{"ً":{"ٌ":132391,"ٍ":"النظرات الماتعة في سورة الفاتحة","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"التفاسير/النظرات الماتعة في سورة الفاتحة - الزهراني","files":["125131.pdf"]},"ّ":"الكتاب: النظرات الماتعة في سورة الفاتحة\nالمؤلف: مرزوق بن هيّاس آل مرزوق الزهراني، الأستاذ المشارك بكلية الحديث الشريف والدراسات الإسلامية بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة\nالناشر: (المؤلف)\nالطبعة: الثانية، ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٥ م\nعدد الصفحات: ١٢٩\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1814,"ٕ":3,"ٖ":1770155761,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"الإهداء","level":1,"page":6},{"title":"منهج البحث","level":1,"page":7},{"title":"المقدمة","level":1,"page":9},{"title":"سبب اختيار البحث","level":2,"page":11},{"title":"النظرة الأولى حول سورة الفاتحة","level":1,"page":14},{"title":"النظرة الثانية لماذا تعددت أسماء الفاتحة؟","level":1,"page":15},{"title":"النظرة الثالثة نزول جبريل ﵇ بالفاتحة","level":1,"page":24},{"title":"النظرة الرابعة مكية أو مدنية؟","level":1,"page":27},{"title":"النظرة الخامسة عدد آياتها","level":1,"page":28},{"title":"النظرة السادسة صلتها بالكتب السماوية","level":1,"page":30},{"title":"النظرة السابعة ما ورد في فضلها","level":1,"page":31},{"title":"النظرة الثامنة الفاتحة من خصائص النبي - ﷺ - وأمته","level":1,"page":33},{"title":"النظرة التاسعة الفاتحة تحاور بين العبد وربه","level":1,"page":34},{"title":"النظرة العاشرة الفاتحة شفاء وأخذ الأجرة على الرقية بها جائز","level":1,"page":36},{"title":"النظرة الحادية عشرة مقاصد الفاتحة","level":1,"page":38},{"title":"النبوات","level":2,"page":40},{"title":"الأحكام","level":2,"page":41},{"title":"المعاد","level":2,"page":41},{"title":"المقصد الأول","level":3,"page":43},{"title":"المقصد الثاني","level":3,"page":44},{"title":"المقصد الثالث","level":3,"page":44},{"title":"المقصد الرابع","level":3,"page":45},{"title":"المقصد الخامس","level":3,"page":46},{"title":"المقصد السادس","level":3,"page":47},{"title":"المقصد السابع","level":3,"page":47},{"title":"المقصد الثامن","level":3,"page":50},{"title":"المقصد التاسع","level":3,"page":50},{"title":"المقصد العاشر","level":3,"page":51},{"title":"النظرة الثانية عشرة وجوب قراءتها في كل ركعة","level":1,"page":52},{"title":"النظرة الثالثة عشرة جواز الزيادة على الفاتحة من القرآن","level":1,"page":57},{"title":"النظرة الرابعة عشرة سقوط قراءتها عن العاجز المتعذر عليه إدراكها","level":1,"page":59},{"title":"النظرة الخامسة عشرة احتواء الفاتحة على علوم القرآن","level":1,"page":60},{"title":"النظرة السادسة عشرة ما في الفاتحة من العلوم الأخرى","level":1,"page":64},{"title":"النظرة السابعة عشرة المنهج التربوي في سورة الفاتحة","level":1,"page":75},{"title":"١ ــ الجانب العلمي المعرفي النظري","level":2,"page":75},{"title":"٢ ــ الجانب العملي التطبيقي","level":2,"page":75},{"title":"النظرة الثامنة عشرة أقسام الناس حسب فهم الفاتحة","level":1,"page":82},{"title":"النظرة التاسعة عشرة حكم الاستعاذة","level":1,"page":88},{"title":"النظرة العشرون تفسير الاستعاذة","level":1,"page":92},{"title":"النظرة الحادية والعشرون القول في تفسير: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾","level":1,"page":94},{"title":"تفسير ﴿الرحمن﴾","level":2,"page":98},{"title":"تفسير: ﴿الرحيم﴾.","level":2,"page":100},{"title":"النظرة الثانية والعشرون تفسير: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾.","level":1,"page":101},{"title":"لنظرة الثالثة والعشرون تفسير: ﴿الله الرحمن الرحيم﴾.","level":1,"page":103},{"title":"النظرة الرابعة والعشرون تفسير: ﴿مالك يوم الدين﴾","level":1,"page":104},{"title":"النظرة الخامسة والعشرون تفسير: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾","level":1,"page":106},{"title":"النظرة السادسة والعشرون تفسير: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾","level":1,"page":108},{"title":"النظرة السابعة والعشرون ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾","level":1,"page":110},{"title":"النظرة الثامنة والعشرون معنى آمين","level":1,"page":113},{"title":"في \"آمين\" لغتان","level":2,"page":113},{"title":"النظرة التاسعة والعشرون حكم قول آمين","level":1,"page":114},{"title":"النظرة الثلاثون أهمية قول آمين","level":1,"page":115},{"title":"النظرة الحادية والثلاثون الجهر بآمين","level":1,"page":116},{"title":"النظرة الثانية والثلاثون كيف يصل المسلم إلى أعلى درجات التقرب","level":1,"page":118},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":126},{"title":"التوصيات","level":1,"page":127}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,7":6,"1,8":7,"1,9":8,"1,10":9,"1,11":10,"1,12":11,"1,13":12,"1,14":13,"1,15":14,"1,16":15,"1,17":16,"1,18":17,"1,19":18,"1,20":19,"1,21":20,"1,22":21,"1,23":22,"1,24":23,"1,25":24,"1,26":25,"1,27":26,"1,28":27,"1,29":28,"1,30":29,"1,31":30,"1,32":31,"1,33":32,"1,34":33,"1,35":34,"1,36":35,"1,37":36,"1,38":37,"1,39":38,"1,40":39,"1,41":40,"1,42":41,"1,43":42,"1,44":43,"1,45":44,"1,46":45,"1,47":46,"1,48":47,"1,49":48,"1,50":49,"1,51":50,"1,52":51,"1,53":52,"1,54":53,"1,55":54,"1,56":55,"1,57":56,"1,58":57,"1,59":58,"1,60":59,"1,61":60,"1,62":61,"1,63":62,"1,64":63,"1,65":64,"1,66":65,"1,67":66,"1,68":67,"1,69":68,"1,70":69,"1,71":70,"1,72":71,"1,73":72,"1,74":73,"1,75":74,"1,76":75,"1,77":76,"1,78":77,"1,79":78,"1,80":79,"1,81":80,"1,82":81,"1,83":82,"1,84":83,"1,85":84,"1,86":85,"1,87":86,"1,88":87,"1,89":88,"1,90":89,"1,91":90,"1,92":91,"1,93":92,"1,94":93,"1,95":94,"1,96":95,"1,97":96,"1,98":97,"1,99":98,"1,100":99,"1,101":100,"1,102":101,"1,103":102,"1,104":103,"1,105":104,"1,106":105,"1,107":106,"1,108":107,"1,109":108,"1,110":109,"1,111":110,"1,112":111,"1,113":112,"1,114":113,"1,115":114,"1,116":115,"1,117":116,"1,118":117,"1,119":118,"1,120":119,"1,121":120,"1,122":121,"1,123":122,"1,124":123,"1,125":124,"1,126":125,"1,127":126,"1,128":127,"1,129":128},"ٜ":{"1":[1,129]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129"],"ٞ":{"6":[1],"7":[2],"9":[3],"11":[4],"14":[5],"15":[6],"24":[7],"27":[8],"28":[9],"30":[10],"31":[11],"33":[12],"34":[13],"36":[14],"38":[15],"40":[16],"41":[17,18],"43":[19],"44":[20,21],"45":[22],"46":[23],"47":[24,25],"50":[26,27],"51":[28],"52":[29],"57":[30],"59":[31],"60":[32],"64":[33],"75":[34,35,36],"82":[37],"88":[38],"92":[39],"94":[40],"98":[41],"100":[42],"101":[43],"103":[44],"104":[45],"106":[46],"108":[47],"110":[48],"113":[49,50],"114":[51],"115":[52],"116":[53],"118":[54],"126":[55],"127":[56]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"النظرات الماتعة\nفي سورة الفاتحة\nالطبعة الثانية (١٤٢٥ هـ)\n\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\nالنظرات الماتعة\nفي سورة الفاتحة\n\nتأليف\nمرزوق بن هيّاس آل مرزوق الزهراني\nالأستاذ المشارك في قسم علوم الحديث\nبكلية الحديث والدراسات الإسلامية","vol":"1","page":1},{"text":"النظرات الماتعة في سورة الفاتحة","vol":"1","page":2},{"text":"ح: مرزوق بن هياس آل مرزوق الزهراني، ١٤٢٥ هـ\nالزهراني، مرزوق بن هياس آل مرزوق.\nالنظرات الماتعة في سورة الفاتحة / مرزوق بن هياس آل مرزوق الزهراني، المدينة المنورة، ١٤٢٥ هـ\nص؛ .. سم. ــ (رسائل دعوة وتوجيه؛ ٦)\nردمك: ٤ ــ ٨٩٨ ــ ٤٦ ــ ٩٩٦٠\n١، ــ القرآن ــ التفسير الحديث ٢، ــ القرآن سورة الفاتحة تفسير.\nأ. العنوان ب. السلسلة ... ديوي ٦٢٧٧ ... ٦٥٦٤/ ١٤٢٥\nرقم الإيداع: ٦٥٦٤/ ١، ٤٢، ٥\nردمك: ٤ ــ ٨٩٨ ــ ٤٦ ــ ٩٩٦٠\nحقوق الطبع محفوظة.\nالطبعة الأولى: ص: ١٣٠ ... ٢١، × ١٤\n١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٥ م\nالناشر: المؤلف.\nمطابع أضواء المنتدى الإسلامي ــ الرياض.","vol":"1","page":3},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم","vol":"1","page":4},{"text":"النظرات الماتعة\nفي سورة الفاتحة\n\nتأليف\nمرزوق بن هيّاس آل مرزوق الزهراني\nالأستاذ المشارك في قسم علوم الحديث\nبكلية الحديث والدراسات الإسلامية","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>الإهداء</span>\nإلى كل مؤمن ومؤمنة، وكل مسلم ومسلمة، في أرجاء المعمورة.\nالذين آمنوا بالله ربا وبمحمد - ﷺ - نبيا ورسولا، وبالإسلام دينا، يعبدون الله - ﷿ - وفق ما جاء به رسوله - ﷺ -، عقيدة وأحكاما وسياسة وحكما.\nأقدم هذا الجهد، من خلال نظرات ماتعة، وتأملات واسعة، في سورة الفاتحة، بغية أن يتأملوا ما ورد فيها من الفهم النظري، ويعملوا ما تقرر من الجانب العملي، كيما يسعدوا في الدنيا والآخرة.