{"ً":{"ٌ":12826,"ٍ":"الأصول العلمية للدعوة السلفية","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"shamela","files":["12826/12826.pdf"]},"ّ":"الكتاب: الأصول العلمية للدعوة السلفية\nالمؤلف: عبد الرحمن بن عبد الخالق اليوسف\nالناشر: الدار السلفية، الكويت\nالطبعة: الثانية، ١٣٩٨ هـ\nعدد الأجزاء: ١\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":70,"ٕ":39,"ٖ":1770153837,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"الباب الأول بين يدي الكتاب","level":1,"page":1},{"title":"مقدمة الطبعة الثانية","level":2,"page":1},{"title":"شبهات وردود:","level":3,"page":2},{"title":"ومن هذه الشبهات على سبيل المثال: قولهم: لماذا تتسمون بالسلفية وهو لم يرد في كتاب ولا سنة؟ \".","level":4,"page":2},{"title":"الشبهة الثانية: قول بعضهم: \"أنتم مقلدون\".","level":4,"page":4},{"title":"مقدمة الطبعة الأولى","level":2,"page":7},{"title":"الباب الثاني الأصول العلمية للدعوة السلفية","level":1,"page":11},{"title":"أولا: التوحيد","level":2,"page":11},{"title":"أولا: الإيمان بصفات الله سبحانه وأسمائه على الوجه الذي يليق به ﷾ دون تحريف أو تأويل.","level":3,"page":11},{"title":"ثانيا: إفراد الله ﷾ وحده بالعبادة.","level":3,"page":14},{"title":"ثالثا: الإيمان بأن لله وحده ﷾ وليس لأحد سواء حق التشريع للبشر في شؤون دنياهم.","level":3,"page":16},{"title":"رابعا: نؤمن في المنهج السلفي أن قضايا التوحيد الثلاثة السالفة قضايا لا تتجزأ ولا تقبل المساومة؛ لأنها أركان في فهم العقيدة السليمة وفي معنى لا إله إلا الله.","level":3,"page":17},{"title":"وقد يسأل سائل: لماذا تهتمون بالتوحيد هكذا وتجعلونه الأصل الأول من أصول الدعوة السلفي؟","level":3,"page":19},{"title":"ثانيا: الاتباع","level":2,"page":20},{"title":"أولا: أن يعلم أن محمدا ﷺ رسول مبلغ عن ربه جل وعلا، وأنه قد جاء بوحيين: الأول كتاب الله القرآن. الثاني: سنته ﷺ.","level":3,"page":20},{"title":"ثانيا: الدين هو المنهج والطريق والحكم والصبغة العامة، وليس هو التقرب فقط؛ كالمفهوم الشائع بين الناس اليوم.","level":3,"page":21},{"title":"ثالثا: للأمرين السابقين تصبح منزلة الرسول ﷺ في الطاعة المطلقة لا تدانيها منزلة لأحد من البشر.","level":3,"page":21},{"title":"رابعا: لا تكمل هذه المتابعة للرسول ﷺ؛ إلا بكمال الحب له.","level":3,"page":21},{"title":"١- القول بجواز التقليد:","level":4,"page":22},{"title":"٢- الإفتاء بغير علم ودليل:","level":4,"page":22},{"title":"٣- توعير طريق دراسة القرآن والسنة:","level":4,"page":23},{"title":"٤- إيقاف العمل بالشريعة في كثير من نواحي الحياة.","level":4,"page":24},{"title":"ثالثا: التزكية","level":2,"page":27},{"title":"السؤال الآن: ما هي التزكية التي عرفنا آنفا أنها إحدى وظائف النبي ﷺ؟","level":3,"page":27},{"title":"والآن يأتي سؤال آخر، وهو: ما الوسائل التي شرعها الله ﷾ وبينها رسوله للوصول إلى هذه الغاية؟ وبمعنى آخر: كيف تزكو النفس وتصبح طيبة؟ وما الذي صنعه الرسول حتى يقوم بهذا الواجب؟","level":3,"page":29},{"title":"والمنهج السلفي يقوم بين المنهجين السابقين:","level":3,"page":34},{"title":"الباب الثالث أهداف الدعوة السلفية","level":1,"page":37},{"title":"أولا: إيجاد المسلم الحقيقي:","level":2,"page":37},{"title":"ثانيا: المجتمع المسلم الذي تكون كلمة الله فيه هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى:","level":2,"page":39},{"title":"ثالثا: إقامة الحجة لله:","level":2,"page":43},{"title":"رابعا: الإعذار إلى الله بأداء الأمانة:","level":2,"page":46},{"title":"الباب الرابع مميزات الدعوة السلفية","level":1,"page":49},{"title":"* أولا: تحقيق التوحيد:","level":2,"page":49},{"title":"* ثانيا: تحقيق الوحدة:","level":2,"page":57},{"title":"أولا: الاختلاف في العقائد ومسائل الإيمان:","level":3,"page":58},{"title":"ثانيا: الاختلافات العملية:","level":3,"page":59},{"title":"ثالثا: تيسير فهم الإسلام:","level":3,"page":64}],"ٛ":{"1,6":7,"1,7":8,"1,8":9,"1,9":10,"1,10":11,"1,11":12,"1,12":13,"1,13":14,"1,14":15,"1,15":16,"1,16":17,"1,17":18,"1,18":19,"1,19":20,"1,20":21,"1,21":22,"1,22":23,"1,23":24,"1,24":25,"1,25":26,"1,26":27,"1,27":28,"1,28":29,"1,29":30,"1,30":31,"1,31":32,"1,32":33,"1,33":34,"1,34":35,"1,35":36,"1,36":37,"1,37":38,"1,38":39,"1,39":40,"1,40":41,"1,41":42,"1,42":43,"1,43":44,"1,44":45,"1,45":46,"1,48":48},"ٜ":{"1":[6,48]},"ٝ":[null,null,null,null,null,null,"1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45",null,"1,48",null,null,null,null,null,null,null,null,null,null,null,null,null,null,null,null,null,null,null],"ٞ":{"1":[1,2],"2":[3,4],"4":[5],"7":[6],"11":[7,8,9],"14":[10],"16":[11],"17":[12],"19":[13],"20":[14,15],"21":[16,17,18],"22":[19,20],"23":[21],"24":[22],"27":[23,24],"29":[25],"34":[26],"37":[27,28],"39":[29],"43":[30],"46":[31],"49":[32,33],"57":[34],"58":[35],"59":[36],"64":[37]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\nالأصول العلمية للدعوة السلفية\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>الباب الأول بين يدي الكتاب</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>مقدمة الطبعة الثانية</span>\nالحمد لله حمدًا يليق بذاته، ويكافئ مزيد إحسانه، ويتجدد بتجدد نعمه وأفضاله. والصلاة والسلام على نبيه ورسوله الداعي إلى الصراط المستقيم، والهادي إلى دينه القويم. وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله.\nوبعد:\nفمنذ سبع سنوات تقريبًا صدرت أول طبعة لهذه الرسالة المباركة، التي تلقفتها أيدي إخواننا السلفيين في كل مكان، حيث استنسخها بعضهم بقلمه، وتداول آخرون النسخة الواحدة واحدًا بعد واحد، وصورها آخرون ووزعوها ونشروها، وكل ذلك من فضل الله وإحسانه.\nولقد كانت -على صغر حجمها- وافية بحمد الله في موضوعها، واضعة معالم الطريق السلفي، مرشدة لأهداف الرسالة الإسلامية، موضحة غايات الدعوة السلفية، واضعة أصول المنهج السلفي الذي هو المنهج القويم لفهم الإسلام والعمل به، والذي هو بحمد الله طريق الخلاص للأمة وسبيل عزتها ونصرها.\nولقد شاهدنا بركات ذلك ودلائله بحمد الله؛ فالنماذج السلفية الفريدة التي تربت على هذا المنهج قد أثبتت بأخلاقها وصفاتها وعلمها وعملها أنها على طريق السلف الصالح حقًا، وعلى مثال قرون الخير الأولى صدقًا، وأن هذا الدين لا تنتهي عجائبه ولا تنفد ذخائره، وأنه لا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق ظاهرين حتى يقاتل آخرهم الدجال.","vol":"1","page":null},{"text":"رأينا بحمد الله الأخوة السلفيين الذين درسوا على هذا المنهج فهموا الإسلام فهمًا سليمًا صحيحًا، وطبقوه في أنفسهم وذويهم، وقاموا بواجب الدعوة إلى الله على علم وبصيرة، وتصدوا لكل انحراف في العقيدة والشريعة والسلوك، وقاوموا أهل الباطل، وجاهدوا بكل أنواع الجهاد المتاحة لهم، وأعادوا للإسلام إشراقته وبهجته وحياته وحركته وشبابه ونضرته. ولا يزال ركب الخير والحمد لله كل يوم في زيادة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>شبهات وردود:</span>\nولم تسلم الدعوة السلفية المعاصرة من أهل الهون الذين ما فتئوا يلقون شبهاتهم حول الدعوة، ونحمد الله ﷾ أن هذه الشبهات تسقط دائمًا تحت الأقدام، وتتعرى دائما مع الأيام، ويستطيع كل طالب مبتدئ فهم الإسلام على منهج السلف الصالح أن يرد على هذه الشبهات.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>ومن هذه الشبهات على سبيل المثال: قولهم: لماذا تتسمون بالسلفية وهو لم يرد في كتاب ولا سنة</span>؟ \".\nوالرد على ذلك أن نقول: إن إطلاق الأسماء على أي حقيقة لا ضرر منه مطلقًا، سواء في الشرعيات أو المباحات، والتسمية لأي أمر شرعي -إذا لم يشتمل على باطل- فليس فيه ضرر، بل قد يكون هذا من الواجبات:\nكما أطلق المسلمون على علم الإسناد: (مصطلح الحديث)، ولم يكن على عهد الرسول مثل هذا العلم، وليس هذا بدعة؛ لأن التثبت في الأخبار والنقل عن الرسول مطلوب.\nوكذلك سمي بعض المسلمين بـ (المهاجرين) من أجل الهجرة، وبعضهم بـ (الأنصار) من أجل النصرة، وبعضهم بـ (التابعين) من أجل اتباعهم للسلف من المهاجرين والأنصار المشهود لهم بالخير.\nفما هو الضير من أن نتسمى بـ (السلفيين)؛ أي: الذين يتبعون منهج السلف الصالح في فهم الدين، والسلف الصالح الذين نتبعهم هم الصحابة وتابعوهم بإحسان، وهم خير القرون.","vol":"1","page":null},{"text":"وهذه التسمية ضرورية؛ لتميز هذه الطائفة المهتدية عن سائر طوائف الضلال الذين تركوا منهج الصحابة في فهم الدين، واتبعوا طريق الخوارج الغالين المتشددين، أو المؤولين المتنطعين، أو المقلدين الجامدين.. الخ.\nومع هذا؛ فنحن لا نتعصب لهذا الاسم، بل نحب كل مسلم يشهد الشهادتين ويعمل حسب استطاعته بمقتضاهما، ونوالي كل مسلم يحب الله ورسوله، ولا ننصر السلفي إن كان مبطلًا، ولو كان عدوه كافرًا؛ فنحن لا نوالي السلفي في الظلم، بل نوالي كل مسلم حسب دينه واعتقاده وإيمانه.\nونحن في النهاية حملة دعوة تسمى (الدعوة السلفية) . وهذه الدعوة منهج كامل لفهم الإسلام والعمل به والدعوة إليه ...\n\nوقد تضافر العلماء السلفيون على شرح هذه الدعوة وبيانها عبر القرون وإلى يومنا هذا، ونحن على منهج هؤلاء العلماء العاملين: فمن يستطيع أن يستغني عن أصول الفقه التي كتبها الإمام الشافعي في كتابه \"الرسالة\"؟!\nومن يستطيع أن يستغني عن مناقشات ابن عباس وعلي بن أبي طالب ﵄ للخوارج ورده عليهم في استحلال أعراض المسلمين وأموالهم بالمعصية؟!\nومن يستطيع أن يستغني عن فقه مالك وردود الإمام أحمد على شبهات الزنادقة وكتابات الإمام ابن تيمية في المصالح الشرعية وردوده على الفرق الضالة؟!\nكل هذا وغيره مما يشكل قواعد المنهج السلفي لا غنى عنها بتاتًا لطالب العلم المعاصر، هذا بالإضافة -أولًا وقبل كل شيء- إلى نصوص الكتاب والسنة.\nوهذه هي السلفية، تعني في جملتها الاتباع المستبصر لنصوص القرآن والسنة، واحترام العلماء الذين قاموا بفهم هذا الدين وتبليغه، واقتفاء آثارهم في ذلك.\nوعلى كل حال؛ الذين ينكرون على السلفيين اسمهم لم يسلموا هم أيضا من أن يطلقوا على أنفسهم اسمًا ما يتميزون به.. وهكذا يتهمون غيرهم بما هو فيهم، وهذا هو اتباع الهوى.","vol":"1","page":null},{"text":"والفرق بيننا وبين غيرنا أننا لا نتعصب لهذا الاسم، ولا نهادي عليه، ولا نجعله شعارًا بديلًا عن الإسلام، بل نحن مسلمون أولًا وأخيرا إن شاء الله، بهذا سمًانا الله، وقد رضينا بالإسلام دينًا.. و(السلفية) لا تعني عندنا أكثر من الإسلام الصحيح الموافق للكتاب والسنة والمتبع للسلف الصالح رضوان الله عليهم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>الشبهة الثانية: قول بعضهم: \"أنتم مقلدون</span>\".\nوهذا افتراء؛ فلسنا مقلدين، وإنما السلفي الحقيقي متبع للحق والدليل، معظم لعلماء الأمة، مقدر لجهودهم، وغير متطاول على فقههم وعلمهم. ومتبع للحق أنَى وجده؛ غير طعّان ولا لعّان ولا فاحش ولا بذئ.\nوالسلفي الحقيقي أيضًا يستحيل أن يكون غلامًا لم يبلغ الحلم بعد وقد درس قليلًا من القرآن والسنة، ثم يضع نفسه موضع علماء الأمة المشهود لهم بالخير والفضل، فيقول مثلا: أنا مثل مالك أو الشافعي! أو أفهم كما يفهم أحمد بن حنبل وأبو حنيفة!! بل يضع نفسه موضعها، ويعرف حق سلف الأمة وعلمائها، ويجلهم، ويحترمهم، ويقدسهم؛ بقدر تقديسهم للحق واتباعهم له، وإذا رأى شيئا من أقوالهم مخالفًا للدليل؛ اتهم نفسه أولًا بعدم فهم الدليل، وعذرهم ثانيًا في اجتهادهم، لربما لم يصل إليهم الدليل، وربما فهموا من دلالته غير ما فهمنا نحن؛ كما نصً على ذلك الإمام ابن تيمية ﵀ في كتاب \"رفع الملام عن الأئمة الأعلام\".\nوقد رأيت بعيني غلمانا لم يتجاوزوا السابعة عشرة من عمرهم، لم يحصلوا من العلم إلا قليلًا، إذا ذكر له اجتهاد إمام؛ يقول: \"نحن رجال وهم رجال\".\nعجبًا! متى كنت رجلًا في العلم حتى تضع نفسك على قدم المساواة مع أولئك؟!\nوكان الأولى أن تقول: هذا ما فهمته، أو: هذا حد علمي، ولم يتعبدني الله إلا بما استطعت فهمه وإدراكه.