلفهم في ثيابهم ومراكبهم\n_________\n(٩٢٨) إسناده صحيح.","vol":"4","page":281},{"text":"وفيه إشارة إلى قوله تعالى في آل عمران: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: ١٩٦، ١٩٧].\n* * *\n\n٩٢٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، قال: كان عمر بن الخطاب يأكل خبزًا مفتوتًا بسمن، فدعا رجلًا من أهل البادية، فجعل يأكل ويتَّبعُ باللقمة وَضَرَ الصحفة، فقال له عمر: كأنك مُقْفِرٌ، قال: والله ما رأيتُ سمنًا ولا رأيتُ آكِلًا به منذ كذا وكذا، فقال عمر: لا آكلُ السمنَ حتى يُحْيي الناسُ، من أول ما أُحْيَوا.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، قال: كان عمر بن الخطاب ﵁ يأكل خبزًا مفتوتًا أي: مكسورًا بسمن، فدعا رجلًا من أهل البادية، أي: ليأكل معه فجعل أي: شرع الرجل يأكل أي: أكلًا سريعًا ويتَّبعُ أي: من باب التفعل باللقمة وَضَرَ الصحفة، بفتح الواو والضاد المعجمة، والصحفة بفتح الصاد المهملة ثم الفاء أي: يمسح بالخبز المكسور دسم القصعة وأثر الطعام فيها فقال له عمر: ﵁ كأنك مقْفِرٌ، بضم الميم وسكون الفاء وكسر القاف أي: من إدام له ومنه حديث: \"ما افتقر بيت فيه خل\" قال: والله ما رأيتُ سمنًا وفي (الموطأ) لمالك برواية يحيى بن يحيى الليثي: والله ما أكلت سمنًا بدل ما رأيت سمنًا ولا رأيتُ آكِلًا به أي: بالسمن منذ كذا وكذا، أي: من الأيام فإنه كان في سنة القحط والقلا والبلا فقال عمر: ﵁ لا آكلُ السمنَ أي: بعد هذا حتى يُحْيي بصيغة المجهول الناسُ، أي: إلى غاية أن يعيشوا عيشة طيبة من أول ما أُحْيَوْا أي: كما كانوا الأغنياء: أولًا في (الموطأ) لمالك: حتى يحيى الناس من أول ما يحيون والمعنى: حتى يمطرون ويخصبوا فإن المطر سبب الخصب فيكون من الحيا مقصورًا وهو المطر، وهذا الحديث يدل على كمال زهد عمر\n_________\n(٩٢٩) صحيح: أخرجه: البخاري (٨/ ٤٨) ومسلم في البر والصلة (١٦٣) وأبو داود في الأدب (١٢٣) وأحمد في المسند (٣/ ١٦٥، ١٦٧، ٢٢٦، ٢٢٧) وعبد الرزاق (٢٠٣١٧) وابن خزيمة (١٧٩٦).","vol":"4","page":282},{"text":"وقناعته ورحمته وشفقته على رعيته وكان يتخلق بأخلاق يوسف صلوات الله على نبينا وعليه حيث لم يشبع في أيام غرقه ودولته من كون الحبوب في خزائنه وتحت حكومته والله أعلم.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بالزهد والتواضع، شرع في بيان ما يتعلق بالحب في الله، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-447>باب الحب في الله</span>\nبالتنوين الحب في الله أي: لأجله ورضائه تعالى أو في دينه وقد ورد \"من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان\" رواه أبو داود عن أبي أمامة ﵁.\n٩٣٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك؛ أن أعرابيًا أتى رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ قال: \"وما أعْدَدْتَ لها؟ \"، قال: لا شيء، والله، إني لقليلُ الصيام والصلاة، وإني لأحبّ الله ورسولَه، قال: \"إنك مع مَنْ أَحْبَبْتَ\".\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: بنا مالك أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وقد مر ترجمته قريبًا عن أنس بن مالك؛ رضي (ق ٩٥١) الله عنه أن أعرابيًا أي: من أهل البادية أتى رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله: متى الساعة؟ أي: أيُّ وقت قيام يوم القيامة قال: \"وما أعْدَدْتَ لها؟ \"، قال: لا شيء، أي: ما هيأت لها شيئًا من الطاعة والعبادة والله، إني لقليلُ الصيام والصلاة، أي: ولم أصل سوى فرض ولم أصم كما قاله صاحب البردة وإني لأحبّ الله ورسولَه، أي: مع قلة البضاعة في تحصيل الطاعة قال: أي: رسول الله - ﷺ - \"إنك مع مَنْ أَحْبَبْتَ\" أي: بقدر محبتك في منزل قربك وقد ورد: \"المرء مع من أحب\" رواه الترمذي (١) والنسائي (٢) عن ابن مسعود.\n_________\n(١) الترمذي (٤/ ٥٩٥).\n(٢) النسائي في الكبرى (٦/ ٣٤٤).","vol":"4","page":283},{"text":"وفي رواية الترمذي (١) عن أنس: \"المرء مع من أحب وله ما اكتسب\" وذكر في تفسير (البغوي) في تفسير قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] بسنده عن أنس ﵁: أن رجلًا قال: يا رسول الله الرجل يحب قومًا ولم يلحق بهم قال النبي - ﷺ -: \"المرء مع من أحب\" قال: وبه فرح الصحابة فرحًا ما فرحوا قط.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بالحب في الله، شرع في بيان ما يتعلق بفضل المعروف، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-448>باب فضل المعروف والصدقة</span>\nفي بيان فضل المعروف والصدقة، المراد بالمعروف هنا الإِحسان والعطية.\n٩٣١ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: رسول الله - ﷺ -: \"ليس المسكين بالطوَّاف الذي يطوف على الناس، تردّه اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان\"، قالوا: فما المسكينُ يا رسول الله؟ قال: \"الذي ما عنده ما يُغنيه، ولا يُفطن له فيُتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس\".\nقال محمد: هذا أحقُ بالعطية، وأيَّهما أعطيتَه زكاتك أجزأك ذلك، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزِّناد، هو عبد الله بن ذكوان القرشي المدني ثقة فقيه كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين المحدثين من أهل المدينة، مات بعد الثلاثين ومائة\n_________\n(١) الترمذي (٤/ ٥٩٥).\n(٩٣١) صحيح: أخرجه أحمد في المسند (٦/ ٤٣٥) وأبو داود (١٦٦٧) والترمذي (٦٦٥) والنسائي (٥/ ٨١) والحاكم في المستدرك (١/ ٤١٧) وقال: صحيح الإِسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي وقال الترمذي: حسن صحيح.","vol":"4","page":284},{"text":"عن الأعرج، اسمه عبد الرحمن بن هرمز ويكنى أبا داود المزني، مولى ربيعة بن الحارث، ثقة ثبت عالم، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين والمحدثين، مات سنة سبع عشرة ومائة عن أبي هريرة، ﵁ قال: رسول الله - ﷺ -: \"ليس المسكين أي: الكامل والمحمود بالطوَّاف بفتح الطاء المهملة وتشديد الواو أي: الشحات الذي يطوف على الناس، أي: يدور على أبوابهم تردّه اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان\"، قالوا: فما المسكينُ يا رسول الله؟ وإنما أثروا كلمة \"ما\" في السؤال عنه على من لإِرادتهم معنى الوصفية؛ لأنهم لما سمعوا عن رسول الله - ﷺ - نفي المسكين الموصوف بالطواف يطوف على الناس ويطلب منهم شيئًا، ووصفه بصيغة المبالغة علموا أن المراد بالمسكين هنا الذي يعرض على الناس حوائجه، بل المسكين هنا هو الذي أسكنته الخلة والفقر أو الذي صبر على الشدة وكف نفسه عن السؤال أن كلمة \"ما\" بمعنى \"من\" ويؤيده ما في رواية غيرها فمن المسكين قال: أي: أجاب السائلين بقوله: \"الذي ما عنده ما يُغنيه، أي: ليس عنده ما يكفيه وفي نسخة: الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يُفطن له بصيغة المجهول أي: ولا يتفطن لأجله أحد، وفي نسخة: ولا يتفطن له الناس فيُتصدق عليه، فالفاء فيه ناصبة نحو: ما تأتينا فتحدثنا، والصحيح أن النصب بأن مضمرة كما قاله ابن هشام ولا يقوم أي: لإِظهار الحاجة فيسأل الناس\" وفيه إيماء إلى قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ (ق ٩٥٢) النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] أي: أصيلًا فالمراد نفي القيد والمقيد معًا.\nقال محمد: هذا أي: المسكين الكامل أحقُ بالعطية، وثوابها أكثر هنالك وأيَّهما أعطيتَه زكاتك أي: صدقتك وميراثك أجزأك ذلك، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا أي: في قوله تعالى في سورة المعارج: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤، ٢٥] وفي سورة الحج في قوله تعالى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦] أي: المعترض بالسؤال والقانع بما رزقه الله تعالى، وفي تقديم القانع إيماء إلا أنه أفضل وفي تأخير المحروم رعاية للفاضل.\n* * *","vol":"4","page":285},{"text":"٩٣٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، عن مُعاذ بن عمرو بن سعيد بن معاذ، عن جدّته، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"يا نساء المؤمنات، لا تحقرن إحداكن لجارتها ولو بكُراع شاةٍ مُحْرَق\".\n• أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، العدوي مولى عمر، يكنى أبا عبد الله أو أبا أسامة المدني، ثقة عالم كان يرسل وكان في الطبقة الثانية أو الثالثة، من أهل المدينة، مات سنة ست وثلاثين ومائة عن مُعاذ بن عمرو بن سعيد بن معاذ، عن جدّته، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"يا نساء المؤمنات، بإضافة الموصوف للصفة، وروي برفع النساء والمؤمنات على النعت لا تحقرن بنون مؤكدة إحداكن لجارتها يحتمل أن يكون نهيًا للمهدية وأن يكون للمهدى إليها والأول أظهر كما ذكره السيوطي ولو بكُراع شاةٍ بالرفع أي: ولو هو، وفي نسخة بالنصب أي: ولو كان مع حذف الناصب أو بنزع الخافض كما نسخه بكراع الشاة مُحْرَق\" بالرفع بناء على رفع كراع، وفي نسخة بالنصب مع حذف ألف الناصب وجوزه بعض المحدثين من المتقدمين، وقيل: الكراع مؤنث فكان حقه محرقة إلا أن الرواية هكذا في (الموطآت) وغيرها.\nوحكى ابن العربي: أن بعض العرب يذكره فلعل الرواية على تلك اللغة كما ذكره السيوطي.\n* * *\n\n٩٣٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، عن أبي بُجَيد الأنصاري ثم الحارثي، عن جدّته: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"ردُوا المسكين، ولو بِظِلْفٍ محرقٍ\".\n• أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، عن أبي بُجَيد بضم الموحدة وفتح الجيم وسكون التحتية هو عبد الرحمن بن بجيد بن وهب الأنصاري ثم الحارثي، له رؤية وذكره بعضهم\n_________\n(٩٣٢) صحيح: أخرجه البخاري (٦٠١٧) ومسلم في الزكاة باب \"الحث على الصدقة ولو بالقليل\"، وهو في الموطأ برواية أبي مصعب الزهري (١٩٤٥).\n(٩٣٣) صحيح: تقدم.","vol":"4","page":286},{"text":"في الصحابة له حديث مرسل كذا في (تقريب التهذيب) (١) عن جدّته: هي أم بجيد ويقال: اسمها حوا كذا ذكره السيوطي أن رسول الله - ﷺ - قال: \"ردُوا المسكين، أي: السائل ولو بِظِلْفٍ محرقٍ\" على النعت والظلف بالكسر البقر والغنم كالحافر للفرس والبغل والخف للبعير والمراد المبالغة في إعطاء السائل أو محمول على أيام القحط الكامل ونظيره ما رواه العقيلي (٢) عن عائشة ﵂: \"ردوا هدية السائل\" أي: تعينه \"وِلِو مثل رأس الذباب\" ولعلها تقتبس من قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨] والحديث بعينه رواه البخاري أيضًا والنسائي عن حوا بنت سكن.\n* * *\n\n٩٣٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا سُميُّ، عن أبي صالح السمّان، عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"بينما رجل يمشي بطريق، فاشتد عليه العطش، فوجد بئرًا فنزل فيها فشرب، ثم خرج فإذا كلبٌ يلهثُ؛ يأكلُ الثرى من العطش، فقال: لقد بلغ هذا الكلب، من العطش مثل الذي بلغ بي، فنزل البئر فملأ خفَّه ماء، ثم أمسك الخفَّ بِفيه حتى رَقِيَ، فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له\"، قالوا: يا رسول الله، وإنَّ لنا في البهائم أجرًا؟ قال: \"في كل ذات كبدٍ رطبة أجر\".\n• أخبرنا مالك أخبرنا سُميُّ، بصيغة التصغير هو مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، ثقة كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين والمحدثين، مات سنة ثلاثين ومائة مقتولًا بقديد عن أبي صالح السمّان، بتشديد الميم هو ذكوان بن صالح السمان الزيات المدني ثقة ثبت وكان يجلب الزيت والشيء اليسير إلى الكوفة كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة (ق ٩٥٣) إحدى ومائة عن أبي هريرة، رضي\n_________\n(١) التقريب (١/ ٣٣٦).\n(٢) العقيلي (١/ ١٠٥).\n(٩٣٤) صحيح: أخرجه البخاري (٢٣٦٣) و(٢٤٦٦) و(٦٠٠٩) ومسلم في كتاب السلام باب فضل ساقي البهائم المحترقة وإطعامها، وأبو داود (٢٥٥٠) وأحمد في المسند (٢/ ٣٧٥، ٥١٧).","vol":"4","page":287},{"text":"الله عنه عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"بينما أي: في وقت من الأوقات رجل يمشي بطريق؛ أي: في السفر فاشتد عليه العطش، فوجد بئرًا فنزل فيها فشرب، ثم خرج فإذا كلبٌ يلهث، بفتح الحاء ويثلث من لهث أخرج لسانه من العطش والحر كذا في (النهاية).\nوقال السيوطي: اللهث شدة توارد النفس من تعب وغيره يأكلُ الثرى بمثلثة مفتوحة مقصورة التراب الرطبة أو التراب تحت الأرض من العطش، أي: من شدته وحدته فقال: أي: الرجل في نفسه لقد بلغ هذا الكلب، بالنصب أي: نفسه من العطش مثل الذي بلغ بي، أي: من نفسي فنزل البئر فملأ خفَّه أي: من الماء ماء، ثم أمسك الخفَّ أى: رأسه بِفيه أي: بفمه لاحتياجه إلى يديه في ارتفاعه من البئر حتى رَقِيَ، بكسر القاف أي: صعد إليه فسقى الكلب، فشكر الله له أي: استحسنه وجازاه فغفر له\"، قالوا: يا رسول الله، وإنَّ لنا في البهائم أجرًا؟ قال: \"في كل ذات كبدٍ رطبة أجر\" أي: ثواب عظيم، والكبد بفتح الكاف وكسر الموحدة ثم دال مهملة يقال له باللسان التركي: \"جكر\" وذكر الترمذي عن مسلم أن النبي - ﷺ - قال: \"بينما امرأة تمشي بفلاة من الأرض اشتد عليها العطش فنزلت بئرًا فشربت ثم صعدت فوجدت كلبًا يأكل الثرى أي: التراب الرطبة من العطش فقالت: لقد بلغ بهذا الكلب مثل ما بلغ مني ثم نزلت البئر فملأت خفها وأمسكته بفيها ثم صعدت فسقته فشكر الله لها ذلك فغفرها\" قالوا: يا رسول الله، إن لنا في البهائم أجرًا قال: \"نعم في كل كبد رطبة أجر\".\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بفضل المعروف والصدقة، شرع في بيان ما يتعلق بحق الجار، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-449>باب حق الجار</span>\nفي بيان حق الجار وهو أربعون دارًا من كل جانب من البيت قال رسول الله - ﷺ -: \"إن الله ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة أهل بيت من جيرانه البلاء - أي: بسبب كونه بين أظهرهم - لكرامته على ربه\" (١) كما قاله المناوي. محمد قال: ثنا كذا في نسخة.\n_________\n(١) ضعيف جدًا: أخرجه ابن جرير في التفسير (٥/ ٥٧٤) والعقيلي في الضعفاء (٤٦٣) وقال المناوي =","vol":"4","page":288},{"text":"٩٣٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، قال: أخبرني أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أنَّ عمرة حدّثته: أنها سمعت عائشة رضوان الله عليها تقول: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننتُ ليورّثَنَّهُ\".\n• أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني يكنى أبا سعيد القاضي ثقة ثبت كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة قال: أخبرني أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: الأنصاري البخاري بالنون والجيم المدني القاضي له اسمه وكنيته واحد وقيل: إنه يكنى أبا محمد ثقة عابدًا كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة عشرين ومائة أنَّ عمرة أي: بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية كانت في الطبقة الثالثة من طبقات التابعيات من أهل المدينة، ماتت بعد المائة حدّثته: أنها سمعت عائشة رضوان الله عليها تقول: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"ما زال جبريل يوصيني بالتشديد والتخفيف أي: أمرني بالجار أو بالإِحسان إليه والشفقة عليه حتى ظننتُ أي: حسبت ليورّثَنَّهُ\" أي: ليجعله وارثًا، في أكثر الأصول: \"حتى ظننت أنه سيورثه\" كما رواه أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه عن عائشة ﵂، وفي رواية البيهقي عن عائشة ﵂ أنه يورثه.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بالجار، شرع في بيان ما يتعلق باكتتاب العلم، فقال: هذا\n* * *\n_________\n= في فيض القدير: ضعفه المنذري وقال الهيثمي: فيه يحيى بن سعيد العطار وهو ضعيف وفي الميزان: يحيى هذا ضعفه ابن معين ووهاه أبو داود وقال ابن خزيمة: لا يحتج به ثم أورد له هذا الخبر.\n(٩٣٥) صحيح: أخرجه البخاري (٨/ ١٢) ومسلم في البر والصلة (١٤٠، ١٤١) وأبو داود (٥١٥١) (٥١٥٢) والترمذي (١٩٤٢، ١٩٤٣) وابن ماجه (٣٦٧٣) (٣٦٧٤) وأحمد في المسند (٢/ ٨٥، ١٦٠، ٢٥٩، ٤٤٥، ٥١٤) (٦/ ٥٢، ٩١، ١٢٥، ١٨٧، ٢٣٨) والبيهقي في الكبرى (٦/ ٢٧٥) (٧/ ١١، ٢٧) (٨/ ١١) وابن أبي شيبة في المصنف (٨/ ٣٥٧) والطبراني في الكبير (٨/ ١٦٦) (١٢/ ١٦٠) وابن حبان (٢٠٥٢) وعبد الرزاق (١٩٧٤٥) وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٣٠٦، ٣٠٧)، وابن عدي في الكامل (٣/ ٩٤٩) (٥/ ١٩٣١) (٦/ ٢١٤٨) والخطيب في تاريخه (٤/ ١٨٧).","vol":"4","page":289},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-450>باب اكتتاب العلم</span>\nأي: كائن في بيان اكتتاب العلم أي: استنساخه، والعلم بكسر العين وسكون اللام هو الاعتقاد الجازم المطابق الواقع.\nقال المتكلمون: هو صفة يتجلى بها المعلومات عند تعلقها بها، وقال الحكماء: هو حصوله الشيء في العقل، وقيل: العلم هو إدراك على ما هو به، وقيل: هو زوال الخفاء من المعلوم والجهل نقيضه كما قاله السيد الشريف محمد الجرجاني.\nلعله استنبط هذه الترجمة من قوله تعالى في سورة الفرقان: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥].\nووجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق هو التعلق والمتعلق بصيغة اسم المفعول واسم الفاعل أي: المعلوم والعلم.\n٩٣٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبي بكر بن عَمرو بن حزم: أن انظُر ما كان من حديث رسول الله - ﷺ - أو سنته أو حديث عُمر أو نحوه فاكتبه لي، فإني قد خِفْتُ دُروس العلم وذهاب العلماء.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا نرى بكتابة العلم بأسًا، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، وقد مر ترجمته قريبًا أن عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص الأموي أمير المؤمنين أمُّه أم عاصم حفصة بنت عاصم بن عمر بن الخطاب ولي إمرة المدينة للوليد وكان مع سليمان كالوزير وولي الخلافة بعده فُعد من الخلفاء الراشدين، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات في رجب سنة إحدى ومائة وله أربعون سنة، ومدة خلافته سنتان ونصف كذا قاله ابن حجر (١) كتب إلى أبي بكر بن عَمرو بن حزم: قيل: سبق ترجمته آنفًا أن انظُر\n_________\n(٩٣٦) إسناده صحيح.\n(١) التقريب (١/ ٤١٥).","vol":"4","page":290},{"text":"أي: تأمل وتفكر ما كان أي: عندي أو عند غيرك من حديث رسول الله - ﷺ - أي: سماعًا أو سنته أي: تقريرًا أو بلاغًا أو حديث عُمر أو نحو هذا أي: مثل حديث عمر من حديث الخلفاء ولا سيما مما يتعلق بأمر الأمراء.\nقال الميرك: واعلم أنه قد جرت عادة أصحاب الحديث إذا روي بإسنادين أو أكثر وساقوا الحديث بإسناد أولًا ثم ساقوا بإسناد آخر يقولون في آخره مثله أو نحوه اختصارًا، والمثل يستعمل بحسب الاصطلاح فيما إذا كان الموافقة بين الحديث في اللفظ والمعنى، والنحو يستعمل كل واحد منهما مقام الآخر انتهى. فاكتبه لي، أي: مجموعًا فإني قد خِفْتُ دُروس العلم أي: اندراس علم الشريعة الغراء وذهاب العلماء أي: من الصلحاء والكبراء.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل هنا إلا بما رواه يحيى بن سعيد عن عمر بن عبد العزيز ولا (ق ٩٥٥) نرى بكتابة العلم أي: من الكتاب والسنة وما يتعلق بهما من التفاسير وشروح الحديث وكتب الفقه بأسًا، وهو بكسر الفاء وسكون القاف ثم الهاء علم بالأحكام الشرعية العلمية من أدلتها التفصيلية كذا قال السيد الشريف محمد الجرجاني وهو قولُ أبي حنيفة ﵀، قال رسول الله - ﷺ -: \"من صلى علي في كتاب لم تزل الملائكة تستغفر له ما دام اسمي في ذلك الكتاب\" رواه الطبراني (١) وغيره عن أبي هريرة، وروى من كلام جعفر بن محمد موقوفًا عليه وهو أشبه فكتابة العلم حسن إذ السلف كان مدار علمهم على الحفظ وإلا ينبغي أن يكون واجبًا مستحبًا فإن العلم صيد والكتابة قيد.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق باكتتاب العلم، شرع في بيان ما يتعلق بالخضاب، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-451>باب الخضاب</span>\nالخضاب في (القاموس) ككتاب ما يختضب به أي: ما يلون به قالوا: إن الخضاب كالخضب بالفتح مصدر بمعنى التلوين، ولا يخفى أن هذا المعنى أنسب بالباب؛ لأن معظمه في هذا المعنى.\n_________\n(١) في الأوسط (١٨٣٥).","vol":"4","page":291},{"text":"قال ابن القطاع: فإذا لم يذكروا الشيب والشعر قالوا: خضب خضابًا واختضب بالخضاب. انتهى وهو يفيد أن المصدر خضب مختلف فحيث ذكروا المفعول مع الفعل كان المصدر خضبات كوعد، وإذا ذكروا الفعل بدون مفعول كان المصدر خضابًا ككتاب، كما قاله أستاذي العالم العلَّامة الشيخ نور الدين الشبراملسي الشافعي في (حاشية متن الشمائل) قد شرحها خاتمة المحققين أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي بالمثناة الفوقية كما ضبطه عبد القادر الفاكهي في ترجمته.\nووجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق إحداث العارض على محل.\n٩٣٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أخبرنا محمد بنِ إبراهيم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أن عبد الرحمن بن الأسود بن عَبْدِ يَغُوث كان جليسًا لنا، وكان أبيض اللحية والرأس، فغدا عليهم ذات يوم وقد حمَّرها، فقال القوم: هذا أحْسن، فقال: إن أمي عائشة أرسلتْ إليَّ البارحة جاريتَها نخيلة فأقسمتْ عليَّ لأصبغنَ، وأخبرتني أن أبا بكر كان يَصْبَغ.\nقال محمد: لا نرى بالخضاب بالوَسَمةِ والحِناءِ والصُّفرة بأسًا، وإن تركه أيضًا أبيض فلا بأس بذلك، كل ذلك حسن.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد بن قيس بن عمرو الأنصاري كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة أخبرنا محمد بن إبراهيم بن الحارث بن خالد التيمي، يكنى أبا عبد الله المدني، ثقة له أفراد كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة عشرين ومائة عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني قيل: اسمه عبد الله وقيل: إسماعيل ثقة مكثر، كان في الطبقة الثالثة من طبقات الصحابة والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين وكان مولده سنة بضع وعشرين كذا في (تقريب التهذيب) (١) أن عبد الرحمن بن الأسود بن عَبْدِ يَغُوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة\n_________\n(٩٣٧) إسناده صحيح.\n(١) التقريب (١/ ٦٤٥).","vol":"4","page":292},{"text":"الزهري ولد على عهد النبي - ﷺ - ومات أبوه في ذلك الزمان فلذلك عد في الصحابة.\nوقال العجلي: من كبار التابعين كان جليسًا لنا، أي: مجالسًا ومصاحبًا ومؤانسًا وكان أبيض اللحية والرأس، أي: شعرهما فغدا أي: فمر عبد الرحمن وقت الصباح عليهم أي: على قوم ولا يتوهم إلا ضمار قبل الذكر، فإن القوم مقدم حكمًا كما يدل عليه المذكور الآتي ذات يوم قبل كلمة ذات مقحمة وفائدتها دفع مجاز المشارفة، وقيل: ذات الشيء نفسه وحقيقته والمراد به ما أضيف إليه، فإن العرب يستعملون (ق ٩٥٦) ذات يوم وذات ليلة ويريدون حقيقة المضاف إليه نفسه وقد حمَّرها، بتشديد الميم أي: والحال أن عبد الرحمن بن الأسود صبغ لحيته بالحمرة فقال القوم: أي: من الأصحاب هذا أحْسن، أي: اللون الأحمر أحسن من بياض في نظر الأحباب، وفيه إشارة إلى قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٩] فقال: إن أمي عائشة أي: بكونها من أمهات المؤمنين كما أشار إليه بقوله: زوجات النبي - ﷺ - أرسلتْ إليَّ البارحة أي: الليلة الماضية جاريتَها نخيلة بضم النون وفتح الخاء المعجمة تصغير نخلة لعلها سمي بها لطولها فأقسمتْ عليَّ أي: عائشة أو الجارية على لسانها في معرض بيانها لأصبغنَ، بصيغة المتكلم والنون المؤكدة المشددة من بابي منع ونصر، وفي لغة من باب ضرب وأخبرتني أي: عائشة أن أبا بكر الصديق ﵁ كان يَصْبَغ أي: وقد قال - ﷺ -: \"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين\" (١) وربما كان أبو بكر ﵁ يصبغ ويراه النبي - ﷺ - فيكون هذا حديث تقريرًا.\nقال محمد: لا نرى بالخضاب أي: بالصبغ بالوَسْمةِ بفتح الواو وسكون السين المهملة، وفي (المصباح) إنها في لغة الحجاز بكسر السين وهي أفصح من السكون، وأنكر الأزهري السكون هو نبت يختضب بعروقه والحناء والصُّفرة بأسًا، وأما الصبغ بالسواد فحرام وإن تركه أي: الشعر الأبيض فلا بأس بذلك، كل ذلك أي: ترك الشعر أبيضًا أو خضابًا حسن أي: وإنما الخضاب أحسن للغزاة.\nاختلف العلماء هل خضب رسول الله - ﷺ - شعره أم لا؟\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في السنة ب (٥) والترمذي (٢٦٧٦) وابن ماجه (٤٢) وأحمد في المسند (٤/ ١٢٦، ١٢٧) والطبراني في الكبير (١٨/ ٢٤٦، ٢٤٧، ٢٤٨، ٢٤٩، ٢٥٧) والبيهقي (١٠/ ١١٤) وابن أبي عاصم (١/ ٢٩، ٣٠) وابن حبان (١٠٢).","vol":"4","page":293},{"text":"قال النووي: والمختار أنه - ﷺ - خضب في وقت لما دل عليه حديث ابن عمر في الصحيحين ولا يمكن تركه ولا تأويله، وتركه في معظم الأوقات، فأخبر كل بما رأى وهو صادق والله أعلم.