{"ً":{"ٌ":12917,"ٍ":"محاضرات في علوم القرآن - غانم قدورى","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"علوم القرآن/محاضرات في علوم القرآن - الحمد - ط عمار","files":["56696.pdf"]},"ّ":"الكتاب: محاضرات في علوم القرآن\nالمؤلف: أبو عبد الله غانم بن قدوري بن حمد بن صالح، آل موسى فَرَج الناصري التكريتي\nالناشر: دار عمار - عمان\nالطبعة: الأولى، ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٣ م\nعدد الصفحات: ٢٦٤\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2500,"ٕ":4,"ٖ":1770155956,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"تمهيد علوم القرآن وتأريخ التأليف فيها","level":1,"page":3},{"title":"المرحلة الأولى: علوم القرآن قبل عصر تدوين العلوم","level":2,"page":3},{"title":"المرحلة الثانية: علوم القرآن في عصر التدوين","level":2,"page":4},{"title":"المرحلة الثالثة: مرحلة المؤلفات الجامعة","level":2,"page":5},{"title":"المرحلة الرابعة: علوم القرآن في العصر الحديث","level":2,"page":6},{"title":"الفصل الأول نزول القرآن الكريم","level":1,"page":9},{"title":"المبحث الأول: مصدر القرآن","level":2,"page":9},{"title":"المبحث الثاني بدء نزول القرآن","level":2,"page":12},{"title":"المبحث الثالث فتور الوحي","level":2,"page":15},{"title":"المبحث الرابع كيف تلقى رسول الله ﷺ القرآن","level":2,"page":18},{"title":"المبحث الخامس حفظ النبي ﷺ للقرآن","level":2,"page":22},{"title":"المبحث السادس تنجيم القرآن والحكمة منه","level":2,"page":24},{"title":"أولا - نزول القرآن منجما","level":3,"page":24},{"title":"ثانيا - حكمة نزول القرآن منجما","level":3,"page":28},{"title":"المبحث السابع أسباب النزول","level":2,"page":31},{"title":"أولا - معنى أسباب النزول","level":3,"page":31},{"title":"ثانيا - الطريق إلى معرفة أسباب النزول","level":3,"page":32},{"title":"ثالثا - أهمية معرفة أسباب النزول","level":3,"page":35},{"title":"المبحث الثامن عربية القرآن وعالمية رسالته","level":2,"page":36},{"title":"أولا - عربية القرآن","level":3,"page":36},{"title":"ثانيا - عالمية رسالة القرآن","level":3,"page":40},{"title":"الفصل الثاني تدوين القرآن الكريم","level":1,"page":44},{"title":"المبحث الأول كتابة القرآن في زمن النبي ﷺ","level":2,"page":44},{"title":"أولا - القرآن يمحو أمية العرب","level":3,"page":44},{"title":"ثانيا - النبي ﷺ يأمر بكتابة القرآن","level":3,"page":46},{"title":"ثالثا - مراجعة كتابة القرآن","level":3,"page":48},{"title":"المبحث الثاني جمع القرآن في الصحف","level":2,"page":50},{"title":"أولا - أسباب جمع القرآن","level":3,"page":50},{"title":"ثانيا - كيفية جمع القرآن","level":3,"page":51},{"title":"ثالثا - التدقيق في جمع القرآن","level":3,"page":54},{"title":"المبحث الثالث توحيد المصاحف","level":2,"page":56},{"title":"أولا - تعدد المصاحف واختلاف القراءات","level":3,"page":56},{"title":"ثانيا - نسخ الصحف في المصاحف","level":3,"page":58},{"title":"ثالثا - عرض المصاحف","level":3,"page":61},{"title":"المبحث الرابع تأليف القرآن","level":2,"page":63},{"title":"أولا - ترتيب الآيات في السور","level":3,"page":64},{"title":"ثانيا - ترتيب السور في المصحف","level":3,"page":67},{"title":"ثالثا - ترتيب القرآن حسب النزول (السور المكية والسور المدنية)","level":3,"page":72},{"title":"١ - تعريف المكي والمدني من القرآن","level":4,"page":72},{"title":"٢ - كيفية معرفة المكي والمدني","level":4,"page":73},{"title":"٣ - أهمية معرفة السور المكية والسور المدنية","level":4,"page":75},{"title":"٤ - تحديد السور المكية والسور المدنية وترتيبها","level":4,"page":76},{"title":"المبحث الخامس تطور شكل المصحف","level":2,"page":77},{"title":"أولا - علم رسم المصحف","level":3,"page":78},{"title":"ثانيا - علم النقط والشكل","level":3,"page":79},{"title":"ثالثا - علم العدد القرآني","level":3,"page":80},{"title":"رابعا - أسماء السور","level":3,"page":82},{"title":"خامسا - علامات الوقف","level":3,"page":83},{"title":"سادسا - المصحف في عصر الطباعة","level":3,"page":84},{"title":"الفصل الثالث قراءة القرآن الكريم","level":1,"page":86},{"title":"المبحث الأول أهداف قراءة القرآن","level":2,"page":86},{"title":"١ - قراءة القرآن وسيلة من وسائل الدعوة","level":3,"page":87},{"title":"٢ - قراءة القرآن عبادة","level":3,"page":88},{"title":"٣ - قراءة القرآن للفقه والعمل","level":3,"page":90},{"title":"المبحث الثاني فضائل التلاوة وآدابها","level":2,"page":92},{"title":"أولا: فضائل التلاوة","level":3,"page":92},{"title":"ثانيا - آداب التلاوة","level":3,"page":96},{"title":"١ - نظافة البدن والمكان","level":4,"page":97},{"title":"٢ - ترتيل القرآن وتحسين الصوت","level":4,"page":97},{"title":"٣ - التدبر والخشوع","level":4,"page":98},{"title":"٤ - أوقات القراءة المحمودة، والسرعة فيها","level":4,"page":99},{"title":"المبحث الثالث أصل القراءات القرآنية","level":2,"page":100},{"title":"أولا - سبب تعدد القراءات وحديث الأحرف السبعة","level":3,"page":101},{"title":"ثانيا - معنى الأحرف السبعة","level":3,"page":105},{"title":"الاتجاه الأول","level":4,"page":105},{"title":"الاتجاه الثاني","level":4,"page":106},{"title":"المبحث الرابع نشأة مدارس القراءة","level":2,"page":108},{"title":"أولا - قراءة القرآن في عصر النبوة","level":3,"page":108},{"title":"ثانيا - قراءة القرآن في عصر الخلافة الراشدة","level":3,"page":111},{"title":"ثالثا - بروز ملامح مدارس القراءة","level":3,"page":113},{"title":"المبحث الخامس القراء السبعة وأصول قراءتهم","level":2,"page":115},{"title":"أولا - الاختيار في القراءة","level":3,"page":116},{"title":"ثانيا - القراء السبعة","level":3,"page":121},{"title":"فكان من قراء المدينة","level":4,"page":122},{"title":"وكان من قراء مكة","level":4,"page":123},{"title":"وكان من قراء الكوفة","level":4,"page":123},{"title":"وكان من قراء أهل البصرة","level":4,"page":124},{"title":"وكان من قراء أهل الشام","level":4,"page":124},{"title":"المبحث السادس القراءة الصحيحة والقراءة الشاذة","level":2,"page":128},{"title":"أولا - القراءة الصحيحة","level":3,"page":129},{"title":"١ - الرواية وصحة السند","level":4,"page":130},{"title":"٢ - موافقة خط المصحف","level":4,"page":132},{"title":"٣ - موافقة العربية","level":4,"page":136},{"title":"ثانيا - القراءة الشاذة","level":3,"page":138},{"title":"المبحث السابع القراءات القرآنية في الوقت الحاضر","level":2,"page":143},{"title":"أولا - انتشار قراءة عاصم بن أبي النجود","level":3,"page":143},{"title":"ثانيا - أصول قراءة عاصم","level":3,"page":146},{"title":"ثالثا - رواة قراءة عاصم","level":3,"page":148},{"title":"المبحث الثامن علم التجويد","level":2,"page":151},{"title":"الفصل الرابع تفسير القرآن الكريم","level":1,"page":157},{"title":"المبحث الأول نشأة علم التفسير","level":2,"page":160},{"title":"أولا - تفسير القرآن في عصر النبوة","level":3,"page":160},{"title":"ثانيا - المفسرون من الصحابة","level":3,"page":165},{"title":"١ - تميز ابن عباس بالتفسير","level":4,"page":166},{"title":"٢ - جهود ابن عباس في التفسير","level":4,"page":168},{"title":"أ - صحيفة علي بن أبي طلحة عن ابن عباس","level":5,"page":169},{"title":"ب - أجوبة مسائل نافع بن الأزرق","level":5,"page":170},{"title":"ج - كتاب (اللغات في القرآن)","level":5,"page":171},{"title":"د - تنوير المقباس من تفسير ابن عباس","level":5,"page":171},{"title":"٣ - منهج ابن عباس في تفسير القرآن","level":4,"page":172},{"title":"ثالثا - التفسير في عصر التابعين","level":3,"page":174},{"title":"رابعا - التفسير في مرحلة المصنفات الجامعة","level":3,"page":178},{"title":"المبحث الثاني دراسة موجزة لأشهر التفاسير القديمة","level":2,"page":181},{"title":"أولا - من كتب التفسير بالمأثور:\"جامع البيان للطبري\"","level":3,"page":181},{"title":"الإسرائيليات في كتب التفسير بالمأثور","level":4,"page":184},{"title":"ثانيا - من التفاسير اللغوية:\"معاني القرآن وإعرابه - للزجاج\"","level":3,"page":187},{"title":"ثالثا - من التفاسير الفقهية:\"الجامع لأحكام القرآن - للقرطبي\"","level":3,"page":190},{"title":"رابعا - من التفاسير المتأثرة بالنزعة العقلية","level":3,"page":192},{"title":"\"التفسير الكبير - للفخر الرازي\"","level":4,"page":192},{"title":"خامسا - من التفاسير الصوفية:\"لطائف الإشارات\" - للقشيري","level":3,"page":196},{"title":"المبحث الثالث التفسير في العصر الحديث","level":2,"page":202},{"title":"أولا - العودة إلى كتابة التفاسير الكبيرة","level":3,"page":202},{"title":"١ - تفسير القرآن الحكيم، المشتهر باسم تفسير المنار.","level":4,"page":204},{"title":"٣ - تفسير المراغي.","level":4,"page":204},{"title":"٤ - التفسير الحديث.","level":4,"page":204},{"title":"ثانيا - من قضايا التفسير في العصر الحديث","level":3,"page":205},{"title":"١ - موقف المفسرين المحدثين من التفسير المأثور","level":4,"page":205},{"title":"٢ - موقف المفسرين المحدثين من النظريات العلمية الحديثة","level":4,"page":207},{"title":"ثالثا - اتجاهات جديدة في التفسير","level":3,"page":210},{"title":"أ - الاستمرار في كتابة التفاسير الكبيرة، وذلك مثل","level":4,"page":211},{"title":"ب - كتابة التفاسير المختصرة","level":4,"page":211},{"title":"ج - التفسير الموضوعي","level":4,"page":212},{"title":"المبحث الرابع خلاصة في أصول التفسير","level":2,"page":212},{"title":"أولا - أهمية علم التفسير والحاجة إليه","level":3,"page":212},{"title":"ثانيا - ثقافة المفسر وأدواته","level":3,"page":214},{"title":"ثالثا - تفسير الآيات المحكمات والآيات المتشابهات","level":3,"page":218},{"title":"رابعا - التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي","level":3,"page":223},{"title":"خامسا - أحسن طرق التفسير","level":3,"page":225},{"title":"سادسا - ترجمة القرآن","level":3,"page":228},{"title":"المبحث الخامس إعجاز القرآن الكريم","level":2,"page":230},{"title":"أولا - إعجاز القرآن في عصر النبوة","level":3,"page":231},{"title":"ثانيا - إعجاز القرآن في المؤلفات القديمة","level":3,"page":235},{"title":"ثالثا - إعجاز القرآن في العصر الحديث","level":3,"page":242},{"title":"رابعا - نظرة في مناهج العلماء في دراسة إعجاز القرآن","level":3,"page":245},{"title":"مصادر الكتاب","level":1,"page":249}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,8":4,"1,9":5,"1,10":6,"1,11":7,"1,12":8,"1,13":9,"1,14":10,"1,15":11,"1,16":12,"1,17":13,"1,18":14,"1,19":15,"1,20":16,"1,21":17,"1,22":18,"1,23":19,"1,24":20,"1,25":21,"1,26":22,"1,27":23,"1,28":24,"1,29":25,"1,30":26,"1,31":27,"1,32":28,"1,33":29,"1,34":30,"1,35":31,"1,36":32,"1,37":33,"1,38":34,"1,39":35,"1,40":36,"1,41":37,"1,42":38,"1,43":39,"1,44":40,"1,45":41,"1,46":42,"1,47":43,"1,49":44,"1,50":45,"1,51":46,"1,52":47,"1,53":48,"1,54":49,"1,55":50,"1,56":51,"1,57":52,"1,58":53,"1,59":54,"1,60":55,"1,61":56,"1,62":57,"1,63":58,"1,64":59,"1,65":60,"1,66":61,"1,67":62,"1,68":63,"1,69":64,"1,70":65,"1,71":66,"1,72":67,"1,73":68,"1,74":69,"1,75":70,"1,76":71,"1,77":72,"1,78":73,"1,79":74,"1,80":75,"1,81":76,"1,82":77,"1,83":78,"1,84":79,"1,85":80,"1,86":81,"1,87":82,"1,88":83,"1,89":84,"1,90":85,"1,91":86,"1,92":87,"1,93":88,"1,94":89,"1,95":90,"1,96":91,"1,97":92,"1,98":93,"1,99":94,"1,100":95,"1,101":96,"1,102":97,"1,103":98,"1,104":99,"1,105":100,"1,106":101,"1,107":102,"1,108":103,"1,109":104,"1,110":105,"1,111":106,"1,112":107,"1,113":108,"1,114":109,"1,115":110,"1,116":111,"1,117":112,"1,118":113,"1,119":114,"1,120":115,"1,121":116,"1,122":117,"1,123":118,"1,124":119,"1,125":120,"1,126":121,"1,127":122,"1,128":123,"1,129":124,"1,130":125,"1,131":126,"1,132":127,"1,133":128,"1,134":129,"1,135":130,"1,136":131,"1,137":132,"1,138":133,"1,139":134,"1,140":135,"1,141":136,"1,142":137,"1,143":138,"1,144":139,"1,145":140,"1,146":141,"1,147":142,"1,148":143,"1,149":144,"1,150":145,"1,151":146,"1,152":147,"1,153":148,"1,154":149,"1,155":150,"1,156":151,"1,157":152,"1,158":153,"1,159":154,"1,160":155,"1,161":156,"1,163":157,"1,164":158,"1,165":159,"1,166":160,"1,167":161,"1,168":162,"1,169":163,"1,170":164,"1,171":165,"1,172":166,"1,173":167,"1,174":168,"1,175":169,"1,176":170,"1,177":171,"1,178":172,"1,179":173,"1,180":174,"1,181":175,"1,182":176,"1,183":177,"1,184":178,"1,185":179,"1,186":180,"1,187":181,"1,188":182,"1,189":183,"1,190":184,"1,191":185,"1,192":186,"1,193":187,"1,194":188,"1,195":189,"1,196":190,"1,197":191,"1,198":192,"1,199":193,"1,200":194,"1,201":195,"1,202":196,"1,203":197,"1,204":198,"1,205":199,"1,206":200,"1,207":201,"1,208":202,"1,209":203,"1,210":204,"1,211":205,"1,212":206,"1,213":207,"1,214":208,"1,215":209,"1,216":210,"1,217":211,"1,218":212,"1,219":213,"1,220":214,"1,221":215,"1,222":216,"1,223":217,"1,224":218,"1,225":219,"1,226":220,"1,227":221,"1,228":222,"1,229":223,"1,230":224,"1,231":225,"1,232":226,"1,233":227,"1,234":228,"1,235":229,"1,236":230,"1,237":231,"1,238":232,"1,239":233,"1,240":234,"1,241":235,"1,242":236,"1,243":237,"1,244":238,"1,245":239,"1,246":240,"1,247":241,"1,248":242,"1,249":243,"1,250":244,"1,251":245,"1,252":246,"1,253":247,"1,254":248,"1,255":249,"1,256":250,"1,257":251,"1,258":252,"1,259":253,"1,260":254,"1,261":255,"1,262":256,"1,263":257,"1,264":258},"ٜ":{"1":[5,264]},"ٝ":["1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264"],"ٞ":{"1":[1],"3":[2,3],"4":[4],"5":[5],"6":[6],"9":[7,8],"12":[9],"15":[10],"18":[11],"22":[12],"24":[13,14],"28":[15],"31":[16,17],"32":[18],"35":[19],"36":[20,21],"40":[22],"44":[23,24,25],"46":[26],"48":[27],"50":[28,29],"51":[30],"54":[31],"56":[32,33],"58":[34],"61":[35],"63":[36],"64":[37],"67":[38],"72":[39,40],"73":[41],"75":[42],"76":[43],"77":[44],"78":[45],"79":[46],"80":[47],"82":[48],"83":[49],"84":[50],"86":[51,52],"87":[53],"88":[54],"90":[55],"92":[56,57],"96":[58],"97":[59,60],"98":[61],"99":[62],"100":[63],"101":[64],"105":[65,66],"106":[67],"108":[68,69],"111":[70],"113":[71],"115":[72],"116":[73],"121":[74],"122":[75],"123":[76,77],"124":[78,79],"128":[80],"129":[81],"130":[82],"132":[83],"136":[84],"138":[85],"143":[86,87],"146":[88],"148":[89],"151":[90],"157":[91],"160":[92,93],"165":[94],"166":[95],"168":[96],"169":[97],"170":[98],"171":[99,100],"172":[101],"174":[102],"178":[103],"181":[104,105],"184":[106],"187":[107],"190":[108],"192":[109,110],"196":[111],"202":[112,113],"204":[114,115,116],"205":[117,118],"207":[119],"210":[120],"211":[121,122],"212":[123,124,125],"214":[126],"218":[127],"223":[128],"225":[129],"228":[130],"230":[131],"231":[132],"235":[133],"242":[134],"245":[135],"249":[136]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة</span>\nالحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد:\nفإن القرآن الكريم هو كلام الله تعالى، أنزله على رسوله سيدنا محمد ﷺ لهداية البشرية إلى الدين القويم، فقرأه على الناس، ودعاهم إليه، وعلّمه لصحابته الذين آمنوا بدعوته، فحفظوه في الصدور، ودوّنوه في السطور، وعاشوا يهتدون بهديه، ويقتبسون من نوره، ويعملون بأحكامه، ويتخلّقون بآدابه، حتى تحقّق فيهم قول الله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ (١١٠) [آل عمران].\nولا شك في أن الوقوف على تأريخ القرآن وعلومه يكشف عن حقيقة هذا الكتاب ومصدره، ويبيّن كيفية كتابته وجمعه، وقراءته، وتفهّم معانيه، ويوضح جهود علماء الأمة من لدن عصر الصحابة في حفظ النص القرآني وصيانته وتيسير تلاوته ومعرفة معانيه، تلك الجهود التي يتبين للمتأمل من خلالها سرّ الخلود لهذا الكتاب العظيم الذي تكفل الله تعالى بحفظه بقوله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩) [الحجر].\nوكان علماء الأمة قد كتبوا في علوم القرآن وفي المباحث المتصلة بتأريخه، منذ بدء عصر تدوين العلوم الإسلامية إلى زماننا، مئات الكتب التي يعجز المرء غير المتخصص عن الوقوف على كثير منها، أو الاستفادة منها، لما كانت تتّسم به من التفصيل والشمول الذي لا يحتاج إلى كثير منه القارئ في هذا العصر، كما أن أسلوب كتابتها لم يعد مألوفا لدى كثير من قراء زماننا الذين ضعفت صلتهم بكتب التراث.\nومن هنا كانت الحاجة تدعو إلى تقديم خلاصة تلك المباحث إلى القراء","vol":"1","page":5},{"text":"غير المتخصصين عامة، وإلى طلبة الدراسات الإسلامية والعربية الجامعية خاصة، في أسلوب يجمع بين التركيز على الموضوعات الأساسية في تأريخ القرآن وعلومه، وبين السهولة في العرض، والوضوح في التعبير، مع عدم التفريط بمتطلبات البحث العلمي الجاد، من الاعتماد على المصادر الأصلية، والمنهجية الموضوعية التي تقرر الحقائق من خلال الأدلة والنصوص الموثقة.\nوكانت هذه المحاضرات قد كتبت وصدرت طبعتها الأولى منذ عشرين سنة (١)، وهذه إن شاء الله الطبعة الثانية مزيدة ومنقحة بعد أن أعدت كتابة موضوعاتها، لتحقيق غرضين هما: استدراك ما فاتني في الطبعة الأولى من مصادر ومعلومات، وتيسير كتابة بعض المباحث لتكون أقرب إلى فهم القارئ المبتدئ أو غير المتخصص، مع المحافظة على المنهج الذي ظهرت فيه الطبعة الأولى المستندة إلى دراسة موضوعات علوم القرآن من خلال الأبواب أو الفصول الأربعة الآتية:\nالأول: نزول القرآن الكريم.\nالثاني: تدوين القرآن الكريم.\nالثالث: قراءة القرآن الكريم.\nالرابع: تفسير القرآن الكريم.\nوقد حرصت في هذه المحاضرات على الاعتماد على المصادر الأصلية الموثقة من نصوص القرآن الكريم والسنّة المشرفة، والروايات التاريخية الصحيحة، وفهم علماء الأمة العدول لها. مع التركيز على الحقائق الثابتة المتفق عليها، وترك الآراء الشاذة التي لا تقوم على دليل ولا تسندها حجة. والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.\nالمؤلف ١٥/ صفر/ ١٤٢٠ هـ ٣٠/ مايس/ ١٩٩٩ م\n_________\n(١) صدرت الطبعة الأولى في بغداد سنة ١٩٨١ م بمساعدة جامعة بغداد.","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>تمهيد علوم القرآن وتأريخ التأليف فيها</span>\nتعني عبارة (علوم القرآن) المباحث والدراسات التي كتبت حول القرآن الكريم، وهي تتناول أربعة موضوعات أساسية، الأول: مصدر القرآن أو كيفية إنزاله وتلقي النبي ﷺ له، والثاني: كتابة القرآن وجمعه ونسخه في المصاحف، والثالث: تلاوة القرآن وقراءاته، والرابع: تفسير القرآن وكيفية فهم آياته. ويتألف كل موضوع من هذه الموضوعات من عدد من المباحث التي يتكون من مجموعها ما يعرف بعلوم القرآن، ويتصل بعلوم القرآن أيضا المباحث المتعلقة بفضائل القرآن، والدراسات التي تبحث في وجوه إعجازه.\nوترتبط نشأة (علوم القرآن) ببدء نزول القرآن الكريم على سيدنا محمد ﷺ وتلاوته على الناس، وأمره أصحابه بكتابته. وتطورت تلك النشأة مع تطور الحياة العلمية والثقافية للأمة- وانتقلت من مرحلة الملاحظات المتفرقة إلى مرحلة البحث المنهجي المدوّن. ويمكن أن ندرس نشأة (علوم القرآن) وتطورها من خلال المراحل الأربع الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>المرحلة الأولى: علوم القرآن قبل عصر تدوين العلوم:</span>\nيمكن للباحث أن يجد بدايات علوم القرآن في عصر النبوة متمثلة بالملاحظات والأحاديث التي تلقّاها الصحابة عن رسول الله ﷺ المتصلة بالقرآن\nالكريم، فمن سؤال الصحابة النبي ﷺ عن كيفية تلقيه القرآن بدأت المباحث المتعلقة بنزول القرآن، ومن قراءته ﷺ القرآن على أصحابه وحثّهم على تلاوته وحفظه نشأت المباحث الخاصة بالقراءات القرآنية، ومن أمره ﷺ كتّاب الوحي بكتابة ما ينزل عليه من القرآن تأكدت سنّة كتابة القرآن وجمعه في الصحف،","vol":"1","page":7},{"text":"ونشأت من ذلك المباحث المتعلقة بكتابته ورسمه، ومن بيانه ﷺ لمعنى عدد من الآيات والكلمات القرآنية حين أشكل فهمها على بعض الصحابة نشأت المباحث المتعلقة بفهم القرآن وتفسيره.\nوتجمعت تلك الملاحظات لدى علماء الصحابة، واختزنتها ذاكرتهم، ونقلوها إلى تلامذتهم من التابعين، لكنهم لم يدوّنوها تدوينا منظما، لأن العلوم لم تكن قد دوّنت في عصرهم، وكان القرآن الكريم أول كتاب مدوّن عرفته الأمة، وحرصوا في الجيل الأول ألّا يظهر بجانبه كتاب آخر، لكن الضرورة أملت على علماء الأمة من التابعين وتابعيهم تدوين العلوم، وكان نصيب علوم القرآن من جهودهم كبيرا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>المرحلة الثانية: علوم القرآن في عصر التدوين</span>\nيمكن القول إن تدوين علوم اللغة العربية وعلوم القرآن وغيرها قد بدأ في أواخر القرن الأول الهجري ومطلع القرن الثاني، وأن القرن الثاني لم ينقض إلا ومعظم العلوم قد دوّنت وظهرت فيها المؤلفات، ومن أوائل الكتب المؤلفة في علوم القرآن كتاب «التفسير» لعبد الله بن عباس (ت ٦٨ هـ) الذي رواه تلميذه مجاهد بن جبر المكي (ت ١٠٤ هـ) (١)، ومنها كتاب في هجاء (رسم) المصاحف لعبد الله بن عامر اليحصبي الدمشقي (ت ١١٨ هـ) (٢). وكتاب قراءة أبي عمرو بن العلاء (ت ١٥٤ هـ) (٣)، ثم تتابع التأليف وكثر في علوم القرآن.\nويقدّم ابن النديم صورة واضحة في كتابه «الفهرست» عن حركة التأليف في علوم القرآن، حتى سنة ٣٧٧ هـ وهي سنة تأليفه الكتاب، حيث ذكر أكثر من ٢٥٠ كتابا في موضوعات متعددة من علوم القرآن، نشير إلى أهمها (٤):\n_________\n(١) ابن النديم: الفهرست ص ٣٦.\n(٢) المصدر نفسه ص ٣٩.\n(٣) المصدر نفسه ص ٣١.\n(٤) المصدر نفسه ص ٣٦ - ٤١.","vol":"1","page":8},{"text":"الكتب المؤلفة في تفسير القرآن: ذكر ١٤ كتابا.\nالكتب المؤلفة في معاني القرآن ومشكله ومجازه: ذكر ٢٥ كتابا.\nالكتب المؤلفة في غريب القرآن: ذكر ١٤ كتابا.\nالكتب المؤلفة في القراءات: ذكر ٢٢ كتابا.\nالكتب المؤلفة في الوقف والابتداء في القرآن: ذكر ١٢ كتابا.\nالكتب المؤلفة في متشابه القرآن: ذكر ١٠ كتب.\nالكتب المؤلفة في فضائل القرآن: ذكر ١٢ كتابا.\nالكتب المؤلفة في عدد آي القرآن: ذكر ١٩ كتابا.\nالكتب المؤلفة في ناسخ القرآن ومنسوخه: ذكر ١٨ كتابا.\nالكتب المؤلفة في أحكام القرآن: ذكر ١١ كتابا.\nوتتميز هذه المرحلة بأن لكل علم من علوم القرآن كتبا خاصة به، فالكتاب الواحد لا يتناول إلا مباحث علم واحد، فلم تكن المؤلفات الجامعة قد ظهرت بعد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>المرحلة الثالثة: مرحلة المؤلفات الجامعة</span>\nخصص ابن النديم الفن الثالث من المقالة الأولى من كتابه الفهرست، لعلوم القرآن، وقال في مطلعه: «الفن الثالث: في نعت الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وأسماء الكتب المصنفة في علومه، وأخبار القراء وأسماء رواتهم» (١). وما فعله ابن النديم هنا يمثل بداية اتجاه جديد للتأليف في علوم القرآن يتمثل بجمع خلاصة لعلوم القرآن كافة في مكان واحد، بعد أن كانت كتب علوم القرآن يختص كل كتاب منها بمباحث علم واحد. وأشهر الكتب التي اتبعت هذا المنهج:\n_________\n(١) المصدر نفسه ص ٢، ويستغرق ذلك من كتاب الفهرست ص ٢٧ - ٤٢.","vol":"1","page":9},{"text":"١ - كتاب فنون الأفنان في عجائب علوم القرآن، تأليف ابن الجوزي (أبو الفرج عبد الرحمن بن علي المتوفى سنة ٥٩٧ هـ) (١).\n٢ - جمال القراء وكمال القراء، تأليف علم الدين السخاوي. (أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الصمد المتوفى سنة ٦٤٣ هـ) (٢).\n٣ - المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز، لأبي شامة المقدسي.\n(أبو القاسم عبد الرحمن بن اسماعيل المتوفى سنة ٦٦٥ هـ) (٣).\n٤ - البرهان في علوم القرآن، تأليف بدر الدين الزركشي. (محمد بن عبد الله المتوفى سنة ٧٩٤ هـ) (٤).\n٥ - الإتقان في علوم القرآن، تأليف جلال الدين السيوطي (عبد الرحمن بن أبي بكر المتوفى سنة ٩١١ هـ) (٥).\nوكتاب «الإتقان» هو أكبر كتاب في علوم القرآن، جمع فيه السيوطي خلاصة ثمانين مبحثا من مباحث علوم القرآن، استخلصها من المؤلفات السابقة له، وكان خاتمة للمؤلفات الجامعة في العصور المتقدمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>المرحلة الرابعة: علوم القرآن في العصر الحديث:</span>\nعاد العلماء إلى التأليف في علوم القرآن في العصر الحديث، وتنوعت اتجاهات التأليف عندهم:\n_________\n(١) جزء واحد، حققه د. رشيد العبيدي، وطبع في بغداد سنة ١٩٨٨ م. وكان قد حققه أحمد الشرقاوي إقبال، وطبع في الدار البيضاء سنة ١٩٨٠ م.\n(٢) يقع في جزءين، حققه د. علي حسين البواب، وطبع في القاهرة سنة ١٩٨٧ م.\n(٣) جزء واحد، حققه طيار آلتي قولاج، وطبع في بيروت سنة ١٩٧٥ م.\n(٤) يقع في أربعة أجزاء، حققه محمد أبو الفضل إبراهيم وطبع في القاهرة ط ٢ سنة ١٩٧٢ م.\n(٥) يقع في أربعة أجزاء، حققه محمد أبو الفضل إبراهيم، وطبع في القاهرة سنة ١٩٦٧ م.","vol":"1","page":10},{"text":"فمنهم من اتبع منهج المؤلفات الجامعة، مثل الشيخ طاهر الجزائري (ت ١٩٢٠ م) في كتابه «التبيان لبعض المباحث المتعلقة بالقرآن»، الذي اختصر فيه بعض مباحث (الاتقان) للسيوطي. والشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني (ت ١٩٤٨ م) في كتابه «مناهل العرفان في علوم القرآن». ونحا هذا المنحى الدكتور صبحي الصالح في كتابه «مباحث في علوم القرآن» وغير هؤلاء كثير.\nومنهم من ألّف في علم واحد من علوم القرآن أو قضية من قضايا تأريخ القرآن، مثل كتاب «الظاهرة القرآنية» لمالك بن نبي، وكتاب «النبأ العظيم» للدكتور محمد عبد الله دراز، وكتاب «النسخ في القرآن» للدكتور مصطفى زيد، وكتاب «الإعجاز البياني للقرآن» للدكتورة عائشة عبد الرحمن، وكتاب «التفسير العلمي للآيات الكونية في القرآن» للأستاذ حنفي أحمد، وغيرها كثير أيضا.\nوكان للمستشرقين دور في الدراسات الحديثة عن القرآن وعلومه، لكن أكثر تلك الدراسات كانت تنطلق من نظرة يشوبها التعصب (١)، وأشهر ما كتبوه كتاب «تاريخ القرآن» للمستشرق الألماني تيودور نولدكه، الذي صدرت طبعته الأولى سنة ١٨٦٠ م، والذي قال عنه المستشرق آثر جفري: «وهو الآن أساس كل بحث في علوم القرآن في أوربا» (٢)، وكتاب «مذاهب التفسير الإسلامي» للمستشرق المجري الأصل جولد تسهير (ت ١٩٢٠ م) (٣)، وكتاب «القرآن: نزوله، تدوينه، ترجمته وتأثيره» للمستشرق الفرنسي بلاشير (٤).\nومن الكتب التي كتبها باحث غربي واتسمت بالموضوعية إلى حد كبير،\n_________\n(١) ينظر: مالك بن نبي، الظاهرة القرآنية ص ٥٦.\n(٢) ص ٤ من مقدمة تحقيقه كتاب المصاحف لابن أبي داود.\n(٣) ترجمه إلى العربية د. عبد الحليم النجار وطبع في مصر سنة ١٩٥٥ م.\n(٤) ترجمه إلى العربية رضا سعادة، وطبع في بيروت سنة ١٩٧٤ م.","vol":"1","page":11},{"text":"كتاب «التوراة والإنجيل والقرآن والعلم» للكاتب الفرنسي موريس بوكاي (١)، الذي أراد في هذا الكتاب (اختبار الكتب المقدسة في ضوء المعارف العلمية الحديثة) (٢)، والذي ختمه بقوله: «وبالنظر إلى حال المعارف في عصر محمد، لا نستطيع أن نفهم بأن كثيرا من الأخبار القرآنية التي لها سمة علمية يمكن أن تكون عمل إنسان، ولذلك فإن المشروع ليس بأن يعتبر القرآن تعبيرا لوحي فقط، بل بأن يعطى مركزا ممتازا لما يتمتع به من الأصالة الفريدة ولوجود أخبار علمية لديه ظهرت كتحد للتفسير الإنساني» (٣).\nإن التأليف في علوم القرآن في اتجاهيه العام والخاص لم ينقطع منذ بدئه إلى زماننا، وهو يعكس مقدار عناية الأمة بالقرآن الكريم، والحاجة الدائمة إلى مؤلفات توضح تأريخ النص القرآني، وتكشف عن وجوه إعجازه، وتبين ما يتضمنه من الحكمة ومعالم الهداية التي تتطلع إليها البشرية أفرادا وجماعات في جميع العصور.\n_________\n(١) ترجمه إلى العربية جماعة من الدعاة، ونشر في بيروت سنة ١٩٧٨ م.\n(٢) ص ١٠ من الكتاب.\n(٣) ص ٢١٧ من الكتاب.","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>الفصل الأول نزول القرآن الكريم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>المبحث الأول: مصدر القرآن</span>\nلقد علم الناس أجمعون علما لا يخالطه شك أن القرآن الكريم جاء على لسان رجل عربي أميّ ولد بمكة في القرن السادس الميلادي، اسمه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ﷺ وأن البشرية لم تعرف هذا الكتاب إلا عن طريقه، لا خلاف في ذلك بين مؤمن وملحد، لأن شهادة التاريخ المتواترة لا يماثلها ولا يداخلها شهادته لكتاب غيره، ولا لحادث غيره ظهر على وجه الأرض. ولكن من أين جاء به محمد بن عبد الله ﷺ، أمن عند نفسه ومن وحي ضميره، أم من عند معلّم؟ ومن هو ذلك المعلم (١)؟\nإن الناس في الإجابة عن هذا السؤال ينقسمون إلى قسمين، قسم يعتقدون أن هذا الكتاب كلام الله تعالى أوحاه إلى نبيه محمد ﷺ وقسم ينكرون ذلك ولكنهم كانوا متحيرين في نسبته إلى مصدر معين، وقد حكى القرآن الكريم أقاويل كفار مكة بشأن القرآن وردّ عليها ردا ساحقا، مؤكدا مصدره الإلهي.\nقال الله تعالى: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ وَقالُوا ما هذا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرىً وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٤٣) [سبأ].\n_________\n(١) ينظر: محمد عبد الله دراز: النبأ العظيم ص ٢٠.","vol":"1","page":13},{"text":"وقال تعالى: بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥) ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦) وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧) وَما جَعَلْناهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ (٨) ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩) لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٠) [الأنبياء].\nوقال تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦) وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) [الفرقان].\nوفي القرآن آيات أخرى حكت أقوال المشركين وبينت موقفهم من القرآن والدعوة الجديدة (١)، لكن القرآن بيّن في مقابل ذلك بيانا واضحا أن هذا القرآن من عند الله، وأنه وحي أوحاه الله إلى رسوله ﷺ، كما أوحى إلى النبيين من قبله، قال تعالى: قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩) [الأحقاف]. وقال تعالى:* إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا (١٦٣) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا (١٦٤) رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥) لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا (١٦٦) [النساء].\nوبيّن القرآن أيضا أن الرسول ﷺ ليس له في القرآن من عمل إلا الحفظ\n_________\n(١) ينظر: سورة الطور الآيات: ٣٠ - ٣٤، وسورة الحاقة الآيات: ٣٩ - ٥٢.","vol":"1","page":14},{"text":"والتبليغ، قال الله تعالى: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦) [يونس].\nوقد أكدت آيات القرآن الكريم على أن الله تعالى هو الذي أنزل القرآن على سيدنا محمد ﷺ، ونكتفي بإيراد أمثلة منها تذكّر القارئ بهذه الحقيقة الأساسية في العقيدة الإسلامية، فمنها:\nقوله تعالى: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) [آل عمران].\nوَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ ... (٤٨) [المائدة].\nإِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) [يوسف].\nلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٠) [الأنبياء].\nإِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) [الإنسان].\nوإذا كانت الآيات الكريمة قد أكّدت على هذا المعنى فإن الأحاديث النبوية الشريفة قد أكدت عليه أيضا، فهذا رسول الله ﷺ يعلن أن هذا القرآن الذي يتلوه على الناس ليس من تأليفه، وإنما هو وحي أوحاه الله عليه ليبلغه للناس، وأنه المعجزة الخالدة التي أيده الله تعالى بها، فمن ذلك قوله: «ما من الأنبياء نبيّ إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» (١). قال ابن حجر في شرحه:\n_________\n(١) رواه البخاري (فتح الباري ٩/ ٣)، وصحيح مسلم بشرح النووي ٢/ ١٨٦.","vol":"1","page":15},{"text":"«أي أن معجزتي التي تحدّيت بها هي الوحي الذي أنزل عليّ، وهو القرآن، لما اشتمل عليه من الإعجاز الواضح ...» (١).\nوقال رسول الله ﷺ أيضا: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ...» (٢).\nيعني بالكتاب القرآن، ومثله يعني السنة. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة تؤكد على أن القرآن لم يصدر عن الرسول ﷺ ابتداء، وإنما أنزل عليه، وأنه كلام الله تعالى. وقد آمن بهذه الحقيقة أجيال المسلمين من لدن عصر الصحابة، ولا تزال هذه الحقيقة هي الركيزة الأساسية لإيمان المؤمنين، لا يحيد عنها إلا هالك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>المبحث الثاني بدء نزول القرآن</span>\nإن من يريد أن يتعرف على بدء الظاهرة القرآنية فعليه أن يدرس البيئة التي ظهرت فيها، فإن القرآن وإن لم يكن من صنع تلك البيئة فإن كثيرا من معانيه لا تفهم إلا بمعرفتها، كما أن دراسة سيرة الرجل الذي نزل عليه القرآن ضرورة لتفهم كيفية نزول القرآن وإدراك حقيقة الدعوة التي تضمنها. ولا يتسع المكان لعرض تلك التفاصيل هنا، ونفترض أن القارئ على معرفة مناسبة لها. ونكتفي بنقل قول محمد بن سعد الذي يلخص فيه معالم شخصية النبي ﷺ قبل البعثة، حيث قال: «شبّ رسول الله ﷺ مع أبي طالب، يكلؤه الله ويحفظه ويحوطه من أمور الجاهلية ومعايبها، لما يريد به من كرامته، وهو على دين قومه، حتى بلغ أن كان رجلا أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقا، وأكرمهم مخالطة، وأحسنهم جوارا، وأعظمهم حلما وأمانة، وأصدقهم حديثا، وأبعدهم من الفحش والأذى،\n_________\n(١) فتح الباري ٩/ ٦.\n(٢) رواه أبو داود في سننه ٤/ ٢٠٠.","vol":"1","page":16},{"text":"وما رئي ملاحيا ولا مماريا أحدا، حتى سماه قومه الأمين، لما جمع الله له من الأمور الصالحة، فقد كان الغالب عليه بمكة الأمين» (١).\nوفي السنة التي بلغ فيها النبي ﷺ الأربعين من عمره بدأ تحول كبير في حياته لم يكن قد تهيأ له من قبل، لكن العناية الإلهية كانت ترعى ذلك التحول وتوجهه نحو النبوة الكاملة التي تنكشف فيها حجب الغيب، ويتنزل الوحي بالقرآن عليه. وكانت أولى مظاهر ذلك التحول أن النبي ﷺ قال لخديجة، ﵂: «إني أرى ضوءا وأسمع صوتا» (٢). وتتابعت إرهاصات النبوة التي انتهت باللقاء الأول بين رسول الله ﷺ والملك جبريل ﵇ الذي حمل الرسالة إليه.\nوتقدّم الروايات التاريخية والأحاديث الصحيحة وصفا لبدء نزول القرآن على رسول الله ﷺ، ونقل البخاري في كتابه الجامع الصحيح، كما جاء في غيره من المصادر المعتمدة تفاصيل ذلك الحدث العظيم عن عائشة، ﵂، حيث قالت (٣): «كان أوّل ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة (أو الصالحة) في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح.\nقالت: فمكث على ذلك ما شاء الله، وحبّب إليه الخلوة، فلم يكن شيء أحبّ إليه منها، وكان يخلو بغار حراء (٤) فيتحنث فيه- وهو التعبد- الليالي ذوات العدد، قبل أن يرجع إلى أهله فيتزود لمثلها، حتى فجئه الحق وهو في غار حراء.\n_________\n(١) الطبقات الكبرى ١/ ١٢١.\n(٢) رواه الإمام أحمد في المسند (١/ ٣١٢) عن ابن عباس، وينظر: الهيثمي: مجمع الزوائد ٨/ ٢٥٥.\n(٣) البخاري: الجامع الصحيح ١/ ٥. وينظر: ابن سعد: الطبقات الكبرى ١/ ١٩٤، وابن هشام: السيرة النبوية ١/ ٢٣٤، وعبد الرزاق: المصنف ٥/ ٣٢١، وصحيح مسلم بشرح النووي ٢/ ١٩٧.\n(٤) حراء: بالمد وكسر الحاء، جبل من جبال مكة على ثلاثة أميال منها، في أعلاه قمة شامخة، وفيه الغار الذي كان يأوي إليه رسول الله ﷺ.","vol":"1","page":17},{"text":"فجاءه الملك فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطّني (١) حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: أقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني، فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣)\nالَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥)\n[العلق].\nفرجع بها الرسول ﷺ يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد، ﵂، فقال: زمّلوني (٢)، حتى ذهب عنه الرّوع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة: كلا، والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرّحم، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.\nفانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، ابن عم خديجة، كان امرأ تنصّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء أن يكتب (٣). وكان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت له خديجة: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟\nفأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس (٤) الذي نزّل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعا، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله ﷺ: أو مخرجيّ هم؟ قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا، ثم لم ينشب (٥) ورقة أن توفي، وفتر الوحي».\n_________\n(١) الغط: العصر الشديد (ينظر: ابن الأثير: النهاية ٣/ ٣٧٣).\n(٢) زملوني: دثّروني وغطّوني (ابن الأثير: النهاية ٢/ ٣١٣).\n(٣) كان ورقة يكتب بالعربية كما كان يكتب بالعبرانية (ابن حجر: فتح الباري ١/ ٢٥).\n(٤) الناموس: صاحب سر الوحي، والمراد به جبريل، ﵇. (ابن منظور: لسان العرب ٨/ ١٣٠ نمس).\n(٥) لم ينشب: لم يلبث (ابن الأثير: النهاية ٥/ ٥٢).","vol":"1","page":18},{"text":"قال ابن سعد: «نزل الملك على رسول الله ﷺ بحراء، يوم الاثنين، لسبع عشرة خلت من شهر رمضان (١)، ورسول الله يومئذ ابن أربعين سنة، وجبريل الذي كان ينزل عليه بالوحي» (٢).\nوقد قال الله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ (١٨٥) [البقرة].\n\nالمبحث الثالث فتور (٣) الوحي\nإن الارتقاء إلى مقام النبوة الذي تنكشف معه حجب الغيب، ويتصل الإنسان فيه بعالم الروح- أمر يستدعي كثيرا من الإعداد النفسي الذي ينقل الإنسان إلى ذلك المقام من غير أن يصاب بانهيار نفسي أو اضطراب عقلي. ويلمس المتأمل جوانب ذلك الإعداد الإلهي في حياة النبي محمد ﷺ متمثلة بأمور عدة منها:\n١ - ما رآه وسمعه من الضوء والصوت غير المألوف له من قبل.\n٢ - الرؤيا الصادقة التي صارت تتكرر وتتحقق مما يخرج عن العادة.\n٣ - الميل نحو الخلوة، وتفرغه لها في أعلى جبل حراء، وما توحيه تلك الخلوة في ليلها الساجي الساكن ونهارها الضاحي الطويل من شعور.\n٤ - ما لقيه ﷺ من الضم الشديد من الملك في اللقاء الأول، لإعداده لتحمل الثقل المصاحب لإيحاء القرآن إليه.\n_________\n(١) يقابل ذلك شهر شباط من سنة ٦١٠ من التقويم الميلادي (ينظر: محمد عبد الله دراز:\nمدخل إلى القرآن الكريم ص ٢٨).\n(٢) الطبقات الكبرى: ١/ ١٩٤.\n(٣) فتور الوحي: انقطاع نزول جبريل على النبي ﷺ مدة بعد نزوله عليه في غار حراء.","vol":"1","page":19},{"text":"وقد كان رسول الله ﷺ بعد ذلك اللقاء المبارك في غار حراء في حاجة إلى وقت للراحة والتأمل في حقيقة هذا الأمر الجديد في حياته، وتحقق ذلك بانقطاع نزول جبريل عليه مدة من الوقت جعلته يتشوق إلى لقائه مرة أخرى، بعد أن زال عنه الرّوع، وأخذ يتفكر في كلمات ورقة بن نوفل الذي لم يلبث أن توفي بعد أن سمع منه تفسيره لما وقع له في غار حراء، فروى ابن سعد عن عبد الله بن عباس «أن رسول الله ﷺ لمّا نزل عليه الوحي بحراء مكث أياما لا يرى جبريل، فحزن حزنا شديدا، حتى كان يغدو إلى ثبير (١) مرة وإلى حراء مرة، يريد أن يلقي نفسه منه، فبينا رسول الله ﷺ كذلك عامدا لبعض تلك الجبال إذ سمع صوتا من السماء. فوقف رسول الله ﷺ صعقا للصوت، ثم رفع رأسه، فإذا جبريل يقول:\nيا محمد أنت رسول الله حقا، وأنا جبريل، قال: فانصرف رسول الله ﷺ وقد أقرّ الله عينه، وربط جأشه، ثم تتابع الوحي بعد وحمي» (٢).\nونقل البخاري الرواية بتفصيل آخر عن جابر بن عبد الله الأنصاري «قال وهو يحدّث عن فترة الوحي، فقال في حديثه: بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء، فرفعت بصري، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فرعبت منه، فرجعت فقلت: زمّلوني، فدثّروه، فأنزل الله يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) [المدثر]، ثم تتابع الوحي» (٣).\nوهكذا ذهب في هذه الفترة ما وجده رسول الله ﷺ من الرّوع في لقاء غار حراء، وكذلك تشوّق، بعد ذهاب الرّوع عنه، إلى رؤية الملك مرة أخرى (٤).\n_________\n(١) ثبير: جبل من جبال مكة. (ينظر: صفي الدين البغدادي: مراصد الاطلاع ١/ ٢٩٢).\n(٢) الطبقات الكبرى ١/ ١٩٦.\n(٣) صحيح البخاري ١/ ٦ و٦/ ٢١٥، وصحيح مسلم بشرح النووي ٢/ ٢٠٦.\n(٤) ينظر: العيني: عمدة القارى ١/ ٦٢.","vol":"1","page":20},{"text":"قال الحافظ ابن حجر: «وفتور الوحي عبارة عن تأخره مدة من الزمان، وكان ذلك ليذهب ما كان رسول الله ﷺ وجده من الرّوع، وليحصل له التشوّف إلى العود ...» (١).\nوقد أيقن رسول الله ﷺ بعد هذا كله أن الله تعالى قد اختاره رسولا، وصار يتلقى القرآن عن طريق جبريل فحمل أعباء الرسالة وأخذ يدعو إليها واستمر جهاده ثلاثا وعشرين سنة اكتمل خلالها نزول القرآن، وترسخت الدعوة والعقيدة في أرجاء الجزيرة العربية، قبل وفاته ﷺ (٢).\n_________\n(١) فتح الباري ١/ ٢٧.\n(٢) ذهب عدد من المؤلفين في علوم القرآن في عصرنا إلى أن مدة فتور الوحي كانت ثلاث سنين، معتمدين في ذلك على رواية عن عامر الشعبي أحد علماء التابعين (ت ١٠٣ هـ) (ينظر: محمد رشيد رضا: الوحي المحمدي ص ١٢٥، ومحمد عبد الله دراز: مدخل إلى القرآن الكريم ص ٣٠، وصبحي الصالح: مباحث في علوم القرآن ص ٣٦، ومالك بن نبي: الظاهرة القرآنية ص ١٨٥).\nوالذي يبدو راجحا هو أن فتور الوحي لم يمتد ثلاث سنوات للأسباب الآتية:\n١ - إن الرواية المنقولة عن عامر الشعبي لا تتحدث عن فتور الوحي أولا، وهي رواية غير موثوقة عند أهل العلم ثانيا، وجاء فيها «بعث لأربعين، ووكّل به إسرافيل ثلاث سنين، ثم وكّل به جبريل» (ينظر: ابن حجر: فتح الباري ١/ ٢٧). وقال ابن سعد في شأن هذه الرواية: «فذكرت هذا الحديث لمحمد بن عمر (يعني الواقدي شيخه) فقال: ليس يعرف أهل العلم ببلدنا أن إسرافيل قرن بالنبي ﷺ وأنّ علماءهم وأهل السيرة منهم يقولون: لم يقرن به غير جبريل من حين أنزل عليه الوحي إلى أن قبض ﷺ» (الطبقات الكبرى ١/ ١٩١).\n٢ - إن ما ورد في روايات فتور الوحي لا يحدد المدة التي كانت بين نزول أول سورة العلق ونزول أول سورة المدثر، ويبدو أنها لم تطل كثيرا، ففي رواية البخاري «وفتر الوحي فترة، حتى حزن رسول الله ﷺ» (صحيح البخاري ٦/ ٢١٥)، وفي طبقات ابن سعد «لما نزل الوحي بحراء مكث أياما لا يرى جبريل، فحزن حزنا شديدا» (الطبقات الكبرى ١/ ١٩٦)، وفي السيرة النبوية لابن هشام «قال ابن إسحاق: ثم فتر الوحي عن رسول الله ﷺ فترة من ذلك، حتى شق ذلك عليه فأحزنه» (السيرة النبوية ١/ ٢٤١).","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>المبحث الرابع كيف تلقى رسول الله ﷺ القرآن</span>\nليس من شأن البشر التلقي عن الله تعالى مباشرة، وقد أكد القرآن ذلك، وبيّن السّبل التي يبلّغ الله بها كلماته إلى المصطفين من عباده، قال الله تعالى:\n* وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١) وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣) [الشورى].\nفهذه الآيات تبيّن أنّ هناك ثلاث طرق لتبليغ المعرفة الإلهية هي:\n١ - الوحي: ومعناه في اللغة الإعلام الخفي (١)، وقد يكون بالرؤيا الصادقة أو بالإلهام، وهو أن يلقي الله في النفس أمرا يبعث على الفعل أو الترك (٢).\n٢ - من وراء حجاب، كما كلّم الله تعالى موسى، ﵇ (سورة النساء ١٦٤ وسورة طه ١١).\n٣ - الرسول، وهو الملك الذي ينزل إلى الانبياء والرسل (٣).\n_________\n٣ - إن انقطاع الوحي ثلاث سنوات لا يتناسب مع ما وجد فيه رسول الله ﷺ نفسه من التطلع إلى لقاء جبريل وما أصابه من الحزن بسبب تأخر ذلك بعض الوقت، فلو كانت مدة انقطاع الوحي ثلاث سنوات لأدى ذلك فيما أحسب إلى أحد أمرين: إما نسيان القضية كلها، وإما أن يؤدي ذلك الحزن بحياته ﷺ ومن ثم فإن الراجح أن مدة فتور الوحي كانت أياما أو أسابيع معدودة (ينظر: ابن حجر: فتح الباري ١/ ٢٧ و٨/ ٧١٠ و١٢/ ٣٦٠).\n(١) ابن منظور: لسان العرب ٢٠/ ٢٥٧ وحي.\n(٢) المصدر نفسه ١٦/ ٢٨ لهم.\n(٣) ينظر: الطبري: جامع البيان ٢٥/ ٤٥.","vol":"1","page":22},{"text":"وقد أشارت الآية السابقة إلى أن ما أوحاه الله إلى النبي محمد ﷺ هو من جنس ما أوحاه إلى الأنبياء السابقين وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا (٥٢) [الشورى]،\nوقد أكدت هذا المعنى آيات أخرى، منها قوله تعالى:* إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ ... (١٦٣) [النساء].\nوقد سمّي نزول جبريل ﵇ بالقرآن على رسول الله ﷺ وحيا لأنه أسرّه على الخلق، وخصّ به النبيّ المبعوث إليه (١). فلم يكن الصحابة يرون الملك وقت نزوله بالقرآن، مع أنهم شاهدوا آثار نزوله.\nولا شك في أن الوحي من الغيب الذي لا يعرف بالحواس ولا يدرك بالعقل المجرد، ومن ثم فإن القول في حقيقته وكيفيته يتوقف على ما ورد عنه في القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة، وقد جاء في عدد من الأحاديث والآثار وصف لحالة النبي ﷺ وقت نزول جبريل ٥ بالقرآن، منها ما يتعلق بالجانب الخفي من الوحي، ومنها ما يتعلق بآثاره الظاهرة التي لاحظها الصحابة، ﵃.\nأما الجانب الخفي من الوحي فقد سأل الصحابة عنه رسول الله ﷺ فقال عبد الله بن عمرو: «سألت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله: هل تحسّ بالوحي؟\nقال: نعم، أسمع صلصلة، ثم أسكت عند ذلك» (٢).\nوروى البخاري «عن عائشة أم المؤمنين، ﵂، أن الحارث بن هشام، ﵁، سأل رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ: أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشدّه عليّ، فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانا يتمثّل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول» (٣).\n_________\n(١) ابن منظور: لسان العرب ٢٠/ ٢٥٨ وحي.\n(٢) قال الهيثمي (مجمع الزوائد ٨/ ٢٥٦): رواه أحمد والطبراني، وإسناده حسن.\n(٣) صحيح البخاري ١/ ٤، والترمذي: كتاب السنن ٥/ ٥٥٨.","vol":"1","page":23},{"text":"ويؤكد هذا الحديث أن للوحي صورتين، لكن يجب ملاحظة تأكيد النبي ﷺ على وعيه لما يلقيه إليه الملك في كلتا الصورتين، فهو يتلقاه بقلبه وينطبع في عقله، وقد قال الله تعالى: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) [الشعراء].\nوأما الجانب الظاهر المتعلق بآثار الوحي المحسوسة فقد تحدث عنها الصحابة، رضوان الله عليهم، ونقلوها إلى أجيال الأمة، وأول ما لاحظوا أن النبي ﷺ كان يعاني من التنزيل شدّة، فقد نقل مسلم بن الحجاج في صحيحه عن عبادة بن الصامت أنه قال: «كان نبي الله ﷺ إذ أنزل عليه كرب لذلك» (١). وأنه إذا أنزل عليه الوحي أخذته البرحاء- كما روى البخاري (٢) - والبرحاء شدّة الحمّى، وهي هنا شدّة الكرب من ثقل الوحي (٣). وقد لاحظ الصحابة تصبب العرق من جبينه، قالت السيدة عائشة، ﵂: «ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه، وإن جبينه ليتفصّد عرقا» (٤).\nوكانت تلك الشّدّة المصاحبة للوحي التي تغشى رسول الله ﷺ يمتد تأثيرها إلى ما يتصل به أو يلامسه، فها هم الصحابة يشهدون رسول الله ﷺ يوحى إليه وهو على ناقته، فتغشى الناقة تلك الشدة، كما روى ابن سعد عن أبي أروى الدّوسي، قال: «رأيت الوحي ينزل على النبي ﷺ وإنه على راحلته، فترغو وتفتل يديها، حتى أظن أن ذراعها ينقصم، فربما بركت، وربما قامت موتّدة يديها، حتى يسرّى عنه من ثقل الوحي، وأنه ليتحدّر منه مثل الجمان» (٥).\n_________\n(١) صحيح مسلم بشرح النووي ١١/ ١٩٠، والبيهقي: دلائل النبوة ٧/ ٥٤.\n(٢) ينظر: ابن حجر: فتح الباري ٥/ ٢٧٢.\n(٣) ابن الأثير: النهاية ١/ ١١٣، وابن منظور: لسان العرب ٣/ ٢٣٣ (برح).\n(٤) صحيح البخاري ١/ ٤.\n(٥) الطبقات الكبرى ١/ ١٩٧، وينظر: البيهقي: دلائل النبوة ٧/ ٥٣. وقال الصحابي عبد الله.","vol":"1","page":24},{"text":"وها هو زيد بن ثابت كاتب الوحي يقول: «إني لقاعد إلى جنب النبي ﷺ إذ أوحي إليه، وغشيته السكينة، فوضع فخذه على فخذي، قال زيد، فلا والله ما وجدت شيئا قطّ أثقل منها» وفي رواية: «فثقلت عليّ حتى خفت أن ترضّ فخذي» (١).\nوكان مما لاحظه الصحابة عند نزول الوحي ما رواه عدد من المحدّثين عن عمر بن الخطاب أنه قال: «كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي يسمع عند وجهه دويّ كدويّ النحل» (٢).\nإن المتأمل لحالة نزول الوحي في جانبيها الغيبي الذي وضّحه النبي ﷺ والمحسوس الذي وصفه الصحابة، ﵃، يدرك أنها أبعد ما تكون عن حالة السبات الطبيعي الذي يعتري المرء في وقت حاجته إلى النوم، فإنها كانت تعرو النبي ﷺ قائما أو قاعدا أو سائرا أو راكبا، بكرة أو عشيا، وكانت تعروه فجأة وتنقضي في لحظات يسيرة، لا بالتدريج الذي يعرض للوسنان الذي يغفو ويغرق في النوم، كما أنها حالة تباين كليا تلك الأعراض المرضية والنوبات\nالعصبية التي تصفرّ فيها الوجوه، وتبرد الأطراف، وتصطكّ الأسنان، وتتكشف العورات، ويحتجب نور العقل، لأنها حالة تتسم بالجلال والوقار، وهي مبعث نور لا ظلمة، ومصدر علم لا جهالة (٣).\n_________\nابن عمرو: «أنزلت على رسول الله ﷺ سورة المائدة، وهو راكب على راحلته، فلم تستطع أن تحمله، فنزل عنها» قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٣): «رواه أحمد، وفيه ابن لهيعة، والأكثر على ضعفه، وقد يحسّن حديثه وبقية رجاله ثقات» وينظر:\nالساعاتي: الفتح الرباني ١٨/ ١٢٥.\n(١) ابن حجر: فتح الباري ٨/ ٢٥٩ - ٢٦٠.\n(٢) عبد الرزاق: المصنف ٣/ ٣٨٣، والترمذي: كتاب السنن ٥/ ٣٠٥، والبيهقي: دلائل النبوة ٧/ ٥٥.\n(٣) ينظر: محمد عبد الله دراز: النبأ العظيم ص ٧٠ وما بعدها.","vol":"1","page":25},{"text":"إن حالة الوحي تكررت مرات كثيرة، في حياة رسول الله ﷺ بعد بعثته، وكانت تلك الحالة معروفة للصحابة، وكانت تتسم لحظاتها بالسكينة والوقار، وكان الصحابة يطرقون خلالها بانتظار سماع الوحي الجديد، روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، ﵁، أنه قال: «وكان إذا جاء الوحي لا يخفى علينا، فإذا جاء فليس أحد يرفع طرفه إلى رسول الله ﷺ حتى ينقضي الوحي» (١).\nإن التلقي عن الله تعالى، حتى وإن كان عن طريق الملك، أمر خارج عن معهود الناس، إنه أمر عجيب، لكنه حدث مرات كثيرة على عهد رسول الله ﷺ وأحس بحدوثه كثيرون، ورأوا مظاهره رأي العين، وتلقّوا ثمرته، وهي هذا القرآن العظيم الذي تلاه رسول الله ﷺ على الناس، وحفظه عنه صحابته، وكتبوه، وعلّموه من جاء بعدهم، وتناقلته الأمة خلال العصور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>المبحث الخامس حفظ النبي ﷺ للقرآن</span>\nأدرك رسول الله ﷺ حقيقة دوره الجديد بعد ما نزل عليه قوله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ (١) [العلق]، ونداء جبريل له: يا محمد أنت رسول الله حقا، ثم نزول قوله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) [المدثر]. وأن عليه أن يحمل الرسالة الإلهية ويدعو إليها الناس من حوله، وكانت طريقة تلقيه القرآن من جبريل ﵇ لا تعطيه الفرصة للمراجعة والحفظ في لحظة التلقي، فكانت هذه الحالة تثير قلقه وخوفه من فقدان شيء من ألفاظ القرآن في وقت تلقيه من الملك.\nوكان رسول الله ﷺ يتعجّل في بادئ الأمر في حفظ القرآن، فيسابق جبريل، وهو يلقي إليه القرآن ساعة الوحي، فيردد الآيات قبل أن ينتهي الملك، مخافة أن ينسى منها شيئا، وكان ذلك مما يشق عليه، فجاء القرآن يطمئنه في أول\n_________\n(١) صحيح مسلم بشرح النووي ١٢/ ١٢٨، والبيهقي: دلائل النبوة ٧/ ٥٤.","vol":"1","page":26},{"text":"الطريق، ويتكفل له بالحفظ المطلق للقرآن، وينهاه عن تلك العجلة، قال الله تعالى: وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (١١٣) فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤) [طه].\nوجاءت آيات أخرى تؤكد أن حفظ القرآن مكفول للنبي ﷺ وهي قوله تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (١٩) [القيامة].\nوقد روى البخاري في صحيحه تفسيرا لهذه الآيات عن عبد الله بن عباس، ﵄، جاء فيه: إن رسول الله ﷺ كان يعالج من التنزيل شدّة، وكان مما يحرك به لسانه وشفتيه، يخشى أن ينفلت منه، فأنزل الله لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) جمعه: أن نجمعه في صدرك (أي أن تحفظه) وقرآنه: أن تقرأه. فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨): فإذا أنزلناه فاستمع وأنصت. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (١٩): ثم إن علينا أن نبيّنه بلسانك، فكان رسول الله ﷺ بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه النبي ﷺ كما قرأه جبريل (١).\nوهذه الآيات الكريمة تؤكد أمرا هامّا، هو تكفّل الله المطلق بشأن القرآن، وحيا وحفظا وجمعا وبيانا، وإسناده إليه- سبحانه- بكليته، فليس للرسول ﷺ من أمره إلا وعيه وحفظه وتبليغه، بعد أن أعطاه الله ملكة تامة للحفظ، فصار إذا أتاه جبريل استمع، فإذا ذهب جبريل قرأه كما قرأه عليه جبريل، يحفظ السورة الطويلة كما يحفظ السورة القصيرة، وليس هناك فرصة لنسيان شيء منه أو ضياعه.\nوإلى جانب هذا الاستعداد الدائم الذي خص الله به النبي ﷺ لحفظ القرآن، فإن جبريل ﵇ كان يدارسه ما نزل عليه من القرآن في كل مرة، كما في الحديث\n_________\n(١) صحيح البخاري ١/ ٦ و٦/ ٢٠٢، وابن سعد: الطبقات الكبرى ١/ ١٩٨.","vol":"1","page":27},{"text":"الذي رواه البخاري عن ابن عباس، حيث قال: «كان رسول الله أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن، فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة» (١).\nوكانت ثمرة ذلك التمكين لحفظ القرآن، وهذه المدارسة له بين رسول الله وجبريل أن حفظ رسول الله ﷺ القرآن حفظا لا حظّ للنسيان فيه، قال مجاهد:\nكان رسول الله ﷺ يتذكر القرآن في نفسه، مخافة أن ينسى، فقال الله ﷿:\nسَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) [الأعلى]» (٢). فقرأه على الصحابة، فكان بعضهم يكتبه، وكان آخرون يحفظونه، وأدّوه إلى من جاء بعدهم من أجيال المسلمين، وظل القرآن محفوظا كما تلقاه الصحابة عن رسول الله ﷺ حتى يومنا هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>المبحث السادس تنجيم القرآن والحكمة منه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>أولا- نزول القرآن منجّما:</span>\nلم ينزل القرآن الكريم على رسول الله ﷺ مرة واحدة، وإنما نزل مفرّقا، وظل جبريل ينزل عليه بالقرآن مدة ثلاث وعشرين سنة، في الرأي الراجح، فقد روى البخاري عن عبد الله بن عباس أنه قال: «بعث رسول الله ﷺ لأربعين سنة، فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه، ثم أمر بالهجرة، فهاجر عشر سنين، ومات وهو ابن ثلاث وستين» (٣).\nونزول القرآن مفرقا يسميه العلماء تنجيم القرآن، ويسمّون الشيء النازل منه في المرة الواحدة نجما، لأن من معاني النجم في اللغة «الوقت المضروب» وقد\n_________\n(١) صحيح البخاري ١/ ٦. وينظر: البيهقي: دلائل النبوة ٧/ ١٤٦.\n(٢) تفسير مجاهد ص ٧٥٢. وينظر: الطبري: جامع البيان ٣٠/ ١٥٤.\n(٣) ابن حجر: فتح الباري ٧/ ٢٢٧، وينظر: الترمذي: كتاب السنن ٥/ ٥٥٢.","vol":"1","page":28},{"text":"قالت العرب: «نجّمت المال، إذا أدّيته نجوما ... وقد جعل فلان ماله على فلان نجوما معدودة يؤدي عند انقضاء كل شهر منها نجما، وقد نجّمها عليه تنجيما» (١). قال أبو شامة المقدسي: «فلما قطّع الله سبحانه القرآن وأنزله مفرقا قيل لتفاريقه نجوم» (٢).