\nسائلا الله - ﷿ - أن يجعل عملي له خالصا، وسعيي فيه سعيا مشكورا، وأن يجعل خطئي مغفورا، ولا يحرمني ووالديّ أجره يوم الدين، ولا يحرم الأجر من أعان عليه نفقة وطباعة وتوزيعا ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (١).\nالمؤلف\n_________\n(١) الآيتان (٨٨، ٨٩) من سورة الشعراء.","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>منهج البحث</span>\nقبل تحديد خطوات البحث تجدر الإشارة إلى أن هذه هي الطبعة الثانية لهذا السفر القيم، فقد كانت الطبعة الأولى في سنة (١٤٢٢ هـ ــ ٢٠٠١ م) وقد لقيت رغبة من المطالعين لها، وتواردت إليّ العديد من طلبات التزويد بها، بل طلب البعض من خارج المملكة السماح له بطباعتها، وقد أذنت بشرط الوقفية وعدم البيع، ولما تزايد الطلب أخبرت بعض من أعرف من أهل الخير، فحقق الرغبة لنا ولإخواننا المسلمين، أثابه الله وأحسن لنا وله العاقبه.\nثم أنبه أنني سأقتصر في المنهج على ما يلي:\nفي توثيق المعلومات على (جامع البيان في تأويل القرآن) للإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري إمام المفسرين، فهو عمدة من جاء بعده، فالذين كتبوا التفسير بعد ابن جرير ﵀ هم حول ما روى، أو دون بقلمه يدندنون، وعلى ما في تفسيره يعتمدون، ويليه في الأهمية (الجامع لأحكام القرآن) تفسير الإمام القرطبي أبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري، فإنه أجاد استخراج المسائل فهو في نظري التفسير الثاني بعد (جامع البيان) وما دعت إليه الحاجة في قضايا محدودة فما كان في غيرهما من أمر يلزم تدوينه لأهميته في","vol":"1","page":8},{"text":"البحث، وتوثيق المعلومات، فلن أغفله وبمصدره أوصله.\nلم أشتغل ببحث القضايا اللغوية، كاشتقاق الأسماء، واختلاف القراءات ومعانيها، والأبلغ منها، وأقوال العلماء واختلافهم في المسائل، من أجل عدم إشغال القارئ بأمور لا يدرك دقتها إلا المتخصص، فراعيت حال القراء وما هم محتاجون إلى معرفته، أما الباحث الناقد المتخصص فله مراجعة المصادر، وإمعان النظر فيما دونه الأئمة، من دقائق وملاحظات لغوية وبلاغية ومناقشات، وردود على بعضهم في المسائل الخلافية.","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>المقدمة</span>\n﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ (١)، والصلاة والسلام على البشير النذير الذي جلب بإذن ربه لأمته الخير الكثير، وحذرها من الشر والتدمير - ﷺ - وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.\nأما بعد: فإن كتاب الله - ﷿ -، وسنة نبيه محمد - ﷺ - هما صراط الله المستقيم، من اعتصم بهما نجا، ومن خالفهما هلك، يزداد كل مؤمن بهديهما بصيرة، ومن ابتعد عنهما زاد عماه وكثر تدميره.\nوإن من فضل الله - ﷿ - على هذه الأمة أن جمعها على تلاوة قدر عظيم من كلامه في كل يوم سبع عشرة مرة تلاوة واجبة وذلك فيما فرض على عباده من الصلوات الخمس في اليوم والليلة.\nإنها سورة الفاتحة السورة العظيمة المشتملة على معاني الخير والبركة، فكان لزاما على كل مسلم أن يعلم ما فيها من الخير، فيستزيد من تلاوتها بإضافة ما حث عليه رسول الله - ﷺ - من المحافظة على السنن الراتبة\n_________\n(١) الآية (١،) من سورة الكهف.","vol":"1","page":10},{"text":"المجموعة في ثلاث عشرة ركعة في اليوم والليلة، فإذا ما استوعب العابد فضلها ومناجاة ربه بها قام بها ماشاء الله من الليل، واستن بها في صلاة الضحى، وغير ذلك من القربات كتحية المسجد وركعتي الطواف، وصلاة الجنازة، وصلاة العيدين، إنها أم الكتاب تقود العبد إلى معرفة الثناء على الله - ﷿ -، وفضله على عباده، وتوحيده بأسمائه وصفاته في عبوديته والاستعاذة به، والاعتصام به بطلب الهداية والبعد عن الضلال، وما يوجب غضبه، ﷾.\nفهاهي الفاتحة قليلة الألفاظ واسعة الدلالة، عظيمة المعاني، شافية كافية، رمت تقديمها لكل مسلم ومسلمة في أسلوب رصين يكشف عن بعض لطائفها وعظيم قدرها، وسعة دلالتها، إنها جنة كل مؤمن ومؤمنة، وهي نار حارقة لجميع العصاة ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (١).\n_________\n(١) الآية (٧٠) من سورة الفرقان.","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>سبب اختيار البحث</span>\nلما قال الله - ﷿ -: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (١)، دلَّ على أمر المؤمنين بقراءة الفاتحة على نحو ما سلف بيانه إن ذلك تطبيق عملي لما يجب أن يكون عليه وضع المسلمين تجاه كل آية من كتاب الله - ﷿ -، فحبل الله هو كلامه الذي أنزله على عبده ورسوله نبينا محمد - ﷺ - لهذا شغفت بالكتابة عن هذا المثال الحي الذي اجتمع على العمل به كل من آمن بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد - ﷺ - نبيا ورسولا، وقد علم كل فرد منهم أن صلاته لا تقبل إلا بتلاوة هذه السورة العظيمة وتدبر ما فيها من الدلالة والخير، إلا من عذر يعفيه من ذلك، فكان هذا أمرا باعثا على جمع\n_________\n(١) الآية (١٠٣) من سورة آل عمران.","vol":"1","page":12},{"text":"ما ورد فيها من المقاصد والدلالة، وبسطها لعباد الله الصالحين، هذا أولا.\nأما الأمر الثاني:\nفلأن الله - ﷿ - امتن بالفاتحة على عبده ورسوله نبينا محمد - ﷺ - قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ (١)، فجعلها قسيمة لبقية السور، وكان الأمر كذلك لأنها جمعت أقسام القرآن وحوتها.\n\nالأمر الثالث:\nإن معرفة معانيها ودلالاتها من العلم الضروري الذي يجب على كل مسلم أن يلم به كيما تصح صلاته وعقيدته ودعاؤه، وثناؤه على ربه - ﷿ -، واستشفاؤه بهذه السورة العظيمة، المباركة والقرآن كله عظيم مبارك عظيم.\nالأمر الرابع:\nإنها تدريب عملي على اجتماع المسلمين على الحق، ومن هذا المثال وجب عليهم أن يكونوا موحدين لله - ﷿ - بالعبادة، فالفاتحة تدعوهم إلى رب واحد هو معبودهم لا معبود بحق سواه.\nوالذي جاء بها هو محمد - ﷺ - فوجب أن يوحدوه في القدوة وفي الاتباع، وأن لا يخالفوا أمره، ولا يتجاوزوا\n_________\n(١) الآية (٨٧) من سورة الحجر.","vol":"1","page":13},{"text":"نهيه - ﷺ -، ولذلك قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (١)، وقال الله ﷾: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٣)، والفاتحة حددت لهم المنهج العملي من خلال دلالاتها ومعانيها فوجب أن يكون منهجهم واحدًا كتاب الله وسنة نبيه محمد - ﷺ -، قال الله ﷾: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ\n_________\n(١) الآية (٧) من سورة الحشر.\n(٢) الآية (٦٣) من سورة النور.\n(٣) الآية (٦٥) من سورة النساء.","vol":"1","page":14},{"text":"الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٢).\nومن البواعث على هذا البحث أنني طالعت ما كتبه حول الفاتحة بعض الفضلاء، فألفيت أن الفاتحة لازالت مشرعةً أبوابها للمزيد من البحث والدراسة، ولا أدعي الكمال فيما قمت به من عمل ولكن\nقدمت بعض ما وقفت عليه من كلام أهل العلم، ورمت الاختصار، فتجنبت الغوص، واكتفيت بالإبحار في لجج المعرفة والنصوص والأخبار، فاقتطفت ما تيسر من الثمار، وقدمتها للمسلمين من القارئين النظار، والسامعين الأخيار، رجاء أن ينتفعوا بها ويكونوا من الأبرار، بإذن الله الواحد القهار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>النظرة الأولى\nحول سورة الفاتحة:</span>\nالفاتحة مستهل كتاب الله العزيز، أنزلت بمكة على القول الراجح، عظّم الله شأنها، وخص بها نبيه ورسوله محمدًا - ﷺ - وأمته، أوجز فيها ما فصله في القرآن العظيم.\n_________\n(١) من الآية (٣) من سورة المائدة.\n(٢) من الآية (٤٤) من سورة المائدة، وفي التي بعدها (الظالمون) وفي (٤٧) الفاسقون.","vol":"1","page":15},{"text":"آياتها سبع، وكلماتها خمس وعشرون كلمة، وحروفها مائة وثلاثة وعشرون حرفا (١) تضمنت جميع علوم القرآن الكريم (٢) أسماؤها كثيرة، ذكر الفيروز آبادي أنها قريبة من ثلاثين (٣) وقال القرطبي: اثنتان وعشرون (٤) وقال الأ لوسي: لهذه السورة الكريمة أسماء، أوصلها البعض إلى نيف وعشرين (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>النظرة الثانية\nلماذا تعددت أسماء الفاتحة</span>؟\nتنوعت أسماء الفاتحة بحسب تنوع ما فيها من الدلالة، وما فيها من الفضل، وما اشتملت عليه من المقاصد، وما فيها من البركة والخير، وبيان ذلك على النحو التالي:\n_________\n(١) وللعلم فإن الفاتحة لا تشمل سبعة أحرف وهي (ث، ج، خ، ز، ش، ظ، ف) انظر: (روح المعاني ١/ ٣٦).\n(٢) انظر: (الجامع لأحكام القرآن ١/ ١١٠).\n(٣) انظر: (بصائر ذوي التمييز ١/ ١٢٨).\n(٤) انظر: (الجامع لأحكام القرآن ١/ ١١١).\n(٥) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني (١/ ٣٤).","vol":"1","page":16},{"text":"سميت الفاتحة: لأنها يفتتح بكتابتها المصاحف، ويقرأ بها في الصلوات فهي فواتح لما يتلوها من سور القرآن، في الكتابة والقراءة (١).\nسميت أم القرآن: لتقدمها على سائر سور القرآن غيرها، في القراءة والكتابة (٢).\nوهي أم الكتاب لأن أم الشيء: أصله وعماده كما سميت مكة؛ أم القرى لأنها توسطت الأرض (٣).\nوهذا ليس زعمًا، فقد ثبت علميا في عصرنا هذا، والفاتحة لا شك أنها أم الكتاب (القرآن) لأنها جمعت ما فصل فيه، وقد ثبت في الصحاح تسميتها بذلك (٤) ونقل القرطبي كراهة ذلك عن أنس والحسن وابن سيرين، والجمهور على الجواز؛ وإذا صح الخبر عن رسول الله - ﷺ - فلا عبرة بقول غيره (٥).\nسميت السبع المثاني: لأن جميع القراء والعلماء لم يختلفوا على أنها سبع آيات، ولكونها المثاني التي امتن\n_________\n(١) جامع البيان عن وجوه تأويل القرآن (١/ ١٠٧ - ١٠٩) انظر: (تفسير الفاتحة والبقرة للسمعاني ١/ ٣٥١ - ٣٥٣) ومعالم التنزيل (١/ ٣٧) وغيرها من التفاسير التي ارتكزت على ما عند إمام المفسرين الطبري.