{"ً":{"ٌ":13,"ٍ":"استنباطات السمعاني في كتابه «تفسير القرآن» ومنهجه فيها","َ":4,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: استنباطات السمعاني في كتابه «تفسير القرآن» ومنهجه فيها\nرسالة: ماجستير، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - كلية أصول الدين - قسم القرآن وعلومه\nإعداد: فهد بن سعد القويفل\nإشراف: فضيلة الشيخ الدكتور شريف بن علي أبو بكر\nالعام الجامعي: ١٤٣٢ - ١٤٣٣ هـ\nعدد الصفحات: ٣٤٩\n[كتاب إلكتروني بترقيم الشاملة]","ْ":"","ٓ":"2.0","ٔ":3108,"ٕ":3,"ٖ":1780758291,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":3},{"title":"أهمية الموضوع وأسباب اختياره","level":2,"page":4},{"title":"أهداف البحث","level":2,"page":6},{"title":"حدود البحث","level":2,"page":6},{"title":"الدراسات السابقة","level":2,"page":6},{"title":"رسائل قيد الإعداد والمناقشة","level":2,"page":10},{"title":"خطة البحث","level":2,"page":11},{"title":"الخاتمة","level":2,"page":13},{"title":"منهج البحث","level":2,"page":13},{"title":"التمهيد","level":1,"page":15},{"title":"مفهوم الاستنباط","level":2,"page":16},{"title":"تعريف الاستنباط","level":2,"page":16},{"title":"التعريف بالسمعاني","level":2,"page":21},{"title":"اسمه ونسبه","level":3,"page":21},{"title":"مولده","level":3,"page":21},{"title":"نشأته","level":3,"page":21},{"title":"شيوخه","level":3,"page":23},{"title":"تلاميذه","level":3,"page":24},{"title":"مذهبه الفقهي","level":3,"page":26},{"title":"مذهبه العقدي","level":3,"page":27},{"title":"آثاره ومؤلفاته","level":3,"page":28},{"title":"وفاته","level":3,"page":29},{"title":"التعريف بكتابه تفسير القرآن العظيم","level":2,"page":29},{"title":"قيمة تفسيره","level":3,"page":29},{"title":"موارده في تفسيره","level":3,"page":30},{"title":"كتب التفسير","level":3,"page":30},{"title":"ما قيل في تفسيره","level":3,"page":31},{"title":"الباب الأول: منهج السمعاني في الاستنباط","level":1,"page":32},{"title":"الفصل الأول: الاستنباط باعتبار الموضوع.","level":2,"page":33},{"title":"المبحث الأول: الاستنباطات في علوم القرآن.","level":3,"page":34},{"title":"١ - الاستنباطات المتعلقة بأسلوب القرآن الكريم وبلاغته","level":4,"page":34},{"title":"فوائد التكرار في القرآن الكريم وأسراره","level":5,"page":35},{"title":"أسرار مناسبات الألفاظ","level":5,"page":36},{"title":"٢ - استنباط خصائص القرآن ومنها فضائل بعض السور","level":4,"page":38},{"title":"٣ - استنباط جواز وقوع النسخ في القرآن","level":4,"page":39},{"title":"المبحث الثاني: الاستنباطات العقدية.","level":3,"page":40},{"title":"المسلك الأول: استنباطات فيها تقرير مباشر لمسائل العقيدة عند أهل السنة والجماعة","level":4,"page":40},{"title":"المسلك الآخر: وفيه الرد على الطوائف الضالة بنصوص القرآن المبطلة لاعتقاداتهم الفاسدة","level":4,"page":42},{"title":"المبحث الثالث: الاستنباطات الأصولية","level":3,"page":44},{"title":"المبحث الرابع: الاستنباطات الفقهية","level":3,"page":47},{"title":"ومن الأمثلة على الاستنباطات الفقهية","level":4,"page":48},{"title":"المبحث الخامس: الاستنباطات التربوية السلوكية","level":3,"page":51},{"title":"الفصل الثاني: الاستنباط باعتبار ظهور المعنى وخفائه وباعتبار الإفراد والتركيب","level":2,"page":53},{"title":"المبحث الأول: الاستنباط باعتبار ظهور النص المستنبط، وخفائه","level":3,"page":54},{"title":"الاستنباط من النصوص ظاهرة المعنى","level":4,"page":54},{"title":"الاستنباط من النصوص خفية المعنى","level":4,"page":56},{"title":"المبحث الثاني: الاستنباط باعتبار الإفراد والتركيب","level":3,"page":58},{"title":"النوع الأول نجده كثيرا في استنباطات السمعاني ومن الأمثلة على ذلك","level":4,"page":59},{"title":"النوع الثاني: الاستنباط باعتبار التركيب","level":4,"page":61},{"title":"الفصل الثالث: دلالات وطرق الاستنباط عند أبي المظفر السمعاني في تفسيره","level":2,"page":62},{"title":"المبحث الأول: الاستنباط بدلالة النص (مفهوم الموافقة)","level":3,"page":63},{"title":"المبحث الثاني: الاستنباط بدلالة المفهوم (مفهوم المخالفة)","level":3,"page":66},{"title":"المبحث الثالث: الاستنباط بدلالة الالتزام","level":3,"page":69},{"title":"المبحث الرابع: الاستنباط بدلالة التضمن","level":3,"page":72},{"title":"المبحث الخامس: الاستنباط بدلالة الاقتران","level":3,"page":74},{"title":"المبحث السادس: الاستنباط بدلالة المطرد من أساليب القرآن.","level":3,"page":75},{"title":"الفصل الرابع: أساليب الاستنباط عند أبي المظفر السمعاني في تفسيره، ومميزاته","level":2,"page":77},{"title":"المبحث الأول: أساليب الاستنباط عند أبي المظفر السمعاني في تفسيره","level":3,"page":78},{"title":"سار السمعاني في استنباطاته على عدة أساليب ومنها","level":4,"page":78},{"title":"المبحث الثاني: مميزات الاستنباط عند أبي المظفر السمعاني في تفسيره.","level":3,"page":79},{"title":"الباب الثاني: جمع ودراسة الاستنباطات عند أبي المظفر السمعاني في تفسيره من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة الناس","level":1,"page":81},{"title":"تخصيص ملك الله ليوم الدين بالذكر دون غيره لظهور ملكه وانقطاع أملاك الآخرين","level":2,"page":82},{"title":"تأخير الاستعانة بعد العبادة دليل احتياجها أثناء العبادة وبعدها وليس قبلها فحسب","level":2,"page":85},{"title":"تأخير الاستعانة على العبادة لكونها أحد أنواع العبادة","level":2,"page":87},{"title":"تكرار المفعول (إياك) للاختصاص والتفخيم","level":2,"page":89},{"title":"تخصيص المتقين بالذكر للتشريف ولانتفاعهم دون سواهم","level":2,"page":91},{"title":"إبطال معتقد طائفة القدرية في القدر","level":2,"page":93},{"title":"بطلان معتقد المرجئة، والكرامية في مسألة الإيمان","level":2,"page":96},{"title":"عظمة النار كون وقودها الناس والحجارة","level":2,"page":99},{"title":"حقيقة أسبقية خلق النار وإبطال معتقد من خالف ذلك","level":2,"page":101},{"title":"تخصيص إعداد النار للكفار دليل على أن الموحدين لا يخلدون فيها","level":2,"page":104},{"title":"تفضيل الأنبياء على الملائكة","level":2,"page":106},{"title":"جواز النسخ في القرآن ووقوعه","level":2,"page":112},{"title":"تكرار الآيتين إما لاختلاف المخاطب، أو للتأكيد بأنه لا ينفع الإنسان إلا عمله وذلك لقطع التعلق بالمخلوقين","level":2,"page":116},{"title":"القتل لا يقطع أخوة الدين","level":2,"page":121},{"title":"بلاغة التعبير بالخوف دون العلم","level":2,"page":122},{"title":"لفظ معدودات يدل على التيسير","level":2,"page":124},{"title":"حكم الحاكم لا يحق باطلا عند العلم ببطلانه","level":2,"page":125},{"title":"دلالة وجوب العمرة","level":2,"page":127},{"title":"تحريم الخمر لما وصف بأن فيه إثما","level":2,"page":130},{"title":"تحريم نكاح المؤمنات للمشركين","level":2,"page":135},{"title":"إبطال جواز إتيان النساء في غير فروجهن","level":2,"page":137},{"title":"جواز عقد النكاح بدون تسمية المهر","level":2,"page":141},{"title":"وجوب إعطاء المتعة لكل المطلقات","level":2,"page":143},{"title":"تنوع الكسب إلى طيب وخبيث وأن الطيب هو الحلال، والخبيث هو الحرام","level":2,"page":146},{"title":"جواز الرهن في الحضر وعند وجود الكاتب","level":2,"page":148},{"title":"جواز تكليف العباد ما لا يطيقونه","level":2,"page":150},{"title":"التزهيد في الحياة الدنيا لكونها متاع، وللترغيب في الآخرة دونها","level":2,"page":153},{"title":"عموم وشمولية التذكير دون التأنيث عند أمر الله لمريم بالركوع","level":2,"page":156},{"title":"بطلان معتقد من فرق بين أجل الميت والمقتول","level":2,"page":158},{"title":"بيان القدرة، والمنة في خلق البشر من نفس واحدة","level":2,"page":161},{"title":"الربيبة تحرم على زوج الأم ولو لم تكن في حجره","level":2,"page":164},{"title":"بطلان نكاح إماء أهل الكتاب","level":2,"page":167},{"title":"سؤال الله من فضله يوجب حرمة الحسد","level":2,"page":170},{"title":"فرضية الجهاد على الكفاية","level":2,"page":172},{"title":"لا يلزم مضي الشفاعة للحصول على أجرها","level":2,"page":175},{"title":"القعود مع المستهزئين مع الكراهية لا يوجب الكفر","level":2,"page":180},{"title":"بلاغة التعبير بالضمير (مع) وذلك لإغاظة المنافقين","level":2,"page":182},{"title":"عدم المؤاخذة قبل الإنذار","level":2,"page":184},{"title":"المانع من عدم المغفرة للكفار قضاء الله، وإلا فرحمته وسعت كل شيء","level":2,"page":185},{"title":"الابتداء بالرجال قبل النساء عند ذكر حد السرقة لقوتهم، وجراءتهم","level":2,"page":187},{"title":"جواز الاجتهاد في الأحكام","level":2,"page":189},{"title":"تخصيص السموات والأرض لعظم خلقهما، وتعدد منافعهما","level":2,"page":191},{"title":"بلاغة التعبير باللمس دون الرؤية","level":2,"page":193},{"title":"مشروعية حمد الله على هلاك الكفار","level":2,"page":195},{"title":"التعبير بالذوق يدل على عدم التمتع بالأكل","level":2,"page":196},{"title":"أسبقية ثبوت ستر العورة من عهد آدم ﵇","level":2,"page":198},{"title":"السواسية في الضلال للجاهل بكفره والمعاند","level":2,"page":200},{"title":"دلالة موت الجن كالإنس","level":2,"page":202},{"title":"طلب غوث الكفار بإفاضة الماء دليل عذاب الجوع والعطش عليهم","level":2,"page":203},{"title":"تكرار الأربعين بعد ذكر الثلاثين والعشر لقطع الأوهام عن الزيادة","level":2,"page":205},{"title":"جواز رؤية الله في الدنيا عقلا، ومنعها شرعا","level":2,"page":207},{"title":"إثبات صفة الكلام لله ﷿، لأنها من خصائص الألوهية","level":2,"page":209},{"title":"إبطال معتقد المرجئة في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه","level":2,"page":211},{"title":"عدم الجواز لأي أحد بأن يصف نفسه بكونه مؤمنا حقا","level":2,"page":213},{"title":"شدة بصيرة الكفار في غيهم وضلالهم","level":2,"page":215},{"title":"التكرار يدل على اختلاف المخاطبين في الهجرة","level":2,"page":216},{"title":"الاستغفار سبعين مرة لإثبات اليأس من المغفرة، وإلا فلا مفهوم له","level":2,"page":218},{"title":"دلالة وجوب قبول خبر الواحد","level":2,"page":221},{"title":"تخصيص الوفاة بالذكر للتهديد والتخويف","level":2,"page":222},{"title":"دلالة طلب قوم نوح منه ﵇ أن يطرد المؤمنين","level":2,"page":224},{"title":"تخصيص الناصية بالذكر للإذلال والخضوع","level":2,"page":225},{"title":"الاستعجال بإكرام الضيف من أدب الضيافة","level":2,"page":226},{"title":"دخول أزواج النبي ﷺ في أهل بيته","level":2,"page":228},{"title":"لا حصول على طاعة إلا بتوفيق من الله","level":2,"page":230},{"title":"صحة قبول التوبة بعد القتل عمدا","level":2,"page":231},{"title":"دلالة نزع قميص يوسف حين ألقوه إخوته في البئر","level":2,"page":233},{"title":"وقوع المؤمن في المعصية دلالة جهالته آنذاك","level":2,"page":235},{"title":"دلالة يقين يعقوب ﵇ بأن الذئب لم يأكل ابنه يوسف ﵇","level":2,"page":237},{"title":"بلوغ سن التكليف لإخوة يوسف إبان فعلتهم بأخيهم يوسف ﵇","level":2,"page":238},{"title":"دلالة تحريم الفرح بزهرة الحياة الدنيا والركون إليها","level":2,"page":240},{"title":"دلالة الآية على تعليم الصبر على الأذى","level":2,"page":242},{"title":"فضل سورة الفاتحة لتخصيصها من سائر سور القرآن","level":2,"page":243},{"title":"ذكر نفي العلم يدل على غلبته وإلا فإنه لا يذهب كله","level":2,"page":244},{"title":"تخصيص ذكر نعمة الجبال، والظلال، والسرابيل، والأصواف، والأوبار لاستشعارهم إياها","level":2,"page":245},{"title":"جواز اتباع الفاضل للمفضول","level":2,"page":247},{"title":"تخصيص البحر لأن الهلاك فيه آكد","level":2,"page":249},{"title":"بقاء المسكين على مسكنته مع تملكه، إذا لم يقم ما يملك كفايته","level":2,"page":250},{"title":"تخصيص السلام حال الولادة، والموت، والبعث لأنها أشد الأحوال وحشة","level":2,"page":253},{"title":"دلالة ورود البر والفاجر على النار","level":2,"page":255},{"title":"تحريم الاستمناء باليد","level":2,"page":257},{"title":"تخصيص النخيل والأعناب كونها أكثر قوت وفاكهة للعرب","level":2,"page":260},{"title":"تخصيص شجرة الزيتون لأنها شجرة مأكولة، ولا تحتاج لمعاهدة","level":2,"page":262},{"title":"عظم ذنب الاستهزاء بالناس لكونه من كبائر الذنوب","level":2,"page":264},{"title":"البدأ بذكر الزانية قبل الزاني عند ذكر حدهما لئلا يرق عليهن عند الحد أو لأن الشهوة عندهن أكثر","level":2,"page":266},{"title":"وجوب إجابة دعوة القاضي عند الحكم بين المتخاصمين","level":2,"page":269},{"title":"تخصيص الأوقات الثلاثة بالاستئذان لتكشف الناس فيها","level":2,"page":270},{"title":"استعمال الأدب في نسبة ابراهيم ﵇ المرض لنفسه، ونسبة الشفاء إلى الله","level":2,"page":272},{"title":"إتيان موسى ﵇ بما يصطلون أهله به دليل أنهم في زمن الشتاء","level":2,"page":274},{"title":"كراهية قتل النمل","level":2,"page":275},{"title":"وجوب تثبت الإنسان فيما يخبر به","level":2,"page":278},{"title":"تخصيص حال المضطر دون سواه لشدة خضوعه ورغبته في إجابة الدعاء","level":2,"page":280},{"title":"جواز موافقة الهوى للحق","level":2,"page":281},{"title":"تخصيص أوقات التسبيح فيه إشارة إلى الصلوات الخمس","level":2,"page":284},{"title":"تخصيص أولو العزم لأنهم كانوا هم أصحاب الشرائع","level":2,"page":286},{"title":"عدم جواز الطلاق قبل النكاح لدلالة الترتيب","level":2,"page":287},{"title":"الظن والشك في دين الله موجب للكفر","level":2,"page":290},{"title":"البشارة بالغلام الحليم فيها دلالة على أنه سيكبر ويوصف بالحلم والوقار","level":2,"page":292},{"title":"البشارة الثانية بإسحاق ﵇ تدل على أن المبشر به الأول هو إسماعيل ﵇","level":2,"page":293},{"title":"الظن الفاسد المبني على القياس الباطل","level":2,"page":296},{"title":"جواز أن يكون هناك فرح بحق","level":2,"page":298},{"title":"تحريم وذم التقليد للآباء وغيرهم بدون حجة","level":2,"page":300},{"title":"وجوب لزوم الأدب في مجلس رسول الله ﷺ","level":2,"page":302},{"title":"ذكر وجوب الاصلاح بين الأخوين يدل على أولوية الإصلاح بين الجمع الكثير","level":2,"page":304},{"title":"تسمية الرجال بالقوم دون النساء لقوامتهم بالأمور","level":2,"page":307},{"title":"دلالة وجود الجنة في السماء وأسبقية خلقها","level":2,"page":308},{"title":"جواز القياس في الأحكام","level":2,"page":310},{"title":"الدعاء للسلف بالرحمة والخير من علامات المؤمنين","level":2,"page":313},{"title":"دلالة عدم خروج حاطب ابن أبي بلتعة من الإيمان","level":2,"page":315},{"title":"تسمية المهاجرات بالإيمان لأنهن على قصد إليه","level":2,"page":316},{"title":"سنية الخطبة لصلاة الجمعة في وضع القيام","level":2,"page":318},{"title":"تخصيص البنان بالذكر فيه دلالة على أن ماسواها أولى بالقدرة على التسوية والجمع","level":2,"page":320},{"title":"ثبوت نعيم رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة","level":2,"page":322},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":325},{"title":"النتائج","level":2,"page":325},{"title":"التوصيات","level":2,"page":327},{"title":"فهرس المصادر والمراجع","level":1,"page":328}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,28":28,"1,29":29,"1,30":30,"1,31":31,"1,32":32,"1,33":33,"1,34":34,"1,35":35,"1,36":36,"1,37":37,"1,38":38,"1,39":39,"1,40":40,"1,41":41,"1,42":42,"1,43":43,"1,44":44,"1,45":45,"1,46":46,"1,47":47,"1,48":48,"1,49":49,"1,50":50,"1,51":51,"1,52":52,"1,53":53,"1,54":54,"1,55":55,"1,56":56,"1,57":57,"1,58":58,"1,59":59,"1,60":60,"1,61":61,"1,62":62,"1,63":63,"1,64":64,"1,65":65,"1,66":66,"1,67":67,"1,68":68,"1,69":69,"1,70":70,"1,71":71,"1,72":72,"1,73":73,"1,74":74,"1,75":75,"1,76":76,"1,77":77,"1,78":78,"1,79":79,"1,80":80,"1,81":81,"1,82":82,"1,83":83,"1,84":84,"1,85":85,"1,86":86,"1,87":87,"1,88":88,"1,89":89,"1,90":90,"1,91":91,"1,92":92,"1,93":93,"1,94":94,"1,95":95,"1,96":96,"1,97":97,"1,98":98,"1,99":99,"1,100":100,"1,101":101,"1,102":102,"1,103":103,"1,104":104,"1,105":105,"1,106":106,"1,107":107,"1,108":108,"1,109":109,"1,110":110,"1,111":111,"1,112":112,"1,113":113,"1,114":114,"1,115":115,"1,116":116,"1,117":117,"1,118":118,"1,119":119,"1,120":120,"1,121":121,"1,122":122,"1,123":123,"1,124":124,"1,125":125,"1,126":126,"1,127":127,"1,128":128,"1,129":129,"1,130":130,"1,131":131,"1,132":132,"1,133":133,"1,134":134,"1,135":135,"1,136":136,"1,137":137,"1,138":138,"1,139":139,"1,140":140,"1,141":141,"1,142":142,"1,143":143,"1,144":144,"1,145":145,"1,146":146,"1,147":147,"1,148":148,"1,149":149,"1,150":150,"1,151":151,"1,152":152,"1,153":153,"1,154":154,"1,155":155,"1,156":156,"1,157":157,"1,158":158,"1,159":159,"1,160":160,"1,161":161,"1,162":162,"1,163":163,"1,164":164,"1,165":165,"1,166":166,"1,167":167,"1,168":168,"1,169":169,"1,170":170,"1,171":171,"1,172":172,"1,173":173,"1,174":174,"1,175":175,"1,176":176,"1,177":177,"1,178":178,"1,179":179,"1,180":180,"1,181":181,"1,182":182,"1,183":183,"1,184":184,"1,185":185,"1,186":186,"1,187":187,"1,188":188,"1,189":189,"1,190":190,"1,191":191,"1,192":192,"1,193":193,"1,194":194,"1,195":195,"1,196":196,"1,197":197,"1,198":198,"1,199":199,"1,200":200,"1,201":201,"1,202":202,"1,203":203,"1,204":204,"1,205":205,"1,206":206,"1,207":207,"1,208":208,"1,209":209,"1,210":210,"1,211":211,"1,212":212,"1,213":213,"1,214":214,"1,215":215,"1,216":216,"1,217":217,"1,218":218,"1,219":219,"1,220":220,"1,221":221,"1,222":222,"1,223":223,"1,224":224,"1,225":225,"1,226":226,"1,227":227,"1,228":228,"1,229":229,"1,230":230,"1,231":231,"1,232":232,"1,233":233,"1,234":234,"1,235":235,"1,236":236,"1,237":237,"1,238":238,"1,239":239,"1,240":240,"1,241":241,"1,242":242,"1,243":243,"1,244":244,"1,245":245,"1,246":246,"1,247":247,"1,248":248,"1,249":249,"1,250":250,"1,251":251,"1,252":252,"1,253":253,"1,254":254,"1,255":255,"1,256":256,"1,257":257,"1,258":258,"1,259":259,"1,260":260,"1,261":261,"1,262":262,"1,263":263,"1,264":264,"1,265":265,"1,266":266,"1,267":267,"1,268":268,"1,269":269,"1,270":270,"1,271":271,"1,272":272,"1,273":273,"1,274":274,"1,275":275,"1,276":276,"1,277":277,"1,278":278,"1,279":279,"1,280":280,"1,281":281,"1,282":282,"1,283":283,"1,284":284,"1,285":285,"1,286":286,"1,287":287,"1,288":288,"1,289":289,"1,290":290,"1,291":291,"1,292":292,"1,293":293,"1,294":294,"1,295":295,"1,296":296,"1,297":297,"1,298":298,"1,299":299,"1,300":300,"1,301":301,"1,302":302,"1,303":303,"1,304":304,"1,305":305,"1,306":306,"1,307":307,"1,308":308,"1,309":309,"1,310":310,"1,311":311,"1,312":312,"1,313":313,"1,314":314,"1,315":315,"1,316":316,"1,317":317,"1,318":318,"1,319":319,"1,320":320,"1,321":321,"1,322":322,"1,323":323,"1,324":324,"1,325":325,"1,326":326,"1,327":327,"1,328":328,"1,329":329,"1,330":330,"1,331":331,"1,332":332,"1,333":333,"1,334":334,"1,335":335,"1,336":336,"1,337":337,"1,338":338,"1,339":339,"1,340":340,"1,341":341,"1,342":342,"1,343":343,"1,344":344,"1,345":345,"1,346":346,"1,347":347,"1,348":348,"1,349":349},"ٜ":{"1":[1,349]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349"],"ٞ":{"3":[1],"4":[2],"6":[3,4,5],"10":[6],"11":[7],"13":[8,9],"15":[10],"16":[11,12],"21":[13,14,15,16],"23":[17],"24":[18],"26":[19],"27":[20],"28":[21],"29":[22,23,24],"30":[25,26],"31":[27],"32":[28],"33":[29],"34":[30,31],"35":[32],"36":[33],"38":[34],"39":[35],"40":[36,37],"42":[38],"44":[39],"47":[40],"48":[41],"51":[42],"53":[43],"54":[44,45],"56":[46],"58":[47],"59":[48],"61":[49],"62":[50],"63":[51],"66":[52],"69":[53],"72":[54],"74":[55],"75":[56],"77":[57],"78":[58,59],"79":[60],"81":[61],"82":[62],"85":[63],"87":[64],"89":[65],"91":[66],"93":[67],"96":[68],"99":[69],"101":[70],"104":[71],"106":[72],"112":[73],"116":[74],"121":[75],"122":[76],"124":[77],"125":[78],"127":[79],"130":[80],"135":[81],"137":[82],"141":[83],"143":[84],"146":[85],"148":[86],"150":[87],"153":[88],"156":[89],"158":[90],"161":[91],"164":[92],"167":[93],"170":[94],"172":[95],"175":[96],"180":[97],"182":[98],"184":[99],"185":[100],"187":[101],"189":[102],"191":[103],"193":[104],"195":[105],"196":[106],"198":[107],"200":[108],"202":[109],"203":[110],"205":[111],"207":[112],"209":[113],"211":[114],"213":[115],"215":[116],"216":[117],"218":[118],"221":[119],"222":[120],"224":[121],"225":[122],"226":[123],"228":[124],"230":[125],"231":[126],"233":[127],"235":[128],"237":[129],"238":[130],"240":[131],"242":[132],"243":[133],"244":[134],"245":[135],"247":[136],"249":[137],"250":[138],"253":[139],"255":[140],"257":[141],"260":[142],"262":[143],"264":[144],"266":[145],"269":[146],"270":[147],"272":[148],"274":[149],"275":[150],"278":[151],"280":[152],"281":[153],"284":[154],"286":[155],"287":[156],"290":[157],"292":[158],"293":[159],"296":[160],"298":[161],"300":[162],"302":[163],"304":[164],"307":[165],"308":[166],"310":[167],"313":[168],"315":[169],"316":[170],"318":[171],"320":[172],"322":[173],"325":[174,175],"327":[176],"328":[177]},"ٟ":[],"numbers":{"1":82,"2":85,"3":87,"4":99,"5":101,"6":104,"7":106,"8":106,"9":106,"10":106,"11":106,"12":112,"13":121,"14":122,"15":124,"16":125,"17":127,"18":130,"19":135,"20":137,"21":141,"22":172,"23":198,"24":200,"25":226,"26":253,"27":255},"number_max":27,"number_pages":{"82":1,"85":2,"87":3,"99":4,"101":5,"104":6,"106":11,"112":12,"121":13,"122":14,"124":15,"125":16,"127":17,"130":18,"135":19,"137":20,"141":21,"172":22,"198":23,"200":24,"226":25,"253":26,"255":27}},"pages":[{"text":"المملكة العربية السعودية\nوزارة التعليم العالي\nجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية\nكلية أصول الدين\nقسم القرآن وعلومه\n\nاستنباطات السمعاني\nفي كتابه «تفسير القرآن» ومنهجه فيها\nت. ٤٨٩ هـ\n\nرسالة مقدمة لنيل درجة الماجستير في القرآن وعلومه\n\nإعداد الطالب\nفهد بن سعد القويفل\n\nإشراف فضيلة الشيخ الدكتور\nشريف بن علي أبو بكر","vol":"1","page":1},{"text":"الأستاذ المساعد بقسم القرآن وعلومه\n\nالعام الجامعي:\n١٤٣٢/ ١٤٣٣ هـ\n\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"1","page":2},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة:</span>\nالحمد لله الموفق لعباده المتقين، المنزل كتابه ليكون هدى وبشرى للمؤمنين، والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، ثم الصلاة والسلام على من بعثه الله هاديا ومبشرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.\nأما بعد ...\nفإن القرآن الكريم هو أعظم أبواب الهداية، وأجل سبل الفلاح، أنزله الله على عباده هدى، ورحمة، وبشرى، وضياء وذكرا للذاكرين.\nجمع فيه سبحانه العلوم النافعة، والمعاني الجليلة الكاملة، وهو كتاب بحرُه عميق، وفهمهُ دقيق، وخزائنه ملأى، لا يصل إلى استخراج كنوزه، واستنباط علومه، إلا من تبحر في العلوم، وعامل الله بتقواه في سره وعلانيته.\nوإن الاستنباط من القرآن الكريم علم جليل من علوم القرآن، وهو ثمرة لفهم كلام الله تعالى وتدبره.\nوفي المعاني المتوصل إليها بالاستنباط هدايات قرآنية وعقدية، وفقهية، وأصولية، وتربوية ينتفع بها الناظر إليها والعامل بها.\nوقد ظهر هذا العلم في عهد النبي - ﷺ - فكان للصحابة الكرام - ﵃ - استنباطات دقيقة من القرآن الكريم. وكذا كان لمن جاء من بعدهم من التابعين وتابعيهم - ﵃ -، ومن ذلك حينما سأل أبو جحيفة ﵁ عليَّ بن أبي طالب ﵁: هل عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله؟ فقال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أعلمه إلا فهمًا","vol":"1","page":3},{"text":"يعطيه الله رجلًا في القرآن وما في هذه الصحيفة (^١). ومن هذا المنطلق عُرف بأن هذا الفهم قدرٌ زائد على معرفة موضوع اللفظ وعمومه وخصوصه.\nواستمرت عناية العلماء بالاستنباط من القرآن فظهرت في تآليفهم المختلفة عموما، وفي تفاسير القرآن خصوصا، فالمتأمل في كتب التفسير يقف على استنباطات كثيرة عند المفسرين المتقدمين منهم والمتأخرين كلٌ بحسب ما يفتح الله عليه.\nوإن جمع مواضع الاستنباط من القرآن عند أحد المفسرين المتقدمين ممن كان ذا شهرة عالية، ومكانة رفيعة فيه إبراز لهذا العلم من علوم القرآن من وجه، وفيه بيان لبراعة المفسر من وجه آخر.\nلذا عقدت العزم - متوكلًا على الله مستعينًا به- على اختيار موضوع:\nاستنباطات السمعاني في كتابه \"تفسير القرآن\" ومنهجه فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>أهمية الموضوع وأسباب اختياره:</span>\n• القيمة العلمية لهذا الموضوع لتعلقه بعلم الاستنباط الذي هو علم من علوم القرآن وثمرة تدبر كلام الله تعالى.\n• مكانة تفسير أبي المظفر السمعاني -﵀- بين كتب التفسير، فقد أودع فيه مؤلفه دررا حقيق بطالب علم التفسير الإفادة منها، حتى قال عنه حفيده أبو سعد السمعاني: \" صنف التفسير الحسن المليح الذي استحسنه كل من طالعه \". (^٢) وقال عنه ابن خلكان: \" له تفسير القرآن العزيز، وهو كتاب نفيس \". (^٣)،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب: فكاك الأسير، حديث رقم (٢٨٨٢)، ٣/ ١١٠.\n(^٢) الأنساب للسمعاني (٧/ ١٣٩).\n(^٣) وفيات الأعيان لابن خلكان (٣/ ٢١١).","vol":"1","page":4},{"text":"ووصفه ابن عماد في شذرات الذهب: بأنه تفسير جيد حسن. (^١)\n• في دراسة موضوع الاستنباط تيسير لاستخراج الفوائد والأحكام من القرآن، وذلك بمعرفة الطرق الصحيحة التي يسلكها العلماء في استنباط الأحكام والفوائد والأسرار القرآنية.\n• شهرة أبي المظفر السمعاني -﵀- ومكانته بين المفسرين، مع كونه على معتقد أهل السنة والجماعة، محاربا لأهل البدع والطوائف الضالة عامة، وللقدرية والمعتزلة خاصة، إضافة إلى تقدم عصره إذ كان -﵀- من علماء القرن الخامس الهجري ت ٤٨٩ هـ.\n• في دراسة منهج أبي المظفر السمعاني في الاستنباط تأصيل قرآني لهذه الاستنباطات.\n• أن دراسة \" استنباطات السمعاني ومنهجه فيها \" لم يسبق أن كتبت فيها رسالة علمية فأحببت أن أضيف بهذا العمل إلى المكتبة القرآنية جديدا ينتفع الناس به.\n• أن الغالب فيمن تعرض للاستنباط فيما يختص بتخصص التفسير وعلوم القرآن إنما يتعرض بما هو متعلق بالاستنباطات الفقهية فقط، مع أن القرآن فيه الهداية في جميع علوم الشريعة المختلفة من الفقه والعقيدة والآداب والسلوك والتربية والدعوة، فلذا أحببت أن أبين شمولية استنباط هذا العالم الجليل - أبي المظفر السمعاني - في جميع هذه الجوانب لجميع علوم الشريعة وعدم اقتصاره على جانب واحد فقط.\n• تتيح معرفة منهج السمعاني في استنباطاته وموازنتها باستنباطات المفسرين التعرف على مناهج وطرق العلماء في الاستنباط، وتسهم في بناء شخصية الباحث في هذا العلم من علوم القرآن.\n• شرفه لكونه متعلق بتحرير مسائل القرآن، الذي هو من أشرف العلوم وأجلها، فشرف العلم بشرف المعلوم.\n_________\n(^١) شذرات الذهب لابن عماد الحنبلي (٣/ ٣٩٣).","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>أهداف البحث:</span>\n• إبراز مفهوم الاستنباط من القرآن ومعرفة منهج العلماء فيه.\n• جمع استنباطات الإمام السمعاني ﵀ من القرآن الكريم من خلال تفسيره، ودراستها دراسة مقارنة ومن ثم الحكم عليها ومعرفة منهجه فيها.\n• إبراز هذا النوع من علوم القرآن من وجه، وإبراز براعة المفسر فيه من وجه آخر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>حدود البحث:</span>\nجمع ودراسة استنباطات السمعاني في كتابه تفسير القرآن، وعددها مائة وأربعة عشر استنباطًا، وإنزال الجانب النظري عليها، مع بيان منهج استنباط السمعاني فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>الدراسات السابقة:</span>\nبعد البحث والسؤال في الأقسام المتخصصة بالجامعات السعودية، والمراكز العلمية تبين لي أن موضوع الاستنباط عند أبي المظفر السمعاني لم تسبق دراسته.\nإلا أن هناك دراسات عنيت بتفسير أبي المظفر السمعاني دون إفراد استنباطاته بالبحث، وهناك أيضًا دراسات أخرى عنيت بدراسة الاستنباط استقلالًا أو دراسته عند غير واحد من المفسرين، دراسة نظرية تطبيقية.","vol":"1","page":6},{"text":"فأما الدراسات التي عنيت بتفسير أبي المظفر السمعاني فهي:\n• منهج الإمام أبي المظفر السمعاني في كتابه \"تفسير القرآن\"، عبد العزيز بن إبراهيم اليحيى، إشراف: أ. د. عبد الرحمن المطرودي، رسالة ماجستير، جامعة الملك سعود، سنة ١٤٢٤/ ١٤٢٥ هـ.\n• الإمام أبو المظفر السمعاني ومنهجه في كتابه \"تفسير القرآن\"، سامية عطية الله المعبدي، ماجستير، كلية التربية للبنات بمكة المكرمة، ١٤٢٤ هـ.\n• أبو المظفر السمعاني ومنهجه في التفسير، خالد عمر يوسف واصل، دكتوراه، جامعة أم درمان، السودان، ٢٠٠٦ م.\n• منهج الإمام أبي المظفر السمعاني في الترجيحات من خلال كتابه \"تفسير القرآن\"، فهد سالم رافع الغامدي، إشراف: أ. د: أمين محمد باشا، ماجستير، جامعة أم القرى، ١٤٢٨ هـ.\nومما لا يخفى على المتخصص في الدراسات القرآنية أن هناك فرقا بين الترجيحات والاستنباطات:\nفالترجيحات في التفسير: هي تقوية أحد الأقوال المحتملة في تفسير الآية على غيره، لما فيه من مزية معتبرة تجعله أولى من غيره، ولا يكون ذلك إلا في حال التقابل والتعارض.\nأما الاستنباطات من القرآن: فهي استخراج المعاني الخفية من النصوص القرآنية الظاهرة بطريق صحيح.\n• البغوي والسمعاني في تفسيريهما دراسة ومقارنة، محمد عبد الهادي حسن، شحات حسيب الفيومي مشرفًا أصيلًا، وأبو اليزيد حمامه مشرفًا متابعًا، العراق.\n• علوم القرآن عند أبي المظفر السمعاني، غانم عبد الله الغانم، رسالة دكتوراه، جامعة الإمام، الرسالة قيد التسجيل.","vol":"1","page":7},{"text":"• تحقيق تفسير السمعاني في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في عشر رسائل علمية هي:\nأ- تفسير سورتي الفاتحة والبقرة لأبي المظفر السمعاني دراسة وتحقيق، عبد القادر منصور منصور، إشراف: د. محمد سيد عطية طنطاوي، رسالة دكتوراه، ١٤٠٢ هـ.\nب- تفسير أبي المظفر السمعاني تفسير آل عمران والنساء والمائدة تحقيق ودراسة، محمد حسن صالح شيخ إدريس، إشراف: د. عبد العزيز الدردير موسى، ماجستير، ١٤٠٦ هـ\nج- تفسير أبي المظفر السمعاني من أول سورة الأنعام إلى آخر سورة الأنفال تحقيق ودراسة، طلال بن مصطفى أحمد عرقسوس، إشراف: د. أبو بكر جابر الجزائري، دكتوراه، ١٤٠٧ هـ.\nد- تفسير أبي المظفر السمعاني من أول سورة الرعد إلى أول سورة الأنبياء تحقيق ودراسة مع التعليق على هذه السورة ومقدمة عن اتجاهات التفسير في عصره، فاروق حسين محمد أمين،، دكتوراه، ١٤٠٧ هـ.\nهـ- تفسير أبي المظفر السمعاني من سورة الأنبياء إلى آخر سورة الشعراء، قاري محمد إقبال فضل حسين، إشراف: د. عبدالفتاح سلامة، ماجستير، ١٤٠٧ هـ\nو- تفسير أبي المظفر السمعاني من أول سورة النمل إلى آخر سورة الأحزاب، حافظ أبوالبركات حزب الله، إشراف: د. أبوبكر جابر الجزائري، ماجستير، ١٤٠٧ هـ.\nز- تفسير أبي المظفر السمعاني من أول سورة سبأ إلى آخر سورة فصلت دراسة وتحقيق، ثناء الله بووتو غلام، إشراف: د. محمد محمد سالم محيسن، ماجستير، ١٤٠٧ هـ.","vol":"1","page":8},{"text":"ح- تفسير أبي المظفر السمعاني من أول سورة الشورى إلى آخر سورة النجم تحقيق ودراسة، محمد الأمين بن الحسين أحمد الشنقيطي، د. عبد العزيز بن محمد عثمان، ماجستير، ١٤٠٧ هـ.\nط- تفسير أبي المظفر السمعاني من أول سورة القمر إلى آخر سورة نوح تحقيق ودراسة، عبد البصير مختار حسين، إشراف: د. عبد العزيز بن محمد عثمان، ماجستير، ١٤١٠ هـ.\nي- تفسير أبي المظفر السمعاني من أول سورة الجن إلى آخر القرآن الكريم مع المقارنة بينه وبين البغوي والزمخشري، سليمان صالح بن عبدالله الخزي، إشراف: د. أبوبكر جابر الجزائري، دكتوراه، ١٤٠٧ هـ.\nوأما دراسة موضوع الاستنباط بذاته لوحده أو عند المفسرين فقد سجل في رسائل علمية نوقش بعضا منها، وبعضها لا يزال قيد الإعداد.\nالرسائل المناقشة:\n• منهج الاستنباط من القرآن للدكتور فهد بن مبارك الوهبي رسالة ماجستير من جامعة الإمام لعام ١٤٢٧ هـ وهي دراسة عامة عن مفهوم الاستنباط وشموليته، وأقسام الاستنباط وشروطه، وطرق الاستنباط من القرآن، وأسباب الانحراف فيه.\n• الاستنباط عند الإمام ابن عطية الأندلسي في تفسيره \"المحرر الوجيز\" دراسة نظرية تطبيقية، عواطف البساطي، إشراف: أ. د: أمين باشا، دكتوراه، جامعة أم القرى، ١٤٣٠ هـ.\n• استنباطات الشيخ عبد الرحمن السعدي من القرآن الكريم عرض ودراسة، سيف","vol":"1","page":9},{"text":"الحارثي، إشراف: أ. د: أحمد سعد الخطيب، دكتوراه، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ١٤٣٠ هـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>رسائل قيد الإعداد والمناقشة:</span>\nأ- جامعة أم القرى: سجلت رسائل ماجستير في الاستنباط عند البغوي، ومحمد الأمين الشنقيطي، والشيخ ابن عثيمين. ورسائل دكتوراه في الاستنباط عند القصاب، والبيضاوي، وأبي السعود، وابن عاشور، والقاسمي، ومحمد أبي زهرة.\nب- جامعة الملك سعود: سجلت رسالة ماجستير بعنوان الاستنباط قواعده وتطبيقاته عند ابن العربي المالكي في تفسيره (أحكام القرآن).\nج- جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية: سجلت رسالة دكتوراه عن الاستنباط عند ابن جزي. للطالب علي النجاشي، إشراف الدكتور: يوسف الشبل.\nد- استنباطات الشوكاني في تفسيره فتح القدير، جمعا ودراسة، للطالبة خلود بنت شاكر العبدلي، رسالة دكتوراه، جامعة الإمام، الرسالة قيد البحث والتسجيل.\nفيتأكد مما سبق أن هذا الموضوع لم يفرد بالبحث، وأحسب أن إفراد هذا الموضوع من موضوعات علوم القرآن حري بالجمع والدراسة من خلال تفسير له مكانته القيمة والعالية كتفسير أبي المظفر السمعاني -﵀- إضافة أرجو أن يكون ضمن الجهود التي عنيت بهذا التفسير.","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>خطة البحث:</span>\nيتكون البحث من: مقدمة، وتمهيد، وبابين، وخاتمة، وفهارس.\nالمقدمة:\nوتتضمن أهمية الموضوع، وأسباب اختياره، وأهدافه، وحدود البحث فيه، والدراسات السابقة، وخطة البحث، ومنهج البحث.\nالتمهيد:\n- مفهوم الاستنباط.\n- التعريف بأبي المظفر السمعاني.\n- التعريف بكتابه \" تفسير القرآن \".\nالباب الأول: منهج السمعاني في الاستنباط:\nوفيه أربعة فصول:\nالفصل الأول: الاستنباط باعتبار الموضوع.\nوفيه خمسة مباحث:\nالمبحث الأول: الاستنباطات في علوم القرآن.\nالمبحث الثاني: الاستنباطات العقدية.\nالمبحث الثالث: الاستنباطات الأصولية.\nالمبحث الرابع: الاستنباطات الفقهية.\nالمبحث الخامس: الاستنباطات التربوية السلوكية.","vol":"1","page":11},{"text":"الفصل الثاني: الاستنباط باعتبار ظهور المعنى وخفائه، وباعتبار الإفراد والتركيب.\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: الاستنباط باعتبار ظهور النص المستنبط، وخفائه.\nالمبحث الثاني: الاستنباط باعتبار الإفراد والتركيب.\nالفصل الثالث: دلالات وطرق الاستنباط عند أبي المظفر السمعاني في تفسيره.\nوفيه ستة مباحث:\nالمبحث الأول: الاستنباط بدلالة النص (مفهوم الموافقة).\nالمبحث الثاني: الاستنباط بدلالة المفهوم (مفهوم المخالفة).\nالمبحث الثالث: الاستنباط بدلالة الالتزام.\nالمبحث الرابع: الاستنباط بدلالة التضمن.\nالمبحث الخامس: الاستنباط بدلالة الاقتران.\nالمبحث السادس: الاستنباط بدلالة المطرد من أساليب القرآن.\nالفصل الرابع: أساليب الاستنباط عند أبي المظفر السمعاني في تفسيره، ومميزاته.\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: أساليب الاستنباط عند أبي المظفر السمعاني في تفسيره.\nالمبحث الثاني: مميزات الاستنباط عند أبي المظفر السمعاني في تفسيره.\nالباب الثاني: جمع ودراسة الاستنباطات عند أبي المظفر السمعاني في تفسيره من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة الناس.\nوفيه جمع الاستنباطات الواردة في \"تفسير القرآن\" لأبي المظفر السمعاني مرتبة حسب ترتيب الآيات المستنبط منها من أول سورة الفاتحة إلى آخر القرآن الكريم، ثم دراستها وتحليلها والحكم عليها.","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>الخاتمة:</span>\nوفيها أهم نتائج البحث وتوصياته.\nالفهارس:\n• فهرس الآيات القرآنية.\n• فهرس الأحاديث والآثار.\n• فهرس المعاني المستنبطة.\n• فهرس الأعلام.\n• ثبت المصادر والمراجع.\n• فهرس الموضوعات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>منهج البحث:</span>\nسلكت في هذا البحث المنهج الاستقرائي التحليلي، وذلك وفق ما يلي:\n- جمعت استنباطات السمعاني باستقراء كتابه تفسير القرآن.\n- قمت بترتيب مواضع استنباطات السمعاني في تفسيره حسب ترتيب السور والآيات.\n- إذا كان في الآية أكثر من استنباط أقوم بدراسة كل استنباط على حدة، ما لم تكن الاستنباطات مرتبطة ببعضها.\n- اكتفيت عند تكرر بعض الاستنباطات بدراسة الاستنباط عند وروده لأول مرة مع الإشارة إلى مواضع تكرر الاستنباط.\n- ذكرت استنباط السمعاني بعد ذكر العنوان المناسب له.\n- درست جميع استنباطات السمعاني بذكر من وافقه أو خالفه في الاستنباط، مع بيان البراهين لأدلة الفريقين.\n- بيان نتيجة الدراسة بعد المناقشة والترجيح.","vol":"1","page":13},{"text":"- توثيق المادة العلمية على النحو التالي:\n- كتبت الآيات القرآنية بالرسم العثماني، مع عزوها إلى سورها بذكر اسم السورة ورقم الآية.\n- قمت بتخريج الأحاديث من مظانها، فإن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما اكتفيت بذلك. وإن كان في غيرهما خرجته من مظانه، وحكمت عليه مستعينا بحكم العلماء.\n- وثقت النصوص والأقوال المنقولة عن العلماء، مع الإحالة إلى مصادرها في الحاشية. فإن تصرفت فيه نبهت على ذلك في الحاشية.\n- اكتفيت بجعل المعلومات الكاملة عن المصدر في ثبت المصادر لئلا تثقل حواشي البحث.\n- قمت بترجمة للأعلام - عند ورود ذكرهم لأول مرة - عدا المشهورين، ومن كان حيًا من المعاصرين.\n- قمت بالتعريف بالفرق والمذاهب والأماكن والبلدان.\n- شرحت غريب الألفاظ والمصطلحات عندما تكون اللفظة مغلقة.\n- وضعت فهارسًا فنية، لتعين القارئ على كشف مضامين البحث بسهولة ويسر.","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>التمهيد</span>\nويشتمل على:\n- مفهوم الاستنباط.\n- التعريف بأبي المظفر السمعاني.\n- التعريف بكتابه (تفسير القرآن)","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>مفهوم الاستنباط:</span>\nإن معرفة مفهوم الاستنباط يوضح لنا بجلاء ما يمكن أن يكون داخلا معنا في هذا البحث من عدمه، لذا وجب تبيين هذا المفهوم من دون إسهاب، وذلك بتعريفه اللغوي والاصطلاحي، ومدى شمولية الاستنباط من القرآن، وذلك ببيان أهميته لتعلقه باستخراج الحكم والفوائد من آيات الذكر الحكيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>تعريف الاستنباط:</span>\nالتعريف اللغوي: مأخوذ من النّبْط، والنّبْط هو الماء الذي يَنبِط من قعر البئر إذا حُفرت، وقد نَبط ماؤها، يَنبِط نَبْطًا ونُبوطًا، وأنْبَطنا الماء أي استنبطناه وانتهينا إليه، وإنباط الماء واستنباطه هو إخراجه واستخراجه، واستنبطت هذا الأمر إذا فكرت فيه فأظهرته. (^١)\nقال ابن فارس: ومادة نَبَطَ تدور على أصل واحد، وهو استخراج الشيء. (^٢)\nالتعريف الاصطلاحي: هو استخراج الأحكام والمعاني الخفية، والفوائد العلمية من الألفاظ والنصوص بطريق صحيح، اعتمادا على القريحة الذهنية. (^٣)\nوعليه فيكون الاستنباط من القرآن: هو استخراج ما خفي في النص القرآني من المعاني والأحكام والفوائد العلمية بطريق صحيح. (^٤)\n_________\n(^١) انظر: تهذيب اللغة (١٣/ ٢٤٩) - مادة نبط -، والصحاح (٣/ ١١٦٢)، مادة نبط،\nوجمهرة اللغة (١/ ٣٦٢).\n(^٢) مقاييس اللغة (٥/ ٣٠٤) - مادة نبط -.\n(^٣) انظر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (١/ ٤٨)، وإعلام الموقعين (١/ ١٧٢)، وكشف الأسرار للبخاري (١/ ٦٥).\n(^٤) انظر: منهج الاستنباط من القرآن للدكتور فهد الوهبي ص ٤٥ بتصرف يسير، ومناهج الفقهاء في استنباط الأحكام للحبابي ص ٧.","vol":"1","page":16},{"text":"وقد عرفه الدكتور مساعد الطيار: بأنه عملية عقلية تعتمد على قدرة المجتهد في استخراج الفوائد المترتبة على النص الشرعي. (^١)\nوقد تعرض السمعاني لتعريف الاستنباط بمعنييه اللغوي والاصطلاحي عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾. فقال: \" والاستنباط هو استخراج العلم، ومنه النبط، وهم قوم يستخرجون الماء \". (^٢)\nثم سار السمعاني على وفق هذا المنهج مؤمنًا بقول الحق ﵎: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ معتقدًا شمولية هذا الكتاب العزيز لكل شيء من قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ فأصبح مفسرًا للآيات ومبينًا لمعانيها، ثم مستخرجًا لما تحمله بعض الآيات من الحكم والفوائد والعلوم، سواء أكان ذلك الاستنباط فقهيًا أو عقديًا أو أصوليًا أو غير ذلك من مواضيع الاستنباطات عنده، منوعًا ﵀ في طرق الاستنباط فتارة تجده يستنبط بطريق دلالة النص أو عن طريق المفهوم أو بطريق الالتزام، أو بطريق الاقتران أو غير ذلك من أنواع الطرق والدلائل كما سيأتي خلال الدراسة.\nومن هنا برزت أهمية الاستنباط، لأنه لا يخفى على ذي لب بعد معرفة معنى الاستنباط أن له أهمية عظيمة وكبيرة، كيف لا، وهذا الاستنباط يستخرج من كلام\n_________\n(^١) مقالة في الفرق بين التفسير والتأويل والاستنباط للدكتور مساعد الطيار ص ٨٤.\n(^٢) تفسير السمعاني (١/ ٤٥٣).","vol":"1","page":17},{"text":"الله سبحانه، حيث جعل الحكمة من إنزاله إعمال العقل والتفكر والتدبر في آياته بقوله: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.\nفرتّب تعالى التذكر على التدبر، فلا يتحقق تذكر ولا اهتداء إلا بعد التدبر.\nكما أوْضح القرآن الكريم وأثبت أنّ التدبر والتفكّر من أدل الدلالات على وحدانية الله، وإذا ما تأمّل المرء في نفسه وفي الآيات حوله يرى من عجائب الآيات والبراهين ما لا يملك معها إلا التسليم ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾.\nوالقرآن العظيم كثيرًا ما يثير العقل ويدعوه إلى التدبر ليصل إلى النتيجة فخاطبه بما يناسب عقله وفطرته بأدلة عقلية متنوعة.\nولقد برزت تلك الأهمية عند الحبيب ﵊، فلقد كان من هديه صلوات ربي وسلامه عليه دعوة أصحابه إلى إعمال أفكارهم.\nومن منهجه إثارة عقول أصحابه ودعوتهم لإعمال عقولهم بأساليب شتى، منها التمثيل من ذلك: ما أخرجه البخاري بسنده عن ابن عمر رضي عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: من الشجر شجرة لا يسقط ورقها وإنها مثل المسلم فحدثوني","vol":"1","page":18},{"text":"ما هي؟ فوقع الناس في شجر البوادي قال عبد الله: ووقع في نفسي أنها النخلة فاستحييت، ثم قالوا حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: هي النخلة. (^١)\nتم تتالت تلك الأهمية عند قدواتنا من الصحابة رضوان الله عليهم، ومن تبعهم من السلف الصالح، ولم يكن همهم حفظ الآية من القرآن، والوقوف على معناها فحسب، وإنما تمثلوا القرآن حروفه وحدوده في حياتهم وبحثوا عما وراء معنى الآية من اللطائف والفوائد والحِكم، والأحكام.\nفبرزت أهمية الاستنباط وآكديته عندهم بعد أن علموا أن بعض الأحكام الشرعية طريق معرفتها هو الاستنباط، قال السمعاني ﵀ في آية الاستنباط مؤمنا بوجوب التدبر: \"قال تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ فأمر بالاعتبار والاستنباط ... وأما الاستنباط هو استخراج المعنى المودع من النص حتى يبرز ويظهر \". (^٢) وقال النووي: (وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ فالاعتناء بالاستنباط من آكد الواجبات المطلوبة، بأن النصوص الصريحة لا تفي إلا بيسير من المسائل الحادثة، فإذا أهمل الاستنباط، فات القضاء في معظم الأحكام النازلة أو في بعضها) (^٣)، وقال\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب العلم - باب الحياء في العلم - حديث ١٣١ (١/ ٦١).\n(^٢) قواطع الأدلة (٢/ ٩٢).\n(^٣) شرح النووي لصحيح مسلم (١١/ ٤٩).","vol":"1","page":19},{"text":"الجصاص: (فثبت بذلك أن من أحكام الله ما هو منصوص عليه، ومنها ما هو مودع في النص قد كُلفنا الوصول إلى علمه بالاستدلال عليه واستنباطه، فعلى العلماء استنباط أحكام الحوادث والتوصل إلى معرفتها بردها إلى نظائرها من المنصوص). (^١)\nوبهذا وغيره يظهر لنا عيانا أهمية الاستنباط، والعناية به، وذلك لاتصاله بأشرف العلوم الذي هو كلام الله تعالى، رزقنا الله تدبره، والاهتداء بهديه، والنجاة بأنواع سبل الفلاح الموصلة إلى جناته.\n_________\n(^١) أحكام القرآن للجصاص بتصرف يسير (٢/ ٢٧٠).","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>التعريف بالسمعاني </span>(^١)\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>اسمه ونسبه:</span> هو الإمام العلامة، مفتي خراسان، شيخ الشافعية، أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار بن أحمد ابن الربيع بن مسلم بن عبد الله السمعاني (^٢) التميمي (^٣) المروزي (^٤) الحنفي ثم الشافعي. (^٥)\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>مولده:</span> ولد أبو المظفر السمعاني سنة ست وعشرين وأربعمائة في مدينة مرو الشاهجان (^٦) أعظم مدن خراسان. (^٧)\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>نشأته:</span> نشأ أبو المظفر السمعاني في بيئة علمية تحثه على طلب العلم وتعينه عليه، فقد كان أبوه ﵀ إمامًا فاضلًا ورعًا تقيًا محكمًا للعربية واللغة.\n_________\n(^١) اكتفيت بهذه الترجمة المختصرة لوجود من سبق إلى ذكر ترجمة مطولة للإمام السمعاني. انظر رسالة منهج أبي المظفر السمعاني في كتابه تفسير القرآن - رسالة ماجستير - للطالب: عبد العزيز إبراهيم اليحيى - جامعة الملك سعود.\n(^٢) السمعاني: بفتح السين المهملة وسكون الميم وفتح العين المهملة وفي آخرها نون، هذه النسبة إلى سمعان؛ وهو بطن من تميم، قال ابن خلكان: \" وسمعت بعض العلماء يقول: \" يجوز بكسر السين أيضًا\". انظر: الأنساب (٣/ ٩٨)، ووفيات الأعيان (٣/ ٢١١).\n(^٣) نسبة إلى تميم بن مرة بن آد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن إزار بن معد بن عدنان. انظر: الأنساب (١/ ٤٧٩).\n(^٤) المروزي: بفتح الميم وسكون الراء وفتح الواو وبعدها زاء معجمة، نسبة إلى مرو الشاهجان، وهي إحدى كراسي خراسان، وكراسي خراسان أربع مدن: مرو الشاهجان ونيسابور وهراة وبلخ، وإنما قيل لها مرو الشاهجان: لتتميز عن مرو الروذ. انظر: الأنساب (٥/ ٢٦٥)، ووفيات الأعيان (١/ ٢٧).\n(^٥) انظر: الأنساب (٧/ ١٤٩)، وطبقات الشافعية (٢/ ٢٩)، وطبقات المفسرين للداودي (٢/ ٢٣٩)، وسير أعلام النبلاء (١٩/ ١١٤)، والبداية والنهاية (١٦/ ١٥٩).\n(^٦) مرو الشاهجان: هي مدينة من أعظم مدن خراسان، و\"مرو\" بالفارسية المرج، و\"الشاه\" الملك، و\"جان\" النفس، فيكون معناها: مرج نفس الملك، سميت بذلك لجلالتها عندهم. انظر: معجم ما استعجم من أسماء البلاد للبكري (٤/ ١٢١٦)، ومعجم البلدان لياقوت الحموي (٥/ ١١٢).\n(^٧) الأنساب (٧/ ١٤٠).","vol":"1","page":21},{"text":"وكان أغلب علماء أهل مرو على مذهب القدرية في أصولهم، ومن جملتهم والد أبي المظفر محمد السمعاني، حتى نشأ أبو المظفر على هذا المعتقد، فأخذ أبو المظفر عن والده مذهب الحنفية، حتى فاق أقرانه، ففهم من علماء بلده ألوان العلوم الدينية، والعربية، وتاقت نفسه للرحلات لطلب العلم والتزود من علوم الدين، وذلك لما وهبه الله من حفظ قوي، وعقل متوقد، حتى أنه قد قال عن نفسه \" ما حفظت شيئا فنسيته \" (^١).\nورحل إلى نيسابور (^٢)، وجرجان (^٣)، وهمذان (^٤)، وقزوين (^٥)، والري (^٦)، حتى وصل إلى مكة، وسمع من أئمة الشافعية، وتأثر بهم فترك مذهب الحنفية، وانتقل إلى مذهب\n_________\n(^١) انظر: سير أعلام النبلاء (١٩/ ١١٩).\n(^٢) نيسابور: مدينة من مدن خراسان، سميت بذلك نسبة إلى الملك سابور، الثاني الساساني، الذي جدد بنائها في المائة الرابعة، وقد كانت تلك المدينة ذات فضائل حسنة وعمارة، كثيرة الخيرات، وكانت مجمع العلماء، ومعدن الفضلاء، استولى عليها المغول سنة ٦١٨ هـ، ونهبوها ثم صلح أمرها مرة أخرى، وتقوم مدينة نيسابور الحالية في الجانب الشرقي من سهل نصف دائري، تكتنفه الجبال، ويواجه المفازة في جنوبه. انظر: آثار البلاد وأخبار العباد ص ٩٣، ومعجم البلدان (٥/ ٣٣١).\n(^٣) جرجان: مدينة عظيمة مشهورة بقرب طبرستان، أول من نزلها جرجان بن أميم بن لاوذ بن سام فسميت به، وسار وبار بن أميم أخوه إلى جانب الدهناء مما يلي اليمامة فسميت به أرض وبار، ويسمى الجانب الشرقي منها (شهرستنان)، ويقال لها اليوم \" من كركان \" إلا أنها خربه إذا لم تقم لها قائمة بعد اكتساح المغول لها. انظر: الروض المعطار في أخبار الأقطار ص ١٦٠، وآثار البلاد ص ٣٤٨.\n(^٤) همذان: هي أكبر مدينة في منطقة الجبال، ينسب إليها جماعة من العلماء والأدباء منهم بديع الزمان الهمذاني، ومحمد بن عربشاه، ومحمد بن موسى أبو بكر الهمذاني، وفي سنة ٦١٧ هـ قوض المغول هذه المدينة وأحالوها أرضا يبابا. انظر: معجم البلدان (٥/ ٤١٠)، بلدان الخلافة الشرقية ص ٢٢٩.\n(^٥) قزوين: مدينة كبيرة مشهورة على نحو مائة ميل شمال غرب طهران، وهي في أسفل الجبال العظيمة، وقد كانت منذ القدم تحرس الدروب المخترقة إقليم طبرستان، وتؤدي بحر قزوين، وبناء تلك المدينة كان على وضع حسن فهما مدينتان أحدهما وسط الأخرى، وكانت الصغرى تسمى شهرستان، وتحيط بالمدينتين البساتين من جميع الجوانب، إلا إنه في مطلع المائة السابعة خرب المغول مدينة قزوين. انظر: آثار البلاد ص ٤٣٤، وبلدان الخلافة الشرقية ص ٢٥٣.\n(^٦) الري: مدينة تقع في الطرف الشمالي الشرقي من إقليم الجبال واسمها عند اليونان \" راكس \" وفي المائة الرابعة للهجرة خرب أكثرها، وتحول أهلها إلى طهران القريبة منها، ينسب إليها كثير من العلماء منهم الفخر الرازي وسليمان بن مهران الملقب بالأعمش من كبار التابعين وغيرهم. انظر: آثار البلاد ص ٣٧٥، بلدان الخلافة الشرقية ص ٢٤٩.","vol":"1","page":22},{"text":"الشافعية، وترك مذهب القدرية في الأصول إلى مذهب أصحاب الحديث ثم عاد بعد ذلك لمرو بعد ان غضبوا عليه أهل مرو لانتقاله لمذهب الشافعية، ثم سكنوا بعد ذلك. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>شيوخه:</span> (^٢)\nنظرا لهمته في طلب العلم فقد كثرت رحلاته ومن ثم كثروا شيوخه، ومن أبرزهم:\n- والده الإمام محمد بن عبد الجبار السمعاني ت ٤٥٠ هـ. (^٣)\n- أبو غانم الكراعي ت ٤٤٤ هـ. (^٤)\n- كريمة بنت أحمد المروزية ت ٤٦٣ هـ. (^٥)\n_________\n(^١) الأنساب (٧/ ١٣٨)، وسير أعلام النبلاء (١٩/ ١١٥)، وطبقات السبكي (٧/ ١٨١).\n(^٢) انظر الأنساب (٧/ ١٤٠)، وسير أعلام النبلاء (١٧/ ٦٠٧)، والمنتخب من السياق ص ١٠٧، ومعجم الأدباء (٣/ ٢٢٤)، والأعلام (١/ ١٦٣).\n(^٣) هو الإمام الورع النحوي أبو منصور محمد بن عبد الجبار بن أحمد السمعاني التميمي المروزي، أحكم العربية واللغة، وصنف فيها التصانيف المفيدة، وكان من أئمة المذهب الحنفي، ومنه تلقى ابنه أبو المظفر المذهب الحنفي، وبرع فيه، توفي ﵀ سنة ٤٥٠ هـ. انظر: الأنساب (٣/ ٢٩٨)، وسير أعلام النبلاء (١٩/ ١١٥).\n(^٤) هو الشيخ الجليل أحمد بن علي بن الحسين المروزي الكراعي، من أكبر شيوخ السمعاني، وتلقى عنه السمعاني الحديث في مرو قبل الثامنة عشر من عمره حيث توفي أبو غانم سنة ٤٤٤ هـ. انظر: الأنساب (٥/ ٤٣)، وسير أعلام النبلاء (١٧/ ٦٠٧).\n(^٥) هي كريمة بنت أحمد بن محمد بن حاتم المروزية، أم الكرام، المجاورة بمكة، كانت كاتبة فاضلة عالمة سمعت من محمد بن مكي الكشميهني، كانت بكرا ولم تتزوج، وطال عمرها، وعلا إسنادها، قال أبو بكر بن أبي المظفر السمعاني: \" سمعت الوالد يذكر كريمة ويقول: وهل رأى إنسان مثل كريمة \" توفيت سنة ٤٦٥ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٨/ ٢٣٣).","vol":"1","page":23},{"text":"- أبو إسحاق الشيرازي ت ٤٧٦ هـ. (^١)\n- أبو صالح المؤذن ت ٤٧٠ هـ. (^٢)\n- أبو القاسم الزنجاني ت ٤٧١ هـ. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>تلاميذه:</span> (^٤)\nنظرا لما بلغه أبو المظفر من العلم فقد كثر طلابه حتى بلغوا خلقا كثيرا، حتى قال الذهبي في السير عندما بين عدد طلابه الذين سمعو منه: \" وخلق كثير \" (^٥)\n_________\n(^١) هو جمال الدين ابراهيم بن علي بن يوسف الفيروزابادي الشيرازي الشافعي شيخ الإسلام، إمام، قدوة، مجتهد، علامة، مناظر، زاهد، عابد، كان إماما في الفقه والأصول والحديث والفنون الأخرى، قال الذهبي: \" وبحسن نيته في العلم اشتهرت مصنفاته في الدنيا \" توفي سنة ٤٧٦ هـ، وقد اجتمع به السمعاني ببغداد وأخذ عنه كما ذكر ابن كثير وغيره. انظر: سير أعلام النبلاء (١٨/ ٤٥٢).\n(^٢) أحمد بن عبد الملك بن علي النيسابوري، محدث خراسان، الإمام الحافظ، الزاهد، المسند، المفسر، المؤرخ، قال عبد الغافر الفارسي: هو نسيج وحده في طريقته وجمعه وإفادته، ما رأيت مثله في حفظ القرآن وجمع الأحاديث، وقال ابن كثير: \" كتب الكثير وجمع وصنف، وكتب عن ألف شيخ ألف حديث \" وله كتاب تاريخ المرو، توفي عام ٤٧٠ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٨/ ٤١٩)، والأعلام (١/ ١٦٣).\n(^٣) هو الإمام العلامة الحافظ القدوة العابد، شيخ الحرم أبو القاسم، سعد بن علي بن محمد بن علي بن الحسين الزنجاني الصوفي، من شيوخ السمعاني الذين تأثر بهم في حياته العلمية، من الذين كان لهم تأثير في انتقال السمعاني من مذهب الحنفية، والقدرية توفي سنة ٤٧١ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٨/ ٣٨٥)، الوافي بالوفيات (١٥/ ١١٢).\n(^٤) انظر: الأنساب (٧/ ٤٠)، وطبقات السبكي (٥/ ٣٣٦)، وسير أعلام النبلاء (٢٠/ ٨)، ووفيات الأعيان (٣/ ٢٢٥).\n(^٥) انظر: سير أعلام النبلاء (١٩/ ١١٥).","vol":"1","page":24},{"text":"ومن أشهرهم:\n- ابنه محمد ت ٥١٠ هـ. (^١)\n- أبو نصر الغازي ت ٥٣٢ هـ. (^٢)\n- أبو القاسم القايني ت ٥٤٧ هـ. (^٣)\n- محمد المروزي ت ٥٢٩ هـ. (^٤)\n- أبو الفتح الدبوسي ت ٥٣٢ هـ. (^٥)\n- ابن المؤذن ت ٥٣٢ هـ. (^٦)\n_________\n(^١) هو العلامة الحافظ الأوحد، عالم زمانه، ولد عام ٤٦٦ هـ، كان أبو المظفر يفتخر به، ويقول على رؤوس الأشهاد \" محمد ابني أعلم مني، وأفضل مني \"، قرأ في الفقه، وقرأ الأدب على جماعة وفاق أقرانه، وحظي من العربية والنحو وثمرتها نظما ونثرا بأعلى المراتب، سافر إلى العراق والحجاز، وأدرك الشيوخ والأسانيد العالية، وشرع في عدة مصنفات ما تمم شيء منها، توفي وقد جاوز الأربعين بقليل عام ٥١٠ هـ. انظر: الأنساب (٣/ ٣٠٠)، وسير أعلام النبلاء (١٩/ ٣٧١).\n(^٢) هو أحمد بن عمر بن محمد الأصبهاني الغازي، إمام، حافظ، متقن، ولد عام ٤٤٨ هـ، قال ابن السمعاني \" ثقة دين حافظ واسع الرواية كتب الكثير، وحصل الكتب، توفي سنة ٥٣٢ هـ. انظر: طبقات الشافعية الكبرى (٧/ ٢٨).\n(^٣) هو أبو القاسم الجنيد بن محمد بن علي بن أبي منصور الصوفي، من أهل قاين، نزل هراة واستوطنها إلى حين وفاته، كان فقيها فاضلا محدثا، تفقه على يدي أبي المظفر، وسمع منه الكثير، ورحل في طلب الحديث، وحصل الأصول والنسخ، وحدث بجميع ما سمع، قدم بغداد فأسمع فيها، توفي سنة ٥٤٧ هـ. انظر: الأنساب (٤/ ٤٣٧)، والوافي بالوفيات (٤/ ٥٦).\n(^٤) هو محمد بن أبي بكر بن محمد بن عبد الله، الطيان المروزي، الرمادي، قال ابن السمعاني في التحبير: \" فقيه فاضل، زاهد، حافظ للقرآن، كثير التلاوة، قرأ بالروايات، وكان من الأخيار الزاهدين والورعين \"، توفي سنة ٥٢٩ هـ. انظر: طبقات الشافعية (٧/ ٢٨).\n(^٥) هو ميمون بن عبد الله بن محمد بن بكر الدبوسي، أقام ببخارى مدة، ثم سكن مرو إلى حين وفاته، وكان فقيها صالحا، مشتغلا بما ينفعه، تاركا للفضول، تفقه على السمعاني وسمع منه الحديث، توفي سنة ٥٣٢ هـ. انظر: الأنساب (٥/ ٣٠٧).\n(^٦) هو أبو سعد إسماعيل بن أبي صالح أحمد بن عبد الملك المؤذن النيسابوري الشافعي ولد سنة ٤٥١ هـ، كان ذا رأي وعقل، برع في الفقه، وأخذ الفقه عن أبي المظفر، توفي سنة ٥٣٢ هـ. انظر: طبقات الشافعية (٧/ ٤٤)، وسير أعلام النبلاء (١٩/ ٦٢٦).","vol":"1","page":25},{"text":"- ابن فطيمة ت ٥٣٦ هـ. (^١)\n- ابن ماشاذه ت ٥٣٦ هـ. (^٢)\n- أبو سعد البغدادي ت ٥٤٠ هـ. (^٣)\n- أبو طاهر السنجي ت ٥٤٨ هـ. (^٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>مذهبه الفقهي:</span>\nكان السمعاني في أول حياته على المذهب الحنفي، وكان فقيهًا متمكنًا حتى برع في مذهب أبي حنيفة في الفقه وفاق أقرانه، وصار من فحول النظر، ووصف بأنه فقيه خراسان، ولم يجاوز السادسة والثلاثين من عمره، ثم درس على أئمة الشافعية بمكة، فانتقل إلى الشافعية لعدة أسباب (^٥)، وعاد إلى مرو فأصبحت فتنة بسبب ذلك فرحل حتى خمدت الفتنة ثم عاد إليهم على ما هو عليه. (^٦)\n_________\n(^١) هو أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن علي بن الحسين بن فطيمة البيهقي، الشافعي، كان شيخا فاضلا، حسن السيرة، جليل القدر، تفقه على أبي المظفر بمرو، توفي سنة ٥٣٦ هـ. انظر: طبقات الشافعية (٧/ ٧٣)، وسير أعلام النبلاء (٢٠/ ٦٠).\n(^٢) هو أبو منصور محمود بن أحمد بن عبد المنع بن ماشاذه، الأصبهاني الشافعي، المفتي العلامة الكبير، إماما زاهدا، صنف كتابا في الدين، ومناقب الدولة العباسية، توفي سنة ٥٣٦ هـ. انظر: الأنساب (٢/ ١٠٧).\n(^٣) هو أحمد بن محمد بن أحمد البغدادي الأصل الأصبهاني، الشيخ الإمام، ولد سنة ٤٦٣ هـ، كان حافظا كبيرا، تام المعرفة، صحيح العقيدة، إماما زاهدا في الحديث، توفي سنة ٥٤٠ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (٢٠/ ١١٩).\n(^٤) هو محمد بن أبي بكر بن محمد بن عبد الله المروزي السنجي، الشافعي المؤذن الخطيب، ولد بقرية سنج في سنة ٤٦٣ هـ، تفقه على أبي المظفر السمعاني، وسمع منه الحديث، وكان من أخص أصحابه، توفي سنة ٥٤٨ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (٢٠/ ٢٤٨).\n(^٥) من الأسباب التي جعلت الإمام أبا المظفر السمعاني يترك مذهبه الحنفي:\nأولًا: أن الغالب على أهل مرو هو مذهب القدرية، حيث يتبعون في الفروع مذهب أبي حنيفة، وفي الأصول مذهب القدرية، وهي عقيدة مخالفة للكتاب والسنة، وعقيدة السلف الصالح.\nثانيًا: غلبة الرأي على مذهب الأحناف، ولذلك سموا أهل الرأي.\nثالثًا: أن عددًا من أبرز شيوخه كانوا من علماء الشافعية، كأبي إسحاق الشيرازي، وأبي قاسم الزنجاني، فتأثر بهم.\nرابعًا: فهمه لبعض الأحاديث الواردة في الحث على الانتصار لإمام قرشي فاختار الشافعي.\nانظر: الأنساب (٧/ ٣٨)، وطبقات السبكي (٥/ ٣٤٠ - ٣٤٤).\n(^٦) انظر: طبقات السبكي (٥/ ٣٤٤)، تاريخ الإسلام حوادث ووفيات ص ٣٢٢.","vol":"1","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>مذهبه العقدي:</span>\nنشأ أبو المظفر أول حياته على معتقد أهل مرو على ما كانوا عليه من أصولهم القدرية، لكن بعد أن تتلمذ على أئمة الشافعية أثناء رحلاته وطلبه للعلم، انتقل إلى مذهب أهل السنة والجماعة، فأصبح يذب ويذود عنهم، وينتصر لهم، طاعنا في معتقد من خالف أهل السنة والجماعة من أصحاب الفرق، والأهواء المبتدعة، حتى قال عنه الذهبي \" تعصب لأهل الحديث والسنة والجماعة، وكان شوكا في أعين المخالفين، وحجة لأهل السنة \". (^١) يشهد بذلك ما ألفه ﵀ من المصنفات لنصرة أهل السنة والدفاع عنهم والتي ستذكر لاحقا، وأيضا ما قد وجدته أثناء بحثي من استنباطاته ﵀ في بعض المسائل العقدية، وردوده القاطعة على أصحاب المعتقدات الفاسدة، خصوصا القدرية والمعتزلة. (^٢)\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء (١٩/ ١١٦).\n(^٢) انظر طبقات السبكي (٥/ ٣٤١).","vol":"1","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>آثاره ومؤلفاته:</span> (^١)\nتنوعت مؤلفات السمعاني في جميع علوم الشريعة من التفسير، والحديث، والأصول، والفقه، وغيرها، وذلك لغزارة علمه، وثمرة همته، ومن أشهرها:\n- تفسير القرآن العظيم.\n- الأحاديث الألف الحسان.\n- الأمالي في الحديث.\n- الانتصار لأصحاب الحديث.\n- منهاج أهل السنة.\n- الرد على القدرية.\n- قواطع الأدلة في أصول الفقه.\n- الأوسط في الفقه.\n- المختصر (الاصطلام).\n- البرهان في الفقه.\n- الطبقات.\n- معجم الشيوخ.\n- الرسالة القوامية.\n_________\n(^١) انظر: الأنساب (٧/ ١٢٩ - ١٤٠)، وسير أعلام النبلاء (١٩/ ١١٦)، ووفيات الأعيان (٣/ ٢١١)، وهدية العارفين (٢/ ٤٧٣).","vol":"1","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>وفاته:</span>\nوافت أبا المظفر المنية يوم الجمعة الثالث والعشرين، من شهر ربيع الأول سنة تسع وثمانين وأربعمائة للهجرة، وعمره آنذاك ثلاث وستون سنة، في مدينة مرو، قضاها ﵀ في طاعة لله، وطلب علم لنيل رضاه، وتعليم لخدمة هذا الدين وتدريس، ومدارسة، ودفن في إحدى مقابر مرو، فأسكنه الله فسيح جناته، وأسبغ عليه من عظيم فضله. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>التعريف بكتابه تفسير القرآن العظيم:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>قيمة تفسيره:</span>\nيعد تفسير أبي المظفر السمعاني من أنفس وأعظم تفاسير السلف، ولم يكن ذلك التفسير بتلك المنزلة إلا لتضلع مؤلفه ﵀ من العلم حتى أنزل ما قد علمه وتعلمه على تفسيره ومؤلفاته عموما، فكان تفسيره مأثورا يفسر فيه كلام الله بالقرآن والسنة وأقوال الصحابة والتابعين، مثبتًا فيه عقيدة أهل السنة والجماعة، ومدافعا عنها بإبطال ما خالفها، صابغا عليه بصبغة ما يخدم الآية لتبيين المعاني من ذكر القراءات، وأسباب النزول، مستشهدا باللغة وكلام العرب عند تفسيره لبعض الآيات، وإن كان يذكر الإسرائيليات أحيانا في تفسيره، حاويا هذا التفسير العديد من المسائل الفقهية والقضايا الأصولية، والجوانب التربوية والسلوكية، وغير ذلك.\nمع أمانة مؤلفه عند عزو الأقوال إلى من سبقه عليها سواء أكان ذلك العزو مجملا أو معينا لصاحبه.\n_________\n(^١) انظر: الأنساب (٧/ ١٤٠)، ووفيات الأعيان (٣/ ٢١١)، والعبر (٢/ ٣٦١).","vol":"1","page":29},{"text":"وقد طبع هذا الكتاب مرتين: الطبعة الأولى: طبعة دار الوطن (٦ مجلدات) ١٤١٨ هـ، تحقيق: أبي تميم ياسر بن إبراهيم، وغنيم بن عباس، وهذه الطبعة التي جرت عليها الدراسة.\nالطبعة الثانية: طبعة دار الكتب العلمية، (٤) مجلدات)، بيروت، ٢٠١٠ م، تحقيق: مصطفى عبدالقادر عطا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>موارده في تفسيره:</span>\nيغلب على السمعاني أنه إذا عزا معلوماته فإنه يعزوها إلى العلماء لا إلى كتبهم وسأكتفي بأكثر من نقل عنهم، وأشار لهم في أكثر موارده:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>كتب التفسير:</span>\n- الزجاج صاحب كتاب معاني القرآن وإعرابه.\n- الفراء صاحب كتاب معاني القرآن.\n- أبو عبيدة معمر بن المثنى صاحب كتاب مجاز القرآن.\nالقراءات\n- أفاد من جميع القراءات الأربعة عشر.\n- أفاد من بعض قراءات الصحابة، والتابعين.\nكتب اللغة\n- أصحاب كتب التفاسير والمعاني، وهم الزجاج، والفراء، وأبوعبيدة.\n- الكسائي، إمام نحاة الكوفة، وهو صاحب كتاب «النحو» و«المصادر» و«الحروف».","vol":"1","page":30},{"text":"- الخليل الفراهيدي، صاحب كتاب العين، ومعاني الحروف.\n- ثعلب، إمام الكوفيين في النحو واللغة، صاحب كتب المجالس، والفصيح، والشواذ.\n- سيبويه، إمام نحاة البصرة، صاحب \" الكتاب \" في النحو.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>ما قيل في تفسيره:</span>\nلما كان هذا التفسير بتلك المنزلة أثنى عليه جملة من العلماء لكون هذا التفسير قد بلغ مبلغا عظيما.