\nوأثار المشركون مسألة نزول القرآن منجما في سلسلة معارضتهم الباطلة للنبي ﷺ وتمنوا نزول القرآن جملة واحدة، على نحو ما حكى القرآن في قوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا (٣٢) وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣) [الفرقان].\nوللعلماء والمفسرين تحقيقات في الجهة التي ينزل منها جبريل ﵇ بالقرآن على النبي ﷺ وهذه قضية تستند أساسا إلى ما ورد عنها في القرآن الكريم، ويعتقد العلماء أن القرآن مثبت عند الله تعالى في أم الكتاب، في اللوح المحفوظ، مستندين في ذلك إلى قوله تعالى: حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤) [الزخرف]، وقوله تعالى: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢) [البروج]. قال المفسرون: إن القرآن مثبت عند الله سبحانه في اللوح المحفوظ، وسمّي أمّ الكتاب لأنه الأصل الذي أثبتت فيه الكتب السماوية (٣). وقد حمل بعض المفسرين قوله تعالى: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) [الواقعة] على اللوح المحفوظ، والمطهرون الملائكة (٤).\n_________\n(١) ابن منظور: لسان العرب ١٦/ ٤٧ نجم.\n(٢) المرشد الوجيز ص ١٨.\n(٣) ينظر: الطبري: جامع البيان ٢٥/ ٤٨ و٣٠/ ١٤٠، والنسفي: مدرك التنزيل ٤/ ١١٣، والبيضاوي: أنوار التنزيل ٢/ ٣٦٨.\n(٤) ينظر: الطبري: جامع البيان ٢٧/ ٢٠٣.","vol":"1","page":29},{"text":"ويعتقد كثير من العلماء والمفسرين أن القرآن أنزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، وكان جبريل ﵇ ينزل بالقرآن بعد ذلك مفرقا على النبي ﷺ وكانوا في ذلك يستندون إلى تفسير عدد من الآيات الكريمة التي تتحدث عن إنزال القرآن الكريم، وهي قوله تعالى:\nشَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ (١٨٥) [البقرة].\nحم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ (٣) [الدخان].\nإِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) [القدر].\nوهذه الآيات الكريمة تتحدث عن وقت نزول القرآن، ولا تشير إلى الكيفية إلا إشارة عامة، كما أشارت آيات أخرى إلى هذا المعنى أيضا، لكن المفسرين ينقلون عن عبد الله بن عباس، ﵄، أنه فسّر هذه الآيات بقوله:\n«أنزل الله تعالى القرآن كله جملة واحدة في ليلة القدر، وهي الليلة المباركة، في شهر رمضان إلى السماء الدنيا، ثم نزل به جبريل ﵇ مفرقا على النبي ﷺ في ثلاث وعشرين سنة، حتى أتمّه (١).\nونقل المفسرون قولا آخر في تفسير هذه الآيات عن أحد كبار التابعين هو عامر بن شراحيل الشعبي (ت ١٠٣ هـ على خلاف) الذي قال: نزل أول القرآن في ليلة القدر، ثم نزل بعد ذلك منجما في أوقات مختلفة (٢). وقد قال ابن حجر: إن القول المعتمد الصحيح هو أن القرآن نزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، ثم أنزل بعد ذلك مفرقا (٣).\n_________\n(١) ينظر: الطبري: جامع البيان ٢/ ١٤٤ و٢٥/ ١٠٧ و٣٠/ ٢٥٨. وأبو شامة: المرشد الوجيز ص ١٧، والسيوطي: الإتقان ١/ ١١٦.\n(٢) ينظر: الطبري: جامع البيان ٣٠/ ٢٥٨، والسيوطي: الإتقان ١/ ١١٨.\n(٣) فتح الباري: ٩/ ٤.","vol":"1","page":30},{"text":"وقال أبو شامة المقدسي: إنه لا منافاة بين الآيات الثلاث، فليلة القدر هي الليلة المباركة، وهي في شهر رمضان (١). ثم قال: «إن أول ما نزل على النبي ﷺ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) وذلك بحراء عند ابتداء نبوته، ويجوز أن يكون قوله أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ (١٨٥) [البقرة] إشارة إلى كل ذلك، وهو كونه أنزل جملة إلى السماء الدنيا، وأول نزوله إلى الأرض، وعرضه وإحكامه، في شهر رمضان، فقويت ملابسة شهر رمضان للقرآن إنزالا جملة وتفصيلا وعرضا وإحكاما، فلم يكن شيء من الأزمان تحقق له من الظرفية للقرآن ما تحقق لشهر رمضان، فلمجموع هذه المعاني قيل أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ» (٢).\nولا شك في أن نزول القرآن جملة إلى السماء الدنيا هو من أمر الغيب الذي تتوقف معرفته على ورود نص في القرآن أو الحديث يبينه، ولكن قول الصحابي في الأمور التي ليست موضع اجتهاد، إذا ثبت، حكمه حكم الحديث المرفوع، وهو ما ينطبق على تفسير ابن عباس هنا، فقد نص السيوطي على صحة أسانيد الأحاديث التي نقلت ذلك التفسير عن ابن عباس (٣). فمن المرجح أن يكون ابن عباس قد فهم التفسير من النبي ﷺ.\nعلى أن مما يجب الالتفات إليه في موضوع نزول القرآن هو أن هذا الاختلاف في تفسير هذه الآيات لا يؤثر في شيء على نص القرآن الكريم، فسواء ثبت ما نقل عن ابن عباس أو ما روي عن عامر الشعبي فنص القرآن واحد في كلا القولين، وهما يؤولان إلى نتيجة واحدة وهي أن النبي ﷺ تلقى القرآن مفرقا في ثلاث وعشرين سنة، لكن العلماء قالوا إن في إنزاله جملة إلى السماء الدنيا «تفخيم لأمره وأمر من أنزل عليه، وذلك بإعلام سكان السماوات السبع أن هذا\n_________\n(١) المرشد الوجيز ص ٩.\n(٢) المصدر نفسه ص ٢٤.\n(٣) الاتقان ١/ ١١٧.","vol":"1","page":31},{"text":"آخر الكتب، المنزل على خاتم الرسل، لأشرف الأمم، قد قربناه إليهم لننزله عليهم، ولولا أن الحكمة الإلهية اقتضت وصوله إليهم منجما بحسب الوقائع لهبط به إلى الأرض جملة كسائر الكتب المنزلة قبله، ولكن الله تعالى باين بينه وبينها، فجمع له الأمرين: إنزاله جملة ثم إنزاله مفرقا» (١)».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>ثانيا- حكمة نزول القرآن منجما:</span>\nاستغرق نزول القرآن الكريم ثلاثا وعشرين سنة، فهو لا يشكل ظاهرة مؤقتة أو خاطفة، ولقد نزلت الآيات منجمة، قد تنزل السورة الكاملة أو الآيات، أو الآية الواحدة، وبين كل وحي وما يليه مدة انقطاع قد تطول وقد تقصر، بحسب التقدير الإلهي، لا برغبة النبي ﷺ فإن رسول الله ﷺ لم يكن يملك من أمر الوحي غير التلقي الواعي، ثم الحفظ والتبليغ. فالله سبحانه هو الذي اختار هذا الطريق لتنزيل القرآن. وقد تمنى الكفار نزول القرآن جملة واحدة، ولكن الله تعالى بيّن أن وراء نزوله مفرقا حكمة يتعلق بها استمرار الدعوة ونجاحها، فقال سبحانه: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا (٣٢) وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣) [الفرقان].\nويقدم المفسرون لقوله تعالى: ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ (١٢٠) [هود] تفسيرين، هما: (٢) ١ - لنقوّي به قلبك، فإن الوحي إذا كان يتجدد في كل حادثة كان أقوى للقلب، وأشد عناية بالمرسل إليه.\n٢ - لتحفظه، فيكون فؤادك ثابتا به غير مضطرب، وكان النبي ﷺ أميا لا يكتب ولا يقرأ، ففرّق عليه القرآن ليتيسر عليه حفظه.\n_________\n(١) أبو شامة: المرشد الوجيز ص ٢٤، وينظر: السيوطي: الاتقان ١/ ١١٩.\n(٢) ينظر: الطبري: جامع البيان ١٩/ ١٠، وأبو شامة: المرشد الوجيز ص ٢٨، والسيوطي:\nالاتقان ١/ ١٢١.","vol":"1","page":32},{"text":"ولا شك أن تفريق النص الذي يراد حفظه ييسر الأمر على من يريد أن يحفظه، لكن ذلك قد لا ينطبق على الواقع، فقد صرح القرآن أن حفظ الوحي مكفول للنبي ﷺ كما مر ذلك، والله تعالى يقول: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) [الأعلى] و(لا) هنا نافية، والآية تعني أنك تحفظه ولن تنساه، إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ (١٨٨) [الأعراف].\nوالدارس اليوم والمتأمل لتاريخ الدعوة تتجلى أمامه حكمة نزول القرآن مفرقا، بالنسبة إلى النبي ﷺ وبالنسبة إلى المؤمنين، فالدعوة الإسلامية جاءت لتصلح أوضاع البشرية الفاسدة في العقيدة والسلوك والتشريع، ولا يناسب تحقيق ذلك إلا الدعوة المتأنية، قال الله تعالى: وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (١٠٥) وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) [الإسراء] أي لتقرأه على الناس على تؤدة، فترتله وتبينه ولا تعجل في تلاوته (١).\nوتلك في الواقع هي الطريقة التربوية الوحيدة الممكنة في حقبة تتسم بميلاد دين وبزوغ حضارة، فكان الوحي خلال ثلاثة وعشرين عاما يهدي سير النبي ﷺ وأصحابه خطوة خطوة نحو هذا الهدف، وهو يحوطهم كل لحظة بالعناية الإلهية المناسبة، فهو يعزز جهودهم، ويقوي إرادتهم، حتى تكلل ذلك الكفاح بالنصر المبين، فالحركة التاريخية والاجتماعية والروحية التي نهض بأعبائها الإسلام لا سر لها إلا في هذا التنجيم (٢).\nجاء هذا القرآن ليربي أمة، ويقيم لها نظاما، وجاء ليكون منهج تربية ومنهاج حياة، لا ليكون كتاب ثقافة يقرأ لمجرد الاستمتاع العقلي ولا لمجرد المعرفة، ومن ثم جاء هذا القرآن وفق الحاجات الحية للجماعة المسلمة، وهي في طريق نشأتها ونموها، ووفق استعدادها الذي كان ينمو يوما بعد يوم في ظل ذلك المنهج التربوي الإلهي الدقيق.\n_________\n(١) ينظر: الطبري: جامع البيان ١٥/ ١٧٩.\n(٢) مالك بن نبي: الظاهرة القرآنية ص ٢٢١ - ٢٢٢.","vol":"1","page":33},{"text":"وقد أدرك الصحابة تلك الحكمة التربوية من نزول القرآن الكريم مفرقا، وهم الذين عاشوا تجربة تلقي القرآن على ذلك النحو، فلمسوا ثمار ذلك المنهج عمليا في حياتهم، قالت السيدة عائشة أم المؤمنين، ﵂، كما جاء في صحيح البخاري: «... إنما نزل أوّل ما نزل منه (أي من القرآن) سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا: لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل لا تزنوا لقالوا: لا ندع الزنا أبدا، لقد نزل بمكة على محمد ﷺ وإني لجارية ألعب: بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ (٤٦) [القمر] وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده ... (١).\nقال ابن حجر في شرحه للحديث: «أشارت إلى الحكمة الإلهية في ترتيب التنزيل، وأن أول ما نزل من القرآن الدعاء إلى التوحيد، والتبشير للمؤمن والمطيع بالجنة، وللكافر والعاصي بالنار، فلما اطمأنت النفوس على ذلك أنزلت الأحكام ...» (٢).\nلم يكن نزول القرآن الكريم مفرقا مصادفة إذن، ولم تكن تلاوة النبي ﷺ للقرآن على الناس على مكث وأناة دون حكمة، فقد ظل القرآن ينزل في مكة مدة ثلاث عشرة سنة وهو يعالج أسس العقيدة وأصول الدين، حتى إذا استوفت هذه القضية ما تستحقه من البيان واستقرت في قلوب الجماعة المؤمنة استقرارا مكينا ثابتا، نزلت الآيات تفصّل ما يتعلق بنظام الإسلام في الحياة، فكانت النفوس المؤمنة تتلقى التشريعات بالرضا والقبول، فأبطلت الخمر وأبطل الربا وأبطل الميسر، وأبطلت العادات الجاهلية كلها، أبطلت بآيات من القرآن، أو كلمات من الرسول ﷺ بفضل ذلك المنهج التربوي الرباني العظيم.\n_________\n(١) ابن حجر: فتح الباري ٩/ ٣٩.\n(٢) فتح الباري ٩/ ٤٠.","vol":"1","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>المبحث السابع أسباب النّزول</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>أولا- معنى أسباب النزول:</span>\nلم يرتبط نزول جبريل ﵇ بالقرآن على النبي ﷺ بأمر معين، كما أن رسول الله ﷺ لم يكن يملك اختيار الوقت الذي ينزل فيه القرآن عليه، فذلك أمر مرتبط بمشيئة الله تعالى، وما على الرسول إلا البلاغ المبين، فكان القرآن يتنزل عليه في الليل أو النهار، في السفر أو في الحضر، قائما أو قاعدا، ماشيا أو راكبا، من غير أن يكون له في ذلك رأي أو اختيار.\nوكان نزول القرآن- مع ذلك- يواكب سير الدعوة، ويربّي المؤمنين ويسدد خطواتهم، ومن ثمّ فإن نزول عدد من الآيات والسور ارتبط بأحداث معينة، فرسول الله ﷺ كان يسأل من أصحابه أو من غيرهم. فربما أجاب من فوره، وربما انتظر نزول القرآن مبيّنا الجواب، أو موضحا الحكم، فإذا تأملت هذه الآيات الكريمة:\n* يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ (١٨٩) [البقرة].\nيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ ... (٢١٥) [البقرة].\nيَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي (١٨٧) [الأعراف].\nوَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي (٨٥) [الإسراء].\nإذا تأملت هذه الآيات أحسست أن نزولها ارتبط بسؤال، ومن الآيات ما ارتبط نزوله بحادثة وقعت أو مشكلة ظهرت في المجتمع الإسلامي وقت التنزيل.\nوقد عبّر السلف من الصحابة والتابعين، ومن جاء بعدهم من العلماء والدارسين، عن ذلك السؤال وتلك الواقعة أو المشكلة التي تنزل عقبها الآية أو الآيات بعبارة (سبب النزول) فيقولون: نزلت هذه الآية بسبب كذا، وهذه","vol":"1","page":35},{"text":"الأسباب في الواقع «ما هي إلا مناسبات لا أسباب حقيقية، وإن سمّيت أسبابا على طريق التسامح والتجوز» (١).\nوقد قسم العلماء آيات القرآن بالنسبة إلى ارتباط نزولها بسؤال أو حادثة على قسمين:\n١ - قسم نزل ابتداء.\n٢ - قسم نزل عقب حادثة أو سؤال (٢).\nويلاحظ أن القسم الأول الذي نزل ابتداء تتحدث أكثر آياته عن أمور العقيدة ووصف مشاهد القيامة، ووصف الجنة ونعيمها والنار وأهوالها، وكذلك تتحدث عن أخبار الأمم الغابرة وما حلّ بأهلها. أما القسم الثاني، وهو ما نزل مرتبطا بأسباب ووقائع، فمعظم آياته مما يتعلق بالتشريع والأحكام والآداب.\nوفي ارتباط نزول الآيات بمناسبة معينة، وهو ما يسمّى بأسباب النزول- حكمة تشريعية وتربوية عظيمة، تجعل من الحكم الذي تتضمنه تلك الآيات تجربة واقعية، وتطبيقا عمليا في المجتمع، يتم تحت نظر النبي ﷺ وتوجيهه، ويدرك حكمة التشريع الذي تتضمنه تلك الآيات كل من كان شاهدا وقت نزولها، وكل من وقف على تلك المناسبة وعرف قصتها، فنزول الحكم وقت الحاجة إليه يكون أبعد أثرا في نفوس المخاطبين، ويكونون أكثر استجابة له (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>ثانيا- الطريق إلى معرفة أسباب النزول:</span>\nاعتنى المفسرون والمؤلفون في علوم القرآن ببيان أسباب النزول كثيرا، لكن تحديد سبب النزول ليس فيه مجال للرأي والاجتهاد، وإنما سبيله سبيل الأحداث\n_________\n(١) محمد الفاضل بن عاشور: التفسير ورجاله ص ٢٠.\n(٢) السيوطي: الاتقان ١/ ٨٢.\n(٣) ينظر: مناع القطان: مباحث في علوم القرآن ص ٩٥.","vol":"1","page":36},{"text":"التأريخية، ومن ثم فإن لمعرفة سبب النزول طريق واحد هو النقل الصحيح عن الصحابة الذين عاصروا تنزيل القرآن وشاهدوا الأحداث التي وقعت حينذاك، يقول الواحدي: «ولا يحلّ القول في أسباب نزول الكتاب إلا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل ووقفوا على الأسباب، وبحثوا في علمها، وجدّوا في الطلاب» (١).\nوقد جعل العلماء قول الصحابي في سبب النزول حجة ثابتة بمنزلة الحديث المرفوع إلى النبي ﷺ، قال الإمام الحاكم النيسابوري: «فإن الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل فأخبر عن آية من القرآن أنها نزلت في كذا وكذا فإنه حديث مسند» (٢).\nوكان الصحابة، ﵃، يذكرون أسباب النزول وينقلونها إلى التابعين، كما روى البخاري عن نافع مولى عبد الله بن عمر أنه قال: «كان ابن عمر، ﵄، إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ منه، فأخذت عليه يوما (أي: أمسكت المصحف، وهو يقرأ عن ظهر قلب) فقرأ سورة البقرة حتى انتهى إلى مكان قال: تدري فيم أنزلت؟ قلت: لا. قال: أنزلت في كذا وكذا، ثم مضى» (٣).\nوالروايات المنقولة في سبب النزول بعضها يصرّح بأن الآية نزلت بسبب كذا، وبعضها يأتي بصيغة أن هذه الآية نزلت في كذا، أي يراد بها كذا. فمن الأول ما رواه البخاري عن عبد الله بن مسعود، ﵁، أنه قال: «بينا أنا مع النبي ﷺ في حرث، وهو متّكئ على عسيب، إذ مرّ اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، فسألوه، فأمسك النبي ﷺ فلم يردّ عليهم شيئا، فعلمت أنه يوحى إليه، فقمت مقامي، فلما نزل الوحي قال:\n_________\n(١) أسباب نزول القرآن ص ٥.\n(٢) معرفة علوم الحديث ص ٢٠.\n(٣) ابن حجر: فتح الباري ٨/ ١٨٩.","vol":"1","page":37},{"text":"وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥) [الإسراء]» فهذا بيان صريح لسبب النزول.\nومن الثاني قول مجاهد في الآيات التي في أول سورة البقرة: «أربع آيات من أول هذه السورة نزلت في المؤمنين، وآيتان بعدها نزلت في الكافرين، وثلاث عشرة بعدها نزلت في المنافقين، فهذا ليس بيانا لسبب النزول، وإنما هو توضيح للمعنى. فهو يريد أنها نزلت في نعت المؤمنين والكافرين والمنافقين (١).\nومن ذلك أيضا قول الواحدي في حديثه عن سورة الفيل: «نزلت في قصة أصحاب الفيل، وقصدهم تخريب الكعبة، وما فعل الله بهم من إهلاكهم وصرفهم عن البيت، وهي معروفة» (٢). فهذا ليس بيانا لسبب النزول، وقد علّق السيوطي على قول الواحدي هذا بقوله: «والذي يتحرر في سبب النزول أنه ما نزلت الآية أيام وقوعه، ليخرج ما ذكره الواحدي في سورة الفيل من أن سببها قصة قدوم الحبشة، فإن ذلك ليس من أسباب النزول في شيء، بل هو من باب الإخبار عن الوقائع الماضية» (٣).\nوقد جمع العلماء الروايات المنقولة في أسباب النزول من كتب التفسير وكتب الحديث في مؤلفات مستقلة، وأول من صنّف في هذا الموضوع علي بن عبد الله بن المديني المتوفى سنة ٢٣٤ هـ، وأشهرها كتاب (أسباب نزول القرآن) لعلي بن أحمد الواحدي المتوفى سنة ٤٦٨ هـ، وأجمعها كتاب (لباب النقول في أسباب النزول) لجلال الدين السيوطي المتوفى سنة ٩١١ هـ (٤).\n_________\n(١) ينظر: سفيان الثوري: تفسير القرآن العظيم ص ١.\n(٢) أسباب نزول القرآن ص ١٩.\n(٣) الاتقان ١/ ٩٠، ولباب النقول ص ١٤.\n(٤) ينظر: السيوطي: الاتقان ١/ ٨٢.","vol":"1","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>ثالثا- أهمية معرفة أسباب النزول:</span>\nلهذا النوع من البحث التأريخي في الآيات الكريمة أهمية كبيرة في تيسير فهم معناها واستنباط الحكم الشرعي منها «لامتناع معرفة تفسير الآية وقصد سبيلها دون الوقوف على قضيتها وبيان سبب نزولها» (١)، فإن بعض من تلا هذه الآية لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣) [المائدة] ظن أنّ من كان كذلك جاز له أن يأكل ما يشاء، ويشرب ما يشاء، حتى ولو كان ذلك محرما (٢). لكن الوقوف على مناسبة نزول هذه الآية يوضّح حقيقة معناها، ومن يشملهم حكمها، فقد روى البخاريّ ومسلم وغيرهما أنه لما نزل تحريم الخمر قال بعض الصحابة:\nكيف لأصحابنا الذين ماتوا وكانوا يشربونها؟ قبل نزول التحريم طبعا، فنزلت هذه الآية لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا ... (٩٣) (٣).\nوقد ذهب جمهور العلماء إلى أن حكم الآية التي تنزل بسبب سؤال من شخص معين، أو عقب حادثة تتعلق بشخص معين، يشمل الحالات التي تشبه حالة من نزلت الآية بسببه، وهو ما يعبرون عنه بعبارة (الأخذ بعموم اللفظ لا بخصوص السّبب) (٤). فمن ذلك قول الطبري، بعد أن تحدث عن سبب نزول قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ ... (٧)\n[آل عمران]، وهو: «وهذه الآية وإن كانت نزلت فيمن ذكرناه أنها نزلت فيه من أهل الشرك، فإنه معنيّ بها كل مبتدع في دين الله بدعة، فمال قلبه إليها، تأويلا منه لبعض متشابه آي القرآن» (٥).\n_________\n(١) الواحدي: أسباب نزول القرآن ص ٥.\n(٢) الزركشي: البرهان ١/ ٢٨، والسيوطي: الاتقان ١/ ٨٣.\n(٣) ابن حجر: فتح الباري ٨/ ٢٧٨.\n(٤) الزركشي: البرهان ١/ ٣٢، والسيوطي: الاتقان ١/ ٨٥.\n(٥) جامع البيان ٣/ ١٨١.","vol":"1","page":39},{"text":"وورد هذا المعنى في حديث النبي ﷺ فقد روى البخاري عن عبد الله بن مسعود، ﵁، أن رجلا اقترف إثما، فأتى رسول الله ﷺ فذكر ذلك كله، فأنزلت عليه: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤) [هود]، فقال الرجل: ألي هذه؟ قال: لمن عمل بها من أمّتي (١). ومن ثمّ قال العلماء: «وقد تنزل الآية في معنى، ثم يكون داخلا في حكمها كل ما كان في معنى ما نزلت فيه» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>المبحث الثامن عربيّة القرآن وعالمية رسالته</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>أولا- عربيّة القرآن:</span>\nلا بد أن تكون لغة الرسالة التي يحملها الرسول هي لغة قومه الذين يدعوهم إليها، حتى تحقق الغاية منها، وقد أكد القرآن الكريم هذه القاعدة في قوله تعالى:\nوَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤) [إبراهيم]، ومعنى (بلسان قومه) أي بلغتهم (٣).\nوقد جاء القرآن عربيا لأن الله تعالى أنزله على النبي العربي محمد ﷺ وأمره أن ينذر عشيرته الأقربين أولا، في مكة، فقال تعالى: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧) [الشورى]، وأم القرى هي مكة (٤).\nوبلغ عدد الآيات الكريمة التي تؤكد نزول القرآن باللغة العربية أكثر من عشر\n_________\n(١) ابن حجر: فتح الباري ٨/ ٣٥٥.\n(٢) الطبري: جامع البيان ج ٢٤ تفسير الآية ٣١ من سورة الزمر.\n(٣) الطبري: جامع البيان ١٣/ ١٨١، والقرطبي: الجامع لأحكام القرآن ٩/ ٣٤٠.\n(٤) الطبري: جامع البيان ٢٥/ ٨.","vol":"1","page":40},{"text":"آيات، وهذه حقيقة واضحة لمن قرأ القرآن أو سمعه، لكن تأكيد القرآن عليها لا بد أن يكون لمعنى مقصود، ومن ثم أجمع العلماء على عدم جواز قراءة القرآن بغير العربية، في الصلاة وخارجها (١)، ولا تسمى ترجمة معاني القرآن قرآنا، كما لا يسمى التفسير في العربية قرآنا، لأن إعجاز القرآن في لفظه ومعناه، وليس في معناه فقط.\nولا شك في أن عرض تلك الآيات أمام نظر القارئ سوف يوضح المعنى الذي يريد أن يثبته القرآن في نفس القارئ، مع نقل شيء مما قاله المفسرون في بيان معناها، قال الله تعالى:\n١ - الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) [يوسف].\n٢ - وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ (٣٧) [الرعد].\n٣ - وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (١١٣) [طه].\n٤ - وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨) [الزمر].\n٥ - حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) [فصلت].\n٦ - وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها (٧) [الشورى].\n٧ - حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) [الزخرف].\n_________\n(١) الزرقاني: مناهل العرفان ٢/ ٥٦.","vol":"1","page":41},{"text":"٨ - وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِمامًا وَرَحْمَةً وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ (١٢) [الأحقاف].\n٩ - وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) [النحل] ١٠ - وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) [الشعراء].\n١١ - وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٤٤) [فصلت].\nفالله تعالى جعل القرآن عربيا، وأنزله عربيا لأن المخاطبين من قوم النبي ﷺ كانوا عربا، ليعقلوا معانيه، وما فيه من مواعظ، ولم ينزله بلسان العجم فيقولوا:\nنحن عرب، وهذا كلام أعجمي لا نفقه معانيه، فأنزله بلسانهم، حتى يفقهوا ما فيه، فيتقوا ما حذّرهم الله منه، وينيبوا إلى عبادته وطاعته (١). ومما يلفت النظر في الآيات السابقة قوله تعالى: وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا (٣٧) [الرعد]، قال الطبري: «كذلك أنزلنا الحكم والدين حكما عربيا، وجعل ذلك عربيا ووصفه به لأنه أنزل على محمد ﷺ وهو عربي فنسب الدين إليه» (٢).\nولا شك في أن لغة العرب في أنحاء الجزيرة العربية لم تكن موحدة حين\n_________\n(١) ينظر: الطبري: جامع البيان ١٢/ ١٤٩، و٢٣/ ٢١٣ و٢٥/ ٤٧.\n(٢) جامع البيان: ١٣/ ١٦٥.","vol":"1","page":42},{"text":"بعث الله تعالى نبيه ﷺ فكان لكل قبيلة أو مدينة لهجة تميزت بها (١)، لكن التباين بين تلك اللهجات لم يكن يحول بينهم وبين التواصل والتفاهم، وقد وردت نصوص تؤكد أن القرآن الكريم نزل بلغة قريش خاصة، وهم قوم النبي ﷺ، وسكان مكة وما حولها. منها ما رواه البخاري أن عثمان بن عفان قال لكتّاب المصاحف: «إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في عربية من عربية القرآن، فاكتبوها بلسان قريش، فإن القرآن أنزل بلسانهم» (٢). ومنها رسالة عمر بن الخطاب إلى عبد الله بن مسعود حين بلغه أنه يعلّم الناس القرآن في الكوفة بلغة هذيل وهي:\n«أما بعد، فإن الله تعالى أنزل القرآن بلغة قريش، فإذا أتاك كتابي هذا فأقرئ الناس بلغة قريش، ولا تقرئهم بلغة هذيل» (٣). وقد قال مجاهد بن جبر المكي المفسر المشهور، وأشهر تلامذة ابن عباس، في تفسير قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ (٤) [إبراهيم]: نزل القرآن بلسان قريش (٤).\nوقد حاز القرآن الكريم أعلى درجات البلاغة وأصفى صور الفصاحة، فأعجز البلغاء وبهر الفصحاء، فهو وإن كان بلغة العرب فإنه كلام رب العالمين، وهو معجزة خاتم الأنبياء والمرسلين، وهو مع ذلك ميسّر، قال الله تعالى:\nوَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧) [القمر]، وأكدت هذا المعنى آيتان أخريان هما قوله تعالى: فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧) [مريم]، وقوله: فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨) [الدخان].\nقال الطبري في تفسير قوله يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ: «فإنما سهّلنا قراءة هذا القرآن الذي أنزلناه إليك يا محمد بلسانك ليتذكر هؤلاء المشركون الذين أرسلناك إليهم بعبره\n_________\n(١) ينظر: أبو شامة: المرشد الوجيز ص ١٢٨.\n(٢) البخاري: الجامع الصحيح ٦/ ٢٢٤، وينظر: ابن النديم: الفهرست ص ٢٧.\n(٣) ينظر: أبو شامة: المرشد الوجيز ص ١٠١، وابن حجر: فتح الباري ٩/ ٢٧.\n(٤) السيوطي: الدر المنثور ٥/ ٥.","vol":"1","page":43},{"text":"وحججه، ويتعظوا بعظاته، ويتفكروا في آياته» (١). ومن المفسرين من قال إن معنى يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ: أنزلناه بلغتك، وكلا التفسيرين يؤولان إلى التيسير الذي خص الله به كتابه الكريم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>ثانيا- عالمية رسالة القرآن:</span>\nليس جديدا القول إن رسالة القرآن ودعوة الإسلام جاءت للناس عامة، ولا يتناقض ذلك مع كون القرآن أنزل باللغة العربية على النبي العربي محمد ﷺ وسط بلاد العرب، لأن البشرية لا تملك لغة عالمية يفهمها الجميع، فكان لا بد من أن تكون الرسالة الخاتمة بإحدى اللغات البشرية، ثم على المؤمنين من أبناء اللغات الأخرى أن يتعلموا من تلك اللغة ما يعرّفهم بمضمون تلك الرسالة. وقد بعث الله تعالى محمدا ﷺ بالرسالة، واللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ (١٢٤) [الأنعام] ومن ثمّ أنزل القرآن بالعربية، وكان العرب أول من تلقى الدعوة الجديدة، ثم حملوها إلى الناس أجمعين، قال ابن بطال القرطبي (علي بن خلف ت ٤٤٩ هـ): «إن الوحي كله إنما نزل بلسان العرب، ولا يرد على هذا كونه ﷺ بعث إلى الناس كافة عربا وعجما وغيرهم لأن اللسان الذي نزل عليه به الوحي عربي، وهو يبلغه إلى طوائف العرب، وهم يترجمونه إلى غير العرب بألسنتهم» (٣).\nوجاءت آيات القرآن الكريم تؤكد هذا المعنى وتوضحه، قال الله تعالى:\nوَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (١٠٧) [الأنبياء].\nوَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢٨) [سبأ].\n_________\n(١) جامع البيان: ١٦/ ١٣٣ و٢٥/ ١٣٨.\n(٢) البيضاوي: أنوار التنزيل ٢/ ٤١ و٢/ ٣٨٥.\n(٣) نقلا عن ابن حجر: فتح الباري ٩/ ١٠.","vol":"1","page":44},{"text":"قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ (١٥٨) [الأعراف].\nقال أهل التفسير: «يقول تعالى ذكره: وما أرسلناك يا محمد إلى هؤلاء المشركين من قومك خاصة، ولكنا أرسلناك كافة للناس أجمعين، العرب منهم والعجم، والأحمر والأسود ...» (١).\nوقد بيّن النبي محمد ﷺ هذا المعنى أيضا، فجاء في حديث جابر بن عبد الله، الذي رواه البخاري أن النبي ﷺ قال: «أعطيت خمسا لم يعطهنّ أحد من الأنبياء قبلي» وذكر منهن: «وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس كافة» (٢).\nوقد ختمت الرسالات ببعثة النبي محمد ﷺ، قال الله تعالى: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠) [الأحزاب] «فلا تفتح النبوة لأحد من بعده إلى قيام الساعة» (٣). وقد قال الله تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ (١٩) [آل عمران] وقال: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٨٥) [آل عمران]، ولهذا قال رسول الله ﷺ: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار» (٤). قال الإمام النووي في شرح هذا الحديث: «فيه نسخ الملل كلها برسالة نبينا ﷺ ...\nوقوله ﷺ: لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، أي ممن هو موجود في زمني وبعدي إلى يوم القيامة فكلهم يجب عليه الدخول في طاعته» (٥).\n_________\n(١) الطبري: جامع البيان ٢٢/ ٩٦.\n(٢) ابن حجر: فتح الباري ١/ ٤٣٥ و٥٣٣.\n(٣) الطبري: جامع البيان ٢٢/ ١٦.\n(٤) صحيح مسلم بشرح النووي ٢/ ١٨٦.\n(٥) المصدر نفسه ٢/ ١٨٨.","vol":"1","page":45},{"text":"ومع أن رسالة نبينا محمد ﷺ ناسخة للرسالات السابقة فإنها جاءت امتدادا لها، ومكملة لأحكامها، وقد مثل ذلك رسول الله ﷺ بقوله الذي رواه البخاري:\n«إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلّا وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللّبنة، وأنا خاتم النبيين» (١).\nوقد أمر الله تعالى المؤمنين بأن يقولوا: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) [البقرة].\nإن عربية القرآن لا تلغي موقع العرب المتميز في حملها، فقد اختار الله تعالى العرب للإسلام لخصائص طبعيّة ومزايا خلقية ينفردون بها، وهو أعلم حيث يجعل رسالته، وقد أثبت العرب الأولون حكمة هذا الاختيار بفهمهم العميق لطبيعة الإسلام، وإساغتهم الكاملة لتعاليمه، وتجردهم النادر عن كل ما ينافيها، وحماستهم المنقطعة النظير في نشر الإسلام، وتفانيهم الغريب في إعلاء كلمته، ورفع شأنه، وأمانتهم الدقيقة في حفظ روحه ونفسيته، ونجاحهم المدهش في تسخير القلوب والعقول لقبول عقيدته وثقافته.\nلقد ربط الله بين العرب والإسلام إلى الأبد، وربط مصير أحدهما بالآخر، فلا عز للعرب إلا بالإسلام، ولا يظهر الإسلام في مظهره الصحيح إلا إذا قاد العرب ركبه وحملوا مشعله (٢)، كما أن الله تعالى ربط بين القرآن والعربية، فالقرآن أكبر عوامل حياة هذه اللغة واستمرارها وانتشارها ووحدتها، وتظل اللغة العربية أساسا لتلاوة القرآن وفهمه وتفسير آياته، ومن ثمّ فإن ما لا يحصى من المسلمين من غير العرب يحبون هذه اللغة الكريمة ويحرصون على تعلمها\n_________\n(١) ابن حجر: فتح الباري ٦/ ٥٨٨.\n(٢) ينظر: أبو الحسن الندوي: العرب والإسلام ص ٣ - ٤.","vol":"1","page":46},{"text":"وإتقانها في القديم وفي الحديث، لأنها لغة القرآن، ولغة العبادة والدين.\nوقد أحسن أبو منصور الثعالبي (ت ٤٣٠ هـ) التعبير عن العلاقة الخالدة بين العربية والقرآن بقوله: «من أحبّ الله تعالى أحبّ رسوله محمدا ﷺ ومن أحبّ الرسول العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب العربية، التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب، ومن أحب العربية عني بها، وثابر عليها، وصرف همته إليها، ومن هداه الله للإسلام، وشرح صدره للإيمان، وآتاه حسن سريرة فيه، اعتقد أن محمدا ﷺ خير الرسل، والإسلام خير الملل، والعرب خير الأمم، والعربية خير اللغات والألسنة، والإقبال على تفهمها من الديانة، إذ هي أداة العلم ومفتاح التفقه في الدين، وسبب إصلاح المعاش والمعاد ...» (١).\n_________\n(١) فقه اللغة ص ١.","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>الفصل الثاني تدوين القرآن الكريم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>المبحث الأول كتابة القرآن في زمن النبي ﷺ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>أولا- القرآن يمحو أميّة العرب:</span>\nنزل القرآن الكريم على رسول الله ﷺ والعرب تغلب عليهم الأمية، قال البلاذري وهو يتحدث عن الكتابة في مكة: «دخل الإسلام وفي قريش سبعة عشر رجلا كلهم يكتب». وقال عن الكتابة في يثرب: إن الإسلام جاء وفيهم عدّة يكتبون، وذكر منهم أحد عشر رجلا (١). ومن ثم قال ابن قتيبة: «وكانت الكتابة في العرب قليلا» (٢).\nوقد وصف الله تعالى العرب في القرآن بالأميين، ووصف رسوله ﷺ بالنبي الأمي، قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢) [الجمعة]. وقال سبحانه:\nالَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ ... (١٥٧) ... فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨) [الأعراف]، والتفسير الذي يذهب إليه أكثر المفسرين لكلمة الأمي هو أنه الذي لا يكتب ولا يقرأ، ومعنى كلمة الأميين هم الذين لا يكتبون ولا يقرءون، وقد وصف القرآن النبي ﷺ بالأمي لأنه لم يقرأ\n_________\n(١) فتوح البلدان ص ٤٧٧ و٤٧٩.\n(٢) المعارف ص ١٣٠.","vol":"1","page":49},{"text":"كتابا، ولا تعلم الكتابة، ووصف العرب بالأميين لأن أكثرهم كانوا لا يكتبون ولا يقرءون (١).\nوكان بزوغ شمس الإسلام في بلاد العرب إيذانا بنهضة شاملة، كان أحد مظاهرها انتشار الكتابة واستخدامها في أغراض الحياة المتعددة على الرغم من قلة الكاتبين في بدء الدعوة، وصعوبة وسائل الكتابة، ولا يخفى على القارئ أن الأمر بالقراءة وذكر التعليم بالقلم في أول آيات أنزلت على رسول الله ﷺ شيء ذو دلالة أكيدة على عناية الدعوة الجديدة بالكتابة والعلم، كما أن تسمية القرآن بالكتاب في آيات كثيرة أمر يدل على استشرافها لآفاق المستقبل الذي يجمع فيه القرآن في كتاب.\nكان رسول الله ﷺ أميّا، وكانت الأميّة في حقه فضيلة (٢)، لأنها أدلّ على صدق ما جاء به، قال الله تعالى: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) [العنكبوت]، لكنه مع ذلك اعتنى بموضوع الكتابة كثيرا، واتخذ له كتّابا يكتبون له الوحي، ويكتبون رسائله وعهوده وما كان يأمر به، حتى بلغ عدد كتّابه من صحابته أكثر من أربعين كاتبا (٣). وشجّع على تعلم الكتابة، حتى إنه جعل فداء أسرى بدر ممن لم يكن له مال أن يعلّم صبيان الأنصار الكتابة (٤)، فيعلّم كلّ واحد عشرة من المسلمين الكتابة (٥)، فقلّت الأمية بين العرب بعد انتشار الإسلام بينهم، وقد فسر ابن عباس كلمة (الكتاب) الواردة\n_________\n(١) الطبري: جامع البيان ٩/ ٨٣ و٢٨/ ٩٤، والقرطبي: الجامع لأحكام القرآن ٧/ ٢٩٨ و١٨/ ٩١، والبيضاوي: أنوار التنزيل ١/ ٣٦٢ و٢/ ٤٩٢.\n(٢) ينظر: ابن عبد ربه: العقد الفريد ٤/ ١٦٠.\n(٣) ينظر: ابن عبد البر: الاستيعاب ١/ ٦٩، والهوريني: المطالع النصرية ص ١٣.\n(٤) ينظر: أبو عبيد: كتاب الأموال ص ١٢٨، ومسند الإمام أحمد ١/ ٢٤٧.\n(٥) ابن سعد: الطبقات الكبرى ٢/ ٢٢.","vol":"1","page":50},{"text":"في قوله تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ (٢) [الجمعة] فسرها بالخط والقلم، وكلمة (الكتاب) مصدر للفعل (كتب) مثل الكتابة (١)، فقال: «الكتاب: الخط بالقلم، لأن الخط فشا في العرب بالشرع، لما أمروا بتقييده بالخط» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>ثانيا- النبيّ ﷺ يأمر بكتابة القرآن:</span>\nنزل القرآن مفرقا، وكان رسول الله ﷺ قد يسر الله له حفظ القرآن، فلم تكن به حاجة إلى مصحف يقرأ فيه، وكان يتلوه على صحابته، ويأمرهم بتعهده خشية نسيانه، وآفة الحفظ النسيان، ولهذا أمر رسول الله ﷺ بكتابة القرآن، ونقل عنه أنه قال: «قيّدوا العلم بالكتاب» (٣). وهذا القول من جوامع الكلم، فقد جعل ﷺ الكتابة كالقيد للعلم، فلا يذهب ولا ينسى. وكان القرآن الكريم أولى بالتقييد من غيره، حتى لقد قال ﷺ في الحديث المشهور الذي رواه أبو سعيد الخدري: «لا تكتبوا عني شيئا إلا القرآن، ومن كتب عني شيئا غير القرآن فليمحه» (٤). وكان ذلك خشية أن تختلط ألفاظ الوحي بحديثه ﷺ، وقد أذن لبعض الصحابة بكتابة الحديث بعد ذلك (٥).\nونقل الصحابة عن النبي ﷺ أنه كان كلما نزل عليه الوحي دعا بعض من يكتب له، فيقول له: ضع هذه الآية أو الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا (٦)، يعني اسم السورة. وكان كثيرا ما يقول: «ادع لي زيدا، وليجئ باللّوح\n_________\n(١) ابن منظور: لسان العرب ٢/ ١٩٢ كتب.\n(٢) ينظر: القرطبي: الجامع لأحكام القرآن ١٨/ ٩٢.\n(٣) الخطيب: تقييد العلم ص ٦٩، وروى الدارمي هذه الكلمة عن عمر بن الخطاب (سنن الدارمي ١/ ١٢٧)، وقد يكون عمر اقتبسها عن النبي واستشهد بها.\n(٤) صحيح مسلم بشرح النووي ١٨/ ١٢٩، والدارمي: كتاب السنن ١/ ١١٩.\n(٥) ينظر: سنن الدارمي ١/ ١٢٥.\n(٦) أبو داود: كتاب السنن ١/ ٢٠٩، وأبو شامة: المرشد الوجيز ص ٢٣٣، والزركشي:","vol":"1","page":51},{"text":"والدّواة» (١)، فيكتب له الوحي. وكان زيد بن ثابت ألزم الصحابة لكتابة الوحي في حياة رسول الله ﷺ لا سيما أنه كان جار رسول الله ﷺ في المدينة، فقد روى ابن أبي داود عن خارجة بن زيد قال: «دخل نفر على زيد بن ثابت، فقالوا:\nحدّثنا بعض حديث رسول الله ﷺ، فقال: ماذا أحدّثكم! كنت جار رسول الله ﷺ فكان إذا نزل الوحي أرسل إليّ فكتبت الوحي، ...» (٢).\nولا ريب في أن كتابة القرآن في المدينة كانت أيسر منها في مكة، لما كان يعانيه المسلمون من القلة والأذى من المشركين، ومع ذلك جاءت روايات تؤكد أن القرآن كان يكتب في مكة- قبل الهجرة- وأنّ النبي ﷺ كان يأمر بكتابته (٣).\nوقد ورد في قصة إسلام عمر بن الخطاب، ﵁، أن أوائل سورة طه كانت مكتوبة في رقعة في بيت أخته فاطمة، يتعلمون منها القرآن (٤). ولم تكن هذه الصحيفة إلا واحدة من صحف كثيرة كانت متداولة بين المسلمين في مكة يقرءون فيها القرآن (٥).\nويبدو أن عددا غير قليل من الصحابة كانوا يكتبون القرآن، فكان رسول الله ﷺ يقول لهم: «لا تكتبوا القرآن إلا في شيء طاهر» (٦). وذلك لحاجتهم إلى الكتابة على الأكتاف والجلود ونحوها، ومن ثم كثرت الصحف التي كتب عليها القرآن في أيدي الصحابة حتى إن النبي ﷺ نهى أن يسافر بالقرآن أو المصاحف إلى أرض العدو خشية أن ينالوها (٧).\n_________\nالبرهان ١/ ٢٣٤.\n(١) البخاري: الجامع الصحيح ٦/ ٢٢٧، والذهبي: سير أعلام النبلاء ٢/ ٣٠٨.\n(٢) كتاب المصاحف ص ٣، وينظر: أبو الشيخ: أخلاق النبي وآدابه ص ١٩.\n(٣) ينظر: ابن عبد البر: الاستيعاب ١/ ٦٨.\n(٤) ابن سعد: الطبقات الكبرى ٣/ ٢٦٧، وابن هشام: السيرة النبوية ١/ ٣٤٤.\n(٥) محمد حسين هيكل: الصديق أبو بكر ص ٣٠٩.\n(٦) أبو عبيد: فضائل القرآن ١٧ و.\n(٧) ينظر: ابن أبي داود: كتاب المصاحف ص ١٧٩ - ١٨٥.","vol":"1","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>ثالثا- مراجعة كتابة القرآن:</span>\nلم تتوقف كتابة القرآن في حياة النبي ﷺ حتى اكتملت كتابته كله، لكنه لم يكن قد جمع في مكان واحد، وإنما كان مفرقا في الرقاع والألواح والعسب (١).\nوقد نقل الطبري عن الزهري أنه قال: «قبض النبي ﷺ ولم يكن القرآن جمع في شيء، وإنما كان في الكرانيف والعسب» (٢).\nوكانت كتابة القرآن في زمن النبي ﷺ تخضع للمراجعة والتدقيق، في مرحلتين، الأولى عند كتابة الآيات التي ينزل بها جبريل على النبي ﷺ، والثانية مراجعة القطع التي كتب عليها القرآن وترتيبها.\nروى سليمان بن زيد بن ثابت عن أبيه زيد أنه قال: «كنت أكتب الوحي عند رسول الله ﷺ وهو يملي عليّ، فإذا فرغت قال: اقرأه، فأقرؤه، فإن كان فيه سقط أقامه، ثم أخرج به إلى الناس» (٣). ومعنى قوله: (فإن كان فيه سقط أقامه) إن وجد في الكتابة نقصا أصلحه.\nوروى المحدّثون عن زيد بن ثابت أنه قال: «كنّا عند رسول الله ﷺ نؤلّف القرآن من الرّقاع» (٤)، ومعنى التأليف: الترتيب، لأنه يقال في اللغة: ألّفت الشيء تأليفا، إذا وصلت بعضه ببعض، وجمعت بعضه إلى بعض (٥). والرقاع\n_________\n(١) ابن حجر: فتح الباري ٩/ ١٢، والقسطلاني: لطائف الإشارات ١/ ٥١.\n(٢) جامع البيان ١/ ٢٨.\n(٣) الفسوي: المعرفة والتاريخ ١/ ٣٧٧، والطبراني: المعجم الكبير ٥/ ١٤٢، والصولي: أدب الكتاب ص ١٦٥، والسمعاني: أدب الإملاء ص ٧٧، والهيثمي: مجمع الزوائد ٨/ ٢٥٧.\n(٤) الترمذي: كتاب السنن ٥/ ٦٩٠، والحاكم: المستدرك ٢/ ٢٢٩، وقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه»، والبيهقي: دلائل النبوة ٧/ ١٤٧، وأبو شامة:\nالمرشد الوجيز ص ٤٤.\n(٥) ابن منظور: لسان العرب ١٠/ ٣٥٢ ألف.","vol":"1","page":53},{"text":"جمع رقعة، وهي تطلق على ما كان يكتب عليه القرآن آنذاك (١). وقد قال البيهقي معلقا على هذا الحديث: «وهذا يشبه أن يكون أراد به تأليف ما نزل من الكتاب: الآيات المتفرقة في سورها، وجمعها فيها بإشارة النبي ﷺ» (٢).\nوبناء على ذلك نصّ العلماء على أن كتابة القرآن سنّة نبوية ثابتة حفظ الله تعالى بها القرآن من الزيادة أو النقصان أو التحريف، فقال الحارث المحاسبي (ت ٢٤٣ هـ): «كتابة القرآن ليست بمحدثة، فإنه ﷺ كان يأمر بكتابته، ولكنه كان مفرّقا في الرقاع والأكتاف والعسب» (٣). وقال أبو عمر الداني (ت ٤٤٤ هـ):\n«إن رسول الله ﷺ سنّ جمع القرآن وكتابته وأمر بذلك وأملاه على كتبته، وأنه ﷺ لم يمت حتى حفظ القرآن جماعة من أصحابه» (٤).\nوإنما لم يجمع القرآن في صحف منظمة أو مصحف واحد في حياة النبي ﷺ لأن القرآن كان ينزل مفرقا، فربما نزل بعض السورة وتأخر نزول تتمتها، فكانت الآيات تكتب على الرقاع وتراجع بين آونة وأخرى لترتيبها في سورها بتوجيه من النبي ﷺ «فلما ختم الله، ﷿، دينه بوفاة نبيه ﷺ وكان قد وعد له حفظه بقوله ﷿: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩) [الحجر]، وفّق الله خلفاءه لجمعه عند الحاجة إليه بين الدّفتين، وحفظه كما وعده» (٥).\n_________\n(١) المصدر نفسه ٩/ ٤٩١ رقع. وينظر: السيوطي: الاتقان ١/ ١٦٨، حيث ذكر أن القرآن كتب آنذاك على قطع الأديم، والأكتاف، والأقتاب، والقتب خشب الرّحل، واللّخاف، وهي الحجارة الدقاق، والعسب، وهو كرب النخيل، والرقاع، وقد تكون من جلد أو ورق أو كاغد.\n(٢) دلائل النبوة ٧/ ١٤٧.\n(٣) نقلا عن السيوطي: الاتقان ١/ ١٦٨.\n(٤) جامع البيان ١٠ و.\n(٥) البيهقي: دلائل النبوة ٧/ ١٥٤، وينظر: ابن حجر: فتح الباري ٩/ ١٢، والسيوطي:\nالاتقان ١/ ١٦٤.","vol":"1","page":54},{"text":"إن الأحداث الجسام، والظروف الصعبة، والكفاح المستمر الذي صاحب حياة النبي ﷺ- وإن وسائل الكتابة الخشنة البدائية الصعبة الاستخدام، مع قلة الكتبة وضعف خبراتهم الكتابية- كل ذلك لم يحل دون كتابة القرآن، فكان رسول الله ﷺ يدعو كتّاب الوحي ويأمرهم بكتابة ما ينزل عليه من القرآن، ويراجعه معهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>المبحث الثاني جمع القرآن في الصحف</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>أولا- أسباب جمع القرآن:</span>\nكان القرآن الكريم قد كتب مفرقا في الرقاع في حياة النبي ﷺ، وتوفي رسول الله ﷺ والقرآن لم يجمع في صحف منظمة، وحين تولى أبو بكر الصديق، ﵁، الخلافة في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة سعى إلى تثبيت أسس الدولة التي بناها رسول ﷺ وكان أول ما واجهه- في خلافته- ارتداد قبائل من العرب وامتناعهم عن أداء بعض حقوق الإسلام، ووقف الصديق من هؤلاء موقفا حازما، وقال كلمته المشهورة: «والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدّونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه» (١). وانضم بعض المرتدين إلى مدّعي النبوات الكاذبة، فجهّز الصديق الجيوش التي كان في طليعتها كبار الصحابة، لقتال هؤلاء الخارجين، ولم تمض إلا مدة يسيرة حتى عادت الجزيرة العربية كلها إلى حظيرة الإسلام، واندفعت جيوش الصحابة نحو الشام والعراق.\nوقد استشهد في تلك الحروب عدد من الصحابة، رضوان الله عليهم، كان من بينهم عدد من حفاظ القرآن. وكانت معركة اليمامة، التي أذلّ الله فيها مسيلمة الكذاب وجمعه، من أعظم الغزوات في حروب الردة، وأبعدها أثرا، وقد استشهد\n_________\n(١) تاريخ خليفة ١/ ٧٩.","vol":"1","page":55},{"text":"فيها عدد من كبار الصحابة المهاجرين والأنصار، كان من بينهم نحو خمسين من حملة القرآن (١).\nوكانت هذه الأحداث، وما رافقها من مقتل عدد كبير من الصحابة من حفاظ القرآن، من أهم العوامل التي جعلت عددا من الصحابة يفكرون في ضرورة جمع القرآن في صحائف موحدة، بدل تلك القطع المتفرقة، خشية أن يقتل عدد آخر من حفاظ القرآن من الصحابة، أو أن تذهب تلك القطع التي كتب عليها، فيتعرض القرآن إلى ضياع\nشيء منه أو نسيانه، وكانت حرب اليمامة ونتائجها السبب المباشر الذي وضع تلك الفكرة موضع التنفيذ.\nوكان عمر بن الخطاب، ﵁، قد أحزنه مقتل الصحابة في اليمامة، لا سيما أخوه زيد بن الخطاب، وأقلقه مقتل الحفاظ منهم، مثل سالم بن معقل مولى أبي حذيفة، وهو من أشهر حفاظ القرآن، فجاء إلى الخليفة الصديق وقال له: إن أصحاب رسول الله ﷺ تهافتوا يوم اليمامة تهافت الفراش في النار، وإن القتل استحرّ بأهل اليمامة من قراء المسلمين، وإني أخشى أن يستحرّ القتل بالقراء في المواطن، فيذهب كثير من القراء، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن (٢).\nولم تلق الفكرة في بدء الأمر موافقة الخليفة الصديق، الذي كان شديد الحرص ألّا يعمل عملا لم يعمله رسول الله ﷺ، لكن المراجعة التي حصلت بعد عرض الفكرة أدت إلى اقتناع الخليفة بها وتكليف زيد بن ثابت بالقيام بأعبائها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>ثانيا- كيفية جمع القرآن:</span>\nنقلت كتب الحديث والتاريخ تفاصيل عملية جمع القرآن في الصحف، من القطع التي كتبت في حياة رسول الله ﷺ، فقد روى البخاري وغيره، عن محمد\n_________\n(١) المصدر نفسه ١/ ٩٠.\n(٢) ينظر: الطبري: جامع البيان ١/ ٢٦، والطبراني: المعجم الكبير ٥/ ١٣٠.","vol":"1","page":56},{"text":"ابن شهاب الزهري، عن عبيد بن السبّاق، عن زيد بن ثابت أنه قال (١): «أرسل إليّ أبو بكر الصديق مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر، ﵁، إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحرّ (٢) يوم اليمامة بقرّاء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بقراء القرآن في المواطن كلها، فيذهب كثير من القرآن، إلّا أن تجمعوه، وإني أرى أن تأمر من يجمع القرآن. قال أبو بكر:\nقلت لعمر: كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ؟ قال عمر: هو والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت الذي رأى عمر.\nقال زيد: قال أبو بكر: إنك رجل شابّ، عاقل، لا نتّهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ فتتبّع القرآن فاجمعه. قال زيد: فو الله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن. قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ؟ قال أبو بكر: هو والله خير. فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، ﵄.\nقال زيد: فقمت فتتبعت القرآن، أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور (٣) الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ (١٢٨) [التوبة] حتى خاتمة براءة، مع خزيمة بن ثابت الأنصاري، لم أجدها مع أحد غيره (٤)، فألحقتها في سورتها.\n_________\n(١) البخاري: الجامع الصحيح ٦/ ٨٩ و٦/ ٢٢٥ و٩/ ٩٢، والترمذي: كتاب السنن ٥/ ٢٦٤، وابن أبي داود: كتاب المصاحف ص ٦ - ٨، والطبراني: المعجم الكبير ٥/ ١٤٦ - ١٤٨، وابن النديم: الفهرست ص ٢٧.\n(٢) استحرّ معناه: اشتد وكثر.\n(٣) ذكر ابن حجر (فتح الباري ٩/ ١٥): أن الواو في (وصدور الرجال) بمعنى (مع) أي:\nأكتبه من المكتوب الموافق للمحفوظ في الصدور.\n(٤) أي لم أجدها مكتوبة مع غيره، لأنه كان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة (ينظر: السيوطي:\nالاتقان ١/ ١٦٧).","vol":"1","page":57},{"text":"وكانت الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته حتى توفاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر».\nوتبيّن هذه الرواية المفصلة أن القرآن لم يجمع في صحف منظمة قبل هذا الجمع، وهو ما دلت عليه الروايات التي عرضناها عند الحديث عن كتابة القرآن في حياة رسول الله ﷺ وتسمية ما جمع فيه زيد القرآن بالصحف لا يعني أن تلك الصحف لم تكن على شكل منظم، فقد جاء في بعض الروايات أن تلك الصحف كانت محفوظة بين لوحين، كما روي عن علي، ﵁، أنه قال: «رحمة الله على أبي بكر، كان أول من جمع القرآن بين اللوحين» (١). وجاء في بعض الروايات تسمية تلك الصحف بالمصحف، كما نقل الطبري «أن أبا بكر أول من ورّث الكلالة، وجمع المصحف» (٢).\nولعل التسمية بالصحف كانت قد ظهرت أولا، أخذا من قوله تعالى: رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) [البينة]، لا سيما أن القرآن كان أول كتاب عرفه المسلمون في تلك الفترة. ثم ظهرت كلمة (المصحف) بعد ذلك، وهو في اللغة: الجامع للصحف المكتوبة بين الدفتين (٣).\nولا شك في أن تلك الصحف كانت من مادة تشبه الورق، ويمكن أن يعمل منها قطع متساوية، يسهل ضمها بين دفتين، على خلاف القطع التي كتب عليها القرآن في زمن النبي ﷺ فإنها كانت غير متجانسة ولا يمكن أن يضم بعضها إلى بعض فتشكل ما يشبه الكتاب. ولا يتبين من الروايات نوع المادة التي كانت منها تلك الصحف، فجاء في رواية أنها من القرطاس، وهو الورق الذي يعمل من\n_________\n(١) ابن أبي داود: كتاب المصاحف ص ٥.\n(٢) جامع البيان ١/ ٢٨.\n(٣) ابن منظور: لسان العرب ١١/ ٨٨ صحف.","vol":"1","page":58},{"text":"البردي في مصر قديما (١). وفي رواية أنها من الورق (٢)، وقيل إن زيدا كتبه في قطع الأدم (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>ثالثا- التدقيق في جمع القرآن:</span>\nإن ما بأيدي الدارسين اليوم من روايات تتعلق بجمع القرآن الكريم في المصحف تشير إلى أن زيد بن ثابت لم يعمل منفردا، وإن كان قد تحمل العبء الأكبر من العمل، لما توفر له من الصفات التي جعلت الخليفة يختاره لهذه المهمة، فقد روي أن أبا بكر الصديق طلب من عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت أن يقعدا على باب المسجد، ويناديا: من كان تلقى من رسول الله ﷺ شيئا من القرآن فليأت به، وكانوا يكتبون ذلك في الصحف والألواح والعسب، وكانا لا يقبلان من أحد شيئا، حتى يشهد شهيدان (٤). وقد قيل إن المراد بالشهيدين أن يشهدا على أن ذلك المكتوب كتب بين يدي رسول الله ﷺ، (٥) قال أبو شامة:\n«إنما كان قصدهم أن ينقلوا من عين المكتوب بين يدي النبي ﷺ ولم يكتبوا من حفظهم ...» (٦).\nويتبين من ذلك أن زيد بن ثابت اتبع في جمع القرآن طريقة التحقيق العلمي التي تنأى عن الخطأ، وقد اتبع الطريقة بدقة دونها كل دقة، فقد طلب أبو بكر إلى كل من عنده من القرآن شيء مكتوب أن يجيء به إلى زيد، واجتمع لزيد من الرقاع والأكتاف وجريد النخل ورقيق الحجارة، ومن كل ما كتب أصحاب رسول\n_________\n(١) ابن أبي داود: كتاب المصاحف ص ٩، وابن حجر: فتح الباري ٩/ ١٦.\n(٢) أبو شامة: المرشد الوجيز ص ٦٤، والسيوطي: الاتقان ١/ ١٦٩.\n(٣) الطبري: جامع البيان ١/ ٢٦.\n(٤) ابن أبي داود: كتاب المصاحف ص ٦، والسيوطي: الاتقان ١/ ١٦٦.\n(٥) أبو شامة: المرشد الوجيز ص ٥٥، وابن حجر: فتح الباري ٩/ ١٥.\n(٦) المرشد الوجيز ص ٥٧.","vol":"1","page":59},{"text":"الله ﷺ القرآن عليه، الشيء الكثير، عند ذلك جعل يرتبه ويوازنه ويستشهد عليه، ولا يثبت آية إلا إذا اطمأن إلى إثباتها كما أوحيت إلى رسول الله ﷺ. (١)\nويتحصل من ذلك حقيقتان اثنتان هما (٢):\nالأولى: إن عمل زيد، ﵁، في جمع القرآن لم يكن كتابة مبتدأة، ولكنه إعادة لمكتوب، فقد كتب كله في عصر النبي ﷺ، وكان عمل زيد هو البحث عن الرقاع التي كان قد كتب عليها والتأكد من سلامتها.\nالثانية: إن عمل زيد لم يكن عملا فرديا، بل كان عملا جماعيا شارك فيه صحابة رسول الله ﷺ بما كان معهم من القرآن الذي كتبوه من قبل.\nواستغرقت عملية جمع القرآن ما يقرب من سنة، فقد تم ذلك بعد معركة اليمامة، التي وقعت في الأشهر الأخيرة من السنة الحادية عشرة، وقبل وفاة الصديق، ﵁، التي كانت في جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة (٣). ولا شك في أن جمع القرآن تم قبل وفاة الصديق بمدة، إذ إن الرواية تشير إلى أن الصحف التي جمع فيها القرآن أودعت عنده حتى توفاه الله.\nلقد كان جمع القرآن من جلائل الأعمال التي ازدان بها عهد الصديق، إن لم يكن أجلها (٤)، لأنه جاء في وقته المناسب، واعتمد على أوثق ما هو متاح من الوثائق. وقد قال الإمام علي، ﵁: «أعظم الناس أجرا في المصاحف أبو بكر، فإنه أول من جمع القرآن بين اللوحين»، وروي أنه قال: «رحم الله أبا بكر، كان أول من جمع القرآن بين اللوحين» (٥).\n_________\n(١) محمد حسين هيكل: الصديق أبو بكر ص ٣٢٢.\n(٢) ينظر: محمد أبو زهرة: المعجزة الكبرى ص ٣٣.\n(٣) تاريخ خليفة ١/ ١٠٥.\n(٤) محمد حسين هيكل: الصديق أبو بكر ص ١٦.\n(٥) ابن أبي داود كتاب المصاحف ص ٥.","vol":"1","page":60},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>المبحث الثالث توحيد المصاحف</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>أولا- تعدد المصاحف واختلاف القراءات:</span>\nامتدت رقعة الدولة الإسلامية في خلافة عمر بن الخطاب، ﵁، (من سنة ١٣ - ٢٣ هـ) وواكب ذلك الامتداد جهود كبيرة لتعليم الناس القرآن والفقه في الدين، وكان يشرف على تلك الجهود ويوجهها الخليفة نفسه، فقد أرسل عبد الله بن مسعود، ﵁، إلى الكوفة، ليعلم أهلها القرآن والفقه (١). وأرسل عبد الله بن قيس المشهور بأبي موسى الأشعري إلى البصرة ليعلم الناس فيها قراءة القرآن (٢). وبعد فتح الشام كتب واليها يزيد بن أبي سفيان إلى الخليفة عمر بن الخطاب: أن أهل الشام قد كثروا وملئوا المدائن، واحتاجوا إلى من يعلمهم القرآن، ويفقههم، فأعنّي يا أمير المؤمنين برجال يعلمونهم، فأرسل إليه عمر كلا من أبي الدرداء ومعاذ بن جبل وعبادة بن الصامت، وهم من علماء الصحابة بالقرآن والفقه (٣).\nوكان علماء الصحابة الذين نزلوا في الأمصار الإسلامية يعلّمون الناس أمور الدين، ويقرءونهم القرآن، على ما كانوا يقرءون في حياة رسول الله ﷺ الذي رخّص لهم بقراءة القرآن بالنطق الذي يستطيعونه، نظرا لاختلاف لهجاتهم، وتقدّم أعمارهم، ولم يحملهم النبي ﷺ على تعلم نطق معين، وقد عبّر عن تلك الرخصة قوله المشهور: «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسّر منه».\nوسيأتي تفصيل ذلك في موضوع قراءة القرآن، إن شاء الله.\n_________\n(١) ابن سعد: الطبقات الكبرى ٦/ ٧، وابن مجاهد: كتاب السبعة ص ٦٦.\n(٢) ابن سعد: الطبقات الكبرى ٢/ ٣٤٥.\n(٣) ابن سعد: الطبقات الكبرى ٢/ ٣٥٧.","vol":"1","page":61},{"text":"وقد أتاحت حركة الفتوح أن يلتقي المسلمون من التابعين تلامذة الصحابة، ﵃، وكانوا من قبائل شتى وفيهم العربي وغير العربي، وكانوا يتدارسون القرآن، وكان كل واحد يقرؤه على نحو ما تعلمه من الصحابي، فتراجعوا في بعض وجوه القراءات، وادّعى بعضهم أن قراءته أصح من قراءة غيره.\nوكانت مظاهر تلك الحالة أشد وضوحا في خلافة عثمان بن عفان، ﵁، وتنقل الروايات التاريخية صورا متعددة لذلك الاختلاف في القراءة، فمن ميادين القتال إلى ميادين التعليم (١). وتكاثرت أخبار ذلك الاختلاف ووصلت إلى مسامع الخليفة في المدينة، ومعه كبار الصحابة، مما جعلهم يفكرون في الوسائل التي يمكن أن تحافظ على النص القرآني وتمنع وقوع الاختلاف فيه.\nوكانت كتابة القرآن في الأمصار تعتمد على قراءات الصحابة الذين نزلوا فيها، فكان أهل الكوفة يكتبون مصاحفهم على قراءة عبد الله بن مسعود (٢)، وكان أهل دمشق قد كتبوا مصحفهم على قراءة أبي الدرداء (٣)، وهكذا في بقية الأمصار، وكانت تلك المصاحف تعكس الاختلاف الذي ظهر في القراءة، وكانت تعتمد على الجهد الفردي في الغالب، ولم يتوافر لشيء منها ما كان قد توافر للصحف التي جمع فيها زيد بن ثابت القرآن في خلافة أبي بكر الصديق.\nقال ابن عطية: «وانتشرت في خلال ذلك صحف في الآفاق كتبت عن الصحابة، كمصحف ابن مسعود، وما كتب عن الصحابة بالشام، ومصحف أبيّ، وغير ذلك، وكان في ذلك اختلاف حسب الأحرف السبعة التي أنزل القرآن عليها» (٤).\nبرزت إذن بشكل واضح مشكلة اختلاف المسلمين في قراءة القرآن ووجود\n_________\n(١) ينظر الطبري: جامع البيان ١/ ٢٧، وابن أبي داود: كتاب المصاحف ص ١٢ - ١٤.\n(٢) ابن أبي داود: كتاب المصاحف ص ١٣٧.\n(٣) المصدر نفسه ص ١٥٥.\n(٤) المحرر الوجيز ١/ ٦٥.","vol":"1","page":62},{"text":"مصاحف متعددة غير موحدة بسبب اختلاف القراءات، وربما بسبب تفاوت الحفظ وتباين الدقة في الكتابة. وكانت هذه المشكلة موضع اهتمام الخليفة الثالث عثمان، وألهمه الله تعالى القيام بعمل عظيم جمع الأمة على المصحف الذي كتبه زيد بن ثابت من الرقاع التي كتبت بين يدي رسول الله ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>ثانيا- نسخ الصحف في المصاحف:</span>\nقرر عثمان بن عفان، ﵁، جمع المسلمين على مصحف موحد في رسمه وترتيبه، يعتمد على قراءة واحدة، وهي القراءة العامة التي كان الصحابة يقرءون بها في المدينة، والتي كتب زيد بن ثابت القرآن بها زمن النبي ﷺ وجمعه في الصحف في خلافة الصديق. وكان أول ما بدأ به الخليفة الثالث لتحقيق ذلك العمل العظيم هو استشارة الصحابة الذين في المدينة، في جمع الناس على مصحف واحد، فقالوا: نعم ما رأيت (١).\nوالرواية المشهورة التي تحكي خطوات ذلك العمل الكبير هي التي رواها كثير من المحدّثين والمؤرخين (٢)، ونص هذه الرواية كما نقلها البخاري عن أنس ابن مالك هو: «إن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا\nأمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف، ننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان.\nفأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن\n_________\n(١) ابن أبي داود: المصاحف ص ٢٢.\n(٢) الترمذي: كتاب السنن ٥/ ٢٦٥، وابن أبي داود: كتاب المصاحف ص ١٨، وابن النديم:\nالفهرست ص ٢٧، والداني: المقنع، وابن الأثير: الكامل ٣/ ٥٥، والزركشي: البرهان ١/ ٢٣٦، والسيوطي: الإتقان ١/ ١٦٩.","vol":"1","page":63},{"text":"ابن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل القرآن بلسانهم.\nحتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق» (١).\nوالناظر في هذه الرواية يجد أنها بينت جملة أمور هي:\nأ- السبب الذي حمل عثمان على القيام بنسخ الصحف في المصاحف، وهو الاختلاف الذي حصل في قراءة القرآن، وعدم وجود المصاحف الموحدة بأيدي الناس لكي يرجعوا إليها في ضبط قراءتهم.\nب- المصدر الذي اعتمد عليه في كتابة المصاحف، وهو الصحف التي جمع فيها زيد بن ثابت القرآن في خلافة أبي بكر الصديق، معتمدا على القطع التي كتب عليها القرآن في حياة النبي ﷺ وبذلك تكون المصاحف التي نسخت في خلافة عثمان تمثل نسخة مرتبة للقرآن الذي كتب بإملاء النبي ﷺ.\nج- وسائل حسم الخلاف بين المسلمين وهي:\n١ - نشر المصاحف الموحدة في الأمصار الإسلامية.\n٢ - وكتابة المصاحف على لغة من نزل القرآن بلسانهم، وهي لغة قريش، ليكون موافقا في رسمه لنطق النبي ﷺ.\n٣ - إحراق ما سوى المصاحف التي كتبها الصحابة في المدينة من الصحف، سواء كانت صحفا أو مصاحف كاملة، مهما كانت، ولولا هذه الخطوة لما أعطى ذلك العمل ثماره ولا حقق أهدافه.\n_________\n(١) صحيح البخاري ٦/ ٢٢٦.","vol":"1","page":64},{"text":"د- وذكرت الرواية أسماء الذين قاموا بالعمل وهم أربعة من شباب الصحابة، زيد بن ثابت الأنصاري، كاتب الوحي للرسول ﷺ الذي كان عمره عند وصول النبي ﷺ إلى المدينة مهاجرا إحدى عشرة سنة (١). وكان معه ثلاثة من قريش هم: عبد الله بن الزبير، الذي ولد في السنة الأولى من الهجرة (٢)، وسعيد بن العاص الذي ولد عام الهجرة أيضا (٣)، وعبد الرحمن بن الحارث الذي كان عمره عشر سنين حين توفي النبي ﷺ. (٤) فكان هؤلاء الأربعة في سن يتمتعون فيها بالقوة البدنية والنضج العقلي الذي يتطلبه عمل كبير مثل انتساخ المصاحف.\nوروى ابن سعد، وابن أبي داود، أن محمد بن سيرين قال: جمع عثمان- لمّا أراد أن يكتب المصاحف- اثني عشر رجلا من قريش والأنصار، فيهم أبي ابن كعب وزيد بن ثابت (٥)، وكأن ابتداء الأمر كان للجماعة الأربعة الذين انتدبهم عثمان أولا، ثم احتاجوا إلى من يساعدهم في الكتابة (٦)، نظرا لكثرة المصاحف التي كان عليهم كتابتها.\nهـ- لم تحدد الرواية عدد المصاحف التي كتبت، لكنها أشارت إليها بهذه العبارة «حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف أرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا» وهي عبارة تدل على أن عدد المصاحف لم يكن قليلا. وجاء في بعض الروايات أن عدد المصاحف أربعة، وفي رواية أخرى أنها سبعة،\n_________\n(١) ابن عبد البر: الاستيعاب ٢/ ٥٣٧.\n(٢) المصدر نفسه ٣/ ٩٠٥.\n(٣) المصدر نفسه ٢/ ٦٢١.\n(٤) المصدر نفسه ٢/ ٨٥٧.\n(٥) الطبقات الكبرى ٣/ ٥٠٢، وكتاب المصاحف ص ٢٥.\n(٦) القسطلاني: لطائف الإشارات ١/ ٦٣.","vol":"1","page":65},{"text":"أرسلت إلى مكة، والشام، واليمن، والبحرين، والبصرة، والكوفة وبقي واحد في المدينة (١). ومهما يكن عدد المصاحف التي كتبت أولا في المدينة فإن المسلمين في الأمصار أقبلوا ينتسخون منها نسخا جديدة تخرج عن العد والحصر، كلها موحدة في الرسم والترتيب.\nولم تحدد الرواية السّنة التي نسخت فيها المصاحف، لكن من العلماء من حدد ذلك بسنة خمس وعشرين من الهجرة، وهو الوقت الذي ذكر أهل التأريخ أن أرمينية فتحت فيه، وقال ابن حجر: «وغفل بعض من أدركناه فزعم أن ذلك كان في حدود سنة ثلاثين. ولم يذكر لذلك مستندا» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>ثالثا- عرض المصاحف:</span>\nكان الصحابة وهم ينسخون المصاحف يدركون قيمة العمل الذين يقومون به وما يتطلب من الأناة والدقة، وكانوا يعملون على أساس القاعدة التي حددها لهم الخليفة عثمان، ﵁، وهي «إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش»، وذلك أن زيد بن ثابت كان من أهل المدينة، فربما تأثر رسمه للقرآن ببعض خصائص لهجته، وقال الزهري: «فاختلفوا يومئذ في (التابوت) و(التابوة)، فقال القرشيون (التابوت)، وقال زيد: (التابوة) فرفع اختلافهم إلى عثمان، فقال اكتبوه (التابوت)، فإنه نزل بلسان قريش» (٣).\nوجاء في بعض الروايات أن الذين كانوا يكتبون المصاحف ربما اختلفوا في الكلمة، فيتركون مكانها فارغا، ولا يثبتونها حتى يسألوا عنها، وربما يذكرون\n_________\n(١) ابن أبي داود: كتاب المصاحف ص ٣٤، والداني: المقنع ص ٩.\n(٢) فتح الباري ٩/ ١٧. وقد حدد ابن الأثير في الكامل (٣/ ٥٥) تاريخ نسخ المصاحف بسنة ثلاثين، وتابعه في ذلك ابن خلدون في كتابه العبر ٢/ ١٠١٨.\n(٣) الترمذي: كتاب السنن ٥/ ٢٦٦، وينظر الطبري: جامع البيان ١/ ٢٦.","vol":"1","page":66},{"text":"الرجل قد تلقاها عن رسول الله ﷺ ولعله أن يكون غائبا أو في بعض البوادي فيرسل إليه أو يجيء، حرصا منهم على الدقة في كتابة كلمات القرآن الكريم (١).\nوكان الصحابة يدققون في كتابة المصاحف في أثناء العمل (٢)، وبعد إنجازه، فإن المصاحف لم ترسل إلى الأمصار إلا بعد عرضها ومراجعتها، وجاء في بعض الروايات أمثلة للكلمات التي توقف عندها الصحابة ودققوا رسمها، وهي مروية عن هانئ البربري الدمشقي مولى عثمان بن عفان (٣)، ولدينا روايتان في ذلك هما:\nالرواية الأولى: قال هانئ: «كنت الرسول بين عثمان وزيد بن ثابت، فقال زيد: سله عن قوله (لم يتسن)، أو لَمْ يَتَسَنَّهْ (٢٥٩) [البقرة]، فقال عثمان:\nاجعلوا فيها هاء» (٤).\nالرواية الثانية: قال هانئ: «كنت عند عثمان، وهم يعرضون المصاحف، فأرسلني بكتف شاة إلى أبيّ بن كعب، فيها (لم يتسن) و(فأمهل الكافرين) و(لا تبديل للخلق). قال: فدعا بالدواة فمحا إحدى اللامين وكتب لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ (٣٠) [الروم]،\n_________\n(١) الطبري: جامع البيان ١/ ٢٧، وابن أبي داود: كتاب المصاحف ص ٢٣، وأبو شامة:\nالمرشد الوجيز ص ٦٠، والسيوطي: الاتقان ١/ ١٧٠.\n(٢) جاء في رواية جمع القرآن في الصحف فقدان زيد لآيتين من آخر سورة التوبة لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ... (١٢٨)، وجاء في رواية أخرى عن زيد بن ثابت أنه قال: فقدنا آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ (٢٣)، فألحقناها في سورتها في المصحف. وذهب بعض العلماء إلى أن ذلك حدث في نسخ المصاحف، لكن آخرين رجحوا أن ذلك كان في جمع القرآن في الصحف أيضا. (ينظر البخاري: الجامع الصحيح ٦/ ٢٢٦، وابن كثير: فضائل القرآن ص ٤٦، وابن حجر: فتح الباري ٩/ ٢١).\n(٣) ابن حجر: تهذيب التهذيب ١١/ ٢٣.\n(٤) الطبري: جامع البيان ٣/ ٣٧.","vol":"1","page":67},{"text":"ومحا (فأمهل) وكتب فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ (١٧) [الطارق]، وكتب لَمْ يَتَسَنَّهْ (٢٥٩) [البقرة] ألحق فيها الهاء» (١).\nوهذا الحرص والتدقيق في رسم كلمات القرآن يدل على نحو لا يقبل الشك أن القرآن الكريم قد حفظ نصه كما تلقاه الصحابة عن رسول الله ﷺ وأنه حظي في جميع مراحل كتابته بالمراجعة التي لا تدع مكانا للنسيان والوهم في عمل يتعلق بالقرآن الكريم.\nوكان أبو بكر الصديق قصد جمعه في مكان واحد، ذخرا للإسلام يرجع إليه إن ذهب قراؤه، وعثمان قصد أن يقتصر الناس على تلاوته على اللفظ الذي كتب بأمر النبي ﷺ ولا يتعدوه إلى غيره من القراءات التي كانت مباحة لهم (٢).\nقال القاضي أبو بكر الباقلاني: «وجميع القرآن الذي أنزله الله تعالى، وأمر بإثباته ولم ينسخه، ولا رفع تلاوته، هو الذي بين اللوحين، الذي حواه مصحف عثمان، ﵁، لم ينقص منه شيء، ولا زيد فيه شيء، نقله الخلف عن السلف» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>المبحث الرابع تأليف القرآن</span>\nكلمة (تأليف) مصدر للفعل ألّف، يقال في اللغة: ألّفت بينهم، إذا جمعت بينهم بعد تفرق، وألّفت الشيء تأليفا، إذا وصلت بعضه ببعض، ومنه تأليف الكتب (٤). وقد استخدمت عبارة (تأليف القرآن) في المصادر القديمة، ويراد بها\n_________\n(١) المصدر نفسه ٣/ ٣٨.\n(٢) أبو شامة: المرشد الوجيز ص ٧١.\n(٣) نكت الانتصار ص ٥٩.\n(٤) ابن منظور: لسان العرب ١٠/ ٣٥٢ ألّف.","vol":"1","page":68},{"text":"جمع وترتيب آيات السورة والواحدة، وطريقة ترتيب السور في المصحف (١).\nوهذا الموضوع من الموضوعات التي درسها المؤلفون في علوم القرآن، لأن ترتيب الآيات والسور في المصحف لم يجر على ترتيب نزولها، ومن ثمّ بحث العلماء الأسس التي بني عليها هذا الترتيب، وتتناول دراسة الموضوع ثلاثة أمور: ترتيب الآيات في السور، وترتيب السور في المصحف، وترتيب القرآن حسب النزول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>أولا- ترتيب الآيات في السور:</span>\nقال السيوطي في كتابه (الإتقان في علوم القرآن): «الإجماع والنصوص المترادفة على أن ترتيب الآيات توقيفيّ، لا شبهة في ذلك، وأما الإجماع فنقله غير واحد، منهم الزركشي في البرهان (٢)، وأبو جعفر بن الزبير في مناسباته (٣)، وعبارته: ترتيب الآيات في سورها واقع بتوقيفه ﷺ وأمره، من غير خلاف في هذا بين المسلمين ...» (٤). وذكر السيوطي عددا من النصوص التي بنى عليها علماء الأمة إجماعهم على أن ترتيب الآيات توقيفي أي أن رسول الله ﷺ هو الذي وقّف الصحابة عليه، وبيّنه لهم، ولم يكن باجتهادهم أو رأيهم، ننقل منها ما يوضح ذلك للقارئ:\nفمنها الحديث الذي نقلناه سابقا المروي عن زيد بن ثابت، وقال فيه: «كنا عند رسول الله ﷺ نؤلّف القرآن من الرقاع» وقال البيهقيّ معلقا عليه: «وهذا يشبه\n_________\n(١) ابن حجر: فتح الباري ٩/ ٣٩.\n(٢) البرهان ١/ ٢٥٦.\n(٣) هو كتاب (البرهان في تناسب سور القرآن) لأبي جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير الغرناطي المتوفى سنة ٧٠٨ هـ.\n(٤) الاتقان ١/ ١٧٢.","vol":"1","page":69},{"text":"أن يكون أراد به تأليف ما نزل من الكتاب، الآيات المتفرقة في سورها وجمعها فيها بإشارة النبي ﷺ» (١).\nومن النصوص الدالة على ذلك ما رواه عبد الله بن عباس، عن عثمان بن عفان، أنه قال: «إن رسول الله ﷺ كان مما يأتي عليه الزمان ينزّل عليه من السور ذوات العدد، وكان إذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من يكتب عنده، يقول: ضعوا هذا في السور التي يذكر فيها كذا وكذا (٢)، وينزّل عليه الآيات، فيقول ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وينزل عليه الآية، فيقول ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر كذا وكذا ...» (٣).\nومن الأمور الدالة على ذلك أيضا ما ثبت من قراءته ﷺ لسور عديدة من القرآن من طوال السور وغيرها، في الصلاة وخارجها، وكانت قراءته لها بمشهد من الصحابة تدل على أن ترتيب آياتها توقيفي، وما كان الصحابة ليرتبوا ترتيبا سمعوا النبي ﷺ يقرأ على خلافه (٤).\nفكان ترتيب الآيات في سورها معروفا للصحابة ببيان النبي ﷺ وتعليمه ذلك لهم، وقراءته للقرآن عليهم، وبذلك لم يعرف عن الصحابة أنهم اختلفوا في موضع آية من القرآن، بل كل آية قد عرف موضعها، وسبق في أخبار جمع القرآن أن زيد بن ثابت افتقد آيتين من آخر سورة التوبة، وآية من سورة الأحزاب،\n_________\n(١) دلائل النبوة ٧/ ١٤٧.\n(٢) قوله: (السورة التي يذكر فيها كذا وكذا) يريد اسم السورة، فقد كان يقال: السورة التي يذكر فيها آل عمران، او تذكر فيها البقرة (السيوطي: الاتقان ١/ ١٥١).\n(٣) قال السيوطي (الاتقان ١/ ١٧٢) عن هذا الحديث: أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم». وقال الحاكم في المستدرك (٢/ ٢٢١): «حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه».\n(٤) السيوطي: الاتقان ١/ ١٧٣ - ١٧٤.","vol":"1","page":70},{"text":"فلم يجدها مكتوبة في أول الأمر، وقد قال زيد في آيتي التوبة: «فألحقتها في سورتها»، وقال في آية الأحزاب: «فألحقناها في سورتها في المصحف».\nومن النصوص الثابتة التي تؤكد أن إثبات ما أثبت في المصحف وطريقة ترتيبه إنما كان بأمر رسول الله ﷺ وتوجيهه، ولم يملك الصحابة إلا الأخذ به\nوالمحافظة عليه، هذه الرواية التي نقلها البخاري عن عبد الله بن الزبير قال:\n«قلت لعثمان بن عفان: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا (٢٤٠) [البقرة] قد نسختها الآية الأخرى فلم تكتبها؟ قال: يا ابن أخي، لا أغيّر شيئا منه من مكانه» (١). فكل شيء من القرآن قد عرف مكانه، ولا يملك أحد من الصحابة، الخليفة فمن دونه، أن يغيّر شيئا منه.\nوكان رسول الله ﷺ ينهى عن خلط آيات السورة بغيرها، ويأمر بقراءة آيات كل سورة على نحو ما قرأها وعلّمها للصحابة، ومن ذلك ما روي عن بلال أن رسول الله ﷺ قال: مررت بك وأنت تقرأ من هذه السورة ومن هذه السورة، فقال بلال: أخلط الطيب بالطيب، فقال: اقرأ السورة على وجهها، أو قال:\nعلى نحوها (٢).\nإن قراءة النبيّ ﷺ للقرآن على مسمع من أصحابه، في الصلاة وخارجها، وحثه لهم على تلاوته، وما عرف عنهم من كثرة قراءتهم للقرآن، فكان بعضهم يختمه في ثلاثة أيام، وأكثرهم يختمه في سبعة أيام (٣)، واشتهار أسماء سور القرآن بينهم، واتفاقهم على ما تتضمنه من آيات دليل أكيد على أن ترتيب الآيات\n_________\n(١) ابن حجر: فتح الباري ٨/ ١٩٣، وينظر عن موضوع النسخ في الآية المذكورة: النحاس:\nالناسخ والمنسوخ ص ٧٢ - ٧٧، ومصطفى زيد: النسخ في القرآن ٢/ ٧٧٦.\n(٢) السيوطي: الاتقان ١/ ٣٠٨.\n(٣) ينظر: الداني: البيان ص ٣٢١ وما بعدها.","vol":"1","page":71},{"text":"في سورها كان بأمره ﷺ وتعليمه للصحابة، «فالأمر الذي لا ريبة فيه أن الآيات قد جمعت سورا في عهد رسول الله ﷺ وبتوقيفه» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>ثانيا- ترتيب السور في المصحف:</span>\nلا يشك الدارس في أن الصحف التي جمع فيه القرآن في خلافة أبي بكر الصديق، ﵁، كانت منظمة، وأن الآيات مرتبة في سورها كاملة، وأن السور فيها مرتبة على نحو ما جاء في المصاحف المنتسخة منها في خلافة عثمان، وأن المصاحف الموجودة اليوم كلها، المخطوطة والمطبوعة، الصغيرة والكبيرة، القديمة والحديثة، ترجع إلى تلك الصحف وتطابقها كل المطابقة، لأن الروايات الصحيحة في موضوع نسخ المصاحف تؤكد على أن الصحابة اعتمدوا على تلك الصحف في نسخها.\nولم يرد في الروايات أن الصحابة اختلفوا في موضع آية من سورة، أو اختلفوا في تقديم سورة أو تأخيرها في المصحف، فإن ذلك كان واضحا لديهم، ومعلوما عندهم، وكل ما ورد من ذلك هو سؤال عبد الله بن عباس، ﵄، للخليفة الراشد عثمان، ﵁، عن سبب عدم وضع البسملة في أول سورة التوبة، فبين له أن ذلك جاء متابعة لفعل النبي ﷺ. (٢).\nوذهب كثير من العلماء إلى أن ترتيب السور في المصحف توقيفي، وأن هذا الترتيب محفوظ عن النبي ﷺ وإن لم يكن في زمنه مصحف مكتوب، وأن زيد بن ثابت حين جمع القرآن في الصحف رتبه على ذلك الترتيب باجتهاد لكن عددا من العلماء ذهب إلى جواز أن يكون ذلك الترتيب باجتهاد من الصحابة محتجا بوجود روايت تشير إلى أن بعض مصاحف الصحابة القديمة كانت السور فيها مرتبة على نحو مغاير (٣).\n_________\n(١) محمد حسين هيكل: الصديق أبو بكر ص ٣٠٨.\n(٢) ينظر: ابن أبي داود: كتاب المصاحف ص ٣١، والحاكم: المستدرك ٢/ ٢٢١.\n(٣) ينظر: الباقلاني: نكت الانتصار ص ٨١ - ٨٢، والسيوطي: الاتقان ١/ ١٧٦.","vol":"1","page":72},{"text":"إن الاحتجاج باختلاف ترتيب السور في مصاحف الصحابة القديمة عن المصاحف التي نسخت في خلافة عثمان لا يكفي في الدلالة على أن ذلك كان اجتهادا من الصحابة (١)، وذلك لأن تلك المصاحف كانت جهدا فرديا خاصا لا يمكن أن يكون ما فيها حجة على المصحف الذي اجتمع عليه الصحابة ونقلته الأمة نقلا متواترا. ثم إن تلك المصاحف أحرقت في خلافة عثمان، أحرقها أصحابها أنفسهم (٢)، ثقة منهم بالمصحف الذي أجمع عليه الصحابة، واندثرت أخبارها، وما روي من وصف لترتيب السور فيها لا يخلو من الاضطراب، فهذا ابن النديم العالم المدقق يقول عن ترتيب السور في مصحف ابن مسعود: إنه رأى عدة مصاحف ذكر نساخها أنها مصحف ابن مسعود، وليس فيها مصحفان متفقان! (٣) وما ورد من روايات عن الصحابة بشأن قراءة النبي ﷺ للقرآن، وقراءتهم هم له، تدل على أن ترتيب السور في المصحف توقيفي أيضا، وأن الصحابة أخذوه عن رسول الله ﷺ فأسماء السور كانت معروفة في زمن النبي ﷺ وكان حفظة القرآن من الصحابة يتلونه على ترتيب معروف لديهم، ويختمون في أسبوع أو شهر أو أقل من ذلك على هذا الترتيب.\nوما يدل على أن ترتيب السور على نحو ما هي عليه اليوم في المصحف كان معروفا زمن النبي ﷺ، ما روي من تسميته سورة (الحمد لله رب العالمين):\n_________\n(١) قال القرطبي (الجامع لأحكام القرآن ١/ ٦٠): «وأما ما روي من اختلاف مصحف أبي وعليّ وعبد الله فإنما كان قبل العرض الأخير، وأن رسول الله ﷺ رتب لهم تأليف السور،\nبعد أن لم يكن فعل ذلك».\n(٢) رفض عبد الله بن مسعود إحراق مصحفه حين وصل المصحف المرسل إلى الكوفة من المدينة، ثم رضي وتابع إجماع الصحابة (ينظر: الترمذي: كتاب السنن ٥/ ٢٦٦، وابن أبي داود: كتاب المصاحف ص ١٧ - ١٨).\n(٣) الفهرست ص ٢٩.","vol":"1","page":73},{"text":"فاتحة الكتاب، فلولا أنه ﷺ أمر أصحابه بأن يرتبوا سور المصحف هذا الترتيب لما كان لتسميته هذه السورة فاتحة الكتاب معنى، إذ قد ثبت الإجماع أن هذه السورة ليست أول سور القرآن نزولا، فثبت أنها فاتحته نظما وترتيبا وتلاوة (١).\nومن ذلك أيضا ما روي عن أم المؤمنين عائشة، ﵂، قالت:\nكان رسول الله ﷺ يقوم الليلة التمام، فيقرأ البقرة، وآل عمران، والنساء، لا يمر بآية فيها استبشار إلا دعا ورغب، ولا يمر بآية فيها تخويف إلا دعا واستعاذ (٢).\nوكذلك ما رواه البخاري عن عبد الله بن مسعود أنه قال: وهو يتحدث عن سورة الإسراء، والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء: إنهن من العتاق الأول، وهن من تلادي (٣). فقد جاءت هذه السور في الرواية مرتبة على نحو ما هي عليه في المصحف.\nواستدل عدد من العلماء على أن ترتيب السور في المصحف توقيفي بالحديث الذي رواه واثلة بن الأسقع الليثي (٤) عن النبي ﷺ أنه قال: «أعطيت مكان التوراة السبع الطّوال، وأعطيت مكان الزبور المئين، وأعطيت مكان الإنجيل المثاني، وفضّلت بالمفصّل» (٥).\n_________\n(١) ابن بسطام: كتاب المباني ص ٤٢.\n(٢) ابن المبارك: كتاب الزهد ص ٤٢١، وأبو يعلى: المسند ٨/ ٢٥٧.\n(٣) الجامع الصحيح ٦/ ٢٢٨. وينظر: ابن حجر: فتح الباري ٩/ ٣٩، والسيوطي: الاتقان ١/ ١٧٨. وقوله: العتاق: جمع عتيق، وهو القديم النفيس من كل شيء. والتلاد: كل مال قديم يورث عن الآباء.\n(٤) صحابي من أهل الصفة، يقال إنه خدم النبي ﷺ ثلاث سنين، ومات سنة ٨٥ هـ (ابن عبد البر: الاستيعاب ٤/ ١٥٦٤).\n(٥) رواه الإمام أحمد في مسنده ٤/ ١٠٧، والطبري في تفسيره ١/ ٤٤، والطبراني في معجمه الكبير ٢٢/ ٦٢.","vol":"1","page":74},{"text":"قال أبو جعفر النحاس: «وهذا الحديث يبيّن لك أن تأليف القرآن عن رسول الله ﷺ، وأنه كان مؤلفا من ذلك الوقت، وإنما جمع في المصحف على شيء واحد، لأنه قد جاء هذا الحديث بلفظ رسول الله ﷺ على تأليف القرآن» (١).\nوالسبع الطّوال المذكورة في الحديث هي البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف، واختلف في السابعة، فقيل التوبة، وقيل يونس. وإنما سميت هذه السور الطّوال لطولها على سائر سور القرآن، والطّوال جمع لكلمة الطّولى تأنيث الأطول.\nوأما المئون فهي ما كان من سور القرآن عدد آياته مائة آية، أو تزيد عليها شيئا أو تنقص منها شيئا يسيرا.\nوأما المثاني فإنها ما ثنّى المئين فتلاها، وهي التي آياتها أقل من مائة.\nوأما المفصل من سور القرآن فهي ما ولي المثاني من قصار السور، وقيل إنما سميت بالمفصل لكثرة الفصول التي بين سورها (٢)، وهي تبدأ من سورة الحجرات أو سورة ق حتى خاتمة القرآن (٣). وقد وردت هذه التسميات في أحاديث أخرى عن النبي ﷺ، وعن عدد من الصحابة، منهم ابن مسعود وعثمان وابن عباس، ﵃، (٤) وهي تدل على أن ترتيب السور في المصحف كان محفوظا منذ عصر النبوة.\nوقال الحافظ ابن حجر: ومما يدل على أن ترتيب السور توقيفي ما أخرجه\n_________\n(١) القطع والائتناف ص ٨٢.\n(٢) ينظر: الطبري: جامع البيان ١/ ٤٥، والسخاوي: جمال القراء ١/ ٣٤، والسيوطي:\nالاتقان ١/ ١٧٩.\n(٣) ينظر السيوطي: الاتقان ١/ ١٨٠.\n(٤) ينظر: مالك: الموطأ ص ٧٣ و٩٢، والترمذي: ٢/ ١١٠ - ١١٣، والدارمي: كتاب السنن ١/ ٢٩٧، وابن منظور: لسان العرب ١٨/ ١٢٩ ثنى.","vol":"1","page":75},{"text":"أحمد وأبو داود عن أوس بن حذيفة الثقفي، قال: كنت في الوفد الذين أسلموا من ثقيف ... فذكر الحديث، وفيه: فقال لنا رسول الله ﷺ: «طرأ عليّ حزبي من القرآن، فأردت ألّا أخرج حتى أقضيه» قال أوس: فسألنا أصحاب رسول الله ﷺ: كيف تحزّبون القرآن؟ قالوا: نحزّبه: ثلاث سور، وخمس سور، وسبع سور، وتسع سور، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصل من ق حتى نختم. فهذا يدل على أن ترتيب السور على ما هو في المصحف الآن كان على عهد رسول الله\nﷺ (١).\nوقد أكد عدد من العلماء استنادا إلى هذه الروايات وغيرها (٢)، أن ترتيب السور في المصحف توقيفي أيضا، منهم أبو بكر بن الأنباري الذي قال: «اتساق السور كاتساق الآيات والحروف، كله عن النبي ﷺ» (٣). وقال الحافظ أبو عمرو الداني: «القول عندنا في تأليف السور وتسميتها وترتيب آيها في الكتابة: إن ذلك توقيف من رسول الله ﷺ لتوفر مجيء الأخبار بذلك، واقتضاء العادة بكونه كذلك، وتواطؤ الجماعة عليه» (٤).\nوقد لخص الإمام مالك بن أنس هذا الموضوع بقوله المشهور الذي نقله عنه عبد الله بن وهب: «إنما ألّف القرآن على ما كانوا يسمعون من قراءة رسول الله ﷺ» (٥).\n_________\n(١) ابن حجر: فتح الباري ٩/ ٤٢، والسيوطي: الاتقان ١/ ١٧٨، وابن كثير: تفسير القرآن العظيم ٤/ ٢٢١.\n(٢) ينظر: السيوطي: الاتقان ١/ ١٧٧ - ١٧٩.\n(٣) نقلا عن السيوطي: الاتقان ١/ ١٧٧.\n(٤) كتاب البيان: ص ٤٠.\n(٥) الداني: المقنع ص ٨، والقرطبي: الجامع لأحكام القرآن ١/ ٦٠.","vol":"1","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>ثالثا- ترتيب القرآن حسب النزول (السور المكية والسور المدنية):</span>\nمن المعروف أن ترتيب الآيات والسور في المصحف لم يعتمد على تأريخ نزولها، وإنما اعتمد على بيان رسول الله ﷺ وقراءته للقرآن وتعليمه ذلك للصحابة.\nولم يعد تأريخ نزول الآيات والسور محفوظا على نحو مفصل، لأن الصحابة لم يعتنوا بهذا الجانب من تأريخ القرآن، وإنما كانت عنايتهم متجهة إلى حفظه على نحو ما يقرؤه لهم النبي ﷺ، لكن إشارات تأريخية ومعنوية ارتبط بها نزول آيات وسور من القرآن ظلت تشير إلى وقت نزولها ومكانه. واعتنى علماء القرآن من الصحابة والتابعين بحفظ تلك الإشارات والبناء عليها، حتى صارت علما من علوم القرآن يسمى بعلم المكي والمدني، وأفرده بالتصنيف جماعة من العلماء (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>١ - تعريف المكي والمدني من القرآن:</span>\nناقش علماء القرآن تعريف المكي والمدني، واتخذ بعضهم زمان النزول أساسا للتعريف، وجعل تأريخ الهجرة حدا فاصلا. واستند بعضهم إلى مكان النزول في صياغته للتعريف.\nالتعريف بحسب الزمان: المكي هو ما نزل قبل الهجرة، والمدني هو ما نزل بعدها، سواء نزل بمكة أم بالمدينة، عام الفتح أو عام حجة الوداع، في سفر أو في حضر (٢). وروي هذا التعريف عن يحيى بن سلام البصري المفسر (ت ٢٠٠ هـ) حيث قال: «ما نزل بمكة وما نزل بطريق المدينة قبل أن يبلغ النبي ﷺ المدينة، فهو من المكي، وما نزل على النبي ﷺ في أسفاره بعد ما قدم المدينة فهو من المدني» (٣). وهذا هو التعريف المشهور في كتب علوم القرآن.\n_________\n(١) منهم مكي بن أبي طالب القيسي، والعز الديريني (ينظر: السيوطي: الاتقان ١/ ٢٢).\n(٢) الزركشي: البرهان ١/ ١٧٨.\n(٣) الداني: كتاب البيان ص ١٣٢.","vol":"1","page":77},{"text":"التعريف بحسب المكان: المكي ما نزل بمكة ولو بعد الهجرة، والمدني ما نزل بالمدينة (١). وقسّم هبة الله بن سلامة المفسر البغدادي (ت ٤١٠ هـ) المكي على قسمين، هما: المكي الأول، وهو ما نزل في مكة قبل الهجرة، والمكي الأخير: وهو ما نزل فيها بعد الفتح (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>٢ - كيفية معرفة المكي والمدني:</span>\nلم يحدثنا التاريخ أن النبي ﷺ كان قد أمر أصحابه بحفظ الآيات والسور على زمان النزول، وإنما تشير الروايات إلى أنه كان يحدد لهم مواضع الآيات من السور وقت التنزيل وعند كتابتها في الرقاع. ومن ثم فإن الصحابة كانت جهودهم متجهة إلى حفظ القرآن مرتبا على نحو ما يرتبه لهم رسول الله ﷺ، ولكن بقي في ذاكرتهم ما لاحظوه من مكان وزمان نزول كثير من الآيات والسور، ونقل ذلك عنهم تلامذتهم من التابعين. قال القاضي أبو بكر الباقلاني:\n«إنما يرجع في معرفة المكي والمدني إلى حفظ الصحابة التابعين، ولم يرد عن النبي ﷺ في ذلك قول، لأنه لم يؤمر به، ولم يجعل الله علم ذلك من فرائض الأمة، وإن وجب في بعضه على أهل العلم معرفة تاريخ الناسخ والمنسوخ، فقد يعرف ذلك بغير نص الرسول» (٣).\nولاحظ العلماء أن معرفة المكي والمدني من سور القرآن يمكن أن يكون من طريقين: سماعي وقياسي (٤).\nفالسماعي: ما وصل إلينا الخبر بنزوله في مكة أو المدينة، قبل الهجرة أو\n_________\n(١) الزركشي: البرهان ١/ ١٧٨.\n(٢) الناسخ والمنسوخ ص ٣٢٢ - ٣٢٣.\n(٣) نقلا عن السيوطي: الاتقان ١/ ٢٣.\n(٤) الزركشي: البرهان ١/ ١٨٩.","vol":"1","page":78},{"text":"بعدها، وكان عدد من الصحابة قد أبدوا اهتماما بهذا الجانب من تأريخ القرآن، على نحو ما نقل ابن سعد عن عبد الله بن عباس أنه قال: «كنت ألزم الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار، فأسألهم عن مغازي رسول الله ﷺ وما نزل من القرآن في ذلك. وكنت لا آتي أحدا منهم إلا سرّ بإتياني لقربي من رسول الله ﷺ. فجعلت أسأل أبيّ بن كعب يوما، وكان من الراسخين في العلم، عما نزل من القرآن بالمدينة، فقال: نزل بها سبع وعشرون سورة، وسائرها بمكة» (١). وسوف أذكر من نقلت عنهم روايات في ذلك من الصحابة والتابعين في آخر هذا المبحث.\nأما القياسي: فإنه يعتمد على جملة من الضوابط التي استخلصها العلماء من الروايات المنقولة عن عدد من الصحابة والتابعين في بيان خصائص السور المكية والسور المدنية، فمن تلك الروايات:\nأ- عن عبد الله بن مسعود، ﵁، قال: «كل شيء في القرآن يا أَيُّهَا النَّاسُ أنزل بمكة، وكل شيء في القرآن يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أنزل بالمدينة» (٢). ولاحظ بعض العلماء أن (يا أيها الناس) منه مكي ومنه مدني وأكثره مكي (٣).\nب- عن عروة بن الزبير، قال: «ما كان من حدّ أو فريضة أنزلها الله ﷿ بالمدينة، وما كان من ذكر الأمم والقرون أنزل بمكة» (٤).\nج- قال المفسر محمد بن أحمد بن جزي الغرناطي (ت ٧٤١ هـ): «واعلم أن السور المكية نزل أكثرها في إثبات العقائد، والرد على المشركين، وفي\n_________\n(١) الطبقات الكبرى ٢/ ٣٧١.\n(٢) الحاكم: المستدرك ٣/ ١٨، والبيهقي: دلائل النبوة ٧/ ١٤٤.\n(٣) ينظر: الداني: كتاب البيان ص ١٣٢، والزركشي: البرهان ١/ ١٨٨.\n(٤) الحارث المحاسبي: فهم القرآن ص ٣٩٤، والبيهقي: دلائل النبوة ٧/ ١٤٤.","vol":"1","page":79},{"text":"قصص الأنبياء، وأن السور المدنية نزل أكثرها في الأحكام الشرعية، وفي الرد على اليهود والنصارى وذكر المنافقين، والفتوى في مسائل، وذكر غزوات النبي ﷺ، وحيث ورد: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فهو مدني، وأما يا أَيُّهَا النَّاسُ فقد وقع في المكي والمدني» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>٣ - أهمية معرفة السور المكية والسور المدنية:</span>\nلهذا البحث التاريخي في تحديد وقت نزول سور القرآن فوائد يذكرها العلماء في مجال الدراسات القرآنية منها (٢):\nأ- تتوقف معرفة الآيات الناسخة والمنسوخة على معرفة ما نزل أولا، قال النحاس: «وإنما نذكر ما أنزل بمكة لأن فيه أعظم الفائدة في الناسخ والمنسوخ، لأن الآية إذا كانت مكية، وكان فيها حكم، وكان في غيرها حكم غيره نزل بالمدينة، علم أن المدنية نسخت المكية» (٣).\nب- ساير نزول القرآن تاريخ الدعوة، وترتيب السور ترتيبا زمنيا يمكننا من تصور تأريخ السيرة تصورا أكثر جلاء ووضوحا، في ضوء الآيات القرآنية الكريمة، والقرآن من هذه الناحية يعتبر المرجع الأصيل لدراسة السيرة النبوية.\nج- إن تتبع السور المكية والسور المدنية والنظر في موضوعاتها وأسلوبها يكشف عن المنهج الذي رسمه القرآن للدعوة في مراحلها المختلفة، فكانت موضوعات السور المكية تتحدث عن قضية العقيدة خاصة، وتعددت صور عرضها، في أسلوب قوي مؤثر، لأنه كان يخاطب أناسا غلب عليهم الشرك وفساد العقيدة، فلما استقرت العقيدة الصحيحة في قلوب الجماعة المؤمنة التي تكونت في\n_________\n(١) التسهيل لعلوم التنزيل ١/ ٨.\n(٢) مناع القطان: مباحث في علوم القرآن ص ٥٩.\n(٣) الناسخ والمنسوخ ص ٢١٤، وينظر: الحارث المحاسبي: فهم القرآن ص ٣٩٤.","vol":"1","page":80},{"text":"المدينة عندها أنزل الله تعالى الفرائض والحدود في أسلوب متمهل مترسل يناسب مخاطبة القلوب المؤمنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>٤ - تحديد السور المكية والسور المدنية وترتيبها:</span>\nلم يعد ممكنا ترتيب القرآن على تواريخ تنزلاته، لطول المدة التي نزل فيها وتعدد مرات نزول الوحي، وتنوع الظروف التي ينزل فيها، وترتيب القرآن في سورة على\nنحو آخر غير ترتيب النزول، وقد سأل ابن سيرين عكرمة مولى ابن عباس: ألّفوه الأوّل فالأوّل؟ فقال عكرمة: لو اجتمعت الإنس والجن على أن يؤلفوه ذلك التأليف ما استطاعوا (١). لكن علماء القرآن من الصحابة والتابعين تمكنوا من تحديد السور المكية والسور المدنية وأن يرتبوها ترتيبا تقريبيا حسب أوقات نزولها، معتمدين في ذلك على نزول أول السورة، كما روي عن ابن عباس أنه قال: «كانت إذا نزلت فاتحة سورة بمكة كتبت بمكة، ثم يزيد الله فيها ما يشاء» (٢).\nوقد نقل المؤلفون في علوم القرآن عددا من الروايات في ذكر السور المكية والمدنية، منقولة عن الصحابة والتابعين، مثل الرواية المنقولة عن عبد الله بن عباس (٣)، وأبي الشعثاء جابر بن زيد (٤)، والحسن البصري (٥)، وقتادة بن دعامة السدوسي (٦)، ومجاهد بن جبر المكي (٧)، وعلي بن أبي طلحة (٨). وهذه الروايات\n_________\n(١) ابن الضريس: فضائل القرآن ص ٧٦.\n(٢) ابن الضريس: فضائل القرآن ص ٧٣.\n(٣) المصدر نفسه، والسيوطي: الاتقان ١/ ٢٦.\n(٤) الداني: البيان ص ١٣٣.\n(٥) البيهقي: دلائل النبوة ٧/ ١٤٢، والسيوطي: الاتقان ١/ ٢٥.\n(٦) الحارث المحاسبي: فهم القرآن ص ٣٩٥.\n(٧) ابن النديم: الفهرست ص ٢٨.\n(٨) الداني: كتاب البيان ص ١٣٤.","vol":"1","page":81},{"text":"متقاربة في مضمونها، ويتفق أكثرها على أن عدد السور المدنية ثمان وعشرون سورة، والمكية ست وثمانون سورة.\nوننقل هنا مقطعا من الرواية المنقولة عن عبد الله بن عباس، وهي: (١) «وكان أول ما أنزل من القرآن: اقرأ باسم ربك، ثم: ن والقلم، ثم: يا أيها المزمل، ثم: يا أيها المدثر، ثم: تبت يدا أبي لهب، ثم: إذا الشمس كورت، ثم: سبح باسم ربك الأعلى ... ثم: أنزل بالمدينة سورة البقرة، ثم: الأنفال، ثم: آل عمران، ثم: الأحزاب، ثم: الممتحنة، ثم: النساء، ثم: إذا زلزلت، ثم:\nالحديد، ثم: القتال، ثم الرعد، ثم: الرحمن، ثم: الإنسان، ثم: الطلاق، ثم:\nلم يكن، ثم: الحشر، ثم: إذا جاء نصر الله، ثم: النور، ثم: الحج، ثم:\nالمنافقون، ثم: المجادلة، ثم: الحجرات، ثم: التحريم، ثم: الجمعة، ثم:\nالتغابن، ثم: الصف، ثم: الفتح، ثم: المائدة، ثم: التوبة، فذلك ثمان وعشرون سورة».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>المبحث الخامس تطور شكل المصحف</span>\nحظي المصحف بعناية كبيرة من الخطاطين والعلماء وأولي الأمر ومن غيرهم من المؤمنين، وكانوا يستحبون تحسين كتابته وتبيينها وإيضاحها، وكرهوا كتابته في الشيء الصغير، وكان يقال: عظّموا كتاب الله (٢). وتركزت تلك العناية على جوانب متعددة من المصحف، منها ما يتعلق بكتابته وضبطها، ومنها ما يتعلق بتجزئته وعدد آياته وأسماء سوره، ومنها ما يتعلق بتجليده وتذهيبه ونوع الورق الذي يكتب عليه. وكانت قد ظهرت دراسات مستقلة لبحث تلك الجوانب\n_________\n(١) ابن الضريس: فضائل القرآن ص ٧٥، والسيوطي: الاتقان ١/ ٢٦.\n(٢) ينظر: السيوطي: الاتقان ٤/ ١٥٨.","vol":"1","page":82},{"text":"من المصحف (١)، صارت جزءا من علوم القرآن، وهي توضح ما يتعلق بشكل المصحف وما لحق بعض جوانبه من تطور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>أولا- علم رسم المصحف:</span>\nتعني عبارة (رسم المصحف) طريقة رسم الكلمات في المصحف من ناحية عدد حروف الكلمة ونوعها، لا من حيث نوع الخط وجماليته، ويستند رسم الكلمات في المصحف إلى طريقة رسمها في المصاحف التي نسخت في خلافة عثمان، ﵁، والتي عرفت في المصادر الإسلامية باسم المصاحف العثمانية، نسبة إلى سيدنا عثمان لكونه هو الذي أمر بنسخها وإرسالها إلى البلدان خارج الجزيرة العربية، كما صار رسم الكلمات فيها يعرف بالرسم العثماني (٢).\nوقد حافظ المسلمون على رسم الكلمات في المصحف كما جاءت في المصاحف العثمانية الأولى، مع ما في عدد منها من حذف بعض الحروف أو زيادة بعضها، اقتداء بعمل الصحابة، ﵃، وكان الإمام مالك (ت ١٧٩ هـ) قد سئل: «أرأيت من استكتب مصحفا اليوم، أترى أن يكتب على ما أحدث الناس من الهجاء (الإملاء) اليوم؟ فقال: لا أرى ذلك، ولكن يكتب على الكتبة الأولى» قال أبو عمرو الداني: ولا مخالف له في ذلك من علماء الأمة (٣). وظل هذا الموقف من الالتزام بالرسم العثماني في كتابة المصاحف إلى زماننا (٤).\n_________\n(١) ينظر: محمود عباد محمد: خط وتذهيب وزخرفة القرآن الكريم حتى عصر ابن البواب، رسالة دكتوراه، كلية الآداب، جامعة بغداد ١٩٩١.\n(٢) ينظر: غانم قدوري حمد: رسم المصحف ص ١٥٥ - ١٥٧.\n(٣) المقنع ص ٩ - ١٠.\n(٤) أصدرت لجنة الفتوى في الأزهر سنة ١٣٥٥ هـ فتوى بعدم جواز طبع المصحف بالإملاء الحديث (ينظر: مجلة الأزهر مج ٧ ج ١٠ شوال ١٣٥٥ هـ- باب الأسئلة والفتاوى).","vol":"1","page":83},{"text":"وألّف عدد من العلماء بعد عصر تدوين العلوم الإسلامية كتبا خاصة لوصف طريقة كتابة الكلمات في المصاحف العثمانية (١)، لعل من أشهرها في زماننا كتاب (المقنع في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار) لأبي عمرو عثمان بن سعيد الداني الأندلسي المتوفى سنة ٤٤٤ هـ. وهو مطبوع عدة طبعات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>ثانيا- علم النقط والشكل:</span>\nكانت المصاحف العثمانية مجردة من نقاط الإعجام ومن الحركات وغيرها من علامات الحركات، لخلو الكتابة العربية في تلك الحقبة منها، وبقيت الكتابة العربية تستعمل على ذلك النحو حتى النصف الثاني من القرن الأول الهجري، حين بدأت الدراسات اللغوية في العراق، وكان خلوّ الكتابة العربية من العلامات من أولى المشكلات التي عالجتها تلك الدراسات.\nوتجمع المصادر العربية القديمة على أن أبا الأسود الدؤلي (ظالم بن عمرو ت ٦٩ هـ) هو أول من اخترع طريقة لعلامات الحركات تعتمد على النقاط الحمر، وكان ذلك في البصرة، فجعل الفتحة نقطة فوق الحرف، والكسرة نقطة تحت الحرف، والضمة نقطة أمام الحرف، وجعل التنوين نقطتين (٢).\nوتنسب المصادر العربية إلى نصر بن عاصم الليثي البصري (ت ٩٠ هـ)، وهو تلميذ أبي الأسود الدؤلي، اختراع نقاط الإعجام التي تميز بين الحروف المتشابهة في الرسم، مثل الدال، والذال، والراء، والزاي، ونحوها. وكان ذلك بتوجيه من الحجاج بن يوسف الثقفي في أثناء ولايته على العراق بين سنة (٧٥ - ٩٥ هـ) (٣).\n_________\n(١) ينظر في معرفة أسماء تلك الكتب: كتابي: رسم المصحف ص ١٦٩ - ١٨٤.\n(٢) ابن الانباري: إيضاح الوقف ١/ ٤٩، وابن النديم: الفهرست ص ٤٥، والداني: المحكم ص ٤ - ٦.\n(٣) حمزة الأصفهاني: التنبيه على حدوث التصحيف ص ٢٧، والعسكري: شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف ص ١٣.","vol":"1","page":84},{"text":"ولم تستمر طريقة أبي الأسود الدؤلي في تمثيل الحركات بالنقاط الحمر طويلا، لصعوبتها عند الكتابة، واحتمال التباسها بنقاط الإعجام التي وضعها نصر للتمييز بين الحروف المتشابهة في الرسم، وذلك حين جعل الخليل بن أحمد الفراهيدي البصري (ت ١٧٠ هـ) الحركات حروفا صغيرة مكان النقاط الحمر، وكذلك وضع الخليل علامة للهمزة والتشديد والرّوم والإشمام، واستخدمت العلامات الجديدة تدريجيا، حتى زالت طريقة الدؤلي بعد ذلك (١).\nوصارت المباحث المتعلقة بالعلامات الكتابية علما أطلق عليه اسم (علم النّقط والشّكل)، وهو يعالج كيفية استخدام العلامات في رسم المصحف خاصة، ومذاهب العلماء في ذلك، وسمي هذا العلم في العصور المتأخرة بعلم الضبط (٢).\nوكتبت في هذا العلم كتب كثيرة (٣)، أشهرها كتاب «المحكم في علم نقط المصاحف»، لأبي عمرو الداني، مؤلف كتاب «المقنع»، وكتاب «المحكم» (مطبوع).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>ثالثا- علم العدد القرآني:</span>\nكان رسول الله ﷺ يرتّل ويبيّن قراءته إذا قرأ القرآن، وكان يقطّع قراءته ويقف عند رءوس الآيات، وكتب الصحابة ﵃، القرآن في المصاحف على نحو ما كانوا يسمعون من قراءة رسول الله ﷺ، وكتبوه مجردا مما سواه، ولم يكتبوا في المصاحف الأولى إلا ألفاظ الوحي، فلم يكن فيها أسماء السور وأرقام الآيات، ولا علامات الأجزاء ونحوها.\nوقد اعتنى علماء قراءة القرآن من الصحابة والتابعين بتعيين رءوس الآيات،\n_________\n(١) ينظر: الداني: المحكم ص ٦ - ٧.\n(٢) المارغني: دليل الحيران ص ٣٢١.\n(٣) ينظر كتابي: رسم المصحف ص ٤٧٨ - ٤٨٣.","vol":"1","page":85},{"text":"وإن لم تكن مرسومة في المصحف، فكانوا يعلّمون الناس القرآن ويوقفونهم على رءوس الآي، وقد وضعوا أول الأمر ثلاث نقاط عند رأس الآية (١)، ثم تطورت فصارت دائرة، ثم كتب رقم الآية في داخلها في العصور المتأخرة.\nوظهر في المراكز العلمية الخمسة: مكة والمدينة والكوفة والبصرة والشام (دمشق) علماء اشتهروا بمعرفة عدد الآيات، واعتنوا بإحصاء عدد كلمات كل سورة وعدد حروفها، كذلك اعتنوا بتجزئة القرآن ثلاثين جزءا أو ستين أو أكثر من ذلك، وضعوا علامات للخموس والعشور والأجزاء، كرهها الفقهاء في أول الأمر، كما كرهوا النقط والشكل في المصاحف، وكانوا يقولون: جرّدوا القرآن ولا تخلطوا به شيئا، وكرهوا فواتح السور التي يكتب فيها اسم السورة وعدد آياتها ومكية أو مدنية (٢). ثم خفّت\nالكراهة وأثبت الخطاطون تلك الزيادات في المصحف، وصار استعمال النقط والشكل في المصاحف لازما صيانة له من اللحن والتحريف.\nوألّف علماء القرآن كتبا كثيرة في علم العدد القرآني، ذكر ابن النديم منها قريبا من عشرين كتابا إلى زمن تأليفه كتاب «الفهرست» سنة ٣٧٧ هـ، ويكاد كتاب الدانيّ «البيان في عدّ آي القرآن» يكون أوسع كتاب في هذا الموضوع وأكثر كتبه شهرة، قال في مقدمته: «هذا كتاب عدد آي القرآن وكلمه وحروفه، ومعرفة خموسه وعشوره، ومكيّه ومدنيّه، وبيان ما اختلف فيه أئمة أهل الحجاز والعراق والشام من العدد، وما اتفقوا عليه منه، وما جاء من السّنن والآثار في عدد الآي عن السالفين، وورد من الآثار في العقد بالأصابع عن الماضين، وسائر ما ينتظم بذلك من الأبواب ...» (٣).\n_________\n(١) ينظر: ابن أبي داود: كتاب المصاحف ص ١٤٣.\n(٢) ينظر: الداني: المحكم ص ١٠ - ١٥، والسيوطي: الاتقان ٤/ ١٦٠ - ١٦١.\n(٣) كتاب البيان ص ١٩.","vol":"1","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>رابعا- أسماء السور:</span>\nسور القرآن مائة وأربع عشرة سورة، كانت أسماؤها معروفة في زمن النبي ﷺ فقد كان إذا نزل عليه الشيء من القرآن يدعو بعض من يكتب له ويقول: ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا (١). يشير بهذا إلى اسم السورة، وقال السيوطي: «وقد ثبتت أسماء السور بالتوقيف من الأحاديث والآثار» (٢).\nواسم السورة يؤخذ من شيء ورد ذكره فيها أو مما اختصت به، كتسمية سورة البقرة بهذا الاسم لقرينة ذكر قصة البقرة المذكورة فيها وعجيب الحكمة فيها، وسميت سورة النساء بهذا الاسم لما تردد فيها من كثير من أحكام النساء، وتسمية سورة الأنعام لما ورد فيها من تفصيل أحوالها، وهكذا في تسمية سائر سور القرآن (٣).\nوقد يكون للسورة اسم واحد وهو كثير، وقد يكون لها اسمان فأكثر، من ذلك سورة براءة تسمى التوبة، وسورة الإسراء تسمى سورة بني إسرائيل، وسورة فصّلت تسمى حم السجدة، وسورة غافر تسمى المؤمن، وسورة محمد تسمى القتال، وسورة تبارك تسمى الملك، وهكذا (٤). وقد تساءل الزركشي: هل تعدد الأسامي توقيفي أو بما يظهر من المناسبات؟ وقد رجّح أنه توقيفي أيضا (٥).\nولم تكن أسماء السور تكتب في المصحف في الحقبة الأولى من تاريخ الإسلام، فكان يترك بين السورتين فراغ قدر سطر واحد (٦)، ثم صار هذا الفراغ\n_________\n(١) السيوطي: الاتقان ١/ ١٧٢.\n(٢) الاتقان ١/ ١٥٠.\n(٣) ينظر: الزركشي: البرهان ١/ ٢٧٠.\n(٤) ينظر: السخاوي: جمال القراء ١/ ٣٦، والسيوطي: الإتقان ١/ ١٥١.\n(٥) البرهان ١/ ٢٧٠.\n(٦) موريتز: مجموعته المصورة (الباليو جرافية العربية) لوحة ١٧.","vol":"1","page":87},{"text":"يشغل بخطين تزيّن ما بينهما دوائر، أو خط متعرج كالسلسلة، أو يترك ما بينهما خاليا (١). ثم صار الخطاطون يعتنون بزخرفة ما بين السورتين، وصار يكتب في داخل تلك الزخرفة اسم السورة وما يتصل بمكان نزولها وعدد آياتها (٢).\nوحافظ المصحف في عصر الطباعة على تلك الصورة لفواتح السور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>خامسا- علامات الوقف:</span>\nيحتاج القارئ إلى تقسيم ما يتلوه إلى جمل وعبارات يقف عند نهايتها، ليتم المعنى، والقراءة بالترتيل والمكث واجبة بنص القرآن، فقد قال الله تعالى:\nوَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤) [المزمل] أي بيّنه تبيينا (٣).\nواعتنى علماء قراءة القرآن بالمواضع التي يحسن الوقف عليها في أثناء القراءة، وجعلوا الوقف على ثلاثة أقسام هي: الوقف التام، والحسن، والقبيح، وألّفوا في ذلك كتبا كثيرة فصّلوا فيها تلك الأقسام من أول القرآن إلى آخره (٤).\nوكانت المصاحف الأولى خالية من علامات الوقف، وظلت كذلك قرونا كثيرة، وعمل الخطاطون في فترات متأخرة على وضع علامات لأنواع الوقف التي ذكرها العلماء في كتبهم، مثل (م، ج، صلى، قلى، لا) ونحوها، وتجد في آخر المصاحف المطبوعة توضيحا لدلالة تلك العلامات وما يشبهها. وقد تختلف هذه العلامات من مصحف إلى آخر تبعا لاختلاف اجتهاد العلماء في فهم التركيب النحوي للآيات، وما يترتب على ذلك من تغير المعنى.\n_________\n(١) ينظر: صلاح الدين المنجد: دراسات في تاريخ الخط العربي شكل ٤٧ و٤٨ و٤٩ في الصفحات ٩٢ و٩٣ و٩٤.\n(٢) ينظر: موريتز: مجموعته الخطية لوحة ١ - ١٢ و٣٣ - ٣٦.\n(٣) النحاس: القطع والائتناف ص ٧٣.\n(٤) ينظر: الزركشي؛ البرهان ١/ ٣٤٢، والسيوطي: الإتقان ١/ ٢٣٠.","vol":"1","page":88},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>سادسا- المصحف في عصر الطباعة:</span>\nيسّرت الطباعة الحديثة نشر آلاف النسخ الموحدة الشكل من المصحف، المزدانة بالورق الصقيل والزخارف المذهبة الجميلة والتجليد المتين المزيّن، والنسخ المتنوعة الحجم، لكن الطباعة لم تغير شيئا من شكل المصحف العام وطريقة كتابته وضبطه، فالمصحف أخذ شكله المتميز منذ وقت مبكر، وأكثر المصاحف التي تطبع اليوم تستنسخ من مصحف مخطوط روعي فيه الشكل الموروث للمصحف.\nويكاد الإجماع ينعقد على أن أول مصحف أخرجته المطابع ورأى النور (١) كان في سنة ١٦٩٤ م، الذي وقف على طبعه هنكلمان في مدينة هامبورج بألمانية (٢). وهو لم يخل من الأخطاء الطباعية (٣)، ثم توالت طباعة المصاحف بعد ذلك ودخلت البلاد الإسلامية فظهرت المصاحف المطبوعة في تركيا ومصر والهند، وطبع المصحف في بلادنا في العقود الأخيرة عدة طبعات على نسخة بقلم الخطاط حافظ محمد أمين رشدي التي كتبها سنة ١٢٣٦ هـ.\nوكان خط مصاحف القرآن في القرون الأولى يغلب عليه ما يسمى بالخط الكوفي، ثم تفنن الخطاطون في تطوير الحرف العربي وانتقل إلى الليونة، في القرن الرابع والخامس الهجريين، وغلب على المصاحف رسمها بها صار يعرف بخط النسخ، لكن أهل المغرب طوّروا الخط الكوفي على نحو ظل متميزا وصار يعرف بالخط المغربي، وظلت المصاحف تطبع به في بلاد المغرب، لكن استخدام خط النسخ هو الشائع في المصاحف التي تطبع في معظم البلدان الإسلامية الأخرى.\n_________\n(١) ذكر الدكتور صبحي الصالح في كتابه (مباحث في علوم القرآن ص ٩٩) أن القرآن ظهر مطبوعا للمرة الأولى في البندقية في حدود سنة ١٥٣٠ م لكن السلطات الكنسية أصدرت أمرا بإعدامه حال ظهوره.\n(٢) حفني ناصف: تأريخ الأدب ص ١١٢، ومحمد طاهر الكردي: تاريخ القرآن ص ١٦ و١٨٦، وصبحي الصالح: مباحث في علوم القرآن ص ٩٩.\n(٣) ينظر كتابي: رسم المصحف ص ٦٠٢.","vol":"1","page":89},{"text":"إن رحلة المصحف الطويلة عبر القرون لم تغيّر من نصه الذي كتبه الصحابة، ﵃، حين تلقوه عن رسول الله ﷺ وجمعوه في المصحف ونسخوه في المصاحف، وأنت إذا أخذت أحدث نسخة مطبوعة من المصحف، ثم وازنت بينها وبين إحدى النسخ العتيقة من المصحف المكتوبة على الرقوق، بالخط الكوفي القديم المجرد من العلامات، مما تحتفظ به بعض المكتبات العالمية، لوجدت النص واحدا والتطابق بينهما تامّا، سوى ما يرجع إلى الاختلافات الشكلية التي لا تغير من النص المكتوب ولا من قراءته.\nوقد يسّر الله تعالى أسباب حفظ القرآن، كتابة في السطور، وحفظا في الصدور، وتلاوة في الألسنة، وتحقق بذلك وعد الله الحق في حفظ القرآن في قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩) [الحجر]. فالقرآن الكريم معجزة النبي ﷺ الخالدة، وحجة الله تعالى الباقية، هو حبل الله المتين، وهو النور المبين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، عصمة لمن اعتصم به، ونجاة لمن تمسك به، لا يعوجّ فيقوّم، ولا يخلق من كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، من قال به صدّق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم (١).\nوقد اتفقت كلمة العلماء المدققين، والمستشرقين المنصفين على صحة نقل القرآن وانتهائه بنصه إلى النبي ﷺ على الرغم من أنهم لا يؤمنون أنه من عند الله. وهناك بضع شهادات لكبار العلماء منهم تؤكد أن القرآن هو الكتاب الوحيد في الدنيا الذي بقي نصه محفوظا من التحريف، من بين كتب الديانات جميعا، وأنه لم يتطرق شكّ إلى أصالته، وأن كل حرف نقرؤه اليوم نستطيع أن نثق بأنه لم يقبل أي تغيير من يوم نزوله إلى زماننا (٢).\n_________\n(١) هذه الأوصاف للقرآن ملخصة من حديثين، أحدهما عن الإمام علي (الترمذي: كتاب السنن ٥/ ١٥٨) والثاني عن عبد الله بن مسعود (الطبراني: المعجم الكبير ٩/ ١٣٠).\n(٢) تنظر نصوص تلك الأقوال في كتاب النبي الخاتم للندوي ص ٣٠ - ٣١.","vol":"1","page":90},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>الفصل الثالث قراءة القرآن الكريم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>المبحث الأول أهداف قراءة القرآن</span>\nإن الهدف من قراءة أي كتاب يتوقف على موضوعه، فإن كان كتابا في علم من العلوم فإن الهدف من قراءته اكتساب المعرفة، وإذا كان كتابا تاريخيا كان الهدف اتخاذ العبرة من أحداث الماضي وتدبر شئون الحاضر والمستقبل من خلال ذلك، وإذا كان كتابا أدبيا كان الهدف التذوق الفني وما قد يصحبه من متعة روحية وتهذيب أخلاقي، وهكذا.\nوإذا أردنا أن نحدد أهداف قراءة القرآن الكريم وجدنا أنها ترتبط أيضا بموضوعه إلى حد كبير، فالقرآن ليس كتابا في علم من العلوم، وإن كان فيه من العلم ما يعجز\nالعقل البشري عن الإحاطة به، والقرآن ليس كتابا في التاريخ، وإن كان فيه من القصص ما فيه عبرة لأولي الألباب، كما أنه ليس كتابا أدبيا، وإن كان فيه من جمال الأسلوب وروعة التعبير ما يعجز البشر عن الإتيان بمثله.\nفما موضوع القرآن إذن، وما أهداف قراءته؟\nإن موضوع القرآن الأساسي هو هداية البشرية إلى منهج الله تعالى الذي اختاره لها، وكانت قراءته من أهم ما يحرص المسلمون على تعلمه وتعليمه والمداومة عليه، حتى قال ابن خلدون: «اعلم أن تعليم الولدان للقرآن شعار الدين، أخذ به أهل الملة، ودرجوا عليه في جميع أمصارهم، لما يسبق فيه إلى القلوب من رسوخ الإيمان وعقائده من آيات القرآن وبعض متون الأحاديث، وصار القرآن أصل التعليم الذي ينبني عليه ما يحصل بعد من الملكات، وسبب ذلك أن","vol":"1","page":91},{"text":"التعليم في الصغر أشد رسوخا، وهو أصل لما بعده، لأن السابق الأول للقلوب كالأساس للملكات، وعلى حسب الأساس وأساليبه يكون حال ما ينبني عليه» (١).\nإن تتبّع ما ورد في القرآن والأحاديث النبوية عن قراءة القرآن، وما تضمنته سيرة السلف من تعلق بالقراءة وحرص عليها يوضح جوانب من الأهداف والغايات التي تتحقق من قراءة القرآن، والتي تتمثل في كون القراءة وسيلة من وسائل الدعوة، وكونها عبادة تزكو بها النفوس، وهي أيضا أساس للفقه والعمل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>١ - قراءة القرآن وسيلة من وسائل الدعوة:</span>\nإن تلاوة القرآن كانت من وسائل الدعوة إلى الإسلام، فكان رسول الله ﷺ يلقى الناس في المواسم، فكان يدعوهم إلى الإسلام ويقرأ عليهم القرآن (٢).\nوكان تأثير القرآن في نفوس سامعيه عظيما، على نحو ما كان من موقف النفر الذين لقيهم رسول الله ﷺ في العقبة، وكانوا من الخزرج، فدعاهم إلى الله، ﷿، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن، فأجابوه إلى ما دعاهم إليه، وصدّقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام (٣). فكان إسلامهم فتحا عظيما في تاريخ الدعوة.\nوكان المشركون قد أحسّوا بتأثير قراءة القرآن واجتذابها النفوس إلى الدعوة الجديدة، فتنادوا بينهم: لا تسمعوا لهذا القرآن، كما حكى القرآن قولهم: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦) [فصلت]، ولكن الله تعالى خيّب آمالهم، وأخذ القرآن طريقه إلى القلوب (٤).\n_________\n(١) مقدمة ابن خلدون ص ٥٣٧.\n(٢) ابن هشام: السيرة النبوية ١/ ٣٨٣ و٣٩١.\n(٣) المصدر نفسه ١/ ٤٢٩.\n(٤) ينظر: الطبري: جامع البيان ٢٤/ ١١٢.","vol":"1","page":92},{"text":"وظلت قراءة القرآن تقوم بذلك الدور في نشر الدعوة بعد أن مكّن الله تعالى لدينه، فكانت وفود العرب تأتي إلى المدينة، لا سيما بعد فتح مكة، فكان رسول الله ﷺ يقرأ عليهم القرآن ويعلّمهم شرائع الإسلام (١).\nوكان من حرص النبي ﷺ على تعليم القرآن أنه كان يرسل القراء من الصحابة إلى المواطن التي يفتح الناس فيها صدورهم للدعوة، كما أرسل مصعب بن عمير، ﵁، بعد بيعة العقبة الأولى إلى المدينة، «وأمره أن يقرئهم القرآن، ويعلّمهم الإسلام، ويفقّههم في الدين، فكان يسمى المقرئ بالمدينة مصعب» (٢).\nوبيّن الله تعالى في كتابه الكريم أنه إنما بعث محمدا ﷺ ليتلو القرآن على الناس، فقال: إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢) [النمل]. وقد امتدح الله تعالى المؤمنين الذين وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيمانًا (٢) [الانفال]، وذمّ الكفار الذين إذا تتلى عليهم آيات الله قالوا: هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) [الأحقاف] أو قالوا: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) [المطففين].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>٢ - قراءة القرآن عبادة:</span>\nإن تلاوة القرآن هي أفضل الأذكار (٣)، ومن ثمّ يستحب الإكثار منها (٤)، وقد بيّن النبي ﷺ ثواب قارئ القرآن وفضله في أحاديث كثيرة، منها قوله:\n«اقرءوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه ...» (٥). ومنها قوله: «من\n_________\n(١) ينظر: ابن سعد: الطبقات الكبرى ١/ ٣٠١ و٣١٢ و٣٤٤.\n(٢) ابن هشام: السيرة النبوية ١/ ٤٣٤.\n(٣) النووي: الأذكار ص ٩٥.\n(٤) السيوطي: الاتقان ١/ ٢٩٢.\n(٥) صحيح مسلم بشرح النووي ٦/ ٩٠، والمنذري: الترغيب والترهيب ٢/ ٣٦٩.","vol":"1","page":93},{"text":"قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقوال (الم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» (١). والأحاديث في فضل التلاوة كثيرة، سوف نشير إلى عدد منها في المبحث الآتي، إن شاء الله تعالى.\nوكانت استجابة الصحابة، ﵃، ومن تبعهم من سلف الأمة الصالح للتوجيه النبوي بتلاوة القرآن استجابة عظيمة، ملأت عليهم أوقاتهم في الهواجر والأسحار، يوضّح ذلك ما قاله الإمام النووي: «ينبغي أن يحافظ على تلاوته ليلا ونهارا، سفرا وحضرا، وقد كانت للسلف، ﵃، عادات في القدر الذي يختمون فيه، فكان جماعة منهم يختمون في كل شهرين ختمة، وآخرون في كل شهر ختمة، وآخرون في كل عشر ليال ختمة، وآخرون في كل ثمان ليال ختمة، وآخرون في كل سبع ليال ختمة، وهذا فعل الأكثرين من السلف ... وكثيرون في كل ثلاث، وكان كثيرون يختمون في كل يوم وليلة ختمة ... وأما الذين ختموا القرآن في ركعة فلا يحصون لكثرتهم، فمنهم عثمان ابن عفان، وتميم الداريّ، وسعد بن جبير» (٢).\nولا شك في أن الإكثار من التلاوة له أثره العميق في تهذيب النفس وتقويم السلوك، فالله تعالى قال: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨) [يونس]، وقال سبحانه: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسارًا (٨٢) [الإسراء]، ففي القرآن شفاء من الوسوسة والقلق والحيرة، وفي القرآن شفاء من الهوى والطمع والحسد ونزعات الشيطان، في القرآن شفاء من شطط التفكير والشعور. وبذلك كان القرآن ذكرا من أفضل\n_________\n(١) الترمذي: كتاب السنن ٥/ ١٦١، والحاكم المستدرك ١/ ٥٥٥.\n(٢) الأذكار ص ٩٥ والتبيان ص ٢٦.","vol":"1","page":94},{"text":"الأذكار وعبادة من أجلّ العبادات، وقد قال الله تعالى في الحديث القدسي: «من شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين ...» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>٣ - قراءة القرآن للفقه والعمل:</span>\nإن الهدف الأساسي من قراءة القرآن، مع كونها عبادة، هو التفهم للمعاني التي تتضمنها الآيات الكريمة، والتطبيق لما تتضمنه من أحكام، وقد قال الله تعالى في وصف القرآن: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٩٢) [ص]، كما حث الله تعالى على تفهم معانيه بقوله: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا (٨٢) [النساء]، وقال: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (٢٤) [محمد].\nوكان رسول الله ﷺ إذا أسلم الرجل أمره بقراءة القرآن قبل كل شيء (٢)، وقال للصحابة: فقّهوا أخاكم في دينه، وأقرئوه وعلّموه القرآن (٣). لأن القرآن الكريم هو الأصل الأول للعقيدة والأحكام والآداب، والسّنّة مبيّنة ومفصّلة لما تضمنه القرآن.\nوكانت طريقة تلقي الصحابة للقرآن عن رسول الله ﷺ تؤكد على التفهم للمعاني، فقد قال عبد الله بن مسعود، ﵁: كنا إذا تعلّمنا من النبي ﷺ عشر آيات من القرآن لم نتعلم من العشر التي نزلت بعدها حتى نعلم ما فيها، يعني من العمل (٤).\nوكان أبو عبد الرحمن السلمي (ت ٧٤ هـ)، وهو مقرئ أهل الكوفة في\n_________\n(١) الترمذي: كتاب السنن ٥/ ١٦٩.\n(٢) السخاوي: الوسيلة ص ١١٩.\n(٣) الطبري: تاريخ الرسل والملوك ٢/ ٤٧٤.\n(٤) الحاكم: المستدرك ١/ ٥٥٧.","vol":"1","page":95},{"text":"عصر التابعين، يحدّث عن الصحابة الذين علّموه القرآن ويقول: «حدثني الذين كانوا يقرءوننا: عثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، أن رسول الله ﷺ كان يقرئهم العشر فلا يجازونها إلى عشر أخرى حتى يتعلموا ما فيها من العمل، فتعلمنا القرآن والعمل جميعا» (١).\nوقال العلماء: تكره قراءة القرآن بلا تدبّر (٢)، وقال الآجري: والقليل من الدرس للقرآن مع الفكر فيه وتدبره أحبّ إليّ من قراءة الكثير من القرآن بغير تدبر ولا تفكر فيه، وظاهر القرآن يدل على ذلك والسّنة وقول أئمة من المسلمين (٣).\nونقل الآجري روايتين تدلان على ذلك (٤):\nالرواية الأولى: عن أبي جمرة الضّبعي، قال: قلت لابن عباس: إني سريع القراءة، إني أقرأ القرآن في ثلاث، فقال ابن عباس: لأن أقرأ البقرة في ليل، فأتدبرها وأرتّلها أحبّ إليّ من أن أقرأ كما تقول.\nوالرواية الثانية: عن مجاهد بن جبر، تلميذ ابن عباس، أنه سئل عن رجل قرأ البقرة وآل عمران، ورجل قرأ البقرة، قراءتهما واحدة، وركوعهما وسجودهما وجلوسهما، أيهما أفضل؟ قال: الذي قرأ البقرة، ثم قرأ: وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) [الإسراء].\nونقل أبو عمرو الداني رواية عن زيد بن ثابت أن رجلا سأله عن قراءة القرآن في سبع؟ فقال: حسن، ولأن أقرأه في عشرين أو في النصف أحب إليّ من أن أقرأه في سبع، واسألني عن ذلك؟ أردّده وأقف عليه (٥).\n_________\n(١) ابن مجاهد: كتاب السبعة ص ٦٩، والذهبي: معرفة القراء ١/ ٤٨.\n(٢) الزركشي: البرهان ١/ ٤٤٥.\n(٣) أخلاق حملة القرآن ص ١٠٩.\n(٤) المصدر نفسه ص ١٠٩ - ١١٠.\n(٥) التحديد ص ٧٦.","vol":"1","page":96},{"text":"ونقل رواية أخرى عن ابن مسعود أن رجلا أتاه فقال: أقرأ القرآن بالمفصل في ركعة! فقال: أهذّا كهذّ الشعر، ونثرا كنثر الدّقل؟ (١) ومع ذلك فإن العلماء لا يمنعون من القراءة السريعة مطلقا، وقد نصوا على أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، كما أنه يختلف لاختلاف حال الشخص في النشاط والضعف والتدبر والغفلة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>المبحث الثاني فضائل التلاوة وآدابها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>أولا: فضائل التلاوة:</span>\nإن قيمة كل كتاب تعتمد على منزلة مؤلفه وأهمية موضوعه وبلاغة أسلوبه، والقرآن الكريم بلغ أقصى الغايات في ذلك كله، فهو كلام الله تعالى «وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه» (٣). وموضوعه بيان منهج الله الذي لا تتحقق سعادة البشرية إلا به وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٨٥) [آل عمران]، وأسلوبه جاء في أعلى درجات الفصاحة والبلاغة التي أعجزت الفصحاء والبلغاء في جميع العصور.\nوبيان فضائل تلاوة القرآن ترتبط بفضل القرآن الكريم ذاته، وقد وصف الله تعالى القرآن في آيات كثيرة بأنه مصدر الهداية للبشرية وسبب الرحمة الإلهية لها، ومن تلك الآيات:\n_________\n(١) المصدر نفسه ص ٧٧.\n(٢) النووي: التبيان ص ٢٧، والزركشي: البرهان ١/ ٤٧١.\n(٣) هذا جزء من حديث قدسي رواه الترمذي في سننه (٥/ ١٦٩)، وينظر: ابن حجر: فتح الباري ٩/ ٦٦.","vol":"1","page":97},{"text":"إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا (١٠) [الإسراء].\nيا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) [يونس].\nوَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩) [النحل].\nطس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ (١) هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) [النمل].\nإِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦) وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) [النمل].\nوقد امتدح الله تعالى الذين يتلون كتاب الله، ووعدهم مغفرة منه وفضلا، بقوله الكريم: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠) [فاطر].\nوجاءت في فضل القرآن وفضل تلاوته عشرات الأحاديث التي رواها العلماء في كتب الحديث في باب (فضائل القرآن)، وأفردها عدد منهم في رسائل منفردة؛ سميت بكتب (فضائل القرآن)، مثل كتاب «فضائل القرآن» لأبي عبيد القاسم بن سلام (ت ٢٢٤ هـ)، وكتاب «فضائل القرآن» لأبي جعفر بن محمد الفريابي (ت ٣٠١ هـ)، وكتاب «فضائل القرآن» لأحمد بن شعيب النسائي (ت ٣٠٣ هـ)، وغيرها كثير.\nوسوف أقتبس مما ورد في تلك الكتب عددا من الأحاديث التي تبيّن فضل تعلم القرآن وفضل تلاوته، منها:\n١ - روى البخاري وغيره، عن أبي عبد الرحمن السّلميّ، عن عثمان بن عفان، عن النبي ﷺ، قال:","vol":"1","page":98},{"text":"«خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه» (١).\nقال أبو عبد الرحمن السلمي، وهو الذي جاء بالمصحف من المدينة إلى الكوفة في خلافة عثمان: فذاك الذي أقعدني مقعدي هذا (٢). وكان أبو عبد الرحمن قد جلس في المسجد الأعظم في الكوفة ونصب نفسه لتعليم الناس قراءة القرآن، ولم يزل يقرئ بها أربعين سنة، إلى أن توفاه الله سنة ٧٣ هـ (٣).\nوقد روى الترمذي وغيره هذا الحديث عن علي بن أبي طالب أيضا (٤).\n٢ - وروى الترمذي عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» (٥).\n٣ - وروى مسلم بن الحجاج عن أبي أمامة الباهلي، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اقرءوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه ...» (٦).\nوجاء هذا المعنى في الحديث الذي رواه عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد، يقول الصيام: ربّ إني منعته الطعام والشراب بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: رب منعته النوم بالليل فشفعني فيه، فيشفعان» (٧).\n_________\n(١) قال الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب (٢/ ٣٤٢): رواه البخاري مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة، وغيرهم.\n(٢) الترمذي: كتاب السنن ٥/ ١٥٩.\n(٣) ابن مجاهد: كتاب السبعة ص ٦٨.\n(٤) الترمذي: كتاب السنن ٥/ ١٦١، والدارمي: كتاب السنن ٢/ ٤٣٧، والآجري: أخلاق حملة القرآن ص ٤٨.\n(٥) سنن الترمذي ٥/ ١٦١.\n(٦) صحيح مسلم بشرح النووي ٦/ ٩٠.\n(٧) قال المنذر في الترغيب والترهيب (٢/ ٣٥٣): رواه أحمد والطبراني والحاكم.","vol":"1","page":99},{"text":"٤ - وروى أصحاب الكتب الستة (١) عن عائشة، ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ: «الماهر بالقرآن مع السّفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه، وهو عليه شاقّ، له أجران».\n٥ - وروي عن عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ قال: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار» (٢).\nقال المنذري: والمراد بالحسد هنا الغبطة، وهو تمني مثل ما للمحسود، لا تمني زوال تلك النعمة، فإن ذلك هو الحسد المذموم (٣).\n٦ - وعن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب» (٤).\n٧ - وعن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجّة: ريحها طيّب، وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو. ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مرّ، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مرّ» (٥).\n٨ - وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت\n_________\n(١) وهم: البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة (ينظر: المنذري:\nالترغيب والترهيب ٢/ ٣٤٨).\n(٢) رواه البخاري (فتح الباري ٩/ ٧٣) ومسلم (بشرح النووي ٦/ ٩٧).\n(٣) الترغيب والترهيب ٢/ ٣٥١.\n(٤) رواه الترمذي والحاكم (الترغيب والترهيب ٢/ ٣٥٩).\n(٥) رواه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة (الترغيب والترهيب ٢/ ٣٤٣).","vol":"1","page":100},{"text":"الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده» (١).\n٩ - وعن عقبة بن عامر قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن في الصّفّة، فقال:\nأيّكم يحبّ أن يغدو كلّ يوم إلى بطحان، أو إلى العقيق، فيأتي منه بناقتين كوماوين في غير إثم ولا قطيعة رحم؟ فقلنا: يا رسول الله كلّنا يحبّ ذلك، قال: فلأن يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلّم آيتين من كتاب الله، ﷿، خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل (٢).\n١٠ - وردت أحاديث في فضل الإكثار من قراءة سورة أو آيات معينة، فمما رواه البخاري ومسلم ما ورد في فضل سورة الفاتحة، وسورة البقرة، وخواتيمها «الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأهما في ليلة كفتاه» وآية الكرسي منها، وسورة الكهف، وعشر آيات من أولها، والمعوذتين، وسورة الإخلاص، حيث قال ﷺ: أيعجز، أحدكم أن يقرأ في ليلة ثلث القرآن؟ قالوا: وكيف يقرأ ثلث القرآن؟ قال: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) تعدل ثلث القرآن» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>ثانيا- آداب التلاوة:</span>\nينبغي أن يستشعر قارئ القرآن عظمة كتاب الله تعالى، فإذا أراد القراءة فعليه أن يلتزم بما ورد من الآداب والسنن التي تتعلق بنظافة البدن والمكان وبكيفية التلاوة، والتزام توقير القرآن، واجتناب ما ينافي ذلك من مظاهر الغفلة وعدم التيقظ والخشوع.\n_________\n(١) رواه مسلم وأبو داود وغيرهما (الترغيب والترهيب ٢/ ٣٤٣).\n(٢) رواه مسلم وأبو داود (الترغيب والترهيب ٢/ ٣٤٥).\n(٣) ينظر: ابن حجر: فتح الباري ٩/ ٥٤ - ٦٢، وصحيح مسلم بشرح النووي ٦/ ٨٩ - ٩٦.","vol":"1","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>١ - نظافة البدن والمكان:</span>\nيستحب أن يقرأ القارئ وهو على طهارة، إذا كان يقرأ من حفظه، فإن قرأ وهو محدث جاز بإجماع المسلمين، والأحاديث الدالة على ذلك كثيرة، وأما الجنب والحائض فإنه يحرم عليهما قراءة القرآن، سواء كان آية أو أقل منها، ويجوز لهما إجراء القرآن على قلبهما من غير تلفظ به.\nوينبغي إذا أراد القراءة أن ينظف فاه بالسّواك وغيره، والاختيار في السواك أن يكون بعود من أراك، ويجوز بسائر العيدان، وبكل ما ينظف كالخرقة الخشنة والأشنان وغير ذلك.\nويستحبّ أن تكون القراءة في مكان نظيف مختار، ولهذا استحب جماعة من العلماء القراءة في المسجد، لكونه جامعا للنظافة وشرف البقعة (١)، لكن القراءة جائزة في أي مكان طاهر نظيف.\nويحرم على المحدث مسّ المصحف وحمله، وأما كتب تفسير القرآن فإن كان القرآن فيها أكثر من غيره حرم مسّها وحملها على المحدث، وإن كان غيره أكثر جاز على خلاف في ذلك (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>٢ - ترتيل القرآن وتحسين الصوت:</span>\nأجمع العلماء من السلف والخلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين على استحباب تحسين الصوت بالقرآن، ما لم يخرج عن حد القراءة، فإن أفرط حتى زاد حرفا أو أخفاه فهو حرام، وتكره لذلك القراءة بالألحان التي تخرج بالتلاوة عن حدها (٣).\n_________\n(١) النووي: التبيان ص ٣٢ - ٣٥، والسيوطي: الإتقان ١/ ٢٩٥.\n(٢) النووي: التبيان ص ٩٣ - ٩٥. وينظر: ابن أبي داود: كتاب المصاحف ص ١٨٥.\n(٣) النووي: التبيان ص ٥١.","vol":"1","page":102},{"text":"وينبغي لمن قرأ القرآن أن يرتّله ترتيلا، كما قال الله تعالى: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ٤ [المزمل]، أي بيّنه تبيينا، وعلى القارئ ألّا يخلّ بقواعد التلاوة سواء قرأ بالتحقيق، وهو التمهل، أو بالحدر، وهو السرعة في القراءة، أو توسّط في ذلك (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>٣ - التدبر والخشوع:</span>\nقراءة القرآن عبادة مقصودها الاتعاظ والائتمار والانزجار، وقد قال الله تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ ٢٩ [ص]. وقال سبحانه: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها ٢٤ [محمد]. والتدبّر معناه التفكر والنظر في عاقبة الشيء.\nوقد حث العلماء على التزام قارئ القرآن بتفهم ما يقرأ، والتفكر فيه، مع الخشوع، وترك ما لهي عن ذلك، ومن لوازم التفكر أن القارئ إذا مر بآية رحمة سأل مولاه الكريم، وإذا مرت به آية عذاب استعاذ بالله من النار (٢).\nوعلى القارئ أن يلزم احترام القرآن والابتعاد في أثناه القراءة عن الضحك واللغط والحديث في خلال القراءة، إلا كلاما يضطر القارئ إليه، وينبغي أن يتمثل القارئ والمستمع قول الله تعالى: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ٢٠٤ [الأعراف] (٣).\nوقد لخص الإمام الغزالي شرائط القراءة المحمودة بقوله: «تلاوة القرآن حقّ تلاوته هو أن يشترك فيه اللسان والعقل والقلب، فحظّ اللسان تصحيح الحروف\n_________\n(١) الآجري: أخلاق حملة القرآن ص ١٠٨، وابن الجزري: النشر ١/ ٢٠٥.\n(٢) الآجري: أخلاق حملة القرآن ص ٩٧.\n(٣) النووي: التبيان: ص ٤٢.","vol":"1","page":103},{"text":"بالترتيل، وحظ العقل تفسير المعاني، وحظ القلب الاتعاظ والتأثير والانزجار والائتمار، فاللسان يرتل، والعقل يترجم، والقلب يتعظ» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>٤ - أوقات القراءة المحمودة، والسرعة فيها:</span>\nإن أفضل القراءة ما كان في الصلاة، أما القراءة في غير الصلاة فأفضلها قراءة الليل، والنصف الأخير من الليل أفضل من النصف الأول، والقراءة بين المغرب والعشاء محبوبة، وأما القراءة في النهار فأفضلها بعد صلاة الصبح، ولا كراهية في القراءة في وقت من الأوقات (٢).\nوقد اختلف العلماء في الأفضل هل الترتيل وقلة القراءة أو السرعة مع كثرة القراءة؟ فذهب بعضهم إلى أن كثرة القراءة أفضل، لأن للقارئ بكل حرف حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لكن معظم العلماء يقولون إن الترتيل والتدبر مع قلة القراءة أفضل من السرعة مع كثرتها، لأن المقصود من القرآن فهمه والتفقه فيه والعمل به. وتلاوته وحفظه وسيلة إلى معانيه. وقال بعض العلماء: إن ثواب قراءة الترتيل والتدبر أجلّ وأرفع قدرا، وإن ثواب كثرة القراءة أكثر عددا (٣).\nومما له علاقة بسرعة القراءة تحديد المدة المفضلة لختم القرآن، والأصل استحباب الإكثار من قراءة القرآن (٤)، وقد تفاوتت سيرة السلف في القدر الذي يختمون فيه، فكثيرون كانوا يختمون في أسبوع، أو في أسبوعين أو في شهر، وكرهوا أن يختم القارئ في أقل من ثلاث ليال لقوله ﷺ: «لم يفقه من قرأ القرآن في أقلّ من ثلاث» (٥). كما كرهوا أن يأتي عليه أكثر من أربعين يوما ولم\n_________\n(١) إحياء علوم الدين ١/ ٢٩٤.\n(٢) النووي: التبيان ص ٧٥.\n(٣) ابن الجزري: النشر ١/ ٢٠٨ - ٢٠٩.\n(٤) السيوطي: الإتقان ١/ ٢٩٢.\n(٥) رواه الترمذي في سننه ٥/ ١٨٢، وقال: حديث حسن صحيح.","vol":"1","page":104},{"text":"يختم القرآن (١). وقال بعض العلماء: إن ذلك يختلف باختلاف حال الشخص في النشاط والضعف والتدبر والغفلة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>المبحث الثالث أصل القراءات القرآنية</span>\nالقراءات القرآنية من أهم علوم القرآن، صرف إليها العلماء كثيرا من عنايتهم وجهودهم من لدن عصر الصحابة، رضوان الله عليهم، إلى عصرنا هذا، رواية وتعليقا وتأليفا، وموضوع القراءات شديد الصلة بنص القرآن الكريم، لأنه يعنى بكيفية النطق بألفاظ القرآن، وتحقيق الروايات المنقولة في ذلك عن أئمة القراءة.\nوقد صار كثير من مباحث هذا العلم أقرب إلى دائرة البحث التأريخي بعد أن انتشرت في معظم بلدان العالم الإسلامي قراءة واحدة من القراءات القديمة المشهورة، وهي قراءة عاصم بن أبي النّجود الكوفي، المتوفى سنة ١٢٧ هـ، التي تضبط عليها أكثر المصاحف المطبوعة في عصرنا، وزالت القراءات الأخرى من ميادين التلاوة والتعبد بقراءة القرآن، إلى ميادين البحث والدراسة والرواية في دور العلم ومعاهد الإقراء.\nوهناك سببان، في الأقل، يحملان الدارس على النظر في موضوع القراءات والبحث في أصلها، الأوّل: انتشار التسجيل الصوتي لقراءات قرآنية غير قراءة عاصم، يعجز كثير من الناس في زماننا عن فهم حقيقتها ومعرفة أصلها، فتكون لذلك موضع تساؤل وتشويش لا يزيله إلا الوقوف على تأريخ هذا الموضوع وتفصيلاته. والثاني: إن علم القراءات من أكثر علوم القرآن الكريم بحثا وتأليفا،\n_________\n(١) ينظر المصدر نفسه ٥/ ١٨٠.\n(٢) النووي: التبيان ص ٢٧، والزركشي: البرهان ١/ ٤٧١.","vol":"1","page":105},{"text":"ولا بد لدارس علوم القرآن من الوقوف على المعالم البارزة لهذا العلم الذي يتعلق بضبط النص القرآني والمحافظة عليه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>أولا- سبب تعدد القراءات وحديث الأحرف السبعة:</span>\nوالحديث عن أصل القراءات القرآنية يستدعي بحث قضيتين: الأولى تحديد مصدر القراءات، والثاني: تحديد السبب الذي أدّى إلى ظهورها، ومناقشة هاتين القضيتين مرتبط بالظروف التي ظهرت فيها الدعوة الإسلامية، وطبيعة المجتمع العربي في تلك الحقبة، وما كان بين أجزائه من تباين لغوي ظاهر، لأن قراءة القرآن هي في جانب منها نشاط لغوي، ومن جانب آخر هي نشاط فكري ينعكس على سلوك الفرد والجماعة.\nكان العرب في جزيرتهم قبائل وجماعات، تفصل بين قبيلة وأخرى فواصل طبيعية أو عوامل نفسية، فالجزيرة بطبيعة أرضها ومناخها تفرض على الناس نوعا من العزلة والتنقل المستمر وراء مساقط المياه ومنابت الكلأ، ولم يكن هناك سلطان سياسي يشمل تلك القبائل والجماعات، بل إن المنازعات كثيرا ما كانت تزيدها تشتتا وعزلة، ومن ثم فإن عوامل الافتراق كانت أكثر فاعلية في المجتمع العربي قبل الإسلام من عوامل التقارب والتوحد، وقد انعكس ذلك على الوضع\n_________\n(١) لكي يطلع القارئ الذي ليس في متناول يده كتب القراءات على مثال يتبين له من خلاله حقيقة اختلاف القراءات، أورد قراءات القراء السبعة في سورة الفاتحة:\n١ - قرأ عاصم والكسائي (مالك)، وقرأ الباقون من السبعة (ملك).\n٢ - قرأ عاصم ونافع وأبو عمرو وابن عامر والكسائي (صراط، الصراط) بالصاد، وقرأ ابن كثير في رواية عنه (السراط)، وقرأ حمزة بين الصاد والزاي (صاد مجهورة).\n٣ - قرأ حمزة (عليهم) بضم الهاء والباقون بكسرها.\n٤ - قرأ ابن كثير (عليهمو) في الوصل، والباقون بإسكان الميم من غير واو. (ينظر: ابن مجاهد: كتاب السبعة ص ١٠٤، والداني: التيسير ص ١٨).","vol":"1","page":106},{"text":"اللغوي الذي كان يتميز بتعدد اللهجات وتباين صور النطق للعربية (١)، لا سيما في وقت كانت تسود فيه الأمية، ويصعب التنقل والامتزاج، ما عدا فرصا محدودة يلتقي فيها أفراد معدودون في مواسم الحج والتجارة لأيام معدودة، ثم يمضي كل واحد منهم لينخرط في حياة قبيلته أو بلدته.\nوفي ذلك الظرف شاء الله تعالى أن يبعث نبيه محمدا ﷺ برسالة تدعو إلى التوحيد والتوحيد، وتحثّ على التعلم والتحضر، يقول القاسم بن ثابت السرقسطي (ت ٣٠٢ هـ): «إن الله ﵎ بعث نبيه ﷺ والعرب متناءون في المحال والمقامات، متباينون في كثير من الألفاظ واللغات، ولكل عمارة (٢) لغة دلت بها ألسنتهم، وفحوى قد جرت بها عادتهم، وفيهم الكبير العاسي والأعرابي القح، ومن لو رام نفي عادته وحمل لسانه على غير دربته (٣) تكلف منه حملا ثقيلا، وعالج منه عبئا شديدا، ثم لم يكسر غربه (٤) ولم يملك استمراره إلا بعد التمرين الشديد، والمساجلة الطويلة، فأسقط الله عنهم هذه المحنة، وأباح لهم القراءة على لغاتهم، وحمل حروفه على عادتهم، وكان رسول الله ﷺ يقرئهم بما يفقهون، ويخاطبهم بالذي يستعملون بما طوّقه الله من ذلك، وشرح به صدره، وفتق به لسانه، وفضّله على جميع خلقه» (٥).\nوالقرآن الكريم نزل بلغة قريش، في الرأي الراجح، على نحو ما أشرنا إلى ذلك في المبحث الخاص بعربية القرآن، ومعنى ذلك أن رسول الله ﷺ تلقاه من جبريل ﵇ وتلاه على الناس بنطق عربي يطابق نطق العربية السائد في مكة المكرمة في ذلك الوقت، وكان كتبة الوحي يكتبون ألفاظ الوحي على نحو ما\n_________\n(١) قال ابن النديم (الفهرست ص ٨): «ولكل قبيلة من قبائل العرب لغة تنفرد بها».\n(٢) العمارة، بكسر العين وفتحها، هي الشعبة من القبيلة، أو هي الحي العظيم.\n(٣) دربته: ما تدرب عليه واعتاده.\n(٤) الغرب: الحدّة.\n(٥) نقلا عن البلوي: ألف با ١/ ٢١١، وأبو شامة: المرشد الوجيز ص ١٢٨.","vol":"1","page":107},{"text":"يسمعونه من رسول الله ﷺ ولهذا فإن الخليفة الراشدي الثالث عثمان بن عفان، ﵁، أمر الجماعة الذين نسخوا المصاحف أن يكتبوه على لسان قريش، لأنه هو النطق المنزل به.\nولا شك في أن أهل مكة كانوا أقدر على تحقيق نطق القرآن كما نطقه رسول الله ﷺ لأنهم قومه وعشيرته، أما غيرهم من العرب فكانوا متفاوتين في القدرة على تحقيق ذلك النطق، بحسب قرب أو بعد لغاتهم (أي لهجاتهم) من لغة أهل مكة، ومن ثمّ ظهرت مشكلة أهل مكة. وقد أشار بعض العلماء إلى أن تلك المشكلة ظهرت بصورة واضحة بعد الهجرة، حين دخل في الإسلام أفراد من قبائل عربية متباينة النطق (١).\nوأمام ذلك الوضع اللغوي المعقد لم يحمل رسول الله ﷺ الناس على تعلم نطق قريش، ولم يمنعهم من قراءة القرآن، وإنما رخّص لهم أن يقرءوا القرآن بالنطق الذي يمكنهم تحقيقه، قال الصحابي عبد الله بن عباس (ت ٦٨ هـ) حول الموضوع: «إن النبيّ ﷺ كان يقرئ الناس بلغة واحدة، فاشتد ذلك عليهم، فنزل جبريل، فقال: يا محمد، أقرئ كلّ قوم بلغتهم» (٢).\nوروى الترمذي في سننه عن أبي بن كعب أنه قال: «لقي رسول الله ﷺ جبريل، فقال: يا جبريل إني بعثت إلى أمة أميين، منهم العجوز والشيخ الكبير، والغلام والجارية والرجل الذي لم يقرأ كتابا قط! قال: يا محمد، إن القرآن أنزل على سبعة أحرف». قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح قد ورد عن أبيّ بن كعب من غير وجه (٣).\n_________\n(١) ينظر: ابن حجر: فتح الباري ٩/ ٢٨، وعبده الراجحي: اللهجات العربية في القراءات القرآنية ص ٦٨.\n(٢) ينظر: أبو شامة: المرشد الوجيز ص ٩٥.\n(٣) سنن الترمذي ٥/ ١٧٨.","vol":"1","page":108},{"text":"وقد تواتر في أحاديث صحيحة كثيرة أن النبي ﷺ قال: «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسر منه». وبلغ عدد الصحابة الذي رووا ذلك عن رسول الله ﷺ واحدا وعشرين صحابيا (١)، في مناسبات متعددة، ووردت روايات الحديث في أصح كتب الحديث وكتب التفسير وعلوم القرآن (٢).\nوكانت رخصة الأحرف السبعة حلّا لمشكلة واجهت الصحابة في عصر النبوة حيث يسّرت عليهم قراءة القرآن، من غير أن يختل نظمه أو تتحرف كتابته، قال ابن قتيبة (ت ٢٧٦ هـ): «وكل هذه الحروف كلام الله تعالى، نزل به الروح الأمين على رسوله ﵇ وذلك أنه كان يعارضه في كل شهر من شهور رمضان بما اجتمع عنده من القرآن، فيحدث الله إليه من ذلك ما يشاء، وينسخ ما يشاء، وييسر على عباده ما يشاء، فكان من تيسيره أن أمره بأن يقرئ كل قوم بلغتهم وما جرت عليه عادتهم. فالهذليّ يقرأ: عتى حين، يريد: حَتَّى حِينٍ ٥٤ [المؤمنون] لأنه كان يلفظ بها ويستعملها. والأسديّ يقرأ تعلمون وتعلم وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ١٠٦ [آل عمران] وأَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ ٦٠ [يس]. والتميمي يهمز والقرشيّ لا يهمز، والآخر يقرأ: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ١١ [البقرة] ووَ غِيضَ الْماءُ ٤٤ [هود] بإشمام الضم مع الكسر، وهذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا [يوسف] بإشمام الكسر مع الضم، وما لَكَ لا تَأْمَنَّا ١١ [يوسف] بإشمام الضم مع الإدغام وهذا ما لا يطوع به كل لسان.\n«ولو أن كل فريق من هؤلاء أمر أن يزول عن لغته وما جرى عليه اعتياده\n_________\n(١) ينظر: السيوطي: الاتقان ١/ ١٣١.\n(٢) ينظر روايات الحديث: صحيح البخاري (فتح الباري) ٩/ ٢٣، وصحيح مسلم بشرح النووي ٦/ ٩٨، وسنن الترمذي ٥/ ١٧٧، وسنن النسائي ٢/ ١٥٠، وسنن أبي داود ٢/ ٧٥، وتفسير الطبري المسمى جامع البيان ١/ ١٤ وما بعدها، ومكي: الإبانة ص ٦٢ - ٦٩، وأبو شامة: المرشد الوجيز ص ٧٧ - ٨٩.","vol":"1","page":109},{"text":"طفلا وناشئا وكهلا، لاشتدّ ذلك عليه، وعظمت المحنة للعادة. فأراد الله برحمته ولطفه أن يجعل لهم متسعا في اللغات ومتصرفا في الحركات، كتيسيره عليه في الدين ...» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>ثانيا- معنى الأحرف السبعة:</span>\nولم تكن تلك الأحرف تتجاوز تنوع صور النطق إلى اختلاف المعاني، على نحو ما نقل محمد بن شهاب الزهري (ت ١٢٤ هـ) عن الصحابة، فقد قال الإمام مسلم بن الحجاج في صحيحه «قال ابن شهاب: بلغني أن تلك السبعة الأحرف إنما هي الأمر الذي يكون واحدا، لا يختلف في حلال ولا حرام» (٢). أي أن الألفاظ المختلف في قراءتها لا يتغير معناها، وإنما الذي يتغير هو النطق فقط.\nولم يرد في روايات هذا الحديث ما يحدد المراد بالأحرف السبعة، ولم ينقل عن الصحابة ما يوضح ذلك أيضا، غير ما نقله ابن شهاب عنهم في قوله:\nبلغني أن تلك السبعة الأحرف، ومن ثم فإن العلماء اجتهدوا في تفسيرها بعد اتفاق جمهورهم على أنها تخص النطق والقراءة، لا اختلاف المعاني والأحكام (٣).\nويمكن أن نلخص جهود العلماء في تفسير الأحرف السبعة في اتجاهين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>الاتجاه الأول:</span>\nأن عدد السبعة الواردة في الحديث لا يقصد به الحصر وأنه ليس المراد بالسبعة حقيقة العدد، بل المراد التيسير والتسهيل والسعة، ولفظ\n_________\n(١) تأويل مشكل القرآن ص ٢٩ - ٣٠.\n(٢) صحيح مسلم بشرح النووي ٦/ ١٠١، وينظر: سنن أبي داود ٢/ ٧٦.\n(٣) حظي موضوع الأحرف السبعة باهتمام واسع من لدن علماء القرآن، وقد أفرده بعضهم برسائل أو كتب مستقلة، مثل كتاب (الإبانة عن معاني القراءات) لمكي بن أبي طالب القيسي (ت ٤٣٧ هـ)، وكتاب (المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز) لأبي شامة المقدسي (ت ٦٦٥ هـ)، وكتاب (الكلمات الحسان في الحروف السبعة وجمع القرآن) للشيخ محمد بخيت المطيعي (ت ١٣٥٤ هـ).","vol":"1","page":110},{"text":"السبعة يطلق على إرادة الكثرة في الآحاد، كما يطلق السبعون في العشرات، وسبع مائة في المئين، ولا يراد العدد المعين (١).\nقال ابن الجزري (ت ٨٣٣ هـ): «وقيل: ليس المراد بالسبعة حقيقة العدد بحيث لا يزيد ولا ينقص، بل المراد السعة والتيسير، وأنه لا حرج عليهم في قراءته بما هو من لغات العرب، من حيث إن الله تعالى أذن لهم في ذلك، والعرب يطلقون لفظ السبع والسبعين والسبع مائة ولا يريدون حقيقة العدد بحيث لا يزيد ولا ينقص، بل يريدون الكثرة والمبالغة من غير حصر، قال تعالى:\nكَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ (٢٦١) [البقرة]، وإِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً (٨٠) [التوبة]، وقال ﷺ: «إلى سبع مائة ضعف إلى أضعاف كثيرة» ...» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>الاتجاه الثاني</span>\n: وذهب أكثر علماء السلف إلى أن المقصود بالسبعة الحصر، لكن اختلفوا في تعيين السبعة، وأشهر الأقوال في هذا الاتجاه ثلاثة:\n١ - أنها سبع لغات (لهجات) من لغات العرب، قال أبو عبيد القاسم بن سلام (ت ٢٢٤ هـ): «قوله: (سبعة أحرف) يعني سبع لغات من لغات العرب، وليس معناه أن يكون في الحرف الواحد سبعة أوجه، هذا ما لم نسمع به قط، ولكن نقول هذه اللغات متفرقة في القرآن ...» (٣).\n٢ - الأحرف السبعة هي سبعة ألفاظ مختلفة في النطق متفقة في المعنى، قال الطبري: «الأحرف السبعة التي أنزل بها القرآن هي لغات سبع في حرف واحد وكلمة واحدة، باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني، كقول القائل: هلم، وأقبل، وتعال، وإليّ، وقصدي، ونحوي، وقربي، ونحو ذلك مما تختلف\n_________\n(١) ينظر: أبو شامة: المرشد الوجيز ص ٩٩، والسيوطي: الإتقان ١/ ١٣١.\n(٢) النشر ١/ ٢٥ - ٢٦.\n(٣) غريب الحديث ٣/ ١٥٩، وينظر: كتابه فضائل القرآن ٢١ و.","vol":"1","page":111},{"text":"فيه الألفاظ بضروب من المنطق وتتفق فيه المعاني» (١). ويرى الطبري أن عثمان، ﵁، جمع الناس على حرف واحد، وأن الأحرف الستة الأخرى قد ذهبت (٢).\n٣ - الأحرف السبعة هي سبعة وجوه من وجوه القراءات، قال ابن قتيبة: «وقد تدبّرت وجوه الخلاف في القراءات فوجدتها سبعة أوجه ...» (٣)، وذلك مثل إبدال لفظ بلفظ، أو حرف بحرف، أو تقديم وتأخير، أو زيادة حرف أو نقصانه، أو اختلاف حركة بناء الكلمة أو إعرابها، أو اختلاف في تفخيم الصوت أو ترقيقه، أو نحو ذلك (٤).\nولم يحظ أي قول من هذه الأقوال، أو غيرها مما قاله بعض العلماء في تفسير الأحرف السبعة، بما يمكن أن يرجحه على غيره أو يحمل على القطع بصحته، لكن العلماء بعد ذلك مجمعون على أن تلك الرخصة كانت في وقت معين، قال الطحاوي (ت ٣١٠ هـ (: إن تلك السبعة إنما كانت في وقت خاص، لضرورة دعت إلى ذلك» (٥). أما الأجيال اللاحقة فليس لها إلا اتباع القراءة المأثورة عن الصحابة التي تناقلتها الأمة عبر العصور (٦).\nولم تكن تلك الرخصة مطلقة حتى في زمن الصحابة فقد نص العلماء على «أن الإباحة المذكورة لم تقع بالتشهي، بأن يغير كل أحد الكلمة بمرادفها في\n_________\n(١) جامع البيان ١/ ٢٥.\n(٢) المصدر نفسه ١/ ٢٨.\n(٣) تأويل مشكل القرآن ص ٣٦.\n(٤) ينظر: أبو شامة: المرشد الوجيز ص ١١٣ - ١٢٥، وابن الجزري: النشر ١/ ٢٦ - ٢٨، والسيوطي: الاتقان ١/ ١٣٢.\n(٥) نقلا عن أبي شامة: المرشد الوجيز ص ١٠٦.\n(٦) ينظر: المصدر نفسه ص ١٠٢.","vol":"1","page":112},{"text":"لغته، بل المرعي في ذلك السماع من النبي ﷺ» (١). قال الداني: «وهذه القراءات كلها والأوجه بأسرها من اللغات هي التي أنزل القرآن عليها، وقرأ بها رسول الله ﷺ، وأقرأ بها وأباح الله تعالى لنبيه القراءة بجميعها وصوّب الرسول ﷺ من قرأ ببعضها» (٢).\nفأصل القراءات القرآنية يرجع- إذن- إلى رخصة الأحرف السبعة التي يسّر الله تعالى بها على الصحابة في قراءاتهم للقرآن، فكل القراءات القرآنية ترجع إلى قراءات الصحابة، وكان رسول الله ﷺ قد علّم الصحابة القرآن، وسمع منهم قراءتهم وأقر لهم اختلافهم في النطق، كما جاء في عدد من روايات حديث الأحرف السبعة، وكما ورد في رواية أبي العالية الرياحي (رفيع بن مهران ت ٩٢ هـ) التي نقلها الطبري، وقال فيها: «قرأ على رسول الله ﷺ من كلّ خمس رجل، فاختلفوا في اللغة، فرضي قراءاتهم كلهم» (٣). وروي عن معاذ بن جبل أنه قال: عرضنا على رسول الله ﷺ فلم يعب أحدا منا (٤). وكان ﷺ يقول للصحابة: «اقرءوا كما علّمتم» وينهاهم عن الجدال في القرآن وقراءته (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>المبحث الرابع نشأة مدارس القراءة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>أولا- قراءة القرآن في عصر النبوة:</span>\nإن هدف النبوات والرسالات هو هداية الناس وتعليمهم، وكان رسول الله ﷺ خاتم النبيين، ورسالته خاتمة الرسالات الإلهية، وكان إيصال هذه الرسالة\n_________\n(١) السيوطي: الاتقان ١/ ١٣٦.\n(٢) جامع البيان في القراءات السبع ٨ ظ.\n(٣) جامع البيان عن تأويل آي القرآن ١/ ١٩، وينظر: أبو شامة: المرشد الوجيز ص ١٣٠.\n(٤) علم الدين السخاوي: الوسيلة ص ١١٩.\n(٥) ينظر: الطبري: جامع البيان ١/ ١٢، وأبو شامة: المرشد الوجيز ص ٨٤ - ٨٥.","vol":"1","page":113},{"text":"إلى الناس يستلزم التبليغ والتعليم، وقد قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ ... (٢) [الجمعة]، وقال سبحانه: اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ (٤٥) [العنكبوت]، وقال عزّ من قائل: وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) [الإسراء]. وقال رسول الله ﷺ: «إنما بعثت معلّما» (١). فكان رسول الله ﷺ معلّم هذه الأمة الأوّل، علّمها القرآن وتلاوته، وبيّن لها الأحكام والسنن والآداب.\nوكانت قراءة القرآن أول شيء يأمر به رسول الله ﷺ كلّ من يدخل في الإسلام، قال علم الدين السخاوي: «كان ﷺ إذا أسلم الرجل يأمره بقراءة القرآن قبل كل شيء» (٢). وكان يتولى تعليم أصحابه ما ينزل عليه من الوحي، ويتدارس معهم ما نزل من القرآن، ويعلّم من يدخل في الدين القرآن والفرائض، وكانت البيوت في أول عهد الدعوة أماكن للتعليم، وكانت دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي في مكة مركزا للدعوة وتعليم الصحابة القرآن (٣).\nوازدادت الحاجة إلى تعليم القرآن بانتشار الإسلام وصار رسول الله ﷺ لا يجد ما يكفي من الوقت لتعليم كل من يدخل في الدين، لا سيما أهل القرى والبوادي خارج المدينة المنورة، فكان يكل تعليم القرآن إلى عدد من أصحابه الذين تميزوا بحفظ القرآن وضبط قراءته، وكان يرسل المعلمين إلى من نأى عنه من المسلمين، فكان رسول الله ﷺ إذا دخل رجل في الإسلام قال: «فقّهوا أخاكم في دينه، وأقرئوه وعلّموه القرآن» (٤). وقال عبادة بن الصامت، وكان أحد علماء الصحابة بالقرآن: «كان رسول الله ﷺ يشغل، فإذا قدم رجل مهاجر على\n_________\n(١) سنن ابن ماجة ١/ ٨٣.\n(٢) الوسيلة ص ١١٩.\n(٣) ينظر: ابن عبد البر، الاستيعاب ١/ ١٣١.\n(٤) تاريخ الطبري ٢/ ٤٧٤.","vol":"1","page":114},{"text":"رسول الله ﷺ دفعه إلى رجل منا يعلّمه القرآن، فدفع إليّ رسول الله ﷺ رجلا، وكان معي في البيت، أعشّيه عشاء أهل البيت، فكنت أقرئه القرآن» (١).\nوكان أبي بن كعب أحد فقهاء الصحابة وأقرأهم لكتاب الله، روي عن النبي ﷺ أنه قال: أقرأ أمتي أبيّ (٢). فلما قدمت وفود العرب إلى المدينة بعد فتح مكة، كان أبي بن كعب يعلّمهم القرآن، وممن ذكرت الروايات أنهم تعلموا القرآن من أبي وفد أهل البحرين، ووفد بني حنيفة، ووفد قبيلة غامد (٣).\nأما المعلمون الذين بعث بهم رسول الله ﷺ لتعليم القرآن، فكان أوّلهم مصعب بن عمير الذي بعثه رسول الله ﷺ إلى المدينة قبل الهجرة بعد العقبة الثانية، يقرئهم القرآن ويفقههم في الدين، وكان يدعى القارئ والمقرئ (٤).\nوكان معاذ بن جبل الأنصاري أحد فقهاء الصحابة وعلمائهم بالقرآن، وقد ذكر ابن سعد أن رسول الله ﷺ خلّف معاذ بن جبل بمكة بعد الفتح، حين توجه إلى الطائف، يفقه أهل مكة ويقرئهم القرآن (٥). وبعد دخول أهل اليمن في الإسلام بعثه رسول الله ﷺ إلى هناك، يعلّم القرآن وشرائع الإسلام، كما بعث إلى بعض أنحاء اليمن الأخرى أبا موسى الأشعري للغاية ذاتها (٦).\nوبذلك اشتهر عدد من الصحابة في عصر النبوة بحفظ القرآن وإجادة قراءته،\n_________\n(١) الساعاتي: الفتح الرباني ١٨/ ٩، وقال: أخرجه أبو داود في سننه، وابن ماجة، والحاكم في المستدرك، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.\n(٢) ينظر: ابن سعد: الطبقات الكبرى ٢/ ٣٤١، وابن عبد البر: الاستيعاب ١/ ٦٦.\n(٣) ينظر: ابن سعد: الطبقات الكبرى ١/ ٣٣٦ و٣٤٥ و٥/ ٥٥٧.\n(٤) ينظر: ابن هشام: السيرة النبوية ١/ ٤٣٤، وصحيح البخاري (فتح الباري) ٨/ ٦٩٩، وابن عبد البر، الاستيعاب ٤/ ١٤٧٣.\n(٥) الطبقات الكبرى ٢/ ٣٤٨، والخزاعي: تخريج الدلالات السمعية ص ٨١.\n(٦) ينظر ابن سعد: الطبقات الكبرى ٣/ ٥٨٥ و٤/ ١٠٨، وابن عبد البر: الاستيعاب ٣/ ١٤٠٣.","vol":"1","page":115},{"text":"وكان رسول الله ﷺ يحث الصحابة على تعلم القرآن منهم، حيث قال: «خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب» (١). وقد ظل عدد منهم يؤدي دور معلم القرآن بعد عهد النبوة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>ثانيا- قراءة القرآن في عصر الخلافة الراشدة:</span>\nإن تعليم قراءة القرآن للمسلمين كان قد استأثر باهتمام كبير من لدن رسول الله ﷺ كما استأثر باهتمام الخلفاء الراشدين من بعده، ويحدثنا التاريخ عن وقائع كثيرة تعكس جانبا من ذلك الاهتمام، وقد مرّ الحديث عن جمع القرآن في الصحف بعد أن استمر القتل بقراء القرآن في معركة اليمامة في خلافة الصديق، ﵁.\nوفي خلافة عمر بن الخطاب تضاعفت الحاجة إلى تعليم القرآن الكريم، بعد حركة الفتوح الواسعة، وكان عمر، ﵁، قد عمل على تحقيق متطلبات المسلمين في الأمصار الجديدة، حيث جعل من ولاة الأمصار معلمين للناس، فقال في إحدى خطبه: «اللهم إني أشهدك على أمراء الأمصار أني إنما بعثتهم ليعلّموا الناس دينهم وسنة نبيّهم» (٢). وكان قد أرسل أبا موسى الأشعري واليا على البصرة (٣)، فكان يعلم الناس هناك القرآن (٤).\nوبعث عمر إلى الكوفة عبد الله بن مسعود مع عمار بن ياسر، وكتب إليهم:\n«إني قد بعثت إليكم بعمار بن ياسر أميرا، وعبد الله بن مسعود معلما ووزيرا، وهما من النجباء من أصحاب رسول الله ﷺ من أهل بدر، فاقتدوا بهما، واسمعوا\n_________\n(١) صحيح البخاري (فتح الباري ٩/ ٤٦)، وسنن الترمذي ٥/ ٦٣٢.\n(٢) تاريخ الطبري ٤/ ٢٠٤.\n(٣) ابن عبد البر: الاستيعاب ٤/ ١٧٦٣.\n(٤) ابن سعد: الطبقات الكبرى ٢/ ٣٤٥.","vol":"1","page":116},{"text":"من قولهما، وقد آثرتكم بعبد الله بن مسعود على نفسي» (١). فكان عبد الله بن مسعود يعلّم القرآن في المسجد، قال تلميذه مسروق بن الأجدع: «كان عبد الله يقرئنا في المسجد، ثم نجلس بعده نثبت الناس» (٢). وقال ابن مجاهد: «وأما أهل الكوفة فكان الغالب على المتقدمين من أهلها قراءة عبد الله بن مسعود، رضي الله تعالى عنه، لأنه الذي بعث به إليهم عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، ليعلمهم» (٣).\nوكان ولاة الأمصار قد أولوا هذا الأمر اهتمامهم، فبعد فتح بلاد الشام كتب يزيد بن أبي سفيان والي الشام رسالة إلى عمر بن الخطاب جاء فيها: إن أهل الشام قد كثروا وملئوا المدائن، واحتاجوا من يعلّمهم القرآن ويفقههم، فأعنّي يا أمير المؤمنين برجال يعلمونهم، فدعا عمر أولئك الخمسة (معاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، وأبي بن كعب، وأبو الدرداء، وأبو أيوب)، فقال لهم: إن إخوانكم من أهل الشام قد استعانوني بمن يعلّمهم القرآن ويفقههم في الدين، فأعينوني، رحمكم الله، بثلاثة منكم، إن أجبتم فاستهموا، وإن انتدب ثلاثة منكم فليخرجوا، فقالوا: ما كنا لنتساهم، هذا شيخ كبير لأبي أيوب، وأما هذا فسقيم لأبي بن كعب، فخرج معاذ وعبادة وأبو الدرداء، فقال عمر: ابدءوا بحمص فإنكم ستجدون الناس على وجوه مختلفة، منهم من يلقن، فإذا رأيتم ذلك فوجّهوا إليه طائفة من الناس، فإذا رضيتم منهم فليقم بها واحد، وليخرج واحد إلى دمشق والآخر إلى فلسطين. وقدموا حمص فكانوا بها حتى إذا رضوا من الناس أقام بها عبادة، وخرج أبو الدرداء إلى دمشق ومعاذ إلى فلسطين، وأما معاذ فمات عام طاعون عمواس (سنة ١٨ هـ)، وأما عبادة فصار بعد إلى فلسطين\n_________\n(١) ابن سعد: الطبقات الكبرى ٦/ ٧، وابن عبد البر: الاستيعاب ٣/ ٩٩٢.\n(٢) ابن مجاهد: كتاب السبعة ص ٦٨، وابن الجزري: غاية النهاية ١/ ٤٥٩.\n(٣) كتاب السبعة ص ٦٦.","vol":"1","page":117},{"text":"فمات بها (سنة ٣٤ هـ)، وأما أبو الدرداء فلم يزل بدمشق حتى مات (سنة ٣٢ هـ)، ﵃ (١).\nوفي خلافة عثمان، ﵁، تم نسخ المصاحف وإرسالها إلى الأمصار، فتوحدت المصاحف التي يقرأ فيها المسلمون جميعا، ورافق إرسال المصاحف تعيين معلمين للقراءة في تلك المصاحف، وقد روى الجعبري أن عثمان، ﵁، أمر زيد بن ثابت (ت ٤٥ هـ) أن يقرأ في المصحف المدني، وبعث عبد الله بن السائب (ت في حدود ٧٠ هـ) مع المصحف المكي، والمغيرة بن [أبي] شهاب (ت ٩١ هـ) مع المصحف الشامي، وأبا عبد الرحمن (ت ٧٣ هـ) مع المصحف الكوفي، وعامر بن عبد قيس (ت ٥٥ هـ) مع المصحف البصري (٢).\nوكانت جهود الصحابة الأوائل الذين تصدوا لتعليم القرآن، وجهود من سار على نهجهم من الصحابة والتابعين، قد حققت أكبر حملة عرفتها البشرية لتعليم القراءة، فصار يلهج بالقرآن ملايين الناس آناء الليل وأطراف النهار، وكانت تلك الجهود قد أرست أسس مدارس القراءة في الأمصار الإسلامية، خاصة المدن الخمس الكبيرة: مكة والمدينة والكوفة والبصرة والشام (دمشق)، حيث واصل تلامذة الصحابة من التابعين ومن جاء بعدهم من تابعي التابعين عملهم في تعليم قراءة القرآن الكريم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>ثالثا- بروز ملامح مدارس القراءة:</span>\nوبرزت في عصر الصحابة والتابعين بصورة واضحة معالم مدارس الإقراء في الأمصار الإسلامية، وترسخت آداب تعلم القرآن وقراءته، وقد كانت ظروف الدعوة في عصر النبوة تقتضي السرعة في الحركة واستغلال كل الإمكانات، فكان\n_________\n(١) ابن سعد: الطبقات الكبرى ٢/ ٣٥٦، والذهبي: سير أعلام النبلاء ٢/ ٢٤٨.\n(٢) جميلة أرباب المراصد ٦٧ ظ، وينظر: المارغني: دليل الحيران ص ١٧.","vol":"1","page":118},{"text":"علماء الصحابة يعلّمون في البيوت إضافة إلى المسجد، وكان الواحد يتنقل من بلد إلى آخر كما فعل معاذ بن جبل حيث خرج من المدينة، وعلّم في مكة، وذهب إلى اليمن، ثم رجع إلى المدينة ليخرج بعدها إلى الشام. لكن تعليم القراءة بعد عصر النبوة صار يأخذ شكل التعليم المنظم، في المكان والطريقة، وصار المعلمون أكثر استقرارا، على نحو يجعل من كل واحد منهم مدرسة لها تميزها وأثرها بعد ذلك في رواية القراءات وتعليمها. فكان أبو الدرداء، قاضي دمشق وسيد القراء فيها، يجعل الناس حين\nيجتمعون عليه بعد صلاة الغداة للقراءة عشرة عشرة، وعلى كل عشرة عريف أو ملقن، حتى بلغ الذين يقرءون القرآن عنده أزيد من ألف رجل، وهو يقف في المحراب يرمقهم ببصره، وقد يطوف عليهم قائما، فإذا أحكم الرجل منهم تحول إلى أبي الدرداء يعرض عليه، وكان عبد الله بن عامر عريفا على عشرة، فلما مات أبو الدرداء خلفه ابن عامر (١).\nوكان أبو الدرداء هو الذي سنّ الحلق للقراءة (٢).\nوكان أبو موسى الأشعري يعلّم الناس القرآن في مسجد البصرة وكان يجلسون إليه حلقا حلقا (٣)، وكان يعلّم القرآن خمس آيات خمس آيات (٤).\nوجاء أبو عبد الرحمن السلمي إلى الكوفة مع المصحف الذي أرسله عثمان إلى أهلها، فجلس في المسجد الأعظم فيها لتعليم الناس القرآن، ولم يزل يقرئ بها أربعين سنة (٥). فكان يقرئهم عشرين آية بالغداة وعشرين آية بالعشي، ويخبرهم بموضع العشور والخموس، وكان يقرأ خمس آيات خمس آيات (٦).\n_________\n(١) السخاوي: جمال القراء ٢/ ٤٥٤.\n(٢) الذهبي: سير أعلام النبلاء ٢/ ٢٤٩، والحلق بفتحتين، أو بكسر وفتح، جمع حلقة.\n(٣) الحاكم: المستدرك ٢/ ٢٢٠.\n(٤) ابن الجزري: غاية النهاية ١/ ٦٠٤.\n(٥) ابن مجاهد: كتاب السبعة ص ٦٨.\n(٦) ابن سعد: الطبقات الكبرى ٦/ ١٧٢، والذهبي: معرفة القراء ١/ ٤٦.","vol":"1","page":119},{"text":"وكان أبو عبد الرحمن يبدأ بأهل السوق لئلا يحتسبوا عن معايشهم (١)، واقتدى به عاصم في ذلك (٢). ولكن حمزة كان يقدّم الفقهاء من طلبة العلم (٣).\nولا شك في أن عدد الذين قرءوا القرآن من التابعين على علماء الصحابة كبير جدا، لا يأتي عليهم الحصر، لكن الذين تخصصوا بالقراءة من ذلك العدد الكبير، وخلفوا الصحابة في تعليم القرآن، كانوا معدودين، فقد اشتهر منهم في كل مصر جماعة، تصدروا للإقراء، فعلّموا تابعي التابعين قراءة القرآن، ثم خلفهم تلامذتهم من تابعي التابعين الذين كان من بينهم القراء السبعة المشهورون الذين سنتحدث عنهم وعن قراءاتهم في المبحث الآتي، إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>المبحث الخامس القراء السبعة وأصول قراءتهم</span>\nكانت الأمصار الخمسة: مكة، والمدينة، والكوفة، والبصرة، والشام (دمشق)، هي المراكز العلمية التي نبتت فيها العلوم الإسلامية في عصر الصحابة والتابعين. وكان علماء القراءة من التابعين قد خلفوا الصحابة في تعليم الناس القرآن في تلك الأمصار، وما عداها من البلدان التي استنارت بنور الدعوة الجديدة، وواصل تلامذتهم الاضطلاع بواجب التعليم الذي لم ينقطع عبر أجيال الأمة، لأن القراءة سنّة يأخذها الآخر عن الأول.\nوأخذت القراءات القرآنية تتحدد معالمها في عصر التابعين وتابعيهم، وتتشكل اتجاهاتها الرئيسية، مستمدة مادتها من قراءات الصحابة الذين تشرفوا بصحبة النبي ﷺ وتلقي القرآن منه، والذين خصهم الله تعالى برخصة التيسير في القراءة.\n_________\n(١) ابن الجزري: منجد المقرئين ص ٨.\n(٢) ابن الجزري: غاية النهاية ١/ ٣٤٧.\n(٣) ابن الجزري: منجد المقرئين ص ٨.","vol":"1","page":120},{"text":"وكانت القراءات في القرن الأول تنسب إلى عدد من الصحابة، أو إلى المدن التي كانوا يسكنونها، فيقال: قراءة عبد الله بن مسعود أو قراءة أهل الكوفة، ويقال:\nقراءة زيد بن ثابت أو قراءة أهل المدينة، وهكذا في القراءات الأخرى، لكن القراءات صارت تنسب بعد عصر الصحابة إلى علماء القراءة من التابعين وتابعيهم، ليس لأنهم تركوا قراءات الصحابة وابتدعوا قراءات جديدة، بل لأن القارئ من التابعين أو من تابعيهم صار يدرس القراءات القرآنية في الأمصار ثم يختار من مجموع ما درسه قراءة يقرأ بها ويعلّمها، وعناصرها مستمدة من قراءات الصحابة، وإن صارت تنسب إلى القارئ الذي اختارها، وكان القراء السبعة من بين عدد من قراء التابعين وتابعي التابعين الذين اختار كل واحد منهم قراءة نسبت إليه، مستمدا مادتها من القراءات التي تلقّاها عن شيوخه. وسوف نعرض هذا الموضوع في فقرتين: الأولى عن الاختيار في القراءة، والثانية عن القراء السبعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>أولا- الاختيار في القراءة:</span>\nإن الاستجابة لحاجات المجتمع الإسلامي في عصر الصحابة والتابعين كانت تقتضي السرعة في إنجاز الأعمال وتثبيتها في الواقع العلمي من غير أن يتطلب ذلك تدوينها في شكل دراسات نظرية، أو توثيقها بعد ذلك في سجلات تاريخية، ومن ثم فإن الحديث عن القراءات القرآنية في تلك الحقبة وتطورها قد لا يغطي كل تفصيلات ما قام به علماء القراءة آنذاك في كل الأمصار، ولذلك سوف أركز على تتبع الموضوع في المدينة والكوفة اللتين كانتا أكثر الأمصار الخمسة نشاطا علميا في ذلك الوقت، مع الإشارة إلى بعض الروايات الأخرى الموضحة للموضوع.\nكانت المدينة المنورة عاصمة الدولة الإسلامية الأولى، وكانت قراءة القرآن فيها تعرف بقراءة العامّة (١)، وقراءة الجماعة (٢)، وقد تعرف بقراءة زيد بن\n_________\n(١) الزركشي: البرهان ١/ ٢٣٧.\n(٢) الباقلاني: نكت الانتصار ص ١٤٧.","vol":"1","page":121},{"text":"ثابت (١)، لأنه كان معلّم أهل المدينة. ونقل أبو شامة عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه قال: «كانت قراءة أبي بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت والمهاجرين والأنصار واحدة، كانوا يقرءون قراءة العامة، وهي القراءة التي قرأها رسول الله ﷺ على جبريل مرتين في العام الذي قبض فيه، وكان علي، ﵁، طول أيامه يقرأ في مصحف عثمان، ويتخذه إماما» (٢).\nوكانت إلى جانب قراءة الجماعة قراءات أخرى، تنسب إلى بعض الصحابة، ولكن بعد أن أرسلت المصاحف في خلافة عثمان إلى الأمصار «قرأ أهل كل مصر من قراءاتهم التي كانوا عليها بما يوافق خط المصحف، وتركوا من قراءتهم ما خالف خط المصحف» (٣).\nوكانت قراءة عبد الله بن مسعود، أو قراءة أهل الكوفة الأولى أشهر القراءات بعد قراءة الجماعة. قال ابن مجاهد: «وأما أهل الكوفة فكان الغالب على المتقدمين من أهلها قراءة عبد الله بن مسعود، ﵁، لأنه الذي بعث به إليهم عمر ابن الخطاب، ﵁، ليعلّمهم، فأخذت عنه قراءته قبل أن يجمع عثمان، ﵁، الناس على حرف واحد، ثم لم تزل في صحابته من بعده يأخذها الناس عنهم، كعلقمة، والأسود بن يزيد، ومسروق بن الأجدع، وزرّ بن حبيش، وأبي وائل، وأبي عمرو الشيباني، وعبيدة السلماني وغيرهم ...\n«فلم تزل قراءة عبد الله بالكوفة لا يعرف الناس غيرها، وأول من أقرأ بالكوفة القراءة التي جمع عثمان، ﵁، الناس عليها أبو عبد الرحمن السلمي، واسمه عبد الله بن حبيب، فجلس في المسجد الأعظم، ونصب نفسه لتعليم الناس القرآن، ولم يزل يقرئ بها أربعين سنة» (٤).\n_________\n(١) أبو شامة: المرشد الوجيز ص ٦٩.\n(٢) المصدر نفسه ص ٦٨.\n(٣) مكي: الإبانة ص ٢٩.\n(٤) كتاب السبعة ص ٦٦.","vol":"1","page":122},{"text":"وانتشرت قراءة أهل المدينة في الكوفة، لا سيما بعد انتقال الإمام علي، ﵁، إليها، لكن أهل الكوفة لم يتركوا قراءة ابن مسعود دفعة واحدة، فقد ظلوا متمسكين بما يوافق خط المصحف منها، حتى كان سعيد بن جبير (ت ٩٥ هـ) يؤمّ الناس في شهر رمضان، فيقرأ ليلة بقراءة عبد الله بن مسعود، وليلة بقراءة زيد بن ثابت (١)، لكن معالم قراءة ابن مسعود كانت في طريقها إلى الاضمحلال، فقد قال سليمان بن مهران الأعمش (ت ١٤٨ هـ): «أدركت الكوفة وما قراءة زيد فيهم إلا كقراءة عبد الله فيكم اليوم، ما يقرأها إلا الرجل والرجلان» (٢).\nوإذا كنا نلاحظ أن قراءة ابن مسعود قد أخذت تختفي معالمها في أوائل القرن الثاني الهجري، فإن عناصر من تلك القراءة كانت قد دخلت في عدد من قراءات القراء المشهورين، خاصة ما يوافق خط المصحف منها، وهي تشكل أحد مصادر قراءة عاصم (ت ١٢٨ هـ) الذي قال: «ما أقرأني أحد حرفا إلا أبو عبد الرحمن السلمي، وكان أبو عبد الرحمن قد قرأ على علي، ﵁، وكنت أرجع من عند أبي عبد الرحمن فأعرض على زر بن حبيش، وكان زر قد قرأ على عبد الله» (٣). فكانت قراءة عاصم إذن مختارة من قراءات شيوخه من التابعين.\nوقد عرفت ظاهرة تأليف القراءة على ذلك النحو بظاهرة الاختيار، فكان أئمة الإقراء في القرون الأولى يختارون قراءة من مجموع القراءات التي يروونها عن شيوخهم، ويعلّمون بها تلامذتهم. وهذه الظاهرة قديمة ترجع جذورها إلى عصر الصحابة، فقد ذكر ابن الجزري أن ابن عباس «كان يقرأ القرآن على قراءة زيد بن ثابت، إلا ثمانية عشر حرفا أخذها من قراءة ابن مسعود» (٤).\n_________\n(١) الذهبي: معرفة القراء ١/ ٥٧، وابن الجزري: غاية النهاية ١/ ٣٠٥.\n(٢) ابن مجاهد: كتاب السبعة ص ٦٧.\n(٣) ابن مجاهد: كتاب السبعة ص ٧٠.\n(٤) غاية النهاية ١/ ٤٢٦.","vol":"1","page":123},{"text":"وتسمية القراءة القرآنية باسم القارئ ليس مبنيا على أساس أنه اخترع تلك القراءة بل لأنه اختارها ودوام عليها وعلّمها، قال الدانيّ: «إن معنى إضافة ما أنزل الله تعالى إلى من أضيف إليه من الصحابة، كأبيّ وعبد الله وزيد وغيرهم، من قبل أنه كان أضبط له وأكثر قراءة وإقراء به، وملازمة له وميلا إليه، لا غير ذلك. وكذا إضافة أن\nذلك القارئ وذلك الإمام اختار القراءة بذلك الوجه من اللغة، وآثره على غيره، ودوام عليه ولزمه، حتى اشتهر به، وعرف به، وقصد فيه، وأخذ عنه، فلذلك أضيف إليه دون غيره من القراء، وهذه الإضافة إضافة اختيار ودوام ولزوم، لا إضافة اختراع ورأي واجتهاد» (١).\nوقد كان لمعظم علماء الإقراء في القرن الثاني الهجري اختيار في القراءة فكان نافع بن عبد الرحمن (ت ١٦٩ هـ) إمام أهل المدينة قد قال: «قرأت على سبعين من التابعين» (٢)، وقال: «فنظرت إلى ما اجتمع عليه اثنان منهم فأخذته وما شذّ فيه واحد تركته، حتى ألّفت هذه القراءة في هذه الحروف» (٣).\nوكان علي بن حمزة الكسائي (ت ١٨٩ هـ) «قد قرأ على حمزة ونظر في وجوه القراءات، وكانت العربية علمه وصناعته، واختار من قراءة حمزة وقراءة غيره قراءة متوسطة، غير خارجة عن آثار من تقدم من الأئمة، وكان إمام الناس في القراءة في عصره» (٤). وقال ابن النديم: «وكان الكسائي من قراء مدينة السلام، وكان أولا يقرئ بقراءة حمزة، ثم اختار لنفسه قراءة، فأقرأ بها الناس في خلافة هارون» (٥).\n_________\n(١) جامع البيان ورقة ٩ ظ، وابن الجزري: النشر ١/ ٥٢.\n(٢) ابن مجاهد: كتاب السبعة ص ٦٢.\n(٣) المصدر نفسه، ومكي: الإبانة ص ١٧.\n(٤) كتاب السبعة ص ٧٨.\n(٥) الفهرست ص ٣٠.","vol":"1","page":124},{"text":"وصارت كلمة (اختيار) تساوي كلمة (قراءة)، فإذا قيل: اختيار حمزة فإنما ذلك يعني قراءته، لكن قراءات الصحابة لم تستخدم فيها كلمة اختيار، فكان يقال دائما قراءة ابن مسعود، وقراءة زيد وهكذا. وذكر ابن الجزري في كتابه (غاية النهاية في طبقات القراء) عشرات من اختيارات القراء، منها من غير اختيارات القراء السبعة اختيار خلف بن هشام (١)، واختيار يحيى بن مبارك اليزيدي (٢)، واختيار أبي حاتم السجستاني (٣)، واختيار أبي عبيد القاسم بن سلام (٤). وذكر لبعض القراء اختيارين مثل محمد بن عيسى الأصبهاني (٥).\nولم تستمر ظاهرة الاختيار إلى أبعد من القرن الثالث، فقد ذكر الذهبي أنه «سأل رجل ابن مجاهد: لم لا يختار الشيخ حرفا يحمل عليه؟ فقال: نحن أحوج إلى أن نعمل أنفسنا في حفظ ما مضى عليه أئمتنا، أحوج منا إلى اختيار حرف يقرأ به من بعدنا» (٦).\nوإذا كانت ظاهرة الاختيار في القراءة قد توقفت عند عصر ابن مجاهد (ت ٣٢٤ هـ) فإنها أدت إلى ظهور عدد من القراءات التي صارت تنسب إلى علماء القراءة الذين عاشوا في القرن الثاني الهجري خاصة. كما أنها أدت إلى اختفاء قراءات الصحابة مثل قراءة زيد أو قراءة عبد الله، أو ما كان يعرف بقراءة أهل المدينة أو قراءة أهل الكوفة، لأن عناصر هذه القراءات قد دخلت في اختيارات القراء مختلطة بعضها ببعض، وأوضح مثال على ذلك قراءة عاصم الذي جمعت قراءته عناصر من قراءة زيد بن ثابت عن طريق أبي عبد الرحمن السلمي، وعناصر\n_________\n(١) غاية النهاية ١/ ١٥٤ و٢/ ٤٩.\n(٢) غاية النهاية ٢/ ٣٧٦.\n(٣) غاية النهاية ١/ ١٤٦ و١٤٨ و٤٢٩.\n(٤) غاية النهاية ١/ ١٨٨ و٢/ ٣٤٧.\n(٥) غاية النهاية ١/ ٩ و٢/ ٦١ و١٩٧ و٢٢٣.\n(٦) معرفة القراء ١/ ٢١٧.","vol":"1","page":125},{"text":"من قراءة ابن مسعود عن طريق زر بن حبيش، فكانت ظاهرة الاختيار سبب اختفاء تلك القراءات بصورتها الأولى، وظهورها في قراءات القراء من تابعي التابعين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>ثانيا- القراء السبعة:</span>\nكان القرن الثاني الهجري عصر الاختيار في القراءة، وظهرت بسبب ذلك عشرات القراءات في الأمصار الإسلامية، وقد عمل علماء القراءة على جمع تلك القراءات في مؤلفاتهم، وقد أحصى أحد الباحثين قريبا من تسعين كتابا أو رسالة أو نسخة في القراءات القرآنية من بدء عصر التأليف حتى عصر ابن مجاهد المتوفى سنة ٣٢٤ هـ (١). ولكن تلك المؤلفات لم يبق منها إلا أسماؤها أو إشارات مختصرة إليها، وأقدم كتاب في القراءات وصل إلينا هو كتاب السبعة في القراءات لأبي مجاهد الذي كان له أثر كبير في رواية القراءات ودراستها.\nومن الإشارات المفيدة التي تخص المؤلفات القديمة في القراءات التي سبقت عصر ابن مجاهد ما ذكره ابن الجزري (ت ٨٣٣ هـ) عن مناهج عدد من تلك المؤلفات وما ذكر فيها من القراء وقراءاتهم، حيث قال: «فكان أول إمام معتبر جمع القراءات في كتاب أبو عبيد القاسم بن سلّام، وجعلهم فيما أحسب خمسة وعشرين قارئا مع هؤلاء السبعة، وتوفي سنة أربع وعشرين ومائتين.\nوكان بعده أحمد بن جبير بن محمد الكوفي، نزيل أنطاكية جمع كتابا في قراءات الخمسة من كل مصر واحد، وتوفي سنة ثمان وخمسين ومائتين.\nوكان بعده القاضي إسماعيل بن إسحاق المالكي، صاحب قالون، ألّف كتابا في القراءات جمع فيه قراءة عشرين إماما منهم هؤلاء السبعة، توفي سنة اثنتين وثمانين ومائتين.\n_________\n(١) عراك اسماعيل إبراهيم: القراءات القرآنية حتى عصر ابن مجاهد ص ١٥٦ - ١٦٨.","vol":"1","page":126},{"text":"وكان بعده الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، جمع كتابا حافلا سماه الجامع، فيه نيّف وعشرون قراءة (١)، توفي سنة عشر وثلاث مائة» (٢).\nوليس في أيدي الدارسين اليوم تحديد لأسماء أولئك القراء الذين ضمت تلك المؤلفات قراءاتهم، لكن قطعة من كتاب القراءات لأبي عبيد نجت من التلف يمكن أن تكشف لنا عددا من تلك الأسماء، فقد نقل علم الدين السخاوي (ت ٦٤٣ هـ) في كتابه (جمال القراء) نصا طويلا من كتاب القراءات لأبي عبيد، من المحتمل أن يكون جزءا من مقدمة ذلك الكتاب، وجاء فيه ذكر لأسماء القراء من الصحابة ثم التابعين في الأمصار الخمسة، ثم قال أبو عبيد بعد ذلك:\n«فهؤلاء الذين سميناهم من الصحابة والتابعين هم الذين يحكى عنهم عظم القراءة، وإن كان الغالب عليهم الفقه والحديث.\nقال: ثم قام من بعدهم بالقرآن قوم ليست لهم أسنان من ذكرنا ولا قدمتهم، غير أنهم تجردوا للقراءة، واشتدت بها عنايتهم ولها طلبهم، حتى صاروا بذلك أئمة يأخذها الناس عنهم ويقتدون بهم فيها، وهم خمسة عشر رجلا من هذه الأمصار المسماة، في كل مصر منهم ثلاثة رجال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>فكان من قراء المدينة:</span>\n١ - أبو جعفر القارئ، واسمه يزيد بن القعقاع [ت ١٣٠ هـ] (٣) مولى عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي.\n٢ - وشيبة بن نصاح [ت ١٣٠ هـ على خلاف]، مولى أم سلمة زوج النبي ﷺ.\n٣ - ونافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم [ت ١٦٩ هـ].\n_________\n(١) قال ياقوت (معجم الأدباء ١٨/ ٦٥): «أن الطبري بنى كتابه على كتاب أبي عبيد».\n(٢) النشر ١/ ٣٤ - ٣٥.\n(٣) أضفت تواريخ الوفيات إلى النص.","vol":"1","page":127},{"text":"وكان أقدم هؤلاء الثلاثة أبو جعفر، قد كان يقرئ الناس بالمدينة قبل وقعة الحرّة [سنة ٦٣ هـ]، حدثنا ذلك اسماعيل بن جعفر عنه، ثم كان بعده شيبة على مثل منهاجه ومذهبه، ثم ثلثهما نافع بن أبي نعيم، وإليه صارت قراءة أهل المدينة، وبها تمسكوا إلى اليوم، فهؤلاء قراء أهل الحجاز في دهرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>وكان من قراء مكة:</span>\n١ - عبد الله بن كثير [ت ١٢٠ هـ].\n٢ - وحميد بن قيس الذي يقال له الأعرج [ت ١٣٠ هـ].\n٣ - ومحمد بن محيصن [ت ١٢٣ هـ].\nوكان أقدم هؤلاء الثلاثة ابن كثير، وإليه صارت قراءة أهل مكة، وأكثرهم به اقتدوا فيها. وكان حميد بن قيس قرأ على مجاهد قراءته فكان يتبعها لا يكاد يعدوها إلى غيرها، وكان ابن محيصن أعلمهم بالعربية وأقواهم عليها، فهؤلاء قراء أهل لمكة في زمانهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>وكان من قراء الكوفة:</span>\n١ - يحيى بن وثاب [ت ١٠٣ هـ].\n٢ - وعاصم بن أبي النّجود [ت ١٢٨ هـ].\n٣ - والأعمش [ت ١٤٨ هـ].\nوكان أقدم هؤلاء الثلاثة وأعلاهم يحيى، يقال: إنه قرأ على عبيد بن نضلة صاحب عبد الله، ثم تبعه عاصم، وكان أخذ القراءة عن أبي عبد الرحمن السلمي وزر بن حبيش ثم كان الأعمش فكان إمام الكوفة المقدم في زمانه عليهم، حتى بلغ إلى أن قرأ عليه طلحة بن مصرف، وكان أقدم من الأعمش. فهؤلاء الثلاثة رؤساء الكوفة في القراءة، ثم تلاهم:\n٤ - حمزة بن حبيب الزيات [ت ١٥٦ هـ] رابعا، وهو الذي صار عظم أهل الكوفة","vol":"1","page":128},{"text":"إلى قراءته، من غير أن تطبق عليه جماعتهم، وكان ممن اتبع حمزة في قراءته سليم بن عيسى ومن وافقه. وكان ممن فارقه أبو بكر بن عياش فإنه اتبع عاصما ومن وافقه.\n٥ - وأما الكسائي [ت ١٨٩ هـ] فإنه كان يتخير القراءات، فأخذ من قراءة حمزة ببعض وترك بعضا. فهؤلاء قراء أهل الكوفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>وكان من قراء أهل البصرة:</span>\n١ - عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي [ت ١١٧ هـ].\n٢ - وأبو عمرو بن العلاء [ت ١٥٤ هـ].\n٣ - وعيسى بن عمر الثقفي [ت ١٤٩ هـ].\nوكان أقدم الثلاثة ابن أبي إسحاق، وكانت قراءته مأخوذة عن يحيى بن يعمر ونصر بن عاصم. وكان عيسى بن عمر عالما بالنحو، غير أنه كان له اختيار في القراءة على مذهب العربية يفارق قراءة العامة، ويستنكرها الناس، وكان الغالب عليه حب النصب ما وجد إلى ذلك سبيلا، منه قوله: وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) [المسد]، والزَّانِيَةُ وَالزَّانِي (٢) [النور]، ووَ السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ (٣٨) [المائدة]، وكذلك قوله: هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ (٧٨) [هود].\nوالذي صار إليه أهل البصرة في القراءة، فاتخذوه إماما أبو عمرو بن العلاء. فهؤلاء قراء أهل البصرة.