\n(٢) جامع البيان عن وجوه تأويل القرآن (١/ ١٠٧).\n(٣) ترتيب القاموس (١/ ١٧٩).\n(٤) انظر صحيح مسلم (١/ ٢٩٦ رقم ٣٩ - ٤١) وروح المعاني في تأويل القرآن العظيم والسبع المثاني (١/ ٣٥).\n(٥) انظر: (الجامع لأحكام القرآن ١/ ١١١).","vol":"1","page":17},{"text":"الله - ﷿ - بها على عبده ورسوله محمد - ﷺ - في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ (١)، كما فسرها الإمام الحسن البصري ﵀ بذلك، ووصف رسول الله - ﷺ - آياتها السبع بأنهن مثان، فلأنها تثنى قراءتها في كل صلاة تطوعا أو مكتوبة (٢)، وعلل مجاهد ﵀ هذه التسمية: بأن الله تعالى استثناها لهذه الأمة، كأنه أوحاها لهم ولم يعطها أحدًا من الأمم (٣)، ومعلوم أن هذه السورة العظيمة تثنى قراءتها في كل ركعة وتثنى في كل صلاة فالتثنية مضاعفة.\nقال أبو جعفر الطبري: وليس في وجوب اسم (السبع المثاني) لفاتحة الكتاب ما يدفع صحة وجوب اسم (المثاني) للقرآن كله، لأن لكل وجها ومعنى مفهوما (٤)،\n_________\n(١) الآية (٨٧) من سورة الحجر، وانظر جامع البيان عن وجوه تأويل القرآن (١/ ١٠٩) منه حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم) أخرجه الإمام البخاري، حديث (٤٧٠٤) وأخرجه الطبري بسند صحيح (جامع البيان ١/ ١٠٧).\n(٢) جامع البيان عن وجوه تأويل القرآن (١/ ١٠٩).\n(٣) تفسير الفاتحة والبقرة للسمعاني (١/ ٣٥٣) وانظر: (الكشاف ١/ ٤).\n(٤) جامع البيان (١/ ١١٠) باختصار.","vol":"1","page":18},{"text":"قلت: كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ (١)، أطلق الله - ﷿ - هذا على كتابه، لأن الأخبار تثنى فيه (٢).\nسميت الوافية: لأنها لا تتنصف، فلا يجوز أن يُقرأ نصفها في ركعة والنصف الآخر في ركعة أخرى، وهذه خصوصية الفاتحة فهي لا تقبل التنصيف ولا الاختزال بخلاف بقية سور القرآن فإن ذلك جائز فيها (٣).\nسميت الكنز: لقوله - ﷺ -: (إنها أنزلت من كنز تحت العرش) (٤).\nويدخل في مسمى (أم الكتاب، أم القرآن) قول من سماها (الأساس) جاء ذلك من قول الشعبي ﵀ لما شكا إليه رجل وجعا بخاصرته: عليك بأساس القرآن، فاتحة الكتاب، سمعت ابن عباس يقول: لكل شيء أساس،\n_________\n(١) الآية (٢٣) من سورة الزمر.\n(٢) انظر: (الجامع لأحكام القرآن ١/ ١١٤).\n(٣) قاله سفيان بن عيينة في تفسيره، نقل عنه القرطبي (الجامع لأحكام القرآن ١/ ١١٣).\n(٤) إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم (١/ ٩) والحديث أخرجه إسحاق بن راهويه - كما في الدر المنثور (١/ ١٦) - عن علي - ﵁ - وعزاه المتقي في الكنز (٢/ ٢٩٧) رقم (٤٠٥٠) إلى إسحاق والواحدي، وقد أورد البوصيري إسناد إسحاق في إتحاف الخيرة (١/ ٥) وفيه انقطاع بين فضيل بن عمرو، وعلي - ﵁ -، وله شواهد تقويه، عن أبي أمامة، وأنس، وعلي، ومعقل بن يسار - ﵃ - (موسوعة فضائل سور وآيات القرآن ١/ ٢٤ - ٦٢).","vol":"1","page":19},{"text":"وأساس الدنيا مكة لأن منها دحيت (١) وأساس السموات (عريبًا) وهي السماء السابعة، وأساس الأرض (عجيبا) وهي الأرض السابعة السفلى، وأساس الجنان (جنة عدن) وهي سرّة الجنان عليها أسست الجنة، وأساس النار (جهنم) وهي الدركة السابعة السفلى، عليها أسست الدرجات، وأساس الخلق (آدم) وأساس الأنبياء (نوح) وأساس بني إسرائيل (يعقوب) وأساس الكتب (القرآن) وأساس القرآن (الفاتحة) وأساس الفاتحة (بسم الله الرحمن الرحيم) فإذا اعتللت أو اشتكيت، فعليك بالفاتحة تُشفى (٢)، وذكره السيوطي مختصرا فقال: وأخرج الثعلبي عن الشعبي أن رجلا شكا إليه وجع الخاصرة (٣) فقال: عليك بأساس القرآن، قال: وما أساس القرآن؟، قال: فاتحة الكتاب (٤).\n_________\n(١) وها نحن نسمع اليوم من علماء الجغرافية والمساحات: أن الكعبة هي نقطة الارتكاز لدائرة الأرض (الكعبة مركز العالم ص ٢٠٤).\n(٢) لم يجزم الفعل لأن الطلب جاء باسم الفعل (عليك) وشرط جزم جواب الطلب أن يكون الطلب بالفعل، وانظر: (الجامع لأحكام القرآن ١/ ١١٣).\n(٣) الخاصرتان: جانبا البطن مما يلي الظهر، قال ابن الأثير: قيل: إنه وجع الكليتين (النهاية ٢/ ٣٧).\n(٤) الدر المنثور (١/ ١٢).","vol":"1","page":20},{"text":"الحق أن الفاتحة رقية كلها، خلافا لمن قصرها على قول الله ﷾: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.\nسميت سورة الحمد والشكر والدعاء، وتعليم المسألة: لاشتمالها عليها (١)، وقد تضمنت معاني هذه الألفاظ أفضل ما يكون به الثناء، وأصدق ما يكون الطلب.\nسميت الصلاة: لوجوب قراءتها فيها (٢).\nأما قول الزمخشري: لأنها تكون فاضلة أو مجزئة فيها (٣)، فأقول: هي فاضلة في الصلاة وغيرها، والصواب ما تقدم؛ لأنها ركن في الصلاة، فلا تصح الصلاة إلا بقراءتها، قال - ﷺ -: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) (٤)، وفي القدسي: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي) (٥)، والمراد بالصلاة الفاتحة، عندما يقرؤها العبد في الصلاة وغيرها.\n_________\n(١) إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم (١/ ٩) وانظر: روح المعاني (١/ ٣٥).\n(٢) إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم (١/ ٩) ولأن الله سماها صلاةً في الحديث القدسي.\n(٣) الكشاف (١/ ٤).\n(٤) أخرجه الإمام البخاري، حديث (٧٥٦).\n(٥) أخرجه الإمام مسلم، حديث (٣٩٥).","vol":"1","page":21},{"text":"سميت الشفاء والشافية: لقول الرسول - ﷺ -: (هي شفاء من كل داء) (١).\nسميت القرآن العظيم: ذكره القرطبي وعلله بقوله: لتضمنها جميع علوم القرآن (٢)، وفي نظري أن تستمد هذه التسمية من حديث أبي سعيد بن المعلى عند الإمام البخاري، أخرج الإمام البخاري من حديث أبي سعيد بن المعلى - ﵁ - قال: مر بي النبي - ﷺ - وأنا أصلي، فدعاني فلم آته حتى صليت، فقال: (ما منعك أن تأتي؟) فقلت: كنت أصلي، فقال: ألم يقل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (٣)؟، ثم قال: ألا أعلمك أعظم سورة في\n_________\n(١) أخرجه الدارمي (٢/ ٣٢٠) مرسلًا من حديث عبد الملك بن عمير، ويمكن أن يكون سمعه من أبي سعيد الخدري - ﵁ -، فإنا نظرنا في التأريخ وفيه إمكان السماع، لكن تكلم فيه الأئمة، ولا أرى رتبته إلا أقل مما قدّر له الحافظ في التقريب فإنه قال: ثقة، وجاء في تفسير القرطبي قوله: روى الدارمي عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (فاتحة الكتاب شفاء من كل سم). قلت: الذي عند الدارمي (من كل داء) واللفظ المذكور هو حديث أبي سعيد الخدري كما في شعب الإيمان للبيهقي ٢/ ٤٥٠ انظر (الجامع لأحكام القرآن ١/ ١١٢).\n(٢) الجامع لأحكام القرآن (١/ ١١٢).\n(٣) من الآية (٢٤) من سورة الأنفال، ومن هذا يستفاد وجوب الاستجابة لنداء رسول الله - ﷺ - في حياته، وقطع ما يعوق الإجابة ولو كان العائق عبادة، وبعد موته - ﷺ - تكون الاستجابة لأمره ونهيه.","vol":"1","page":22},{"text":"القرآن قبل أن أخرج من المسجد؟، فذهب النبي - ﷺ - ليخرج من المسجد فذكرته فقال: ... الحمد لله رب العالمين، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته) (١)، أي في الآية ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ (٢)، وجعلها قسيمة للقرآن يكون أبلغ.\nسميت الرقية، أخذا من قول رسول الله - ﷺ - للرجل الذي رقى سيد الحي: (وما يدريك أنها رقية؟) (٣).\nسميت الكافية: لأنها تكفي عن سواها، ولا يكفي سواها عنها قال رسول الله - ﷺ -: (أم القرآن عوض عن غيرها،\n_________\n(١) أخرجه الإمام البخاري، حديث (٤٤٧٤، ٤٧٠٣).\n(٢) سورة الحجر آية (٨٧).\n(٣) ذكر القرطبي من أسمائها الرقية وهي داخلة في اسم الشافية، وقد ثبتت الرقية بها من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال للرجل الذي رقى بها سيد الحي: (ما أدراك أنها رقية؟) استفهام تقرير، والحديث أخرجه الإمام البخاري، حديث (٢٢٧٦) وانظر أطرافه هناك، وانظر الجامع لأحكام القرآن (١/ ١١٣).","vol":"1","page":23},{"text":"وليس غيرها منها عوضًا) (١)، ألا ترى أنك إذا لم تقرأ في الصلاة إلا الفاتحة أجزأ ذلك وصحت الصلاة، ولو تركت الفاتحة وقرأت بدلا عنها سورة من المطول لم يجز ذلك ولم تكن الصلاة صحيحة، ولا تعارض بينه وبين حديث المسيء صلاته، فإن قوله - ﷺ -: (واقرأ ما تيسر معك من القرآن) مفسر بأن المراد به ما زاد عنها في الامتنان، وإن كان الامتنان حاصلا بها وحدها لاشتمالها على ما ذكر، فكأن الله - ﷿ - امتن بها من\n_________\n(١) الجامع لأحكام القرآن (١/ ١١) والحديث أخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٢٣٨) وقال رواة هذا الحديث أكثرهم أئمة وكلهم ثقات.\nهذا رأي الحاكم كما أسند الحافظ بن حجر في لسان الميزان عنه أنه قال: محمد بن خلاد الاسكندراني ثقة، وكذلك وثقه العجلي (تاريخ الثقات ٤٠٣) وذكره بن حبان (الثقات ٩/ ٨٥) قال ابن حجر: قلت: انفرد بهذا الخبر من حديث عبادة بن الصامت - ﵁ - مرفوعا اللسان ٥/ ١٥٦).\nوقد أعل الدارقطني هذا الحديث بتفرد محمد بن خلاد به عن أشهب عن ابن عيينة (انظر الإتحاف ٦/ ٤٢٩).\nوقال ابن حجر: وقول الذهبي لا يدري من هو، مع من روى عنه من الأئمة ووثقه من الحفاظ عجيب، وما أعرف للمؤلف سلف في ذكره في الضعفاء ... ثم قال: هذا اللفظ تفرد به زياد بن أيوب -وهو ثقة- عن ابن عيينة والمحفوظ من رواية الحفاظ عن ابن عيينة (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) ثم قال: والظاهر أن رواية كل من زياد بن أيوب وأشهب منقولة بالمعنى، والله أعلم (لسان الميزان ٥/ ١٥٦).