\nقال عنه حفيده أبو سعد السمعاني صاحب الأنساب: \" صنف التفسير الحسن المليح الذي استحسنه كل من طالعه \". (^١)\nوقال عنه ابن خلكان: \" له تفسير القرآن العزيز وهو كتاب نفيس \". (^٢)\nووصفه ابن عماد الحنبلي في شذرات الذهب بأنه تفسير جيد حسن. (^٣)\n_________\n(^١) الأنساب (٧/ ١٣٩).\n(^٢) وفيات الأعيان (٣/ ٢١١).\n(^٣) شذرات الذهب (٣/ ٣٩٣).","vol":"1","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>الباب الأول:\nمنهج السمعاني في الاستنباط:</span>\nوفيه أربعة فصول:\nالفصل الأول: الاستنباط باعتبار الموضوع.\nالفصل الثاني: الاستنباط باعتبار ظهور المعنى وخفائه وباعتبار الإفراد والتركيب.\nالفصل الثالث: دلالات وطرق الاستنباط عند أبي المظفر السمعاني في تفسيره.\nالفصل الرابع: أساليب الاستنباط عند أبي المظفر السمعاني في تفسيره، ومميزاته.","vol":"1","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>الفصل الأول:\nالاستنباط باعتبار الموضوع</span>.\nوفيه خمسة مباحث:\nالمبحث الأول: الاستنباطات في علوم القرآن.\nالمبحث الثاني: الاستنباطات العقدية.\nالمبحث الثالث: الاستنباطات الأصولية.\nالمبحث الرابع: الاستنباطات الفقهية.\nالمبحث الخامس: الاستنباطات التربوية السلوكية.","vol":"1","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>المبحث الأول: الاستنباطات في علوم القرآن</span>.\nاستنبط السمعاني ﵀ عدة استنباطات فيما يتعلق بعلوم القرآن، ولقد كانت متنوعةً في علومها ومتفاوتة فيما بينها في عددها ومن جملة تلك العلوم:\n\n• الاستنباطات المتعلقة بأسلوب القرآن الكريم وبلاغته:\nأسرار التقديم والتأخير في القرآن ومن الأمثلة على ذلك:\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" وقدّم العبادة على الاستعانة لأنه يلزم من يجعل الاستطاعة قبل الفعل، ونحن بحمد الله نجعل الاستعانة والتوفيق مع الفعل، سواء قرنه به أم أخره جاز \". (^١)\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة ٣٨].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" بدأ في حد السرقة بالرجل، لأن القوة والجراءة في الرجال أكثر، والسرقة نتيجة القوة والجراءة \". (^٢)\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور ٢].\n_________\n(^١) انظر: تفسير السمعاني (١/ ٣٧)، والاستنباط رقم (٢).\n(^٢) انظر: تفسير السمعاني (٣/ ٤٩٨)، والاستنباط رقم (٤٢).","vol":"1","page":34},{"text":"قال السمعاني - ﵀ -: \" إنما بدأ بالمرأة، لأنّ رقة القلب عليهن أكثر، فبدأ بهنّ لئلا يترك إقامة الحد عليها، ويكون أمرها لهم، ومنهم من قال: لأن الشهوة فيهن أكثر، والزنا نتيجة الشهوة وهذا قول حسن \". (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>فوائد التكرار في القرآن الكريم وأسراره:</span>\nذكر السمعاني من جملة استنباطاته فيما يتعلق بعلوم القرآن معاني التكرار لبعض الألفاظ أو لبعض الآيات، ومن الأمثلة على ذلك:\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة ٥].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" وأما قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ إنما كرَّره - أي لفظ إياك - لأنه لو اقتصر على قوله: إياك نعبد ونستعين، ليعلم أنه المعبود، وأنه المستعان، وعلى أن العرب قد تتكلم بمثل هذا، ولا يعد ذلك عيبا في الكلام؛ بل عد تفخيما وتجزيلا في الكلام \". (^٢)\nما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة ١٤١].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يعني: أنكم غير مسؤولين عن أعمالهم بل هم المسئولون. فإن قيل: هذا\n_________\n(^١) انظر: تفسير السمعاني (٣/ ٤٩٨)، والاستنباط رقم (٨٦).\n(^٢) انظر: تفسير السمعاني (١/ ٣٧)، والاستنباط رقم (٤).","vol":"1","page":35},{"text":"تكرار؛ فإنه قد ذكره مرة. قلنا: أما الأول: كان في الأنبياء الذين سبق ذكرهم. وهذا الثاني: في اليهود والنصارى الذي سبق ذكرهم، أو كرَّره تأكيدًا \". (^١)\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف ١٤٢].\n- قال السمعاني - ﵀ -: \" فإن قيل: ذكر الثلاثين والعشر يغني عن ذكر الأربعين، فما معنى هذا التكرار؟ قيل: فائدة قوله: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ قطع الأوهام عن الزيادة، لأنه لما وقت الثلاثين أولًا، ثم زاد عليه عشرا، ربما يقع في الأوهام زيادة أخرى، فذكره لقطع الأوهام عن الزيادة \". (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>أسرار مناسبات الألفاظ:</span>\nوهذا النوع المستنبط من جملة علوم القرآن نجده كثيرا عند السمعاني، والأمثلة على ذلك كثيرة ومنها:\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" وخصَّ يوم الدين بالذكر، والله تعالى مالك الأيام كلها لأن الأمر في القيامة يخلص له، كما قال: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾. وأما في الدنيا للملوك أمر، وللمسلمين أمر، وللأنبياء أمر \". (^٣)\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام ١].\n- قال السمعاني - ﵀ -: \" وقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾\n_________\n(^١) انظر: تفسير السمعاني (١/ ١٤٨)، والاستنباط رقم (١٣).\n(^٢) انظر: تفسير السمعاني (٢/ ٢١١)، والاستنباط رقم (٥٢).\n(^٣) انظر: تفسير السمعاني (١/ ٣٧)، والاستنباط رقم (١).","vol":"1","page":36},{"text":"إنما خصهما بالذكر، لأنهما أعظم المخلوقات فيما يرى العباد، ولأن فيهما العبر والمنافع للعباد\". (^١)\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ [النحل ٨١].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" فإن قيل: كيف ذكر هذه النعم من الجبال والظلال والسرابيل والقمص والأوبار والأصواف، ولله تعالى نعم كثيرة فوق هذا لم يذكرها؟ فما معنى تخصيص هذه النعم وترك ما فوقها؟ والجواب عنه: أن العرب كانوا أصحاب أنعام، وكانوا أهل جبال، وكانت بلادهم حارة، فذكر من النعم ما يليق بحالهم، وكانت هذه النعم عندهم فوق كل نعمة، فخصها بالذكر لهذا المعنى \". (^٢)\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء ٦٧].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ﴾ أي: الشدة في البحر، وإنما خص البحر بالذكر، لأن اليأس عند وقوع الشدة فيه أغلب \". (^٣)\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم ١٥].\n_________\n(^١) انظر: تفسير السمعاني (٢/ ٨٦)، والاستنباط رقم (٤٤).\n(^٢) انظر: تفسير السمعاني (٣/ ١٩٣)، والاستنباط رقم (٧٦).\n(^٣) انظر: تفسير السمعاني (٣/ ٢٦١)، والاستنباط رقم (٧٨).","vol":"1","page":37},{"text":"قال السمعاني - ﵀ -: \" ... خص هذه الأحوال بهذه الأشياء، لأن هذه الأحوال أوحش شيء فإنه عند الولادة يخرج من بطن الأم على وحشة شديدة، ويموت على وحشة شديدة، ويبعث على وحشة شديدة (^١) \".\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة ٤].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" وقوله: ﴿عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ أي: على تسوية بنانه، وهي أطراف الأصابع، وفيها عظام صغار، وخصها بالذكر، لأنه تعالى إذا قدر على جمع العظام الصغار فعلى الكبار أقدر على جمعها وإحيائها \". (^٢)\nوالأمثلة في مناسبات الألفاظ كثيرة، ولكن لتجنب الإطالة اكتفيت بذكر هذه النماذج من باب التوضيح.\n\n• استنباط خصائص القرآن ومنها فضائل بعض السور:\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر ٨٧].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" وأما قوله: ﴿وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ المراد منه سائر القرآن سوى الفاتحة، وفي هذا شرف عظيم للفاتحة، لأنه خصها بالذكر والإمتنان عليه بها، ثم ذكر سائر القرآن \" (^٣).\n_________\n(^١) انظر: تفسير السمعاني (٣/ ٢٨٢)، والاستنباط رقم (٨٠).\n(^٢) انظر: تفسير السمعاني (٦/ ١٠٢)، والاستنباط رقم (١١٣).\n(^٣) انظر: تفسير السمعاني (٣/ ١٥٠)، والاستنباط رقم (٧٤).","vol":"1","page":38},{"text":"• استنباط جواز وقوع النسخ في القرآن:\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ١٠٦].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" والنسخ جائز في الجملة باتفاق الأمة. ونسخ القرآن على وجوه ..... \". (^١)\nثم ذكر السمعاني - ﵀ - جميع أنواع النسخ، مستنبطا هذه الأنواع من جملة ما نسخ من القرآن.\n_________\n(^١) انظر: تفسير السمعاني (١/ ١٢١)، والاستنباط رقم (١٢).","vol":"1","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>المبحث الثاني: الاستنباطات العقدية</span>.\nلا يخفى أن عقيدة المفسر من أهم الأمور التي يجب أن يطلع عليها، خشية أن ينزل كل مفسر الآيات على ما يوافق مذهبه، ولقد كان أبو المظفر السمعاني في بداية نشأته على مذهب القدرية في الاعتقاد، فرجع إلى جادة الصواب، فانتقل إلى مذهب أهل السنة والجماعة، حتى أصبح إماما فيهم، فانتصر لهم، وذب وذاد عنهم، فأصبح سلفي المعتقد، رائده الدليل، وقدوته رسول الله ﷺ وصحبه الكرام، وسلف الأمة، حتى قال عنه الذهبي \" تعصب لأهل الحديث والسنة والجماعة، وكان شوكا في أعين المخالفين، وحجة لأهل السنة \". (^١)\nوبذلك كانت استنباطاته العقدية، تتمحور في جميع أمور العقيدة مابين إثبات لأسماء الله الحسنى وصفاته، ووعده ووعيده، ومابين مناقشة لأهل الفرق والضلال على تبيين باطلهم وضلالهم كون سلاح هذه الطوائف التأويل المذموم، والقياس الفاسد، ناهجةً تلك الاستنباطات مسلكين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>المسلك الأول: استنباطات فيها تقرير مباشر لمسائل العقيدة عند أهل السنة والجماعة:</span>\nومن الأمثلة على ذلك:\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة ١٧٨].\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء (١٩/ ١١٦).","vol":"1","page":40},{"text":"قال السمعاني - ﵀ -: \" وظاهره يقتضي أن أخوة الدين لا تنقطع بين القاتل والمقتول، حيث قال: من أخيه، وهو الذي نقول به \". (^١)\n- قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران ١٥٤].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" ومعنى قوله: ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ أي: خرج الذين كتب عليهم القتال إلى مصارعهم للموت، وفي هذا دليل على أن الأجل في القتل والموت واحد، كما قال أهل السنة \". (^٢)\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾ [النساء ١٦٨].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ في هذا إشارة إلى أن الله - تعالى - لو غفر للكافرين أجمع، كان يسع ذلك رحمته، لكنه قطع القول بأن لا يغفر لهم\". (^٣)\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ [يوسف ٩].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" وقوله: ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ يعني: توبوا بعد أن فعلتم هذا، ودوموا على الصلاح يعف الله عنكم. واستدل أهل\n_________\n(^١) انظر: تفسير السمعاني (١/ ١٧٤)، والاستنباط رقم (١٥).\n(^٢) تفسير السمعاني (١/ ٣٦٩)، والاستنباط رقم (٣٠).\n(^٣) انظر: تفسير السمعاني (١/ ٥٠٤)، والاستنباط رقم (٤١).","vol":"1","page":41},{"text":"السنة بهذه الآية على أن توبة القاتل عمدا مقبولة، فإن الله تعالى ذكر عزم القتل منهم وذكر التوبة ولم ينكر عليهم التوبة بعد القتل، دل أنها مقبولة \". (^١)\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين ١٥].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ في الآية دليل على أن المؤمنين يرون الله تعالى \". (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>المسلك الآخر: وفيه الرد على الطوائف الضالة بنصوص القرآن المبطلة لاعتقاداتهم الفاسدة:</span>\nومن الأمثلة على ذلك:\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة ٨].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ نفي الإيمان عنهم؛ حيث أظهروا الإسلام باللسان ولم يعتقدوا بالجنان، وهذا دليل على من يخرج الاعتقاد من جملة الإيمان \". (^٣)\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ٢٤].\n_________\n(^١) انظر: تفسير السمعاني (٣/ ١٠)، والاستنباط رقم (٦٧).\n(^٢) انظر: تفسير السمعاني (٦/ ١٨١)، والاستنباط رقم (١١٤).\n(^٣) انظر: تفسير السمعاني (١/ ٤٧)، والاستنباط رقم (٧).","vol":"1","page":42},{"text":"قال السمعاني - ﵀ -: \" وهذا دليل على أن النار مخلوقة، لا كما قال أهل البدعة \". (^١)\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود ٧٣].\nقال السمعاني - ﵀ -: وقوله: ﴿عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ هذا دليل على أن الأزواج يجوز أن يسمين أهل البيت، وزعمت الشيعة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ أن الأزواج لا يدخلن في هذا. وهذه الآية دليل على أنهن يدخلن فيها \". (^٢)\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم ١٥].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" وفي الآية دليل على أن الجنة في السماء وأنها مخلوقة، ومن زعم أنها غير مخلوقة فهو كافر بهذه الآية \". (^٣)\n_________\n(^١) انظر: تفسير السمعاني (١/ ٥٩)، والاستنباط رقم (٩).\n(^٢) انظر: تفسير السمعاني (٢/ ٤٤٤)، والاستنباط رقم (٦٥).\n(^٣) انظر: تفسير السمعاني (٥/ ٢٩١)، والاستنباط رقم (١٠٧).","vol":"1","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>المبحث الثالث: الاستنباطات الأصولية</span>.\nفإنه بالرغم من كون الإمام السمعاني من علماء الأصول، وله في هذا الفن كتابه المشهور: \" قواطع الأدلة في أصول الفقه \" والذي يقع في خمسة مجلدات مع التحقيق، وقد وصفه الإمام السبكي (^١) بقوله: \" ولا أعرف في أصول الفقه أحسن من كتاب القواطع ولا أجمع \". (^٢) كما وصف هذا الكتاب حفيده أبو سعد السمعاني بأنه يغني عما ألف في هذا الفن (^٣)، غير أن تقرير أبي المظفر عند استنباطه للمسائل الأصولية تجده قليلا في تفسيره، وغالب حديثه عن الأصول إنما هو إشارات في عبارات موجزة عند بعض الآيات، بأن هذه الآية تدل على مسألة كذا، أو أن هذه لا دليل فيها على من استدل بها في تلك المسألة.\nوربما تعرض لشرح بعض المسائل الأصولية بشكل أطول، لكن هذا قليل جدا في تفسيره.\nوعند التأمل في مكانة السمعاني الجيدة في علم الأصول، مع قلة حديثه عن الأصول في تفسيره، يتبين بوضوح أن هذا الإمام يسير في تفسيره وفق منهج مدروس، اختاره عن قناعة ودراية لا عن ضعف وعجز، وذلك أن يقتصر في التفسير على ما يتعلق بالآيات تعلقا مباشرا، وأن لا يكون التفسير مسرحا لاستعراض القدرات العلمية، وملء صفحاته بما يجيد مؤلفه من الفنون سواء\n_________\n(^١) هو تاج الدين عبدالوهاب بن علي بن عبدالكافي السبكي، ولد في القاهرة، وانتقل إلى دمشق مع والده، فسكنها وتوفي بها، قال عنه ابن كثير: جرى عليه من المحسن والشدائد ما لم يجر على غيره، من تصانيفه: طبقات الشافعية الكبرى، ومعيد النعم ومبيد النقم، وجمع الجوامع، توفي سنة ٧٧١ هـ.\n(^٢) طبقات السبكي (٥/ ٣٤٣).\n(^٣) انظر: الأنساب (٧/ ١٣٩).","vol":"1","page":44},{"text":"أكان ذلك مما له علاقة بالتفسير أم لا، وقد كانت إشاراته عابرة وينسب في بعضها إلى من سبقه من أهل الأصول، وذلك من حسن أدبه، وأمانته العلمية.\nومن الأمثلة على ذلك:\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ٢٨٦].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" في هذا دليل على أن الله تعالى يجوز أن يحمل العباد ما لا يطيقونه\". (^١)\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء ١١٥].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" واستدل بهذه الآية على أن الإجماع حجة \". (^٢)\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة ١٢٢].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" واستدل أهل الأصول بهذه على وجوب قبول خبر الواحد \". (^٣)\n_________\n(^١) انظر: تفسير السمعاني (١/ ٢٨٩)، والاستنباط رقم (٢٧).\n(^٢) انظر: تفسير السمعاني (١/ ٤٧٩)، والاستنباط رقم (٣٧).\n(^٣) انظر: تفسير السمعاني (٢/ ٣٦٠)، والاستنباط رقم (٦٠).","vol":"1","page":45},{"text":"- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف ٢٣].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" وفي الآية دليل على ذم التقليد والرجوع إلى قول الآباء من غير حجة \". (^١)\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر ٢].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" وقد استدل بهذه الآية على جواز القياس في الأحكام، لأن القياس نوع اعتبار، إذ هو تعبير شيء بمثله، بمعنى جامع بينهما، ليتفقا في حكم الشرع\". (^٢)\n_________\n(^١) انظر: تفسير السمعاني (٥/ ٩٨)، والاستنباط رقم (١٠٣).\n(^٢) انظر: تفسير السمعاني (٥/ ٣٩٧)، والاستنباط رقم (١٠٨).","vol":"1","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>المبحث الرابع: الاستنباطات الفقهية</span>.\nتعد الاستنباطات الفقهية من أكثر المواضيع التي تطرق إليها السمعاني في تفسيره وما كان ذلك إلا لدرايته ﵀ بأن المسائل الفقهية هي أصل الاستنباط لأنها مرتبطة بأصول وقواعد فقهية ليس لكل أحد أن يستخرجها من نصوص القرآن أو السنة، قال السمعاني: \" والفقه هو استنباط حكم المشكل من الواضح يقال فلان يتفقه إذا استنبط علم الأحكام وتتبعها من طريق الاستدلال، قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾، والدليل على أن التفقه أصل الاستنباط والاستدلال على الشيء بغيره حديث زياد بن لبيد (^١) قال: ذكر رسول الله ﷺ شيئا وقال: \" ذلك أوان ذهاب العلم \" قلت: كيف يذهب العلم وكتاب الله عندنا نقرأه ونقرأه أبنائنا فقال (ثكلتك أمك يا زياد إن كنت لأراك من فقهاء المدينة أو من افقه رجل بالمدينة أو ليس اليهود والنصارى يقرؤون التوراة والإنجيل ولا يعلمون بشيء مما فيهما) (^٢) فدل قوله (إن كنت أعدك من فقهاء المدينة) على أنه لما لم يستنبط علم ما أشكل عليه من ذهاب العلم مع بقاء الكتاب بما شاهده من زوال العلم عن اليهود والنصارى مع بقاء التوراة والإنجيل عندهم حرج عن الفقه فهذا يدل على ما ذكرناه من أن الفقه هو استنباط حكم المشكل من الواضح وعلى هذا قوله ﷺ (رب حامل فقه غير فقيه) (^٣) أي غير مستنبط ومعناه انه يحمل الرواية من غير أن يكون له استدلال ولا استنباط فيها \". (^٤)\n_________\n(^١) هو زياد بن لبيد بن ثعلبة بن سنان بن عامر الأنصاري، يكنى أبا عبدالله، شهد العقبة وبدرًا والخندق والمشاهد كلها، وأقام مع رسول الله - ﷺ - بمكة وحتى هاجر إلى المدينة، استعمله رسول الله - ﷺ - على حضرموت، توفي ﵁ سنة ٦٨ هـ. انظر: الاستيعاب (٢/ ٥١٣)، والإصابة في تمييز الصحابة (٢/ ٥٨٦).\n(^٢) المستدرك على الصحيحين للحاكم، كتاب العلم، حديث (٣٣٩) (١/ ١٨٠)، حديث صحيح على شرط الشيخين. قال الألباني: حديث صحيح. انظر: مشكاة المصابيح، تحقيق الألباني (١/ ٥٩).\n(^٣) المستدرك على الصحيحين، كتاب العلم، حديث (٢٩٤) (١/ ١٦٢)، حديث صحيح على شرط الشيخين.\n(^٤) قواطع الأدلة (١/ ٢١).","vol":"1","page":47},{"text":"ومما يؤيد أن السمعاني فاعل لما يخبر به ويحض عليه كونه ﵀ فقيها وله من المؤلفات في هذا الفن ما قد جمع مئات المسائل الفقهية فيها، حتى أنه قال حفيده أبو سعد عن كتابه (البرهان في الفقه): «وصنف في الخلاف البرهان، وهو مشتمل على قريب من ألف مسألة خلافية» (^١).\nوقال عن كتابه «المختصر» والموسوم بالاصطلام: وصنف المختصر الذي سار في الآفاق والأقطار الملقب بالاصطلام (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>ومن الأمثلة على الاستنباطات الفقهية:</span>\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة ١٧٣].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" ومعنى قوله تعالى: ﴿وَلَا عَادٍ﴾ ولا متعد، عاص في سفره. ففي هذا دليل على أن العاصي في سفره لا يترخص بأكل الميتة \". (^٣)\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة ١٩٦].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" ثم اعلم أن العمرة واجبة، وهو قول ابن عمر، وعند أبي حنيفة ﵁ سنة، وهو مروي عن جابر. والدليل على\n_________\n(^١) الأنساب (٧/ ١٣٩).\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) انظر: تفسير السمعاني (١/ ١٦٩)، والاستنباط رقم (١٤).","vol":"1","page":48},{"text":"وجوبها: ظاهر الآية، وهو قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وظاهر الأمر للوجوب \". (^١)\nما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة ٢٢٣].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" واعلم أن الآية لا تدل على إباحة إتيان النساء في غير المأتي؛ لأنه قال: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ فخص الإتيان بموضع الحرث، وهو القبل\". (^٢)\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة ٢٣٦].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" هذه الآية في المطلقة قبل الفرض والمسيس، وفي الآية دليل على جواز إخلاء النكاح عن تسمية المهر \". (^٣)\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف ٧٩].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" وفيه دليل على أن المسكين وإن كان يملك شيئا فلا يزول عنه اسم المسكنة إذ لم يقم ما يملك بكفايته \". (^٤)\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ\n_________\n(^١) انظر: تفسير السمعاني (١/ ١٩٦)، والاستنباط رقم (١٩).\n(^٢) انظر: تفسير السمعاني (١/ ٢٢٦)، والاستنباط رقم (٢٢).\n(^٣) انظر: تفسير السمعاني (١/ ٢٤١)، والاستنباط رقم (٢٣).\n(^٤) انظر: تفسير السمعاني (٣/ ٢٧٠)، والاستنباط رقم (٧٩).","vol":"1","page":49},{"text":"يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [النور ٤٨ - ٥٠].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" والآية تدل على أن القاضي إذا دعا إنسان ليحكم بينه وبين خصمه، وجبت عليه الإجابة \". (^١)\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل ١٨].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" وقوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ وفي الآية دليل على أن النمل يكره قتلها\". (^٢)\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب ٤٩].\nقال السمعاني - ﵀ -: في الآية دليل على أن الطلاق لا يجوز قبل النكاح، لأنه رتب الطلاق على النكاح فدل على أنه لا يتقدمه. (^٣)\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة ١١].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" وقوله: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ لأنه كان يخطب، وفيه دليل على أن السنة أن يخطب قائما \". (^٤)\n_________\n(^١) انظر: تفسير السمعاني (٣/ ٥٤٨)، والاستنباط رقم (٨٧).\n(^٢) انظر: تفسير السمعاني (٤/ ٨٦)، والاستنباط رقم (٩١).\n(^٣) انظر: تفسير السمعاني (٤/ ٢٩٤)، والاستنباط رقم (٩٧).\n(^٤) انظر: تفسير السمعاني (٥/ ٤٣٦)، والاستنباط رقم (١١٢).","vol":"1","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>المبحث الخامس: الاستنباطات التربوية السلوكية</span>.\nلم يخل تفسير السمعاني ﵀ من الاستنباطات التربوية والسلوكية، وذلك إن دل فإنما يدل على نبع جانب التربية والسلوك عند أبي المظفر واهتمامه بها.\nومن الأمثله على ذلك:\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام ٤٥].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" وقوله تعالى: ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ حمد الله نفسه على إهلاكهم واستئصالهم، وفيه تعليمنا الحمد لله على هلاك الكفار \". (^١)\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود ٦٩].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" فهذا دليل على أن الضيف ينبغي أن يعجل له بشيء يأكله، وهو سنة إبراهيم صلوات الله عليه \". (^٢)\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود ٨٨].\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [ابراهيم ١٢].\n_________\n(^١) انظر: تفسير السمعاني (٢/ ١٠٤)، والاستنباط رقم (٤٦).\n(^٢) انظر: تفسير السمعاني (٢/ ٤٤٢)، والاستنباط رقم (٦٤).","vol":"1","page":51},{"text":"قال السمعاني - ﵀ -: \"وقوله: ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا﴾ والآية تعليم المؤمنين وإرشادهم إلى الصبر على أذى مخالفي الحق \". (^١)\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء ٨٠].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ﴾ هو استعمال أدب، وإلا فالممرض والشافي هو الله تعالى بإجماع أهل الدين \". (^٢)\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل ٢٧].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" قوله تعالى: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فيه دليل على أن الملوك يجب عليهم التثبت فيما يخبرون به \". (^٣)\n_________\n(^١) انظر: تفسير السمعاني (٣/ ١٠٨)، والاستنباط رقم (٧٣).\n(^٢) انظر: تفسير السمعاني (٤/ ٥٣)، والاستنباط رقم (٨٩).\n(^٣) انظر: تفسير السمعاني (٤/ ٩١)، والاستنباط رقم (٩٢).","vol":"1","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>الفصل الثاني:\nالاستنباط باعتبار ظهور المعنى وخفائه وباعتبار الإفراد والتركيب</span>.\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: الاستنباط باعتبار ظهور النص المستنبط، وخفائه.\nالمبحث الثاني: الاستنباط باعتبار الإفراد والتركيب.","vol":"1","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>المبحث الأول:\nالاستنباط باعتبار ظهور النص المستنبط، وخفائه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>الاستنباط من النصوص ظاهرة المعنى</span>.\nوالمراد من النصوص الظاهرة المعنى: هي النصوص التي تكون بينة بنفسها، ولا تحتاج إلى بيان وتوضيح، بمعنى أنه يفهمها التالي العربي دون حاجة إلى تفسير (^١)، ولقد كان هذا النوع من الاستنباط عند السمعاني أكثر من الخفي، ومن الأمثلة على ذلك:\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة ٨].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ نفى الإيمان عنهم، حيث أظهروا الإسلام باللسان ولم يعتقدوا بالجنان، وهذا دليل على من يخرج الاعتقاد من جملة الإيمان \". (^٢)\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ٢٤].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" وهذا دليل على أنها مخلوقة للكافرين، وإن دخلها بعض المؤمنين تأديبا وتعريكا \". (^٣)\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر ٨٧].\n_________\n(^١) انظر: منهج الاستنباط من القرآن ص ١٠٢.\n(^٢) انظر: تفسير السمعاني (١/ ٤٧)، والاستنباط رقم (٧).\n(^٣) انظر: تفسير السمعاني (١/ ٥٩)، والاستنباط رقم (١٠).","vol":"1","page":54},{"text":"قال السمعاني - ﵀ -: \" وأما قوله: ﴿وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ المراد منه سائر القرآن سوى الفاتحة، وفي هذا شرف عظيم للفاتحة، لأنه خصها بالذكر والإمتنان عليه بها، ثم ذكر سائر القرآن \". (^١)\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾.\nقال السمعاني: في هذا إجماع، أن المسلمة لا تنكح من المشركين أجمع. (^٢)\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون ٧].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ أي: الظالمون المتجاوزون عن الحلال إلى الحرام، واستدل العلماء بهذه الآية على أن الاستمناء باليد حرام \". (^٣)\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل ٢٧].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" قوله تعالى: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فيه دليل على أن الملوك يجب عليهم التثبت فيما يخبرون به \". (^٤)\n_________\n(^١) انظر: تفسير السمعاني (٣/ ١٥٠)، والاستنباط رقم (٧٤).\n(^٢) انظر: تفسير السمعاني (١/ ٢٢٣)، والاستنباط رقم (٢١).\n(^٣) انظر: تفسير السمعاني (٣/ ٤٦٤)، والاستنباط رقم (٨٢).\n(^٤) انظر: تفسير السمعاني (٤/ ٩١)، والاستنباط رقم (٩٢).","vol":"1","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>الاستنباط من النصوص خفية المعنى:</span>\nوالمراد بالنصوص خفية المعنى: هي النصوص التي تحتاج إلى بيان وتفسير، إذ لا يخفى أنه يجب على المستنبط معرفة معنى الآية، وتفسيرها الصحيح قبل الاستنباط منها، قال القرطبي: \" فمن لم يحكم ظاهر التفسير وبادر إلى استنباط المعاني بمجرد فهم العربية كثر غلطه ودخل في زمرة القرآن بالرأي، والنقل والسماع لابد له منه في ظاهر التفسير أولًا ليتقي به مواضع الغلط ثم بعد ذلك يتسع الفهم والاستنباط \". (^١)\nوإن مما يؤيد أن هذه النصوص خفية المعنى، أنه يغلب الاختلاف في صحة المعنى المستنبط كما هو واضح عند استنباطات السمعاني بخلاف النصوص الظاهرة المعنى فإنه يقل الخلاف في المعاني المستنبطة منها، ولقد كان استنباط السمعاني في هذا النوع قليلًا، ومن الأمثلة على ذلك:\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة ٢٨٣].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" وليس ذكر السفر، وعدم الكاتب على سبيل الشرط في جواز الرهن، وإنما خرج الكلام على الأعم الأغلب \". (^٢)\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء ١٤٥ - ١٤٦].\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن (١/ ٣٤).\n(^٢) انظر: تفسير السمعاني (١/ ٢٨٦)، والاستنباط رقم (٢٦).","vol":"1","page":56},{"text":"قال السمعاني - ﵀ -: \" قال تعالى ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، وإنما لم يقل: فأولئك هم المؤمنون، وسوف يؤتيهم الله أجرا عظيما، غيظا على المنافقين \". (^١)\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨].\nقال السمعاني: \" بدأ في حد السرقة بالرجل، لأن القوة والجراءة في الرجال أكثر، والسرقة نتيجة القوة والجراءة \". (^٢)\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل ١٨].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" وقوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ وفي الآية دليل على أن النمل يكره قتلها\". (^٣)\n_________\n(^١) انظر: تفسير السمعاني (١/ ٤٩٥)، والاستنباط رقم (٣٩).\n(^٢) تفسير السمعاني (٣/ ٤٩٨).\n(^٣) انظر: تفسير السمعاني (٤/ ٨٦)، والاستنباط رقم (٩١).","vol":"1","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>المبحث الثاني: الاستنباط باعتبار الإفراد والتركيب</span>.\nمما لا شك فيه أن الاستنباط من الآية قد يكون له شاهد، أو معنى يقويه من آية أخرى، أو من حديث نبوي صحيح، أو قد يكون هذا المعنى المستنبط من هذه الآية فحسب، وكانت استنباطات السمعاني - ﵀ - في هذا الأمر على نوعين:\nالنوع الأول: الاستنباط باعتبار الإفراد:\nوهذا المراد منه الاستنباط من نص واحد، وهو أن يستنبط من الآية استنباطًا لا يحتاج لآية أخرى أن تضم مع الآية المستنبط منها لاستكمال وتأكيد الاستنباط، وقد ذكر الزركشي هذا النوع من الاستنباط، والنوع الآخر وهو الاستنباط بالربط بين نصين أو أكثر - دلالة التركيب - فقال عند تقسيمه لأنواع معرفة أحكام القرآن: \" والثاني: ما يؤخذ بطريق الاستنباط، ثم هو على قسمين: أحدهما: ما يستنبط من غير ضميمة إلى آية أخرى كاستنباط الشافعي تحريم الاستمناء باليد من قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ واستنباط صحة أنكحة الكفار من قوله تعالى: ﴿امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ﴾ ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ ونحوه ..... والثاني: ما يستنبط مع ضميمة آية أخرى، كاستنباط علي وابن عباس ﵄ أن أقل الحمل ستة أشهر من قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ مع قوله: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾؛ وعليه جرى الشافعي واحتج بها أبو حنيفة على أن أكثر الرضاع سنتان ونصف ثلاثون شهرا\". (^١)\n_________\n(^١) البرهان في علوم القرآن (٢/ ٤ - ٥).","vol":"1","page":58},{"text":"وهذا<span data-type=\"title\" id=toc-48> النوع الأول نجده كثيرا في استنباطات السمعاني ومن الأمثلة على ذلك:</span>\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة ١٧٨].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" وظاهره يقتضي أن أخوة الدين لا تنقطع بين القاتل والمقتول، حيث قال: من أخيه، وهو الذي نقول به \". (^١)\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ٢٨٦].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" في هذا دليل على أن الله تعالى يجوز أن يحمل العباد مالا يطيقونه\". (^٢)\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل ١٢٣].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ هذا دليل على أنه يجوز للفاضل أن يتبع المفضول \". (^٣)\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف ٧٩].\n_________\n(^١) انظر: تفسير السمعاني (١/ ١٧٤)، والاستنباط رقم (١٥).\n(^٢) انظر: تفسير السمعاني (١/ ٢٨٩)، والاستنباط رقم (٢٧).\n(^٣) انظر: تفسير السمعاني (٣/ ٢٠٩)، والاستنباط رقم (٧٧).","vol":"1","page":59},{"text":"قال السمعاني - ﵀ -: \" وفيه دليل على أن المسكين وإن كان يملك شيئا فلا يزول عنه اسم المسكنة إذ لم يقم ما يملك بكفايته \". (^١)\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص ٥٠].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" وفي الآية دلالة على أنه يجوز أن يكون الهوى موافقا للحق، وإن كان نادرا \". (^٢)\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف ٢٣].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" وفي الآية دليل على ذم التقليد والرجوع إلى قول الآباء من غير حجة \". (^٣)\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات ١٠].\nقال السمعاني - ﵀ -: وقوله: \" ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ ذكر الأخوين ليدل بوجوب الإصلاح بينهما على وجوب الإصلاح بين الجمع الكثير \". (^٤)\n_________\n(^١) انظر: تفسير السمعاني (٣/ ٢٧٠)، والاستنباط رقم (٧٩).\n(^٢) انظر: تفسير السمعاني (٤/ ١٤٦)، والاستنباط رقم (٩٤).\n(^٣) انظر: تفسير السمعاني (٥/ ٩٨)، والاستنباط رقم (١٠٣).\n(^٤) انظر: تفسير السمعاني (٥/ ٢٢١)، والاستنباط رقم (١٠٥).","vol":"1","page":60},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>النوع الثاني: الاستنباط باعتبار التركيب:</span>\nوهذا المراد منه الاستنباط بالربط بين نصين أو أكثر، وذلك بضم نص إلى نص آخر، وهذا النوع يسمى بدلالة التركيب (^١)، وهذا يعد من أدق أنواع الاستنباط، قال ابن القيم عن هذا النوع من الاستنباط: \" فهذا من ألطف فهم النصوص وأدقه \". (^٢)\nوهذا النوع من الاستنباط كان قليلا في استنباطات السمعاني، وقد وجدت مثالًا على ذلك وهو:\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات ١١٢].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" وقوله: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ استدل به من قال إن إسماعيل كان هو الذبيح، فإنه ذكر قصة الذبيح بتمامه، ثم قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ دل أنه كان غير إسحاق \". (^٣)\nفدلالة التركيب التي استنبط عن طريقها السمعاني أنّه لمّا أعقب الله سبحانه بعد ذكره لقصة الذبيح بشارتَه سبحانه بإسحاق استنبط السمعاني بدلالة تركيب الآيات السابقة مع هذه البشارة أن الذبيح ليس هو إسحاق ﵇، وإنما هو إسماعيل ﵇.\n_________\n(^١) ذكر هذه التسمية ابن القيم في كتابه إعلام الموقعين عند ذكره لخلاف الصحابة في مسألة العمريتين، وهي أحد مسائل علم الفرائض، أنظرها في (١/ ٣٦٢).\n(^٢) إعلام الموقعين (١/ ٦٦).\n(^٣) انظر: تفسير السمعاني (٤/ ٤١٠)، والاستنباط رقم (١٠٠).","vol":"1","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>الفصل الثالث:\nدلالات وطرق الاستنباط عند أبي المظفر السمعاني في تفسيره</span>.\nالمبحث الأول: الاستنباط بدلالة النص (مفهوم الموافقة).\nالمبحث الثاني: الاستنباط بدلالة المفهوم (مفهوم المخالفة).\nالمبحث الثالث: الاستنباط بدلالة الالتزام.\nالمبحث الرابع: الاستنباط بدلالة التضمن.\nالمبحث الخامس: الاستنباط بدلالة الاقتران.\nالمبحث السادس: الاستنباط بدلالة المطرد من أساليب القرآن.","vol":"1","page":62},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>المبحث الأول: الاستنباط بدلالة النص (^١) (مفهوم الموافقة):</span>\nمفهوم الموافقة: هو أن يكون المسكوت عنه موافقًا للمنطوق به، فإن كان أولى بالحكم من المنطوق به فيسمى فحوى الخطاب، وإن كان مساويا فيسمى لحن الخطاب. (^٢)\nوقد بيَّن السمعاني ﵀ هذين النوعين فقال: \" فأما فحوى الخطاب ما عرف به غيره على وجه البينة وطريق الأولى، مثل قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ وقوله تعالى ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ ومثل قوله تعالى: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾، وأما لحن الخطاب فقد قيل ما أضمر في أثناء اللفظ، وقيل لحن الخطاب ما يدل على مثله، والفحوى ما دل على ما هو أقوى منه \". (^٣)\n_________\n(^١) ترجع تسمية دلالة النص أو إشارة النص إلى نفس المعنى المراد بمفهوم الموافقة وهذه التسمية قد أثرت عن الحنفية، انظر: كشف الأسرار للبزدوي (١/ ١١٥)، وروضة الناظر لابن قدامة (٣/ ١١٩)، والبرهان للزركشي (٢/ ٢١)، لأنها تحيل إلى نفس المعنى، وقد تكلم عنها الزركشي في البرهان فقال في دلالة النص: \" واعلم أن هذا النوع البديع ينظر إليه من ستر رقيق وطريق تحصيله فهم المعنى وتقييده من سياق الكلام كما في آية التأفيف فإنا نعلم أن الآية إنما سيقت لاحترام الوالدين وتوقيرهما ففهمنا منه تحريم الشتم والضرب ولو لم يفهم المعنى لا يلزم ذلك لأن الملك الكبير يتصور أن يقول لبعض عبيده اقتل قرني ولا تقل له أف ويكون قصده الأمن عن مزاحمته في الملك فثبت أن ذلك إنما جاء لفهم المعنى \". انظر: البرهان (٢/ ٢١).\n(^٢) انظر: الإحكام للآمدي (٢/ ٢٧٦)، والمحصول للرازي (٣/ ١٣)، وروضة الناظر لابن قدامة (١/ ٢٦٣)، ونهاية السول للأسنوي (١/ ٣٠٧) والتقرير والتحرير لابن أمير الحاج (١/ ١٤٩)، وإرشاد الفحول للشوكاني (٢/ ٣٧)، ومذكرة في أصول الفقه للشنقيطي (١/ ٢٢٢)\n(^٣) قواطع الأدلة (١/ ٢٣٦). وقد سمى السمعاني هذه الدلالة والتي هي من نوع فحوى الخطاب في موضع آخر بإشارة النص فقال: \" وأما إشارة النص فهو مثل قوله تعالى (فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما) فيه دلالة على تحريم الشتم والضرب \" قواطع الأدلة (١/ ٢٦٠).","vol":"1","page":63},{"text":"وقد استدلّ الآمدي على كون مفهوم الموافقة حجة بأنه: إذا قال السيد لعبده: لا تعطِ زيدًا حبة ولا تقل له أفٍّ، ولا تظلمه بذرة، ولا تعبس في وجهه؛ فإنه يتبادر إلى الفهم من ذلك امتناع إعطاء ما فوق الحبة، وامتناع الشتم، وامتناع الظلم بالدينار وما زاد، وامتناع أذيته بما فوق العبوس من هجره الكلام وغيره (^١).\nوقد حوت استنباطات السمعاني على النوع الأول من أنواع دلالات مفهوم الموافقة، وهو دلالة فحوى الخطاب، ومن الأمثلة على ذلك:\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.\nقال السمعاني - ﵀ -: \" .. والذي عليه الأكثرون وهو مذهب أهل السنة: أن لقاتل المؤمن عمدا توبة، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ وقوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ولأن القتل العمد ليس بأشد من الكفر، ومن الكفر توبة، فمن القتل أولى \". (^٢)\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات ١٠].\nقال السمعاني - ﵀ -: وقوله: \" ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ ذكر الأخوين ليدل بوجوب الإصلاح بينهما على وجوب الإصلاح بين الجمع الكثير \". (^٣)\n_________\n(^١) انظر: الإحكام للآمدي (٣/ ٩٦) بتصرف يسير، وللاستزادة انظر: دلالات وطرق الاستنباط للكندي (ص ٢٥٧).\n(^٢) انظر: تفسير السمعاني (١/ ٤٦٤)، والاستنباط رقم (٦٧).\n(^٣) انظر: تفسير السمعاني (٥/ ٢٢١)، والاستنباط رقم (١٠٥).","vol":"1","page":64},{"text":"- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة ٤].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" وقوله: ﴿عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ أي: على تسوية بنانه، وهي أطراف الأصابع، وفيها عظام صغار، وخصها بالذكر، لأنه تعالى إذا قدر على جمع العظام الصغار فعلى الكبار أقدر على جمعها وإحيائها \". (^١)\n_________\n(^١) انظر: تفسير السمعاني (٦/ ١٠٢)، والاستنباط رقم (١١٣).","vol":"1","page":65},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>المبحث الثاني: الاستنباط بدلالة المفهوم (^١) (مفهوم المخالفة):</span>\nمفهوم المخالفة: هو أن يشعر المنطوق بأن حكم المسكوت عنه مخالف لحكمه إثباتا، ونفيا. (^٢)\nوقد أقرّ السمعاني هذه الدلالة حتى تنوعت هذه الدلالة في استنباطاته، فتارةً بمفهوم الوصف، وتارةً بمفهوم الشرط، مستوفية شروط العمل بها (^٣).\nقال السمعاني تقريرًا لهذه القاعدة: \" ثم اعلم أن المخاطب بالاجتهاد أهله وهم العلماء دون العامة فإذا نزلت بالعالم نازلة وجب عليه طلبها في النصوص والظواهر في منطوقها إلى مفهومها ومن أفعال الرسول ﷺ وإقراره وفي إجماع علماء الأنصار فإن وجد في شيء من ذلك ما يدل عليه قضى به وإن لم يجده طلبه في الأصول والقياس عليها وبدأ في طلب لعلة بالنص فإن وجد التعليل منصوص عليه عمل به فإن لم يجد في النص عدل إلى المفهوم \". (^٤)\n_________\n(^١) قال الغزالي: \" ويسمى مفهوما، لأنه مفهوم مجرد لا يستند إلى المنطوق، وإلا فما دل عليه المنطوق - أيضا - مفهوم\". المستصفى (٢/ ٨٥)، وانظر: روضة الناظر (٢/ ٧٧٥). وقد أسماه بعض الأصوليين بدليل الخطاب، لأن دليله من جنس الخطاب، أو لأن الخطاب دال عليه. انظر إرشاد الفحول (٢/ ٣٨).\n(^٢) انظر: البحر المحيط في أصول الفقه (٣/ ٩٦)، والمحصول (٣/ ١٤)، وروضة الناظر (٣/ ١٢٠)، والتقرير والتحرير (١/ ١٥١)، وإرشاد الفحول (٢/ ٣٨).\n(^٣) ذكر العلماء خمسة شروط للعمل بهذه الدلالة وهي: الشرط الأول: أن لا يكون المذكور خرج مخرج الغالب، والشرط الثاني: أن لا يقصد الشارع تهويل الحكم وتفخيم أمره، والشرط الثالث: أن لا يكون المنطوق محل إشكال في الحكم، فيزال بالتنصيص عليه، والشرط الرابع: أن لا يكون الشارع ذكر حدا محصورا للقياس عليه، لا للمخالفة بينه وبين غيره، والشرط الخامس: أن لا يكون المقصود منه المبالغة والتكثير. انظر: شرح الكوكب المنير لابن النجار (٣/ ٤٩٢)، وإرشاد الفحول (١/ ١٨٠)، ومذكرة الشنقيطي (١/ ٢٤١)، ومعالم أصول الفقه للجيزاني ص ٤٦٥، وأصول الفقه لشلبي ص ٥٠٢، والدلالات وطرق الاستنباط للكندي (٢٦١ - ٢٧١).\n(^٤) قواطع الأدلة (٢/ ٣٠٢).","vol":"1","page":66},{"text":"وقد طبَّق السمعاني إعمال مفهوم المخالفة في استنباطاته خلال تفسيره، ومن الأمثلة على ذلك:\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ٢٤].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" وهذا دليل على أنها مخلوقة للكافرين، وإن دخلها بعض المؤمنين تأديبًا وتعريكًا \". (^١)\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة ١٧٣].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" ومعنى قوله تعالى ﴿وَلَا عَادٍ﴾ ولا متعد، عاص في سفره. ففي هذا دليل على أن العاصي في سفره لا يترخص بأكل الميتة \". (^٢)\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء ٢٥].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" ومعنى الآية: ومن لم يقدر على مهر الحرة المؤمنة؛ فليتزوج بالأمة المؤمنة، وفيه دليل على أن نكاح الأمة الكتابية باطل \". (^٣)\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ\n_________\n(^١) انظر: تفسير السمعاني (١/ ٥٩)، والاستنباط رقم (١٠).\n(^٢) انظر: تفسير السمعاني (١/ ١٦٩)، والاستنباط رقم (١٤).\n(^٣) انظر: تفسير السمعاني (١/ ٤١٦)، والاستنباط رقم (٣٣).","vol":"1","page":67},{"text":"إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص ٥٠].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" وفي الآية دلالة على أنه يجوز أن يكون الهوى موافقًا للحق، وإن كان نادرا \". (^١)\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ [غافر ٧٥].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ هذا دليل على أنه قد يكون فرح بحق \". (^٢)\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين ١٥].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ في الآية دليل على أن المؤمنين يرون الله تعالى \". (^٣)\n_________\n(^١) انظر: تفسير السمعاني (٤/ ١٤٦)، والاستنباط رقم (٩٤).\n(^٢) انظر: تفسير السمعاني (٥/ ٣٢)، والاستنباط رقم (١٠٢).\n(^٣) انظر: تفسير السمعاني (٦/ ١٨١)، والاستنباط رقم (١١٤).","vol":"1","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>المبحث الثالث: الاستنباط بدلالة الالتزام:</span>\nدلالة الالتزام: هي دلالة المعنى الذي دل عليه اللفظ في غير ما وضع له، لازمٌ له لزومًا ذهنيًا. (^١)\nوقد ذكر السمعاني هذه القاعدة في كتابه قواطع الأدلة، بعدما بين أن الخطاب الدال على وجوب الشيء يدل على ما يتوقف عليه أيضا، فقال ﵀: \" وبذلك يكون الخطاب دالا على شيئين - أحدهما بطريق المطابقة - وهو وجوب الشيء - وثانيهما بطريق الالتزام - وهو وجوب ما يتوقف ذلك الشيء عليه من حيث الوجود واشترطوا لذلك شرطا هو أن يكون ما يتوقف وجود الشيء عليه مقدورا للمكلف بحيث يستطيع فعله\". (^٢)\nوقد استنبط السمعاني بهذه الدلالة عددًا من الاستنباطات، ومن الأمثلة على ذلك:\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة ٢٣٦].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" هذه الآية في المطلقة قبل الفرض والمسيس، وفي الآية دليل على جواز إخلاء النكاح عن تسمية المهر \". (^٣)\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة ٢٦٧].\n_________\n(^١) انظر: المحصول (١/ ٣٠٠)، البحر المحيط في أصول الفقه (١/ ٤٢٢)، والمستصفى (١/ ٣٢)، ومذكرة في أصول الفقه (١/ ٢٢١)، ومعالم في أصول الفقه (١/ ٤٤٦).\n(^٢) قواطع الأدلة (١/ ١٠٢).\n(^٣) انظر: تفسير السمعاني (١/ ٢٤١)، والاستنباط رقم (٢٣).","vol":"1","page":69},{"text":"قال السمعاني - ﵀ -: \" قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ أي: من حلال ما كسبتم، وفي هذا دلالة على أن الكسب يتنوع إلى الطيب، والخبيث\". (^١)\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأعراف ٣٨].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" وفيه دليل على أن الجن يموتون كالإنس، خلافا لقول الحسن، حيث قال: لا يموتون \". (^٢)\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [الأعراف ١٤٨].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" وهذا دليل على أن الله متكلم لم يزل ولا يزال، لأنه استدل بعدم الكلام من العجل على نفي الإلهية \". (^٣)\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ [يوسف ٩].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" وقوله: ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ يعني: توبوا بعد أن فعلتم هذا، ودوموا على الصلاح يعف الله عنكم. واستدل أهل السنة\n_________\n(^١) انظر: تفسير السمعاني (١/ ٢٧٢)، والاستنباط رقم (٢٥).\n(^٢) انظر: تفسير السمعاني (٢/ ١٨٠)، والاستنباط رقم (٥٠).\n(^٣) انظر: تفسير السمعاني (٢/ ٢١٦)، والاستنباط رقم (٥٤).","vol":"1","page":70},{"text":"بهذه الآية على أن توبة القاتل عمدا مقبولة، فإن الله تعالى ذكر عزم القتل منهم وذكر التوبة ولم ينكر عليهم التوبة بعد القتل، دل أنها مقبولة \". (^١)\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب ٤٩].\nقال السمعاني - ﵀ -: في الآية دليلٌ على أن الطلاق لا يجوز قبل النكاح، لأنه رتب الطلاق على النكاح فدل على أنه لا يتقدمه. (^٢)\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات ١٠١].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" وفي الآية دليلٌ على أنه بشره بأنه يكبر، ويعمر حتى يوصف بالحلم والوقار \". (^٣)\n_________\n(^١) انظر: تفسير السمعاني (٣/ ١٠)، والاستنباط رقم (٦٧).\n(^٢) انظر: تفسير السمعاني (٤/ ٢٩٤)، والاستنباط رقم (٩٧).\n(^٣) انظر: تفسير السمعاني (٤/ ٤٠٧)، والاستنباط رقم (٩٩).","vol":"1","page":71},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>المبحث الرابع: الاستنباط بدلالة التضمن:</span>\nدلالة التضمن: هي دلالة اللفظ على جزءٍ مسمّاه في ضمن كله، لتضمنه إياه، بدليل أن يكون المعنى في ضمنه. (^١)\nوقد بين بعض علماء الأصول أن دلالة التضمن تكون لفظية، بخلاف دلالة الالتزام فإنها تكون عقلية، وقد سمّيت دلالة التضمن بذلك لتضمن المعنى لجزء المدلول. (^٢)\nوقد أشار السمعاني في بعض استنباطاته إلى هذه الدلالة، ولكن كان قليلًا، ومن الأمثلة على ذلك:\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣) إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات ١ - ٥].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" وفي هذه الآيات بيان استعمال الأدب في مجلس النبي ﷺ، وعظم الجناية في ترك ذلك، وما يُؤدّي إلى حبوط العمل واستحقاق العقاب \". (^٣)\n_________\n(^١) انظر: الإحكام للآمدي (١/ ٣٦)، والمحصول (١/ ٣٠٠)، وشرح التحرير للمرداوي (١/ ٣٢٣)، ونهاية السول (١/ ١٧٤)، ومعالم في أصول الفقه (١/ ٤٤٦).\n(^٢) انظر: البحر المحيط في أصول الفقه (١/ ٤١٩)، وشرح التحرير (١/ ٣٢٣).\n(^٣) انظر: تفسير السمعاني (٥/ ٢١٦)، والاستنباط رقم (١٠٤).","vol":"1","page":72},{"text":"- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر ١٠].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" وفي الآية دليل على أن الترحم للسلف، والدعاء لهم بالخير وترك ذكرهم بالسوء، من علامة المؤمنين \". (^١)\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة ١].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في الآية دليل على أن حاطبًا لم يخرج من الإيمان بفعله ذلك \". (^٢)\n_________\n(^١) انظر: تفسير السمعاني (٥/ ٤٠٢)، والاستنباط رقم (١٠٩).\n(^٢) انظر: تفسير السمعاني (٥/ ٤١٣)، والاستنباط رقم (١١٠).","vol":"1","page":73},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>المبحث الخامس: الاستنباط بدلالة الاقتران:</span>\nدلالة الاقتران: هي الجمع بين شيئين، أو أكثر في سياق واحد على اتحاد حكمهما. (^١)\nولم أجد استخدام السمعاني لهذه الدلالة إلا في آيتين فقط ولم يلزم في الآية الأولى صحة الاقتران لأنه أعمل وجوب الاشتراك في الحكم والتفاصيل بحجة الاقتران، ... ومن الأمثلة على ذلك:\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة ١٩٦]\nقال السمعاني - ﵀ -: \" ثم اعلم أن العمرة واجبة، وهو قول ابن عمر، وعند أبي حنيفة ﵁ سنة، وهو مروي عن جابر، والدليل على وجوبها: ظاهر الآية، وهو قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وظاهر الأمر للوجوب \". (^٢)\nفقط استنبط السمعاني وجوب العمرة لاقترانها بالحج بحجة تساوي المعطوف والمعطوف عليه.\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء ١١٥].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" واستدل بهذه الآية على أن الإجماع حجة \". (^٣)\nفقد استنبط السمعاني حجية الإجماع لاقتران وعيد مشاقة الرسول - ﷺ - باتباع سبيل غير المؤمنين.\n_________\n(^١) دلالة الاقتران للدكتور محمد سعد اليوبي ص ٨.\n(^٢) تفسير السمعاني (١/ ١٩٦).\n(^٣) انظر: تفسير السمعاني (١/ ٤٧٩)، والاستنباط رقم (٣٧).","vol":"1","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>المبحث السادس: الاستنباط بدلالة المطرد من أساليب القرآن</span>.\nالمطرد من أسلوب القرآن: هو تتابع الأفعال، واختيار الألفاظ وتكررها، على نسق واحد، تجاه أمر ما في القرآن الكريم. (^١)\nوأسلوب القرآن - كما هو واضح - هو طريقته المعهودة، قال ابن القيم تقريرًا لهذه القاعدة عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ «وفيها فوائد عديدة، إحداها أن هذا جاء على الطريقة المعهودة في القرآن الكريم، وهي أن أفعال الإحسان والرحمة والجود تضاف إلى الله ﷾، فيذكر فاعلها منسوبة إليه ولا يُبنى الفعل معها للمفعول، فإذا جيء بأفعال العدل والجزاء والعقوبة حذف وبُني الفعل فيها للمفعول، أدبًا في الخطاب، فقال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ﴾، وقال بإحسان: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ونظيره قوله إبراهيم الخليل ﵊: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ فنسب الخلق والهداية والإحسان بالطعام والسقي إلى الله تعالى، ولما جاء ذكر المرض قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ﴾ ولم يقل (أمرضني) وقال: ﴿فَهُوَ يَشْفِينِ﴾» (^٢).\nومن طريقة القرآن وعادته استنبط السمعاني مجموعة من الاستنباطات، ومن أمثلتها:\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة ٢٨٣].\n_________\n(^١) انظر: منهج الاستنباط من القرآن الكريم للدكتور فهد الوهبي ص ٣٣٨.\n(^٢) انظر: بدائع الفوائد (٣/ ٢٨ - ٣٠).","vol":"1","page":75},{"text":"قال السمعاني - ﵀ -: \" وحكم الرهن معلوم، وليس ذكر السفر، وعدم الكاتب على سبيل الشرط في جواز الرهن، وإنما خرج الكلام على الأعم الأغلب \". (^١)\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء ١٦٥].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" وهذا دليل على أن الله تعالى لا يعذب الخلق قبل بعثه الرسل، وهذا معنى قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ \". (^٢)\n- ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء ٨٠].\nقال السمعاني - ﵀ -: \" ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ﴾ هو استعمال أدب، وإلا فالممرض والشافي هو الله تعالى بإجماع أهل الدين \". (^٣)\n_________\n(^١) انظر: تفسير السمعاني (١/ ٢٨٦)، والاستنباط رقم (٢٦).\n(^٢) انظر: تفسير السمعاني (١/ ٥٠٣)، والاستنباط رقم (٤٠).\n(^٣) انظر: تفسير السمعاني (٤/ ٥٣)، والاستنباط رقم (٨٩).","vol":"1","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>الفصل الرابع:\nأساليب الاستنباط عند أبي المظفر السمعاني في تفسيره، ومميزاته</span>،\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: أساليب الاستنباط عند أبي المظفر السمعاني في تفسيره.\nالمبحث الثاني: مميزات الاستنباط عند أبي المظفر السمعاني في تفسيره.","vol":"1","page":77},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>المبحث الأول:\nأساليب الاستنباط عند أبي المظفر السمعاني في تفسيره</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>سار السمعاني في استنباطاته على عدة أساليب ومنها:</span>\n- التنوع في صيغ الاستنباط: فقد ذكر السمعاني عند استنباطاته مجموعة من الصيغ التي توحي بأن ما يعقبها استنباطا ومن تلك الصيغ: (وفي الآية أو في الآية دليل (^١) - استدل بهذه الآية (^٢) - وخص بالذكر أو وخصها بالذكر (^٣) - في هذه إشارة (^٤) - فيه إجماع (^٥» إلى غير ذلك من الصيغ، وقد يذكر الاستنباط مباشرة من دون ذكر هذه الصيغ.\n- سار السمعاني في أغلب استنباطاته وفق منهج بيان معنى الآية أولا، ثم الاستنباط ثانيا، مما يسهل للقارئ ويعينه على فهم الاستنباط مباشرة.\n- سلك السمعاني في استنباطاته مسلكين وهما:\nمسلك العرض، وهو الأكثر في استنباطاته وذلك بعرض الاستنباط فقط.\nمسلك الرد، وهو أقل من الأول، وأكثر ما يكون في الاستنباطات العقدية، وذلك بالرد على القول المخالف لما عليه أهل السنة والجماعة، كما بيِّن سلفًا (^٦).\n- نهج السمعاني أسلوبا في استنباطاته يساعد على ترسيخ المعنى المستنبط لدى القارئ، وجمع ذهنه وأفكاره، وذلك بطرح الاستنباط على طريقة السؤال والجواب كقوله ﵀: (فإن قال قائل - فإن قيل) وهذا قلما تجده في استنباطات المفسرين الآخرين (^٧).\n- ومن الأساليب أيضا عدم التصريح بنوع الدلالة التي يستنبط بها، كما هو واضح في كثير من استنباطاته.\n_________\n(^١) انظر الاستنباط رقم (٢٣، ٨٥، ٩١، ٩٤، ٩٥، ٩٨، ٩٩، ١٠٣، ١٠٧، ١٠٩).\n(^٢) انظر الاستنباط رقم (٣٧، ٦٠، ٦٧، ٨٢، ١٠٠، ١٠٨).\n(^٣) انظر الاستنباط رقم (١، ٥، ٦٣، ٨٣، ٨٤، ٩٦، ١١٣).\n(^٤) انظر الاستنباط رقم (١٧، ٢٨، ٤١).\n(^٥) انظر الاستنباط رقم (٢١، ٨٩).\n(^٦) انظر الاستنباط رقم (٧، ٩، ٦٥).\n(^٧) انظر على سبيل المثال: الاستنباط رقم (١، ١٣، ٤٥، ٥٢، ٦١، ٧٦).","vol":"1","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>المبحث الثاني:\nمميزات الاستنباط عند أبي المظفر السمعاني في تفسيره</span>.\nتميز السمعاني في تفسيره بالاهتمام بالاستنباط، يؤيد ذلك ما ذكره ﵀ من النصوص في كتابه قواطع الأدلة من بيانه أن التفقه هو أصل الاستنباط، ومن ذلك ما ذكره أيضا عند باب إثبات القياس أن للقياس أربعة طرق ثم قال في الطريقة الرابعة وهي الاستدلال بالكتاب والسنة: \" قال تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ فأمر بالاعتبار والاستنباط ... وأما الاستنباط هو استخراج المعنى المودع من النص حتى يبرز ويظهر\". (^١) ومن هذا المنطلق كان السمعاني حريصا على الاستنباط وما أودعته الآية من معاني وحكم، وبهذا كان لاستنباطات السمعاني بعض المميزات، ومن أهم المميزات التي تميزت بها استنباطات السمعاني ما يلي:\n- شمولية استنباطاته لجميع الفنون والموضوعات، فتارةً تجد أن استنباطه يختص بعلوم القرآن وبلاغته، وتارةً تجده يختص بالعقيدة أو الأصول، أو الفقه أو التربية والسلوك، أو نحو ذلك. (^٢)\n- التنوع في طرق الاستنباط وليس ذلك بغريب فهو إمام في الأصول، فقد يستنبط أحيانا بدلالة مفهوم الموافقة، أو المخالفة، أو بدلالة الاقتران أو دلالة الالتزام، ونحو ذلك. (^٣)\n_________\n(^١) قواطع الأدلة (٢/ ٩٢).\n(^٢) انظر: الباب الأول - الفصل الأول - من هذه الرسالة.\n(^٣) انظر: الباب الأول - الفصل الثالث - من هذه الرسالة.","vol":"1","page":79},{"text":"- سلامة استنباطاته من التلوث العقدي، الذي قد يطرأ على بعض المفسرين خلال استنباطاتهم الفاسدة، بل قد تميزت استنباطات السمعاني العقدية، بالذب والذود عن عقيدة أهل السنة والجماعة، إضافة إلى ردوده القاصمة والقامعة بنصوص القرآن والسنة على القول المخالف من أصحاب البدع والأهواء خصوصًا القدرية والمعتزلة، حتى إنه قد قال عنه الذهبي \" تعصب لأهل الحديث والسنة والجماعة، وكان شوكا في أعين المخالفين، وحجة لأهل السنة \". (^١)\n- عدم تعصبه في استنباطاته لمذهبه الفقهي الشافعي، أو أي مذهب من المذاهب الفقهية الأخرى.\n- أمانته العلمية عند عزوه لبعض الاستنباطات إلى من سبقه، رغم تقدم عصره، وليس في ذلك دلالة على عدم طروِّ الاستنباط له (^٢).\n- تفرد السمعاني وسبقه لبعض الاستنباطات، حتى إنني في كثير من الاستنباطات لم أجد من سبق السمعاني عليها، وإنما وجدت من تبعه عليها (^٣).\n- المتمعن في استنباطات السمعاني يجد أنها جمعت بين سهولة العبارة وجزالتها، فأصبحت مختصرة وافية، وإن دل فإنما يدل على بلاغته، وتمسكه بالمنهج الذي سار عليه في تفسيره وهو الاختصار وعدم الإسهاب.\n- الاستشهاد أحيانًا عند استنباطاته بالقرآن والسنة تأييدًا لصحتها، وتقويةً لها (^٤).\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء (١٩/ ١١٦).\n(^٢) انظر الاستنباط رقم (٣٧، ٦٧).\n(^٣) انظر الاستنباط رقم (١١، ٢٥، ٢٦، ٣٠، ٦٥).\n(^٤) انظر الاستنباط رقم (٣٦، ٤٠، ١٠٠).","vol":"1","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>الباب الثاني:\nجمع ودراسة الاستنباطات عند أبي المظفر السمعاني\nفي تفسيره من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة الناس</span>.","vol":"1","page":81},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>تخصيص ملك الله ليوم الدين بالذكر دون غيره لظهور ملكه وانقطاع أملاك الآخرين</span>.\nقال تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" والمراد بيوم الدين: يوم القيامة، فإن قال قائل: لم خص يوم الدين بالذكر، والله تعالى مالك الأيام كلها؟ يقال: إنما خصه لأن الأمر في القيامة يخلص له، كما قال: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾، وأما في الدنيا للملوك أمر، وللمسلمين أمر، وللأنبياء أمر \". (^١)\n\nالدراسة:\nلما خصّ الله ملكه ليوم الدين دون سائر ما يملك، مع عظمة أملاكه سبحانه، وكثرتها، استنبط السمعاني من هذا التخصيص أن سببه إظهارٌ لملكه سبحانه وانقطاعٌ لأملاك الآخرين يوم القيامة.\nقال السمرقندي: \" فإن قيل ما معنى تخصيص يوم الدين وهو مالك لغيره؟ قيل له إن في الدنيا كانوا منازعين له في الملك، مثل فرعون، ونمرود، وغيرهما، وفي ذلك اليوم لا ينازعه أحد في ملكه\". (^٢)\nوقد أشار البغوي في استنباطه لهذه الآية إلى عين ما استنبطه السمعاني وذلك بقوله ﵀: \" وإنما خصّ يوم الدين بالذكر مع كونه مالكًا للأيام كلها لأن الأملاك يومئذ زائلة فلا ملك ولا أمر إلا له، قال الله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (١/ ٣٧).\n(^٢) بحر العلوم (١/ ٤٢).","vol":"1","page":82},{"text":"لِلرَّحْمَنِ﴾ وقال: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ وقال: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ \". (^١)\nوممن قال بذلك من المفسرين: ابن جرير، والقرطبي، وابن كثير، وابن عادل الحنبلي، وحقي (^٢). (^٣)\nوقد ذهب بعض أهل التفسير إلى مجموعة من الاستنباطات من سبب هذا التخصيص، أهمها مسألة عقدية، وهو أن تخصيص يوم الدين فيه إثبات لبعث العباد من قبورهم، والقيام بحشرهم، ومجازاتهم، قال أبو حيان: \"وفي قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ إثبات المعاد، والحشر، والحساب، ولما اتصف تعالى بالرحمة انبسط\n_________\n(^١) معالم التنزيل (١/ ١٤).\n(^٢) هو: أبو الفداء إسماعيل حقي بن مصطفى الحنفي الخلوتي، صوفي، مفسر، تركي الأصل، ومستعرب، ولد في آيدوس وسكن القسطنطينية، وانتقل إلى بروسة، وكان من أتباع الطريقة (الخلوتية) فنفي إلى تكفور طاغ، وأوذي، وعاد إلى بروسة فمات فيها عام ١١٢٧ هـ، له كتب عربية وتركية، فمن العربية: روح البيان في تفسير القرآن، ويعرف بتفسير حقي، والرسالة الخليلية، والأربعون حديثًا. انظر: الأعلام للزركلي (١/ ٣١٣).\n(^٣) انظر: جامع البيان (١/ ٩٤)، والجامع لأحكام القرآن (١/ ١٤٣)، وتفسير القرآن العظيم (١/ ١٥٧)، واللباب في علوم الكتاب (١/ ١٩٤)، وروح البيان (١/ ١٣). وقد ذهب ابن جرير إلى أن قراءة (ملك) تؤيد هذا المعنى المستنبط ولا تخالفه، وقد قرأ عاصم والكسائي ويعقوب \" مالك\"، وقيل أنها أبلغ لأن الزيادة في المبنى تدل على الزيادة في المعنى فكل مالك ملك ولا عكس، ولأن ثواب تالِيها أَكثر من ثواب تالي \" ملِك \". وقرأ بقية السبعة \"ملك\". انظر: جامع البيان (١/ ٩٤)، والحجة للقراء السبعة للفارسي (١/ ٧).","vol":"1","page":83},{"text":"العبد، وغلب عليه الرجاء، فنبّه بصفة الملك أو المالك ليكون من عمله على وجل، وأن لعمله يومًا تظهر له فيه ثمرته\". (^١)\nوذهب بعض المفسرين أن إضافة يوم الدين لملكه سبحانه لها أيضًا معنىً آخر وإن كان لا يعارض المعاني الأولى المستنبطة بقولهم أن تخصيص الملك ليوم الدين لعظمةِ ذلك اليوم وشدّةِ هوله وما يحصل فيه من بعث العباد وحشرهم ومحاسبتهم. قال ابن عطية: \" لكن خصّصه بالذكر لعظمه في جمعه وحوادثه \". (^٢)\nوممن ارتضى هذا القول من المفسرين: أبو حيان، وأبو السعود. (^٣)\nوبعد النظر فيما ذكره المفسرون يمكن أن نجمع بين الاستنباطات فيكون تخصيص ملك الله ليوم الدين بالذكر من بابِ إظهارِ ملكه في ذلك اليوم وانقطاع أملاك الآخرين، كما قال تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾،وكذلك لما فيه من إثبات بعث العباد، ومجازاتهم، وحسابهم، وكذلك لعظم هذا اليوم وما يقع فيه من أمورٍ جسام، وأهوالٍ عظام، وعلى هذا فلا منافاة بين الاستنباطات، والله أعلم.\n_________\n(^١) البحر المحيط (١/ ٩).\n(^٢) المحرر الوجيز (١/ ٤٢).\n(^٣) انظر: درج الدرر في تفسير الآي والسور (١/ ٨٧)، والبحر المحيط (١/ ٩)، وإرشاد العقل السليم (١/ ١٥).","vol":"1","page":84},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>تأخير الاستعانة بعد العبادة دليل احتياجها أثناء العبادة وبعدها وليس قبلها فحسب</span>.\nقال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة ٥].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" وقدَّم العبادة على الاستعانة لأنه يلزم من يجعل الاستطاعة قبل الفعل، ونحن بحمد الله نجعل الاستعانة والتوفيق مع الفعل، سواء قرنه به أم أخره جاز \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من هذه الآية مسألةً عقديةً فيها إبطال لأصلٍ من أصول المعتزلة (^٢)، والذي مضمونه يدل على أن الاستطاعة تكون قبل الفعل فحسب ولا استطاعة واستعانة مع الفعل أو بعده سواء كان هذا الفعل - العبادة - أمرًا يؤمر به أو نهيا يزجر عن فعله.\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (١/ ٣٧).