\nباختصار: السلفيون ليسوا مقلدين، وإنما هم متبعون.","vol":"1","page":null},{"text":"ثم هم أيضا ليسوا من أهل الوقاحة والتطاول على مقام العلماء بالتجريح والطعن والتشنيع، وإنما مقالتهم دائمًا: ﴿رَبنَا اغفرْ لَنَا وَلإخوَننَا الذينَ سَبَقونَا باَلإيمَن وَلاَ تَجعَل في قلوبنَا غلا للذينَ ءامَنوا رَبَنَا إنَكَ رَءوف رَحيم﴾ (الحشر: ١٠) .\nوكذلك السلفيون يردون ما اختلف فيه من علم إلى كلام الله وكلام رسوله، ويسترشدون في فهم كلام الله وكلام رسوله بكلام أئمتهم وسلفهم الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.\n\nوليس عيبا أن نسترشد بأقوال هؤلاء لنفهم مراد الله ومراد رسوله؛ لأننا لم نشاهد التنزيل أولًا، والصحابة أعلم منا بكلام الله وكلام رسوله، وكذلك العلماء المشهود لهم بالخير أفقه منا وأعلم، وذلك بإخلاصهم وتفرغهم الطويل للعلم والعمل.\nوأما أن يكون الأطفال والغلمان الذين لم يحسنوا بعد النطق بالقرآن وفهم الجار والمجرور والفعل والفاعل على قدم المساواة مع أئمة الدين وسادة المسلمين؛ فهذا هو الضلال المبين.\nولقد رأيت بنفسي كيف يتلاعب بكلام الله وكلام رسوله من بعض الغلمان؛ ممن جعلوا أنفسهم علماء بالقرآن والسنة، وأخذوا يفتون في الحلال والحرام والدعوة والسياسة والعبادات وسائر المعاملات بمخاريق وألاعيب تجعل دين الإسلام الحكيم أشبه بدين المجانين والحمقى والمغفلين!\nفأي حماقة أكبر من أن يتصدى لتبليغ الذين واستنباط الأحكام من القرآن والسنة من لا يفهم العربية ولا يدرك من أصول الفقه وقواعده شيئا؟!\nوباختصار؛ السلفي ليس مقلدًا، وهو أيضًا ليس متبجحًا وقحًا، يزعم أنه يستطيع الاستغناء عن فهم الصحابة والتابعين وعلماء الأمة وسادتها الذين حملوا هذا الدين بحق وبلغوه بإخلاص عبر عصور الإسلام إلى يومنا هذا.","vol":"1","page":null},{"text":"ولكن السلفي الحقيقي متبع مسترشد مبصر، باحث عن الحق أبدًا، وعن الدليل مطلقًا، معظم لعلماء الأمة وساداتها، غير مفتش عن العيوب والهفوات التي لم ينج منها أحد بعد الرسول ﷺ، ملتزم بجماعة المسلمين، عامل على وحدتهم، غير داع إلى فرقة وخصام لجاجة. هذا هو السلفي الحقيقي، ونسأل الله أن يجعلنا كذلك.\nهذه إضافة لا بد منها في مقدمة هذه الرسالة المباركة إن شاء الله، وقد يسر الله لي أن انظر في الرسالة مرة ثانية، وأنقح بعض عباراتها، وأزيد في آخرها إضافة جديدة عن أهم مميزات الدعوة السلفية وبركاتها.\nوالله سبحانه أسأل أن يكتب هذا عنده في ميزان حسناتنا، وأن يجمع هذه الأمة على كلمة سواء، وأن يأخذ بأيدينا لعزة الإسلام ونصره، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.\nعبد الرحمن عبد الخالق\nالكويت الجمعة ٢٦ محرم ١٤٠٣هـ\n١٢ نوفمبر ١٩٨٢م","vol":"1","page":null},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>مقدمة الطبعة الأولى</span>\nإن الحمد لله؛ نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله؛ فلا مضل له، ومن يضلل؛ فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nأما بعد:\nفإن خير الكلام كلام الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد:\nفقد ابتلي المسلمون خلال تاريخهم الطويل بفتن عظيمة، ونسب إلى هذا الدين كثير من البدع والضلالات، وألقي على الكتاب الكريم كثير من التحريفات والشبهات، وتعرضت سنة الرسول ﷺ للانتحال والوضع تارة، والرد والإبطال تارات.. وكانت الواحدة من هذه العظائم كافية لطمس معالم الدين،","vol":"1","page":6},{"text":"وتضيع أصوله، وتشويهه، وإتلافه؛ لولا أن الله ﷾ شاء حفظه وأراد، ورد كيد أعدائه، وجعل سعيهم في تحريفه إلى ضلال، وهيأ في كل عصر من عصور الإسلام من ينفي عن هذا الدين تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، ولولا ذلك؛ لانطمست طريق هذا الدين كما انطمست اليهودية والنصرانية.\nولقد كانت هذه الحركات التصحيحية التجديدية لهذا الدين هي الحركة السلفية التي حافظت على أصول هذا الدين نقية خالصة، ونفت عنه كل بدعة، وردت عنه كل ضلالة، وصححت كل تأويل وتحريف.\nفالصحابة العدول ﵃ نقلوا الأمانة كاملة، وبلغوها غير منقوصة، ووقفوا بالمرصاد لكل تأويل باطل وكل انتحال وتحريض، وحمل الراية من بعدهم علماء التابعين ومن وراءهم.\nوفي عهدهم اتسعت دائرة الأمة الإسلامية، وكثر الداخلون من الفرس والروم والشعوب الأخرى، وأراد بعضهم أن يدخل في الدين ما ليس منه؛ بقصد أو بغير قصد، فقام هؤلاء العلماء الأجلاء حراسًا لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وحفظ لنا التاريخ جهادهم في هذا السبيل؛ حربًا للمبطلين، وردًا للزيف عن هذا الدين، ووقوفًا في وجه انحراف الحكم والسياسة، ونشرًا للدين النقي الخالص في كل الربوع، حتى سلموا الراية لمَن بعدهم في العلم والإيمان كاملة، عزيزة الجانب، ظاهرة عالية.","vol":"1","page":7},{"text":"وما يزال هذا الدين يخوض المعركة برجاله المخلصين وأبنائه البررة الميامين، الذين أخلصوا دينهم لله، فآمنوا بكتاب الله كما أنزل، وبسنة رسول الله ﷺ كما جاءت، وتمسكوا بهما، وعضوا عليهما بالنواجذ، وحاربوا كل أفاك أثيم، يروم حمى هذا الدين؛ تحويلًا له وتحريفًا، أو زيادة له ونقصًا، وتمزيقًا له وتقطيعًا.\nوفي عصرنا الراهن زادت الهجمة على هذا الدين، وتميزت قلوب الكافرين عليه من الغيظ؛ أن دامت سيادته كل هذه القرون، واستمر عزه كل تلك السنين.. ورأوا من أبناء الإسلام غفلة عن كتاب ربهم وسنة رسوله الذين كان بهما العز والنصر والغلب، فأمكنوا السيوف من رقابهم، وأعملوا الفساد في هذا الدين برجال أعدوهم لهذا، ودربوهم عليه من أبنائهم أولًا، ونشؤوا من أبناء المسلمين تلامذة لهم، يقولون ويعتقدون مثل ما يعتقدون، فحارب الإسلام أبناؤه، وطعن الكتاب والسنة ورائهما. وليس لهذه الفتن الماحقة إلا رجال ينشؤون على الطراز الأول والمنهاج الأنف الذي كان به العز والسيادة والنصر والتمكين.\nورحم الله مالكًا إذ يقول: \"لا يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها\".\nرجال يعلمون الكتاب كما أنزل، والسنة كما بلغت؛ حسب الأصول والقواعد التي وضعها علماء السلف؛ جيلًا بعد جيل، وعصرًا بعد عصر، ويقفون بعد ذلك","vol":"1","page":8},{"text":"في وجه هذا الباطل الزائف الذي ملأ الأرض شرًا أو كاد.\nوالله غالب على أمره، وقد شاء أن تظل طائفة من هذه الأمة على الحق منصورة ظاهرة إلى قيام الساعة.\nوهذه الرسالة الموجزة المختصرة بيان واضح للأصول التي ابتنى عليها مذهب علماء السلف في فهمهم للكتاب والسنة والعمل بهما، أردنا بها توضيح الطريق لسالكها؛ حتى لا تختلط الدروب، ويعمى على الناس الطريق المستقيم من الطرق المعوجة الهالكة.\nوالله أسأل أن ينفع بهذا البيان ما بقيت الدنيا؛ إنه سميع مجيب، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم.\nعبد الرحمن عبد الخالق\nالكويت ربيع الثاني ١٣٩٥ هـ","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>الباب الثاني الأصول العلمية للدعوة السلفية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>أولًا: التوحيد</span>\nالأصل الأول من أصول الدعوة السلفية هو التوحيد. ولا يعني هذا الأصل ما يؤمن به وما يفهمه كثير من الناس من معنى التوحيد، وهو أنه لا خالق إلا الله، بل يفهم السلفي ويعلم من معاني التوحيد أصولًا عظيمة، وقضايا كبيرة، الإخلال بقضية منها إشراك بالله تعالى، أو إلحاد في أسمائه.\nوكثير من المسلمين يجهل كثيرًا من هذه الأصول والقضايا، فيقع في الشرك، ويظن نفسه مؤمنًا موحدًا، والحال أنه إما أن يكون ملحدًا في صفات الله وأسمائه مؤمنًا بها على وجه آخر، أو مشركًا عابدًا لغير الله ﷾.\nوأصول التوحيد في المعتقد السلفي كما يلي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>أولًا: الإيمان بصفات الله سبحانه وأسمائه على الوجه الذي يليق به ﷾ دون تحريف أو تأويل</span>.\nفالله ﷾ قد وصف نفسه في كتابه في آيات كثيرة جدًا، ووصفه رسوله ﷺ في أحاديث كثيرة جدًا، مدونة في كتب السنة؛ كالبخاري، ومسلم، و\"مسند\" الأمام أحمد، وغير ذلك؛ مما هو صحيح ثابت حسب قواعد أهل مصطلح الحديث.\n\nوما أخبرنا الله بذلك عن نفسه؛ إلا لنصدق ونؤمن.\nبل الأيمان","vol":"1","page":10},{"text":"بصفات الله ﷾ هو أكبر قضية من قضايا العبادة والأيمان؛ كما جاء في الحديث: أن: ﴿قل هو الله أحد﴾ تعدل ثلث القرآن، وليس فيها إلا صفة الله ﷾.\nوالمحرفون المؤولون عمدوا إلى هذه الآيات، فحجبوا نورها عن المسلمين:\nفإما أن يقولوا: هي آيات متشابهة، لا نخوض في معناها، ونؤمن بها كما جاءت؛ يعنون: أنه لا يجوز للمؤمن أن يفهم من معناها شيئًا، فيكون عند ذلك ﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾، كقوله تعالى: ﴿الم﴾، ﴿كهيعص﴾، فكما أننا لا نفهم معنى محددا من هذه الحروف المقطعة؛ فآيات الصفات عندهم كذلك.\nوبذلك حجبوا نور هذه الآيات أن ينفذ إلى قلوب المؤمنين، وأن يستشعر المسلم عظمة الله كما يليق بجلاله وعلو شأنه وذاته.\nوبذلك فرغوا التوحيد من أعظم قضاياه، وهو الإيمان بصفات الله جل وعلا.\nوهل الإيمان إلا امتلاء القلب بنور صفات الله وإشراقه بمعرفة إلهه ومولاه؟!\nومع ذلك؛ فقد زعموا -وخاب زعمهم- أن هذا الإيمان الأبله هو معتقد السلف، وحاشاهم، بل هم آمنوا بآيات الصفات وفق معناها الذي نزلت به باللغة العربية، مؤمنين أن الله جلت قدرته وعظمته لا يقدر قدره على الحقيقة إلا هو ﷾.\nوإما أن هؤلاء المؤولين يعمدون إلى آيات الصفات، فيحرفونها؛ زاعمين أنه تأويل! فيؤولون مجيء الله يوم القيامة بمجيء أمره، واستواءه على عرشه باستيلائه عليه، ويده بقدرته، ووجهه","vol":"1","page":11},{"text":"﷾ بذاته..\nولا يؤمنون بذات فوق العرش، وإنما يقولون: ليس ثم عرش، وإنما العرش الملك، وليس لله مكان، فليس هو في مكان، بل إما أن يقولوا: لا مكان له في شيء من العالم، بل ولا خارجه.\nولذلك لا يجوز عندهم أن يقول مؤمن: ربي في السماء. فإنهم يبدعونه، وقد يكفرونه.\nويأتون إلى الأحاديث التي تذكر فيه صفة الله؛ كـ[ينزل ربنا إلى سماء الدنيا كل ليلة]، فيسبون من يصدق ذلك بأقبح السباب، ويقولون: بل تنزل رحمته، وأما هو ﷾؛ فلا ينزل ولا يصعد؛ لأنه ليس فوق العرش شيء، بل ما ثم هناك عرش.\nوينفون عن الله ﷾ كلامه، ويزعمون أن الله إذا أراد أن يكلم أحدًا؛ خلق فيه الفهم لمراده، فيكون كلام الله عندهم؛ كالنفث في الروع، وبذلك يكذبون أحاديث البخاري التي جاء فيها أن الله يتكلم يوم القيامة بصوت يسمعه من قرب كمن بعد؛ قائلًا: [أنا الملك! أين ملوك الأرض؟] (رواه البخاري) .\nوقد فصلنا هذه الأقوال والردود عليها بحمد الله في محاضرات التوحيد.\nوالمهم هنا الإشارة إلى هذه الطوائف من المسلمين، الذين زعموا الهداية لأنفسهم، وهذا كذبهم على الله وافتراؤهم عليه.\nفإذا كان الله قد أنكر أشد الإنكار على من قال: إن الله حرم هذا،","vol":"1","page":12},{"text":"ولم يحرمه الله؛ فكيف بمن وصف الله حسب هواء، فعمد إلى آياته فحرفها، وأحاديث رسوله فحجب نورها، وضلل المصدق المؤمن بها؟!\nوخلاصة هذا الأمر الأول: أن السلفي يؤمن بصفات الله وأسمائه ﷾؛ كما جاءت في كتابه، على لسان رسوله ﷺ، سواء كانت أخبارًا متواترة، أو أخبار آحاد صحيحة.\nفخبر الآحاد الصحيح يوجب العلم والعمل؛ لأنهما سواء؛ فلا علم دون عمل، ولا عمل دون علم بل لا يجوز لمسلم أن يعمل عملًا ما من أعمال الدين إلا إذا ثبت عنده صدق المخبر به عن الله أو عن رسوله ﷺ.\nوبذلك يفترق السلفي عن جمهور كثير يظنون أنفسهم موحدين لله، وما هم كذلك، وقد حرفوا صفات الله، ومنعوا الناس عن الإيمان بها والتصديق بمعانيها، أو بدلوا لهم معانيها وأمروهم أن يؤمنوا بها على نحو آخر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>ثانيًا: إفراد الله ﷾ وحده بالعبادة</span>.\nوعندما نقول: إفراده بالعبادة؛ فلا نعني الصلاة والزكاة والصوم والحج فقط، بل نعني كل ما يندرج تحت هذه اللفظة من معانيها، وعلى رأس ذلك الدعاء.\nفالدعاء هو العبادة، فلا دعاء لغير الله كائنًا من كان؛ رسولًا أو وليًا حقًا أو وليًا مزعومًا.\nويأتي بعد الدعاء: السجود، وأنواع من الحب، والتعظيم، والخشية، والخوف، وكذلك الذبح والنذر،","vol":"1","page":13},{"text":"والرغبة.\nوكل هذه الأمور من حق الله ﷾، وقد صرفها كلها أو بعضها كثير من الناس لغير الله، ويكفيك زيارة واحدة لقبر من القبور المشيدة حتى تشاهد كل ذلك الطلب الصريح من صاحب القبر بكل ما لا يجوز أن يطلب إلا من الله؛ كشفاء المرضى والانتصار من الأعداء، والشفاعة عند الله، والمدد، وإعطاء الأولاد، وخير الدنيا..\nوبالجملة؛ فإنه يطلب من هؤلاء الأموات خيري الدنيا والآخرة، وهذا شرك أكبر، مخرج من ملة الإسلام.\nويفعل هذا طوائف كثيرة ينسبون إلى الإسلام!