\nقلت: وهو كذلك والأمر واضح للناظر.","vol":"1","page":24},{"text":"جانب لخصائصها، وببقية القرآن لما فيه من العظمة والخير والبركة والإعجاز؛ والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>النظرة الثالثة\nنزول جبريل ﵇ بالفاتحة:</span>\nالصحيح أن الفاتحة نزل بها جبريل - ﵇ - استنادا إلى قول الله - ﷿ -: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (١)، وقد أجمع العلماء على أن المراد بالروح الأمين جبريل - ﵇ -.\nوالقراءتان لقوله: (نزل) بالتخفيف أو بتشديد الزاي صحيحتان، ولا يحصل الخلاف إطلاقا في أن ذلك من عند الله - ﷿ - على الوجهين المذكورين في (نزل) (٢)، ومن فهم من العلماء أن جبريل عليه - ﵇ - لم ينزل بسورة الحمد استنادا إلى حديث ابن عباس - ﷺ - قال: (بينما جبريل قاعد عند النبي - ﷺ -، سمع نقيضا (٣)، من فوقه، فرفع رأسه فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم، ولم يفتح قط إلا اليوم، فنزل منه ملك، فقال: هذا ملك نزل\n_________\n(١) الآيات (١٩٣ - ١٩٥) من سورة الشعراء.\n(٢) انظر: (جامع البيان ١٩/ ٦٨).\n(٣) قال في الصحاح (٢/ ٦٠٣): النقيض: صوت المحامل والرحال. وانظر: (النهاية ٥/ ١٠٧).","vol":"1","page":25},{"text":"إلى الأرض، لم ينزل قط إلا اليوم، فسلم وقال: أبشر بنورين أوتيتهما، لم يؤتهما نبي قبلك، فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة (١)،\nلن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته) (٢)، من فهم من هذا عدم نزول جبريل - ﵇ - بالفاتحة فقد أخطأ، لأن نزول سورة الفاتحة كان بمكة لآية الشعراء وهي مكية صريحة في نزول جبريل عليه - ﵇ - بجميع القرآن.\nقال القرطبي: فيكون جبريل - ﵇ - نزل بتلاوتها بمكة، ونزل الملك بثوابها بالمدينة، فإنه جمع بين القرآن والسنة، ولله الحمد والمنة (٣).\nقلت: وانقدح في ذهني وجه آخر، وهو أن يكون جبريل - ﵇ - نزل بها تلاوة وبخواتيم البقرة أيضا، ونزل\n_________\n(١) المراد الآيات من قوله تعالى: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله ...) الآيات إلى آخر السورة.\n(٢) أخرجه الإمام مسلم، حديث (٢٥٤) وانظر: (تفسير ابن عطية ١/ ١٤) وعنه نقل القرطبي في: (الجامع لأحكام القرآن ١/ ١١٦) وسيأتي في ص ٢١، والذي وقفت عليه عند ابن عطية (اتلوا هذا القرآن فإن الله يأجركم بالحرف منه عشر حسنات ...) أخرجه الدارمي (٢/ ٣٠٨) موقوفا على ابن مسعود - ﵁ - بلفظ (تعلموا هذا القرآن) وأخرجه الترمذي (٥/ ١٧٥) مرفوعا بلفظ (من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها ...) وقال: حسن صحيح غريب، وذكره المنذري في الترغيب (٢/ ٣٤٢).\n(٣) الجامع لأحكام القرآن (١/ ١١٦).","vol":"1","page":26},{"text":"الملك بالبشارة بنوريهما وأنهما أعطيتا لنبينا محمد - ﷺ - دون الأنبياء.\nفيحصل الجمع الذي ذكره القرطبي ﵀ من وجه آخر، وقد سمعت شيخنا أبو بكر جابر (١)، الجزائري عظّم الله أجره يقول: نزلت الفاتحة مرتين: مرة بمكة وآياتها سبع، بسم الله الرحمن الرحيم الآية الاولى.\nونزلت مرة أخرى في المدينة، ليس فيها بسم الله الرحمن الرحيم.\nقلت: ما ذكر فضيلته فيه نظر: فلم تنزل السورة مرتين، بل نزلت تلاوة مرة واحدة في مكة، ونزل في المدينة البشارة بالنورين الذين أوتيهما رسول الله - ﷺ - ولم أقف على ما يؤيد قول شيخنا هذا، أثابه الله، وهو في نظري توجيه حسن، وقد يقول قائل: نزلت مرتين والحكمة من ذلك تعظيمها، فأقول تعظيمها في البشارة بها وأنها نور أعطيه رسول الله - ﷺ -، أعظم في بيان فضلها، سيما وتعظيمها ورد في نصوص من السنة كثيرة، والله أعلم.\n_________\n(١) هذا اسمه مركّب، فلا يقال: أبابكر.","vol":"1","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>النظرة الرابعة\nمكية أو مدنية</span>؟:\nالصحيح من أقوال العلماء (١)، أن سورة الفاتحة مكية، استنادا إلى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ (٢)، فقد من الله - ﷿ - بها على رسوله محمد - ﷺ -، والآية من سورة الحجر، وهي مكية، فلم يكن الله - ﷿ - يمن بها قبل نزولها (٣) ولأن فرض الصلاة كان بمكة في ليلة الإسراء (٤)، ولا خلاف في ذلك بين العلماء (٥)، ومعلوم أن من أركان الصلاة قراءة الفاتحة، ولا صلاة صحيحة بدونها، لقوله - ﷺ -: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) (٦).\n_________\n(١) لهم ثلاثة أقوال في هذا:\n١ - أنها نزلت بمكة وهو قول الجمهور.\n٢ - أنها نزلت في المدينة.\n٣ - أنها نزلت مرتين، مرة في مكة ومرة في المدينة تعظيما لشأنها.\nانظر (الياقوت والمرجان في تفسير مبهمات القرآن ص: ٢٢).\n(٢) الآية (٨٧) من سورة الحجر.\n(٣) معالم التنزيل (١/ ٣٧).\n(٤) انظر (البخاري، حديث (٣٤٩).\n(٥) انظر: (الجامع لأحكام القرآن ١/ ١١٥).\n(٦) أخرجه مسلم من حديث عبادة - ﵁ - حديث (٣٤).","vol":"1","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>النظرة الخامسة\nعدد آياتها:</span>\nاجمعت الأمة على أن فاتحة الكتاب سبع آيات، ولم يخالف فيه إلا من لا عبرة بقوله، لشذوذه (١).\nقال الطبري: وقد اتفق القراء والعلماء على أنها سبع آيات، وحصل الخلاف في الآية التي صارت بها سبع آيات، فقال جماعة من الأصحاب والتابعين وعُظْم (٢)، أهل الكوفة: هي: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وقال عُظْم قُراة (٣)، أهل المدينة ومتقنيهم: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (٤).\nقال الخطابي: قال قوم هي آية من فاتحة الكتاب، وهو قول ابن عباس، وأبي هريرة، وسعيد بن جبير، وعطاء، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وقال آخرون: ليست التسمية من فاتحة الكتاب ... (٥)، ونقل ابن كثير رواية ابن مردويه بسنده من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (الحمد لله رب\n_________\n(١) انظر: (الجامع لأحكام القرآن ١/ ١١٤).\n(٢) بضم العين: وعظم الشيء، أو الناس: معظمهم وأكثرهم.\n(٣) بالتخفيف: جمع قارئ.\n(٤) جامع البيان (١/ ١٠٩).\n(٥) معالم السنن مع سنن أبي داود ١/ ٥١٣.","vol":"1","page":29},{"text":"العالمين سبع آيات: بسم الله الرحمن الرحيم إحداها، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم، وهي أم الكتاب، وفاتحة الكتاب) (١)، قال ابن كثير ﵀: رواه الدارقطني (٢)، أيضا عن أبي هريرة، مرفوعا بنحوه أو مثله، وقال: كلهم ثقات. وهذا رأي ابن عباس - ﵁ - (٣).\nوقد ألف في وجوب قراءة البسملة في الصلاة الإمام أبو الفتح سليم بن أيوب الرازي كتابا سماه \"الرسالة المقنعة في وجوب قراءة البسملة في الصلاة\" وألف أبو شامة المقدسي \"البسملة الكبير\" في مجلد، و\"البسملة الصغير\".\nوقد أثبت السلف البسملة في المصحف، مع توصيتهم بتجريد القرآن، ولذلك لم يثبتوا آمين، فلولا أنها من القرآن لما أثبتوها (٤)، فليعلم أن البسملة آية من الفاتحة وهو قول الجمهور، ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ آية واحدة، هي الآية السابعة، تمام الفاتحة.\n_________\n(١) انظر: (تفسير القرآن العظيم ١/ ٢٢ - وأنوار التنزيل ١/ ٥).\n(٢) سنن الدارقطني، حديث (٣٦).\n(٣) تفسير القرآن العظيم (١/ ٢٢).\n(٤) انظر: (الكشاف ١/ ٤) ومصحف المدينة النبوية.","vol":"1","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>النظرة السادسة\nصلتها بالكتب السماوية:</span>\nأخرج البيهقي عن الحسن البصري أرسله قال: \"أنزل الله - ﷿ - مائة وأربعة كتب من السماء، أودع علومها أربعة منها: التوراة، الإنجيل، والزبور، والقرآن، ثم أودع علوم التوراة والإنجيل، والزبور (القرآن) ثم أودع علوم القرآن (المفصل) ثم أودع علوم المفصل (فاتحة الكتاب فمن علم تفسيرها كان كمن علم تفسير جميع كتب الله المنزلة\" (١).\nقلت: في إسناده الربيع بن صبيح السعدي، صدوق سيء الحفظ، ومال الذهبي (٢)، إلى أنه صدوق، ونقل تضعيف النسائي له، وفيه إرسال الحسن، والحسن مرسلاته تكلم فيها العلماء، حتى قال بعضهم: مرسلات الحسن كالريح أي: لا يعتد بهاـ وقد ذكر هذا الأثر السيوطي (٣)، معزوا إلى البيهقي في شعب الإيمان (٤)، وعزا السيوطي إلى أبي عبيد في فضائله عن الحسن مرسلا قوله: قال رسول الله\n_________\n(١) في شعب الإيمان (٥/ ٣٠٨ - رقم ٢١٥٥).\n(٢) في الكاشف (١/ ٣٠٤).\n(٣) في تفسيره (١/ ١٦).\n(٤) انظر: ٥/ ٣٠٨.","vol":"1","page":31},{"text":"- ﷺ -: (من قرأ فاتحة الكتاب فكأنما قرأ التوراة والإنجيل والزبور والفرقان) (١).\nقال الأ لوسي ﵀: ذكر بعض العلماء، أن الفاتحة بإجماع علماء كل أمة افتتح كل كتاب بها، لكنه معارض بأن العربية من خصوصيات القرآن، ولا يمنع أن تكون معانيها موجودة في الكتب الأخرى، فالكتب السماوية بأسرها غير عربية (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>النظرة السابعة\nما ورد في فضلها:</span>\nأخرج الإمام البخاري من حديث أبي سعيد بن المعلى - ﵁ - قال: مرّ بي النبي - ﷺ - وأنا أصلي، فدعاني فلم آته حتى صليت، فقال: (ما منعك أن تأتي؟، فقلت: كنت أصلي، فقال: ألم يقل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (٣)، ثم قال: ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج من المسجد؟، فذهب النبي - ﷺ -\n_________\n(١) فضائل القرآن ٢/ ٢٥، والدر المنثور (١/ ١٦).\n(٢) في تفسيره (روح المعاني ١/ ٣٩).\n(٣) من الآية (٢٤) من سورة الأنفال، ومن هذا يستفاد وجوب الاستجابة لنداء رسول الله - ﷺ - في حياته، وقطع ما يعوق الإجابة ولو كان العائق عبادة، وبعد موته - ﷺ - تكون الاستجابة لأمره ونهيه.","vol":"1","page":32},{"text":"ليخرج من المسجد فذكرته فقال: الحمد لله رب العالمين، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته) (١).