\n(^٢) المعتزلة: هي فرقة كبيرة تأسست على يد واصل بن عطاء ت. ١٣١ هـ، أحد تلامذة الحسن البصري، وقد سميت بذلك لاعتزال واصل بن عطاء مجلس الامام الحسن البصري حينما دب خلاف بينهما حول المصير الأخروي للمسلم، وقد ازدهرت في العصر العباسي، معملة العقل في فهم العقيدة الإسلامية، اشتهرت بأصولها الخمسة وهي: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من أصولهم أن الإنسان هو الذي يخلق فعل نفسه، وأن صاحب الكبيرة مخلَّد في النار، ونفي الرؤية، وغير ذلك من البدع والضلالات. انظر: الفرق بين الفرق (١/ ١١٢)، والملل والنحل (٣٨).","vol":"1","page":85},{"text":"وحجّة المعتزلة هؤلاء أن الله تعالى قد مكَّن الإنسان من الاستطاعة، وهذه الاستطاعة قبل الفعل وهي قدرته عليه وعلى ضده وهي غير موجبة للفعل، وإلا لكان المأمور بالإيمان غير قادرٍ عليه، فيلزم تكليف ما لا يطاق. (^١)\nولا شك أن ما استنبطه السمعاني من هذه الآية من حيث طلب الاستعانة والتوفيق قبل ومع الفعل هو ما كان عليه مذهب أهل السنة والجماعة، وذلك لأن أهل السنة والجماعة يلزمون المخالفين بجعل الاستعانة مع الفعل لأن القادر إما أن يصير مأمورًا بالفعل قبل حصول الداعي إلى الفعل، أو بعد حصولِه، أما قبل حصول الداعي فمحال، لأن قبل حصول الداعي يمتنع حصول الفعل، فيكون التكليف به تكليفًا بما لا يُطاق، وأما بعد حصولِ الداعي، فالفعل يصيرُ واجب الحصول، فلا يكون في التكليف به فائدةٌ، وإذا كانت الاستطاعة منفيةً في الحالتين، وجب ألا يتوجه التكليف. (^٢)\nكما أثبت أهل السنة والجماعة أن للعبد استطاعة بمعنى الوسع والقدرة وسلامة الآلات، وهذه قد تتقدم على الفعل أو تقارنه ولا يجب بها الفعل لكن خطاب الشرع مرتبط بها، وأما الاستطاعة التي يجب بها الفعل وهي بمعنى التوفيق فهذه بإرادة الله تعالى وحده وهي التي تقارن الفعل. (^٣)\nوبهذا يتبين صحة استنباط السمعاني مع سلامة معتقده في تأصيل أصول أهل السنة والجماعة، وإبطال المعتقدات الفاسدة عند الفرق والطوائف الضالة.\n_________\n(^١) انظر: الفرق بين الفرق (١/ ١١٦)، والفصل في الملل والأهواء والنحل (٣/ ٢٠)، والمواقف للإيجي (٣/ ٧٠١)، وذهبت طائفة الأشاعرة إلى أن الاستطاعة مع الفعل، لا يجوز أن تتقدمه ولا أن تتأخر عنه، وما يفعله الإنسان فهو كسب له. وقد أبطل شيخ الإسلام معتقدهم هذا بالردود النقلية والعقلية. انظر: اعتقاد أهل السنة لهبة الله اللالكائي (١/ ٥٤)، وانظر: النبوات لابن تيمية (٥/ ٤٠).\n(^٢) انظر: الانتصار في الرد على القدرية المعتزلة (١٨/ ٣٨)، وغرائب القرآن (٢/ ٩١)، ولباب التأويل (١/ ٢٠).\n(^٣) انظر: اعتقاد أهل السنة (١/ ٥٤).","vol":"1","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>تأخير الاستعانة على العبادة لكونها أحد أنواع العبادة</span>.\nقال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة ٥].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" وقدم العبادة على الاستعانة لأن الاستعانة نوع تعبد، فكأنه ذكر جملة العبادة، ثم ذكر ما هو من تفاصيلها \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من سبب تقديم العبادة على الاستعانة بعد المفعول الثاني - إياك - لكونها أحد أنواع العبادة وهي من جملة تفاصيلها، بمعنى أن الله ذكر أحد أفراد العموم، وقد وافقه في ذلك البغوي، والخازن، وابن عادل الحنبلي، وجمع من المفسرين. (^٢)\nوقد اُسْتنبِط معنىً آخر من تخصيص الاستعانة دون سواها من سائر العبادات وذلك لاحتياج العبد لمعونة الله في سائر عباداته.\nقال ابن القيم: \" ولما كان حرص الإنسان وفعله إنما هو بمعونة الله، ومشيئته، وتوفيقه، أمره أن يستعين به ليجتمع له مقام ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فإن حرصه على ما ينفعه عبادة لله، ولا تتم إلا بمعونته، فأمره بأن يعبده، وأن يستعين به \". (^٣)\nوقد أشار إلى ذلك ابن بدران (^٤)، والسعدي في تفسيريهما. (^٥)\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (١/ ٣٧).\n(^٢) انظر: معالم التنزيل (١/ ٥٤) ولباب التأويل (١/ ٢٠)، واللباب في علوم الكتاب (١/ ١٥).\n(^٣) شفاء العليل (٥/ ١٣).\n(^٤) ابن بدران: هو الفقيه، المفسر، عبدالقادر بن أحمد بن مصطفى الدومي، ولد بدوما، وعاش بدمشق، مشارك في أنواع العلوم، له مؤلفات كثيرة منها: جواهر الأفكار ومعادن الأسرار المستخرجة من كلام العزيز الجبار، وشرح سنن النسائي، وغيرها، توفي في دمشق عام ١٣٤٦ هـ. انظر: الأعلام للزركلي (٤/ ١٦٢)، ومعجم المؤلفين (٥/ ٢٨٣).\n(^٥) انظر: جواهر الأفكار ص ٤٠، وتفسير السعدي ص ٣٩.","vol":"1","page":87},{"text":"واستُنبِط أيضًا وجهًا آخر في تخصيص الإستعانة، وذلك بأنّها وسيلةٌ هامةٌ لتحقيق أعظم غاية، وذلك من باب تقديم الغايات على الوسائل.\nقال ابن القيم: \" وتقديم العبادة على الاستعانة في الفاتحة من باب تقديم الغايات على الوسائل إذ العبادة غاية العباد التي خلقوا لها والاستعانة وسيلة إليها \". (^١)\nووافقه على ذلك الزمخشري، والبيضاوي والشوكاني. (^٢)\nويتبين مما سبق صحّة وجه ما استنبطه السمعاني، وأنه لا يتعارض مع أوجه استنباطات المفسرين من بعده والتي قد جمعها ولخَّصها الخازن في تفسيره. (^٣)\n_________\n(^١) مدارج السالكين (١/ ٧٥). وقد ذكر ابن القيم مواضع اقتران الاستعانة مع العبادة في القرآن فقال: \"وهذان الأصلان وهما التوكل والعبادة قد ذكرا في القرآن في عدة مواضع قرن بينهما فيها هذا أحدها- يعني اياك نعبد وإياك نستعين-، الثاني: قول شعيب لقومه: (وما توفيقي إلا بالله)، الثالث: قوله تعالى (ولله غيب السموات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه)، الرابع: قوله تعالى حكاية عن المؤمنين: (رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)، الخامس: قوله تعالى: (واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا)، السادس: قوله تعالى قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه أنيب \". مدارج السالكين (١/ ٧٥).\n(^٢) انظر: الكشاف (١/ ١٤)، وأنوار التنزيل (١/ ٦٨)، وفتح القدير (١/ ١٠).\n(^٣) قال الخازن: \" فإن قلت: الاستعانة على العمل إنما تكون قبل الشروع فيه فلم أخر الاستعانة على العبادة وما الحكمة فيه؟. قلت ذكروا فيه وجوها أحدها أن هذا يلزم من يجعل الاستطاعة قبل الفعل ونحن بحمد الله نجعل التوفيق والاستطاعة مع الفعل فلا فرق بين التقديم والتأخير. الثاني أن الاستعانة نوع تعبد فكأنه ذكر جملة العبادة أولا ثم ذكر ما هو من تفاصيلها ثانيا. الثالث كأن العبد يقول شرعت في العبادة فإني أستعين بك على إتمامها فلا يمنعني من إتمامها مانع. الرابع إن العبد إذا قال إياك نعبد حصل له الفخر وذلك منزلة عظيمة فيحصل بسبب ذلك العجب فأردف ذلك بقوله وإياك نستعين ليزول ذلك العجب الحاصل بسبب تلك العبادة \". لباب التأويل (١/ ٢٠).","vol":"1","page":88},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>تكرار المفعول (إياك) للاختصاص والتفخيم</span>.\nقال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة ٥].\n\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" وأما قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ إنما كرره لأنه لو اقتصر على قوله: إياك نعبد ونستعين، ليعلم أنه المعبود، وأنه المستعان، وعلى أن العرب قد تتكلم بمثل هذا، وقد يدخل الكلام تجريدا أو تفخيما وتعظيما، ولا يعد ذلك عيبا، كما تقول العرب: هذا المال بين زيد وبين عمرو، وإن كان يفيد قولهم: المال بين زيد وعمرو، ما يفيد الأول، ولا يعد ذلك عيبا في الكلام بل عد تفخيما وتجزيلا في الكلام \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من هذه الآية استنباطًا بلاغيًا في تكرار لفظ إياك بأن المراد من التكرار هنا هو الحصر وذلك بحصر الاستعانة له سبحانه، وذلك لأنه لو اقتصر سبحانه على ضمير واحد لتوهم أن العبادة لله والاستعانة لغيره، واستنبط بأن التكرار عند العرب يعد من تفخيم الشيء وأنه من جزالة الكلام.\nقال القرطبي مؤيدا هذا الاستنباط: \" وكرَّر الاسم لئلا يتوهم إياك نعبد ونستعين غيرك \". (^٢)\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (١/ ٣٧).\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن (١/ ١٤٦).","vol":"1","page":89},{"text":"وقد ذكر ذلك الكرماني (^١) في أسراره (^٢)، وممن وافقه أيضًا من المفسرين: الثعلبي، وأبو حيان، وابن كثير، وحقي، ومحمد رشيد رضا. (^٣)\nوزاد الثعلبي استنباطا آخر في سبب التكرار فقال: \" وانما كرر إياك ليكون أدل على الإخلاص والإختصاص والتأكيد، لقول الله تعالى خبرا عن موسى: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ولم يقل: (كي نسبحك ونذكرك كثيرا) \". (^٤)\nوقد ذكر الألوسي وجها آخر في سبب تكرار المفعول إياك بتبيينه أنه في حال الاقتصار على مفعول واحد يفهم منه أنه لا يتقرب إليه سبحانه إلا بالجمع بين العبادة والاستعانة معا، بمعنى أنه لا يعبد بلا استعانة ولا يستعان بلا عبادة وإنما يعبد على وجه الاستقلال ويستعان على وجه الاستقلال، وقد يجتمعان، لذا وجب التكرار، بمعنى أن التكرار للضمير هنا قطع الاشتراك بين العبادة والاستعانة. (^٥)\n_________\n(^١) الكرماني: هو محمود بن حمزة بن نصر الكرماني، يعرف بتاج القراء، برهان الدين، أبو القاسم، مقرئ، مفسر، فقيه، نحوي، صرفي، قال ياقوت: هو تاج القراء، وأحد العلماء الفهماء النبلاء، صاحب التصانيف والفضل، كان عجبا في دقة الفهم وحسن الاستنباط، لم يفارق وطنه ولا رحل، صنّف: لباب التفسير، والإيجاز في النحو اختصره من الإيضاح، والنظامي في النحو اختصره من اللمع، والإفادة في النحو، والعنوان، وغير ذلك. توفي سنة ٥٠٥ هـ. انظر: الأعلام (٧/ ١٦٨)، وبغية الوعاة (٢/ ٢٧٧).\n(^٢) انظر: أسرار التكرار من القرآن للكرماني (١/ ٢٠).\n(^٣) انظر: الكشف والبيان (١/ ١١٨)، والبحر المحيط (١/ ١١)، وتفسير القرآن العظيم (١/ ١٣٤)، وروح البيان (١/ ١٠)، وتفسير المنار (١/ ٥٠).\n(^٤) الكشف والبيان (١/ ١١٨).\n(^٥) انظر: روح المعاني (١/ ٩٠).","vol":"1","page":90},{"text":"والصحيح والله أعلم أن ما ذكره الألوسي فيه نظر، بحيث أنه لا يمكن البتة من أي عبد كائنا من كان أن يعبد الله بغير معونة منه سبحانه، وأنه لا يطلب عون منه سبحانه إلا وهو في الوقت نفسه في عبادة محضة.\nويتبين مما سبق أن ما ذكره السمعاني وممن وافقوه في سبب تكرار المفعول - إياك - هو اختصاصه سبحانه أيضا بالاستعانه وقصرها وإخلاصها له سبحانه وتفخيم لذاته سبحانه، وما زاده الثعلبي في أن من أسرار التكرار هو التأكيد، يتبين بعد ذلك أن هذا هو عين الصواب، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>تخصيص المتقين بالذكر للتشريف ولانتفاعهم دون سواهم</span>.\nقال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة ٢].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" فإن قال قائل: لم خص المتقين بالذكر وهو هدى لجميع المؤمنين؟ قيل: إنما خصهم بالذكر تشريفا، أو لأنهم هم المنتفعون بالهدى، حيث نزلوا منزل التقوى دون غيرهم، فلهذا خصهم به \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني ﵀ في سبب تخصيص المتقين بالذكر مع أن هذا القرآن هدى للعالمين أجمع، وذلك لشرف المتقين على من سواهم، أو لكونهم منتفعون من هذا الهدى دون غيرهم ممن ضل عن هذا النور المبين.\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (١/ ٤٢).","vol":"1","page":91},{"text":"قال القرطبي: \" وخص الله تعالى المتقين بهدايته وإن كان هدى للخلق أجمعين تشريفا لهم لأنهم آمنوا وصدقوا بما فيه \". (^١)\nوقد أشار إلى ذلك الاستنباط جل المفسرين لوضوحه وعدم الاختلاف فيه أمثال: السمرقندي، والقشيري (^٢)، والكيا الهراسي (^٣)، وابن الجوزي، وأبو حيان، وأبو السعود وغيرهم. (^٤)\nوزاد الرازي بأن سبب التخصيص لأنهم في معرض المدح والتشريف ولاعتبار سياق الآيات التي تلي هذا الوصف كانت في وصف بعض صفات هؤلاء المتقين، ليقتدى، ويتأسى بهم. (^٥)\nوقد ذكر بعض المفسرين لفتة رائعة بأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه، وفائدة التخصيص في هذه الآية إنما هي التشريف لا التفرد بالهدى دون من سواهم. (^٦)\nمما سبق يتبين أن هذا التخصيص تشريف لهذه الطائفة المباركة ولانتفاعهم من نهل القرآن والتأسي بما فيه من خلق كريم، والندب والشروع بأوامره، والانتهاء عن زواجره، جعلنا الله وإياكم من أوليائه وأصفيائه وأتقيائه، إنه ولي ذلك والقادر عليه سبحانه.\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن (١/ ١٦١).\n(^٢) القشيري: هو عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة النيسابوري القشيري، من بني قشير ابن كعب، أبو القاسم، زين الاسلام، شيخ خراسان في عصره، زهدا، وعلما بالدين، ولد سنة ٣٧٦ هـ، من كتبه: التيسير في التفسير، ولطائف الاشارات، والرسالة القشيرية، توفي في نيسابور سنة ٤٥٦ هـ. انظر: طبقات المفسرين للسيوطي (١/ ٦١)، والأعلام للزركلي (٤/ ٥٧).\n(^٣) الكيا الهراسي: هو أبو الحسن علي بن محمد بن علي الطبري، الملقب بعماد الدين، المعروف بالكيا الهراسي، الفقيه، الشافعي، توفي سنة ٥٠٤ هـ. انظر: وفيات الأعيان لابن خلكان (٣/ ٢٨٩).\n(^٤) انظر: بحر العلوم (١/ ٨)، ولطائف الإشارات للقشيري (١/ ٤٧٤)، وأحكام القرآن للكيا الهراسي (١/ ٥٦)، وزاد المسير (١/ ١٠)، والبحر المحيط (١/ ١٦١)، وإرشاد العقل السليم (١/ ٢٨).\n(^٥) انظر: مفاتيح الغيب (٢/ ٣٠)، وقد بين ابن عاشور وصفه للمتقين في معانيه الثلاثة للماضي والحاضر والمستقبل، انظر التحرير والتنوير (١/ ٢٣٨)، وأيضا انظر معاني التقوى عند ابن الجوزي، زاد المسير (١/ ١٠).\n(^٦) انظر: مفاتيح الغيب (٢/ ١٤٢)، واللباب غي علوم الكتاب (١/ ٤٨٧).","vol":"1","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>إبطال معتقد طائفة القدرية في القدر</span>.\nقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة ٥].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" وقوله تعالى: ﴿عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ فيه بيان أن الهداية من الله تعالى ومن كلامه كما هو مذهب أهل السنة \". (^١)\n\nالدراسة:\nلما نسب الله سبحانه بأن جعل الهداية من عنده، بأن يوفق إليها من شاء ويحرمها ممن يشاء، استنبط السمعاني استنباطًا عقديًا، مضمونه الرد على مذهب المعتزلة، والقدرية (^٢)، والذي يدور أصلهم تجاه أفعال العباد بأن العبد يخلق فعل نفسه، وأن الله ليس له مشيئة في أفعال خلقه.\nقال القرطبي: \" في قوله تعالى: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ رد على القدرية في قولهم: يخلقون إيمانهم وهداهم، تعالى الله عن قولهم ولو كان كما قالوا لقال: (مِنْ أَنْفُسِهِمْ). (^٣)\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (١/ ٤٥).\n(^٢) القدرية: هم الذين زعموا أن الناس هم الذين يقدرون أكسابهم، وأنه ليس لله ﷿ في إكسابهم ولا في أعمار سائر الحيوانات صنع ولا تقدير، ولأجل هذا القول سماهم المسلمون قدرية، وهي تسمية سلبية لنفيهم القدر، وأول من نفى القدر معبد الجهني في عصر الصحابة ﵃. انظر: الفرق بين الفرق للبغدادي (١/ ٩٣)، والفصل في الملل والنحل (٣/ ٥٥)، والموسوعة الميسرة (٣/ ١١٤).\n(^٣) الجامع لأحكام القرآن (١/ ١٨١).","vol":"1","page":93},{"text":"وقال حقي: \" وفي الآية دليل على أن العبد لا يهتدي بنفسه إلا بهداية الله تعالى ألا ترى أنه قال: ﴿عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ وهو ردٌّ على المعتزلة فإنهم يقولون: العبد يهتدي بنفسه. (^١)\nوليس هناك ثمة اختلاف كبير بين القدرية والمعتزلة فالقدرية يقولون بأن الله لم يقدر هذه الأشياء وإنما الناس هم الذين يفعلونها ويستقلون بإيجادها وخلقها \" كل يخلق فعل نفسه \"، وبقولهم هذا يكونون ضلالا لأنهم أنكروا خلق الله، أما المعتزلة فقالوا بأن الله لم يخلق أفعال العباد وإنما هم الذين خلقوها \". (^٢)\nوقد كان طائفة الجبرية (^٣) على النقيض الآخر حيث قالوا أن العبد مجبور على أفعاله وأنه ليس له حول ولا قوة.\nقال الشيخ صالح الفوزان: \" وأهل السنة والجماعة وسط في باب أفعال الله بين الجبرية والقدرية، فالجبرية: نسبة إلى الجبر لأنهم يقولون إن العبد مجبور على فعله، فهم غلوا في إثبات أفعال الله حتى نفوا أفعال العباد، وزعموا أنهم لا يفعلون شيئًا وإنما الله هو الفاعل والعبد مجبور على فعله فحركاته وأفعاله كلها اضطرارية كحركات المرتعش، وإضافة الفعل إلى العبد مجاز، والقدرية نسبة إلى القدر غلوا في إثبات أفعال العباد فقالوا: إن العبد يخلق فعل نفسه بدون مشيئة الله\n_________\n(^١) روح البيان (١٠/ ٣٩٥).\n(^٢) إعانة المستفيد (٢/ ٢٥٤).\n(^٣) الجبرية: هي طائفة قد غلت في إثبات القدر حتى أنكروا أن يكون للعبد فعل حقيقة بل هو في زعمهم لا حرية له، ولا اختيار، ويكفي في رد باطلهم هذا أن ما زعموه فيه اتهام باطل لله ﷿ بالظلم للعباد بتكليفهم مالا قدرة لهم عليه ومجازاتهم على ما ليس من فعلهم، تعالى الله عن ذلك. انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية (٨/ ١١٨ و٣٩٣)، وبدائع الفوائد (٤/ ١٦١٥)، والملل والنحل (١/ ٨٥)، وشرح العقيدة الواسطية للهراس (١٨٧).","vol":"1","page":94},{"text":"وإرادته، فأفعال العباد لا تدخل تحت مشيئة الله وإرادته، فالله لم يقدرها ولم يردها وإنما فعلوها هم استقلالًا، وأهل السنة توسطوا، وقالوا: للعبد اختيار ومشيئة وفعل يصدر منه ولكنه لا يفعل شيئًا بدون إرادة الله ومشيئته وتقديره. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾. فأثبت للعباد عملا هو من خلق الله تعالى وتقديره. وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ \". (^١)\nوليس هناك غرابة فقد كان السمعاني ﵀ شوكا في أعين المخالفين الذين يخالفون ما يعتقده أهل السنة والجماعة وذلك في الرد على الطوائف الضالة وخصوصا القدرية فقد تكرر في تفسيره ﵀ عدة مواضع فيها في الرد على هذه الطائفة، ولعل السبب أنه مذهبه في الاعتقاد كان على القدرية قبل أن يكون على مذهب أهل السنة والجماعة، فأصبح بعد ذلك ذابا عن معتقد أهل السنة والجماعة، لكن نكتفي بهذه دون سواه لكثرة تكرر استنباطاته في هذا الأمر. (^٢)\n_________\n(^١) شرح الواسطية للفوزان (١/ ٩٠). وللاستزادة انظر الإيمان الكبير (٢/ ٤٠٢)، شرح لامية بن تيمية (١٨/ ١١).\n(^٢) وردت عدة آيات أثبت فيها السمعاني أن فيها رد على القدرية. انظر: تفسير السمعاني (١/ ٢٥٦)، (٢/ ١٣٤)، (٢/ ١٨٣)، (٢/ ٢٣٤)، (٢/ ٣١٨)، (٢/ ٤٠٦)، (٣/ ٨٢)، (٣/ ٢٤٦)، (٥/ ١٤١).","vol":"1","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>بطلان معتقد المرجئة، والكرامية في مسألة الإيمان</span>.\nقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة ٨].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" قوله تعالى ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ نفى الإيمان عنهم، حيث أظهروا الإسلام باللسان ولم يعتقدوا بالجنان، وهذا دليل على من يخرج الاعتقاد من جملة الإيمان \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من هذه الآية ردًّا لمعتقد طائفة المرجئة (^٢)، والكرامية (^٣)، والتي تسلك مسلك أهل النفاق، الذي من جملة أصولهم الباطلة أن الإيمان إقرار\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (١/ ٤٧).\n(^٢) المرجئة: هي فرقة ظهرت في آخر القرن الأول الهجري، في الكوفة، وأول من تكلم في ذلك حماد بن أبي سليمان، وهي فرقة ذات مفاهيم وآراء عقدية خاطئة في مفهوم الإيمان التي لم يعد لها كيان واحد، حيث انتشرت مقالتهم في كثير من الفرق، فمنهم من يقول إن الإيمان قول باللسان وتصديق بالقلب فقط وهم مرجئة الفقهاء وهؤلاء أخرجوا العمل عن مسمى الإيمان، وبعضهم يقصره على قول اللسان وهم الكرامية، والبعض الآخر يكتفي في تعريفه بأنه التصديق وهم الماتريدية ومن وافقهم من الأشاعرة، وغالى بعضهم فقالوا إنه المعرفة وهو قول الجهم بن صفوان. انظر: الملل والنحل (١/ ١٦١)، ومقالات الإسلاميين (١/ ١٣٨ - ١٥٢).\n(^٣) الكرامية: هي طائفة منسوبة إلى أبي عبد الله محمد بن كرام، وهم طوائف بلغ عددهم إلى اثنتي عشر فرقة. وأصولها ستة: العابدية والتونية والزرينية والإسحاقية والواحدية وأقربهم الهيصمية ولكل واحدة منهم رأي، ومن أصولهم قولهم: بأن الإيمان هو الإقرار باللسان فقط دون التصديق بالقلب ودون سائر الأعمال وفرقوا بين تسمية المؤمن مؤمنا فيما يرجع إلى أحكام الظاهر والتكليف وفيما يرجع إلى أحكام الآخرة والجزاء فالمنافق عندهم: مؤمن في الدنيا على الحقيقة مستحق للعقاب الأبدي في الآخرة، وقالوا في الإمامة: إنها تثبت بإجماع الأمة دون النص والتعيين كما قال أهل السنة إلا أنهم جوزوا عقد البيعة لإمامين في قطرين وغرضهم إثبات إمامة معاوية في الشام باتفاق جماعة من أصحابه وإثبات أمير المؤمنين علي بالمدينة والعراقين باتفاق جماعة من الصحابة. انظر: الفرق بين الفرق (١/ ٢٠٢)، والملل والنحل (١/ ١١٠)، ومقالات الإسلاميين (١/ ١٤١).","vol":"1","page":96},{"text":"باللسان فحسب ولا يلزم مع ذلك إيمان القلب والجوارح والأركان فأبطل السمعاني معتقدهم هذا بهذه الآية ذات الدلالة الظاهرة.\nقال القرطبي: \" وفي هذا رد على الكرامية حيث قالوا: إن الايمان قول باللسان وإن لم يعتقد بالقلب، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا﴾، ولم يقل: بما قالوا وأضمروا، وبقوله ﵇: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم) (^١)، وهذا منهم قصور وجمود، وترك نظر لما نطق به القرآن والسنة من العمل مع القول والاعتقاد \". (^٢)\nوبنحوه قال الرازي، والبيضاوي، والنسفي، وابن عادل الحنبلي. (^٣)\nوقال الرازي: \" والإيمان ليس عبارة عن التصديق اللساني، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ نفى كونهم مؤمنين، ولو كان الإيمان بالله عبارة عن التصديق اللساني لما صح هذا النفي \". (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه - باب فإن تابوا وأقاموا الصلاة - حديث رقم ٢٥ (١/ ١٧)، ورواه ابن حبان في صحيحه - باب فرض الإيمان - حديث ١٧٤ (١/ ٣٩٩).\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن (١/ ١٩٣).\n(^٣) انظر: مفاتيح الغيب (٢/ ٣٠١)، وأنوار التنزيل (١/ ١٦٢)، ومدارك التنزيل (١/ ٦٢)، واللباب في علوم الكتاب (١/ ٧١٤).\n(^٤) مفاتيح الغيب (٢/ ٣٠١).","vol":"1","page":97},{"text":"وقد رد شيخ الإسلام على هذه الطائفة الضالة بنصوص القرآن والسنة والتي تخالف معتقدهم هذا. (^١)\nومما سبق يتبين بطلان هذا المعتقد الضال ولا أصرح من هذه الآية في الرد عليهم، أو ما ذكره الله تعالى في الآية التي تناولت أركان الإيمان، سواء الإقرار القلبي والتصديق اللساني والعمل بالجوارح والأركان، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ فقصر الإيمان على من اتصف بتلك الصفات والأفعال الشاملة لأعمال القلب واللسان والجوارح، بمعنى أن من ترك أحدها فهو غير مؤمن، وكذلك العديد من الآيات المبثوثة في القرآن والسنة، وقد بوَّب الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما أبوابًا كثيرة تثبت أن الإيمان إقرار وتصديق وعمل.\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (٧/ ١٤٠)، والإيمان الكبير (٢/ ١٧٤)، وللاستزادة انظر أيضا: إعانة المستفيد (٢/ ١٥٥)، والمواقف للإيجي (٣/ ٥٢٩)، ولوامع الأنوار البهية (١/ ٤٠٤).","vol":"1","page":98},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>عظمة النار كون وقودها الناس والحجارة</span>.\nقال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ٢٤].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" وقوله تعالى ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ في هذا دليل على عظم تلك النار \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من ظاهر الآية عظمة النار التي أمرنا الله باتقائها، وذلك كون هذه النار وقودها من جنس البشر والحجارة، التي هي سبب لتخميد النار فإذا هي هنا سبب لإيقاد نار جهنم أعاذنا الله منها.\nقال الزمخشري في بيان عظمة هذه النار: \" وأنها نارٌ ممتازةٌ من النيران بأنها لا تتقد إلا بالناس والحجارة، وذلك يدلّ على قوَّتِها من وجهين: الأول: أن سائر النيران إذا أريد إحراق الناس بها أو إجماء الحجارة أوقدت أولًا بوقود ثم طرح فيها ما يراد إحراقه أو إحماؤه، وتلك أعاذنا الله منها برحمته الواسعة توقد بنفس ما تحرق، والثاني: أنها لإفراط حرها تتقد في الحجر \". (^٢)\nوممن أشار إلى ذلك من المفسرين: الرازي، والنسفي، وابن عادل الحنبلي. (^٣)\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (١/ ٥٩).\n(^٢) الكشاف (١/ ١٠٣)\n(^٣) انظر مفاتيح الغيب (٢/ ٢٥٣)، ومدارك التنزيل (١/ ٣٠)، واللباب في علوم الكتاب (١/ ٩٦).","vol":"1","page":99},{"text":"وذكر بعض المفسرين في هذه الآية استنباطًا آخر وهو أن سبب تخصيص الحجارة بالذكر هنا لما اعتقده الكفار في حجارتهم المعبودة من دون اللَّه أنها الشفعاء والشهداء الذين يستشفعون بهم ويستدفعون المضارّ عن أنفسهم بمكانهم، جعلها اللَّه عذابهم، فقرنهم بها محماة في نار جهنم، إبلاغا في إيلامهم وإغراقا في تحسيرهم مستنبطين هذا من قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾. قال بهذا ابن عادل الحنبلي، والنيسابوري (^١)، والقاسمي، وابن عاشور. (^٢)\nمما سبق يتبين صواب استنباط السمعاني في القول بعظمة نار جهنم، كون وقودها الناس والحجارة، وذلك لموافقة المفسرين له بجميع استنباطاتهم والتي تصب كلها في تهويل أمر هذه النار التي نسأل الله أن يعيذنا ووالدينا والمسلمين عامة منها ومن حرِّها. والله أعلم.\n_________\n(^١) النيسابوري: هو نظام الدين، الحسن بن محمد بن الحسين القمي النيسابوري، ويقال له الأعرج، أصله من بدلة (قم) ومنشأه وسكنه في نيسابور، مفسر، له اشتغال بالحكمة والرياضيات، له مؤلفات منها: غرائب القرآن ورغائب الفرقان، ولباب التأويل، توفي عام ٨٥٠ هـ. انظر: الأعلام (٢/ ٢١٦)، ومعجم المؤلفين (٣/ ٢٩١).\n(^٢) انظر: واللباب في علوم الكتاب (١/ ٩٦)، وغرائب القرآن ورغائب الفرقان (١/ ١٩٧)، ومحاسن التأويل (١/ ٢٤)، والتحرير والتنوير (١/ ٣٣٩).","vol":"1","page":100},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>حقيقة أسبقية خلق النار وإبطال معتقد من خالف ذلك</span>.\nقال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ٢٤].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" وهذا دليل على أن النار مخلوقة، لا كما قال أهل البدعة (^١) \". (^٢)\n\nالدراسة:\nمن هذه الآية استنبط السمعاني كما هي عادته في إبطال المعتقدات الفاسدة فنجده هاهنا يبطل معتقد المعتزلة في قولهم أن الجنة والنار لم تخلقا بعد، وكان استنباطه من قوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ﴾ والتي بمعنى هيئت ورصدت، ولم يكن السمعاني في استنباطه هذا وغيره مسترسلا في بيان المعاني التي تؤول إلى معناه المستنبط، وذلك لأنه عاش ﵀ في زمان بسليقتهم تتضح لهم معاني المفردات والتي من جملتها لفظ \" أعدت\"، والذي يدل على سبق التهيئة.\nوقد كان استنباط السمعاني هو المأثور عن جملة المفسرين لمدلول لفظ الإعداد في هذه الآية على ذلك.\nقال ابن عطية: \"وفي قوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ﴾ ردٌّ على من قال: إن النار لم تخلق حتى الآن\". (^٣) وبمثله قال أبو حيان، وأبو السعود. (^٤)\n_________\n(^١) هذا القول منسوب إلى طائفة المعتزلة، فهم قد نفوا القول بأسبقية خلق الجنة والنار، وللاستزادة انظر دراسة هذا الاستنباط والمراجع المشار إليها.\n(^٢) تفسير السمعاني (١/ ٥٩).\n(^٣) المحرر الوجيز (٢/ ٥).\n(^٤) انظر: البحر المحيط (١/ ١٧٦)، وإرشاد العقل السليم (١/ ٨٥).","vol":"1","page":101},{"text":"وقال السعدي: \" وفي قوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ونحوها من الآيات، دليل لمذهب أهل السنة والجماعة، أن الجنة والنار مخلوقتان خلافا للمعتزلة \". (^١)\nوقال الشيخ ابن باز: \" والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبدا ولا تبيدان، وأن الله تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق وخلق لهما أهلا، فمن شاء منهم إلى الجنة فضلا منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلا منه، وكل يعمل لما قد فرغ له وصائر إلى ما خلق له \". (^٢) ووافقه ابن عثيمين في كلامه ﵀. (^٣)\nولا شك أن معتقد أهل السنة والجماعة في مسألة خلق الجنة والنار واضح وبين في قولهم بأنها مخلوقتان وذلك لصراحة وقوة الأدلة من القرآن والسنة والتي من جملتها هذه الآية وقوله تعالى: ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾.\nوالسنة تؤيد ذلك فقد قال النبي ﷺ: (رأيت عمرو بن عامر بن لحي الخزاعي يجر قصبه في النار) (^٤)، وأنه ﵇ قد قال أيضا: (عذبت امرأة في هرة لم تطعمها ولم تسقها ولم تتركها تأكل من خشاش الأرض) (^٥)، إلى غير ذلك من الأدلة التي ليس لها حصر في إثبات خلق النار. (^٦)\n_________\n(^١) تفسير السعدي ص ٤٥.\n(^٢) فتاوى بن باز (٢/ ٨٥).\n(^٣) انظر: فتاوى بن عثيمين (٣/ ١٨٦).\n(^٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المناقب - باب قصة خزاعة - حديث ٣٣٣٣ (٣/ ١٢٩٧).\n(^٥) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب السلام - باب تحريم قتل الهرة - حديث ٢٢٤٢ (٤/ ١٧٦٠).\n(^٦) انظر: الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد (١/ ٢٧٨)، وحجج القرآن (١/ ٧٦)، والإنتصار في الرد على المعتزلة والقدرية (٩/ ٢٨).","vol":"1","page":102},{"text":"قال الطوفي (^١) مؤيدا هذا الاستنباط: \" وحجة الجمهور هذا النص - أعدت للكافرين - إذ المعدوم لا يقال له أعد، فهو معدوم، ولأنه ثبت أن آدم ﵇ دخل الجنة ثم أخرج منها، وأن النبي ﷺ رأى الجنة والنار ليلة الإسراء، وأن أرواح الشهداء في حواصل طير في الجنة \". (^٢)\nوعندما خالف المعتزلة معتقد أهل السنة والجماعة في قولهم بأسبقية خلق الجنة والنار، فإنه لم تكن لهم حجة إلا أنهم قالوا: أنه لا حاجة إليها، وإنما حاجتها في الآخرة، فإيجادها قبل الآخرة عبث. (^٣)\nوبهذا يتبين من صريح الأدلة السابقة واتفاق من سلمت معتقداتهم من أهل السنة والجماعة سلامة استنباط السمعاني ومن وافقه من جملة المفسرين، وبطلان قول المعتزلة القائلين بأن النار لم تخلق بعد.\n_________\n(^١) الطوفي: هو أبوالربيع، نجم الدين عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي الصرصري البغدادي، الحنبلي، ولد سنة ٦٥٧ هـ، له تصانيف كثيرة تربو على الأربعين، منها: إبطال الحيل، والآداب الشرعية، والإشارات الإلهية، توفي عام ٧١٦ هـ انظر: مقدمة كتابه الإشارت الإلهية تحقيق حسن قطب (١/ ١٠١ - ١٥٣)، ومعجم المؤلفين (٤/ ٢٦٦).\n(^٢) الإشارات الإلهية (١/ ٢٤٩).\n(^٣) انظر: شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (١/ ٤٢٠)، والإشارات الإلهية (١/ ٢٤٩).","vol":"1","page":103},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>تخصيص إعداد النار للكفار دليل على أن الموحدين لا يخلدون فيها</span>.\nقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ٢٤]\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" وهذا دليل على أنها مخلوقةٌ للكافرين، وإن دخلها بعض المؤمنين تأديبًا وتعريكًا \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من هذه الآية بدلالة مفهوم المخالفة أن الموحدين لا يخلدون في النار، ووجه استنباط ذلك من الآية أنه لما كانت هذه النار معدةً أصالةً للكفار، فإن المؤمنين إن دخلوها فإنما لتأديبهم لإسرافِهم في الذنوب التي قد نهاهم الله عنها، وإلاّ فخلق النار معدٌ للكافرين أصلًا.\nقال القشيري عند تفسيره لهذه الآية \" دليل الخطاب أن المؤمن لا يعذَّب بها، وإن عُذِّب بها مدة فلا يخلَّد فيها \". (^٢)\nوقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين مؤيدًا هذا الاستنباط: \" ومن فوائد الآية: أنّ النارَ دارٌ للكافرين، لقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ وأما من دخلها من عصاة المؤمنين فإنهم لا يخلدون فيها، فهم فيها كالزُّوار، لا بد أن يخرجوا منها، فلا تسمى النار دارًا لهم، بل هي دار للكافر فقط، أما المؤمن العاصي، إذا لم يعف الله\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (١/ ٥٩).\n(^٢) لطائف الإشارات (١/ ٢٧١).","vol":"1","page":104},{"text":"عنه، فإنه يعذّب فيها ما شاء الله، ثم يخرج منها إما بشفاعة، أو بمنة من الله وفضل، أو بانتهاء العقوبة \". (^١)،\nوممن ذكر ذلك وأيّده الهرري (^٢)، وحقي في تفسيريهما. (^٣)\nفيكون بعد ذلك ما ذهب إليه السمعاني في الاستنباط من هذه الآية ومن وافقه من بعض أهل التفسير صحيح فالآية تدل على أن النار أُعدت أصالةً للكفار مما يُفهم منه أن غيرهم ليس بخالدٍ فيها، وإن دخلها تأديبًا. والله أعلم.\n_________\n(^١) تفسير القرآن الكريم للعثيمين (١/ ٨٨). وانظر للاستزادة: لوامع الأنوار البهية (١/ ٣٧١).\n(^٢) الهرري: هو محمد أمين بن عبدالله بن يوسف بن حسن الأرمي، العلوي، الأثيوبي، الهرري، أبو ياسين، نزيل مكة، ولد في الحبشة، منطقة الكري، سنة ١٣٤٨ هـ، من مؤلفاته: الدرر البهية في إعراب أمثلة الأجرومية،، والفتوحات القيومية، وتفسيره حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن، كان مدرسًا بالحرم المكي ودار الحديث الخيرية بمكة، وهو الآن متفرغ للتأليف. انظر: مقدمة تفسيره (١/ ٥).\n(^٣) انظر: حدائق الروح والريحان (١/ ٢٣٩)، وروح البيان (٢/ ٧٦).","vol":"1","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>تفضيل الأنبياء على الملائكة</span>.\nقال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة ٣١].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" وإنما علَّمه - أي تعليم الله لآدم - ذلك تكريمًا وتشريفًا له، وذلك دليل على أن الأنبياء أفضل من الملائكة وإن كانوا رسلًا كما ذهب إليه أهل السنة\". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط أبو المظفر السمعاني من كون تعليم الله سبحانه لآدم الأسماء كلها، وعرض آدم هذه الأسماء على الملائكة، أفضليته على الملائكة، ومن ثم بنى عليها أفضلية الأنبياء على الملائكة، ووجه الاستنباط أن استثناء الله لآدم لتعليمه، وأمره سبحانه لآدم أن يعرض الأسماء على الملائكة فيه دليل على الأفضلية.\nالموافقون:\nبعد تتبع أقوال علماء العقيدة والمفسرين في كتبهم وتفاسيرهم، نجد أن السمعاني ﵀ قد وافقه جمهور أهل العلم من علماء السنة مستدلين بنصوص القرآن والسنة بل قالوا بأن صالحي البشر أفضل من الملائكة. (^٢)\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (١/ ٦٥).\n(^٢) انظر: تفسير ابن كثير (٢/ ٤٨٠)، ومجموع الفتاوى (٤/ ٣٥٠)، ولباب التأويل (١/ ٣٦)، والسراج المنير (١/ ٤٦)، وتفسير السعدي ص ٤٨.","vol":"1","page":106},{"text":"قال ابن القيم: \" ومذهب أهل السنة أن صالحي البشر أفضل من الملائكة وإن كانت مادتهم نورًا ومادة البشر ترابًا فالتفضيل ليس بالمواد والأصول ولهذا كان العبيد والموالي الذين آمنوا بالله ورسوله خيرا وأفضل عند الله ممن ليس مثلهم من قريش وبني هاشم وهذه المعارضة الابليسية صارت ميراثًا في أتباعه في التقديم بالأصول والأنساب على الإيمان والتقوى \". (^١)\nوكان من جملة ما استدل به علماء السنة ظاهر هذه الآية المستنبط منها، وأيضا قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾. (^٢) فسجود الملائكة لآدم دليل أفضليته عليهم.\nالمخالفون:\nانقسموا إلى قسمين منهم المخالف ومنهم المتوقف:\nالقسم الأول: قسم يقول بتفضيل الملائكة على الأنبياء باستثناء نبينا محمد ﷺ فهو أفضل الخلق على الإطلاق وهو اختيار أبي بكر الباقلاني (^٣) وأبي عبد الله الحليمي (^٤).\n_________\n(^١) الصواعق المرسلة (٣/ ١٠٠٢).\n(^٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١/ ٢٨٩).\n(^٣) الباقلاني: هو القاضي أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر البصري البغدادي ابن الباقلاني، صاحب التصانيف، صنف في الرد على الرافضة، والمعتزلة والخوارج والجهمية والكرامية، توفي سنة ٤٠٣ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (٣٣/ ١٨٣).\n(^٤) الحليمي: هو أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم الحليمي، البخاري، الشافعي، أحد الأذكياء الموصوفين، ومن أصحاب الوجوه في المذهب، وكان متفننا، سيال الذهن، مناظرا، طويل الباع في الأدب والبيان. ولد بجرجان، وحمل، فنشأ ببخارى، توفي في شهر ربيع الأول، سنة ٤٠٣ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (٣٣/ ٢٢٠).","vol":"1","page":107},{"text":"ومن جملة ما استدلوا به قوله تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ فقالوا أن ذلك زيادة في الحجة وتقريب من الأذهان، أي ولا هؤلاء الذين هم في أعلى درجات المخلوقين، لا يستنكفون عن ذلك فكيف سواهم. وممن قال بهذا الاستنباط الزمخشري. (^١)\nورد عليهم ابن كثير بقوله: \" وليس في ذلك دلالة، لأنه إنما عطف الملائكة على المسيح، لأن الاستنكاف هو الامتناع، والملائكة أقدر على ذلك من المسيح، فلهذا قال: ﴿وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ولا يلزم من كونهم أقوى وأقدر على الامتناع أن يكونوا أفضل \". (^٢) وزاد الشوكاني بأنه لا يفهم من لغة العرب أن المعطوف أعظم شأنا من المعطوف عليه. (^٣)\nواحتج المخالفون أيضا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾، لأن المراد من هذه العندية القرب، والشرف، وهذا حاصل لهم لا لغيرهم.\n_________\n(^١) انظر: الكشاف (١/ ٣٦٠).\n(^٢) تفسير القرآن العظيم (٢/ ٤٨٠)\n(^٣) انظر: فتح القدير (٢/ ٢٥٤).","vol":"1","page":108},{"text":"ورد أهل السنة عليهم بأنه تعالى أثبت هذه الصّفة في الآخرة لآحاد المؤمنين في قوله: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ (^١).\nواحتج المخالفون بأن عبادات الملائكة أدوم، لأن أعمارهم أطول، فكانت أفضل لقوله ﵊ عندما سأله الأعرابي يا رسول الله من خير الناس؟ قال (من طال عمره وحسن عمله) \". (^٢)\nورد عليهم بأن نوحا ولقمان والخضر - عليهم الصلاة والسلام - كانوا أطول عمرا من محمد - ﵊ - فوجب أن يكونوا أفضل منه، فيصبح قولهم باطل بالاتفاق. (^٣)\nوقاموا بالرد على من فضل الأنبياء على الملائكة بقولهم بأن تعليم الله لآدم فيه فضلا، وليس أفضلية مطلقة، وأن سجود الملائكة كان امتثالًا لأمر ربهم ولأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ولا يقتضي ذلك التفضيل، لأنهم إنما سجدوا امتثالًا وانقيادًا وطاعة له سبحانه، وتكريمًا لآدم وتعظيمًا، وإظهارًا لما فيه من الفضل، لا على الأفضلية، ولا شك أن للملائكة وصالحي بني آدم أيضا فضلًا\n_________\n(^١) انظر: المواقف للإيجي (٣/ ٤٥٣)، واللباب في علوم الكتاب (١/ ١٣٥)\n(^٢) رواه الترمذي في صحيحه - كتاب الزهد - باب طول العمر للمؤمن - حديث ٢٣٢٩ (٤/ ٥٦٥) قال عنه الترمذي حديث حسن وقال عنه الألباني حديث صحيح، انظر المرجع السابق والجامع الصغير وزيادته للألباني (١/ ٥٦١).\n(^٣) انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٢/ ٤٨٠)، والمواقف للإيجي (٣/ ٤٥٣)، واللباب في علوم الكتاب (١/ ١٣٥).","vol":"1","page":109},{"text":"عظيمًا، بل وقالوا أنه لا يلزم أن يكون المسجود له أفضل من الساجد، ألا ترى أن الكعبة مسجود لها والأنبياء والخلق يسجدون نحوها، ثم إن الأنبياء خير من الكعبة باتفاق الأمة. (^١)\nالقسم الثاني: قسم توقف في المسألة لوجود الأدلة من كلا الفريقين، ومنهم الكيا الهراسي (^٢)، وأثر عن الإمام أبي حنيفة التوقف عن الخوض في هذه المسألة وأيضا أثر عن الطحاوي. (^٣)\nالنتيجة:\nبعد معرفة أدلة الموافقين والمخالفين يمكن الجمع بين الأدلة والتوسط بين الموافقين والمعارضين ولا أجمل مما قاله شيخ الإسلام عندما أراد التوسط بين القولين حيث قال: \"وصالحي البشر أفضل باعتبار كمال النهاية، والملائكة أفضل باعتبار البداية، فإن الملائكة الآن في الرفيق الأعلى منزهون عما يلابسه بنو آدم، مستغرقون في عبادة الرب ولا ريب أن هذه الأحوال الآن أكمل من أحوال البشر، وأما يوم القيامة بعد دخول الجنة فيصير صالحو البشر أكمل من حال الملائكة\n_________\n(^١) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١/ ٢٨٩).\n(^٢) انظر: الحبائك في أخبار الملائك للسيوطي (١/ ٥٨).\n(^٣) شرح الطحاوية لابن أبي العز (١/ ٢٩٧).","vol":"1","page":110},{"text":"\". (^١) وقد وافقه تلميذه ابن القيم بقوله: \" وبهذا التفضيل يتبين سر التفضيل، وتتفق أدلة الفريقين، ويصالح كل منهم على حقه \". (^٢)\nوإلا فالأقرب والأسلم - والله أعلم - أن التوقف عن الخوض في هذه المسألة أفضل من الخوض فيها وذلك لأنه من الأمور التي يسميها أهل العلم فضول العلم، وذلك لما يجري فيها من تصادم النصوص والرد على المعارض بنفس ما استدل به من كلا الفريقين، يؤيد ذلك ما ذكره ابن أبي العز في سبب توقف الإمام الطحاوي عن التعرض لهذه المسألة وذلك لقلة ثمرتها وأنها من الأمور التي لا تعني المسلم لقوله ﷺ: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) (^٣). (^٤)\nوأيضا لما تبعه عليه الشوكاني بعد القول بتفضيل الأنبياء قال: \" وقد اشتغل بهذه المفاضلة قوم من أهل العلم، ولا يترتب على ذلك فائدة دينية ولا دنيوية؛ بل الكلام في مثل هذا من الاشتغال بما لا يعني \". (^٥) والله أعلم.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٤/ ٣٥٠). وللاستزادة: انظر شرح العقيدة السفارينية لابن عثيمين (١/ ٣٢٥). وأضواء البيان (٩/ ٥١).\n(^٢) بدائع الفوائد (٣/ ٦٨٤).\n(^٣) رواه في ابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة - كتاب الإيمان - باب ما جاء في صفات المؤمنين - حديث ٢٢٩ (١/ ٤٦٦)، قال شعيب الأرنؤوط: حديث حسن لغيره، انظر المرجع السابق.\n(^٤) انظر: شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (١/ ٢٩٧).\n(^٥) فتح القدير (٢/ ٤١٦).","vol":"1","page":111},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>جواز النسخ في القرآن ووقوعه</span>.\nقال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ١٠٦].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" والنسخ (^١) جائز في الجملة باتفاق الأمة. ونسخ القرآن على وجوه ..... \". (^٢)\n\nالدراسة:\nلم يكن استنباط السمعاني بجواز النسخ من ظاهر هذه الآية إلا لكثرة من تكلموا في النسخ سواءً بمنعه كليًّا أو جوازه عقلًا ومنعه سمعًا أو غير ذلك من أنواع إنكار النسخ، فاستنبط ﵀ من بيان الله، وإثباته لنسخ بعض الآيات جوازه ووقوعه في القرآن.\n\nالموافقون: (^٣)\nاتفقت الأمة على جواز النسخ في القرآن وأنه جائز وقوعه عقلا وسمعا بل وقد وقع، ووافق السمعاني في هذا جمع من المفسرين، قال الزركشي: \" والصحيح\n_________\n(^١) النسخ لغة: الرفع والإزالة، وشرعًا: رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم، بخطاب متراخ عنه. انظر: روضة الناظر: (١/ ٢٨٣)، والمذكرة في أصول الفقه (١/ ٦٤).\n(^٢) تفسير السمعاني (١/ ١٢١).\n(^٣) انظر: النسخ في القرآن الكريم لمصطفى مسلم (١/ ٢٣٧)، ومناهل العرفان (٢/ ١٩٣).","vol":"1","page":112},{"text":"جواز النسخ ووقوعه سمعا وعقلا \". (^١) وقال النسفي \" وإنما يجوز النسخ بالكتاب والسنة متفقًا ومختلفًا ويجوز نسخ التلاوة والحكم، والحكم دون التلاوة، والتلاوة دون الحكم ونسخ وصف بالحكم مثل الزيادة على النص\". (^٢) وكذلك قاله الطبري، والثعلبي، وابن عطية، وابن القيم، وابن كثير، والبيضاوي، والزرقاني، والشنقيطي، وغيرهم كثير. (^٣)\nوقد وافقهم أيضا علماء الفقه وأصوله، وذكروا أدلة القول بالنسخ، قال ابن قدامه: \" وقد أنكر قوم النسخ وهو فاسد لأن النسخ جائز عقلًا وقد قام دليله شرعًا أما العقل فلا يمتنع أن يكون الشيء مصلحتة في زمان دون زمان، ولا بعد في أن الله يعلم مصلحة عباده في أن يأمرهم بأمر مطلق حتى يستعدوا له فيثابوا ويمتنعوا بسبب العزم عليه عن معاص وشهوات ثم يخففه عنهم، فأما دليله شرعا فقال الله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (^٤)، وقد وافقه أيضا الآمدي، وابن حزم، والزركشي، والغزالي، والشوكاني وغيرهم. (^٥)\n_________\n(^١) البرهان في علوم القرآن للزركشي (٢/ ٣٠).\n(^٢) مدارك التنزيل (١/ ٦٨).\n(^٣) انظر: تفسير الطبري (٢/ ٣٨٨)، والكشف والبيان (١/ ٢٥٣)، والمحرر الوجيز (١/ ١٣٨)،، وإغاثة اللهفان (٢/ ٣٢٦)، وتفسير القرآن العظيم (٣/ ٢٦١)، وأنوار التنزيل (١/ ٣٧٩)، ومناهل العرفان (٢/ ١٩٣)، وأضواء البيان (٢/ ٤٤٨).\n(^٤) روضة الناظر (١/ ٧٣).\n(^٥) انظر: الإحكام للآمدي (٣/ ١٢٨)، والإحكام لابن حزم (٤/ ٤٦٨)، والبحر المحيط في أصول الفقه (٣/ ١٥٤)، والمستصفى (١/ ٢١٤)، وإرشاد الفحول (٢/ ٧٠).","vol":"1","page":113},{"text":"المخالفون: (^١)\nأنكرت طائفة وقوع النسخ في القرآن، واختلفوا ما بين مَن جوَّزه عقلًا أو منعه سمعًا، أو منعه بالكلية. وأيضًا قد نقل أن أبا مسلم الأصفهاني (^٢) قد أنكر وقوع النسخ في القرآن ووجه إحكام الآيات المنسوخة.\nأما المتأخرون فقالوا أن ليس هناك نصًا في أن المراد بالنسخ هو النسخ للآية القرآنية، وإنما المراد هو المعجزة، وكان هذا ردًا على كفار قريش الذين طلبوا آية - أي معجزة كونية مادية، ويزكي هذا القول إختتام الآية بذكر قدرة الله تعالى، ولو كان المراد بالآية هو الآية المنزلة، لختمت الآية بما يناسبها من العلم والحكمة، ثم ذكروا عدة أدلة تثبت عدم جوازه وعدم وقوعه في القرآن. (^٣)\n_________\n(^١) انظر لا نسخ في القرآن ص ٢٢٤، بالحجة والبرهان لانسخ في القرآن ص ٣٠، النسخ في الشريعة الإسلامية كما أفهمه ص ٢٠٠.\n(^٢) الأصفهاني: هو محمد بن بحر الأصفهاني، أبو مسلم من أهل أصفهان، ولد سنة ٢٥٤ هـ، معتزلي، من كبار الكتاب، عالما بالتفسير، توفي سنة ٣٢٢ هـ. انظر: بغية الوعاة (١/ ٥٩)، والأعلام للزركلي (٦/ ٥٠)، ومعجم المؤلفين (٩/ ٩٧).\n(^٣) قال النافون للنسخ: أولا: ماسبق ذكره اعلاه في أن تأويل الآية المراد بها المعجزة وليست الآية القرآنية، ثانيا: أنه لا يوجد نسخ في القرآن الكريم لأنه \" كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير. ثالثا: يقولون أن النسخ جاء على خلاف الأصل، وما جاء على خلاف الأصل فإنه لا يثبت إلا بنص في المعنى، أي لا يحتمل في دلالته إلا وجهًا واحدًا ولا يوجد نص قطعي الدلالة والثبوت يثبت أن هناك نسخ في آية من آيات القرآن الكريم. رابعا: أننا لم نسمع من النبي ﷺ وأصحابه المقربين أنهم قالوا بذلك قولًا منقولًا إلينا بالتواتر يكون به العلم اليقيني، بل هذا إصطلاح السلف المتأخر. خامسا: يقولون أنه لو صح يقينًا أن في القرآن ناسخًا ومنسوخًا لكان هذا أصلًا واجب المعرفة والتقرير والإعتراف به كالقرآن المسطور بين أيدينا تمامًا يكون من ألزم اللوازم إدراكه حين التشريع وعند تدوين الأحكام ولما اختلف فيه مدعوا النسخ أنفسهم، ولكنهم إختلفوا فيه إختلافًا كبيرًا. سادسًا: قالوا النسخ في آي القرآن يقتضي إما الجهل أو التجهيل لله ﷾ وهذا يستلزم منه البداء على الله وهو محال. انظر لا نسخ في القرآن ص ٢٢٤، الناسخ والمنسوخ بين الإثبات والنفي ص ٢٠٠، بالحجة والبرهان لا نسخ في القرآن ص ٣٨، نظرات في القرآن للغزالي ص ٢٣٥.","vol":"1","page":114},{"text":"وقد رد عليهم القائلون بالنسخ أدلة من القرآن والسنة بل ومن حيث ما استدل النافون للنسخ فألجمتهم وأسكتت أفواههم، بل وردوا عليهم أيضا بالأدلة العقلية. (^١)\n\nالنتيجة:\nأن ماذهب إليه السمعاني ومن وافقه من قبله ومن بعده هو عين الصواب وذلك لموافقته لنصوص القرآن والسنة وأقوال الصحابة والتابعين وإجماع علماء الأمة من المفسرين، والأصوليين، وغيرهم على القول بجواز ووقوع النسخ، والله أعلم.\n_________\n(^١) قال المثبتون للنسخ: أولًا: في تفسير قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.قال بن جرير في تفسير هذه الآية: \" أي ما ننقل من حكم آية إلى غيره فنبدله ونغيره، وذلك بأن يكون الحلال حراما، والحرام حلالا، والمباح محظورا، والمحظور مباحا \".فبين الطبري ﵀ أن المقصود هنا من لفظ (آية): هو الآية القرآنية وليس المعجزة. ثانيًا: أما من حيث دعواهم كون أن النسخ جاء على خلاف الأصل وما جاء خلاف الأصل لا يثبت إلا بدليل ففي سبب النزول الذي رواه ابن عباس ﵄ والذي قال فيه: \" كان إذا نزلت آية فيها شدة ثم نزلت آية فيها لين تقول قريش: والله ما محمد إلا يسخر بأصحابه، اليوم يأمرهم بأمر وغدًا ينهاهم عنه؟ ما هو إلا مفتر \". دلالة على رفع الأصل وإثبات للبدل. ثالثًا: ومن الردود على من نفى وجود النسخ في القرآن وجود بعض الأدلة النقلية التي تدل على تغيير بعض أحكام الشريعة من تحويل حلال إلى حرام أو من حرام إلى حلال كقوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾. ووجه الدلالة منها أنها تفيد تحريم ما أحل الله من قبل من الأحكام الجزئية العملية، وما ذلك إلا نسخ ورفع لحكم الحلال فيكون حرامًا. وكلمة \" أحلت لهم \" يفهم منها أن الحكم الأول كان حكمًا شرعيًا، حيث ذكرت الآية أن بعض الطيبات أحلها الله لهم وليس بالبراءة الأصلية والإباحة. رابعًا: ومن الأدلة القائمة على جواز النسخ ووقوعه في القرآن الكريم، وجود آيات في كتاب الله تعالى نسخت أحكامها وبقى لفظها وهي عديدة، مثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ فإن حكمها منسوخ بالآية التي بعدها، وهو قوله تعالى: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ وغير ذلك من الأدلة. انظر البرهان في علوم القرآن (٢/ ٣٠)، الإتقان في علوم القرآن (٢/ ٥٥)، ومناهل العرفان (٢/ ١٩٣)، والنسخ في القرآن الكريم لمصطفى مسلم (١/ ٥٢)، وفتح المنان في نسخ القرآن ص ٨٥.","vol":"1","page":115},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>تكرار الآيتين إما لاختلاف المخاطب، أو للتأكيد بأنه لا ينفع الإنسان إلا عمله وذلك لقطع التعلق بالمخلوقين</span>.\nقال تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة ١٤١].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يعني: أنكم غير مسؤولين عن أعمالهم بل هم المسئولون، فإن قيل: هذا تكرار، فإنه قد ذكره مرة، قلنا: أما الأول: كان في الأنبياء الذين سبق ذكرهم، وهذا الثاني: في اليهود والنصارى الذي سبق ذكرهم، أو كرره تأكيدا \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني استنباطين في مناسبة تكرار هاتين الآيتين، وبين أن سبب التكرار إما لاختلاف المخاطب بحيث أن الآية الأولى نزلت في الأنبياء والآية الثانية نزلت في أسلاف اليهود، أو أن سبب التكرار التأكيد وذلك لأجل قطع تعلق القلوب بالمخلوقين فلا ينفع الإنسان إلا كسبه.\nالموافقون للسمعاني في استنباطه الأول بأن سبب التكرار اختلاف المخاطب:\nقال بعض المفسرين أنه ليس في الآيتين تكرار، وإنما السياق يبين اختلاف من ورد في حقهم الخطاب، قال أبو حيان: \" وليس ذلك بتكرار، لأن ذلك ورد إثر شيء مخالف لما وردت الجمل الأولى بإثره، وإذا كان كذلك، فقد اختلف السياق،\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (١/ ١٤٨).","vol":"1","page":116},{"text":"فلا تكرار، بيان ذلك أن الأولى وردت إثر ذكر الأنبياء، فتلك إشارة إليهم، وهذه وردت عقب أسلاف اليهود والنصارى، فالمشار إليه هم، فقد اختلف المخبر عنه والسياق، والمعنى: أنه إذا كان الأنبياء على فضلهم وتقدّمهم، يجازون بما كسبوا، فأنتم أحق بذلك \". (^١) وممن وافقه على ذلك أيضًا الرازي. (^٢)\nالموافقون للسمعاني في استنباطه الثاني بأن سبب التكرار هو التأكيد بأنه لا ينفع الانسان الا كسب نفسه وأنه لا يسأل عن أعمال غيره:\nخالف بعض أهل التفسير بالقول بأن هذا التكرار لاختلاف السياق، وقالوا بأن الحكمة من التكرار قطع التعلق بالمخلوقين من الآباء وغيرهم من الأسلاف، وأن المعول ما اتصف به الإنسان.\nقال حقي: \" وهذا تكريرٌ للآية السابقة بعينها للمبالغة في الزجر، عمّا هم عليه من الافتخار بالآباء والاتكال على أعمالهم\". (^٣)\nوممن قال به أيضًا البيضاوي، والخازن، والألوسي، وأبو السعود، والشوكاني، والدوسري (^٤). (^٥)\n_________\n(^١) البحر المحيط (١/ ٦٦٤)\n(^٢) انظر: مفاتيح الغيب (٤/ ٨٢).\n(^٣) روح البيان (١/ ١٩٧).\n(^٤) الدوسري: هو عبدالرحمن بن محمد بن خلف آل نادر الدوسري، ولد في البحرين ١٣٣٢ هـ نشأ في الكويت في بيئة صالحة، درس في المدرسة المباركية، وتأثر بعدد من المشائخ منهم: عبدالله الدحيان، وعبدالرحمن الدويش، وقاسم بن مهزع، وله مؤلفات منها: صفوة الآثار والمفاهيم تفسير، والأجوبة المفيدة لمهمات العقيدة وغير ذلك. توفي عام ١٣٨٩ هـ. انظر: صفوة الآثار والمفاهيم (١/ ٢٥)، وعلماء نجد خلال ثمانية قرون (٣/ ١٦٣).\n(^٥) انظر: أنوار التنزيل (١/ ٩١)،، ولباب التأويل (١/ ١١٧)، وروح المعاني (١/ ٤٠١) وإرشاد العقل السليم (١/ ١٧٠)، وفتح القدير (١/ ١٧٢)، وصفوة الآثار والمفاهيم (٢/ ٤١٥).","vol":"1","page":117},{"text":"النتيجة:\nيظهر والله أعلم، أن التكرار في هاتين الآيتين لأجل التخويف والتهديد من الاعتماد على عمل الأسلاف وأنّ الإنسان مسؤولٌ عن نفسه، والتأكيد على هذا المعنى يزيد رسوخًا في نفوس الناس، قال ابن عاشور: \" تكريرٌ لنظيره الذي تقدم آنفًا لزيادة رسوخ مدلوله في نفوس السامعين اهتمامًا بما تضمنه لكونه معنى لم يسبق سماعه للمخاطبين فلم يقتنع فيه بمرة واحدة \" (^١).\nومما لا شك فيه أنه لو كان هناك دليلٌ على اختلاف المخاطب من سبب نزول أو غيره لقُدّم هذا القول ورُجّح على ما سواه، لكن حقيقة الأمر أنه ليس هناك دليل على ذلك فأصبح القول بذلك تعسفًا، قال الألوسي بعد ذكره لهذا \" ولا يخفى ما في هذا القول من التعسف الظاهر \". (^٢)\nوبالقول الآخر أنه للتأكيد يكون الصواب، والله أعلم سفر المعصية لا يبيح رخصة أكل الميتة.\nقال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة ١٧٣].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" ومعنى قوله تعالى: ﴿وَلَا عَادٍ﴾ أي: ولا متعد، عاص في سفره، ففي هذا دليل على أن العاصي في سفره لا يترخص بأكل الميتة\". (^٣)\n_________\n(^١) التحرير والتنوير (١/ ٧٤٨).\n(^٢) روح المعاني (١/ ٤٠١).\n(^٣) تفسير السمعاني (١/ ١٦٩).","vol":"1","page":118},{"text":"الدراسة:\nاستنبط السمعاني مسألةً فقهيةً في أن العاصي في سفره لا يترخص بما يحتاجه المضطر عند الضرورة، وحجته في عدم الترخص أن الله جعل من شروط الرخصة عدم التعدي.\nالموافقون:\nوقد وافق السمعاني في استنباطه لهذا الحكم الفقهي الشافعي، وأحمد، ومجاهدًا، وسعيد بن جبير، ولم يكن هذا الاستنباط إلا لتفسيرهم لقوله تعالى: ﴿وَلَا عَادٍ﴾ أي ولا متعد في سفره أو متعد على المسلمين، وحجتهم أيضًا أن الرخص لا تنال بالمعاصي. (^١)\nوقد ذكر ابن كثير هذا القول ولم يرجحه قال: \" وقد استدل بهذه الآية من يقول بأن العاصي بسفره لا يترخص بشيء من رخص السفر، لأن الرخص لا تنال\nبالمعاصي\". (^٢)\nالمخالفون:\nوممن خالف السمعاني في هذا الاستنباط الفقهي أبو حنيفة، ومالك، وشيخ الإسلام بن تيمية بحجتين:\nالأولى: قالوا بأن المراد بقوله تعالى: ﴿وَلَا عَادٍ﴾ أي ولا متعد في أكله للميتة، أو ولا متعد على أعراض المسلمين وأموالهم.\n_________\n(^١) انظر: البحر المحيط (٢/ ١١٦)، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (٣/ ٣١)، وروح المعاني (١/ ٤٤٠)، واللباب في علوم الكتاب (١/ ٥٠٦).\n(^٢) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٣/ ٣١)","vol":"1","page":119},{"text":"الثانية: أن اللفظ على عمومه والعاصي يدخل في جملة المكلفين، وقال ابن خويز منداد (^١): «فأما الأكل عند الاضطرار فالطائع والعاصي فيه سواء، لأن الميتة يجوز تناولها في السفر والحضر، وليس بخروج الخارج إلى المعاصي يسقط عنه حكم المقيم بل أسوأ حالة من أن يكون مقيما، وليس كذلك الفطر والقصر». وأيده على ذلك القرطبي (^٢)، وقال به الجصاص، ووافقه الرازي، وهو اختيار شيخ الإسلام، وابن قدامه، والعثيمين. (^٣)\nالنتيجة:\nيظهر بعد وضوح الأدلة أن صراحة الأدلة عند المخالفين للسمعاني بجواز أكل الميتة للمسافر العاصي عند الضرورة، أقوى ممن وافقوا السمعاني، سواء من حيث التفسير الصحيح لبيان معنى الآية بأنها التعدي في الأكل، أو التعدي على المسلمين، وأيضا لإطلاق الآية، قال محمد رشيد رضا: \" ولا خلاف بين المسلمين في أن السفر كالذي يباح فيه القصر يباح فيه الفطر وأما العاصي في السفر فهو على دخوله في الإطلاق من جملة المكلفين المخاطبين بالشريعة كلها كغيرهم\". (^٤) والله أعلم.\n_________\n(^١) ابن خويز منداد: هو محمد بن علي بن إسحاق بن خويز منداد، ويقال خواز منداد الفقيه المالكي البصري يكنى أبا عبد الله، وصنف كتبا كثيرة منها كتابه الكبير في الخلاف وكتابه في أصول الفقه، وكتابه في أحكام القرآن وعنده شواذ عن مالك واختيارات وتأويلات لم يعرج عليها حذاق المذهب، توفي في أواخر المائة الرابعة للهجرة. انظر لسان الميزان لابن حجر (٥/ ٢٩١).\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٢٣٣).\n(^٣) انظر: أحكام القرآن للجصاص (١/ ١٥٦)، ومفاتيح الغيب (٥/ ٢٠٢)، ومجموع الفتاوى (١٠/ ٣٤٨)، والمغني (٤/ ٣٨) وتفسير القرآن العظيم لابن عثيمين (١/ ٢٦).\n(^٤) تفسير المنار (٢/ ١٢٢).","vol":"1","page":120},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>القتل لا يقطع أخوة الدين</span>.\nقال تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة ١٧٨]\n• قال السمعاني - ﵀ -: وظاهره يقتضي أنّ أخوّة الدين لا تنقطع بين القاتل والمقتول، حيث قال: من أخيه، وهو الذي نقول به \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من هذه الآية مسألةً عقديةً، وهي أن القاتل لا يكفر، ووجه ذلك أن اللهَ سمّى القاتل أخًا فدلّ ذلك على أنه لم يكفر لبقاء الأخوة الإيمانية.\nوقد قال بذلك جمع من أهل التفسير: قال الخازن مثبتًا بقاء الإيمان للقاتل، وبقاء الأخوة الإيمانية بينه وبين أهل المقتول: \" وأنه تعالى أثبت الأخوة بين القاتل وولي الدم بقوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ فأراد بالأخوة أخوة الإيمان، فلولا أن الإيمان باق على القاتل لم تثبت له الأخوة\". (^٢)، وممن قال بذلك أيضًا: فخر الدين الرازي، وابن الجوزي، والخازن، والعثيمين (^٣) وغيرهم.\nوذكر بعض المفسرين وجهًا آخر في الاستنباط حيث قالوا بأن ذكر الأخوة هنا رجاءَ استعطافِ أهلِ المقتول لرابط الأخوة الإيمانية التي تربطهم من أجل العفو عن القاتل قال النّسفي: \" وذكّره بلفظ الأخوّة بعثًا له على العطف لما بينهما من الجنسية والإسلام \" (^٤) وممن قال به أيضًا: البيضاوي، وابن عاشور. (^٥)\nيخلص الأمر - والله أعلم - إلى صِحّة استنباط السمعاني، وإنه لا منافاة بين وجهي الاستنباط، فذِكر الأخوة يلزم منه بقاء الدين والإيمان عند القاتل، كما يلزم منه تذكير أهل الدم بأخوة الإسلام التي تربطهم، وذلك لترقيقِ أنفسهم، لأنهم إذا اعتبروا القاتل أخًا لهم كانوا أقرب للعفو، والله أعلم\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (١/ ١٧٤).\n(^٢) لباب التأويل (١/ ١٤٧).\n(^٣) انظر: مفاتيح الغيب (٥/ ٤٧)، وزاد المسير (١/ ١٠٣)، ولباب التأويل (١/ ١٠٧)، وتفسير القرآن الكريم للعثيمين (٢/ ٣٠٢).\n(^٤) مدارك التنزيل (١/ ١٠٢).\n(^٥) انظر: أنوار التنزيل (١/ ١٠٣)، والتحرير والتنوير (٢/ ١٤٢).","vol":"1","page":121},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>بلاغة التعبير بالخوف دون العلم</span>.\nقال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء ٣٥].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" وقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ أي: علمتم، وإنما عبر بالخوف عن العلم، لأن الخوف طرف إلى العلم، فإنه إنما يخاف الوقوع في الشيء للعلم به \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني استنباطًا بلاغيًا من سر التعبير بالخوف بدلا عن العلم، وقال بأن الخوف طرف إلى العلم، وإن الشيء لا يخاف الوقوع فيه إلا للعلم به. فيكون وجه استنباطه أنه لم يكن هناك خوف إلا بعد علم.\nوقبل أن ندلف إلى صحة هذا الاستنباط من عدمه يجب معرفة معنى تفسير هذه اللفظة ﴿خِفْتُمْ﴾ عند علماء التفسير.\nقال ابن عباس: \" ومعنى خفتم: أي علمتم، وهذا بخلاف قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾، فان ذلك محمول على الظن، والفرق بين الموضعين أن في الابتداء يظهر له أمارات النشوز فعند ذلك يحصل الخوف وأما بعد الوعظ والهجر والضرب لما أصرت على النشوز، فقد حصل العلم بكونها ناشزة \". (^٢)\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (١/ ١٧٦).\n(^٢) انظر: تفسير الطبري (٨/ ٣١٨).","vol":"1","page":122},{"text":"وقد وافقه على ذلك الطبري، والبغوي، والرازي. (^١)\nلكن خالف بعضهم هذا المعنى وخطأوا من قال بأن الخوف هو العلم اليقيني، مؤيدين القول في معنى الخوف بالظنية، والخشية أي إذا ظننتم وخشيتم، وحجتهم أنه لو علم الشقاق لما أحتيج إلى الحكمين. (^٢)\nلكن أجاب سائر المفسرين على هذا القول بأن وجود الشقاق وإن كان معلومًا، إلا أنا لا نعلم أن ذلك الشقاق صدر عن هذا أو عن ذاك، فالحاجة إلى الحكمين لمعرفة هذا المعنى، ويمكن أن يقال: وجود الشقاق في الحال معلوم، ومثل هذا لا يحصل منه خوف، إنما الخوف في أنه هل يبقى ذلك الشقاق أم لا، فالفائدة في بعث الحكمين ليست إزالة الشقاق الثابت في الحال فان ذلك محال، بل الفائدة إزالة ذلك الشقاق في المستقبل. (^٣)\nمن هنا يتبين بعد عرض أقوال أهل العلم أن استنباط السمعاني صحيح لوجود القرائن الدالة على ذلك وذلك بعد استنفاذ دواعي الإصلاح من الوعظ والهجر والضرب، فيتبين بعد ذلك أن الخوف هنا بمعنى العلم، وأنه طرف له، لإصرار الزوجة على النشوز، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: تفسير الطبري (٨/ ٣١٨)، ومعالم التنزيل (٢/ ٢٠٩)، ومفاتيح الغيب (١٠/ ٧٣).\n(^٢) انظر مفاتيح الغيب (١٠/ ٧٣ - ٧٤).\n(^٣) انظر: المصدر السابق.","vol":"1","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>لفظ معدودات يدل على التيسير</span>.\nقال تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ١٨٤].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" والمراد بقوله: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ أيام رمضان، وفيه إشارة إلى التيسير، حيث لم يوجب صوم كل السنة، وإنما أوجبه أياما معدودات \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني ﵀ من كون هذه الأيام - أيام وليالي رمضان - تعد، بأنها أيام قليلة وأن فيها تيسير للمكلف وإشعارٌ بأن الله لا يكلف على العباد إلا بما فيه وسعهم وطاقتهم فلم يوجب عليهم صيام السنة كلها.\nوقد وقع خلاف في ما المراد بهذه الأيام، وأرجح الأقوال عند المحققين أنها أيام رمضان. (^٢)\nوقد وافق السمعاني جمع من المفسرين في استنباطه هذا، قال ابن عاشور مؤيدًا هذا الاستنباط: \" وإنما عبر عن رمضان بأيام وهي جمع قلة، ووصف بمعدودات، وهي جمع قلة أيضًا، تهوينًا لأمره على المكلفين، والمعدودات كناية عن القلة، لأن الشيء القليل يعد عدا \". (^٣)\nوقد قال بنحوه أيضا: الجصاص، والرازي، والنيسابوري، والسعدي، والعثيمين. (^٤)\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (١/ ١٧٩).\n(^٢) انظر: البحر المحيط (٢/ ١٨٢) ومفاتيح الغيب (٥/ ٦١)، وتفسير المنار (٢/ ١٢١).\n(^٣) التحرير والتنوير (٢/ ١٥٩).\n(^٤) أحكام القرآن للجصاص (١/ ٤٧) ومفاتيح الغيب (٥/ ٦١)، وغرائب القرآن (١/ ٤٩٤)، وتفسير السعدي ص ٨٦، وتفسير القرآن العظيم لابن عثيمين (٤/ ٢٦٠).","vol":"1","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>حكم الحاكم لا يحق باطلا عند العلم ببطلانه</span>.\nقال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" ومعنى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي خلافه، هذا دليل على من يقول بنفوذ القضاء ظاهرا وباطنا \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني ﵀ من هذه الآية عدم جواز أكل أموال الناس بالباطل بعد قضاء الحكام مع العلم ببطلان حجة المحكوم له بطلانا والتي قضى بها القاضي لما ظهر له من البينة، أو حكم القاضي ظلما على الطرف الآخر لأجل رشوة أو قرابة أو غير ذلك. وقد وافق السمعاني جمهور العلماء وأئمة الفقهاء والمفسرين بإجماعهم أنه لا ينفذ القضاء ظاهرا وباطنا في الأموال والدماء والفروج، إنما يلزم في الظاهر فحسب، إلا أن أبا حنيفة قال بنفوذ القضاء ظاهرا وباطنا في الفروج فحسب، قال ابن كثير مؤيدًا هذا الاستنباط: \" فدلت هذه الآية الكريمة، أنّ حكم الحاكم لا يغير الشيء في نفس الأمر، فلا يُحلّ في نفس الأمر حرامًا هو حرام، ولا يحرم حلالا هو حلال، وإنما هو يلزم في الظاهر، فإن طابق في نفس الأمر فذاك، وإلا فللحاكم أجرُه وعلى المحتال وزْره، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا﴾ أي: طائفة ﴿مِنْ\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (١/ ١٩٠).","vol":"1","page":125},{"text":"أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: تعلمون بطلان ما تدعونه وتروجونه في كلامكم \". (^١)\nوممن أشار إلى ذلك من المفسرين: القرطبي، وأبو حيان، وحقي، ومحمد رشيد رضا. (^٢)\nواستنبط بعض المفسرين من دلالة مفهوم المخالفة استنباطا سليما، في أنه في حالة عدم العلم ببطلان الحجة أنه يجوز نفوذ القضاء ظاهرا وباطنا، ولا إثم في ذلك، قال أبو حيان: \" وفي قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ دلالة على أن من لم يعلم أنه آثم، وحكم له الحاكم بأخذ مال، فإنه يجوز له أخذه، كأن يلقى لأبيه دينًا وأقام البينة على ذلك الدين، فحكم له به الحاكم، فيجوز له أخذه وإن كان لا يعلم صحة ذلك، إذ من الجائز أن أباه وهبه، أو أن المدين قضاه، أو أنه مكره في الإقرار، لكنه غير عالم به بأنه مبطل فيما يأخذه، والأصل عدم براءة المقرّ، وعدم إكراهه، فيجوز له أن يأخذه \". (^٣) ووافقه على ذلك الجصاص، والألوسي. (^٤)\nويخلص الأمر على سلامة استنباط السمعاني في عدم نفوذ القضاء ظاهرا وباطنا عند العلم ببطلانه.