\nولا يكتفون بالدعاء، بل ويذبحون لهؤلاء تقربا؛ كما كانت الجاهلية تفعل عند طواغيتها، وينذرون لهم، بل ويطوفون بالقبور كما يطاف بالكعبة، ويسجدون عندها كما يسجد لله، وليس هناك شرك أكبر من هذا.\nوهذه الأمور لا يصنعها عوام الناس وجهلاؤهم فقط، بل ويصنعها كثيرون ممن يزعمون العلم الشرعي، ويحملون فيه شهادات عريضة، وكذلك من يزعمون التقوى والصلاح من أهل الطرق الصوفية والمناهج العبادية المبتدعة، ولا تجد دينهم ينبني إلا على تعظيم هذه القبور وبنائها وإسراجها ودعوة الناس إلى الذبح لها والنذر لها ودعائها من دون الله ﷿، بل والطواف بها.\nوقد أصبح الله عند هؤلاء نسيًا منسيًا؛ لا يدعى ولا يرجى إلا بواسطة هذه القبور والأضرحة، ويظنون بعد ذلك أنهم مسلمون، وما هم بمسلمين، وقد شابهوا المشركين الذين عبدوا غير الله وقالوا: ﴿ما نعبدهم","vol":"1","page":14},{"text":"إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ (الزمر: ٣) .\nوالدعوة السلفية تجعل نصب عينها تطهير معتقد الناس من هذا الشرك الظاهر الجلي، الذي لا يماري فيه إلا مشرك، ولا يكابر فيه أو يدافع عنه إلا مطموس القلب، بعيد عن نور التوحيد والإيمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>ثالثًا: الإيمان بأن لله وحده ﷾ وليس لأحد سواء حق التشريع للبشر في شؤون دنياهم</span>.\nكما قال جل وعلا: ﴿والله يحكم لا معقب لحكمه﴾ (الرعد: ٤١) .\nوكما قال سبحانه: ﴿إن الحكم إلا لله﴾ (الأنعام: ٥٧) .\nفالتشريع حق للرب جل وعلا؛ فالحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله، والدين والمنهج والطريق والصبغة هو ما شرعه الرب جل وعلا.\nواعتداء سلاطين الأرض وملوكها ورؤسائها على شرعة الله؛ بتحليل ما حرم، وتحريم ما أحل: عدوان على التوحيد، وشرك بالله، ومنازعة له في حقه وسلطانه جل وعلا.\nوأكثر سلاطين الأرض اليوم وزعماؤها قد تجرؤوا على هذا الحق، وتجرؤوا على الخالق الملك ﷾، فأحلوا ما حرم، وحرموا ما أحل، وشرعوا للناس بغير شرعه؛ زاعمين تارة أن تشريعه لا يوافق العصر والزمن، وتارة أنه لا يحقق العدل والمساواة والحرية، وأخرى بأنه لا يحقق العزة والسيادة.\nوالشهادة لهؤلاء الظالمين بالإيمان عدوان على الإيمان وكفر بالله ﷾.\nونأسف إن قلنا: إن سوادًا كبيرًا من الناس قد أطاعوا كبراءهم فيما شرعوا لهم","vol":"1","page":15},{"text":"من شرع مخالف لشرعه ﷾، وكثير من هذا السواد يصلي ويصوم -مع ذلك- ويزعم أنه من المسلمين.\nوالدعوة السلفية جهاد بكل معاني الجهاد؛ لرد الحق إلى نصابه، وجعل الدين لله وحده، وتخليص الأمة من هذا الشرك الأكبر والكفر البواح الذي استشرى فيها، وذلك لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، ولا تكون كذلك في واقع الناس؛ إلا إذا كان الحكم لله وحده، والتشريع لله وحده؛ وفق ما جاء في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ، ووفق ما يجتهد فيه أئمة العصر من المسلمين؛ ليتوصلوا باجتهادهم إلى ما يرضي ربهم، ويوافق شرعته.\nوتخليص الأمة من هذا الشرك بالبيان والدعوة والجهاد واجب؛ لأن هذه القضية إحدى قضايا المعتقد السلفي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>رابعًا: نؤمن في المنهج السلفي أن قضايا التوحيد الثلاثة السالفة قضايا لا تتجزأ ولا تقبل المساومة؛ لأنها أركان في فهم العقيدة السليمة وفي معنى لا إله إلا الله</span>.\nفمن آمن بإله واحد؛ يجب أن يعتقد أنه هو الموصوف سبحانه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ، وأنه يجب الإيمان به وفق هذه الصفات.\nوكذلك يجب دعاؤه ﷾ وحده، وإفراده بسائر أصناف العبادة؛ من ذبح، ونذر، وخوف، وخشية، وإنابة، وتوكل، وحلف، وتعظيم، وتطهير القلب مما يخدش هذا التوحيد أو يلغيه.\nوكذلك يجب الإيمان والعمل لتكون كلمته وشرعه هو الأعلى وهو المحكم في حياة الناس جميعها؛ فلا دين إلا","vol":"1","page":16},{"text":"ما شرع، ولا طاعة إلا لله أو ما يقتضي أن تكون طاعة الله؛ أعني: لا طاعة لمخلوق إلا بما يوفق طاعته سبحانه، فإن خالف طاعته؛ فلا طاعة.\nوالمنهج السلفي يأخذ هذه القضايا جملة، ويطهر قلوب أتباعه من الشرك فيها جميعًا؛ لأننا نعتقد أن من مات وهو يدعو غير الله؛ لم يكن من أهل الجنة، ونعتقد أيضا أن بعض التحريف لمعاني الصفات والأسماء؛ شرك بالله وكفر به، وإن كان بعضه لا يبلغ ذلك، ونعتقد كذلك أن من حكم بغير ما أنزل الله؛ فهو كافر، ومن اعتقد أن لأحد من البشر أن يشرع للناس في شؤون معاشهم ودنياهم دون الرجوع إلى شرع الله والالتزام به والسير بمقتضاه؛ فقد عبد غير الله وأشرك به شركًا جليًا؛ كما قال تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا﴾ (النساء: ٦٥) .\nهذه القضايا الثلاث السالفة هي الأركان التي يقوم عليها الأصل الأول من الأصول العلمية للدعوة السلفية.\nإنها قضايا التوحيد الثلاثة التي إذا اختل شرط منها؛ اختل أصل التوحيد.\nوهذا الأصل هو بمثابة المدخل للمعتقد السلفي؛ لأن التوحيد هو","vol":"1","page":17},{"text":"أهم قضايا الدين، بل رأسه، وبدونه لا يكون المسلم مسلمًا.\nوتحت القضايا السالفة توجد كثير من الفرعيات والتفصيلات، قد بينا بعضها في مواضع أخرى، وقد فصلها علماء السلف عبر القرون في كتبهم.\nوالسائر في المنهج السلفي يجعل نصب عينه دائما تعلم هذه الفرعيات؛ تكميلًا لتوحيده، وتثبيتًا لإيمانه.\nوبهذا الأصل يفترق المنهج السلفي عن كثير من مناهج الإصلاح المنسوبة للإسلام، التي لا تدخل هذه القضايا في حسبانها، ولذلك نجد أن كثيرا منهم يفنون أعمارهم في قضايا فرعية عملية، وفي خلافات جزئية، وينسون أصل الدين الأصيل، وهو التوحيد الخالص الذي ما جاء الشرع إلا لأجله.\nوأمثال هؤلاء لا يعنون من الشرك إلا عبادة المسيح والأصنام، وأما تلك الصور التي عرضناها عليك آنفًا؛ فإنهم لا ينكرونها، بل يباركونها ويوافقون أصحابها، وإن حصل لها عند بعضهم إنكار؛ فإنما هو كإنكار بدعة يسيرة لا تضر عندهم بالدين، والحال أنها أصل من أصول التوحيد، وتفويتها قدح في العقيدة والإسلام.\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>وقد يسأل سائل: لماذا تهتمون بالتوحيد هكذا وتجعلونه الأصل الأول من أصول الدعوة السلفي</span>؟\nوالجواب على هذا السؤال يأتيك مفصلا بحمد الله في الباب الأخير من هذه الرسالة: (السلفية دعوة التوحيد) .","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>ثانيًا: الاتباع</span>\nبعد أن يعلم السائر في المنهج السلفي توحيد الله ﷾ حسب أركانه السالفة؛ فإنه يتوجب عليه إفراد الرسول ﷺ بالاتباع، وذلك تحقيقًا لقوله: \"أشهد أن محمدًا رسول الله\".\nوهذه الشهادة لا تكون كاملة إلا بالأمور الآتية:\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>أولا: أن يعلم أن محمدًا ﷺ رسول مبلغ عن ربه جل وعلا، وأنه قد جاء بوحيين: الأول كتاب الله القرآن. الثاني: سنته ﷺ</span>.\nوذلك لقوله ﷺ: [ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه] (رواه أبو داود وغيره بسند صحيح) .\nفكلام رسول الله ﷺ مثل كلام الله تعالى؛ سواء في الاعتقاد والعمل والقبول؛ لأن هذا وهذا من الله ﷾، والرسول لا يأمر ولا ينهى ولا يحرم ولا يحل في أمور الدين بشيء من عند نفسه، بل بأمر الله ﷾، ولا يخبر بشيء من الغيب إلا بوحي منه جل وعلا؛ كما قال ﷾: ﴿ولو تقول علينا بعض الأقاويل، لأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين﴾ (الحاقة: ٤٤-٤٧) .\nوإذا كان أمر السنة كذلك؛ فإنه يشملها جميع أحكام التكليف؛ من: واجب، ومندوب، وحرام، ومكروه، ومباح، ويكون من رد","vol":"1","page":19},{"text":"الثابت الصحيح منها؛ كمن رد القرآن.\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>ثانيًا: الدين هو المنهج والطريق والحكم والصبغة العامة، وليس هو التقرب فقط؛ كالمفهوم الشائع بين الناس اليوم</span>.\nومعنى هذا أن الرسول ﷺ هو المشرع بأمر الله لجميع شؤون الحياة التي له فيها أمر ونهي وحكم، وليس للطاعات والقربات فقط؛ فمعصية أحاديث الرسول ﷺ في شؤون البيع والتجارة والزواج والطلاق والحكم والسياسة والحدود؛ كمعصيته في شؤون العبادة؛ كالصلاة والصيام والزكاة والحج وغيرها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>ثالثًا: للأمرين السابقين تصبح منزلة الرسول ﷺ في الطاعة المطلقة لا تدانيها منزلة لأحد من البشر</span>.\nولذلك، فلا يقبل قول أحد؛ سواء كان: إمامًا فقيهًا، أو زعيمًا سياسيًا، أو مفكرًا أو مصلحًا؛ يخالف قولًا للرسول ﷺ، ومن قدم قولًا لأحد على قول الرسول ﷺ فقد أساء وتعدى وظلم وخالف إجماع الأمة وكتاب الله وأحاديث الرسول ﷺ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>رابعًا: لا تكمل هذه المتابعة للرسول ﷺ؛ إلا بكمال الحب له</span>.\nكما قال ﷺ: [لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه ووالده والناس أجمعين] (متفق عليه) .\nومما يعين على هذا الحب: التزام أمره دائمًا، والمسارعة في طاعته، وتقديم قوله على كل قول، وتذكر مواقفه ومشاهده، ومدارسة سنته وسيرته","vol":"1","page":20},{"text":"صلوات الله وسلامه عليه.\nومما يؤسف له في أوساط المسلمين اليوم أنه قد ضعفت هذه المتابعة، وخبا ذلك الحب للرسول ﷺ، وذلك للأسباب الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>١- القول بجواز التقليد:</span>\nوذلك بعد تدوين الفروع الفقهية لكل مذهب من المذاهب الفقهية، والإفتاء بالعمل بهذه الفروع الفقهية مطلقًا، سواء كانت موافقة أو مخالفة للحديث الصحيح، بل والإفتاء بأنها جميعًا صواب، وإن كانت مختلفة متناقضة. وقد أدى هذا إلى الركون إلى كل قول ينسب إلى الفقه، والقعود عن طلب الدليل من القرآن والسنة، وبذلك ضعف العلم بكتاب الله ﷾ وبالأحاديث الصحيحة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>٢- الإفتاء بغير علم ودليل:</span>\nأ) بعد الإفتاء بأن كل رأي فقهي في مذهب ما صواب؛ أفتى المفتون كل مستفت بما يناسبه من قول منسوب إلى الفقه، بل بحث بعضهم على ما سماه بالأيسر من كل مذهب في كل مسألة فأفتى به.\nوناهيك بما في هذا من توهين العمل بالشريعة، بل بزوالها، إذ ما من مذهب إلا وله كثير من الأقوال المتساهلة جدًا، التي جاء","vol":"1","page":21},{"text":"القرآن والحديث بخلافها، وليست هذه الرسالة مجالًا لبيان ذلك.\nبل وتساهل بعض الناس أكثر من هذا، فأفتى بأي قول يصدر عن عالم ما!\nوقد علم القاصي والداني ما أفتى به كثير من العلماء المحدثين في شأن الربا والخمر وملابس النساء وحقوقهن والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر..\nولو جمعنا الفتاوى الباطلة في هذه وغيرها، لخرجنا بأكثر من مجلد فيه ما يهدم الإسلام جملة وتفصيلًا.\n\nب) لم يقف الأمر بالفتاوى الباطلة وبأن كل قول صواب عند الإفتاء في أمور الشريعة، بل تعدى ذلك إلى العقائد والغيبيات، فوقعت أيضًا تحت الرأي والظن، وبذلك نفى كثير من العلماء الأحاديث الصحيحة في أمور كثيرة من أمور العقائد، وقالوا بالرأي والظن والاجتهاد في أمور العقيدة والغيب التي لا اجتهاد فيها، وجاروا آراء العصر الصادرة عن غير المسلمين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>٣- توعير طريق دراسة القرآن والسنة:</span>\nوذلك بالتخويف والتحذير الذي لا نفتأ نسمعه من كل ناعق: أن دراسة القرآن والسنة والتلقي منهما ضلال (راجع كتاب \"تنزيه السنة والقرآن عن أن يكونا من أصول الضلال والكفران\" للقاضي أحمد بن حنبل حجر آل بن علي) !! وأنه يجب أولا عرض الآيات والأحاديث على أقوال الأئمة والفقهاء!! وكأن الأصل قد أصبح أقوال الناس لا قول الله ورسوله.","vol":"1","page":22},{"text":"وبهذا التخويف والتحذير وعَّر هؤلاء طريق الفهم السليم للكتاب والسنة، وصدوا عن سبيل الله بعلم أو بغير علم، وجعلوها معوجة للسالكين فيها.\nوقد خالفوا بذلك كتاب الله الذي يأمر باتباع الدليل مطلقًا، وبالبصيرة أبدًا، وينهى عن التقليد والسير على منهاج الآباء والأجداد دون دليل وبرهان، وخالفوا الرسول ﷺ الآمر بتبليغ حديثه مما نطق به ﷺ، حيث يقول: [نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها] . وقوله: [وبلغوا عني ولو آية] .\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>٤- إيقاف العمل بالشريعة في كثير من نواحي الحياة</span>.\nلا يشك مسلم يفهم الإسلام في الوقت الحاضر أن الشريعة الإسلامية قد أقصيت إلا قليلًا عن مجالات حياة المسلمين، وذلك في شؤون كثيرة؛ كالحكم، والسياسة، وكثير من المعاملات، والحدود، والتربية، والاجتماع، والآداب العامة.\nوكان لهذا أسباب كثيرة؛ كغلبة الكفار على أرض الإسلام وغرس أفكارهم وتقاليدهم وعاداتهم في بلاد الإسلام.