\n٤ - وقد كان لهم رابع، وهو عاصم الجحدري [ت ١٢٨ هـ] لم يرو عنه في الكثرة ما روي عن هؤلاء الثلاثة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>وكان من قراء أهل الشام:</span>\n١ - عبد الله بن عامر اليحصبي [ت ١١٨ هـ].\n٢ - ويحيى بن الحارث الذماري [ت ١٤٥ هـ].","vol":"1","page":129},{"text":"٣ - وثالث قد سمي لي بالشام، ونسيت اسمه (١).\nفكان أقدم هؤلاء الثلاثة عبد الله بن عامر، وهو إمام أهل دمشق في دهره، وإليه صارت قراءتهم، ثم اتبعه يحيى بن الحارث، وخلفه في القراءة وقام مقامه. وقد ذكروا الثالث بصفة لا أحفظها.\nفهؤلاء قراء أهل الأمصار الذين كانوا بعد التابعين» (٢).\nثم إن القراء بعد هؤلاء كثروا، وتفرقوا في البلاد، وانتشروا، وخلفهم أمم بعد أمم، عرفت طبقاتهم واختلفت صفاتهم، فمنهم المحكم للتلاوة المعروف بالرواية والدراية، ومنهم المقتصر على وصف من هذه الأوصاف (٣)، فلما كان العصر الرابع سنة ثلاث مائة وما قاربها كان أبو بكر بن مجاهد، ﵀، قد انتهت إليه الرئاسة في علم القراءة، وتقدم في ذلك على أهل ذلك العصر، اختار من القراءة ما وافق خط المصحف، ومن القراء بها من اشتهرت قراءته، وفاقت معرفته، وتقدّم أهل زمانه في الدين والأمانة والمعرفة والصيانة، واختاره أهل عصره في هذا الشأن، وأطبقوا على قراءته، ز وقصد من سائر الأقطار، وطالت ممارسته للقراءة والإقراء، وخصّ في ذلك بطول البقاء ... فاختار هؤلاء القراء السبعة أئمة الأمصار، فكان أبو بكر، ﵀، أول من اقتصر على هؤلاء السبعة، وصنّف كتابه في قراءتهم، واتبعه الناس على ذلك (٤).\nقال ابن مجاهد في مقدمة كتاب السبعة: «فهؤلاء سبعة نفر من أهل الحجاز\n_________\n(١) قال علم الدين السخاوي (جمال القراء ٢/ ٤٣١): «هو خليد بن سعد صاحب أبي الدرداء»، وقال أبو شامة (المرشد الوجيز ص ١٦٥): «وعندي أنه عطية بن قيس الكلابي (ت ١٢١ هـ) أو اسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر (ت ١٣١ هـ) فإن كل واحد منهما كان قارئا للجند ...».\n(٢) جمال القراء ٢/ ٤٢٨ - ٤٣١.\n(٣) أبو شامة: المرشد الوجيز ص ١٦٥.\n(٤) السخاوي: جمال القراء ٢/ ٤٣٢، وأبو شامة: المرشد الوجيز ص ١٦٠.","vol":"1","page":130},{"text":"والعراق والشام، خلفوا في القراءة التابعين، وأجمعت على قراءتهم العوام من أهل كل مصر من هذه الأمصار التي سمّيت وغيرها من البلدان التي تقرب من هذه الأمصار» (١).\nوالقراء السبعة الذين اختارهم ابن مجاهد وأورد قراءتهم في كتابه (السبعة) هم:\n١ - أبو عبد الرحمن نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم (ت ١٦٩ هـ) قارئ أهل المدينة.\n٢ - عبد الله بن كثير (ت ١٢٠ هـ) قارئ أهل مكة.\n٣ - أبو بكر عاصم بن أبي النجود (ت ١٢٨ هـ) قارئ أهل الكوفة.\n٤ - حمزة بن حبيب الزيات (ت ١٥٦ هـ) من الكوفة أيضا.\n٥ - علي بن حمزة الكسائي (ت ١٨٩ هـ) نشأ بالكوفة ثم انتقل إلى بغداد، وتوفي في قرية من قرى الري.\n٦ - أبو عمرو بن العلاء (ت ١٥٤ هـ) قارئ أهل البصرة.\n٧ - عبد الله بن عامر اليحصبي (ت ١١٨ هـ) قارئ أهل الشام.\nوكان لعمل ابن مجاهد هذا تأثير كبير على دراسة القراءات وروايتها، فصارت أكثر كتب القراءات تؤلف في وصف القراءات السبع، وقد رسّخ ابن مجاهد اتجاها جديدا في النظر إلى القراءات حين ألّف كتابا آخر جمع فيه (شواذ القراءة) (٢)، فأحدث ذلك شعورا بأن ما عدا القراءات السبع يعد شاذّا (٣). لكن بعض المؤلفين الذين جاءوا بعد ابن مجاهد ألحق بالسبعة ثلاثة من القراء هم:\n١ - أبو جعفر القارئ (ت ١٣٠ هـ) المدني شيخ نافع.\n_________\n(١) كتاب السبعة ص ٨٧.\n(٢) ابن جني: المحتسب ١/ ٢٥.\n(٣) ابن النديم: الفهرست ص ٣٣.","vol":"1","page":131},{"text":"٢ - يعقوب بن إسحاق الحضرمي (ت ٢٠٥ هـ) تلميذ أبي عمرو بن العلاء.\n٣ - خلف بن هشام (ت ٢٢٩ هـ) أخذ القراءة عن تلامذة حمزة.\nفظهر مصطلح القراءات العشر. وظهر عدد من الكتب في وصف هذه القراءات.\nولعل أشهر الكتب المؤلفة في القراءات السبع في زماننا كتاب (السبعة في القراءات) لأبي بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد (ت ٣٢٤ هـ)، وكتاب (التيسير في القراءات السبع) لأبي عمرو الداني (ت ٤٤٤ هـ)، الذي نظمه أبو محمد القاسم بن فيرة الشاطبي (ت ٥٩٠ هـ) في منظومته اللامية الشهيرة المسماة (حرز الأماني ووجه التهاني) التي شرحت شروحا كثيرة (١). ومن أشهر الكتب المؤلفة في القراءات العشر كتاب (النشر في القراءات العشر) لابن الجزري (ت ٨٣٣ هـ)، وألف الشيخ أحمد بن محمد الدمياطي الشهير بالبناء (ت ١١١٧ هـ) كتابه (اتحاف فضلاء البشر بقراءات الأربعة عشر) ذكر فيه قراءات الأئمة العشرة إضافة إلى قراءة محمد بن محيصن (ت ١٢٣ هـ) ويحيى بن المبارك اليزيدي (ت ٢٠٢ هـ) والحسن البصري (ت ١١٠ هـ) وسليمان بن مهران الأعمش (ت ١٤٨ هـ).\nومن المناسب الإشارة هنا إلى أن القراءات السبع لا تعني الأحرف السبعة الواردة في حديث رسول الله ﷺ: «إن هذا القرآن نزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه»، فهذا الحديث يشير إلى الرخصة في القراءة التي أذن بها رسول الله ﷺ للصحابة في زمانه، أما القراءات السبع فهي اختيارات سبعة من علماء القراءة الذين عاشوا في القرن الثاني الهجري والذين أفرد ابن مجاهد قراءاتهم في كتاب مستقل، وهذه القراءات وغيرها هي النتيجة العملية لرخصة الأحرف السبعة.\nوقال مكي بن أبي طالب: «فأما من ظن أن قراءة كل واحد من هؤلاء القراء\n_________\n(١) حاجي خليفة: كشف الظنون ١/ ٦٤٦ - ٦٤٩.","vol":"1","page":132},{"text":"كنافع وعاصم وأبي عمرو، أحد الحروف السبعة التي نص النبي ﷺ عليها، فذلك منه غلط عظيم» (١).\nوكان بعض العلماء قد كره اقتصار ابن مجاهد على سبعة من القراء، وقال لو اقتصر على دون هذا العدد أو زاد عليه، حتى لا يظنّ أن المقصود بهذه القراءات الحروف السبعة (٢).\nفالقراءات السبع إذن هي قراءات سبعة من علماء القراءة الذين عاشوا في القرن الثاني الهجري، وكان ابن مجاهد (ت ٣٢٤ هـ) أول من سبّع السبعة (٣)، أي أنه أول ميّزهم وأفرد قراءاتهم في كتاب مستقل، وكانوا قد أخذوا قراءاتهم عن علماء القراءة من التابعين الذين تلقوها عن الصحابة، ﵃، وكان علماء القراءة يستندون إلى ضوابط وشروط يرجعون إليها في تمييز القراءة الصحيحة المقبولة مثل القراءات السبع، والقراءات الشاذة التي لا تجوز القراءة بها، وهو ما سنحاول توضيحه في المبحث الآتي إن شاء الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>المبحث السادس القراءة الصحيحة والقراءة الشاذة</span>\nإن القراءات القرآنية التي تلقاها التابعون عن الصحابة، ﵃، كانت موضع عناية علماء القراءة من تابعي التابعين، الذين اختار كل واحد منهم قراءة من مجموع ما تلقاه عن شيوخه من القراءات المروية، على نحو ما بيّنا في المباحث السابقة، وانتشرت في كل مصر من الأمصار الإسلامية قراءة من تلك القراءات، وكان ما قام به ابن مجاهد من اختياره سبع قراءات مشهورة وتضمينها\n_________\n(١) الإبانة ص ٥.\n(٢) ابن الجزري: النشر ١/ ٣٦.\n(٣) ابن الجزري: غاية النهاية ١/ ١٣٩.","vol":"1","page":133},{"text":"في كتابه (السبعة) وإدراج ما عداها في كتاب (شواذ القراءة) - قد رسّخ فكرة تقسيم القراءات إلى صحيحة وشاذة، وكان هذا التقسيم يستند إلى أسس وضوابط كان علماء القراءة يستهدون بها وهم يروون القراءات أو يؤلفونها في الكتب.\nوهذا توضيح للمراد بالقراءة الصحيحة والشروط التي يجب أن تتوفر فيها، والمقصود بالقراءة الشاذة، ومتى تعد القراءة شاذة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>أولا- القراءة الصحيحة:</span>\nوهي القراءة التي تصح بها القراءة في المصحف ويقرأ بها القرآن في الصلاة، وقد أجمع العلماء على صحة القراءات السبع التي اختارها ابن مجاهد وتواترها (١)، لتوفر شروط الصحة فيها، تلك الشروط التي كان علماء القراءة يستندون إليها في تمييز القراءات منذ بدء عصر التأليف في هذا العلم. فهذا أبو عبيد القاسم بن سلّام (ت ٢٢٤ هـ)، وهو أول من ألّف كتابا جامعا في القراءات، يشير إلى شروط القراءة الصحيحة الثلاثة، كما نقل ذلك عنه أبو بكر الأنباري وهو يوضح رأيه في كيفية الوقف على هاء السكت في مثل قوله تعالى: (يتسنّه، واقتده، وحسابيه، وماهيه) يقول أبو عبيد: «الاختيار عندي في هذا الباب كله الوقوف عليها بالهاء، بالتعمد لذلك، لأنها إن أدرجت في القراءة مع إثبات الهاء كان خروجا من كلام العرب، وإن حذفت في الوصل كان خلاف الكتاب، فإذا صار قارئها إلى السكت عندها على ثبوت الهاءات اجتمعت له المعاني الثلاثة:\nأن يكون مصيبا في العربية.\nوموافقا للخط.\nوغير خارج من قراءة القراء» (٢).\n_________\n(١) القسطلاني: لطائف الإشارات ١/ ٧٨، والسيوطي: الإتقان ١/ ٢٢٢، وابن خلدون:\nالمقدمة ص ٤٣٧.\n(٢) إيضاح الوقف والابتداء ١/ ٣١١.","vol":"1","page":134},{"text":"وقال مكي بن أبي طالب القيسي (ت ٤٣٧ هـ): «إن جميع ما روي من القراءات على ثلاثة أقسام: قسم يقرأ به اليوم، وذلك ما اجتمع فيه ثلاث خلال، وهي:\nأن ينقل عن الثقات إلى النبي ﷺ.\nويكون وجهه في العربية التي نزل بها القرآن شائعا، ويكون موافقا لخط المصحف» (١).\nوقال ابن الجزري (ت ٨٣٣ هـ): «كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا، وصح سندها، فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها» (٢).\nوإليك بيانا موجزا لهذه الأركان أو الشروط الثلاثة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>١ - الرواية وصحة السند:</span>\nالمقصود بهذا الركن أن تكون القراءة مروية عن واحد أو أكثر من الصحابة الذين سمعوا من النبي ﷺ وقرءوا بين يديه (٣)، وهو أهم أركان القراءة الصحيحة (٤)، وكان السلف من الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم يعبّرون عن هذا الركن بقولهم (القراءة سنّة)، فقد روى ابن مجاهد عن زيد بن ثابت أنه قال: «القراءة سنّة» وفي رواية أخرى: «القراءة سنة، فاقرءوه كما تجدونه»، وروى عن عروة بن الزبير أنه قال: «إن قراءة القرآن سنة من السنن، فاقرءوا كما أقرئتموه»، وعن عامر الشعبي أنه قال: «القراءة سنة، فاقرءوا كما قرأ أوّلوكم»،\n_________\n(١) الإبانة ص ٨.\n(٢) النشر ١/ ٩.\n(٣) المصدر نفسه ١/ ١٣.\n(٤) السيوطي: الإتقان ١/ ٢١٣.","vol":"1","page":135},{"text":"وعن محمد بن المنكدر أنه قال: «القراءة سنة يأخذها الآخر عن الأول» (١).\nوقال أبو عمرو الداني: «والأخبار الواردة عن السلف والأئمة والعلماء في هذا المعنى كثيرة» (٢).\nوفي كتب القراءات وأخبار القراء أمثلة كثيرة وشواهد متعددة على أن القراءات منقولة نقلا وليس من اجتهاد القراء، فهذا أبو عمرو بن العلاء (ت ١٥٤ هـ) كان إمام أهل البصرة في اللغة والنحو، وهو أحد القراء السبعة، كان «لا يقرأ بما لم يتقدمه فيه أحد» وكان يقول: لولا أنه ليس لي أن أقرأ إلا بما قرئ به لقرأت حرف كذا وكذا، وحرف كذا وكذا» (٣). وحين سأله تلميذه أبو زيد اللغوي «أكلّ ما أخذته وقرأت به سمعته؟ قال: لو لم أسمعه لم أقرأ به، لأن القراءة سنة» (٤).\nوكان علماء اللغة والنحو والتفسير يرددون مع علماء القراءة أن القراءة سنة، فقال سيبويه: «إن القراءة لا تخالف لأنها السّنّة» (٥). وقال أبو علي النحوي:\n«وليس كل ما جاز في قياس العربية تسوغ التلاوة به، حتى ينضم إلى ذلك الأثر المستفيض بقراءة السلف له وأخذهم به، لأن القراءة سنة» (٦).\nوقال القسطلاني: «الإسناد أعظم مدارات هذا الفن، لأن القراءات سنة متبعة ونقل محض (٧). ولذلك لا بد في القراءة من المشافهة والسماع (٨). فلو\n_________\n(١) كتاب السبعة ص ٤٩ - ٥٥.\n(٢) جامع البيان ١٢ ظ.\n(٣) ابن مجاهد: كتاب السبعة ص ٤٨.\n(٤) مكي: التبصرة ص ٢٣٥.\n(٥) الكتاب ١/ ١٤٨.\n(٦) الحجة ١/ ٢٩.\n(٧) القسطلاني: لطائف الإشارات ١/ ١٧٢.\n(٨) ابن الجزري: النشر ٢/ ٣٥٨.","vol":"1","page":136},{"text":"حفظ إنسان الشاطبية مثلا فليس له أن يقرئ بما فيها إن لم يشافهه من شوفه به، لأن في القراءات شيئا لا يحكم إلا بالسماع والمشافهة (١).\nوكل ما سبق يؤكد على أن القراءات لم تكن نتيجة اجتهاد القراء، بل هي مروية عن الصحابة الذين تلقوا القرآن عن رسول الله ﷺ يقول ابن الجزري: «إن من يزعم أن أئمة القراءة ينقلون حروف القرآن من غير تحقيق ولا بصيرة فقد ظن بهم ما هم منه مبرءون وعنه منزهون» (٢)، وقال أيضا: «نعوذ بالله من قراءة القرآن بالرأي والتشهي، وهل يحل لمسلم القراءة بما يجد في الكتابة من غير نقل؟» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>٢ - موافقة خط المصحف:</span>\nالمقصود بخط المصحف هجاء الكلمات في المصاحف العثمانية، أي الحروف التي رسمت، وهو يمثل ألفاظ الوحي كما نطقها رسول الله ﷺ وأملاها على كتّاب الوحي، قال مكي: «فلما كتب عثمان المصاحف، ووجهها إلى الأمصار، وحملهم على ما فيها، وأمرهم بترك ما خالفها، قرأ أهل كل مصر مصحفهم الذي وجّه إليهم على ما كانوا يقرءون قبل وصول المصحف إليهم مما يوافق خط المصحف، وتركوا من قراءتهم التي كانوا عليها مما يخالف خط المصحف» (٤).\nولما كان خط المصاحف القديمة مجردا من علامات الحركات ومن نقاط الإعجام فقد ساعد ذلك على الاحتفاظ بقراءات الأمصار التي لا تقتضي تغيير رسم الكلمات، فثبت أهل كل مصر من الأمصار على ما تلقوه من قراءات موافقة للخط، وتركوا ما كان من القراءات خارجا عن خط المصاحف، مما كان مرخصا بقراءته برخصة الأحرف السبعة، قبل أن يجمع عثمان، ﵁،\n_________\n(١) القسطلاني: لطائف الإشارات ١/ ١٧١.\n(٢) النشر ٢/ ٢١٤.\n(٣) المصدر نفسه ٢/ ٢٦٣.\n(٤) الإبانة: ص ١٦.","vol":"1","page":137},{"text":"الأمة على المصاحف التي أمر بانتساخها من الصحف التي جمع فيها القرآن في خلافة الصديق. وهكذا صارت موافقة القراءة لخط المصحف ركنا ثانيا من أركان القراءة الصحيحة، و«اجتمع القراء على ترك كل قراءة تخالف المصحف» (١).\nفالقراءات القرآنية المروية عن الصحابة نقلها عنهم التابعون، لكن ما كان مخالفا لخط المصحف صار يعدّ شاذا لا يقرأ به، قال الزجاج: «القراءة بخلاف ما في المصحف لا تجوز، لأن المصحف مجمع عليه، ولا يعارض الإجماع برواية لا يعلم كيف صحتها» (٢).\nوقد استخدم هذا الركن في الحكم على قراءة بكاملها، فقد قال ابن الجزري عن قراءة محمد بن محيصن المكي: «ولولا ما فيها من مخالفة المصحف لألحقت بالقراءات المشهورة» (٣).\nويتضح أثر شرط موافقة القراءة لخط المصحف من موقف علماء القراءة مما أقدم عليه محمد بن أحمد بن أيوب المعروف بابن شنبوذ (ت ٣٢٨ هـ) فقد «كان يرى جواز القراءة بما صح سنده، وإن خالف رسم المصحف» (٤). وكان قد ناهضه إمام القراءة في عصره ببغداد أبو بكر بن مجاهد بسبب قراءاته تلك، وعقد له الوزير ابن مقلة مجلسا بحضور ابن مجاهد وجماعة من العلماء والقضاة وكتب عليه فيه المحضر، واستتيب عن مذهبه بعد اعترافه به (٥).\nوأورد ابن النديم نص كتاب رجوع ابن شنبوذ عن مذهبه في القراءة بما خالف خط المصحف، وهو: «يقول محمد بن أحمد بن أيوب: قد كنت أقرأ\n_________\n(١) أبو بكر الأنباري: إيضاح الوقف ١/ ٢٨٢.\n(٢) معاني القرآن وإعرابه ١/ ٣٧٤ وينظر ١/ ٩٧ و٢١٩.\n(٣) غاية النهاية ٢/ ١٦٧.\n(٤) القسطلاني: لطائف الإشارات ١/ ١٠٥.\n(٥) الذهبي: معرفة القراء ١/ ٢٢٣، وابن الجزري: غاية النهاية ٢/ ٥٤.","vol":"1","page":138},{"text":"حروفا تخالف ما في مصحف عثمان المجمع عليه، والذي اتفق أصحاب رسول الله ﷺ على قراءته، ثم بان لي أن ذلك خطأ، وأنا منه تائب، وعنه مقلع، وإلى الله، جلّ اسمه، منه بريء، إذ كان مصحف عثمان هو الحق الذي لا يجوز خلافه، ولا أن يقرأ بغير ما فيه» (١).\nولم يكن خط المصحف القديم سببا لنشأة القراءات أو وجودها، كما حاول بعض المستشرقين ومن قلدهم أن يصوروا ذلك (٢)، لأن تعلم القرآن وقراءته كان يستند إلى التلقي الشفهي في عصر النبوة وما بعده، فكان «الاعتماد في نقل القرآن على حفظ المصاحف والكتب» (٣). وكان تعدد وجوه القراءة معروفا في زمن النبي ﷺ قبل وجود المصاحف، فكانت قراءة الصحابة متعددة بفضل رخصة الأحرف السبعة، وإلى جانب ذلك كله فإن من القراءات ما كان مخالفا لخط المصحف، ولو كان الخط سببا لوجود القراءات لانحصرت القراءات فيما يحتمله الخط.\nفلم يكن خط المصحف إذن سببا في وجود القراءات القرآنية أو اختلافها، ولكن الخط كان سببا في حفظ الاختلاف الموجود أصلا، لأن القراءة سنة متبعة (٤).\nوكان الخط حين عدّت موافقته شرطا في قبول القراءة مقياسا يمنع ما لا يدخل في نطاقه مما صح من الروايات، فالرسم لا ينشئ القراءة ولكنه يحكم عليها (٥).\nولو كان خط المصاحف هو السبب في نشأة القراءات كما يزعم هؤلاء لوجب قبول كل قراءة احتملها خط المصحف، فما دامت القراءات هي اجتهاد القراء- بزعمهم- في قراءة المرسوم فإنه لا فضل للواحدة منها على الأخرى،\n_________\n(١) الفهرست ص ٣٥.\n(٢) مثل جولد تسيهر: مذاهب التفسير الإسلامي ص ٨ - ٩، وبروكلمان: تاريخ الأدب العربي ١/ ٤٠، وعبد الله خورشيد: القرآن وعلومه في مصر ٩.\n(٣) ابن الجزري: النشر ١/ ٦.\n(٤) عبده الراجحي: اللهجات العربية في القراءات القرآنية ص ٧١.\n(٥) عبد الصبور شاهين: القراءات القرآنية ص ٢١٠.","vol":"1","page":139},{"text":"وفي قصة حماد الراوية (ت ١٥٥ هـ) (١)، الذي كان مشغولا برواية الشعر عن تعلم قراءة القرآن، فلما أراد أن يحفظ القرآن قرأه في الصحف، قال أبو أحمد العسكري: «روى الكوفيون أن حمادا الراوية كان حفظ القرآن من المصحف، فكان يصحّف نيفا وثلاثين حرفا» (٢).\nوقد تناقلت كتب التصحيف وغيرها أمثلة مما صحّفه حماد على سبيل التمثيل والحذير من الوقوع فيما وقع فيه، فمن ذلك أنه قرأ (٣): وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ (٦٨) [النحل] فصحفها إلى: النخل، بالخاء. وبَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ (٢) [ص] صحفها إلى: غرة، بالراء. ولِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) [عبس] صحفها إلى: يعنيه بالعين.\nويدل موقف العلماء من حماد الراوية أن القراءات الصحيحة التي اشتهر القراء السبعة وغيرهم ليست ناشئة عن الخط، وإلّا لكان حماد أحد القراء المشهورين، بدل أن كان مثالا لسوء التدبير وعدم اتباع منهج علماء القراءة بتعليم القرآن مشافهة من العلماء بالقراءة.\nوتعبر عن هذه القضية كلمة قالها الناس في الزمن الأول، وهي: «لا تأخذوا القرآن من مصحفيّ، ولا العلم عن صحفيّ» (٤). فالمصحفي هو «من لم يقرأ القرآن على القراء ويتعلم من ألفاظهم» (٥). وإنما اعتمد على القراءة في المصحف فقط، وأما الصحفي فهو الذي يروي العلم من الصحف فيخطئ في قراءة الصحف لاشتباه الحروف (٦).\n_________\n(١) ينظر عنه: الزركلي: الأعلام ٢/ ٢٧١.\n(٢) شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف ص ١٢.\n(٣) ينظر: حمزة الأصفهاني: التنبيه ص ٣٨ (ط بغداد)، والعسكري: تصحيفات المحدثين ص ٣٣.\n(٤) العسكري: شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف ص ١٣.\n(٥) العطار؛ التمهيد ١٢٧ و.\n(٦) الخليل: العين ٣/ ١٢٠.","vol":"1","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>٣ - موافقة العربية:</span>\nكانت القراءات القرآنية موجودة قبل تدوين قواعد اللغة وظهور كتب النحو في القرن الثاني الهجري، فالقراءات ترجع إلى عصر النبوة حين تلقى الصحابة القرآن من\nرسول الله ﷺ وكانت شروط القراءة الصحيحة تقتصر على أن تكون مروية وموافقة لخط المصحف، ولكن بعد أن استقرت قواعد النحاة أضاف بعض العلماء شرطا ثالثا للقراءة الصحيحة، وهو أن تكون موافقة للعربية، ولا شك في أن هذا الشرط متحقق في القراءات القرآنية لكن عددا محدودا جدا من الكلمات التي قرأها بعض القراء قراءة لا توافق القواعد اللغوية العامة، وعدّها بعض النحاة شاذة مخالفة لقياس العربية.\nوالذي أجمع عليه علماء القراءة وعلماء العربية هو أن القراءة لا تجوز بالقياس ولا بالاجتهاد، ولا بد فيها من صحة النقل أولا وموافقة خط المصحف ثانيا، لكن النحاة اشترطوا أن تكون القراءة موافقة للكثير من كلام العرب، ولا يكتفون بصحة الرواية، ومن ثم وصفوا بعض القراءات بالضعف أو الشذوذ، وهو موقف لا يرتضيه علماء القراءة، لأن القواعد التي وضعها النحاة جاءت لاحقة، ووضعت لغرض تعليمي يستند إلى الظواهر المطردة ولا يعنى كثيرا بالظواهر المنفردة، والقراءات مهما كان موقف النحويين منها فإنها أكثر تعبيرا عن واقع العربية في فترة ظهور الإسلام، من حيث الأصوات والمفردات والتراكيب.\nوقد قال الداني كلمة موجزة تعبر عن موقف القراء من هذه القضية، وهي قوله: «وأئمة القراءة لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة والأقيس في العربية، بل على الأثبت في الأثر والأصح في النقل، والرواية إذا ثبتت لا يردّها قياس عربية ولا فشوّ لغة، لأن القراءة سنّة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها» (١).\n_________\n(١) جامع البيان ورقة ١٧١ و.","vol":"1","page":141},{"text":"وحاول ابن الجزري (ت ٨٣٣ هـ) أن يصوغ شرط موافقة القراءة لقواعد العربية صياغة فيها مرونة فقال: «كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه» (١) ثم شرح ذلك بقوله: «وقولنا في الضابط (ولو بوجه) نريد به وجها من وجوه النحو سواء كان أفصح أم فصيحا، مجمعا عليه أم مختلفا فيه اختلافا لا يضر مثله، إذا كانت القراءة مما شاع وذاع، وتلقاه الأئمة بالإسناد الصحيح، إذ هو الأصل الأعظم والركن الأقوم، وهذا هو المختار عند المحققين في ركن موافقة العربية» (٢).\nوبجانب ذلك فإن العلماء مجمعون على أن القراءة لا تصح مهما كانت قوتها في العربية إذا لم تكن مروية، وفي قصة ابن محيصن، وعيسى بن عمر، وابن مقسم العطار، دليل قاطع على أن القراءات لا مجال فيها للاجتهاد والرأي.\nأما ابن محيصن (وهو محمد بن عبد الرحمن بن محيصن ت ١٢٣ هـ) فإنه كان أحد قراء مكة في زمانه، وكان أعلمهم بالعربية، وقال ابن مجاهد: «كان لابن محيصن اختيار في القراءة على مذهب العربية، فخرج به عن إجماع أهل بلده، فرغب الناس عن قراءته وأجمعوا على قراءة ابن كثير لاتباعه» (٣).\nوكان عيسى بن عمر الثقفي النحوي البصري (ت ١٤٩ هـ) له اختيار في القراءة على قياس العربية (٤)، وقال أبو عبيد: «وكان عيسى بن عمر عالما بالنحو، غير أنه كان له اختيار في القراءة على مذاهب العربية، يفارق قراءة العامة، ويستنكرها الناس» (٥).\nوأما ابن مقسم العطار (وهو محمد بن الحسن البغدادي ت ٣٥٤ هـ) فإنه\n_________\n(١) النشر ١/ ٩.\n(٢) المصدر نفسه ١/ ١٠.\n(٣) ابن الجزري: غاية النهاية ٢/ ١٦٧.\n(٤) المصدر نفسه ١/ ٦١٣.\n(٥) السخاوي؛ جمال القراء ٢/ ٤٣٠.","vol":"1","page":142},{"text":"كان «من أحفظ الناس لنحو الكوفيين وأعرفهم بالقراءات وله في التفسير ومعاني القرآن كتاب جليل سماه كتاب الأنوار وله أيضا في القراءات وعلوم النحو تصانيف عدة» (١). ولكنه على جلالة قدره وسعة علمه «عمد إلى حروف من القرآن فخالف الإجماع وقرأها وأقرأها على وجوه ذكر أنها تجوز في اللغة العربية، وشاع ذلك عنه عند أهل العلم فأنكروه عليه، وارتفع الأمر إلى السلطان، فأحضره واستتابه بحضرة القراء والفقهاء فأذعن بالتوبة، وكتب محضر توبته، وأثبت من حضر ذلك المجلس خطوطهم فيه بالشهادة عليه» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>ثانيا- القراءة الشاذة:</span>\nالقراءة الشاذة هي التي نقلت عن علماء القراءة الأوائل من الصحابة والتابعين لكنها مخالفة لخط المصاحف العثمانية، فقد كان المسلمون يقرءون القرآن قبل نسخ المصاحف في خلافة عثمان، ﵁، على وجوه من النطق، وكان بعض تلك الوجوه يخالف خط المصحف، ثم ترك الناس، كل قراءة خارجة عن الخط بعد نسخ المصاحف وإرسالها إلى الأمصار الإسلامية، وقرءوا بالوجوه التي يحتملها الخط من القراءات التي قرأ بها الصحابة، ﵃.\nوقد سمّيت القراءات المخالفة لخط المصحف بالقراءات الشاذة لأنها جاءت مخالفة لما أجمعت عليه الأمة من نص القرآن الذي نقل بالتواتر، قال علم الدين السخاوي: الشاذ مأخوذ من قولهم شذّ الرجل يشذّ شذوذا، إذا انفرد عن القوم، والذي لم يزل عليه الأئمة الكبار القدوة في جميع الأمصار من الفقهاء والمحدثين وأئمة العربية توقير القرآن واجتناب الشاذ واتباع القراءة المشهورة ولزوم الطرق المعروفة (٣).\n_________\n(١) الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد ٢/ ٢٠٦.\n(٢) المصدر نفسه ٢/ ٢٠٦ - ٢٠٧.\n(٣) جمال القراء ١/ ٢٣٤.","vol":"1","page":143},{"text":"وقال أبو منصور الأزهري: «من قرأ بحرف شاذ يخالف المصحف وخالف بذلك جمهور القراء المعروفين فهو غير مصيب، وهذا مذهب الراسخين في علم القرآن قديما وحديثا» (١).\nوتلك القراءات المخالفة لخط المصحف التي قرأ بها الصحابة هي جزء من رخصة الأحرف السبعة التي رخص لهم بها النبي ﷺ لكن الإجماع على المصاحف التي نسخت في خلافة عثمان صيّر تلك القراءات كأنها منسوخة (٢)، وظل كثير من علماء السلف ينقلونها للاستشهاد لا للقراءة، فالفقيه والمفسر واللغوي يذكرونها في كتبهم للاستدلال بها على أمر أو استنباط حكم، أما القراءة بها فمتروكة، لأنهم أجمعوا على تحريم القراءة بالشواذ (٣).\nولم تحظ القراءات الشاذة بعناية علماء القراءة كما حظيت القراءات الصحيحة التي نقلت نقلا متواترا، ومن ثمّ تشكك كثير من العلماء في صحة ما يروى من تلك القراءات، قال إسماعيل القاضي (ت ٢٨٢ هـ) في كتابه في القراءات: «فإذا اختار الإنسان أن يقرأ ببعض القراءات التي رويت مما يخالف خط المصحف صار إلى أن يأخذ القراءة برواية واحد عن واحد، وترك ما تلقته الجماعة عن الجماعة» (٤). وقال أبو عمرو بن العلاء: «إني أتّهم الواحد الشاذ إذا جاء على خلاف ما جاءت به العامة» (٥).\nوكان هارون بن موسى العتكي البصري (ت قبل ٢٠٠ هـ) أول من اهتم بالقراءات الشاذة في البصرة، قال أبو حاتم السجستاني البصري (ت ٢٥٥ هـ):\n_________\n(١) تهذيب اللغة ٥/ ١٤.\n(٢) مكي: الإبانة ص ١٠.\n(٣) القسطلاني: لطائف الإشارات ١/ ٧٢ - ٧٣.\n(٤) نقلا عن: مكي: الإبانة ص ٢١.\n(٥) أبو شامة: المرشد ص ١٨١.","vol":"1","page":144},{"text":"«كان أول من سمع بالبصرة وجوه القراءات وألّفها وتتبع الشاذ منها، فبحث عن إسناده هارون بن موسى الأعور، وكان من القراء، فكره الناس ذلك، وقالوا قد أساء حين ألّفها ...» (١). قال الأصمعي (ت ٢١٥ هـ): «كنت أشتهي أن يضرب مكان تأليفه الحروف» (٢).\nوكما تشكك بعض العلماء في صحة نقل تلك القراءات فإن بعضا منهم حمل القراءات الشاذة المخالفة لخط المصحف على التفسير، فقال أبو بكر بن الأنباري:\n«وما يؤثر عن الصحابة والتابعين أنهم قرءوا بكذا وكذا إنما ذلك على جهة البيان والتفسير، لا أن ذلك قرآن يتلى» (٣). وقال معلقا على قراءة مروية عن ابن الزبير لقوله تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ (١٠٤) [آل عمران] ويستعينون الله على ما أصابهم: «وهذه الزيادة من تفسير ابن الزبير، وكلام من كلامه، غلط فيه بعض الناقلين فألحقه بألفاظ القرآن» (٤).\nوقال أبو جعفر النحاس: «وهذا من القراءات المخالفة للسواد، وأكثرها لا يصح ولا يوجد إلا معلولا» (٥). وقال معلقا على إحدى تلك القراءات: «فلا يجوز لأحد أن يقرأ بها لمخالفتها المصحف، ولو صحت لكانت على التفسير لا على القراءة» (٦).\nوقال القاضي أبو بكر بن الطيب الباقلاني: «وكان منهم من يقرأ التأويل مع التنزيل، نحو قوله تعالى: وَالصَّلاةِ الْوُسْطى (١٣٨) [البقرة] وهي صلاة\n_________\n(١) السخاوي: جمال القراء ١/ ٢٣٥، وأبو شامة: المرشد الوجيز ص ١٨١.\n(٢) أبو شامة: المرشد الوجيز ص ١٨١.\n(٣) نقلا عن: القرطبي: الجامع لأحكام القرآن ١/ ٨٦.\n(٤) المصدر نفسه ٤/ ١٦٥.\n(٥) القطع ص ٤٢٥.\n(٦) القطع ص ٤٧٤، وينظر: ص ٢١٢ و٢٥٨ و٥١١.","vol":"1","page":145},{"text":"العصر ...» (١). وقال أبو حيان الأندلسي: «إن ما جاء مخالفا لخط المصحف هو «في الحقيقة تفسير لا قراءة» (٢).\nويؤيد هذا المذهب في فهم القراءات المخالفة لخط المصحف ما روي عن مجاهد بن جبر المكي (ت ١٠٣ هـ) تلميذ ابن عباس أنه قال: «لو كنت قرأت قراءة ابن مسعود لم أحتج أن أسأل ابن عباس عن كثير من القرآن، مما سألت» (٣).\nقال شارح سنن الترمذي: «أي لما وقع في قراءته من تفسير كثير من القرآن» (٤).\nذلك هو معنى القراءة الشاذة وموقف العلماء منها، لكن ابن مجاهد (ت ٣٢٤ هـ) حين ألّف كتاب (السبعة في القراءات) وضمنه القراءات الصحيحة المشهورة قد أوحى بمعنى جديدة للقراءة الشاذة وهو أن كل ما عدا القراءات السبع شاذ، لا سيما أنه ألّف كتابا ذكر فيه (شواذ القراءة) الذي شرحه ابن جني في كتابه (المحتسب). قال ابن جني «وأنا بإذن الله بادئ بكتاب أذكر فيه أحوال ما شذ عن السبعة، على أننا ننحي فيه على كتاب أبي بكر أحمد بن موسى بن مجاهد، ﵀، الذي وضعه لذكر الشواذ من القراءة» (٥).\nوشاع في القرن الرابع هذا المفهوم الجديد للقراءة الشاذة، فإلى جانب دلالة هذا المصطلح على القراءات المخالفة لخط المصحف صار يعني أيضا ما عدا القراءات السبع، حتى وإن كانت موافقة للخط، وقد ألف أبو طاهر بن أبي هاشم تلميذ ابن مجاهد كتابا في (شواذ السبعة) (٦)، كما أن ابن النديم تأثر بهذا\n_________\n(١) أبو شامة: المرشد الوجيز ص ٢٤١.\n(٢) البحر المحيط ٧/ ٦٥.\n(٣) الداودي: طبقات المفسرين ٢/ ٣٠٦.\n(٤) تحفة الأحوذي ٨/ ٢٨٢.\n(٥) المحتسب ١/ ٣٤ - ٣٥.\n(٦) ابن النديم: الفهرست ص ٣٥.","vol":"1","page":146},{"text":"المفهوم أيضا، فذكر أولا (أخبار القراء السبعة)، ثم ذكر (قراء الشواذ) وهم ما عدا السبعة (١).\nولم يستمر تأثير هذا المفهوم الجديد للقراءة الشاذة طويلا، فقد انحسر تأثيره بظهور مؤلفات في القراءات العشر، بإضافة قراءة أبي جعفر ويعقوب وخلف إلى القراءات السبع، وظل تعريف القراءة الشاذة بأنها ما خالف المصحف هو المعتمد.\nقال أبو شامة: «فليس الأقرب في ضبط هذا الفصل إلا ما قد ذكرناه مرارا من أن كل قراءة اشتهرت بعد صحة إسنادها وموافقتها خط المصحف، ولم تنكر من جهة العربية، فهي القراءة المعتمد عليها، وما عدا ذلك داخل في حيز الشاذ والضعيف، وبعض ذلك أقوى من بعض» (٢).\nوقد بيّن ذلك ابن الجزري بصورة أكثر تفصيلا بقوله: «كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا، وصح سندها فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها، ولا يحل إنكارها، بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ووجب على الناس قبولها، سواء كانت عن الأئمة السبعة، أم العشرة، أم عن الأئمة المقبولين، ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها ضعيفة، أو شاذة، أو باطلة، سواء كانت عن السبعة أم عمن هو أكبر منهم، هذا هو الصحيح عن أئمة التحقيق من السلف والخلف» (٣).\n_________\n(١) الفهرست ص ٣٣.\n(٢) المرشد الوجيز ص ١٧٨.\n(٣) النشر ١/ ٩.","vol":"1","page":147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>المبحث السابع القراءات القرآنية في الوقت الحاضر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>أولا- انتشار قراءة عاصم بن أبي النجود:</span>\nدأب علماء القراءة بعد عصر ابن مجاهد، على رواية القراءات السبع، والتأليف فيها، وزاد بعضهم القراءات الثلاث المتممة للعشر، وصارت القراءات العشر مدار القراءة والإقراء، ويميل بعض العلماء من المتأخرين إلى تقسيم القراءات على ثلاثة أقسام: قسم اتفقوا على تواتره وهو السبع، وقسم اختلفوا فيه والراجح أنه متواتر وهو الثلاث بعدها، وقسم متفق على شذوذه وهو ما عدا العشر (١).\nوقد تلقت الأمة على مدى العصور القراءات الصحيحة بالقبول، وهي لا ترى أن بعضها أولى من بعض بالقراءة، قال مكي بن أبي طالب القيسي (ت ٤٣٧ هـ):\n«والقراءات الثابتة عندنا كلها من السّنّة التي لا مدفع فيها لأحد» (٢). وكان السلف بعضهم يقرأ بهذه القراءة وبعضهم يقرأ بتلك، ولم ينكر واحد على الآخر قراءته، ولم يوجب أحد القراءة بقراءة معينة أو بجميع القراءات الصحيحة، قال الطبري:\n«الأمة أمرت بحفظ القرآن وخيّرت في قراءته وحفظه بأي تلك الأحرف السبعة شاءت، كما أمرت إذا هي حنثت في يمين وهي موسرة أن تكفّر بأي الكفارات شاءت: إما بعتق أو إطعام أو كسوة ...» (٣).\nويبدو أن المسلمين اتجهوا في العصور المتأخرة إلى القراءة ببعض القراءات دون بعض، على الرغم من أن رواية العلماء للقراءات المأثورة لم تنقطع، فقد ظل علماء القراءة يحرصون على رواية القراءات السبع وغيرها، بينما صار جمهور\n_________\n(١) السيوطي: الإتقان ١/ ٢١٠، والقسطلاني: لطائف الإشارات ١/ ١٧٠.\n(٢) التبصرة ص ٢٣٠.\n(٣) جامع البيان ١/ ٢٥.","vol":"1","page":148},{"text":"الناس يكتفون بضبط قراءة واحدة يتلون بها كتاب الله تعالى، وأدى ذلك خلال القرون المتلاحقة إلى انتشار قراءات معينة وانحسار أخرى، بحيث صارت لا تعرف إلا في الكتب، ولا يضبطها إلا المتخصصون بدراسة القراءات وروايتها.\nوأكثر القراءات انتشارا في العالم الإسلامي اليوم قراءة عاصم، ويقرأ المسلمون في بلاد المغرب برواية ورش عن نافع، وفي بلاد السودان برواية الدوري عن أبي عمرو بن العلاء، لكن قراءة عاصم آخذة بالانتشار في تلك البلدان أيضا.\nولم يكن تميز قراءة عاصم بالأمر الذي حدث في العصور المتأخرة، فهذا الإمام أحمد بن حنبل المتوفى سنة ٢٤١ هـ يسأله ابنه صالح: أي القراءة أحب إليك؟ فقال: قراءة نافع، قال: فإن لم توجد؟ قال: قراءة عاصم (١).\nوقال مكي عن قراءة عاصم: «فقراءته مختارة عند من رأيت من الشيوخ، مقدّمة على غيرها، لفصاحة عاصم، ولصحة سندها، وثقة ناقلها» (٢). فهذه ثلاثة أسباب ذكرها مكي لتميز قراءة عاصم، سوف نقف على شواهدها التاريخية بعد قليل، إن شاء الله.\nوليس من اليسير القول إن قراءة عاصم سادت بلدان المشرق الإسلامي في قرن معين، ولكن لدينا شواهد وأقوال توضح جانبا من هذه القضية الكبيرة، منها أن الخطيب البغدادي ذكر أن أحمد بن سهل الأشناني المتوفى سنة ٣٠٧ هـ «هو أحد القراء المجودين، قرأ على عبيد بن الصبّاح روايته عن حفص بن سليمان حرف عاصم بن أبي النجود، واشتهر بهذه القراءة» (٣).\nوتمضي قرون حتى نلتقي بقول أبي حيان الأندلسي (ت ٧٥٤ هـ) الذي يذكر فيه أن قراءة نافع هي التي ينشأ عليها أهل المغرب وأن قراءة عاصم هي القراءة\n_________\n(١) السخاوي: جمال القراء ٢/ ٤٦٤.\n(٢) التبصرة ص ٢١٩.\n(٣) تاريخ بغداد ٤/ ١٨٥.","vol":"1","page":149},{"text":"التي ينشأ عليها أهل العراق (١). وهذا دليل تاريخي يؤكد سيادة قراءة عاصم في العراق في القرن الثامن الهجري.\nونلتقي بنص آخر من القرن الثاني عشر الهجري يدل على انتشار قراءة عاصم إلى مناطق خارج العراق، فهذا محمد المرعشي المتوفى سنة ١١٥٠ هـ يقول:\nوالمأخوذ به في ديارنا قراءة عاصم برواية حفص عنه (٢)، وهو يعني بلدته مرعش، وهي مدينة بين الشام وبلاد الروم (٣). وهي اليوم تابعة لتركيا تقع جنوبيها.\nولعل اختراع المطابع وطباعة المصاحف بها قد ساعد على انتشار قراءة عاصم أيضا، فأول مصحف أخرجته المطابع ورأى النور كان في سنة (١٦٩٤ م- ١١٠٦ هـ تقريبا) الذي وقف على طبعة هنكلمان في مدينة هامبورج بألمانيا، وكان مضبوطا على قراءة عاصم (٤).\nوخلاصة القول في هذا الأمر أن قراءة عاصم انتشرت في الأمصار الإسلامية في وقت مبكر، وسادت في كثير من البلدان، لا سيما في العراق وما حوله من بلدان المشرق الإسلامي منذ القرن الثامن الهجري في الأقل، وأن القرون اللاحقة شهدت سيادتها في مناطق أخرى.\nأما عاصم صاحب القراءة فهو عاصم بن أبي النّجود أبو بكر الأسدي، مولاهم، الكوفي، وقيل إن اسم أبيه بهدلة، وقيل هو اسم أمه، وأن اسم أبيه هو عبد الله (٥)، ومهما يكن من أمر فإنه اشتهر باسم عاصم بن أبي النّجود. وكان من\n_________\n(١) البحر المحيط ١/ ١١.\n(٢) جهد المقل ص ٢٩٣.\n(٣) صفي الدين البغدادي: مراصد الاطلاع ٣/ ١٢٥٩.\n(٤) تراجع الفقرة الخاصة بطباعة المصحف في الفصل الثاني من هذا الكتاب.\n(٥) ابن أبي حاتم: الجرح والتعديل ٦/ ٣٤٠، وابن الجزري: غاية النهاية ١/ ٣٤٦.","vol":"1","page":150},{"text":"التابعين لأنه روى عن عدد من الصحابة (١)، لكن أكثر شيوخه في الحديث وقراءة القرآن من التابعين.\nوقد أجمع علماء الحديث على توثيقه، قال عنه الإمام أحمد بن حنبل: «ثقة رجل صالح خير»، وقال أبو زرعة: ثقة، وقال يحيى بن معين: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: محله عندي محل الصدق، صالح الحديث، وحديثه مخرج في الكتب الستة (٢).\nوكان عاصم ممن اشتهروا بالعلم والفضل، انتهت إليه رئاسة الإقراء بالكوفة بعد أبي عبد الرحمن السلمي، جمع بين الفصاحة والإتقان والتحرير والتجويد وكان أحسن الناس صوتا بالقرآن (٣)، قال تلميذه أبو بكر بن عياش: كان عاصم نحويا فصيحا (٤)، وقال أبو إسحاق السّبيعي: ما رأيت أحدا أقرأ للقرآن من عاصم بن أبي النجود (٥)، وقال ابن مجاهد: وكان عاصم متقدما في زمانه، مشهورا بالفصاحة، معروفا بالإتقان (٦).\nوكانت وفاته في آخر سنة سبع وعشرين ومائة، وقيل سنة ثمان وعشرين، فلعله مات في أولها، بالكوفة (٧)، رحمه الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>ثانيا- أصول قراءة عاصم:</span>\nأما شيوخ عاصم في القراءة فيروى أنه قرأ على أنس بن مالك، لكن أشهر\n_________\n(١) ابن الجزري: غاية النهاية ١/ ٣٤٧.\n(٢) ابن أبي حاتم: الجرح والتعديل ٦/ ٣٤١، وابن الجزري: غاية النهاية ١/ ٣٤٨.\n(٣) ابن الجزري: غاية النهاية ١/ ٣٤٧.\n(٤) الذهبي: معرفة القراء ١/ ٧٥.\n(٥) ابن مجاهد: كتاب السبعة ص ٧٠.\n(٦) المصدر نفسه.\n(٧) ابن الجزري: غاية النهاية ١/ ٣٤٨.","vol":"1","page":151},{"text":"شيوخه في القراءة جماعة من علماء القراءة من التابعين في الكوفة، منهم أبو عبد الرحمن السّلمي، وزرّ بن حبيش، وأبو عمرو سعد بن إياس الشيباني (١).\nأما أبو عبد الرحمن السّلمي فاسمه عبد الله بن حبيب بن ربيعة ولد في حياة النبي ﷺ وكانت لأبيه حبيب صحبة، قال أبو عبد الرحمن: كان أبي قد شهد مع رسول الله ﷺ المشاهد (٢)، وكانت نشأته في المدينة، فتلقى العلم من كبار الصحابة الذين أدركهم: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب (٣). وكان زيد بن ثابت أكثر من أخذ القراءة عنه، فيروى أنه أتى عثمان بن عفان للقراءة عليه، فقال إنك تشغلني عن أمور الناس، ولكن اذهب إلى زيد بن ثابت فاقرأ القرآن عليه (٤).\nوحين أمر عثمان بن عفان بانتساخ المصاحف وإرسالها إلى الأمصار بعث مع مصحف أهل الكوفة أبا عبد الرحمن السلمي (٥)، فاقام في الكوفة بعد ذلك، قال ابن مجاهد: «وأول من أقرأ بالكوفة القراءة التي جمع عثمان، رضي الله تعالى عنه، الناس عليها أبو عبد الرحمن السّلمي، واسمه عبد الله بن حبيب، فجلس في المسجد الأعظم، ونصب نفسه لتعليم الناس القرآن، ولم يزل يقرئ بها أربعين سنة ... وكان أخذ القراءة عن عثمان وعن علي بن أبي طالب وزيد ابن ثابت وعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب، ﵃. وكان يقول:\nقرأت على أمير المؤمنين علي، ﵁، القرآن كثيرا، وأمسكت عليه المصحف، فقرأ عليّ. وأقرأت الحسن والحسين، رضي الله تعالى عنهما، حتى\n_________\n(١) المصدر نفسه ١/ ٣٤٧.\n(٢) ابن عبد البر: الاستيعاب ١/ ٣٢٣.\n(٣) ابن أبي حاتم: الجرح والتعديل ٥/ ٣٧، وابن الجزري: غاية النهاية ١/ ٤١٣.\n(٤) الذهبي: معرفة القراء ١/ ٤٨.\n(٥) المارغني: دليل الحيران ص ١٧.","vol":"1","page":152},{"text":"قرءا عليّ القرآن ... فلما مات أبو عبد الرحمن [سنة ٧٤ هـ] رحمه الله تعالى خلفه في موضعه أبو بكر عاصم بن أبي النجود» (١).\nأما زرّ بن حبيش الأسدي الكوفي فإنه أخذ القراءة عن عدد من الصحابة في مقدمتهم عبد الله بن مسعود، قال عاصم: ما رأيت أقرأ من زر، وكان عبد الله ابن مسعود يسأله عن العربية، يعني عن اللغة، وقال يحيى بن معين: زر بن حبيش ثقة. وكانت وفاته سنة ٨٢ هـ (٢).\nوكان أبو عمرو الشيباني قد قرأ على عبد الله بن مسعود أيضا، وكانت وفاته سنة ٩٦ هـ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>ثالثا- رواة قراءة عاصم:</span>\nكان عاصم يقرئ القرآن في مسجد الكوفة الجامع، فقرأ عليه أناس يخرجون عن العد والحصر، لكن الذين أخذوا عنه القراءة من العلماء كانوا بضعة عشرات، فقال السخاوي: روى عنه القراءة ثمانية وأربعون من الأئمة والعلماء (٤). وذكر ابن الجزري في كتابه (غاية النهاية في طبقات القراء) أسماء أكثر من عشرين قارئا أخذوا قراءتهم عن عاصم، وقال بعد أن ذكرهم: «وروى عنه القراءة خلق لا يحصون» (٥). ولعل أشهر تلامذته اثنان: أبو بكر شعبة بن عياش، وحفص بن سليمان أبو عمر الأسدي اللذان تنقل كتب القراءات عنهما قراءة عاصم (٦).\nوالقراءة التي يقرأ بها المسلمون اليوم هي قراءة عاصم برواية حفص عنه.\n_________\n(١) كتاب السبعة ص ٦٨ - ٦٩.\n(٢) ابن أبي حاتم: الجرح والتعديل ٣/ ٦٢٣، وابن الجزري: غاية النهاية ١/ ٢٩٤.\n(٣) ابن الجزري: غاية النهاية ١/ ٣٠٣.\n(٤) جمال القراء ٢/ ٤٦٥.\n(٥) غاية النهاية ١/ ٣٤٧.\n(٦) مكي: التبصرة ص ١٨٢، والداني: التيسير ص ٦.","vol":"1","page":153},{"text":"أما أبو بكر شعبة بن عياش فإنه كان لا يمكّن من نفسه من أراد أخذ قراءة عاصم منه (١). كما أنه قطع الإقراء قبل موته سنة ١٩٣ هـ- بسبع سنين وقيل بأكثر (٢). ولعل هذا هو السر في انتشار قراءة عاصم من رواية حفص الذي كان متفرغا للقراءة، بينما كان أبو بكر مشتغلا برواية الأحاديث إلى جانب القراءة، ومن ثم قال يحيى بن معين: هو أصح قراءة من أبي بكر، وأبو بكر أوثق منه، يعني في الحديث (٣).\nأما حفص بن سليمان فإنه كان ربيب عاصم، ابن زوجته، وكان ينزل معه في دار واحدة، فقرأ عليه القرآن مرارا، حتى صار أضبط من روى القراءة عن عاصم (٤)، قال يحيى بن معين: الرواية الصحيحة التي رويت عن قراءة عاصم هي رواية أبي عمر حفص بن سليمان. وقال أبو الحسين بن المنادي عن حفص: إنه قرأ على عاصم مرارا، وكان الأولون يعدونه في الحفظ فوق أبي بكر بن عياش، ويصفونه بضبط الحروف التي قرأ بها على عاصم، وقال أبو هشام الرفاعي: كان حفص أعلمهم بقراءة عاصم (٥).\nولم يلبث حفص أن غادر الكوفة، فأقام في بغداد، وذكر الخطيب البغدادي أنه كان ينزل في الجانب الشرقي من بغداد في محلة سماها سويقة نصر، وأنه لو رأيته لقرّت عينك به علما وفهما (٦). وكان يقرئ بها القرآن. ثم رحل للحج، وجاور بمكة فأقرأ بها أيضا (٧). وذكر أبو بكر الأنباري أنه يروي قراءة عاصم\n_________\n(١) ابن مجاهد: كتاب السبعة ص ٧١.\n(٢) ابن الجزري: غاية النهاية ١/ ٣٢٦.\n(٣) الذهبي: ميزان الاعتدال ١/ ٥٥.\n(٤) الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد ٦/ ١٨٦.\n(٥) ابن الجزري: غاية النهاية ١/ ٢٥٤.\n(٦) تاريخ بغداد ٦/ ١٨٦.\n(٧) ابن الجزري: غاية النهاية ١/ ٢٥٤.","vol":"1","page":154},{"text":"برواية حفص عن أبيه، عن عمه، عن الفضل بن يحيى الأنباري الذي أقام بمكة مجاورا حتى أخذ القراءة عن حفص (١). ولا نعلم مقدار مكث حفص في بغداد ولا مقدار مجاورته في مكة، ولكننا نعلم أنه أقرأ القرآن فيهما، وأنه توفي سنة ١٨٠ هـ- أو بعدها (٢). ويبدو أن تنقل حفص بن سليمان بين الكوفة وبغداد ومكة قد أسهم في انتشار قراءة عاصم من ذلك الزمان، حتى صارت أشهر قراءة للقرآن في العالم الإسلامي كله.\nومن خلال العرض السابق يتبين أن القراءة التي يقرأ بها المسلمون القرآن اليوم هي قراءة عاصم بن أبي النجود برواية تلميذه حفص بن سليمان، وأن أشهر شيوخ عاصم في القراءة أبو عبد الرحمن السلمي وزر بن حبيش اللذان أخذا القراءة عن خمسة من كبار الصحابة: عثمان وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت وأبي بن كعب. ورواية حفص تمثل القراءة التي أخذها عاصم عن أبي عبد الرحمن السلمي، فقد قال حفص لعاصم: أبو بكر، يعني شعبة بن عياش، يخالفني في القراءة، فقال عاصم: أقرأتك بما أقرأني أبو عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب، وأقرأته بما أقرأني زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود (٣). مع عدم إغفال أثر ظاهرة الاختيار في قراءته.\nومن خلال العرض السابق أيضا ندرك صحة قول مكي عن قراءة عاصم (٤):\n«فقراءته مختارة عند من رأيت من الشيوخ، مقدمة على غيرها، لفصاحة عاصم، ولصحة سندها، وثقة ناقلها» (٥).\n_________\n(١) إيضاح الوقف والابتداء ١/ ١١٣.\n(٢) الذهبي: معرفة القراء ١/ ١١٦، وابن الجزري: غاية النهاية ١/ ٢٥٥.\n(٣) ابن الجزري: غاية النهاية ١/ ٢٥٤.\n(٤) التبصرة ص ٢١٩.\n(٥) كان حفص بن سليمان قد اعتنى بقراءة القرآن وتعليمها أكثر من عنايته برواية الحديث، ومن ثم قال عنه يحيى بن معين: هو أصح قراءة من أبي بكر، وأبو بكر أوثق منه في","vol":"1","page":155},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>المبحث الثامن علم التجويد</span>\nعلم التجويد هو العلم الذي يعنى بنطق ألفاظ القرآن نطقا صحيحا، وذلك بإعطاء كل صوت حقه من المخرج والصفات، وما يلحقه في التركيب من أحكام، وهو بذلك يختلف عن علم القراءات الذي يهتم بضبط وجوه النطق التي رواها علماء القراءة من التابعين وتابعيهم عن الصحابة، ﵃، على نحو ما بينا في المباحث السابقة.\nوقد ميّز علماء القراءة بين العلمين على الرغم من أن ميدانهما واحد وهو قراءة القرآن، قال محمد المرعشي (ت ١١٥٠ هـ): «إن قلت: ما الفرق بين علمي التجويد والقراءات؟ قلت: علم القراءات علم يعرف فيه اختلاف أئمة الأمصار في نظم القرآن في نفس حروفه أو في صفاتها، فإذا ذكر فيه شيء من ماهية صفات الحروف فهو تتميم، إذ لا يتعلق الغرض به، أما علم التجويد فالغرض منه معرفة ماهيات صفات الحروف، فإذا ذكر فيه شيء من اختلاف الأئمة فهو تتميم» (١).\n_________\nالحديث (الذهبي: ميزان الاعتدال ١/ ٥٥). وقال الذهبي (معرفة القراء ١/ ١١٧): «أما في القراءة فثقة ثبت ضابط لها، بخلاف حاله في الحديث». وتضعيف حفص في الحديث لا يقدح في ضبطه للقراءة. وحاولت أن أقف على علة تضعيفه في الحديث فإذا هي لا تقدح بصحة روايته للقراءة، لأن الأمر يرجع إلى أنه أخذ من شعبة بن الحجاج كتابا فلم يردّه، وكان ياخذ كتب الناس فينسخها. (البخاري: كتاب الضعفاء ص ٣٢، وابن أبي حاتم: الجرح والتعديل ٣/ ١٧٣). فكأنهم ضعفوه لأنه ينسخ كتب الحديث من غير سماع، ولعل له عذرا في ذلك بانشغاله بعلم القراءة، أما عدم رده كتاب شعبة فلا أحسب أنه سبب كاف لعدم الثقة به، لا سيما أن وكيع بن الجراح وهو أحد أئمة الحديث قال عن حفص: وكان ثقة (الداني: التيسير ص ٦).\n(١) جهد المقل ص ٨٤.","vol":"1","page":156},{"text":"وقال المرعشي في موضع آخر: «اعلم أن علم القراءة يخالف علم التجويد لأن المقصود من الثاني معرفة حقائق صفات الحروف مع قطع النظر عن الخلاف فيها، مثلا يعرف في علم التجويد أن حقيقة التفخيم كذا وحقيقة الترقيق كذا، وفي القراءة يعرف فخّمها فلان ورققها فلان» (١).\nوكان مكي بن أبي طالب (ت ٤٣٧ هـ) قد ألمح في أكثر من موضع من كتابه (الرعاية لتجويد القراءة) إلى هذا المعنى، فقال: «ولست أذكر في هذا الكتاب إلا ما لا اختلاف فيه بين أكثر القراء» (٢). وقال: «فليس هذا كتاب اختلاف، وإنما هو كتاب تجويد ألفاظ ووقوف على حقائق الكلام، وإعطاء اللفظ حقه، ومعرفة أحكام الحروف التي ينشأ الكلام منها، مما لا اختلاف في أكثره» (٣).\nوقال عن كتب القراءات: فتلك الكتب كتب تحفظ منها الرواية المختلف فيها، وهذا الكتاب يحكم فيه لفظ التلاوة التي لا خلاف فيها، فتلك كتب رواية، وهذا كتاب دراية ...» (٤).\nوكان قد ظهر البحث في الأصوات اللغوية في العربية في الوقت الذي درس فيه العلماء قواعد اللغة العربية، ويتضمن كتاب سيبويه (أبي بشر عمرو بن عثمان ت ١٨٠ هـ) بابا كبيرا خصصه لدراسة الأصوات في العربية سماه باب الإدغام.\nواقتفى مذهبه كثير من علماء العربية، وقد جعل أبو الفتح عثمان بن جني (ت ٣٩٢ هـ) مقدمة كتابه (سر صناعة الإعراب) خاصة بدراسة الأصوات اللغوية.\nواعتنى علماء قراءة القرآن أيضا بدراسة اللغة العربية، وبحثوا في الظواهر الصوتية في قراءات القراء لكنهم لم يجعلوا لهذه المباحث كتبا خاصة بها حتى\n_________\n(١) ترتيب العلوم ص ٦٤.\n(٢) الرعاية ص ٤٢.\n(٣) الرعاية ص ١٢٨.\n(٤) الرعاية ص ٢٠٠.","vol":"1","page":157},{"text":"القرن الرابع الهجري، حين حاول علماء القراءة استخلاص المباحث المتعلقة بأصوات العربية وظواهر النطق من كتب النحو وكتب القراءات وجمعوها في كتب خاصة مستقلة، وقد أطلق على مباحث هذه الكتب اسم علم التجويد.\nويذكر المؤرخون أن أول مؤلف مستقل في علم التجويد هو القصيدة التي نظمها أبو مزاحم موسى بن عبيد الله بن يحيى الخاقاني البغدادي المتوفى سنة ٣٢٥ هـ (١)، في حسن أداء القرآن، وعدة أبياتها واحد وخمسون بيتا، ومطلعها:\nأقول مقالا معجبا لأولي الحجر ... ولا فخر إن الفخر يدعو إلى الكبر (٢).\nوأول كتاب معروف اليوم ألّف بعد قصيدة أبي مزاحم هو كتاب (التنبيه على اللحن الجلي واللحن الخفي) لأبي الحسن علي بن جعفر السعيدي المتوفى في حدود سنة ٤١٠ هـ، لكنه كتاب صغير الحجم، على الرغم من أهميته العلمية وقيمته التاريخية (٣).\nوتتابع التأليف في علم التجويد منذ مطلع القرن الخامس الهجري إلى عصرنا هذا، فظهرت عشرات الكتب التي تنوعت مناهجها وأساليب تأليفها (٤)، وتتصدر تلك الكتب ثلاثة مؤلفات أندلسية هي:\n١ - الرعاية لتجويد التلاوة وتحقيق لفظ التلاوة، لمكي بن أبي طالب القيسي (ت ٤٣٧ هـ) (٥).\n_________\n(١) ابن الجزري: غاية النهاية ٢/ ٣٢١.\n(٢) حققت القصيدة ونشرتها سنة ١٩٨٠ بجملة كلية الشريعة العدد السادس (ص ٣٤٨ - ٣٥٣) ونشرها الدكتور علي حسين البواب ثانية في مجلة المورد سنة ١٩٨٥ في المجلد ١٤ في العدد الأول (ص ١١٥ - ١٢٧).\n(٣) حققت الكتاب ونشر في مجلة المجمع العلمي العراقي سنة ١٩٨٥، مج ٣٦ ج ٢ (ص ٢٤٠ - ٢٨٧).\n(٤) ينظر: كتابي: الدراسات الصوتية ص ٢٣ - ٤٦.\n(٥) حققه الدكتور أحمد حسن فرحات وطبع في دمشق سنة ١٩٧٤، وطبع في دار عمار/","vol":"1","page":158},{"text":"٢ - التحديد في الإتقان والتجويد، لأبي عمرو عثمان بن سعيد الداني (ت ٤٤٤ هـ) (١).\n٣ - الموضح في التجويد، لعبد الوهاب القرطبي (ت ٤٦٢ هـ) (٢).\nوعلم التجويد مكمّل لعلم القراءات، لأنه لا يمكن للقارئ تلاوة القرآن بصورة صحيحة ما لم يعرف قواعد التجويد، مهما كانت القراءة التي يتلو بها القرآن. ومن ثمّ كان واجبا على قارئ القرآن أن يعرف قواعد هذا العلم، وأن تكون لديه المقدرة على تطبيق تلك القواعد في القراءة، ليجري لسانه بالنطق الصحيح الفصيح، فيكون بذلك مستوفيا لشروط القراءة، راجيا ثوابها، متجاوزا لإثم التقصير فيها. وقد قال ابن الجزري في المقدمة الجزرية (٣):\nوالأخذ بالتجويد حتم لازم ... من لم يجوّد القرآن آثم\nوقال شراح المقدمة: «إن مراعاة قواعد التجويد والأخذ بذلك، أي العمل به، فرض عين لازم لكل قارئ قرأ القرآن، ثم أخبر أن من لم يصحح القراءة آثم، أي من لم يراع قواعد التجويد في قراءته عاص آثم بعصيانه، والإثم معاقب عليه ...» (٤).\nوقد بيّن ابن الجزري هذا الموضوع في كتابه النشر على نحو أكثر تفصيلا.\nفقال: «ولا شك أن الأمة كما هم متعبدون بفهم معاني القرآن وإقامة حدوده\n_________\nالأردن، عدة طبعات.\n(١) حققته وطبع ببغداد سنة ١٩٨٧ م، وفي دار عمار/ الأردن.\n(٢) حققته وطبع في معهد المخطوطات العربية في الكويت سنة ١٩٩٠ م.\n(٣) متن الجزرية ص ١٤.\n(٤) أبو بكر أحمد بن الجزري: الحواشي المفهمة ٢٢ ظ، وينظر: القسطلاني: اللئالئ السنية ١٤ و، وطاش كبرى زاده: شرح الجزرية ١٥ و.","vol":"1","page":159},{"text":"متعبدون بتصحيح ألفاظه وإقامة حروفه على الصفة المتلقاة عن أئمة القراءة المتصلة بالحضرة النبوية الأفصحية العربية التي لا تجوز مخالفتها ولا العدول عنها إلى غيرها. والناس في ذلك بين محسن مأجور، ومسيء آثم أو معذور، فمن قدر على تصحيح كلام الله تعالى باللفظ الصحيح العربي الفصيح وعدل إلى اللفظ الفاسد العجمي أو النبطي القبيح، استغناء بنفسه واستبدادا برأيه وحدسه واتكالا على ما ألف من حفظه، واستكبارا عن الرجوع إلى عالم يوقفه على صحيح لفظه، فإنه مقصر بلا شك، وآثم بلا ريب، وغاشّ بلا مرية، فقد قال رسول الله ﷺ: (الدين النصيحة: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم). أما من لم يطاوعه لسانه أو لا يجد من يهديه إلى الصواب فإن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها» (١). (٢)\nوتتلخص موضوعات علم التجويد وأركانه في أربعة أمور، ذكرها الحسن بن قاسم المرادي (ت ٧٤٩ هـ) بقوله: «إن تجويد القراءة يتوقف على أربعة أمور:\nأحدها: معرفة مخارج الحروف.\nوالثاني: معرفة صفاتها.\nوالثالث: معرفة ما يتجدد لها بسبب التركيب من الأحكام.\nوالرابع: رياضة اللسان بذلك وكثرة التكرار» (٣).\n_________\n(١) النشر ١/ ٢١٠ - ٢١١، والقسطلاني: لطائف الإشارات ١/ ٢٠٩.\n(٢) أشار ابن الجزري في النشر (١/ ٢١١ - ٢١٢) إلى قول نصر بن علي الشيرازي: «على أن العلماء اختلفوا في وجوب حسن الأداء في القرآن فبعضهم ذهب إلى أن ذلك مقصور على ما يلزم المكلف قراءته في المفترضات فإن تجويد اللفظ وتقويم الحروف وحسن الأداء واجب فيه فحسب. وذهب الآخرون إلى أن ذلك واجب على كل من قرأ شيئا من القرآن كيفما كان، لأنه لا رخصة في تغيير اللفظ بالقرآن وتعويجه واتخاذ اللحن سبيلا إليه إلّا عند الضرورة» وصحح ابن الجزري هذا الرأي الأخير.\n(٣) المفيد ص ٣٩، وشرح الواضحة (له) ص ٢٩.","vol":"1","page":160},{"text":"وليس بيان هذه القضايا من غرض هذا الكتاب، لأنه يبحث في علوم القرآن بحثا عاما، وتفصيل قضايا كل علوم القرآن موضعه الكتب الخاصة بكل علم من تلك العلوم، فتفصيل موضوعات علم التجويد والوقوف على قواعد التلاوة تكلفت ببيانها كتب علم التجويد، ولكن تلزم الإشارة هنا إلى بعض القضايا المنهجية منها:\n١ - أهمية دراسة مخارج الحروف وصفاتها لدارس قواعد التلاوة، وقد أولت كتب علم التجويد القديمة هذه الناحية عناية كبيرة، لكن الكتب المتأخرة والمؤلفة حديثا في هذا العلم أهملت ذلك إلى حد كبير، وهذا نقص يجب تلافيه.\n٢ - تقدمت دراسة علم الأصوات اللغوية في زماننا تقدما ملحوظا ولم يستفد دارسو علم التجويد في زماننا من الحقائق الصوتية التي كشف عنها هذا العلم، وهو أمر يخالف منهج علماء السلف الذين بنوا كتبهم في علم التجويد على حقائق علم الأصوات اللغوية كما يعرضها علماء اللغة العربية.\n٣ - للتطبيق العملي والتمرين الشفهي أهمية كبرى في ضبط الأداء، وفهم دقائق التلاوة، ومن ثم فإنه لا تكفي القراءة في كتب علم التجويد، إن لم تقترن التلقي من المعلم المتقن الضابط لقراءة القرآن (١).\n_________\n(١) يمكن الوقوف على تفصيل هذه القضايا المنهجية في بحث (مناهج كتب تعليم قواعد التلاوة: عرض ومناقشة) منشور في مجلة كلية المعارف الجامعة، العدد الأول، الأنبار ١٤١٨ هـ ١٩٩٨ م، ص ٣٦ - ٥٧.","vol":"1","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>الفصل الرابع تفسير القرآن الكريم</span>\nتدل كلمة «التفسير» على بيان معاني الألفاظ أو الكشف عن علل الظواهر، وغلب استخدامها مضافة إلى «القرآن» لتدل على ما كتب في بيان معاني كلمات القرآن الكريم وآياته. والمعنى اللغوي للكلمة لم يكن بعيدا عن هذا الاستخدام، فكلمة التفسير هي مصدر فسّر، من الفسر وهو البيان، يقال: فسر الشيء يفسره فسرا أبانه، ومثله: فسّره- بتشديد السين- تفسيرا، فالتفسير في أصل اللغة يقصد به كشف المراد عن اللفظ المشكل (١).\nولم يكن مصطلح (تفسير القرآن) المصطلح الوحيد المستخدم للدلالة على ما كتب في بيان معاني كلمات القرآن الكريم وآياته. فقد استخدم إلى جانبه مصطلح (معاني القرآن) (٢)، ومصطلح (تأويل القرآن) (٣)، لكن غلب استخدام\n_________\n(١) ينظر: ابن منظور: لسان العرب ٦/ ٣٦١ (فسر)، والزركشي: البرهان ٢/ ١٤٦. وكان قد ذهب بعض المتقدمين إلى أن التفسير مقلوب من (سفر)، يقال: سفرت المرأة سفورا إذا ألقت خمارها عن وجهها، وأسفر الصبح أضاء (ينظر: الزركشي: البرهان: ٢/ ١٤٧)، لكن الآلوسي قال (روح المعاني ١/ ٤): «والقول إنه مقلوب السّفر مما لا يسفر له وجه».\n(٢) المعنى: هو القصد والمراد، يقال: عنيت بالكلام كذا، أي قصدت وعمدت، ومعنى كل كلام مقصده (ابن منظور: لسان العرب ١٩/ ٣٤١: عنا). وحمل عدد من التفاسير كلمة (معاني) في عنوانه، خاصة التفاسير اللغوية، مثل (معاني القرآن) للفراء والأخفش والزجاج والنحاس.\n(٣) التأويل مشتق من الأوّل، وهو الرجوع، يقال: أوّل الكلام وتأوّله: دبّره وقدّره وفسّره، فالتأويل هو تفسير ما يؤول إليه الشيء (ابن منظور: لسان العرب ١٣/ ٣٤: أول). وحمل عدد من التفاسير القديمة كلمة (التأويل) في عنوانه، مثل تفسير الطبري المسمى (جامع البيان عن تأويل آي القرآن)، وتفسير البيضاوي المسمى (أنوار التنزيل وأسرار التأويل).\nلكن كلمة (التأويل) تطورت دلالتها، فبينما كانت تعني التفسير وبيان المعنى، كما قال","vol":"1","page":163},{"text":"مصطلح (تفسير القرآن) على ما عداه منذ زمن بعيد، وصارت عبارة (علم التفسير) تطلق على المباحث والجهود التي كتبها العلماء في توضيح دلالة كلمات القرآن الكريم ومعاني آياته.\nوالتعريفات المنقولة عن علماء السلف لمصطلح «التفسير» لا تخرج عن كونه كشفا لمعاني القرآن، قال أبو حيان الأندلسي: «التفسير علم يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن، ومدلولاتها وأحكامها الإفرادية والتركيبية، ومعانيها التي تحمل عليها حالة التركيب، وتتمات لذلك» (١). والملاحظ هنا أن أبا حيان أدرج (علم القراءة) ضمن علم التفسير، لكن عددا من العلماء الذين جاءوا بعده أخرجوا هذا العلم من مباحث علم التفسير، لأنه علم له مباحثه وقضاياه التي لا تندرج في موضوع الكشف عن معاني القرآن الكريم، كما أن له كتبه الخاصة به.