\nقال ميرك: واختلف أهل العلم سلفًا وخلفًا في أنه هل الخضب أحب أم تركه أولى، فذهب جمع إلى الأول مستدلين بحديث أبي هريرة رفعه: \"إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم\" أخرجه الشيخان (١) والنسائي (٢) وغيرهم، وبحديث أبي أمامة ﵁ أنه قال: خرج رسول الله - ﷺ - على مشيخة من الأنصار بيض لحاهم فقال: \"يا معشر الأنصار حمروا أو صفروا أو خالفوا أهل الكتاب\" أخرجه أحمد (٣) بسند حسن ولهذا أخضب الحسن والحسين وجمع كثير من كبراء الصحابة، ومال كثير من العلماء إلى أن ترك الخضاب أولى لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: \"من شاب شيبة فهي له نور إلا أن ينتفها أو يخضبها\" (٤) هكذا أورده الطبري، ولكن قال ابن حجر العسقلاني: أخرجه الترمذي وحسنه ولم أر في شيء من طرقه الاستثناء المذكور انتهى.\nوأخرجه الترمذي (٥) وابن ماجه من حديث كعب بن مرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من شاب شيبة في الإسلام كانت له نور يوم القيامة\" وأخرجه الترمذي من حديث عمرو بن عبسة أيضًا (ق ٩٥٧) وقال: صحيح، وأخرج الطبراني من حديث ابن مسعود أن النبي - ﷺ -: \"كان يكره تغير الشيب\" ولهذا لم يخضب علي وسلمة بن الأكوع وأبي بن كعب وجمع جم من كبار الصحابة، وجمع الطبراني بين الأخبار الدالة على الخضب والأخبار الدالة على خلافه بأن الأمر لمن لم يكن شيبه مستبشعًا فيستحب له الخضاب، ومن كان بخلافه فلا يستحب في حقه، ولكن الخضاب مطلقًا أولى؛ لأنه فيه امتثالًا للأمر في مخالفة أهل الكتاب، وفيه صيانة للشعر عن تعلق الغبار وغيره إلا إن كان من عادة أهل\n_________\n(١) البخاري (٣/ ١٢٧٥) (٥/ ٢٢١٠).\n(٢) النسائي في الكبرى (٥/ ٤١٥) وفي الصغرى (٨/ ١٨٥).\n(٣) أحمد في المسند (٥/ ٢٦٤).\n(٤) أخرجه الترمذي (١٦٣٤، ١٦٣٥) والنسائي (٦/ ٢٦) وأحمد (٢/ ٢١٠، ٤/ ٣٨٦) والبيهقي (٩/ ١٦١) والطبراني في الكبير (١/ ٢١) (١٨/ ٣٠٤) وابن سعد في الطبقات (١/ ٢، ١٣٧).\n(٥) الترمذي (١٦٣٤).","vol":"4","page":294},{"text":"البلد ترك المصبغ فالترك في حقه أولى وهو جمع حسن.\nثم إن القائلين باستحباب الخضاب اختلفوا في أنه هل يجوز الخضب بالسواد والأفضل الخضاب بالحمرة أو الصفرة، فذهب أكثر العلماء إلى كراهة الخضب بالسواد وجنح النووي إلى أنها كراهة التحريم وأن من العلماء من رخص فيه في الجهاد ولم يرخص في غيره واستحبوا الخضاب بالحمرة أو الصفرة لحديث جابر قال: أتي بأبي قحافة إلى رسول الله - ﷺ - يوم فتح مكة ورأسه ولحيته كالثغامة بياضًا فقال - ﷺ -: \"غيروا هذا واجتنبوا السواد\" أخرجه مسلم، وأخرجه أحمد من حديث أنس قال: جاء أبو بكر بأبيه أبو قحافة يوم فتح مكة يحمله حتى وضعه بين يدي رسول الله - ﷺ - ورأسه ولحيته كالثغامة بياضًا إلى آخره وزاد الطبراني وابن أبي عاصم من وجه آخر عن جابر فذهبوا به وحمروه، والثغامة بضم المثلثة وتخفيف المعجمة نبات شديد البياض زهره وثمره، ولحديث أبي ذر رفعه: \"إن أحسن ما غيرتم به الشيب الحناء والكتم\" أخرجه الأربعة وأحمد وابن حبان وصححه الترمذي، وتقدم أن الصبغ بها يخرج بين السواد والحمرة ولحديث ابن عباس قال: مر رجل على النبي - ﷺ - قد خضب بالحناء فقال: \"ما أحسن هذا\" قال: فمر آخر قد خضب بالصفرة فقال: \"هذا أحسن من هذا كله\" أخرجه أبو داود (١) وابن ماجه (٢) ولحديث ابن عباس أيضًا مرفوعًا: \"يكون قوم في آخر الزمان يخضبون بهذا السواد كحواصل الحمام لا يجدون رائحة الجنة\" رواه أبو داود (٣) والنسائي (٤) وفي إسناده مقال، ولحديث أبي الدرداء رفعه: \"من خضب بالسواد سود الله وجهه يوم القيامة\" أخرجه الطبراني (٥) وابن أبي عاصم، وسنده لين، ومنهم من فرق في ذلك بين الرجل والمرأة فأجازه لها دون الرجل، واختاره الحليمي، وأما خضب اليدين والرجلين فمستحب في حق النساء ويحرم في حق الرجال إلا للتداوي. هذا وأول من خضب بالسواد فرعون، ثم نتف الشيب يكره عند أكثر العلماء لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: \"لا تنتفوا الشيب فإنه\n_________\n(١) أبو داود (٤/ ٨٦) رقم (٤٢١١).\n(٢) ابن ماجه (٢/ ١١٨٩) رقم (٣٦٢٧).\n(٣) أبو داود (٤/ ٨٧) رقم (٤٢١٢).\n(٤) النسائي (٨/ ١٣٨).\n(٥) الطبراني في معجم الشاميين (١/ ٣٧٦).","vol":"4","page":295},{"text":"نور المسلم\" (١) رواه الأربعة، وقال الترمذي: حسن، وروى مسلم (٢) من طريق قتادة عن أنس قال: كان يكره نتف الرجل الشعرة البيضاء من رأسه ولحيته.\nوقال بعض العلماء: لا يكره نتفه لشيبه إلا على وجه (ق ٩٥٨) التزين.\nوقال ابن العربي: وإنما نهى عن النتف دون الخضب؛ لأن فيه تغيير الخلقة من أصلها بخلاف الخضب فإنه لا يغير الخلقة على الناظر إليه والله أعلم، كذا قاله علي القاري في (شرح الشمائل) للترمذي.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بالخضاب، شرع في بيان ما يتعلق بحكم حال الوصي، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-452>باب الوصي يستقرض من مال اليتيم</span>\nفي بيان حال الوصي يستقرض من مال اليتيم، وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق العمل بالاحتياط.\n٩٣٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، قال: سمعتُ القاسم بن محمد يقول: جاء رجل إلى ابن عباس فقال له: إن لي يتيمًا وله إبل، أفأشرب من لبن إبله؟ فقال له ابن عباس: إن كنتَ تبغي ضالة إبله، وتَهْنَأ جَرْبَاها، وتليط حوضها، وتسقيها يوم وِرْدِها، فاشرب غير مضر بنَسل، ولا ناهكٍ في حَلب.\nقال محمد: وبلغنا أن عمر بن الخطاب ذَكر والي اليتيم، فقال: إن استغنى استعف، وإن افتقر أكل بالمعروف قرضًا.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٤/ ٨٥) رقم (٤٢٠٢) والترمذي (٥/ ١٢٥) رقم (٢٨٢١) والنسائي (٨/ ١٣٦) وابن ماجه (٣٧٢١).\n(٢) مسلم (٢٣٤١).\n(٩٣٨) إسناده صحيح.","vol":"4","page":296},{"text":"وبلغنا عن سعيد بن جبير أنه فسَّر هذه الآية ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال: قرضًا.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، قال: سمعتُ القاسم بن محمد أي: ابن أبي بكر الصديق ﵁، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة، يقول: جاء رجل إلى ابن عباس ﵄ فقال له: إن لي يتيمًا وهو من الإِنسان صبي مات أبواه ومن الحيوان ولد مات أمه كما بيناه في كتابنا (نور الأفئدة) في تفسير سورة الضحى وله إبل، أفأشرب من لبن إبله؟ يحتمل أن يكون خبرًا وأن يقدر استفهامها وعلى كل تقدير فمراده الاستفتاء فقال له أي: للرجل الخبر عن اليتيم إن كنتَ تبغي ضالة إبله، أي: أن تطلب ما فقد من إبله وضاع من ماله وتخدم بحاله وتَهْنَأ بفتح الفوقية وسكون الهاء وتثليث النون وبعدها همزة أي: تطلي جَرْبَاها، أي: إبله الجرباء بالقطران وتليط حوضها، أي: تطينه وتصلحه، وفي (الموطأ) لمالك برواية يحيى: بلفظ بضم اللام وتشديد الطاء أي: تطينه كذا قاله السيوطي وتسقيها يوم وِرْدِهما، بكسر الواو أي: شربها فاشرب أي: من لبن إبله فإنك تستحقه بخدمتك غير مضر أي: حال كونك غير ضار بنَسل، أي: بالولد الرضيع ولا ناهكٍ بكسر الهاء أي: غير مبالغ في حَلب بفتحتين أي: اللبن المحلوب وبتسكين اللام كذا ذكره السيوطي عن سعيد بن زيد الباجي المالكي، والمراد به الأول فتأمل غير مستأصل اللبن.\nقال محمد: وبلغنا أن عمر بن الخطاب ﵁ ذَكر والي اليتيم، بفتح الواو وبعدها ألف وكسر اللام وفتح التحتية منصوب مضاف إلى اليتيم أي: ذكر عمر من الذي تولى بأمور اليتيم؟ فقال: إن استغنى أي: إن كان ولي اليتيم غنيًا استعف، أي: فليتنزه عن أكل مال اليتيم، واستعف أبلغ من عف كأنه يطلب زيادة العفة وإن افتقر أي: إن احتاج إلى أكل مال اليتيم أكل أي: فليأكل منه بالمعروف قرضًا تميز أي: بطريق القرض ولعله محمول على ما إذا لم يكن له خدمة في مقابلة لئلا يناقض بالعدم أو على الأفضل والأكمل.\nوبلغنا أي: بلغنا أيضًا عن سعيد بن جبير أي: الأسدي مولاهم الكوفي ثقة ثبت فقيه كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين والمحدثين من أهل الكوفة، قتل بين يدي الحجاج سنة خمس وتسعين وهو ابن سبع وخمسين وقيل: تسع وأربعين أنه فسَّر هذه الآية","vol":"4","page":297},{"text":"أي: في سورة النساء: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا﴾ أي: من كان من الأولياء أو الأوصياء غنيًا ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ أي: فليطلب العفة من نفسه يعني: ليمتنع عنِ أكله اغتناء بماله ويقنع به ولا يطمع في مال اليتيم إشفاقًا (ق ٩٥٩) عليه وإبقاء على ماله ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا﴾ أي: كان من الأولياء أو الأوصياء محتاجًا ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: بقدر حاجته الضرورية وأجرة سعيه وخدمته وفي لفظ الاستعفاف والأكل بالمعروف ما يدل على أن للوصي حقًا لقيامه عليه، عن النبي - ﷺ - أن رجلًا قال له - ﷺ -: إن في حجري يتيمًا أفآكل من ماله؟ قال: \"بالمعروف وغير متأثل مالًا ولا وارق مالك بماله\" غير متأثل بضم الميم وفتح الفوقية والهمزة وكسر الثاء المثلثة المشددة ثم اللام أي: لك أيها السائل أن تأكل من مال اليتيم بالمعروف غير آخذ ماله كله قوله: ولا وارق مالك بماله أي: وليس لك أيها السائل أن تحفظ مالك مازجًا به في ماله وقال أي: سعيد بن جبير: قرضًا عن مجاهد: يستلف فإذا أيسر أدى، وعن سعيد بن جبير: إن شاء شرب فضل اللبن وركب البعير ولبس ما يستره من الثياب وأخذ القوت ولا يجاوزه فإن يسر قضاه وإن أعسر فهو في حل، كذا قاله أبو السعود في تفسير هذه الآية.\n* * *\n\n٩٣٩ - قال محمد: أخبرنا سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن صِلَة بن زُفَر: أن رجلًا أتى عبد الله بن مسعود، فقال له: إنه أوصى إلى يتيم، فقال: لا تشترينّ من ماله شيئًا، ولا تستقرض من ماله شيئًا.\nقال محمد: والاستعفاف عندنا عن ماله أفضل، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• قال محمد: أخبرنا سفيان الثوري بن سعد بن مسروق الثوري يكنى أبا عبد الله الكوفي، ثقة حافظ فقيه عابد إمام حجة، كان في الطبقة السابعة من طبقات التابعين من أهل الكوفة وكان ربما يدلس، مات سنة إحدى وستين ومائة وله أربع وستون سنة عن أبي إسحاق، أي: الشيباني هو سليمان بن سليمان الكوفي، ثقة كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل الكوفة وهي في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة،\n_________\n(٩٣٩) إسناده صحيح.","vol":"4","page":298},{"text":"مات سنة أربعين ومائة عن صِلَة بن زُفَر: بكسر الصاد المهملة وفتح اللام الخفيفة وبضم الزاي وفتح الفاء العبسي بالموحدة، يكنى أبا العلاء أو أبا بكر الكوفي كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين من أهل الكوفة، مات في حدود السبعين كذا في (تقريب التهذيب) أن رجلًا أتى أي: جاء إلى عبد الله بن مسعود، ﵁ فقال له: إنه أوصى أي: أمر إلى يتيم، أي: لا يكون في حجر تربيتي فقال: لا تشترينّ من ماله شيئًا، أي: لنفسك ولا تستقرض من ماله شيئًا أي: من غير ضرورة إليه.\nقال محمد: والاستعفاف أي: الامتناع عندنا عن ماله أي: عن أخذه ولو بعد الحاجة أفضل، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا والله أعلم.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بمال اليتيم من حرمة الاشتراء به والاستقراض بلا ضرورة، شرع في بيان ما يتعلق بحكم حال الرجل ينظر إلى عورة الرجل من غير داع إليه.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-453>باب الرجل ينظر إلى عورة الرجل</span>\nفي بيان حكم حال الرجل ينظر إلى عورة الرجل أي: بلا داع إليه، ووجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق المنع عن طرف الشرع، فقال: هذا\n٩٤٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، قال: سمعتُ عبد الله بن عامر يقول: بينما أنا أغتسل ويتيم كان في حجر أبي، يصبّ أحدُنا على صاحبه إذ طلع علينا عامر، ونحن كذلك، فقال: ينظر أحدكم إلى عورة بعض؟ والله إني كنتُ لأحسبكم خيرًا منا، قلت: قومٌ وُلِدوا في الإِسلام ولم يولدوا في شيء من الجاهلية، والله إني لأظنكم الْخَلْف.\nقال محمد: لا ينبغي للرجل أن ينظر إلى عورة أخيه المسلم إلا من ضرورة لمداواة أو نحوها.\n_________\n(٩٤٠) إسناده صحيح.","vol":"4","page":299},{"text":"• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، قال: سمعتُ عبد الله بن عامر أي: ابن ربيعة الغزي حليف بني عدي، يكنى أبا محمد المدني، ولد في عهد النبي - ﷺ - ولأبيه صحبة مشهورة ووثقه العجلي، مات سنة بضع وثمانين يقول: بينما أي: في وقت من الأوقات أنا أغتسل ويتيم كان أي: ذلك اليتيم الغاسل معي في حجر أبي، أي: في تربيته يصبّ أحدُنا على صاحبه أي: ماء الغسل إذ طلع علينا عامر، ونحن كذلك، أي: على مثل ذلك الحال فقال: أي: على وجه الإِنكار ينظر أي: أينظر بعضكم إلى عورة بعض؟ أي: ألم يسمع بما قال النبي (ق ٩٦٠) - ﷺ -: \"لعن الله الناظر والمنظور إليه\" (١) كما قاله المناوي في (كنوز الحقائق) و(مسند الفردوس) للديلمي وألم ينظر بما أمر الله لنبيه في سورة النور: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور: ٣٠] قوله: ﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ أي: ليطبقوا جوفنهم عن النظر إلى ما لا يحل النظر إليه، قوله: ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ أي: ليستروا فروجهم عن نظر الأجانب، وقوله: ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ أي: غض البصر عن النظر بالمحرمات أظهر لقلوبهم، قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ أي: لا يخفى عليه إجالة أبصارهم واستعمال سائر حواسهم وتحريك جوارحهم وما يقصدون بها فليكونوا على حذر منه تعالى في كل حركة وسكون هذا خلاصة ما قاله البيضاوي والشيخ زادة والله إني كنتُ لأحسبكم أي: لأظنكم خيرًا منا، في الدين والتقوى وسببه أني قلت: أي: في خاطري قوم أي: هم قومٌ وُلِدوا في الإِسلام أي: وعلموا الأحكام ولم يولدوا في شيء أي: في حين من الجاهلية، أي: ليكونوا معذورين في الجهل ببعض الآداب الدينية والله إني لأظنكم أي: الآن الْخَلْف بسكون اللام لا بفتحها وهو خلف السوء قال الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩].\nقال محمد: لا ينبغي أي: لا يجوز للرجل أي: وكذا الصبي المراهق والمرأة أن ينظر إلى عورة أخيه المسلم هذا قيد اتفاقي إلا من ضرورة أي: داعية وباعثة لمداواة أي: للجراحة أو نحوها أي: نحو التداوي من الختان والفصادة والحجامة.\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في الكبرى (٧/ ٩٩) وفي الشعب (٦/ ١٦٢) وابن عدي في الكامل (١/ ٣٣١).","vol":"4","page":300},{"text":"لما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم النظر إلى عورة الرجل، شرع في ذكر ما يتعلق بحكم النفخ في الشراب، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-454>باب النفخ في الشراب</span>\nالنفخ في الشراب أي: في بيان كراهته، ووجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق النهي عن طرف الشارح.\n٩٤١ - أخبرنا مالك، أخبرنا أيوب بن حبيب مولى سعد بن أبي وقاص، عن أبي المثنى الجهني: أنه قال: كنتُ مع مروان بن الحكم، فدخل أبو سعيد الخدري على مروان، فقال له مروان: سمعتُ رسول الله - ﷺ - ينهى عن النفخ في الشراب؟ قال: نعم، فقال له رجل: يا رسول الله، إني لا أرْوَى من نفس واحد، قال: \"فَأَبِنْ القَدَحَ عن فِيكَ ثم تنفَّس\"، قال: فإني أرى القذاة فيه، قال: \"أهْرِقْها\".\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: أخبرنا مالك، أخبرنا أيوب بن حبيب الزهري المدني مولى سعد بن أبي وقاص، ﵁ ثقة، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة إحدى وثلاثين ومائة عن أبي المثنى الجهني: المدني مقبول كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات بعد المائة أنه قال: كنتُ مع مروان بن الحكم، فدخل أبو سعيد الخدري ﵁ على مروان، فقال له مروان: سمعتُ رسول الله - ﷺ - ينهى عن النفخ في الشراب؟ قال: نعم، قال سعيد بن زيد الباجي المالكي: لئلا يقع من ريقه فيه شيء فيتقذره وقد بعث رسول الله - ﷺ - ليتمم مكارم الأخلاق كما ذكره السيوطي، وقد روى الترمذي (١) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن النفخ في الشراب، وروى أحمد في\n_________\n(٩٤١) إسناده ضعيف: فيه أبو المثني الجهني قال الحافظ في التقريب: مقبول.\n(١) الترمذي (٤/ ٣٠٣).","vol":"4","page":301},{"text":"(مسنده) (١) عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله - ﷺ - نهى عن الشراب من ثلمة القدح (ق ٩٦١) وأن ينفخ في الشراب. كذا قاله المناوي في (كنوز الحقائق) وروى أحمد عن ابن عباس (٢) مرفوعًا: نهى عن النفخ في الطعام والشراب، وروى الطبراني (٣) عن زيد بن ثابت ولفظه: نهى عن النفخ في السجود وعن النفخ في الشراب، فقال له رجل: يا رسول الله: إني لا أرْوَى أي: لا أشبع من الماء من نفس واحد، بفتح النون والفاء أي: من التنفس الواحد قال: \"فَأَبِنْ القَدَح بفتح الهمزة وكسر الموحدة، أمر من الإِبانة أي: فرق القدح عن فيكَ أي: فمك ثم تنفَّس\"، أي: ثم اشرب إما بنفسين أو بثلاث نفسات وهو الأولى قال: أي: الرجل فإني أرى القذاة فيه، بفتح القاف والذال المعجمة ثم ألف والفوقية أي: إني أرى على الماء الذي في القدح عودًا رقيقًا كالغبار ويقال لها باللسان التركي: (حواو زنده كي جور جوب) قال \"أهْرِقْها\" بفتح الهمزة وسكون الهاء وكسر الراء المهملة وسكون القاف، أمر من الإِهراق أي: اصبب الماء في القدح.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم النفخ في الشراب شرع في بيان ما يتعلق بحكم مصافحة النساء.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-455>باب ما يُكره من مصافحة النساء</span>\nفي بيان عمل ما يكره من مصافحة النساء أي: الشابة، وكذلك يكره لمس ما يحرم نظره أو يكره من ذكر أو أنثى مثل: مس وجه حرة أجنبية وكفها، فإن النظر فيها بلا حاجة مكروه، وأما مسها فحرام بلا ضرورة داعية للمسها، وأما إذا قضت الحاجة إلى مسها كالمس لمعرفة النبض والفصد والحجامة فلا بأس، وكذا يكره الخلوة معها ولو من الأقرباء كبنت عمه ونحوها، فإنه لا يجوز المصافحة معهن؛ لأن لمسها حرام بخلاف نظر كفيها ورجليها إذا أمن من الشهوة، غير أنه يجوز مصافحة العجائز وغمزها رجله إذا أمن الشهوة كما قاله خواجة زادة في (حاشية الطريق المحمدية).\n_________\n(١) أحمد (٣/ ٦٠).\n(٢) أحمد (١/ ٣٠٩).\n(٣) الطبراني في الكبير (٥/ ١٣٧).","vol":"4","page":302},{"text":"٩٤٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا محمد بن المنكدر، عن أُمَيمة بنت رُقَيْقَة أنها قالت: أتيتُ رسول الله - ﷺ - في نسوة نبايعه، فقلْن: يا رسول الله نبايعك على أن لا نشرك بالله شيئًا ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيك في معروف، قالت: فقال رسول الله - ﷺ -: \"فيما استَطَعْتُنّ وأطقْتُن\"، قالت: قلنا: الله ورسوله أرحم بنا منَّا بأنفسنا، هلمّ نبايعك يا رسول الله، قال: \"إني لا أصافح النساء، إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة، أو مثل قولي لامرأة واحدة\".\n• أخبرنا مالك، أخبرنا محمد بن المنكدر، أي: ابن عبد الله بن الهدير بالتصغير التيمي المدني، ثقة فاضل كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة ثلاثين أو بعدها ومائة عن أُمَيمة بنت رُقَيْقَة: بالتصغير فيها، واسم أبيها عبد الله بن بخاء بن عمير بن الحارث بن الخارجة بن سعد بن تيم بن مرة، واسم أمها رقية بضم الراء المهملة وفتح القافين بينهما تحتية ساكنة ثم هاء هي بنت خويلد بن أسد أخت خديجة وهي أي: أميمة صحابية بنت صحابي روت عن النبي - ﷺ - وروى عنها محمد بن المنكدر وهي كانت من المبايعات كما قاله ابن حجر العسقلاني في (الإِصابة) وإنما أضيفت إلى أمها لشهرتها بإمها أي: أميمة قالت: أتيتُ أي: جئت رسول الله - ﷺ - في نسوة أي: في جماعة النسوة نبايعه، بصيغة الغيبة ويحتمل أن يكون بنون المتكلم ويسمى هذه البيعة بيعة النساء وفي نسخة: نبايعه على الإِسلام قال الله تعالى في سورة النساء وفي نسخة: نبايعة على الإِسلام قال الله تعالى في سورة الممتحنة: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١٢] وذلك يوم الفتح، لما فرغ رسول الله - ﷺ - عن بيعة الرجال وهو على الصفا وعمر بن الخطاب ﵁ أسفل منه وهو يبلغ (ق ٩٦٢) النساء بأمر رسول الله - ﷺ -\n_________\n(٩٤٢) صحيح: أخرجه أحمد في المسند (٦/ ٣٥٧) والنسائي (٧/ ١٤٩) والترمذي (١٥٩٧) وابن ماجه (٢٨٧٤) والطبراني (٢٤/ ٤٧١) والبيهقي (٨/ ١٤٦) وقال الترمذي: حديث صحيح حسن.","vol":"4","page":303},{"text":"أن يعرفها فقال النبي - ﷺ -: \"أبايعكن على أن لا يشركن بالله ولا يسرقن\" فقالت هند: إن أبا سفيان رجل شحيح وإني أصبت في ماله هنات فلا أدري يحل لي أم لا؟\nفقال أبو سفيان: ما أصبت من شيء في ماضي وفيما غير فهو لك حلال، فضحك رسول الله - ﷺ - فعرفها فقال: \"والله إنك لهند بنت عتبة\" قالت: نعم، فاعف عما سلف عفى الله عنك فقال: \"ولا تزنين\" فقالت هند: أو تزني الحرة؟ فقال: \"ولا يقتلن أولادهن\" فقالت هند: ربيناهم صغارًا وقتلتوهم كبارًا فأنتم وهم أعلم، وكان ابنها حنظلة بن أبي سفيان قتل يوم بدر، فضحك عمر حتى استلقى فتبسم رسول الله - ﷺ - فقال: \"ولا تأتين ببهتان يفترينه بين أيديكن وأرجلكن وهو تقذف ولدًا على زوجها ليس منه\" قالت هند: والله إن البهتان لقبيح وما تأمرنا إلا بالأرشد ومكارم الأخلاق فقال: \"ولا تعصين في معروف\" قالت هند: فأجلسنا مجلسًا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء فقلن: يا رسول الله، نبايعك على أن لا نشرك بالله شيئًا ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، أي: أردن وأد البنات الذي يفعله أهل الجاهلية ولا نأتي ببهتان أي: بولد ملقوط نفتريه أي: يقلن لزوجهن: هذا ولدي منك بين أيدينا وأرجلنا، أي: لأن الولد إذا وضعته الأم سقط بين يديها ورجليها ولا نعصيك في معروف، أي: في كل أمر موافق طاعة الله تعالى.\nوفيه عدم خلو المرأة بالرجل وترك النوح والدعاء بالويل وتمزيق الثوب وحلق الشعر ونتفه وخمش الوجه وعدم المسافرة إلا مع المحرم قالت: أي: أميمة كما في نسخة فقال رسول الله - ﷺ -: \"فيما استَطَعْتُنّ أي: في عمل قدرن أن تفعلينه وأطقْتُن\"، هذا تلقين لهن لئلا يقعن فيما لا يطقن قالت: قلنا: الله ورسوله أرحم بنا منَّا بأنفسنا أي: حيث قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] أي: أعطنا يدك هلمّ نبايعك أي: نصافحك يا رسول الله، أي: كما صافحك الرجال قال: \"إني لا أصافح النساء، أي: باليد بل بالكلام كما بينه بقوله: إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة\" شك من الراوي.\nوفي رواية البغوي: \"إنما قولي لامرأة كقولي لمائة امرأة\"، وفي حديث البخاري (١) عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: كان النبي - ﷺ - يبايع النساء بالكلام\n_________\n(١) البخاري (٦/ ٢٦٣٧).","vol":"4","page":304},{"text":"بهذه الآية ﴿لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢] قالت: وما مست يد رسول الله - ﷺ - يد امرأة إلا امرأة يملكها (١) والله أعلم.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم المصافحة مع النساء، شرع في بيان ما يتعلق بفضائل الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين (ق ٩٦٣).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-456>باب فضائل أصحاب النبي - ﷺ </span>-\nأي: كائن في بيان ما يتعلق بفضائل أصحاب رسول الله - ﷺ - أي: بعض منهم متفرقة.\n٩٤٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أنه سمع سعيد بن المسيَّب يقول: سمعتُ سعد بن أبي وقاص يقول: لقد جَمَعَ لي رسول الله - ﷺ - أَبَوَيْهِ يومَ أُحد.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة محمد قال: أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أنه سمع سعيد بنِ المسيَّب يقول: سمعتُ سعد بن أبي وقاص ﵁ يقول: لقد أي: والله قد جَمَعَ لي أي: الفداء رسول الله - ﷺ - أَبَوَيْهِ يومَ أُحد بعني: \"ارم يا سعد فداك أبي وأمي\" وإنما قال له وللزبير ولم يقل مثل ذلك لأحد غيرهما، فلهما به خصوصية عظيمة ومنقبة جسيمة وسعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشرة، أسلم قديمًا وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وقال: كنت ثالث الإِسلام وأنا أول من رمى السهم في سبيل الله وقد شهد المشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ - وقال فيه: \"اللهم سدد سهمه وأجب دعوته\".\n* * *\n\n٩٤٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، قال: قال ابن عمر: بعث رسول الله - ﷺ - بَعْثًا فأمَّر عليهم أسامة بن زيد، فطعن الناس في إمْرَته، فقام رسول الله - ﷺ - فقال: \"إن تطعنوا في إمرته، فقد كنتم تطعنون في إمرة أبيه من\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢/ ٩٦٧) ومسلم (٣/ ١٤٨٩).\n(٩٤٣) إسناده صحيح.\n(٩٤٤) إسناده صحيح.","vol":"4","page":305},{"text":"قبل، وايمُ الله إن كان لخليقًا للإمرة، وإن كان لَمِنْ أحبّ الناس عليّ، وإن هذا لمن أحب الناس إليَّ بعده\".\nأخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، أي: مولى ابن عمر المدني ثقة، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل المدينة، مات سنة سبع وعشرين ومائة قال: قال ابن عمر: بعث رسول الله - ﷺ - أي: أرسل جيشًا كبيرًا وعسكر كثيرًا بَعْثًا فأمَّر عليهم بتشديد الميم أي: جعل أميرهم أسامة بن زيد، ﵁ فطعن الناس في إمْرَته، بكسر الهمزة أي: في إمارته وولايته لكونه صغير القوم وحقيرهم في الصورة؛ ولأنه من الموالي وكان في القوم أبو بكر وعمر فقام رسول الله - ﷺ - أي: على المنبر أو وقف وقوفًا فقال: \"إن تطعنوا في إمرته، أي: إمارته الآن فقد كنتم تطعنون في إمرة أبيه من قبل، أي: قبل ذلك ولعله كان بموته من أرض الشام سنة ثمان من الهجرة وهو كان أمير على تلك الغزوة، وقال - ﷺ -: \"إن قتل زيد فجعفر فإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة\" فقتلوا ثلاثتهم ووقع الفتح على يد خالد بن الوليد وايمُ الله بهمزة الوصل وبقطع وبضم الميم أي: وأقسم بالله إن مخففة من المثقلة أي: قد كان أي: أسامة بن زيد لخليقًا أي: جديرًا وحقيقًا للإمرة، أي: للإِمارة كما في نسخة وإن هذا أي: أسامة بن زيد على ما في نسخة أخرى وإن كان أسامة لمن أحب الناس إليَّ بعده\" أي: من بعد أبيه فهو حبه وابن حبه.\nقال ابن عبد البر: يقال له: الحب ابن الحب، وذكر ابن سعد قال هارون: حدثنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه: \"أن النبي - ﷺ - أخر الإِفاضة من عرفة من أجل أسامة بن زيد ينتظره فجاءه غلام أسود أفطس فقال أهل اليمن: إنما حبسنا لأجل هذا قال: فلا لك كفر أهل اليمن من أجل هذا\" وكان زيد قد أصابه في الجاهلية فاشتراه حكيم بن حزام في سوق بناحية مكة لخديجة فوهبته له - ﷺ - فتبناه بمكة قبل النبوة وهو ابن ثمان سنين، وكان رسول الله - ﷺ - (ق ٩٦٤) حين تبناه على خلق من قريش يقول: \"هذا ابني وارثًا وموروثًا\".\nقال ابن عمر: ما كنا ندعوك زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد حتى نزلت: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، وعن الزهري قال: ما علمان أحدًا أسلم قبل زيد بن حارثة يعني: من الموالي كما ذكره المحققون، وزوجه رسول الله - ﷺ - مولاته أم أيمن فولد له أسامة.\n* * *","vol":"4","page":306},{"text":"٩٤٥ - أخبرنا مالك، عن أبي النّضر مولى عمر بن عبد الله بن مَعْمَر، عن عُبيدٍ يعني ابن حنين عن أبي سعيد الخُدري، أن رسول الله - ﷺ - جلس على المنبر، فقال: \"إن عبدًا خيَّره الله أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء، وبين ما عنده فاختار العبد ما عنده\"، فبكى أبو بكر ﵁، وقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، قال: فعجبنا له، وقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ يخبر رسول الله - ﷺ - بخبر عبد خيره الله وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فكان رسول الله - ﷺ - هو المخيَّر، وكان أبو بكر ﵁ أعْلَمنا به، فقال رسول الله - ﷺ -: \"إنَّ أمَنَّ الناسِ عليَّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنتُ متخذًا خليلًا لاتخذتُ أبا بكر، ولكن إخوة الإسلام، ولا يبقين في المسجد خَوْخَة إلا خَوْخَة أبي بكر\".\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: أخبرنا مالك عن أبي النّضر مولى عمر بن عبد الله بن مَعْمَر، القرشي التميمي المدني، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، كذا قاله الطيبي في (ذيل شرح مشكاة المصابيح) وابن حجر العسقلاني في (تقريب التهذيب) (١) عن عُبيدٍ بالتصغير يعني ابن حنين بضم الحاء المهملة وفتح النون وسكون التحتية ثم نون مصغرًا المدني يكنى أبا عبد الله، ثقة قليل الحديث كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة خمس ومائة وله خمس وسبعون سنة ويقال: أكثر من ذلك كذا قاله الحافظ العسقلاني (٢) عن أبي سعيد الخُدري، ﵁ أن رسول الله - ﷺ - جلس على المنبر، أي: وكان ابتلاء مرضه الذي مات فيه فإنه خرج كما رواه الدارمي وهو معصوب الرأس بخرقة حتى أمال إلى المنبر فاستوى عليه فقال: \"والذي نفسي بيده إني لأنظر إلى الحوض من مقامي هذا\" ثم قال: وفي رواية: فقال: \"إن عبدًا خيره الله أن يؤتيه أي: يعطيه من زهرة الدنيا بفتح الزاي المعجمة وسكون الهاء والراء ثم\n_________\n(٩٤٥) صحيح، أخرجه البخاري (٣/ ١٤١٧)، ومسلم (٤/ ١٨٥٤).\n(١) التقريب (١/ ٢٢٦).\n(٢) في التقريب (١/ ٣٧٦).","vol":"4","page":307},{"text":"هاء أي: البهجة فيها وزينتها ما شاء، أي: ذلك العبد أو ربه وبين ما عنده أي: ما عند الله تعالى كما في رواية: من حياة العقبي ولذة اللقاء ودوام البقاء فاختار العبد ما عنده، أي: لأنه خير وأبي قال تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦] ولذا قال: \"لو خير المؤمن العاقل بين خزف باق وذهب فإن لاختار خزف لبقائه فكيف والدنيا خزف فان والأخرى ذهب باق\" فبكى أبو بكر ﵁، أي: لما فهم من كلامه - ﷺ - أنه أراد بالعبد نفسه، وأنه اختار الموت فلا يكون الأمر بخلافه وقال: فديناك أي: نحن معشر المسلمين بآبائنا وأمهاتنا، أي: فإنك خير منهم لنا ولمهماتنا قال: أي: أبو سعيد الخدري فعجبنا له، أي: نحن الحاضرون من الصحابة الكرام من هذا الكلام في مقابل كلامه - ﷺ - حيث فهمنا حقيقة المراد وقال الناس: أي: بعضهم لبعض من الذين هم في مرتبة العوام انظروا إلى هذا الشيخ، أي: مع كبر سنه وكما فهمه كيف تكلم بما لا يناسب في مقام مرامه؟ يخبر رسول الله - ﷺ - بخبر عبد أي: منهم خيره الله تعالى وهو أي: أبو بكر الصديق ﵁ يقول فديناك بآبائنا وأمهاتنا، والمعنى أنه ثم تبين لنا أن الأمر كان على ما فهمه أبو بكر من طريق الإِشارة في طي العبادة فكان رسول الله - ﷺ - (ق ٩٦٥) هو المخيَّر، أي: بين الأمرين والمختار لأمر العقبى على الدنيا وكان أبو بكر ﵁ أعْلَمنا به، أي: بسبب هذا الفهم والجلي والفضل العلي، والظاهر أن أعلم صيغة أفعل ولا يبعد أن يكون ماضيًا، والمعنى أنه ﵁ أعلمنا به وكنا قد غفلنا عنه وجهلنا به فقال رسول الله - ﷺ -: أي: على المنبر حينئذ وكان الأظهر أن يقول: فقال كما في الأصول: \"إنَّ أَمَنَّ الناسِ بفتح الهمزة والميم وتشديد النون المفتوحة مضاف إلى الناس أي: أكثر الناس منه عليَّ في صحبته أي: القديمة الدائمة وماله أي: في نفقته الكثيرة أبو بكر، الصديق ﵁ فقد روى سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة عن أبيه قال: أسلم أبو بكر وله أربعون ألفًا أنفقها كلها على رسول الله - ﷺ - وفي سبيل الله، وقال - ﷺ -: \"ما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر\" وأعتق أبو بكر سبعة كانوا يغدون في سبيل الله ﷿ منهم: بلال وعامر بن فهيرة ولو وفي نسخة: فلو بالفاء كنتُ متخذًا أي: من أهل الأرض كما في رواية خليلًا أي: حبيبًا خالصًا لاتخذتُ أبا بكر، خليلًا ولكن إخوة الإسلام، أي: بيننا أو كافية ولا يبقين وفي رواية: ولا تبقى في المسجد خَوْخَة بفتح الخائين المعجمتين بينهما واو ساكنة ثم تاء للوحدة أي: باب صغير بين البيتين أوكده في الجد أو للوضوء إلا","vol":"4","page":308},{"text":"خَوْخَة أبي بكر\". الحديث رواه البخاري، وفيه إيماء إلى خلافته ﵁، فإن الإِمام يحتاج إلى مبنى المسجد والاستطراف فيه بخلاف غيره وذلك من مصالح المسلمين المصلين، ثم أكد هذا المعنى بأمره صريحًا أن يصلي بالناس أبو بكر فرجع في ذلك وهو يقول: \"مروا أبا بكر أن يصلي بالناس\" مولاه إمام الصحابة عند بيعة أبي بكر ﵁، رضيه رسول الله - ﷺ - لديننا أفلا نرضاه لدنيانا، ثم اعلم أنه - ﷺ - لما عرض على المنبر في الكلام باختياره اللقاء على البقاء بل البقاء على الفناء، ولم يصرح في المرام خفي على كثير من الكرام واختص الصديق بهذا التحقيق وحصل له الجزع والفزع في مقام التوفيق فسكته عن ضيق صدره وتشتت أمره بمأخذه - ﷺ - في الثناء عليه والمبالغة في مدحه ليعترف الناس كلهم بفضله فلا يقع عليه اختلاف في خلافته وصدق حالته.\n* * *\n\n٩٤٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن إسماعيل بن محمد بن ثابت الأنصاري، أن ثابت بن قيس بن شَمَّاس الأنصاري، قال: يا رسول الله، لقد خَشِيتُ أن أكون قد هلكت، قال: \"بم؟ \"، قال: نهانا الله أن نُحِبَ أن نُحْمَدَ بما لم نفعل، وأنا امرؤٌ أحبُّ الحمدَ، ونهانا عن الخُيلاءِ، وأنا امرؤٌ أحبُّ الجمال، ونهانا أن نرفع أصواتنا على صوتك، وأنا رجل جَهيرُ الصوت، فقال رسول الله - ﷺ -: \"يا ثابت، أما ترضى أن تعيش حميدًا، أو تُقتل شهيدًا، وتدخل الجنة\".\n• أخبرنا مالك بن أنس بن مالك بن عمير بن أبي عامر الأصبحي، كان في الطبقة السابعة من طبقات أتباع التابعين، من أهل المدينة ولد في سنة ثلاث وتسعين ومائة، مات سنة تسع وسبعين أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن عبيد الله بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري يكنى أبا بكر الفقيه الحافظ، متفق على جلالته وإتقانه وهو كان من رؤوس الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة خمس وعشرين ومائة عن إسماعيل بن محمد بن ثابت (ق ٩٦٦) الأنصاري، أن ثابت بن قيس\n_________\n(٩٤٦) إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٢٠٤٢٥) والبيهقي في دلائل النبوة (٦/ ٣٥٥) والحاكم في المستدرك (٣/ ٢٣٤).","vol":"4","page":309},{"text":"ابن شَمَّاس بفتح الشين المعجمة وتشديد الميم الأنصاري، قال: يا رسول الله: لقد خَشِيتُ أن أكون قد هلكت، أي: بالمخالفة قال: - ﷺ - \"بم؟ \"، أصله لما حذف الألف؛ لأن حرف الجر إذا دخلت عليه ما الاستفهامية يحذف ألفها تخفيفًا للفظ الكثير التداول وفرقًا بين ما الاستفهامية والإِسمية هو إخبار عن شدة اتصال ما بحرف الجر حتى صارت كلا جزء منها أي: لأي شيء تحذف قال: نهانا الله أي: كره لنا ومنعنا أن نُحِبَ أن نُحْمَدَ بما لم نفعل، حيث قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ الآية [آل عمران: ١٨٨] وأنا امرؤٌ أحبُّ الحمدَ، أي: الحمد والثناء ونهانا عن الخُيلاءِ، وأنا امرؤٌ أحبُّ الجمال، أي: الزينة في اللبس وغيره من الأحوال ونهانا أن نرفع أصواتنا على صوتك، حيث قال تعالى في سورة الحجرات: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ الآية [الحجرات: ٢] وأنا رجل جَهيرُ الصوت، أي: عاليه خلقة فقال رسول الله - ﷺ -: يا ثابت، أما ترضى أي: هل ترضى أن تعيش حميدًا، أي: محمودًا أو تُقتل على صيغة المجهول شهيدًا، وتدخل الجنة\" أي: سعيدًا وعن النار بعيدًا، وروى أنه قال: رضيت بشرى الله ورسوله ألا أرفع صوتي أبدًا على رسول الله - ﷺ -، وقد استشهد يوم اليمامة مع مسيلمة الكذاب، وكان خطيب رسول الله - ﷺ - وخطيب الأنصار، وفي صحيح مسلم (١) عن أنس لما نزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ الآية جلس ثابت بن قيس في بيته وقال: أنا من أهل النار واحتبس عن النبي - ﷺ - فسأل النبي - ﷺ - سعد بن معاذ فقال: \"يا أبا عمر وما شأن ثابت اشتكى\" فقال سعد: إنه نجاري وما علمت له شكرى قال: فأتاه سعد فذكر له قول رسول الله - ﷺ - فقال ثابت: أنزلت هذه الآية ولقد علمتم أني من أرفعكم صوتًا على رسول الله - ﷺ - فأنا من أهل النار فذكر ذلك سعد للنبي - ﷺ - فقال رسول الله - ﷺ -: \"بل هو من أهل الجنة\" هذا ولعل قوله - ﷺ - في جواب ما صدر له في صدر الكلام ببشارته إلى الجنة العلية متضمنة بأنه ليس ممن يظن نفسه أنه في الخصائل المدنية والشمائل الرذية.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بفضائل أصحاب رسول الله - ﷺ -، شرع في بيان ما يتعلق بصفة النبي - ﷺ -، فقال: هذا\n* * *\n_________\n(١) مسلم (١/ ١١٠) رقم (١١٩).","vol":"4","page":310},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-457>باب صفة النبي - ﷺ </span>-\nفي بيان صفة النبي - ﷺ - أي: صفة خلقه وجماله وكماله في اعتدال خلقته وحاله إجمالًا، وإنما قدم باب فضائل الأصحاب على باب صفة النبي - ﷺ - توطئة لهذا الباب كتقدم الجيش قدام الأمير في سبيل الله.\n٩٤٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا ربيعة بن أبي عبد الرحمن، أنه سمع أنس بن مالك يقول: كان رسول الله - ﷺ - ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير، وليس بالأبيض الأمْهق، وليس بالآدم، وليس بالجَعْد القَطَطَ، ولا بالسّبط، بعثه الله على رأس أربعين سنة، فأقام بمكة عشر سنين، وبالمدينة عشر سنين، وتوفاه الله على رأس ستين سنة، وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: أخبرنا مالك، أخبرنا ربيعة بن أبي عبد الرحمن، التيمي مولاهم، يكنى أبا عثمان المدني المعروف بربيعة الرأي واسم أبيه فروخ، ثقة فقيه مشهور قال ابن سعد: كانوا يثقونه لوضع الرأي (ق ٩٦٧) كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة ست وثلاثين ومائة كذا قاله الحافظ العسقلاني (١) أنه سمع أنس بن مالك ﵁ يقول: كان رسول الله - ﷺ -: ليس بالطويل الجملة خبر كان والمناسب هنا مذهب غير ابن الحاجب أنها لنفي مضمون الجملة لا ماضيًا كما هو مذهبه حتى يحتاج إلى تكلف حكاية حال ماضية قصد بها دوام نفسها البائن بالهمزة ووهم من جعله بالياء وهو اسم فاعل من بان أي: ظهر على غيره أو من باء بمعنى بعد والمراد أنه لم يكن بعيدًا من التوسط أو من باب بمعنى فارق من سواه، لأن من رآه يتصور أن كل واحد من أعضائه مبان عن الآخر، أو لأنه بائن الاعتدال، أو لأن طوله يظهر عند كل أحد ولا بالقصير، أي: المتردد الداخل بعضه في بعض، والمعنى أنه كان متوسط بين الطول والقصر لا زائد الطول ولا القصير، وفي نفي\n_________\n(٩٤٧) صحيح: أخرجه البخاري (٣٥٤٨) ومسلم (٢٣٤٧) والترمذي (٣٦٢٣) وأحمد في المسند (٣/ ٢٤٠) والبيهقي في الدلائل (٧/ ٢٣٦).\n(١) في التقريب (١/ ٢٠٧).","vol":"4","page":311},{"text":"أصل القصر ونفي الطول البائن لا أصل الطول إشعارًا بأنه - ﷺ - كان مربوعًا مائلًا إلى الطول وأنه كان في الطول أقرب، كما رواه البيهقي وكذا رواه الذهلي بالذال المعجمة بإسناد حسن عن أبي هريرة: كان ربعة إلى الطول أقرب، وكذا رواه الذهلي وجمع بين النفيين لتوجه الأول إلى الوصف أي: ليس طوله مفرط ففيه إثبات الطول فاحتج للثاني وذلك صفته الذاتية فلا يرد أنه كان إذا ما مات الطويل زاد عليه لأنه معجزة حتى لا يتطاول عليه أحد صورة كماله يتطاول عليه معنى وليس بالأبيض الأمْهق، بفتح الهمزة والهاء بينهما ميم ساكنة آخره قاف أي: ليس شديد البياض كلون الجص، وقد ثبت أنه كان أبيض مشربًا أي: مختلطًا بحمرة فالنفي يتوجه إلى: الوصف فقط كما تقدم وفي نسخة: ولا بالأبيض بلا بدل ليس كما في (الشمائل للترمذي) وليس بالآدم، بمد الهمزة فإن أصله أأدم بهمزتين قلبت الثانية ألفًا لسكونها وانفتاح ما قبلها أي: ولا شديد السمرة وإنما يخال بياضه الحمرة.\nوفي الصحيحين من وجه آخر عن ربيعة عن أنس أزهر اللون أي: أبيض مشرب إلى الحمرة والأشرب خلط لون بلون آخر، والمراد أن حمرته لم تكن غالبة على بياضه بل العكس الذي هو المطلوب في لون المحبوب، هذا أصح الأقوال من رواية لون رسول الله - ﷺ - ومطابق بوصف وجهه الكريم، فإن العبد الفقير إلى شفاعته العظيم، والله لقد رأيت في المنام في شهر جمادى الأخرى من سنة اثنين وستين ومائة وألف كان لون وجهه الكريم لون الحنطة الصيفي وليس أي: شعره - ﷺ - بالجَعْد بفتح الجيم وسكون العين المهملة من الجعودة وهي في الشعر أن يتكسر تكسرًا تامًا ولا يترسل والقَطَطَ، بفتحتين وبكسر الثاني وهو شدة الجعودة كشعر الحبشي والزنجي ولا بالسَّبط، بفتح السين المهملة وكسر الموحدة أي المنبسط المسترسل، والمراد أن شعره - ﷺ - ليس نهاية في الجعودة وهي لكثرته الشديدة ولا في البسوطة بعثه الله أي: أظهر أمره وأعلى قدره أو أرسله إلى الخلق للنبوة والرسالة وتبلغ الأحكام (ق ٩٦٨) والحكم للأمة، قيل: ولد رسول الله - ﷺ - يوم الاثنين، وأنزل عليه الوحي يوم الاثنين، وخرج من مكة مهاجرًا يوم الاثنين على رأس أربعين سنة، حال من المفعول وقيل: على بمعنى في وقيل: الرأس مقحم ويؤيده ما في رواية البخاري: أنزل عليه الوحي وهو ابن أربعين سنة، قال شارح الحديث: المراد بالرأس الطرف الأخير منه لا عليه الجمهور من أهل السير والتواريخ من أنه بعث بعد استكمال أربعين سنة، قال","vol":"4","page":312},{"text":"الطيبي: الرأس هنا مجاز عن آخر السنة كقولهم: رأس الآية أي آخرها فأقام بمكة أي: بعد البعثة عشر سنين، أي: بوصف الرسالة وثلاث عشرة سنة بوصف النبوة التي هي أعم وبالمدينة عشر سنين أي: رسولًا نبيًا باتفاق المؤرخين وتوفاه الله على رأس ستين سنة، أي: بناه على إسقاط الكسر وإلا فالجمهور على أن عمره صلى الله تعالى عليه وسلم ثلاث وستون سنة، وقيل: خمس وستون ووجه مع سن الولادة والوفاة فلا منافاة وليس في رأسه أي: في شعره ولحيته عشرون شعرة بيضاء بل أقل هو نصف عشر، والحكمة في قلة شيبه - ﷺ - مع ما ورد من قوله: \"من شاب شيبة في الإسلام كانت له نور يوم القيامة\" أنه - ﷺ - كان يحب النساء وهن يكرهن بالطبع والحديث رواه الترمذي في أول (الشمائل).\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بصفة النبي - ﷺ -، شرع في بيان ما يتعلق بقبره، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-458>باب زيارة قبر النبي - ﷺ - وما يُستحب من ذلك</span>\nقبر النبي - ﷺ - وما يستحب من ذلك أي: من الزيارة به والصلاة والسلام والدعاء هنالك.\n٩٤٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر كان إذا أرادَ سفرًا، أو قدم من سفر جاء قبر النبي - ﷺ -؛ فصلى عليه، ودعا ثم انصرف.\nقال محمد: هكذا ينبغي أن يفعله إذا قدم المدينة: يأتي قبر النبي - ﷺ -.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﵄ كان أي: من دأبه إذا أرادَ سفرًا، أي: إن شاءه وقصد وداع النبي - ﷺ - أو قدم أي: إذا رجع وجاء من سفر أي: وقصد سلام القوم عليه؛ لأنه - ﷺ - حتى في قبره كما هو العقد في المعتقد جاء قبر النبي - ﷺ -؛ أي: قريبه فصلى عليه، أي: بعد التسليم بأن قال: الصلاة والسلام عليك يا رسول الله ودعا أي: الله وتوسل إلى النبي - ﷺ - في ابتغاء رضاه ثم انصرف أي: عن قبره قبر ضجيعيه وسلم على كل واحد منهما ودعا لديه ولعل هذا بيان الزيارة الإِجمالية حال العجلة، وأما في وقت السعة فإذا بها كثيرة كما بينت في (سلم الفلاح شرح نور الإِيضاح).\n_________\n(٩٤٨) إسناده صحيح.","vol":"4","page":313},{"text":"قال محمد: هكذا ينبغي أن يفعله إذا قدم المدينة: أي: وكذا إذا أراد السفر منها خصوصًا في الحالين وهو لا ينافي الزيارة في غيرها صباحًا ورواحًا يأتي قبر النبي - ﷺ - يعني: بعد تحية المسجد، وقد روى أبو حنيفة عن ابن عمر ﵄ قال: ومن السنة أن تأتي قبر رسول الله - ﷺ - من قبل القبلة فيستقبل القبر بوجهه ثم يقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، كذا قاله علي القاري.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بقبر النبي وما يستحب من الزيارة والصلاة والدعاء عليه، شرع في بيان فضل الحياء، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-459>باب فضل الحياء</span>\nبالتنوين أي: في بيان فضل الحياء هو انقباض النفس من شيء وتركه حذرًا من اللوم فيه وهو نوعان، نفساني: وهو الذي خلق الله في النفوس كلها كالحياء عن كشف العورة والجماع بين الناس، وإيماني وهو أن يمنع المؤمن من فعل المعاصي خوفًا من الله تعالى كذا قال السيد الشريف محمد الجرجاني، قال رسول الله - ﷺ -: \"استحيوا من الله حق الحياء\" قلنا: إنا نستحي من الله يا رسول الله والحمد لله قال: \"ليس ذلك ولكن الاستحياء من حق الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعي والبطن وما حوى وتذكر الموت والبلي، ومن أراد الآخرة وترك زينة الدنيا وآثر الآخرة على الأولى فمن فعل ذلك فقد استحى من الله حق الحياء\" رواه الترمذي (١) عن عبد الله بن مسعود ﵁، ووجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق التقرب إلى الله تعالى بزيارة قبر النبي - ﷺ - بالحياء الإيماني.\n٩٤٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عليٌّ بن حُسين، يرفعه إلى النبي - ﷺ - قال: \"مِنْ حُسنِ إسلام المرء تَرْكُهُ ما لا يَعنيه\".\nقال محمد: هكذا ينبغي للمرء المسلم، أن يكون تاركًا لما لا يعنيه.\n_________\n(١) الترمذي (٢٤٥٨) (٤/ ٦٣٧).\n(٩٤٩) صحيح: أخرجه الترمذي في كتاب الزهد باب حدثنا سليمان بن عبد الجبار، وابن ماجه في الفتن باب كف اللسان في الفتنة، وإسناده صحيح.","vol":"4","page":314},{"text":"• أخبرنا مالك، أخبرنا أبن شهاب، أي: محمد بن شهاب بن زهرة بن كلاب الزهري، ثقة فقيه مشهور كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة مات بعد المائة عن عليٌّ بن حُسين، أي: ابن علي بن أبي طالب زين العابدين ثقة ثبت عابد فقيه فاضل مشهور، قال ابن عيينة عن الزهري: ما رأيت قرشيًا أفضل منه، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من المحدثين من أهل المدينة، مات سنة ثلاث وتسعين وقيل غير ذلك كذا في (تقريب التهذيب) (١) يرفعه إلى النبي - ﷺ - قال: \"مِنْ حُسنِ إسلامِ المرء تَرْكُهُ ما لا يَعنيه\" أي: لا ينفعه في دينه ودنياه من قول وعمل، وذكَر في غير ما يتعلق برضا مولاه، والحديث رواه الترمذي (٢) وابن ماجه (٣) عن أبي هريرة، وأحمد (٤) والطبراني (٥) عن الحسين بن علي، والحاكم عن أبي ذر وهو من أحاديث الأربعين.\nقال محمد: هكذا ينبغي للمرء المسلم، أي: بيان كامل الكامل أن يكون تاركًا لما لا يعنيه يعني ولقوله تعالى في سورة المؤمنون: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣].\n* * *\n\n٩٥٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا سلمة بن صفوان الزُّرقي، عن زيد بن طلحة الرّكاني، أن النبي - ﷺ - قال: \"إن لكل دينٍ خُلُقًا، وإن خُلُقَ الإسلام الحياء\".\n• أخبرنا مالك، أخبرنا سلمة بن صفوان أي: ابن سلمة الأنصاري الزُّرقي، بضم الزاي وفتح الراء المهملة وبالقاف نسبة إلى زرقة الأنصاري، ثقة كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين المحدثين من أهل المدينة، مات بعد المائة عن يزيد بالتحتيتين بينهما زاي وبعدهما دال مهملة كذا رواه القعنبي وابن القاسم وابن بكير وغيرهم وهو الصواب،\n_________\n(١) التقريب (١/ ٤٠٠).\n(٢) الترمذي (٤/ ٥٥٨).\n(٣) ابن ماجه (٢/ ١٣١٥).\n(٤) أحمد (١/ ٢٠١).\n(٥) الطبراني في الأوسط (٨٤٠٢) وكذا هو في الكبير (٣/ ١٣٨) رقم (٢٨٨٦).\n(٩٥٠) صحيح: أخرجه ابن ماجه (٤١٨١) (٤١٨٢) والطبراني في الصغير (١/ ١٢) وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٣٦٣) والعقيلي في الضعفاء (٢/ ٢٠١).","vol":"4","page":315},{"text":"وروى يحيى بن الليث زيد بالزاي في أوله ثم تحتية ثم دال ابن طلحة الرّكاني، بضم الراء المهملة والكاف ثم ألف ونون نسبة إلى ركانة، وفي (التمهيد) من طريق وكيع عن مالك عن سلمة بن يزيد بن ركانة عن أبيه أن النبي - ﷺ - قال: \"إن لكل دينٍ خُلُقًا، بضمتين ويسكن أي: سجية وطبيعة شرعت فيه ولخص أهل ذلك الدين عليها كما ذكره السيوطي وإن خُلُقَ الإسلام الحياء\" أي: طبع هذا الدين وسجيته التي بها قوامه (ق ٩٧٠) أو مروة الإِسلام التي بها جماله الحياء.\n* * *\n\n٩٥١ - أخبرنا مالك، أخبرنا مُخْبِرٌ عن سالم بن عبد الله، عن عمر: أن رسول الله - ﷺ - مَرّ على رجلٍ يعظ أخاه في الحياء، فقال رسول الله - ﷺ -: \"دَعْه فإن الحياء من الإيمان\".\n• أخبرنا مالك، أخبرنا مُخْبِرٌ بضم الميم وسكون الخاء وكسر الموحدة ثم راء مهملة أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري كما في (الموطأ) لمالك بن أنس عن سالم بن عبد الله أي: ابن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، يكنى أبا عمر أو عبد الله المدني أحد الفقهاء السبعة كان ثبتًا عابدًا فاضلًا، وكان يشبه بأبيه في الهدي والسمت، وكان في الطبقة الثالثة من كبار طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات في آخر سنة ست بعد المائة كذا في (تقريب التهذيب) عن ابن عمر ﵄ أن النبي - ﷺ - مَرّ على رجلٍ زاد التنيسي: من الأنصار، ولمسلم من طريق معمر مر برجل من الأنصار، ولمسلم بمعنى اجتاز يعدى بعلى وبالباء وله من طريق ابن عيينة سمع النبي - ﷺ - رجلًا ولا حلف فلما مر به سمعه يعظ أخاه أي: نسبًا أو دينا.\nقال الحافظ: لم أعرف اسم الواعظ ولا أخيه في الحياء، أي: يلومه على كثرته وأنه أخبر به ومنعه من بلوغ حاجته وهذا حسن موافق لما في طريف آخر، قال الحافظ: قوله: يعظ أي: ينصح ويخوف أو يذكر كذا شرحوه، والأولى أن يشرح بما عند البخاري في الأدب المفرد من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة عن ابن شهاب: \"ويعظه يُعَنِّفُ أخاه في\n_________\n(٩٥١) صحيح: أخرجه البخاري (٢٤) ومسلم (٣٦).","vol":"4","page":316},{"text":"الحياء يقول: إنك تستحي حتى إنه يقول: قد أضر بك الحياء\" ويحتمل أن يكون ذكر له العتاب والواعظ فذكر بعض الرواة ما لم يذكر الآخر، لكن المخرج متحد فالظاهر أنه من تصرف الرواة بحسب ما اعتقد أن كل لفظ منها يقوم مقام الآخر وفي سببيه، فكان الرجل كثير الحياء فكان ذلك يمنعه من استيفاء حقه فعاتبه أخوه على ذلك فقال رسول الله - ﷺ -: \"دَعْه؛ أي: على ذلك الخلق السني ثم زاده ترغيبًا في ذلك بقوله: فإن الحياء من الإيمان\" أي: من كرم خصاله وأشرف مقاله، وقد روى مسلم (١) والترمذي (٢) عن ابن عمر: \"الحياء من الإيمان\" وفي رواية أبي نعيم (٣) وغيره: \"الحياء والإيمان قرنا جميعًا فإذا رفع أحدهما رفع الآخر\" وفي رواية الطبراني في الأوسط (٤) عن أبي موسى الأشعري: \"الحياء والإيمان مقرونان لا يفرقان إلا جميعًا\" وروي أن الله تعالى أرسل جبريل إلى آدم صلوات الله على نبينا وعليه بالعقل والإِيمان والحياء وقال: اختر أيهن شئت فاختار العقل قال جبريل للحياء والإِيمان: انصرفا فقد اختار عليكم العقل فقال الإِيمان للحياء: انصرف أنت فإن الله تعالى أمرني أن أكون حيث ما يكون الإِيمان فاجتمعن جميعًا في آدم صلوات الله على نبينا وعليه كذا في (الخالصة).