\nوكان من ذلك أيضًا مما نحن بصدده: جمود حركة الاجتهاد الفقهي، وذلك بالوقوف فقط عند ما دونه أئمة الفقه في عصور قديمة استحدثت بعدها كثير من الأقضيات والحوادث في شتى شئون","vol":"1","page":23},{"text":"الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكان لابد من حركة فقهية تحكم هذه الأمور؛ لتعطي المسلم الحركة الصحيحة بإسلامه في المجتمع الذي يعيش فيه.\nولكن هذا الجمود في الفقه وانفصال السلطة السياسية عن المنهج الإسلامي أدى إلى شل حركة المسلمين، وجعلهم حيارى بين ما يأخذون وما يدعون فيما جدَّ من أمورهم، وكانت الغلبة بالطبع للتيار القوي الذي تقوم عليه أجهزة الحكم وتوجهه أجهزة الإعلام المسخرة للسلطة السياسية.\nوكان لهذا كله آثاره في انطماس طريق الإسلام وشريعته، وغياب المعنى الحقيقي لشهادة المسلم: أشهد أن محمدًا رسول الله.\nوالمنهج السلفي لفهم الإسلام والعمل به يضع نصب عينه تذليل هذه العقبات التي حالت بين الناس ومتابعة الرسول ﷺ، وذلك بأن ينادي دائمًا بالقول بتحريم التقليد، ويوجب على كل مسلم السؤال عن القول بدليله من الكتاب والسنة.\nولا يعنى هذا أننا نوجب على كل أحد أن يكون مجتهدًا، لا؛ إنما نأمر كل أحد بأن يكون متبعًا للدليل، باحثًا عن الحجة من كتاب ربه أو سنة نبيه.\nوبذلك تتوحد صفوف الأمة، وينمو فيها معرفة الكتاب والسنة، وتزكو فيها الروح العلمية والمسامحة الأخوية، ولا يستطيع مضل أن يضلها بسهولة؛ لأن ميزان الكتاب والسنة سيكون منصوبًا لكل مفت ومتحدث في الدين، وبذلك أيضا يعظم عند المسلمين شأن الرسول","vol":"1","page":24},{"text":"ﷺ، وتعظم شأن متابعته. وكذلك نلجم الألسنة التي تفتي دائمًا بغير دليل عندما تعلم أن الناس لا يقبلون قولًا إلا بدليل وحجة، فإذا قال رأيه للناس؛ قال: هذا حكم الشارع؛ طالبه الناس بدليله من قول الله وقول رسوله ﷺ.\nوبالأمرين السابقين وغيرهما يفتح للناس ميدان جديد لدراسة جادة للقرآن والسنة، فتجدد حياة الأمة، ويشع نورها، وتتضح معالم الطريق أمامها، ولا يستطيع أي من الناس -مهما كان دوره- أن يضل الناس -إلا أن يشاء الله- وأن يقودهم خلفه كالسائمة.\nوإذا أحيينا فقه الكتاب والسنة على هذا النحو؛ استطعنا أن نوقف تيار العصر الإلحادي عند حده، وذلك أننا سنوقف الناس أمام مسؤولياتهم؛ فنحن نقدم لهم قول الله وقول رسوله لا قول فلان وفلان، فإن أذعنوا؛ فقد أسلموا، وإن جحدوا وأنكروا؛ فقد كفروا.\nوبذلك تتضح السبل، ويحيا من حي عن بينة، ويهلك من هلك عن بينة.","vol":"1","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>ثالثًا: التزكية</span>\nالتزكية إحدى المهمات التي من أجلها بعث الرسول ﷺ، بل هي غاية الرسالات وثمرتها.\nقال تعالى ممتنًا ببعثة الرسول ﷺ: ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولًا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين﴾ (الجمعة: ٢) .\nوقال أيضًا: ﴿لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولًا من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين﴾ (آل عمران: ١٦٤) .\nفالله امتن علينا في هاتين الآيتين ببعثه النبي ﷺ الذي من مهماته قراءة آيات الله، وهذه نعمة كبرى؛ إذ نسمع كلام الله على لسان بشر منا.\nثم إنه يزكي هذه الأمة؛ بما يقرأ عليها، وبما يوحى إليه. ثم هو يخرج هذه الأمة من ظلمات الجهالة، وذلك بتعليم الكتاب والحكمة.\nوالكتاب: القرآن.\nوالحكمة: العلم النافع، الذي يضع من الإنسانية الأمور في نصابها.\nولذلك؛ فالسنة من الحكمة، والكتاب قد جاء بالحكمة أيضًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>السؤال الآن: ما هي التزكية التي عرفنا آنفًا أنها إحدى وظائف النبي ﷺ</span>؟\nالتزكية للنفوس: تطهيرها، وتطبيبها، وتنقيتها من قبائحها؛","vol":"1","page":26},{"text":"فالنفس الزكية: هي الطيبة الطاهرة البعيدة عن كل ما يدنس النفوس من غش وحقد وحسد وظلم وسخيمة.\nوهذا المعنى مأخوذ من قول العرب: (زكا الزرع: إذ نما وأينع)، والرائحة الزكية: هي الطيبة.\n\nقال تعالى مبينًا افتراق النفوس في الزكاة: ﴿ونفس وما سواها* فألهمها فجورها وتقواها* قد أفلح من زكاها* وقد خاب من دساها﴾ (الشمس: ٧-١٠) .\nفالنفس الزكية: هي الطيبة الطاهرة النقية.\nوقد أقسم ﷾ أن الفلاح منوط بتزكية النفس وتطهيرها، وذلك في سورة الشمس، بعد أحد عشر قسمًا، وليس في القرآن أقسام متوالية بهذه الكثرة على حقيقة واحدة؛ إلا في هذه السورة. قال تعالى: ﴿والشمس وضحاها* والقمر إذا تلاها* والنهار إذا جلاها* واليل إذا يغشاها* والسماء وما بناها* والأرض وما طحاها* ونفس وما سواها* فألهمها فجورها وتقواها* قد أفلح من زكاها* وقد خاب من دساها﴾ (الشمس: ١-١٠) .\nوبين في آيات أخر أنه لا يدخل الجنة إلا من اتصف بهذه الزكاة والطيبة والطهر؛ كما قال تعالى: ﴿وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرًا حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلم عليكم طبتم فادخلوها خالدين﴾ (الزمر: ٧٣) .\nوالطيبة هنا هي سبب دخولهم الجنة، وهي ثمرة العبادة وغايتها،","vol":"1","page":27},{"text":"وهي تزكية النفس التي جاء الرسول من أجلها صلوات الله وسلامه عليه.\nوبهذا البيان نصل إلى حقيقتين:\nأولهما: أن التزكية إحدى مهمات النبي ﷺ وغاية من غايات رسالته، بل سنعلم أنها غاية الرسالة والوجود الإنساني كله.\nوالثانية: أنها السبب في دخول الجنة، بل هي الصفة الواجبة التي من لم يتصف بها؛ لم يكن من أهل الجنة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>والآن يأتي سؤال آخر، وهو: ما الوسائل التي شرعها الله ﷾ وبينها رسوله للوصول إلى هذه الغاية؟ وبمعنى آخر: كيف تزكو النفس وتصبح طيبة؟ وما الذي صنعه الرسول حتى يقوم بهذا الواجب</span>؟\nللإجابة على هذا السؤال يجب أن نستعرض شرائع الإسلام كلها ونستقرئها جميعًا -سواء كانت عقائد أو عبادات أو معاملات- وننظر ارتباط هذا بالتزكية والتطهير. وسنتبين بهذا الاستقراء أنه ليس للتزكية أعمال خاصة من مجموع أعمال الدين وعقائده، بل جميع شرائع الإسلام وعقائده وآدابه إنما هي أعمال غايتها ونهايتها التزكية والتطهير.\nما دمنا عرفنا أن الزكاة هي الطيبة والطهر والبعد عن الدنس:\nفالتوحيد تزكية؛ لأنه اعتراف وإقرار بالإله الواحد الذي لا رب غيره، وهذا الاعتراف والشهادة تزكية؛ لأن الاعتراف بالحق فضيلة، وجحده وإنكاره رذيلة، وأي رذيلة؟! وليس هناك حق أكبر من الله ولا أجلى وأظهر منه عند كل ذي لب وعقل، وإنكار","vol":"1","page":28},{"text":"الله وجحده والشرك به أكبر الرذائل والتدسية، ولذلك قال تعالى:\n﴿إنما المشركون نجس﴾ (التوبة: ٢٨) .\nوذلك لنجاسة قلوبهم ونفوسهم بما تلبسوا به من شرك وجحود ونكران لصفات الله ﷾، وليست نجاستهم لما على أبدانهم من نجاستهم؛ فقد يتطهر كثير منهم ظاهرًا، ولكن؛ ما دام أحدهم متلبسًا بالشرك والكفر؛ فهو متلبس بالنجاسة المعنوية المدنسة للنفس والشعور.\nوالعبادات كلها -مالية أو بدنية- ما هي إلا عمليات تزكية؛ لأنها تربط القلب الخالق ﷾، وتذكره به، وبذلك تحصل التقوى للقلب، ومن اتقى وخاف ربه؛ ابتعد عن المحرمات، والمحرمات قاذورات، وفعل الخير طيبة وإحسان وبر وعدل. ولذلك كانت الصلاة على رأس هذه الأعمال؛ لأنها من أنجع الوسائل للوصول إلى هذه التزكية، فتكررها في اليوم والليلة، وذكر الله فيها، وحركاتها تصل القلب حقيقة بالله.\nقال تعالى: ﴿إن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر﴾ (العنكبوت: ٤٥) .\nوذلك لأنها تربي الواعظ وتورث التقوى.\nولذلك أفتى إمام أهل السنة أحمد بن حنبل ﵀ بأن الصلاة في الأرض المغصوبة باطلة، وذلك من عظيم فقهه؛ فقد رأى أن قيام المصلي وقعوده وذكره لربه في أرض اغتصبها يدل على كذبه وزوره وبهتانه ونجاسة قلبه؛ لأن هذا لو كان ذاكرًا لله حقيقة؛ لما أمسك هذه الأرض التي اغتصبها، بل لأنخلع عنها وردها إلى أصحابها.","vol":"1","page":29},{"text":"ولذلك أيضًا لما سئل رسول الله ﷺ عن امرأة تصوم النهار وتقوم الليل وتؤذي جيرانها؟ قال: [هي من أهل النار] (والحديث رواه أبو هريرة؛ قال: قيل للنبي ﷺ: إن فلانة تقوم الليل، وتصوم النهار، وتفعل، وتصدق، وتؤذي جيرانها بلسانها. فقال رسول الله ﷺ: [لا خير فيها، هي من أهل النار] . قال: فلانة تصلي المكتوبة، وتصدق بأتوار الأقط، ولا تؤذي أحدًا. فقال رسول الله ﷺ: [هي من أهل الجنة] \"الأحاديث الصحيحة (رقم ١٩٠) \" وقال الشيخ ناصر الدين: \"إسناده صحيح. رواه: البخاري في \"الأدب المفرد\"، وابن حبان، والحاكم، وأحمد\") .\nوالحكمة في هذا ظاهرة؛ إذ لو كانت هذه المرأة مصلية صائمة حقًا؛ لامتنعت عما يدنس النفس أقبح تدنيس، وهو إيذاء الجار.\nولذلك أيضًا قال ﷺ: [من لم يدع قول الزور والعمل به؛ فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه] (رواه البخاري) .\nوذلك أن الصائم الذي راقب الله -بزعمه- في تركه للطعام والشراب، ولم يستطع أن يراقبه في قول الزور والعمل بالزور: مبطلٌ في ادعاء خوف الله وتقواه، مبطلٌ لثمرة العبادة وغايتها وثمرة الصوم وغايته.\nولذلك لا يجوز لنا أن نفصل بين عبادات الإسلام وغايتها وثمرتها، فنظن أن أعمال القربات مقصودة لذواتها، وبذلك نفرغ العبادة من ثمرتها وغايتها.\nبل قرن الله ﷾ دائمًا بين العمل والثمرة؛ كما قال ﷿ في الصوم: ﴿كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ (البقرة: ١٨٣) .\nوقال تعالى عن غاية العبادة: ﴿يأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ (البقرة: ٢١) .\nففهم من هذا أن غاية العبادة كلها التقوى، وقد عبر الله هنا بـ ﴿لعل﴾ التي تفيد الترجي، والله لا يرجو شيئًا؛ لأنه ما شاء كان ﷾، ولكن الرجاء هنا بالنظر للعابد؛ لأنه ليس كل مؤد لهذه العبادة متقيًا، بل المنافقون يؤدون الطاعات والعبادات ظاهرًا وهم كافرون جاحدون.\nونفهم من هذا أيضًا أن","vol":"1","page":30},{"text":"من لم تحصل له هذه التقوى مع أدائه للعبادة؛ كان غاشًا في عبادته، مبطلًا فيها.\nفمن شأن العابد أن يكون تقيًا خائفًا من ربه محسنًا، وهذه التزكية والطيبة والطهر، والعبادة قد وضعت لذلك، ولا يكون المرء طيبًا طاهرًا بغير العبادة؛ أن الطاعة من التزكية، فطاعة الله الذي له الفضل علينا والمنة والنعمة هي أول صور المعروف والإحسان والاعتراف، ولذلك لا يتصور زكاة وطهر بغير طاعة أمر الله واجتناب نواهيه.\nوقد تكرر معنى \"العبادة للتقوى\" في آيات كثيرة من القرآن:\nكما قال تعالى: ﴿ولكم في القصاص حياةٌ ياأولي الألباب لعلكم تتقون﴾ (البقرة: ١٧٩) .\nوكقوله تعالى: ﴿وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون﴾ (الأنعام: ١٥٣) .\nوبهذا نصل إلى هذا المعنى الثالث من معاني التزكية، وهي أن شرائع الإسلام كلها؛ من: توحيد، وعبادة، وصلاة، وصيام، وزكاة، وحج، وبر الوالدين، وصلة أرحام، ونهي عن الفواحش والمنكرات، ومعاملات تحقق العدل والإحسان؛ ما كل ذلك إلا لتحقيق هذه التزكية.\nوهذه الأوامر والنواهي: إما أن تكون هي بذاتها من أركان هذه التزكية ولوازمها، وإما أن تكون مما يورث هذه التزكية ويؤدى إليها.\nومما يدلُّك على هذا المعنى جليا، بحيث لا يترك لنفسك فيه شبهة: أن تعلم أن الله وصف رسوله ﷺ بقوله: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ (القلم: ٤) .\nولقد كان هذا الخلق متمثلًا في العمل بكتاب الله، الذي تضمن كل أنواع التزكية؛ كما جاء في \"صحيح البخاري\": أن سعد بن","vol":"1","page":31},{"text":"هشام سأل السيدة عائشة ﵂ عن خلق الرسول ﷺ؟ فقالت: [كان خلقه القرآن] .\nولذلك قال رسول الله ﷺ: [إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق] (الأحاديث الصحيحة (رقم ٤٥)، وقال الشيخ ناصر الدين: \"رواه البخاري في: الأدب المفرد\"، وابن سعد في \"الطبقات\"، والحاكم، وأحمد، وابن عساكر\") .\nوحصر الرسول رسالته في هذا يعطيك الدليل الكامل على أن رسالة الإسلام كلها رسالة للتزكية والتطهير.\nإذا علمنا أن الإسلام دين تزكية وتطهير، وأن الرسول ﷺ لم يبعث إلا لهذا؛ فيجب علينا أن نعلم أيضًا أنه ﷺ قد أتم هذه التزكية منهجًا وعملًا.\nلأن الله أتم دينه ونعمته على رسوله والمؤمنين؛ كما قال تعالى:\n﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا﴾ (المائدة: ٣)\n\nومعنى هذا أنه لا يجوز الإحداث فيها؛ كما هو الشأن في جميع شؤون التقرب.\nوذلك أن الإحداث في العبادة يؤدي إلى الفساد والانحلال؛ فضلًا عن أنه مرفوض غير مقبول عند الله ﷾.