{"ً":{"ٌ":1295,"ٍ":"منهج الكرماني فى كتابه الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/mkkdrr/mkkdrr.pdf"]},"ّ":"الكتاب: منهج الكرماني فى كتابه الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري\nالمؤلف: أحمد محمد أبو نقطة\nأصل الكتاب: أطروحة دكتوراة - كلية الدراسات العليا، كلية أصول الدين - جامعة أم درمان الإسلامية في السودان، ١٤٣٨ هـ\nالناشر: دار المقتبس\nالطبعة: الأولى، ١٤٤٢ هـ - ٢٠٢٢ م\nعدد الصفحات: ٦٥٦\nأهداه للشاملة: محمد مهدي قشلان\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2469,"ٕ":7,"ٖ":1770155944,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":6},{"title":"أولا أهمية موضوع البحث","level":2,"page":8},{"title":"ثانيا أسباب اختيار موضوع البحث","level":2,"page":9},{"title":"ثالثا الدراسات السابقة، وما كتب عن الموضوع","level":2,"page":9},{"title":"رابعا مشكلة البحث","level":2,"page":10},{"title":"خامسا المنهج المتبع في البحث","level":2,"page":10},{"title":"سادسا عملي في البحث","level":2,"page":11},{"title":"١ - فيما يتعلق بالتخريج والعزو","level":3,"page":11},{"title":"٢ - فيما يتعلق بمنهج الكتابة","level":3,"page":11},{"title":"٣ - فيما يتعلق بالتعريفات والتراجم بأنواعها","level":3,"page":12},{"title":"٤ - فيما يتعلق بالنقل عن المصادر والمراجع","level":3,"page":12},{"title":"٥ - فيما يتعلق بالفهارس","level":3,"page":13},{"title":"خطة البحث","level":2,"page":15},{"title":"الباب الأول التعريف بالإمام الكرماني، وكتابه الكواكب الدراري","level":1,"page":22},{"title":"الفصل الأول التعريف بالإمام الكرماني","level":2,"page":22},{"title":"المبحث الأول عصر الإمام الكرماني","level":3,"page":22},{"title":"أولا الحياة السياسية","level":4,"page":22},{"title":"ثانيا الحياة الاجتماعية","level":4,"page":26},{"title":"ثالثا الحياة العلمية","level":4,"page":28},{"title":"المبحث الثاني سيرة الكرماني الذاتية والعلمية","level":3,"page":31},{"title":"أولا اسمه ونسبه، ولقبه، وولادته، ونشأته ومكانته العلمية","level":4,"page":31},{"title":"ثانيا أخلاقه وصفاته","level":4,"page":35},{"title":"ثالثا عقيدته ومذهبه","level":4,"page":36},{"title":"رابعا شيوخه وتلامذته","level":4,"page":36},{"title":"خامسا مؤلفاته","level":4,"page":40},{"title":"سادسا وفاته","level":4,"page":41},{"title":"الفصل الثاني التعريف بكتاب الكواكب الدراري","level":2,"page":43},{"title":"المبحث الأول التحقق من اسم الكتاب، وصحة نسبته للمؤلف","level":3,"page":43},{"title":"أولا التحقق من اسم الكتاب","level":4,"page":43},{"title":"ثانيا نسبته للمؤلف","level":4,"page":44},{"title":"المبحث الثاني تاريخ التأليف وأسبابه ومكانه","level":3,"page":46},{"title":"١ - تاريخ التأليف ومكانه","level":4,"page":46},{"title":"٢ - سبب التأليف","level":4,"page":47},{"title":"المبحث الثالث مصادر الكرماني وموارده","level":3,"page":48},{"title":"أولا: مصادره في العقيدة والفرق.","level":4,"page":49},{"title":"ثانيا: مصادره في التفسير وأسباب النزول.","level":4,"page":49},{"title":"ثالثا: مصادره في الحديث الشريف","level":4,"page":50},{"title":"أ - كتب الرواية","level":5,"page":50},{"title":"ب - مصادره في الجرح والتعديل (علم الرجال)","level":5,"page":52},{"title":"ج - مصادره في مصطلح الحديث","level":5,"page":54},{"title":"د - مصادره في علل الحديث","level":5,"page":54},{"title":"هـ - مصادره في غريب الحديث","level":5,"page":55},{"title":"و- كتب المؤتلف والمختلف","level":5,"page":56},{"title":"ز - مصادره في شروح الحديث","level":5,"page":56},{"title":"رابعا مصادره في التاريخ والسير","level":4,"page":59},{"title":"خامسا مصادره في اللغة والبلاغة","level":4,"page":60},{"title":"سادسا مصادره في النحو","level":4,"page":61},{"title":"سابعا مصادره في الفقه وأصوله","level":4,"page":61},{"title":"ثامنا مصادره في كتب الأنساب","level":4,"page":63},{"title":"تاسعا مصادره في الاستدراكات والتتبع","level":4,"page":63},{"title":"المبحث الرابع أهمية كتاب الكواكب الدراري، ومنزلته بين شروح الجامع الصحيح","level":3,"page":64},{"title":"١ - أهمية كتاب الكواكب الدراري","level":4,"page":64},{"title":"١ - شرح لصحيح البخاري الذي هو أصح كتاب بعد كتاب الله ﷿","level":5,"page":65},{"title":"٢ - كثرة المراجع التي اعتمدها الكرماني في شروح الحديث، واللغة، والغريب ... مما يدل على سعة اطلاعه، وغزير علمه.","level":5,"page":66},{"title":"٣ - نقله عن مصادر لم تصل إلينا بعد، إما لضياعها وتلفها، أو أنها مازالت في خزائن المكتبات","level":5,"page":66},{"title":"٤ - اهتمام الإمام الكرماني بعلوم الحديث رواية ودراية، ويبين المشكل فيهما","level":5,"page":66},{"title":"٥ - احتوى الكتاب على ذكر أقوال الفقهاء في المسألة بشكل مبسط مختصر","level":5,"page":67},{"title":"٦ - اهتمام الكرماني في الكتاب بالغامض والغريب من اللغة والمعاني","level":5,"page":67},{"title":"٧ - اهتم الكرماني في شرحه بأمور العقيدة","level":5,"page":67},{"title":"٢ - منزلة الكواكب الدراري بين شروح الجامع الصحيح","level":4,"page":67},{"title":"المبحث الخامس المنهج العام للكرماني في كتاب الكواكب الدراري","level":3,"page":68},{"title":"المبحث السادس بعض المآخذ على الكرماني","level":3,"page":72},{"title":"١ - اعتراض ابن حجر في فتح الباري","level":4,"page":72},{"title":"٢ - اعتراض البرماوي في اللامع الصبيح","level":4,"page":75},{"title":"الباب الثاني منهج الكرماني وصناعته وطرائقه المتعلقة بالأسانيد، والتخريج وعلوم الرواة","level":1,"page":83},{"title":"الفصل الأول منهج الكرماني وصناعته الحديثية المتعلقة بالأسانيد","level":2,"page":83},{"title":"المبحث الأول تعريف المنهج، والصناعة الحديثية","level":3,"page":83},{"title":"١ - تعريف المنهج في اللغة","level":4,"page":83},{"title":"٢ - تعريف الصناعة الحديثية","level":4,"page":83},{"title":"المبحث الثاني منهج الكرماني في دراسة أسانيد صحيح البخاري","level":3,"page":86},{"title":"تمهيد","level":4,"page":86},{"title":"أهمية الإسناد","level":5,"page":86},{"title":"أولا ذكر منهج البخاري في رواية الحديث تحملا وأداء","level":4,"page":89},{"title":"أهلية التحمل والأداء وشروطهما","level":5,"page":90},{"title":"أ - أهلية التحمل","level":6,"page":90},{"title":"شروط التحمل","level":7,"page":90},{"title":"ب - أهلية الأداء","level":6,"page":92},{"title":"طرق التحمل والأداء","level":7,"page":93},{"title":"١ - السماع، ومن العلماء من سماه «العرض»","level":8,"page":93},{"title":"٢ - القراءة على الشيخ (العرض)","level":8,"page":97},{"title":"٣ - المناولة","level":8,"page":99},{"title":"٤ - الكتابة أو المكاتبة","level":8,"page":100},{"title":"المبحث الثالث تنبيه مهم من البخاري عن صيغ الأداء والتحمل وتعليق الكرماني","level":3,"page":101},{"title":"أ - التفريق بين صيغ الجمع والإفراد","level":4,"page":101},{"title":"ب - ورود صيغة السؤال في السند من غير تصريح بالجواب","level":4,"page":102},{"title":"المبحث الرابع شرح سلسلة السند وما فيها من إشكال","level":3,"page":104},{"title":"١ - شرح سلسلة السند","level":4,"page":104},{"title":"١ - بيان البخاري تلقيه الحديث الواحد عن أكثر من شيخ","level":5,"page":105},{"title":"٢ - بيان معنى الرمز في السند، مثل «ثنا» و«نا» و«وأنا»، و«ح»","level":5,"page":105},{"title":"٣ - بيان دقة البخاري في قوة الضبط، والمحافظة على لفظ الشيوخ","level":5,"page":108},{"title":"٤ - بيان وتوضيح العطف في الإسناد","level":5,"page":111},{"title":"٥ - بيان ما يوهم انقطاع الإسناد","level":5,"page":111},{"title":"٦ - بيان الوجه الصحيح للعطف","level":5,"page":113},{"title":"٧ - (بيان ما قد يوهم استواء ألفاظ طريقي الحديث)","level":5,"page":113},{"title":"٨ - ومنه لمعرفة العطف الصحيح، لابد من ضبط أواخر الأسماء، وبيان موضع الاسم من الإعراب لزيادة التوضيح)","level":5,"page":115},{"title":"٩ - بيان الاتصال ودفع ما يوهم الإرسال","level":5,"page":116},{"title":"المبحث الخامس تقوية الخبر بقول «أشهد»","level":3,"page":121},{"title":"المبحث السادس بيان ما أوهم وأشكل في السند","level":3,"page":122},{"title":"١ - بيان عبارة «حدثني الثقة»","level":4,"page":122},{"title":"٢ - بيان عبارة غير كذوب","level":4,"page":123},{"title":"٣ - بيان عبارة زعم","level":4,"page":124},{"title":"المبحث السابع بيان أصح الأسانيد، ورأي البخاري","level":3,"page":125},{"title":"الفصل الثاني منهج الكرماني في تخريج الأحاديث وبيان الفوائد من ذلك","level":2,"page":128},{"title":"المبحث الأول التخريج تعريفه، وفوائده","level":3,"page":128},{"title":"تعريف التخريج في اللغة والاصطلاح","level":4,"page":128},{"title":"١ - تعريف التخريج في اللغة","level":5,"page":128},{"title":"٢ - التخريج في اصطلاح المحدثين","level":5,"page":129},{"title":"فوائد التخريج","level":4,"page":130},{"title":"المبحث الثاني عدد أحاديث صحيح البخاري","level":3,"page":131},{"title":"المبحث الثالث تخريج أحاديث صحيح البخاري","level":3,"page":133},{"title":"أولا: تخريج أحاديث صحيح البخاري.","level":4,"page":133},{"title":"ثانيا: تخريج أحاديث الشرح من كتب الرواية المتنوعة.","level":4,"page":133},{"title":"١ - بيان مواضع أحاديث صحيح البخاري وبيان سر التكرار","level":5,"page":133},{"title":"٢ - تكرار الحديث لبيان قصد الراوي ومطابقة الترجمة التي أرادها البخاري","level":5,"page":136},{"title":"٣ - التكرار من أجل تقوية سند الحديث","level":5,"page":137},{"title":"٤ - التكرار لدواعي تقطيع الحديث واختصاره","level":5,"page":141},{"title":"٥ - التكرار للاختلاف في رجال الإسناد","level":5,"page":146},{"title":"المبحث الرابع تخريج أحاديث الشرح من كتب الرواية المتنوعة","level":3,"page":147},{"title":"أولا: الاهتمام بالمتابعات، والشواهد.","level":4,"page":148},{"title":"القسم الأول: المتابعات.","level":5,"page":148},{"title":"جهد الكرماني في متابعات البخاري","level":6,"page":154},{"title":"أولا توضيح وبيان عبارات البخاري في متابعاته","level":7,"page":154},{"title":"١ - ضرورة وفوائد معرفة طبقات الرواة ومراتبهم","level":8,"page":154},{"title":"٢ - بيان العطف في المتابعة، ومرجع الضمير","level":8,"page":156},{"title":"٣ - بيان الفرق بين «تابعه»، و«رواه»","level":8,"page":158},{"title":"٤ - بيان الفرق بين «قال» و«تابعه»","level":8,"page":159},{"title":"٥ - بيان حدود المتابعة","level":8,"page":160},{"title":"ثانيا بيان أحوال رواة المتابعات","level":7,"page":161},{"title":"القسم الثاني: الشواهد","level":5,"page":163},{"title":"ثانيا بيان طرق الحديث","level":4,"page":165},{"title":"ثالثا بيان المقصود من الحديث بحمل الروايات على بعضها","level":4,"page":168},{"title":"رابعا تخريج أحاديث لها علاقة بالترجمة، والأبواب","level":4,"page":169},{"title":"خامسا بيان المجمل من رواية البخاري، عن طريق رواية أخرى","level":4,"page":170},{"title":"سادسا التنبيه على الزيادات، والمقارنة بين الألفاظ","level":4,"page":171},{"title":"سابعا بيان الخطأ في أسماء الرواة","level":4,"page":176},{"title":"ثامنا ينقل حكم العلماء على الحديث","level":4,"page":176},{"title":"المبحث الخامس صنعته في المعلقات","level":3,"page":177},{"title":"أولا تعريف الحديث المعلق لغة واصطلاحا","level":4,"page":177},{"title":"أ - لغة","level":5,"page":177},{"title":"ب - اصطلاحا","level":5,"page":178},{"title":"ثانيا أسباب تعليق الحديث","level":4,"page":179},{"title":"ثالثا حكم الحديث المعلق","level":4,"page":180},{"title":"رابعا معلقات صحيح البخاري","level":4,"page":180},{"title":"خامسا أقسام المعلقات في الجامع الصحيح","level":4,"page":181},{"title":"سادسا جواب العلماء على معلقات البخاري","level":4,"page":182},{"title":"سابعا منهج الكرماني في دراسة معلقات البخاري","level":4,"page":186},{"title":"١ - بيان صيغ البخاري في التعليق","level":5,"page":186},{"title":"أ - صيغة الجزم","level":6,"page":186},{"title":"ب - اجتماع صيغتي الجزم والتمريض","level":6,"page":188},{"title":"٢ - ذكر أسباب التعليق عند البخاري","level":5,"page":192},{"title":"أ - ما يتعلق بالراوي","level":6,"page":192},{"title":"١ - عدم إدراك البخاري لزمن الراوي الذي يروي عنه","level":7,"page":192},{"title":"٢ - ما كان بسبب علة في الراوي","level":7,"page":194},{"title":"ب - كون الحديث موصولا من رواية أخرى","level":6,"page":195},{"title":"ج - يعلق البخاري الحديث على حسب تلقي الراوي","level":6,"page":197},{"title":"د - يعلق البخاري الحديث للاختلاف في صحته","level":6,"page":198},{"title":"هـ - التعليق بسبب نقل الحديث بالمعنى","level":6,"page":199},{"title":"٣ - بيان الفوائد من تعليقات البخاري","level":5,"page":200},{"title":"١ - الفوائد المتعلقة بالسند وذلك من خلال","level":6,"page":200},{"title":"أ - تقوية الإسناد","level":7,"page":200},{"title":"ب - بيان طرق الحديث ومافيها من فوائد إسنادية","level":7,"page":205},{"title":"٢ - الفوائد المتعلقة بالمتن وذلك من خلال","level":6,"page":206},{"title":"١ - بيان حقيقة الأمر من فعل النبي ﷺ","level":7,"page":206},{"title":"٢ - إزالة شك الراوي في لفظ الحديث","level":7,"page":207},{"title":"٣ - تفسير كلمات من متن الحديث","level":7,"page":208},{"title":"٤ - وصل التعاليق، وتخريجها","level":7,"page":208},{"title":"المبحث السادس الإجابة على الأحاديث المنتقدة على البخاري","level":3,"page":210},{"title":"تمهيد","level":4,"page":210},{"title":"موقف الإمام الكرماني من الأحاديث المنتقدة على البخاري","level":4,"page":216},{"title":"القسم الأول ما تختلف الرواة فيه بالزيادة والنقص من رجال الإسناد","level":4,"page":217},{"title":"القسم الثاني ماتختلف الرواة فيه بتغير رجال بعض الإسناد","level":4,"page":225},{"title":"أولا اختلاف الرواة في سند الحديث","level":5,"page":226},{"title":"١ - الاختلاف بين الرفع والوقف","level":6,"page":226},{"title":"٢ - الاختلاف بين الوصل والإرسال","level":6,"page":230},{"title":"ثانيا: اختلاف الرواة في المتن زيادة ونقصانا، أو رفعا ووقفا","level":5,"page":235},{"title":"القسم الثالث ما تفرد بعض الرواة بزيادة فيه دون من هو أكثر عددا أو أضبط ممن لم يذكرها","level":4,"page":237},{"title":"القسم الرابع: ما تفرد به بعض الرواة ممن ضعف من الرواة","level":4,"page":240},{"title":"القسم الخامس ما حكم فيه بالوهم على بعض رجاله","level":4,"page":241},{"title":"القسم السادس وهو القسم الثاني من المخالفة الخاص بالمتن","level":4,"page":244},{"title":"المبحث السابع بيان اللطائف الإسنادية","level":3,"page":248},{"title":"معنى اللطائف وعناية العلماء بها","level":4,"page":248},{"title":"منهج الكرماني في ذكر اللطائف الإسنادية","level":4,"page":251},{"title":"١ - رواية الأكابر عن الأصاغر","level":5,"page":251},{"title":"٢ - رواية الأقران (المدبج)","level":5,"page":254},{"title":"٣ - رواية أهل بلد عن بعضهم","level":5,"page":256},{"title":"٤ - رواية الأقارب عن بعضهم البعض","level":5,"page":259},{"title":"الفصل الثالث منهج الكرماني وصناعته الحديثية في علوم الرواة","level":2,"page":264},{"title":"تمهيد: التعريف بالراوي ومكانته","level":3,"page":264},{"title":"المبحث الأول ذكر ما يتعلق باسم الراوي","level":3,"page":265},{"title":"١ - ضبط اسم الراوي","level":4,"page":265},{"title":"٢ - بيان الاختلاف في ضبط الأسماء","level":4,"page":266},{"title":"٣ - ضبط الاسم من الناحية الصرفية","level":4,"page":267},{"title":"٤ - بيان معنى الاسم","level":4,"page":268},{"title":"٥ - بيان من وافق اسمه اسم أبيه","level":4,"page":269},{"title":"٦ - بيان الأسماء المشتركة بين الذكور والإناث","level":4,"page":270},{"title":"٧ - التنبيه على الأسماء المختلف فيها وذكر الراجح","level":4,"page":270},{"title":"٨ - ذكر الأسماء المفردة","level":4,"page":271},{"title":"١ - الرواة الذين لم يشترك معهم أحد في الاسم","level":5,"page":271},{"title":"٢ - الرواة الذين لم يشاركهم أحد في الاسم عند البخاري","level":5,"page":272},{"title":"٣ - الرواة الذين انفرد البخاري بالرواية عنهم","level":5,"page":272},{"title":"٤ - أفراد الصحيحين البخاري ومسلم","level":5,"page":273},{"title":"٩ - التنبيه على الخطأ، والاشتباه، والتصحيف في أسماء الرواة","level":4,"page":274},{"title":"المبحث الثاني ذكر ما يتعلق بلقب الراوي وكنيته ونسبه","level":3,"page":276},{"title":"١ - تعريف اللقب","level":4,"page":276},{"title":"٢ - تعريف الكنية في اللغة","level":4,"page":276},{"title":"٣ - أهمية علم الكنى والألقاب","level":4,"page":277},{"title":"٤ - العناية بأنساب الرواة","level":4,"page":283},{"title":"١ - يذكر نسب الراوي","level":5,"page":284},{"title":"٢ - بيان من نسب إلى مكان","level":5,"page":286},{"title":"٥ - بيان من نسب إلى قبيلته","level":4,"page":287},{"title":"٦ - بيان من نسبوا من الرواة لغير آبائهم","level":4,"page":289},{"title":"٧ - التنبيه على الموالي من الرواة","level":4,"page":291},{"title":"٨ - بيان النسب التي على خلاف ظاهرها","level":4,"page":293},{"title":"المبحث الثالث ذكرما يتعلق بشيوخ الراوي وتلامذته ومكانته ووفاته","level":3,"page":295},{"title":"١ - ذكر شيوخ الراوي وتلامذته","level":4,"page":295},{"title":"٢ - بيان مكانة الراوي ومناقبه، وغرائبه","level":4,"page":296},{"title":"٣ - يذكر تاريخ ومكان وفاة الراوي","level":4,"page":300},{"title":"المبحث الرابع ذكر ما يتعلق بالاشتباه والالتباس في أسماء الرواة وأنسابهم","level":3,"page":301},{"title":"١ - بيان المتفق والمفترق","level":4,"page":301},{"title":"أهمية هذا الفن","level":5,"page":301},{"title":"تعريف الطبقة في اللغ","level":5,"page":306},{"title":"فائدة معرفة الطبقات","level":5,"page":307},{"title":"١ - طبقة الصحابة","level":6,"page":309},{"title":"٢ - طبقة التابعين","level":6,"page":311},{"title":"٢ - بيان المهمل","level":4,"page":312},{"title":"٣ - بيان المؤتلف والمختلف","level":4,"page":323},{"title":"٤ - معرفة المبهم","level":4,"page":326},{"title":"أولا الإبهام في السند","level":5,"page":327},{"title":"ثانيا الإبهام في المتن","level":5,"page":333},{"title":"المبحث الخامس الجرح والتعديل","level":3,"page":343},{"title":"أولا تعريف علم الجرح والتعديل لغة واصطلاحا، وتعريفه علما مركبا","level":4,"page":343},{"title":"١ - تعريف الجرح لغة واصطلاحا","level":5,"page":343},{"title":"٢ - تعريف التعديل لغة واصطلاحا","level":5,"page":344},{"title":"ثانيا أهمية الجرح والتعديل","level":4,"page":344},{"title":"ثالثا مشروعية الجرح والتعديل","level":4,"page":346},{"title":"١ - من القرآن الكريم","level":5,"page":346},{"title":"٢ - من السنة الشريفة","level":5,"page":346},{"title":"رابعا إذا اجتمع في الراوي جرح وتعديل أيهما يقدم؟","level":4,"page":347},{"title":"خامسا عدد المعدلين","level":4,"page":348},{"title":"منهج الإمام الكرماني في الجرح والتعديل","level":5,"page":348},{"title":"١ - ينقل أقوال علماء الجرح والتعديل في الرجال","level":6,"page":349},{"title":"٢ - ينقل اختلاف علماء الجرح والتعديل في الراوي الواحد","level":6,"page":351},{"title":"٣ - ذكر مايتعلق بعدالة الراوي","level":6,"page":352},{"title":"١ - التنبيه على عدالة الصحابة ﵃","level":7,"page":352},{"title":"٢ - التنبيه على من رمي ببدعة","level":7,"page":353},{"title":"٣ - بيان الراوي المدلس","level":7,"page":358},{"title":"٤ - يذكر أقوال العلماء في الراوي ما كان متعلقا بضبطه وإتقانه","level":6,"page":361},{"title":"المبحث السادس رواة صحيح البخاري وأقوال العلماء فيهم","level":3,"page":363},{"title":"تمهيد","level":4,"page":363},{"title":"١ - أبان أبو يزيد البصري العطار.","level":4,"page":367},{"title":"٢ - الحسن بن عمارة","level":4,"page":367},{"title":"٣ - عكرمة أبو عبدالله مولى ابن عباس","level":4,"page":368},{"title":"الباب الثالث منهج الكرماني في تراجم أبواب البخاري، ودراسة متونه وفيه","level":1,"page":372},{"title":"الفصل الأول منهج الكرماني في تراجم الأبواب","level":2,"page":372},{"title":"المبحث الأول","level":3,"page":372},{"title":"تمهيد","level":4,"page":372},{"title":"أولا التراجم الظاهرة: وهي التي تطابق الأحاديث التي تخرج تحتها مطابقة واضحة جلية، دون حاجة للفكر والنظر.","level":4,"page":374},{"title":"ثانيا التراجم الاستنباطية: وهي التي تدرك مطابقتها لمضمون الباب بوجه من البحث والتفكير القريب أو البعيد.","level":4,"page":374},{"title":"ثالثا التراجم المرسلة: وهي التي اكتفي فيها بلفظ (باب)، ولم يعنون بشيء يدل على المضمون بل ترك ذلك العنوان.","level":4,"page":374},{"title":"رابعا التراجم المفردة: وهي تراجم لا يخرج البخاري فيها شيئا من الحديث للدلالة عليها».","level":4,"page":375},{"title":"المبحث الثاني بيان مناسبات تراجم البخاري بأنواعها","level":3,"page":377},{"title":"أولا بيان مناسبات عناوين كتب صحيح البخاري، مع بعضها البعض","level":4,"page":378},{"title":"ثانيا بيان مناسبة عنوان الباب لعنوان الكتاب","level":4,"page":381},{"title":"ثالثا ذكر المناسبة بين البابين المتتاليين","level":4,"page":386},{"title":"رابعا ذكر المناسبة بين باب وأبواب متعددة سبقته","level":4,"page":387},{"title":"خامسا نقد ترتيب الأبواب","level":4,"page":388},{"title":"أولا نقد الكرماني الإيجابي","level":5,"page":389},{"title":"ثانيا نقد الكرماني السلبي","level":5,"page":391},{"title":"سادسا ذكر المناسبة بين الحديث وترجمة الباب","level":4,"page":394},{"title":"المبحث الثالث الإجابة عن المناسبات الخفية (الاستنباطية)","level":3,"page":400},{"title":"الفصل الثاني منهج الكرماني فيما يتعلق بمتون الصحيح","level":2,"page":405},{"title":"المبحث الأول غريب الحديث","level":3,"page":405},{"title":"تمهيد","level":4,"page":405},{"title":"أهمية معرفة علم غريب الحديث","level":5,"page":406},{"title":"أولا شرح الكلمات الغريبة والغامضة وضبطها","level":4,"page":407},{"title":"ثانيا الاستدلال بأقوال علماء اللغة والشعر","level":4,"page":411},{"title":"ثالثا شرح الغريب بالاستعانة بروايات الحديث الأخرى","level":4,"page":415},{"title":"رابعا تفسر الحديث بالقرآن الكريم","level":4,"page":417},{"title":"خامسا بيان المعنى الحقيقي للألفاظ","level":4,"page":419},{"title":"سادسا ترجيح المعنى المراد من اللفظ بالقرائن","level":4,"page":421},{"title":"المبحث الثاني العناية بمسائل اللغة العربية","level":3,"page":424},{"title":"أولا شرح المفردات وضبطها","level":4,"page":424},{"title":"ثانيا ذكر التصحيف الوارد في بعض كلمات المتن والإشارة وبيان الصواب","level":4,"page":425},{"title":"ثالثا الاهتمام بالمسائل النحوية","level":4,"page":427},{"title":"١ - بيان الأوجه الإعرابية","level":5,"page":427},{"title":"٢ - تقدير المحذوف في الإعراب","level":5,"page":429},{"title":"٣ - الاستثناء","level":5,"page":430},{"title":"٤ - المتعدي","level":5,"page":431},{"title":"٥ - الاهتمام بأدوات الإعراب المختلفة","level":5,"page":432},{"title":"رابعا الاهتمام بالصرف","level":4,"page":433},{"title":"١ - الاهتمام بالجمع","level":5,"page":434},{"title":"٢ - بيان ميزان الفعل","level":5,"page":435},{"title":"٣ - بيان الممنوع من الصرف","level":5,"page":436},{"title":"خامسا الاهتمام بالبلاغة","level":4,"page":437},{"title":"١ - المجاز","level":5,"page":437},{"title":"٢ - الكناية","level":5,"page":439},{"title":"٣ - الحصر","level":5,"page":440},{"title":"المبحث الثالث منهج الكرماني في تناول الأحكام الفقهية","level":3,"page":442},{"title":"١ - عرض الأقوال في المسألة الفقهية","level":4,"page":444},{"title":"٢ - منهجه في ترجيح الأقوال","level":4,"page":447},{"title":"٣ - الاستدلال بالقواعد الفقهية","level":4,"page":457},{"title":"٤ - يعرض أقوال الفقهاء من غير الأئمة الأربعة","level":4,"page":461},{"title":"٥ - بيان عقيدة الأشاعرة","level":4,"page":463},{"title":"أولا عند تعريفه للعقل فقال: «والعقل هو عند أبي الحسن الأشعري العلم ببعض الضروريات الذي هو مناط التكليف».","level":5,"page":464},{"title":"ثانيا تنزيه المولى ﷿ عن المكان، والحركة والنزول","level":5,"page":464},{"title":"ثالثا دفع ما أوهم التشبيه والجسمية لله ﷿","level":5,"page":465},{"title":"رابعا بيان أن المؤثر في الأشياء هو الله ﷿","level":5,"page":467},{"title":"خامسا بيان رؤية الله ﷿ يوم القيامة","level":5,"page":467},{"title":"٦ - الرد على أهل الفرق في العقيدة","level":4,"page":469},{"title":"٧ - بيان رأي الإمام البخاري الفقهي","level":4,"page":473},{"title":"٨ - بيان بعض الفوائد الفقهية","level":4,"page":476},{"title":"٩ - بيان بعض اللطائف الواردة في المتن","level":4,"page":477},{"title":"المبحث الرابع الاهتمام بالقواعد الأصولية","level":3,"page":481},{"title":"١ - بيان الحكم التكليفي","level":4,"page":482},{"title":"٢ - الإجماع","level":4,"page":485},{"title":"٣ - القياس","level":4,"page":489},{"title":"٤ - النسخ","level":4,"page":490},{"title":"٥ - حكم الاجتهاد في زمن النبي ﷺ","level":4,"page":492},{"title":"المبحث الخامس مختلف الحديث ومشكله","level":3,"page":495},{"title":"أولا تعريف مختلف الحديث","level":4,"page":495},{"title":"ثانيا تعريف المشكل","level":4,"page":495},{"title":"ثانيا الفرق بين مختلف الحديث ومشكله","level":4,"page":496},{"title":"ثالثا أهمية علم مختلف الحديث ومشكله","level":4,"page":497},{"title":"رابعا منهج الكرماني في مختلف الحديث","level":4,"page":498},{"title":"١ - التوفيق والتلفيق جمعا بين الأحاديث","level":5,"page":498},{"title":"أ - التوفيق بين المعاني","level":6,"page":500},{"title":"ب - اختلاف الأحوال والمقامات","level":6,"page":506},{"title":"ت - تعدد الحادثة","level":6,"page":509},{"title":"ج - اختلاف صور فعل النبي ﷺ","level":6,"page":511},{"title":"د - حفظ الرواة وضبطهم واطلاعهم","level":6,"page":513},{"title":"هـ - حمل المطلق على المقيد","level":6,"page":518},{"title":"و- تخصيص العام","level":6,"page":519},{"title":"ز - نفي اعتبار مفهوم العدد","level":6,"page":521},{"title":"٢ - الترجيح","level":5,"page":524},{"title":"تعريف الترجيح","level":6,"page":524},{"title":"٣ - الحكم بالنسخ","level":5,"page":530},{"title":"تعريف النسخ","level":6,"page":530},{"title":"خامسا منهج الكرماني في مشكل الحديث","level":4,"page":533},{"title":"الباب الرابع منهج الكرماني وطريقته في علوم مصطلح الحديث وعلله","level":1,"page":540},{"title":"الفصل الأول جهوده المتعلقة بعلم مصطلح الحديث","level":2,"page":540},{"title":"المبحث الأول معنى الحديث والخبر والأثر والحديث القدسي عند الكرماني","level":3,"page":540},{"title":"١ - تعريف الكرماني الحديث","level":4,"page":540},{"title":"٢ - تعريف الخبر","level":4,"page":541},{"title":"٣ - تعريف الأثر","level":4,"page":542},{"title":"٤ - الحديث القدسي","level":4,"page":543},{"title":"المبحث الثاني الحديث المرفوع والموقوف والمقطوع","level":3,"page":546},{"title":"أولا الحديث المرفوع","level":4,"page":546},{"title":"١ - بيان رفع الحديث بالقرائن والأدلة","level":5,"page":546},{"title":"٢ - ما يأخذ حكم المرفوع إلى النبي ﷺ","level":5,"page":548},{"title":"ثانيا الحديث الموقوف","level":4,"page":550},{"title":"تعرف الحديث الموقوف","level":5,"page":550},{"title":"ثالثا الحديث المقطوع","level":4,"page":551},{"title":"المبحث الثالث الحديث المنقطع والمرسل والمدلس","level":3,"page":551},{"title":"أولا الحديث المنقطع","level":4,"page":551},{"title":"ثانيا الحديث المرسل","level":4,"page":554},{"title":"حكم الحديث المرسل","level":5,"page":555},{"title":"ثالثا الحديث المدلس","level":4,"page":559},{"title":"المبحث الرابع الحديث الغريب والفرد","level":3,"page":560},{"title":"المبحث الخامس الحديث المعنعن والمؤنن","level":3,"page":562},{"title":"أولا الحديث المعنعن","level":4,"page":562},{"title":"حكم العنعنة","level":5,"page":562},{"title":"ثانيا الحديث المؤنن","level":4,"page":564},{"title":"حكم المؤنن","level":5,"page":564},{"title":"المبحث السادس الحديث المسلسل","level":3,"page":565},{"title":"المبحث السابع زيادة الثقة","level":3,"page":567},{"title":"المبحث الثامن بيان الإسناد العالي والنازل","level":3,"page":570},{"title":"القسم الأول: العلو المطلق","level":4,"page":571},{"title":"القسم الثاني: العلو النسبي","level":4,"page":571},{"title":"المبحث التاسع مسائل متفرقة في المصطلح","level":3,"page":579},{"title":"١ - ضبط الراوي","level":4,"page":579},{"title":"٢ - الراوي مجهول العين","level":4,"page":579},{"title":"٣ - تدليس الشيوخ","level":4,"page":585},{"title":"الفصل الثاني جهود الكرماني في العلوم المتعلقة بعلم العلل","level":2,"page":588},{"title":"المبحث الأول تعريف العلة لغة واصطلاحا، وأهمية معرفة علم العلل","level":3,"page":588},{"title":"العلة في اللغة","level":4,"page":588},{"title":"أهمية معرفة علم العلل","level":4,"page":589},{"title":"المبحث الثاني الإعلال بالاضطراب","level":3,"page":590},{"title":"١ - الاضطراب في السند","level":4,"page":591},{"title":"٢ - الاضطراب في المتن","level":4,"page":594},{"title":"المبحث الثالث العلل الناتجة بسبب وهم الراوي","level":3,"page":596},{"title":"المقصود بوهم الراوي","level":4,"page":596},{"title":"١ - الوهم في السند","level":4,"page":597},{"title":"٢ - الوهم في المتن","level":4,"page":599},{"title":"٣ - التصحيف","level":4,"page":602},{"title":"١ - التصحيف في السند","level":5,"page":603},{"title":"٢ - التصحيف في المتن","level":5,"page":604},{"title":"المبحث الرابع الإعلال بالإدراج","level":3,"page":604},{"title":"المبحث الخامس رواية الحديث بالمعنى","level":3,"page":609},{"title":"حكم الرواية بالمعنى","level":4,"page":611},{"title":"المبحث السادس اختصار الحديث وتقطيعه","level":3,"page":615},{"title":"تعريف اختصار الحديث","level":4,"page":615},{"title":"سبب الخرم","level":4,"page":620},{"title":"المبحث السابع شك الراوي في الحديث","level":3,"page":623},{"title":"١ - في السند","level":4,"page":623},{"title":"٢ - الشك في المتن","level":4,"page":625},{"title":"المبحث الثامن مخالفة الراوي لماروى","level":3,"page":630},{"title":"المبحث التاسع التنبيه على مزيد في متصل الأسانيد","level":3,"page":632},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":639},{"title":"أولا النتائج","level":2,"page":639},{"title":"ثانيا والتوصيات","level":2,"page":642}],"ٛ":{"1,2":1,"1,5":2,"1,7":3,"1,8":4,"1,9":5,"1,11":6,"1,12":7,"1,13":8,"1,14":9,"1,15":10,"1,16":11,"1,17":12,"1,18":13,"1,19":14,"1,21":15,"1,22":16,"1,23":17,"1,24":18,"1,25":19,"1,26":20,"1,27":21,"1,29":22,"1,30":23,"1,31":24,"1,32":25,"1,33":26,"1,34":27,"1,35":28,"1,36":29,"1,37":30,"1,38":31,"1,39":32,"1,40":33,"1,41":34,"1,42":35,"1,43":36,"1,44":37,"1,45":38,"1,46":39,"1,47":40,"1,48":41,"1,49":42,"1,50":43,"1,51":44,"1,52":45,"1,53":46,"1,54":47,"1,55":48,"1,56":49,"1,57":50,"1,58":51,"1,59":52,"1,60":53,"1,61":54,"1,62":55,"1,63":56,"1,64":57,"1,65":58,"1,66":59,"1,67":60,"1,68":61,"1,69":62,"1,70":63,"1,71":64,"1,72":65,"1,73":66,"1,74":67,"1,75":68,"1,76":69,"1,77":70,"1,78":71,"1,79":72,"1,80":73,"1,81":74,"1,82":75,"1,83":76,"1,84":77,"1,85":78,"1,86":79,"1,87":80,"1,88":81,"1,89":82,"1,91":83,"1,92":84,"1,93":85,"1,94":86,"1,95":87,"1,96":88,"1,97":89,"1,98":90,"1,99":91,"1,100":92,"1,101":93,"1,102":94,"1,103":95,"1,104":96,"1,105":97,"1,106":98,"1,107":99,"1,108":100,"1,109":101,"1,110":102,"1,111":103,"1,112":104,"1,113":105,"1,114":106,"1,115":107,"1,116":108,"1,117":109,"1,118":110,"1,119":111,"1,120":112,"1,121":113,"1,122":114,"1,123":115,"1,124":116,"1,125":117,"1,126":118,"1,127":119,"1,128":120,"1,129":121,"1,130":122,"1,131":123,"1,132":124,"1,133":125,"1,134":126,"1,135":127,"1,136":128,"1,137":129,"1,138":130,"1,139":131,"1,140":132,"1,141":133,"1,142":134,"1,143":135,"1,144":136,"1,145":137,"1,146":138,"1,147":139,"1,148":140,"1,149":141,"1,150":142,"1,151":143,"1,152":144,"1,153":145,"1,154":146,"1,155":147,"1,156":148,"1,157":149,"1,158":150,"1,159":151,"1,160":152,"1,161":153,"1,162":154,"1,163":155,"1,164":156,"1,165":157,"1,166":158,"1,167":159,"1,168":160,"1,169":161,"1,170":162,"1,171":163,"1,172":164,"1,173":165,"1,174":166,"1,175":167,"1,176":168,"1,177":169,"1,178":170,"1,179":171,"1,180":172,"1,181":173,"1,182":174,"1,183":175,"1,184":176,"1,185":177,"1,186":178,"1,187":179,"1,188":180,"1,189":181,"1,190":182,"1,191":183,"1,192":184,"1,193":185,"1,194":186,"1,195":187,"1,196":188,"1,197":189,"1,198":190,"1,199":191,"1,200":192,"1,201":193,"1,202":194,"1,203":195,"1,204":196,"1,205":197,"1,206":198,"1,207":199,"1,208":200,"1,209":201,"1,210":202,"1,211":203,"1,212":204,"1,213":205,"1,214":206,"1,215":207,"1,216":208,"1,217":209,"1,218":210,"1,219":211,"1,220":212,"1,221":213,"1,222":214,"1,223":215,"1,224":216,"1,225":217,"1,226":218,"1,227":219,"1,228":220,"1,229":221,"1,230":222,"1,231":223,"1,232":224,"1,233":225,"1,234":226,"1,235":227,"1,236":228,"1,237":229,"1,238":230,"1,239":231,"1,240":232,"1,241":233,"1,242":234,"1,243":235,"1,244":236,"1,245":237,"1,246":238,"1,247":239,"1,248":240,"1,249":241,"1,250":242,"1,251":243,"1,252":244,"1,253":245,"1,254":246,"1,255":247,"1,256":248,"1,257":249,"1,258":250,"1,259":251,"1,260":252,"1,261":253,"1,262":254,"1,263":255,"1,264":256,"1,265":257,"1,266":258,"1,267":259,"1,268":260,"1,269":261,"1,270":262,"1,271":263,"1,272":264,"1,273":265,"1,274":266,"1,275":267,"1,276":268,"1,277":269,"1,278":270,"1,279":271,"1,280":272,"1,281":273,"1,282":274,"1,283":275,"1,284":276,"1,285":277,"1,286":278,"1,287":279,"1,288":280,"1,289":281,"1,290":282,"1,291":283,"1,292":284,"1,293":285,"1,294":286,"1,295":287,"1,296":288,"1,297":289,"1,298":290,"1,299":291,"1,300":292,"1,301":293,"1,302":294,"1,303":295,"1,304":296,"1,305":297,"1,306":298,"1,307":299,"1,308":300,"1,309":301,"1,310":302,"1,311":303,"1,312":304,"1,313":305,"1,314":306,"1,315":307,"1,316":308,"1,317":309,"1,318":310,"1,319":311,"1,320":312,"1,321":313,"1,322":314,"1,323":315,"1,324":316,"1,325":317,"1,326":318,"1,327":319,"1,328":320,"1,329":321,"1,330":322,"1,331":323,"1,332":324,"1,333":325,"1,334":326,"1,335":327,"1,336":328,"1,337":329,"1,338":330,"1,339":331,"1,340":332,"1,341":333,"1,342":334,"1,343":335,"1,344":336,"1,345":337,"1,346":338,"1,347":339,"1,348":340,"1,349":341,"1,350":342,"1,351":343,"1,352":344,"1,353":345,"1,354":346,"1,355":347,"1,356":348,"1,357":349,"1,358":350,"1,359":351,"1,360":352,"1,361":353,"1,362":354,"1,363":355,"1,364":356,"1,365":357,"1,366":358,"1,367":359,"1,368":360,"1,369":361,"1,370":362,"1,371":363,"1,372":364,"1,373":365,"1,374":366,"1,375":367,"1,376":368,"1,377":369,"1,378":370,"1,379":371,"1,381":372,"1,382":373,"1,383":374,"1,384":375,"1,385":376,"1,386":377,"1,387":378,"1,388":379,"1,389":380,"1,390":381,"1,391":382,"1,392":383,"1,393":384,"1,394":385,"1,395":386,"1,396":387,"1,397":388,"1,398":389,"1,399":390,"1,400":391,"1,401":392,"1,402":393,"1,403":394,"1,404":395,"1,405":396,"1,406":397,"1,407":398,"1,408":399,"1,409":400,"1,410":401,"1,411":402,"1,412":403,"1,413":404,"1,414":405,"1,415":406,"1,416":407,"1,417":408,"1,418":409,"1,419":410,"1,420":411,"1,421":412,"1,422":413,"1,423":414,"1,424":415,"1,425":416,"1,426":417,"1,427":418,"1,428":419,"1,429":420,"1,430":421,"1,431":422,"1,432":423,"1,433":424,"1,434":425,"1,435":426,"1,436":427,"1,437":428,"1,438":429,"1,439":430,"1,440":431,"1,441":432,"1,442":433,"1,443":434,"1,444":435,"1,445":436,"1,446":437,"1,447":438,"1,448":439,"1,449":440,"1,450":441,"1,451":442,"1,452":443,"1,453":444,"1,454":445,"1,455":446,"1,456":447,"1,457":448,"1,458":449,"1,459":450,"1,460":451,"1,461":452,"1,462":453,"1,463":454,"1,464":455,"1,465":456,"1,466":457,"1,467":458,"1,468":459,"1,469":460,"1,470":461,"1,471":462,"1,472":463,"1,473":464,"1,474":465,"1,475":466,"1,476":467,"1,477":468,"1,478":469,"1,479":470,"1,480":471,"1,481":472,"1,482":473,"1,483":474,"1,484":475,"1,485":476,"1,486":477,"1,487":478,"1,488":479,"1,489":480,"1,490":481,"1,491":482,"1,492":483,"1,493":484,"1,494":485,"1,495":486,"1,496":487,"1,497":488,"1,498":489,"1,499":490,"1,500":491,"1,501":492,"1,502":493,"1,503":494,"1,504":495,"1,505":496,"1,506":497,"1,507":498,"1,508":499,"1,509":500,"1,510":501,"1,511":502,"1,512":503,"1,513":504,"1,514":505,"1,515":506,"1,516":507,"1,517":508,"1,518":509,"1,519":510,"1,520":511,"1,521":512,"1,522":513,"1,523":514,"1,524":515,"1,525":516,"1,526":517,"1,527":518,"1,528":519,"1,529":520,"1,530":521,"1,531":522,"1,532":523,"1,533":524,"1,534":525,"1,535":526,"1,536":527,"1,537":528,"1,538":529,"1,539":530,"1,540":531,"1,541":532,"1,542":533,"1,543":534,"1,544":535,"1,545":536,"1,546":537,"1,547":538,"1,549":539,"1,551":540,"1,552":541,"1,553":542,"1,554":543,"1,555":544,"1,556":545,"1,557":546,"1,558":547,"1,559":548,"1,560":549,"1,561":550,"1,562":551,"1,563":552,"1,564":553,"1,565":554,"1,566":555,"1,567":556,"1,568":557,"1,569":558,"1,570":559,"1,571":560,"1,572":561,"1,573":562,"1,574":563,"1,575":564,"1,576":565,"1,577":566,"1,578":567,"1,579":568,"1,580":569,"1,581":570,"1,582":571,"1,583":572,"1,584":573,"1,585":574,"1,586":575,"1,587":576,"1,588":577,"1,589":578,"1,590":579,"1,591":580,"1,592":581,"1,593":582,"1,594":583,"1,595":584,"1,596":585,"1,597":586,"1,598":587,"1,599":588,"1,600":589,"1,601":590,"1,602":591,"1,603":592,"1,604":593,"1,605":594,"1,606":595,"1,607":596,"1,608":597,"1,609":598,"1,610":599,"1,611":600,"1,612":601,"1,613":602,"1,614":603,"1,615":604,"1,616":605,"1,617":606,"1,618":607,"1,619":608,"1,620":609,"1,621":610,"1,622":611,"1,623":612,"1,624":613,"1,625":614,"1,626":615,"1,627":616,"1,628":617,"1,629":618,"1,630":619,"1,631":620,"1,632":621,"1,633":622,"1,634":623,"1,635":624,"1,636":625,"1,637":626,"1,638":627,"1,639":628,"1,640":629,"1,641":630,"1,642":631,"1,643":632,"1,644":633,"1,645":634,"1,646":635,"1,647":636,"1,648":637,"1,649":638,"1,651":639,"1,652":640,"1,653":641,"1,654":642,"1,655":643},"ٜ":{"1":[2,655]},"ٝ":["1,2","1,5","1,7","1,8","1,9","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,549","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,624","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,630","1,631","1,632","1,633","1,634","1,635","1,636","1,637","1,638","1,639","1,640","1,641","1,642","1,643","1,644","1,645","1,646","1,647","1,648","1,649","1,651","1,652","1,653","1,654","1,655"],"ٞ":{"6":[1],"8":[2],"9":[3,4],"10":[5,6],"11":[7,8,9],"12":[10,11],"13":[12],"15":[13],"22":[14,15,16,17],"26":[18],"28":[19],"31":[20,21],"35":[22],"36":[23,24],"40":[25],"41":[26],"43":[27,28,29],"44":[30],"46":[31,32],"47":[33],"48":[34],"49":[35,36],"50":[37,38],"52":[39],"54":[40,41],"55":[42],"56":[43,44],"59":[45],"60":[46],"61":[47,48],"63":[49,50],"64":[51,52],"65":[53],"66":[54,55,56],"67":[57,58,59,60],"68":[61],"72":[62,63],"75":[64],"83":[65,66,67,68,69],"86":[70,71,72],"89":[73],"90":[74,75,76],"92":[77],"93":[78,79],"97":[80],"99":[81],"100":[82],"101":[83,84],"102":[85],"104":[86,87],"105":[88,89],"108":[90],"111":[91,92],"113":[93,94],"115":[95],"116":[96],"121":[97],"122":[98,99],"123":[100],"124":[101],"125":[102],"128":[103,104,105,106],"129":[107],"130":[108],"131":[109],"133":[110,111,112,113],"136":[114],"137":[115],"141":[116],"146":[117],"147":[118],"148":[119,120],"154":[121,122,123],"156":[124],"158":[125],"159":[126],"160":[127],"161":[128],"163":[129],"165":[130],"168":[131],"169":[132],"170":[133],"171":[134],"176":[135,136],"177":[137,138,139],"178":[140],"179":[141],"180":[142,143],"181":[144],"182":[145],"186":[146,147,148],"188":[149],"192":[150,151,152],"194":[153],"195":[154],"197":[155],"198":[156],"199":[157],"200":[158,159,160],"205":[161],"206":[162,163],"207":[164],"208":[165,166],"210":[167,168],"216":[169],"217":[170],"225":[171],"226":[172,173],"230":[174],"235":[175],"237":[176],"240":[177],"241":[178],"244":[179],"248":[180,181],"251":[182,183],"254":[184],"256":[185],"259":[186],"264":[187,188],"265":[189,190],"266":[191],"267":[192],"268":[193],"269":[194],"270":[195,196],"271":[197,198],"272":[199,200],"273":[201],"274":[202],"276":[203,204,205],"277":[206],"283":[207],"284":[208],"286":[209],"287":[210],"289":[211],"291":[212],"293":[213],"295":[214,215],"296":[216],"300":[217],"301":[218,219,220],"306":[221],"307":[222],"309":[223],"311":[224],"312":[225],"323":[226],"326":[227],"327":[228],"333":[229],"343":[230,231,232],"344":[233,234],"346":[235,236,237],"347":[238],"348":[239,240],"349":[241],"351":[242],"352":[243,244],"353":[245],"358":[246],"361":[247],"363":[248,249],"367":[250,251],"368":[252],"372":[253,254,255,256],"374":[257,258,259],"375":[260],"377":[261],"378":[262],"381":[263],"386":[264],"387":[265],"388":[266],"389":[267],"391":[268],"394":[269],"400":[270],"405":[271,272,273],"406":[274],"407":[275],"411":[276],"415":[277],"417":[278],"419":[279],"421":[280],"424":[281,282],"425":[283],"427":[284,285],"429":[286],"430":[287],"431":[288],"432":[289],"433":[290],"434":[291],"435":[292],"436":[293],"437":[294,295],"439":[296],"440":[297],"442":[298],"444":[299],"447":[300],"457":[301],"461":[302],"463":[303],"464":[304,305],"465":[306],"467":[307,308],"469":[309],"473":[310],"476":[311],"477":[312],"481":[313],"482":[314],"485":[315],"489":[316],"490":[317],"492":[318],"495":[319,320,321],"496":[322],"497":[323],"498":[324,325],"500":[326],"506":[327],"509":[328],"511":[329],"513":[330],"518":[331],"519":[332],"521":[333],"524":[334,335],"530":[336,337],"533":[338],"540":[339,340,341,342],"541":[343],"542":[344],"543":[345],"546":[346,347,348],"548":[349],"550":[350,351],"551":[352,353,354],"554":[355],"555":[356],"559":[357],"560":[358],"562":[359,360,361],"564":[362,363],"565":[364],"567":[365],"570":[366],"571":[367,368],"579":[369,370,371],"585":[372],"588":[373,374,375],"589":[376],"590":[377],"591":[378],"594":[379],"596":[380,381],"597":[382],"599":[383],"602":[384],"603":[385],"604":[386,387],"609":[388],"611":[389],"615":[390,391],"620":[392],"623":[393,394],"625":[395],"630":[396],"632":[397],"639":[398,399],"642":[400]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\">أصل هذا الكتاب </span>\n\nأطروحة علمية تقدم بها المؤلف إلى جامعة أم درمان الإسلامية في السودان، كلية الدراسات العليا، كلية أصول الدين، قسم السنة وعلوم الحديث\n• بإشراف أ. د. عوض الكريم حسين عبد الله ميرف\n• وقام بمناقشتها أ. د. البشير علي حمد الترابي، وأ. د. محمد موسى حمًاد\n• وقد حاز بها درجة الدكتوراه، وذلك في ١٤٣٨ هـ - ٢٠١٧ م","vol":"1","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\">الاستهلال </span>\n﷽\n﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١].\nوعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الجَنَّةِ» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي، كتاب: أبواب العلم، بَابُ: فَضْلِ طَلَبِ العِلْمِ، رقم (٢٦٤٦).","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\">إهداء </span>\n\n• إلى من رباني، وأحسن إليّ، وشجعني على طلب العلم، والذي أسأل الله أن ينزل عليه شآبيب رحمته، إنه سميع مُجيب.\nوالدي رحمه الله تعالى\n\n• إلى نبع الحنان، الصابرة المحتسبة، والتي تدعو الله لي في الليل\nوالنهار، والتي أسأل الله أن يمدها، بطول العُمر، مع دوام الصحة والعافية.\nأمي حفظها الله ورعاها\n\n• إلى شريكة حياتي في السراء، والضراء، ومن كانت لي نِعم المُعين على الجد والمثابرة، في التحصيل، وإكمال طريق العلم.\nزوجتي الغالية أم تقي\n\n• إلى عقد اللؤلؤ، والمرجان، ومصنع الرجولة، والشهامة، والإحسان، والذين أسأل الله أن يحفظهم، ويمد في أعمارهم.\nإخوتي وأخواتي الأعزاء","vol":"1","page":7},{"text":"• إلى قرة عيني، وفلذة كبدي، وبهجةِ نفسي ومحطّ آمالي، وزينة الحياة الدنيا، ورضا الله في الإحسان إليهم وتربيتهم.\nأولادي مهجة فؤادي","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\">شكر وعرفان </span>\nقال رسول الله ﷺ: «من لم يشكر الناس لم يشكر الله» (^١).\nأتوجه بالشكر الجزيل، وجميل العرفان إلى:\n\n• الأستاذ الفاضل الدكتور المشرف على أُطروحتي: عوض الكريم حسين عبدالله ميرف حفظه الله تعالى، ونفع به على ما أفادني وأرشدني من ملاحظاته وتعليقاته النافعة.\n\n• الأستاذ الدكتور البشير علي حمد الترابي، مناقشًا خارجيًا، والأستاذ الدكتور محمد موسى حمًاد مناقشًا داخليًا.\n\n• إلى جامعة أم درمان الإسلامية، وأساتذتها، والمشرفين وكل العاملين فيها على ما يقومون به من جهد مشكور.\n\n• وإلى كل من أرشدني وساعدني وأفدت منه، جزاهم الله خيرًا.\n\nأحمد\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي، كتاب: أبواب البر والصلة، باب: ما جاء في الشكر لمن أحسن إليك، رقم (١٩٥٥).","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1>المقدمة</span>\nالحمد لله على توفيقه وإحسانه، وفضله وجوده وإكرامه، والشكر على جميل نعمه وامتنانه، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد عبده ورسوله، المبلغ عن ربه تنزيله وآياته، وعلى آله وأصحابه، الذين ساروا على سنته وهديه وآثاره، وعلى من سار على نهجهم، واقتفى أثرهم وعمل بما عَلِم، وبيّن للناس العلم وأسراره.\nأما بعد:\nفإنّ مما تميزت به هذه الأمة وتفردت به عن سائر الأمم أنها كانت من أهل علم الحديث والسند، وقد تصدى لهذا العلم أفذاذ من صحابة النبي ﷺ، ثم نما هذا العلم وتطور واتسع وتكامل، حتى استقرت مصطلحاته، وكان الغاية منه الحفاظ على سنة رسول الله ﷺ من التحريف والتبديل، والدخيل …\nوقد مرّ تدوين الحديث الشريف في مراحل عدة فكانت الأولى هي مرحلة الحفظ في الصدور، وهي تمتد من عهد النبي ﷺ وعهد الخلفاء الراشدين ومطلع الخلافة الأموية، والمرحلة الثانية هي مرحلة التدوين التي بدأت في القرن الثاني الهجري، ومُزج في هذه المصنفات حديث النبي ﷺ، وفتاوى الصحابة والتابعين، وصُنّف فيها موطأ الإمام مالك وغيره.","vol":"1","page":11},{"text":"وفي المرحلة الثالثة كانت مرحلة تجريد الحديث النبوي عن غيره من أقوال الصحابة والتابعين، وكانت هذه الفترة ترجع إلى أثناء القرن الثالث والرابع الهجريين، وفيها كثر تدوين الحديث على طريقة المسانيد، كمسند الإمام أحمد، وظهرت في هذه المرحلة الأصول الستة التي عليها التعويل عند أهل السنة والجماعة، وهي: صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن أبي داود، وجامع الترمذي، وسنن النسائي، وسنن ابن ماجه، ولم ينتهِ القرن الرابع حتى كاد الحديث النبوي تستوعب أسانيده ومصنفاته إلا ما شذ وندر، ثم جاءت مرحلة التهذيب والترتيب التي تهتم بالتبويب والجمع والتفريق بين المصنفات، أو الاختصار (^١).\nهذا وقد لقيت هذه المصنفات عناية كبيرة في الشرح والاختصار بعد القرن الرابع، فكثرت شروح الصحاح والسنن والمسانيد، وكان من أعظم ما عُني به حفظًا وشرحًا واختصارًا، صحيح الإمام البخاري، (ت ٢٥٦ هـ)، الذي هو أصح كتاب بعد كتاب الله ﷿ (^٢)، فلا نجد مُصنفًا تناوله العلماء بالشرح والبيان،\n_________\n(^١) ينظر: الإيضاح في علوم الحديث والاصطلاح، أ. د مصطفى الخن، ود. بديع السيد اللحام، ص ١١ - ١٥.\n(^٢) قال إمام الحرمين الجويني (ت ٤٧٨ هـ): لو حلف إنسان بطلاق امرأته أن ما في كتابي البخاري ومسلم مما حكما بصحته من قول النبي ﷺ لما ألزمته الطلاق، ولاحنثته، لإجماع علماء المسلمين على صحتهما، (صيانة صحيح مسلم، ابن الصلاح، ص ٨٦، ونقل ابن الصلاح كذلك كلامًا مشابهًا لقول الجويني للحافظ أبي نصر الوايلي السجزي (ت ٤٤٤ هـ) في معرفة أنواع علم الحديث، ص ٢٦.\nوقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: «اتفق العلماء ﵏ على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان البخاري ومسلم وتلقتهما الامة بالقبول»، ينظر: شرح مسلم، ١/ ١٤.","vol":"1","page":12},{"text":"كصحيح الإمام البخاري، فقد، بلغت شروحه شروحًا كثيرة (^١)!\nمنها: شرح الإمام، أبي سليمان: حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب البستي، الخطابي، (ت ٣٣٨ هـ)، وشرح الإمام أبي الحسن: علي بن خلف، الشهير: بابن بطال المغربي، المالكي، (ت ٤٤٩ هـ)، ومن أعظم هذه الشروح كذلك وأشهرها، فتح الباري شرح صحيح البخاري، للإمام ابن حجر العسقلاني، (ت ٨٥٢ هـ) وغيرها من الشروح (^٢).\nومن جميل الشروح عظيمة النفع شرح العلاّمة المحدث، شمس الدين: محمد بن يوسف بن علي الكرماني (ت ٧٨٦ هـ) واسم كتابه الكواكب الدراري شرح صحيح البخاري، وهو شرح مختصر بين الطول والقِصَر، في اثني عشر مجلدًا شرحه في عشرين عامًا تقريبًا، وهو موضوع البحث، وإكرام من الله أن قمت بدراسة عن هذا الشرح النفيس.\n\n<span data-type='title' id=toc-2>أولًا أهمية موضوع البحث:</span>\nتظهر أهمية البحث من خلال ما يأتي:\n١ - أن الكتاب شرح لأصح كتاب بعد كتاب الله ﷿، وجمع فيه مؤلفه\n_________\n(^١) أحصاها الأستاذ عصام عرار الحسيني في كتابه (إتحاف القاري بمعرفة جهود وأعمال العلماء على صحيح البخاري) فبلغ عددهم ثلاثمئة وسبعون! ينظر ص ٤٨.\n(^٢) ينظر: كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، حاجي خليفة، ١/ ٥٤١، فقد ذكر بعض أسماء من شرحوا صحيح البخاري.","vol":"1","page":13},{"text":"عصارة من علمه؛ ففيه من التحقيقات والفوائد العلمية الشيء الكثير.\n٢ - أهمية هذا الشرح، وخصوصًا بالنسبة لمن شرح البخاري بعد الكرماني، فقد نقلوا عنه، وأخذوا منه، واعتمدوا كلامه، واتبعوا طريقته في الشرح.\n٣ - سعة اطلاع الكرماني وعلمه، وتوثيق ما نقله عن الأئمة، مما يُطلع الباحث على هذه المراجع والمصادر المهمة، ويجد فيها حاجته.\n٤ - بالإضافة إلى اهتمام الكرماني بعلم مصطلح الحديث، رواية ودراية.\n\n<span data-type='title' id=toc-3>ثانيًا أسباب اختيار موضوع البحث:</span>\nتتلخص أسباب اختيار موضوع البحث بما يأتي:\n١ - بيان منهج الكرماني في شرحه للبخاري، والاطلاع على أسلوبه، والاستفادة من منهجه في طريقته لعرض الحديث وكيفية توظيف الدليل في مكانه المناسب، وعرضه للمسائل الحديثية، والفقهية والأصولية … مما يُكوّن لديّ ملكة وخبرة في مجال البحث عامة، وفي مجال الاختصاص خاصة.\n٢ - الرغبة في إظهار أهمية الكتاب، وأنه لا يُستغنى عنه، بالإضافة إلى أهمية سيرة مؤلفه وعصره الذي عاش فيه وما فيه من اضطرابات إلا أنها لم تُثنيه عن مراده بالتأليف، وتعليم العلم، مما يبعث إلى النفوس الهمم والجد والمثابرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-4>ثالثًا الدراسات السابقة، وما كُتب عن الموضوع:</span>\nاطلعت في محرك البحث «Google» (جوجل) عن دراسات سابقة فوجدت عنوانًا باسم: منهج الكرماني في شرح صحيح البخاري: دراسة مقارنة بشرحي العيني وابن حجر، للباحث: سيد، محمد التوني عبد السلام، وهي","vol":"1","page":14},{"text":"أُطروحة دكتوراه تقدم فيها الباحث: لجامعة القاهرة، كلية دار العلوم، قسم الشريعة الإسلامية، إلا أني لم أحصل على نسخة منها، والظاهر أن الكتاب لم يُطبع إلى الآن.\nكما وجدت عنوانًا مشابها في محرك البحث باسم: منهج الكرماني في كتاب الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري للباحث: أحمد منجي حسين أحمد، وهي أُطروحة دكتوراه مقدمة لجامعة أم القرى كلية الدعوة وأصول الدين، غير أني لم أجد هذا البحث، ولم أطلع على مضمونه. وعلى كل حال «لكل وجهة هو موليها».\n\n<span data-type='title' id=toc-5>رابعًا مشكلة البحث:</span>\nفي ثنايا هذا البحث نجد ميزة كتاب الكواكب الدراري على غيره من الكتب، وهل بيّن الكرماني جوانب الاستدراك على الذين سبقوه بشرح البخاري؟ كما ذكر هو في مقدمة شرحه، وهل التزم بما ذكره في مقدمة شرحه؟ وهل تأثر فيه من بعده من شرّاح الحديث؟\n\n<span data-type='title' id=toc-6>خامسًا المنهج المتبع في البحث:</span>\nاتبعت في هذا البحث عدة مناهج منها الاستقرائي التتبعي، فتتبعت\nما يتعلق بالموضوع من كتب التراجم، وشروح الحديث التي تقوّي البحث، ووظفتها في مكانها المناسب.\nكما اعتمدت على المنهج الوصفي، في وصف الكواكب الدراري، وبينت ما فيه من مزايا.\nولا يخلو البحث من المنهج التحليلي، الذي ناقشت فيه الآارء وحللت فيه","vol":"1","page":15},{"text":"المسائل، لأصل فيه إلى الصواب.\n\n<span data-type='title' id=toc-7>سادسًا عملي في البحث:</span>\n<span data-type='title' id=toc-8>١ - فيما يتعلق بالتخريج والعزو:</span>\nعزوت الآية القرآنية في الحاشية، مع ذكر اسم السورة ورقم الآية.\nخرجت الأحاديث النبوية الشريفة تخريجًا كاملا، فذكرت اسم المصدر وعنوان الكتاب والباب، ورقم الحديث.\nاكتفيت بتخريج الحديث من الصحيحين، أو أحدهما، ولا انتقل إلى غيرهما إلا للحاجة، فإن لم أجد الحديث في الصحيحين خرجته من كتب السنن، ثم المسانيد والمعاجم.\nعزوت الأقوال، والآثار إلى أصحابها، وأحلت إلى مصادرها المصنفة في الحاشية.\n\n<span data-type='title' id=toc-9>٢ - فيما يتعلق بمنهج الكتابة:</span>\nبينت المُشكل من الكلام، وضبته بالحركات الصحيحة، سواء كانت علَمًا أوبلدًا أو اسمًا مبهمًا، وابتعدت عن الأسلوب الأدبي والإنشائي، والتكلف في الكلام، إذأن هذه الأساليب لا تكون في البحوث العلمية.\nكما أبرزت من الخط؛ لتسهيل المراجعة والقراءة، واعتمدت خطًا في المتن أكبر منه في الحاشية.\nكما قمت بالاهتمام بعلامات الترقيم المناسبة، كالفاصلة والنقط، وإشارتي التعجب والاستفهام.\nاعتمدت في كتابة الحديث الشريف على النسخة المعتمدة في شرح","vol":"1","page":16},{"text":"الكرماني، وهي نسخة لا تعتمد الإملاء المتبع في بعض الكلمات، كالزهري، والنبي … تُكتب الياء من دون نُقط.\nاكتفيت في خطة البحث بالباب وتحته الفصل، وبعده المبحث، من دون المطلب، وذلك لطبيعة البحث، ولكثرة تفرع النقاط عن المبحث، وإنما رتبتها تحت المبحث في نقاط مرقمة، أو مفقطة أي (-) هكذا.\n\n<span data-type='title' id=toc-10>٣ - فيما يتعلق بالتعريفات والتراجم بأنواعها:</span>\nترجمت لأغلب الأعلام المغمورة، دون المشهورة، واكتفيت باسم العلم ونسبه وكنيته، ووفاته، وبعض شيوخه، وما قيل فيه في بعض الأحيان، وكتابٍ أو كتابين من مؤلفاته، ولم أُترجم لرجال سند الحديث وذلك لكثرتهم، وهناك كتب متخصصة في تراجمهم.\nعرّفت بالأماكن المغمورة دون المشهورة من كتب المعاجم والبلدان والتاريخ.\nعرّفت بالجماعات، ورجعت في ذلك لكتب الفِرَق، وكتب التعريفات.\n\n<span data-type='title' id=toc-11>٤ - فيما يتعلق بالنقل عن المصادر والمراجع:</span>\nعندما أنقل عن مرجع بالنص والحرف أضعه بين قوسين متتاليين «…»، وأحيله إلى مصدره في الحاشية.\nوعندما أنقل عن مرجع بالمعنى أضعه بين قوسين هكذا (…)، وأقول في الحاشية يُنظر كذا وكذا.\nإن تصرفت في الكلام أقول في الحاشية، من كتاب كذا يتصرف، أو ببعض التصرف.","vol":"1","page":17},{"text":"في الحاشية أذكر الصفحة والجزء إن كان للكتاب أكثر من جزء، وإن كان الكتاب مجلدًا واحدًا أكتفي بذكر الصفحة.\nعندما أقول في الحاشية (السابق) أعني به المصدر والمرجع السابق.\n\n<span data-type='title' id=toc-12>٥ - فيما يتعلق بالفهارس:</span>\nوضعت في آخر البحث فهرسًا للآيات القرآنية، ورتبتها على حسب ورودها في المصحف الشريف، مع ذكر اسم السورة ورقم الآية، ورقم الصفحة في البحث.\nوفهرس الأحاديث الشريفة والآثار: على حسب ترتيبها الهجائي، وذلك باعتبار أول كلمة من الحديث مع ذكر الصفحة في البحث.\nفهرس الأبيات الشعرية: رتبتها على حسب القافية مع ذكر الصفحة.\nفهرس الجماعات والأماكن: رتبتها هجائيًا مع ذكر الصفحة.\nفهرس الأعلام: رتبتها هجائيًا، دون النظر إلى «ابن»، «أبو»، «أم»، مع إهمال أل التعريف.\nفهرس المصادر والمراجع: رتبتها على حروف المعجم؛ وذلك مبتدئًا باسم الكتاب أولًا، ثم المؤلف، ثم المحقق إن وُجد، والدار الطابعة، هكذا: ط/ ١، ومكان الطبع وتاريخه إن وُجد.\nفهرس المحتويات (الموضوعات): أذكر أسماء العناوين في البحث مع ذكر أرقام الصفحات.\nوقد قسمت هذا البحث إلى أربعة أبواب:\nالباب الأول: التعريف بالإمام الكرماني، وكتابه الكواكب الدراري.","vol":"1","page":18},{"text":"الباب الثاني: الصناعة الحديثية عند الكرماني وطرائقه المتعلقة بالأسانيد، والتخريج وعلوم الرواة.\nالباب الثالث: منهج الكرماني في تراجم أبواب البخاري، ودراسة متونه.\nالباب الرابع: منهج الكرماني وطريقته في علوم مصطلح الحديث وعلله.\nهذا ويحتوي الباب على فصول ومباحث ونقاط فرعية.","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type='title' id=toc-13>خطة البحث</span>\nوتشمل على أربعة أبواب وخاتمة.\n* الباب الأول: التعريف بالإمام الكرماني، وكتابه الكواكب الدراري وفيه:\nالفصل الأول: التعريف بالإمام الكرماني وفيه:\nالمبحث الأول: عصر الإمام الكرماني.\n١ - الحياة السياسية.\n٢ - الحياة الاجتماعية.\n٣ - الحياة العلمية.\nالمبحث الثاني: سيرة الكرماني الذاتية والعلمية وتشمل:\nأولًا: اسمه ونسبه، ولقبه، وولادته، ونشأته ومكانته العلمية.\nثانيًا: أخلاقه وصفاته.\nثالثًا: عقيدته ومذهبه.\nرابعًا: شيوخه وتلامذته.\nخامسًا: مؤلفاته.","vol":"1","page":21},{"text":"سادسًا: وفاته.\nالفصل الثاني: التعريف بكتاب الكواكب الدراري شرح صحيح البخاري وفيه.\nالمبحث الأول: التحقق من اسم الكتاب، وصحة نسبته للمؤلف.\nالمبحث الثاني: تاريخ التأليف وأسبابه ومكانه.\nالمبحث الثالث: مصادر الكرماني وموارده.\nالمبحث الرابع: أهمية كتاب الكواكب الدراري.\nالمبحث الخامس: المنهج العام للكرماني في كتاب الكواكب الدراري.\nالمبحث السادس: بعض المآخذ على الكرماني، ويشمل:\n١ - اعتراض ابن حجر في فتح الباري.\n٢ - اعتراض البرماوي في اللامع الصبيح.\n* الباب الثاني: الصناعة الحديثية عند الكرماني وطرائقه المتعلقة بالأسانيد، والتخريج وعلوم الرواة. وفيه ثلاثة فصول ويحتوي كل فصل على مباحث:\nالفصل الأول: منهج الكرماني وصناعته الحديثية المتعلقة بالأسانيد وفيه:\nالمبحث الأول: تعريف المنهج والصناعة الحديثية.\nالمبحث الثاني: منهج الكرماني في دراسة أسانيد صحيح البخاري.\nالمبحث الثالث: تنبيه مهم من البخاري على صيغ الأداء والتحمل وتعليق الكرماني عليها.\nالمبحث الرابع: شرح سلسلة السند وما فيها من إشكال.","vol":"1","page":22},{"text":"المبحث الخامس: تقوية الخبر بقول أشهد.\nالمبحث السادس: بيان ما أوهم وأشكل في السند.\nالمبحث السابع: بيان أصح الأسانيد ورأي البخاري.\nالفصل الثاني: منهج الكرماني في تخريج الأحاديث وبيان الفوائد من ذلك، وفيه:\nالمبحث الأول: التخريج تعريفه وفوائده.\nالمبحث الثاني: عدد أحاديث صحيح البخاري.\nالمبحث الثالث: تخريج أحاديث صحيح البخاري.\nالمبحث الرابع: تخريج أحاديث الشرح من كتب الرواية المتنوعة.\nالمبحث الخامس: صنعته بالمعلقات.\nالمبحث السادس: الإجابة على الأحاديث المنتقدة على البخاري.\nالمبحث السابع: بيان اللطائف الإسنادية.\nالفصل الثالث: منهج الكرماني وصناعته الحديثية في علوم الرواة، وفيه:\nالمبحث الأول: ذكر ما يتعلق باسم الراوي.\nالمبحث الثاني: ذكر ما يتعلق بلقب الراوي وكنيته ونسبه.\nالمبحث الثالث: ذكر ما يتعلق بشيوخ الراوي وتلامذته، ومكانته ووفاته.\nالمبحث الرابع: ذكر ما يتعلق بالاشتباه والالتباس في أسماء الرواة وأنسابهم.\nالمبحث الخامس: الجرح والتعديل.\nالمبحث السادس: رواة صحيح البخاري وأقول العلماء فيهم.","vol":"1","page":23},{"text":"* الباب الثالث: منهج الكرماني في تراجم أبواب البخاري، ودراسة متونه، وفيه فصلان، وكل فصل يحتوي على مباحث.\nالفصل الأول: منهج الكرماني في تراجم الأبواب وفيه:\nالمبحث الأول: تمهيد.\nالمبحث الثاني: بيان مناسبات تراجم البخاري بأنواعها.\nالمبحث الثالث: الإجابة عن المناسبات الخفية، (الاستنباطية).\nالفصل الثاني: منهج الكرماني فيما يتعلق بمتون الصحيح وفيه:\nالمبحث الأول: بيان غريب الحديث.\nالمبحث الثاني: العناية بمسائل اللغة العربية.\nالمبحث الثالث: منهج الكرماني في تناول الأحكام الفقهية.\nالمبحث الرابع: الاهتمام بالقواعد الأصولية.\nالمبحث الخامس: بيان مختلف الحديث ومشكله.\n* الباب الرابع: منهج الكرماني وطريقته في علوم مصطلح الحديث وعلله وفيه فصلان وفي كل فصل مباحث:\nالفصل الأول: جهوده المتعلقة بعلم مصطلح الحديث، وفيه:\nالمبحث الأول: معنى الحديث والخبر والأثر والحديث القدسي عند الكرماني.\nالمبحث الثاني: الحديث المرفوع والموقوف والمقطوع.\nالمبحث الثالث: الحديث المنقطع والمرسل والمدلس.\nالمبحث الرابع: الحديث الغريب والفرد.","vol":"1","page":24},{"text":"المبحث الخامس: الحديث المعنعن والمؤنن.\nالمبحث السادس: الحديث المسلسل.\nالمبحث السابع: زيادة الثقة.\nالمبحث الثامن: بيان الإسناد العالي والنازل.\nالمبحث التاسع: مسائل متفرقة في المصطلح.\nالفصل الثاني: جهود الكرماني في العلوم المتعلقة بعلم العلل.\nالمبحث الأول: تعريف العلة لغة واصطلاحًا، وأهمية معرفة علم العلل.\nالمبحث الثاني: الإعلال بالاضطراب.\nالمبحث الثالث: العلل الناتجة بسبب وهم الراوي.\nالمبحث الرابع: الإعلال بالإدراج.\nالمبحث الخامس: رواية الحديث بالمعنى.\nالمبحث السادس: اختصار الحديث وتقطيعه.\nالمبحث السابع: شك الراوي في الحديث.\nالمبحث الثامن: مخالفة الراوي لماروى.\nالمبحث التاسع: التنبيه على مزيد من متصل الأسانيد.\n* الخاتمة:\nأولًا النتائج.\nثانيًا والتوصيات.\nوأسأل الله العلي العظيم أن يجعل عملي خالصًا لوجهه، وأن ينفعني به في","vol":"1","page":25},{"text":"الدنيا والآخرة، إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه.\n* * *","vol":"1","page":26},{"text":"الباب الأول\nالتعريف بالإمام الكرماني، وكتابه الكواكب الدراري\n* الفصل الأول: التعريف بالإمام الكرماني.\n* الفصل الثاني: التعريف بكتاب الكواكب الدراري شرح صحيح البخاري.","vol":"1","page":27},{"text":"<span data-type='title' id=toc-14>الباب الأول\nالتعريف بالإمام الكرماني، وكتابه الكواكب الدراري</span>\n<span data-type='title' id=toc-15>الفصل الأول\nالتعريف بالإمام الكرماني</span>\n<span data-type='title' id=toc-16>المبحث الأول\nعصر الإمام الكرماني</span>\nعاش الإمام الكرماني في الفترة الممتدة بين تاريخ ولادته سنة: (٧١٨ هـ)، وتوفي سنة (٧٨٦ هـ)، وهو المقصود من عصر المؤلف الذي عاش فيه، وما حوى ذلك العصر من أحداث مختلفة ومتنوعة، والإنسان يتأثر في بيئته ويؤثر بها، فلذلك تناولت عصر المؤلف من النواحي الآتية:\n\n<span data-type='title' id=toc-17>أولًا الحياة السياسية:</span>\nتشير مصادر التاريخ أن الفترة الزمنية التي عاش بها الإمام الكرماني، مليئة بالاضطرابات السياسية، وتشهد مزيدًا من التفكك والانقسام، داخل البلاد الإسلامية، وقد نشأ على إثر ذلك إمارات لم تكن من قبل، مما أدى إلى وقوع خلافات بينها أدت إلى حروب بينها، وبين الأمم المجاورة لها (^١).\n_________\n(^١) السلطان سيف الدين قطز ومعركة عين جالوت، علي الصّلاّبي، ص ٨٤.","vol":"1","page":29},{"text":"وقد سبقت حياة الكرماني هذه الاضطرابات واستمرت، وامتدت حتى عصره، فمن أهم الاحداث التي سبق عصر الكرماني:\n١ - الحملات الصليبة المتعددة على المسلمين والتي كان الهدف الأساسي منها تخليص الأرض المقدسة من أيدي المسلمين، وأسباب أخرى اقتصادية وأهمها السيطرة على البلاد الإسلامية، وتنظيمها على وفق تعاليم الكتاب المقدس (^١).\n٢ - سقوط دولة الخلافة العباسية، بعد هجوم المغول على عاصمة الخلافة بغداد وأدى إلى سقوطها، سنة (٦٥٦ هـ) واجتياح كثير من البلدان الإسلامية (^٢).\n٣ - كما أن الخلافات المذهبية قد انتشرت آنذاك، وقامت حملات دفاع عن الأمة الإسلامية ضد الصليبيين بفضل المخلصين من أبنائها الأيوبيين بقيادة صلاح الدين الأيوبي (^٣) رحمه الله تعالى، الذي أوقع فيهم هزيمة نكراء، في معركة حطين، سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة (٥٨٣ هـ) (^٤)، كما كان الدور الكبير للماليك\n_________\n(^١) ينظر الحملة الصليبية على العالم الإسلامي والعالم (الجذور الممارسة سبل المواجهة)، يوسف العاصي إبراهيم الطويل، ١/ ٣٢٣.\n(^٢) المغول التتار بين الانتشار والانكسار، علي محمد الصَّلاَّبي، ص ٢١٢ - ٢١٣.\n(^٣) يوسف بن أيوب بن شاذي، أبو المظفر، صلاح الدين الأيوبي، الملقب بالملك الناصر، رجل سياسة وحربعُرف بالتواضع مع الناس، وبطل حطين وفاتح القدس سنة: سنة ٥٨٣ هـ، اطلع على جانب حسن من الحديث والفقه والأدب، (ت ٥٨٩ هـ)، الأعلام، الزركلي، ٨/ ٢٢٠.\n(^٤) ينظر: صلاح الدين الأيوبي وجهوده في القضاء على الدولة الفاطمية وتحرير بيت المقدس، علي محمد الصّلاّبي، ص ٥٢٩.","vol":"1","page":30},{"text":"الذين امتد عصرهم من سنة ست وخمسين وست مئة (٦٥٦ هـ) إلى سنة ثلاث وعشرين وتسع مئة (٩٢٣ هـ)، كان لهم الدور في الدفاع عن أرض الإسلام في معركة عين جالوت سنة (٦٥٨ هـ) ضد التتار بقيادة المظفر (^١) قطز (^٢).\nوبقيت العراق وبلاد فارس تحت حكم المغول واستطاع هولاكو أن يُقيم له ولذريته دولة اتخذ من إيران عاصمة لها، عُرفت بدولة (الإيلخانيين) (^٣)، واستمرت من منتصف القرن السابع الهجري إلى منتصف القرن التاسع الهجري (سنة ٧٤٤ هـ) حتى توفي آخر ملوك هذه الدولة، واضطربت الدولة من بعده حتى استولى عليها محمد بن المظفر ولكنه لم يُفلح في إقامة قواعد دولته، وذلك بسبب أنه قسّم البلاد بين ابنيه المتنافسين على الحكم فجعل أحدهما ملك أصبهان، والآخر ملك شيراز وكرمان، فبقيت الخلافات بينهم مستمرة؛ فأدت إلى نشوب الحرب بينهما، حتى استولى تيمورلنك على البلاد سنة (٧٨٨ هـ) (^٤).\nولم يكن حال الشام ومصر وهي بلاد نزل بها الكرماني أفضل حالًا من\n_________\n(^١) قطز بن عبدالله المعزي، سيف الدين: ثالث ملوك الترك المماليك بمصر والشام، أعظم من قاتل التتار ودحرهم في معركة عين جالوت، سنة: ٦٥٨ هـ، مات مغدورًا سنة: (٦٥٨ هـ). الأعلام للزركلي، ٥/ ٢٠١.\n(^٢) ينظر: البداية والنهاية، ابن كثير الدمشقي، ١٣/ ٢٢١، ٥٢٨ والسلطان سيف الدين قطز ومعركة عين جالوت، عَلي محمد محمد الصَّلاَّبي، ص ١٠٥.\n(^٣) ينظر: المغول التتار بين الانتشار والانكسار، عَلي محمد محمد الصَّلاَّبي، ص ٢٥١.\n(^٤) ينظر تاريخ ابن خلدون، ٥/ ٦٢٩.","vol":"1","page":31},{"text":"العراق وبلاد فارس، فقد كان للمماليك الذين جاء بهم الملك الصالح نجم الدين أيوب دور في الدفاع عن ملكه، وعندما دبّ الخلاف في خلافة بني أيوب، وأساء «توران شاه» للمماليك، فقاموا بقتله، فصار لهم كلمة مسموعة في مصر فملّكوا عليهم من بعده زوجة أبيه «شجرة الدر (^١)» (^٢).\n«فكان الخطباء يقولون بعد الدعاء للخليفة: واحفظ اللهم الجهة الصالحة ملكة المسلمين، عصمة الدنيا والدين، أم خليل المستعصمية، صاحبة السلطان الملك الصالح. ونقش اسمها على الدينار والدرهم، وكانت تعلم على المناشير وتكتب: والدة خليل. ولم يل مصر في الإسلام امرأة قبلها» (^٣).\nوبقي حكم المماليك (^٤) مستمرًا، وفي ازدياد حتى استولوا على الشام،\n_________\n(^١) الصالحية، أم خليل، الملقبة بعصمة الدين: ملكة مصر. ذات عقل وحزم، كاتبة قارئة، لها معرفة تامة بأحوال المملكة، أصلها من جواري الملك الصالح نجم الدين أيوب. أعتقها وتزوجها، فكانت معه في البلاد الشامية، كانت في بعض الأحيان تدير أمور الدولة عند غيابه في الغزوات، (ت ٦٥٥ هـ). الأعلام، الزركلي، ٣/ ١٥٨.\n(^٢) ينظر البداية والنهاية، ابن كثير، ١٣/ ٢٠٧، والنجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، ٦/ ٣٧٢، وخطط الشام، محمد كرد علي، ٢/ ١٠١.\n(^٣) حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة، السيوطي، ٢/ ٣٦.\n(^٤) يطلق اسم (المماليك) اصطلاحا، على أولئك الرقيق الأبيض غالبا الذين درج بعض الحكام المسلمين على استحضارهم من أقطار مختلفة وتربيتهم تربية خاصة، تجعل منهم محاربين أشداء، استطاعوا فيما بعد أن يسيطروا على الحكم في مصر وأحيانا الشام والحجاز وغيرها قرابة الثلاثة قرون من الزمان ما بين ٦٤٨ - ٩٢٢ هـ (١٢٥٠ - ١٥١٧ م) ينظر: المماليك البحرية وقضائهم على الصليبيين في الشام، شفيق جاسر أحمد محمود، ص ١٠٧.","vol":"1","page":32},{"text":"وأطراف من العراق أخذوها من أيدي التتار، وقد تنازلت شجرة الدر عن الملك لقائد الجيش «عز الدين أيبك» الذي تزوجها، فكان عز الدين أيبك أول سلاطين المماليك بالديار المصرية، وعلى يده انتقل الحكم من الأيوبيين إلى المماليك، ومن بعده استمر الحكم للمماليك في مصر حتى عام (٩٢٣ هـ) (^١).\nكما أن الحكم المملوكي انقسم إلى دولتين هما:\nدولة المماليك البحرية، (٦٤٨ - ٧٨٤ هـ)، ودولةالبرجيَّة أوالجركسيَّة (^٢) (٧٨٤ - ٩٢٣ هـ)، وقد كثرت الفتن والاضطرابات، والثورات في مصر في ذلك الوقت مما أدى إلى النزاع بين الأمراء والسلاطين على الحكم (^٣).\nفيظهر أن أغلب البلاد التي نزل بها الكرماني كانت مليئة بالاضطرابات السياسية، والحروب، والانقلابات، والنزاع على الحكم.\n\n<span data-type='title' id=toc-18>ثانيًا الحياة الاجتماعية:</span>\nإن للحياة السياسية وما فيها من اضطرابات، وحروب وفتن والتي شملت عددًا واسعًا من البلاد الإسلامية قد أثّرت سلبيًا على الحياة الاجتماعية السائدة آنذاك، ومنها البلاد التي نزل بها الكرماني كمصر والشام وغيرهما … وتتلخص الحياة الاجتماعية في هذه الحقبة الزمنية بالآتي:\n_________\n(^١) ينظر: المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، أحمد بن علي المقريزي، ١/ ٤١٢ - ٤١٣.\n(^٢) ينظر: المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، أحمد بن علي المقريزي، ٣/ ٤٢٠ - ٤٢١.\n(^٣) السابق، ٢/ ٤١١ - ٤١٢، وينظر المماليك البحرية وقضائهم على الصليبيين في الشام، شفيق جاسر، ص ١١١.","vol":"1","page":33},{"text":"١ - ظهور الطبقية، بسبب الأوضاع المعيشية السيئة، فتنوعت الطبقات على حسب الملك والسلطة من عدمها، وعلى حسب الغنى والفقر، فكانت الطبقة الأولى: وهي الطبقة العليا للأمراء والوزراء، والطبقة الثانية: للميسورين من كبار التجار وأصحاب الأموال، والطبقة الثالثة: من متوسطي الحال وصغار التجار، والطبقة الرابعة: أهل الزراعة والحرث وسكان الأرياف، والطبقة الخامسة: هم الفقراء وطلاب العلم، والطبقة السادسة: للصّناع وأصحاب المِهن، والطبقة السابعة: الذي يسألون الناس من المساكين وأصحاب الحاجة (^١).\n٢ - انتشار الفساد الأخلاقي والمالي، ولايخفى أن سبب هذا البعد عن الدين، وما آلت إليه البلاد من تنوّع في الطبقات، والنظر إلى الناس على حسب المكانة الاجتماعية والمالية، ولا على حسب المكانة الدينية والتقوى.\nفقد وصل الحد بالفساد الأخلاقي إلى ما قاله السبكي: «ولقد سمعت أنَّ واحدًا منهم أي من أحد أمراء المماليك خرج مرة إلى الصيد فافتضَّ هو ومماليكه من بنات البَرِّ ما يزيد على سبعين بنتًا حرامًا» (^٢) وقد ذكر السبكي هذا المثال عن الأسباب التي تُزيل النِعم، ووصل الفساد بهم كذلك لئن يمارس أحدهم كل أنواع الفجور في خلاوته (^٣).\nوصار سؤال الناس من غير حاجة صنعة فيقعدون على أبواب المساجد\n_________\n(^١) ينظر إغاثة الأمة بكشف الغمة، المقريزي، ص ١٤٧ - ١٥٠، والنجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، يوسف ابن تغري بردي، ١١/ ٣٨٢.\n(^٢) معيد النعم ومبيد النقم، تاج الدين السبكي، ص ٤٦.\n(^٣) المماليك البحرية وقضائهم على الصليبيين في الشام، شفيق جاسر، ص ١١٤.","vol":"1","page":34},{"text":"يشحذون المصلّين، ولا يدخلون للصلاة معهم، ويقسمون بالله أعظم الأيمان في سؤال الناس المال! (^١) كما أقبل الناس على شرب الخمر من كل الطبقتين العليا والدنية، للهروب من واقعهم، وانتشر الزنا، كما أن الفساد المالي والرشوة بلغت أوجها «وصار لا يترقىّ في الدّول إلا من يبذل المال، ولو كان من أوباش السُّوقة لشره الملوك في جمع الأموال» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-19>ثالثًا الحياة العلميّة:</span>\nمع كل هذه الاضطرابات السياسية، وبعض مظاهر الفساد بين الناس، وما رافقها من فتن، وثورات وحروب … إلا أنّ الحركة العلمية كانت على عكس الحالة السياسية والاجتماعية، فكان هناك إقبالٌ من أهل العلم على طلب العلم والتأليف والتصنيف، فامتلأت المساجد بدروس العلم، وصارت المدارس في ازدياد وأُنشئت المكتبات العامة والنتاج العلمي في تلك الحقبة شاهدة على هذا القول.\nوقد قالوا في سبب ذلك، عوامل خارجية وداخلية ساعدت على ذلك:\nعندما وقعت كثير من البلدان العربية والإسلامية في يد التتار، وكثُر قتل العلماء، وإتلاف كثير من نتاجهم العلمي، وإغراقه في نهر دجلة، بأمر من هولاكو.\nعندها لاذ العلماء بسلاطين مصر، ووجدوا عندهم الأمن والأمان، ووجدوا من أنفسهم الواجب في تعويض خسارة الأمة ما أُتلف على أيدي\n_________\n(^١) معيد النعم ومبيد النقم، ص ١١٣.\n(^٢) النجوم الزاهرة، ابن تغري، ١٤/ ٤٢.","vol":"1","page":35},{"text":"التتار، من نتاج علمي، وقتل للعلماء، فدفعهم ذلك للجد والاجتهاد، وساعد مصر على ذلك كثرة من أمّها من الأقطار الإسلامية المختلفة، سواء أكانوا فارين من الظلم والطغيان، أم أنهم كانوا طامعين في كرم وضيافة أهل مصر (^١).\nأما العوامل الداخلية كانت بسبب غيرة بعض أمراء المماليك على العلم والعلماء فحثوا على طلب العلم، في كل مجالاته، وأنشأوا دور التعليم المختلفة، فيذكر أن سلاطين المماليك أقاموا وزنًا لعلماء الدين، وقدموهم في مسائل كثيرة، واستشاروهم في كثير من أمور الدولة، وسمعوا شكاياتهم، وتوجسوا من بعضهم خيفة! (^٢).\nكما أن المساجد، والمدارس، ودور العلم المختلفة، زُوّدت بالكتب النافعة، ورُصدت الأوقاف على المدارس، حتى كان بعض السلاطين مغرمًا بجمع النفائس من الكتب العلمية، وانتشرت بعض دور الكتب في العصر المملوكي منها:\nخزانة الكتب بجامع الحاكم بأمر الله.\nخزانة الكتب بجامع الخطيري ببولاق.\nخزانة الكتب بجامع المؤيد.\nخزانة الكتب بالمدرسة الحجازية وغيرها من دور الكتب في البلدان المختلفة (^٣).\n_________\n(^١) ينظر عصر سلاطين المماليك ونشاطه العلمي والأدبي، محمود رزق سليم، ص ١٧ - ١٨.\n(^٢) ينظر السابق، ص ٢٠ - ٢٢.\n(^٣) عصر سلاطين المماليك ونشاطه العلمي والأدبي، محمود رزق سليم ص ٦٧ - ٦٨، نزهة الأنام في تاريخ الإسلام، صارم الدين بن دُقْماق، ص ٤٤.","vol":"1","page":36},{"text":"وقد وُلد في هذا العصر جمع من العلماء الأجلاء، أصحاب المصنفات الكبيرة والنافعة منهم على سبيل المثال: ابن تيميّة (^١)، وابن كثير الدمشقي (^٢)، وابن حجر (^٣)، والمقريزي (^٤) … وغيرهم (^٥).\n* * *\n_________\n(^١) أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، الحرّاني الحنبلي، المفسر الفقيه المجتهد، صاحب التصانيف الكثيرة، اعتُقل ومات في السجن في قلعة دمشق، له: مجموعة الفتاوى، والرسالة التدمرية، وغيرها، (ت ٧٢٨ هـ) ينظر: الوافي بالوفيات، ٧/ ١١.\n(^٢) عماد الدّين أَبُو الْفِدَاء إِسْمَاعِيل بن عمر ابْن كثير، القرشي البصري، الحافظ المفسر والمؤرخ، ولد في قرية من أعمال بصرى الشام، له تفسير القرآن العظيم، والبداية والنهاية في التاريخ، (ت ٧٧٤ هـ)، ينظر الرد الوافر، محمد بن عبدالله القيسي، ص ٩٢، وطبقات الحفاظ، السيوطي، ص ٥٣٤.\n(^٣) أحمد بن علي بن محمد شهاب الدين أبو الفضل العسقلاني الأصل، ثم المصري الشافعي شيخ الإسلام، له فتح الباري شرح البخاري، وتعليق التغليق، (ت ٨٥٢ هـ)، ينظر: نظم العقيان في أعيان الأعيان، السيوطي، ١/ ٤٥.\n(^٤) أحمد بن علي بن عبد القادر، أبو العباس الحسيني العبيدي، تقي الدين المقريزي وهي نسبة لحارة في بعلبك تعرف بحارة المقارزة: مؤرخ الديار المصرية، له الخطط، والسلوك في معرفة دول الملوك، (ت ٨٤٥ هـ)، ينظر: البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، ١/ ٧٩، والأعلام، الزركلي، ١/ ١٧٧.\n(^٥) يُنظر: نزهة الأنام في تاريخ الإسلام، ص ٤٤.","vol":"1","page":37},{"text":"<span data-type='title' id=toc-20>المبحث الثاني\nسيرة الكرماني الذاتية والعلمية</span>\nوتشمل:\n\n<span data-type='title' id=toc-21>أولًا اسمه ونسبه، ولقبه، وولادته، ونشأته ومكانته العلمية:</span>\n١ - اسمه ونسبه ولقبه: هو محمد بن يوسف بن علي بن سعيد، الكِرماني (^١)، ثم البغدادي (^٢)، الملقب بشمس الدين، وكنيته أبو عبدالله (^٣).\n_________\n(^١) نسبة إلى كِرْمَان «وهي ولاية مشهورة وناحية كبيرة معمورة ذات بلاد وقرى ومدن واسعة بين فارس ومكران وسجستان وخراسان، وهي بلاد كثيرة النخل والزرع والمواشي والضرع تشبّه بالبصرة في كثرة التمور وجودتها وسعة الخيرات، ومن مدنها: جيرفت وموقان وخبيص وبمّ والسيرجان ونرماسير وبردسير وغير ذلك، وكلها تُنسب إلى كرمان» ينظر: معجم البلدان، ياقوت الحموي ٤/ ٤٥٤، والكِرماني بكسر الكاف، كما ضبطها الكرماني نفسه، رادًا على النووي الذي قال بفتح الكاف: «أقول: هو بلدنا وأهل البلد أعلم ببلدهم من غيرهم، وهم متفقون على كسرها» الكواكب الدراري، ٩/ ١٩٥، ولكنّ السمْعاني في الأنساب، قال الصواب بفتح الكاف، والمشهور هو الكسر، ١١/ ٨٥، ولعل الخلاف في ضبطها ماكان الخلاف بين ضبط أهلها لها، وضبط غيرهم.\n(^٢) البغدادي نسبة لبغداد عاصمة الخلافة التي استوطن بها زمنًا، فتكون النسبة إلى كِرمان حقيقية، وإلى غيرها مجازية، ونسبه الحافظ السخاوي في ترجمة ولده يحيى بالسعدي نسبة لسعيد بن زيد أحد الصحابة العشرة المبشرين بالجنة، ينظر: الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، ١٠/ ٢٥٩، ولم أقف على من ذكر هذه النسبة في ترجمة الكرماني.\n(^٣) ينظر ترجمته في: الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، ابن حجر، ٦/ ٦٦، وإنباء الغمر بأبناء العمر، ابن حجر، ١/ ٢٩٩، طبقات الشافعية، ابن قاضي شهبة، ٣/ ١٨٠، السلوك لمعرفة دول الملوك، التبريزي، ٥/ ١٧٣، والنجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، ابن تغري بردي، ١١/ ٣٠٣، ونيل الأمل في ذيل الدول، زين الدين الحنفي، ٢/ ٢١٢، بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، السيوطي، ١/ ٢٧٩، طبقات المفسرين للداوودي، ٢/ ٢٨٥، والضوء اللامع لأهل القرن التاسع، السخاوي، ١٠/ ٢٥٩، ولحظ الألحاظ، لأبي الفضل محمد المكي، ص ١١٢، ذيل وفيات الأعيان المسمى «درّة الحجال فى أسماء الرّجال»، لأبي العباس المكناسي، ٢/ ٢٥٠، وسلم الوصول إلى طبقات الفحول، حاجي خليفة، ٣/ ٢٩١، معجم المؤلفين، عمر كحّالة، ١٢/ ١٢٩، الأعلام، الزركلي، ٧/ ١٥٣.","vol":"1","page":38},{"text":"وورد في بعض كتب التراجم: «الكرماني محمد بن يوسف بن على بن محمد بن سعيد الكرماني شمس الدين أبو عبدالله البغدادي الشافعي المعروف بالكرمانى …» (^١).\nبزيادة بن محمد بعد بن علي، وقبل بن سعيد، وورد في بعض المصادر كذلك ورود بن عبد الكريم بدل بن سعيد (^٢).\nقال السيوطي: «قال ابنه في ذيل المسالك (^٣): ولد يوم الخميس سادس عشرين جمادى الآخرة سنة سبع عشرة وسبعمائة» (^٤).\n_________\n(^١) هدية العارفين، ٢/ ١٧٢.\n(^٢) إنباء الغمر بأبناء العمر، ابن حجر، ٣/ ٥٩، وشذرات الذهب في أخبار من ذهب، ابن العماد، ٨/ ٥٠٥.\n(^٣) يفهم من هذا الكلام أن ليحيى الكرماني ترجمة لوالده، وأفضل من يترجم للإنسان هم أهله ومعارفه وأقاربه.\n(^٤) بغية الوعاة، ١/ ٢٧٩.","vol":"1","page":39},{"text":"وقد وُلد الكرماني بكِرْمان في جمادى الآخرة سنة سبع عشرة وسبعمائة، (٧١٧ هـ) (^١) وقد قال الكرماني عن بلاده في أثناء شرحه:\n«وكِرمان: بكسر الكاف هي مملكتنا منزل الكرم والكرام دار أهل السنة والجماعة» (^٢).\nوقال كذلك: «وهو بلد أهل السنة والجماعة أي كِرمان ولا يكاد يوجد فيها شيء من العقائد الفاسدة، وهو مولدي وأول أرض مس جلدي ترابها، حرسها الله تعالى وسائر بلاد الإسلام من الفساد والطغيان» (^٣).\n١ - نشأته ومكانته العلمية:\nطلب العلم في البداية على يد والده، وعن جماعة بكرمان من أهل العلم، ثم ارتحل إلى الشيخ عضد الدين، فلازمه اثنتي عشرة سنة، وقرأ عليه تصانيفه، ثم طاف بالبلاد، ودخل مصر والشام والعراق، وحج إلى بيت الله الحرام، ثم استوطن بغداد، وقد تصدى فيها للعلم ثلاثين سنة، قال الحافظ شهاب الدين ابن حجي كان مشارا إليه في العراق وتلك البلاد في العلم (^٤).\nوقال بعض من ترجم له عنه: أنه شيخ الشافعية ببغداد العلاّمة محمد بن يوسف شمس الدين الكرماني (^٥).\n_________\n(^١) ينظر طبقات الشافعية، ابن قاضي شهبة، ٣/ ١٨٠.\n(^٢) الكواكب الدراري، ٨/ ٨٦.\n(^٣) الكواكب الدراري، ٢٤/ ٢٠٥.\n(^٤) ينظر طبقات الشافعية، ٣/ ١٨٠.\n(^٥) ينظر: لحظ الألحاظ بذيل طبقات الحفاظ، لأبي الفضل محمد المكي، ص ١١٢.","vol":"1","page":40},{"text":"وتظهر مكانة الكرماني العلمية، بنبوغه وذكائه وتفوقه على أقرانه، قال عنه الداودي (^١) «ومهر وفاق أقرانه، وفضل غالب أهل زمانه … وكان مشارا إليه بالعراق وتلك البلاد في العلم، وتصدّى لنشر العلم ببغداد ثلاثين سنة» (^٢).\nويظهر لي أن مكانة الكرماني العلمية الكبيرة، وشهرته الواسعة كانت بسبب الآتي:\nالنشأة العلمية التي تلقّاها على يد والده وشيوخ بلده كِرمان.\nإخلاصه لله ﷿، وتفوقه على أقرانه بالتحصيل العلمي، والإقبال على شأنه.\nالزهد في الدنيا والبعد عن أصحاب السلطة، والحكم.\nتواضعه وقربه من الناس، وخفض الجناح لهم.\nتصديه لنشر العلم ببغداد ثلاثين سنة، إذ أن بغداد آنذاك كانت مقرًا للعلم، ووفود طلاب العلم إليها.\nوشرحه لأصح كتاب بعد كتاب الله ﷿ «صحيح البخاري» الذي صار يُلقب به، يُقال شارح الصحيح.\n_________\n(^١) الحافظ شمس الدين محمد الداودي المصري الشافعي، وقيل المالكي، العلامة المحدث الحافظ، كان شيخ أهل الحديث في عصره، له ذيل على طبقات الشافعية، للسبكي، وترجمة للحافظ السيوطي، (ت ٩٤٥ هـ) ينظر: شذرات الذهب، عبد الحي الحنبلي، ١٠/ ٣٧٥، وفهرس الفهارس والأثبات ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات، محمد الكتاني، ١/ ٣٩٢.\n(^٢) طبقات المفسرين، الداودي، ٢/ ٢٨٦.","vol":"1","page":41},{"text":"<span data-type='title' id=toc-22>ثانيًا أخلاقه وصفاته:</span>\nإن من طالع سيرة الكرماني، يعلم أنه كان، عابدًا طائعًا، ومكثرًا من الطاعة، صاحب همة عالية، زاهدًا في الدنيا، ومعرضًا عن شهواتها وأهوائها، شريف النفس متععفًا عمّا في أيدي الناس، قال الكرماني في مقدمة كتابه بعد أن ذكر أسباب التأليف: «وما توسلت به إلى غرض دنيوي، من مال أو جاه أو تقرب إلى سلطان أو خليفة، كما هو عادة أبناء زماننا من أصحاب الهمم القاصرة والعقول الضعيفة، بل جعلته لله ولوجهه خالصًا، سائلا أن ينفعني به، حين يكون الظل في الآخرة قالصًا (^١) وأن يهب عليه قبول القبول فإنه أكرم مسئول وأعز مأمول» (^٢).\nكما أنه كان متواضعًا، بارًا بالناس أجمعين، وخصوصًا الفقراء منهم «كان تام الخلق، فيه بشاشة وتواضع للفقراء وأهل العلم، غير مكترث بأهل الدنيا، ولا ملتفت إليهم، يأتي إليه السلاطين في بيته، ويسألونه الدعاء والنصيحة» (^٣).\nومما قيل فيه: «قال الشيخ شهاب الدين ابن حجي تصدى لنشر العلم ببغداد ثلاثين سنة، وكان مقبلًا على شأنه لا يتردد إلى أبناء الدنيا، قانعا باليسير ملازما للعلم، مع التواضع والبر بأهل العلم» (^٤).\n_________\n(^١) قلص الشيء يقلص قلوصا: ارتفع. يقال: قَلَصَ الظلُّ. وقَلَصَ الماء، إذا ارتفع في البئر ينظر: مادة: (قلص)، الصحاح وتاج اللغة صحاح العربية، ٣/ ١٠٥٣.\n(^٢) الكواكب الدراري، ١/ ٦.\n(^٣) طبقات المفسرين، الداوودي، ٢/ ٢٨٦.\n(^٤) الدرر الكامنة، ابن حجر، ٦/ ٦٧.","vol":"1","page":42},{"text":"ومما يظهر في تواضعه ما قاله في مقدمة شرحه على البخاري بعد أن ذكر دواعي تأليف الكتاب: «مع اعترافي بالقصور وقلّة البضاعة، والفتور وقصر الباع في هذه الصناعة» (^١).\nوقال في موضع من شرحه عندما أراد أن يقرر بعض المسائل شرحًا، وأن يجمع بين الأدلة: «هذا آخر غاية وسعنا في تقريره ولعل عند غيرنا خيرًا منه» (^٢).\nومن صفاته أنه كان يمشي على عصا، قال ولده يحيى: «وسقط من علّية فكان لا يمشي إلّا على عصا منذ كان ابن أربع وثلاثين سنة» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-23>ثالثًا عقيدته ومذهبه:</span>\nيظهر جليًا في شرح الكرماني أنه على عقيدة أهل السنة والجماعة الأشاعرة، وأن مذهبه الفقهي هو مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى.\n\n<span data-type='title' id=toc-24>رابعًا شيوخه وتلامذته:</span>\nتتلمذ الكرماني على يد والده بهاء الدين يوسف (^٤) الكرماني في بداية طلبه للعلم، وعلى عضد الدين الإيجي (^٥).\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١/ ٤.\n(^٢) السابق، ٣/ ٢٣٣.\n(^٣) شذرات الذهب، عبد الحي الحنبلي، ٨/ ٥٠٦.\n(^٤) لم أقف على ترجمة له.\n(^٥) عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار، عضد الدين الإيجي، قاضي قضاة الشرق، وشيخ العلماء، له مختصر ابن الحاجب، والفوائد الغياثية في المعاني والبيان وغيرها من المصنفات، (ت ٧٥٦ هـ) ينظر طبقات الشافعية، ابن قاضي شهبة، ٣/ ٢٧ - ٢٨، وسلم الوصول إلى طبقات الفحول، حاجي خليفة، ٢/ ٢٤٩.","vol":"1","page":43},{"text":"وعندما نزل مصر قرأ البخاري بالقاهرة بالجامع الأزهر على الشيخ ناصر الدين الفارقي (^١)، وأخبر الكرماني في مقدمة شرحه كذلك أنه أخذ عن أبي الحسن علي بن يوسف بن الحسن الزَّرنَدِي (^٢)، ومنهم الشيخ: جمال الدين محمد الأنصاري المكي (^٣) وهم شيوخه الذين تلقى عنهم الجامع الصحيح.\nولم تذكر كتب التراجم عن شيوخ الكرماني إلا ماذكرت، ولاشك أن عالم كالكرماني برع في علوم شتى، وطاف بلدان عدة، أن له شيوخ كُثر.\n٢ - تلامذته:\nولاشك أن تلامذة الإمام الكرماني كُثر، كما هم شيوخه، فقد تصدى للعلم ببغداد ثلاثين سنة، ولكن كتب التراجم لم يذكروا له من الترجمة إلا الشيء\n_________\n(^١) محمد بن أبي القاسم المظفر أبوعبدالله الفارقي، كان كثير العناية بالحديث، سمع من علي بن محمد بن أبي الذكر الصقلي، وعلى محمد بن هارون الثعلبي، وسمع منه الحافظ العراقي، (ت ٧٦١ هـ) ينظر ذيل التقييد في رواة السنن والأسانيد، محمد الفاسي،\n١ - / ٢٠٩.\n(^٢) علي بن يوسف بن الحسن الزرندي الانصاري عالم المدينة في زمانه، حدّث بالحرمين، له مناظرة الحرمين، ومناضلة المحلين، (ت ٧٧٢ هـ)، ينظر معجم المؤلفين، ٧/ ٢٦٥.\n(^٣) جمال الدين محمد بن الشيخ شهاب الدين أحمد بن عبدالله بن عبد المعطي الأنصاري المكّي، محدّث الحرم الشريف الإلهي كثير الطاعات والعبادات، ينظر: ترجمة الكرماني له، ١/ ٨.","vol":"1","page":44},{"text":"المختصر، إلا أنه من خلال البحث تبين بعض تلامذته وأذكر بعضهم على سبيل المثال:\n١ - ولده يحيى (المعروف بابن الكرماني) (^١).\n٢ - وأخوه أي أخ يحيى عبد الحميد (^٢).\nومن خلال التتبع وجدت أن الحافظ ابن حجر في كتابه «إنباء الغمر بأبناء العمر» ذكر جملة من الأعلام الذين تتلمذوا على يد الكرماني فمنهم:\n٣ - أحمد بن علي أحمد بن موسى بن علي (^٣).\n_________\n(^١) يحيى بن محمد بن يوسف الكرماني، ولد في رجب سنة اثنتين وستين وسمع مع أبيه، وقرأ عليه الكثير، قدم القاهرة قديمًا، وسكن دمشق، له: مجمع البحرين وجواهر الحبرين، في شرح صحيح البخاري، وله ذيل المسالك ترجم فيه لوالده، وله مؤلفات في الطب، (ت ٨٣٣ هـ) ينظر: المجمع المؤسس للمعجم المفهرس، ابن حجر، ٣/ ٣٦٢، والضوء اللامع، السخاوي، ١٠/ ١٥٩، والأعلام، للزركلي، ٨/ ١٦٦.\n(^٢) عبد الحميد بن محمد بن يوسف بن علي بن سعيد حميد الدين الكرماني أخو التقي يحيى، أخذ عن والده كثيرا ونسخ شرح البخاري له بخطه وهي النسخة التي في أوقاف الجمالية، وقد ناهز الأربعين من العمر (ت ٨١٠ هـ)، ينظر: الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، السخاوي، ٤/ ٣٩.\n(^٣) أحمد بن علي أحمد بن موسى شهاب الدين بن الوكيل، عني بالفقه والعربية، ونظم الشعر وأجاده، سمع من الجمال ابن المعطي، ورحل إلى دمشق، عالم بالفقه والحديث والنحو، له مختصر المهمات «للأسنوي» واختصر الملحة للحريري نظمًا وشرحها مات بالقاهرة، في صفر، (ت ٧٩١ هـ)، ينظر: إنباء الغمر بأبناء العمر، ١/ ٣٨٣، والمنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي، يوسف بن تغري، ٢/ ٢٣٤ - ٢٣٦.","vol":"1","page":45},{"text":"٤ - أسعد بن محمد الشيرازي (^١).\n٥ - نصر الله بن أحمد التستري (^٢).\n٦ - أحمد بن نصر الله التستري (^٣).\n٧ - عفيف الدين أبو المعالي الدواليبي (^٤) وغير هؤلاء من تلاميذه الكثير.\n_________\n(^١) أسعد بن محمد بن محمود جلال الدين الشيرازي، أخذ عنه الشيخ شمس الدين السمرقندي، في القرآن، ومذهب الحنفية، وعن شمس الدين الكرماني وقرأ عليه البخاري أكثر من عشرين مرة، وكان يكتب خطًا حسنا، (ت ٨٠٣ هـ)، ينظر: إنباء الغمر بأبناء العمر، ٢/ ١٥٧.\n(^٢) نصر الله بن أحمد بن محمد التستري، ثم البغدادي، نزيل القاهرة، اشتغل بالفقه الحنبلي، وسمع الحديث من جمال الدين الخضري، وأخذ عن الكرماني شارح البخاري، له: نظم غريب القرآن وصنف في الفقه وأصوله، (ت ٨١٢ هـ)، ينظر: إنباء الغمر بأبناء العمر، ٢/ ٤٤٤.\n(^٣) أحمد بن نصر الله بن محمد بن عمر بن أحمد قاضي الحنابلة محب الدين أبو يوسف التستري الأصل ثم البغدادي، نزيل القاهرة، وأخذ عن الكرماني والسخاوي، وسمع بحلب ودمشق، له: حاشيته على تنقيح الزركشي، (ت ٨٤٤ هـ)، ينظر إنباء الغمر بأبناء العمر، السخاوي، ٤/ ١٦٣ - ١٦٤.\n(^٤) عفيف الدّين أبو المعالي علي بن عبد المحسن بن الدّواليبي البغدادي ثم الشّامي الحنبلي، كان إمامًا عالمًا، وله سند عالٍ في الحديث، وسمع من الكرماني صحيح البخاري، قدم دمشق واستوطنها، وولي خطابة جامع المظفّري، وتوفي بصالحية دمشق ودفن بالسّفح، (ت ٨٥٨ هـ)، ينظر: شذرات الذهب، ٩/ ٤٢٩، والضوء اللامع لأهل القرن التاسع، السخاوي، ٥/ ٤ - ٥.","vol":"1","page":46},{"text":"<span data-type='title' id=toc-25>خامسًا مؤلفاته:</span>\nبعد الاطلاع على سيرة الإمام الكرماني، تبين ما كان عنده من علم في مجالات شتى، في العربية والكلام والمنطق (^١) ظهرت في ثنايا شرحه، وقد ترك الكرماني، جملة من المؤلفات، صرّح عنها المترجمون له، ومن عاصره من الأقران، ومن نقل عنه منها، وإن كان أغلبها حبيس المخطوطات.\nفمن أهم هذه المؤلفات:\n١ - شرحه على البخاري، المسمّى: الكواكب الدراري شرح صحيح البخاري، قال عنه ابن حجر: «وهو شرح مفيد على أوهام فيه في النقل لأنه لم يأخذ إلا من الصحف (^٢)» (^٣).\n٢ - شرح المواقف ٣ وشرح مختصر ابن الحاجب ٤ النقود والردود وسمّاه الكواكب السبعة السيارة (^٤) ٥ وشرح الفوائد الغياثية في المعاني والبيان (^٥)\n٦ - شرح الجواهر ٧ وأنموذج الكشاف ٨ وحاشية على تفسير البيضاوي\n_________\n(^١) ينظر طبقات الشافعية، ابن قاضي شهبة، ٣/ ١٨٠.\n(^٢) يعني ابن حجر في هذا أن الكرماني نقل من كتب العلماء، ولم يأخذ من أفواههم، ولعل في هذا نظر، لأن ما وُجد في الشرح يدل على أكثر من ذلك.\n(^٣) الدرر الكامنة، ٦/ ٦٦.\n(^٤) أشار إليه في شرحه، ٢٥/ ١٥.\n(^٥) هوعبارة عن تحقيق الفوائد للكرماني، وكتاب شيخه، الإيجي، الفوائد الإغاثية دمجهما الكرماني مع بعضهما البعض.","vol":"1","page":47},{"text":"وصل فيها إلى سورة يوسف ٩ ورسالة في مسألة الكحل ١٠ الكواشف البرهانية في شرح المواقف السلطانية (^١) ١١ رسالة في التصوير والتصديق في المنطق، ١٢ أسئلة واعتراضات على شرح القطب التحتاني للمطالع في المنطق، ١٣ ذيل مسالك الأبصار في التاريخ ١٤ شرح أخلاق عضد الدين، ١٥ شرح أخلاق عضد الدين ١٦ ضمائر القرآن، وأغلبها مازال مخطوطًا حبيس المكتبات (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-26>سادسًا وفاته:</span>\nبعد حياة حافلة ومليئة بالخيرات، وطلب العلم ونشره، توفي الإمام الكرماني في يوم الخميس، السادس عشر من شهر محرم، سنة ست وثمانين وسبعمائة، (٧٨٦ هـ)، في أثناء عودته من حج بيت الله الحرام، وكان قد أوصى ولده أن يدفنه في بغداد، في مكان اختاره في حياته، فنقله إلى بغداد، ودفنه بجوار أبي إسحاق الشيرازي (^٣)، بمقبرة باب أبرز، ﵀\n_________\n(^١) أشار إليه في شرحه، ٤/ ١٩٩، ٢٥/ ٢٢٠.\n(^٢) ينظر: الدرر الكامنة، ٦/ ٦٦، وطبقات الشافعية، ابن قاضي شهبة، ٣/ ١٨٠، طبقات المفسرين، الداودي، ٢/ ٢٨٦، البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، الشوكاني، ٢/ ٢٩٢، كشف الظنون، حاجي خليفة، ١/ ٥٤١، والتاج المكلل من جواهر مآثر الطراز الآخر والأول، القنوجي، ١/ ٤٦٢، والضوء اللامع، السخاوي، ١٠/ ٢٦٠، هدية العارفين أسماء المؤلفين وآثار المصنفين، البغدادي، ٢/ ١٧٢، معجم المؤلفين، عمر كحالة، ١٢/ ١٢٩.\n(^٣) أبو إسحاق إبراهيم بن على ابن يوسف بن عبدالله الشيرازى الفيروزأباذى، منسوب إلى فيروز أباذ، الإمام المحقق، جمع بين العلم والعبادة والعمل والورع والزهد، وهو أحد فقهاء الشافعية، له التنبيه، والمهذب، (ت ٤٧٦ هـ)، ينظر: طبقات الشافعية الكبرى، السبكي، ٤/ ٢١٥، سير أعلام النبلاء، الذهبي، ١٨/ ٤٥٢.","vol":"1","page":48},{"text":"ورضي عنه (^١).\n* * *\n_________\n(^١) ينظر: الدرر الكامنة، ٦/ ٦٦، وطبقات الشافعية، ابن قاضي شهبة، ٣/ ١٨٠.","vol":"1","page":49},{"text":"<span data-type='title' id=toc-27>الفصل الثاني\nالتعريف بكتاب الكواكب الدراري</span>\nفي شرح صحيح البخاري\n\n<span data-type='title' id=toc-28>المبحث الأول\nالتحقق من اسم الكتاب، وصحة نسبته للمؤلف</span>\n<span data-type='title' id=toc-29>أولًا التحقق من اسم الكتاب:</span>\nكما هي عادة المصنفين والمؤلفين أن يذكروا مقدمة لكتبهم التي يؤلفونها، ويذكروا فيها اسم الكتاب الذي اعتمدوه، فقد قال الكرماني في مقدمة كتابه في شرح البخاري: «ولا زلت متفكرا في تسميته، إذ كنت في بعض الليالي في المطاف، بعد فراغي من الطواف، فألهمني ملهم بأنه هو «الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري» فسميته به واسأل الله تعالى أن لا يؤاخذنا بما نسينا …» (^١).\nوقال ابن حجر في الدرر الكامنة: «وذكر لي شيخنا العراقي (^٢) أنه اجتمع به\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١/ ٦.\n(^٢) عبد الرحيم بن الحسين أبو الفضل، زين الدين الحافظ العراقي، من كبار حفاظ الحديث، له: المغني عن حمل الأسفار، (ت ٨٠٦ هـ) ينظر: الرد الوافر محمد بن عبدالله القيسي، ١/ ١٠٧.","vol":"1","page":50},{"text":"بمكة أي بالكرماني وسمى شرحه للبخاري الكواكب الدراري وهو في مجلدين ضخمين …» (^١).\nواشتهر عند علماء الحديث، وغيرهم أن للإمام الكرماني كتابا على شرح البخاري، وقد نال القبول عندهم.\nولم يقع الاختلاف فيما أعلم في تسمية الكتاب كما سمّاه الكرماني وهو «الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري».\nوقد تكلم أصحاب تعريف الكتب عن كتاب الكواكب الدراري، قال حاجي خليفة، وهو يتكلم عن شروح البخاري: «وشرح العلامة، شمس الدين: محمد بن يوسف بن علي الكرماني، المتوفى: سنة ٧٩٦، ست وثمانين وسبعمائة، وهو شرح، وسط، مشهور بالقول، جامع لفرائد الفوائد، وزوائد الفرائد، وسماه: (الكواكب الدراري)» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-30>ثانيًا نسبته للمؤلف:</span>\nاشتهر كتاب: «الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري» أنه لمؤلفه: الإمام شمس الدين محمد بن يوسف الكرماني (المتوفى) ٧٨٦ هـ ودل على ذلك عدة أمور:\n١ - تصريح المؤلف في مقدمة الكتاب كما مر.\n٢ - إجماع كتب التراجم التي ترجمت للكرماني أن الكتاب له (^٣).\n_________\n(^١) / ٦٦.\n(^٢) كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، ١/ ٥٤١.\n(^٣) ذكرت هذه الكتب في ص ٢٦.","vol":"1","page":51},{"text":"٣ - نقول العلماء الذين نقلوا عن الكرماني، وخصوصا شرّاح الحديث، وكتب التراجم، وكتب فقه الشافعية وتارة يصرحون باسم الكتاب، وتارة يقولون شارح البخاري، ومن الكتب التي نقلت عن الكرماني ونسبت الكواكب الدراري إليه:\nفتح الباري شرح البخاري (^١).\nعمدة القاري شرح صحيح البخاري (^٢).\nاللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح وقد قال فيه مؤلفه أنه جمع بين شرح الكرماني واختصر المطوّل، وبين كتاب التنقيح للزركشي بإيضاح واختصار (^٣).\nكشف الظنون (^٤).\nبغية الوعاة (^٥).\nأبجد العلوم (^٦).\nنهاية المحتاج (^٧).\n* * *\n_________\n(^١) / ٨.\n(^٢) / ٢٣.\n(^٣) ينظر: اللامع الصبيح، بشرح الجامع الصحيح، شمس الدين البرماوي، في المقدمة، ص ٥، وينظر كشف الظنون، ص ٥٤١.\n(^٤) / ٥٤١.\n(^٥) / ٢٧٩.\n(^٦) / ٥٩٨.\n(^٧) / ٩٢.","vol":"1","page":52},{"text":"<span data-type='title' id=toc-31>المبحث الثاني\nتاريخ التأليف وأسبابه ومكانه</span>\n<span data-type='title' id=toc-32>١ - تاريخ التأليف ومكانه:</span>\nلم يذكر الكرماني عن تاريخ بدايته لتأليف الكواكب الدراري، إلا أن ابن حجر رحمه الله تعالى قال: «ثم حج واستوطن بغداد أي الكرماني ودخل إلى الشام ومصر لما شرع في شرح البخاري فسمعه بالجامع الأزهر من لفظ المحدث ناصر الدين الفارقي» (^١).\nفكان شروعه في التأليف سنة دخوله إلى الشام ومصر، وسماعه في الجامع الأزهر من شيخه، ناصر الدين الفارقي، (ت ٧٦١ هـ) فتبين أن الكرماني شرع في شرح البخاري عند بدايته سماع صحيح البخاري من شيخه الفارقي، وأثناء سماعه من شيخه أبي الحسن علي بن يوسف بن الحسن الزَّرَنْدي، والشيخ جمال الدين محمد الأنصاري المكي، الذي قال إنه كان آخر سماع له في شهر رمضان سنة خمس وسبعين وسبع مئة كما ذكر في مقدمة الكتاب (^٢).\nوهي ذات السنة التي أنهى فيها تأليف الكتاب كما قال في آخره «في شوال سنة خمس وسبعين وسبعمائة» (^٣).\nوكان تأليف الكتاب في المدة التي عاشها في الحجاز وبغداد، وقد بيّض بعض أجزاء من شرحه وهو بالطائف، قال ابن حجر: «أنه انتهى في شرحه وهو\n_________\n(^١) الدرر الكامنة، ابن حجر، ٦/ ٦٦.\n(^٢) الكواكب الدراري ١/ ١٦٣ - ١٦٦.\n(^٣) الكواكب الدراري ١٢/ ٤٣٣.","vol":"1","page":53},{"text":"بالطائف البلد المشهور بالحجاز، كأنه لما كان مجاورًا بمكة كان يبيض فيه وما أكمله إلا ببغداد» (^١).\nقلت: لايتناقض قول ابن حجر مع ما ذكره الكرماني في المقدمة أنه كان يطوف بالكعبة فخطر له خاطر تسمية الكتاب، إذ قد يكون شرع في كتابة مقدمة الكتاب وهو في مكة، فسماه في فترة مكثه في مكة، ثم أتمّه في بغداد (^٢).\nفتبين ما يأتي:\nأن الكرماني شرع في تأليف الشرح، في أثناء سماعه لصحيح البخاري من مشايخه في آن معا.\nوأنه شرع في التأليف سنة دخوله الشام ومصر كما قال ابن حجر، وسماعه من شيخه الفارقي (ت ٧٦٠ هـ) فكانت بداية التأليف بحدود سنة (٧٥٥ هـ) إلى سنة (٧٧٥ هـ) تقريبًا. فاستغرق التأليف مايقارب عشرين عاما.\nفكانت هذه المدة الطويلة حافلة بما جاد به الكرماني في شرحه من درر ونفائس، أتت بشرح واضح مختصر مفيد تدل على سعة اطلاع الكرماني في شتى العلوم.\n\n<span data-type='title' id=toc-33>٢ - سبب التأليف:</span>\nبين الكرماني الدواعي والأسباب لتأليفه للكواكب الدراري (أنه لم يرَ لصحيح البخاري شرحا يشمل كل مايتعلق بالصحيح، وأن الشروح التي اطّلع\n_________\n(^١) إنباء الغمر بأبناء العمر، ١/ ٢٩٩.\n(^٢) مع أن بعض علماء التراجم رجح أن الكرماني فرغ من شرحه في مكة، منهم حاجي خليفة في كشف الظنون، ١/ ٥٤١، ومحمد صديق القِنوجي، في الحطة في ذكر الصحاح الستة، ص ١٨٥.","vol":"1","page":54},{"text":"عليها لا تشفي الغليل كشرح صحيح البخاري لابن بطال، (ت ٤٤٩ هـ)، وشرح صحيح البخاري لعلاء الدين مغلطاي (^١)، (ت ٧٦٢ هـ) فأراد أن يؤلف شرحا وافيا شاملا تام المصالح والمنافع، ضابطا فيه لأسماء الرواة وكل مايتعلق بهما، مهتما بعلوم الحديث رواية ودراية، وشارحا للحديث بكل علوم الشريعة من فقه وأصول، وعلوم العربية من نحو وصرف وبلاغة، مع اعترافه بفضلهم وعلمهم، وأن نقده لهم لا يُنقص من مكانتهم العلمية، وأنهم أصحاب الفضل والسبق،\nولا سيما أنه قد نقل وأخذ عنهم) (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-34>المبحث الثالث\nمصادر الكرماني وموارده</span>\nتعددت مصادر الكرماني التي نقل عنها في كتابه الكواكب الدراري، من علوم الشريعة واللغة، وقد اقتبس منها، واستفاد، ومن الجدير بالملاحظة أن الكرماني لم ينقل نقلا حرفيا عن المصادر التي أخذ منها؛ بل أخذ المعنى وصاغه بأسلوبه.\nوقد تنوعت المصادر والموارد التي اعتمدها الكرماني في شرحه، وكانت على الشكل الآتي:\n_________\n(^١) مغلطاي بن قليج بن عبدالله الحنفي الإمام الحافظ علاء الدين، ولي التدريس بالظاهرية، وكان عارفًا بالأنساب، له شرح على البخاري، وشرح لسنن ابن ماجه لم يكمله، (ت ٧٦٢ هـ)، ينظر: طبقات الحفاظ، السيوطي، ١/ ٥٣٨.\n(^٢) الكواكب الدراري، بتصرف ١/ ٣ - ٤.","vol":"1","page":55},{"text":"<span data-type='title' id=toc-35>أولًا: مصادره في العقيدة والفِرَق.</span>\n<span data-type='title' id=toc-36>ثانيًا: مصادره في التفسير وأسباب النزول.</span>\nثالثًا: مصادره في الحديث الشريف.\nرابعا: مصادره في التاريخ والسّير.\nخامسًا: مصادره في اللغة والبلاغة.\nسادسًا: مصادره في النحو:\nسابعًا: مصادره في الفقه وأصوله.\nثامنًا: مصادره في الأنساب.\nتاسعًا: مصادره في الاستدراكات والتتبع.\nأولًا مصادره في العقيدة، والفِرَق:\nالمقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى لأبي حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي (ت ٥٠٥ هـ).\nالملِل والنِحل، لأبي الفتح محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر أحمد الشهرستاني (ت ٥٤٨ هـ).\nعيون الحكمة لأبي علي الحسين بن عبدالله بن سينا (ت ٤٢٨ هـ).\nثانيًا مصادره في التفسير وأسباب النزول:\nجامع البيان في تأويل القرآن، لمحمد بن جرير الطبري، (ت ٣١٠) (^١).\nمعاني القرآن وإعرابه، إبراهيم بن السري، أبو إسحاق الزجاج\n_________\n(^١) منها: ٦/ ٧، ١٦/ ١٦٥.","vol":"1","page":56},{"text":"(ت ٣١١ هـ) (^١).\nالكشاف لجار الله محمود بن عمر الزمخشري (ت ٥٣٨) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-37>ثالثًا: مصادره في الحديث الشريف:</span>\nوفيها فروع عديدة: أهمها:\nكتب الرواية.\nكتب الجرح والتعديل وعلوم الرجال.\nكتب مصطلح الحديث.\nكتب علل الحديث.\nكتب غريب الحديث.\nكتب المؤتَلِف والمختَلِف.\nكتب شروح الحديث.\n\n<span data-type='title' id=toc-38>أ - كتب الرواية:</span>\nاعتمد الكرماني على كتب الرواية لتخريج الأحاديث، وبيان أهميته، وللمقارنة بين الرويات، ودراسة الأسانيد والمتون، وهذه أهم كتب الرواية، مع الإحالة لمواضعها:\n١ - كتب السنة:\nمسند الحُميدي عبدالله بن الزبير المكي (ت ٢٠٤ هـ).\n_________\n(^١) / ٢٤٢.\n(^٢) وقد أخذ منه الكرماني، في الغريب ومسائل اللغة كذلك.","vol":"1","page":57},{"text":"صحيح الإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري (ت ٢٦١ هـ) (^١).\nسنن أبي داود الإمام سليمان بن الأشعث السجستاني (ت ٢٢٧ هـ) (^٢).\nسنن ابن ماجه محمد بن يزيد القزويني (ت ٢٧٣ هـ) (^٣).\nالجامع المشهور ب (سنن الترمذي) أبي محمد بن عيسى الترمذي، (ت ٢٧٩) (^٤).\nسنن النسائي الكبرى، أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي (ت ٣٠٣ هـ) (^٥).\nسنن البيهقي لأحمد بن الحسين بن علي بن موسى، أبو بكر البيهقي (ت ٤٥٨ هـ) (^٦).\nمصنف عبد الرزاق بن همّام الصنعاني (ت ٢١١ هـ) (^٧).\nمستخرج أبي عوانة، يعقوب بن إسحق الإسْفَرَاييني (ت ٣١٦ هـ) (^٨).\n_________\n(^١) / ٨٢، ١/ ١٢٦، وأحيانًا يسميه باسمه «بالمسند».\n(^٢) / ٢٠٩، ٢/ ٢١٨، ٢٥/ ٢٣٣.\n(^٣) / ١٣٣، ١/ ٢١٤.\n(^٤) / ١١٦.\n(^٥) / ٨، ١٢/ ٦١.\n(^٦) / ٥٠، ٢٣/ ٢٠٦.\n(^٧) / ٥٤.\n(^٨) / ١٩.","vol":"1","page":58},{"text":"مستخرج أبي نُعيم أحمد بن عبدالله الأصْبهاني (ت ٤٣٠) (^١).\nغرائب مالك للدارقطني (ت ٣٨٥ هـ) (^٢).\nجامع الأصول في أحاديث الرسول، لمجد الدين أبي السعادات المبارك ابن محمد بن محمد ابن محمد بن عبد الكريم الشيباني الجزري ابن الأثير (ت ٦٠٦ هـ).\n\n<span data-type='title' id=toc-39>ب - مصادره في الجرح والتعديل (علم الرجال):</span>\nطبقات ابن سعد محمد بن سعد بن مَنيع الزهري (ت ٢٣٠ هـ).\nتاريخ ابن معين رواية الدوري، يحيى بن معين أبو زكريا (ت ٢٣٣ هـ).\nالتاريخ الكبير للإمام محمد بن إسماعيل البخاري (ت ٢٥٦ هـ) (^٣).\nالتاريخ الأوسط للإمام محمد بن إسماعيل البخاري (^٤).\nمعرفة الثقات لأبي الحسن أحمد بن عبدالله بن صالح العجلي الكوفي (ت ٢٦١ هـ) (^٥).\nالمعارف لابن قتيبة أبي محمد عبدالله بن مسلم الدّيْنوري (ت ٢٦٧ هـ) (^٦).\n_________\n(^١) / ١١٧، ١٨/ ١٧٠، ١٩/ ٨٩، ٢٢/ ٢١٦.\n(^٢) / ١٦٧.\n(^٣) / ٣٠، ٦/ ٣١، ٥/ ٤٩.\n(^٤) / ١٤٨.\n(٤) ١٦/ ٥٦، ١٦/ ٢٤٦.\n(^٥) / ٧٧، ١/ ١٦٣.\n(^٦) / ٧٧، ٤/ ١٨٢.","vol":"1","page":59},{"text":"الجرح والتعديل: أبو محمد عبد الرحمن بن محمد الرازي ابن أبي حاتم (ت ٣٢٧ هـ) (^١).\nالكامل في ضعفاء الرجال أبو أحمد بن عدي الجرجاني (ت ٣٦٥ هـ) (^٢).\nالهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد، لأحمد بن محمد بن الحسين أبو نصر البخاري الكلاباذي (ت ٣٩٨ هـ) (^٣).\nرجال صحيح مسلم، أحمد بن علي بن محمد بن إبراهيم، أبو بكر ابن مَنْجُويَه (ت ٤٢٨ هـ) (^٤).\nالتعديل والتجريح لمن خرّج له البخاري في الجامع الصحيح، لأبي الوليد سليمان بن خلف التجيبي القرطبي الباجي الأندلسي (ت ٤٧٤ هـ) (^٥).\nتقييد المهمل وتمييز المشكل (شيوخ البخاري المهملون)، لأبي علي الحسين بن محمد الغساني (ت ٤٩٨ هـ) (^٦).\nالكمال في معرفة أسماء الرجال لعبد الغني بن عبد الواحد المقدسي الجماعيلي (ت ٦٠٠ هـ) (^٧).\n_________\n(^١) / ٣، ١٠/ ٦.\n(^٢) / ١٣٣، ١٩/ ١٨٤.\n(^٣) / ٨٢، ٥/ ١٩٨.\n(^٤) / ٩٤، ١/ ٢٠٢.\n(^٥) / ٥.\n(^٦) / ٨٢، ٦/ ٨٧.\n(^٧) / ٢٥، ٣/ ١٤٠.","vol":"1","page":60},{"text":"<span data-type='title' id=toc-40>ج - مصادره في مصطلح الحديث:</span>\nالمدخل إلى الإكليل، لأبي عبدالله محمد بن عبدالله الحافظ البيِّع الحاكم النيسابوري (ت ٤٠٥) (^١).\nالكفاية في علم الرواية، لأبي بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ) (^٢).\nمعرفة أنواع علوم الحديث، لعثمان بن عبد الرحمن، أبوعمرو، تقي الدين المعروف بابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ) (^٣).\nصيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط وحمايته من الإسقاط والسقط، لعثمان بن عبد الرحمن، أبوعمرو، تقي الدين المعروف بابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ) (^٤).\nشرح صحيح مسلم للإمام أبي زكريا يحيى بن شرف النووي الشافعي (ت ٦٧٦ هـ) (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-41>د - مصادره في علل الحديث:</span>\nالعلل الواردة في الأحاديث النبوية، لأبي الحسن علي بن عمر بن أحمد\n_________\n(^١) / ١٣٣، ٥/ ٧٩.\n(^٢) / ٩، ٨/ ٣٩.\n(^٣) / ٢٠٩، ٢/ ١١٤.\n(^٤) / ١٧٧، ٧/ ٢٢٢.\n(^٥) / ٨٢، ٥/ ١٠٢.","vol":"1","page":61},{"text":"البغدادي الدارقطني (ت ٣٨٥ هـ) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-42>هـ - مصادره في غريب الحديث:</span>\nكتاب الألفاظ، لابن السكيت، أبو يوسف يعقوب بن إسحاق (ت ٢٤٤ هـ) (^٢).\nغريب الحديث لإبراهيم بن إسحق الحربي (٢٨٥ هـ) (^٣).\nمجمل اللغة لابن فارس أحمد بن فارس القزويني الرازي، (ت: ٣٩٥ هـ) (^٤).\nالغريبين لأبي عبيد أحمد بن محمد الهروي (٤٠١ هـ) (^٥).\nالفائق (في غريب الحديث) لجار الله محمود بن عمر الزمخشري (ت ٥٣٨) (^٦).\nمطالع الأنوار (على صحيح الآثار) لابن قرقول إبراهيم بن يوسف (٥٦٩ هـ) (^٧).\nالنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير الجَزري أبي السعادات مبارك بن أبي الكرام (٦٠٦ هـ) (^٨).\n_________\n(^١) / ١٥٩، ١١/ ٥٨.\n(^٢) / ٤٢، ١٤٤٦.\n(^٣) / ١٤٨، ٢/ ١٧١.\n(^٤) / ١٢٠، ٥/ ١٨٤.\n(^٥) / ٣٦، ٩/ ٢٠٢.\n(^٦) / ١٧، ٥/ ١٩٣.\n(^٧) / ٥٤، ٢٥/ ٤٢.\n(^٨) / ٧٨، ٥/ ٢٤.","vol":"1","page":62},{"text":"تهذيب الأسماء واللغات لأبي زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (ت ٦٧٦ هـ) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-43>و- كتب المؤتلف والمختلف:</span>\nالمؤتَلِف والمختَلِف أبو الحسن علي بن عمرالدارقطني (المتوفى: ٣٨٥ هـ) (^٢).\nالإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف في الأسماء والكنى والأنساب، لسعد الملك، أبو نصر علي بن هبة الله بن جعفر بن ماكولا (ت ٤٧٥ هـ).\n\n<span data-type='title' id=toc-44>ز - مصادره في شروح الحديث:</span>\nمشكل الآثار، لأبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي الأزْديُّ (ت ٣٢١ هـ) (^٣).\nمعالم السنن للإمام لأبي سليمان حمد بن أحمد الخَطّابي البُسْتي (ت ٣٨٨ هـ) (^٤).\nأعلام الحديث (شرح صحيح البخاري) لأبي سليمان حمد بن محمد الخطابي (^٥).\nالنصيحة في شرح البخاري، لأبي جعفر أحمد بن نصر الداودي الأسدي\n_________\n(^١) / ٧٢، ١٥/ ٨١.\n(^٢) / ٥٣.\n(^٣) / ٢٠٥، ٣/ ١٥٦.\n(^٤) / ١٨٤، ٢٥، ٨٣.\n(^٥) / ٣٢، ٣/ ١٨١.","vol":"1","page":63},{"text":"(ت ٤٠٢ هـ) (^١).\nشرح صحيح البخاري للمهلّب بن أحمد بن أسيد بن عبدالله أبو القاسم ابن أبي صفرة الأسدي (ت ٤٣٥ هـ) (^٢).\nشرح صحيح البخاري لابن بطال أبي الحسن علي بن خلف المغربي المالكي (٤٤٩ هـ) (^٣).\nالاستذكار، لأبي عمر يوسف بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي (ت ٤٦٣ هـ) (^٤).\nالتمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، لأبي عمر يوسف بن عبد البر ابن عاصم النمري القرطبي (^٥).\nشرح السنة، لمحيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (ت ٥١٦ هـ).\nالتحرير في شرح صحيح مسلم، محمد بن إسماعيل بن محمد بن الفضل أبو عبدالله التيمي، الأصبهاني، (ت ٥٢٦ هـ) (^٦).\nالمُعلم بفوائد مسلم لأبي عبدالله محمد بن علي ا المازري المالكي\n_________\n(^١) / ٢٣٩، ٥/ ٧٨، ١٠/ ٢١٦. وكتاب: النصيحة للداودي مفقود.\n(^٢) / ١٨٨، ٣/ ٨٥، ٦/ ١٦٨، ١١/ ٢٠.\n(^٣) / ٧٠، ١١/ ١٦٤.\n(^٤) / ٥٨، ١٢/ ٩٨.\n(^٥) / ٥٨.\n(^٦) / ١٤، ١/ ١٣٠، ١٤/ ١٥.","vol":"1","page":64},{"text":"(ت: ٥٣٦ هـ) (^١).\nعارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي، للإمام الحافظ أبي بكر ابن العربي المالكي (ت ٥٤٢ هـ) (^٢).\nإكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي أبي الفضل عياض بن موسى اليحصبي (ت ٥٤٤ هـ) (^٣).\nالمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، لأبي العباس أحمد بن عمر القُرطبي (ت ٦٥٦ هـ) (^٤).\nمطالع الأنوار، إبراهيم بن يوسف بن عبدالله ابن قرقول الحمزي، (ت ٥٦٩ هـ) (^٥).\nالميسر في شرح مصابيح السنة فضل الله بن حسن بن حسين بن يوسف أبو عبدالله، شهاب الدين التُّورِبِشْتِي (ت ٦٦١ هـ) (^٦).\nشرح صحيح مسلم للإمام أبي زكريا يحيى بن شرف النووي الشافعي (ت ٦٧٦ هـ) (^٧).\n_________\n(^١) / ٢١٨، ٧/ ١٥٢، ٩/ ١١، ٧٩/ ٧٠.\n(^٢) / ١٣٣.\n(^٣) / ٢٠٩، ٣/ ١٨٦، ٦/ ٦٢.\n(^٤) / ٤٩.\n(^٥) / ٥٤، ٢٥/ ٤٢.\n(^٦) / ٣٧، ٧/ ٩٨، ١٢/ ١٠٥.\n(^٧) / ١٨، ٢/ ٥٧، ٣/ ٣٧، ٨/ ١٩.","vol":"1","page":65},{"text":"المتواري على تراجم أبواب البخاري، أحمد بن محمد بن منصور ابن المنير الجذامي الجروي الإسكندراني (ت ٦٨٣ هـ) (^١).\nتحفة الأبرار شرح مصابيح السنة، للقاضي، ناصر الدين عبدالله بن عمر البيضاوي (ت ٦٨٥ هـ) (^٢).\nالمفاتيح في شرح المصابيح لمظهر الدين الزَّيْدَانيُّ الكوفي الضَّريرُ الشِّيرازيُّ الحَنَفيُّ المشهورُ بالمُظْهِري (ت ٧٢٧ هـ) (^٣).\nشرح الطيبي على مشكاة المصابيح المسمى ب (الكاشف عن حقائق السنن)، شرف الدين الحسين بن عبدالله الطيب (ت ٧٤٣ هـ) (^٤).\nالتلويح في شرح الجامع الصحيح، لمغلطاي بن قَلِيج بن عبدالله البَكْجَريّ المصري الحكري الحنفي، أبو عبدالله، علاء الدين (ت ٧٦٢ هـ)، وهو من الكتب التي لم تصل إلينا (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-45>رابعا مصادره في التاريخ والسّير:</span>\nمغازي ابن إسحق (١٥١ هـ) (^٦).\nالعرائس في قصص الأنبياء، لأحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أبو\n_________\n(^١) / ٢٠٣، ٦/ ١٩٣، ٨/ ٢٩.\n(^٢) / ١٨، ٣/ ١٢٩، ٧/ ١٥٣.\n(^٣) / ٥٨، ٢٠/ ٥٩.\n(^٤) / ٢٣، ٤/ ٢٢٣، ٩/ ٧٩.\n(^٥) / ٢١٦، ٢٤/ ٢٣٤.\n(^٦) / ٨، ١٦/ ٢٤٧.","vol":"1","page":66},{"text":"إسحاق (ت ٤٢٧ هـ) (^١).\nدلائل النبوة لأني نُعَيم أحمد بن عبدالله الأصبهاني (ت ٤٣٠ هـ) (^٢).\nمناقب الشافعي، أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي (ت ٤٥٨ هـ) (^٣).\nالاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر، أبي يوسف عمر يوسف ابن عبدالله النّمري القُرطبي (ت ٤٦٣) (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-46>خامسا مصادره في اللغة والبلاغة:</span>\nالعين للخليل بن أحمد الفراهيديّ (١٧٥ هـ) (^٥).\nجمهرة اللغة، لأبي بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي (ت ٣٢١ هـ) (^٦).\nتهذيب اللغة، لمحمد بن أحمد بن الأزهري الهروي، أبو منصور (ت ٣٧٠ هـ) (^٧).\nالصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، لأبي نصر إسماعيل بن حمّاد الفارابي (ت ٣٩٣ هـ) (^٨).\n_________\n(^١) / ٤٤، ١٦/ ٧.\n(^٢) / ٢٠٢.\n(^٣) / ٤٣، ١٠/ ٥٢.\n(^٤) / ١٧٦، ١٢/ ٧.\n(^٥) / ٨٠، ١٧/ ١١٦.\n(^٦) / ٥٦، ١٣/ ١٦٤.\n(^٧) / ٣٥، ٩/ ٣٤.\n(^٨) / ٣٨، ١٨/ ٢٠٦.","vol":"1","page":67},{"text":"المحكم والمحيط الأعظم لابن سيده أبي الحسن علي بن إسماعيل اللغوي (ت ٤٥٨) (^١).\nمفتاح العلوم ليوسف بن أبي بكر بن محمد بن علي السكاكي الخوارزمي الحنفي أبو يعقوب (ت ٦٢٦ هـ) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-47>سادسًا مصادره في النحو:</span>\nالكتاب، لعمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي بالولاء، أبو بشر، الملقب سيبويه (ت ١٨٠ هـ) (^٣).\nالكافية في علم النحو، لابن الحاجب جمال الدين بن عثمان الإسنوي المالكي (ت ٦٤٦ هـ) (^٤).\nشَوَاهِد التَّوضيح وَالتَّصحيح لمشكلات الجامع الصَّحيح، لمحمد بن عبدالله، ابن مالك الطائي الجياني، أبو عبدالله، جمال الدين (ت ٦٧٢ هـ) (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-48>سابعًا مصادره في الفقه وأصوله:</span>\nلم يصرح الإمام الكرماني بمصادره في الفقه كثيرا، ولعل السبب في ذلك أنه كان يكتفي بقول شرّاح الحديث في نقل أقوال الفقهاء، كالنووي الشافعي\n_________\n(^١) / ١٩٥، ٦/ ٤٢.\n(^٢) / ٣٧، ٥/ ٢٦.\n(^٣) / ٩٤، ٦/ ٣٠.\n(^٤) / ٧٨.\n(^٥) / ١٥٥، ٢١/ ٤٦.","vol":"1","page":68},{"text":"في شرح مسلم، وابن بطال المالكي في شرحه على البخاري، وكان يقول قال أصحابنا، إلا أنه أشار إلى بعض مراجعه في الفقه فمن أهمها:\nالكتاب الأم للشافعي أبو عبدالله محمد بن إدريس المطلبي القرشي المكي (ت ٢٠٤ هـ) (^١).\nالحاوي الكبير، وهو شرح مختصر المزني، لأبي الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (ت ٤٥٠ هـ) (^٢).\nالأحكام السلطانية، لأبي الحسن علي بن البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (ت ٤٥٠ هـ) (^٣).\nالمستصفى، لأبي حامد، محمد الغزالي، (ت ٥٠٥ هـ) (^٤).\nالهداية شرح بداية المبتدي، لأبي الحسن علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الرشداني المرغياني (ت ٥٩٣) (^٥).\nفتح العزير بشرح الوجيز، (الشرح الكبير)، لعبد الكريم بن محمد الرافعي القزويني (ت ٦٢٣ هـ) (^٦).\n_________\n(^١) / ١٢٣/ ٣/ ٢١٦.\n(^٢) / ١٢، ٨/ ١٦٨.\n(^٣) / ١٠٦.\n(^٤) / ٢٣، ٢٢/ ٤٩.\n(^٥) / ١٨٢، ٨/ ٤٤.\n(^٦) / ٩.","vol":"1","page":69},{"text":"المحرر في فقه الإمام الشافعي، لأبي القاسم عبد الكريم بن محمد القزويني، (ت ٦٢٤ هـ) (^١).\nالفروق (أنوار البروق في أنواء الفروق)، لأبي العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن المالكي الشهير بالقرافي (ت ٦٨٤ هـ) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-49>ثامنًا مصادره في كتب الأنساب:</span>\nكتاب الأنساب لحمد بن طاهر بن علي بن أحمد، أبو الفضل ابن القيسراني الشيباني، المقدسي الأثري، (ت ٥٠٧ هـ) (^٣).\nالأنساب لعبد الكريم بن محمد بن منصور التميمي السمعاني المروزي، أبو سعد (ت ٥٦٢ هـ). «٥/ ١٥٤» (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-50>تاسعًا مصادره في الاستدراكات والتتبع:</span>\nالإلزامات والتتبع، لأبي الحسن علي بن عمر بن أحمد البغدادي الدارقطني (ت ٣٨٥ هـ) (^٥).\n* * *\n_________\n(^١) / ١٢.\n(^٢) / ١٤، ٧/ ٨٠.\n(^٣) / ٨٠.\n(^٤) / ١٤٥.\n(^٥) / ١٠١، ٢١، ٧٩.","vol":"1","page":70},{"text":"<span data-type='title' id=toc-51>المبحث الرابع\nأهمية كتاب الكواكب الدراري، ومنزلته بين شروح الجامع الصحيح</span>\n<span data-type='title' id=toc-52>١ - أهمية كتاب الكواكب الدراري:</span>\nتظهر أهمية كتاب الكواكب الدراري بما قاله الكرماني في مقدمة شرحه للكتاب (من أنه تصدى فيه لعلوم العربية من بلاغة ونحو، وعلوم الشريعة من أصول الفقه، والمسائل الفقهية والتعريفات الاصطلاحية، وعلم الرجال والسند، والاهتمام بتراجم البخاري ومناسبة التراجم للأحاديث … وبين اعتذار العلماء وعجز الفحول منهم عن موضوع تراجم البخاري وعلاقته بالأحاديث) (^١).\nوقد كان شرح الإمام الكرماني شرحًا متوسطًا، فيه من الفوائد والفرائد، وقد تناول شرح الحديث من أغلب جوانبه النحوية والصرفية، ومايتعلق بعلم الحديث رواية ودراية، وغيرها … وماسنراه في طيات البحث إن شاء الله ﷿.\nوقد أثنى الكرماني على تأليفه فقال: «فجاء بحمد الله كتابا حافلا بكل\nما يحتاج إليه المحتفل به فهو شيخ للطالب، أستاذ للمتعلم، مرشد للمشتغل به فيا لها نعمة عظيمة أخلصت لك نقاوتها، وطعمة جسيمة حببت لك حلاوتها، وغنيمة باردة اخترت صنعها، ولقمة هنيئة أعددت لك نقيها» (^٢).\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١/ ٤.\n(^٢) السابق، ١/ ٥.","vol":"1","page":71},{"text":"لذلك لاينكر فضل ما في الكتاب إلا جاحد غير منصف، وقد بين الكرماني أن هناك طائفة من الناس لاتنصف أحدًا، وهناك طائفة تشهد بالخير وتعذر بالخطأ والزلل فقال: «ولو كان لكتابي هذا نفس ناطقة ولسان مطلقة، لقال بمقال صريح وكلام فصيح لله درّ مؤلف هذا التأليف الرائق الرئيس،\nولا شلّت يد مصنف هذا التصنيف الفائق النفيس وهذا الكتاب لابد أن يقع لأحد رجلين: إما عالم منصف فيشهد لي بالخير ويعذرني فيما كان من العثار، الذي هو لازم الإكثار وإما جاهل متعسّف، فلا اعتبار لوعوعته، ولا اعتداد بوسوسته، ومثله لا يعبأ به لا لمخالفته، ولا لموافقته وإنما هو الاعتبار بذي النظر الذي يعطي كلّ ذي حقّ حقّه» (^١).\nفهذا يبيّن أهمية، وقيمة الكتاب العلمية للكواكب الدراري وذلك للأسباب الآتية:\n\n<span data-type='title' id=toc-53>١ - شرح لصحيح البخاري الذي هو أصح كتاب بعد كتاب الله ﷿</span>-، والذي اعتمد فيه على أكثر من نسخة مخطوطة، وكان اعتماد الكرماني فيها كذلك على رواية، أبي الشيخ أبي عبدالله محمد بن يوسف بن مطر بن صالح الفربري (^٢) (ت ٣٢٠ هـ) وهي أوثق الرويات عن البخاري، وأصحها، لكونه آخر سماعًا عن\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١/ ٥ - ٦.\n(^٢) محمد بن يوسف بن مطر الفربري، نسبته إلى (فربر) من بلاد بخارى، سمع من علي ابن خشرم وقتيبة وغيرهما، أوثق من روى صحيح البخاري، سمعه مرتين، ورواه عنه كثيرون، (ت ٣٢٠ هـ)، ينظر: التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد، محمد ابن نقطة الحنبلي، والوافي بالوفيات، الصفدي، ٥/ ١٦٠.","vol":"1","page":72},{"text":"البخاري وآخرهم حياة بعده، وقد سمع «الصحيح» من البخاري مرتين، وقيل ثلاث مرات) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-54>٢ - كثرة المراجع التي اعتمدها الكرماني في شروح الحديث، واللغة، والغريب … مما يدل على سعة اطلاعه، وغزير علمه.</span>\n<span data-type='title' id=toc-55>٣ - نقله عن مصادر لم تصل إلينا بعد، إما لضياعها وتلفها، أو أنها مازالت في خزائن المكتبات!</span> ككتاب التحرير في شرح صحيح مسلم، لمحمد بن إسماعيل ابن محمد بن الفضل أبو عبدالله التيمي، الأصبهاني، (ت ٥٢٦ هـ) (^٢)، والنصيحة في شرح البخاري، لأبي جعفر الداودي، (ت ٤٠٢ هـ) (^٣).\n<span data-type='title' id=toc-56>٤ - اهتمام الإمام الكرماني بعلوم الحديث رواية ودراية، ويبين المُشكل فيهما،</span> ويرد الشبهة عنهما، ويذكر العلة ويناقشها، ويذكر رأيه في المسألة، مما جعل\n_________\n(^١) ينظر: الإفصاح عن معاني الصحاح، ١/ ١٤٤، والأنساب للسمعاني، ١٠/ ١٧١.\n(^٢) محمد بن إسماعيل بن محمد بن الفضل بن علي بن أحمد بن طاهر التيمي الأصبهاني، أبو عبدالله، كان عالما إماما في العلوم كلها، وفاق أقرانه في الفصاحة، والبيان، والذكاء، والفهم، له تصانيف كثيرة مع صغر سنه، وله شرح على البخاري ومسلم ومات ولم يكمله، فأكمله والده إسماعيل الملقب بقوام السنة، وكان يروي عنه وجادة، (ت ٥٢٦ هـ) ينظر: تاريخ الإسلام، الذهبي، ١١/ ٦٢٣، ومعجم المؤلفين، ٩/ ٦١ - ٦٢.