\nقال الزركشي: «التفسير علم يعرف به فهم كتاب الله المنزّل على نبيّه محمد ﷺ وبيان معانيه واستخراج أحكامه وحكمه» (٢). وقال في موضع آخر:\n«هو علم نزول الآية وسورتها وأقاصيصها، والإشارات النازلة فيها، ثم ترتيب\n_________\nثعلب: «التأويل والمعنى والتفسير واحد» (لسان العرب ١٣/ ٣٤) صارت تدل على حمل الكلام على المعنى غير المتبادر من ظاهر اللفظ. وقد قال ابن جزيّ الغرناطي في كتابه التسهيل (١/ ١١): فإن قيل ما الفرق بين التفسير والتأويل؟ فالجواب أن في ذلك ثلاثة أقوال:\nالأول: أنهما بمعنى واحد.\nالثاني: أن التفسير للفظ، والتأويل للمعنى.\nالثالث: أن التفسير هو الشرح، والتأويل هو حمل الكلام على معنى غير المعنى الذي يقتضيه الظاهر، بموجب اقتضى أن يحمل على ذلك، ويخرج عن ظاهره».\n(١) البحر المحيط ١/ ٣، وينظر: السيوطي: الإتقان ٤/ ١٦٩.\n(٢) البرهان ١/ ١٣.","vol":"1","page":164},{"text":"مكيّها ومدنيّها، وناسخها ومنسوخها، وخاصّها وعامّها، ومطلقها ومقيّدها، ومجملها ومفسرها» (١).\nوقال الشريف الجرجاني: «التفسير في الأصل هو الكشف والإظهار، وفي الشرع: توضيح معنى الآية، وشأنها، وقصتها، والسبب الذي نزلت فيه، بلفظ يدل عليه دلالة واضحة» (٢).\nولعل علم التفسير من أقدم العلوم الإسلامية نشأة وتدوينا، فقد ارتبطت نشأته بنزول القرآن الكريم وتعلمه وتلاوته، وكان رسول الله ﷺ أول مفسر للقرآن، ثم خلفه من بعده العلماء من أصحابه، لا سيما عبد الله بن عباس الملقب بترجمان القرآن، ثم يأخذ التابعون العلم عن الصحابة، وظهر منهم مفسرون مشهورون، ظلت جهودهم في التفسير موضع تقدير العلماء من بعدهم.\nوتوسّع التفسير في عصر تابعي التابعين، ثم تعددت مناهج المفسرين بعد ذلك، فنجد من المفسرين من اعتنى بجمع التفسير المأثور عن النبي ﷺ وأصحابه والتابعين، ومن المفسرين من اعتنى بالجانب اللغوي من القرآن على نحو ما نجد في كتب (معاني القرآن)، ومن المفسرين من اعتنى بآيات الأحكام الفقهية، كما في كتب (أحكام القرآن). وهكذا تعددت مناهج المفسرين وكثرت التفاسير، وهي تعكس في ذلك تنوع ثقافة العلماء في العصور الإسلامية، وتنوع اهتماماتهم العلمية أيضا.\nولم ينقطع جهد علماء المسلمين في توضيح معاني القرآن في أي عصر من العصور، إلا أن طبقة العصر وثقافة أهله كانت تنعكس على مناهج المفسرين، ومن ثم فلا غرابة أن نجد في العصر الحديث نزعات تجديدية في تفسير القرآن،\n_________\n(١) البرهان ٢/ ١٤٨.\n(٢) التعريفات ص ٤٠.","vol":"1","page":165},{"text":"ومناهج تعكس ما استجد في حياة المسلمين والعالم من يقظة وتطور علمي وتطلع حضاري.\nوكانت حصيلة تلك الجهود الكبيرة التي بذلها المفسرون من لدن عصر الصحابة حتى وقتنا الحاضر ثروة علمية أخذت أكبر مساحة في المكتبة العربية الإسلامية، وأنتجت مئات المؤلفات المتعددة المناهج والأحجام، التي لا يتسع المقام للحديث المفصل عنها هنا، ومن ثم سوف أكتفي بعرض الاتجاهات العامة لتلك المؤلفات والنقاط البارزة في تلك الجهود من خلال المباحث الآتية:\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>المبحث الأول: نشأة علم التفسير</span>.\nالمبحث الثاني: دراسة موجزة لأشهر التفاسير القديمة.\nالمبحث الثالث: علم التفسير في العصر الحديث.\nالمبحث الرابع: خلاصة في أصول التفسير.\nالمبحث الخامس: إعجاز القرآن الكريم.\n\nالمبحث الأول نشأة علم التفسير\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>أولا- تفسير القرآن في عصر النبوة:</span>\nجاء تدوين العلوم الإسلامية متأخرا بضع عشرات من السنين عن عصر النبوة المبارك، لكن نشأة تلك العلوم كان مرتبطا بتلك الحقبة، وكان التفسير مرتبطا بتلاوة القرآن الكريم، لأن التلاوة، مع كونها عبادة، ليست غاية في ذاتها، وإنما هي وسيلة لتفهم معاني كلام الله تعالى، حتى تتحقق ثمرة التلاوة، وهي الاهتداء إلى الدين القويم، وقد حث القرآن على تدبر معاني الآيات، قال الله تعالى:\nكِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٩) [ص] وحذّر من الغفلة عند التلاوة بقوله: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (٢٤) [محمد].","vol":"1","page":166},{"text":"والتدبّر معناه التفكر، مشتق من قولهم: دبّر الأمر وتدبره: أي نظر في عاقبته وما يؤول إليه (١).\nوكان تعليم رسول الله ﷺ القرآن لأصحابه يقتضي تفهم معانيه، كما كانت قراءة الصحابة القرآن تقتضي الوقوف على معانيه، يدل على ذلك قول أبي عبد الرحمن السلمي (ت ٧٤ هـ): «حدثني الذين كانوا يقرءوننا: عثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، أن رسول الله ﷺ كان يقرئهم العشر، فلا\nيجاوزونها إلى عشر أخرى حتى يتعلموا ما فيها من العمل، فتعلمنا القرآن والعمل جميعا» (٢). والعمل يقتضي الفهم ومعرفة المعاني.\nومن تمام تعليم رسول الله ﷺ القرآن للناس بيان معانيه ومعرفة أحكامه، قال الله تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤) [النحل]. ومن ثمّ «فإن سنّة رسول الله ﷺ تبيّن القرآن، وتدل عليه، وتعبّر عنه» (٣). سواء أكان ذلك البيان قوليا أم عمليا.\nواختلف الدارسون في مقدار التفسير الذي بيّنه النبي ﷺ للصحابة، فمنهم من قال: إنه فسّر عدا من الآيات (٤)، ومنهم من قال: إنه بيّن للصحابة معاني القرآن كما بيّن لهم ألفاظه (٥).\nويمكن أن يكون الاختلاف في هذه القضية لفظيا، لأن القرآن الكريم أنزل بلغة العرب، وكان لسان المخاطبين به من الصحابة عربيا، فلم يحتاجوا إلى السؤال عن معاني كثير من آيات القرآن، قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: «إنما\n_________\n(١) لسان العرب: مادة دبر.\n(٢) ابن سعد: الطبقات الكبرى ٦/ ١٧٢، وابن مجاهد: كتاب السبعة ص ٦٩.\n(٣) ابن تيمية: مجموع الفتاوى ١٣/ ٢٩.\n(٤) ينظر: الطبري: جامع البيان ١/ ٣٧، والقرطبي: الجامع لأحكام القرآن ١/ ٣١.\n(٥) ابن تيمية: مقدمة في أصول التفسير ص ٣٥.","vol":"1","page":167},{"text":"أنزل القرآن بلسان عربي مبين ... فلم يحتج السلف ولا الذين أدركوا وحيه إلى النبي ﷺ أن يسألوا عن معانيه، لأنهم كانوا عرب الألسن، فاستغنوا بعلمهم به عن المسألة عن معانيه» (١).\nوما قاله أبو عبيدة لا يعني أن الصحابة لم يسألوا رسول الله ﷺ عن معنى شيء من القرآن، أو أنه لم يبين لهم من معاني القرآن شيئا، فقد ثبت أن رسول الله ﷺ بيّن معاني الكثير من آيات القرآن، لكنه لم يبين معاني جميع آياته، لأن من القرآن ما استأثر الله بعلمه، ومنه ما تعلمه العرب من لغاتها، ولا شك في أنه ﷺ لم يفسر لهم ما يرجع فهمه إلى معرفة كلام العرب، لأن القرآن نزل بلغتهم، ولم يفسر لهم ما استأثر الله بعلمه، مما يجري مجرى الغيوب التي لم يطلع الله عليها نبيه، وإنما فسّر لهم رسول الله ﷺ ما خفي عليهم معناه أو التبس المراد به، مما خصه الله بمعرفته وأطلعه عليه (٢).\nولم يدوّن شيء من التفسير في حياة رسول الله ﷺ لأن التدوين كان موجها إلى حفظ ألفاظ الوحي، وكان ﷺ قد نهى أولا عن كتابة شيء من كلامه غير القرآن، خشية اختلاطه بالقرآن، فقال: «لا تكتبوا عني شيئا سوى القرآن، ومن كتب غير القرآن فليمحه» (٣).\nونقل علماء الصحابة إلى التابعين ما سمعوه من التفسير النبوي للقرآن الكريم، وأخذ تابعو التابعين ومن جاء بعدهم تلك الروايات وأوردوها في كتب الحديث وكتب التفسير، وصارت مصدرا أساسيا في تفسير القرآن الكريم، لأنه «مما ينبغي أن يعلم أن القرآن والحديث إذا عرف تفسيره من جهة النبي ﷺ ... لم يحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرهم» (٤).\n_________\n(١) مجاز القرآن ١/ ٨.\n(٢) ينظر: محمد حسين الذهبي: التفسير والمفسرون ١/ ٥٣.\n(٣) صحيح مسلم بشرح النووي ١٨/ ١٢٩، وابن أبي داود: كتاب المصاحف ص ٤.\n(٤) ابن تيمية: مجموع الفتاوى ١٣/ ٢٧.","vol":"1","page":168},{"text":"وكان الإمام السيوطي، ﵀، قد جمع الروايات المنقولة عن رسول الله ﷺ في تفسير القرآن، من كتب الحديث والتفسير، في كتابه (الإتقان في علوم القرآن) مرتبة على ترتيب السور في المصحف، وقد بلغ مجموعها أكثر من مائتين وخمسين رواية بقليل (١). ومن أمثلة تلك الروايات:\n١ - أخرج أحمد، والترمذي وحسّنه، وابن حبان في صحيحه، عن عدي بن حاتم، قال: قال رسول الله ﷺ: «إن المغضوب عليهم هم اليهود، وإن الضالين النصارى» (٢).\n٢ - وأخرج الحاكم وصححه، عن أنس، أن رسول الله ﷺ سئل عن قول الله تعالى:\nمَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (٩٧) [آل عمران]. ما السبيل؟ قال: «الزاد والراحلة» (٣).\n٣ - وأخرج أحمد، والشيخان وغيرهم، عن ابن مسعود، قال: لما نزلت هذه الآية:\nالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ (٨٢) [الأنعام]، شق ذلك على الناس، فقالوا: يا رسول الله، وأيّنا لا يظلم نفسه؟ قال: «إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) [لقمان]، وإنما هو الشرك» (٤).\n٤ - وأخرج مسلم وغيره، عن عقبة بن عامر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو على المنبر: «وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ (٦٠) [الأنفال]، ألا وإن القوة الرّمي» (٥).\n٥ - وأخرج أحمد، والترمذي، والحاكم وصححه، والنسائي، عن أبي هريرة\n_________\n(١) الإتقان ٤/ ٢١٤ - ٢٥٧.\n(٢) الإتقان ٤/ ٢١٤، وينظر: تفسير ابن كثير ١/ ٣٠.\n(٣) الإتقان ٤/ ٢١٨، وتفسير ابن كثير ١/ ٣٨٦.\n(٤) الإتقان ٤/ ٢٢٢، وتفسير ابن كثير ٢/ ١٥٣.\n(٥) الإتقان ٤/ ٢٢٥، وتفسير ابن كثير ٢/ ٣٢٢.","vol":"1","page":169},{"text":"قال: قال رسول الله ﷺ: «إن العبد إذا أذنب ذنبا كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب منها صقل قلبه، وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه، فذلك الرّان الذي ذكر الله في القرآن كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) [المطففين]» (١).\nوالمتأمل في ما روي عن النبي ﷺ من بيان لمعاني آيات أو كلمات من القرآن يجد أكثر تلك الروايات جاءت جوابا لمسائل سئل عنها رسول الله ﷺ، أو كانت استدلالا منه على معنى، فيكون ذلك الاستدلال بيانا لمعنى الآية، وجاء عدد منها تفسيرا نبويا لكلمات أو آيات من القرآن توضيحا لمعناها وتأكيدا له في نفوس الصحابة، ﵃.\nويمكن للدارس أن يلحظ أن تفسير القرآن في عصر النبوة لم يكن شاملا لكل القرآن الكريم، ولعل ذلك يرجع من جانب إلى فصاحة الصحابة التي مكنتهم من إدراك معاني كثير من آي القرآن من غير حاجة إلى سؤال النبي ﷺ عنها، وإلى أن التطبيق العملي لأحكام القرآن الذي كانوا يشاهدونه ويشاركون فيه قد أغناهم من جانب آخر عن السؤال عن معاني الآيات الكريمة.\nولعل هناك عاملا آخر أسهم في تقليل مسائل الصحابة عن معاني آي القرآن، هو قوة إيمانهم، وصفاء عقيدتهم، وعمق يقينهم، فكرهوا لذلك السؤال عما تشابه من آي القرآن مما استأثر الله بعلمه (٢)، فلم يرو أنهم سألوا عنه رسول ﷺ بل كانوا يقولون: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا، واتجهوا إلى الجانب العملي من\n_________\n(١) الإتقان ٤/ ٢٥٢، وتفسير ابن كثير ٤/ ٤٨٦.\n(٢) مثل كراهة عمر بن الخطاب، ﵁، سؤال صبيغ التميمي عن معاني آيات من متشابه القرآن، حتى إنه ضربه بعراجين النخل. وكان عبد الله بن عباس، ﵁، إذا ألح عليه رجل في مسألة من هذا الجنس قال له: ما أحوجك أن يصنع بك كما صنع عمر بصبيغ (ينظر: ابن تيمية: مجموع الفتاوى ١٣/ ٣١١، وتفسير ابن كثير ١/ ٦ و٤/ ٢٣٢).","vol":"1","page":170},{"text":"القرآن والسنة النبوية فسألوا عما خفي عنهم منه واشتغلوا بتعلمه وروايته لمن جاء بعدهم من أجيال المسلمين، ﵃ أجمعين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>ثانيا- المفسرون من الصحابة:</span>\nسنّ رسول الله ﷺ تعليم القرآن، وكان إذا دخل رجل في الإسلام دفعه إلى الصحابة وقال لهم: «فقّهوا أخاكم في دينه، وأقرئوه وعلّموه القرآن» (١).\nوأخذ الصحابة بذلك، بعد رسول الله ﷺ فكان الخلفاء الراشدون يحرصون على تعليم المسلمين القرآن والسنة، وروى الطبري أن عمر بن الخطاب، ﵁، كان يقول: «اللهم إني أشهدك على أمراء الأمصار أني إنما بعثتهم ليعلّموا الناس دينهم وسنّة نبيهم» (٢).\nواشتهر بالتفسير من الصحابة عشرة، كما قال السيوطي، هم: «الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير، أما الخلفاء فأكثر من روي عنه منهم علي بن أبي طالب، والرواية عن الثلاثة نزرة جدا، وكأن السبب في ذلك تقدم وفاتهم» (٣).\nوكان بعض الصحابة يتحرج من الإقدام على تفسير القرآن الكريم (٤)، لكن آخرين منهم لاحظوا حاجة المسلمين إلى من يفهّمهم معاني كلام الله تعالى، فكانوا يفسرون لهم القرآن، وكان من الصحابة من ذهب إلى وجوب تقليب النظر في آيات القرآن واستنباط المعاني منها، فهذا أبو الدرداء يقول: «لا يفقه الرجل\n_________\n(١) الطبري: تاريخ الرسل والملوك ٢/ ٤٧٤.\n(٢) المصدر نفسه ٢/ ٢٠٤.\n(٣) الإتقان ٤/ ٢٠٤.\n(٤) ينظر: ابن تيمية: مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٧١، وابن كثير: تفسير القرآن العظيم ١/ ٦.","vol":"1","page":171},{"text":"كلّ الفقه حتى يجعل للقرآن وجوها»، وهذا عبد الله بن مسعود يقول: «من أراد علم الأولين والآخرين فليثوّر (١) القرآن» (٢).\nومن ينظر في التفاسير الكبيرة التي حرص مؤلفوها على نقل أقوال الصحابة في التفسير مثل الطبري وابن كثير والسيوطي يجد أسماء كبار الصحابة من مفسري القرآن تتردد في تفسير كل آية تقريبا، خاصة علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وكان ابن عباس أكثر الثلاثة، بل أكثر الصحابة تفسيرا للقرآن الكريم، ومن ثم سوف نكتفي بالحديث عن جهوده في التفسير من هذه الفترة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>١ - تميّز ابن عباس بالتفسير:</span>\nولد عبد الله بن عباس بن عبد المطلب قبل الهجرة بثلاث سنين، وتوفي رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وكانت وفاته سنة ٦٨ هـ- بالطائف (٣).\nوكان رسول الله قد دعا لعبد الله بالفقه والعلم مرتين، فذكر ابن سعد عن طاوس عن ابن عباس أنه قال: دعاني رسول الله ﷺ فمسح على ناصيتي، وقال: «اللهم علّمه الحكمة وتأويل الكتاب». وذكر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه كان في بيت خالته ميمونة، ووضع لرسول الله ﷺ وضوءا من الليل، فقالت: يا رسول الله وضع لك هذا عبد الله بن عباس، فقال: «اللهم فقّهه في الدين وعلّمه التأويل» (٤).\nوقد أصابت ابن عباس بركة دعاء النبي ﷺ له بالعلم، فكان أعلم الصحابة\n_________\n(١) يثوّر القرآن: أي ينقّر عنه ويفكر في معانيه (ينظر: ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث ١/ ٢٣٩).\n(٢) الزركشي: البرهان ٢/ ١٥٤، والسيوطي: الإتقان ٤/ ١٩٧.\n(٣) الداودي: طبقات المفسرين ١/ ٢٣٣.\n(٤) الطبقات الكبرى ٢/ ٣٥٦، وينظر: ابن حجر: فتح الباري ١/ ١٦٩ و٧/ ١٠٠.","vol":"1","page":172},{"text":"بتفسير القرآن، فهو بحر التفسير وحبر الأمة، الذي لم يكن على وجه الأرض في زمانه أعلم منه» (١).\nوكان ابن عباس إلى جانب ذكائه وفطنته حريصا على أخذ العلم عن كبار الصحابة، فكان في شبابه يسأل الصحابة ويكابد من أجل ذلك المشاق (٢)، وذكر أبو ليث السمرقندي: «أنه كان إذا أشكل عليه شيء من التفسير سأل أصحاب رسول الله ﷺ والمسلمين من أهل الكتاب الذين قرءوا الكتب مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه وغيرهما» (٣)، فاشتهر ابن عباس بالعلم والفطنة والذكاء.\nوكان عمر بن الخطاب ﵁ من أوائل من عرف ما كان لابن عباس من علامات الفطنة والذكاء وحسن تأويل القرآن، فكان يقدمه على صغر سنّه، ويجلسه مع أشياخ بدر (٤).\nوعرف ذلك أيضا عبد الله بن مسعود، فكان يقول: «نعم ترجمان القرآن عبد الله بن عباس» (٥)، وقد عاش ابن عباس بعد عبد الله بن مسعود ستا وثلاثين سنة، فذاع صيته واشتهر أمره، وسلّم له علماء الصحابة بتقدمه وعلمه، روي أن عبد الله بن عمر سمع تفسير ابن عباس لقوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما (٣٠) [الأنبياء] فقال: «قد كنت أقول: ما يعجبني جراءة ابن عباس على تفسير القرآن، فالآن قد علمت أنه أوتي علما» (٦).\n_________\n(١) ابن الجزري: غاية النهاية ١/ ٤٢٥.\n(٢) ينظر ابن سعد: الطبقات الكبرى ٢/ ٣٧١.\n(٣) بستان العارفين ص ٣٦١.\n(٤) ابن حجر: فتح الباري ٨/ ٧٣٤، والسيوطي: الاتقان ٤/ ٢٠٦.\n(٥) ابن سعد: الطبقات الكبرى ٢/ ٣٦٦، والسيوطي: الاتقان ٤/ ٢٠٥.\n(٦) ينظر: الطبري: جامع البيان ١/ ٤٠، والسيوطي: الاتقان ٤/ ٢٠٦.","vol":"1","page":173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>٢ - جهود ابن عباس في التفسير:</span>\nكان ابن عباس كثير العلم واسع المعرفة، فكان يجلس يوما لا يذكر فيه إلا الفقه، ويوما للتاويل، ويوما للمغازي، ويوما للشعر، ويوما لأيام العرب (١)، وقال عمرو بن دينار المكي (ت ١٢٦ هـ): ما رأيت مجلسا قط أجمع لكل خير من مجلس ابن عباس: للحلال والحرام، وتفسير القرآن، والعربية، والشعر، والطعام (٢). لكن شهرة ابن عباس بالتفسير فاقت شهرته بالجوانب الأخرى.\nوكانت لابن عباس مجالس عامة يفسر فيها القرآن للناس، على نحو ما فسر سورة البقرة، وفي رواية سورة النور في موسم الحج (٣) وله بعد ذلك جلسات مع خاصة تلامذته يفسر لهم القرآن، قال تلميذه مجاهد بن جبر المكي (ت ١٠٤ هـ):\nعرضت القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات، أقف عند كل آية أسأله فيم نزلت؟\nوكيف كانت؟ (٤) وتعددت الروايات عن ابن عباس في التفسير نتيجة لذلك، قال السيوطي: «وقد ورد عن ابن عباس في التفسير ما لا يحصى كثرة، وفيه روايات وطرق مختلفة» (٥).\nولم تصل إلينا مجموعة كاملة لجهود ابن عباس في تفسير القرآن الكريم، لأنه كان يفسر القرآن تفسيرا شفويا، ولم يدونه في كتاب، وإن كان من تلامذته من دوّن ما سمعه من أستاذه. وتحتفظ كتب التفسير القديمة بثروة كبيرة من جهود ابن عباس في التفسير، لا سيما تفسير الطبري، وتفسير ابن كثير، وتفسير السيوطي المسمى (الدر المنثور في التفسير بالمأثور). وتوجد اليوم مجموعات صغيرة متميزة من جهود ابن عباس في التفسير، أشهرها:\n_________\n(١) ابن سعد: الطبقات الكبرى ٢/ ٣٦٨.\n(٢) ابن الجزري: غاية النهاية ١/ ٤٢٦.\n(٣) ينظر: الطبري: جامع البيان ١/ ٤٠.\n(٤) الداودي: طبقات المفسرين ٢/ ٣٠٦.\n(٥) الإتقان: ٤/ ٢٠٧.","vol":"1","page":174},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>أ- صحيفة علي بن أبي طلحة عن ابن عباس:</span>\nقال السيوطي: «وقد روي عن ابن عباس في التفسير ما لا يحصى كثرة، وفيه روايات وطرق مختلفة، فمن جيدها طريق علي بن أبي طلحة الهاشمي عنه، قال أحمد بن حنبل: بمصر صحيفة في التفسير رواها علي بن أبي طلحة، لو رحل رجل إلى مصر قاصدا ما كان كثيرا ... قال ابن حجر: وهذه النسخة كانت عند أبي صالح كاتب الليث، رواها معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس. وهي عند البخاري عن أبي صالح، وقد اعتمد عليها في صحيحه كثيرا فيما يعلّقه عن ابن عباس، وأخرج منها ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر كثيرا، بوسائط بينهم وبين أبي صالح. وقال قوم: لم يسمع ابن أبي طلحة من ابن عباس التفسير، وإنما أخذه عن مجاهد أو سعيد بن جبير. قال ابن حجر:\nبعد أن عرفت الواسطة، وهو ثقة، فلا ضير في ذلك» (١).\nويميل بعض الباحثين إلى أن تلك الصحيفة هي تفسير ابن عباس الذي ألّفه بنفسه (٢). وقام الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي بجمع ما ورد في صحيح البخاري منقولا عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة في كتاب سمّاه (معجم غريب القرآن مستخرجا من صحيح البخاري).\nوأورد السيوطي في كتابه (الإتقان) (٣) ما تضمنته صحيفة علي بن أبي طلحة، وبلغ ما ورد فيها قريبا من ست مائة كلمة أو عبارة قرآنية، وزاد عليها السيوطي ما جا من ألفاظ في نسخة الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس لم ترد في الصحيفة المذكورة، وبلغت قريبا من مائة وأربعين كلمة، وهذا مثال مما نقله السيوطي من الصحيفة من سورة غافر (٤):\n_________\n(١) الإتقان ١/ ٢٠٧.\n(٢) فؤاد سزكين: تاريخ التراث العربي ١/ ١٨١.\n(٣) الإتقان ٢/ ٥ - ٥٤.\n(٤) الإتقان ٢/ ٣٤.","vol":"1","page":175},{"text":"ذِي الطَّوْلِ (٣): السعة والغنى.\nمِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ (٣١): حال.\nفِي تَبابٍ (٣٧): خسران.\nادْعُونِي (٦٠): وحّدوني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>ب- أجوبة مسائل نافع بن الأزرق:</span>\nقصة هذه المسائل هي على ما رواه أبو بكر الأنباري أنه «دخل نافع بن الأزرق إلى المسجد الحرام، فإذا هو بابن عباس جالسا على حوض من حياض السقاية، قد دلّى رجليه في الماء، وإذا الناس قيام عليه يسألونه عن التفسير، فإذا هو لا يحبسهم بتفسيره. فقال نافع: تالله ما رأيت رجلا أجرأ على ما تأتي به منك يا ابن عباس! فقال له ابن عباس: ثكلتك أمك، أولا أدلّك على من هو أجرأ مني؟ قال: من هو؟ قال: رجل تكلم بغير علم، أو كتم علما عنده. فقال نافع: يا ابن عباس، إني أريد أن أسألك عن أشياء فأخبرني بها. قال: سل عما شئت ... قال أخبرني عن قوله: وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ (٣٥) [المائدة]، قال:\nالوسيلة: الحاجة، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت عنترة وهو يقول:\nإن الرجال لهم إليك وسيلة ...» (١).\nوقال السيوطي في (الإتقان): «وقد أخرج بعضها ابن الأنباري في كتاب (الوقف)، والطبراني في معجمه الكبير، وقد رأيت أن أسوقها هنا بتمامها» (٢).\nوقد بلغت المسائل التي أوردها السيوطي مائة وثمانيا وثمانين مسألة.\n_________\n(١) إيضاح الوقف والابتداء ١/ ٧٦.\n(٢) الإتقان ٢/ ٥٥.","vol":"1","page":176},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>ج- كتاب (اللغات في القرآن):</span>\nروى عبد الله بن الحسين بن حسنون المقرئ (ت ٣٦٨ هـ) بإسناده عن ابن عباس كتاب (اللغات في القرآن) (١)، تحدث فيه عن ألفاظ من القرآن، ذكر أنها جاءت في لغة من لغات العرب، على نحو ما جاء من ذلك في سورة الأنفال (٢):\nقوله ﷿: رِجْزَ الشَّيْطانِ (١١): يعمي تخويف الشيطان بلغة قريش.\nيَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقانًا (٢٩): يعني مخرجا بلغة هذيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>د- تنوير المقباس من تفسير ابن عباس:</span>\nومن الآثار التي تنسب إلى عبد الله بن عباس تفسير جمعه أبو طاهر محمد ابن يعقوب الفيروزآبادي (ت ٨١٧ هـ) مؤلف (القاموس المحيط)، وسماه (تنوير المقباس من تفسير ابن عباس) (٣).\nوهناك شك كبير في صحة نسبة ما جاء في هذا التفسير إلى ابن عباس، سيما أن إسناده ينتهي إلى محمد بن مروان السّدي عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس (٤)، وقد قال السيوطي: إن أوهى الطرق التي نقلت لنا تفسير ابن عباس هي طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، فإن انضم إلى ذلك رواية محمد بن مروان السّدي الصغير فهي سلسلة الكذب (٥).\n_________\n(١) نشره الدكتور صلاح الدين المنجد، في ٧٥ صفحة، والنص يستغرق من ص ١٥ - ٥٥.\n(٢) كتاب اللغات في القرآن ص ٢٦.\n(٣) من طبعاته طبعة عبد الحميد حنفي أحمد بمصر سنة ١٣٥٦ هـ، بهامش القرآن الكريم، باسم (تنوير المقياس) بالياء بدل (المقباس) بالباء، وهو تصحيف (ينظر: الداودي:\nطبقات المفسرين ٢/ ٢٧٦، وفؤاد سزكين: تاريخ التراث العربي ١/ ١٨٢).\n(٤) تنوير المقياس ص ٢.\n(٥) الإتقان ٤/ ٢٠٩.","vol":"1","page":177},{"text":"وقال الشيخ محمد حسين الذهبي: «وقد نسب إلى ابن عباس، ﵁، جزء كبير في التفسير، وطبع في مصر مرارا باسم (تنوير المقباس من تفسير ابن عباس) ... إن هذا التفسير المنسوب إلى ابن عباس لم يفقد شيئا من قيمته العلمية في الغالب، وإنما الشيء الذي لا قيمة له فيه هو نسبته إلى ابن عباس» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>٣ - منهج ابن عباس في تفسير القرآن:</span>\nإن الحديث عن منهج ابن عباس في التفسير يقتضي الوقوف على ما روي عنه في ذلك، لكن جهود ابن عباس في التفسير ما زالت موزعة في التفاسير القديمة ولم تستخلص بشكل مستقل، على أن ذلك لا يمنع من ذكر ما لاحظه الدارسون حول منهجه في تفسير القرآن الكريم، فمن ذلك:\nأ- يعدّ تفسير ابن عباس، في مختلف أصوله، أول محاولة لشرح ألفاظ القرآن شرحا لغويا (٢). وكان يعتمد في ذلك الشرح على شعر العرب في أغلب الأحيان، قال سعيد بن جبير: سمعنا ابن عباس يسأل عن الشيء من القرآن، فيقول: فيه كذا وكذا، أما سمعتم قول الشاعر يقول فيه كذا وكذا (٣). وكان ابن عباس يقول: «إذا أعيتكم العربية في القرآن فالتمسوها في الشعر، فإنه ديوان العرب» (٤).\nب- جاء في بعض الروايات المنقولة عن ابن عباس في التفسير أخبار منقولة عن أهل الكتاب تتعلق ببدء الخليفة أو قصص الأنبياء، وقد عرفت تلك الأخبار في كتب التفسير بالإسرائيليات. قال ابن كثير، بعد أن نقل رواية عن السدي أوردها في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن\n_________\n(١) التفسير والمفسرون ١/ ٨١.\n(٢) فؤاد سزكين: تاريخ التراث العربي ١/ ١٨٠.\n(٣) أبو بكر الأنباري: كتاب إيضاح الوقف والابتداء ١/ ٦٢.\n(٤) لمصدر نفسه ١/ ١٠١.","vol":"1","page":178},{"text":"عباس، وعن مرّة عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب النبي ﷺ:\n«فهذا الإسناد إلى هؤلاء الصحابة مشهور في تفسير السدي، ويقع فيه إسرائيليات كثيرة، فلعل بعضها مدرج ليس من كلام الصحابة، أو أنهم أخذوه من بعض الكتب المتقدمة، والله أعلم» (١).\nوجاء في رواية نقلها ابن كثير عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله الأنصاري، عن ابن عباس أنه قال: «يا معشر المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتاب الله الذي أنزله على نبيه أحدث أخبار الله، تقرءونه غضا لم يشب، وقد حدثكم الله تعالى أن أهل الكتاب قد بدّلوا كتاب الله وغيّروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: هو من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا، أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم؟ ولا والله ما رأينا منهم أحدا قط سألكم عن الذي أنزل عليكم» (٢). وهذه الرواية تدل على أن ابن عباس يرفض الأخذ عن أهل الكتاب، وقد لا تكون مناقضة لدلالة الرواية التي نقلناها عن أبي الليث السمرقندي من أن ابن عباس إذا أشكل عليه شيء من التفسير سأل الصحابة «والمسلمين من أهل الكتاب الذين قرءوا الكتب مثل كعب الأحبار ...» فهؤلاء قد أسلموا.\nج- ورد في أكثر من مصدر من المصادر القديمة أن ابن عباس، ﵁، قال: التفسير أربعة أوجه:\nتفسير تعرفه العرب من كلامها.\nوتفسير لا يعذر أحد بجهالته، يقول: الحلال والحرام.\nوتفسير يعلمه العلماء خاصة.\nوتفسير لا يعلمه إلا الله، ومن ادّعى علمه فهو كاذب (٣).\n_________\n(١) تفسير القرآن العظيم ١/ ٧٧.\n(٢) المصدر نفسه ١/ ١١٨ - ١١٩.\n(٣) ينظر: الكبرى: جامع البيان ١/ ٣٤، وابن تيمية: مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٧٥ و٣٨٤، والزركشي: البرهان ٢/ ١٦٤، والسيوطي: الإتقان ٤/ ١٨٨.","vol":"1","page":179},{"text":"وهذا القول يحدد بعض ملامح منهج ابن عباس في التفسير، فهو يؤكد على استناد كثير من التفسير على العلم باللغة العربية، كما يشير أن من آي القرآن ما استأثر ﷺ تعالى بعلمه، وهو يأخذ عمليا بهذا التوجه، فقد روي أن رجلا سأل ابن عباس عن قوله تعالى: يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ (٥) [السجدة] فقال له ابن عباس: فما يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤) [المعارج] فقال الرجل:\nإنما سألتك لتحدثني، فقال ابن عباس: هما يومان ذكرهما الله في كتابه، الله أعلم بهما (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>ثالثا- التفسير في عصر التابعين:</span>\nإن التابعين تلقوا التفسير عن الصحابة، كما تلقوا عنهم علم السّنّة (٢).\nواتسعت حركة التفسير في عصر التابعين لازدياد حاجة الناس إليه لفهم آيات القرآن الكريم، بعد أن ضعفت ملكة اللغة وبعد أن دخل في الدين أمم متنوعة اللغات والثقافات، فنشأ في الأمصار الإسلامية جماعة من العلماء اشتغلوا بتفسير القرآن، معتمدين في ذلك على ما تلقوه عن الصحابة، وعلى ما وصل إليه علمهم في فهم آيات الكتاب الحكيم. ويبدو أن هذه الفترة شهدت أولى محاولات تدوين التفسير تدوينا منظما، إذا صح أن جهود ابن عباس كانت تروى رواية، أو أنها لم تدون تدوينا منظما.\nواشتهر من علماء التابعين في كل مصر من الأمصار الإسلامية جماعة من المفسرين، خاصة في مكة والمدينة والكوفة والبصرة، أما أهل الشام فإنهم في هذه الحقبة «كانوا أهل غزو وجهاد، فكان لهم من العلم بالجهاد والسير ما ليس لغيرهم» (٣). قال ابن تيمية، ﵀: «وأما التفسير فإن أعلم الناس به أهل مكة،\n_________\n(١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٧٢.\n(٢) المصدر نفسه ١٣/ ٣٣٢.\n(٣) المصدر نفسه ١٣/ ٣٤٧.","vol":"1","page":180},{"text":"لأنهم أصحاب ابن عباس، كمجاهد وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم من أصحاب ابن عباس، كطاوس، وأبي الشعثاء، وسعيد بن جبير، وأمثالهم. وكذلك أهل الكوفة من أصحاب ابن مسعود، وعلماء أهل المدينة في التفسير، مثل زيد بن أسلم، الذي أخذ عنه مالك التفسير، وأخذ عنه أيضا ابنه عبد الرحمن، وأخذه عن عبد الرحمن عبد الله بن وهب» (١).\nونميز من خلال هذا القول ثلاثة مراكز علمية ازدهر فيها التفسير في زمن التابعين، هي مكة، والمدينة، والكوفة، لكن أثر المفسرين الذين نشئوا في هذه المراكز لم يقتصر على المدن التي نشئوا فيها، وإنما امتد إلى الأمصار الأخرى، فلم يكن في تلك العصور حدود تمنع العلماء من التنقل في الأمصار الإسلامية، أو طلبة العلم من الرحلة\nإلى العلماء في مكان إقامتهم.\nأما مكة فقد نشأت فيها مدرسة للتفسير، أرسى ابن عباس أسسها، وشادها تلامذته من بعده. وأشهر تلامذته مجاهد بن جبر أبو الحجاج المكي (ت ١٠٤ هـ). قال عبد الله بن أبي مليكة: «رأيت مجاهدا سأل ابن عباس عن تفسير القرآن ومعه ألواحه، فيقول له ابن عباس: اكتب، حتى سأله عن التفسير كله» (٢). ويروى عن مجاهد أنه قال: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات، أقف عند كل آية أسأله فيم نزلت؟ وكيف كانت؟ (٣).\nوحاز مجاهد سمعة طيبة في مجال التفسير، فنجد خصيف بن عبد الرحمن (ت ١٣٧ هـ) يقول: «كان أعلمهم بالتفسير مجاهد» (٤). وكان سفيان الثوري (ت ١٦١ هـ) يقول: «إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به» (٥).\n_________\n(١) مقدمة في التفسير ص ٦١، ومجموع الفتاوى (له) ١٣/ ٣٤٧.\n(٢) الطبري: جامع البيان ١/ ٤٠.\n(٣) السيوطي: الإتقان ٤/ ٢١٠، والداودي: طبقات المفسرين ٢/ ٣٠٦.\n(٤) السيوطي: الإتقان ٤/ ٢١٠.\n(٥) الطبري: جامع البيان ١/ ٤٠.","vol":"1","page":181},{"text":"وينسب المؤرخون إلى مجاهد كتابا في (التفسير) (١). وقد طبع تفسير مجاهد من رواية عبد الله بن أبي نجيح (ت ١٣١ هـ) (٢). ولا يتناول هذا التفسير كل آيات القرآن، وإنما يقتصر على مواضع من كل سورة، على ترتيب المصحف. وفيه شرح لغوي للألفاظ، كما يبيّن أحيانا سبب نزول الآيات والقصة التي تتعلق بها (٣).\nومن علماء التفسير الذين أخذوا عن ابن عباس، من طبقة التابعين، عكرمة مولى ابن عباس (ت ١٠٤ هـ)، الذي قال: «كان ابن عباس يجعل في رجلي الكبل، ويعلمني القرآن والسنن». وأثمرت هذه الشدة في التعليم، فكان الشعبي يقول: «ما بقي أحد أعلم بكتاب الله من عكرمة»، ويفخر عكرمة بقوله: «لقد فسّرت ما بين اللوحين»، لكنه لا ينكر فضل أستاذه عليه فيقول: «كل شيء أحدثكم في القرآن فهو عن ابن عباس» (٤).\nوممن أخذ التفسير عن ابن عباس أيضا عطاء بن أبي رباح (ت ١١٥ هـ)، وطاوس بن كيسان اليماني (ت ١٠٦ هـ)، وأبو الشعثاء جابر بن زيد البصري (ت ١٠٣ هـ)، ومنهم سعيد بن جبير الكوفي (ت ٩٥ هـ) (٥).\nأما المدينة فإنه كان فيها من التابعين ممن اشتهر بالتفسير زيد بن أسلم المدني (ت ١٣٦ هـ)، الذي كانت له حلقة للعلم في مسجد النبي ﷺ وقد قال عنه يعقوب بن شيبة: ثقة من أهل الفقه والعلم، عالم بتفسير القرآن، له كتاب في (التفسير) يرويه عنه ولده عبد الرحمن (٦).\n_________\n(١) الداودي: طبقات المفسرين ٢/ ٣٠٦، وفؤاد سزكين: تاريخ التراث العربي ١/ ١٨٦.\n(٢) طبع سنة ١٣٩٦ هـ ١٩٧٦ م، بتحقيق عبد الرحمن الطاهر بن محمد السورتي.\n(٣) ينظر: مقدمة محقق تفسير مجاهد ص ٣٧.\n(٤) ينظر في هذه الأقوال: السيوطي: الإتقان ٤/ ٢١١.\n(٥) ينظر: السيوطي: الإتقان ٤/ ٢١٠ - ٢١١.\n(٦) السيوطي: طبقات الحفاظ ص ٥٣، والداودي: طبقات المفسرين ١/ ١٧٦.","vol":"1","page":182},{"text":"وكان من تلامذة زيد الإمام مالك بن أنس (ت ١٧٩ هـ)، كما أخذ عنه التفسير ابنه عبد الرحمن (ت ١٨٢ هـ) الذي ألّف كتابا في (التفسير) وآخر في (الناسخ والمنسوخ) (١).\nأما في الكوفة فإن أشهر علمائها في التفسير زمن التابعين تلامذة عبد الله بن مسعود، يقول مسروق بن عبد الرحمن (ت ٦٣ هـ)، أحد تلامذة هذه المدرسة:\n«كان عبد الله يقرأ علينا السورة، ثم يحدثنا فيها، ويفسرها، عامة النهار» (٢)، ومن تلامذة هذه المدرسة أيضا علقمة بن قيس (ت ٦١ هـ)، والأسود بن يزيد النخعي (ت ٦٤ هـ)، وعبيدة بن عمرو السلماني (ت ٧٣ هـ)، ومرة بن شراحيل الهمداني (ت ٧٦ هـ) (٣).\nوكان في البصرة في عصر التابعين مفسرون، أخذ عدد منهم التفسير عن ابن عباس مثل: أبي الشعثاء جابر بن زيد (ت ١٠٣ هـ) الذي أخذ التفسير عن ابن عباس، ومنهم قتادة بن دعامة السدوسي (ت ١١٨ هـ)، والحسن البصري (ت ١١٠ هـ)، والربيع بن أنس البصري (ت ١٣٩ هـ) نزيل خراسان (٤).\nتلك هي المعالم البارزة لجهود التابعين في التفسير، وهي لا ترسم صورة كافية لتطور التفسير في هذه المرحلة التي تمثل البداية للتدوين المنظم لهذا العلم.\nولكن فقدان جل تفاسير هذه الفترة يستلزم تتبع الروايات المنقولة عن مفسري التابعين في التفاسير الكبيرة، مثل: تفسير الطبري، وابن كثير، والسيوطي، ويمكن من خلال ذلك إعادة تشكيل تلك التفاسير ودراستها، لكن ذلك يخرج عن طبيعة هذه المحاضرات وهدفها.\n_________\n(١) الداودي: طبقات المفسرين ١/ ١٦٥.\n(٢) الطبري: جامع البيان ١/ ٣٥.\n(٣) ينظر: محمد حسين الذهبي: التفسير والمفسرون ١/ ١١٨ - ١٢٦.\n(٤) ينظر: الزركشي: البرهان ٢/ ١٥٨، والسيوطي: الإتقان ٤/ ٢١٠.","vol":"1","page":183},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>رابعا- التفسير في مرحلة المصنفات الجامعة:</span>\nازدادت مادة التفسير بعد عصر التابعين، وبدأت تظهر المصنفات التي جمع مؤلفوها أقوال الصحابة والتابعين في التفسير، وذكر الداودي في كتابه (طبقات المفسرين) في ترجمة الإمام مالك بن أنس (ت ١٧٩ هـ) أنه «هو أول من صنف تفسير القرآن على طريقة الموطأ، تبعه الأئمة، فقلّ حافظ إلا وله تفسير مسند» (١).\nوتحدث السيوطي عن حركة التأليف في مجال التفسير بعد عصر التابعين، فقال بعد أن ذكر المفسرين من الصحابة والتابعين: «ثم بعد هذه الطبقة ألّفت تفاسير تجمع أقوال الصحابة والتابعين، كتفسير سفيان بن عيينة (ت ١٩٨ هـ)، ووكيع بن الجراح (ت ١٩٧ هـ)، وشعبة بن الحجاج (ت ١٦٠ هـ)، ويزيد بن هارون (ت ٢٠٦ هـ)، وعبد الرزاق (ت ٢١١ هـ)، وآدم بن أبي إياس (ت ٢١١ هـ)، وإسحاق بن راهويه (ت ٢٣٨ هـ)، وروح بن عبادة (ت ٢٥٠ هـ)، وعبد بن حميد (ت ٢٤٩ هـ)، وسنيد (ت ٢٢٦ هـ)، وأبي بكر بن أبي شيبة (ت ٢٣٥ هـ)، وآخرين.\nوبعدهم ابن جرير الطبري، وكتابه أجل التفاسير وأعظمها، ثم ابن أبي حاتم، وابن ماجة، وابن مردويه، وأبو الشيخ بن حيان، وابن المنذر، في آخرين، وكلها مسندة إلى الصحابة والتابعين وأتباعهم، وليس فيها غير ذلك إلا ابن جرير، فإنه يتعرض لتوجيه الأقوال وترجيح بعضها على بعض، والإعراب والاستنباط، فهو يفوقها بذلك» (٢).\nوتحدث أبو حيان الأندلسي عن تطور التأليف في التفسير بعد عصر التابعين\n_________\n(١) طبقات المفسرين ٢/ ٢٩٩. وذكر الشيخ محمد الفاضل بن عاشور في كتابه (التفسير ورجاله ص ٣٣) أن عبد الملك بن جريج (ت ١٥٠ هـ) كان أول من ألف في التفسير. لكني وجدت الداودي يذكر أن ابن جريج كان أول من صنف الكتب في الحجاز (طبقات المفسرين ١/ ٣٥٧).\n(٢) الإتقان ٤/ ٢١١ - ٢١٢.","vol":"1","page":184},{"text":"وظهور الحاجة إلى التعمق في الكشف عن معاني القرآن، فقال: «ثم تتابع الناس في التفسير وألفوا فيه التآليف. وكانت تآليف المتقدمين أكثرها إنما هي في شرح اللغة، ونقل سبب ونسخ وقصص، لأنهم كانوا قريبي عهد بالعرب وبلسان العرب، فلما فسد اللسان وكثرت العجم، ودخل في دين الإسلام أنواع الأمم المختلفو الألسنة ... احتاج المتأخرون إلى إظهار ما انطوى عليه كتاب الله تعالى من غرائب التراكيب، وانتزاع المعاني، وإبراز النكت البيانية، حتى يدرك ذلك من لم تكن في طبعه، ويكتسبها من لم تكن نشأته عليها ...» (١).\nوتطورت الحياة العلمية في الأمة الإسلامية تطورا سريعا، وتنوعت المعارف والثقافات، وبرزت المذاهب الفقهية، والاتجاهات الفكرية، وانعكس ذلك على تفسير القرآن الكريم، فتأثرت التفاسير بثقافة المفسر وتوجهاته الفكرية، فتنوعت تبعا لذلك. وكان السيوطي، ﵀، قد تحدث عن هذا التطور في التأليف في علم التفسير، فقال بعد أن ذكر التفاسير الجامعة لأقوال الصحابة والتابعين وتابعيهم، فقال:\n«ثم ألّف في التفسير خلائق! فاختصروا الأسانيد، ونقلوا الأقوال بترا، فدخل من هنا الدخيل، والتبس الصحيح بالعليل. ثم صار كل من يسنح له قول يورده، ومن يخطر بباله شيء يعتمده، ثم ينقل ذلك عنه من يجيء بعده ظانّا أن له أصلا، غير ملتفت إلى تحرير ما ورد عن السلف الصالح، ومن يرجع إليهم في التفسير، حتى رأيت من حكى في تفسير قوله تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧) [الفاتحة] نحو عشرة أقوال. وتفسيرها باليهود والنصارى هو الوارد عن النبي ﷺ وجميع الصحابة والتابعين وأتباعهم، حتى قال ابن أبي حاتم: لا أعلم في ذلك اختلافا بين المفسرين.\n_________\n(١) البحر المحيط ١/ ١٣.","vol":"1","page":185},{"text":"ثم صنّف بعد ذلك قوم برعوا في علوم، فكان كل منهم يقتصر في تفسيره على الفن الذي يغلب عليه:\nفالنحوي تراه ليس له همّ إلا الإعراب، وتكثير الأوجه المحتملة فيه، ونقل قواعد النحو ومسائله وفروعه وخلافياته، كالزجّاج، والواحدي في «البسيط»، وأبي حيّان في «البحر» و«النهر».\nوالأخباري ليس له شغل إلا القصص واستيفاءها والإخبار عمّن سلف، سواء كانت صحيحة أو باطلة، كالثعلبي.\nوالفقيه يكاد يسرد فيه الفقه من باب الطهارة إلى أمهات الأولاد، وربما استطرد إلى إقامة أدلة الفروع الفقهية التي لا تعلق لها بالآية، والجواب عن أدلة المخالفين، كالقرطبي.\nوصاحب العلوم العقلية، خصوصا فخر الدين، قد ملأ تفسيره بأقوال الحكماء والفلاسفة وشبهها، وخرج من شيء إلى شيء، حتى يقضي الناظر فيه العجب من عدم مطابقة المورد للآية، قال أبو حيان في «البحر» (١): جمع الإمام الرازي في تفسيره أشياء كثيرة طويلة لا حاجة بها في علم التفسير، ولذلك قال بعض العلماء: فيه كل شيء إلا التفسير.\nوالمبتدع ليس له قصد إلا تحريف الآيات وتسويتها على مذهبه الفاسد، بحيث إنه متى لاح له شاردة من بعيد اقتنصها، أو وجد موضعا فيه أدنى مجال سارع إليه ...» (٢).\n_________\n(١) البحر المحيط ١/ ٣٤١.\n(٢) الإتقان ٤/ ٢١٢ - ٢١٣.","vol":"1","page":186},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>المبحث الثاني دراسة موجزة لأشهر التفاسير القديمة</span>\nإن دراسة التفاسير التي كتبها علماء السلف دراسة وافية تكشف عن حال كاتبيها، وتبين منهجهم في التفسير، أمر يحتاج إلى مجال أوسع مما تسمح به طبيعة هذه المحاضرات (١)، إلا أن ذلك لا يمنع من معرفة أسماء أشهر التفاسير القديمة، والاتجاهات العامة التي كتبت في إطارها، ودراسة تفاسير تمثل تلك الاتجاهات، حتى يتعرف الطالب عليها وتكون لديه فكرة عنها، تساعده في الرجوع إليها والاستفادة منها، عند الرغبة في ذلك أو الحاجة إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>أولا- من كتب التفسير بالمأثور: «جامع البيان للطبري»</span>\nالطبري هو محمد بن جرير، أبو جعفر، ولد بآمل سنة ٢٢٤ هـ، ورحل في طلب العلم، وسمع بالعراق ومصر والشام من خلق كثير، واستوطن بغداد، وأقام فيها حتى وفاته سنة ٣١٠ هـ (٢).\nقال عنه الخطيب البغدادي: «أحد أئمة العلماء، يحكم بقوله، ويرجع إلى رأيه ومعرفته وفضله، وقد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، وكان حافظا لكتاب الله، عارفا بالقراءات، بصيرا بالمعاني، فقيها بأحكام القرآن، عالما بالسنن وطرقها، وصحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، عارفا بأقوال الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من الخالفين، في الأحكام ومسائل الحلال والحرام، عارفا بأيام الناس وأخبارهم، وله الكتاب المشهور في (تاريخ\n_________\n(١) أوسع كتاب في تراجم المفسرين: (طبقات المفسرين) للداودي، وهو مطبوع في جزءين، وأوسع كتاب في اتجاهات التفسير ومناهج المفسرين: كتاب (التفسير والمفسرون) لمحمد حسين الذهبي، وهو مطبوع في جزءين.\n(٢) ينظر ترجمة الطبري في طبقات المفسرين للداودي ٢/ ١٠٦ - ١١٤.","vol":"1","page":187},{"text":"الأمم والملوك) وكتاب في (التفسير) لم يصنّف أحد مثله، وكتاب سماه (تهذيب الآثار) لم أر سواه في معناه، إلا أنه لم يتمه، وكتاب حسن في القراءات سماه (الجامع)، وله في أصول الفقه وفروعه كتب كثيرة، واختار من أقاويل الفقهاء، وتفرد بمسائل حفظت عنه» (١).\nوتفسير الطبري المسمى (جامع البيان عن تأويل آي القرآن) عظيم القدر، عرف قيمته القدماء والمعاصرون. قال عنه أبو حامد الأسفراييني: «لو رحل رجل إلى الصين في تحصيله لم يكن كثيرا» (٢). ووصف ابن تيمية تفسير الطبري بأنه من أجل التفاسير وأعظمها قدرا (٣). وقال السيوطي: «فإن قلت: فأي التفاسير ترشد إليه، وتأمر الناظر أن يعوّل عليه؟ قلت: تفسير الإمام أبي جعفر بن جرير الطبري، الذي أجمع العلماء المعتبرون على أنه لم يؤلف في التفسير مثله» (٤).\nوتفسير الطبري من أكبر كتب التفسير، يقع في ثلاثين جزءا، وهو مطبوع عدة طبعات. وهو تفسير شامل فسّر فيه الطبري القرآن الكريم آية آية، وكلمة كلمة. وهو يقسّم السورة إلى مجموعات، تضم كل مجموعة آية أو أكثر، ويبدأ تفسير كل مجموعة بقوله: (القول في تأويل (٥) قوله تعالى ...)، ثم يبيّن المعنى في إيجاز بأسلوبه وعبارته، ثم يقول: (وبمثل الذي قلنا في تأويل الآية قال جماعة من أهل التأويل)، ويعقب ذلك مباشرة بقوله: (ذكر من قال ذلك) فيذكر الروايات المنقولة في الآية أو الكلمة التي يفسرها عن النبي ﷺ أو مفسري الصحابة والتابعين وتابعيهم. وإذا كان هناك اختلاف في تفسير شيء من القرآن\n_________\n(١) تاريخ بغداد ٢/ ١٦٣.\n(٢) السيوطي: طبقات الحفاظ ص ٣٠٧.\n(٣) مقدمة في أصول التفسير ص ٩٠، ومجموع الفتاوى (له) ١٣/ ٣٦١.\n(٤) الإتقان ٤/ ٢١٣.\n(٥) يستخدم الطبري كلمة (التأويل) مرادفة لكلمة (التفسير).","vol":"1","page":188},{"text":"بين أهل التفسير فإنه يقول: (وقد اختلف أهل التأويل في تأويل قوله ... فقال بعضهم ... وقال آخرون).\nوالطبري لا يقف عند حدود النقل، فكثيرا ما يرجح بين الروايات، أو ينقدها، ويختار من ذلك ما يراه أقوى حجة وأوضح دليلا، ويقول: (والصواب عندنا في ذلك). وهو\nيذكر وجوه القراءات ويوجهها، ويذكر وجوه الإعراب ويبين آراء النحويين فيها، ويشير إلى الأحكام الفقهية عند تفسيره آيات الأحكام فيبين مذاهب الفقهاء فيها (١).\nويأتي تفسير الطبري على رأس مجموعة من التفاسير التي التزمت بنقل الروايات المأثورة في التفسير عن النبي ﷺ والصحابة والتابعين خاصة، ولعل أشهر التفاسير في هذا الاتجاه بعد تفسير الطبري (٢) ما يأتي (٣):\n١ - بحر العلوم- للسمرقندي، وهو أبو الليث نصر بن محمد بن إبراهيم، المتوفى سنة ٣٧٥ هـ.\n٢ - الكشف والبيان عن تفسير القرآن- للثعلبي، وهو أبو إسحاق أحمد بن إبراهيم، المتوفى سنة ٤٢٧ هـ.\n٣ - معالم التنزيل- للبغوي، وهو أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد المعروف بالفراء، المتوفى سنة ٥١٠ هـ.\n٤ - المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز- لابن عطية، وهو أبو محمد عبد الحق بن غالب الأندلسي، المتوفى سنة ٥٤٦ هـ.\n_________\n(١) ينظر تفصيل منهج الطبري في التفسير: محمد حسين الذهبي: التفسير والمفسرون ١/ ١٧٣ - ١٧٤.\n(٢) ألّف يحيى بن سلام البصري الإفريقي (ت ٢٠٠ هـ) كتابا جامعا في التفسير، بناه على إيراد الأخبار مسندة، وتعقبها بالنقد والاختيار، ولا يزال مخطوطا (ينظر: محمد الفاضل ابن عاشور: التفسير ورجاله ص ٤٣).\n(٣) ينظر: محمد حسين الذهبي: التفسير والمفسرون ١/ ٢٠٤.","vol":"1","page":189},{"text":"٥ - تفسير القرآن العظيم- لابن كثير، وهو الحافظ عماد الدين أبو الفداء إسماعيل ابن عمر الدمشقي المتوفى سنة ٧٧٤ هـ.\n٦ - الجواهر الحسان في تفسير القرآن- للثعالبي، وهو أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الجزائري، المتوفى سنة ٨٧٦ هـ.\n٧ - الدر المنثور في التفسير بالمأثور- للسيوطي، وهو جلال الدين عبد الرحمن ابن أبي بكر، المتوفى سنة ٩١١ هـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>الإسرائيليات في كتب التفسير بالمأثور:</span>\nوأخذ على كتب التفسير بالمأثور أنه دخلها كثير من الروايات المنقولة عن أهل الكتاب، تتعلق بتفسير الآيات التي تتحدث عن بدء الخليقة وقصص الأنبياء وأخبار الأمم الغابرة، مما لا علاقة له بأمور العقيدة والأحكام الشرعية، وهو ما يسمى عند أهل التفسير بالإسرائيليات نسبة إلى بني إسرائيل (١).\nولا شك في أن القرآن الكريم نسخ الديانات السابقة، كما نسخ كتبها، لكنّ هناك موضوعات أشار إليها القرآن الكريم ورد ذكرها في كتب الأنبياء السابقين مثل التوراة والإنجيل، لم يمنع النبي ﷺ من الاطلاع عليها، لكن مع الحذر من أن تكون محرّفة أو منتحلة. فقد روى البخاري عن عبد الله بن عمرو، ﵁، أن النبي ﷺ قال: «بلّغوا عني ولو آية، وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» (٢).\nكما روى البخاري عن أبي هريرة، ﵁، أنه قال: «كان أهل\n_________\n(١) تفصيل موضوع الإسرائيليات في كتب التفسير ينظر عند: رمزي نعناعة: الإسرائيليات وأثرها في كتب التفسير. ومحمد محمد أبو شهبة: الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير.\n(٢) مختصر صحيح البخاري ٤٦١ كتاب الأنبياء رقم الحديث ١٣٧٩.","vol":"1","page":190},{"text":"الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ؛ لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى (١٣٦) الآية» (١).\nوكان ابن تيمية، ﵀، قد ناقش الروايات الإسرائيلية في كتب التفسير، وقسمها على ثلاثة أقسام، فقد قال: «ولكن هذه الأحاديث الإسرائيلية تذكر للاستشهاد لا للاعتقاد (٢)، فإنها على ثلاثة أقسام:\nأحدها: ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق فذاك صحيح.\nوالثاني: ما علمنا كذبه بما عندنا مما يخالفه.\nوالثالث: ما هو مسكوت عنه لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل، فلا نؤمن به ولا نكذبه، وتجوز حكايته لما تقدم (٣)، وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني ... كما يذكرون في مثل هذا أسماء أصحاب الكهف، ولون كلبهم، وعدتهم ...» (٤).\nوأفاض ابن خلدون في الحديث عن أصل الإسرائيليات وسبب وجودها في كتب التفسير، فقال: «وقد جمع المتقدمون في ذلك وأوعوا، إلا أن كتبهم ومنقولاتهم تشتمل على الغث والسمين، والمقبول والمردود، والسبب في ذلك أن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم، وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية، وإذا تشوقوا إلى معرفة شيء، مما تتشوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجود، فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم، ويستفيدونه منهم، وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى،\n_________\n(١) ابن حجر: فتح الباري ٨/ ١٧٠.\n(٢) في تفسير ابن كثير (١/ ٥): «تذكر للاستشهاد لا للاعتقاد».\n(٣) يشير إلى قوله ﷺ: «... وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج».\n(٤) مقدمة في أصول التفسير ص ١٠٠، ومجموع الفتاوى (له) ١٣/ ٣٦٦.","vol":"1","page":191},{"text":"وأهل التوراة الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم، ولا يعرفون من ذلك إلا ما يعرفه العامة من أهل الكتاب، ومعظمهم من حمير الذين أخذوا بدين اليهودية، فلما أسلموا بقوا على ما كان عندهم مما لا علاقة له بالأحكام الشرعية التي يحتاطون لها، مثل أخبار بدء الخليقة، وما يرجع إلى الحدثان والملاحم وأمثال ذلك. وهؤلاء مثل كعب الاحبار، ووهب بن منبه، وعبد الله بن سلام وأمثالهم، فامتلأت التفاسير من المنقولات عنهم، وفي أمثال هذه الأغراض أخبار موقوفة عليهم، وليست مما يرجع إلى الأحكام فيتحرّى فيها الصحة التي يجب بها العمل، وتساهل المفسرون في مثل ذلك، وملئوا الكتب بهذه المنقولات، وأصلها كما قلنا عن أهل التوراة الذين يسكنون البادية، ولا تحقيق عندهم بمعرفة ما ينقلونه من ذلك، إلا أنهم بعد صيتهم، وعظمت أقدارهم، لما كانوا عليه من المقامات في الدين والملة، فتلقّيت بالقبول من يومئذ ...» (١).\nويبدو أن تعليل ابن خلدون سبب ضعف تلك الروايات بأنها أخذت عن أهل الكتاب الذين كانوا يسكنون البادية لا ينطبق على جميع ما روي من تلك المنقولات، فقد جاء في الحديث السابق الذي رواه أبو هريرة، ﵁، أن أهل الكتاب كانوا يقرءون التوراة بالعبرانية ويترجمونها إلى العربية لأهل الإسلام، وهؤلاء لا يمكن وصفهم بأنهم من أهل البادية الذين لا علم عندهم، ولكن هذا النقل المباشر عن التوراة لا يمنع من وصف تلك الروايات بالضعف، أو عدم القطع بصحتها، فالنبي ﷺ قال: (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم)، لأن تلك الروايات قد تكون صحيحة، وقد تكون مكذوبة، بسبب ما تعرضت له كتبهم من التحريف والزيادة.\nإن أكثر ما يروى في كتب التفسير من الإسرائيليات يرجع إلى أربعة أشخاص هم (٢):\n_________\n(١) المقدمة ص ٤٣٩ - ٤٤٠.\n(٢) ينظر: محمد حسين الذهبي: التفسير والمفسرون ١/ ١٨٣.","vol":"1","page":192},{"text":"١ - الصحابي الكريم عبد الله بن سلام، توفي بالمدينة سنة ٤٣ هـ.\n٢ - كعب الأحبار، كعب بن ماتع الحميري، توفي بحمص سنة ٣٢ هـ.\n٣ - وهب بن منبّه الصنعاني، توفي بصنعاء سنة ١٤٤ هـ على خلاف.\n٤ - عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، توفي سنة ١٥٠ هـ.\nوينبغي الحذر من اتهام هؤلاء الأربعة بالدس على الدين، فقد كانوا من جلة العلماء، وعبد الله بن سلام صحابي مدحه رسول الله ﷺ والثلاثة الآخرون من مشهوري التابعين، وصف ابن حجر كل واحد منهم بأنه ثقة (١).\nأما ما نقل عنهم من روايات فيجب أن ننظر إليه من خلال المنهج الصحيح الذي أشرنا إليه قبل قليل بشأن الإسرائيليات، فقد نقل هؤلاء الأربعة ما سمعوه أو قرءوه في كتب أهل الكتاب، وقد يكون صوابا وقد يكون باطلا، «ولكن يجب أن نفرّق في هذا المقام بين ما يصح أن يقال فيهم، وما يصح أن ينقل عنهم، فأما ما يصح أن يقال فيهم فهو الثقة والتقدير، على نحو ما ألمحنا، وأما الذي ينقل عنهم فمنه الصحيح وغير الصحيح، لكن عدم صحة ما لم يصح لا يعلل باتهامهم وتجريحهم ...» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>ثانيا- من التفاسير اللغوية: «معاني القرآن وإعرابه- للزجاج»</span>\nيقف هذا التفسير على رأس مجموعة من الكتب اتجهت بالتفسير اتجاها خاصا، وهو الاهتمام بالناحية اللغوية والنحوية لكلمات القرآن وعباراته، ومحاولة فهم النص القرآني من خلال ذلك، وتسمى هذه التفاسير بكتب معاني القرآن، ويذكر الزركشي أن الشيخ أبا عمرو بن الصلاح قال: «وحيث رأيت في كتب التفسير (قال أهل المعاني) فالمراد به مصنفو الكتب في معاني القرآن، كالزجاج ومن قبله» (٣).\n_________\n(١) تقريب التقريب ١/ ٣٦٦، و٢/ ٤٩٤ و٦٥٢.\n(٢) محمد عبد العظيم الزرقاني: مناهل العرفان ١/ ٤٩٥.\n(٣) البرهان ١/ ٢٩١، وينظر: السيوطي: الإتقان ٢/ ٣.","vol":"1","page":193},{"text":"وذكر ابن النديم في كتابه (الفهرست) خمسة وعشرين كتابا في معاني القرآن ومشكله ومجازه، من تأليف كبار علماء العربية، منهم: الكسائي، والأخفش، ويونس بن حبيب، والمبرد، وقطرب، وأبو عبيدة، والفراء، وابن كيسان، وابن الأنباري، والزجاج، وثعلب، وغيرهم (١).\nوأشهر كتب معاني القرآن المعروفة في زماننا كتاب (معاني القرآن) لأبي زكريا يحيى بن زياد الفراء (ت ٢٠٧ هـ)، وكتاب (معاني القرآن) لأبي الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش (ت ٢١١ هـ)، و(مجاز القرآن) لأبي عبيدة معمر بن المثنى (ت ٢١٠ هـ على خلاف)، وكتاب (معاني القرآن وإعرابه) لأبي إسحاق إبراهيم بن السّريّ الزجاج (ت ٣١١\nهـ)، وهو الكتاب الذي نريد أن نتحدث عنه ممثلا لاتجاه متميز في تفسير القرآن الكريم، يهتم بالناحية اللغوية أكثر من الجوانب الأخرى في التفسير.\nوالزجاج رجل يشهد الذين ترجموا له بأنه كان من أهل الفضل والدين، حسن الاعتقاد، جميل المذهب، رفعته همته من مهنة كان فيها يخرط الزجاج، إلى علم شامخ بين اللغويين والنحاة، ذلك أنه آنس من نفسه ميلا إلى النحو واشتهى التبحر فيه، فأخذه عن ثعلب رأس النحاة الكوفيين في بغداد في زمانه، ثم انتقل عنه إلى المبرد رأس النحاة البصريين في بغداد في زمانه، وقد خلّف الزجاج التآليف في تفسير القرآن، واللغة، والنحو، والعروض (٢).\nويقوم منهج الزجاج في كتابه (معاني القرآن وإعرابه) على ذكر الآية، ثم اختيار ألفاظ منها ليحللها تحليلا لغويا، فيذكر أصل الكلمة، والمعنى الذي تدل عليه، ويستشهد بما يؤيد رأيه من كلام العرب، وقد يستطرد فيشرح الأمثلة التي يستشهد بها، ثم يعود لإعراب الآية إن كان فيها ما يحتاج إلى إعراب.\n_________\n(١) الفهرست ص ٣٤.\n(٢) ينظر: الداودي: طبقات المفسرين ١/ ٧ - ١٠، ومصطفى الجويني: مناهج في التفسير ص ٩٣ - ٩٤.","vol":"1","page":194},{"text":"ويقرر الزجاج أن هناك ترابطا بين الإعراب والمعنى حيث قال: «إنما نذكر مع الإعراب المعنى والتفسير لأن كتاب الله ينبغي أن يبيّن، ألا ترى أن الله يقول:\nأَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ (١) فحضضنا على التدبر والنظر، ولكن لا ينبغي لأحد أن يتكلم إلا على مذهب أهل اللغة أو ما يوافق نقلة أهل العلم» (٢).\nويعنى الزجاج في كتابه القراءات القرآنية، معتمدا في ذلك على كتاب أبي عبيد القاسم بن سلّام (ت ٢٢٤ هـ) في القراءات، قال: «وأكثر ما أرويه من القراءة في كتابنا هذا فهو عن أبي عبيد، مما رواه إسماعيل بن إسحاق، عن أبي عبد الرحمن، عن أبي عبيد» (٣).\nويبدو أن هذا المنحى في تفسير القرآن الكريم أصابه بعد الزجاج تطور أخرجه من دائرة التفسير إلى ميدان النحو، فالزجاج كان قد عنون كتابه (معاني القرآن وإعرابه)، ثم جاء أبو جعفر النحاس (أحمد بن محمد ت ٣٣٨ هـ) بعد الزجاج وفصل بين معاني القرآن وإعراب القرآن، فألف كتابا في (معاني القرآن) وآخر في (إعراب القرآن)، فظهرت بعدئذ كتب إعراب القرآن التي تعنى بالناحية الإعرابية والوجوه النحوية، دون الاهتمام بالتفسير والمعنى، كما يظهر ذلك جليا في كتاب (مشكل إعراب القرآن) لمكي بن أبي طالب القيسي (ت ٤٣٧ هـ) وكتاب (البيان في غريب إعراب القرآن) لأبي البركات الأنباري (ت ٥٧٧ هـ)، وكتاب (التبيان في إعراب القرآن) لأبي البقاء عبد الله بن الحسين العكبري (ت ٦١٦ هـ).\nولا يعني ذلك أن اهتمام المفسرين بالناحية اللغوية والإعرابية لآيات القرآن قد اختفى من كتب التفسير، فالمعرفة اللغوية والنحوية من أدوات المفسر الضرورية، لكن هذه الناحية لم تعد سمة بارزة في تفاسير القرآن الكريم، وقد\n_________\n(١) في سورة النساء آية ٢٨، وسورة محمد آية ٢٤.\n(٢) معاني القرآن وإعرابه ١/ ١٦١.\n(٣) المصدر نفسه ١/ ١٥٧.","vol":"1","page":195},{"text":"تبرز في بعض التفاسير، مثل تفسير (البحر المحيط) لأبي حيان الأندلسي (محمد ابن يوسف ت ٧٤٥ هـ) الذي اعتنى فيه بالناحية اللغوية والنحوية عناية كبيرة، لكنه لم يهمل النواحي الأخرى التي لها اتصال بالتفسير (١).\nومن التفاسير التي تميزت بجانب من جوانب الدراسة اللغوية تفسير الزمخشري (محمود بن عمر ت ٥٣٨ هـ) المعروف باسم (الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل)، فقد امتاز تفسير الزمخشري باهتمامه بالناحية البلاغية لأسلوب القرآن الكريم، وبيان جمال أسلوبه وبديع نظمه- على الرغم من النزعة الاعتزالية فيه- فالزمخشري يكثر في تفسيره من الكلام على أنواع الاستعارات والمجازات والأشكال البلاغية الأخرى، فحوى تفسيره ثروة بلاغية في المعاني والبيان لا تكاد توجد في تفسير آخر، وقد ترك الكشاف من هذه الناحية أثرا واضحا في التفاسير الأخرى (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>ثالثا- من التفاسير الفقهية: «الجامع لأحكام القرآن- للقرطبي»</span>\nنظر عدد من المفسرين إلى الآيات القرآنية من ناحية تضمنها أحكاما فقهية، فبحثوا في تلك الآيات وفسروها، وبينوا ما يستنبط منها من أحكام، واحتجوا له. وظهرت مصنفات مستقلة تتناول آيات الأحكام دون ما سواها، أو مركّزة على تلك الآيات إلى جانب تفسير ما سواها من آيات القرآن، وأشهر التفاسير في هذا الاتجاه (٣):\n١ - أحكام القرآن- للإمام محمد بن إدريس الشافعي (ت ٢٠٤ هـ)، الذي طبع منه ما جمعه أبو بكر البيهقي.