\nوقد رأينا كيف انفتح هذا الباب على المسلمين، فدخل منه شر مستطير وبلاء عظيم؛ فمناهج إصلاح النفس والتربية التي اندرجت تحت اسم التصوف قد جمعت في طياتها بلاء لا حصر له ولا حد، وامتد الفساد من حقل التربية والأخلاق والتعبد إلى وضع الحديث وإفساد العقيدة وتحطيم الشرع الذي سموه بالظاهر، وفتح الباب للخرافات والخزعبلات والترهات، ثم وقوع الشرك وعبادة غيره ﷾، ثم الفلسفات الهالكة؛ كالقول بوحدة الوجود","vol":"1","page":32},{"text":"والحلول وغير ذلك من عقائد الفرس والهنادك، ثم إسقاط التكليف جملة، والقول في القضاء والقدر بمراد الله مطلقًا، حيث جعل المطيع والعاصي سواء، بل فضَّل العاصي على الطائع..\nوقد فصلنا هذا الفكر بحمد الله في كتابنا \"الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة\".\nوفي مقابل هذا الفكر الصوفي قام الجمود الفقهي الذي جعل النصوص حرفيات مرادة لذاتها، وظواهر لا معنى وراءها، وخاصة بعد أن صُبَّت أحكام الكتاب والسنة في قوالب من صنع البشر، أشبه بقوالب التقنين.\nوبعد أن بعد الناس عن المصدر الأصيل -كتاب الله وسنة رسوله-؛ تعاملوا مع هذه القوالب الكلامية البشرية، ولم يشعروا تجاهها بتلك الرهبة والتقديس؛ كما يكون التعامل مع كلام الله وكلام رسوله ﷺ، ولذلك سهل عليهم التحايل على هذه القوالب، فأحلت معاملات كثيرة: ظاهرها العقد الشرعي، وباطنها الحرام، ومن ذلك: بيوع العينة، ونكاح المحلل، والربا في صور البيع، والزنى بصورة الهبة دون ولي وإشهاد.\nثم توسع الناس في اتباع الأقوال والآراء، فأصبح كل قول في الدين حجة ما دام أنه لشيخ ما أو لعالم ما، وبذلك ضعف الوازع، وانهدم ركن الأخلاق، وفسدت مناهج التزكية التي ما جاء الإسلام إلا لأجلها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>والمنهج السلفي يقوم بين المنهجين السابقين:</span>\nمنهج التصوف ومنهج الظاهر الفقهي، فيحل التزكية محلها من دين الله سبحانه","vol":"1","page":33},{"text":"وتعالى، فيجعلها غاية للمسلم؛ يسعى إليها ويتخذ لها الوسائل المشروعة التي جاء بها الكتاب والسنة؛ فلا تزكية بغيرهما، ولا تزكية دونهما أبدًا.\nوبذلك يبطل في هذا المنهج جميع الاجتهادات العبادية والسلوكية التي ابتدعت في المنهج الصوفي؛ من الانفراد في الخرائب والقبور، والعيش على طعام بعينه، والعزلة مدة محددة، وترك النظافة والتطهر، وترك الكلام، والجلوس في الشمس، وتعذيب النفس بشيء لم يأت به الشارع، وقراءة الأذكار المبتدعة، والرقص والغناء والسماع الشيطاني الذي أصبح من لوازم الطرق الصوفي.\nوكذلك يبطل المنهج السلفي هذا السعي الضال وراء ما يسمى بالفتوحات والكشوف، التي ما هي إلا وساوس شيطانية وأفكار فلسفية إلحادية، كشفنا زيفها في كتابنا الآنف؛ فارجع إليه؛ لتقف على هذه الحقائق العجيبة.\nويبطل في المنهج السلفي هذه الظاهرية الجامدة التي تتعامل مع نص وتنسى أهدافه وغاياته، وهذا الفقه الأعوج الذي جعل كل قول في الدين حجة، وكل فتوى -لا دليل عليها- حكمًا شرعيًا، وبذلك استحلت الحرمات، وفسدت مناهج الإصلاح، وأظلمت النفوس، وخبا فيها نور الوحي السماوي: كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.\nوالمنهج السلفي للإصلاح والتربية والسلوك والتزكية لا يجعل مثلًا أعلى في هذا إلا رسول الله ﷺ، إذ هو أطهر البشر نفسًا، وأعلاهم مقامًا، وأقومهم خلقًا وأرشدهم طريقة ومنهجًا؛ كما قال رسول","vol":"1","page":34},{"text":"الله ﷺ: [إن أعلمكم بالله وأتقاكم لله: أنا] .\nولذلك يجعل هذا المنهج السلفي سنة الرسول ﷺ وخلقه هي الأساس بعد كلام الله في التزكية والتطهير والاتباع.\nوكذلك يجعل سيرة الصحابة الأول ورجال الصدر الأول الذين تمثلوا القرآن والسنة قولًا وعملًا وخلقًا قدوة في التزكية؛ فهم المُثُل الحية لزكاة النفس وطهارتها، ولا يقاس بهم من بعدهم أبدًا؛ فهم خير القرون وأنفعها للمسلمين، ويأتي بعدهم التابعون بإحسان، والعلماء العاملون في كل عصر؛ وفق ذلك المنهج السلفي الذي شرحنا أصوله آنفًا.\nفالعلماء الذين اتبعوا منهج الكتاب والسنة؛ توحيدًا، واتباعًا، وتزكيةً، ولم يقعوا في الشرك الظاهر، أو التأويل الباطل، أو ظلال السلوك، وترهات التصوف: هم القدوة بعد الصحابة والتابعين.\nوبهذا يتحدد المنهج السلفي في التزكية.\nإنه امتثال حقيقي لا ظاهري صوري لكلام الله وكلام رسوله.\nونعني بالامتثال الحقيقي: الذي يكون باطنًا وظاهرًا، حقيقة لا تصنعًا، إيمانًا لا نفاقًا، وزكاةً وطهرًا لا خبثًا ولؤمًا، وطيبة يستحق المرء معها أن تسلم عليه ملائكة الله على باب الجنة: ﴿طبتم فادخلوها خالدين﴾ (الزمر: ٧٣) .\nفنسأل الله أن يجعلنا من أولئك الأبرار الصالحين.","vol":"1","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>الباب الثالث أهداف الدعوة السلفية</span>\nليست الدعوة السلفية -كما أسلفنا القول- دعوة إلى شعبة من شعب الإيمان، ولا لقضية واحدة من قضايا الإسلام، وليست هي دعوة إصلاحية اجتماعية، ولا دعوة سياسية حزبية، وإنما هي دعوة الإسلام.. الإسلام بكل ما تعني هذه الكلمة من معاني العزة والسيادة والإصلاح والعدل والفلاح في الدنيا والآخرة.\nوالإسلام دين الله للعالمين؛ فليس هو دين وطن بعينه، ولا شعب بالذات، وإنما هو دين الأرض كلها والناس جميعًا.\nولذلك؛ فالدعوة السلفية كذلك ليست دعوة وطن بعينه، ولا شعب بعينه، وإنما هي المنهج المنضبط لفهم الإسلام والعمل به؛ كما أسلفنا هذا في تعريف هذه الدعوة.\nوينبني على القضية السابقة: أن أهداف الدعوة السلفية هي أهداف دعوة الإسلام، وذلك أنها ليست حزبًا دينيًا بمفهوم العصر، ولا حزبًا سياسيًا.. إنها منهج ودعوة وطريق لفهم الإسلام والعمل به.\nوها هي أهداف هذه الدعوة التي هي نفسها أهداف الدعوة الإسلامية:\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>أولا: إيجاد المسلم الحقيقي:</span>\nجاءت شريعة الإسلام أول ما جاءت لصناعة المسلم، إن صح هذا التعبير، وهو صحيح؛ لقوله تعالى لموسى: ﴿ولتصنع على عيني﴾ (طه: ٣٩) .","vol":"1","page":36},{"text":"فصناعة الرجال هي مهمة الدعوة الإسلامية.. الرجال بمفهوم الرجولة الكامل..\nوالإنسان بمفهوم الإنسان الكامل.. والمرأة المسلمة بالمفهوم الصحيح أيضا..\nوالمسلم الحق والمسلمة الحق يشترط فيهما هذه الشروط، وهي: التوحيد، والامتثال، والتزكية.\nالمسلم الحق هو الذي يشهد لله بالوحدانية، ويمتثل أوامره، ويبتعد عن نواهيه ما استطاع، ويزكي نفسه بهذا الدين ما استطاع.\nومناهج هذه التربية هي مناهج الدعوة السلفية التي أسلفنا فيها القول تحت عنوان: (الأصول العلمية للدعوة السلفية) .\nوإذا قلنا: المسلم الحق؛ فإنما نعني التفريق بين هذا الغثاء المنسوب للإسلام زورًا وبهتانًا وبين المسلم بمفهومه الصحيح الآنف.\nفالذين ينسبون إلى الإسلام، وهم يمارسون الشرك قولًا واعتقادًا، ويبدلون آيات الله ويحرفونها، ويتحاكمون إلى غير شرعه، ويعادون سنة نبيه، ويستهزئون بها؛ كل أولئك لا يجوز الحكم لأحد منهم بالإسلام.\nوقد فصلنا هذا بحمد الله تفصيلًا سهلًا موجزًا في كتابنا \"الحد الفاصل بين الإيمان والكفر\".\nوالمهمة الأولى للدعوة السلفية هي مهمة التعليم والتربية والصناعة بعد التعريف والبيان بالمفهوم الحقيقي للإسلام.\nوهذه مهمة عظيمة؛ لقوله ﷺ: [فوالله؛ لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم] (رواه البخاري) .\nفهداية فرد واحد للإسلام نعمة عظيمة وعمل جليل، أيا كان هذا الفرد: سيدًا أو","vol":"1","page":37},{"text":"عبدًا، فقيرًا أو غنيًا، عاجزًا أو قويًا، وحسبنا أن الله ﷾ عاتب رسوله ﷺ؛ لأنه انصرف عن عبد الله بن أم مكتوم الأعمى إلى سيد من سادات قريش؛ يدعوه، ويلح عليه؛ منصرفًا عن هذا الذي جاء يطلب الهداية.\nقال تعالى: ﴿عبس وتولى* أن جاءه الأعمى* وما يدربك لعله يزكى* أو يذكر فتنفعه الذكرى﴾\n(عبس: ١-٤) .\nيعني الله ﷿ هذا الأعمى.\nثم قال: ﴿أما من استغنى* فأنت له تصدى﴾ (عبس: ٥-٦) .\nأي: هذا القرشي الذي رأى نفسه مستغنيًا عن دعوة الله، فتتصدى أنت له؟!\n\nقال: ﴿ما عليك ألا يزكى﴾ (عبس: ٧) .\nأي: ما يضيرك لو لم يتزك هذا المستكبر المستغني.\nثم قال: ﴿وأما من جاءك يسعى* وهو يخشى* فأنت عنه تلهى﴾ (عبس: ٨-١٠) .\nأي: لا تفعل! لا تتلهى عن هذا الذي جاءك يخاف الله ويطلب مرضاته!\nويعنينا الآن أن نفهم أن هذه المهمة الأولى والهدف الأول للدعوة الإسلامية هو مقصود الرب جل وعلا، وهو بذل الهداية؛ ليهتدي من يوفقهم الله، ويشرح صدورهم، أيًا كان هؤلاء.\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>ثانيًا: المجتمع المسلم الذي تكون كلمة الله فيه هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى:</span>\nالهدف الثاني للدعوة السلفية هو إيجاد المجتمع المسلم الذي يقوم بتآلف تلك اللبنات التي ربيت على أساس الإسلام عقيدة ومنهجًا.\nوذلك أن لله أحكامًا في المعاملات، والحدود، والسياسات","vol":"1","page":38},{"text":"العامة، والحكم؛ لا يمكن تطبيقها؛ إلا بأن يدين المجتمع بدين الله، ويذعن لشريعته.\nوكذلك لا يجد المسلم بالمفهوم الحقيقي لمعنى الإسلام متنفسه وراحته وأمنه وطمأنينته إلا في ظل مجتمع مسلم؛ يحكم بشرع الله، ويعظم حرماته، ويحي شعائره.\nومنذ أن غلب الكفار على أرض الإسلام فمزقوها وأحلوا كفرهم وأنظمتهم وشرائعهم محل شريعة الله ونظامه، والمسلمون في جميع أمصارهم يعانون من هذا البلاء، ويحنون في شوق ولوعة إلى العيش في ظل نظام إسلامي صحيح، تشيع فيه المحبة بين الحاكم والمحكوم، وتختفي فيه المظالم، ويأمن الناس على أموالهم وأعراضهم، وتسود فيه المحبة والإيثار والإخلاص، ويرجع به للمسلمين عزهم ومجدهم الغابر، ويرتفع به الظلم والحيف والفتنة الواقعة على المسلمين في أغلب البلاد.\nولكن مناهج الدعوات للوصول إلى هذه الغاية قد تشعبت وتشتت، وكل منهج في الإصلاح والتربية يحتكر الوصول إلى الهدف وحده؛ غير مقدر للعقبات الهائلة التي وضعت في هذا السبيل.\nومن هذه العقبات على طريق المثال لا الحصر: تلك الردة الجماعية الهائلة في الشعوب الإسلامية، وذلك بعد الصياغة الرهيبة التي صيغت بها عقول أبناء المسلمين، وذلك بالثقافة والقيم المنافية للإسلام، وقد ساعد على هذه الصياغة وسائل الإعلام الضخمة التي","vol":"1","page":39},{"text":"تملكها أيدي غير إسلامية، ومناهج التعليم التي وضعت بأمر المستعمر وتخطيطه.\nأقول: لم يقدر أصحاب مناهج الإصلاح والدعوات الإسلامية ضخامة العبء الواقع في طريق إقامة مجتمع إسلامي، وتصوروا قيامه بين عشية وضحاها، وبجهود مئة فرد أو مئتين، أو ألف أو ألفين، ولم يدروا أن الأمر أصبح أعظم من هذا؛ إذ يحتاج إلى جهاد وصبر طويل وسنين طويلة؛ في التربية، والتعليم، ونشر الإسلام الصحيح، والتعاون الكامل بين جميع العاملين في حقل الدعوة إلى الله؛ طبقًا للأصول العلمية السلفية السابقة.\nومما يحيرك في أمر تلك المناهج المشار إليها آنفًا أنهم عندما يتخيلون مجتمعًا إسلاميًا وحكمًا إسلاميًا؛ فإنهم لا يجعلون الحكم العثماني مثلًا نموذجًا له، ولا يتواضعون فيرضون أن يكون على مثال الحكم العباسي، ولا يعجبهم أيضًا أن يكون على طراز أموي.. يريدون أن تكون خلافة راشدة.. وأيضا كحكم الشيخين أبي بكر عمر!!\nوهذا التصور حسن في ذاته، ولكن هؤلاء المتشدقين بالحكم الإسلامي، الزاعمين الدعوة إليه؛ لا تجد في أخلاقهم وأعمالهم وسلوكهم وعلمهم ما يؤهلهم أن يكونوا أفرادًا من هذا المجتمع؛ فضلًا عن أن يكونوا مسؤولين عن إقامته؛ فالأثرة، وحب النفس، والشح، والخوف، والاستبداد، والتعصب للرأي المخالف، والمجادلة بالباطل؛ كل هذه أمراض بلوناها في كثير من هؤلاء المتشدقين، وهي أمراض يسيرة إذا قيست بما هو أعظم منها مما لا يحسن ذكرها","vol":"1","page":40},{"text":"في هذه الخلاصة.\nوالمهم أن أولئك الحالمين بالحكم الإسلامي المتشدقين به بعيدون بعد المشرق والمغرب عن أهدافهم التي يدعونها، فضلًا عن تعجلهم وجهلهم الفاضح بمجريات الأمور من حولهم، ولذلك تتبدد طاقتهم، وتذهب جهود العاملين معهم أدراج الرياح.\nومما يجعل تلك المناهج بعيدة كل البعد عن أهدافها: عدم وضع أصول محددة لفهم الإسلام والعمل به.\nوبذلك يصطدم أفراد الدعوة بالاجتهاد الفردي الذي لا يحتكم إلى أصول واحدة، أو بالواقع المرير الذي تحياه أمة الإسلام، فيقع التمزق والضياع، أو اليأس ثم الانحراف.\nوقد ظهرت جماعات كثيرة، كثر أفرادها، ولكن سرعان ما تشتت وتمزقت وحدتها؛ لأن أصول فهم العقيدة والشريعة والعمل بالإسلام لم تكن واضحة محددة.\nوالمنهج السلفي يراعي هذا كله؛ فيؤسس بنيانه على أصول ثابتة لفهم الكتاب والسنة وتوحيد الكلمة والوصول إلى الحق، ويربي أفراده تربية سليمة وفق الأصول العلمية السابقة: التوحيد، الاتباع، التزكية، ويراعي حاضر العالم الإسلامي في الوقت الحاضر، والعقبات العظيمة التي وضعت في سبيل استئناف المسلمين لحياة إسلامية كاملة في ظل حكم إسلامي كامل، فيصلح ما استطاع، ويوحد جهود العاملين للإسلام ما أمكن، والملك كله بيد الله وحده.