\n(^٣) أحمد بن نصر الداودي، الأسدي، المالكي، (ابو جعفر)، محدث. فقيه، متكلم. سكن طرابلس الغرب، وتوفي بتلمسان، له مصنفات عدة منها: الواعي في الفقه، والنصيحة في شرح البخاري، (ت ٤٠٢ هـ)، معجم المؤلفين، ٢/ ١٩٤.","vol":"1","page":73},{"text":"الكتاب يشتمل على فوائد شتى.\n\n<span data-type='title' id=toc-57>٥ - احتوى الكتاب على ذكر أقوال الفقهاء في المسألة بشكل مبسط مختصر،</span> مستدلًا بأقوال الأصوليين في المسألة، مما جعله مرجعا مهما في هذا العلم.\n<span data-type='title' id=toc-58>٦ - اهتمام الكرماني في الكتاب بالغامض والغريب من اللغة والمعاني،</span> فلا تمر معه كلمة إلا ويبين معناها، مستدلا بالمعاجم وكتب اللغة والغريب.\n<span data-type='title' id=toc-59>٧ - اهتم الكرماني في شرحه بأمور العقيدة،</span> وعلم الكلام وتبنى عقيدة أهل السنة والجماعة الأشعرية ودافع عنها، كما رد على أهل الفِرَق المتنوعة كالخوارج، والمعتزلة.\n<span data-type='title' id=toc-60>٢ - منزلة الكواكب الدراري بين شروح الجامع الصحيح:</span>\nهذا وقد اعتنى شراح الحديث بشرح الكرماني، ونقلوا منه الفوائد والفرائد، يقول ابن حجر: «وهو شرح مفيد على أوهام فيه في النقل؛ لأنه لم يأخذ إلا من الصحف» (^١).\nفشرح الكرماني كان نبراسا يهتدي به، وينقل منه جملة من شرّاح الحديث الذين شرحوا صحيح البخاري ممن جاؤوا بعده.\nوقد أخذ منه ابن حجر ونقل عنه، واستفاد من شرحه، وممن استفاد منه كذلك ولده تقي الدين يحيى الكرماني، شرح الجامع الصحيح للبخاري وقد أخذ من شرح والده وغيره، «استمد فيه من شرح أبيه، وشرح ابن الملقن\n_________\n(^١) الدرر الكامنة، ٦/ ٦٦.","vol":"1","page":74},{"text":"وأضاف إليه من شرح الزركشي وغيره، وما سنح له من حواشي الدمياطي، وفتح الباري، والبدر. وسماه: «مجمع البحرين، وجواهر الحبرين».» (^١).\nوممن أخذ عن الكرماني في شرحه البدرالعيني (^٢)، في كتابه: عمدة القاري، (ت ٨٥٥ هـ).\nومنهم أحمد بن إسماعيل الكوراني، (ت ٨٩٣ هـ)، في كتابه: الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري.\nومنهم الإمام القسطلاني (ت ٩٢٣ هـ)، في كتابه إرشاد الساري، وغيرهم.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-61>المبحث الخامس\nالمنهج العام للكرماني في كتاب الكواكب الدراري</span>\nكما هي عادة المؤلفين بدأ الكرماني شرحه بمقدمة تناولت أهم المواضيع المتعلقة بشرحه على البخاري، وبيّن منهجه العام، وطريقته في شرح الحديث.\nقال الكرماني: «وإنما قصدت بذلك إظهار احتياج هذا الكتاب الذي هو ثاني كتاب الله تعالى إلى شرحٍ مكمّل للفوائد شامل للعوائد عام المنافع تامّ المصالح، جامع لشرح الألفاظ اللغوية الغريبة، ووجه الأعاريب النحوية البعيدة\n_________\n(^١) كشف الظنون، ص ٥٤١.\n(^٢) محمود بن أحمد بن موسى أبو محمد بدر الدين العيني الحنفي، من كبار المحدثين، أصله من حلب، ومولده في عينتاب، واشتغل بالفقه، وبرع فيه، له شرح على البخاري، اسمه عمدة القاري، (ت ٨٥٥ هـ)، ينظر: بغية الوعاة، السيوطي، ٢/ ٢٧٥.","vol":"1","page":75},{"text":"وبيان الخواص التركيبية واصطلاحات المحدثين ومباحث الأصوليين، والفوائد الحديثية والمسائل الفقهية، وضبط الروايات الصحيحة، وتصحيح أسماء الرجال وألقاب الرواة وأنسابهم وصفاتهم، ومواليدهم ووفياتهم، وبلادهم ومروياتهم، والتلفيق (^١) بين الأحاديث المتنافية الظواهر، والتوفيق بينها وبين التراجم المستورة عن أكثر الضمائر.\nولتوضيح ما صعب من سلوك مناهجها، وتبيين ما لم يظهر من مقدماتها ونتائجها، وتليين ما لم يذلل من صفاتها، ولم يخضع للفهم رقابها وبعض عويصاتها، مما جعل جنابها عن أن يكون شريعة لكل وارد، أو يطلع عليه إلاّ واحد بعد واحد …» (^٢).\nفبين الكرماني أن منهجه يقوم على:\nالتعريف بصحيح الإمام البخاري في مقدمة شرحه، تعريفًا موجزًا، بيّن فيه عدد الأحاديث فيه، وعدد المكرر، وعدد الذين تفردوا بالرواية عن البخاري دون مسلم.\nبيان الغامض من الألفاظ في الشرح، والترجيح بالقرائن، والأدلة، مع بيان وجه الأعاريب النحوية غير الظاهرة.\n_________\n(^١) يستعمل الكرماني لفظ التلفيق بمعنى التوفيق بين المعاني، والأحاديث، وقد قال أهل اللغة أن التلفيق من معانيه الملاءمة، يُقال تلافق القوم أي تلاءمت أمورهم. ينظر: القاموس المحيط: ١/ ٩٢٢.\n(^٢) الكواكب الدراري: ١/ ٤.","vol":"1","page":76},{"text":"التنبيه على بعض الفروق في ألفاظ الحديث على حسب نسخ صحيح البخاري.\nبيان خواص التراكيب البلاغية على حسب علم المعاني.\nذكر مباحث الأصوليين من عام وخاص ومجمل ومبين … والمسائل، والقواعد الفقهية المتنوعة، ونسبة الأقوال لأصحابها.\nذكر الفوائد الحديثية، وضبط الروايات الصحيحة.\nضبط أسماء الرجال، ويتوسع في ترجمة المشهورين منهم، ويذكر ألقابهم، وأنسابهم، وصفاتهم، وبلادهم، ومروياتهم، وبيان المؤتلف والمختلف من الأسماء.\nالتوفيق بين الأحاديث ظاهرة التعارض، مع التوفيق بينها وبين التراجم المستورة، مع بيان مناسبة الأحاديث التي في كل باب لما ترجم له.\nومما تبين كذلك:\nالذبّ عن صحيح البخاري فيما انتُقد عليه، في إسناد معلق، أو مرسل، أو مقطوع، أو سبب تقديم البخاري عناوين الكتب بعضها على بعض.\nيشير إلى أسباب ترجيح صحيح البخاري، على صحيح مسلم.\nيبين مراد البخاري، من ذكر باب ما، أوترجمة لباب، أوبيان عبارة قد تُوهم الإشكال.\nأغلب آراء الكرماني الحديثية وافق فيها جماهير المحدثين، ويذكر في بعض الأحيان آراؤه الحديثية التي انفرد بها، عن المتفق عليه بينهم.","vol":"1","page":77},{"text":"يذكر آراء أصحاب الفِرَق، كالخوارج، والشيعة، والمعتزلة ويرد عليهم.\nالاكتفاء في النقل عن شرّاح الحديث في كثير من الأحايين، من دون التعليق عليها، كالنووي في شرحه على مسلم، وابن بطال في شرحه على البخاري وغيرهم.\nله مصطلحات تُعرف من خلال سياق الكلام، فمثلًا كلمة رواه أحيانًا يقصد بها الصحابي أو التابعي الذي روى الحديث، وأحيانًا يقصد بها معنى التخريج.\nبعد أن يذكر الأقوال في المسألة، ينقل ما قيل من أقوال غير معتمدة بصيغة التمريض «قيل».\nإذا تكرر الحديث يترك أحيانا بعض أجزاء الشرح، ولطائفه، ويذكرها عند ذكر الحديث مرة أخرى، وكثير من الأحيان يمر على الحديث المكرر سريعا، ولا يُعيد الشرح، وخصوصًا في الأجزاء الأخيرة من شرحه.\nالإشارة إلى نهاية كتاب وبداية آخر، أو يُنهي الكتاب بقوله: «تم»، أحيانًا يختم الكتاب بالدعاء ويكفي به.\nعند توثيقه لكلامه يصف من نقل عنهم بأهل كذا … كقوله، قال أهل اللغة، قال أهل البلاغة، قال أهل البيان، قال أهل العلم.\nوهناك نقاط كثيرة في تفصيل منهج الكرماني ستظهر بمشيئة الله أثناء البحث.\n* * *","vol":"1","page":78},{"text":"<span data-type='title' id=toc-62>المبحث السادس\nبعض المآخذ على الكرماني</span>\nويشمل:\n\n<span data-type='title' id=toc-63>١ - اعتراض ابن حجر في فتح الباري:</span>\n٢ - اعتراض البرماوي (^١) في اللامع الصبيح:\nعلى جلالة قدر علم الإمام الكرماني، وكتابه الكواكب الدراري، إلا أنه لم يخلُ من انتقادات الأئمة، وذكر ما فيه من ثغرات، وملاحظات، منها ما هو واضح، ومنها ما يُمكن الرد عليه، ورد الشبهة في التوفيق بين قول الكرماني، والمعترض.\nفمن الاعتراضات على الكرماني:\n١ - اعتراض ابن حجر في فتح الباري:\nقال ابن حجر: «وهو شرح مفيد على أوهام فيه في النقل لأنه لم يأخذ إلا من الصحف» (^٢) «وفيه أوهام فاحشة وتكرار كثير لا سيما في ضبط أسماء\n_________\n(^١) محمد بن عبد الدائم بن موسى، شمس الدين أبوعبدالله العسقلاني، الأصل البرماوي المصري، أخذ عن سراج الدين البلقيني وابن الملقن وزين الدين العراقي وعز الدين ابن جماعة، كان عالمًا بالفقه والنحو والحديث والأصول، له شرح على البخاري اسمه: اللامع الصبيح على الجامع الصحيح، (ت ٨٣١ هـ)، طبقات الشافعية، ٤/ ١٠١، ومعجم المؤلفين، ١٠/ ١٣٢.\n(^٢) الدرر الكامنة، ابن حجر ٦/ ٦٦.","vol":"1","page":79},{"text":"الرواة» (^١).\nمن هذه الأوهام التي وقع فيها الكرماني وانتقده فيها الحافظ ابن حجر، الوهم في العزو إلى المصادر.\nمثاله: قال البخاري: «أَذِنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَهْلِ بَيْتٍ مِنْ الْأَنْصَارِ أَنْ يَرْقُوا مِنْ الْحُمَةِ وَالْأُذُنِ …» (^٢).\nفالكرماني نقل عن ابن بطال في ضبط كلمة الأذن فقال: «قال ابن بطال: الأدر جمع الآدر،. أقول يعني نحو الحمر والأحمر من الأدرة وهي نفخة الخصيتين وهو غريب شاذ» (^٣).\nفقال ابن حجر: «ولم أر ذلك في كتاب ابن بطال فليحرر» (^٤) وبالفعل هذا الكلام غير موجود في كتاب ابن بطال.\nوأكثر من انتقد الكرماني هو ابن حجر، ومن بعض هذه الانتقادات.\nالوهم في الراوي المقصود (^٥).\nغفلة الكرماني عن بعض الروايات، وعدم استحضارها، أدى إلى الوهم في فهم المقصود (^٦).\n_________\n(^١) طبقات الشافعية، ابن قاضي شهبة، ٣/ ١٠٨.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الطب، باب: ذَاتِ الْجَنْبِ، رقم (٥٣٦٢).\n(^٣) الكواكب الدراري، ٢١/ ١١.\n(^٤) فتح الباري، ١٠/ ١٧٣.\n(^٥) ينظر: فتح الباري، ٥/ ٦٩، ٨/ ٣٧٨.\n(^٦) ينظر: فتح الباري، ٥/ ١٧٦.","vol":"1","page":80},{"text":"القول بمسألة ما أنه مجمع عليها، والصحيح خلاف ذلك (^١).\nوغير ذلك من الانتقادات، وقد انتصر البدر العيني الحنفي للكرماني في كتابه عمدة القاري (^٢)، ورد بعض انتقادات ابن حجر (^٣).\nحتى إن البدر العيني الحنفي انتقد الكرماني في نقله لرأي الحنفية، وأن المسألة فيها خلاف بين أئمة المذهب، وليس قولا واحدًا كما قال الكرماني (^٤).\n_________\n(^١) السابق، ٢/ ٣١٢.\n(^٢) قال السخاوي عن عمدة القاري: «سماه عمدة القاري استمد فيه من شرح شيخنا\nيقصد ابن حجر بحيث ينقل منه الورقة بكمالها، وربما اعترض، لكن قد تعقبه شيخنا في مجلد حافل بل عمل قديما حين رآه تعرض في خطبته له وأنها مأخوذة من مقدمة النووي جزءا سماه الاستنصار على الطاعن المعثار، بيّن فيه ما نسبه إليه مما زعم انتقاده في خصوص الخطبة، وقف عليه الأكابر من سائر المذاهب كالجلال البلقيني، وللشمسين البرماوي وابن الديري والشرف التباني والجمال الأقفهسي والعلاء بن المغلي، فبينوا فساد انتقاده وصوّبوا صنيع شيخنا وأنزلوه منزلته». الضوء اللامع، ١٠/ ١٣٣. ثم لما ألف البدر العيني كتابه: عمدة القاري، واستفاد منه كثيرا وانتقده كثيرا، ألف ابن حجر كتابه: انتقاض الاعتراض، في الرد على البدر العيني، ينظر: مقدمة انتقاض الاعتراض لابن حجر، ١/ ٩.\nكما أن هناك كتاب لابن حجر أفرده في التأليف، غير الفتح وجعله مخصصًا لتعقب الكرماني في شرحه، هو وصول الأماني، بذكر تعقُّبات الحافظ ابن حجر العسقلاني، على العلامة الكِرماني في شرحه لصحيح البخاري.\n(^٣) ينظر عمدة القاري: ١/ ١٨١، ٢/ ٨، ٣/ ١٧٤، ١٥/ ١٣٤،\n(^٤) ينظر عمدة القاري، ١٢/ ٢٩٨.","vol":"1","page":81},{"text":"<span data-type='title' id=toc-64>٢ - اعتراض البرماوي في اللامع الصبيح:</span>\nوقال شمس الدين البرماوي، بعد أن أثنى على الكرماني وشرحه: «إلا أنه كرر فيه كثيرا، لا سيما في التراجم والأسماء، فإنه زاد تكريرا، وربما أغلق في بعض العبارة، وأطال بما يمكن أن يشار إليه بأخصر إشارة، وربما قدم ما يحسن تأخيره، وأخر ما يحسن تقديمه وتوفيره، وربما غاير بين أقوال راجعة في المعنى إلى واحد، حتى كاد أن تلتبس في ذلك المقاصد» (^١).\nإذا تبين أن المآخذ كانت في:\nالوهم في النقل لأنه لم يأخذ إلا من الصحف.\nالاكتفاء في النقل عن شرّاح الحديث في كثير من الأحايين، من دون التعليق عليها، كالنووي في شرحه على مسلم، وابن بطال (^٢) في شرحه على البخاري وغيرهم، وهو ما يعزز قول ابن حجر أنه أخذه من الصحف.\nوقد انتقد ابن حجر الكرماني بقوله أن البخاري لا يراعي حسن الترتيب (^٣) فقال ابن حجر: «والعجب من دعوى الكرماني أنه لا يقصد تحسين الترتيب بين الأبواب مع أنه لا يعرف لأحد من المصنفين على الأبواب من اعتنى\n_________\n(^١) اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح، المقدمة، ص ٤.\n(^٢) علي بن خلف بن عبد الملك بن بطال القرطبي، أخذ عن أبي عمر الطلنكي، وكان من أهل العلم والمعرفة، له شرح على البخاري، (ت ٤٤٩ هـ)، ينظر: سير أعلام النبلاء، ١٣/ ٣٠٣.\n(^٣) الكواكب الدراري، ٢/ ١٨٣.","vol":"1","page":82},{"text":"بذلك غيره حتى قال جمع من الأئمة فقه البخاري في تراجمه» (^١).\nوقد تبين لي أن وهم الكرماني في بعض النقول أنه كان ينقل معنى الكلام، دون أن يأخذه بالحرف، ولعله أخطأ في بعضها، كما أنه إلا في حالات قليلة، يقول بعد النقل: «تم كلامه» (^٢) ولا يذكر أين هي نهاية كلام المرجع الذي نقل منه، فهذا قد يؤدي إلى التداخل بين كلامه وكلام المنقول عنه.\nالتكرار في ضبط أسماء الرواة:\nأما عن تكراره لضبط اسم الرواة:\nولعل الكرماني كان يعمد إلى ذلك في أسماء الرواة الذين قد يقع الإشكال في نطق أسمائهم، فتراه يكرر الضبط حتى يعلق في ذهن القاراء الضبط الصحيح مثال على ذلك:\nفقد قال في ضبط اسم التابعي: «سعيد بن المسيَّب» (^٣) «بفتح الياء على المشهور، وقيل بالكسر وكان يكره فتحها» (^٤).\n_________\n(^١) فتح الباري، ١/ ٢٣٤.\n(^٢) الكواكب الدراري، ١/ ٧٢، ٤/ ١٩٦.\n(^٣) سعيد بن المسيَّب بن حزن، بن أبي وهب القرشي المخزومي المدني، التابعي، عالم أهل المدينة، ولد في زمن عمر بن الخطاب ﵁، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، وروى له الجماعة كلهم، (ت ٩٤ هـ)، ينظر الوافي بالوفيات، الصفدي، ١٥/ ١٦٣.\n(^٤) الكواكب الدراري، ١/ ١٢٥، وكرر الضبط في مواضع أخرى بقوله: «بفتح الياء على المشهور» ٢/ ٢٢، ٢/ ١٧٣، ١٤/ ٨٧، إلا أنه قال في موضع في ضبط ذات الاسم: «بفتح الياء على المشهور وبكسرها» ١٧/ ١٤٣. وقال النووي في تهذيب الأسماء واللغات: «ويقال: المسيب، بفتح الياء وكسرها، والفتح هو المشهور، وحكى عنه أنه كان يكرهه، ومذهب أهل المدينة الكسر»، ١/ ٢١٩.","vol":"1","page":83},{"text":"مثال ثانٍ:\nكرر ضبط اسم الراوي: «محمد بن جعفر هو أبو عبدالله محمد الهزلي البصري المعروف بغُنْدَر بضم الغين المعجمة والنون الساكنة والدال المهملة المفتوحة هو المشهور» (^١).\nثم إنه كرر ضبط غُنْدَر في أكثر من عشر مواضع، ويقول: مر في باب ظلم دون ظلم، وتارة يكتفي بالضبط من دون الإحالة، وقد بيّن الكرماني في مقدمته بيان السبب في ذلك: «ولم أبال عن الإعادة في الإفادة عند الحاجة إلى البيان، ولا في تعجيم بعض الأسماء التي هي واضحة عند أهل هذا الشأن، لأني قصدت فيه النفع للمبتدئين والمنتهين، والفائدة للمتقدمين والمتأخرين … وذكر أن الناس اشتبهت عليهم أكثر الأسماء، حتى كادوا يتركون قراءة صحيح البخاري» (^٢).\nأما قول شمس الدين البرماوي، أن الكرماني كان يُطيل في موضع الاختصار، أو أنه يُقدم مايجب تأخيره أو العكس، فلعل هذا وجهة نظر البرماوي ورأيه، إذا أن منهج الكرماني كان أكثره يدور على الاختصار.\nقلت: ومن المآخذ على الكرماني كذلك:\nالحكم على أسانيد بالانقطاع، وهي موصولة من طرق أخرى، مع العلم أن الكرماني كم من أحاديث مرت قيل عنها أنها مقطوعة أو مرسلة إلا أنه بيّن\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، وقد ترجم له في بَابُ: ظُلْمٌ دُونَ ظُلْمٍ ١/ ١٤٤.\n(^٢) السابق، ١/ ٥.","vol":"1","page":84},{"text":"أنها موصولة من طرق أخرى وأزال الإشكال إلا أنه ربما غفل عن بعضها كهذا المثال: قال البخاري:\n«حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ قَرَأ تُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عُمَرَ ابْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا وَهْوَ بِالْعِرَاقِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيُّ فَقَالَ مَا هَذَا يَا مُغِيرَةُ أَلَيْسَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ جِبْرِيلَ ﷺ نَزَلَ فَصَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ «بِهَذَا أُمِرْتُ». فَقَالَ عُمَرُ لِعُرْوَةَ اعْلَمْ مَا تُحَدِّثُ أَوَإِنَّ جِبْرِيلَ هُوَ أَقَامَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَقْتَ الصَّلَاةِ. قَالَ عُرْوَةُ كَذَلِكَ كَانَ بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ. قَالَ عُرْوَةُ وَلَقَدْ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ، وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ» (^١).\nقال الكرماني: «واعلم أن الحديث بهذا الطريق ليس متصل الإسناد إذ لم يقل أبو مسعود شاهدت أنا أو قال رسول الله ﷺ إن جبريل نزل» (^٢).\nقال ابن حجر في فتح الباري يرد كلام الكرماني: «قلت هذا لا يسمى منقطعا اصطلاحا وإنما هو مرسل صحابي (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: مواقيت الصلاة، رقم (٥٠٠).\n(^٢) الكواكب الدراري، ٤/ ١٧٥.\n(^٣) «مرسل الصحابي هو ما يرويه الصحابي عن النبي ﷺ ولم يسمعه منه، إما لصغر سنه، أو تأخر إسلامه أو غيابه عن شهود ذلك»، منهج النقد، ص ٣٧٣، وقال ابن الصلاح في حكم الاحتجاج بمراسيل الصحابة. «ثم إنا لم نعد في أنواع المرسل ونحوه ما يسمى في أصول الفقه مرسل الصحابي مثلما يرويه ابن عباس وغيره من أحداث الصحابة عن رسول الله ﷺ ولم يسمعوه منه؛ لأن ذلك في حكم الموصول المسند، لأن روايتهم عن الصحابة، والجهالة بالصحابي غير قادحة، لأن الصحابة كلهم عدول، والله أعلم» علوم الحديث ص ٥٦، وتوجيه النظر ٢/ ٥٦١.","vol":"1","page":85},{"text":"لأنه لم يدرك القصة فاحتمل: أن يكون سمع ذلك من النبي ﷺ أو بلغه عنه بتبليغ من شاهده أو سمعه كصحابي آخر، على أن رواية الليث عند المصنف تزيل الإشكال كله، ولفظه: فقال عروة سمعت بشير بن أبي مسعود يقول سمعت أبي يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول فذكر الحديث» (^١) وهو «أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَّرَ الْعَصْرَ شَيْئًا، فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ: أَمَا إِنَّ جِبْرِيلَ ﵇ قَدْ نَزَلَ، فَصَلَّى أَمَامَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ عُمَرُ: اعْلَمْ مَا تَقُولُ يَا عُرْوَةُ، فَقَالَ: سَمِعْتُ بَشِيرَ بْنَ أَبِي مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ … وذكر الحديث» (^٢).\nفبين ابن حجر أن الحديث من قبيل مرسل الصحابي، وأن الرواية الثانية عند البخاري فيها التصريح بالسماع فيزيل الإشكال.\nمثال آخر: قال البخاري: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو قُتَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ المُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ\n_________\n(^١) فتح الباري، ٢/ ٥.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: بدء الخلق، بَاب: ذِكْرِ الْمَلَائِكَةِ، رقم (٣٠١٢).","vol":"1","page":86},{"text":"لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي، وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ».» (^١).\nقال ابن حجر: «قوله عن عبدالله بن أبي قتادة قال أبو عبدالله لا أعلمه إلا عن أبيه انتهى أبو عبدالله هذا هو المصنف، وقع قوله قال أبو عبدالله في رواية المستملي وحده وكأنه وقع عنده، توقف في وصله لكونه كتبه من حفظه أو لغير ذلك، وهو في الأصل موصول لا ريب فيه فقد أخرجه الإسماعيلي عن بن ناجية عن أبي حفص، وهو عمر بن علي شيخ البخاري فيه فقال عن عبدالله بن أبي قتادة عن أبيه ولم يشك وأغرب الكرماني فقال إن هذا الإسناد منقطع وإن حكم البخاري بكونه موصولا لأن شيخه لم يروه إلا منقطعا» (^٢) كما أن البدر العيني نقد ابن حجر في مواضع عدة في كتابه: «عمدة القاري شرح صحيح البخاري» (^٣).\nلكن هذه الانتقادات القليلة بجانب الإيجابيات، والمحاسن الكثيرة، تتلاشى مع كثرة النقول والفوائد التي نقلها ابن حجر عن الكرماني في فتح الباري، وغيره كالبدر العيني، والشوكاني، وكل جهد بشري قابل للانتقاد، مهما بلغ فيه صاحبه غاية الجهد، فلذلك نلتمس له العذر.\nوبعض المآخذ كانت في نسبة الكرماني لبعض الرواة لبلدان غير بلدانهم،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الجمعة، بَاب: لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، رقم (٨٦٩).\n(^٢) فتح الباري، ٢/ ٣٢٩.\n(^٣) عمدة القاري، شرح صحيح البخاري، البدر العيني، وهذه بعض الصفحات من نقله عن الكرماني:/ ١٨، ١٢/ ٢٢٣، ١٢/ ٢٩٨.","vol":"1","page":87},{"text":"كما قال في نسبة: «المكي ابن إبراهيم» «المنسوب الى مكة شرفها الله تعالى» (^١).\nوقد اعترض ابن حجر على ذلك فقال في الاسم: «هو اسم بلفظ النسب وليس بنسب لأنه بلخي» (^٢) وقد رد البدر العيني على اعتراض ابن حجر وبيّن أن المراد على صورة النسبة إلى مكة، فقال: «وقد اعترض عليه بعضهم بأن قال: منسوب إلى مكة وليس كذلك، بل هو اسمه، وهو من بلخ قلت: أراد به الكرماني أنه على صورة النسبة إلى مكة ولم يدع أنه منسوب إلى مكة حقيقة» (^٣). قلت: وهو من النِسب التي على خلاف ظاهرها.\n* * *\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٨/ ٨٣.\n(^٢) فتح الباري، ١/ ٢٥١.\n(^٣) عمدة القاري، ٩/ ١٨٥.","vol":"1","page":88},{"text":"الباب الثاني\nالصناعة الحديثية عند الكرماني وطرائقه المتعلقة بالأسانيد، والتخريج وعلوم الرواة\n* الفصل الأول: منهج الكرماني وصناعته الحديثية المتعلقة بالأسانيد.\n* الفصل الثاني: منهج الكرماني في تخريج الأحاديث وبيان الفوائد من ذلك.\n* الفصل الثالث: منهج الكرماني وصناعته الحديثية في علوم الرواة.","vol":"1","page":89},{"text":"<span data-type='title' id=toc-65>الباب الثاني\nمنهج الكرماني وصناعته وطرائقه المتعلقة بالأسانيد، والتخريج وعلوم الرواة</span>\n<span data-type='title' id=toc-66>الفصل الأول\nمنهج الكرماني وصناعته الحديثية المتعلقة بالأسانيد</span>\n<span data-type='title' id=toc-67>المبحث الأول\nتعريف المنهج، والصناعة الحديثية</span>\n<span data-type='title' id=toc-68>١ - تعريف المنهج في اللغة:</span>\nالنَهْجُ: الطريق الواضح، وكذلك المَنْهَجُ والمِنْهاجُ. وأَنْهَجَ الطريقُ، أي استبانَ وصار نَهْجًا واضحًا بَيِّنًا والجمع نهوج، ونهاج (^١).\nولم أجد فيما اطلعت عليه من عرّف المنهج تعريفًا اصطلاحيًا، غير أنه يُقصد به الطريق الواضح، والعادة، والأسلوب الذي مشى عليه الكرماني في شرحه.\n\n<span data-type='title' id=toc-69>٢ - تعريف الصناعة الحديثية:</span>\nيقصد بالصناعة في المعنى العام في علم ما هو التفنن في ذلك الموضوع\n_________\n(^١) ينظر مادة: (نهج) الصحاح وتاج اللغة، الفارابي، وجمهرة اللغة، الأزدي، ١/ ٤٩٨، ١/ ٣٤٦. وأساس البلاغة، الزمخشري، ٢/ ٣٠٦.","vol":"1","page":91},{"text":"والحذاقة، وترك بصمة واضحة فيه، وإظهار وبذل الجهد والطاقة، واستنباط قواعد هذا العلم، والإحاطة به.\nوإلى هذا يشير حاجي خليفة: «المنظر الثالث: في أن العلم من جملة الصنائع، لكنه أشرفها واعلم: أن الحذاقة والتفنن في العلم، والاستيلاء عليه، إنما هو بحصول الملكة في الإحاطة بمباديه، وقواعده، والوقوف على مسائله، واستنباط فروعه من أصوله؛ وهذه الملكة هي غير الفهم والملكات كلها جسمانية، والجسمانيات كلها محسوسة، فتفتقر إلى التعليم، فيكون صناعيا، ولذلك كان السند فيه معتبرا، وجميع ما يسمونه علما أو صناعة، فهو عبارة عن ملكة نفسانية، يقتدر بها صاحبها على النظر في الأحوال العارضة لموضوع ما، من جهة ما، بحيث يؤدي إلى الغرض» (^١).\nوجاء في تعريف الصناعة: «ملكة نفسانية تصدر عنها الأفعال الاختيارية من غير روية، وقيل: المتعلق بكيفية العمل» (^٢).\nفالمراد بالصناعة الحديثية عند الإمام الكرماني في كتابه، «الكواكب الدراري» هي الفوائد والمصطلحات والمواضيع التي مارسها الكرماني في كتابه بمايتعلق بعلم الحديث رواية ودراية.\nوأهل الصنعة الحديثية هم الذين يذبّون عن سنة رسول الله ﷺ، ويحفظونها من كيد الكائدين المشككين فيها، ويعرفون صحيح الأحاديث من\n_________\n(^١) كشف الظنون ١/ ٤٢ في المقدمة.\n(^٢) التعريفات للجرجاني ١٤٣. وانظر كتاب: الكليات لأبي البقاء الكفوي، قال كلاما عن الصناعة قريبا منه: ص ٥٤٤.","vol":"1","page":92},{"text":"سقيمها، ويعرفون خفايا عللها سندًا ومتنًا، ويتفننون في طريقة عرضها، بما أوتوا من ملكة وموهبة.\nقال البيهقي (^١): «وقد يَزلُّ الصدوق فيما يكتبه، فيدخل له حديث في حديث، فيصير حديث روي بإسناد ضعيف مركبا على إسناد صحيح، وقد يزل القلم ويخطئ السمع، ويخون الحفظ، فيروي الشاذ من الحديث عن غير قصد، فيعرفه أهل الصنعة الذين قيّضهم الله لحفظ سنن رسوله ﷺ على عباده» (^٢).\nوقال الإمام مسلم: «واعلم رحمك الله أن صناعة الحديث ومعرفة أسبابه من الصحيح والسقيم إنما هي لأهل الحديث خاصة لأنهم الحفاظ لروايات الناس العارفين بها دون غيرهم» (^٣).\nإذًا: كل علم مارسه صاحبه وأتقنه وتفنن فيه، حتى أصبح له سجية وحِرفة، عندها يقال أنه: «أدرك الصناعة لهذا العلم».\nوهذا ما سنراه عند الإمام الكرماني في ثنايا هذا البحث، من منهج، وصناعة حديثية … إن شاء الله تعالى.\n* * *\n_________\n(^١) أحمد بن الحسين، بن علي، أبو بكر، البيهقي، الإمام المحدث، الحافظ، صاحب التصانيف الكثيرة، منها كتاب: السنن، والأسماء والصفات، وغيرها، (ت ٤٥٨ هـ)، ينظر: تذكرة الحفاظ، الذهبي، ٣/ ٢١٨ - ٢١٩.\n(^٢) معرفة السنن والآثار، البيهقي، ١/ ١٤٣.\n(^٣) التمييز للإمام مسلم: ص ٢١٨.","vol":"1","page":93},{"text":"<span data-type='title' id=toc-70>المبحث الثاني\nمنهج الكرماني في دراسة أسانيد صحيح البخاري</span>\n*<span data-type='title' id=toc-71> تمهيد:</span>\n<span data-type='title' id=toc-72>أهمية الإسناد:</span>\nمن أعظم نعم الله ﷿ على الأمة المحمدية أن جعلها: «أمة الإسناد»؛ فلا يقبل خبر أو رواية إلا إذا تحققنا من إسنادهما، فلذلك كان الإسناد حاميًا وحافظًا لنصوص الشريعة من التحريف والتبديل «فقد كان الإسناد الشرط الأول في كل علم منقول فيها، حتى في الكلمة الواحدة، يتلقاها الخالف عن السالف، واللاحق عن السابق بالإسناد، حتى إذا مَنَّ الله تعالى على الأمة بتثبيت نصوص الشريعة وعلومها، وأصبحت راسخة البنيان، محفوظةً من التغيير والتبديل، تسامح العلماء في أمر الإسناد، اعتمادًا منهم على شيوع التدوين وثبوت معالم الدين» (^١).\nوقال شعبة بن الحجاج (^٢): «كُلُّ حَدِيثٍ لَيْسَ فِيهِ حَدَّثَنَا أَوْ أَخْبَرَنَا، فَهُوَ خَلٌّ (^٣) .......................................................................\n_________\n(^١) ينظر الإسناد من الدين للشيخ عبد الفتاح أبو غدة ص ١١.\n(^٢) شعبة بن الحجاج، بن الورد، البصري، قال عنه النسائي: من الأمناء على حديث رسول الله ﷺ، وقال أحمد هو أمة وحده، له: الغرائب في الحديث، (ت ١٦٠ هـ) ينظر: تهذيب التهذيب، ٤/ ٣٣٨.\n(^٣) أي أنه لا يساوي شيئًا.","vol":"1","page":94},{"text":"وَبَقْلٌ» (^١) كما أن لعبدالله ابن المبارك (^٢) كلامًا يدل على أن طلب الإسناد من الدين، إذ قال: «الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال: من شاء ما شاء» (^٣).\nوقال أبو عبدالله الحاكم (^٤) معلقًا على قول ابن المبارك: «فلولا الإسناد وطلب هذه الطائفة له وكثرة مواظبتهم على حفظه لدرس منار الإسلام، ولتمكن أهل الإلحاد والبدع فيه بوضع الأحاديث، وقلب الأسانيد، فإن الأخبار إذا تعرت عن وجود الأسانيد فيها كانت بترا».» (^٥).\nوقال الكرماني: «لما كان الإسناد خصيصة هذه الأمة المباركة ومن جملة\n_________\n(^١) المحدث الفاصل بين الراوي والسامع للرامَهُرمُزِي ص ٥١٧، أدب الاملاء والاستملاء، للمروزي: ص ٧، والكفاية للخطيب البغدادي: ص ٢٣٨.\n(^٢) عبدالله بن المبارك بن واضح الحنظلي، المروزي، أحد الأئمة الأعلام، قال عنه أحمد: لم يكن في زمان ابن المبارك أطلب للعلم منه، (ت ١٨١ هـ) ينظر: طبقات الحفاظ، السيوطي، ١/ ١٢٣.\n(^٣) معرفة علوم الحديث للحاكم، ص ٦، وأتم هذه العبارة بعضهم فذكرها بلفظ (الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء: ماشاء، فإذا قيل له: من حدثك؟ بَقِي!» أي بقي ساكتًا مبهوتًا منقطعًا عن الكلام، ينظر: الإسناد من الدين للشيخ\nعبد الفتاح أبو غدة، ص ٥٣.\n(^٤) محمد بن عبدالله بن محمد بن حمدويه، أبو عبدالله بن البيع، الضبعي، النيسابوري، الشافعي، سمع بنيسابور عن ألف شيخ، له: كتاب: علوم الحديث في مصطلح الحديث، (ت ٤٠٥ هـ)، ينظر: سير أعلام النبلاء، ١٢/ ٥٧١ - ٥٧٢.\n(^٥) معرفة علوم الحديث، الحاكم، ص ٤١.","vol":"1","page":95},{"text":"شرفها. فلا بد من اعتباره اقتداء بالسلف. وحفظًا للشرف» (^١).\nوتعددت تعاريف العلماء بالنسبة للسند فقال البدر بن جماعة (^٢): «هو الإخبار عن طريق المتن» (^٣)، وقال غيره: سلسلة الرواة الذين نقلوا الحديث واحدا عن الآخر، حتى يبلغوا به إلى قائله … «والبحث في السند دعامة أساسية في علوم الحديث، وفي التوصل إلى هدفه الأسمى والغرض المطلوب منه، وهو تمييز الحديث المقبول من المردود» (^٤).\nفلذلك كانت قواعد العلماء في السند وشروطه، ومعرفة أحوال الرواة وصفاتهم، وطريقة تزكيتهم أو جرحهم من علماء جمعوا بين العلم والورع … كانت قواعد، وأسس لم يُسبق إليها من قبل، جعلت منها ميزانًا يُحتكم إليه في صحة الروايات من عدمها.\nإنّ طريقة البخاري في انتقاء الأحاديث التي وضعها في صحيحه جعلت منها من حيث الجملة في أعلى درجات الصحة، وجعلت أسانيدها قوية في رجالها (من حيث العدالة والضبط، والاتصال، والخلو من العلة)، وخالية من أي قدح يشوبها، «وتميزت أسانيد صحيح البخاري بقوتها، وخلوها مما يقدح في\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١/ ٧.\n(^٢) بدر الدين، أبو عبدالله، محمّد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الكناني الحموي، قال عنه الذهبي: قاضي القضاة شيخ الإسلام الخطيب المفسر له تعاليق في الفقه والأصول والتاريخ، وأخذ أكثر علومه بالقاهرة، وولي قضاء القدس، والديار المصرية (ت ٧٧٣ هـ). شذرات الذهب ٨/ ١٨٣، ١٨٤.\n(^٣) المنهل الروي في مختصر علوم الحديث النبوي، ص ٢٩.\n(^٤) منهج النقد، د. نور الدين عتر، ص ٣٤٤.","vol":"1","page":96},{"text":"صحتها، حتى غدت بيضاء نقية شاهدة بأمانة نقلتها، ودقة تحري رواتها» (^١).\nوكان من عادة شرّاح الحديث أن درسوا هذه الأسانيد، وجعلوها محط اهتمامهم قال الكرماني مبينًا حال رجال سند البخاري وقد قسّمهم إلى قسمين قسم عدول وهم صحابة النبي ﷺ: «رجال بينه وبين رسول الله ﷺ، واتفق الأمة المكرمة المعظمة الأقدار، على أنهم عدول ثقات أخيار أبرار، فما ذكرنا إلا أنسابهم ووفياتهم، ونحو ذلك مما تميل الخواطر إليها وذلك لتكثير الفوائد، وتعزير العوائد، والاستئناس بها، لا للتعديل والتجريح أو التصنيف والتصحيح، وصححنا أسماءهم احترازا الاختلاط والتحريف، واتقاء عن الاختباط والتصحيف» (^٢).\nوقسم بقية رجال السند من التابعين ومن بعدهم «ورجال بيننا وبين البخاري، ولا حاجة لنا إلى معرفتهم بذواتهم، فضلا عن جرحهم وعدالتهم. لأن صحيحه بالنسبة إلينا متواتر. ولا إلى الإسناد إليهم» (^٣).\nوقد ظهرت جهود الكرماني في الاعتناء بأسانيد البخاري والتعليق عليها، وذلك من خلال الآتي:\n\n<span data-type='title' id=toc-73>أولًا ذكر منهج البخاري في رواية الحديث تحملًا وأداءً:</span>\nعرف علماء الحديث الرواية فقالوا: «حمل الحديث ونقله وإسناده إلى من عُزي إليه بصيغة من صِيغ الأداء وقواعد هذا الباب تبحث في المنهج العلمي\n_________\n(^١) جهود الإمام بدر الدين العيني في علوم الحديث، د. هند سحلول ص: ١٧٩.\n(^٢) الكواكب الدراري، ١/ ٧.\n(^٣) السابق، ١/ ٧.","vol":"1","page":97},{"text":"للرواية في أخذ الراوي للحديث الذي سماه العلماء «التحمّل». ثم في تبليغه الذي أطلقوا عليه: «الأداء». وما ينبغي أن يكون عليه حال التحمل والأداء من الأدب، والإخلاص، والتحري، والإتقان، وذلك يتصل بعلوم الرواة بسبب قوي» (^١). وقد قام الإمام الكرماني بمناقشة طرق تحمّل الحديث، وأدائه عند الإمام البخاري، وذلك عند الأدلة التي ساقها البخاري في السن المعتبرة في التحمل والسماع فذكر الكرماني في ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-74>أهلية التحمل والأداء وشروطهما:</span>\n<span data-type='title' id=toc-75>أ - أهلية التحمل:</span>\nعرّف العلماء التحمّل بقولهم: «هو نقل الحديث عن الغير بأي طريق من طرق التحمّل الصحيحة المعتبرة وهذا الغير يسمى في عرف المحدثين شيخا» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-76>شروط التحمّل:</span>\nتعددت أقوال العلماء في السن المعتبرة لأهلية تحمّل الحديث، وقد استقر العمل عند علماء الحديث أن السن المعتبرة في سن سماع الصغير هي خمس سنوات، محتجين بما أخرجه البخاري في صحيحه: في باب: متى يصح سماع الصغير «عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ قَالَ «عَقَلْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مَجَّةً مَجَّهَا فِي وَجْهِي وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ مِنْ دَلْوٍ» (^٣).\n_________\n(^١) منهج النقد في علوم لحديث ص ١٨٨.\n(^٢) الوسيط في علوم ومصطلح الحديث.، محد أبو شُهبة، ص ٩٤.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: العلم، باب: متى يصحُّ سماعُ الصّغير، رقم (٧٦).","vol":"1","page":98},{"text":"وأن العبرة في ذلك ترجع إلى التمييز والضبط، وقال القاضي عياض (^١) معلقًا على هذا الحديث: «وقد حدد أهل الصنعة في ذلك أن أقله سن محمود ابن الربيع» (^٢).\nولم يكن مذهب الإمام البخاري بعيدًا عن رأي علماء الحديث في السن المعتبرة في التحمل فقد أخرج أيضًا في: «باب متى يصح سماع الصغير».\n«عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاِحْتِلَامَ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَىْ بَعْضِ الصَّفِّ وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، فَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ عَلَيَّ» (^٣).\nفقد ذكر الكرماني ونقل عن العلماء جواز مرور الصبي الصغير بين يدي المصلي، من دون سترة مستدلين «برواية ابن عباس وإنما تحمّله في الصبا فَعُلم منه قبول سماع الصبي إذا أداه بعد البلوغ» (^٤) فعُلم من كلام الكرماني أن مذهبه\n_________\n(^١) عياض بن موسى بن عياض، القاضي أبو عبدالله اليحصبي السبتي، عالم المغرب، وإمام أهل الحديث والنحو واللغة في زمنه، له: الإلماع، ومشارق الأنوار، (ت ٥٤٤ هـ)، ينظر: شجرة النور الزكية، محمد مخلوف، ١/ ٢٠٥، ووفيات الأعيان، ٣/ ٤٨٣.\n(^٢) ينظر: الإلماع، القاضي عياض، ص ٩٤، علوم الحديث لابن الصلاح ص ١٢٩ وتدريب الراوي ١/ ٤١٥. ومنهج النقد ٢١٠ - ٢١٣.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: العلم، باب: متى يصحُّ سماعُ الصّغير، رقم (٥٧).\n(^٤) الكواكب الدراري، ٢/ ٥٠.","vol":"1","page":99},{"text":"كمذهب العلماء وهو جواز قبول سماع الصبي في الصغر، بشرط الأداء عند البلوغ، كما نقل الكرماني عن ابن بطال (^١) في حديث محمود بن الربيع آنف الذكر قوله: «وفيه جواز سماع الصغير وضبطه السنن وجواز شهادة الصبيان بعد أن يكبروا فيما علموه في حال الصغير» (^٢).\nوذكر الحافظ ابن الصلاح (^٣) (أن السن المعتبرة، هي لمن فهم الخطاب ورد الجواب، وكان مميزا، صحيح السماع وإن لم يبلغ خمسًا) (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-77>ب - أهلية الأداء:</span>\nالأداء هو: «رواية الحديث للغير، وهذا الغير يعرف عنه المحدثين بطالب الحديث» (^٥).\nشروط الأداء: بما أن الأداء يختص بنقل الحديث بما تحمّله فشروطه هي ذات الشروط التي تتوفر في الراوي وهي: «الإسلام، والبلوغ والعقل، والسلامة من أسباب الفسق، وخوارم المروءة والضبط» (^٦).\n_________\n(^١) شرح البخاري، ابن بطال، ١/ ١٦٢.\n(^٢) السابق ٢/ ٥١.\n(^٣) تقي الدين أبو عمرو، عثمان الشهرزوري، الكردي المعروف بابن الصلاح، شيخ الإسلام، أحد فضلاء عصره، في التفسير والحديث والفقه، له علوم الحديث، وغيره كثير (ت ٦٤٣ هـ)، ينظر: تذكرة الحفاظ، الذهبي، ٤/ ١٤٩.\n(^٤) التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح، زين الدين العراقي، ص ١٦٤.\n(^٥) الوسيط في علوم ومصطلح الحديث، محمد أبو شُهبة، ص ٩٤.\n(^٦) علوم الحديث، ابن الصلاح، ص ١٠٤، وعلوم الحديث ومصطلحه، صبحي الصالح، ص ١٢٦، ويضاف إليه هو أن يؤدي بعد البلوغ ماسمعه في الصِغر.","vol":"1","page":100},{"text":"<span data-type='title' id=toc-78>طرق التحمّل والأداء:</span>\nذكر علماء الحديث طرق التحمّل، وبينوا أحكامها، ورتبوا درجاتها مع اختلاف بسيط بينهم في عددها هل هي ثمانية، أم سبعة؟ وفي رتبة القراءة على الشيخ هل هي كالسماع؟\nإلا أن أكثر العلماء نصوا على أنها ثمانية (^١).\nوهي كالترتيب الآتي:\n\n<span data-type='title' id=toc-79>١ - السماع، ومن العلماء من سماه «العرض»،</span> ٢ القراءة على الشيخ، ٣ الإجازة، ٤ المناولة، ٥ الكتابة أو المكاتبة، ٦ الإعلام، ٧ الوصية، ٨ الوجادة.\nوقد ذكر البخاري في صحيحه بعض طرق التحمل والأداء، وقد ذكر العلماء أن السماع هو: أن يقرأ الشيخ، ويسمع الطالب؛ سواء قرأ الشيخ من حفظه، أو كتابه، وسواء سمع الطالب، وكتب ما سمعه، أو سمع فقط ولم يكتب (^٢). وهذه الطريقة هي أرفع وأعلى درجات التحمّل عند الجمهور.\nوقد ذكر الكرماني في باب: دُعَاؤُكُمْ إِيمَانُكُمْ.\n«حَدَّثنا عُبَيْدُاللهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَخبَرَنا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ\n_________\n(^١) ينظر: (ابن الصلاح في علوم الحديث، ص ١٣٢، والنووي في التقريب، ص ٥٤، وابن الملقن في المقنع، ١/ ٢٩٢، والسيوطي في التدريب، ١/ ٤١٨.\n(^٢) تيسير مصطلح الحديث، محمود النعيمي، ص ١٩٦.","vol":"1","page":101},{"text":"عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ- ﵄ …» (^١) فعلق الكرماني على ذلك مختصرًا فقال: «قال البخاري أولًا: حدثنا يعني عن شيخه عبيدالله في غالب النسخ إذ في بعضها أخبرنا. وثانيًا: أخبرنا أي حنظلة ففي الأول الشيخ قرأ وفي الثاني قرأ هو على الشيخ وهذا إذا قلنا بالفرق بين حدثنا وأخبرنا على ما هو المشهور وإلا فهما سواء كما سيأتي» (^٢).\nإلا أن البخاري لم يصرح بها كما صرح ببعض طرق التحمّل والأداء، وإنما بيّن الطريقة التي يُؤدى فيها عند «باب قَوْلِ الْمُحَدِّثِ حَدَّثَنَا أَوْ أَخْبَرَنَا وَأَنْبَأَنَا».\nوقد ذكر الكرماني الخلاف الحاصل في ألفاظ الأداء بهذه الطريقة وهي: هل يجوز أن يُقال فيما قُرئ على الشيخ حدثنا وأخبرنا؟\nفقال: «أي لا تفاوت بينهما كما هو مقتضى اللغة وذهب مسلم الى أن حدثنا لا يجوز إطلاقه إلا على ما سمعه من لفظ الشيخ خاصة وأخبرنا لما قرأ على الشيخ وهو مذهب الشافعي وجمهور أهل المشرق وقيل هو مذهب أكثر أصحاب الحديث وهو الشائع والغالب على أهل الحديث والأول أعلى درجة» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الإيمان، بابٌ: دُعَاؤُكُمْ إِيمَانُكُمْ، رقم (٧).\n(^٢) الكواكب الدراري، ١/ ٧٨.\n(^٣) الكواكب الدراري. ٢/ ٩، ٢٠/ ١٧٠، وانظر أقوال العلماء في المسألة (نوادر الأصول في أحاديث الرسول للحكيم الترمذي ٤/ ١٢١، ابن الصلاح، ص ١٣٩، والكفاية، ص ٢٩٢، وشرح النووي على مسلم ١/ ٢٢، وذكر النووي مذهب القائلين بعدم الجواز وهم: «ابن المبارك ويحيى بن يحيى وأحمد بن حنبل والمشهور عن النسائي».","vol":"1","page":102},{"text":"ثم ذكر الكرماني رأي الإمام البخاري في عدم اختلافه مع رأي الجمهور فقال: «فإن قلت هل يُعلم من هذا الكتاب مختار البخاري في ذلك. قلت: حيث نقل مذهب الاتحاد من غير رد عليه وغير ذكر مذهب المخالف أشعر بأن ميله إلى عدم الفرق» (^١).\nوقد قال الحافظ ابن حجر «أنه لا خلاف بين أهل العلم بين قول أخبرنا وأنبأنا من حيث اللغة، أما في الاصطلاح ففيه خلاف، فمن العلماء من استمر على أصل اللغة، ومنهم من رأى الخلاف بينهما» (^٢).\nوقال الخطيب (^٣) في الكفاية: «قال: سمعت أحمد بن صالح، وسئل عن «حدثنا» و«أخبرنا» وأنبأنا «فقال: «حدثنا» أحسن شيء في هذا وأخبرنا دون «حدثنا» وأنبأنا «مثل» أخبرنا» وقد قال بعض أهل العلم بالعربية: هذه الألفاظ الثلاثة بمنزلة واحدة في المعنى، وقال غيره: «حدثنا» ونبأنا «أدخل إلى السلامة من التدليس من» أخبرنا «وإنما استعمل من استعمل» أخبرنا «ورعا ونزاهة لأمانتهم، فلم يجعلوها للينها بمنزلة» حدثنا «ونبأنا»، وإن كانت «نبأنا» تحتمل\nما تحتمله «حدثنا» و«أخبرنا»، وبالجملة فإن النية هي الفارقة بين ذلك على الحقيقة» (^٤).\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٢/ ٩.\n(^٢) فتح الباري، بتصرف، ١/ ١٤٤ - ١٥٥.\n(^٣) أحمد بن علي، بن ثابت أبو بكر الخطيب البغدادي، الإمام الحافظ الحجة، انتهت إليه الرياسة في الحفظ والإتقان، والقيام بعلوم الحديث، له: الكفاية في علم الرواية، وغيرها، (ت ٤٦٣ هـ) ينظر: الوافي بالوفيات، ٧/ ١٢٦.\n(^٤) ص ٢٨٧.","vol":"1","page":103},{"text":"هذا ولم يفت الإمام البخاري رحمه الله تعالى، بيان الدقة في أسانيد تنوعت فيها صيغ الأداء، فقال البخاري: «حَدَّثنا الْحُمَيْدِيُّ عَبْدُاللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، قَالَ: حَدَّثنا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵄، عَلَى المِنْبَرِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ …» (^١) قال الكرماني معلقًا على ذلك: «اعلم أن البخاري ﵁ على ما في بعض النسخ ذكر الثلاثة الأول من السند بلفظ التحديث والثلاثة الأخر بلفظ السماع والرابع بلفظ الإخبار وعلى ما سيذكره هو عن الحميدي في كتاب العلم لا تفاوت بينها» (^٢).\nكما أن الكرماني يذكر صنيع البخاري، في تنوع أداء الأسانيد فقال معلقًا على قول البخاري: «حَدَّثنا أَبُو اليَمَانِ الحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ: أَخبَرَنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُاللهِ ابْنُ عَبْدِاللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عَبْدَاللهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ …» (^٣).\nقال الكرماني: «قال أولا حدثنا وثانيا بلفظ أخبرنا وثالثا بكلمة عن ورابعا بلفظ أخبرني محافظة على الفرق الذي بين العبارات أو حكاية عن ألفاظ الرواة بأعيانها مع قطع النظر عن الفرق أو تعليمها لجواز استعمال الكل أن قلنا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي، رقم (١).\n(^٢) الكواكب الدراري، ١/ ١٧.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: الأحكام، بَاب: تَرْجَمَةِ الْحُكَّامِ وَهَلْ يَجُوزُ تَرْجُمَانٌ وَاحِدٌ، رقم (٦٧٥٦).","vol":"1","page":104},{"text":"بعدم الفرق بينهما» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-80>٢ - القراءة على الشيخ (العرض):</span>\nقال ابن الملقن (^٢) يسميها أكثر المحدثين «عرضا» (^٣).\nوهي: «أن يقرأ الطالب، والشيخ يسمع؛ سواء قرأ الطالب، أو قرأ غيره وهو يسمع، وسواء كانت القراءة من حفظ، أو من كتاب، وسواء كان الشيخ يتبع للقارئ من حفظه، أو أمسك كتابه هو، أو ثقةٌ غيرُهُ» (^٤).\nقال الكرماني في شرحه لباب: «القراءة والعرض على المحدث».\nأن القراءة على الشيخ هو العَرض نفسه، وأن العطف بينهما تفسيري فقال: «العرض تفسير للقراءة ومثله يسمى: العطف التفسيري وجاز العطف لتغايرهما مفهوما وإن اتحدا بحسب الذات، وفائدته الإشعار بأنه جامع لهذين الاسمين» (^٥).\nوقد نبه الكرماني على المقصود من العرض هنا إذ لايقتصر على القراءة\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١/ ٥٣، ولعل البدر العيني نقل هذا الكلام عن الكرماني في عمدة القاري في التعليق على ذات الحديث ينظر عمدة القاري ١/ ٨٤.\n(^٢) عمر بن علي بن أحمد، الأنصاري الشافعي، المعروف بابن الملقن، وابن النحوي، عالم محدث، له التوضيح في شرح الجامع الصحيح، والمقنع في علوم الحديث، (ت ٨٠٤ هـ) ينظر: شذرات الذهب ابن العماد، ٩/ ٧١.\n(^٣) المقنع، ١/ ٢٩٧.\n(^٤) تيسير مصطلح الحديث، ص ١٩٧.\n(^٥) الكواكب الدراري، ٢/ ١٣.","vol":"1","page":105},{"text":"بالعرض، بل يعمُّ عرض المناولة فقال: «قلت: ما يريد بهذا العرض إذ العرض على قسمين عرض قراءة وعرض مناولة. قلت: عرض المناولة هو أي يجيء الطالب إلى الشيخ بكتاب فيعرضه عليه فيتأمله الشيخ وهو عارف متيقظ ثم يعيده إليه ويقول له وقفت على ما فيه وهو حديثي عن فلان فأجزت لك روايته عني ونحوه وهنا لا يريد به ذلك بل عرض القراءة بقرينة ما يذكر بعد الترجمة» (^١).\nوصيغ الأداء في هذه الطريقة أن يقول قرأتُ على فلان، أو قرئ على فلان وأنا أسمع، أو حدثنا قراءة عليه (^٢).\nوقد اختلف العلماء في رتبة هذه الدرجة هل هي كالسماع أم هي مساوية لها أم دونها في الدرجة؟\nتنقسم أقوالهم إلى ثلاثة أقسام:\nالأول: منهم من قال هي كالسماع.\nالثاني: ومنهم من قال أنها مساوية للسماع.\nالثالث: أنه أدنى من السماع، وهذا الرأي رجحه جمهور العلماء ومنهم ابن الصلاح (^٣).\n_________\n(^١) السابق، ٢/ ١٣، هذا وقد نقل البدر العيني كلام الكرماني في عمدة القاري ٢/ ١٧.\n(^٢) الوسيط في علوم ومصطلح الحديث، ص ٩٨، والإيضاح في، علوم الاصطلاح، ص ٣٠٤.\n(^٣) ينظر: علوم الحديث، ابن الصلاح، ١٦٧.","vol":"1","page":106},{"text":"ورجح الدكتور نور الدين عتر بالتوفيق بين أقوال العلماء فقال: «ويمكن أن نوفق فنقول برجحان العرض فيما إذا كان الطالب ممن يستطيع إدراك الخطأ فيما يقرأ والشيخ حافظ غاية الحفظ، أما إذا لم يكن الأمر كذلك فالسماع أرجح» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-81>٣ - المناولة:</span>\nذكر الكرماني المناولة عند شرحه لقول البخاري: «باب ما يذكر في المناولة» في: «حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ حَيْثُ كَتَبَ لأَمِيرِ السَّرِيَّةِ كِتَابًا وَقَالَ «لَا تَقْرَأهُ حَتَّى تَبْلُغَ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا». فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْمَكَانَ قَرَأَهُ عَلَى النَّاسِ، وَأَخْبَرَهُمْ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ» (^٢) وذكر أنها تنقسم إلى قسمين القسم الأول: المناولة المقرونة بالإجازة، وقد عرفها الكرماني بقوله: «كما أن يرفع الشيخ إلى الطالب أصل سماعه مثلا ويقول هذا سماعي فأجزت لك روايته عني.\nوهذه حالة محل السماع عند مالك والزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري … والصحيح أنه منحط عن درجته وعليه أكثر الأئمة» (^٣).\nالقسم الثاني: المناولة المجردة عن الإجازة «بأن يناوله أصل سماعه كما تقدم ولا يقول له أجزت لك الرواية عني ولهذا لا تجوز الرواية بها على الصحيح» (^٤).\n_________\n(^١) منهج النقد، ص ٢١٤.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: العلم، باب: مَا يُذْكَرُ فِي الْمُنَاوَلَةِ وَكِتَابِ: أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْعِلْمِ إِلَى الْبُلْدَانِ.\n(^٣) الكواكب الدراري، ٢/ ٢١.\n(^٤) التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح، العراقي، ص ٩٤.","vol":"1","page":107},{"text":"«فهذه مناولة مختلة لا تجوز الرواية بها وعابها غير واحد من الفقهاء والأصوليين على المحدثين الذين أجازوها وسوغوا الرواية بها».\nوصيغ الأداء بهذه الطريقة أن يقول: «ناولني فلان وأجازني» أو «ناولني مع الإجازة» أو «حدثني فلان بالمناولة» أو «أنبأنا فلان بالمناولة والإجازة» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-82>٤ - الكتابة أو المُكَاتبة:</span> «وهي أن يكتب الشيخ إلى الطالب، وهو غائب شيئا من حديثه بخطه، أو يكتب له ذلك، وهو حاضر. ويلتحق بذلك ما إذا أمر غيره بأن يكتب له ذلك عنه إليه» (^٢).\nوقد ذكر الكرماني أن المكاتبة كذلك تنقسم إلى قسمين فقال: «وهي أيضا نوعان المقترنة بالإجازة والمجردة عنها والأولى في الصحة والقوة شبيهة بالمناولة المقروءة» (^٣).\nثم بيّن الكرماني طريق الأداء بها فقال: «وأما الثانية فالصحيح المشهور فيها أنه تجوز الرواية بها بأن تقول كتب إلى فلان قال حدثنا فلان بكذا وقال بعضهم بجواز حدثنا وأخبرنا فيها» (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) منهج النقد، ص ٢١٨، والإيضاح في علوم الحديث والاصطلاح، ص ٣٠٦.\n(^٢) علوم الحديث لابن الصلاح ١٧٣. الكواكب الدراري ٢/ ٢٠، والإيضاح في علوم الحديث والاصطلاح ص ٣٠٦.\n(^٣) الكواكب الدراري، ٢/ ٢٠.\n(^٤) الكواكب الدراري، ٢/ ٢٠، وينظر: وتدريب الراوي ١/ ٤٨٤.","vol":"1","page":108},{"text":"<span data-type='title' id=toc-83>المبحث الثالث\nتنبيه مهم من البخاري عن صيغ الأداء والتحمل وتعليق الكرماني</span>\n<span data-type='title' id=toc-84>أ - التفريق بين صيغ الجمع والإفراد:</span>\nمعنى هذا هل يجوز لمن سمع حديثًا وحده، هل يجوز أن يقول حدثنا\nبصيغة الجمع ومن سمع من جماعة هل يجوز أن يقول حدثني بصيغة\nالإفراد.\nقال الحاكم: «والذي أختاره في الرواية، وعهدت عليه أكثر مشايخي وأئمة عصري أن يقول في الذي يأخذه من المحدث لفظا، وليس معه أحد: حدثني فلان، وما يأخذه عن المحدث لفظا مع غيره: حدثنا فلان، وما قرئ على المحدث بنفسه: أخبرني فلان …» (^١).\nأخرج البخاري في صحيحه: حَدَّثنا الْحُمَيْدِيُّ عَبْدُاللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، قَالَ: حَدَّثنا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁، عَلَى المِنْبَرِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ … (^٢).\nفذكر الكرماني التنبيه على صيغ الأداء في بعض روايات هذا الحديث عند الحُميدي شيخ البخاري فقال: «قال الحميدي: كان عند ابن عيينة حدثنا وأخبرنا وأنبأنا بين المفرد والجمع، كما قال في الأخبار بلفظ أخبرني مفردا وفي\n_________\n(^١) معرفة علوم الحديث، الحاكم، ص ٢٦٠.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي، رقم (١).","vol":"1","page":109},{"text":"التحديث بلفظ حدثنا جمعا وقيل بغير ذلك أيضا» (^١).\nفإشارة الكرماني لذلك فيه بيان لتعدد صيغ البخاري وأمانته في النقل، ودقة ضبطه، وفيه إشارة من الكرماني لبيان الجواز، والاستحباب، وليس للوجوب. وقد ذكر الخطيب في الكفاية الاستحباب (^٢).\nوقد تكرر هذا كثيرًا من البخاري، ليس في صيغ الأداء فحسب بل بكل أجزاء الحديث سندًا ومتنًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-85>ب - ورود صيغة السؤال في السند من غير تصريح بالجواب:</span>\nقال البخاري: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ قُلْتُ لِعَمْرٍو أَسَمِعْتَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِاللهِ يَقُولُ مَرَّ رَجُلٌ فِي الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ سِهَامٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ «أَمْسِكْ بِنِصَالِهَا» (^٣).\nقال الكرماني: «فإن قلت هذا استفهام فكيف دل على ثبوته. قلت: سكوته يدل عرفًا على التصديق، أو أنه مختصر من الحديث الذي هو دال عليه. قال ابن بطال: فإن قيل حديث جابر لا يظهر فيه الإسناد لأنه لم يقل أن عمر قال نعم، قلنا ذكر البخاري في غير كتاب الصلاة أنه قال نعم فبان بقوله نعم إسناد الحديث» (^٤).\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١/ ١٧.\n(^٢) الكفاية، ص ٢٩٤.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: الصلاة، باب: يَاخُذُ بِنُصُولِ النَّبْلِ إِذَا مَرَّ فِي الْمَسْجِدِ، رقم (٤٤٢).\n(^٤) شرح ابن بطال، ٢/ ١٠٢.","vol":"1","page":110},{"text":"نعم ورد التصريح بقول: «نعم» في رواية البخاري الآتية: «حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِاللهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ قُلْتُ لِعَمْرٍو يَا أَبَا مُحَمَّدٍ سَمِعْتَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِاللهِ يَقُولُ مَرَّ رَجُلٌ بِسِهَامٍ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَمْسِكْ بِنِصَالِهَا قَالَ نَعَمْ …» (^١).\nوهذه المسألة وقع فيها خلاف بين العلماء، قال الإمام النووي (^٢): «وقد جاء في الصحيحين في مواضع كثيرة مثل هذه العبارة ولا يقول في آخره قال نعم واختلف العلماء في اشتراط قوله: نعم في آخر مثل هذه الصورة، وهي إذا قرأ على الشيخ قائلا أخبرك فلان أو نحوه، والشيخ مصغ له فاهم لما يقرأ غير منكر، فقال بعض الشافعيين وبعض أهل الظاهر لا يصح السماع إلا بها، فإن لم ينطق بها لم يصح السماع، وقال جماهير العلماء من المحدثين والفقهاء وأصحاب الأصول يُستحب قوله نعم ولا يشترط نطقه بشيء بل يصح السماع مع سكوته والحالة هذه اكتفاء بظاهر الحال، فإنه لا يجوز لمكلف أن يُقر على الخطأ في مثل هذه الحالة» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الفتن، بَاب: قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا، رقم (٦٦٤٦).\n(^٢) يحيى بن شرف بن مري بن حسن النووي، محيي الدين أبو زكريا الإمام العلامة، حجة الله على اللاحقين، صاحب المصنفات الكثيرة، منها: شرحه على مسلم، ورياض الصالحين، والأذكار، (ت ٦٧٦ هـ)، ينظر: طبقات الشافعية، السبكي، ٨/ ٣٩٥.\n(^٣) شرح مسلم ٩/ ١٣٢. وانظر الكفاية ص ٢٩٦، والتوضيح لابن الملقن ٥/ ٥٤٩، وفتح المغيث، السخاوي، ٢/ ١٨٢.","vol":"1","page":111},{"text":"وكان رأي الكرماني جواز سكوت الشيخ المتيقظ، مع وجود القرينة على ذلك فقال: «وفيه أن القارئ إذا قال للشيخ حدثكم فلان والشيخ يسكت مع قرينة الإجابة كفى» (^١) وذلك عند الحديث الذي أخرجه البخاري «حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى عن عبيدالله أخبرني نافع عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال لا تسافر المرأة ثلاثا إلا مع ذي محرم» (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-86>المبحث الرابع\nشرح سلسلة السند وما فيها من إشكال</span>\nكان من منهج الكرماني أنه كان يشرح سلسلة السند ويوضح ما فيها من إشكال، بشكل متوسط أحيانا، ومختصر أحيانا، وذلك للمنهجية التي اعتمدها في كتابه من الاختصار وعدم الإطالة.\nسأتناول عمل الكرماني في:\n\n<span data-type='title' id=toc-87>١ - شرح سلسلة السند.</span>\n٢ - بيان ما أوهم وأشكل في السند.\n١ - شرح سلسلة السند:\nعلمنا مما سبق أن سلسلة السند هم رواة الحديث الذين نقلوه عن\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٦/ ١٦٣.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: التقصير، باب: في كم يقصر الصلاة وسمى النبي ﷺ يوما وليلة سفرا، رقم (١٠٣٠).","vol":"1","page":112},{"text":"بعضهم، إلى رسول الله ﷺ، وقد تعرّض الكرماني لهذه السلسلة بالبيان، والتوضيح، فمن هذه الأمور التي بينها الكرماني:\n\n<span data-type='title' id=toc-88>١ - بيان البخاري تلقيه الحديث الواحد عن أكثر من شيخ،</span> قال البخاري: «حَدَّثنا عَبْدَانُ، قَالَ: أَخبَرَنا عَبْدُاللهِ، قَالَ: أَخبَرَنا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِ (ح) وَحَدَّثنا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخبَرَنا عَبْدُاللهِ، قَالَ: أَخبَرَنا يُونُسُ، وَمَعْمَرٌ. عَنِ الزُّهْرِيِّ، نَحْوَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُاللهِ بْنُ عَبْدِاللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ …» (^١).\nقال الكرماني: «واعلم أن البخاري حدث هذا الحديث عن الشيخين عبدالله وبشر كليهما عن عبدالله بن المبارك والشيخ الأول ذكر لعبدالله شيخا واحدا وهو يونس والثاني ذكر له شيخين يونس ومعمرا» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-89>٢ - بيان معنى الرمز في السند، مثل «ثنا» و«نا» و«وأنا»، و«ح»:</span>\nقال الإمام النووي: «غلب عليهم الاقتصار على الرمز في حدثنا وأخبرنا وشاع بحيث لا يخفى، فيكتبون من حدثنا: الثاء والنون والألف، وقد تحذف الثاء، ومن أخبرنا: أنا» (^٣).\nمثال على ذلك:\nقال البخاري: «حَدَّثنا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثنا أَبُو عَوَانَةَ، قَالَ: حَدَّثنا مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ، قَالَ: حَدَّثنا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي، رقم (٤).\n(^٢) الكواكب الدراري، ١/ ٥٠.\n(^٣) التقريب والتيسير، ص ٧٠.","vol":"1","page":113},{"text":"عَبَّاسٍ …» (^١).\nقال الكرماني مبينًا عادة المحدثين في التعامل مع مثل هذه الرموز «واعلم أنه جرت عادة أهل الحديث بحذف قال ونحوه فيما بين رجال الإسناد في الخط وبكتابة: ثنا مكان حدثنا: وأنا مكان أخبرنا، فينبغي للقارئ أن يلفظ بقال وحدثنا وأخبرنا صريحا، ولو ترك لكان مخطئا، لكن السماع صحيح للعلم بالمقصود ولدلالة الحال على المحذوف» (^٢).\nبيان معنى الحرف: «ح».\nقال البخاري: «حَدَّثنا عَبْدَانُ، قَالَ: أَخبَرَنا عَبْدُاللهِ، قَالَ: أَخبَرَنا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ح وَحَدَّثنا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخبَرَنا عَبْدُاللهِ، قَالَ: أَخبَرَنا يُونُسُ، وَمَعْمَرٌ …» (^٣).\nقال الكرماني: معنى الحاء (ح) التي تكون في وسط السند وبيان الفائدة من ذلك فقال: «ح: أي حاء مهملة مفردة وعادتهم أنه إذا كان للحديث إسنادان أو أكثر كتبوا عند الانتقال من الإسناد إلى الإسناد ذلك أي مسمى حرف الحاء فقيل لأنها مأخوذة من التحويل لتحوله من إسناد إلى آخر وإنه يقول للقارئ إذا انتهى اليها (ح) مقصورة ويستمر في قراءة ما بعدها وفائدته أن لا يركب الإسناد الثاني مع الأول فيجعلا إسنادا واحدا …» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي، رقم (٤).\n(^٢) الكواكب الدراري، ١/ ٤٥.\n(^٣) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.\n(^٤) الكواكب الدراري، ١/ ٥٠، ويُنظر فتح المغيث، السخاوي، ٣/ ١١١.","vol":"1","page":114},{"text":"وقال في موضع آخر مبينا طرق الحديث الواحد والواسطة بين الرواة عند حديث قال البخاري: «حَدَّثنا أَبُو الوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثنا شُعْبَةُ (ح) قَالَ: وحَدَّثَنِي بِشْرُ، قَالَ: حَدَّثنا مُحَمَّدُ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِاللهِ …».\nقال الكرماني: «اعلم أن البخاري قد تحول من إسناد إلى إسناد آخر يعني له طريقان إلى شعبة فالأول: الواسطة بينه وبين شعبة رجل واحد، والثاني الواسطة بينهما رجلان وفي بعض النسخ كتب قبل وحدثني بشر لفظة (ح) إشارة إلى التحويل حائلًا بين الإسنادين …» (^١).\nوقال الكرماني في موضع ثالث: «وأهل المغرب إذا وصلوا اليها أي حرف: الحاء، (ح) يقولون الحديث، وقد كتب جماعة من حفّاظ عراق العجم موضعها صح فيشعر بأنها رمز صح، وحسن هنا كتابة صح لئلا يتوهم أنه سقط من الاسناد الأول» (^٢).\nوقد أشار الإمام النووي أن هذا الأسلوب يكثر عند الإمام مسلم، ويقل عند الإمام البخاري (^٣).\nحذف «قال» التي تحذف في الخط وتثبت في القراءة:\nقال البخاري: «حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ يَحْيَى وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ الْجُهَنِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١/ ١٤٤.\n(^٢) الكواكب لدراري، ٢/ ٣.\n(^٣) شرح مسلم، ١/ ٣٨.","vol":"1","page":115},{"text":"سَأَلَ …» (^١).\n(فيحيى) أي ابن أبي كثير، والتقدير: أي: قال الحسين: قال يحيى، ولفظ قال يُحذف في الخط عند المحدثين.\nقال الكرماني معلقا على ذلك: «قال يحيى (وأخبرني) بالواو. فإن قلت أخبرني مقول قال وهو مفعول حقيقة فكيف جاز دخول الواو بينهما؟ قلت: إشعارًا بأنه من جملة ما سمع منه كأنه قال أخبرني بكذا وكذا، وأخبرني بهذا فهو للعطف على مقدر» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-90>٣ - بيان دقة البخاري في قوة الضبط، والمحافظة على لفظ الشيوخ:</span>\nكان من عادة البخاري المحافظة على لفظ الشيوخ، سواء أكان ذلك في السند كطرق تحمّله للحديث وأدائه … أو في المتن وما فيه من خلاف بين الألفاظ على حسب التلقي.\nمثال على ذلك: قال البخاري: «حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ خَالِدُ بْنُ خَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ قَالَ الأَوْزَاعِيُّ أَخْبَرَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ عُبَيْدِاللهِ بْنِ …» (^٣).\nقال الكرماني: «قوله (الزهري) بضم الزاي هو ابن شهاب ذكره البخاري في كل موضع باللفظ الذي نقله شيخه، ولذا تارة يقول ابن شهاب وتارة الزهري وتارةً محمد بن مسلم وهذا من جملة ضبطه واحتياطه» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الغسل، باب: غَسْلِ مَا يُصِيبُ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ، رقم (٢٩٠).\n(^٢) الكواكب الدراري، ٣/ ١٥٤.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: العلم، باب: الْخُرُوجِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، رقبم (٧٧).\n(^٤) الكواكب الدراري، ٢/ ٥٣.","vol":"1","page":116},{"text":"ومثله قال البخاري: «حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ عُثْمَانَ يَعْنِي ابْنَ الْأَسْوَدِ قَالَ أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ قَالَ سَأَلْتُ …» (^١).\nقال الكرماني: «قوله (عثمان) وقال (يعني ابن الأسود) إشعارًا بأن شيخه لم يقل إلا عثمان وإنما ذكر نسبته فهو منه وهذا من جملة الاحتياطات …» (^٢).\nومثله قال البخاري: «حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ هُوَ الشَّيْبَانِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ عَنْ أَبِيه …» (^٣).\nقال الكرماني: «وهو الشيباني، بفتح المنقطة وسكون التحتانية وبالنون وقال بلفظ هو إشعارًا بأنه ليس من كلام شيخه بل هو تعريف من تلقاء نفسه» (^٤).\nومثله قال البخاري: «حَدَّثنا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخبَرَنا أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ …» (^٥).\nقال الكرماني: عن الراوي: «إسماعيل بن إبراهيم» الملقب بابن علية، «وذكره البخاري ثمة بالكنية حيث قال ابن علية وههنا بالاسم، وهذا دليل على\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الشركة، بَاب: الِاشْتِرَاكِ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَمَا يَكُونُ فِيهِ الصَّرْفُ، رقم (٢٣٣٤).\n(^٢) الكواكب الدراري، ١١/ ٦١.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: الحيض، باب: مباشرة الحائض، رقم (٢٩٨).\n(^٤) الكواكب الدراري، ٣/ ١٦٦.\n(^٥) أخرجه البخاري، كتاب: الإيمان، بَابُ: سُؤَالِ جِبْرِيلَ، رقم (٤٧).","vol":"1","page":117},{"text":"كمال ضبط البخاري وأمانته حيث نقل لفظ الشيوخ بعينه وأداه كما سمعه رحمه الله تعالى» (^١).\nومثله قال البخاري: «حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ الأَصْبَهَانِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ ذَكْوَانَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ» (^٢).\nوساق البخاري رواية أخرى للحديث فقال:\n«قَالَ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِيِّ عَنْ ذَكْوَانَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا …» (^٣).\nوالملاحظ أنه قال في الرواية الأولى: حدثني ابن الأصبهاني، وفي الثانية عبد الرحمن ابن الأصبهاني، قال الكرماني معلقًا على ذلك: (قال أولا ابن الأصبهاني وههنا عبد الرحمن بن الأصبهاني محافظة على لفظ الشيوخ وهو من جملة احتياطاته» (^٤).\nومثله قال البخاري: «حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا مَالِكٌ هُوَ ابْنُ مِغْوَلٍ، حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَاللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى ﵄ هَلْ …» (^٥).\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١/ ١٩٣.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: العلم، باب: هل يجعل للنساء يوم على حدة في العلم، رقم (١٠٠).\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: العلم، باب: هل يجعل للنساء يوم على حدة في العلم، رقم (١٠٢).\n(^٤) الكواكب الدراري، ٢/ ١٠٠.\n(^٥) أخرجه البخاري، كتاب: الوصايا، بَاب: الْوَصَايَا وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَصِيَّةُ الرَّجُلِ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ، رقم (٢٥٥٣).","vol":"1","page":118},{"text":"الملاحظ أن البخاري رحمه الله تعالى عرّف بابن مالك فقال: هو ابن مِغول.\nقال الكرماني:\n«ولو لم يقل كلمة هو كان افتراء على شيخه إذ الشيخ لم ينسبه بل قال مالك فقط هذا من جملة احتياط البخاري» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-91>٤ - بيان وتوضيح العطف في الإسناد:</span>\nقال البخاري: «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ الزُّهْرِيُّ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ»، وَعَنْ أَبِيهِ عَنْ صَالِحٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ أنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ بِهَذَا … (^٢).\nبيّن الكرماني العطف على من يعود لمعرفة تسلسل السند فقال: «قوله (وعن أبيه) عطف على المذكور أولا في الإسناد أي قال يعقوب عن أبيه عن صالح عن إسماعيل ابن محمد بن سعد بن أبي وقاص الزهري …» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-92>٥ - بيان ما يوهم انقطاع الإسناد:</span>\n«ومنه توضيح العطف في السند يزداد أهمية حيث يُتوهم في السند المعطوف\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١٢/ ٦٠.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الزكاة، بَاب: قَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾، رقم (١٣٩٣).\n(^٣) الكواكب الدراري، ٨/ ٢٣.","vol":"1","page":119},{"text":"انقطاع، إذ لابد حينئذٍ من بيان العطف على الوجه الصحيح فمن ذلك قول البخاري: «حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ …»، وَعَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ قَالَ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ» (^١) فاللبس حاصل في عطف (حُسين) على ما قبله، فهو يحتمل أن يكون معطوفا على أول السند فيكون معلقًا، أو على شعبة» (^٢) قال الكرماني في ذلك: «قوله: (وعن حسين) هو عطف إما على حدثنا مسدد فيكون تعليقًا والطريق بين حسين والبخاري غير طريق مسدد وإما على شعبة فكأنه قال حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن حسين وإما على قتادة فكأنه قال عن شعبة عن حسين عن قتادة\nولا يجوز عطفه على يحيى لأن مسددًا لم يسمع من الحسين، وروايته عنه إنما هو من باب التعليق على التقدير الأول ذكره على سبيل المتابعة» (^٣).\nوقد رد البدر العيني على قول الكرماني بعد أن نقل كلامه في شرحه فقال: «هذا كله مبني على حكم العقل وليس كذلك، وليس هو بعطف على مسدد،\nولا على قتادة، وإنما هو عطف على شعبة» (^٤).\nوقد علل البدر العيني عدم جمع البخاري بينهما في سند واحد فقال: «وإنما لم يجمعهما لأن شيخه أفردهما، فأورده البخاري معطوفا اختصارا، ولأن شعبة\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الإيمان، باب: حُبُّ الرَّسُولِ ﷺ مِنَ الإِيمَانِ، رقم (١٢).\n(^٢) البدر العيني وجهوده في علوم الحديث وعلوم اللغة، د. هند سحلول، ص ٢٠١.\n(^٣) الكواكب الدراري، ١/ ٩٦.\n(^٤) عمدة القاري، البدر العيني، ١/ ١٤١.","vol":"1","page":120},{"text":"قال: عن قتادة، وقال حسين: حدثنا قتادة» (^١).\nإلا أن ابن حجر نقد الكرماني في تأويله هذا، واعتبره من قبيل التجويز العقلي فقال: «وأبدى الكرماني كعادته بحسب التجويز العقلي أن يكون تعليقا أو معطوفا على قتادة فيكون شعبة رواه عن حسين عن قتادة إلى غير ذلك مما ينفر عنه من مارس شيئا من علم الإسناد» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-93>٦ - بيان الوجه الصحيح للعطف:</span>\nقال البخاري: «حَدَّثَنَا عَلِيٌّ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَعَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ» (^٣).\nقال الكرماني مبينا مُتعلق قوله عن «عمه»: «فإن قلت لفظ عن عمه يتعلق بابن المسيب، وبعباد كليهما أو بعباد وحده قلت: الظاهر أنه متعلق بهما لأن سعيدا سمع من عبدالله كثيرا وإن احتمل أن يكون بالنسبة إلى سعيد مرسلا، عن رسول الله ﷺ» (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-94>٧ - (بيان ما قد يُوهم استواء ألفاظ طريقي الحديث)</span> (^٥):\nمثل:\n_________\n(^١) السابق، ١/ ١٤١.\n(^٢) فتح الباري، ١/ ٥٧.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: الوضوء، باب: لَا يَتَوَضَّأُ مِنَ الشَّكِّ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ، رقم (١٣٧).\n(^٤) الكواكب الدراري، ٢/ ١٧٣. وانظر البدر العيني وجهوده في علوم الحديث واللغة ص ٢٠٢، هند سحلول.\n(^٥) البدر العيني وجهوده في علوم الحديث واللغة، ص ٢٠٢، د. هند سحلول.","vol":"1","page":121},{"text":"قول البخاري: «حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ\nعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ح وَحَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ …» (^١).\nقال الكرماني: «في بعض النسخ وجد قيل حدثنا آدم لفظ ح إشارةً إلى التحويل من الإسناد الأول إلى إسناد آخر وفي بعضها لم يوجد، وعلى النسختين ففيه تحول من إسناد إلى إسناد آخر قبل ذكر الحديثن وفي هاتين الروايتين زاد لفظ والناس أجمعين وذكر الناس بعد الوالدين» (^٢).\nوقد بيّن البدر العيني فقال: (أن هناك عطف في الإسنادين أحدهما على الآخر قبل أن يسوق المتن، وهذا يوهم استواءهما، وليس كذلك، فإن لفظ قتادة مثل لفظ حديث أبي هريرة …) (^٣).\n«وقد يقرن البخاري بالعطف راويا بآخر في روايتهما عن شيخ لعلة أرادها من تقوية لطريق الحديث، أو غير ذلك» (^٤).\nمثل: «حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِاللهِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَنْجُوفِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا رَوْحٌ قَالَ حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنِ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ …» (^٥).\nفقد قرن البخاري بين الحسن البصري، ومحمد بن سيرين، لأن الحسن لم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الإيمان، باب: حُبُّ الرَّسُولِ ﷺ مِنَ الإِيمَانِ، رقم (١٤).\n(^٢) الكواكب الدراري، ١/ ٩٢.\n(^٣) عمدة القاري، البدر العيني بتصرف، ١/ ١٤٥.\n(^٤) البدر العيني وجهوده في علوم الحديث واللغة، ص ٢٠٣.\n(^٥) أخرجه البخاري، كتاب: الإيمان، باب: اتباعُ الجنائِز من الإيمانِ، رقم (٤٥).","vol":"1","page":122},{"text":"يصح سماعه من أبي هريرة، وإنما صح سماع ابن سيرين منه فاعتمد عليه، قال الكرماني: «قالوا لم يصح سماع الحسن عن أبي هريرة أقول فعلى هذا التقدير يكون لفظ عن أبي هريرة متعلقًا بمحمد فقط أو يكون مرسلًا» (^١).\nومنه إضافة لفظة في الإسناد للبيان: «حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا\nشُعْبَةُ عَنْ حُصَيْنٍ وَابْنِ أَبِي السَّفَرِ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْجَعْدِ عَنْ\nالنَّبِيِّ ﷺ …» (^٢).\nقال الكرماني: «أعلم أن نسخ البخاري كانت في الأصل: سليمان عن شعبة عروة بن أبي الجعد بدون كلمة عن بين عروة وشعبة فألحقت بها على سبيل الإصلاح لفظة «عن» بينهما والصحيح كما كان في الأول إذ ليس المراد أن شعبة يروى عن عروة وأيضًا هو لم يدرك عصره بل المراد أن شعبة قال هو عروة بن أبي الجعد بزيادة لفظة الأب» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-95>٨ - ومنه لمعرفة العطف الصحيح، لابد من ضبط أواخر الأسماء، وبيان موضع الاسم من الإعراب لزيادة التوضيح)</span> (^٤):\nقال البخاري: «حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١/ ١٨٤.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الجهاد والسير، بَاب: الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، رقم (٢٦٥٤).\n(^٣) الكواكب الدراري، ١٢/ ١٣٦.\n(^٤) البدر العيني وجهوده في علوم الحديث واللغة، ص ٢٠٤، بتصرف.","vol":"1","page":123},{"text":"أَبِي السَّفَرِ وَإِسْمَاعِيلَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ …» (^١).\nاختصر الكرماني القول فقال في ضبط إسماعيل بن أبي خالد: «وإسماعيل بفتح اللام لأنه عطف على عبدالله لا على شعبة» (^٢).\nوالمعنى في هذا يبينه البدر العيني بقوله: «شعبة فيه يروي عن اثنين: أحدهما: عبدالله بن أبي السفر، والآخر: إسماعيل بن أبي خالد، وكلاهما يرويانه عن الشعبي، ولهذا إسماعيل بفتح اللام عطفا على عبدالله وهو مجرور، وإسماعيل أيضا مجرور جر ما لا ينصرف بالفتحة» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-96>٩ - بيان الاتصال ودفع ما يُوهم الإرسال:</span>\nقال البخاري: «وَعَنْ أَبِيهِ عَنْ صَالِحٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ بِهَذَا فَقَالَ» (^٤).\nقال الكرماني: «قوله (سمعت أبي) فإن قلت: أبوه محمد فروايته عن رسول الله ﷺ مرسل إذ لا بد من توسيط ذكر سعد حتى يصير مسندا متصلا. قلت: لفظ هذا هو إشارة إلى قول سعد فهو متصل» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الإيمان، بابٌ: الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، رقم (٩).\n(^٢) الكواكب الدراري، ١/ ٨٧.\n(^٣) عمدة القاري، ١/ ١٣١.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب: الزكاة، بَاب: قَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾، رقم (١٣٩٣).\n(^٥) الكواكب الدراري، ٨/ ٢٣.","vol":"1","page":124},{"text":"ومنه بيان معرفة عود الضمير المتصل في السند، ليزيل الإشكال:\nقال البخاري: «حَدَّثَنَا عبْدُاللهِ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِاللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ …» (^١).\nبين الكرماني المقصود في الضمير الذي في جدته، حتى يزيل الإشكال فقال: «قوله مُليكة بضم الميم وفتح اللام وسكون التحتانية، هي أم سليم مصغر سالم بنت ملحان بكسر الميم وسكون اللام وبالمهملة الانصارية. فإن قلت هي الأم لأنس لا الجدة. قلت: الضمير راجع الى إسحق لا إلى أنس فإنها أم عبدالله ابن أبي أسحق لأنها كانت أولا زوجة مالك بن أنس ثم تزوجها أبو طلحة فولدت له عبدالله» (^٢).\nومنه توضيح عبارات في السند:\nقد ترد في السند عبارات لابد من بيان معناها حتى يستقيم الكلام، فكان الكرماني يبينها ويزيل عنها الإشكال مثال على ذلك قال البخاري: «حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَلَى غَيْرِ\nمَا حَدَّثَنَاهُ الزُّهْرِي قَالَ سَمِعْتُ قَيْسَ …» (^٣).\nقال البدر العيني: «وقد ذكر أن الزهري حدثه بهذا الحديث بلفظ غير اللفظ الذي حدثه به إسماعيل، وهو معنى قوله: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد على غير ما حدثناه الزهري، برفع الزهري، لأنه فاعل: حدث، و: نا، مفعوله،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الصلاة، باب: الصَّلَاةِ عَلَى الْحَصِيرِ، رقم (٣٧٥).\n(^٢) الكواكب الدراري، ٤/ ٤٥.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: العلم، باب: الاِغْتِبَاطِ فِي الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ، رقم (٧٢).","vol":"1","page":125},{"text":"والضمير يرجع إلى الحديث الذي يدل عليه: حدثنا» (^١).\nوبين الكرماني الغرض من ذلك فقال: «والغرض من ذكره الإشعار بأنه سمع ذلك من إسماعيل على وجه غير الوجه الذي سمع من الزهري إما مغايرة في اللفظ وإما مغايرة في الإسناد وإما في غير ذلك وفائدته التقوية والترجيح بتعداد الطرق» (^٢).\nومنه: قال أبو عبدالله البخاري: «حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَةَ ذَكَرَهُ وَلَكِنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْداللهِ …» (^٣).\nقال الكرماني مبينًا قوله: «ليس أبو عبيدة ذكره» فقال: «فإن قلت\nما الفائدة فيما قال وليس أبو عبيدة ذكره إذ الإسناد بدونه تمام ولا دخل له فيه، قلت غرض أبي إسحق في هذه اللفظة أن يبين أنه لا يروى هذا الحديث عن طريق أبي عبيدة عن عبدالله كما رواه غيره لان أبا عبيدة لم يسمع من أبيه شيئا فأراد دفع وهم من توهم ذلك فنقل البخاري لفظه بعينه» (^٤).\nوكان من عادة البخاري كذلك إذا أورد حديثا بسنده، ثم أورد آخر بعده بنفس السند يقول، وبإسناده كذا وكذا …\n_________\n(^١) عمدة القاري، ٢/ ٥٦.\n(^٢) الكواكب الدراري، ٢/ ٤٢.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: الوضوء، باب: لَا يُسْتَنْجَى بِرَوْثٍ، رقم (١٥٦).\n(^٤) الكواكب الدراري، ٢/ ٢٠٣.","vol":"1","page":126},{"text":"مثاله: قال البخاري: «حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ أَخْبَرَنَا\nأَبُو الزِّنَادِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الأَعْرَجَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ «نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ» (^١).\nثم قال بعده مباشرة: «وَبِإِسْنَادِهِ قَالَ «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ» (^٢).\nومعنى بإسناده: «أن الضمير راجع إلى الحديث أي: حدثنا أبو اليمان بالإسناد المذكور» (^٣).\nومن ذلك بيان معنى عبارة: (مثله أو نحوه) في السند، وأقوال العلماء فيها:\nمثال ذلك أخرج البخاري: «عَنْ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنْ اللهِ وَالْحُلْمُ مِنْ الشَّيْطَانِ فَإِذَا حَلَمَ فَلْيَتَعَوَّذْ مِنْهُ وَلْيَبْصُقْ عَنْ شِمَالِهِ فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ وَعَنْ أَبِيهِ حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ» (^٤).\nقال الكرماني: «قال أصحاب علوم الحديث: إذا روى الراوي حديثا بسنده ثم أتبعه بإسناد آخر له وقال: في آخر مثله أونحوه، فهل تجوز رواية لفظ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الوضوء، باب: الماء الدائم، رقم (٢٣٨).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الوضوء، باب: الماء الدائم، رقم (٢٣٨).\n(^٣) الكواكب الدراري، ٣/ ٩٢.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب: التعبير، باب: الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ، رقم (٦٥٦٨).","vol":"1","page":127},{"text":"الحديث الأول بالإسناد الثاني؟ فقال شعبة: لا وقال الثوري نعم. وقال ابن معين: يجوز في مثله ولا يجوز في نحوه» (^١).\nساق هذه الأقوال الخطيب البغدادي في الكفاية (^٢)، واستحسن النووي في شرحه على مسلم قول الخطيب، وأضاف: «أما إذا ذكر الإسناد وطرفًا من المتن، ثم قال: وذكر الحديث، أو قال: واقتص الحديث، أو قال: الحديث أو\nما أشبهه، فأراد السامع أن يروى عنه الحديث بكماله، فطريقه أن يقتصر على\nما ذكره الشيخ ثم يقول: والحديث بطوله كذا ويسوقه إلى آخره فإن أراد أن يرويه مطلقا ولا يفعل ما ذكرناه فهو أولى بالمنع مما سبق في مثله ونحوه، وممن نص على منعه الأستاذ أبو إسحاق الإسفراينى الشافعى، وأجازه أبو بكر الإسماعيلى (^٣)، بشرط: أن يكون السامع والمسمع عارفين ذلك الحديث» (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٢٤/ ٩٩.\n(^٢) ينظر: ص ٢٣٣.\n(^٣) أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس أبو بكر الإسماعيلى، إمام أهل جرجان والمرجوع إليه فى الفقه والحديث وصاحب التصانيف، سمع إبراهيم بن زهير الحلوانى وحمزة بن محمد بن عيسى الكاتب، وغيرهم، له: المستخرج على الصحيح والمعجم وغيرها، (ت ٣٧١ هـ)، طبقات الشافعية، السبكي، ٣/ ٧، وتذكرة الحفاظ وتبصرة الأيقاظ، يوسف ابن المبرد الحنبلي، ١/ ٢٣.\n(^٤) شرح النووي على مسلم، ١/ ٣٧.","vol":"1","page":128},{"text":"<span data-type='title' id=toc-97>المبحث الخامس\nتقوية الخبر بقول «أشهد»</span>\nقال محمد بن إسماعيل البخاري: «حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَيُّوبَ قَالَ سَمِعْتُ عَطَاءً قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ أَشْهَدُ عَلَى النَّبِي ﷺ أَوْ قَالَ عَطَاءٌ أَشْهَدُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ وَمَعَهُ بِلَالٌ …» (^١).\nقال الكرماني مبينا فائدة كلمة «أشهد» في تقوية الخبر والتأكد منه: «أشهد علي النبي ﷺ ذكر بلفظ الشهادة تأكيدا لتحقيقه وبيانا لوثوقه بوقوعه فإن قلت لم استعمل الشهادة بعلي لا باللام. قلت: ذلك أيضا لزيادة التأكيد في وثاقه لأنه يدل علي الاستعلاء بالعلم علي خروجه ﷺ» (^٢).\nومنه قول البخاري: «حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ سَمِعْتُهُ أَوْ كُنْتُ سَأَلْتُهُ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ …» (^٣).\nقال الكرماني: «قوله (أشهد) بلفظ المضارع الثلاثي لا بلفظ الأمر ولا من الأفعال وذكره تأكيدًا للقصة وتحقيقًا لصدقه ومبالغةً فيه» (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: العلم، بَابُ: عِظَةِ الإِمَامِ النِّسَاءَ وَتَعْلِيمِهِنَّ، رقم (٩٧).\n(^٢) الكواكب الدراري، ٢/ ٩١.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: الصلاة، باب: إِذَا صَلَّى في الثَّوْبِ الْوَاحِدِ فَلْيَجْعَلْ عَلَى عَاتِقَيْهِ، رقم (٣٥٥).\n(^٤) الكواكب الدراري، ٤/ ١٨.","vol":"1","page":129},{"text":"<span data-type='title' id=toc-98>المبحث السادس\nبيان ما أوهم وأشكل في السند</span>\nقد يرد في بعض الأسانيد عبارات، قد يوهم ظاهرها القدح في صحة الحديث، أو وجود المجهولين في السند، إلا أن العلماء بينوا المراد منها وأزالوا الوهم والشك والإشكال عن الحديث.\n\n<span data-type='title' id=toc-99>١ - بيان عبارة «حدثني الثقة»:</span>\nروى البخاري في صحيحه: «حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ سَيَّارٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَابِرٍ قَالَ كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ فَلَمَّا قَفَلْنَا تَعَجَّلْتُ عَلَى بَعِيرٍ قَطُوفٍ فَلَحِقَنِي رَاكِبٌ مِنْ خَلْفِي فَالْتَفَتُّ فَإِذَا أَنَا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ\nمَا يُعْجِلُكَ قُلْتُ إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ قَالَ فَبِكر زَوَّجْتَ أَمْ ثَيِّبًا قُلْتُ بَلْ ثَيِّبًا قَالَ فَهَلَّا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ قَالَ فَلَمَّا قَدِمْنَا ذَهَبْنَا لِنَدْخُلَ فَقَالَ أَمْهِلُوا حَتَّى تَدْخُلُوا لَيْلًا أَيْ عِشَاءً لِكَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ وَتَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ قَالَ وَحَدَّثَنِي الثِّقَةُ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْكَيْسَ الْكَيْسَ يَا جَابِرُ يَعْنِي الْوَلَدَ» (^١).\nقوله: «وَحَدَّثَنِي الثِّقَةُ» قال الكرماني: «فإن قلت من القائل بهذا قلت الظاهر أنه البخاري أو مسدد، فإن قلت فهذا رواية عن المجهول، قلت إذا ثبت أنه ثقة فلا بأس بعدم العلم باسمه، فإن قلت لِمَ لم يصرّح بالاسم قلت لعله نسيه أو لم يتحققه» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: النكاح، بَاب: تَزْوِيجِ الثَّيِّبَاتِ، رقم (٤٧٥٨).\n(^٢) الكواكب الدراري، ١٩/ ١٣٧.","vol":"1","page":130},{"text":"قال الإمام النووي في التقريب: «وإذا قال: حدثني الثقة أو نحوه لم يكتف به على الصحيح، وقيل يكتفي فإن كان القائل عالمًا كفى في حق موافقه في المذهب عند بعض المحققين، وإذا روى العدل عمن سماه لم يكن تعديلًا عند الأكثرين وهو الصحيح، وقيل هو تعديل وعمل العالم وفتياه على وفق حديث رواه ليس حكمًا بصحته ولا مخالفته قدح في صحته ولا في راويه، والله أعلم» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-100>٢ - بيان عبارة غير كذوب:</span>\nمثاله: قال البخاري: «حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُاللهِ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْبَرَاءُ، وَهْوَ غَيْرُ كَذُوبٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا قَالَ سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَقَعَ النَّبِيُّ ﷺ سَاجِدًا ثُمَّ نَقَعُ سُجُودًا بَعْدَهُ» (^٢).\nبين الكرماني معنى عبارة غير كذوب ناقلًا عن الخطابي (^٣): «قال ابن معين القائل وهو غير كذوب هو أبو إسحاق، ومراده أن عبدالله غير كذوب، وليس المراد أن البراء غير كذوب، لأن البراء صحابي لا يحتاج إلى تزكية، ولا يقال لرجل من أصحاب رسول الله ﷺ مثله هذا الكلام.\nوقال قلت: قوله وهو غير كذوب، لا يوجب تهمة في الراوي حتى يحتاج إلى أن ينفي عنه بهذا القول، إنما يوجب ذلك إثبات حقيقة الصدق له ليتأكد العلم به أي معناه تقوية الحديث والمبالغة في تمكينه من النفس لا التزكية التي\n_________\n(^١) التقريب والتيسير، ص ٤٩.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الأذان، باب: مَتَى يَسْجُدُ مَنْ خَلْفَ الإِمَامِ، رقم (٦٦٠).\n(^٣) أعلام الحديث، ١/ ٤٧٥.","vol":"1","page":131},{"text":"تكون في مشكوك فيه، وهذا عادتهم فيما يروونه حيث يريدون إيجاب العمل به أو تأكيد العلم فيه كقول أبي هريرة سمعت خليلي الصادق المصدوق وقول ابن مسعود حدثني الصادق المصدوق، وهذا لا يوجب ظنة كانت فترفع بهذا القول؛ إنما هو نوع ثناء وضرب تأكيد إذا اشتدت العناية بالشئ من القائل به» (^١).\nثم إن الكرماني بين رد النووي (^٢) على الخطابي بقوله: «كلام ابن معين\nلا وجه له من جهة أخرى أيضًا لأن عبدالله صحابي أيضًا فحكمه حكم البراء في ذلك» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-101>٣ - بيان عبارة زعم:</span>\nمثاله: قال البخاري: «حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ زَعَمَ عَطَاءٌ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِاللهِ زَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَنْ أَكَلَ ثُومًا، أَوْ بَصَلًا فَلْيَعْتَزِلْنَا …» (^٤).\nبين الكرماني أن زعم بمعنى قال، لأن الزعم يستعمل في الأمر المحقق ثم نقل عن الخطابي (^٥) القول فيها: «ليس قوله زعم على وجه التهمة لكنه لما كان أمرا مختلفا فيه جعل الحكاية عنه بلفظ الزعم وهذا اللفظ لا يكاد يستعمل إلا في\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٥/ ٧٣.\n(^٢) شرح النووي على مسلم، ٤/ ١٩٠.\n(^٣) الكواكب الدراري، ٥/ ٧٣.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب: الأذان، باب: مَا جَاءَ فِي الثُّومِ النَّىّيّ وَالْبَصَلِ وَالْكُرَّاثِ، رقم (٨١٧).\n(^٥) أعلام الحديث، ١/ ٥٥٩.","vol":"1","page":132},{"text":"أمر يرتاب به أو يختلف فيه» (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-102>المبحث السابع\nبيان أصح الأسانيد، ورأي البخاري</span>\nذكر علماء الحديث أصح الأسانيد، واختلفوا في أصحها، ويرجع سببه إلى اجتهاداتهم في تفاوت درجات توثيق الرواة، فكل راوٍ وُجدت فيه صفة العدل، والضبط والإتقان كان سنده أصح من غيره.\nفقالوا في أصح الأسانيد على حسب اجتهاد كل منهم:\n«قال الحافظ ابن كثير في أصح الأسانيد: «فعن أحمد وإسحق: أصحها: الزهري عن سالم عن أبيه.\nوقال علي بن المديني والفلاس: أصحها محمد بن سيرين عن عبيدة عن علي.\nوعن يحيى بن معين: أصحها الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود (^٢).\nوعن البخاري، مالك عن نافع عن ابن عمر». وهذا القول نقله الكرماني عن البخاري فقال: «ومذهب البخاري أن أصح الأسانيد مالك عن نافع عن\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٥/ ٢٠١.\n(^٢) الباعث الحثيث، ابن كثير، ص ٢٢، وينظر الكواكب الدراري، ٢/ ١٦٥.","vol":"1","page":133},{"text":"ابن عمر ويسمى هذا الإسناد بسلسلة الذهب» (^١).\n«وزاد بعضهم: الشافعي عن مالك، إذ هو أجلّ من روي عنه» (^٢).\n(ثم ذكر الكرماني أقوال بعض العلماء في أصح الأسانيد آنفة الذكر) (^٣).\nوقال بعض العلماء لا يمكن الحكم لإسناد بأنه أصح الأسانيد مطلقا، بسبب تفاوت نظرة النقاد في جرح الرواة وتعديلهم (^٤).\nوقال السيوطي في ألفيته:\nوالوَقْفُ عَنْ حُكْمٍ لِمَتْنٍ أَوْ سَنَدْ … بِأَنَّهُ أَصَحُّ مُطلَقًا أَسَدْ\nوآخَرُونَ حَكَمُوا فاضْطَرَبُوا … لِفَوقِ عَشْرٍ ضُمِّنَتْهَا الْكُتُبُ (^٥)\nومن العلماء من ذكر أصح الأسانيد عن صحابي معيّن أو بلد وأقوام معينين، منها:\n١ - أصح الأسانيد عن عائشة ﵂: عبيدالله بن عمر بن حفص بن عاصم ابن عمر بن الخطاب، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر، عن عائشة.\n٢ - أصح الأسانيد عن عمر: الزهري عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة عن عبدالله بن عباس عن عمر.\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١/ ٧٧.\n(^٢) الباعث الحثيث إلى اختصار علوم الحديث، ص ٢٢.\n(^٣) الكواكب الدراري، ١/ ٧٨.\n(^٤) معرفة علوم الحديث، الحاكم، ص ٥٥، وتدريب الراوي، السيوطي، ١/ ٧٦.\n(^٥) ألفية السيوطي، ص ٥.","vol":"1","page":134},{"text":"٣ - أصح الأسانيد عن أبي هريرة: مالك بن أنس عن أبي الزناد عبدالله ابن ذكوان عن الأعرج عبد الرحمن بن هرمز عن أبي هريرة، وهذا رأي البخاري كما نقله الكرماني (^١).\n٤ - أصح أسانيد أهل البيت: جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن علي إذا كان الراوي عن جعفر ثقة.\n٥ - أصح أسانيد المكيين: سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن جابر.\n٦ - أصح أسانيد اليمانيين: معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة.\nوقيل غير ذلك (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١/ ٩٧.\n(^٢) ينظر: معرفة علوم الحديث، الحاكم، ص ٥٥، وفتح الباقي شرح ألفية العراقي، زين الدين السنيكي، ١/ ١٠٠.","vol":"1","page":135},{"text":"<span data-type='title' id=toc-103>الفصل الثاني منهج الكرماني في تخريج الأحاديث وبيان الفوائد من ذلك</span>\n<span data-type='title' id=toc-104>المبحث الأول التخريج تعريفه، وفوائده</span>\n*<span data-type='title' id=toc-105> تعريف التخريج في اللغة والاصطلاح:</span>\n<span data-type='title' id=toc-106>١ - تعريف التخريج في اللغة:</span>\nخَرَجَ خروجًا ومَخْرَجًا. وقد يكون المَخْرَجُ موضع الخروج، وهو نقيض الدخول يقال: خرج مخرجًا حسنًا، وهذا مَخْرَجُهُ، والمخرج موضع الخروج، والاستخراج، كالاستنباط (^١).\nوقال ابن منظور: «الفرق بين الخروج والوصل أن الخروج أشد بروزا عن حرف الروي واكتنافا من الوصل لأنه بعده، ولذلك سمي خروجا لأنه برز وخرج عن حرف الروي» (^٢).\nفيكون المعنى اللغوي للتخريج هو الإبراز والإظهار، والاستخراج ..\n_________\n(^١) ينظر: مادة (خرج) وينظر: الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية ١/ ٣٠٨، ومختار الصحاح ١/ ٨٩، وتاج العروس ٥/ ٥٠٨.\n(^٢) مادة (خرج)، لسان العرب، ٢/ ٢٤٥.","vol":"1","page":136},{"text":"«ومنه قول المحدثين عن حديث ما: أخرجه البخاري، بمعنى أبرزه للناس وأظهره لهم ببيان مخرجه؛ وهم رجال إسناده الذين خرج الحديث عن طريقهم» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-107>٢ - التخريج في اصطلاح المحدثين:</span> قال السخاوي: «والتخريج إخراج المحدث الأحاديث من بطون الأجزاء والمشيخات والكتب ونحوها، وسياقها من مرويات نفسه أو بعض شيوخه أو أقرانه أو نحو ذلك، والكلام عليها وعزوها لمن رواها من أصحاب الكتب والدواوين مع بيان البدل والموافقة ونحوهما …» (^٢).\nويطلق عند المحدثين كذلك بمعنى إبراز الحديث وإظهاره للناس، ومنه قول ابن الصلاح عند كلامه عن طريقة العلماء في تصنيف الحديث: «إحداهما: التصنيف على الأبواب، وهو تخريجه على أحكام الفقه، وغيرها» (^٣).\nويراد به: «الدلالة على مصدر الأحاديث وعزوها» … ومنه قول المناوي في شرحه لقول السيوطي في مقدمة الجامع الصغير: اجتهدت في تهذيب عزو الأحاديث إلى مخرجيها من أئمة الحديث من الجوامع والسنن والمسانيد فلا أعزو إلى شيء منها إلا بعد التفتيش عن حاله وحال مخرجه ولا أكتفي بعزوه إلى من ليس من أهله وإن جل كعظماء المفسرين» (^٤).\n_________\n(^١) علم تخريج الأحاديث، أصوله طرائقه مناهجه، أ. د محمد محمود بكّار. ص ٢٢.\n(^٢) فتح المغيث، السخاوي، ٣/ ٣١٧.\n(^٣) علوم الحديث، ابن الصلاح، ص ٢٥٣.\n(^٤) علم التخريج ودوره في حفظ السنة النبوية، د. محمد محمود بكار ص: ٤، وينظر وقول المناوي في الجامع في فيض القدير شرح الجامع الصغير ١/ ١٧.","vol":"1","page":137},{"text":"إلا أن العلماء المعاصرين عرفوه بقولهم: «عزو الحديث إلى مصادره الأصلية المسندة، فإن تعذرت فإلى الفرعية المسندة، فإن تعذرت فإلى الناقلة عنها بأسانيدها، مع بيان مرتبة الحديث غالبًا» (^١).\nومن هنا يتظهر العلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي «فمادة خرج يدور أحد معانيها على النفاذ عن الشيء الذي يلزم منه الظهور والبروز، فمن هنا تتضح مناسبة المعنى اللغوي للمعنى الاصطلاحي» (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-108> فوائد التخريج:</span>\n١ - التعرف على مكان وجود الحديث من مصادره الأصلية.\n٢ - معرفة درجة الحديث إذ أن بعض المصنفين كالترمذي يحكمون على الحديث.\n٣ - معرفة طرق الحديث، والمتابعات، والشواهد التي يمكن أن يتقوى بها الحديث إن كان ضعيفًا.\n٤ - معرفة علل الحديث أوما فيه من شذوذ بعد جمع طرقه والمقارنة بينها.\n_________\n(^١) التخريج ودراسة الأسانيد، حاتم بن عارف بن ناصر الشريف العوني، ص ٢، وينظر أصول التخريج ودراسة الأسانيد د. محمود طحان: ص ١٢، وعلم تخريج الأحاديث ودوره في حفظ السنة النبوية ص ٢٣. والمفَصَّلُ في أصولِ التخريجِ ودراسةُ الأسانيدِ ص ٥، علي بن نايف الشحود.\n(^٢) ينظر تخريج الحديث الشريف د. نايف علي البقاعي ص: ١٦.","vol":"1","page":138},{"text":"٥ - معرفة سبب ورود الحديث، ومعنى الغريب التي تذكر في روايات أخرى.\n٦ - بالتخريج يستطيع الباحث أن يجمع الأحاديث ذات الموضوع الواحد وبالتالي إعطاء البحث حقه من الأدلة من الحديث (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-109>المبحث الثاني\nعدد أحاديث صحيح البخاري</span>\nفقد ذكر علماء الحديث أن عدد الأحاديث في صحيح البخاري: «سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون حديثا بالمكررة، ومن دون المكرر بلغت أربعة آلاف حديث، مع آثار الصحابة والتابعين، مع عد الحديث الواحد المروي بإسنادين حديثين» (^٢).\nعلى خلاف في عدد الأحاديث في الصحيح على حسب طريق البخاري فهذا الذي ذُكر من أن إجمالي الأحاديث في البخاري بلغت: سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون حديثا، على حسب رواية الفربري، وفي رواية حماد فدونها بمائتي حديث، ودون هذه بمائة رواية إبراهيم بنِ مَعْقلٍ) (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: تخريج الحديث الشريف، د. علي البقاعي، ص ٢٣ - ٢٤، وعلم تخريج الأحاديث، أ. د. محمد بكار، ص ٢٥.\n(^٢) ينظر: معرفة علوم الحديث، ابن الصلاح، ص ٢٠، وتدريب الراوي، السيوطي، ص ١٠٩.\n(^٣) ينظر هدي الساري، ص ٦٥٤ وشرح ألفية العراقي لابن العيني ص: ٦٤.","vol":"1","page":139},{"text":"وقال ابن حجر: «فجميع أحاديثه بالمكرر سوى المعلقات والمتابعات على ما حررته وأتقنته سبعة آلاف وثلاث مائة وسبعة وتسعون حديثا فقد زاد على\nما ذكروه مائة حديث واثنان وعشرون حديثا على أنني لا أدعي العصمة\nولا السلامة من السهو …» (^١).\nفحاصل الخلاف على حسب رواية شيوخ البخاري، وعلى حسب المكرر والمعلق والمختصر … بين عادّ له أو لا.\nوعلى غير عادة الإمام مسلم، من جمع روايات الحديث الواحد في مكان واحد، نهج البخاري إلى عكس ذلك من تفريق الروايات في صحيحه، وله في ذلك أسباب تدل على صنعته الحديثية المميزة، قال ابن حجر في هدي الساري (^٢) عنها وأذكر أهمها:\n١ - إخراج الحديث عن حد الغرابة، إذ أنه يخرّج الحديث عن صحابي، ثم يورده عن صحابي آخر وفي هذا فائدة زائدة.\n٢ - احتواء الحديث على معانٍ متغايرة، فيورده في كل باب من غير طريق الأولى.\n٣ - نقل الأحاديث كما وردته والمحافظة على لفظ الشيوخ، بين من رواها تامة، ومن رواها مختصرة.\n٤ - تعارض الوصل والإرسال، والوقف والرفع، وترجح لديه الوصل، أو الرفع وبين أن لا تأثير للإرسال أو الوقف.\n_________\n(^١) فتح الباري، ١/ ٤٦٨.\n(^٢) هدي الساري، ص ١٩ - ٢٠.","vol":"1","page":140},{"text":"٥ - إخراج حديث زاد فيه بعض الرواة رجلا في الإسناد، ونقصه آخر فيورده على الوجهين، حيث يصح عنده أن الراوي سمعه من شيخ حدثه به عن آخر، ثم لقيَ الآخر فحدثه به، فيرويه البخاري على الوجهين.\n٦ - وقد يروي الحديث معنعنًا، ثم يرويه من طريق آخر فيه التصريح بالسماع.\nهذا وقد اهتم الكرماني في شرحه بالتخريج بكل أنواعه:\n\n<span data-type='title' id=toc-111>أولًا: تخريج أحاديث صحيح البخاري.</span>\n<span data-type='title' id=toc-112>ثانيًا: تخريج أحاديث الشرح من كتب الرواية المتنوعة.</span>\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-110>المبحث الثالث\nتخريج أحاديث صحيح البخاري</span>\nفبين أماكن تكرارها وتواجدها، وميّز ما بينها من فروق، مع ذكر الفوائد والأسباب الداعية لذلك.\nمن ذلك:\n\n<span data-type='title' id=toc-113>١ - بيان مواضع أحاديث صحيح البخاري وبيان سر التكرار:</span>\nبين العلماء أسرار تكرار الحديث عند البخاري قال ابن حجر ناقلًا عن الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي (^١):\n_________\n(^١) محمّد بنُ طاهر ابن عليّ، الحافظ المُكْثر، الجَوّال، أبو الفَضْل، المَقْدسي، ويعرف بابن القَيسَرَاني، الشَّيبَاني، الفقيه نصر المقدسي، وغيره كثير، وسمع منه ابنه أبو زرعة، كان حسن المعرفة بالرجال والمتون، جيد الخط، لازما للأثر، بعيدأ من الفضول والتعصب، خفيف الروح، قوي السير في السفر، له أطراف الكتب الستة، (ت ٥٠٧ هـ). وفيات الأعيان، ٤/ ٢٨٧، وطبقات علماء الحديث للصالحي، ٤/ ١٣.","vol":"1","page":141},{"text":"«اعلم أن البخاري ﵀ كان يذكر الحديث في كتابه في مواضع، ويستدل به في كل باب بإسناد آخر، ويستخرج منه بحسن استنباطه وغزارة فقهه معنى يقتضيه الباب الذي أخرجه فيه، وقلما يُورد حديثًا في موضعين بإسناد واحد ولفظ واحد، وإنما يُورده من طريق أخرى لمعانٍ نذكرها والله أعلم بمراده منها، فمنها أنه يخرج الحديث عن صحابي ثم يُورده عن صحابي آخر، والمقصود منه أن يُخرج الحديث عن حد الغرابة، وكذلك يفعل في أهل الطبقة الثانية والثالثة، وهلم جرا إلى مشايخه فيَعتقد من يرى ذلك من غير أهل الصنعة أنه تكرار وليس كذلك لاشتماله على فائدة زائدة» (^١).\nثم إن الأحاديث التي كررها البخاري كما هي سندًا ومتنًا قليلة جدًا، وعن غير قصد منه، قال ابن حجر في هدي الساري: «ولا يوجد فيه حديث واحد مذكور بتمامه سندا ومتنا في موضعين أو أكثر إلا نادرا فقد عني بعض من لقيته بتتبع ذلك فحصل منه نحو عشرين موضعا» (^٢).\n_________\n(^١) هدي الساري، ص ١٩.\n(^٢) السابق، ص ١٦.، وقد ذكر القسطلاني في هدي الساري أنه وجد ورقة بخط ابن حجر فيها تحديد الأحاديث المكررة، التي بلغت واحد وعشرون حديثًا … وزاد عليها القسطلاني حديثًا وهو: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية … ينظر: إرشاد الساري، ص ٢٥ - ٢٦. وقال في كشف الظنون: «التي ذكرها أي البخاري في موضعين سندًا ومتنًا معادًا ثلاثة وعشرون حديثًا» ١/ ٥٤١.","vol":"1","page":142},{"text":"وقد تنوع صنيع الكرماني في ذلك فتارة يذكر الأبواب التي مرّ فيها الحديث، من دون أن يتطرق لذكر السند والمتن مثال على ذلك:\nقال البخاري: «حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثَنَا مَعْبَدُ ابْنُ هِلَالٍ الْعَنَزِيُّ قَالَ اجْتَمَعْنَا نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ فَذَهَبْنَا إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَذَهَبْنَا …» (^١) وهو حديث الشفاعة الطويل.\nقال الكرماني: مبينا وموضحا الأبواب التي ذكرت هذا الحديث عند البخاري مشيرًا إلى التطويل والاختصار في صنيع البخاري.\n«وهذا الحديث مخرّج في الجامع أكثر من اثني عشر موضعا، في الصلاة في باب فضل السجود وفي الزكاة في باب: من سأل الناس تكثرا، وفي كتاب الأنبياء في باب: نوح وفي باب إبراهيم ﵉، وفي كتاب: التفسير في باب ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ وفي باب: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾، وفي باب: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ وفي باب: الصراط وفي باب: صفة الجنة والنار وفي كتاب: التوحيد وفي باب: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وفي باب: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ وفي هذا الموضع وغيره لكن في بعضها ذكره مطولا وفي بعضها مختصرا» (^٢).\nومثله: قال البخاري في حديث الإسراء: «حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِاللهِ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِاللهِ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ لَيْلَةَ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: التوحيد، بَاب: كَلَامِ الرَّبِّ ﷿ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ، رقم (٧٠٥٧).\n(^٢) الكواكب الدراري، ٢٥/ ٢٠٠.","vol":"1","page":143},{"text":"أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ أَنَّهُ جَاءَهُ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ …» (^١).\nقال الكرماني: «والحديث مخرّج مطولًا ومختصرًا أكثر من عشر مرات أولها في كتاب الصلاة، (باب كلام الرب مع أهل الجنة)» (^٢).\nومن ذلك: ما أخرجه البخاري: «حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ تَخَلَّفَ النَّبِي ﷺ عَنَّا فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا، فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقْنَا الْعَصْرَ، فَجَعَلْنَا نَتَوَضَّأُ وَنَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ مرتين أوثلاثًا» (^٣).\nفقال الكرماني مبينا مواضع الحديث في الصحيح، ومنبها على بعض الفروق: «هذا الإسناد والحديث بعينهما تقدما في باب: من رفع صوته بالعلم، وفي باب: من أعاد الحديث ثلاثًا في كتاب: العلم لا تفاوت بينه وبينهما إلا في الراوي الأول، فإنه موسى ههنا وثمة في الباب الأول أبو النعمان وفي الباب الثاني مسدد» (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-114>٢ - تكرار الحديث لبيان قصد الراوي ومطابقة الترجمة التي أرادها البخاري:</span>\nمثاله: قال البخاري: في باب إطعام الطعام من الإسلام: حَدَّثَنَا عَمْرُو\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: التوحيد، بَاب: قَوْلِهِ ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، رقم (٧٠٦٤).\n(^٢) الكواكب الدراري، ٢٥/ ٢٠٩.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: الوضوء، باب: غسل الرجلين ولا يمسح على القدمين، رقم (١٦٢).\n(^٤) الكواكب الدراري، ٢/ ٢١٤.","vol":"1","page":144},{"text":"ابْنُ خَالِدٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيِّ ﷺ أَيُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ قَالَ «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ» (^١).\nثم كرر البخاري الحديث بسند آخر في باب إفشاء السلام من الإسلام «حَدَّثنا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثنا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الخَيْرِ عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍ … مثله» (^٢).\nفقال الكرماني عن تكرار الحديث بعينه: «فإن قلت الحديث بعينه هو المتقدم فلم ذكره مكررًا. قلت: ذكره ثمة للاستدلال على أن الإطعام من الإسلام وههنا للاستدلال على أن السلام منه. فإن قلت كان يكفيه أن يقول ثمة أو ههنا باب الإطعام والسلام من الإسلام بأن يدخلهما في سلك واحد ويتم المطلوب. قلت لعل عمرو بن خالد ذكره في معرض بيان أن الإطعام منه وقتيبة في بيان أن السلام منه فلذلك ميزهما مضيفًا إلى كل راو ما قصده في روايته والله أعلم» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-115>٣ - التكرار من أجل تقوية سند الحديث:</span>\nمنه: بيان أن:\nالسماع أقوى من العنعنة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الإيمان، رقم (١١).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الإيمان، بَابُ: كُفْرَانِ العَشِيرِ، وَكُفْرٍ دُونَ كُفْر، رقم (٢٧).\n(^٣) الكواكب الدراري، ١/ ١٣٤.","vol":"1","page":145},{"text":"مثاله:\nأخرج البخاري في صحيحه في كتاب الصلاة، قال: «حَدَّثَنَا عَلِيُّ\nابْنُ عَبْدِاللهِ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنَا الزُّهْرِي عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ\nأَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِي أَنَّ النَّبِي ﷺ قَالَ «إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ …» (^١).\nثم كرر البخاري الحديث مباشرة بعد الرواية الأولى في مكان واحد فقال: «وَعَنِ الزُّهْرِي عَنْ عَطَاءٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا أَيُّوبَ عَنِ النَّبِي ﷺ مِثْلَهُ» (^٢).\nفقال الكرماني مبينًا هدف البخاري من ذلك: «فإن قلتَ ما الفائدة في تكرار هذا الإسناد وهو بعينه عن الزهري عن عطاء عن أبي أيوب عن\nالنبي ﷺ؟ قلت: الأول: بلفظ عن أبي أيوب وأن النبي ﷺ، وهذا بلفظ\nما سمعت أبا أيوب وعن النبي ﷺ والسماع أقوى من العنعنة وعن أقوى من أن» (^٣).\nومنه:\nقال البخاري: «حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِي عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «لَيْسَ فِيمَا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الصلاة، باب: قِبْلَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِ الشَّامِ وَالْمَشْرِقِ، رقم (٣٨٨).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الصلاة، باب: قِبْلَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِ الشَّامِ وَالْمَشْرِقِ، رقم (٣٨٨).\n(^٣) الكواكب الدراري، ٤/ ٥٧.","vol":"1","page":146},{"text":"دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ مِنَ الإِبِلِ …» (^١) وساق بعده البخاري مباشرة رواية لكن بسند: «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ حَدَّثَني يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ أَخْبَرَني عَمْرٌو سَمِعَ أَبَاهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ سَمِعْتُ النَّبِي ﷺ بِهَذَا» (^٢).\nفقال الكرماني: «الغرض من هذا الطريق يقصد طريق محمد بن المثنى التي فيها لفظ السماع بيان التقوية لأنها هي المرتبة العليا لعدم احتمال الواسطة بخلاف الإسناد السابق وهو قال رسول الله ﷺ فإنه محتمل للواسطة» (^٣).\nومثله: تصريح راو مدلس بالسماع، والدقة في اللفظ، أخرج البخاري فقال: «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ مَرَّ النَّبِيِّ ﷺ بِقَبْرَيْنِ فَقَالَ «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ …» وبعده قال: «قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى وَحَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ سَمِعْتُ مُجَاهِدًا مِثْلَهُ «يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ» (^٤).\nقال الكرماني: «الغرض من ذكر هذا الإسناد يقصد الثاني الذي فيه لفظ سمعت التقوية وهذا اللفظ أيضا لأن الأعمش مدلس وعنعنة المدلس لاتعتبر إلا إذا علم سماعه فأراد التصريح بالسماع إذا الإسناد الأول معنعن، وقال ثمة حدثني محمد بن المثني وقال هنا قال ابن المثني إشارة الى رعاية الفرق الذي بينهما ولا يخفي أن «قال» أحط درجة من حدث» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الزكاة، باب: زكاة الورق، رقم (١٣٦٤).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الزكاة، باب: زكاة الورق، رقم (١٣٦٥).\n(^٣) الكواكب الدراري، ٧/ ٢٠٩.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب: الوضوء، باب: الاستتار من البول، رقم (٢١٧).\n(^٥) الكواكب الدراري، ٣/ ٦٩.","vol":"1","page":147},{"text":"وبين الكرماني الفرق بين لفظي التحديث: «كما راعى أيضا ثمة الفرق بين حدثني وحدثنا (^١) حيث أفرد في بعض وجمع في آخر فتأمل» (^٢) وذلك لبيان اختلاف مجالس السماع.\nقال عبدالله بن وهب: «إذا قلت: «حدثني» فهو ما سمعته من العالم وحدي، وإذا قلت: «حدثنا» فهو ما سمعته مع الجماعة، وإذا قلت: «أخبرني» فهو ما قرأت على المحدث، وإذا قلت «أخبرنا» فهو ما قرئ على المحدث وأنا أسمع قال الخطيب: هذا هو المستحب وليس بواجب عند كافة أهل العلم» (^٣).\nومثله: قال البخاري: «حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ قَالَ قَالَ النَّبِي ﷺ وَحَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ قَالَ حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ الْعَدَوِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ قَالَ رَأَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِي فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ …» (^٤).\n_________\n(^١) في نسخة البخاري في الشرح هنا غير النسخة التي اعتمدها الكرماني وهي رواية أبي ذر الهروي عن الكشميهني، فالرواية التي قصدها الكرماني هي: حدثني محمد بن المثنى حدثنا محمد بن خازم .. ولما أعاد قال أي البخاري قال ابن المثنى وحدثنا وكيع تعليقًا، لم يقل البخاري حدثنا محمد بن المثنى كما هي عموم رواياته عن شيخه، بل قال بالإفراد حدثني، ومن أجل إظهار الفرق بين التعليق والتحديث.\n(^٢) السابق، ٣/ ٦٩.\n(^٣) الكفاية، ص ٢٩٤، وعلل الترمذي، ص ٧٥٢.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب: الصلاة، باب: يَرُدُّ الْمُصَلِّي مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ، رقم (٤٨٨).","vol":"1","page":148},{"text":"قال الكرماني مبينا قوة الرواية الثانية: «الأول روى فيه حميد بلفظ عن أبي صالح وأن أبا سعيد، والثاني روى بلفظ قال أبو صالح ورأيت أبا سعيد والثاني أقوى» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-116>٤ - التكرار لدواعي تقطيع الحديث واختصاره:</span>\nلجأ البخاري في صحيحه، لتقطيع الحديث واختصاره، للحاجة إلى ذلك.\nتعريف اختصار الحديث: وهو حذف بعضه والاقتصار في الرواية على بعضه (^٢).\nوقد أجاد الكرماني في ذلك وسماه: «خرمًا»، والخرم في اللغة:\nقال ابن منظور: «الخرم: مصدر قولك خَرَمَ الخَرَزَة يخرِمها، بالكسر خَرْمًا وخَرَّمَها فَتَخرَّمَتْ: فَصَمَها وَمَا خَرَمْتُ مِنْهُ شَيْئًا أَي مَا نَقَصْتُ وَمَا قَطَعْتُ وقال اللَّيْثُ: خَرِمَ أَنفُه يَخْرَمُ خَرَمًا، وَهُوَ قَطْعٌ فِي الوَتَرَةِ وَفِي الناشِرتَيْنِ أَوْ فِي طَرَفٍ الأَرْنَبة لَا يَبْلُغُ الجَدْعَ» (^٣).\nفالخرم من معانيه في اللغة القطع، وهو ما وافق المعنى الاصطلاحي من قطع الحديث واختصاره.\nواختصار الحديث، له أنواع فقد يروي الراوي الحديث وينقله مختصرا، فيقطّعه ويأخذ منه موطن الشاهد الذي يريد، بينما يرويه غيره تامًا، مما يؤدي إلى تعدد صور روايات الحديث، وهو حديث واحد، فلا يُظن أن هذا من قبيل\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٤/ ١٦٠.\n(^٢) توجيه النظر إلى أصول الأثر، طاهر الجزائري، ٢/ ٧٠٣.\n(^٣) لسان العرب مادة: خرم، وانظر: النهاية في غريب الحديث ٢/ ٢٧.","vol":"1","page":149},{"text":"اضطراب المتن، إذ أن الاضطراب تكون الروايات فيه متساوية لايمكن الجمع بينها، مما يُشعر بعدم ضبط الراوي.\nوقد جاء عن محمد بن سيرين رحمه الله تعالى: (قال كنت أسمع الحديث من عشرة اللفظ مختلف والمعنى واحد» (^١).\nفيُفهم من كلام ابن سيرين أن الرواة منذ الصدر الأول كانوا يتصرفون في الحديث فيختصرونه أو يرونه بالمعنى (^٢).\nوكان الكرماني يشير إلى اختصار الحديث عند البخاري ويبين سبب ذلك:\nمثال على ذلك قال البخاري: «حَدَّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، قَالَ: حَدَّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِاللهِ بْنِ عَبْدِاللهِ، أَنَّ عَبْدَاللهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ. أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لَهُ: سَأَلْتُكَ …» (^٣).\nذكر الكرماني (^٤) أن في إسناد هذا الحديث بين البخاري والزهري ثلاثة رجال وهم: إِبْرَاهِيمُ ابْنُ حَمْزَةَ وإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ وصَالِحٍ بن كيسان.\nوفي الرواية الأخرى بين البخاري والزهري رجلان، والرواية هي:\n_________\n(^١) العلل الصغير للترمذي، (٧٤٦).\n(^٢) وسيأتي الكلام عن أحكم وأسباب اختصار الحديث، في قسم المصطلح.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: الإيمان، باب: سُؤَالِ جِبْرِيلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الإِيمَانِ، وَالإِسْلَامِ، وَالإِحْسَانِ، وَعِلْمِ السَّاعَةِ، رقم (٥١).\n(^٤) الكواكب الدراري، ١/ ٢٠٢.","vol":"1","page":150},{"text":"«حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ الحَكَمُ ابْنُ نَافِعٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُاللهِ بْنُ عَبْدِاللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عَبْدَاللهِ بْنَ عَبَّاسٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ ابْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُاللهِ بْنُ عَبْدِاللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عَبْدَاللهِ بْنَ عَبَّاسٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ ابْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ هِرَقْلَ …» (^١).\nوالرجلان هما: أَبُو اليَمَانِ الحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ وشُعَيْبٌ.\nثم بين الكرماني ممن وقع القطع والخرم فقال: «فإن قلت فممن وقع هذا الخرم؟ قلت: الظاهر أنه من الزهري لا من البخاري؛ لاختلاف شيوخ الإسنادين بالنسبة إلى البخاري، فلعل شيخه إبراهيم بن حمزة لم يذكر في مقام الاستدلال على أن الإيمان دين إلا هذا القدر» (^٢).\nثم بين سبب الخرم فقال:\n«فإن قلت فلم يقع الخرم. قلت: لأن المقامات مختلفة والسياقات متنوعة فمقام بيان كيفية الوحي يقتضي ذكر الحديث بتمامه ومقام الاستدلال على هذا المطلوب يقتضي ذكر ما به يتم المقصود به اختصارًا وتقريبًا لفهم المراد والله تعالى أعلم» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: بدء الوحي، باب: كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الوَحْيِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ؟ رقم (٥١).\n(^٢) الكواكب الدراري، ١/ ٢٠٢.\n(^٣) الكواكب الدراري، ١/ ٢٠٢.","vol":"1","page":151},{"text":"مثال ثانٍ: قال البخاري: «عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ذُكِرَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ قَالَ مُحَمَّدٌ وَأَحْسِبُهُ قَالَ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، أَلَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ». وَكَانَ مُحَمَّدٌ يَقُولُ صَدَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَانَ ذَلِكَ «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ» مَرَّتَيْنِ» (^١).\nفبيّن الكرماني أن هذا الحديث مخروم بمعنى مُقطّع حيث قال: «لأنه بعض من حديث طويل وقد سبق بعضه في باب قول النبي ﷺ رب مبلغ حيث قال: قَالَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا»، فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ، قَالَ: «أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ» قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: «فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا» فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ: «أَلَيْسَ بِذِي الحِجَّةِ» قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، بَيْنَكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا إلى آخره … وقد خُرم هنا اقتصارا على المقصود وهو بيان التبليغ» (^٢).\nومثله: قال البخاري: «حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِاللهِ قَالَ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي الْغَيْثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ اجْتَنِبُوا الْمُوبِقَاتِ الشِّرْكُ بِاللهِ وَالسِّحْرُ» (^٣).\nقال الكرماني: «وثبت في الصحيح: اجتنبوا السبع الموبقات، الشرك بالله، السحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: العلم، باب: لِيُبَلِّغِ العِلْمَ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، رقم (١٠٥).\n(^٢) الكواكب الدراري، ٢/ ١٠٧.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: الطب، باب: الشِّرْكُ وَالسِّحْرُ مِنَ المُوبِقَاتِ، رقم (٥٧٦٤).","vol":"1","page":152},{"text":"والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات (^١)، فهذا الذي في الكتاب مختصر من مطول، ولهذا ذكر اثنتين فقط، هو من قبيل قوله تعالى ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾» (^٢).\nومن ذلك: ما أخرجه البخاري في كتاب الرقائق:\n«حَدَّثَنِي أَبُو نُعَيْمٍ بِنَحْوٍ مِنْ نِصْفِ هَذَا الْحَدِيثِ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ حَدَّثَنَا مُجَاهِدٌ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَقُولُ أَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ» (^٣).\nقال الكرماني: «فإن قلت هذا مُشكل لأن نصف الحديث يبقى بدون الإسناد، ثم أن النصف مبهم أهو الأول أم الآخر، قلت: اعتمد على ما ذكر في كتاب الأطعمة (^٤) من طريق يوسف بن على المروزي، وهو قريب من نصف هذا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الوصايا، باب: قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠]، رقم (٢٧٦٦) إلا أن الكرماني لم يذكر لفظ الغافلات وهي موجودة بروايات البخاري التي ذكرت الحديث كاملا.\n(^٢) الكواكب الدراري، ٢١/ ٣٩.\n(^٣) أخرجه البخاري، بَاب: كَيْفَ كَانَ عَيْشُ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ وَتَخَلِّيهِمْ مِنْ الدُّنْيَا، رقم (٦٠٦٦).\n(^٤) أخرجه البخاري، رقم (٥٠٣٠) وهو «حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنْ طَعَامٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى قُبِضَ. وَعَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَصَابَنِي جَهْدٌ شَدِيدٌ فَلَقِيتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ …».","vol":"1","page":153},{"text":"الحديث فلعل البخاري أراد بالنصف المذكور بأبي نُعيم ما لم يذكره، ثمة فيصير الكل مسندا ببعضه بطريق يوسف والبعض الآخر بطريق أبي نُعيم قال صاحب التلويح ذكر الحديث في الاستئذان (^١) مختصرًا وكان هذا هو النصف» (^٢) وقد رجح بعض العلماء كلام الكرماني أن الحديث مروي في كتاب الأطعمة: والجواب الصحيح أنه روي في موضع آخر في أول كتاب الأطعمة «أنه سأل عمر عن معنى آية، فأجابه ولم يدخله بيته» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-117>٥ - التكرار للاختلاف في رجال الإسناد:</span>\nقد يكرر البخاري الحديث، وغرضه من ذلك بيان أن بعض رجال الإسناد يختلفون عن بعض، وعن اختلاف في متن الحديث.\nمثاله: أخرج البخاري في باب: إذا أصاب ثوب المصلى امرأته إذا سجد، «حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ خَالِدٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي وَأَنَا حِذَاءَهُ وَأَنَا حَائِضٌ وَرُبَّمَا أَصَابَنِي ثَوْبُهُ إِذَا سَجَدَ. قَالَتْ وَكَانَ يُصَلِّي عَلَى الْخُمْرَةِ» (^٤).\n_________\n(^١) في بَاب إِذَا دُعِيَ الرَّجُلُ فَجَاءَ هَلْ يَسْتَاذِنُ، رقم (٥٨٦٨)، وهو: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُاللهِ أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ أَخْبَرَنَا مُجَاهِدٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ دَخَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَوَجَدَ لَبَنًا.\n(^٢) الكواكب الدراري، ٢٢/ ٢١٦.\n(^٣) الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري، أحمد بن إسماعيل الكوراني الحنفي، ١٠/ ١٤٥.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب: الصلاة، رقم (٣٧٤).","vol":"1","page":154},{"text":"ثم كرر الحديث في الكتاب نفسه، ولكن في باب: الصلاة على الخمرة، «حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي عَلَى الْخُمْرَةِ» (^١).\nففي الحديث الأول شيخ البخاري المباشر هو: أبو الحسن بن مسرهد الأسدي البصري، وفي الحديث الثاني شيخه المباشر هو: أو الوليد الطيالسي، قال الكرماني معلقًا على تكرار البخاري للحديث: «قلت بعض رجال الاسناد مختلف، ثم أن لم يكن مختلفا فغرض البخاري في أمثاله بيان مقاصد شيوخه عند نقلهم الحديث، واختلاف استخراجاتهم الأحكام المذكورة منه، وذكر كل منهم الحديث في معرض مقصود غير مقصود الأخر» (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-118>المبحث الرابع\nتخريج أحاديث الشرح من كتب الرواية المتنوعة</span>\nكما أن الكرماني يعنى بأحاديث الشرح من كتب الرواية المصنفة المعتمدة، وخصوصا صحيح الإمام مسلم، وكتب السنن …، ويقارن بين أسانيدها وألفاظها ويناقشها مما يدل على خبرته في هذا الفن، وسعة اطلاعه، وكان الكرماني في بعض الأحيان يشير إلى التخريج بقوله: «رواه».\nوقد تبين للباحث أن الكرماني كان يخرّج أحاديث الشرح لعدة أمور\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الصلاة، رقم (٣٧٦).\n(^٢) الكواكب الدراري، ٤/ ٤٦، ٤٧.","vol":"1","page":155},{"text":"أهمها:\n\n<span data-type='title' id=toc-119>أولًا: الاهتمام بالمتابعات، والشواهد.</span>\nثانيًا: بيان طرق الحديث.\nثالثًا: بيان المقصود من الحديث بحمل الروايات على بعضها.\nرابعًا: تخريج أحاديث لها علاقة بالترجمة، والأبواب.\nخامسًا: بيان المجمل من رواية البخاري، عن طريق رواية أخرى.\nسادسًا: التنبيه على الزيادات، والمقارنة بين الألفاظ.\nسابعًا: بيان الخطأ في أسماء الرواة.\nثامنًا: ينقل حكم العلماء على الحديث.\nالمبحث الخامس صنعته في المعلقات.\nالمبحث السادس الإجابة على الأحاديث المنتقدة على البخاري.\nالمبحث السابع بيان اللطائف الإسنادية.\n* * *\nأولًا الاهتمام بالمتابعات، والشواهد:\n\n<span data-type='title' id=toc-120>القسم الأول: المتابعات.</span>\nالقسم الثاني: الشواهد.\nتعد المتابعات والشواهد من أهم الأمور التي يُعضد بها الحديث؛ إن كان فيه ما يخلُّ بصحته بسبب الانقطاع في سنده، كالإرسال والإعضال، أو وجود مجهول لم يُسمَّ … فجاءت المتابعة للحديث من طريق أخرى ترفع درجته، من","vol":"1","page":156},{"text":"المردود إلى المقبول، وتُفيد رُجحان القوي … وقد اعتنى البخاري في صحيحه بهذا الجانب المهم.\nتعريف المتابعة في اللغة: وتابع بين الأمور متابعة وتباعا: واتر ووالى؛ وتابعته على كذا متابعة وتباعا (^١)، وقال الهروي: «يُقَال تَابع فلَان كَلَامه وَهُوَ تبيع الْكَلَام إِذا أحكمه» (^٢).\nالمتابعة في اصطلاح المحدثين: أن يوافق راوي الحديث على ما رواه من قبل راو آخر فيرويه عن شيخه أو عمن فوقه (^٣).\nوقد عرّف الكرماني المتابعة بقوله: «هي أن يروي الراوي الآخر الحديث بعينه» (^٤).\nوقد بين العلماء فائدة المتابعة: «وفائدة المتابعة: رفع الغرابة في ذلك الموضوع الذي حصلت فيه الموافقة من الإسناد، وفيه تقوية الحديث من ذلك الطريق، بحسب قوة المتابع» (^٥).\nفالمتابعة ترفع الحديث الضعيف إلى الحسن، وترفعه إلى درجة الصحيح لغيره.\n«إذا كان راوي المتابعة عدلًا خفيف الضبط وحديثه حسن أو دونه بقليل، فإن\n_________\n(^١) لسان العرب مادة: (تبع) ٨/ ٢٩.\n(^٢) تهذيب اللغة، مادة: (تبع) ٢/ ١٦٩.\n(^٣) ينظر: المقنع، ابن الملقن، ص ١٨٨، وتدريب الراوي ١/ ٢٨٣، ومنهج النقد ص ٤١٨.\n(^٤) الكواكب الدراري، ١٠/ ٦٦.\n(^٥) تحرير علوم الحديث، ١/ ٥٣، وينظر: رسوم التحديث في علوم الحديث برهان الدين الجعبريّ، ص ٨٥.","vol":"1","page":157},{"text":"هذه المتابعة ترفع الحديث المتابَع إلى الحسن لغيره، أما إذا كان راوي المتابعة عدلا تام الضبط، وحديثه صحيحًا فترفعُ هذه المتابعة الحديث المتابَع إلى الصحيح لغيره» (^١)، وقد ذكر الكرماني في شرحه في أكثر من موضع أن فائدة المتابعة هي التقوية (^٢).\nولذلك ليست كل متابعة صالحة للاعتبار، ولا يُقوّى بها الحديث، قال ابن الصلاح: «قد يدخل في باب المتابعة والاستشهاد رواية من لا يحتج بحديثه وحده، بل يكون معدودا في الضعفاء، وفي كتابي البخاري ومسلم جماعة من الضعفاء ذكرناهم في المتابعات والشواهد، وليس كل ضعيف يصلح لذلك، ولهذا يقول الدارقطني وغيره في الضعفاء: «فلان يعتبر به وفلان لا يعتبر به» (^٣).\nقال الكرماني: «قوله: (تابعه عبدالله) أي التنيسي شيخ البخاري المذكور وهذا أول موضع جاء فيه ذكر المتابعة والبخاري ﵀ قد أكثر ذكر المتابعة في صحيحه فينبغي أن يتحفظ بمعناها» (^٤).