\nولا أصرح ولا أدل في التحريم بعد هذه الآية الكريمة إلا ما رواه الأئمة عن أم سلمة زوج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: (إنما أنا بشر وإنه يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض فأحسب أنه صدق، فأقضي له بذلك فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو فليتركها) (^٥). والله أعلم.\n_________\n(^١) تفسير القرآن العظيم (١/ ٥٢١).\n(^٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٣٣٧)، والبحر المحيط (٢/ ٢٦)، وروح البيان (١/ ٤١٢)، وتفسير المنار (٢/ ١٦٠).\n(^٣) البحر المحيط (٢/ ٢٦).\n(^٤) انظر: أحكام القرآن (١/ ٣١٦)، وروح المعاني (١/ ٤٦٦).\n(^٥) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المظالم - باب إثم من خاصم في باطل وهو يعلمه - حديث ٢٣٢٦ (٢/ ٨٦٧).","vol":"1","page":126},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>دلالة وجوب العمرة</span>.\nقال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة ١٩٦]\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" ثم اعلم أن العمرة واجبة، وهو قول ابن عمر، وعند أبي حنيفة ﵁ سنة، وهو مروي عن جابر، والدليل على وجوبها: ظاهر الآية، وهو قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وظاهر الأمر للوجوب \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني ﵀ من ظاهر الآية وجوب العمرة، ولم يكن استنباطه الموجب للعمرة إلا لتأوليه معنى الإتمام بالإتيان وقد يكون هذا لاقتران العمرة بالحج، والحج لا شك أنه واجب، فاستنبط السمعاني بهذه الدلالة وجوب العمرة.\nالموافقون:\nلمّا كان من تأويل بعض أهل التفسير لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا﴾ بمعنى ائتوا بها تامة، كان للسمعاني موافقون على وجوب العمرة، إضافة لاقترانها بالحج الذي لا خلاف في وجوبه، لكن ليس من هذه الآية، وقد أثر عن ابن عباس ارتضائه لوجوب العمرة لاقترانها بالحج في هذه الآية (^٢)، قال البيضاوي: \" وقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ أي ائتوا بهما تامين مستجمعي المناسك لوجه الله تعالى،\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (١/ ١٩٦).\n(^٢) انظر: لباب التأويل (١/ ١٧٢).","vol":"1","page":127},{"text":"وهذا يدل على وجوبهما ويؤيده قراءة من قرأ (وأقيموا الحج والعمرة لله) (^١) \" (^٢)، وقال السعدي: \" يستدل بقوله تعالى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ على وجوب الحج والعمرة وفرضيتهما \". (^٣)\nوهذا القول هو المشهور عند أحمد والشافعي في أحد قوليهما (^٤)، وممن قال بذلك أيضًا ابن الفرس (^٥)، والرازي، والقرطبي، وابن قدامه. (^٦)\nالمخالفون:\nخالف السمعاني بعض المفسرين والفقهاء، فقالوا أن المقصود من هذه الآية هو إتمامُ أعمالها بعد الشروع فيها، وليس الوجوب، قال ابن كثير رادًّا القول الذي جعل من هذه الآية دلالةً على الوجوب: \"وظاهر السياق إكمال أفعالهما بعد البدء فيهما، ولهذا قال بعده: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ أي: صُدِدْتم عن الوصول إلى البيت ومنعتم من إتمامهما، ولهذا اتفق العلماء على أن الشروع في الحج والعمرة مُلْزِمٌ، سواء قيل بوجوب العمرة أو باستحبابها \". (^٧) وقد قال أبو السعود عند تفسيره لهذه الآية:\n_________\n(^١) هذه القراءة هي قراءة ابن عباس، وابن مسعود، وعلقمة، والنخعي، انظر: جامع البيان (٢/ ٢١٣).\n(^٢) أنوار التنزيل (١/ ١٠٩).\n(^٣) تفسير السعدي ص ٩٠.\n(^٤) انظر: الأم للشافعي (٢/ ١٣٢)، والحاوي الكبير للمرداوي (٤/ ٤).\n(^٥) ابن الفرس: هو أبو محمد، عبد المنعم ابن الإمام محمد بن عبد الرحيم بن أحمد الأنصاري الخزرجي، ابن الفرس، برع في الفقه، والأصول، وبلغ الغاية فيه، له كتاب في أحكام القرآن، توفي سنة ٥٩٧ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (٢١/ ٣٦٤).\n(^٦) انظر: أحكام القرآن لابن الفرس (١/ ٢٣٤)، ومفاتيح الغيب (٥/ ١١٩)، والجامع لأحكام القرآن (٢/ ٣٦٨)، والمغني لابن قدامه (٥/ ١٣).\n(^٧) تفسير القرآن العظيم (١/ ٥٣٠) بتصرف يسير. وأشار بعض المفسرين إلى وجه آخر لرد دلالة هذه القراءة وقال إن هذه القراءة شاذة فلا يعتمد عليها في الحكم، قال ابن عاشور (وقراءة: \" وأقيموا \" لشذوذها لا تكون داعيا للتأويل، ولا تتنزل منزلة خبر الآحاد، إذا لم يصح سندها إلى من نسبت إليه والصحيح بأنها تدل على الإتمام على معنى: إذا شرعتم فأتموا الحج والعمرة، فيكون من دلالة الاقتضاء. انظر: التحرير والتنوير (٢/ ٢٢٠) وبهذا يتبين أن ما ذكره أبو السعود من الجواب عن هذه القراءة هو الأوجه، حيث إن القراءة ثابتة، وأسانيدها صحيحة.","vol":"1","page":128},{"text":"\" ليس فيها دليل على وجوب العمرة مطلقًا، وادّعاء أن الأمر بإتمامهما أمرٌ بإنشائهما تامين كاملين حسبما تقتضيه قراءة (وأقيموا الحج والعمرة) وأنّ الأمر للوجوب ما لم يدل على خلافه دليل ممّا لا سداد له \". (^١)\nوممن قال به أيضا: الطبري، والجصاص، وأبو السعود، وشهاب الدين الخفاجي (^٢)، والشوكاني. (^٣)\n\nالنتيجة:\nوبعد معرفة أدلّة الفريقين يخلص الأمر أنه يجب الإتمام في أفعال الحج والعمرة بعد الابتداء لظاهر الآية، أمّا أن تكون هذه الآية هي فيها إيجابٌ للعمرة فليس كذلك، لأن غاية ما تدل عليه وجوب إكمال المناسك بعد الابتداء، إضافةً إلى أنّ هذه الآية نزلت في السنة السادسة من الهجرة، والحج لم يفرض آنذاك، أما دلالة الآية على أصل الوجوب لاقترانها بالحج فضعيف، قال الزرقاني: \"وتعقّب الأول بأنه لا يلزم من الاقتران بالحج وجوب العمرة فهو استدلال ضعيف لضعف دلالة الاقتران \". (^٤) وقال ابن القيم: \" وليس بيد من ادّعى تقدم فرض الحج سنة سبعٍ أو ثمانٍ أو تسعٍ دليل واحد ... وهذا ليس فيه ابتداء فرض الحج، وإنّما فيه الأمر بإتمامه إذا شُرع فيه فأين هذا من وجوب ابتدائه\" (^٥). والله أعلم.\n_________\n(^١) إرشاد العقل السليم (١/ ٢٠٥).\n(^٢) هو: شهاب الدين أحمد بن محمد بن عمر، الخفاجي المصري، قاضي القضاة، نسبته إلى قبيلة خفاجة، ولد ونشأ بمصر، ورحل إلى بلاد الروم، ولد عام ٩٧٧ هـ، وتوفي عام ١٠٦٩ هـ، من أشهر كتبه شفاء العليل فيما في كلام العرب من الدخيل، وخبايا الزوايا بما في الرجا ل من البقايا، وعناية القاضي وكفاية الراضي حاشية على تفسير البيضاوي. انظر: الأعلام للزركلي (١/ ٢٣٨).\n(^٣) انظر: جامع البيان (٢/ ٢١٧)، وأحكام القرآن للجصاص (١/ ٣٢٩)، وارشاد العقل السليم (١/ ٢٦٠)، وحاشية الشهاب الخفاجي على تفسير البيضاوي (١/ ٤٨٤)، وفتح القدير (١/ ٢٥٨).\n(^٤) شرح الزرقاني على موطأ مالك (٢/ ٣٦٢).\n(^٥) انظر: زاد المعاد (٣/ ٥٩٥) بتصرف يسير.","vol":"1","page":129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>تحريم الخمر لما وصف بأن فيه إثمًا</span>\nقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة ٢١٩].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" ولفظ الإثم يدل على التحريم، فإنه حرم الخمر بلفظ الإثم في آية أخرى، حيث قال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ﴾ وأراد به الخمر \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني بعد نزول هذه الآية أن شرب الخمر حرام، ووجه الدلالة كون الإثم ناتج منها والإثم لا يخفى على أحد حرمته لأنه حد المحرم وحقيقته، مستنبطا حرمة الإثم من قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ﴾.\nالموافقون:\nوافق السمعاني على القول بتحريم الخمر من هذه الآية بعض المفسرين مستدلين بهذا الوجه الذي ذكره السمعاني، والتحريم مروي عن ابن عباس. (^٢)\nقال الجصاص: \" هذه الآية قد اقتضت تحريم الخمر، ولو لم يرد غيرها في تحريمها لكانت كافية مغنية، وذلك لقوله تعالى: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾، والإثم\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (١/ ٢١٨).\n(^٢) انظر: اللباب في علوم الكتاب (١/ ٧٠٣).","vol":"1","page":130},{"text":"كله محرم بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ﴾، فأخبر أن الإثم محرم ولم يقتصر على إخباره بأن فيها إثما حتى وصفه بأنه كبير تأكيدا لحظرها وقوله: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ لا دلالة فيه على إباحتها، لأن المراد منافع الدنيا وأن في سائر الحرمات منافع لمرتكبيها في دنياهم، إلا أن تلك المنافع لا تفي بضررها من العقاب المستحق بارتكابها فذكره لمنافعها غير دال على إباحتها \". (^١)\nوقد أضاف ابن عادل على قول الجصاص بأن قوله تعالى: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ تصريح برجحان الإثم، وذلك يوجب التحريم، حتى على نحو من قرأ ﴿أَكْبَرُ﴾ بالتثليث (^٢) أي (أكثر) فإن كلاهما يدل على التحريم، فالأول يدل على الكيفية والآخر يدل على الكمية. وقد وافقه على القول بالتحريم، الرازي، وابن جزي (^٣)، والألوسي، ومحمد رشيد رضا. (^٤)\nالمخالفون:\nخالف السمعاني في القول بالتحريم للخمر من هذه الآية أكثر المفسرين ومنهم سعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة، ومقاتل (^٥)، قال القرطبي: \" هذه الآية\n_________\n(^١) أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٢).\n(^٢) قرأ بالتثليث (أكثر) حمزة والكسائي وقد بين حجة من قرأ (أكبر) وحجة من قرأ بالتثليث (أكثر). انظر: الحجة في القراءات السبع لابن خالويه (١/ ٩٦)، وحجة القرآن لابن زنجلة (١/ ١٣٢) والجامع لأحكام القرآن (٣/ ٦٠)، والبحر المحيط (٢/ ١٠٦).\n(^٣) ابن جزي: هو أحمد بن محمد بن أحمد بن يحيى بن جزي الكلبي عالم مشارك في الفقه واللغة والتفسير له تصانيف منها التسهيل لعلوم التنزيل، وشرح ألفية بن مالك وغير ذلك توفي ٧٨٥ هـ. انظر: إنباء الغمر (١/ ١٠٥) ومعجم المؤلفين (٢/ ٧٢).\n(^٤) انظر: مفاتيح الغيب (٦/ ٣٩٥)، والتسهيل لعلوم التنزيل (١/ ١١٠)، وروح المعاني (١/ ٥٠٨)، وتفسير المنار (١/ ٩٩).\n(^٥) انظر: تفسير القرآن العظيم (١/ ٥٩٧)، وزاد المسير (١/ ٢١٢).","vol":"1","page":131},{"text":"نزلت في الذم للخمر لا لتحريمها والحجة الأولى: حديث عمر ﵁ وفيه أنه لو دلت الآية على حرمتها، لما قنع الصحابة حتى نزلت آية المائدة وآية تحريم الصلاة حال السكر (^١)، والثانية: أن الآية لا تدل على أن شرب الخمر حرام، بل تدل على أن في الشرب إثما لا هي بذاتها، والثالثة: أنه تعالى أثبت أن فيها منافع للناس والمحرم لا يكون فيه منفعة، والرابعة: أنه أخبر أن فيها إثم كبير، فمقتضاه أنَ ذلك الكبير ملازمًا لها ما دامت موجودة، ولو كان ذلك سببًا لحرمتها؛ لوجب القول بثبوت حرمتها في سائر الشرائع (^٢) \". (^٣)\nثم قال القرطبي رادًّا على من قال بالتحريم \"وهذا ليس بجيد، لأن الله تعالى لم يسم الخمر إثما في هذه الآية، وإنما قال: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾، ولم يقل: قل هما\n_________\n(^١) قال الإمام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، عن عمر أنه قال: لما نزل تحريم الخمر قال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا. فنزلت هذه الآية التي في البقرة: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ) فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا. فنزلت الآية التي في النساء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]، فكان منادي رسول الله ﷺ إذا أقام الصلاة نادى: ألا يقربن الصلاة سكران. فدُعي عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا. فنزلت الآية التي في المائدة. فدعي عمر، فقرئت عليه، فلما بلغ: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ)؟ قال عمر: انتهينا، انتهينا. انظر: مسند الإمام أحمد (١/ ٥٣).\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٦٠).\n(^٣) وقد رد ابن عادل على هذه الحجج بقوله بأن حصول النفع فيها ليس مانعا من حرمتها، لأن صدق الخاص يوجب صدق العام. وأنا روينا عن ابن عباس أنها نزلت في تحريم الخمر، والتوقف الذي ذكروه غير مروي عنهم، وقد يجوز بطلب الكبار من الصحابة نزول ما هو أكبر من هذه الآية في التحريم كما التمس إبراهيم - صلوات الله عليه - مشاهدة إحياء الموتى، ليزداد سكونا، وطمأنينة. وبأن قوله (فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ) إخبار عن الحال لا عن الماضي فعلم تعالى أن شرب الخمر مفسدة لهم، وليس مفسدة للذِين من قبلهم. انظر: اللباب لابن عادل (١/ ٧٠٣).","vol":"1","page":132},{"text":"إثم كبير، وقد قال قتادة: إنما في هذه الآية ذم الخمر، فأما التحريم فيعلم بآية أخرى وهى آية المائدة وعلى هذا أكثر المفسرين \". (^١)\nوممن قال بهذا أيضا من أن الآية للذم لا للتحريم من غير التابعين الذين سبق ذكرهم، ابن العربي، وابن عطية، والخازن، والسعدي، والشنقيطي، والعثيمين. (^٢) بحجة أن الآية للتدرج في التحريم فمبدأها الذم فحسب. (^٣)\n_________\n(^١) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٦٠).\n(^٢) انظر: أحكام القرآن (١/ ٣٠١)، والمحرر الوجيز (٣/ ٣٢)، ولباب التأويل (٢/ ٧٥)، وتفسير السعدي ص ١٧٩، وأضواء البيان (٥/ ٦٤)، وتفسير القرآن العظيم لابن عثيمين (١/ ١٥).\n(^٣) قال ابن عثيمين حينما بين الحكم في نزول القرآن مفرقا: \" ومن الحكم التدرج في التشريع حتى يصل إلى درجة الكمال، كما في آيات الخمر الذي نشأ الناس عليه وألفوه، وكان من الصعب عليهم أن يجابهوا بالمنع منه منعا باتا، فنزل في شأنه أولا قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ (البقرة: الآية ٢١٩) فكان في هذه الآية تهيئة للنفوس لقبول تحريمه حيث إن العقل يقتضي أن لا يمارس شيئا إثمه أكبر من نفعه. ثم نزل ثانيا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (النساء: الآية ٤٣) فكان في هذه الآية تمرين على تركه في بعض الأوقات وهي أوقات الصلوات، ثم نزل ثالثا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (المائدة: ٩٠) ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (المائدة: ٩١) ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (المائدة: ٩٢) فكان في هذه الآيات المنع من الخمر منها باتا في جميع الأوقات، بعد أن هيئت النفوس، ثم مرنت على المنع منه في بعض الأوقات \". تفسير القرآن العظيم (١/ ١٥)، وانظر: فتح القدير (٢/ ٢٥٤).","vol":"1","page":133},{"text":"النتيجة:\nيظهر بعد استجماع الأدلة رجاحة القول بأنها للذم لا للتحريم، وأن القول بالتحريم قول مرجوح وذلك لعدم صراحة الأدلة بالتحريم وأنه لو كان هناك تحريما للخمر لما صرحت آية نزلت بعد هذه الآية بتحريم شرب الخمر في وقت معين دون سائر الأوقات (^١)، وأنها نزلت تهيئة للنفوس للتحريم، لا للتحريم أصالة (^٢)، قال ابن العربي: \" وهذا إنما كان يصح التعلق به لو كان نزول قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ﴾ فلا يقضى عليه من ذلك بتحريم \". (^٣) والله أعلم.\n_________\n(^١) قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (النساء: الآية ٤٣).\n(^٢) ذكره السعدي في تفسيره ص ١٧٩، وابن عثيمين في تفسيره (١/ ١٥).\n(^٣) أحكام القرآن (١/ ٢٩٦).","vol":"1","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>تحريم نكاح المؤمنات للمشركين</span>.\nقال تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [البقرة ٢٢١].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" وقوله ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ في هذا إجماع، أن المسلمة لا تنكح من المشركين أجمع \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من ظاهر هذه الآية تحريم نكاح المشرك من المؤمنة، وذلك لدلالة النهي الذي يقتضي التحريم، حيث نهى الله من ولي على المؤمنات أن لا ينكحهم المشركين البتة ما لم يسلموا، ووجه استنباطه أن النهي يقتضي التحريم.\nوممن ذكر ذلك من المفسرين: الشافعي، والماوردي، وابن عطية، وأبو حيان، والبغوي، وابن كثير، والبيضاوي، وابن عادل الحنبلي. (^٢)\nواستنبط السعدي معنى آخر من ظاهر الآية وهو أنه لا يكون هناك نكاح إلا بولي (^٣)، وبه قال أيضا ابن جرير الطبري: قال: النكاح بولي في كتاب الله،\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (١/ ٢٢٣).\n(^٢) انظر: النكت والعيون (١/ ٢٨٢)، والمحرر الوجيز (١/ ٢٨٣)، والبحر المحيط (٢/ ١١٥)، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (١/ ٣٢٠)، وأنوار التنزيل (١/ ٥٠٧)، واللباب في علوم الكتاب (٤/ ٦٢).\n(^٣) تفسير السعدي ص ٩٩.","vol":"1","page":135},{"text":"ثم قرأ: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ وممن أشار إلى هذا القول: ابن أبي حاتم، والماوردي، وابن عطية. (^١)\nوتحريم نكاح المؤمن للمشركة عام؛ لكنه خُصِّص بآية أخرى وهي الإباحة في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾.\nقال الرازي: \" أما قوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ فلا خلاف هاهنا أن المراد به الكل وأن المؤمنة لا يحل تزويجها من الكافر البتَّة على اختلاف أنواع الكفرة\". (^٢)\nوبهذا قال القرطبي والنيسابوري \". (^٣)\nفيخلص القول على سلامة ما استنبطه السمعاني، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٣٩٩)، والنكت والعيون (١/ ٢٨٢)، والمحرر الوجيز لابن عطية (١/ ٢٨٣).\n(^٢) مفاتيح الغيب (٦/ ٥٢).\n(^٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٧٢)، وغرائب القرآن (٢/ ٤٠).","vol":"1","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>إبطال جواز إتيان النساء في غير فروجهن</span>.\nقال تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة ٢٢٣]\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" واعلم أن الآية لا تدل على إباحة إتيان النساء في غير المأتي، لأنه قال: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ فخص الإتيان بموضع الحرث، وهو القبل\". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني بدلالة مفهوم المخالفة من هذه الآية عدم جواز إتيان المرأة في دبرها وذلك لتخصيص الإتيان في الحرث دون سواه.\nالموافقون:\nوافق السمعاني على القول بتحريم إتيان المرأة من دبرها جمهور العلماء من الفقهاء والمفسرين بحجة أمر الله إتيان المرأة في حرثها الذي هو القبل لا الدبر، قال القرطبي: \"فأما الإتيان في غير المأتي فما كان مباحا، ولا يباح، وذكر الحرث يدل على أن الإتيان في غير المأتى محرم، وفى قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ مع قوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ ما يدل على أن في المأتى اختصاصا، وأنه مقصور على موضع الولد \". (^٢)\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (١/ ٢٢٦). وقد أثر هذا الاستنباط عن ابن عباس انظر: المصدر السابق.\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٩٣).","vol":"1","page":137},{"text":"وقال البغوي: \" وفيه دليل على تحريم الأدبار، لأن محل الحرث والزرع هو القبل لا الدبر \". (^١)\nوقد وافقه على القول بالتحريم: الشافعي، وابن قتيبة، وابن جرير، وابن كثير، والشوكاني، وابن عثيمين، وغيرهم كثير. (^٢)\nالمخالفون:\nخالف القول بتحريم إتيان المرأة من دبرها بعض الفقهاء وجوزوا ذلك ببعض الوجوه:\nأولها: أنه روي عن عمر وأبي سعيد الخدري الجواز بإتيان المرأة في دبرها وقد حكي عن مالك ذلك لكن أصحابه أنكروا ذلك، ثانيها: التمسك بهذه الآية من وجهين، الوجه الأول: أنه تعالى جعل الحرث اسما للمرأة فقال: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ فهذا يدل على أن الحرث اسم للمرأة لا للموضع المعين، فلما قال بعده: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ كان المراد فأتوا نساءكم أنى شئتم فيكون هذا إطلاقا في إتيانهن على جميع الوجوه، فيدخل فيه محل النزاع.\nوالوجه الثاني: أن كلمة ﴿أَنَّى﴾ معناها أين، قال الله تعالى: ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ والتقدير: من أين لك هذا فصار تقدير الآية: فأتوا حرثكم\n_________\n(^١) معالم التنزيل (١/ ٢٦٦).\n(^٢) انظر: أحكام القرآن للشافعي (١/ ١٩٤)، وغريب القرآن لابن قتيبة (١/ ٨٥)، وجامع البيان (٤/ ٣٩٨)، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (١/ ٥٨٨)، وفتح القدير (١/ ٣٠٦)، وتفسير القرآن العظيم لابن عثيمين (٥/ ٦٦).","vol":"1","page":138},{"text":"أين شئتم وكلمة: أين شئتم، تدل على تعدد الأمكنة: اجلس أين شئت ويكون هذا تخييرا بين الأمكنة. (^١)\nالنتيجة:\nيرجح بلا شك قول السمعاني ومن وافقوه ممن قبله أو بعده لعموم الأدلة الصحيحة، أما القول بأن تفسير قوله تعالى ﴿أَنَّى﴾ هو التخيير فهذا باطل بل المراد (كيف شئتم) وما ثبت عن عمر ﵁ المنقول عن نافع من القول بالجواز فهذا مخالف للأحاديث الصحيحة ولا يعقل أن يقوله ﵁، والصحيح الذي ثبت هو أن عمر بن الخطاب ﵁ جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله هلكت فقال وما الذي أهلكك؟ \" قال: حولت رحلي البارحة قال: فلم يرد عليه شيئا فأوحى الله إلى رسوله ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، أقبل وأدبر واتق الحيضة والدبر. (^٢)\nولا أصرح ولا أدل على التحريم من ما قد ذكر في الصحيح من حديث جابر - ﵁ - قال: كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد\n_________\n(^١) انظر: مفاتيح الغيب (٦/ ٦٢)، والدر المنثور للسيوطي (٢/ ٦٠٨)، واللباب في علوم الكتاب (١/ ٧٢٥). إضافة إلى ما ذكروه من الحجج الواهية مثل حجتهم بالتمسك بعموم قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾.\nوحجتهم بأنه لو توافقنا على أن الرجل لو قال للمرأة: دبرك عليّ حرام ونوى الطلاق أنه يكون طلاقا، وهذا يقتضي كون دبرها حلالا له. انظر: مفاتيح الغيب للرازي (٦/ ٦٢).\n(^٢) رواه البيهقي في سننه - كتاب النكاح - باب إتيان النساء في أدبارهن - حديث ١٣٩٠٣ (٧/ ١٩٨)، ورواه ابن حبان في صحيحه - كتاب النكاح - باب النهي عن إتيان النساء في اعجازهن - حديث ٤٢٠٢ (٩/ ٥١٦)، قال شعيب الأرنؤوط: إسناده حسن، انظر: المصدر السابق.","vol":"1","page":139},{"text":"أحول، فنزلت ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (^١)، وما رواه ابن عباس مرفوعا عن النبي ﷺ أنه قال: (لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلا أو امرأة في الدبر). (^٢)\nإضافة إلى ما ينتج - أيضًا - من إتيان المرأة في دبرها من الأضرار (^٣)، والنبي ﷺ يقول: (لا ضرر ولا ضرار). (^٤) فبهذا وغيره يتبين وجه التحريم، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب نساؤكم حرث لكم - حديث ٤٢٥٤ (٤/ ١٦٤٥).\n(^٢) رواه ابن حبان في صحيحه - كتاب الحدود - باب الزنى وحده - حديث ٤٤١٨ (١٠/ ٢٦٦)، قال شعيب الأرنؤوط: إسناده قوي على شرط مسلم، انظر: المصدر السابق.\n(^٣) انظر: زاد المعاد (٤/ ٢٣٥).\n(^٤) موطأ الامام مالك - كتاب الأقضية - باب القضاء في المرفق - حديث ١٤٢٩ (٢/ ٧٤٥)، قال الألباني حديث صحيح، انظر: السلسلة الصحيحة (١/ ٤٩٨).","vol":"1","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>جواز عقد النكاح بدون تسمية المهر</span>.\nقال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة ٢٣٦]\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" هذه الآية في المطلقة قبل الفرض والمسيس، وفي الآية دليل على جواز إخلاء النكاح عن تسمية المهر \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من هذه الآية استنباطا بدلالة الالتزام بأن عقد الزواج يصح بدون ذكر المهر أصلا، وبيان ذلك أن الله أباح الطلاق لمن لم يسم المهر ولم يذكره، وإباحة الطلاق تستلزم وجود زواج صحيح، فيستنبط من ذلك صحة عقد الزواج بدون ذكر المهر أصلا، قال الشافعي: \" وعقد النكاح يصح بغير فريضة صداق، وذلك أن الطلاق لا يقع إلا على من عقد نكاحه \". (^٢) وممن قال بهذا أيضا الزجاج، والرازي، ابن عادل، ومحمد رشيد رضا. (^٣)\nوإن كان من مخالف في هذه المسألة الفقهية، فليس في صحة النكاح أو بطلانه، وإنما في جوازه فقط فقالوا: أن الآية لا تدل على الجواز، لكنها تدل على الصحة، فإنه لو لم يكن صحيحا، لم يكن الطلاق مشروعا، ولم تلزم المتعة، ولا يلزم من الصحة الجواز، بدليل أن الطلاق في زمن الحيض حرام وإذا أوقعه صح. (^٤)\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (١/ ٢٤١).\n(^٢) أحكام القرآن للشافعي (١/ ١٩٨).\n(^٣) انظر: مفاتيح الغيب (٦/ ٤٧٥)، واللباب في علوم الكتاب (١/ ٧٩١)، وتفسير المنار (٢/ ٣٤٠).\n(^٤) انظر: اللباب في علوم الكتاب (١/ ٧٩١).","vol":"1","page":141},{"text":"وقد ذكر بعض أهل العلم مسألة من لم يسم مهرها في عقد نكاحها هل تكون غير مستحقة للمهر أو تكون مستحقة له وكم يكون قدره؟ (^١)\nيخلص القول بصحة استنباط السمعاني ومن وافقه، أما القول بالصحة دون الجواز فهذا قول لا دليل له ولا قرينة تؤيده.\nيؤيد صحة ما قيل حديث ابن مسعود أن رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقا ولم يدخل لها حتى مات، فقال ﵁: \" أقول برأيي فإن كان صوابا فمن الله، لها كمهر نسائها لا وكس ولا شطط ولها الميراث، وعليها العدة فقام رجل من أشجع فقال في مثل هذا قضى رسول الله ﷺ فينا في امرأة يقال لها بروع بنت واشق (^٢) تزوجت رجلا فمات قبل أن يدخل بها فقضى لها رسول الله ﷺ بمثل صداق نسائها ولها الميراث وعليها العدة \". (^٣)\n_________\n(^١) قال الشيخ صالح الفوزان: إذا عقد النكاح ولم يجعل للمرأة مهرا، صح النكاح، ويسمى ذلك بالتفويض، ويقدر لها مهر المثل، لقوله تعالى: (لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً) أي: أو ما لم تفرضوا لهن فريضة، ولحديث ابن مسعود في رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقا ولم يدخل لها حتى مات، فقال ﵁: \"لها صداق نسائها، لا وكس ولا شطط، وعليها العدة، ولها الميراث\"، وقال: \"قضى رسول الله ﷺ في بروع بنت واشق بمثل ما قضيت\"، رواه الترمذي وغيره وصححه. انظر: الملخص الفقهي (٢/ ٣٦٠). والمسألة خلاف بين أهل العلم، انظر: الجامع لأحكام القرآن (٣/ ١٩٦).\n(^٢) هي بروع بنت واشق الرواسية الكلابية وقيل الأشجعية، زوج هلال بن مرة، نكحت رجلا وتوفي قبل أن يجامعها، فقضى لها رسول الله ﷺ بصداق نسائها. انظر: أسد الغابة (٣/ ٣٢٠)، والاستيعاب في معرفة الأصحاب (٢/ ٧٩).\n(^٣) رواه النسائي في سننه - كتاب النكاح - باب إباحة التزوج بغير صداق - حديث ٣٣٥٤ (٦/ ١٢١)، قال الألباني حديث حسن صحيح. انظر: إرواء الغليل (٥/ ٣٥٨).","vol":"1","page":142},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>وجوب إعطاء المتعة لكل المطلقات</span>.\nقال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة ٢٣٦].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" وفيها دليل على وجوب المتعة في الجملة، فإنه قال: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من ظاهر الأمر في قول الحق ﵎ ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ الوجوب بإعطاء المتعة للمطلقات عموما، ولم يوجبه للمطلقة التي لم يفرض لها مهرا ولم يحصل بينها وبين زوجها مسيس فحسب، وقد يكون قوله هذا بجعل الأمر بالوجوب مستنبطا من الآية التي بعدها في قوله تعالى ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ﴾.\nالموافقون:\nوافق السمعاني جل المفسرين على القول بالوجوب لعدم الصوارف لعموم المطلقات، بدلالة أن الأمر يقتضي الوجوب، وأن سبب تخصيص المطلقات اللاتي لم يدخل عليهن ولم يفرض لهن إنما هو من باب ذكر أفراد بعض العموم فلا تخصيص على المشهور، قال القرطبي: \" قوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ معناه أعطوهن شيئا يكون متاعا لهن، وحمله ابن عمر وعلى بن أبى طالب والحسن بن أبى الحسن وسعيد بن جبير وأبو قلابة والزهري وقتادة والضحاك بن مزاحم على الوجوب وهذا القول أولى من الندب، لأن عمومات الأمر بالإمتاع في قوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (١/ ٢٤١).","vol":"1","page":143},{"text":"وإضافة الإمتاع إليهن بلام التمليك في قوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ﴾ أظهر في الوجوب منه في الندب، وقوله: ﴿عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ تأكيد لإيجابها، لأن كل واحد يجب عليه أن يتقي الله في الإشراك به ومعاصيه \" (^١). وممن قال بهذا، الشافعي، والطبري، والجصاص، والكيا الهراسي، والشهاب الخفاجي، والشنقيطي (^٢)، لكن حصل خلاف في قوله تعالى ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ هل يشمل المطلقات اللاتي ذكرن سابقا وهن اللاتي لم يفرض لهن ولم يمسسن، بيد أن الراجح أنه للعموم لعموم الأدلة. (^٣)\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٢٠٠)، وانظر: التسهيل لعلوم التنزيل (١/ ١٢٢)، واللباب في علوم الكتاب (١/ ٨٠٦)، وفتح القدير (١/ ٣٣٩). وقال الجصاص عن الآيات المستنبط منها فقد حوت هذه الآيات الدلالة على وجوب المتعة من وجوه أحدها قوله تعالى فَمَتِّعُوهُنَّ لأنه أمر والأمر يقتضى الوجوب حتى تقوم الدلالة على الندب والثاني قوله تعالى: (مَتاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِين) وليس في ألفاظ الإيجاب آكد من قوله حقا عليه والثالث قوله تعالى: (حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ) تأكيد لإيجابه إذ جعلها من شرط الإحسان وعلى كل أحد أن يكون من المحسنين وكذلك قوله تعالى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ قد دل قوله حقا عليه على الوجوب وقوله تعالى (حَقًّا) تأكيدا لإيجابها. انظر: أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٤٣٧).\nوقال الشنقيطي رادا على من قال بأن الأمر للندب: وقولهم لو كانت واجبة لعين القدر الواجب فيها، ظاهر السقوط. فنفقة الأزواج والأقارب واجبة ولم يعين فيها القدر اللازم، وذلك النوع من تحقيق المناط مجمع عليه في جميع الشرائع كما هو معلوم. انظر: أضواء البيان (١/ ١٥١).\n(^٢) انظر: أحكام القرآن للشافعي (١/ ٢٠١)، وجامع البيان (٢/ ٢٣)، وأحكام القرآن للجصاص (٢/ ١٣٧)، أحكام القرآن للكيا الهراسي (١/ ٢٠٢)، وحاشية الشهاب الخفاجي (٢/ ٣٢٣)، وأضواء البيان (١/ ١٥١).\n(^٣) في قوله تعالى: (مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ) اختلف العلماء في وجوب المتعة للمطلقات على أربعة أقاويل:\nأحدها: أنها واجبة لكل مطلقة، وهو قول الحسن، وأبي العالية.\nوالثاني: أنها واجبة لكل مطلقة إلا غير المدخول بها، فلا متعة لها، وهو قول ابن عمر، وسعيد بن المسيب.\nوالثالث: أنها واجبة لغير المدخول بها إذا لم يُسمّ لها صداق، وهو قول الشافعي.\nوالرابع: أنها غير واجبة، وإنما الأمر بها ندب وإرشاد، وهو قول شريح، والحكم. انظر للإستزادة والتفصيل: النكت والعيون للماوردي (١/ ٣٠٥)، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (١/ ٦٦٠)، ومفاتيح الغيب (٦/ ٤٧٦)، ولباب التأويل (١/ ١٧٠)، وزاد المسير (١/ ٢٣٩).","vol":"1","page":144},{"text":"المخالفون:\nخالف السمعاني على القول بالوجوب بعض التابعين أمثال أبو عبيد ومالك بن أنس وأصحابه والقاضي شريح وغيرهم وقالوا بأن الأمر على الندب (^١)، وذلك بحجة اقتران الآية بقوله تعالى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ فلو كانت واجبة لأطلقها على الخلق أجمعين، وبحجة أنها لو كانت واجبة لعين فيها القدر الواجب. (^٢)\nالنتيجة:\nبعد تتبع أقوال أهل العلم من الفقهاء والمفسرين تبين صحة ما ذهب إليه السمعاني لعموم الأدلة في القول بالوجوب، لقوله تعالى ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ﴾ ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾، والأمر يقتضي الوجوب ما لم تأت قرينة تصرفه إلى الندب استثناء ما خصص كالمطلقة المفروض لها قبل المسيس فلها النصف كما ورد الدليل بقوله تعالى ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾. والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٢٠٠)، والتسهيل لعلوم التنزيل (١/ ١٢٢)، واللباب في علوم الكتاب (١/ ٨٠٦)، وفتح القدير (١/ ٣٣٩).\n(^٢) انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير (١/ ٦٦٠)، ومفاتيح الغيب (٦/ ٤٧٦). قال محمد رشيد رضا جمعا لاختلاف الأقوال تجاه متعة المرأة المطلقة عموما: \" وأحوط الأقوال وأوسطها قول من جعل المتعة غير المهر وأوجبها لمن لا تستحق مهرا وندبها لغيرها. انظر: تفسير المنار (٢/ ٣٥٨).","vol":"1","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>تنوع الكسب إلى طيب وخبيث وأن الطيب هو الحلال، والخبيث هو الحرام</span>.\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ أي: من حلال ما كسبتم، وفي هذا دلالة على أن الكسب يتنوع إلى الطيب، والخبيث \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من هذه الآية عند أمر الله بالإنفاق من الطيب أنه يكون هناك أيضا كسب من ضده وهو الخبيث، وهذا الاستنباط عن طريق دلالة الالتزام، بمعنى أنه إذا كان هناك أمر بالإنفاق من الطيب لزم أن يكون هناك خبيث، قال البغوي: \"وفيه دلالة على إباحة الكسب وأنه ينقسم إلى طيب وخبيث \" (^٢)، وقال القرطبي: \"ودلت الآية على أن المكاسب فيها طيب وخبيث \" (^٣). وممن قال به أيضا وأقره الخازن، والشربيني. (^٤)\nلكن بقي الكلام هنا ما لمراد بالطيب وما المراد بالخبيث حتى يعلم الفرق بين المكاسب؟\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (١/ ٢٧٢).\n(^٢) معالم التنزيل (١/ ٣٢٩).\n(^٣) الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٣٢٥).\n(^٤) انظر: لباب التأويل (١/ ٢٠٢)، والسراج المنير (١/ ١٤٩).","vol":"1","page":146},{"text":"هناك قولان مشهوران لأهل العلم:\nالقول الأول: وهو قول ابن عباس والجمهور: المراد بالطيب: جياده وخياره، أما الخبيث فالمراد رديئه. (^١) ووافقه على ذلك جل المفسرين كالطبري، وابن القيم، والبيضاوي، والخازن، والنسفي، وحقي، وابن عثيمين، وغيرهم. (^٢)\nوالقول الثاني: وهو قول ابن مسعود ومجاهد: أن الطيب هو الحلال، والخبيث هو الحرام. (^٣)\nمما سبق يرجح القول الأول، يؤيد هذا القول تتمة الآية ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾ أي تأبى أنفسكم أن تقبله وتأخذه لردائته، ولما أثر عن عوف بن مالك الأشجعي أنه قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده عصا وأقناء معلقة في المسجد قنو منها حشف فطعن بذلك العصا في ذلك القنو ثم قال: (لو شاء رب هذه الصدقة فتصدق بأطيب منها إن صاحب هذه الصدقة ليأكل الحشف يوم القيامة). (^٤)\nوبالقول الأول الراجح يتبين رجاحة استنباط السمعاني في القول بأن المكاسب تتنوع إلى طيب وخبيث. والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير (١/ ٦٩٧) وزاد المسير لابن الجوزي (١/ ٢٧٦).\n(^٢) جامع البيان (٥/ ٥٥٥)، طريق الهجرتين (١/ ٥٥٢)، أنوار التنزيل (١/ ٥٦٩)، لباب التأويل (١/ ٢٠٢)، مدارك التنزيل (١/ ١٣٥)، روح البيان (٢/ ٨٧)، تفسير القرآن العظيم (٥/ ٢٦٨).\n(^٣) انظر: تفسير القرآن العظيم (١/ ٦٩٧)، فتح القدير (١/ ٣٩٤)، تفسير المنار (٣/ ٦٠).\n(^٤) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب التاريخ - باب إخباره ﷺ عما يكون في أمته من الفتن والحوادث - حديث ٦٧٧٤ (١٥/ ١٧٧)، قال شعيب الأرنؤوط: حديث إسناده حسن، انظر: المصدر السابق، قال الألباني حديث حسن، انظر: صحيح الترغيب والترهيب (١/ ٢١٤)، وبنحوه رواه ابن خزيمه في صحيحه - باب كراهية الصدقة من الحشف من الثمار (٤/ ١٠٩).","vol":"1","page":147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>جواز الرهن في الحضر وعند وجود الكاتب</span>.\nقال تعالى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة ٢٨٣].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" وحكم الرهن معلوم، وليس ذكر السفر، وعدم الكاتب على سبيل الشرط في جواز الرهن، وإنما خرج الكلام على الأعم الأغلب\". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من هذه الآية ردًا على من استنبطوا بدلالة مفهوم المخالفة بأن الرهن لا يجوز في الحضر، وقد أبطل ذلك لأن من موانع اعتبار مفهوم المخالفة أن لا يكون الكلام خرج مخرج الغالب، وذلك متحققٌ في هذه الآية، لأنه يكون الغالب والأعم في السفر أنه لا يوجد فيه من يكتب أو يشهد. (^٢)\nالموافقون:\nوافق السمعاني جمهور العلماء من الفقهاء وأهل التفسير على جواز الرهن في السفر والحضر وأنه لم يكن تخصيصه هنا في حال السفر، إلا لأنّه خرج مخرج الغالب، وإلا فليس شرطًا، قال الرازي: \" اتّفق الفقهاء اليوم على أن الرهن في السفر والحضر سواءً في حال وجود الكاتب وعدمه، ولا يعمل بقوله اليوم وإنما تقيدت الآية بذكر السفر على سبيل الغالب \". (^٣) وقال الجصّاص: \" ولا خلاف\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (١/ ٢٨٦).\n(^٢) للاستزادة من معرفة موانع مفهوم المخالفة انظر: الباب الأول - الفصل الثالث - المبحث الثاني (مفهوم المخالفة)، من هذه الرسالة.\n(^٣) مفاتيح الغيب (٧/ ١٠٤).","vol":"1","page":148},{"text":"بين فقهاء الأمصار وعامّةِ السلف في جوازه في الحضر\" (^١). وممن قال به أيضًا، الكيا الهراسي، والقرطبي، وأبو حيان، والطوفي، والسيوطي، والعثيمين. (^٢)\nالمخالفون:\nاحتج الظاهرية على أن الرهن لا يجوز في الحضر بمفهوم قوله ﷿ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ﴾. وكان استنباطهم الخاطئ عن طريق مفهوم المخالفة من قبيل المفهوم بالشرط، ووجه استنباطهم هذا أن الله علق جواز الرهن بوجود السفر فدل على أنه لا يجوز في الحضر. بل وقد استنبط أيضًا استنباطًا باطلًا من هذه الآية بالقول بأن الرهن لا يجوز إلا في السفر شريطة أن لا يوجد كاتب قاله الظاهرية، وقد وافقوا بذلك ابن مجاهد والضحاك. (^٣)\nالنتيجة:\nبعد تتبع أقوال الفريقين يكون ما ذهب إليه السمعاني ومن وافقوه هو عين الصواب، وأما قول المخالفين فيبطله أيضا إضافةً لما سبق الحديثُ الصحيحُ المرويُ عن عائشةَ ﵂ قالت: \" تُوفي رسول الله ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعا من شعير \". (^٤) وما كان ذلك إلا في دار إقامة رسول الله ﷺ وهي المدينة، ولم يكن ذلك في سفره، والله أعلم.\n_________\n(^١) أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٢٥٨).\n(^٢) انظر: أحكام القرآن للكيا الهراسي (٢/ ٢٦٢)، والجامع لأحكام القرآن (٣/ ٤٠٧)، والبحر المحيط (٢/ ٧٤٢)، والإشارات الإلهية في المباحث الأصولية (١/ ٣٧٠)، والإكليل في استنباط التنزيل للسيوطي ص ٦٥، وتفسير القرآن العظيم لابن عثيمين (٥/ ٥٣٦).\n(^٣) انظر: مفاتيح الغيب (٧/ ١٠٤)، وانظر: الإكليل للسيوطي ص ٦٥.\n(^٤) رواه البخاري في صحيحه (مع الفتح) في الجهاد والسير: باب ما قيل في درع النبي ﷺ والقميص في الحرب (٦/ ١١٦).","vol":"1","page":149},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>جواز تكليف العباد ما لا يطيقونه</span>.\nقال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ٢٨٦].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" في هذا دليل على أن الله تعالى يجوز أن يحمل العباد مالا يطيقونه\". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني ﵀ من هذه الآية استنباطًا أصوليًا، مفاده أن الله يجوز عقلًا أن يكلف العباد ما ليس لهم طاقة به وذلك لأنه لا يطلب الدعاء إلا من شيء قد يجوز وقوعه على العبد، وذلك التجويز يكون عقلًا لا شرعًا.\nقال الآمدي عن الذين سألوا الله أن لا يكلفهم ما لا يطيقونه: \" سألوا دفع التكليف بما لا يطاق ولو كان ذلك ممتنعًا لكان مندفعا بنفسه ولم يكن إلى سؤال دفعه عنهم حاجة \". (^٢)\nوقال البيضاوي: \" ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ من البلاء والعقوبة أو من التكاليف التي لا تفي بها الطاقة البشرية وهو يدل على جواز التكليف بما لا يطاق وإلا لما سئل التخلص منه \". (^٣)\nوممن قال به من الأصوليين والمفسرين: الغزالي (^٤)، وابن قدامة، والخازن، والشوكاني، والشنقيطي، وابن عاشور، وغيرهم. (^٥)\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (١/ ٢٨٩).\n(^٢) الإحكام للآمدي (١/ ١٨٣).\n(^٣) أنوار التنزيل (١/ ٣١٥).\n(^٤) هو أبو حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الغزالي الطوسي النيسابوري، فقيه، أشعري، ولد في غزالة من إقليم خراسان سنة ٤٥٠ هـ، وهو من أعلام القرن الخامس الهجري، من أشهر كتبه: المستصفى في أصول الفقه، توفي سنة ٥٠٥ هـ.\n(^٥) انظر: المستصفى (١/ ١٦٣)، وروضة الناظر (١/ ٥٢)، لباب التأويل (١/ ٢٢١)، وإرشاد الفحول (١/ ٣٢)، ومذكرة في أصول الفقه (١/ ٣٣)، والتحرير والتنوير (٢/ ٣٧٩).","vol":"1","page":150},{"text":"وجواز التكليف عقلا لحكمة ابتلاء الانسان، هل يتوجه إلى الامتثال ويتأسف على عدم القدرة ويضمر أنه لو قدر لفعل، فيكون مطيعًا لله بقدر طاقته، أو لا يفعل ذلك فيكون حكم العاصي.\nوخالف أكثر المعتزلة بأن منعوا التكليف بما لا يطاق وقالوا أنه لا فائدة فية فهو محال عقلا، ولأن الله يشرع الأحكام لحكم ومصالح، والتكليف بما لا يطاق لا فائدة فيه فهو محال عقلا. (^١)\nوقد بين الشنقيطي في مذكرته في أصول الفقه أقسام المستحيل عقلا بنوعيه والتي مآل أحدها أن الله يجوز أن يكلف عباده عقلا. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: مفاتيح الغيب (٧/ ١٢١).\n(^٢) قال الشنقيطي: فالمستحيل عقلا قسمان: قسم مستحيل لذاته كوجود شريك لله ﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا، وكاجتماع النقيضين والضدين فى شيء واحد من جهة واحدة. ويسمى هذا القسم المستحيل الذاتى، وايضاحه أن العقل اما أن يقبل وجود الشيء فقط، أي ولا يقبل عدمه أو يقبل عدمه فقط ولا يقبل وجوده أو يقبلهما معًا فان قبل وجوده فقط ولا يقبل وجوده أو يقبلهما معًا، فان قبل وجوده فقط ولم يقبل عدمه بحال فهو الواجب الذاتى المعروف بواجب الوجود كذات الله جل وعلا، متصفًا بصفات الكمال والجلال، وان قبل عدمه فقط دون وجوده فهو المستحيل المعروف بالمستحيل عقلا كوجود شريك لله ﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا. وان قبل العقل وجودوه وعدمه، فهو المعروف بالجائز عقلا وهو الجائز الذاتى كقدوم زيد يوم الجمعة وعدمه. فالمستحيل الذاتى أجمع العلماء على أن التكليف به لا يصح شرعًا لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ونحو ذلك من أدلة الكتاب والسنة. والقسم الثانى من قسمى المستحيل عقلا هو ما كان مستحيلا لا لذاته بل لتعلق علم الله بأنه لا يوجد، لأن ماسبق فى علم الله أنه لا يوجد مستحيل عقلا أن يوجد لاستحالة تغير ما سبق به العلم الأزلى وهذا النوع يسمونه المستحيل العرضى، ونحن نرى أن هذه العبارة لا تنبغى لأن وصف استحالتة بالعرض من أجل كونها بسبب تعلق العلم الأزلى لا يليق بصفة الله، فالذى ينبغى أن يقال أنه مستحيل لأجل ما سبق فى علم الله من أنه لا يوجد ومثال هذا النوع ايمان أبى لهب فان ايمانه بالنظر إلى مجرد ذاته جائز عقلا الجواز الذاتى لأن العقل يقبل وجوده وعدمه، ولو كان ايمانه مستحيلا عقلا لذاته لاستحال شرعًا تكليفه بالايمان مع أنه مكلف به قطعًا اجماعًا، ولكن هذا الجائز عقلا الذاتى، مستحيل من جهة أخرى، وهى من حيث تعلق الله فيما سبق أنه لا يؤمن لاستحالة تغير ما سبق به العلم الأزلى، والتكليف بهذا النوع من المستحيل واقع شرعًا باجماع المسلمين لأنه جائز ذاتى لا مستحيل ذاتى، والأقسام بالنظر إلى تعلق العلم قسمان واجب ومستحيل فقط، لأن العلم اما أن يتعلق بالوجود فهو واجب أو بالعدم فهو مستحيل ولا واسطة، والمستحيل العادى كتكليف الانسان بالطيران إلى السماء بالنسبة إلى الحكم الشرعى كالمستحيل العقلى هذا هو حاصل كلام أهل الأصول فى هذه المسألة، والآية لا دليل فيها على جواز التكليف شرعًا بما لا يطاق لأن المراد بما لا طاقة به هى الآصار والأثقال التي كانت على من قبلنا، لان شدة مشقتها وثقلها تنزلها منزلة ما لا طاقة به. انظر: مذكرة أصول الفقه (١/ ٣٣ - ٣٥).","vol":"1","page":151},{"text":"النتيجة:\nتبين مما سبق صحة ماذهب إليه السمعاني ومن وافقوه من المفسرين والأصوليين لصراحة وقوة الأدلة عندهم لأنه لا يسأل الله سبحانه إلا بشيء يجوز عقلا التكليف به وإلا تكليف ما لا يطاق شرعا لم يحصل، قال الشاطبي: \" والإجماع على أن تكليف ما لا يطاق غير واقع في الشريعة \". (^١) والله أعلم.\n_________\n(^١) الموافقات (١/ ٢٣٧).","vol":"1","page":152},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>التزهيد في الحياة الدنيا لكونها متاع، وللترغيب في الآخرة دونها</span>.\nقال تعالى: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران ١٤]\n• قال السمعاني - ﵀ -: في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ إشارة إلى أنه متاع يفنى، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ فيه تزهيد في الدنيا وترغيب في الآخرة.\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من قول الحق ﵎ ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ بعد ذكره سبحانه لبعض ملذات الدنيا من النساء والبنين والقناطير المقنطرة والذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام، أن هذا المتاع متاع زائل يفنى وأنه ما سمي متاعا إلا لأنه يستمتع به ثم يفنى ويبلى، ثم استنبط من فاصلة الآية وخاتمتها ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ أن في ذلك تزهيد في هذا المتاع المذكور وغيره من أمور الدنيا كلها، وترغيب إلى ما لا يفنى عنده سبحانه في جناته جنات النعيم، نسأل الله من فضله.\nوقد وافق السمعاني على ذلك جل المفسرين قال القرطبي من بعده: \"وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي ما يتمتع به فيها ثم يذهب ولا يبقى، وهذا منه تزهيد في الدنيا وترغيب في الآخرة\" (^١). وممن قال بذلك من المفسرين البغوي، وأبوحيان، وأبو السعود، وابن القيم،، ومحمد رشيد رضا، وحقي،\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن (٤/ ٣٦).","vol":"1","page":153},{"text":"وغيرهم (^١). بل قال بعض المفسرين أن ذكر المتاع إنما هو على سبيل الذم، قال الشنقيطي: \"وقد سيق هذا، لا على سبيل الإخبار بالواقع فحسب، بل إن من ورائه ما يسمى لازم الفائدة، وهو ذم من كان حاله، فوجب البحث عن العلاج لهذه الحالة (^٢) \". (^٣)\nواستنبط بعض المفسرين من هذه الآية استنباطا آخر وهو أن في وصف الدنيا بالمتاع الزائل أن فيه ترويح، وتسلية لمن لم يستطع التمتع بهذه الملذات المذكورة في الآية إما لفقر أو لعجز، قال السعدي: \"وفي هذه الآية تسلية للفقراء الذين لا قدرة لهم على هذه الشهوات التي يقدر عليها الأغنياء، وتحذير للمغترين بها، وتزهيد لأهل العقول النيرة بها \". (^٤)\nواستنبط غيرهم أن وصف ما عند الله في آخرته ومآب العبد بالحسن دون ضده لبيان أن الجنة مقصودة بذاتها دون النار أجارنا الله وإياكم منها ومن غضبه سبحانه، قال الرازي: \" والمآب قسمان: الجنة وهي في غاية الحسن، والنار وهي خالية عن الحسن، ووصف المآب المطلق بالحسن. لأن المآب المقصود بالذات هو الجنة، أما النار فهي المقصود بالغرض، لأنه سبحانه خلق الخلق للرحمة لا للعذاب \" (^٥)، وممن وافقه على ذلك النيسابوري. (^٦)\n_________\n(^١) انظر: معالم التنزيل (٢/ ١٥)، والبحر المحيط (٣/ ٥٣)، وإرشاد العقل السليم (١/ ٣٦٢)، وعدة الصابرين لابن القيم ص ١٦٧، وتفسير المنار (٣/ ٢٠٢)، وروح البيان (٥/ ٢٥١).\n(^٢) أضواء البيان (٨/ ٥٠٥).\n(^٣) وممن قال به أيضا، الرازي في تفسيره (٧/ ١٦٠)، والنيسابوري في تفسيره (٢/ ١٢٢)، وابن عادل الحنبلي في تفسيره (١/ ٩٩٣)، وغيرهم.\n(^٤) تفسير السعدي ص ١٢٣.\n(^٥) مفاتيح الغيب (٧/ ١٧٢) بتصرف يسير.\n(^٦) انظر: رغائب القرآن (٢/ ١٢٢).","vol":"1","page":154},{"text":"يؤيد ما قاله قوله سبحانه في الحديث القدسي (سبقت رحمتي غضبي). (^١)\nمما سبق يتبين أنه لا تصادم بين الاستنباطات بل بعضها يقوي بعض، فوصف الدنيا بأنها متاعٌ زائل، وأن حسن المآب إنما يكون عند الوفود على الله، وغيرها، كلها تزيد العبد زهدًا في هذه الدنيا الفانية، وقربًا إلى الله بأنواع الطاعات، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير- باب تفسير بل هو قرآن مجيد - حديث ٧١١٤ (٦/ ٢٧٤٥).","vol":"1","page":155},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>عموم وشمولية التذكير دون التأنيث عند أمر الله لمريم بالركوع</span>.\nقال تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران ٤٣].\n• قال السمعاني - ﵀ -: وإنما قال: مع الراكعين، ولم يقل مع الراكعات، ليكون أعم وأشمل. (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني ﵀ من أمر الله لمريم ﵍ أن تركع مع الراكعين دون الراكعات لشمولية لفظ الراكعين وعموميته فهو يشمل ويعم على الغالب الرجال والنساء معا، كما هي عادة القرآن، بخلاف الراكعات فهو مقتصر على النساء فحسب.\nقال البغوي: \" ولم يقل مع الراكعات ليكون أعم وأشمل فإنه يدخل فيه الرجال والنساء \" (^٢).\nوممن قال به أيضا من المفسرين: الواحدي، والرازي، وأبو حيان. (^٣)\nواستنبط الرازي أيضا معنى آخر غير الأول في أمر الله لمريم ﵍ أن تركع مع الراكعين وذلك بأن الإقتداء بالرجال حال الإختفاء أفضل من الإقتداء بالنساء، وممن قال به أيضا: الخازن، والنيسابوري، والألوسي، وابن عادل الحنبلي. (^٤)\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (١/ ٣١٨).\n(^٢) معالم التنزيل (٢/ ٣٧).\n(^٣) انظر: الوجيز (١/ ٨٧)، ومفاتيح الغيب (٨/ ٢١٩)، والبحر المحيط (٣/ ١٤٩).\n(^٤) انظر: مفاتيح الغيب (٨/ ٢١٩)، ولباب التأويل (١/ ٢٤٥)، ورغائب الفرقان (٢/ ١٦٠)، وروح المعاني (٢/ ١٥٢)، واللباب في علوم الكتاب (١/ ١٠٦٦).","vol":"1","page":156},{"text":"وقد ذكر ابن عاشور لفتة هنا قال: \" وقوله: ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ إذن لها بالصلاة مع الجماعة، وهذه خصوصية لها من بين نساء إسرائيل، إظهار لمعنى ارتفاعها عن بقية النساء، ولذلك جيء في الراكعين بعلامة جمع التذكير \". (^١)\nمما سبق يتبين أنه لا منافاة ولا تعارض فيما استنبطه المفسرون فيما بينهم في تعبير الحق ﵎ بالراكعين دون الراكعات سواء من جهة عمومية اللفظ وشموليته، أو من جهة إخلاصها بأن تصلي مع الرجال مختفية خير من جموع النساء، أو من جهة فضيلتها باستثنائها ﵍ دون نساء بني إسرائيل بالصلاة مع الرجال كما ذكره ابن عاشور، والله أعلم.\n_________\n(^١) التحرير والتنوير (٣/ ٩٥).","vol":"1","page":157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>بطلان معتقد من فرق بين أجل الميت والمقتول</span>.\nقال تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران ١٥٤]\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" ومعنى قوله: ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ أي: خرج الذين كتب عليهم القتال إلى مصارعهم للموت، وفي هذا دليل على أن الأجل في القتل والموت واحد، كما قال أهل السنة \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من هذه الآية استنباطا عقديا فيه الرد على طائفة المعتزلة الذين يقولون: إن المقتول ليس بميت لأن القتل فعل العبد والموت فعل الله سبحانه أي مفعوله وأثر صفته، وأن للمقتول أجلين، أحدهما القتل والآخر الموت، وأنه لو لم يقتل لعاش إلى أجله الذي هو الموت، ولو قتل لقطع عليه أجله الذي قدر الله أن يعيش حتى يصله.\nفاستنبط السمعاني من قول الحق ﵎: ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ أن من قدر الله عليه الموت بأحد أسبابه فإنه ملاقيه لا محالة، سواء كان سبب ذلك الموت قتلا أو مرضا أوغرقا أو بدون سبب، وقد أنكر السمعاني القول بأن للإنسان أجلين، وإنما هو واحد والقتل أحد أسبابه.\nقال ابن أبي العز: \" والمقتول ميت بأجله فعلم الله تعالى وقدر وقضى أن هذا يموت بسبب المرض وهذا بسبب القتل وهذا بسبب الهدم وهذا بسبب الحرق\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (١/ ٣٦٩).","vol":"1","page":158},{"text":"وهذا بالغرق إلى غير ذلك من الأسباب والله سبحانه خلق الموت والحياة وخلق سبب الموت والحياة، وقول المعتزلة باطل لأنه لا يليق أن ينسب إلى الله تعالى أنه جعل له أجلا يعلم أنه لا يعيش إليه البتة أو يجعل أجله أحد الأمرين \". (^١)\nوقال أبو حيان: \" وفي هذا - أي هذه الآية - دليل على أن كل امرئ له أجل واحد لا يتعداه \". (^٢) وقال الألوسي: \" وظاهر الآية يؤيد مذهب أهل السنة القائلين بأن المقتول ميت بأجله أي بوقته المقدر له وأنه لو لم يقتل لجاز أن يموت في ذلك الوقت وأن لا يموت من غير قطع بامتداد العمر ولا بالموت بدل القتل إذ على تقدير عدم القتل لا قطع بوجود الأجل وعدمه فلا قطع بالموت ولا بالحياة \". (^٣) وقد وافق السمعاني في ذلك علماء العقيدة والمفسرين، وممن قال به أبو السعود، والسفاريني (^٤)، والسعدي وغيرهم. (^٥)\n_________\n(^١) شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (١/ ١٤٢).\n(^٢) البحر المحيط (٣/ ٧١). وقد بين الرازي لإبطال شبهة هؤلاء المعتزلة بالرد عليهم من هذه الآية قال: \"ولو قلنا أنه لا يدخل الشيء في الوجود إلا بقضاء الله وقدره، اعترفنا بأن الكافر لا يقتل المسلم إلا بقضاء الله، وحينئذ لا يبقى بين القتل وبين الموت فرق، فيصح الاستدلال أما إذا قلنا بأن فعل العبد ليس بتقدير الله وقضائه، كان الفرق بين الموت والقتل ظاهرًا من الوجه الذي ذكرتم، فتفضي إلى فساد الدليل الذي ذكره الله تعالى، ومعلوم أن المفضي إلى ذلك يكون باطلا، فثبت أن هذه الآية دالة على أن الكل بقضاء الله. \" انظر: مفاتيح الغيب (٩/ ٤٢٥)، وللاستزادة انظر: أيضا اعتقاد أهل السنة للخميس (١/ ١٦٢)، وانظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٤٠٨)، وانظر: الفصل في الملل والنحل (٣/ ٤٩) الإنتصار في الرد على القدرية والمعتزلة (١/ ٢٤١).\n(^٣) روح المعاني (٢/ ٢٩٠).\n(^٤) هو محمد بن أحمد بن سالم السفاريني، أبو العون، عالم بالحديث والأصول والأدب، ولد في سفارين من قرى نابلس، ورحل إلى دمشق، وأخذ عن علمائها، من كتبه: لوامع الأنوار البهية، كشف اللثام في شرح عمدة الأحكام، توفي ﵀ سنة ١١٨٨ هـ في مدينة نابلس.\n(^٥) انظر: لوامع الأنوار البهية للسفاريني (١/ ٣٤٩)، وإرشاد العقل السليم لأبي السعود (١/ ٤٧٧)، وتفسير السعدي ص ١٥٣. وقد ذكر المعتزلة شبها لتأييد باطلهم بقولهم أن الأحاديث التي وردت في السنة المطهرة كزيادة العمر مثل (من أحب أن ينسأ له في أثره ويبسط له في رزقه فليصل رحمه) أن في ذلك إثبات أن له أجلان لكن الله غير ذلك الأجل المقدر له إلى أجل آخر من أجل ذك السبب. ورد عليهم ابن أبي العز مبطلا قولهم قائلا \" وقد قدر الله أن هذا يصل رحمه فيعيش بهذا السبب إلى هذه الغاية ولولا ذلك السبب لم يصل إلى هذه الغاية ولكن قدر هذا السبب وقضاه وكذلك قدر أن هذا يقطع رحمه فيعيش إلى كذا ... \". انظر: شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (١/ ١٤٢).","vol":"1","page":159},{"text":"يخلص الأمر على سلامة استنباط السمعاني وهذا أمر تنعقد عليه قلوب أهل السنة والجماعة بأن الله قد كتب الآجال وقدرها وأن من مات أو قتل فقد استوفى رزقه وأجله، كيف لا والحق يقول: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ بل وإن القول بقول المعتزلة يقدح في علم الله بتقديره لآجال عباده.\nويؤيده أيضا قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ وأيضا قوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ وقال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾.\nوليس هذا بغريب من هذا العالم الجليل - السمعاني - فهو كعادته يسبر الدليل فيرد على من خالف معتقد أهل السنة والجماعة بنصوص القرآن والسنة. والله أعلم.","vol":"1","page":160},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>بيان القدرة، والمنة في خلق البشر من نفس واحدة</span>\nقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء ١]\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" ذكر هذا كله لبيان القدرة، وإظهار المنة \". (^١)\n\nالدراسة:\nذكر السمعاني أن ذكر الله سبحانه لخلق الناس كلهم من نفس واحدة، وخلق حواء من ضلع آدم، وانتشار هذا الخلق من الرجال والنساء من نسله، إنما هو مساق لبيان قدرته سبحانه، وإظهار لمنته على خلقه.\nوقد أشار بعض المفسرين إلى هذا الاستنباط، قال ابن عادل: \" وعلل الأمر بالتقوى فيهما بما يدل على معرفة المبدأ بأنه خلق الخلق من نفس واحدة، وهذا يدل على كمال قدرة الخالق وكمال علمه وحكمته \". (^٢) وممن وافقه أيضا من المفسرين الرازي، والنسفي، وأبو السعود، والشوكاني، والزحيلي. (^٣)\nوقد استنبط بعض المفسرين من هذه الآية استنباطا آخر، في أن خلق الناس من نفس واحدة فيه دليل على وجوب التواصل والتراحم والتآلف بين الناس لأن الأصل واحد وهو آدم.\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (١/ ٣٩٤).\n(^٢) اللباب في علوم الكتاب (١/ ١٣٥٤)\n(^٣) انظر: مفاتيح الغيب (٩/ ١٣٠)، ومدارك التنزيل (١/ ٢٠٦)، وإرشاد العقل السليم (٢/ ٢٧)، وفتح القدير (٣/ ١٣٢)، والتفسير المنير (٧/ ٣٠٨).","vol":"1","page":161},{"text":"قال ابن عاشور في هذا الاستهلال: \" دعوة تظهر فيها المناسبة بين وحدة النوع ووحدة الاعتقاد \". (^١) وقال الزحيلي: \"وإنشاء جميع البشر من نفس واحدة يدل على قدرة الله تعالى وعلمه وحكمته ووحدانيته، كما يوجب شكر النعمة، ويرشد إلى وحدة الأصل والنوع الإنساني، مما يقتضي وجوب التعارف والتعاون بين الناس لأنهم من أصل واحد وأب واحد، فهم إخوة، وما على الإخوة إلا التآلف، لا التناحر والتقاتل\". (^٢) وممن قال به أيضا أبو حيان، والماوردي، ومحمد أبو زهرة، والسعدي. (^٣)\nواستنبط أيضا من هذه الآية بأن حصر الذرية في النوعين المذكورين في الآية يقال فيه بعدم نوعية الخنثى وأنها تندرج تحت أحد النوعين، ووجه الاستنباط أن الله سبحانه اقتصر خلق الذرية من الرجال والنساء فدل على عدم وجود نوع آخر، وأنه لو كان موجودا لذكر في الآية، قال ابن عطية: \" وحصره ذريته إلى نوعين الرجال والنساء مقتض أن الخنثى ليس بنوع، وأنه وإن فرضناه مشكل الظاهر عندنا، فله حقيقة ترده إلى أحد هذين النوعين \". (^٤) وممن قال به أيضا محمد رشيد رضا. (^٥)\nلكن وفق ابن العربي فأجاد في الرد على هذا الاستنباط قائلا: \" هذا جهل باللغة وغباوة عن مقطع الفصاحة وقصور عن معرفة سعة القدرة ... وأما ظاهر\n_________\n(^١) التحرير والتنوير (٤/ ١٢٢).\n(^٢) التفسير المنير (٧/ ٣٠٨).\n(^٣) انظر: البحر المحيط (٣/ ٤٩٢)، والنكت والعيون (١/ ٤٦٦)، وزهرة التفاسير (١/ ١٥٦٣)، وتفسير السعدي ص ١٦٣.\n(^٤) المحرر الوجيز (٢/ ٦٧).\n(^٥) تفسير المنار (٤/ ٢٧٢).","vol":"1","page":162},{"text":"القرآن فلا ينفي وجود الخنثى \" (^١)، ثم ذكر الآية وأجاب عنها بقوله \" فهذا إخبار عن الغالب في الموجودات، وسكت عن ذكر النادر لدخوله تحت عموم الكلام الأول، والوجود يشهد له والعيان يكذب منكره \" (^٢).\nوأيده على ذلك القرطبي ووافقه، (^٣) وقال أبو حيان في سبب عدم الذكر: \" ولما كانت الخنثى مما يحزن بوجوده لم يذكره تعالى \". (^٤)\nيخلص الأمر على سلامة استنباط السمعاني، وأن القول بأن خلق هؤلاء الناس من نفس واحدة فيه بيان لقدرة الرب - سبحانه -، حيث إنك ترى ملايين الخلق من عهد آدم ﵇ وحتى تقوم الساعة وأصلهم واحد هو آدم ﵇، فأي شيء أعظم من هذه القدرة وهذه المنة.\n_________\n(^١) أحكام القرآن لابن العربي (٧/ ٩٦).\n(^٢) نفس المصدر السابق.\n(^٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٦/ ٥٢).\n(^٤) البحر المحيط (٩/ ٣٤٩).","vol":"1","page":163},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>الربيبة تحرم على زوج الأم ولو لم تكن في حجره</span>.\nقال تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء ٢٣].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" الربيبة: وهي ابنة الزوجة، وسُمّيت ربيبة لأن الزوج يربها في حجره على الأغلب، فهي حرام بعد الدخول بالزوجة، وسواء كانت في حجره، أو في حجر غيره \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني في هذه الآية بطلان إعمال مفهوم المخالفة في القول بأن الربيبة تحرم سواءً كانت في الحجر أو لم تكن، ووجه استنباطه الذي أبطل فيه إعمال مفهوم المخالفة أنّ الكلام خرج مخرج الغالب، وما خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، كما بيّن ذلك الأصولييون. (^٢)\nالموافقون:\nوافق السمعاني الجمهور بالقول بأنّ القيد هنا لا مفهوم له، لأنّ الكلام خرج مخرج الغالب، قال ابن كثير: \" وأما قوله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ فجمهور الأئمة على أن الربيبة حرامٌ سواء كانت في حجر الرجل أو لم تكن في حجره، قالوا: (وهذا الخطاب خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له) \" (^٣)،\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (١/ ٤١٣).\n(^٢) للاستزادة من معرفة موانع مفهوم المخالفة انظر: الباب الأول- الفصل الثالث- المبحث الثاني (مفهوم المخالفة)، من هذه الرسالة.\n(^٣) تفسير القرآن العظيم (٢/ ٨٨٠).","vol":"1","page":164},{"text":"وقال العثيمين مبينًا دليل عدم إعمال المفهوم هنا أيضًا: \"إن الله تعالى قال: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ وسكت عن مفهوم قوله ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ فلمّا صرّح بمفهوم القيد الثاني وهو قوله: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ علِم أنّ مفهوم القيد غير مشترط، وإنما ذكِر لبيان العلة.\" (^١) وممن قال بذلك من أهل التفسير: الجصّاص، والقرطبي، وابن عادل الحنبلي، وجلال الدين المحلي، والشوكاني، والسعدي، (^٢). مبينين أنّ القيد هنا أيضًا لبيان أعلى صورِ المنهيِّ عنه.\nالمخالفون:\nأعمل أهلُ الظاهر مفهوم المخالفة في هذه الآية، وقالوا بأنّ الربيبة التي لا تكون في حجر زوج أمّها لا تحرم على زوج الأم، وذلك لأنّ من شروط الحرمة أن تكون في الحجر لظاهر الآية، ونسبوا هذا القول إلى عليّ ﵁، والذي قد أبطله ابن مسعود رضي الله عن الجميع، قال الرازي مستحسنًا هذا الاستدلال: \" ونُقِل أنَّه رضوان الله عليه -أي علي- احتج على ذلك بأنه تعالى قال: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ شرط في كونها ربيبة له، كونها في حجره، فإذا لم تكن في تربيته ولا في حجره فقد فات الشرط، فوجب أن لا تثبت الحرمة، وهذا استدلال حسن \". (^٣)\n_________\n(^١) فتاوى لقاء الباب المفتوح - اللقاء ١٠٨.\n(^٢) انظر: أحكام القرآن للجصاص (٢/ ١٦٢)، والجامع لأحكام القرآن (٥/ ١٠٨)، واللباب في علوم الكتاب (٦/ ٩٦)، وتفسير الجلالين (١/ ٩٠)، وفتح القدير (١/ ٤٤٥)، وتفسير السعدي ص ١٧٤. ومحاسن التأويل (٣/ ٧١).\n(^٣) انظر: التفسير الكبير (١٠/ ٢٨).","vol":"1","page":165},{"text":"النتيجة:\nبعد معرفة أدلّة الموافقين والمخالفين وحججهم، ثبت القول بأنّ القيد المذكور في الربيبة لا مفهوم له، إضافةً إلى ما أخرجه البخاريُّ في صحيحه من أنّ النبي ﷺ دفع ربيبةً له إلى من يكفلها وقد حرمت عليه تلك الربيبة ﵇، (^١) فلو كان التقييد بالحجر معتبرًا وله تأثير في التحريم لصرّح به كما صرَّح بالدخول ولقال: \"فإن لم تكونوا دخلتم بهن ولسن في حجوركم فلا جناح عليكم، فلما لم يذكر التقييد بالحجر، دلّ على عدم اعتباره، وقد تقرر كذلك في أصول الفقه أن ما خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له (^٢).\nوأما ما أُثِر عن علي ﵁ فلا يثبت، قال الشوكاني: \" قال ابن المنذر والطحاوي: لم يثبت ذلك عن عليّ، لأن راويه إبراهيم بن عبيد، عن مالك بن أوس بن الحدثان، عن عليّ، وإبراهيم هذا لا يعرف \". (^٣)\nوقد ذكر ابن القيم أن في ذكر هذا القيد فائدةً شريفةً، وهي جواز جعلها في حجره، وأنه لا يجب عليه إبعادها عنه، وتجنب مؤاكلتها، والسفر، والخلوة بها، فأفاد هذا الوصف عدم الامتناع من ذلك (^٤).\nوبهذا وغيره من الاستنباطات التي ذكرت يخلص الأمر على سلامة استنباط السمعاني بأن هذا القيد إنما خرج مخرج الغالب، وما خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب النكاح- باب (وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم) حديث ٣٥٣٦ (٥/ ١٩٦٢).\n(^٢) انظر: اللباب في علوم الكتاب (٦/ ٩١) والمذكرة في أصول الفقه (١/ ٢٤٠).\n(^٣) انظر: فتح القدير (١/ ٥٦١).\n(^٤) انظر: زاد المعاد (٥/ ١١١).","vol":"1","page":166},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>بطلان نكاح إماء أهل الكتاب</span>.\nقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء ٢٥].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" ومعنى الآية: ومن لم يقدر على مهر الحرة المؤمنة فليتزوج بالأمة المؤمنة، وفيه دليل على أن نكاح الأمة الكتابية باطل \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من هذه الآية بطلان نكاح الأمة الكتابية، ووجه استنباطه هنا بدلالة مفهوم المخالفة، وذلك لأن إباحة نكاح الأمة المؤمنة عند عدم الاستطاعة على الحرة يدل على بطلان نكاح الأمة الكتابية.