\n_________\n(١) ينظر: محمد حسين الذهبي: التفسير والمفسرون ١/ ٣١٨.\n(٢) المصدر نفسه ١/ ٤٤٣.\n(٣) ينظر: الزركشي: البرهان ٢/ ٣.","vol":"1","page":196},{"text":"٢ - أحكام القرآن- لأبي بكر أحمد بن علي الرازي المعروف بالجصاص، الفقيه الحنفي، المتوفى سنة ٣٧٠ هـ.\n٣ - أحكام القرآن- لأبي الحسن علي بن محمد المعروف بالكياالهراسي، الفقيه الشافعي، المتوفى سنة ٥٠٤ هـ.\n٤ - أحكام القرآن- لأبي بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي، الفقيه المالكي، المتوفى سنة ٥٤٣ هـ.\n٥ - الجامع لأحكام القرآن- لأبي عبد الله محمد بن أحمد القرطبي، الفقيه المالكي، المتوفى سنة ٦٧١ هـ.\nوالجامع لأحكام القرآن للقرطبي من أوسع التفاسير التي عنيت بالأحكام الفقهية، قال الداودي في ترجمة المؤلف: مصنف التفسير المشهور الذي سارت به الركبان، كان من عباد الله الصالحين والعلماء العارفين، جمع في تفسير القرآن كتابا كبيرا في خمسة عشر مجلدا، وهو من أجل التفاسير، أسقط منه القصص والتاريخ، وأثبت عوضها أحكام القرآن، وذكر القراءات والإعراب والناسخ والمنسوخ (١).\nوقد وضح القرطبي في أول الكتاب هدفه من التأليف، وبيّن منهجه فيه، فقال: «وبعد، فلما كان كتاب الله هو الكفيل بجميع علوم الشرع، الذي استقل بالسّنّة والفرض، ونزل به أمين السماء إلى أمين الأرض، رأيت أن أشتغل به مدى عمري، وأستفرغ فيه منّتي (٢)، بأن أكتب فيه تعليقا وجيزا، يتضمن نكتا من التفسير واللغات والإعراب والقراءات والرد على أهل الزيغ والضلالات، وأحاديث كثيرة شاهدة لما نذكره من الأحكام ... ونحن نشير إلى جمل من ذلك في هذا الكتاب، والله الموفق للصواب. وأضرب عن كثير من قصص المفسرين\n_________\n(١) طبقات المفسرين ٢/ ٦٥ - ٦٦.\n(٢) المنّة: القوة.","vol":"1","page":197},{"text":"وأخبار المؤرخين، إلا ما ندر منه ولا غنى عنه للتبيين، واعتضت من ذلك تبيين آي الأحكام، بمسائل تسفر عن معناها، وترشد الطالب إلى مقتضاها، فضمنت كل آية تتضمن حكما أو حكمين فما زاد مسائل نبيّن فيها ما تحتوي عليه من أسباب النزول والتفسير والغريب والحكم، فإن لم تتضمن حكما ذكرت ما فيها من التفسير والتأويل، هكذا إلى آخر الكتاب، وسميته ب (الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان ...» (١).\nوالذي يقرأ في هذا التفسير يجد أن القرطبي، ﵀، قد وفّى بما شرطه على نفسه في هذا التفسير، فهو يعرض لذكر أسباب النزول والقراءات، والإعراب، ويبين معنى الغريب من ألفاظ القرآن، ويحتكم إلى اللغة كثيرا، ويكثر من الاستشهاد بأشعار العرب، وهو ينقل عن السلف كثيرا مما أثر عنهم في التفسير والأحكام، مع نسبة كل قول إلى قائله، وممن نقل عنهم كثيرا: ابن جرير الطبري، وابن عطية، وابن العربي، والكيا الهراسي، وأبو بكر الجصاص (٢).\nوالقرطبي حين يبحث في آيات الأحكام، ويذكر مسائل الخلاف، يورد أدلة كل رأي، ويعلق عليها، ولا يتعصب لمذهبه المالكي، فربما رجح رأي غير الإمام مالك في بعض المسائل، وهو حين يرد أو ينقد فإنه يسوق ذلك في أدب وعفة، ويبتعد عن التعصب والتجريح (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>رابعا- من التفاسير المتأثرة بالنزعة العقلية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>«التفسير الكبير- للفخر الرازي»</span>\nاعتمد عدد من المفسرين على النظرة العقلية في تفسير القرآن الكريم، فتوسعوا في تفسير آيات العقيدة والآيات الكونية، مستندين إلى ما تمخضت عنه\n_________\n(١) الجامع لأحكام القرآن ١/ ٢ - ٣.\n(٢) ينظر: محمد حسين الذهبي ٢/ ٤٥٨.\n(٣) ينظر: مناع القطان: مباحث في علوم القرآن ص ٣٨٠ - ٣٨١.","vol":"1","page":198},{"text":"الحضارة الإسلامية من ثقافة وعلوم عقلية في العصور المتعاقبة، فظهر أثر ذلك على عدد من التفاسير أشهرها (١):\n١ - التفسير الكبير المسمى مفاتيح الغيب- لأبي عبد الله محمد بن عمر فخر الدين الرازي، المتوفى سنة ٦٠٦ هـ.\n٢ - أنوار التنزيل وأسرار التأويل- للقاضي ناصر الدين عبد الله بن عمر البيضاوي، المتوفى سنة ٦٨٥ هـ على خلاف.\n٣ - مدارك التنزيل وحقائق التأويل- لأبي البركات عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي، المتوفى سنة ٧٠١ هـ.\n٤ - غرائب القرآن ورغائب الفرقان- لنظام الدين بن الحسن النيسابوري، المتوفى سنة ٧٢٨ هـ.\n٥ - لباب التأويل في معاني التنزيل- لعلاء الدين أبي الحسن علي بن محمد بن إبراهيم، المعروف بالخازن، المتوفى سنة ٧٤١ هـ.\n٦ - السراج المنير في الإعانة على معرفة معاني كلام ربنا الحكيم الخبير- لمحمد ابن محمد، المعروف بالخطيب الشربيني، المتوفى سنة ٩٧٧ هـ.\n٧ - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم- لأبي السعود محمد بن محمد ابن مصطفى المتوفى بالقسطنطينية سنة ٩٨٢ هـ.\nولم يكن الرازي أول من اتجه بالتفسير هذه الوجهة، لكنه كان أكثر توسعا من غيره فيها، وفتح الطريق واسعا للمفسرين من بعده للمضي فيه، فظهرت مجموعة من\nالتفاسير اعتمدت على النظرة العقلية في تفسير القرآن، من غير أن تهمل التفسير المنقول، وكانت هذه التفاسير تعكس في الغالب شخصية المفسر\n_________\n(١) ينظر: محمد حسين الذهبي: التفسير والمفسرون ١/ ٢٨٩.","vol":"1","page":199},{"text":"العلمية، فتنوعت لذلك طريقة معالجة تفسير الآيات في هذه التفاسير ولكن جميعها تعتمد على النظرة العقلية والاجتهاد في التفسير بالرأي المبني على الدليل، وسوف نتحدث عن تفسير الرازي الذي يقف في مقدمة هذه المجموعة من التفاسير.\nأما الرازي فهو محمد بن عمر بن الحسين، أبو عبد الله، فخر الدين المفسّر، المتكلم، إمام وقته في العلوم العقلية، وأحد الأئمة في العلوم الشرعية، صاحب المصنفات المشهورة، والفضائل الغزيرة المذكورة، ولد في شهر رمضان سنة ٥٤٤ هـ، ببلاد الري، وكانت وفاته في يوم الاثنين يوم عيد الفطر من سنة ٦٠٦ هـ بمدينة هراة (١).\nوكانت قاعدة ثقافة الرازي واسعة جدا، يظهر ذلك من قائمة كتبه، فهي في معارف متنوعة، وفنون عدة: في العلوم النقلية والعقلية والطبيعية، فقد ألّف في تفسير القرآن، والفقه، واللغة، والأدب، والتاريخ، وعلم الكلام، والمنطق، والفلسفة، والرياضة، والفلك، والطب (٢).\nوتفسير الرازي هو (التفسير الكبير)، ويسمى أيضا (مفاتيح الغيب)، وكان هناك شك في إتمام الرازي تأليف هذا التفسير، وقيل: إنه كتب معظمه وأتمه بعض المتأخرين (٣)، لكن رجح بعض الباحثين المحدثين أن يكون الرازي قد كتب التفسير كله (٤).\n_________\n(١) تنظر ترجمة الرازي عند: الداودي: طبقات المفسرين ٢/ ٢١٣ - ٢١٧.\n(٢) ينظر: محسن عبد الحميد: الرازي مفسرا ص ١٩ و٣٥. والداودي: طبقات المفسرين ٢/ ٢١٦.\n(٣) محمد الفاضل بن عاشور: التفسير ورجاله ص ١١٩، ومحمد حسين الذهبي: التفسير والمفسرون ١/ ٢٩١.\n(٤) محسن عبد الحميد: الرازي مفسرا ص ٥٢ - ٦٣.","vol":"1","page":200},{"text":"والرازي حين بدأ بتفسير سورة الفاتحة أطال الكلام فيها كثيرا، وأورد في تفسيرها من المسائل والفوائد الشيء الكثير، لكنه عاد حين أخذ في تفسير سورة البقرة إلى المنهج المعروف في التفسير الذي يدور على ألفاظ وعبارات الآيات القرآنية بشكل مباشر، ومع ذلك فإن تفسير الرازي يعد من التفاسير المطولة، لكثرة المسائل التي يثيرها الرازي وهو يفسر آيات القرآن.\nوأكثر الرازي في تفسيره من إيراد قضايا علم الكلام ومسائل العقيدة، لأنه يعتقد أن هذا العلم من أشرف العلوم، بسبب اتصاله بالله الخالق، ﷾، لأنه لا طريق، في رأيه، إلى معرفة الله تعالى إلا بالنظر والاستدلال.\nوالناظر في هذا التفسير يجد نفسه أمام منهج عقلي يقوم على ما امتاز به الرازي من غزارة في العلم وقوة في الحجة. وهذا الاتجاه العقلي عند الرازي في تفسيره لا يعني أنه كان يفضل ثمرات العقول على صحيح المنقول، فإنه كان إذا ثبت النقل فسر الآية به، ولم يعدل عنه إلى غيره، فالمقصود بالمنهج العقلي عند الرازي هو تفسير القرآن الكريم فيما لم يرد فيه نص، لأن النقل إذا ثبت عن رسول الله ﷺ كان وحيا من الله تعالى، قاطعا في معناه، غير مخالف لما تؤدي إليه العقول، لأن النقل الصحيح لا يخالف العقل الصريح، لأنهما صادران من مبدع واحد، فمن المحال أن يتعارضا تعارضا حقيقيا (١).\nوالرازي في تفسيره يهتم بكثير من القضايا ذات الصبغة العامة، فهو يكثر من الاستطراد إلى العلوم الرياضية والطبيعية، عند تفسير الآيات الكونية، ويناقش مسائل العقيدة كلما سنحت الفرصة لذلك، وهو لا يكاد يمر بآية من آيات الأحكام إلا يذكر مذاهب الفقهاء فيها، ويستطرد كذلك إلى ذكر المسائل الأصولية والنحوية والبلاغية، ومؤكدا على مظاهر ووجوه إعجاز القرآن، وبالجملة فالكتاب أشبه بموسوعة في التفسير وعلم الكلام وعلوم الكون والطبيعة (٢).\n_________\n(١) ينظر: المصدر السابق ص ٦٧ وما بعدها.\n(٢) ينظر: محمد حسين الذهبي: التفسير والمفسرون ١/ ٢٩٤.","vol":"1","page":201},{"text":"وهذا الشمول في تفسير الرازي هو الذي يوضح لنا قول أبي حيان في تفسيره (البحر المحيط): «جمع الإمام الرازي في تفسيره أشياء كثيرة طويلة لا حاجة بها في علم التفسير، ولذلك قال بعض العلماء: فيه كل شيء إلا التفسير» (١).\nويبدو ان الرازي كان يشعر بتوسعه في المباحث العقلية والكونية، فقال مدافعا عن موقفه: «وربما جاء بعض الجهال والحمقى وقال: إنك أكثرت في تفسير كتاب الله من علم الهيئة والنجوم، وذلك خلاف المعتاد، فيقال لهذا المسكين: إنك لو تأملت في كتاب الله حق التأمل لعرفت فساد ما ذكرته ... إن الله تعالى ملأ كتابه من الاستدلال على العلم والقدرة والحكمة بأحوال السماوات والأرض وتعاقب الليل والنهار وكيفية أحوال الضياء والظلام وأحوال الشمس والقمر والنجوم، وذكر هذه الأمور في أكثر السور، وكررها وأعادها مرة بعد أخرى، فلو لم يكن البحث عنها والتأمل في أحوالها جائزا لما ملأ الله كتابه منها ...» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>خامسا- من التفاسير الصوفية: «لطائف الإشارات» - للقشيري:</span>\nالتصوف منهج في الحياة ينحو نحو الزهد في زينة الدنيا، والاجتهاد في العبادة، وتهذيب النفس، وهو منهج إسلامي أصيل النشأة، لكنه تطور حتى صار على أيدي بعض المتأخرين فلسفة تتضمن أفكارا تتعارض مع التوحيد الخالص، وجاءت بتفسيرات تؤدي إلى تعطيل أحكام الشرع. وكتب عدد من كبار المتصوفة تفاسير للقرآن الكريم وفق منهجهم الذي يستند إلى الفكرة القائلة بأن لكل آية معنى ظاهرا ومعنى باطنا، وأنهم عن طريق الرياضة الروحية والتأمل العميق تنكشف لهم معاني للآيات تتجاوز دلالة الألفاظ اللغوية المتعارف عليها في اللغة العربية.\n_________\n(١) البحر المحيط ١/ ٣٤١، وينظر: السيوطي: الإتقان ٤/ ٢١٣.\n(٢) التفسير الكبي ١٤/ ١٢٠ - ١٢٢.","vol":"1","page":202},{"text":"ومن أشهر التفاسير التي سلكت هذا المنهج (١):\n١ - تفسير القرآن العظيم- لسهل بن عبد الله التستري، المتوفى سنة ٢٨٣ هـ.\n٢ - حقائق التفسير- لأبي عبد الرحمن محمد بن الحسن السلمي، المتوفى سنة ٤١٢ هـ.\n٣ - لطائف الإشارات- لأبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري، المتوفى سنة ٤٦٥ هـ.\n٤ - عرائس البيان في حقائق القرآن- لأبي محمد روزبهان الشيرازي، المتوفى سنة ٦٠٦ هـ.\n٥ - تفسير ابن عربي- وهو أبو بكر محمد بن علي، المتوفى سنة ٦٣٨ هـ.\n٦ - التأويلات النجمية- لنجم الدين داية، المتوفى سنة ٦٥٤ هـ، وأكمله علاء الدولة السماني المتوفى سنة ٧٣٦ هـ.\nوأغلب ما في هذه التفاسير لا يعطي توضيحا بيّنا لآيات القرآن الكريم، ولا يقدم نموذجا صالحا لتمثيل التصوف الإسلامي بأمانة وصدق، حتى نجد الواحدي يقول في (حقائق التفسير) للسلمي: «إن كان اعتقد أن ذلك تفسير فقد كفر!» (٢).\nوقد احتل (لطائف الإشارات) للقشيري موقعا متميزا بين تفاسير المتصوفة بفضل منزلة مؤلفه وثقافته الواسعة واعتداله في مسلكه الصوفي، قال محقق الكتاب:\n«ونستطيع بعد ذلك أن نميز بين تفسير القشيري في (لطائفه) وبين أولئك الذين تنسب تفاسيرهم إلى التصوف وأهله، أولئك الذين أسرفوا حين حملوا النص القرآني فوق ما يحتمل، وبدلا من أن يخضعوا للنص القرآني أخضعوا النص القرآني لنصرة مذاهبهم، وساروا في الدروب العقلية حتى جمحوا، وابتعدوا عن\n_________\n(١) ينظر: إبراهيم بسيوني: مقدمة تحقيق لطائف الإشارات ١/ ١٥ - ١٨.\n(٢) ينظر: الزركشي: البرهان ٢/ ١٧١.","vol":"1","page":203},{"text":"الخط الأصيل، حتى صارت تفاسيرهم جديرة بالدرس في مجالس الفلسفة والكلام لا في مجالس الرياضات والمجاهدات والأحوال، أما عند القشيري فليس هناك مذهب عقلي خبيء، ولا عقيدة باطنية مستورة» (١).\nأما القشيري فهو الأستاذ أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن، النيسابوري، الملقب زين الإسلام، ولد سنة ٣٧٦ هـ، وتوفي سنة ٤٦٥ هـ، كان فقيها بارعا، أصوليا محققا، متكلما سنّيا، محدثا حافظا، مفسرا متفننا، نحويا لغويا، أديبا كاتبا شاعرا، مليح الخط جدا، شجاعا بطلا، له في الفروسية واستعمال السلاح الآثار الجميلة (٢).\nوهو صاحب (الرسالة) المشهورة الموصوفة بالرسالة القشيرية في التصوف، وكان قد أخذ التصوف عن أبي علي الدقاق خاصة.\nوكان من جملة ما ألفه القشيري (التفسير الكبير)، ألفه قبل سنة ٤١٠ هـ، وهو من أجود التفاسير وأوضحها (٣)، استوفى فيه تفسير القرآن الكريم على الطريقة المعروفة بالاهتمام بالتفسير والاهتمام بفنون اللغة بما يوضح معاني الآيات (٤).\nوألّف القشيري بعد ذلك تفسيره (لطائف الإشارات)، وهو تفسير صوفي للقرآن الكريم، وهو يعد أهم تفسير للقرآن الكريم على طريقة أرباب المجاهدات والأحوال.\nوالذي يعنينا من أمر هذا النوع من التفسير، الذي يسميه بعض الدارسين بالتفسير الإشاري، هو أن نقف على الحجة التي يستند إليها، وحقيقة المنهج الذي يسير عليه في تفسير آيات القرآن الكريم.\n_________\n(١) إبراهيم بسيوني: مقدمة تحقيق لطائف الإشارات ١/ ٣٦.\n(٢) ينظر: الداودي: طبقات المفسرين ١/ ٣٣٨ - ٣٤٦.\n(٣) المصدر نفسه ١/ ٣٤٤.\n(٤) إبراهيم بسيوني: مقدمة تحقيق لطائف الإشارات ١/ ٣٨.","vol":"1","page":204},{"text":"أما الحجة التي يستند إليها فهي رواية منقولة عن الحسن البصري، مرفوعة مرة وموقوفة أخرى، ونصها: «لكل آية ظهر وبطن، ولكل حرف حد، ولكل حد مطلع». وهذه\nالرواية بين أن تكون حديثا ضعيفا لإرساله، لأن الحسن، ﵀، لم يسمّ الصحابي الذي أخذ عنه هذا الحديث، وبين أن تكون من كلام الحسن البصري (١).\nوكان عبد الرزاق الصنعاني قد نقل الرواية في مصنفه عن الحسن، هكذا:\n«عن الحسن، قال: ... والذي نفسي بيده ما منه آية إلا ولها ظهر وبطن، وما فيه حرف إلا وله حد، ولكل حد مطلع».\nقال عبد الرزاق: فحدثت به معمرا، قال: امحه، لا تحدث به أحدا» (٢).\nوفي معنى الرواية آراء للعلماء لخصها الزركشي بقوله: «أما قوله: «ظهر وبطن» ففي تأويله أربعة أقوال:\nأحدها: وهو قول الحسن، أنك إذا بحثت عن باطنها، وقسته على ظاهرها، وقفت على معناها.\nالثاني: قول أبي عبيد (٣)، إن القصص ظاهرها الإخبار بهلاك الأولين، وباطنها عظة للآخرين.\nالثالث: قول ابن مسعود، ﵁، أنه ما من آية إلا عمل بها قوم، ولها قوم سيعملون بها.\nالرابع: قاله بعض المتأخرين، إن ظاهرها لفظها، وباطنها تأويلها. وقول أبي عبيد أقربها» (٤).\n_________\n(١) ينظر: ابن تيمية: مجموع الفتاوى ١٣/ ٢٣٢، والسيوطي: الإتقان ٤/ ١٩٦.\n(٢) المصنف ٣/ ٣٥٨.\n(٣) في البرهان (أبي عبيدة) والتصحيح من السيوطي: الإتقان ٤/ ١٩٦.\n(٤) البرهان ٢/ ١٦٩، وينظر: السيوطي: الإتقان ٤/ ١٩٦.","vol":"1","page":205},{"text":"ونقل السيوطي قولا خامسا، حيث قال: «وحكى ابن النقيب قولا خامسا:\nإن ظهرها ما ظهر من معانيها لأهل العلم بالظاهر، وبطنها ما تضمنته من الأسرار التي أطلع الله عليها أرباب الحقائق» (١). وهذا هو التفسير الذي استند إليه بعض الدارسين في الاحتجاج للتفسير الصوفي، وليس هناك ما يرجح هذا التفسير للحديث.\nوقد اجتهد الشيخ محمد حسين الذهبي في محاولة العثور على الأصل الشرعي لهذا النوع من التفسير، وتأييد رواية الحسن البصري بآيات من القرآن (٢). ودافع الآلوسي عن تفاسير الصوفية بقوله: «وأما كلام السادة الصوفية في القرآن فهو من باب الإشارات إلى دقائق تنكشف على أرباب السلوك، ويمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة، وذلك من كمال الإيمان، ومحض العرفان، لا أنهم اعتقدوا أن الظاهر غير مراد أصلا، وإنما المراد الباطن فقط، إذ ذاك اعتقاد الباطنية الملاحدة، توصلوا به إلى نفي الشريعة بالكلية ...» (٣).\nوغلا بعض المعاصرين حين قال: «التفسير الصوفي للقرآن أوزن قدرا من التفسير الحرفي، فالتفسير الصوفي قد استنبط التفسير الحرفي وصعد منه إلى عوالم أخرى، قد استعد لها الصوفي برياضة نفسه، وتكوّن ثقافته، وسعة دوائره وأحاسيسه وملكاته الجديدة التي أقفرت منها قلوب الحرفيين!» (٤).\nوعلى الرغم من أن بعض الدارسين حاول أن يقيد هذا النوع من التفسير بشروط (٥)، فإن التفاسير الصوفية «تعتمد على أذواق غير مقيدة بالطرائق العلمية،\n_________\n(١) الإتقان: ٤/ ١٩٦.\n(٢) التفسير والمفسرون ٢/ ٣٥٢.\n(٣) روح المعاني ١/ ٧.\n(٤) عبد القادر عطا: التفسير الصوفي للقرآن ص ٦٧.\n(٥) ذكر الشيخ محمد حسين الذهبي عدة شروط (التفسير والمفسرون ٢/ ٣٧٧) هي:\nأولا: أن لا يكون التفسير الإشاري منافيا للظاهر من النظم القرآني.","vol":"1","page":206},{"text":"ولا محكمة الاستخراج على قواعد اللغة وعلومها» (١).\nومن الواضح أن مثل هذا المنهج يؤدي إلى أنماط عديدة من التفسيرات الذاتية، تتنوع بعدد المطبقين لمثل هذا المنهج تنوعا حتميا، وذلك بناء على اختلاف المواهب والاستعدادات الروحية التي هي منحة خالصة من فضل الله، وما حققه الصوفي بتأييد الله في طريقه من جهاد وتقدم، ومثل هذا التنوع يصبح خطرا ولا شك إذا قصد به أن يكون المرجع الأول والأخير للمسلم، مهما اختلفت درجته، لما يؤدي إليه من الاضطراب والبلبلة، ولكنه قد يصبح ثروة طائلة وزادا روحيا قيّما إذا وفّى الإنسان بالأصول العامة وأقام مقتضيات الأحكام الشرعية إجمالا وتفصيلا (٢).\nوهذا المنهج هو موطن الضعف في هذا النوع من التفسير، بل هذا المنهج هو ممكن الخطر «ذلك لأن قضية الظاهر والباطن استغلت استغلالا سيئا لخدمة الكثير من العقائد الهدامة، وارتكبت في حق الظاهر القرآني جرائم خطيرة، حين أريد له أن يؤوّل لنصرة الأغراض المريضة والدعوات الجامحة» (٣).\nولضعف الأساس الذي يقوم عليه التفسير الصوفي أو الإشاري قال بعض السلف: «أما كلام السادة الصوفية في القرآن فليس بتفسير» (٤) لأنه ليس مبنيا على القواعد\nالمقررة في علم التفسير من الاعتماد على ما تقتضيه اللغة وما نقل من التفسير المأثور، وإنما هي شيء مبني على الرياضة الروحية التي قد تنفع في تهذيب النفوس، ولكنها لا تكفي في توضيح معاني القرآن.\nثانيا: أن يكون له شاهد شرعي يؤيده.\nثالثا: أن لا يكون له معارض شرعي أو عقلي.\nرابعا: لا بد أولا من الاعتراف بالمعنى الظاهر.\n_________\n(١) محمد كمال إبراهيم جعفر: التصوف ص ١٦٦.\n(٢) محمد كمال إبراهيم جعفر: التصوف ص ١٦٦.\n(٣) إبراهيم بسيوني: مقدمة تحقيق لطائف الإشارات ١/ ٣٧.\n(٤) الزركشي: البرهان ٢/ ١٧٠، والسيوطي: الإتقان ٤/ ١٩٤.","vol":"1","page":207},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>المبحث الثالث التفسير في العصر الحديث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>أولا- العودة إلى كتابة التفاسير الكبيرة:</span>\nمرت على المسلمين قرون خمدت فيها جذوة البحث العلمي في مختلف علوم الشريعة الإسلامية، وركدت حركة التأليف، وانتهت إلى صورة تتمثل بكتابة الحواشي والمختصرات للمشهور من كتب العلوم. ودخل التفسير في هذه المرحلة، فظهرت التفاسير المختصرة مثل (تفسير الجلالين) لجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي، كما كتبت عشرات الحواشي، مثل ما كتب من حواش على تفسير الجلالين، وتفسير الزمخشري، وتفسير القاضي البيضاوي، وغيرها.\nوتقدّم الزمن وازداد اتصال بلدان العالم الإسلامي بدول الغرب، كما كانت دول الغرب تسعى حثيثا لبسط سيطرتها على الشعوب الإسلامية ونهب خيراتها، وتحقق ذلك بعد الحرب العالمية الأولى وسقوط الخلافة العثمانية. وصحا المسلمون على حالة من التناقض بين ماضيهم المزدهر وقيمهم الأصيلة، وما صاروا عليه من التخلف العلمي والانحطاط الحضاري، وكان ذلك مبعث يقظة في بلاد المسلمين، اختلفت وجهتها بين التمسك بالدين الإسلامي واتخاذه أساسا لتقدم المسلمين كما كان أساسا لتقدمهم من قبل، وبين الاستسلام للغرب ومحاكاته في قيمه ومثله وطريقة حياته.\nووجد دعاة الإصلاح ورواد النهضة الإسلامية الحديثة أن الناس بهم حاجة إلى الفهم الصحيح للدين، فنشطت حركة التأليف في العلوم الإسلامية من جديد، خاصة بعد انتشار المطابع في البلاد الإسلامية، وحاول العلماء كتابة تفسير القرآن بأسلوب يناسب حاجة الأمة إلى اتخاذ القرآن منار هداية ومصدر تشريع، وتوالت المحاولات، فكان من التفاسير الأولى في هذا العصر، التي ظلت تحمل طابع التفاسير القديمة، مع نزعات إلى التجديد في بعض الجوانب:","vol":"1","page":208},{"text":"١ - فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في التفسير. للقاضي محمد بن علي الشوكاني الصنعاني المتوفى سنة ١٢٥٠ هـ ١٨٣٤ م.\n٢ - روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني (١). لأبي الثناء شهاب الدين محمود بن عبد الله الآلوسي، المتوفى سنة ١٢٣٠ هـ ١٨٥٤ م.\n٣ - محاسن التأويل (٢). لمحمد جمال الدين القاسمي، المتوفى سنة ١٣٣٢ هـ ١٩١٤ م.\n٤ - فتح البيان في مقاصد القرآن (٣). لصديق حسن خان، ألفه في بلدة بهوبال في الهند سنة ١٢٨٩ هـ ١٨٧٢ م (٤).\nوظهرت تفاسير أخرى كانت أكثر نزوعا إلى التجديد، وإثارة قضايا تعكس تأثر كاتبيها بضغط الواقع المحزن للمسلمين، وتفوق أعدائهم العلمي والصناعي، فغلبت على بعض التفاسير النزعة العلمية بإدخال النظريات العلمية الحديثة في تفسير القرآن، وتكلف بعض المفسرين العثور على أصل لتلك النظريات في آيات القرآن. وغلب على بعضها النظرة العقلية والتأثر بروح الحضارة الغربية، فأدى ذلك بكاتبيها إلى رفض الأخذ بالتفسير المأثور واعتباره مما يصدّ عن فهم القرآن، واعتمادهم النظرة العقلية المجردة في تفسير القرآن، مما أدى بهم أحيانا إلى التعسف في تأويل بعض الآيات القرآنية، مع حرصهم على تضييق دائرة الغيبيات ومحاولة تفسيرها بالنظرة العقلية.\nوعلى الرغم من ذلك فإنه ينبغي عدم إغفال الجوانب الأخرى النافعة في هذه التفاسير من سهولة العبارة والتخفف من استخدام مصطلحات العلوم القديمة،\n_________\n(١) طبع الطبعة الأولى في مطبعة بولاق بمصر سنة ١٣٠١ هـ في تسعة مجلدات ضخام (ينظر:\nمحسن عبد الحميد: الآلوسي مفسرا ص ١٦٤).\n(٢) شرع القاسمي في كتابة تفسيره سنة ١٣١٦ هـ (ينظر: محاسن التأويل ١/ ٦).\n(٣) صدر الجزء الأول منه في القاهرة سنة ١٩٦٥ م وهو في عشرة مجلدات.\n(٤) ينظر: فتح البيان ١/ ٤.","vol":"1","page":209},{"text":"والتركيز على بيان معاني الآيات بما يوضح للقارئ صورة الحياة التي يريدها القرآن للفرد والجماعة. ومن أشهر تلك التفاسير:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>١ - تفسير القرآن الحكيم، المشتهر باسم تفسير المنار</span>.\nللشيخ محمد رشيد رضا (ت ١٣٥٤ هـ ١٩٣٥ م)، الذي لخص الأجزاء الخمسة الأولى من دروس شيخه محمد عبده التي قرأها في الجامع الأزهر من شهر محرم سنة ١٣١٧ هـ إلى المحرم من سنة ١٣٢٣ هـ (١). ثم تابع محمد رشيد رضا التفسير حتى انتهى إلى سورة يوسف.\n٢ - الجواهر في تفسير القرآن الكريم المشتمل على عجائب بدائع المكونات وغرائب الآيات الباهرات.\nللشيخ طنطاوي جوهري (ت ١٣٥٨ هـ ١٩٤٠ م) وقد انتهى من كتابته في شهر محرم من سنة ١٣٤٤ هـ الموافق لشهر آب من سنة ١٩٢٥ م، وطبع في خمسة وعشرين جزءا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>٣ - تفسير المراغي</span>.\nللشيخ أحمد مصطفى المراغي، أستاذ الشريعة الإسلامية واللغة العربية بكلية دار العلوم، وكتب هذا التفسير سنة ١٣٦٠ هـ، وطبع الجزء الأول منه سنة ١٣٦٥ هـ ١٩٤٦ م.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>٤ - التفسير الحديث</span>.\nللأستاذ محمد عزة دروزة، كتبه بين سنة ١٩٤١ م وسنة ١٩٤٥ م، وطبع الجزء الأول منه سنة ١٣٨١ هـ ١٩٦٢ م، وهذا التفسير رتبت فيه السور على حسب تاريخ النزول لا على الترتيب المعروف في المصحف. وحجة المؤلف في ذلك أن ترتيب السور حسب النزول يكشف سير الدعوة وتاريخ التشريع.\n_________\n(١) ينظر: تفسير المنار ١/ ١٤.","vol":"1","page":210},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>ثانيا- من قضايا التفسير في العصر الحديث:</span>\nلم يتوقف التأليف في تفسير القرآن الكريم عند التفاسير التي ذكرناها، لكن كثيرا من التفاسير المؤلفة حديثا يحتاج إلى دراسة تكشف عن المنهج الذي سار عليه مؤلفوها، والنظرة التي تحكمت في طريقة كشفهم عن معاني الآيات، ومعرفة مدى الصلة بين هذه التفاسير والجهود القديمة في التفسير، وذلك يحتاج إلى مجال أوسع مما تسمح به هذه المحاضرات (١). ونكتفي هنا بالإشارة إلى قضيتين مهمتين تتعلقان بالتفسير في العصر الحديث، هما موقف المفسرين المحدثين من التفسير المأثور، وموقفهم من العلوم والنظريات الحديثة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>١ - موقف المفسرين المحدثين من التفسير المأثور:</span>\nظهر من المفسرين المحدثين من تنكّر للتفسير المأثور، واعتبره مما يصد عن فهم كتاب الله تعالى، ولعل أبرز من أعلن ذلك واعتمده الأستاذ محمد عبده وتلميذه محمد رشيد رضا «فلم يكن الأستاذ يحفل بالناحية الأثرية، ولا يولي اهتماما للأخبار وطرق تخريجها، ولا يعتمد في تفسير الآيات على الأخبار المتصلة بها» (٢). وقد انعكست هذه النظرية العقلية على منهج السيد محمد رشيد رضا في التفسير، حتى صرح في المقدمة بأن «أكثر ما روي في التفسير المأثور أو كثيره حجاب على القرآن، وشاغل لتاليه عن مقاصده العالية، المزكية للأنفس، والمنوّرة للعقول، فالمفضلون للتفسير المأثور لهم شاغل عن مقاصد القرآن بكثرة الروايات، التي لا قيمة لها سندا ولا موضوعا» (٣).\nولاحظ الشيخ محمد الفاضل بن عاشور أنه «لما استقل الشيخ رشيد بمعاناة\n_________\n(١) ينظر تفصيلا لبعض هذه الجوانب في كتاب (اتجاهات التفسير في العصر الحديث) للدكتور عبد المجيد عبد السلام المحتسب، ط ١، دار الفكر، بيروت ١٣٩٣ هـ ١٩٧٣ م.\n(٢) محمد الفاضل بن عاشور: التفسير ورجاله ص ٢٥٣.\n(٣) تفسير المنار ١/ ١٠.","vol":"1","page":211},{"text":"العمل من مبدئه، وأصبح معتمدا على المصادر التي كان الأستاذ الإمام يأخذ منه ويترك حسب منهجه العلمي- بدأ هواه الأول للعلوم النقلية الأثرية يعاوده ويأخذ به فمال إليها، وتتبع رجالها الأولين مثل الطبري والآخرين مثل ابن كثير، فبدت على التفسير مسحة أثرية ما كانت بادية على أجزائه الخمسة الأولى» (١).\nكان ذلك الموقف من التفسير المأثور يواجه في الواقع النزعة الخرافية الشائعة التي تسيطر على العقلية العامة في تلك الفترة، كما يواجه سيل الأساطير والإسرائيليات التي حشيت بها بعض كتب التفسير في الوقت الذي وصلت فيه الفتنة بالعلم الحديث إلى ذروتها.\nومواجهة ضغط الخرافة من جهة وضغط الفتنة بالعلم من جهة أخرى لا يمكن أن يتم بمواجهة النصوص القرآنية بمقررات عقلية سابقة، ثم يفسر القرآن في ضوئها، بل ينبغي أن نواجه هذه النصوص لنتلقى منها تصوراتنا ومواقفنا، ومن ثم لا يصح أن يقال إن مدلول هذا النص يصطدم مع العقل، فلا بد من تأويله! وليس معنى ذلك هو الاستسلام للخرافة، ولكن معناه أن العقل ليس هو الحكم في مقررات القرآن وإنما يكون دور العقل التلقي والتفهم الواعي لما يقوله ويبيّنه القرآن (٢).\nوفهم آيات القرآن في عصرنا يجب ألّا يكون بمعزل عن فهم السلف لها، فالتفسير المأثور إذا ثبت عن رسول الله ﷺ فهو مقدم على كل شيء، بل حجة متبعة لا تسوغ مخالفتها لشيء آخر، ولا أظن أن المتحاملين على التفسير المأثور يقصدون هذا النوع أبدا، والتفسير المأثور عن الصحابة مقدم على غيره، فإنه إما أن يكون مسموعا عن النبي ﷺ وإما أن يعبر فيه الصحابي عن مناسبة النزول، أو يبين معنى الآية، مما يلزم المفسر للقرآن الإفادة منه. وكذلك يمكن\n_________\n(١) التفسير ورجاله ص ٢٥٣.\n(٢) ينظر: سيد قطب: في ظلال القرآن ٣٠/ ٣٩٧٦ - ٣٩٧٩.","vol":"1","page":212},{"text":"الاستفادة من تفاسير التابعين ومن بعدهم، خاصة التوضيحات اللغوية والاستنتاجات الفقهية، ولا تكاد تنطبق تلك الحملة على التفسير المأثور إلا في جانب واحد منه، وهو ما يعرف بالإسرائيليات التي تسللت إلى بعض التفاسير القديمة، في تفسير بدء الخليقة وقصص الأنبياء. ولم يحمد كثير من المتقدمين إيراد تلك الروايات في تفسير القرآن، بل أنكروها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>٢ - موقف المفسرين المحدثين من النظريات العلمية الحديثة:</span>\nافتتن بعض المفسرين بالنظريات العلمية الحديثة، وذلك حين نظر في ذلك الركود العلمي الذي كان يلف بلاد المسلمين، وتلك الحضارة الغربية المزدهرة بالصناعة والعلوم والفنون، واعتقد أن من وسائل النهوض بواقع المسلمين التأكيد على أن الإسلام يحث على طلب العلم، وأن في القرآن إشارات إلى العلوم والنظريات العلمية الحديثة، فحاول تفسير القرآن وشحنه بكل أنواع العلوم ومظاهر الحضارة الحديثة، وخير من يمثل هذا الموقف الشيخ طنطاوي جوهري، ﵀، في تفسيره (الجواهر).\nقال الشيخ طنطاوي في مقدمة التفسير بعد أن ذكر أنه خلق مغرما بالعجائب الكونية، معجبا بالبدائع الطبيعية، وأنه ألّف كتبا في ذلك، وأنه رغب في أن يفسر القرآن ويضمنه تلك العلوم:\n«وإني لعلى رجاء أن يؤيد الله هذه الأمة بهذا الدين، وينسج على منوال هذا التفسير المسلمون ... وليقومنّ من هذه الأمة من يفوق الفرنجة في الزراعة والطب والمعادن والحساب والهندسة والفلك، وغيرها من العلوم والصناعات، كيف لا، وفي القرآن من آيات العلوم ما يربو على سبع مائة وخمسين آية، فأما علم الفقه فلا تزيد آياته الصريحة على مائة وخمسين آية؟ وقد وضعت في هذا التفسير ما يحتاجه المسلم من الأحكام والأخلاق، وعجائب الكون، وأثبتّ فيه غرائب وعجائب الخلق، مما يشوق المسلمين والمسلمات إلى الوقوف على حقائق","vol":"1","page":213},{"text":"معاني الآيات البينات، في الحيوان والنبات والأرض والسماوات، ولتعلمنّ أيها الفطن أن هذا التفسير نفحة ربانية، وإشارة قدسية، وبشارة رمزية، أمرت به بطريق الإلهام، وأيقنت أن له شأنا سيعرفه الخلق، وسيكون من أهم أسباب رقي المستضعفين في الأرض» (١).\nونحا هذا المنحى أيضا، وإن كان على نحو أخف، الشيخ أحمد مصطفى المراغي في تفسيره، فقد قال في مقدمته: «ويضم إلى آراء مؤلفه آراء أهل الذكر من الباحثين في مختلف الفنون التي ألمح إليها القرآن على ما أثبته العلم في عصرنا» (٢).\nومع إمكان تلمس العذر لأولئك المفسرين الذين سلكوا هذا المنهج فإن «الذين يفسرون القرآن الكريم بما يطابق مسائل العلم، ويحرصون على أن يستخرجوا منه كل مسألة تظهر في أفق الحياة، يسيئون إلى القرآن من حيث يظنون أنهم يحسنون صنعا، لأن هذه المسائل التي تخضع إلى سنّة التقدم تتبدل، وقد تتقوض من أساسها وتبطل، فإذا فسرنا القرآن بها تعرضنا في تفسيره للنقائض، كلما تبدلت القواعد العلمية، أو تتابعت الكشوف بجديد ينقض القديم، أو يقين يبطل التخمين» (٣).\nفكل محاولة لتعليق الإشارات القرآنية العامة بما يصل إليه العلم من نظريات متجددة متغيرة، أو حتى بحقائق علمية ليست مطلقة، تحتوي أولا على خطأ منهجي أساسي، وهو أن نعلّق الحقائق النهائية القرآنية بحقائق غير نهائية، وهي كل ما يصل إليه العلم البشري. كما أنها تنطوي على معان ثلاثة كلها لا يليق بجلال القرآن الكريم (٤):\n_________\n(١) الجواهر في تفسير القرآن ١/ ٣.\n(٢) تفسير المراغي ١/ ٤.\n(٣) مناع القطان: مباحث في علوم القرآن ص ٢٧٠.\n(٤) ينظر: في ظلال القرآن ٢/ ١٨٢.","vol":"1","page":214},{"text":"المعنى الأول: هو الهزيمة الداخلية التي تخيل لبعض الناس أن العلم هو المهيمن والقرآن تابع، ومن هنا يحاولون تثبيت القرآن بالعلم، أو الاستدلال له من العلم، على حين أن القرآن كتاب كامل في موضوعه، ونهائي في حقائقه، والعلم ما يزال في موضوعه ينقض اليوم ما أثبته بالأمس، وكل ما يصل إليه غير نهائي ولا مطلق، لأنه مقيد بوسط الإنسان وعقله وأدواته، وكلها ليس من طبيعتها أن تعطي حقيقة واحدة نهائية مطلقة.\nالمعنى الثاني: سوء فهم طبيعة القرآن ووظيفته، وهي أنه حقيقة نهائية مطلقة تعالج بناء الإنسان، بناء يتفق- بقدر ما تسمح طبيعة الإنسان النسبية- مع طبيعة هذا الوجود وناموسه الإلهي، حتى لا يصطدم الإنسان بالكون من حوله، بل يصادقه ويعرف بعض أسراره، ويستخدم بعض نواميسه في خلافته، نواميسه التي تكشف له بالنظر والبحث والتجريب والتطبيق، وفق ما يهديه إليه عقله الموهوب له، ليعمل لا ليتسلم المعلومات المادية جاهزة.\nالمعنى الثالث: هو التأويل المستمر، مع التمهل والتكلف، لنصوص القرآن كي نحملها ونلهث بها وراء الفروض والنظريات التي لا تثبت ولا تستقر، وكل يوم يجدّ جديد.\nولكن ذلك لا يعني أننا لا يمكن أن ننتفع بما يكشفه العلم من نظريات وحقائق علمية عن الكون والحياة والإنسان في تفسير القرآن، وقد قال الله ﷾: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ (٥٣) [فصلت] ومن مقتضى هذه الإشارة أن نظل نتدبر كل ما يكشفه العلم في الآفاق والأنفس من آيات الله، وأن نوسع بما يكشفه مدى المدلولات القرآنية في تصورنا، من غير أن نعلق النصوص القرآنية النهائية المطلقة بمدلولات ليست نهائية ولا مطلقة.\nوهنا ينفع المثال: يقول القرآن مثلا: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢) [الفرقان]، ثم تكشف الملاحظات العلمية أن هناك موافقات دقيقة وتناسقات ملحوظة بدقة في هذا الكون، (الأرض بهيئتها هذه، وببعد الشمس عنها هذا","vol":"1","page":215},{"text":"البعد، وبعد القمر عنها هذا البعد، وحجم الشمس والقمر بالنسبة لحجمها، وبسرعة حركتها هذه، وبميل محورها هذا، وبتكوين سطحها هذا، وبآلاف من الخصائص، هي التي تصلح للحياة وتوائمها، فليس شيء من هذا كله فلتة عارضة ولا مصادفة غير مقصودة، هذه الملاحظات تفيدنا في توسيع مدلول:\nوَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا وتعميقه في تصورنا، فلا بأس من تتبع مثل هذه الملاحظات لتوسيع هذا المدلول وتعميقه، وهكذا.\nهذا جائز ومطلوب، ولكن الذي لا يجوز ولا يصح علميا نحو هذا المثال:\nيقول القرآن الكريم: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) [المؤمنون]، ثم تظهر نظرية في النشوء والارتقاء لبعض العلماء تفترض أن الحياة بدأت خلية واحدة، وأن هذه الخلية نشأت في الماء، وأنها تطورت حتى انتهت إلى خلق الإنسان، فنحمل نحن هذا النص القرآني ونجري وراء النظرية، لنقول: هذا هو الذي عناه القرآن! هذا غير مناسب، لأن هذه النظرية ليست نهائية، فقد دخل عليها من التعديل في أقل من قرن من الزمان ما يكاد يغيرها نهائيا، وقد ظهر فيها من النقص المبني على معلومات ناقصة عن وحدات الوراثة التي تحتفظ لكل نوع بخصائصه ولا تسمح بانتقال نوع إلى نوع آخر، ما يكاد يبطلها. وهي معرضة للنقد والبطلان، بينما الحقيقة القرآنية نهائية، وليس من الضروري أن يكون هذا معناها، فهي تثبت فقط أصل نشأة الإنسان ولا تذكر تفصيلات هذه النشأة، وهي نهائية في النقطة التي تستهدفها، وهي أصل النشأة الإنسانية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>ثالثا- اتجاهات جديدة في التفسير:</span>\nلا يمكن للدارس أن يضع حدا تتوقف عنده جهود العلماء في تفسير القرآن الكريم، وقد استمرت تلك الجهود في العقود الأخيرة من الحقبة التي نعيش فيها الآن، وظهرت بوادر اتجاهات جديدة في التفسير، ويمكن أن نصنف جهود العلماء في التفسير في السنين الأخيرة إلى ثلاثة أصناف.","vol":"1","page":216},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>أ- الاستمرار في كتابة التفاسير الكبيرة، وذلك مثل:</span>\n١ - التحرير والتنوير، للشيخ محمد الطاهر بن عاشور.\n٢ - أضواء البيان، للشيخ محمد أمين الشنقيطي.\n٣ - في ظلال القرآن، للأستاذ سيد قطب.\nولكل من هذه التفاسير الثلاثة ميزاته الخاصة به، فالأول يعنى كثيرا بإبراز جمال أسلوب القرآن ووجوه بلاغته. والثاني يؤكد على صفاء العقيدة ونبذ ربقة التقليد، والثالث يسعى إلى العودة بالحياة كلها إلى منهج الله الذي رسمه للبشرية في كتابه الكريم. ثم لكل واحد من هذه التفاسير ميزاته وخصائصه التي لا يتسع المقام لتفصيلها أو الوقوف عندها في هذه المحاضرات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>ب- كتابة التفاسير المختصرة:</span>\nازدحمت حياة الناس في عصرنا بمشاغل كثيرة، ولم تعد مراجعة التفاسير الكبيرة ممكنة إلا لأهل الاختصاص، ومن ثم فإن المعنيين بتفسير القرآن الكريم وجدوا أن كتابة تفاسير مختصرة قد تكون مفيدة لغير المتخصصين بتفسير القرآن أو علوم الشريعة، ومن ثم ظهر نوعان من تلك التفاسير:\nالنوع الأول: اختصار تفاسير كبيرة قديمة وذلك مثل:\n١ - مختصر تفسير الطبري.\n٢ - مختصر تفسير ابن كثير.\n٣ - زبدة التفسير في اختصار فتح القدير للشوكاني.\nالنوع الثاني: كتابة تفاسير مختصرة جديدة، مثل:\n١ - التفسير الفريد، لمحمد فريد وجدي.\n٢ - المصحف الميسر، لعبد الجليل عيسى.\n٣ - صفوة البيان في تفسير القرآن، لمحمد حسنين مخلوف.","vol":"1","page":217},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>ج- التفسير الموضوعي:</span>\nوهو ضرب من البحث الفقهي أو العلمي في قضية من القضايا التي عالجها القرآن الكريم، وهو ليس جديدا كل الجدة، لكن عددا من الباحثين المحدثين تحدثوا عنه باعتباره منهجا جديدا في التفسير، وذلك مثل:\n١ - التفسير العلمي للآيات الكونية في القرآن.\n٢ - المنافقون في القرآن الكريم.\n٣ - الطب والقرآن.\nويحسن بنا ونحن نتحدث عن التفسير في السنين الأخيرة أن نشير إلى تفسير متوسط في حجمه، وفي أسلوبه، جمع فيه كاتبه خلاصة ما جاء في أشهر التفاسير القديمة بأسلوب واضح ميسر، ليكون في متناول جمهور القراء من غير المتخصصين، في زماننا، وهو (صفوة التفاسير) للشيخ محمد علي الصابوني، جزاه الله تعالى خيرا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>المبحث الرابع خلاصة في أصول التفسير</span>\nتتبعنا في المباحث السابقة نشأة علم التفسير، وتطور التأليف فيه، ووقفنا عند المناهج التي اعتمدها المفسرون في توضيح معاني الآيات الكريمة، وهناك عدة قضايا تتعلق بتوضيح أهمية علم التفسير ومقدار الحاجة إليه، وبيان ثقافة المفسر، وما يحتاج إليه، وتحديد السبل التي يمكن أن يسلكها في عمله، وموقع الترجمة من التفسير وعلاقتها به، وسوف ندرس هذه القضايا في فقرات هذا المبحث، إن شاء الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>أولا- أهمية علم التفسير والحاجة إليه:</span>\nيحتل علم التفسير الصدارة بين العلوم الإسلامية، لأن فهم معاني القرآن أمر","vol":"1","page":218},{"text":"ضروري لقارئ القرآن والمتفقه في الدين، قال أبو مسلم الأصبهاني (محمد بن بحر ت ٣٧٠ هـ) في تفسيره (١): «أشرف صناعة يتعاطاها الإنسان تفسير القرآن، بيان ذلك أن شرف الصناعة إما بشرف موضوعها مثل الصياغة، فإنها أشرف من الدّباغة، لأن موضوع الصياغة الذهب والفضة، وهما أشرف من موضوع الدباغة الذي هو جلد الميتة. وإما بشرف غرضها، مثل صناعة الطب، فإنها أشرف من صناعة الكناسة، لأن غرض الطب إفادة الصحة، وغرض الكناسة تنظيف المستراح، وإما لشدة الحاجة إليها كالفقه، فإن الحاجة إليه أشد من الحاجة إلى الطب، إذ ما من واقعة في الكون في أحد من الخلق إلا وهي مفتقرة إلى الفقه، لأن به انتظام صلاح أحوال الدنيا والدين، بخلاف الطب فإنه يحتاج إليه بعض الناس في بعض الأوقات.\n«إذا عرف ذلك، فصناعة التفسير قد حازت الشرف من الجهات الثلاث، أما من جهة الموضوع فلأن موضوعه كلام الله تعالى الذي هو ينبوع كل حكمة، ومعدن كل فضيلة، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، لا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه.\nوأما من جهة الغرض فلأن الغرض منه هو الاعتصام بالعروة الوثقى والوصول إلى السعادة الحقيقية التي لا تفنى. وأما من جهة شدة الحاجة فلأن كل كمال ديني أو دنيوي عاجلي أو آجلي، مفتقر إلى العلوم الشرعية والمعارف الدينية، وهي متوقفة على العلم بكتاب الله تعالى».\nوما ورد في القرآن من آيات يؤكد على أهمية التفكير في معاني الآيات التي يقرؤها القارئ، قال الله تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٩) [ص].\n_________\n(١) نقلا عن السيوطي: الإتقان ٤/ ١٧٣.","vol":"1","page":219},{"text":"وكان ابن عباس يقول: «الذي يقرأ القرآن ولا يحسن تفسيره كالأعرابي يهذّ الشعر هذّا» (١)، وأخذ سعيد بن جبير عن أستاذه ابن عباس هذا المعنى فكان يقول: «من قرأ القرآن ثم لم يفسره كان كالأعمى أو كالأعرابي» (٢).\nوقال شيخ المفسرين محمد بن جرير الطبري: «إني لأعجب ممن قرأ القرآن ولم يعلم تأويله، كيف يلتذ بقراءته؟!» (٣). ومن ثمّ كانت: «حاجة الأمة ماسّة إلى فهم القرآن» (٤).\nوالحاجة إلى تفسير القرآن كانت تزداد بتقدم الزمان والابتعاد عن عصر النبوة المبارك، قال السيوطي (ت ٩١١ هـ): «إن القرآن نزل بلسان عربي في زمن أفصح العرب، وكانوا يعلمون ظواهره وأحكامه، أما دقائق باطنه فإنما كان يظهر لهم بعد البحث والنظر: مع سؤالهم النبي ﷺ في الأكثر ... ونحن محتاجون إلى ما كانوا يحتاجون إليه وزيادة على ذلك مما لم يحتاجوا إليه من أحكام الظواهر، لقصورنا عن مدارك أحكام اللغة بغير تعلم، فنحن أشد الناس احتياجا إلى التفسير» (٥). وما قاله السيوطي، ﵀، عن حاجة أهل زمانه إلى التفسير ينطبق على أهل زماننا إن لم يكونوا أكثر منهم حاجة إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>ثانيا- ثقافة المفسر وأدواته:</span>\nإن قارئ القرآن إذا كان على قدر مناسب من المعرفة والثقافة اللغوية فإنه سوف يدرك كثيرا من معاني آيات القرآن الكريم، ولا شك في أن إدراكه ذاك سوف\n_________\n(١) السيوطي: الإتقان ٤/ ١٧٢. والهذ: سرعة القراءة والقطع.\n(٢) الطبري: جامع البيان ١/ ٣٥.\n(٣) نقل ذلك ياقوت في معجم الأدباء ٨/ ٦٣.\n(٤) ابن تيمية: الفتاوى الكبرى ١٣/ ٣٣٠.\n(٥) الإتقان ٤/ ١٧٠ - ١٧١.","vol":"1","page":220},{"text":"يزداد إذا نظر في كتب التفسير المختلفة، وكلما أطال النظر في تلك الكتب وأمعن التفكير في معاني الآيات اتسعت آفاق إدراكه معاني الذكر الحكيم، لكن من أراد أن يكتب للآخرين فهمه وتفسيره للقرآن الكريم فإن ذلك يقتضي منه أن يكون على قدر كبير من العلم والفهم لعلوم كثيرة تؤهله للقيام بتلك المهمة الجليلة.\nوذكر علماء السلف العلوم التي يلزم المفسر الإلمام بها حتى يتمكن من تفسير القرآن، فبلغت خمسة عشر علما، لخصها السيوطي بقوله (١): يجوز تفسيره لمن كان جامعا للعلوم التي يحتاج المفسر إليها، وهي خمسة عشر علما:\nأحدها: اللغة، لأنها بها يعرف شرح مفردات الألفاظ ومدلولاتها ...\nالثاني: النحو، لأن المعنى يتغير ويختلف باختلاف الإعراب ...\nالثالث: التصريف، لأن به تعرف الأبنية والصيغ ...\nالرابع: الاشتقاق، لأن الاسم إذا كان اشتقاقه من مادتين مختلفتين اختلف المعنى باختلافهما ...\nالخامس والسادس والسابع: المعاني والبيان والبديع، لأنه يعرف بالأول خواص تراكيب الكلام من جهة إفادتها المعنى، وبالثاني خواصها من حيث اختلافها بحسب وضوح الدلالة وخفائها، وبالثالث وجوه تحسين الكلام، وهذه العلوم الثلاثة هي علوم البلاغة، وهي من أعظم أركان المفسر، لأنه لا بد له من مراعاة ما يقتضيه الإعجاز، وإنما يدرك بهذه العلوم ...\nالثامن: علم القراءات، لأن به يعرف كيفية النطق بالقرآن، وبالقراءات يترجح بعض الوجوه المحتملة على بعض.\nالتاسع: أصول الدين بما في القرآن من الآيات الدالة بظاهرها على ما لا\n_________\n(١) على مذهب المتأخرين من علماء الكلام، أما السلف فإنهم كانوا لا يؤولون من ذلك شيئا، ويقولون: آمنا به كّل من عند ربنا.","vol":"1","page":221},{"text":"يجوز على الله تعالى، فالأصولي يؤوّل ذلك (١)، ويستدل على ما يستحيل، وما يجب، وما يجوز.\nالعاشر: أصول الفقه، إذ به يعرف وجه الاستدلال على الأحكام والاستنباط.\nالحادي عشر: أسباب النزول والقصص، إذ بسبب النزول يعرف معنى الآية المنزلة فيه بحسب ما أنزلت فيه.\nالثاني عشر: الناسخ والمنسوخ (٢)، ليعلم المحكم من غيره.\n_________\n(١) على مذهب المتأخرين من علماء الكلام، أما السلف فإنهم كانوا لا يؤولون من ذلك شيئا، ويقولون؛ آمنا به كل من عند ربنا.\n(٢) النسخ في اللغة يأتي بمعنى الإزالة، ومعنى نقل الشيء من مكان إلى آخر، ومنه نسخ الكتب (ابن منظور: لسان العرب مادة نسخ). وفي الاصطلاح النسخ هو: «رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر عنه» (مصطفى زيد: النسخ في القرآن الكريم ١/ ١٠٥).\nوالنسخ في القرآن أحد العلوم التي درسها المشتغلون بعلوم القرآن (ينظر: الزركشي:\nالبرهان ٢/ ٢٨، والسيوطي: الإتقان ٣/ ٥٩) وكتبت فيه كتب مستقلة، مثل: (الناسخ والمنسوخ) للنحاس، وغيره.\nوقال العلماء إن النسخ في القرآن الكريم لا يقع إلا في آيات الأحكام، في الأمر والنهي والحدود والعقوبات في أحكام الدنيا، ولا يقع فيما أخبر الله تعالى عنه من أمور العقيدة وأخبار خلق آدم وأخبار الأنبياء والامم الماضية، مما وقع، أو مما سيقع من قيام الساعة والبعث والجزاء (ينظر: الحارث المحاسبي: فهم القرآن ص ٢٢٣، والنحاس:\nالناسخ والمنسوخ ص ٢٥٨، ومكي: الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ص ٥٦).\nوالنسخ في القرآن ليس من قبيل البداء، وهو استصواب شيء علم بعد أن كان غير معلوم، لأن ذلك على الله غير جائز (ابن منظور: لسان العرب مادة بدو) وإنما هو نوع من التدرج في تطبيق الأحكام الشرعية خاصة تلك التي أخذت شكل عادات شعورية في المجتمع، ويضربون مثالا تحريم الخمر، فقد جاء في القرآن أولا أن الخمر والميسر فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ (٢١٩) [البقرة]، ثم نزل يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ (٤٣) [النساء]، ثم نزل التحريم في سورة المائدة رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ (٩٠) [المائدة]، ومعرفة المفسر بموضوع الناسخ والمنسوخ أمر.","vol":"1","page":222},{"text":"الثالث عشر: الفقه.\nالرابع عشر: الأحاديث المبيّنة لتفسير المجمل والمبهم.\nالخامس عشر: علم الموهبة، وهو علم يورثه الله تعالى لمن عمل بما علم، وإليه الإشارة بحديث (من عمل بما علم ورّثه الله علم ما لم يعلم) ...» (١).\nولاحظ علماء السلف أمورا أخرى رأوها ضرورية لمن يقدم على تفسير القرآن، حتى يكون تفسيره مقبولا، فنقل الإمام السيوطي عن أبي طالب الطبري، وهو يتحدث عن أدوات المفسر قوله: «اعلم أن من شرطه:\n١ - صحة الاعتقاد أولا، ولزوم سنة الدين، فإن من كان مغموصا عليه في دينه لا يؤتمن على الدنيا فكيف على الدين، ثم لا يؤتمن من الدين على الإخبار عن عالم، فكيف يؤتمن في الإخبار عن أسرار الله تعالى، ولأنه لا يؤمن إن كان متهما بالإلحاد أن يبغي الفتنة، ويغوي الناس بليّه وخداعه، كدأب الباطنية وغلاة الرافضة، وإن كان متهما بهوى لم يؤمن أن يحمله هواه على ما يوافق بدعته، كدأب القدرية، فإن أحدهم يصنف الكتاب في التفسير ومقصوده منه الإيضاح بين المسلمين (٢) ليصدهم عن اتباع السلف ولزوم طريق الهدى.\n٢ - ويجب أن يكون اعتماده على النقل عن النبي ﷺ وعن أصحابه ومن عاصرهم، ويجتنب المحدثات.\n٣ - ومن شرطه صحة المقصد فيما يقول ليلقى التسديد، فقد قال تعالى:\nوَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا (٦٩) [العنكبوت] وإنما يخلص له القصد إذا\n_________\nضروري حتى لا يقع في الخطأ في تفسير الآيات المنسوخة.\n(١) الإتقان ٤/ ١٨٥ - ١٨٨.\n(٢) في الأصل: المساكين.","vol":"1","page":223},{"text":"زهد في الدنيا، لأنه إذا رغب فيها لم يؤمن أن يتوسل به إلى عرض يصدّه عن صواب قصده، ويفسد عليه صحة عمله» (١).\nوالمفسر في زماننا محتاج إلى العلوم الخمسة عشر التي ذكرناها، كما أنه لا بد له من القاعدة الفكرية السلمية التي يستند إليها من صحة الاعتقاد واجتناب المحدثات، وسلامة المقصد، وهو محتاج إلى جانب ذلك كله الاطلاع على منجزات العلوم الحديثة التي لها تعلّق بالموضوعات التي أشار إليها القرآن الكريم، حتى يتمكن من توضيح ما تضمنه القرآن من أسرار الكون وعجائبه التي نبّأ عنها القرآن بقوله: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ (٥٣) [فصلت].\nوقد يكون مفيدا لمفسر القرآن في عصرنا أن يكون على اطلاع على ما تأكد من تاريخ الأمم القديمة التي أسهم علم الآثار في الكشف عن بعض أخبارها، كما أن معرفته بالمواقع الجغرافية التي ذكرت في القرآن يمكن أن يكون مفيدا في الكشف عن معنى كثير من الآيات الكريمة.\nوبذلك يتضح أن تفسير القرآن الكريم يحتاج إلى ثقافة موسوعية، وقاعدة علمية متعددة الجوانب، ولا يستغني مفسر القرآن في عصرنا عن الاطلاع على الثروة التفسيرية الكبيرة التي كتبها علماء الأمة الإسلامية في العصور السابقة، على نحو ما سنشير إلى ذلك في فقرة لاحقة إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>ثالثا- تفسير الآيات المحكمات والآيات المتشابهات:</span>\nإذا أحاط المفسر بالعلوم الخمسة عشر التي يحتاج إليها من يتصدى لتفسير القرآن الكريم، وإذا تحققت له صحة الاعتقاد وصحة المقصد التي اشترطها العلماء لصحة التفسير فإن ذلك لا يعني أن المفسر سوف يتمكن من تفسير كل\n_________\n(١) الإتقان ٤/ ١٧٣ - ١٧٥.","vol":"1","page":224},{"text":"آيات القرآن الكريم بدرجة واحدة من التفصيل والبيان، فقد لاحظ العلماء أن من آيات القرآن ما يتحدث عن أمور هي أوسع من مدركات العقل البشري، فيعجز العقل البشري عن توضيحها بأكثر مما يؤخذ من دلالة الألفاظ المعبرة عنها.\nوبناء على تلك الحقيقة قسّم العلماء القرآن على ثلاثة أوجه (١):\nأحدها: لا سبيل إلى الوصول إليه، وهو الذي استأثر الله بعلمه، وحجب علمه عن جميع خلقه، وهو أوقات ما كان من آجال الأمور الحادثة التي أخبر الله في كتابه أنها كائنة، مثل وقت قيام الساعة، ووقت نزول عيسى بن مريم، ووقت طلوع الشمس من مغربها، والنفخ في الصور، وما أشبه ذلك.\nوالوجه الثاني: ما خصّ الله بعلم تأويله نبيّه ﷺ دون سائر أمته، وهو ما فيه مما بعباده إلى علم تأويله الحاجة، فلا سبيل إلى علم ذلك إلا ببيان الرسول ﷺ لهم تأويله.\nوالثالث منها: ما كان علمه عند أهل اللسان الذي نزل به القرآن، وذلك تأويل عربيته، وإعرابه، لا يوصل إلى علم ذلك إلى من قبلهم.\nويستند هذا التقسيم إلى الرواية المنقولة عن عبد الله بن عباس التي ذكرناها عند الحديث عن جهوده في التفسير، كما أن جمهور العلماء والمفسرين يفسرون الآية السابعة في سورة آل عمران في ضوء ذلك، وهي قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ (٧) [آل\nعمران].\nقال الطبري: المحكم من آي القرآن ما عرف العلماء تأويله، وفهموا معناه\n_________\n(١) الطبري: جامع البيان ١/ ٣٢ و٤١، وينظر: الزركشي: البرهان ٢/ ١٦٦، والسيوطي:\nالإتقان ٤/ ١٩٠ - ١٩١.","vol":"1","page":225},{"text":"وتفسيره، والمتشابه ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل، مما استأثر الله بعلمه دون خلقه، والراسخون في العلم يقولون: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا (٧) لا يعلمون ذلك، ولكن فضل علمهم في ذلك على غيرهم: العلم بأن الله هو العالم بذلك دون سواه من خلقه (١).\nوعلى هذا النحو فهم علماء السلف الآية الكريمة السابقة، فقال عبيدة بن عمرو السلماني (ت ٧٢ هـ) وهو من تابعي أهل الكوفة، وأحد تلامذة عبد الله بن مسعود: من أين يعلمون تأويله؟ وإنما انتهى علم الراسخين إلى أن قالوا:\nآمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا (٢). وسئل الإمام مالك بن أنس (ت ١٧٩ هـ) عن قوله تعالى: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ أيعلم تأويله الراسخون في العلم؟ قال: لا، وإنما معنى ذلك أن قال: وما يعلم تأويله إلا الله، ثم أخبر فقال: والراسخون في العلم يقولون: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وليس يعلمون تأويله (٣).\nوقد ذهب الأكثرون من الصحابة والتابعين وأتباعهم وجمهور العلماء من بعدهم إلى أن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويل المتشابه (٤)، ويدل على ذلك أمور منها (٥):\n١ - ما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما، عن عائشة، ﵂، قال: تلا\n_________\n(١) جامع البيان ٣/ ١٧١.\n(٢) الحارث المحاسبي: فهم القرآن ص ٣٢٩.\n(٣) المصدر نفسه ص ٣٣٠.\n(٤) روي عن مجاهد بن جبر المكي (ت ١٠٢ هـ) وقتادة بن دعامة السدوسي (ت ١١٨ هـ) أنهما يذهبان إلى أن الراسخين في العلم يعلمون تأويل المتشابه، ولكنهما يفسران المتشابه بغير ما فسّره به الجمهور، فعند مجاهد هو الآيات التي يصدّق بعضها بعضها (ينظر: ابن حجر: فتح الباري ٨/ ٢٠٩)، وعند قتادة هو المنسوخ من آي القرآن (ينظر: الحارث المحاسبي: فهم القرآن ص ٣٢٩).\n(٥) ينظر: السيوطي: الإتقان ٣/ ٥ - ٨.","vol":"1","page":226},{"text":"رسول الله، ﷺ، هذه الآية: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ ... وقال: «فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمّى الله فاحذروهم».\n٢ - ما أخرجه عبد الرزاق في تفسيره، والحاكم في مستدركه، عن ابن عباس أنه كان يقرأ: «وما يعلم تأويله إلا الله، ويقول الراسخون في العلم آمنا به»، وهذه القراءة، وإن كانت شاذة لعدم تواترها، ومخالفتها خط المصحف، أقل درجاتها أنها تفسير صحيح عن ابن عباس تدل على أن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويله.\n٣ - ويؤيد ذلك أن الآية دلت على ذم متّبعي المتشابه ووصفهم بالزيغ وابتغاء الفتنة، وعلى مدح الذين فوضوا العلم إلى الله، وآمنوا بما أنزل الله: محكمه ومتشابهه، قائلين: كلّ من عند الله.\nوبناء على رأي الجمهور في تفسير الآية تكون الواو في تفسير قوله:\nوَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ للاستئناف، ويكون ما بعدها جملة مستأنفة مكونة من مبتدأ وخبر، وتكون الواو على رأي غيرهم للعطف، وهو خلاف ما ذهب إليه جمهور أهل العلم (١). وينص علماء الوقف والابتداء على أن الوقف التام في الآية يكون عند لفظ (الله) المعظم من قوله: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ثم يستأنف القارئ بعد ذلك قراءته بقوله وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ... (٢).\nإن القرآن الكريم قد كشف الستر عن حجب الغيب فأطلع البشرية على أخبار اليوم الآخر والبعث والحساب والجنة والنار، وكشف عن بعض أسرار الكون وحقائقه بما يتناسب وقابلية البشر وإدراكهم، ورمز إلى أمور أخرى ليست من مدركات العقل البشري استأثر الله بعلمها وحجبها عنا في الحياة الدنيا، فالذين في قلوبهم زيغ وانحراف وضلال عن سواء الفطرة يتركون الأصول\n_________\n(١) الطبري: جامع البيان ٣/ ١٨٢، والقرطبي: الجامع لأحكام القرآن ٤/ ١٦.\n(٢) أبو بكر الأنباري: إيضاح الوقف والابتداء ٢/ ٥٦٥.","vol":"1","page":227},{"text":"الواضحة التي تقوم عليها العقيدة والشريعة والمنهج العلمي للحياة الإسلامية، ويجرون وراء المتشابه الذي يعوّل فيه على الإيمان بصدق مصدره، والتسليم بأنه هو الذي يعلم الحق كله، بينما الإدراك البشري نسبي محدود المجال. وأما الراسخون في العلم الذين بلغ من علمهم أن يعرفوا مجال العقل وطبيعة التفكير البشري وحدود المجال الذي يملك العمل فيه بوسائله الممنوحة لهم، فإنهم يقولون: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا (١).\nولا يعني قول العلماء إن من القرآن ما استأثر الله بعلمه أنه ليس له معنى أو حقيقة يدل عليها، وإنما يعني أن الوقوف على حقيقة معناه ليس في طوق البشر «لعدم نظيره عندنا» (٢)، ومن ثم كان السلف يقولون في مثل هذه الآيات: «قراءة الآية تفسيرها» (٣) أي أن القارئ يقف عند الدلالة الظاهرة لألفاظها، من غير تعمق في البحث عن تفصيلات ذلك المعنى.\nوهاهنا ثمة ملاحظتان:\nالأولى: ذهب بعض العلماء أن التشابه أمر نسبي، فقد يتشابه عند هذا ما لا يتشابه عند غيره، ولكن هناك آيات محكمات لا تشابه فيها على أحد، وهناك آيات متشابهات لا سبيل لأحد للقول في تفسيرها (٤).\nالثانية: أن الله تعالى وصف القرآن بالإحكام في قوله: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) [هود]، وإحكامه هنا يعني إتقانه وعدم تطرق النقص والاختلاف إليه، كما أن الله تعالى وصفه بأنه متشابه في قوله: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ (٢٣) [الزمر]، والمراد بتشابهه هنا كونه يشبه\n_________\n(١) ينظر: سيد قطب: في ظلال القرآن ٣/ ٣٦٩.\n(٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى ١٣/ ٢٨٠.\n(٣) ابن تيمية: مجموع الفتاوى ١٣/ ٢٩٦.