\nوقد ذكر العلماء أن المتابعة نوعان:\nالمتابعة التامة: هي التي تحصل للراوي نفسه بأن يروي حديثه راو آخر عن شيخه (^٥).\n_________\n(^١) محاضرات في الحديث التحليلي، أ. د أبو لبابة الطاهر حسين، ص ١٧.\n(^٢) الكواكب الدراري، ١/ ٤٤، ١/ ١٥٢، ٢/ ١٢٦.\n(^٣) علوم الحديث، ص ٨٤.\n(^٤) الكواكب الدراري، ١/ ٤٣.\n(^٥) منهج النقد في علوم الحديث، د. نور الدين عتر، ص ٤١٨، وينظر نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر، ص ٧٤، ومعرفة علوم الحديث، ابن الصلاح، ص ٨٣.","vol":"1","page":158},{"text":"وقد بين الكرماني ذلك بقوله: «وإذا كان أحد الراويين رفيقًا للآخر من أول الإسناد إلى آخره يسمى بالمتابعة التامة» (^١).\nفشرط المتابعة التامة: أن يشترك راويان بالحديث عن الشيخ نفسه من بداية السند (^٢).\nالمتابعة الناقصة أو (القاصرة): هي التي تحصل لشيخ الراوي أو لشيخ شيخه أو من فوقه (^٣).\nوقد أشار الكرماني إلى ذلك بقوله: «وإذا كان رفيقا له لا من الأول يسمى بالمتابعة الناقصة، ثم بيّن حال تسمية الراوي في النوعين ثم النوعان ربّما يسمّى المتابع عليه فيهما وربّما لا يسمّى» (^٤).\nوقال الكرماني في شرح الحديث نفسه: «واعلم أيضا أن المتابعة التامة تشبه بوجه بما ذكره الحاكم أن شرط البخاري أن يرويه الصحابي المشهور له راويان (^٥) .....................\n_________\n(^١) الكواكب الدراري: ١/ ٤٣.\n(^٢) ينظر: علوم الحديث لابن الصلاح، ص ٤٨، وتدريب الراوي، ١/ ٢٨٣، والإيضاح في علوم الحديث والاصطلاح، د. مصطفى سعيد الخن، ود. بديع السيد اللحام: ص ٢٤٥.\n(^٣) المصدر السابق، ص ٢٤٦.\n(^٤) الكواكب الدراري، ١/ ٤٣.\n(^٥) قال الحاكم عند الكلام عن أقسام الحديث الصحيح: «فالقسم الأول من المتفق عليها اختيار البخاري ومسلم وهو الدرجة الأولى من الصحيح ومثاله: الحديث الذي يرويه الصحابي المشهور بالرواية عن رسول الله ﷺ وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه التابعي المشهور بالرواية عن الصحابة، وله راويان ثقتان ثم يرويه عنه من أتباع التابعين الحافظ المتقن المشهور، وله رواة ثقات من الطبقة الرابعة ثم يكون شيخ البخاري أو مسلم حافظا متقنا مشهورا بالعدالة في روايته، فهذه الدرجة الأولى من الصحيح» المدخل إلى كتاب الإكليل، ص ٣٣.","vol":"1","page":159},{"text":"وأن المتابعة الناقصة تشبه أن تكون من باب التعليق أيضا» (^١).\nوقد ذكر الكرماني اعتناء البخاري في صحيحه بالمتابعات، وأنواعها، … فقال في حديث السيدة عائشة ﵂: «حَدَّثنا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثنا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الوَحْيِ …\nوفي آخره قال البخاري: وتَابَعَهُ عَبْدُاللهِ بْنُ يُوسُفَ، وَأَبُو صَالِحٍ. وَتَابَعَهُ هِلَالُ بْنُ رَدَّادٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَقَاَل يُونُسُ، وَمَعْمَرٌ بَوَادِرُهُ (^٢)» (^٣).\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١/ ٤٤.\n(^٢) قال الكرماني: «بفتح الباء الموحدة جمع للبادرة وهي اللحمة التي بين المنكب والعنق، تضطرب عند فزع الإنسان وحاصله أن أصحاب الزهري اختلفوا في هذه اللفظة: فروى عقيل عن الزهري بإسناده المذكور الحديث، وقال فيه: يرجف فؤاده كما سبق، وتابعه على هذه اللفظة هلال فرواها عن الزهري يرجف فؤاده، كما رواها عقيل عن الزهري وأما يونس ومعمر فرويا عن الزهري يرجف بوادره، فحصل اختلاف من أصحاب الزهري في الرواية عنه في هذه اللفظة وهم متفقون في رواية باقي الحديث عنه» الكواكب الدراري، ١/ ٤٤.\n(^٣) أخرجه البخاري، باب: كيف بدء الوحي، رقم (٣).","vol":"1","page":160},{"text":"وقد ذكر الكرماني المتابعة الحاصلة في هذا السند فقال: «والحاصل أن البخاري سمع الحديث بهذا الإسناد إلى رسول الله ﷺ عن يحيى ثم ثبت عنده بذلك الإسناد أيضا عن عبدالله» (^١).\nوقد بين الكرماني أن هذا الحديث حوى نوعي المتابعة فقال: «وتابعه هلال ابن رداد عن الزهري) هو أهون نوعي المتابعة؛ لأنه سمى المتابع عليه وهو الزهري فيعلم بالضرورة أن مراده أن هلالا تابع الرواي عن الزهري، وهو عقيل بخلاف النوع الأول منها وهو قوله: تابعه عبدالله إذ لم يسمّ المتابع عليه، وهو الليث وقد وقع في هذا الحديث للبخاري المتابعة التامّة والناقصة ولم يسمّ المتابع عليه في الأول وسمّاه في الثانية» (^٢).\nومثله: قال البخاري: حَدَّثنا أَبُو اليَمَانِ الحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ: أَخبَرَنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُاللهِ ابْنُ عَبْدِاللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عَبْدَاللهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ ابْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ هِرَقْلَ … رَوَاهُ صَالِحُ ابْنُ كَيْسَانَ وَيُونُسُ وَمَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ» (^٣).\nقال الكرماني قوله: (رواه صالح بن كيسان، ويونس ومعمر عن الزهري) يعني هؤلاء الثلاثة تابعوا ووافقوا شعيبًا في رواية هذا الحديث عن الزهري ومثله يسمى بالمتابعة وفائدتها التقوية والتأكيد والترجيح بكثرة الرواة وهذا هو المتابعة المقيدة لأنه سمّي المتَابع عليه وهو الزهري ولو لم يسمّ لكان النوع الآخر\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١/ ٤٣.\n(^٢) الكواكب الدراري، ١/ ٣٤.\n(^٣) أخرجه البخاري، باب: كيف بدء الوحي، رقم (٦).","vol":"1","page":161},{"text":"من المتابعة أي المطلقة» (^١).\nوقد بيّن الكرماني أوجه الاحتمال في اللفظ فقال: «اعلم أن هذه العبارة تحتمل وجهين أن يروي البخاري عن الثلاثة بالإسناد المذكور أيضًا كأنه قال أخبرنا أبو اليمان الحكم بن نافع، قال أخبرنا هؤلاء الثلاثة عن الزهري وأن يروى عنهم بطريقٍ آخر كما أن الزهري أيضًا يحتمل في روايته للثلاثة أن يروى عن عبيدالله بن عبدالله عن ابن عباس وأن يروى لهم عن غيره والله أعلم. هذا\nما يحتمله اللفظ وإن كان الظاهر اتحاد الإسناد» (^٢).\n\nوقد شمل<span data-type='title' id=toc-121> جهد الكرماني في متابعات البخاري </span>بيان الأمور الآتية:\n<span data-type='title' id=toc-122>أولًا توضيح وبيان عبارات البخاري في متابعاته:</span>\n<span data-type='title' id=toc-123>١ - ضرورة وفوائد معرفة طبقات الرواة ومراتبهم:</span>\nقد يظهر جليا عود الضمير في المتابعة إذا سُمّي المُتابع، ولكن إذا لم يُسمَّ فعندئذٍ لابد من معرفة طبقات الرواة ومراتبهم، إذ أن لمعرفة طبقات الرواة ومراتبهم فوائد كثيرة، وخصوصًا في مايتعلق بسند الحديث، كتمييز ثبوت السماع بين راويين، وتمييز الانقطاع في الإسناد، ومعرفة تواريخ وفاة الرواة، وكشف الغلط والكذب، والأمنُ مِنْ تداخل المتشابهينَ في اسم، أو كنية … (^٣).\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١/ ٦٧، وينظر مثال ذكره الكرماني عن المتابعة التامة والناقصة، ١/ ١٥٢، ٥/ ٨٥.\n(^٢) المصدر السابق، ١/ ٦٧ - ٦٨.\n(^٣) ينظر تحرير علوم الحديث، عبدالله جديع، ١٠٩ - ١١٠، والمدبج ورواية الأقران،\nد. موفق بن عبدالله بن عبد القادر ص ٣٠ - ٥٣.","vol":"1","page":162},{"text":"وتظهر الفائدة كذلك من خلال قول السخاوي: «الأمن من تداخل المشتبهين كالمتفقين في اسم أو كنية أو نحو ذلك كما بيناه في المتفق والمفترق، وإمكان الاطلاع على تبين التدليس، والوقوف على حقيقة المراد من العنعنة، وبينه وبين التاريخ عموم وخصوص وجهي، فيجتمعان في التعريف بالرواة، وينفرد التاريخ بالحوادث والطبقات، بما إذا كان في البدريين مثلا من تأخرت وفاته عمن لم يشهدهالاستلزامه تقديم المتأخر الوفاة» (^١).\nقال الكرماني ناقلًا عن النووي: «ومما يحتاج إليه المعتني بصحيح البخاري فائدة يُنبه عليها وهو أنه تارة يقول: تابعه مالك عن أيوب وتارة يقول: تابعه مالك ولا يزيد، فإذا قال مالك عن أيوب فهذا ظاهر وأما إذا اقتصر على تابعه مالك عن أيوب فهذا ظاهر، وأما إذا اقتصر على تابعه مالك فلا يُعرف لمن المتابعة إلا من يعرف طبقات الرواة ومراتبهم» (^٢).\nالمقصود من هذا الكلام أن البخاري يروي المتابعة بقوله: «تابعه»، وأحيانا يقول: «رواه»، وأحيانًا يقول: «وقال»، فمرة يسمّ المتابِع بكسر الباء قوله: «تابعه مالك عن أيوب»، ومرة يذكره باسمه من دون كنيته أولقبه، قوله: «تابعه مالك»، قال الكرماني: «وأقول على هذا فلا يعلم أنّ عبدالله يروي عن الليث أو عن غيره بخلاف التقرير الأول إلا أن يقال علم ذلك من معرفة الطبقات والمراتب» (^٣).\n_________\n(^١) فتح المغيث بشرح الفية الحديث للعراقي، السخاوي، ٤/ ٣٨٩.\n(^٢) الكواكب الدراري، ١/ ٤٣.\n(^٣) المصدر السابق، ١/ ٤٣.","vol":"1","page":163},{"text":"<span data-type='title' id=toc-124>٢ - بيان العطف في المتابعة، ومرجع الضمير:</span>\nقد يرجع الضمير في اللغة لأقرب مذكور، وقد لا يرجع إليه إذا دلت القرينة على ذلك، وقد تُوهم العبارة المقصود من مرجع الضمير في سياق الكلام لمن ليس عنده مُكنة في ذلك، لذلك لم يفت الكرماني توضيح مقصد البخاري.\nوقد أتى بأمثلة كثيرة على ذلك منها قال البخاري: «حَدَّثنا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثنا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ أَنَّهَا … تَابَعَهُ عَبْدُاللهِ بْنُ يُوسُفَ، وَأَبُو صَالِحٍ. وَتَابَعَهُ هِلَالُ بْنُ رَدَّادٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَقَالَ يُونُسُ، وَمَعْمَرٌ بَوَادِرُهُ» (^١).\nقال الكرماني: «والضمير في تابعه عائد إلى يحيى بن بكير، عبدالله تابع يحيى في رواية هذا الحديث فرواه عبدالله عن الليث كما رواه عنه يحيى» (^٢).\nومنها: قال البخاري: «حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِاللهِ بْنِ عَلِيٍ الْمَنْجُوفِيُّ\nقَالَ حَدَّثَنَا رَوْحٌ قَالَ حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنِ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ\nرَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ «مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا … تَابَعَهُ عُثْمَانُ الْمُؤَذِّنُ قَالَ حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ» (^٣).\nقال الكرماني: «وضمير تابعه راجع إلى روح لا إلى أحمد لأنه في مرتبته\nلا في مرتبة أحمد» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، باب: كيف بدء الوحي، رقم (٣).\n(^٢) الكواكب الدراري، ١/ ٤٣.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: الإيمان، بَابٌ: اتِّبَاعُ الجَنَائِزِ مِنَ الإِيمَانِ، رقم (٤٧).\n(^٤) الكواكب الدراري، ٣/ ٥٣.","vol":"1","page":164},{"text":"وقال الكرماني مبينا الفرق بين الروايتين: «وعوف في الإسناد الأول روى عن محمد والحسن وههنا عن محمد فقط وفي الأول كان الواسطة بين البخاري وبينه رجلين وههنا يحتمل كونهما رجلًا واحدًا» (^١).\nوالملاحظ أن البخاري قدّم رواية: «الْمَنْجُوفِيُّ» «خماسية السند» فيها علو معنوي على متابعة: «عثمان»، «رباعية السند» فيها علو مطلق، وقد علل البدر العيني ذلك في عمدة القاري بقوله:\n«ثم البخاري ﵁، إن كان سمع هذا الحديث من عثمان هذا فهو له أعلى بدرجة. لأنه من روايته رباعي، ومن رواية المنجوفي خماسي، فإن قلت: فلم ذكر رواية عثمان؟ قلت: لأن رواية المنجوفي موصولة وهي أشد إتقانا من رواية عثمان. فان قلت: إذا كان الأمر كذلك، فما الحاجة إلى ذكر متابعة عثمان؟ قلت: لأجل التنبيه بروايته على أن الاعتماد في هذا السند على محمد بن سيرين لأن عوفا ربما كان ذكره، وربما كان حذفه مرة، فأثبت الحسن» (^٢).\nوقد قال ابن المبارك: «ليس جودة الحديث في قرب الإسناد ولكن جودة الحديث صحة الرجال» (^٣).\nومنها ما أخرجه البخاري: «حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ. وَتَابَعَهُ حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ وَأَبَانُ عَنْ يَحْيَى».\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١/ ١٨٦.\n(^٢) الكواكب الدراري، ١/ ٢٧٤.\n(^٣) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، ٢/ ١٠١.","vol":"1","page":165},{"text":"قال الكرماني: «ويحيى (هو ابن أبي كثير أحد الأعلام وذكر هذه المتابعة تعليق من البخارى ومرجع الضمير في تابعه هو شيبان» (^١).\nومنها ما أخرجه البخاري: «حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ يَزِيدَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنَا نَافِعٌ عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ … تَابَعَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ وَجُوَيْرِيَةُ وَابْنُ إِسْحَاقَ فِي النِّقَابِ وَالْقُفَّازَيْنِ» (^٢).\nقال الكرماني: «وتابعه أي تابع هؤلاء الأربعة الليث في الرواية عن نافع» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-125>٣ - بيان الفرق بين «تابعه»، و«رواه»:</span>\nمثال على ذلك قال البخاري: «حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ قَالَ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ … تَابَعَهُ\nعَبْدُ الأَعْلَى عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَرَوَاهُ الأَوْزَاعِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ» (^٤).\nقال الكرماني: «فإن قلت لمَ قال أولًا تابعه وثانيًا ورواه؟ قلت: لم يقل وتابعه الأوزاعي إما لأنه لم ينقل لفظ الحديث بعينه بل رواه بمعناه؛ إذ المفهوم من المتابعة الإتيان بمثله على وجهه بلا تفاوت والرواية أعم من ذلك وإما لأنه\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٣/ ٥٣.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الحج، بَاب: مَا يُنْهَى مِنْ الطِّيبِ لِلْمُحْرِمِ وَالْمُحْرِمَةِ، رقم (١٧٢١).\n(^٣) الكواكب الدراري، ٩/ ٤٥.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب: الغسل، باب: إِذَا ذَكَرَ فِي الْمَسْجِدِ أَنَّهُ جُنُبٌ يَخْرُجُ كَمَا هُوَ وَلَا يَتَيَمَّمُ، رقم (٢٧٣).","vol":"1","page":166},{"text":"يكون موهمًا بأنه تابع عثمان أيضًا وليس كذلك، إذ لا واسطة فيه بين الأوزاعي والزهري، وإما للتفنن في الكلام أو لغير ذلك» (^١).\nويذكر الكرماني تغليب جانب الرواية على المتابعة، فيذكر لفظ «رواه» دون «تابعه».\nمثاله: قال البخاري: «حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ شَدَّادٍ قَالَ سَمِعْتُ مَيْمُونَةَ … وَرَوَاهُ سُفْيَانُ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ» (^٢).\nقال الكرماني: «فإن قلت لم قال رواه ولم يقل تابعه؟ قلت: الرواية أعم منها فلعله لم يروها متابعة» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-126>٤ - بيان الفرق بين «قال» و«تابعه»:</span>\nأخرج البخاري في كتاب الغسل: «حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ ح وَحَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا … ثم قال: تَابَعَهُ عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ عَنْ شُعْبَةَ مِثْلَهُ. وَقَالَ مُوسَى حَدَّثَنَا أَبَانُ قَالَ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ مِثْلَهُ» (^٤).\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٣/ ١٣٧.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الحيض، باب: مباشرة الحائض، رقم (٢٩٩).\n(^٣) الكواكب الدراري، ٣/ ١٦٨، وينظر منحة الباري شرح صحيح البخاري، زكريا بن محمد السنيكي المصري، ١/ ٦٢١.\n(^٤) أخرجه البخاري: بَابٌ: إِذَا التَقَى الخِتَانَانِ، رقم (٢٩١).","vol":"1","page":167},{"text":"قال الكرماني: «فإن قلت لم قال تابعه عمرو، وقال موسى ولم يسلك فيهما طريقًا واحدًا؟ قلت: المتابعة أقوى لأن القول أعم من الذكر على سبيل النقل والتحميل، أو من الذكر على سبيل المحاورة والمذاكرة، فأراد الإشعار بذلك واعلم أنه يحتمل سماع البخاري من عمرو وموسى فلا يجزم بأنه ذكرهما على سبيل التعليق» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-127>٥ - بيان حدود المتابعة:</span>\nقال البخاري: «حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ عَشِيَّةً … تَابَعَهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ وَأَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ أَمَّا بَعْدُ. تَابَعَهُ الْعَدَنِيُّ عَنْ سُفْيَانَ فِي أَمَّا بَعْدُ» (^٢).\nقال الكرماني: «قوله: في أما بعد أي تابعه في مجرد كلمة؛ أما بعد لا في تمام الحديث» (^٣).\nومن ذلك: أخرج البخاري: «حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِاللهِ أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ … تَابَعَهُ أَبُو عَوَانَةَ\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٣/ ١٥٤، وقد نقل البدر العيني كلام الكرماني في الفرق بين: «قال» و«تابع»، عمدة القاري، ٣/ ٢٥١.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الجمعة، بَاب: مَنْ قَالَ فِي الْخُطْبَةِ بَعْدَ الثَّنَاءِ أَمَّا بَعْدُ، رقم (٩٢٥).\n(^٣) الكواكب الدراري، ٦/ ٣٧.","vol":"1","page":168},{"text":"وَابْنُ فُضَيْلٍ فِي السَّتْرِ» (^١).\nقال الكرماني: «قوله (في الستر) أي تابعا سفيان في لفظ سترت النبي ﷺ لا في تمام الحديث» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-128>ثانيًا بيان أحوال رواة المتابعات:</span>\nقال ابن الصلاح: «اعلم أنه قد يدخل في باب المتابعة والاستشهاد رواية من لا يحتج بحديثه وحده، بل يكون معدودا في الضعفاء، وفي كتابي البخاري ومسلم جماعة من الضعفاء ذكرهم في المتابعات والشواهد، وليس كل ضعيف يصلح لذلك، ولهذا يقول الدارقطني وغيره في الضعفاء: «فلان يعتبر به وفلان لا يعتبر به».» (^٣) وقد أشار الكرماني إلى ذلك في شرحه (^٤)، ونبه على متابعات الضعفاء في صحيح البخاري فذكر منها: «حدثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي قَالَ سَمِعْتُ أَنَسًا قَالَ ذُكِرَ لِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِمُعَاذٍ «مَنْ لَقِيَ …» (^٥).\nقال الكرماني: «فإن قلت لفظ ذُكر يقتضي أن يكون هذا تعليقا من أنس ولما لم يكن الذكر له معلوما كان من باب الرواية عن المجهول فهل هو قادح في\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الغسل، باب: التَّسَتُّرِ فِي الْغُسْلِ عِنْدَ النَّاسِ، رقم (٢٧٨).\n(^٢) الكواكب الدراري، ٣/ ١٤٥.\n(^٣) علوم الحديث، ص ٨٤.\n(^٤) الكواكب الدراري، ١/ ٤٤.\n(^٥) أخرجه البخاري، كتاب: العلم، بَابُ: مَنْ خَصَّ بِالعِلْمِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ، كَرَاهِيَةَ أَنْ لَا يَفْهَمُوا، رقم (١٢٩).","vol":"1","page":169},{"text":"الحديث؟ قلت: التعليق لا ينافي الصحة إذا كان المتن ثابتًا من طريق أخر وكذا الجهالة إذ معلوم إن أنسًا لا يروي إلا عن العدل سواء رواه عن الصحابي، أو غيره وفي الجملة يحتمل في المتابعات والشواهد مالا يحتمل في الأصول» (^١).\nيعني أن الاحتجاج بالمتابعة يُتساهل في حال راويها، فيجوز أن يكون راوي المتابعة ضعيفا، إلا أنه ممن ينجبر حديثه، يقول ابن الصلاح: «قد يدخل في باب المتابعة والاستشهاد رواية من لا يحتج بحديثه وحده، بل يكون معدودا في الضعفاء، وفي كتابي البخاري ومسلم جماعة من الضعفاء ذكراهم في المتابعات والشواهد، وليس كل ضعيف يصلح لذلك، ولهذا يقول الدارقطني وغيره في الضعفاء: «فلان يعتبر به وفلان لا يعتبر به» (^٢).\nومن ذلك مارواه البخاري: «وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ» (^٣).\nقال الكرماني: «فإن قلت قد تُكُلّم في إبراهيم؟، قال عياش: إبراهيم عن يحيى ليس بشيء، وقال النسائي إبراهيم ليس بالقوي قلت: يُحتمل في المتابعات ما لا يُحتمل في الأصول» (^٤).\nومن ذلك ما أخرجه البخاري: «حَدَّثَنَا صَدَقَةُ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مَعْمَرٍ\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٢/ ١٥٧.\n(^٢) علوم الحديث، ابن الصلاح، ص ٨٤.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: الوضوء، باب: لَا يُسْتَنْجَى بِرَوْثٍ، رقم (١٥٦)، هذه المتابعة غير موجودة في بعض نسخ البخاري.\n(^٤) الكواكب الدراري، ٢/ ٢٠٦.","vol":"1","page":170},{"text":"عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ هِنْدٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَعَمْرٍو وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ هِنْدٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتِ اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ …» (^١).\nقال الكرماني على ما في بعض النسخ (^٢)، والروايات: «قوله «عن امرأة» والمراد بها هند المذكورة وفي بعضها هند بدل امرأة، فإن قلت شرط البخاري على ما اشتهر أن تكون شيوخه مشاهير ولا أقل من أن يكون مجهولا فكيف روى لها، قلت: يحتمل في المتابعات مالا يحتمل في الأصول، وهنا ذكر ومتابعة أو ليست مجهولة إذ الرواية السابقة قرينة مُعينة مُعرّفة لها» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-129>القسم الثاني: الشواهد:</span>\nالشاهد في اللغة: المشاهدة: المعاينة. وشهده شُهودًا: أي حَضَرَه، فهو شاهدٌ. وقومٌ شُهودٌ، أي حُضورٌ، والشاهِدُ والشَّهيدُ: الْحَاضِر (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: العلم، باب: العلم والعظة بالليل، رقم (١١٥).\n(^٢) لم يرد في الحديث لفظ عن: (امرأة) ا في هذه النسخة، وإنما من رواية أبي ذر الهروي عن الكُشمهيني وهي التي فيها لفظ: عن الزهري عن امرأة، ولم يراعِ أصحاب دار النشر هذا الأمر، بل اعتمدوا نسخة للبخاري من دون النظر إلى النسخة التي اعتمدها الشارح!\n(^٣) الكواكب الدراري، ٢/ ١٢٩، والرواية التي ذُكر فيها لفظ: «امرأة» بدل هند أخرجها ابن أبي شيبة في مسنده، رقم (٩٨٧)، «نا عَبْدُاللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ لَيْلَةً فَنَظَرَ إِلَى أُفُقِ السَّمَاءِ وَقَالَ: «مَاذَا فُتِحَتْ مِنَ الْخَزَائِنِ …».\n(^٤) ينظر في مادة: (شهد) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، ٢/ ٤٩٤، المحكم والمحيط الأعظم، ٤/ ١٨١.","vol":"1","page":171},{"text":"الشاهد في الاصطلاح: هو الحديث الذي يشارك فيه رواته رواة الحديث الفرد لفظا ومعنى، أو معنى فقط، مع الاختلاف في الصحابي (^١).\nمثّل الكرماني للشاهد ما رواه البخاري: «باب هَلْ تُنْبَشُ قُبُورُ مُشْرِكِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَيُتَّخَذُ مَكَانَهَا مَسَاجِدَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ». وَمَا يُكْرَهُ مِنَ الصَّلَاةِ فِي الْقُبُورِ.\nوَرَأَى عُمَرُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يُصَلِّي عِنْدَ قَبْرٍ فَقَالَ الْقَبْرَ الْقَبْرَ. وَلَمْ يَأمُرْهُ بِالإِعَادَةِ» (^٢).\nقال الكرماني: «فالترجمة مشتملة على مسألتين الأولى اتخاذ المساجد في مكان القبور، والثانية اتخاذها بين القبور، ففي الأولى لا يبقى لصورة القبر أثر وفي الثانية، بخلافها والحديث الثاني شاهد للأولى كما أن الأثر المنقول عن عمر شاهد للثانية» (^٣).\nفحديث: «لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ» ترويه أم المؤمنين السيدة عائشة ﵂ (^٤) والحديث الثاني مروي عن عمر بن الخطاب ﵁، وكلا\n_________\n(^١) تيسير مصطلح الحديث، ص ١٧٦، لأبي حفص محمود الطحان، وينظر: شرح نخبة الفكر في مصطلحات أهل الأثر، علي القاري الهروي، ص ٣٥٢.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الصلاة، بابٌ: هَلْ تُنْبَشُ قُبُورُ مُشْرِكِي الجَاهِلِيَّةِ، وَيُتَّخَذُ مَكَانُهَا مَسَاجِدَ.\n(^٣) الكواكب الدراري، ٤/ ٨٧ - ٨٨.\n(^٤) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: «لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسْجِدًا»، قَالَتْ: وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأَبْرَزُوا قَبْرَهُ غَيْرَ أَنِّي أَخْشَى أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا، أخرجه البخاري، كتاب: الجنائز، بَابُ: مَا يُكْرَهُ مِنَ اتِّخَاذِ المَسَاجِدِ عَلَى القُبُورِ، رقم (١٣٣٠).","vol":"1","page":172},{"text":"الحديثين احتوى على نفس المعنى.\nوقد نهج الكرماني نهج الترمذي في الإشارة إلى أحاديث الباب، كقوله: وفي الباب …، ويريد الكرماني سرد شواهد للحديث بقوله هذا.\nمن ذلك ما أخرجه البخاري: «قَالَ عُرْوَةُ عَنِ الْمِسْوَرِ وَمَرْوَانَ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ زَمَنَ حُدَيْبِيَةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَمَا تَنَخَّمَ النَّبِيُّ ﷺ نُخَامَةً إِلاَّ وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ» (^١).\nقال الكرماني: «وفي الباب بيان طهارة النخامة والبزاق، والتبرك بالفضلات الطاهرة، والتعظيم لرسول الله ﷺ غاية التعظيم» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-130>ثانيًا بيان طرق الحديث:</span>\nقال البخاري: «حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ ابْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِاللهِ ابْنِ مَوْهَبٍ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵁ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ …» (^٣).\nقال الكرماني: ينقل طريقًا ثانية للحديث عند البخاري فقال: «قد ذكر البخاري هذا الحديث من رواية شعبة في كتاب الأدب فقال: حدثني عبد الرحمن حدثنا بهن حدثنا شعبة، حدثنا ابن عثمان بن عبدالله» والرواية هي: «وحَدَّثَنِي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الوضوء، باب: الْبُزَاقِ وَالْمُخَاطِ وَنَحْوِهِ فِي الثَّوْبِ.\n(^٢) الكواكب الدراري، ٣/ ٩٩ - ١٠٠.\n(^٣) أ خرجه البخاري، كتاب: الزكاة، باب: وُجُوبِ الزَّكَاةِ، رقم (١٣٩٦).","vol":"1","page":173},{"text":"عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِاللهِ بْنِ مَوْهَبٍ، وَأَبُوهُ عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِاللهِ: أَنَّهُمَا سَمِعَا مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ ﵁ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْنِي …» (^١).\nثم بين الكرماني (^٢) أن عند مسلم طريق ثالثة، فقال: «وقد خرّجه مسلم في مسنده عن عمرو بن عثمان عن موسى بن طلحة عن أيوب» قلت وهي:\nقال مسلم: «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِاللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو أَيُّوبَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا عَرَضَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ فِي سَفَرٍ، …» (^٣) والملاحظ أن روايتي البخاري ذُكر فيها: «حَدَّثَنَا ابْنُ عُثْمَانَ» أما رواية مسلم ذكر اسمه فقال: «حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ» فكان ذكر الروايات والطرق مفيدًا لمعرفة اسم الراوي.\nومثله: قال البخاري: «حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ …» (^٤) قال الكرماني (^٥) مبينًا الطرق التي أخرجها مسلم في صحيحه:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الأدب، باب: صلة الرحم، رقم (٥٩٨٣).\n(^٢) الكواكب الدراري، ٧/ ١٦٩.\n(^٣) أخرجه مسلم، كتابر الإيمان، باب: وُجُوبِ الزَّكَاةِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ رقم (١٢).\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب: النكاح، باب: مَنْ تَرَكَ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُولَهُ، رقم (٥١٧٧).\n(^٥) الكواكب الدراري، ١٩/ ١٢٥.","vol":"1","page":174},{"text":"وروى مسلم في صحيحه هذا الحديث عن مالك عن ابن شهاب عن الأعرج عن أبي هريرة (^١)، وأيضا عن الزهري عن عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة بمثله (^٢)، وروى عن زياد بالتحتانية ابن سعد عن ثابت الأعرج عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال «شر الطعام طعام الوليمة يمنع من يأتيها ويدعى اليها من يأباها ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله» (^٣).\nومن ذلك بيان الفرق في عدد الرجال بين طرق الحديث:\nمثاله: قال البخاري: «حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُاللهِ أَخْبَرَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ … وَأَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ ﵁ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ لِقَتْلَى أُحُدٍ «أَيُّ هَؤُلَاءِ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ». فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى رَجُلٍ قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ قَبْلَ صَاحِبِهِ. وَقَالَ جَابِرٌ فَكُفِّنَ أَبِي وَعَمِّي فِي نَمِرَةٍ وَاحِدَةٍ وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ حَدَّثَنَا مَنْ سَمِعَ جَابِرًا ﵁» (^٤).\nقال الكرماني: «واعلم أن الفرق بين هذه الطرق أن الليث ذكر\nعبد الرحمن واسطة بين الزهري وجابر، والأوزاعي لم يذكر الواسطة بينهما،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم: كتاب: النكاح، باب: الْأَمْرِ بِإِجَابَةِ الدَّاعِي إِلَى دَعْوَةٍ، رقم (١٠٧).\n(^٢) أخرجه مسلم: كتاب: النكاح، باب: الْأَمْرِ بِإِجَابَةِ الدَّاعِي إِلَى دَعْوَةٍ، رقم (١٠٨).\n(^٣) أخرجه مسلم، كتاب: النكاح، باب: الْأَمْرِ بِإِجَابَةِ الدَّاعِي إِلَى دَعْوَةٍ، رقم (١١٠).\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب: الجنائز، باب: من يقدم في اللحد، رقم (١٢٦٩).","vol":"1","page":175},{"text":"وسليمان ذكر واسطة مجهولًا» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-131>ثالثًا بيان المقصود من الحديث بحمل الروايات على بعضها:</span>\nقد لا يظهر المقصود والمعنى من رواية واحدة، ولا يمكن فهمه إلا بالاستعانة برواية أخرى حتى يتضح المعنى، ويظهر المقصود، قال ابن حجر ﵀: «المتعيّن على من يتكلم على الأحاديث، أن يجمع طرقها ثم يجمع ألفاظ المتون إذا صحت الطرق، ويشرحها على أنه حديث واحد، فإن الحديث أولى\nما فسر بالحديث» (^٢).\nمثاله: حديث أنس ﵁ قال: «قَدِمَ أُنَاسٌ مِنْ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ، فَاجْتَوَوُا (^٣) المدينة … وفيه قَالَ أَبُو قِلَابَةَ فَهَؤُلَاءِ سَرَقُوا وَقَتَلُوا وَكَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ، وَحَارَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ» قال الكرماني: «فإن قلت ما الذي دل على كفرهم ومن أين استُفيد ذلك؟ قلت: عُلِم من الطرق الأخرى روى مسلم في صحيحه (^٤)، وكذا\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٧/ ١٢٥.\n(^٢) فتح الباري، ٦/ ٤٧٥.\n(^٣) أي أصابهم الجوى: وهو المرض وداء الجوف إذا تطاول، وذلك إذا لم يوافقهم هواؤها واستوخموها. ويقال: اجتويت البلد إذا كرهت المقام فيه وإن كنت في نعمة، ينظر: النهاية في غريب الحديث، ١/ ٣١٨.\n(^٤) أخرجه مسلم، كِتَابُ: الْقَسَامَةِ وَالْمُحَارِبِينَ وَالْقِصَاصِ وَالدِّيَاتِ، باب: حكم المحاربين والمرتدين، رقم (١٦٧١)، (فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنْ شِئْتُمْ أَنْ تَخْرُجُوا إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ، فَتَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا»، فَفَعَلُوا، فَصَحُّوا، ثُمَّ مَالُوا عَلَى الرِّعَاءِ، فَقَتَلُوهُمْ وَارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ).","vol":"1","page":176},{"text":"الترمذي (^١) أنهم ارتدوا عن الإسلام» (^٢).\nومنه: الاستعانة بتخريج رواية أخرى للحديث، لتمييز كلام النبي ﷺ، عن كلام الصحابي.\nحديث البخاري، وفيه … «أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ ﵁ يَوْمَ عَاشُورَاءَ عَامَ حَجَّ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ وَلَمْ يَكْتُبْ اللهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ وَأَنَا صَائِمٌ فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ» (^٣).\nقال الكرماني ناقلًا عن النووي: «كل ما بعد «يقول» بتمامه كلام\nرسول الله ﷺ وجاء مبينا في رواية النسائي أن كله كلامه (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-132>رابعًا تخريج أحاديث لها علاقة بالترجمة، والأبواب:</span>\nمن عادة الكرماني أن يخرّج أحاديث لها علاقة بالترجمة والأبواب، ولو\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي، كتاب: أبواب الطهارة، باب: ما جاء في بول ما يؤكل لحمه.\n(^٢) الكواكب الدراري، ٣/ ٨٧.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: الصوم، باب: صيام يوم عاشوراء، رقم (١٨٧٩).\n(^٤) الكواكب الدراري» ٩/ ١٥٠، وكلام النووي في شرحه على مسلم: ٨/ ٨، وهذه رواية النسائي: «عن حميد بن عبد الرحمن قال: سمعت معاوية يوم عاشوراء وهو على المنبر بالمدينة يقول أين علماؤكم يا أهل المدينة سمعت رسول الله ﷺ يقول في هذا اليوم إني صائم فمن شاء منكم أن يصوم فليصم» كتاب: الصيام، باب: التأكيد في صيام يوم عاشوراء، رقم (٢٨٥٤).","vol":"1","page":177},{"text":"كانت من غير الصحيح، قال الكرماني (^١) شارحًا ترجمة البخاري: «بَاب مَا ذُكِرَ فِي الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ» «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: نَزَلَ الحَجَرُ الأَسْوَدُ مِنَ الجَنَّةِ، وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ. رواه الترمذي في صحيحه» (^٢).\nومثله: قال البخاري: «بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ\nالْكِرَامِ الْبَرَرَةِ وَزَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ» قال الكرماني (^٣) مستدلا على\nتسمية باب البخاري بتخريج حديث في الترمذي: «وفيه عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ وَهُوَ مَاهِرٌ بِهِ مَعَ السَّفَرَةِ الكِرَامِ البَرَرَةِ …» (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-133>خامسًا بيان المجمل من رواية البخاري، عن طريق رواية أخرى:</span>\nمثاله: ما أخرجه البخاري: «عَنْ شَقِيقٍ قَالَ قَالَ عَبْدُاللهِ لَقَدْ تَعَلَّمْتُ النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَؤُهُنَّ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فَقَامَ عَبْدُاللهِ وَدَخَلَ\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٨/ ١١٦.\n(^٢) أخرجه الترمذي، كتاب: الحج، باب: ماذُكر في الحجر الأسود، رقم (١٥٠٢).\n(^٣) الكواكب الدراري، ٢٥/ ٢٣٣.\n(^٤) أخرجه الترمذي، كتاب: أبواب فضائل القرآن، باب: ما جاء في فضل قاراء القرآن، رقم (٢٩٠٤) وقال هو حسن صحيح، إلا أن الكرماني أحرجه مختصرا إلى قوله «البررة» وبقية الحديث عند الترمذي: «وَالَّذِي يَقْرَؤُهُ، قَالَ هِشَامٌ: وَهُوَ شَدِيدٌ عَلَيْهِ. قَالَ شُعْبَةُ: وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ، فَلَهُ أَجْرَانِ».","vol":"1","page":178},{"text":"مَعَهُ عَلْقَمَةُ وَخَرَجَ عَلْقَمَةُ فَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ عِشْرُونَ سُورَةً مِنْ أَوَّلِ الْمُفَصَّلِ عَلَى تَألِيفِ ابْنِ مَسْعُودٍ آخِرُهُنَّ الْحَوَامِيمُ حم الدُّ وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ» (^١).\nقال الكرماني مبينا اسم السور كاملة في رواية أخرى للحديث، غير أن رأي ابن مسعود في المفصل مخالف لرأي الجمهور «وتأليف ابن مسعود مخالف للتأليف المشهور إذ ليس شيء من الحواميم في المفصل على المشهور، وجاء في سنن أبي داود (^٢) بيان هذه العشرين وهي الرحمن والنجم في ركعة واقتربت والحاقة في أخرى والطور والذاريات ثم الواقعة ونون ثم سأل سائل والنازعات ثم التطفيف وعبس ثم المدثر والمزمل ثم هل أتى ولا أقسم وكذا عم والمرسلات وكذا الدخان والتكوير» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-134>سادسًا التنبيه على الزيادات، والمقارنة بين الألفاظ:</span>\nعمد الكرماني إلى التخريج للتنبيه على زيادة الألفاظ وللمقارنة بين متون الأحاديث، وعلى من انفرد من أصحاب المصنفات بالزيادة:\nمثاله: أخرج البخاري: عن «أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ، لَمْ يَأكُلِ الطَّعَامَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حِجْرِهِ».\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: فضائل القرآن، باب: تَأْلِيفِ القُرْآنِ، رقم (٤٩٩٦).\n(^٢) أخرجه أبو داود، كتاب: الصلاة، باب: تحزيب القرآن، رقم (١٣٩٦).\n(^٣) الكواكب الدراري، ١٩/ ١٤ - ١٥، «قال الزرقاني: والمفصل ثلاثة أقسام: طوال وأوساط وقصار. فطواله من أول الحجرات إلى سورة البروج. وأوساطه من سورة الطارق إلى سورة لم يكن. وقصاره من سورة إذا زلزلت إلى آخر القرآن». مناهل القرآن في علوم القرآن ١/ ٥٣٢.","vol":"1","page":179},{"text":"قال الكرماني مبينا الفرق بين بول الغلام والجارية مستدلًا بحديث أخرجه الترمذي، وأبو داود منبهًا على الزيادة عند أبي داود فقال: «وقد جاء الحديث صريحا في الفرق بينهما قال النبي ﷺ: يغسل من بول الجارية وينضح من بول الغلام أخرجه أبو داود (^١) والترمذي (^٢) وزاد أبو داود ما لم يطعم».\nومنه: قال البخاري في حديث السلام على رسول الله ﷺ: «فَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النبي ورحمة الله …» قال الكرماني ناقلًا عن البيضاوي (^٣) في تحفة الأبرار: «وفي حديث ابن عباس لم يذكر العاطف أصلا وزاد المباركات وأخر لله فتكون صفات» (^٤).\nومثله: في حديث المسيح الدجال «إِنَّ اللهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، أَلَا إِنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ» قال الكرماني مقارنًا بين الألفاظ: «وجاء في آخر صحيح مسلم في رواية أعور العين اليسرى» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود، كتاب: الطهارة، باب: بول الصبي يصيب الثوب، رقم (٣٧٧).\n(^٢) أخرجه الترمذي، كتاب: أبواب السفر، باب: ما ذكر في نضح بول الغلام والرضيع، رقم (٦١٠) واللفظ لأبي داود.\n(^٣) عبدالله بن عمر بن محمد بن علي أبو الخير ناصر الدين البيضاوي، قاضي القضاة، المفسر والنحوي الأصولي الفقيه، كان معتزليًا شافعيًا صالحا متعبدا زاهدا، له كتاب: الكشاف في تفسير القرآن، وله تحفة الأبرار وغيرها، (ت ٦٨٥ هـ)، ينظر: بغية الوعاة، السيوطي، ٢/ ٥٠،\n(^٤) الكواكب الدراري، ٥/ ١٨٣، وينظر تحفة الأبرار، ١/ ٣٠٣. وحديث ابن عباس، أخرجه مسلم، كتاب: الصلاة، باب: التشهد في الصلاة، رقم (٤٠٣).\n(^٥) الكواكب الدراري، ١٤/ ٨٣. وحديث مسلم: «عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الدَّجَّالُ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُسْرَى، جُفَالُ الشَّعَرِ، مَعَهُ جَنَّةٌ وَنَارٌ، فَنَارُهُ جَنَّةٌ وَجَنَتُهُ نَارٌ» أخرجه مسلم، كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: ذكر الدجال وصفته وما معه رقم (٢٩٣٤).","vol":"1","page":180},{"text":"ولم يكتفِ الكرماني بالمقارنة بين الألفاظ، والتنبيه على الزيادة فيها، بل يعقّب على العلماء الذين حصروا الزيادة عند صاحب مصنف دون غيره.\nمثاله: «عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ» (^١).\nقال الكرماني: «وقال أبو عيسى الترمذي لفظ من المسلمين انفرد بها مالكن دون سائر أصحاب نافع، وليس كما قال إذ وافقه فيها عمر بن نافع كما يروى، ووافقه الضحاك بن عثمان أيضا ذكره مسلم في صحيحه» (^٢).\nومثله: حديث أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً …» قال الكرماني مبينًا الفرق بين روايات الحديث: «قوله: (وستون) كذا هنا وثبت في رواية صحيح مسلم وسبعون جزما (^٣) وفي رواية أخرى بضع وسبعون أو بضع وستون على الشك (^٤) وروى أبو داود والترمذي بضع\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الزكاة، باب: صَدَقَةُ الفِطْرِ عَلَى العَبْدِ وَغَيْرِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ، رقم (١٥٠٤).\n(^٢) الكواكب الدراري، ٨/ ٤٩، والحدبث (أخرجه مسلم، كتاب: الزكاة، باب: زكاة الفطر على المسلمين من التمر والشعير، رقم (٩٨٤).).\n(^٣) أخرجه مسلم، كتاب: الإيمان، باب: شعب الإيمان، رقم (٥٧).\n(^٤) أخرجه مسلم، كتاب: الإيمان، باب: شعب الإيمان، رقم (٥٨).","vol":"1","page":181},{"text":"وسبعون بلا شك (^١).\nومثله: أخرج البخاري في صحيحه: «عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَاءَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ قَالَ يَا رَسُولَ اللهِ مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ …» (^٢) قال الكرماني مقارنًا بين الألفاظ: «واعلم أنه وقع هنا وفى صحيح مسلم (^٣) أن الصلاة الفائتة كانت صلاة العصر وفى الموطأ (^٤) أنها الظهر والعصر».\nوهناك أمثلة أخرى عن بيان الكرماني الفروق بين الألفاظ قوله: «وفي كتاب الترمذي الذي يقرأ القرآن وهو به ماهر مع السفرة الكرام البررة وقال هو حسن صحيح» (^٥).\nوقد يقارن الكرماني في ألفاظ الروايات المتشابهة، في السند والمتن، من أحاديث الصحيح، ويبين الاختلاف في شيوخ البخاري المباشرين، مثاله:\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود، كتاب: السنة، باب: في الإرجاء، رقم (٤٦٧٦)، أخرجه الترمذي، كتاب: أبواب الإيمان، باب: ما جاء في أشكال الإيمان، رقم (٢٦١٤، بلفظ: الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ بَابًا …».\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: مواقيت الصلاة، باب: مَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ جَمَاعَةً بَعْدَ ذَهَابِ الوَقْتِ، رقم (٥٩٦).\n(^٣) أخرجه مسلم، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: الدليل لمن قال الصلاة الوسطى، رقم (٢٠٩).\n(^٤) أخرجه مالك في الموطأ، كتاب: صلاة الخوف، باب: صلاة الخوف، رقم (٤٤٣).\n(^٥) الكواكب الدراري، ٢٥/ ٢٣٣.","vol":"1","page":182},{"text":"قتال البخاري ﵀ في باب: مَنْ كَرِهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ مِنَ الإِيمَانِ: «حَدَّثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثنا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حلاوة الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن أحب عبدا لا يحبه إلا لله ومن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله كما يكره أن يلقى في النار» (^١).\nفقد روى البخاري هذا الحديث عن غير شيخه سليمان، بل عن محمد بن المثنى، فقال: «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ\nلَا يُحِبُّهُ إِلاَّ لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ» (^٢).\nفقال الكرماني معلقا على ذلك: «فإن قلت قد سبق هذا الحديث بعينه فما فائدة التكرار؟ قلت: لم يسبق بعينه بل بينهما تفاوت، وهو أنه ذكر ثمة بلفظ المضارع في المواضع الثلاثة، بلفظ: المرء ويقذف وهنا بلفظ الماضي في الثلاثة وبلفظ عبدًا ويلقى وبزيادة بعد إذ أنقذه الله، فاختلف بعض الألفاظ مع اختلاف في الرواة أيضًا إذ شيخ البخاري ثمة محمد بن المثنى وههنا سليمان وهلم جرا» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الإيمان، باب: مَنْ كَرِهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ مِنَ الإِيمَانِ، رقم (٢٠).\n(^٢) أحرجه البخاري، كتاب: الإيمان، باب: حلاوة الإيمان، رقم (١٥).\n(^٣) الكواكب الدراري، ١/ ١١٤ - ١١٥.","vol":"1","page":183},{"text":"<span data-type='title' id=toc-135>سابعًا بيان الخطأ في أسماء الرواة:</span>\nقد يقع الخطأ في اسم راوٍ ما من رواة الحديث في أحد المصنفات، ويُكشف هذا الخطأ عن طريق تخريج الأحاديث والمقارنة والموازنة بين الروايات.\nفقد أخرج البخاري: «عن الأعْرَجِ قَالَ سَمِعْتُ عُمَيْرًا مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ أَقْبَلْتُ أَنَا وَعَبْدُاللهِ ابْنُ يَسَارٍ مَوْلَى مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبِي جُهَيْمِ بْنِ الْحَارِثِ ابْنِ الصِّمَّةِ الأَنْصَارِيِّ فَقَالَ أَبُو الْجُهَيْمِ أَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ قَالَ أَبُو الْجُهَيْمِ أَقْبَلَ النَّبِيُّ …» (^١).\nقال الكرماني ناقلًا عن النووي: «وقع في صحيح مسلم بدل عبدالله بن يسار عبد الرحمن بن يسار وبدل أبي الجهيم أبو الجهم مكبرًا وكلاهما غلط» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-136>ثامنًا ينقل حكم العلماء على الحديث:</span>\nيخرّج الكرماني الأحاديث التي استدل بها في الشرح، وينقل أقوال العلماء في بيان درجتها.\nمثال: عند الكلام عن حديث أبي هريرة ﵁، سمعت النبي ﷺ يقول: «إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: التيمم، باب: التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء وخاف فوت الصلاة، رقم (٣٣٧).\n(^٢) الكواكب الدراري، ٣/ ٢١٧، وينظر: شرح مسلم للنووي، ٤/ ٦٣ - ٦٤، وينظر التوضيح شرح الجامع الصحيح، ابن الملقن ٢/ ٦٦١، وانظر الصناعة الحديثية في التوضيح لشرح الجامع الصحيح لابن الملقن، أحمد محمد ارحيّم، ص ١١١ - ١١٢.","vol":"1","page":184},{"text":"أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ» (^١).\nقال الكرماني: «وقد استدل به على أن الوضوء من خصائص هذه الأمة وقيل ليس الوضوء مختصا وإنما الذي اختصت به هذه الأمة الغرة والتحجيل، محتجا بقوله ﷺ هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي، فأجيب بأنه حديث ضعيف وبأنه لو صح احتمل أن يكون الأنبياء اختصت بالوضوء دون أممهم إلا هذه الأمة» (^٢)\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-137>المبحث الخامس\nصنعته في المعلقات</span>\n<span data-type='title' id=toc-138>أولًا تعريف الحديث المعلق لغة واصطلاحًا:</span>\n<span data-type='title' id=toc-139>أ - لغة:</span> «علق: العين واللام والقاف أصل كبير صحيح يرجع إلى معنى\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الوضوء، باب: فَضْلِ الوُضُوءِ، وَالغُرُّ المُحَجَّلُونَ مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ، رقم (١٣٦).\n(^٢) الكواكب الدراري، ٢/ ١٧٢، والحديث بتمامه: «عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ وَاحِدَةً فَتِلْكَ وَظِيفَةُ الْوُضُوءِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا، وَمَنْ تَوَضَّأَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُ كِفْلَيْنِ، وَمَنْ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا فَذَلِكَ وُضُوئِي، وَوُضُوءُ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي» أخرجه أحمد في مسنده، رقم (٥٧٣٥) وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط ﵀ في تحقيقه للمسند: إسناده ضعيف لضعف أبي إسرائيل، وهو إسماعيل بن خليفة الملائي، وزيد العَمَي، وهو ابنُ الحواري. وبقية رجاله ثقات رجال الشيخين. أسود بن عامر: هو الملقب بشاذان، ونافع: هو مهلى ابن عمر، وأخرجه ابن ماجه في سننه بلفظ: «هذا وضوئي ووضوء المرسلين قبلي» في كتاب: أبواب الطهارة، باب: مَا جَاءَ فِي الْقَصْدِ فِي الْوُضُوءِ وَكَرَاهَيةِ التَّعَدِّي فِيهِ، رقم (٤٢٠).","vol":"1","page":185},{"text":"واحد، وهو أن يناط الشيء بالشيء العالي. ثم يتسع الكلام فيه، والمرجع كله إلى الأصل الذي ذكرناه تقول: علقت الشيء أعلقه تعليقا. وقد علق به، إذا لزمه. والقياس واحد» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-140>ب - اصطلاحًا:</span> هو الحديث الذي سقط من أول سنده راوٍ أو أكثر على التوالي، ولو كان الساقط السند كله (^٢).\nوزاد ابن حجر على التعريف: «معبرًا بصيغة لا تقتضي التصريح بالسماع مثل: قال وروى وزاد وذكر أو يُروى ويُذكر ويُقال، وما أشبه ذلك من صيغ الجزم والتمريض» (^٣).\nوفي كلام ابن حجر رد على ابن الصلاح الذي قال: «ولم أجد لفظ التعليق مستعملا فيما سقط فيه بعض رجال الإسناد من وسطه أو من آخره، ولا في مثل قوله: «يروى عن فلان، ويذكر عن فلان» وما أشبهه مما ليس فيه جزم على من ذكر ذلك بأنه قاله وذكره.\nوكأن هذا التعليق مأخوذ من تعليق الجدار، وتعليق الطلاق ونحوه، لما يشترك الجميع فيه من قطع الاتصال، والله أعلم» (^٤).\n_________\n(^١) معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، مادة (علق) ٤١٢٥.\n(^٢) ينظر: تغليق التعليق، ابن حجر، ٢/ ٧ - ٨، والمنهل الروي في مختصر علوم الحديث النبوي، لأبي عبدالله الكناني، ص ٩٤، والغاية في شرح الهداية في علم الرواية، للسخاوي، ١/ ١٧٤.\n(^٣) تغليق التعليق، ٢/ ٨.\n(^٤) علوم الحديث، ص ٧٠.","vol":"1","page":186},{"text":"وقال الحافظ ابن حجر كذلك في معرض الرد على ابن الصلاح: «أخْذُه من تعليق الجدار فيه بعد وأما أخذه من تعليق الطلاق وغيره فهو أقرب للسببيه لأنهما معنويان» (^١).\nإذًا يتبين من التعريف أن التعليق يكون:\nبسقوط راوٍ من أول السند أو أكثر ويُعرف ذلك عن طريق المعاصرة، ومعرفة الطبقات ولوكان الساقط كل رجال السند، «كقولنا: قال رسول الله ﷺ كذا، من دون إسناد يُذكر، أو قال ابن عباس، أو قال عطاء» (^٢).\nأن يُروى بصيغة التمريض، والتضعيف، مثل: رُويَ، وذُكِرَ …\nكذلك لم يختص المعلق فقط بصيغ التمريض، والتضعيف، بل خصّوا به صيغة الجزم قال النووي: «ولم يستعملوا التعليق في غير صيغة الجزم كيروى عن فلان كذا، أو يقال عنه، ويذكر، ويحكى؛ وشبهها بل خصوا به صيغة الجزم. كقال، وفعل، وأمر، ونهى، وذكر، وحكى، ولم يستعملوه فيما سقط وسط إسناده» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-141>ثانيًا أسباب تعليق الحديث:</span>\nتنوعت عند أصحاب المصنفات أسباب التعليق، ويمكن حصرها في الآتي:\n_________\n(^١) تغليق التعليق، ٢/ ٧.\n(^٢) بلوغ الآمال من مصطلح الحديث والرجال، بتصرف يسير، ص ٢٢٥.\n(^٣) التقريب والتيسير، ٨٣٨، وقال العراقي كلاما يوافق فيه النووي، تدريب الراوي، ١/ ٢٥١.","vol":"1","page":187},{"text":"١ - أن يكون الحديث المُعَلّق ليس من شرط صاحب التصنيف حتى يثبت، ويكون إيراده من قبيل تقوية الاستدلال على موضوع الباب.\n٢ - الاختصار في إيراد الحديث، إذ أن الحاجة تدعو إليه (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-142>ثالثًا حكم الحديث المعلق:</span>\nالحديث المعلق ضعيف عند العلماء لا يُعمل به؛ بسبب انقطاع السند بحذف بعضه أو حذفه كله، وبالتالي لايُعرف ضبط وعدالة الراوي الساقط، إلا إذا جاء الحديث موصولًا من طريق أخرى، فعندها يجوز العمل به، وهذا الحكم ينطبق على كتب التزمت إخراج الصحيح في مصنفاتها كالبخاري ومسلم، فقد كثرت المعلقات في صحيح البخاري، إلا أنها جاءت موصولة ومسندة من طُرق أخرى كما سيأتي.\n\n<span data-type='title' id=toc-143>رابعًا معلقات صحيح البخاري:</span>\nبلغت الأحاديث المعلقة في صحيح البخاري «ألف وثلاث مائة وواحد وأربعون حديثا وأكثرها مكرر مخرج في الكتاب أصول متونه، وليس فيه من المتون التي لم تخرّج في الكتاب ولو من طريق أخرى إلا مائة وستون حديثا» (^٢).\nوقد برع الإمام البخاري ﵀ في إيراد التعليقات في جامعه الصحيح وأكثر منها، وتفنن في وضعها في محلها، وخصوصًا في تراجم الأبواب، مراعيًا شرطه الذي التزمه في الصحيح، وفوائد حديثية كثيرة …\n_________\n(^١) ينظر: منهج النقد في علوم الحديث، ص ٣٧٤، وتحرير علوم الحديث، ٢/ ٨٥١.\n(^٢) هدي الساري، ص ٦٥٩.","vol":"1","page":188},{"text":"<span data-type='title' id=toc-144>خامسًا أقسام المعلقات في الجامع الصحيح:</span>\nوقد تنوعت هذه التعاليق بين الرفع إلى النبي ﷺ، وإما الوقف على الصحابة الكرام ﵃، وقد قسم العلماء معلقات البخاري إلى قسمين:\nالقسم الأول: ماجاء معلقًا في موضع من الصحيح وموصولًا في موضع آخر منه.\nالقسم الثاني: مالا يوجد فيه إلا معلقًا.\nويندرج تحت هذين القسمين، الصيغ التي كان يوردها البخاري:\nما علقه بصيغة الجزم، وهي على شرطه مثل: قال فلان، أو روى فلان، أو عن فلان، ويستفاد منها الصحة إلى من علق عنه.\nما علقه بصيغة الجزم، ولكن ليس على شرطه، قد يكون حسنًا صالحا للحجة.\nما علقه بصيغة الجزم، ولكنها ضعيفة بسبب الانقطاع، وليس بسبب قدح في الرجال.\nما علقه بصيغة التمريض والتضعيف، عكس صيغة الجزم، مثل: رُويَ عن فلان، أويُذكر، أو يُقال … وهي صحيحة لكن ليست على شرطه، وهي يسيرة جدًا، ويذكره البخاري معلقًا بالمعنى.\nما علقه بصيغة التمريض وهي حسنة، أقل درجة من السابقة.\nما علقه بصيغة التمريض وهي ضعيفة، لا جابر لها (^١).\n_________\n(^١) هدي الساري، ص ٢١ - ٢٢ - ٢٣، بتصرف، وانظر الإيضاح في علوم الاصطلاح، ص ١٥١ - ١٥٢، والمنهج الحديث في تسهيل علوم الحديث، د. علي نايف بقاعي، ص ١٠١.","vol":"1","page":189},{"text":"<span data-type='title' id=toc-145>سادسًا جواب العلماء على معلقات البخاري:</span>\nمما تواتر عند القاصي والداني، أن الإمام البخاري ﵀ جمع في كتابه الصحيح ما صح عن رسول الله ﷺ، وذلك تلبية لرغبة شيخه: (إسحاق بن راهويه) الذي قال: «كنا عند إسحاق بن راهويه فقال لو جمعتم كتابا مختصرا لصحيح سنة رسول الله ﷺ قال: فوقع ذلك في قلبي فأخذت في جمع الجامع الصحيح» (^١).\nوقد قال البخاري عن صفة الأحاديث التي جمعها في كتابه: «ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صح» (^٢).\nولما كان الحديث المعلق من أنواع الحديث المنقطع، للجهالة بحال الراوي المحذوف في السند فهو بالتالي من أنواع الحديث الضعيف، قد وُجه النقد للإمام البخاري لإيراده المعلقات في صحيحه، لأنها تخالف شرطه الذي التزم به، فأجاب العلماء على هذه الطعون وفندوها، وقد ألف الحافظ ابن حجر كتابًا في وصل تعليقات البخاري، أسماه: «تغليق التعليق».\nفقال فيه مبينًا الأسباب التي دفعت البخاري للتعليق: «إما لتكراره أو لأنه أسند معناه في الباب، ولو من طريق أخرى فنبه عليه بالتعليق اختصارا أو ليبين سماع أحد رواته من شيخه؛ إذا كان موصوفا بالتدليس، أو كان موقوفا لأن\n_________\n(^١) هدي الساري ص ٩.\n(^٢) المرجع السابق، ص ٩، وقال نحوه في: الإرشاد في معرفة علماء الحديث، لأبي يعلى الخليلي، ٣/ ٩٦٢.","vol":"1","page":190},{"text":"الموقوف ليس من موضوع الكتاب أو كان في رواته من لم يبلغ درجة الضبط والإتقان، أو إن كان ثقة في نفسه فلا يرتقي إلى شرط أبي عبدالله المؤلف في الصحيح فيعلق حديثه تنبيها عليه تارة أصلا، وتارة في المتابعات» (^١).\nوبين ابن حجر كذلك أن الموقوفات من فتاوى الصحابة والتابعين، ومن تفاسيرهم للآيات إنما كان يوردها على سبيل التقوية لما يختاره من المذاهب في المسائل الخلافية، وأن التعاليق أكثر ما جاءت في تراجم الأبواب، وأن المقصود من كتاب البخاري هو الأحاديث الصحيحة المسندة، التي ترجم لها بالمعلق والآثار الموقوفة (^٢).\nوقال ابن الصلاح: «ما كان من ذلك أي المعلقات ونحوه بلفظ فيه جزم وحكم به على من علقه عنه، فقد حكم بصحته عنه … وقال أيضًا عن القسم الثاني: وأما ما لم يكن في لفظه جزم وحكم، مثل: روي عن رسول الله ﷺ كذا وكذا، أو روي عن فلان كذا، أو في الباب عن النبي ﷺ كذا وكذا، فهذا وما أشبهه من الألفاظ ليس في شيء منه حكم منه بصحة ذلك عمن ذكره عنه؛ لأن مثل هذه العبارات تستعمل في الحديث الضعيف أيضا. ومع ذلك فإيراده له في أثناء الصحيح مشعر بصحة أصله إشعارا يؤنس به ويركن إليه، والله أعلم» (^٣).\nوعلى هذا «فالمعلق مما في البخاري ومسلم ليس من قبيل الضعيف بل هو من قبيل الاختصار والتصرف، وإذا كان بعض المحدثين استعملوا لفظة (رُوي)\n_________\n(^١) تغليق التعليق، ٢/ ٨.\n(^٢) هدي الساري بتصرف، ص ٢٤.\n(^٣) علوم الحديث، ص ٢٤ و٣٨.","vol":"1","page":191},{"text":"وما أشبهها صيغة من صيغ التمريض، فإن ذلك لا يسلم لهم؛ فقد يكون من باب الاختصار فقط؛ إذ أن بناء الفعل للمجهول قد يكون للعلم به، وهذا موجود في كتب النحو، وعليه يُحمل ما جاء في البخاري ومسلم من هذا النوع» (^١).\nملاحظة: هذا الحكم في المعلقات إذا روى البخاري عن شيوخ شيوخه، ولكن قد يروي البخاري عن شيخه المباشر، بلفظ: قال فلان، بلفظ الجزم، ولم يكن بلفظ السماع فإن هذا يُعد من الصحيح المحمول على السماع، لأن البخاري التقى بشيخه المباشر وسمع منه، وروى عنه غالبًا بصيغة السماع في أحاديث أخرى، وهو أدرى بشيخه، وقد يكون الحديث معروف الاتصال من غير جهة البخاري، ولأن هذا اللفظ تلقاه البخاري عن شيخه عرضًا ومناولة.\nقال أبو جعفر ابن حمدان النيسابوري (^٢): «كل ما قال البخاري: «قال لي فلان» فهو عرض ومناولة» (^٣).\nوقال كذلك ابن الصلاح: «إن وقع الحذف في كتاب التزمت صحته،\n_________\n(^١) بلوغ الآمال من مصطلح الحديث والرجال، ص ٢٢٧ - ٢٢٨.\n(^٢) أبو جعفر أحمد بن حمدان بن علي بن سنان الحيري النيسابوري، والد الشيخين: أبي العباس محمد، وأبي عمرو محمد.، الحافظ الحجة، أحمد بن الأزهر، وعبدالله بن هاشم الطوسي، وغيرهما، كان من أوعية العلم، له: الصحيح المستخرج على صحيح مسلم، (ت ٣١١ هـ)، ينظر سير أعلام النبلاء، ١١/ ١٨٤.\n(^٣) علوم الحديث، ابن الصلاح ص ٧٠، والمنهل الروي، ص ٥٠، وقد نقله الذهبي في السير عن الحاكم: عن ابنه أبي عمرو عنه، ١٤/ ٣٠٠.","vol":"1","page":192},{"text":"كالبخاري، فما أتى فيه بالجزم دل على أنه ثبت إسناده عنده، وإنما حذف لغرض من الأغراض» (^١).\nوقد مثّل الأستاذ الدكتور نور الدين عتر على هذا فقال: «ومن هذا البيان يتضح خطأ علي بن حزم الظاهري في رده لحديث البخاري قال: وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ حَدَّثَنَا عَطِيَّةُ بْنُ قَيْسٍ الْكِلَابِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَنْمٍ الأَشْعَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أبُو عَامِرٍ أَوْ أَبُو مَالِكٍ الأَشْعَرِيُّ وَاللهِ مَا كَذَبَنِي سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ … (^٢).\nفزعم ابن حزم أنه وإن رواه البخاري فهو غير صحيح، لأن البخاري قال فيه: «قال هشام بن عمار». فهو منقطع ضعيف، واستروح ابن حزم إلى ذلك من أجل تقرير مذهبه الفاسد في إباحة الملاهي، وزعمه أنه لم يصح في تحريمها حديث» (^٣).\nوقد قال ابن الصلاح ردًا على ابن حزم: «والبخاري ﵀ قد يفعل ذلك، لكون ذلك الحديث معروفا من جهة الثقات عن ذلك الشخص الذي علقه عنه، وقد يفعل ذلك لكونه قد ذكر ذلك الحديث في موضع آخر من كتابه مسندا متصلا وقد يفعل ذلك لغير ذلك من الأسباب التي لا يصحبها خلل\n_________\n(^١) نزهة النظر، ابن حجر، ص ١٠٠.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الأشربة، باب: مَا جَاءَ فِيمَنْ يَسْتَحِلُّ الْخَمْرَ وَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ رقم (٥٢٣٩).\n(^٣) منهج النقد، ص ٣٧٦، وينظر قول الصنعاني، في توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار، ١/ ١٢٧.","vol":"1","page":193},{"text":"الانقطاع، والله أعلم» (^١).\nوقد قال الكرماني عن هذا الحديث: «المشهور عند المحدثين أنه يقال حدثنا وأخبرنا إذا كان الكلام على سبيل النقل والتحميل، وأما إذا كان على سبيل المذاكرة يقال: قال» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-146>سابعًا [¬*] منهج الكرماني في دراسة معلقات البخاري:</span>\nنهج الكرماني في شرحه دراسة تعاليق البخاري، بالإجابة عنها تارة، وبيان أسبابها تارة أخرى، رادًّا للشبهة عن الصحيح ومدافعًا عنه، وقد بذل الجهد والوسع في ذلك، فخرج بأجوبة مقنعة مستندًا في ذلك على أقوال المحدثين.\nوقد تبين للباحث عناية الكرماني في المعلقات بالأمور الآتية:\n<span data-type='title' id=toc-147>١ - بيان صيغ البخاري في التعليق </span>(الجزم والتمريض وما يتبعهما ويدل عليهما).\n٢ - ذكر أسباب التعليق عند البخاري.\n٣ - بيان الفوائد من تعليقات البخاري.\n٤ - وصل التعاليق، وتخريجها.\n\n١ - بيان صيغ البخاري في التعليق:\n<span data-type='title' id=toc-148>أ - صيغة الجزم:</span>\nمر سابقًا أن البخاري كان يتحرى الدقة في إطلاق الألفاظ، إذ أن لكل\n_________\n(^١) علوم الحديث، ص ٦٨.\n(^٢) الكواكب الدراري، ٢٠/ ١٤٧، وينظر أقوال المحدثين، علوم الحديث، ص ٦٩، ٧٠، والتقريب والتيسير للنووي، ص ٦٧.\n\n[¬*] تعليق الشاملة: في المطبوع «سادسًا»","vol":"1","page":194},{"text":"لفظ مدلول وخصوصا صيغ التحمّل والأداء، قال ابن حجر: «وقد اعتنى البخاري ﵀ باعتبار هاتين الصيغتين يعني الجزم والتمريض وإعطائهما حكمهما في صحيحه فيقول في الترجمة الواحدة بعض كلامه بتمريض وبعضه بجزم مراعيا ما ذكرنا وهذا مشعر بتحريه وورعه وعلى هذا فيحمل قوله\nما أدخلت في الجامع إلا ما صح أي مما سقت إسناده والله تعالى أعلم» (^١).\nوقد بيّن ابن الصلاح أن صيغة الجزم يسُتفاد منها الصحة على من علّق عليه، ولم يفت الكرماني أن ينبه لهذا فقال ناقلًا عن النووي: «قال العلماء إذا كان الحديث ضعيفًا لا يقال فيه قال لأنه من صيغ الجزم بل يقال: حُكِيَ أو قيل أو يقال بصيغة التمريض وقد اعتنى البخاري وهذا مما يزيدك معرفة للفرق في صحيحه فيقول تارة بلفظ الجزم، وأخرى بلفظ التمريض وهذا مما يزيدك اعتقادا في جلالته وتحقيقه» (^٢).\nمثاله: قال البخاري في: بابٌ الإِيمَانِ وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ خَمْسٍ «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى: «باب: الإِيمَانِ وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ … وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ إِنَّ لِلإِيمَانِ فَرَائِضَ …» (^٣).\nقال الكرماني: «قوله: «وكتب» هذا تعليق ذكره بصيغة الجزم وهو حكم منه بصحته» (^٤).\n_________\n(^١) هدي الساري، ٢٣ - ٢٤.\n(^٢) الكواكب الدراري، ١/ ٤١، وينظر قول النووي في شرحه على مسلم، ١/ ٧١.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: الإيمان.\n(^٤) الكواكب الدراري، ١/ ٧١.","vol":"1","page":195},{"text":"ومن ذلك: قال البخاري: «باب رَفْعِ الْعِلْمِ وَظُهُورِ الْجَهْلِ. وَقَالَ رَبِيعَةُ لَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ عِنْدَهُ شَىْءٌ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ يُضَيِّعَ نفسه» (^١).\nقال الكرماني: «وهذا تعليق من البخاري يقصد وقال ربيعة بصيغة الجزم الدالة على أنه من تصحيحات التعليق لا من تمريضاتها» (^٢).\nومن ذلك قال البخاري: «وَقَالَ لِي يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ … وَقَالَ لِي عَيَّاشٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنْ الْحَسَنِ مِثْلَهُ قِيلَ لَهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ نَعَمْ ثُمَّ قَالَ اللهُ أَعْلَمُ» (^٣).\nقال الكرماني: «قوله «الله أعلم» فإن قلت هذا يستعمل في مقام التردد، ولفظ نعم حيث قال أولا يدل على الجزم، قلت: جزم به حيث سمعه مرفوعًا إلى النبي ﷺ وحيث كان خبر الواحد غير مفيد لليقين؛ أظهر للتردد فيه أو حصل له بعد الجزم، تردد أو لا يلزم أن يكون استعماله للتردد والله أعلم» (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-149>ب - اجتماع صيغتي الجزم والتمريض:</span>\nقد يروي البخاري تعليقًا تارة بصيغة الجزم، وأخرى بصيغة التمريض، قال البخاري في كتاب: الغسل «حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «كَانَتْ بَنُو\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: العلم.\n(^٢) الكواكب الدراري، ٢٥٩.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: الصوم، بَاب: الْحِجَامَةِ وَالْقَيْءِ لِلصَّائِمِ.\n(^٤) الكواكب الدراري، ٩/ ١١٣.","vol":"1","page":196},{"text":"إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً … فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَاللهِ إِنَّهُ لَنَدَبٌ بِالْحَجَرِ سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ ضَرْبًا بِالْحَجَرِ» (^١).\nثم ساق البخاري بعده تعليقًا بصيغة التمريض عن أبي هريرة: «وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «بَيْنَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا فَخَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ» (^٢).\nقال الكرماني: «قوله (وعن أبي هريرة) هذا تعليق، فإن قلت لم قال أولا قال أبو هريرة وثانيًا عن أبي هريرة. قلت إشارة إلى أن الأول تعليق بصيغة التصحيح لما فيه من الجزم، والثاني تعليق بصيغة التمريض» (^٣).\nومثله: قال البخاري: «وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلاَّ خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذَّبًا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ … وَيُذْكَرُ عَنِ الْحَسَنِ مَا خَافَهُ إِلاَّ مُؤْمِنٌ، وَلَا أَمِنَهُ إِلاَّ مُنَافِقٌ. وَمَا يُحْذَرُ مِنَ الإِصْرَارِ» (^٤).\nقال الكرماني: «قوله: «ويذكر عن الحسن» أي البصري. فإن قلت فلم قال فيما علق عن إبراهيم وعن ابن أبي مليكة بلفظ: قال وفيما علق عن الحسن بلفظ: يذكر. قلت ليشعر بأن قوله: ما ثبت عنده صحيح الإسناد لأنه قال هو\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، باب: مَنِ اغْتَسَلَ عُرْيَانًا وَحْدَهُ فِي الْخَلْوَةِ، وَمَنْ تَسَتَّرَ فَالتَّسَتُّرُ أَفْضَلُ، رقم (٢٧٦).\n(^٢) أخرجه البخاري في ذات الكتاب، والباب، رقم (٢٧٧).\n(^٣) الكواكب الدراري، ٣/ ١٤٢.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب: الإيمان، باب: خَوْفِ الْمُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لَا يَشْعُر.","vol":"1","page":197},{"text":"صيغة الجزم، وصريح الحكم بأنه صدر منه ومثله يسمى تعليقًا بصيغة التصحيح بخلاف يُذكر فإنه لا جزم فيه فيُعلم أن فيه ضعفًا ومثله تعليق بصيغة التمريض» (^١).\nومن صنيع البخاري: تقديم الحديث الموقوف المعلق المروي بصيغة الجزم، على الحديث المرفوع المعلق المروي بصيغة التمريض.\nمثاله: «وَقَالَ عُمَرُ مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ وَيُرْوَى عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ فِي غَيْرِ حَقِّ مُسْلِمٍ» (^٢).\nقال الكرماني: «فإن قلت فذكْرُ عمر يكون مكررا، قلت فيه فوائد الأولى أنه تعليق بصيغة التصحيح أي وقال عمر وهذا بصيغة التمريض أي ويُروى عن عمرو، وهو بدون الزيادة وهذا معها، وهو غير مرفوع إلى النبي ﷺ وهذا مرفوع إليه ومع هذا فالصحيح هو الأول» (^٣).\nومن ذلك ما قاله ابن الصلاح: «أن صيغة الجزم يسُتفاد منها الصحة على من علّق عليه، ولا يدل على صحة كل الإسناد» (^٤) روى البخاري في صحيحه:\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١/ ١٨٧ - ١٨٨، وقد علق الكرماني على صيغ البخاري في التمرض مثل: (عن إبراهيم) ٢/ ٢٠٩، و(وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ٤/ ٣٠، و(لفظ: لم يصح) ١١/ ١٣٨.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الحرث، بَاب مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا وَرَأَى ذَلِكَ عَلِيٌّ فِي أَرْضِ الْخَرَابِ بِالْكُوفَةِ مَوَاتٌ.\n(^٣) الكواكب الدراري، ١٠/ ١٥٩.\n(^٤) علوم الحديث، ص ٢٤.","vol":"1","page":198},{"text":"«وَقَالَ بَهْزٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيُّ ﷺ «اللهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنَ النَّاسِ».» (^١).\nقال الكرماني: «قال الحاكم أبو عبدالله بهز (^٢) كان من الثقات ممن يجمع حديثه وإنما سقط من الصحيح روايته عن أبيه عن جده لأنها شاذة، ولا متابع له فيها وقال الخطيب حدث عنه الزهري، ومحمد بن عبدالله الأنصاري وبين وفاتيهما إحدى وتسعون سنة وحكيم تابعي ثقة ومعاوية قال صاحب الكمال أنه صحابي وظاهر لفظ البخاري أيضًا مشعر بذلك» (^٣).\nوقال ابن حجر في الفتح: «فالإسناد إلى بهز صحيح ولهذا جزم به البخاري وأما بهز وأبوه فليسا من شرطه ولهذا لما علق في النكاح شيئا من حديث\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الغسل، باب: مَنِ اغْتَسَلَ عُرْيَانًا وَحْدَهُ فِي الْخَلْوَةِ، وَمَنْ تَسَتَّرَ فَالتَّسَتُّرُ أَفْضَلُ.\n(^٢) قال ابن عدي الجرجاني: «بهز بن حكيم هذا قد روى عنه ثقات الناس وقد روى عنه الزهري وجماعة من الثقات، وأرجو أنه لا بأس به في رواياته ولم أر أحدا تخلف في الرواية من الثقات ولم أر له حديثا منكرا وأرجو أنه إذا حدث عنه ثقة فلا بأس بحديثه» الكامل، في ضعفاء الرجال، ٢/ ٢٥٤، والمغني في الضعفاء، للذهبي\n١ - / ١١٦، وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب: «عن يحيى بن معين: «ثقة»، وقال أيضا «إسناد صحيح إذا كان دون بهز ثقة»» ١/ ٤٩٨.\n(^٣) الكواكب الدراري، ٣/ ١٤٠، وينظر، التلخيص الحبير لابن حجر، ١/ ٥٠٤، توجيه النظر إلى أصول الأثر، للشيخ طاهر الجزائري، قد جاء بهذا المثال (حذف الراوي من حدثه ويضيفه إلى من فوقه) ص ٥٥٤.","vol":"1","page":199},{"text":"جد بهز لم يجزم به بل قال ويذكر عن معاوية بن حيدة (^١) فعرف من هذا أن مجرد جزمه بالتعليق لا يدل على صحة الإسناد إلا إلى من علق عنه وأما ما فوقه فلا يدل» (^٢).\nإذًا ألفاظ الجزم: قال، نعم، وكتب، وقال لي فلان …، وألفاظ التمريض: الله أعلم، يُذكر، يُروى، يُقال …\n\n<span data-type='title' id=toc-150>٢ - ذكر أسباب التعليق عند البخاري:</span>\nأثناء تتبع واستقراء الكرماني لمعلقات البخاري، كان يذكر أسباب التعليق ويدلل عليها ويناقشها، مما يدل على نظره الثاقب، وصنعته الحديثية المميزة، فمن هذه الأسباب:\n\n<span data-type='title' id=toc-151>أ - ما يتعلق بالراوي:</span>\n<span data-type='title' id=toc-152>١ - عدم إدراك البخاري لزمن الراوي الذي يروي عنه:</span>\nمن شرط الاتصال في السند اللقاء والمعاصرة بين الراوي ومن روى عنه هذا شرط البخاري في صحيحه وعند غيره إمكان اللقاء، أما إذا لم يتم اللقاء، أو لم يدرك الراوي زمن الذي روى عنه فإنه لا مجال لاتصال السند، فلذلك كان من عادة المصنفين الدقة في تحري لفظ التلقي والأداء، فإن كان التلقي يفيد الاتصال، عبروا عنه بصيغة تفيد السماع، وإن كان غير ذلك عبروا عنه بصيغة\n_________\n(^١) والحديث بتمامه: «وَيُذْكَرُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ رَفْعُهُ غَيْرَ أَنْ لَا تُهْجَرَ إِلَّا فِي الْبَيْتِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ» أخرجه البخاري، كتاب: النكاح، بَاب: هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ نِسَاءَهُ فِي غَيْرِ بُيُوتِهِنَّ.\n(^٢) فتح الباري: ١/ ٣٨٦.","vol":"1","page":200},{"text":"التعليق والانقطاع.\nمثاله: قال البخاري: «قَالَ مَالِكٌ أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ أَنَّ عَطَاءَ ابْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِي …» (^١).\nقال الكرماني: «قوله: (قال مالك) أعلم أنه لم يدرك زمن مالك فهذا تعليق منه بلفظ جازم فهو صحيح ولا قدح فيه» (^٢).\nومنه: ما رواه في كتاب الوضوء فقال: «وَقَالَ غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ إِذَا أَتَى الْخَلَاءَ …» (^٣).\nقال الكرماني: «وذكره البخاري تعليقا لأنه لم يدرك زمانه» (^٤).\nومنه ما أخرجه في كتاب: الحيض، قال: «تَابَعَهُ خَالِدٌ وَجَرِيرٌ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ» (^٥).\nقال الكرماني: «قوله (خالد) أي ابن عبدالله الواسطي أبو الهيثم الطحان … مات بواسط سنة اثنتين وثمانين ومائة وهذا تعليق لأنه لم يدرك عصره» (^٦).\nومن ذلك: أخرج البخاري في كتاب التهجد، «وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي جَعْفَرٌ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الإيمان، باب: حسن إسلام المرء.\n(^٢) الكواكب الدراري، ١/ ١٦٧، إذ أن البخاري ولد سنة، (١٩٤ هـ) وتوفي سنة (٢٥٦ هـ) والإمام مالك توفي سنة (١٧٩ هـ).\n(^٣) أخرجه البخاري، باب: مَا يَقُولُ عِنْدَ الْخَلَاءِ، رقم (١٤٢).\n(^٤) الكواكب الدراري، ٢/ ١٨٥.\n(^٥) أخرجه البخاري، باب: مباشرة الحائض.\n(^٦) الكواكب الدراري، ٣/ ١٦٧.","vol":"1","page":201},{"text":"عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ هُرْمُزَ قَالَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ …» (^١).\nقال الكرماني: «قوله: وقال الليث، تعليق من البخاري لأنه لم يدرك عصره» (^٢).\nومن ذلك قال محمد بن إسماعيل البخاري: «وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عَطَاءٍ وَقَالَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيُّ ﷺ» (^٣).\nقال الكرماني: «وذكر البخاري رواية إسمعيل متابعة واستشهادا لتقوية\nما تقدم وهذا تعليق عن البخاري لأنه لم يدركه إذ هو إسمعيل بن علي وهو مات في عام ولادة البخاري سنة أربع وتسعين ومائة» (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-153>٢ - ما كان بسبب علة في الراوي:</span>\nكأن يكون الحديث الذي رواه الراوي ليس على شرط البخاري.\nمثاله: «باب قَوْلِ النَّبِيُّ ﷺ «الدِّينُ النَّصِيحَةُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ».» (^٥).\nقال الكرماني: «ولم يذكر البخاري إسناد هذا الحديث، لأن راوي هذا من طريق تميم الداري، وهو أشهر طرقه سهيل بن أبي صالح وليس سهيل من\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، باب: إِذَا دَعَتِ الأُمُّ وَلَدَهَا فِي الصَّلَاةِ.\n(^٢) الكواكب الدراري، ٧/ ٢٥.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: العلم، بَابُ: عِظَةِ الإِمَامِ النِّسَاءَ وَتَعْلِيمِهِنَّ. رقم (٩٧).\n(^٤) الكواكب الدراري، ٢/ ٩٢.\n(^٥) أخرجه البخاري، كتاب: الإيمان، باب: قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «الدِّينُ النَّصِيحَةُ».","vol":"1","page":202},{"text":"شرطه» (^١).\nومثله: «وَقَالَ بَهْزٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيُّ ﷺ «اللهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنَ النَّاسِ» (^٢) قال الكرماني ناقلًا عن الحاكم: «كان من الثقات ممن يجمع حديثه وإنما سقط من الصحيح روايته عن أبيه عن جده لأنها شاذة، ولا متابع له فيها» (^٣) فالإسناد إلى بهز صحيح، أما بهز وأبوه ليسا من شرط البخاري.\n\n<span data-type='title' id=toc-154>ب - كون الحديث موصولًا من رواية أخرى:</span>\nمن عادة الإمام البخاري في التعليق، أن يروي الحديث معلقًا تارة، وتارة موصولًا في صحيحه، وقد يكون موصولًا في غيره، وله في ذلك أغراض وفوائد شتى.\nمن ذلك: قال البخاري: «قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِاللهِ الأَنْصَارِيَّ، قَالَ، وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الوَحْيِ …» (^٤).\nقال الإمام الكرماني: «ومثل هذا أي ما لم يذكر من أول الإسناد واحدا أو\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١/ ٢١٨، والحديث أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب: الإيمان، باب: بَيَانِ أَنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ، رقم (٩٥) وهو من أفراد مسلم كما أشار الكرماني، ١/ ٢١٧، وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب عن: سهيل بن أبي صالح روى له البخاري مقرونا بغيره، ٤/ ٢٦٣.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الغسل، باب: مَنِ اغْتَسَلَ عُرْيَانًا وَحْدَهُ فِي الْخَلْوَةِ، وَمَنْ تَسَتَّرَ فَالتَّسَتُّرُ أَفْضَلُ.\n(^٣) الكواكب الدراري، ٣/ ١٤٠.\n(^٤) أخرجه البخاري، باب: كيف كان بدء الوحي، رقم (٣).","vol":"1","page":203},{"text":"أكثر، يسمّى تعليقًا ولا يذكره البخاري إلاّ إذا كان مسندًا عنده، إما بالإسناد المتقدّم كأنّه قال حدثنا يحي ابن بكير حدّثنا الليث عن عقيل أنّه قال ابن شهاب أو بإسناد آخر وقد ترك الإسناد ههنا لغرض من الأغراض المتعلقة بالتعليق لكون الحديث معروفا من جهة الثقات كونه مذكورا في مواضع أخر أو نحوه» (^١).\nومنه قال البخاري: «وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ أَخْبَرَتْنِي فَاطِمَةُ بِنْتُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ فَانْصَرَفَ …» (^٢) قال الكرماني: «قوله «قال أبو أسامة» أي حماد وههنا ذكره البخاري تعليقا وثمت ذكره مسندًا» (^٣).\nومن ذلك: «وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِصَاحِبِ الْقَبْرِ «كَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ». وَلَمْ يَذْكُرْ سِوَى بَوْلِ النَّاسِ» (^٤).\nقال الكرماني: «قوله: قال النبي ﷺ (هذا تعليق من البخاري وتقدم إسناده في الباب المتقدم عليه» (^٥).\nومنه قال أبو عبدالله البخاري: «وَيُذْكَرُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ أَجْنَبَ فِي لَيْلَةٍ\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١/ ٤١.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الخسوف، باب: قَوْلِ الْإِمَامِ فِي خُطْبَةِ الْكُسُوفِ أَمَّا بَعْدُ.\n(^٣) الكواكب الدراري، ٦/ ١٤٥، وقد أخرج البخاري الحديث مسندًا في ذات الكتاب، باب: الذِّكْرِ فِي الْكُسُوفِ، رقم (١٠٠٤).\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب: الوضوء، باب: مَا جَاءَ فِي غَسْلِ الْبَوْلِ.\n(^٥) الكواكب الدراري، ٣/ ٦٧.","vol":"1","page":204},{"text":"بَارِدَةٍ فَتَيَمَّمَ …» (^١) قال الكرماني: «ولفظ (يذكر) تعليق تمريض وأسنده أبو داود (^٢) وزاد فضحك رسول الله ﷺ من ذلك» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-155>ج - يعلق البخاري الحديث على حسب تلقي الراوي:</span>\nقد يروي الراوي الحديث مرة موصولًا، ومرة منقطعًا أو مرسلًا، فيذكر البخاري رواية الوصل، ورواية الانقطاع.\nمثاله قال البخاري: «وَقَالَ طَاوُسٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ أَعْطِيَا ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ أَعْطَيْنَا وَقَالَ الْمِنْهَالُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ إِنِّي أَجِدُ فِي الْقُرْآنِ أَشْيَاءَ … قَالَ أَبُو عَبْداللهِ حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ حَدَّثَنَا عُبَيْدُاللهِ بْنُ عَمْرٍو عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ الْمِنْهَالِ بِهَذَا» (^٤).\nقال الإمام الكرماني: «فإن قلت لم علق البخاري عنه أولًا وأسند آخرًا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: التيمم، باب: إِذَا خَافَ الْجُنُبُ عَلَى نَفْسِهِ الْمَرَضَ أَوِ الْمَوْتَ أَوْ خَافَ الْعَطَشَ، تَيَمَّمَ.\n(^٢) ورواية أبو داود هي: «عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السُّلَاسِلِ فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ فَتَيَمَّمْتُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟» فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي مَنَعَنِي مِنَ الِاغْتِسَالِ وَقُلْتُ إِنِّي سَمِعْتُ اللهَ يَقُولُ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا» أخرجه أبو داود، كتاب: الطهارة، باب: إذا خاف الجنب البرد تيمم، رقم (٣٣٤).\n(^٣) الكواكب الدراري، ٣/ ٢٢٩.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب: الإيمان، باب: سورة حم السَّجْدَةِ.","vol":"1","page":205},{"text":"قلت لعله سمع أولًا مرسلًا وآخرًا مسندًا فنقله كما سمعه» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-156>د - يعلق البخاري الحديث للاختلاف في صحته:</span>\nمثاله: قال أبو عبدالله البخاري: «وَكَانَ الْحَسَنُ لَا يَرَى لَهُ وِلَايَةً وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ وَيُذْكَرُ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ رَفَعَهُ قَالَ هُوَ …» (^٢).\nقال الكرماني: «واختلف أهل الحديث في صحته ولهذا ذكر البخاري في التعليق بصيغة التمريض» (^٣).\nبالإضافة إلى لفظ التمريض، قد يشير البخاري إلى وجود نظر في السند، مثاله قال البخاري: «وَيُذْكَرُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «يَزُرُّهُ وَلَوْ بِشَوْكَةٍ». فِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ …» (^٤).\nقال الكرماني: «قوله (ويذكر) هذا تعليق بصيغة التمريض ولذلك قال في إسناده نظر» (^٥).\n_________\n(^١) الكواكب الدراري ١٨٧٦.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الفرائض، بَاب: إِذَا أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ.\n(^٣) الكواكب الدراري، ٢٣/ ١٧٣.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتب: الصلاة، باب: وُجُوبِ الصَّلَاةِ فِي الثِّيَابِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ وَمَنْ صَلَّى مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِد.\n(^٥) الكواكب الدراري، ٤/ ١٠، وقد بين ابن حجر قول البخاري: (في إسناده نظر) فقال: «وقد وصله المصنف في تاريخه وأبو داود وابن خزيمة وابن حبان واللفظ له من طريق الدراوردي عن موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة عن سلمة ابن الأكوع قال قلت يا رسول الله إني رجل أتصيد أفأصلي في القميص الواحد قال نعم زره ولو بشوكة ورواه البخاري أيضا عن إسماعيل بن أبي أويس عن أبيه عن موسى بن إبراهيم عن أبيه عن سلمة زاد في الإسناد رجلا ورواه أيضا عن مالك بن إسماعيل عن عطاف بن خالد قال حدثنا موسى بن إبراهيم قال حدثنا سلمة فصرح بالتحديث بين موسى وسلمة فاحتمل أن يكون رواية أبي أويس من المزيد في متصل الأسانيد أو يكون التصريح في رواية عطاف وهما فهذا وجه النظر في إسناده» فتح الباري، ١/ ٤٦٤ - ٤٦٥.","vol":"1","page":206},{"text":"<span data-type='title' id=toc-157>هـ - التعليق بسبب نقل الحديث بالمعنى:</span>\nقال الحافظ ابن حجر: «لا يخص صيغة التمريض بضعف الإسناد، بل إذا ذكر المتن بالمعنى أو اختصره أتى بها أيضا لما علم من الخلاف في ذلك» (^١).\nمن ذلك قال الإمام البخاري: «باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ».» (^٢) قال الكرماني: «وهذا الحديث رواه معلقا وهو إما معنى الحديث الذي ذكره بعد الإسناد، فهو من باب نقل الحديث بالمعني، وإما أنه ثبت عنده بهذا اللفظ من طريق آخر» (^٣).\nومنه مارواه البخاري: «وَيُذْكَرُ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ فَرُمِيَ رَجُلٌ بِسَهْمٍ، فَنَزَفَهُ …» (^٤).\nقال الكرماني: «ويذكر هذا تعليق أيضا ولكنه بصيغة التمريض بخلاف\n_________\n(^١) فتح الباري، ١/ ١١١.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: العلم.\n(^٣) الكواكب الدراري، ٢/ ٢٧.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب: الوضوء، باب: مَنْ لَمْ يَرَ الْوُضُوءَ إِلاَّ مِنَ الْمَخْرَجَيْنِ، مِنَ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ.","vol":"1","page":207},{"text":"قال ونحوه فانه تعليق بصيغة التصحيح مجزوما به» (^١).\nوقد ذكر ابن حجر أن هذا التعليق صححه ابن خزيمة، وابن حبان والحاكم كلهم من طريق ابن إسحاق وشيخه صدقة ثقة، وعقيل لا أعرف راويا عنه غير صدقة ولهذا لم يجزم به المصنف أو لكونه اختصره أو للخلاف في ابن إسحاق» (^٢).\nإلا أن البدر العيني في عمدة القاري اعترض على كلام الكرماني وابن حجر فقال: «قلت: هذا أبعد من تعليل الكرماني، فإن كون الحديث مختصرا لايستلزم أن يذكر بصيغة التمريض، والصواب فيه أن يقال: لأجل الاختلاف في ابن إسحاق» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-158>٣ - بيان الفوائد من تعليقات البخاري:</span>\nإن لرواية البخاري للحديث المعلق في الصحيح لها فوائد شتى، يتجلى أهمها في بيان طرق الحديث، وذكر وبيان ما خفي من بعضها، فقد كان من صنيع البخاري أن جعل العلاقة وثيقة بين المعلقات والمتابعات، فمن هذه الفوائد:\n١ - فوائد متعلقة بالسند، ٢ فوائد متعلقة بالمتن.\n\n<span data-type='title' id=toc-159>١ - الفوائد المتعلقة بالسند وذلك من خلال:</span>\n<span data-type='title' id=toc-160>أ - تقوية الإسناد:</span>\nوذلك عن طريق بيان سماع الراوي من شيخه، إذا كان الراوي موصوفًا\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٢٥/ ١٧٩.\n(^٢) فتح الباري، ١/ ٢٨١.\n(^٣) / ٥٠.","vol":"1","page":208},{"text":"بالتدليس، وذلك عن طريق ورود التصريح بالسماع من طريق أخرى.\nمثاله: روى البخاري بسنده: «حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ ح وَحَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ … وَقَالَ مُوسَى حَدَّثَنَا أَبَانُ قَالَ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ مِثْلَهُ» (^١).\nقال الإمام الكرماني: «ولما روى قتادة أولا بلفظ عن وهو من المدلسين ذكر ثانيًا بلفظ قال أخبرنا الحسن إشعارًا على التصريح بسماعه من الحسن» (^٢).\nومنه: قال البخاري: «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو ابْنِ عَامِرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسًا ح قَالَ وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَامِرٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ. قُلْتُ كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ قَالَ يُجْزِئُ …» (^٣).\nقال الكرماني مبينا فوائد البخاري من ذكر السند الثاني: «أن سفيان من المدلسين والمدلس لا يحتج به الا أن يثبت سماعه من طريق آخر فذكر الطريق الثاني المصرح بالسماع فقال قال حدثني عمرو» (^٤).\nومن ذلك قال أبو عبدالله البخاري: «حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الغسل، باب: إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ، رقم (٢٨٩).\n(^٢) الكواكب الدراري، ٣/ ١٥٤.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: الوضوء، باب: الْوُضُوءِ مِنْ غَيْرِ حَدَثٍ، رقم (٢١٣).\n(^٤) الكواكب الدراري، ٣/ ٦٢.","vol":"1","page":209},{"text":"إِلاَّ اللهُ …» قَالَ أَبُو عَبْدِاللهِ قَالَ أَبَانُ حدّثَنا قَتَادَةُ حَدَّثَنَا أَنَسٌ …» (^١).\nقال الكرماني مبينًا فوائد هذا التعليق: «ذكر البخاري عنه تعليقًا أي أبان وهو أبو يزيد البصري العطار لعدم تلاقيهما وذكره متابعة لا تأصلًا، إما لضعفه أو لغيره، وإما لضعف شيخه ونحوه، … واعلم أن فيه فوائد. الأولى: ما في سائر المتابعات من التقوية والثانية: ما في ذكر الإيمان بدل الخير والثالثة بيان الاحتجاج به لأن قتادة مدلس (^٢) لا يحتج بعنعنته إلا إذا ثبت سماعه لذلك الذي عنعن وقد وقع في الرواية الأولى عنه وهي رواية هشام بالعنعنة حيث قال عن أنس فإذا ثبت من رواية أبان عنه التحديث والسماع إذ قال: حدثنا أنس علمنا اتصال عنعنته واحتججنا بها وعلى هذا يحمل ما في الصحيحين من هذا النوع» (^٣).\nأي أن الرواية الأولى جاء فيها: «حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ» وجاء في التعليق من رواية أبان التصريح بالسماع، بقوله: «حدّثَنا قَتَادَةُ حَدَّثَنَا أَنَسٌ».\nومثله: قال البخاري في كتاب: مواقيت الصلاة «دَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ وَمُوسَى\nابْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَا حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا … وَقَالَ حَبَّانُ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ حَدَّثَنَا أَنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الإيمان، باب: زِيَادَةِ الإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ. رقم (٤٢).\n(^٢) ينظر: تهذيب التهذيب، ٨/ ٣٥١، وميزان الاعتدال، ٣/ ٣٨٥.\n(^٣) الكواكب الدراري، ١/ ١٧٤.\n(^٤) أخرجه البخاري، باب: مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا وَلَا يُعِيدُ إِلاَّ تِلْكَ الصَّلَاةَ، رقم (٥٧٤).","vol":"1","page":210},{"text":"قال الكرماني: «والظاهر أنه تعليق أي قول حبان وذكره البخارى لأن قتادة من المدلسين وروى أولا عنه بلفظ عن أنس فأراد أن يقويه بالرواية عنه بلفظ حدثنا أنس» (^١).\nومن ذلك قال البخاري: «حَدَّثَنَا عَلِيٌّ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ. أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَبْصَرَ نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ فَحَكَّهَا بِحَصَاةٍ … وَعَنِ الزُّهْرِيِّ سَمِعَ حُمَيْدًا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ نَحْوَهُ» (^٢).\nقال الكرماني: «وعن الزهري تعليق وغرضه منه بيان أن الزهري رواه بطريق السماع أيضًا كما روى معنعنًا في الإسناد الأول» (^٣).\nومنه روى البخاري: «حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ … وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ سَمِعَ أَنَسًا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ» (^٤).\nقال الكرماني: «ولما كان قتادة مدلسا قوي الإسناد الأول بهذا حيث قال سمع أنسا إذ فيه التصريح بسماعه» (^٥).\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٤/ ٢٣٣.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الصلاة، باب: ليبصق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى، رقم (٤٠٦).\n(^٣) الكواكب الدراري، ٤/ ٧٣.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب: الزكاة، بَاب: إِذَا تَحَوَّلَتْ الصَّدَقَةُ، رقم (١٤٠٩).\n(^٥) الكواكب الدراري، ٨/ ٣٩.","vol":"1","page":211},{"text":"ومن ذلك ما رواه البخاري: «حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ سَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ … وقَالَ لِي خَلِيفَةُ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ وَمُعْتَمِرٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا وَقَالَ عَائِذًا بِاللهِ مِنْ شَرِّ الْفِتَنِ» (^١).\nقال الكرماني مبينًا فائدة التعليق: «وحيث قال البخاري قال فلان فيه إشارة إلى أنه أخذه مذاكرة لا تحديثا وتحميلا وأراد بذكره ههنا التصريح بسماع سعيد عن قتادة عن أنس» (^٢).\nإذًا إيراد البخاري للمعلق بالأمثلة السابقة من أجل إثبات سماع قتادة الموصوف بالتدليس ولا تذهب عنه هذه الصفة إلا بإثبات السماع.\nوقد يكون التعليق من أجل بيان متابعة الراوي، والإشارة إلى الفرق\nبين الألفاظ، ومثاله ما رواه البخاري: «حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ أَخْبَرَنَا النَّضْر قَالَ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ ذَكْوَانَ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَرْسَلَ … تَابَعَهُ وَهْبٌ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. قَالَ أَبُو عَبْدِاللهِ وَلَمْ يَقُلْ غُنْدَرٌ وَيَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ الْوُضُوءُ» (^٣).\nقال الكرماني: «ولفظ لم يقل كلام البخاري، وهو تعليق قطعًا لأنه لم يدركهما وغرضه أنهما يتابعان أيضًا في هذا الإسناد عن شعبة لكنهما لم يذكرا لفظ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الفتن، بَاب: التَّعَوُّذِ مِنْ الْفِتَنِ، رقم (٦٦٦٣).\n(^٢) الكواكب الدراري، ٢٤/ ١٦٧.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: الوضوء، باب: مَنْ لَمْ يَرَ الْوُضُوءَ إِلاَّ مِنَ الْمَخْرَجَيْنِ، مِنَ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ، رقم (١٧٩).","vol":"1","page":212},{"text":"الوضوء، قالا فعليك فقط بحذف المبتدأ، وجاز ذلك لقيام القرينة عليه والمقدر عند القرينة كالملفوظ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-161>ب - بيان طرق الحديث ومافيها من فوائد إسنادية:</span>\nمن المعلوم أن ورود طرق أخرى للحديث ولوتعليقًا يزيل إشكالات كثيرة عنه في السند والمتن معًا.\nمن ذلك بيان اسم الراوي الذي أُبهم، قال البخاري: «حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ وَإِسْمَاعِيلَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ …».\nوقَالَ أَبُو عَبْدِاللهِ وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ حَدَّثَنَا دَاوُدُ عَنْ عَامِرٍ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَاللهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ».\nوَقَالَ عَبْدُ الأَعْلَى عَنْ دَاوُدَ عَنْ عَامِرٍ عَنْ عَبْدِاللهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ» (^٢).\nبيّن الكرماني أن:\nروايته عن أبي معاوية على سبيل التعليق لأنه لم يدركه لذلك لم يقل حدثنا أو أخبرنا، وقد ساقه للمتابعة والتقوية.\nوراعى أيضًا دقيقة حيث قال في طريق أبي معاوية: سمعت عبدالله وفي طريق عبد الأعلى عن عبدالله إشعارًا بالفرق بينهما ولا يخفى أن الأول أولى.\n_________\n(^١) الكوكب الدراري، ٣/ ٢٠.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الإيمان، باب: الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، رقم (٩).","vol":"1","page":213},{"text":"واعلم أن عامرًا في التعليقين هو الشعبي المذكور، كما أن عبدالله فيهما هو عبدالله بن عمرو المذكور» (^١).\nفبين في التعليق الثاني أن عبدالله الذي أُبهم في رواية عبد الأعلى هو عبدالله ابن عمروٍ الذي بُيّن في رواية أبي معاوية (^٢).\nكما أزالت رواية التعليق الأولى، والثانية الخلاف في اسم الشعبي وقد يُظن أنه غير المقصود إذ ورد اسمه بالرواية الأولى المسندة الموصولة ب (الشعبي) وورد في الأخريين أنه: (عامر) فعرف أنه عامر الشعبي لا سواه.\n\n<span data-type='title' id=toc-162>٢ - الفوائد المتعلقة بالمتن وذلك من خلال:</span>\n<span data-type='title' id=toc-163>١ - بيان حقيقة الأمر من فعل النبي ﷺ</span>-:\nمثاله:\nقال البخاري: في باب مَا جَاءَ فِي الْوُضُوءِ: «وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ قَالَ أَبُو عَبْدِاللهِ وَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ فَرْضَ الْوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً وَتَوَضَّأَ أَيْضًا مَرَّتَيْنِ وَثَلَاثًا، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ثَلَاثٍ …» (^٣).\nقال الإمام الكرماني: (قوله: أبو عبدالله، أي البخاري وبيّن النبي ﷺ وكذا وتوضأ، كلاهما تعليق منه وكان غرضه من لفظ وبيّن الإشارة إلى أن الأمر\n_________\n(^١) الكواكب الدراري ببعض التصرف، ١/ ٩٠.\n(^٢) عمدة القاري، ١/ ١٣٤.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: الوضوء.","vol":"1","page":214},{"text":"من حيث هو لإيجاد حقيقة المشي المأمور به، لا مقتضيا للمرة ولا للتكرار محتملا لهما، فبيّن النبي ﷺ أن المراد منه المرة حيث غسل مرة واحدة واكتفى بها؛ إذ لو لم يكن الغرض إلا مرة واحدة لو يجز الاجتزاء بها، والغرض من وتوضأ مرتين وثلاثا الإشارة إلى أن الزيادة عليها مندوب، إليها لأن فعل رسول الله ﷺ يدل على الندب غالبا، إذ لم يكن دليل على الوجوب لكونه بيانا للواجب مثلا» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-164>٢ - إزالة شك الراوي في لفظ الحديث:</span>\nمن ذلك: قال البخاري: «حَدَّثنا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَمْرِو ابْنِ يَحْيَى المَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: يَدْخُلُ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ … فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الحَيَا، أَوِ الحَيَاةِ، شَكَّ مَالِكٌ … قَالَ وُهَيْبٌ: حَدَّثنا عَمْرٌو: الحَيَاةِ» (^٢) أي شك مالك هل هي: (الحيا) أم (الحياة)؟\nقال الكرماني مبينا رواية التعليق لإزالة شك مالك: «ذكره البخاري على سبيل التعليق لأنه لم يدركه ومعناه: قال وهيب حدثنا عمرو عن أبيه عن أبي سعيد بهذا الحديث، وقال فيه نهر الحياة بالهاء، ولم يشك كما شك مالك، وقال بدل من إيمان من خير والمراد من الخير الإيمان إذ هو أصل الخيور ولا خير أعظم منه ويجوز أن يقرأ الحياة بالجر على الحكاية عن لفظ الحديث» (^٣).\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٢/ ١٦٩.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الإيمان، بابُ: تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِيمَانِ فِي الأَعْمَالِ، رقم (٢١).\n(^٣) الكواكب الدراري، ١/ ١١٦.","vol":"1","page":215},{"text":"<span data-type='title' id=toc-165>٣ - تفسير كلمات من متن الحديث:</span>\nفي ذات الحديث بين الكرماني فوائد التعليق من تفسير للكلمات فقال:\n«قَالَ أَبُو عَبْدِاللهِ قَالَ أَبَانُ حدّثَنا قَتَادَةُ حَدَّثَنَا أَنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «مِنْ إِيمَانٍ». مَكَانَ «مِنْ خَيْرٍ»» (^١).\nقال الكرماني: «والثانية أي الفائدة ما في ذكر الإيمان بدل الخير» (^٢).\nوقال في موضع آخر: «وقال بدل من إيمان من خير والمراد من الخير الإيمان إذ هو أصل الخيور ولا خير أعظم منه» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-166>٤ - وصل التعاليق، وتخريجها:</span>\nتخريج الحديث المعلق عند البخاري ووصله، له أهمية كبرى في دفع اعتراض المعترضين، ونقد الناقدين، وقد وصل ابن حجر تعليقات البخاري، في كتابه: (تغليق التعليق)، وكان من جهود الإمام الكرماني ﵀ في شرحه يبيّن في بعض الأحيان أماكن وصل المعلقات وتواجدها.\nمن ذلك يبيّن تعليق البخاري مسندًا وموصولًا من الصحيح.\nمثاله:\nما أخرجه البخاري، في كتاب التوحيد: «وَقَالَ خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ\nحَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ حَدَّثَنِي عَبْدُاللهِ بْنُ دِينَارٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الإيمان، باب: زِيَادَةِ الإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ (٤٢).\n(^٢) الكواكب الدراري، ١/ ١٧٦.\n(^٣) المرجع السابق، ١/ ١١٧.","vol":"1","page":216},{"text":"رَسُولُ اللهِ ﷺ مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ …» (^١).\nقال الكرماني: «وهذا التعليق تقدم في أول الزكاة مسندا، لكن ليس فيه لفظ يصعد قال ثمة لا يقبل الله إلا الطيب نعم هو بعينه مسند في صحيح مسلم (^٢)» (^٣).\nومن ذلك يبين تعليق البخاري مسندًا وموصولًا من غير الصحيح:\nقال البخاري: «وَيُذْكَرُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ أَجْنَبَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فَتَيَمَّمَ …) (^٤).\nقال الكرماني: «ولفظ (يُذكر) تعليق تمريض أي لأنه لم يروه بصيغة الجزم وأسنده أبو داود وزاد فضحك رسول الله ﷺ من ذلك» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري: بَاب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾، رقم (٦٩٧٩).\n(^٢) أخرجه مسلم، كتاب: الزكاة، باب: قَبُولِ الصَّدَقَةِ مِنَ الْكَسْبِ الطَّيِّبِ وَتَرْبِيَتِهَا، رقم (٦٣).\n(^٣) الكواكب الدراري، ٢٥/ ١٣٦.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب: التيمم، باب: إِذَا خَافَ الْجُنُبُ عَلَى نَفْسِهِ الْمَرَضَ أَوِ الْمَوْتَ أَوْ خَافَ الْعَطَشَ، تَيَمَّمَ.\n(^٥) الكواكب الدراري، ٣/ ٢٢٩، ورواية أبي داود هي: «عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السُّلَاسِلِ فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ فَتَيَمَّمْتُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟» فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي مَنَعَنِي مِنَ الِاغْتِسَالِ وَقُلْتُ إِنِّي سَمِعْتُ اللهَ يَقُولُ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا» أخرجه أبو داود، كتاب: الطهارة، باب: إذا خاف الجنب البرد تيمم، رقم (٣٣٤).","vol":"1","page":217},{"text":"وتارة يشير إلى بعض الروايات الموصولة من دون الإشارة إلى أماكن تواجدها من ذلك: قال أبو عبدالله البخاري في باب العلم قبل القول والعمل: «قَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ فَبَدَأَ بِالْعِلْمِ، وَأَنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ وَرَّثُوا الْعِلْمَ مَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ بِهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ» (^١).\nقال الكرماني: «ومن لفظ وأن العلماء إلى ههنا أي إلى لفظ (الجنة) (^٢) ثبت عن النبي ﷺ وذكره البخاري تعليقا لأنه ليس بشرطه» (^٣).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-167>المبحث السادس\nالإجابة على الأحاديث المنتقدة على البخاري</span>\n<span data-type='title' id=toc-168>تمهيد:</span>\nمن المعلوم والمشهور أن صحيح الإمام أبي عبدالله البخاري أصح الكتب\n_________\n(^١) أخرجه البخاي، كتاب: العلم.\n(^٢) أخرجه مسلم، كتاب: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، بَابُ: فَضْلِ الِاجْتِمَاعِ عَلَى تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَعَلَى الذِّكْرِ، رقم (٢٦٩٩)، بلفظ بدايته: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا …» والترمذي، في أبواب العلم، بَابُ: فَضْلِ طَلَبِ العِلْمِ، رقم (٢٦٤٦)، والإمام أحمد في مسند أبي هريرة، رقم (٨٣١٦)، وابن حبان في كتاب: العلم، باب: ذِكْرُ تَسْهِيلِ اللهِ جَلَّ: وَعَلَا طَرِيقَ الْجَنَّةِ عَلَى مَنْ يَسْلُكُ فِي الدُّنْيَا طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا، بزيادة لفظ: «وَمَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» رقم (٨٤).\n(^٣) الكواكب الدراري: ٢/ ٣٠.","vol":"1","page":218},{"text":"بعد كتاب الله ﷿، لما عُلم من اشتراط البخاري الصحة في كتابه، ومن دلالة اسم الكتاب «الجامع الصحيح المُسند من حديث رسول الله ﷺ وسننه وأيامه» (^١) وموافقة مضمون الكتاب للتسمية.\nومن خلال الاطلاع على سيرة الإمام البخاري الذاتية، وما فيها من قوّة حفظه، وشدة ذكائه، وسعة اطلاعه، وثناء العلماء عليه … نجد أن شخصية كالبخاري مؤهلة لإخراج كتاب يضم بين دفتيه ما صح عن رسول الله ﷺ، وهذا بشهادة العلماء المنصفين، وتلقي الأمة له بالقبول.\n«فليس (صحيح البخاري) جهدًا لشخص واحد دون أي إعانة من علماء عصره من شيوخه وأقرانه، بل يكاد يكون جهدًا جماعيَّا.\nوقد نصَّ أحد قدماء المحدّثين على هذا المنهج الذي كان يتّبعه المحدثون لنقْدِ السنة، فقد قال أبو عبدالله الحاكم في أثناء كلامه عن شروط الحكم على الحديث بالصحّة: «وليس لهذا النوع من العلم عونٌ أكثر من مذاكرة أهل الفهم والمعرفة، ليظهر ما يَخْفَى من علّة الحديث»».\n«وقال أبو جعفر محمد (^٢) بن عمرو العقيلي (^٣) لما ألف البخاري كتاب\n_________\n(^١) هدي الساري، ص ٨.\n(^٢) في نسخة فتح الباري، محمود، بدل محمد، والواقع أنه محمد بن عمرو بن موسى بن حماد.، ولعله من الأخطاء المطبعية.\n(^٣) أبو جعفر، محمد بن عمرو بن موسى بن حماد، العقيلي الحجازي، الإمام الحافظ الناقد، كان العقيلي جليل القدر، عظيم الخطر، وكان كثير التصانيف، عالم بالحديث، مُقدم بالحفظ، له مصنفات كثيرة، من أشهرها، كتاب: الضعفاء، (ت ٣٢٢ هـ)، سير أعلام النبلاء، ٨/ ١٥٧.","vol":"1","page":219},{"text":"الصحيح عرضه على أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلى بن المديني وغيرهم، فاستحسنوه وشهدوا له بالصحة الا في أربعة أحاديث قال العقيلي والقول فيها قول البخاري وهي صحيحة» (^١).\nقال الإمام ابن الصلاح: «القول بأن ما انفرد به البخاري أو مسلم مندرج في قبيل ما يقطع بصحته؛ لتلقي الأمة كل واحد من كتابيهما بالقبول على الوجه الذي فصلناه من حالهما فيما سبق، سوى أحرف يسيرة تكلم عليها بعض أهل النقد من الحفاظ؛ كالدارقطني وغيره، وهي معروفة عند أهل هذا الشأن، والله أعلم» (^٢).\nهذا وقد استدرك بعض العلماء على البخاري ومسلم، أحاديث حكموا عليها بالضعف، ومن هؤلاء العلماء أبو الحسن علي الدارقطني، في كتاب أسماه: «الإلزامات والتتبع» وهو من أوسع الكتب في هذا الموضوع، ومنهم أبو علي الجياني الغسّاني (^٣) في كتابه: «تقييد المهمل، وتمييز المشكل»، وأبو مسعود\n_________\n(^١) الجواب عن طعون في صحيح البخاري، أ. د. الشريف حاتم العوني، ص ٩، ويُنظر قول أبي جعفر العقيلي في هدي الساري، ص ٧، وينظر قول الحاكم، في معرفة علوم الحديث، ص ٥٩.\n(^٢) معرفة علوم الحديث، ابن الصلاح، ص ٢٩.\n(^٣) الحسين بن محمد بن أحمد الغساني الجياني الأندلسي المحدث كان إماما في الحديث والأدب، كان حسن الخط جيد الضبط وله معرفة بالغريب والشعر والنسب، له: تقييد المهمل وتمييز المشكل، (ت ٤٩٨ هـ)، ينظر: الوافي بالوفيات، ١٣/ ٢١.","vol":"1","page":220},{"text":"إبراهيم الدمشقي، في كتابه: «أطراف الصحيحين».\nوالجامع في منهج نقد هؤلاء الأئمة للصحيحين، أنهم اجتهدوا فأخطأوا، لأنهم بنوا طعنهم ونقدهم على قواعد لبعض المحدثين، تخالف جمهورهم من أهل الفقه والأصول، والأدلة (^١).\nوقد بلغ عدد الأحاديث المنتقدة على الصحيحين مئتان وعشرة أحاديث، اشترك البخاري ومسلم في اثنين وثلاثين منها، وانفرد البخاري بثمانية وسبعين حديثًا، ومئة حديث لمسلم (^٢).\nوقد تناول العلماء نقد الدارقطني وغيره بالرد والتفنيد، وقد عقد الإمام ابن حجر العسقلاني في هدي الساري فصلًا في الرد على المنتقدين، قال في أوله: «ينبغي لكل منصف أن يعلم أن هذه الأحاديث وإن كان أكثرها لا يقدح في أصل موضوع الكتاب فإن جميعها وارد من جهة أخرى» (^٣).\nوقال في موضع آخر: «وليست كلها قادحة بل أكثرها الجواب عنه ظاهر والقدح فيه مندفع وبعضها الجواب عنه محتمل واليسير منه في الجواب عنه تعسف» (^٤).\nوقال السخاوي: «وتكفل شيخنا يقصد ابن حجر في مقدمة شرح البخاري بما يخصه منه، والنووي في شرح مسلم بما يخصه منه، فكان فيهما مع\n_________\n(^١) ينظر: شرح صحيح البخاري، للنووي، ص ١١.\n(^٢) هدي الساري، ص ٥٠٦.\n(^٣) هدي الساري، ص ٥٠٥.\n(^٤) هدي الساري، ٥٤٧.","vol":"1","page":221},{"text":"تكلف في بعضه إجزاء في الجملة» (^١).\nهذا وإن أكثر الأحاديث المُنتَقدة على البخاري غالبا ما تتعلق بعلوم السند، وأكثرها من مباحث علم العلل، كالاختلاف في عدد الرواة، أو تغيّرهم، والاختلاف في وقف الحديث ورفعه، ووصله وإرساله …\nوقد قسّم الإمام ابن حجر ﵀ الأحاديث المنتقدة إلى أقسام (^٢):\nالقسم الأول:\nماتختلف فيه الرواة بالزيادة والنقص، من رجال الإسناد، فإن حصلت الزيادة من صاحب المصنف وانتُقد عليها، فإن هذا مردود لأن الراوي قد يكون سمع بواسطة عن شيخه، وقد يكون سمع عنه مباشرة، وإن كان لم يسمعه من الطريق الناقصة فهو منقطع والمنقطع من أنواع الضعيف.\nوإن أخرج صاحب الصحيح الطريق الناقصة، وعلله الناقد بالطريق المزيدة، تضمن اعتراضه دعوى انقطاع فيما صححه المصنف، فينظر إن كان ذلك الراوي صحابيا، أو ثقة غير مدلس قد أدرك من روى عنه إدراكًا بيّنا أو صرّح بالسماع إن كان مدلسًا من طريق أخرى، فإن وجد ذلك اندفع الاعتراض بذلك، وإن لم يوجد وكان الانقطاع فيه ظاهرا فمحصل الجواب: عن صاحب الصحيح أنه إنما أُخرج مثل ذلك في باب ماله متابع وعاضد، أو ما حفته قرينة في الجملة تقويه، ويكون التصحيح وقع من حيث المجموع وربما علل بعض النقاد أحاديث ادعى فيها الانقطاع؛ لكونها غير مسموعة كما في الأحاديث المروية\n_________\n(^١) فتح المغيث، ١/ ٧٤.\n(^٢) هدي الساري، ٥٠٦ - ٥٠٨.","vol":"1","page":222},{"text":"بالمكاتبة والإجازة، وهذا لا يلزم منه الانقطاع عند من يسوّغ الرواية\nبالإجازة، بل في تخريج صاحب الصحيح لمثل ذلك دليل على صحة الرواية بالإجازة عنده.\nالقسم الثاني:\nما تختلف الرواة فيه بتغيير رجال بعض الإسناد.\nفالجواب عنه إن أمكن الجمع بأن يكون الحديث عند ذلك الراوي على الوجهين جميعا، فأخرجهما المصنف، ولم يقتصر على أحدهما، حيث يكون المختلفون في ذلك متعادلين في الحفظ والعدد، وإن أمتنع بأن يكون المختلفون غير متعادلين بل متقاربين في الحفظ والعدد فيُخرّج المصنف الطريق الراجحة ويعرض عن الطريق المرجوحة أو يشير إليها فالتعليل بجميع ذلك من أجل مجرد الاختلاف غير قادح؛ إذ لا يلزم من مجرد الاختلاف اضطراب يوجب الضعف فينبغي الإعراض أيضا عما هذا سبيله والله أعلم.\nالقسم الثالث:\nما تفرد بعض الرواة بزيادة فيه دون من هو أكثر عددا أو أضبط ممن لم يذكرها، فهذا لا يؤثر التعليل به إلا إن كانت الزيادة منافية؛ بحيث يتعذر الجمع، أمّا إن كانت الزيادة لا منافاة فيها؛ بحيث تكون كالحديث المستقل، فلا إلا إن وضّح بالدلائل القوية أن تلك الزيادة مدرجة في المتن من كلام بعض رواته فما كان من هذا القسم فهو مؤثر.\nالقسم الرابع:\nما تفرد به بعض الرواة ممن ضعف من الرواة، وليس في هذا الصحيح من","vol":"1","page":223},{"text":"هذا القبيل غير حديثين وهما السابع والثلاثون والثالث والأربعون (^١).\nالقسم الخامس:\nما حكم فيه بالوهم على بعض رجاله فمنه ما يؤثر ذلك الوهم قدحا ومنه ما لا يؤثر.\nالقسم السادس:\nما اختلف فيه بتغيير بعض ألفاظ المتن، فهذا أكثره لا يترتب عليه قدح؛ لإمكان الجمع في المختلف من ذلك، أو الترجيح على أن الدارقطني وغيره من أئمة النقد لم يتعرضوا لاستيفاء ذلك من الكتابين، كما تعرضوا لذلك في الإسناد (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-169>موقف الإمام الكرماني من الأحاديث المنتقدة على البخاري:</span>\nلم يشر الكرماني في مقدمة شرحه إلى الأحاديث المنتقدة على البخاري، وإنما أشار إلى إزالة اللبس والإشكال عن ما يخص السند والمتن بشكل عام، إلا أنه في بعض الأحيان يشير إلى الحديث المُنتَقد، مما استدركه الدارقطني على البخاري، ويرد عليه ردًا موجزًا مختصرًا، وفي كثير من الأحايين لا يذكر الانتقاد على الحديث ولا يشير إليه، وذلك إما للاختصار، وإما لعدم قناعته بالانتقادات التي وُجهت للبخاري، وإما لانشغاله في الشرح بموضوعات أخرى في علم السند والمتن (^٣).\n_________\n(^١) هدي الساري: ص ٥٠٧.\n(^٢) السابق: ص (٥٠٥ - ٥٠٨).\n(^٣) هذا وقد أتيت بأمثلة عن بعض انتقادات وطعون العلماء على البخاري ورد الكرماني عليها في أماكن أخرى مثل: التنبيه على مزيد في متصل الأسانيد، وعند الكلام عن تكرار الحديث لتقوية سند الحديث، والكلام عن الإسناد العالي والنازل.","vol":"1","page":224},{"text":"وسأذكر أقسام الإمام ابن حجر ﵀ في الطعون على البخاري، مع الإتيان بالأمثلة من ردود الكرماني إن وُجدت.\n\n*<span data-type='title' id=toc-170> القسم الأول ما تختلف الرواة فيه بالزيادة والنقص من رجال الإسناد:</span>\nوهذا النوع يخص الانقطاع في السند، وقد عرّف الكرماني الحديث المنقطع بأصله العام: «ما لم يتصل إسناده على أي وجه كان» (^١) على هذا يندرج تحته كل سند حصل فيه انقطاع، وهذا رأي ابن عبد البر فقال في تعريفه: «المنقطع عندي كل مالايتصل سواء كان يعزى إلى النبي ﷺ أو إلى غيره» (^٢).\nوقال في موضع آخر يبين فيه تعريف المنقطع المعتمد عند المحدثين: «هو أن يسقط من الإسناد رجل أو يُذكر فيه رجل مبهم» (^٣).\nوقال العلماء في تعريفه: «هو الحديث الذي سقط من رواته راو واحد قبل الصحابي في موضع واحد أو موضع متعددة، بحيث لا يزيد الساقط في كل منها على واحد وألا يكون الساقط في أول السند» (^٤).\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١/ ١٦٧.\n(^٢) التمهيد، ابن عبد البر، ١/ ٢١.\n(^٣) الكواكب الدراري، ٢٣/ ١٧١، ونقل تعريف الخطيب في تعريف المنقطع: «ما روى عن التابعي فمن دونه موقوفا عليه من قوله أو فعله»، الكفاية في علم الرواية، ص ٢١، ويُقارن بين قول ابن كثير في الباعث الحثيث، ص ٥٠، وتعريف الكرماني.\n(^٤) منهج النقد، ٣٦٦ - ٣٦٧، وينظر: نزهة النظر، ص ٨٤، المقنع لابن الملقن، ١/ ١٤١.","vol":"1","page":225},{"text":"ومن أمثلة الانتقادات على البخاري بسبب الانقطاع، ما أخرجه في صحيحه: «وحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُاللهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ\nقَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِاللهِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَلَّمَا يُرِيدُ غَزْوَةً يَغْزُوهَا إِلَّا وَرَّى بِغَيْرِهَا حَتَّى كَانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكَ …» (^١).\nقال الكرماني: «وقال الدارقطني (^٢) هذا الإسناد مرسل ولم يلتفت أي الدارقطني إلى قول عبد الرحمن بن عبدالله إلى ما قال سمعت كعبًا لأنه عنده وهم، وقال محمد بن يحي الذهلي في «علل حديث الزهري» سمع الزهري من عبد الرحمن بن كعب ومن عبد الرحمن ابن عبدالله بن كعب قال ولا أظن أن عبد الرحمن سمع من جده كعب شيئًا وإنما سمع من أبيه عبدالله.\nوأقول لو كان بدل «ابن» كلمة «عن» لصح الاتصال لأن عبد الرحمن سمع من أبيه عبدالله وهو من كعب وكذا لو حذف عبدالله من البين» (^٣).\nوقال بعض العلماء أن عبد الرحمن روى بعض الحديث عن جده كعب فلم يُثبّته لطول الحديث، ولصغر سن عبدالرحمن، وروى الحديث بأكمله عن أبيه وثبّته بعد أن كبُر سِنّه (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الجهاد والسير، باب: مَنْ أَرَادَ غَزْوَةً فَوَرَّى بِغَيْرِهَا وَمَنْ أَحَبَّ الْخُرُوجَ يَوْمَ الْخَمِيسِ، رقم (٢٧٥٠).\n(^٢) الإلزامات والتتبع، ص ٢٤٢.\n(^٣) الكواكب الدراري، ١٢/ ١٩٢ - ١٩٢.\n(^٤) هدي الساري، ص ٥٢٥، والتوضيح شرح الجامع الصحيح لابن الملقن، ١٨/ ٤٩ - ٥٠.","vol":"1","page":226},{"text":"ومنه: أخرج البخاري بسنده «حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ هُوَ الْفَزَارِيُّ عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسًا ﵁ يَقُولُ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى ابْنَةِ مِلْحَانَ فَاتَّكَأَ عِنْدَهَا ثُمَّ ضَحِكَ …» (^١).\nقال الكرماني ناقلًا عن الغساني: «قال الغساني: قال أبو مسعود الدمشقي: سقط بين أبي إسحاق وعبدالله زائدة بن قدامة، أقول: هذا تحكم بلا دليل كيف وقد ثبت سماعه من عبدالله والله أعلم» (^٢).\nقال العلائي في جامع التحصيل: «وذكر أبو بكر بن مردويه الحافظ أنه لم يسمع من أبي طوالة وأن الصواب ما رواه المسيب بن واضح عن أبي إسحاق الفزاري عن زائدة عن أبي طوالة قلت: وفي ذلك نظر لما تقدم أن البخاري لا يكتفي بمجرد إمكان اللقاء وأبو إسحاق الفزاري ليس بمدلس والله أعلم» (^٣).\nوبين الحافظ ابن حجر نقد أبي مسعود وما أشكل عليه فيه فقال: «وسبب الوهم: من أبي مسعود أن معاوية بن عمرو رواه أيضا عن زائدة عن أبي طوالة، فظن أبو مسعود أنه عند معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق عن زائدة وليس كذلك بل هو عنده عن أبي إسحاق وزائدة معا جمعهما تارة وفرقهما أخرى» (^٤).\nومن ذلك: أخرج البخاري في صحيحه: «حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الجهاد والسير، بَاب: غَزْوِ الْمَرْأَةِ فِي الْبَحْرِ، رقم (٢٦٨١).\n(^٢) الكواكب الدراري، ١٢/ ١٥١.\n(^٣) ص ١٤٠، وينظر تحفة التحصيل، ص ١٧.\n(^٤) فتح الباري، ٦/ ٧٧.","vol":"1","page":227},{"text":"أَخْبَرَنَا هِشَامٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ وَقَالَ عَطَاءٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ صَارَتْ الْأَوْثَانُ الَّتِي كَانَتْ فِي قَوْمِ نُوحٍ فِي الْعَرَبِ بَعْدُ أَمَّا وَدٌّ كَانَتْ لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الْجَنْدَلِ …» (^١).\nقال الكرماني معرفًا بالراوي عطاء ناقلًا عن الغساني: «هو الخراساني أي لا ابن أبي رباح، ولا ابن يسار، وقال ابن جريج: أخذه من كتاب عطاء لا من السماع منه» (^٢).\nوالحاصل في هذا السند: أن عطاء الخُراساني، لم يثبت له سماع من عبدالله ابن عباس ﵄، بالإضافة أنه ضعيف يخالف شرط البخاري (^٣) وأن ابن\nجُريج أخذ الكتاب من أبيه فنظر فيه، ولم يسمع الحديث من عطاء، كما قال الغسّاني (^٤).\nقال ابن حجر: «أخرج عبد الرزاق هذا الحديث في تفسيره عن ابن جريج فقال أخبرني عطاء الخرساني عن ابن عباس وقال أبو مسعود ثبت هذا الحديث في تفسير ابن جريج عن عطاء الخرساني عن بن عباس وابن جريج لم يسمع التفسير من عطاء الخرساني وإنما أخذه من ابنه عثمان بن عطاء فنظر فيه … وقال الإسماعيلي أخبرت عن علي بن المديني أنه ذكر عن تفسير ابن جريج كلاما معناه أنه كان يقول عن عطاء الخرساني عن ابن عباس فطال على الوراق أن يكتب\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: التفسير، باب: سورة إِنَّا أَرْسَلْنَا، رقم (٤٥٩٩).\n(^٢) الكواكب الدراري، ١٨/ ١٦٦.\n(^٣) المغني في الضعفاء، ٢/ ٤٣٤.\n(^٤) ينظر جامع التحصيل، ص ٢٢٩.","vol":"1","page":228},{"text":"الخرساني في كل حديث فتركه فرواه من روى علي أنه عطاء بن أبي رباح» (^١).\nوالبخاري ساق رواية ابن جريج مرة ثانية في كتاب: الطلاق، بَاب نِكَاحِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الْمُشْرِكَاتِ وَعِدَّتِهِنَّ، «حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامٌ\nعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ وَقَالَ عَطَاءٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى مَنْزِلَتَيْنِ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ …» (^٢).\nلكن البدر العيني رجح توهم البخاري من ظنه أن عطاءً الراوي عن ابن عباس عطاء بن أبي رباح فقال «فسبحان من لا يخفى عليه شيء» (^٣).\nوالتمس ابن حجر العذر للبخاري فقال: «وهذا مما استعظم على البخاري أن يخفى عليه، لكن الذي قوي عندي أن هذا الحديث بخصوصه عند ابن جريج عن عطاء الخرساني، وعن عطاء بن أبي رباح جميعا ولا يلزم من امتناع عطاء بن أبي رباح من التحديث بالتفسير أن لا يحدث بهذا الحديث في باب آخر من الأبواب، أو في المذاكرة وإلا فكيف يخفى على البخاري ذلك مع تشدده في شرط الاتصال واعتماده غالبا في العلل على علي بن المديني شيخه، وهو الذي نبه على هذه القصة» (^٤).\nوقال في موضع آخر: «فيحتمل أن يكون هذان الحديثان عن عطاء بن أبي\n_________\n(^١) فتح الباري، ٨/ ٦٦٨.\n(^٢) صحيح البخاري، رقم (٤٩٥٣).\n(^٣) عمدة القاري، ١٩/ ٤٣٩، وينظر: البدر العيني وجهوده في علوم الحديث واللغة، د. هند محمود سحلول، ص ٤٥٠ - ٤٥٣.\n(^٤) فتح الباري، ٨/ ٦٦٦ - ٦٦٧.","vol":"1","page":229},{"text":"رباح وعطاء الخرساني جميعا والله أعلم، فهذا جواب إقناعي وهذا عندي من المواضع العقيمة عن الجواب السديد ولا بد للجواد من كبوة والله المستعان» (^١).\nومن ذلك أخرج البخاري في كتاب: الغسل «حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ يَحْيَى وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ الْجُهَنِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَقَالَ أَرَأَيْتَ إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَلَمْ يُمْنِ. قَالَ عُثْمَانُ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ. قَالَ عُثْمَانُ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ. فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ وَطَلْحَةَ ابْنَ عُبَيْدِاللهِ وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ ﵄ فَأَمَرُوهُ بِذَلِكَ. قَالَ يَحْيَى وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ» (^٢).\nنقل ابن حجر عن ابن العربي (^٣) أن في الحديث ثلاث علل:\nالأولى: عدم سماع الحسين بن ذكوان المعلم من يحي، وإنما جاء عن حسين.\nالثانية: خولف حسين فيه عن يحيى، فرواه مرة مرفوعًا ومرة موقوفًا.\nالثالثة: خولف أبو سلمة فيه أيضًا فرواه زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن زيد بن خالد موقوفا عن جماعة من الصحابة.\n_________\n(^١) هدي الساري، ٥٣٩ - ٥٤٠.\n(^٢) أخرجه البخاري، باب: غَسْلِ مَا يُصِيبُ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ، رقم (٢٩٠).\n(^٣) القاضي أبو بكر محمد بن عبدالله بن محمد: المعروف بابن العربي الإشبيلي الإِمام الحافظ المتبحر، بقي يفتي أربعين سنة، له تآليف تدل على غزارة علمه وفضله منها عارضة الأحوذي في شرح الترمذي، وترتيب المسالك في شرح موطأ مالك، وغيرها، (ت ٤٥٣ هـ)، ينظر: شجرة النور الزكية في طبقات المالكية، ١/ ١٩٩.","vol":"1","page":230},{"text":"والجواب عن الأولى أن ابن خزيمة والسراج والإسماعيلي وغيرهم رووا الحديث من طريق حسين المعلم، وصرحوا فيه بالإخبار ولفظ السراج بسنده إلى حسين أخبرنا يحيى بن أبي كثير أن أبا سلمة حدثه …\nوأما الجواب عن الثانية والثالثة فالتعليل المذكور بهما غير قادح لأن رواية حسين مشتملة على الرفع والوقف معا فإذا اشتمل غيرهما على الموقوف فقط كانت هي مشتملة على زيادة لا تنافي الرواية الأخرى فتقبل من الحفاظ وهو كذلك فتبين أن التعليل بذلك ليس بقادح (^١).\nقلت: وقد أخرج مسلم الحديث في صحيحه: «وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ ح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ابْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ وَاللَّفْظُ لَهُ حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ ذَكْوَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ الْجُهَنِيَّ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، قَالَ: قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ، وَلَمْ يُمْنِ؟ قَالَ عُثْمَانُ: «يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ» قَالَ عُثْمَانُ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ» (^٢).\nمع الملاحظة أن مسلمًا قال: عن يحيى بن كثير، ولفظ البخاري: قال يحيى.\nوأما الإمام الكرماني أجاب إجابة مختصرة عن العلة الأولى فقال: «قال يحيى (وأخبرني) بالواو. فإن قلت أخبرني مقول قال وهو مفعول حقيقة، فكيف جاز دخول الواو بينهما. قلت: إشعارًا بأنه من جملة ما سمع منه كأنه قال أخبرني\n_________\n(^١) هدي الساري، ص ٥١١، وعلل الدار قطني، ٣/ ٣٢.\n(^٢) أخرجه مسلم في كتاب: الحيض، باب: الماء من الماء، رقم (٣٤٧).","vol":"1","page":231},{"text":"بكذا وكذا وأخبرني بهذا فهو للعطف على مقدر» (^١).\nومن الأحاديث التي أعلها الدارقطني بالانقطاع، ما أخرجه البخاري: «حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ كُنَّا مَعَ عُتْبَةَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَا يُلْبَسُ الْحَرِيرُ فِي الدُّنْيَا إِلَّا لَمْ يُلْبَسْ فِي الْآخِرَةِ مِنْهُ» (^٢).\nقال الكرماني ناقلًا عن النووي الرد على الدارقطني: (هذا مما استدركه الدارقطني علي البخاري: وقال أي الدارقطني لم يسمعه أبو عثمان من عمر بل أخبر من كتابه، وهذا الاستدراك باطل فإن الصحيح جواز العمل بالكتاب، وروايته عنه وذلك معدود عندهم في المفضل وكان رسول الله ﷺ يكتب إلى امرأته وعماله، ويفعلون بما فيها وكتب عمر إليه وفي الجيش خلائق من الصحابة فدل على حصول الاتفاق منهم» (^٣).\nولعل الدارقطني رجع عن استدراكه هذا، قال ابن حجر: «وقد نبه الدارقطني على أن هذا الحديث أصل في جواز الرواية بالكتابة عند الشيخين قال ذلك بعد أن استدركه عليهما وفي ذلك رجوع منه عن الاستدراك عليهما والله أعلم» (^٤).\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٣/ ١٥٤.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: اللباس، بَاب: لُبْسِ الْحَرِيرِ وَافْتِرَاشِهِ لِلرِّجَالِ وَقَدْرِ مَا يَجُوزُ مِنْهُ، رقم (٥٤٥٦).\n(^٣) الكواكب الدراري، ٢١/ ٧٩، وينظر قول النووي في شرحه على مسلم، ١٤/ ٤٥.\n(^٤) فتح الباري/ ١٠/ ٢٨٦.","vol":"1","page":232},{"text":"*<span data-type='title' id=toc-171> القسم الثاني ماتختلف الرواة فيه بتغيّر رجال بعض الإسناد:</span>\nمن المعروف عند العلماء أن الرواة لا يكونوا على درجة واحدة في الحفظ والإتقان، (منهم من يعتمد الكتاب في الرواية، ومنهم من يروي الحديث بالمعنى، ومنهم من يرويه بنصه ومنهم من يرويه مختصرا، ومنهم من يعتمد على ذاكرته … حيث أن المواهب الطبيعية متفاوتة لذلك قد يقع منهم تغيير وتبديل في بعض رجال السند، وخصوصًا إذا كثر الرواة في مجالس الحديث) (^١).\nفإن وقع هذا يُشعر بعدم ضبط الرواة، وبالتالي يطعن في الحديث، وذلك بشرط أن يكون مخرج الحديث واحد، لأنه إن تعدد مخرج الحديث يتغير رجال الإسناد بعضهم أو كلهم، قال ابن معين: «لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجها ما عقلناه» (^٢).\nوإذا ما عرفنا المخالفة: «هي أن يروي الرواة عن شيخهم حديثًا ما، فيقع بينهم تغاير في سياق إسناده أو متنه.\nوسبب هذا التغاير في بعض الأحيان، كثرة طرق هذا الحديث واتساع الشيخ في الرواية، وأحيانًا يكون سببه الوهم والغلط، على أن يكون مخرج الحديث واحدًا» (^٣).\nفالاختلاف في السند والمتن معًا، ويمكننا أن نقسم الاختلاف على ضربين:\n_________\n(^١) ينظر الحديث المعلول، قواعد وضوابط، د. حمزة المليباري، ص ٢٤.\n(^٢) الجامع لأخلاق الراوي، ٢/ ٢١٢.\n(^٣) منهج الإمام البخاري، أبو بكر كافي، ص ٢٥٩.","vol":"1","page":233},{"text":"الأول: اختلاف الرواة في السند: وهو أن يختلف الرواة في سند ما زيادة أو نقصانا، بحذف راو، أو إضافته، أو تغيير اسم، أو اختلاف بوصل وإرسال، أو اتصال وانقطاع، أو اختلاف في الجمع والإفراد.\nالثاني: اختلاف الرواة في المتن: (^١) زيادة ونقصانا، أو رفعا ووقفا (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-172>أولًا اختلاف الرواة في سند الحديث:</span>\nمن هذا القبيل قد يُختلف في سند الحديث بين الرفع والوقف، أو الوصل والإرسال.