\nالموافقون:\nوافق جمهور العلماء من الفقهاء والمفسرين من التابعين أمثال مجاهد، ومالك، وسعيد بن جبير وغيرهم عين ما استنبطه السمعاني ﵀ على قوله ببطلان نكاح الأيامى الكتابيات وعدم جوازه وحجتهم دلالة المفهوم المخالف في تخصيص الفتيات بالمؤمنات، وعلى هذا فالمفهوم أن غيرهم لا يجوز نكاحه. قال الطبري بعد ذكر من قال بالتحريم ومن قال بالجواز: \" وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: هو دلالة على تحريم نكاح إماء أهل الكتاب فإنهن لا يحللن إلا بملك اليمين، وذلك أن الله جل ثناؤه أحل نكاح الإماء بشروط، فما لم\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (١/ ٤١٦).","vol":"1","page":167},{"text":"تجتمع الشروط التي سماهن فيهن، فغير جائز لمسلم نكاحهن\". (^١) وممن قال بهذا القول الجصاص، والكيا الهراسي، والبغوي، وابن العربي، والشنقيطي وغيرهم. (^٢)\nالمخالفون:\nخالف السمعاني جماعة بالقول بجواز نكاح الأمة الكتابية، وهم من أصحاب الرأي من أهل العراق وأبي حنيفة وغيرهم (^٣)، وحجتهم عموم الآيات ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ وقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾، واحتجوا أيضا بالقياس على الحرائر، وذلك أنه لما لم يمنع قوله ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ في الحرائر من نكاح الكتابيات الحرائر، فكذلك لا يمنع قوله ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ في الإماء من نكاح الكتابيات الإماء. (^٤)\nومنهم من قال بأن الكلام خرج مخرج الغالب، وذلك بأن نكاح إماء المؤمنات أكثر من نكاح إماء أهل الكتاب، ولم أجد في كتب الأحكام والتفاسير أحد تكلم في هذا إلا جلال الدين المحلي، قال ﵀ مخالفا قول السمعاني والموافقين له: \" ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ هو جري على الغالب، فلا مفهوم له \". (^٥)\n_________\n(^١) جامع البيان (٦/ ٥٩٨).\n(^٢) انظر: وأحكام القرآن للجصاص (٣/ ١١٦)، وأحكام القرآن للكيا الهراسي (٢/ ٤٢٦)، ومعالم التنزيل (٢/ ١٩٧)، وأحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٢٩٥)، وأضواء البيان (١/ ٢٣٨).\n(^٣) ذكره الطبري في جامع البيان (٦/ ٥٩٨)، وذكره الشوكاني في فتح القدير (٢/ ١٢٠)، وذكره ابن عادل في اللباب في علوم الكتاب (١/ ١٤٤٢)، وذكره الشنقيطي في أضواء البيان (١/ ٢٣٨).\n(^٤) ذكره الطبري في جامع البيان (٦/ ٥٩٨)، وذكره الشوكاني في فتخ القدير (٢/ ١٢٠)، وذكره ابن عادل في اللباب في علوم الكتاب (١/ ١٤٤٢)، وذكره الشنقيطي في أضواء البيان (١/ ٢٣٨).\n(^٥) تفسير الجلالين (١/ ١٠٥).","vol":"1","page":168},{"text":"النتيجة:\nمما سبق يتبين بطلان أدلة المخالفين وذلك لأن هذه الآية خاصة، والخاص مقدم على العام، أما من جهة أن لفظ ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أنها على وجه الفاضل، ولا يمنع عداها فذلك لا يصح القول به لأن الله صرح بهذ القيد في الأيامى، وذاك لا ينطبق على أيامى أهل الكتاب فإنه لم يبح نكاحهن، مع أنه سبحانه أباح نكاح نساء أهل الكتاب، وأما من جعل من موانع الاعتبار بهذ المفهوم كون الكلام خرج مخرج الغالب فالصحيح أنه ليس كذلك لأنه قد كثر أيضا النكاح من إماء أهل الكتاب أيضا. (^١)\nفيتبين بعد ذلك سلامة استنباط السمعاني ومن وافقوه من قبله ومن بعده، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: أحكام القرآن للكيا الهراسي (٢/ ٤٢٦)، واللباب في علوم الكتاب (١/ ١٤٤٢)، وحاشية الشهاب الخفاجي (٣/ ١٢٥). وقد رد ابن العربي على قول أبي حنيفة الذي يبطل دلالة مفهوم الخطاب قائلا: \" ليس هذا استدلالا بدليل الخطاب من أربعة أوجه: الأول: أن هذا استدلال بالتعليل، فإن الله تعالى ذكر الإيمان في نكاحهن، وذكر الصفة في الحكم تعليل، كما لو قال: أكرموا العالم واحفظوا الغريب، لكان تنصيصا على الحكم، وعلى علته، وهي العلم والغربة، فيتعدى الإكرام لكل عالم وغريب، ولا يتعدى إلى سواهم، الثاني: أن الله تعالى قال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، فكان هذا تعليلا يمنع من النكاح في المشركات. الثالث: أن الله تعالى قال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، فإذا لم يكن الإيمان شرطا في الإحلال ولا العفة تبين أن المراد بالإحصان هاهنا الحرية. الرابع: أن الله قال في الآية: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ فلينكح الفتيات المؤمنات، فالإحصان هاهنا في الحرية قطعا، فنقلناه من حرة مؤمنة إلى أمة مؤمنة، وقال في آية أخرى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾. أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٢٩٥).","vol":"1","page":169},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>سؤال الله من فضله يوجب حرمة الحسد</span>.\nقال تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [النساء ٣٢]\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ في هذا دليل على أن الحسد حرام، والحسد: هو أن يتمنى زوال النعمة عن صاحبه، ويتمناها لنفسه، والغبطة: هو أن يتمنى لنفسه مثل ما لصاحبه، فالحسد حرام، والغبطة لا بأس بها\". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني بدلالة الالتزام، من أن سؤال الله من فضله فيه تحريم للحسد، بمعنى أنه يلزم من سؤال الله عدم تمني ما عند المخلوقين الذي هو عين الحسد، لأن الله المتكرم على من فضلهم عليهم، وهذا يدل عليه صدر هذه الآية في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، فهذا العطف ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ جاء بعد النهي ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، وقد وافقه على ذلك جمع من المفسرين، قال الألوسي: \" قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ عطف على النهي بعد تقرير الانتهاء بالتعليل كأنه قيل: لا تتمنوا نصيب غيركم ولا تحسدوا من فضل عليكم واسألوا الله تعالى من إحسانه الزائد\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (١/ ٤٢٢).","vol":"1","page":170},{"text":"وإنعامه المتكاثر فإن خزائنه مملوءة لا تنفد أبدا \". (^١) وزاد الشوكاني: \" وهذا الأمر يدل على وجوب سؤال الله سبحانه من فضله\". (^٢)\nوقال العثيمين: \"واعلم أن الواجب على المرء إذا رأى أن الله أنعم على غيره نعمة أن يسأل الله من فضله، ولا يكره ما أنعم الله به على الآخرين، أو يتمنى زواله\". (^٣)\nوممن قال به أيضا من المفسرين القرطبي، والبيضاوي، وأبو السعود، وابن عاشور، وحقي. (^٤)\nيؤيد هذا الاستنباط سبب نزول الآية (^٥)، وأيضا يؤيده قوله تعالى في آية أخرى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، ففيها دلالة على أن تمني ما عند الناس دون سؤال الله من فضله هو عين الحسد. والله أعلم.\n_________\n(^١) روح المعاني (٣/ ٢١).\n(^٢) فتح القدير (٢/ ١٣٤).\n(^٣) تفسير القرآن العظيم لابن عثيمين (٣/ ٢٧٠).\n(^٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٥/ ١٦٣)، وأنوار التنزيل (٢/ ١٨١)، وإرشاد العقل السليم (٢/ ٧٤)، والتحرير والتنوير (٤/ ١٠٦)، وروح البيان (٢/ ٤٥٣).\n(^٥) سبب النزول: روي عن أم سلمة أنها قالت: يا رسول الله: إن الرجال يغزون ولا نغزوا، ولهم ضعف مالنا من الميراث، فلو كنا رجالا غزونا كما غزوا، وأخذنا من الميراث مثل ما أخذوا؛ فنزل قوله: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ وقيل: سبب نزول الآية: أن أهل الجاهلية كانوا لا يورثون النساء؛ فلما نزلت الآية بتوريث النساء، وجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، قالت النساء: لو كنا رجالا لأخذنا من الميراث مثل ما أخذوا، وقال الرجال: كما فضلنا عليكن في الدنيا، نفضل عليكن في الآخرة؛ فنزلت الآية. انظر: أسباب النزول للواحدي (١/ ١٠٠)، ولباب النزول للسيوطي (١/ ٥٦)، وجامع البيان (٦/ ٦٦٧)، والنكت والعيون (١/ ٤٧٧).","vol":"1","page":171},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>فرضية الجهاد على الكفاية</span>.\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء ٧١]\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" وهذا دليل على أن الجهاد فرض على الكفاية\". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من هذه الآية استنباطا فقهيا، بالقول بأن الجهاد فرض كفاية وليس فرض عين، ووجه الاستنباط أمره سبحانه بأن يكون النفير إما جماعات متفرقة أو جميعا، فلما كان على حسب الحالة التي يحتاج فيها لملاقاة العدو، خرجنا بأن الكفاية تسد الحاجة فلا يلزم أن يكون الخروج للجهاد عيني على كل أحد.\nوقد وافق السمعاني بهذا القول الجمهور وذلك لصراحة هذا الدليل وغيره من الأدلة الناسخة لفرضية العين بالجهاد وذلك بالقول بأنه على الكفاية لا على العين، قال الماوردي: \" وقوله تعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾ يعني فرقا وعصبا، وقوله تعالى: ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ أي بأجمعكم فخيرهم الله تعالى بين الأمرين، فدل على أنه\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (١/ ٤٤٦).","vol":"1","page":172},{"text":"فرضه لا يتعين على الكافة \". (^١) وممن قال ذلك من الفقهاء، والمفسرين: الجصاص، وابن قدامة، والألوسي، والشوكاني، وابن عاشور. (^٢)\nالمخالفون:\nأما من قال بأن الجهاد فرض عين على كل أحد فليس لديهم حجة إلا الاستدلال بآيات النفير التي في التوبة، وهي قوله تعالى ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ وقوله تعالى ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، فيرون في الآية الأولى عدم النفرة والجهاد الموجب للعذاب فيه من التحريم المغلظ جزاء توعده سبحانه لمن تخلف عن ذلك، ويرون الأمر في الآية الأخرى موجبا للجهاد. (^٣)\n\nالنتيجة:\nأما ما ذكره القائلون بأن الجهاد فرض عين على كل أحد فاستدلالاتهم منسوخة بآية أخرى من نفس سورة التوبة، قال ابن عباس: نسخها قول الله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) الحاوي الكبير للماوردي (١٤/ ٢٣٨).\n(^٢) انظر: أحكام القرآن (٤/ ٣١٥)، والمغني (٢٠/ ٤١٤)، وروح المعاني (٦/ ٤٤)، ونيل الأوطار (٨/ ١٨)، والتحرير والتنوير (١٠/ ٩٧).\n(^٣) انظر: أحكام القرآن للجصاص (٤/ ٣١٥).\n(^٤) انظر: شرح زاد المستقنع للشنقيطي (٧/ ١٣٦).","vol":"1","page":173},{"text":"وأن في فرضيته على عموم المسلمين تعطل للعلم وإعمار الأرض عموما، قال المقدسي \" ولأنه لو فرض على الأعيان لاشتغل الناس به عن العمارة وطلب المعاش والعلم فيؤدي إلى خراب الأرض وهلاك الخلق \". (^١)\nوأيضا يؤيده وعده - سبحانه - للطائفة القاعدة عن الجهاد بالحسنى دون الذم، في آية ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾، قال الجصاص: \" فلو كان الجهاد فرضا على كل أحد في نفسه لما كان القاعدون موعودين بالحسنى بل كانوا يكونوا مذمومين مستحقين للعقاب بتركه \". (^٢)\nيخلص الأمر إلى سلامة استنباط السمعاني للأدلة السابقة من النصوص الشرعية، وأقوال السلف، والله أعلم.\n_________\n(^١) الكافي للمقدسي (٤/ ١١٦).\n(^٢) أحكام القرآن للجصاص (٤/ ٣١٥)، وقد ذكر هذا الاستنباط المقدسي، انظر: الكافي (٤/ ١١٦)، والمغني (٢٠/ ٤١٤).","vol":"1","page":174},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>لا يلزم مضي الشفاعة للحصول على أجرها</span>.\nقال تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ [النساء ٨٥]\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" واعلم أن الإنسان يؤجر على الشفاعة، وإن لم يشفَّع؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿مَنْ يَشْفَعْ﴾، ولم يقل: من يُشَفَّع، وقد روى أبو موسى الأشعري عن رسول الله أنه قال: \" اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء \" (^١). (^٢)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني ﵀ من صريح الآية أن الإنسان يؤجر على شفاعته دون النظر في مضي تلك الشفاعة من عدمها، ووجه استنباطه هنا أن الله لم يشترط في الحصول على الأجر أن تمضي تلك الشفاعة أو ترد، فقد قال الحق: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾، ومن أوجه الاستنباط أيضا ما استدل به السمعاني من السنة المطهرة من قول النبي ﷺ (اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء) (^٣) لأن النبي ﷺ علق الأجر بالشفاعة ولم يعلق الأجر بقبولها.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الزكاة - باب التحريض على الصدقة والشفاعة فيها - حديث ١٣٦٥ (٢/ ٥٢٠). ومسند الإمام أحمد (٤/ ٤٠٠).\n(^٢) تفسير السمعاني (١/ ٤٥٥).\n(^٣) سبق تخريجه في هذا الاستنباط.","vol":"1","page":175},{"text":"وهذا الاستنباط مأثور عن الحسن بن علي ﵄، فقد روى الطبري بسنده عن الحسن ﵁ أنه قال: من يشفع شفاعة حسنة كان له أجران، وإن لم يُشفّع لأن الله يقول: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾، ولم يقل: من يُشفّع. (^١)\nوممن قال بهذا الاستنباط وأيده من المفسرين: النحاس، والرازي، والقرطبي، وابن كثير، والسيوطي، وغيرهم. (^٢)\nوبهذا يكون استنباط السمعاني موافقًا لنصوص القرآن والسنة، فيكون الاستنباط صحيحًا، والله أعلم.\nحجية الإجماع.\nقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء ١١٥]\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" واستدل أهل العلم (^٣) بهذه الآية على أن الإجماع حجة\". (^٤)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من هذه الآية استنباطًا أصوليًا بدلالة الاقتران، وذلك بالقول بأن الإجماع حجّة (^٥)، ووجه استنباطه أنه لما كانت مشاقة الرسول محرمة\n_________\n(^١) انظر: جامع البيان (٧/ ٢٦٩).\n(^٢) انظر: معاني القرآن للنحاس (٢/ ١٤٥)، ومفاتيح الغيب (١٠/ ١٦٤)، والجامع لأحكام القرآن (٥/ ٢٩٦)، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (٢/ ٣٦٨)، والدر المنثور (٤/ ٥٥٤)\n(^٣) نسب هذا القول إلى الإمام الشافعي. انظر: الإحكام للآمدي (١/ ٢٥٩)، والمستصفى (١/ ١٣٨).\n(^٤) تفسير السمعاني (١/ ٤٧٩).\n(^٥) وقد ذكر السمعاني هذا القول مفصلا في كتابه قواطع الأدلة في أصول الفقه (١/ ٤٦٤).","vol":"1","page":176},{"text":"وقرن الله تلك المشاقة بعدم إتباع غير سبيل المؤمنين لزم أيضًا حرمة إتباع غير سبيل المؤمنين، ومن ثم كان إتباع سبيلهم حجةً وواجبًا لا يجوز مخالفته.\nالموافقون:\nالصحيح أن هذا الاستنباط قد سُبق القول به من الإمام الشافعي وذلك للوجه السابق الذي ذكر آنفا (^١)، وقال ابن كثير في هذا الاستنباط: \" وهو من أحسن الاستنباطات وأقواها، وإن كان بعضهم قد استشكل ذلك واستبعد الدلالة منها-أي الآية- على ذلك \". (^٢)\n\nوممن قال بذلك وأيده من الأصوليين والمفسرين: الجصّاص، والشيرازي، وابن قدامة، وابن كثير، والبيضاوي. (^٣)\nالمخالفون:\nليس المقصود بالمخالفين هنا الذين خالفوا بالقول بعدم حجية الإجماع كليا، وإنما المقصود بالذين قالوا بأن هذه الآية ليس فيها مستدل بالقول بحجية الإجماع، وحجتهم أن الإجماع المعني هو اتفاق مجتهدي هذه الأمة بعد وفاة نبيها في أي عصر على أي أمر، أما هذه الآية نزلت في عهده ﵇ ولأصحابه لا بعد عصره، وأنه يحتمل وجوهًا من التخصيص إما خروجهم من دين الإسلام إلى\n_________\n(^١) انظر: الإحكام للآمدي (١/ ٢٥٩)، والمستصفى (١/ ١٣٨).\n(^٢) انظر: تفسير القرآن العظيم (٣/ ١٠١٨).\n(^٣) انظر: أحكام القرآن (٣/ ٢٢٨)، واللمع في أصول الفقه (١/ ٤٧)، وروضة الناظر (١/ ٤٢٧)، وتفسير القرآن العظيم (١/ ٣٦١)، وأنوار التنزيل (٢/ ٢٥٣).","vol":"1","page":177},{"text":"غيره، أو عدم متابعتهم لرسول الله ﷺ، ومناصرتهم له، ودفع الأعداء عنه. (^١)\nقال الجويني (^٢): \"إن الربّ تعالى أراد بذلك من أراد الكفر وتكذيب المصطفى ﷺ والحيد عن سنن الحق وترتيب المعنى ومن يشاقق الرسول ويتبع غير سبيل المؤمنين المقتدين به نوله ما تولى فإن سلم ظهور ذلك فذلك وإلا فهو وجه في التأويل لائح ومسلك في الإمكان واضح فلا يبقى للمتمسك بالآية إلا ظاهر معرض للتأويل \". (^٣)\nومن حجج هؤلاء ما ذكره أبو حيان حيث قال: \" وما ذكره ليس بظاهر الآية المرتب على وصفين اثنين، لا يلزم منه أن يترتب على كل واحد منهما، فالوعيد إنما ترتب في الآية على من اتصف بمشاقة الرسول وإتباع سبيل غير المؤمنين\". (^٤)\nوممن قال بعدم جواز الآية أن تكون حجة للإجماع ابن حزم، والغزالي، والبغدادي، والطوفي، وابن عاشور وغيرهم. (^٥)\n_________\n(^١) انظر: الإحكام للآمدي (١/ ٢٥٩)، والمستصفى (١/ ١٣٨).\n(^٢) هو إمام الحرمين أبو المعالي عبدالملك بن يوسف الجويني النيسابوري، صاحب التصانيف، ولد سنة ٤١٩ هـ، من مصنفاته: البرهان في أصول الفقه، والشامل، والإرشاد، توفي في نيسابور سنة ٤٧٨ هـ، انظر: سير أعلام النبلاء (١٨/ ٤٦٨ - ٤٧٢)، والأعلام (٤/ ١٦٠).\n(^٣) البرهان في أصول الفقه (١/ ١١٩).\n(^٤) انظر: البحر المحيط (٣/ ٣٦٦).\n(^٥) انظر: الإحكام لابن حزم (٤/ ٥٢٨)، والمستصفى (١/ ١٣٨)، والفقيه والمتفقه (١/ ٢٢٦)، والإشارات الإلهية للطوفي (٢/ ٤٩ - ٥٦)، والتحرير والتنوير (٤/ ٢٥٥).","vol":"1","page":178},{"text":"النتيجة:\nبعد تتبع أقوال الموافقين والمخالفين يخرج القول بدلالة الآية على حجية الإجماع، وأيضًا لدلالة الاقتران، فلمّا كانت مشاقة الرسول ﷺ محرّمة، وقرنت تلك المشاقّة بعدم إتباع سبيل غير المؤمنين لزِم تبعًا أن يكون محرمًا مخالفة إتباع سبيل المؤمنين الذي هو الإجماع، ومن ثمّ كان إتباع سبيلهم حجّة لا يجوز مخالفته.\n\nوأما القول بأن علماء الأمة المجتهدين قد تحدث منهم مخالفة لمجتهدي ... عصرهم، فيكون في ذلك مخالفة لسبيل المؤمنين، فهذا غير وراد هنا لأن الكلام على الإجماع أما باب الاجتهاد فوارد الاختلاف فيه، ولايعد الاختلاف فيه مجانبة لسبيل المؤمنين.\n\nوأما ما قاله أبوحيان من أن الوعيد مرتب على اجتماع الأمرين مشاقة الرسول ومتابعة غير سبيل المؤمنين، فالجواب عليه أن الجمعَ بين أمرين في الوعيد عليهما دالٌ على أن كل واحد منهما يستحق ذلك الوعيد بمفرده، وليس هناك ما يدل على أن الوعيد مرتب على اجتماعهما إذ هو معلوم أن كل واحد من الأمرين معصية لوحدها، فاجتماعهما في هذه الآية بوعيد واحد لا يعني أن الوعيد مرتب على اجتماعهما.\nوبعد هذا يتبين دلالة الآية على حجية الإجماع، وأنّه ليس للمخالف دليلٌ واضح في ردِّ هذه النصوص، وأقوالِ الأئمة، التي تثبت دلالة هذه الآية على حرمة إتباع غير سبيل المؤمنين، الذي هو الإجماع بعينه. والله أعلم.","vol":"1","page":179},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>القعود مع المستهزئين مع الكراهية لا يوجب الكفر</span>.\nقال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء ١٤٠]\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" ... وإن قعد - أي مع الخائضين - ولم يرض بما يخوضون فيه، فالأولى أن لا يقعد، ولكن لو قعد كارها، فلا يكفر، وهذا هو الحكم في كل بدعة يخاض فيها \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من هذه الآية أن القعود مع الذين يخوضون مستهزئين بآيات الله وهو لقعودهم كاره أن ذلك لا يوجب كفرًا، بخلاف لو كان راضيًا لما يقولون فإن ذلك كفرٌ واضحٌ كما قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ وذلك لرضاه عن ما يقولون.\nووجه استنباطه هنا أنه لما كان القعود مع الخائضين حال الرضا كفر، فإن ذلك لا يكون في حال الكراهة.\nقال البغوي: \"وإن خاضوا في حديث غيره فلا بأس بالقعود معهم مع الكراهة\". (^٢) وممن قال بهذا أيضا من المفسرين القرطبي، والبقاعي، وابن عاشور. (^٣)\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (١/ ٤٩٢).\n(^٢) معالم التنزيل (٢/ ٣٠١).\n(^٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٤١٧)، ونظم الدرر (٢/ ٣٣٧)، والتحرير والتنوير (٤/ ٢٨٢).","vol":"1","page":180},{"text":"واستنبط الجصاص أيضا من هذه الآية وجوب إنكار المنكر حتى لو بالكراهة حتى يتغير الحالة التي هو فيها، قال الجصاص: \" وفي هذه الآية دلالة على وجوب إنكار المنكر على فاعله وأن من إنكاره إظهار الكراهة إذا لم يمكنه إزالته وترك مجالسة فاعله والقيام عنه حتى ينتهى ويصير إلى حال غيرها \". (^١)\nوبعد ذلك يتبين سلامة استنباط السمعاني، لأن الكفر إنما يترتب على القعود في حال الرضا أما الكراهية فلا توجب كفرًا، والله أعلم.\n_________\n(^١) أحكام القرآن للجصاص (٣/ ٢٧٧).","vol":"1","page":181},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>بلاغة التعبير بالضمير (مع) وذلك لإغاظة المنافقين</span>.\nقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء ١٤٥ - ١٤٦]\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" قال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، وإنما لم يقل: فأولئك هم المؤمنون، وسوف يؤتيهم الله أجرا عظيما، غيظا على المنافقين \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني نكتة بلاغية بالقول بأن الله عبر بأن المنافقين بعد توبتهم يكونوا مع المؤمنين، ولم يقل سبحانه هم المؤمنون، وذلك بغضا، وغيظا لهم، وإعراضا عنهم، وحيدا بالكلام عن ذكرهم. قال الشوكاني: \" قال القتيبي (^٢): حاد عن كلامهم غضبًا عليهم، فقال: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولم يقل هم المؤمنون\". (^٣)\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (١/ ٤٩٥).\n(^٢) القتيبي: هو أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك القسطلاني القتيبي المصري، أبو العباس، شهاب الدين، من علماء الحديث، مولده في القاهرة، من مصنفاته: إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، والمواهب اللدنية في المنح المحمدية في السيرة النبوية، ولطائف الاشارات في علم القراءات، والكنز في التجويد، ومشارق الانوار المضية، توفي في القاهرة سنة ٨٥١ هـ. انظر: الأعلام (١/ ٢٣٢).\n(^٣) فتح القدير (٢/ ٢٣٦).","vol":"1","page":182},{"text":"وممن قال بهذا وأيده الثعلبي، والسمرقندي، والقرطبي، وابن قتيبة، وابن عادل الحنبلي. (^١)\nوذكر النيسابوري وجهًا آخر في استنباط لفظ المعية للمؤمنين أنها لتشريف المؤمنين لتبعية المنافقين لهم قال: \" وعند حصول الشرائط (^٢) قال: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولم يقل مؤمنون تشريفًا للمؤمنين أنهم متبعون، والمنافقون بعد الشرائط تبع لهم \". (^٣)\nواستنبط بعض العلماء من آخر الآية استنباطًا يؤيد المعاني المستنبطة الأولى وذلك بإيقاع أجر المؤمنين بالتسويف لانضمام المنافقين لهم، كما هو في قوله تعالى: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، قال القرطبي: \"ومن شرط التائب من النفاق أن يصلح في قوله وفعله، ويعتصم بالله أي يجعله ملجأً ومعاذًا، ويخلص دينه لله، كما نصت عليه هذه الآية، وإلا فليس بتائب، ولهذا أوقع أجر المؤمنين في التسويف لانضمام المنافقين إليهم\". (^٤) وممن قال به أيضا الرازي. (^٥)\nوعليه يكون استنباط السمعاني سالمًا من القدح لموافقة أهل التفسير له وللأوجه الأخرى المستنبطة عند بعض المفسرين، والتي لم تخالف استنباط السمعاني - ﵀ -.\n_________\n(^١) انظر: والكشف والبيان (٣/ ٤٠٦)، وبحر العلوم (١/ ٤٣٦)، والجامع لأحكام القرآن (٥/ ٤٢٦)، وتأويل مشكل القرآن (١/ ١٤)، واللباب في علوم الكتاب (١/ ١٦٤٥).\n(^٢) الشرائط هي المذكورة في نفس الآية: التوبة، والصلاح، والاعتصام بالله، والإخلاص لله.\n(^٣) غرائب القرآن ورغائب الفرقان (٢/ ٥٢٠).\n(^٤) الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٤٢٦).\n(^٥) انظر: مفاتيح الغيب (١١/ ٢٥٢).","vol":"1","page":183},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>عدم المؤاخذة قبل الإنذار</span>.\nقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء ١٦٥]\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" وهذا دليل على أن الله تعالى لا يعذب الخلق قبل بعثة الرسل، وهذا معنى قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني استنباطا عقديا بأن الله لا يؤاخذ بالذنب إلا بعد الإنذار، وأن ما وجب وجب بالسمع لا بالعقل، ووجه الاستنباط أنه ليس للعبد حجة على الله بعد إرسال الرسل المبشرين والمنذرين، وذلك لأنهم قد قاموا بالبيان والإنذار، يؤيد ذلك الآيات التي توافق هذا القول في محكم التنزيل، كما ذكرها السمعاني في استنباطه هذا.\nقال الشاطبي: \" فجرت عادته في خلقه أنه لا يؤاخذ بالمخالفة إلا بعد إرسال الرسل \". (^٢)\nوقال ابن عاشور: \" فلما بعث الله الرسل لقطع الحجة علمنا أن الله حين بعث الرسل كان بصدد أن يؤاخذ المبعوث إليهم، فاقتضت رحمته أن يقطع حجتهم ببعثة الرسل وإرشادهم وإنذارهم، ولذلك جعل قطع الحجة علة غائية للتبشير والإنذار ... فهذه الآية ملجئة جميع الفرق إلى القول بأن بعثة الرسل تتوقف عليها المؤاخذة بالذنوب \". (^٣)\nوقد ذكر ذلك جلُّ أهلِ التفسير في كتبهم لهذه الآية والآيات المؤيدة والموافقة لها. (^٤)\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (١/ ٥٠٣).\n(^٢) الموافقات (٤/ ٢٠٠).\n(^٣) التحرير والتنوير (٤/ ٣٢١).\n(^٤) انظر: أحكام القرآن للكيا الهراسي (٤/ ٢٤٩)، ومعالم التنزيل للبغوي (٢/ ٣١٢)، وفتح القدير (٢/ ٢٤٨)، وأضواء البيان (٣/ ٧٠)، والتحرير والتنوير (٤/ ٣٢١).","vol":"1","page":184},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>المانع من عدم المغفرة للكفار قضاء الله، وإلا فرحمته وسعت كل شيء</span>.\nقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾ [النساء ١٦٨].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" في هذا إشارة إلى أن الله تعالى لو غفر للكافرين أجمع، كان يسع ذلك رحمته، لكنه قطع القول بأن لا يغفر لهم \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني ﵀ استنباطًا عقديًا بالقول بأن الله لو أراد أن يغفر لجميع الكفار ما كان ذلك شاقًا عليه ومعجزًا له، لكن المانع من عدم مغفرته لهم قضائه وقدره بأنه لا يغفر لمن كفر أو أشرك به، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.\nووجه الاستنباط هنا قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ﴾ أي ما كتبه وقضى به وقدره، وإلا فليس الأمر عدم الاستطاعة، فإن ذلك لا يعجزه شيء.\nيؤيد ذلك الكثير من نصوص القرآن والسنة الدالة على عموم رحمة الله وسعة مغفرته، فمما يدلّ على أنّ رحمته وسعت وشملت كلّ شيء، واختصاصها بمن يريد دون من لا يريد قوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾.\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (١/ ٥٠٤).","vol":"1","page":185},{"text":"وأيضا ما ثبت في السنة المطهرة من حديث أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (والذي نفسي بيده، - أو والذي نفس محمد بيده - لو أخطأتم حتى تبلغ خطاياكم ما بين السماء والأرض، ثم استغفرتم الله لغفر لكم (^١». (^٢)\n_________\n(^١) مسند الإمام أحمد (٣/ ٢٣٨) حديث ١٣٥٢٥، قال الألباني حديث صحيح، انظر: السلسلة الصحيحة (٤/ ٥٩٤).\n(^٢) للاستزادة انظر: مجموع الفتاوى (١٨/ ١٨٥)، واجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم (١/ ٨٤)، والفصل في الملل والأهواء والنحل (٤/ ٤٢)، شرح كتاب التوحيد للغنيمان (١٤/ ٨).","vol":"1","page":186},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>الابتداء بالرجال قبل النساء عند ذكر حد السرقة لقوتهم، وجراءتهم</span>.\nقال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة ٣٨]\n• قال السمعاني: \" بدأ في حد السرقة بالرجل، لأن القوة والجراءة في الرجال أكثر، والسرقة نتيجة القوة والجراءة \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني أن السبب في تقديم الرجل قبل المرأة عند ذكر حدهما، أن الرجال أقوى وأجرأ في تعديهم على حقوق الناس بسرقتهم واختلاسهم، فقدموا حتى يتأكد في حقهم أنهم سيقام عليهم الحد إن لم يرتدعوا. قال القاسمي: \" ولما كانت غلبة السرقة في الرجال، لقوتهم بدأ بالسارق \". (^٢)\nواستنبط بعض المفسرين استنباطا آخر، وذكروا أن سبب تقديم الرجل على المرأة، أن حب الرجال للمال أكثر من حب النساء لرغبتهم فيه، فلهذا قدموا، قال الماوردي: \"إنما بدأ الله تعالى في السرقة بالسارق قبل السارقة، وفي الزنى بالزانية قبل الزاني، لأن حب المال على الرجال أغلب، وشهوة الاستمتاع على النساء أغلب \". (^٣)\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٣/ ٤٩٨).\n(^٢) محاسن التأويل (٢/ ٣٨).\n(^٣) النكت والعيون (٢/ ٣٥).","vol":"1","page":187},{"text":"وممن أشار إلى ذلك من المفسرين: السمرقندي، والقرطبي، وابن عادل الحنبلي، والزحيلي. (^١)\nوالمتأمل في كلا الاستنباطين، يلحظ أنهم يتفقون في كثرة السرقة عند الرجال، بيد أن استنباط السمعاني يقول كثرة سرقتهم لجراءتهم وقوتهم، والآخرون يقولون كثرة سرقتهم لشدة حبهم للمال ورغبتهم فيه، وهذان الأمران متحققان في الرجال، والسببان مكملان لبعضهم، فلو كان هناك قوة وجراءة دون حب ورغبة في المال لما وقعت السرقة، ولو كان هناك رغبة في المال وحب له، دون قوة وجراءة، لما وقعت السرقة، فيتبين بعد ذلك سلامة استنباط السمعاني، وأنه لا منافاة بين الاستنباطين. والله اعلم.\n_________\n(^١) انظر: بحر العلوم (١/ ٤٣٧)، والجامع لأحكام القرآن (٦/ ١٧٥)، واللباب في علوم الكتاب (٧/ ٣٢٤)، والتفسير المنير (٦/ ١٨٩).","vol":"1","page":188},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>جواز الاجتهاد في الأحكام</span>.\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة ٩٥]\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" وفيه دليل على جواز الاجتهاد في الأحكام \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من ظاهر هذه الآية استنباطا أصوليا بالقول بأنه يجوز الاجتهاد في الأحكام ووجه الاستنباط أن الله أمر بمن يقتل الصيد حال إحرامه أن يحكم عليه حكمان عدلان باجتهادهما جزاء محظوره الذي فعله.\nوقد وافق السمعاني العلماء باستنباطه هذا، قال الجصاص: \" وهذا يدل على جواز الاجتهاد في أحكام الحوادث لإباحة الله تعالى الاجتهاد \". (^٢)\nوممن قال به من المفسرين والأصوليين: الشافعي، والقرطبي، وابن كثير، والزركشي، والشوكاني، والسعدي، والشنقيطي. (^٣)\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٢/ ٦٧).\n(^٢) أحكام القرآن (٤/ ١٣٨).\n(^٣) انظر: الرسالة (١/ ٤٩٠)، والجامع لأحكام القرآن (٦/ ٣١٢)، وتفسير القرآن العظيم (٣/ ١٩٢)، والبحر المحيط في أصول الفقه (٤/ ٢١)، وإرشاد الفحول (٢/ ٩٧)، وتفسير السعدي ص ٢٤٣، ومذكرة في أصول الفقه (١/ ٢٨٨)، ويؤيد ذلك أيضا يؤيد ذلك أيضا ما أثر عن عمر بن الخطاب ﵁ من حديث قبيصة بن جابر قال: ابتدرت أنا وصاحب لي ظبيا في العقبة، فأصبته، فأتيت عمر بن الخطاب، فذكرت ذلك له. فأقبل على رجل إلى جنبه، فنظرا في ذلك. قال فقال: اذبح كبشا فانصرفت فأتيت صاحبي فقلت: إن أمير المؤمنين لم يدر ما يقول فقال صاحبي: انحر ناقتك. فسمعها عمر بن الخطاب، فأقبل علي ضربا بالدرة وقال: تقتل الصيد وأنت محرم، وتَغْمِصُ الفُتْيا إن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، هذا ابن عوف، وأنا عمر.","vol":"1","page":189},{"text":"يؤيد هذا الاستنباط ويقويه قول النبي ﷺ: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر). (^١)\nوقد أثر أن أبا حنيفة خالف مخالفة جزئية في الاجتهاد في الحكم بتعيين الفدي بقوله: بأن إيجاب القيمة والتقويم هو المحتاج إلى النظر والاجتِهاد، وأما الخلقة والصورة فظاهرة لا يحتاج فيها إلى الاجتهاد، وأجيب عليه: بأن المشابهة بين الصيد وبين النعم مختلفة وكثيرة، فلا بد من الاجتِهاد في تمييز الأقوى عن الأضعف. (^٢)\nوبهذا يتبين سلامة استنباط السمعاني، والله أعلم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة - باب أجر الحاكم اذا اجتهد فأصاب أو أخطأ - حديث ٦٩١٩ (٦/ ٢٦٧٦).\n(^٢) انظر: مفاتيح الغيب (١٢/ ٤٣٣)، اللباب في علوم الكتاب (١/ ١٨٩٦). وقد اختلف هل يصح أن يكون أحد العدلين من سيقام عليه الحكم، قال ابن كثير: واختلف العلماء في القاتل: هل يجوز أن يكون أحد الحكمين؟ على قولين: أحدهما: \" لا؛ لأنه قد يُتَّهم في حكمه على نفسه، وهذا مذهب مالك. وحجتهم أن الحاكم لا يكون محكومًا عليه في صورة واحدة. والثاني: نعم؛ لعموم الآية. وهو مذهب الشافعي، وأحمد. انظر: تفسير القرآن العظيم (٣/ ١٩٢)، تفسير المنار (٧/ ٩٢).","vol":"1","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>تخصيص السموات والأرض لعظم خلقهما، وتعدد منافعهما</span>.\nقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام ١]\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" وقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ إنما خصهما بالذكر، لأنهما أعظم المخلوقات فيما يرى العباد، ولأن فيهما العبر والمنافع للعباد\". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من سبب تخصيص السموات والأرض دون سائر مخلوقاته لعظم هذا الخلق في أعين العباد، ولما يعتبر فيهما من الآيات الإعجازية والكونية، ولما ينتفع بهما العباد لقضاء أمورهم وسائر معاشاتهم.\nوقد وافق السمعاني على هذا الاستنباط جل المفسرين، قال القاسمي: \" خصهما بالذكر، لأنهما أعظم المخلوقات، فيما يرى العباد، وفيهما العبر والمنافع، لأن السماوات بأوضاعها وحركاتها أسباب الكائنات والفاسدات التي هي مظاهر الكمالات الإلهية والأرض مشتملة على قوابل الكون والفساد التي هي المسببات\". (^٢)\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٢/ ٨٦).\n(^٢) محاسن التأويل (٤/ ١).","vol":"1","page":191},{"text":"وممن قال بذلك ونحوه: البغوي، وجلال الدين المحلي، والخازن، والشهاب الخفاجي، والألوسي، والشنقيطي. (^١)\nويتبين لنا عيانا أن استنباط السمعاني ومن وافقوه يترتب عليه حكم أخرى، فبما أن هذا الخلق عظيم ومعجز فما سواه من خلق الناس وموتهم وبعثهم أهون من باب أولى، لأن من قدر على خلق الأعظم فهو على غيره قادر من باب أحرى. والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: معالم التنزيل (٣/ ١٢٦)، وتفسير الجلالين (٢/ ٢٩٧)، ولباب التأويل (٢/ ٩٧)، وحاشية الشهاب الخفاجي على تفسير البيضاوي (٤/ ١٠٦)، وروح البيان (٣/ ٢)، وأضواء البيان (١/ ١٨).","vol":"1","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>بلاغة التعبير باللمس دون الرؤية</span>.\nقال تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأنعام ٧]\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" فإن قال قائل: لم لم يقل: فرأوه بأعينهم؟ قيل: لأن اللمس أبلغ في إيقاع العلم من الرؤية، لأن السحر يجري على المرئي، ولا يجري على الملموس، لأن الملموس يصير مرئيا، والمرئي لا يصير ملموسا، فذكر اللمس ليكون أبلغ ... ومعناه: أنه لا ينفع معهم شيء فإنا وإن أنزلنا عليهم ما اقترحوا قالوا إن هذا إلا سحر مبين \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من هذه الآية استنباطًا بلاغيًا، مفاده أن التعبير باللمس للكتاب أبلغ من التعبير بالرؤية والمعاينة له، وذلك أن كفار قريش نسبوا كل ما نُزِّل على محمد ﷺ إما بالسحر أو بالشعر أو بالكهانة أو غير ذلك، ومع ذلك أراد الله أن يبين بأنهم لو لمسوا الكتاب مع أن اللمس لا يجري فيه السحر لما زال جحدهم وكفرهم بالنبي ﷺ وبالكتاب المنزل عليه، ولما زال النسبة لهذا الكتاب بأنه سحر مستمر ودائم.\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٢/ ٨٩).","vol":"1","page":193},{"text":"قال ابن عادل الحنبلي: \" وذكر اللمس ولم يذكر المعاينة، لأن اللمس أبلغ في إيقاع العلم من الرؤية، ولأن السحر يجري على المرئي، ولا يجري على الملموس\". (^١)\nوقد وافق السمعاني على هذا الاستنباط: الماوردي، والزمخشري، وابن الجوزي، وأبو حيان. (^٢)\nوقد ذكر استنباط آخر يؤيد المعنى المستنبط الأول، وذلك بأن التعبير باليد في الملامسة دون سائر الأعضاء فيه مبالغة في التأكيد باللمس لأن اليد أقوى في اللمس والإدراك من بقية الأعضاء، ومع ذلك لا يزيدهم هذا وغيره إلا عنادا واستكبارا. ذكره ابن الجوزي، وأبو حيان. (^٣)\n_________\n(^١) اللباب في علوم الكتاب (٨/ ٣٦). وقد ذكر الماوردي ثلاثة أوجه في سبب تخصيص ذكر اللمس دون المعاينة منها ما ذكر أعلاه وهي: أولا: أن نزوله مع الملائكة وهم لا يرون بالأبصار، فلذلك عبر عنه باللمس دون الرؤية، ثانيا: لأن الملموس أقرب من المرئي، ثالثا: لأن السحر يتخيل في المرئيات، ولا يتخيل في الملموسات. انظر: النكت والعيون (٢/ ٩٥).\n(^٢) انظر: النكت والعيون (٢/ ٩٥)، والكشاف (٢/ ٦)، وزاد المسير (٢/ ٢٩٩)، والبحر المحيط (٤/ ٦١).\n(^٣) انظر: زاد المسير (٢/ ٢٩٩)، والبحر المحيط (٤/ ٧٨).","vol":"1","page":194},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>مشروعية حمد الله على هلاك الكفار</span>.\nقال تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام ٤٥].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" وقوله تعالى ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ حمد الله نفسه على إهلاكهم واستئصالهم، وفيه تعليمنا الحمد لله على هلاك الكفار \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني في هذه الآية مشروعية حمد الله على ما يلحق بالكفار من العذاب وسوء المآل، ووجه الاستنباط أن الله أعقب بعد ذكر هلاك الكفار، وقطع دابرهم، ذكر حمده لذاته سبحانه، والذي يبنى عليه حمدنا له سبحانه على ما أنعم به علينا من دحر الظالمين، وإهلاك الكافرين بتسليط ألوان العذاب الدنيوي والأخروي عليهم.\nقال الزمخشري: \" وفي هذا إيذان بوجوب الحمد عند هلاك الظلمة، وأنه من أجل النعم، وأجزل القسم، فهو إخبار بمعنى الأمر، تعليمًا للعباد \". (^٢)\nوقد وافق السمعاني بهذا القول: السمرقندي، وابن عطية، والبغوي، وابن الجوزي، والخازن. (^٣)\nواستنبط القرطبي أيضا أن في هذه الآية حجة على الكافرين بوجوب الكف عن هذا الظلم لما فيه من سوم الله لهم بأفعالهم سوء العذاب وحمده سبحانه على ذلك، قال: \" وتضمنت هذه الآية الحجة على وجوب ترك الظلم، لما يعقب من قطع الدابر، إلى العذاب الدائم، مع استحقاق القاطع الحمد من كل حامد \". (^٤) والله أعلم.\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٢/ ١٠٤).\n(^٢) الكشاف (٢/ ٢٤).\n(^٣) انظر: بحر العلوم (٢/ ٣٦)، والمحرر الوجيز (٢/ ٤١٠)، ومعالم التنزيل (٣/ ١٤٤)، وزاد المسير (٢/ ٣٣٥)، ولباب التأويل (٢/ ١١٣).\n(^٤) الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٢٤).","vol":"1","page":195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>التعبير بالذوق يدل على عدم التمتع بالأكل</span>.\nقال تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ [الأعراف ٢٢]\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" قوله - تعالى -: ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ في هذا دليل على أنهما لم يمتَّعا في الأكل \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من التعبير بالذوق للشجرة الموجودة في الجنة من آدم ﵇ وزوجه دون الأكل منها أن في ذلك دليل على عدم تمتعهما بالأكل من الشجرة، وذلك لأن الذائق يذوق من دون تمتع بالأكل، يؤيد استنباط السمعاني ما ذكره ابن عاشور في أن بدو السوءة إنما ظهر عند بداية المخالفة ولا شك أن أولها الذوق، قال: \"ودلت هذه الآية على أن بدو سوآتهما حصل عند أول إدراك طعم الشجرة، دلالة على سرعة ترتب الأمر المحذور عند أول المخالفة \". (^٢)\nوممن قال بذلك من المفسرين الطبري، والنحاس، وابن الجوزي والنيسابوري،. (^٣)\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٢/ ١٧٢).\n(^٢) التحرير والتنوير (٨/ ٤٨).\n(^٣) انظر: جامع البيان (١٢/ ٣٥٣)، ومعاني القرآن للنحاس (٣/ ٢١)، وزاد المسير (٢/ ٤٦٥)، وغرائب القرآن (٣/ ٢١٦).","vol":"1","page":196},{"text":"إلا أن الرازي ذكر أن الذوق هنا بمعنى تناول اليسير لقصد معرفة الطعم مستشهدا بقوله تعالى: ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾، وبين أنه لو لم يذكر الله لفظ الأكل في هذه الآية لكان المراد بالذوق هو الذوق من دون أكل. (^١)\nوعلى كل حال فما ذكره الرازي لا ينافي ما استنبطه السمعاني لأن الأكل اليسير لقصد معرفة الطعم لا يتنافى ويتعارض مع عدم التمتع في الأكل، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: مفاتيح الغيب (١٤/ ٢٢٠).","vol":"1","page":197},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>أسبقية ثبوت ستر العورة من عهد آدم ﵇</span>.\nقال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ [الأعراف ٢٧].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" قوله تعالى ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ هو ما ذكرنا من تهافت اللباس عند أكلها من الشجرة، وفيه دليل على أنَّهما ما كانا يريان عورتهما من قبل\". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من تعبير الحق ﵎ عن كشف عورة آدم وزوجه بأنها من السوءات التي لم يحبوا ظهورها وأنَّ ستر العورة كان من عهد آدم ﵇، ووجه استنباطه هو ما ذكر بالتعبير عن العورة بأنها كانت تسوء آدم وزوجه.\nوقد وافق السمعاني على ذلك جمع من المفسرين، وبينوا أن ستر العورة من الواجبات من عهد آدم ﵇، قال السمرقندي: \" وفيه دليل أن ستر العورة كان واجبًا من وقت آدم لأنه لما كشف عنهما سترا عوراتهما بالأوراق فذلك قوله: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ أي أقبلا وعمدا يلصقان عليهما من ورق الجنة \". (^٢)\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٢/ ١٧٥).\n(^٢) بحر العلوم (٢/ ١٠٢).","vol":"1","page":198},{"text":"وقال الزمخشري: \" وفيه دليل على أن كشف العورة من عظائم الأمور وأنه لم يزل مستهجنًا في الطباع مستقبحًا في العقول \". (^١)\nوممن قال بذلك أيضا: الماوردي، والرازي، والخازن، وأبو السعود، والشنقيطي. (^٢)\n_________\n(^١) الكشاف (٢/ ٩٤).\n(^٢) انظر: النكت والعيون (٢/ ٢١١)، ومفاتيح الغيب (١٤/ ٢١٨)، ولباب التأويل (٢/ ١٨٩)، وإرشاد العقل السليم (٢/ ٤٧٨)، وأضواء البيان (٤/ ١١٣). وقد ذكر الماوردي سبب بدو العورة بعدما كانت مستورة قال: فإن قيل: لم بدت لهما سوآتهما ولم تكن بادية لهما من قبل؟ ففي ذلك ثلاثة أجوبة: أحدها: أنهما كانا مستورين بالطاعة فانكشف الستر عنهما بالمعصية، والثاني: أنهما كانا مستورين بنور الكرامة فزال عنهما بذلك المهانة، والثالث: أنهما خرجا بالمعصية من أن يكونا من ساكني الجنة، فزال عنهما ما كانا فيه من الصيانة. انظر: النكت والعيون (٢/ ٢١١).","vol":"1","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-108>السواسية في الضلال للجاهل بكفره والمعاند</span>.\nقال تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأعراف ٣٠].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" قوله تعالى ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ وفي هذا دليل على أن المستبصر بالكفر الذي يحسب أنه على الحق مثل المعاند سواء \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من حسبان الكفار أنهم على الحق مع ضلالهم عنه، بأن مثلهم مثل الذي يعاند مع معرفته للحق ويعرض عنه، ووجه استنباطه هنا أن الله تعالى ذم الكفار بأنهم يحسبون كونهم مهتدين، ولولا أن هذا الحسبان مذموم وإلا لما ذمهم بذلك.\nقال الطبري: \" وفي هذا أدل الدليل على تكذيبه تعالى قول القائلين: إن عقوبات الله لا يستحقها إلا المعاند ربه فيما لزمه من حقوقه وفروضه، بعد علمه وثبوت الحجة عليه بمعرفته بلزوم ذلك إياه \" (^٢). وقال الخازن: \" وفيه دليل على أن الكافر الذي يظن أنه في دينه على الحق والجاحد والمعاند في الكفر سواء \". (^٣)\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٢/ ١٧٧).\n(^٢) جامع البيان (١/ ٢٩٠).\n(^٣) لباب التأويل (٢/ ١٩٣).","vol":"1","page":200},{"text":"ومما لا شك فيه أن هذه عقيدة يعتقدها أهل السنة والجماعة، بأنه لا يعذر أحد بجهله في كفره بالله، يؤيد ذلك ذم الله للمغضوب عليهم والضالين، فهم اليهود والنصارى فقد ذمهم الله وفيهم طائفة عرفوا الحق فأعرضوا عنه وهم اليهود، وطائفة اعتقدوا أنهم على الحق فساروا وهم في ضلال وهم النصارى، ومع ذلك لم يفرق الله بينهم في غيهم وضلالهم، قال الشنقيطي: \" هذه النصوص القرآنية تدل على أن الكافر لا ينفعه ظنه أنه على هدى، لأن الأدلة التي جاءت بها الرسل لم تترك في الحق لبسًا ولا شبهة، ولكن الكافر لشدة تعصبه للكفر لا يكاد يفكر في الأدلة التي هي كالشمس في رابعة النهار لجاجًا في الباطل، وعنادًا، فلذلك كان غير معذور \". (^١)\nوممن أيَّد السمعاني على هذا الاستنباط من المفسرين وقال به: السمرقندي، والبغوي، والرازي، والبيضاوي، وابن كثير، والسعدي. (^٢)\n_________\n(^١) أضواء البيان (٢/ ١٣).\n(^٢) انظر: بحر العلوم (٢/ ١٠٦)، ومعالم التنزيل (٣/ ٢٢٥)، ومفاتيح الغيب (١٤/ ٢٢٨)، وأنوار التنزيل (٣/ ١٦)، وتفسير القرآن العظيم (٣/ ٤٠٥)، وتفسير السعدي ص ٧٦٦.","vol":"1","page":201},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-109>دلالة موت الجن كالإنس</span>.\nقال تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ﴾ [الأعراف ٣٨]\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" وفيه دليل على أن الجن يموتون كالإنس، خلافا لقول الحسن، حيث قال: لا يموتون \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من هذه الآية بدلالة الالتزام بأن الجن مثلهم مثل الإنس في حياتهم وموتهم، ووجه الاستنباط هنا ذكره سبحانه لخلو الأقوام السابقة من الجن في النار والذي يلزم منه أنه يدل قطعيًّا على موتهم وانتهاء حياتهم، قال ابن عطية في تفسيره لهذه الآية: \" ... وهذا يقتضي أن الجن يموتون كما يموت البشر قرنًا بعد قرن \". (^٢) وهو قول جمهور العلماء والمفسرين. (^٣)\nوما ذكره السمعاني بقول الحسن البصري ﵀ عنه بأنهم لا يموتوا فقد خالف نصوص القرآن والسنة والإجماع، والذي مفاده أنه عندما حُجّ بهذه الآية سكت. (^٤)\nولا أصرح في سلامة هذا الاستنباط بعد هذه الآية من قول الحق ﵎: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾، ومن حديث ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ كان يقول: (أعوذ بعزتك الذي لا إله إلا أنت الذي لا يموت والجن والإنس يموتون) (^٥).\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٢/ ١٨٠).\n(^٢) المحرر الوجيز (٦/ ١١٩).\n(^٣) انظر للاستزادة: النكت والعيون (٣/ ١٥٨)، والجامع لأحكام القرآن (١٠/ ٢٥)، وفتح القدير (٢/ ٤٦٦)، وروح المعاني (١٣/ ١٨٧)، وروح البيان (٨/ ٣٧٧).\n(^٤) انظر: جامع البيان (٢٢/ ١١٩)، والمحرر الوجيز (٦/ ١١٩)، والبحر المحيط (٩/ ٤٤٢).\n(^٥) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار - باب التعوذ من شر ما عمل وشر ما لم يعمل - حديث ٢٧١٧ (٤/ ٢٠٨٦).","vol":"1","page":202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>طلب غوث الكفار بإفاضة الماء دليل عذاب الجوع والعطش عليهم</span>.\nقال تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف ٥٠]\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" قوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ في هذا دليل على أنهم كما يعذبون بالنار، فيكون عليهم عذاب الجوع والعطش مع عذاب النار، حتى يسألوا الطعام والشراب \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من نداء أهل النار وسؤالهم للمؤمنين المتنعمين في الجنة بأن يفيضوا الماء عليهم، أو ما قد رزقهم الله من النعم، بأن في هذا دلالة على أنهم يعذبون بالجوع والعطش إضافة إلى ما يعذبون به من نار جهنم أجارنا الله من عذابها.\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٢/ ١٨٦)","vol":"1","page":203},{"text":"وقد أشار جمع من المفسرين إلى هذا الاستنباط، قال النيسابوري: \" فيكون في الآية دليل على نهاية عطشهم وشدّة جوعهم \" (^١)، وقال ابن عاشور: \" والاستغاثة من شدة العطش الناشئ عن الحر فيسألون الشراب \". (^٢)\nوممن قال بذلك أيضا من المفسرين: الطبري، والرازي، والقرطبي، وحقي. (^٣)\nوقد استنبط بعض المفسرين استنباطًا آخر بأن معنى الإفاضة يستنبط منه أن أهل الجنة يكونون أعلى في المنزل والمكان من أهل النار، قال الرازي: \" وفي قوله: أفيضوا دلالة على أن أهل الجنة أعلى مكانًا من أهل النار \". (^٤) وممن ذكره وقال به أيضًا: البيضاوي، وأبو السعود، والألوسي، ومحمد رشيد رضا. (^٥)\n_________\n(^١) غرائب القرآن (٣/ ٢٤١).\n(^٢) التحرير والتنوير (١٥/ ٥٧).\n(^٣) انظر: جامع البيان (١٢/ ٤٧٢)، ومفاتيح الغيب (١٤/ ٢٥٢)، والجامع لأحكام القرآن (٧/ ٢١٥)، وروح البيان (٣/ ١٢٩).\n(^٤) انظر: مفاتيح الغيب (١٤/ ٢٥٢).\n(^٥) انظر: أنوار التنزيل (٣/ ٢٤)، وإرشاد العقل السليم (٢/ ٤٩١)، وروح المعاني (٤/ ٣٦٥)، وتفسير المنار (٨/ ٣٩٠).","vol":"1","page":204},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>تكرار الأربعين بعد ذكر الثلاثين والعشر لقطع الأوهام عن الزيادة</span>.\nقال تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف ١٤٢].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" فإن قيل: ذكر الثلاثين والعشر يغني عن ذكر الأربعين، فما معنى هذا التكرار؟ قيل: فائدة قوله: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ قطع الأوهام عن الزيادة، لأنه لما وقت الثلاثين أولًا، ثم زاد عليه عشرا، ربما يقع في الأوهام زيادة أخرى، فذكره لقطع الأوهام عن الزيادة \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من أن سبب تكرار قوله تعالى أربعين ليلة بعد ذكر الثلاثين والعشر هو دفع التوهم من كون أن العشر سوى الثلاثين، وليست العشر هي المتممة للثلاثين، ووجه استنباطه أنه سبحانه كرَّرها لقوة الشك عند من يظن أن العشر متممة حتى بلغت ثلاثين ليلة.\nالموافقون:\nوافق السمعاني جمع من المفسرين في القول بأن سبب التكرار هو دفع التوهم، قال الرازي: \" إنما قال أربعين ليلة لإزالة التوهم أن ذلك العشر من\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٢/ ٢١١).","vol":"1","page":205},{"text":"الثلاثين لأنه يحتمل أتممناها بعشر من الثلاثين كأنه كان عشرين ثم أتمه بعشر فصار ثلاثين فأزال هذا الإيهام \". (^١)\nوممن قال بذلك أيضا: الماوردي، والقرطبي، والشهاب الخفاجي، والشوكاني، والألوسي. (^٢)\nالمخالفون:\nخالف بعض المفسرين في القول بأنها لدفع التوهم وقالوا بأنها للتأكيد، قال ابن عادل بعد أن ذكر القولين بأنها إما للتأسيس أو للتأكيد وباعد القول بالتأسيس: \" وأظهرهما: أنها للتأكيد، لأن قوله قبل ذلك: ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ فُهِمَ أنها أربعون ليلة\". (^٣)\nوقد ذكر ابن عطية وابن الجوزي أنه قد يكون أحد أسباب التكرار هو التأكيد أيضا. (^٤)\nالنتيجة:\nيكون ما كان عليه السمعاني ومن وافقوه هو الأقرب إلى الصواب مع عدم استبعاد القول الآخر بالكلية، وذلك لأن ذكر العشر للإتمام يجعل المتأمل بين أمرين إما أنها المتممة للثلاثين بمعنى أن مناجاة موسى لربه كانت عشرين ليلة أولا، أو أن هذه العشر هي المتممة للأربعين بعد الثلاثين ليلة الأولى، فأتت الأربعين ليلة لتقطع وتدفع الأوهام تجاه التوقع الأول، والله أعلم.\n_________\n(^١) مفاتيح الغيب (١٤/ ١٨٤).\n(^٢) انظر: النكت والعيون (٢/ ٢٥٦)، والجامع لأحكام القرآن (٧/ ٢٧٤)، وحاشية الشهاب الخفاجي (٤/ ٢١٢)، وفتح القدير (٣/ ٨٧)، وروح المعاني (٥/ ٤٢).\n(^٣) اللباب في علوم الكتاب (١/ ٢٤٣٠).\n(^٤) انظر: المحرر الوجيز (٣/ ٩١)، زاد المسير (٣/ ٣١).","vol":"1","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>جواز رؤية الله في الدنيا عقلا، ومنعها شرعا</span>.\nقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف ١٤٣].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" وفي هذا دليل على أنه يجوز أن يرى، لأنه لم يعلق الرؤية بما يستحيل وجوده، لأن استقرار الجبل مع تجليه له غير مستحيل، بأن يجعل له قوة الاستقرار مع التجلي \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من هذه الآية جواز رؤية الله ﷿ في الدنيا، ووجه الاستنباط أن الله علق رؤيته بأمر غير مستحيل وهو استقرار الجبل مستندًا السمعاني على القاعدة الأصولية \" تعليق الشيء بما هو ممكن يدل على إمكانه كالتعليق بالممتنع يدل على امتناعه \" (^٢).\nالموافقون:\nوافق السمعاني على القول بجواز رؤية الله بعض المفسرين لما استند عليه السمعاني من تعليق الرؤية بأمر جائز غير مستحيل، قال الخازن: \" وفي الآية دليل على أنه سأل الرؤية فلو كانت الرؤية ممتنعة على الله تعالى لما سألها موسى ﵊ فحيث سألها علمنا أن الرؤية جائزة على الله تعالى، وأيضًا فإن الله ﷿ علق رؤيته على أمر جائز والمعلق على الجائز جائز فيلزم من ذلك كون\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٢/ ٢١٢).\n(^٢) انظر: البرهان في أصول الفقه للجويني (١/ ٩٠).","vol":"1","page":207},{"text":"الرؤية في نفسها جائزة وإنما قلنا ذلك لأنه تعالى علق رؤيته على استقرار الجبل \". (^١)\nوممن قال بذلك أيضًا: الماوردي، والبيضاوي، وأبو السعود، والشنقيطي. (^٢)\nالمخالفون:\nخالف ابن عاشور السمعاني بالقول بعدم جواز رؤية الله بالكلية في الدنيا بحجة علم الله سبحانه بإنتفاء الجبل وعدم استقراره كليًا، قال ﵀: \" وعلق الشرط بحرف (إن) لأن الغالب استعمالها في مقام ندرة وقوع الشرط أو التعريض بتعذره، ولما كان استقرار الجبل في مكانه معلوما لله انتفاؤه، صح تعليق الأمر المراد تعذر وقوعه عليه بقطع النظر عن دليل الانتفاء، فلذلك لم يكن في هذا التعليق حجة لأهل السنة على المعتزلة تقتضي أن رؤية الله تعالى جائزة عليه تعالى، خلافًا لما اعتاد كثير من علمائنا من الاحتجاج بذلك \". (^٣)\nوقد وافقه الألوسي، والشوكاني، ومحمد أبو زهرة على ذلك. (^٤)\nالنتيجة:\nماذهب إليه السمعاني ومن وافقوه هو الأقرب للصواب، وذلك لأن حجة المخالف لا تعدو إلا أن تكون ظنية، وليس لها مستند ولا دليل، لأنها لما كانت الرؤية ممتنعة شرعا بينت نصوص القرآن كما في هذه الآية، وغيرها مما ثبت في السنة من أن رسول الله ﷺ قال: (إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا) (^٤)، كما أنه لو كانت الرؤية ممتنعة عقلا لما جعل الله موسى أمام أمرين، بدا لموسى أنه قد يحصل هذا أو هذا (^٥). والله أعلم.\n_________\n(^١) لباب التأويل (٢/ ٢٤٥).\n(^٢) انظر: النكت والعيون (٢/ ٢٥٧)، وأنوار التنزيل (٣/ ٥٧)، وإرشاد العقل السليم (٣/ ٣٨)، وأضواء البيان (٣/ ١٠).\n(^٣) التحرير والتنوير (٨/ ٢٧٦).\n(^٤) انظر: روح المعاني (٥/ ٤٧)، وفتح القدير (٣/ ٨٨)، وزهرة التفاسير (١/ ٢٦١٦).\n(^٥) رواه النسائي في سننه - كتاب التعبير - باب المعافاة والعقوبة - حديث ٧٧٦٤ (٤/ ٤١٩). قال الألباني حديث صحيح، انظر: الجامع الصحيح وزيادته (١/ ٤٠٨).\n(^٥) انظر: أضواء البيان للشنقيطي (٣/ ١٠).","vol":"1","page":208},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>إثبات صفة الكلام لله ﷿، لأنها من خصائص الألوهية</span>.\nقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [الأعراف ١٤٨].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" وهذا دليلٌ على أن الله متكلم لم يزل ولا يزال، لأنّه استدلّ بعدم الكلام من العجل على نفيِ الإلهية \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني بدلالة الالتزام صفة الكلام لله ﷿، ووجه استنباطه هنا إنكارُه ونفيُه سبحانه لإلهية العجل عند عدم قدرته على الكلام، فدلّ ذلك أن صفة الكلام من خصائص الألوهية، وفي هذا ردٌ على من أنكر صفة الكلام للرب سبحانه.\nوقد وافق السمعاني على هذا الاستنباط علماء العقيدة والتفسير، قال شيخ الإسلام عندما تعرض لتفسير هذه الآية، مثبتًا هذه الصفة لله سبحانه \" .. بيان أن الله غير عاجز عنه وأنه متكلمٌ وقائلٌ لأنه لم يكن ليعيب العجل بشيء هو موجود فيه \" (^٢)، ... وممن قال بهذا أيضًا: أبو حيّان، والبقاعي، وابن عادل الحنبلي، والشوكاني، وابن عاشور، وغيرهم. (^٣)\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٢/ ٢١٦).\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٦٨).\n(^٣) انظر: البحر المحيط (٤/ ٣١٧)، ونظم الدرر (٣/ ١٠٩)، واللباب في علوم الكتاب (٩/ ٣١٧)، وفتح القدير (٢/ ٢٤٧)، والتحرير والتنوير (٨/ ٢٩٣).","vol":"1","page":209},{"text":"وبعد التمعّن في هذه الآية، وما قد اُستنبط منها يلحظ أنّ من صفات كماله سبحانه صفة الكلام، وأنّ بانتفاء هذه الصفة يكون الخلل والنقص، تعالى الله سبحانه عن النقائص والعيوب، فسبحان من له الأسماء الحسنى، والصفات العلى في ذاته، وأقواله، وأفعاله.\nبل وفي هذا الرد الشافي والكافي لمن أنكر هذه الصفة التي أثبتتها نصوص القرآن والسنة. (^١)\n_________\n(^١) وقد افترق الناس في مسألة الكلام على تسعة أقوال: أولها: أن كلام الله هو ما يفيض على النفوس من معاني، إما من العقل الفعال عند بعضهم، أو من غيره، وهذا قول الصابئة والمتفلسفة، وثانيها: أنه مخلوق خلقه الله منفصلا عنه، وهذا قول المعتزلة، والجهمية، وثالثها: أنه معنى واحد قائم بذات الله، هو الأمر والنهي والخبر والاستخبار، وإن عبر عنه بالعربية كان قرآنا، وإن عبر عنه بالعبريه كان توراة، وهذا قول ابن كلاب ومن وافقه، كالأشعري وغيره، ورابعها: أنه حروف وأصوات أزلية مجتمعة في الأزل، وهذا قول طائفة من أهل الكلام ومن أهل الحديث، وخامسها: أنه حروف وأصوات، لكن تكلم الله بها بعد أن لم يكن متكلما، وهذا قول الكرامية وغيرهم، وسادسها: أن كلامه يرجع إلى ما يحدثه من علمه وإرادته القائم بذاته، وهذا يقوله صاحب المعتبر، ويميل إليه الرازي في المطالب العالية، وسابعها: أن كلامه يتضمن معنى قائما بذاته هو ما خلقه في غيره، وهذا قول أبي منصور الماتريدي، وثامنها: أنه مشترك بين المعنى القديم القائم بالذات وبين ما يخلقه في غيره من الأصوات، وهذا قول أبي المعالي ومن تبعه، وتاسعها: أنه تعالى لم يزل متكلما إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء، وهو يتكلم بصوت يسمع، وأن نوع الكلام قديم وإن لم يكن الصوت المعين قديما، وهذا المأثور عن أئمة الحديث والسنة، وهو الحق. انظر: شرح الطحاوية لابن أبي العز (١/ ١٧٣)، وانظر كذلك: مجموع الفتاوى (١٢/ ١٦٢).","vol":"1","page":210},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>إبطال معتقد المرجئة في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه</span>.\nقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال ٢].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ أي: يقينًا وتصديقًا؛ وذلك أنه كلما نزلت آية فآمنوا بها ازدادوا إيمانًا وتصديقًا، وهذا دليل لأهل السنة على أنّ الإيمان يزيد وينقص \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من هذه الآية استنباطًا عقديًا يبطل ما كانت تعتقده طائفة المرجئة بقولهم: \" إنّ الإيمان لا يزيد ولا ينقص، لأن الأعمال ليست من الإيمان، حتى يزيد بزيادتها وينقص بنقصانها، فالإيمان هو إقرار القلب، والإقرار لا يزيد ولا ينقص\"، لكن هذه الآية وغيرها من الآيات قد أبطلت معتقدهم الذي يخالف أصل من أصول أهل السنة والجماعة ما مفاده أن الإيمان إقرار بالقلب، وقول باللسان، وتصديق بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة، وينقص بالعصيان. (^٢)\nومما لا شك فيه أن الإيمان يزيد بفعل الطاعة، وينقص بضدها، وإذا كان يزيد فهو ينقص، لأن كل شيء يزيد فهو ينقص، فمن لازم الزيادة النقصان.\nقال الشيخ صالح الفوزان: \" والإيمان يزيد وينقص كما هو مذهب أهل السنة والجماعة خلافًا للمرجئة الذين يقولون: (الإيمان شيء واحد لا يزيد ولا\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٢/ ٢٤٨).\n(^٢) للاستزادة انظر: مجموع الفتاوى (٣/ ١٥١)، وحاشية ابن القيم على سنن أبي داود (١٣/ ٣٥)، وفتح المجيد (١/ ٣٤١)، وإعانة المستفيد (٢/ ٦٨).","vol":"1","page":211},{"text":"ينقص) .. ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ فدلّ على أنّ الإيمان يزيد، وإذا كان يزيد فهو ينقص فمن لازم الزيادة النقصان (^١) \". (^٢)\nفيتبين بذلك سلامة استنباط السمعاني لسبره للدليل، ورده على المخالف بنصوص القرآن والسنة، والله أعلم.\n_________\n(^١) إعانة المستفيد (٢/ ٦٨) بتصرف يسير.\n(^٢) ومن الأدلة التي تدل على زيادة الإيمان ونقصانه: قوله تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ)، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: (لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا)، وما ثبت في \" الصحيحين أن النبي ﷺ وعظ النساء وقال لهن: \" ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن \" وغير ذلك من الأدلة. انظر: مجموع الفتاوى (٣/ ١٥١)، وأضواء البيان (٧/ ٣٩٤).","vol":"1","page":212},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>عدم الجواز لأي أحد بأن يصف نفسه بكونه مؤمنًا حقًا</span>.\nقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال ٢ - ٤].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" وفيه دليل لأهل السنة على أنه لا يجوز لكل أحد أن يصف نفسه بكونه مؤمنًا حقًا، لأن الله تعالى إنما وصف بذلك قوما مخصوصين على أوصاف مخصوصة، وكل أحد لا يتحقق في نفسه وجود تلك الأوصاف \". (^١)\n\nالدراسة:\nلما وصف الله سبحانه المؤمنين المتصفين بالصفات المذكورة في الآيات السابقة بأنهم مؤمنون حقا استنبط السمعاني أنه لا يجوز لأحد أن يقطع لنفسه أو لغيره بأنه مؤمنا حقا ووجه استنباطه هنا أن في وصفه سبحانه بحقيقة الإيمان لهؤلاء المتصفين بتلك الصفات دلالة على أن من سواهم لا يحق له شرعا أن يصف نفسه بأنه مؤمنا حقا.\nقال القرطبي: \" إن المؤمن الحقيقي من كان محكومًا له بالجنة، فمن لم يعلم ذلك من سر حكمته تعالى فدعواه بأنه مؤمن حقا غير صحيح \". (^٢)\nوممن أيد السمعاني في استنباطه هذا ووافقه: البغوي وابن عادل الحنبلي. (^٣)\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٢/ ٢٤٨).\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن (٧/ ٣٦٥). وقد ذكر الرازي خلاف الأئمة الفقهاء حول مسألة تعليق الإيمان بالمشيئة للاستزادة: انظر مفاتيح الغيب (١٥/ ٤٥٢).\n(^٣) انظر: معالم التنزيل (٣/ ٣٢٦)، واللباب في علوم الكتاب (١/ ٢٥٠٦).","vol":"1","page":213},{"text":"وقد أشار البقاعي إلى لفتة بليغة في أن من قصَّر في تلك الصفات لا ينتفي منه الإيمان بالكلية، قال: \" وفي هذا تنبيهًا على من قصَّر في هذه الأحوال ولم يأت بها على كمالها لم يخرج عن الإيمان ولكن ينزل عن درجة الكمال بحسب تقصيره \". (^١)\nوإن مما يؤيد ما استنبطه السمعاني ويؤكده، أن من تمعن في تلك الصفات يلحظ أن كلها أعمال قلبية لا يملك أحد فيها القطع بأن صاحبها مؤمنٌ حقا، فقل مثلا وجل القلب عند ذكر الله أو زيادة الإيمان عند سماع تلاوة القرآن أو التوكل على الله أو غير ذلك من باقي تلك الصفات والله أعلم.\n_________\n(^١) نظم الدرر (٣/ ١٨٨).","vol":"1","page":214},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>شدة بصيرة الكفار في غيهم وضلالهم</span>.\nقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ الأنفال ٣٢].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" وهذا يدل على شدة بصيرتهم في الكفر، وأنه لم تكن لهم شبهة وريبة في كذب الرسول، لأن العاقل لا يسأل العذاب بمثل هذا متردد في أمره، وهذا دليل على أن العارف ليست بضرورته \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من سؤال كفار قريش الرسول ﷺ أن ينزل عليهم العذاب بأن في هذا دلالة واضحة وبينة بشدة بصيرتهم وانعقاد قلوبهم على الكفر، وأنه ليس لديهم أدنى شك في كذب وافتراء ما جاء به النبي ﷺ، ووجه استنباطه سؤالهم العذاب دون ترددهم بأن دعوا ربهم بأن يمطر عليهم حجارة من السماء إن صح ما جاء به محمد ﷺ.\nقال الشوكاني: \" قالوا هذه المقالة مبالغة في الجحود والإنكار \". (^٢)\nويبين حقيقة استنباط السمعاني ما دلت عليه نصوص القرآن والسنة من عناد الكفار والمشركين واستكبارهم وانعقاد قلوبهم على صحة وسلامة الطريق الذي يسلكونه لجهلهم وعنادهم أعاذنا الله من إضلال الحق، وإحقاق الباطل، قال ابن كثير: \" فكانوا يطلبون من الرسول أن يأتيهم بعذاب الله، وذلك من شدة تكذيبهم وكفرهم وعنادهم \". (^٣)\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٢/ ٢٦١).\n(^٢) فتح القدير (٣/ ١٧٥).\n(^٣) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٤/ ٤٣٣).","vol":"1","page":215},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>التكرار يدل على اختلاف المخاطبين في الهجرة</span>.\nقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٧٣) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال ٧٢ - ٧٤].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا﴾، فإن قيل: أي معنى في هذا التكرار؟ قلنا: المهاجرون كانوا على طبقات، وكان بعضهم أهل الهجرة الأولى، وهم الذين هاجروا قبل الحديبية، وبعضهم أهل الهجرة الثانية، وهم الذين هاجروا بعد الحديبية قبل فتح مكة، وكان بعضهم ذا هجرتين، وهما الهجرة إلى الحبشة والهجرة إلى المدينة، فالمراد من الآية الأولى الهجرة الأولى، والمراد من الثانية الهجرة الثانية\". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من تكرار الحق ﵎ في خبره عن المهاجرين بأن الخبر في الآيتين يدل على أنهم ليسوا بأهل هجرة واحدة وإنما هم طبقات فالإخبار\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٢/ ٢٨٣).","vol":"1","page":216},{"text":"الأول لأهل الهجرة الأولى والإخبار الثاني لأهل الهجرة الثانية. وقد ذكر هذا القول بعض المفسرين كأمثال ابن العربي، والبغوي. (^١)\nالمخالفون:\nخالف السمعاني جمع من المفسرين في القول بأن سبب التكرار ليس اختلاف المخاطبين، وإنما أراد في الآية الأولى إيجاب التواصل فيما بينهم، وفي الآية الثانية تعظيم شأنهم وبيان درجتهم لعلو قدرهم وشرف منزلتهم، وقالوا بأن التكرارا والإعادة تدل على مزيد من الاهتمام بحالهم. قال النسفي: \" ولا تكرار، لأن هذه الآية واردة للثناء عليهم مع الوعد الكريم، والأولى للأمر بالتواصل \". (^٢)\nوممن قال بذلك من المفسرين: الزمخشري، والرازي، وابن عادل الحنبلي، والخازن، والبقاعي، وأبو السعود، ومحمد رشيد رضا. (^٣)\nالنتيجة:\nيتبين مما سبق أن ما استنبطه المخالفون هو الأقرب للصواب، لأنه ليس هناك ثمة دلالة على اختلاف المخاطبين في الآية أولا، ولأن الآيتين مختلفتان في خبرهما، فالأولى خبر تضمن أمرا فيما يتعلق بالولاية، والأخرى بينت نعيم وفضل من آمن بالله وهاجر وجاهد في سبيله، والله أعلم. (^٤)\n_________\n(^١) انظر: أحكام القرآن (٤/ ١٨٥)، معالم التنزيل (٣/ ٣٨٠).\n(^٢) مدارك التنزيل (١/ ٤٣٠).\n(^٣) انظر: الكشاف (٢/ ٢٤٠)، ومفاتيح الغيب (١٥/ ١٦٩)، واللباب في علوم الكتاب (١/ ٢٥٧٣)، ولباب التأويل (٢/ ٣٣٠)، ونظم الدرر (٣/ ٢٥٣)، وإرشاد العقل السليم (٣/ ١٤٣)، وتفسير المنار (١٠/ ٩٢).\n(^٤) وقد ذكر الخازن أوجه المدح عند الإعادة فقال: \"وأعاد ذكرهم ثانيا دل ذلك على تعظيم شأنهم وعلو درجاتهم وهذا هو الشرف العظيم لأنه تعالى ذكر في هذه الآية من وجوه المدح ثلاث أنواع: أحدها: قوله أولئك هم المؤمنون حقا وهذا يفيد الحصر وقوله ﷾ حقا يفيد المبالغة في وصفهم بكونهم محقين في طريق الدين وتحقيق هذا القول أن من فارق أهله وداره التي نشأ فيها وبذل النفس والمال كان مؤمنا حقا. النوع الثاني: قوله ﷾ لهم مغفرة وتنكير لفظ المغفرة يدل على أن لهم مغفرة وأي مغفرة لا ينالها غيرهم والمعنى لهم مغفرة تامة كاملة ساترة لجميع ذنوبهم. النوع الثالث: قوله ﷾ ورزق كريم فكل شيء شرف وعظم في بابه قيل له كريم والمعنى أن لهم في الجنة رزقا لا تلحقهم فيه غضاضة ولا تعب. انظر لباب التأويل (٢/ ٣٣٠)، ومفاتيح الغيب (١٥/ ١٦٩).","vol":"1","page":217},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>الاستغفار سبعين مرة لإثباتِ اليأس من المغفرة، وإلاّ فلا مفهوم له</span>.\nقال تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة ٨٠].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" قوله ﷾: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ أراد به إثباتَ اليأس عن طمع المغفرة لهم\". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من هذه الآية أن العدد الوارد في الاستغفار في هذه الآية لا مفهوم له، وإنمّا المراد منه إثبات اليأس في حصول المغفرة من الله لهؤلاء الكفار.\n\nالموافقون:\nوافق السمعاني على هذا الاستنباط جمعٌ من المفسرين، قال النسفي: \" والسبعون جارٍ مجرى المثل في كلامهم للتكثير وليس على التحديد والغاية، إذ لو\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٢/ ٣٣٢).","vol":"1","page":218},{"text":"استغفر لهم مدة حياته لن يغفر لهم لأنهم كفار والله لا يغفر لمن كفر به \". (^١) وقد قال بهذا جمع أهل التفسير منهم: الطبري، والماوردي، وأبو حيان، والخازن، والألوسي، وابن عاشور. (^٢)\n\nالمخالفون:\nلمّا اعتبر بعض أهل التفسير بمفهوم المخالفة من نوع مفهوم العدد، قالوا بأنّ العدد هنا له مفهوم، مستدلين على ذلك بقوله ﷺ: (سأزيده على السبعين) (^٣)، وهذا فيه دلالة على أن النبي ﷺ فهم أن العدد هنا له مفهوم (^٤).\n\nالنتيجة:\nمما لا يخفى أنّ من موانع اعتبار مفهوم المخالفة أن يأتي الكلام على وجه المبالغة والتأكيد، وبذلك يكون ما ذهب إليه السمعاني ومن وافقه هو الصحيح، فما جاء لأجل التوكيد فلا مفهوم له، قال الطوفي: «أما هذا الموضع بعينه فلم يرد\n_________\n(^١) مدارك التنزيل (١/ ٤٥٧).\n(^٢) انظر: جامع البيان (١٤/ ٣٩٥)، والنكت والعيون (٢/ ٣٨٦)، والبحر المحيط (١/ ٢١٩)، ولباب التأويل (٢/ ٣٨٩)، وروح المعاني (١/ ٣٣٦)، والتحرير والتنوير (١٠/ ١٦٥).\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير - باب قوله تعالى: استغفر لهم أولا تستغفر لهم - حديث ٤٦٧٠.\n(^٤) انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٣/ ١٦٨٨).","vol":"1","page":219},{"text":"به المفهوم، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (لو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر لهم لزدت) (^١)، وإنما خرج مخرج المبالغة والتكثير، لأن العرب لهجت بالسبعين كثيرًا حتى تداولوها في معرض التكثير» (^٢).\n\nأمّا دليل المخالفين بقولهم بأنّ النبي ﷺ علم أنّ له مفهومًا فالصحيح أن تتمة سبب النزول تردُّ قولهم، حيث أنزل الله على رسوله بعدما عزم على الزيادة قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب قوله تعالى: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ٠٠) - حديث ٤٦٧١.\n(^٢) انظر: الإشارات الإلهية (٢/ ٢٨٢).\n(^٣) انظر: الإشارات الإلهية (٢/ ٢٨٢).","vol":"1","page":220},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>دلالة وجوب قبول خبر الواحد</span>.\nقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة ١٢٢].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" واستدل أهل الأصول بهذه على وجوب قبول خبر الواحد\". (^١)\n\nالدراسة:\nمما لا يخفى أن السمعاني كان أصوليًا فقيهًا، وقد أشتهر بكتابه قواطع الأدلة في أصول الفقه، فنجده هاهنا قد استنبط من ظاهر الآية قاعدة أصولية مفادها أنه يجب قبول خبر الواحد، وبيان وجه استنباطه أن الطائفة تطلق على الواحد كما قال مجاهد (^٢) وأن في النذارة حجية الإبلاغ، وتوقي الحذر لأن بها تبلغ الحجة. قال ابن حزم: \" لا يخلو النافر للتفقه في الدين من أن يكون عدلًا أو فاسقًا ولا سبيل إلى قسم ثالث، فإن كان فاسقا فقد أمرنا بالتبين في أمره وخبره من غير جهته فأوجب ذلك سقوط قبوله فلم يبق إلا العدل فكان هذا المأمور بقبول نذارته ... وهذا برهان ضروري لا محيد عنه رافع للإشكال والشك جملة \". (^٣)\nيؤيد ما ذكره السمعاني في القول بتأصيل هذه القاعدة نصوص القرآن وأمثلة من السنة. (^٤)\nوممن أشار إلى ما ذكره السمعاني من جمهور الأصوليين الفقهاء والمفسرين: الكيا الهراسي، وابن العربي، والبقاعي، والشهاب الخفاجي، والشنقيطي. (^٥)\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٢/ ٣٦٠).\n(^٢) ذكر ذلك الطبري في تفسيره (١٩/ ٩٣)، وأبو حيان في تفسيره (٦/ ٣١٣).\n(^٣) الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (١/ ١٠٨).\n(^٤) ومن الأدلة على وجوب العمل بخبر الواحد:\n• قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾.\n• ما تواتر عنه - ﷺ - من إنفاذه أمراءَه ورسله وقضاته وسعاته إلى الأطراف لتبليغ الأحكام وأخذ الصدقات ودعوة الناس.\nقال الشافعي: \"ولم يكن رسول الله - ﷺ - ليبعث إلا واحدًا؛ الحجة قائمة بخبره على من بعثه إن شاء الله.\n• إجماع الصحابة ﵃ على قبول خبر الواحد عن رسول الله - ﷺ - واشتهار ذلك عنهم في وقائع كثيرة، إن لم يتواتر آحادها حصل العلم بمجموعها.\nومن ذلك تحول أهل قباء إلى القبلة بخبر واحد.\nقال الشافعي: \"ولو كان ما قبلوا من خبر الواحد عن رسول الله - ﷺ - في تحويل القبلة -وهو فرض- مما يجوز لهم؛ لقال لهم رسول الله: قد كنتم على قبلة، ولم يكن لكم تركها إلا بعد علم تقوم عليكم به حجة، من سماعكم مني، أو خبر عامة، أو أكثر من خبر واحد عني.\nقوله - ﷺ -: «نضر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها، وحفظها، وبلغها، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه.\nوغير ذلك من الأدلة ... للإستزادة: انظر معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة للجيزاني (١/ ١٤٢).\n(^٥) انظر: أحكام القرآن للكيا الهراسي (٤/ ٢٢١)، وأحكام القرآن لابن العربي (٥/ ٤٨٥)، ونظم الدرر (٣/ ٤٠٢)، وحاشية الشهاب الخفاجي (٦/ ٣٥٥)، ومذكرة في أصول الفقه (١/ ١١١).","vol":"1","page":221},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>تخصيص الوفاة بالذكر للتهديد والتخويف</span>.\nقال تعالى: ﴿وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس ١٠٤].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" ولأي شيء خص الوفاة بالذكر؟ الجواب: وأما ذكر الوفاة في قوله: ﴿يَتَوَفَّاكُمْ﴾ بمعنى التهديد، فإن العذاب يقع على الكافر حتى تدركه الوفاة\". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من تخصيص ذكر الله سبحانه لصفته المتوفي دون سواها من الصفات أن في ذلك تهديد وقرعٌ للمشركين، قال ابن عطية: \" ثم صرح بمعبوده وخص من أوصافه ﴿الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ لما فيها من التذكير للموت وقرع النفوس به، والمصير إلى الله بعده والفقد للأصنام التي كانوا يعتقدونها ضارة ونافعة \". (^٢)\nوقد أيد هذا الاستنباط بعض المفسرين أمثال: الواحدي، وابن الجوزي، والخازن، والبيضاوي، والنيسابوري. (^٣)\nوقد ذكر بعض المفسرين استنباطا آخر يدعم الاستنباط الأول ولا يخالفه، بقولهم أن في ذكر توفيه سبحانه لهم إشارة إلى بدئه سبحانه بخلقهم ومن ثم إعادتهم بعد توفيهم قال أبو حيان: \" وفي ذكر هذا الوصف الوسط الدال على التوفي، دلالة على البدء وهو الخلق، وعلى الإعادة، فكأنه أشار إلى أنه يعبد الله\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٢/ ٤٠٨).\n(^٢) المحرر الوجيز (٣/ ٣٩٣).\n(^٣) انظر: الوجيز (١/ ٣٣٢)، وتذكرة الأريب لابن الجوزي (١/ ٢٤٣)، وأنوار التنزيل (٣/ ٢١٧)، ولباب التأويل (٢/ ٤٦٨)، غرائب القرآن (٣/ ٦١٥).","vol":"1","page":222},{"text":"الذي خلقكم ويتوفاكم ويعيدكم، وكثيرا ما صرح في القرآن بهذه الأطوار الثلاثة، وكان التصريح بهذا الوصف لما فيه من التذكير بالموت وإرهاب النفوس به، وصيرورتهم إلى الله بعده \". (^١)\nفيثبت لنا صحة استنباط السمعاني، وأنه لا منافاة بين الاستنباطين، والله أعلم.\n_________\n(^١) البحر المحيط (٥/ ١٩٥)، وانظر: مفاتيح الغيب (١٧/ ٣٠٨)، ونظم الدرر (٣/ ٤٩٤)، وفتح القدير (٣/ ٤٢٠).","vol":"1","page":223},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>دلالة طلب قوم نوح منه ﵇ أن يطرد المؤمنين</span>.\nقال تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [هود ٢٩]\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" فيه دليل أنهم طلبوا منه أن يطرد المؤمنين \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني بدلالة الالتزام أن نوحا ﵇ عندما أخبر قومه بأنه لن يطرد المؤمنين، أن ذلك يلزم من أنهم قد طلبوا منه ذلك الأمر من قبل، ووجه الاستنباط أن هذا المنع لازم من أنه قد كان مطلوبا من قومه، قال الرازي: \" فأما قوله: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهذا كالدليل على أن القوم سألوه طردهم رفعا لأنفسهم عن مشاركة أولئك الفقراء \". (^٢)\nوممن ذكر هذا الاستنباط من المفسرين: الواحدي، والبغوي، والقرطبي، وابن كثير، والسعدي. (^٣)\nوقد أيد هذا الاستنباط ما أثر عن ابن جريج أنه ذكر أن سبب قول نوح ذلك أنه قد طلبوا منه قومه أن يطردهم بحجة أنهم ليسوا من أشراف القوم، وهو كما أراد كفار قريش من النبي ﷺ أن يطرد فقراء المؤمنين، حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾. (^٤) وبهذا يظهر صحة استنباط السمعاني لما فيه من الدلالة الواضحة، والله أعلم.\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٢/ ٤٢٥).\n(^٢) مفاتيح الغيب (١٧/ ٣٣٩).\n(^٣) انظر: الوجيز (١/ ٣٣٨)، ومعالم التنزيل (٤/ ١٧١)، والجامع لأحكام القرآن (٩/ ٢٦)، وتفسير القرآن العظيم (٤/ ٣١٧)، وتفسير السعدي ص ٣٨١.\n(^٤) للاستزادة: انظر جامع البيان (١٥/ ٣٠١)، ومفاتيح الغيب (١٧/ ٣٣٩)، والدر المنثور (٨/ ٣٧).","vol":"1","page":224},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>تخصيص الناصية بالذكر للإذلال والخضوع</span>.\nقال تعالى: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود ٥٦]\n• قال السمعاني - ﵀ -: وقوله: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ معناه: ما من دابة إلا وهي في قبضته وتنالها قدرته، وخص الناصية بالذكر، لأن الإذلال والإقماء (^١) في أخذ الناصية \". (^٢)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من تخصيص الناصية بالذكر دون سائر الجسد مع أنه آخذ بكل شيء سبحانه، ولا راد لأمره شيء، وذلك لأن العرب تستعمل ذلك في وصفها من وصفته بالذلة والخضوع فتقول: \" ما ناصية فلان إلا بيد فلان \" فلهذا اختار سبحانه الناصية دون سواها لأن كل الخلق والدواب خاضعون لعظمته ومبهورون من قدرته.\n_________\n(^١) الإقماء: قمأ، يقمأ، قماءة، وقمؤ الرجل بالضم، وصار قميئا وهو الصغير الذليل، وأقمأته صغرته وذللته. انظر: الصحاح (٢/ ٩٤)، وتاج العروس (١/ ٧٣).\n(^٢) تفسير السمعاني (٢/ ٤٣٦).","vol":"1","page":225},{"text":"وقد ذكر جل المفسرين عين ما استنبطه السمعاني، قال البغوي: \" وإنما خص الناصية بالذكر لأن العرب تستعمل ذلك إذا وصفت إنسانا بالذلة، فتقول: ناصية فلان بيد فلان .... فخاطبهم الله بما يعرفون \". (^١)\nوبمثله قاله أيضا: الطبري، وابن عطية، وأبو حيان، وجلال الدين المحلي، والخازن، وحقي. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>الاستعجال بإكرام الضيف من أدب الضيافة</span>.\nقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود ٦٩].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" فهذا دليل على أن الضيف ينبغي أن يعجل له بشيء يأكله، وهو سنة إبراهيم صلوات الله عليه \". (^٣)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من هذه الآية استنباطا تربويا سلوكيا وذلك في أن من أدب إكرام الضيف السرعة والاستعجال في إكرامه وعدم التأخر والتواني في ذلك،\n_________\n(^١) معالم التنزيل (٤/ ١٨٣).\n(^٢) انظر: جامع البيان (١٥/ ٣٦٤)، والمحرر الوجيز (٣/ ٤٣٥)، والبحر المحيط (٦/ ١٦٨)، وتفسير الجلالين (٤/ ٣٦)، ولباب التأويل (٢/ ٤٩٠)، وروح البيان (٤/ ٩٢).\n(^٣) تفسير السمعاني (٢/ ٤٤٢).","vol":"1","page":226},{"text":"ووجه استنباطه هنا أنه سبحانه ذكر حرف العطف الفاء الدال على التعقيب، بعد السلام مباشرة من غير لبث ولا تأخر في إكرامه ﵇ لأضيافه.\nقال القرطبي: \" في هذه الآية من أدب الضيف أن يعجل قراه، فيقدم الموجود الميسر في الحال، ثم يتبعه بغيره إن كان له جدة، ولا يتكلف ما يضر به \". (^١)\nوممن ذكر ذلك الاستنباط من المفسرين: ابن كثير، وابن عادل الحنبلي، والألوسي، وابن عاشور. (^٢)\nوقد استنبط بعض المفسرين استنباطا لطيفا آخر يصب في مصب الأول نحو إكرام الضيف وهو أنه من أدب إكرام الضيف عدم مشاورته في إكرامه من تقديم طعام ونحوه، خشية أن يستحي الضيف أو أن يكون ذلك سببا في إحراجه، قال ابن القيم: \" ومن كرم رب المنزل المضيف أن يذهب في اختفاء بحيث لا يشعر به الضيف فيشق عليه ويستحي فلا يشعر به إلا وقد جاءه بالطعام بخلاف من يسمع ضيفه ويقول له أو لمن حضر مكانكم حتى آتيكم بالطعام ونحو ذلك مما يوجب حياء الضيف واحتشامه\". (^٣)\nوممن ذكر هذا الاستنباط من المفسرين الذي صب في مصب الاستنباط الأول: الزمخشري، وأبو حيان، والنسفي، والصاوي (^٤)، والألوسي. (^٥)\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن (٩/ ٦٤).\n(^٢) انظر: اللباب في علوم الكتاب (١/ ٤٦٦١)، وتفسير القرآن العظيم (٧/ ٤٢١)، وروح المعاني (٦/ ٢٩١)، والتحرير والتنوير (١١/ ٢٩٤).\n(^٣) جلاء الأفهام (١/ ٢٧٢).\n(^٤) الصاوي: هو أحمد بن محمد الخلوتي، الشهير بالصاوي، فقيه مالكي، نسبته إلى (صاء الحجر) في إقليم الغربية، بمصر، له مؤلفات منها حاشية على تفسير الجلالين، وبلغة السالك لاقرب المسالك في فروع الفقه المالكي، ولد عام ١١٧٥ هـ، وتوفي عام ١٢٤١ هـ. انظر: الأعلام للزركلي (١/ ٢٤٦)، ومعجم المؤلفين (٢/ ١١١).\n(^٥) انظر: الكشاف (٤/ ٤٠١)، والبحر المحيط (٩/ ٥٥٥)، ومدارك التنزيل (٣/ ٣٥٩)، وحاشية الصاوي على الجلالين (٥/ ٣٤٧)، وروح المعاني (١٤/ ٦٣).","vol":"1","page":227},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>دخول أزواج النبي ﷺ في أهل بيته</span>.\nقال تعالى: ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود ٧٣].\n• قال السمعاني - ﵀ -: وقوله: ﴿عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ هذا دليل على أن الأزواج يجوز أن يسمين أهل البيت، وزعمت الشيعة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ أن الأزواج لا يدخلن في هذا. وهذه الآية دليل على أنهن يدخلن فيها \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني بعد إثبات الحق ﵎ أن زوجة إبراهيم ﵇ من أهل بيته ﵇ حين تعجبت أن يكون لها ولد، أن في ذلك دلالة على أن الأزواج يدخلون في أهل بيت الرجل، ووجه الاستنباط إثباته سبحانه زوجة إبراهيم ﵇ في أهل بيته ولم يقتصر أهل البيت على الأولاد دون الأزواج.\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٢/ ٤٤٤).","vol":"1","page":228},{"text":"قال البغوي عند تفسيره لهذه الآية: \" ... وفيه دليل على أن الأزواج من أهل البيت\". (^١)\nوما كان ذكر هذا الاستنباط من السمعاني ﵀ إلا ليبطل معتقدا فاسدا يعتقده طائفة الرافضة (^٢) من إخراجهم زوجات الرسول ﷺ من أهل بيته، واقتصارهم على أولاد رسول الله ﷺ ونسلهم فحسب. (^٣)\nوما علموا هؤلاء الشيعة أن قولهم هذا يعارض العديد من نصوص القرآن، والسنة، ولغة العرب. (^٤)\n_________\n(^١) معالم التنزيل (٤/ ١٩٠). وانظر للاستزادة: جلاء الأفهام لابن القيم (١/ ٢١١)، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (٦/ ٤١٥)، واللباب في علوم الكتاب لابن عادل (١/ ٢٨٧٨).\n(^٢) الرافضة هي: طائفة من الشيعة، وسبب تسميتهم بذلك رفضهم إمامة الشيخين وأكثر الصحابة، فأطلق عليهم هذا اللقب بعد رفضهم إمامة زيد بن علي، وتفرقهم عنه لعدم موافقته على أفكارهم، وقد أطلق هذا اللقب لتمييزهم عن الشيعة الأوائل الذين لم يكن عندهم سوى تفضيل علي ﵁، وأكثر العلماء الذين كتبوا عن الفرق يطلقون هذا اللقب على الشيعة بوجه عام، ومن معتقداتهم: أن الإمامة ركن من أركان الدين، وعصمة الأئمة، والقول بالبداء والرجعة، والتقية، وغير ذلك. انظر: الملل والنحل (١٠/ ٢١٩)، والموسوعة الميسرة (٢/ ١٠٦٩).\n(^٣) اعتقدت طائفة الشيعة من قوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ أن في أسلوب التذكير دلالة على خروجهن من أهل بيت رسول الله ﷺ. وقد رد القرطبي ذلك بقوله: \" والذي يظهر من الآية أنها عامة في جميع أهل البيت من الأزواج وغيرهم. وإنما قال: ﴿تَطْهِيرًا﴾ لأن رسول الله ﷺ وعليا وحسنا وحسينا كانوا فيهم، وإذا اجتمع المذكر والمؤنث غلب المذكر، فاقتضت الآية أن الزوجات من أهل البيت، لأن الآية فيهن، والمخاطبة لهن يدل عليه سياق الكلام. والله أعلم \". انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٤/ ١٨٢).\n(^٤) كلمة الأهل تطلق على مجموع الأقارب ولكن لا تطلق على أفرادهم الا الزوجة فإنها تسمى لوحدها أهلا وأهل البيت كما تدخل في مجموع الأهل. =","vol":"1","page":229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>لا حصول على طاعة إلا بتوفيق من الله</span>.\nقال تعالى: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود ٨٨]\n• قال السمعاني - ﵀ -: وقوله: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ دليل على أن الطاعة لا يؤتى بها إلا بتوفيق الله، والتوفيق من الله: هو التسهيل والتيسير والمعونة \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني ﵀ من قرنه سبحانه للإصلاح على لسان نبيه شعيب بعد توفيق الله، أنه لا يستطيع أحد أن يوفق لطاعة إلا بعد توفيق الله وإعانته وتيسيره له بأن ييسر له فعل الطاعة والكف عن المعصية وأنه ليس للإنسان حول ولا قوة بدون عون الله وتوفيقه.\nوممن ذكر هذا من المفسرين: النسفي، ومحمد رشيد رضا، وابن عاشور. (^٢)\nواستنبط السعدي استنباطا إيمانيا آخر، بأن في ذكر شعيب ﵇ توفيق الله لعمل الإصلاح وغيره دون الاعتماد على حول العبد وقوته أن في ذلك دفع للنفس من تزكيتها قال ﵀: \" ولما كان هذا فيه نوع تزكية للنفس، دفع هذا بقوله: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ أي: وما يحصل لي من التوفيق لفعل الخير، والانفكاك\n_________\n= ووصف أم سيدنا موسى بأنها أهل بيت \" ربة بيت \" قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (١٢) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ﴾ والمعنى هل أدلكم على امرأة متزوجة ترضعه. ووصف زوجة سيدنا موسى بأنها أهله ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾، ووصف أمهات المؤمنين بأنهن أهل سيدنا محمد في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. وأيضا \" ما أثر أن النبي ﷺ خرج فانطلق إلى حجرة عائشة فقال السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله فقالت وعليك السلام ورحمة الله كيف وجدت أهلك بارك الله لك فتقرى حجر نسائه كلهن يقول لهن كما يقول لعائشة ويقلن له كما قالت عائشة \". للاستزادة انظر: لسان العرب (١١/ ٢٨)، والقاموس المحيط (١/ ١٢٤٥)، وجلاء الأفهام (١/ ٢١١)، وعقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة لناصر الشيخ (١/ ٣٢٧).\n(^١) تفسير السمعاني (٢/ ٤٥٢).\n(^٢) انظر: مدارك التنزيل (٢/ ٤٠)، وتفسير المنار (١٢/ ١٢٠)، والتحرير والتنوير (١١/ ٣١٦).","vol":"1","page":230},{"text":"عن الشر، إلا بالله تعالى، لا بحولي ولا بقوتي \". (^١) وفقنا الله للعمل الصالح، وجنَّبنا ما يسخطه ويغضبه علينا، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>صحة قبول التوبة بعد القتل عمدا</span>.\nقال تعالى: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ [يوسف ٩].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" وقوله: ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ يعني: توبوا بعد أن فعلتم هذا، ودوموا على الصلاح يعف الله عنكم، واستدل أهل السنة بهذه الآية على أن توبة القاتل عمدا مقبولة، فإن الله تعالى ذكر عزم القتل منهم وذكر التوبة ولم ينكر عليهم التوبة بعد القتل، دل أنها مقبولة \". (^٢)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من هذه الآية استنباطا عقديا بدلالة الالتزام بأن القاتل عمدا له توبة، ووجه استنباطه أن الله ذكر ما دار بين إخوة يوسف من تآمر بعضهم لبعض بقتل أخيهم عمدا والعزم بعد ذلك بالتوبة، ولم ينكر الله عليهم، ففي هذا دلالة على صحة وقبول التوبة بعد قتل العمد. (^٣)\n_________\n(^١) تفسير السعدي ص ٣٨٧.\n(^٢) تفسير السمعاني (٣/ ١٠).\n(^٣) ومما لا يخفى أن هناك خلاف بين أهل العلم تجاه صحة قبول توبة القاتل عمدا من عدمها، فممن قال بأنه لا توبة له، ابن عباس وغيره، استدلالًا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾، قال ابن عباس: (نزلت هذه الآية وهي آخر ما نزل وما نسخها شيء)، وفي رواية: (لقد نزلت في آخر ما نزل، ما نسخها شيء حتى قبض رسول الله ﷺ، وما نزل وحي)، وروي في ذلك آثار تدل لما ذهب إليه هؤلاء، كما عند الإمام أحمد والنسائي وابن المنذر عن معاوية: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرًا، أو الرجل يقتل مؤمنًا متعمدًا). =","vol":"1","page":231},{"text":"وقد ذكر السمعاني من قوله تعالى ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾، وقوله تعالى ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، أن للقاتل عمدا توبه، واستنباطه ذلك بدلالة مفهوم الموافقة، وذلك لأن الله يتوب على من أشرك إذا تاب، فمن باب أولى التوبة على من فعل دون ذلك وهو القتل العمد. (^١)\nوقد وافق السمعاني جمهور المفسرين والفقهاء على هذا الاستنباط، قال الجصاص: \" وفي ذلك دليل على أن توبة القاتل مقبولة لأنهم قالوا وتكونوا من بعده قوما صالحين وحكاه الله عنهم ولم ينكره عليهم \". (^٢) وممن ذكر هذا\n_________\n= أما جمهور الأمة -سلفًا وخلفًا- فيرون أن القاتل له توبةً فيما بينه وبين الله، فإن تاب وأناب وعمل صالحًا بدل الله سيئاته حسنات، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾، قال أبو هريرة وغيره: (هذا جزاؤه إن جازاه)، والقول الجامع لهذه الأقوال أن هناك حقوق على القاتل منها ما يسقط بعد التوبة ومنها ما لا يسقط، فأما حق أولياء المقتول فإنه يسقط بالقصاص أو بدفع الدية، وأما حق الله جل وعلا فإنه يسقط بالتوبة، ويبقى حق المقتول لابد من أدائه، ولابد أن تؤدى الحقوق إلى أصحابها، لأنه يأتي يوم القيامة ممسكًا قاتله فيقول: يا رب .. اسأل هذا فيم قتلني؟ فهل يضيع حقه؟ لا. لن يضيع حقه. للاستزادة انظر: مجموع الفتاوى (٣٤/ ١٣٨)، وشرح كتاب التوحيد للغنيمان (٣/ ٧٥).\n(^١) انظر: تفسير السمعاني (١/ ٤٦٤).\n(^٢) أحكام القرآن للجصاص (٤/ ٣٨١).","vol":"1","page":232},{"text":"الاستنباط من هذه الآية أيضا: السمرقندي، والماوردي، وابن الجوزي، والقرطبي، وابن القيم. (^١)\nوقد ذكر السعدي استنباطا من وجه آخر بأن عزمهم للتوبة قبل فعلهم للذنب فيه وقوع في مصيدة من مصائد الشيطان وحيله حيث أنه يسهل فعل المعاصي ويهونها وذلك من تبييت نية التوبة قبل فعل الذنب قال ﵀: \" فقدموا العزم على التوبة قبل صدور الذنب منهم تسهيلا لفعله، وإزالة لشناعته، وتنشيطا من بعضهم لبعض\". (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>دلالة نزع قميص يوسف حين ألقوه إخوته في البئر</span>.\nقال تعالى: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ [يوسف ١٨]\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" قوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ هذا دليل على أنهم نزعوا قميصه عنه حين ألقوه في البئر، فروى أنه قال لهم: دعوا لي قميصي أتستر به، فقالوا له: ادع الشمس والقمر والكواكب تسترك - يعنون: ما رأى من الرؤيا\". (^٣)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من إتيان إخوة يوسف أبيهم بالقميص أنه يدل على أنهم حين ألقوه في البئر قد خلعوا قميصه عنه، وقد ذكر هذا القول جل المفسرين بأن\n_________\n(^١) انظر: بحر العلوم (٢/ ٣٦٦)، والنكت والعيون (٣/ ١١)، وزاد المسير (٣/ ٤٠٣)، والجامع لأحكام القرآن (٩/ ١٣١)، ومدارج السالكين (١/ ٣٩٩).\n(^٢) تفسير السعدي ص ٣٩٤.\n(^٣) تفسير السمعاني (٣/ ١٥)، وانظر: مفاتيح الغيب (١٨/ ٨٢).","vol":"1","page":233},{"text":"خبر يوسف ﵇ يدل على هذا الأمر، قال النيسابوري: \" أن يعقوب لما سمع بخبر يوسف صاح بأعلى صوته وقال: أين القميص؟ فأخذه وألقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص. وقال: تالله ما رأيت كاليوم ذئبًا أحلم من هذا أكل ابني ولم يمزق عليه قميصه \". (^١)\nوممن ذكر هذا أيضا: الزمخشري، والرازي، وابن عادل الحنبلي، وجلال الدين المحلي، والسيوطي. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: غرائب القرآن ورغائب الفرقان (٤/ ٧٠)، واللباب في علوم الكتاب (١/ ٢٩٤١).\n(^٢) انظر: الكشاف (٢/ ٤٩٤)، ومفاتيح الغيب (١٨/ ٨٢)، واللباب في علوم الكتاب (١/ ٢٩٤١)، وتفسير الجلالين (٤/ ١١٨)، والدر المنثور (٨/ ٢٠٢)،.","vol":"1","page":234},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-128>وقوع المؤمن في المعصية دلالة جهالته آنذاك</span>.\nقال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف ٣٣]\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" وقوله: ﴿وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ هذا دليل على أن المؤمن إذا ارتكب ذنبا يرتكب عن جهالة \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من هذه الآية أن العبد إذا وقع في المعصية فإن وقوعه ذلك يدل على جهالته، وأن من صرفه الله عن الوقوع في المعصية فإن ذلك يدل على توفيق الله له، وعدم جهله، ووجه استنباطه أن يوسف ﵇ حينما نادى ربه أن يصرف عنه كيد النسوة اللاتي يريدون أن يوقعوه في الفاحشة، بين أن عدم إجابة ذلك الطلب له سوف يكون سببا في أن يكون جاهلا فيرتكب المعصية. قال الطبري: \" ومن عصى الله فهو جاهل حتى ينزع عن معصيته \". (^٢)\nوأيد بعض المفسرين عين ما استنبطه السمعاني، قال البغوي: \" فيه دليل على أن المؤمن إذا ارتكب ذنبا يرتكبه عن جهالة \". (^٣)\nوممن قال بذلك من المفسرين: الخازن، والنسفي، وأبو السعود، وابن عادل الحنبلي، وحقي. (^٤)\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٣/ ٢٨).\n(^٢) جامع البيان (٨/ ٩٠).\n(^٣) معالم التنزيل (٤/ ٢٣٩).\n(^٤) انظر: لباب التأويل (٢/ ٥٢٦)، ومدارك التنزيل (٢/ ٦٦)، وإرشاد العقل السليم (٣/ ٤٣٠)، واللباب في علوم الكتاب (١/ ٢٩٦٩)، وروح البيان (٤/ ١٦٣).","vol":"1","page":235},{"text":"وقد ذكر القرطبي من هذه الآية استنباطًا تربويًا آخر، مضمونه أنه لا يوفق للكف عن المعصية إلا من قد وفقه الله لذلك، وأن النفس لا حول لها ولا قوة إلا بمعونة الله، ودل على قبح الجهل أيضا، قال: \" ودل هذا على أن أحدًا لا يمتنع عن معصية الله إلا بعون الله، ودل أيضا على قبح الجهل والذم لصاحبه \". (^١)\nوقد ذكر هذا أيضًا: الرازي، وابن عادل الحنبلي، والشوكاني. (^٢)\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن (٩/ ١٨٥).\n(^٢) انظر: مفاتيح الغيب (١٨/ ١٠٥)، واللباب في علوم الكتاب (١/ ٢٩٦٩)، وفتح القدير (٤/ ٢٧).","vol":"1","page":236},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-129>دلالة يقين يعقوب ﵇ بأن الذئب لم يأكل ابنه يوسف ﵇</span>.\nقال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف ٩٦]\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ دليلٌ على أنه قد كان قال لهم: إن يوسف حي، وإني أرجو رؤيته \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من قول يوسف ﵇: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ﴾ حينما بُشِّر ﵇ بحياة ابنه يوسف ﵇ بعد إلقاء القميص عليه، بأن هذا يدل على أن يعقوب ﵇ قد قال لهم بأن يوسف حي وأنه مترجٍ لرؤيته، ووجه الاستنباط استفهامُ يعقوبَ ﵇ التقريري لمن كان بحضرته لعِلمه من علم الله أنّ يوسف لم يأكله الذئب.\nوقد وافق السمعاني على هذا الاستنباط بعض أهل التفسير، قال السعدي: \" حيث كنت مترجيا للقاء يوسف، مترقبا لزوال الهم والغم والحزن \". (^٢)\nوممن قال بهذا أيضا: الثعلبي، وابن كثير، والخازن، وأبو السعود، وحقي. (^٣)\nوقد استنبط بعض أهل التفسير أيضًا أن في قول يوسف هذا الاستفهام التقريري تحديثٌ بنعمة الله التي لا ينكرها الأنبياء عند حلولِ الخيرات أو الملمات. (^٤)\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٣/ ٦٤).\n(^٢) تفسير السعدي ص ٤٠٥.\n(^٣) انظر: الكشف والبيان (٥/ ٢٥٧)، وتفسير القرآن العظيم (٤/ ٤١٠)، ولباب التأويل (٢/ ٥٥٥)، وإرشاد العقل السليم (٣/ ٤٧١)، وروح البيان (٤/ ٢٠٧).\n(^٤) انظر: نظم الدرر (٤/ ٩٧)، وتفسير السعدي ص ٤٠٥.","vol":"1","page":237},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-130>بلوغ سن التكليف لإخوة يوسف إبان فعلتهم بأخيهم يوسف ﵇</span>.\nقال تعالى: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ [يوسف ٩٧]\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ هذا دليلٌ على أنهم عملوا ما عملوا وكانوا بالغين \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من طلب إخوة يوسف من أبيهم أن يستغفر لهم أن هذا يدل على عدم صغرهم بل إنهم قد بلغوا، ووجه الدلالة أنه لا يطلب المغفرة ولا يعترف بالخطأ إلا من عبد مكلف، وإلا فالصغير مرفوع عنه القلم.\nقال الجصاص: \" ولا يقول مثله من فعل شيئا في حال الصغر قبل أن يجرى عليه القلم \". (^٢)\nوقد ذكر هذا الاستنباط جمع من المفسرين أمثال: الماوردي، والبغوي، والرازي، والخازن، وأبو السعود، وغيرهم. (^٣)\nبل تؤيد نصوص الآيات من نفس السورة هذا الاستنباط كما في قول يوسف لهم: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾، فهذا يدل على أنهم فعلوه بعد البلوغ.\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٣/ ٦٤).\n(^٢) أحكام القرآن للجصاص (٤/ ٣٩٤).\n(^٣) انظر: النكت والعيون (٣/ ١٠)، ومعالم التنزيل (٤/ ٢١٨)، ومفاتيح الغيب (١٨/ ٧٦)، ولباب التأويل (٢/ ٥١٥)، وإرشاد العقل السليم (٣/ ٤٧٢).","vol":"1","page":238},{"text":"وكذلك من قبل هذا كله عندما تآمروا وتشاوروا على قتل يوسف قال بعضهم لبعض: ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ وهذا يدل على أنهم قبل التوبة لا يكونون صالحين، مما ينافي كونهم من الصبيان. (^١)\nوبهذه الاستنباطات المؤيدة لاستنباط السمعاني يخلص الأمر على سلامة هذا الاستنباط، والله أعلم.\n_________\n(^١) وقد ذكر السمعاني الأدلة النقلية والعقلية على ثبوت كون إخوة يوسف بالغين حال فعلتهم المشينة بإرادة قتل أخيهم يوسف ﵇، انظر: تفسير السمعاني (٣/ ٦٤).","vol":"1","page":239},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>دلالة تحريم الفرح بزهرة الحياة الدنيا والركون إليها</span>.\nقال تعالى: ﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾ [الرعد ٢٦].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" وقوله: ﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الفرح: لذة في القلب بنيل المشتهى، وهذا دليل على أن الفرح بالدنيا حرام منهي عنه \". (^١)\n\nالدراسة:\nعندما أتبع الحق ﵎ فرح كفار مكة بزهرة الحياة بأنه ليس في الآخرة إلا متاع فان زائل، بعدما علم أن فرحهم فرح بطر وأشر وطغيان، لا فرح تحدث بنعمة الله وإظهارًا لفضله عليهم، استنبط السمعاني أن هذا الفرح حرام منهي عنه، ووجه الاستنباط أن الله عبر عن فرحهم في دنياهم الذي أشغلهم عن أخراهم وما عنده في الآخرة ووصفه بأنه ليس إلا متاع يفنى ويذهب.\nوقد وافق السمعاني جل المفسرين على هذا الاستنباط، قال الخازن في هذا الموطن من الفرح: \" وفيه دليل على أن الفرح بالدنيا والركون إليها حرام \". (^٢) وممن قال بذلك أيضا: البغوي، وابن عادل الحنبلي، والنيسابوري، وحقي، وابن عاشور. (^٣)\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٣/ ٩١).\n(^٢) لباب التأويل (٣/ ١٧).\n(^٣) انظر: معالم التنزيل (٤/ ٣١٥)، واللباب في علوم الكتاب (١/ ٣٠٧٦)، وغرائب القرآن (٤/ ١٥٥)، وروح البيان (٤/ ٢٤٣)، والتحرير والتنوير (١٢/ ١٧٩).","vol":"1","page":240},{"text":"وقد بين السعدي ﵀ في كتابه تيسير اللطيف المنان نوعي الفرح المحمود والمذموم، وذكر أمثلة على ذلك، ثم قال: \" فصار الفرح تبعا لما تعلق به، إن تعلق بالخير وثمراته فهو محمود، وإلا فهو مذموم \". (^١)\nفيكون بعد ذلك استنباط السمعاني صحيحًا إذا كان الفرح كما هو حال كفار قريش عند فرحهم بالدنيا التي كانت سببًا في ترك ما ينفعهم في آخرتهم ومن تكذيب النبي - ﷺ -، وغير ذلك. أما الفرح بالمباحات من أمور الدنيا فلا بأس بها ما لم تشغل عن أمور الآخرة، والله أعلم.\n_________\n(^١) للاستزادة انظر: تيسير اللطيف المنان (٢/ ٦٢).","vol":"1","page":241},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-132>دلالة الآية على تعليم الصبر على الأذى</span>.\nقال تعالى: ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [إبراهيم ١٢].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" قوله: ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا﴾ فيها تعليم المؤمنين وإرشادهم إلى الصبر على أذى مخالفي الحق \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من هذه الآية استنباطًا تربويًا وإن كان على صيغة الخبر على لسان المؤمنين الذين ابتلوا في الدعوة ومجابهة أعداء الرسل، بمعنى كذلك ينبغي أن يكونوا المؤمنين كهؤلاء، ولا يخفى أن صيغة الخبر لها وقع في النفوس أعظم من الأمر، حيث بين سبحانه أن المؤمن يصبر على ما كتبه الله عليه من إيذاء أعداء الله له، فالصبر من أهم أسباب النصر.\nقال النيسابوري في تفسيره لهذه الآية: \"وفي هذا دليلٌ على أن الصبَر مفتاحُ الفرج ومطلعُ الخيرات ومثمرُ السعادات \". (^٢)\nوهذا المعنى المستنبط عظةٌ وعبرةٌ لكلّ أمةٍ تريد الخروج من مأزقها وفشلها، بأن عليها أن تكثر من الالتجاء إلى الله، وتصبر على الأذى في سبيله، فإنه الناصر ﷾.\nوقد استنبط البقاعي وجهًا بلاغيًا في الآية، وذلك بأن التعبير بصيغة الماضي في الإيذاء ﴿آذَيْتُمُونَا﴾ والعدل عن صيغة المضارع، فيه سرٌ من أسرار وأساليب الدعوة، قال: \" وعبّر بالماضي إشارة إلى أنهم عفوا عن أذاهم في الماضي فلا يجازونهم به، فهو استجلاب إلى توبة أولئك المؤذين، وعدلوا عن المضارع لأنهم ينتظرون أمرَ الله في الاستقبال فقد يأمرهم بالصبر \". (^٣)\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٣/ ١٠٨).\n(^٢) غرائب القرآن (٤/ ١٨١). وانظر للاستزادة: مدارك التنزيل (٢/ ١١٦)، وتفسير السعدي ص ٤٢٢.\n(^٣) نظم الدرر (٤/ ١٧٧).","vol":"1","page":242},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>فضل سورة الفاتحة لتخصيصها من سائر سور القرآن</span>.\nقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر ٨٧].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" وأما قوله: ﴿وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ المراد منه سائر القرآن سوى الفاتحة، وفي هذا شرف عظيم للفاتحة، لأنه خصها بالذكر والإمتنان عليه بها، ثم ذكر سائر القرآن \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من تخصيص ذكر الفاتحة - السبع المثاني- دون سائر سور القرآن، أن في ذلك مزيةٌ وشرفٌ لهذه السورة، ووجه الاستنباط أن الله ذكرها وخصها بأن آتاها رسوله ثم أعقب ذلك أن آتى الله نبيه القرآن العظيم كله فدل ذلك على شرف وفضل هذه السورة المباركة.\nقال ابن عادل الحنبلي: \" واعلم أنه لما كان المراد بالسبع المثاني هو الفاتحة، دل على أنها أفضل سور القرآن، لأن إفرادها بالذكر مع كونها جزءا من القرآن، يدل على مزيد اختصاصها بالفضلية \". (^٢)\nومما لا يخفى على المتدبر لكلام الله، ولهذه السورة، ليلحظ أنها قد اشتملت على أصول الإسلام من ذكر جميع أنواع التوحيد، وطلب الهداية الذي به النجاة، واختتمت بالتبرؤ من طرق الضلالة وأهلها، فبهذا وغيره كان لهذه السورة الشرف والتميز حتى اختصت بالذكر.\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٣/ ١٥٠).\n(^٢) اللباب في علوم الكتاب (١/ ٣١٦٦). وللاستزادة انظر: مفاتيح الغيب (١٩/ ١٦٥)، والجامع لأحكام القرآن (١٠/ ٥٥)، ولباب التأويل (٣/ ٦٢)، والتحرير والتنوير (١٣/ ٦٤)، وتفسير السعدي ص ٤٣٤.\nوقد ذكر ابن كثير في تفسيره الخلاف في القول بأن المراد بالسبع المثاني أنهن السبع الطوال وذكر الأحاديث التي تثبت أن المراد بالسبع المثاني هي الفاتحة حتى قال \" .. فهذا نص في أن الفاتحة السبع المثاني والقرآن العظيم، ولكن لا ينافي وصف غيرها من السبع الطُّوَل بذلك، لما فيها من هذه الصفة، كما لا ينافي وصف القرآن بكماله بذلك أيضًا \". انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٤/ ٥٤٧). والأحاديث التي ذكرها هي: قوله ﷺ: \" أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم \".صحيح البخاري (٤/ ١٧/٣٨)، وقوله ﷺ أيضا: \" (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته\"، صحيح البخاري (٤/ ١٦٢٣).","vol":"1","page":243},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>ذكر نفي العلم يدل على غلبته وإلا فإنه لا يذهب كله</span>.\nقال تعالى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [النحل ٧٠]\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" وهذا دليل على أنه قد يذكر الشيء، ويراد به الأغلب، فإنه إذا رد إلى أرذل العمر لا يذهب جميع علمه إذًا، وإنما يذهب أكثر علمه \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني في هذه الآية استنباطًا أصوليًا بأنه قد يذكر الشيء ويراد به أغلبه، وليس كله تماما، وقد تكرر هذا عند السمعاني في غير ما موضع كآية ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ وآية ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ ووجه استنباطه هنا أن الإنسان إذا رد إلى أرذل عمره بأن طعن في السن، فإنه يكون قد نسي أغلب ما قد عقله وعلمه، وليس كله.\nوقد ذكر ابن جزي عند تفسيره لهذه الآية ما يؤيد هذا الاستنباط قال: \" وليس المراد نفي العلم بالكلية، بل ذلك عبارة عن قلة العلم لغلبة النسيان \". (^٢)\nوممن قال بذلك من المفسرين: الزمخشري، وأبو حيان، والنيسابوري. (^٣)\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٣/ ١٨٧).\n(^٢) التسهيل لعلوم التنزيل (١/ ٨٥٠).\n(^٣) انظر: الكشاف (٢/ ٦١٩)، والبحر المحيط (٥/ ٤١٩)، وغرائب القرآن (٤/ ٢٨٢).","vol":"1","page":244},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>تخصيص ذكر نعمة الجبال، والظلال، والسرابيل، والأصواف، والأوبار لاستشعارهم إياها</span>.\nقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ [النحل ٨١].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" فإن قيل: كيف ذكر هذه النعم من الجبال والظلال والسرابيل والقمص والأوبار والأصواف، ولله تعالى نعم كثيرة فوق هذا لم يذكرها؟ فما معنى تخصيص هذه النعم وترك ما فوقها؟ والجواب عنه: أن العرب كانوا أصحاب أنعام، وكانوا أهل جبال، وكانت بلادهم حارة، فذكر من النعم ما يليق بحالهم، وكانت هذه النعم عندهم فوق كل نعمة، فخصها بالذكر لهذا المعنى\". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من سبب تخصيص ذكر بعض نعمه سبحانه لعباده أمثال الجبال، والألبسة التي تقي الحر والبرد، وأوبار الأنعام وأصوافها، دون ذكر غيرها من النعم أن ذلك من بلاغة كلام الله سبحانه، حيث راعى حال المخاطبين، وذكرهم بالنعم التي تكون ظاهرة عليهم دون غيرها من النعم، فيزدادوا بذلك إيمانًا وتصديقًا بالله، ووجه استنباطه عدم ذكر المولى جل في علاه لهؤلاء العرب المخاطبين نعم لا يعرفونها أو لا يستشعرون فضلها دائما، بل ذكرهم بنعم ليسو مستغنين عنها في حياتهم الدائمة.\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٣/ ١٩٣).","vol":"1","page":245},{"text":"وقد ذهب إلى ما استنبطه السمعاني جمع من المفسرين، قال القرطبي: \" فإن قال قائل: كيف قال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾ ولم يذكر السهل، وقال: ﴿تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ ولم يذكر البرد؟ فالجواب أنهم كانوا أصحاب جبال ولم يكونوا أصحاب سهل، وكانوا أهل حر ولم يكونوا أهل برد، فذكر لهم نعمه التي تختص بهم كما خصهم بذكر الصوف وغيره، ولم يذكر القطن والكتان ولا الثلج \". (^١)\nوممن قال بنحو ذلك أيضا: الطبري، والماوردي، وابن عطية، وابن جزي، وابن كثير، والسيوطي، وابن عاشور، وغيرهم. (^٢)\nوهذه الحكمة والسر في مراعاة أحوال المخاطب، وتذكيره بنعمه سبحانه التي يعرفها العبد ويعيشها صباح مساء تجده في غير ما موضع في القرآن، قال الخازن في تفسيره لهذه الآية المذكور منها هذا الاستنباط بعد أن بين أن هذه النعم تناسب حالهم: \" فلهذا السبب ذكر الله هذه المعاني في معرض الامتنان عليهم بها، لأن النعمة عليهم فيها ظاهرة \". (^٣)\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن (١٠/ ١٥٩).\n(^٢) انظر: جامع البيان (١٧/ ٢٧١)، والنكت والعيون (٣/ ٢٠٦)، والمحرر الوجيز (٤/ ١٨٨)، والتسهيل لعلوم التنزيل (٢/ ١٥٩)، وتفسير القرآن العظيم (٤/ ٥٩١)، الدر المنثور (٩/ ٩٢)، والتحرير والتنوير (١٣/ ١٩٢).\n(^٣) لباب التأويل (٣/ ٩٢).","vol":"1","page":246},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>جواز اتباع الفاضل للمفضول</span>.\nقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾\n[النحل ١٢٣].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ هذا دليل على أنه يجوز للفاضل أن يتبع المفضول \". (^١)\n\nالدراسة:\nلما أمر الله سبحانه نبيه محمدا ﷺ أن يتبع ملة إبراهيم ﵇، استنبط السمعاني جواز إتباع الفاضل للمفضول، ووجه الاستنباط أن نبينا محمدًا ﷺ أفضل من سيدنا إبراهيم ﵇، ومع هذا نجد المولى ﷿ يأمره بإتباع ملة إبراهيم ﵉ جميعا.\nولم يكن إتباع محمد ﷺ لسيدنا إبراهيم ﵇ إلا لسبق إبراهيم ﵇ للقول بالحق، وتمييز الصواب، وتقدمه لمعرفة دين الإسلام على نبينا محمد ﷺ. قال ابن عطية: \" قال ابن فورك (^٢): وأمر الفاضل بإتباع المفضول، لما كان سابقا إلى قول الصواب والعمل به \". (^٣)\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٣/ ٢٠٩).\n(^٢) محمد بن الحسن بن فورك الأنصاري الأصبهاني، أبو بكر: واعظ عالم بالاصول والكلام، من فقهاء الشافعية، سمع بالبصرة وبغداد، وحدث بنيسابور، وبنى فيها مدرسة، كان أشعريا، بلغت تصانيفه في أصول الدين وأصول الفقه ومعاني القرآن قريبا من المئة، روى عنه الحاكم حديثا، توفي سنة ٤٠٦ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (٣٣/ ٢٠٤) والأعلام للزركلي (٦/ ٨٣).\n(^٣) المحرر الوجيز (٤/ ٢١٠).","vol":"1","page":247},{"text":"وممن ذكر هذا أيضا من المفسرين: الماوردي، وأبو حيان، وابن الجوزي، وابن عادل الحنبلي، ومحمد أبو زهرة، والسعدي، وغيرهم. (^١)\nيؤيد هذا الاستنباط تعلم موسى وإتباعه للخضر مع تفاوت المراتب فيما بينهما، وما كان ذلك إلا لأن المفضول اختص بعلم لم يكن عند الفاضل هذا العلم، وهو علم بعض الغيب، ومعرفة بعض البواطن، لأن موسى ﵇ لم يكن على علم واطلاع به. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: النكت والعيون (٣/ ٢١٩)، والبحر المحيط (٥/ ٤٤٧)، وزاد المسير (٤/ ١٣٨)، واللباب في علوم الكتاب (١/ ٣٢٦٩)، وزهرة التفاسير (١/ ٤٣٠٠)، وتفسير السعدي ص ٤٨٢.\n(^٢) للاستزادة انظر: فتح القدير (٤/ ٤٠٨) وتفسير السعدي ص ٤٨٢.","vol":"1","page":248},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-137>تخصيص البحر لأن الهلاك فيه آكد</span>.\nقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء ٦٧].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ﴾ أي: الشدة في البحر، وإنما خص البحر بالذكر، لأن اليأس عند وقوع الشدة فيه أغلب\". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من ذكر شدة وقوع اليأس في البحر دون غيره من الأماكن، لأن البحر تكون الشدائد فيه أكثر من غيره سواء في تلاطم أمواجه، وارتفاعها، وانخفاضها، وهيجان البحر، وطول المدة في السير فيه، وغير ذلك من أنواع وألوان الكرب والشدائد التي تفضي للغرق والهلاك، وانقطاع الحيل، مما لا يكون في غيره.\nوقد ذهب إلى ما استنبطه السمعاني بعض المفسرين قال القرطبي: \" فوقفهم الله\n-أي المشركون - من ذلك على حالة البحر حيث تنقطع الحيل \". (^٢)\nوممن قال بنحو ذلك أيضا: القصاب (^٣)، والرازي، والخازن، وجلال الدين المحلي، والنيسابوري، والشنقيطي، والسعدي، ومحمد أبو زهرة. (^٤)\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٣/ ٢٦١).\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن (١٠/ ٢٩١).\n(^٣) القصاب: هو الإمام المشهور، العالم، الحافظ، أبو أحمد، محمد بن علي بن محمد الفقيه، الكرجي، المعروف بالقصاب، له مؤلفات كثيرة منها: تأديب الأئمة، وثواب الأعمال، ونكت القرآن، وغيرها، توفي عام ٣٦٠ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٦/ ٢١٣)، ومعجم المؤلفين (١١/ ٥٨).\n(^٤) انظر: نكت القرآن للقصاب (٢/ ١٧٨)، ومفاتيح الغيب (٢١/ ٩)، ولباب التأويل (٣/ ١٣٧)، وتفسير الجلالين (٥/ ١٠٥)،،وغرائب القرآن (٤/ ٣٦٧)، وتفسير السعدي ص ٤٦٢، وأضواء البيان (٨/ ١٧٧)، وزهرة التفاسير (١/ ٤٤٢٠).","vol":"1","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>بقاء المسكين على مسكنته مع تملكه، إذا لم يقم ما يملك كفايته</span>.\nقال تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف ٧٩].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" وفيه دليل على أن المسكين وإن كان يملك شيئا فلا يزول عنه اسم المسكنة إذ لم يقم ما يملك بكفايته \". (^١)\n\nالدراسة:\nلما قرر سبحانه بأن هذه السفينة كانت للمساكين الذين كانوا يتكسبون بها، استنبط السمعاني بأن المسكين لا ترفع مسكنته بكونه مالكا لآلة، أوغيرها مالم يكن عنده ما يكفيه ويسد حاجته، ووجه استنباطه أن الله وصفهم بالمساكين مع كونهم مالكين لهذه السفينة التي تساوي جملة من المال.\nوقد كان استنباط السمعاني لكونه جعل اللام المضافة للمساكين لام ملكية، بمعنى أن السفينة ملكٌ لهؤلاء المساكين.\nالموافقون:\nوافق السمعاني على استنباطه هذا بعض المفسرين، قال الخازن: \" وفيه دليل على أن المسكين وإن كان يملك شيئا لا يزول عنه اسم المسكنة إذا لم يقم ما يملكه\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٣/ ٢٧٠).","vol":"1","page":250},{"text":"بكفايته، وإن حال الفقير في الضر والحاجة أشد من حال المسكين، لأن الله تعالى سماهم مساكين مع أنهم كانوا يملكون تلك السفينة \". (^١)\nوممن وافق السمعاني على ذلك أيضا: الشافعي في أحد قوليه (^٢)، والثعلبي، والسجستاني، والبغوي، والبقاعي، والسيوطي، والشربيني، والألوسي. (^٣)\nالمخالفون:\nخالف السمعاني في استنباطه هذا جمع من الفقهاء والمفسرين، وقالوا بأنه ليس هناك دلالة تدل على أن المساكين هؤلاء ملاكا لهذه سفينة، وأن اللام المضافة للمساكين إنما هي لام تخصيص وتصرف، بمعنى أن السفينة لم تكن لهم إلا سوى عارية أو أجراء يعملون عليها للتكسب بها للحصول على الرزق يشهد بذلك ما قد أثر عنهم (^٤).\nقال الجصاص: \" وقد روي أنهم كانوا أجراء فيها وأنهم لم يكونوا ملاكا لها وإنما نسبها إليهم بالتصرف والكون فيها ... كما يقال هذا منزل فلان وإن كان ساكنا فيه غير مالك له، وهذا مسجد فلان ولا يراد به الملك \". (^٥)\nوممن قال بذلك من الفقهاء والمفسرين: ابن العربي، وأبو حيان، وابن عاشور، والشوكاني، والشهاب الخفاجي. (^٦)\n_________\n(^١) لباب التأويل (٣/ ١٧٣).\n(^٢) انظر: مفاتيح الغيب (٢١/ ٤٩٠)، وفتح القدير (٤/ ٤١٤).\n(^٣) انظر: الكشف والبيان (٦/ ١٨٦)، وغريب القرآن للسجستاني (١/ ٤٥٥)، ومعالم التنزيل (٤/ ٦٢)، ونظم الدرر (٤/ ٣٩٦)، والإكليل للسيوطي ص ١٧١، والسراج المنير (٢/ ٣١٢)، وروح المعاني (١٦/ ٢٢).\n(^٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١١/ ٣٤)، فتح القدير (٤/ ٤١٤)، روح البيان (٥/ ٢١٨).\n(^٥) أحكام القرآن للجصاص (٤/ ٣٢٣).\n(^٦) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (٥/ ٣٣٥)، والجامع لأحكام القرآن (٨/ ١٦٩)، والبحر المحيط (٦/ ١١٣)، والتحرير والتنوير (١٥/ ١١٧)، وفتح القدير (٤/ ٤١٤)، وروح المعاني (٨/ ٣٣٢)، وحاشية الشهاب الخفاجي (٦/ ١٢٦)، وروح البيان (٥/ ٢١٨).","vol":"1","page":251},{"text":"النتيجة:\nبعد النظر في أدلة الفريقين، واستشهاداتهم فإنه لا يستطيع أحد الجزم والقطع بصحة قول وإبطال القول آخر، لكنه في حقيقة الأمر يمكن تقريب الصواب حول ما ذكره السمعاني والموافقون له، لما يستشهد فيه بأن النبي صلى الله عليه، بين بأن المسكين ليس الذي يسأل الناس فحسب، وإنما هو الذي لا يجد ما يغنيه، فقال ﵊ من حديث أبي هريرة ﵁: «ليس المسكين الطوَّاف الذي يطوف على الناس فترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، قالوا: فما المسكين يا رسول الله؟ قال: الذي لا يجد غنىً يغنيه ولا يُفطن إليه فيُتصدَّق عليه، ولا يسأل الناس شيئًا» (^١)، والله أعلم.\nوقد ذكر بعض المفسرين وجها آخر في الاستنباط بأن ذكر لفظ المساكين في هذه الآية إضافة لما تقدم فإنه أيضا يقتضي الرقة عليهم والرأفة بهم ومدى الاستعفاف عندهم. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب المسكين الذي لا يجد غنى ولا يُفطن إليه فيتصدق عليه، حديث ٢٤٤٠، (٦/ ٣٩٨).\n(^٢) انظر: الكشف والبيان (٥/ ٥٨) روح المعاني (١٠/ ١٢١)، وتفسير السعدي ص ٤٨٢.","vol":"1","page":252},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>تخصيص السلام حال الولادة، والموت، والبعث لأنها أشد الأحوال وحشة</span>.\nقال تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم ١٥].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" وقوله تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ خص هذه الأحوال بهذه الأشياء، لأن هذه الأحوال أوحش شيء فإنه عند الولادة يخرج من بطن الأم على وحشة شديدة، ويموت على وحشة شديدة، ويبعث على وحشة شديدة (^١) \". (^٢)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من سبب تخصيص الرب سبحانه هذه الأحوال بالسلام على عيسى ﵇ فيها، والتي هي حال الولادة، وحال الموت، وحال البعث، وأنها تعد من أشد الأحوال، وأوحشها، التي يمر عليها الإنسان مذ أوجده ربه وخلقه، وبه يكون المرء في محل عناية من ربه سبحانه، حيث سلمه في أوحش الأحوال.\nوقد ذهب إلى ما استنبطه السمعاني جملة من المفسرين، قال ابن عاشور: \" وهذه الأحوال الثلاثة المذكورة هنا أحوال ابتداء أطوار: طور الورود على الدنيا،\n_________\n(^١) وقد نقل هذا القول عن الإمام التابعي سفيان بن عيينة، انظر: جامع البيان (١٨/ ١٦٠)، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (٥/ ٢١٧)، ومدارك التنزيل للنسفي (٢/ ٢٦٤)، وأضواء البيان (٣/ ١٨١).\n(^٢) تفسير السمعاني (٣/ ٢٨٢).","vol":"1","page":253},{"text":"وطور الارتحال عنها، وطور الورود على الآخرة، وهذا كناية على أنه بمحل العناية الإلهية في هذه الأحوال \". (^١)\nوممن قال بذلك أيضا: الطبري، والبغوي، والرازي، وابن كثير، والنيسابوري، والسعدي، والشنقيطي. (^٢)\n_________\n(^١) التحرير والتنوير (١٦/ ١٩).\n(^٢) انظر: جامع البيان (١٨/ ١٦٨)، ومعالم التنزيل (٥/ ٢٢٢)، ومفاتيح الغيب (١٠/ ١٦٨)، وتفسير القرآن العظيم (٥/ ٢١٧)، ورغائب القرآن (٢/ ٤٦١)، وتفسير السعدي ص ٤٩٠، وأضواء البيان (٣/ ١٨١).","vol":"1","page":254},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-140>دلالة ورود البر والفاجر على النار</span>.\nقال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم ٧٢].\n• قال السمعاني - ﵀ -: قوله تعالى ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ استدل بهذا من قال: إن الورود (^١) هو الدخول، لأن التنجية إنما تكون بعد الدخول. وقال أيضا: ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ وهذا دليل على أن الكل قد دخلوها \". (^٢)\n\nالدراسة:\nلما بين الله سبحانه الإنجاء للمتقين بعد الورود، استنبط السمعاني أن هذا الإنجاء إنما كان بعد دخول المؤمنين للنار، مرتضيا لهذا القول، وأيضا استنبط من بقاء الكفار فيها، أن المتقين كانوا معهم فأنجاهم الله، وأبقى الكافرين الظالمين فيها.\nالموافقون:\nوافق السمعاني على القول بالدخول بعض المفسرين أمثال: البغوي، والخازن، والألوسي، والشنقيطي (^٣)، وحجتهم ما ذكره السمعاني في استنباطه\n_________\n(^١) اختلف المفسرون في تفسير الورود على أقوال خمسة: أحدها: الدخول، والثاني: المرور عليها، والثالث: الحضور، والرابع: أن ورود المسلمين عليها هو مرورهم على الصراط وورود المشركين: دخولهم النار، والخامس: أن ورود المؤمنين إليها: ما يصيبهم من الحمى في الدنيا. انظر: زاد المسير (٤/ ٢٨٧).\n(^٢) تفسير السمعاني (٣/ ٣٠٩).\n(^٣) انظر: معالم التنزيل (٥/ ٢٤٩)، ولباب التأويل (٣/ ١٩٥)، وروح المعاني (٨/ ٤٣٩)، وأضواء البيان (٣/ ٤٧٩).","vol":"1","page":255},{"text":"وتفسيره لهذه الآيات، ومستدلين أيضا بحديث النبي ﷺ: (لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمنين بردا وسلاما، كما كانت على إبراهيم، حتى إن للنار ضجيجا من بردهم، ثم ينجي الله الذين اتقوا، ويذر الظالمين فيها جثيا). (^١)\nالمخالفون:\nخالف السمعاني جمع من علماء العقيدة والتفسير لمن قال بأن المراد بالورود هو الدخول، وقالوا بأن المراد بالورود إنما هو عبور الصراط الذي هو فوق متن جهنم، لما صح عن النبي ﷺ من حديث حفصة أنه قال ﵇: (والذي نفسي بيده لا يلج النار أحد بايع تحت الشجرة) فقلت: يا رسول الله أليس الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ فقال: ألم تسمعيه قال: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ (^٢)، فأشار ﷺ إلى أن ورود النار لا يستلزم دخولها وأن النجاة من الشر لا تستلزم حصوله بل تستلزم انعقاد سببه.\nوهذا القول هو الذي رجحه الطبري في تفسيره، وابن كثير، وشيخ الإسلام، وابن القيم، وابن أبي العز، والشهاب الخفاجي، والزرقاني، وابن عاشور، وغيرهم كثير. (^٣)\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم في مستدركه - كتاب الأهوال (٤/ ٦٣٠) حديث ٨٧٤٤. قال عنه الحاكم صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\n(^٢) رواه ابن ماجه في سننه - كتاب الزهد - باب ذكر البعث - (٢/ ١٤٣١) حديث ٤٢٨١. قال عنه الألباني حديث صحيح. انظر: السلسلة الصحيحة (٥/ ١٩١).\n(^٣) انظر: جامع البيان (١٨/ ٢٣٤)، وتفسير القرآن العظيم (٥/ ٢٥٤)، ومجموع الفتاوى (٤/ ٢٧٩)، والصواعق المرسلة (٣/ ١٠٥٤)، وشرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (١/ ٤٠٤)، وحاشية الشهاب الخفاجي (٦/ ١٧٥)، وشرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك (٢/ ١٠٥)، والتحرير والتنوير (١٦/ ٧٠).","vol":"1","page":256},{"text":"النتيجة:\nيظهر من أدلة الفريقين قوة أدلة الفريق المخالف للسمعاني وصحتها لما ورد من الأحاديث الصحيحة التي أوردها الطبري بعد ترجيحه لهذ القول ولما أثر عن ابن مسعود ﵁، عندما سئل عن هذه الآية فبين أن المراد بالورود هو عبور الصراط. (^١)\nأما ما ذكره القائلون بأن الورود هو الدخول فحديثهم لايلزم منه الدخول، وإنما المراد العبور كما بين سلفا.\nوقد ذكر بعض المفسرين أن سبب إنجاء المتقين، فيه إدماج ببشارة المؤمنين في أثناء وعيد المشركين. (^٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>تحريم الاستمناء باليد</span>.\nقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون ٧].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ أي: الظالمون المتجاوزون عن الحلال إلى الحرام، واستدل العلماء (^٣) بهذه الآية على أن الاستمناء باليد حرام \". (^٤)\n_________\n(^١) انظر: المستدرك على الصحيحين للحاكم (٢/ ٤٠٧).\n(^٢) انظر: التحرير والتنوير (١٦/ ٧٠)، وقد ذكر النيسابوري أوجه إيراد ورود المؤمنين النار سواء بالقول بأن الورود هو الدخول أو عبور الصراط فقال: \" فيه وجوه منها: أن يزدادوا سرورًا إذا رأوا الخلاص منها. ومنها افتضاح الكافرين إذا اطلع المؤمنون عليهم. ومنها أن المؤمنين يوبخون الكفار، ويسخرون منهم كما سخروا في الدنيا. ومنها أن يزيد التذاذهم بالجنة فبضدها تتبيّن الأشياء \". انظر: رغائب القرآن (٤/ ٥٠٣).\n(^٣) أثر هذا القول عن الإمام الشافعي، والامام مالك. انظر: الأم للشافعي (٥/ ٩٤)، والجامع لأحكام القرآن (١٢/ ١٠٦)، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (٥/ ٤٦٣)، وأضواء البيان (٥/ ٣١٦).\n(^٤) تفسير السمعاني (٣/ ٤٦٤).","vol":"1","page":257},{"text":"الدراسة:\nاستنبط السمعاني من هذه الآية أن الاستمناء باليد محرم شرعا، ووجه الدلالة أن الله ذكر من صفات المؤمنين أنهم يحافظون على فروجهم إلا في ما أحل الله لهم من النوعين المذكرين (الأزواج - ملك اليمين)، فلزم أن ما سواهما محرم، ويتأكد ذلك عندما وصف الله أن من تعدى هذين النوعين فهو من العادين على حرمات الله، ولقد كان هذا الاستنباط بدلالة مفهوم المخالفة، وذلك بمعنى أن ما سوى هذين النوعين فهو حرام.\nالموافقون:\nوافق السمعاني على القول بحرمة الاستمناء باليد جل الفقهاء والمفسرين بنص هذه اللآية.\nقال ابن كثير مؤيدا القول بالتحريم: \" وقد استدل الإمام الشافعي، ﵀، ومن وافقه على تحريم الاستمناء باليد بهذه الآية الكريمة ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ قال: فهذا الصنيع خارج عن هذين القسمين\". (^١)\nوممن قال بالتحريم أيضا: ابن العربي، والبغوي، والقرطبي، وأبو حيان، والخازن، والشوكاني، والشنقيطي، وإبراهيم بن ضويان، والعثيمين، وغيرهم كثير. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٥/ ٤٦٣).\n(^٢) أحكام القرآن لابن العربي (٥/ ٤٥١)، ومعالم التنزيل (٥/ ٤١٠)، والجامع لاحكام القرآن (١٢/ ١٠٦)، والبحر المحيط (٧/ ٥٤٩)، ولباب التأويل (٣/ ٢٦٨)، وفتح القدير (٥/ ١٤٥)، وأضواء البيان (٥/ ٣١٦)، ومنار السبيل (٢/ ٣٨٣)، وشرح زاد المستقنع لابن عثيمين (١٤/ ٣٢٠).","vol":"1","page":258},{"text":"المخالفون:\nورد أثرٌ أن عطاء بن أبي رباح عندما سئل عن حكمه قال: مكروه ولم يحرمه، ثم قال بعدها: \" سمعت أن قوما يحشرون وأيديهم حبالى فأظن أنهم هؤلاء \". (^١)\nوجوزه الإمام أحمد بحكم القياس فقال: \" هو إخراج فضلة من البدن تدعو الضرورة إلى إخراجها، فجاز قياسًا على الفصد والحجامة \". (^٢)\nالنتيجة:\nمما لا شك فيه أن ما ساقه السمعاني والموافقون له هو عين الصواب، لما دل عليه ظاهر الآية، ولما ورد في بعض الآثار التي وردت في تحريم هذه العادة السيئة، من ورود اللعنة على الناكح ليده (^٣)، ولعدم مخالفته نص أو إجماع، وأيضا لما يترتب عليها من مفاسد ومضار تعود على الفرد والمجتمع، من أن هذا الصنيع المحرم - الاستمناء باليد - ذريعة إلى ترك النكاح، وانقطاع النسل وغير ذلك من المفاسد.\nوما ذكر عن الإمام أحمد مع جلالة قدره مخالف لظاهر الآية، وقياسه يرد بالقادح المسمى فساد الاعتبار، قال الشنقيطي رادًّا على استدلال الإمام أحمد: \"وظاهر عموم القرآن، لا يجوز العدول عنه، إلا بدليل من كتاب أو سنة، يجب الرجوع إليه، أما القياس المخالف له فهو فاسد الاعتبار \" (^٤).\nوبهذا يتبين أن استنباط السمعاني هو عين الصواب، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: معالم التنزيل للبغوي (٥/ ٤١٠).\n(^٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٢/ ١٠٦)، والبحر المحيط (٧/ ٥٤٩)، وروح المعاني (٩/ ٢١٤).\n(^٣) انظر شعب الإيمان للبيهقي (٤/ ٣٧٨)، ورد هذا الأثر عن أنس بن مالك ﵁. وقد ضعف الألباني هذا الحديث. انظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة (١٤/ ٥٠٢).\n(^٤) انظر: أضواء البيان (٥/ ٣١٦).","vol":"1","page":259},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>تخصيص النخيل والأعناب كونها أكثر قوت وفاكهة للعرب</span>.\nقال تعالى: ﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [المؤمنون ١٩].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" وخص النخيل والأعناب بالذكر، لأنهما كانتا أكثر فواكه العرب \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني مناسبة تخصيص النخيل والأعناب بالذكر مع دخولهما في عموم الجنات، وقال إن مناسبة هذا التخصيص هو كونها أكثر فواكه العرب.\nوقد أشار بعض المفسرين إلى نحو ذلك، من أن النخيل والأعناب هي أكثر فواكه العرب وأكثر قوتهم. قال أبو بكر الجزائري: \" وذكر النخيل والأعناب دون غيرهما لوجودهما بين العرب، فهم يعرفونها أكثر من غيرها، فالنخيل بالمدينة، والعنب في الطائف\" (^٢).\nوممن أشار إلى ذلك أيضًا: السيوطي، وابن عاشور. (^٣)\nوذكر بعض المفسرين وجهًا آخر وهو أن مناسبة التخصيص لما فيهما من النفع والفضيلة على سائر ما ينبت في الجنات، قال ابن القيم مبينا سبب تخصيص هاتين الفاكهتين: \" خص هذين النوعين من الثمار بالذكر لأنهما أشرف أنواع الثمار\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٣/ ٤٦٨).\n(^٢) أيسر التفاسير (٣/ ٥١٠).\n(^٣) انظر: تفسير الجلالين (١/ ٤٤٧)، والتحرير والتنوير (٢٦/ ٢٤٣).","vol":"1","page":260},{"text":"وأكثرها نفعا فإن منهما القوت والغذاء والدواء، والشراب، والفاكهة، والحلو، والحامض، ويؤكلان رطبًا يابسًا، ومنافعهما كثيرة جدًا \". (^١)\nوممن أشار إلى ذلك أيضًا: البيضاوي، والبقاعي، والشوكاني، وأبو السعود، والشهاب الخفاجي، والشوكاني، والسعدي. (^٢)\nوكلا المناسبتين وارد، سواء كونه فاضلًا لنفعه، وأيضا لكونه قوت أكثر العرب فالتخصيص بالذكر لكونه الأنفع فيعظم الامتنان به، ولفضله على سائر النباتات التي في الجنات، وأيضا عندما يكون معروفا عند العرب والخلق عموما لكثرته وكونه يقتات منه، فيجتهدوا لنيل هذا النعيم مع الفارق بين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة، وإلا ليس في الآخرة شيء من الدنيا إلا الأسماء، حتى تدرك العقول هذا النعيم. والله أعلم.\n_________\n(^١) طريق الهجرتين (١/ ٥٤٩).\n(^٢) انظر: أنوار التنزيل (٤/ ٤٣٣)، ونظم الدرر (٥/ ١٩٣)، وإرشاد العقل السليم (٥/ ٤١٢)، وحاشية الشهاب الخفاجي (٧/ ٢٣٩)، وفتح القدير (٦/ ١٦٢)، وتفسير السعدي (١/ ٥٤٩).","vol":"1","page":261},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>تخصيص شجرة الزيتون لأنها شجرة مأكولة، ولا تحتاج لمعاهدة</span>.