\n﴿قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك","vol":"1","page":41},{"text":"ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شئ قدير﴾ (آل عمران: ٢٦) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>ثالثا: إقامة الحجة لله:</span>\nكان من أهداف بعثة الرسل أن ينذروا الكافرين والمعاندين حتى لا يكون لهم عذر عند الله يوم القيامة؛ كما قال تعالى: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبرهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهرون وسليمن وءاتينا داود زبورًا* ورسلًا قد قصصنهم عليك من قبل ورسلًا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليمًا* رسلًا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزًا حكيمًا﴾ (النساء: ١٦٣-١٦٥) .\nوأتباع الرسل يقومون بهذه المهمة بعد لحوق الرسل بربهم، وهي أن يبشروا الناس وينذروهم حتى لا يكون للمعاندين منهم حجة أمام الله يوم القيامة؛ كما قال ﷾: ﴿قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحن الله وما أنا من المشركين﴾ . (يوسف: ١٠٨) .\nفأتباع الرسول ﷺ هم خلفاؤه في مهماته -إلا النبوة والرسالة-؛ فجهاد الكافرين، وتنفيذ أحكام الله، والدعوة إليه، والتبشير، والإنذار؛ كل هذه من مهمات الرسل وأعمالهم، وهي واجبة أيضًا في حق أتباعهم والسائرين على منهاجهم.\nوالمدعو إما أن يستجيب للدعوة، فيهتدي، فيتحقق بذلك","vol":"1","page":42},{"text":"الهدف الأول من أهداف الدعوة، وهو بذلك الهدف الثالث للدعوة، وهو ما نحن بصدده الآن؛ أي: تقوم عليه الحجة، وينقطع عذره عند الله ﵎.\nوفي هذا من الأمر ما فيه؛ لقوله تعالى: ﴿ليس عليك هداهم ولكن الله يهدى من يشاء﴾ (البقرة: ٢٧٢) .\nوقوله تعالى: ﴿إن عليك إلا البلاغ﴾ (الشورى: ٤٨) .\nوقوله تعالى: ﴿إنما أنت منذر﴾ (الرعد: ٧) .\nفعلم من هذا أن الأمر موكول بالدعوى ليس إلا، وأما الهداية؛ فإنها من فعل الله ﷾، والله يجريها على من شاء من عباده؛ توفيقًا وإحسانًا، نسأل الله أن يجعلنا ممن يجري الخير على يديه؛ إنه هو السميع العليم.\nوخلاصة هذا الهدف من أهداف الدعوة هو أن الداعي إلى الله إن لم يتحقق هدفه الأول ويهتدي من يدعوه إلى الله ﵎؛ فلا يظنن أن عمله قد ذهب سدى، بل قد أدى واجبه الحقيقي، وهو إقامة الحجة لله، وقطع عذر هذا المعاند أمام ربه يوم القيامة.\nوإقامة الحجة تكون في أصل الإسلام -وهو الشهادتين- كما تكون في أركانه.\nفمن أقر بالشهادتين، وادعى أنه ناج يوم القيامة؛ دون الصلاة؛ أقيمت عليه الحجة في ذلك بالآيات والأحاديث.\nوكذلك الشأن في أركان الإسلام م، بل وفي الواجبات والمحرمات عامة.\n\nفإقامة الحجة على مسلم معاند -وليس من شأن المسلم أن يعاند في ترك واجب أو فعل حرام- واجبه أيضًا؛ لأنها من الدعوة إلى دين","vol":"1","page":43},{"text":"الله ﵎.\nوبهذا ينفرد المنهج السلفي ببيانه لأصول الإسلام وفروعه وآدابه ومستحباته.\nوبذلك يظل العمل بالإسلام كاملًا على مدار الزمن؛ لأن إهمال السنن يؤدي إلى إهمال الواجبات، وإهمال الواجبات يؤدي إلى نقض التوحيد.. وهكذا.\nوالمحافظة على شريعة الإسلام كاملة في العلم والتطبيق هو أحد غايات المنهج السلفي لفهم الإسلام والعمل به.\nولذلك؛ فنحن في المنهج السلفي لا نبرم بإيضاح سنة مهملة، ولا ببيان واجب؛ لأننا نرى أن كل هذه الفرعيات تلتقي مع الأصل الأصيل، وهو إبراز الإسلام دائمًا في صورته الكاملة النقية على مدار العصور، وذلك لتبقى شخصية المسلمين واضحة جلية مميزة حتى يرث الله الأرض ومن عليها.\nوأصحاب المناهج الأخرى يهتمون بقضايا بعينها من الدين، ويهملون سائره، بل ويضيقون ببيانه لهم وحثهم عليه، وما هذا إلا لجهلهم بحقيقة الدين، وذلك أن ترك نصيب وحظ وقسم مما أمر الله به يورث العداوة والبغضاء؛ كما قال تعالى: ﴿ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة﴾ (المائدة: ١٤) .\nوهكذا عاب الله على اليهود إيمانهم ببعض آيات الكتاب وكفرهم بالبعض، وما كان كفرهم إلا تركهم العمل به.\nوهكذا يحل بالمسلمين إن هم نسوا بعض ما وعظهم الله به وذكرهم وبعض ما أوجبه عليهم رسوله ﷺ.","vol":"1","page":44},{"text":"ولذلك؛ فالدعوة السلفية دعوة شمولية لأركان الإسلام ومناهجه جميعًا: ﴿يأيها الذين ءامنوا ادخلوا في السلم كافةً ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين﴾ (البقرة: ٢٠٨) .\nفالعمل بجزء من الشريعة وترك جزء آخر من اتباع خطوات الشيطان، الذي يبرر لبعض العاملين في الحقل الإسلامي ترك الواجبات وفعل كثير من المحرمات بدواعي المصلحة المزعومة للدعوة ...\n\nوالخلاصة: أن إقامة الحجة تكون بالبيان الدائم لأصول الإسلام وفروعه ... هذا البيان الذي لا يترك في الحق لبسًا حتى ينقطع العذر، ولا يكون لأحد العدول عن فعل الواجب وترك الحرام.\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>رابعًا: الإعذار إلى الله بأداء الأمانة:</span>\nالدعوة إلى الله ﵎ واجب حتم في الإسلام وأمانة في عنق كل مسلم حمل علمًا وأمكنه الله من نشره وإبلاغه، وذلك لأدلة كثيرة جدًا؛ منها قوله تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله﴾ (آل عمران: ١١٠) .\nومعنى الآية أن المسلمين لم يكونوا خير أمة إلا بذلك.\nوقوله تعالى: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ (١٠٤) .\nومعنى ﴿منكم﴾ هنا: البدء لا التبعيض؛ أي: لتكونوا أمة داعية إلى الخير؛ كما أقول: ليكن منك رجل صالح؛ أي: لتكن أنت رجلًا صالحًا.\nوكذلك قول الرسول","vol":"1","page":45},{"text":"ﷺ: [من رأى منكم منكرًا؛ فليغيره بيده، فإن لم يستطع؛ فبلسانه..] الحديث (رواه مسلم) .\nإلى أدلة كثيرة لا تحصى كثرة.\nوالمسلم عندما يدعو إلى الله؛ فإنما يقوم بأداء هذه الأمانة، ويخلي مسئوليته أمام الله ﵎؛ كما قال تعالى عن الذين وعظوا إخوانهم من بني إسرائيل، حيث اعتدوا على حرمة السبت، فصادوا السمك محتالين على شرع الله: ﴿قالوا معذرةً إلى ربكم ولعلهم يتقون﴾ (الأعراف: ١٦٤) .\nفإن الناهين عن المنكر قال لهم بعض الناس: ﴿لم تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا﴾ (الأعراف: ١٦٤) .\nأي أنهم لن يرجعوا عن غيهم وضلالهم، فقالوا المقالة السابقة: ﴿قالوا معذرةً إلى ربكم ولعلهم يتقون﴾ (الأعراف: ١٦٤) .\nأي: نقوم بالدعوة إعذارًا إلى الله، حتى نعذر عند الله بأننا قمنا بأداء الأمانة، ثم لعل هؤلاء الذين آيستم منهم يرجعون إلى الله سبحانه، والعلم عنده وحده.\nوبهذا؛ فالداعي على المنهج السلفي لا بد وأن يجعل نصب عينيه أنه سيتحقق له هدفان ولا بد:\nالأول: أن يعذر إلى الله بأداء الأمانة.\nالثاني: أن يقيم الحجة لله على المعاندين من خلقه.\nوأما الهدفان الباقيان؛ فالأمر فيهما بيد الله ﷾ وحده، إن شاء أن يعجل بهما؛ فعل، وإن شاء أن يؤجل ذلك؛ فعل، وهما: هداية الناس، وإقامة شرعه في الأرض.\nفالأولى يقول الله فيها: ﴿إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء﴾ (القصص: ٥٦) .\nوالثانية يقول الله فيها: ﴿وعد الله الذين ءامنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئًا﴾ (النور: ٥٥) .\nفالاستخلاف فعل الله: ﴿والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ (يوسف: ٢١) .\nوالعجلة في تحقيقه من الذين يجهلون سنن الله في الناس.\nولهذا؛ فإن السائر في طريق الدعوة السلفية لا ييأس أبدًا، ولا يذهب عمله سدى؛ لأنه لا بد أن يحقق نصف مراده على الأقل، ويبقى دائمًا مترقبًا فضل الله بهداية الناس إلى طريقه وتمكين أهل الإيمان في الأرض، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله واسع عليم، وهذا هو النصف الآخر، وهو من فعل الله لا من فعل العبد، وما النصر إلا من عند الله؛ كما قال تعالى: ﴿إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾ (محمد: ٧)، فلننصر الله ﷿ بأن نكون أولًا مؤمنين حقًا، وذلك باتباع المناهج السابقة في الإيمان والعمل، ثم ندعو إلى الله على بصيرة؛ باذلين النفس والمال في سبيل الله، ولنعلم أن من جاهد فإنما يجاهد لنفسه، إن الله لغني عن العالمين.\nونحن ندعو الناس في مشارق الأرض ومغاربها إلى الإيمان بهذه الدعوة بعد تمحيصها","vol":"1","page":null},{"text":"والتثبت من قضاياها والتعرف على منهجها، وسيعلمون كما علمنا أنها المنهج الوحيد لفهم الإسلام والعمل به، سيذوقون حلاوة الإيمان ولذته؛ لأن إيمانهم سيكون إيمان يقين وعلم، لا تقليدًا وحمية وجهلًا، وسيكون اندفاعهم للعمل اندفاع الواثق العالم المطمئن، لا اندفاع العاطفة وفورة الحماس الموقوتة، التي سرعان ما تتبدد وتضمحل.","vol":"1","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>الباب الرابع مميزات الدعوة السلفية</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-33> أولًا: تحقيق التوحيد:</span>\nمن الحقائق الأساسية لفهم الدين أن ندرك أن غاية الدين وهدفه النهائي هو توحيد الله ﷾؛ فالتوحيد هو خلاصة الدين، وغايته.\n- إذا جئت إلى مسائل الإيمان؛ وجدت أن أصلها (لا إله إلا الله)، ووجدت أن الإيمان بالملائكة والكتب واليوم الآخر والرسل والقضاء والقدر، وهي الأركان الباقية؛ كل هذه الأركان الخمسة تعود إلى الركن الأول:\n- فالملائكة هم جند هذا الإله الواحد، الذين يعبدونه ويوحدونه ويطيعون أمره.\n- والرسل هم الداعون إليه.\n- والكتب هي التي تضمنت أمره ونهيه ووعظه وصفته وأعماله بأهل طاعته وأهل معصيته.\n- واليوم الآخر هو اليوم الذي حدده هذا الإله ليحاسب فيه خلقه.\n- والقضاء والقدر هو فعله وتقديره.\nوكل ما يتعلق ويتصل بهذه الأركان الخمسة من مسائل العقيدة فهو راجع إلى ذلك:\nفالجنة هي دار أوليائه، والنار هي الدار التي أعدها لأعدائه، وكذلك القبر والحساب والميزان ... الخ كل أمور الغيب هي من خلقه وتدبيره وتصريفه ووفق مشيئته سبحانه؛ فالعقيدة كلها والإيمان كله راجع إلى شيء واحد هو الإيمان بالإله الواحد ﷾.\n- هذا في العقيدة، وأما الأعمال؛ فهي كذلك أيضًا تعود كلها في النهاية إلى التوحيد:\n- فأشرف الأعمال على الإطلاق هي العبادات، وأشرف العبادات وأعلاها منزلة هي أركان الإسلام الأربعة بعد التوحيد، وأشرف هذه الأركان بعد التوحيد هي الصلاة ...\nوالعبادات كلها ما سميت عبادات إلا لأنها يتقرب بها إلى الإله الواحد ﷾.","vol":"1","page":null},{"text":"- وأشرف التقرب هو الصلاة، وذلك أنه خطاب ومناجاة بين العبد والرب، وفيها تظهر العبودية ظاهرة جلية، وخاصة وقت السجود الذي يصور كمال ذل المخلوق نحو ربه وخالقه ومولاه ﷾، ولذلك قال ﷺ: [أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد] .\nوذلك أن العبد لما ذل لله وخضع على هذا النحو؛ تقرب الله منه وأحبه وآواه.\n\n- وهكذا سائر الأركان؛ فالصوم تذكير بالله وتعليم لتقواه، والزكاة كذلك رأفة وإعانة للفقير ابتغاء مرضاة الله، والحج ما قصد به إلا تعظيم الخالق ﷾ وتوحيده.\n* وإذا تركت العبادات وأتيت إلى حدود الإسلام؛ وجدت أن الحدود هي شرع الله، وهي الفواصل التي وضعها للتفريق بين ما يجوز وما لا يجوز، وأنها العقوبات التي رتبها على أهل معصيته في الدنيا، ولذلك كانت الحدود توحيدًا، أو هي من أجل التوحيد وعبادة الإله الواحد.\n* وهكذا سائر المعاملات هي من حدوده وشرعه سبحانه، الذي ارتضاه لخلقه، والذي يأبى أن ينازعه فيه منازع؛ كما قال سبحانه: ﴿إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه﴾ (يوسف: ٤٠) .\n* وكذلك الأخلاق لا تكون أخلاقًا صالحة إلا إذا كانت وفق شرعه، ولا يثاب عليها صاحبها إلا إذا أديت ابتغاء مرضاته.\nفالإحسان إلى الوالدين والأقارب والزوجات والأولاد والجيران والأصدقاء والخلان، والعدل بين الناس، ورحمة المسكين، والعطف على الفقير، والصدق، والشجاعة، وكل هذا من الأخلاق الطيبة: لا يكون طيبًا إلا إذا كان في حدود أمر الله.","vol":"1","page":null},{"text":"فالإحسان إلى الوالدين له حدود في الشرع، ولا يكون الإحسان إحسانًا إلا إذا وافق شرع الله وحدوده، ولا يثاب عليها صاحبها إلا إذا عملها ابتغاء مرضاة الله ﷾؛ كما قال جل وعلا: ﴿لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا﴾ (النساء: ١١٤) .\nفبعد أن بين ﷾ أن الصدقة والأمر بالمعروف والإصلاح بين الناس من الخير؛ بين تعالى أنه لا ينال ثواب هذا الخير إلا من فعله ابتغاء مرضاة الله ﷾.\nوبهذا العرض السريع الكامل لعقائد الإسلام وعباداته ومعاملاته وأخلاقه؛ يتبين لنا أن الهدف والغاية من وراء ذلك كله هو توحيد الله ﷾، وهذا يعني أن التوحيد هو أعظم قضية في الدين، وأنه يجب فهمها فهمًا سليمًا، وتعلمها تعلمًا كاملًا، وربط جميع فروع الدين صغيرها وكبيرها بها..\n\nوهكذا كان الرسل صلوات الله عليهم جميعًا ما بعثوا إلا بالتوحيد؛ قال تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾ (النحل: ٣٦) .