\nوأخرج البيهقي من حديث أبي هريرة - ﵁ -، عن أبيّ بن (مالك) (٢)، - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (ألا أعلمك سورة ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في القرآن مثلها؟، قلت: بلى، قال: إني لأرجو ألا تخرج من ذلك الباب حتى تعلمها) (٣)، فذكر الحديث.\nوأخرج النسائي بسند رجاله ثقات من حديث أنس بن مالك - ﵁ - قال: \"كان النبي - ﷺ - في مسيرة فنزل، فمشى رجل من أصحابه إلى جانبه فالتفت إليه النبي - ﷺ - فقال: ألا أخبرك بأفضل القرآن؟، قال: فتلا عليه ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤)، يعني الفاتحة، وكذلك حديث عبد الله بن جابر - ﵁ -، وفيه: أن رسول الله - ﷺ - قال له: (يا عبد الله بن جابر، ألا أخبرك بخير سورة نزلت\n_________\n(١) أخرجه الإمام البخاري، حديث (٤٤٧٤، ٤٧٠٣).\n(٢) هذا تحريف، والصواب: أبي بن كعب - ﵁ -، لأن أبي بن مالك ليس له إلا حديث واحد في بر الوالدين (الإتحاف ١/ ٢٦٣ - ٢٦٧ وشعب الإيمان ٥/ ٢٨٤).\n(٣) شعب الإيمان، حديث (٢١٣٩).\n(٤) السنن الكبرى (٥/ ١١) كتاب فضائل القرآن، باب (١٦) رقم (٨٠١١/ ٢) وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان.","vol":"1","page":33},{"text":"في القرآن؟، قال: قلت: بلى، يا رسول الله، قال: فاتحة الكتاب) (١) وذكر البيهقي ﵀ اختلاف الرواة في هذه الرواية ثم قال: فيشبه أن يكون هذا القول صدر من جهة صاحب الشرع - ﷺ - لأبيّ، ولأبي سعيد بن المعلى كليهما، وحديث ابن المعلى رجاله أحفظ، والله أعلم (٢).\nقلت: ولذلك أخرجه الإمام البخاري وهذا يؤكد دقة الإمام البخاري وعلمه بعلل الأحاديث وضبط الرجال لما يروون، ولا يمنع إخباره - ﷺ - لأكثر من واحد من أصحابه (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>النظرة الثامنة\nالفاتحة من خصائص النبي - ﷺ - وأمته:</span>\nخصّ الله - ﷿ - نبينا محمد - ﷺ - وأمته بسورة الفاتحة، لم يعطها أحدا من الأنبياء قبله، فليحرص المسلم على تجويدها وفهم معانيها.\nأخرج الإمام مسلم من حديث ابن عباس - ﵁ - قال: \"بينما جبريل قاعد عند النبي - ﷺ -، سمع نقيضا من فوقه، رفع رأسه فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم، لم يفتح قط\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في (شعب الإيمان ٥/ ٣٠٥ - ٣٠٦ رقم ٢١٥٢).\n(٢) شعب الإيمان (٥/ ٢٨٥ - ٢٨٧).\n(٣) انظر (التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ٢٠/ ٢١٧ - ٢٢٠).","vol":"1","page":34},{"text":"إلا اليوم، فنزل منه ملك، فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض، لم ينزل قط إلا اليوم، فسلم وقال: ابشر بنورين أوتيتهما، لم يؤتهما نبي قبلك ــ فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة ــ لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته\" (١)، وفي هذا دلالة صريحة على اختصاص نبينا محمد - ﷺ - وأمته بالفاتحة، ومن خصّ بشيء زاد حرصه عليه، لاختصاصه به لنفاسته دون سواه، فليعتن المسلم بسورة الفاتحة، فهما لدلالاتها وتجويدا لتلاوتها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>النظرة التاسعة\nالفاتحة تحاور بين العبد وربه:</span>\nما أعظم مناجاة العبد لربه - ﷿ - واستشعاره محاورته لمولاه جل وعلا من خلال فاتحة الكتاب، هنا يدرك العبد لذة المناجاة حينما يحزبه أمر فيلجأ إلى خالقه وباريه، يطلب منه اللطف والرحمة والعفو والمغفرة هكذا كان يفعل سيد الخلق - ﷺ - إذا حزبه أمر لجأ إلى الصلاة (٢)، وإذا حان وقت الفريضة قال:\n(يا بلال أرحنا بالصلاة) (٣).\n_________\n(١) حديث (٢٥٤).\n(٢) أخرجه أبو داو ود في سننه (٢/ ٧٨ - رقم ١٣١٩) من حديث حديقة (كان النبي - ﷺ - إذا حز به أمر صلى) ويشهد له الذي بعده، وأخرجه أحمد في مسنده (٥/ ٣٨٨) هذا قول حذيفة وفي سنده محمد بن عبد الله الدؤلي مقبول.\n(٣) أخرجه الطبراني (٦/ ٣٤٠) من حديث صحابي من أسلم.\nقال الهيثمي في المجمع (١/ ١٤٥): فيه أبو حمزة الثمالي ضعيف واهي الحديث، وأخرجه أبو داود (٥/ ٢، ٦٢،) والإمام أحمد في المسند (٥/ ٣٦٤، ٣٧١) وفي إتحاف السادة المتقنين (٣/ ١٣٧) قال: إسناده صحيح.","vol":"1","page":35},{"text":"أخرج الإمام مسلم حديث أبي هريرة - ﵁ - وفيه: سمعت الرسول - ﷺ - يقول: (قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: أثنى علي عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجّدني عبدي، وقال مرة: فوض إليّ عبدي، فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل) (١).\n_________\n(١) في صحيحه (١/ ٢٩٦ - رقم ٣٩) وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٢٩٢ - رقم ٢١٤٦) وأطال المحقق في تخريجه فليعد إليه الراغب.","vol":"1","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>النظرة العاشرة\nالفاتحة شفاء وأخذ الأجرة على الرقية بها جائز:</span>\nما أكثر ما يعتل الإنسان روحًا وجسدًا وقد أخبر الباري - ﷿ - أن القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين (١)، وثبت النقل عن الرسول - ﷺ - أن الفاتحة يستشفى بها فليكن المسلم موقنا بذلك وليحرص على الاستشفاء بالقرآن وأوله الفاتحة وليحذر كل الحذر مجانبة المنهج النبوي في ذلك.\nأخرج الإمام مسلم من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -، أن ناسا من أصحاب رسول الله - ﷺ - كانوا في سفر، فمروا بحي من أحياء العرب، فاستضافوهم فلم يضيفوهم فقالوا لهم: هل فيكم راقٍ؟، فإن سيد الحي لديغ أو مصاب، فقال رجل منهم: نعم فأتاه فرقاه (بفاتحة الكتاب) فبرأ الرجل، فأعطي قطيعًا من غنم فأبى أن يقبلها، وقال: حتى أذكر ذلك للنبي - ﷺ -، فأتى النبي - ﷺ - فذكر ذلك له، فقال: يا رسول الله والله ما رقيت إلا بفاتحة الكتاب فتبسم - ﷺ - وقال: (وما أدراك أنها رقية؟ !، ثم قال: خذوا منهم واضربوا لي بسهم معكم) (٢)، وأخرجه الإمام البخاري بزيادة: (فجعل يقرأ بأم القرآن، ويجمع ريقه\n_________\n(١) قال الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ الإسراء آية (٨٢).\n(٢) حديث (٦٥) ويستفاد من هذا وجوب تحري الحلال، والبعد عن الشبهات والمحرمات في المكاسب.","vol":"1","page":37},{"text":"ويتفل فبرأ) (١)، وهذه الزيادة عند مسلم، ولكني ذكرتُ رواية مسلم أولا لورود القصة فيها بأتم.\nأخرج البيهقي بسنده من حديث عبد الله بن جابر - ﵁ - قال: أتيت النبي - ﷺ - وهو يبول فوقفت عليه فقلت: السلام عليك، فلم يرد عليّ، ثم قلت: السلام عليك يا رسول الله، فلم يرد عليّ، ثم قلت: السلام عليك يا رسول الله، فلم يرد عليّ.\nقال: ونهض ودخل بعض حجره، قال: فملت إلى اسطوانة في المسجد وأنا كئيب حزين، فبينا أنا كذلك إذ خرج رسول الله - ﷺ - فتوضأ، قال: فأقبل حتى وقف عليّ، ثم قال: (وعليك السلام ورحمة الله، وعليك السلام ورحمة الله، عليك السلام ورحمه الله، ثم قال: يا عبد الله بن جابر، ألا أخبرك بخير سورة نزلت في القرآن؟، قال: قلت: بلى يا رسول الله، قال: فاتحة الكتاب).\nقال علي: وأحسبه قال: (فيها شفاء من كل داء) (٢).\nقلت: عليّ هو: علي بن هاشم بن البريد، وقد أخرج الدارمي ما قال عليّ هذا، من مرسل عبد الملك بن عمير قال: قال رسول الله - ﷺ -: (فاتحة الكتاب شفاء من كل داء) (٣)، ولا يبعد أن يكون واسطته من الضعفاء،\n_________\n(١) حديث (٥٧٣٦).\n(٢) في شعب الإيمان (٥/ ٦٠٥ - رقم ٢١٥٢).\n(٣) في مسنده المعروف بسنن الدارمي (٢/ ٣٢٠).","vol":"1","page":38},{"text":"فدلسه بالإرسال فإنه ثقة تغيّر، وربما دلس. وأخرجه البيهقي (١).\nهذا وفي الفاتحة وفضائلها أحاديث كثيرة منها الثابت الصحيح والضعيف والموضوع واقتصرنا على بعض ما صح وثبت عن رسول الله - ﷺ - بغية إفادة القارئ وما ذكرنا مما تكلم فيه العلماء أبنّا علته، فسورة الفاتحة هي أفضل السور بالنص على ما مر ذكره، وبالمعنى على ما سيأتي، وهي أجمع سورة للخير، زادنا الله بها فهما وعلما وعملا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>النظرة الحادية عشرة\nمقاصد الفاتحة:</span>\nمن المعلوم لأهل العلم، وأصحاب الخبرة في البحث والنظر أنه لو ذهب بعضهم يتتبع مقاصد الفاتحة، ويستجلي ما تضمنت من غايات لأمكنه أن يكتب الكثير من الفوائد العلمية، ونحن في هذا نسدد ونقارب لغرض الإفادة، والتوجيه والدلالة لمن أراد الزيادة في البحث والإمعان فيه.\nإن سورة الفاتحة تضمنت من المقاصد والمعاني والدلالات، ما لم تتضمنه سورة من سور القرآن\n_________\n(١) في شعب الإيمان، حديث (٢١٥٤) وفيه انقطاع.","vol":"1","page":39},{"text":"الكريم، وقد ضم القرآن الكريم علوم الكتب السماوية وزاد عليها.\nففي الفاتحة، الثناء الجميل على الله - ﷿ - بما هو أهله، على صفة الكمال المطلق، بأسمائه وربوبيته وصفاته تعالى، والاستعانة به وحده لا شريك له، وإخلاص العبادة له، والتوجه إليه تعالى بالطلب والدعاء، وهذا كله مقاصد القرآن الكريم، تناوله حديث (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل ...) (١)، ومن خلال البحث والنظر في هذه السورة العظيمة ظهرت عدة مقاصد، وخلاصتها في ثلاثة أمور:\n١ - أن الفاتحة تضمنت مقاصد القرآن كله على سبيل الاجمال.\n٢ - أنها تضمنت مقاصد السورة الواحدة.\n٣ - أنها تضمنت مقاصد الآيات.\nأما مقاصد القرآن فقد ذكر العلماء أنها في أربعة أمور:\n١ - الإلهيات.\n٢ - النبوات وقصص الأمم السابقة.\n٣ - الأوامر والنواهي والأحكام.\n٤ - المعاد وما بعده (٢).\n_________\n(١) أخرجه الإمام مسلم، حديث (٣٩٥).\n(٢) أنوار التنزيل وأسرار التأويل (١/ ٨).","vol":"1","page":40},{"text":"ومقاصد السورة الواحدة: مثاله ما تضمنته الفاتحة وهو ما ذكرنا في مستهل هذا المبحث.