\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بفضل الحياء، شرع في بيان ما يتعلق بحق الزوج على المرأة، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-460>باب حق الزوج على المرأة</span>\nحق الزوج على المرأة من حسن العشرة بينهما.\n٩٥٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أخبرني بَشير بن يسار، أن حصين بن محصن أخبره: أنَّ عمةً له أتت رسول الله - ﷺ -، وأنها زعمت أنه قال\n_________\n(١) مسلم (٣٦).\n(٢) الترمذي (٢٠٠٩).\n(٣) أبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٩٧).\n(٤) الطبراني في الأوسط (٤٤٧١).\n(٩٥٢) إسناده صحيح.","vol":"4","page":317},{"text":"لها: \"أذات زوج أنت؟ \"، قالت: نعم، فزعمت أنه قال لها: \"كيف أنتِ له؟ \"، قالت: ما آلوه إلا ما عجزْت عنه، قال: \"فانظري أينَ أنتِ منه، فإنه جنَّتك ونَارُكِ\".\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة محمد قال: أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أي: ابن قيس الأنصاري (ق ٩٧١) المدني، يكنى أبا سعيد القاضي ثبت كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة أخبرني بالإِفراد بُشير مصغر ابن يسار، الحارث مولى الأنصار المدني ثقة فقيه، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات بعد المائة أن حصين بن محصن بكسر الميم وسكون المهملة وفتح الصاد المهملة الأشهلي معدود في الصحابة وبرواية عن عمته كذا في (تقريب التهذيب) (١) أخبره: أنَّ عمةً له أتت أي: جاءت رسول الله - ﷺ -، وأنها أي: والحال أنها زعمت أي: قالت بلا يقين فإن الزعم هو القول بلا دليل كما قاله محمد الجرجاني أنه أي: - ﷺ - قال لها: \"أذات أي: كنت صاحبة زوج أنت؟ \"، قالت: نعم، أي: أنا صاحبة زوج فزعمت أنه قال لها: \"كيف أنتِ له؟ \"، أي: من حال رضا أو سخط أو حسن عشرة أو سوء خدمة قالت: ما آلوه أي: ما أقصر في خدمته وتحصيل رضا خاطره إلا ما عجزت عنه، قال: \"فانظري أي: ترعي حقه ولا تقصري في خدمته أينَ أنتِ منه، أي: وجهة رعايته وتقصير خدمته فإنك راعية على بيته وولده فإنك مسئولة عنهم، قال رسول الله - ﷺ -: \"ألا وكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته فالإمام الذي على الناس راع فهو مسئول عن رعيته، والرجل راع عن أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده وهي مسئولة عنهم، وعبد الرجل راع على مال سيده ومسئول عنه، ألا وكلكم راع ومسئول عن رعيته\" رواه أبو هريرة كذا أورده البغوي في (المصابيح) في كتاب الإِمارة والقضاء فإنه أي: زوجك جنَّتك ونَارُكِ\" أي: زوجك بسبب أحد المنزلتين، فإن أحسنت به فلك الجنة وإن أسأت عنه فلك النار، من هذا ما ورد في هذا الباب حديث: \"لو أمرت أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها\".\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بحق الزوج على امرأته، شرع في بيان حق الضيافة، فقال: هذا\n* * *\n_________\n(١) التقريب: (١/ ١٧٠).","vol":"4","page":318},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-461>باب حق الضيافة</span>\nفي بيان حق الضيافة أي: إطعام الضيف وما يتعلق بها من اللطافة.\n٩٥٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا سعيد المَقْبُري، عن أبي شريح الكعبي، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه؛ جائزته يومٌ وليلة، والضيافة ثلاثة أيام، فما كان بعد ذلك فهو صدقة، ولا يحل له أن يثْوي عنده حتى يُخْرِجه\".\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: أخبرنا مالك، أخبرنا سعيد المَقْبُري، يكنى أبا سعيد المدني، ثقة كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة عن أبي شريح الكعبي، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه؛ رواه أحمد (١) والشيخان (٢) والترمذي (٣) وابن ماجه (٤) عن أبي شريح وأبي هريرة جائزته قال السيوطي: أي: منحته وعطيته وإتحافه ما فضل ما يصدر عليه يومٌ وليلة، والضيافة أي: في كمالها ثلاثة أيام، أي: وفق عادة الكرام فما كان بعد ذلك أي: بعد ثلاثة أيام فهو صدقة، أي: لا تكليف فيها ولا يكلف بل مستحبة الخلاف ما سبق فإنها إما واجبة (ق ٩٧٢) أو سنة مؤكدة ولا يحل له أي: لا ينبغي لضيف أن يثْوي بالمثلثة أي: يقيم عنده أي: من غير ضرورة حثى يُخْرِجه\" بضم فسكون فكسر أي: يوقعه في الحرج ويضيق عليه أو يؤثمه.\nوفي الصحيحين عن أبي شريح: \"الضيافة ثلاثة أيام وجائزته يوم وليلة ولا يحل لرجل مسلم أن يقيم عند أخيه حتى يؤثمه\" من باب الإِفعال أي: يوقع المضيف في الإثم\n_________\n(٩٥٣) صحيح: أخرجه البخاري (٦١٣٥) ومسلم (١٣٥٢) وأبو داود (٣٧٤٨) والترمذي (١٩٦٧) (١٩٦٨) والنسائي في الكبرى كما في تحفة الأشراف (٩/ ٢٢٤) وابن ماجه (٣٦٧٥) والبيهقي في الكبرى (٥/ ٦٨) (٩/ ١٩٦، ١٩٧) وأحمد في المسند (٤/ ٣١) (٦/ ٣٨٥، ٣٨٦).\n(١) أحمد (٤/ ٣١) (٦/ ٣٨٥، ٣٨٦).\n(٢) البخاري (٦١٣٥) ومسلم (١٣٥٢).\n(٣) الترمذي (١٩٦٧).\n(٤) ابن ماجه (٣٦٧٥).","vol":"4","page":319},{"text":"بأن يغتابه لطول مكثه عنده، أو يتعرض له بما يؤذيه من المنّ وغيره، فإن حبسه مطر أو مرض أقام بعد الثلاث فأنفق من مال نفسه وهذا كله إذا لم يطلب الضيف إقامته، أما إذا طلب أو ظن أنه لا يكره إقامته فلا بأس بها، زاد مسلم قال: يا رسول الله وكيف يؤثمه؟ قال: \"يقيم عنده ولا شيء له بقربه به\" من باب ضرب أي: يطعمه وفي حديث أحمد (١) عن أبي سعيد والطبراني (٢) عن ابن عباس، والبزار (٣) عن ابن عمر \"الضيافة ثلاثة أيام فما زاد فهو صدقة\" وزاد ابن أبي الدنيا عن أبي هريرة: \"وعلى الضيف أن يتحول بعد ثلاثة أيام\" وفي رواية القضاعي (٤) عن ابن عمر: \"الضيافة على أهل الوبر وليست على أهل المدر\" ولعل وجه ذلك أن في البر ليس سوقًا ولا بيعًا ولا شراء، وقال: الضيافة واجبة في هذه الثلاثة لقوله - ﷺ -: \"فما وراء ذلك فهو صدقة\" والجمهور على أنها سنة، وحملوا الحديث المروي على أن المضيف يراها واجبة عليه لمكارم أخلاقه أو على الضيف المضطر.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بحق الضيافة، شرع في بيان من يتعلق بتشميت العاطس.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-462>باب تشميت العاطس</span>\nفي بيان ما يتعلق بحكم تشميت العاطس أي: جواب حمده بقوله: يرحمك الله.\nقال ابن عبد البر: يقال: شمت بمعجمة ومهملة لغتان التشميت بالمعجمة فمعناه أبعدك الله عن الشماتة وجنبك ما يشمت به عليك، وأما التسميت بالمهملة فمعناه جعلك الله على سمت حسن، كذا ذكره السيوطي، وهو فرض كفاية عندنا، وسنة كفاية عند الشافعي.\n٩٥٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن أبيه، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إن عطس فشمّته، ثم إن عطس فشمّته، ثم إن\n_________\n(١) أحمد (٢/ ٢٨٨).\n(٢) الطبراني في الأوسط (٣/ ٩٧).\n(٣) البزار (٥/ ٣١).\n(٤) في مسند الشهاب (١/ ١٩٠).\n(٩٥٤) إسناده ضعيف: لإِرساله","vol":"4","page":320},{"text":"عطس فشمته، ثم إن عطس فقل له: إنك مضنوك\"، قال عبد الله بن أبي بكر: لا أدري أبعد الثالثة أو الرابعة.\nقال محمد: إذا عطس فشمّته، ثم إن عطس فشمّته، فإن لم تشمته حتى يعطس مرتين أو ثلاثة أجزأك أن تشمته مرة واحدة.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، الأنصاري المدني القاضي ثقة كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة وهو ابن سبعين سنة عن أبيه، مرسلًا أي: أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري النجاري بالنون والجيم المدني القاضي اسمه وكنيته واحد، وقيل: يكنى أبا محمد، ثقة عابد كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة عشرين ومائة وقيل غير ذلك كذا قاله الحافظ العسقلاني أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إن عطس أحدكم كذا في نسخة بفتح الطاء أي: أتته العطسة فشمّته، أي: فقل له: أيها المخاطب \"يرحمك الله\" إن حمد الله ثم إن عطس فشمّته، أي: ثانيًا ثم إن عطس فشمته، أي: ثالثًا، وروى أحمد (١) والبخاري (٢) في الأدب المفرد عن أبي موسى الأشعري ﵁ مرفوعًا: \"إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه، وإذا لم يحمد الله فلا تشمتوه\" وروى البخاري (٣) في الأدب أيضا مرفوعًا: \"إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله وليقل له أخوه أو صاحبه: يرحمك الله، فإذا قال: يرحمك الله فليقل: يهديك الله ويصلح بالكم، هذا إن كان عنده رجل من بني آدم، وأما إذا لم يكن عنده رجل فيجيب الملائكة\" روى الطبراني (٤) عن ابن عباس رفعه: \"إذا عطس أحدكم فقال: الحمد لله قالت الملائكة: رب العالمين فإذا قال: الحمد لله رب العالمين قالت الملائكة: يرحمك الله\" أي: تدعوا له الملائكة بالرحمة والهداية؛ لأنه شكر الله على نعمته وهي العطاس وهو انفتاح المسلم وخفة الدماغ إذ بالعطاس يندفع الأبخرة فيعين على الطاعة؛ ولهذا عبده نعمة فسر عقبة الحمد لله كذا قاله عبد اللطيف بن الملك في (شرح المشارق)، وقيل: ما الحكمة في\n_________\n(١) أحمد في المسند (٤/ ٤١٢).\n(٢) البخاري في الأدب المفرد (٩٤١).\n(٣) (٩٢٧).\n(٤) الطبراني في الكبير (١١/ ٤٥٣) رقم (١٢٢٨٤).","vol":"4","page":321},{"text":"قول العاطس: الحمد لله إذا عطس، أجيب: لأن الروح تريد أن تخرج هاربة من الجسد وتقول: استجبت هنا فيجيء في كل عضو رجاء أن تخرج فتنصح ريح من دماغ فتقول لها: لم يجئ وقت خروجك فتستقر فيه فلهذا يقول العاطس: الحمد لله رب العالمين، كذا قاله عبد الرحمن السيوطي في (خواتم الحكم) أول ما قاله آدم صلوات الله على نبينا وعليه بعد نفخ الروح الحمد لله رب العالمين، وهي أول كلمة جرت على لسانه فقيل له: ولهذا خلقت يا آدم، ورد في الحديث الصحيح أول حركة صدرت من آدم بعد النفخ العطاس لا سوى الروح في أعضائه بعد دخولها في الخيشوم وصلت إلى الدماغ فعطس وحمد الله تعالى، فصار التحميد أول سنة بشرية ظهرت على لسان آدم، فكانت أفضل من الفرض المقابل من الرد للحامد العاطس من تشميت الملائكة، فلهذا ورد أفضل القرآن الحمد لله رب العالمين فبدئ به أولًا ويختم به آخرًا كما قال تعالى في حق أهل الجنة: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] كذا قاله السيوطي في (أولياته) ثم أي: بعد الثلاث إن عطس فقل له: إنك مضنوك\"، بفتح الميم وسكون الضاد المعجمة ثم نون وواو فكاف أي: مزكوم، والضناك بالضم الزكام يقال: أضنكه الله وأزكمه الله.\nقال ابن الأثير: والقياس مضنك ومزكم، لكنه جاء على ضنك وزكم قال عبد الله بن أبي بكر: لا أدري أبعد الثالثة أو الرابعة ولأبي داود، وأبي يعلى وابن السني عن أبي هريرة مرفوعًا: \"إن عطس أحدكم فليشمته جليسه\" وفيه تنبيه على الدعاء بالعافية؛ لأن المزكمة علة، وإشارة إلى الحث على تدارك هذه العلة ولا يهملها فيعظم أمرها، وكلامه - ﷺ - كله حكمة ورحمة كذا قاله الزرقاني (١).\nقال محمد: إذا عطس أي: أحد من المؤمنين فشمّته، أي: فقل أيها الجليس: يرحمك (ق ٩٧٤) الله وجوبًا عند أبي حنيفة وسنة عند الشافعي ثم إن عطس فشمّته، أي: ندبًا فإن لم تشمته أي: أولًا حتى يعطس بكسر الطاء المهملة وإلا العطاس بضم العين من باب ضرب مرتين أو ثلاثة أجزأك أن تشمته مرة واحدة أي: أجزئ كسجدة التلاوة والله أعلم.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم تشميت العاطس، شرع في بيان ما يتعلق بحكم الفرار من الطاعون، فقال: هذا\n* * *\n_________\n(١) في شرحه (٤/ ٤٦٧).","vol":"4","page":322},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-463>باب الفرار من الطاعون</span>\nالفرار من الطاعون بوزن فاعون من الطعن عدلوا به عن أصله ووضعوه وإلا على الموت العام كالوباء قال - ﷺ -: \"الطاعون وخز أعدائكم من الجن\" (١) وهو بفتح الواو وسكون الخاء المعجمة والزاي أي: طعن غير نافذ ووصف طعن الجن بأنه وخز؛ لأنه يقع من الباطن إلى الظاهر فيؤثر في الباطن أولًا، ثم يؤثر في الظاهر، وقد لا ينفذ كذا في (فيض القدير) ووجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق الترغيب والترهيب.\n٩٥٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا محمد بن المنكدر، أن عامر بن سعد بن أبي وقاص أخبره، أن أسامة بن زيد أخبره، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إن الطاعون رِجْزٌ أُرْسِلَ على من قبلكم، أو أُرْسِلَ على بني إسرائيل\" - شك ابن المنكدر في روايتهما - قال: \"فإذا سمعتم به بأرضٍ فلا تدخلوا عليه، وإذا وقع في أرضٍ فلا تخرجوا فرارًا منه\".\nقال محمد: هذا حديثٌ معروف، قد رُوي من غير واحدٍ، فلا بأس إذا وقع بأرضٍ ألا يدخلها اجتنابًا له.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا محمد بن المنكدر، أي: ابن عبد الله بن الهدير بالتصغير التيمي المدني، ثقة فاضل كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين من المحدثين من أهل المدينة، مات سنة ثلاثين أو بعدها ومائة أن عامر بن سعد بن أبي وقاص الزهري المدني ثقة كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة أربع ومائة أخبره، أن أسامة بن زيد ﵁ أخبره، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إن الطاعون رِجْزٌ بالزاي على المعروف أي: عذاب ووقع في بعض الروايات: رجس بالسين المهملة بدل الزاي.\nقال الحافظ: والمحفوظ بالزاي والمشهور أن الذي بالسين الخبث أو النجس أو القذر\n_________\n(١) أخرجه أحمد في المسند (٤/ ٣٩٥، ٤١٣، ٤١٧) والحاكم (١/ ٥٠) وقال: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي.\n(٩٥٥) إسناده حسن: أخرجه الطبري (١/ ٢٤٧).","vol":"4","page":323},{"text":"ووجهه القاضي عياض أن الرجس يطلق على العقوبة أيضًا، وقد قال الفارابي والجوهري: الرجس العذاب ومنه قوله: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٠٠] وحكاه الراغب أيضًا أُرسِلَ على من قبلكم، أي: من اليهود والنصارى أو غيرهم أو أعم والله أعلم أو أُرْسِلَ أي: سلط على بني إسرائيل - أي: وهم اليهود والنصارى أو أحدهما شك ابن المنكدر في روايتهما - قال: أي: عامر بن سعد.\nقال النووي: وكونه عذابًا مختص بمن كان قبل وإشارة بذلك إلى ما جاء في قصة بلعم بن باعوراء فأخرج الطبري (١) من طريق سليمان التيمي أحد صغار التابعين عن سيار: \"أن رجلًا يقال له: بلعم مجاب الدعوة، وأن موسى صلوات الله على نبينا وعليه أقبل على بني إسرائيل يريد الأرض التي فيها بلعم، فأتاه قومه فقالوا: ادع الله عليهم فقال: حتى أؤامر ربي فمنع، فأتوه بهدية فقبلها وسألوه ثانيًا فقال: حتى أؤامر ربي فلم يرجع إليه بشي، فقالوا: لو كره لنهاك، فدعا عليهم فصار يجري على لسانه ما يدعو به على بني إسرائيل فينقلب على قومه فلاموه على ذلك، فقال: سأدلكم على ما فيه هلاكهم أرسلوا النساء في عسكرهم ومرورهن لا يمتنعن من أحد، فعسى أن يزنوا فيهلكوا فكان فيمن خرج بنت الملك فأرادها بعض الأسباط فأخبرها بمكان فمكنته من نفسها فوقع في بني إسرائيل الطاعون، فمات منهم سبعون ألفًا في يوم وجاء رجل من (ق ٩٧٥) بني هارون ومعه رمح فطعنهما وأيده الله فانتظمهما جميعًا\"، وهذا مرسل جيد، وسيار شامي موثق.\nوذكر الطبري أيضًا هذه القصة عن محمد بن إسحاق عن سالم بن النضر بنحوه وسمى المرأة كشتا بفتح الكاف وسكون المعجمة وفوقية والرجل زمرى بكسر الزاي وسكون الميم وكسر الراء سبط شمعون الذي طعنهما فنحاص بكسر الفاء وسكون النون ثم مهملة فألف مهملة ابن هارون وقال في آخره: فحسب من هلك من الطاعون ألفًا يقول: عشر ألفًا وهذه الطريقة تعضد الأولى.\nوذكر ابن إسحاق في المبدأ أن بني إسرائيل لما كثر عصيانهم أوحى الله إلى داود فخيرهم بين ثلاث، إما أن أبتليهم بالقحط، أو العدو شهرين، أو الطاعون ثلاثة أيام\n_________\n(١) الطبري (١/ ٢٤٧).","vol":"4","page":324},{"text":"فأخبرهم فقالوا: اخترنا فاختاروا الطاعون، فمات منهم إلى أن زالت الشمس سبعون ألفًا وقيل: مائة ألف فتضرع داود إلى الله فرفعه.\nوورد وقوع الطاعون في غير بني إسرائيل فيحتمل أن يكون هذا المراد بقوله: أو من كان قبلكم، فمن ذلك ما أخرجه الطبري وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: أمر موسى ببني إسرائيل أن يذبح كل رجل منهم كبشًا، ثم يخضب كفه في دمه، ثم يضرب على بابه ففعلوا، فسألهم القبط عن ذلك فقالوا: إن الله يبعث عليكم عذابًا وإنا ننجوا منه بهذه العلامة، فأصبحوا وقد مات من قوم فرعون سبعون ألفًا فقال فرعون عند ذلك لموسى صلوات الله على نبينا وعليه: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الآية [الأعراف: ١٣٤] فدعا فكشفه عنهم، وهذا مرسل جيد الإِسناد كذا قاله الزرقاني (١) فإذا سمعتم به أي: بوقوع الطاعون بأرضٍ أي: في بلد وأنتم خارجون عنه فلا تدخلوا عليه، أي: احتراسًا واجترازًا من الإِلقاء بأيديكم إلى التهلكة وإذا وقع أي: الطاعون في أرضٍ أي: وأنتم فيها فلا تخرجوا فرارًا منه\" أي: من الطاعون، فإن الفرار من الموت محذور غير محظور قال تعالى في سورة البقرة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ [البقرة: ٢٤٣].\nوفي التقييد: بالفرار إشعارًا بأن خروجه لضرورة دينية أو دنيوية جاز.\nقال محمد: هذا حديثٌ معروف، أي: مشهور عند المحدثين قد رُوي عن غير واحدٍ، أي: عن كثير، وفي نسخة: من غير واحد أي: من طرق كثيرة، فقد روى أحمد (٢) والبخاري (٣) ومسلم (٤) والنسائي (٥) عن أسامة بن زيد بلفظ: \"إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوا عليه، وإذا وقع وأنتم بأرض فلا تخرجوا فرارًا منه\"، وفي رواية للشيخين عن أسامة بلفظ: \"الطاعون بقية رجز وعذاب أرسل على طائفة من بني إسرائيل، فإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها فرارًا منه، وإذا وقع بأرض ولستم بها\n_________\n(١) في شرحه (٤/ ٢٩٩).\n(٢) أحمد (٥/ ٢٠٦).\n(٣) البخاري (٥٣٩٦).\n(٤) مسلم (٢٢١٨).\n(٥) النسائي في الكبرى (٤/ ٣٦٢).","vol":"4","page":325},{"text":"فلا تهبطوا عليها\" فلا بأس إذا وقع بأرضٍ ألا يدخلها أي: أحد وفي نسخة: أن يدخلوها أي: جماعة اجتنابًا أي: فرارًا عن القضاء إلى العضا مع أن لهم سعة في القضاء، ومفهومه أنه لا يجوز لأحد أن يخرج منها، لأنه ضرارًا للساكنين.\nوفي الصحيحين (١) ومسند أحمد (٢) عن أنس: \"الطاعون شهادة كل مسلم\".\nوفي رواية لأحمد والبخاري عن عائشة: \"الطاعون كان عذابًا يبعثه الله على من يشاء وإن الله جعله للمؤمنين، فليس من أحد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرًا (ق ٩٧٦) محتسبًا يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر شهيد\".\nوفي رواية الحاكم (٣) في (مستدركه) عن أبي موسى الأشعري ﵁: \"الطاعون وغز أعدائكم من الجن وهو لكم شهادة\".\nوفي رواية لأحمد (٤) عن عائشة: \"الطاعون غدة كغدة البعير، المقيم بها كالشهيد والفار منها كالفار من الزحف\".\nوفي رواية الطبراني (٥) في الأوسط وأبي نعيم عن عائشة بلفظ: \"الطاعون شهادة لأمتي وخذ أعدائكم من الجن غدة كغدة الإبل يخرج في الآباط والمراق، من مات منه مات شهيدًا، ومن أقام فيه كان كالمرابط في سبيل الله، ومن فر منه كان كالفار من الزحف\" وقد أشبعنا أحاديث التي وردت في حق الطاعون في (بركات الأبرار).\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بالطاعون شرع في بيان ما يتعلق بالغيبة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-464>باب الغيبة والبُهتان</span>\nالغيبة والبهتان. الغيبة: بالكسر أن تذكر أخاك بما يكره، وهو فيه، والبهتان: أن تذكره بما ليس فيه به؛ لأنه يبهت صاحبه ويدهشه ويتحير فيه، اقتبس هذه الترجمة من قوله\n_________\n(١) البخاري (٥/ ٢١٦٥) ومسلم (٣/ ١٥٢٢).\n(٢) أحمد في المسند (٢/ ١٣٢).\n(٣) الحاكم في المستدرك (١/ ٥٠).\n(٤) أحمد (٣/ ٢١٠).\n(٥) الأوسط (٥/ ٣٥٣).","vol":"4","page":326},{"text":"تعالى في سورة الحجرات: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢] ووجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب السابق معنى يتجاوز الإِنسان عن الحر بالفرار من الطاعون وبالغيبة والبهتان اهتمامًا لشأنه، فإن كثيرًا من الناس يفر من البلدة التي يقع فيها الطاعون، ويقولون: إن لم نفر من الطاعون ليهلكنا وسيزرون القبض إلى الطاعون، وهو باطل والحق عند أهل الحق المحيي المميت هو الله تعالى لا غير.\n٩٥٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا الوليد بن عبد الله بن صيّاد، أن المطلب بن عبد الله بن حَنْطَب المخزوميّ، أخبره أن رجلًا سأل رسول الله - ﷺ -: \"ما الغيبة؟ \"، قال رسول الله - ﷺ -: \"أن تذكر من المرء ما يكره أن يسمع\"، قال: يا رسول الله، وإن كان حقًا، قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا قلت باطلًا فذلك البهتان\".\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا ينبغي أنْ تذكر من أخيك المسلم الزَّلة تكون منه مما يَكره، فأما صاحب الهوى المُتَعالِنُ بهواه المُعترف به، والفاسق المتعالِن بفسقه، فلا بأس، بأن تذكر هذين بفعلهما، فإن ذكرت من المسلم ما ليس فيه فهذا البهتان، وهو الكذب.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا الوليد بن عبد الله بن صيّاد، المدني أخي عمارة بن عبد الله بن صياد وكان من خيار المسلمين من أصحاب سعيد بن المسيب، روى عنه مالك وغيره، وكان أخوه عمارة بن عبد الله بن صياد في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة بعد الثلاثين والمائة كذا قاله ابن حجر في (الإِصابة) و(تقريب التهذيب) أن المطلب بن عبد الله بن حَنْطَب بفتح الحاء المهملة والنون الساكنة والطاء المهملة المفتوحة ثم الموحدة ابن الحارث المخزوميّ، صدوق كثير التدليس والإِرسال، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة.\nقال أبو عمر: إن المطلب بن عبد الله بن حنطب أخرجه مرسلًا، وقد وصله العلاء","vol":"4","page":327},{"text":"ابن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن أبي هريرة أخرجه مسلم والترمذي، قال الحافظ: والمطلب كثير الإِرسال ولم يصح سماعه من أبي هريرة ﵁ أخبره أن رجلًا سأل رسول الله - ﷺ -: \"ما الغيبة؟ \"، أي: ما حقيقتها التي نهينا عنها بقوله: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ قال رسول الله - ﷺ -: \"أن تذكر (ق ٩٧٧) أي: بلفظ أو كناية أو رمزًا أو إشارة أو محاكات من المرء أي: المسلم في غيبته ما يكره أن يسمع\"، أي: ولو بلغة في دينه أو دنياه أو خلقه أو أهله أو خادمه أو ماله أو ثوبه أو حركته أو طلاقته أو عبوسته أو غير ذلك مما يتعلق به قال: الرجل السائل يا رسول الله، وإن كان حقًا، أي بأن كان فيه ما ذكرت به قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا قلت باطلًا أي: واقع فذلك البهتان\" أي: الكذب فهو أعظم من العصيان.\nوفي رواية لمسلم (١) أنه - ﷺ - قال: \"أتدرون ما الغيبة؟ \" قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: \"ذكرك أخاك بما يكره\"، قيل: إن كان في أخي ما أقوله، قال: \"إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته\".\nقال القرطبي: بهته بفتح الهاء خفيفة وتشديد التاء لإِدغام تاء الخطاب في التاء المتكلم، يقال: بهت فلانًا كذب عليه فبهت أي: تحير، وبهت الذي كفر وقطعه حجته فتحير، والبهتان الباطل التي تحير فيه.\nقال عياض: والأولى في تفسيره أنه من البهتان لقوله في الحديث الآخر: \"فذلك البهتان\" إلا أن ذلك على طريق الوعظ والنصح، فيجوز ويندب فيما كانت منه زلة التعريض دون التصريح؛ لأنه يهتك حجاب الهيبة، ثم ظاهر قوله: \"من المرء\" ولو كافرًا فظاهر قوله: أخاك تخصيصه الغيبة بالمسلم أن المراد في الدين، وصرح عياض بأنه لا غيبة في كافر ويوافق الأول قوله - ﷺ - في باب أخاك خرج مخرج الغالب أو يخرج به الكافر؛ لأنه غيبة فيه بكفره بل بغيره، واستثنى مسائل تجوز فيها الغيبة معلومة.\nقال ابن عبد البر (٢): ليس هذا الحديث عن القعنبي في (الموطأ) وهو عنده في الزيادات وهو آخر حديث في كتاب الجامع في موطأ ابن بكير كذا قاله السيد محمد الزرقاني (٣).\n_________\n(١) مسلم (٢٥٨٩).\n(٢) في التمهيد (٢٣/ ٢٠).\n(٣) في شرحه (٤/ ٥٢١).","vol":"4","page":328},{"text":"قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل هنا إلا بما رواه المطلب بن عبد الله بن حنطب المخزومي لا ينبغي أي: لا يجوز للمؤمن أنْ تذكر لأخيه وفي نسخة: من أخيه المسلم الزَّلة أي: المعصية النادرة أو الفعلة المنكرة من طريق الغفلة تكون منه أي: يقع منه أحيانًا مما يَكره، أي: إن سمع لأن المؤمن الكامل سوءه ما يقع فيه من سوء الشمائل فأما صاحب الهوى أي: هوى النفس وشهواتها المُتَعالِنُ بهواه أي: المتجاهر بمتابعة لذاتها المُتعرف به، المقفو بلهواتها غير منكر لسوء حالاتها، وفي نسخة: المعترف والفاسق المتعالِن بفسقه، فلا بأس، به أي: للمؤمن بأن تذكر هذين بفعلهما، أي: إذا كان منكرًا العلة يرجع عن فعله ولتحذر الناس عن وصله فإن ذكرت من المسلم ما ليس فيه فهذا البهتان، وهو الكذب أي: العظيم الذنب.