\nوقال تعالى: ﴿قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد﴾ (الأنبياء: ١٠٨) .\nوقد جعلها الله بصيغة الحصر؛ أي: لا يوحى إلي إلا هذا، فكأن دعوة الرسول ما كانت إلا من أجل التوحيد، بل ليس الموحى به إلا التوحيد..\nولذلك؛ فالدعوة السلفية المعاصرة والسالفة لا همَّ لأصحابها وحاملي لوائها -ولا يجوز أن يكون لهم همُّ- إلا إخلاص الدين لله، وتحرير قضية التوحيد، وتفهيمه على وجهه الصحيح.. التوحيد بكل معانيه.","vol":"1","page":null},{"text":"فمعرفة الرب كما وصف نفسه ووصفه رسوله هو أصل التوحيد وبدايته؛ فلا بد من معرفة الرب معرفة صحيحة، ولا طريق لهذه المعرفة إلا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فمن آمن برب ما، ولكنه لا يعرف هذا الرب؛ فما وحد الله كما ينبغي له، بل لا بد أن يشهد لله بما شهد لنفسه سبحانه من الصفات الجليلة؛ كالرحمة، والعلم، والسمع، والبصر، والعلو عن خلقه، ومحبته للطائعين، وبغضه للعاصين الكافرين، واستوائه على عرشه الذي هو سقف مخلوقاته، وكلامه لرسله، ورؤية المؤمنين له في الجنة، وإرادته النافذة في أحبابه وأعدائه.. الخ صفاته الجليلة الكريمة التي وصف بها نفسه مادحا لها، سبحانه لا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه.\nويأتي بعد هذا الأصل من أصول التوحيد أصول أخرى؛ من محبة هذا الإله، والتقرب إليه وحده، ونبذ جميع أصناف الشرك؛ من دعاء غيره، والرغبة إلى سواه، والخوف مما عداه، ونبذ الخرافات والأوهام.\nومن أصول التوحيد نسبة الفضل إلى الله وحده؛ فمنه الخير لا من سواه، وهو الذي يدفع الضر ولا يدفعه أحد غيره.\nويأتي بعد ذلك من أصول التوحيد إقامة شرعه في الأرض، والتحاكم عند الخلاف إلى ما أنزله وإلى ما حكم به رسوله لا إلى شيء غير ذلك.\nويأتي بعد ذلك من أصول التوحيد إخلاص النيات له في التقرب والطاعة ورجاء المثوبة منه والخوف من عقابه.. إلى أصول وفرعيات كثيرة للتوحيد؛ من جمعها وعلمها وعمل بمقتضاها؛ عرف الله حقًا وعبده حقًا..","vol":"1","page":null},{"text":"والدعوة السلفية تجعل كل هذا نصب عينها، فتدعو الناس أولًا إلى هذه القضية الكلية (توحيد الله)، ثم تبدأ بعد ذلك في تفصيل فرعياتها وجزئياتها، فلا يزال الفرد الذي يسير في الطريق السلفي يرقى كل يوم درجة من درجات سلم التوحيد، ويضيف كل يوم مسألة من مسائله، فلا يمر عليه وقت يسير حتى يكون بحول الله وتوفيقه وحمده موحدًا خالصًا، كل يوم في زيادة من دينه.","vol":"1","page":null},{"text":"وبهذا تفترق الدعوة السلفية عن كل ما عداها من دعوات الإصلاح الجزئية التي تنسب إلى الإسلام، وذلك أن هذه الدعوات تبدأ من جزئية من جزئيات الدين، كأن تحاول تصحيح الحكم والسياسة، وهذه جزئية من جزئيات الدين، وترى أن الوصول إلى تحقيق هذه الجزئية لا يكون إلا بتجميع الناس وعدم تنفيرهم، حتى يساعدهم الناس في الوصول إلى الحكم، ويرون أن تجميع الناس لا يتأتى لهم إلا بالسكوت عن أخطائهم العقائدية، وبذلك يندس فيهم المشركون، والذين يدعون غير الله، ويندس فيهم أيضًا أهل الأهواء من طلاب الرياسات والزعامات؛ لأنهم يرون أن طريقهم موصل لذلك، ويسكتون عن كثير من البدع العقائدية والخرافات، حتى لا ينفروا الناس من دعوتهم في زعمهم، ويخترعون لهذا ما يسمونه بـ (مصلحة الدعوة)، فيحلون كثيرًا من المحرمات، ويحرمون كثيرًا من الطاعات، وقد يكون هذا في مصلحتهم كحزب يسعى إلى الحكم والرياسة، ولكنه حتمًا ليس في مصلحة الدعوة الإسلامية التي يقوم أساسها على التوحيد الكامل، وليس أساسها على الحكم والرياسة؛ فتصحيح الحكم والسياسة من الدين، ولكنه ليس أصل الدين ومنطلقه، ولذلك نص الذين ينتهجون هذا النهج في الدعوة (إصلاح الحكم والسياسة أولًا) أقول: نصوا في كتبهم أن عمل البر من إحسان وزيارة وعبادات وبناء مساجد وغير ذلك إنما هو ظاهر غير مراد لدعوتهم، وأن هدف دعوتهم الأساسي هو إقامة السياسة والحكم، وشتان بين أن يكون هدف الدعوة هو التوحيد وأن يكون هدف الدعوة هو الرياسة والزعامة وإن لبس هذا بلباس الإسلام.","vol":"1","page":null},{"text":"والدعوة السلفية تسعى فيما تسعى إليه إلى إصلاح السياسة والحكم، ولكنها تعتقد أنه جزئية ينزل منزلته من أوامر الذين من حيث الأهمية والأولوية، ويسعى إليه بالقدر السليم الصحيح الذي يتناسب مع القائمين بالدعوة وجهودهم، وهي تدعو الله لكل سلطان صالح يريد الخير للناس، وتدعو جميع السلاطين القائمين إلى تحكيم شرع الله في أنفسهم وما خولهم الله إياه.\nوأما أولئك الآخرين؛ فإنهم يشرقون ويغصون لو أن حاكمًا دعا إلى شيء من الإسلام، وطبق شيئًا من أحكامه، وذلك أنهم يريدون أن يبقى التناقض قائمًا بين الحاكم والإسلام؛ لتستمر دعوتهم، ويكون مبرر لوجودهم، وذلك أنهم يرون أن توجه الحكام إلى الإسلام نهاية لوجودهم، وسرقة لدعوتهم، وقد يشعرون بهذا، ويحاربون هذا عن علم، وقد لا يشعر بهذا كثير منهم.\nولذلك حملهم هذا أيضًا على العصبية في الدعوة، وحب الظهور، والرغبة في ألا يأتي الخير للناس إلا من طريقهم، ولذلك عادوا إخوانهم في الدعوة، وذلك كما تعادي الأحزاب السياسية بعضها بعضًا، يسوؤهم أن يصل آخرون إليه، ولو كانوا مسلمين مثلهم وخيرًا منهم، أو أن يصلح القائمون في الحكم أنفسهم..\nوكذلك الشأن في كل دعوة اتخذت جزئية من جزئيات الإسلام مرادًا ومنطلقًا وغاية لها؛ كالدعوات إلى الإصلاح الاجتماعي؛ من محاربة شرب الخمر، والاختلاط، وأندية الفسق والفجور.. ونحو ذلك.\nوكذلك دعوات البر والإحسان والعطف على الفقراء واليتامى، هذه الجمعيات والدعوات التي تتوقف عند جزئية من جزئيات الدين يضل سعيها، ولا تصل إلا إلى أقل القليل من النتائج، وقد يبقى أفرادها في دوائر ضيقة من العلم والعمل، ثم يتفرقون ويتمزقون، بل قد يجتمع معهم أهل النيات الفاسدة ومحبي الظهور والمدح.","vol":"1","page":null},{"text":"وهذه الأمور من جزئيات الإسلام، وإن كانت مطلوبة مرادة؛ إلا أنها يجب أن تبقى في الإطار العام من دعوة الإسلام الشاملة العامة، وأن تكون أجزاء في هيكل التوحيد وإخلاص الدين لله ﷾.\nولذلك كان المنطلق السلفي في إخلاص الدين لله أولًا، وتحقيق التوحيد، ثم إنزال جميع تكاليف الإسلام منازلها بعد ذلك؛ من إصلاح الحكم والسياسة والقضاء، وإقامة الحدود، وتطهير المجتمعات من الفساد، وتربية الرجال والنساء على الدين الحق من عبادات ومعاملات وأخلاق.\nأقول: هذا المنطلق السلفي هو المنطلق الصحيح السليم، وهي دعوة الرسل، وعلى رأسهم محمد بن عبد الله ﷺ، الذي دعا إلى التوحيد أولًا وأخيرًا، ثم أنزل الأعمال منازلها حيث مناسباتها، فنزل تحريم الأطعمة بمكة، حيث يستطيع المسلمون تنفيذ ذلك.. وكذلك نزلت الصلاة والأخلاق والدعوة والصبر على الأذى وبعض المعاملات في المجتمع المكي، ثم تدرج التشريع من قتال وزكاة وحج وغير ذلك في مجتمع المدينة..\nونحن نرى أن الدين قد كمل بعد حياة الرسول، ولا يجوز تعطيل فرضية من فرضياته، ولكن يقوم أهل الدعوة والجهاد من أوامر الدين بما يستطيعون وما يطبقون تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ (التغابن: ١٦) .\nويجب أن يكون ذلك على نهج النبي محمد ﷺ، ووفق سنته، فيحقق التوحيد في أفراد الدعوة أولًا، ثم يدعون إلى العمل الصالح حسب القدرة والاستطاعة والأولوية والمناسبة، ووفق سياسة تحقق للمسلمين أن يقوموا بالدين كله في جميع شؤونهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والخلقية، وكل هذا في إطار التوحيد الذي هو غاية العمل الإسلامي ومراده.\nوهذه الميزة للدعوة السلفية هي من أعظم مميزاتها.","vol":"1","page":null},{"text":"وباختصار؛ إذا أردنا أن نعرف الدعوة السلفية؛ قلنا: إنها دعوة التوحيد، والتوحيد يعني هذا الفهم الشامل للدين الذي شرحناه آنفًا ... رأفة وإعانة للفقير ابتغاء مرضاة الله، والحج ما قصد به إلا تعظيم الخالق ﷾ وتوحيده.\n*<span data-type=\"title\" id=toc-34> ثانيا: تحقيق الوحدة:</span>\nالدعوة الإسلامية دعوة عامة للناس جميعًا.\nقال تعالى لرسوله محمد ﵌: ﴿قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا﴾ (الأعراف: ١٥٨) .\nوقال تعالى: ﴿وما أرسلنك إلا كافةً للناس﴾ (سبأ: ٢٨) .\nوقال ﷺ في بيان ما امتاز به عن غيره من الرسل: [وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس كافة] .\nوالآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدًا.\nولما كان الناس مختلفين في شأن هذه الرسالة العظيمة، ويكون منهم المؤمن ومنهم الكافر؛ كما قال تعالى: ﴿هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن﴾ (التغابن: ٢) .\nفإن الله ﷾ أوصى عباده الذين آمنوا بأن يكونوا إخوة؛ قال تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ (الحجرات: ١٠) .\nوقال ﵌: [لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفس] .\nويعني هذا انتفاء الإيمان عند انتفاء الأخوة.\nولذلك كان من علامات النفاق الفجر في الخصومة، وهو المبالغة فيها.\nوقد جاءت الأوامر القرآنية الكثيرة والأحاديث الصحيحة الكثيرة بالحرص على هذه الأخوة وتشييد بنائها والنهي والوعيد الشديد على الفرقة والتفرق؛ كما قال تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم ءايته لعلكم تهتدون﴾ (آل عمران: ١٠٣) .","vol":"1","page":null},{"text":"وقال الرسول ﷺ: [مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو؛ تدعى له سائر الجسد بالحمى والسهر] .\nوقال ﷺ: [لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقابَ بعض] .\nوقال ﷺ: [سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر] .\n\nوحث الله ورسوله على كل ما يقرب المسلم من أخيه المسلم، وأجزل الله العطاء لذلك؛ فقد جاء في الحديث: أن رجلًا غفر الله له عندما خرج ليزور أخًا له في الله في قرية غير قريته، وأن الله عجب من رجل وامرأة أطعما ضيفهما وباتا جياعًا مع أولادهما.\nوالحق أن الإسلام لم ينشر إلا بهذه الأخوة العجيبة، التي ربطت بين الصحابة رضوان الله عليهم في صدر الإسلام، فلولا إيواء الأنصار لإخوانهم المهاجرين، وحب المهاجرين وعفتهم مع إخوانهم الأنصار؛ لما كانت هذه الفتوح العظيمة وهذا الانتشار السريع للإسلام شرقًا وغربًا.\nولذلك كان من أعظم البلاء على أمة الإسلام ما وقع بينهم من فرقة وخلاف وشقاق جعل السيف بينهم بعد أن كان على أعدائهم، ولذلك قال رسول الله ﷺ لمحمد بن مسلمة: [خذ هذا السيف؛ فقاتل به، حتى إذا وجدت أمتي قد اختلفت وضرب بعضها بعضًا؛ فحطمه على صخرة من صخور سلع] .\nأو كما قال ﷺ.\nوهكذا فعل محمد بن مسلمة.\nولذلك قال تعالى: ﴿ولا تنزعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾ (الأنفال: ٤٦) .\nأي أن الفشل وغياب النصر سببه الفرقة، وهذا هو شأن المسلمين في العصر الحاضر: أمة عظيمة العدد، واسعة الإمكانيات، غنية التراث، ولكنها مع ذلك أمة ضعيفة مشتتة مهزومة، وما ضعفها إلى بفرقتها وتنازعها.\nوقد دخل التنازع والفرقة على المسلمين من أبواب كثيرة، وأهم هذه الأبواب ما يلي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>أولا: الاختلاف في العقائد ومسائل الإيمان:</span>","vol":"1","page":null},{"text":"وقد بدأ هذا الاختلاف يسيرًا في مسائل قليلة؛ كالحكم على مرتكب الكبيرة الذي مات ولم يتب منها؛ أكافر هو أم مسلم؟ وهل يجب قتاله أم لا؟ وفي سبيل ذلك نشأت بدعة الخوارج ثم المعتزلة.\nثم بدأ الخلاف حول صفات الله ﷾ وأسمائه.\nثم توسع الخلاف العقائدي ليشمل مسائل كثيرة، ويمزق المسلمين إلى نحل وعقائد شتى.\nونظرة سريعة إلى كتاب من كتب الفرق؛ كـ \"الملل والنحل\" للشهرستاني، و\"الفرق بين الفرق\" لعبد القادر الجرجاني، أو \"اختلاف المسلمين وعقائد المصلين\" لأبي الحسن الأشعري؛ يريك كم من الفرق العقائدية ظهر قبل تمام القرن الثالث الهجري.\nواختلاف العقائد بالطبع يؤدي إلى اختلاف القلوب والأعمال.\n\nوالدعاة السلفيون منذ الصدر الأول دعوا الناس إلى التمسك في أمور العقائد بالكتاب والسنة، وترك التأويل الباطل والهوى والتعصب، وكان لدعوتهم من البركة أن بقي جمهور المسلمين وعامتهم على سنن الحق متمسكين في عقائدهم بالكتاب والسنة.\nوالدعاة السلفيون في هذا العصر، السائرون على منهج السلف الأول في دعوتهم وجهادهم، يدعون الأمة كذلك إلى أخذ عقائدها من الكتاب والسنة فقط، ونبذ جميع البدع العقائدية، والاجتهادات والتصورات الغيبية، التي جاء بها المشعوذون والدجالون والمتكلمون على الله بلا علم، وذلك لجمع شمل الأمة على كلمة سواء، فيكون إيمانهم واحدًا، وبذلك تكون قلوبهم واحدة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>ثانيا: الاختلافات العملية:</span>\nوهذه الاختلافات في أمور العمل من عبادة ومعاملة ونحو ذلك، وإن كان ضرره أخف من أضرار الاختلاف في العقائد؛ إلا أنه يجر أحيانًا إلى الشقاق والخلاف.