\nأما مقاصد الآيات: فقد ورد في كثير من الآيات التوجيه إلى الحِكَم النظرية، والأحكام العملية، وذلك في معرفة الطريق المستقيم وسلوكه، ومجانبة طريق الشقاء، ومعرفة مراتب الأشقياء والبعد عنها (١)، ويمكن أن يسمى هذا بالجانب العلمي، والجانب العملي، وسورة الفاتحة تضمنت آياتها الجانبين، فنصفها الأول علمي، والثاني عملي ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ إلي آخر السورة. وفيما يلي نورد تحليلا لهذه المقاصد في الفاتحه حسب ما فهمنا من دراسة أقوال العلماء.\nالإلهيات:\nهذا المقصد العظيم، تضمنه قول الله ﷾: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾.\nتضمنت الأسماء والصفات والأفعال، فوجهت إلى معرفة الله - ﷿ -، ومعرفة صفاته وأفعاله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>النبوات:</span>\n_________\n(١) أنوار التنزيل وأسرار التأويل (١/ ٨) للبيضاوي.","vol":"1","page":41},{"text":"وقصص الصالحين: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾.\nوقصص غيرهم من العصاة، وأخل الكفر ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>الأحكام:</span>\nالأوامر والنواهي:\nتضمنها قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ فهذا إيحاء إلى العبد أن الحكم الشرعي أن تكون العبادة خاصة وخالصة لله وحده لا شريك له، وكذلك الاستعانة، ولا يكمل ذلك إلا بالاستجابة لأحكام الإسلام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>المعاد:</span>\nتضمنه قول الله ﷾: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ وهذا فيه وعيد وبيان أن الإنسان مدان بعمله في هذا اليوم المشهود، ويأخذ جزاء ما كسبت يداه، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر.\nوفي قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ وعد من الله - ﷿ -، أن من هذا حالهم في الاستقامة وتجريد العبادة لله - ﷿ -، والمتابعة لرسوله محمد - ﷺ -، مع الصبر والدعاء","vol":"1","page":42},{"text":"يكون مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.\nومن هذا يتحصل لنا أن الفاتحة تضمنت ثلاثة ميادين علمية هي:\nتعريف المدعو إليه: وهو (الله - ﷿ -) وذلك في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ وقد فصّل الكتاب والسنة هذا التعريف.\nتعريف الوسيلة الموصلة إليه: وهي ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ المتمثل في العمل بما جاء عن الله - ﷿ -، وعن رسوله محمد - ﷺ -، وذلك في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ وهو الإسلام، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١)، وقال - ﷿ -: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢)، تعريف\n_________\n(١) من الآية (٣،،) من سورة المائدة.\n(٢) الآية (٨٥) من سورة آل عمران.","vol":"1","page":43},{"text":"حال المخلوق لهذا التكليف الشرعي: وهم بنوا آدم وهم قسمان: قسم استجاب لهذا التكليف، فسلك الصراط المستقيم وهم الذين أنعم الله عليهم، وذلك في قوله تعالى: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ وهم الأنبياء والرسل، والصديقون والشهداء والصالحون، وعباد الله المؤمنون به وبأنبيائه وكتبه ورسله، السالكون صراطه المستقيم، بعملهم بأحكام الإسلام.\nوقسم لم يستجب لداعي الشرع، وتنكب الصراط المستقيم، وخرجوا عن الجادة وهم الذين عرّف حالهم بقول الله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ ومن هذا يظهر لنا أن من مقاصد الفاتحة ما يلي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>المقصد الأول:</span>\nتحديد مسمى الإله وأنه (الله - ﷿ -) وحده لا شريك له، المتفرد بصفات الكمال والجلال، والخلق والإيجاد من العدم، والربوبية المطلقة لجميع المخلوقات، تضمن هذا قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وهذا جلي يعلمه أبسط الخلق، وفي هذا المقصد الرد على المشركين والملحدين، الزاعمين أن قوة خفية تدبر هذا العالم، وحاروا في تحديدها، وهذا من عمى البصائر","vol":"1","page":44},{"text":"والعياذ بالله. وقد هدى الله المسلمين لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه.\nوأنه تعالى وحده المدبر لهذا العالم، علويه وسفليه ظاهره وباطنه، ما علمنا منه وما لم نعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>المقصد الثاني:</span>\nبيان أن العالم العلوي والسفلي، وما فيهما من مخلوقات، كلها مربوبة لله - ﷿ -، هو ربها ومدبر شؤونها، لا يخرج عن قدرته شيء، ولا يكون إلا ما يريد سبحانه، ومقتضى هذا رحمة عباده في تربيتهم الروحية، كما رباهم بنعمه الظاهرة والباطنة، وفي هذا المقصد الرد على جميع الوثنيين الذين اتخذوا أربابا من دون الله - ﷿ -، تضمن هذا قوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>المقصد الثالث:</span>\nبيان أن ورود أسماء الرب جل شأنه (الله ــ الرب ــ الرحمن ــ الرحيم ــ مالك) تأسيس لتوحيد الأسماء والصفات وأنه على وجه الكمال لله - ﷿ -، وأنه تعالى سمى نفسه بهذه الأسماء وغيرها مما ورد في الكتاب والسنة على وجه الكمال المطلق، وعلى مبدأ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١)، وفي هذا رد على جميع الفرق الضالة، التي تؤول الأسماء\n_________\n(١) الآية (١١) من سورة الشورى.","vol":"1","page":45},{"text":"والصفات، أو تعطل ذات الله - ﷿ - منها، فمن جحد شيئا منها أو أوله فقد كذب صريح القرآن، وصحيح السنة النبوية، وقد تضمن هذا قوله تعالى:\n﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>المقصد الرابع:</span>\nبيان أن الله تعالى هو المتفرد بالحكم، فله الأمر والنهي ورتب على هذا بعث العباد، وحشرهم في ذلك اليوم المشهود، الذي تُنصب فيه الموازين، وتكون فيه كل نفس بما كسبت رهينة ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (١)، لايستطيعون زيادة في الحسنات، ولا نقصا في السيئات قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ (٢)، وفي هذا المقصد رد على الذين يسعون إلى إيجاد شرائع في الأرض وقوانين\n_________\n(١) الآية (٧ - ٨) من سورة الزلزلة.\n(٢) الآيتان (٣٩، ٤٠) من سورة النجم.","vol":"1","page":46},{"text":"تخالف ما أنزل الله، من الناعقين والناعقات من المتبعين لأهوائهم في عالم اليوم المليء بالمتناقضات، وتصارع الأفكار والحضارات تضمن هذا قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>المقصد الخامس:</span>\nبيان أنه لا يستحق أحد العبادة إلا الله وحده لا شريك له، فهو المعبود بحق على وجه الخصوص، فكل معبود سوى الله - ﷿ - باطل، وكل من عبد غير الله فقد ضل سبيل الرشاد، وسلك مسالك أهل الغي والعناد، وفي هذا المقصد رد على الذين يتعبدون عند القبور بالذبح، والذكر ودعاء الأموات، والتقرب إلى الأولياء، وطلب قضاء الحاجات منهم، وهذا كله من صرف العبادة لغير الله - ﷿ -، ولما كان الدعاء من العبادة نصّفه الله - ﷿ - في الفاتحة فجعل النصف الأول منه مجمع الثناء عليه تعالى، والنصف الثاني من الدعاء مجمع حاجات العباد كل ذلك يتوجهون به إلى ربهم وخالقهم تمجيدا وثناء عليه وطلبا واستجداء منه تعالى (١)، وفي الآية رد على المبتدعة من الجبرية والقدرية (٢).\n_________\n(١) الجامع لأحكام القرآن (١/ ١٤٧).\n(٢) الجامع لأحكام القرآن (١/ ١٤٥).","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>المقصد السادس:</span>\nنفي العناد والجحود، وطرد الشك والضلال، بطلب الهداية والتوفيق إلى الحق، فالهداية جزء من لطف الله ورحمته بالعباد، ولأهمية هذا الجانب، أرسى الله - ﷿ - لوازمه أولا، فعرّف بالمعبود: الله ﷻ، وخصه بالعبادة، وعرّف بالمتبوع: رسول الله - ﷺ -، وخصه بالإتباع، وعرّف بالمنهج: الكتاب والسنة، وأمر بالاستقامة على ذلك، فهذه أركان الهداية الأربعة:\nالمعبود: هو الله، فالعبد في الفاتحة الفاتحة يكرر الرجاء في خالقه ويديم التوسل والدعاء، أن يهديه الطريق المستقيم في الأمور كلها الحسية والمعنوية، وفي هذا المقصد رد على الذين يتوسلون بالأموات من الأنبياء والصالحين، ويستجيرون بالمخلوق دون الخالق، تضمن هذا قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>المقصد السابع:</span>\nبيان أن النبوة أعظم النعم التي منّ الله بها على العباد، إذ عرّفهم بالمتبوع، ومعرفته هي الركن التاني من أركان الهداية، فبواسطة الرسل عرف العباد ربهم وعبدوه حق عبادته، وعليهم أنزل الله كتبه، فكان","vol":"1","page":48},{"text":"القرآن الكريم خاتمها، وكان رسول الله - ﷺ - خاتم الأنبياء والرسل، حدد الله الخير والشر، وعرف الأمة الحلال والحرام، والمعروف والمنكر، وهذا كله مقتضى رحمته بعباده في قوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ ومقتضي العدل في قوله نعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ ومقتضى إخلاص العبادة له في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ فإن العبادة لا تسلم من الشرك والبدع، إلا إذا أخذت من طريق النقل عن الرسل ﵈، فالعقول لا تحدد الشرائع وطريقة العبادات، ولا يعبد الله إلا بما شرع، ولا سبيل لمعرفة ما شرع الله - ﷿ - إلا من طريق الرسل ﵈، ولذلك شدد الله - ﷿ - على اتّباع الرسول - ﷺ - فقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا\n_________\n(١) الآية (٣١) من سورة آل عمران.","vol":"1","page":49},{"text":"شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (١) وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ (٣)، وقال الله ﷾: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٤).