\n\n<span data-type='title' id=toc-173>١ - الاختلاف بين الرفع والوقف:</span>\nقد يحصل خلاف في حديث ما فيرويه بعضهم مرفوعًا إلى النبي ﷺ، وبعضهم يرويه موقوفًا على الصحابي، فإذا وقع هذا فإن العلماء قالوا:\nالرأي الأول: الحكم لرواية الرفع لأنها رواية مُثبت، وغيره ساكت، وفيها زيادة علم، والمُثبت مقدم على النافي، وهذا القول قول النووي والعراقي، وهو المُرجح عند أهل الحديث، وهو قول أهل الفقه والأصول (^٣).\nالرأي الثاني: الحكم لمن وقفه، نقله الخطيب عن أكثر أهل الحديث (^٤).\n_________\n(^١) سيأتي الكلام عنه، في القسم السادس، على حسب تقسيم ابن حجر ﵀.\n(^٢) أثر اختلاف المتون والأسانيد في اختلاف الفقهاء، د. ماهر ياسين الفحل، ص ١٠.\n(^٣) علوم الحديث، ابن الصلاح، ١/ ١٧٧، وشرح النووي على مسلم، ١٤/ ٤٨، وفتح المغيث، ١/ ٢١٩.\n(^٤) فتح المغيث، ١/ ٢١٩.","vol":"1","page":234},{"text":"الرأي الثالث: أصحاب هذا الرأي قالوا أن الترجيح يدور مع القرينة، وهي رواية الأكثر، وهو المعتمد عند المتأخرين من المحققين (^١) فإذا وقف الحديث أكثر الرواة ورفعه واحد يؤخذ بقول من وقفه، لاحتمال أن الغلط وارد ممن رفعه.\nومن عادة الإمام البخاري رحمه الله تعالى إيراد أحاديث مرفوعة، ورُويت موقوفة، وهذا من صنعته الحديثية، وهذا ما انتُقد عليه البخاري، ومن هذه الأحاديث التي اختُلف فيها بين الرفع والوقف:\nقال محمد بن إسماعيل البخاري: «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَفِي يَمَنِنَا قَالَ قَالُوا وَفِي نَجْدِنَا قَالَ قَالَ اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَفِي يَمَنِنَا …» (^٢).\nفهذه الرواية موقوفة على الصحابي الجليل ابن عمر ﵁.\nوأخرجها البخاري في كتاب الفتن موصولة بقوله: «حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِاللهِ حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَا …» (^٣).\nقال الكرماني مختصرًا الإجابة عن رواية الرفع وناقلًا عن النسفي: «قال\n_________\n(^١) فتح المغيث، ١/ ٢١٩، وتوضيح الأفكار، ١/ ٣١٢.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الاستسقاء، بَاب: مَا قِيلَ فِي الزَّلَازِلِ وَالْآيَاتِ، رقم (٩٨٤).\n(^٣) أخرجه البخاري، بَاب: قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ الْفِتْنَةُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ، رقم (٦٦٦٦).","vol":"1","page":235},{"text":"النسفي: قال أبو عبدالله هذا الحديث مرفوع إلى النبي ﷺ إلا أن ابن عون كان يوقفه» (^١).\nفيميل الكرماني إلى القول بترجيح رواية الرفع على الوقف، وإن الوقف كان من ابن عون، وقال البدر العيني: «قال الحميدي: اختلف على ابن عون فيه، فروى عنه مسندا، وروى عنه موقوفا على ابن عمر من قوله، والخلاف إنما وقع من حسين بن الحسن فإنه هو الذي روى الوقف، وأما أزهر السمان وعبيدالله بن عبدالله بن عون فروياه عن ابن عون فروياه عن ابن عون عن نافع عن ابن عمر: أن النبي ﷺ … فذكره، وفي رواية: ذكر النبي ﷺ، وذكر الحديث وقال ابن التين: قال الشيخ أبو الحسن: سقط من سنده ابن عمر عن النبي ﷺ، وهذا لفظ النبي ﷺ، لأن مثل هذا لا يدري بالرأي» (^٢).\nفترجح القول برواية الرفع وذلك للقرينة في ذلك وهي أن مثل هذا الكلام لا يُقال بمجرد الرأي، بل لابد أن يكون من كلام النبي ﷺ، وقد رجح ابن حجر كذلك رواية الرفع لهذه القرينة (^٣).\nومن الأحاديث التي اختُلف فيها بين الوقف والرفع، ما أخرجه البخاري في كتاب المغازي: «حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيِّ عَنِ الْقَاسِمِ ابْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٦/ ١٢٤.\n(^٢) عمدة القاري، ٧/ ٥٨.\n(^٣) فتح الباري، ٢/ ٥٢٢.","vol":"1","page":236},{"text":"قَالَ يَقُومُ الإِمَامُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ …» (^١).\nهذه الرواية موقوفة على سهل بن أبي حَثْمة، وساق البخاري بعدها رواية مرفوعة إلى النبي ﷺ «حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ\nابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ عَنِ\nالنَّبِيِّ ﷺ» (^٢).\nوقد بين الكرماني أن اعتماد البخاري على الرواية الثانية فقال: «فإن قلت هذا مرسل أي الرواية الأولى قلت: لاشك أنه من مراسيل التابعي ظاهرًا لكنه يحتمل أن يكون نوعًا من الاعتماد على الإسناد الذي بعده» (^٣).\nوقال ابن رجب الحنبلي مبينا سبب الإشكال في هذا الحديث: «حاصل الاختلاف في إسناد هذا الحديث الذي خرجه البخاري هاهنا: أن يزيد بن رومان رواه عن صالح بن خوات، عمن شهد النبي ﷺ يوم ذات الرقاع، ولم يسمه.\nورواه القاسم بن محمد، عن صالح بن خوات، عن سهل بن أبي حثمة، واختلف عليه في رفعه ووقفه: فرواه يحيى بن سعيد الأنصاري، عن القاسم، فوقفه على سهل.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: المغازي، باب: غَزْوَةُ ذَاتِ الرِّقَاعِ، رقم (٣٨٦٥).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: المغازي، باب: غَزْوَةُ ذَاتِ الرِّقَاعِ، رقم (٣٨٦٦).\n(^٣) الكواكب الدراري، ١٦/ ٤٤.","vol":"1","page":237},{"text":"وقد خرجه البخاري هاهنا من طريق يحيى القطان وابن أبي حازم، عن يحيى الأنصاري.\nكذلك رواه شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، فرفعه إلى النبي ﷺ.\nقال الإمام أحمد: رفعه عبد الرحمن، ويحيى لم يرفعه. ثم قالَ: حسبك.\nبعبد الرحمن، هو ثقة ثقة ثقة. قيل له: فرواه عن عبد الرحمن غير شعبة؟ قالَ: ما علمت.\nثم قال: قد رواه يزيد بن رومان، عن صالح بن خوات، عمن صلى مع النبي ﷺ، فهذا يشد ذاك، يريد: أنه يقوي رفعه» (^١).\nوقال الترمذي: «وحديث سهل بن أبي حثمة هو حديث حسن، وهو مرفوع رفعه شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-174>٢ - الاختلاف بين الوصل والإرسال:</span>\nكما هو الحال في وقوع الاختلاف في رفع الرواية ووقفها، يقع في وصلها وإرسالها، وقد وردت أحاديث في صحيح البخاري، اختُلف فيها بين الوصل والإرسال، وهذا ما يجعل الحديث معلولًا، وقد تتبع الدارقطني هذه الأحاديث وغيره من العلماء.\nوقد وقع الخلاف بين العلماء إذا رُوي الحديث مرة موصولًا ومرة مُرسلًا.\nالقول الأول: رجح جماعة من العلماء رواية الوصل على رواية الإرسال؛\n_________\n(^١) فتح الباري لابن رجب الحنبلي، ٨/ ٣٧٩.\n(^٢) علل الترمذي الكبير، ص ٩٨.","vol":"1","page":238},{"text":"لأنها من قبيل زيادة الثقة، قال الخطيب البغدادي: «الحكم للمسِنِد إذا كان ثابت العدالة ضابطا للرواية، فيجب قبول خبره، ويلزم العمل به، وإن خالفه غيره، وسواء كان المخالف له واحدا أو جماعة، وهذا القول هو الصحيح عندنا، لأن إرسال الراوي للحديث ليس بجرح لمن وصله، ولا تكذيب له، ولعله أيضا مسند عند الذين رووه مرسلا أو عند بعضهم، إلا أنهم أرسلوه لغرض أو نسيان، والناسي لا يقضى له على الذاكر، وكذلك حال راوي الخبر إذا أرسله مرة ووصله أخرى، لا يضعف ذلك أيضا، لأنه قد ينسى فيرسله ثم يذكر بعده فيسنده، أو يفعل الأمرين معا عن قصد منه لغرض له فيه» (^١).\nووافق ابن الصلاح الخطيب في هذا الرأي، وقال: «ما صححه أي الخطيب هو الصحيح في الفقه والأصول» (^٢).\nهذا فيما إذا كان الحديث رواه بعض الرواة موصولًا، ورواه آخرون مرسلًا، أما إذا كان الذي أرسل ووصل هو ذات الراوي، فقال بعض العلماء هو كالحكم السابق بترجيح رواية الوصل على الإرسال وهو قول ابن الصلاح كذلك والبرماوي.\nوذهب جماعة من العلماء إلى القول أن هذا يُدخل الريبة في المروي، وعدوا ذلك من قبيل الاضطراب في السند (^٣).\n_________\n(^١) الكفاية في علم الرواية، ص ٤١١.\n(^٢) علوم الحديث، ص ٧٢.\n(^٣) ينظر: توضيح الأفكار، ١/ ٣٠٨.","vol":"1","page":239},{"text":"القول الثاني: ترجيح رواية الإرسال:\nينسب هذا القول لأكثر أهل الحديث كما عزاه إليهم الخطيب (^١).\nوقال السخاوي: «فسلوك غير الجادة دال على مزيد التحفظ، كما أشار إليه النسائي. وقيل: إن الإرسال نوع قدح في الحديث، فترجيحه وتقديمه من قبيل تقديم الجرح على التعديل» (^٢).\nالقول الثالث: الحكم للأكثر:\nفإن كان عدد الذي وصلوه أكثر من الذين أرسلوه فيحكم عليه بالوصل، والعكس صحيح، لأن قول الواحد يُخشى عليه الوهم والغلط، فيصار للأكثر (^٣).\nالقول الرابع: الحكم للأحفظ:\nإذا أرسله الأحفظ فهو مرسل، وإن وصله الأحفظ فهو موصول، قال ابن رجب الحنبلي ﵀: «قال ابن رجب وكلام أحمد وغيره من الحفاظ إنما يدور على اعتبار قول الأوثق في ذلك والأحفظ أيضا» (^٤).\nالقول الخامس: التماثل بين الروايتين ووجوب التوقف:\nقال ابن حجر: «المختلفون إما يكونوا متماثلين في الحفظ والإتقان أم\n_________\n(^١) الكفاية، ص ٤١١.\n(^٢) فتح المغيث، السخاوي، ١/ ٢١٥.\n(^٣) ينظر المدخل إلى الإكليل، الحاكم، ص ١٢، وفتح المغيث، ١/ ٢١٦، توضيح الأفكار، ١/ ٣١١.\n(^٤) شرح علل الترمذي، ١/ ٢٢٠. والنكت على كتاب ابن الصلاح، ٢/ ٧٧٩.","vol":"1","page":240},{"text":"لافالمتماثلون إما يكون عددهم من الجانبين سواء أو لا، فإن استوى عددهم مع استواء أوصافهم وجب التوقف حتى يترجح أحد الطريقين بقرينة من القرائن فمتى اعتضدت إحدى الطريقين بشيءمن وجوه الترجيح حكم لها» (^١).\nوكان من منهج الكرماني في شرحه أنه يشير إلى الوصل والإرسال في الرويات، من دون تفصيل وكأنه يكتفي بصنعة البخاري ومقصده من إيراد الروايات المتنوعة.\nومن الأمثلة على ذلك قال البخاري: «حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ حَيَّانَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ. قَالَ «تَعْبُدُ اللهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ». قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا. فَلَمَّا وَلَّى قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا» (^٢) أورد البخاري هذه الرواية الموصولة ثم أتبعها بالمرسلة بقوله: «حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي حَيَّانَ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو زُرْعَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا» (^٣).\nعلق الكرماني فقال: «وهذا الطريق مرسل لأن أبا زرعة تابعي لا صحابي\n_________\n(^١) النكت على ابن الصلاح، ٢/ ٧٧٨.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الزكاة، باب: وُجُوبِ الزَّكَاةِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ رقم (١٣١٨).\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: الزكاة، باب: وُجُوبِ الزَّكَاةِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ رقم (١٣١٩).","vol":"1","page":241},{"text":"فليس له أن يقول عن النبي ﷺ إلا بطريق الإرسال» (^١).\nومن ذلك: «حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ بَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا أَبُو إِسْرَائِيلَ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلَا يَقْعُدَ وَلَا يَسْتَظِلَّ وَلَا يَتَكَلَّمَ وَيَصُومَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ وَلْيُتِمَّ صَوْمَه هذه الرواية من طرق موصولة، ثم أردفها البخاري برواية مرسلة فقال: «قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ» (^٢).\nاكتفى الكرماني بالقول أن الرواية مرسلة، لأن عكرمة تابعي وليس صحابي (^٣).\nومنه قال البخاري: «حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ عَمَّنْ شَهِدَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ …» (^٤).\nبين الكرماني أن هذا الإسناد من مراسيل التابعين، ولكنه علل صنيع البخاري بالاعتماد على الرواية الموصولة بعده (^٥) والرواية التالية هي: «حَدَّثَنَا\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٧/ ١٧٠.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الأيمان والنذور، بَاب: مَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ أَيَّامًا فَوَافَقَ النَّحْرَ أَوْ الْفِطْرَ، رقم (٦٣٠٢).\n(^٣) الكواكب الدراري، ٢٣/ ١٣٦.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب: المغازي، باب: غَزْوَةُ ذَاتِ الرِّقَاعِ، رقم (٣٨٦٤).\n(^٥) الكواكب الدراري، ١٦/ ٤٤.","vol":"1","page":242},{"text":"مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيِّ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ يَقُومُ الإِمَامُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ …» (^١).\nوهناك من الأحاديث التي تختلف في زيادة رواة الحديث ونقصهم، وروايتهم للحديث على أوجه مختلفة مما يوهم الاضطراب.\nومن ذلك روى البخاري حديث جابر بن عبدالله ﵁: «حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُاللهِ أَخْبَرَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ ابْنِ مَالِكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ يَقُولُ «أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ». فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ\nإِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ وَقَالَ «أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ». وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ. وَأَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ ﵄ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ لِقَتْلَى أُحُدٍ «أَيُّ هَؤُلَاءِ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ». فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى رَجُلٍ قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ قَبْلَ صَاحِبِهِ. وَقَالَ جَابِرٌ فَكُفِّنَ أَبِي وَعَمِّي فِي نَمِرَةٍ وَاحِدَةٍ وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ حَدَّثَنَا مَنْ سَمِعَ جَابِرًا ﵁» (^٢).\nأعلّ الدار قطني هذا الحديث بأنه مضطرب، وذلك بسبب الزياة والنقص في رواة الحديث، وقد رواه بن المبارك عن الأوزاعي عن الزهري مرسلا عن جابر ورواه معمر عن الزهري عن ابن أبي صغيرة عن جابر ورواه سليمان بن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: المغازي، باب: غَزْوَةُ ذَاتِ الرِّقَاعِ، رقم، رقم (٣٨٦٥).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الجنائز، باب: من يقدم في اللحد، رقم (١٢٦٩).","vol":"1","page":243},{"text":"كثير عن الزهري حدثني من سمع جابرا وهو حديث مضطرب (^١).\nبيّن الكرماني فائدة إيراد الطرق، وأنها لم تغب عن بال البخاري فقال: «واعلم أن الفرق بين هذه الطرق أن الليث ذكر عبد الرحمن واسطة بين الزهري وجابر والأوزاعي لم يذكر الواسطة بينهما وسليمان ذكر واسطة مجهولًا» (^٢).\nوقد رد ابن حجر على من انتقد هذا الحديث بقوله:\nإمكانية نفي الاضطراب عنه بأنه يُفسر المبهم من سمع جابرًا الذي في رواية سليمان بالمسمى الذي في رواية الليث، تُحمل رواية معمر على أن الزهري سمعه من شيخين، ورواية الأوزاعي المرسلة قصر فيها بحذف الواسطة فهذه طريقة من ينفي الاضطراب عنه.\nثم بيّن ابن حجر سبب إيراد البخاري للروايات وتوجيهها.\nوسبب إخراج البخاري لرواية الأوزاعي مع انقطاعها، لأن الحديث عنده عن عبدالله بن المبارك عن الليث والأوزاعي جميعا، عن الزهري فأسقط الأوزاعي عبد الرحمن بن كعب وأثبته الليث وهما في الزهري سواء، وقد صرحا جميعا بسماعهما له منه فقبلت زيادة الليث لثقته.\nوأراد من رواية سليمان بن كثير عن الزهري … إثبات الواسطة بين الزهري وبين جابر فيه في الجملة وتأكيد رواية الليث بذلك ولم يرها علة توجب اضطرابا … أما رواية معمر وافقه عليها سفيان بن عيينة فرواه عن الزهري عن\n_________\n(^١) هدي الساري، ص ٥١٦، ببعض التصرف.\n(^٢) الكواكب الدراري، ٧/ ١٢٢.","vol":"1","page":244},{"text":"ابن أبي صغيرة وقال ثبتني فيه معمر فرجعت روايته إلى رواية معمر (^١).\nفالخلاصة أن السبيل في معرفة الروايات وطرقها:\nهوالتتبع، واستيعاب كل الروايات، مع ما فيها من قرائن وأدلة.\n\n*<span data-type='title' id=toc-176> القسم الثالث ما تفرد بعض الرواة بزيادة فيه دون من هو أكثر عددا أو أضبط ممن لم يذكرها:</span>\nمثاله:\nقال البخاري: «حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُاللهِ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصًا مِنْ مَمْلُوكِهِ فَعَلَيْهِ خَلَاصُهُ فِي مَالِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ قُوِّمَ الْمَمْلُوكُ قِيمَةَ عَدْلٍ ثُمَّ اسْتُسْعِيَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ» (^٢).\nقال الكرماني ناقلًا نقد الدارقطني للحديث: «روى هذا الحديث شعبة وهشام عن قتادة وهما أثبت ولم يذكرا فيه الاستسعاء، ووافقهما همام ففصل الاستسعاء من الحديث وجعله من رأي قتادة (^٣) ثم نقل الكرماني قول العلماء في ذكر من روى السعاية ممن لم يروها، وقال ابن عبد البر الذين لم يذكروا السعاية أثبت ممن ذكرها (^٤) ..........................................\n_________\n(^١) هدي الساري، ٥١٦ - ٥١٧.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الشركة، بَاب: تَقْوِيمِ الْأَشْيَاءِ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ بِقِيمَةِ عَدْلٍ، رقم (٢٣٢٩).\n(^٣) الالزامات والتتبع، ١٤٨ - ١٤٩.\n(^٤) التمهيد، ١٤/ ١٧٣ - ١٧٤، والاستذكار، ٧/ ٣١٣.","vol":"1","page":245},{"text":"وعن الخطابي (^١): بيّن همام أن ذكر السعاية إنما هو من قتادة وقال ابن المنذر هذا الكلام من فتيا قتادة ليس من نفس الحديث (^٢).\nوقد أخرج البخاري الحديث في موضع آخر: «حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ أَبِي رَجَاءٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ سَمِعْتُ قَتَادَةَ قَالَ حَدَّثَنِي النَّضْرُ بْنُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصًا مِنْ عَبْدٍ …».\n«حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبًا أَوْ شَقِيصًا فِي مَمْلُوكٍ فَخَلَاصُهُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَإِلَّا قُوِّمَ عَلَيْهِ فَاسْتُسْعِيَ بِهِ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ.\nتَابَعَهُ حَجَّاجُ بْنُ حَجَّاجٍ وَأَبَانُ وَمُوسَى بْنُ خَلَفٍ عَنْ قَتَادَةَ اخْتَصَرَهُ شُعْبَةُ» (^٣).\nقال الكرماني ناقلًا أقوال علماء آخرين وهذا من نوادره أن يتكلم عمن نقد الحديث ويكرره في موضع آخر فقال: «قال الأصيلي وابن العطار وغيرهما: من أسقط السعاية من الحديث، أولى ممن ذكرها لأنها ليست في الأحاديث الأخر من رواية ابن عمر، وروى الحديث شعبة وهشام عن قتادة ولم يذكرا فيه\n_________\n(^١) أعلام الحديث شرح الجامع الصحيح، ٢/ ١٢٥٣.\n(^٢) الكواكب الدراري، ١١/ ٥٨.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: العتق، باب: إِذَا أَعْتَقَ نَصِيبًا فِي عَبْدٍ وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ اسْتُسْعِيَ الْعَبْدُ غَيْرَ، رقم (٢٣٦٠).","vol":"1","page":246},{"text":"الاستسعاء (^١) وأما همام فقد فصل الاستسعاء من الحديث وجعله من رأي قتادة» (^٢).\nفالحاصل من أقوال العلماء في هذا الحديث:\nمن أسقط السعاية من الحديث أولى ممن ذكرها، لأنهم رجحوا أنها مدرجة في سياق المتن وليست منه، ولأنها لم ترد في الروايات الأخرى، وهي من رأي قتادة وفتياه …\n«وقدروى هذا الحديث شعبة وهشام وهما أثبت الناس في قتادة فلم يذكرا في الحديث الاستسعاء، مع موافقة همام لهما» (^٣).\nإلا أن الإمام الترمذي رجح كلا الروايتين، بتصريح الإمام البخاري، «وسألت محمدا عن هذا الحديث، يعني حديث السعاية، فقلت أي الروايتين أصح فقال: الحديثان جميعا صحيحان والمعنى فيه قائم وذكر فيه عامتهم عن قتادة «السعاية» إلا شعبة وكأنه قوى حديث سعيد بن أبي عروبة في أمره بالسعاية» (^٤).\nورجح الدكتور نور الدين عتر: «فأشار أي: البخاري إلى ترجيح رواية الزيادة لتقويتها بالمتابعات وعدم منافاة رواية شعبة لها، لأن رواية شعبة\n_________\n(^١) استسعى أي استكسب غير مشدد عليه في الاكتساب أي يكلف العبد بتحصيل قيمة نصيب الشريك الآخر بلا تشديد فإذا دفعها إليه عتق، الكواكب الدراري، ١١/ ٥٨.\n(^٢) الكواكب الدراري، ١١/ ٨٠.\n(^٣) هدي الساري، ص ٥٢٣.\n(^٤) العلل، ص ٢٠٤.","vol":"1","page":247},{"text":"من قبيل اختصار الحديث» (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-177> القسم الرابع: ما تفرد به بعض الرواة ممن ضُعّف من الرواة:</span>\nذكر ابن حجر أنه ليس في الصحيحين من هذا القبيل غير حديثين (^٢).\nالحديث الأول:\nحديث «أُبَيُّ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي حَائِطِنَا فَرَسٌ يُقَالُ لَهُ اللُّحَيْفُ قَالَ أَبُو عَبْداللهِ وَقَالَ بَعْضُهُمُ اللُّخَيْفُ» (^٣).\nلم يذكر الكرماني الرد على طعن العلماء في هذين الحديثين، إلا أنه أشار إلى أُبَي بن عباس ابن سعد الساعدي الأنصاري أنه ليس لأُبَي في الجامع غير هذا الحديث (^٤) وأُبَي قال عنه العلماء أنه ضعيف (^٥).\n_________\n(^١) من تعليقه على هذه المسألة في شرح علل الترمذي ١/ ٤٢٣.\n(^٢) هدي الساري، ٥٠٧.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: الجهاد والسير، باب: اسْمِ الْفَرَسِ وَالْحِمَارِ، رقم (٢٦٥٩).\n(^٤) الكواكب الدراري، ١٢/ ١٣٩.\n(^٥) ديوان الضعفاء، ١/ ٢٣، وميزان الاعتدال، ١/ ٢٠٨، وقال العلامة بشار عواد معروف عن أُبي بن عباس بعد أن ذكر من ضعّفه: (وقد قواه أبو الحسن الدارقطني، وخرّج الحاكم حديثه في «المستدرك»، وذكره ابنُ حِبَّان البستي في «الثقات» في طبقة التابعين لروايته عن جده سهل وأبي الطفيل عامر بن واثلة ﵁، وَقَال الإمام الذهبي في «الميزان»: أبي وإن لم يكن بالثبت فهو حسن الحديث، وأخوه عبد المهيمن واه. ولذلك ذكره في كتابه «من تكلم فيه وهو موثق»، وذكره ابن سعد بن الطبقة السادسة من أهل المدينة وَقَال: وأمه جمال بنت جعدة بن مالك … من بني سليم «ولم يذكر فيه جرحا أو تعديلا» من تعليقه على تهذيب الكمال في أسماء الرجال، ٢/ ٢٥٩.","vol":"1","page":248},{"text":"الحديث الثاني:\n(حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ ابْنَ الْخَطَّابِ ﵁ اسْتَعْمَلَ مَوْلًى لَهُ يُدْعَى هُنَيًّا عَلَى الْحِمَى فَقَالَ يَا هُنَيُّ اضْمُمْ جَنَاحَكَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ …» (^١).\n\n*<span data-type='title' id=toc-178> القسم الخامس ما حُكم فيه بالوهم على بعض رجاله:</span>\nوالوهم: الوَهْمُ: من خَطَراتِ القَلْبِ، أو مَرْجُوحُ طَرَفَيِ المُتَرَدَّدِ فيه جمع: أوهامٌ، وللقلب وهم. وتوهم الشيء: تخيله وتمثله، كان في الوجود أو لم يكن (^٢).\nومن جملة الانتقادات التي وُجهت لصحيح الإمام البخاري، أنه أخرج في صحيحه لرواة، وصفهم أهل الجرح والتعديل: «بالوهم»، وبعضهم: «بالغلط» مما يؤثر في صفة الضبط التي هي ركيزة أساسية يرتكز عليها الحديث الصحيح، إلا أن الحافظ ابن حجر فصّل الأمر فقال:\n«وأما الغلط فتارة يكثر من الراوي وتارة يقل، فحيث يوصف بكونه كثير الغلط ينظر: فيما أخرج له إن وجد مرويًا عنده أو عند غيره من رواية غير هذا الموصوف بالغلط، عُلِم أن المعتمد أصل الحديث، لا خصوص هذه الطريق وإن لم يوجد إلا من طريقه فهذا قادح يوجب التوقف عن الحكم بصحة ما هذا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الجهاد والسير، باب: إِذَا أَسْلَمَ قَوْمٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَهُمْ مَالٌ وَأَرَضُونَ فَهِيَ لَهُمْ، رقم (٢٨٥٠).\n(^٢) ينظر: لسان العرب، ابن منظور، مادة، وهم، ١٢/ ٦٦٤.","vol":"1","page":249},{"text":"سبيله، وليس في الصحيح بحمد الله من ذلك شيء وحيث يوصف بقلة الغلط كما يقال سيء الحفظ أوله أو اهام أوله مناكير وغير ذلك من العبارات فالحكم فيه كالحكم في الذي قبله» (^١).\nمثاله:\nأخرج البخاري بسنده: «حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ يَحْيَى وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ الْجُهَنِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَقَالَ أَرَأَيْتَ إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَلَمْ يُمْنِ، قَالَ عُثْمَانُ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ. قَالَ عُثْمَانُ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ. فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ وَطَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِاللهِ وَأُبَيَّ ابْنَ كَعْبٍ ﵄ فَأَمَرُوهُ بِذَلِكَ قَالَ يَحْيَى وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ» (^٢).\nأعل الدارقطني هذا الحديث بالوهم «لأن أبا أيوب لم يسمع هذا من رسول الله ﷺ، وإنما سمعه من أبي بن كعب، عن النبي ﷺ. قال ذلك هشام ابن عروة: عن أبيه، عن أبي أيوب، عن أبي بن كعب» (^٣).\nإلا أن الكرماني بيّن أن الوهم مدفع بالرواية الثانية، التي ساقها البخاري مباشرة عقب الأولى وهي: «عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ\n_________\n(^١) هدي الساري، ص ٥٤٩.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الغسل، باب: غَسْلِ مَا يُصِيبُ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ، رقم (٢٩٠).\n(^٣) العلل، الدارقطني، ٣/ ٣٢.","vol":"1","page":250},{"text":"أَخْبَرني أَبُو أَيُّوبَ قَالَ أَخْبَرَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ …» (^١).\nفقال: «فإن قلت: أبو أيوب في هذا الطريق أي الأولى يروي عن رسول الله ﷺ بواسطة أُبَي، وفيما تقدم يروي بدون الواسطة، قلت الحديثان مختلفان في اللفظ والمعنى وأن توافقا في بعض الأحكام مع جواز سماعه من رسول الله ﷺ ومن أُبي كليهما وذكر الواسطة يكون للتقوية ولأغراض أخر» (^٢).\nومن ذلك قال أبو عبدالله البخاري: «حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ لَا تَسْمَعُ شَيْئًا لَا تَعْرِفُهُ إِلاَّ رَاجَعَتْ فِيهِ حَتَّى تَعْرِفَهُ …» (^٣).\nبيّن الكرماني أن هذا الحديث مما استدركه الدارقطني (^٤) على البخاري، بسبب خلاف الرواية فيه عن ابن أبي مُليكة: فرُوي عنه عن عائشة، وعنه عن القاسم.\nفقال الكرماني رادًا الاستدراك: «وأقول هذا استدراك ضعيف؛ لأنه محمول على أنه سمعه عنها بالواسطة وبدون الواسطة، فرواه بالوجهين فالاستدراك مُسْتدرك» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الغسل، باب: غَسْلِ مَا يُصِيبُ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ، رقم (٢٩١).\n(^٢) الكواكب الدراري، ٣/ ١٥٥.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: العلم، باب: من سمع شيئا فراجعه حتى يعرفه، رقم (١٠٣).\n(^٤) الالزامات والتتبع، ص ٣٤٨ - ٣٤٩.\n(^٥) الكواكب الدراري، ٢/ ١٠١.","vol":"1","page":251},{"text":"فهذا المثال والذي قبله من المزيد في متصل الأسانيد، وسيأتي الكلام عنه.\n\n*<span data-type='title' id=toc-179> القسم السادس وهو القسم الثاني من المخالفة الخاص بالمتن:</span>\nما اختلف فيه بتغيير بعض ألفاظ المتن، فهذا أكثره لا يترتب عليه قدح؛ لإمكان الجمع في المختلف من ذلك.\nوقد ينبه الكرماني أحيانًا على أن التغيير في ألفاظ المتن بزيادة أو نقصان، قد يكون سببه تصرف الرواة، من اختصار، وما شابه ذلك وليس من قبيل الاختلاف الوارد عن رسول الله ﷺ.\nمثاله:\nومن ذلك حديث ووصية النبي ﷺ لوفد عبد القيس «… فَقَالَ «آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ الإِيمَانِ بِاللهِ ثُمَّ فَسَّرَهَا لَهُمْ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَأَنْ تُؤَدُّوا إِلَيَّ خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ، وَأَنْهَى عَنِ الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالْمُقَيَّرِ وَالنَّقِيرِ» (^١).\nفالحديث لم يذكر صيام رمضان والمقام مقام بيان وتفصيل في أركان الإسلام المفروضة آنذاك، والصيام منها، قال الكرماني: «فما السبب فى تركه ههنا والحال أنه كان واجبا حينئذ لأن وفادتهم كانت عام الفتح وإيجاب الصيام فى السنة الثانية من الهجرة قلت: قال ابن الصلاح: (^٢) وأما عدم ذكر الصوم فيه فهو\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: مواقيت الصلاة، باب: (منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين)، رقم (٥٠١).\n(^٢) صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط وحمايته من الإسقاط والسقط، ابن الصلاح، ص ١٥٥.","vol":"1","page":252},{"text":"إغفال من الراوي، وليس من الاختلاف الصادر عن رسول الله ﷺ؛ بل من اختلاف الرواة الصادر من تفاوتهم فى الضبط والحفظ» (^١).\nومنه: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا ﵁ عَلَى الْيَمَنِ قَالَ «إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللهِ فَإِذَا عَرَفُوا اللهَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا فَعَلُوا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَيْهُمْ زَكَاةً تُؤْخَذُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا فَخُذْ مِنْهُمْ، وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ» (^٢).\nفقد نقل الكرماني عن ابن الصلاح (^٣) أن ما وقع في حديث معاذ من ذكر بعض دعائم الإسلام دون بعض، هو من تقصير الراوي (^٤).\nوقد يُعلّ الحديث لمخالفة ما يرويه الثقة بلفظة في متن الحديث، مخالفًا الثقات والمحفوظ من روايتهم، وقد يكون الاختلاف في بعض الألفاظ التي يمكن أن تُرد إلى معنى واحد وهو من الانتقادات التي انتُقد بها الإمام البخاري، إلا أن العلماء أجابوا عنها، وردوا شبهة الضعف عنها.\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: «ومثال ما وقعت العلة في المتن دون الإسناد، ولا تقدح فيهما ما وقع من اختلاف ألفاظ كثيرة من أحاديث\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٤/ ١٧٧.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الزكاة، باب: لَا تُؤْخَذُ كَرَائِمُ أَمْوَالِ النَّاسِ فِي الصَّدَقَةِ، رقم (١٣٧٥).\n(^٣) صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط وحمايته من الإسقاط والسقط، ص ١٦٣.\n(^٤) ينظر: الكواكب الدراري، ٧/ ٢٢٢.","vol":"1","page":253},{"text":"الصحيحين إذا أمكن رد الجميع إلى معنى واحد، فإن القدح ينتفي عنها» (^١).\nومن هذا النوع:\nما أخرجه البخاري «حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ ثُمَّ يَذْهَبُ الذَّاهِبُ مِنَّا إِلَى قُبَاءٍ، فَيَاتِيهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ» (^٢).\nوالانتقاد الذي وُجّه للبخاري في هذا الحديث: أن رواية مالك مخالفة لرواية الثقات في لفظة (قباء) والمحفوظ من رواية غيره لفظة (العوالي) بدل (قباء).\nوقد أعلَّ هذه الرواية الدارقطني إذ قال: «أخرجا جميعًا أي البخاري ومسلم حديث مالك عن الزهري عن أنس: كنا نصلي العصر ثم يذهب الذاهب منا إلى قباء.\nوهذا مما يعتد به مالك لأنه رفعه، وقال فيه: وخالفه عدد كثير منهم صالح بن كيسان وشعيب وعمرو بن الحارث، ويونس بن يزيد والليث بن سعد ومعمر وابن أبي ذئب وإبراهيم بن أبي عبلة، وابن أخي الزهري والنعمان وأبو أويس وعبد الرحمن بن إسحاق، وقد أخرجا قول من خالف مالكًا أيضًا» (^٣).\nوأعلها النسائي (^٤) ونقل الكرماني إعلال الحديث نقلا عن التيمي بتفرد\n_________\n(^١) النكت على ابن الصلاح، ٣١٥.\n(^٢) وهو رواية مالك في الموطأ بهذا اللفظ، باب: وقوت الصلاة، رقم (١١).\n(^٣) الإلزامات والتتبع، ص ٣٠٨.\n(^٤) ينظر فتح الباري، ١/ ٣٥٢.","vol":"1","page":254},{"text":"مالك بلفظة قباء (^١) من دون أن يرد على هذا الإشكال.\nإلا أن العلماء أجابوا عن ذلك قال بن عبد البر: «وقول مالك عندهم إلى قباء وهْمٌ لا شك فيه ولم يتابعه أحد عليه في حديث ابن شهاب هذا، إلا أن المعنى في ذلك متقارب على سعة الوقت؛ لأن العوالي مختلفة المسافة وأقربها إلى المدينة ما كان على ميلين أو ثلاثة، ومنها ما يكون على ثمانية أميال وعشرة ومثل هذا هي المسافة بين قباء وبين المدينة وقباء» (^٢).\nوقال ابن حجر: «والجماعة كلهم قالوا إلى العوالي (^٣)، ومثل هذا الوهم اليسير لا يلزم منه القدح في صحة الحديث، لا سيما وقد أخرجا الرواية المحفوظة» (^٤)\nوقد أحسن البدر العيني في الرد على إعلال هذه الرواية وأجاب بالآتي:\n١ - إن مالكًا لم بتفرد بروايته، بل تابعه بلفظه ابن أبي ذئب.\n٢ - ولا يمكن الجزم والقطع أن الوهم موجه إلى مالك، لأنه وارد أن\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٤/ ١٩٦.\n(^٢) التمهيد، ٦/ ١٧٨، وممن قال نحو هذا الكلام الإمام النووي في شرحه على مسلم، ٥/ ١٢٢، والبدر العيني في عمدة القاري، ٥/ ٣٧.\n(^٣) رواية العوالي أخرجها البخاري كتاب: مواقيت الصلاة، باب: وقت العصر، رقم (٥٥٠)، ومسلم، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: استحباب التبكير بالعصر، رقم (١٩٢)، وأبو داود، كتاب: الصلاة، باب: في وقت صلاة العصر، رقم (٤٠٤)، والنسائي، كتاب: المواقيت، باب: العصر.\n(^٤) فتح الباري، ١/ ٣٥٢.","vol":"1","page":255},{"text":"يكون ممن دونه، فقد يكون من الزهري حين حدث به مالك، وقال ابن بطال: روى خالد بن مخلد عن مالك فقال فيه: إلى العوالي، كما قاله الجماعة، فهذا يدل على أن الوهم فيه ممن دون مالك.\nورُدّ على ذلك بأن مالكا أثبته في (الموطأ) باللفظ الذي رواه عنه كافة أصحابه، فرواية خالد عنه شاذة.\n٣ - ثم مال العيني للجمع بين الروايتين ووفق بينهما، ورفَعَ الإشكال، فقال: ومع هذا كله فقباء من العوالي، فلعل مالكا رأى في رواية الزهري إجمالا وفسرها بقباء، فعلى هذا لا يحتاج إلى نسبة الوهم إلى أحد فافهم (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-180>المبحث السابع\nبيان اللطائف الإسنادية</span>\n*<span data-type='title' id=toc-181> معنى اللطائف وعناية العلماء بها:</span>\nقال علماء اللغة: شيء لطيف، ليس بجاف، ولطفت بفلان: رفقت به، ولطف الشيء بالضم يلطف لطافة، أي صغُر ودق، فهو لطيف (^٢).\nإذًا كل ما كان رقيقًا، ودقيقًا، وصغيرًا، ينطبق عليه معنى اللطف.\nأما علماء الاصطلاح لم يعرّفوا مصطلح اللطائف الإسنادية تعريفًا خاصًا\n_________\n(^١) عمدة القاري، ٥/ ٣٧.\n(^٢) ينظر مادة (لطف) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، ٤/ ١٤٢٦، وأساس البلاغة للزمخشري، ٢/ ١٦٩، والقاموس المحيط للفيروز آبادي، ١/ ٨٥٣.","vol":"1","page":256},{"text":"مستقلًا فيما أعلم وبما اطلعت عليه إلا أنه يُفهم من كلامهم في تعريفها: هي الغرائب والفرائد والنكات والمستظرفات، والمسائل التي تقع في أسانيد الأحاديث.\nوقد اعتنى المحدثون باللطائف الإسنادية عناية بالغة، وقام شُرّاح الحديث بذكرها في شروحهم، ونبهوا عليها، لما لها من أهمية كبيرة في علوم السند، في معرفة كيفية تحمّل الحديث، ومعرفة ضبط أسماء الرواة، كرواية أهل بلد واحد عن بعضهم، إذ أن أهل البلد الواحد يعرفون أسماء بعضهم البعض أكثر من غيرهم، ومعرفة بيان سماع الراوي من شيخه، ومعرفة بعض العلل الواردة في السند.\nوقد صُنّف في اللطائف الإسنادية مصنفات خاصة منها «ما روى الصحابة عن التابعين للخطيب البغدادي» وله رواية الأبناء عن آبائهم «ورواية الأباء عن أبنائهم» وكتاب: «الإخوة لأبي المطرف القرطبي» (^١) وكتاب: «مارواه الكبار عن الصغار للحافظ أبي يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن يونس بن المنجنيقي البغدادي الوراق (^٢)» وكتاب: «رواية الأبناء عن آبائهم لأبي نصر\n_________\n(^١) عبد الرّحمن بن محمّد بن فطيس الأندلسيّ القرطبي، أبو المطرف، كان من جهابذة المحدّثين وحفّاظهم، ومن علماء الحديث عارفًا بالرجال كان يملي من حفظه، وجمع من الكتب ما لم يجمعه أحد (ت ٤٠٢ هـ)، ينظر: تذكرة الحفاظ، الذهبي، ٣/ ١٧٥، وجمهرة تراجم الفقهاء المالكية، د. قاسم سعد، ٢/ ٦٢٢.\n(^٢) أحمد بن محمد بن سعيد بن عبيدالله بن أحمد بن سعيد بن أبي مريم أبو بكر القرشي الوراق، يعرف بابن فطيس، روى الحديث عن جماعة، صاحب الخط الحسن، (ت ١٣٥ هـ)، الوافي بالوفيات، الصفدي، ٧/ ٢٦٢.","vol":"1","page":257},{"text":"عبيدالله بن سعيد السجزي الوائلي» (^١) وغيرها من الكتب (^٢).\nوتتنوع هذه اللطائف بين من قَصَرها على بعض الأنواع التي مر ذكرها في أسماء المؤلفات وزاد عليها قليلًا، ومنهم من توسع فيها كما فعل: محمد بن الأصبهاني المديني، في كتابه: «اللطائف من دقائق المعارف في علوم الحفاظ الأعارف» فقد بلغت اللطائف في كتابه تسع عشرة نوع، وقد أتى بأمثلة عن كل نوع من كتب السنة المختلفة.\nوقد ذكر العراقي في ألفيته أنواع اللطائف الإسنادية وهي:\nرواية الأكابر عن الأصاغر.\nرواية الأقران.\nرواية الأخوة والأخوات.\nرواية الآباء عن الأبناء.\nرواية الأبناء عن الآباء (^٣).\n_________\n(^١) عبيدالله بن سعيد بن حاتم الوائلي، أبو نصر السِّجزي، كان عالمًا بالرجال، نزيل الحرم ومصر وصاحب «الإبانة الكبرى» في مسألة القرآن، وله كتاب في المؤتلف والمختلف (ت ٤٤٤ هـ)، ينظر: تذكرة الحفاظ، الذهبي، ٣/ ٢١١، وطبقات النسابين، بكر بن عبدالله، بن غيهب، ١/ ٩٨.\n(^٢) ينظر: الرسالة المستطرفة، لأبي عبدالله محمد الكتاني، ص ١٦٣، التصنيف في السنة النبوية وعلومها في القرن الخامس الهجري، د. عبد العزيز الهليل، ص ٢٤ - ٢٥.\n(^٣) ألفية العراقي، ص ١٦٨ - ١٧٠.","vol":"1","page":258},{"text":"<span data-type='title' id=toc-182>منهج الكرماني في ذكر اللطائف الإسنادية:</span>\nوقد اعتنى الإمام الكرماني ﵀ في شرحه باللطائف الإسنادية، وكان يشير إلى بعضها ويبين نوعها فمن ذلك:\n\n<span data-type='title' id=toc-183>١ - رواية الأكابر عن الأصاغر:</span> وهي أن يروي كبير القدر والسن عمّن دونه في المقدار (^١).\nوقد ذكر العلماء فائدة هذا النوع، قال ابن الصلاح: «ومن الفائدة فيه أن لايتوهم كون المروي عنه أكبر وأفضل من الراوي، نظرا إلى أن الأغلب كون المروي عنه كذلك، فيجهل بذلك منزلتهما» (^٢).\nمثاله: «حَدَّثنا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخبَرَنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ سَعْدٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَعْطَى رَهْطًا … وَرَوَاهُ يُونُسُ، وَصَالِحٌ، وَمَعْمَرٌ، وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ» (^٣).\nقال الكرماني: «وصالح هو ابن كيسان (^٤) المدني وروايته عن الزهري من رواية الأكابر عن الأصاغر لأنه أسن من الزهري» (^٥).\n_________\n(^١) المنهل الروي، ص ٧٧، والباعث الحثيث ص ١٩٥.\n(^٢) علوم الحديث، ص ٣٠٧.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: الإيمان، بَابُ: إِذَا لَمْ يَكُنِ الإِسْلَامُ عَلَى الحَقِيقَةِ، رقم (٢٦).\n(^٤) صالح بن كيسان المدني أبو محمد، يعد في التابعين وقال النسائي وابن خراش ثقة، (ت ١٤٠)، تهذيب التهذيب ٤/ ٣٩٨ - ٣٩٩.\n(^٥) الكواكب الدراري، ١/ ١٣٢.","vol":"1","page":259},{"text":"ومثله: «حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَال أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ …» (^١).\nقال الكرماني: «واجتمع في إسناد طرفتان إحداهما رواية الأكابر عن الأصاغر والأخرى ثلاثة تابعيون بعضهم عن بعض» (^٢).\nويدخل تحت رواية الأكابر عن الأصاغر، رواية الصحابي عن التابعي، مثاله قال أبو عبدالله البخاري: «حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِاللهِ قَالَ حَدَّثَنِي إِبْرَاه قَالَ حَدَّثَنِي سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ أَنَّهُ رَأَى مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ فِي الْمَسْجِدِ فَأَقْبَلْتُ حَتَّى جَلَست …» (^٣).\nقال الكرماني: «وهذا من رواية الصحابي عن التابعي لأن سهلا صحابي ومروان تابعي» (^٤).\nومما يندرج تحت رواية الأكابر عن الأصاغر:\nالسابق واللاحق: هو أن يشترك في الرواية عن الراوي راويان: أحدهما متقدم الوفاة، والآخر متأخر في الوفاة، بينهما أمد بعيد، فيحصل في وقت\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الجنائز، باب: إِذَا قَالَ الْمُشْرِكُ عِنْدَ الْمَوْتِ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، رقم (١٢٨٠).\n(^٢) الكواكب الدراري، ٧/ ١٣٥.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: تفسير القرآن، بَاب: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، رقم (٤٢٧٨).\n(^٤) الكواكب الدراري، ١٧/ ٨٦.","vol":"1","page":260},{"text":"وفاتيهما تباينًا شديدًا (^١).\nوفائدته: تقرير حلاوة علو الإسناد في القلوب، ودفع ظن الغلط في تلاميذ الراوي، والأمن من ظن سقوط شيء في إسناد المتأخر، وتفقه الطالب في معرفة العالي والنازل (^٢).\nوقد نبه الكرماني أثناء ترجمته على ذلك:\nمثاله: «سليمان أبو أيوب بن حرب، ولد سنة (١٤٠ هـ)، ومات سنة: (٢٢٤ هـ) قال الكرماني في ترجمته: «قال الخطي يُحدث عنه يحيى القطان، وأبو خليفة أي الفضل بن الحباب الجمحي (^٣) وبين وفاتيهما مائة وسبع سنين توفي القطان سنة ثمان وتسعين ومائة وأبو خليفة سنة خمس وثلاثمائة» (^٤).\nومن ذلك: «حمّاد بن زيد بن درهم الأزدي البصري أبو إسماعيل الأزرق» (^٥) قال الكرماني: «وحدث عنه أبو الهيثم والثوري وبين وفاتيهما مائة سنة فأكثر» (^٦).\n_________\n(^١) معرفة علوم الحديث، ابن الصلاح، ص ٣١٨، وفتح المغيث، ٤/ ١٩٣.\n(^٢) فتح المغيث، ٤/ ١٩٣، وتدريب الراوي، ٢/ ٧٣٧.\n(^٣) قال ابن حجر في تهذيب التهذيب، روى عن سلمان بن حرب يحيى القطان وهو أكبر منه … وروى عنه جماعة آخرهم أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحي، ٤/ ١٧٨.\n(^٤) الكواكب الدراري، ١/ ١١٤.\n(^٥) قال ابن حجر في تهذيب التهذيب: وروى عن حمّاد ابن المبارك … وابن عيينة وهو من أقرانه والثوري وهو أكبر منه، ٣/ ٩.\n(^٦) الكواكب الدراري، ١/ ١٤١.","vol":"1","page":261},{"text":"ومثله: «بهز بن حكيم ابن معاوية القشيري» قال الكرماني في ترجمته: «وقال الخطيب حدث عنه الزهري ومحمد بن عبدالله الأنصاري وبين وفاتيهما إحدى وتسعون سنة» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-184>٢ - رواية الأقران (المدبج):</span>\n«القرين من الرواة: من يجتمع مع الراوي الآخر في الطبقة أو الشيوخ والتلاميذ» (^٢).\nوقد يروي القرينان بعضهم عن بعض كعائشة وأبي هريرة، وهو المدبج.\nوغير المدبج: رواية أحد القرينين عن الآخر، ولا يروي الآخر عنه مثل رواية: رواية سليمان التيمي عن مسعرولم يروِ مسعر عن التيمي.\nويدخل في رواية الأقران عن بعضهم رواية صحابي عن صحابي، مثاله: «حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ زَيْنَبَ ابْنَةَ أَبِي سَلَمَةَ حَدَّثَتْهُ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ حَدَّثَتْهَا عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا فَزِعًا يَقُولُ «لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ …» (^٣).\nفقد اجتمع في هذا الإسناد ثلاث صحابيات وهنّ: (زينب بنت جحش، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وزينب بنت أبي سلمة).\n_________\n(^١) السابق، ٣/ ١٤٠، وينظر ترجمته في تهذيب التهذيب، ١/ ٤٩٨.\n(^٢) تحرير علوم الحديث، ص ٩١، ومنهج النقد، ص ١٥٤.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: الأنبياء، باب: علامات النبوة في الإسلام، رقم (٣٣٦٩).","vol":"1","page":262},{"text":"ومن ذلك أخرج البخاري: «حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ جَنَازَةً …» (^١).\nفقد بيّن الكرماني أن هذا السند من قبيل رواية صحابي عن صحابي، إذ أن عبدالله بن عمر، وعامر بن ربيعة صحابيان جليلان (^٢) ومن ذلك رواية أنس بن مالك عن عبادة بن الصامت ﵄ (^٣)، ورواية أنس عن زيد ﵁ (^٤)، ورواية ابن عباس عن أبي طلحة ﵃ (^٥)، وحديث أنس عن أبي موسى الأشعري ﵃ (^٦).\nومن فائدة هذا النوع ألا يتوهم الناظر أن ذكر أحد المتقارنين وقع في السند خطأ، وألا يفهم أن «عن» خطأ (^٧).\nمثاله: أخرج البخاري في كتاب: بدء الوحي، حديث «حَدَّثنا الْحُمَيْدِيُّ عَبْدُاللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، قَالَ: حَدَّثنا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁، عَلَى المِنْبَرِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّمَا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الجنائز، باب: مَتَى يَقْعُدُ إِذَا قَامَ لِلْجَنَازَةِ، رقم (١٢٣٣).\n(^٢) الكواكب الدراري، ٧/ ١٠١.\n(^٣) السابق، ١/ ١٩٠.\n(^٤) السابق، ٩/ ٧٩.\n(^٥) السابق، ٢١/ ١٣٣.\n(^٦) السابق، ٢٥/ ٢٤٥.\n(^٧) ينظر منهج النقد، د عتر، ص ١٥٤.","vol":"1","page":263},{"text":"الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ …» (^١).\nقال الكرماني: (اعلم أن في هذا الإسناد لطيفة وهو: أن فيه ثلاثة من التابعين المدنيين يروي يعضهم عن بعض، وهم يحيى ومحمد وعلقمة، وقد يقع ما هو ألطف منه وهو ما عن أربعة من التابعين» (^٢).\nومن هذا القبيل، ما أخرجه البخاري: «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ …» (^٣).\nفي هذا الحديث وقع عدة لطائف «أن فيه التحديث والعنعنة، ورواته أئمة أجلّاء ثقات، وفيه رواية تابعي عن تابعي زيد بن أسلم عن عطاء». وهو مما انفرد به البخاري عن مسلم، وأخرجه الأربعة (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-185>٣ - رواية أهل بلد عن بعضهم:</span>\nمن اللطائف الإسنادية أن لايروي الراوي إلا عن أهل بلده، لذلك نجد عبارات عند أهل الجرح والتعديل قولهم في الراوي، ثقة إن روى عن أهل بلده، وضعيف عن غيرهم، أو ثقة إن روى عن أهل الشام (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، باب: كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الوَحْيِ، رقم (١).\n(^٢) الكواكب الدراري، ١/ ١٧، وينظر ومثال كذلك، ٢/ ١٩٠.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: الوضوء، باب: الْوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً، رقم (١٥٧).\n(^٤) عمدة القاري، العيني، ٣/ ٢. وكوثَر المَعَاني الدَّرَارِي في كَشْفِ خَبَايا صَحِيحْ البُخَاري، محمد الخضر الشنقيطي، ٤/ ٣٢٩.\n(^٥) قال ابن حبان في الثقات في محمد بن يحيى بن حمزة الحضرمي: روى عنه أهل الشام ثقة في نفسه يُتقى حديثه ما روى عنه أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة وأخوه عبيد فإنهما كانا يدخلان عليه كل شيء، ٩/ ٧٤.","vol":"1","page":264},{"text":"وقد أكثر الكرماني في شرحه من الإشارة لهذا النوع:\nمثاله: قال البخاري: «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو التَّيَّاحِ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «يَسِّرُوا\nوَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا» (^١).\nقال الكرماني: «ورجال هذا الإسناد كلهم بصريون» (^٢).\nومنه: «حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵃ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ أَيُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ …» (^٣).\nقال الكرماني: «في هذا الإسناد لطيفة وهو أن رواته كلهم مصريون وهذا من الغرائب لأنه في غاية القلة ويزداد قلة باعتبار جلالتهم لأنهم كانوا كلهم أئمة جلة» (^٤).\nومن ذلك: «حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ عَنْ عَامِرٍ قَالَ سَمِعْتُ النُّعْمَانَ ابْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ «الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ …» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: العلم، باب: مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُهُمْ بِالْمَوْعِظَةِ، رقم (٦٨).\n(^٢) الكواكب الدراري، ٢/ ٣٤.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: الإيمان، بابٌ: إطعامُ الطعام من الإسلَامِ، رقم (١١).\n(^٤) الكواكب الدراري، ١/ ٩٢.\n(^٥) أخرجه البخاري، كتاب: الإيمان، بابُ: فضل من استبرأ لدينه، رقم (٤٩).","vol":"1","page":265},{"text":"قال الكرماني: «ورجال الأسناد كلهم كوفيون ولفظ: سمعت مشعر ببطلان ما يقولون: من عدم تصحيح سماعه (^١) من النبي ﷺ» (^٢).\n«حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ لَيْسَ أَبُو\nعُبَيْدَةَ ذَكَرَهُ وَلَكِنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَاللهِ يَقُولُ أَتَى النَّبِيُّ ﷺ الْغَائِطَ، فَأَمَرَنِي …» (^٣).\nقال الكرماني: «في الإسناد لطيفتان كلهم كوفيون وفيهم تابعيون ثلاثة يروى بعضهم عن بعض» (^٤).\nوقد يبين الكرماني أن أكثر رجال السند من بلد معين وينبه على المُستثنى منهم، من ذلك قال البخاري: «حَدَّثنا عُبَيْدُاللهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَخبَرَنا حَنْظَلَةُ ابْنُ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁، قال رَسُولُ اللهِ ﷺ: بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ، قَالَ …» (^٥).\n_________\n(^١) أي سماع النعمان بن بشير من رسول الله ﷺ، قال ابن الأثير الجزري في أُسد الغابة: ولد قبل وفاة رسول الله ﷺ بثماني سنين وسبعة أشهر …، قال أبو عمر: لا يصحح بعض أهل الحديث سماعه من رسول الله ﷺ وهو عندي صحيح، لأن الشعبي يقول عنه: سمعت رسول الله ﷺ، ٥/ ٣١٠.\n(^٢) الكواكب الدراري، ١/ ٢٠٣.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: الوضوء، باب: لَا يُسْتَنْجَى بِرَوْثٍ، رقم (١٥٦).\n(^٤) الكواكب الدراري، ٢/ ٢٠٣، وينظر أمثلة أخرى عن ذلك ٢/ ٤٣، ٥/ ١٣٠، ٢٤/ ٥٠، ٢٠/ ١٤٧.\n(^٥) أخرجه البخاري، كتاب: الإيمان، بابٌ: دُعَاؤُكُمْ إِيمَانُكُمْ، رقم (٧).","vol":"1","page":266},{"text":"قال الكرماني: «واعلم أن هذا الإسناد من الطرف، إذ رواته مكيون قرشيون إلا عبيدالله فإنه كوفي» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-186>٤ - رواية الأقارب عن بعضهم البعض:</span>\nقد يجتمع في سند الحديث الواحد أقارب رووا عن بعضهم البعض، مثاله: قال البخاري: حَدَّثنا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِاللهِ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ …\nفإسماعيل الأصبحي ابن أخت الإمام مالك، (وهو شيخه وخاله) روى عن عمه سهيل ابن مالك (وهو نافع بن مالك ابن أبي عامر المدني)، عن أبيه (وهومالك بن أبي عامر)، فصارت رواية إسماعيل: عن خاله عن عمه عن أبيه (^٢).\nومثله:\nقال البخاري: «حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ فَاطِمَةَ عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ أَتَيْتُ عَائِشَةَ وَهِيَ تُصَلِّي فَقُلْتُ مَا شَانُ النَّاسِ فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ، فَقَالَتْ سُبْحَانَ اللهِ …» (^٣).\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١/ ٧٨.\n(^٢) ينظر الكواكب الدراري، ١/ ١٧٩.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: العلم، باب: مَنْ أَجَابَ الفُتْيَا بِإِشَارَةِ اليَدِ وَالرَّاسِ، رقم (٨٥).","vol":"1","page":267},{"text":"فهشام هو: ابن عروة بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي المدني أبو المنذر وفاطمة هي: بنت المنذر بن الزبير ابن العوام زوجة هشام ابن عروة بن الزبير المذكور.\nوأسماء هي: بنت أبي بكر الصديق زوجة الزبير بن العوام أخت\nعائشة ﵂ وهي أكبر من عائشة بعشر سنين، وأسماء هي جدة فاطمة بنت المنذر (^١) والسيدة عائشة بنت أبي بكر الصديق أخت أسماء.\nقلت وقد يكون من اللطائف:\nالإسناد العالي، ومنه: ثلاثيات البخاري، والنازل ومنه: تساعي البخاري وهو حديث واحد عنده (^٢).\nومنها: رواية الراوي عن شيخه بواسطة وبدونها.\nومنه إذا ورد حديث بإسناد إلى النبي ﷺ، تأتي رواية أخرى بإسناد مختلف لكن عن ذات الصحابي الذي في الرواية الأولى.\n_________\n(^١) ينظر: الكواكب الدراري، ٢/ ٦٦.\n(^٢) والحديث هو: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ زَيْنَبَ ابْنَةَ أَبِي سَلَمَةَ حَدَّثَتْهُ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ ﵅ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا فَزِعًا يَقُولُ «لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَاجُوجَ وَمَاجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ». وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا. قَالَتْ زَيْنَبُ ابْنَةُ جَحْشٍ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ قَالَ «نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخُبْثُ». في كتاب: الأنبياء، باب: قِصَّةِ يَاجُوجَ وَمَاجُوجَ، رقم (٣١٣٠).","vol":"1","page":268},{"text":"ومن اللطائف ما وقع في إسناد البخاري من اجتماع من قالوا بالقدر، روى أحدهم عن الآخر، وهما: «شبل بن عبّاد المكي القاري، يروي عن عبدالله ابن أبي نَجيح يسار الثقفي».\nوالحديث هو: «حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ حَدَّثَنَا رَوْحٌ حَدَّثَنَا شِبْلٌ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَآهُ وَأَنَّهُ يَسْقُطُ …» (^١).\nومن اللطائف أن يكون السند مسلسلا على صفة أو حالة واحدة، كأن يكون الإسناد كله من الشاميين أو المصريين … أوأن يكون أحد رواة الحديث مُسلسلًا بكنيته لا باسمه.\nمثاله قال البخاري: «وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ حَدَّثَنَا عَطِيَّةُ بْنُ قَيْسٍ الْكِلَابِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ غَنْمٍ الأَشْعَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي بُو عَامِرٍ أَوْ أَبُو مَالِكٍ الأَشْعَرِيُّ وَاللهِ مَا كَذَبَنِي سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ …» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الحج، بَاب: النُّسْكُ شَاةٌ، رقم (١٧٠١) كما أن لهما حديثان آخران، واحد في كتاب: تفسير القرآن، بَاب: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ رقم (٤٢١٦)، والثاني في كتاب: الطلاق، بَاب: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، رقم (٥٠٠٠).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الأشربة، باب: مَا جَاءَ فِيمَنْ يَسْتَحِلُّ الْخَمْرَ وَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ.","vol":"1","page":269},{"text":"قال الكرماني: «واعلم أن هذا الإسناد من الطرائف لأن الرجال كلهم شاميون فهو مسلسل الشامية» (^١).\nأو أن يكون الإسناد مسلسلا بلفظ التحديث (^٢) وقد يتفق أن تتشابه أسماء الرواة في كل السند عدا الصحابي أشار الكرماني إلى ذلك، إلى سند مسلسل بالمحمديين.\nقال البخاري: «حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَهْبِ بْنِ عَطِيَّةَ الدِّمَشْقِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِيُّ أَخْبَرَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى فِي بَيْتِهَا جَارِيَةً فِي وَجْهِهَا سَفْعَةٌ …» (^٣).\nأو أن يكون الحديث قد رواه كل واحد من رواته رواه عن والده،\nمثاله:\nقاله البخاري: «حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ إِنِّي لَفِي الصَّفِّ يَوْمَ بَدْرٍ إِذْ الْتَفَتُّ فَإِذَا عَنْ يَمِينِي وَعَنْ يَسَارِي فَتَيَانِ …» (^٤).\nقال الكرماني: (قوله: جده أي جد سعد، وهو عبد الرحمن والحديث\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٢٠/ ١٤٧.\n(^٢) السابق، ٧/ ٢١٢.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: الطب، بَاب: رُقْيَةِ الْعَيْنِ، رقم (٥٣٨٠).\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب، المغازي، رقم (٣٧٣٦).","vol":"1","page":270},{"text":"مسلسل بالأبوة؛ إذ هو يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن، روى كل واحد منهم عن أبيه» (^١).\n* * *\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١٥/ ١٧٣.","vol":"1","page":271},{"text":"<span data-type='title' id=toc-187>الفصل الثالث\nمنهج الكرماني وصناعته الحديثية في علوم الرواة</span>\n<span data-type='title' id=toc-188>تمهيد: التعريف بالراوي ومكانته</span>\nالراوي: «هو من تلقّى الحديث وأداه بصيغة من صيغ الأداء» (^١).\nمن المعروف أن رجال سند الحديث هم المُعوّل عليهم في قبول الحديث أو رده، لذلك نالت معرفة أحوالهم عناية فائقة عند العلماء، فقد أُفردت مصنفات كثيرة للتعريف بهم، وبكل ما يتعلق بهم من ضبط للأسماء والألقاب والكُنى، ومعرفة المتفق والمفترق، والمؤتلف والمختلف، وما قيل فيهم من جرح أو تعديل …\nوقد ظهرت عناية الكرماني أثناء شرحه بترجمة الرواة، قال في مقدمة شرحه أنه تعرض: «لأسماء الرجال وتعجيم ألفاظها وتوضيح ملتبسها، وتكشيف مشتبهها وتبيين مختلفها، وتحقيق مؤتلفها وأنسابهم وألقابهم وبلادهم ووفياتهم إلى آخر تراجمهم» (^٢).\nوكان من عادة الكرماني في بعض الأحايين يكرر اسم الراوي ويُعيد\n_________\n(^١) منهج النقد، ص ٧٥.\n(^٢) الكواكب الدراري، ١/ ٤.","vol":"1","page":272},{"text":"ضبط اسمه، وهذا مما انتُقد عليه، إلا أنه بيّن سبب ذلك في مقدمة شرحه أن الناس عندما راحوا يقرأون في صحيح البخاري اشتبهت: «عليهم أكثر الأسماء مثل: ابن بكير هل هو مصغّر، أو مكبّر حتى كادوا يتركون قراءته، لذلك فصار هذا أيضا مضافًا إلى ما كنت قصدته من الزيادة على التوضيح في قسم الأسماء، لاسيما وقد صار هذا الفن مهجورًا في أكثر الأمصار، وليس للعقل فيه دخل\nولا للقياس فيه اعتبار» (^١) فكان تكراره لضبط الاسم والنسب واللقب … من أجل أن يعْلق في الأذهان والله أعلم.\nإلا أنه كان يكرر غير ضبط الاسم، فكان ينبه على الأسماء المشتركة بين الرجال والنساء، حتى لا يقع الالتباس، فقد بيّن في ترجمة: «جويرية» وفي لفظ «أسماء» بيّن أنهما «من الأعلام المشتركة بين الذكور والإناث» (^٢) وقد كرر هذا كثيرًا.\nفمن خلال البحث تبيّن منهج الكرماني في التعريف بالرواة وترجمتهم ويظهر هذا في عدة أمور.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-189>المبحث الأول\nذكر ما يتعلق باسم الراوي</span>\n<span data-type='title' id=toc-190>١ - ضبط اسم الراوي:</span>\nإن أول عمل يقوم به الكرماني بالنسبة للرواة هو التعريف بالراوي، إذ\n_________\n(^١) السابق، ١/ ٥.\n(^٢) السابق، ٨/ ١٩٧.","vol":"1","page":273},{"text":"لابد من معرفة الاسم بشكله الصحيح قبل معرفة الأمور الأخرى فيذكر اسم الراوي مضبوطًا بالحركات.\nقال في ترجمة الصحابي الجليل: «زيد بن خالد الجُهَني بضم الجيم، وفتح الهاء، وبالنون» (^١).\nوقال في ترجمة: علقمة بن وقاص الليثي: «عَلقمة: فهو بفتح العين المهملة، والوقّاص بتشديد القاف، والليثي: بالياء المثناة من تحت والثاء المثلثة» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-191>٢ - بيان الاختلاف في ضبط الأسماء:</span>\nويشير الكرماني إلى اختلاف العلماء في ضبط بعض الأسماء، تبعا للغات أهل البلد، قال في ترجمة: (سَمُرة بن جُندب) ناقلًا عن الغساني: «ومنهم من يقول سمرة تكون الميم تخفيفًا نحو عضد في عضد وهي لغة أهل الحجاز وبنو تميم يقولون بضمها» (^٣).\nومن ذلك تخفيف حرف اللام من «سلام» في الراوي: (محمد بن سلام) قال الكرماني: «بتخفيف اللام وهو الصحيح الذى عليه الاعتماد، ولم يذكر جمهور المحققين غيره وذكر بعضهم أن التشديد: لحن وادّعى صاحب المطالع (^٤)\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٢/ ٨٠.\n(^٢) االسابق، ١/ ١٦.\n(^٣) السابق، ٣/ ٢٠٦.\n(^٤) إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم بن عبدالله بن باديس بن القائد، أبو إسحاق بن قرقول الوهراني، الحمزي، صاحب الخط الأنيق، كان رحالا في العلم فقيها نظارا، أديبا، حافظا، يبصر الحديث ورجاله، له مطالع الأنوار الذي وضعه عل كتاب: مشارق الأنوار للقاضي عياض، (ت ٥٦٩ هـ). تاريخ الإسلام، الذهبي، ١٢/ ٤٠٢، والوافي بالوفيات، ٦/ ١٠٩.","vol":"1","page":274},{"text":"أن التشديد هو رواية الأكثر (^١) فقيل إنها مخالفة للمشهور إلا أن يريد رواية أكثر شيوخه» (^٢).\nوقال في ترجمة عبدالله بن أبي السّفَر: «عبدالله ابن أبي السَّفَر) بفتح السين والفاء سعيد بن يُحمد الهمداني الكوفي. قال النووي: يُحمد بضم الياء وفتح الميم والحافظ بضم الياء وكسر الميم» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-192>٣ - ضبط الاسم من الناحية الصرفية:</span>\nولا يخلو صنيع الكرماني أحيانًا من ضبط الاسم من الجانب الصرفي، منها ما كان على صيغة اسم الفاعل، قال في ترجمة نُعيم المُجمِر: «اسم فاعل من الإجمار على الأشهر وفي بعضها التجمير العدوي المدني» (^٤) وقال في السائب بن يزيد: «اسم فاعل من السيب بالمهملة وبالتحتانية وبالموحدة» (^٥).\nومنها ما كان على صيغة اسم المفعول، قال في ترجمة، مُعافى ابن عمران: «ومعافى، اسم مفعول من المعافاة بالمهملة والفاء» (^٦).\n_________\n(^١) مطالع الأنوار على صحيح الآثار، ٥/ ٥٥٨.\n(^٢) السابق، ١/ ١١١، وينظر ما قاله في ضبط أبي ذر جُندب بن جنادة، ١/ ١٣٨.\n(^٣) السابق، ١/ ٨٧.\n(^٤) الكواكب الدراري: ٢/ ١٧١.\n(^٥) السابق، ٣/ ٣٦.\n(^٦) السابق، ٦/ ١١٠.","vol":"1","page":275},{"text":"أو ما جاء على وزن الفعل مثل: «يَعْلى على وزن يحيى» (^١) وما كان على وزن المؤنث: «وفاطمة هي بنت المنذر بن الزبير وجدتها أسماء على وزن حمراء» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-193>٤ - بيان معنى الاسم:</span>\nويشير كذلك إلى معنى الاسم مثل قوله في: «ربعي بن حِراش» فقال في معنى اسمه: «والربعي بحسب اللغة المنسوب إلى الربع والحراش جمع الحرش وهو الأثر» (^٣) «نُفيع تصغير من النفع» (^٤)، «وأبو عُبيدة مصغر العبدة» (^٥).\nويذكر الصفة وضدها في الراوي، مثل: «أبو الخير ضد الشر» (^٦)، و«الضحاك ضد البكّاء» (^٧)، «وحرب ضد الصلح» (^٨)، و«ويحيى أي ابن أبي كثير ضد القليل» (^٩) «سليمان بن يسار ضد اليمين» (^١٠) ولعل صنيعهم هذا\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١٢/ ٧٣.\n(^٢) السابق، ٣/ ٢٦.\n(^٣) السابق، ٢/ ١٠٨.\n(^٤) السابق، ٩/ ٩١.\n(^٥) السابق، ١٥/ ١٦٢.\n(^٦) الكواكب الدراري: ٧/ ١٢٢.\n(^٧) السابق، ١١/ ٤٥.\n(^٨) السابق، ٢/ ٥٣.\n(^٩) السابق، ٣/ ١٥٤.\n(^١٠) السابق، ٣/ ٨١.","vol":"1","page":276},{"text":"لضبط الاسم ولو سقطت منه النقط بسبب النساخ، أوبسبب التصحيف والتحريف.\nويذكر مرادف الاسم مثل «الليثي مرادف الأسد» (^١) «و(أبو الغيث) مرادف المطر اسمه سالم مولى ابن مطيع القرشي» (^٢).\nويبيّن سبب الاسم فقال في: (مسروق بن الأجدع) (مسروق وسمي به لأنه سرق في صغره ثم وجدوه فغلب عليه ذلك» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-194>٥ - بيان من وافق اسمه اسم أبيه:</span>\nقد يحدث أن يوافق اسم الراوي اسم أبيه، وقد اعتنى العلماء بهذا الفن، وبينوه حتى لا يقع اللبس في سند الحديث، وقد صنّف أبو الفتح الأُزدي (^٤) كتابًا: فيمن وافق اسمه اسم أبيه من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من المحدثين.\nوقد أشار الكرماني في شرحه لبعض الرواة التي حصلت موافقة في أسمائهم وأسماء آبائهم قال في ترجمة: عبدالله بن عبدالله بن جبر: «بلفظ المكبر فى\n_________\n(^١) السابق، ٥/ ١٦٠.\n(^٢) السابق، ١٢/ ٨٠.\n(^٣) السابق، ١/ ١٥٠.\n(^٤) محمد بن الحسين أبو الفتح الأزدي الموصلي الحافظ، قال الخطيب: في حديثه مناكير وكان حافظا ألف في علوم الحديث. وله كتاب: كبير في الجرح والضعفاء عليه فيه مؤاخذات. (ت ٣٧٤ هـ). ينظر: لسان الميزان، لابن حجر: ٧/ ٩٠.","vol":"1","page":277},{"text":"اسمه واسم أبيه» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-195>٦ - بيان الأسماء المشتركة بين الذكور والإناث:</span>\nهناك من أسماء الرواة مايشترك فيه الرجال والنساء، وقد بينها الكرماني، وأشار إليها، مثل اسم: «أمية» بصيغة التصغير «جويرية» مصغر الجارية بالجيم، و«عبدالله بن محمد بن أسماء» و«زُهرة بن مَعْبَد» بضم الزاي وسكون الهاء، بيّن أنها من الأسماء المشتركة بين الذكور والإناث (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-196>٧ - التنبيه على الأسماء المُختلف فيها وذكر الراجح:</span>\nاهتم الكرماني بالتنبيه على الأسماء المُختلف فيها، ويحقق في الأسماء المختلف فيها ويذكر الراجح منها، ويعوّل على رأي الأكثرية ومثال ذلك ما قاله في ترجمة الصحابي الجليل «أبو هريرة» ﵁، فقال: «اختُلِف في اسمه واسم أبيه، على نحو ثلاثين قولًا أصحها عند الأكثر، عبد الرحمن ابن صخر الدوسي» (^٣).\nوقال في ترجمة أبي ثعلبة الخُشني ﵁: «وأبو ثعلبة: بلفظ الحيوان المشهور الخُشني بضم المعجمة الأولى وفتح الثانية وبالنون في اسمه واسم أبيه اختلاف والأكثر على أنه جُرْهُم بضم الجيم والهاء وسكون الراء ابن ناشر بالنون وكسر المعجمة» (^٤).\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١/ ١٠٢.\n(^٢) الكواكب الدراري، مرتبة على حسب الصفحات، ٣/ ٥٦، ٨/ ١٩٧، ١١/ ٦٣.\n(^٣) الكواكب الدراري، ١/ ٨١، وينظر تحقيقه في اسم الصحابي الجليل أبي ثعلبة الخُشني، ٢٠/ ٨٠.\n(^٤) السابق، ٢٠/ ٨٠، وقيل في اسمه جُرثوم، وجُرثم، وقيل في اسم أبيه، ناشر، وناسم، ولاسر … ينظر الإصابة في تمييز الصحابة، ٧/ ٥٠.","vol":"1","page":278},{"text":"وإن كان للراوي أكثر من اسم ذكر الراجح، وعبّر عن المرجوح بلفظ: «قيل» مثاله قال الكرماني في ترجمة: أبو حُميد عبد الرحمن بن سعد الساعدي المدني: «وقيل اسمه المنذر بسكون النون وكسر المعجمة» (^١).\nوقال في ترجمة:\nعبد الرحمن بن اللتبية «بضم اللام وسكون الفوقانية أو فتحها وكسر الموحدة وشدة التحتانية، ومنهم من يقول بضم الهمزة بدل اللام ففيه أربعة أوجه والأصح: أنه باللام وبسكون المثناة الفوقانية فإنها نسبة على بني لتب قبيلة معروفة» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-197>٨ - ذكر الأسماء المفردة:</span>\nوالأسماء المفردة: «وهي التي لم يشارك من يسمى بشيء منها غيره فيها» (^٣).\nوالأفراد على أقسام:\n\n<span data-type='title' id=toc-198>١ - الرواة الذين لم يشترك معهم أحد في الاسم:</span>\nوقد ذكر الكرماني بعضا منهم:\nقال في: «ورقاء» ابن عمر اليشكري الكوفي أبو بشر، «وهو من أفراد\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٤/ ٥٣.\n(^٢) السابق، ١١/ ١٣٠.\n(^٣) اليواقيت والدرر، زين الدين محمد المناوي، ٢/ ٤٠٩.","vol":"1","page":279},{"text":"الأسماء» (^١).\nوقال في سِيدان الباهلي البصري: «وهو من أفراد الأسماء غريب» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-199>٢ - الرواة الذين لم يشاركهم أحد في الاسم عند البخاري:</span>\nمنهم: عمرو بن خالد بن فروخ الحراني، قال الكرماني ناقلا عن الغساني: «ليس في شيوخ البخاري عمر بن خالد وإنما هو عمرو بن خالد بالواو في جميع الكتاب» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-200>٣ - الرواة الذين انفرد البخاري بالرواية عنهم:</span>\nهناك من الرواة من انفرد البخاري بالرواية عنهم دون مسلم، كما لمسلم رواة انفرد بالرواية عنهم دون البخاري، وقد بيّن ابن حجر ﵀ عدد الرواة الذين انفرد بهما كلا الشيخين عن الآخر فقال: «أن الذين انفرد البخاري بالإخراج لهم دون مسلم أربعمائة وخمسة وثلاثون رجلا. المتكلم فيهم بالضعف (نحو من ثمانين رجلا)، والذين انفرد مسلم بإخراج حديثهم دون البخاري ستمائة وعشرون رجلا. المتكلم فيهم بالضعف منهم مائة وستون رجلا على\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٢/ ١٨٦. وينظر: تهذيب الكمال في أسماء الرجال، المزي،\n٣٠ - / ٤٣٣.\n(^٢) السابق، ٢١/ ٢١، وينظر: تهذيب الكمال في أسماء الرجال، المزي، ١٢/ ٣١٩، وقد أفرد، الحافظ أحمد بن هارون البرديجي البرذعي، كتابًا يخص الأسماء المفردة واسمه «الأسماء المفردة».\n(^٣) الكواكب الدراري، ١/ ١٦٣، وينظر، رجال صحيح البخاري، الكلاباذي، ٢/ ٥٤٠.","vol":"1","page":280},{"text":"الضعف من كتاب البخاري» (^١).\nفكان من منهج الكرماني أنه يشير أحيانا إلى الرواة الذين أخرج لهم البخاري في صحيحه دون الإمام مسلم قال عن: (محمد بن سنان أبو بكر العوقي) (^٢)، تفرد به تفرد به البخاري (^٣).\nوكذلك قال عن محمد بن زياد الألهاني (^٤)، أنه من الرواة الذين تفرد بهم البخاري عن مسلم (^٥).\nوهناك من الرواة من أخرج لهم البخاري في جامعه الصحيح أحاديث مسندة، ومعلقة وغيرها، وكان الكرماني يشير إلى الراوي الذي أخرج له البخاري حديثًا واحدًا مُسنداّ كما قال عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-201>٤ - أفراد الصحيحين البخاري ومسلم:</span>\nأمثال: «زُبَيد أبو عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الكريم اليامي»، وليس في الصحيح زبيدب المثناة المكررة تصغير زيد أخي عمرو عادة (^٧).\n_________\n(^١) هدي الساري، ص ١١.\n(^٢) ينظر: المعلم بشيوخ البخاري ومسلم، لأبي بكر محمد بن خلفون، ص ٢٧٨، ورجال صحيح البخاري، ٢/ ٦٥٢.\n(^٣) الكواكب الدراري، ٣/ ٢١٢.\n(^٤) قال المزي في تهذيب الكمال روى له الجماعة سوى مسلم، ٢٥/ ٢٢١.\n(^٥) الكواكب الدراري، ١٠/ ١٤٨.\n(^٦) السابق، ١٦/ ٢٥٣.\n(^٧) السابق، ١/ ١٨٩.","vol":"1","page":281},{"text":"وأمثال: «أبي جمرة، بالجيم والراء، ابن عمران بن عصام بن ضبيعة الضبعي، قال الكرماني: «قالوا ليس في الصحيحين جمرة ولا أبو جمرة بالجيم خلا هذا، وقال الحاكم أبو أحمد ليس في المحدثين من يكنى أبا جمرة سواه فهو من الأفراد» (^١).\nوقال في ترجمة أبي حُصين ناقلا عن الغساني: «لا أعلم في الصحيحين من اسمه حصين بفتح الحاء ومن يكنى بأبي حصين غير هذا الرجل، وهو عثمان بن عاصم الأسدي الكوفي التابعي الحافظ العثماني كان شيخا ثقة صاحب سنة مات سنة ثمان وعشرين ومائة» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-202>٩ - التنبيه على الخطأ، والاشتباه، والتصحيف في أسماء الرواة:</span>\nمهما بلغت قوة الضبط عند العلماء، فإن الوقوع في الخطأ في ضبط أسمائهم وارد، أو الاشتباه بها وإبدال بعض الأسماء ببعض، وذلك لكثرة الرواة، وتشابه كثير من الأسماء، والألقاب واختلاف اللهجات في النطق بالأسماء …\nقال الإمام مسلم: «فليس من ناقل خبر، وحامل أثر من السلف الماضين الى زماننا وإن كان من أحفظ الناس وأشدهم توقيًا وإتقانا لما يحفظ، وينقل إلا الغلط والسهو ممكن في حفظه ونقله» (^٣).\nقال الإمام أحمد: «ما أكثر ما يخطئ شعبة في أسامي الرجال» (^٤).\n_________\n(^١) السابق، ١/ ٢٠٦.\n(^٢) االكواكب الدراري، ٢/ ٢١٦.\n(^٣) التمييز، الإمام مسلم، ص ١٧٠.\n(^٤) شرح علل الترمذي، لابن رجب، ١/ ١٠٢.","vol":"1","page":282},{"text":"وقيل للإمام مالك إنك تُخطىْ في أسماء الرجال فقال: «هكذاحفظنا، وهكذا وقع في كتابي، ونحن نخطئ، ومن يسلم من الخطأ» (^١).\nوقد نبّه الكرماني على ذلك مما قد يقع الخطأ فيه:\nوقد يقع التصحيف في أسماء الرواة، والتصحيف هو: «تحويل الكلمة من الهيئة المتعارفة إلى غيرها» (^٢).\nوقد يُطلق التصحيف على التحريف، والعكس صحيح، كما يُفهم من كلام الصنعاني، ومال إلى هذا الرأي السخاوي، والشيخ طاهر الجزائري، وغيرهم (^٣).\nوسببه الأخذ من بطون الكتب، وسبيل السلامة منه أن يأخذ المتلقي أسماء الرجال من أفواههم (^٤).\nوقد نبه الإمام الكرماني على التصحيف الذي قد يقع في أسماء الرواة، قال في ترجمة: «جعفر أبو بشر» «وفي بعض النسخ يونس بدله وهو تصحيف من الناسخ» (^٥).\n_________\n(^١) فتح المغيث، ١/ ٥٥٢.\n(^٢) توضيح الأفكار، ٢/ ٢٤٠، وينظر: الجامع لأخلاق الراوي، الخطيب البغدادي،\n١ - / ٢٦٩.\n(^٣) يُنظر: الغاية شرح الهداية، السخاوي، ص ٢٢٢، وتوجيه النظر، طاهر الجزائري،\n٢ - / ٥٩٢.\n(^٤) علوم الحديث لابن الصلاح، ص ٢١٨.\n(^٥) الكواكب الدراري، ١٧/ ١٨٨.","vol":"1","page":283},{"text":"وقال في: «محمد بن حِمْيَر» «ومحمد بن حمير، بكسر المهملة وإسكان الميم، وفتح التحتانية وبالراء. قال الغساني في بعض النسخ حمير بضم المهملة وفتح الميم وهو تصحيف» (^١).\nوينبه الكرماني على أن بعض الأسماء يُحذف منه أحد حروفه تخفيفًا، فلا يُظن هذا أنه من التصحيف، فقال عند ترجمة ميمونة بنت الحارث، «والحارث بالمثلثة وقد يكتب بدون الألف تخفيفًا» (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-203>المبحث الثاني\nذكر ما يتعلق بلقب الراوي وكنيته ونسبه</span>\n<span data-type='title' id=toc-204>١ - تعريف اللقب:</span> أن يدعى الإنسان بغير اسمه من الأوصاف التي تلحقه لسبب، وتجيء مدحًا وهو قليل، مثل: (الصديق، والصادق)، أو ذمًا وهو الغالب، ويقع نسبة لحرفة أو عاهة (^٣).\nوقال الجرجاني: «ما يسمى به الإنسان بعد اسمه العلم؛ من لفظ يدل على المدح أو الذم، لمعنى فيه» (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-205>٢ - تعريف الكنية في اللغة:</span> مصدر كنى بِهِ عَنْ كَذَا يكني أَوْ يكنو إِذا\n_________\n(^١) السابق، ٢٠/ ١١١.\n(^٢) السابق، ٣/ ١٢٨.\n(^٣) تحرير علوم الحديث، عبدالله جديع، ١/ ٨١ - ٨٢.\n(^٤) التعريفات، ص ١٩٣.","vol":"1","page":284},{"text":"تكلم بِشَيْء يسْتَدلّ بِهِ على غَيره، ويقال: اكْتَنى فلان بكذا. وفلان يُكْنى بأبي عبدالله (^١).\nوما اتفق عليه أهل العربية هو: ما صُدّر بأب أو أم، أو ابن أو بنت (^٢).\nوقد بيّن الكرماني أن ما أشعر بمدح أو ذم فهو اللقب، وإمّا أن يُصدّر بنحو الأب والأم وهو الكنية، وأتى بمثال عن سيدنا محمد ﷺ أن اسمه محمد، وكنيته أبو قاسم، ولقبه رسول الله ﷺ، أو سيد المرسلين مثلًا (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-206>٣ - أهمية علم الكنى والألقاب:</span>\nقد يحصل الإشكال بين الاسم والكنية، وبين الكنية واللقب، لأنه قد يُصدّر الاسم بأب ك «أبو بكر» وك «أم كلثوم» فيكون الاسم أبو بكر، والكنية أبو عبد الرحمان.\nوقد تتعدد الأسماء والألقاب، والكنى لذات الشخص، فيذكر الراوي مرة في كنية أو لقب غير المعروف بهما، أو أن الراوي يُذكر في السند بلقبه دون اسمه، فيُظن أنه اسمه، وقد وقع هذا عند بعض المحدثين «كعلي بن المديني\nوعبد الرحمن بن يوسف بن خراش وأبي أحمد بن عدي؛ إذ فرقوا بين عبدالله بن أبي صالح أخي سهيل وبين عباد بن أبي صالح، وجعلوهما اثنين، وليس عباد\n_________\n(^١) ينظر مادة (كنى) الصحاح وتاج اللغة، ٦/ ٢٤٧٧، والكليات لأبي البقاء الحنفي، ٧١٦، والقاموس الفقهي، سعدي أبو جيب ص ٣٢٥.\n(^٢) تاج العروس، ٨/ ٣٧٧.\n(^٣) ينظر الكواكب الدراري، ٢/. ١١٦.","vol":"1","page":285},{"text":"بأخ لعبدالله» (^١).\nوهناك من لا يُعرف إلا باسمه دون كنيته، والعكس صحيح، وهناك من اسمه كنيته فيدخل الإشكال ويُظن أن الراوي غير المقصود.\nفمعرفة الأسماء والكنى والألقاب ترفع ظن الواحد جماعة (^٢)، وقال ابن كثير عن فائدة علم الألقاب: «وفائدة هذا العلم لا يظن أن هذا اللقب لغير صاحب الاسم» (^٣).\nوقد قال ابن الصلاح عن فائدة علم الكُنى: «وهذا فن مطلوب، لم يزل أهل العلم بالحديث يعنون به ويتحفظونه ويتطارحونه فيما بينهم ويتنقصون من جهله» (^٤).\nوقد قسّم ابن الصلاح أصحاب الكنى إلى عشرة ضروب (^٥).\nولأهمية هذا الفن وخطورة الجهل فيه، صُنّفت فيه مصنفات كثيرة منها كتاب: «الأسامي والكنى» لأبي أحمد الحاكم (^٦)، وكتاب: «نزهة الألباب في\n_________\n(^١) فتح المغيث، ٤/ ٢٢٠، وشرح نخبة الفكر للقاري، ص ٧٤٨.\n(^٢) التوضيح الأبهر، السخاوي، ص ٩٥.\n(^٣) الباعث الحثيث، ١/ ٢٢٠، وتدريب الراوي، ويُنظر تدريب الراوي، ٢/ ٧٨٠.\n(^٤) معرفة علوم الحديث، ص ٢٣٠.\n(^٥) السابق، ص ٤٣٥ - ٤٤١.\n(^٦) الحاكم الكبير محمد بن محمد بن إسحاق النيسابوري الكرابيسي، كان إمام عصره\nفي الصنعة، وكان من الصالحين وماشيًا على سنن السلف، وصنف في العلل، والشروط، (ت ٣٩٨ هـ)، ينظر: لسان الميزان، ابن حجر، ٧/ ٢٦٢، وذيل ميزان الاعتدال، زين الدين العراقي، ١/ ٢١٢.","vol":"1","page":286},{"text":"الألقاب» لابن حجر العسقلاني، وغيرها.\nوقد ظهرت عناية الكرماني بألقاب الرواة وكناهم في شرحه، من ذلك\nما قاله في ترجمة» «أبو بحر بن قيس التميمي البصري التابعي، قالوا اسمه الضحاك وقيل صخر والأحنف لقبه» (^١).\nوقال عن: «محمد بن حرب» «محمد بن حرب، هو الأبرش أي الذي فيه نكت صغار تخالف سائر لونه» (^٢).\nويذكر سبب لقب الراوي، فقد قال في الراوي: محمد بن جعفر أبو عبدالله الهُذلي، الملقب ب (غُنْدَر) «والغندرة التشغيب، وأهل الحجاز يسمون المشغب غُندرًا، وسبب تسميته به أن ابن جُريج قدم البصرة فاجتمع الناس عليه، فحدّث بحديث عن الحسن وأنكر الناس عليه وكان محمد يُكثر الشغب عليه فقال اسكت يا غُنْدَر» (^٣).\nومن ذلك ما قاله عن «محمد بن ميمون السكري» «وإنما سمي السكري لحلاوة كلامه وقيل لأنه كان يحمل السكر في كمه» (^٤).\nومن ذلك ما قاله في ترجمة «محمد بن على بن الحسين بن على بن أبي طالب\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١/ ١٤٢.\n(^٢) الكواكب الدراري: ٢/ ٥١.\n(^٣) السابق، ١/ ١٤٤.\n(^٤) السابق، ٣/ ١٣٨.","vol":"1","page":287},{"text":"الهامشي … المعروف بالباقر، سُمى به لأنه بقر العلم أي شقه بحيث عرف حقائقه» (^١).\nوقال في «نُعيم المُجْمَر» (وسمي به لأنه كان يجمر المسجد أي يبخره بالعود ونحوه» (^٢).\nوغير ذلك من الأمثلة التي بيّن فيها أسباب الألقاب.\nوقد يُطلق على الراوي لقبا على خلاف ظاهره ومُراده وكان الكرماني يشير إلى ذلك ويبينه، من ذلك ما قاله في ترجمة: «يزيد بن صهيب الملقب بالفقير» «قيل شكا فقار ظهره فقالوا الفقير» (^٣).\nوقال في: «محمد بن الفضل السدوسي البصري» «المعروف بعارم، وهو لقب له رديء لأن العارم الشرير المفسد وكان ﵁ بعيدًا منه، لكن لزمه هذا اللقب فاشتهر بهن روى عنه الذهلي وقال كان بعيدًا من العرامة» (^٤).\nفائدة:\nهل يجوز ذكر الراوي بلقبه؟\nنقل الكرماني أقوال العلماء في ذلك فقال: «قال العلماء يجوز ذكر الراوي بلقبه أو صفته التي يكرهها إذا كان المراد تعريفه لاإنقاصه، وجوّزوا ذلك كما\n_________\n(^١) السابق، ٣/ ١٥.\n(^٢) السابق، ٢/ ١٧١.\n(^٣) السابق، ٣/ ٢١٢.\n(^٤) الكواكب الدراري، ١/ ٢١٩.","vol":"1","page":288},{"text":"جوزوا جرحهم للحاجة» (^١).\nوقد قال العلماء أن هناك أمورًا ليست من الغيبة، «وقد حصر بعضهم\nما لا يعد غيبة في ستة أشياء ونظمها في قوله:\nالقدحُ ليس بغيبةٍ في ستةٍ … متظلمٍ ومعرفٍ ومحذّرِ\nولمظهرٍ فسقًا ومستفتٍ ومن … طلبَ الإعانةَ في إزالةِ منكرِ (^٢)\nويندرج التعريف بالرواة وذكرهم بألقابهم تحت هذه الأمور الست، ويجوز ذكر الإنسان بلقبه، للتعريف، لأن هناك من الناس من لايُعرف إلا بلقبه (^٣).\nكما ظهرت عناية الكرماني بالتعريف بكنى الرواة مثال ذلك، قال عن عوف ابن أبي جميلة: «كنيته أبو سهل» (^٤)، وقال عن «جعفر بن أبي طالب ﵁» «وكنيته أبو عبدالله» (^٥)، وقال عن: «عمروبن دينار» «وكنيته أبو محمد» (^٦).\nوكان من منهج الإمام الكرماني الإشارة لكل مايتعلق بالكنية من ذلك:\n_________\n(^١) السابق، ٢/ ١٣٤.\n(^٢) إعانة الطالبين على حل ألفاظ فتح المعين، لأبي بكر الدمياطي الشافعي، ٣/ ٣١٢.\n(^٣) ينظر تفصيل المسألة في رياض الصالحين، للإمام النووي، ص ٤٣٢، وإحياء علوم الدين، للإمام الغزالي، ٣/ ١٥٢ - ١٥٣.\n(^٤) الكواكب الدراري، ١/ ١٨٤.\n(^٥) السابق، ١٥/ ٢.\n(^٦) السابق، ٢٣/ ٥٢.","vol":"1","page":289},{"text":"بيان من وافق اسمه كنيته:\nومن كانوا من هذا النوع قليلون (^١)، وقد نبّه الكرماني على من وافق اسمه كنيته، قال في أبي كبشة: «اسمه كنيته» (^٢) وقال عن: «أبو عبيدة بن عبدالله: «وقال أبو زرعة (^٣) اسمه وكنيته (^٤) واحد» (^٥).\nبيان من غلبت عليه كنيته: ويشير الكرماني إلى من غلبت عليه كنيته قال في ترجمة أبو حُميد عبد الرحمن بن سعد الساعدي «غلبت عليه كنيته» (^٦).\nوقال في أبي أيوب خالد بن زيد بن كليب الخزرجى الصحابي الجليل «ممن غلبت عليه كنيته» (^٧).\nوممن غلبت عليه كنيته، الصحابي الجليل: «عمرو بن قيس بن\nزائدة القرشي العامري» ابن أم مكتوم، قال الكرماني «وهو مشهور بالكنية\n_________\n(^١) نزهة النظر، بتحقيق د. عتر ص ١٤٠.\n(^٢) الكواكب الدراري، ١١/ ١٥١.\n(^٣) عبد الرحمن بن عمرو، الحافظ أبو زرعة النصري الدمشقي، محدث الشام، الملقب بشيخ الشباب، روى عن: أحمد بن خالد الوهبي، وأبي نعيم، وعنه خلق كثير، (ت ٢٨١ هـ). تاريخ الإسلام، الذهبي، ٦/ ٧٧٢.\n(^٤) ينظر قول أبي زرعة عند ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، ٩/ ٤٠٣.\n(^٥) السابق، ٨/ ١١.\n(^٦) السابق، ٤/ ٥٣.\n(^٧) السابق، ٢/ ١٨٨.","vol":"1","page":290},{"text":"كأمه ﵁» (^١).\nوهناك من كان كنيته كاسم جده وكنيته مثل الصحابي االجليل: أسعد بن سهل بن حنيف أبو أمامة، قال الكرماني: «سماه النبي ﷺ أسعد وكناه أبا أمامة باسم جده لأمه وكنيته» (^٢) أي أسعد بن زرارة، جد أسعد بن سهل، وكنية أسعد بن زرارة أبو أمامة (^٣).\nوكما أن لبعض الأسماء مالايشترك فيها أحد، كذلك الألقاب فقد قال الكرماني عن: «نصر ابن عمران الضبعي وكنيته أبو جمرة» (^٤)، «وقال الحاكم أبو أحمد ليس في المحدثين من يُكْنى أبا جمرة سواه فهو من الأفراد» (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-207>٤ - العناية بأنساب الرواة:</span>\nتعريف النسب: النسب في اللغة: يعني القرابة، (أي قرابة الدم والقُرْبَى في الرحم)، وقيل: النسبة مصدر الانتساب، وقال ابن السكيت: ويكون من قبل الأم والأب، وقال اللبي: النسب معروف وهو أن تذكر الرجل فتقول: هو فلان\n_________\n(^١) السابق، ٥/ ١٨.\n(^٢) الكواكب الدراري: ١/ ١١٨.\n(^٣) ينظر أسد الغابة، ١/ ٢٠٥.\n(^٤) قال ابن حجر: مشهور بكنيته ثقة ثبت من الثالثة، تقريب الهذيب، ١/ ١٠٠٠، وقال في الفتح: «وليس في البخاري ما يشتبه به من الكنى غير أبي حمزة الأنصاري الراوي عن زيد بن أرقم» ١/ ٢١٠.\n(^٥) الكواكب الدراري، ١/ ٢٠٦.","vol":"1","page":291},{"text":"ابن فلان، وقد يُنسب الرجل إلى قبيلة أو بلد أو صناعة (^١).\nعُرف عن العرب في جاهليتهم العناية بالأنساب، فكانوا يحفظونها ويعلموها لأولادهم، وجاء الإسلام وأقرهم عليها، أخرج الترمذي في سننه: «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَعَلَّمُوا مِنْ أَنْسَابِكُمْ مَا تَصِلُونَ بِهِ أَرْحَامَكُمْ، فَإِنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ مَحَبَّةٌ فِي الأَهْلِ، مَثْرَاةٌ فِي المَالِ، مَنْسَأَةٌ فِي الأَثَرِ» (^٢).\nوقد صُنفت مصنفات كثيرة في هذا العلم، ومن أهم هذه المصنفات، كتاب: «الأنساب»، لأبي سعيد عبد الكريم بن محمد السمعاني، وكتاب: «اللباب في تهذيب الأنساب» لأبي الحسن الأثير ابن الجزري، وكتاب: «أنساب المحدثين» لمحب الدين محمد بن محمود بن النجار البغدادي (^٣).\nوقد أولى الإمام الكرماني عنايته بذكر أنساب الرواة، على اختلاف أنواعها، وتنقسم إلى عدة أمور:\n\n<span data-type='title' id=toc-208>١ - يذكر نسب الراوي:</span>\nمن المعروف عند العلماء أن هناك من الرواة من يُنسب لأبيه، ومنهم من يُنسب لأمه، ومنهم لقبيلته …، وقد يقع الإشكال في ضبط اسم الراوي، ولا يُعرف بعدها من روى الحديث.\n_________\n(^١) ينظر مادة (نسب)، تهذيب اللغة، ٩/ ١١٠، وتاج العروس، ٤/ ٢٦٠، ومعجم الصواب اللغوي، ٩/ ١١٠.\n(^٢) أخرجه الترمذي، كتاب: البر والصلة، بَابُ: مَا جَاءَ فِي تَعْلِيمِ النَّسَبِ، رقم (١٩٧٩).\n(^٣) ينظر الرسالة المستطرفة، عبد الحي الكتاني، ١/ ٥٢، ٧/ ٣٢، وفهرس الفهارس والأثبات للكتاني، ٢/ ١٠٤٠، وكشف الظنون، ١/ ١٧٩.","vol":"1","page":292},{"text":"فقد كان الكرماني يهتم بذكر أنساب الرواة، وينبه على الإشكال إن وقع.\nمثال على ذلك: قال البخاري: «أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ مُضَرَ عَنْ جَعْفَرٍ عَنِ ابْنِ هُرْمُزَ عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ …».\nفعبدالله ابن بن مالك بن بحينة (^١)، وهو ممن يُنسب لأمه قال الكرماني: «و(بحينة) بضم الموحدة وفتح المهملة وسكون التحتانية وبالنون اسم أم عبدالله فهو منسوب الى الوالدين أسلما قديما وصحب النبي ﷺ وكان ناسكا فاضلا يصوم الدهر مات زمن معاوية. ثم ينقل الكرماني عن النووي: الصواب في أن ينون الملك ويكتب ابن بالألف لأن ابن بحينة ليس صفة لمالك بل صفة لعبدالله لأن عبدالله اسم أبيه مالك واسم أمه بحينة فبحينة امرأة مالك وأم عبدالله فليس الابن واقعا بين علمين متناسلين» (^٢).\nثم بين النووي الفائدة من ذلك فقال: «ولو قرئ بإضافة مالك إلى بن فسد المعنى واقتضى أن يكون مالك ابنًا لبحينة وهذا غلط وإنما هو زوجها».\nوقد بين البخاري في التاريخ الكبير فقال: «وقال بعضهم: مالك ابن\n_________\n(^١) بنت الحارث، وقيل: إنها أزدية، واسم أبيه مالك بن القشب الأزدي، من أزد شنوءة، كان حليفًا لبني المطلب بن عبد مناف، وله صحبة، وقد ينسب إلى أبيه وأمه معا، فيقال: عبدالله بن مالك بن القشب الأزدي، من أزد شنوءة، وبحينة أمه بنت الحارث بن المطلب بن عبد مناف، وقد يُنسب لأبيه وأمه معًا فيقال: عبدالله بن مالك بن بحينة. كان حليفًا لبني عبد المطلب بن عبد مناف، وله صحبة، كان ناسكًا فاضلًا يصوم الدهر، مات في زمن معاوية ﵁، أسد الغابة، ٣/ ١٨٢.\n(^٢) شرح مسلم ٤/ ٢١٠. وانظر كلاما لابن الجوزي قريبا من كلام النووي في كتاب: كشف المشكل من حديث الصحيحين ٤/ ٦٧.","vol":"1","page":293},{"text":"بحينة، والأول أصح» (^١).\nويقصد بقوله الأول أصح أن اسمه الصحيح هو: عبدالله بن مالك ابن بحينة.\nوقال ابن حجر رحمه الله تعالى: «وهذا لا يعل أي الخلاف في الاسم هذا الخبر لأن أهل النقد اتفقوا على أن رواية أهل العراق له عن سعد فيها وهم والظاهر أن ذلك من سعد بن إبراهيم إذ حدث به بالعراق وقد اغتر بن عبد البر بظاهر هذا الإسناد فقال لعبدالله بن بحينة ولأبيه مالك صحبة والله أعلم الحديث» (^٢).\nقال في ترجمة الصحابي الجليل: «زيد بن خالد الجُهني» «منسوب إلي جهينة بن يزيد بن ليث» (^٣).\nقال عن: «عبد الأعلى» «هو ابن عبد الأعلى السامي منسوب إلى أسامة ابن لؤي القرشي البصري» (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-209>٢ - بيان من نُسب إلى مكان:</span>\nكأن يُنسب الراوي إلى بلد ما، من ذلك ما قاله عن: «قتيبة هو أبو رجاء ابن سعيد بن جميل البَغْلاني، منسوب إلى بغلان بفتح الموحدة وسكون الغين\n_________\n(^١) التاريخ الكبير، البخاري، ٥/ ١١.\n(^٢) فتح الباري، ١/ ٣٥٢.\n(^٣) الكواكب الدراري، ٢/ ٨٠.\n(^٤) السابق، ١/ ٩٠.","vol":"1","page":294},{"text":"المعجمة قرية من قرى بلخ» (^١).\nوقال في «محمد بن حوشب الطائفي» «منسوب إلى بلد بقرب مكة المكرمة» (^٢).\nوقال في: «بَهز الجُدّي» ضابطًا حركات النسب «منسوب إلى جُدّة\nالتي بساحل البحر من ناحية مكة وهو بالجيم المضمومة وتشديد\nالمهملة» (^٣).\nوقال عن «عمرو بن ميمون الجزري» «منسوب إلى جزيرة الرفى» (^٤).\nومن ذلك قوله عن «سعيد بن سعيد المُقبري» مبينًا الأقوال في سبب النسبة (منسوب إلى مقبرة بمدينة رسول الله ﷺ كان مجاورًا لها وقيل كان منزله عند المقابر وقيل جعله عمر ﵁ على حفر القبور ويحتمل أنه اجتمع فيه الأمران» (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-210>٥ - بيان من نُسب إلى قبيلته:</span>\nومن الجدير بالذكر أن الكرماني كان يعرّف بقبيلة الراوي، ويشير إلى المنتسبين إليها من ذلك قال عن هشام هو «ابن عروة بن الزبير بن العوام بن\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١/ ١٣٣.\n(^٢) السابق، ٢٤/ ٦٣.\n(^٣) السابق، ٣/ ١١٥.\n(^٤) السابق، ٣/ ٨١.\n(^٥) السابق، ١/ ١٦١.","vol":"1","page":295},{"text":"خويلد … القرشي الأسدي» (^١) وقال عن عبادة بن الصامت الأنصاري (^٢).\nمثاله: «وإن أويسًا منسوب إلى قبيلة يقال لهم بنو قَرْن» (^٣).\nوقال الكرماني في موضع آخر مصححًا لمن أخطأ في اسم ونسب أويس القرني «وقَرْن بفتح القاف وإسكان الراء، جبل مدور أملس كأنه بيضة معلل على عرفات، قالوا غلط الجوهري (^٤) في صحاحه غلطين فقاله: بفتح الراء وزعم أن أويسا القرني منسوب إليه، والصواب سكون الراء وأن أويسا منسوب إلى قبيلة يقال لهم بنو قرن، وهو على نحو مرحلتين من مكة واقرب المواقيت إليها» (^٥).\n«أبو طلحة اسمه زيد الأنصاري النجاري وتسمى القبيلة ببني النجار لأن جدهم نجر وجه رحله بالقدوم» (^٦).\n_________\n(^١) السابق، ١/ ٢٤.\n(^٢) السابق، ١/ ١٠٤.\n(^٣) السابق، ٢/ ١٦٤.\n(^٤) إسماعيل بن حمّاد الجوهري، إمام في علم اللغة، ويُضرب المثل بحسن خطه، وهو من فرسان الكلام، وممّن آتاه الله قوّة بصيرة، وحسن سريرة وسيرة، وله (كتاب: الصّحاح فى اللغة)، و(العروض) وغيرها، (ت ٣٩٣ هـ)، ينظر: إنباه الرواة على أنباه النحاة، جمال الدين القفطي، ١/ ٢٢٩، وبغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، للسيوطي، ١/ ٤٤٦.\n(^٥) الكواكب الدراري، ٢/ ١٦٤.\n(^٦) السابق، ٢٠/ ٢٣.","vol":"1","page":296},{"text":"وقال كذلك: «عبد الوهاب هو أبو محمد بن عبد المجيد الثقفي البصري، منسوب إلى ثقيف جد القبيلة» (^١).\nوقال عن عبد الرحمن بن عبد القاري، «منسوبا إلى القارة التي هي قبيلة المدني» (^٢).\nويذكر نسبة الراوي إلى بطن القبيلة كما قال عن أبي عبدالله اليزني: «أبي الخير هو مرثد بالميم المفتوحة، والراء والثاء المثلثة، أبو عبدالله اليَزَني منسوب إلى يزن بطن من حِمْير» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-211>٦ - بيان من نُسبوا من الرواة لغير آبائهم:</span>\nقال السيوطي: «وفائدة هذا النوع دفع توهم التعدد عند نسبتهم إلى آبائهم وهم على أقسام:\nالأول: من نُسب إلى أمه، كمعاذ ومُعوذ ابني عفراء.\nالثاني: من نسب (إلى جدته) دنيا، أو عليا، (كيعلى بن منية).\nالثالث: (الثالث: من نسب إلى جده) منهم: (أبو عبيدة بن الجراح رضي الله تعالى عنه عامر بن عبدالله بن الجراح.\nالرابع: من نسب (إلى أجنبي لسبب: كالمقداد بن عمرو) بن ثعلبة …» (^٤).\n_________\n(^١) السابق، ١/ ٩٩.\n(^٢) السابق، ٩/ ١٥٣.\n(^٣) السابق، ١/ ٩٢.\n(^٤) تدريب الراوي، ٢/ ٨٤٥ - ٨٥٠.","vol":"1","page":297},{"text":"وقد بيّن الكرماني في بعض التراجم، من نُسب لغير أبيه، مبينًا السبب في ذلك.\nقال في ترجمة: «منصور ابن صفية» «هو ابن عبد الرحمن الحجي العبدري المكي كان يحجب البيت وهو شيخ كبير وإنما نُسب إلى أمه لأنه اشتهر بها ولأنه روى عنها» (^١) وهو من قسم الأول الذي ذكره السيوطي.\nوقال في ترجمة: «يزيد بن خُصيفة» «يزيد بالزاي ابن عبدالله بن خصيفة بضم الخاء المعجمة وفتح المهملة وسكون التحتانية وبالفاء الكوفى المدني … وقد نسب إلى جده تخفيفا» (^٢) وهو من القسم الثالث.\nويذكر الكرماني نسبة الراوي إلى جده ومن ذلك ذكره لنسب: أبي سعيد الخدري ﵁: «أبو سعيد هو سعد بن مالك، بن سنان الخزرجى، الأنصارى الخُدْري بضم الخاء المعجمة وسكون الدال المهملة، منسوب الى خَدْرة أحد أجداده أو إحدى جداته» (^٣).\nومن ذلك: «إسحق بن نصر منسوب إلى جده إذ هو إسحق بن إبراهيم ابن نصر» (^٤) وفي: «إسحق بن إبراهيم بن يزيد» (^٥).\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٣/ ١٦٢.\n(^٢) السابق، ٤/ ١٣٣.\n(^٣) السابق، ١/ ١٠٩.\n(^٤) السابق، ١١/ ٩٦.\n(^٥) السابق، ١٥/ ١١٠.","vol":"1","page":298},{"text":"ويذكر نسبة الراوي إلى جده الأعلى من ذلك: «أبو بكر الحميدي عبدالله ابن الزبير ابن عيسى بن عبيدالله بن الزبير بن عبيدالله بن حميد القرشي الأسدي منسوب إلى جده الأعلى» (^١)، ومنه: «عبد الرحمن بن الغسيل، كان جده الأعلى واسمه حنظلة غسلته الملائكة حين استشهد جنبا» (^٢).\nويذكر نسبة الراوي إلى جد أبيه، مبينا عدم الاشتباه براو آخر «صالح هو ابن صالح بن مسلم ابن حيان أبو حسن الهمداني الكوفي ونسبه إلي جد أبيه وليس المراد به صالح بن حيان القرشي» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-212>٧ - التنبيه على الموالي من الرواة:</span>\nقال ابن الصلاح: «الظاهر في المنسوب إلى قبيلة كما إذا قيل: «فلان القرشي» أنه منهم صليبة، فإذا بيان من قيل فيه «قرشي» من أجل كونه مولى لهم مهم» (^٤).\nيتنوع الولاء إلى أقسام:\nإذا قيل في الراوي: «مولى فلان»، أو «لبني فلان» فيراد به مولى العتاقة وهو الأغلب.\n(ومن أُطلق عليه لفظ: «المولى» يُراد به: بها ولاء الإسلام، كأبي عبدالله\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١/ ١٦.\n(^٢) السابق، ١٥/ ١٧١.\n(^٣) السابق، ٢/ ٨٧.\n(^٤) معرفة علوم الحديث، ص ٤٠٠.","vol":"1","page":299},{"text":"محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي مولاهم، نُسب إلى ولاء الجعفيين، لأن جده أسلم بعد أن كان غير مسلم، ومن الولاة: مولى بولاء الحِلْف والموالاة، كمالك ابن أنس، ونفره هم: أصبحيون حميريون صليبة، وهم موال لتيم قريش بالحِلْف، وقسم رابع كما إذا قيل في الراوي «مولى ابن عباس» للزومه إياه) (^١).\nوقد بيّن الكرماني الموالي في الرواة أثناء ترجمته لهم فقال في: «يونس بن يزيد» «القرشي مولى معاوية بن أبي سفيان» (^٢) وقال في: «زيد بن أسلم» «مولى عمر بن الخطاب ﵁» (^٣).\nوقال عن سالم مولى أبي حذيفة: (من فضلاء الموالي ومن خيار الصحابة وهو معدود في المهاجرين، وهو من القراء الذين أمر النبي ﷺ أخذ القران منهم، وشهد بدر واستشهد يو اليمامة) (^٤).\nويبين المنسوبين إلى القبائل من مواليهم فقال في: «أبو معاوية» يعني الضرير محمد بن خازم، وليس في البخاري خازم بالإعجام إلا أبو هذا الرجل وهو مولى لتميم» (^٥) وقال في «أبي نُعيم الفضل بن دُكين»، «واسمه عمرو بن\n_________\n(^١) السابق، بتصرف، ٣٩٩ - ٤٠٠، وبلوغ الآمال من مصطلح الحديث والرجال، ص ٦٨٨ - ٦٨٩.\n(^٢) الكواكب الدراري، ١/ ٤٣.\n(^٣) السابق، ١ - ١٣٥.\n(^٤) السابق، ٥/ ٧٥.\n(^٥) السابق، ١/ ٩٠.","vol":"1","page":300},{"text":"حمّاد القرشي التيمي الطلحي مولى آل طلحة بن عبيدالله الكوفي الملائي» (^١).\nوقال في: «موسى بن عقبة» «أبو الأسدى التابعي مولى أل الزبير بن العوام صاحب المغازي» (^٢).\nوقال في: «عبد الرزاق الصنعاني» «هو ابن همّام بن نافع أبو بكر الحمْيَري مولاهم اليماني الصنعاني» (^٣)، وقال في: «الحكم بن عُتيبة»، «ابن المنهال أبو محمد أو أبو عبدالله مولى امرأة من بني عدي بن كندة الكوفي» (^٤).\nوقد ينسب إلى القبيلة، مولى مولاها، كما قال في: «أبو أسامة» «هو حمّاد مولى لمولى الحسن بن علي رضي الله تعالى عنه» (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-213>٨ - بيان النسب التي على خلاف ظاهرها:</span>\nويقصد بها أن يُنسب الراوي نسبة مجازية لغير بلده، لأنه نزل واستوطن في غيرها، فغلبت عليه التسمية الثانية، وذلك كأبي مسعود البدري نزل بدرًا، فنُسب إليها، ولم يشهد موقعتها (^٦).\nوقال عن: «خالد بن مهران الحذّاء البصري» (قيل إنه ما حذا نعلًا قط،\n_________\n(^١) السابق، ١/ ٢٠٢.\n(^٢) السابق، ٢/ ١٧٨.\n(^٣) السابق، ١/ ١٧٠.\n(^٤) السابق، ٢/ ١٣٢.\n(^٥) السابق، ٢٠/ ١٠٨.\n(^٦) المنهل الروي، ص ١٣١.","vol":"1","page":301},{"text":"ولا باعها ولكن تزوج امرأة فنزل عليهما في الحذائيين، فنسب إليهم وقال ابن سعد لم يكن بحذاء، ولكن كان يجلس إليهم وقال غيره لم يحذ خالد قط، وإنما كان يقول احذروا علي هذا النحو وعلي هذا الحديث لقب بالحذاء» (^١).\nوقد بين الكرماني هذه النسب التي على خلاف ظاهرها أثناء ترجمته للرواة، من ذلك ما قاله في: «محمد بن عبدالله بن المثنى الأنصاري» شيخ البخاري، «قد نُسب إلى الجمع لأنه كالعلم لأصحاب المدينة الذين آوو ونصروا» (^٢).\nوقال في: «خالد بن يزيد المصري» «هو ابن يزيد من الزيادة المصري أبو عبد الرحيم الأسكندراني البربري الأصل» (^٣).\nوقال في: «هشام البصري الدّسْتُوائي» «ودستواء كورة من كور الأهواز كان يبيع الثياب التي تجلب منها فنسب إليها» (^٤).\nومن ذلك ما قاله في «سعيد بن الربيع الهروي» «كان يبيع الثياب الهروية فنسب إليها وهو العامري البصري» (^٥).\n* * *\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٢/ ٤٨.\n(^٢) السابق، ٧/ ٢١٢، ومحمد بن عبدالله، ابن المثنى الأنصاري النجاري الأنسي البصري الفقيه قاضي البصرة ثم قاضي بغداد، ميزان الاعتدال، ٦/ ٢٠٨.\n(^٣) الكواكب الدراري، ٢/ ١٧١.\n(^٤) السابق، ١/ ١٧٤.\n(^٥) السابق، ٩/ ٣٤.","vol":"1","page":302},{"text":"<span data-type='title' id=toc-214>المبحث الثالث\nذكرما يتعلق بشيوخ الراوي وتلامذته ومكانته ووفاته</span>\n<span data-type='title' id=toc-215>١ - ذكر شيوخ الراوي وتلامذته:</span>\nكما أن الكرماني يبين شيوخ الراوي، ومن سمع منهم، قال في ترجمة: «إسماعيل» «هو ابن أبي خالد أبو عبدالله البَجلي … سمع جماعة من الصحابة والتابعين» (^١).\nوقال عن: «أبو عمرو مرزوق البصري أبو عثمان الباهلي» أنه سمع من قتادة ومن الحسن (^٢).\nويبيّن الكرماني تلامذة الراوي ومن أخذ عنه، قال عن الحُميدي أبو بكر عبدالله ابن الزبير، أنه صاحب الشافعي وأخذ عنه (^٣).\nوقال عن: «قتيبة ابن سعيد الثقفي البلخي» روى عنه الشيوخ الستة أصحاب الأصول (^٤).\nوقال عن: «منصور» «هو ابن عبد الرحمن التيمى روى عنه الثورى وابن عيينة» (^٥).\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ا/ ٨٧.\n(^٢) السابق، ٣/ ١٥٣.\n(^٣) السابق، ٢/ ٤٢.\n(^٤) السابق، ١/ ١٩٠.\n(^٥) السابق، ١٩/ ١٢٣.","vol":"1","page":303},{"text":"<span data-type='title' id=toc-216>٢ - بيان مكانة الراوي ومناقبه، وغرائبه:</span>\nيذكر الكرماني مناقب الرواة، وورعهم، وأهم ما تميزوا به، ويتوسع في مناقب الصحابة الكرام ﵃، والمكثرين منهم في الرواية عن رسول الله ﷺ، ويفعل هذا مع أئمة التابعين من الأعلام المشهورين.\nقال الكرماني في ترجمة: «عبدالله بن عباس ﵄» «يُلقب بحبر الأمة والبحر لكثرة علمه وفضله … ابن عم رسول الله ﷺ وأمه أم الفضل أخت ميمونة زوج رسول الله ﷺ، دعا له رسول الله ﷺ فقال: اللهم علمه الكتاب (^١) وفي رواية اللهم فقهه في الدين (^٢)، وقال ابن مسعود نِعم ترجمان القرآن ابن عباس … وتعظيم عمر بن الخطاب له وتقديمه على الصغار والكبار معروف … وابن عباس أحد الستة الذين هم أكثر الصحابة رواية عن رسول الله ﷺ» (^٣).\nكما أن الكرماني يذكر عدد الأحاديث التي رواها الصحابي، وكم أخرج البخاري منها في صحيحه قال عن ابن عباس ﵄، «روى له عن رسول الله ﷺ ألف حديث وستمائة حديث وستون حديثا، ذكر البخاري منها مائتين وخمسة عشر» (^٤).\nوقال في ترجمة «زيد بن خالد الجُهني» «له أحد وثمانون حديثا ذكر\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: العلم، باب: قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «اللهُمَّ عَلِّمْهُ الكِتَابَ» بَابُ: قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «اللهُمَّ عَلِّمْهُ الكِتَابَ»، رقم (٧٥).\n(^٢) أخرجه البخارين كتاب: الوضوء، باب: وَضْعِ المَاءِ عِنْدَ الخَلَاءِ، رقم (١٤٣).\n(^٣) الكواكب الدراري، ١/ ٤٦.\n(^٤) السابق، ١/ ٤٦.","vol":"1","page":304},{"text":"البخاري منها خمسة» (^١).\nكما أنه يشير إلى عدد الأحاديث التي تفرد به البخاري من جملة\nما للصحابي من حديث قال عن حذيفة بن اليمان ﵁: «روى له عشرين حديثا تفرد البخاري منها بثمانية» (^٢).\nوقال في ترجمة: «عمر بن الخطاب ﵁»: «أسلم ﵁ بمكة قديمًا وشهد مع رسول الله ﷺ، بدرا والمشاهد كلها، وهو أول من سُمي بأمير المؤمنين من الخلفاء وليَ الخلافة عشرة سنين وخمسة أشهر أو ستة أشهر … ومناقبه أكثر من أن تحصى» (^٣).\nويذكر آخر الصحابة موتًا في البلد التي مات فيها، كما قال عن الصحابي الجليل أنس بن مالك ﵁، أنه آخر الصحابة موتًا في البصرة، (^٤) وآخر من مات في المدينة، وهو سهل بن ساعد الساعدي، (^٥) ومن هو آخر من مات منهم مطلقًا كأبي الطفيل عامر بن واثلة الكناني (^٦)،\nوأحيانا يستطرد الكرماني في بعض التراجم، فعند ترجمته لأم المؤمنين السيدة عائشة ﵂، راح يذكر الخلاف الحاصل بين العلماء، من دخول أزواج\n_________\n(^١) السابق، ٢/ ٨٠.\n(^٢) السابق، ٢/ ١٠.\n(^٣) السابق، ١/ ١٦.\n(^٤) الكواكب الدراري، ١/ ٩٥.\n(^٥) السابق، ٣/ ١٠٣.\n(^٦) السابق، ٢/ ١٥٤.","vol":"1","page":305},{"text":"النبي ﷺ في آل البيت أم لا (^١).\nوقال في ترجمة حبر الأمة عبدالله بن عباس ﵄: «وهو أحد العبادلة وهم أربعة: عبدالله بن عباس وعبدالله بن عمر، وعبدالله بن الزبير وعبدالله بن عمر وابن العاص، وأما قول الجوهري في الصحاح (^٢) … بدل ابن العاص ابن مسعود فمردود عليه؛ لأنه منابذ لما قال أعلام المحدّثين، كالإمام أحمد ابن حنبل وغيره، وهم أهل هذا الشأن والمرجوع فيه إليهم» (^٣).\nوقال في ترجمة: «محمد بن مسلم بن شهاب الزهري» ذاكرًا أقوال العلماء فيه «هو تابعي كبير سمع عشرة من الصحابة بل أكثر، قال الليث: ما رأيت عالما أجمع من الزهري ولا أكثر علما منه، وقال عمرو ابن دينار: ما رأيت أتقن للحديث من الزهري وما رأيت أحدًا الدينار والدرهم أهون عنده منه أن كانت الدراهم والدنانير عنده بمنزله البعر. قال البخاري في التاريخ: إنه أخذ القرآن في ثمانين ليلة، وعلى الجملة العلماء متفقون على إمامته وجلالته وحفظه وإتقانه وضبطه وعرفانه وقد وصفوه بأنه جمع علم جميع التابعين» (^٤).\nفالكرماني يشير ضمنا في التراجم على تعريف التابعي الذي لقي الصحابي، كما في ترجمته لمحمد بن مسلم بن شهاب الزهري (^٥) وفي ترجمة صالح\n_________\n(^١) السابق، ١/ ٢٥.\n(^٢) نعم وقول الكرماني هو الصواب في ذلك، ينظر: التقريب والتيسير، النووي، ص ٩٣، والتقييد والإيضاح، زين الدين العراقي، ص ٣٠٣.\n(^٣) الكواكب الدراري، ١/ ٤٦،\n(^٤) السابق، ١/ ٣٠، وينظر توسعه في ترجمة: «سفيان الثوري» ١/ ١٥٠.\n(^٥) الكواكب الدراري، ١/ ٣٠.","vol":"1","page":306},{"text":"ابن كيسان أبي محمد الغافري (^١).\nوقال عن عبدالله بن المبارك: «المتفق على جلالته وإمامته وعظم محله، وسيادته وورعه وعبادته وسخائه وشجاعته، تستنزل الرحمة بذكره وترتجى المغفرة بحبه» (^٢).\nويذكر عن الراوي رأيه في مسألة فقهية أو حديثية … كما قال في: «محمد ابن سيرين» «وهو ممن لا يجوّز نقل الحديث بالمعنى، وكان يُحدّث بالحديث على حروفه، وهو ثقة رفيع الرتبة إمام في العلوم ورع في فقهه فقيه في ورعه مشهور بعلم العبارة» (^٣).\nويذكر الكرماني غرائب الراوي، من أقوال أو فتاوى، كما قال في: «عطاء ابن أبي رباح» «من غرائبه أنه قال: إذا كان العيد يوم الجمعة، وجبت صلاة العيد ولا يجب بعدها لا ظهر ولا جمعة ولا صلاة بعد العيد إلى العصر» (^٤).\n_________\n(^١) السابق، ١/ ١١٨.\n(^٢) السابق، ١/ ٤٩.\n(^٣) السابق، ١/ ١٨٤.\n(^٤) الكواكب الدراري، ٢/ ٩١، والخلاف الحاصل أنه إذا صادف يوم العيد في يوم الجمعة، فهل تجب صلاة الجمعة على من صلى العيد؟ قال الحنفية والمالكية بوجوب صلاة الجمعة ولا تسقط عمن صلى العيد، وقال الحنابلة لمن صلى العيد والظهر تسقط عنه الجمعة، ويكون إسقاط الجمعة إسقاط حضور لا إسقاط وجوب، فحكمه كحكم المريض والمعذور، أو شغل يبيح ترك الجمعة، ينظر الموسوعة الفقهية الكويتية، ٢٧/ ٢٠٩، ووجه الغرابة في قول عطاء، قال بوجوب صلاة العيد، وأنه لاصلاة بعدها إلا صلاة العصر!","vol":"1","page":307},{"text":"<span data-type='title' id=toc-217>٣ - يذكر تاريخ ومكان وفاة الراوي:</span>\nإن معرفة تاريخ وفاة الراوي أمر مهم في علم الطبقات، وبه يُعرف اتصال سلسلة السند من انقطاعها، لذلك كان الكرماني يحرص على ذكر تاريخ ومكان وفاة الراوي، قال الكرماني عند ترجمته للصحابي الجليل: «جابر بن عبدالله ﵁» «توفي بالمدينة سنة ثلاث وتسعين وهو ابن أربع وتسعين» (^١).\nوقال في ترجمة التابعي الجليل: «مجاهد بن جبير» (توفي سنة إحدى ومائة بمكة وهو ساجد» (^٢).\nوقال في ترجمة: «عبدالله بن وهب بن مسلم المصري» «توفي بمصر سنة سبع وتسعين ومائة» (^٣) ويذكر الخلاف في تاريخ ومكان وفاة الراوي إن وُجد كما في ترجمته: «ليحيى أبي سعيد بن سعيد بن قيس الأنصاري» «توفي سنة أربع أو ثلاث أو ست وأربعين ومائة بالعراق وقيل بالهاشمية» (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١/ ٤١.\n(^٢) السابق، ١/ ٧٥.\n(^٣) السابق، ٢/ ٣٦.\n(^٤) السابق، ١/ ١٦.","vol":"1","page":308},{"text":"<span data-type='title' id=toc-218>المبحث الرابع ذكر ما يتعلق بالاشتباه والالتباس في أسماء الرواة وأنسابهم</span>\nمن ذلك:\nقد يقع الاشتباه والتداخل في أسماء بعض الرواة وأنسابهم، وذلك لتشابه كثير من الأسماء وقد قسمه العلماء إلى قسمين رئيسين هما: ١ المتفق والمفترق، و٢ والمؤتلف والمختلف.\n\n<span data-type='title' id=toc-219>١ - بيان المتفق والمفترق:</span>\nهو مااتفق لفظًا وخطًا، وهو مختلف في مسمّاه، بمعنى إطلاق الاسم الواحد على أكثر من اسم (^١).\nوللخطيب البغدادي كتاب في هذا العلم اسمه: «المتفق والمفترق» قال في تعريف هذا العلم: «وهو بيان أسماء وأنساب وردت في الحديث متفقة متماثلة وإذا اعتبرت وجدت مفترقة متباينة فلم يؤمن وقوع الإشكال فيها ولو في بعضها لاشتباهها وتضاهيها» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-220>أهمية هذا الفن:</span>\nتكمن أهمية هذا الفن في معرفة الراوي الحقيقي المقصود لاغيره، فيُزال\n_________\n(^١) ينظر فتح المغيث للسخاوي، ٤/ ٢٦٦، ومنهج النقد ص ١٨٠.\n(^٢) المتفق والمفترق، الخطيب البغدادي، ١/ ١٠٥، وكتاب: المتفق والمفترق في الأنساب، محمد بن طاهر بن على بن أحمد بن أبي الحسن الشيباني، المعروف بابن القيسرانى، ينظر، هدية العارفين، إسماعيل محمد البغدادي، ٢/ ٨٢ - ٨٣.","vol":"1","page":309},{"text":"اللبس، فقد يكون أحد الرواة المتفقين ثقة، والآخر ضعيفًا فيُظن أنه المقصود، فيُعكس الأمر (^١).\nوقد قسم ابن الصلاح هذا النوع إلى أقسام:\nالأول: المفترق ممن اتفقت أسماؤهم وأسماء آبائهم.\nالثاني: المفترق ممن اتفقت أسماؤهم وأسماء آبائهم وأجدادهم أو أكثر من ذلك.\nالثالث: ما اتفق من ذلك في الكنية والنسبة معا.\nالرابع: عكس السابق، أي: مااتفق في النسبة فقط.\nالخامس: المفترق ممن اتفقت أسماؤهم وأسماء آبائهم ونسبتهم.\nالسادس: ما وقع فيه الاشتراك في الاسم خاصة، أو الكنية خاصة، وأشكل مع ذلك، لكونه لم يذكر بغير ذلك (^٢).\nوقد أولى الإمام الكرماني عناية خاصة في هذا العلم، عند الأسماء المتشابهة، والتي قد يحصل بسببها اللبس، فكان ينبه على الراوي المقصود، وينبه على عدم الاشتباه بغيره.\nقال في ترجمة: «يحيى بن سعيد القرشي» مبينًا قول سعيد حدثنا أبي «وهو يحيى المذكور آنفًا يحيى بن سعيد البغدادي القرشي وهو غير يحيى بن سعيد القطان وغير يحيى بن سعيد السابق في أول الكتاب في حديث إنما الأعمال بالنية،\n_________\n(^١) فتح المغيث، السخاوي، ٤/ ٢٦٦.\n(^٢) معرفة علوم الحديث، ص ٣٥٨ - ٣٦٢.","vol":"1","page":310},{"text":"لأنه أنصاري مدني تابعي يكنى بأبي سعيد المتوفي سنة ثلاث أو ست وأربعين ومائة، وهذا قرشي عيشمي أموي كوفي سكن بغداد. نعم يحيى السابق من جملة شيوخ يحيى هذا توفي سنة أربع وتسعين ومائة» (^١).\nوبيّن الكرماني الفرق بين من اشتبهت أسماؤهم من الصحابة مثل: «عبدالله بن زيد بن عاصم الصحابي المدني المازني» فقال: «وهو غير عبدالله بن زيد بن عبد ربه صاحب رؤيا الأذان وإن غلط فيه بعض الأكابر يعني ابن عيينة» (^٢).\nفصاحب رؤيا الآذان هو: «عبدالله بن زيد واسم جده عبدربه بن ثعلبة الأنصاري»، والمقصود هو عبدالله بن زيد بن عاصم المازني الأنصاري «اتفقا في الاسم واسم الأب والقبيلة، وافترقا في الجد والبطن من القبيلة، فالأول مازني، والثاني حارثي، وكلاهما خزرجيان، فيدخلان في نوع المتفق والمفترق» (^٣).\nوقال عن: «أبو حازم سليمان الأشجعي الكوفي، «واعلم أن أبا حازم هو من نوع المتشابه في الأسماء لأنه وأبا حازم السابق آنفًا أي في الحديث الذي قبل هذا، وهو أبو حازم سلمة بن دينار الأعرج كلاهما تابعيان يرويان عن الصحابة فاحفظ واعرف الامتياز بينهما» (^٤).\nوقال عن: «ثور بن يزيد «وثور بلفظ الحيوان المشهور (ابن زيد) أخي\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١/ ٨٩/ ٩٠.\n(^٢) السابق، ٢/ ١٧٤.\n(^٣) عمدة القاري، ٢/ ٢٥١، وينظر نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر، ١/ ١٣٣.\n(^٤) الكواكب الدراري، ٤/ ١٠٢.","vol":"1","page":311},{"text":"عمرو المدني الدبلي، وهو غير ثور بن يزيد بلفظ الفعل فإنه شامي كلاعى» (^١).\nومن ذلك قوله عن: «عبّاد ابن عبدالله بن الزبير بن العوام التابعي» «وهو غير عبّاد بن بشر الأنصاري الصحابي القاري المصلي في المسجد فاعرف، فإن لفظ البخاري موهم بكونهما واحدًا وفي بعض النسخ فسمع صوت عباد بن تميم وهو سهو» (^٢).\nومثله قوله عن: «عقبة أي ابن عمرو أبو مسعود البدري، وهو غير عقبة ابن عبد الغافر المذكور آنفًا فلا يلتبس عليك» (^٣).\nوقال عن: «حيوة ابن شريح» «حَيوة، ابن شريح مصغر الشرح المصري وهذا يسمى بالأكبر، وهو غير حيوة ابن شريح الحضرمي فلا يشتبه عليك بالحضرمي» (^٤).\nوقال في ترجمة: «أَبِي يَعْفُورٍ» «أبو يعفور، بفتح التحتانية وإسكان المهملة، وضم الفاء وبالواو وبالراء منصرفًا اسمه: وقْدان بسكون القاف وبإهمال الدال وبالنون العبدي، وهو المشهور بالأكبر، ولهم أبو يعفور آخر مشهور بالأصغر اسمه: عبد الرحمن فلا يشتبه عليك وكلاهما تابعيان» (^٥).\nوفي حديثين متتاليين في البخاري راوٍ اسمه أبو حازم يروي عن أبي\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١٠/ ١٩٣.\n(^٢) السابق، ١١/ ١٧٧.\n(^٣) السابق، ١٤/ ١٠٧.\n(^٤) السابق، ١٧/ ٢٨.\n(^٥) السابق، ٢٠/ ٩١.","vol":"1","page":312},{"text":"هريرة، والثاني يروي عن سهل بن سعد، فنبّه الكرماني أنهما يختلفان عن بعضهما فقال: «واعلم أن أبا حازم الأول الذي روى عن أبي هريرة اسمه سلمان والثاني الراوي عن سهل اسمه سلمة» (^١).\nومن ذلك قال البخاري: «حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِاللهِ ﵁ قَالَ كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ …» (^٢).\nترجم الكرماني ابن نُمير بقوله هو: محمد بن عبدالله بن نمير أبو عبد الرحمن الهمداني الكوفي، وكان قد مر ابن نُمير في باب: إتيان مسجد قباء (^٣) (^٤)، وترجم له أنه عبدالله بن نُمير فكيف فرّق بينهما، وكيف علم أنهما مختلفان؟\nفأجاب الكرماني عن ذلك «قلت علم الفرق بينهما بذكر شيوخهما، ومعرفة طبقتهما وتاريخ وفاتهما، ولعل غرض البخاري في مثل هذا الإبهام\n_________\n(^١) السابق، ٢٣/ ٥٠.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: التهجد، باب: مَا يُنْهَى عَنْهُ مِنَ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، رقم (١١٢٩).\n(^٣) قباء: وهي قرية على ميلين من المدينة على يسار القاصد إلى مكة بها أثر بنيان كثير وهناك مسجد التقوى عامر قدّامه رصيف وفضاء حسن وآبار ومياه عذبة، وهي مساكن بني عمرو بن عوف من الأنصار، ينظر: معجم البلدان ياقوت الحموي، ٤/ ٣٠٢.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب: الصلاة، باب: قَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، رقم والحديث هو: «حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِاللهِ قَالَ حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَاتِي قُبَاءً رَاكِبًا وَمَاشِيًا. زَادَ ابْنُ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا عُبَيْدُاللهِ عَنْ نَافِعٍ فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ». في ذات الكتاب السابق، رقم (١١٢٤).","vol":"1","page":313},{"text":"الترغيب في معرفة طبقات الرجال وامتحان استحضارهم ونحو ذلك» (^١).\nابنُ نمير هنا هو محمد بن عبدالله بن نُمير شيخ البخاري المباشر وهو الإبن، أما هناك فهو الأب لم يُدركه البخاري، لأن البخاري ولد، سنة (١٩٤ هـ)، وعبدالله والد محمد مات سنة (١٩٩ هـ) (^٢).\nولمعرفة المتفق والمفترق، والمبهم والمهمل والعنعنة والمرسل وغيرها … لابدمن معرفة طبقات الرواة.\nوقد عرّف العلماء الطبقة:\n\n<span data-type='title' id=toc-221>تعريف الطبقة في اللغ</span>ة: الطبق: جماعة من الناس يعدلون طبقا مثل جماعة، ويقال: ويقال: أتانا طَبَقٌ من الناس، وطَبَقٌ من الجراد، أي جماعةٌ (^٣).\nوفي اصطلاح المحدثين: قوم تقاربوا في السن والإسناد أو في الإسناد فقط بأن يكون شيوخ هذا هم شيوخ الآخر، أو يقاربوا شيوخه (^٤).\nوقال الكرماني عن الطبقة وهو يعرف القرن: «والقرن كل طبقة مقترنين\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٧/ ١٩.\n(^٢) ينظر: الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم، ٥/ ١٨٦، والثقات لابن حبان، ٧/ ٦٠، وتهذيب التهذيب، ٦/ ٥٧.\n(^٣) لسان العرب مادة «طبق»، ٥/ ١٠٨، والصحاح تاج اللغة وصحاح العربية للجوهري، ٤/ ١٥١١.\n(^٤) تدريب الراوي، ٤/ ١٦٨، وينظر فتح المغيث للسخاوي، ٤/ ١٦٨، وكشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، محمد بن علي التهانوي، ٢/ ١١٢٥.","vol":"1","page":314},{"text":"فى وقت. ومنه قيل لأهل كل مدة أو طبقة بعث فيها نبى قرن» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-222>فائدة معرفة الطبقات:</span>\nقال ابن الصلاح: «والباحث الناظر في هذا الفن يقصد علم الطبقات يحتاج إلى معرفة المواليد والوفيات، ومن أخذوا عنه ومن أخذ عنهم، ونحو ذلك … ثم ذكر مثالًا على ذلك فقال: فرب شخصين يكونان من طبقة واحدة لتشابههما بالنسبة إلى جهة، ومن طبقتين بالنسبة إلى جهة أخرى لا يتشابهان فيها، فأنس بن مالك الأنصاري وغيره من أصاغر الصحابة مع العشرة وغيرهم من أكابر الصحابة من طبقة واحدة إذا نظرنا إلى تشابههم في أصل صفة الصحبة، وعلى هذا فالصحابة بأسرهم طبقة أولى، والتابعون طبقة ثانية، وأتباع التابعين ثالثة، وهلم جرا» (^٢).\nويقول السخاوي كذلك في فوائد معرفة الطبقات: «الأمن من تداخل المشتبهين كالمتفقين في اسم أو كنية … وإمكان الاطلاع على تبين التدليس، والوقوف على حقيقة المراد من العنعنة.\nوبينه وبين التاريخ عمومٌ وخصوصٌ وجهيٌّ، فيجتمعان في التعريف بالرواة، وينفرد التأريخ بالحوادث، والطبقات بما إذا كان في البدريين مثلًا من تأخرت وفاته عمن لم يشهدها لاستلزامه تقديم المتأخر الوفاة» (^٣).\nوتظهر أهمية هذا العلم باهتمام العلماء فيه، فقد أفردوا له المصنفات\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٤/ ٢٣٦.\n(^٢) علوم الحديث، ص ٣٩٩.\n(^٣) فتح المغيث، ٤/ ٣٨٩.","vol":"1","page":315},{"text":"والمؤلفات، ومن أشهر هذه المصنفات كتاب: طبقات خليفة بن خياط (^١)، وكتاب الطبقات لمسلم بن الحجاج، والطبقات الكبرى لأبي عبدالله محمد بن سعد (^٢).\nوقد أشار الكرماني في شرحه لضرورة معرفة طبقات الرواة ومراتبهم، فقال: «فلا يُعرف لمن المتابعة إلا من يَعرف طبقات الرواة ومراتبهم» (^٣).\nحتى إنه أشار إلى أسماء الرواة الذين تتشابه أسماؤهم فلا يُعرفون إلا عن طريق طبقاتهم وشيوخهم، «عُلم الفرق بينهما بذكر شيوخهما، ومعرفة طبقتهما وتاريخ وفاتهما.\nوبين غرض البخاري من إيهام الأسماء للتحري والبحث:\nولعل غرض البخاري في مثل هذا الإبهام، الترغيب في معرفة طبقات الرجال وامتحان استحضارهم ونحو ذلك» (^٤).\n_________\n(^١) خليفة بن خياط بن أبي هبيرة، أبو عمرو، الشيباني البصري، كان حافظًا عارفًا بالتواريخ وأيام الناس غزير الفضل، أخذ عن: ابن عيينة ويزيد بن زريع، وأخذ عنه البخاري في صحيحه وتاريخه، (ت ٢٣٠ هـ)، وفات الاعيان، لأبي العباس البرمكي، ٢/ ٢٤٣.\n(^٢) محمد بن سعد بن منيع الهاشمي أبو عبدالله البصري نزيل بغداد، وأحد الحفاظ الكبار الثقات المتحرين، له: طبقات الصحابة والتابعين إلى وقته فأجاد فيه وأحسن، (ت ٢٣٠ هـ)، تهذيب التهذيب، ابن حجر، ٩/ ١٨٢.\n(^٣) الكواكب الدراري، ١/ ٤٣.\n(^٤) السابق، ٧/ ١٩.","vol":"1","page":316},{"text":"والطبقات على أقسام: ١ طبقات الصحابة، ٢ والتابعين، ٣ وأتباع التابعين، ٤ وأتباع ٥ أتباع التابعين وأتباع أتباع أتباع التابعين، وهذه الطبقات الخمس هي طبقات الرواة حتى نهاية القرن الثالث، وهو نهاية عصر الرواية (^١).\nوهناك من قسّم الطبقات إلى ثنتي عشرة طبقة، كابن حجر (^٢).\nوفي كل طبقة من هذه الطبقات أقسام ففي طبقة الصحابة من تقدّم إسلامهم كالخلفاء الأربعة، ومهاجرةالحبشة، وكبارالصحابةوصغارهم، والمكثرين والمقلين من رواية الحديث … وهكذا (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-223>١ - طبقة الصحابة:</span>\nعرف ابن حجر الصحابي بقوله: «من لقي النبي ﵌ مؤمنا به ومات على الإسلام (^٤)، ولو تخللت ردة؛ في الأصح» (^٥).\nولمعرفة الصحب الكرام ﵃ فوائد جمة منها: «هي فن مهم، وفائدته: تمييز المرسل، والحكم لهم بالعدالة، وغيرهما» (^٦).\nتظهر عناية الكرماني رحمه الله تعالى في تراجم الصحابة وبيان طبقاتهم، فقد كان يشير إلى طبقة الصحابي، وأنه من كبارهم، ومن المكثرين من\n_________\n(^١) منهج النقد، د. نور الدين عتر، ص ١٤٦.\n(^٢) تقريب التهذيب، ص ٧٥.\n(^٣) علوم الحديث، ابن الصلاح، ص ٣٩٩.\n(^٤) وهو قول السيوطي في تدريب الراوي، ٢/ ٦٦٧.\n(^٥) نزهة النظر، ابن حجر ص ١١١.\n(^٦) فتح الباقي بشرح ألفية العراقي، السنيكي، ٢/ ١٨٥.","vol":"1","page":317},{"text":"الرواية عن سيدنا محمد ﷺ، كما قال عن الصحابي الجليل «جابر بن عبدالله الأنصاري ﵁»، (^١) وعن أبي موسى الأشعري: عبدالله بن قيس، أنه من كبار الصحابة، وفضلائهم وفقهائهم (^٢).\nومن كبارهم عبدالله بن مسعود الصحابي ابن الصحابية ﵃، وأنه من المبشرين بالجنة (^٣).\nويقوم الكرماني بذكر الخلاف في صحبة الراوي من عدمها، كما قال عن «مالك بن أوس» أنه تابعي وقيل أنه صحابي (^٤) وقال كذلك عن سويد بن غفلة (^٥).\nوقد ذكر الخلاف في صحبة عَدِيّ بن عَدِي: «اختلفوا في أنه صحابي أم\nلا، والصحيح أنه تابعي، وسبب الاختلاف أنه روى الأحاديث عن النبي ﷺ مرسلة، فظنه بعضهم صحابيًا، وكان عدي عاملَ عمر بن عبد العزيز\nعلى الجزيرة والموصل، واستعمال عمر له يدل على أنه لا صحبة له، لأنه\nعاش بعد عمر، ولم يبق أحد من الصحابة إلى خلافته واتفقوا على\nجلالته» (^٦).\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١/ ٤١.\n(^٢) السابق، ١/ ٩١.\n(^٣) الكواكب الدراري، ٢/ ١٩٦.\n(^٤) السابق، ١٠/ ٢٢.\n(^٥) السابق، ١١/ ٢.\n(^٦) السابق، ١/ ٧٢.","vol":"1","page":318},{"text":"<span data-type='title' id=toc-224>٢ - طبقة التابعين:</span>\nالتابعي: وهو من لقي الصحابي (^١).\nوقد أشار الكرماني لهذا التعريف عند ترجمته لصالح بن كيسان، أبو محمد الغفاري، التابعي الجليل الذي التقى جماعة من الصحابة ﵃ (^٢).\nكما أشار الكرماني لكبار الصحابة ﵃، أشار كذلك لكبار التابعين: كسعيد بن جبير (^٣) وجعفر بن أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ (^٤) و«نفيع» بن رافع الصائغ أبو رافع (^٥).\nكما أشار إلى صغار التابعين كأبي الزناد عبدالله بن ذَكوان (^٦) كما أن الكرماني يشير إلى التابعي الذي أدرك زمن النبي ﷺ ولم يلتقِ به، كما قال عن «أبي رجاء العطاردي، عمران بن مِلحان» (^٧) وعن: «يزيد النخعي» (^٨).\nكما أن الكرماني يشير إلى الرواة المخضرمين، الذين عاشوا في الجاهلية قبل\n_________\n(^١) نزهة النظر، ابن حجر، ص ١٤٣.\n(^٢) الكواكب الدراري، ١/ ١١٨، وينظر تهذيب التهذيب، ٤/ ٣٩٩.\n(^٣) السابق، ١/ ٤٥، وينظر تهذيب التهذيب، ٤/ ١١.\n(^٤) السابق، ٣/ ٥٣، وينظر تهذيب التهذيب، ٢/ ١٠٠.\n(^٥) السابق، ٣/ ١٤٦. وينظر تهذيب التهذيب، ١٠/ ٤٧٢.\n(^٦) الكواكب الدراري، ١/ ٩٦، وينظر: تهذيب التهذيب، ٥/ ٢٠٣.\n(^٧) السابق، ٣/ ٣٢٣، وينظر: تهذيب التهذيب، ٨/ ١٤٠.\n(^٨) السابق، ٢/ ١٥١، وينظر: تهذيب التهذيب، ١/ ٣٤٢.","vol":"1","page":319},{"text":"البعثة أو بعدها في حياة رسول الله ﷺ، ولم يروه ﵊، أو رآه على غير الإسلام، وأسلم في حياته أو بعده، ولا تثبت له صحبة (^١).\nكما قال عن: سعد بن إياس، أبي عمرو (^٢)، قيس بن أبي حازم، (^٣) ورُفيع ابن مهران الرياحي، أبي العالية (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-225>٢ - بيان المُهمل:</span>\nالإهمال في اللغة: الترك والسُّدى، وما ترك الله الناس هملا، أي: سُدى بلا ثواب وبلا عقاب. وأمر مهمل، أي: متروك (^٥).\nفي الاصطلاح: وهو أن يروي الراوي عن اثنين متفقي الاسم فقط، أو والكنية أو مع اسم الأب، أو مع اسم الجد، أو مع نسبته ولم يتميزا بما يخص كلا منهما. مثل أن يقول حدثنا محمد حدثنا أحمد ولا ينسبهما (^٦).\nمن هذا يتبين أن المُهمل من أنواع المتفق والمفترق، والجامع المشترك بينهما عدم التمييز بين الرواة، وقد عده جماعة من العلماء كالعراقي والسخاوي والسيوطي من أنواع المتفق والمفترق، «ومن ها هنا ظهر أن المُهمل والنوع\n_________\n(^١) ينظر: علوم الحديث، ابن الصلاح، ص ٥١٢، وفتح المغيث، السخاوي، ٤/ ١٥٧.\n(^٢) الكواكب الدراري، ٤/ ١٨١.\n(^٣) السابق، ٦/ ٢١٨.\n(^٤) السابق، ٢/ ١٠.\n(^٥) ينظر مادة (همل)، العين، ٤/ ٥٦، والصحاح تاج اللغة، ٥/ ١٨٥٤.\n(^٦) ينظر اليواقيت والدرر، ٢/ ٢٦٧، ونزهة النظر، ١/ ١٥٣، وتقييد المهل وتمييز المشكل للغساني، ص ٣.","vol":"1","page":320},{"text":"المسمى بالمتفق والمفترق شيء واحد، والفرق بينهما اعتباري، فالرواة إذا اتفقت في الأمور المذكورة، فالبحث عن تعيينهم من حيث ذكرُهم في جامع أو مسنَد أو غير ذلك، يُسمى البحث عن المُهمل» (^١).\nأهمية معرفة هذا العلم:\nتكمن أهمية هذا العلم بتعلقه برواة الحديث، الذين عليهم المُعوّل في صحة الحديث، فعند تشابه الأسماء قد يقع الخلط بينهم، ولا سيما إذا كانوا في طبقات متقاربة، وقد وقع الخلط لكبار الأئمة (^٢).\nطُرق معرفته:\n١ - أن يرد اسم الراوي المهمل مميزا من طريق آخر.\nقال السخاوي: «ويتبين المهمل ويزول الإشكال عند أهل المعرفة بالنظر في الروايات، فكثيرا ما يأتي مميزا في بعضها» (^٣).\n٢ - أن يختص الراوي روى عنه على الإهمال، وله صور:\nأ - أن يكون لم يرو إلا عنه فقط.\nب - أو يكون الاختصاص بكون الراوي من المكثرين عنه الملازمين له دون سواه.\n_________\n(^١) ظفر الأماني بشرح مختصر السيد الشريف الجرجاني، عبد الحي اللكنوي الهندي، ص ٩٠.\n(^٢) ينظر: المتفق والمفترق فيمن ذكر بكنيته من الرواة في الكتب الستة، يوسف بن جودة ياسين يوسف الداودي، ص ٢٢.\n(^٣) فتح المغيث، ٤/ ٢٨٠.","vol":"1","page":321},{"text":"ج - وإما أن يكون الراوي المهمل اين بلده وقريته.\nد - وإما أن يكون الاختصاص بمعرفة منهج الراوي في رواية الحديث، فإذا روى عن راوٍ مهمل أراد به شخصًا معينا، وإلا ميّزه وعيّنه (^١).\nإذًا هناك قرائن، ودلائل لمعرفة الراوي المُهمل، يقول ابن الصلاح: «قد يدرك بالنظر في رواياته، فكثيرا ما يأتي مميزا في بعضها، وقد يدرك بالنظر في حال الراوي والمروي عنه، وربما قالوا في ذلك بظن لا يقوى» (^٢).\nوقد اهتم الكرماني ببيان المُهمل من الرواة، فقال: «وصححنا أسماءهم احترازًا الاختلاط والتحريف، واتقاء عن الاختباط والتصحيف، وذلك إنما هو من كتب متعددة مشهورة عند أبناء الزمان، وصحف متكثرة مذكورة بين أصحاب هذا الشأن وأكثرها … الكَلاباذي (^٣)، والغساني الجيَّاني (^٤) وكتاب\n_________\n(^١) السابق، ٤/ ٢٨٠.\n(^٢) علوم الحديث، ص ٣٦٤، وينظر: نزهة النظر ص ١٢١.\n(^٣) محمد بن أحمد الكلاباذي أبو النصر البخاري، سمع من: الهيثم بن كليب الشاشي، وعلي بن محتاج، وروى عنه الدار قطني، وكان حسن الحفظ والمعرفة، له: معرفة رجال صحيح البخاري، (ت ٣٩٨ هـ)، سير أعلام النبلاء، الذهبي، ١٧/ ٩٤ - ٩٥، وكتابه الهداية والارشاد في معرفة اهل الثقة والسداد، والكتاب يختص بالرواة الذين أخرج لهم البخاري في جامعه، والكتاب مطبوع، يُنظر: الرسالة المستطرفة، الكتاني، ص ٢٠٧.\n(^٤) كتاب: تقييد المهمل وتمييز المشكل، لأبي علي الحسين الغساني المعروف: بالجياني، (ت ٤٩٨ هـ) كذلك الكتاب يختص يرواة البخاري، ضبط فيه مؤلفه كل لفظ يقع فيه اللبس من رجال الصحيحين، والكتاب مطبوع، ينظر: الرسالة المستطرفة، ص ١١٨، وكشف الظنون، ص ٤٧٠.","vol":"1","page":322},{"text":"الإكمال (^١) وجامع الأصول (^٢)» (^٣).\nوقد قال الحافظ ابن حجر بعد أن ذكر اعتراض بعض الناس على البخاري من إيراده لأسماء لايزيد فيها عن الاسم المجرد: «وقد تكلم في بيان بعض ذلك الحاكم والكَلاباذي وابن السَّكن (^٤) والجيَّاني وغيرهم قلت وقد نقل البَيَاشي … عن الفربري ما نصه: كل ما في البخاري محمد عن عبدالله فهو بن المبارك، وكل ما فيه عبدالله غير منسوب أو غير مُسمى الأب فهو بن محمد الأسدي، وما فيه\n_________\n(^١) كتاب الإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف في الأسماء والكنى والأنساب، لمؤلفه: سعد الملك، بن ماكولا (ت ٤٧٥ هـ)، وهو كتاب يختص بضبط أسماء الرواة، وحركات الكلمات، وهو في غاية الإفادة، وعليه اعتماد المحدثين، والكتاب مطبوع، ينظر: الرسالة المستطرفة، ص ١١٦، وهدية العارفين أسماء المؤلفين وآثار المصنفين، إسماعيل البغدادي، ١/ ٦٩٣.\n(^٢) كتاب جامع الأصول في أحاديث الرسول، لمجد الدين أبي السعادات ابن الجزري ابن الأثير (ت ٦٠٦ هـ)، وهو كتاب جمع بين أصول كتب السنة السنة، وهي: البخاري ومسلم والموطأ، وجامع الترمذي وسنن أبي داود والنسائي، ورتب أبوابه وشرح غريبه، والكتاب مطبوع، ينظر: أبجد العلوم، محمد صديق القِنوجي، ص ٣٦٥.\n(^٣) الكواكب الدراري، المقدمة، ١/ ٧ ببعض التصرف.\n(^٤) أبو علي سعيد بن عثمان بن سعيد بن السكن البغدادي نزيل مصر، وهو أول من جلب صحيح البخاري إلى مصر وحدّث به، وقد جمع وصنف، وجرح وعدّل، وصحّح وعلّل، له: الصحيح المنتقى، (ت ٣٥٣ هـ)، سير أعلام النبلاء، الذهبي، ١٢/ ١٩٩.","vol":"1","page":323},{"text":"عن إسحاق كذلك فهو بن راهويه، وما كان فيه محمد عن أهل العراق مثل أبي معاوية وعبدة بن سليمان ومروان الفزاري فهو بن سلام البِيْكَنْدي، وما فيه عن يحيى فهو ابن موسى البلخي» (^١).\nومن الأمثلة على ذلك كقول البخاري قال إسحاق، فقال الكرماني مستعينا ببعض النُسخ وفي بعض النسخ بعده أي بعد إسحاق عن أبي أسامة يعني حمّاد بن أسامة، قلت وهذا من القرائن التي يُستعان بها على معرفة المُتشابهات (أي معرفة من روى عنه إسحاق).