\nلما فرغ من بيان ما يتعلق بالغيبة والبهتان، شرع في بيان ما يتعلق بالأمور النادرة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-465>باب النوادر</span>\nالنوادر أي: في بيان الأمور النادرة في الأحوال الواردة والصادرة.\n٩٥٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزّبير المكيّ، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"أغلقوا الباب، وأوكوا السِّقاء، واكفئوا الإِناء - أو خمروا الإناء - وأطفئوا المصباح، فإن الشيطان لا يفتح غلقًا، ولا يحل وكاءً، ولا يكشف إناءً، وإن الفُوَيْسِقة تَضْرِم على الناس بيتهم\".\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: أخبرنا مالك أخبرنا أبو الزّبير المكيّ، هو محمد بن مسلم من تدرس بفتح الفوقية وسكون الدال المهملة وضم الراء المهملة الأسدي مولاهم، صدوق إلا أنه مدلس، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة ست ومائة عن جابر (ق ٩٧٨) بن عبد الله ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"أغلقوا الباب، بفتح الهمزة وسكون الغين المعجمة أي: سدوه في أوائل\n_________\n(٩٥٧) صحيح: أخرجه مسلم (٢٠١٢) وأبو داود (٣٧٣٢) والترمذي (١٨١٢) والبخاري في الأدب المفرد (١٢٢١).","vol":"4","page":329},{"text":"المساء حراسة للنفس والمال من أهل الفساد وسيما الشيطان، وفي البخاري عن عطاء عن جابر: \"أطفؤوا المصابيح إذا رقدتم وأغلقوا الأبواب واذكروا اسم الله\" وأوكوا بفتح الهمزة وسكون الواو وضم الكاف الممدودة، أمر من الإِيكاء وهو الحبل الذي يشد به رأس القربة أي: شدوا السِّقاء، بمسر السين المهملة أي: القربة، زاد في رواية عطاء: واذكروا اسم الله أي: لمنع الشيطان واحترازًا عن الوباء الذي ينزل في ليلة من السنة كما ورد، ويقال: إنها في كانون الأول واكفئوا الإناء - بقطع الألف وكسر الفاء وضم الهمزة كمنعه صرفه أي: اقلبوه ولا تتركوه للشيطان ولحي الهوام وذرات الأقذار أو خمروا الإناء - بفتح الخاء المعجمة وكسر الميم المشددة أي: غطوه فـ \"أو\" يحتمل أن تكون للشك من الراوي، والأظهر أنه من لفظ النبي - ﷺ - فتكون للتنويع أي: اكفوه إن كان فارغًا أو خمروا الإِناء إن كان فيه شيء.\nقال سعيد بن زيد الباجي المالكي: ويؤيده أن في بعض طرقه عند البخاري عن جابر: \"وخمروا الطعام والشراب\"، وفي الصحيح أيضًا عن عطاء عن جابر: \"خمروا آنيتكم واذكروا اسم الله ولو أن تعرضوا عليها بعود\" وأطفئوا بهمزة القطع وسكون الطاء المهملة وكسر الفاء ثم همزة مضمومة المصباح، أي: السراج إذا رقدتم فإن الشيطان وفي رواية من طريق عطاء: فإن الجن، ولا تضاد بينهما أن لا محذور في الصنفين إذ هما حقيقة واحدة تختلفان بالصفات؛ لذا قال الكرماني: لا يفتح غلقًا، بفتح الغين المعجمة واللام والقاف أي: لا يقدر أن يفتح بابًا مغلوقًا ولا يحل بفتح التحتية وضم الحاء المهملة وكاءً، بكسر الواو والكاف والألف الممدودة أي: خيط ربط به وذكر اسم الله عليه ولا يكشف إناءً، أي: غطي أو كفي وقد ذكر اسم الله عليه.\nوفي رواية الليث عن أبي الزبير عند مسلم: \"ولا يكشف إناء فإن لم يجد أحدكم إلا أن يعرض على إنائه عود أو يذكر اسم الله فليفعل\" وإن الفُوَيْسِقة تصغير الفاسقة أي: الخارجة لإِفسادتها وهي الفأرة تَضْرِم بضم الفوقية وسكون الضَاد المعجمة وكسر الراء المهملة والميم أي: توقد على الناس وفي رواية الليث: على أهل البيت بيوتهم\" وفي نسخة: بيتهم، وفي الصحيح (١) عن عطاء عن جابر: \"وإن الفويسقة ربما جرت الفتيلة فأحرقت أهل البيت\".\n_________\n(١) البخاري (٣١٣٨).","vol":"4","page":330},{"text":"وفي رواية أبي داود (١) عن ابن عباس ﵄ قال: جاءت فأرة فأخذت تجر الفتيلة، فجاءت بها فألقتها بين يديه - ﷺ - على الجمرة التي كان قاعدًا عليها، فاحترقت فيها موضع درهم فقال رسول الله - ﷺ -: \"إذا نمتم فأطفئوا أسرجكم فإن الشيطان يدل مثل هذه فتحرقكم\" (٢).\nوفي رواية الطحاوي عن يزيد بن أبي نعيم أنه سأل أبا سعيد الخدري ﵁ لم سميت الفأرة الفويسقة، قال: استيقظ النبي - ﷺ - ذات ليلة وقد أخذت فأرة فتيلة لتحرق عليه البيت، فقام إليها وقتلها وأحل قتلها الحلال والحرم، ففي هذا بيان سبب الأمر بالإِطفاء (ق ٩٧٩) والسبب الحامل للفأرة على جر الفتيلة هو الشيطان فيستعين وهو عدو للإِنسان بعدو آخر وهي النار، والأوامر المذكورة للإِرشاد إلى المصلحة الدنيوية أو الاستحباب خصوصًا من ينوي بفعلها الامتثال، وفي الصحيح مرفوعًا: \"لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون\".\nقال النووي: هو عام يدخل فيه المصباح وغيره، وأما القناديل المعلقة في المساجد وغيرها، فإن خيف حريق بسببها دخلت في الأمر، وإن أمن ذلك كما هو الغالب فالظاهر أنه لا بأس بها، العلة التي علل بها - ﷺ - وإذا انتفت العلة زال المانع، والحديث رواه مسلم عن يحيى عن مالك به.\n* * *\n\n٩٥٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"المسلم يأكل في معيٍّ واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء\".\n• أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزِّناد، وهو عبد الله بن ذكوان القرشي المدني ثقة فقيه، كان\n_________\n(١) أبو داود (٥٢٤٧).\n(٢) أخرجه أبو داود (٤/ ٣٦٣) وابن حبان (١٢/ ٤٢٧) والحاكم في المستدرك (٤/ ٣١٧) وابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٢٦٤) والبخاري في الأدب المفرد (١/ ٤١٩).\n(٩٥٨) صحيح: أخرجه البخاري (٥/ ٢٠٦١) ومسلم (٣/ ١٦٣١) وأخرجه ابن حبان في صحيحه (١/ ٣٧٨) وأبو عوانة في مسنده (٥/ ٢١٠) والطحاوي في المشكل (٢/ ٤٠٦) وأحمد في المسند (٢/ ٢٥٧).","vol":"4","page":331},{"text":"في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة ثلاثين ومائة عن الأعرج، هو عبد الرحمن بن هرمز، ويكنى أبا داود المزني مولى ربيعة بن الحارث، ثقة ثبت عالم كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من المحدثين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"المسلم يأكل في معيٍّ واحد، بكسر الميم مقصورًا واحدًا الأمعاء بالمد هي المصارين والكافر يأكل في سبعة أمعاء\" بفتح الهمزة وسكون الميم ومد الألف هي أمعاء الإِنسان، وعدي بفي على معنى رفع الأكل فيها وجعلها مكانًا للمأكول كقوله تعالى في سورة النساء: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] قال الفاضل محمد الواني، في (ترجمة صحاح الجوهري): هذا تمثيل؛ لأن المؤمن يأكل من الحلال ويحترز من الحرام والشبهات، وأما الكافر فلا يبال ويأكل ما وجده من الحرام والحلال ولا يحترز من المهلكات كالحيوانات انتهى.\nقال الله تعالى في سورة محمد: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢] قال ابن عبد البر: لا سبيل إلى حمله على ظاهره؛ لأن المشاهدة ترفعه فكم من كافر يكون أقل أكلًا وشربًا من مسلم وعكسه، وكم من كافر أسلم فلم يتغير أكله وشربه انتهى. وتخصيص السبعة للمبالغة في التكثير كقوله تعالى في سورة لقمان: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ [لقمان: ٢٧] والمعنى أن شأن المؤمن التقلل في الأكل لاشتغاله بأسباب العبادة وعلمه أن قصد الشرع من الأكل سد الجوع والعون على العبادة والخشية من حساب ما زاد على ذلك، والكافر بخلاف ذلك، هذا وقيل: المعنى أن الكافر لكونه يأكله بشرهه لا يشبعه ملأ أمعائه السبعة، والمؤمن يشبعه ملء معي واحد لقلة حرصه وشرهه على الطعام، وقيل: المراد يسمي الله تعالى عند طعامه وشرابه فلا يشركه الشيطان بخلاف الكافر لا يسمي فيأكل معه الشيطان.\n* * *\n\n٩٥٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا صفوان بن سُلَيم، يرفعه إلى رسول الله - ﷺ -\n_________\n(٩٥٩) إسناده ضعيف: لإرساله والحديث صحيح. أخرجه البخاري (٥/ ٢٠٤٧) ومسلم (٤/ ٢٢٨٦) والترمذي (٤/ ٣٤٦) والنسائي (٥/ ٨٦) وابن ماجه (٢١٤٠).","vol":"4","page":332},{"text":"أنه قال: \"الساعي على الأرملةِ والمسكين، كالذي يجاهد في سبيل الله ﷿، أو كالذي يصوم النهار ويقوم الليل\".\n• أخبرنا مالك، أخبرنا صفوان بن سُلَيم، بالتصغير المدني، يكنى أبا عبد الله الزهري مولاهم، ثقة عابد مفتي جليل القدر، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، وكان من خيار عباد الله الصالحين يقال: إنه لم يضع جنبه على الأرض أربعين سنة، ويقولون: إن جبهته ثقبت من كثرة السجود وكان لا يقبل جوائز السلطان، مات سنة اثنين وثلاثين ومائة وهو ابن اثنين وسبعين سنة يرفعه أي: الحديث إلى رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"الساعي أي: بالنفقة والخدمة على الأرملة بفتح الهمزة وسكون الراء المهملة وفتح الميم أي: المرأة التي مات زوجها وهي فقيرة وجمعها الأرامل والمسكين، أي: وعلى الذي ليس له شيء الذي يجاهد في سبيل الله ﷿، أو كالذي يصوم النهار ويقوم الليل\" وكلمة \"أو\" إما للشك أو للتخيير أو للتنويع.\nوفي رواية: \"هو القائم بالليل الصائم بالنهار\" رواه أحمد (١) والشيخان (٢) والترمذي (٣) والنسائي (٤) وابن ماجه (٥) عن أبي هريرة ﵁.\n* * *\n\n٩٦٠ - أخبرنا مالك، أخبرني ثَوْر بن زيد الديلي، عن أبي الغَيْث مولى أبي مُطيع، عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - مثل ذلك.\n• أخبرنا مالك، أخبرني بالإِفراد ثَوْر بالثاء المثلثة المفتوحة والواو الساكنة ثم راء مهملة ابن زيد الديلي، بكسر الدال وسكون التحتية اسمه محمد بن البرقي المدني ثقة، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة كما\n_________\n(١) أحمد (٢/ ٣٦١).\n(٢) البخاري (٥/ ٢٠٤٧) ومسلم (٤/ ٢٢٨٦).\n(٣) الترمذي (٤/ ٣٤٦).\n(٤) النسائي (٥/ ٨٦).\n(٥) ابن ماجه (٢١٤٠).\n(٩٦٠) إسناده صحيح: انظر السابق.","vol":"4","page":333},{"text":"قاله الذهبي في (الميزان) عن أبي الغَيْث مولى أبي مُطيع، وفي نسخة: هو سالم المدني ثقة كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، عن أبي هريرة، ﵁ عن رسول الله - ﷺ - مثل ذلك أي: كما روى صفوان بن سليم يرفعه، قال الميرك (في شرح الشمائل): اعلم أنه قد جرت عادة أصحاب الحديث إذا روي بإسنادين أو أكثر وساقوا الحديث بإسناد أولًا، ثم ساقوا بإسناد آخر يقولون آخره: مثله أو نحوه اختصارًا، والمثل يستعمل بحسب الاصطلاح فيما إذا كانت الموافقة بين الحديثين في اللفظ والمعنى، والنحو يستعمل إذا كانت الموافقة في المعنى فقط هذا هو المشهور فيما بينهم، وقد يستعمل كل واحد منها مقام الآخر. انتهى.\n* * *\n\n٩٦١ - أخبرنا مالك، أخبرنا محمد بن عبد الله بن صَعْصَعة، أنه سمع سعيد بن يسار أبا الحُباب يقول: سمعتُ أبا هريرة يقول: قال رسول الله - ﷺ -: \"من يُردّ الله به خيرًا يُصب منه\".\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: أخبرنا مالك، أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن صَعْصَعة، الأنصاري المدني، يكنى أبا عبد الرحمن المدني، ثقة كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة تسع وثلاثين ومائة أنه سمع سعيد بن يسار أبا الحُباب بضم الحاء المهملة وبموحدتين بينهما ألف المدني، اختلف في ولائه لمن هو وقيل: سعيد بن رجاء، ثقة متقن كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين المحدثين من أهل المدينة مات سنة سبع عشرة ومائة وقيل: في الدرجة الثالثة كذا في (تقريب التهذيب) لابن حجر (١) يقول: أي: سعيد بن يسار سمعتُ أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله - ﷺ -: \"من يُردّ الله به خيرًا يُصب منه\" أي: ابتلاه بالمصائب من الأمراض والبلايا وهو بضم أوله وكسر ثانيه، وفاعله ضمير الله وضمير منه راجع إلى من، والرواية بالبناء للفاعل في الأشهر على ما ذكره السيوطي، والحديث رواه البخاري (٢)\n_________\n(٩٦١) حديث صحيح: أخرجه البخاري (٧/ ١٤٩) وأحمد في المسند (٢/ ٢٣٧).\n(١) في التقريب (١/ ٢٣٤).\n(٢) البخاري (٧/ ١٤٩).","vol":"4","page":334},{"text":"وأحمد (١) عن أبي هريرة، وقال - ﷺ -: \"أشد الناس بلاء الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء ثم الأمثل فالأمثل\".\n* * *\n\n٩٦٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن سالم وحمزة ابني عبد الله، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إن الشؤم في المرأة والدار والفرس\".\nقال محمد: إنما بلغنا أن النبي - ﷺ - قال: \"إن كان الشؤم في شيءٍ، ففي الدار والمرأة والفرس\".\n• أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن سالم وحمزة وهما أخان من أب وأم قوله: ابني بدل من سالم وحمزة ومضاف عبد الله أي: ابن عمر بن الخطاب المدني العدويان القريشيان، كانا في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة عن عبد الله بن عمر، رضي (ق ٩٨١) الله عنهما أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إن الشؤم بضم الشين المعجمة وهمزة ساكنة قلبت واوًا لسكونها وضمة ما قبلها فصار الشوم بضم الشين وسكون الواو وهو ضد اليمين وهو الحديث: \"الشؤم سوء الخلق\" رواه أحمد وغيره في المرأة والدار والفرس\" أي: كائن فيها، وقد يكون في غيرها فالحصر فيها كما قال ابن العربي: بالنسبة إلى العبادة، وفي نسخة: والمرأة مقدم على الدار.\nقال السيوطي: وهذا على ظاهره ولا يمتنع أن يجري الله تعالى العادة بذلك في هؤلاء، كما أجرى العادة أن من شرب السم هلك ومن قطع رأسه مات.\nوقال الخطابي: اليمن والشؤم علامتان لما يصيب الإِنسان من الخير والشر، ولا يكون شيء من ذلك إلا بقضاء الله تعالى وقدره، وهذه الثلاثة ضروب جعلت مواقع لأقضية ليس لها بأنفسها وطبائعها فعل ولا تأثير في شيء، إلا أنها كانت أعم الأشياء التي\n_________\n(١) أحمد في المسند (٢/ ٢٣٧).\n(٩٦٢) أخرجه البخاري (٣/ ١٠٤٩) ومسلم (٤/ ١٧٤٦) وأخرجه ابن حبان (١٣/ ٤٩٢) والضياء في المختارة (٦/ ٢٥٢).","vol":"4","page":335},{"text":"يعنيها، وكان في غالب أحواله لا يستغني عن دار يسكنها وزوجة يعاشرها وفرس يركبها، ولا يخلو عن عارض مكروه في زمانه، أضيف اليمن والشؤم إليها إضافة مكان وهما صادران عن مشيئة الله تعالى انتهى. كذا قاله السيد الفاضل محمد الزرقاني (١).\nقال محمد: إنما بلغنا أن النبي - ﷺ - قال: \"إن كان الشؤم في شيءٍ، ففي الدار والمرأة والفرس\" رواه بهذا اللفظ مالك وأحمد والبخاري وابن ماجه عن كامل بن سعد والشيخان عن ابن عمر، ومسلم والترمذي عن عامر (٢) كذا قاله علي القاري الهروي.\n* * *\n\n٩٦٣ - أخبرنا مالك، أخبرشا عبد الله بن دينار، قال: كنتُ مع عبد الله بن عمر بالسوق، عند دار خالد بن عقبة، فجاء رجل يريد أن يناجيه، وليس معه أحد غيري وغير الرجل الذي يريد أن يناجيه، فدعا عبد الله رجلًا آخر، حتى كنا أربعة، قال: فقال لي وللرجل الذي دعا: استَأْخِرا شيئًا، فإني سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"لا يتناجى اثنان دون أحد\".\n• أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، قال: كنتُ مع عبد الله بن عمر بالسوق، عند دار خالد بن عقبة، فجاء رجل يريد أن يناجيه، أي: يكلمه سرًا وليس معه أي: ابن عمر أحد غيري وغير الرجل الذي يريد أن يناجيه، فدعا عبد الله رجلًا آخر، حتى كنا أربعة، قال: أي: ابن دينار فقال أي: ابن عمر لي وللرجل الذي دعا: استرخيا أي: عني شيئًا، أي: قليلًا من الزمان أو من المكان، والمعنى انبساط وتوسع وفي نسخة: استأخرا كما في رواية ليحيى أي: تأخرا عني قليلًا فإني سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"لا يتناجى اثنان دون أحد\" أي: لا يتكلم رجلان سرًا عند أحد، فإن ذلك يحزنه ويشق عليه، وذكر البغوي في تفسير قوله تعالى في سورة المجادلة: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة: ١٠] بإسناده عن\n_________\n(١) في شرحه (٤/ ٤٨٦).\n(٢) أخرجه البخاري (٣/ ١٠٤٩) ومسلم (٤/ ١٧٤٦) وأحمد (٢/ ٨) وابن ماجه (١/ ٦٤٢).\n(٩٦٣) إسناده صحيح.","vol":"4","page":336},{"text":"نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا كنتم ثلاثة فلا يناجي اثنان دون الثالث إلا بإذنه فإن ذلك محزنة\" (١).\n* * *\n\n٩٦٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إن من الشجر شجرةً لا يسقط ورَقُها، وإنها مَثَلُ المسلم، فحدثوني ما هي؟ \"، قال عبد الله: فوقع الناسُ في شجر البوادي، ووقع في نفسي أنها النخلة، فاستحييتُ، فقالوا: حَدّثنا يا رسول الله ما هي؟ قال: \"النخلة\"، قال عبد الله: فحدَّثتُ عمر بن الخطاب بالذي وقع في نفسي من ذلك، فقال عمر: لأن تكون قُلْتَها أحبّ إليَّ من أن يكون لي كذا وكذا.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إن من الشجر أي: من جنسه شجرةً أي: نوعًا لا يسقط ورَقُها، أي: أبدًا وإنها مَثَلُ أي: بفتحتين مضاف إلى المسلم، (ق ٩٨٢) أي: مثلثة فحدثوني ما هي؟ \"، أي: تلك الشجرة من بين الأشجار إن كنتم من أهل الأخبار قال عبد الله: فوقع الناسُ في شجر البوادي، أي: جمع البادية وهي ضد البلد، وفي نسخة: البراري وهي جمع البر ضد البحر أي: ضنًا منهم أنها غير موجودة عنهم لعزتها وغرابتها، ووقع في نفسي أنها النخلة، أي: لقرب عهده بها قال: أي: ابن عمر فاستحييتُ، أي: إذا سبق في الكلام على الكبار لكوني من الصغار فقالوا: أي: الصحابة حَدّثنا يا رسول الله ما هي؟ أي: ما عرفناها قال: \"النخلة\"، قال عبد الله: فحدَّثتُ عمر بن الخطاب يعني أباه بالذي وقع في نفسي أي: ظهر في قلبي من ذلك، أي: مما كان من الجواب والصواب فقال عمر: لأن\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٨/ ٨٠) ومسلم في السلام (٣٧، ٣٨) والترمذي (٢٨٢٥) وابن ماجه (٣٧٧٨) والدارمي (٢/ ٢٨٢) وأحمد (١/ ٤٣١) (٢/ ١٨) وعبد الرزاق في المصنف (١٩٨٠٦) وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٠٧) (٧/ ١٢٨، ٣٦٤) والخطيب في تاريخه (١٣/ ٢٢٤) وابن عدي في الكامل (٤/ ١٥٩٦).\n(٩٦٤) صحيح: أخرجه مسلم (٢١٦٥) والطبري في تفسيره (١٣/ ١٣٧، ١٣٨).","vol":"4","page":337},{"text":"تكون قُلْتَها أي: قلت: إنها النخلة فكما في رواية، أحبّ إليَّ من أن يكون لي كذا وكذا أي: لأنه كان منقبة جسيمة في ولده، وممدحة عظيمة في نسبه من جهة أن الولد من أبيه، وجه الشبه بين النخلة والمسلم كثيرة خيرها ودام ظلها وطيب ثمرها مع دوامه فإنه من حين يطلع لا يزال يؤكل منه حتى ييبس وبعد أن ييبس، تتخذ منافع كثيرة من خشبها وورقها وأغصانها، وقيل: الحكمة في تشبيهها بالنخلة من بين سائر الأشجار أنها أشبهها بالإِنسان في أنها لا تحمل إلا بالقاح، وإذا قطع رأسها يبست وسائر الأشجار ينشعب من جوانبها بعد قطع رؤوسها؛ ولأنها خلقت من فضل طينة آدم صلوات الله على نبينا وعليه؛ ولذلك قال النبي - ﷺ -: \"أكرموا عمتكم\" قيل: ما عمتنا قال: \"النخلة\" (١) كذا قاله البغوي في تفسيره، وفي هذا الحديث دليل على جواز عرض الأستاذ على تلاميذه مسألة عجيبة لاستعداد أذهانهم، وتشويقهم إلى تحصيل العلم، كما قال في الفتاوى: امرأة ومعها عشرة رجال قالت: أحدهم زوجي وأربعة أخوتي وخمسة عبدي كلهم من بطن واحد، والجواب: اشترت تلك المرأة جارية معها ستة أولادها فأعتقت أحدهم وزوجت نفسها به وزوجت الجارية أيها فولدت أربعة بنين فتلك الأربعة إخوتها كلهم من بطن واحدة.\n* * *\n\n٩٦٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، قال: قال ابن عمر: قال رسول الله - ﷺ - \"غِفَار: غفر الله لها، وَأَسْلَم: سالمها الله، وعُصَيَّةُ: عصت الله ورسوله\".\n• أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، قال: قال ابن عمر: ﵄ قال رسول الله - ﷺ -: \"غِفَار: بكسر أوله منونًا وغير منون قبيلة ورهط أبي ذر الغفاري غفر الله لها، أي: أقول في حقهم هذا قيل: كانوا بنو غفار يسرقون الحجاج فدعا لهم النبي - ﷺ - بعد أن أسلموا ليمحوا عنهم ذلك العار.\n_________\n(١) أخرجه أبو يعلى في مسنده (١/ ٣٥٣) وأبو نعيم في الحلية (٦/ ١٢٣) والعقيلي في الضعفاء (٤/ ٢٥٦) والمجروحين لابن حبان (٣/ ٤٤).\n(٩٦٥) صحيح: أخرجه البخاري (١/ ٣٤١) ومسلم (١/ ٤٧٠).","vol":"4","page":338},{"text":"وَأَسْلَم: أي: قبيلة أخرى سالمها الله، أي: صالحنا وضع الله بهم ما يوافقهم ولا يؤلهم بالمحاربة وإنما دعا لغفار، وأسلم لأنهما دخلا في الإِسلام بغير حرب وعُصَيَّةُ: بالتصغير جماعة قتلوا القراء ببئر معونة عصت الله ورسوله\" وقد تقدم قضيتهم، وكان - ﷺ - يقنت عليهم في صلواته من كثرة أحزانه على أصحابه، والحديث رواه أحمد (١) والشيخان (٢) والترمذي عن ابن عمر.\n* * *\n\n٩٦٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: كنا حين نبايع رسول الله - ﷺ - على السمع والطاعة، يقول لنا: \"فيما استطعتم\".\n• أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، ﵄ قال: كنا حين نبايع رسول الله - ﷺ - أي: نصافح على السمع والطاعة، أي: نقول له عند المبايعة: إنا نسمع كلامك ونطيع أمرك يقول لنا: أي: لأجلنا \"فيما استطعتم\" وتلقينا فالمعنى قولوا فيما استطعتم لقوله تعالى في سورة التغابن: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ [التغابن: ١٦] أي: فيما استطعتم وما أحسن ما قال من أرباب الحال شعرًا:\nإذا لم تستطع أمرًا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع\n* * *\n\n٩٦٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - ﷺ - لأصحاب الحِجْر: \"لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذّبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم؛ أن يصيبَكم مثْلَ ما أصابهم\".\n_________\n(١) أحمد في المسند (٢/ ١١٧).\n(٢) البخاري (١/ ٣٤١) ومسلم (١/ ٤٧٠) والترمذي.\n(٩٦٦) إسناده صحيح.\n(٩٦٧) إسناده صحيح: أخرجه البخاري (٦/ ٩) ومسلم (٢٢٨٥) وعبد الرزاق (١٦٢٥).","vol":"4","page":339},{"text":"• أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ - لأصحاب الحِجْر: أي: في حقهم وهم المذكورون في قوله تعالى في سورة الحجر: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الحجر: ٨٠] أراد صالحًا، وإنما جمع لأن من كذب أحدًا منهم فكأنه كذبهم أجمعين؛ لأن كلمتهم واحدة من التوحيد والبعث، والمراد بأصحاب الحجر مدينة ثمود وقوم صالح صلوات الله على نبينا وعليه، وهي بين المدينة النبوية على صاحبها السلام وبين الشام \"لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذّبين إلا أن تكونوا باكين، أي: حقيقة خوفًا من الله تعالى فإن لم تكونوا باكين أي: خائفين بحيث لا تجدون البكاء فلا تدخلوا عليهم؛ أي: في محلهم مخافة أن يصيبَكم أي: لئلا يصيبكم أو كراهة أن يصيبكم مثْلَ ما أصابهم\" أي: من العذاب وفي (تفسير البغوي) بإسناده عن النبي - ﷺ -: لما مر بالحجر قال: \"لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثل ما أصابهم\" وتقنع بردائه وهو على الرحل.\nوقال عبد الرزاق عن معمر: \"ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي\".\n* * *\n\n٩٦٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن عبد الرحمن بن مَعْمَر، عن أبي مُحَيْرِيز، قال: أدركتُ ناسًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - يقولون: إن من أشراط الساعة المعلومة المعروفة: أن ترى الرجل يدخل البيت لا يشك من رآه أنه يدخله لسوء، غير أن الجُدُر تواريه.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن عبد الرحمن بن مَعْمَر بن حزم الأنصاري أبو طوالة بضم المهملة المدني، قاضي المدينة لعمر بن عبد العزيز ثقة، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة أربع وثلاثين ومائة ويقال بعد ذلك كذا قاله في (تقريب التهذيب) عن أبي مُحَيْرِيز، بضم الميم وفتح الحاء المهملة وسكون التحتية ثم راء مكسورة ممدودة ثم زاي اسمه: جنادة بضم الجيم ثم نون وألف ودال مهملة فهاء ابن وهب الجمحي فجنادة أدرك الجاهلية والإِسلام، ومات سنة سبع وستين كذا في\n_________\n(٩٦٨) إسناده صحيح.","vol":"4","page":340},{"text":"(الإِصابة) قال: أدركتُ ناسًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - يقولون: إن من أشراط الساعة بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة جمع الشرط بفتحتين أي: العلامة يعني من علامات القيامة وإنما سميت القيامة ساعة لمجيئها في أقل زمن المعلومة المعروفة: أي: المشهورة أن ترى أيها المخاطب الرجل يدخل البيت أي: بيت من البيوت أي: لا يشك من رآه أنه يدخله أي: إذا دخوله لسوء، أي: من سرقة أو زنى غير أن الجُدُر بضمتين جمع الجدار تواريه أي: تستره، وفي نسخة قال أبو علي: سقط هذا الحديث من كتابي ذلك وما بين ذلك.