\n_________\n(١) من الآية (٦٥) من سورة النساء.\n(٢) الآية (٦٣) من سورة النور ..\n(٣) الآية (٣٦) من سورة الأحزاب.\n(٤) الآية (٧) من سورة الحشر.","vol":"1","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>المقصد الثامن:</span>\nالتعريف بالمنهج وهو الركن الثالث من أركان الهداية، وتصنيف بني آدم على أساس الإيمان بالله - ﷿ -، وعدم الإيمان به، حيث جعلت الفاتحة الناس صنفين:\n١ ــ صنف مؤمن عالم عامل، عرف الحق تعالى فعبده وحده لا شريك له، وعرف المبلغ عن الله - ﷿ -، وعرف الطريق المستقيم فسلكه، وهذا تضمنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾.\n٢ ــ صنف اتبع هواه ولم يسمع للرسول - ﷺ -، ولم يحكم ما جاء به من عند الله، فضل ضلالا مبينا، وتضمن هذا قول الله ﷾: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>المقصد التاسع:</span>\nالاستقامة على المنهج الصحيح، وهو الركن الرابع من أركان الهداية، ولتحقيق ذلك بث الوعي بين العباد بأسلوبين:\n١ ــ أسلوب الترغيب والبشارة، تضمنه قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ففي سلوك هذا","vol":"1","page":51},{"text":"المنهج ترغيب في الجنة ونعيمها، وبشارة بالنجاة، وبمصاحبة الذين أنعم الله عليهم، وهم الأنبياء والرسل، والصديقون والشهداء والصالحون.\n٢ ــ أسلوب التحذير والترهيب، تضمنه قول الله ﷾: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فالتعبير بالغضب والضلال هو من أبلغ العبارات في الزجر والتخويف، ومن وقع في الضلال فقد خاب وخسر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>المقصد العاشر:</span>\nتشخيص الداء، وتحديد الدواء: قد تشخص الداء من خلال قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وأنه لم ينلهم الغضب إلا بسبب كفرهم وعنادهم وعدم استجابتهم لدعوة الحق وقد لازم غضب الله اليهود لعنادهم وجحودهم.\nوفي قوله تعالى: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ تشخيص لداء اتّباع الهوى، وأنه يزلُّ بصاحبه عن المحجة، فيكون في سُبُل تعصف به ولا يستقر به قرار (١)، ومن هنا لازم\n_________\n(١) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الآية (١٥٣) من سورة الأنعام.","vol":"1","page":52},{"text":"الضلال النصارى لتحكيمهم أهواء أحبارهم ورهبانهم، وبذلك اتخذوهم أربابا (١)، من دون الله.\nوقد حدد الدواء في: الهداية وأركانها التي أسلفنا الكلام عليها، وهي: معرفة المعبود، ومعرفة المتبوع، ومعرفة المنهج، ثم الاستقامة على ذلك.\nومن ذلك نعلم أن صلاح القلوب لا يكون إلا بترسيخ العقيدة الصحيحة، وتحديد مسار العبد وفق ما تضمنته سورة الفاتحة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>النظرة الثانية عشرة\nوجوب قراءتها في كل ركعة:</span>\nقال أبو عمر بن عبد البر ﵀: ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) (٢)، وأنه قال: (من صلى صلاةً لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج غير تمام) (٣)، فأي بيان أوضح من هذا.\nوهذا ما ذهب إليه الأئمة: مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق بن راهويه، وداوود بن علي الظاهري، وجمهور أهل العلم قالوا: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب.\n_________\n(١) انظر الآية (٣١) من سورة التوبة، وحديث عدي بن حاتم.\n(٢) أخرجه الإمام مسلم، حديث (٣٤) من حديث عبادة بن الصامت - ﵁ -.\n(٣) أخرجه الإمام مسلم، حديث (٤١) من حديث أبي هريرة وفيه (بفاتحة الكتاب) وانظر التمهيد (٢٠/ ١٩٢).","vol":"1","page":53},{"text":"قال ابن خويز منداد المالكي البصري: وهي عندنا متعينة في كل ركعة، قال: ولم يختلف قول مالك فيمن نسيها في ركعة، من صلاة ركعتين أن صلاته تبطل (١)، ونقل هذا القول القرطبي ﵀ في تفسيره (٢) ونقل عن ابن عبد البر قوله: الصحيح من القول إلغاء تلك الركعة ــ يعني الركعة التي لم يقرأ فيها بالفاتحة ــ ويأتي بركعة بدلا منها كمن أسقط سجدة سهوا (٣).\nوقال القرطبي ﵀: الصحيح من هذه الأقوال قول الشافعي، وأحمد، ومالك في القول الآخر، وأن الفاتحة متعينة في كل ركعة لكل أحد على العموم، لقوله - ﷺ -: (لا صلاة لمن لم يقرا بفاتحة الكتاب) (٤)، وقوله: (من صلى صلاةً لم يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خداج) (٥) ثلاثا، وقال أبو هريرة - ﵁ -: أمرني رسول الله - ﷺ -، أن أنادي أنه (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب فما زاد) (٦).\nكما لا ينوب سجود ركعة ولا ركوعها عن ركعة أخرى، فكذلك لا تنوب قراءة ركعة عن غيرها، ثم عدّد\n_________\n(١) التمهيد (٢٠/ ١٩٢).\n(٢) الجامع لأحكام القرآن (١/ ١١٧).\n(٣) الجامع لأحكام القرآن (١/ ١١٧).\n(٤) أخرجه الإمام مسلم، حديث (٤١).\n(٥) سنن أبي داوود، حديث (٨١٨، ٨٢٠) بألفاظ متقاربة.\n(٦) سنن أبي داوود، حديث (٨٢١) ولفظه (من صلى صلاةً لم يقرأ فيها بأم القرآن ... .).","vol":"1","page":54},{"text":"جمعا من الصحابة والأئمة قالوا بهذا (١)، وقال: وقد أخرج الإمام أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة القزويني في سننه، ما يرفع الخلاف ويزيل كل احتمال ــ فذكر بسنده ــ من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بالحمد لله وسورة في فريضة أو غيرها) (٢).\nوحيث إن مقصدنا بيان الأصح من أقوال العلماء، وما أيده الدليل، ولزوم الاختصار نكتفي بما ذكرنا، وإلا فالنصوص الدالة على وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة كثيرة، سواء في حق المأموم أو المنفرد، ومنها ما ثبت في صحيح الإمام مسلم: أنه - ﷺ - قال للذي علمه الصلاة: (وافعل ذلك في صلاتك كلها) (٣)، وأخرج أبو داوود ﵀، عن نافع بن محمود بن الربيع الأنصاري قال: \"أبطأ عبادة بن الصامت عن صلاة الصبح، أقام أبو نعيم المؤذن الصلاة، فصلى أبو نعيم بالناس، وأقبل عبادة وأنا معه حتى صففنا خلف أبي نعيم، وأبو نعيم يجهر بالقراءة، فجعل عبادة يقرأ أم القرآن، فلما انصرفت قلت لعبادة: سمعتك تقرأ بأم القرآن، وأبو نعيم يجهر؟، قال: أجل، صلى بنا رسول\n_________\n(١) الجامع لأحكام القرآن (١/ ١١٩).\n(٢) سنن ابن ماجة، حديث (٨٣٩) في إسناده أبو سفيان السعدي طريف ابن شهاب، ضعيف لكن تابعه قتادة، أخرجه ابن حبان، انظر (٣/ ١٤٠) من الإحسان بترتيب صحيح بن حبان.\n(٣) صحيح الإمام مسلم، حديث (٤٥).","vol":"1","page":55},{"text":"الله - ﷺ - بعض الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة قال: فالتبست عليه القراءة، فلما انصرف أقبل علينا بوجهه فقال: هل تقرءون إذا جهرت بالقراءة؟، فقال بعضنا: إنا نصنع ذلك، قال: فلا، ــ وأنا أقول: ما لي ينازعني القرآن ــ فلا تقرءوا بشئ من القرآن إذا جهرت إلاّ بأمِّ القرآن\" (١)، وقال أبو داود: وهذا أصح، والعمل على هذا الحديث في القراءة خلف الإمام، عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ -، وهو قول مالك بن أنس، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق (٢).\nوقال الدارقطني بعد أن أخرج الحديث من طريق محمد بن إسحاق عن مكحول عن محمود: هذا إسناد حسن، وقال بعد أن أخرجه من طريق زيد بن واقد، عن مكحول به: كلهم ثقات ــ يعني رجال إسناده ــ وقال عن محمود بن الربيع الأنصاري: وكان يسكن إيليا (٣)، وعن أبي نعيم: وكان أبو نعيم أول من أذن في بيت المقدس (٤)، واعتقد أنه من كلام الدارقطني وإلا لما حكم على الإسناد بأن رجاله ثقات.\n_________\n(١) سنن أبي داوود، حديث (٨٢٤).\n(٢) سنن الترمذي، حديث (٣١١).\n(٣) بكسر أوله واللام، وياء وألف ممدودة، إسم مدينة بيت المقدس، قيل: معناه بيت الله (معجم البلدان ١/ ٢٩٣).\n(٤) سنن الدارقطني، حديث (٥، ٦) وانظر الجامع لأحكام القرآن (١/ ١٢٠).","vol":"1","page":56},{"text":"وهذا يرد كلام أبي عمر بن عبد البر في أبي نعيم أنه مجهول (١)، فالذي أراه راجحا ومنصورا دليله بإذن الله تعالى، وجوب القراءة لما أوردنا من نصوص؛ ولأنه أحوط في دين العبد، وأتقى لله تعالى.\nومن أراد العودة إلى أقوال العلماء في هذه المسألة فإن الخلاف فيها على ثلاثة أقوال كما ذكر ذلك أبو عمر بن عبد البر ﵀ قال: وهذا موضوع اختلفت فيه الآثار، عن النبي - ﷺ -، واختلف فيه العلماء، من الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين، على ثلاثة أقوال، ثم قال: منهم قائلون: \"لا يقرأ لا فيما أسر ولا فيما جهر\" وقال آخرون: \"يقرأ معه فيما أسر فيه، ولا يقرأ فيما جهر فيه إلا بأم القرآن، خاصة دون غيرها\" والثالث سقط ولم يتنبه المحقق إلى إلحاقه، وهو: \"يقرأ فيما أسر الإمام ولا يقرأ فيما جهر\" (٢)، وقد ناقش ﵀ الآثار والأقوال وأفاض في ذلك (٣)، وقد أبنّا القول الراجح (٤)، وأن قراءة أم الكتاب في كل ركعة لا تسقط إلا عند العجز عن قراءتها عجزا شرعيا. وبالله التوفيق.\n_________\n(١) التمهيد (١١/ ٤٦).\n(٢) التمهيد (١١/ ٢٧ - ٢٨).\n(٣) التمهيد (١١/ ٢٣ - ٥٥).\n(٤) وانظر الرازي (١/ ٢١٤ - ٢١٨، وللعلم بما قيل في مطلق القراءة ١/ ١٨٨ - ٢١٤).","vol":"1","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>النظرة الثالثة عشرة\nجواز الزيادة على الفاتحة من القرآن:</span>\nليعلم القارئ الكريم، أنه لا تجزيء صلاة من يحسن فاتحة الكتاب إلا بها، ولا يجزئ أن ينقص حرفا منها؛ لأن ذلك تحريف وإحالة للمعنى إلي غير المراد منه، فإن لم يقرأها المصلي أو نقص منها حرفا أعاد صلاته، وإن قرأ بغيرها، وهذا هو الصحيح إن شاء الله تعالى.