\nفقال الكرماني عن إسحاق فالأشبه أن المراد به ابن راهويه، (إسحق ابن إبراهيم بن مخلد) … ويُحتمل أن يُراد به إسحاق بن إبراهيم بن نصر السعدي البخاري، … أو إسحق بن بهرام الكوسج المَروزي … إذ البخاري في هذا الكتاب يروى عن الثلاثة عن أبي أسامة، قال الغساني في كتاب تقييد المهمل: إن البخاري إذا قال حدثنا إسحاق غير منسوب حدثنا أبو أسامة يعني به أحد هؤلاء الثلاثة ولا يخلو منهم» (^٢).\nويبين الكرماني الاحتمال في الراوي المقصود إذا أن البخاري يروي عنهما، مثاله: قوله عن: «سفيان» جاء اسمه مجردًا من الكنية واللقب «يُحتمل أن يُراد به الثوري ويُحتمل أن يُراد به ابن عيينة، لأن وكيعًا يروي عنهما، وهما يرويان عن مُطرف ولا قدح بهذا الالتباس في الإسناد لأن أيًا كان منهما فهو أمام حافظ ضابط عدل مشهور على شرط البخاري، ولذا يروي لهما في الجامع كثيرًا، لكن\n_________\n(^١) هدي الساري، ٣٥١.\n(^٢) الكواكب الدراري، ٢/ ٥٩، بتصرف.","vol":"1","page":324},{"text":"قال الغساني في كتاب التقييد هذا الحديث محفوظ عن ابن عيينة ولم يُنبه عليه البخاري (^١).\nوينقل الكرماني تارة خلاف العلماء في الراوي المعنيّ، مثل جاء اسم «يزيد» قال البخاري: «حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرٌو …».\nترجم له الكرماني بقوله هو: «يزيد بن هارون بن خالد الواسطي … قال الغساني في كتاب التقييد: قال ابن السكن; هو ابن زريع وإليه أشار أبو نصر الكلاباذي في كتابه وقال أبو مسعود الدمشقي: هو ابن هارون وليس بابن زريع تم كلامه. وأقول وبهذا الالتباس لا يلزم قدح في الحديث لأن أيا كان فهو عدل ضابط بشرط البخاري» (^٢).\nوقد رجح الحافظ ابن حجر على أن يزيد هو: يزيد بن زُريع، وذلك لأن الإسماعيلي وغيره خرجه من حديث يزيد بن هارون بلفظ آخر، وأن قتيبة معروف بالرواية عن يزيد بن زريع دون بن هارون، ثم بيّن القاعدة في ذلك: في من أهمل أن يحمل على من للراوي به خصوصية كالإكثار وغيره (^٣).\nومثله ورود اسم الراوي المُهمل من رواية أخرى قال البخاري: «حَدَّثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: أَخبَرَنا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، قَالَ: حَدَّثنا أَبُو العُمَيْسِ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِالأَبْطَحِ، فَجَاءَهُ بِلَالٌ\n_________\n(^١) السابق، ٢/ ١١٨.\n(^٢) السابق، ٣/ ٨٢.\n(^٣) فتح الباري، ١/ ٣٣٢ - ٣٣٣.","vol":"1","page":325},{"text":"فَآذَنَهُ بِالصَّلَاةِ …» (^١).\nقال الكرماني: عن إسحاق «قال الغساني: قال البخاري في باب الأذان، حدثنا إسحق حدثنا جعفر بن عون فقال أبو نصر لا يخلو من ابن راهويه أو من ابن منصور، والأشبه عندي أنه ابن منصور وقد خرّج مسلم (^٢) أيضًا هذا الحديث في مسنده عن ابن منصور عن جعفر بن عون» (^٣).\nومن ذلك قال البخاري: «حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ قَالَ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلًا …» (^٤).\nقال الكرماني في ترجمة: «يحيى» «أي ابن أبي كثير … أبو نصر اليماني البصري … مات سنة تسع وعشرين أو اثنتين وثلاثين ومائة» (^٥) ولعل القرينة هنا معرفة طبقة الراوي.\nومن ذلك قال البخاري، «حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِاللهِ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ أَخْبَرَنِي وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ عَنْ أَخِيهِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ …» (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الأذان، بَابُ: الأَذَانِ لِلْمُسَافِرِينَ إِذَا كَانُوا جَمَاعَةً وَالإِقَامَةِ، رقم (٦٠٩).\n(^٢) أخرجه مسلم، في كتاب: الصلاة، بَابُ: سُتْرَةِ الْمُصَلِّي، رقم (٢٥١).\n(^٣) الكواكب الدراري، ٥/ ٢٨.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب: العلم، باب: كتابة العلم، رقم (١١٢).\n(^٥) الكواكب الدراري، ٢/ ١٢٠.\n(^٦) أخرجه البخاري، كتاب: العلم، باب: كتابة العلم، رقم (١١٣).","vol":"1","page":326},{"text":"قال الكرماني في ترجمة «عمرو» «هو بالواو ابن دينار أبو محمد المكي الجُمَحي … وإنما قال أخبرني لأنه لا شريك له في السماع عند الأخبار له» (^١) قلت: وقول الكرماني: وإنما قال أخبرني … الخ هي من القرائن التي تميّز بها عمرو عن غيره.\nكما بيّن الكرماني الخلاف الحاصل في الراوي: «يَعلى» «أعلم أن يعلي بن مسلم ويعلي بن حكيم كليهما يرويان عن سعيد بن جبير، وابن جريج يروي عنهما ولا قدح في الإسناد بهذا الالتباس لأن كلا منهما على شرط البخاري» (^٢).\nوقد يقع الخلاف كذلك في اسم الراوي ومن بعده … مثاله: «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ صَفِيَّةَ عَنْ أُمِّهِ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ قَالَتْ أَوْلَمَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ بِمُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ» (^٣).\nقال الكرماني: «محمد بن يوسف الفريابي (^٤) سمع الثورى وفحمد بن يوسف هو البيكندي (^٥) سمع ابن عيينه والمقام يحتملهما ولا قدح في الإسناد بهذا\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٢/ ١٢٥.\n(^٢) الكواكب الدراري، ١٨/ ٦٩.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: النكاح، بَاب: مَنْ أَوْلَمَ بِأَقَلَّ مِنْ شَاةٍ، رقم (٤٨٤٥).\n(^٤) محمد بن يوسف بن واقد بن عثمان الضبي أبو عبدالله الفريابي، أدرك الأعمش وروى عن جرير بن حازم ونافع مولى بن عمر، وعن الثوري، وروى عنه البخاري، ثقة، (تهذيب التهذيب، ٩/ ٥٣٥).\n(^٥) محمد بن يوسف البخاري أبو أحمد البيكندي، روى عن بن عيينة وأبي أسامة والنضر ابن شميل ووكيع، وروى عنه البخاري، وعبدالله بن واصل، وهو ثقة متفق عليه، (تهذيب التهذيب، ٩/ ٥٣٨).","vol":"1","page":327},{"text":"الالتباس لأن كلا منهما بشرط البخاري» (^١).\nفبيّن الكرماني أن محمد بن يوسف الفريابي سمع من سفيان الثوري، وسفيان ورد اسمه مجردًا، ومحمد بن يوسف البيكندي سمع من سفيان ابن عيينة.\nفحمد بن يوسف هو البيكندي، وسفيان هو ابن عيينة، لأن الغالب أن البيكندي يروي عن ابن عيينة، قال به الكرماني (^٢)، كما أن محمد بن يوسف الفريابي يروي كذلك عن سفيان الثوري، وبه قال ابن حجر (^٣)، وشمس الدين البرماوي في اللامع الصبيح (^٤) بشرح الجامع الصحيح (^٥)، وجعل البدر العيني\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١٩/ ١٢٣.\n(^٢) الكواكب الدراري، ٢/ ٢٠٦.\n(^٣) فتح الباري، ١/ ٢٥٥، قلت ووجه ترجيح ابن حجر أن سفيان هو الثوري لاشتهراه بالرواية عن زيد بن أسلم، لأن البخاري إذا أطلق اسم سفيان يقصد به الثوري، لأن الثوري من شيوخ البخاري الذين أكثر عنهم النقل، وإن كان ابن عيينة سماه باسمه، وكان هذا من عادة البخاري، فتارة يقول: عن ابن عيينة، حدثنا ابن عيينة، أخبرنا ابن عيينة …\nقال ابن حجر ناقلا عن أبي مسعود الدمشقي في الأطراف: «لأن القاعدة في كل من روى عن متفقي الاسم أن يحمل من أهمل نسبته على من يكون له به خصوصية من إكثار ونحوه» ينظر فتح الباري، ١/ ٢٠٤.\n(^٤) / ١٨٨.\n(^٥) اللامع الصبيح كتاب: شرح فيه البرماوي البخاري في أربعة أجزاء، جمع فيه مؤلفه بين: شرح الكرماني باقتصار، وبين التنقيح للزركشي بإيضاح وتنبيه، ولم يُبيّض إلا بعد موته، ينظر: كشف الطنون، حاجي خليفة، ص ٥٤١.","vol":"1","page":328},{"text":"هذا القول مرجوحًا (^١).\nويحتمل أن يراد به الفريابي عن ابن عيينة لأن السفيانين كليهما شيخاه كما أن زيد بن أسلم شيخ السفيانين وكما أن ابني يوسف شيخا البخاري.\nالحاصل أن رجال السند وقع التشابه في أسمائهم.\nفالبيكندي، والفريابي شيخا البخاري.\nوابن عيينة، شيخ البيكندي، وغالب روايته عنه.\nوسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة شيخا الفريابي.\nوزيد بن أسلم شيخ السفيانين.\nفهل يؤدي هذا الاشتباه إلى التدليس كون الراوي مجهولًا؟\nقال الكرماني: «مثله لا يقدح فيه لأن أيا كان منهم فهو عدل ضابط بشرط البخاري لا يتفاوت الحكم باختلاف ذلك» (^٢).\nومن ذلك: «حَدَّثَنَا أَحْمَدُ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَنِي عَبْدُاللهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ» (^٣).\nقال الكرماني مبينًا المقصود بشيخ البخاري، «أحمد»: «قال الغساني قال\n_________\n(^١) عمدة القاري، ٣/ ٢.\n(^٢) الكواكب الدراري، ٢/ ٢٠٦.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: الصلاة، باب: رفع الصوت في المساجد، رقم (٤٦٠).","vol":"1","page":329},{"text":"البخاري في كتاب الصلاة في موضعين حدثنا أحمد ابن وهب فقال ابن السكن: هو أحمد بن صالح المصري، وقال الحاكم في المدخل: إنه هو وقيل إنه أحمد بن عيسى التسترى، ولا يخلو أن يكون واحدا منهما.\nوقال الكلاباذى: قال ابن منده الأصفهاني: كل ما قال البخاري في الجامع أحمد عن وهب فهو ابن صالح المصري» (^١) وقال الكرماني في موضع آخر ناقلًا قول ابن منده «وإذا حدث أي البخاري عن أحمد بن عيسى ذكره بنسبه» (^٢).\nقلت يُشعر كلام الكرماني أنه يُرجح أن الراوي المعني هو: أحمد بن صالح المصري وهذا من القرائن التي اعتمدها الكرماني في معرفة الراوي المُشتبه به، عن طريق قواعد عامة كقول الكلاباذي.\nوقال الكرماني في «أبي جمرة» «قال بعض الحفاظ: يروى شعبة عن سبعة؛ رجال يروون عن ابن عباس كلهم أبو حمزة بالحاء والزاي، إلا هذا نصر بن عمران فإنه بالجيم والراء، ويُعرف هذا منهم بأنه إذا أُطلق أبو جمرة عن ابن عباس فهو هذا، وإذا أرادوا غيره ممن هو بالحاء قيدوه بالاسم أو الوصف أو النسب أو غير ذلك، قالوا ليس في الصحيحين جمرة ولا أبو جمرة بالجيم غير هذا» (^٣).\nومن ذلك: ما قيل في: «ابن أبي ليلى» قال الكرماني: «قال في جامع\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٤/ ١٣٣.\n(^٢) السابق، ٧/ ٦٥.\n(^٣) السابق، ١/ ٢٠٦.","vol":"1","page":330},{"text":"الأصول (^١): إذا أطلق المحدثون ابن أبي ليلى فإنما يعنون عبد الرحمن بن أبي ليلى، وإذا أطلقه الفقهاء يعنون به محمد بن عبد الرحمن. ابن أبي ليلى» (^٢).\nقلت وهذه قرينة أخرى، وهي معرفة اصطلاح المحدثين من غيرهم، واصطلاح صاحب المصنف كالبخاري مثلًا.\nوغير هذا من الأمثلة وقد تبين منهج الكرماني في هذا:\nالاستعانة بالنسخ الأخرى للبخاري، التي قد يُذكر فيها كنية الراوي أو لقبه.\nإما أن يذكر الراوي المقصود ويترجم له لأنه ترجح لديه كقوله عن الراوي المجرد: هو فلان.\nوإما ينقل خلاف العلماء في ذلك، من دون ترجيح، مبينًا رأيه ويدعمه بأقوال العلماء.\nوإما ينقل الاحتمالات في الراوي المعني، ويبين أنه لا طعن في الإسناد لأن كِلا الراويين ثقة وعلى شرط البخاري.\n\n<span data-type='title' id=toc-226>٣ - بيان المُؤتلف والمُختلف:</span>\nالمؤتلف في اللغة: المؤتلف اسم فاعل، من الائتلاف، ويقال: ألف بين الشيئين تأليفا، أي: اتفقا واجتمعا، وجمع بينهما بعد تفرقهما (^٣).\n_________\n(^١) جامع الأصول في أحاديث الرسول، ابن الأثير الجزري، ١٢/ ٨٣١.\n(^٢) الكواكب الدراري، ١٤/ ٢٤٤.\n(^٣) ينظر مادة (ألف)، مختار الصحاح، ١/ ٢٠، وتاج العروس، ٢٣/ ٣٣.","vol":"1","page":331},{"text":"المختلف: اسم فاعل من الاختلاف، والخلاف: المضادة، وقد خالفه مخالفة وخلافا، وتخالف الأمران واختلفا: لم يتفقا (^١).\nاصطلاحًا: وهو ما يتفق في الخط ويختلف في اللفظ (^٢).\nفهو مؤتلف باعتبار الخط، ومختلف باعتبار النُطق (^٣).\nإذًا هو ما يتعلق بضبط الأسماء بالحركات، ولاضابط له إلا بالحفظ، «وكل اسم بمفرده، وما له ما له ضابط بالنسبة لكتاب خاص أو كتب خاصة كأن يُقال: كل ما وقع في الصحيحين والموطأ «يسار» فهو بالمثناة ثم المهملة إلا محمد ابن «بشار» فهو بالموحدة ثم المعجمة.\nأو ما كان مضبوطًا على العموم: أي لا بالنسبة لكتاب أو كتب خاصة. مثل أن نقول: «سلام» كله مشدد اللام إلا خمسة، ثم نذكر تلك الخمسة» (^٤).\nأهميته:\nومعرفته من مهمات هذا الفن، قال علي بن المديني: «أشد التصحيف\nما يقع في الأسماء»، ووجهه بعضهم بأنه شيء لا يدخله القياس، ولا قبله شيء يدل عليه ولا بعده (^٥).\n_________\n(^١) ينظر مادة: (خلف)، المحكم والمحيط الأعظم، لأبي الحسن علي المرسي، ٥/ ٢٠٠، ولسان العرب، ٩/ ٩٠ - ٩١.\n(^٢) الباعث الحثيث، ١/ ٢٢٣، وتدري الراوي، ٢/ ٧٩٠.\n(^٣) شرح نخبة الفكر للقاري، ص ٦٩٩.\n(^٤) تيسير مصطلح الحديث، محمود الطحان بتصرف يسير، ص ٢٥٤.\n(^٥) نزهة النظر، ص ١٣٠.","vol":"1","page":332},{"text":"لذلك أُلفت فيه المؤلفات مثل كتاب: الإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف في الأسماء والكنى والأنساب، لسعد الملك، ابن ماكولا، وقد أخذ عنه الكرماني في شرحه، وكتاب: «المشتبه للإمام الذهبي، جمع فيه كتاب ابن ماكولا واستدرك عليه وعلى غيره» (^١).\nوقد أولى الإمام الكرماني عنايته بهذا الفن ونبه عليه، من دون أن يسميه باسمه، وراح يضبط الأسماء ويبين الفروق بينها.\nقال في: «محمد بن سلَام» بتخفيف اللام وهو الصحيح الذي عليه الاعتماد ولم يذكر جمهور المحققين غيره (^٢).\nوقال عن: «واقد بن محمد» «واقد بالقاف وليس في الصحيح وافد بالفاء، ابن محمد بن زيد ابن عبدالله بن عمر بن الخطاب ﵃» (^٣).\nومن ذلك، كما قال في ترجمة: «شَبابة» «بفتح المنقطة وخفة الموحدتين، وقيل اسمه مروان وغلب عليه شَبابة ابن سوّار بإهمال المفتوحة وشدة الواو، وبالراء الفَزَاري بفتح الفاء وتخفيف الزاي المدائني» (^٤).\nوقال في ترجمة أبي حُصين ناقلا عن الغساني: «قال الغسّاني لا أعلم في الصحيحين من اسمه حَصين بفتح الحاء ومن يكنى بأبي حَصين غير هذا الرجل، وهو عثمان بن عاصم الأسدي الكوفي التابعي الحافظ العثماني كان شيخا ثقة\n_________\n(^١) الرسالة المستطرفة، ١١٦ - ١١٩، ومنهج النقد، ص ١٨٤.\n(^٢) الكواكب الدراري، ١/ ١١١.\n(^٣) الكواكب الدراري، ١/ ١٢١.\n(^٤) السابق، ٣/ ٢٠٦.","vol":"1","page":333},{"text":"صاحب سنة مات سنة ثمان وعشرين ومائة» (^١).\nوقال في: «أبي معاوية الضرير» «محمد بن خازم بالخاء المعجمة والزاي، وليس في البخاري خازم بالإعجام إلا أبو هذا الرجل» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-227>٤ - معرفة المُبهم:</span>\nوهو عدم تسمية الراوي، اختصارا من الراوي عنه كقوله: أخبرني فلان، أو شيخ، أو رجل، أو بعضهم، أو ابن فلان (^٣).\nوقد عد بعض العلماء المبهم من نوع المجهول، لأن حقيقته تشبه حقيقة المجهول ولذلك كان الكرماني يسميه بالمجهول (^٤).\nومجهول العين:\nقال عنه الحافظ ابن حجر: «فإن سمي الراوي، وانفرد راو واحد بالرواية عنه، فهو مجهول العين، كالمبهم» (^٥).\nيتوقف على معرفة هذا الفن صحة الحديث من عدمه، إذ أن الراوي المُبهَم وقد يكون غير ثقة كقولهم في السند: (عن رجل، أو عن امرأة، أو\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٢/ ٢١٦، وينظر مشارق الأنوار على صحاح الآثار، القاضي عياض، ١/ ٢٢٢.\n(^٢) السابق، ١/ ٨٩ - ٩٠.\n(^٣) نزهة النظر، ١/ ١٢٥، وتدريب الراوي، ٢/ ٨٥٣، واليواقيت والدرر، ٢/ ١٣٦.\n(^٤) ينظر: تيسير مصطلح الحديث، محمود الطحان، ص ١٥١.\n(^٥) نزهة النظر، ص ٢٣٢.","vol":"1","page":334},{"text":"عن فلان، عن بعض أصحابنا …) إن لم يُعرف ويُتَعيّن يوجب علة قادحة في السند.\nوقد ذكر العلماء طُرق معرفة المُبهم، وذلك إذا:\n١ - ورد اسم الراوي المُبهم من طريق أخرى «بشرط أن تكون هذه التسمية محفوظة، وليست خطأ من قِبَل بعض الرواة، فربما سُمِّي المبهم في رواية أخرى، ولا يكون ذلك محفوظًا، إنما المحفوظ عدم تسميته» (^١).\n٢ - أو بتنصيص أهل الحديث والسير على كثير منهم (^٢) قلت: وبمعرفة طبقات الرواة ومراتبهم.\nوالإبهام يقع في السند، والمتن.\n\n<span data-type='title' id=toc-228>أولًا الإبهام في السند:</span>\nوقد يكون الراوي الذي أُبهم إما من الصحابة الكرام ﵃، وإما من غيرهم، فإن كان المُبهم من الصحابة فلا يؤثر ذلك على صحة الحديث سواء سُمّي في رواية أخرى، أم لم يُسمَّ، وذلك لأن الصحابة الكرام ﵁ كلهم عدول (^٣).\n_________\n(^١) الإرشادات في تقوية الأحاديث بالشواهد والمتابعات، طارق بن عوض الله محمد، ص ١١٢.\n(^٢) شرح نخبة الفكر، للقاري، ١/ ٩٠، وتدريب الراوي، ٢/ ٨٥٣، والوسيط في علوم مصطلح الحديث، ص ٦٤٦.\n(^٣) ينظر: فتح المغيث، ٤/ ٩٩، تحرير علوم الحديث، عبدالله جديع، ص ٣٣٩.","vol":"1","page":335},{"text":"مثال المُبهم في الصحابة ﵃، أخرج البخاري: «عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّامِ مِنْ الْجُحْفَةِ وَأَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ قَالَ عَبْدُاللهِ وَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ» (^١).\nقال الكرماني: قوله: وبلغني فإن قلت هل يكون مثله حجة أو هو من قبيل المجهول؟ لأن راويه غير معلوم قلت: لا ينقد حديثه لأن الظاهر أنه\nلا يرويه إلا عن صحابي آخر والصحابة ﵃ كلهم عدول» (^٢).\nومثله: «أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ مَرْوَانَ وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ ﵁ يُخْبِرَانِ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ لَمَّا كَاتَبَ سُهَيْلُ …» (^٣).\nقال الكرماني معلقًا على ذلك «فإن قلت هذا رواية عن المجهول، قلت الصحابة كلهم عدول فلا قدح فيه بسبب عدم معرفة أسمائهم» (^٤).\nومثله: «حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ عَمَّنْ شَهِدَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ …» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الحج، بَاب: مِيقَاتِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَلَا يُهِلُّوا قَبْلَ ذِي الْحُلَيْفَةِ، رقم (١٤٣٦).\n(^٢) الكواكب الدراري، ٨/ ٦٣ - ٦٤.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: الشروط، بَاب: مَا يَجُوزُ مِنْ الشُّرُوطِ فِي الْإِسْلَامِ وَالْأَحْكَامِ وَالْمُبَايَعَةِ، رقم (٢٥٣٠).\n(^٤) الكواكب الدراري، ١٢/ ٢٣.\n(^٥) أخرجه البخاري، كتاب: المغازي، باب: غَزْوَةُ ذَاتِ الرِّقَاعِ، رقم (٨٣٦٤).","vol":"1","page":336},{"text":"قال الكرماني في قول عمّن شهد رسول الله ﷺ «فإن قلت هذا رواية عن المجهول حيث قال لا بأس به إذ الصحابة كلهم عدول» (^١).\nوقد بين الكرماني المبهمات في سند البخاري، ما دون الصحابة الكرام ﵁، وكان منهجه في ذلك أن يذكر احتمالات الإجابة كما هي عادته في شرحه.\nفإن كان المُبهم في المتابعات فإنه يُحتمل فيها مالا يُحتمل في الأصول كما قال الكرماني، مثال ذلك: أخرج البخاري: «حَدَّثَنَا صَدَقَةُ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ هِنْدٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَعَمْرٍو وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ هِنْدٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتِ اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ «سُبْحَانَ اللهِ مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ …» (^٢).\nقال الكرماني: «عن امرأة (^٣) والمراد بها هند المذكورة وفي بعضها هند بدل امرأة، فإن قلت شرط البخاري على ما اشتهر أن تكون شيوخه مشاهير ولا أقل من أن يكون مجهولا فكيف روى لها، قلت يحتمل في المتابعات مالا يحتمل في الأصول، وهنا ذكر ومتابعة أو ليست مجهولة إذ الرواية السابقة قرينة معينة معرفة لها» (^٤).\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١٦/ ٤٣ - ٤٤.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: العلم، باب: العلم والعظة بالليل، رقم (١١٥).\n(^٣) لم يرد في الحديث لفظ عن: «امرأة»، والظاهر أن الكرماني قد اعتمد نسخة للبخاري غير هذه النسخة، ولم يراعِ أصحاب دور النشر هذا الأمر، بل اعتمدوا نسخة للبخاري من دون النظر إلى النسخة التي اعتمدها الشارح!\n(^٤) الكواكب الدراري، ٢/ ١٢٩.","vol":"1","page":337},{"text":"فبين الكرماني إجابة أخرى، وهي بيان اسم المرأة في الرواية السابقة واسمها: «هند».\nومن ذلك أخرج البخاري: «وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَتْنِي هِنْدُ الْفِرَاسِيَّةُ. وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ حَدَّثَتْنِي هِنْدُ الْفِرَاسِيَّةُ. وَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ، أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ أَنَّ هِنْدَ بِنْتَ الْحَارِثِ الْقُرَشِيَّةَ أَخْبَرَتْهُ …» (^١).\nقال الكرماني مبينًا صنيع البخاري في ذكره لاسم الراوي تارة، وتارة مبهما في ذات السند: «وامرأة من قريش المقصود بها هند وغرض البخاري من هذه الطرق بيان أن الزهري تارة نسب هند إلى بني فراس وتارة إلى قريش (^٢) قال في ثلاث منها الفراسية وفي ثلاث أخرى القرشية وفي السابعة (^٣) قال امرأة من قريش والله در البخاري وضبطه» (^٤).\nومن ذلك أخرج البخاري «حدَّثَنَا صَدَقَةُ أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ عَنْ عُبَيْدِاللهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنٍ لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ امْرَأَةً ذَبَحَتْ شَاةً بِحَجَرٍ …» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الصلاة، باب: مكث الإمام في مصلاه بعد السلام، رقم (٨١٢).\n(^٢) هند بنت الحارث الفراسية ويقال القرشية، تهذيب التهذيب، ابن حجر،\n١٢ - / ٤٥٧.\n(^٣) هذا التنوّع من البخاري كان في روايات الحديث مجتمعة.\n(^٤) الكواكب الدراري، ٥/ ١٩٧ - ١٩٨.\n(^٥) أخرجه البخاري، كتاب: الصيد والذبائح، باب: ذبيحة المرأة والأمة، رقم (٥١٥٦).","vol":"1","page":338},{"text":"قال الكرماني: «وإسناد الحديث مجهول لأن الرجل غير معلوم، وقيل: هو ابن لكعب ابن مالك السلمي الأنصاري» (^١).\nومن ذلك: «حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ رَجُلٍ لَمْ يُسَمِّهِ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ خَرَجْتُ بِسِلَاحِي لَيَالِيَ الْفِتْنَةِ …» (^٢).\nقال الكرماني: «رجل لم يسمه قالوا هو هشام بن حسان القردوسي، بضم القاف والمهملة وسكون الراء بينهما وبالواو والمهملة» (^٣).\nوأخرج البخاري: «حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ فُلَانٍ قَالَ تَنَازَعَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَحِبَّانُ …» (^٤).\nقال الكرماني: «وفلان قيل هو سعد بن عبيدة بضم المهملة مصغرا ضد الحرة» (^٥).\nومن المبهم كذلك قال أبو عبدالله البخاري: «حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَمَّايَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُكْرُونَ الْأَرْضَ …» (^٦).\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٢٠/ ٩٨.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الفتن، بَاب: إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا، رقم (٦٦٥٦).\n(^٣) الكواكب الدراري، ٢٤/ ١٥٩.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب: استتابة المرتدين، بَاب: مَا جَاءَ فِي الْمُتَأَوِّلِينَ، رقم (٦٥٢٣).\n(^٥) الكواكب الدراري، ٢٤/ ٥٧.\n(^٦) أخرجه البخاري، كتاب: الحرث، بَاب: كِرَاءِ الْأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، رقم (٢١٩٤).","vol":"1","page":339},{"text":"فالمبهم في السند هنا هوقول رافع حدثني «عمّايَ» قال الكرماني مبينًا ذلك: «فأحدهما هو ظهير وأما العم الأخر فقال الكلاباذي لم أقف على اسمه (^١)» (^٢).\nمسألة:\nإذا ورد راو مبهم في سند حديث التزم مصنفه أن لايروي إلا عن الثقة، كصحيح الإمام البخاري ماهو حكمه؟\nمثاله: أخرج البخاري فقال: «حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ «مَنْ رَأَى مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا». قَالَ فَإِنْ رَأَى أَحَدٌ قَصَّهَا، فَيَقُولُ مَا شَاءَ اللهُ، فَسَأَلَنَا يَوْمًا، فَقَالَ «هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا». قُلْنَا لَا. قَالَ «لَكِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي فَأَخَذَا بِيَدِي، فَأَخْرَجَانِي إِلَى الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ بِيَدِهِ كَلُّوبٌ مِنْ حَدِيدٍ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ مُوسَى إِنَّهُ يُدْخِلُ ذَلِكَ الْكَلُّوبَ فِي شِدْقِهِ …» (^٣).\nفقوله: «قال بعض أصحابنا» فهذه رواية عن مجهول، ولا نعرف من هم الأصحاب، وقد قال ابن الصلاح: «لا يجزئ التعديل على الإبهام من غير تسمية المعدل، فإذا قال: حدثني الثقة أو نحو ذلك مقتصرا عليه لم يكتف به … فإن كان\n_________\n(^١) قال ابن عبد البر في ترجمة رافع بن خديج، (هو ابن أخي ظهير ومظهر ابني رافع بن عدي) الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ٢/ ٤٧٩.\n(^٢) الكواكب الدراري، ١٠/ ١٦٥.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: الجنائز، رقم (١٣٠٦).","vol":"1","page":340},{"text":"القائل لذلك عالما أجزأ ذلك في حق من يوافقه في مذهبه، على ما اختاره بعض المحققين» (^١).\nوقال الكرماني مجيبًا عن تصرف البخاري: «لما علم من عادة البخاري أنه لا يروي إلا عن العدل الذي بشرطه فلا بأس يجهل اسمه فإن قلت: لم ما صرح باسمه حتى لا يلزم التدليس قلت لعله نسي اسمه أو لغرض آخر» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-229>ثانيًا الإبهام في المتن:</span>\nمن أمثلته:\nيقول ابن الصلاح: «ما قيل فيه «رجل» أو «امرأة»، ومن أمثلته: حديث ابن عباس ﵁ أن رجلا قال: يا رسول الله! الحج كل عام؟ (^٣) هذا الرجل هو الأقرع بن حابس، بينه ابن عباس في رواية أخرى» (^٤).\nفوائد معرفة المبهم في المتن:\n«فوائده أن يكون المبهم سائلا عن حكم عارضه حديث آخر فيستفاد بمعرفته النسخ وعدمه إن عرف زمن إسلام ذلك الصحابي وكان قد أخبر عن قصة قد شاهدها وهو مسلم» (^٥).\n_________\n(^١) علوم الحديث ابن الصلاح، ص ١١٠.\n(^٢) الكواكب الدراري، ٧/ ١٥٤.\n(^٣) أخرجه أحمد في مسند ابن عباس ﵄، رقم (٢٧٤١).\n(^٤) معرفة علوم الحديث، ص ٣٧٦.\n(^٥) فتح المغيث، السخاوي، ٤/ ٢٩٩.","vol":"1","page":341},{"text":"وإبهام الاسم في المتن لا يضر ولا تأثير له في تصحيح الحديث أوتضعيفه (^١).\nوقد كان الكرماني رحمه الله تعالى يذكر اسم المبهم في الروايات، مستعينا بورود اسمه في الروايات الأخرى، مثاله كحديث: «عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللهِ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ …» (^٢).\nفذكر الكرماني أن الرجل هو سُليك الغَطَفاني (^٣)، كما جاء في بعض الروايات (^٤).\nويسمي المبهم في المتن في أكثر من موضع، كما في حديث: «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلَادَةً فَهَلَكَتْ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا …» (^٥).\nفسماه الكرماني، وهو الصحابي الجليل: اُسيد بن حُضير (^٦).\nوفي حديث «عنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: ذَهَبْتُ لأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ …» (^٧).\n_________\n(^١) شرح المنظومة البيقونية، يوسف جودة الداودي، ص ٣٧.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الجمعة، باب: إذا رأى الإمام رجلا جاء وهو يخطب أمره أن يصلي ركعتين، رقم (٨٨٩).\n(^٣) الكواكب الدراري، ٦/ ٣٩.\n(^٤) الرواية عند مسلم، كتاب: الجمعة، بَاب: التَّحِيَّةُ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، رقم (٥٨).\n(^٥) أخرجه البخاري، كتاب: التيمم، باب: إذا لم يجد ماء ولا ترابا، رقم (٣٣١).\n(^٦) الكواكب الدراري، ٣/ ٢١٥.\n(^٧) أخرجه البخاري، كتاب: الإيمان، باب: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾. فَسَمَّاهُمُ المُؤْمِنِينَ، رقم (٣٠).","vol":"1","page":342},{"text":"فذكر الكرماني أن الرجل المقصود هو علي بن أبي طالب ﵁ (^١).\nومن ذلك حديث «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، ثَائِرُ الرَّاسِ …» (^٢).\nفذكر الكرماني نقلًا عن ابن بطال أنَّ: «هذا الرجل النجدي هو ضِمام بالضاد المعجمة المكسورة ابن ثعلبة من بني سعد بن بكر» (^٣).\nولاشك أن الكرماني استدل على الأسماء المبهمة في المتن عن طريق ورود ذكرها في روايات أخرى، إلا أنه في بعض الأحيان لا يذكر ذلك ولعله يميل إلى الاختصار.\n٣ - بعض المسائل المتفرقة المتعلقة بالصحابة:\nكان من منهج الكرماني ﵀ عند ترجمة الصحابي يذكره مُعظمًا إياه بقوله: الصحابي الجليل أو المشهور، أو الكبير أو الشريف …، وإن كان أبوه صحابي يذكر ذلك ويقول: صحابي ابن صحابي (^٤)، أو صحابي ابن الصحابي\n_________\n(^١) ينظر: الكواكب الدراري، ١/ ١٤٢.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الإيمان، بَاب: الزَّكَاةُ مِنَ الإِسْلَامِ. وَقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾، رقم (٤٤).\n(^٣) الكواكب الدراري، ١/ ١٨٠.\n(^٤) الكواكب الدراري، ينظر ترجمته للصحابي الجليل: (عبدالله بن عمرو بن العاص ﵄)، ٢/ ٦٣، وينظر في ترجمة الصحابي الجليل: (عامر بن عبدالله بن الزبير)، ٢/ ١١١، وفي (عبدالله بن أبي أوفى ﵄)، ١٠/ ٢٧.","vol":"1","page":343},{"text":"والصحابية (^١) أو الصحابي ابن الصحابية (^٢).\nقال الكرماني عن الصحابي في تعريف البخاري للصحابي: «وَمَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ أَوْ رَآهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَهْوَ مِنْ أَصْحَابِهِ» (^٣): «قوله (ومن صحب النبي؟ أو رآه) يعني الصحابي مسلم صحب النبي؟ أو رآه … فإن قلت إذا صحبه فقد رآه، قلت: لا يلزم إذ عمرو بن أم مكتوم صحابي اتفاقًا مع أنه لم يره إذ هو أعمى، فإن قلت: ما وجه قول من اكتفى بالرؤية قلت: لعله جعل الرؤية عرفية إذ من صحب زيدًا وإن كان أعمى يقال أنه رآه عرفًا، فإن قلت من رآه بعد وفاته؟ قبل دفنه هل يسمى صحابيًا؟ قلت: نعم. فإن قلت من رآه في المنام فقد رآه حقًا فيكون صحابيًا قلت: المتبادر إلى الذهن الرؤية في اليقظة» (^٤).\nوقال في موضع آخر عند حديث: «مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ قَالَ عَقَلْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مَجَّةً مَجَّهَا فِي وَجْهِي وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ مِنْ دَلْوٍ» (^٥) فقال الكرماني عند شرح (وأنا ابن خمس سنين) فإن قلت فهل يحكم بمثل هذا الصبي بأنه صحابي.\n_________\n(^١) السابق، ينظر ترجمته للصحابي الجليل (النعمان بن بشير، وأمه عَمْرة بنت رواحة) والكل من الصحابة ﵃، ١/ ٢٠٢.\n(^٢) السابق، ينظر ترجمته للصحابي الجليل (عبدالله بن مسعود ﵁) ٢/ ١٩٦، وفي (عبدالله بن جعفر ﵄)، ١٥/ ٣.\n(^٣) صحيح البخاري، ٥/ ٢، طبع دارطوق النجاة، بتحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر.\n(^٤) الكواكب الدراري، ١٤/ ١٩٨.\n(^٥) أخرجه البخاري، كتاب: العلم، باب: الْخُرُوجِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، رقم (٧٦).","vol":"1","page":344},{"text":"قلت نعم لصدق حد الصحابي عليه وهو مسلم رأي النبي ﷺ» (^١).\nوقال في موضع ثالث عند حديث من رآى النبي ﷺ في المنام «فمن رآه في المنام هل يطلق عليه صحابي أم لا؟ قلت: لا إذ لا يصدق عليه حد الصحابي، وهو مسلم رأى النبي ﷺ إذ المراد منه الرؤية المعهودة الجارية على العادة، أي الرؤية في حياته الدنيا، لأن النبي ﷺ هو المخبر عن الله تعالى، وهو ما كان مخبرًا للناس عنه إلا في الدنيا، لا في القبر.\nولهذا يقال مدة نبوته ﵇ ثلاث وعشرون سنة على أنا لو التزمنا إطلاق لفظ الصحابي عليه لجاز وهذا أحسن وأولى» (^٢).\nيتبين من كلام الكرماني أن الصحابي: هو مسلم رأى النبي ﷺ.\nويُفهم من بقية كلامه أن المعتمد عنده في حد الصحابي:\nمن رآى النبي ﷺ، وآمن به، أولقيه، أوصحبه، مميزًا في حال الحياة الدنيا يقظة، أو بعد (موت النبي ﷺ وقبل دفنه).\nواستحسن الكرماني أن من رآى النبي ﷺ في المنام أن يُعد من الصحابة إلا أنه لم يعتمد هذا القول بناء على قوله: المتبادر إلى الذهن الرؤية في اليقظة.\nوقول الكرماني في تعريف الصحابي هو تعريف جمع من العلماء منهم البخاري قال في تعريف الصحابي: «ومن صحب النبي ﷺ أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه» (^٣).\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٢/ ٥٢.\n(^٢) الكواكب الدراري، ٢/ ١١٦ - ١١٧.\n(^٣) صحيح البخاري، كتاب: الأنبياء، باب: فَضَائِلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ.","vol":"1","page":345},{"text":"وقال آخرون: كل من رآى النبي ﷺ من المسلمين فهو من الصحابة (^١) ويشمل هذا كل من رآى النبي ﷺ، من الأحرار والموالي، والذكور والإناث (^٢).\nوشرط بعض الأصوليّين في تعريف الصحابي: إطالة الصحبة، وكثرة مجالسة النبي ﷺ على طريق التّبعِ له، والأخذ عنه (^٣).\nإلا أن ابن حجر ﵀ قال في تعريف الصحابي: «من لقي النبي ﵌ مؤمنا به ومات على الإسلام (^٤)، ولو تخللت ردة؛ في الأصح» (^٥).\nواللقاء أعم من المجالسة والرؤيا، لأنه يدخل فيها الأعمى الذي لقي النبي ﷺ، ولم يره فتوافق قول ابن حجر مع قول الكرماني في التعريف.\nمحترزات تعريف الصحابي:\n١ - ومن رآه كافرا ثم أسلم بعد موته كرسول قيصر فلا صحبة له.\n٢ - ومن رآه بعد موته ﷺ قبل الدفن، وقد وقع ذلك لأبي ذؤيب خويلد ابن خالد الهذلي؛ فإنه لا صحبة له. (وفي هذا رد على الكرماني الذي قال أنه من\n_________\n(^١) وهو قول أكثر المحدثين، كابن الصلاح، في علوم الحديث، ص ٢٩٣، والنووي في التقريب والتيسير، ص ٩٢، والسيوطي في التدريب، ٢/ ٦٦٧.\n(^٢) فتح المغيث، ٤/ ٧٩.\n(^٣) ينظر: المستصفى للغزالي، ١/ ١٣٠، والبحر المحيط في أصول الفقه، للزركشي، ٦/ ١٩٠.\n(^٤) وهو قول السيوطي في تدريب الراوي، ٢/ ٦٦٧.\n(^٥) نزهة النظر، ابن حجر ص ١١١.","vol":"1","page":346},{"text":"الصحابة).\n٣ - من ارتد بعده ﷺ ثم أسلم ومات مسلما، فقد نص الشافعي وأبو حنيفة على أن الردة محبطة للعمل، والظاهر أنها محبطة للصحبة السابقة (^١)، كقُّرة ابن هبيرة، والأشعث بن قيس، أما من رجع إلى الإسلام في حياته كعبدالله بن أبي سرح، فلا مانع من دخوله في الصحبة (^٢).\n٤ - ويشترط في رؤيا النبي ﷺ المُعتبرة أن تكون بعد نبوته ﷺ، فلا ينطبق عليه اسم الصحابي من رآه قبلها كزيد بن عمرو بن نفيل، وقد عده ابن منده (^٣) في الصحابة (^٤).\n_________\n(^١) قال العلامة المحدث محمد عوامّة «هذا هو الأوجه دليلًا، وذهب بعض الحفاظ إلى أن الأصح أن اسم الصحبة باقٍ للراجع للإسلام، سواء رجع إليه في حياته ﵇ أم بعده، وسواء لقيه ثانيًا أو لا، ويدل على رجحانه قصة الأشعث بن قيس، فإنه كان ممن ارتد، وأُتي به إلى الصديق أسيرًا، فعاد إلى الإسلام، فقبل منه ذلك وزوّجه أخته، ولم يتخلف أحد من ذكره في الصحابة» من تحقيقه لتدريب الراوي طبعة دار اليسر، ودار والمنهاج، ص ١٥٦.\n(^٢) تدريب الراوي، ٢/ ٦٦٧ - ٦٦٨، ونزهة النظر، ص ١١١ - ١١٢.\n(^٣) محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى ابن منده بن الوليد، الأصبهاني، ومنده لقبه، الحفاظ المشهورين وأحد أصحاب الحديث المبرزين، الثقة الحافظ، كثير التصانيف، له: (معرفة الصحابة)، و(فتحُ الباب في الكُنى والألقاب)، (ت ٣٩٥ هـ)، ينظر: وفيات الأعيان، ابن خلكان، ٦/ ١٦٨، ولسان الميزان، ابن حجر، ٦/ ٥٥٥.\n(^٤) تدريب الراوي، ٢/ ٦٦٨.","vol":"1","page":347},{"text":"٥ - ويشترط التمييز في الرَّائي، وذلك إستنادًا لحديث محمود بن الربيع الذي عَقِل مجّة مجّها النبي ﷺ في وجهه وهو ابن خمس سنين، فقال العلماء هذا حد التمييز، ويخرج بذلك من رآه وهو لا يعقل، والأطفال الذين حنكهم ولم يروه بعد التمييز (^١).\n٦ - ويعرف الصحابي:\n١ - بالتواتر، كأبي بكر وعمر وعائشة، وبقية العشرة المبشرين بالجنة ﵃.\n٢ - بالشهرة والاستفاضة، كعكاشة بن محصن، وضمام بن ثعلبة.\n٣ - أن يُخبر عن نفسه أنه من الصحابة، كما قال البخاري في صحيحه: «عَنْ سُنَيْنٍ أَبِي جَمِيلَةَ (^٢) قَالَ أَخْبَرَنَا وَنَحْنُ مَعَ ابْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ وَزَعَمَ أَبُو جَمِيلَةَ أَنَّهُ أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ، وَخَرَجَ مَعَهُ عَامَ الْفَتْحِ» (^٣)، قال الكرماني (^٤) معلقًا على ذلك: «وجمهور الأصوليين أن العدل المعاصر للرسول ﷺ إذا قال أنا صحابي يصدق فيه ظاهرا» (^٥).\n_________\n(^١) تدريب الراوي، ٢/ ٦٦٨، وفتح المغيث، ٤/ ٨٣.\n(^٢) وقد تُرجم لسُنين أبي جميلة في كتب التراجم، وعُدّ من الصحابة الكرام ﵃، ينظر، طبقات ابن سعد، ٥/ ٤٦، الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ٦٨٩، وأسد الغابة، ٢/ ٥٦٧.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: المغازي، باب: وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُاللهِ بْنُ ثعلبة، رقم (٤٠١٠).\n(^٤) الكواكب الدراري، ١٦/ ١٤١.\n(^٥) والأمر فيه خلاف «إن ادعى العدل المعاصر للنبي ﷺ أنه صاحب النبي ﷺ، فهل يقبل قوله قال القاضي أبو بكر: نعم؛ لأن وازع العدل يمنعه من الكذب، إذا لم يرد عن الصحابة رد قوله، وجرى عليه ابن الصلاح والنووي. ومنهم من توقف في ثبوتها بقوله لما في ذلك من دعواه رتبة لنفسه، وهو ظاهر كلام ابن القطان المحدث، وهو قوي، فإن الشخص لو قال: أنا عدل، لم تقبل لدعواه لنفسه مزية، فكيف إذا ادعى الصحبة التي هي فوق العدالة؟» البحر المحيط في أصول الفقه، بدر الدين الزركشي، ٦/ ١٩٨، وينظر الأصول في الإبهاج في شرح المنهاج، تقي الدين السبكي، ٢/ ٣٣١.","vol":"1","page":348},{"text":"٤ - أو أن يُخبر عن نفسه أنه صحابي، بعد ثبوت عدالته ومعاصرته\nللنبي ﷺ.\n٥ - أن يخبر أحد التابعين بأنه صحابي بناء على قبول التزكية من واحد وهو الراجح (^١).\nوإن مقام الصحبة، لا يعلوه مقام، قال الكرماني «قال العلماء: إن\nإدراك صحبة رسول الله ﷺ لحظة خير وفضيلة لا يوازيها عمل ولا تنال\nدرجتها بشيء» (^٢) وقال في موضع آخر: «ليس للصحابي فضيلة أفضل من فضيلة الصحبة، ولهذا سُّمو بالصحابة؛ مع أنهم علماء كرماء شجعانًا إلى تمام فضائلهم ﵃» (^٣).\n_________\n(^١) ينظر معرفة علوم الحديث، ابن الصلاح، ص ٢٩٤، والمنهل الروي، ابن جماعة، ١١٢، وتدريب الراوي، السيوطي ٢/ ٦٧٢، والسنة قبل التدوين، محمد عجاج الخطيب، ص ٣٩٣.\n(^٢) الكواكب الدراري، ٥/ ١٩٢.\n(^٣) السابق، ٢٠/ ١١٢.","vol":"1","page":349},{"text":"وكان يُشير إلى صنيع البخاري أوشيوخه من ذكرهم للراوي أنه من الصحابة، مع أنه من المشهورين والمعروفين فيبين سبب ذلك مثاله: «حَدَّثنا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخبَرَنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ الأَنْصَارِيُّ، وَكَانَ تَبِعَ النَّبِيَّ ﷺ وَخَدَمَهُ وَصَحِبَهُ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُصَلِّي لَهُمْ فِي وَجَعِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ …» (^١).\nقال الكرماني: «قوله: تبع ماذكر المتبوع فيه ليشعر بالعموم أي تبعه في العقائد، والأقوال والأفعال والأخلاق، وذكر خدمته لبيان زيادة شرفه، وهو كان له خادما عشر سنين ليلا ونهارا، وذكر صحبته لأن الصحبة معه ﷺ أفضل أحوال المؤمنين واعلى مقاماتهم» (^٢).\nومن ذلك: «حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيَّ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَفُرْسَانِهِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ الرُّؤْيَا مِنْ اللهِ …» (^٣).\nومعرفة الصحابة فن عظيم، يُعرف به الحديث المرسل من المتصل (^٤).\nولذلك كان الكرماني يبين الخلاف في صحبة الصحابي والسبب في ذلك\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الأذان، بَابُ: أَهْلُ العِلْمِ وَالفَضْلِ أَحَقُّ بِالإِمَامَةِ، رقم (٦٥٠).\n(^٢) الكواكب الدراري، ٥/ ٦٢.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: التعبير، بَاب: الْحُلْمُ مِنْ الشَّيْطَانِ فَإِذَا حَلَمَ فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ وَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ ﷿، رقم (٦٥٨٦).\n(^٤) ينظر: التقريب والتيسير، للنووي، ص ٩٢، وفتح الباقي شرح ألفية العراقي، زين الدين السنيكي، ٢/ ١٨٥.","vol":"1","page":350},{"text":"ويرجح مستعينًا بالقرائن والأدلة فقال في ترجمة: «عدي بن عدي» «اختلفوا في أنه صحابي أم لا؟ والصحيح أنه تابعي، وسبب الاختلاف أنه روى الأحاديث عن النبي ﷺ، مرسلة فظنه بعضهم صحابيًا وكان عدي عامل عمر بن عبد العزيز على الجزيرة والموصل، واستعمال عمر له يدل على أنه لا صحبة لهن لأنه عاش بعد عمر ولم يبق أحد من الصحابة إلى خلافته واتفقوا على جلالته» (^١).\nوقال في ترجمة: التابعي «شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ» مرجحًا أنه من التابعين، ومبينًا الخلاف في صحبته: «وقال صاحب جامع الأصول: أدرك النبي ﷺ وقيل إن في صحبته خلافًا» (^٢).\nوقال في: «جُنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ» «مختلف في صحبته» (^٣).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-230>المبحث الخامس\nالجرح والتعديل</span>\n<span data-type='title' id=toc-231>أولًا تعريف علم الجرح والتعديل لغة واصطلاحًا، وتعريفه علمًا مركبًا:</span>\n<span data-type='title' id=toc-232>١ - تعريف الجَرح لغة واصطلاحًا:</span>\nقال ابن منظور (^٤): الجَرْح الفعلُ جَرَحه يَجْرَحُه جَرْحًا: أثر فيه بالسلاح؛\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١/ ٧٢.\n(^٢) الكواكب الدراري، ٦/ ٥٤.\n(^٣) السابق، ٦/ ٢٠٥.\n(^٤) ينظر مادة (جرح) لسان العرب، ٢/ ٤٢٢، وانظر تاج العروس: ٦/ ٣٣٦.","vol":"1","page":351},{"text":"وجرّحه: أكثر ذلك، وجرحه بلسانه: شتمه، ويقال: جرح الحاكم الشاهد؛ إذا عثر منه على ما تسقط به عدالته من كذب وغيره.\nتعريف الجَرح اصطلاحًا: وَصْفُ الحافظ الناقد للراوي بما يقتضي ردّ روايته أوتضعيفها (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-233>٢ - تعريف التعديل لغة واصطلاحًا:</span>\nالعدل: ما قام في النفوس أنه مستقيم، وهو ضدالجور (^٢).\nاصطلاحًا: وَصْفُ الحافظ الناقد للراوي بما يقتضي سلامته من الجارح في دينه وسلوكه، وتوثيقَه وقَبول روايته (^٣).\nومن العلماء من عرف علم الجرح والتعديل تعريفًا مركبًا:\nقال حاجي خليفة في كشف الظنون: هو علم يُبحَث فيه عن جرح الرواة وتعديلهم بألفاظ مخصوصة، وعن مراتب تلك الألفاظ) (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-234>ثانيًا أهمية الجرح والتعديل:</span>\nإن علم الجرح والتعديل من الأسس التي يُبنى عليها صحة الأحاديث\n_________\n(^١) لمحات من تاريخ السنة وعلوم الحديث، للشيخ عبد الفتاح أبو غدة ص ١٧٧، وانظر كتاب: منهج النقد في علوم الحديث لأستاذنا الدكتور نور الدين عتر ص، ٩٢.\n(^٢) ينظر مادة (عدل)، تهذيب اللغة، ٢/ ١٢٤، ولسان العرب، ١١/ ٤٣٠.\n(^٣) لمحات من تاريخ السنة وعلوم الحديث ص، ١٧٨، وانظر منهج النقد ص، ٩٢.\n(^٤) كشف الظنون، ١/ ٥٨٢، وينظر: علم الرجال نشأته وتطوره من القرن الأول إلى نهاية القرن التاسع، محمد الزهراني، ص ١١٥.","vol":"1","page":352},{"text":"والروايات؛ فلا بد لناقل الخبر أن يتصف بالصدق والعدالة؛ حتى يُحكم على كلامه بالصحة. وقال الحاكم في معرفة علوم الحديث: «النوع الثامن عشر من علوم الحديث: هذا النوع من علم الحديث معرفة الجرح والتعديل، وهما في الأصل نوعان: كل نوع منهما علم برأسه، وهو ثمرة هذا العلم، والمرقاة الكبيرة منه» (^١).\nوقال ابن الصلاح مُبَيِّنًا شروط قبول الرواية من الراوي: «أجمع جماهير أئمة الحديث والفقه على أنه يُشتَرط فيمن يحتج بروايته أن يكون عدلًا ضابطًا لما يرويه، وتفصيله أن يكون مسلمًا بالغًا عاقلًا سالِمًا من أسباب الفسق وخوارم المروءة، متيقظًا غير مغفل، حافظًا إن حدث من حفظه، ضابطًا لكتابه إن حدَّث من كتابه، وإن كان يحدث بالمعنى؛ اشترط فيه مع ذلك أن يكون عالمًا بما يحيل المعاني» (^٢).\nوقد سماه ابن الصلاح: معرفة صفة من تقبل روايته ومن ترد روايته،\nوما يتعلق بذلك من قدح وجرح وتوثيق. وهو عِلْم معروف من عهد النبي ﷺ والصحابة الكرام ﵃؛ إلا أنه لم يكن معروفًا بهذا الاسم.\nوقال محمد بن سيرين: «إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ».\nوقال كذلك: «لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة، قالوا:\n_________\n(^١) معرفة علوم الحديث، ص ٥٢.\n(^٢) علوم الحديث، ابن الصلاح، ص ١٠٤ - ١٠٥.","vol":"1","page":353},{"text":"سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-235>ثالثًا مشروعية الجرح والتعديل:</span>\n<span data-type='title' id=toc-236>١ - من القرآن الكريم:</span>\nأدلة الجرح والتعديل كثيرة في كتاب الله ﷿ منها قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦].\nوقول الله ﷿ ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢]. وقوله سبحانه: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦].\nوغيرها من الآيات التي تدل على التثبت في نقل الأخبار.\n\n<span data-type='title' id=toc-237>٢ - من السنة الشريفة:</span>\nوقوله ﷺ في الأحمق المطاع: «عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: «بِئْسَ أَخُو العَشِيرَةِ، وَبِئْسَ ابْنُ العَشِيرَةِ» فَلَمَّا جَلَسَ تَطَلَّقَ\nالنَّبِيُّ ﷺ فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا انْطَلَقَ الرَّجُلُ قَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ، حِينَ رَأَيْتَ الرَّجُلَ قُلْتَ لَهُ كَذَا وَكَذَا، ثُمَّ تَطَلَّقْتَ فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطْتَ إِلَيْهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَا عَائِشَةُ، مَتَى عَهِدْتِنِي فَحَّاشًا، إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ مَنْزِلَةً\n_________\n(^١) مقدمة صحيح الإمام مسلم، ص ١٥.","vol":"1","page":354},{"text":"يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ» (^١).\nقال ابن حجر عند شرحه لهذا الحديث: «وهذا الحديث أصل في المداراة وفي جواز غيبة أهل الكفر والفسق ونحوهم والله أعلم» (^٢).\nويبين الإمام النووي رحمه الله تعالى أن جرح الرواة لا يُعد من الغيبة المحرمة؛ بل من النصيحة المطلوبة فقال: «اعلم أن جرح الرواة جائز بل واجب بالاتفاق؛ للضرورة الداعية إليه لصيانة الشريعة المكرمة، وليس هو من الغيبة المحرمة؛ بل من النصيحة لله تعالى ورسوله ﷺ والمسلمين، ولم يزل فضلاء الأئمة وأخيارهم وأهل الورع منهم يفعلون ذلك» (^٣).\nحتى أن الإمام الكرماني ﵀ بين عدم جواز الستر على الرواة المجروحين فقال: «وأما ما يتعلق بجرح الرواة والشهود فلا يحل الستر عليهم وليس هذا من الغيبة المحرمة بل من النصيحة الواجبة» (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-238>رابعًا إذا اجتمع في الراوي جرح وتعديل أيهما يُقدم؟</span>\nقال ابن الصلاح: «إن اجتمع الجرح والتعديل في راو ما فالجرح مقدم؛\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الأدب، بَابُ: «لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا، رقم (٦٠٣٢).\n(^٢) فتح الباري، ١٠/ ٤٥٤، وينظر مشروعية الجرح والتعديل، في فتح المغيث،\n٤ - / ٣٥٢، وتدريب الراوي، ٢/ ٨٩١، والسنة قبل التدوين، ٢٣، والسنة ومكانتها في التشريع، مصطفى السباعي، ص ١١٠.\n(^٣) شرح مسلم على النووي، ١/ ١٢٤.\n(^٤) الكواكب الدراري، ١١/ ١٨.","vol":"1","page":355},{"text":"لأن المعدل يخبر عما ظهر من حاله، والجارح يخبر عن باطن خفي على المعدل فإن كان عدد المعدلين أكثر فقد قيل التعديل أولى، والصحيح والذي عليه الجمهور أن الجرح أولى لما ذكرناه» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-239>خامسًا عدد المعدلين:</span>\nاختلف العلماء في ثبوت الجرح والتعديل بقول اثنين أم يُكتفى بواحد؟ فمنهم من قال أنه لابد من اثنين كما هي الشهادات، ومنهم من قال أنه يُكتفى بواحد وهو الصواب وعليه قول الجمهور، لأن العدد لم يشترط في قبول الخبر، فلم يشترط في جرح راويه وتعديله، بخلاف الشهادات (^٢).\nوقال الكرماني ناقلًا عن ابن بطال: «اختلفوا في عدد المعدلين، فقال مالك والشافعي: لا يقبل في الجرح والتعديل أقل من رجلين، وقال أبو حنيفة: يقبل تعديل الواحد وجرحه» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-240>منهج الإمام الكرماني في الجرح والتعديل:</span>\nيظهر اهتمام الكرماني رحمه الله تعالى في شرحه بموضوع جرح الرجال وتعديلهم، وهناك الكثير من التراجم لم يذكر فيهم تعديلًا أو تجريحًا، وذلك إما اختصارًا كما هو منهجه في الشرح، وإما اكتفاء بشهرتهم، وفي الاستقراء والتتبع\n_________\n(^١) علوم الحديث، ص ١٠٩ - ١١٠.\n(^٢) ينظر: علوم الحديث، ابن الصلاح، ص ١٠٩، وشرح التبصرة، العراقي، ١/ ٣٤٥، وتوضيح الأفكار، الصنعاني، ٢/ ١٠٦.\n(^٣) الكواكب الدراري، ١١/ ١٦٤.","vol":"1","page":356},{"text":"تبين أن الكرماني ناقش بعض الأمور في الجرح والتعديل ومن أهمها:\n\n<span data-type='title' id=toc-241>١ - ينقل أقوال علماء الجرح والتعديل في الرجال:</span>\nكان من منهج الكرماني أن ينقل آراء علماء الجرح والتعديل في الرواة\nكأبي حاتم الرازي (^١)، وابن سعد، ويحيى بن معين (^٢)، وأحمد بن حنبل (^٣) … وغيرهم.\nمثال على ذلك: قال في ترجمة: «آدم بن أبي إياس» ناقلًا عن أبي حاتم «قال أبو حاتم هو ثقة مأمون متعبد من خيار عباد الله» (^٤).\n_________\n(^١) أبو حاتم الرازي محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران، الحنظلي، الإمام الحافظ الناقد، شيخ المحدثين، وجرح وعدّل، وصنف، وألف من مصنفاته: الجرح والتعديل، (ت ٢٧٧ هـ)، ينظر سير أعلام النبلاء، الذهبي، ١٣/ ٢٤٧.\n(^٢) يحيى بن معين بن عون بن زياد بن بسطام، أبو زكريا، إمام الحديث\nفي زمانه، والمعول عليه فيه، قال أحمد بن حنبل: السماع من يحيى بن معين شفاء لما\nفى الصدور، سمع ابن المبارك وابن عيينة وغيرهم، (ت ٢٣٣ هـ)، ينظر:\nتهذيب الأسماء واللغات، النووي، ٢/ ١٥٦، وسير أعلام النبلاء، الذهبي،\n٩ - / ١٢٣.\n(^٣) أحمد بن حنبل بن هلال بن أسد، الشيباني، الإمام الفقيه المحدث اللغوي، الزاهد العابد الورع، إمام أهل السنة كثير التصنيف والجمع، إليه يُنسب المذهب الحنبلي، له المسند، والجرح والتعديل وغيرها. (ت ٢٤٢ هـ)، ينظر: طبقات الحنابلة، ابن أبي يعلى، ٤/ ١، ومناقب الإمام أحمد، لابن الجوزي.\n(^٤) الكواكب الدراري، ١/ ٨٧.","vol":"1","page":357},{"text":"وقال عن: «عبدة أبو محمد بن سليمان بن الحاجب الكلابي الكوفي» «قال الإمام أحمد هو ثقة ثقة ثقة وزيادة مع صلاح» (^١).\nوقال عن: «إبراهيم بن حمزة الأسدي المدني» «قال ابن سعد ثقة صدوق» (^٢).\nوأحيانًا يكتفي الكرماني بنقل عالم واحد في الراوي المُترجَم له قال عن: «زياد ابن عبدالله العامري البَكّائي» «قال ابن معين لا بأس به في المغازي خاصة» (^٣).\nكذلك يذكر الكرماني اتفاق العلماء على توثيق الراوي وجلالته، من ذلك: ما قاله عن: «أبو عامر العقدي عبد الملك ابن عمرو البصري» (^٤) وفي: «يزيد مولى المنبعث» (^٥).\nوكان الكرماني كذلك يذكر ألفاظ العلماء في الجرح والتعديل، من ذلك\nما قاله عن: «أبو حفص بن غياث بن طلق النخعي» «أوثق أصحاب الأعمش ثقة فقيه عفيف حافظ» (^٦).\nوقال في: «هاشم بن القاسم أبو النضر» «حافظ ثقة صاحب سنة» (^٧).\n_________\n(^١) السابق، ١/ ١١٢.\n(^٢) السابق، ١/ ٢٠٠.\n(^٣) السابق، ١٢/ ١٠٨.\n(^٤) السابق ١/ ٨١.\n(^٥) السابق، ٢/ ٨٠.\n(^٦) الكواكب الدراري، ٣/ ١٢٢.\n(^٧) السابق، ٢/ ١٨٦.","vol":"1","page":358},{"text":"<span data-type='title' id=toc-242>٢ - ينقل اختلاف علماء الجرح والتعديل في الراوي الواحد:</span>\nمن المعروف عند علماء الجرح والتعديل أن للتعديل مراتب ودرجات، وكذلك الجرح، ولكل درجة لها مدلولها الخاص بالراوي، وقد تختلف أقوال العلماء في الراوي الواحد وذلك لأسباب عدة منها اختلاف اجتهادهم، وحكمهم على الرجال بين متشدد ومتساهل ومعتدل (^١) …\n«ولم يكونوا معصومين رحمهم الله تعالى؛ ولكن كانوا يغلب على غالبهم الورع والدقة والأمانة والنَّصَفَة، والكمال المطلق إنما هو لله تعالى، والعصمة\nلنبيه ﷺ، بفضل الله عليه. وصدرت منهم هذه الألفاظ قبل توحد المصطلحات الحديثية واستقرارها الذي يمكن تحديده تقريبًا بالقرن الرابع وما بعده. كان الحافظ الناقد منهم يقولها في الراوي بحسب ما يتراءى له من حاله؛ تبعًا لمعرفته بأحاديثه ونقده مروياته، وتبينه فيه؛ يقول قوةَ العدالة والضبط أو الضعف\n_________\n(^١) ذكر الإمام الذهبي رحمه الله تعالى، «والكلام في الرواة يحتاج إلى ورع تام، وبراءة من الهوى والميل، وخبرة كاملة بالحديث، وعلله، ورجاله. ثم نحن نفتقر إلى تحرير عبارات التعديل والجرح، وما بين ذلك من العبارات المتجاذبة. ثم أهم من ذلك، أن نعلم بالاستقراء التام عرف ذلك الإمام الجهبذ، واصطلاحه، ومقاصده، بعباراته الكثيرة … فالحادُّ فيهم، يحيى بن سعيد، وابن معين، وأبو حاتم، وابن خِراش، وغيرهم، والمعتدل فيهم أحمد بن حنبل، والبخاري، وأبو زُرعة، والمتساهلُ كالترمذي، والحاكم، والدار قطني في بعض الأوقات … ولكن هذا الدين مؤيد محفوظ من الله تعالى، لم يجتمع علماؤه على ضلالة، لا عمدًا ولا خطأ، فلا يجتمع اثنان على توثيق ضعيف ولا على تضعيف ثقة» المُوقظة ص ٨٢ - ٨٣ - ٨٤.","vol":"1","page":359},{"text":"فيهما» (^١).\nومن الأمثلة على ذلك يذكر الكرماني أقوال العلماء في ترجمة: «عدي بن ثابت» «قال أحمد بن حنبل هو ثقة وقال أبو حاتم صدوق» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-243>٣ - ذكر مايتعلق بعدالة الراوي:</span>\nمن ذلك:\n\n<span data-type='title' id=toc-244>١ - التنبيه على عدالة الصحابة ﵃ </span>-:\nأجمع العلماء على عدالة الصحابة ﵃ أجمعين، ولا يُحتاج للسؤال عنهم، لأنها ثابتة بعديل الله لهم في القرآن، وتزكية الرسول ﷺ لهم (^٣).\nوقد كان الكرماني رحمه الله تعالى ينص على ذلك في أثناء شرحه، إذا ورد اسم صحابي في الحديث وجُهل اسمه فإن هذا لا يضر لأن الصحابة كلهم عدول.\nمثال على ذلك، أخرج البخاري في صحيحه في كتاب: الحج،\n«عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّامِ مِنْ الْجُحْفَةِ وَأَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ قَالَ عَبْدُاللهِ وَبَلَغَنِي أَنَّ\n_________\n(^١) من تعليق العلامة المحدث الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله تعالى، على كتاب: الرفع والتكميل في الجرح والتعديل، لعبد الحي اللكنوي الهندي، ص ١٢٩.\n(^٢) الكواكب الدراري، ١/ ٢١٤.\n(^٣) ينظر: الكفاية، الخطيب البغدادي، ص ٤٦، اليواقيت والدرر، المناوي، ٢/ ٢١٤، منهج النقد، د. نور الدين عتر، ص ١٢١.","vol":"1","page":360},{"text":"رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ» (^١).\nفعبارة سيدنا عبدالله بن عمر بلغني هل تقوم بها الحجة أم أنها من قبيل المجهول؟ قال الكرماني: «أن الظاهر من هذا البلاغ لايرويه إلا عن صحابي آخر، والصحابة كلهم عدول» (^٢).\nومثله:\nقال البخاري: «حدثنا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ ابْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ عَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَرِدُ عَلَى الْحَوْضِ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِي …» (^٣).\nفقول ابن المسَيَّب أنه كان يُحدث عن أصحاب النبي ﷺ، لايعد هذا من الرواية عن المجاهيل، ولا ينقدح الإسناد بسببه، وذلك لأن الصحابة كلهم عدول (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-245>٢ - التنبيه على من رُمي ببدعة:</span>\nالمبتدع: هو من اعتقد بالمذموم مما هو خلاف المعروف عن النبي ﷺ،\nلا بمعاندة بل بنوع شبهة (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، باب: ميقات أهل المدينة ولا يهلوا قبل ذي الحليفة، رقم (١٤٣٦).\n(^٢) ينظر: الكواكب الدراري، ٨/ ٦٣.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: الحوض، باب: في الحوض، رقم (٦١٩٢).\n(^٤) ينظر: الكواكب الدراري، ٢٣/ ٦٨.\n(^٥) فتح المغيث، ٢/ ٦٢.","vol":"1","page":361},{"text":"حكم رواية المبتدع:\nوقد قسم العلماء البدعة إلى أقسام، وعلى وفقها يُقبل الراوي أو يُرد:\n١ - أن تكون بدعته مُفَسِّقة أو مُكَفِّرة؛ فهذا رَدُّوا روايته.\n٢ - ومَن كانت فيه بدعة غير مُفَسِّقة أو مُكَفِّرة، وإنما تأولوا قوله بدليل. قال ابن الصلاح: «اختلفوا في قبول رواية المبتدع الذي لا يُكَفَّر في بدعته؛ فمنهم من رد روايته مطلقًا؛ لأنه فاسق ببدعته، وكما استوى في الكفر المتأوِّل وغير المتأوِّل؛ يستوي في الفسق المتأول وغير المتأول. ومنهم من قبل رواية المبتدع إذا لم يكن ممن لا يستحل الكذب في نصرة مذهبه أو لأهل مذهبه؛ سواء أكان داعية إلى بدعته أو لم يكن، وعزا بعضهم هذا إلى الشافعي لقوله: «أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية (^١) من الرافضة؛ لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم وقال قوم: «تُقبل روايته إذا لم يكن داعية إلى بدعته، ولا تقبل إذا كان داعية، وهذا مذهب الكثير أو الأكثر من العلماء» (^٢).\n_________\n(^١) الخطابية: فرقة من غلاة الشيعة أصحاب أبي الخطاب محمد بن أبي زينب الأسدي الأجدع مولى بني أسد، وهم يستحلون الكذب لإثبات الحق لهم على خصومهم من أهل الفرق الأخرى؛ ولذلك لا تقبل شهادتهم. ينظر: الملل والنحل للشهرستاني: ١/ ١٧٩، والتوقيف على مهمات التعاريف لزين الدين المناوي ص، ١٥٦، ومعجم لغة الفقهاء لمحمد رواس قلعجي ص، ١٩٧.\n(^٢) علوم الحديث لابن الصلاح ص: ١١٤ - ١١٥، وانظر فتح المغيث شرح ألفية الحديث: ٢/ ٦٢ - ٦٣، وشرح النخبة للقاري: ١/ ٥٣٢. وتوجيه النظر إلى أصول الأثر ص: ٨٨٧ - ٨٩٣.","vol":"1","page":362},{"text":"وقال اللكنوي عند نقله لبعض الأقوال في قبول رواية المبتدع أو ردها: «وقيل: إنما تقبل أي رواية المبتدع إذا كانت بدعته صغرى، وإن كانت كبرى؛ فلا تُقبل؛ فتُقبل رواية أرباب التشيّع بالمعنى المشهور في عرف المتقدمين (^١)؛\nوهو اعتقاد تفضيل عَلِيٍّ على عثمان ﵄، أو اعتقاد أنَّ عليًّا أفضلُ الخلق بعد رسول الله ﷺ، وأنه مصيب في حروبه كلها، ومخالفها مُخطاء، وبهذا نُسب جمع من أهل الكوفة المتقدمين إلى التشيُّع» (^٢).\nوقال الكرماني: «اعلم أن المبتدع إذا وجدت فيه سائر شروط الرواية تقبل روايته، قال الإمام مسلم في صحيحه (^٣) الواجب أن يتقي من أهل التهم والمعاندين من أهل البدع فقيد بلفظ المعاندين وقال النووي في شرحه (^٤) وقع في الصحيحين وغيرهما من كتب أئمة الحديث الاحتجاج بكثير من المبتدعة غير\n_________\n(^١) قال ابن حجر: «(التشيع في عرف المتقدمين هو اعتقاد تفضيل عَلِيٍّ على عثمان، وأن عليًّا كان مصيبًا في حروبه، وأن مخالفه مخطئ، مع تقديم الشيخين وتفضيلهما، وربما اعتقد بعضهم أنَّ عليًّا أفضل الخلق بعد رسول الله ﷺ وإذا كان معتقد ذلك ورعًا دَيِّنًا صادقًا مجتهدًا؛ فلا ترد روايته بهذا، لا سيما إن كان غير داعية، وأما التشيع في عرف المتأخرين؛ فهو الرفض المحض؛ فلا تقبل رواية الرافضي الغالي ولا كرامة» تهذيب التهذيب في ترجمة أبان بن تغلب: ١/ ٩٤، وقال نحوه في لسان الميزان: ١/ ٢٠٢، وما قاله الذهبي قريبًا منه في ميزان الاعتدال في ترجمة أبان بن تغلب: ١/ ٦.\n(^٢) ظفر الأماني بشرح مختصر الجرجاني، ص. ٤٩١.\n(^٣) / ٨.\n(^٤) / ٦١.","vol":"1","page":363},{"text":"الدعاة إلى بدعتهم ولم يزل السلف والخلف على قبول الرواية منهم والاستدلال بها والسماع منهم وإسماعهم من غير إنكار» (^١).\nوكان منهج الكرماني عند ترجمة الرواة، أن يبين مذهبهم العَقَدي، فكان ينبّه على القائلين بمذهب القَدَر، ومن كانوا من الخوارج والشيعة، والمرجئة.\nفالرواة الذين قال عنهم أنهم من القدرية هم:\n«١ هشام الدستوائي عبدالله الثقفي ابن أبي نَجيح عبدالله بن عمرو ابن الحجاج البصري، عبد العزيز بن أبي سلمة، شبل ابن عبادة، ثور بن يزيد الكلاعي، عبد الرحمن بن إسحاق القرشي» (^٢).\nوقال عن: «عمران بن حطّان السدوسي» أنه من الخوارج (^٣) وهو الخارجي الوحيد الذي أخرج له البخاري في صحيحه.\nوقد قال ابن حجر معللًا إخراج البخاري لعمران بن حطان في صحيحه: «قلت ذكر أبو زكريا الموصلي في تاريخ الموصل عن محمد بن بشر العبدي الموصلي قال لم يمت عمران بن حطان حتى رجع عن رأي الخوارج، هذا أحسن ما يعذر به عن تخريج البخاري له» (^٤).\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١/ ٧٧.\n(^٢) الكواكب الدراري، على ترتيبهم المذكور وفق الصفحات، ١/ ١٧٤، ١/ ١٨٤،\n٢ - / ٤٠، ٢/ ٤٨، ٢/ ١٤٨، ٩/ ٢٥، ٩/ ١٩٨، ١٠/ ٦٦.\n(^٣) السابق، ٢١/ ٨٢.\n(^٤) تهذيب التهذيب، ٨/ ١٢٨.","vol":"1","page":364},{"text":"وقال عن: «عوف ابن أبي جميلة» «كان يتشيع» (^١) «عدي بن ثابت الخطيم الخطمي» «كان إمام مسجد الشيعة بالكوفة وقاضيهم» (^٢).\nوقال عن: «عبّاد بن العوام الواسطي» «ثقة صدوق وعن أحمد أنه مضطرب الحديث وقال محمد بن سعد كان يتشيع» (^٣).\nوقال عن: «إبراهيم بن يزيد التيمي» (قال يحيى هو ثقة مرجئ قتله الحجاج وهو تابعي عابد» (^٤).\nوقد أجاب العلماء على إخراج البخاري في صحيحه للرواة المبتدعة قال ابن حجر: «واعلم أنه قد وقع من جماعة الطعن في جماعة بسبب اختلافهم في العقائد، فينبغي التنبه لذلك، وعدم الاعتداد به إلا بحق وكذا عاب جماعة من الورعين جماعة دخلوا في أمر الدنيا فضعفوهم لذلك ولا أثر لذلك التضعيف مع الصدق والضبط» (^٥).\nوعند ترجمة ابن حجر ﵀ ل: «ثور بن زيد الديلي» وكان يرى رأي الخوارج: «عن مالك أنه سئل كيف رويت عن داود بن الحصين وثور بن زيد وذكر غيرهما وكانوا يرون القدر فقال كانوا لأن يخروا من السماء إلى الأرض\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١/ ١٨٤.\n(^٢) السابق، ١/ ٢١٤.\n(^٣) السابق، ٣/ ٨.\n(^٤) السابق، ١/ ١٨٧.\n(^٥) هدي الساري، ص ٥٥٠، وينظر معرفة علوم الحديث لابن الصلاح، ٢٩٩ - ٣٠٠.","vol":"1","page":365},{"text":"أسهل عليهم من أن يكذبوا» (^١).\nوقال بعض العلماء في سبب قبول رواية البخاري لرواية الخوارج «والخوارج وهم أشد الناس بدعة لأنهم يكفرون من يكذب فقبولهم لحصول الظن بخبرهم قال أبو داود ليس في أهل الأهواء أصح حديثا من الخوارج» (^٢).\nوالظاهر أن قبول البخاري للرواة المبتدعة هم الذين لا يدعون لبدعتهم، وعُرف عنهم الصدق والضبط، أو من كان على بدعة ثم رجع عنها كما علل ابن حجر لرواية البخاري عن عمران بن حطان الخارجي ومن حيث الجملة فهذا الأمر لا يطعن بالصحيح.\n\n<span data-type='title' id=toc-246>٣ - بيان الراوي المدلس:</span>\nالمُدلس: هو من لم يُسم مَنْ حدثه، وأوهم سماعه للحديث ممن لم يحدثه به (^٣).\nوحكم الراوي المدلس عند العلماء يختلف من راوٍ لآخر، فإن كان التدليس نادرًا أو أنه لا يدلس إلا عن ثقة، أو يصرح به بالسماع من طريق آخر\n_________\n(^١) فتح الباري، ١/ ٣٩٤.\n(^٢) ثمرات النظر في علم الأثر، الصنعاني، ص ٨٤، وقال الحافظ ابن حجر عن عمران بن حطان: «وقد وثقه العجلي وقال قتادة كان لا يتهم في الحديث وقال أبو داود ليس في أهل الأهواء أصح حديثا من الخوارج ثم ذكر عمران هذا وغيره» الفتح ١/ ٤٣٢.\n(^٣) نزهة النظر، ابن حجر ص ١٠٣، وينظر الباعث الحثيث، ص ٥٣، والموقظة، الذهبي ص ٤٧.","vol":"1","page":366},{"text":"فهو مقبول عندهم (^١).\nحكم الرواة المدلسين في الصحيحين:\nفي صحيح البخاري رواة قال عنهم العلماء أنهم موصوفون بالتدليس، منهم: قتادة بن دِعامة السّدوسي، وسفيان بن عيينة، قال عنه ابن حجر «ثقة حافظ فقيه إمام حجة إلا أنه تغير حفظه بأخرة وكان ربما دلس لكن عن الثقات» (^٢).\nوقال أبو الفتح الأزدي: «والتدليس على ضربين، فإن كان تدليسا عن ثقة لم يحتج أن يوقف على شيء وقبل منه، ومن كان يدلس عن غير ثقة لم يقبل منه الحديث إذا أرسله حتى يقول: حدثني فلان، أو سمعت، فنحن نقبل تدليس ابن عيينة ونظرائه لأنه يحيل على مليء ثقة، ولا نقبل من الأعمش تدليسه لأنه يحيل على غير مليء، والأعمش إذا سألته: عمن هذا؟ قال: عن موسى بن طريف، وعباية بن ربعي، وابن عيينة، إذا وقفته، قال: عن ابن جريج، ومعمر، ونظرائهما، فهذا الفرق بين التدليسين» (^٣).\nوقال النووي: «ما كان فى الصحيحين عند المدلسين بعن ونحوها فمحمول على ثبوت السماع من جهة أخرى وقد جاء كثير منه فى الصحيح\n_________\n(^١) فتح المغيث، ١/ ٢٣١، ومقدمة في أصول الحديث، عبد الحق الدهلوي، ص ٤٨.\n(^٢) تقريب التهذيب، ص ٢٤٥.\n(^٣) الكفاية، ص ٣٦٢، وينظر ما قاله ابن عبد البر في التمهيد من نحو كلام أبي الفتح الأزدي، ١/ ٣٠.","vol":"1","page":367},{"text":"بالطريقتين جميعا» (^١).\nوقال الكرماني: «معنعنات الصحيحين كلها مقبولة، محمولة على السماع والاتصال من طريق أخرى، سواء استُشهد وتُوبع عليها أم لا» (^٢).\nوكان موقف الإمام الكرماني من الرواة المدلسين عند البخاري، أنه تارة ينقل توثيق العلماء فيهم من دون تعرضه لذكر أن الراوي كان مدلسًا، كما قال في ترجمة: «سليمان بن مهران» (^٣)، و«حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ» (^٤)، و«محمد بن مسلم أبو الزبير» (^٥) والظاهر أنه اكتفى بتوثيق العلماء لهم، وأن معنعنات الصحيح مقبولة محمولة على الاتصال.\nوينقل أحيانًا آراء العلماء فيهم، مع وصفهم بالتدليس.\nمن ذلك ما قاله عن: «عمر بن علي المُقَدَّمي» «قال ابن سعد كان عمر ثقة ويدلس تدليسًا شديدًا … قال عثمان لم يكونوا ينقمون منه غير التدليس ولم أكن أقبل منه حتى يقول حدثنا» (^٦).\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم، ١/ ٣٣، والنكت على كتاب ابن الصلاح، ابن حجر، ٢/ ٦٣٥.\n(^٢) الكواكب الدراري، ٤/ ٦٧.\n(^٣) الكواكب الدراري، ١/ ١٤٤، وينظر ترجمة سليمان بن مهران ووصفه بالتدليس في، تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، ابن حجر، ص ٣٣.\n(^٤) السابق، ٩/ ١٣٧، وينظر ترجمة حبيب ووصفه بالتدليس، في ثقات ابن حبان، ٤/ ١٣٧.\n(^٥) السابق، ٥/ ٨٥، وينظر ترجمة محمد بن مسلم ووصفه بالتدليس، جامع التحصيل ص ١١٠، وتقريب التهذيب، ص ٨٩٥.\n(^٦) الكواكب الدراري، ١/ ١٦٠.","vol":"1","page":368},{"text":"ثم قال الكرماني معللًا أخذ البخاري عن المدلسين في صحيحه: «وأقول وما كان في الصحيحين عن المدلسين بعن فمحمول على ثبوت سماعهم من جهة أخرى» (^١).\nوقال مبينًا ضعف عنعنة: «هُشيم بن بشير» «إذ قيل إنه مدلس، مع أن معنعنات الصحيحين كلها مقبولة، محمولة على السماع والاتصال من طريق أخرى، سواء استُشهد وتوبع عليها أم لا» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-247>٤ - يذكر أقوال العلماء في الراوي ما كان متعلقًا بضبطه وإتقانه:</span>\nبيان اختلال ضبط الراوي:\nمن ذلك ما قيل في ترجمة: «فُليح ابن سليمان بن أبي المغيرة الخزاعي المدني أبو يحيى واسمه عبدالملك» «قال أبو حاتم (^٣) وابن معين إنه ليس بالقوى وقال ابن عدى لا بأس به (^٤)، وقد اعتمده البخاري وروى له مسلم وأبو داود والترمذي» (^٥).\nومما يقوي الرجال وإن قيل فيهم بعض المقال أن يروي لهم أصحاب مصنفات اشترط أصحابها الصحة كالبخاري ومسلم، وفُليح ابن سليمان\n_________\n(^١) السابق، ١/ ١٦٠.\n(^٢) السابق، ٤/ ٦٧.\n(^٣) الجرح والتعديل، ٧/ ٨٥.\n(^٤) الكامل في ضعفاء الرجال، ابن عدي الجرجاني، ٧/ ١٤٤.\n(^٥) الكواكب الدراري، ٢/ ٣.","vol":"1","page":369},{"text":"اعتمده البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي، قال الحاكم أبو عبدالله: «اتفاق الشيخين عليه أي فُليح بن سليمان يقوي أمره» (^١).\nوقال عن: «سعيد المُقبري» «وقال ابن سعد هو ثقة كثير الحديث، لكنه كبر وبقي حتى اختلط قبل موته بأربع سنين» (^٢).\nويذكر ما كان من الراوي قبل اختلاطه، وأنه لايؤثر على صحة الرواية، كما قال عن زهير أبي معاوية وأن روايته عن أبي إسحق «عمرو بن عبدالله السَبيعي» قبل الاختلاط (^٣).\nويذكر ما كان من تفرد الراوي ومخالفته فقال عن: «شريك بن عبدالله بن أبي نمر» «كثير التفرد بمناكير لا يتابعه عليها سائر الرواة» (^٤).\n_________\n(^١) تهذيب الهذيب، ٨/ ٣٠٥.\n(^٢) الكواكب الدراري، ١/ ١٦١.\n(^٣) السابق، ٢/ ٢٠٤.\n(^٤) السابق، ٢٥/ ٢٠٧، وقال الذهبي عنه: (ذكره أبو محمد بن حزم فوهاه، واتهمه بالوضع. وهذا جهل من ابن حزم، فإن هذا الشيخ ممن اتفق البخاري ومسلم على الاحتجاج به، نعم غيره أوثق منه وأثبت، وهو راوي حديث المعراج وانفرد فيه بألفاظ غريبة؛ منها: «ودنا الجبار فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى» تاريخ الإسلام، ٣/ ٨٩١، وقال مسلم: عن شريك في حديث الإسراء «وَقَدَّمَ فِيهِ شَيْئًا وَأَخَّرَ وَزَادَ وَنَقَصَ»، صحيح مسلم، ١/ ١٤٨. وقال ابن كثير في تفسيره: «شريك ابن عبدالله بن أبي نمر اضطرب في هذا الحديث وساء حفظه ولم يضبطه»، تفسير القرآن العظيم، ٨/ ٣٧٦.","vol":"1","page":370},{"text":"بيان ضعف الراوي عن شيخ معين دون غيره:\nومن دقة علماء الجرح والتعديل أنهم كانوا يبينوا أن الضعف وارد في الراوي إذا روى عن شيخ معين، أما إن روى عن غيره فهو ثقة.\nمثال ذلك: قال ابن حجر في تقريب التهذيب: «يزيد ابن إبراهيم التُسْتري … أبو سعيد ثقة ثبت إلا في روايته عن قتادة ففيها لين» (^١).\nوقد نهج الكرماني هذا النهج في نقله عن علماء الجرح والتعديل فقال في ترجمة: «قَبيصة بن عُقبة» مبينًا خلاف العلماء في توثيقه «قالوا سمع من سفيان صغيرًا فلم يضبط منه كما هو حقه فهو حجة إلا فيما روي عن سفيان» (^٢).\nوقال في: «سليمان ابن كثير العبدري»، و«سليمان بن حسين الواسطي» «قال النسائي ليس به بأس إلا في الزهري» (^٣).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-248>المبحث السادس\nرواة صحيح البخاري وأقوال العلماء فيهم</span>\n*<span data-type='title' id=toc-249> تمهيد:</span>\nأجمع العلماء على توثيق رواة الصحيحين، حتى في الرواة الذين لم يُذكر فيهم جرح أو تعديل، وأخرج لهم الإمامان البخاري ومسلم فهذا دلالة على\n_________\n(^١) تقريب التهذيب، ١/ ٥٩٩.\n(^٢) الكواكب الدراري، ١/ ١٤٩، وينظر: تهذيب التهذيب، ٨/ ٣٤٧.\n(^٣) السابق، ٦/ ١٤٩.","vol":"1","page":371},{"text":"ثقتهم (^١) وقد عرّف العلماء الثقة بقولهم: هو الجامع بين وصف العدالة والضبط (^٢).\nوقال الإمام ابن دقيق العيد (^٣): «كان شيخ شيوخنا الحافظ أبو الحسن المقدسي يقول في الرجل يخرج عنه في الصحيح هذا جاز القنطرة يعني بذلك أنه لا يلتفت إلى ما قيل فيه وهكذا يعتقد وبه نقول ولا نخرج عنه إلا ببيان شاف وحجة ظاهرة تزيد في غلبة الظن على المعنى الذي قدمناه من اتفاق الناس بعد الشيخين على تسمية كتابيهما بالصحيحين ومن لوازم ذلك تعديل رواتهما» (^٤).\nوقد قسم العلماء رواة من أخرج له الشيخان، أو أحدهما على قسمين: أحدهما: ما احتجا به في الأصول.\nوثانيهما: من خرجا له متابعة وشهادة واعتبارا (^٥).\n_________\n(^١) المُوقظة في علم مصطلح الحديث، الذهبي، ص ٧٨، واليواقيت والدرر في شرح نخبة ابن حجر، المناوي، ١/ ٣٧٨.\n(^٢) توجيه النظر إلى أصول الأثر، طاهر الجزائري، ص ١٨١.\n(^٣) الشيخ الإمام العلامة قاضي القضاة تقي الدين محمد بن علي بن وهب القشيري الشافعي أحد علماء وقته، وأكبرهم علمًا ودينًا، وله التصانيف المشهورة، تمذهب بمذهب الإمام مالك، ثم صار شافعيًا، له الاقتراح في بيان الاصطلاح، شرح مقدمة المطرز في أصول الفقه، (ت ٧٠٢)، ينظر: فوات الوفيات، ٣/ ٤٤١ - ٤٤٢، وطبقات الشافعيين، ابن كثير الدمشقي، ص ٩٥٢.\n(^٤) الاقتراح في بيان الاصطلاح، ص ٥٥، والموقظة للذهبي، ص ٨٠، وينظر الجرح والتعديل، القاسمي ص ٢٣.\n(^٥) المُوقظة، ص ٧٩.","vol":"1","page":372},{"text":"وقال ابن حجر رحمه الله تعالى عن القسم الأول: «ينبغي لكل منصف أن يعلم: أن تخريج صاحب الصحيح لأي راو كان مقتضٍ لعدالته عنده وصحة ضبطه، وعدم غفلته، ولا سيما ما انضاف إلى ذلك من إطباق جمهور الأئمة على تسمية الكتابين بالصحيحين، وهذا معنى لم يحصل لغير من خُرّج عنه في الصحيح، فهو بمثابة إطباق الجمهور على تعديل من ذُكر فيهما، هذا إذا خُرّج له في الأصول» (^١).\nومع هذا التوثيق لرواة الصحيح، إلا أنهم لم يسلموا من النقد والطعن، إلا أن العلماء ردوا على هذه الطعون، وفندوها.\nقال ابن حجر عن القسم الثاني، مبينًا أسباب الطعن، وأنه ليس كل طعن معتبر: «فأمّا إن خَرَّج له في المتابعات والشواهد والتعاليق، فهذا يتفاوت درجات من أخرج له منهم في الضبط وغيره، مع حصول اسم الصدق لهم وحينئذ إذا وجدنا لغيره في أحد منهم طعنًا فذلك الطعن مقابل لتعديل هذا الإمام؛ فلا يقبل إلا مُبين السبب مفسرًا بقادح يقدح في عدالة هذا الراوي وفي ضبطه مطلقا، أو في ضبطه لخبر بعينه، لأن الأسباب الحاملة للأئمة على الجرح متفاوتة منها ما يقدح ومنها ما لا يقدح» (^٢).\nوهذه القاعدة «أنه يُحتمل في المتابعات مالا يُحتمل في الأصول» سار عليها الكرماني في شرحه، في أكثر من موضع (^٣).\n_________\n(^١) هدي الساري، ص ٥٤٨.\n(^٢) السابق، ص ٥٤٨.\n(^٣) الكواكب الدراري، ٢/ ١٢٩، ٢/ ١٥٧، ٦/ ١٤٩.","vol":"1","page":373},{"text":"وقال الزيلعي (^١) معللًا إخراج البخاري ومسلم لرواة تُكلم فيهم: «صاحبا الصحيح رحمهما الله إذا أخرجا لمن تكلم فيه، فإنهم ينتقون من حديثه ما تُوبع عليه، وظهرت شواهده، وعُلم أن له أصلًا، ولا يروون ما تفرد به، سيما إذا خالفه الثقات» (^٢).\nوقد عقد ابن حجر رحمه الله تعالى، فصلًا كاملًا في هدي الساري، عن أسماء من طُعن فيهم من رجال صحيح البخاري، مع الإجابة عن هذه الطعون، وبيان من أخرج له البخاري في الأصول، ومن أخرج له في المتابعات والشواهد (^٣).\nوكان منهج الكرماني رحمه الله تعالى في شرحه أنه كان يترجم لكل الرواة، ولم يذكر الرواة المطعون فيهم إلا قليلا، وذلك لأنه قال في مقدمة شرحه: «اعلم أن صحيح البخاري لا حاجة له في بيان حاله، إلى تعديل رجاله. لأنه ينقسم إلى قسمين: رجال بينه وبين رسول الله ﷺ، واتفاق الأمة المكرمة المعظمة الأقدار، على أنهم عدول ثقات أخيار أبرار …\nويذكر الكرماني أنه كان يصحح أسماء الرواة ويضبطها، لا للتعديل\n_________\n(^١) عبدالله بن يوسف بن محمد الزيلعي الحنفي جمال الدين الزيلعي، المحدث المفيد، أخذ عن القاضي علاء الدين ابن التركماني، وابن عقيل، خرّج أحاديث الهداية وأحاديث الكشاف مع الاستيعاب الكامل لذلك، (ت ٧٦٢ هـ). طبقات الحفاظ للسيوطي،\n٣ - / ٩٥.\n(^٢) نصب الراية، ١/ ١٠.\n(^٣) هدي الساري، الفصل التاسع، ص ٥٤٨.","vol":"1","page":374},{"text":"والتجريح أو التصنيف والتصحيح …\nوالقسم الثاني: ورجال بيننا وبين البخاري، ولا حاجة لنا إلى معرفتهم بذواتهم، فضلا عن جرحهم وعدالتهم. لأن صحيحه بالنسبة إلينا متواتر» (^١).\nوهذه بعض الأمثلة التي تعرض لها الكرماني عن الرواة المطعون فيهم:\n\n<span data-type='title' id=toc-250>١ - أبان أبو يزيد البصري العطار.</span>\nقال الكرماني في ترجمته: «ذكر البخاري عنه تعليقًا لعدم تلاقيهما، وذكره متابعة لا تأصلًا إما لضعفه أو لغيره، وإما لضعف شيخه ونحوه، وأما مسلم فقد روى له في الأصول» (^٢).\nوقال ابن حجر في ترجمته: «قال أحمد: «ثبت في كل المشائخ»، وقال بن معين: «ثقة كان القطان يروي عنه وكان أحب إليه من همام، وهمام أحب إلي»، وقال النسائي: ثقة» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-251>٢ - الحسن بن عمارة:</span> وهو الْحسن بن عمَارَة بن مضرب أَبُو مُحَمَّد الْكُوفِي مولى بجيلة، قال شعبة كذاب، وقال غيره متروك (^٤).\nوقد تُوّهم أن البخاري روى عن الحسن بن عمارة في صحيحه، إلا أن\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ببعض التصرف، ١/ ٧.\n(^٢) السابق، ١/ ١٧٦.\n(^٣) تهذيب التهذيب، ١/ ١٠١.\n(^٤) ينظر ترجمته في الضعفاء والمتركون، ابن الجوزي، ١/ ٢٠٧، وديوان الضعفاء، الذهبي، ١/ ٨٤.","vol":"1","page":375},{"text":"السياق لا يدل عليه، أخرج البخاري: «حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِاللهِ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا شَبِيبُ بْنُ غَرْقَدَةَ قَالَ سَمِعْتُ الْحَيَّ يُحَدِّثُونَ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهُ دِينَارًا يَشْتَرِي بِهِ شَاةً، فَاشْتَرَى لَهُ بِهِ شَاتَيْنِ، فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ وَجَاءَهُ بِدِينَارٍ وَشَاةٍ، فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ، وَكَانَ لَوِ اشْتَرَى التُّرَابَ لَرَبِحَ فِيهِ. قَالَ سُفْيَانُ كَانَ الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ جَاءَنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْهُ …» (^١).\nقال الكرماني: «فإن قلت الحسن بن عمارة كاذب مُكذب، فكيف جاز النقل عنه؟ قلت: ما أثبت شيء بقوله من هذا الحديث مع احتمال أنه قال ذلك بناء على ظنه» (^٢).\nوقال ابن حجر: «لم يقصد البخاري الرواية عن الحسن بن عمارة ولاالاستشهاد به بل أراد بسياقه ذلك أن يبين أنه لم يحفظ الإسناد الذي حدثه به عروة ومما يدل على أن البخاري لم يقصد تخريج الحديث الأول أنه أخرج هذا في أثناء أحاديث عدة في فضل الخيل» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-252>٣ - عكرمة أبو عبدالله مولى ابن عباس،</span> المفسر، الهاشمي المدني، اتُهم بالكذب، «كان ينتحل رأي الصُّفريَّة (^٤) قال أبو بكر: سمعت مصعب بن عبدالله\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: المناقب، من دون ذكر اسم للباب (تراجم مرسلة)، رقم (٣٤٠٨).\n(^٢) الكواكب الدراري، ١٤/ ١٩٥.\n(^٣) هدي الساري، ص ٥٦٥.\n(^٤) الصفرية من الخوارج: هم اتباع زياد بن الأصفر، وقولهم في الجملة كقول الأزارقة في أن أصحاب الذنوب مشركون غير أن الصفرية لا يرون قتل أطفال مخالفيهم ونسائهم، والأزارقة يرون ذلك وقد زعمت فرقة من الصفرية أن ما كان من الأعمال عليه حد واقع لا يسمى صاحبه إلا بالاسم الموضوع له كزان وسارق وقاذف وقاتل عمد وليس صاحبه كافرا ولا مشركا وكل ذنب ليس فيه حد كترك الصلاة والصوم فهو كفر وصاحبه كافر! ينظر الفرق بين الفِرق، عبد القادر البغدادي، ٧٠ - ٧١.\nوذكر أبو محمد القرطبي الظاهري، «وقالت طائفة من الصفرية بوجوب قتل كل من أمكن قتله من مؤمن عندهم أو كافر، وكانوا يؤلون الحق بالباطل، وقد بادت هذه الطائفة وقالت الميمونية وهم فرقة من العجاردة والعجاردة فرقة من الصفرية بإجازة نكاح بنات البنات وبنات البنين وبنات بني الإخوة والأخوات!» ينظر: الفصل في الملل والأهواء والنِحل، ٤/ ١٤٥.","vol":"1","page":376},{"text":"يقول كان عكرمة يرى رأي الخوارج وادعى على بن عباس أنه كان يراه» (^١).\nوقال ابن حجر عن عكرمة: «لم يثبت تكذيبه عن ابن عمر ولا تثبت عنه بدعة» (^٢).\nوقد نقل الكرماني في ترجمته أقوال العلماء فيه، وبين من وثّقه، ومن جرحه: «قال محمد بن سعد كان كثير العلم بحرًا من البحور، ولكن يتكلم الناس فيه وكان ذلك لأنه يرى رأى الخوارج، وقال يحي بن معين: إذا رأيت من يتكلم في عكرمة فاتهمه على الإسلام.\nوقال البخاري ليس أحد من أصحابنا إلا يحتج بعكرمة وقال أبو أحمد بن\n_________\n(^١) التعديل والتجريح، لمن خرج له البخاري في الجامع الصحيح، أبو الوليد الباجي، ٣/ ١٠٢٣، وينطر: العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم، محمد بن إبراهيم ابن الوزير، ٩/ ٢٥٥.\n(^٢) تقريب التهذيب، ١/ ٣٩٧.","vol":"1","page":377},{"text":"عدى: لم يمتنع الأئمة من الرواية عن عكرمة وأدخله أصحاب الصحاح صحاحهم، وقال البيهقي روى له البخاري دون مسلم وقيل لسعيد بن جبير هل أحد أعلم منك قال عكرمة» (^١).\nنتيجة المبحث: لم يتناول الكرماني الكلام عن كل الرجال الذين انتُقدوا على البخاري، ولعله كان يختصر الكلام في شرحه، أو أنه كان يكتفي برواية البخاري ومسلم عنهم، إشارة إلى توثيقهم.\n* * *\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٢/ ٤٨.","vol":"1","page":378},{"text":"الباب الثالث\nمنهج الكرماني في تراجم أبواب البخاري، ودراسة متونه وفيه\n* الفصل الأول: منهج الكرماني في تراجم الأبواب.\n* الفصل الثاني: منهج الكرماني فيما يتعلق بمتون الصحيح.","vol":"1","page":379},{"text":"<span data-type='title' id=toc-253>الباب الثالث\nمنهج الكرماني في تراجم أبواب البخاري، ودراسة متونه وفيه</span>\n<span data-type='title' id=toc-254>الفصل الأول\nمنهج الكرماني في تراجم الأبواب</span>\n<span data-type='title' id=toc-255>المبحث الأول</span>\n<span data-type='title' id=toc-256>تمهيد</span>\nإن مميزات صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى كثيرة، منها ما يتعلق بالضبط والإتقان، وشروط الحديث الصحيح …، ومنها ما يتعلق بحسن التبويب والترتيب، والإبداع في الصنعة الفقهية التي أودعها في أسماء الكتب والأبواب في صحيحه، حتى قيل أن فقه الإمام البخاري في تراجمه (^١).\nوإن تنوّع، وانتقاء التراجم والأبواب، من الآيات والأحاديث، وفتاوى الصحابة والتابعين، تدل على سعة علم البخاري واطلاعه.\nوقد أثنى العلماء على تراجم البخاري قال ابن حجر في مقدمة شرحه: «وكذلك الجهة العظمى الموجبة لتقديمه يعني صحيح البخاري وهي\n_________\n(^١) الإمام البخاري وفقه التراجم في جامعه الصحيح، د. نور الدين عتر، ص ٦٢.","vol":"1","page":381},{"text":"ما ضمَّنَه أبوابَه من التراجم التي حيّرت الأفكار وادهشت العقولَ والأبصار» (^١).\nوقال الإمام القسطلاني واصفًا تلك التراجم، ومثنيًا على البخاري: «وأما بيان موضوعه وتفرُّده بمجموعه، وتراجمه البديعة المثال، المنيعة المنال، فاعلم أنه رحمه الله تعالى قد التزم مع صحة الأحاديث استنباطَ الفوائد الفقهية، والنُّكت الحكمية، فاستخرج بفهمه الثاقب من المتون معاني كثيرة، فرقها في أبوابه بحسب المناسبة، واعتنى فيها بآيات الأحكام، وانتزع منها الدلالات البديعة، وسلك في الإشارات إلى تفسيرها السُبل الوسيعة» (^٢).\nكما أن العلماء بينوا مقصد البخاري من تراجمه المتنوعة، قال ابن حجر قال قال الزين بن المنير «من أمعن النَّظر في تراجم هذا الكتاب، وما أودعه فيها من أسرار المقاصد، استبعد أن يُغفِل أو يُهمِل، أو يضعَ لفظًا بغير معنى، أو يرسمَ في الباب خبرًا يكون غيرُه به أقعد، وأولى، وإنما قصد بذكر ما لم يترجم به أن يقررَ أن المفقودَ إذا وُجد الأكملُ منه أو الأنقص شرعَ الجبران» (^٣).\nوقد اعتنى العلماء بتراجم الإمام البخاري في صحيحه، وأفردوا المصنفات الكثيرة في ذلك:\nمنها:\n١ - المُتواري على تراجم البخاري، لزين الدين أبي الحسن علي بن محمد\n_________\n(^١) هدي الساري، ص ١٦.\n(^٢) إرشاد الساري، ١/ ٢٣.\n(^٣) فتح الباري، ٣/ ٣١٧.","vol":"1","page":382},{"text":"ابن المُنِير (ت ٦٩٥).\n٢ - تُرجمان التراجم لأبي عبدالله محمد بن رشيد السَّبتي (ت ٧٢١ هـ).\n٣ - فك أغراض البخاري المبهمة في الجمع بين الحديث والترجمة، محمد منصور بن حَمَامة السجِلْماسي.\n٤ - شرح تراجم أبواب البخاري للشاه ولي الله الدهلوي (ت ٨٢٨ هـ).\n٥ - الإمام البخاري وفقه التراجم في جامعه الصحيح، د. نور الدين عتر (^١) وغيرها من الكتب.\nوقد قسّم العلماء التراجم من حيث الجملة إلى أربعة أقسام:\nتراجم ظاهرة، وتراجم استنباطية، وتراجم مرسلة، وتراجم مفردة.\nقال د. نور الدين عتر:\n«فأما التَّرَاجِمُ الظَّاهِرَةُ: وهي التي تطابق الأحاديث التي تخرج تحتها مطابقة واضحة جلية، دون حاجة للفكر والنظر.\n\n<span data-type='title' id=toc-258>ثَانِيًا التَّرَاجِمُ الاسْتِنْبَاطِيَّةُ: وهي التي تدرك مطابقتها لمضمون الباب بوجه من البحث والتفكير القريب أو البعيد.</span>\n<span data-type='title' id=toc-259>ثَالِثًا التَّرَاجِمُ المُرْسَلَةُ: وهي التي اكتفي فيها بلفظ (باب)، ولم يُعَنْوِنْ بشيء يدل على المضمون بل ترك ذلك العنوان.</span>\n_________\n(^١) ينظر: هدي الساري، ١٨، كشف الظنون، ص ٥٤١، وهدية العارفين، ١/ ٩٩، والحطة في ذكر الصحاح الستة، محمد صديق خان القِنوجي، ص ١٨٥ - ١٩١، والأعلام للزركلي، ١/ ١٤٩.","vol":"1","page":383},{"text":"<span data-type='title' id=toc-260>رَابِعًا التَّرَاجِمُ المُفْرَدَةُ: وهي تراجم لا يُخْرِجُ البخاري فيها شَيْئًا من الحديث للدلالة عليها»</span> (^١).\nوقد بيّن الشاه ولي الله الدهلوي أقسام التراجم وأتى ببعض الصور والأمثلة (^٢).\nأن يترجم بحديث مرفوع ليس على شرطه، لمسألة بدت له.\nيترجم لمذهب ذهب إليه ذاهب قبله، ويذكر في الباب مايدل عليه فيقول في الباب كذا.\nيترجم بمسألة اختلف فيها الأحاديث، فيأتي بتلك الأحاديث على اختلافها ليقرب إلى الفقيه من بعده أمرها، مثاله قوله «باب خروج النساء إلى البراز» جمع فيه حديثين مختلفين.\nويترجم عند تعارض الأدلة، ويكون عند البخاري وجه تطبيق بينها يحمل كل واحد محملا فيترجم بذلك المحمل إشارة إلى التطبيق.\nومنها قد يجمعُ في الباب أحاديث كثيرة كل واحد منها يدل على الترجمة، ثم يظهر له في حديث واحد فائدة أخرى سوى الفائدة المترجم عليها، فيُعْلِم ذلك الحديث بعلامة الباب، وليس غرضه أن الباب الأول قد انقضى بما فيه،\n_________\n(^١) الإمام البخاري، وفقه تراجمه، د. نور الدين عتر، ص ١٥.\n(^٢) ينظر: شرح تراجم أبواب البخاري، شاه ولي الله دهلوي، ص ١٩ - ٢٠، وقد انتقد\nد. نورالدين عتر الشاه ولي الله الدهلوي، بأنه لم يضبط أنواع التراجم كأنواع كما فعل ابن حجر، وأنه سرد صورًا من التراجم عدها من الأقسام، وأنه لم يشمل التراجم المفردة. ينظر المرجع السابق، ص ١٤ - ١٥.","vol":"1","page":384},{"text":"وجاء الباب الآخر برأسه ولكن قوله «باب» هنالك بمنزلة ما يكتب أهل العلم على الفائدة المهمة لفظ «تنبيه» أو لفظ فائدة أو لفظ وقف.\nمنها أنه قد يكتب لفظ باب مكان قول المحدثين وبهذا الإسناد وذلك حيث جاء حديثان بإسناد واحد كما يكتب حيث جاء حديث واحد بإسنادين.\nومنها أنه قد يترجم بمذهب بعض الناس، أو بما كاد يذهب إليه بعضهم أو بحديث لم يثبت عنده ثم يأتي بحديث يستدل به على خلاف ذلك المذهب والحديث، إما بعمومه أو غير ذلك.\nومنها أنه يذهب في كثير من التراجم إلى طريقة أهل السير في استنباطهم خصوصيات الوقائع والأحوال من إشارات طرق الحديث.\nمنها أنه يقصد التمرن على ذكر الحديث وفق المسألة المطلوبة، ويهدي طالب الحديث إلى هذا النوع (^١).\nوقد نالت التراجم حظًا وافرًا من شرّاح الحديث بالاعتناء بها، وبيان مناسبة الترجمة لما قبلها وما بعدها، وبيان الغرض من الترجمة …\nفقد قال الإمام الكرماني في مقدمة شرحه: «وبينت مناسبة الأحاديث التي في كل باب لما ترجم عليه، ومطابقتها بما عقد له وأشير إليه، وهو قسم عجز عنه\n_________\n(^١) ينظر الحطة في ذكر الصحاح الستة، ص ١٧٣ - ١٧٤، بتصرف، نقلا عن شرح تراجم البخاري، للشاه ولي الله الدهلوي، وينظر عادات الإمام البخاري في صحيحه،\nعبد الحق بن عبد الواحد الهاشمي المكي، فقد ذكر فيه عادات الإمام البخاري في صحيحه، ومنها ما يتعلق يتراجم الأبواب التي فصل فيها مما يندرج تحت الأقسام التي ذكرها الشاه ولي الله الدهلوي.","vol":"1","page":385},{"text":"الفحول البوازل (^١) في الأعصار، والعلماء الأفاضل من الأنصار فتركوها واعتذروا عنها بأعذار» (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-261>المبحث الثاني\nبيان مناسبات تراجم البخاري بأنواعها</span>\nكما أن علم المناسبة في القرآن الكريم علم يبحث في المعاني الرابطة بين الآيات بعضها ببعض، وبين السور بعضها ببعض، حتى تعرف علل ترتيب أجزاء القرآن الكريم (^٣).\nكذلك علم المناسبات في التراجم يُراد به معرفة الروابط بين عنواين كتب صحيح البخاري، وبين أبوابها المتتالية، والمتفرقة، والمناسبة بين الترجمة وحديث الباب …\nوقد كان ترتيب أحاديث الصحيحين، والسنن، مرتبًا على حسب عنواين الكتب، وينزل تحت الكتاب الباب، وكان هذا الترتيب اجتهاديًا من صاحب المُصنّف، وكان يتحرى المناسبة، والرابط الذي يربط بين الكتب، والأبواب …،\n_________\n(^١) الرجل الكامل في تجربته وعقله. وقال ابن دريد: رجل بازل: إذا احتنك، ينظر تاج العروس، مادة (بزل) ٢٨/ ٧٨.\n(^٢) الكواكب الدراري، ١/ ٤.\n(^٣) مصابيح الدرر في تناسب آيات القرآن الكريم والسور، عادل بن محمد أبو العلاء، ص ١٨.","vol":"1","page":386},{"text":"فمنها ما هو ظاهر للعيان، وجلي، ومنها ما هو بحاجة إلى بيان؛ كشف عنه العلماء من شُرّاح الحديث، وغيرهم.\nفقد نهج الكرماني في شرحه، لبيان ذلك، وفق ما أوصله اجتهاده إليه فمن هذه الأمور التي ذكرها الكرماني:\n\n<span data-type='title' id=toc-262>أولًا بيان مناسبات عناوين كتب صحيح البخاري، مع بعضها البعض:</span>\nقال الكرماني مُثنيًا على عمل البخاري في بيان مناسبة عناوين كتبه في الصحيح، وحسن ترتيبها «اعلم أن البخاري لم يسبقه أحد في مثل ترتيب هذا الكتاب، ومحاسنه كثيرة، منها: أنه بدأ بعد مقدمة الكتاب في شأن بدء الوحي بذكر كتاب الإيمان، ثم بكتاب الصلاة بسوابقها من الطهارة وغيرها، ثم بكتاب الزكاة وما يتعلق بها، ثم بكتاب الحج وأبوابه، ثم بكتاب الصيام، قاصدًا الاعتناء بالترتيب، الذي رتبه رسول الله ﷺ في هذا الحديث أي حديث بُني الإسلام على خمس الذي فيه بيان قواعد الدين وأركان الإسلام» (^١).\nثم بيّن الكرماني سر التقديم في الحديث: «فإن قلت فما سر التقديم في الحديث؟ قلت: قدّم الإيمان لأنه ملاك الأمر كله، وأصله إذ الباقي مبني عليه مشروط به، وبه النجاة في الدارين ثم الصلاة لأنها عماد الدين، وبين العبد وبين الكفر ترك الصلاة، ويقتل تاركها على الأصح ولشدة الحاجة إليها لتكررها كل يوم خمس مرات، ثم الزكاة لكونها قرينة الصلاة في أكثر من موضع، أو لأنها قنطرة الإسلام، أو لاعتناء الشارع بها لذكرها أكثر من غيرها من الصوم والحج، في\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١/ ٦٩.","vol":"1","page":387},{"text":"الكتاب والسنة أو لشمولها المكلف وغيره، كما هو مذهب أكثر العلماء ثم الحج للتغليظات الواردة فيه نحو ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] ونحو «فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا، وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا» (^١) أو لعدم سقوطه بالبدل لوجوب الإتيان به إما مباشرةً وإما استنابة بخلاف الصوم …» (^٢).\nوبين سر تقديم كتاب: «بدء الوحي، على كتاب: «الإيمان» فقال: «وأما تقديم كتاب الوحي فلتوقف معرفة الإيمان وجميع ما يتعلق بالدين عليه، أو لأنه أول خير نزل من السماء إلى هذه الأمة» (^٣).\nوقال ناقلًا عن أبي عبدالله التيمي الأصفهاني: «واعلم أنه لما كان كتابه معقودا على أخبار الرسول ﷺ طلب تصديره بأول شأن الرسالة والوحي ولم يرد أن يقدم عليه الخطبة» (^٤).\nوقال الكرماني كذلك مبينًا سبب توسط كتاب «العلم»، بين كتابي «الإيمان»، و«الصلاة» «إنما قدّم هذا الكتاب على سائر الكتب التي بعده، لأن\n_________\n(^١) والحديث بتمامه: «عَنْ لَيْثٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ لَمْ يَمْنَعْهُ عَنِ الْحَجِّ حَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ، أَوْ سُلْطَانٌ جَائِرٌ، أَوْ مَرَضٌ حَابِسٌ فَمَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ، فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا، وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا» أخرجه الدارمي في سننه، كتاب: المناسك، بَابُ: مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ، رقم (١٨٢٦)، وقال محقق الكتاب، حسين سليم أسد الداراني، إسناده ضعيف لضعف ليث وهو: ابن أبي سليم.\n(^٢) الكواكب الدراري، ١/ ٦٩ - ٧٠.\n(^٣) الكواكب الدراري، ٢/ ٢.\n(^٤) الكواكب الدراري، ١/ ١٤.","vol":"1","page":388},{"text":"مدار تلك الكتب كلها على العلم. فإن قلت لم يقدم على الكتاب الإيمان. قلت: لأن الإيمان أول واجب على المكلف، أو لأنه أفضل الأمور على الإطلاق وأشرفها وكيف لا وهو مبدأ كل خير علمًا وعملًا ومنشأ كل كمال دق وجل» (^١).\nوقال في موضع آخر عن سر تقديم كتاب: «الإيمان» على كتاب: «العلم» «أنه ميز الأجناس بالكتب، والأنواع بالأبواب، إشعارًا بما به الاشتراك وبما به الامتياز بين الأحاديث» (^٢).\nومن ذلك بيان سبب تقديم كتاب الوضوء على ما بعده: «والصلاة مقدمة على سائر العبادات لأنها أفضلها ولأنها تتكرر في كل يوم خمس مرات، وهي متوقفة على الوضوء فلهذا قدّم كتاب الوضوء على سائر الكتب الأحكامية» (^٣).\nوكان الكرماني يذكر من نقد تسمية الأبواب، وترتيب البخاري للأحاديث، في الباب الواحد، ويرد عليه، كما نقل كلام، إسماعيل أبو عبدالله التيمي الأصبهاني: «واعلم أنه لو قال كيف كان الوحي وبدؤه لكان أحسن؛ لأنه تعرض لبيان كيفية الوحي لا بيان كيفية بدء الوحي، وكان ينبغي أن لا يُقدم عليه بعقب الترجمة غيره ليكون أقرب إلى الحُسن، وكذا حديث ابن عباس ﵄ كَان رَسُولُ اللهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ»، (^٤) لا على بدء الوحي ولا تعرض له غير أنه لم يقصد بهذه الترجمة تحسين العبارة وإنما مقصوده فهم القارئ والسامع إذا قرأ\n_________\n(^١) السابق، ٢/ ٢.\n(^٢) الكواكب الدراري، ١/ ٧٠.\n(^٣) السابق، ٢/ ١٦٨.\n(^٤) أخرجه البخاري، بابٌ: كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الوَحْيِ، رقم (٥).","vol":"1","page":389},{"text":"الحديث علم مقصوده من الترجمة فلم يشتغل بها تعويلا على فهم القارئ» (^١).\nفقال الكرماني ردًا عليه: «أقول ليس قوله: لكان أحسن مسلما لأنا\nلا نُسّلم أنه ليس بيانا لكيفية بدء الوحي؛ إذ يعلم بما في الباب أن الوحي كان ابتداؤه على حال المنام ثم في حال الخلوة بغار حراء على الكيفية المذكورة من الغط ونحوه، ثم ما فر هو عنه لازم عليه على هذا التقريب أيضا إذ البدء عطف على الوحي كما قرره فيصح أن يقال ذلك إيرادا عليه أيضا.\nوكذا حديث ابن العباس مُسلمًا إذ فيه بيان حال الرسول ﷺ، ابتداء نزول الوحي أو عند ظهور الوحي، والمراد من حال ابتداء الوحي حاله مع كل\nما يتعلق بشأنه أي تعلق كان كما في التعلق الذي للحديث الهرقلي، وهو أن القصة وقعت في أحوال البعثة ومبادئها أو المراد من الباب بجملته بيان كيفية بدء الوحي لا كل حديث منه، فلو علم من مجموع ما في الباب كيفية بدء الوحي من كل حديث شيء مما يتعلق به لصحت الترجمة» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-263>ثانيًا بيان مناسبة عنوان الباب لعنوان الكتاب:</span>\nقد يُظن للوهلة الأولى أنه لا رابط بين اسم الكتاب واسم الباب، لأن الكتاب يتكلم عن موضوع، والباب عن موضوع آخر، فينبه الكرماني على أن هناك رابط يربط بينهما، مستعينًا بالقرائن والأدلة على ذلك.\nمثاله: بيان مناسبة باب: قيام ليلة القدر من الإيمان، لكتاب: الإيمان، قال\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١/ ١٤.\n(^٢) الكواكب الدراري، ١/ ١٤ - ١٥.","vol":"1","page":390},{"text":"الكرماني: «وأما مناسبة هذا الباب لكتاب الإيمان؛ أن يبين أن هذه علامة عدم الإيمان، أو يعلم منه أن بعض النفاق كفر دون بعض» (^١).\nومن ذلك ذكر البخاري في كتاب: العلم، باب من قعدَ حيث ينتهي بهِ المجلِسُ ومن رأى فرجة في الحلقة، فقال الكرماني مبينًا وجه المناسبة بين عنوان الكتاب والباب: «فإن قلت ما وجه مناسبة هذا الباب بكتاب العلم. قلت: من جهة أن المراد بالحلقة حلقة العلم، وفي الحديث أن السنة الجلوس علي وضع الحلقة، وللداخل أن يجلس حيث ينتهي إليه المجلس، وأن لا يزاحم الجلاّس إن لم يجد فرجة وأن الإعراض عن مجلس العلم مذموم …» (^٢).\nومن ذلك بيان مناسبة كتاب: الوضوء، لباب السواك، قال الكرماني: «فإن قلت ما وجه مناسبة الباب للكتاب، قلت: من جهة أنه من سنن الوضوء، أو أنه من باب النظافة» (^٣).\nومثله بيان مناسبة كتاب: الصيد والذبائح، لباب: المسك، «فإن قلت\nما وجه مناسبة الباب بالكتاب قلت كون المسك فضلة الظبي وهو مما يصاد» (^٤).\nومن ذلك ذكر البخاري في كتاب: «اللباس» باب: حَمْلِ صَاحِبِ الدَّابَّةِ غَيْرَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ.\n_________\n(^١) السابق، ١/ ١٥٢.\n(^٢) السابق، ٢/ ٢٦.\n(^٣) السابق، ٣/ ١٠٥.\n(^٤) السابق، ٢٠/ ١١٢.","vol":"1","page":391},{"text":"قال الكرماني: «فإن قلت: ما وجه مناسبة الباب بالكتاب قلت الغرض منه الجلوس على لباس الدابة وإن تعدد أشخاص الراكبين عليها والتصريح بلفظ القطيفة (^١) في الحديث السابق مشعر بذلك» (^٢).\nقلت وقول الكرماني، والتصريح بلفظ القطيفة …، يدل على أن أحاديث الباب كلها متعلقة ببعضها البعض، وتربط بينها أمور عدة.\nومنه بيان مناسبة كتاب: الاستئذان، باب: طُولِ النَّجْوَى، قال الكرماني: «من جهة أن مشروعيته الاستئذان، هو لئلا يطلع الأجنبي على أحوال داخل البيت، أو أن المناجاة لا تكون إلا في البيوت والمواضع الخاصة الخالية، فذكره على سبيل التبعية للاستئذان» (^٣).\nومن ذلك بيان مناسبة بَاب: صَاعِ الْمَدِينَةِ وَمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ وَبَرَكَتِهِ\nوَمَا تَوَارَثَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذَلِكَ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، لكتاب: الكفارات، قال الكرماني: «قلت: كفارة اليمين فيها إطعام عشرة أمداد، لعشرة مساكين، وكفارة الوقاع إطعام ستين مسكينا ستين مدا، وفي كفارة الحلف إطعام ثلاثة آصع لستة مساكين» (^٤).\n_________\n(^١) حديث القطيفة هو: «عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَكِبَ عَلَى حِمَارٍ عَلَى إِكَافٍ عَلَيْهِ قَطِيفَةٌ فَدَكِيَّةٌ وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ وَرَاءَهُ» أخرجه البخاري، كتاب: اللباس، بَاب: الِارْتِدَافِ عَلَى الدَّابَّةِ، رقم (٥٥٩٤).\n(^٢) الكواكب الدراري، ٢١/ ١٤١.\n(^٣) السابق، ٢٢/ ١١٧.\n(^٤) السابق، ٢٣/ ١٤٤/ ١٤٥.","vol":"1","page":392},{"text":"ثانيًا بيان مناسبة الآية لعنوان الكتاب:\nمن عادة الإمام البخاري، أن يُصَدّر الكتاب بآية من القرآن الكريم، مناسبة لعنوان الكتاب مثال على ذلك:\nكتاب المرضى، مَا جَاءَ فِي كَفَّارَةِ الْمَرَضِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾.\nقال الكرماني: «فإن قلت: ما وجه مناسبة الآية بالكتاب إذ معناها\nمن يعمل سيئة يجزيها يوم القيامة، قلت: اللفظ أعم من يوم القيامة فيتناول الجزاء في الدنيا بأن يكون مرضه عقوبة لتلك المعصية فيغفر له بسبب ذلك المرض» (^١).\nوقال الكرماني عن عادة الإمام البخاري في ذلك: «أنه إذا ذكر آية مناسبة للمقصود يذكر معها بعض ما يتعلق بتلك السورة التي فيها تلك الآية ثبت عنده من تفسيره على سبيل التبعية» (^٢).\nحتى أنه يذكر تفسيرا لبعض ألفاظ القرآن يناسب ترجمة الباب، قال الكرماني: «اعلم أن عادة البخاري أنه يذكر بعض تفسير ألفاظ القرآن المناسب لترجمة الباب وللحديث الذي فيه تكثيرًا للفوائد وإن كان بينهما مناسبة بعيدة مثاله: فقد قال البخاري في كتاب الجنائز في باب: موعظة المحدث عند القبر وقعود أصحابه حوله، قال: يخرجون من الأجداث، الأجداث: القبور بعثرت\n_________\n(^١) الكواكب الدراري: ٢٠/ ١٧٥.\n(^٢) السابق، ٢٥/ ٢١٢.","vol":"1","page":393},{"text":"أثيرت، بعثرت حوضي: أي جعلت أسفله أعلاه، ألا يفاض الإسراع، وهو يفسر الآية: (فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون» (^١).\nثالثًا بيان مناسبة الآية لعنوان الباب:\nومن عادة البخاري كذلك أن يُصَدّر الباب بآية من القرآن الكريم، لرابط أو أكثر يربط بينهما قال الكرماني: «وذكر البخاري الآية الكريمة لأن عادته أن يستدل للترجمة بما وقع له من قرآن أو سنة مسندة وغيرها» (^٢).\nقلت فإن كانت الآية واضحة في تعلقها بالباب، يسكت عنها الكرماني ولا يذكر وجه المناسبة، أما إذا أشكلت فيبين ذلك.\nمثال: قال البخاري: «باب الرِّيَاءِ فِي الصَّدَقَةِ لِقَوْلِهِ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا\nلَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى) إِلَى قَوْلِهِ (الْكَافِرِينَ) … قال الكرماني ناقلا عن شارح التراجم (^٣) ابن المنيّر: «وجه مطابقة الترجمة للآية؛ أن الأذى بعد الصدقة يبطلها، فكيف بالأذى المقارن لها، وذلك أن الغال تصدق بمال مغصوب، والغاصب مؤذ لصاحب المال عاص بتصرفه فيه، فكان أولى\n_________\n(^١) السابق، ٧/ ١٣٨.\n(^٢) السابق، ١/ ١٣.\n(^٣) ناصر الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن منصور الجذامي الإسكندراني، ابن المنير، المفسر والمحدث، والفقيه، النحوي، سمع من السراج ابن فارس، وتفقه بعمه ناصر الدين، وهو الذي يشير إليه الحافظ ابن حجر في فتح الباري، في مناسبات البخاري وله ديوان خطب، وتفسير حديث الإسراء (ت ٦٨٣ هـ) ينظر الوافي بالوفيات، الصفدي، ٨/ ٨٤، وبغية الوعاة، السيوطي، ١/ ٣٨٤.","vol":"1","page":394},{"text":"بالإبطال» (^١).\nومن ذلك: قال في كتاب الرقائق:\nبَاب فِي الْأَمَلِ وَطُولِهِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] وَقَوْلِهِ ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٣] وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ارْتَحَلَتْ الدُّنْيَا مُدْبِرَةً وَارْتَحَلَتْ الْآخِرَةُ مُقْبِلَةً وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَنُونَ فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ وَلَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلَا حِسَابَ وَغَدًا حِسَابٌ وَلَا عَمَلٌ ﴿بِمُزَحْزِحِهِ﴾.\nقال الكرماني: «فإن قلت ما وجه مناسبة الآية الأولى للترجمة\nقلت صدرها وهو قوله تعالى ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ أو عجزها وهو\n﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] أو ذكر لمناسبة قوله تعالى «وما هو بمزحزحه» إذ في تلك الآية ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ والله أعلم» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-264>ثالثًا ذكر المناسبة بين البابين المتتاليين:</span>\nيذكر الكرماني بيان المناسبة بين الأبواب المتتالية، وقد فعل هذا في عدة مواضع في شرحه، إلا أنه لم يتابع ذلك إلى آخر شرحه، ومن أمثلة ذلك:\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٧/ ١٨١.\n(^٢) الكواكب الدراري، ٢٢/ ١٩٤.","vol":"1","page":395},{"text":"قال الكرماني: «فإن قلت هل لترتيب الكتاب أي كتاب\nالإيمان وتوسيط الجهاد بين قيام ليلة القدر وقيام رمضان وصيامه مناسبة أم\nلا، قلت: مناسبة تامة وهي المشاركة في كون كل من المذكورات من أمور الإيمان، وتوسيط الجهاد مشعر بأن النظر مقطوع من غير هذه المناسبة والله أعلم» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-265>رابعًا ذكر المناسبة بين باب وأبواب متعددة سبقته:</span>\nقال الكرماني: «فإن قلت: ما وجه الجمع بين ما في الباب من كراهة الصلاة أو تحريمها، ويقصد الكرماني هنا جمع من الأبواب المتتالية تكلمت عن موضوع واحد وهو كراهة الصلاة وتحريمها (^٢) وبين ما في باب من صلى وقدامه نار أو شئ مما يعبد من جواز الصلاة وعدم كراهتها؟\nقلت: التماثيل حكمها غير حكم سائر المعبودات؛ لأنها من أنفسها منكرات؛ إذ الصور محرمة سواء أكانت تعبد أم لا، بخلاف النار مثلًا فإن عبادتها محرمة، أو لأن التماثيل شاغلة عن الحضور في الصلاة، كما سبق في باب إذا صلى في ثوب له أعلام أن رسول الله ﷺ قال اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم فإنها ألهتني عن صلاتي. وقال: كنت أنظر إلى علمها وأخاف أن تفتنني بخلاف غيرها.\n_________\n(^١) السابق، ١/ ١٥٩.\n(^٢) والأبواب هي: (باب كراهية الصلاة في المقابر، وباب الصَّلَاةِ فِي مَوَاضِعِ الْخَسْفِ وَالْعَذَابِ، وباب الصَّلَاةِ فِي الْبِيعَةِ).","vol":"1","page":396},{"text":"قال ابن بطال: (^١) لا معارضة بين البابين لأنها كانت بغير الاختيار،\nوما في هذا الباب كقول عمر إنا لا ندخل كنائسكم فإنما ذلك على الاختيار والاستحسان دون ضرورة تدعو إلى ذلك» (^٢).\nومن ذلك: بيان المناسبة بين باب: (باب الاستجمار وترا) وبين أبواب الوضوء.\nقال الكرماني: «ولما كان الاستجمار مقدمًا في الوجود على الاستنثار، كان المناسب في الترتيب تقديمه عليه في وضع الأبواب» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-266>خامسًا نقد ترتيب الأبواب:</span>\nومن العجيب أن الكرماني انتقد صنيع البخاري في ترتيب بعض الأبواب، إذا لا مناسبة في ترتيبها، وقد أثنى العلماء على البخاري، في تراجمه وحسن ترتيبها، وتبويبها، وقالوا أن فقه البخاري في تراجمه، والأعجب من ذلك أن الكرماني نفسه أثنى على البخاري في كثير من الأماكن في حسن ترتيبه وصنيعه في التراجم (^٤). فلذلك تنوّع نقد الكرماني للبخاري إيجابًا وسلبًا.\n_________\n(^١) شرح صحيح البخاري، ابن بطال، ٢/ ٨٨.\n(^٢) الكواكب الدراري، ٤/ ٩٦.\n(^٣) السابق، ٢/ ٢١٣.\n(^٤) وقد دافع الكرماني عن البخاري وبيّن وجهة نظره عندما كان يترجم للأبواب ولا يذكر في ذلك حديثًا، ولايذكر ما ترجم عليه، فال الكرماني ناقلًا عن بعض شيوخه: أن البخاري ترجم التراجم وبوّب الأبواب أولًا، ثم كان يذكر الأحاديث المناسبة للأبواب بالتدريج، فلم يتفق له إثبات الحديث لبعض التراجم حتى توفاه الله ﷿، ونقل الكرماني عن بعض شيوخه كذلك أن عمل البخاري في ذلك كان اختياريًا؛ لأنه لم يثبت عنده حديث بشرطه مناسب للترجمة» ينظر، الكواكب الدراري، ١/ ١١٣، قلت وهو توجيه حسن، ودلالة على أن الكرماني مع البخاري في صنيعه وترتيبه.","vol":"1","page":397},{"text":"إلا أن الكرماني كان نقده الإيجابي، أكثر من نقده السلبي على تبويب وترجمة البخاري.\n\n<span data-type='title' id=toc-267>أولًا نقد الكرماني الإيجابي:</span>\nلقد أثنى الكرماني على الإمام البخاري رحمه لله تعالى على صنيع البخاري على ترتيبه للأبواب فقال: «اعلم أن البخاري لم يسبقه أحد في مثل ترتيب هذا الكتاب، ومحاسنه كثيرة، منها: أنه بدأ بعد مقدمة الكتاب في شأن بدء الوحي بذكر كتاب الإيمان، ثم بكتاب الصلاة بسوابقها من الطهارة وغيرها، ثم بكتاب الزكاة وما يتعلق بها، ثم بكتاب الحج وأبوابه، ثم بكتاب الصيام، قاصدًا الاعتناء بالترتيب، الذي رتبه رسول الله ﷺ في هذا الحديث أي حديث بُني الإسلام على خمس الذي فيه بيان قواعد الدين وأركان الإسلام» (^١).\nفمن الأمثلة على ذلك:\nفقد قال مُثنيا على صنيع البخاري في ترتيب الأبواب، من جعل باب: غزوة أنْمار بين باب غزوة بني المصطلق، وبين باب حديث الإفك: «فإن قلت فلم أدرج بينها أي غزوة بني المصطلق وبين حديث الإفك غزوة أنمار قلت لاهتمام البخاري بترتيب الأبواب أو لاحظ التعلق الذي بين الغزوتين» (^٢).\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١/ ٦٩.\n(^٢) الكواكب الدراري، ١٦/ ٥١.","vol":"1","page":398},{"text":"وقال كذلك ردًا على من انتقد ترتيب الأبواب، وأن ورود حديث\nما غير مناسب للباب الذي ذُكر فيه، كما قال في حديث: «عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ إِنْ اشْتَرَى دَارًا بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَلَا بَاسَ أَنْ يَحْتَالَ حَتَّى يَشْتَرِيَ الدَّارَ بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَيَنْقُدَهُ تِسْعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ وَتِسْعَ مِائَةِ دِرْهَمٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ وَيَنْقُدَهُ دِينَارًا بِمَا بَقِيَ مِنْ الْعِشْرِينَ الْأَلْفَ فَإِنْ طَلَبَ الشَّفِيعُ أَخَذَهَا بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ …».\nأورد البخاري هذا الحديث، في بَاب: احْتِيَالِ الْعَامِلِ لِيُهْدَى لَهُ، وموضوعه في الباب الذي قبله وهو: بَاب فِي الْهِبَةِ وَالشُّفْعَةِ، فقال الكرماني معللًا ذلك: «فإن قلت: هذا الفرع مع ما بعده إلى آخر الباب ومع الحديث الذي قبله، موضعه المناسب قبل باب: احتيال العامل لأنه من بقية مسائل الشفعة، وتوسيط ذلك الباب بينها أجنبي، قلت: لعله من جملة تصرفات النقلة عن الأصل، ولعله كان في الحاشية ونحوها فنقلوه إلى غير مكانه، أو باعتبار أنه لما جعل الترجمة مشتركة بينهما حيث قال «باب في الهبة والشفعة» فلم يفرق بين مسائلها» (^١).\nوقد يزيل الشك عن صنيع البخاري من تسمية بابيين، قد يُظن أنهما واحد، من ذلك قوله باب من أدرك من الصلاة ركعة، ما الفرق بينه وبين الباب الذي قبله، باب من أدرك من الفجر ركعة، «الأول: فيمن أدرك من الوقت قدر ركعة وهذا فيمن أدرك من نفس الصلاة ركعة» (^٢).\n_________\n(^١) السابق، ٢٤/ ٩٢.\n(^٢) السابق، ٤/ ٢٢٠.","vol":"1","page":399},{"text":"وقال الكرماني في موضع يُثني على صنيع البخاري في ترجمته ومناسبتها للأحاديث فقال: «ولله در البخاري وحسن تعقلاته ودقة استنباطه» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-268>ثانيًا نقد الكرماني السلبي:</span>\nمثال على ذلك:\nقال الكرماني: «فإن قلت: ما وجه الترتيب الذي لهذه الأبواب؛ إذ التسمية إنما هي قبل غسل الوجه لا بعده، أي أن البخاري قدّم باب غسل الوجه، على باب التسمية ثم إن توسط أمر الخلاء بين أبواب الوضوء\nلا يناسب ما عليه الوجود. قلت: البخاري لا يراعي حسن الترتيب وجملة قصده إنما هو في نقل الحديث وما يتعلق بتصحيحه لا غير ونعم المقصد» (^٢).\nوقد رد ابن حجر رحمه الله تعالى على انتقاد الكرماني فقال: «والعجب من دعوى الكرماني أنه لا يقصد تحسين الترتيب بين الأبواب مع أنه لا يعرف لأحد من المصنفين على الأبواب من اعتنى بذلك غيره حتى قال جمع من الأئمة فقه البخاري في تراجمه، وذكر أنه للوهلة الأولى أن البخاري لا يراعي حسن الترتيب إلا أنه تبين له غير ذلك.\nوقد يتلمح أنه ذكر أولا فرض الوضوء كما ذكرت، وأنه شرط لصحة الصلاة ثم فضله، وأنه لا يجب إلا مع التيقن وأن الزيادة فيه على إيصال الماء إلى العضو ليس بشرط، وأن ما زاد على ذلك من الإسباغ فضل، ومن ذلك الاكتفاء\n_________\n(^١) السابق، ٣/ ١٤٠.\n(^٢) الكواكب الدراري: ٢/ ١٨٣.","vol":"1","page":400},{"text":"في غسل بعض الأعضاء بغرفة واحدة، وأن التسمية مع أوله مشروعة، كما يُشرع الذكر عند دخول الخلاء، فاستطرد من هنا لآداب الاستنجاء وشرائطه ثم رجع لبيان أن واجب الوضوء المرة الواحدة وأن الثنتين والثلاث سنة ثم ذكر سنة الاستنثار إشارة إلى الابتداء بتنظيف البواطن قبل الظواهر … ثم بين أن التقديم والتأخير، في ترتيب البخاري، إنما هو من باب التفنن» (^١).\nقلت: وتعليل ابن حجر لصنيع البخاري حسن، وفيه اجتهاد ومخرج لطيف.\nوقد يبيّن الكرماني المناسبة بين الأبواب، ومع هذا ينتقد البخاري بأنه\nلا يهتم بترتيب الأبواب مثاله:\nقال عن ترتيب البخاري أن قدم باب الاِسْتِنْثَارِ فِي الْوُضُوءِ، على باب: الاستجمار وترا، «لما كان الاستجمار مقدمًا في الوجود على الاستنثار كان المناسب في الترتيب تقديمه عليه في وضع الأبواب، قلت: معظم نظر البخاري إلى نقل الحديث وإلى ما يتعلق بتصحيحه غير مهتم بتحسين الوضع وترتيب الأبواب لأن أمره سهل» (^٢).\nقلت: إن قول الكرماني أن اهتمام البخاري كان في نقل الحديث وتصحيحه، من دون الاهتمام بترتيب الأبواب، هو مخالف لأقوال العلماء، وشهادتهم في حسن التبويب والترتيب عند البخاري.\nوقد ينقد الكرماني الإمام البخاري في معنى كلمة، ويبين أنه ليست\n_________\n(^١) فتح الباري، ١/ ٢٤٢ ببعض التصرف.\n(^٢) الكواكب الدراري، ٢/ ٢١٣.","vol":"1","page":401},{"text":"المقصودة أو أنها ليست في محلها مثاله:\nفقد بوّب البخاري فقال: سُورَةُ يُوسُفَ وَقَالَ فُضَيْلٌ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿مُتَّكَأً﴾.\nالْأُتْرُجُّ قَالَ فُضَيْلٌ الْأُتْرُجُّ بِالْحَبَشِيَّةِ مُتْكًا وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ رَجُلٍ\nعَنْ مُجَاهِدٍ مُتْكًا قَالَ كُلُّ شَيْءٍ قُطِعَ بِالسِّكِّينِ وَقَالَ قَتَادَةُ ﴿لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ (^١).\nقال الكرماني منتقدًا البخاري: «واعلم أن البخاري يريد أن بين أن المتكأ في قوله تعالى ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ اسم مفعول من الاتكاء وليس هو متكأ بمعنى الأترج ولا بمعنى طرف الفرج فجاء فيها بعبارات معجرفة» (^٢).\nوقد ذكر ابن حجر رحمه الله تعالى أنه «لا مانع أن يكون المتكأ مشتركا بين الأترج وطرف البظر والبظر بفتح الموحدة وسكون الظاء المشالة موضع الختان من المرأة وقيل البظراء التي لا تحبس بولها … وقد رد على الكرماني بنقده البخاري فقال:\nفوقع في أشد مما أنكره فإنها إساءة على مثل هذا الإمام الذي لا يليق لمن يتصدى لشرح كلامه وقد ذكر جماعة من أهل اللغة أن البظر في الأصل يطلق على ماله طرف من الجسد كالثدي» (^٣).\n_________\n(^١) البخاري، كتاب: الإيمان، قوله سورة يوسف.\n(^٢) السابق، ١٧/ ١٥٧ - ١٥٨.\n(^٣) فتح الباري، ٨/ ٣٥٩.","vol":"1","page":402},{"text":"<span data-type='title' id=toc-269>سادسًا ذكر المناسبة بين الحديث وترجمة الباب:</span>\nوقد ظهرت عناية الإمام الكرماني ببيان مناسبة الحديث لترجمة الباب، وأولى اهتمامه فيها أكثر من غيرها في قسم العناية بتراجم الأبواب.\nومن خلال الاستقراء والتتبع ذكر العلماء بعض عادات الإمام البخاري في طريقة تعامله مع تراجم الأبواب، قال الكرماني: «وهنا ننبهك على\nقاعدة كلية فاعلمها، وذلك أن البخاري ﵀ كثيرا ما يترجم الأبواب،\nولا يذكر في ذلك حديثا أصلا، أو لا يذكر ما ترجم الباب عليه، قال\nبعض شيوخنا من حفاظ الشام: سببه أن البخاري بوّب الأبواب\nوترجم التراجم أولا، ثم كان يذكر بعده في كل باب الأحاديث المناسبة له بالتدريج، فلم يتفق له إثبات الحديث لبعض التراجم حتى انتقل إلى الدار الآخرة، وقال بعض العراقيين عمل ذلك اختيارا وغرضه أن يبين أنه لم يثبت عنده بشرطه حديث في المعنى الذي ترجم عليه، والله أعلم فيحتمل أن تكون الترجمة منها» (^١).\nقلت ولعل قول بعض العراقيين أن عمل البخاري ذلك اختيارًا هو أوجه وأقرب، ويقويه نقل ابن حجر عن أبي محمد بن أبي جمرة، في مدحه للصحيح فقال: «الجهة العظمى الموجبة لتقديمه وهي ما ضمنه أبوابه من التراجم التي حيّرت الأفكار، وأدهشت العقول والأبصار، وإنما بلغت هذه الرتبة وفازت بهذه الخطوة لسبب عظيم، أوجب عِظمها، وهو ما رواه أبو أحمد بن عدي عن\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١/ ١١٣.","vol":"1","page":403},{"text":"عبد القدوس بن همام قال: شهدت عدة مشايخ يقولون حوّل البخاري تراجم جامعه يعني بيضها بين قبر النبي ﷺ ومنبره، وكان يصلي لكل ترجمة ركعتين» (^١).\nويؤيده ما قاله د. نور الدين عتر، بعد الاستقراء أن البخاري رحمه الله تعالى كان يتعمّد هذا ويتخذه منهجًا، وهو ما يُسمّى بالتراجم المرسلة فقال: أ أن العنوان (بَابٌ) يستعمل على وجهين من التناسب:\n١ - أن يكون مضمون الباب مُتَّصِلًا بالباب السابق مُكَمِّلًا له، فيفصل لفائدة زائدة في مضمونه، فيكون بمنزلة الفصل من السابق.\n٢ - والكثير الغالب أن يكون ضمن الباب فائدة تتصل بأصل الموضوع الذي عَنْوَنَ لَهُ (بأبواب) ويكون قد ذكره عقبه لهذه الملابسة (^٢).\nكما أن البخاري ﵀، كان يترجم بالآيات والأحاديث التي ليست على شرطه، وبالمعلقات، وفتاوى الصحابة والتابعين، فلم يكن يُعجزه عن انتقاء تراجم تخص الباب، وهو الذي اختار صحيحه من بين ستمائة ألف حديث في ست عشرة سنة.\nوكان من عادة البخاري أن يستدل على ترجمة الباب، بأي شيء يراه مناسبًا، قال الكرماني: «عادته أن يستدل للترجمة بما وقع له من قرآن أو سنة مسندة وغيرها أو أثر عن الصحابة أو قول للعلماء» (^٣).\n_________\n(^١) هدي الساري، ص ١٦.\n(^٢) الإمام البخاري وفقه التراجم في جامعه الصحيح، ص ٨٤ - ٨٥.\n(^٣) الكواكب الدراري، ١/ ١٤، ١/ ٧١.","vol":"1","page":404},{"text":"وهذه المناسبات قسمها العلماء إلى قسمين: ظاهرة وخفية (استنباطية).\nقال ابن حجر: «أما الظاهرة فليس ذكرها من غرضنا هنا، وهي أن تكون الترجمة دالة بالمطابقة لما يورد في مضمنها، وإنما فائدتها الإعلام بما ورد في ذلك الباب من غير اعتبار لمقدار تلك الفائدة، كأنه يقول: هذا الباب الذي فيه كيت وكيت، أو باب ذكر الدليل على الحكم الفلاني مثلا …» (^١).\nبمعنى أنه لا تريد مزيد جهد في معرفة الاستدلال بها، فدلالة العنوان على مضمون الحديث واضحة.\nومن الأمثلة الظاهرة التي بينها الكرماني كذلك:\nما يكون عنوان الباب مطابقا لما في الحديث، وقد يكون في جزء منه، وقد يكون في بعض أحاديث الباب لا كلها، وقد تكون الترجمة مأخوذة من أكثر من حديث.\nمثال لمطابقة الترجمة للحديث: «باب لَا يَقْبَلُ اللهُ صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ\nوَلَا يَقْبَلُ إِلاَّ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ لِقَوْلِهِ (وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ).\nقال الكرماني: «قال شارح التراجم: وجه مطابقة الترجمة للآية أن الأذى بعد الصدقة يبطلها؛ فكيف بالأذى المقارن لها، وذلك أن الغال تصدق بمال مغصوب، والغاصب مؤذ لصاحب المال عاص بتصرفه فيه، فكان أولى بالإبطال» (^٢).\n_________\n(^١) فتح الباري، ص ١٦.\n(^٢) الكواكب الدراري، ٧/ ١٨١.","vol":"1","page":405},{"text":"ومثله قال البخاري: بَاب لَا يَشْهَدُ عَلَى شَهَادَةِ جَوْرٍ إِذَا أُشْهِدَ، وساق بعده حديث النعمان ابن بشير ﵁ قال: «قَالَ سَأَلَتْ أُمِّي أَبِي بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ لِي مِنْ مَالِهِ ثُمَّ بَدَا لَهُ فَوَهَبَهَا لِي فَقَالَتْ لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخَذَ بِيَدِي وَأَنَا غُلَامٌ فَأَتَى بِيَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ إِنَّ أُمَّهُ بِنْتَ رَوَاحَةَ سَأَلَتْنِي بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ لِهَذَا قَالَ أَلَكَ وَلَدٌ سِوَاهُ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَأُرَاهُ قَالَ لَا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ وَقَالَ أَبُو حَرِيزٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ» (^١) بين الكرماني أنه من التراجم الظاهرة والمطابقة (^٢).\nقال البخاري: «باب: مَنْ لَمْ يَرَ الْوُضُوءَ إِلاَّ مِنَ الْمَخْرَجَيْنِ، مِنَ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ» وساق في هذا الباب حديث عثمان بن عفان: «قُلْتُ أَرَأَيْتَ إِذَا جَامَعَ فَلَمْ يُمْنِ قَالَ عُثْمَانُ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ. قَالَ عُثْمَانُ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ» (^٣).\nقال الكرماني: «فإن قُلت ما وجه مناسبته بالترجمة؟ قلتُ: هو مناسب لجزء من الترجمة إذ هو يدل على وجوب الوضوء من الخارج من المخرج المعتاد، نعم لا يدل على الجزء الآخر وهو عدم الوجوب في غيره.\nثم يقرر الكرماني قاعدة عند البخاري فيقول\nولا يلزم أن يدل كل حديث في الباب على كل الترجمة، بل لو دلَّ البعض\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الشهادات، بَاب: لَا يَشْهَدُ عَلَى شَهَادَةِ جَوْرٍ إِذَا أُشْهِدَ، رقم (٢٤٧٤).\n(^٢) الكواكب الدراري، ١١/ ١٧١.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: الوضوء، رقم (١٧٨).","vol":"1","page":406},{"text":"على البعض بحيث يدل في كل ما في الباب على كل الترجمة، لصح التعبير بها» (^١).\nوقد يكون أخذ البخاري لترجمة الباب من أكثر من حديث.\nمن ذلك في باب مَا جَاءَ فِي الْقِبْلَةِ، وَمَنْ لَا يَرَى الإِعَادَةَ عَلَى مَنْ سَهَا فَصَلَّى إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ.\nعَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ عُمَرُ وَافَقْتُ رَبيِّ فِي ثَلَاثٍ، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ لَوِ اتَّخَذْنَا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى فَنَزَلَتْ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى … (^٢).\nفقد بين الكرماني أن دلالة الحديث تدل على الجزء الأول منهما أي قول البخاري ماجاء في القبلة\nوأن الحديث التالي «عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ بَيْنَا النَّاسُ بِقُبَاءٍ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ، فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ» (^٣).\nيدل على باقي الترجمة أي وَمَنْ لَا يَرَى الإِعَادَةَ عَلَى مَنْ سَهَا فَصَلَّى إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ.\n«فأول ما فى الباب وآخره يدل على كل الترجمة على سبيل التوزيع وأما كيفية الدلالة فعلى قول من فسر مقام ابراهيم بالكعبة فظاهر، وأما على قول من\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٣/ ١٩، ٤/ ١٣٦.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الصلاة، باب: مَا جَاءَ فِي الْقِبْلَةِ، وَمَنْ لَا يَرَى الإِعَادَةَ عَلَى مَنْ سَهَا فَصَلَّى إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، رقم (٣٩٥).\n(^٣) الكواكب الدراري، ٤/ ٦٧.","vol":"1","page":407},{"text":"قال هو الحرم كله فيقال إن من للتبعيض» (^١).\n- ومن عادة البخاري أنه إذاكان في الباب حديث دال على الترجمة ذكره ويتبعه أيضا بذكر ما يناسب وإن لم يتعلق بالترجمة.\nمثاله: بوّب البخاري فقال: «باب إِيجَابِ التَّكْبِيرِ وَافْتِتَاحِ الصَّلَاةِ». ثم ساق حديثًا: «أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ الأَنْصَارِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَكِبَ فَرَسًا فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيْمَنُ قَالَ أَنَسٌ ﵁، فَصَلَّى لَنَا يَوْمَئِذٍ صَلَاةً مِنَ الصَّلَوَاتِ وَهْوَ قَاعِدٌ فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا ثُمَّ قَالَ: لَمَّا سَلَّمَ إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» (^٢).\nقال الكرماني: «فإن قلت: ما وجه دلالة الحديث على إيجاب التكبير؟ قلت: هو دليل على الجزء الثاني من الترجمة؛ لأن لفظ إذا صلى قائما متناول لكون الافتتاح أيضا في حال القيام، فكأنه قال إذا افتتح الإمام بالصلاة قائما فافتتحوا أنتم أيضا قائمين إلا أن يقال الواو بمعنى مع، والغرض بيان إيجاب التكبير عند افتتاح الصلاة، يعني لا يقوم مقامه التسبيح والتهلل فحينئذ دلالته على الترجمة مشكل وقد يقال عادة البخاري أنه إذا كان في الباب حديث دال على الترجمة ذكره ويتبعه أيضا بذكر ما يناسب وإن لم يتعلق بالترجمة» (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٤/ ٦٤.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الأذان، رقم (٧٠١).\n(^٣) الكواكب الدراري، ٥/ ١٠٣.","vol":"1","page":408},{"text":"<span data-type='title' id=toc-270>المبحث الثالث\nالإجابة عن المناسبات الخفية (الاستنباطية)</span>\nوهذا هو القسم الثاني من أقسام المناسبات، ليست كل التراجم واضحة المعنى، فهناك تراجم بحاجة لتوضيح وبيان، وهذه المناسبات استنبطها العلماء لموافقتها لمضمون الباب ولو من ناحية بعيدة.\nقال ابن حجر: «لكنه جرى أي البخاري على عادته في إدخال الحديث في الباب للفظة تكون في بعض طرقه هي المناسبة لذلك الباب يشير إليها، ويريد بذلك شحذ الأذهان والبعث على كثرة الاستحضار» (^١).\nوقال القسطلاني (^٢): «وأكثر ما يفعل ذلك إذا لم يجد حديثًا على شرطه في الباب ظاهر المعنى في المقصد الذي يترجم به، ويستنبط الفقه منه، وقد يفعل ذلك لغرض شحذ الأذهان في إظهار مضمره واستخراج خبيئه» (^٣).\nومن الأمثلة على ذلك:\n«بَاب: الِاعْتِكَافِ فِي الْعَشْرِ الْأَوْسَطِ مِنْ رَمَضَانَ» ساق البخاري حديثًا\n_________\n(^١) فتح الباري، ١٣/ ٤١٨.\n(^٢) أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين، القسطلاني الأصل المصري الشافعي، كان زاهدًا منقادا إلى الحق، أخذ عن ابن حجر العسقلاني وغيره، من أشهر مؤلفاته: إرشاد الساري شرح صحيح البخاري، والأنوار، في الأدعية والأذكار، وغيرها (ت ٩٢٣ هـ) الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة، نجم الدين الغزي، ١/ ١٢٨، البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، محمد بن علي الشوكاني، ١/ ١٠٢.\n(^٣) إرشاد الساري، ١/ ٢٤.","vol":"1","page":409},{"text":"بعده: «عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانٍ عَشْرَةَ أَيَّامٍ فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْمًا» (^١).\nقال الكرماني مبينًا وجه المناسبة: «فإن قلت كيف يدل على ترجمة وهو أنه العشر الأوسط قلت: هذا مطلق والروايات الأخر مقيدة بالأوسط، فيحمل المطلق عليه أو الغالب أنه لا يفهم من إطلاق العشرين إلا عشرين يوما متوالية فيلزم اعتكاف العشر الأوسط ضرورة» (^٢).\nومنه: بَاب مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾.\nأورد البخاري فيه حديثًا: «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَمْ يَاذَنْ اللهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِلنَّبِيِّ أَنْ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ وَقَالَ صَاحِبٌ لَهُ يُرِيدُ يَجْهَرُ بِهِ» (^٣).\nبين الكرماني وجه المطابقة: «فإن قلت: الحديث أثبت التغني بالقرآن فلِم ترجم الباب بقوله من لم يتغن بصورة النفى؟ قلت: إما باعتبار ما رُوي عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال من لم يتغن بالقرآن فليس منا، فأراد الإشارة إلى ذلك الحديث، ولما لم يكن بشرطه لم يذكره وإما باعتبار مفهومه» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: أبواب الاعتكاف، رقم (١٩١٨).\n(^٢) الكواكب الدراري، ٩/ ١٧٤ - ١٧٥.