\nولذلك كره رسول الله ﷺ الخلاف مطلقًا، حتى في هذه الأمور العلمية الفقهية.","vol":"1","page":null},{"text":"وهدد عمر بالضرب على خلاف يسير، وقال في مسألة الغسل؛ هل يجب من الإنزال أم من مجرد التقاء الختانين: اسألوا عائشة، فلما ذكرت حديث الرسول ﷺ: [إذا التقى الختانان؛ فقد وجب الغسل] . قال عمر: لو سمعت أن أحكم أفتى بغير ذلك؛ لجعلته نكالًا!!\nولما كان الاجتماع على رأي واحد في كل المسائل الفرعية العملية متعذرًا؛ فإن الله ﷾ أمر برد الاختلاف إلى كتابه وسنة رسوله، وقد أمر أيضًا بأن يعذر بعضنا فيما لم نستطع التوصل فيه إلى رأي واحد.\nوكان هذا هو منهج الصدر الأول من سلف هذه الأمة من الصحابة ومن بعدهم؛ يختلفون أحيانًا، ولكن يعذر بعضهم بعضًا، ولا يتعصبون لأقوالهم، ويردون ما اختلفوا فيه إلى الله ورسوله.\nوكان هذا أيضًا شأن أئمة الإسلام الأعلام وفقهاء الإسلام في جميع الأقطار -ومن هؤلاء الأئمة الأربعة وغيرهم-: يفتون ولا يتعصبون، ويدعون تلاميذهم إلى نبذ التعصب لأقوالهم إذا خالفت الدليل، ولذلك استمرت وحدة الأمة التشريعية الفقهية زمانًا طويلًا.","vol":"1","page":null},{"text":"ولكن نشأ في المسلمين من حرم الاجتهاد والرجوع إلى الكتاب والسنة، وحرم استخدام الدليل؛ زاعمًا أن فهم الدليل والحجة قد ولى، وحرم على الناس العمل إلا بأقوال الأئمة الأربعة، وانتشرت هذه البدعة المقيتة في زمان ضعف الأمة، بزوال ملك العباسيين، وغلبة ملوك من العجم والمماليك الذين لا يحسنون العربية ولا يفقهون في الدين، فنشأ التقليد والتعصب، والتف المقلدون المتأكلون بالدين حول أولئك السلاطين الجهلة، وأغروهم بحرب أهل السنة ودعاة السلفية الداعين إلى الاجتهاد ونبذ التقليد والتعصب، فأصاب أهل الدعوة السلفية من هؤلاء شر مستطير، وذلك لأن هؤلاء المقلدين الملتفين حول سلاطين السوء أغروا عامة الناس بأن من يطلب الدليل والحجة ويأمر بالاجتهاد؛ فإنه يرفض علم الأئمة الأربعة، ويمقتهم، ويزدريهم، ولما كان عامة الناس يحبون الأئمة ويحترمونهم ولا يستطيعون أن يميزوا بين دعوة التقليد وبين الدعوة إلى الاجتهاد والأخذ بالدليل؛ فإن هؤلاء العامة ركبهم أولئك السفهاء، ووجدت الدعوة السلفية العظيمة من هذا البلاء: بلاء السلاطين الأعاجم الجهلاء، وبلاء علماء السوء المتأكلين بالدين الموالين الطواغيت، وبلاء العامة الذين لا يميزون ولا يعرفون معنى التقليد ومعنى الاجتهاد.\nوظل الأمر هكذا حتى تهدمت الخلافة العثمانية، وغلب الفرنجة من أهل أوروبا على أرض الإسلام، ووجد المسلمون أنفسهم في مؤخرة الأمم، فصرخوا يريدون العودة إلى الكتاب والسنة.","vol":"1","page":null},{"text":"وبالرغم من هذه الصحوة وهذا التنادي من كل مكان بوجوب تنظيم معاملاتنا وفق الكتاب والسنة؛ فإن هناك من لا يزال يعيش بعقلية التقليد والجمود، ويأبى إلا أن يظل المسلمون في فوضى تشريعية، ويزعم أن كل قول في الدين جوز الأخذ به، ومن يزعم أن الاجتهاد باطل، وأن الدين محصور فيما دونه الأئمة الأربعة فقط، ومن يتهم الدعاة السلفيين بمعاداة الأئمة، بل ومن يوجب على المسلمين أن يتبع كل منهم إمامًا من الأئمة الأربعة، وأن من أخذ بالدليل ورجع إلى الكتاب والسنة؛ فهو مبطل مبتدع.\nأقول: ما زال في المسلمين من يعتقد هذا ويدعو الناس إلى ذلك.\nومعلوم يقينًا أن لكل إمام الرأي والرأيان المختلفان في المسألة الواحدة؛ كما نقول: قال الشافعي في القديم وقال في الجديد، بل والثلاثة والأربعة، وأن كثيرًا من المسائل الفقهية العملية فيها اختلاف واضح، ومعلوم أن القوانين العملية يجب أن تكون واحدة، وإذا كان هناك اختلاف بين الفقهاء في هذه المسائل؛ فكيف تضمن الوحدة التشريعية؟!\nإن قلنا: نختار قول إمام واحد؛ كان هذا من التعصب، وليس هذا الإمام الواحد معصومًا حتى نأخذ جميع أقواله في جميع معاملاتنا.\nوإن قلنا بجميع الأقوال؛ كان هذا تناقضًا واختلافًا؛ فكيف يحكم القاضي فيمن تزوجت دون إذن وليها؟! فبعض المذاهب يجيز ذلك، ويرى العقد مع هذا صحيحا، وآخرون يرون العقد مع عدم إذن الولي باطلًا يجب فسخ الزواج؛ سواء قبل الدخول أو بعده؛ فما العمل؟!\nوإن قلنا: نرجح بين الأقوال؛ فكيف نرجح؟!\nإن كان بالهوى والتحكم؛ فليس الهوى من الدين.\nوإن كان الترجيح بالدليل والحجة؛ فهذه هي السلفية، وهو الحق: الترجيح بين أقوال الأئمة المتعارضة، وأخذ أقربها إلى الحق في نظرنا، والبحث عن الدليل دائمًا، وهذا هو الميزان الضابط لوحدة الأمة في أمورها التشريعية.","vol":"1","page":null},{"text":"وهذا جانب من جوانب الدعوة السلفية: الدعوة إلى وحدة الأمة التشريعية في أمورها العملية، وذلك بحب الأئمة الأربعة جميعًا، والنظر إليهم نظرة سواء، وأخذ الأقوال المؤيدة بالدليل، والتي نرى أنها الحق، وعدم التعصب لواحد منهم دون الآخر، مع الاعتراف بفضلهم وعلمهم وجهادهم، والتتلمذ على كتبهم، ودراسة مناهجهم في الفقه، وأخذ أقوالهم، والعمل بها؛ ما لم تخالف الدليل من كتاب أو سنة، وبهذا أمرونا هم ودعونا إلى ذلك.\nوهذا هو المخرج الحقيقي من تمزق الأمة التشريعي وفرقتها العملية، ومعنى ذلك أنه لا بد وأن ينشأ في الأمة العلماء المجتهدون العالمون، الذين يستوعبون مرحلتهم الراهنة، ويفقهون أوضاع المسلمين الحاضرة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية والخلقية، ويشرعوا للمسلمين في هذه الأحوال جميعًا وفق الكتاب والسنة؛ مسترشدين بعلم الأئمة الأعلام والفقهاء الكرام؛ غير متعصبين لأحد منهم دون الآخر، وإنما يكون ولاؤهم للحق، وتمسكهم بالدليل؛ فهم مع الحق لا مع الرجال، يعرفون الحق بدليله، ولا يعرفون الحق بقائله.\nوهذا أبرز جوانب الدعوة السلفية، وأكثرها وضوحًا ولمعانًا.\nإنهم طلاب حق، يطلبونه بالدليل، ومع تقديرهم واحترامهم لأهل الفضل والعلم؛ فإنهم مع ذلك لا يقبلون أقوالهم إذا تحقق لديهم أنها تخالف الدليل.","vol":"1","page":null},{"text":"ولما كان الحق واحدًا لا يتعدد، وكان السلفيون طلاب حق لا عباد رجال؛ لذلك حافظوا على وحدة الأمة؛ فالرجال المتبعون كثيرون، ولو كان كل رجل سيتبعه من الأمة جماعة؛ لتعددت الجماعات، وإذا كان الرجال يختلفون؛ فمعنى هذا أن الجماعات ستختلف، وبذلك تتمزق الأمة وتتشتت، أما إذا كان الارتباط بالحق وللحق، وكان الرجال يقاسون بالحق ولا يتعصب لأقوالهم؛ كان هناك جماعة واحدة هي جماعة الحق، وكان هناك رجال يحترمون ويقدسون وتؤخذ أقوالهم بقدر اتباعهم وتقديسهم وأخذهم بالحق.\n\nولذلك؛ فإننا نقول: الدعوة السلفية دعوة وحدة للأمة في نظام تشريعي عملي واحد، مستند إلى الكتاب والسنة، يأخذ بأقوال الأئمة، ولا يتعصب لرأي منهم.\nفهل على هذه الدعوة يا قوم من غبار؟!\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>ثالثًا: تيسير فهم الإسلام:</span>\nأنزل الله ﷾ الدين الإسلامي للناس كافة، وبعث محمدًا ﵌ للعالمين، وبما أن الناس متفاوتون في الذكاء وسرعة الإدراك والفهم، فإن الله جعل هذا الدين سهلًا ميسرًا، ليس في العمل فقط، بل في الفهم والإدراك.\nفحقائق الدين الأساسية سهلة ميسرة، سواء كانت حقائق عقائدية إيمانية، أو حقائق علمية تشريعية.\nفتوحيد الله ﷾ من الممكن أن يعلم بكلمات قليلة وبمجالسات يسيرة لأهل العلم الحقيقي المستند إلى الكتاب والسنة.\nوكذلك فرائض الإسلام الخمس يستطيع الفرد الذي أوتي نصيبًا قليلًا من الفهم أن يلم بأحكامها في وقت يسير: فالوضوء والصلاة يمكن تعلم أصولها في وقت لا يتعدى الساعة أو الساعتين، وكذلك الصوم، وصاحب المال يستطيع معرفة زكاة ماله في وقت يسير إذا بين له ذلك رجل من أهل العلم، وكذلك الحج أيضًا.\nوالخلاصة: أن الإسلام دين ميسر في الفهم والعلم، وكذلك هو دين ميسر في التطبيق والعمل، فلا مشقة فيه بوجه من الوجوه.","vol":"1","page":null},{"text":"ومصداق هذا قوله تعالى: ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر﴾ (القمر: ٢٢) .\nوهذه الآية دليل واضح على أن القرآن -وهو أساس الإسلام الذي حوى جميع علومه- ميسر للذكر، والذكر يتضمن العلم والعمل.\nوقال ﵌: [إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحدُ إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وابشروا] .\nوهذا دليل على يسر الإسلام في العمل والفهم أيضًا.\n\nولكن؛ هذا الدين الميسر قد جاء من الناس من عقَّده، وضيق طرق الوصول إليه، وحجب الناس عن الاستفادة من الكتاب ومن السنة، وجعل الإسلام أشبه بالأحاجي والألغاز، وذلك بإكثار المصطلحات الخاصة في كل فرع من فروع العلوم الإسلامية، ونشأت علوم ومعارف ليست من الإسلام في شيء، وقد أسميناها علومًا ومعارف تجاوزًا، وحدث التغالي بعد ذلك في علوم الآلات الموصلة إلى فهم القرآن والسنة، فنشأ التغالي في علوم النحو والصرف وأصول الفقه، إلى الحد الذي أعجز المتخصصين فيه عن أن يصلوا إلى غاية ذلك من فهم القرآن والحديث، بل من فهم الفروع الإسلامية الأخرى، حتى إننا نجد العالم المتخصص في علوم العربية لا يفقه من الكتاب والسنة إلا قليلًا، وقد يكون عالمًا بأصول الفقه لا يحسن التوحيد، بل لا يحسن الوضوء ولا استنباط حكم صحيح من كتاب الله وسنة نبيه، بل الأدهى والأمر من ذلك أن تخرج الجامعات الإسلامية علماء يعتلون المنابر ويخطبون في الناس وهم لا يميزون بين حديث صحيح ثابت عن الرسول وبين الأقوال الموضوعة المرذولة المنسوبة إلى النبي ﷺ زورًا وبهتانًا.\nوهكذا ساهم تعقيد الدراسة الإسلامية في نشأة أشباه العلماء، الذين يعرفون فرعًا من فروع الدين ولا يملكون رؤية شمولية له.","vol":"1","page":null},{"text":"وكذلك ساهم هؤلاء في نشأة كهانة دينية، جعلت الدين الذي أنزله الله للعالمين محجوبًا عن الناس بعلماء ادعوا أنهم الأوصياء عليه، وإذا جئت تناقش حجتهم في قول ما لتفهم وتعي عن الله وتتدبر قوله؛ قالوا لك: لا تناقشنا! خذ قولنا ولا تسألنا عن الدليل! وذلك ليغمضوا عينيك، وليحولوا الناس إلى سائمة يسيرون وراءهم وهم لا يدرون.\nوالدعوة السلفية تجعل همها الأول تذليل فهم الإسلام للناس؛ فهي تفتح الطريق أمام الناس جميعًا لدراسة الكتاب والسنة دراسة علمية سهلة واضحة، وبذلك يكون العلم مشاعًا للجميع، ويرتبط الناس بالقرآن فيتدبرونه، وبالسنة فيفقهونها، ويصبح فهم الدين والعمل به ليس حكرًا على طائفة معينة تلبس لباسًا خاصًا وتتكلم بلهجة خاصة، وإنما يصبح الإسلام للناس جميعًا علمًا مشاعًا كالهواء الذي نتنفسه.\nوقد وجدنا أثر ذلك بحمد الله في إخواننا؛ فما أن درسوا الإسلام بالمنهج السلفي؛ حتى كانوا علماء فيه في مدة يسيرة جدًا، هذا مع امتلاك الرؤية الواضحة لمجمل هذا الدين؛ عقيدة، وشريعة، وسلوكيًا، ومع الاستزادة اليومية من علومه؛ استزادة لا تشغل الطبيب عن طبه، ولا المهندس عن هندسته، ولا التاجر عن تجارته، وذلك لأن المنهج السلفي في فهم الإسلام يعطي الدارس مفاتيح فهم الدين؛ فالطالب في المنهج السلفي يعرف أصول الإسلام، ومراجع معرفة العقائد والأحكام، ويعرف كيف يكون ذا فكر مستقل غير مقلد، وكيف يحترم العلماء ولا يتعصب لأقوالهم، وكيف يأخذ الحق أنى وجده ما دام مؤيدًا بالدليل، وكيف يترك الباطل مهما كان مصدره إذا وجد دليل بطلانه، وبذلك يفهم الإسلام في سهولة ويسر.","vol":"1","page":null},{"text":"وإذا كان هذا التيسير مطلوبًا في الأزمان الماضية؛ فهو أشد ضرورة ونحن أكثر حاجة إليه في أزماننا هذه، التي يستغرق فيها التعليم الدنيوي كل عمر الإنسان، وتستهلك فيها الحضارة الحديثة كل وقته، ويركض الناس فيه خلف الحياة بكل طاقاتهم وجهدهم.\nولذلك كان المنهج السلفي لتعليم الإسلام وتعلمه هو المنهج الأكمل الأسلم؛ لأنه يأخذ من الفرد أقل الأوقات، ويعطيه أعظم الفوائد، فلا يفني الفرد عمره في معرفة حواش وجزئيات وفرعيات وخزعبلات لا تغني عنه في دينه ولا دنياه شيئًا، وإنما ينصرف إلى حقائق الدين رأسًا، فيتعلم أصول التوحيد ليصحح إيمانه وعقيدته، وأصول العبادات ليصح عمله ويكون صالحًا، وأصول التزكية والأخلاق لتزكو نفسه وتطهر، وكل ذلك من الكتاب والسنة، حيث يتعامل السلفي مع كلام الله الذي سماه روحًا ونورًا، ومع كلام الرسول الذي هو الحكمة والهداية.\nوهذه هي الفائدة الثالثة والميزة الأولى للسير في الطريق السلفي، طريق النبي محمد ﷺ، الذي علم أمة كاملة بأيسر الجهود وأقل التكاليف.\nوهكذا كان صحابته كما قال ابن مسعود: \"أبر الناس قلوبًا، وأعمقهم علمًا، وأقلهم تكلفًا\".\nوهكذا نريد الجيل السلفي الحديث، على نحو الرعيل الأول: أبر الناس قلوبًا، وأعمقهم علمًا، وأقلهم تكلفًا.\n\n****","vol":"1","page":null}]}