\nقال تعالى: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ [المؤمنون ٢٠]\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" قوله تعالى: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾ وإنما خصها بالذكر، لأنها لا تحتاج إلى معاهد، فالمنة فيها أكثر، ولأنها مأكول ومستصبح بها \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من سبب تخصيص وإفراد هذه الشجرة المباركة دون غيرها من أنواع الأشجار، أن هذه الشجرة لا تحتاج لحفر، أو سقيا، أو متابعة ومعاهدة، ولأنها تصلح للاصطباغ (^٢)، والادهان، قال الماوردي: \" وخصت بالذكر لكثرة منفعتها وقلة تعاهدها \". (^٣)\nوزاد بعض المفسرين أن من منافع هذه الشجرة مع ماتستخدم بالادهان عند المداواة، وثمرة منفعتها، أن أعواده أيضا تستخدم للوقود، قال ابن عاشور: \"وتخصيصها بالذكر مع كون الناس منها يأكلون، تنويه بشأنها، وإيماء إلى كثرة منافعها لأن من ثمرتها طعاما وإصلاحا ومداواة، ومن أعوادها وقود وغيره، وفي الحديث: (كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة) (^٤). (^٥)\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٣/ ٤٦٨).\n(^٢) الاصطباغ: أن يجعل إداما للآكلين، انظر: تفسير السعدي ص ٥٤٩.\n(^٣) النكت والعيون (٤/ ٥٠).\n(^٤) أخرجه الحاكم في مستدركه - كتاب التفسير - باب تفسير سورة النور - حديث ٣٥٠٤ (٢/ ٤٣٢)، قال عنه الحاكم صحيح على شرط الشيخين.\n(^٥) التحرير والتنوير (١٨/ ٢٤).","vol":"1","page":262},{"text":"وممن أشار إلى ما استنبطه السمعاني أيضًا: البغوي، والقرطبي، والخازن، وابن جزي، والسعدي. (^١)\nوأضاف محمد أبو زهرة ما يعضد هذا الاستنباط، ببيان أن التنكير لهذه الشجرة، إنما يدل على فضلها، وكثرة خيراتها (^٢).\nوبهذا يظهر صحة استنباط السمعاني، إضافة إلى ما في هذه الشجرة المباركة من فضيلة، كون الربّ - سبحانه - قد أقسم بها، عند قوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ إضافة إلى العديد من الآيات التي خصص فيها هذه الشجرة عند وصفه - سبحانه - لألوان نعمه على خلقه، والعديد من نصوص السنة المطهرة في بيان فضلها - أيضًا - والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: معالم التنزيل (٨/ ٤٦٨)، والجامع لأحكام القرآن (١٢/ ١١٤)، ولباب التأويل (٣/ ٢٧٠)، والتسهيل لعلوم التنزيل (٣/ ٥٠)، وتفسير السعدي ص ٥٤٩، ومجلة البحوث الإسلامية، العدد ٧٥، من صفحة ٣٣٧ - ٣٤٠.\n(^٢) انظر: زهرة التفاسير (١/ ٥٠٥٩).","vol":"1","page":263},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>عظم ذنب الاستهزاء بالناس لكونه من كبائر الذنوب</span>.\nقال تعالى: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون ١١٠].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" وفي الآية دليل على أن الاستهزاء بالناس كبيرة\". (^١)\n\nالدراسة:\nلما وصف تعالى هؤلاء الكفار وبما بسببه عذبوا، وأبعدوا عن الخير، وهو ما عاملوا به المؤمنين من استهزاء وسخرية، استنبط السمعاني عظم الاستهزاء ووصفه بأنه من كبائر الذنوب، وذلك لأن الله أخسأهم، وأخلدهم في نار جهنم جرَّاء استهزائهم وسخريتهم.\nقال القرطبي: \" ويستفاد من هذا: التحذير من السخرية والاستهزاء بالضعفاء والمساكين والاحتقار لهم، والإزراء عليهم والاشتغال بهم فيما لا يغني، وأن ذلك مبعد من الله ﷿ \". (^٢)\nوممن أشار إلى ذلك أيضا: شيخ الإسلام، وابن القيم، وابن عادل الحنبلي، والألوسي، والسعدي، وابن عاشور. (^٣)\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٣/ ٤٩٣).\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن (١٢/ ١٥٤).\n(^٣) انظر: مجموع الفتاوى (١٥/ ٤٨)، وإعلام الموقعين (٣/ ٦٣)، واللباب في علوم الكتاب (١/ ٣٧٨٨)، وروح المعاني (٩/ ٢٦٧)، وتفسير السعدي ص ٥٦٠، والتحرير والتنوير (١٨/ ١٠٤).","vol":"1","page":264},{"text":"ولا يخفى على ذي لب وعقل أن الاستهزاء بشيء مما جاء به محمدٌ ﷺ أو بأصحابه سبب لحبوط العمل، وهو من نواقض الإسلام المتفق عليها، يؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ فعاقبهم الله بأن وصفهم بالكفر الموجب للخلود جراء استهزائهم. (^١)\n_________\n(^١) للاستزادة انظر: مجموع الفتاوى (١٥/ ٤٨)، وإعلام الموقعين (٣/ ٦٣)، وإعانة المستفيد (٢/ ١٩٠)، ومجلة البحوث الإسلامية، العدد ٣٢، من صفحة ٣٣٧ - ٣٤٠.","vol":"1","page":265},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-145>البدأ بذكر الزانية قبل الزاني عند ذكر حدهما لئلا يرق عليهن عند الحد أو لأن الشهوة عندهن أكثر</span>.\nقال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور ٢].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" إنما بدأ بالمرأة، لأن رقة القلب عليهن أكثر، فبدأ بهن لئلا يترك إقامة الحد عليها، ويكون أمرها لهم، ومنهم من قال: لأن الشهوة فيهن أكثر، والزنا نتيجة الشهوة وهذا قول حسن \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من هذه الآية استنباطين، وذلك في سبب تقديم خبر حد الزانية على حد الزاني، وذكر أن في ذلك سرًّا، ثم ساق - ﵀ - أسباب تقديم الزانية على الزاني على قولين، وحسَّن القول الثاني وارتضاه.\nالقول الأول: ذكر أن سبب تقديم حكم الحد للمرأة قبل الرجل، أن المرأة يشفق عليها، ويرفق بها، فيرق القلب لضعفها أمام هذا الحد الصعب.\nوقد وافق السمعاني على هذا بعض المفسرين، قال صاحب زهرة التفاسير: \" ونقول في تعليل ذلك - أي تقديم الزانية على الزاني - أن العقوبة قاسية، وقد قدمت المرأة لكيلا يمتنع أحد عن إقامة الحد بدعوى ضعفها، والشفقة عليها والرفق بها، لأنها من القوارير\". (^٢)\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٣/ ٤٩٨).\n(^٢) زهرة التفاسير (١/ ٥١٣٨).","vol":"1","page":266},{"text":"القول الثاني: وهذا القول هو الذي ارتضاه السمعاني، وحسنه، وهو أن سبب تقديم المرأة على الرجل أن المرأة تكون فيها الشهوة أكثر من الرجل فلهذا ابتدأ بها حتى ترتدع.\nوقد وافق السمعاني على هذا جمع من المفسرين مع زيادة بعضهم أن المرأة هي التي بيدها الحل والربط في تمكين الرجل منها أو عدمه، من تعرضها له، قال السمرقندي: \"بدأ بالنساء، لأن الزنى في النساء أكثر، وهنَّ الفاتنات للرجال \" (^١). وقال في موضع آخر: \" إنما بدأ بالمرأة، لأنها أحرص على الزنى من الرجال، ويقال: لأن الفعل ينتهي إليها، ولا يكون إلا برضاها \". (^٢)\nوقد أشار إلى ذلك من المفسرين: الماوردي، وابن العربي، وابن عطية، والزمخشري، والبيضاوي، والنسفي، وابن جزي، وابن عاشور، وغيرهم. (^٣)\nومما سبق يتبين أنه لا منافاة بين ما استنبط، فالمرأة ضعيفة بحيث أنه قد يرق عليها عند إقامة الحد عليها، وأيضا تعرضها للرجل أكثر لكون شهوتها أشد فلهذا قدمت على الرجل، والله أعلم.\nوقد ذكر ابن القيم أيضا أوجها أخرى في سبب تقديم المرأة على الرجل غير ما ذكر قال ﵀: \" وهذا في غاية المناسبة - أي تقديم الزانية على الزاني- لأن الزنى من المرأة أقبح منه بالرجل، لأنها تزيد على هتك حق الله إفسادَ فراش بعلها، وتعليق نسب من غيره عليه، وفضيحة أهلها وأقاربها والجناية على محض حق\n_________\n(^١) بحر العلوم (١/ ٤٧٣).\n(^٢) بحر العلوم (٣/ ١٩٦).\n(^٣) انظر: النكت والعيون (٤/ ٧١)، وأحكام القرآن لابن العربي (٥/ ٤٨٠)، والمحرر الوجيز (٥/ ٤٦)، والكشاف (٣/ ٢١٢)، وأنوار التنزيل (٤/ ١٧٢)، ومدارك التنزيل (١/ ٢٨٧)، والتسهيل لعلوم التنزيل (٣/ ٥٨)، والتحرير والتنوير (١٨/ ١١٨).","vol":"1","page":267},{"text":"الزوج وخيانته فيه وإسقاط حرمته عند الناس، وتعييره بإمساك البغي، وغير ذلك من مفاسد زناها، فكان البدأ بها في الحد أهم \" (^١).\nوبالاستنباطات التي ذكرها السمعاني وأيدها المفسرون من بعده ومن قبله، والاستنباطات الأخرى التي ذكرها بعض المفسرين، تبيَّن من بعد ذلك سلامة استنباط السمعاني، والله أعلم.\n_________\n(^١) زاد المعاد (٥/ ٣٧٧)، وقد ذكر بعض المفسرين أيضا أن المرأة أعر وأشنع بحملها لولد الزنى دون الرجل، انظر: أحكام القرآن لابن العربي (٥/ ٤٨٠)، والمحرر الوجيز (٥/ ٤٦)، وفتح القدير (٥/ ١٨٣).","vol":"1","page":268},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-146>وجوب إجابة دعوة القاضي عند الحكم بين المتخاصمين</span>.\nقال تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [النور ٤٨ - ٥٠]\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" والآية تدل على أن القاضي إذا دعا إنسان ليحكم بينه وبين خصمه، وجبت عليه الإجابة \". (^١)\n\nالدراسة:\nلما ذم الله هؤلاء الظالمين عند إعراضهم عن حكم الله ورسوله بأقبح الصفات وأشنعها، استنبط السمعاني أنه يجب على من دعي للحكم بينه وبين خصمه الذي طلبه عن طريق القاضي، أو الحاكم، أو غيره، أن يستجيب ولا يتردد أو يرفض.\nقال ابن العربي عند تفسيره لهذه الآية: \" هذه الآية دليل على وجوب إجابة الدعوى إلى الحاكم، لأن الله سبحانه ذم من دعي إلى رسول الله ليحكم بينه وبين خصمه فلم يجب بأقبح المذمة \". (^٢)\nوممن ذكر ذلك وأغلظ في عظيم هذا الفعل، وهذا الصنيع، من عدم الإجابة عند دعوة القاضي، أو الحاكم، أو الخصم، ليصل الحق لصاحبه، من الفقهاء والمفسرين أيضا: الجصاص، والكيا الهراسي، والبغوي، والقرطبي، وأبو حيان، والخازن، والشوكاني. (^٣)\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٣/ ٥٤٨).\n(^٢) أحكام القرآن لابن العربي (٦/ ١٠٤).\n(^٣) انظر: أحكام القرآن للجصاص (٥/ ١٨٩)، وأحكام القرآن للكيا الهراسي (٤/ ٣٢٠)، ومعالم التنزيل (٦/ ٥٦)، والجامع لأحكام القرآن (١٢/ ٢٩٣)، والبحر المحيط (٣/ ٨٢)، ولباب التأويل (٣/ ٣٠٢)، وفتح القدير (٥/ ٢٣٧).","vol":"1","page":269},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>تخصيص الأوقات الثلاثة بالاستئذان لتكشف الناس فيها</span>.\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ﴾ [النور ٥٨]\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" خص هذه الأوقات الثلاثة بالأمر بالاستئذان، لأنها أوقات ينكشف فيها الناس، ويبدو منهم ما لا يحبون أن يراه أحد، فإن قبل الفجر ينتبهون من النوم فينكشفون، وعند الظهيرة يلقون ثيابهم ليقيلوا، وبعد العشاء الأخير ينكشفون للنوم، فأمر الله تعالى بالاستئذان في هذه الأوقات الثلاثة لهذا المعنى\". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من هذه الآية الحكمة من تخصيص وقت ما قبل صلاة الفجر، ووقت الظهيرة، ووقت ما بعد صلاة العشاء دون غيرها حال الاستئذان من الصبيان والعبيد، وذلك لأنها ساعات الخلوة ووضع الثياب، وربما يبدو من الإنسان ما لا يحب أن يراه فيه أحد.\nقال البقاعي: \" وخص هذه الأوقات لأنها ساعات الخلوة، ووضع الثياب، وأثبت \"من\" في الموضعين - أي ما بعد صلاة الفجر وبعد صلاة العشاء - دلالة\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٣/ ٥٤٦).","vol":"1","page":270},{"text":"على قرب الزمن من الوقت المذكور لضبطه، وأسقطها في الأوسط دلالة على استغراقه لأنه غير منضبط - أي وقت الظهيرة - \". (^١)\nوممن أشار إلى ذلك من المفسرين: الثعلبي، والكيا الهراسي، وابن العربي، والبغوي، والخازن، وابن جزي، ومحمد أبو زهرة. (^٢)\nفيتضح بعد ذلك وجاهة وسلامة استنباط السمعاني، والله أعلم.\n_________\n(^١) نظم الدرر (٥/ ٢٨٢)\n(^٢) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (٦/ ١١٤)، وأحكام القرآن للكيا الهراسي (٤/ ٣٢١)، والكشف والبيان (٧/ ١١٦)، ومعالم التنزيل (٦/ ٦٠)، ولباب التأويل (٣/ ٣٠٤)، والتسهيل لعلوم التنزيل (٣/ ٧١)، وزهرة التفاسير (١/ ٥٢٢٥).","vol":"1","page":271},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>استعمال الأدب في نسبة ابراهيم ﵇ المرض لنفسه، ونسبة الشفاء إلى الله</span>.\nقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء ٨٠]\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ﴾ هو استعمال أدب، وإلا فالممرض والشافي هو الله تعالى بإجماع أهل الدين \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من هذه الآية، الأدب في الخطاب، وذلك بدلالة ما اطرد من أسلوب وفصاحة القرآن، عندما أسند الله على لسان نبيه إبراهيم ﵇ المرض إلى نفسه، وأسند فعل الشفاء إلى الله، قال ابن كثير: \" أسند المرض إلى نفسه، وإن كان عن قدر الله وقضائه وخلقه، ولكن أضافه إلى نفسه أدبا \". (^٢)\nوقال الزركشي: \" فأسند الفعل قبل وبعد إلى الله وأسند المرض إلى نفسه إذ هو معنى نقص ومعابة وليس من جنس النعم المتقدمة وهذا النوع مطرد في فصاحة القرآن كثيرا \". (^٣)\nوقد ذكر ابن القيم هذا الاستنباط، وساق بعضا من نظائره الكثيرة في القرآن، والتي مصبها كلها يدور حول حفظ الأدب مع الله. (^٤)\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٤/ ٥٣).\n(^٢) تفسير القرآن العظيم (٦/ ١٤٦).\n(^٣) البرهان في علوم القرآن (٤/ ٦٠).\n(^٤) انظر: بدائع الفوائد (٢/ ٢٥٦)، ومدارج السالكين (٢/ ٣٨٠)، وممن ذكر بعضا من هذه النظائر: القرطبي في تفسيره (١١/ ٣٩)، وابن كثير في تفسيره أيضا (٦/ ١٤٦).","vol":"1","page":272},{"text":"وقد أشار إلى هذا الاستنباط أيضا: البغوي، والبيضاوي، وابن جزي، والبقاعي، وأبو السعود، والشنقيطي، وغيرهم كثير. (^١)\n_________\n(^١) انظر: معالم التنزيل (٦/ ١١٨)، وأنوار التنزيل (٤/ ٢٤٢)، والتسهيل لعلوم التنزيل (٣/ ٨٧)، ونظم الدرر (٥/ ٣٦٨)، وإرشاد العقل السليم (٤/ ١٠١)، وأضواء البيان (٨/ ٥٧)، وقد زاد الرازي على هذا الاستنباط أن من أسباب نسب المرض إلى العبد، والشفاء إلى الله أن كثيرا من أسباب المرض تحدث بتفريط من الإنسان، سواء في مطاعمه، أو مشاربه، أو لما يتعرضه جسمه مما قد يضر بصحته فيمرضه، ونسب الشفاء إلى الله، لأنه سبحانه الذي يسكن ما آلم، ويحفظ كل عضو هو في صحة ويجعله معتدلا. انظر: مفاتيح الغيب (٢٤/ ٥١٢) وانظر أيضا: التحرير والتنوير (١٩/ ١٥٢).","vol":"1","page":273},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>إتيان موسى ﵇ بما يصطلون أهله به دليل أنهم في زمن الشتاء</span>.\nقال تعالى: ﴿أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [النمل ٧].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ فيه دليل على أنهم كانوا شاتين، وإنه أصابه البرد، والعرب تقول: هلم إلى الصلى والقرى \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من ظاهر الآية، أن موسى وأهله قد أصابهم البرد كونهم في فصل الشتاء، ووجه الدلالة ذهاب موسى ﵇ ليأتي أهله بما يتوقدون، ويصطلون به من النار، ليتقوا به من هذا البرد، قال الرازي: \" وذلك يدل على حاجة بهم إلى الاصطلاء وحينئذ لا يكون كذلك إلا في حال برد \". (^٢)\nوممن أشار إلى ذلك من المفسرين: البغوي، وابن كثير، والسيوطي، والألوسي. (^٣)\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٤/ ٧٨).\n(^٢) مفاتيح الغيب (٢٤/ ١٥٦).\n(^٣) انظر: معالم التنزيل (٦/ ١٤٤)، وتفسير القرآن العظيم (٥/ ٢٧٦)، والدر المنثور (١١/ ٤٦١)، وروح المعاني (١٠/ ٢٨١).","vol":"1","page":274},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>كراهية قتل النمل</span>.\nقال تعالى: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل ١٨]\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" وقوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ في الآية دليل على أن النمل يكره قتلها\". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من اعتذار النملة لسليمان وجنوده حين أخبرت بأحسن ما تقدر عليه بأن سليمان ﵇ وجنوده لا يشعرون إن حطموكم، ولا يفعلون ذلك عن عمد منهم، ونفيها عنهم تسلطهم عليهم، بأنه ينهى عن قتل النمل. ووجه الاستنباط هنا، أن النملة نفت الجور عن سليمان والعمد على قتلهم ما لو قدر ذلك، بقولها ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ فثبت من ذلك أنه منهي عن قتل النمل لو كانوا يشعرون ويعلمون، وذلك لعدم وجود الأذى من النمل، وإنما كانوا في طريقه ﵇.\nقال ابن عاشور: \" .. وأنها قالت ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ فوسمته وجنده بالصلاح والرأفة وأنهم لا يقتلون ما فيه روح لغير مصلحة، وهذا تنويه برأفته وعدله الشامل بكل مخلوق لا فساد منه أجراه الله على نملة ليعلم شرف العدل ولا يحتقر مواضعه\". (^٢)\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٤/ ٨٦).\n(^٢) التحرير والتنوير (١٩/ ٢٤٠). وانظر: الكشف والبيان (٧/ ١٩٨)، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (٦/ ١٨٨)، والدر المنثور (٩/ ٧٧)، وغرائب القرآن (٥/ ٣٠٠).","vol":"1","page":275},{"text":"وقد اتفق العلماء من الفقهاء والمفسرين على عدم جواز قتل النمل لما استنبط من هذه الآية ولما ورد في الصحيح من حديث أبي هريرة: \" أن النبي ﷺ نهى عن قتل أربع من الدواب: الهدهد، والصرد، (^١) والنملة، والنحلة (^٢) \". (^٣)\nوذلك النهي يتحقق في حال كون النمل وغيره من الحشرات لم يصدر منها أذى، لكن أجاز العلماء قتل النمل لو كان يبدر منه أذى من قرص أو إتلاف لطعام أو ملابس أو غير ذلك من أنواع الأذى المعروف.\nقال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ حينما سئل عن قتل بعض الحشرات وذكر منها النمل فأجاب ﵀ بقوله: \" هذه الحشرات إذا حصل منها الأذى تقتل لكن بغير النار من أنواع المبيدات. لقول النبي ﷺ: (خمس من الدواب كلهن فواسق يقتلن في الحل والحرم الغراب والحدأة والفأرة والعقرب والكلب العقور) (^٤) يدل على شرعية قتل هذه الأشياء المذكورة وما في معناها من المؤذيات كالنمل والصراصير والبعوض والذباب والسباع دفعا لأذاها، أما إذا\n_________\n(^١) الصرد: هو طائر ضخم الرأس والمنقار له ريش عظيم نصفه أبيض ونصفه أسود. انظر: عون المعبود (١٤/ ١١٩). والتيسير بشرح الجامع الصغير للمناوي (٢/ ٩١٧).\n(^٢) رواه ابن حبان في صحيحه - كتاب الحظر والإباحة - باب قتل الحيوان وغيره - حديث ٥٦٤٦ (١٢/ ٤٦٢)، قال شعيب الأرنؤوط حديث صحيح، انظر: المصدر السابق.\n(^٣) انظر: شرح السنة للبغوي (١٢/ ١٩٨)، وشرح عمدة الفقه لشيخ الإسلام (٣/ ١٤٨)، وشرح النووي عل مسلم (١٤/ ٢٣٩)، ونيل الأوطار للشوكاني (٨/ ١٩٩)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٣/ ١٧٢)، وأضواء البيان للشنقيطي (١/ ٥٤١).\n(^٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحج، باب ما يقتل المحرم من الدواب، حديث رقم ١٧٣١، (٢/ ٦٤٩).","vol":"1","page":276},{"text":"كان النمل لا يؤذي فإنه لا يقتل، لأن النبي ﷺ نهى عن قتل النملة والنحلة والهدهد والصرد، وذلك إذا لم يؤذ شيء منها. أما إذا حصل منه أذى فإنه يلحق بالخمس المذكورة في الحديث. والله ولي التوفيق. \" (^١)\nيخلص الأمر على سلامة ما استنبطه السمعاني، من كراهة وعدم جواز قتل النمل لنص النهي الوارد عن النبي ﷺ، ولأن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يجد ما يخالفه، بل ما أثر عن النبي ﷺ يؤيد ذلك ويقويه.\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن باز (٧/ ١٤٥). وقد ذكر هذا الحكم شيخ الإسلام في شرحه لعمدة الفقه (٣/ ١٤٨)، والقرطبي في تفسيره للآية المستنبط منها (١٣/ ١٧٢).","vol":"1","page":277},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>وجوب تثبت الإنسان فيما يخبر به</span>.\nقال تعالى: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل ٢٧].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" قوله تعالى: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فيه دليل على أن الملوك يجب عليهم التثبت فيما يخبرون به \". (^١)\n\nالدراسة:\nلما كان من سيدنا سليمان ﵇ من عدم استعجاله في تصديق الهدهد أو تكذيبه، في خبره عن ملكة سبأ وقومها أنهم يعبدون غير الله، بسجودهم للشمس من دون الله، استنبط السمعاني ﵀ أن في ذلك دلالة على أنه يجب التثبت والتأمل عندما يخبر الإنسان بأي خبر، فلا يستعجل في تصديق أو تكذيب، وقد ذكر السمعاني الملوك هنا لمناسبة السياق والتي كانت تدور حول سيدنا الملك سليمان ﵇، وإلا فإنه يقاس وجوب التثبت من كل أحد.\nقال حقي: \" وفيه دليل على أن لا يطرح بل يجب أن يتعرف هل هو صدق أو كذب فإن ظهرت أمارات صدقه قبل وإلا لم يقبل \". (^٢)\nوممن أشار إلى ذلك من المفسرين أيضًا: الزمخشري، والنسفي، والشنقيطي، وابن عاشور. (^٣)\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٤/ ٩١).\n(^٢) روح البيان (٦/ ٢٤٨).\n(^٣) انظر: الكشاف (٣/ ٣٦٣)، ومدارك التنزيل (٣/ ٦)، وأضواء البيان (٨/ ٤٢٨)، والتحرير والتنوير (١٩/ ٢٤٦).","vol":"1","page":278},{"text":"وقد ذكر الزركشي استنباطًا لطيفًا آخر، يحوي الأدب في الخطاب، وذلك من جهة تقديم الصدق وإفراده للهدهد على جملة الكذابين ودمجه معهم في حال كونه غير صادق، قال: \" خاطبه بمقدمة الصدق مواجهة ولم يقدم الكذب لأنه متى أمكن حمل الخبر على الصدق لا يعدل عنه، ومتى كان يحتمل ويحتمل، قدم الصدق ثم لم يواجهه بالكذب، بل أدمجه في جملة الكذابين، أدبًا في الخطاب \". (^١)\n_________\n(^١) البرهان في علوم القرآن (٤/ ٦٣).","vol":"1","page":279},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-152>تخصيص حال المضطر دون سواه لشدة خضوعه ورغبته في إجابة الدعاء</span>.\nقال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل ٦٢]\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ إنما ذكر المضطر (^١)، وإن كان يجيب دعاء المضطر وغير المضطر، لأن رغبة المضطر أقوى، ودعاؤه أخضع \". (^٢)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من تخصيص المضطر دون غيره من السائلين عند إجابة الدعاء له، لكون المضطر أحوج للإجابة، ورغبته أقوى رجاء تحصيلها، ودعاؤه قد حوى الخشوع والخضوع وحضور القلب.\nقال القرطبي: \" ضمن الله تعالى إجابة المضطر إذا دعاه، وأخبر بذلك عن نفسه، والسبب في ذلك أن الضرورة إليه باللجأ ينشأ عن الإخلاص، وقطع القلب عما سواه، وللإخلاص عنده سبحانه موقع وذمة، وجد من مؤمن أو كافر، طائع أو فاجر \". (^٣)\n_________\n(^١) المضطر: اسم مفعول من الاضطرار، وهو المكروب المجهود الذي لا حول له، ولا قوة، ألجأته الحالة المحوجة إلى الأشياء العسرة الحصول. انظر: مدارك التنزيل للنسفي (٣/ ١٨)، فتح القدير للشوكاني (٥/ ٣٧٠)، التحرير والتنوير لابن عاشور (١٩/ ٢٨٨).\n(^٢) تفسير السمعاني (٤/ ١٠٩).\n(^٣) الجامع لأحكام القرآن (١٣/ ٢٢٣).","vol":"1","page":280},{"text":"وممن أشار إلى ذلك من المفسرين أيضا: الماوردي. (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>جواز موافقة الهوى للحق</span>.\nقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص ٥٠]\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" وفي الآية دلالة على أنه يجوز أن يكون الهوى (^٢) موافقًا للحق، وإن كان نادرًا \". (^٣)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من تقييد إتباع الهوى المسبب للضلال حال كون الهوى على غير هدى من الله، بأن هذا يدل على أنه قد يكون الهوى أحيانًا موافقًا للحق، لأن الله قيَّد في الآية ونسب الضلال عندما يكون الهوى على غير الهدى، وقد كان استنباط السمعاني بدلالة مفهوم المخالفة من نوع الاشتراط.\n_________\n(^١) ذكر الماوردي هذا الاستنباط وزاد عليه، قال ﵀: \" وإنما خص إجابة المضطر لأمرين: أحدهما: لأن رغبته أقوى وسؤاله أخضع، والثاني: لأن إجابته أعم وأعظم لأنها تتضمن كشف بلوى وإسداء نعمى \". النكت والعيون (٤/ ٢٢٢).\n(^٢) الهوى: ميل النفس إلى الشهوة. ويقال ذلك للنفس المائلة إلى الشهوة، وقيل: سمي بذلك لأنه يهوي بصاحبه في الدنيا إلى كل داهية، وفي الآخرة إلى الهاوية. انظر: مفردات القرآن للراغب الأصفهاني (١/ ٨٤٩).\n(^٣) تفسير السمعاني (٤/ ١٤٦).","vol":"1","page":281},{"text":"الموافقون:\nوافق السمعاني بعض المفسرين، على القول بأن سبب تقييد إتباع الهوى بأنه يكون على غير هدى من الله أن في ذلك احتراز في أنه يكون الهوى في بعض الأحيان موافقًا للحق.\nقال الألوسي: \" وتقييد الإتباع للاحتراز عما يكون فيه هدى منه تعالى فإن الإنسان قد يتبع هواه ويوافق الحق \". (^١)\n\nوممن ذكر ذلك من المفسرين: البيضاوي، والشربيني. (^٢)\nالمخالفون:\nخالف السمعاني بعض المفسرين على من قال أنه قد يكون هناك هوى موافقا للحق، وقالوا أن هذا يستحال أبدا، وذكروا بأن ما ورد في الآية من التقييد إنما هو على سبيل التقريع والتشنيع، وإلا فليس ذلك دالا على وجود هوى موافق لهداية الله.\nقال أبو السعود: \" وتقييد إتباع الهوى بعدم الهدى من الله لزيادة التقريع والإشباع في التشنيع والتضليل وإلا فمقارنته لهدايته تعالى بينة الاستحالة \". (^٣)\nوممن أشار إلى ذلك وأيده: القرطبي، وابن عاشور. (^٤)\n_________\n(^١) روح المعاني (١٠/ ٣٠٠).\n(^٢) انظر: أنوار التنزيل (٤/ ٢٩٧)، والسراج المنير (٣/ ١٠٤).\n(^٣) إرشاد العقل السليم (٥/ ٢٣٧).\n(^٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٦/ ١٦٧)، والتحرير والتنوير (٢١/ ٤٦)، وروح البيان (٦/ ٢٩٩).","vol":"1","page":282},{"text":"النتيجة:\nيخلص الأمر على سلامة استنباط السمعاني بدلالة الآية المستنبط منها هذا الاستنباط، وبما دلت عليه بعض النصوص الشرعية، فالآية تدل على ماهية الحالة التي يكون فيها الهوى ضالا وهو متى ما كان مخالفا للحق والهدى، وأما القائلون بأن الهوى لا يوافق الحق فيرد عليهم بما ورد في الأثر من حديث عبد الله ابن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به) (^١). فذلك من أقوى الأدلة على جواز أن يكون الهوى موافقا للحق متى ما كان على هدي الله وهدي نبيه ﷺ، والله أعلم.\n_________\n(^١) الأربعين للطوسي (١/ ٥١) - باب التشديد في مخالفة السنة، قال عنه ابن رجب حديث حسن صحيح، انظر: جامع العلوم والحكم (١/ ٣٨٦).","vol":"1","page":283},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-154>تخصيص أوقات التسبيح فيه إشارة إلى الصلوات الخمس</span>.\nقال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم ١٧ - ١٨].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" وفي الآية إشارة إلى أوقات الصلاة الخمس، فقوله: ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ إشارة إلى صلاة المغرب والعشاء، وقوله: ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ إشارة إلى صلاة الصبح، وقوله: ﴿وَعَشِيًّا﴾ إشارة إلى صلاة العصر. وقوله: ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ إشارة إلى صلاة الظهر \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من هذه الآيات التي نزه الله نفسه فيها، أن فيها إشارة إلى الصلوات الخمس حيث أن تنزيهه لذاته في المساء قد شمل صلاتي المغرب والعشاء، وتنزيهه لذاته في وقت الصبح قد شمل صلاة الصبح، وتنزيهه لذاته وقت العشي شمل صلاة العصر، وتنزيهه لذاته وقت الإظهار يشمل صلاة الظهر.\nوقد أشار بعض المفسرين إلى ذلك قال ابن عاشور: \" وقوله: ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ إلى آخره إشارة إلى أوقات الصلوات وهو يقتضي أن يكون الخطاب موجها إلى المؤمنين\" (^٢)، ويتبين - والله أعلم - أن المناسبة مع سابقها - وعده للمؤمنين أنهم\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٤/ ٢٠٣).\n(^٢) التحرير والتنوير (٢١/ ٢٨).","vol":"1","page":284},{"text":"في روضة يحبرون - أنه لما وعدهم بحسن مصيرهم لقنهم شكر نعمة الله بإقامة الصلاة في أجزاء اليوم والليلة.\nوممن أشار إلى استنباط السمعاني من المفسرين: الطبري، والماوردي، والكيا الهراسي، وابن عطية، وابن الجوزي، والسعدي، وغيرهم. (^١)\nبيد أن الرازي ذكر أن التسبيح في الآية قد يكون على ظاهره وأن المراد به تنزيهه سبحانه وقد ذكر عين ما استنبطه السمعاني ولم يخالفه، بل قوى القول بالتنزيه (^٢)، والصحيح أنه ليس هناك ثمة مشاحة، فالصلاة كلها تنزيه لذاته سبحانه، وما في قراءة سورة الفاتحة في الصلاة، وأداء ركني الركوع والسجود، وما يقال فيها من التسبيح والثناء للذات الإلهية، إلا هو عين التنزيه، وأيضا مما يقوي استنباط السمعاني، كون هذه الآيات نزلت بالمدينة، مع أن السورة مكية (^٣)، وفي المدينة فرضت الصلاة، وأيضا ما ورد في الأثر: \" أن ابن عباس ﵄ لما سأله نافع بن الأزرق (^٤): هل تجد الصلوات الخمس في القرآن قال: نعم، فقرأ ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ صلاة المغرب ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ صلاة الصبح ﴿وَعَشِيًّا﴾ صلاة العصر ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ صلاة الظهر وقرأ (ومن بعد صلاة العشاء) \". (^٥) والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: جامع البيان (٢٠/ ٨٣)، والنكت والعيون (٤/ ٣٠٣)، وأحكام القرآن للكيا الهراسي (٢/ ٤٩٧)، والمحرر الوجيز (٥/ ٢٤٦)، وزاد المسير (٥/ ٩٣)، وتفسير السعدي ص ٦٣٨.\n(^٢) انظر: مفاتيح الغيب (٢٥/ ٨٦).\n(^٣) انظر: أضواء البيان للشنقيطي (٦/ ١٧٢)، وروح المعاني للألوسي (١١/ ٢٩).\n(^٤) هو: نافع بن الأزرق بن قيس الحنفي، البكري الوائلي، الحروري، أبو راشد، رأس الازارقة، وإليه نسبتهم، كان أمير قومه وفقيههم، من أهل البصرة، صحب في أول أمره عبد الله بن عباس، وكان نافع هذا من رؤوس الخوارج، وكان قد خرج في أواخر دولة يزيد بن معاوية، توفي سنة ٦٥ هـ. انظر: الثقات لابن حبان (٥/ ٤٦٩)، ولسان الميزان (٦/ ١٤٤)، والأعلام (٧/ ٣٥١).\n(^٥) أخرجه الحاكم في مستدركه - كتاب التفسير - باب تفسير سورة الروم - حديث ٣٥٤١ (٢/ ٤٤٥)، وحكم عليه بأنه حديث صحيح على شرط الشيخين، وانظر: مصنف عبد الرزاق (٤٥٤).","vol":"1","page":285},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>تخصيص أولو العزم لأنهم كانوا هم أصحاب الشرائع</span>.\nقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب ٧].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" وخص هؤلاء لأنهم كانوا أصحاب الشرائع وهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى ابن مريم، ومحمد \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من سبب تخصيص الأنبياء الخمسة ﵈ (محمد، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى) في هذه الآية، لكونهم أصحاب الشرائع، ولا يخفى أن هؤلاء الرسل ﵈ هم أولو العزم (^٢) من الرسل، وإن كان من غير هؤلاء الخمسة رسل أتوا بشرائع، إلا أن أولو العزم هؤلاء هم مشاهير أرباب الشرائع.\nومما لا شك فيه أن هذه الخصلة جعلت لهم مزيد فضل وشرف، قال الشوكاني: \"ووجه تخصيصهم بالذكر الإعلام بأن لهم مزيد شرف وفضل، لكونهم من أصحاب الشرائع المشهورة ومن أولي العزم من الرسل \". (^٣)\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٤/ ٢٦١).\n(^٢) أولو العزم: هم أصحاب الجد والحزم والصبر على الشدائد والبلاء. انظر: النكت والعيون للماوردي (٥/ ٢٨٨)، والكشاف للزمخشري (٤/ ٣١٣)، ومعالم التنزيل للبغوي (٧/ ٢٧١).\n(^٣) وقد ذكر الرازي قولا لا يخالف الاستنباط السابق، بل ذكر بعض جزئيات من سبب شهرة هذه الشرائع، وبين أن السبب في تخصيص الأربعة مع نبينا ﷺ لكون كلهم له ارتباط بهذه الأمة، أمة نبينا ﵊ قال: \" وخص بالذكر أربعة من الأنبياء وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى لأن موسى وعيسى كان لهما في زمان نبينا قوم وأمة فذكرهما احتجاجا على قومهما، وإبراهيم كان العرب يقولون بفضله وكانوا يتبعونه في الشعائر بعضها، ونوحا لأنه كان أصلا ثانيا للناس حيث وجد الخلق منه بعد الطوفان، وعلى هذا لو قال قائل فآدم كان أولى بالذكر من نوح فنقول خلق آدم كان للعمارة ونبوته كانت مثل الإرشاد للأولاد ولهذا لم يكن في زمانه إهلاك قوم ولا تعذيب، وأما نوح فكان مخلوقا للنبوة وأرسل للإنذار ولهذا أهلك قومه وأغرقوا \". انظر مفاتيح الغيب (٢٥/ ١٥٩).","vol":"1","page":286},{"text":"وقد أشار إلى هذا الاستنباط جل المفسرين أمثال: الثعلبي، والبغوي، وأبو حيان، والبيضاوي، والخازن، والشنقيطي. (^١)\nوقد استنبط من هذه الآية أيضًا أن سبب تقديم رسولنا ﷺ على سائر الأربعة مع تقدمهم عليه في الرسالة، أن في ذلك تعظيمًا وتشريفًا له، وتكريمًا لشأنه، ﵊، قال ابن كثير: \" بدأ بالخاتم لشرفه صلوات الله عليه، وبيانا لعظم مكانته، ثم رتبهم بحسب وجودهم في الزمان \". (^٢) وممن قال بذلك أيضًا: البيضاوي، وأبو السعود، والشوكاني. (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>عدم جواز الطلاق قبل النكاح لدلالة الترتيب</span>.\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب ٤٩].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" في الآية دليل على أن الطلاق لا يجوز قبل النكاح؛ لأنه رتب الطلاق على النكاح فدل على أنه لا يتقدمه \". (^٤)\n_________\n(^١) انظر: الكشف والبيان (٨/ ١٠)، ومعالم التنزيل (٦/ ٣٢٠)، والبحر المحيط (٨/ ٤٥٥)، وأنوار التنزيل (٤/ ٣٦٥)، ولباب التأويل (٣/ ٤١٠)، وأضواء البيان (٦/ ٢٣٣).\n(^٢) تفسير القرآن العظيم (٦/ ٣٨٢).\n(^٣) انظر: أنوار التنزيل (٤/ ٣٦٥)، وإرشاد العقل السليم (٥/ ٣٢٠)، وفتح القدير (٦/ ٢١).\n(^٤) تفسير السمعاني (٤/ ٢٩٤).","vol":"1","page":287},{"text":"الدراسة:\nلما رتب الرب سبحانه الطلاق بعد النكاح، استنبط السمعاني بدلالة الالتزام أنه لا يكون هناك طلاق بدون نكاح، لأن يلزم من الطلاق وجود النكاح وذلك لعلة الترتيب والتراخي في الآية.\nالموافقون:\nوافق السمعاني على هذا الاستنباط الفقهي أكثر الفقهاء المفسرين بل هو منقول عن الإمامين الشافعي، وأحمد بن حنبل، وجمهور السلف (^١)، بل وزادوا التعيين، بحيث لو عين امرأة قبل نكاحها بأن يطلقها لم يقع هذا الطلاق، فضلا أن يقول لو تزوجت أي امرأة فهي طالق.\nقال السعدي: \"ويستدل بهذه الآية، على أن الطلاق، لا يكون إلا بعد النكاح، فلو طلقها قبل أن ينكحها، أو علق طلاقها على نكاحها، لم يقع، لقوله: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ فجعل الطلاق بعد النكاح، فدل على أنه قبل ذلك، لا محل له\". (^٢)\nوممن ذكر هذا الاستنباط الفقهي من قبل السعدي: الشافعي، والقرطبي، وابن القيم، وابن كثير، والعثيمين. (^٣)\n\nالمخالفون:\nخالف مالك وأبو حنيفة في القول بعدم وقوع الطلاق، وقالوا أنه يقع الطلاق حتى لو لم يكن هناك نكاح بعد، وحجتهم الدلالة الظاهرة في قول القائل:\n_________\n(^١) انظر أحكام القرآن للشافعي (١/ ١٣٠)، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (٦/ ٤٤٠).\n(^٢) تفسير السعدي ص ٦٦٨.\n(^٣) انظر: أحكام القرآن للشافعي (١/ ١٣٠)، والجامع لأحكام القرآن (١٤/ ٢٠٢)، وإعلام الموقعين (٤/ ١١٦)، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (٦/ ٤٤٠)، وتفسير القرآن العظيم لابن عثيمين (٥/ ٧٨).","vol":"1","page":288},{"text":"إن تزوجت فلانة فهي طالق، وقالوا بوقوع الطلاق، لأنه ألزم على نفسه الطلاق شريطة النكاح. وقد ذكر الجصاص في أحكامه هذا القول، وقال بأن قوله، والقائلين به هو الصحيح، وأنكر القول المخالف له. (^١)\n\nالنتيجة:\nما ذهب إليه السمعاني، والموافقون له من قبله، ومن بعده، من أن تعليق الطلاق قبل النكاح لا يصح، وهذا هو الصحيح لما دلت عليه الآية التي اقتضت التراخي للطلاق بعد النكاح، ولما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (لا طلاق إلا فيما تملك ولا عتق إلا فيما تملك ولا بيع إلا فيما تملك) (^٢)، ولما أثر عن ابن عباس ﵄: أنه تلا قول الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، ثم قال: فلا يكون طلاق حتى يكون نكاح\" (^٣). وهذان الحديثان بذاتهما يبطلان قول المخالف الذي ليس له أساس ولا دليل، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: أحكام القرآن للجصاص (٥/ ٢٣٢)، وقد اختلف مالك وأبو حنيفة فيمن يقع عليه الطلاق، فقال مالك: لا يقع الطلاق إلا على من عينت، وخالفه أبو حنيفة بقوله أنه لو قال: \" كل امرأة أتزوجها فهي طالق فإن كل امرأة يتزوجها بعد هذا الكلام تطلق منه\". انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٦/ ٢٤٠).\nوقد ذكر ابن عطية، وابن كثير، والشوكاني كلا القولين، وأبطلوا قول مالك، وأبي حنيفة، المخالف لما تقتضيه دلالات نصوص القرآن وصريح السنة، وما هو عليه جمهور السلف، للاستزادة انظر: المحرر الوجيز (٥/ ٣١٥)، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (٦/ ٢٤٠)، وفتح القدير (٦/ ٥٩).\n(^٢) أخرجه أبو داود في سننه - باب في الطلاق قبل النكاح - حديث ٢١٩٢ (٢/ ٢٢٤)، قال عنه الألباني حديث حسن، انظر: إرواء الغليل (٦/ ١٧٣).\n(^٣) أخرجه الحاكم في مستدركه - كتاب التفسير - باب في تفسير سورة الأحزاب حديث ٣٥٦٧ (٢/ ٤٥٤)، قال عنه حديث صحيح على شرط الشيخين.","vol":"1","page":289},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>الظن والشك في دين الله موجب للكفر</span>.\nقال تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ [سبأ ٥٤].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" وفي الآية دليل على أن الشاك كافر بخلاف ما قاله بعض الناس، وهو غلط عظيم في الدين، وقد دلت هذه الآية على أن الشاك كافر وهو في النار، وكذلك دل على هذا قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ فقد أوجب لهم الكفر والنار بالظن (^١).\" (^٢)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني في هذه الآية استنباطا عقديا، بأن من شك في شيء من دين الله فهو كافر، سواء شك في بعث الله له، أو ثوابه، أوعقابه، أو ما قد قضى الله له، وقدر من خلق السموات والأرض وغير ذلك من الآيات التي لم توجد إلا لحكمة، واستشهد السمعاني بآية أخرى وهو أن ظن المشركين أن خلق السماوات والأرض ليس لحكمة، قد أودى بهم هذا الظن أن حكم عليهم بالكفر ومن ثم إلى التخليد في النار.\n_________\n(^١) والمراد بالظن هنا هو الشك، وليس اليقين، وقد ذكر ابن جرير المراد بأنواع الظن وفرق بينها مستشهدا بالآيات المؤيدة لما يقول. للاستزادة انظر: جامع البيان (١/ ١٧).\n(^٢) تفسير السمعاني (٤/ ٤٣٤).","vol":"1","page":290},{"text":"قال النسفي عند تفسيره لهذه الآية: \" .. وفي هذا رد على من زعم أن الله لا يعذب على الشك \". (^١)\nوقد ذكر جمع من أهل العلم أن للكفر أنواع ومن جملة أنواعه كفر الشك والذي أصله يقوم على التردد وعدم الجزم بصدق الرسول ﷺ، وما جاء به واستشهدوا بقصة صاحب الجنة المذكورة في سورة الكهف عند قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ (^٢).\nوقد ذكر الشنقيطي بعد سوقه لهذه الآيات ونظائرها، بأن الشاك كافر، فقال ﵀: \" ... وهذه النصوص القرآنية تدل على أن الكافر لا ينفعه ظنه أنه على هدى، لأن الأدلة التي جاءت بها الرسل لم تترك في الحق لبسا ولا شبهة، ولكن الكافر لشدة تعصبه للكفر لا يكاد يفكر في الأدلة التي هي كالشمس في رابعة النهار لجاجا في الباطل، وعنادا، فلذلك كان غير معذور \". (^٣)\nوممن ذكر هذا الاستنباط أيضا: الرازي، وابن عادل الحنبلي، والسيوطي، والشوكاني، وابن عاشور، والعثيمين. (^٤)\n_________\n(^١) مدارك التنزيل (٣/ ١٥٩).\n(^٢) للاستزادة انظر: الوجيز في عقيدة السلف الصالح للأثري (١/ ١٠٣)، وأصول الإيمان لنخبة من العلماء (١/ ٨٥).\n(^٣) أضواء البيان (٢/ ١٣).\n(^٤) انظر: مفاتيح الغيب (٢١/ ١٠٧)، واللباب في علوم الكتاب (١/ ٣٤٢٦)، والإكليل ص ٢١٥، وفتح القدير (٦/ ٢٤١)، والتحرير والتنوير (٢٣/ ١٤٦)، وتفسير القرآن العظيم لابن عثيمين (٦/ ٥٦).","vol":"1","page":291},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>البشارة بالغلام الحليم فيها دلالة على أنه سيكبر ويوصف بالحلم والوقار</span>.\nقال تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات ١٠١].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" وفي الآية دليل على أنه بشره بأنه يكبر، ويعمر حتى يوصف بالحلم والوقار \". (^١)\n\nالدراسة:\nلما جاءت البشارة لرسولنا إبراهيم ﵇ بأن الله سيهبه غلاما حليما، استنبط السمعاني بدلالة الالتزام أن ذلك يدل على أنه هذا الغلام - إسماعيل ﵇ - سيكبر، ويعمر حتى يوصف بأن يكون حليما وذا وقار، وقد كان ذلك في وقت صباه حينما عرض عليه أبوه الذبح فما كان منه إلا أن قال: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾.\nقال أبو حيان: \" واشتملت البشارة على ذكورية المولود، وبلوغه سن الحلم، ووصفه بالحلم، وأي حلم أعظم من قوله، وقد عرض عليه أبوه الذبح: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ \". (^٢)\nوقد أشار إلى ذلك الاستنباط جمع من المفسرين أمثال: الواحدي، وابن جماعة (^٣)، والبيضاوي، والنسفي، والنسيابوري، وأبو السعود، وغيرهم كثير. (^٤)\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٤/ ٤٠٧).\n(^٢) البحر المحيط (٧/ ٣٦٧).\n(^٣) هو محمد بن إبراهيم بن سعيد بن جماعة، الكناني، قاضي مصر والشام، ولد بمصر سنة ٦٣٩ هـ، قال عنه ابن حجر: عزل نفسه في أثناء ولايته غير مرة، ثم يسأل ويعاد، من كتبه: كشف المعاني في المتشابه المثاني، والمنهل الروي في الحديث النبوي، توفي سنة ٧٣٣ هـ، انظر: الأعلام (٥/ ٢٩٧).\n(^٤) انظر: الوجيز (١/ ٧٨٦)، وكشف المعاني لابن جماعة (١/ ٣٠٨)، ومعالم التنزيل (٧/ ٤٦)، وأنوار التنزيل (٥/ ٢٠)، ومدارك التنزيل (٣/ ١٩٦)، وغرائب القرآن (٥/ ٥٧٠)، وإرشاد العقل السليم (٥/ ٤٤٧).","vol":"1","page":292},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>البشارة الثانية بإسحاق ﵇ تدل على أن المبشر به الأول هو إسماعيل ﵇</span>.\nقال تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات ١١٢].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" وقوله: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ استدل به من قال إن إسماعيل كان هو الذبيح، فإنه ذكر قصة الذبيح بتمامه، ثم قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ دل أنه كان غير إسحاق \". (^١)\n\nالدراسة:\nلما أعقب الله بعد ذكره لقصة الذبيح بشارته لإبراهيم ﵇ أن الله سيرزقه بإسحاق ﵇، استنبط السمعاني بأن الذبيح هو إسماعيل ﵇، ووجه الاستنباط أنه كيف يكون هناك تعقيب ببشارة وقد سبق ذكرها.\nالموافقون:\nوافق السمعاني جمهور العلماء والمفسرين وهو المروي عن ابن عباس ﵄، والإمام أحمد بن حنبل بدليل الاستنباط السابق وهو احتجاجهم بأن الله\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٤/ ٤١٠).","vol":"1","page":293},{"text":"تعالى ذكر البشارة بإسحاق بعد الفراغ من قصة المذبوح فقال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ فدل على أن المذبوح غيره، وأيضًا قوله تعالى في سورة هود: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ فكما بشّره بإسحاق بشّره بابنه يعقوب، فكيف يأمره بذبح إسحاق وقد وعده بنافلة منه. (^١)\nوممن أيَّد هذه الاستنباطات والتي مصبها يرجع إلى القول بأن الذبيح هو إسماعيل: ابن أبي حاتم، والقصّاب، وشيخ الإسلام، وابن القيم، وابن كثير، وابن حجر، والنووي، وابن عاشور، والشنقيطي، والسعدي، وغيرهم كثير. (^٢)\n\nالمخالفون:\nكان ابن جرير الطبري على رأس القائلين من المفسرين بأن الذبيح هو إسحاق، وهذا القول مروي عن عبد الله بن مسعود وعمر بن الخطاب وبعض الصحابة، وحجتهم ودليلهم أنه ليس في القرآن دليل واحد على أن الله بشَّر إبراهيم بإسماعيل، وإنما المُبشَّر في القرآن هو نبيُّنا إسحاق ﵇ ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ﴾ فكل القرآن يدل على أن الذي بُشِّر به بشارة هو إسحاق، فعلم أن الذبيح هو من هو المبشَّر به لأن الله قال ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾، وقالوا أيضًا مما يؤيد أن\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى (٤/ ٣٣١)، ومعالم التنزيل للبغوي (٧/ ٤٦)، تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٧/ ٣٢).\n(^٢) انظر: تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم (١٠/ ٣٢٢٠)، ونكت القرآن للقصاب (٢/ ٧٣٦)، ومجموع الفتاوى (٤/ ٣٣١)، وزاد المعاد (١/ ٧٠)، وتفسير القرآن العظيم (٧/ ٣٢)، وفتح الباري (١٢/ ٣٧٨)، وتهذيب الأسماء للنووي (١/ ١٤٧)، والتحرير والتنوير (٢٣/ ٧٠)، وأضواء البيان (٢/ ٢٨١)، وتفسير السعدي ص ٧٠٥.","vol":"1","page":294},{"text":"الذبيح هو إسحاق أن الله يقول: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ أي أنه عايش في كنف أبيه، وإسماعيل لم يعش في كنف أبيه، كان مع أمه في مكة. (^١)\n\nالنتيجة:\nما ذهب إليه السمعاني وجمهور العلماء هو الأقرب للصواب، لصراحة أدلتهم، أما ما ذكره المخالفون بأنه ليس هناك مبشر به في القرآن سوى إسحاق، فهذا ليس بدليل أن إسماعيل لا يُبشَّر به أيضًا، بل إن قواعد القرآن قضت بأنه لا يمكن أن يعيد الله البشارة مرة ثانية، فالمبَشَّر به الأول غير المبَشَّر به الثاني، وأما قولهم بأن إسماعيل كان في كنف أمه، فقد ثبت أن إبراهيم ﵇ لقي ابنه إسماعيل في السن التي كتب الله وأمر أن يذبحه فيها، والله أعلم. (^٢)\n_________\n(^١) انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٧/ ٣٥)، والدر المنثور (١٢/ ٤٢٩).\n(^٢) انظر: أضواء البيان للشنقيطي (٢/ ٢٨١). وما ورد في تعيين الذبيح من أقوال الصحابة سواء من قال بأنه إسماعيل أو إسحاق فقد حكم عليه علماء الحديث بأنه لا يعدو إلا أن يكون حديثا ضعيفا أو غريبا. انظر: مجمع الزوائد للهيثمي (٨/ ٣٧١)، وأسنى المطالب للحوت (١/ ١٤٩)، والسلسلة الضعيفة للألباني (١/ ٥٠٣).","vol":"1","page":295},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>الظن الفاسد المبني على القياس الباطل</span>.\nقال تعالى: ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص ٧٥ - ٧٦].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" قوله تعالى: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ وإنما قال إبليس هذا لأنه ظن أن للنار فضلا على الطين، ولم يكن على ما ظن، بل الفضل لمن أعطاه الله الفضل \". (^١)\n\nالدراسة:\nلما عاند إبليس واستكبر بعدم سجوده لآدم، عندما أمره ربه بذلك، واحتج بأفضليته من حال كون أصله من نار، وآدم من تراب، استنبط السمعاني ظنية إبليس الباطلة عندما اعتقد أن التفضيل من جهة الأصل والجوهر، وجهل أن الفضل كل الفضل لمن أعطاه الفضل، بأن يوفقه لطاعته، والسعي في مرضاته.\nوما كان هذا القياس من إبليس إلا لجهله بذلك، وإلا فالقياس لو عارض نصا فإنه يصبح باطلا، والنص هو أمر الله له بالسجود.\nقال السعدي عندما ذكر أوجه بطلان قياس إبليس: \" .. ومنها: أنه في مقابلة أمر الله له بالسجود، والقياس إذا عارض النص، فإنه قياس باطل، لأن المقصود بالقياس، أن يكون الحكم الذي لم يأت فيه نص، يقارب الأمور المنصوص عليها،\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٤/ ٤٥٤).","vol":"1","page":296},{"text":"ويكون تابعا لها. فأما قياس يعارضها، ويلزم من اعتباره إلغاء النصوص، فهذا القياس من أشنع الأقيسة \". (^١)\nوقد ذكر جمع من علماء التفسير، وعلى رأسهم إمام المفسرين، ابن جرير الطبري، بأنه لو سلم أن قياس إبليس لا يعارض نصا أو أمرا من الله. فإنه باطل أيضا، لأن ليس للنار فضلا على الطين من أي وجه من الوجوه، قال ﵀: \" ظن الخبيث أن النار خير من الطين ولم يعلم أن الفضل لمن جعل الله له الفضل، وقد فضل الله الطين على النار من وجوه منها: أن من جوهر الطين الرزانة والوقار والحلم والصبر وهو الداعي لآدم بعد السعادة التي سبقت له إلى التوبة والتواضع والتضرع فأورثه الاجتباء والتوبة والهداية، ومن جوهر النار الخفة والطيش والحدة والارتفاع وهو الداعي لإبليس بعد الشقاوة التي سبقت له إلى الاستكبار والإصرار، فأورثه اللعنة والشقاوة، ولأن الطين سبب جمع الأشياء والنار سبب تفرقها ولأن التراب سبب الحياة، فإن حياة الأشجار والنبات به، والنار سبب الهلاك \". (^٢)\nمن بعد ذكر هذه الأوجه والتي تصب على فساد القياس وخطئه، يتبين صحة استنباط السمعاني والاحتجاج بقوله، والله أعلم.\n_________\n(^١) تفسير السعدي ص ٢٨٤.\n(^٢) انظر جامع البيان (١٢/ ٣٢٧). وممن أشار إلى هذا أيضا: ابن عطية في المحرر الوجيز (٣/ ١٢)، والبغوي في معالم التنزيل (٣/ ٢١٧)، والقرطبي في جامعه (٧/ ١٧١)، والغرناطي في ملاك التأويل (١/ ٢٤٩)، والخازن في لباب التأويل (٢/ ١٨٥)، والنسفي في مدارك التنزيل (١/ ٣٦٢)، والشوكاني في فتح القدير (٣/ ١٨)، وغيرهم. وقد ذكر ابن القيم خمسة عشر وجها في تفضيل مادة التراب على مادة النار، للاستزادة انظر: الصواعق المرسلة (٣/ ٩٩٩) وبدائع الفوائد (٤/ ٩٤٩).","vol":"1","page":297},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>جواز أن يكون هناك فرح بحق</span>.\nقال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ [غافر ٧٥].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ هذا دليل على أنه قد يكون فرح بحق \". (^١)\n\nالدراسة:\nلما عاتب الله الكفار بفرحهم المذموم بالشرك والطغيان، ووصفه بأنه فرح بغير حق، استنبط السمعاني بدلالة مفهوم المخالفة أنه يكون هناك فرح بحق. ويؤيد صحة ما استنبطه السمعاني دلالات وأنواع الفرح التي ذكرت في القرآن، والتي من جملتها أمر الله سبحانه للمؤمنين بالفرح ولا يأمر الله سبحانه بالفرح إلا لكونه حقا، من ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾، وهذا الفرح هو الفرح بالعلم النافع، والعمل الصالح ومنه أيضا قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾.\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٥/ ٣٢). والفرح: هو انشراح الصدر، بلذة تقع في القلب، من إدراك المحبوب، ونيل المشتهى، فيتولد من إدراكه حالة تسمى الفرح والسرور. انظر مفردات القرآن للراغب الأصفهاني (١/ ٦٢٨)، مدارج السالكين لابن القيم (٣/ ١٥٨)، ولباب التأويل للخازن (٢/ ٤٤٨).","vol":"1","page":298},{"text":"قال السعدي مؤيدا هذا الاستنباط بعدما ساق أمثلة للفرح المحمود والمذموم: \"فصار الفرح تبعا لما تعلق به، إن تعلق بالخير وثمراته فهو محمود، وإلا فهو مذموم\". (^١)\nوممن أشار إلى ما استنبطه السمعاني: ابن القيم، والخازن، والشوكاني، وابن عاشور. (^٢)\n_________\n(^١) تيسير اللطيف المنان للسعدي (٢/ ٦٢). وقد ذكر ابن القيم نوعي الفرح المذكور وعلى أي الأنواع يكون حال الاطلاق وحال التقييد وفصل فيها. للاستزادة انظر: مدارج السالكين (٣/ ١٥٨ - ١٦٠).\n(^٢) انظر: مدارج السالكين (٣ - ١٥٨ - ١٦٠)، ولباب التأويل (٢/ ٤٤٨)، وفتح القدير (٣/ ٣٨٨)، والتحرير والتنوير (٦/ ١٠١).","vol":"1","page":299},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>تحريم وذم التقليد للآباء وغيرهم بدون حجة</span>.\nقال تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف ٢٣].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" وفي الآية دليل على ذم التقليد والرجوع إلى قول الآباء من غير حجة \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من هذه الآية استنباطا أصوليا في النهي عن التقليد (^٢) والرجوع لقول الآباء في الدين من غير حجة، ولم يكن استنباط السمعاني إلا لما اقتضاه السياق القرآني عقيب الاستفهامات الإنكارية من الله لهؤلاء المشركين المحتجين بأقوال، وأفعال آبائهم الشركية.\nوقد أجمع الفقهاء والأصوليون من السلف والأئمة الأربعة من على تحريم وذم من قلد بدون حجة. (^٣)\nقال الكيا الهراسي عند تفسيره لهذه الآية: \" فيه دلالة على إبطال التقليد، لذمه إياهم على تقليد آبائهم، وتركهم النظر فيما دعاهم الرسول ﵊ إليه\". (^٤)\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٥/ ٩٨).\n(^٢) التقليد شرعا: قبول القول بلا حجة ولا دليل. انظر: البحر المحيط لأبي حيان (١/ ١٠٣)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٢/ ٢١١)، والفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي (١/ ٤١٣).\n(^٣) انظر: الإحكام للآمدي (٤/ ٢٣٠)، والتبصرة للفيروز أبادي (١/ ٤٠١)، وقواطع الأدلة للسمعاني (٢/ ٣٤٣)، والإبهاج في شرح المنهاج للسبكي (٥/ ٤٣٨)، وأضواء البيان للشنقيطي (٣/ ١٤٦).\n(^٤) أحكام القرآن للكيا الهراسي (٤/ ٣٦٩).","vol":"1","page":300},{"text":"واستثنى بعض أهل العلم جواز التقليد في حال من خفي عليه بعض العلم واجتهد في تتبع ما أنزل الله، قال ابن القيم عند تفسيره لهذه الآية: \"إن الله سبحانه ذم من أعرض عما أنزله إلى تقليد الآباء، وهذا القدر من التقليد هو مما اتفق السلف والأئمة الأربعة على ذمه وتحريمه، وأما تقليد من بذل جهده في اتباع ما أنزل الله وخفي عليه بعضه فقلد فيه من هو أعلم منه فهذا محمود غير مذموم ومأجور غير مأزور.\" (^١)\nوممن أشار إلى ذلك الفيروزآبادي، والجصاص، والآمدي، وشيخ الإسلام، والبيضاوي، والألوسي، وغيرهم. (^٢)\n_________\n(^١) إعلام الموقعين (٢/ ١٨٨). وانظر: مجموع الفتاوى (٧/ ٧١).\n(^٢) انظر: التبصرة للفيروز آبادي (١/ ٤٠١)، والفصول في الأصول للجصاص (٣/ ٣٧٩)، والإحكام للآمدي (٤/ ٢٣٠)، ومجموع الفتاوى (٤/ ١٩٧)، وأنوار التنزيل (١/ ٤٤٧)، وروح المعاني (١/ ٤٣٨).","vol":"1","page":301},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-163>وجوب لزوم الأدب في مجلس رسول الله ﷺ</span>.\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣) إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات ١ - ٥].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" وفي هذه الآيات بيان استعمال الأدب في مجلس النبي ﷺ، وعظم الجناية في ترك ذلك، وما يؤدي إلى حبوط العمل واستحقاق العقاب \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من هذه الآيات في صدر سورة الحجرات والمسماة بسورة الآداب، أن ذلك يوجب استعمال الأدب في مجلس رسول الله ﷺ، ووجه استنباطه هنا أمر الله سبحانه بعدم التقديم بين يدي الله ورسوله بقول أو فعل يخالف أمرا إلهيا، أو هديا نبويا، وأيضا أمره سبحانه بعدم رفع الصوت فوق صوت النبي ﷺ إلى غير ذلك من الآداب السلوكية.\nقال السعدي عند تفسيره لهذه الآيات: \" هذا متضمن للأدب، مع الله تعالى، ومع رسول الله ﷺ، والتعظيم له، واحترامه، وإكرامه، فأمر الله\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٥/ ٢١٦).","vol":"1","page":302},{"text":"عباده المؤمنين، بما يقتضيه الإيمان، بالله وبرسوله، من امتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه، وأن يكونوا ماشين، خلف أوامر الله، متبعين لسنة رسول الله ﷺ، في جميع أمورهم، وأن لا يتقدموا بين يدي الله ورسوله، ولا يقولوا حتى يقول، ولا يأمروا حتى يأمر، فإن هذا حقيقة الأدب الواجب مع الله ورسوله، وهو عنوان سعادة العبد وفلاحه، وبفواته، تفوته السعادة الأبدية، والنعيم السرمدي \". (^١)\nوممن أشار من المفسرين إلى هذا الاستنباط السلوكي والتربوي: الرازي، وابن كثير، والبقاعي، والشوكاني، والألوسي، وابن عاشور، والعثيمين. (^٢)\n_________\n(^١) تفسير السعدي ص ٧٩٩.\n(^٢) انظر: مفاتيح الغيب (٢٨/ ٩٧)، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (٧/ ٣٦٤)، ونظم الدرر (٧/ ٢٢٠)، وفتح القدير (٧/ ٨)، وروح المعاني (١٣/ ٣٢٠)، والتحرير والتنوير (٢٦/ ١٧٨)، وتفسير القرآن العظيم للعثيمين (٧/ ١).","vol":"1","page":303},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-164>ذكر وجوب الاصلاح بين الأخوين يدل على أولوية الإصلاح بين الجمع الكثير</span>.\nقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات ١٠]\n• قال السمعاني - ﵀ -: وقوله: \" ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ (^١) ذكر الأخوين ليدل بوجوب الإصلاح بينهما على وجوب الإصلاح بين الجمع الكثير \". (^٢)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني بدلالة مفهوم الموافقة، أن ذكر الأخوين بصيغة المثنى، دون صيغة الجمع، حال الإصلاح، فيه دلالة على وجوب الإصلاح بين الجمع الكثير، وذلك بمعنى أنه لو أوجب الإصلاح بين الاثنين، فمن باب أولى أن يصلح بين الجمع الكثير.\nالموافقون:\nوافق السمعاني على هذا الاستنباط جمع من المفسرين، على القول بأن ذكر الاثنين من باب أن ما سواهم فيما فوقهم أولى بالصلح،\n_________\n(^١) قرأ ابن عامر في رواية الثعلبي (إخوتكم) بالتاء على الجمع وحجته أن الطائفة جمع وإن كان واحدا في اللفظ. وقرأ الباقون بين أخويكم بالياء تثنية أخ لأن كل طائفة جنس واحد فردوه على اللفظ دون المعنى. انظر: السبعة لابن مجاهد (١/ ٦٠٦)، وحجة القراءات لابن زنجلة (١/ ٦٧٥)، ومعالم التنزيل للبغوي (٧/ ٣٤١).\n(^٢) تفسير السمعاني (٥/ ٢٢١).","vol":"1","page":304},{"text":"قال الألوسي: \"وتخصيص الاثنين بالذكر لإثبات وجوب الإصلاح فيما فوق ذلك بطريق الأولوية لتضاعف الفتنة والفساد فيه \". (^١)\nوممن أشار إلى عين ما استنبطه السمعاني: ابن عطية، والرازي، والبيضاوي، وابن جزي، وأبو حيان، والشوكاني، والعثيمين. (^٢)\nوزاد بعضهم على الاستنباط السابق أن التثنية فيها دليل على أقل ما يحدث فيه الإقتتال، والتشاجر، والإختلاف هو الاثنان. (^٣)\nالمخالفون:\nذكر بعض المفسرين أن لفظ التثنية في هذه الآية إنما أريد به الكثرة، وعدم الاقتصار على الاثنين فقط، وذلك لأن الكلام كان في سياق الطائفتين المقتتلتين، والطائفة لا تخلو من أفراد كثر، قال ابن عاشور: \" وأوثرت صيغة التثنية في قوله (أخويكم) مراعاة لكون الكلام جار على طائفتين من المؤمنين فجعلت كل طائفة كالأخ للأخرى \". (^٤) وقد ذكر القرطبي هذا القول من قبل. (^٥)\n_________\n(^١) روح المعاني (١٣/ ٣٠٣).\n(^٢) انظر: المحرر الوجيز (٦/ ١٦٩)، والبحر المحيط (٨/ ٨٤)، ومفاتيح الغيب (٢٨/ ١٠٦)، وأنوار التنزيل (٥/ ٢١٦)، والتسهيل لعلوم التنزيل (١/ ٢١٠٩)، وفتح القدير (٧/ ١٤)، وتفسير القرآن العظيم للعثيمين (٥/ ٢١٥).\n(^٣) انظر: البحر المحيط (٨/ ٨٤)، والتسهيل لعلوم التنزيل (١/ ٢١٠٩)، وفتح القدير (٧/ ١٤).\n(^٤) التحرير والتنوير (٢٦/ ٢٠٤).\n(^٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٦/ ٣٢٣).","vol":"1","page":305},{"text":"النتيجة:\nيتبين مما سبق أن قول السمعاني والموافقين له هو الأقرب للصواب، مع عدم استبعاد القول الآخر، وذلك لأن أمر الله بالإصلاح قد ذكره الله في الآية التي قبل هذه الآية المستنبط منها هذا الاستنباط، وهي آية اقتتال الطائفتين عند قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، فكيف يعود ذكر الإصلاح، وقد سبق ذكره، وليس الأمر مرتبط بالطائفتين المقتتلتين، وإنما أراد الله أن يبين أمرا تربويا بعد ذكره لحادثة الاقتتال، بأن الإصلاح يجب بين الاثنين فكيف بمن فوقهم، والله أعلم. (^١)\n_________\n(^١) وقد ذكر بعض المفسرين استنباطا آخر، وهو أن لفظ الأخوة في هذه الآية عندما أوجب الله الإصلاح بين كل من بغى على أخيه الآخر، يدل على عدم زوال اسم الإيمان، لأن الله تعالى سماهم إخوة مؤمنين مع كونهم باغين. انظر: الجامع لأحكام القرآن (١٦/ ٣٢٣)، ومدارك التنزيل (٣/ ٣٢٣)، ولباب التأويل (٤/ ١٨٠).","vol":"1","page":306},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>تسمية الرجال بالقوم دون النساء لقوامتهم بالأمور</span>.\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات ١١].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" وإنما سُمِّي الرجال قومًا دون النساء، لأنهم الذين يقومون بالأمور \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من سبب تخصيص الرب سبحانه لفظ القوم للرجال دون النساء، عند نهيه سبحانه لهم عن السخرية، بأن الرجال هم الذين يقومون بالأمور ومتطلبات الحياة، بخلاف النساء، ووجه الاستنباط أن الله عطف النساء على القوم، وذلك يدل على عدم دخولهن فيه، قال الماوردي: \"ويسمى الرجال قومًا لقيام بعضهم مع بعض في الأمور، ولأنهم يقومون بالأمور دون النساء \". (^٢)\nوممن ذكر ذلك من المفسرين أيضا: ابن الجوزي، والقرطبي، والبيضاوي، والنسفي، وأبو السعود، والألوسي. (^٣)\nومما يؤيد هذا الاستنباط الاستشهاد بآية أخرى وهو قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾، فأثبت الله لهم القوامة على النساء لقيامهم بأمور النساء، وغيرها من الأمور، فهذه الآية معضدة لصحة هذا الاستنباط، والله أعلم.\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٥/ ٢٢١).\n(^٢) النكت والعيون (٥/ ٣٣١).\n(^٣) انظر: زاد المسير (١/ ٦٦)، والجامع لأحكام القرآن (١٦/ ٣٢٤)، وأنوار التنزيل (٥/ ٢١٧)، ومدارك التنزيل (٣/ ٣٤٣)، وإرشاد العقل السليم (٦/ ١٨٦)، وروح المعاني (١/ ٢٦٠).","vol":"1","page":307},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-166>دلالة وجود الجنة في السماء وأسبقية خلقها</span>.\nقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم ١٣ - ١٥]\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" وفي الآية دليل على أن الجنة في السماء وأنها مخلوقة، ومن زعم أنها غير مخلوقة فهو كافر بهذه الآية \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من هذه الآية استنباطين كلاهما عقدية، الأول: وجود الجنة في السماء وذلك حينما عرج به ﵊ إلى السماء السابعة، والآخر: القول بسبق خلق الجنة وهو الذي عليه مصب حديثنا، وقد استدلَّ بهذا لإبطال معتقد فاسد من معتقدات المعتزلة، والقدرية، الذين قالوا بأن الجنة والنار لم تخلق بعد، ووجه استدلاله أنه لو كانت الجنة لم تخلق لم يكن النبي ﷺ رأى جبريل ﵇ عند سدرة المنتهى في الجنة، عندما أسري به ﵊، بل وفي هذا العروج إلى السماء، ورؤية جبريل في الجنة، دليل أن الجنة في السماء.\nوما كان عليه السمعاني هو الموافق لمعتقد أهل السنة والجماعة، والذين قالوا بأسبقية خلق الجنة والنار لعموم النصوص الدالة على ذلك سواء من القرآن أو من السنة المطهرة كقوله تعالى عن الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾، وعن النار: قوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾، وقوله\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٥/ ٢٩١).","vol":"1","page":308},{"text":"تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا﴾، وفي السنة الأحاديث الكثر الدالة على أسبقية خلق الجنة والنار، ومنها ما في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة). (^١) وأيضا حديث: (اشتكت النار إلى ربها فقالت رب أكل بعضي بعضا فأذن لي بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف فأشد ما تجدون من الحر وأشد ما تجدون من الزمهرير (^٢». (^٣)\nقال ابن أبي العز: \" فاتفق أهل السنة على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن ولم يزل أهل السنة على ذلك حتى نبغت نابغة من المعتزلة والقدرية فأنكرت ذلك وقالت: بل ينشئهما الله يوم القيامة \". (^٤)\nوعندما خالف المعتزلة والقدرية معتقد أهل السنة والجماعة في قولهم بأسبقية خلق الجنة والنار، فإنه لم تكن لهم حجة إلا أنهم قالوا: أنه لا حاجة إليها، وإنما حاجتهما في الآخرة، فإيجادها قبل وقتها عبث، وقالوا أيضا بأنها لو كانت مخلوقة لوجب أن تفنى وينقطع أكلها لقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ فوجب أن لا تكون الجنة مخلوقة. (^٥)\nومن صريح الأدلة السابقة واتفاق من سلمت معتقداتهم من أهل السنة والجماعة يتبين سلامة استنباط السمعاني ومن وافقه من جملة المفسرين، وبطلان قول المعتزلة وذلك بأسبقية خلق الجنة والنار.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الجنائز - باب الميت يعرض عليه بالغذاة والعشي - حديث ١٣١٣ (١/ ٤٦٤).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب بدأ الخلق - باب صفة النار وأنها مخلوقة - حديث ٣٠٨٧ (٣/ ١١٩٠).\n(^٣) للاستزادة انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل (٤/ ٦٨)، وحادي الأرواح لابن القيم (١/ ١١)، وحاشية الشهاب للخفاجي (٣/ ٦٢).\n(^٤) شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (١/ ٤٢٠).\n(^٥) انظر: حادي الأرواح لابن القيم (١/ ١١)، وشرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (١/ ٤٢٠ - ٤٢٣)، والمباحث الأصولية (١/ ٢٤٩).","vol":"1","page":309},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-167>جواز القياس في الأحكام</span>.\nقال تعالى: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر ٢].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" وقد استدل بهذه الآية على جواز القياس في الأحكام، لأن القياس نوع اعتبار، إذ هو تعبير شيء بمثله، بمعنى جامع بينهما، ليتفقا في حكم الشرع \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني من آية الاعتبار في هذه الآية جواز القياس في شرعنا الحنيف، ووجه استننباطه أن القياس نوع من الاعتبار، وأن الله أمر في آخر الآية بماهية الاعتبار، وهو أمر شامل لجميع أنواع الاعتبار ومن جملة أفراده القياس، فوجب أن يكون الاعتبار مأمورا به.\nالموافقون:\nأجاز الأئمة الأربعة وجمهور العلماء من الأصوليين والمفسرين وقوع القياس شرعا وجوازه عقلا، وكان من أعظم ما استدلوا به هذه الآية التي استنبط منها السمعاني، لأن لفظ الإعتبار يدل على العبور، وهو الانتقال من شيء إلى آخر والقياس فيه انتقال بالحكم من الأصل إلى الفرع فيكون مأمورًا به. (^٢)\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٥/ ٣٩٧).\n(^٢) انظر: مذكرة أصول الفقه للشنقيطي (١/ ٤٨).","vol":"1","page":310},{"text":"قال الآمدي: \" أمر بالاعتبار والاعتبار هو الانتقال من الشيء إلى غيره وذلك متحقق في القياس، حيث إن فيه نقل الحكم من الأصل إلى الفرع \". (^١)\nوممن ذكر ذلك من الأصوليين والمفسرين أيضا: الفراء، والسرخسي (^٢)، والرازي، والسبكي، والبيضاوي، والشنقيطي. (^٣)\n\nالمخالفون:\nخالف بعض الأصوليين ما ذكره السمعاني والموافقون له، بحجة أنه لا يسلم بأن الاعتبار هو المجاوزة، بل المراد به الاتعاظ، ودليل ذلك أن القياس الشرعي لا يناسب صدر الآية، وهو قوله تعالى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾، ومما يدل على أن المراد بالاعتبار هو الاتعاظ دلالة معنى الاعتبار في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾، فالمراد به هنا هو الاتعاظ، فأصبح لفظ الاعتبار في الآية المستنبط منها غير دال على القياس الشرعي، لا بلفظه ولا بمعناه. (^٤)\n_________\n(^١) الإحكام للآمدي (٤/ ٣٢).