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: فضائل القرآن، رقم (٤٧٠٠).\n(^٤) الكواكب الدراري، ١٩/ ٣١.","vol":"1","page":410},{"text":"ومن ذلك «باب وما لِلْوَصِيِّ أَنْ يَعْمَلَ فِي مَالِ الْيَتِيمِ وَمَا يَأكُلُ مِنْهُ بِقَدْرِ عُمَالَتِهِ».\nأورد البخاري فيه حديثًا قد تخفى مناسبته للترجمة وهو قول عمر بن الخطاب ﵁ «عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ عُمَرَ تَصَدَّقَ بِمَالٍ لَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَكَانَ يُقَالُ لَهُ ثَمْغٌ وَكَانَ نَخْلًا فَقَالَ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي اسْتَفَدْتُ مَالًا وَهُوَ عِنْدِي نَفِيسٌ فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ تَصَدَّقْ بِأَصْلِهِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ وَلَكِنْ يُنْفَقُ ثَمَرُهُ فَتَصَدَّقَ بِهِ عُمَرُ فَصَدَقَتُهُ تِلْكَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَفِي الرِّقَابِ وَالْمَسَاكِينِ وَالضَّيْفِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَلَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يَأكُلَ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ أَوْ يُوكِلَ صَدِيقَهُ غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ بِهِ» (^١).\nفبين الكرماني وجه المطابقة بين الحديث والترجمة فقال: «وأما وجه مطابقة الحديث للترجمة فمن جهة أن المقصود جواز أخذ الأجرة من مال اليتيم لقول عمر: لا جناح على من وَلِيَه أن يأكل بالمعروف» (^٢).\nومن ذلك «بَاب فِي تَرْكِ الْحِيَلِ وَأَنَّ لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فِي الْأَيْمَانِ وَغَيْرِهَا».\nساق البخاري حديث مهاجر أم قيس «عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ يَخْطُبُ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ وَمَنْ هَاجَرَ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الوصايا، رقم (٢٥٧٦).\n(^٢) الكواكب الدراري، ١٢/ ٨٠.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: الْحِيَلِ، رقم (٦٥٣٦).","vol":"1","page":411},{"text":"في الظاهر قد يُرى أن لا مناسبة واضحة بين الباب والحديث فأجاب الكرماني عن ذلك: «قال صاحب شارح التراجم: وجه مطابقة الحديث لترك الحيل أن مهاجر أم قيس جعل الهجرة حيلة في تزويج أم قيس» (^١).\nقال البخاري: باب إِذَا جَامَعَ ثُمَّ عَادَ، وَمَنْ دَارَ عَلَى نِسَائِهِ فِي غُسْلٍ وَاحِدٍ.\nوساق بعده حديث، قالت السيدة عائشة ﵂: «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَيَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ، ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِمًا يَنْضَخُ طِيبًا» (^٢).\nقال الكرماني: «فإن قلت: دلالة هذا الحديث على الترجمة ظاهرة إذ يتعذر في ساعة واحدة المباشرة والغسل إحدى عشرة مرة فما وجه دلالة الحديث السابق عليها. قلت هو مطلق يحمل على هذا المقيد أو دل عليها من حيث العادة إذ الغالب أنه يتعسر في ليلة واحدة مثل ذلك» (^٣).\nوقد يخفى جزء من الترجمة لا كلها، فيبينها الكرماني من ذلك: «بَاب كُلُّ لَهْوٍ بَاطِلٌ إِذَا شَغَلَهُ عَنْ طَاعَةِ اللهِ وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ تَعَالَ أُقَامِرْكَ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾».\nأورد البخاري حديثا بعد الترجمة «عن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَنْ حَلَفَ مِنْكُمْ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ تَعَالَ أُقَامِرْكَ فَلْيَتَصَدَّقْ» (^٤).\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٢٤/ ٧٤.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الغسل، رقم (٢٦٦).\n(^٣) الكواكب الدراري، ٣/ ١٣٠.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب: الاستئذان، رقم (٥٩٢١).","vol":"1","page":412},{"text":"قال الكرماني: «وأما مناسبته للترجمة فقال شارح التراجم: وأما مطابقة الخبر لها فلأن الحلف باللات لهو شُغل عن الحلف بالحق فيكون باطلا، قال ووجه مطابقة الآية لها أنه جعل اللهو قائدًا إلى الضلالة صادًا عن سبيل الله تعالى فهو باطل» (^١).\nوإلى غير ذلك من الأمثلة في بيان التراجم الخفية.\n* * *\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٢٢/ ١١٩ - ١٢٠.","vol":"1","page":413},{"text":"<span data-type='title' id=toc-271>الفصل الثاني\nمنهج الكرماني فيما يتعلق بمتون الصحيح</span>\n<span data-type='title' id=toc-272>المبحث الأول\nغريب الحديث</span>\n*<span data-type='title' id=toc-273> تمهيد:</span>\nلم يكن اهتمام شُرّاح الحديث منصبًا على علوم السند دون المتن، بل كانوا يتناولون شرح الحديث من كل جوانبه، سندًا، ومتنًا، ويستنبطون ما فيه من أحكام فقهية، ويناقشون الآراء ويرجحونها، ويُظهرون غريب الحديث وغامضه …\nوقد أُلفت المصنفات الكثيرة في بيان غريب الحديث وغامضه، ككتاب: (غريب الحديث لأبي سليمان الخطابي البستي)، (وغريب الحديث لابن الأثير الجزري) (^١) وغيرها من المؤلفات.\nتعريف علم غريب الحديث (٢): (^٢) «هو عبارة عما وقع في متون الأحاديث من الألفاظ الغامضة البعيدة من\n_________\n(^١) الرسالة المستطرفة، ص ١٥٤ - ١٥٥.\n(^٢) علم غريب الحديث يختلف عن الحديث الغريب الذي هو: الحديث الذي يتفرد به بعض الرواة ويتفرد فيه بعضهم بأمر لا يذكره فيه غيره: إما في متنه، وإما في إسناده، ينظر: علوم الحديث ابن الصلاح ص ٢٧٠، والحديث الغريب لا ينافي الصحة، وقد ساقهما ابن الصلاح وراء بعضهما البعض.","vol":"1","page":414},{"text":"الفهم، لقلة استعمالها» (^١).\nوقال الإمام الخطابي رحمه الله تعالى: «الغريب من الكلام إنما هو الغامض البعيد من الفهم كالغريب من الناس، إنما هو البعيد عن الوطن المنقطع عن الأهل … ثم إن الغريب من الكلام يقال به على وجهين:\nأحدهما: أن يراد به بعيدُ المعنى غامضه، لا يتناوله الفهم إلا عن بعد ومعاناة فكر.\nوالوجه الآخر: أن يُراد به كلام من بعدت به الدار ونأى به المحل من شواذِّ قبائلِ العرب، فإذا وقعت إلينا الكلمة من لغاتهم استغربناها، وإنما هي كلام القوم وبيانهم» (^٢).\n\n*<span data-type='title' id=toc-274> أهمية معرفة علم غريب الحديث:</span>\nقال ابن الصلاح: «وهذا فن مهم، يقبح جهله بأهل الحديث خاصة، ثم بأهل العلم عامة، والخوض فيه ليس بالهين، والخائض فيه حقيق بالتحري جدير بالتوقي» (^٣).\n_________\n(^١) علوم الحديث، ابن الصلاح، ص ٢٧٢، وينظر فتح المغيث للسخاوي، ٤/ ٢٤.\n(^٢) غريب الحديث، الخطابي، ١/ ٦٩ - ٧٠.\n(^٣) علوم الحديث، ابن الصلاح، ص ٢٧٢.","vol":"1","page":415},{"text":"وقال السخاوي: «وهو من مهمات الفن لتوقف التلفظ ببعض الألفاظ فضلا عن فهمها عليه. وتتأكد العناية به لمن يروي بالمعنى» (^١).\nوقال السخاوي كذلك في موضع آخر وقد سُئل الإمام أحمد رحمه الله تعالى عن حرف من غريب الحديث فقال: «سلوا أصحاب الغريب; فإني أكره أن أتكلم في قول رسول الله ﷺ بالظن، فأخطئ». وقال شعبة في لفظه: (خذوها عن الأصمعي; فإنه أعلم بهذا منا) (^٢).\nوقد تجلى اهتمام الكرماني في شرحه لغريب الحديث، وكان منهجه يتلخص في الأمور الآتية:\n١ - شرح الكلمات الغريبة والغامضة.\n٢ - الاستدلال بأقوال علماء اللغة والشعر.\n٣ - شرح الغريب بالاستعانة بروايات الحديث الأخرى.\n٤ - تفسر الحديث بالقرآن الكريم.\n٥ - بيان المعنى الحقيقي للألفاظ.\n٦ - ترجيح المعنى المراد من اللفظ بالقرائن.\n\n<span data-type='title' id=toc-275>أولًا شرح الكلمات الغريبة والغامضة وضبطها:</span>\nكان من منهج الكرماني أن لا يدع كلمة غريبة إلا وبيّن معناها، وردها إلى أصلها، وبين وزنها، من ذلك في تفسيره لمعنى كلمة: (الوحي) «والوحي أصله\n_________\n(^١) فتح المغيث شرح ألفية الحديث، ٤/ ٢٤.\n(^٢) السابق، ٤/ ٣٢.","vol":"1","page":416},{"text":"الإعلام في خفاء، وقيل الإعلام بسرعة، وكل ما دلت به من كلام أو كتابة أو رسالة أو إشارة فهو وحي ومن الرؤيا والإلهام، وأوحى ووحي لغتان، والأولى أفصح وبها ورد القرآن …» (^١).\nومن ذلك ماقاله في حديث: «عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ اللُّقَطَةِ فَقَالَ «اعْرِفْ وِكَاءَهَا أَوْ قَالَ وِعَاءَهَا وَعِفَاصَهَا …» (^٢).\nقال الكرماني مبينًا الكلمات الغريبة: «و(الوِكاء) بكسر الواو وبالمد هو الذي يشد به رأس الصرة والكيس ونحوهما (أو قال) شك من زيد. و(الوعاء) هو الظرف. و(العِفاص) بكسر المهملة وبالفاء هو الذي يكون فيه النفقة سواء كان من جلد أو خرقة أو غيرهما» (^٣).\nومن ذلك حديث النبي ﷺ: «عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ …» (^٤).\nقال الكرماني في بيان معنى: (مغبون) مبينًا أصل اشتقاق الكلمة: «هو مشتق إما من الغبن بإسكان الموحدة وهو النقص في البيع، وإما من الغبَن\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١/ ١٤، وينظر: الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، الجوهري، ٦/ ٢٥١٩.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: العلم، باب: الْغَضَبِ فِي الْمَوْعِظَةِ وَالتَّعْلِيمِ إِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ، رقم (٩٠).\n(^٣) الكواكب الدراري، ٢/ ٨٠، وينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الجزري، ٥/ ٢٢٢، و٣/ ٢٦٣.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب: الرقائق، بَاب: لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَةِ، رقم (٦٠٢٨).","vol":"1","page":417},{"text":"بفتحها وهو النقص في الرأي، فكأنه قال هذان الأمران إذا لم يستعملا فيما ينبغي فقد غُبن صاحبهما فيهما، أي باعهما ببخس لا تحمد عاقبته» (^١).\nوتارة يذكر اللغات الواردة في الكلمة، ويرجح أكثر اللغات شهرة، مثاله قال في بيان «الفسطاط) بضم الفاء البيت من الشعر وفيه لغات فستاط وفساط بالتشديد وكسر الفاء فيهن» (^٢).\nوتارة يبين وزن الكلمة ويبين معناها، قال في حديث: «قَالَ جُرَيْجٌ أَيْنَ هَذِهِ الَّتِي تَزْعُمُ أَنَّ وَلَدَهَا لِي قَالَ يَا بَابُوسُ مَنْ أَبُوكَ قَالَ رَاعِي الْغَنَمِ» (^٣).\nقال الكرماني: «بابوس بالموحدتين، والثانية منهما مضمومة، وبضم السين المهملة لأنه منادى معرفة وهو على وزن فاعول، اسم الولد الرضيع، ولو صح الرواية بكسر السين وتنوينها بكون كنية له ومعناه يا أبا الشدة» (^٤).\nوتارة يينقل الكرماني كلام العلماء في ضبط الكلمات ويبين الشائع، ومن دون أن يذكر رأيه، مثال ذلك حديث أنس ﵁ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ قَالَ «اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ» (^٥).\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٢٢/ ١٩١، وينظر: الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية،\n٦ - / ٢١٧٢.\n(^٢) الكواكب الدراري، ٧/ ١٣٦، وينظر: غريب الحديث، لابن الجوزي، ٢/ ١٩٣.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: التهجد، باب: إِذَا دَعَتِ الأُمُّ وَلَدَهَا فِي الصَّلَاةِ.\n(^٤) الكواكب الدراري، ٧/ ٢٥، وينظر: الفائق في غريب الحديث والأثر، الزمخشري، ١/ ٧٢.\n(^٥) أخرجه البخاري، كتاب: الوضوء، باب: مَا يَقُولُ عِنْدَ الْخَلَاءِ، رقم (١٤٢).","vol":"1","page":418},{"text":"قال الكرماني في تفسير وضبط كلمة: (الخُبث) ناقلا عن الخطابي في معالم السنن: «الخبُث بضم الباء جمع الخبيث والخبائث جمع الخبيثة، يريد بهما ذكر أن الشياطين وإناثهم وعامة أصحاب الحديث يقولون ساكنة الباء، وهو غلط والصواب ضمها، وأصل الخبث في كلامهم المكروه فان كان من الكلام فهو الشتم، وإن كان من المِلل فهو الكفر، وإن كان من الطعام فهو الحرام، وإن كان من الشراب فهو الضار» (^١).\nثم يبين الكرماني أن هذا الكلام فيه نظر مستدلا بأقوال علماء آخرين قال: «في إيراد الخطابي هذا اللفظ في جملة الألفاظ الملحونة نظر، لأن الخبيث إذا جُمع يجوز أن تسكن الباء للتخفيف، وهذا مستفيض لا يسع أحدا مخالفته إلا أن يزعم أن ترك التخفيف فيه أولى لئلا يشتبه بالخبث الذي هو المصدر (^٢)، وقال في شرح السنة (^٣) الخبث بالضم جمع الخبيث والخبائث جمع الخبيثة، يريد ذكر أن الشياطين وإناثهم وبعضهم، يروى بالسكون وقال الخبث الكفر والخبائث الشياطين وقال ابن بطال (^٤) الخُبث بالضم يعم الشر والخبائث الشياطين وبالسكون مصدر خبث الشيء يخبث خبثا وقد يجعل اسما» (^٥).\nقلت وقد رد النووي على الخطابي مستدلًا بأقوال علماء اللغة فقال: «وهذا\n_________\n(^١) معالم السنن، ١/ ١٠ - ١١.\n(^٢) الكواكب الدراري، ٢/ ١٨٤.\n(^٣) شرح السنة، فضل الله التوربشتي، ١/ ١٣١.\n(^٤) شرح ابن بطال، ١/ ٢٣٤.\n(^٥) الكواكب الدراري، ٢/ ١٨٤.","vol":"1","page":419},{"text":"الذي غلطهم فيه ليس بغلط، ولا يصح إنكاره جواز الإسكان؛ فإن الإسكان جائز على سبيل التخفيف، كما يقال كتب ورسل وعنق وأذن ونظائره، فكل هذا وما أشبهه جائز تسكينه بلا خلاف عند أهل العربية، وهو باب معروف من أبواب التصريف لايمكن إنكاره، ولعل الخطابي أراد الإنكار على من يقول أصله الإسكان، فإن كان أراد هذا فعبارته موهمة وقد صرح جماعة من أهل المعرفة بأن الباء هنا ساكنة منهم الإمام أبوعبيد إمام هذا الفن والعمدة فيه» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-276>ثانيًا الاستدلال بأقوال علماء اللغة والشعر:</span>\nكان من منهج الكرماني أنه أكثر النقل عن علماء اللغة، والشعر من ذلك: «عن أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَىْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ» (^٢).\nقال الكرماني ناقلًا عن الجوهري معنى (الغدوة) «الجوهري: الغدوة\nما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس» (^٣).\nوينقل عن العلماء معنى (الكلالة) الجوهري: الكَلّ الذي لا ولد لهن\nولا والد يقال كلَّ الرجل يَكل كلالةً، الزمخشري: تنطلق الكلالة على ثلاثة على من لم يخلف ولدًا، ولا والدًا، وعلى من ليس بولد ولا والد، من المخلفين وعلى\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم، ٤/ ٧٠.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الإيمان، باب: الدِّينُ يُسْرٌ وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ «أَحَبُّ الدِّينِ\nإِلَى اللهِ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ»، رقم (٣٩).\n(^٣) الكواكب الدراري، ١/ ١٦٨، وينظر قول الجوهري في الصحاح، ٦/ ٦٤٤٤.","vol":"1","page":420},{"text":"القرابة من غير جهة الولد والوالد» (^١).\nومن ذلك حديث: «مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الحَيَاءِ …» (^٢).\nقال الكرماني: «قوله وهو يعظ أخاه، أي ينصح أخاه والوعظ النصح والتذكير بالعواقب قال ابن فارس (^٣) هو التخويف والإنذار وقال الخليل (^٤) هو التذكير بالخير فيما يرق القلب (^٥)» (^٦).\nومن ذلك حديث «بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، دَخَلَ\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٣/ ٤٢، وينظر قول الزمخشري في: الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، ١/ ٤٨٥، وينظر غريب الحديث، ابن قتيبة، ١/ ٢٢٦.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الإيمان، بَابُ: الحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ، رقم (٢٣).\n(^٣) أحمد بن فارس بن زكريا بن محمد بن حبيب أبو الحسين اللغوي القزويني كان نحويا على طريقة الكوفيين، سمع من والده، وقرأ عليه البديع الهمداني، له: المجمل في اللغة، وفقه اللغة، (ت ٣٩٥ هـ)، ينظر: بغية الوعاة، السيوطي، ١/ ٣٥٢.\n(^٤) الخليل بن أحمد بن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن الفراهيديّ الأزديّ، نحويّ لغويّ عروضيّ، استنبط من العروض وعلله ما لم يستخرجه أحد، ولم يسبقه إلى علمه سابق من العلماء كلّهم، له كتاب: (العين)، و(معاني الحروف)، (ت ١٧٠ هـ) ينظر (إنباه الرواة)، ١/ ٣٧٥ - ٣٧٦، وبغية الوعاة، ١/ ٥٥٧.\n(^٥) هذه العبارة (هو التخويف والإنذار وقال الخليل هو التذكير بالخير فيما يرق القلب) هي قول ابن فارس، ينظر معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، ٦/ ١٢٦.\n(^٦) الكواكب الدراري، ١/ ١٢٠، وينظر قول ابن فارس في مجمل اللغة، ١/ ٩٣١.","vol":"1","page":421},{"text":"رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ فَأَنَاخَهُ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ وَالنَّبِيُّ ﷺ مُتَّكِئٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ …» (^١).\nقال الكرماني: «قوله بين ظهرانيهم بفتح الظاء والنون، قال في الفائق: يقال أقام فلان بين أظهر قومه وبين ظهرانيهم، أي بينهم وإقحام لفظ الظهر ليدل على أن إقامتهم بينه على سبيل الاستظهار بهم، والاستناد إليهم» (^٢).\nوقد يستدل الكرماني بقول الشعراء للاستلال على معنى الكلمات، مثل (خَرْبَة) «بخَرْبَة بفتح المعجمة وإسكان الراء وبالموحدة على المشهور، ويقال بضم الخاء أيضا، وأصلها سرقة الإبل وتطلق على كل جناية، وقال الخليل هو الفساد في الدين (^٣) من الخارب وهو اللص المفسد في الأرض قال الشاعر:\nوالخارب اللص يحب الخاربا (^٤)\nوقد تجرى الخربة في أكثر الكلام مجرى التهمة، وقيل العيب وقيل بضم الخاء العورة، وبفتحها الفعلة الواحدة من الخرابة وهي اللصوصية» (^٥).\nكما أن الكرماني قام بنقد أصحاب المصنفات في الغريب، ويصحح لهم الكلمة لورودها في لسان العرب، ولسان أفصح الفصحاء ﷺ، من ذلك\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: العلم، باب: مَا جَاءَ فِي الْعِلْمِ، رقم (٦٢).\n(^٢) الكواكب الدراري، ٢/ ١٧، وينظر قول الزمخشري في الفائق في غريب الحديث والأثر، ١/ ٤١.\n(^٣) كتاب: العين، للخليل الفراهيدي، ٤/ ٢٥٦.\n(^٤) انظر: الكامل في اللغة والأدب لأبي العباس أحمد بن يزيد المبرد، ٣/ ٣٣.\n(^٥) الكواكب الدراري، ٢/ ١٠٥.","vol":"1","page":422},{"text":"حديث:\n«عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيِّ قَالَ: كُنَّا يَوْمًا نُصَلِّي وَرَاءَ النَّبِيِّ: فَلَمَّا رَفَعَ رَاسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ، قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، قَالَ رَجُلٌ وَرَاءَهُ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ: مَنِ الْمُتَكَلِّمُ؟ قَالَ: أَنَا، قَالَ: رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا، أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلُ» (^١).\n«والبِضع بكسر الموحدة وجاء فتحها هو ما بين الثلاث والتسع، يقال بِصنع سنين وبضعة عشر رجلا، الجوهري: وإذا جاورت لفظ العشرين ذهب البضع لا تقول بضع وعشرون (^٢) أقول وهذا خطأ منه لأن أفصح الفصحاء ﷺ تكلم به» (^٣).\nومنه: إطلاق النبي ﷺ لفظ الشجرة على (الثوم) قال الكرماني: «(هذه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الأذان، رقم (٧٦٧).\n(^٢) قال ابن منظور في لسان العرب: «وحكي عن الفراء في قوله بضع سنين أَنْ البضع\nلا يُذْكر إِلا مع العشر والعشرين إِلى التسعين، ولا يقال فيما بعد ذلك يعني أَنه يقال مائة ونَيِّف، وأَنشد أَبو تَمّام في باب الهِجاء من الحَماسة لبعض العرب:\nأَقولُ حِين أَرَى كَعْبًا ولِحْيَتَه … لا بارك الله في بِضْعٍ وسِتِّينِ\nمن السِّنين تَمَلاَّها بلا حَسَبٍ … ولا حَياءٍ ولا قَدْرٍ ولا دِينِ\nوقد جاء في الحديث بِضْعًا وثلاثين ملَكًا وفي الحديث صلاةُ الجماعةِ تَفْضُل صلاةَ الواحد بِبِضْع وعشرين دَرجةً (لسان العرب ١/ ٢٩٨)، والبيتان في شرح ديوان الحماسة، من دون ذكر القائل، لأبي علي أحمد الأصفهاني، ص ١٠٦٨.\n(^٣) الكواكب الدراري، ٥/ ١٥٤.","vol":"1","page":423},{"text":"الشجرة) فإن قلت الشجر هو ما كان على ساق من النبات، والنجم مالا ساق له (^١) كالثوم، فما وجه إطلاق الشجر عليه. قلت: وقد يُطلق كل منهما على الآخر، وتكلم أفصح الفصحاء ﷺ به أقوى الدلائل» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-277>ثالثًا شرح الغريب بالاستعانة بروايات الحديث الأخرى:</span>\nقد تكون بعض ألفاظ الحديث غامضة غير واضحة، فتأتي مفسرة من رواية أخرى للحديث، فكان الكرماني يستدل بها على معنى الكلمة الغامضة من ذلك:\nفي حديث أن وفد عبد القيس أتوا النبي ﷺ «قَالَ «مَنِ الْقَوْمُ أَوْ مَنِ الْوَفْدُ». قَالُوا رَبِيعَةُ … وفيه وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ عَنِ الْحَنْتَمِ وَالدُّبَّاءِ وَالنَّقِيرِ وَالْمُزَفَّتِ (^٣)» (^٤).\n_________\n(^١) ينظر تهذيب اللغة، الأزهري، ١١/ ٨٩.\n(^٢) السابق، ٥/ ٢٠٠، وقد قال ابن دريد الأزدي عن الثوم: (والثوم شجر مَعْرُوف) جمهرة اللغة، ١/ ٤٣٣.\n(^٣) الحنتم: جرار حُمْر يُحمل فيها الخمر، الدُّبَّاء: القرع، واحدها دباءة، كانوا ينتبذون فيها فتسرع الشدة في الشراب، المزفت: هو الإناء الذي طلى بالزفت وهو نوع من القار، ثم انتبذ فيه، قال أبو عبيد: فهذه الأوعية الَّتي جاء فيها النَّهي، وهي عند العرب على ما فسَّرها «أبو بكرة» وإنمَّا نهى عنها كلَّها لمعنى واحد أنَّ النَّبيذ يشتدُّ فيها حتَّى يصير مسكرًا، ثمَّ رخَّص فيها وقال: «اجتنبوا كل مسكر» فاستوت الظُّروف كلُّها، ورجع المعنى إلى المسكر، فكلُّ ما فيها وفي غيرها من الأوعية بلغ ذلك، فهو المنهي عنه،\nوما لم يكن فيه منها ولا من غيرها مسكرًا فلا بأس به.) ينظر غريب الحديث للهروي، ١/ ٤٠٢، والنهاية في غريب الحديث، ابن الأثير، ٢/ ٩٦، ٢/ ٣٠٤.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب: الإيمان، بابٌ: أداء الخمس من الإيمان، رقم (٥٠).","vol":"1","page":424},{"text":"قال الكرماني في تفسير كلمة (النَّقِير) بالنون المفتوحة والقاف المكسورة وجاء تفسيره في صحيح مسلم (^١) أنه جذع ينقرون وسطه وينبذون فيه» (^٢).\nومن ذلك حديث ابن عباس ﵁: «ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَوْ قَالَ عَطَاءٌ أَشْهَدُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعِ النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ، وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ …» (^٣).\nفالصدقة في الحديث قد يُراد بها الزكاة المفروضة، وقد يُراد بها صدقة التطوع، فقد استدل الكرماني عليها بقوله: «بالصدقة وهي ما يبذل من المال لثواب الآخرة، وهي تتناول الفريضة والتطوع لكن المراد ههنا هو الثاني، فاللام فيه للعهد عنها وإنما أمرهن بها لما رآهن أكثر أهل النار، وجاء في الصحيح: تصدقن يا معشر النساء فإني أريتكن أكثر أهل النار (^٤) وقيل أمرهن بها لأنه كان وقت حاجة إلي المواساة والصدقة يومئذ كانت أفضل وجوه البر» (^٥).\n_________\n(^١) أخرج الإمام مسلم في صحيحه في كتاب: الإيمان، بَابُ: الْأَمْرِ بِالْإِيمَانِ بِاللهِ وَرَسُولِهِ، وَشَرَائِعِ الدِّينِ، وَالدُّعَاءِ إِلَيْهِ، رقم (٢٨) «أنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، أَخْبَرَهُ أَنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا أَتَوْا نَبِيَّ اللهِ ﷺ، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ، جَعَلَنَا اللهُ فِدَاءَكَ مَاذَا يَصْلُحُ لَنَا مِنَ الْأَشْرِبَةِ؟ فَقَالَ: «لَا تَشْرَبُوا فِي النَّقِيرِ»، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ، جَعَلَنَا اللهُ فِدَاءَكَ، أَوَ تَدْرِي مَا النَّقِيرُ؟ قَالَ: «نَعَمْ، الْجِذْعُ يُنْقَرُ وَسَطُهُ، وَلَا فِي الدُّبَّاءِ، وَلَا فِي الْحَنْتَمَةِ، وَعَلَيْكُمْ بِالْمُوكَى».\n(^٢) الكواكب الدراري، ١/ ٢١٠.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: العلم، بَابُ: عِظَةِ الإِمَامِ النِّسَاءَ وَتَعْلِيمِهِنَّ، رقم (٩٧).\n(^٤) أخرج البخاري في صحيحه كتاب: الزكاة، بَابُ: الزَّكَاةِ عَلَى الأَقَارِبِ، رقم (١٤٦٢).\n(^٥) الكواكب الدراري، ٢/ ٩٢.","vol":"1","page":425},{"text":"وقد يفسر الكرماني المجمل من الحديث برواية أخرى موضحة ومبينة، من ذلك حديث المَعْرور بن سويد قال: «لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ قَالَ: إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ …» (^١).\nفبين الكرماني أن التعيير المقصود هو ماورد في رواية أخرى عند البخاري في كتاب الأدب: أنه قال كان بيني وبين رجل كلام وكانت أمه أعجمية فنلت منها (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-278>رابعًا تفسر الحديث بالقرآن الكريم:</span>\nمن أجل أنواع التفسير أن يُفسر الحديث بالقرآن الكريم، وكان من منهج الكرماني رحمه الله تعالى يستعين لتفسير الحديث بآيات من القرآن الكريم، ليبين المقصود ويقرب المعنى للأذهان.\nمثاله:\nومن ذلك تقريب المعنى المراد والاستشهاد له بآية، كحديث أسماء ﵂ قالت: «أَتَيْتُ عَائِشَةَ وَهِيَ تُصَلِّي فَقُلْتُ مَا شَانُ النَّاسِ فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ، فَقَالَتْ سُبْحَانَ اللهِ. قُلْتُ آيَةٌ فَأَشَارَتْ بِرَأسِهَا، أَي نَعَمْ …» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: العلم، بَاب: المَعَاصِي مِنْ أَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ، رقم (٢٩).\n(^٢) الكواكب الدراري، ١/ ١٣٩.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: العلم، باب: مَنْ أَجَابَ الفُتْيَا بِإِشَارَةِ اليَدِ وَالرَّأسِ، رقم (٨٥).","vol":"1","page":426},{"text":"قال الكرماني: «أي هي آية أي علامة لعذاب الناس كأنها مقدمة له قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩]» (^١).\nومنه الاستشهاد بآية في شرح الحديث لتأكيد معناه.\nكحديث: «الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ» (^٢).\nاستشهد الكرماني أن الحسنة بعشر أمثالها (^٣) بآية: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] وواستشهد على قوله: «سبعمائة ضعف، بقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١]».\nومنه بيان االمراد من قوله ﷺ: «ثَلَاثَةٌ لَهُمْ أَجْرَانِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ، وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ …» (^٤).\nفذكر الكرماني الخلاف بين العلماء في بيان المقصود من: «أهل الكتاب» فقال بعضهم أن اللفظ يجري على عمومه، أو أنهم اهل التوراة والإنجيل من اليهود والنصارى، … إلى أن قال: وفي الجملة اللام في الكتاب للعهد، إما عن التوراة والإنجيل، وإما عن الإنجيل قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٢/ ٦٧.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الإيمان، باب: حسن إسلام المرء … من دون رقم\nللحديث.\n(^٣) الكواكب الدراري، ١/ ١٦٧.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب: العلم، باب: تعليم الرجل أمته وأهله، رقم (٩٦).","vol":"1","page":427},{"text":"هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ … إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٤].\nومن ذلك بيان المراد من الحديث، من خلال آية وافقت الحديث في المعنى، ومنه قوله ﷺ: «انْتَدَبَ اللهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ …» (^١).\nفبين الكرماني معنى الانتداب هنا فقال: «ندبه لأمر فانتدب له أي دعاه له فأجاب فههنا كأن الله تعالى جعل جهاد العباد في سبيله سؤالًا ودعاء له … وبين أقوالًا أخرى في المعنى مستعينًا برواية مسلم التي فيها لفظ: تضمّن الله (^٢) وتكفل الله (^٣).\nتكفل الله ومعناه: أوجب تفضلًا أي حقق وحكم أن ينجز له ذلك، وهو موافق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ..﴾ [التوبة: ١١١].\n\n<span data-type='title' id=toc-279>خامسًا بيان المعنى الحقيقي للألفاظ:</span>\nقد يرد في الحديث لفظة غامضة، ونرى الكرماني يغوص في بحر المعاني\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الإيمان، باب: الجهاد من الإيمان، رقم (٣٥).\n(^٢) في كتاب: الإمارة، باب: فَضْلِ الْجِهَادِ وَالْخُرُوجِ فِي سَبِيلِ اللهِ، رقم (١٠٣).\n(^٣) والرواية هي: «تَكَفَّلَ اللهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ، لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَّا جِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ، وَتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ، بِأَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ، مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ» في كتاب: الإمارة، بُاب: فَضْلِ الْجِهَادِ وَالْخُرُوجِ فِي سَبِيلِ اللهِ، رقم (١٠٣)، كما أن هذه الرواية عند البخاري، كتاب: فرض الخمس، بَابُ: قَوْلِ\nالنَّبِيِّ ﷺ: «أُحِلَّتْ لَكُمُ الغَنَائِمُ»، رقم (٣١٢٣).","vol":"1","page":428},{"text":"ليبيّن المقصود منها، وتارة يصل فيها إلى وجوه مُحتملة للمعنى.\nمن ذلك حديث سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ في باب: التناوب في طلب العلم، وفيه: «فَفَزِعْتُ فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ. قَالَ فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَإِذَا هِي تَبْكِي فَقُلْتُ طَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَتْ لَا أَدْرِي. ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ قَالَ «لَا». فَقُلْتُ اللهُ أَكْبَرُ» (^١).\nقال الكرماني: «قوله أمر عظيم أراد اعتزال الرسول ﷺ عن الأزواج.\nفإن قلتَ ما العظمة فيه: قلت كونه مظنة للطلاق، وهو عظيم لاسيما بالنسبة إلي عمر فإن ابنته إحدي زوجاته … قوله (الله أكبر) فإن قلت هذا الكلام في أمثال هذه المقامات يدل علي التعجب، فما ذلك ههنا قلت كأن الأنصاري ظن الإعتزال طلاقًا، أو ناشئًا عن الطلاق فأخبر عمر بالطلاق بحسب ظنه تعجب منه بلفظ الله أكبر» (^٢).\nومن ذلك حديث «أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ قِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ … أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ» (^٣).\nقال الكرماني: «من قال لا إله إلا الله) احترازًا من المشرك وخالصا من\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، في كتاب: العلم، رقم (٨٨).\n(^٢) الكواكب الدراري، ٢/ ٧٧.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: العلم، بَابُ: الحِرْصِ عَلَى الحَدِيثِ، رقم (٩٨).","vol":"1","page":429},{"text":"قلبه احترازًا من المنافق، فإن قلت المشرك والمنافق لا سعادة لهما وأفعل التفضيل يدل علي الشركة، قلت: الأفعل بمعني الفعيل، يعني سعيد الناس … أو هو بمعناه الحقيقي المشهور في التفضيل بحسب المراتب أي هو: أسعد بمن لم يكن في هذه المرتبة من الإخلاص المؤكد البالغ غايته، والدليل علي إرادة تأكيده ذكر القلب إذ الإخلاص معدنه القلب ففائدته التأكيد كما في قوله تعالى ﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].\nالكشاف: فإن قلت هلّا اقتصر علي قوله فإنه آثم، وما فائدة ذكر القلب والجملة هي الآثمة لا القلب وحده؛ قلت: كتمان الشهادة هو أن يضمها\nولا يتكلم بها، ولما كان آثما مقترفا بالقلب أسند إليه؛ لأن إسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ، ألا تراك تقول إذا أردت التأكيد أبصَرتُه عَينيّ، وسَمعتْ أُذني، أو تقول عُلم عدم السعادة لهما من الدلائل الخارجية الدالة بالتصريح عليه» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-280>سادسًا ترجيح المعنى المراد من اللفظ بالقرائن:</span>\nوقد يكون المعنى الظاهر غير مراد، ويترجح المراد بقرينة تدل عليه، وقد بين الكرماني ذلك عند حديث: «عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ آلَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا وَقَعَدَ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ فَنَزَلَ لِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ …» (^٢).\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٢/ ٩٤ - ٩٥، وينظر قول الزمخشري في: الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، ١/ ٣٢٩.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: النكاح، باب: قَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾، رقم (٤٨٧٣).","vol":"1","page":430},{"text":"قال الكرماني مبينا معنى الإيلاء الوارد في الحديث فقال: «لا يريد\nبه المعنى الفقهي بل المعنى اللغوي وهو الحلف، فإن قلت إذا كان للفظ\nمعنى شرعي، ومعنى لغوي، يقدم الشرعي على اللغوي، (^١) قلت: إذا\nلم يكن ثمة قرينة صارفة عن إرادة معناه الشرعي والقرينة كونها شهرا واحدا» (^٢).\nويبين الكرماني كذلك مايصرف الكلام عن حقيقته كذلك بالدلائل الدالة عليه، مثاله: ما أخرجه البخاري: «عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «إِذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ» (^٣).\nفهل لفظ الصدقة الوارد في الحديث يأخذ أحكام الصدقات، فيحرم على الأزواج أن يُنفقوا على زوجاتهم الهاشميات (^٤) أم لا؟\n_________\n(^١) ينظر قول الرازي في المسألة، المحصول، ٥/ ٤٢٩ - ٤٣٠.\n(^٢) الكواكب الدراري، ١٩/ ١٥٠.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: الإيمان، بابٌ: مَا جَاءَ أَنَّ الأَعْمَالَ بِالنِّيَّةِ وَالْحِسْبَةِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، رقم (٥٢).\n(^٤) من المعلوم أنه بإجماع العلماء، أنه لا يجوز لآل بيت النبي ﷺ أن يأخذوا من أموال الصدقات، لقوله ﷺ: «نَّ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ، وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ، وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ» أخرجه مسلم، كتاب: الزكاة، باب: تَرْكِ اسْتِعْمَالِ آلِ النَّبِيِّ عَلَى الصَّدَقَةِ، رقم (١٠٧٢). وينظر إجماع الفقهاء في المسألة: المبسوط للسرخسي، ٣/ ١٤٢، والذخيرة للقرافي، ٣/ ١٤٢، والمجموع شرح المهذب للنووي، ٦/ ١٦٨، والمغني لابن قدامة، ٢/ ٤٩١.","vol":"1","page":431},{"text":"فبين الكرماني أن لفظ الصدقة مجازيا، وقد صُرف اللفظ عن معناه الحقيقي، بقرينة الإجماع على عدم حرمة الإنفاق على الزوجات هاشمية وغيرها» (^١).\nومن القرائن التي يستعين بها الكرماني لمعرفة المراد من اللفظ، هو المقابلة، والمقابلة «هي: أن تجمع بين شيئين متوافقين أو أكثر، وبين ضديهما» (^٢).\nمثال ذلك ما أخرجه البخاري: «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَامَرَ وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَاذَنَ قَالُوا كَيْفَ إِذْنُهَا قَالَ أَنْ تَسْكُتَ» (^٣).\nقال الكرماني: «و(الأيم) من لا زوج لها بكرا أو ثيبا (^٤) لكن المراد منها هنا الثيب بقرينة المقابلة للبكر» (^٥).\n* * *\n_________\n(^١) ينظر الكواكب الدراري، ١/ ٢١٤ - ٢١٥.\n(^٢) الفوائد الغياثية، محمد بن يوسف الكرماني، ٢/ ٧٩٤.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب، الحيل، باب: في النكاح، رقم (٦٥٥٢).\n(^٤) ينظر الأثير في غريب الحديث، ابن الأثير، ١/ ٨٥.\n(^٥) الكواكب الدراري، ٢٤/ ٨٣.","vol":"1","page":432},{"text":"<span data-type='title' id=toc-281>المبحث الثاني\nالعناية بمسائل اللغة العربية</span>\nاهتم الكرماني رحمه الله تعالى بمسائل اللغة العربية، في شرحه للبخاري، إذ لا يُتصور فهم الحديث، واستنباط الأحكام من دون معرفة علوم العربية، من نحو وصرف، وبلاغة …\nوقد تبين من خلال التتبع والاستقراء اهتمام الكرماني بعلوم اللغة بما يأتي:\n\n<span data-type='title' id=toc-282>أولًا شرح المفردات وضبطها:</span>\nقال الكرماني في بيان معنى الصَلصَلة «بفتح الصادين صوت كل شيء مُصوّت كصوت السلسلة، وقيل هو الصوت المُتَدَارك ومثل هو حال أي يأتيني مشابهًا صوته صلصلة الجرس» (^١).\nومن ذلك: بيان معنى الكلمات على حسب ضبط الكلمة، وجواز أكثر من وجه في ضبطها مثل: قول السيدة عائشة رضي الله: «أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ … فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حتى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ …» (^٢).\nقال الكرماني: «قوله: الجَهْد يُروى فيه فتح الجيم وضمها، ونصب الدال ورفعها، ومعناه الطاقة والغاية والمشقة، فعلى الرفع معناه بلغ الجهد مبلغه فحذف مبلغه، وعلى النصب معناه بلغ الملك مني الجهد» (^٣).\n_________\n(^١) الكواكب الدراري: ١/ ٢٧.\n(^٢) أخرجه البخاري، باب: كيف كان بدء الوحي، رقم (٣).\n(^٣) الكواكب الدراري، ١/ ٣٤.","vol":"1","page":433},{"text":"ونجد الدقة عند الكرماني في بيانه للألفاظ التي قد تتشابه بالمعنى، مثال ذلك: «والنسيان جهل بعد العلم، والفرق بينه وبين السهو، أنه زوال عن الحافظة والمدركة، والسهو: زوال عن الحافظة فقط، ثم الفرق بين السهو والخطأ: أنه ما يتنبه صاحبه بأدنى تنبيه والخطأ لا يتنبه له» (^١).\nومن ذلك: قال في بيان معنى: (الْوَرْسُ) «بفتح الواو وسكون الراء وبالمهملة نبت أصفر تصبغ به الثياب» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-283>ثانيًا ذكر التصحيف الوارد في بعض كلمات المتن والإشارة وبيان الصواب:</span>\nكان الكرماني يشير إلى التصحيف الوارد في بعض كلمات المتن مع بيان الصواب، وكان يستدل على ذلك من السياق والمعنى، والاستعانة بالروايات الأخرى، مثاله: حديث فرض الاصلاة في ليلة الإسراء والمعراج، من ذلك حديث: «كَانَ أَبُو ذَرٍّ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ «فُرِجَ عَنْ سَقْفِ بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَفَرَجَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ … وفيه ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ، فَإِذَا فِيهَا حَبَايِلُ اللُّؤْلُؤِ …» (^٣).\nفوقع الخلاف في لفظ: (حبايل) أنه محرف عن: جُنابذ، واستدل الكرماني على ذلك بقول العلماء فقال: «قوله: «حبايل» جمع الحبالة بالحاء المهملة وبالموحدة أي عقود اللؤلؤ.\n_________\n(^١) السابق، ٢/ ١٣٦.\n(^٢) الكواكب الدراري: ٩/ ٤٥.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: الصلاة، باب: كَيْفَ فُرِضَتِ الصَّلَاةُ فِي الإِسْرَاءِ، رقم (٣٤٣).","vol":"1","page":434},{"text":"قال الخطابي وغيره: إنه تصحيف والصواب جُنابذ جمع الجُنبذ بضم الجيم وسكون النون، وبالموحدة المضمومة وبالمنقطة ما ارتفع من الشئ واستدار كالقبة، والعامة تقول بفتح الموحدة والظاهر أنه فارسي معرب) (^١).\nوقد وردت عند البخاري التصريح في رواية أخرى الجنابذ (^٢).\nوقال ابن الأثير: «فإن صحت الرواية فيكون أراد به مواضع مرتفعة كحبال الرمل، كأنه جمع حبالة، وحبالة جمع حبل، وهو جمع على غير قياس» (^٣).\nاذا فمعنى القباب يتم المعنى به أكثر من الحبائل ولا سيما أن التصريح بالجنابذ ورد في الرواية الأخرى.\nومن ذلك حديث: «عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «الْعَبْدُ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتُوُلِّيَ وَذَهَبَ أَصْحَابُهُ حَتَّى إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ … وفيه: كُنْتُ أَقُولُ أي المنافق مَا يَقُولُ النَّاسُ. فَيُقَالُ لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ …».\nقال الكرماني: قال الخطابي: «هكذا يرويه المحدثون وهو غلط والصواب إتليت على وزن أفعلت من قولك ما ألوته أي: ما استطعته ويقال لا آلو كذا أي: لا أستطيعه كأنه قال لا دريت ولا استطعته» (^٤).\nوأضاف الخطابي وجها آخر فقال: «وفيه وجه آخر: وهو أن يقال: ولا أَتْلَيْت به، يدعو عليه بأن لا تتلى إبله: أي لا يكون لها أولاد تتلوها، أي\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٤/ ٨.\n(^٢) في كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: ذكر دريس ﵇، رقم (٣٣٤٢).\n(^٣) النهاية في غريب الحديث. ١/ ٣٣٣.\n(^٤) الكواكب الدراري، ٧/ ١١٨.","vol":"1","page":435},{"text":"تتبعها» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-284>ثالثًا الاهتمام بالمسائل النحوية:</span>\nلقد أُوتيَ النبي ﷺ جوامع الكلم، وهو أفصح من نطق بالضاد، فنجد في كلامه ﷺ ماعرفته العرب في لغتها من المسائل النحوية المختلفة، ولا ينفك علم الحديث عن علم اللغة العربية، قال الحافظ السيوطي: «وعلم الحديث واللغة أخوان يجريان من واد واحد» (^٢) وقد أولى الكرماني اهتمامه بمسائل اللغة في أمور كثيرة أذكر بعضًا منها:\n\n<span data-type='title' id=toc-285>١ - بيان الأوجه الإعرابيّة:</span>\nيذكر الكرماني أوجه الإعراب المختلفة في الكلمة، مثال ذلك أخرج البخاري في باب: إِذَا نَفَرَ النَّاسُ عَنْ الْإِمَامِ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَصَلَاةُ الْإِمَامِ وَمَنْ بَقِيَ جَائِزَةٌ، من حديث جابر بن عبدالله ﵄ «قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ أَقْبَلَتْ عِيرٌ تَحْمِلُ طَعَامًا فَالْتَفَتُوا إِلَيْهَا حَتَّى مَا بَقِيَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (^٣).\nقال الكرماني: «إلا اثنا عشر وفي بعضها اثني عشر، فإن قلت الاستثناء مفرغ فيجب رفعه لأن إعرابه على حسب العامل، قلت: ليس مفرغا إذ هو مستثنى من ضمير «بفي» العائد إلى المصلي، فيجوز فيه الرفع والنصب، أو يقال\n_________\n(^١) ينظر غريب الحديث ٣/ ٢٦٣. وإصلاح غلط المحدثين، ١/ ٦٩.\n(^٢) المزهر في علوم اللغة وأنواعها، السيوطي، ٢/ ٢٦٨.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: الجمعة، رقم (٨٩٥).","vol":"1","page":436},{"text":"أن اثني عشر أعطى له حكم أخواته التي هي ثلاثة عشر، إذ الأصل فيه البناء لتضمنه الحرف، أو المستثنى محذوف وتقديره ما بقي أحد إلا عدد كانوا اثني عشر رجلا» (^١).\nومن ذلك أخرج البخاري تعليقًا: «وَيُذْكَرُ عَنْ الْعَدَّاءِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ كَتَبَ لِي النَّبِيُّ ﷺ هَذَا مَا اشْتَرَى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ الْعَدَّاءِ بْنِ خَالِدٍ بَيْعَ الْمُسْلِمِ مِنْ الْمُسْلِمِ لَا دَاءَ وَلَا خِبْثَةَ وَلَا غَائِلَةَ …» (^٢).\nقال الكرماني مبينًا أوجه الإعراب في: «بيعَ المسلم نصب على أنه مصدر من غير فعله، لأن البيع والشراء متقاربان، ويجوز الرفع على كونه خبر المبتدأ المحذوف، و«المسلم» الثاني منصوب بوقوع فعل البيع عليه» (^٣).\nومن ذلك حديث: «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ لَا تَحْقِرَنَّ …» (^٤).\nذكر الكرماني الأقوال في إعراب (نساء المسلمات) فقال: «فيه ثلاثة أوجه: نصب النساء وجر المسلمات على الإضافة، وهو من باب إضافة الموصوف إلى صفته، ولابد عند البصريين من تقدير نحو: يا نساء الأنفس المسلمات أو الجماعات المسلمات، وقيل تقديره يا فاضلات المسلمات، كما يقال هؤلاء رجال القوم أي أفاضلهم، والثاني رفعهما على معنى يا أيها النساء المسلمات، والثالث\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٦/ ٤٤.\n(^٢) أخرجه البخاري، بَاب: إِذَا بَيَّنَ الْبَيِّعَانِ وَلَمْ يَكْتُمَا وَنَصَحَا.\n(^٣) الكواكب الدراري، ٩/ ٢٠٢.\n(^٤) أخرجه البخاري، كِتَاب: الْهِبَةِ وَفَضْلِهَا وَالتَّحْرِيضِ عَلَيْهَا، رقم (٢٣٩٦).","vol":"1","page":437},{"text":"رفع النساء وكسر التاء من المسلمات على أنه منصوب على الصفة على المحل نحو يا زيد العاقل بنصب العاقل» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-286>٢ - تقدير المحذوف في الإعراب:</span>\nمثاله: عند إعرب (إلى ما هاجر إليه) «إمّا أن يكون متعلقا بالهجرة والخبر محذوف، أي هجرته إلى ما هاجر إليه غير صحيحة أو غير مقبولة، وإما أن يكون خبر فهجرته والجملة خبر المبتدأ الذي هو من كانت، وأدخل الفاء في الخبر لتضمن المبتدأ معنى الشرط.\nفإن قلت المبتدأ والخبر بحسب المفهوم متحدان فما الفائدة في الإخبار؟ قلت: لا اتحاد إذ الخبر محذوف وهو فلا ثواب له» (^٢).\nومن ذلك حديث: «عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ اللُّقَطَةِ فَقَالَ «اعْرِفْ وِكَاءَهَا أَوْ قَالَ وِعَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، ثُمَّ اسْتَمْتِعْ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ». قَالَ فَضَالَّةُ الإِبِلِ …» (^٣).\nقال الكرماني في إعراب: «فضالة الإبل مبتدأ خبره محذوف أي ما حكمها أكذلك أم لا وهو من إضافة الصفة الموصوف» (^٤).\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١١/ ١٠٩.\n(^٢) الكواكب الدراري: ١/ ١٩.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: العلم، باب: الْغَضَبِ فِي الْمَوْعِظَةِ وَالتَّعْلِيمِ إِذَا رَأَى\nمَا يَكْرَهُ، رقم (٩٠).\n(^٤) الكواكب الدراري، ٢/ ٨١.","vol":"1","page":438},{"text":"<span data-type='title' id=toc-287>٣ - الاستثناء:</span>\n«وهو المخرج تحقيقًا، أو تقديرًا من مذكور او متروك ب «إلا» أو ما بمعناها بشرط الفائدة.\nفإن كان بعض المستثنى منه حقيقة فمتصل، وإلا فمنقطع، مقدر الوقوع بعد «لكن» عند البصريين، وبعد «سوى» عند الكوفيين» (^١).\nوقد تعرض الكرماني في الكواكب الدراري للاستثناء بنوعيه، من ذلك حديث «إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ» (^٢).\nقال الكرماني مبينًا آراء العلماء في هذا الاستثناء: «واختلف العلماء في هذا الاستثناء فقال الشافعي ﵀ وغيره ممن يقول لا نلزم النوافل بالشروع أنه استثناء منقطع تنكيرهن لكن التطوع خير لك، وقال من شرع في تطوع يُستحب له إتمامه ولا يجب بل يجوز قطعه (^٣)، وقال آخرون (^٤) استثناء متصل ويقولون تلزم النوافل بالشروع ويستدلون بهذا الحديث وبقوله: تعالى ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] وبالاتفاق على أن حج التطوع يلزم بالشروع» (^٥).\n_________\n(^١) تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد، محمد بن عبدالله، ابن مالك الطائي الجياني، ص ١٠١.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الزكاة، باب: الزكاة من الإسلام، رقم (٤٤).\n(^٣) ينظر المجموع شرح المهذب، النووي، ٦/ ٣٩٤.\n(^٤) وهم الحنفية، ينظر البحر الرائق شرح كنز الدقائق، ٢/ ٦١، ورد المحتار على الدر المختار، (حاشية ابن عابدين)، ٢/ ٣٠.\n(^٥) الكواكب الدراري، ١/ ١٨١.","vol":"1","page":439},{"text":"ومن ذلك: «عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِي السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ يُومِئُ إِيمَاءً صَلَاةَ اللَّيْلِ إِلَّا الْفَرَائِضَ وَيُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ بَاب الْقُنُوتِ قَبْلَ الرُّكُوعِ وَبَعْدَهُ» (^١).\nقال الكرماني قوله: «إلا الفرائض استثناء منقطع أي لكن الفرائض لم تكن تُصلي على الراحلة، فإن قلت: لم لا يكون متصلا لأن الليل أيضا له فريضتان المغرب والعشاء، ويراد بالجمع إتيان إما حقيقة وإما مجازا قلت: المراد استثناء فريضة الليل فقط، إذ لا تصلى فريضة أصلا على الراحلة ليلية أو نهارية» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-288>٤ - المتعدي:</span>\nهو: «المتعدّي هو الذي لا يعقل إلّا بمتعلّق غير الفاعل نحو: ضرب زيد، فإنّ فهمه يتوقف على شيء يتعلّق به ضرب الضّارب» (^٣).\nمثّل الكرماني لذلك في حديث: «أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانُوا تُجَّارًا … ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُمْ إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ، فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ …» (^٤).\nقال الكرماني: «فإن كَذَبَني أي نقل إلى الكذب وقال لي خلاف الواقع،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الوتر، بَاب: الْوِتْرِ فِي السَّفَر، رقم (٩٥٢).\n(^٢) الكواكب الدراري، ٦/ ٩٦.\n(^٣) الكناش في فني النحو والصرف، أبو الفداء عماد الدين إسماعيل بن علي الملك المؤيد، ٢/ ٣٣، والكافية في علم النحو، ابن الحاجب، ص ٤٧.\n(^٤) أخرجه البخاري، باب: كيف بدء الوحي، رقم (٦).","vol":"1","page":440},{"text":"التيمي: كَذَبَ يتعدّى على مفعولين، يُقال كَذَبَني الحديث وكذا نظيره صَدَقَ قال الله تعالى ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا﴾ وهما من غرائب الألفاظ ففعل بالتشديد يقتصر على مفعول واحد وفعل بالتخفيف يتعدى إلى مفعولين» (^١).\nوقال الكرماني مبينًا رأي العلماء في: (مظلمة) «بكسر اللام. الجوهري يُقال أظلم الليل، وقال الفراء ظلم الليل بالكسر وأظلم بمعنى ويقول ضاءت النار وأضاءت مثله وأضاءته يتعدى ولا يتعدّى. الزمخشري: أضاء إما متعد بمعنى نور، وإما غير متعد بمعنى لمع، وأظلم يُحتمل أن يكون غير متعد وهو الظاهر وأن يكون متعديًا» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-289>٥ - الاهتمام بأدوات الإعراب المختلفة:</span>\nمثل بَيْنَا، «بَيْنَا أَنَا أَمْشِي، إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا» (^٣) قال الكرماني في بيان الأداة: (بَيْنَا)، «أصله بين فأُشبعت الفتحة فصارت ألفًا، وهو من الظروف الزمانية اللازمة للإضافة إلى الجملة الإسمية، والعامل فيه الجواب إذا كان مجرّدا من كلمة المفاجأة، وإلاّ فمعنى المفاجأة المتضمنة هي إياها، وتحتاج إلى جواب يتم به المعنى، وقيل اقتضى جوابًا لأنه ظرف متضمن المجازاة، والأفصح في جوابه أن يكون فيه إذ وإذا، خلافا للأصمعي والمعنى أن في أثناء أوقات المشي فاجأني السماع» (^٤).\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١/ ٥٥.\n(^٢) الكواكب الدراري، ٤/ ١٢٥.\n(^٣) أخرجه البخاري، باب: كيف كان بدء الوحي، رقم (٣).\n(^٤) الكواكب الدراري، ١/ ١٤١.","vol":"1","page":441},{"text":"ومن ذلك رويدك، في حديث: «أَتَى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ وَمَعَهُنَّ أُمُّ سُلَيْمٍ فَقَالَ وَيْحَكَ يَا أَنْجَشَةُ رُوَيْدَكَ سَوْقًا بِالْقَوَارِيرِ …» (^١).\nقال الكرماني: «رويدك اسم فعل بمعنى أمهل، والكاف حرف للخطاب ليس منصوبا ولا مجرورا» (^٢).\nومن ذلك بيان اسم الفعل (مَهْ) ومثاله في حديث السيدة عائشة ﵂ أن النبي ﷺ، «دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ قَالَ «مَنْ هَذِهِ». قَالَتْ فُلَانَةُ. تَذْكُرُ مِنْ صَلَاتِهَا. قَالَ «مَهْ، عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ …» (^٣).\nقال الكرماني: «مه: الجوهري هي كلمة بنيت على السكون، وهي اسم سُمي به الفعل ومعناه اكفف فإن وُصلت نونته، فقلت مهٍ مهٍ يقال مهمهت به أي زجرته، التيمي: إذا دخله التنوين كان نكرة، وإذا حُذف كان معرفة، وهذا القسم من أقسام التنوين الذي يختص بالدخول على النكرة ليفصل بينها وبين المعرفة، فالمعرفة غير منون والنكرة منون» (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-290>رابعًا الاهتمام بالصرف:</span>\nبيّن الكرماني في شرحه بعض المسائل الصرفية، كالجمع، وميزان الفعل، والممنوع من الصرف، والمنسوب، وغيرها.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الأدب، بَاب: مَا يَجُوزُ مِنْ الشِّعْرِ وَالرَّجَزِ وَالْحُدَاءِ وَمَا يُكْرَهُ مِنْهُ، رقم (٥٧٧٣).\n(^٢) الكواكب الدراري، ٢٢/ ٢٢.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: الإيمان، باب: أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللهِ أَدْوَمُهُ، رقم (٤١).\n(^٤) الكواكب الدراري، ١/ ١٧٢.","vol":"1","page":442},{"text":"<span data-type='title' id=toc-291>١ - الاهتمام بالجمع:</span>\nمثال ذلك، قال في جمع: «قمص جمع القميص نحو رغيف ورغف ويجمع أيضًا على قمصان وأقمصة» (^١) وقال في جمع: حكيم (حكماء)، وقال في جمع: فقيه (فقهاء) (^٢).\nوهناك أمثلة كثيرة نبه فيها الكرماني على الجموع (^٣).\nكما أن الكرماني نبه على شواذّ الجمع، وهي الجموع التي «جاءت على خلاف القياس الذي ينبغي أن يجئ عليه الجموع» (^٤).\nقال البخاري: «بَاب دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ».\nقال الكرماني في جمع: (سنين) «قوله سنين جمع للسنة، وفيه شذوذان تغيير مفرده من الفتح إلى الكسر، وكونه غير علم عاقل، وحكمه أيضا مخالف لسائر الجموع في أنه يجوز فيه ثلاث أوجه أن يُعرب كالمسلمين وأن يُجعل نونه متعقب الإعراب منونا وغير منون منصرفا وغير منصرف» (^٥).\nوقال كذلك في جمع: (رهط).\n«رهطا أي جماعة وأصله الجماعة دون العشرة من الرجال، لا يكون فيهم\n_________\n(^١) السابق، ١/ ١١٩.\n(^٢) السابق، ٢/ ٣١.\n(^٣) السابق، ينظر: ١/ ١٠٤، ١/ ١١٩، ٢/ ٢٨، ٣/ ٣٣، ٤/ ٨، ٥/ ٧٠.\n(^٤) شرح شافية ابن الحاجب، الاسترباذي، ٢/ ٢٠٤ - ٢٠٥.\n(^٥) الكواكب الدراري، ٦/ ٩٩.","vol":"1","page":443},{"text":"امرأة وقيل دون الأربعين، والجمع أرهاط وأرهط» (^١).\nومن منهج الكرماني أنه كان يبين أقوال العلماء في بعض المسائل التي فيها جواز الانتقال عن أصل القاعدة.\nمثال ذلك:\nقد يُستعمل جمع القلة في موضع جمع الكثرة والعكس صحيح، ففي حديث الوضوء «ثلاث مرات» وفي لفظ «ثلاث مرار» فجاء به بصيغة جمع الكثرة ومرة بجمع القلة.\nقال الكرماني: «فإن قلت حكم العدد من ثلاثة إلى عشرة أن يضاف إلى جمع القلة فلم أضيف إلى جمع الكثرة مع وجود القلة وهو مرات؟\nقلت: هما يتعاوضان فيستعمل كل منهما مكان الآخر (^٢) كقوله تعالى ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-292>٢ - بيان ميزان الفعل:</span>\nاهتم الكرماني رحمه الله تعالى ببيان الميزان الصرفي للأفعال، مثال ذلك حديث: «قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ نَشَأَ قَامَ بِالْحَبَشِيَّةِ ﴿وِطَاءً﴾ قَالَ مُوَاطَأَةَ الْقُرْآنِ\n_________\n(^١) السابق، ١/ ١٢٩، وقال الاسترباذي في شرح شافية ابن الحاجب: «فأراهط جمع رَهْط، وكان ينبغي أن يكون جمع أرْهُطٍ، قيل: وجاء أرهط، … فهو إذًا قياس) ٢/ ٢٠٥.\n(^٢) ينظر: القول في المسألة، المفصل في صنعة الإعراب، الزمخشري، ص ٢٩٦ وشرح المفصل، ابن يعيش، ٤/ ١٥.\n(^٣) الكواكب الدراري، ٣/ ٧٤.","vol":"1","page":444},{"text":"أَشَدُّ مُوَافَقَةً لِسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَقَلْبِهِ ﴿لِيُوَاطِئُوا﴾ لِيُوَافِقُوا» (^١).\nقال الكرماني: «وِطاء بكسر الواو وبالهمزة بعد الألف على وزن فعال، ظاهر أنه بمعنى المواطأة، وبفتح الواو وسكون الطاء بمعنى الموَاطْأة غير قياسي» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-293>٣ - بيان الممنوع من الصرف:</span>\nالممنوع من الصرف: «وهو اسم معرب لا يدخله تنوين التمكين، ويجر بالفتحة نيابة عن الكسرة، إلا إذا أضيف أو أدخلته أل فإنه يجر بالكسرة» (^٣). مثاله: قال الكرماني في اسم: (جبريل) ﵇، ومنع الصرف فيه للتعريف والعجمة (^٤)» (^٥).\nوإن كان الاسم يحتمل المنع من الصرف وعدمه يذكره الكرماني، وينقل آراء العلماء في ذلك مثال ذلك اسم المكان (مِنى) «الجوهري: مِني مقصور موضع بمكة وهو مذكر يصرف، فإن قلت هو علم للبقعة فيكون غير منصرف، قلت لما استعمل منصرفا فاعلم أنهم جعلوه علما للمكان، النووي: فيه لغتان\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: التهجد، بَاب: قِيَامِ النَّبِيِّ ﷺ بِاللَّيْلِ وَنَوْمِهِ وَمَا نُسِخَ مِنْ قِيَامِ.\n(^٢) الكواكب الدراري، ٦/ ١٩٥.\n(^٣) التطبيق النحوي، الدكتور عبده الراجحي، ص ٣٩١.\n(^٤) والمعرفة: شرطها أن تكون علميّة، العجمة: شرطها أن تكون علميّة في العجميّة، وتحرّك الأوسط، أو زيادة على الثلاثة، الكافية في علم النحو، ابن الحاجب، ١/ ١٢.\n(^٥) الكواكب الدراري، ١/ ١٨٥.","vol":"1","page":445},{"text":"الصرف والمنع ولهذا يكتب بالألف والياء الأجود صرفها وكتائبها بالألف سميت بها لما يمني بها من الدماء أي يراق» (^١).\nوذكر الكرماني كذلك ما يجوز فيه المنع من الصرف من عدمه مثل: هند، وعفان، وذوي طُوى، وقباء (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-294>خامسًا الاهتمام بالبلاغة:</span>\nكثيرة هي الأمور البلاغية التي اهتم بها الكرماني، قال في مقدمة شرحه: «وتعرّضت لبيان خواصّ التراكيب، بحسب علم المعاني وإظهار أنواع التصرفات البيانية، من المجاز والاستعارة، والكناية والإشارة، إلى ما يُستفاد منها من القواعد الكلامية» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-295>١ - المجاز:</span>\n«والمجاز مَأْخُوذ من جَازَ الشَّيْء يجوزه أَي تعداه، وهُوَ اللَّفْظ الْمُسْتَعْمل فِي غير الْمَوْضُوع لَهُ لمناسبة بَينهمَا سَوَاء قَامَت قرينَة دَالَّة على عدم إِرَادَة الْمَوْضُوع لَهُ أَوْ لَا» (^٤).\nوتارة يُبين الكرماني ﵀ أن المقصود من اللفظ المعنى المجازي، وليس\n_________\n(^١) السابق، ٢/ ٥٠.\n(^٢) السابق، ينظر صفحات هذه الأمثلة على حسب ترتيبها المذكور، ٢/ ١٢٩،\n٣ - / ١٠٥، ٤/ ١٤٩، ٥/ ٧٥.\n(^٣) السابق، ١/ ٤.\n(^٤) دستور العلماء جامع العلوم في اصطلاحات الفنون، القاضي عبد النبي بن\nعبد الرسول الأحمد نكري، ٣/ ١٥٢.","vol":"1","page":446},{"text":"المعنى الحقيقي للفظ، من ذلك: أخرج البخاري في باب: من قعدَ حيث ينتهي بهِ المجلِسُ ومن رأى فرجة في الحلقة: «أنّ رسُولَ اللهِ ﷺ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ، إِذْ أَقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ … «أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللهِ، فَآوَاهُ اللهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحْيَا، فَاسْتَحْيَا اللهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ، فَأَعْرَضَ اللهُ عَنْهُ» (^١).\nقال الكرماني في قوله: «فآوى إلى الله) واعلم أن الإيواء وهو الإنزال عندك لا يُتصور في حق الله تعالى، وكذلك الاستحياء لأنه تغيّر وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يغم به، وكذا الإعراض لأنه التفات إلي جهة أخري فهي مجازاة عن لوازمها كإرادة إيصال الخير اللازمة للإيواء وترك العقاب، للاستحياء والإذلال للأعراض ونحو ذلك والقاعدة الكلية في هذه الإطلاقات التي لا يمكن حملها على ظواهرها أن يُراد بها غاياتها ولوازمها.\nفإن قلت ما العلاقة بين المعني الحقيقي والمعني المجازي. قلت اللزوم. فإن قلت ما القرينة الصارفة عن إرادة الحقيقة. قلت: العقل إذ لا يتصور عقلا صدورها عن الله تعالى … فإن قلت هذا من أي نوع من المجاز. قلت من باب المشاكلة (^٢)» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: العلم، رقم (٦٥).\n(^٢) المشاكلة: هي من المحسّنات المعنوية وهي ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته تحقيقا أو تقديرا، (موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، التهانوي،\n٢ - / ١٥٤٤.\n(^٣) الكواكب الدراري، ٢/ ٢٦.","vol":"1","page":447},{"text":"ومن ذلك حديث: «عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ قَالَ عَبْدُاللهِ ﵁ مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالًا وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» (^١) قال الكرماني: «وإطلاق الغضب على الله تعالى من باب المجاز، إذ المراد لازمه وهو إرادة إيصال العذاب» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-296>٢ - الكناية:</span>\nالكناية التَّوْرِيَةُ عن الشيء بأن يُعبَّر عنه بغيرِ اسمه، لضرب من الاستحسان، نحوَ قوله تعالى: ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥]، كنى به عن قَضاء الحَاجة، إذ كان أكْلُ الطعام سببًا لذلك (^٣).\nمثال على ذلك، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] قال الكرماني: «فإن قلت: هذا الكلام من أي الأساليب إذ النسيان ممتنع على الله ﷾؟ قلت: هو من أسلوب التجوّز أطلق الملزوم وأراد اللازم، إذ نسيان الشيء مستلزم لتركه. فإن قلت لم ما قلت إنه كناية، قلت: لأن شرط الكناية إمكان إرادة معناه الأصلي، وهنا ممتنع وشرطه أيضا المساواة في الملزوم وههما الترك، ليس مستلزما للنسيان إذ يكون الترك بالعمد هذا عند أهل المعاني، وأما عند الأصولي فالكناية أيضا نوع من المجاز» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الرهن، بَاب: إذَا اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ وَنَحْوُهُ فَالْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، رقم (٢٣٤٩).\n(^٢) الكواكب الدراري، ١١/ ٧٢.\n(^٣) شرح المفصل لابن يعيش، ٣/ ١٦٥.\n(^٤) الكواكب الدراري، ٥/ ١٣٥.","vol":"1","page":448},{"text":"ومن ذلك حديث: «عن أبي هريرة ﵁ قال قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ وَسُلْسِلَتْ الشَّيَاطِينُ» (^١).\nقال الكرماني مبينًا معنى فتح أبواب السماء، وغلق أبواب جهنم: «فتح أبواب السماء كناية من تنزيل الرحمة وإزالة الغلق عن مصاعد أعمال العباد، تارة ببذل التوفيق وأخرى بحسن القبول و(غلق أبواب جهنم) كناية عن تنزّه أنفس الصوّام عن رجس الفواحش والتخلص من البواعث على المعاصي بقمع الشهوات» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-297>٣ - الحصر:</span>\nوهو القصر وهو إثبات الحكم للمذكور ونفيه عمّا عداه (^٣).\nوقد ذكر الكرماني الحصر في شرحه في حديث: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (^٤) قال الكرماني: «هذا التركيب مفيد للحصر اتفاقا من المحققين، أي لا عمل إلا بالنية فقيل لأن الأعمال جمع محكي باللام مفيد للاستغراق، وهو مستلزم للقصر\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتب: الصوم، بَاب: هَلْ يُقَالُ رَمَضَانُ أَوْ شَهْرُ رَمَضَانَ وَمَنْ رَأَى كُلَّهُ وَاسِعًا، رقم (١٧٨٠).\n(^٢) الكواكب الدراري، ٩/ ٨٤.\n(^٣) موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، محمد بن علي الحنفي التهانوي\n١ - / ٦٨٠.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب: بدء الوحي، باب: كيف كان بدءالوحي، رقم (١).","vol":"1","page":449},{"text":"إذ معناه كل عمل بالنية فلا عمل إلا بالنية، وإلا فلا يصدق كل عمل بالنية وأما إنما فلا تفيد إلا التأكيد وعليه بعض الأصوليين» (^١).\nثم ذكر الكرماني الخلاف فيه هل هو بالمنطوق، أم بالمفهوم؟ «وقيل إنما للحصر فقيل إنما إفادته له بالمنطوق، وقيل بالمفهوم ووجهه بأن إنّ للإثبات\nوما للنفي فيجب الجمع بينهما، وليس كلاهما متوجهين إلى المذكور، ولا إلى غير المذكور بل الإثبات متوجه إلى المذكور، والنفي إلى غير المذكور إذ لا قائل بالعكس اتفاقا» (^٢).\nومن ذلك حديث السيدة عائشة ﵂: «عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ إِنِّي لَأَعْلَمُ إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى قَالَتْ فَقُلْتُ مِنْ أَيْنَ تَعْرِفُ ذَلِكَ فَقَالَ أَمَّا إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً فَإِنَّكِ تَقُولِينَ لَا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى قُلْتِ لَا وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ قَالَتْ قُلْتُ أَجَلْ وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ مَا أَهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ» (^٣).\nقال الكرماني ناقلًا عن العلماء الحصر في قول السيدة عائشة ﵂ «مَا أَهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ» قال الطيبي (^٤): «هذا الحصر غاية من اللطف؛ لأنها أخبرت أنها\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١/ ١٧.\n(^٢) السابق، ١/ ١٧.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: النكاح، بَاب: غَيْرَةِ النِّسَاءِ وَوَجْدِهِنَّ، رقم (٤٨٩٩).\n(^٤) الحسين بن محمد بن عبدالله الطيبي الإمام المشهور، كان كريما متواضعا حسن المعتقد شديد الرد على الفلاسفة والمبتدعة مظهرا فضائحهم، وكان معظمًا للشريعة، مقبلًا على العلم، في استخراج دقائق القرآن والسنة النبوية، له شرح المشكاة، (ت ٧٤٣ هـ). الدرر الكامنة، ٢/ ١٨٥ - ١٨٦، وبغية الوعاة، ١/ ٥٢٢.","vol":"1","page":450},{"text":"إذا كانت في غاية الغضب الذي يسلب العاقل اختياره لا يغيرها عن كمال\nالمحبة المستغرقة ظاهرها وباطنها الممتزجة بروحها، وإنما عبّرت عن\nالترك بالهجران لتدل به على أنها تتألم من هذا الترك الذي لا اختيار لها. وقال الشاعر:\nإني لأمنحُكَ الصُدودَ وإنني … قَسَمًا إليكَ مع الصُّدودِ لأَمّيَلُ (^١)» (^٢)\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-298>المبحث الثالث\nمنهج الكرماني في تناول الأحكام الفقهية</span>\nيظهر اهتمام الكرماني في شرحه بالأحكام الفقهية، وعرض أدلتها ومناقشتها، مستدلًا بأقوال الفقهاء والأصوليين، مما يدل على سعة علمه واطلاعه ليس في علم الحديث فحسب بل في كل علوم الشريعة، ويُعد الإمام الكرماني رحمه الله تعالى من الفقهاء، فقد نقل عن الكرماني من أصحاب المصنفات في الفقه الشافعي الذين جاءوا من بعده نقلوا عنه من شرحه أمثال: نهاية المحتاج إلى شرح\n_________\n(^١) البيت من قصيدة للأَحْوص بن مُحمد الأنصاري، مطلعها، يا بيتَ عاتكةَ التي أتَعزلُ .... حَذَرَ العِدا وبه الفؤادُ موكَّلُ، ينظر: لباب الآداب، أبو منصور عبد الملك الثعالبي النيسابوري، ١/ ١٦٧،\n(^٢) الكواكب الدراري، ١٩/ ١٦٥، وينظر قول الطيبي في: شرح الطيبي على مشكاة المصابيح المسمى ب (الكاشف عن حقائق السنن) ٧/ ٢٣٢٨.","vol":"1","page":451},{"text":"المنهاج (^١)، لشمس الدين الرملي (^٢)، وفتوحات الوهاب بتوضيح شرح منهج الطلاب المعروف بحاشية الجمل (^٣)، لسليمان بن عمر الأزهري المعروف بالجمل (^٤) وكذلك: تحفة الحبيب على شرح الخطيب، حاشية البجيرمي (^٥) على الخطيب (^٦) وغيرها من المصنفات.\n_________\n(^١) ينظر: ٣/ ٩٢، ٣/ ٩٥، ٦/ ٥٤.\n(^٢) محمد بن أحمد بن حمزة، شمس الدين الرمليّ: فقيه الديار المصرية في عصره، ومرجعها في الفتوى. يقال له: الشافعيّ الصغير. نسبته إلى الرملة. ولي إفتاء الشافعية. وجمع فتاوى أبيه له: عمدة الرابح شرح على هدية الناصح في فقه الشافعية، و(غاية البيان في شرح زبد ابن رسلان وغاية المرام في شرح شروط الإمامة لوالده، ينظر: الإعلام، الزركلي، ٦/ ٧.\n(^٣) ينظر ١/ ٤٩٥، ٢/ ٢٥٦، ٣/ ٥٩٤.\n(^٤) سليمان بن عمر بن منصور العجيلي الأزهري، المعروف بالجمل، مفسر، من فقهاء الشافعية، مشارك في بعض العلوم، من أهل منية عجيل، وانتقل إلى القاهرة، وتفقه على شيوخ وقته، له حاشية على تفسير الجلالين، (ت ١٢٠٤ هـ) ينظر: معجم المفسرين، من صدر الإسلام وحتى العصر الحاضر، عادل نهويض، ١/ ٢١٧، وعمركحالة المؤلفين، عمر كحالة، ٤/ ٢٧١.\n(^٥) سليمان بن محمد بن عمر البجيرمي: فقيه مصري. ولد في بجيرم تعلم في الأزهر، ودرّس، وكف بصره. له (التجريد وهو حاشية على شرح المنهج في فقه الشافعية، و(تحفة الحبيب حاشية على شرح الخطيب، المسمى بالإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع، (ت ١٢٢١ هـ)، ينظر: الأعلام، الزركلي، ٣/ ١٣٣، ومعجم المؤلفين، ٤/ ٢٧٥.\n(^٦) ينظر: ٢/ ٤٢٠، ٣/ ٢٩٥.","vol":"1","page":452},{"text":"ويتلخص منهج الكرماني في تناوله للأحكام الفقهية بما يأتي:\n<span data-type='title' id=toc-299>١ - عرض الأقوال في المسألة الفقهية </span>وأدلة الفقهاء عليها.\n٢ - منهجه في ترجيح الأقوال.\n٣ - الاستدلال بالقواعد الفقهية.\n٤ - يعرض أقوال الفقهاء من غير الأئمة الأربعة.\n٥ - بيان عقيدة الأشاعرة.\n٦ - الرد على أهل الفِرق في العقيدة.\n٧ - بيان رأي الإمام البخاري الفقهي.\n٨ - بيان بعض الفوائد الفقهية.\n٩ - بيان بعض اللطائف الواردة في المتن.\n\n١ - عرض الأقوال في المسألة الفقهية:\nبعد أن يُنهي الإمام الكرماني كلامه فيما يتعلق بالسند، وغريب الحديث يبدأ بعرض أقوال الفقهاء المستنبطة من الحديث فتارة يعرض الأقوال في المسألة وينسبها إلى أصحابها من دون أن يرجح بينها وذلك عند نقله لأقوال العلماء في عدد الرضعات المحرمات «قال مالك (^١) وأصحاب أبي حنيفة (^٢) ﵃ قليل الرضاع وكثيره سواء في التحريم، وداود (^٣) وأبو ثور أقله ثلاث رضعات،\n_________\n(^١) ينظر الذخيرة للقرافي، ٤/ ٢٧٤.\n(^٢) ينظر بدائع الصنائع وترتيب الشرائع، لعلاء الدين الكاساني،/ ٧، والبناية شرح الهداية، لبدر الدين العيني، ٥/ ٢٥٨.\n(^٣) داود بن علي بن خلف، أبو سليمان البغدادي الإصبهاني، مولى المهدي، الفقيه الظاهري، رأس أهل الظاهر، سمع من إسحاق بن راهويه، ومن غيره، كان ورعًا ناسكًا وزاهدًا، (ت ٢٧٠ هـ)، ينظر: تاريخ الإسلام وَوَفيات المشاهير وَالأعلام، الذهبي، ٦/ ٣٢٧.","vol":"1","page":453},{"text":"والشافعي (^١) وأحمد (^٢) خمس رضعات وقد رُوي عن عائشة ﵂ أنها قالت كان فيما أُنزل علي رسول الله ﷺ عشر رضعات يُحرمن فنُسخت بخمس رضعات (^٣)».\nومرة ينقل الكرماني، قول أحد الفقهاء في حكم مسألة ما من دون أن يزيد عليه من ذلك القول في مسألة فك الضفيرة عند الاغتسال من الجنابة قال الكرماني ناقلا عن ابن بطال المالكي القول في المسألة «قال ابن بطال (^٤): اختلفوا في نقض المرأة شعرها للاغتسال، فرويَ عن ابن عمر أنه كان يأمر النساء بالنقض، وقال طاووس تنقض الحائض لا الجنب، وقال الجمهور (^٥) ليس عليها النقض مطلقًا، والمرأة إذا أوصلت الماء إلى أصول شعرها وعمته بالغسل أنها\nقد أدت ما عليها، وحجتهم حديث أم سلمة أنها قالت يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه للجنابة قال لا إنما يكفيك أن تحثي عليه ثلاث\n_________\n(^١) ينظر: الأم للشافعي، ٥/ ٢٨.\n(^٢) ينظر: الإرشاد إلى سبيل الرشاد، محمد البغدادي، ١/ ٣١٤.\n(^٣) أخرجه مسلم، كتاب: الرضاع، بَابُ: التَّحْرِيمِ بِخَمْسِ رَضَعَاتٍ، رقم (٢٤).\n(^٤) شرح ابن بطال على البخاري، ١/ ٤٧٧.\n(^٥) ينظر قول الفقهاء في المسألة، المبسوط، محمد بن أحمد السرخسي، ١/ ٤٥، والفواكه الدواني، ١/ ١٤٩، والحاوي الكبير، ١/ ٢٢٤، والكافي في فقه الإمام أحمد،\n١ - / ١١٤.","vol":"1","page":454},{"text":"حثيات (^١)، وحديث عائشة أصح إسنادًا غير أن العمل عند الفقهاء على حديث أم سلمة، وجمع حمّاد بين الحديثين فقال: إن كانت ترى أن الماء أصاب أصول الشعر أجزأ عنها، وإن كانت ترى أنه لم يصب فلتنقضه» (^٢).\nوقد اعتاد الفقهاء أن يقولوا عن حديث ما أنه أصل في مسألة كذا، أو العمدة في المسألة الفلانية، وقد ذكر الكرماني أن حديث أنصبة الزكاة، «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» (^٣).\nوقال أنه أصل في بيان مقادير الزكاة، وراح يذكر الحكم الفقهي في مقاديرالزكاة، المتفق عليه عند الفقهاء فقال: «وهذا الحديث أصل في بيان مقادير أنصبة الأموال التي تجب فيها الزكاة، فنصاب الفضة مائتا درهم، ونصاب الإبل خمسة ونصاب الحبوب والثمار التي توسق ستون صاعًا» (^٤).\n_________\n(^١) «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي فَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ؟ قَالَ: «لَا. إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ» أخرجه مسلم، كتاب: الحيض، بَابُ: حُكْمِ ضَفَائِرِ الْمُغْتَسِلَةِ، رقم (٥٨).\n(^٢) الكواكب الدراري، ٣/ ١٨٣ - ١٨٤.\n(^٣) أحرجه البخاري: كتاب: الزكاة، باب: مَا أُدِّيَ زَكَاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ، رقم (١٣٢٥).\n(^٤) ينظر: تحفة الفقهاء، السمرقندي، ١/ ٣٢٢، النهر الفائق، ١/ ٤٢١، ٤٣٧، وبداية المجتهد ونهاية المقتصد، ابن رشد القرطبي، ٢/ ١٦، والفواكه الدواني، ١/ ٣٢٧ و٣٤١، والمجموع للنووي، ٦/ ١٦، وحاشية البجيرمي على الخطيب، ٢/ ٣٣٨، والإرشاد إلى سبيل الرشاد، ١/ ١٣١.","vol":"1","page":455},{"text":"<span data-type='title' id=toc-300>٢ - منهجه في ترجيح الأقوال:</span>\nوتارة يبّين المسألة الفقهية ويقارن بين أقوال الفقهاء مرجحًا من كان دليله أقوى من ذلك كما فعل في أقوال العلماء في مسألة ترتيب أعمال يوم النحر بالنسبة للحاج.\nقال الكرماني: «واختلف العلماء في ترتيب هذه الأربعة على الترتيب المذكور، في أنه سنة لا شيء في تركه، أو واجب يتعلق الدم بتركه، إلى الأول ذهب الشافعي (^١) رحمه الله تعالى، وأحمد (^٢) وإلى الثاني ذهب مالك (^٣) وأبو حنيفة (^٤)؛ وأولو قوله لا حرج على رفع الإثم دون الفدية، والصحيح عدم الوجوب إذ لا حرج معناه لا شيء عليك مطلقًا من الإثم لا في ترك الترتيب ولا في ترك الفدية وقد صرح في بعض الروايات بتقديم الحلق على الرمي» (^٥).\nويؤكد الكرماني أدلة الفقهاء فيما اتفقوا وأجمعوا عليه، مبينًا وجه الاستدلال، من الدليل والقرائن وحسن الاستنباط وذلك في مسألة غسل الرجلين إلى الكعبين في الوضوء، في حديث ابن عمر ﵄ وفيه: «فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ». مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا» (^٦).\n_________\n(^١) ينظر الحاوي الكبير، ٤/ ١٩٢.\n(^٢) ينظر المغني، ابن قدامة، ٣/ ٣٩٧.\n(^٣) ينظر الفواكه الدواني، ١/ ٣٦٤.\n(^٤) ينظر النهر الفائق، ٢/ ١٣٠.\n(^٥) الكواكب الدراري، ٢/ ٦٤.\n(^٦) أخرجه البخاري، كتاب: العلم، باب: من رفع صوته بالعلم، رقم (٩٥).","vol":"1","page":456},{"text":"فقال ناقلا عن محيي السنة البغوي: «وفيه دليل على وجوب غسل الرجلين في الوضوء، وأقول وجه الاستدلال به أن الوعيد بالنار لعدم طهارتها، ولو كان المسح كافيًا لما أوعد من ترك غسل العقب بالنار، أو لأن من قال بالمسح قال بالوجوب مسح الأعقاب فدل على أن المراد الغسل، وإنما قال يمسح إشارة إلى تقليل استعمال الماء فيه وعدم الإسباغ، أو أراد بالمسح الغسل لما روى عن أبي زيد الأنصاري أنه قال المسح في كلام العرب قد يكون غسلًا ومنه يقال مسح الله ما بك أي غسل عنك وطهرك» (^١).\nثم يُكمل الكرماني ترجيح غسل الرجلين، بدليل التأويل، واللغة،\nوما نقله الصحابة عن النبي ﷺ في ذلك.\n«فإن قلت ظاهرة القرآن ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] بالخفض يدل على وجوب المسح عليهما.\nقلت: قراءة الجر تعارض قراءة النصب فلا بد من تأويل وتأويل الجر بأنه على المجاورة، كقولهم جُحر ضَب خرب أولى من تأويل النصب بأنه محمول على محل الجار والمجرور لأنه الموافق للسنة الثابتة الشائعة فيجب المصير إليه، وأخصر الاستدلالات عليه أن جميع من وصف وضوء رسول الله ﷺ في مواطن متعددة متفقون على غسل الرجلين» (^٢).\nوقد يبيّن الكرماني مراد الفقهاء من مسألة ما بالاستشهاد لها من حديث\n_________\n(^١) السابق، ٢/ ٨، وينظر: قول محيي السنة البغوي، في شرح السنة، ١/ ٤٢٩.\n(^٢) الكواكب الدراري، ٢/ ٨.","vol":"1","page":457},{"text":"آخر كما بين الحكم في مسألة الأكل في آواني الكفار: «فإن قلت قال الفقهاء: يجوز استعمال أوانيهم بعد الغسل بلا كراهة؛ سواء وجد غيرها أم لا، وهذا يقتضي كراهة استعمالها إن وجد غيرها (^١) قلت: المراد النهي في الآنية التي كانوا يطبخون فيها لحوم الخنازير ويشربون فيها الخمور، وإنما نهى عنها بعد الغسل للاستقذار وكونها معتادة للنجاسة، ومراد الفقهاء أواني الكفار التي ليست مستعملة في النجاسات غالبًا وذكره أبو داود (^٢) في سننه صريحًا» (^٣).\nومن القرائن التي كان يستشهد بها الكرماني في ترجيح الأقوال، هي تفسير الراوي للحديث، أو بيان لفظة منه، لأنه أدرى بها، قال أبو الحسن الآمدي (^٤)، وهو يتكلم عن الترجيحات العائدة إلى أمر خارج: «… الثالث عشر: أن يقترن بأحد الخبرين تفسير الراوي بفعله أو قوله، فإنه يكون مرجحا\n_________\n(^١) ينظر أقوال الفقهاء في المسألة، مواهب الجليل في شرح مختصر خليل، شمس الدين أبو عبدالله محمد الرُّعيني المالكي، ١/ ١٢٢، المجموع، النووي، ١/ ٢٦١، والكافي في فقه الإمام أحمد، ابن قدامة، ١/ ٤٧.\n(^٢) أخرج أبو داوود في سننه، كتاب: الأطعمة، بَابُ: الْأَكْلِ فِي آنِيَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ، رقم (٣٨٣٨)، «عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَنُصِيبُ مِنْ آنِيَةِ الْمُشْرِكِينَ، وَأَسْقِيَتِهِمْ فَنَسْتَمْتِعُ بِهَا، فَلَا يَعِيبُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ»».\n(^٣) الكواكب الدراري، ٢٠/ ٨٠.\n(^٤) علي بن أبي علي بن محمد بن سالم الثعلبي، أبو الحسن الآمدي، أحد أذكياء العالم، كان حنبيليًا، ثم تحول إلى مذهب الشافعي، تفنن في علم النظر وأحكم الأصلين والفلسفة وسائر العقليات، له مصنفات كثيرة، منها: الإحكام في أصول الفقه، والأبكار في أصول الدين، (ت ٦٣١ هـ)، طبقات الشافعية الكبرى، السبكي، ٨/ ٣٠٦، ٣٠٧.","vol":"1","page":458},{"text":"على ما ليس كذلك؛ لأن الراوي للخبر يكون أعرف وأعلم بما رواه» (^١).\nمثاله، أخرج البخاري: (عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ وَكَانَ بَيْعًا يَتَبَايَعُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ الرَّجُلُ يَبْتَاعُ الْجَزُورَ إِلَى أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ ثُمَّ تُنْتَجُ الَّتِي فِي بَطْنِهَا» (^٢).\nقال الكرماني: «واختفوا في المراد منه، فقال الشافعي: هو البيع بثمن مؤجل إلى أن تلد الناقة، ويلد ولدها، وهو ما فسر به ابن عمر، وقيل هو بيع ولد ولد الناقة وهذا أقرب لفظا، لكن الأول أقوى؛ لأنه تفسير الراوي وهو أعرف به، قال المحققون تفسير الراوي مقدم إذا لم يخالف الظاهر» (^٣).\nفقول ابن عمر وهو تفسير الراوي (كَانَ الرَّجُلُ يَبْتَاعُ الْجَزُورَ إِلَى أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ ثُمَّ تُنْتَجُ الَّتِي فِي بَطْنِهَا) وهو الذي رجحه الشافعي.\nومن ذلك ترجيح تفسير الراوي في معنى القزع، «وهو أن يحلق رأس الصبي ويترك في مواضع منه الشعر متفرقا» (^٤).\nومن القرائن التي كان يعتمدها في ترجيح الأقوال هو: زيادة الثقة، مثاله:\n_________\n(^١) الإحكام في أصول الأحكام، لأبي الحسن، علي الآمدي، ٤/ ٢٦٧، والاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار، لأبي بكر محمد الحازمي الهمداني، ص ١٨.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: البيوع، بَاب: بَيْعِ الْغَرَرِ وَحَبَلِ الْحَبَلَةِ، رقم (٢٠١٢).\n(^٣) الكواكب الدراري، ١٠/ ٢٨.\n(^٤) السابق، ٢١/ ١٢١، وينظر تهذيب اللغة في معنى القزع، فقد بين الهروي المعنى الذي ذكره أبو عبيد في الحديث، ١/ ١٢٧.","vol":"1","page":459},{"text":"أخرج البخاري: عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ، وَأَنْ يُوتِرَ الإِقَامَةَ، قَالَ إِسْمَاعِيلُ: فَذَكَرْتُ لأَيُّوبَ، فَقَالَ: إِلاَّ الإِقَامَةَ» (^١).\nقال الكرماني مرجحًا إفراد الإقامة: «فقال إلا الإقامة أي زاد في آخر الحديث هذا الاستثناء.\nقال المالكية: عمل أهل المدينة خلفًا عن سلف على إفراد الإقامة، ولو صحت زيادة أيوب، وما رواه الكوفيون من تثنية الإقامة جاز أن يكون ذلك في وقت ما، ثم ترك العمل به أهل المدينة على الآخر الذي استقر الأمر عليه. والجواب: أن زيادة الثقة مقبولة وحجة بلا خلاف، وأما عمل أهل المدينة فليس بحجة، مع أنه معارض بعمل أهل مكة وهي مجمع المسلمين في المواسم وغيرها» (^٢).\nالحاصل أن الحديث ذكر أن الإقامة تكون وترًا، إلا لفظ قد قامت الصلاة فإنه يكرره مرتين للزيادة التي ذكرها أيوب: إلا الإقامة.\nيقول الإمام الخطابي في معالم السنن عن إفراد الإقامة: «وهو مذهب أكثر علماء الأمصار، وجرى به العمل في الحرمين والحجاز وبلاد الشام، واليمن وديار مصر ونواحي المغرب إلى أقصى حجر من بلاد الإسلام. وهو قول الحسن البصري ومكحول، والزهري ومالك والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الأذان، بَابُ: الإِقَامَةُ وَاحِدَةٌ إِلاَّ قَوْلَهُ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، رقم (٥٨٤).\n(^٢) الكواكب الدراري، ٥/ ٦ - ٧.","vol":"1","page":460},{"text":"وإسحاق بن راهويه وغيرهم» (^١).\nومن القرائن التي يستدل بها الكرماني في مناقشة الآراء الفقهية وترجيح بعضها على بعض هو مخالفة الراوي لما رواه (^٢).\nفذهب الحنفية إلى أن القول قول الراوي، وذهب غيرهم أن العمل بالخبر، وترك مخالفة الراوي (^٣).\nمثاله: أخرج البخاري:\n«عن عائشة ﵂ قالت الصلاة أول ما فرضت ركعتين فأقرت صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر قال الزهري فقلت لعروة ما بال عائشة تتم قال تأولت\nما تأول عثمان» (^٤).\nبين الكرماني أن الحنفية استدلوا من حديث السيدة عائشة ﵂، على وجوب قصر صلاة المسافر (^٥)، فرد عليهم وقال: «لا دلالة فيه لأنهم لو كان\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١/ ١٥٢.\n(^٢) سيأتي الكلام عن حكم مخالفة الراوي لماروى في قسم العلل.\n(^٣) نفائس الأصول في شرح المحصول شهاب الدين القرافي، ٧/ ٢٩٩٧.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب: التقصير، باب: يقصر إذا خرج من موضعه، رقم (١٠٣٣).\n(^٥) شرح مختصر الطحاوي، لأبي بكر الرازي الجصاص، ٢/ ٩١. وقال الجمهور بعدم وجوب قصر الصلاة في السفر، وأن الأصل هو الإتمام، والقصر رخصة، والقصر سنة عند المالكية، والقصر أفضل عند الشافعية، والحنابلة ينظر: مواهب الجليل في شرح مختصر خليل، شمس الدين، شمس الدين الحطاب الرُعيني، المجموع، النووي، ٤/ ٣٢١، الكافي في فقه الإمام أحمد، ابن قدامة المقدسي، ١/ ٣٠٩.","vol":"1","page":461},{"text":"الحديث مجرى على ظاهره لما جاز لعائشة ﵂ إتمامها ثم أنه خبر واحد لا يعارض لفظ القرآن وهو (أن تقصروا من الصلاة) الصريح في أنها كانت في الأصل زائدة عليه إذ القصر معناه التنقيص ثم إن الحديث مخصص بالمغرب والصبح وحجية العام المخصص مختلف فيها ثم إن راوية الحديث عائشة وقد خالفت روايتها وإذا خالف الراوي روايته لا يجب العمل بروايته عندهم» (^١).\nومن منهج الكرماني كذلك أنه كان يرد على من ضعّف قول الشافعي، من غير الشافعية من ذلك (حكم الصلاة في مرابض الغنم) في حديث: «عَنْ أَنَسٍ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، ثُمَّ سَمِعْتُهُ بَعْدُ يَقُولُ كَانَ يُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ قَبْلَ أَنْ يُبْنَى الْمَسْجِدُ» (^٢).\nقال الكرماني ناقلًا عن ابن بطال المالكي: «قال ابن بطال: قال الشافعي\nلا أكره الصلاة في مرابض الغنم إذا كان سليمًا من أبوالها وأبعارها (^٣)، قال وهذا الحديث حجة على الشافعي (^٤) لأن قول أنس كان يصلي في المرابض لم يخص مكانًا من مكان، ومعلوم أن مرابضها لا تسلم من الأبوال والأبعار فدلَّ على أن الأبوال والأبعار طاهرة (^٥).\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٦/ ١٦٥.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الصلاة، باب: الصلاة في مرابض الغنم، رقم (٤٢١).\n(^٣) ينظر الحاوي الكبير، ١/ ٢٠٦.\n(^٤) يقصد ابن بطال أن الحديث حجة على الشافعي بطهارة بول وروث مأكول اللحم، الذي قال الشافعي بنجاسته.\n(^٥) هذا على رأي المالكية الذين يقولون بطهارة بول وروث الحيوان مأكول اللحم وهو رأي الحنابلة ومحمد بن الحسن وزفر من الحنفية قالوا بطهارتهما في حياة الحيوان أو بعد ذكاته، وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أن بول ما يؤكل لحمه نجس نجاسة خفيفة، أما روثه فهو عند أبي حنيفة نجس نجاسة غليظة، وعند أبي يوسف نجاسته خفيفة، وذهب الشافعية إلى أن بول الحيوان المأكول اللحم نجس وكذلك روثه، وكذا ذرق الطير، ينظر الموسوعة الفقهية الكويتية، ٤٠/ ٩٠/ ٩١.","vol":"1","page":462},{"text":"أقول أي الكرماني ليس حجة عليه لأن عدم السلامة منهما ظاهر، والأصل الطهارة وقد تقرر في موضعه أن الأصل والظاهر إذا تعارضا تقدم الأصل، ثم إنه لم يدل على عدم الحائل بين المصلي وبين الأرض، فقد يفرش عليها نحو السجادة ثم يصلي عليها، أو أن نجاستها ووجوب احتراز المصلي عن النجاسة معلومة من دليل آخر» (^١).\nوأوحيانًا يبيّن أن الحديث حجة على من خالفه الرأي، من ذلك عند الكلام عن الحكم في: (بداية وقت العصر) قال البخاري: «عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ ثُمَّ يَخْرُجُ الإِنْسَانُ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَنَجِدُهُمْ يُصَلُّونَ الْعَصْرَ» (^٢) قال الكرماني: «قال النووي (^٣): كان رسول الله ﷺ يعجل فى كونها أول وقتها ولعل تأخيرهم لكونهم كانوا أهل أعمال فى زروعهم وحوائطهم فإذا فرغوا من أعمالهم تأهبوا للصلاة بالطهارة وغيرها، ثم اجتمعوا لها فتتأخر صلاتهم إلى وسط الوقت.\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٤/ ٩١.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: مواقيت الصلاة، باب: وقت العصر، رقم (٥٢٤).\n(^٣) في شرحه على مسلم، ٥/ ١٢٢ - ١٢٣.","vol":"1","page":463},{"text":"قال وهذا الحديث حجة على الحنفية حيث قالوا لا يدخل وقت العصر حتى يصير ظل الشاء مثليه (^١)» (^٢).\nوكان الكرماني رحمه الله تعالى يُبيّن أدلة الشافعية وحجتهم في المسألة، مختصرًا القول في المسألة بعد عرض أقوال الأئمة، من ذلك بيان حكم البسملة هي من الفاتحة أم لا؟ في حديث النبي ﷺ: «عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» (^٣).\nقال الكرماني: «واستدل به مالك وغيره (^٤) ممن يقول أن البسملة ليست من الفاتحة وأوّله الشافعي بأن معناه كانوا يبتدئون الصلاة بقراءة الفاتحة قبل السور، فالمراد بيان السورة ابتُدئ بها، وليس معناه أنهم كانوا لا يقرأون بسم الله إذ هو كما يقال قرأت البقرة وآل عمران، ويُراد السورة التي يُذكر فها البقرة وآل\n_________\n(^١) ينظر: النهر الفائق شرح كنز الدقائق، ورأي الجمهور أن وقت العصر يبدأ إذا صار ظل كل شيء مثله، ينظر: التاج والإكليل، ٢/ ١٩، والأم للشافعي، ١/ ٩١، والكافي في فقه الإمام أحمد، ١/ ٨٨.\n(^٢) الكواكب الدراري، ٤/ ١٩٥.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: الآذان، باب: مَا يَقُولُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ، رقم (٧١٢).\n(^٤) ينظر: شرح التلقين، محمد بن علي المازري، ١/ ٥٧٣، ووافق الحنابلة رأي المالكية، ينظر المغني لابن قدامة، ١/ ٣٤٦، ويرى الأحناف أنه يُسن أن تُقرأ البسملة سرًا في الصلاة الجهرية والسرية. ينظر البناية شرح الهداية، ٢/ ١٩٢، وقال الشافعية أنها آية من الفاتحة ويجب قراءتها في الصلاة، يُجهر بها في الصلاة الجهرية، ويُسر بها في الصلاة السرية، ينظر: المجموع، ٣/ ٣٣٤.","vol":"1","page":464},{"text":"عمران مع قطع النظر عن حكم البسملة وقد قامت الأدلة على أن البسملة منها» (^١).\nوكان يعبر عن رأي السادة الشافعية بقوله ومذهبنا (^٢)، وبقوله مذهب أصحابنا (^٣)، وتارة يقول: قال أصحابنا الشافعية (^٤)، أو إذا أراد أن ينقل عن علماء المذهب الشافعي يقول: قال بعض أصحابنا (^٥).\nوكان من منهج الكرماني رحمه الله تعالى يعرض أقوال العلماء في المعنى المقصود من الحديث، ثم يُرجّح أحيانًا مايراه أقوى، مثاله:\nأخرج البخاري: «عن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْكُتُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَبَيْنَ الْقِرَاءَةِ إِسْكَاتَةً قَالَ أَحْسِبُهُ قَالَ هُنَيَّةً فَقُلْتُ بِأَبِي وَأُمِّي\nيَا رَسُولَ اللهِ إِسْكَاتُكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ مَا تَقُولُ قَالَ أَقُولُ اللهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ اللهُمَّ نَقِّنِي مِنَ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ اللهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ» (^٦).\nقال الكرماني: «و(البرد) بفتح الراء هو أيضا هو حب الغمام. فإن قلت\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٥/ ١١١.\n(^٢) الكواكب الدراري: ٢/ ٢١٢، ٢/ ٢١٤، ٤/ ٤٦، ٦/ ٦.\n(^٣) السابق، ١/ ٢٠٥.\n(^٤) السابق، ٤/ ٤٧، ١/ ١٥٨.\n(^٥) السابق، ١/ ١٦٨، ٢/ ٢١٢، ٣/ ١٣١.\n(^٦) أخرجه البخاري، كتاب: الأذان، باب: مَا يَقُولُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ، رقم (٧١٣).","vol":"1","page":465},{"text":"الغسل البالغ إنما يكون بالماء الحار فلم ذكر ذلك.\nفنقل أقوال العلماء في المعنى أن ذلك هو للمبالغة في التطهير وهو قول محيي السنة، أو أنهما مبالغة في التطهير وأن والثلج والبرد ماءان لم تمسهما الأيدي ولم يمتهنهما إستعمال فكان ضرب المثل بهما أوكد، وهو قول الخطابي، أو أن أنواع هذه المطهرات من السماء لايمكن الحصول على الطهارة الكاملة إلا بأحدها لأن المغفرة أنواع، فطهرني يارب من الخطايا بأنواع مغفرتك التي هي في تمحيص الذنوب بمثابة هذه الأنواع الثلاثة في إزالة الأرجاس ورفع الأحداث، وهو قول التوربشتي، أو أن ذكر الثلج والبَردَ بعد الماء، هو طلب شمول الرحمة بعد المغفرة، وهو قول الطيبي.\nثم رجح الكرماني فقال أن الأقرب أن الخطايا موجبة لنار جهنم، فعبّر عن إطفاء حرارتها بالماء، وبالغ في استعمال ما هو أبرد من الماء على الترتيب الثلج ثم البَرَد لجموده (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-301>٣ - الاستدلال بالقواعد الفقهية:</span>\nكما أن الإمام الكرماني رحمه الله تعالى كان يستدل بالقواعد الفقهية في عرضه للآراء الفقهية\nتعريف القاعدة الفقهية: بمعنى الضابط، وهي الأمر الكلي المنطبق على جميع جزئياته، فالقاعدة: قضية كلية يدخل تحتها جزئيات كثيرة، وتحيط بالفروع والمسائل من الأبواب المتفرقة» (^٢).\n_________\n(^١) ينظر الكواكب الدراري، ٥/ ١١٢.\n(^٢) القواعد الفقهية وتطبيقاتها على المذاهب الأربعة، د. محمد مصطفى الزحيلي، ١/ ١٩.","vol":"1","page":466},{"text":"من ذلك في حديث: «عَبْدِاللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي الْمَسْجِدِ فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ «دَعُوهُ وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ، أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ …» (^١).\nفبيّن الكرماني في قاعدة ارتكاب أخف الضررين في قول النبي ﷺ دعوه: «وفيه دفع أعظم الضررين (^٢) باحتمال أخفهما، وقال العلماء كان قول النبي ﷺ دعوه لمصلحتين إحداهما: أنه لو قطع عليه بوله لتضرر به، وأصل التنجيس قد حصل فكان احتمال زيادته أولى من إيقاع الضرر به، والثانية أن التّنجيس قد حصل في جزء يسير من المسجد، فلو أقاموه أثناء بوله لتنجست ثيابه وبدنه ومواضع كثيرة في المسجد» (^٣).\nومن ذلك قاعدة: (الضرورات تبيح المحظورات) (^٤) في استثناء\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الوضوء، باب: صب الماء على البول في المسجد، رقم (٢١٩).\n(^٢) وتوضيح هذه القاعدة: إن الشريعة جاءت لمنع المفاسد، فإذا وقعت المفاسد فيجب دفعها ما أمكن، وإذا تعذر درء الجميع لزم دفع الأكثر فسادًا فالأكثر، لأن القصد تعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان، فإذا اضطر إنسان لارتكاب أحد الفعلين الضارين، دون تعيين أحدهما، مع تفاوتهما في الضرر أو المفسدة، لزمه أن يختار أخفهما ضررًا ومفسدة، القواعد الفقهية وتطبيقاتها في المذاهب الأربعة د. محمد مصطفى الزحيلي، ١/ ٢٢٦.\n(^٣) الكواكب الدراري، ٣/ ٢١٩.\n(^٤) ومعنى هذه القاعدة: والضرورة هي بلوغ الحد الذي إذا لم يتناول معه، الممنوع حصل الهلاك للمضطر أو قريب منه، كفقد عضو أو حاسة من الحواس، فهذه هي الضرورة الشرعية ويشترط في هذه القاعدة نقصان المحظورات عن الضرورات، فإن لم ينقص المحظور فلا يباح، القواعد الفقهية وتطبيقاتها في المذاهب الأربعة د. محمد مصطفى الزحيلي، ١/ ١٧٦، وانظر: شرح القواعد الفقهية أحمد بن الشيخ محمد الزرقا، ص ١٨٥.","vol":"1","page":467},{"text":"النبي ﷺ، شجر الإذخر إذ جعله النبي ﷺ حلالًا بقطعه من مكة لعدم استغناء الناس عنه، قال الكرماني: «لما علم أنه محتاج إليه استثنى بحكم الضرورات تبيح المحظورات» (^١).\nومن ذلك العمل بقاعدة: (إذا ضاق الأمراتسع) (^٢) القول في الذبابة التي علق برجليها النجاسة ثم وقعت على ثوب الرجل، قال الكرماني: «وقال سفيان الثوري لم نجد في أمر الماء إلا السعة وقال الربيع بن سليمان: وسئل الشافعي عن الذبابة تقع في النتن ثم تطير وتقع على ثوب الرجل، فقال: يجوز أن يكون في طيرانها ماييبّس ما برجلها فإن كان كذلك، وإلا فالشيء إذا ضاق اتسع» (^٣).\nومنه العمل بقاعدة: (اليقين لا يزول بالشك) (^٤)، في حديث: «عَنْ عَبَّادِ\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٢/ ١٢٤.\n(^٢) ومعنى هذه القاعدة: إذا ظهرت مشقة في أمر فإنه يرخص فيه ويوسع، وهذه القاعدة قريبة المعنى من قاعدة: المشقة تجلب التيسير ومتفرعة عنها، والأصل فيها قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، القواعد الفقهية وتطبيقاتها في المذاهب الأربعة د. محمد مصطفى الزحيلي، ١/ ١٧٢.\n(^٣) الكواكب الدراري، ٣/ ٧١.\n(^٤) ومعنى هذه القاعدة: من شك هل فعل شيئًا أو لا، فالأصل أنه لم يفعله، ومن تيقن الفعل وشك في القليل أو الكثير عمل على القليل، لأنه المتيقن، والثابت باليقين\nلا ينتقض إلا بيقين مثله، القواعد الفقهية وتطبيقاتها في المذاهب الأربعة د. محمد مصطفى الزحيلي، ١/ ٩٦.","vol":"1","page":468},{"text":"ابْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ قَالَ شُكِيَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ الرَّجُلُ يَجِدُ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا أَيَقْطَعُ الصَّلَاةَ قَالَ لَا حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَفْصَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ لَا وُضُوءَ إِلَّا فِيمَا وَجَدْتَ الرِّيحَ أَوْ سَمِعْتَ الصَّوْتَ» (^١).\nقال الكرماني قوله: «وشيئا أي وسوسة في بطلان الوضوء وحاصله أن يقين الطهارة لا يزول بالشك بل يزول بيقين الحدث» (^٢).\nوهناك قواعد فقهية كان الكرماني يلتزمها في شرحها وإن لم يسميها، ولكنّ السياق يدل عليها، مثل قاعدة، (الأصل بقاء ما كان على ما كان) (^٣) وذلك عند الكلام عن ثبوت شهر رمضان وتعذرت رؤية الهلال فيصار إلى التقدير، قال الكرماني: «واختلفوا في هذا التقرير فقيل: معناه قدّروا عدد\nالشهر الذي كنتم فيه ثلاثين يوما إذ الأصل بقاء الشهر، وهذا هو المرضي\nعند الجمهور وقيل قدّروا له منازل القمر وسيره، فإن ذلك يدل على أن الشهر تسعة وعشرون أو ثلاثون، فقالوا هذا خطاب لمن خصه الله بهذا العلم والوجه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: البيوع، بَاب: مَنْ لَمْ يَرَ الْوَسَاوِسَ وَنَحْوَهَا مِنْ الشُّبُهَاتِ، رقم (١٩٣٠).\n(^٢) الكواكب الدراري، ٩/ ١٨٨.\n(^٣) ومعنى هذه القاعدة: أن الواقع أو الحكم الذي ثبت في الزمان الماضي، ثبوتًا أو نفيًا، يبقى على حاله، ولا يتغير ما لم يوجد دليل يغيره، أو أن الأس والمعيار في الأمور المتأخرة أن تبنى على الأمور المتقدمة، القواعد الفقهية وتطبيقاتها في المذاهب الأربعة د. محمد مصطفى الزحيلي، ١/ ١٢٩.","vol":"1","page":469},{"text":"هو الأول» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-302>٤ - يعرض أقوال الفقهاء من غير الأئمة الأربعة:</span>\nيذكر الكرماني أحيانًا أقوال الظاهرية، ويرد عليهم من ذلك عند الكلام عن حكم من صلى في ديار ثمود وهو غير باك، قال الكرماني ناقلًا عن ابن بطال:\n«هذا هو من جهة التشاؤم بالبقعة التي نزل بها سخط وقد تشاءم ﷺ بالبقعة التي نام عن الصلاة فيها ورحل عنها ثم صلى، فكراهته الصلاة في موضع الخسف أولى لا أن إباحته ﷺ الدخول فيه على وجه البكاء والاعتبار يدل على أن من صلى هناك لا تفسد صلاته؛ لأن الصلاة موضع بكاء واعتبار، وزعم الظاهرية أن من صلى في بلاد ثمود وهو غير باك فعليه سجود السهو، إن كان ساهيًا، وإن تعمد ذلك بطلت صلاته (^٢)، قال وهذا خلف من القول إذ ليس في الحديث ما يدل على فساد صلاة من لم يبك وإنما فيه خوف نزول العذاب\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٩/ ٥٨.\n(^٢) إلا أن ابن حزم قال بجواز الصلاة في مواضع الخسف، المحلى، ٢/ ٤٠٠، وقال ابن عبد البر في التمهيد: «وكل ما روي في هذا المعنى من النهي عن الصلاة في المقبرة، وبأرض بابل وفي الحمام وفي أعطان الإبل والخروج من ذلك الوادي وغير ذلك مما في هذا المعنى مما قد تقدم ذكرنا له كل ذلك عندنا منسوخ ومدفوع بعموم قوله ﷺ جعلت لي الأرض كلها مسجدا وطهورا، وقوله هذا ﷺ مخبرا أن ذلك من فضائله، ومما خص به وفضائله عند أهل العلم لا يجوز عليها النسخ ولا التبديل، ولا النقص) ٥/ ٢١٨، وحكم الصلاة عند الفقهاء أن الصلاة صحيحة مع الكراهة، ينظر الموسوعة الفقهية الكويتية، ٣/ ١١٤.","vol":"1","page":470},{"text":"به» (^١).\nومن ذلك: عند الكلام عن حكم البول في الماء الراكد، ينقل عن العلماء قول الظاهرية في المسألة فيقول: «وقالوا ولم يأخذ أحد من الفقهاء بظاهر الحديث إلا داود الظاهري؛ فإنه قال النهي مختص بالبول والغائط، ليس كالبول ومختص ببول نفسه وجائز لغير البائل أن يتوضأ بما بال فيه غيره! وجاز أيضا للبائل إذا بال في إناء ثم صبه في الماء، أو بال بقرب الماء وجرى إليه (^٢) وهذا من أقبح ما نقل عنه في الحمل على الظاهر!» (^٣).\nكما أن الكرماني كان يرد على بعض أهل الفِرَق كالشيعة في مذهبهم الفقهي، فعند الكلام عن نكاح المتعة قال الكرماني: «والعجب من الشيعة أنهم يُجوّزون نكاح المتعة وراوي النهي (^٤) عنها علي رضي الله تعالى عنه» (^٥).\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٤/ ٩٥.\n(^٢) ينظر قول الظاهرية في المحلى بالآثار، لابن حزم الظاهري، ١/ ١٤٥، والعجيب بقول ابن حزم أنه قال كذلك: «فلوأراد ﵇ أن ينهى عن ذلك غير البائل لما سكت عن ذلك عجزا ولا نسيانا ولا تعنيتا لنا بأن يكلفنا علم ما لم يبده لنا من الغيب!».\n(^٣) الكواكب الدراري، ٣/ ٩٣.\n(^٤) والحديث هو «عَنْ عَلِيَّ ﵁ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْمُتْعَةِ عَامَ خَيْبَرَ وَلُحُومِ حُمُرِ الإِنْسِيَّةِ» أخرجه البخاري، كتاب: الصيد والذبائح، باب: لُحُومِ الْحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ، رقم (٥١٧٦).\n(^٥) الكواكب الدراري، ٢٤/ ٧٨.","vol":"1","page":471},{"text":"كما أنه يذكر رأي الخوارج الفقهي، فقال عن طائفة منهم أنهم يوجبون على الحائض قضاء الصلاة وقت الحيض خلاف الإجماع (^١)، وعدم جواز المسح على الخفين لأن القرآن لم يقل به، كما هو رأي الشيعة الذين يقولون أن عليًا ﵁ امتنع منه (^٢).\nوقد بيّن الكرماني اتفاق علماء السنة (^٣) على سنية واستحباب المسح على الخفين، للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام.\nومن منهج الإمام الكرماني رحمه الله تعالى أنه كان يبين رأي هذه الفِرق العَقدي ويرد عليهم من منظور أهل السنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-303>٥ - بيان عقيدة الأشاعرة:</span>\nكما مرّ في ترجمة الإمام الكرماني أنه على مذهب أهل السنة «الأشاعرة» فقد قال في ترجمة الصحابي الجليل أبو موسى الأشعري «والشيخ أبو الحسن الأشعري الذي هو إمام أهل السنة من نسله» (^٤).\nمن منهج الكرماني رحمه الله تعالى، أنه كان يقرر مذهب الأشاعرة، في عدة أمور منها:\n_________\n(^١) ينظر: الإجماع، ابن المنذر، ص ٣٧.\n(^٢) الكواكب الدراري، ٣/ ٥١.\n(^٣) ينظر: النهرالفائق، ابن نُجيم، ١/ ١١٥، والتاج والإكليل، محمد بن يوسف، ١/ ٤٦٥، المجموع، النووي، ١/ ٤٧٦، والكافي في فقه الإمام أحمد، ابن قدامة، ١/ ٧١. وقد نقل ابن المنذر الإجماع في جواز المسح على الخف، الإجماع، ص ٣٥.\n(^٤) الكواكب الدراري، ١/ ٩١.","vol":"1","page":472},{"text":"<span data-type='title' id=toc-304>أولًا عند تعريفه للعقل فقال: «والعقل هو عند أبي الحسن الأشعري العلم ببعض الضروريات الذي هو مناط التكليف»</span> (^١).\n<span data-type='title' id=toc-305>ثانيًا تنزيه المولى ﷿ عن المكان، والحركة والنزول:</span>\nكما أن الكرماني رحمه الله تعالى، ينفي الجهة والمكان لله ﷿، فقد قال في حديث: «عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ نَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ فِي زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَأَطْعَمَ عَلَيْهَا يَوْمَئِذٍ خُبْزًا وَلَحْمًا وَكَانَتْ تَفْخَرُ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَتْ تَقُولُ إِنَّ اللهَ أَنْكَحَنِي فِي السَّمَاءِ» (^٢).\nفعند شرحه لعبارة: «إن الله أنكحني في السماء» قال الكرماني معلقًا وموضحًا ما قد يُوهم فهم المقصود: «فإن قلت في السماء قلت: ما المقصود منه إذ الله تعالى منزه عن المكان والجهة قلت: جهة العلو أشرف فيضاف إليه إشارة إلى علو الذات، والصفات وليس ذلك باعتبار أنه محله أو جهته؛ تعالى الله عنه علوا كبيرا» (^٣).\nوقال في حديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ يَتَنَزَّلُ رَبُّنَا ﵎، كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ يَقُولُ مَنْ\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٣/ ١٦٩، وينظر: البرهان في أصول الفقه، ١/ ١١، والغيث الهامع شرح جمع الجوامع، لأبي زرعة العراقي، ص ٦٩٤.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: التوحيد، بَاب: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾، رقم (٦٩٧١).\n(^٣) الكواكب الدراري، ٢٥/ ١٣٩، وينظر: الإنصاف للباقلاني، ص ١٢، ورائحة الجنة شرح إضاءة الدجنة في عقائد أهل السنة، ص ٤٧.","vol":"1","page":473},{"text":"يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» (^١).\nقد يوهم هذا الحديث المكان والحركة والنزول لله ﷿ فقال الكرماني دافعًا هذا الاعتقاد والتصور: «قلت: الحديث من المتشبهات ولابد من التأويل إذ البراهين القاطعة دلت على تنزيهه عنه فالمراد نزول ملك الرحمة ونحوه أو من التفويض» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-306>ثالثًا دفع ما أوهم التشبيه والجسمية لله ﷿</span>-:\nكما أنّ الكرماني كان يدفع كل ما أوهم التشبيه والجسمية لله ﷿ مثاله حديث: «عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِاللهِ قَالَ ذُكِرَ الدَّجَّالُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ إِنَّ اللهَ\nلَا يَخْفَى عَلَيْكُمْ إِنَّ اللهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى عَيْنِهِ وَإِنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ» (^٣).\nقال الكرماني: «ولما كان منزها عن الجسمية والحدقة ونحوها لابد من الصرف إلى ما يليق به» (^٤).\nفموقفه من المتشابهات وما أوهم التشبيه والتمثيل ماقاله كذلك: «إما أن يفوض، وإما أن يؤول بأن المراد رفعته واعتلاؤه ذاتا وصفة، لاجهة ومكانا،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: التهجد، بَاب: الدُّعَاءِ وَالصَّلَاةِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، رقم (١٠٨٣).\n(^٢) الكواكب الدراري، ٢٢/ ١٣٥ - ١٣٦.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: التوحيد، باب: قَوْلِ اللهِ ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾، رقم (٦٩٥٨).\n(^٤) الكواكب الدراري، ٢٥/ ١٢٠، ويُنظر كذلك: ٢٣/ ٨٤، ٢٥/ ١٠٤، ٢٥/ ١٢٨.","vol":"1","page":474},{"text":"وكذا وصف الكلام بالصعود إليه لأن الكلام عرض فالمراد الملائكة الصاعدون إليه» (^١).\nومن ذلك ما جاء في باب: قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنْ اللهِ.\nقال الكرماني: ماهو وجه إطلاق الشخص على الله ﷿، فنقل عن الخطابي أن الشخص لا يكون إلا جسمًا، ويسمى شخصًا من كان له شخوص وارتفاع، ويجب أن ينزه االله عن هذه اللفظة، وهي من تصحيف الراوي، ولا سيما أنها لم ترد في الروايات الأخرى، لأن بعض الرواة أرسل الكلام على بديهة الطبع، من غير تأمل وتنزيل له على المعنى الأخص به، ثم أن عبيدالله منفرد به لم يُتابع عليه (^٢).\nإلا أن الكرماني رد على الخطابي فقال: لا حاجة إلى تخطئة الرواة والثقاة، بل حكمه: حكم سائر المتشابهات، فإمّا أن يُفوّض وإمّا أن يُؤوّل بلازمه وهو العالي؛ لأن الشاخص عالٍ مرتفع، أو هو من باب: إطلاق الخاص وإرادة العام، كالشيء الذي هو منصوص به في الروايات، وقيل معناه لا ينبغي لشخص أن يكون أغير من الله تعالى» (^٣).\nقلت: لعل الخطابي أصاب أن الراوي تصرف في اللفظ من غير دراية في مؤداه، ولا سيما أنه لم يُتابع عليه فعبيدالله بن عمر قد تَفرَّد به عن عبدالملك، ولم يتابع عليه.\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٢٥/ ٣٩.\n(^٢) أعلام الحديث، ٤/ ٢٣٤٤ - ٢٣٤٥ - ٢٣٤٦.\n(^٣) الكواكب الدراري، ٢٥/ ١٢٨.","vol":"1","page":475},{"text":"والكرماني مال إلى التفويض أو التأويل بما يليق بجلال الله ﷿ وتنزيهه عن النقص والتشبيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-307>رابعًا بيان أن المؤثر في الأشياء هو الله ﷿</span>-:\nكما بيّن الكرماني مسألة التأثير في الأشياء، إذلامؤثر في الوجود إلا الله ﷿، إذ أن ابن عباس ﵄ نسب الإضحاك والإبكاء لله ﷿، «وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِنَّ اللهَ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى».\nوالناس في قضية التأثير ينقسمون إلى أربعة فِرق الأولى: تعتقد أن النار أو السكين مثلًا تؤثر بطبعها وذاتها، والثانية: تعتقد أن النار أو السكين مثلًا تؤثر بقوة جعلها الله فيها، والثالثة: تعتقد أن التأثير ليس إلا لله ﷿ لكنها تعتقد وجود التلازم بين النار والسكين مثلا وبين آثارهما، والرابعة: تعتقد أن التأثير ليس إلا لله ﷿ وتعتقد إمكان التخلف بين النار أو السكين مثلا وبين آثارهما، فقد توجد النار ولا يوجد الإحراق فالتخلف وارد، وقد يحدث الأكل ولا يوجد الشبع، وهذا هو الاعتقاد الصحيح (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-308>خامسًا بيان رؤية الله ﷿ يوم القيامة:</span>\nكما بيبين الكرماني معتقد الأشاعرة في رؤية الله ﷿ يوم القيامة، فقال:\n«لا يشترط فيها خروج الشعاع ولا انطباع صورة المرئي في الحدقة، ولا مواجهة ولا مقابلة، ولا رفع الحجب، فيجوز أن يكون الله مرئيًا لنا يوم القيامة إذ هي حالة يخلقها الله تعالى في الحاسة» (^٢).\n_________\n(^١) ينظر: حاشية الباجوري على السنوسية، الشيخ إبراهيم البيجوري، ص ٤٦.\n(^٢) الكواكب الدراري، ١/ ١٩٧، وينظر: الإنصاف، الباقلاني، ص ٧٣.","vol":"1","page":476},{"text":"يقول الإمام الباقلاني: «ويجب أن يعلم: أن الرؤية جائزة عليه ﷾، من حيث العقل، مقطوع بها للمؤمنين في الآخرة؛ تشريفًا لهم وتفضلا، لوعد الله تعالى لهم بذلك.\nوالدليل على جوازها من حيث العقل: سؤال موسى ﵇، حيث قال «رب أرني أنظر إليك»، ويستحيل أن يسأل نبي من أنبياء الله تعالى مع جلالة قدره وعلو مكانه ما لا يجوز عليه سبحانه، ولولا أنه اعتقد جوازها لما سألها، ولأنه تعالى علقها باستقرار الجبل، ومن الجائز استقرار الجبل، ويدل عليه أيضًا: أنه موجود، والموجود يصح أن يرى».\nثم بين الباقلاني حقيقة الرؤية فقال: «فكذلك الناظر إليه ﷾ في الجنة لا يشك أن الذي يراه ﷾ بلا تكييف، ولا تشبيه، ولا تحديد، وهذا كما يقول القائل: أعرف صدقك كما أعرف النهار، ورأيت زيدًا كما رأيت الشمس» (^١).\n«أي لا يُشترط عند أهل السنة اتصال شعاع ولا مقابلة ولا قربة ولاجهته، إنما هذه أمور عادية يجوز تخلقها ووقوع لرؤية بدونها كما وقع علمنا به إذ كل منهما إدراك» (^٢).\nكما أن الكرماني قرر عدة أمور من عقيدة أهل السنة.\n١ - أن الجنة دار المتقين، وأن النار التي هي عقاب دار الآخرة مخلوقة اليوم (^٣).\n_________\n(^١) الإنصاف، ص ١٤.\n(^٢) إضاءة الدُّجنة في اعتقاد أهل السنة، أحمد المقري المغربي المالكي، ص ٥٣.\n(^٣) الكواكب الدراري، ١٣/ ١٨٢.","vol":"1","page":477},{"text":"٢ - الإجماع على أن المسلم لا يكفر بالقتل، أو بأي معصية أخرى (^١).\n٣ - أن الله تعالى قد علم أحوال الخلق قبل خلقهم وعلم آجالهم وأرزاقهم وسبق علمه فيهم بالسعادة والشقاوة (^٢).\n٤ - العاصي والفاسق لا يُخلّد في النار (^٣).\n٥ - إثبات الكرامة للأولياء (^٤).\n٦ - إثبات عذاب القبر (^٥).\n٧ - لايجب على الله شيء وبناء عليه: «لا يثبت بالفعل ثواب ولا عقاب بل ثوبتهما بالشريعة حتى لو عذب الله جميع المؤمنين كان عدلا، ولو أدخلهم الجنة فهو فضل لا يجب عليه شيء، وكذا لو أدخل الكافرين الجنة كان له ذلك، ولكنه أخبر بأنه لا يفعل بل يغفر للمؤمن ويعذب الكافر» (^٦).\n٨ - أفعال العباد مخلوقة لله تعالى (^٧).\n\n<span data-type='title' id=toc-309>٦ - الرد على أهل الفِرق في العقيدة:</span>\nوكان الكرماني في معرض شرحه للأحاديث يرد على الفِرق المبتدعة\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١/ ١٩٠.\n(^٢) السابق، ٣/ ١٨٨.\n(^٣) السابق، ٤/ ٢١٦.\n(^٤) السابق، ٤/ ٢٤٠.\n(^٥) السابق، ٧/ ١١٨.\n(^٦) الكواكب الدراري، ٧/ ١٤٤، ٢٠/ ١٩٩.\n(^٧) السابق، ٢٣/ ٩٢، ٢٥/ ٢١٢.","vol":"1","page":478},{"text":"كالخوارج، والمعتزلة والشيعة.\nفقال معرفًا بالخوارج ناقلًا عن الشهرستاني: «كل من خرج على الإمام الحق فهو خارجي» (^١). ثم نقل عن الفقهاء قولهم في الخوارج: «الخوارج غير الباغية، وهم الذين خالفوا الإمام بتأويل باطل ظنا، والخوارج خالفوا لا بتأويل أو بتأويل باطل قطعا، وقيل هم طائفة من المبتدعة لهم مقالات خاصة مثل تكفير العبد بالكبيرة، وجواز كون الإمام من غير قريش سموا به لخروجهم على الناس بمقالاتهم» (^٢).\nويبين صفتهم ويذكر انهم المقصودين من حديث، كما أخرج البخاري: «… قَوْمٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلَامِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ، لَئِنْ أَنَا أَدْرَكْتُهُمْ» فقال: «يريد أنهم يخرجون من طاعة الأئمة وهذا نعت الخوارج الذين لا يدينون للأئمة ويخرجون عليهم» (^٣).\nومعتقد أهل السنة والجماعة أن الكبائر يغفرها الله ﷿ بالتوبة الصادقة،\n_________\n(^١) الملل والنحل، الشهرستاني، ١/ ١١٤.\n(^٢) الكواكب الدراري، ٢٤/ ٥٠. ويُنظر اقوال الفقهاء في الخوارج، في كتاب: العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير، الرافعي، ١١/ ٧٩، رد المحتار على الدر المختار، ابن عابدين، ٤/ ٢٦٢، الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني، شهاب الدين النفراوي، ١/ ٩٥، الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل، موسى المقدسي، ٤/ ٢٩٣.\n(^٣) الكواكب الدراري، ١٤/ ٦ - ٧.","vol":"1","page":479},{"text":"وشفاعة سيدنا محمد ﷺ، وأنه لا خلود في النار للموحدين من أمة سيدنا\nمحمد ﷺ «عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: شَفَاعَتِي لأَهْلِ الكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي» (^١).\nوحديث الشفاعة المعروف الذي فيه يأتي الناس إلى الأنبياء لطلب الشفاعة … فيعتذرون عن ذلك، حتى يأتون النبي ﷺ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَجْمَعُ اللهُ النَّاسَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا عَلَى رَبِّنَا حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا … وفيه. فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ يُقَالُ لِي: ارْفَعْ رَأْسَكَ: سَلْ تُعْطَهْ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِي، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، ثُمَّ أُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ، وَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ …» (^٢).\nوالكبيرة كما عرفها الكرماني: «كل معصية وقيل كل ذنب ختمه الله بالنار، أو لعنة أو غضب أو عذاب» (^٣).\nوقيل هي: «الكبيرة: كل معصية تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين، ورقة الديانة، أو كل ما توعد عليه بخصوصه في الكتاب أو السنة، أو ما فيه حد أو\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي، أَبْوَابُ صِفَةِ الْقِيَامَةِ وَالرَّقَائِقِ وَالْوَرَعِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، باب:\nما جاء في الشفاعة، رقم (٢٤٣٥).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: تفسير القرآن، بَاب: قَوْلِ اللهِ ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، رقم (٤١٦٤).\n(^٣) الكواكب الدراري، ٣/ ٦٥.","vol":"1","page":480},{"text":"غير ذلك» (^١).\nففي هذه الأحاديث رد على الخوارج الذين قالوا بتكفير أهل الكبائر، وأنهم في النار خالدين فيها! والمعتزلة (^٢) الذين قالوا: أصحاب الكبائر هم بين المنزلتين لا مؤمن ولا كافر (^٣).\nوقد بين الكرماني أن غرض البخاري من باب: «المعاصي من أمر الجاهلية. ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلابالشرك» فقال: «وغرض البخاري فيه الرد على الخوارج في قوله: المذنب من المؤمنين لا يخلد في النار كما دل عليه الآية ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ والمراد به من مات على الذنوب، ولو كان المراد من تاب قبل الموت لم يكن للتفرقة بين الشرك وغيره معنى إذ التائب من الشرك قبل الموت مغفور له. أقول وفي ثبوت غرض البخاري من الرد عليهم دغدغة إذ\n_________\n(^١) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي، ص ٢٧٩.\n(^٢) قال الزمخشري في الكشاف بعد الكلام عن قتل المؤمن عمدا في سورة النساء: «قلت هل فيها دليل على خلود من لم يتب من اهل الكبائر قلت ما أبين الدليل وهو تناول قوله ومن يقاتل أي قاتل كان من مسلم أو كافر تائب أو غير تائب الا ان التائب أخرجه الدليل فمن ادعى إخراج المسلم غير التائب فليأت بدليل مثله) الكشاف، ١/ ٥٨٤، وقد نقل الكرماني قولهم هذا، الكواكب الدراري ١/ ١٠٨.\nقلت: وما أكثر الأدلة على أنه لا خلود في النار لأهل التوحيد والإيمان، ومنها الأحاديث التي مرت معنا حديث الشفاعة وغيره من الأحاديث.\n(^٣) ينظر الإنصاف، الباقلاني، ص ٦٦، والملل والنِحل، الشهرستاني، ١/ ٤٨، والكواكب الدراري، ١/ ١٣٧.","vol":"1","page":481},{"text":"لا نزاع في أن الصغيرة لا يكفر صاحبها» (^١).\nومع كل هذه الصفات التي فيهم، نبّه الكرماني أنهم غير خارجين عن دائرة الإسلام بالاتفاق، (^٢) وبيّن حجة من كفّرهم (^٣)، في حديث رسول الله ﷺ «يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ» (^٤).\nوبين رأي المعتزلة في أن المعصية تُحبط العمل على خلاف عندهم (^٥) وأن الأجر الزائد عن العمل هو فضل فقط (^٦)، وأهل السنة يقولون أن الكل هو فضل من رب العزة ﷾ (^٧).\nكما أن الكرماني رد على المعتزلة في عدة أمور في مخالفتهم لأهل السنة والجماعة (^٨).\n\n<span data-type='title' id=toc-310>٧ - بيان رأي الإمام البخاري الفقهي:</span>\nكان الإمام البخاري له مذهبه الفقهي له فيه اجتهاده، قال الإمام\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١/ ١٤٠.\n(^٢) السابق، ١/ ١٧٣.\n(^٣) السابق، ١٤/ ١٧٢.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاي: الأنبياء، باب: علامات النبوة في الإسلام، رقم (٣٣٧٩).\n(^٥) الكواكب الدراري، ٤/ ١٩٧.\n(^٦) ينظر: الكشّاف، الزمخشري، ١/ ٦٠٢.\n(^٧) السابق، ٤/ ٢٠٣. وينظر: التحصيل من المحصول، سراج الدين الأرموي، ٢/ ١٩٧. وتحفة المريد شرح جوهرة التوحيد، الباجوري، ص ١٢٠.\n(^٨) ينظر: الكواكب الدراري، ١/ ١٩٤، ٤/ ٢٠٣، ٥/ ١٤، ٩/ ٧٥، ١٧/ ٧٧.","vol":"1","page":482},{"text":"الكشميري رحمه الله تعالى: «البخاري عندي سلك مسلك الاجتهاد ولم يقلد أحدا في كتابه، بل حكم بما حكم به فهمه» (^١) وقد دلت تراجمه في صحيحه على فقهه وسعة اطلاعه، وله آراء وافق فيها أصحاب المذاهب الأربعة، أو أنه وافق فيها بعض علماء المذهب، وآراء خالفهم فيها.\n«أما البخاري فكان في الفقه أكثر عمقا وغوصا، وهذا كتابه كتاب إمام مجتهد غواص في الفقه والاستنباط، بما لا يقل عن الاجتهاد المطلق، لكن على طريقة الفقهاء المحدثين النابهين … وهذا كتابه شاهد صدق على ذلك، حيث يستنبط فيه الحكم من الأدلة، ويتبع الدليل دون التزام مذهب من المذاهب، والأمثلة التي ضمها بحثنا عن فقهه وما أوجزنا من القول في عمق تراجمهم وتنوع طرق استنباطه، يدل على أنه مجتهد بلغ رتبة المجتهدين، وليس مقلدا لمذهب ما كما يدعي بعض أتباع المذاهب» (^٢).\nوإن كان بعض العلماء قال أن البخاري شافعي المذهب، أو أن فقهه مُستمد من فقه الإمام الشافعي، قال ابن حجر عن فقه البخاري: «وأما المباحث الفقهية فغالبها مستمدة من الشافعي وأبي عبيد (^٣) وأمثالهما» (^٤).\n_________\n(^١) فيض الباري على صحيح البخاري، محمد أنور شاه الكشميري، ١/ ٤٣٨.\n(^٢) الإمام الترمذي والموازنة بين جامعه وبين الصحيحين نور الدين عتر، ١/ ٣٩١.\n(^٣) الإمام الحافظ المجتهد، ذو الفنون أبو عبيد القاسم بن سلام بن عبدالله. سمع من: إسماعيل بن عياش، وسفيان بن عيينة وأبا بكر بن عياش وعبدالله بن المبارك، له كتاب: الأموال، والأمثال السائرة، وله مصنفات في التاريخ والأنساب، (ت ٢٢٤ هـ)، سير أعلام النبلاء، ٨/ ٥٠١ - ٥٠٢)، وطبقات الحنابلة، ١/ ٢٥٩.\n(^٤) فتح الباري، ١/ ٢٤٣.","vol":"1","page":483},{"text":"وكان منهج الكرماني أن يذكر مذهب الإمام البخاري الذي اختاره، فمن ذلك ما قاله في ترجم أحد الأبواب: باب وَقْتِ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ قال الكرماني: «وظاهر الترجمة يشعر بأن مذهب البخارى أيضا أن وقتها إلى النصف فقط ولهذا لم يذكر حديثا يدل على امتداد وقتها إلى الصبح» (^١).\nومن مذهبه أيضًا:\nلابأس للجنب أن يقرأ القرآن (^٢).\nجواز حمل الحائض المصحف وقراءتها القرآن (^٣).\nجواز تطويل القيام في الاعتدال بذكر الأدعية فيه سواء كان دعاء قنوت أو غيره (^٤).\nجواز إعطاء الزكاة للفقراء أينما كانوا (^٥).\nجواز صوم النفل من دون تبييت النية (^٦).\nلا طلاق قبل النكاح (^٧).\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٤/ ٢١٣ - ١١٤.\n(^٢) الكواكب الدراري، ٣/ ١٧٣.\n(^٣) السابق، ٣/ ١٦٢.\n(^٤) السابق، ٥/ ١٥٥.\n(^٥) السابق، ٨/ ٣٩.\n(^٦) الكواكب الدراري، ٩/ ١٠٠.\n(^٧) السابق، ١٩/ ١٩١.","vol":"1","page":484},{"text":"أن الحرمة في الرضاع تثبت برضعة واحدة (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-311>٨ - بيان بعض الفوائد الفقهية:</span>\nاهتم الكرماني بإيراد بعض الفوائد الفقهية، واللطائف، في ثنايا شرحه منها على سبيل المثال:\nمراجعة المتعلم العالم والتابع المتبوع فيما قاله إذا لم يظهر له معناه (^٢).\nجواز الحلف من غير استحلاف وأنه لا كراهة فيه لتعظيم أمر أو تحذير منه (^٣).\nجواز أخذ الأجرة على التعليم (^٤).\nينبغي للمعلم أن يحتاط في تنبيه المتعلم والإحضار بمجامع قلبه (^٥).\nالوضوء من خصائص هذه الأمة (^٦).\nاليوم عند أهل الشرع من وقت طلوع الفجر لا من وقت طلوع الشمس (^٧).\nجواز الاجتهاد في المسائل الفروعية والاختلاف فيها (^٨).\n_________\n(^١) السابق، ١٩/ ٨٠.\n(^٢) السابق، ١/ ١٣٧.\n(^٣) الكواكب الدراري: ١/ ١٧٣.\n(^٤) السارق، ١/ ٢١١.\n(^٥) السارق، ١/ ٣٤.\n(^٦) الكواكب الدراري، ٢/ ١٧٢.\n(^٧) السابق، ٦/ ٨.\n(^٨) السابق، ٩/ ٣٦.","vol":"1","page":485},{"text":"<span data-type='title' id=toc-312>٩ - بيان بعض اللطائف الواردة في المتن:</span>\nكان من عادة الكرماني رحمه الله تعالى يذكر اللطائف والمعاني الدقيقة، والنكت المتنوعة في الشرح مثال على ذلك:\nمن عظيم اللطائف، التي أوردها الكرماني في شرحه، أنه في الحديث الأول من الجامع الصحيح، وقبل أن يُترجم لرجال البخاري، أراد الكرماني أن يَشْرف كتابه بنسب سيدنا ونبينا محمد ﷺ، فذكر النسب الشريف (^١) ثم شرع في الشرح.\nقلت: وهذا من عظيم الأدب مع رسول الله ﷺ، وبراعة في الاستهلال، وذوق ومحبة واتباع …\nوفي حديث: عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ «إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إِلاَّ أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ».\nقال الكرماني ناقلًا عن النووي: «هذا بيان لقاعدة مهمة وهو أن ما أريد به وجه الله ثبت فيه الأجر، وإن حصل لفاعله في ضمنه حظ النفس من لذة أو غيرها ولهذا مثّل النبي ﷺ بوضع اللقمة في فم الزوجة، ومعلوم أنه غالبًا يكون الحظ النفس والشهوة واستمالة قلبها، فإذا كان الذي هو من حظوظ النفس بالمحل المذكور من ثبوت الأجر فيه وكونه طاعة وعملًا أخرويًا إذا أريد به\nوجه الله فكيف الظن بغيره مما يراد به وجه الله تعالى وهو مباعد للحظوظ\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١/ ١٥.","vol":"1","page":486},{"text":"النفسانية» (^١).\nيقول عند حديث عن عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ، فَأُتِيَ بِقَدَحٍ رَحْرَاحٍ فِيهِ شَىْءٌ مِنْ مَاءٍ، فَوَضَعَ أَصَابِعَهُ فِيهِ. قَالَ أَنَسٌ فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى الْمَاءِ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، قَالَ أَنَسٌ فَحَزَرْتُ مَنْ تَوَضَّأَ مَا بَيْنَ السَّبْعِينَ إِلَى الثَّمَانِينَ) (^٢).\nينقل عن الخطابي فيقول: «وفي هذا آية من آيات نبويته ﷺ ومعجزة من معجزاته. وقد قيل: إن هذا أبلغ في الإعجاز من تفجير الماء من الحجر لموسى صلوات الله عليه، لأن في طبع الحجارة أن يخرج منها الماء الغدق الكثير، وليس ذلك في طباع أعضاء بني آدم» (^٣).\nومن ذلك حديث: عن عَبْدَاللهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ …).\nقال الكرماني مشيرا إلى لطيفة في قوله ﷺ: (كلكم) فقال: «فإن قلت إذا لم يكن للرجل أهل ولا سيد ولا أب ولم يكن إماما فعلام رعايته؟ قلت: على أصدقائه وأصحاب معاشرته. فإن قلت إذا كان كل منا راعيا فمن الرعية؟ قلت: أعضاء نفسه وجوارحه وقواه وحواسه، والراعي يكون مرعيا باعتبار آخر ككون الشخص مرعيا للإمام راعيا لأهله أو الخطاب خاص بأصحاب\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١/ ٢١٦، وينظر قول النووي، في شرحه على مسلم، ١١/ ٧٦ - ٧٧.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الوضوء، باب: الوضوء بالمد، رقم: (١٩٩).\n(^٣) الكواكب ١/ ٢٦٤، وينظر: أعلام الحديث، ٣/ ٤٨.","vol":"1","page":487},{"text":"التصرفات ومن تحت نظره وما عليه إصلاح حاله» (^١).\nومن ذلك في قصة سعد بن أبي وقاص ﵁، المُفتَرى عليه، عَنْ جَابِرِ ابْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: شَكَا أَهْلُ الْكُوفَةِ سَعْدًا إِلَى عُمَرَ ﵁، فَعَزَلَهُ … وفيه: قَالَ سَعْدٌ: أَمَا وَاللهِ لأَدْعُوَنَّ بِثَلَاثٍ، اللهُمَّ إِنْ كَانَ عَبْدُكَ هَذَا كَاذِبًا، قَامَ رِيَاءً وَسُمْعَةً، فَأَطِلْ عُمْرَهُ، وَأَطِلْ فَقْرَهُ، وَعَرِّضْهُ بِالْفِتَنِ …» (^٢).\nقال الكرماني: «فان قلت كيف جاز لسعد أن يدعو على أخيه المسلم وإن جاز فلم لم يكتف بدعوة واحدة؟ قلت: جاز لأنه كان مظلوما بالافتراء، وأما التثليث فلأنه أيضا ثلّث في نفي الفضائل عنه، سيما الثلاث التي هي أصل الفضائل وأمهات الكمالات يعني الشجاعة التي هي كمال القوة الغضبية حيث قال لا يسير، والعفة التي هي كمال القوة الشهوانية حيث قال لا يقسم، والحكمة التي هي كمال القوة العقلية حيث قال لا يعدل، وراعي أمرا آخر في الدعاء وهو: أنه قابل كل ما نسب اليه التقصير مما يتعلق بالنفس والمال والدين، ممثله فدعا عليه بما يتعلق بالنفس وهو طول العمر والمال وهو الفقر والدين والوقوع في الفتن» (^٣).\nكما أن الكرماني كان يشير للأحاديث التي عليها مدار الإسلام (^٤).\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٦/ ١٦.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الأذان، باب: وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها في الحضر والسفر وما يجهر فيها وما يخافت، رقم (٧٢٤).\n(^٣) الكواكب الدراري، ٥/ ١٢٢.\n(^٤) الحديث الأول: «إنما الأعمال بالنيات» ينظر: ١/ ٢٢، والحديث الثاني: «الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ …» والحديث الثالث: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» ينظر: ١/ ٢٠٣، والحديث الرابع «الدِّينُ النَّصِيحَةُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ»، ينظر: ١/ ٢١٧. وقد قيل في أكثر من قول أن هذه الأحاديث الأربعة هي التي يدور عليها الإسلام، وزيد عليها، حديث «وازهد في الدنيا يحبك الله» وقد نظمها أبو الحسن المعرو ﵀ الله تعالى فقال:\nعمدة الدين عندنا كلمات … أربع من كلام خير البرية\nاتق الشبهات وازهد … ودع ما ليس يعنيك واعملن بنية\nوأبدل بعضهم بعض هذه الأحاديث ومنهم من قال هي حديث «لا يحل دم امرئ مسلم إلَّا بإحدى ثلاث»، وحديث «بني الإِسلام على خمس» وحديث: و«البينة على المدعي واليمين على من أنكر» … وقيلت أقوال كثيرة فيها جمعها ابن الملقن ﵀ في كتاب: الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، ص ١٥٣ - ١٥٤.","vol":"1","page":488},{"text":"ومن المعاني الدقيقة التي ذكرها الكرماني في حديث سيدنا عمر ﵁ الذي أورده البخاري في باب: التناوب في العلم.\nوذكر فيه: «فَفَزِعْتُ فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ. قَالَ فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَإِذَا هِيَ تَبْكِي فَقُلْتُ طَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَتْ لَا أَدْرِي. ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ قَالَ «لَا». فَقُلْتُ اللهُ أَكْبَرُ» (^١).\nقال الكرماني: «قوله: أمر عظيم، أراد اعتزال الرسول ﷺ عن الأزواج.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: العلم، رقم (٨٨).","vol":"1","page":489},{"text":"فإن قلت ما العظمة فيه؟ قلت: كونه مظنة للطلاق، وهو عظيم لاسيما بالنسبة إلي عمر، فإن ابنته إحدي زوجاته … وقوله: «الله أكبر» فإن قلت هذا الكلام في أمثال هذه المقامات يدل علي التعجب، فما ذلك ههنا؟ قلت: كأن الأنصاري ظن الاعتزال طلاقًا أو ناشئًا عن الطلاق، فأخبر عمر بالطلاق بحسب ظنه فتعجب منه بلفظ الله أكبر» (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-313>المبحث الرابع\nالاهتمام بالقواعد الأصولية </span>(^٢)\nمن المعلوم أنه لا ينفك علم الفقه عن علم الأصول، إذ أن الثاني هو\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٢/ ٧٧.