\n* * *\n\n٩٦٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا عمّي أبو سُهيل قال: سمعتُ أبي يقول: ما أعرف شيئًا مما كان الناس عليه إلا النداء بالصلاة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: أخبرنا مالك، أخبرنا عمّي أبو سُهيل بن مالك بن عمير بن أبي عامر الأصبحي اسمه نافع المدني ثقة، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين المحدثين من أهل المدينة، مات سنة أربعين ومائة كذا في (تقريب التهذيب) (١) قال: سمعتُ أبي أي: أبا مالك بن عمير يقول: ما أعرف شيئًا مما كان الناس أي: المعتبرون وهم السلف الصالحون من الصحابة والتابعين عليه أي: باقين على ذلك (ق ٩٨٤) الشيء المعروف إلا النداء بالصلاة أي: الأذان والإِقامة وما يتفرع عليها من صلاة الجماعة وفي (المشكاة) عن أم الدرداء قالت: دخل علي أبو الدرداء وهو مغضب فقلت: ما أغضبك؟ قال: والله ما أعرف من امرأته شيئًا إلا أنهم يصلون جميعًا.\n* * *\n\n٩٧٠ - أخبرنا مالك، أخبرني مُخْبِرٌ، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إني أُنَسَّى لأسُنّ\".\n_________\n(٩٦٩) إسناده صحيح.\n(١) التقريب (١/ ٦٤٦).\n(٩٧٠) إسناده ضعيف: لإِرساله.","vol":"4","page":341},{"text":"• أخبرنا مالك، أخبرني مُخْبِرٌ، أي: مرسلًا لعلة، نافع المدني أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إني أُنَسَّى بتشديد السين المهملة مبني للمفعول أي: يرد على النسيان لأسُنّ\" بفتح فضم فتشديد أي: لأبين طريقًا يسلك في الدين فهو سبب لإِيراد النسيان وعروضه علي، والمعنى أن ثمرته ترتب على النسيان إلا باعث على إيراده، وفي رواية إنما أنسى لأسن.\n* * *\n\n٩٧١ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب الزهري، عن عبَّاد بن تميم عن عمّه: أنه رأى رسول الله - ﷺ - مستلقيًا في المسجد؛ واضعًا إحدى رجليه على الأخرى.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب الزهري، عن عبَّاد بن تميم بن غزية الأنصاري المازني المدني ثقة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، وقيل: إن له رؤية، وفي ابن ماجه من طريق عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن عباد بن تميم عن أبيه عن عمّه: في الاستسقاء، والصواب سمعت عباد بن تميم يحدث أبي عن عمه كذا في (تقريب التهذيب) عن عمه عقبة قال ابن حجر: واسم عمه عبد الله بن زيد بن عاصم، وهو أخو أبيه لأمه أنه رأى رسول الله - ﷺ - مستلقيًا في المسجد؛ واضعًا إحدى رجليه على الأخرى أي: وفعله - ﷺ - ذلك لدفع التعب عن رجليه لا للتكبر.\n* * *\n\n٩٧٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان كانا يفعلان ذلك.\nقال محمد: لا نرى بهذا بأسًا، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، وفي نسخة: محمد قال: أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، ثقة فقيه، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين\n_________\n(٩٧١) إسناده صحيح: أخرجه البخاري (٤٦٣) ومسلم (٢١٠٠).\n(٩٧٢) إسناده صحيح.","vol":"4","page":342},{"text":"المحدثين من أهل المدينة، مات سنة خمس وعشرين ومائة كذا قاله ابن الجوزي أنه قال أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ﵄ كانا يفعلان ذلك أي: الاستلقاء ووضع أحد رجليهما على الأخرى في المسجد.\nقال محمد: أي: المصنف ﵀ لا نرى بهذا أي: الاضطجاع بأسًا، أي: كراهة وهو أي: عدم البأس قولُ أبي حنيفة أي: حكمة، والحديث الأول رواه الترمذي في (الشمائل) عن عبد الله بن زيد بن عاصم وهو في الصحيحين (١) أيضًا وظاهره ينافيه ما رواه مسلم (٢) عن جابر أن النبي - ﷺ - قال: \"لا يستلقين أحدكم ثم يضع إحدى رجليه على الأخرى\"، ولكن قال الخطابي: في حديث الأصل بيان جواز الفعل ودلالة على أن خبر النهي عنه إما منسوخ وإما أن يكون علة النهي أن تبدو عورة الفاعل لذلك، فإن الإِزار ربما ضاق فإذا شاء لابسة إحدى رجليه فوق الأخرى بقيت هنالك فرجة يظهر منها عورته.\n* * *\n\n٩٧٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، قال: قيل لعائشة ﵂: لو دُفِنْتِ معهم؟ قال: قالت: إني إذًا لأنا المبتدئة بعملي.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، بن قيس الأنصاري المدني، يكنى أبا سعيد القاضي ثقة ثبت كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين والمحدثين، من أهل المدينة، مات سنة أربع ومائة قال: قيل لعائشة ﵂: لو دُفِنْتِ معهم؟ بصيغة المجهول فكلمة \"لو\" للتمني ويجوز أن تكون للشرط أي: وصيت بالناس أن يدفنوك مع النبي وصاحبيه لكان أنسب قالت: إني إذًا أي: حينئذ لأنا المبتدئة أي: مستأنفة بعملي واللام جواب لو المقدرة وإن الجملة الإِسمية استعيرت في مكان الجملة الفعلية، تقديره (ق ٩٨٥) لو كنت مدفونة مع رسول الله وأبي بكر وعمر لكنت مستأنفة بعملي في المستقبل كما قاله ابن هشام في (مغني اللبيب) ولحبط به عملي الأول وأول السبب ما يترتب عليه من قلة الأدب أو لوجود عمر فإنه غير محرم بها والله أعلم.\n* * *\n_________\n(١) البخاري (٤٦٣) ومسلم (٢١٠٠).\n(٢) مسلم (٢٠٩٩).","vol":"4","page":343},{"text":"٩٧٤ - أخبرنا مالك، قال: قال سلمة لعمر بن عبد الله: ما شأن عثمان بن عفان، لم يُدفن معهم، فسكت ثم أعاد عليه، فقال: إن الناس كانوا يومئذٍ مُتشاغلين.\n• أخبرنا مالك، قال: قال سلمة لعمر بن عبد الله: أي: ابن أبي خثعم روى عن يحيى كثير وعنه زيد بن الحباب ما شأن عثمان بن عفان، ﵁ لم يُدفن معهم، أي: مع النبي - ﷺ - وأبي بكر وعمر ﵄ فسكت ثم أعاد عليه، أي: السؤال فقال: إن الناس كانوا يومئذٍ أي: يوم قتله شهيدًا كانوا مُتشاغلين أي: في أمر الفتنة التي فصلناها في باب صلاة العيدين، وأمر الخطبة فشغلهم الله تعالى عن ذلك ودفن في البقيع مع سائر الصحابة هنالك، وكان - ﷺ - قد أخبر بمن يكون معه في ذلك المقام بقوله كما في (المنتظم) لابن الجوزي عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"ينزل عيسى ابن مريم من السماء إلى الأرض ويتزوج ويمكث خمسة وأربعين سنة ثم يموت فيدفن معي في قبري أو في قبره فأقوم أنا وعيسى ابن مريم من قبر واحد أي: في محل واحد بين أبي بكر وعمر\" كذا ذكره في (تحقيق النصرة).\nونقل أهل السير عن سعيد بن المسيب قال: بقي في البيت موضع قبر في السهوة الشرقية يدفن فيها عيسى ابن مريم ويكون قبره الرابع.\n* * *\n\n٩٧٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"مَنْ وُقِيَ شر اثنين ولج الجنَّة، فأعاد ذلك ثلاث مرات، مَنْ وُقِي شر اثنين ولج الجنَّة، ما بين لَحْيَيه وما بين رجليه\".\n• أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، العدوي مولى عمر بن الخطاب يكنى أبا عبد الله وأبا أسامة المدني ثقة عالم يرسل، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة ست وثلاثين ومائة عن عطاء بن يسار، الهلالي يكنى أبا محمد المدني مولى ميمونة، ثقة فاضل صاحب مواعظ وعبادة، كان في الطبقة الثانية من صغار\n_________\n(٩٧٥) إسناده ضعيف: لإِرساله والحديث ثابت صحيح.","vol":"4","page":344},{"text":"التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين أنه قال مرسلًا بلا خلاف علمه عن مالك قاله ابن عبد البر رواه البخاري والترمذي موصولًا عن سهل بن سعد والعسكري وابن عبد البر والديلمي عن أنس، وجاء أيضًا عن أبي موسى كلهم بمعناه أن رسول الله - ﷺ - وفي نسخة: أن النبي - ﷺ - قال: \"مَنْ وُقِيَ بصيغة المجهول أي: من حفظه الله شر اثنين أي: من الأشياء ولج أي: دخل الجنَّة، أي: مع السابقين أو بغير عذاب فأعاد ذلك أي: المقول ثلاث مرات، أي: للمبالغة والتأكيد من وُقِي شر اثنين أي: عضوين من أعضاء الإِنسان ولج الجنَّة بفتح اللام أي: دخلها ثم بينهما بقوله أي: أحدهما ما بين لَحْيَيه بفتح اللام وسكون الحاء المهملة وتحتيتين أولهما فتح وثانيهما ساكن معناهما العظمان في جانب الفم وما بينهما هو اللسان.\nوقال الداودي: المراد ما بين لحييه الفم بتمامه، فيتناول الأقوال كلها والأكل والشرب وسائر ما يأتي بالفم من النطق والفعل كتقبيل وعض وشم، وقال: من يحفظ من ذلك أمن الشر كله.\nقال الحافظ: خفي عليه أنه بقي البطش باليدين وإنما محل الحديث على أن النطق باللسان أصل في حصول كل مطلوب فإن لم ينطق به إلا في خير سلم.\nوقال ابن بطال: دل الحديث على أن أعظم البلايا على المرء في الدين لسانه وفرجه وثانيهما وما بين رجليه\" أي: فرجه لم يصرح به استهجانًا بذكره واستيحاء؛ لأنه - ﷺ - كان أشد حياء من البكر في خدرها كذا قاله الفاضل محمد الزرقاني (١).\n* * *\n\n٩٧٦ - أخبرنا مالك، قال: بلغني أن عيسى ابن مريم كان يقول: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فتقسوا قلوبكم، فإن القلب القاسي بعيدٌ عن الله تعالى ولكن لا تعلمون، ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب، وانظروا فيها\n_________\n(١) في شرحه (٤/ ٥٢٢).\n(٩٧٦) إسناده ضعيف.","vol":"4","page":345},{"text":"كأنكم عبيد، فإنما الناس: مُبتلىً ومعافىً، فارحموا أهل البلاءِ واحمدوا الله على العافية.\n• أخبرنا مالك، قال: أي: مالك بلغني أن عيسى ابن مريم كان يقول: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله بل أكثر واذكر الله حتى يقول مخبول كما ورد وقد قال الله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] فتقسوا بالنصب قلوبكم، أي: بسبب الغفلة عن ذكر الله، وقال تعالى في سورة الزمر: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية [الزمر: ٢٢] فلا ينفعها عظة ولا يثبت فيها حكمة فإن القلب القاسي بعيدٌ عن الله أي: من رحمته تعالى ولكن لا تعلمون، أي: ذلك لغفلتكم وهذا قد جاء مرفوعًا عن النبي - ﷺ - قال: \"لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فإنه قسوة للقلب وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي\" رواه الترمذي (١) عن ابن عمر ولا تنظروا عطف على قوله: لا تكثروا في ذنوب الناس أي: في عيوبهم كأنكم أرباب، أي: سادات وانظروا فيها أي: في ذنوبكم كما في (الموطأ) لمالك برواية يحيى كأنكم عبيد، أي: يخافون إطلاع ساداتهم على ذنوبهم فيحذرون فإنما الناس: مُبتلىً أي: بالذنوب ومعافىً، أي: يتجاوزون عنها فإنهم لا يخلون عن الحالين فارحموا أهل البلاءِ أي: بنحو الدعاء برفعه عنهم وعدم النظر إلى ذنوبهم وهتكهم بها واحمدوا الله على العافية أي: صحة أبدانكم وسائر النعم ليديم ذلك عليكم قال تعالى في سورة إبراهيم: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧].\n* * *\n\n٩٧٧ - أخبرنا مالك، حدثني سميّ مولى أبي بكر، عن أبي صالح\n_________\n(١) الترمذي (٢٤١١) وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم بن عبد الله بن حاطب.\n(٩٧٧) حديث صحيح أخرجه البخاري (٣/ ١٠) (٤/ ٧١) (٧/ ١٠٠) ومسلم في الإِمارة (١٧٩) وابن ماجه (٢٨٨٢) وأحمد في المسند (٢/ ٢٣٦) والدارمي (٢/ ٢٨٦) والبيهقي في الكبرى (٥/ ٢٥٩) والقضاعي في مسند الشهاب (٢٢٥) وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٤٤) والخطيب في تاريخه (٢/ ٥٣) (٧/ ٢٨٤) (١٠/ ٩٤) وابن عدي في الكامل (١/ ٣٠٢) (٣/ ٩٠٤) (٤/ ١٤٤٦) (٥/ ١٦٨٤) والعقيلي في الضعفاء (٢/ ٦٩).","vol":"4","page":346},{"text":"السمَّان، عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: \"السَّفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم نَومَه وطعامه وشرابه فإن قضى أحدكم نَهمته من وجهه، فليعجل إلى أهله\".\n• أخبرنا مالك حدثنا وفي نسخة: حدثني بالإِفراد سميّ بضم السين المهملة وفتح الميم وتشديد التحتية مولى أبي بكر، بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فقيه كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين والمحدثين، مات سنة ثلاثين ومائة مقتولًا كذا قاله ابن حجر (١).\nقال ابن عبد البر: تفرد به مالك عن سمي فلا يصح لغيره عنه، وانفرد به سمي أيضًا فلا يحفظ عن غيره وليس له غير هذا الإِسناد من وجه يصح.\nوقال الحافظ: كذا في (الموطأ) لمالك وصرح يحيى النيسابوري عن مالك بتحديث سمي له، وشذ خالد بن مخلد فقال: مالك عن سهيل بدل سمي أخرجه ابن عدي، وذكر الدارقطني أي: ابن الماجشون رواه عن مالك عن سهيل وأنه وهم فيه رواية عن ابن الماجشون، وقد خالفه غيره عنه فقال: عن سمي وهو المحفوظ عن مالك، والحديث مسند صحيح ثابت احتياج الناس فيه إلى مالك، ورواه عتيق بن يعقوب عن مالك عن أبي النضر أخرجه الدارقطني والطبراني وأخرجه ابن عبد البر: من طريق أبي مصعب عن عبد العزيز الداروردي عن سهيل عن أبيه وهذا يدل على أن له في حديث سهيل أصلًا وأن سميًا لم ينفرد به عن أبي صالح السمَّان، وهو ذكوان بن صالح السمان الزيات المدني، ثقة ثبت كان يجلب الزيت إلى الكوفة، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة إحدى ومائة كذا في (تقريب التهذيب) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"السَّفر قطعة أي: جزء من العذاب، أي: من الألم الناشئ عن المشقة لما يحصل في الركوب والمشي من ترك المألوف كالحر والبرد (ق ٩٨٧) والخوف وخشونة العيش ولفراق الأحباب سئل إمام الحرمين حيث جلس موضع أبيه لم كان السفر قطعة من العذاب؟ فأجاب على الفور: لأن فيه فراق الأحباب يمنع أحدكم نَومَه وطعامه وشرابه بنصب الثلاثة بنزع الخافض، أو على أنه مفعول ثان ليمنع؛ لأنه يطلب مفعولين\n_________\n(١) التقريب (١/ ٢٥٦).","vol":"4","page":347},{"text":"كأعطى وفصله عما قبله استئنافًا كالجواب لمن قال: لم كان ذلك؟ فقال: يمنع أي: وجه التشبيه الاشتمال على المشقة وقد جاء التعليل في رواية أبي سعيد المقبري ولفظه: \"السفر قطعة من العذاب\"؛ لأن الرجل يشتغل فيه عن صلاته وصيامه فذكر الحديث، والمراد منع الكمال لا الأصل فإن قضى أحدكم نَهمته بفتح النون وسكون الهاء وفتح الفوقية أي: حاجته بأن بلع همته وفرغ من وجهه، أي: من طريق سفره ومن مقصده، ولابن عدي في حديث ابن عباس ﵄: \"فإذا قضى أحدكم وطره من سفره\"، وفي رواية رواد: \"فإذا فرغ أحدكم من حاجته\" فليعجل بضم التحتية وكسر الجيم مشددة أي: الرجوع إلى أهله فحذف المفعول.\nوفي رواية عتيق: \"فليعجل الرجوع إلى أهله\" فإنه أعظم لأجره، وفي الحديث كراهة التغرب على الأهل بلا حاجة، وندب استعمال الرجوع لا سيما من يخشى عليهم الضيعة، ولما في الإِقامة عن الراحة المعينة على صلاح الدين والدنيا وتحصيل الجماعات والقوة على العبادة، قال ابن بطال: ولا تعارض بين الحديث وحديث ابن عمر مرفوعًا: \"سافروا تصحوا\" لأنه لا يلزم من الصحة بالسفر لما فيه من الرياضة أن لا يكون قطعة من العذاب لما فيه من المشقة، فصار كالدواء المر المعقب للصحة وإن كان تناوله كراهة.\n* * *\n\n٩٧٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن سالم بن عبد الله، قال: قال عمر بن الخطاب: لو علمتُ أن أحدًا أقوى على هذا الأمر مني لكان أن أقدّم فيُضرب عنقي أهون عليَّ، فمن وَلِي هذا الأمر فليعلم أن سيرده عنه القريبُ والبعيدُ، وايمُ الله إن كنتُ لأقاتل الناس عن نفسي.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، بن قيس الأنصاري المدني، يكنى أبا سعيد القاضي، ثقة ثبت كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة عن سالم بن عبد الله، بن عمر بن الخطاب القرشي، يكنى أبا عمر أو أبا عبد الله المدني، أحد الفقهاء السبعة كان ثبتًا عابدًا فاضلًا، وكان يشبه بأبيه\n_________\n(٩٧٨) إسناده صحيح.","vol":"4","page":348},{"text":"في الهدى والسمت، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين المحدثين من أهل المدينة، مات في آخر سنة ست بعد المائة أنه قال: قال عمر بن الخطاب: ﵁ لو علمتُ أن أحدًا أقوى على هذا الأمر مني أي: لو أصلح لأمر الخلافة لكان أن أقدّم أي: أمسك بين يدي الناس فيضرب عنقي أهون عليَّ، أي: أسهل وأحسن كون أمر الإِمارة أمر وأصعب وأخشن.\nوالحاصل: إن تعينت في قبول هذا الأمر الكثير الخطر فمن وَلِي هذا الأمر بعدي أي: بعد موتي فليعلم أي: يقينًا كون اللازم عليه أن سيرده عنه أي: عن نفسه باللطف لا بالعنف القريبُ أي: أهل بلده والبعيدُ، أي: غيرهم، أو المراد بهما الأقارب والأجانب أي: الصديق والعدو وايمُ الله إن كنتُ (ق ٩٨٨) أي: قد كنت في أيام خلافتي لأقاتل الناس أي: خاصة وعامة عن نفسي أي: حتى لا يكون لأحد عليّ اعتراض في ديني وعرضي.\n* * *\n\n٩٧٩ - أخبرنا مالك، أخبرني مُخْبِرٌ، عن أبي الدرداء، قال: كان الناس ورقًا لا شوك فيه، وهو اليوم شوك لا ورق فيه، إن تركتهم لم يتركوك، وإن نقدتهم نقدوك.\n• أخبرنا مالك، أخبرني مُخْبِرٌ، عن أبي الدرداء، رضي الله تعالى عنه قال: كان الناس أي: الأولون المهاجرون والأنصار ورقًا أي: كورق لا شوك فيه، أي: لا ضرر في صحبتهم بل كان محض الخير في رؤيتهم وهو أي: الناس الموجودون اليوم أي: في هذا الزمان شوك أي: مشهورون بالشوك الذي في قربهم الضرر لا ورق فيه، أي: لا منفعة فيه صحبتهم ومع هذا إن تركتهم أي: في حالهم لم يتركوك، أي: في حالك وإن نقدتهم أي: تكلمت في حقهم بالحق نقدوك أي: تكلموا في حقك بالباطل.\nوالحاصل: أن الخلق يشغلونك عن العبادة بل يمنعوك منها بل يوقعونك في الشر والفساد وعلى ما قاله حاتم الأصم: طلبت من هذا الخلق خمسة أشياء: فلم أجد ما طلبت منهم الطاعة، والزهادة، فلم يفعلوا، فقلت: أعينوني عليها إن لم تفعلوا فلم يفعلوه، فقلت: أرضوا عني إن فعلت فلا تفعلوا، فقلت: لا تمنعوني عنها إذن فمنعوا، فقلت: لا تدعوني إلى طلب الدنيا وإلى ما لا يرضي المولى، ولا تعادون عليها إن لم أتابعكم فلم","vol":"4","page":349},{"text":"يفعلوا، فتركتهم واشتغلت بخاصة نفسي، وفي الخبر المشهور عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: بينا نحن حول رسول الله - ﷺ - أن ذكرت الفتنة فقال: \"إذا رأيتم الناس حرجت عهودهم وخفت أمانتهم، وكانوا هكذا\" وشبك بين أصابعهم، قلت: ما أصنع عند ذلك جعلني الله فداك، قال: \"الزم بيتك واملك عليك لسانك وخذ ما تعرف ودع ما تنكر وعليك بأمر الخاصة ودع أمر العامة\"، وقد قال الثوري: والله الذي لا إله إلا هو لقد حلَّت العزلة في هذا الزمان.\nقال الغزالي: إن حلَّت في زمانه ففي زماننا وجبت.\nوقال الثوري أيضًا: هذا زمان السكون ولزوم البيت والرضا بالقوت إلى أن يموت.\n* * *\n\n٩٨٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أنه سمع سعيد بن المسيَّب يقول: كان إبراهيم أول الناس؛ ضَيَّفَ الضيفَ، وأوَّل الناس اختتن، وأول الناس قصّ شاربه، وأول الناس رأى الشيب، قال: يا رب ما هذا؟ فقال الله ﷿ له: وَقَارٌ يا إبراهيم، قال: يا رب زدني وقارًا.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أنه سمع سعيد بن المسيَّب يقول: كان إبراهيم أول الناس؛ أي: سبقهم في أنه ضَيَّفَ الضيفَ، كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [الذاريات: ٢٤] ولعل المراد أنه أول من أكرم الضيف أو أنه لم يأكل من دون الضيف وأوَّل الناس اختتن، أي: بقدومه كما في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ يرفعه: \"اختتن إبراهيم ﵇ وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم\"، وروى ابن عدي والبيهقي عنه يرفعه: \"أول من اختتن إبراهيم ﵇ وهو ابن عشرين ومائة سنة ثم عاش بعد ذلك ثمانين سنة واختتن بالقدوم\" وأخرجه الحاكم والبيهقي وصححاه موقوفًا على أبي هريرة، والقدوم بفتح الكاف وضم الدال المهملة وسكون الواو والميم الحديد، آلة النجار لما جاء أنه اختتن به واشتد عليه الألم فدعى وبه أوحى الله إليه إنك عجلت قبل أن آمرك بالآلة، قال: يا رب كرهت أن أؤخر أمرك حين أمرتني وأول الناس قصّ (ق ٩٨٩) شاربه، كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى\n_________\n(٩٨٠) إسناده صحيح.","vol":"4","page":350},{"text":"إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤] فأدى حقه الكلمات المأمورات وقام بهن في أتم الحالات.\nقال طاوس عن ابن عباس: ابتلاه بعشرة أشياء هي: الفطرة خمس في الرأس، وأول الناس قص شاربه، وكذا المضمضة والاستنشاق، والسواك، وفرق الرأس، وخمس في الجسد، تقليم الأظافر، ونتف الإِبط، وحلق العانة، والختان، والاستنجاء بالماء، وأول الناس رأى الشيب، قال: يا رب ما هذا؟ أي: الشيب فقال الله ﷿ له: وَقَارٌ يا إبراهيم، قال: يا رب زدني وقارًا زاد البيهقي وابن عدي عن أبي هريرة يرفعه: \"وأول من قص الأظافير\".\n* * *\n\n٩٨١ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أنه سمع سعيد بن المسيَّب، يحدثه عن أنس أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"كأني أنظر إلى موسى يهبط من ثنيّة هرْشى، ماشيًا عليه ثوب أسود\".\n• أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أنه سمع سعيد بن المسيَّب، يحدثه عن أنس ﵁ أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"كأني أنظر إلى موسى يهبط أي: ينزل من ثنيّة هرْشى، أي: عقبتها وهي بين مكة والمدينة كما في (النهاية) ماشيًا كذا في الأصل لمحمد بن الحسن الشيباني لعله ملبيًا عليه ثوب أسود\" فيه جواز لبس السواد.\n* * *\n\n٩٨٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أنه سمع أنس بن مالك يقول: دعا رسول الله - ﷺ - الأنصار ليقطع لهم بالبَحْرين، فقالوا: لا والله، إلا\n_________\n(٩٨١) صحيح: أخرجه مسلم في الإِيمان (٢٦٩) وابن ماجه (٢٨٩١).\n(٩٨٢) صحيح: أخرجه البخاري (٣/ ١٥٠) (٤/ ٢١٥، ٣٨٧) ومسلم في الزكاة (١٣٩) والنسائي (٨/ ٢٢٥) والترمذي (٢١٩٠) وأحمد (١/ ١١٩، ٤٣٣) (٩/ ٦٠) والبيهقي (٦/ ١٤٥) (٨/ ١٥٩) (١٠/ ١٣١) والطبراني (١٠/ ١١٨) وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٤٦) والحميدي في مسنده (١١٩٥).","vol":"4","page":351},{"text":"أن تقطع لإِخوانِنا من قريش مثلها، مرتين أو ثلاثًا، فقال: \"إنكم سترون بعدي أثَرةً فاصبروا حتى تلقوني\".\n• أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أنه سمع أنس بن مالك يقول: دعا رسول الله - ﷺ - الأنصار ليقطع لهم أي: من إقطاع الأراضي بالبَحْرين، أي: وهو اسم بلد قريب بالبصرة فقالوا: لا والله، أي: لا نرضى عطيتنا إلا أن تقطع لإِخواننا من قريش أي: من المهاجرين مثلها، أي: نظير عطيتنا مرتين أو ثلاثًا، أي: ثلاث مرات فإن لهم علينا فضلًا وهذا من كمال علمهم وزهدهم كما أشار إليه قوله تعالى في سورة الحشر: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] فقال: أي: النبي - ﷺ - \"إنكم سترون بعدي أي: بعد موتي أثَرةً بفتحتين والمعنى أنه يتأثر عليكم فيفضل غيركم في نصيبه من الغنى أو في استحقاقه من مناصبه العلية كالإِمارة والإِمامة والقضاء والخطابة فاصبروا حتى تلقوني\" أي: يوم القيامة على حوضي كما في رواية.\nوحاصله أن أجركم على الله في العقبى بما تصبرون على ما تكرهون في الدنيا، والحديث رواه أحمد (١) والشيخان (٢) والترمذي (٣) والنسائي (٤) عن أسيد بن حضير وأحمد والشيخان عن أنس بلفظ: \"إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني غدًا على الحوض\".\n* * *\n\n٩٨٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أخبرني محمد بن إبراهيم التيمي، قال: سمعتُ علقمة بن وقاص يقول: سمعتُ عمر بن الخطاب يقول: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"إنما الأعمال بالنيّة، وإنما لامرئٍ ما نوى،\n_________\n(١) أحمد (١/ ١١٩، ٤٣٣).\n(٢) البخاري (٣/ ١٥٠) ومسلم (الزكاة / ١٣٩).\n(٣) الترمذي (٢١٩٠).\n(٤) النسائي (٨/ ٢٢٥).\n(٩٨٣) إسناده صحيح: أخرجه البخاري (١) وغيره.","vol":"4","page":352},{"text":"فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه\".\n• أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أخبرني محمد بن إبراهيم بن الحارث بن خالد التيمي، يكنى أبا عبد الله المدني ثقة له أفراد، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة عشرين ومائة على الصحيح كما قاله ابن حجر (١) قال: سمعتُ علقمة بن وقاص يقول: سمعتُ عمر بن الخطاب يقول: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"إنما الأعمال بالنيّة، وفي رواية: بالنيات، وفي رواية: بغير إنما، وفي أخرى: العمل بالنية أي: الأعمال المستقلة في العبادات لا تصح إلا مقرونة بالنيات والأعمال كلها لا تعتبر إلا بالنيات وإنما لامرئٍ مما نوى، أي: من الإِخلاص والرياء في الطاعات فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله أي: قصدًا (ق ٩٩٠) ومآبًا فهجرته إلى الله ورسوله، أي: عاقبة ومثابًا ومن كانت هجرته إلى دنيا أي: مصروفة إلى أغراض دنيوية يصيبها، أي: يريد أن ينتفع بها أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه\" أي: من قصد الدنيا وطلب النساء لا إلى الله ورسوله، والمعنى أنه لا ثواب في تلك الهجرة لعدم تصحيح النية، وعطف امرأة من باب التخصيص بعد التعميمات إشارة إلى أن النساء أضر ما في الدنيا من الأشياء، أو إيماء إلى سبب ورود الحديث.\nلما فرغ من بيان الأحاديث النوادر، شرع في بيان ما يتعلق بحكم وقوع الفأرة في السمن، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-466>باب الفأرة تقع في السمن</span>\nالفأرة تقع في السمن أي: ونحوه والفأرة بهمزة ساكنة ويجوز إبدالها ألفًا.\n٩٨٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عُبيد الله بن عبد الله بن\n_________\n(١) في التقريب (١/ ٤٦٥).\n(٩٨٤) صحيح: أخرجه البخاري (١/ ٦٨) والنسائي (٧/ ١٧٨) وأحمد (٦/ ٣٢٩، ٣٣٥) والدارمي (٢/ ١٠٩) وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٣٧٩).","vol":"4","page":353},{"text":"عتبة، عن عبد الله بن عباس: أن النبي - ﷺ - سُئِلَ عن فأرة وقعت في سمن فماتتْ، قال: \"خذوها، وما حولها من السمن فاطرحوه\".