\n(^٢) هو أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي، نسبة إلى سرخس، من بلاد خراسان، كان عالمًا أصوليًا ذكيًا، من مصنفاته: شرح الطحاوية، وشرح السير الكبير، توفي سنة ٤٩٠ هـ، انظر: الأنساب (٣/ ٢٤٤)، والجواهر المضيئة في طبقات الحنفية (٢/ ٢٨).\n(^٣) انظر: العدة للفراء (٤/ ١٢٩١)، وأصول السرخسي (٢/ ٩٣)، والمحصول للرازي (٥/ ٣٧)، والإبهاج للسبكي (٥/ ١٣ - ١٤)، وأنوار التنزيل للبيضاوي (٥/ ٣١٧)، والواضح في أصول الفقه (٢٤٠ - ٢٤٣)، ومذكرة أصول الفقه للشنقيطي (١/ ٤٨).\n(^٤) انظر: الإحكام لابن حزم (٨/ ٥٧١)، والفصول في الأصول للجصاص (١/ ٢١٦)، وإرشاد الفحول للشوكاني (٢/ ٩٥ - ٩٦).","vol":"1","page":311},{"text":"النتيجة:\nما ذكره المخالفون من قولهم بأن المراد بالإتعاظ هو الإعتبار معنى قاصر على لفظ الإعتبار، بل في هذه الآية ما يدل على معنى العبور، والذي مراده الانتقال من شيء إلى آخر فطابق القياس فيه انتقال بالحكم من الأصل إلى الفرع فيكون مأمورًا به.\nويؤيد ذلك ما أثر عن النبي ﷺ حين سأله عمر عن القبلة للصائم، فقال له: (أرأيت لو تمضمضت) (^١) فهو قياس للقبلة على المضمضة، وغير ذلك من النصوص الواردة المأثورة. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم في مستدركه - كتاب الصوم - حديث ١٥٧٢ (١/ ٥٩٦)، وقال عنه صحيح على شرط الشيخين، ورواه ابن ابي شيبة في مصنفه - كتاب الصيام - باب من رخص في القبلة للصائم - حديث ٩٤٠٦ (٢/ ٣١٥).\n(^٢) للاستزادة انظر: المحصول للرازي (٥/ ٣٧)، ومذكرة أصول الفقه للشنقيطي (١/ ٤٨).","vol":"1","page":312},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>الدعاء للسلف بالرحمة والخير من علامات المؤمنين</span>.\nقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر ١٠].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" وفي الآية دليل على أن الترحم للسلف والدعاء لهم بالخير وترك ذكرهم بالسوء من علامة المؤمنين \". (^١)\n\nالدراسة:\nلما أقر سبحانه بأن السلف الذين جاءوا من بعد الصحابة سيدعون لمن سبقهم من الصحابة بالمغفرة، والرحمة، وسلامة صدورهم من الغل تجاهم، مع ما أثبته سبحانه من مشاركتهم للصحابة في الإيمان، استنبط السمعاني بدلالة التضمن أن تلك العلامات تتضمن إيمان هؤلاء السلف ومن جاء بعدهم على وفق نهجهم.\nقال السعدي: \" فوصف الله من بعد الصحابة بالإيمان، لأن قولهم: ﴿سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾، دليل على المشاركة في الإيمان، وأنهم تابعون للصحابة في عقائد الإيمان وأصوله، وهم أهل السنة والجماعة، الذين لا يصدق هذا الوصف التام إلا عليهم، ووصفهم بالإقرار بالذنوب والاستغفار منها، واستغفار بعضهم لبعض، واجتهادهم في إزالة الغل والحقد عن قلوبهم لإخوانهم المؤمنين، لأن دعاءهم بذلك مستلزم لما ذكرنا، ومتضمن لمحبة بعضهم بعضا \". (^٢)\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٥/ ٤٠٢).\n(^٢) تفسير السعدي ص ٨٥١.","vol":"1","page":313},{"text":"وممن أشار إلى ذلك من المفسرين: السمرقندي، والكيا الهراسي، وابن جزي، والألوسي، والعثيمين. (^١)\nواستنبط بعض المفسرين أن هذه الآية فيها دلالة على وجوب محبة الصحابة، لأن ذكر سبحانه لأوصاف هؤلاء من السلف فيه دلالة على أن المؤمنين ينبغي أن يكونوا كمثلهم، ولا يكون الاتباع إلا بدليل المحبة.\nقال القرطبي: \" هذه الآية دليل على وجوب محبة الصحابة، لأنه جعل لمن بعدهم حظا في الفيء ما أقاموا على محبتهم وموالاتهم والاستغفار لهم، وأن من سبَّهم أو واحدا منهم أو اعتقد فيه شرا إنه لا حق له في الفيء \". (^٢)\n_________\n(^١) انظر: بحر العلوم (٤/ ٢٧٣)، وأحكام القرآن للكيا الهراسي (٤/ ٤٠٧)، والتسهيل لعلوم التنزيل (١/ ٢٣٥٦)، وروح المعاني (١٤/ ٢٤٨)، وتفسير القرآن العظيم لابن عثيمين (٥/ ٣١٤).\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن (١٨/ ٣٢).","vol":"1","page":314},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-169>دلالة عدم خروج حاطب ابن أبي بلتعة من الإيمان</span>.\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة ١].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في الآية دليل على أن حاطبًا لم يخرج من الإيمان بفعله ذلك \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني بدلالة التضمن، حينما نادى سبحانه المؤمنين بعدم اتخاذهم أعداء الله أولياء، مع كون سبب نزول هذا النداء الرباني هو فعل حاطب حينما كاتب أهل مكة، بأن النبي ﷺ ومن معه من المؤمنين يريدون غزوهم، وذلك خشية أن يلحق أهله ضررا (^٢)، ومع ذلك نودي حاطب باسم الإيمان، استنبط أن هذا النداء يُضمن منه عدم خروج حاطب من دائرة الإيمان.\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٥/ ٤١٣).\n(^٢) سبب نزول الآية أن رسول الله ﷺ بعث عليا وعمارا والزبير والمقداد بن الأسود فقال انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها فتأتوني به، ثم خرجوا حتى أتوا الروضة فإذا بالظعينة فقالوا لها: أخرجي الكتاب قالت ما معي من كتاب فقالوا: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب فأخرجته من عقاصها فأتوا به إلى رسول الله ﷺ فإذا هو من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين بمكة يخبرهم ببعض أمر النبي ﷺ فقال ما هذا يا حاطب قال لا تعجل علي يا رسول الله إني كنت ملصقا في قريش ولم أكن من أنفسها وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة فأحببت إذ فاتني ذلك من نسب فيهم أن أتخذ يدا ويحمون بها قرابتي وما فعلت ذلك كفرا ولا ارتدادا عن ديني ولا رضا بالكفر فقال النبي ﷺ صدق. فنزل في حقه: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ..) انظر: أسباب النزول للواحدي (١/ ٢٨٢)، ولباب النزول للسيوطي (١/ ١٩٣)، والصحيح المسند من أسباب النزول للوادعي ... (١/ ٣٣٣).","vol":"1","page":315},{"text":"وممن ذكر هذا الاستنباط من العلماء: ابن عطية، وشيخ الإسلام، وابن القيم، والنسفي، وأبو السعود. (^١)\nوقد بين العلماء بأن السبب الذي لم يخرج حاطبًا من الإيمان، هو كون موادته لأجل أمر من أمور الدنيا وهو الرحم، فيكون ناقص الإيمان، لا منتفِ الإيمان. (^٢)\nقال شيخ الإسلام ﵀: \" وقد تحصل للرجل موادتهم لرحم أو حاجة، فتكون ذنبًا ينقص به إيمانه، ولا يكون به كافرًا كما حصل من حاطب بن أبي بلتعة، لما كاتب المشركين ببعض أخبار النبي ﷺ \". (^٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>تسمية المهاجرات بالإيمان لأنهن على قصد إليه</span>.\nقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ [الممتحنة ١٠].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ سماهن مؤمنات قبل وصولهن إلى النبي ﷺ، لأنهن على قصد الإيمان \". (^٤)\n_________\n(^١) انظر: المحرر الوجيز (١/ ٣١٩)، ومجموع الفتاوى (٧/ ٥٢٣)، وزاد المعاد لابن القيم (٣/ ٣٧١)، ومدارك التنزيل للنسفي (٣/ ٤٢٠)، وإرشاد العقل السليم (٦/ ٣٠٨).\n(^٢) انظر: سبب النزول.\n(^٣) مجموع الفتاوى (٧/ ٥٢٣). وانظر: شرح ثلاثة الأصول لصالح آل الشيخ (١/ ٢٨).\n(^٤) تفسير السمعاني (٥/ ٤١٧).","vol":"1","page":316},{"text":"الدراسة:\nاستنبط السمعاني من سبب تسمية المهاجرات ووصفهنَّ بالمؤمنات، وذلك لأن ظاهر أمرهن هو الإيمان وهن على قصد إليه، قال ابن عطية: \"وسماهم مؤمنات قبل أن يتيقن ذلك إذ هو ظاهر أمرهن \". (^١)\nوزاد بعض المفسرين على ماذكر من السبب السابق في وصفهن بالمؤمنات، بأنهن أيضا قد نطقن بالشهادة، ولم يظهر ما ينافي ذلك، قال أبو حيان: \"وسماهن تعالى مؤمنات قبل أن يمتحن، وذلك لنطقهن بكلمة الشهادة، ولم يظهر منهن ما ينافي ذلك، أو لأنهن مشارفات لثبات إيمانهن بالامتحان \". (^٢)\nوممن أشار إلى ما استنبطه السمعاني، والاستنباط الآخر من المفسرين: الزمخشري، والرازي، والنسفي. (^٣)\nمما سبق يتبين سلامة ما استنبطه السمعاني، وذلك مصداق حديث النبي ﷺ: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) (^٤). فنجد بأن المهاجرات سموا مؤمنات قبل وصولهن للنبي ﷺ لأن قلوبهنَّ قد انعقدت على الإيمان، لا لظاهر الأمر فحسب، والله أعلم.\n_________\n(^١) المحرر الوجيز (٦/ ٣٤٣).\n(^٢) البحر المحيط (٨/ ١٩٣).\n(^٣) انظر: الكشاف (٤/ ٥١٦)، ومفاتيح الغيب (٢٩/ ٥٢١)، ومدارك التنزيل (٣/ ٣٢٣).\n(^٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الوحي - باب كيف كان بدأ الوحي للنبي ﷺ - حديث ١ (١/ ٣).","vol":"1","page":317},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-171>سنية الخطبة لصلاة الجمعة في وضع القيام</span>.\nقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة ١١].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" وقوله: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ لأنه كان يخطب، وفيه دليل على أن السنة أن يخطب قائما \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني استنباطًا فقهيًا، وهو القول بسنِّية القيام حال الخطبة، ووجه استنباطه من هذه الآية وصفُ حالِ النبيِّ ﷺ وقت خطبته بحال القيام، وذلك عندما رأوا الصحابة القافلة التي قدمت للتجارة فتركوا النبي ﷺ قائما وهو يخطب.\nقال ابن العربي: \" في هذه الآية دليلٌ على أن الإمام يخطب قائمًا، كذلك كان يفعل النبي ﷺ. (^٢)\nوممن قال بسنية القيام حال الخطبتين من الفقهاء وأهل التفسير: أبو إسحاق (^٣)، والكيا الهراسي، والجصاص، والقرطبي، وابن كثير، وابن جزي، والسيوطي، وغيرهم (^٤). (^٥)\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٥/ ٤٣٦).\n(^٢) أحكام القرآن لابن العربي (٧/ ٣٤٩).\n(^٣) هو: إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد البغدادي المالكي، أبو إسحاق، مفسر مقرئ محدث، فقيه، نشأ ببغداد وولي القضاء بها، ولد سنة ١٩٩ هـ، من تصانيفه: أحكام القرآن، والمسند، وكتاب القراءات، توفي سنة ٢٨٢ هـ، انظر: تذكرة الحفاظ (٢/ ١٤٩)، ومعجم المؤلفين (٢/ ٢٦١).\n(^٤) انظر: أحكام القرآن لأبي إسحاق (١/ ٢٠٩)، وأحكام القرآن للكيا الهراسي (٤/ ٤١٦)، وأحكام القرآن للجصاص (٥/ ٣٤٤)، والجامع لأحكام القرآن (١٨/ ١٠٩)، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (٨/ ١٢٤)، والتسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي (١/ ٢٣٨٧)، والإكليل للسيوطي ص ٢٦٣.\n(^٥) وقد أثر أن أول من استراح أثناء الخطبة عثمان بن عفان ﵁، وأول من خطب قاعدا معاوية ﵄، وقد ثبت أن جلوسهم ﵃ إنما لكبر سنهم وعجزهم عن القيام وليس استهانة في فعل هذه السنة، بل فيها دليل على عدم الوجوب، لأننا لو قلنا بالوجوب لقام بأداء الخطبة من يستطيع على القيام لعجز من لا يقدر على ذلك. انظر: البحر المحيط لأبي حيان (٨/ ٢٦٥)، وروح المعاني للألوسي (١٤/ ٣٠٠).","vol":"1","page":318},{"text":"وقد اشترط الشافعية القيام عند القدرة لصحة الخطبة مستدلين بظاهر الآية من ذكر القيام، والصحيح أن ظاهر الآية ليس فيه دليل على الاشتراط وإنما هو كما ذكر السمعاني والموافقون له بأنه سنة، والمخالف لها مخالف لفعل ما أثر عنه ﵇ عند أداء هذه الشعيرة الدينية، ولعدم وجود دليل يقتضي الأمر في ذلك، وقد ذكر الإمام أحمد ومالك وأبو حنيفة أنه لا يشترط القيام ولا القعود في الخطبتين، وإنما هو سنة. (^١)\nومما يدل على قيامه ﵇ عند خطبتيه، ما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله (أن النبي ﷺ كان يخطب قائما يوم الجمعة). (^٢)\nوما قد رواه مسلم في صحيحه أيضًا، عن جابر بن سمرة قال: \" كانت للنبي ﷺ خطبتان يجلس بينهما، يقرأ القرآن ويذكر الناس \" (^٣). فدليل جلوسه بين الخطبتين أنه كان قائما، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: لباب التأويل (٤/ ٢٩٤)، وروح المعاني (١٤/ ٣٠٠).\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجمعة - باب تفسير قوله تعالى (وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما) - حديث ٨٦٣ (٢/ ٥٩٠).\n(^٣) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجمعة - باب ذكر الخطبتين قبل الصلاة وما فيهما من الجلسة - حديث ٨٦٢ (٢/ ٥٨٩).","vol":"1","page":319},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-172>تخصيص البنان بالذكر فيه دلالة على أن ماسواها أولى بالقدرة على التسوية والجمع</span>.\nقال تعالى: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة ٤]\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" وقوله: ﴿عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ أي: على تسوية بنانه، وهي أطراف الأصابع، وفيها عظام صغار، وخصَّها بالذكر، لأنه تعالى إذا قدر على جمع العظام الصغار فعلى الكبار أقدر على جمعها وإحيائها \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني في هذه الآية بدلالة مفهوم الموافقة من نوع فحوى الخطاب أن السبب في تخصيص ذكر البنان دون سائر أعضاء الجسد من الأطراف والعظام وغيرها، أن في ذلك دلالة على أن جمع وإحياء ما سواها من العظام أقدر وأيسر، وذلك لدقتها ولطافتها وصغرها مع ما تشتمله من المفاصل والعروق والأظافر.\nقال الشوكاني: \" فنبه سبحانه بالبنان وهي الأصابع على بقية الأعضاء، وأن الاقتدار على بعثها وإرجاعها كما كانت أولى في القدرة من إرجاع الأصابع الصغيرة اللطيفة المشتملة على المفاصل والأظافر والعروق اللطاف والعظام الدقاق، فهذا وجه تخصيصها بالذكر \". (^٢)\nوممن أشار إلى ذلك أيضًا: البغوي، والزمخشري، والقرطبي، وأبو حيان، والبيضاوي، والنسفي، وأبو السعود، وغيرهم. (^٣)\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٦/ ١٠٢).\n(^٢) فتح القدير (٧/ ٣٦٢).\n(^٣) انظر: معالم التنزيل (٨/ ٢٨٠)، والكشاف (٤/ ٦٥٩)، والجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٩٤)، والبحر المحيط (٨/ ٢٨٩)، وأنوار التنزيل (٥/ ٤٢٠)، ومدارك التنزيل (٣/ ٤٨٩)، وإرشاد العقل السليم (٦/ ٤١٤).","vol":"1","page":320},{"text":"وقد أشار بعض المفسرين إلى لفتة أخرى تدل على معنى رائع، وهو القول بأن تسوية البنان الذي هو آخر الجسد فيه دليل على تسوية ما قبله من خلق الإنسان، واستنباطهم هذا بدلالة الالتزام، بمعنى أنه يلزم من خلق وتسوية وإعادة البنان سبق خلق سائر الجسد، قال ابن عاشور: \" وإذا كانت هي أصغر الأعضاء الواقعة في نهاية الجسد كانت تسويتها كناية عن تسوية جمع الجسد لظهور أن تسوية أطراف الجسد تقتضي تسوية ما قبلها \". (^١)\nوقد أيد هذا المعنى النيسابوري، والسعدي. (^٢)\nوالصحيح أنه لا تعارض بين هذين الاستنباطين، لأن من قدر على خلق وتسوية البنان مع دقته ولطافته فهو لما سواه أقدر، ومع ذلك فخلق وإحياء هذا البنان دليل على أن الله قد أحيا وأعاد تسوية ما قبله من العظام وسائر الجسد، والله أعلم.\n_________\n(^١) التحرير والتنوير (٢٩/ ٣١٦).\n(^٢) انظر: رغائب القرآن (٦/ ٤٠٠)، وتفسير السعدي ص ٨٩٨.","vol":"1","page":321},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-173>ثبوت نعيم رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة</span>.\nقال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين ١٥].\n• قال السمعاني - ﵀ -: \" قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ في الآية دليل على أن المؤمنين يرون الله تعالى \". (^١)\n\nالدراسة:\nاستنبط السمعاني بمفهوم مخالفة هذه الآية أن المؤمنين ليسوا محجوبين عن رؤيته جل وعلا في الآخرة، وذلك لأن الله جعل من أنواع وألوان النعيم التي يحرمها الكفار يوم القيامة هو حجب ومنع الرؤية للكفار لوجهه سبحانه. (^٢)\nوهذا هو معتقد أهل السنة والجماعة بالقول بأن رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة حق، لما دلت عليه نصوص الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة، فالزيادة في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ المراد بها نعيم النظر إلى وجهه الكريم، والحسنى هي الجنة كما بين هذين المعنيين ﷺ. وكذلك ما دلت عليه الآثار النبوية من تحقيق رؤيتة المؤمنين لربهم سبحانه يوم القيامة، منها ما قد ثبت من حديث جرير ﵁ قال: كنا جلوس عند رسول الله ﷺ إذ نظر إلى القمر ليلة البدر فقال: (أما إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون\n_________\n(^١) تفسير السمعاني (٦/ ١٨١).\n(^٢) وهذا الاستنباط قد نقل عن الإمامين الشافعي ومالك، قال الشافعي: \" لما حجب قوما بالسخط، دل على أن قوما يرونه بالرضا \"، وقال مالك بن أنس في هذه الآية: لما حجب أعداءه فلم يروه تجلى لأوليائه حتى رأوه \" انظر: أحكام القرآن للشافعي (١/ ٢٩)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٩/ ٢٦١)، وفتح القدير للشوكاني (٧/ ٤٤٢).","vol":"1","page":322},{"text":"في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها - يعني العصر والفجر - ثم قرأ جرير ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾) (^١).\nوقد خالف المعتزلة القول برؤية الله، وقالوا بأنه لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة، ودليلهم قوله سبحانه لموسى ﵇ حينما سأل رؤية ربه بأن ينظر إليه قال تعالى له: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ وزعموا بأن \" لن \" في هذه الآية تفيد التأبيد، بمعنى أنه لن يرى في الدنيا ولا في الآخرة.\nويتبين مما سبق صحة استنباط السمعاني وبطلان القول المخالف، وذلك بأن يرد على قولهم بأن \" لن \" في هذه الآية لا تفيد تأبيدا، وليس لهم حجة فيها لأن معنى الآية: لن تراني في الدنيا أو في الحال، لأنه كان يسأل الرؤية في الحال، فإذًا لا تكون \" لن \" هنا للتأبيد. بل قد ذكر العلماء جواز الرؤية لله في الدنيا عقلًا ومنعوها شرعًا، لأن سؤال موسى ﵇ رؤية ربه ليس محالًا، إذ لو كان محالًا لما خفي على موسى ﵇ الجائز والمستحيل. (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب فضل صلاتي الصبح والعصر - حديث ٦٣٣ (١/ ٤٣٩).\n(^٢) انظر: معالم التنزيل للبغوي (٣/ ٢٧٦)، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (٨/ ٣٥١)، وحادي الأرواح لابن القيم (١/ ٢٠١)، ومدارك التنزيل للنسفي (٤/ ١٤)، وقد ذكر الشنقيطي الرد على استدلال المعتزلة بهذه الآية فقال: \" والجواب من ثلاثة أوجه: الأول: أن المعنى: لا تدركه الأبصار أي في الدنيا فلا ينافي الرؤية في الآخرة. الثاني: أنه عام مخصوص برؤية المؤمنين له في الآخرة، وهذا قريب في المعنى من الأول. الثالث: وهو الحق: أن المنفي في هذه الآية الإدراك المشعر بالإحاطة بالكنه، أما مطلق الرؤية فلا تدل الآية على نفيه بل هو ثابت بهذه الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة واتفاق أهل السنة والجماعة على ذلك. انظر: دفع إيهام الاضطراب للشنقيطي (٥/ ٢١٥). وانظر: الاستنباط رقم ٥٣.","vol":"1","page":323},{"text":"وأيضًا لمخالفة قولهم لنصوص القرآن والسنة التي أثبتت حقيقة رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، كما ذكر سابقا، بل من أصرح الأدلة من القرآن على رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ فأثبتت هذه الآية الرؤية لله يوم القيامة، وقد قامت المعتزلة بتأويل النظر عن معناه الحقيقي، وقال أن المراد بأن هذه الوجوه منتظرة ماذا يفعل الله بها جزاء أعمالها (^١).\nومن هنا يتبين سلامة استنباط السمعاني وذلك لسلامة معتقده، وصفائه، بل وذبه، وذوده عن التحريف والتأويل للنصوص الشرعية من القرآن أو السنة. والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: الكشاف (٤/ ٦٦٣).","vol":"1","page":324},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-174>الخاتمة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>النتائج:</span>\nبداية أحمد الله على ما من به من إتمام هذا البحث، والعيش في رحاب القرآن، مع علم من الأعلام، بل مع عدد من الأئمة الأعلام من المفسرين وغيرهم.\nفهذه نعمة لا يقدر قدرها إلا من عاشها، وذاق طعمها، فلله الحمد والمنة أولًا وآخرّا، وبعد هذه الجولة الماتعة، أقف لأشير إلى أبرز نتائج البحث فأقول:\n- أن المراد بمفهوم الاستنباط من القرآن هو استخراج ما خفي من أنواع العلوم والحكم والفوائد بطريق صحيح من النصوص القرآنية.\n- سعة تنوع العلوم عند الإمام السمعاني وبراعته فيها لكثرة شيوخه، وتنوع مذهبه الفقهي، ورحلاته في طلب العلم، يؤيد ذلك ما أثر عنه من كثرة طلابه وتنوع مؤلفاته.\n- أن سبر استنباطات السمعاني وموازنتها باستنباطات من قبله ومن بعده من المفسرين تعطي الباحث ملكةً في تحقيق صحة الاستنباط من عدمه.\n- أنه ليس من السهولة بمكان الوصول إلى القول الصواب في صحة الاستنباط من عدمه، ولذا لابد من بذل الجهد، واستفراغ الوسع بالتأمل الدقيق، والنظر العميق، ومجاهدة النفس على الإتيان بالأسباب الأخرى المعينة على معرفة الصواب كسؤال أهل العلم ونحوها.\n- تنوع طرق الاستنباط عند الإمام السمعاني، والتي فيها دلالة على غزارة علمه، وشمولية فقهه، كاستنباطه بدلالة مفهوم الموافقة أو المخالفة أو الالتزام أو الاقتران أو نحو ذلك من الطرق.","vol":"1","page":325},{"text":"- تنوع موضوعات الاستنباط عند الإمام السمعاني في جميع علوم الدين إما في الجانب العقدي، أو الأصولي، أو الفقهي، أو البلاغي أو التربوي والسلوكي، أو نحو ذلك.\n- استخدم السمعاني في عرضه لبعض الاستنباطات طريقة السؤال والجواب، لحكمة جذب الفكر واستقطاب الذهن لدى القارئ.\n- سار السمعاني في استنباطاته على وفق منهج أهل السنة والجماعة، متصديا ومدافعا عنهم، ومبطلا للتأويلات الفاسدة لآراء أهل البدع، وأهوائهم.\n- أن من أهم الأسباب التي جعلت السمعاني يتصدى للدفاع عن معتقد أهل السنة والجماعة، ويبطل معتقدات أهل الفرق الضالة خصوصا القدرية والمعتزلة، هو كونه ﵀ على مذهب القدرية في الأصول بداية حياته ونشأته، حتى انتقل إلى مذهب أهل السنة والجماعة.\n- كانت استنباطات السمعاني معتمدة ومبنية على الدليل دون الخوض لانتصار لمعتقد أو مذهب، وهذا إن دل فإنما يدل على سلامة المعتقد عنده.\n- يعتبر السمعاني بمنهجه وطريقته في الاستنباط من أعظم العلماء المتقدمين الذين قصدوا كشف مضامين الآية، وأسرارها.\n- وجود مخالف لبعض استنباطات السمعاني، بل وكان في رأي المخالف وأدلته أحيانًا ما يضعِّف بعض استنباطات السمعاني ﵀.\n- عدم استيعابه لكثير من الاستنباطات، ولعل هذا ليس فيه دلالة على قصور عنده، وإنما لعله رجاء عدم الإسهاب في تفسيره.\n- تميزت استنباطات السمعاني بدقتها، وبسهولة عبارتها، وتنوعها، مع ما جمعته من اختصار المعنى المستنبط ووفائه.","vol":"1","page":326},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-176>التوصيات</span>\nفيما مضى من أيام عشتها مع هذا التفسير المبارك استرعى انتباهي بعض النقاط والوصايا التالية التي تستحق الإشارة إليها، وهي كالتالي بعد وصية الله للأولين والآخرين بتقواه ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾.\n- العناية بتفسير أبي المظفر السمعاني، ووضعه كمنهج دراسي لطلاب العلم حتى يجد مكانه، وذلك لقيمة هذا التفسير من جهة كونه تفسيرًا أثريًا متقدمًا، ولما سلمت عقيدة مؤلفه من البدع والأفكار والأهواء الزائفة، وشمولية فقه صاحبه، ولما في هذا التفسير من التحرير في بعض المسائل والترجيح.\n- استرعى انتباهي كثرة موارد السمعاني في تفسيره في سائر العلوم المختلفة، من لغة، أو قراءات، أو أصول، أو فقه، أو نحو ذلك من سائر العلوم، خاصة أن قسما من مصادره لا يزال في عداد المفقود، ونقله عنهم إثبات لوجود كتبهم، إضافة إلى توثيق المطبوع منها، وفي تقديري أن جمع موارده ودراستها تستحق بحثا، مقترحا أن يكون بعنوان \"موارد أبي المظفر السمعاني في تفسيره\".\n- أوصي بالاهتمام بدراسة استنباطات أهل التفسير خصوصًا المتقدمين والتي اقتطفوها من سائر العلوم في كتبهم وتفاسيرهم، ما لم يسبق دراستها، ومعرفة منهج وطرق الاستنباط الذي سلكوه فيها أثناء استخراج تلك المعاني، والحكم الخفية من نصوص آيات الذكر الحكيم.\n- تأصيل المنهج الصحيح للاستنباط من القرآن، وذلك بتدريسه في الجامعات، والأقسام العلمية، وعمل الندوات العلمية لذلك، وبيان خطر الولوج فيه من قبل غير المختصين.\n- دراسة أسباب الانحراف في استنباطات بعض المفسرين، وخصوصًا ما يتعلق بالجوانب العقدية، وتصحيحها وتقويمها، حتى يحذر القارئ من التأثر بها، والوقوع فيها.\nهذا والله أسأل أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن لا يجعل فيه نصيبًا لأحد من خلقه، وأن يكسوه ثوب القبول رغم تقصير من كتبه وما كتب فيه، وأن ينفع به من كتبه أو قرأه وصوَّبه.\nوصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"1","page":327},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>فهرس المصادر والمراجع</span>\n• القرآن الكريم.\n• الإبهاج في شرح المنهاج على منهاج الوصول إلى علم الأصول للبيضاوي، لعلي بن عبد الكافي السبكي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٤ هـ.\n• إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر، لشهاب الدين أحمد بن محمد بن عبد الغني الدمياطي، تحقيق: أنس مهرة، دار الكتب العلمية، لبنان، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.\n• الإتقان في علوم القرآن، لجلال الدين عبد الرحمن السيوطي، تحقيق: سعيد المندوب، دار الفكر، لبنان، ١٤١٦ هـ.\n• آثار البلاد وأخبار العباد، لزكريا بن محمد القزويني، دار صادر، بيروت.\n• أثر القواعد الأصولية اللغوية في استنباط أحكام القرآن، د. عبدالكريم حامدي، دار ابن حزم، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٩ هـ.\n• اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية، لمحمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٤ هـ.\n• أحكام القرآن الكريم، لأحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الحجري المعروف بالطحاوي، تحقيق: الدكتور سعد الدين أونال، مركز البحوث الإسلامية التابع لوقف الديانة التركي، استانبول، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ.\n• أحكام القرآن، لابن الفرس الأندلسي، تحقيق د. طه بوسريح، دار ابن حزم، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٧ هـ.\n• أحكام القرآن، لأبي الحسن علي بن محمد الكيا الهراسي، تحقيق: موسى محمد علي، عزت عبده عطية، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٥ هـ.\n• أحكام القرآن، لأبي بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص، تحقيق: محمد الصادق قمحاوي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ١٤٠٥ هـ.\n• أحكام القرآن، لأبي بكر محمد بن عبد الله بن العربي، تحقيق علي محمد البجاوي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.","vol":"1","page":328},{"text":"• أحكام القرآن، للقاضي أبي إسحاق إسماعيل بن إسحاق المالكي، تحقيق: عامر حسن صبري، دار ابن حزم، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٦ هـ.\n• أحكام القرآن، لمحمد بن إدريس الشافعي، تحقيق: عبد الغني عبد الخالق، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٠ هـ.\n• الإحكام في أصول الأحكام، لابن حزم، دار الكتب العلمية، بيروت.\n• الإحكام في أصول الأحكام، لسيف الدين أبي الحسن الآمدي، تحقيق، سيد الجميلي، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٤ هـ.\n• الأدب المفرد، للبخاري، تحقيق: محمد فؤاد عبدالباقي، دار البشائر، ١٤٠٩ هـ.\n• الأربعون، للطوسي، تحقيق: مشعل بن باني المطيري، دار بن حزم، بيروت، ١٤٢١ هـ.\n• إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم، لمحمد بن محمد العمادي أبو السعود، دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n• إرشاد الفحول إلي تحقيق الحق من علم الأصول، لمحمد بن علي بن محمد الشوكاني، تحقيق: الشيخ أحمد عزو عناية، دار الكتاب العربي، الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ.\n• الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك والإلحاد، لفضيلة الشيخ صالح بن فوزان بن عبد الله آل فوزان.\n• إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، لمحمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، ١٤٠٥ هـ.\n• أسباب نزول القرآن، لأبي الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري، مؤسسة الحلبي، القاهرة، توزيع: دار الباز.\n• الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ليوسف بن عبدالله بن عبدالبر، تحقيق: علي بن محمد البجاوي، دار الجيل، بيروت، ١٤١٢ هـ.","vol":"1","page":329},{"text":"• أسرار التكرار في القرآن، لمحمود بن حمزة بن نصر الكرماني، تحقيق: عبد القادر احمد عطا، دار الاعتصام، القاهرة، الطبعة الثانية، ١٣٩٦ هـ.\n• أسنى المطالب في أحاديث مختلفة المراتب، لمحمد بن درويش بن محمد الحوت، دار الكتب العلمية، بيروت.\n• الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية، لأبي الربيع نجم الدين سليمان بن عبد القوي الطوفي، دار الفاروق الحديثة، القاهرة، الطبعة الأولى، ١٤٣٢ هـ.\n• الإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر العسقلاني، تحقيق: علي بن محمد البجاوي، دار الجيل، بيروت، ١٤١٢ هـ.\n• أصول السرخسي، لأبي بكر محمد السرخسي، دار الكتاب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الاولى، ١٤١٤ هـ.\n• أصول الفقه الإسلامي، لمحمد مصطفى شلبي، دار النهضة العربية، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ.\n• أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، لمحمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي، دار الفكر، بيروت، لبنان، ١٤١٥ هـ.\n• إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد، لصالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثالثة، ١٤٢٣ هـ.\n• اعتقاد أهل السنة، لمحمد بن عبد الرحمن الخميس، الطبعة الأولى، وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، المملكة العربية السعودية، ١٤١٩ هـ.\n• إعلام الموقعين عن رب العالمين، لمحمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، تحقيق: طه عبد الرءوف سعد، دار الجيل، بيروت، ١٩٧٣ م.\n• الأعلام قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين، لخير الدين الزركلي، دار العلم، بيروت، الطبعة الخامسة، ١٩٨٠ م.\n• إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، لمحمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، تحقيق: محمد حامد الفقي، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثانية، ١٣٩٥ هـ.","vol":"1","page":330},{"text":"• الإكليل في استنباط التنزيل، لجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، تحقيق: سيف الدين عبد القادر الكاتب، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، ١٤٠١ هـ.\n• الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار، ليحيى بن أبي الخير العمراني، تحقيق: سعود بن عبد العزيز الخلف، أضواء السلف، الرياض، ١٩٩٩ م.\n• الأنساب، لأبي سعد عبد الكريم بن منصور السمعاني، تعليق: عبد الله عمر الباوردي، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ.\n• أنوار التنزيل وأسرار التأويل، للقاضي البيضاوي، دار الفكر، بيروت.\n• بالحجة والبرهان لا نسخ في القرآن، لحسام رشدي الغالي، المكتب العربي للمعارف، الطبعة الأولى، ٢٠٠٥ م.\n• بحر العلوم، لأبي الليث نصر بن محمد بن إبراهيم السمرقندي، تحقيق: د. محمود مطرجي، دار الفكر، بيروت.\n• البحر المحيط في أصول الفقه، لبدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي، تحقيق: د. محمد محمد تامر، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ١٤٢١ هـ.\n• البحر المديد، لأحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الإدريسي الشاذلي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية، ١٤٢٣ هـ.\n• بدائع التفسير الجامع لتفسير ابن القيم، ليسري محمد، وصالح الشامي، دار ابن الجوزي، الدمام، الطبعة الأولى، ١٤٢٧ هـ ..\n• بدائع الفوائد، لمحمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، تحقيق: هشام عبد العزيز عطا عادل عبد الحميد العدوي، مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ.\n• البداية والنهاية في التاريخ، لأبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي، مكتبة المعارف، بيروت.\n• البرهان في أصول الفقه، لعبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني، تحقيق: د. عبدالعظيم محمود الديب، دار الوفاء، مصر، ١٤١٨ هـ.","vol":"1","page":331},{"text":"• البرهان في علوم القرآن، لبدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعرفة، الطبعة الأولى، ١٣٧٦ هـ.\n• بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، لجلال الدين عبد الرحمن السيوطي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية، لبنان.\n• بلدان الخلافة الشرقية، لكي لسترنج، ترجمة بشير فرنسيس وكوركيس، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية، ١٤٠٥ هـ.\n• تاج العروس من جواهر القاموس، لمحمد مرتضى الزبيدي، دار تاريخ الهداية.\n• تاريخ الإسلام حوادث ووفيات، للذهبي، تحقيق: عمر عبدالسلام تدمري، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ.\n• تاريخ جرجان للسهمي، مراقبة: د. محمد خان، عالم الكتب، الطبعة الرابعة، ١٤٠٧ هـ.\n• تأويل مشكل القرآن، لابن قتيبة، تحقيق: إبراهيم شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٣ هـ ..\n• التبصرة في أصول الفقه، لإبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزآبادي، تحقيق: د. محمد حسن هيتو، دار الفكر، دمشق، ١٤٠٣ هـ.\n• التبصير في الدين وتمييز الفرق الناجين عن الفرق الهالكين، للأسفراييني، تحقيق: كمال يوسف الحوت، عالم الكتب، بيروت، الطبعة الأولى، ١٩٨٣ م.\n• التحبير شرح التحرير في أصول الفقه، لعلاء الدين علي بن سليمان المرداوي، تحقيق: د. عبدالرحمن الجبرين، د. عوض القرني، د. أحمد السراح، مكتبة الرشد، الرياض، ١٤٢١ هـ.\n• التحرير والتنوير، لمحمد الطاهر بن عاشور، الطبعة التونسية، دار سحنون، تونس، ١٩٩٧ م.\n• تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية، ثم صورته دار المعرفة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، ١٣٧٦ هـ.","vol":"1","page":332},{"text":"• تذكرة الأريب في تفسير الغريب لابن الجوزي، تحقيق: د. علي البواب، دار المعارف، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٠٧ هـ.\n• تذكرة الحفاظ، لشمس الدين محمد بن أحمد الذهبي، دار إحياء التراث العربي.\n• التسهيل لعلوم التنزيل، لمحمد بن أحمد بن محمد الغرناطي الكلبي، دار الكتاب العربي، لبنان،١٤٠٣ هـ.\n• تفسير ابن أبى حاتم، للإمام الحافظ أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، تحقيق: أسعد محمد الطيب، المكتبة العصرية، صيدا.\n• تفسير البحر المحيط، لمحمد بن يوسف الشهير بأبي حيان الأندلسي، تحقيق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض، دار الكتب العلمية، لبنان، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ.\n• تفسير الجلالين، لجلال الدين المحلي، وجلال الدين السيوطي، دار الحديث، القاهرة.\n• تفسير السراج المنير، لشمس الدين محمد بن أحمد الشربيني، دار الكتب العلمية، بيروت.\n• تفسير القرآن العظيم، لأبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي، تحقيق: محمود حسن، دار الفكر، بيروت، ١٤١٤ هـ\n• تفسير القرآن الكريم الحجرات-الحديد، للعثيمين، طبع بإشراف مؤسسة العثيمين الخيرية، دار الثريا للنشر، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٥ هـ.\n• تفسير القرآن الكريم جزء عم، للعثيمين، طبع بإشراف مؤسسة العثيمين الخيرية، دار الثريا للنشر، الرياض، الطبعة الثالثة، ١٤٢٤ هـ.\n• تفسير القرآن الكريم سورة آل عمران، للعثيمين، طبع بإشراف مؤسسة العثيمين الخيرية، دار ابن الجوزي، الدمام، الطبعة الأولى، ١٤٢٦ هـ.\n• تفسير القرآن الكريم سورة الصافات، للعثيمين، طبع بإشراف مؤسسة العثيمين الخيرية، دار الثريا للنشر، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.","vol":"1","page":333},{"text":"• تفسير القرآن الكريم سورة الفاتحة-البقرة، للعثيمين، طبع بإشراف مؤسسة العثيمين الخيرية، دار ابن الجوزي، الدمام، الطبعة الأولى، ١٤٢٣ هـ.\n• تفسير القرآن الكريم سورة الفاتحة-البقرة، للعثيمين، طبع بإشراف مؤسسة العثيمين الخيرية، دار ابن الجوزي، الدمام، الطبعة الأولى ١٤٢٣ هـ.\n• تفسير القرآن الكريم سورة الكهف، للعثيمين، طبع بإشراف مؤسسة العثيمين الخيرية، دار ابن الجوزي، الدمام، الطبعة الأولى، ١٤٢٣ هـ.\n• تفسير القرآن الكريم سورة ص، للعثيمين، طبع بإشراف مؤسسة العثيمين الخيرية، دار الثريا للنشر، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٥ هـ.\n• تفسير القرآن الكريم سورة يس، للعثيمين، طبع بإشراف مؤسسة العثيمين الخيرية، دار الثريا للنشر، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.\n• تفسير القرآن، لأبي المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار السمعاني، تحقيق ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم، دار الوطن، الرياض، المملكة العربية السعودية، ١٤١٨ هـ.\n• التفسير الكبير (مفاتيح الغيب)، لفخر الدين محمد بن عمر التميمي الرازي الشافعي، دار الكتب العلمية، بيروت،١٤٢١ هـ.\n• التفسير المظهري، لمظهري محمد ثناء الله، تحقيق: غلام نبي تونسي، مكتبة رشديه، باكستان، ١٤١٢ هـ.\n• تفسير المنار، لمحمد رشيد رضا، تحقيق: فؤاد عبدالغفار، المكتبة التوفيقية، القاهرة.\n• التفسير الوسيط، لوهبة بن مصطفى الزحيلي، دار الفكر، دمشق، ١٤٢٢ هـ.\n• تفسير آيات الأحكام في سورة المائدة، د. سليمان اللاحم، دار العاصمة، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.\n• تفسير روح البيان، لإسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.","vol":"1","page":334},{"text":"• تفسير غريب القرآن، لابن قتيبة، دار الكتب العلمية، بيروت.\n• التقرير والتحرير في علم الأصول، لابن أمير الحاج، دار الفكر، بيروت، ١٤١٧ هـ.\n• تهذيب الأسماء واللغات، لأبي زكريا محيي الدين بن شرف النووي، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، جامعة الإمام محمد بن سعود، الرياض، ١٣٩٩ هـ.\n• تهذيب اللغة، لأبي منصور الأزهري، تحقيق ومراجعة: عبد السلام هارون، ومحمد النجار، الدار المصرية للتأليف والترجمة، مصر، الطبعة ١٣٨٤ هـ.\n• تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد، لسليمان بن عبدالله، تحقيق عرفات العشا، وصدقي جميل، دار الفكر، ١٤١٢ هـ.\n• تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، لعبد الرحمن بن ناصر بن السعدي، تحقيق: عبد الرحمن بن معلا اللويحق، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ.\n• تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن، لعبدالرحمن السعدي، من مطبوعات وزارة الشؤون الإسلامية، دار عالم الكتب، ١٤٢٤ هـ.\n• التيسير بشرح الجامع الصغير، للإمام الحافظ زين الدين عبد الرؤوف المناوي، مكتبة الإمام الشافعي، الرياض، الطبعة الثالثة، ١٤٠٨ هـ.\n• الثقات، لمحمد بن حبان بن أحمد التميمي، تحقيق: السيد شرف الدين أحمد، دار الفكر، الطبعة الأولى، ١٣٩٥ هـ.\n• جامع البيان في تأويل القرآن، لمحمد بن جرير الطبري، تحقيق: أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ.\n• الجامع الصحيح وزيادته، لمحمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي.\n• جامع العلوم والحكم، لابن رجب الحنبلي، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ.\n• الجامع لأحكام القرآن لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي، تحقيق: هشام سمير البخاري، دار عالم الكتب، الرياض، المملكة العربية السعودية، ١٤٢٣ هـ.","vol":"1","page":335},{"text":"• جلاء الأفهام، لمحمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، دار ابن كثير، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ.\n• الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي (الداء والدواء)، لمحمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، دار الكتب العلمية، بيروت.\n• جواهر الأفكار ومعادن الأسرار المستخرجة من كلام العزيز الجبار، لابن بدران، تحقيق: زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ.\n• الجواهر المضية في طبقات الحنفية، لأبي الوفاء عبد القادر القرشي، تحقيق: عبدالفتاح الحلو، دار العلوم، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ.\n• حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، لمحمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، دار الكتب العلمية، بيروت.\n• حاشية ابن القيم على سنن أبي داود، لمحمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية، ١٤١٥ هـ.\n• حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي، لشهاب الدين أحمد الخفاجي، تحقيق: عبدالرزاق مهدي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.\n• حاشية الصاوي على تفسير الجلالين، لأحمد بن محمد الصاوي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.\n• حاشية زاده على تفسير البيضاوي، لمحيي الدين شيخ زاده، تحقيق محمد شاهين، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.\n• حجة القراءات، لعبد الرحمن بن محمد بن زنجلة، تحقيق: سعيد الأفغاني، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية، ١٤٠٢ هـ.\n• الحجة في القراءات السبع، للحسين بن أحمد بن خالويه، تحقيق: عبد العال سالم مكرم، دار الشروق، بيروت، ١٤٠١ هـ.","vol":"1","page":336},{"text":"• الحجة للقراء السبعة، لأبي علي الفارسي، تحقيق: بدر الدين قهوجي، بشير حديجاني، دار المأمون للتراث، دمشق، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ.\n• حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن، لمحمد الأمين بن عبد الله الهروي، دار طوق النجاة، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\n• الدر المنثور لعبد الرحمن بن الكمال جلال الدين السيوطي، دار الفكر، بيروت، ١٩٩٣ م.\n• درء تعارض العقل والنقل أو موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول، لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: عبد اللطيف عبد الرحمن، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٧ هـ.\n• درج الدرر في تفسير الآي والسور، لعبد القادر الجرجاني، تحقيق وليد الحسين، وإياد القيسي، صدر عن مجلة الحكمة الصادرة في بريطانيا، الطبعة الأولى، ١٤٢٩ هـ.\n• دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، لمحمد الأمين الشنقيطي، مطابع الرياض، الطبعة الأولى ١٣٧٥ هـ.\n• الدلالات وطرق الاستنباط، لإبراهيم بن أحمد الكندي، دار قتيبة، بيروت، ١٤١٩ هـ.\n• الرسالة، لمحمد بن إدريس الشافعي، تحقيق: أحمد محمد شاكر، دار الكتب العلمية، بيروت.\n• روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، لأبي الفضل محمود الألوسي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.\n• الروض المعطار في خبر الأقطار، لمجمد بن عبد المنعم الحميري، تحقيق: إحسان عباس، مؤسسة ناصر للثقافة، بيروت، الطبعة الثانية، ١٩٨٠ م.\n• روضة الناظر وجنة المناظر، لعبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي، تحقيق: د. عبد العزيز عبد الرحمن السعيد، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٠٠ هـ.","vol":"1","page":337},{"text":"• زاد المسير، في علم التفسير لعبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي، المكتب الإسلامي، بيروت، ١٤٠٤ هـ.\n• زاد المعاد في هدي خير العباد، لمحمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، مؤسسة الرسالة، بيروت ومكتبة المنار الإسلامية، الكويت، الطبعة السابعة والعشرون، ١٤١٥ هـ.\n• زهرة التفاسير، لمحمد أبو زهرة، دار الفكر العربي.\n• السبعة في القراءات، لأبي بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد، تحقيق: شوقي ضيف، دار المعارف، مصر، ١٤٠٠ هـ.\n• سبل الاستنباط من الكتاب والسنة، للدكتور: محمد توفيق محمد سعيد، مطبعة الأمانة، مصر، ١٤١٣ هـ.\n• سلسلة الأحاديث الضعيفة، لمحمد ناصر الدين الألباني، دار المعارف، الرياض، ١٤١٢ هـ.\n• السلسلة الصحيحة، لمحمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف، الرياض.\n• سنن ابن ماجه، تحقيق: محمد فؤاد عبدالباقي، دار الفكر، بيروت،\n• سنن أبي داود، لأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني، دار الكتاب العربي، بيروت.\n• سنن الترمذي، تحقيق: أحمد شاكر، دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n• السنن الكبرى، لأبي بكر أحمد الحسين البيهقي، تحقيق: محمد عبدالقادر عطا، مكتبة دار الباز، مكة المكرمة، ١٤١٤ هـ.\n• سير أعلام النبلاء، لشمس الدين محمد بن أحمد الذهبي، تحقيق: مجموعة من الباحثين بإشراف شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة السابعة، ١٤١٠ هـ.","vol":"1","page":338},{"text":"• شذرات الذهب في أخبار من ذهب، لابن العماد الحنبلي، تحقيق: عبدالقادر الأرناؤوط، ومحمود الأرناؤوط، دار ابن كثير، الطبعة الأولى ١٤١٣ هـ.\n• شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، لهبة الله بن الحسن بن منصور اللالكائي، تحقيق: أحمد سعد حمدان، دار طيبة، الرياض، ١٤٠٢ هـ.\n• شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك، لمحمد عبدالباقي الزرقاني، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١١ هـ.\n• شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز، تحقيق: عبد الله التركي وشعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت. الطبعة الثانية ١٤١٣ هـ.\n• شرح العقيدة الواسطية، للشيخ صالح بن فوزان الفوزان، مكتبة المعارف، الرياض، ١٤١٩ هـ.\n• شرح الكوكب المنير، لأبي البقاء محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن علي الفتوحي المعروف بابن النجار، تحقيق: محمد الزحيلي ونزيه حماد، مكتبة العبيكان، الرياض، الطبعة الثانية، ١٤١٣ هـ.\n• الشرح الممتع على زاد المستقنع، للعثيمين، دار ابن الجوزي، الدمام، الطبعة الأولى ١٤٢٦ هـ.\n• شرح زاد المستقنع، لمحمد بن محمد المختار الشنقيطي، دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية.\n• شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري، للغنيمان، مكتبة الدار، المدينة المنورة، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ.\n• شرح لامية شيخ الإسلام ابن تيمية، لعمر بن سعود العيد، دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية.\n• شعب الإيمان، للبيهقي، تحقيق: محمد السعيد البسيوني، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٠ هـ.\n• شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، لمحمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، دار المعرفة، بيروت، لبنان، ١٣٩٨ هـ.","vol":"1","page":339},{"text":"• الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، لإسماعيل بن حماد الجوهري، تحقيق: أحمد عبدالغفور عطار، دار العلم للملايين، ١٣٩٩ هـ.\n• صحيح ابن حبان، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤١٤ هـ.\n• صحيح ابن خزيمة، تحقيق: محمد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت، ١٣٩٠ هـ.\n• صحيح البخاري، لأبي عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري، تحقيق: مصطفى البغا، دار بن كثير، بيروت، الطبعة الثالثة، ١٤٠٧ هـ.\n• صحيح الترغيب والترهيب، لمحمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الخامسة، مكتبة المعارف، الرياض.\n• الصحيح المسند من أسباب النزول، لمقبل بن هادى الوادعي، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، مصر، ١٤٠٨ هـ.\n• صحيح مسلم، لأبي الحسين مسلم بن الحجاج، تحقيق: محمد فؤاد عبدالباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n• صفوة الآثار والمفاهيم، للشيخ عبدالرحمن الدوسري، دار المغني للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، ١٤٢٥ هـ.\n• الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، لمحمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، تحقيق: د. علي بن محمد الدخيل الله، دار العاصمة، الرياض، الطبعة الثالثة، ١٤١٨ هـ.\n• طبقات الحنفية، لابن الحنائي، تحقيق سفيان محمد، دار ابن الجوزي، ١٤٢٥ هـ.\n• طبقات الشافعية الكبرى، لتاج الدين بن علي السبكي، تحقيق: محمود بن محمد الطناحي وعبد الفتاح محمد الحلو، دار هجر، الطبعة الثانية، ١٤١٣ هـ.\n• طبقات الشافعية، للأسنوي، تحقيق: عبدالله الجبوري، دار العلوم، الرياض، ١٤٠١ هـ.","vol":"1","page":340},{"text":"• طبقات المفسرين للداودي، تحقيق: علي عمر، مكتبة وهبة، القاهرة، الطبعة الأولى ١٣٩٢ هـ.\n• طبقات المفسرين، لجلال الدين السيوطي، تحقيق: علي محمد عمر، مكتبة وهبة، الطبعة الأولى، ١٣٩٦ هـ.\n• طريق الهجرتين وباب السعادتين، لمحمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، تحقيق: عمر بن محمود أبو عمر، دار ابن القيم، الدمام، الطبعة الثانية، ١٤١٤ هـ.\n• العبر في أخبار من غبر، للذهبي، تحقيق: صلاح الدين المنجد، مطبعة حكومة الكويت، الطبعة الثانية، ١٩٨٤ م.\n• عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين، لمحمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، تحقيق: زكريا علي يوسف، دار الكتب العلمية، بيروت.\n• العقيدة السفارينية، لمحمد بن أحمد بن سالم بن سليمان السفاريني، تحقيق: أشرف بن عبدالمقصود، مكتبة أضواء السلف، الرياض، الطبعة الأولى، ١٩٩٨ م.\n• علماء نجد خلال ثمانية قرون، لعبد الله آل بسام، دار العاصمة للنشر والتوزيع، الطبعة الثالثة.\n• غرائب القرآن ورغائب الفرقان، للحسن بن محمد بن حسين القمي النيسابوري، تحقيق: الشيخ زكريا عميران، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ.\n• غريب القرآن، لأبي بكر محمد بن عزيز السجستاني، تحقيق: محمد أديب عبد الواحد جمران، دار قتيبة، ١٤١٦ هـ.\n• فتح الباري، شرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي ومحب الدين الخطيب، دار الريان للتراث، القاهرة، الطبعة الثانية، ١٤٠٧ هـ.\n• فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، لمحمد بن علي بن محمد الشوكاني، دار الفكر، بيروت.\n• فتح المجيد شرح كتاب التوحيد، لعبدالرحمن بن حسن، تحقيق الوليد آل فريان، توزيع وزارة الشؤون الإسلامية، الطبعة الرابعة ١٤١٩ هـ.","vol":"1","page":341},{"text":"• فتح المنان في نسخ القرآن، لعلي العريض، مكتبة الخانجي، مصر، الطبعة الأولى، ١٩٧٣ م.\n• الفرق بين التفسير والتأويل والاستنباط، للدكتور: مساعد بن سليمان الطيار، دار ابن الجوزي، ١٤٢٣ هـ.\n• الفرق بين الفرق وبيان الفرقة الناجية، لعبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي، دار الآفاق الجديدة، بيروت، الطبعة الثانية، ١٩٧٧ م.\n• الفصل في الملل والأهواء والنحل، لعلي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري، مكتبة الخانجي، القاهرة.\n• الفصول في الأصول، لأحمد بن علي الرازي الجصاص، تحقيق: د. عجيل جاسم النشمي، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية دولة الكويت، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ.\n• الفقيه والمتفقه، لأحمد بن علي بن ثابت المعروف بالخطيب البغدادي، تحقيق: عادل بن يوسف العزازي، دار ابن الجوزي، الرياض، ١٤١٧ هـ.\n• الفوائد، لمحمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية، ١٣٩٣ هـ.\n• القاموس المحيط، للفيروز آبادي، تحقيق: حسان عبد المنان، بيت الأفكار الدولية، عمان.\n• قواطع الأدلة في الأصول، لأبي المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار السمعاني، تحقيق: محمد حسن محمد حسن اسماعيل، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.\n• القواعد والفوائد الأصولية وما يتعلق بها من الأحكام، لعلي بن عباس البعلي الحنبلي، تحقيق: محمد حامد الفقي، مطبعة السنة المحمدية، القاهرة، ١٣٧٥ هـ.\n• الكافي في فقه الإمام أحمد بن حنبل، لعبد الله بن قدامة المقدسي، المكتب الإسلامي، بيروت.","vol":"1","page":342},{"text":"• كتاب أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة، لنخبة من العلماء، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ.\n• كتاب الحاوي الكبير، لأبي الحسن الماوردي، دار الفكر، بيروت.\n• كتاب حجج القرآن، لأبي الفضائل أحمد بن محمد بن المظفر الرازي، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ.\n• الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، لأبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي، تحقيق عبد الرزاق المهدي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n• كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي، لعلاء الدين عبد العزيز بن أحمد البخاري، تحقيق: عبد الله محمود محمد عمر، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٨ هـ.\n• الكشف والبيان، لأبي إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي النيسابوري، تحقيق: الإمام أبي محمد بن عاشور، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ.\n• الكشف والبيان، لأبي إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي النيسابوري، تحقيق: الإمام أبي محمد بن عاشور، مراجعة وتدقيق الأستاذ نظير الساعدي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ١٤٢٢ هـ.\n• لا نسخ في القرآن، لأحمد حجازي السقا، دار الفكر العربي، القاهرة، الطبعة الأولى، ١٣٩٨ هـ.\n• لا نسخ في القرآن ... لماذا، لعبد المتعال الجبري، مكتبة وهبة، مصر، الطبعة الأولى، ١٤٠٣ هـ.\n• لباب التأويل في معاني التنزيل، لعلاء الدين علي بن محمد بن إبراهيم البغدادي الشهير بالخازن، دار الفكر، بيروت، لبنان، ١٣٩٩ هـ.","vol":"1","page":343},{"text":"• لباب النقول في أسباب النزول، لعبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد السيوطي، دار إحياء العلوم، بيروت.\n• اللباب في علوم الكتاب، لأبي حفص عمر بن علي ابن عادل الدمشقي الحنبلي، تحقيق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.\n• لسان العرب، لمحمد بن مكرم بن منظور، دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى.\n• لسان الميزان، لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تحقيق: دائرة المعار النظامية، الهند، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، الطبعة الثالثة، ١٤٠٦ هـ.\n• لطائف الإشارات، لعبد الكريم بن هوازن القشيري، تحقيق: إبراهيم بسيوني، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر.\n• اللمع في أصول الفقه، لأبي إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ\n• لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية، لشمس الدين محمد بن أحمد بن سالم السفاريني، مؤسسة الخافقين ومكتبتها، دمشق، الطبعة الثانية، ١٤٠٢ هـ.\n• مباحث في علوم القرآن، للدكتور: مناع القطان، مكتبة المعارف، الطبعة الثالثة، ١٤٢١ هـ.\n• مجلة البحوث الإسلامية، الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء، الرياض، العدد ٣٢.\n• مجلة البحوث الإسلامية، الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء، الرياض، العدد ٧٥.\n• مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، لعلي بن أبي بكر الهيثمي، التدقيق مع المقابلة مع طبعة دار الفكر، بيروت، طبعة ١٤١٢ هـ.\n• مجموع الفتاوى، لأبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، تحقيق: أنور الباز وعامر الجزار، دار الوفاء، الطبعة الثالثة، ١٤٢٦ هـ.","vol":"1","page":344},{"text":"• مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين، لمحمد بن صالح بن محمد العثيمين، تحقيق: فهد بن ناصر بن إبراهيم السليمان، دار الوطن ودار الثريا، ١٤١٣ هـ.\n• مجموع فتاوى ومقالات متنوعة للشيخ ابن باز، جمع وترتيب د. محمد الشويعر، توزيع مركز الدعوة بالرياض، الطبعة الثالثة ١٤٢٣ هـ.\n• محاسن التأويل، لمحمد جمال الدين القاسمي، تحقيق: أحمد علي، وحمدي صبح، دار الحديث، القاهرة، ١٤٢٤ هـ.\n• المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لأبي محمد عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي، تحقيق: عبد السلام عبد الشافي محمد، دار الكتب العلمية، لبنان، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ.\n• المحصول في علم الأصول، لمحمد بن عمر بن الحسين الرازي، تحقيق: طه جابر فياض العلواني، دار المعرفة، بيروت، ١٤٠٤ هـ.\n• مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، لمحمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، تحقيق: محمد حامد الفقي، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الثانية، ١٣٩٣ هـ.\n• مدارك التنزيل وحقائق التأويل، لأبي البركات عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي، دار النفائس، بيروت ٢٠٠٥ م.\n• مذكرة أصول الفقه على روضة الناظر، للشنقيطي، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ.\n• المستدرك على الصحيحين، للإمام الحاكم النيسابوري، تحقيق: مصطفى عبدالقادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١١ هـ.\n• المستصفى في علم الأصول، لمحمد بن محمد الغزالي، تحقيق: محمد عبد السلام عبد الشافي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ.\n• مسند الإمام أحمد، تحقيق: السيد أبو المعاطي النووي، عالم الكتب، بيروت، الطبعة الأولى.","vol":"1","page":345},{"text":"• مشكاة المصابيح، لمحمد بن عبد الله الخطيب التبريزي، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثالثة، ١٤٠٥ هـ.\n• المصنف في الأحاديث والآثار، لابن أبي شيبة، تحقيق: كمال يوسف الحوت، مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٠٩ هـ.\n• المصنف، للحافظ أبي بكر عبد الرزاق الصنعاني، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثانية، ١٤٠٣ هـ.\n• معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة، لمحمد بن حسين بن حسن الجيزاني، دار ابن الجوزي، الرياض، الطبعة الخامسة، ١٤٢٧ هـ.\n• معالم التنزيل، لأبي محمد الحسين بن مسعود البغوي، تحقيق: محمد عبد الله النمرعثمان جمعة ضميريةسليمان مسلم الحرش، دار طيبة للنشر والتوزيع، الطبعة الرابعة، ١٤١٧ هـ.\n• معاني القرآن، لأبي جعفر النحاس، تحقيق: محمد علي الصابوني، جامعة أم القرى، مكة المكرمة، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، ١٤٠٩ هـ.\n• معاني القرآن، لأبي زكريا يحيى بن زياد الفراء، تحقيق: أحمد يوسف نجاتي، محمد علي نجار، عبد الفتاح إسماعيل شلبي، دار المصرية للتأليف والترجمة، مصر.\n• معجم الأدباء، لياقوت الحموي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n• معجم البلدان، لياقوت الحموي، دار الفكر، بيروت.\n• معجم المؤلفين تراجم مصنفي الكتب العربية، لعمر رضا كحالة، مكتبة المثنى، وإحياء التراث، بيروت.\n• معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع، للبكري، تحقيق: د. جمال طلبة، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ.\n• معجم مقاييس اللغة، لأبي الحسين أحمد بن فارس، تحقيق: عبد السلام هارون، دار الفكر، بيروت، ١٣٩٩ هـ.\n• المغني في فقه الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، لعبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ.","vol":"1","page":346},{"text":"• مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة، لمحمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، دار الكتب العلمية، بيروت.\n• المفردات في غريب القرآن، لأبي القاسم الحسين بن محمد الأصبهاني، تحقيق محمد سيد كيلاني، دار المعرفة، لبنان.\n• مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، لأبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، الطبعة الثانية، ١٣٨٩ هـ، والمكتبة العصرية، بيروت، ١٤١١ هـ.\n• ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل في توجيه المتشابه اللفظ من آي التنزيل، لأحمد بن إبراهيم الزبير الثقفي الغرناطي، تحقيق: سعيد الفلاح، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الثانية، ١٤٢٨ هـ.\n• الملل والنحل، لمحمد بن عبد الكريم بن أبي بكر أحمد الشهرستاني، تحقيق: محمد سيد كيلاني\n• مناهج الفقهاء في استنباط الأحكام، للدكتور: أحمد الحبابي، مكتبة الأمة، الدار البيضاء، ١٤١٣ هـ.\n• مناهل العرفان في علوم القرآن، لمحمد عبد العظيم الزرقاني، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى، ١٩٩٦ م.\n• المنتخب من السياق لتاريخ نيسابور، لأبي إبراهيم الصريفيني، تحقيق: محمد أحمد عبد العزيز، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٩ هـ.\n• المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (شرح النووي على مسلم)، لأبي زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثانية، ١٣٩٢ م.\n• منهج الاستنباط من القرآن، للدكتور فهد الوهبي، مركز الدراسات والمعلومات القرآنية بمعهد الشاطبي، جدة، الطبعة الأولى، ١٤٢٨ هـ.\n• الموافقات، لإبراهيم بن موسى بن محمد الغرناطي الشاطبي، تحقيق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن عفان، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.","vol":"1","page":347},{"text":"• المواقف، لعبد الرحمن بن أحمد الإيجي، تحقيق: د. عبد الرحمن عميرة، دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى، ١٩٩٧ م.\n• الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة، الندوة العالمية للشباب الإسلامي، الرياض، الطبعة الخامسة، ١٤٢٤ هـ.\n• موطأ الإمام مالك، تحقيق: محمد فؤاد عبدالباقي، دار إحياء التراث العربي، مصر.\n• الناسخ والمنسوخ، لهبة الله البغدادي، الدار العربية، تحقيق موسى العليلي، بيروت، الطبعة الأولى، ١٩٨٩ م.\n• النبوات، لأحمد بن عبد الحليم بن تيمية، المطبعة السلفية، القاهرة، ١٣٨٦ هـ.\n• نثر الورود على مراقي السعود، شرح الشيخ: محمد الشنقيطي، تحقيق وإكمال: د. محمد ولد سيدي ولد حبيب الشنقيطي، دار المنارة، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ.\n• نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر، لجمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي، تحقيق: محمد عبد الكريم كاظم الراضي، مؤسسة الرسالة، لبنان، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٤ هـ.\n• النسخ في الشريعة الإسلامية كما أفهمه، لعبد المتعال الجبري، مكتبة وهبة، مصر، الطبعة الثانية، ١٤٠٧ هـ.\n• النسخ في القرآن الكريم دراسة تشريعة تاريخية نقدية، لمصطفى زيد، دار الفكر، بيروت، الطبعة الثانية،١٣٩١ هـ.\n• النسخ في القرآن الكريم مفهومه وتاريخه ودعاواه، لمحمد صالح علي مصطفى - دار القلم - دمشق، الطبعة الأولى، ١٤٠٩ هـ.\n• نظرات في القرآن، لمحمد الغزالي، دار نهضة، مصر، الطبعة الأولى.\n• نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، لبرهان الدين أبو الحسن إبراهيم بن عمر البقاعي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية، ١٤٢٤ هـ.","vol":"1","page":348},{"text":"• نكت القرآن الدالة على البيان في أنواع العلوم والأحكام، لمحمد بن علي الكرجي القصاب، تحقيق إبراهيم بن منصور الجنيدل، دار ابن القيم، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ هـ.\n• النكت والعيون، لأبي الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.\n• نهاية السول شرح منهاج الوصول، لجمال الدين عبد الرحيم الأسنوي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى ١٤٢٠ هـ.\n• نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار شرح منتقى الأخبار، لمحمد بن علي بن محمد الشوكاني، تعليقات يسيرة لمحمد منير الدمشقي، إدارة الطباعة المنيرية.\n• هدية العارفين في أسماء المؤلفين وآثار المصنفين، لإسماعيل باشا البغدادي، مصورة عن طبعة وكالة المعارف التركية، نشر مكتبة المثنى، بيروت، ١٩٥٥ م.\n• الواضح في أصول الفقه، د. محمد سليمان الشقاري، دار النفائس، الأردن، الطبعة السابعة، ١٤٢٨ هـ.\n• الوافي بالوفيات، لصلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي، تحقيق: أحمد الأرناؤوط، وتركي مصطفى، دار إحياء التراث، بيروت، ١٤٢٠ هـ.\n• الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لعلي بن أحمد الواحدي، تحقيق صفوان عدنان داوودي، دار القلم، الدار الشامية، دمشق، ١٤١٥ هـ.\n• الوجيز في عقيدة السلف الصالح، لعبد الله بن عبد الحميد الأثري، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ هـ.\n• وفيات الأعيان، وأنباء أبناء الزمان، لأبي العباس شمس الدين أحمد بن محمد خلكان، تحقيق إحسان عباس، دار الكتاب العربي، بيروت.","vol":"1","page":349}]}