\n(^٢) يذكر الدكتور محمد الزحيلي الفرق بين القواعد الأصولية، والقواعد الفقهية فقال: «إن القواعد الأصولية ناشئة في أغلبها من الألفاظ العربية، والقواعد العربية، أما القواعد الفقهية فناشئة من الأحكام الشرعية، والمسائل الفقهية.\n٢ - إن القواعد الأصولية خاصة بالمجتهد، يستعملها عند استنباط الأحكام.\nالفقهية، ومعرفة حكم الوقائع والمسائل المستجدة أما القواعد الفقهية فإنها خاصة بالفقيه، أو المفتي، أو المتعلم الذي يرجع إليها لمعرفة الحكم الموجود للفروع، ويعتمد عليها بدلًا من الرجوع إلى الأبواب الفقهية المتفرقة.\n٣ - تتصف القواعد الأصولية بالعموم والشمول لجميع فروعها، أما القواعد الفقهية فإنها، وإن كانت عامة وشاملة، تكثر فيها الاستثناءات، وهذه الاستثناءات تشكل أحيانًا قواعد مستقلة، أو قواعد فرعية.\n٤ - تتصف القواعد الأصولية بالثبات، فلا تتبدل ولا تتغير، أما القواعد الفقهية فليست ثابتة، وإنَّما تتغير أحيانًا بتغير الأحكام المبنية على العرف، وسد الذرائع، والمصلحة.\n٥ - إن القواعد الأصولية تسبق الأحكام الفقهية، وأما القواعد الفقهية فهي لاحقة وتابعة لوجود الفقه وأحكامه وفروعه.» القواعد الفقهية وتطبيقاتها في المذاهب الأربعة، ١/ ٢٤.","vol":"1","page":490},{"text":"مفتاح الأول في طريقة الاستنباط والاستدلال من النص القرآني أو الحديث النبوي، وقد أبدى الكرماني في شرحه اهتمامه في المسائل والقضايا الأصولية، فكان يستدل عليها ويناقشها ويعرض أقوال العلماء فيها، فمن أهمها:\n\n<span data-type='title' id=toc-314>١ - بيان الحكم التكليفي:</span>\nعرّف الكرماني الحكم التكليفي بقوله ناقلًا عن الأصوليين: «الحكم هو إسناد أمر إلى آخر إثباتًا أو نفيًا (^١) وفي اصطلاح الأصوليين خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير (^٢)».\nوقال علماء الأصول أنه ينقسم إلى خمسة أقسام، وهي: الإيجاب والندب والإباحة والكراهة والتحريم (^٣) ومن العلماء من جعلها سبعة، وزاد الصحيح\n_________\n(^١) ينظر الكليات، لأبي البقاء الحنفي، ١/ ٣٨٠، كشاف اصطلاح الفنون، ١/ ٦٩٣.\n(^٢) الكواكب الدراري، ٢٤/ ١٩٢، وقد وقع عند الكرماني بلفظ التقييد بدل التخيير وهو محرف ومصحف، وينظر التعريف، في: نهاية السول شرح منهاج الوصول،\nعبد الرحيم بن الحسن الإسنوي الشافعيّ، ١/ ١٦، وشرح التلويح على التوضيح، سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني، ١/ ٢٠.\n(^٣) ينظر: رَفْعُ النِّقَابِ عَنْ تنقِيح الشّهابِ، الحسين بن عبدالله السَملاي، ١/ ٦٥٣.","vol":"1","page":491},{"text":"والباطل (^١).\n«وعند علماء الحنفية المطلوب فعله ثلاثة أقسام: الفرض، والواجب، والمندوب. والمطلوب الكف عنه ثلاثة أقسام: المحرم، والمكروه تحريما، والمكروه تحريما، والمكروه تنزيها (^٢).\nإلا أن الحنفية قالوا: إن المكروه تحريمًا يعاقب فاعله، ولا يكفر منكره، أما المكروه تنزيهًا فإن فاعله لا يستحق عتابًا ولا ذنبًا ولا إثمًا، لكنه فعل غير الأولى، وقال الجمهور: المكروه نوع واحد، وفاعله لا يستحق عقابًا لكنه يعاتب، وإن المكروه تحريمًا يدخل في الحرام (^٣).\nوقد بيّن الكرماني بعض أنواع الحكم التكليفي في شرحه عند بعض المسائل الفقهية، كمسألة (السواك عند كل صلاة) قال الكرماني: «وقد استدل الأصوليون به على أن المندوب ليس مأمورا به» (^٤).\nويبين رأي الحنفية والجمهور كذلك في حكم زكاة الفطر، قال الكرماني: «ومعنى فرض قدر وقال أبو حنيفة واجبة (^٥) ليست بفريضة بناء على مذهبه في الفرق بين الفرض والواجب (^٦) ..................................\n_________\n(^١) ينظر: شرح الورقات في أصول الفقه، جلال الدين المحلي، ١/ ٧٠.\n(^٢) علم أصول الفقه، عبد الوهاب خلاّف، ص ١١٦.\n(^٣) الوجيز في أصول الفقه، د. محمد الزحيلي، ص ٣٠٢.\n(^٤) الكواكب الدراري، ٦/ ١٢.\n(^٥) ينظر: النهر الفائق، ١/ ٤٧٠.\n(^٦) فرق الحنفية بين الفرض والواجب، أن جعلوا الفرض وهو ما طلب الشارع فعله طلبًا جازمًا بدليل قطعي الثبوت والدلالة، كالصلاة والزكاة، وحكمه وجوب فعله، ومنكره يكفر، وتاركه بلا عذر فاسق، والفرض: وهو ما طلب الشارع فعله طلبًا جازمًا بدليل ظني الثبوت أو ظني الدلالة، مثل صدقة الفطر والأضحية وقراءة الفاتحة وصلاة الوتر … وحكمه وجوب إقامته كالفرض، لا يكفر جاحده، ويفسق تاركه إذا تركه استخفافًا، ينظر الوجيز في أصول الفقه، محمد الزحيلي، ببعض التصرف، ص ٣٠١ - ٣٠٢.","vol":"1","page":492},{"text":".....\nوالجمهور (^١) على أنها فريضة لأن المفهوم بحسب عرف الشرع من لفظ فرض ذلك ولا يجوز للراوي أن يعبر بالفرض على المندوب مع علمه بالفرق بينهما» (^٢).\nومن ذلك يبين حكم الكراهة بين كراهة التحريم والتنزيه على رأي الحنفية، حديث عن السيدة عائشة أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالْحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَذَكَرَتَا لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ «إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، فَأُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (^٣).\nفيبين الكرماني هل الحرمة هي للتصوير، أم لاتخاذ القبور مساجد؟\n_________\n(^١) ينظر: التاج والإكليل، ٣/ ٢٥٥، وعمدة السالك وعدة الناسك، أحمد بن لؤلؤ شهاب الدين النقيب، ١/ ١٠٧، ومنتهى الإيرادات، تقي الدين الحنبلي النجار، ١/ ٤٩٦.\n(^٢) الكواكب الدراري، ٩/ ٤٨.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: الصلاة، باب: هَلْ تُنْبَشُ قُبُورُ مُشْرِكِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَيُتَّخَذُ مَكَانَهَا مَسَاجِدَ، رقم (٤١٩).","vol":"1","page":493},{"text":"«قلت المذمة قد تكون على التصوير لا على الاتخاذ ولئن سلمنا فالمراد من الترجمة اتخاذ قبور غير الأنبياء ومن في حكمهم من الصالحين، فالحاصل أن تعلقه بالأولى من حيث إنه موافق لمفهوم حديث لعن الله اليهود، وبالثانية من حيث إن بناء المسجد في القبور مشعر بالصلاة فيها، فإن قلت فيلزم حرمة الصلاة فيها؛ لقوله أولئك شرار الخلق والمدعي الكراهة قلت إن أريد بالكراهة كراهة التحريم فلا إشكال فيه، وإن أريد كراهة التنزه فنختص المذمة بالتصوير، فإن قلت التصوير معصية ولا يصير المؤمن بالمعاصي كافرًا وشرارًا الخلق هم الكفرة، قلت هم أيضًا كفرة لأنهم كانوا يصورونه ويعبدونه كالأصنام» (^١).\nوقال عند: «(باب ما يكره من النياحة على الميت) أي كراهة التحريم» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-315>٢ - الإجماع:</span>\nوالإجماع هو: «الإجماع عبارة عن اتفاق جملة أهل الحَل والعقْد من أمة محمد في عصر من الأعصار على حكم واقعة من الوقائع» (^٣) وقد عرّفه الكرماني كذلك بنحو من هذا التعريف (^٤).\nوقد نقل الكرماني في بعض المسائل الفقهية المجمع عليها، وكان يذكر من شذّ وخالف الإجماع منها: (أنه لا يجب على الحائض والنفساء قضاء الصلاة):\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٤/ ٨٩.\n(^٢) السابق، ٧/ ٨٦.\n(^٣) الإحكام في أصول الأحكام، الآمدي، ١/ ١٩٥، وانظر العدة في أصول الفقه، القاضي أبي يعلى، ١/ ١٧٠.\n(^٤) الكواكب الدراري، ٢٥/ ٦٣.","vol":"1","page":494},{"text":"فقال: «وهذا الحديث (^١) أصيل في إجماع المسلمين أن الحائض لا تقضي الصلاة ولا خلاف بين الأئمة (^٢) فيه إلا لطائفة من الخوارج … ثم نقل عن النووي الإجماع في ذلك» (^٣).\n(أن صلاة العيد قبل الخطبة): قال الكرماني: «وأما الصلاة قبل الخطبة فهو إجماع من العلماء قديما وحديثا إلا ما كان من بني أمية» (^٤).\nثم إن الكرماني ينقل الخلاف في إجماع أهل المدينة دون غيرهم، وذلك عند ما قاله البخاري: «بَاب مَا ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ وَحَضَّ عَلَى اتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ\nوَمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْحَرَمَانِ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَمَا كَانَ بِهَا مِنْ مَشَاهِدِ النَّبِيِّ ﷺ\n_________\n(^١) وهو حديث: «أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِعَائِشَةَ أَتَجْزِي إِحْدَانَا صَلَاتَهَا، إِذَا طَهُرَتْ فَقَالَتْ أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ كُنَّا نَحِيضُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَا يَامُرُنَا بِهِ أَوْ قَالَتْ فَلَا نَفْعَلُهُ» أخرجه البخاري، كتاب: الحيض، باب: لَا تَقْضِي الْحَائِضُ الصَّلَاةَ، رقم (٣١٧)، ومعنى حرورية قال الكرماني: «وهي نسبة إلى حروراء وهي قرية بقرب الكوفة، وكان أول اجتماع الخوارج بهان قال الهروي تعاقدوا في هذه القرية فنسبوا إليها فمعنى قولها أخارجية أنتِ؟ لأن طائفة من الخوارج يُوجبون على الحائض قضاء الصلاة الفائتة في زمن الحيض وهو خلاف الإجماع» الكواكب الدراري، ٣/ ١٩٣.\n(^٢) يُنظر إجماع الفقهاء في الإجماع على أن الحائض لا تقضي الصلاة، البناية شرح الهداية، ٤/ ٩٩، ومواهب الجليل، ١/ ٤١١، والأم للشافعي، ١/ ٧٧، والمغني لابن قدامة، ١/ ٢٥٥، وقد نقل الإجماع ابن المنذر النيسابوري في كتابه الإجماع، ص ٤٢.\n(^٣) الكواكب الدراري، ٣/ ١٩٣.\n(^٤) السابق، ٦/ ٦٩.","vol":"1","page":495},{"text":"وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَمُصَلَّى النَّبِيِّ ﷺ وَالْمِنْبَرِ وَالْقَبْرِ» (^١).\nقال الكرماني: «فاتفاق مجتهدي الحرمين دون غيرهم ليس بإجماع عند الجمهور، قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: إجماع أهل المدينة حجة (^٢) وعبارة البخاري مشعرة بأن اتفاق أهل الحرمين كليهما إجماع» (^٣).\nقلت: لعل الكرماني يشير إلى أن مذهب البخاري في الإجماع يوافق رأي المالكية، من أن إجماع أهل المدينة حجة.\nوأحيانًا يشير الكرماني إلى الإجماع السكوتي وهو: وهو أن يقولَ بعض المجتهدين في المسألة قولًا أو يعمل على وفقها، ويسكت الباقون بعد اطلاعهم على هذا القول من غير إنكار» (^٤).\nوقد وقع خلاف بين الأصوليين على حجية الإجماع السكوتي، فقال الشافعية والظاهرية بعدم حجيته، وقال الحنفية والمالكية وأحمد: إنه حجة (^٥).\nومن الأمثلة التي ساقها الكرماني عن الإجماع السكوتي مسألة:\n(زيادة النداء الثالث يوم الجمعة على الزوراء في عهد عثمان ﵁) قال\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الاعتصام بالكتاب والسنة.\n(^٢) الفروق للقرافي، ١/ ١٤٠.\n(^٣) الكواكب الدراري، ٢٥/ ٦٣.\n(^٤) تلخيص الأصول، حافظ ثناء الله الزاهدي، ص ٣٧، وينظر العدة في أصول الفقه، ٤/ ١١٧٠.\n(^٥) ينظر البحر المحيط في أصول الفقه، الزركشي، ٦/ ٤٥٦، والوجيز في أصول الفقه، د. محمد الزحيلي، ١/ ٢٣٣.","vol":"1","page":496},{"text":"الكرماني: «فإن قلت كيف شرع، قلت: باجتهاد عثمان وموافقة سائر الصحابة له بالسكوت وعدم الإنكار فصار إجماعا سكوتيا» (^١).\nومن ذلك بيان (حكم سجود التلاوة هل هو واجب أم مندوب؟):\nأخرج البخاري حديث سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ أنه: «قَرَأَ يَوْمَ الجُمُعَةِ عَلَى المِنْبَرِ بِسُورَةِ النَّحْلِ حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ نَزَلَ، فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ حَتَّى إِذَا كَانَتِ الجُمُعَةُ القَابِلَةُ قَرَأَ بِهَا، حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ، قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ، فَمَنْ سَجَدَ، فَقَدْ أَصَابَ وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ، فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَسْجُدْ عُمَرُ ﵁» وَزَادَ نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، «إِنَّ اللهَ لَمْ يَفْرِضِ السُّجُودَ إِلَّا أَنْ نَشَاءَ» (^٢).\nقال الكرماني قوله «(فلا إثم عليه) دليل صريح في عدم الوجوب (^٣)، وهذا كله بمحضر الصحابة ولم ينكر عليه أحد، وكان إجماعًا سكوتيًا على ذلك وكذا لفظ (ولم يفرض) دليل آخر، فإن قلت الحنفي قائل بعدم الفرضية إذ\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٦/ ٢٧.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: أبواب سجود القرآن، باب: من رأى أن الله ﷿ لم يوجب السجود، رقم (١٠٢٠).\n(^٣) قال الشافعية والحنابلة أن سجدة التلاوة سنة مؤكدة عن رسول الله ﷺ، المهذب للشيرازي، ١/ ١٦١ - ١٦٢، وكشاف القناع عن متن الإقناع، منصور بن يونس البهتوي، ١/ ٤٤٧، وقع خلاف عند المالكية عند المالكية بين القول بسنية سجود التلاوة أم أنه فضيلة، (شرح الزرقاني على مختصر خليل) ١/ ٤٧٩، وقال الحنفية أن سجود التلاوة واجب، النهر الفائق، ١/ ٣٣٨.","vol":"1","page":497},{"text":"الفرض عنده غير الواجب. قلت: هذا اصطلاح جديد لم تكن الصحابة يتخاطبون به» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-316>٣ - القياس:</span>\nوالقياس هو تسوية فرع بأصل في حكم لعلة جامعةبينهما (^٢).\nوقد ذكر الكرماني مسألة القياس في شرحه في عدة مواضع منها:\nحديث: «عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا قَالَ نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَةً اقْضُوا اللهَ فَاللهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ» (^٣).\nقال الكرماني: «واقضوا الله أي اقضوا حق الله، فالله أحق بوفاء حقه من غيره، وفيه جواز القياس وأن الحج الواجب كالدين الواجب يقضى وإن لم يوص به … وقال أي الكرماني في موضع آخر عند الحديث نفسه، وما فيه يدل على صحة القياس وأنه ليس مذموما … وفي الباب دليل على وقوع القياس منه ﷺ» (^٤).\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٦/ ١٥٧.\n(^٢) الشرح الكبير لمختصر الأصول من علم الأصول، لأبي المنذر المنياوي، ص ٤٧٥.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: الحج، بَاب: الْحَجِّ وَالنُّذُورِ عَنْ الْمَيِّتِ وَالرَّجُلُ يَحُجُّ عَنْ الْمَرْأَةِ، رقم (١٧٣٤).\n(^٤) الكواكب الدراري، ٩/ ٥٣، ٢٥/ ٦٠.","vol":"1","page":498},{"text":"في حديث: «عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ فِي جَيْشِ كَذَا وَكَذَا وَامْرَأَتِي تُرِيدُ الْحَجَّ فَقَالَ اخْرُجْ مَعَهَا» (^١).\nفبين الكرماني جواز الدخول على المرأة مع من يحشمها كالزوجة والنساء الثقات قياسًا على المُحرم لاتحاد العلة بينهما، فقال: «فإن قلت: قد جوّز الفقهاء أيضا الدخول عليها مع من يحتشمها كالزوجة والنسوة الثقات قلت: ثبت بالقياس على المحرم إذ العلة الأمن من الوقوع في الفتنة، وبالنظر إلى العلة عمم الشافعي (^٢) الحكم في جواز سفر المرأة في كل صورة تأمن على نفسها على أحد أقواله» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-317>٤ - النسخ:</span>\nتعريفه: الخطاب الدال على رفع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتًا مع تراخيه عنه (^٤).\nوقديقع النسخ في المصادرالشرعية، كنسخ القرآن بالقرآن، والسنة بالسنة، ونسخ السنة بالقرآن (^٥)، ..........................\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الحج، بَاب: حَجِّ النِّسَاءِ، رقم (١٧٤٢).\n(^٢) ينظر المجموع، ٧/ ٨٦.\n(^٣) الكواكب الدراري، ٩/ ٥٧.\n(^٤) شرح الورقات، ١/ ١٥٨ - ١٥٩، وينظر الشرح الكبير لمختصر الأصول، ص ٣٣٢.\n(^٥) اختلف العلماء بجواز نسخ السنة بالقرآن على قولين، القول الأول: جواز نسخ السنة بالقرآن، وهو قول الجمهور من الحنفية والمالكية والحنابلة والظاهرية، وكثير من الشافعية، واستدلوا بنسخ استقبال القبلة إلى بيت المقدس المقرر بالسنة، وغيرها من الأدلة، والقول الثاني: منع نسخ السنة بالقرآن، وهو قول الشافعي رحمه الله تعالى، وقال: وسنة رسول الله لا ينسخها إلا سنة لرسول الله، ويفترض الشافعي أن سنة أخرى نسخت السنة السابقة؛ لأن وظيفة الرسول البيان لقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] ينظر الوجيز في أصول الفقه، محمد الزحيلي، ٢/ ٢٥٤ - ٢٥٥، وينظر تفصيل المسألة في البحر المحيط، ٥/ ٢٥٢ ومابعدها.","vol":"1","page":499},{"text":"ونسخ القرآن بالسنة وفيه اختلاف (^١).\nوقد استدل الكرماني ﵀ على جواز النسخ في حكم الصلاة خلف الإمام بالنسبة للقيام أو القعود، قال الكرماني ناقلًا عن الخطابي: «وأما قوله ﵇ وإن صلى قاعدا فصار قعودا فهذا أمر قد اختُلفوا فيه فذهب الأكثرون الى أنه منسوخ بإمامة رسول الله ﷺ فى آخر صلاة صلاها في مرضه أمَّ بهم فيها\n_________\n(^١) كذلك وقع الخلاف على قولين: اختلف العلماء في ذلك على قولين (١).\nالقول الأول: يجوز نسخ آية من القرآن بالسنة عقلًا، ووقع ذلك شرعًا، وهو رأي جمهور العلماء، وهم الحنفية والمالكية وبعض الحنابلة، والظاهرية، لاستفاضتها، ولكن الحنفية أجازوا نسخ القرآن بالسنة المتواترة أو المشهورة بين الناس، والمالكية وبعض الحنابلة حصروا ذلك بالمتواتر، وذهب ابن حزم الظاهري إلى جواز نسخ القرآن بالمتواتر وخبر الآحاد؛ لأن خبر الآحاد عنده قطعي كالمتواتر.\nالقول الثاني: لا يجوز نسخ القرآن بالسنة، وهو رأي الشافعي وأكثر أصحابه، والمشهور عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، سواء كانت السنة متواترة أو مشهورة، أو خبر آحاد، الوجيز في أصول الفقه، ٢/ ٢٥٦ - ٢٥٨، وينظر تفصيل المسألة في البحر المحيط للزركشي، ٥/ ٢٦١، وما بعدها.","vol":"1","page":500},{"text":"قاعدا والناس من وراءه قيام، وذهب غير واحد من أصحاب الحديث إلى أن هذا الحكم ثابت غير منسوخ، منهم أحمد بن حنبل وزعموا أن حديث إمامته ﷺ في مرضه مختلف فيه، هل كان الإمام رسول الله ﷺ أو أبو بكر.\nقال: والنسخ أصح والأصول تشهد أن كل من أطلق عبادة بالصفة التي وجبت عليه في الأصل لم يجز له تركها إلا أن يعجز عنها» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-318>٥ - حكم الاجتهاد في زمن النبي ﷺ</span>-:\nومن المسائل الأصولية التي ناقشها الكرماني في شرحه، هل يجوز للصحابة أن يجتهدوا والنبي ﷺ بينهم؟\nقال الكرماني: «وفي قصة عمار (^٢) جواز الاجتهاد في زمن الرسول ﷺ وقد اختلفوا في هذه المسألة على ثلاثة أقوال أصحها يجوز الاجتهاد في زمنه بحضرته وغير حضرته والثاني لا يجوز بحال والثالث لا يجوز بحضرته فقط» (^٣).\nيقول الإمام الغزالي رحمه الله تعالى مبينًا الخلاف في هذه المسألة: «وأن\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٤/ ٤٣، وينظر قول الخطابي في أعلام الحديث، ١/ ٣٦٢.\n(^٢) والقصة هي: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أُصِبِ الْمَاءَ. فَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَمَا تَذْكُرُ أَنَّا كُنَّا فِي سَفَرٍ أَنَا وَأَنْتَ فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فَصَلَّيْتُ، فَذَكَرْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا» فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ بِكَفَّيْهِ الأَرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِمَا ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ باب التيمم للوجه والكفين» أخرجه البخاري، كتاب: التيمم، باب: المتيمم هل ينفخ فيهما، رقم (٣٣٣).\n(^٣) الكواكب الدراري، ٣/ ٢١٩.","vol":"1","page":501},{"text":"شرط الاجتهاد أن لا يقع في زمن النبوة؛ فنرسم فيه مسألتين:\nمسألة اختلفوا في جواز التعبد بالقياس والاجتهاد في زمان الرسول ﵇.\nفمنعه قوم وأجازه قوم، وقال قوم: يجوز للقضاة والولاة في غيبته لا في حضور النبي ﷺ.\nوالذين جوّزوا منهم من قال: يجوز بالإذن، ومنهم من قال: يكفي سكوت رسول الله ﷺ. ثم اختلف المجوّزون في وقوعه والمختار أن ذلك جائز في حضرته وغيبته وأن يدل عليه بالإذن أو السكوت؛ لأنه ليس في التعبد به استحالة في ذاته ولا يفضي إلى محال ولا إلى مفسدة. وإن أوجبنا الصلاح فيجوز أن يعلم الله لطفا يقتضي ارتباط صلاح العباد بتعبدهم بالاجتهاد لعلمه بأنه لو نص لهم على قاطع لبغوا وعصوا» (^١).\nوقد استدل الكرماني في شرحه على بعض أنواع النسخ بالنسبة للمصادر الشرعية كنسخ السنة بالقرآن (^٢) ونسخ السنة بالسنة (^٣).\nكما أن الكرماني استدل بشرع من قبلنا في شرحه (^٤) والعرف (^٥).\n_________\n(^١) المستصفى، الغزالي، ص ٣٤٥، وينظر: الفائق في أصول الفقه، صفي الدين الهندي الشافعي، ٢/ ٣٨٦.\n(^٢) الكواكب الدراري، ٣/ ٥١، ٨/ ١١٣، ١٢/ ٥٠.\n(^٣) السابق، ١٣/ ٢٥، ٢٠/ ١٣٥.\n(^٤) السابق، ١٣/ ١٤٢، ٤/ ٢٣٢، ١١/ ٩٨، ١٤/ ٩٨، ٢١/ ١١٤.\n(^٥) السابق، ١/ ٢٠٥، ١٠/ ٦٤.","vol":"1","page":502},{"text":"وقد ذكر الكرماني بعض المسائل الأصولية منها على سبيل المثال:\nإذا روى الصحابي حديثًا هل يكون أولى بتأويله من غيره؟\nفقالت طائفة أن الصحابي هو أولى بتأويله، لأنه أعرف بمخرجه، وسببه، وقال غيرهم لا يلزم بتأويله إذا لم يصب التأويل) (^١).\nأن المخاطِب بكسر الطاء داخل تحت عموم متعلق خطابه أمرا أو نهيا أوخبرا (^٢)، وهي قضية خلافية، منهم من قال أن الخطاب يشمله، ومنهم من قال لايشمله إلا إذا اقتضت القرينة ذلك، ودل السياق عليه (^٣).\nجواز تأخير البيان عن وقت الخطاب كما هو مذهب أهل السنة، وذلك لأن ثم تدل على التراخي (^٤).\nالمطلق والمقيد إذا اتحد سببهما حُمل المطلق علي المقيد (^٥).\nاللفظ إذا كان له مفهومان شرعي ولغوي يقدم الشرعي عليه (^٦).\n* * *\n_________\n(^١) السابق، ٢/ ١٠٥.\n(^٢) السابق، ٢/ ١٩٢.\n(^٣) ينظر: البرهان في أصول الفقه، الجويني، بتصرف، ١/ ١٣٠.\n(^٤) الكواكب الدراري: ١/ ٤٨.\n(^٥) السابق، ٣/ ١٠.\n(^٦) الكواكب الدراري، ٥/ ٢١.","vol":"1","page":503},{"text":"<span data-type='title' id=toc-319>المبحث الخامس\nمختلف الحديث ومشكله</span>\n<span data-type='title' id=toc-320>أولًا تعريف مختلف الحديث:</span>\nأ - لغة: يقال تخَالف الأمْران وَاخْتلفَا وكل مَا لم يتساوَ فقد اختلف وتخالف وهما خِلْفان أَي مُخْتَلِفَانِ، أي لم يَتَّفقا (^١).\nب - اصطلاحًا: وهو أن يأتي حديثان متضادان في المعنى ظاهرًا فيوفق بينهما أو يرجح أحدهما (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-321>ثانيًا تعريف المُشْكِل:</span>\nأ - لغةً: المختلط والملتبس، يُقال: أشكل الأمر التبس، وأشبه وتشابه (^٣) وقال الهروي: وقد أشكل الأمر إذا اشتبه عليك لدخوله شكل غيره واشتباهه عليك للمماثلة (^٤).\nب - اصطلاحًا: هو حديث مقبول أُخرج في الكتب المعتبرة ولكنه عُورض بقاطع من عقل أو حس أو علم، أو أمر مقرر في الدين ويُمكن تخريجه (^٥).\n_________\n(^١) ينظر مادة: (خلف) المخصص ابن سيده، ٣/ ٣٧١، ولسان العرب، ٩/ ٩١، وتاج العروس، ٢٣/ ٢٧٩.\n(^٢) التقريب والتيسير، النووي، ص ٩٠، وتوضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار، الصنعاني، ٢/ ٢٤٢، وينظر تحرير علوم الحديث، ٢/ ٦٥١.\n(^٣) ينظر مادة: (شكل)، أساس البلاغة، ١/ ٥١٧، ومختار الصحاح، ٢/ ١٦٨.\n(^٤) ينظر مادة: (شكل)، الغريبين في القرآن والحديث، ٣/ ١٠٢٦.\n(^٥) بلوغ الآمال من مصطلح الحديث والرجال، محمد بكار، ص ٣٨٦.","vol":"1","page":504},{"text":"<span data-type='title' id=toc-322>ثانيًا الفرق بين مُختلف الحديث ومُشكله:</span>\nبعض العلماء يرى أن المُشكل والمُختلف بمعنى واحد (^١) فقد سوّى بينهما كل من الطحاوي (^٢)، وابن فورك (^٣) (^٤).\nوبعض العلماء فرق بينهما وجعلوا مشكل الحديث أعم من مختلفه «الحق أن بين المختلف والمشكل فرقا في الاصطلاح.\nفمختلف الحديث يكون بوجود تعارض: تضاد أو تناقض بين حديثين أو أكثر.\nوأما مشكل الحديث فهو أعم من ذلك فقد يكون سببه وجود تعارض بين\n_________\n(^١) ومن العلماء كذلك من سوّى بينهما أ. د نور الدين عتر في كتابه منهج النقد، فإنه قال عن مختلف الحديث (وربما سماه المحدثون «مشكل الحديث») فعبارته هذه تُشعر أنه لا يُفرق بينهما، ص ٣٣٧.\n(^٢) أحمد بن سلامة أبو جعفر الأزدي، المصري الطحاوي، ويُنسب إلى طحا قرية في صعيد مصر، تفقه على المزني صاحب الشافعي، وسمع الحديث من أهل عصره، كان على مذهب الشافعي ثم تحول إلى المذهب الحنفي، له مُشكل الآثار، (ت ٣٢١ هـ)، ينظر: الطبقات السنية في تراجم الحنفية، تقي الدين الغزي، ص ١٣٦، ولسان الميزان، ابن حجر، ١/ ٦٢٠.\n(^٣) محمد بن الحسن بن فُوْرَك، أبو بكر الأنصاري، الإمام الجليل الفقيه، أقام بالعراق ودرس بها المذهب الأشعري، وكثر سماعه بالبصرة وبغداد وحدث بنيسابور، له مُشكل الحديث وبيانه، (ت ٤٠٦ هـ)، ينظر طبقات الشافعية، السبكي، ٤/ ١٢٨، ووفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، للبرمكي، ٤/ ٢٧٢.\n(^٤) بلوغ الآمال من مصطلح الحديث والرجال، ص ٣٨٦.","vol":"1","page":505},{"text":"حديثين أو أكثر، وقد يكون سببه كون الحديث مشكلا في معناه لمخالفته في الظاهر للقرآن مثلا أو لاستحالة معناه أو لمخالفته لحقيقة من الحقائق المتعلقة بالأمور الكونية التي كشفت عنها العلوم والمعارف الحديثة كعلم الفلك، أو الطب، أو علم سنن الله الكونية، وهو ما يسمى في لسان الناس: علم الطبيعة» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-323>ثالثًا أهمية علم مختلف الحديث ومشكله:</span>\nلقد اهتم العلماء بهذا الفن وذلك لأن بعض الأحاديث تحتاج إلى توضيح وبيان، وأن التعارض لا يمكن أن يكون بين أحاديث رسول الله ﷺ إلا من حيث الظاهر فقط، مادام أن هذه الأحاديث صحيحة.\nقال الإمام الخطابي: «فكل خبرين عُلم أن النبي ﷺ تكلم بهما؛ فلا يصح دخول التعارض فيهما على وجه، وإن كان ظاهرهما متعارضين، لأن معنى التعارض بين الخبرين والقرآن من أمر ونهي وغير ذلك، أن يكون موجب أحدهما منافيا لموجب الآخر، وذلك يبطل التكليف إن كانا أمرًا ونهيًا وإباحةً وحظرًا، أو يوجب كون أحدهما صدقًا والآخر كذبًا إن كانا خبرين، والنبي ﷺ مُنزّهٌ عن ذلك أجمع، ومعصوم منه باتفاق الأمة وكلٌ مثبت للنبوة» (^٢).\nوقال النووي عن أهمية علم مختلف الحديث: «هذا من أهم الأنواع، ويضطر إلى معرفته جميع العلماء من الطوائف» (^٣).\nوقال ابن حزم: «وهذا من أدق ما يمكن أن يعترض أهل العلم من تأليف\n_________\n(^١) الوسيط في علوم ومصطلح الحديث، أبو شهبة، ص ٤٤٢.\n(^٢) الكفاية، ص ٤٣٣.\n(^٣) التقريب والتيسير، ص ٩٠.","vol":"1","page":506},{"text":"النصوص وأغمضه وأصعبه» (^١).\nوقد اهتم العلماء بهذا الفن، وجمعوا بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض قال محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: «لا أعرف أنه رُوي عن النبي ﷺ حديثان بإسنادين صحيحين متضادان، فمن كان عنده فليأت به حتى أؤلف بينهما» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-324>رابعًا منهج الكرماني في مختلف الحديث:</span>\nكان الكرماني يتعامل مع الأحاديث المُختلف فيها أن يوفق بينها\nما استطاع، باذلًا الجهد في ذلك من خلال:\n\n<span data-type='title' id=toc-325>١ - التوفيق والتلفيق جمعًا بين الأحاديث:</span>\nقرر علماء الأصول أنه عند التعارض بين الأدلة، يُصار إلى ما أمكن، وقرروا القاعدة في ذلك: (الإعمال أولى من الإهمال) (^٣)، وقال الشوكاني (^٤):\n_________\n(^١) الإحكام في أصول الأحكام، ابن حزم، ٢/ ٢٦.\n(^٢) الكفاية، الخطيب البغدادي، ٤٣٢.\n(^٣) ينظر: حاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع، حسن بن محمد الشافعي، ٢/ ٦٦.\n(^٤) أحمد بن محمد بن علي الشوكاني: قاض، من فضلاء اليمانيين، من أهل صنعاء وهو ابن العلامة (الشوكاني) الكبير، له نيل الأوطار، وإرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، (ت ١٢٥٠ هـ)، ينظر: معجم المؤلفين، ٢/ ١٣٤، والأعلام، الزركلي،\n٢ - / ٢٤٦.","vol":"1","page":507},{"text":"«ومن شروط الترجيح التي لا بد من اعتبارها أن لا يمكن الجمع بين المتعارضين بوجه مقبول، فإن أمكن ذلك تعين المصير إليه، ولم يجز المصير إلى الترجيح» (^١)، وقال الإمام القرافي (^٢): «وإذا تعارض دليلان فالعمل بكل واحد منهما من وجه أولى من العمل بأحدهما دون الآخر» (^٣).\nوذلك على عدة أوجه منها:\nأ - التوفيق بين المعاني\nب - اختلاف الأحوال والمقامات.\nت - تعدد الحادثة.\nث حفظ الرواة وضبطهم واطلاعهم.\n_________\n(^١) إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، الشوكاني، ٢/ ٢٦٤.\n(^٢) شهاب الدين أبو العباس أحمد بن إدريس القرافي المصري، أخذ عن جمال الدين بن الحاجب والعز بن عبد السلام وشرف الدين الفاكهاني، له التنقيح في أصول الفقه، والذخيرة في الفقه المالكي، وغيرها، (ت ٦٨٤ هـ)، ينظر: الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب، ابن فرحون، ١/ ٢٣٦، وشجرة النور الزكية في طبقات المالكية، محمد مخلوف، ١/ ٢٧٠.\n(^٣) شرح تنقيح الفصول، القرافي، ص ٤٢١، وقال ابن حزم الظاهري: «إذا تعارض الحديثان أو الآيتان أو الآية والحديث فيما يظن من لا يعلم ففرض على كل مسلم استعمال كل ذلك لأنه ليس بعض ذلك أولى بالاستعمال من بعض ولا حديث بأوجب من حديث آخر مثله ولا آية أولى بالطاعة لها من آية أخرى مثلها وكل من عند الله ﷿ وكل سواء في باب، وجوب الطاعة والاستعمال ولا فرق» الإحكام في أصول الأحكام، ٢/ ٢١.","vol":"1","page":508},{"text":"ج - حمل المطلق على المقيد.\nح - تخصيص العام.\nخ نفي اعتبار مفهوم العدد.\n\n<span data-type='title' id=toc-326>أ - التوفيق بين المعاني:</span>\nكان من منهج الكرماني ﵀ الميل إلى التوفيق بين الحديثين والأخذ بكلايهما دون ترك أحدهما، فيجمع بين الأدلة، ويجتهد رأيه في التوفيق بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض بوجه يراه مناسبًا.\nمثاله: حديث السيدة خديجة ﵂ «… كَلاَّ وَاللهِ مَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ …» (^١).\nقال الكرماني: «وفيه جواز مدح الإنسان في وجهه لمصلحة تطرأ وليس بمعارض لقوله: (احثوا في وجوه المادحين التراب» (^٢) إذ هو فيما مدح بباطل أو يؤدي إلى باطل» (^٣).\nومن ذلك حديث أخرجه البخاري في باب: كيف يُقبض العلم، «عَنْ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ، رقم (٣).\n(^٢) أخرجه مسلم، كتاب: الزهد والرقائق، باب: النهي عن المدح إذا كان فيه إفراط، وخيف الفتنة على الممدوح، رقم ٣٠٠٢.\n(^٣) الكواكب الدراري، ١/ ٣٦.","vol":"1","page":509},{"text":"عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ «إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا، يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا، اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّو» (^١).\nقال الكرماني: «فإن قلت ما وجه التوفيق بين هذا الحديث وهو الذي مر في باب: من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، وهو لن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتي يأتي أمر الله (^٢) وأمثاله: قلت: هذا بعد إتيان أمر الله إن لم يفسر إتيان الأمر بإتيان القيامة، أو عدم بقاء العلماء إنما هو في بعض المواضع دون بعض، ففي غير بيت المقدس مثلًا إن فسرناه به فيكون محمولًا علي التخصيص جمعًا بين الأدلة» (^٣).\nومن ذلك حديث: «عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ كِيلُوا طَعَامَكُمْ يُبَارَكْ لَكُمْ» (^٤).\nقال الكرماني: «فإن قلت ما وجه التوفيق بينه وبين ما ذكر في كتاب الرقائق أن عائشة قالت فكلته (^٥)، تعني وهو مشعر بأن الكيل سبب البركة؟\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: العلم، باب: كَيْفَ يُقْبَضُ الْعِلْمُ، رقم (٩٩).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: العلم، باب: مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، رقم (٧٠).\n(^٣) الكواكب الدراري، ٢/ ٩٨.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب: البيوع، بَاب: مَا يُسْتَحَبُّ مِنْ الْكَيْلِ، رقم (١٩٩٧).\n(^٥) وهو حديث: «عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ لَقَدْ تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَمَا فِي رَفِّي مِنْ شَيْءٍ يَأكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَطْرُ شَعِيرٍ فِي رَفٍّ لِي فَأَكَلْتُ مِنْهُ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ فَكِلْتُهُ فَفَنِيَ» أخرجه البخاري، كتاب: الرقائق، باب: فضل الفقر، رقم (٦٠٦٥).","vol":"1","page":510},{"text":"قلت: البركة عند البيع وعدمها عند النفقة وسببها ظاهر» (^١).\nومن ذلك حديث: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا». وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ» (^٢).\nبين الكرماني أن البخاري استدل على تسمية الباب (باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره) فقال ناقلًا عن شارح التراجم: «ولعل مراده جواز التشبيك مطلقا لأنه إذا جاز فعله في المسجد ففي غيره أولى بالجواز وقد يجاب بأنه كان لحكمة تمثيل تعاضد المؤمنين وتناصرهم بذلك فمثل المعنى بالصورة لزيادة التبيين (^٣) ثم بين الكرماني إزاحة الإشكال عما أوهم التعارض فقال: فإن قيل قد جاء في الحديث الآخر (^٤) أنه يشعر بجوازه في غير تمثيل. قلنا: لعله كان لإراحة الأصابع كما هو المعتاد، لا على وجه العبث فيفيد أنه هذا كأن التشبيك لغرض صحيح جاز بخلاف العبث» (^٥).\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١٠/ ٢٠.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الصلاة، باب: تشبيك الأصابع في المسجد وغيره، رقم (٤٦٨).\n(^٣) المتواري على تراجم أبواب البخاري، ابن المنيّر، ١/ ٩٠.\n(^٤) وهو: «عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَوِ ابْنِ عَمْرٍو شَبَّكَ النَّبِيُّ ﷺ أَصَابِعَهُ.» أخرجه البخاري، كتاب: الصلاة، باب: تشبيك الأصابع في المسجد وغيره، رقم (٤٦٧).\n(^٥) الكواكب الدراري، ٤/ ٤٤١.","vol":"1","page":511},{"text":"ومن ذلك أخرج البخاري: «عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَأَنْزَلَ اللهُ (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ) فَتَوَجَّهَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ، وَقَالَ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ وَهُمُ الْيَهُودُ مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا (قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ مَا صَلَّى، فَمَرَّ عَلَى قَوْمٍ مِنَ الأَنْصَارِ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ …» (^١).\nفي هذه الرواية أن الرجل مر على الأنصار في صلاة العصر، ووقع التعارض مع هذه الرواية ماورد في الصحيح كذلك من حديث عبدالله بن عمر ﵄: «عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ بَيْنَا النَّاسُ بِقُبَاءٍ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ، فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ» (^٢).\nفجمع الكرماني بين الأحاديث وبين أن لا منافاة بين الروايتين فقال: «لأن هذا الخبر وصل إلى قوم كانوا يصلون فى نفس المدينة فى صلاة العصر، ثم وصل الى أهل قباء فى صبح اليوم الثانى لأنهم كانوا خارجين عن المدينة، لأن قباء من جملة سوادها وفى حكم بساتينها» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الإيمان، باب: الصَّلَاةُ مِنَ الإِيمَانِ، رقم (٣٩).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الصلاة، باب: مَا جَاءَ فِي الْقِبْلَةِ، وَمَنْ لَا يَرَى الإِعَادَةَ عَلَى مَنْ سَهَا فَصَلَّى إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، رقم: (٣٩٧).\n(^٣) الكواكب الدراري، ٤/ ٦٢.","vol":"1","page":512},{"text":"ومال بعض العلماء إلى ترجيح رواية صلاة الصبح «لأنها جاءت في رواية ابن عمر وأنس، وأهملت في بعض الروايات حديث البراء، وعينت بالعصر في بعض الطرق. قال: فتقدمت رواية الصبح لأنها من رواية صحابيين. قلت: الأول هو الصواب، وقد قال النووي: لأنه أمكن حمل الحديثين على الصحة فهو أولى من توهين رواية العدول المخرجة في الصحيح» (^١).\nحتى إن الكرماني يأتي برواية من غير صحيح البخاري ويوفق بينها وبين ما في البخاري مما يُوهم التعارض، مثاله: حديث الأعرابي الذي جاء يسأل عن الإسلام، وأنه سيلزم الفرائض فقال له ﷺ: «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ» (^٢).\nقال الكرماني: «وقد جاء في بعض الروايات (أفلح وأبيه إن صدق) (^٣) وقد يسئل عن التوفيق بينه وبين حديث (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم) (^٤) والجواب أن وأبيه ليس حلفًا؛ وإنما هي كلمة جرت عادة العرب أن تدخلها في كلامهم غير قاصدين بها حقيقة الحلف، والنهي إنما ورد فيمن قصد الحقيقة لما فيه من إعظام المحلوف به ومضاهاته بالله، وقيل أنه كان قبل النهي عن الحلف بالآباء» (^٥).\n_________\n(^١) عمدة القاري، البدر العيني، ١/ ٢٤٦.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الإيمان، بَابُ: الزَّكَاةُ مِنَ الإِسْلَامِ، رقم (٤٤).\n(^٣) أخرجه مسلم، كتاب: الإيمان، بَابُ: بَيَانِ الصَّلَوَاتِ الَّتِي هِيَ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، رقم (٩).\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب: الأدب، بَاب: مَنْ لَمْ يَرَ إِكْفَارَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ مُتَأَوِّلًا أَوْ جَاهِلًا، رقم (٥٧٣٣).\n(^٥) الكواكب الدراري، ١/ ١٨٣.","vol":"1","page":513},{"text":"ومن ذلك حديث: «عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ (^١) قَالَتْ كُنَّا لَا نَعُدُّ الْكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ شَيْئًا» (^٢).\nفبين الكرماني (^٣) أن المقصود من كلام أم عطية أن الكدرة ووالصفرة لا تعني شيئا في غير أيام الحيض، أما إن كان في أثناء الحيض فهو تابع له (^٤)، وهو ما وفّق فيه بين حديث أم عطية وحديث عائشة رضي لله عنها: «حتى ترى القصة البيضاء (^٥)» دليل أنهما عند إدبار الحيض من بقايا الحيض، وحديث «ما كنا نعد الكدرة والصفرة شيئا» (^٦).\n_________\n(^١) أم عطية الانصارية، نسيبة بنت الحارث، كانت من نساء كبار الصحابة الكرام، وكانت تغسل الموتى، وتغزو مع رسول الله ﷺ، روت عنه ﷺ، وعن عمر، وروى عنها محمد بن سيرين، وعلي بن الأقمر، ينظر: أسد الغابة، ابن الأثير، ٧/ ٣٥٦، والإصابة، ابن حجر، ٨/ ٤٣٧.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الحيض، باب: إِذَا رَأَتِ الْمُسْتَحَاضَةُ الطُّهْرَ، رقم (٣٢٦).\n(^٣) الكواكب الدراري، ٣/ ٢٠١.\n(^٤) ذهب الحنفية والحنابلة إلى أن الصفرة والكدرة ليسا بحيض في غير أيام الحيض، ودليهم حديث أم عطية، وذهب الشافعية والمالكية إلى أنهما حيض إذا رأتهما بعد عادتها. ينظر: البحر الرائق، ١/ ٢٠٢، مواهب الجليل، ١/ ٥٣٦، المهذب للشيرازي، ١/ ٧٩، والمغني لابن قدامة، ١/ ٢٤١.\n(^٥) أخرجه البخاري تعليقا، كتاب: الحيض، باب: إِقْبَالِ المَحِيضِ وَإِدْبَارِهِ، وأخرجه مالك في الموطأ في طهر الحائض، رقم (١٨٩).\n(^٦) لم أقف على هذا اللفظ الذي ذكره الكرماني، إلا أني وجدت الإمام النووي رحمه الله تعالى يقول عن حديث عائشة ﵂: «وأما حديث عائشة ﵂ المذكور في الكتاب فلا أعلم من رواه بهذا اللفظ لكن صح عن عائشة ﵂ قريب من معناه فروى مالك في الموطأ عن عقبة ابن أبي عقبة عن أمه مولاة عائشة قالت (كانت النساء يبعثن إلى عائشة ﵂ بالدرجة فيها الكرسف فيه الصفرة من دم الحيض فتقول لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء تريد بذلك الطهر من الحيضة» المجموع شرح المهذب،\n٢ - / ٤١٦.","vol":"1","page":514},{"text":"وقد يقوم الكرماني بالتوفيق بين ألفاظ الحديث الواحد، مما يُوهم الإشكال، وذلك عن طريق اللغة والإعراب، مثاله: «عَنْ أَبِي جَمْرَةَ قَالَ كُنْتُ أَقْعُدُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ، يُجْلِسُنِي عَلَى سَرِيرِهِ فَقَالَ أَقِمْ …» (^١).\nقال الكرماني: «قوله: (كنت أقعد) فإن قلت: كنت ماض، وأقعد إما للحال، أو الاستقبال فما وجه الجمع بينهما؟ قلت: أقعدُ حكاية عن الحال الماضية، فهو ماض وذُكر بلفظ الحال استحضارًا لتلك الصورة للحاضرين» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-327>ب - اختلاف الأحوال والمقامات:</span>\nقد تتعدد الأحوال والمقامات في حديث رسول الله ﷺ، ويتنوع الخطاب، فيجيب ﷺ عن أسئلة واحدة بأجوبة متعددة، مراعيًا أحوال السائلين، فيُعطي كل واحد مسألته وحاجته، وهذا من أساليب دعوته ﵊.\nمثاله: قال البخاري: «عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ أَيُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ قَالَ «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الإيمان، باب: أداء الخمس من الإيمان، رقم (٥٠).\n(^٢) الكواكب الدراري، ١/ ٢٠٦.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: الإيمان، بابٌ: إطعامُ الطعام من الإسلَامِ، رقم (١١).","vol":"1","page":515},{"text":"قال الكرماني: «فإن قلت جاء في الجواب ههنا أن الخير أن تطعم الطعام، وفي الحديث الذي قبله أنه من سلم المسلمون (^١) فما وجه التوفيق بينهما؟\nقلت: كان الجوابان في وقتين فأجاب في كل وقت بما هو الأفضل بحق السائل، أو أهل المجلس، فقد يكون ظهر من أحدهما قلة المراعاة ليده ولسانه وإيذاء المسلمين، ومن الثاني إمساك الطعام وتكبر فأجابهما على حسب حالهما، أو عَلِم ﷺ أن السائل الأول سأل عن أفضل التروك، والثاني عن خير الأفعال، أو أن الأول سأل عما يدفع المضار والثاني عما يجلب المنافع، أو أنهما بالحقيقة متلازمان إذ الإطعام مستلزم لسلامة اليد والسلامة لسلامة اللسان» (^٢).\nومن ذلك حديث: «أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ قَالَ «الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا». قَالَ ثُمَّ أَيُّ قَالَ «ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ». قَالَ ثُمَّ أَيُّ قَالَ «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ». قَالَ حَدَّثَنِي بِهِنَّ وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي» (^٣).\nقال الكرماني: «فإن قلت: تقدم أن إطعام الطعام (^٤) خير أعمال الإسلام، وأن أفضل أعماله أيضا أن يسلم المسلمون منه، وأن أحب الأعمال إلى الله أدومها (^٥)، وغير ذلك فما وجه التوفيق بينهما؟ قلت: أجاب رسول الله ﷺ لكل\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الإيمان، باب: أي الإسلام أفضل، رقم (١٠).\n(^٢) الكواكب الدراري، ١/ ٩٣.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: الصلاة، باب: فضل الصلاة لوقتها، رقم (٥٠٥).\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب: الإيمان، باب: إطعامُ الطعام من الإسلَامِ، رقم (١١).\n(^٥) أخرجه البخاري، كتاب: الرقائق، بَاب: الْقَصْدِ وَالْمُدَاوَمَةِ عَلَى الْعَمَلِ، رقم ٦٠٧٧.","vol":"1","page":516},{"text":"بما يوافق غرضه أو بما يليق به أو بالوقت وقد يقول القائل خير الأشياء كذا\nولا يريد تفضيله في نفسه على جميع الأشياء، ولكن يريد أنه خيرها في حال دون حال، ولو أحد دون واحد، ولقد تعاضدت النصوص على فضل الصلاة على الصدقة، ثم إن تجددت حال تقتضى مواساة مضطر تكون الصدقة أفضل وهلم جرا» (^١).\nوقال في موضع آخر عند حديث «أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ …» (^٢).\nفذكر أن هناك أشياء قدمها النبي ﷺ في الأفضلية في غير هذه الرواية، وحذف بعضها فأجاب الكرماني عن ذلك فقال: «قال العلماء: اختلاف الأجوبة في هذه الأحاديث لاختلاف الأحوال، فأعلم كل قوم بما لهم الحاجة إليه دون ما لم تدع حاجتهم إليه، أو ذكر ما لم يعلمه السائل وأهل المجلس وترك ما علموه» (^٣).\nمن ذلك حديث: «عَنْ عُثْمَانَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» (^٤).\nقال الكرماني: «فإن قلت ما وجه خيريته؟ ومن يُعلى كلمة الله ويجاهد بين\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٤/ ١٨١ - ١٨٢.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الإيمان، باب: من قال إن الإيمان هو العمل، رقم (٢٥).\n(^٣) الكواكب الدراري، ١/ ١٢٧.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب: فضائل القرآن، بَاب: خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ، (٤٧٠٤).","vol":"1","page":517},{"text":"يدي رسول الله ﷺ ويأتي بسائر الأعمال الصالحات كان هو أفضل قلت: المقامات مختلفة لابد من اعتبارها كما أنه عُلم أن أهل المجلس اللائق بحالهم التحريض على التعلم والعلم، أو المراد خير المتعلمين من كان تعليمه في القرآن لا غيره، إذ خير الكلام كلام الله تعالى، فكذلك خير الناس بعد النبيين من اشتغل به، أو المراد خيرية خاصة من الجهة ولا يلزم أفضليتهم مطلقًا» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-328>ت - تعدد الحادثة:</span>\nقد تتعدد الحادثة وتتشابه في زمن رسول الله ﷺ مع الاختلاف في بعض مجرياتها … فيوهم هذا الاختلاف والتعارض أن يكون سببه هو: الاضطراب، أو سوء حفظ الرواة، إلا أنه يكون من قبيل حمل الروايات على تعدد الحادثة والواقعة، وهذا يُزيل عنها إشكال التعارض.\nمثاله: أخرج البخاري: «عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ، فَأُتِيَ بِقَدَحٍ رَحْرَاحٍ فِيهِ شَىْءٌ مِنْ مَاءٍ، فَوَضَعَ أَصَابِعَهُ فِيهِ. قَالَ أَنَسٌ فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى الْمَاءِ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، قَالَ أَنَسٌ فَحَزَرْتُ مَنْ تَوَضَّأَ مَا بَيْنَ السَّبْعِينَ إِلَى الثَّمَانِينَ» (^٢).\nفقد صح في روايات أخرى أن عدد الصحابة كان يزيد عن ثمانين (^٣)، وفي\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١٩/ ٣٣.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الوضوء، باب: الْوُضُوءِ مِنَ التَّوْرِ، رقم (١٩٩).\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: الوضوء، باب: الغسل والوضوء في المخضب والقدح والخشب والحجار، رقم (١٩٤)، من حديث سيدنا أنس ﵁.","vol":"1","page":518},{"text":"رواية أنهم زهاء ثلاثمئة (^١)، وتارة أنهم سبعون (^٢) وتارة خمس عشرة مائة (^٣).\nوالجواب على ذلك أن حادثة نبع الماء من بين أصابعه ﷺ كانت متعددة وليس مرة واحدة (^٤).\nوقد يُشكل هذا أن جميع الروايات التي فيها خلاف في العدد قد رواها سيدنا أنس ﵁، وهذا لا يمنع من تعدد الحادثة، ولا سيما إذا كان سيدنا أنس ﵁ خادمًا للنبي ﷺ ملازمًا له، قال السيوطي: «قال العلماء هما قضيتان جرتا في وقتين ورواهما جميعا أنس» (^٥).\nكما أن تعدد هذه الحادثة، ورد من غير حديث أنس ﵁، قال النووي: «في هذه الأحاديث في نبع الماء من بين أصابعه وتكثيره وتكثير الطعام، هذه كلها معجزات ظاهرات وُجدت من رسول الله ﷺ في مواطن مختلفة، وعلى أحوال متغايرة، وبلغ مجموعها التواتر، وأما تكثير الماء فقد صح من رواية أنس وابن مسعود وجابر وعمران بن الحصين وكذا تكثير الطعام وُجد منه ﷺ في مواطن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الأنبياء، باب: علامات النبوة في الإسلام، رقم (٣٣٤٤) من حديث سيدنا أنس ﵁.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الأنبياء، باب: علامات النبوة في الإسلام، رقم (٣٣٥٠)، من حديث سيدنا أنس ﵁.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: الأنبياء، باب: علامات النبوة في الإسلام، رقم (٣٣٤٨)، من حديث سيدنا جابر بن عبدالله ﵁.\n(^٤) ينظر: الكواكب الدراري، ٣/ ٤٨.\n(^٥) شرح السيوطي على مسلم، ٥/ ٢٩٩.","vol":"1","page":519},{"text":"مختلفة وعلى أحوال كثيرة وصفات متنوعة» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-329>ج - اختلاف صور فعل النبي ﷺ</span>-:\nقد يفعل النبي ﷺ الفعل الواحد على صور وطرق مختلفة، فتتعدد الرويات في ذلك، ويرجع ذلك للحال التي يكون عليها ﷺ، من مرض وصحة، أو لبيان الجواز والتعليم لأمته ﷺ من أن الأمر فيه سعة، فيكون العبد مخيّرًا بين صور الاختلاف المنقولة عنه ﷺ … ولا يظنن أحد أن هذا الاختلاف سببه الاضطراب، أو سوء حفظ الرواة واختلاط الأمر عليهم.\nعلى سبيل المثال:\nفقد ورد عن السيدة عائشة ﵂ رويات عدة تنقل فيها صلاة النبي ﷺ في الليل، وهذه الروايات فيها اختلاف في عدد الركعات، أو الكيفية المنقولة\nعنه ﷺ، منها:\nأخرج البخاري في صحيحه: عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سأل السيدة عَائِشَةَ ﵂ كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ فَقَالَتْ مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا قَالَتْ عَائِشَةُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ فَقَالَ يَا عَائِشَةُ إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي» (^٢).\n_________\n(^١) شرح مسلم، ١٥/ ٣٨، وينظر: إكمال المُعلم بفوائد مسلم، القاضي عياض،\n٧ - / ٢٣٩.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: صلاة التراويح، باب: فَضْلِ مَنْ قَامَ رَمَضَانَ، رقم (١٨٨٨).","vol":"1","page":520},{"text":"وأخرج البخاري كذلك: «عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ثُمَّ يُصَلِّي إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصُّبْحِ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ» (^١).\nوورد عن الزهري عن عروة أن السيدة عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً كَانَتْ تِلْكَ صَلَاتَهُ تَعْنِي بِاللَّيْلِ فَيَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذَلِكَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَاسَهُ وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ ثُمَّ يَضْطَجِعُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ حَتَّى يَاتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ لِلصَّلَاةِ» (^٢).\nووردت صور غير ذلك عن السيدة عائشة ﵂ (^٣).\nوقد أجاب العلماء عن ذلك: «أن صلاة النبي ﷺ كانت مرة من دون صلاة الفجر، ومرة معها، ومرة كان يصلي الوتر بعد النوم …» (^٤).\nقال الإمام النووي: «وأما الاختلاف في حديث عائشة فقيل هو منها وقيل من الرواة عنها، فيحتمل أن إخبارها بأحد عشرة هو الأغلب، وباقي\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: التهجد، بَاب: مَا يُقْرَأُ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، رقم (١١٠٤).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الوتر، باب: ما جاء في الوتر، رقم (٩٤٦).\n(^٣) من هذه الروايات ما أخرجه البخاري، كتاب: التهجد، بَاب: قِيَامِ النَّبِيِّ ﷺ بِاللَّيْلِ وَنَوْمِهِ وَمَا نُسِخَ مِنْ قِيَامِ، رقم (١٠٧٨)، ومنها ما أخرجه مسلم، كتاب: صلاة المسافرين قصرها، بَابُ: صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَعَدَدِ رَكَعَاتِ النَّبِيِّ ﷺ فِي اللَّيْلِ، وَأَنَّ الْوِتْرَ رَكْعَةٌ، وَأَنَّ الرَّكْعَةَ صَلَاةٌ صَحِيحَةٌ، رقم (١٢٤)، وأبو داود، كتاب: الصلاة، باب: في صلاة الليل، رقم (١٣٦٠) … وغيرها من الروايات.\n(^٤) ينظر: الكواكب الدراري، ٦/ ٢٠١.","vol":"1","page":521},{"text":"رواياتها إخبار منها بما كان يقع نادرا في بعض الأوقات، فأكثره خمس عشرة بركعتي الفجر وأقله سبع وذلك بحسب ما كان يحصل من اتساع الوقت أو ضيقه بطول قراءة كما جاء في حديث حذيفة وبن مسعود أو لنوم أو عذر مرض أو غيره أو في بعض الأوقات عند كبر السن، كما قالت فلما أسن صلى سبع ركعات أو تارة تعد الركعتين الخفيفتين في أول قيام الليل كما رواه زيد بن خالد وروتها عائشة بعدها هذا في مسلم وتعد ركعتي الفجر تارة وتحذفهما تارة أو تعد إحداهما وقد تكون عدت راتبة العشاء مع ذلك تارة وحذفتها تارة» (^١).\nوقال القاضي عياض: «ولا خلاف أنه ليس فى ذلك حدٌّ لا يزاد عليه\nولا ينقص منه، وأن صلاة الليل من الفضائل والرغائب التى كلما زيد فيها زيد فى الأجر والفضل، وإنما الخلاف فى فعل النبي ﷺ وما اختاره لنفسه» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-330>د - حفظ الرواة وضبطهم واطلاعهم:</span>\nمن المعلوم أن رواة الحديث ليسو على درجة واحدة في الحفظ والضبط والإتقان، وإنما تتفاوت قدراتهم في التحمّل والأداء، فيقع التباين والاختلاف فيما رووه من الأحاديث.\nمثاله: حديث عن طلحة بن عبيدالله قال: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، ثَائِرُ الرَّاسِ، يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ، وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ حَتَّى دَنَا، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي\n_________\n(^١) شرح النووي على مسلم، ٦/ ١٨ - ١٩، وينظر قول القرطبي في المُفهم لما أشكل من تلخيص مسلم، ٧/ ٢، وقول الباجي القرطبي في شرحه على الموطأ، ١/ ٢١٦.\n(^٢) إكمال المعلم شرح صحيح مسلم، ٣/ ٨٢.","vol":"1","page":522},{"text":"الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ». فَقَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا قَالَ «لَا، إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ». قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «وَصِيَامُ رَمَضَانَ». قَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ قَالَ «لَا، إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ». قَالَ وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ الزَّكَاةَ. قَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا قَالَ «لَا، إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ». قَالَ فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ وَاللهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ» (^١).\nبيّن الكرماني أن هذه الرواية لم تأتِ على ذكر الحج وذلك لأنه لم يُفرض، أو أن السائل لايجب عليه الحج، وفي بعض الروايات لايوجد فيها ذكر الصوم، وفي بعضها لايوجد فيها ذكر الزكاة، وفي بعضها ذُكر صلة الرحم، وفي بعضها أداء الخمس فتتفاوت هذه الروايات في خصال الإيمان زيادة ونقصًا (^٢).\nفبين الكرماني السبب في ذلك فقال: «وسبب ذلك تفاوت الرواة في الحفظ والضبط؛ فمنهم من قصر فاقتصر على ما حفظه فأداه ولم يتعرض لما زاده غيره بنفي ولا إثبات، وذلك لا يمنع من إيراد الجميع في الصحيح؛ لما عرفت أن زيادة الثقة مقبولة، والقاعدة الأصولية فيها أن الحديث إذا رواه راويان واشتملت إحدى الروايتين على زيادة فإن لم تكن مغيرة لإعراب الباقي قُبلت وحملت ذلك على نسيان الراوي أو ذهوله أو اقتصاره بالمقصود منه في صورة الاستشهاد وإن كانت مغايرة تعارضت الروايتان وتعين طلب الترجيح (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الإيمان، بَابُ: الزَّكَاةُ مِنَ الإِسْلَامِ، رقم (٤٤).\n(^٢) ينظر الكواكب الدراري، ١/ ١٨٣.\n(^٣) ينظر تفصيل المسألة في: البحر المحيط، الزركشي، ٦/ ٢٣٧، ورفع النقاب، لأبي عبدالله الشوشاوي، ٥/ ٢٤٦.","vol":"1","page":523},{"text":"ولأصحاب الحديث فيه تفاصيل» (^١).\nومن ذلك حديث ووصية النبي ﷺ لوفد عبد القيس «… فَقَالَ «آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ الإِيمَانِ بِاللهِ ثُمَّ فَسَّرَهَا لَهُمْ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَنِّى رَسُولُ اللهِ وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَأَنْ تُؤَدُّوا إِلَيَّ خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ، وَأَنْهَى عَنِ الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالْمُقَيَّرِ وَالنَّقِيرِ» (^٢).\nفالحديث لم يذكر صيام رمضان والمقام مقام بيان وتفصيل في أركان الإسلام المفروضة آنذاك، والصيام منها، قال الكرماني: «فما السبب فى تركه ههنا والحال أنه كان واجبا حينئذ لأن وفادتهم كانت عام الفتح وإيجاب الصيام فى السنة الثانية من الهجرة قلت: قال ابن الصلاح: (^٣) وأما عدم ذكر الصوم فيه فهو إغفال من الراوى، وليس من الاختلاف الصادر عن رسول الله ﷺ؛ بل من اختلاف الرواة الصادر من تفاوتهم فى الضبط والحفظ» (^٤).\nوقد يكون ما أوهم التعارض سببه عدم اطلاع راوٍ على مارواه الآخر، من ذلك حديث السيدة عائشة ﵂: «قَالَتْ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ سَبَّحَ سُبْحَةَ\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١/ ١٨٣.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: مواقيت الصلاة، باب: (منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين)، رقم (٥٠١).\n(^٣) صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط وحمايته من الإسقاط والسقط، ابن الصلاح، ص ١٥٥.\n(^٤) الكواكب الدراري، ٤/ ١٧٧.","vol":"1","page":524},{"text":"الضُّحَى وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا» (^١).\nفإن قول السيدة عائشة ﵂ هذا يخالف الأحاديث الصحيحة في صلاة النبي ﷺ لصلاة الضحى، منها «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ لَا أَدَعُهُنَّ حَتَّى أَمُوتَ صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصَلَاةِ الضُّحَى، وَنَوْمٍ عَلَى وِتْرٍ» (^٢).\nفقال الكرماني مبينًا ذلك: «وسبب عدم رؤيتها أنه ﷺ ما كان يكون عند عائشة في وقت الضحى إلا في النادر؛ لكونه أكثر النهار في المسجد، أو في موضع آخر، وإذا كان عند نسائه فإنها كان لها يوم من تسعة أيام وثمانية، أو المراد ما داوم عليها فيكون نفيًا للمداومة لا أصلها» (^٣).\nوقد رد الكرماني على من لم يرَ صلاة الضحى محتجًا بحديث السيدة عائشة ﵂: «قال ابن بطال (^٤) أخذ قوم بحديث عائشة ولم يروا صلاة الضحى، وقالوا إن الصلاة التي صلّاها رسول الله ﷺ يوم الفتح ثمان ركعات إنما كانت لأجل الفتح وهي سنة الفتح.\nوهذا التأويل لا يدفع صلاة الضحى لتواتر الروايات بها عن النبي ﷺ، وليس في حديث عائشة نفيها لأنها أخبرت بما علمت، ولم تقل لم يصلها بل قالت\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: التهجد، باب: من لم يصلي الضحى ورآه واسعًا، رقم (١١١١).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: التهجد، باب: صَلَاةِ الضُّحَى فِي الْحَضَرِ، رقم (١١١٢).\n(^٣) الكواكب الدراري، ٧/ ٥.\n(^٤) شرح ابن بطال على البخاري، ٣/ ١٨٣.","vol":"1","page":525},{"text":"ما رأيت ومعناه ما رأيته معلنًا بها، وإن كان مذهب السلف الاستتار بها وترك إظهارها لئلا يروها واجبة» (^١).\nويدرج تحت ضبط الرواة (زيادة الثقة) التي جعلها الكرماني من مسائل التوفيق في الأحاديث التي أوهمت الاختلاف والإشكال، مثاله: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ تَوَضَّأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ غَيْرَ رِجْلَيْهِ، وَغَسَلَ فَرْجَهُ وَمَا أَصَابَهُ مِنَ الأَذَى، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ، ثُمَّ نَحَّى رِجْلَيْهِ فَغَسَلَهُمَا، هَذِهِ غُسْلُهُ مِنَ الْجَنَابَةِ» (^٢).\nقال الكرماني: «فإن قلت ما التلفيق بينه وبين رواية عائشة (^٣) قلت: زيادة الثقة مقبولة، فيُحمل المطلق على المقيد، فرواية عائشة محمولة على أن المراد بوضوء الصلاة أكثره وهو ما سوى الرجلين (^٤).\nفإن قلت الزيادة في رواية عائشة حيث أثبتت غسل الرجلين، قلت: مراد المحدثين بزيادة الثقة الزيادة في اللفظ وقال بعضهم كان رسول الله ﷺ يعيد غسل القدمين بعد الفراغ لإزالة الطين لا لأجل الجنابة، ويحتمل أن يقال أنه\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٧/ ٤.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الغسل، باب: الْوُضُوءِ قَبْلَ الْغُسْلِ، رقم (٢٤٨).\n(^٣) حديث عائشة: عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي الْمَاءِ، فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ شَعَرِهِ ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَاسِهِ ثَلَاثَ غُرَفٍ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى جِلْدِهِ كُلِّهِ، أخرجه البخاري، في نفس الكتاب والباب السابقين، رقم (٢٤٧).\n(^٤) وقال ابن حجر نحو هذا الكلام في فتح الباري، ١/ ٣٦١.","vol":"1","page":526},{"text":"ما كانا في وقتين مختلفين فلا منافاة بينهما» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-331>هـ - حمل المطلق على المقيد:</span>\nمعناه: معناه بيان المقيد للمطلق، أو تقييد المطلق بالمقيد (^٢).\nمثاله حديث: «عَنْ أَنَسٍ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، ثُمَّ سَمِعْتُهُ بَعْدُ يَقُولُ كَانَ يُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ قَبْلَ أَنْ يُبْنَى الْمَسْجِدُ» (^٣).\nفي الحديث ورد صلاة النبي ﷺ في مرابض الغنم مطلقًا، ثم قيّدها ببناء المسجد، أجاب الكرماني عن ذلك: «والغرض أنه قال أولًا مطلقًا وثانيًا مقيدًا بقيد بناء المسجد، وإذا ورد مطلقًا ومقيدًا سواء تقدم المطلق أو تأخر، يُحمل المطلق على المقيد عملًا بالدليلين، والمراد من المسجد مسجد رسول الله ﷺ» (^٤).\nومن ذلك حديث: «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ «إِذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ» (^٥) قال الكرماني: «فإن قلت لا يُعلم من الحديث مزج الماء في إحدى الغسلات بالتراب فمن أين حكم به؟ قلت: الأحاديث الأخرى الدالة عليه (^٦)، وهذا الحيث وإن كان مطلقا يقيد بذلك؛ لأن\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٣/ ١١٢.\n(^٢) الوجيز في أصول الفقه، د. محمد الزحيلي، ٢/ ٤٢.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: الصلاة، باب: الصلاة في مرابض الغنم، رقم (٤٢١).\n(^٤) الكواكب الدراري، ٤/ ٩١.\n(^٥) أخرجه البخاري، كتاب: الوضوء، باب: إِذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا، رقم (١٧١).\n(^٦) أخرج مسلم في صحيحه، كتاب: الطهارة، بَابُ: حُكْمِ وُلُوغِ الْكَلْبِ، رقم (٩١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ، أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ».","vol":"1","page":527},{"text":"المطلق والمقيد إذا اتحد سببهما حُمل المطلق عليه عملا بالدليلين» (^١).\nومن أمثلة حمل المطلق على المقيد التي استدل بها الكرماني ما أخرجه البخاري: «عن أَنَس بْن مَالِكٍ يَقُولُ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَالْمَرْأَةُ مِنْ نِسَائِهِ يَغْتَسِلَانِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ. زَادَ مُسْلِمٌ وَوَهْبٌ عَنْ شُعْبَةَ مِنَ الْجَنَابَةِ» (^٢). وحديث: «عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ غَسَلَ يَدَهُ» (^٣).\nقال الكرماني: «فإن قلت: كيف التوفيق بينه وبين حديث هشام إذا اغتسل من الجنابة غسل يده. قلت: ذلك مندوب وهذا جائز وقد يقال هذا مطلق وذاك مقيد فيحمل المطلق على المقيد فيحكم بالندب» (^٤).\nأي أن حديث أنس مطلق، وحديث عائشة مقيد، فيحمل حديث أنس على حديث عائشة.\n\n<span data-type='title' id=toc-332>و- تخصيص العام:</span>\nيأتي بمعنى: «إذا عُقّب اللفظ العام باستثناء أو تقييد بصيغة أو حكم\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٣/ ٩ - ١٠.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الغسل، باب: مسح اليد بالتراب ليكون أنقى، رقم، (٢٦١).\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: الغسل، باب: مسح اليد بالتراب ليكون أنقى، رقم، (٢٦٣).\n(^٤) الكواكب الدراري، ٣/ ١٢٦.","vol":"1","page":528},{"text":"خاص لا يتأتى في كل مدلوله بل في بعضه» (^١).\nيبين الكرماني طريقة للتوفيق بين الأحاديث وهي: «أن الخاص إذا عارض العام يُخصصه) مثاله حديث: «عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ المُؤَذِّنُ إِذَا أَذَّنَ، قَامَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ، حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُمْ كَذَلِكَ، يُصَلُّونَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ المَغْرِبِ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ شَيْءٌ.\nقَالَ عُثْمَانُ بْنُ جَبَلَةَ، وَأَبُو دَاوُدَ، عَنْ شُعْبَةَ: لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلاَّ قَلِيلٌ» (^٢).\nفيبين الكرماني وجه الجمع بين هذا الحديث والحديث الذي قبله: «عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ المُزَنِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ، ثَلَاثًا لِمَنْ شَاءَ» (^٣).\nقال الكرماني: «قلت: هذا خاص بأذان المغرب وإقامته، وذلك عام والخاص إذا عارض العام يُخصصه عند الشافعية (^٤)، سواء علم تأخره أم\n_________\n(^١) الإبهاج في شرح المنهاج، ٢/ ١٩٧، تاج الدين السبكي وولده، تاج الدين\nعبد الوهاب بن علي السبكي.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الأذان، بَابُ: كَمْ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ وَمَنْ يَنْتَظِرُ الإِقَامَةَ، رقم (٦٠٠).\n(^٣) أخرجه البخاري، في نفس الكتاب والباب السابقين، رقم (٦٠١).\n(^٤) «ويجوز التخصيص مطلقا عند الأئمة الأربعة والأكثر، أي: سواء كان العام أمرًا أو نهيًا أو خبرًا، خلافًا لبعض الشافعية، وبعض الأصوليين في الخبر، وعن بعضهم وفي الأمر»، شرح الكوكب المنير، ابن النجار، ٣/ ٢٦٩، وقال المحققان د. محمد الزحيلي، ود. نزيه حمّاد، اشترط الحنفية في تخصيص العام أن يكون مقارنا له، ولا يصح أن يكون متراخيا، وإلا كان نسخا، ينظر حاشية التحقيق، ٣/ ٢٦٩.","vol":"1","page":529},{"text":"لا فالمراد بقوله كل أذانين غير أذاني المغرب» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-333>ز - نفي اعتبار مفهوم العدد:</span>\nيقصد بمفهوم العدد: تقييد الخطاب بعدد مخصوص وتعليق الحكم به، فيدل على نفي الحكم عما عدا ذلك العدد زائدا أو ناقصا (^٢).\nوهو حجة عند الإمام مالك والشافعي وأحمد، ومن قال بالممفهوم، ومنعه المعتزلة وآخرون (^٣).\nوقد يدل الدليل والقرينة من سياق الكلام، أو من خارجه عن العدد على أنه مقصود بذاته لا غير كقوله تعالى ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] أو قد يدل على على عدم نفي الزائد، أو أن مفهمومه غير مقصود إذا جاء للمبالغة\nمثلًا، يقول علاء الدين الصالحي (^٤): «فائدة: محل الخلاف في ذلك في عدد لم\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٥/ ٢٣.\n(^٢) ينظر: شرح الكوكب المنير، ٣/ ٥٠٩.\n(^٣) ينظر: شرح الكوكب المنير، ٣/ ٥٠٩، وأصول الفقه لابن مفلح، ٣/ ١٠٩٦، والتحبير شرح التحرير، الصالحي، ٦/ ٢٩٤١.\n(^٤) علي بن سليمان المرداوى، الإمام العلاّمة، علاء الدين على المرداوى الأصل، الصالحي الحنبلي، الفقيه النحوي الأصولي، المحدث الفرضي، أخذ عن: تقى الدين بن قندس، ومحمد السبكي، ودرّس وأفتى في المدرسة الضيائية، وناب في القضاء، له المقنع، والخلاصة، والتحبير، (ت ٨٨٥ هـ). ينظر: الجوهر المنضد في طبقات متأخري أصحاب أحمد، لابن المبرد الحنبلي ١/ ٩٩ - ١٠٠.","vol":"1","page":530},{"text":"يقصد به التكثير كالألف والسبعين، ونحوهما مما يستعمل في لغة العرب للمبالغة.\nقال ابن فورك وغيره: فإن قولهم العدد نصوص إنما هو حيث لا قرينة تدل على إرادة المبالغة، نحو: جئتك ألف مرة فلم أجدك. قال: وبذلك يعلم ضعف الاحتجاج بقوله ﷺ لما نزل: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] «لأزيدن على السبعين»، فعمل رسول الله ﷺ بالمفهوم فيه، وذلك من أشهر حجج المعتبرين لمفهوم العدد» (^١).\nوكان الإمام الكرماني رحمه الله تعالى يوفق ويجمع بين الأحاديث عن طريق مفهوم عدم اعتبار العدد.\nمثاله: حديث النبي ﷺ الذي أخرجه البخاري في صحيحه عن فضل صلاة الجماعة: «عن أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «صَلَاةُ الْجَمِيعِ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ، وَصَلَاتِهِ فِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً …» (^٢).\nوقد ورد في رواية أخرى عند البخاري فيها اختلاف في عدد الدرجات، «عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: صَلَاةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» (^٣).\nفأجاب الكرماني عن ذلك من عدة وجوه فقال: «أحدهما: أنه لا منافاة\n_________\n(^١) التحبير شرح التحرير، ٦/ ٢٩٤١.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الصلاة، باب: الصَّلَاةِ في مَسْجِدِ السُّوقِ، رقم (٤٦٦).\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: الأذان، باب: فضل صلاة الجماعة، رقم (٦٢١).","vol":"1","page":531},{"text":"بينهما إذ ذكر القليل لا ينفي الكثير لأن مفهوم العدد لا اعتبار له، وثانيها: أن يكون أخبر أولا بالقليل، ثم أعلمه الله بزيادة الفضل فأخبر بها، وثالثها: أنه يختلف باختلاف أحوال المصلى بحسب كمال الصلاة ومحافظته على هيئاتها، وخشوعها وكثرة جماعتها وشرف البقعة ونحوها» (^١).\nومثله: «عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ افْتَقَدَ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللهِ أَنَا أَعْلَمُ لَكَ عِلْمَهُ فَأَتَاهُ فَوَجَدَهُ جَالِسًا فِي بَيْتِهِ مُنَكِّسًا رَاسَهُ فَقَالَ لَهُ مَا شَانُكَ فَقَالَ شَرٌّ كَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَأَتَى الرَّجُلُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ مُوسَى فَرَجَعَ إِلَيْهِ الْمَرَّةَ الْآخِرَةَ بِبِشَارَةٍ عَظِيمَةٍ فَقَالَ اذْهَبْ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ إِنَّكَ لَسْتَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَلَكِنَّكَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» (^٢).\nفي هذا الحديث يُخبر ﷺ أن ثابت بن قيس من أهل الجنة، وهو لا ينافي حديث العشرة المبشرين بالجنة، أخرج الترمذي في سننه: «عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ، حَدَّثَهُ فِي نَفَرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: عَشَرَةٌ فِي الجَنَّةِ: أَبُو بَكْرٍ فِي الجَنَّةِ، وَعُمَرُ فِي الجَنَّةِ، وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ وَطَلْحَةُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ. قَالَ: فَعَدَّ هَؤُلَاءِ التِّسْعَةَ وَسَكَتَ عَنِ العَاشِرِ، فَقَالَ القَوْمُ: نَنْشُدُكَ اللهَ يَا أَبَا الأَعْوَرِ مَنِ العَاشِرُ؟ قَالَ: نَشَدْتُمُونِي بِاللهِ، أَبُو الأَعْوَرِ فِي الجَنَّةِ.\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٤/ ١٣٩.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: تفسير القرآن، بَاب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، رقم (٤٥٢٦).","vol":"1","page":532},{"text":"أَبُو الأَعْوَرِ هُوَ: سَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ» (^١).\nقال الكرماني: «فإن قلتَ هذا صريح في أنه من أهل الجنة أي ثابت بن قيس فما معنى قولهم العشرة المبشرة بالجنة؟ قلت: مفهوم العدد لا اعتبار له،\nلا ينتفي الزائد، والمقصود من العشرة الذين قال فيهم رسول الله ﷺ بلفظ بشره بالجنة، أو المبشرون بدفعة واحدة في مجلس واحد، ولابد من التأويل بالإجماع، إذ بالإجماع أزواج الرسول وفاطمة والحسنان ونحوهم من أهل الجنة» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-334>٢ - الترجيح:</span>\n<span data-type='title' id=toc-335>تعريف الترجيح:</span>\n«تغليب بعض الأمارات على بعض في سبيل الظن» (^٣).\nمذهب الجمهور يقدم الترجيح على النسخ، خلافا للحنفية الذين قالوا يُقدم النسخ على الترجيح (^٤).\nوقد عد الإمام الكرماني على ترجيح بعض الأحاديث على بعض عند تعذر الجمع بينها، من ذلك ترجيح ما في الصحيح على ما في غيره، وذلك عن طريق استدلاله بأقوال العلماء في الحكم على الحديث الذي أوهم المخالفة.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي، في أبواب المناقب، بَاب: مَنَاقِبِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ عَوْفٍ الزُّهْرِيِّ ﵁، رقم، (٣٤٨).\n(^٢) الكواكب الدراري، ١٨/ ١٠٢.\n(^٣) البرهان في أصول الفقه، الجويني، ٢/ ١٧٥، وينظر: الإبهاج في شرح المنهاج، ٣/ ٢٠٨.\n(^٤) التمهيد شرح مختصر الأصول من علم الأصول، المنياوي، ص ١١٠.","vol":"1","page":533},{"text":"مثاله قال البخاري: «عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَتَوَضَّئُونَ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ جَمِيعًا» (^١).\nفبعد أن ساق الكرماني أقوال العلماء في هذه المسألة بيّن ما يعارضه فقال: «ما روى أنه ﷺ نهى أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة (^٢). قلت: حديث الإباحة أصح.\nفإن قلت مقتضاه الإباحة إذا استعملا جميعًا والتنازع إنما هو فيما إذا ابتدأ أحدهما قبل الآخر. قلت: النجاسات إذا وقعت في الماء قبل أن يتوضأ منه أو مع التوضؤ منه حكمهما سواء فلما كان وضوء كل واحد من الرجل والمرأة مع صاحبه لا ينجس الماء عليه كان وضوؤه بعده من فضلها كذلك بناء على أن حكم القبلية والمعية واحد.\nالنووي: (^٣) أجاب العلماء عن حديث النهي بأجوبة أولها أنه ضعيف ضعّفه البخاري وغيره ثانيها: أن المراد النهي عن فضل أعضائها وهو المتساقط عنها ثالثها أن النهي للاستحباب لا للإيجاب» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الوضوء، باب: وضوء الرجل مع امراته وفضل وضوء المرأة وتوضأ عمر بالحميم ومن بيت نصرانية، رقم (١٩٢).\n(^٢) أخرج أبو داود في سننه، كتاب: الطهارة، باب: النهي عن الوضوء بفضل المرأة، رقم (٨١) «نهى رسولُ الله ﷺ أن تَغتَسِلَ المرأةُ بفَضلِ الرجلِ، أو يَغتَسِلَ الرجلُ بفَضلِ المرأةِ. زاد مُسدَّدٌ: وليَغتَرِفا جميعًا، وأخرجه النسائي في الكبرى، كتاب: الطهارة، باب: النَّهْيُ عَنِ الِاغْتِسَالِ بِفَضْلِ الْجُنُبِ، رقم (٢٣٥).\n(^٣) شرح النووي على مسلم، ٢/ ٣.\n(^٤) الكواكب الدراري، ٣/ ٤١.","vol":"1","page":534},{"text":"ومن ذلك حديث السيدة عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لها بشأن الظفائر: «انْقُضِي رَاسَكِ، وَامْتَشِطِي، وَأَمْسِكِي عَنْ عُمْرَتِكِ …» (^١) قال الكرماني ناقلًا عن ابن بطال «ما روي عن ابن عمر أنه كان يأمر النساء بالنقض وقال طاووس تنقض الحائض لا الجنب أنه لا يجب على المرأة أن تنقض شعرها عند الاغتسال من الجنابة، إذا أوصلت الماء إلى أصول الشع، … وحجتهم حديث أم سلمة أنها قالت: «يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه للجنابة قال لا إنما يكفيك أن تحثي عليه ثلاث حثيات» (^٢)، وحديث عائشة أصح إسنادًا غير أن العمل عند الفقهاء على حديث أم سلمة، وجمع حماد بين الحديثين فقال إن كانت ترى أن الماء أصاب أصول الشعر أجزأ عنها وإن كانت ترى أنه لم يصب فلتنقضه» (^٣).\nومنه حديث: «عن ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ» (^٤).\nقال الكرماني ناقلًا عن النووي: قال أبو حنيفة يصح نكاح المحرم استدلالًا بحديث ميمونة وهو رواية ابن عياش وأجيب عنه بأن ميمونة نفسها روت أنه تزوجها حلالا قال الشاعر:\nقتلوا ابن عفان الخليفة محرما (^٥)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الحيض، باب: امتشاط المرأة عند غسلها من المحيض، رقم (٣١٢).\n(^٢) أخرجه مسلم، كتاب: الحيض، بَابُ: حُكْمِ ضَفَائِرِ الْمُغْتَسِلَةِ، رقم (٥٨).\n(^٣) الكواكب الدراري، ٣/ ١٨٤.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب: النكاح، بَاب: نِكَاحِ الْمُحْرِمِ، رقم (٤٧٩٢).\n(^٥) وتكملة البيت: «ودعا فلم أر مثله مخذولا» والبيت للراعي النُميري، ينظر لسان العرب، ١٢/ ١٢٣.\nوقال ابن الأثير: «كل مسلم عن مسلم محرم يقال إنه لمحرم عنك: أي يحرم أذاك عليه. ويقال: مسلم محرم، وهو الذي لم يحل من نفسه شيئا يوقع به. يريد أن المسلم معتصم بالإسلام ممتنع بحرمته ممن أراده أو أراد ماله.\nومنه حديث عمر «الصيام إحرام» لاجتناب الصائم ما يثلم صومه. ويقال للصائم محرم. ومنه قول الراعي:\nقتلوا ابن عفان الخليفة محرما … ودعا فلم أر مثله مخذولا وقيل: أراد لم يحل من نفسه شيئا يوقع به. ويقال للحالف محرم لتحرمه به.» النهاية في غريب الحديث والأثر، ١/ ٣٧٢.","vol":"1","page":535},{"text":"وهي أعرف بالقضية من ابن عباس؛ لتعلقها بها وبأن المراد من المُحرم أنه في الحرم، ويقال لمن قتلوا ابن عفان الخليفة محرمًا أي: في حرم المدينة، وبأن فعله معارض بقوله: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ» (^١) وإذا تعارضا يُرجح القول بأن ذلك من خصائصه ﵊» (^٢).\nوتارة يعمد الكرماني إلى ترجيح رواية على رواية، إذا ظهرت له قرينة كالإثبات ففيه زيادة علم، مثال قال البخاري: «عن مجاهد أُتِيَ ابْنُ عُمَرَ فَقِيلَ لَهُ هَذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ دَخَلَ الْكَعْبَةَ. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ فَأَقْبَلْتُ وَالنَّبِيُّ ﷺ قَدْ خَرَجَ، وَأَجِدُ بِلَالًا قَائِمًا بَيْنَ الْبَابَيْنِ، فَسَأَلْتُ بِلَالًا فَقُلْتُ أَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ فِي الْكَعْبَةِ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، كتاب: النكاح، بَابُ: تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ، وَكَرَاهَةِ خِطْبَتِهِ، رقم (١٤٠٩).\n(^٢) الكواكب الدراري، ١٩/ ٨٨.","vol":"1","page":536},{"text":"قَالَ نَعَمْ رَكْعَتَيْنِ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ عَلَى يَسَارِهِ إِذَا دَخَلْتَ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى فِي وَجْهِ الْكَعْبَةِ رَكْعَتَيْنِ» (^١).\nويعارضه حديث ابن عباس «قَالَ لَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْبَيْتَ دَعَا فِي نَوَاحِيهِ كُلِّهَا، وَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى خَرَجَ مِنْهُ، فَلَمَّا خَرَجَ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي قُبُلِ الْكَعْبَةِ وَقَالَ «هَذِهِ الْقِبْلَةُ» (^٢).\nفبين الكرماني أن حديث ابن عباس مرسل، لأنه لم يثبت أنه دخل الكعبة مع النبي ﷺ فيقدّم عليه حديث بلال ﵁ … وقال في موضع آخر ناقلًا عن النووي: «قال وأجمع أهل الحديث باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾؛ لأنه مثبت فمعه زيادة علم فوجب ترجيحه» (^٣).\nوقاعدة تقديم المثبت على النافي هي قاعدة معروفة عند الأصولييين، حتى إنهم مثّلوا بحديث صلاة النبي ﷺ في الكعبة، من عدمها، استدلالا بكلا الحديثين «ويقدم الخبر المثبت «على النافي»، يعني الدال على ثبوت الحكم على الخبر الدال على نفيه، كإثبات بلال ﵁ صلاة النبي ﷺ في الكعبة على رواية ابن عباس في نفيها، لأن عند المثبت زيادة علم ممكنة وهو عدل جازم بها» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الصلاة، باب: قَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، رقم (٣٩٠).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الصلاة، باب: قَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، رقم (٣٩١).\n(^٣) ينظر الكواكب الدراري، ٤/ ٦١ - ٦٢، و٨/ ١١٩.\n(^٤) شرح مختصر الروضة، الطوفي، ٣/ ٧٠٠.","vol":"1","page":537},{"text":"إلا أن الكرماني مع ترجيحه هذا لم يخلو كلامه من التوفيق بين المعاني بسبب ورود حديث آخر في صحيح مسلم وهو: «عن أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا دَخَلَ الْبَيْتَ، دَعَا فِي نَوَاحِيهِ كُلِّهَا، وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ حَتَّى خَرَجَ، فَلَمَّا خَرَجَ رَكَعَ فِي قُبُلِ الْبَيْتِ رَكْعَتَيْنِ، وَقَالَ «هَذِهِ الْقِبْلَةُ»، قُلْتُ لَهُ: مَا نَوَاحِيهَا؟ أَفِي زَوَايَاهَا؟ قَالَ: بَلْ فِي كُلِّ قِبْلَةٍ مِنَ الْبَيْتِ» (^١).\nفعلل تعليلا حسنًا ناقلا عن النووي: «وأما نفي من نفى كأسامة فسببه: أنهم لما دخلوا الكعبة أغلقوا الباب، واشتغلوا بالدعاء فرأى أسامة النبي ﷺ يدعو؛ فاشتغل هو أيضا بالدعاء فى ناحية من نواحى البيت، والرسول ﷺ فى ناحية أخرى وبلال قريب منه ثم صلى النبي ﷺ، فرآه بلال لقربه ولم يره أسامة لبُعده مع خفة الصلاة وإغلاق الباب واشتغاله بالدعاء، وجاز له نفيها عملا بظنه» (^٢).\nإلا أن هناك في مسلم كذلك مايُفيد أن أسامة ﵁ يُثبت صلاة النبي ﷺ في جوف الكعبة: «عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ الْكَعْبَةَ هُوَ وَأُسَامَةُ، وَبِلَالٌ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ الْحَجَبِيُّ، فَأَغْلَقَهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ مَكَثَ فِيهَا. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَسَأَلْتُ بِلَالًا، حِينَ خَرَجَ: مَا صَنَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ قَالَ: «جَعَلَ عَمُودَيْنِ عَنْ يَسَارِهِ، وَعَمُودًا عَنْ يَمِينِهِ، وَثَلَاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ وَكَانَ الْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ ثُمَّ صَلَّى» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، كتاب: الحج، باب: استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره، والصلاة فيها، والدعاء في نواحيها كلها، رقم (٣٩٥).\n(^٢) شرح النووي على مسلم، ٩/ ٨٢.\n(^٣) أخرجه مسلم، كتاب: الحج، باب: استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره، والصلاة فيها، والدعاء في نواحيها كلها، رقم (٣٨٨).","vol":"1","page":538},{"text":"فقال الكرماني ما يوفق بين الأحاديث فقال: «وقال بعض العلماء يحُتمل أنه ﷺ دخل البيت مرتين، مرة صلى فيه ومرة دعا ولم يصل، فلم تتضاد الأخبار والله أعلم» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-336>٣ - الحكم بالنسخ:</span>\nإذا تعذّر الجمع بين الروايات أو ترجيح رواية على أخرى بإحدى القرائن، يُصار إلى النسخ.\n\nو<span data-type='title' id=toc-337>تعريف النسخ:</span> رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر (^٢).\nوعلم الناسخ والمنسوخ علم مهم لا يعرفه كل أحد، وقد أعجز العلماء.\nقال الزهري: «أعيا الفقهاء وأعجزهم أن يعرفوا ناسخ حديث رسول الله ﷺ من منسوخه» (^٣).\nويُروى أن سيدناعلي ﵁ مرّ على قاضٍ فقال له: «فقال له: هل تعلم الناسخ من المنسوخ، قال: لا، قال: هلكت، وأهلكت» (^٤).\nوقال ابن الصلاح: «إذا تضادّ حديثان فإما أن يظهر كون أحدهما ناسخا\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٤/ ٦١.\n(^٢) الموافقات، الشاطبي، ٣/ ٣٤١.\n(^٣) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، ٣/ ٣٦٥.\n(^٤) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب: آداب القاضي، باب: إثم من أفتتن أو قضى بالجهل، رقم (٢٠٣٦٠).","vol":"1","page":539},{"text":"والآخر منسوخا، فيعمل بالناسخ ويُترك المنسوخ» (^١).\nوقد كان صحابة النبي ﷺ يعملون بالأحدث والمتأخر من حديث\nرسول الله ﷺ «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ، ثُمَّ أَفْطَرَ» قَالَ: وَكَانَ صَحَابَةُ\nرَسُولِ اللهِ ﷺ يَتَّبِعُونَ الْأَحْدَثَ فَالْأَحْدَثَ مِنْ أَمْرِهِ … قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَكَانُوا يَتَّبِعُونَ الْأَحْدَثَ فَالْأَحْدَثَ مِنْ أَمْرِهِ، وَيَرَوْنَهُ النَّاسِخَ الْمُحْكَمَ» (^٢).\nوكان الكرماني (^٣) يبين ناسخ الحديث من منسوخه، من ذلك، وجوب الغُسل عند الجماع وإن لم يُنزل، فبيّن قول بعض الصحابة أن الغسل لا يجب إلا بالإنزال، ورجوع بعضهم، وبين الكرماني أن حكم الجماع من دون إنزال يُوجب الغسل، لأنه منسوخ بحديث «إِذَا جَاوَزَ الخِتَانُ الخِتَانَ وَجَبَ الغُسْلُ» (^٤).\nومنسوخ بحديث: عن عائشة ﵂ عندما سئلت عن موجبات الغسل فقالت: «إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان فقد وجب الغسل» (^٥).\n_________\n(^١) علوم الحديث، ١/ ٢٨٦.\n(^٢) أخرجه مسلم، كتاب: الصيام، بَابُ: جَوَازِ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لِلْمُسَافِرِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، رقم (٨٨).\n(^٣) ينظر الكواكب الدراري، ٣/ ١٨، و٣/ ١٥٢.\n(^٤) أخرجه الترمذي، كتاب: الطهارة، بَابُ: مَا جَاءَ إِذَا التَقَى الخِتَانَانِ وَجَبَ الغُسْلُ، رقم (١٠٩).\n(^٥) أخرجه مسلم، في كتاب: الحيض، بَابُ: نَسْخِ الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ وَوُجُوبِ الْغُسْلِ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ، رقم (٨٨).","vol":"1","page":540},{"text":"ومن ذلك: الصيام في السفر في بداية الأمر إلا أنه نُسخ لعدم الصيام «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ فِي رَمَضَانَ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَمَعَهُ عَشَرَةُ آلَافٍ، وَذَلِكَ عَلَى رَاسِ ثَمَانِ سِنِينَ وَنِصْفٍ مِنْ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ، فَسَارَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى مَكَّةَ، يَصُومُ وَيَصُومُونَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ وَهْوَ مَاءٌ بَيْنَ عُسْفَانَ وَقُدَيْدٍ أَفْطَرَ وَأَفْطَرُوا. قَالَ الزُّهْرِيُّ وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الآخِرُ فَالآخِرُ» (^١).\nقال الكرماني: «يؤخذ أي يجعل الأخر اللاحق ناسخا للأول السابق والصوم في السفر كان أولا والإفطار أخرا» (^٢).\nوقال في موضع آخر: «فقال البخاري إنما يؤخذ بالآخر من فعل\nرسول الله ﷺ لأنه ناسخ للأول وقد أفطر عند الكديد» (^٣).\nومن ذلك نسخ النهي عن تخزين لحم الأضحية فوق ثلاث، مبينًا الخلاف في ذلك قال البخاري: «عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ الضَّحِيَّةُ كُنَّا نُمَلِّحُ مِنْهُ، فَنَقْدَمُ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ فَقَالَ «لَا تَاكُلُوا إِلاَّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ». وَلَيْسَتْ بِعَزِيمَةٍ، وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ يُطْعِمَ مِنْهُ وَاللهُ أَعْلَمُ» (^٤).\nقال الكرماني: «قوله: عزيمة أي ليس النهي للتحريم ولا ترك الأكل بعد\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: المغازي، باب: غزوة الفتح في رمضان، رقم (٣٩٨٨).\n(^٢) الكواكب الدراري، ١٦/ ٢٢٩.\n(^٣) الكواكب الدراري، ١٢/ ١٩٦.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب: الأضاحي، باب: مَا يُؤْكَلُ مِنْ لُحُومِ الأَضَاحِيِّ وَمَا يُتَزَوَّدُ مِنْهَا، رقم (٥٢٢٢).","vol":"1","page":541},{"text":"الثلاثة واجبًا؛ بل كان غرضه أن يصرف شيء منه إلى الناس واختلفوا في الأخذ بهذه الأحاديث فقال قوم يحرم إمساك لحوم الأضاحي والأكل منها بعد ثلاث وأن حكمه باق.\nوقال الجمهور يباح الأكل والإمساك بعد الثلاث والنهي منسوخ، وهذا من باب نسخ السنة بالسنة، وقال بعضهم ليس هذا نسخًا بل كان التحريم لعلة فلما زالت زال الحكم وقيل كان النهي للكراهة لا للتحريم والكراهة باقية إلى اليوم» (^١).\nقلت: منسوخ بحديث أخرجه مسلم، وبوّب مسلم أنه منسوخ: «إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ، فَكُلُوا وَادَّخِرُوا وَتَصَدَّقُوا» (^٢).\nومن خلال الاستقراء والتتبع تبين أن الكرماني لاينبه على بعض الأحاديث المنسوخة، وتراه ينشغل عنها بذكر أقوال الفقهاء، وتارة يميل إلى الاختصار.\n\n<span data-type='title' id=toc-338>خامسًا منهج الكرماني في مشكل الحديث:</span>\nكان من منهج الكرماني ﵀ أن يُجيب عن الأحاديث التي ظاهرها الإشكال، ويستعين بآراء العلماء في ذلك.\nمثال ذلك: «عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ جَاءَتْنِي بَرِيرَةُ فَقَالَتْ كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ فِي كُلِّ عَامٍ وَقِيَّةٌ فَأَعِينِينِي فَقُلْتُ إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٢٠/ ١٣٥.\n(^٢) أخرجه مسلم، كتاب: الأضاحي، باب: بَيَانِ مَا كَانَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ بَعْدَ ثَلَاثٍ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، وَبَيَانِ نَسْخِهِ وَإِبَاحَتِهِ إِلَى مَتَى شَاءَ، رقم (٨٨).","vol":"1","page":542},{"text":"وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أَهْلِهَا فَقَالَتْ لَهُمْ فَأَبَوْا ذَلِكَ\nعَلَيْهَا فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ فَقَالَتْ إِنِّي قَدْ عَرَضْتُ\nذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ خُذِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلَاءَ فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ …» (^١).\nقال الكرماني عن النووي: «فإن قلت: إن هذا مشكل من حيث أن هذا الشرط يفسد العقد ومن حيث أنها خدعت البائعين حيث شرطت لهم ما لا يحصل، وكيف أذن رسول الله ﷺ لعائشة في ذلك؟ قلت أُوّلَ بأن معناه واشترطي عليهم كقوله تعالى ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] أو أظهري لهم حكم الولاء أو بأن المراد التوبيخ لهم لأنه ﷺ كان قد بيّن لهم أن هذا الشرط لا يصح، فلما ألحوا في اشتراطه قال ذلك أي لا تبالي به سواء شرطته أم لا، والأصح أنه من خصائص عائشة لا عموم له، والحكم في إذنه ثم إبطاله أن يكون أبلغ في قطع عادتهم وزجرهم عن فعله» (^٢).\nوأحيانًا يستعين الكرماني برأي العلماء كلٌ في تخصصه كالأطباء مثلًا إن كان الموضوع له علاقة بالطب. مثال على ذلك:\nحديث: «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ شَرْطَةِ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: البيوع، بَاب: إِذَا اشْتَرَطَ شُرُوطًا فِي الْبَيْعِ لَا تَحِلُّ، رقم (٢٠٣٦).\n(^٢) الكواكب الدراري، ١٠/ ٤١، و١١/ ١٠٥.","vol":"1","page":543},{"text":"مِحْجَمٍ، أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ، أَوْ كَيَّةٍ بِنَارٍ، وَأَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الْكَيِّ» (^١).\nفبيّن الكرماني اعتراض البعض من أنه إذا كان الشفاء في الكي فلا معنى للنهي لأنه صار تناقضًا، فأجاب عن ذلك: «قلت: النهي من أجل أنهم كانوا يرون أنه يحسم الداء ويبرئه. فنهى أمته عنه على ذلك الوجه، وأباح استعماله على معنى طلب الشفاء من الله تعالى والترجي للبرء بما يحدث الله تعالى من صنيعه أو النهي إذا استعمل على سبيل الاحتراز من حدوث المرض، وقبل الاضطرار إليه أو إذا كان ألمه زائدًا على ألم المرض مع أنه نهى تنزيه لا ينافي الجواز» (^٢).\nومن ذلك حديث: «أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ أَخِي يَشْتَكِي بَطْنَهُ. فَقَالَ «اسْقِهِ عَسَلًا». ثُمَّ أَتَى الثَّانِيَةَ فَقَالَ «اسْقِهِ عَسَلًا». ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ فَعَلْتُ. فَقَالَ «صَدَقَ اللهُ، وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ، اسْقِهِ عَسَلًا». فَسَقَاهُ فَبَرَأَ» (^٣).\nيرد الكرماني في هذا الحديث على بعض الملاحدة الذين قالوا أن العسل من مُسهلات البطن، والرجل يشكو من الإسهال، فأجاب: «النووي (^٤): اعترض بعض الملاحدة فقال: العسل مُسهّل فكيف يسقي لصاحب الإسهال،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الطب، باب: الدَّوَاءِ بِالْعَسَلِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾، رقم (٥٣٣٠).\n(^٢) الكواكب الدراري، ٢٠/ ٢٠٦.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: الطب، باب: الدَّوَاءِ بِالْعَسَلِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾، رقم (٥٣٣٣).\n(^٤) شرح مسلم، ١٤/ ١٩١.","vol":"1","page":544},{"text":"وهذا جهل من المعترض وهو كما قال تعالى ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ فإن الإسهال يحصل من أنواع كثيرة، ومنها: الإسهال الحادث من الهيضة، وقد أجمع الأطباء بأن علاجه: بأن تترك الطبيعة وفعلها وإن احتاجت إلى معين على الإسهال أعينت. فيحتمل أن يكون إسهاله من الهيضة فأمره بشرب العسل معاونة إلى أن فنيت المادة فوقف الإسهال، فالمعترض جاهل ولسنا نقصد الاستظهار لتصديق الحديث بقول الأطباء، بل لو كذبوه لكذبناهم وكفرناهم، وقد يكون ذلك من باب التبرك، ومن دعائه وحسن أثره، ولا يكون ذلك حكمًا عامًا لكل الناس، وقد يكون ذلك خارقًا للعادة من جملة المعجزات» (^١).\nومنه حديث: «عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ قَالَتْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ «عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْعُودِ الْهِنْدِيِّ، فَإِنَّ فِيهِ سَبْعَةَ أَشْفِيَةٍ، يُسْتَعَطُ (^٢) بِهِ مِنَ الْعُذْرَةِ (^٣)، وَيُلَدُّ (^٤) بِهِ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ».\nبيّن الكرماني معنى: (ذات الجَنب) هو ورم في الغشاء المستبطن للأضلاع، وذكرالكرماني اعتراض بعض الأطباء على المداوة بالعود الهندي فقال: «اعترض عليه بأن الأطباء قالوا: مداواة ذات الجنب به مما فيه من الحرارة الشديدة خطر،\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٢٠/ ٢٠٨.\n(^٢) وهو وَهُوَ الْقُسْطُ فِي أنف المريض، ينظر غريب الحديث، إبراهيم الحربي، ١/ ٢٦٩.\n(^٣) وهو وجعٌ في الحلقِ، ينظر الغريب المصنف، ابن سلّام الهروي، ٢/ ٤٨٤، والفائق في غريب الحديث، الزمخشري، ١/ ٤٢٨.\n(^٤) وهو وجع يأخذ في الفم والحلق)، فيجعل عليه دواء ويوضع على الجبهة من دمه، ينظر تاج العروس، مادة (لدد) ٩/ ١٣٨، والكواكب الدراري، ٢٠/ ٢١٣.","vol":"1","page":545},{"text":"قال ابن سيناء (^١): (هو حار في الدرجة الثالثة يابس في الثانية) (^٢) فأجيب بأنهم أيضًا قالوا: أنه يستعمل حيث يحتاج إلى جذب الخلط من باطن البدن إلى ظاهره مع أن الشيء الذي هو خارج عن القواعد الطبية داخل في المعجزات» (^٣).\nومن ذلك حديث: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ دَخَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَوَجَدَ لَبَنًا فِي قَدَحٍ فَقَالَ أَبَا هِرٍّ الْحَقْ أَهْلَ الصُّفَّةِ فَادْعُهُمْ إِلَيَّ قَالَ فَأَتَيْتُهُمْ فَدَعَوْتُهُمْ فَأَقْبَلُوا فَاسْتَاذَنُوا فَأُذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُوا» (^٤).\nبيّن الكرماني أن في هذا الحديث أنه لابد للمدعو من الاستئذان، والحديث الذي قبله على عكسه وهو: «عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ كُنْتُ فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الْأَنْصَارِ إِذْ جَاءَ أَبُو مُوسَى كَأَنَّهُ مَذْعُورٌ فَقَالَ اسْتَأذَنْتُ عَلَى عُمَرَ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي فَرَجَعْتُ فَقَالَ مَا مَنَعَكَ قُلْتُ اسْتَأذَنْتُ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي فَرَجَعْتُ وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا اسْتَأذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ فَقَالَ\n_________\n(^١) هو أبو علي الحسين بن عبدالله بن علي بن سينا، صاحب المصنفات في الطب والرياضيات والفلسفة والطبيعة وغيرها، نشأ وتعلم في بخارى، وطاف البلاد، وناظر العلماء، له كتاب: المعاد، وأسرار الحكمة المشرقية، (ت ٤٢٨) عيون الأنباء في طبقات الأطباء، ابن أبي أصيبعة، ١/ ٤٣٧، ووفيات الأعيان، ابن خلكان، ٢/ ١٥٧، والأعلام للزركلي، ٢/ ٢٤١ - ٢٤٢.\n(^٢) عيون الحكمة، ابن سينا، ص ٣١.\n(^٣) الكواكب الدراري، ٢٠/ ٢١٣.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب: الاستئذان، بَاب: إِذَا دُعِيَ الرَّجُلُ فَجَاءَ هَلْ يَسْتَأذِنُ، رقم (٥٨٦٨).","vol":"1","page":546},{"text":"وَاللهِ لَتُقِيمَنَّ عَلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ أَمِنْكُمْ أَحَدٌ سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ» (^١).\nفيجيب الكرماني عن هذا الإشكال بقوله: «قال الملهب إذا دعي فأتى مجيبا للدعوة ولم يتراخ المدة أو كان في الموضع المدعو إليه مدعو آخر مأذونًا له فهذا دعاؤه إذنه وإن تراخت ولم يسبقه أحد في الدخول فلا وهذا وجه الجمع بينهما» (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الاستئذان، بَاب: التَّسْلِيمِ وَالِاسْتِئْذَانِ ثَلَاثًا، رقم (٥٨٦٧).\n(^٢) الكواكب الدراري، ٢٢/ ٨٦ - ٨٧.","vol":"1","page":547},{"text":"الباب الرابع\nمنهج الكرماني وطريقته\nفي علوم مصطلح الحديث وعلله\n* الفصل الأول: جهوده المتعلقة بعلم مصطلح الحديث.\n* الفصل الثاني: جهود الكرماني في العلوم المتعلقة بعلم العلل.","vol":"1","page":549},{"text":"<span data-type='title' id=toc-339>الباب الرابع\nمنهج الكرماني وطريقته\nفي علوم مصطلح الحديث وعلله</span>\n<span data-type='title' id=toc-340>الفصل الأول\nجهوده المتعلقة بعلم مصطلح الحديث</span>\nمن منهج الكرماني أنه كان في ثنايا شرحه يذكر الأمور الاصطلاحية، ويعرفها ويناقشها، ويذكر آراء العلماء فيها، وأحيانًا يذكر رأيه الشخصي الذي انفرد به عن إجماع العلماء سواء أكان تعريفا اصطلاحيًا، أوقول في مسألة ما (^١).\nوفي هذا الفصل أذكر هذه المسائل مع مناقشتها.\n\n<span data-type='title' id=toc-341>المبحث الأول\nمعنى الحديث والخبر والأثر والحديث القدسي عند الكرماني</span>\n١ - عرف الكرماني الحديث: بأنه ما أُضيف إلى النبي ﷺ دون الصحابة والتابعين» وبين أن موضوعه هو ذات رسول الله ﷺ وحده (^٢)، وغايته الفوز\n_________\n(^١) وهناك بعض مسائل المصطلح ذكرتها فيما سبق في مكانها كالاعتبار والمتابعات وغيرها.\n(^٢) تعقب السيوطي هذا القول فقال: وهذا الحد مع شموله لعلم الاستنباط غير محرر، ولم يزل شيخنا العلامة محيي الدين الكافيجي يتعجب من قوله: إن موضوع علم الحديث ذات الرسول، ويقول: هذا موضوع الطب لا موضوع الحديث، تدريب الراوي، ١/ ٢٧.","vol":"1","page":551},{"text":"بسعادة الدارين (^١).\nإلا أن التعريف المعتمد عند علماء الاصطلاح هو: «ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو وصف خِلْقِيٍّ أو خُلُقِيٍّ أو أضيف إلى الصحابي أو التابعي» (^٢).\nوأضاف الحافظ السخاوي غير القول والفعل والتقرير: «حتى الحركات والسكنات في اليقظة والمنام» (^٣).\nلأنه على تعريف الكرماني ومن وافقه، لا يدخل الحديث الموقوف والمقطوع تحت مسمى الحديث.\n\n<span data-type='title' id=toc-343>٢ - تعريف الخبر:</span>\nوقد عرف الكرماني الخبر بقوله: هو «الحديث المروي عن رسول الله ﷺ» (^٤).\nقال ابن حجر: الخبر: عند علماء هذا الفن مرادف للحديث.\nوقيل: الحديث: ما جاء عن النبي ﷺ، والخبر: ما جاء عن غيره (^٥).\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١/ ١٢.\n(^٢) منهج النقد، د. عتر، ص ٢٦.\n(^٣) فتح المغيث، السخاوي، ١/ ٢٢.\n(^٤) الكواكب الدراري، ٥/ ١٤١.\n(^٥) نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر، ابن حجر، ص ٣٥.","vol":"1","page":552},{"text":"فلذلك لافرق عند جمهور العلماء بين الخبر والحديث (^١).\nوكان من منهج الكرماني، أنه يشير إلى هذا في شرحه يقول وفي الخبر، ومرة يقول لوصح الخبر ويقصد بالخبر الحديث (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-344>٣ - تعريف الأثر:</span>\n«والأثر مرادف للخبر وَالسُنَّةِ وَالحَدِيثِ، يُقَالُ: أَثَرْتُ الحَدِيثَ: بِمَعْنَى رَوَيْتُهُ، وَيُسَمَّى المُحدِّثُ أَثَرِيًّا» (^٣).\nوقال العلماء أن الأثر «يُطلق على المرفوع والموقوف وفقهاء خراسان يسمون الموقوف بالأثر والمرفوع بالخبر» (^٤).\nوقال د. نور الدين عتر: الحاصل: «أن هذه العبارات الثلاثة: الحديث، الخبر، الأثر، تطلق عند المحدثين بمعنى واحد هو: ما أضيف إلى النبي ﷺ قولا أو فعلا أو تقريرا أو صفة خلقية أو خلقية أو أضيف إلى الصحابي أو التابعي» (^٥).\nومن خلال التتبع تبين أن الكرماني يستعمل الأثر بما ورد عن الصحابة ﵃، وذلك عند قوله: «أن البخاري كثيرًا ما يستدل بترجمة الباب بالقرآن وبما وقع له\n_________\n(^١) منهج النقد، ص ٢٧.\n(^٢) ينظر الكواكب الدراري، ٢/ ٢١٣، ٣/ ١٠٢، ٣/ ٧٥، ١٥/ ٧٣، ١٨٩/ ٧٠.\n(^٣) علوم الحديث ومصطلحه، صبحي الصالح، ص ١٠.\n(^٤) توجيه النظر، ص ٤٠، ومنهج النقد، ص ٢٨.\n(^٥) منهج النقد، ص ٢٩.","vol":"1","page":553},{"text":"من سُنة مسندة وغيرها أو أثرٌ عن الصحابة أو قول للعلماء» (^١).\nوقال عن قول عمر بن الخطاب ﵁: «وَرَأَى عُمَرُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يُصَلِّي عِنْدَ قَبْرٍ فَقَالَ الْقَبْرَ الْقَبْرَ، وَلَمْ يَأمُرْهُ بِالإِعَادَةِ» (^٢).\nفقد سمّى الكرماني قول عمر بن الخطاب ﵁ -أثرًا (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-345>٤ - الحديث القدسي:</span>\n«هو ما أضيف إلى رسول الله ﷺ وأسنده إلى ربه ﷿. مثل: قال رسول الله ﷺ وأسنده إلى ربه ﷿: مثل: «قال رسول الله ﷺ فيما يروى عن ربه»، أو «قال الله تعالى فيما رواه عنه رسول الله ﷺ». ويقال له أيضا: الحديث الإلهي، أوالرباني» (^٤).\nإلا أن بعض العلماء رجح القول: بأن الحديث القدسي: هو كل قول صريح يرويه النبي ﷺ عن الله ﷿ (^٥).\nومن العلماء من قال في تعريف الحديث القدسي، أن ما كان معناه من الله ﷿،\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١/ ٧١.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الصلاة، باب: هَلْ تُنْبَشُ قُبُورُ مُشْرِكِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَيُتَّخَذُ مَكَانَهَا مَسَاجِدَ.\n(^٣) الكواكب الدراري، ٤/ ٨٨.\n(^٤) منهج النقد، ص ٣٢٣.\n(^٥) وهو قول الشيخ محمد عوامة في كتابه: صحاح الأحاديث القدسية مائة حديث مع شرحها، ص ٩، وقد نقل هذا التعريف عن الشيخ العلامة عبدالله سراج الدين ﵀، وزاد أي محمد عوامة قوله: (كل قول صريح) توضيحا للتعريف (هو الذي).","vol":"1","page":554},{"text":"ولفظه من النبي ﷺ (^١)، وانتُقد هذا التعريف لأنه وجه فرق بين الحديث والقرآن (^٢).\nوقد ذكر الكرماني عند حديث: «عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ الصِّيَامُ جُنَّةٌ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ … وفيه: يتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي الصِّيَامُ لِي) (^٣).\nقال الكرماني مبينا التقدير المحذوف: «قوله: من أجلي فإن قلت: السياق يقتضي أن يكون ضمير المتكلم في لفظ والذي نفسي بيده ولفظ لأجلي، عبارة عن متكلم واحد لكن لا يصح المعنى عليه قلت: لابد من تقدير نحو قال الله (^٤)\n_________\n(^١) قال أبو البقاء الكفوي في كتاب الكليات: والقرآن ما كان لفظه ومعناه من عند الله بوحي جلي وأما الحديث القدسي فهو ما كان لفظه من عند الرسول ومعناه من\nعند الله بالإلهام أو بالمنام، ص ٧٢٢.\n(^٢) ينظر: تحرير علوم الحديث، عبدالله جديع، ١/ ٧٣.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: الصوم، بَاب: فَضْلِ الصَّوْمِ، رقم (١٧٧٥).\n(^٤) قال العلامة المحدث محمد عوامة عند شرحه بعض المسائل التي تتعلق بالحديث القدسي: هل يُشترط ليكون الحديث قدسيا أن يُصَدَّر ب: قال الله تعالى، أو: إن الله تعالى قال، أو يقول الله تعالى؟ أولا يُشترط، كما هو الحال في أحاديث كثيرة مفتتحة بكلام للنبي ﷺ، ويرد في أثنائها أو في آخرها جملة منسوبة لله ﷿؟\nمثل حديث مسلم، كتاب: الحج، بَابٌ: فِي فَضْلِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَيَوْمِ عَرَفَةَ، رقم (٤٣٦): «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ، مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمِ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟» والجواب: أن الكل يسميه قدسيا، … وقد وجد ذلك صريحا من كلام ابن حجر في الفتح، (من صحاح الأحاديث القدسية، ص ١١ - ١٢، وينظر: تحرير علوم الحديث، عبدالله جدعان، ١/ ١٣٨.","vol":"1","page":555},{"text":"قبل لفظ يترك لا نصاب المعنى على نحوه …\nثم بيّن الكرماني الفرق بين الحديث القدسي والقرآن فقال: (القرآن لفظه معجز، ومنزل بواسطة جبريل وهذا غير معجز وبدون الواسطة، ومثله يسمى بالحديث القدسي والإلهي والرباني، فإن قلت: الأحاديث كلها كذلك وكيف\nلا وهو ما ينطق عن الهوى؟ قلت: الفرق بأن القدسي مضاف إلى الله ومروي عنه بخلاف غيره وقد يُفرّق بأن القدسي ما يتعلق بتنزيه ذات الله تعالى، وبصفاته الجلالية والجمالية منسوبا إلى الحضرة المقدسة تعالى وتقدس» (^١).\nوقال في موضع آخر: «إن هذا الحديث كلام قدسي أي نص إلهي في الدرجة الثانية لأن الله أخبر به نبيه معناه بالإلهام وأخبر النبي ﷺ به أمته بعبارة نفسه» (^٢).\nفقد سمى الحديث القدسي أنه نص إلهي من الدرجة الثانية، باعتبار أن القرآن نص إلهي من الدرجة الأولى ونقل عن الطيبي هذا المعنى (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٩/ ٧٩. وينظر أقوال العلماء في بيان الفرق بين الحديث القدسي والقرآن، في منهج النقد، د. نور الدين عتر، ص ٣٢٥.\n(^٢) الكواكب الدراري، ١٣/ ١٥٣.\n(^٣) وقد نقل العلامة محمد عوامة، من نحى هذا القول وتبناه، منهم السيد الشريف الجُرجاني في كتابه التعريفات ص ٨٣، والبدر العيني الحنفي في عمدة القاري.\n١٠ - / ٢٥٩، ينظر: من صحاح الأحاديث القدسية لمحمد عوامة، ص ١٤.\nونقل أقوالًا أخرى في تعريف الحديث القدسي والفرق بينه وبين القرآن فيها فائدة كبيرة فلينظر.","vol":"1","page":556},{"text":"<span data-type='title' id=toc-346>المبحث الثاني\nالحديث المرفوع والموقوف والمقطوع</span>\n<span data-type='title' id=toc-347>أولًا الحديث المرفوع:</span>\nعرف الكرماني الحديث المرفوع بقوله: «ما أضيف إلى النبي ﷺ قولا أو فعلا متصلا أو منقطعا» (^١).\nوكان منهج الكرماني في الكلام عن الحديث المرفوع فيما يأتي:\n\n<span data-type='title' id=toc-348>١ - بيان رفع الحديث بالقرائن والأدلة:</span>\nوكان الكرماني يُبين الاختلاف في الحديث بين الرفع والوقف مثاله: قال البخاري: «عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ جَاءَتْ فَاطِمَةُ ابْنَةُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «لَا، إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَيْسَ بِحَيْضٍ فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي قَالَ وَقَالَ أَبِي «ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ، حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الْوَقْتُ» (^٢).\nيُبيّن الكرماني أن قول عروة: «ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ، حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الْوَقْتُ» يفيد الرفع لا الوقف لأن السياق يقتضي ذلك (^٣).\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٥/ ١٠٩، ويُنظر: معرفة علوم الحديث، ابن الصلاح، ص ٤٥، شرح التبصرة والتذكرة، العراقي، ١/ ١٨١.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الوضوء، باب: غسل الدم، رقم (٢٢٨).\n(^٣) الكواكب الدراري، ٣/ ٨١.","vol":"1","page":557},{"text":"ومنه: «عن ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ أُنَاسًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا مَعَ الْمُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوَادَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَيَأتِي السَّهْمُ فَيُرْمَى فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ فَيَقْتُلُهُ أَوْ يَضْرِبُهُ فَيَقْتُلُهُ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾» (^١).\nاعتمد الكرماني في رفع هذا الحديث على قرينة وهي: «قال مغلطاي الشارح المصري هو حديث مرفوع لأن تفسير الصحابي إذا كان مسندا إلى نزول آية فهو مرفوع اصطلاحا» (^٢).\nومن ذلك: «عَنْ أَنَسٍ قَالَ ذَكَرُوا النَّارَ وَالنَّاقُوسَ، فَذَكَرُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى فَأُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ وَأَنْ يُوتِرَ الإِقَامَة» (^٣).\nقال الكرماني مبينًا قرينة الرفع: «قوله: أُمرَ أي أمره رسول الله ﷺ وقال بعضهم مثل هذا اللفظ موقوف لاحتمال أن يكون الآمر غير رسول الله ﷺ والصواب وعليه الأكثر أنه مرفوع؛ لأن إطلاق مثله ينصرف عرفًا إلى صاحب الأمر والنهي، وهو رسول الله ﷺ، وأيضًا مقصود الراوي بيان شرعيته، وهي\nلا تكون إلا إذا كان الأمر صادرًا من الشارع» (^٤).\nومنه حديث: «عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَفِي يَمَنِنَا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الفتن، بَاب: مَنْ كَرِهَ أَنْ يُكَثِّرَ سَوَادَ الْفِتَنِ وَالظُّلْمِ، رقم (٦٦٥٩).\n(^٢) الكواكب الدراري، ٢٤/ ١٦٣.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: الأذان، باب: بَدْءُ الأَذَانِ، رقم (٥٨٠).\n(^٤) الكواكب الدراري، ٥/ ٣.","vol":"1","page":558},{"text":"قَالَ قَالُوا وَفِي نَجْدِنَا قَالَ قَالَ اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَفِي يَمَنِنَا قَالَ قَالُوا وَفِي نَجْدِنَا قَالَ قَالَ هُنَاكَ الزَّلَازِلُ وَالْفِتَنُ وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ» (^١).\nاعتمد الكرماني رفع هذا الحديث بقرينة أنه لامجال للرأي فيه، قال الكرماني عن ابن بطال: «وقال سقط من حديث ابن عمر لفظ عن النبي ﷺ إذ لاشك أن مثل ذلك لا يدرك بالرأي» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-349>٢ - ما يأخذ حكم المرفوع إلى النبي ﷺ</span>-:\nنقلة الشرع والدين هم صحابة النبي ﷺ ﵃ أجمعين، فإذا وردعنهم: (من السنة كذا أُمرنا بكذا، أو نُهينا عن كذا) فهل يأخذ هذا حكم المرفوع إلى النبي ﷺ؟\nقال الكرماني: «إذا قال الصحابي أمرنا بكذا فُهِمَ منه أن الرسول ﷺ هو الآمر له، فإن من اشتهر بطاعة رئيس إذا قال ذلك فُهِمَ منه أن الرئيس أمره به، وفائدة العدول عن التصريح دعوى اليقين، والتعويل على شهادة العقل» (^٣).\nمثاله: حديث: «عَنْ أَنَسٍ قَالَ مِنْ السُّنَّةِ إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْبِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا وَقَسَمَ وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ عَلَى الْبِكْرِ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ قَسَمَ قَالَ أَبُو قِلَابَةَ وَلَوْ شِئْتُ لَقُلْتُ إِنَّ أَنَسًا رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الاستسقاء، بَاب: مَا قِيلَ فِي الزَّلَازِلِ وَالْآيَاتِ، رقم (٩٨٤).\n(^٢) الكواكب الدراري، ٦/ ١٢٤.\n(^٣) السابق، ١/ ١٢٢، وينظر كذلك في، ٣/ ١٣٩.","vol":"1","page":559},{"text":"سُفْيَانُ عَنْ أَيُّوبَ وَخَالِدٍ قَالَ خَالِدٌ وَلَوْ شِئْتُ قُلْتُ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ» (^١).\nقال الكرماني: «النووي (^٢): هذا اللفظ يقتضى رفعه إلى النبي ﷺ فإذا قال الصحابي: السنة كذا، أو من السنة كذا، فهو في الحكم كقوله قال النبي ﷺ كذا (^٣) قال ولو شئت لقلت معناه أن هذا اللفظ، وهو من السنة كذا صريح في رفعه فلو شئت أن أقول رَفَعه بناء على الرواية بالمعنى لقلت ولو قلت لكنت صادقًا» (^٤).\nكذلك يشير الكرماني إلى رجحان عدم الرفع بالقرائن والأدلة، مثاله حديث: «عَنْ نَافِعٍ قَالَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي فِي مَكَانِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْفَرِيضَةَ وَفَعَلَهُ الْقَاسِمُ وَيُذْكَرُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ لَا يَتَطَوَّعُ الإِمَامُ فِي مَكَانِهِ وَلَمْ يَصِحَّ» (^٥).\nقال الكرماني: «ولفظ (لم يصح) هو كلام البخاري أي لم يصح رفع أبي هريرة الحديث إلى رسول الله ﷺ وقال بلفظ يُذكر غير جازم به لأنه صيغة التعليق التمريض» (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: النكاح، بَاب: إِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ عَلَى الْبِكْرِ، رقم (٤٨٨٥).\n(^٢) شرح النووي على مسلم، ١/ ٣٠.\n(^٣) ينظر أقوال العلماء في المسألة، في الكفاية، للخطيب البغدادي، ص ٤٢١، والتقريب والتيسير للنووي، ص ٣٣، وقواعد التحديث، للقاسمي، ص ١٤٤.\n(^٤) الكواكب الدراري، ١٩/ ١٥٥.\n(^٥) أخرجه البخاري، كتاب: الأذان، باب: مكث الإمام في مصلاه بعد السلام.\n(^٦) الكواكب الدراري، ٥/ ١٩٦.","vol":"1","page":560},{"text":"<span data-type='title' id=toc-350>ثانيًا الحديث الموقوف:</span>\n<span data-type='title' id=toc-351>تعرف الحديث الموقوف:</span>\nما أسنده الراوي إلى الصحابي ولم يتجاوزه (^١).\nوقال ابن الصلاح: «وهو ما يروى عن الصحابة ﵁ من أقوالهم أو أفعالهم ونحوها، فيوقف عليهم، ولا يتجاوز به إلى رسول الله ﷺ» (^٢).\nوقد أشار الكرماني إلى بعض الأحاديث الموقوفة على الصحابة ﵃، منه حديث: «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ نُهِيَ عَنِ الْخَصْرِ فِي الصَّلَاةِ. وَقَالَ هِشَامٌ وَأَبُو هِلَالٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ» (^٣). فذكرأن الحديث موقوف على أبي هريرة (^٤).\nومنه حديث: «عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ أَيُّمَا نَخْلٍ بِيعَتْ قَدْ أُبِّرَتْ لَمْ يُذْكَرْ الثَّمَرُ فَالثَّمَرُ لِلَّذِي أَبَّرَهَا وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ وَالْحَرْثُ سَمَّى لَهُ نَافِعٌ هَؤُلَاءِ الثلاث» (^٥).\nقال الكرماني: «وهو بتمامه موقوف على نافع» (^٦) كما ينبه الكرماني على أن\n_________\n(^١) الكفاية في علم الرواية، الخطيب البغدادي، ص ٢١.\n(^٢) علوم الحديث، ابن الصلاح، ص ٤٦.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: التهجد، باب: الخصر في الصلاة، رقم (١١٤٩).\n(^٤) الكواكب الدراري، ٧/ ٣٥.\n(^٥) أخرجه البخاري، كتاب: البيوع، بَاب: مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ أَوْ أَرْضًا مَزْرُوعَةً أَوْ بِإِجَارَةٍ.\n(^٦) الكواكب الدراري، ١٠/ ٦٠.","vol":"1","page":561},{"text":"بعض الحديث موقوف وليس كله (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-352>ثالثًا الحديث المقطوع:</span>\n«وهو ما جاء عن التابعين موقوفا عليهم من أقوالهم وأفعالهم» (^٢).\nوقد بيّن الكرماني بعض الأسانيد التي قيل فيها أنها مقطوعة (^٣)، مثاله: «أن حَزْنًا جد سعيد بن المسيب قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ مَا اسْمُكَ قَالَ اسْمِي حَزْنٌ قَالَ بَلْ أَنْتَ سَهْلٌ قَالَ مَا أَنَا بِمُغَيِّرٍ اسْمًا سَمَّانِيهِ أَبِي قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ فَمَا زَالَتْ فِينَا الْحُزُونَةُ بَعْدُ» (^٤).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-353>المبحث الثالث\nالحديث المنقطع والمرسل والمدلس</span>\n<span data-type='title' id=toc-354>أولًا الحديث المنقطع:</span>\nقال الكرماني المنقطع: ما لم يتصل إسناده على أي وجه كان (^٥) وقد عرّف الكرماني الحديث المنقطع بأصله العام\n_________\n(^١) السابق، ٥/ ٦٤، كتاب: الأذان، بَابُ: مَنْ قَامَ إِلَى جَنْبِ الإِمَامِ لِعِلَّةٍ، رقم (٦٥٣).\n(^٢) الشذا الفياح في علوم ابن الصلاح، ص ١٤١، وينظر تدريب الراوي، ١/ ٢١٨.\n(^٣) الكواكب الدراري، ٢٢/ ٤٨.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب: الأدب، بَاب: تَحْوِيلِ الِاسْمِ إِلَى اسْمٍ أَحْسَنَ مِنْه، رقم (٥٨١٦).\n(^٥) الكواكب الدراري، ١/ ١٦٧.","vol":"1","page":562},{"text":"على هذا يندرج تحته كل سند حصل فيه انقطاع، وهذا رأي ابن عبد البر فقال في تعريفه: «المنقطع عندي كل مالايتصل سواء كان يُعزى إلى النبي ﷺ أو إلى غيره» (^١).\nوقال في موضع آخر يبين فيه تعريف المنقطع المعتمد عند المحدثين: «هو أن يسقط من الإسناد رجل أو يُذكر فيه رجل مبهم» (^٢).\nوبين الكرماني أنه إذا كان الساقط من إسناده رجلين فأكثر سمي معضلًا (^٣).\nوقد أشار الكرماني في شرحه للحديث المنقطع، مثاله قال البخاري تعليقًا: «قَالَ مَالِكٌ أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ أَنَّ عَطَاءَ ابْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ أَخْبَرَهُ …» (^٤).\n«قال الكرماني أن هذا التعليق يصدق عليه عند المحدثين أنه منقطع لأن البخاري لم يُدرك زمن مالك، إلا أنه أجاب أنه موصول من طرق أخرى، ولما عُلم من شرط البخاري وشرط الكتاب» (^٥).\n_________\n(^١) التمهيد، ١/ ٢١.\n(^٢) الكواكب الدراري، ٢٣/ ١٧١، ونقل تعريف الخطيب في تعريف المنقطع: «ما روى عن التابعي فمن دونه موقوفا عليه من قوله أو فعله»، الكفاية في علم الرواية، ص ٢١، ويُقارن بين قول ابن كثير في الباعث الحثيث، ص ٥٠، وتعريف الكرماني.\n(^٣) الكواكب الدراري، ١/ ١٦٧.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب: الإيمان، باب: حسن إسلام المرء.\n(^٥) ينظر الكواكب الدراري، ١/ ١٦٧.","vol":"1","page":563},{"text":"ومنه وقد يبين الكرماني الانقطاع، ولكنه يُعطي الاحتمال للاتصال مستعينا بالروايات الأخرى مثاله:\n«حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ سَمِعَ الزُّهْرِيَّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ﵅ أَنَّهَا قَالَتْ اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ النَّوْمِ مُحْمَرًّا …» (^١).\nقال الكرماني: «قالوا هذا الإسناد منقطع وصوابه كما في صحيح مسلم (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الفتن، بَاب: قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدْ اقْتَرَبَ، رقم (٦٦٣٤).\n(^٢) قلت: الرواية التي في صحيح مسلم (فيما عندي من النسخ المطبوعة والتي في الشاملة، والتي عليها شرح النووي ليس فيها ذكر حبيبة وإنما هي كرواية البخاري: عَنْ عُرْوَةَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ …».\nإلا أن النووي قال في شرحه على مسلم: «هذا الإسناد اجتمع فيه أربع صحابيات زوجتان لرسول الله ﷺ وربيبتان له بعضهن عن بعض ولايعلم حديث اجتمع فيه أربع صحابيات بعضهن عن بعض غيره» ١٨/ ٢، فلا يوجد ذكر (عن حبيبة) فلعل هذه النسخة نسخة الصحيح التي اعتمدتها المطبعة في شرح مسلم غير النسخة التي اعتمدها النووي، والرواية التي فيها ذكر حبيبة، جاءت عند الترمذي، في أبواب الفتن، بَابُ: مَا جَاءَ فِي خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، رقم (٢١٨٧): عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ حَبِيبَةَ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ قَالَتْ: اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ نَوْمٍ مُحْمَرًّا».\nوقال الترمذي بعد أن أخرج الحديث: «هذا حديث حسن صحيح، وقد جود سفيان هذا الحديث هكذا روى الحميدي، وعلي بن المديني، وغير واحد من الحفاظ، عن سفيان بن عيينة نحو هذا وقال الحميدي: قال سفيان بن عيينة: حفظت من الزهري في هذا الحديث أربع نسوة: زينب بنت أبي سلمة، عن حبيبة، وهما ربيبتا النبي ﷺ، عن أم حبيبة، عن زينب بنت جحش زوجي النبي ﷺ وهكذا روى معمر، وغيره هذا الحديث، عن الزهري، ولم يذكروا فيه عن حبيبة، وقد روى بعض أصحاب ابن عيينة هذا الحديث، عن ابن عيينة ولم يذكروا فيه عن أم حبيبة.» وأخرجه ابن ماجه، في أبواب الفتن، بَابُ: مَا يَكُونُ مِنْ الْفِتَنِ، رقم (٣٩٥٣).","vol":"1","page":564},{"text":"زينب عن حبيبة عن أم حبيبة عن زينب بزيادة حبيبة، وهذا من الغرائب اجتمع فيه أربع صحابيات زوجات لرسول الله ﷺ وربيبتان له أقول: يُحتمل أن زينب سمعت من حبيبة ومن أمها وكلاهما صواب» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-355>ثانيًا الحديث المرسل:</span>\nبيّن الكرماني أن الحديث المرسل من نوع الحديث المنقطع، وقال في تعريفه عند الأصوليين: «المرسل قول التابعي قال رسول الله ﷺ، وبعضهم قال قول العدل قال ﷺ» (^٢).\nوكان الكرماني يشير إلى رأيهم هذا في معرض شرحه، فعندما بوّب البخاري فقال: باب مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، قال الكرماني «اعلم أن مثله يسمي مرسلا عند طائفة. والحق وعليه الأكثرون أنه إذا ذكر الحديث مثلا ثم وصل به إسناده يكون مسندا، لا مرسلا» (^٣).\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٢٤/ ١٤٩.\n(^٢) السابق، ١/ ١٦٧.\n(^٣) السابق، ٢/ ٣٥.","vol":"1","page":565},{"text":"وقد قال الشوكاني: «وأما جمهور أهل الأصول فقالوا: المُرسَل قولُ مَنْ لم يلقَ النبي ﷺ: قال رسول الله ﷺ، سواء كان مِنْ التابعين، أو مِنْ تابعي التابعين، أو ممن بعدهم» (^١).\nوقد أشار الكرماني إلى تعريف المرسل عند علماء الاصطلاح من عدم إسناد الحديث إلى الصحابي (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-356>حكم الحديث المرسل:</span>\nذهب جمع من العلماء إلى أن الحديث المرسل ليس حجة، ولا يُعمل به وأصحاب هذا القول جماهير المحدثين والشافعي، وعند مالك وأبي حنيفة وأحمد وأكثر الفقهاء يُحتج به (^٣).\nوقال ابن جرير (^٤): وأجمع التابعون بأسرهم على قبول المرسل، ولم يأت عنهم إنكاره، ولا عن أحد من الأئمة بعدهم إلى رأس المائتين (^٥).\n_________\n(^١) إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، ١/ ١٧٣.\n(^٢) السابق، ٢/ ١٠١، ٢٣/ ١٧١، وينظر تعريف المرسل عند علماء الاصطلاح، في فتح الباقي، السنيكي، ١/ ١٩٥، التقريب والتيسير، النووي، ص ٣٤.\n(^٣) ينظر: معرفة علوم الحديث، ابن الصلاح، ص ٥٥ - ٥٦، وتدريب الراوي، ١٢٢٢ - ٢٢٣.\n(^٤) محمد بن جرير بن يزيد بن كثير الحافظ أبو جعفر الطبري، شيخ المفسرين، الفقيه، المحدث، المؤرخ، وهو أحد الأئمة يحكم بقوله ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله، له تاريخ الأمم، وكتاب: التفسير، (ت ٣١٠ هـ)، طبقات علماء الحديث، محمد بن أحمد الصالحي، وتذكرة الحفاظ، ٢/ ٢٠١.\n(^٥) تدريب الراوي، ١/ ٢٢٣.","vol":"1","page":566},{"text":"إلا أن الشافعي قال إذا انضم إلى المرسل ما يعضده، كأن يُروى مسندًا، أو يَعمل به بعض الصحابة، وأكثر العلماء … فإنه يُعمل به (^١).\nمثاله: قال البخاري: «حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي حَيَّانَ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو زُرْعَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا» (^٢).\nفذكرالكرماني أن هذا الحديث مرسل لأن أبا زرعة تابعي وليس صحابي وليس له أن يقول قال النبي ﷺ (^٣).\nومن ذلك: «حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ عَنْ عِرَاكٍ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ عَائِشَةَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ إِنَّمَا أَنَا أَخُوكَ فَقَالَ أَنْتَ أَخِي فِي دِينِ اللهِ وَكِتَابِهِ وَهِيَ لِي حَلَالٌ» (^٤).\nفقال الكرماني أنه مرسل لأن عروة تابعي (^٥).\nحتى أنّ الكرماني يشير إلى بعض الحديث أنه من المرسل، مثاله: «حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ\n_________\n(^١) ينظر الرسالة للإمام الشافعي، ص ٤٦٢، وينظر قول البزدوي في: كشف الأسرار شرح أصول البزدوي، عبد العزيز الحنفي، ٣/ ٢، فقد نقل قول الشافعي.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الزكاة، باب: وُجُوبِ الزَّكَاةِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، رقم (١٣١٩).\n(^٣) ينظر الكواكب الدراري، ٧/ ١٧٠.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب: النكاح، بَاب: إِلَى مَنْ يَنْكِحُ وَأَيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ وَمَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَخَيَّرَ لِنُطَفِهِ مِنْ غَيْرِ إِيجَابٍ، رقم (٤٧٦١).\n(^٥) ينظر الكواكب الدراري، ١٩/ ٦٥.","vol":"1","page":567},{"text":"عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ لَا تَسْمَعُ شَيْئًا لَا تَعْرِفُهُ إِلاَّ رَاجَعَتْ فِيهِ حَتَّى تَعْرِفَهُ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ». قَالَتْ عَائِشَةُ فَقُلْتُ أَوَ لَيْسَ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ..﴾ [الانشقاق: ٨]» (^١).\nقال الكرماني: «قوله: (وأن النبي ﷺ قال من حُوسب عُذّب) عطف على قوله أن عائشة، واعلم أن هذا القدر من كلام ابن أبي مليكة مرسل؛ إذ لم يُسنده إلى صحابي» (^٢).\nمرسل الصحابي: مرسل الصحابي هو ما يرويه الصحابي عن النبي ﷺ ولم يسمعه منه، إما لصغر سنه، أو تأخر إسلامه أو غيابه عن شهود ذلك» (^٣).\nوقال ابن الصلاح في حكم الاحتجاج بمراسيل الصحابة «ثم إنا لم نُعد في أنواع المرسل ونحوه ما يسمى في أصول الفقه مرسل الصحابي مثلما يرويه ابن عباس وغيره من أحداث الصحابة عن رسول الله ﷺ ولم يسمعوه منه؛ لأن ذلك في حكم الموصول المسند، لأن روايتهم عن الصحابة، والجهالة بالصحابي غير قادحة، لأن الصحابة كلهم عدول، والله أعلم) (^٤).\nوقد بيّن الكرماني كذلك مراسيل الصحابة الكرام ﵃، وأن مراسيلهم حجة فقال:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: العلم، باب: من سمع شيئا فراجعه حتى يعرفه، رقم (١٠٣).\n(^٢) الكواكب الدراري، ٢/ ١٠١.\n(^٣) منهج النقد، ص ٣٧٣.\n(^٤) علوم الحديث ص ٥٦، والتقريب والتيسير، النووي، ص ٣٥، وتوجيه النظر ٢/ ٥٦١.","vol":"1","page":568},{"text":"«ومرسل الصحابي حجة عند جميع العلماء إلاماانفردبهالإستاذ أبوإسحاق (^١) الإسفرايني (^٢)» (^٣).\nمثاله: قال أبو عبدالله البخاري: «حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ فِيمَا أُمِرَ وَسَكَتَ فِيمَا أُمِرَ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]» (^٤).\nفذكر الكرماني أن الحديث من مراسيل الصحابة، لأن ابن عباس ﵄، لم يرفعه إلى النبي ﷺ (^٥).\n_________\n(^١) إبراهيم بن محمد بن مهران الأستاذ ركن الدين أبو إسحاق الإسفراييني، المتكلم الأصولي الفقيه الشافعي، شيخ أهل خراسان، قيل أنه بلغ درجة الاجتهاد، جامع الحلي) في أصول الدين، و(الرد على الملحدين)، ينظر: طبقات الشافعية، ابن كثير الدمشقي، ص ٣٦٧، وطبقات الشافعية، ابن قاضي شهبة، ١/ ١٧٠.