\nقال محمد: وبهذا نأخذ، إذا كان السمن جامدًا أُخِذَت الفأرةُ وما حولها من السمن فرمي به، وأُكِلَ ما سوى ذلك، وإن كان ذائبًا لم يُؤكل منه شيء، واسْتُصْبِحَ به، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عُبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أي: ابن مسعود الهزلي يكنى أبا عبد الله المدني ثقة فقيه ثبتًا، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة أربع وتسعين كذا في (تقريب التهذيب) عن عبد الله بن عباس: ﵄ عن خالته ميمونة زوج النبي - ﷺ - كذا في (الموطأ) لمالك برواية يحيى، فجود إسناده وأتقنه وتابعه جماعة كابن مهدي والشافعي وابن نافع وإسماعيل ورواه القعنبي وغيره بإسقاط ميمونة وأشهب، وغيره بترك ابن عباس وأبو مصعب ويحيى بن بكير بإسقاطهما.\nقال ابن عبد البر: والصواب رواية يحيى أن النبي - ﷺ - سُئِلَ عن فأرة والسائل ميمونة كما رواه الدارقطني وغيره من طريق يحيى القطان وجويرية كلاهما عن مالك بإسناده أن ميمونة رضي الله تعالى عنها استفتت رسول الله - ﷺ - عن الفأرة وقعت في سمن أي: جامدًا كما في رواية ابن مهدي عن مالك، وكذا ذكرها أبو داود الطيالسي في (مسنده) عن سفيان بن عيينة عن ابن شهاب، ورواه الحميدي والحفاظ من أصحاب ابن عيينة بدونها فماتتْ، قال: \"خذوها، أي: الفأرة وما حولها من السمن فاطرحوها\" زاد إسماعيل: وكلوا سمنكم أي: الباقي، وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة سئل رسول الله - ﷺ - عن الفأرة تقع في السمن قال: \"إن كان السمن جامدًا فألقوها وما حولها وإن كان مائعًا فلا تقربوها\" أخرجه أبو داود وغيره.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: إنما نعمل هنا بهذا الحديث إذا كان السمن جامدًا بين المهملة أي: جامدًا أُخِذَت الفأرةُ وما حولها من السمن فرمي به، أي: بما ذكر وأُكِلَ ما سوى ذلك، وإن كان أي: السمن ونحوه ذائبًا أي: مائعًا لم يُؤكل منه شيء، واسْتُصْبِحَ به، أي: واستعمل به للسراج ونحوه وهو أي: المذكور قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.","vol":"4","page":354},{"text":"لما فرغ من بيان ما يتعلق بحكم وقوع الفأرة في السمن وغيره من المائعات، شرع في بيان ما يتعلق بدباغة جلد الميتة، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-467>باب دباغ الميتة</span>\nدباغ الميتة أي: جلدها.\n٩٨٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، عن ابن وَعْلة المصري، عن عبد الله بن عباس، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا دُبغ الإهاب فقد طهر\".\n• أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، العدوي مولى عمر بن الخطاب ﵁، يكنى أبا عبد الله (ق ٩٩١) أو أبا أسامة المدني ثقة عالم كان يرسل، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة ست وثلاثين ومائة عن ابن وَعْلة بفتح الواو وسكون العين المهملة وفتح اللام المصري، اسمه عبد الرحمن بن وعلة النسائي، من أهل مصر تابعي ثقة صدوق، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، من أهل مصر، كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة، مات بعد المائة عن عبد الله بن عباس، ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا دُبغ الإهاب وهو بكسر الهمزة أي: جلد الميتة قبل الدباغة فقد طهر\".\n* * *\n\n٩٨٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا يزيد بن عبد الله بن قُسَيْط، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثَوْبَان، عن أُمِّه، عن عائشة زوج النبي - ﷺ -: أن رسول الله - ﷺ - أمر أن يُستمتع بجلود الميتة إذا دُبغت.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا يزيد بن عبد الله بن قُسَيْط، بضم القاف وفتح السين المهملة وسكون التحتية فطاء مهملة، وفي نسخة: يزيد بن عبد الله بالتحتية ابن أسامة الليثي،\n_________\n(٩٨٥) صحيح: أخرجه مسلم في الحيض (١٠٥) وأبو داود (٤١٢٣) والبيهقي في الكبرى (١/ ٢٠).\n(٩٨٦) إسناده ضعيف: فيه أم محمد بن عبد الرحمن مقبولة لا يعرف اسمها.","vol":"4","page":355},{"text":"يكنى أبا عبد الله المدني الأعرج ثقة، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة اثنين وعشرين ومائة وله تسعون سنة عن محمد بن عبد الرحمن بن ثَوْبَان، العامري عامر قريش المدني ثقة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة عن أُمِّه، وهي تابعية مقبولة لا يعرف اسمها عن عائشة زوج النبي - ﷺ -: أن رسول الله - ﷺ - أمر أن يُستمتع أي: ينتفع بجلود الميتة إذا دُبغت.\n* * *\n\n٩٨٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، قال: مَرَّ رسول الله - ﷺ - بشاة كان أعطاها مولاةٌ لميمونة زوج النبي - ﷺ - ميتة، فقال رسول الله - ﷺ -: \"هلا انتفعتم بجلدها\"، قالوا: يا رسول الله إنها ميتة، قال: \"إنما حُرِّمَ أكلها\".\nقال محمد: وبهذا نأخذ، إذا دبغ إهاب الميتة فقد طهر، وهو ذكاته، ولا بأس بالانتفاع به، ولا بأس ببيعه، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، أي: ابن عمر بن الخطاب قال: مَرَّ رسول الله - ﷺ - بشاة كان أعطاها مولاةٌ لميمونة زوج النبي - ﷺ - ميتة، أي: أمر بها حال كونها ميتة فقال رسول الله - ﷺ -: \"هلا انتفعتم أي: لم لا تنتفعوا انتفعوا بجلدها\"، قالوا: يا رسول الله إنها ميتة، قال: \"إنما حُرِّمَ أكلها\" وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال: تصدق على مولاة لميمونة بشاة فماتت فمر بها رسول الله - ﷺ - فقال: \"هلا أخذتم إهابها فدبغتموه وانتفعتم به\"، فقالوا: إنها ميتة، فقال: \"إنما حرم أكلها\".\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: نعمل بهذا الحديث إذا دبغ إهاب الميتة فقد طهر، وهو أي: دبغ إهابها ذاتها، أي: الإِهاب، وفي نسخة ذكاتها أي: تطهيرها وبمنزلة تذكيتها حيث يكون سببًا لتطهير جلدها ولو لم تؤكل ولا بأس بالانتفاع به، أي: بالجلد\n_________\n(٩٨٧) صحيح: أخرجه البخاري (٢/ ١٥٨) ومسلم في الحيض (١٠١) والنسائي (٧/ ١٧٢) والبيهقي (١/ ٢٣).","vol":"4","page":356},{"text":"فأمره - ﷺ - محمول على الإِباحة ولا بأس ببيعه، أي: الجلد وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا.\nلما فرغ من بيان حكم الدباغة جلد الميتة، شرع في بيان كسب الحجام، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-468>باب كسب الحجام</span>\nفي بيان حكم كسب الحجام.\n٩٨٨ - أخبرنا مالك، حدثنا حُميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: حَجم أبو طيبةَ رسول الله - ﷺ -؛ فأعطاه صاعًا من تمر، وأمر أهله أن يخفِّفوا من خراجه.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا بأس بأن يُعطى الحجام أجرًا على حجامته، وهو قولُ أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، حدثنا حُميد بالتصغير الطويل، يكنى أبا عبيدة البصري ثقة مدلس، وعابه زائدة لدخوله في شيء من أمر الأمراء، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل البصرة، كانت في الإِقليم الثالث من الأقاليم السبعة من وجه الأرض، مات سنة اثنين ويقال: ثلاث وأربعين، وهو قائم يصلي وله خمس وسبعون سنة كذا في (تقريب التهذيب) عن أنس بن (ق ٩٩٢) مالك، ﵁ قال: حَجم أي: أخذ الدم أبو طيبةَ بفتح الطاء المهملة والموحدة بينهما تحتية ساكنة، واسمه نافع على الصحيح، فعند أحمد والطبراني وابن السكن عن محيصة بن مسعود: \"أنه كان له غلام حجام يقال له: نافع أبو طيبة فانطلق إلى النبي - ﷺ - يسأله عن خراجه\" الحديث، وحكى ابن عبد البر: أن اسمه دينار ووهموه في ذلك لأن دينار الحجام تابعي يروي عن أبي طيبة لا أنه أبو طيبة كما جزم به الحاكم وأحمد رسول الله - ﷺ -؛ منصوب بنزع الخافض أي: أخذ أبو طيبة من رسول الله - ﷺ - دمًا فأعطاه صاعًا من تمر، ولابن السكن بسند ضعيف عن ابن عباس قال:\n_________\n(٩٨٨) صحيح: أخرجه العقيلي في الضعفاء (٢/ ١٦٣) وابن عدي في الكامل (٧/ ٢٤٨٨).","vol":"4","page":357},{"text":"كنا جلوسًا بباب رسول الله - ﷺ - فخرج علينا أبو طيبة بشيء يحمله في ثوبه، فقلنا له: ما معك؟ قال: حجمت رسول الله - ﷺ - فأعطاني أجري وأمر أهله أي: أهل أبو طيبة أن يخفِّفوا من خراجه بفتح الخاء المعجمة ما يقرره السيد على عبده أو يؤديه إليه كل يوم أو شهر أو نحو ذلك، وكان خراجه ثلاثة أصوع، فوضع عنه صاعًا كما رواه الطحاوي وغيره.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، لا بأس بأن يُعطى الحجام أجرًا على حجامته، بكسر الحاء المهملة وهو قولُ أبي حنيفة وفيه جواز الحجامة وأخذ الأجرة عليها، وحديث النهي عن كسب الحجام وهو \"كسب الحجام خبيث\" محمول على التنزيه.\nوفي الصحيح (١) عن ابن عباس ﵄ أنه قال: \"احتجم النبي - ﷺ - وأعطى الذي حجمه\" ولو كان حرامًا لم يعطه، والكراهة إنما هي للحجام لا للمستعمل لضرورته إلى الحجامة وعدم ضرورة الحجام، ولو تواطأ الناس على تركه لأضرّ بهم، وفيه استعمال الأجير من غير تسمية أجره وإعطاء قدرها وأكثر، يحتمل أن قدرها كان معلومًا فوقع العمل على العادات وأخرجه البخاري في البيع عن عبد الله بن يوسف.\n* * *\n\n٩٨٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، قال: المملوك ومالُه لسيده، لا يصلح للمملوك أن يُنفِق من ماله شيئًا بغير إذن سيده، إلا أن يأكل أو يكتسي أو ينفق بالمعروف.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، إلا أن يرخص له في الطعام الذي يوكَّل أن يُطْعِم منه، وفي عارية الدابة أو نحوها، فأما هبة درهم أو دينار، أو كسوة ثوب فلا، وهو قول أبي حنيفة.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، ﵄ أنه قال: المملوك ومالُه لسيده، لا يصلح للمملوك أن يُنفِق من ماله شيئًا بغير إذن سيده، إلا أن يأكل أي: من مال سيده أو مما في يده أو يكتسي وفي نسخة: أو يلبس أو ينفق أي: يصرف في ضرورياته بالمعروف فهو قيد للكل.\n_________\n(١) البخاري (١٩٩٧) ومسلم (١٢٠٢).\n(٩٨٩) إسناده صحيح.","vol":"4","page":358},{"text":"قال محمد: وبهذا نأخذ، أي: لا نعمل إلا بما رواه نافع عن ابن عمر وهو قولُ أبي حنيفة، ﵀ إلا أن يرخص له أي: للعبد في الطعام الذي يوكَّل أي: يهيأ لأكله أن يُطْعِم منه، بصيغة المجهول أي: فقير أو غيره؛ لأن له أن ينتقص في حق نفسه ويزيد في حق روحه وفي عارية الدابة أو نحوها، أو بما يعلم رضا سيده فأما هبة درهم أو دينار، أو كسوة ثوب فلا، أي: فلا يرخص له؛ لأن الغالب عدم رضا سيده به وهو قول أبي حنيفة ﵀.\n* * *\n\n٩٩٠ - أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: كانت لعمر بن الخطاب تسع صحاف يبعث بها إلى أزواج النبي - ﷺ -، إذا كانت؛ الطَّرْفة أو الفاكهة أو القسم وكان يبعث بآخرهن صحفةٌ إلى حفصة، فإن كان قلة أو نقصان كان بها.\n• أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم، العدوي مولى عمر، يكنى أبا عبد الله وأبا أمامة المدني ثقة عالم كان يرسل، وكان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات (ق ٩٩٣) سنة ست وثلاثين ومائة عن أبيه، أي: أسلم العدوي مولى عمر ثقة مخضرم، مات سنة ثمانين، وقيل: بعد سنة ستين وهو ابن أربعة عشر ومائة سنة كذا قاله الحافظ ابن حجر (١) قال: كانت لعمر بن الخطاب ﵁ تسع صحاف بكسر الصاد المهملة جمع صحفة وهي القصعة الواحدة منهن يبعث بها إلى أزواج النبي - ﷺ -، أي: بكل صحفة إلى واحدة منهن إذا كانت؛ أي: إذا وجدت الطَّرْفة بالضم أي: التحفة من المأكول والمشروب أو الفاكهة أو القسم أي: القسمة من اللحم وغيره وكان يبعث بآخرهن صحفةٌ إلى حفصة، أي: لأنها بنته فإن كان قلة أي: في الكمية أو نقصان أي: في الكيفية كان أي: ما ذكر بها أي: مبعوثًا في حصتها، والظاهر أنه كان يبعث بأولهن صحفة لعائشة لما كان يعرف من زيادة محبته ﵇ لها.\n* * *\n_________\n(٩٩٠) إسناده صحيح.\n(١) في التقريب (١/ ١٠٤).","vol":"4","page":359},{"text":"٩٩١ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أنه سمع سعيد بن المسيَّب يقول: وقعت الفتنة: يعني فتنةُ عثمان فلم يبق من أهل بدر أحدٌ، ثم وقعت فتنة الحَرَّة فلم يبق من أصحاب الحُدَيْبيَة أحدٌ، فإن وقعت الثالثة لم يبق بالناس طِباخ.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، بن قيس الأنصاري أنه لحممع سعيد بن المسيَّب يقول: وقعت الفتنة: أي: العظيمة يعني فتنةُ عثمان أي: ابن عفان وقد مر بيانها فلم يبق من أهل بدر أحدٌ، أي: انقرضوا ثم وقعت فتنة الحَرَّة وهي أرض ذات حجارة سوداء بالمدينة، وهي في زمان يزيد فلم يبق من أصحاب الحُدَيْبيَة أحدٌ، أي: بأن مات بعضهم وقتل بعضهم فإن وقعت الثالثة أي: من الفتن لم يبق وفي نسخة: لم يرتقع بالناس طِباخ بكسر أوله يقال: فلان لا طباخ له أي: لا عقل له ولا خير عنده، وفي الحديث: وإن وقعت الثالثة فلم يرتقع وفي الناس طباخ أي: لم يبق في الناس من الصحابة أحد كذا في (النهاية).\n* * *\n\n٩٩٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن رسول الله - ﷺ - قال: \"كُلّكم راعٍ، وكُلّكم مسئول عن رعيته، فالأميرُ الذي على الناس راعٍ عليهم وهو مسئول عنهم، والرجل راعٍ على أهله وهو مسئول عنهم، وامرأة الرجل راعية على مال زوجها وولدها وهي مسئولة عنهم، وعبدُ الرجل راعٍ على مال سيده وهو مسئول عنه، فكلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيّته\".\n• أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، ﵄ عن رسول الله\n_________\n(٩٩١) إسناده صحيح.\n(٩٩٢) صحيح، أخرجه البخاري (٢/ ٦) (٣/ ١٩٦) (٤/ ٦) (٧/ ٣٤، ٤١) (٩/ ٧٧) ومسلم (١٨٢٩) وأبو داود في الخراج ب (١) والترمذي (١٧٠٥٠) وأحمد في المسند (٣/ ٥، ٥٤، ١١١، ١٢١) والبيهقي في الكبرى (٦/ ٢٨٧) (٧/ ٢٩١) (٨/ ١٦٠) والخطيب في تاريخه (٤/ ٢٢٨) (٥/ ٢٧٦) (١١/ ٤٠٢) والعقيلي في الضعفاء (١/ ٤٩) وابن عدي في الكامل (١/ ٢٦٤).","vol":"4","page":360},{"text":"- ﷺ - قال: \"كُلّكم راعٍ، أي: لرعيته وجماعته وكُلّكم مسئول أي: يوم القيامة عن رعيته، أي: عما وقع له في حقهم من العدل والظلم، فالأميرُ الذي على الناس أي: كلهم أو بعضهم راعٍ عليهم وهو مسئول عنهم، والرجل راعٍ على أهله، وهو مسئول عنهم، وامرأة الرجل راعيةً على مال زوجها وولدها، وهي مسئولة عنهم، أي: عن مال زوجها هل أنفقت في محله أو غير محلة وعبدُ الرجل راعٍ على مال سيده، وهو مسئول عنه، وهذا تأكيد لما قبله مجملًا ومنفصلًا في صورة النتيجة، ولا يبعد أن يقال: والرجل وحده مسئول عن رعيته في أعضائه وهي السمع والبصر والرجل واللسان والأذن ونحو ذلك كما يشير إليه قوله في سورة بني إسرائيل: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] والحديث رواه أحمد (١) والشيخان (٢) وأبو داود (٣) والترمذي (٤) عن ابن عمر بلفظ: \"كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها، وهي مسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده، وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع في مال الله، وهو مسئول عن رعيته، فكلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيّته\".\n* * *\n\n٩٩٣ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن الغادر يوم القيامة يُنصب له لِواء، فيُقال: هذه غُدْرة فلان\".\n• أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن الغادر أي: الناقض لعهده (ق ٩٩٤) المخلف لوعده وأصل الغدر ضد الوفاء\n_________\n(١) أحمد (٣/ ٥، ٥٤).\n(٢) البخاري (٢/ ٦) (٣/ ١٩٦) ومسلم (١٨٢٩).\n(٣) أبو داود الخراج (ب) (١).\n(٤) الترمذي (١٧٠٥).\n(٩٩٣) حديث صحيح: أخرجه البخاري (٨/ ٥١) ومسلم في الجهاد (١٠) وأبو داود (٢٧٥٦) والترمذي (١٥٨١) وأحمد (٢/ ٤٨) والبيهقي في الكبرى (٨/ ١٥٩) (٩/ ٢٣٠).","vol":"4","page":361},{"text":"يوم القيامة يُنصب بصيغة المجهول له لواء، أي: يرفع له علم علامة على سوء عمله فيُقال: أي: باللسان أو المقال على رؤوس الخلائق هذه أي: العلامة غُدْرة فلان\" أي: يدل على سوء عمله وفي رواية: غدرة فلان ابن فلان، رواه مالك والشيخان وأبو داود والترمذي عن ابن عمر ﵄.\n* * *\n\n٩٩٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"الخيلُ في نواصيها الخير إلى يوم القيامة\".\n• أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"الخيلُ في نواصيها أي: ثابت في رأس الفرس وضمير المؤنث باعتبار الجمع، أو أنه اسم الجنس بمعنى الفرسان الخير إلى يوم القيامة\".\n* * *\n\n٩٩٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، أنه رآه يبول قائمًا.\nقال محمد: لا بأس بذلك، والبول جالسًا أفضل.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، ﵄ أنه أي: ابن دينار رآه أي: ابن عمر يبول قائمًا أي: إما لعذر أو لعدم وصول النهي عنه إليه، أو عملًا بالرخصة حملًا للنهي على التنزيه.\nقال محمد: لا بأس بذلك، والبول جالسًا أفضل أقول: ربما يجب إذا كان يخاف أن يرجع عليه وسائر البول كذا قاله علي القاري.\n* * *\n_________\n(٩٩٤) حديث صحيح، أخرجه البخاري (٤/ ٢٥٢) ومسلم في الإِمارة (٩٦) والترمذي (١٦٩٤) والنسائي في الخيل (ب) (٧) وابن ماجه (٢٧٨٧) (٢٧٨٨) وأحمد (٢/ ٢٨) والبيهقي في الكبرى (٤/ ٨١) (٦/ ٣٢٩) والطبراني (٨/ ٣٠٦) والخطيب في تاريخه (١٢/ ٣٩٩).\n(٩٩٥) إسناده صحيح.","vol":"4","page":362},{"text":"٩٩٦ - أخبرنا مالك، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فما نهيتكم عنه فاجتنبوه\".\n• أخبرنا مالك، عن أبي الزِّناد، هو عبد الله بن ذكوان القرشي المدني، ثقة فقيه، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين المحدثين، من أهل المدينة، مات سنة ثلاثين ومائة عن الأعرج، اسمه عبد الرحمن بن هرمز، ويكنى أبا داود المزني مولى ربيعة بن الحارث ثقة ثبت عالم، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة سبع عشرة ومائة، كذا قاله ابن حجر عن أبي هريرة: ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"ذروني أي: اتركوني بحالي من غير كثرة سؤالي ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم أي: من اليهود والنصارى بسؤالهم أي: بكثرة سؤالهم كما في رواية واختلافهم على أنبيائهم، كما في قصة البقرة ونحوها فما نهيتكم عنه فاجتنبوه\" والحديث رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه، والحديث رواه أحمد ومسلم والنسائي عن أبي هريرة بلفظ: \"ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤاله واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيء منه فأتوا منهم ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه\".\n* * *\n\n٩٩٧ - أخبرنا مالك، حدثنا أبو الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"رأيتُ ابن أبي قُحَافة نزع ذَنُوبًا أو ذنوبين وفي نَزْعه ضعف، والله يغفر له، ثم قام عمر بن الخطاب، فاستحالَتْ غَرْبًا، فلم أرَ عَبْقَرِيّا من الناس ينزع نَزْعَهُ، حتى ضرب الناس بِعَطَن\".\n• أخبرنا مالك، حدثنا أبو الزِّناد، عن الأعرج، وقد مر ترجمته آنفًا عن أبي هريرة، ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - أي: على طريق المعجزة بالإِخبار عن الغيب\n_________\n(٩٩٦) إسناده صحيح: أخرجه مسلم في الفضائل ب (٣٧) رقم (١٣١) والنسائي في الحج (١) وابن ماجه (٢) وأحمد في المسند (٢/ ٣١٣، ٤٨٢، ٤٩٥، ٥١٧) والبيهقي (١/ ٤٨٨) (٤/ ٢٥٣ - ٣٢٦) (٧/ ١٠٣).\n(٩٩٧) إسناده صحيح: أخرجه مسلم في فضائل الصحابة (ب ٢) رقم (١٧).","vol":"4","page":363},{"text":"\"رأيتُ على علمت بالكشف والإِلهام أو رأيت في المنام ابن أبي قُحَافة وهو أبو بكر الصديق نزع ذَنُوبًا بفتح الذال المعجمة وضم النون وسكون الواو ثم الموحدة هو دلو كبير إلى أن يملأ أي: أخرج أبو بكر الصديق من البئر دلوًا كبيرًا وجد فيه ماء كثير أو ذنوبين شك من الراوي وكلمة \"أو\" بمعنى بل وهو الظاهر وفي نَزْعه ضعف، أي: كمية أو كيفية، والمعنى أنه صدر عنه بتعب شديد والله يغفر له\"، أي: يتجاوز عنه إذ لم يصدر تقصير منه فهو نظير قوله تعالى في سورة التوبة (ق ٩٩٥): ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ [التوبة: ٤٣] أو يغفر له أن صدر عنه تقصير فرضًا وتقديرًا ويغفر له سبب هذه الخدمة ما سبق عنه من تقصيره في الطاعة ثم قام عمر بن الخطاب، فاستحالَتْ غَرْبًا، بفتح العين المعجمة وسكون الراء والموحدة أي: دلوًا عظيمًا كذا في (صحاح الجوهري) أي: انقلبت الذنوب إلى دلو كبير يسع ماء كثيرًا فلم أرَ عَبْقَرِيّا أي: رجلًا قويًا وهو بفتح العين المهملة والقاف بينهما موحدة ساكنة وبعد القاف راء مهملة وتحتية مشددة موضع الجن والعرب إذا رأوا رجلًا قويًا ويتعجبون من صنعته وقوته ينسبونه إليه فإن عمر بن الخطاب كان رجلًا قويًا فتعجب - ﷺ - من شدة قوته وشبهه إليه فقال: \"فلم أر عبقريًا\" أي: شديدًا قويًا من الناس ينزع أي: حال كونهم ينزعون نَزْعَهُ، أي: كنزعه حتى ضرب الناس بِعَطَن\" بفتحتين أي: كف نزعه لجميع الناس من جهة شربهم وكناية عن قلة مدة خلافة أبي بكر الصديق وضعف حال المسلمين وتزلزل حال المرتدين وكثرة مدة خلافة عمر بن الخطاب ﵁ وقوته وصلابته ووصول أثره شرقًا وغربًا، ومدة خلافة أبي بكر ﵁ سنتان، ومدة خلافة عمر ﵁ عشر سنين، ومدة خلافة عثمان ﵁ اثنا عشرة سنة، ومدة خلافة علي ﵁ ست سنين كما أشبعناهم في شرح (بركات الأبرار).\nلما ذكر ما يتعلق بأحكام الكسب في الحجامة، ذكر ما يتعلق بتفسير القرآن، فقال: هذا\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-469>باب التفسير</span>\nالتفسير أي: في بيان تفسير بعض الآيات القرآنية، والتفسير في الأصل هو الكشف والإِظهار، وفي الشرع: توضيح الآية وشأنها وقصتها والسبب الذي نزلت فيه بلفظ يدل","vol":"4","page":364},{"text":"عليه دلالة ظاهرة كذا قاله السيد الشريف محمد الجرجاني، وإذا علمت التفسير ما في الأصل والشرع لزم عليك معرفة التأويل، وهو في الأصل: الترجيع، وفي الشرع: صرفه الآية في معناه الظاهر إلى معنى يحتمل، وإذا كان المحتمل الذي يراه موافقًا بالكتاب والسنة مثالهما ما يقال في قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ [الأنعام: ٩٥] إن أراد منه إخراج الطير من البيضة كان تفسير، وإن أراد إخراج المؤمن من الكافر أو العالم من الجاهل كان تأويلًا، والأول يحتاج إلى السماع من الثقات لتعلقه بالرواية لئلا يقع في ورطة الهلاك.\nيقول النبي - ﷺ -: \"من فسر القرآن برأيه فقد كفر\"، وفي رواية: \"من فسر القرآن برأيه وأصاب فقد أخطأ\" فيحمل الأول على من فسر ولم يصب، وفي رواية أخرى: \"من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار\" أخرجه الإِمام أحمد في مسنده، ولقول أبي بكر الصديق ﵁ حين سئل عن معنى الأَبّ في قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٣١]: لا أدري ما الأب فقيل له: قل من ذات نفسك، فقال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في القرآن بما لا أعلم، فالسماع شرط على من يفسره (ق ٩٩٦) ولو كان واقفًا على أحوال التنزيل ووجوه اللغة والإِعراب كذا في (عيون التفاسير).\nوقال الليث ﵀ في تفسيره: إذا لم يعلم الرجل وجوه اللغة وأحوال التنزيل فتعلم التفسير وتكلف حفظه فلا بأس بأن يفسره كما سمع، ويكون ذلك على سبيل الحكاية ففيه إشارة إلى جواز نقل المسموع من التفسير إلى الغير من غير تبديل المعنى.\n٩٩٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا داود بن الحُصين، عن ابن يُربوع المخزوميّ، أنه سمع زيد بن ثابت يقول: الصلاة الوُسطى صلاة الظهر.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا داود بن الحُصين، الأموي مولاهم يكنى أبا سليمان المدني، ثقة إلا في عكرمة ورمي برأي الخوارج لكن لم يكن داعية، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة عن ابن يُربوع المخزوميّ، كان اسمه سعد بن يربوع بن منكثة بن عامر بن مخزوم، قال النسائي وغيره:\n_________\n(٩٩٨) إسناده صحيح.","vol":"4","page":365},{"text":"له صحبة، وقال الزبير وغيره: أسلم يوم الفتح، وقيل قبله، يكنى أبا هود وشهد حنينًا، وأعطى من غنائمها.\nوروى البخاري في تاريخه من طريق يحيى بن سعد الأنصاري قال: أصيب سعد بن يربوع ببصره فعاده عمر بن الخطاب كذا في (الإِصابة) أنه سمع زيد بن ثابت ﵁ يقول: الصلاة الوُسطى صلاة الظهر أي: لأنها صلاتي النهار، وهو مختار زيد بن ثابت وأبي سعيد الخدري وفي (تفسير البغوي) بإسناده عن زيد بن ثابت قال: كان رسول الله - ﷺ -: يصلي الظهر بالهاجرة أي: في نصف النهار عند اشتداد الحر، ولم يصل صلاة أشد على أصحابي رسول الله - ﷺ - منها فنزل في سورة البقرة قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨].\n* * *\n\n٩٩٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، عن عمرو بن رافع أنه قال: كنتُ أكتبُ مصحفًا لحفصة زوج النبي - ﷺ - فقالت: إذا بلغتَ هذه الآية فآذني، فلما بلغتها آذنتها فقالت: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى، وصلاة العصر، وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، العدوي مولى عمر بن الخطاب يكنى أبا عبد الله وأبا أسامة المدني ثقة عالم، كان في الطبقة الثانية من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة ست وثلاثين عن عمرو بن رافع العدوي مولاهم مقبول كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين، مات سنة بعد المائة أنه قال: كنتُ أكتبُ مصحفًا لحفصة أي: بنت عمر بن الخطاب زوج النبي - ﷺ - أي: من جمع الشيخين قالت: إذا بلغت هذه الآية أي: الآية فيها الصلاة الوسطى فآذني، بمد الهمزة وكسر الذال المعجمة وتخفيف النون أو بسكون الهمزة وفتح الذال أي: أعلمني فلما بلغتها أي: الآية آذنتها أي: حفصة فقالت: أفقرأت أو فقالت: اكتب هكذا ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، وصلاة العصر، ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ أي: خاشعين.\n* * *\n_________\n(٩٩٩) إسناده صحيح: فيه عمرو بن رافع مقبول.","vol":"4","page":366},{"text":"١٠٠٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، عن القَعْقَاع بن حكيم، عن أبي موسى مولى عائشة، قال: أمرتني أمي عائشة ﵂، أن أكتب لها مصحفًا، قالت: إذا بلغت الآية فآذني: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين، فإني سمعتها من رسول الله - ﷺ -.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، عن القَعْقَاع بن الحكيم، وفي نسخة: ابن حكيم بغير الألف واللام أي: الحكيم الكتابي المدني ثقة، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات بعد المائة عن أبي موسى مولى عائشة، ﵂ ثقة، كان في الطبقة الثالثة مات بعد المائة قال: أمرتني أي: عائشة أن أكتب لها مصحفًا، قالت: إذا بلغت (ق ٩٩٧) هذه الآية فآذني: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، فلما بلغت آذنتها وأملت علي قرأت ولقنت لي ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، وصلاة العصر، ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ وفي نسخة: فإني سمعتها من رسول الله - ﷺ - أي: هكذا وكانت الواو في صلاة العصر عطف على قوليهما وسيأتي ما يدل عليه من حديث، فهذا وما قبله يوافق قول الجمهور منهم على وعبد الله بن مسعود وأبي أيوب وأبو هريرة وعائشة وحفصة ﵃، وبه قال إبراهيم النخعي وقتادة وحسن البصري وأبو حنيفة رحمهم الله تعالى أن المراد بالصلاة الوسطى صلاة العصر.\nوأخرج أبو نعيم عن سفيان عن عاصم بن أبي النجود عن زيد بن حبيش قال: قلنا لعبيدة: سل عليّا عن الصلاة الوسطى فقال: كذا نوى أنها صلاة الفجر حتى سمعت رسول الله - ﷺ - يقول يوم الخندق: \"شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارًا\"، وذهب قوم إلى أنها صلاة الفجر، وهو قول عمر وابن عمر وابن عباس ومعاذ وجابر وبه قال عطاء وعكرمة ومجاهد، وإليه ذهب مالك والشافعي؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ والقنوت طول القيام، وصلاة الصبح مخصوصة بطول القيام وبالقنوت؛ ولأن الله تعالى خصها في آية أخرى من بين الصلوات فقال: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] يعني: تشهدها ملائكة الليل والنهار، فهي مكتوبة في ديوان الليل وديوان النهار، وقيل: هي صلاة المغرب؛ لأنها وسط ليس\n_________\n(١٠٠٠) إسناده صحيح.","vol":"4","page":367},{"text":"بأقلها ولا أكثرها وقيل: صلاة العشاء، وقيل: هي إحدى الصلوات الخمس لا يعنيها أبهمهما الله تعالى تحريضًا للعباد على محافظة أداء جميعها كما أخفى ليلة القدر وساعة إجابة في يوم الجمعة، واسمه الأعظم والله أعلم، وهذا قول سعيد بن المسيب وشريح القاضي ونافع مولى ابن عمر وغيرهم، واختاره إمام الحرمين في (النهاية) وقيل: صلاة الجماعة، وقيل: صلاة الجمعة، وقيل: صلاة العيد، وقيل: الضحى، وقيل: الوتر.\n* * *\n\n١٠٠١ - أخبرنا مالك، أخبرنا عمارة بن صياد، أنه سمع سعيد بن المسيَّب يقول في الباقيات الصالحات، قول العبد: الله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا عمارة بن صياد، فنسب لجده لشهرته به واسم أبيه أكيمة بضم الهمزة وفتح الكاف وسكون التحتية، وفتح الميم ثم الهاء مصغرًا أكيمة، وهو الذي ولد من أمة عمر، يكنى أبا الوليد الليثي المدني ثقة، كان في الطبقة الثالثة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة إحدى ومائة وله تسع وسبعون سنة أنه سمع سعيد بن المسيَّب يقول في الباقيات الصالحات، أي: في تفسير قوله تعالى في سورة الكهف: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: ٤٦] أي: رجاء وما يقول العبد أي: هو قول العبد: المؤمن الله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وهو قول ابن عباس ﵄ وعكرمة ومجاهد، وقد أورد البغوي بسنده عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"استكثروا من الباقيات الصالحات\" (ق ٩٩٨)، قيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: \"المسألة\". وما هي يا رسول الله، قال: \"التكبير والتهليل والتسبيح والحمد ولا حول ولا قوة إلا بالله\". عن سعيد بن جبير ومسروق وإبراهيم النخعي: الباقيات الصالحات: هي الصلوات الخمس، ويروى هذا أيضًا عن ابن عباس ﵄، وعنه في رواية أخرى: أنها الأعمال الصالحة، وهي قول قتادة وهذا أجمع وأتم والله أعلم.\n* * *\n_________\n(١٠٠١) إسناده صحيح.","vol":"4","page":368},{"text":"١٠٠٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، وسُئل عن المحصنات من النساء، فقال: سمعتُ سعيد بن المسيَّب يقول: هن ذوات الأزواج، ويرجع ذلك إلى أن الله حرَّم الزنا.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، أي: الزهري وسُئل أي: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري الفقيه ثقة، كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، عن المحصنات من النساء، أي: عن تفسيرها فقال: أي: ابن شهاب إلى أن حرم الله الزنى أي: لأن المحصنات عطف على المحرمات في قوله تعالى في سورة النساء ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] والمعنى لا يحل للغير نكاحهن قبل مفارقة الأزواج.\nقال أبو سعيد الخدري: نزلت في نساء كن يهاجرن إلى رسول الله - ﷺ - ولهم أزواج فيتزوجهن بعض المسلمين ثم يقدم أزواجهن مهاجرين، فنهى الله تعالى المسلمين عن نكاحهن ثم استثنى إلا ما ملكت أيمانكم، يعنى: السبايا اللواتي سبين ولهم أزواج في دار الحرب فيحل لمالكهن وطئهن بعد الاستبراء؛ لأن بالسبي وتباين الدارين يرتفع النكاح بينهما.\n* * *\n\n١٠٠٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حَزم، أن أباه أخبره، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة زوج النبي - ﷺ -، أنها قالت: ما رأيتُ مثل ما رَغِبَتْ هذه الأمة عنه، من هذه الآية: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حَزم، الأنصاري المدني، يكنى أبا عبد الله الملك القاضي ثقة كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين والمحدثين من\n_________\n(١٠٠٢) إسناده صحيح.\n(١٠٠٣) إسناده صحيح.","vol":"4","page":369},{"text":"أهل المدينة، مات سنة اثنين وثلاثين ومائة أن أباه أي: أبا بكر محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني ثقة، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة عشرين ومائة أخبره، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة ﵂ زوج النبي - ﷺ -، أنها قالت: ما رأيتُ أي: شيئًا مكروهًا مثل ما رَغِبَتْ هذه الأمة عنه، من هذه الآية: والمعنى أنهم تركوا القيام بها والعمل بمقتضاها وتهاونوا في أمرها، وهذه الآية في سورة الحجرات ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ﴾ نزلت حين ركب رسول الله - ﷺ - حمارًا وأتى إلى الأنصار ليكلمهم في أمر من أمور الدنيا، فكلمهم فبال الحمار، فقال عبد الله بن أبي المنافق: إليك عني فقد آذاني نتن حمارك فقال بعض الأنصار وهو ابن رواحة: والله لبول حمار النبي - ﷺ - أطيب ريحًا منك، فاقتتل قوم ابن رواحة، وهم الأوس وقوم عبد الله بن أبي وهم الخزرج بالأيدي والنعال وأغصان النخل فقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ﴾ أي: اقتتل طائفتان ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ حذف الفعل من أن الشرطية بدلالة ﴿اقْتَتَلُوا﴾ عليه وجمع نظر إلى المعنى؛ لأن كل طائفة جماعة وثنى في قوله: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ نظرًا إلى اللفظ، فكره بعضهم الصلح فنزلت ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا﴾ أي: ظلمت إحدى الطائفتين واستطالت ﴿عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا﴾ أي: الطائفة ﴿الَّتِي تَبْغِي﴾ أي: تظلم ﴿حَتَّى تَفِيءَ﴾ أي: ترجع (ق ٩٩٩) ﴿إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ أي: إلى الصلح ﴿فَإِنْ فَاءَتْ﴾ أي: رجعت عن البغي ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ بالعدل أي: بالإِنصاف في الحكم بين الفريقين ولا تميلوا عن الحق، فإنما قرن العدل بالإِصلاح الثاني دون الأول؛ لأن العدل في ضمن الجنايات والمتلفات لا في سلب الضغائن، فالمراد بالأول إصلاح ذات البين من الاقتتال وتسكين الحقد والغضب ونفي الشبهة فقط، إلا إذا أصرتا فحينئذ تجب المقاتلة، ولا يتجه الضمان، والمراد بالثاني هو الإِصلاح من البغي والتعدي، فالضمان يتجه فيه بطريق العدل كذا في (عيون التفاسير).\nوروى أن عليًا ﵁ سئل، وهو القدوة في قتال أهل البغي عن أهل الجمل وصفين أمشركون هم فقال: لا من الشرك فروا، فقيل: أمنافقون هم؟ فقال: لا؛ لأن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلًا، قيل: مما حالهم قال: إخواننا بغوا علينا، والباغي هو الخارج على إمام العدل.\n* * *","vol":"4","page":370},{"text":"١٠٠٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيَّب، في قول الله ﷿: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾، قال: سمعته يقول: إنها قد نُسِخت بالآية التي بعدها، ثم قرأ: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، لا بأس بتزويج المرأة وإن كانت قد فجرت، وإن تزوجها من لم يفجر.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أي: ابن قيس الأنصاري المدني يكنى أبا سعيد القاضي ثقة ثبت، كان في الطبقة الخامسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة أربع وأربعين ومائة عن سعيد بن المسيَّب، في قول الله عز أي: غلب في حكمه وجل: أي: ظهر على خلقه في سورة النور: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ أي: غالبًا، نزلت حين استأذن أصحاب الصفة رسول الله - ﷺ - أن ينكحوا الزواني في المدينة، وكانت لهن علامات يعرفن بها وكن أكثرهم أهل المدينة خيرًا، والمدينة غالية السعر، وقد أصابهم الجهد والفاقة، وقالوا: إذا جاء الله بالخير نطلقهن وننكح المسلمات، فمنعهم الله عن ذلك بهذه الآية، ومعناها: أن الزاني لا يرغب في نكاح الصالحات من النساء، وإنما يرغب فاسقة زانية من شكله، ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾، أي: وكذا لا يرغب في نكاحها الصالح من الرجال وينفر عنها، وإنما يرغب فيها من هو شكلها من الفسقة أو المشركين؛ لأن الخبيثات للخبيثين وظاهره أنه إخبار عما يقع كثيرًا.\nوقيل: مبناه خبر ومعناه نهي ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ﴾ [النور: ٣] أي: نكاح الزانية ورغبته فيها على المؤمنين أي: الممدوحين عند الله لما فيه التشبه بالفساق، وحضور موضع التهمة والغيبة قيل: كان التحريم في أول الإِسلام ثم نسخ كما قال: أي: يحيى بن سعيد سمعته أي: سعيد بن المسيب حال كونه يقول: إنها أي: القصة قد نُسِخت بالآية التي بعدها، ثم قرأ: أي: مبينًا لها ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ أي: زوجوا من لا زوج له من الرجال والنساء بكرًا كان أو ثيبًا، وهو جمع أيم وأصلها أيايم فقلبت قلبًا مكانيًا فصار\n_________\n(١٠٠٤) إسناده صحيح.","vol":"4","page":371},{"text":"أيامن، وهو أمر ندب لقوله - ﷺ -: \"من أحب فطرتي فليستن بسنتي وهي النكاح\" ﴿وَالصَّالِحِينَ﴾ أي: وأنكحوا الصالحين ﴿مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ أي: ومن كان فيه صلاح من غلمانكم وجواريكم وهو قيام بحقوق النكاح وإنما خص الصالحين بالإِنكاح ليحصن دينهم به ويحفظ عليهم صلاحهم.\nقال محمد: وبهذا نأخذ، أي: إنما نعمل هنا بقول سعيد بن المسيب وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا، لا بأس بتزويج المرأة وإن كانت قد فجرت، أي: زنت وإن تزوجها من لم يفجر بها كذا في نسخة أي: لم يزن بها أو بغيرها، وكذا من فجر بها أو بغيرها.\n* * *\n\n١٠٠٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، أنه كان يقول: في قول الله ﷿: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾، قال: أن تقول للمرأة وهي في عدّتها من وفاة زوجها: إنك عليَّ كريمة وإني فيك لراغب، وإن الله سائقٌ إليك رزقًا، ونحو هذا من القول.\n• أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم، بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي، يكنى أبا محمد المدني ثقة جليل، قال ابن عيينة: كان أفضل أهل زمانه، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين والمحدثين من أهل المدينة، مات سنة ست وعشرين ومائة عن أبيه، أي: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي المدني، ثقة أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، قال أيوب: ما رأيت أفضل منه في زمانه، كان في الطبقة الثالثة من طبقات كبار التابعين من أهل المدينة، مات سنة ست ومائة على الصحيح كذا قاله ابن حجر (١) أنه كان يقول: في قول الله عز أي: غلب في حكمه وجل: أي: كثر في أمره في سورة البقرة: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ﴾ أي: لا حرج ولا بأس عليكم في الكلام الذي تعرضوا\n_________\n(١٠٠٥) إسناده صحيح.\n(١) في التقريب (١/ ٤٥١).","vol":"4","page":372},{"text":"به للمرأة المتوفى عنها زوجها أي: تلوحونه وتشيرونه إليها ﴿مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ أي: من طلب نكاحها بالتخاطب في العدة بأن تقولوا من غير تصريح إرادة النكاح: إنك لجميلة، أو إنك لتعجبيني، أو إنك موافقة لي ونحو ذلك من الكلام الموهم لإِرادة نكاحها حتى تحبس نفسها على القائل به فهذا هو التعريض والجار والمجرور في محل النصب على الحال العامل عرضتم ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ﴾ أي: فيما أضمرتموه ﴿فِي أَنْفُسِكُمْ﴾، أي: في قلوبكم فلم تقولوا بألسنتكم لا بالتصريح ولا بالتعريض قال: أي: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق في بيان التعريض أن تقول أي: أيها المخاطب في الكلام التعريض للمرأة وهي في عدّتها من وفاة زوجها: أي: أو طلاقها إنك بكسر الكاف عليَّ كريمة أي: مكرمة وإني فيك لراغب، أي: مائل وإن الله سائقٌ إليك رزقًا، أي: واسعًا طيبًا ونحو هذا من القول أي: التعريض دون التصريح من يجد مثلك وإنك لصالحة وأن من غرض أن أتزوج من غير أن يقول لها: أنكحيني أو تزوجيني وأمثال ذلك.\n* * *\n\n١٠٠٦ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن ابن عمر، قال: دُلُوك الشمس: مَيْلها.\n• أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن ابن عمر، ﵁ قال: معنى الدلوك في قوله تعالى في سورة بني إسرائيل: دُلُوك الشمس: مَيْلها أي: زوالها بعد كمالها أو زوالها في وسط السماء إلى جانب المغرب.\n* * *\n\n١٠٠٧ - أخبرنا مالك، حدثنا داود بن الحُصين، عن ابن عباس، قال: كان يقول: دُلُوك الشمس: مَيْلها، وغَسق الليل: اجتماع الليل وظلمته.\nقال محمد: هذا قول ابن عمر وابن عباس، وقال عبد الله بن مسعود: دلوكها غروبها، وكلٌّ حَسَن.\n_________\n(١٠٠٦) إسناده صحيح.\n(١٠٠٧) إسناده صحيح.","vol":"4","page":373},{"text":"• أخبرنا مالك، حدثنا داود بن الحُصين، الأموي مولاهم، يكنى أبا سليمان المدني، ثقة إلا في عكرمة ورمى برأي الخوارج ولم يكن داعية ووثقه ابن معين والنسائي والعجلي وكفى رواية مالك عنه توثيقًا، كان في الطبقة السادسة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة خمس وثلاثين ومائة عن ابن عباس، (ق ١٠٠١) ﵄ قال: أي: داود بن الحصين كان أي: ابن عباس يقول: دُلُوك الشمس: مَيْلها، وغَسق الليل: اجتماع الليل وظلمته.\nقال محمد: هذا أي: المعنى قول ابن عمر وابن عباس، وكذا قال جابر وعطاء وقتادة ومجاهد والحسن البصري وأكثر التابعين، وقال عبد الله بن مسعود: ﵄ دلوكها غروبها، وكلٌّ حَسَن.\n* * *\n\n١٠٠٨ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن دينار، أن عبد الله بن عمر أخبره، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إنما أجَلُكم فيما خلا من الأمم، كما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس، وإنما مَثَلكم ومَثَل اليهود والنصارى: كرجل استعمل عاملًا، فقال: من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراطٍ قيراط؟ قال: فعملت اليهود، ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط؟ فعملت النصارى على قيراط قيراط، ثم قال: من يعمل لي من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين، ألا فأنتم الذين يُعملون من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين\"، قال: فغضبت اليهود والنصارى، وقالوا: نحن أكثر عملًا وأقل عطاءً، قال: \"هل ظلمتُكم من حقكم شيئًا؟ \"، قالوا: لا، قال: \"فإنه فضلي أوتيه من أشاء\".\nقال محمد: هذا الحديث يدل على أن تأخير العصر أفضل من تعجيلها،\n_________\n(١٠٠٨) إسناده صحيح: أخرجه البخاري (٤/ ٢٠٧) (٦/ ٢٣٥) وأبو داود في السنة ب (٣٠) والترمذي (٢٨٧١) والنسائي في المحاربة (ب ٢٦) والطبراني في الكبير (١٢/ ٣٣٨).","vol":"4","page":374},{"text":"ألا ترى أنه جعل ما بين الظهر والعصر أكثر ما بين العصر والمغرب في هذا الحديث، ومن عجّل العصر كان ما بين الظهر إلى العصر أقل مما بين العصر إلى المغرب، فهذا الحديث يدل على تأخير العصر، وتأخير العصر أفضل من تعجيلها، ما دامت الشمس بيضاءَ نقية لم تُخالطها صُفرة، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا رحمهم الله تعالى.\n• أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن دينار، العدوي مولاهم، يكنى أبا عبد الرحمن المدني مولى ابن عمر، ثقة كان في الطبقة الرابعة من طبقات التابعين من أهل المدينة، مات سنة سبع وعشرين ومائة ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] جامعة لمواقيت الصلوات الخمس، كأنها في دلوك الشمس تناول صلاة الظهر والعصر إلى غسق الليل، تناول المغرب والعشاء، وقرآن الفجر هو صلاة الصبح أن عبد الله بن عمر ﵄ أخبره، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إنما أجَلُكم أي: مدة عمركم فيما خلا أي: في جنب ما مضى من الأمم، أي: السابقة كلهم أو اليهود والنصارى الأول أظهر فتدبركما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس، أي: في القلة بالنسبة إلى ما مضى من صدر النهار أو من أول الزوال وهو المناسب لما نحن فيه من المقال وإنما مَثَلكم ومَثَل اليهود والنصارى: أي: في القرابة كرجل أي: مثلًا استعمل عاملًا، أي: طلب منهم العمل والعمال جمع عامل فقال: من يعمل لي إلى نصف النهار وهو وقت الزوال على قيراطٍ قيراط؟ أي: ليكون لكل عامل قيراط لا لمجموع العمال وهو نصف دانق، وهو سدس الدرهم، وأصله قراط بتشديد الراء؛ لأن جمعه قراريط فأبدل من إحدى حرفي تضعيفه ياء كما في دينار دنانير كذا قاله الجمهور.\nوقال الجوهري: وأما القيراط الذي في الحديث فقد جاء فيه أنه قيل: جبل أحد انتهى كما لا يخفى قال: أي: الرجل مثل حال الفريقين فعملت اليهود، أي: على أن يكون لكل منهم قيراط إلى نصف النهار ثم قال: أي: الرجل الممثل بها من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط؟.\nقال الطيبي: القيراط جزء من أجزاء الدينار وهو نصف عشره في أكثر البلاد فعملت النصارى على قيراط قيراط، ثم قال: من يعمل لي من صلاة العصر إلى مغرب","vol":"4","page":375},{"text":"الشمس على قيراطين قيراطين، وزاد البخاري كما في المشكاة: ألا لكم الأجر مرتين أي: مثل ما لليهود والنصارى قال: أي: النبي - ﷺ - بعد الجملة المعترضة بين الكلامين فغضبت اليهود والنصارى، وقالوا: أي: كل من الطائفتين نحن أكثر عملًا وأقل عطاءً\"، قال: أي: الله تعالى: \"هل ظلمتُكم أي: نقصتكم من حقكم شيئًا؟ \"، قالوا: لا، قال: أي: الله تعالى كما في نسخة: \"فإنه أي: العطاء الكثير أو الأجر مرتين فضلي أوتيه أي: أعطيه كما في نسخة من شئت\" وفي نسخة نؤتيه من نشاء، وفيه تلميع إلى قول الله تعالى في سورة الحديد: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨) لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢٨، ٢٩] (ق ١٠٠٢) هذا وأن يكون للنصارى أكثر عملًا إلا إذا كان وقت العصر من ضرورة ظل كل شيء مثليه كما قال به أبو حنيفة، فإن قيل: من الزوال إلى صيرورة كل ظل شيء مثله أكثر من وقت صيرورة ظل كل شيء مثله إلى آخر النهار فيتحقق كون النصارى أكثر عملًا على هذا التقدير، أجيب بأن التفاوت بين هذين الوقتين لا يوفه إلا الحساب.\nوالمراد بالحديث تفاوت يظهر لكل أحد من الأمة، وهذا كله إذا أريد بنصب النهار العرفي، أما إن أريد النهار الشرعي فالاستدلال والسؤال ساقطان.\nوأما قول الكرماني في شرح البخاري: لا يلزم من كونهم أكثر عملًا أكثر أجلًا لاحتمال كون العمل أكثر في الزمان الأول، فمرفوع؛ لأنه احتمال بعيد مناقض باحتمال ضده فلا يحمل عليه مع كون الزمان معيار العمل في عرف البيان.\nقال محمد: هذا الحديث يدل على أن تأخير العصر أفضل من تعجيلها، وهذا تأويل من محمد حيث جاء الحديث على خلاف قوله، ثم قوله: ألا ترى أي: ألم تعلم أنه جعل ما بين الظهر والعصر أكثر مما بين العصر والغرب في هذا الحديث، ومن عجّل العصر كان ما بين الظهر إلى العصر أقل مما بين العصر إلى المغرب، فهذا الحديث يدل على تأخير العصر، انتهى.\nولا يخفى أن الحديث بظاهره يدل على تأخير دخول وقت العصر، كما قال به","vol":"4","page":376},{"text":"أبو حنيفة لا على تأخيره بطريق الأفضلية، كما قاله محمد أن لا خلاف عندنا في قوله: وتأخير العصر أفضل من تعجيلها، ما دامت الشمس بيضاءَ أي: نورًا نقية أي: كاملة لم تُخالطها صُفرة، وهو قولُ أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا أي: خلاف أي: خلافًا للشافعي ومن تبعه من أن تعجيل صلاة العصر في أول وقتها أفضل، وإنما عملًا بظاهر قوله - ﷺ -: \"أول الوقت رضوان الله، وآخر الوقت غفرانه\"، وعندنا المراد بأول الوقت: الوقت المختار بدليل ما ورد في فضيلة الإِسفار اسفرار بالفجر فإنه أعظم للأجر، وفي تأخير العشاء حيث ورد: \"لولا أن أشق على أمتي لأخرت العشاء إلى نصف الليل وثلثه\".\n* * *\n\nثم اعلم أن المصنف ﵀ قد أودع في كتابه المسمى بالموطأ اثنين وسبعين وتسعمائة حديث فصاعدًا بل يقرب إلى ألف برواية عن ثلاث وأربعين شيخًا، كأبي حنيفة، والإِمام مالك الأصبحي، ويعقوب بن إبراهيم يكنى أبا يوسف القاضي صاحب أبي نعمان بن ثابت، وسعيد بن أبي عروبة، وسلام بن سليم، وأبي معاوية المكفوف وهو محمد بن حازم، وعبد الرحمن بن عبد الله المسعودي الكوفي، وابن أبي ذؤيب، ويزيد بن عبد الله بن الهاد، وابن العوام البصري، وإبراهيم بن محمد المدني، وأيوب بن عتبة التيمي قاضي اليمامة، وطلحة بن عمرو المكي، ومحل الضبي، ومسعر بن كدام، وأبي كدينة يحيى بن المهلب، وربيع بن صبيح، ومحمد بن أبان بن صالح، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وعباد بن العوام، وعبد الجبار بن العلاء بن الجيار العطار البصري، وعبد الرحمن بن أبي الزناد، وعبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى الثقفي، ويونس بن أبي إسحاق، وشعبة بن (ق ١٠٠٣) الحجاج، وأبي بكر بن عبد الله النهشلي، وبكير بن عامر، وإسرائيل بن يونس، والشيخ أبي علي قيس بن عاصم، وداود بن سعد بن قيس، وداود بن قيس الفراء المدني، وعبيد الله بن عمر بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وأسامة بن زيد المدني، وعمر بن ذر الهمداني، وإسماعيل بن عياش، وخالد بن عبد الله، وفضل بن غزوان، وإسماعيل بن إبراهيم، والمبارك، وحسن بن عمارة، وإبراهيم بن يزيد المكي، وعيسى بن أبي عيسى الخياط المدني، وقد كان الابتداء بتسويد هذا الشرح المسمى \"بالمهيأ في كشف أسرار الموطأ\" لمحمد بن الحسن بن عبد الله بن طاوس بن هرمز بن مالك بن فرقد بن الشيباني الكوفي في وقت الضحى، من يوم الجمعة من أول شهر ذي","vol":"4","page":377},{"text":"الحجة من سنة إحدى وستين بعد المائة والألف، وكان انتهاؤه في وقت الضحى من يوم الأحد، من شهر المحرم من سنة ست وستين.\nاللهم كما صنت وجهي سجودًا لغيرك فصن قلبي أن يحب لغيرك، اللهم إن عثمان يريد رضاء حبيبك، فاجعله راضيًا عنه، اللهم إني أسألك باسمك الأعظم ورضوانك الأكبر أن تغفر لي، ولوالدي ولأستاذي، ولجميع المؤمنين والمؤمنات، اللهم إن حبيبك المصطفى قال: إن الله ليستحي أن يعذب الشيخ الكبير، اللهم أنا شيخ كبير أستحي أن أجيء إلى حضورك مع ذنوبي، وارحم بياض لحيتي، فإني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم، بحرمة لا إله إلا الله محمد رسول الله \"آمين\".\nوكمل ثم كتابة كشف الأسرار للموطأ لمحمد بن الحسن من يد أضعف العباد مصطفى بن عثمان سنة ثلاث وسبعين ومائة وألف غفر الله له ولوالديه وأحسن إليهما وإليه.\n* * *","vol":"4","page":378}]}