\n(٤) ابن تيمية: مجموع الفتاوى ١٣/ ١٤٤.","vol":"1","page":228},{"text":"بعضه بعضا في الحق والصدق والإعجاز، والقرآن من هذه الناحية محكم متشابه جميعه (١). وهذا غير المعنى الذي تحدثنا عنه في هذه الفقرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>رابعا- التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي:</span>\nيتردد في كتب علوم القرآن وفي المباحث المتعلقة بالتفسير مصطلح التفسير بالمأثور، ومصطلح التفسير بالرأي، وهما مصطلحان لهما أصل في كلام علماء السلف، فابن تيمية، ﵀، يقول وهو يتحدث عن التفسير: «العلم إما نقل مصدّق، وإما استدلال محقق» (٢)، وذكر الزركشي، ﵀، التفسير بالرواية، والتأويل بالدراية (٣)، وهما قريبان مما يراد من قولهم التفسير المأثور الذي صار يطلق على ما نقل عن رسول الله ﷺ وعن الصحابة والتابعين من تفسير للقرآن الكريم، وقولهم التفسير بالرأي الذي يراد منه تفسير القرآن بالاجتهاد وفق ضوابط معينة (٤).\nوتحدث ابن خلدون عن نشأة هذين الاتجاهين في التفسير، فقال: «وأما التفسير فاعلم أن القرآن نزل بلغة العرب وعلى أساليب بلاغتهم، فكانوا كلهم يفهمونه ويعلمون معانيه في مفرداته وتراكيبه، وكان ينزل جملا جملا، وايات آيات، لبيان التوحيد والفروض الدينية، بحسب الوقائع، ومنها ما هو في العقائد الإيمانية، ومنها ما هو في أحكام الجوارح، ومنها ما يتقدم ومنها ما يتأخر ويكون ناسخا له، وكان النبي ﷺ يبيّن المجمل، ويميز الناسخ من المنسوخ، ويعرّفه أصحابه، فعرفوه وعرفوا سبب نزول الآيات، ومقتضى الحال منها ...\n«ونقل ذلك عن الصحابة، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وتداول ذلك\n_________\n(١) ينظر: السيوطي: الإتقان ٣/ ٣.\n(٢) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٤٤، وينظر ١٣/ ٣٢٩.\n(٣) البرهان ٢/ ١٥٠.\n(٤) ينظر: محمد حسين الذهبي: التفسير والمفسرون ١/ ١٥٢ و٣٥٥.","vol":"1","page":229},{"text":"التابعون من بعدهم، ونقل ذلك عنهم، ولم يزل متناقلا بين الصدر الأول والسلف حتى صارت المعارف علوما ودوّنت الكتب، فكتب الكثير من ذلك، ونقلت الآثار الواردة عن الصحابة والتابعين، وانتهى ذلك إلى الطبري والواقدي والثعالبي، وأمثال ذلك من المفسرين، فكتبوا فيه ما شاء الله أن يكتبوه من الآثار.\n«ثم صارت علوم اللسان صناعية، من الكلام في موضوعات اللغة وأحكام الإعراب والبلاغة في التراكيب، فوضعت الدواوين في ذلك، بعد أن كانت ملكات للعرب، لا يرجع إلى نقل ولا كتاب، فتنوسي ذلك وصارت تتلقّى من كتب أهل اللسان، فاحتيج إلى ذلك في تفسير القرآن لأنه بلسان العرب وعلى منهاج بلاغتهم، وصار التفسير على صنفين:\nتفسير نقلي مسند إلى الآثار المنقولة عن السلف، وهي معرفة الناسخ والمنسوخ، وأسباب النزول، ومقاصد الآي، وكان ذلك لا يعرف إلا بالنقل عن الصحابة والتابعين، وقد جمع المتقدمون في ذلك وأوعوا ...\nوالصنف الآخر من التفسير وهو ما يرجع إلى اللسان، من معرفة اللغة والإعراب والبلاغة في تأدية المعنى بحسب المقاصد والأساليب، وهذا الصنف من التفسير قلّ أن ينفرد عن الأول، إذ الأول هو المقصود بالذات ...» (١).\nوقد روى عبد الله بن عباس حديثين عن رسول الله ﷺ في النهي عن تفسير القرآن بالرأي هما:\nالأول: قوله: «من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار» (٢).\nوالثاني: قوله: «من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ» (٣).\n_________\n(١) مقدمة ابن خلدون ص ٤٣٨ - ٤٤٠.\n(٢) قال ابن كثير في تفسيره (١/ ٦): أخرجه الترمذي والنسائي وأبو داود والطبري.\n(٣) قال ابن كثير في تفسيره (١/ ٦): روى هذا الحديث أبو داود والترمذي والنسائي.","vol":"1","page":230},{"text":"وحمل العلماء الحديث الأول على من يتصدى لتفسير القرآن من غير علم ولا دليل، لا سيما أنه قد جاء في بعض روايات الحديث: (من قال في القرآن بغير علم)، قال ابن عطية: «وليس يدخل في هذا الحديث أن يفسر اللغويون لغته، والنحاة نحوه، والفقهاء معانيه، ويقول كل واحد باجتهاده المبني على قوانين علم ونظر، فإن هذا القائل ليس قائلا بمجرد رأيه» (١).\nوقال القرطبي: «وإنما النهي يحمل على أحد وجهين:\nأحدهما: أن يكون له في الشيء رأي، وإليه ميل من طبعه وهواه، فيتأول القرآن على وفق رأيه وهواه، ليحتج على تصحيح غرضه، ولو لم يكن له ذلك الرأي والهوى لكان لا يلوح له من القرآن ذلك المعنى.\nالوجه الثاني: أن يتسارع إلى تفسير القرآن بظاهر العربية، من غير استظهار بالسماع والنقل ... والنقل والسماع لا بد له منه في ظاهر التفسير أولا، ليتقي به مواضع الغلط، ثم بعد ذلك يتسع الفهم والاستنباط» (٢).\nوحمل العلماء الحديث الثاني على أن «القائل في ذلك برأيه، وإن أصاب الحق فيه، فمخطئ فيما كان من فعله بقيله فيه برأيه، لأن إصابته ليست إصابة موقن أنه محق، وإنما إصابة خارص وظانّ، والقائل في دين الله بالظن قائل على الله ما لم يعلم».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>خامسا- أحسن طرق التفسير:</span>\nبعد أن يحقق من يريد أن يفسر القرآن ما يتطلبه الإقدام على هذا العمل من مؤهلات علمية وفكرية، عليه أن يحدد المنهج الذي يحقق له هدفه من غير أن يؤدي به ذلك إلى تفريط أو شطط، وكان عدد من علماء السلف، ﵏\n_________\n(١) مقدمة تفسير ابن عطية ص ٢٦٢.\n(٢) الجامع لأحكام القرآن ١/ ٣٣.","vol":"1","page":231},{"text":"تعالى، قد تحدثوا عن أحسن طرق التفسير، وبينوا الخطوات التي يجب على المفسر أن يخطوها، والموقف الذي عليه أن يقفه من التراث التفسيري الذي أنتجته أجيال علماء الأمة السابقين. فقالوا (١):\nفإن قال قائل فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب:\n١ - إن أصح الطرق في ذلك أن يفسّر القرآن بالقرآن، فما أجمل في مكان فإنه قد فسّر في موضع آخر، وما اختصر في مكان فإنه قد بسط في موضع آخر.\n٢ - فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة، فإنها شارحة للقرآن وموضحة له، قال الطبري:\n«فرسول الله ﷺ أعلم بما أنزل الله عليه، وليس لأحد مع قوله، الذي يصح عنه، قول» (٢). وقال ابن تيمية: «إن القرآن والحديث إذا عرف تفسيره من جهة النبي ﷺ لم يحتج في ذلك إلى أقوال أهل اللغة ... ولا غيرهم» (٣).\n٣ - فإذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرائن والأحوال التي اختصّوا بها، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح، لا سيما علماءهم وكبراءهم، كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين مثل عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس، ﵃، وغيرهم.\n٤ - وإذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنّة، ولا وجدته عن الصحابة، فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين، كمجاهد بن جبر المكي، وسعيد بن جبير، وعكرمة مولى ابن عباس، وعطاء، والحسن البصري، وأبي العالية، والربيع بن أنس، وقتادة، والضحاك، وغيرهم من التابعين وتابعيهم،\n_________\n(١) ينظر: ابن تيمية: مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٦٣ - ٣٧٠، وابن كثير: تفسير القرآن العظيم ١/ ٤، والزركشي: البرهان ١٧٥.\n(٢) جامع البيان ج ٢٥، سورة الدخان، آية ١٠.\n(٣) مجموع الفتاوى ١٣/ ٢٧.","vol":"1","page":232},{"text":"فإذا أجمعوا على الشيء، فلا يرتاب في كونه حجة، فإن اختلفوا فلا يكون قول بعضهم حجة على بعض، ولا على من بعدهم، ويرجع في ذلك إلى لغة القرآن، أو السنة، أو عموم لغة العرب، أو أقوال الصحابة في ذلك (١).\n٥ - فأما تفسير القرآن بمجرد الرأي فحرام، وأما من تكلم في القرآن بما يعلم من ذلك لغة وشرعا فلا حرج عليه، كما أشرنا في الفقرة السابقة، وثمة ملاحظتان تتعلقان بهذا الموضوع هما:\nالملاحظة الأولى: على المفسر المعاصر الذي يتحرى الدقة في تفسيره أن يطيل النظر في تفاسير الأجيال الأولى من علماء الأمة، من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وأن يتخذ من فهمهم للقرآن منطلقا لتوضيح معاني الآيات الكريمة التي يفسرها، ولا يعني هذا أن عليه أن يأخذ بكل ما روي في التفسير المأثور، فقد سبق أن أشرنا إلى ما في بعض المرويات من ضعف، وما شاب بعضها الآخر من الروايات الإسرائيلية، ولكن وراء ذلك علم بالقرآن دقيق، وفهم لآياته أصيل لا يستغني عنه المفسر.\nوالملاحظة الثانية: على المفسر المعاصر ألّا يعرض أيضا عن التفاسير التي كتبها علماء الأمة بعد عصر تابعي التابعين إلى وقتنا الحاضر، ففيها ثروة تفسيرية\n_________\n(١) قال ابن تيمية (مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٣٣، ٣٤٣): «الخلاف بين السلف في التفسير قليل، وخلافهم في الأحكام أكثر من خلافهم في التفسير، وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد ... وجمع عبارات السلف في مثل هذا نافع جدا، فإن مجموع عباراتهم أدل على المقصود من عبارة أو عبارتين، ومع هذا فلا بد من اختلاف محقق بينهم». وقال في موضع آخر (١٣/ ٣٦٨): «فأما من حكى خلافا ولم يستوعب أقوال الناس فيها فهو ناقص، إذ قد يكون الصواب في الذي تركه. أو يحكي الخلاف ويطلقه، ولا ينبه على الصحيح من الأقوال، فهو ناقص أيضا، فإن صحح غير الصحيح عامدا فقد تعمد الكذب، أو جاهلا فقد أخطأ. كذلك من نصب الخلاف فيما لا فائدة تحته، أو حكى أقوالا متعددة لفظا، ويرجع حاصلها إلى قول أو قولين معنى، فقد ضيّع الزمان، وتكثر بما ليس بصحيح ...».","vol":"1","page":233},{"text":"قيمة لا يستغني عنها المفسر اليوم، مع التنبيه إلى ما قد يكون فيها من أمور لم تعد تتوافق مع ما ثبت من حقائق العلم، ومن أمور تعبر عن أفكار وقضايا كانت تشغل عقول الناس في العصور السابقة، ولم تعد تحظى باهتمام المسلمين اليوم، وليس بهم حاجة إليها، ومن الخير عدم إثارتها من جديد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>سادسا- ترجمة القرآن:</span>\nالترجمة نقل الكلام من لغة إلى أخرى، ويقال: ترجم كلامه إذا فسّره بلسان آخر، ومنه الترجمان- بفتح التاء وضمها- وهو الذي ينقل الكلام من لغة إلى أخرى (١).\nوالترجمة الفنية لكي تكون عملا ناجحا مثمرا، ونشاطا ثقافيا نافعا، لا بد لها من مترجم له الصلاحية التامة من الناحية اللغوية والفنية، والتكوين اللغوي يتنوع بتنوع اللغات، والتكوين الفني يتنوع بتنوع المادة العلمية أو الأدبية التي تتناولها الكتب أو تعالجها المقالات والبحوث التي تراد ترجمتها (٢).\nوالترجمة في الأعمال الثقافية العادية عمل لا يخلو من المشكلات، وفي الحديث عن مشكلات الترجمة لا يصح أن نقحم ضعف المترجم في اللغة التي يترجم منها والتي يترجم إليها، إذ لا يسمى المترجم مترجما حقا إلا حين يتمكن من اللغتين كتابة وقراءة. وكذلك يجدر بنا أن نفترض إخلاص المترجم في عمله، وحسن نيته، وأنه حين أخرج النص المترجم قد بذل الجهد وتحرى الصواب، ولم يكن متأثرا بمذهب خاص يصبغ ترجمته بصبغة خاصة. أي أن للترجمة مشكلات وصعوبات حتى مع إتقان المترجم للغتين، وأمانته وإخلاصه في عمله (٣).\n_________\n(١) ابن منظور: لسان العرب مادة (ترجم) و(رجم).\n(٢) محمد عوض محمد: فن الترجمة ص ١٩.\n(٣) إبراهيم أنيس: دلالة الألفاظ ص ١٧١.","vol":"1","page":234},{"text":"وتتلخص تلك المشكلات في الأمور الآتية (١):\n١ - نظام الجملة، فاللغات تختلف في النظام الذي تخضع له الجمل في ترتيب كلماتها، وعلاقة كل كلمة بالأخرى.\n٢ - ومن صعوبات الترجمة ما يتعلق بجمال الألفاظ وجرسها.\n٣ - والمشكلة الكبرى في الترجمة هي التي تتصل بدلالة الكلمات وحدود معانيها. ودلالة الكلمات في مجال الأفكار وفي النشاط العلمي تلتزم عادة حدودا لا تكاد تتعداها، أما في ترجمة النصوص الأدبية فالمشكلة أشد عسرا، وأصعب منالا، لأن الآداب تعتمد على التصوير والعاطفة والتأثير والانفعال، إلى جانب ما تعبر عنه من أفكار.\nوتبلغ صعوبة الترجمة غايتها في ترجمة القرآن الكريم، فمن المستحيل أن يقدر بشر مهما أوتي من العلم وتمكن من اللغة أن يعيد صياغة آيات القرآن بلغة أخرى غير العربية، ويحافظ في الوقت ذاته على معانيه من جانب وأسلوبه المعجز من جانب آخر.\nومع صعوبة الترجمة، إن لم نقل استحالتها، فإن علماء المسلمين يقررون ضرورة تبليغ القرآن ورسالته إلى أمم الأرض مهما كانت لغاتهم، وتحقيق ذلك قد لا يتم إلا\nبضرب من الترجمة، قال ابن تيمية، ﵀: «ومعلوم أن الأمة مأمورة بتبليغ القرآن لفظه ومعناه، كما أمر بذلك الرسول ﷺ، ولا يكون تبليغ رسالة الله إلا كذلك، وإن تبليغه إلى العجم قد يحتاج إلى ترجمته لهم، فيترجم لهم بحسب الإمكان، والترجمة قد تحتاج إلى ضرب أمثال لتصوير المعاني فيكون ذلك من تمام الترجمة» (٢).\n_________\n(١) ينظر: المصدر نفسه ص ١٧١ - ١٧٥.\n(٢) مجموع الفتاوى ٤/ ١١٦ - ١١٧.","vol":"1","page":235},{"text":"وتقسّم الترجمة إلى ترجمة حرفية، أي نقل اللفظ بلفظ مرادف، وترجمة تفسيرية وهي ترجمة المعنى وبيانه (١)، وسواء ترجم القرآن ترجمة حرفية أم تفسيرية، ومهما توافر لتلك الترجمة من الدقة والإخلاص فإنها لا تسمى قرآنا، لأن القرآن موحى بلفظه ومعناه، والترجمة تفوّت الألفاظ ونظمها، إذا أمكن أن تحافظ على المعنى كاملا، وهو غير متيسر في الواقع (٢).\nونقل النووي عن إمام الحرمين قوله: «ترجمة القرآن ليست قرآنا بإجماع المسلمين، ومحاولة الدليل لهذا تكلف، فليس أحد يخالف في أن من تكلم بمعنى القرآن بالهندية ليست قرآنا، وليس ما لفظ به قرآنا، ومن خالف في هذا كان مراغما جاحدا، وتفسير شعر امرئ القيس ليس شعره، فكيف يكون تفسير القرآن قرآنا؟» (٣).\nوخلاصة الموضوع أنه يمكن القول: إن ترجمة القرآن مهما كانت لا تسمى قرآنا، وإنما هي نوع من التفسير بلغة أخرى غير العربية، ومن ثم أجمع العلماء على عدم جواز قراءة القرآن بغير اللغة العربية في الصلاة أو في غيرها (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>المبحث الخامس إعجاز القرآن الكريم</span>\nالإعجاز مصدر الفعل أعجز، مثل الإحسان من أحسن، والإكرام من أكرم، والفعل الثلاثي عجز وعجز، ومضارعه يعجز، ويقال عجز عن الامر إذا قصّر عنه، وأعجزني فلان إذا عجزت عن طلبه وإدراكه، والعجز الضعف (٥).\n_________\n(١) المصدر نفسه ٤/ ١١٥، وينظر: محمد حسين الذهبي: التفسير والمفسرون ١/ ٢٣.\n(٢) ينظر: ابن تيمية: مجموع الفتاوى ٦/ ٥٤٢.\n(٣) المجموع شرح المهذب ٣/ ٣٤٢.\n(٤) ينظر: الزرقاني: مناهل العرفان ٢/ ٥٦ - ٦٠.\n(٥) ابن منظور: لسان العرب ٧/ ٢٣٦ عجز.","vol":"1","page":236},{"text":"والإعجاز في الاصطلاح زوال القدرة عن الإتيان بالشيء من عمل أو رأي أو تدبير (١)، والمعجزة أمر خارق للعادة، مقرون بالتحدي، سالم عن المعارضة (٢)، وسمّيت معجزة لأن البشر يعجزون عن الإتيان بمثلها (٣).\nواشتهر في مجال الدراسات القرآنية مصطلح (إعجاز القرآن) للدلالة على عجز الناس عن معارضة القرآن أو الإتيان بمثله، وهذه القضية قديمة ترجع إلى عصر النبوة، حين وقف المشركون يكذّبون بالدعوة الجديدة، ويصدون الناس عنها، ويزعمون أن القرآن مفترى من دون الله، فتحداهم القرآن أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور أو بسورة واحدة، فعجزوا عن ذلك، ومكّن الله تعالى لدينه.\nوبحث العلماء موضوع إعجاز القرآن، حين صارت المعارف علوما، وظهر التأليف في أنواع العلوم التي حدثت في الأمة، ووقفوا عند وجوه الإعجاز في القرآن، وتعددت آراؤهم، وتنوعت مواقفهم، وظهرت الرسائل المؤلفة في هذا الموضوع، وكثرت المؤلفات فيه، في العصور القديمة والعصر الحديث.\nولا يتسع المقام لتتبع كل ما كتب في موضوع إعجاز القرآن، ولكن يلزم دارس علوم القرآن أن يعرف خلاصة ما قيل في هذا الموضوع، وسوف نتناول في هذا المبحث الإعجاز في عصر النبوة، ونتتبع تطور التأليف فيه عند المتقدمين، ونقف عند أبرز اتجاهات دراسة الإعجاز في العصر الحديث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>أولا- إعجاز القرآن في عصر النبوة:</span>\nلم يكن مصطلح (الإعجاز) قد تميز في عصر النبوة، وإن كان معناه قائما معروفا، وكانت كلمة (آية) وجمعها (آيات) تعبر عن معنى كلمة (معجزة) وجمعها\n_________\n(١) الفيروزآبادي: بصائر ذوي التمييز ١/ ٦٥.\n(٢) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن ١/ ٦٩، والسيوطي: الإتقان ٤/ ٣.\n(٣) سمّى العلماء الامر الخارق الذي يحصل للأنبياء معجزة، وللصالحين كرامة، وسموا ما يجري على يد الفسقة والكفار استدراجا وإهانة.","vol":"1","page":237},{"text":"(معجزات)، فقد روى البخاري، ﵀، أن النبي ﷺ قال: «ما من الأنبياء نبيّ إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا\nأوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» (١).\nقال ابن حجر: «أي أن معجزتي التي تحدّيت بها [هي] الوحي الذي أنزل عليّ، وهو القرآن، لما اشتمل عليه من الإعجاز الواضح» (٢).\nوجاء في القرآن ما يؤكد أن أكبر معجزاته ﷺ هو القرآن، قال الله تعالى:\nوَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ (٥١) [العنكبوت]. فالقرآن الكريم أفضل معجزات النبي ﷺ وأكملها وأجلها وأعظمها (٣).\nوشهد عصر النبوة صراعا شديدا بين الدين الجديد وأتباعه، وبين المشركين الذين أعلنوا عداءهم وحربهم على رسول الله ﷺ وأصحابه، وشنوا حملة من الطعن والتشكيك في القرآن الكريم، ولم يملكوا وهم يحسون بقوة تأثيره في النفوس إلا أن يلفقوا الأقاويل والأباطيل بحق القرآن، ولكن ذلك لم يحل بين القرآن والتأثير في النفوس وجذب المؤمنين إلى الدين الجديد، فتصايحوا حينئذ لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦) [فصلت].\nكان مشركو مكة متحيرين في أمر القرآن وقوة تأثيره في النفوس، ولم يتفقوا على كلمة يقولونها بحق القرآن ونبي الإسلام ﷺ فاجتمعوا إلى الوليد بن المغيرة أحد كبرائهم ليتداولوا في هذا الأمر، فقال لهم الوليد: أجمعوا فيه رأيا واحدا، ولا تختلفوا فيكذّب بعضكم بعضا، ويردّ قولكم بعضه بعضا، قالوا: فأنت\n_________\n(١) ينظر: ابن حجر: فتح الباري ٩/ ٣ و١٣/ ٢٤٧.\n(٢) فتح الباري ٩/ ٦، وينظر: السيوطي: الإتقان ٤/ ٣.\n(٣) الفيروزآبادي: بصائر ذوي التمييز ١/ ٦٧.","vol":"1","page":238},{"text":"فقل، قال: بل أنتم فقولوا أسمع. قالوا: نقول كاهن، قال: لا والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان، فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه، قالوا: فنقول:\nمجنون، قال: ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه، ما هو بخنقه ولا تخالجه، ولا وسوسته. قالوا: فنقول شاعر: قال: ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر، قالوا:\nفنقول ساحر، قال: ما هو بساحر، لقد رأينا السحار وسحرهم، فما هو بنفثهم ولا عقدهم، قالوا: فما نقول؟ قال: والله إنّ لقوله لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب القول فيه أن تقولوا:\nساحر، جاء بقول هو سحر يفرق بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته، فتفرقوا عنه بذلك (١).\nوقد حكى القرآن تخرصات المشركين تلك وأقاويلهم، فقد قال الله تعالى:\n١ - بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ (٥) [الأنبياء].\n٢ - وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) [الصافات].\n٣ - وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) [الفرقان].\n٤ - وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١) [الأنفال].\n٥ - وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٤٣) [سبأ].\nولم تكن أقوال المشركين الباطلة في القرآن الكريم لتوقف سير الدعوة وانتشارها، ولم تكن تلك الأقوال لتقنع المشركين أنفسهم بصدق دعواهم، فقد\n_________\n(١) ينظر: ابن هشام: السيرة النبوية ١/ ٢٧١.","vol":"1","page":239},{"text":"كانوا متحيرين في أمرهم، لا تكاد نفوسهم تستقر على شيء حتى تتحول عنه، لكن الله تعالى لم يدع تلك الأقاويل الباطلة لتؤثر في النفوس، فردها عليهم من أقرب طريق، حين تحداهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن، أو بعشر سور منه، أو بسورة واحدة، فقال الله تعالى:\n١ - وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ (٢٤) [البقرة].\n٢ - أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨) [يونس].\n٣ - أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٣) [هود].\n٤ - أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (٣٤) [الطور].\nويستخلص من هذه الآيات الكريمة أمران:\nالأول: أن القرآن تحدّى المشركين أن يأتوا بمثل القرآن، أو عشر سور، او سورة واحدة، وهو تحدّ قائم طوال حياة رسول الله ﷺ.\nوالثاني: إن المشركين عجزوا عن الإتيان بمثله أو مثل شيء منه، وهو عجز يدل عليه النقل المتواتر الذي يقع به العلم الضروري، فلا يمكن جحود واحد من هذين الأمرين (١).\nوالذي يدل على أنهم كانوا عاجزين عن الإتيان بمثل القرآن أنه تحداهم إليه حتى طال التحدي، وجعله دلالة على صدقه ﷺ ونبوته، وضمّن أحكامه استباحة\n_________\n(١) الباقلاني: إعجاز القرآن ص ١٨.","vol":"1","page":240},{"text":"دماءهم وأموالهم وسبي ذريتهم، فلو كانوا يقدرون على تكذيبه لفعلوا وتوصلوا إلى تخليص أنفسهم وأهليهم من حكمه بأمر قريب، هو عادتهم في لسانهم ومألوف من خطابهم، وكان ذلك يغنيهم عن تكلف القتال وإكثار المراء والجدال، وعن الجلاء عن الأوطان، وعن تسليم الاهل والذرية للسبي، فلما لم تحصل منهم معارضة علم أنهم عاجزون عنها (١).\nعجز العرب في عصر النبوة عن معارضة القرآن مع توفر الدواعي وشدة الحاجة (٢)، وصدق الله العظيم إذ قال: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨) [الإسراء].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>ثانيا- إعجاز القرآن في المؤلفات القديمة:</span>\nكان المشركون قد أدركوا بالفطرة وبما كانوا عليه من فصاحة وبيان ما في القرآن الكريم من تميز وسمو، فقاسوه على أرقى فنون القول لديهم من سجع الكهان وقصيد الشعراء ورجزهم، وأدركوا أنه فوق ذلك فلم يجدوا شيئا يصفون به القرآن يخلصهم من دهشتهم وحيرتهم غير أن يصفوه بأنه سحر.\nوتلقى الصحابة، ﵃، القرآن الكريم فملأ قلوبهم إيمانا وحكمة وهدى وتقوى، وهم يتلونه ليل نهار، مؤمنين أنه مأدبة الله، لا يعوجّ فيقوّم، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق عن كثرة الرد (٣)، وتلقاه التابعون وتابعوهم على نحو من ذلك، ولم ينقل عنهم أنهم تعرضوا لمناقشة إعجاز القرآن، لأنهم أدركوه بفطرتهم، فلم يحتاجوا إلى أن يعملوا فيه فكرتهم.\n_________\n(١) المصدر نفسه ص ٢٠.\n(٢) الطبري: جامع البيان ١/ ١٦٥، والرماني: النكت ص ١١٣.\n(٣) جزء من حديث رواه المحدّثون عن ابن مسعود (ينظر: الآجري: أخلاق حملة القرآن ص ٤٤).","vol":"1","page":241},{"text":"ويبدو أن اتساع المعارف وتنوع الثقافات الذي حدث في صدر الدولة العباسية قد أثار جدلا حول عدد من أمور العقيدة، ونشأ جيل من الناس قصرت بهم معارفهم عن فهم الإعجاز أو إدراك حقيقته، فتصدى علماء الأمة لدراسة هذا الموضوع وكتبوا فيه عددا من الرسائل والكتب، تبحث في سر الإعجاز وتسعى إلى بيان وجوهه وتوضيحها، ولا يتسع المقام لتتبع كل تلك الجهود، وإنما سوف أقتصر على عرض المعالم البارزة فيها.\n١ - تكاد كلمة الباحثين تتفق على أن الجاحظ (أبا عثمان عمر بن بحر ت ٢٥٥ هـ) هو أول من درس موضوع الإعجاز في كتاب مستقل، فقد ألف كتاب (نظم القرآن) (١)، ويبدو أن الجاحظ يذهب إلى أن إعجاز القرآن كائن في نظمه وتأليفه، وهو يرد في ذلك على شيخه إبراهيم بن سيّار النظّام (ت ٢٢٤ هـ)، الذي زعم أن إعجاز القرآن كائن في أن الله تعالى صرف العرب عن معارضته، ولولا ذلك لكان في مقدورهم الإتيان بمثله، وسمّي هذا المذهب بالصّرفة، وهو قول أنكره جمهور علماء الأمة وردوه (٢).\n٢ - ومن أقدم الكتب التي عالجت الموضوع كتاب (بيان إعجاز القرآن) لأبي سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي (ت ٣٨٨ هـ) الذي استهله بقوله: «قد أكثر الناس الكلام في هذا الباب قديما وحديثا، وذهبوا فيه كل مذهب من القول» (٣).\nثم عرض الخطابي ثلاثة من تلك المذاهب، ولم يوافق القائلين بها، وهي (٤):\n_________\n(١) ذكره الباقلاني في كتابه إعجاز القرآن (ص ٦ و٢٤٨)، وذكر ابن النديم في الفهرست (ص ٢٢٠) كتاب إعجاز القرآن في نظمه وتأليفه لمحمد بن يزيد الواسطي (ت ٣٠٦ هـ).\n(٢) ينظر: الباقلاني: إعجاز القرآن ص ٢٩، والقرطبي: الجامع لأحكام القرآن ١/ ٧٥، والزركشي: البرهان ٢/ ٩٣، وأبو زهرة: المعجزة الكبرى ص ٧٥.\n(٣) بيان إعجاز القرآن ص ٢١.\n(٤) المصدر نفسه ص ٢٢ - ٢٤.","vol":"1","page":242},{"text":"أ- ذهب قوم إلى أن العلة في إعجازه الصرفة.\nب- وزعمت طائفة أن إعجازه إنما هو فيما يتضمنه من الإخبار عن الكوائن في مستقبل الزمان، وهو يقول: ولا يشكّ في أن هذا وما أشبهه من أخباره نوع من أنواع إعجازه، ولكنه ليس بالأمر العام الموجود في كل سورة من سور القرآن، وقد جعل سبحانه في صفة كل سورة أن تكون معجزة بنفسها.\nج- وزعم آخرون أن إعجازه من جهة بلاغته، وهم الأكثرون من علماء أهل النظر، لكنه يأخذ عليهم أنهم إذا سئلوا عن تحديد هذه البلاغة لم يتمكنوا وقالوا: إن ذلك شيء لا يمكن تصويره وأنه يظهر أثره في النفس حتى لا يلتبس على ذوي العلم والمعرفة به.\nويلخص الخطابي بعد ذلك رأيه في إعجاز القرآن بقوله: «واعلم أن القرآن إنما صار معجزا لأنه جاء بأفصح الألفاظ، في أحسن نظوم التأليف، مضمّنا أصح المعاني» (١).\nوالتفت الخطابي إلى الأثر الذي يتركه سماع القرآن الكريم في النفس، وجعله أحد وجوه الإعجاز، فقال: «في إعجاز القرآن وجه آخر ذهب عنه الناس، فلا يكاد يعرفه إلا الشاذ من آحادهم، وذلك صنيعه في القلوب وتأثيره في النفوس، فإنك لا تسمع كلاما غير القرآن منظوما ولا منثورا، إذا قرع السمع خلص له إلى القلب من اللذة والحلاوة في الحال، ومن الروعة والمهابة في أخرى ما يخلص منه إليه، تستبشر به النفوس، وتنشرح له الصدور، حتى إذا أخذت حظها منه عادت مرتاعة قد عراها الوجيب والقلق، وتغشّاها الخوف والفرق، تقشعر منه الجلود، وتنزعج له القلوب، يحول بين النفس وبين مضمراتها وعقائدها الراسخة فيها، فكم من عدو للرسول ﷺ من رجال العرب وفتاكها أقبلوا يريدون\n_________\n(١) المصدر نفسه ص ٢٧.","vol":"1","page":243},{"text":"اغتياله وقتله فسمعوا آيات من القرآن، فلم يلبثوا حين وقعت في مسامعهم أن يتحولوا عن رأيهم الأول، وأن يركنوا إلى مسالمته، ويدخلوا في دينه، وصارت عداوتهم موالاة، وكفرهم إيمانا ...» (١).\n٣ - وألّف أبو الحسن علي بن عيسى الرماني (ت ٣٨٦ هـ) كتابه (النكت في إعجاز القرآن)، وقال في أوله: «وجوه إعجاز القرآن تظهر من سبع جهات:\nترك المعارضة مع توفر الدواعي وشدة الحاجة، والتحدي للكافة، والصّرفة، والبلاغة، والأخبار الصادقة عن الأمور المستقبلة، ونقض العادة، وقياسه بكل معجزة» (٢). ثم بيّن تلك الوجوه، وفصّل القول في البلاغة وأقسامها، حتى أخذ ذلك معظم الكتاب. (٣).\n٤ - وتحدّث أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني (ت ٤٠٣ هـ) عن وجوه الإعجاز في كتابه (إعجاز القرآن)، وذكرها ملخصة في كتابه (الانتصار لنقل القرآن)، وهي عنده ثلاثة.\nأحدها: ما تضمنه من الإخبار عن الغيوب، وما يحدث وما يكون، وذلك مما لا يقدر عليه البشر ولا سبيل لهم إليه.\nوالوجه الثاني: ما تضمنه من قصص الأولين وأخبار الماضين التي لا يعرفها إلا من أكثر ملاقاة الأمم، ودراسة الكتب، مع العلم أن النبي ﷺ كان أميّا، ولم يكن يعرف شيئا من كتب المتقدمين وأقاصيصهم وأنبائهم وسيرهم.\nوالوجه الثالث: أنه بديع النظم، عجيب التأليف، متناه في البلاغة إلى الحد الذي يعلم عجز الخلق عنه (٤).\n_________\n(١) المصدر نفسه ص ٧٠.\n(٢) النكت ص ٧٥.\n(٣) النكت ص ٧٥ - ١٠٩، وبقية الوجوه ص ١٠٩ - ١١١.\n(٤) إعجاز القرآن ص ٣٣ - ٣٥، ونكت الانتصار ص ٥٨ و٢٤٢.","vol":"1","page":244},{"text":"٥ - وممن اعتنى بإعجاز القرآن أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني (ت ٤٧١ هـ)، وكتب في ذلك الرسالة الشافية التي ضمنها جملا من «القول في بيان عجز العرب حين تحدّوا إلى معارضة القرآن، وإذعانهم وعلمهم أن الذي سمعوه فائت للقوى البشرية، ومتجاوز للذي يتسع له ذرع المخلوقين ...» (١).\nوهذه الرسالة كتبها عبد القاهر ليثبت حقيقة الإعجاز لا ليبين أسراره، أما تفصيل القول في أسرار الإعجاز فقد جاء كثير من ذلك في كتابه (دلائل الإعجاز).\nوتتلخص فكرته في قوله: «فإذا بطل أن يكون الوصف الذي أعجزهم من القرآن في شيء مما عدّدناه، لم يبق إلا أن يكون في النظم، لأنه ليس من بعد ما أبطلناه أن يكون فيه إلا النظم والاستعارة، ولا يمكن أن تجعل الاستعارة الأصل في الإعجاز وأن يقصر عليها، لأن ذلك يؤدي إلى أن يكون الإعجاز في آي معدودة في مواضع من السور الطوال مخصوصة، وإذا امتنع ذلك فيها ثبت أن النظم مكانه الذي ينبغي أن يكون فيه ... وكنا قد قلنا أن ليس النظم شيئا غير توخّي معاني النحو وأحكامه فيما بين الكلم» (٢).\n٦ - وبحث القاضي عياض بن موسى (ت ٥٤٤ هـ) الإعجاز في كتابه (الشفا بتعريف حقوق المصطفى) وحدّد وجوه الإعجاز الرئيسية في أربعة هي:\nأولها: حسن تأليفه، والتئام كلمه، وفصاحته، وبلاغته الخارقة عادة العرب.\nوالثاني: صورة نظمه العجيب، والأسلوب الغريب المخالف لأساليب كلام العرب. وكلا هذين الوجهين يرجع إلى الناحية البيانية في القرآن (٣).\nوالثالث: ما انطوى عليه من الإخبار بالمغيبات، وما لم يكن ولم يقع، فوجد كما ورد، على الوجه الذي أخبر.\n_________\n(١) الرسالة الشافية ص ١١٧.\n(٢) دلائل الإعجاز ص ٣٩١.\n(٣) أبو زهرة: المعجزة الكبرى ص ٨٧.","vol":"1","page":245},{"text":"والرابع: ما أنبأ من أخبار القرون السالفة والامم البائدة (١).\nوأضاف إليها القاضي عياض وجوها أخرى، أهمها (٢):\nأ- ما ورد من تعجيز قوم في قضايا، فما فعلوا.\nب- الروعة التي تلحق قلوب سامعيه، والهيبة التي تعتريهم عند تلاوته.\nج- كونه آية باقية لا تعدم ما بقيت الدنيا، مع تكفل الله تعالى بحفظه.\nد- أن قارئه لا يمله، وسامعه لا يمجه.\nهـ- جمعه لعلوم ومعارف لم تعهد العرب عامة ولا محمد ﷺ قبل نبوته خاصة معرفتها ولا القيام بها.\n٧ - وذهب علم الدين علي بن محمد السخاوي (ت ٦٤٣ هـ) إلى أن إعجاز القرآن في أنه خارج في بديع نظمه وغرابة أساليبه عن معهود كلام البشر، مختص بنمط غريب لا يشبه شيئا من القول في الرصف والترتيب، لا هو من قبيل الشعر، ولا من ضروب الخطب والسجع، يعلم من تأمله أنه خارج عن المألوف، مباين للمعروف، متناسب في البلاغة، متشابه في البراعة، بريء من التكلف، منزّه عن التصنع والتعسف.\nأما ما تضمنه القرآن العزيز من الإخبار عن المغيّب، وما أتى به من أخبار القرون الماضية والأمم الخالية، وبما كان من أول خلق الأرض والسماء إلى انقضاء الدنيا، فذلك- في رأي علم الدين السخاوي- ليس مما تحداهم به، ولكنه دليل على صدق الرسول ﷺ (٣).\n٨ - وجعل أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي (ت ٦٨٤ هـ) وجوه إعجاز القرآن\n_________\n(١) الشفا ١/ ٤٩١ و٥١١ و٥٢٢، وينظر: السيوطي: الإتقان ٤/ ١٦.\n(٢) الشفا ١/ ٥٢٦ و٥٢٩ و٥٣٣ و٥٣٥ و٥٣٦.\n(٣) جمال القراء ١/ ٤٤.","vol":"1","page":246},{"text":"عشرة، منها ما يتعلق بنظمه وتأليفه، ومنها ما يتعلق بمعانيه وأحكامه، مما لا يخرج أكثره عن الوجوه التي ذكرها العلماء قبله (١).\n٩ - وذكر بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) اثني عشر وجها من وجوه الإعجاز، هي تلخيص لجهود سابقيه (٢).\n١٠ - وجمع جلال الدين السيوطي (ت ٩١١ هـ) جهود السابقين له في موضوع الإعجاز في باب من أبواب كتابه الكبير (الإتقان في علوم القرآن) (٣). كما أنه ألّف كتابا في الموضوع سماه (معترك الإقران في إعجاز القرآن) في ثلاثة أجزاء كبيرة، وذكر فيه أن بعض العلماء أنهى وجوه إعجازه إلى ثمانين وجها (٤). وبلغ ما ذكره هو خمسة وثلاثين وجها، استغرق الوجه الأخير أكثر من ثلثي الكتاب، وهو في (ألفاظ القرآن المشتركة)، وقال في أول كلامه فيه: «وهذا الوجه من أعظم وجوه إعجازه، حيث كانت الكلمة الواحدة تتصرف إلى عشرين وجها، وأكثر وأقل، ولا يوجد ذلك في كلام البشر» (٥).\nوكثير مما ذكره السيوطي لا يدخل في موضوع الإعجاز، وأشار هو نفسه إلى ذلك بقوله: «وإن كانت بعض الأوجه لا تعدّ من إعجازه، فإنما ذكرتها للاطلاع على بعض معانيه، فيثلج له صدرك، وتبتهج نفسك» (٦).\n_________\n(١) الجامع لأحكام القرآن ١/ ٧٣.\n(٢) البرهان ٢/ ١٠٦.\n(٣) الإتقان ٤/ ٣ - ٢٣.\n(٤) معترك الأقران ١/ ٣.\n(٥) المصدر نفسه ١/ ٥١٤.\n(٦) المصدر نفسه ١/ ١٢.","vol":"1","page":247},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>ثالثا- إعجاز القرآن في العصر الحديث:</span>\nلم يكن الدارسون المحدثون أقلّ عناية ببحث وجوه إعجاز القرآن الكريم من السابقين، بل إن العصر الحديث أظهر معطيات جديدة للإعجاز، وأثار نقاشات وسّعت\nمفهوم الإعجاز وعمقت من دلالاته، وتنوعت مناهج المحدثين في تناول الموضوع، وتباينت مواقفهم منه، وكثرت البحوث والمؤلفات فيه، ويمكن أن نشير إلى الاتجاهات البارزة لديهم في معالجة الموضوع، دون الخوض في تفصيلاته، وهي:\nالاتجاه الأول: يقدّم عددا من وجوه الإعجاز، كثير منها ذكره السابقون، وقد أوصلها الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني إلى أربعة عشر وجها، فصّل القول فيها، وأكتفي هنا بإيراد عناوينها (١):\nالوجه الأول: لغته وأسلوبه.\nالوجه الثاني: طريقة تأليفه.\nالوجه الثالث: علومه ومعارفه.\nالوجه الرابع: وفاؤه بحاجات البشر.\nالوجه الخامس: موقف القرآن الكريم من العلوم الكونية.\nالوجه السادس: سياسته في الإصلاح.\nالوجه السابع: أنباء الغيب فيه.\nالوجه الثامن: آيات العتاب.\nالوجه التاسع: ما نزل بعد طول انتظار.\nالوجه العاشر: مظهر النبي ﷺ عند هبوط الوحي عليه.\n_________\n(١) مناهل العرفان ٢/ ٢٢٨ - ٣٠٨.","vol":"1","page":248},{"text":"الوجه الحادي عشر: آية المباهلة.\nالوجه الثاني عشر: عجز الرسول عن الإتيان ببدل له.\nالوجه الثالث عشر: الآيات التي تجرد الرسول من نسبته إليه.\nالوجه الرابع عشر: تأثير القرآن ونجاحه.\nالاتجاه الثاني: حاول عدد من الدارسين المحدثين حصر وجوه الإعجاز في عناوين رئيسية تنضوي تحتها معظم تلك الوجوه، فجعلوا الإعجاز منقسما على ثلاث نواح، هي (١):\n١ - الإعجاز اللغوي (أو البياني): وهو يشمل كل ما يتعلق بالتعبير القرآني من الكلمة، والجملة، والأسلوب. والتعبير القرآني تعبير فنيّ مقصود في جوانبه الثلاثة، بالغ الغاية القصوى فيها.\n٢ - الإعجاز العلمي: وهو يتناول دراسة الآيات التي وردت فيها إشارة إلى قضايا علمية تتعلق بالفلك أو الطب أو علمي النبات والحيوان، ونحوها، وهذا الجانب من أكثر جوانب الإعجاز بحثا وتأليفا في الوقت الحاضر.\n٣ - الإعجاز التشريعي: ويستند هذا النوع من البحث في إعجاز القرآن على أساس أنه معجزة تشريعية، من حيث الشمول، والمرونة، وتحقيق العدالة، وذلك بالاستناد إلى مصدره الإلهي الذي صانه من قصور الفكر البشري عن الإحاطة بواقع الحال، وإدراك متغيرات المستقبل.\nالاتجاه الثالث: يقصر الإعجاز على الجانب البياني من القرآن، فهو «كائن في رصف القرآن وبيان نظمه، ومباينة خصائصه للمعهود من خصائص كل نظم\n_________\n(١) ينظر: محمد عبد الله دراز: النبأ العظيم ٧٩، ومناع القطان: مباحث في علوم القرآن ص ٢٦٤.","vol":"1","page":249},{"text":"وبيان في لغة العرب» ثم «إن ما في القرآن من مكنون الغيب ومن دقائق التشريع ومن عجائب آيات الله في خلقه، كل ذلك بمعزل عن هذا التحدي المفضي إلى الإعجاز، وإن كان ما فيه من ذلك كله يعد دليلا على أنه من عند الله تعالى ...» (١).\nالاتجاه الرابع: يقصر الإعجاز على ما في القرآن من معان سامية وتشريع حكيم، فإعجازه «في رسالته العليا النافعة للناس كافة ... هذه الرسالة لو نقلت بأمانة إلى أي لغة من لغات العالم لكان لها في ناطقيها وقع مثل وقعها في العربية ... ولو كان إعجاز القرآن في فصاحته وبلاغته في العربية فحسب كيف آمن غير العرب به؟ فالقرآن معجزة لما في رسالته من تعليمات عليا، وإرشادات سامية، وغايات نبيلة، وأغراض شريفة، وأهداف قيمة، تزيد الإيمان وتحث المؤمنين على الأعمال الصالحة ومكارم الأخلاق ...» (٢).\nالاتجاه الخامس: الإعجاز العددي، وهو نوع جديد من البحث في إعجاز القرآن، وتعددت وجهات الدارسين له، واختلفت آراء الباحثين فيه، ويمكن أن نذكر هنا ثلاثة مناهج لهذا الاتجاه:\nالمنهج الأول: يقوم على جعل العدد (١٩) أساسا للأعداد في القرآن، وكان الدكتور محمد رشاد خليفة صاحب هذا المنهج والمبشر به، ولكن دراسات لاحقة ظهرت أثارت الشكوك حول أمانته في الأرقام التي قدمها في دراسته (٣)، وحول هدفه منها، بعد أن ظهر أنه كان ذا علاقة بالنحلة البهائية في أمريكا، التي تقدس العدد (١٩).\nالمنهج الثاني: يقوم على أساس وجود تناظر عددي بين مجموعات كبيرة من\n_________\n(١) محمود محمد شاكر: فصل في إعجاز القرآن، (وهو تقديم لكتاب الظاهرة القرآنية لمالك بن نبي) ص ٢٤ - ٢٥.\n(٢) عبد الرحمن الطاهر بن محمد السورتي: مقدمة تحقيق تفسير مجاهد ص ١٢ - ١٥.\n(٣) ينظر: إدريس الكلاك: ليس في الإسلام تقديس للأرقام.","vol":"1","page":250},{"text":"الألفاظ التي بينها علاقة من نوع ما، وكان الأستاذ عبد الرزاق نوفل هو الذي تنبه إلى هذه القضية وفصّلها في سلسلة متتابعة من كتابه (الإعجاز العددي للقرآن الكريم)، وذلك مثل ورود كل من لفظ الدنيا والآخرة (١١٥) مرة في القرآن، والملائكة والشياطين (٦٨) مرة، والحياة والموت (٧١) مرة، وهكذا في ألفاظ كثيرة (١).\nالمنهج الثالث: يقوم على أساس اكتشاف علاقات عددية بين حروف القرآن وكلماته وآياته وسوره، من جانب، وعلى ما في العدد (٧) من إعجاز كما يدل على ذلك ما ورد في القرآن الكريم من جانب آخر، وصاحب هذه النظرة الأستاذ عمر النجدي في كتابه (معجزة القرآن الجديدة: بنية الآيات والسور) (٢)، ويصعب على القارئ الوقوف على أسس مشتركة لقوانين التنزيل كما يسميها المؤلف في كتابه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>رابعا- نظرة في مناهج العلماء في دراسة إعجاز القرآن:</span>\nإن كثرة الوجوه التي ذكرها العلماء في بيان إعجاز القرآن الكريم قديما وحديثا تساعد قراء القرآن في كثير من الأحيان في الوقوف على جوانب من جامعية هذا القرآن الخارقة، لكنها قد تكون أيضا سببا في حجب بعض أسراره الباهرة، وذلك حين يقف المرء على بعض الأقوال المتعارضة في تحديد وجوه الإعجاز، وقد جعل ذلك السيوطي يقول: «وقد خاض الناس في ذلك كثيرا، فبين محسن ومسيء» (٣).\nولا شك في أن كثرة تلك الوجوه وتباينها في بعض الأحيان لا تغير من\n_________\n(١) صدر الكتاب في ثلاثة أجزاء صغيرة، ثم صدر في طبعة جديدة في مجلد واحد.\n(٢) دار ابن قتيبة، الكويت ١٩٩٤ م.\n(٣) الإتقان ٤/ ٦.","vol":"1","page":251},{"text":"حقيقة إعجاز القرآن، وإنما هي تعكس تفاوت العلماء في إدراك ذلك الإعجاز، وقد أخبر كل واحد منهم بما عرف، لأن أمر القرآن عجيب «يراه الأديب معجزا، ويراه اللغوي معجزا، ويراه أرباب القانون والتشريع معجزا، ويراه علماء الاقتصاد معجزا، ويراه المربون معجزا، ويراه علماء النفس والمعنيون بالدراسات النفسية معجزا، ويراه علماء الاجتماع معجزا، ويراه المصلحون معجزا، ويراه كل راسخ في علمه معجزا» (١).\nكما أن تلك الوجوه يمكن أن تسلك في منهج يزيل ما قد يبدو بينها من تعارض، ويكون كل وجه منها كاشفا عن جانب من أسرار القرآن، أو مقدما الدليل على صدق الرسول ﷺ في ما أخبر به من أنه يتلقى القرآن من لدن حكيم عليم، وتتلخص ملامح هذا المنهج في أمرين:\nالأول: تحديد الوجه الذي أعجز العرب عن الإتيان بمثل القرآن، ومنعهم من الإقدام على معارضته، في عصر النبوة.\nالثاني: تحديد ما جاء في القرآن من الأمور التي تدل على أنه لا يمكن أن يكون من عند أحد سوى الله تعالى.\nوهذا المنهج ليس جديدا، فقد ورد مضمونه في كلام علم الدين السخاوي (ت ٦٤٣ هـ) الذي كان أول عالم يفرق بين الأمرين السابقين في دراسة الإعجاز فيما اطلعت عليه، وسبق أن ألمحت إلى رأيه. وتحدث الأستاذ محمود محمد شاكر عن ذلك أيضا في (فصل في إعجاز القرآن) وهو تقديم لكتاب (الظاهرة القرآنية)، ودعا إلى التمييز بين أمرين:\nالأول: إن إعجاز القرآن كما يدل عليه لفظه وتاريخه إنما هو تحدّ بلفظ القرآن ونظمه وبيانه، لا بشيء خارج عن ذلك.\n_________\n(١) فاضل صالح السامرائي: التعبير القرآني ص ٢٢، طبع دار عمار/ الأردن.","vol":"1","page":252},{"text":"والثاني: إن إثبات دليل النبوة، وتصديق دليل الوحي، وأن القرآن من عند الله تعالى ليس من الإعجاز في شيء (١).\nواتخذ الشيخ محمد أبو زهرة موقفا مقاربا لذلك، فقال بعد أن عرض وجوه الإعجاز التي ذكرها العلماء السابقون: «وعلى ذلك تنقسم وجوه الإعجاز التي اشتمل عليها القرآن إلى قسمين:\nأولهما: ما يتعلق بالمنهاج البياني، وهذا النوع من الإعجاز أول من يخاطب به العرب.\nالقسم الثاني: الإعجاز بما اشتمل عليه من ذكر لأخبار السابقين، ولأخبار مستقبلة وقعت كما ذكر، واشتماله على علوم كونية وحقائق لم تكن معروفة في عصر محمد ﷺ وقد أتى بها القرآن وتقررت حقائقها من بعد، وكذلك ما اشتمل عليه من شرائع أثبت الوجود الإنساني أنها أصلح من غيرها، وأنها وحدها العادلة، وأن هذا النوع معجزة للأجيال كلها» (٢).\nوننتهي من هذا العرض إلى نتيجة ملخصها أن إعجاز القرآن في عصر النبوة الذي أعجز العرب هو في نظمه وبيانه، وأن ما أدركه العلماء بعد ذلك من وجوه أخرى جاء معززا للإعجاز ومؤكدا صدق النبوة، وأن هذا القرآن تنزيل من الرحمن الرحيم.\nإن هذا التصور لمنهج دراسة الإعجاز لا يهمل التراث الكبير الذي خلفه العلماء السابقون في موضوع الإعجاز، لكنه يعيد تنظيمه على نحو أكثر تناسقا ووضوحا، في إطار واحد شامل، يضم ما كان أصلا سر الإعجاز، وما ظهر بعد\n_________\n(١) راجع رقم (٧) من الفقرة (ثانيا) من هذا المبحث.\n(٢) المعجزة الكبرى ص ٩٠ - ٩١.","vol":"1","page":253},{"text":"ذلك من دلائل صدق النبوة وربانية القرآن، وبهذا تصبح كلمة الإعجاز ذات دلالة أوسع مما وضعت له في أول الأمر من بيان سر عجز العرب عن محاكاته، لتدل على ذلك، ثم على ما وقف عليه العلماء بعد ذلك من أسرار القرآن التشريعية والعلمية والتاريخية.\nوآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.","vol":"1","page":254},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>مصادر الكتاب</span>\n١ - الآجري (محمد بن الحسين): أخلاق حملة القرآن، دار الأنبار، بغداد ١٩٨٩ م.\n٢ - الآلوسي (أبو الثناء محمود بن عبد الله): روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، الطباعة المنيرية بمصر.\n٣ - إبراهيم أنيس (دكتور): دلالة الألفاظ، ط ٣، مكتبة الأنجلو المصرية ١٩٧٢.\n٤ - ابن الأثير (علي بن أبي الكرم): الكامل في التاريخ، الطباعة المنيرية بمصر.\n٥ - ابن الأثير (المبارك بن محمد): النهاية في غريب الحديث، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة.\n٦ - أحمد بن حنبل: المسند، ط ٣، دار المعارف بمصر ١٣٦٨ هـ ١٩٤٩ م.\n٧ - الأزهري (أبو منصور محمد بن أحمد): تهذيب اللغة، القاهرة.\n٨ - ابن الأنباري (أبو بكر محمد بن القاسم): إيضاح الوقف والابتداء في كتاب الله ﷿، دمشق ١٩٧١ م.\n٩ - الباقلاني (محمد بن الطيب): إعجاز القرآن، دار المعارف، بمصر ١٩٥٤ م.\n١٠ - الباقلاني: نكت الانتصار لنقل القرآن؛ منشأة المعارف، الإسكندرية ١٩٧١.\n١١ - البخاري (محمد بن اسماعيل): الجامع الصحيح، طبع محمد صبيح، القاهرة.\n١٢ - بروكلمان: تاريخ الأدب العربي، ج ١ (مترجم)، دار المعارف، القاهرة ١٩٥٩ م.\n١٣ - ابن بسطام (أبو محمد حامد بن أحمد): مقدمة (كتاب المباني في نظم المعاني) نشرها آرثر جفري في (مقدمتان في علوم القرآن) القاهرة ١٩٥٤.\n١٤ - البلاذري (أحمد بن يحيى): فتوح البلدان، ط ١، القاهرة ١٩٠١.\n١٥ - البلوي (أبو الحجاج يوسف بن محمد): ألف با، جمعية المعارف بمصر ١٢٨٧ هـ.","vol":"1","page":255},{"text":"١٦ - البيضاوي (عبد الله بن عمر): أنوار التنزيل وأسرار التأويل، دار الكتب العلمية، بيروت.\n١٧ - البيهقي (أحمد بن الحسين): دلائل النبوة.\n١٨ - الترمذي (محمد بن عيسى): سنن الترمذي، المكتبة السلفية بالمدينة المنورة.\n١٩ - ابن تيمية (أحمد بن عبد الحليم): مجموع فتاوى شيخ الإسلام، الرياض.\n٢٠ - ابن تيمية: مقدمة في أصول التفسير، ط ٢، بيروت ١٣٩٢ هـ ١٩٧٢ م.\n٢١ - ابن الجزري (أبو الخير محمد بن محمد): غاية النهاية في طبقات القراء، القاهرة ١٩٣٢ م.\n٢٢ - ابن الجزري: متن الجزرية بهامشها شرح زكريا الأنصاري، طبع محمد علي صبيح، القاهرة ١٩٥٦ م.\n٢٣ - ابن الجزري: منجد المقرئين ومرشد الطالبين، القاهرة ١٣٥٠ هـ.\n٢٤ - ابن الجزري: النشر في المقالات العشر، مطبعة مصطفى أحمد بمصر.\n٢٥ - ابن جزي الغرناطي (محمد بن أحمد): التسهيل لعلوم التنزيل، القاهرة.\n٢٦ - الجعبري (إبراهيم بن عمر): الجميلة في شرح العقيلة، مخطوط، دار الكتب المصرية (٢٤٩ قراءات).\n٢٧ - ابن جني (أبو الفتح عثمان): المحتسب في تبيين شواذ القراءات، القاهرة ١٩٦٦ م.\n٢٨ - جولد تسيهر: مذاهب التفسير الإسلامي (مترجم) القاهرة ١٩٥٥ م.\n٢٩ - ابن أبي حاتم (عبد الرحمن): الجرح والتعديل، طبعة الهند.\n٣٠ - حاجي خليفة (مصطفى بن عبد الله): كشف الظنون، استانبول ١٩٤١ - ١٩٤٣ م.\n٣١ - الحارث المحاسبي: فهم القرآن ومعانيه، مطبوع مع كتاب العقل، بيروت ١٩٧١ م.","vol":"1","page":256},{"text":"٣٢ - الحاكم (محمد بن عبد الله): المستدرك على الصحيحين، حيدرآباد في الهند.\n٣٣ - ابن حجر (أحمد بن علي): فتح الباري بشرح صحيح البخاري، المطبعة السلفية، القاهرة ١٣٨٠ هـ.\n٣٤ - حفني ناصف: تاريخ الأدب أو حياة اللغة العربية، ط ٢، القاهرة ١٩٥٨ م.\n٣٥ - حمزة بن الحسن الأصفهاني: التنبيه على حدوث التصحيف، دمشق ١٩٦٨.\n٣٦ - أبو حيان الأندلسي (محمد بن يوسف): البحر المحيط، الرياض.\n٣٧ - الخطابي (حمد بن محمد): بيان إعجاز القرآن (ضمن ثلاث رسائل) القاهرة ١٩٦٨ م.\n٣٨ - الخطيب البغدادي (أحمد بن علي): تاريخ بغداد، مكتبة الخانجي، القاهرة ١٩٣١ م.\n٣٩ - الخطيب البغدادي: تقييد العلم، دمشق ١٩٤٩.\n٤٠ - ابن خلدون (عبد الرحمن): مقدمة ابن خلدون، بيروت.\n٤١ - خليفة بن خياط: تاريخ خليفة، دمشق ١٩٦٧ م.\n٤٢ - الداني (ابو عمرو عثمان بن سعيد): البيان في عد آي القرآن، الكويت ١٩٩٤ م.\n٤٣ - الداني: التحديد في الإتقان والتجويد، بغداد ١٩٨٧ م.\n٤٤ - الداني: التيسير في القراءات السبع، استانبول ١٩٣٠ م.\n٤٥ - الداني: جامع البيان في القراءات السبع، مخطوط، دار الكتب المصرية (٣ م قراءات).\n٤٦ - الداني: المحكم في نقط المصاحف، دمشق ١٩٦٠ م.\n٤٧ - الداني: المقنع في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار، دمشق ١٩٤٠ م.\n٤٨ - أبو داود (سليمان بن الأشعث): سنن أبي داود، دار إحياء السنة النبوية.\n٤٩ - ابن أبي داود (عبد الله بن سليمان): كتاب المصاحف، القاهرة ١٩٣٦ م.","vol":"1","page":257},{"text":"٥٠ - الداودي (محمد بن علي): طبقات المفسرين، القاهرة ١٩٧٢ م.\n٥١ - الذهبي: (محمد بن أحمد): سير أعلام النبلاء، القاهرة ١٩٥٧ م.\n٥٢ - الذهبي: معرفة القراء الكبار، القاهرة ١٩٦٩ م.\n٥٣ - الرازي (محمد بن عمر): التفسير الكبير، ط ٢، المكتبة العلمية، طهران.\n٥٤ - الرماني (علي بن عيسى): النكت في إعجاز القرآن (ضمن ثلاث رسائل)، القاهرة ١٩٦٨ م.\n٥٥ - رمزي نعناعة: الإسرائيليات وأثرها في التفسير، دمشق ١٩٧٠ م.\n٥٦ - الزجاج (إبراهيم بن السري): معاني القرآن وإعرابه، بيروت ١٩٧٣ م.\n٥٧ - الزرقاني (محمد عبد العظيم): مناهل العرفان في علوم القرآن، ط ٣، القاهرة ١٩٤٣ م.\n٥٨ - الزركشي (محمد بن عبد الله): البرهان في علوم القرآن، ط ٢، القاهرة ١٩٧٢ م.\n٥٩ - الساعاتي (أحمد بن عبد الرحمن البنا): الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، ط ١، القاهرة ١٣٧٤ هـ.\n٦٠ - السخاوي (علم الدين علي بن محمد): جمال القراء وكمال الإقراء، القاهرة ١٩٨٧ م.\n٦١ - السخاوي: الوسيلة إلى كشف العقيلة، رسالة ماجستير تقدم بها صالح مهدي عباس إلى كلية الآداب في الجامعة المستنصرية، بغداد.\n٦٢ - سفيان بن سعيد الثوري: تفسير القرآن العظيم، رامبور ١٩٦٥ م.\n٦٣ - ابن سعد (محمد): الطبقات الكبرى، بيروت ١٩٥٧ م.\n٦٤ - السمعاني (عبد الكريم بن سعد): أدب الإملاء والاستملاء، ليدن ١٩٧٠ م.\n٦٥ - سيبويه (عمرو بن عثمان): الكتاب، طبعة عبد السلام هارون.","vol":"1","page":258},{"text":"٦٦ - سيد قطب: في ظلال القرآن، طبعة دار الشروق.\n٦٧ - السيوطي (جلال الدين عبد الرحمن): الإتقان في علوم القرآن، القاهرة ١٩٦٧ م.\n٦٨ - السيوطي: الدر المنثور في التفسير المأثور، بيروت.\n٦٩ - السيوطي: طبقات الحفاظ، القاهرة ١٩٧٣ م.\n٧٠ - السيوطي: لباب النقول في أسباب النزول، بيروت ١٩٧٨ م.\n٧١ - السيوطي: معترك الأقران في إعجاز القرآن، القاهرة ١٩٦٩ م.\n٧٢ - أبو شامة (عبد الرحمن بن إسماعيل): المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز، بيروت ١٩٧٥ م.\n٧٣ - صبحي الصالح (دكتور): مباحث في علوم القرآن، بيروت ١٩٦٤ م.\n٧٤ - صديق حسن خان: فتح البيان في مقاصد القرآن، القاهرة ١٩٦٥ م.\n٧٥ - صفي الدين البغدادي (عبد المؤمن بن عبد الحق): مراصد الاطلاع، بيروت ١٩٥٤ م.\n٧٦ - صلاح الدين المنجد: دراسات في تاريخ الخط العربي، بيروت ١٩٧٢ م.\n٧٧ - الصولي (محمد بن يحيى): أدب الكتاب، القاهرة ١٣٤١ هـ.\n٧٨ - ابن الضريس (محمد بن أيوب): فضائل القرآن، مخطوط، الظاهرية ٣٨١٤ (٧٨ المجاميع).\n٧٩ - الطبراني (سليمان بن أحمد): المعجم الكبير، ط ٢، الموصل ١٩٨٤ م.\n٨٠ - الطبري (محمد بن جرير): تاريخ الرسل والملوك، دار المعارف بمصر.\n٨١ - الطبري: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ط ٣، الحلبي، القاهرة ١٩٦٧.\n٨٢ - طنطاوي جوهري: الجواهر في تفسير القرآن، ط ٢، الحلبي بمصر ١٣٥٠ هـ.\n٨٣ - ابن عبد البر (يوسف بن عبد الله): الاستيعاب في معرفة الأصحاب، القاهرة ١٩٦٠ م.\n٨٤ - عبد الرزاق بن همام الصنعاني، المصنّف، بيروت ١٣٩٠ هـ ١٩٧١ م.","vol":"1","page":259},{"text":"٨٥ - عبد الصبور شاهين (دكتور): تاريخ القرآن، القاهرة ١٩٦٦ م.\n٨٦ - عبد الصبور شاهين: القراءات القرآنية في ضوء علم اللغة الحديث، القاهرة ١٩٦٦ م.\n٨٧ - عبد القاهر الجرجاني: دلائل الإعجاز، مكتبة الخانجي، القاهرة ١٤٠٤ هـ ١٩٨٤ م.\n٨٨ - عبد القاهر الجرجاني: الرسالة الشافية (ضمن ثلاث رسائل) القاهرة ١٩٦٨.\n٨٩ - عبد القادر عطا: التفسير الصوفي للقرآن، القاهرة ١٣٨٩ هـ- ١٩٦٩ م.\n٩٠ - عبد الله خورشيد: القرآن وعلومه في مصر، القاهرة ١٩٧٠ م.\n٩١ - عبد الله بن عباس (الصحابي): اللغات في القرآن، رواية ابن حسنون المقرئ، ط ٢، بيروت ١٣٩٢ هـ- ١٩٧٢ م.\n٩٢ - عبده الراجحي (دكتور): اللهجات العربية في القراءات القرآنية، دار المعارف بمصر ١٩٦٩ م.\n٩٣ - أبو عبيد (القاسم بن سلام): غريب الحديث، حيدرآباد.\n٩٤ - أبو عبيد: فضائل القرآن، مخطوط أوقاف الموصل (٣٥ مريم خاتون).\n٩٥ - أبو عبيدة (معمر بن المثنى): مجاز القرآن، القاهرة ١٩٥٤ م.\n٩٦ - عرّاك إسماعيل إبراهيم: القراءات القرآنية حتى عصر ابن مجاهد، رسالة ماجستير مقدمة إلى كلية الدارسات الإسلامية، جامعة بغداد.\n٩٧ - العسكري (ابو أحمد الحسن بن عبد الله): تصحيفات المحدثين، دار الكتب العلمية، بيروت.\n٩٨ - العسكري: شرح ما يقع فيه التصحيف، القاهرة ١٩٦٣ م.\n٩٩ - العطار (أبو العلاء الحسن بن أحمد): التمهيد في معرفة التجويد، مخطوط في مكتبة جستربتي رقم ٣٣٥٤.","vol":"1","page":260},{"text":"١٠٠ - ابن عطية (عبد الحق بن أبي بكر): مقدمة تفسيره (ضمن: مقدمتان في علوم القرآن) القاهرة ١٩٥٤ م.\n١٠١ - علي الطنطاوي: من نفحات الحرم، دمشق ١٩٦٠ م.\n١٠٢ - أبو علي النحوي (الحسن بن أحمد): الحجة في علل القراءات، القاهرة ١٩٦٥ م.\n١٠٣ - عياض بن موسى (القاضي): الشفا بتعريف حقوق المصطفى، عمان ١٤٠٧ هـ ١٩٨٦ م.\n١٠٤ - العيني (بدر الدين محمود بن محمد): عمدة القاري شرح صحيح البخاري، الطباعة المنيرية.\n١٠٥ - غانم قدوري حمد (دكتور): الدراسات الصوتية عند علماء التجويد، بغداد ١٩٨٦ م، طبع دار عمار/ الأردن ٢٠٠١ م.\n١٠٦ - غانم قدوري حمد: رسم المصحف دراسة لغوية تاريخية، بيروت ١٩٨٢ م، طبع دار عمار/ الأردن ٢٠٠١ م.\n١٠٧ - الغزالي (أبو حامد محمد): إحياء علوم الدين، الحلبي، القاهرة ١٩٣٩ م.\n١٠٨ - فاضل صالح السامرائي (دكتور): التعبير القرآني، بغداد ١٩٨٨ م.\n١٠٩ - الفراء (يحيى بن زياد): معاني القرآن، القاهرة.\n١١٠ - فؤاد سزكين: تاريخ التراث العربي (مترجم) القاهرة ١٩٧١ م.\n١١١ - الفيروزآبادي (محمد بن يعقوب): بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، القاهرة ١٣٨٣ هـ.\n١١٢ - الفيروزآبادي: تنوير المقياس (المقباس) من تفسير ابن عباس، القاهرة ١٣٥٦ هـ.\n١١٣ - ابن قتيبة (عبد الله بن مسلم): تأويل مشكل القرآن، القاهرة ١٩٧٣ م.","vol":"1","page":261},{"text":"١١٤ - ابن قتيبة: المعارف، بيروت ١٩٧٠ م.\n١١٥ - القرطبي (محمد بن أحمد): الجامع لأحكام القرآن، القاهرة ١٩٥٢ م.\n١١٦ - القسطلاني (أحمد بن محمد): لطائف الإشارات لفنون القراءات، القاهرة ١٩٧٢ م.\n١١٧ - القشيري (عبد الكريم بن هوازن): لطائف الإشارات، دار الكتاب العربي.\n١١٨ - ابن كثير (إسماعيل بن عمر): تفسير القرآن العظيم، طبعة إحياء الكتب العربية بمصر.\n١١٩ - ابن كثير: فضائل القرآن، القاهرة ١٣٤٧ هـ.\n١٢٠ - ابن ماجة (محمد بن يزيد): سنن ابن ماجة، القاهرة ١٣٧٢ هـ ١٩٥٢ م.\n١٢١ - المارغني (إبراهيم بن محمد): دليل الحيران شرح مورد الظمآن، القاهرة ١٩٧٤ م.\n١٢٢ - مالك بن أنس: الموطأ، دار الشعب، القاهرة.\n١٢٣ - مالك بن نبي: الظاهرة القرآنية (مترجم)، دار الفكر.\n١٢٤ - ابن المبارك (عبد الله): الزهد والرقائق، مؤسسة الرسالة، بيروت.\n١٢٥ - ابن مجاهد (أحمد بن موسى): كتاب السبعة في القراءات، القاهرة ١٩٧٢ م.\n١٢٦ - مجاهد بن جبر: تفسير مجاهد، تحقيق السورتي ١٣٩٦ هـ ١٩٧٦ م.\n١٢٧ - محسن عبد الحميد (دكتور): الآلوسي مفسرا، بغداد ١٣٨٨ هـ ١٩٦٨ م.\n١٢٨ - محسن عبد الحميد: الرازي مفسرا، بغداد ١٩٧١ م.\n١٢٩ - محمد حسين الذهبي (دكتور): التفسير والمفسرون، القاهرة ١٣٩٦ هـ ١٩٧٦ م.","vol":"1","page":262},{"text":"١٣٠ - محمد حسين هيكل (دكتور): الصديق أبو بكر، القاهرة ١٩٦٤ م.\n١٣١ - محمد حسين هيكل: في منزل الوحي، القاهرة ١٩٦٧ م.\n١٣٢ - محمد رشيد رضا: تفسير المنار، بيروت.\n١٣٣ - محمد أبو زهرة (الشيخ): المعجزة الكبرى، القاهرة ١٣٩٠ هـ ١٩٧٠ م.\n١٣٤ - محمد طاهر الكردي: تاريخ القرآن وغرائب رسمه وحكمه، جدة ١٩٤٦.\n١٣٥ - محمد عبد الله دراز (دكتور): مدخل إلى القرآن الكريم، الكويت ١٩٧١.\n١٣٦ - محمد عبد الله دراز: النبأ العظيم، الكويت ١٩٧٠ م.\n١٣٧ - محمد عوض محمد: فن الترجمة، القاهرة ١٩٦٩ م.\n١٣٨ - محمد الفاضل بن عاشور: التفسير ورجاله، تونس ١٩٧٢ م.\n١٣٩ - محمد كمال إبراهيم (دكتور): التصوف طريقا وتجربة ومنهجا، الإسكندرية ١٩٧٠ م.\n١٤٠ - محمد محمد أبو شهبة: الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير، القاهرة ١٩٧٣ م.\n١٤١ - محمد المرعشي (ساج قلي زاده): جهد المقل في التجويد، رسالة دكتوراه قدمها سالم قدوري الحمد إلى كلية الآداب بجامعة بغداد.\n١٤٢ - المراغي (الشيخ أحمد مصطفى): تفسير المراغي، القاهرة ١٣٦٥ هـ ١٩٤٦ م.\n١٤٣ - مصطفى زيد (دكتور): النسخ في القرآن الكريم، القاهرة ١٩٦٣ م.\n١٤٤ - مصطفى الصاوي الجويني: مناهج في التفسير، الإسكندرية ١٩٧١ م.\n١٤٥ - مكي بن أبي طالب: الإبانة عن معاني القراءات، القاهرة ١٩٦٠ م.\n١٤٦ - مكي: التبصرة في القراءات السبع، طبعة الدار السلفية، بومبي.\n١٤٧ - مكي: الرعاية لتجويد القراءة، دمشق ١٣٩٧ هـ ١٩٧٣ م.","vol":"1","page":263},{"text":"١٤٨ - مناع القطان: مباحث في علوم القرآن، الطبعة الثالثة ١٩٧٣ م.\n١٤٩ - المنذري (عبد العظيم بن عبد القوي): الترغيب والترهيب في الحديث الشريف، القاهرة ١٣٩٣ هـ ١٩٧٣ م.\n١٥٠ - ابن منظور (محمد بن مكرم): لسان العرب، طبعة بولاق.\n١٥١ - النحاس (أحمد بن محمد): القطع والائتناف، بغداد.\n١٥٢ - النحاس: الناسخ والمنسوخ، القاهرة ١٣٢٣ هـ.\n١٥٣ - الندوي (أبو الحسن علي الحسيني): العرب والإسلام.\n١٥٤ - الندوي: النبي الخاتم، القاهرة ١٩٧٥ م.\n١٥٥ - ابن النديم (محمد بن إسحاق): الفهرست، طهران.\n١٥٦ - النسائي (أحمد بن شعيب): كتاب السنن.\n١٥٧ - النسفي (عبد الله بن أحمد): مدارك التنزيل وحقائق التأويل.\n١٥٨ - نصر الهوريني (أبو الوفا): المطالع النصرية، بولاق ١٣٠٢ هـ.\n١٥٩ - النووي (يحيى بن شرف الدين): التبيان في آداب حملة القرآن، دمشق.\n١٦٠ - النووي: صحيح مسلم بشرح النووي، القاهرة.\n١٦١ - النووي: المجموع شرح المهذب، جدة.\n١٦٢ - هبة الله بن سلامة المفسر: الناسخ والمنسوخ، بهامش أسباب النزول للواحدي، طبع هندية بمصر ١٣١٥ هـ.\n١٦٣ - ابن هشام (عبد الملك): السيرة النبوية، القاهرة ١٩٥٥ م.\n١٦٤ - الواحدي (علي بن أحمد): أسباب النزول، القاهرة ١٣٨٩ هـ ١٩٦٩ م.\n١٦٥ - الواقدي (محمد بن عمر): كتاب المغازي، القاهرة ١٩٦٦ م.\n١٦٦ - ياقوت الحموي: معجم الأدباء، القاهرة.\n١٦٧ - ياقوت: معجم البلدان، بيروت ١٣٨٨ هـ ١٩٦٨ م.","vol":"1","page":264}]}