\n(^٢) ويحكى عن أبي إسحاق أنه رد المرسل مطلقًا بأنواعه، إلا أنه لم يتفرد بهذا القول فقد قيل عن أبي بكر الباقلاني أنه رد المرسل حتى مرسل الصحابة ﵃، ليس شكًا في عدالتهم، وعلل ذلك لأنه قد يروي عن تابعي، إلا إذا صرّح أنه لا يروي إلا عن النبي ﷺ. ينظر: النكت على كتاب ابن الصلاح، ابن حجر، ٢/ ٥٤٦ - ٥٤٧، وينظر أقوال العلماء في حكم مراسيل الصحابة في المستصفى للغزالي، ص ١٣٤.\n(^٣) الكواكب الدراري، ١/ ٣١.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب: الأذان، باب: الْجَهْرِ بِقِرَاءَةِ صَلَاةِ الْفَجْرِ، رقم (٧٤٢).\n(^٥) ينظر الكواكب الدراري، ٥/ ١٣٥.","vol":"1","page":569},{"text":"ومثله حديث: «حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ …» (^١).\nقال الكرماني: «والحديث من مراسيل الصحابة لأن أبا هريرة لم يدرك خديجة وأيامها» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-357>ثالثًا الحديث المدلس:</span>\nقال النووي: «التدليس وهو قسمان الأول: تدليس الإسناد بأن يروي عمن عاصره ما لم يسمعه منه موهمًا سماعه قائلًا: قال فلان، أو عن فلان ونحوه وربما لم يسقط شيخه وأسقط غيره ضعيفًا أو صغيرًا تحسينًا للحديث.\nالثاني: تدليس الشيوخ بأن يُسمي شيخه، أو يُكنيه أو ينسبه، أو يصفه بما لا يُعرف» (^٣).\nوحكم الراوي المدلس عند العلماء يختلف من راوٍ لآخر، فإن كان التدليس نادرًا أو أنه لا يدلس إلا عن ثقة، أو يصرح به بالسماع من طريق آخر فهو مقبول عندهم (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الأنبياء، بَاب: تَزْوِيجِ النَّبِيِّ ﷺ خَدِيجَةَ وَفَضْلِهَا ﵂ رقم (٣٥٧٦).\n(^٢) الكواكب الدراري، ١٥/ ٥٨.\n(^٣) التقريب والتيسير، النووي، ص ٣٩.\n(^٤) فتح المغيث، ١/ ٢٣١، ومقدمة في أصول الحديث، عبد الحق الدهلوي، ص ٤٨.","vol":"1","page":570},{"text":"وقد بين الكرماني قول العلماء في أن عنعنة المدلس لا تُعتبر إلا إذا عُلم سماعه» (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-358>المبحث الرابع\nالحديث الغريب والفرد</span>\nالحديث الفرد: هو ما تفرد به روايه بأي وجه من وجوه التفرد. أعم من الغريب تدخل فيه أقسام لا تدخل في الغريب (^٢).\nوالحديث الغريب هو: الحديث الذي تفرد به راويه، سواء تفرد به عن إمام يجمع حديثه أو عن راو غير إمام (^٣).\nوقد أشار الكرماني رحمه لله تعالى إلى الحديث الفرد الغريب في شرحه، وذلك عند حديث، «حَدَّثنا الْحُمَيْدِيُّ عَبْدُاللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، قَالَ: حَدَّثنا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁، عَلَى المِنْبَرِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى …» (^٤).\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١/ ١٦٧، ٣/ ٦٩.\n(^٢) منهج النقد، د. نور الدين عتر، ص ٣٩٩.\n(^٣) منهج النقد، د. نور الدين عتر، ص ٣٩٩، وينظر: المنهل الروي، ابن جماعة، ص ٥٥، وتحرير علوم الحديث، ١/ ٤٧.\n(^٤) أخرجه البخاري، باب: كيف كان بدء الوحي، رقم (١).","vol":"1","page":571},{"text":"قال الكرماني: هو حديث مشهور بالنسبة إلى آخره، غريب بالنسبة إلى أوله، وليس متواترًا لعقد شرط التواتر في أوله، ولكنه مجمع على صحته وعظم موقعه وجلالته وكثرة فوائده، وقال الحفّاظ لا تصح روايته عن النبيّ ﷺ، إلا من جهة عمر، ولا من جهة عمر ﵁ إلا من جهة علقمة، ولا عن علقمة إلا من محمد بن إبراهيم، ولا عن محمد بن إبراهيم إلا من يحي بن سعيد، وعن يحي انتشر، فرواه عنه أكثر من مائتي إنسان أكثرهم أئمة» (^١).\nوقال ابن الصلاح أنه: «حديث فرد، تفرد به عمر ﵁ عن رسول الله ﷺ، ثم تفرد به عن عمر علقمة بن وقاص، ثم عن علقمة محمد بن إبراهيم، ثم عنه يحيى بن سعيد على ما هو الصحيح عند أهل الحديث» (^٢).\nقال السيوطي: «إذا اشتهر الفرد؛ فرواه عن المنفرد كثيرون صار غريبا مشهورا، غريبا متنا لا إسنادا بالنسبة إلى أحد طرفيه كحديث «إنما الأعمال بالنيات» (^٣).\nفالحديث أوله فرد، وآخره مشهو، وقد طرأت الشهرة من ند يحيى بن سعيد (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١/ ٢٢.\n(^٢) علوم الحديث، ص ٧٧.\n(^٣) تدريب الراوي، ٢/ ٦٣٣.\n(^٤) السابق، ٢/ ٦٢٢.","vol":"1","page":572},{"text":"<span data-type='title' id=toc-359>المبحث الخامس\nالحديث المعنعن والمؤنن</span>\n<span data-type='title' id=toc-360>أولًا الحديث المعنعن:</span>\nالمعنعن وهو الذي يقال فيه فلان عن فلان، من غير بيان للتحديث والإخبار أو السماع (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-361>حكم العنعنة:</span>\nذهب طائفة من العلماء أن السند المعنعن هو من قبيل المنقطع حتى يتبين اتصاله، إلا أن الراجح وهو قول جماهير أهل الحديث والفقه والأصول هو من قبيل المتصل، بشرط أن لايكون المعنعن مُدلسًا، وثبوت لقاء الراوي عمن روى عنه (^٢).\nوقال الكرماني: «واختلف في المعنعن فقال بعض العلماء هو مرسل والصحيح الذي عليه الجماهير أنه متصل إذا أمكن لقاء الراوي المروي عنه» (^٣).\nوشرط اللقاء فيه خلاف، وقال الإمام مسلم رحمه الله تعالى أن المعنعن من قبيل المتصل إذا سَلِم المُعَنْعِن من التدليس، ومعاصرة الراوي من يروي عنه مع إمكانية اللقاء، وقد ادعى مسلم الإجماع على ذلك (^٤).\n_________\n(^١) ينظر: شرح التبصرة والتذكرة، ١/ ٢١٩، فتح المغيث، ١/ ٢٠٣ والتقييد والإيضاح، ص ٨٣.\n(^٢) التقييد والإيضاح، ص ٨٣.\n(^٣) الكواكب الدراري، ١/ ٢٦.\n(^٤) ينظر: مقدمة صحيح مسلم ١/ ٢٩، وقد نقل الكرماني شرط مسلم ناقلًا عن النووي، الكواكب الدراري، ١/ ٢٦.","vol":"1","page":573},{"text":"فإذا قال الراوي حدثنا فلان عن فلان، من غير التحديث بالسماع أو التحديث، فهل يُعد هذا من قبيل الإسناد المتصل؟\nقال الكرماني: «فإن قلت إذا قال البخاري عن فلان يجزم بأنه سمعه منه عند إمكان السماع» (^١).\nفالراجح عند العلماء أنه يُعد من قبيل الاتصال بشرط إمكان اللقاء، والبراءة من التدليس، وعدالة الرواة) (^٢).\nوقد ذكر الكرماني حكم معنعات الصحيحين بشكل خاص، أنها صحيحة ومقبولة، لأنها محمولة على السماع والاتصال من جهة أخرى، سواء استُشهد وتُوبع عليها أم لا (^٣).\nوقد مثّل الكرماني للإسناد المعنعن، بقول البخاري: «حَدَّثَنَا عَلِيٌّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ قَالَ لِي ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلَمْ أَسْمَعْهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلاَّ حَدِيثًا وَاحِدًاقَالَ كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأُتِيَ بِجُمَّارٍ فَقَالَ «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً مَثَلُهَا كَمَثَلِ الْمُسْلِمِ» فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ هِيَ النَّخْلَةُ فَإِذَا أَنَا أَصْغَرُ الْقَوْمِ فَسَكَتُّ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «هِيَ النَّخْلَةُ».» (^٤).\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١/ ١٨٦.\n(^٢) ينظر: شرح النووي على مسلم، ١/ ١٢٧، الموقظة، الذهبي، ص ٤٥، وعلوم الحديث ومصطلحه، صبحي الصالح، ص ٢٢٢.\n(^٣) / ٦٧.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب: العلم، باب: الفهم في العلم، رقم (٧١).","vol":"1","page":574},{"text":"قال الكرماني: «واعلم أنه رُوي عن مجاهد معنعنًا، وعن أبي نجيح بلفظ قال والبخاري لا يذكر المعنعن إلا إذا ثبت السماع، ولا يكتفي بمجرد إمكان السماع كما اكتفي به مسلم، والمعنعن إذا لم يكن من المدلس كان أعلى درجة من قال، لأن قال إنما تُذكر عند المحاورة لا علي سبيل النقل والتحميل» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-362>ثانيًا الحديث المؤنن:</span>\n«هو الذي يقال في سنده: فلان أن فلانا» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-363>حكم المؤنن:</span>\nمذهب جماهير العلماء أن حكم المؤنن، هو كحكم المعنعن، ولا عبرة بالحروف والألفاظ إنما هو باللقاء والمجالسة والسماع، وخالف الإمام مسلم واشتراط التنصيص على ثبوت اللقاء والاجتماع في المعنعن والمؤنن (^٣).\nونقل الكرماني رأي العلماء في حكم المؤنن فقال: «هو أي المؤنن كعن محمول على السماع بشرط أن يكون المعنعن غير مدلس، وبشرط ثبوت اللقاء بينهما، وقال الإمام أحمد لا يلتحق ذلك بعن (^٤)، بل يكون ذلك منقطعا حتى يتبين السماع».\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٢/ ٤٠.\n(^٢) منهج النقد، ص ٣٥١.\n(^٣) منهج النقد، ص ٣٥١، وينظر شرح علل الترمذي، همام سعيد، ص ١٩٥.\n(^٤) نقل قول الإمام أحمد في أن المؤنن يختلف في الحكم عن المعنعن، الإمام ابن الصلاح، في معرفة علوم الحديث، ص ٦١.","vol":"1","page":575},{"text":"ومثّل الكرماني له بحديث: «حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ أَنَّ عَبْدَاللهِ بْنَ مَسْعُودٍ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ …» (^١).\nفقوله: حدثني عمرو بن ميمون أنَّ عبدالله بن مسعود، حدثه أن النبي ﷺ … فأنَّ هذه هي لفظ المؤنن.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-364>المبحث السادس\nالحديث المسلسل</span>\nالحديث المسلسل:\nقال الإمام النووي في تعريفه: هو ما تتابع رجال إسناده على صفة أو حالة للرواة تارة وللرواية تارة، وصفات الروات أقوال وأفعال وأنواع كثيرة غيرها كمسلسل التشبيك باليد والعد فيها، وكاتفاق أسماء الرواة أو صفاتهم أو نسبتهم كأحاديث رويناها كل رجال دمشقيون، وكمسلسل الفقهاء، وصفاة الرواية كالمسلسل بسمعت، أو بأخبرنا، أو أخبرنا فلان والله، وأفضله ما دل على الاتصال) (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الوضوء، باب: إِذَا أُلْقِيَ عَلَى ظَهْرِ الْمُصَلِّي قَذَرٌ أَوْ جِيفَةٌ لَمْ تَفْسُدْ عَلَيْهِ صَلَاتُهُ، رقم (٢٣٩).\n(^٢) التقريب والتيسير، ص ٨٧.","vol":"1","page":576},{"text":"فضيلة الحديث المسلسل أنه يدل على مزيد الضبط من الرواة.\nإلا أن العلماء قالوا أن هذه المسلسلات أكثرها باطلة، وأسانيدها واهية، منقطعة، ولاتصاف رواتهابالكذب (^١).\nوأقواها المسلسل بقراءة سورة الصف، والمسلسل بالدمشقيين، والمسلسل بالمصريين، والمسلسل بالمحمدين إلى ابن شهاب، وما كان يدل على السماع وعدم التدليس (^٢).\nوكان الكرماني رحمه الله تعالى يذكر الحديث المسلسل ونوعه، يقول مرة مسلسل بالأنسيين (^٣) (ومرة يذكر أن الحديث مسلسل بصورة معينة كما قال في حديث: «حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَنْ أَبِي حَصِينٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ كَانَ يَعْرِضُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ الْقُرْآنَ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً …» أنه مسلسل بالكنى إلا الرجل الأول (^٤).\nكما بين الكرماني الحديث المسلسل بالمحمَّدين (^٥)، الذي أخرجه البخاري: «حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَهْبِ بْنِ عَطِيَّةَ الدِّمَشْقِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِيُّ أَخْبَرَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى فِي بَيْتِهَا جَارِيَةً فِي\n_________\n(^١) ينظر: علوم لحديث، ابن الصلاح، ص ٢٧٦، والموقظة، الذهبي، ص ٤٤.\n(^٢) معرفة علوم الحديث، ابن الصلاح، ص ٢٧٦، والموقظة، الذهبي، ص ٤٤.\n(^٣) الكواكب الدراري، ينظر: ٧/ ٢١١، ومرة بالشاميين، ١١/ ٥٣. ٢٠/ ١٤٧.\n(^٤) الكواكب الدراري، ١٩/ ١٥ - ١٦.\n(^٥) السابق، ١٢/ ٢٢.","vol":"1","page":577},{"text":"وَجْهِهَا سَفْعَةٌ فَقَالَ اسْتَرْقُوا لَهَا فَإِنَّ بِهَا النَّظْرَةَ» (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-365>المبحث السابع\nزيادة الثقة</span>\nتعريف زيادة الثقة: «خبر العدل إذا انفرد برواية زيادة فيه لم يروها غيره» (^٢).\nوقد بيّن الإمام الكرماني أن مراد المحدثين في زيادة الثقة تكون في اللفظ (^٣).\nحكم زيادة الثقة: «قال جمهور علماء المحدثين والفقهاء: تُقبل زيادة الثقة مطلقًا سواء وقعت ممن رواه أولًا ناقصا أم من غيره، وسواء تعلق بها حكم شرعي أم لا، وسواء غيّرت الحكم الثابت أم لا، وسواء أوجبت نقض أحكام ثبتت بخبر ليست هي فيه أم لا» (^٤).\nوقال الكرماني: «زيادة الثقة مقبولة والقاعدة الأصولية فيها: أن الحديث إذا رواه راويان واشتملت إحدى الروايتين على زيادة، فإن لم تكن مغيّرة لإعراب الباقي قُبلت وحُمل ذلك على نسيان الراوي، أو ذهوله أو اقتصاره\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الطب، بَاب: رُقْيَةِ الْعَيْنِ، رقم (٥٣٨٠).\n(^٢) الكفاية في علم الرواية، الخطيب البغدادي، ص ٢٢٤.\n(^٣) الكواكب الدراري، ٣/ ١١٢.\n(^٤) تدريب الراوي، ١/ ٢٨٦، والكواكب الدراري، ٥/ ٧.","vol":"1","page":578},{"text":"بالمقصود منه في صورة الاستشهاد، وإن كانت مغايرة تعارضت الروايتان وتعين طلب الترجيح» (^١).\nوقال جماعة من أهل الحديث لا تُقبل مطلقًا، وقول ثالث أنها تُقبل إذا كانت من غيرالراوي، أما منه فلا، وبعضهم قال تُقبل إذا تعدد مجلس السماع، ولا تقبل إذا اتحد، وقيل أنها تُقبل إذا كانت مخالفة لما رواه الباقون، وتُقبل إذا لم تخالف، وقول يقول إذا كان راوة الزيادة يغلب عليه الفقه فتقبل وإلا لا تقبل (^٢).\nوقد نبّه الكرماني في شرحه على زيادة الثقة، مثاله: حديث حمْران أنه رَأَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ دَعَا بِإِنَاءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الإِنَاءِ فَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثَلَاثَ مِرَارٍ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَاسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (^٣).\nوقد وردت روايات تبين أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة، ورواية أخرى كذلك أنه توضأ مرتين مرتين، وهذه الرواية تدل أنه توضأ ثلاثًا، فبين الكرماني أن اختلاف الرواة هذا في العدد، يُحمل على أن بعض الرواة حفظ وبعضهم نسي\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١/ ١٨٣.\n(^٢) ينظر هذه الأقوال في: الكفاية في علم الرواية، الخطيب البغدادي، ص ٤٢٥، وتدريب الراوي، السيوطي، ١/ ٢٨٦، وشرح ألفية العراقي، زين الدين السنيكي، ١/ ٢٥١، وقفو الأثر في صفوة علم الأثر، ابن الحنبلي، ١/ ١٦٠.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: الوضوء، باب: الْوُضُوءِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، رقم (١٥٩).","vol":"1","page":579},{"text":"فيؤخذ بما زاد الثقة (^١).\nوقد يرد الكرماني على بعض العلماء الذين حكموا على اختلاف روايتين أنها من قبيل زيادة الثقة مثاله حديث: «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ» (^٢).\nوقد ذكر الكرماني اختلاف الروايات في عدد شُعب الإيمان فقال: «وثبت في رواية صحيح مسلم وسبعون جزمًا (^٣) وفي رواية أخرى أي عند مسلم بضع وسبعون، أو بضع وستون (^٤) على الشك وروى أبو داود والترمذي (^٥) بضع وسبعون بلا شك» (^٦).\nونقل عن النووي ترجيح رواية بضع وسبعون شعبة، لأنها زيادة ثقة وهي مقبولة، إلا أن أن الكرماني رد على النووي بقوله: «إن المراد من زيادة الثقات زيادة لفظ في الرواية، ومثله ليس منها بل من باب اختلاف الروايتين فقط، وأن رواية بضع وستون لا تنافي ما عداها؛ إذ التخصيص بالعدد لا يدل على نفي\n_________\n(^١) ينظر الكواكب الدراري، ٢/ ٢٠٩.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الإيمان، باب: أُمُورِ الإِيمَانِ، رقم (٩).\n(^٣) أخرجه مسلم، كتاب: الإيمان، بَابُ: شُعَبِ الْإِيمَانِ، رقم (٥٧).\n(^٤) أخرجه مسلم، كتاب: الإيمان، بَابُ: شُعَبِ الْإِيمَانِ، رقم (٥٨).\n(^٥) أخرجه أبو داود، كتاب: السنة، بَاب: فِي رَدِّ الْإِرْجَاءِ، رقم (٤٦٧٦)، وأخرجه الترمذي، في كتاب: أبواب الإيمان، بَاب: مَا جَاءَ فِي اسْتِكْمَالِ الإِيمَانِ وَزِيَادَتِهِ وَنُقْصَانِهِ، رقم (٢٦١٤).\n(^٦) الكواكب الدراري، ١/ ٨١.","vol":"1","page":580},{"text":"الزائد، ويحتمل أن تكون رواية الستين مقدمة على رواية السبعين، وكان شعب الإيمان عند صدوره من النبي ﷺ هذا القدر، ثم قال مرة أخرى عند زيادة الشعب بلفظ سبعون فيكون كلاهما صوابًا (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-366>المبحث الثامن\nبيان الإسناد العالي والنازل</span>\nطلب الإسناد العالي مزية وفضيلة، وفيه سنة صحيحة عن النبي ﷺ، وقد طلب علو الإسناد غير واحد من صحابة النبي ﷺ، وسافروا وقطعوا المسافات، وتحملوا الصعاب في ذلك، «سُئِلَ أَحْمَدُ عَنِ الرَّجُلِ يَطْلُبُ الْإِسْنَادَ الْعَالِيَ، قَالَ: «طَلَبُ الْإِسْنَادِ الْعَالِي سُنَّةٌ عَمَّنْ سَلَفَ، لِأَنَّ أَصْحَابَ عَبْدِاللهِ (^٢) كَانُوا يَرْحَلُونَ مِنَ الْكُوفَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْ عُمَرَ وَيَسْمَعُونَ مِنْهُ».» (^٣).\nوأخرج الإمام مسلم في صحيحه: «عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ، فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ الْعَاقِلُ، فَيَسْأَلَهُ، وَنَحْنُ نَسْمَعُ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَتَانَا رَسُولُكَ فَزَعَمَ لَنَا أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ اللهَ أَرْسَلَكَ، قَالَ: «صَدَقَ» …» (^٤).\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١/ ٨١ - ٨٢.\n(^٢) وهو الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود ﵁.\n(^٣) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي، ١/ ١٢٣.\n(^٤) أخرجه مسلم، كتاب: الإيمان، باب: فِي بَيَانِ الْإِيمَانِ بِاللهِ وَشَرَائِعِ الدِّينِ، رقم (١٠).","vol":"1","page":581},{"text":"قال الحاكم معلقًا على هذا الحديث: «وفيه دليل على إجازة طلب المرء العلو من الإسناد، وترك الاقتصار على النزول فيه، وإن كان سماعه عن الثقة إذ البدوي لما جاءه رسول رسول الله ﷺ فأخبره بما فرض الله عليهم لم يقنعه ذلك، حتى رحل بنفسه إلى رسول الله ﷺ، وسمع منه ما بلغه الرسول عنه، ولو كان طلب العلو في الإسناد غير مستحب لأنكر عليه المصطفى ﷺ سؤاله إياه عما أخبره رسوله عنه، ولأمره بالاقتصار على ما أخبره الرسول عنه» (^١).\nوقد سلك العلماء من بعد الصحابة الكرام ﵁، من التابعين ومن بعدهم هذا المسلك في طلب علو الإسناد، لأنه كلما قل عدد رجال الإسناد قل الخطأ والخلل فيه، وكان من عادة الإمام البخاري ومنهجه في صحيحه الاهتمام بذكر الأحاديث ذات الأسناد العوالي، ومنه ما يُسمى بثلاثيات البخاري.\nقال العلماء في تعريف الإسناد العالي: «هو الذي قل عدد رجاله مع الاتصال، وكذا إذا تقدم سماع راويه، أو تقدمت وفاة شيخه» (^٢).\nينقسم العلو إلى قسمين أساسيين: «العلو المطلق، والعلو النسبي».\n\n<span data-type='title' id=toc-367>القسم الأول: العلو المطلق:</span> القرب من رسول الله ﷺ بإسناد صحيح نظيف: وهذا هو العلوُّ المطلق، وهو أجلُّ أقسام العلوِّ، وهذا ما يُطلق عليه اسم: «الثلاثيات» أي ما كان بين المصنف والنبي ﷺ ثلاث وسائط فقط.\n<span data-type='title' id=toc-368>القسم الثاني: العلو النسبي:</span> وهو يتنوع إلى أربعة أقسام هي:\nالأول: القرب من إمام من أئمة الحديث، وإن كثر العدد، إلى النبي ﷺ،\n_________\n(^١) معرفة علوم الحديث، ص ٥.\n(^٢) منهج النقد، ص ٣٥٨.","vol":"1","page":582},{"text":"مثل الأئمة مالك والشافعي وأحمد والبخاري أو مسلم والأعمش وغيرهم.\nالثاني: العلو بالنسبة إلى الكتب الحديثية المعتمدة المشتهرة، كالكتب الستة وغيرها، وهذا النوع لقي اهتمامًا بالغًا من المتأخرين.\nويتفرع عنه: الموافقة، والإبدال، والمساواة، والمصافحة (^١).\nالثالث: هو ما يُسمى بالعلو المعنوي، ويعتمد على صفات القبول في الراوي، كأن يكون أفقه أو أتقن، أو أضبط، أو أكثر ملازمة للمروي عنه …\nوهو قسمان:\nالأول: العلو بتقدم موت الراوي في هذا السند، على موت الراوي في السند الآخر، ولو تساويا في العدد.\nالثاني: العلو بتقدم السماع من الشيخ، فمن سمع من الشيخ قبل الآخر كان حديثه أعلى من الثاني بشرط تساوي العدد بينهما (^٢).\nوقد بنبه الكرماني في شرحه الإسناد العالي عن البخاري وخصوصا القسم الأول «العلو المطلق» ثلاثيات البخاري.\nمثاله قال البخاري: «حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ «مَنْ يَقُلْ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّا\n_________\n(^١) ينظر إلى تعريفها في علوم الحديث لابن الصلاح، ص ٣٦٤، وتقريب النووي، ص ٨٤ - ٨٥.\n(^٢) ينظر التقريب والتيسير للنووي، ص ٨٤ - ٨٥، ومعرفة علوم الحديث، ص ٢٥٦ - ٢٦٠، وتدريب الراوي، ص ٢/ ٦٠٧ - ٦١٣. ومنهج النقد، ص ٣٦٠ - ٣٦١.","vol":"1","page":583},{"text":"مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ».\nقال الكرماني: «واعلم أن هذا الحديث إسناده من عوالي الأسانيد لأن الرجال بين البخاري وبين رسول الله ﷺ ثلاثة وهذا ثلاثيات البخاري فاعرفه» (^١).\nوكل حديث يذكره البخاري من الثلاثيات يشير إليه الكرماني بقوله: (وهذا ثاني ثلاثيات البخاري، وهذا رابعها … وترك الإشارة لبعضها إلى أن وصل إلى آخرها … فقال: وهذا هو الثاني والعشرون من ثلاثيات البخاري وهو آخر ثلاثياته) (^٢).\nقال البخاري: «حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ طَهْمَانَ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ نَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ فِي زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَأَطْعَمَ عَلَيْهَا يَوْمَئِذٍ خُبْزًا وَلَحْمًا وَكَانَتْ تَفْخَرُ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَتْ تَقُولُ إِنَّ اللهَ أَنْكَحَنِي فِي السَّمَاءِ» (^٣) قال الكرماني آخر ثلاثيات البخاري التي فاق فيهاأقرانه: «وهذا هو الثاني والعشرون من ثلاثيات البخاري وهو آخر ثلاثياته» (^٤).\nإلا أنه ينبه على ما يُتوَهم أنه من الثلاثيات وهو ليس كذلك، مثاله: قال أبو عبدالله البخاري: «حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ سَمِعْتُ مَهْدِيَّ بْنَ مَيْمُونٍ\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٢/ ١١٥.\n(^٢) ينظر ٤/ ١٥٣، ٤/ ٢٠٦، ١٠/ ١٢٣، ٢٥/ ١٣١.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: التوحيد، بَاب: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾، رقم (٦٠٧٧).\n(^٤) الكواكب الدراري، ٢٥/ ١٣١.","vol":"1","page":584},{"text":"قَالَ سَمِعْتُ أَبَا رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيَّ يَقُولُ كُنَّا نَعْبُدُ الْحَجَرَ، فَإِذَا وَجَدْنَا حَجَرًا هُوَ أَخْيَرُ مِنْهُ أَلْقَيْنَاهُ وَأَخَذْنَا الآخَرَ، فَإِذَا لَمْ نَجِدْ حَجَرًا جَمَعْنَا جُثْوَةً مِنْ تُرَابٍ …» (^١).\nقال الكرماني: «وهذا لا يحسب من الثلاثيات لأنه لم يرو حديثا عن النبي ﷺ بل حكي عن حاله فقط» (^٢).\nويشير الكرماني كذلك إلى تخريج البخاري لأحاديث عن شيوخه تارة ينقل عنهم مباشرة وتارة ينقل عنهم بواسطة، أي أنه يروي الحديث على الوجهين عاليًا ونازلًا.\nمثاله: قال البخاري: «حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ السُّرْمَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُاللهِ بْنُ مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ عَبْدِاللهِ قَالَ بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ» (^٣).\nقال الكرماني: «وعبيدالله تقدم فى باب دعاؤكم إيمانكم روى البخاري عنه ثمة بدون واسطة وههنا بواسطة أحمد» (^٤) والحديث الآخر: قال البخاري: «حَدَّثنا عُبَيْدُاللهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَخبَرَنا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: المغازي، باب: وفد بني حنيفة وحديث ثمامة بن أُثال، رقم (٤٠٧٦).\n(^٢) الكواكب الدراري، ١٦/ ١٩٤.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: الصلاة، باب: المرأة تطرح عن المصلّي شيئا من الأذى، رقم (٤٩٩).\n(^٤) الكواكب الدراري، ٤/ ١٧١.","vol":"1","page":585},{"text":"خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ …» (^١).\nومثله: قال البخاري «حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا عُبَيْدُاللهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَجُلًا …» (^٢).\nوساق البخاري بعده سندًا آخر: «حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِاللهِ حَدَّثَنِي سَعِيدٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ …» (^٣).\nقال الكرماني: «فإن قلت روى سعيد في الطريقة السابقة عن أبي هريرة بلا واسطة، وفي هذه روى عن أبيه عن أبي هريرة، فذكر كلمة الأب زائدة هاهنا أو ناقصة ثمة قلت: لا زائدة ولا ناقصة لأن سعيدًا سمع منهما فتارة روى عن الأب، وأخرى عن أبي هريرة» (^٤).\nومثله: يشيرالكرماني سر تقديم البخاري إسناد على آخر وذلك لعلو\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الإيمان، بابٌ: دُعَاؤُكُمْ إِيمَانُكُمْ، رقم (٧).\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الاستئذان، بَاب: مَنْ رَدَّ فَقَالَ عَلَيْكَ السَّلَامُ، رقم (٥٨٧٣).\n(^٣) المصدر السابق، في نفس الكتاب، والباب، رقم (٥٨٧٤).\n(^٤) الكواكب الدراري، ٢٢/ ٩٠، هذا وقد بين الكرماني أمثلة أخرى عن رواية البخاري عن شيوخه بواسطة وبدونها، قال عن: سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ «روى عنه البخاري بلا واسطة في باب وقت الجمعة» ٨/ ١٢١، وقال عن: سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ «وكثيرًا يروى البخاري عنه بدون واسطة محمد بن عبد الرحيم» ١١/ ٢٠٧، وقال عن: خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، «روى عنه البخاري بلا واسطة في العلم وغيره»، ٢٣/ ٢٠٤.","vol":"1","page":586},{"text":"الدرجة، أخرج البخاري في كتاب العلم: «حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ الأَصْبَهَانِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ ذَكْوَانَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ. قَالَتِ النِّسَاءُ …» (^١).\nثم ساق سندًا آخر: «حَدَّثَنَامُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِيِّ عَنْ ذَكْوَانَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا …» (^٢).\nقال الكرماني: «وقدم الإسناد الأول لعلو درجته إذ بين شعبة والبخاري رجل واحد وهو آدم بخلاف الثاني فإن بينهما رجلين» (^٣).\nويشير الكرماني كذلك إلى نقل الراوي عن الصحابي مباشرة، وتارة بواسطة، مثاله قال البخاري: «حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ» (^٤) قال الكرماني: «عبدالله ابن أبي مليكة» مصغر الملكة وهو يروي تارة عن عائشة بلا واسطة وأخرى بواسطة القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵁» (^٥).\nكما مدح العلماء الإسناد العالي، كذلك ذمّوا الإسناد النازل قال ابن الصلاح: «وهذا مذهب ضعيف ضعيف الحجة، وقد روينا عن علي بن المديني\n_________\n(^١) أخرجه البخاري: باب: هل يجعل للنساء يوم على حدة في العلم، رقم (١٠٠).\n(^٢) أخرجه البخاري، في ذات الكتاب والباب، رقم (١٠١).\n(^٣) الكواكب الدراري، ٢/ ٩٩.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب: تفسير القرآن، سورة إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ، رقم (٤٦٢٠).\n(^٥) الكواكب الدراري، ١٨/ ١٨٤.","vol":"1","page":587},{"text":"وأبي عمرو المستملي النيسابوري أنهما قالا: النزول شؤم» (^١).\n«وقال ابن معين: الإسناد النازل قرحة في الوجه» (^٢).\nكما بين العلماء أن الإسناد النازل هو ضد العالي وهو ما كثر رجال إسناده، وسبب النزول يرجع إلى خمسة أقسام:\n١ - كثرة الوسائط إلى النبي ﷺ، وهو نزول مسافة مطلق.\n٢ - كثرة الوسائط إلى إمام من أئمة الحديث، وهو نزول مسافة نسبي.\n٣ - نزول الإسناد من طريق غير الكتب الستة عن الإسناد من طريقها، وهو نزول مسافة نسبي أيضا.\n٤ و٥ - تأخر الوفاة وكذا تأخر السماع وهما نزول صفة (^٣).\nإلا أن العلماء استثنوا من النزول ما يجبره ويجعل له مزيةكأن تكون\nهناك زيادة ثقة مقبولة، أو أن يكون رجال الإسناد النازل أحفظ أو أثبت أوأفقه (^٤).\nكما أن الكرماني لم يفته التنبيه على الإسناد النازل مثال على ذلك: «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ أَعْيَنَ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ عُبَيْدِاللهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ حَدَّثَهُ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ\n_________\n(^١) علوم الحديث، ابن الصلاح، ص ٢٦٣.\n(^٢) تدريب الراوي، ٢/ ٦١٩.\n(^٣) منهج النقد، ص ٣٦٢.\n(^٤) السابق، ص ٣٦٤.","vol":"1","page":588},{"text":"رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» قال الكرماني: «ومثل هذا الإسناد قليل في الكتاب لأنه من ثمانيات البخاري» (^١).\nوالحديث الذي بعده قال البخاري: «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ البَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا؟» (^٢).\nإلا أن الكرماني لم ينبه عليه، ونبه عليه غيره من شرّاح الحديث كابن الملقن في التوضيح قال ابن الملقن: «وإسناده ثُماني وهو غريب في البخاري» (^٣).\nكما أنه ورد في البخاري حديث تساعي الإسناد! قال البخاري: «حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، ح وحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، حَدَّثَتْهُ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمًا فَزِعًا يَقُولُ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ» (^٤).\nقال ابن حجر في الفتح: «ويقال إنه أطول سندا في البخاري فإنه\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٩/ ١٢٢.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الصوم، بَاب: مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ، رقم (١٨٣١).\n(^٣) التوضيح شرح الجامع الصحيح، ابن الملقن، ١٣/ ٣٧٣.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب: الفتن، بَاب: يَأجُوجَ وَمَأجُوجَ، رقم (٦٧٠١).","vol":"1","page":589},{"text":"تساعي» (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-369>المبحث التاسع\nمسائل متفرقة في المصطلح</span>\n<span data-type='title' id=toc-370>١ - ضبط الراوي:</span>\nلابد للراوي أن يكون عاقلًا واعيًا لما يتحمله من حديث ويؤديه كما سمعه …\nقال الصنعاني: «والضابط عندهم من يكون حافظا متيقظا غير مغفل\nولا ساه ولا شاك في حالتي التحمل والأداء وهذا الضبط التام» (^٢).\nوهذا لا يتأتّى للراوي النائم، فلذلك لايصح الاحتجاج بحديث من رأى النبي ﷺ في المنام، وسمع منه حديثًا ما.\nقال الكرماني: «يشترط في الاستدلال به أن يكون الراوي ضابطا عند السماع والنوم ليس حال الضبط» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-371>٢ - الراوي مجهول العين:</span>\nهناك طائفة من الرواة ومنهم الصحابة الكرام ﵃ … لم يرو عنهم إلا راوٍ واحد لاغير، وهذا يُسمّى في اصطلاح المحدثين: مجهول العين.\n_________\n(^١) / ١٠٧.\n(^٢) توضيح الأفكار، ١/ ١٦.\n(^٣) الكواكب الدراري، ٢/ ١١٨.","vol":"1","page":590},{"text":"قال الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى: «هو كل من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه، ولا عرفه العلماء به، ومن لم يعرف حديثه إلا من جهة راو واحد» (^١).\nوذلك لأن الجهالة نقيض الشهرة، فحتى يكون الراوي معروفًا بالرواية عن المحدثين؛ لابد أن يكون مشهورًا بالرواية عنهم، والمجهول لا توجد فيه هذه الصفة.\nوالجمهور من المحدثين على رد رواية مجهول العين، لأن الإجماع قائم على عدم قبول غير العدل، والمجهول ليس عدلا، قال زين الدين السنيكي (^٢): «من العلماء، فلا يقبلونه مطلقا أي مجهول العين وهو الصحيح، للإجماع على عدم قبول غير العدل، والمجهول ليس عدلا، ولا في معناه في حصول الثقة به» (^٣).\nقلت: يُفهم من كلام السنيكي أن الأمر ليس على إطلاقه ففيه استثناء لمن عُرف بالعدالة والأمانة، لذلك قال ابن عبد البر رحمه لله تعالى: «من لم يرو عنه إلا رجل واحد فهو مجهول عندهم إلا أني أقول إن كان معروفا بالثقة والأمانة والعدالة فلا يضره إذا لم يرو عنه إلا واحد» (^٤).\n_________\n(^١) الكفاية، ص ٨٨.\n(^٢) زين الدين زكريا بن محمد بن أحمد السُنيكي، نسبة إلى بلده سُنيكة، القاهري الشافعي، أخذ عن أخذ عن القاياتي والبُلقيني، والشرف المناوي، والكافيجي، وغيرهم، برع في الأصول والفقه والحديث والنحو … له: غاية الوصول إلى شرح الفصول، وشرح شذور الذهب في النحو، مات سنة: (٩٢٨ هـ)، ينظر: سلم الوصول إلى طبقات الفحول، حاجي خليفة، ٢/ ١١٣.\n(^٣) فتح الباقي، شرح ألفية العراقي، ص ٣٢٤.\n(^٤) الاستذكار، ٦/ ٣٧٥.","vol":"1","page":591},{"text":"وقال أبو العباس القرطبي رحمه الله تعالى: «الحق أنه متى عرف عدالة الراوي قبل خبره سواء روى عنه واحد أو أكثر وعلى هذا كان الحال في العصر الأول من الصحابة وتابعيهم إلى أن تنطع المحدثون» (^١).\nفيُعلم مما سبق أن الراوي المجهول الذي لم يروِ عنه إلا واحد، ولم يُعرف حاله، فهو الضعيف المستور، أما المجهول الثقة المعروف بصدقه وأمانته فتقبل روايته، ولاسيما أن هناك جمع من الصحابة الكرام ﵃ من لم يرو عنهم إلا راوٍ واحد.\nقلت: فالرواة المجهولون الذين أخرج لهما الشيخان في صحيحهما هم ممن عُرف بالصدق والعدالة كعمرو بن تغلب، ورافع بن عمرو الغفاري، وغيرهما، فلذلك قال ابن الصلاح ﵀: «وذلك دال على مصيرهما إلى أن الراوي قد يخرج عن كونه مجهولا مردودا برواية واحد عنه» (^٢).\nوبناء على ماسبق من حكم الراوي مجهول العين الذي لم يرو عنه إلا راوٍ واحد لا غير، فهل اشترط الإمام البخاري رحمه الله تعالى، أن لا يذكر في صحيحه حديثًا لراوٍ رُوي عنه بأقل من اثنين في كل درجة؟\nقال الحاكم وهو يقسّم الحديث الصحيح إلى أقسام: «فالقسم الأول من المتفق عليها اختيار البخاري ومسلم، وهو الدرجة الأولى من الصحيح ومثاله: الحديث الذي يرويه الصحابي المشهور بالرواية عن رسول الله ﷺ، وله راويان\n_________\n(^١) ينظر النكت على مقدمة ابن الصلاح للزركشي، ٣/ ٣٨٤. وينظر قول ابن حجر في نزهة النظر، ص ١٠١ - ١٠٢.\n(^٢) علوم الحديث، ٣٢١.","vol":"1","page":592},{"text":"ثقتان، ثم يرويه عنه التابعي المشهور بالرواية عن الصحابة وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه من أتباع التابعين الحافظ المتقن المشهور وله رواة ثقات من الطبقة الرابعة، ثم يكون شيخ البخاري أو مسلم حافظا متقنا مشهورا بالعدالة في روايته فهذه الدرجة الأولى من الصحيح» (^١).\nإلا أن العلماء ردوا على الحاكم في قوله هذا، ولاسيما أنه قال أن هذا الشرط متفق عليه!، وأن الشيخان قد أخرجا في صحيحيهما من لم يتوفر فيه شرط الحاكم هذا.\nقال النووي (^٢) «وأما قول الحاكم إن من لم يرو عنه الا راو واحد فليس هو من شرط البخاري ومسلم فمردود غلّطه الأئمة فيه؛ بإخراجهما حديث المسيب بن حزن، والد سعيد بن المسيب في وفاة أبي طالب (^٣)، لم يرو عنه غير ابنه\n_________\n(^١) ينظر قول الحاكم، في المدخل إلى كتاب الإكليل، ص ٣٣.\n(^٢) شرح مسلم، ١/ ٢٨.\n(^٣) الحديث هو: حدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، وَعَبْدَاللهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ المُغِيرَةِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَبِي طَالِبٍ: «يَا عَمِّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ» فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ، وَعَبْدُاللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ، وَيَعُودَانِ بِتِلْكَ المَقَالَةِ حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَمَا وَاللهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ» فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ [التوبة: ١١٣] الآيَةَ، أخرجه البخاري، كتاب: الجنائز، باب: إِذَا قَالَ الْمُشْرِكُ عِنْدَ الْمَوْتِ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، رقم (١٢٨٠).","vol":"1","page":593},{"text":"سعيد (^١) وبإخراج البخاري حديث عمرو بن تغلب (^٢)» (^٣) وقد نقل الكرماني قول النووي (^٤).\nوقد أورد الكرماني رد النووي عند شرح حديث وفاة أبي طالب فقال ناقلا عن النووي: «قال النووي (^٥): حديث وفاته اتفق الشيخان على إخراجه في صحيحيهما من رواية سعيد عن أبيه ولم يرو عن المسيب إلا ابنه سعيد كذا قاله\n_________\n(^١) قال الحافظ المزي في ترجمة المسيَّب بن حسن: رَوَى عَنه: ابنه سَعِيد بْن المُسَيَّب، ولم يذكر غيره، ينظر: تهذيب الكمال، ٢٧/ ٥٨٥.\n(^٢) كذلك قال الحافظ المزي في ترجمة عمرو بن تغلب، رَوَى عَنه: الحسن البَصْرِيّ، ولم يرو عنه غيره. قاله غير واحد، ينظر تهذيب الكمال، ٢١/ ٥٥٣.\n(^٣) الحديث هو: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ قَالَ سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أُتِيَ بِمَالٍ أَوْ سَبْيٍ فَقَسَمَهُ فَأَعْطَى رِجَالًا وَتَرَكَ رِجَالًا فَبَلَغَهُ أَنَّ الَّذِينَ تَرَكَ عَتَبُوا فَحَمِدَ اللهَ ثُمَّ أَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَوَاللهِ إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ وَأَدَعُ الرَّجُلَ وَالَّذِي أَدَعُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ الَّذِي أُعْطِي وَلَكِنْ أُعْطِي أَقْوَامًا لِمَا أَرَى فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ الْجَزَعِ وَالْهَلَعِ وَأَكِلُ أَقْوَامًا إِلَى\nمَا جَعَلَ اللهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ الْغِنَى وَالْخَيْرِ فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ فَوَاللهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِكَلِمَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حُمْرَ النَّعَمِ.» أخرجه البخاري، كتاب: الجهاد في سبيل الله، بَاب: قَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾، رقم (٧٠٨٢).\n(^٤) الكواكب الدراري، ٦/ ٣٥.\n(^٥) شرح مسلم، ١/ ٢٨.","vol":"1","page":594},{"text":"الحفاظ وفيه رد على الحاكم أبي عبدالله فيما قال أنهما لم يخرجا عن أحد ممن لم يرو عنه إلا راو واحد ولعله أراد من غير الصحابة» (^١).\nقال الحافظ ابن طاهر المقدسي: إن البخاري ومسلم لم يشترطا هذا الشرط، ولا نقل عن واحد منهما أنه قال ذلك، والحاكم قدر هذا التقدير، وشرط لهما هذا الشرط على ما ظن، ولعمري إنه شرط حسن لو كان وجدًا في كتابيهما، إلا أنا وجدنا هذه القاعدة التي أسسها الحاكم منتقضة في الكتابين جميعًا» (^٢).\nوقد ذكر العلاّمة المحدث الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله تعالى في تعليقه على كتاب المقدسي، فقال: «وهكذا صنع ابن الجوزي في مقدمة «الموضوعات»، فقد نقض كلام الحاكم فيما زعمه من شرط الشيخين على ضوء كلام المؤلف ولم يعزه إليه (^٣).\nوهكذا صنع أيضا النووي في مقدمته لشرح صحيح مسلم … وقال ناقلا عن الحاكم في المستدرك» (^٤) بعد أن خرّج حديثا لهِصَّان بن كاهن: «هذا حديث صحيح وقد تداوله الثقات، ولم يخرجاه جميعا بهذا اللفظ، والذي عندي والله أعلم أنهما أهملاه لهصان بن كاهل، ويقال: ابن كاهن، فإن المعروف بالرواية عنه حميد بن هلال العدوي فقط «وقد ذكر ابن أبي حاتم، أنه روى عنه قرة بن\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٧/ ١٣٥.\n(^٢) شروط الأئمة الستة، للحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي ص ٩٦.\n(^٣) الموضوعات لابن الجوزي، ١/ ٣٤.\n(^٤) المستدرك على الصحيحين، ١/ ٥٠.","vol":"1","page":595},{"text":"خالد أيضا» وقد أخرجا جميعا عن جماعة من الثقات لا راوي لهم إلا واحد، فيلزمهما بذلك إخراج مثله».\nفقال الشيخ عبد الفتاح رحمه الله تعالى: «فهذا مما يُستغرب من الحاكم، قدّر من عنده شرطًا للشيخين ثم بدأ يُلزمهما بمخالفته» (^١).\nقلت: لعله وهمًا وقع فيه الحاكم في كتابه المدخل، عمَّا كان قد قرره في المستدرك.\n\n<span data-type='title' id=toc-372>٣ - تدليس الشيوخ:</span>\nمن أنواع التدليس تدليس الشيوخ وهو: بأن يسمي شيخه أو يكنيه أو ينسبه أو يصفه بما لا يعرف (^٢).\nفإن كان المقصود من هذا التدليس التعمية على حال الراوي، أو إبهام حاله، فهو مكروه جدًا، وقد يبلغ التحريم … (^٣).\nإلا أنه قد يُسمّى الراوي بغير اسمه الذي اشتُهر به، أو يشتبه اسمه المجرد باسم غيره، فيوهم التدليس … وهو ليس كذلك.\nمثاله: قال البخاري، كتاب الوضوء، باب: الْوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ يُوسُفَ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ\n_________\n(^١) ينظر قول الشيخ عبد الفتاح في تعليقه على كتاب: شروط الأئمة الستة، للمقدسي، ص ٩٨.\n(^٢) التقريب، النووي، ص ٣٧.\n(^٣) علوم الحديث، ابن الصلاح، ص ٧٤، التقريب والتيسير، النووي، ص ٣٩.","vol":"1","page":596},{"text":"عَبَّاسٍ قَالَ تَوَضَّأَ النَّبِيُّ ﷺ مَرَّةً مَرَّةً (^١).\nالحاصل أن رجال السند وقع التشابه في أسمائهم\nفالبيكندي، والفريابي شيخا البخاري.\nوابن عيينة، شيخ البيكندي، وغالب روايته عنه.\nوسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة شيخا الفريابي.\nوزيد بن أسلم شيخ السفيانين.\nفهل يؤدي هذا الاشتباه إلى التدليس كون الراوي مجهولًا؟\nقال الكرماني: «مثله لا يقدح فيه لأن أيا كان منهم فهو عدل ضابط بشرط البخاري لا يتفاوت الحكم باختلاف ذلك» (^٢).\nومثله في حديث البخاري: (حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ مُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ فَقَالَ «يَا مُغِيرَةُ، خُذِ الإِدَاوَةَ» (^٣).\nفأبو معاوية هو: «هو محمد بن حازم»، ويحتمل أن يكون: «أبو معاوية شيبان النحوي»، ومسلم هو: «ابن عمران أبو عبدالله البطين»، ويحتمل أن يكون: «مسلم بن صبيح»، وكل هذا لايضر ولا يقدح في صحة الحديث أو\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، رقم (١٥٧).\n(^٢) الكواكب الدراري، ٢/ ٢٠٦، وينظر كذلك: ٢/ ٧٧٨، النكت على كتاب ابن الصلاح، ابن حجر، تدريب الراوي للسيوطي، ١/ ٣١٤.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: الصلاة، باب: الصَّلَاةِ فِي الْجُبَّةِ الشَّامِيَّةِ، رقم (٣٥٨).","vol":"1","page":597},{"text":"إسناده، وكل منهم عدل ضابط بشرط البخاري، وقد روعنهم جميعًا (^١).\n* * *\n_________\n(^١) ينظر: الكواكب الدراري، ٤/ ٢٢.","vol":"1","page":598},{"text":"<span data-type='title' id=toc-373>الفصل الثاني\nجهود الكرماني في العلوم المتعلقة بعلم العلل</span>\n<span data-type='title' id=toc-374>المبحث الأول\nتعريف العلة لغة واصطلاحًا، وأهمية معرفة علم العلل</span>\n<span data-type='title' id=toc-375>العلة في اللغة:</span> العِلَّةُ بالكسر: المرض.\nقَالُوا عَلَّ الرجلُ بَعلُّ وبَعَلُّ واعْتَلَّ ورجُل عَليل، أعَله الله، فَهُوَ مُعَلّ (^١).\nتعريف العلة اصطلاحًا: قال ابن الصلاح في تعريف الحديث المعلول: «هو الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته، مع أن ظاهره السلامة منها» (^٢).\nوقال أستاذنا الدكتور نور الدين عتر في تعريف الحديث المعلول: «هو الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته، مع أن ظاهره السلامة منها» (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: (مادة: علل) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، ٥/ ١٧٧٣، والمخصص، ابن سيده، ١/ ٤٧١، وتهذيب اللغة، ١/ ٨٠، ولسان العرب، ابن منظور، ١١/ ٤٦٧.\n(^٢) علوم الحديث، ص ٩٠.\n(^٣) منهج النقد ص ٤٤٧.","vol":"1","page":599},{"text":"«فالعلة عبارة عن سبب غامض يدل على وهم الراوي سواء أكان الراوي ثقة أم ضعيفًا. سواء أكان الوهم فيما يتعلق بالإسناد أم فيما يتعلق بالمتن» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-376>أهمية معرفة علم العلل:</span>\nإن لمعرفة علم علل الحديث أثر كبير في معرفة صحاح الأحاديث من ضعيفها، فمن هنا تظهر أهمية هذا الفن، قال ابن حجر: «هذا الفن أغمض أنواع الحديث وأدقها مسلكا، ولا يقوم به إلا من منحه الله تعالى فهما غايصا، وإطلاعا حاويان وإدراكا لمراتب الرواة ومعرفة ثاقبة، ولهذا لم يتكلم فيه إلا أفراد أئمة هذا الشأن وحذاقهم وإليهم المرجع في ذلك لما جعل الله فيهم من معرفة ذلك، والاطلاع على غوامضه دون غيرهم ممن لم يمارس ذلك» (^٢).\nولأهمية هذا العلم أُلفت فيه المصنفات الكثيرة، منها:\n١ - التاريخ والعلل: للإمام يحيى بن معين (ت ٢٣٣ هـ).\n٢ - العلل: للإمام علي بن المديني، (ت ٢٣٤ هـ).\n٣ - العلل ومعرفة الرجال: للإمام أحمد بن حنبل (ت ٢٤١ هـ).\n٤ - التمييز: للإمام مسلم بن الحجاج، (ت ٢٦١ هـ) (^٣) وغيرها من المصنفات.\nهذا وتنقسم العلة إلى علة متعلقة بالسند، وأخرى متعلقة بالمتن، وعلل تكون في السند والمتن معًا.\n_________\n(^١) الحديث المعلول، قواعد وضوابط، د. حمزة المليباري، ص ١٠.\n(^٢) النكت على كتاب ابن الصلاح، ٢/ ٧١٠.\n(^٣) ينظر الرسالة المستطرفة، ص ٣٨ - ١٤٧ - ١٤٨، وكشف الظنون، ٢/ ١٤٤٠.","vol":"1","page":600},{"text":"وسأتكلم عن بعض هذه العلل التي ذكرها الكرماني في شرحه.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-377>المبحث الثاني\nالإعلال بالاضطراب</span>\nتعريف الحديث المضطرب: «هو الحديث الذي يروى من قِبل راو واحد أو أكثر على أوجه مختلفة متساوية، لا مرجح بينها، ولا يمكن الجمع» (^١).\nفيفهم من التعريف أنه لا بد من تحقق شروط الاضطراب:\nأولًا: تساوي الروايات المضطربة، ولا تترجح إحداهما على الأخرى، فإذا ترجحت إحداهما على الأخرى كان الحكم للراجحة.\nقال الحافظ العراقي: «أمَّا إذا ترجَّحَتْ إحداهما بكونِ راويها أحفظَ، أو أكثرَ صحبةً للمرويِّ عنهُ، أو غيرَ ذلك من وجوهِ الترجيحِ، فإنهُ لا يُطلقُ على الوجهِ الراجحِ وصفُ الاضطرابِ، ولا لَهُ حكمُهُ، والحكمُ حينئذٍ للوجهِ الراجحِ» (^٢).\nثانيًا: لايمكن التوفيق بينهما، ولو بوجه معتبر صحيح، يزول الاضطراب (^٣).\n_________\n(^١) منهج النقد، ص ٤٣٣، وينظر، التقريب والتيسير، النووي، ص ٤٥، وتوجيه النظر، ص ٥٨١.\n(^٢) شرح التبصرة والتذكرة، ١/ ٢٩١.\n(^٣) ينظر: تدريب الراوي، ١/ ٣٠٨، ومنهج النقد، ص ٤٣٣، ويرى شيخنا د. نورالدين عتر حفظه الله، لابد من اجتماع الشرطين معًا أي تساوي الروايات المضطربة، وعدم إمكان التوفيق بينهما حتى يُحكم بالاضطراب.","vol":"1","page":601},{"text":"ثالثًا: وزاد ابن حجر: «إذا اختلفت مخارج الحديث وتباعدت ألفاظه أو كان الحديث في سياق واقعة وظهر تعددها فالذي يتعين القول به أن يُجعلا حديثين مستقلين» (^١).\nوقد يقع الاضطراب في السند، والمتن، قال ابن حجر: «وهو يقع في الإسناد غالبا، وقد يقع في المتن، لكن قل أن يحكم المحدث على الحديث بالاضطراب بالنسبة إلى الاختلاف في المتن دون الإسناد» (^٢).\nوقد عدّ العلماء الاضطراب من العلل التي تُوجب قدحًا في صحة الحديث، وكان الكرماني يُشير أحيانًا لهذا الاختلاف الحاصل في السند أو المتن.\n\n<span data-type='title' id=toc-378>١ - الاضطراب في السند:</span>\nمثاله: قال البخاري: «حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَةَ ذَكَرَهُ وَلَكِنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَاللهِ يَقُولُ أَتَى النَّبِيُّ ﷺ الْغَائِطَ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ …» (^٣).\nقال الكرماني معلقًا على قول أبي إسحاق في السند «ليس أبو عبيدة ذكره» «قلت ما الفائدة فيما قال؟ وليس أبو عبيدة ذكره؛ إذ الإسناد بدونه تمام ولا دخل\n_________\n(^١) النكت على ابن الصلاح، ص ٣٣٧.\n(^٢) نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر، ص ٩٦.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: الوضوء، باب: لَا يُسْتَنْجَى بِرَوْثٍ، رقم (١٥٦).","vol":"1","page":602},{"text":"له فيه، قلت: غرض أبي إسحق في هذه اللفظة أن يبين أنه لا يُروى هذا الحديث عن طريق أبي عبيدة عن عبدالله كما رواه غيره، لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه شيئا، فأراد دفع وهم من توهم ذلك فنقل البخاري لفظه بعينه» (^١).\nثم نقل الكرماني عن الترمذي فقال: «حدثنا هناد وقتيبة قالا حدثنا وكيع عن إسرائيل عن أبي اسحق عن أبي عبيدة عن عبدالله قال خرج النبي ﷺ لحاجته فقال التمس لي ثلاثة أحجار … وساق الحديث ثم قال الترمذي وهكذا روى قيس بن الربيع هذا الحديث، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبدالله نحو حديث إسرائيل. وروى معمر، وعمار بن رزيق، عن أبي إسحاق، عن علقمة، عن عبدالله. وروى زهير، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه الأسود بن يزيد، عن عبدالله.\nوالحاصل:\nأن أصح الروايات عند الترمذي حديث قيس بن الربيع وإسرائيل عن أبي عبيدة، عن عبدالله لأن إسرائيل أثبت وأحفظ لحديث أبي إسحاق من هؤلاء، وتابعه في ذلك قيس بن الربيع، وزهير، عن أبي إسحاق ليس بذاك لأن سماعه منه بآخرة (^٢).\nثم بين الترمذي من روى الحديث: «وروى زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن الأسود بن يزيد، عن عبدالله، وهذا\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٢/ ٢٠٣.\n(^٢) سنن الترمذي، ١/ ٧٠ - ٧١.","vol":"1","page":603},{"text":"حديث فيه اضطراب … ثم قال الترمذي: سألت عبدالله بن عبد الرحمن أي الدارمي: أي الروايات في هذا عن أبي إسحاق أصح؟ فلم يقضِ فيه بشيء، وسألت محمدا عن هذا، فلم يقضِ فيه بشيء وكأنه رأى حديث زهير، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عبدالله، أشبه، ووضعه في كتاب الجامع» (^١).\nقال الكرماني معلقًا على قول الترمذي من ترجيحه للرواية التي ذكرها في سننه، وأن الراجح رواية البخاري في صحيحه، وذلك لأن أبا عبيدة بن عبدالله لم يسمع من أبيه: «فتكون روايته عن أبيه مرسلا فكيف يكون حديث إسرائيل عن أبي اسحق عن أبي عبيدة عن عبدالله أصح، بل الأصح ما ذكره البخاري وأما سماع زهير من أبي اسحق بآخره فلا يقدح فيه لأنه قد ثبت عنه هذا الحديث قبل الاختلاط بطرق متعددة (^٢)، نعم لو كان زهير منفردا بالنقل عنه لكان منقدحا بذلك لكنه ليس كذلك» (^٣).\nوقال ابن حجر أن أبا عبيدة هو ابن عبدالله بن مسعود، وقوله: «وقوله: ذكره؛ أي لي، ولكن عبد الرحمن بن الأسود؛ أي هو الذي ذكره لي؛ بدليل قوله\n_________\n(^١) السابق، ١/ ٦٩ - ٧٠.\n(^٢) وحكم الراوي الذي اختلط، يُقبل منه ما كان قبل الاختلاط، ويُترك ما كان بعده، وإذا لم يُعرف ولم يتميّز ما كان قبل الاختلاط عن بعده، يُتوقف فيه حتى يتبين. ينظر: علوم الحديث، ابن الصلاح، ص ٣٩٢، ونزهة النظر، ص ١٢٥، واليواقيت والدرر، ٢/ ١٦٥.\n(^٣) الكواكب الدراري، ٢/ ٢٠٤.","vol":"1","page":604},{"text":"في الرواية الآتية المعلقة: حدثني عبد الرحمن، وإنما عدل أبو إسحاق عن الرواية عن أبي عبيدة إلى الرواية عن عبد الرحمن، مع أن رواية أبي عبيدة أعلى له؛ لكون أبي عبيدة لم يسمع من أبيه على الصحيح، فتكون منقطعة، بخلاف رواية\nعبد الرحمن؛ فإنها موصولة، ورواية أبي إسحاق لهذا الحديث عن أبي عبيدة عن أبيه عبدالله بن مسعود عند الترمذي وغيره من طريق إسرائيل بن يونس عن أبي إسحاق» (^١).\nفي الحاصل يدل كلام الكرماني أن هذه الروايات ليست من قبيل الاضطراب، ولكن من قبيل الاختلاف الذي يكون سببه الوهم والغلط من الرواة أو من كثرة طرق الحديث.\n\n<span data-type='title' id=toc-379>٢ - الاضطراب في المتن:</span>\nحديث المرأة التي وهبت نفسها للنبي ﷺ قال البخاري: «حَدَّثَنَا عَمْرُو ابْنُ عَوْنٍ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ أَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ إِنَّهَا قَدْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ﷺ فَقَالَ مَا لِي فِي النِّسَاءِ مِنْ حَاجَةٍ فَقَالَ رَجُلٌ زَوِّجْنِيهَا قَالَ أَعْطِهَا ثَوْبًا قَالَ لَا أَجِدُ قَالَ أَعْطِهَا وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ فَاعْتَلَّ لَهُ فَقَالَ مَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ قَالَ كَذَا وَكَذَا قَالَ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ» (^٢).\nنقل الكرماني إعلال الدارقطني لهذه الرواية، وأنها مضطربة متنًا،\nفقال:\n_________\n(^١) فتح الباري، ١/ ٢٥٧.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: فضائل القرآن، باب: بباب: خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ، رقم (٤٧٠٦).","vol":"1","page":605},{"text":"«قال الدارقطني: رواية ملكتها وهم، والصواب رواية من روى زوجتكها» (^١).\nوقد بين الحافظ ابن حجر ﵀ الإشكال مع الإجابة عنه فقال:\nإن مداره على أبي حازم عن سهل بن سعد ﵁ واختلف الرواة عن أبي حازم، فقال مالك وجماعة معه: «فقد زوجتكها» (^٢).\nوقال ابن عيينة: «أنكحتكها».\nوقال ابن أبي حازم ويعقوب بن عبد الرحمن: «ملكتكها».\nوقال الثوري «أملكتكها».\nوقال أبو غسان: «أمكناكها».\nوأكثر هذه الروايات في الصحيحين (^٣)، فمن البعيد جدا أن يكون سهل ابن سعد ﵁ شهد هذه القصة من أولها إلى آخرها مرارا عديدة، فسمع في كل مرة لفظا غير الذي سمعه في الأخرى.\nبل ربما يُعلم ذلك بطريق القطع أيضا فالمقطوع به أن النبي ﷺ لم يقل هذه الألفاظ كلها في مرة واحدة تلك الساعة، فلم يبق إلا أن يقال: إن النبي ﷺ\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١٩/ ٣٥.\n(^٢) أخرجه مالك في الموطأ، كتاب: النكاح، باب: مَا جَاءَ فِي الصَّدَاقِ، وَالْحِبَاءِ، رقم (٤٩٦).\n(^٣) هذه الروايات ذكرها ابن الجزري في جامع الأصول بعد أن ساق الحديث تحت رقم، (٤٩٧٧).","vol":"1","page":606},{"text":"قال لفظا منها، وعبّر عنه بقية الرواة بالمعنى، والله أعلم (^١).\nوقال النووي: «ويحتمل صحة اللفظين ويكون جرى لفظ التزويج أولا فملكها ثم قال له اذهب فقد ملكتها بالتزويج السابق والله أعلم» (^٢).\nوقد اكتفى الكرماني في الرد على إعلال الرواية بنقل كلام النووي هذا.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-380>المبحث الثالث\nالعلل الناتجة بسبب وهم الراوي</span>\n<span data-type='title' id=toc-381>المقصود بوهم الراوي:</span>\nوالمقصود من وهم الراوي: أن يروي الراوي على سبيل الخطأ، حديثًا مرسلًا أو منقطعًا موصولًا، أو يرفع أثرًا موقوفا، أو يُدخل حديثا بحديث آخر (^٣).\nمن المعلوم أن ضبط الراوي في تأدية الحديث كما سمعه من شيخه، شرط لصحة المروي، فإذا فقد الراوي صفة الضبط، أو كثر وَهْمُهْ وخطأه، دخل الخلل والضعف لمروياته.\nولكن قد يقع الوهم والخطأ عند الراوي الضابط الثقة في مروياته، وقلَّ أن يسلم من ذلك أحد الرواة … وهذا لايؤثر على ضبط الراوي إن كان\n_________\n(^١) النكت على ابن الصلاح، ص ٣٣٧.\n(^٢) شرح مسلم، ٩/ ٢١٤.\n(^٣) ينظر: نزهة النظر، ابن حجر، ص ٩٢.","vol":"1","page":607},{"text":"الخطأ والوهم قليلًا.\nوقد يقع وهم الراوي في السند وفي المتن.\n\n<span data-type='title' id=toc-382>١ - الوهم في السند:</span>\nمثال عن الخطأ في السند ناتج من تبديل راوٍ بآخر.\nقال البخاري: «حَدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِاللهِ، قَالَ: حَدَّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ، قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ قَالَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثنا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ، قَالَ: حَدَّثنا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: سَمِعْتُ حَفْصَ بْنَ عَاصِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا مِنَ الأَزْدِ يُقَالُ لَهُ: مَالِكٌ ابْنُ بُحَيْنَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَاثَ بِهِ النَّاسُ، وَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: آلصُّبْحَ أَرْبَعًا، آلصُّبْحَ أَرْبَعًا. تَابَعَهُ غُنْدَرٌ، وَمُعَاذٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مَالِكٍ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: عَنْ سَعْدٍ، عَنْ حَفْصٍ، عَنْ عَبْدِاللهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ. وَقَالَ حَمَّادٌ: أَخبَرَنا سَعْدٌ، عَنْ حَفْصٍ، عَنْ مَالِكٍ» (^١).\nبين الكرماني (^٢) أن رواية عبد العزيز عن عبدالله بن مالك ابن بحينة، أصح من رواية شعبة عن مالك بحذف لفظ عبدالله … فوقع الوهم من شعبة وغيره، والدليل على ذلك ما نقله الكرماني من أقوال العلماء، فقد روى الإمام مسلم: «حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الأذان، باب: إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلاَّ المَكْتُوبَةَ، رقم (٦٣٤).\n(^٢) الكواكب الدراري، ٥/ ٤٩.","vol":"1","page":608},{"text":"عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ …» وفي نهاية الحديث قال: قَالَ الْقَعْنَبِيُّ عَبْدُاللهِ بْنُ مَالِكٍ ابْنُ بُحَيْنَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ مُسْلِمٌ: «وَقَوْلُهُ عَنْ أَبِيهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ خَطَأٌ».\nورواية مسلم هذه كذلك أخرجها الطبراني في الكبير (^١).\nوقال أبو مسعود الدمشقي أن أهل العراق كشعبة وحماد بن زيد، يقولون عن مالك بن بحينة وأهل الحجاز يقولون عن عبدالله بن مالك بن بحينة وهذا أصح، واستشهد الكرماني بأقوال علماء الجرح والتعديل كذلك:\nقال البخاري في تاريخه: أنه «عبدالله بن مالك بن بحينة» وذكر أن بعضهم قال مالك بن بحينة والأول أصح (^٢).\nوقال عن ابن معين: عبدالله هو الذي روى عن النبي ﷺ وليس يروي أبوه عن النبي ﷺ شيئًا (^٣).\nوقد روى النسائي حديثًا: «أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ بُحَيْنَةَ» (^٤) فبين النسائي أن هذا خطأ والصواب: عبدالله بن مالك\n_________\n(^١) في الكبير، جزء/ ١٩/ رقم (٦٦٣).\n(^٢) التاريخ الكبير، ٥/ ١١.\n(^٣) تاريخ ابن معين، رواية الدوري، ٣/ ١٤٨.\n(^٤) أخرجه النسائي، كتاب: السَّهْوِ، ذِكْرُ مَا يَنْقُضُ الصَّلَاةَ، وَمَا لَا يَنْقُضُهَا، باب:\nما يفعل من اثنتين من الصلاة ولم يتشهد، رقم (٦٠٠).","vol":"1","page":609},{"text":"ابن بحينة (^١).\nوقال أبو حاتم الرازي «وَلَيْسَ لابْنِ بُحَيْنَةَ أصلٌ»، وقال أَبُو زُرْعَةَ: إِنَّمَا هُوَ: عبدُالله بنُ مالكٍ ابنُ بُحَيْنَةَ الأَسَدِيُّ حليفُ بني عَبْد المُطَّلِب (^٢).\nوقد ذكر الحافظ ابن حجر هذه الأقوال في الإصابة (^٣).\nومما تجدر الإشارة إليه أن من الرواة من يُنسب لأبيه وأمه، فعبدالله بن مالك ابن بحينة، هو كذلك، فمالك أبوه، وأمه بحينة وقد أشار الكرماني لهذا في شرحه (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-383>٢ - الوهم في المتن:</span>\nكما وقع الوهم في السند يقع في المتن، كزيادة في متن الحديث أتت من حديث آخر.\nمثاله: حديث البخاري «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ وَالْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ أَتَيْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ إِنَّ قُرَيْشًا أَبْطَئُوا عَنْ الْإِسْلَامِ فَدَعَا عَلَيْهِمْ النَّبِيُّ ﷺ فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَتَّى هَلَكُوا فِيهَا وَأَكَلُوا الْمَيْتَةَ وَالْعِظَامَ …».\nقال البخاري: «وَزَادَ أَسْبَاطٌ عَنْ مَنْصُورٍ فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَسُقُوا\n_________\n(^١) السنن لكبرى، النسائي، ١/ ٣١١.\n(^٢) علل الحديث، ابن أبي حاتم، ٢/ ٣٥٠ - ٤٦٢.\n(^٣) الإصابة في تمييز الصحابة، ٥/ ٥٢٨.\n(^٤) الكواكب الدراري، ٥/ ٤٨.","vol":"1","page":610},{"text":"الْغَيْثَ فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ سَبْعًا وَشَكَا النَّاسُ كَثْرَةَ الْمَطَرِ قَالَ اللهُمَّ حَوَالَيْنَا\nوَلَا عَلَيْنَا فَانْحَدَرَتْ السَّحَابَةُ عَنْ رَاسِهِ فَسُقُوا النَّاسُ حَوْلَهُمْ» (^١).\nذكر الكرماني أن قصة قريش، التماس أبي سفيان، هي قصة مكية إلا أن قوله: وزاد أسباط عن منصور … هي مدنية وليست في مكة (^٢).\nفهذا يدل على أن زيادة أسباط وهم وخطأ، لأنه أدخل قصة المدينة، في قصة قريش.\nقال الشمس البرماوي: «وَزَادَ أَسْبَاطٌ عَنْ مَنْصُورٍ فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَسُقُوا الْغَيْثَ فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ سَبْعًا وَشَكَا النَّاسُ كَثْرَةَ الْمَطَرِ قَالَ اللهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا فَانْحَدَرَتْ السَّحَابَةُ عَنْ رَاسِهِ فَسُقُوا النَّاسُ حَوْلَهُمْ» (^٣).\nوقد بيّن جملة من شراح الحديث هذا الوهم منهم ابن الملقن في التوضيح لشرح الجامع الصحيح، (^٤) ونقل ذلك عن الداودي، والحافظ شرف الدين الدمياطي (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الاستسقاء، بَاب: إِذَا اسْتَشْفَعَ الْمُشْرِكُونَ بِالْمُسْلِمِينَ عِنْدَ الْقَحْطِ، رقم (٩٧٠).\n(^٢) الكواكب الدراري، ٦/ ١١٣.\n(^٣) اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح، ٤/ ٤٣٠.\n(^٤) / ٢٥٧.\n(^٥) عبد المؤمن بن خلف بن أبي الحسن، أبو محمد، شرف الدين الدمياطي، الشافعي، حافظ زمانه، عالم بالأنساب الحديث، من أشهر طلابه الحافظ المزي، له: الأربعين الأبدال التساعيات للبخاري ومسلم، والأربعون الحلبية في الأحكام النبوية، وغيرها، (ت ٧٠٥ هـ).","vol":"1","page":611},{"text":"إلا أن ابن حجر ﵀ خالف الذين نسبوا إلى أسباط بن نصر الوهم، بأنه أدخل حديثًا بحديث، وأن الحديث الذي فيه شكوى كثرة المطر … وقوله: «اللهم حوالينا ولا علينا» لم يكن في قصة قريش، وإنما هو في القصة التي رواها أنس ﵁.\nفقال: «وليس هذا التعقب عندي بجيد؛ إذ لا مانع أن يقع ذلك مرتين، والدليل على أن أسباط بن نصر لم يغلط: ما جاء في تفسير الدخان من رواية أبي معاوية عن الأعمش عن أبي الضحى في هذا الحديث، فقيل: يا رسول الله استسق الله لمضر؛ فإنها قد هلكت قال لمضر إنك لجريء، فاستسقى، فسقوا» (^١).\nمثال آخر:\nحديث: «هَمَّامٌ عَنْ إِسْحَاقَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ أَقْوَامًا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ إِلَى بَنِي عَامِرٍ فِي سَبْعِينَ فَلَمَّا قَدِمُوا قَالَ لَهُمْ خَالِي أَتَقَدَّمُكُمْ فَإِنْ أَمَّنُونِي حَتَّى أُبَلِّغَهُمْ …» (^٢).\nوقع الوهم في هذا الحديث في قوله: «من بني سليم» والصواب: «من الأنصار» وقد نبه الكرماني على هذا، وذلك بسبب: «إذا المبعوث إليهم، هو من بني سليم لأن رعلا هو ابن مالك بن عوف بن امرئ القيس» (^٣).\nوقد أكد الحافظ ابن حجر هذا الوهم فقال: «التحقيق: أن المبعوث إليهم بنو عامر، وأما بنو سليم فغدروا بالقراء المذكورين، والوهم في هذا السياق من\n_________\n(^١) فتح الباري، ٢/ ٥١١.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الجهاد والسير، باب: من ينكب في سبيل الله، رقم (٢٨٠١).\n(^٣) الكواكب الدراري، ٦/ ١٩.","vol":"1","page":612},{"text":"حفص بن عمر شيخ البخاري، فقد أخرجه هو في المغازي عن موسى بن إسماعيل عن همامن فقال: بعث أخا لأم سليم في سبعين راكبا وكان رئيس المشركين عامر بن الطفيل … فلعل الأصل بعث أقواما معهم أخو أم سليم إلى بني عامر فصارت من بني سليم.\nوقد بين ابن حجر كذلك تكلّف من تأوّل الحديث من بعض شراح الحديث … (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-384>٣ - التصحيف:</span>\n«تحويل الكلمة من الهيئة المتعارفة إلى غيرها، مع بقاء صورة الخط» (^٢).\nقد يقع التصحيف في الحديث، وسببه وهم وخطأ من الراوي، فالتصحيف إما يكون في السمع الراوي، أو بصره والحديث المصحف، من أنواع الحديث المعلول، لأن الخطأ في تصحيف كلمة يؤدي إلى تغيير المعنى، وربما إبدال راوٍ ثقة، بآخر غير ثقة، وأكثر ما يكون التصحيف في السند، وقد يكون التصحيف في طرق التحمل والأداء كأن يُبدل الراوي، «حدثنا» ب «أخبرنا»، أو إبدال «عن» ب «ابن» (^٣).\nوقد يقع التصحيف في سند الحديث ومتنه\n_________\n(^١) ينظر: فتح الباري، ٦/ ١٩.\n(^٢) توضيح الأفكار، ٢/ ٢٤٠، وينظر: الجامع لأخلاق الراوي، الخطيب البغدادي، ١/ ٢٦٩.\n(^٣) روايات الجامع الصحيح ونسخه «دراسة نظرية تطبيقية»، د. جمعة فتحي عبد الحليم، ٢/ ٤٦٨.","vol":"1","page":613},{"text":"<span data-type='title' id=toc-385>١ - التصحيف في السند:</span>\nبعد أن ذكرت آنفًا أن التصحيف في السند يكون على عدة أوجه، ولكن سأذكر التصحيف المتعلق باسم الراوي، وقد نبه الكرماني ﵀ على ذلك.\nمثاله: حديث: «مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ يَحْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّاءَ الْغَسَّانِيُّ عَنْ هِشَامٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ وَهُوَ بِمَكَّةَ وَأَرَادَ الْخُرُوجَ …» (^١).\nوكعادة الكرماني عند التعريف برواة الحديث كان يذكر أحيانا ما اعترى الاسم من تصحيف وتغيير.\nفقال في ترجمة: «يَحْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّاءَ الْغَسَّانِيّ» هو بالمعجمة المفتوحة وشدة المهملة وبالنون مات سنة ثمان وثمانين ومائة.\nونقل الكرماني عن ابن السكن أنّ هناك من صحّف الاسم فقال: العُشانيّ، بضم المهملة وتشديد المعجمة، وقال بعضهم: العثماني والصواب: بالمعجمة ثم المهملة أي كما ضبطناها أولًا» (^٢).\nوقد ذكر الحافط ابن حجر رحمه الله تعالى ونقل عن من قال أنَّه العُشانيّ، أو أنه العثماني، إلا أن هذا من التصحيف والمعتمد هو الضبط الأول:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الحج، بَاب: مَنْ صَلَّى رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ خَارِجًا مِنْ الْمَسْجِدِ، رقم (١٥٢٧).\n(^٢) الكواكب الدراري، ٨/ ١٣٣ - ١٣٤، ويُنظر ضبط الاسم كما ضبطه الكرماني، عند ابن حجر في تهذيب التهذيب، ١١/ ٢١١.","vol":"1","page":614},{"text":"«الغَسَّانيّ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-386>٢ - التصحيف في المتن:</span>\nأشار الكرماني إلى التصحيف الذي وقع في هذا الحديث: «… وَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَيَنْقَذِفُ عَلَيْهِ نِسَاءُ الْمُشْرِكِينَ وَأَبْنَاؤُهُمْ وَهُمْ يَعْجَبُونَ مِنْهُ …» (^٢).\nبين الكرماني أن كلمة «فينقذف» هي من التصحيف، ونقل عن الخطابي الذي قال: «هذا هو المحفوظ، وأما يتقذف فلا وجه ههنا، إلا أن يُجعل من القذف أي يتدافعون فيقذف بعضهم بعضًا ويتساقطون عليه» (^٣).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-387>المبحث الرابع\nالإعلال بالإدراج</span>\nتعريف الحديث المدرج: ما ذكر في ضمن الحديث متصلا به من غير فصل وليس منه (^٤).\nوقد يقع الإدراج في السند أو المتن أو فيهما معًا، وقد أشار الكرماني على\n_________\n(^١) ينظر: فتح الباري، ٣/ ٤٨٦.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الأنبياء، بَاب: هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، رقم (٣٦٥٧).\n(^٣) الكواكب الدراري، ١٥/ ١١٥، وينظر كلام الخطابي في أعلام الحديث، ٣/ ١٦٩٠.\n(^٤) منهج النقد، ص ٤٣٩، وينظر علوم الحديث، ابن الصلاح، ص ٢٧٤.","vol":"1","page":615},{"text":"ما استُدرك على البخاري من بعض الألفاظ المدرجة في المتن، مثاله: ومن ذلك حديث: عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلاَّ جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الخَلَاءُ وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ، وَهُوَ التَّعَبُّدُ، اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ العَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى …» (^١).\nفقد بين الكرماني أن لفظ «التعبد» مدرجة من كلام السيدة عائشة ﵂ أو من كلام الزهري (^٢) كعادته (^٣).\nومن ذلك: أخرج البخاري: «عَنْ قَتَادَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَمُعَاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ قَالَ «يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ». قَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ. قَالَ «يَا مُعَاذُ». قَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ. ثَلَاثًا. قَالَ «مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلاَّ حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ». قَالَ يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا قَالَ «إِذًا يَتَّكِلُوا». وَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا» (^٤).\nفبين الكرماني أن آخر الحديث من قوله: وأخبر بها معاذ … هي مدرجة\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي، رقم (٣).\n(^٢) بل هي مدرجة من كلام الزهري، كما بين أورده الحافظ ابن حجر في الفتح، ١/ ٢٣، والنكت، ٢/ ٨٢٥.\n(^٣) ينظر الكواكب الدراري، ١/ ٣٢.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب: العلم، باب: مَنْ خَصَّ بِالْعِلْمِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ كَرَاهِيَةَ أَنْ لَا يَفْهَمُوا، رقم (١٢٨).","vol":"1","page":616},{"text":"من كلام أنس ﵁ (^١).\nومن ذلك حديث: «حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُاللهِ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصًا (^٢) مِنْ مَمْلُوكِهِ فَعَلَيْهِ خَلَاصُهُ فِي مَالِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ قُوِّمَ الْمَمْلُوكُ قِيمَةَ عَدْلٍ ثُمَّ اسْتُسْعِيَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ (^٣) عَلَيْهِ» (^٤).\nوالخلاف في الحديث حاصل في ذكر الاستسعاء على أنه من أصل الحديث، أم إنه مدرج فيه؟\nفبيّن الكرماني الإدراج في الحديث ونقل عن الدارقطني فقال: «قال الدارقطني (^٥) روى هذا الحديث شعبة وهشام عن قتادة وهما أثبت، ولم يذكرا فيه الاستسعاء ووافقهما همام ففصل الاستسعاء من الحديث وجعله من رأي\n_________\n(^١) ينظر الكواكب الدراري، ٢/ ١٥٥.\n(^٢) وهو النصيب قليلًا كان أو كثيرا، ينظر: مشارق الأنوار على صحاح الآثار، القاضي عياض، ٢/ ٢٥٧.\n(^٣) استسعاء العبد إذا عتق بعضه ورق بعضه: هو أن يسعى في فكاك ما بقي من رقه، فيعمل ويكسب ويصرف ثمنه إلى مولاه، فسمى تصرفه في كسبه سعاية، ومعنى غير مشقوق عليه: أي لا يكلفه فوق طاقته، ينظر: غريب الحديث والأثر ابن الجزري، ٢/ ٣٧٠.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب: الشركة، بَاب: تَقْوِيمِ الْأَشْيَاءِ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ بِقِيمَةِ عَدْلٍ، رقم (٢٣٢٩).\n(^٥) العلل، الدارقطني، ١٠/ ٣١٧.","vol":"1","page":617},{"text":"قتادة، وقال ابن عبد البر الذين لم يذكروا السعاية أثبت ممن ذكرها (^١) الخطابي (^٢): بيّن همام أن ذكر السعاية إنما هو من قتادة وقال ابن المنذر هذا الكلام من فتيا قتادة ليس من نفس الحديث» (^٣).\nوقال كذلك ناقلًا عن العلماء في حكم ذكر السعاية، وذلك عند الرواية الأخرى للحديث، وهي قال البخاري: «حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ أَبِي رَجَاءٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ آدَمَ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ سَمِعْتُ قَتَادَةَ قَالَ حَدَّثَنِي النَّضْرُ بْنُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصًا مِنْ عَبْدٍ.\nحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبًا أَوْ شَقِيصًا فِي مَمْلُوكٍ فَخَلَاصُهُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَإِلَّا قُوِّمَ عَلَيْهِ فَاسْتُسْعِيَ بِهِ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ. تَابَعَهُ حَجَّاجُ بْنُ حَجَّاجٍ وَأَبَانُ وَمُوسَى بْنُ خَلَفٍ عَنْ قَتَادَةَ اخْتَصَرَهُ شُعْبَةُ» (^٤).\nأي تابع سعيد بن أبي عروبة في روايته عن قتادة حجاج بن حجاج، فسعيد ابن أبي عَروبة ومن تابعه ذكروا السعاية، وشعبة وهشام لم يذكرا الاستسعاء.\n_________\n(^١) التمهيد، ابن عبد البر، ١٤/ ٢٧٧.\n(^٢) أعلام الحديث، ٢/ ١٢٥٤.\n(^٣) الكواكب الدراري، ١١/ ٥٨.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب: العتق، بَاب: إِذَا أَعْتَقَ نَصِيبًا فِي عَبْدٍ وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ اسْتُسْعِيَ الْعَبْدُ غَيْرَ، رقم (٢٣٦٠).","vol":"1","page":618},{"text":"«قال الأصيلي وابن العطار وغيرهما: من أسقط السعاية من الحديث أولى ممن ذكرها لأنها ليست في الأحاديث الأخر من رواية ابن عمر» (^١).\nوالظاهر مِنْ نَقْل الكرماني عن العلماء أنه يميل إلى القول الذي يرجح عدم ذكر السعاية، وأن لفظ السعاية هي مدرجة.\nإلا أن البخاري صرّح بصحة الطريقين، وذلك عند سؤال الإمام الترمذي له إذ قال: «وسألت محمدًا عن هذا الحديث، يعني حديث السعاية، فقلت: أيُّ الروايتين أصح؟ فقال: الحديثان جميعا صحيحان، والمعنى فيه قائم، وذكر فيه عامتهم عن قتادة «السعاية» إلا شعبة، وكأنه قوّى حديث سعيد بن أبي عَروبة في أمره بالسعاية» (^٢).\nوأشار البدر العيني ﵀ وحقق في المسألة ولفت النظر لغرض البخاري من ذكر المتابعة فقال: «أراد البخاريُّ بذكر متابعة هؤلاء الرد على من زعم أن الاسْتِسعاء في هذا الحديث غير محفوظ، وأن سعيد بن أبي عروبة تفرد به، فاستظهر له بمتابعة هؤلاء المذكورين» (^٣).\nوقد رجح ابن حجر كلا الروايتين، وما قيل عن تعليل رواية سعيد بن أبي عروبة مردود؛ لأن سعيدًا أعرف بحديث قتادة، لكثرة ملازمته له، وعدم نفي شعبة وهشام لما روى سعيد، ولأن سعيد لم ينفرد بذكر السعاية؛ بل تابعه جرير بن حازم وحجاج بن حجاج وموسى بن خلف وحجاج بن أرطأة، وأما\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١١/ ٨٠.\n(^٢) علل الترمذي الكبير، ص ٢٠٤.\n(^٣) عمدة القاري، البدر العيني، ١٣/ ٨٦.","vol":"1","page":619},{"text":"تعليل الحديث بدعوى أن سعيد اختلط فمردود لأن ما في الصحيحين من روايته كان قبل الاختلاط» (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-388>المبحث الخامس\nرواية الحديث بالمعنى</span>\nرواية الحديث بالمعنى:\nالذين نقلوا لنا حديث رسول الله ﷺ هم الصحابة الكرام ﵃، وهو ما أُضيف إليه ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة (^٢).\nوقد أُتي ﷺ جوامع الكلم، كما أُتيَ صحابته ﵃ الفصاحة والبلاغة والشعر …\nوعند نقل الحديث للآخرين من الصحابة أو من بعدهم قد يُغيَّر ببعض ألفاظه فتُنقل بمعانيها، وهذا الفعل من الرواة هو عين الأمانة والصدق في نقل الأخبار، وهو مايُسمى برواية الحديث بالمعنى، وتعني الرواية بالمعنى: «هي نقل الحديث وروايته بألفاظ مختلفة مع بقاء المعنى موحَّدًا» (^٣) أخرج البخاري في صحيحه، «عَنْ أَنَسٍ ﵁ وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أَقُولَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ وَلَكِنْ\n_________\n(^١) فتح الباري، ٥/ ١٥٧.\n(^٢) ينظر: شرح التبصرة، ١/ ١٨١، تدريب الراوي، ١/ ٢٠٢.\n(^٣) العلة في علم الحديث الشريف موضعها وأثرها، د. محمد عيد وفا المنصور، ص ٢٤٢.","vol":"1","page":620},{"text":"قَالَ السُّنَّةُ إِذَا تَزَوَّجَ الْبِكْرَ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا» (^١).\nوقال الكرماني: «ولو شئت لقلت معناه أن هذا اللفظ وهو من السنة كذا صريح في رفعه فلو شئت أن أقول رفعه بناء على الرواية بالمعنى لقلت ولو قلت لكنت صادقًا» (^٢).\nفيُفهم من فعل أنس ﵁ التحري والدقة في النقل، وإن قال قال رسول الله ﷺ هو الصدق، لأنه ينقل فعل النبي ﷺ. قال النووي: «هذا اللفظ يقتضي رفعه إلى النبي ﷺ فإذا قال الصحابي السنة كذا أو من السنة كذا فهو في الحكم كقوله قال رسول الله ﷺ كذا هذا مذهبنا ومذهب المحدثين وجماهير السلف والخلف (^٣) وجعله بعضهم موقوفا وليس بشيء قوله» (^٤).\nوالأحاديث ليست كلها قولية، بل منها ما هو إخبار لفعل النبي ﷺ من الصحابة، كقولهم أُمرنا بكذا، ونُهينا عن كذا، ومن السنة كذا … فهذا لا إشكال فيه فلا تدخله الرواية بالمعنى، أما ما كان من قول النبي ﷺ، ونقله الصحابة قولًا، فهذا الذي تدخله الرواية بالمعنى (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: النكاح، باب: إذا تزوج البكر على الثيب، رقم (٤٨٨٤).\n(^٢) الكواكب الدراري، ١٩/ ١٥٥.\n(^٣) ينظر: علوم الحديث، ابن الصلاح ص ٥٠، التقييد والإيضاح، ص ٦٩، وفتح المغيث، ١/ ١٤٢.\n(^٤) شرح مسلم، ١٠/ ٤٥.\n(^٥) ينظر: الأنوار الكاشفة لما في كتاب: «أضواء على السنة» من الزلل والتضليل والمجازفة، عبد الرحمن اليماني، ص ٧٩.","vol":"1","page":621},{"text":"ولا يُفهم من فعل الصحابة ﵃ إذا حكوا قوله ﷺ أنهم لم يكونوا يتحروا الدقة بلفظه ﷺ أو أنهم كانوا يُهملونه، ولكنهم عند الأداء يقع من بعضهم تقديم أو تأخير أو إبدال كلمة مكان أخرى … (^١).\nوكما أن الرواة متفاوتون في قوة الحفظ والدقة في نقل الكلام؛ كان له دور في نقل الحديث بالمعنى، فاللغة العربية واسعة المعاني، وجزلة الألفاظ، فمن كان عالمًا بما يؤديه اللفظ من معنى مقصود جاز له أن يروي الحديث بالمعنى، وهو دأب الحفّاظ والمحدثين في ذلك فقد ذكرالإمام الترمذي رحمه الله تعالى في جامعه عن طائفة من الرواة الثقات نقلهم للحديث بالمعنى.\nعن سفيان الثوري قال: «فقال إن قلت لكم إنى أحدثكم كما سمعت فلا تصدقوني إنما هو الْمعنى.\nوقال وكيع بن الجراح: «إن لم يكن الْمعنى واسعا فقد هلك الناس» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-389>حكم الرواية بالمعنى:</span>\nقال العلماء أن رواية الحديث بألفاظه كما هي من دون تغيير هو الأفضل والأحسن (^٣)، قال القاضي عياض: «ينبغي سد باب الرواية بالمعنى؛ لئلا يتسلط من لا يحسن، ممن يظن أنه يحسن، كما وقع لكثير من الرواة، قديما\n_________\n(^١) الأنوار الكاشفة، ص ٧٩.\n(^٢) جامع الإمام الترمذي، ٦/ ٢٤٣.\n(^٣) الإحكام في أصول الأحكام، للآمدي، ٢/ ١٠٣.","vol":"1","page":622},{"text":"وحديثا» (^١).\nأجاز طائفة من العلماء رواية الحديث بالمعنى وهو مروي عن مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم وهو قول الجمهور، وذلك للعالِم بمواقع الخطاب ومدلول الكلمة واللفظ بشرط المطابقة للمعنى، وقال النووي: «ولا خلاف في المنع إذا اختلف المعنى» (^٢).\nومنع طائفة منهم ذلك وهو مروي عن ابن سيرين والقاسم بن محمد ورجاء بن حيوة (^٣).\nوقال طائفة من العلماء هناك جملة من الأحاديث لايجوز أن تُروى بالمعنى، إذا كان فيها الصفات الآتية:\n١ - الأحاديث التي وُصفت أنها من جوامع كلمه ﷺ (^٤).\n٢ - الأحاديث التي يُتعبد بلفظها فلا يجوز تغيرها إلى المعنى، قاله ابن حجر (^٥).\n٣ - الأحاديث التي تدخل في باب المتشابهات كأحاديث الصفات، لأنه\n_________\n(^١) إكمال المعلم شرح صحيح مسلم للقاضي عياض، في المقدمة، ص ٨٦.\n(^٢) شرح مسلم، ١٧/ ٣٤.\n(^٣) ينظر: المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، الحسن الرامهرمزي، ٥٣٨، والتقريب للنووي ص ٧٤، وفتح المغيث، السخاوي، ٣/ ١٣٨، ونزهة النظر، ابن حجر ص ١١٦.\n(^٤) تدريب الراوي، ١/ ٥٣٧، وإرشاد الفحول، الشوكاني، ١/ ١٥٦.\n(^٥) فتح الباري، ٨/ ٣٠٤.","vol":"1","page":623},{"text":"لا يؤمن أن اللفظ الذي تكلم به الراوي يساوي لفظ النبي ﷺ (^١).\nإذًا هذه عوامل منع نقل الرواية بالمعنى للأسباب التي ذُكرت، إذا غيّرت المعنى، وأبدلته، وكانت الأحاديث ذات معنى معين، وقد أجملها القاضي عياض بقوله:\n«لا خلاف أن على الجاهل والمبتداء ومن لم يمهر في العلم، ولا تقدم في معرفة تقديم الألفاظ وترتيب الجمل وفهم المعاني، أن لا يكتب ولا يروي\nولا يحكي حديثا إلا على اللفظ الذي سمعه، وأنه حرام عليه التعبير بغير لفظه المسموع؛ إذ جميع ما يفعله من ذلك تحكم بالجهالة وتصرف على غير حقيقة في أصول الشريعة، وتقول على الله ورسوله ما لم يحط به علما» (^٢).\nإذا حاصل الأقوال في المسألة:\nأن الذين أجازوا الرواية بالمعنى بشرط معرفة ما يؤديه المعنى بكلمة مرادفة لا تغير المعنى المراد.\nوتشدد قوم منعوا الرواية بالمعنى مطلقًا.\nومنع قوم الرواية بالمعنى لأحاديث معينة كأحاديث الصفات، والمتشابهات وجوامع الكلم.\nوقد كان الكرماني رحمه الله تعالى يبين جواز الرواية بالمعنى إذا نصّ الراوي على ذلك مثاله: أخرج البخاري: «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ اتَّبَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ\n_________\n(^١) إرشاد الفحول، ١/ ١٥٦.\n(^٢) الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع، ١٧٤.","vol":"1","page":624},{"text":"وَخَرَجَ لِحَاجَتِهِ، فَكَانَ لَا يَلْتَفِتُ فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَقَالَ «ابْغِنِي أَحْجَارًا أَسْتَنْفِضْ بِهَا\nأَوْ نَحْوَهُ وَلَا تَأتِنِي بِعَظْمٍ وَلَا رَوْثٍ». فَأَتَيْتُهُ بِأَحْجَارٍ …» (^١).\nفقول أبي هريرة أو نحوه دلالة على جواز الرواية بالمعنى كما قال الكرماني (^٢).\nوكان الكرماني في شرحه يُشير إلى تصرف الراوي في الحديث، إذا نقله بالمعنى (^٣).\nفائدة:\nقد يتصرف الراوي في بعض ألفاظ المتن بسبب الحاجة لذلك، كأن يكون اللفظ قبيحا، فيرويه الراوي بصيغة ضمير الغائب.\nمثاله:\nعن سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، وَعَبْدَاللهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لأَبِي طَالِبٍ «يَا عَمِّ، قُلْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ». فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُاللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ يَا أَبَا طَالِبٍ، أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ، وَيَعُودَانِ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ، حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ …».\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الوضوء، باب: الاستنجاء بالحجارة، رقم (١٥٥).\n(^٢) الكواكب الدراري، ٢/ ٢٠٣.\n(^٣) الكواكب الدراري، ٥/ ٢٠٢، ١٢/ ٢٩، ١٧/ ١٦٢.","vol":"1","page":625},{"text":"فعبارة: هو على ملة عبد المطلب هي تصرف من الراوي فالأصل أن يقول ناقلًا لكلام أبي طالب قوله: «أنا على ملة عبد المطلب» فالراوي «لم يحك كلامه بعينه لقبحه وهو من التصرفات الحسنة» (^١).\nوقال النووي: «فهذا من أحسن الآداب والتصرفات وهو أن من حكى قول غيره القبيح أتى به بضمير الغيبة لقبح صورة لفظه الواقع» (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-390>المبحث السادس\nاختصار الحديث وتقطيعه</span>\n<span data-type='title' id=toc-391>تعريف اختصار الحديث:</span> وهو حذف بعضه والاقتصار في الرواية على بعضه (^٣).\nواختصار الحديث وتقطيعه يتبع لرواية الحديث بالمعنى.\nوقد أجاد الكرماني في ذلك وسماه: «خرمًا»، والخرم في اللغة:\nقال ابن منظور: «مَصْدَرُقَوْلِكَ خَرَمَ الخَرَزَةَ يَخْرِمُها، بِالْكَسْرِ، خَرْمًا وخَرَّمَها فَتَخرَّمَتْ: فَصَمَها وَمَا خَرَمْتُ مِنْهُ شَيْئًا أَي مَا نَقَصْتُ وَمَا قَطَعْتُ. وقال الليث: خَرِمَ أنفه يَخْرَمُ خرمًا، وهو قطع في الوترة وفي الناشرتين أو في طرف الأرنبة لا يبلغ الجدْع» (^٤).\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٧/ ١٣٥.\n(^٢) شرح مسلم، ١/ ٢١٤.\n(^٣) توجيه النظر إلى أصول الأثر، طاهر الجزائري، ٢/ ٧٠٣.\n(^٤) لسان العرب مادة: «خرم»، وانظر: النهاية في غريب الحديث ٢/ ٢٧.","vol":"1","page":626},{"text":"فالخرم من معانيه في اللغة القطع، وهو ما وافق المعنى الاصطلاحي من قطع الحديث واختصاره.\nواختصار الحديث، له أنواع فقد يروي الراوي الحديث وينقله مختصرا، فيقطّعه ويأخذ منه موطن الشاهد الذي يريد، بينما يرويه غيره تامًا، مما يؤدي إلى تعدد صور روايات الحديث، وهو حديث واحد، فلا يُظن أن هذا من قبيل اضطراب المتن، إذ أن الاضطراب تكون الروايات فيه متساوية لايمكن الجمع بينها، مما يُشعر بعدم ضبط الراوي.\nوقد جاء عن محمد بن سيرين رحمه الله تعالى: «قال كنت أسمع الحديث من عشرة اللفظ مختلف والمعنى واحد» (^١).\nفيُفهم من كلام ابن سيرين أن الرواة منذ الصدر الأول كانوا يتصرفون في الحديث فيختصرونه أو يرونه بالمعنى.\nأسباب اختصار الحديث:\nلجأ البخاري في صحيحه، لتقطيع الحديث واختصاره، للحاجة إلى ذلك (^٢)، وذلك إما لشهرته وإما لأنه رواه كاملا سابقا، وإما لذكر موطن\n_________\n(^١) العلل الصغير للترمذي، (٧٤٦).\n(^٢) بخلاف صنيع الإمام مسلم في صحيحه، يقول الحافظ ابن كثير: «وأما مسلم فإنه يسوق الحديث بتمامه، ولا يقطعه. ولهذا رجحه كثير من حفاظ المغاربة، واستروح إلى شرحه آخرون، لسهولة ذلك بالنسبة إلى صحيح البخاري وتفريقه الحديث في أماكن متعددة بحسب حاجته إليه. وعلى هذا المذهب جمهور الناس قديمًا وحديثًا» الباعث الحثيث، ص ١٤٤.","vol":"1","page":627},{"text":"الشاهد والحاجة من الحديث.\nوقد بين الحافظ ابن حجر ﵀ في مقدمة الفتح: موضوع تقطيع الحديث تارة واختصاره للحاجة في ذلك، وبيان المقامات، لأن الحديث قد يكون مشتملا على حكمين فأكثر فيعيده في مكان آخر مناسب، ولتكثير الطرق وذلك بإخراجه عن شيخ غير الشيخ الذي في الرواية الأولى، وتارة يورده موصولا، وتارة معلقًا …) (^١).\nوقال في نزهة النظر: «أما اختصار الحديث؛ فالأكثرون على جوازه بشرط أن يكون الذي يختصره عالما؛ لأن العالم لا ينقص من الحديث إلا ما لا تعلق له بما يبقيه منه؛ بحيث لا تختلف الدلالة، ولا يختل البيان، حتى يكون المذكور والمحذوف بمنزلة خبرين، أو يدل ما ذكره على ما حذفه؛ بخلاف الجاهل، فإنه قد ينقص ما له تعلق؛ كترك الاستثناء» (^٢).\nحكم اختصار الحديث:\nوقد قال ابن المبارك: «عَلْمَنا سفيان الثوري (^٣) .........................\n_________\n(^١) هدي الساري، ص ٢٠، وينظر الفتح كذلك قال كلامًا قريبًا منه، ١/ ١٥.\n(^٢) نزهة النظر، ص ٩٧.\n(^٣) أبو عبدالله سفيان بن سعيد بن مسروق بن حبيب بن رافع، التابعي الثقة، أمير المؤمنين في الحديث، واتفق العلماء على وصفه بالبراعة فى العلم بالحديث، والفقه، والورع، والزهد، وخشونة العيش، والقول بالحق، وغير ذلك من المحاسن، قال يحيى بن معين: كل من خالف الثوري فالقول قول الثوري. وقال ابن مهدى: ما رأيت أحفظ للحديث من الثوري، (ت ١٦١ هـ)، تهذيب الأسماء واللغات، النووي، ١/ ٢٢٢، وطبقات علماء الحديث، لأبي عبدالله الهادي الصالحي، ١/ ٣١٠.","vol":"1","page":628},{"text":"اختصار الحديث» (^١) وقد أجاز أكثر العلماء تقطيع الحديث واختصاره بشرط أن يكون من اختصره عالما بمدلول الألفاظ بحيث لا يؤثر الاختصار على معنى الحديث، ومن العلماء من منع ذلك (^٢).\nوقد بيّن الخطيب في الكفاية حجة ومقصد من لا يرى اختصار الحديث وتقطيعه فقال: «قال كثير من الناس: يجوّز ذلك للراوي على كل حال، ولم يفصّلوا، والذي نختاره في ذلك أنه إن كان فيما حذف من الخبر معرفة حكم شرط وأمر لا يتم التعبد والمراد بالخبر إلا بروايته على وجهه، فإنه يجب نقله على تمامه، ويحرم حذفه، لأن القصد بالخبر لا يتم إلا به، ولا فرق بين أن يكون ذلك تركا لنقل العبادة، كنقل بعض أفعال الصلاة، أو تركا لنقل فرض آخر هو الشرط في صحة العبادة، كترك نقل وجوب الطهارة ونحوها، وعلى هذا الوجه يحمل قول من قال: لا يحل اختصار الحديث» (^٣).\nوقد بين الكرماني أقوال العلماء في مسألة القطع والاختصار فقال: «اختلف في جواز اختصار الحديث بترك البعض وذكر البعض ومثله يسمى بالخرم فمُنع مطلقًا وجوّز مطلقًا والصحيح أنه يجوز من العالم إذا كان ما تركه غير متعلق بما رواه بحيث لا يختل البيان ولا تختلف الدلالة ولا فرق بين أن\n_________\n(^١) المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، الرامهرمزي، ص ٥٤٣.\n(^٢) ينظر أقوال العلماء في ذلك، علوم الحديث لابن الصلاح، ١/ ٢١٥، ونزهة النظر لابن حجر، ص ٩٧، وتوجيه النظر، طاهر الجزائري، ٢/ ٧٠٤.\n(^٣) ص ١٩٠.","vol":"1","page":629},{"text":"يكون قد رواه قبل على التمام أو لم يروه» (^١).\nوكان الكرماني يشير إلى اختصار الحديث عند البخاري ويبين سبب ذلك:\nمثال على ذلك قال البخاري: «حَدَّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، قَالَ: حَدَّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِاللهِ بْنِ عَبْدِاللهِ، أَنَّ عَبْدَاللهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ. أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لَهُ: سَأَلْتُكَ …» (^٢).\nذكر الكرماني (^٣) أن في إسناد هذا الحديث بين البخاري والزهري ثلاثة رجال وهم: إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ وإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ وصَالِحٍ بن كيسان.\nوفي الرواية الأخرى بيّن البخاري والزهري رجلان، والرواية هي: «حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ الحَكَمُ ابْنُ نَافِعٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُاللهِ بْنُ عَبْدِاللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عَبْدَاللهِ بْنَ عَبَّاسٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ ابْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُاللهِ بْنُ عَبْدِاللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عَبْدَاللهِ بْنَ عَبَّاسٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ ابْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ هِرَقْلَ …» (^٤).\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١/ ٢٠٢.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الإيمان، باب: سُؤَالِ جِبْرِيلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الإِيمَانِ، وَالإِسْلَامِ، وَالإِحْسَانِ، وَعِلْمِ السَّاعَةِ، رقم (٥١).\n(^٣) الكواكب الدراري، ١/ ٢٠٢.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب: بدء الوحي، باب: كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الوَحْيِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ؟، رقم (٥١).","vol":"1","page":630},{"text":"والرجلان هما: أَبُو اليَمَانِ الحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ وشُعَيْبٌ.\nثم بين الكرماني ممن وَقَعَ القطع والخرم فقال: «فإن قلت فممن وقع هذا الخرم؟ قلت: الظاهر أنه من الزهري لا من البخاري؛ لاختلاف شيوخ الإسنادين بالنسبة إلى البخاري، فلعل شيخه إبراهيم بن حمزة لم يذكر في مقام الاستدلال على أن الإيمان دين إلا هذا القدر» (^١).\n\nثم بين<span data-type='title' id=toc-392> سبب الخرم </span>فقال:\n«فإن قلت فلم يقع الخرم؟ قلت: لأن المقامات مختلفة والسياقات متنوعة فمقام بيان كيفية الوحي يقتضي ذكر الحديث بتمامه ومقام الاستدلال على هذا المطلوب يقتضي ذكر ما به يتم المقصود به اختصارًا وتقريبًا لفهم المراد والله تعالى أعلم» (^٢).\nمثال ثانٍ قال البخاري: «عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ذُكِرَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ قَالَ مُحَمَّدٌ وَأَحْسِبُهُ قَالَ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، أَلَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ» وَكَانَ مُحَمَّدٌ يَقُولُ صَدَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَانَ ذَلِكَ «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ» مَرَّتَيْنِ» (^٣).\nفبيّن الكرماني أن هذا الحديث مخروم بمعنى مُقطّع حيث قال: «لأنه بعض من حديث طويل وقد سبق بعضه في باب قول النبي ﷺ رب مبلغ حيث قال: قَالَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا»، فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ، قَالَ: «أَلَيْسَ يَوْمَ\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ١/ ٢٠٢.\n(^٢) الكواكب الدراري، ١/ ٢٠٢.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: العلم، باب: لِيُبَلِّغِ العِلْمَ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، رقم (١٠٥).","vol":"1","page":631},{"text":"النَّحْرِ» قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: «فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا» فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ: «أَلَيْسَ بِذِي الحِجَّةِ» قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، بَيْنَكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا إلى آخره … وقد خُرم هنا اقتصارا على المقصود وهو بيان التبليغ» (^١).\nومثله: قال البخاري: «حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِاللهِ قَالَ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي الْغَيْثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ اجْتَنِبُوا الْمُوبِقَاتِ الشِّرْكُ بِاللهِ وَالسِّحْرُ» (^٢).\nقال الكرماني: «وثبت في الصحيح: اجتنبوا السبع الموبقات، الشرك بالله، السحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات (^٣)، فهذا الذي في الكتاب مختصر من مطول، ولهذا ذكر اثنتين فقط، هو من قبيل قوله تعالى ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٢/ ١٠٧.\n(^٢) أخرجه البخاري، كتاب: الطب، باب: الشِّرْكُ وَالسِّحْرُ مِنَ المُوبِقَاتِ، رقم (٥٧٦٤).\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: الوصايا، باب: قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠]، رقم (٢٧٦٦) إلا أن الكرماني لم يذكر لفظ الغافلات وهي موجودة بروايات البخاري التي ذكرت الحديث كاملا.\n(^٤) الكواكب الدراري، ٢١/ ٣٩.","vol":"1","page":632},{"text":"ومن ذلك: ما أخرجه البخاري في كتاب الرقائق:\n«حَدَّثَنِي أَبُو نُعَيْمٍ بِنَحْوٍ مِنْ نِصْفِ هَذَا الْحَدِيثِ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ حَدَّثَنَا مُجَاهِدٌ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَقُولُ أَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ» (^١).\nقال الكرماني: «فإن قلت هذا مشكل لأن نصف الحديث يبقى بدون الإسناد، ثم أن النصف مبهم أهو الأول أم الآخر، قلت: اعتمد على ما ذكر في كتاب الأطعمة (^٢) من طريق يوسف بن على المروزي، وهو قريب من نصف هذا الحديث فلعل البخاري أراد بالنصف المذكور بأبي نُعيم ما لم يذكره، ثمة فيصير الكل مسندا ببعضه بطريق يوسف والبعض الآخر بطريق أبي نُعيم قال صاحب التلويح ذكر الحديث في الاستئذان (^٣) مختصرًا وكان هذا هو النصف» (^٤) وقد رجح بعض العلماء كلام الكرماني أن الحديث مروي في كتاب الأطعمة:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، بَاب: كَيْفَ كَانَ عَيْشُ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ وَتَخَلِّيهِمْ مِنْ الدُّنْيَا، رقم (٦٠٦٦).\n(^٢) أخرجه البخاري، رقم (٥٠٣٠) وهو «حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنْ طَعَامٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى قُبِضَ. وَعَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَصَابَنِي جَهْدٌ شَدِيدٌ فَلَقِيتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ …».\n(^٣) في بَاب إِذَا دُعِيَ الرَّجُلُ فَجَاءَ هَلْ يَسْتَاذِنُ، رقم (٥٨٦٨)، وهو: «حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُاللهِ أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ أَخْبَرَنَا مُجَاهِدٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ دَخَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَوَجَدَ لَبَنًا …».\n(^٤) الكواكب الدراري، ٢٢/ ٢١٦.","vol":"1","page":633},{"text":"«والجواب الصحيح أنه روي في موضع آخر في أول كتاب الأطعمة «أنه سأل عمر عن معنى آية، فأجابه ولم يدخله بيته» (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-393>المبحث السابع\nشك الراوي في الحديث</span>\nوقد يكون الشك في الحديث سندا أو متنا:\nتعريف الشك في اللغة:\nوفي اصطلاح العلماء من المحدثين وغيرهم قال بعضهم: الشك «هو التردد بين النقيضين بلا ترجيح لأحدهما على الآخر عند الشاك، وقيل: الشك: ما استوى طرفاه، وهو الوقوف بين الشيئين لا يميل القلب إلى أحدهما» (^٢).\nالشك عند الراوي يكون في السند والمتن:\n\n<span data-type='title' id=toc-394>١ - في السند:</span> قد يكون عند الراوي عشرات الشيوخ، بل المئات، فتجد أحيانًا أن الراوي يشك ويتردد فيمن روى عنه الحديث من شيوخه، أهو فلان أم غيره، وهذا الشك عند الراوي يدل على اختلال في ضبطه، من هذه الجهة، أومن هذا الطريق أوشيخه فلان … مما يوجب علة في الحديث تطعن به.\nوقد بيّن الخطيب البغدادي ﵀ ثلاث صور لشك الراوي وحكم كل\n_________\n(^١) الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري، أحمد بن إسماعيل الكوراني الحنفي، ١٠/ ١٤٥.\n(^٢) التعريفات، الجرجاني، ص ١٦٨.","vol":"1","page":634},{"text":"صورة:\n(الصورة الأولى: أن يكون كل واحد من الرجلين اللذين سماهما عدلا، فلو كان هذا الحال، فإن الحديث ثابت، والاحتجاج به جائز، لأنه قد عينهما، وتحقيق سماع ذلك الحديث من أحدهما وكلاهما ثابت العدالة.\nالصورة الثانية: تردد الراوي كقوله: عن فلان أو غيره.\nفهذه الصورة يدخلها الوهن، لأننا لا نعلم من هو هذا الغير، لأن الغير الذي لم يسم لا يعرف: أهو عدل أم لا؟، مع احتمال حالة الأمرين معا.\nالصورة الثالثة: أن يروي عن أحد الرجلين اللذين سماهما ثقة والآخر مجروحًا:\nوهذه الصورة من صور الطعن في الحديث؛ لاحتمال أن يكون الراوي المجروح هو صاحب الحديث) (^١).\nوكل هذا إذا كان التردد والشك في غير الصحابة الكرام ﵃ أما إذا كان التردد والشك في اسم صحابي، وصحابي آخر غيره، أيهما صاحب الحديث فإن هذا لا يؤثر على صحة الحديث، لأن الصحابة الكرام كلهم عدول ثقات، فلا يضر الإبهام بمعرفة عين الصحابي الذي روى الحديث، كما هو مقرر عند العلماء (^٢).\n_________\n(^١) الكفاية بتصرف، ص ٣٧٥، ومابعدها.\n(^٢) ينظر: الكفاية، الخطيب البغدادي، ص ٤٦، السنة قبل التدوين، د. محمد عجاج الخطيب، ص ٣٩٤.","vol":"1","page":635},{"text":"<span data-type='title' id=toc-395>٢ - الشك في المتن:</span>\nقد يأتي الشك من أحد الرواة في المتن، ويتردد في عبارة معينة، وأخرى مبهمة، أو يكون التردد في كلمتين مختلفيتين في مدلول كل منهما.\nمثاله ما أخرجه البخاري: «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ بِتُّ فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ زَوْجِ النَّبِيّ ﷺ وَكَانَ النَّبِي ﷺ عِنْدَهَا فِي لَيْلَتِهَا، فَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الْعِشَاءَ، ثُمَّ جَاءَ إلَى مَنْزِلِهِ، فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ، ثُمَّ قَالَ لَى مَنْزِلِهِ، فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ، ثُمَّ قَالَ «نَامَ الْغُلَيِّمُ». أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُهَا، ثُمَّ قَامَ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، ثُمَّ قَامَ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ …» (^١).\nقوله: ثم «نَامَ الْغُلَيِّمُ». أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُهَا … هي شك من الراوي، وهو ابن عباس ﵄ كما قال الكرماني.\n«وقال بجواز الرواية عند الشك في كلمة بشرط التنبيه عليها» (^٢).\nقلت: ومثل هذا الشك لا يؤثر على صحة الحديث، إذ أن العبارة المشكوك فيها رديفة لعبارة «نام الغُليم» كما فُهم من كلام ابن عباس ﵄.\nويذكر الكرماني ممن صدر الشك عنه في الحديث، كما بين ذلك في حديث: «حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا أَسْوَدَ أَوِ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ، فَمَاتَ …» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: العلم، باب: السمر بالعلم، رقم (١١٧).\n(^٢) الكواكب الدراري، ٢/ ١٣٤، ٤/ ٢٤٠.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: الصلاة، باب: كنس المسجد والتقاط الخرق والقذى والعيدان، رقم (٤٤٧).","vol":"1","page":636},{"text":"فقال: «الظاهر أن الشك في أنه رجل أو امرأة، من أبي رافع أو أبي هريرة»، طبعا من دون الجزم كعادته في التردد، إلا أن ابن حجر رحمه الله تعالى قال أن الشك فيه من ثابت لأن جماعة رووه عنه هكذا بالشك، أو أن الشك من أبي رافع» (^١).\nإذًا معرفة الراوي صاحب الشك يُعرف عن طريق أخرى رواها أحد الرواة بالشك، وأخذها عنه غيره بالشك كذلك، فثابت روى الحديث بالشك وأخذها عنه جماعة بالشك كما تلقوها.\nويُزال هذا الشك أن تأتي العبارة المشكوك فيها مجزومة من دون تردد من طريق أخرى، بشرط «أن تكون الرواية الجازمة محفوظة، وليست مما أخطأ فيه بعض الرواة الثقات أو الضعفاء، وأن صواب الرواية أنها بالشك وليست بالجزم.\nفقد يقع الجزم من قِبَل بعض الرواة خطأً منهم، ويكون الصواب التردد والشك، فحينئذ لا اعتبار بالرواية الجازمة، ولا يُدفع الشك بها؛ لأنها خطأ، والخطأ لا يعتبر به» (^٢).\nوأحيانا يجزم الكرماني بصدور الشك من الراوي فيعينه من دون تردد مثاله:\n_________\n(^١) فتح الباري، ١/ ٥٥٣.\n(^٢) الإرشادات في تقوية الأحاديث بالشواهد والمتابعات، أبو معاذ طارق بن عوض الله ابن محمد، ص ٣١٧.","vol":"1","page":637},{"text":"قال البخاري: «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قُمْتُ لَيْلَةً أُصَلِّي عَنْ يَسَارِ النَّبِيِّ ﷺ فَأَخَذَ بِيَدِي، أَوْ بِعَضُدِي حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ وَقَالَ بِيَدِهِ مِنْ وَرَائِي» (^١).\nفقوله: فأخذ بيدي، أو عضدي، هو شك جزم الكرماني (^٢) أنه من ابن عباس ﵄، لأن القرينة تدل عليه (^٣).\nأو قد يضع الكرماني الاحتمالات بين الشك والتنويع من دون أن يرجح:\nمثاله: «عن سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يَقُولُ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي حَتَّى تَرِمَ أَوْ تَنْتَفِخَ قَدَمَاهُ فَيُقَالُ لَهُ فَيَقُولُ أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا» (^٤).\nقال الكرماني: «وكلمة أو تنتفخ للتنويع ويحتمل أن يكون شكا من الراوي» (^٥).\nوفي رواية تتفطر قدماه (^٦) وكل هذه الكلمات مترادفة لا اختلاف فيها، فإن الانتفاخ، والورم واحد، وعند حصوله قد يحصل التفطر وهوالتشقق (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الأذان، باب: ميمنة المسجد والإمام، رقم (٧٩٧).\n(^٢) الكواكب الدراري، ٥/ ٩٩.\n(^٣) وينظر أمثلة على جزم الكرماني بتعيين الراوي الذي صدر منه الشك، ٢/ ١٣٣.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب: الرقائق، بَاب: الصَّبْرِ عَنْ مَحَارِمِ اللهِ، رقم (٦٠٨٥).\n(^٥) الكواكب الدراري، ٢٢/ ٢٢٨.\n(^٦) الحديث من رواية السيدة عائشة ﵂، أخرج الحديث البخاري، كتاب: سورة الفتح، بَاب: لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، رقم (٤٥١٨).\n(^٧) ينظر: فتح الباري، ٣/ ١٥.","vol":"1","page":638},{"text":"أو قد يجزم أن حرف العطف أو هو للتنويع مثاله: قال البخاري: «إنَّا إِذَا كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّلَاةِ قُلْنَا السَّلَامُ عَلَى اللهِ مِنْ عِبَادِهِ السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ … فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ فِي السَّمَاءِ، أَوْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ …» (^١).\nقال الكرماني: «قوله أو بين السماء لفظة أو، ليست للشك ولا للترديد بل للتنويع» (^٢).\nإلا أن الظاهر ليس تنويعًا، وإنما هو شك من مسدد وإلا فقد رواه غيره عن يحيى بلفظ من أهل السماء والأرض (^٣)، وقد روى البخاري نفسه الحديث مرات عدة من غير طريق مسدد، وكل هذه الروايات لا يوجد فيها هذا الشك، وإنما جاءت بصيغة الجزم.\nوالعجيب إن الكرماني لم يتنبه لهذه الرواية التي فيها التردد، مع أن الرواية التي فيها الجزم جاءت قبل رواية التردد بقليل، وجاء بعدها روايتين كذلك بالجزم (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الأذان، باب: مَا يُتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، رقم (٨٠٠).\n(^٢) الكواكب الدراري، ٥/ ١٨٦.\n(^٣) ينظر: فتح الباري، ٢/ ٣١٥.\n(^٤) من هذه الروايات: قال البخاري: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: قَالَ عَبْدُاللهِ كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ قُلْنَا السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ إِنَّ اللهَ هُوَ السَّلَامُ فَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ … أصابت كُلَّ عَبْدٍ لِلَّهِ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ …» أخرجه البخاري: كتاب: الأذان، باب: الدعاء قبل السلام، رقم (٧٩٨).","vol":"1","page":639},{"text":"ويبين الكرماني ماورد في الرواية أنه من كلام رسول الله ﷺ، وليس من قبيل شك الراوي أو تردده.\nمثاله: أخرج البخاري في كتاب الجنائز: «عن محمد بن المكندر قال سمعت جَابِرَ بْنَ عَبْدِاللهِ ﵄ قَالَ لَمَّا قُتِلَ أَبِي جَعَلْتُ أَكْشِفُ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ أَبْكِي، وَيَنْهَوْنِي عَنْهُ وَالنَّبِيُّ ﷺ لَا يَنْهَانِي، فَجَعَلَتْ عَمَّتِي فَاطِمَةُ تَبْكِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «تَبْكِينَ أَوْ لَا تَبْكِينَ، مَا زَالَتِ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ» (^١).\nفقوله ﷺ: تبكين أولا تبكين هي من باب التخيير من كلام رسول الله ﷺ للتسوية بين البكاء وعدمه أي: فوالله أن الملائكة تظله سواء تبكين أم لا» (^٢).\nإذًا لمعرفة حرف العطف أو في الروايات أكان من قبيل الشك، أو التنويع، أو التخيير … لابد من معرفة السياق وتمعّنه بشكل جيد، والاستعانة بالقرائن على ذلك، ومعرفة الروايات الأخرى للحديث وطرقه.\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الجنائز، باب: الرَّجُلِ يَنْعَى إلَى أَهْلِ الْمَيّتِ، رقم (١١٧٥).\n(^٢) الكواكب الدراري، ٧/ ٥٦.","vol":"1","page":640},{"text":"<span data-type='title' id=toc-396>المبحث الثامن\nمخالفة الراوي لماروى</span>\nقد يحصل في بعض الأحيان، أن يُخالف الراوي ما وقع من روايته، فتنوعت أقوال العلماء في ذلك.\nفذهب الحنفية إلى أن القول قول الراوي، وذهب غيرهم أن العمل بالخبر، وترك مخالفة الراوي (^١).\nوقد عدّ الإمام ابن رجب هذا النوع من أنواع العِلل التي تلحق المتن، فقال في القسم الثالث منها، وقال: قد ضعّف الإمام أحمد وأكثر الحفاظ أحاديث كثيرة بمثل هذا (^٢).\nوقال إمام الحرمين الجويني (^٣): «وهو أنه إن تحققنا أن مخالفة الراوي كانت لنسيان الخبر أو لعدم فهمه له فلا شك في وجوب اتباع الخبر، ولذلك إذا كان لورع في الراوي بأن يكون الخبر يقتضي ترخصا والراوي، شديد الورع فإنه تحمل المخالفة على أخذه بالاحتياط والمبالغة في الورع وإن خفي عنا سبب\n_________\n(^١) نفائس الأصول في شرح المحصول شهاب الدين القرافي، ٧/ ٢٩٩٧.\n(^٢) شرح علل ابن رجب، همّام سعيد، ١/ ١٦٤.\n(^٣) عبد الملك بن عبدالله بن يوسف، النيسابوري إمام الحرمين أبو المعالي، الإمام المحقق النظار الأصولي المتكلم البليغ، شيخ الإسلام، أخذ عن والده وغيره كثير، وبرع في علوم شتى، قال أبو إسحاق الشيرازي فيه: تمتعوا بهذا الإمام فإنه نزهة هذا الزمان، له: الشامل في أصول الدين، والبرهان في أصول الفقه، (ت ٤٧٨ هـ). طبقات الشافعية، السبكي، ٥/ ١٦٥٤.","vol":"1","page":641},{"text":"المخالفة ولكن علمنا أنه خالف ما رواه عمدا فالرجوع هنا إلى قوله لأن الظاهر أنه لا يرتكب مثل هذه المخالفة إلا لمسوغ يقتضي مخالفة ما رواه.\nوإن خفي عنا أن المخالفة وقعت عمدا أو لسبب من الأسباب ولم نحط به علما فالواجب اتباع الخبر وترك ما ذهب إليه الصحابي الراوي» (^١).\nويقف الإمام القرافي من المسألة، أن لا يؤخذ هذا في كل الأحوال فقال: «هذه المسألة عندي ينبغي أن تُخصص ببعض الرواة، فتُحْمل على الراوي المباشر للنقل عن رسول الله ﷺ حتى يحسن أن يقال هو أعلم بمراد المتكلم … حتى يحسن أن يقال: فيه لعله شاهد من القرائن الحالية أو المقالية ما يقتضي مخالفته، فلا تكون المسألة على عمومها» (^٢).\nمثاله: أخرج البخاري:\n«عن عائشة ﵂ قالت الصلاة أول ما فرضت ركعتين فأقرت صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر قال الزهري فقلت لعروة ما بال عائشة تتم قال تأولت\nما تأول عثمان» (^٣).\nبين الكرماني أن الحنفية استدلوا من حديث السيدة عائشة ﵂، على وجوب قصر صلاة المسافر (^٤)، فرد عليهم وقال: «لادلالة فيه لأنهم لو كان\n_________\n(^١) إجمال الإصابة في أقوال الصحابة، ١/ ٩٢ - ٩٣، صلاح الدين العلائي، وينظر كلام أبي الحسنات عبد الحي اللكنوي، في كتابه الأجوبة الفاضلة للأسئلة العشرة الكاملة، ص ٢٢٣.\n(^٢) شرح تنقيح الأصول، القرافي، ص ٣٧١.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: التقصير، باب: يقصر إذا خرج من موضعه، رقم (١٠٣٣).\n(^٤) شرح مختصر الطحاوي، لأبي بكر الرازي الجصاص، ٢/ ٩١. وقال الجمهور بعدم وجوب قصر الصلاة في السفر، وأن الأصل هو الإتمام، والقصر رخصة، والقصر سنة عند المالكية، والقصر أفضل عند الشافعية، والحنابلة ينظر: مواهب الجليل في شرح مختصر خليل، شمس الدين، شمس الدين الحطاب الرُعيني، المجموع، النووي، ٤/ ٣٢١، الكافي في فقه الإمام أحمد، ابن قدامة المقدسي، ١/ ٣٠٩.","vol":"1","page":642},{"text":"الحديث مجري على ظاهره لما جاز لعائشة ﵂ إتمامها ثم أنه خبر واحد لا يعارض لفظ القرآن وهو (أن تقصروا من الصلاة) الصريح في أنها كانت في الأصل زائدة عليه إذ القصر معناه التنقيص ثم إن الحديث مخصص بالمغرب والصبح وحجية العام المخصص مختلف فيها ثم إن راوية الحديث عائشة وقد خالفت روايتها وإذا خالف الراوي روايته لا يجب العمل بروايته عندهم» (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-397>المبحث التاسع\nالتنبيه على مزيد في متصل الأسانيد</span>\nهذا النوع يختص بالسند، ويقابله «زيادة الثقات» الذي يختص بالمتن.\nتعريفه: أن يزيد الراوي الثقة رجلًا في الإسناد المتصل، لم يذكره غيره من الثقات (^٢) فيُظن أنه من الوهم الذي وقع فيه الراوي، وإنما هو من تصرف\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٦/ ١٦٥، وينظر قول السادة الاحناف في المسألة، في المبسوط، السرخسي، ١/ ٢٣٩.\n(^٢) ينظر التقريب والتيسير للنووي، ١/ ٩١، والباعث الحثيث، ص ١٧٦، وشرح نخبة الفكر للقاري، ص ٤٧٨، والتقييد والإيضاح في علوم الحديث والاصطلاح، ص ٢٥٣.","vol":"1","page":643},{"text":"الراوي الذي سمعه مرة عاليًا من دون واسطة، ومرة نازلًا بواسطة، فرواه على الوجهين، وقد ثبت سماعه عن شيخه وشيخ شيخه.\nوشرط المزيد في متصل الأسانيد:\nقال ابن الصلاح: «وإن كان فيه تصريح بالسماع أو بالإخبار … فجائز أن يكون قد سمع ذلك من رجل عنه، ثم سمعه منه نفسه» (^١).\nوترد الزيادة بشرط أن يصرح الراوي بالسماع، فإن عنعن ب «عن»، اعتُبر الإسناد الخالي من الزيادة منقطعًا.\nقال ابن الصلاح: «لأن الإسناد الخالي عن الراوي الزائد إن كان بلفظة «عن» في ذلك فينبغي أن يحكم بإرساله، ويجعل معللا بالإسناد الذي ذكر فيه الزائد» (^٢).\nوقال العلماء عن هذا النوع:\n«الحكم بالزيادة في هذا النوع صعب شديد، يقف على حافة النقد، وخطر الانتقاض بأن يكون الراوي قد سمع من الشخص الزائد ثم طلب العلو فسمعه من الشيخ الأعلى مباشرة، وقد وقع ذلك في أحاديث كثيرة، لكنا نستأنس في هذه الحال بالقرائن» (^٣).\nمثاله قال البخاري: «حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِاللهِ\n_________\n(^١) مقدمة ابن الصلاح، ص ٢٨٨.\n(^٢) السابق، ص ٢٨٧.\n(^٣) منهج النقد، ص ٣٥٦.","vol":"1","page":644},{"text":"قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ …» (^١).\nقال الكرماني ناقلًا عن الدارقطني: «خالف يحيى فيه جميع أصحاب عبدالله لأنهم كلهم رووه عن عبيدالله عن سعيد عن أبي هريرة ولم ذكر أباه» (^٢).\nووردت روايات أخرى للحديث في كتاب الاستئذان: «حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ابْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُاللهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ المَسْجِد …» (^٣).\nوفي كتاب الأيمان والنذور: «حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُاللهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ المَسْجِدَ …» (^٤).\nقال الإمام الترمذي: «وقد روى ابن نمير هذا الحديث، عن عبيدالله بن عمر، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، ولم يذكر فيه عن أبيه، عن أبي هريرة. ورواية يحيى بن سعيد، عن عبيدالله بن عمر، أصح، وسعيد المقبري، قد سمع من أبي هريرة، وروى عن أبيه، عن أبي هريرة» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب: الاستئذان، باب: وجوب القراءة للإمام والمأموم، رقم (٧٢٦).\n(^٢) الكواكب الدراري، ٥/ ١٢٤، وينظر كلام الدارقطني في الإلزامات والتتبع، ص ١٣٢.\n(^٣) أخرجه البخاري، باب: من ردّ فقال: عليك السلام، رقم (٥٨٧٣).\n(^٤) أخرجه البخاري، باب: إذا حنث ناسيًا في الأيمان، رقم (٦٢٦٧).\n(^٥) سنن الترمذي، ١/ ٣٩٤.","vol":"1","page":645},{"text":"والحاصل أن الروايات الأخرى لم تذكر الزيادة (أبي سعيد) التي في رواية يحيى بن سعيد وقد قال العلماء أن هذه الزيادة صحيحة وذلك للأسباب الآتية:\nثبات سماع سعيد المقبريّ عن أبيه واسمه (كيسان مولى ليث، وهو صحابي) (^١) عن أبي هريرة، وسماعه من أبي هريرة مباشرة من دون واسطة أبيه (^٢).\nنقل الكرماني تصحيح رواية يحيى التي فيها الزيادة عن الدارقطني «يحيى حافظ يعني فيُعتمد ما رواه فالحديث صحيح لا علة فيه» (^٣).\nومثله قال البخاري: «حَدَّثَنَا عُثْمَانُ قَالَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ …» (^٤).\nوأخرجه كذلك من طريق أخرى عن: «حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ» (^٥).\n_________\n(^١) أسد الغاية، ٦/ ١٤٠.\n(^٢) ينظر الثقات لابن حبان، ٤/ ٤٨٤، وتهذيب التهذيب، ٤/ ٣٩، وتحفة التحصيل، ١/ ١٢٧.\n(^٣) الكواكب الدراري، ٥/ ١٢٤.\n(^٤) أخرجه البخاري، كتاب: الوضوء، باب: مِنَ الْكَبَائِرِ أَنْ لَا يَسْتَتِرَ مِنْ بَوْلِهِ، رقم (٢١٥)، وفي كتاب: الأدب، بَاب: النَّمِيمَةُ مِنْ الْكَبَائِرِ، بَاب: النَّمِيمَةُ مِنْ الْكَبَائِرِ، رقم (٥٦٨٤).\n(^٥) أخرجه البخاري، كتاب: الوضوء، باب: الاستتار من البول، رقم (٢١٧)، وكتاب: الجنائز، باب: عَذَابِ الْقَبْرِ مِنَ الْغيبَةِ والْبَوْلِ، وباب: الْجَرِيدِ عَلَى الْقَبْرِ، رقم (١٢٨١)، وفي كتاب: الأدب، بَاب: الْغِيبَةِ، رقم (٥٦٨١).","vol":"1","page":646},{"text":"قال الكرماني: «وسبق شرح الحديث في باب من الكبائر ألا يستبرئ من بوله لكن ثمت قال: عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس وههنا قال: عن مجاهد عن ابن عباس بحذف طاوس وكلاهما صحيح لأن مجاهدًا يروي عنهما» (^١).\nقلت: سبق قلم الكرماني رحمه الله تعالى فعكسهما، لأن الرواية التي في باب: من الكبائر ألا يستبراء من بوله، هي عن: منصور عن مجاهد عن ابن عباس ﵄، والرواية هنا في باب: الجريد على القبر، هي عن الأعمش عن مجاهد عن طاوس، عن ابن عباس.\nإذًا: حكم الكرماني على الروايتين بالصحة لأن مجاهدًا سمع الحديث من طاوس عن ابن عباس، وسمعه مباشرة من ابن عباس من دون واسطة، وقد ثبت سماع مجاهد عن طاوس وابن عباس (^٢).\nوقد رجّح الترمذي في العلل رواية الأعمش فقال: «سألت محمدا عن حديث مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس مرَّ رسول الله ﷺ على قبرين، فقال: الأعمش يقول: عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس، ومنصور يقول: عن مجاهد، عن ابن عباس ولا يذكر فيه: عن طاوس، قلت: أيهما أصح؟ قال:\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٧/ ١٣٧.\n(^٢) ينظر: الجرح والتعديل، ابن أبي حاتم، ٨/ ٣١٩، وميزان الاعتدال في نقد الرجال، للذهبي، ٣/ ٤٣٩.","vol":"1","page":647},{"text":"حديث الأعمش» (^١).\nوقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: «وإخراجه له على الوجهين يقتضي صحتهما عنده، فيحمل على أن مجاهدًا سمعه من طاوس عن ابن عباس، ثم سمعه من ابن عباس بلا واسطة، أو العكس ويؤيده أن في سياقه عن طاوس زيادة على ما في روايته عن بن عباس، وصرح بن حبان بصحة الطريقين معا» (^٢).\nومن ذلك قال أبو عبدالله البخاري: «حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ لَا تَسْمَعُ شَيْئًا لَا تَعْرِفُهُ إِلاَّ رَاجَعَتْ فِيهِ حَتَّى تَعْرِفَهُ …» (^٣).\nبيّن الكرماني أن هذا الحديث مما استدركه الدارقطني (^٤) على البخاري، بسبب خلاف الرواية فيه عن ابن أبي مُليكة: فرُوي عنه عن عائشة، وعنه عن القاسم (^٥).\n_________\n(^١) علل الترمذي، ص ٤٢.\n(^٢) فتح الباري، ١/ ٣١٧.\n(^٣) أخرجه البخاري، كتاب: العلم، باب: من سمع شيئا فراجعه حتى يعرفه، رقم (١٠٣).\n(^٤) الالزامات والتتبع، ص ٣٤٨ - ٣٤٩.\n(^٥) أخرج البخاري في كتاب: تفسير القرأن، باب: فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا، رقم (٤٩٣٩). حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الأَسْوَدِ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ، سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ، ح وَحَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، ح وحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي يُونُسَ حَاتِمِ بْنِ أَبِي صَغِيرَةَ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ القَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ إِلَّا هَلَكَ» قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، أَلَيْسَ يَقُولُ اللهُ ﷿: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ قَالَ: «ذَاكَ العَرْضُ يُعْرَضُونَ وَمَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ هَلَكَ» أخرج مسلم: كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: إثبات الحساب، رقم (٨٠) حدثني عبد الرحمن بن بشر بن الحكم العبدي، حدثنا يحيى يعني ابن سعيد القطان، حدثنا أبو يونس القشيري، حدثنا ابن أبي مليكة، عن القاسم، عن عائشة، عن النبي ﷺ، قال: «ليس أحد يحاسب إلا هلك» قلت: يا رسول الله أليس الله يقول: حسابا يسيرا؟ قال: «ذاك العرض، ولكن من نوقش الحساب هلك».","vol":"1","page":648},{"text":"فقال الكرماني رادًا الاستدراك: «وأقول هذا استدراك ضعيف؛ لأنه محمول على أنه سمعه عنها بالواسطة وبدون الواسطة، فرواه بالوجهين فالاستدراك مُسْتدرك» (^١).\nوقال ابن حجر: «فالظاهرأنه أخرجه على الاحتمال بأن يكون بن أبي مليكة سمعه من القاسم عن عائشة ثم سمعه من عائشة فحدث به على الوجهين كما في نظائره» (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) الكواكب الدراري، ٢/ ١٠١.\n(^٢) فتح الباري، ١/ ٣٧٤.","vol":"1","page":649},{"text":"<span data-type='title' id=toc-398>الخاتمة</span>\nالحمد لله على تمام فضله وتوفيقه، والحمد لله الذي مَنَّ عليَّ وأعانني على إنجاز هذا البحث، وأسأله ﷿ أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وأن يتقبل مني، وأن ينفع به إنه أكرم مسؤول.\nوبعد هذه الرحلة في رحاب حديث رسول الله ﷺ، في شرح أهم وأصح كتب السنة النبوية المطهرة، للإمام الكرماني والذي كان نبراسًا يهتدي به من شرح الصحيح بعده، وقفت في هذا البحث على بعض النتائج والتوصيات:\n\n<span data-type='title' id=toc-399>أولًا النتائج:</span>\n١ - أهمية كتاب الكواكب الدراري ومكانته بين شروح السنة النبوية.\n٢ - سعة اطلاع الكرماني في أكثر أنواع العلوم مكنته من إخراج شرح متوسط وفيه جهد واضح ظهرت فيه شخصيته العلمية.\n٣ - المرحلة التي عاش فيها الكرماني، وما فيها من اضطرابات وفتن، لم تُثنه على تحقيق مراده، والصبر على تعليم العلم.\n٤ - شَرحُ الكرماني شرح متوسط يميل فيه إلى الاختصار، ليس كغيره من المطولات، وقد توسع الكرماني بعض الشيء في القسم الأول منه، واختصر أكثر","vol":"1","page":651},{"text":"في القسم الآخر، ومع هذا كان عمدة لمن شرح البخاري بعد الكرماني.\n٥ - اعتمد الكرماني تقوية شرحه فوثّق نقوله عن الآخرين، وأكثر من أخذ عنهم: الخطابي في أعلام الحديث، والنووي في شرحه على مسلم، وابن بطال المالكي في شرحه للبخاري، ورجع في كل علم إلى مصنفاته، وأحال إليها، وتارة يُسميها بالاسم، وتارة باسم أصحابها.\n٦ - وكان الكرماني يأخذ المعنى في النقول دون النقل الحرفي، إلا في مواطن قليلة، وفي كثير من الأحايين يكتفي بنقول العلماء من دون التعليق عليها، وتارة يُعلق ويُبدي رأيه في المسألة.\n٧ - اعتمد الكرماني في شرحه طريقة سؤال المستفهم، كقوله فإن قلتَ، ويُجيب على هذا التساؤل، وفي كثير من الأحايين يُعطي احتمالات للإجابة، من دون ترجيح بينها، وأحيانا يُرجح، متّبعًا المنهج النقدي، والتحليلي.\n٨ - اتسم الكرماني بالموضوعية في شرحه، فتارة يمدح البخاري على صنيعه، وتارة ينقده في بعض الأمور.\n٩ - ظهر اهتمام الكرماني في شرحه ببعض الأمور دون بعض، فتخريج الحديث من غير الصحيح والحكم عليه، وعلم العلل لم يلقيا اهتمامًا كبيرًا منه؛ بخلاف الكلام عن تراجم البخاري مثلًا والاهتمام بغريب الحديث، وما تعلق بعلوم الرواة، وبعض أمور مصطلح الحديث.\n١٠ - اهتم الكرماني بترجمة الأعلام وخصوصا المشاهير منهم كالصحابة وبعض التابعين العلماء، وتوسع في ترجمتهم، وكرر هذه التراجم كما أشار في مقدمته، ليُحفظ العَلَم وينطبع في ذاكرة القاراء.","vol":"1","page":652},{"text":"١١ - أجاب الكرماني عن بعض الانتقادات التي وُجهت للبخاري، إلا أنه لم يستوعبها كاملة.\n١٢ - جمع الكرماني في شرحه من علوم شتى، كالطب والجغرافيا، والفلك وغيرها، وأحال إلى مصادرها، وإن لم تكن من تخصصه لأن كتب التراجم لم تذكر ذلك عنه.\n١٣ - ظهر اعتناء الكرماني في علوم السند، أكثر من علوم المتن، فأجاب عن إشكالات قد تقع في السند، وأحيانا يُجيب عن بعض إشكالات المتن.\n١٤ - اعتنى الكرماني بالمعلّقات في البخاري، وأجاب عنها واهتم بذكر اللطائف الإسنادية.\n١٥ - ظهر اهتمام الكرماني بعلم مختلف الحديث ومشكله، وأجاب عن بعض الأحاديث التي تُوهم التعارض، ووفّق بينها.\n١٦ - اهتم الكرماني بعرض المسائل الفقهية، بشكل مختصر كما هو منهجه في الكتاب، وتارة يرجح وتارة ينقلها فقط، ويُحيل أحيانا للكتب الفقهية، ويعبر عنها بقوله «الفقهيات»، لمن أراد التوسع.\n١٧ - انفرد الكرماني ببعض المسائل برأي خاص، على خلاف المتفق عليه، كتعريف الحديث مثلًا.\n١٨ - اهتم الكرماني بالمسائل اللغوية، والنحوية والبلاغية، ويذكر أقوال العلماء في الإعراب والخلاف فيه.\n١٩ - ذكر الكرماني أقوال بعض الفِرق العقدية كالخوارج والمعتزلة، ورد عليهم من منظور أهل السنة والجماعة.","vol":"1","page":653},{"text":"٢٠ - ظهر اهتمام الكرماني ببيان رأي البخاري العَقَدي والفقهي.\n٢١ - تعرض الكرماني للنقد في شرحه، من بعض العلماء كابن حجر في فتح الباري، والبدر العيني في عمدة القاري، وشمس الدين البرماوي في اللامع الصبيح.\n٢٢ - التزم الكرماني بالنقاط التي تكلم عنها في المقدمة، وإن وُجد فيها التفاوت، بمعنى كان اهتمامه ببعض النقاط أكثر من بعض، وقد ذكر في مقدمة الكتاب أن من أسباب تصنيفه للشرح أنه لم يجد شرحا من الذين سبقوه يشفي العليل بكشف بعض ما يتعلق بالكتاب … وقد أوصله جهده بإخراج الكواكب الدراري، وقد انتقد الشرح ممن جاء بعده.\n٢٣ - تأثّر العلماء ممن شرح الحديث ممن جاء بعده بشرحه، ولو أنهم نقدوه في بعض الأمور إلا أنهم أكثروا من النقل عنه في شرحه.\n٢٤ - ظهرت شخصية الإمام الكرماني رحمه الله تعالى في شرحه، ونقده للأقوال، وتفنيده لها.\n٢٥ - كل جهد وكل عمل مهما بلغ صاحبه من العلم … لابد من الخطأ والسهو، وسبحان من له الكمال.\n\n<span data-type='title' id=toc-400>ثانيًا والتوصيات:</span>\n١ - أوصي بإعادة إخراج كتاب الكواكب الدراري، محققًا على أحسن حال، وخاليًا من أخطاء المطابع، وتصحيفاته وتحريفاته، فالطبعات الموجودة مليئة بذلك وهي غير محققة، وذلك بالاعتماد على مخطوطات الكتاب.\n٢ - إفراد بحث خاص عن جهود الكرماني في علوم اللغة في كتابه","vol":"1","page":654},{"text":"الكواكب الدراري.\n٣ - وإفراد بحوث خاصة للمقارنة بين شروح البخاري، كابن بطال المالكي، والكرماني، وابن الملقن، وابن حجر، شافعيو المذهب، والبدر العيني حنفي المذهب.\nوفي الختام:\nحسبي أني بذلت جهدي قدر المستطاع في البحث، فإن أصبت فمن الله وحده وتوفيقه، وإن قصرت؛ فمن نفسي، وأسأل الله العافية والصواب في كل أمر وحال، وأسأل الله أن يتقبل مني هذا العمل، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وأن يغفر لي ولمشايخي، ولوالديّ والمسلمين أجمعين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه.\nأبوظبي حرسها الله، يوم الخميس الموافق ١٧/ جمادى الآخرة/ ١٤٣٨ هـ، الموافق: ١٦/ آذار/ ٢٠.\n* * *","vol":"1","page":655}]}