\nوقد أجمع العلماء على أنه لا صلاة إلا بقراءة، وأنه لا توقيت في ذلك بعد الفاتحة، عن النبي - ﷺ - (١)، ومستند جواز الزيادة في القراءة على الفاتحة حديث عبادة بن الصامت - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال للأعرابي: (إقرأ ما تيسر معك من القرآن) (٢)، أي: ما زاد على الفاتحة، وهو تفسير قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (٣)، والآية ذاتها ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ ولو أراد الفاتحة لما خير لأن قراءتها واجبة، كما في حديث عبادة أيضا:\n_________\n(١) الجامع لأحكام القرآن (١/ ١٢٤).\n(٢) أخرجه الإمام مسلم، حديث (٤٥).\n(٣) الآية ٢٠ من سورة المزمل.","vol":"1","page":58},{"text":"(لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن) (١)، وزاد في رواية (فصاعدا) (٢)، وقوله - ﷺ -: (هي خداج ــ ثلاثاـ غير تمام) أي غير مجزئة، والخداج النقص والفساد (٣)، والصريح في ذلك أيضا رواية أبي داوود من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: (أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب، وما تيسر) (٤) وهذا تفسير لمراده - ﷺ - بقوله للأعرابي: (اقرأ ما تيسر معك من القرآن) قال القرطبي ﵀: والنظر يوجب في النقصان أن لا تجوز معه الصلاة، لأنها صلاة لم تتم، ومن خرج من صلاته وهي لم تتم فعليه إعادتها، كما أمر على حسب حكمها، ومن ادعى أنها تجوز مع إقراره بنقصها فعليه الدليل، ولا سبيل إليه من وجه يلزم، والله أعلم (٥).\n_________\n(١) أخرجه الإمام مسلم، حديث (٣٤) وما بعده.\n(٢) صحيح مسلم، حديث (٣٧).\n(٣) قال الأخفش: خدجت الناقة: إذا ألقت ولدها لغير تمام، وأخدجت: إذا قذفت به قبل وقت الولادة، وإن كان تام الخلقة (الجامع لأحكام القرآن ١/ ١٢٣) كذلك انظر (النهاية ٢/ ١٢).\nقلت: وفي كلتا الحالتين هو تالف لا حياة له، وانظر لسان العرب ٢/ ٢٤٨).\n(٤) سنن أبي داوود، حديث (٨١٨).\n(٥) الجامع لأحكام القرآن (١/ ١٢٣).","vol":"1","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>النظرة الرابعة عشرة\nسقوط قراءتها عن العاجز المتعذر عليه إدراكها:</span>\nأوضحنا مكان الفاتحة من الصلاة وأنها روح الصلاة بتمامها تكون الصلاة تامة صحيحة، وبنقصانها تكون الصلاة ناقصة باطلة على ما هو صحيح ومعضّد بالأدلة.\nمن رحمة الله - ﷿ - بعباده أن جعل هذا الدين فيه رحمة ومراعاة لأحوال العباد وقدراتهم الذهنية والبدنية، فمن تعذر عليه القدرة على قراءة الفاتحة، بعد بلوغ لزمه أن يذكر الله - ﷿ - في موضع القراءة بما أمكنه من تكبير أو تهليل أو تحميد أو تسبيح أو تمجيد، أو لا حول ولا قوة إلا بالله، إذا صلى وحده أو مع إمام، ومستند هذا القول ما أخرجه أبو داوود من حديث عبد الله بن أبي أوفى - ﵁ - قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئا، فعلمني ما يجزئني منه، قال: (قل سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله) قال: يا رسول الله، هذا لله، فما لي؟، قال: (قل اللهم ارحمني، وارزقني وعافني واهدني) فلما قام قال: هكذا بيده ــ فقال رسول الله - ﷺ -:","vol":"1","page":60},{"text":"(أما هذا فقد ملأ يديه من الخير) (١)، هذا وعلى المسلم أن يجهد نفسه في تعلم الفاتحة، نصا ودلالة، ولا يقصر في ذلك، لترتب صحة الصلاة، وكمالها على صحة قراءة الفاتحة، فإذا بلغ الجهد وعجز فقد جعل الله له سبيلا إلى الخير كما أسلفنا بيانه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>النظرة الخامسة عشرة\nاحتواء الفاتحة على علوم القرآن:</span>\nتنافس العلماء ﵏ في كشف ما تضمنته الفاتحة من العلوم، وذكروا فوائدها ونفائسها، عشرة آلاف مسألة، فاستبعد هذا بعض الحساد، وقوم من أهل الجهل والغي والعناد ... الخ (٢).\nولا ريب أن الفاتحة تضمنت ما ورد في القرآن الكريم من علوم وهي مرتّبة كما يلي:\nأولًا: علم توحيد الربوبية الذي نبه عليه رب العزة والجلال بالثناء على نفسه بأكمل الحمد وأوفاه فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ فكأن قائلا تساءل فقال: من هو؟، فقال تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فذكر كل\n_________\n(١) سنن أبي داوود، حديث (٨٣٢) في إسناده إبراهيم السكسكي احتج به البخاري ولم يتفرد به تابعه طلحة بن مطرف كما ذكر محقق سنن الدارقطني (١/ ٣١٣ - ت ١).\n(٢) التفسير الكبير (١/ ٣).","vol":"1","page":61},{"text":"الأوصاف والنعوت الجميلة الموجبة للإقبال عليه تعالى إقبالا كليا مضمنة قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وقد جاء في الكتاب العزيز ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (١)، ولا يحصل العلم بأنه تعالى رب العالمين إلا بمعرفة معنى ﴿رَبِّ﴾ ومعرفة المراد (بالعالمين) (٢)، وهذا تقرير توحيد الربوبية الشاملة لكل مخلوق (فالعالمين) شامل لجميع المخلوقات، خلافا لمن قصره على (الناس) فهو تعالى رب الناس، يعلم دقائق خلقهم وما يصلحهم في الدنيا والآخرة، كما هو رب هذا العالم الكبير، من الجواهر والأعراض يعلم دقائق خلقها، وما يصلحها ويدبر أمرها (فالعالمين) مفردها عالم، وقيل: العالم جمع لا واحد له من لفظه، فكما أن الجمع المعروف يستغرق آحاد أفراده، كما في مثل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣) أي كل محسن كذلك العالم يشمل أفراد الجنس المسمى به، وإن لم يطلق عليها فيتناول اللفظ (العالمين) كل\n_________\n(١) الآية (٣٩) من سورة يوسف.\n(٢) انظر (التفسير الكبير ١/ ٦).\n(٣) من الآية (١٣٤) من سورة آل عمران. وفي آيات أخر من كتاب الله.","vol":"1","page":62},{"text":"واحد من آحاد الأجناس التي لا تكاد تحصى، وجمع بالواو والنون؛ تغليبا للعقلاء، وقد روي عن وهب بن منبه أنه قال: لله تعالى ثمانية عشر ألف عالم والدنيا عالم منها (١) فاستفدنا من صيغة الجمع والتعريف أمرين:\n١ ــ أن ذلك الجنس تحته أنواع مختلفة.\n٢ ــ أنه مستغرق لجميع ما تحته منها (٢).\nقلت: ما روي عن وهب إن صح وثبت فهو بحسب ما ظهر للإنسان، وليس المراد به الحصر والاستقصاء، فخلق الله لا يحيط به مخلوق ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٣).\nثانيًا: علم توحيد الأسماء والصفات المضمن قول الله - ﷿ -: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾.\nثالثًا: علم توحيد الألوهية وهو توحيد العبادة الذي بعث الله الرسل للدعوة إليه المضمن قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ\n_________\n(١) إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم (١/ ١٩ - ٢١).\n(٢) الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف (مع الكشاف ١/ ٩).\n(٣) الآية (٨) من سورة النحل.","vol":"1","page":63},{"text":"لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\nوقول الله ﷾: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.\nرابعًا: علم الأحكام الشرعية، الأمر والنهي، الحلال والحرام، المضمن قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ المرتب عليه الوعد والوعيد، المضمن قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وقوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾.\nخامسًا: علم الأخبار وقصص الأمم السابقة، والقرون الأولى، المضمن قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾.","vol":"1","page":64},{"text":"هذا ما تلخص لنا من النظر في أقوال العلماء (١)، رحمهم الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>النظرة السادسة عشرة\nما في الفاتحة من العلوم الأخرى:</span>\nلا غرابة أن تتضمن الفاتحة علوما عن الكون والمخلوقات وما أودع الله - ﷻ - فيها من حكم وأسرار، لأن الفاتحة مفتتح الكتاب العزيز، وكتاب الله هو الدين القيم، كيف لا وفي القرآن الكريم ما يربو على (٧٥٠) آية من آيات الأحكام، المتعلق منها بعلم الفقه قد لا تزيد آياته عن (١، ٥٠) آية، مع ما صح عن عبد الله ورسوله نبينا محمد - ﷺ - من الأحاديث، ففي الكتاب والسنة علم الدنيا والآخرة، لذلك تضمنت الفاتحة الإشارة إلى ما في الكون من عوالم ومخلوفات، وذلك في مثل قوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\nوقد حوى هذه المخلوفات مكانان: علوي وسفلي، وفي كل منهما من المخلوقات، والكائنات الحية وغيرها، ما لا يعلمه ويقوم على تدبيره إلا الله - ﷿ -، هو الخالق المدبر وحده لا شريك له، ومن هذه المخلوقات الإنسان\n_________\n(١) انظر: (التفسير الكبير ١/ ٣ - الجامع لأحكام القرآن ١/ ١١٠، ١١٢ - وتفسير ابن القيم ص ٧ - وإرشاد العقل السليم ١/ ٨ - وروح المعاني ١/ ٣٥).","vol":"1","page":65},{"text":"الذي اختاره الله - ﷿ - للتكليف وعمارة الأرض، وامتن الله عليه بالربوبية، إذ تبدأ رعاية الله له منذ اللحظة الأولى لبداية الخلق من البويضة والحيوان المنوي، إلى أن يكمل خلقه ويكون إنسانا قويا، وهذه رعاية خاصة بتكوين الجسد وحياته، ثم تليها الرعاية الروحية والفكرية، المقرون بها الثواب والعقاب، فالعاقل يجب أن يعتبر ذات نفسه، وذلك لأنه مؤلف من نفس وبدن، ولا شك أن أدون الجزأين وأقلهما فضيلة ومنفعة هو البدن، ثم إن أصحاب التشريح وجدوا قريبا من (٥٠٠٠) نوع (١) من المنافع والمصالح التي دبّرها الله - ﷿ - بحكمته في تخليق بدن الإنسان، ومن وقف على هذه الأصناف المذكورة في كتب التشريح، عرف أن نسبة هذا القدر المعروف المذكور إلى ما لم يعلم وما لم يذكر كالقطرة من البحر المحيط، ثم إذا توسع الإنسان في النظر وتأمل ما قيل عن العالم العلوي، وما فيه من الأجرام السماوية والكواكب السيارة، وأجرام النيرات من الثوابت وما بينهما من البعد والمسافات ما لا يعلمه إلا الله - ﷿ -، ونظر علميا فيما استطاع كشف حقيقته وبعض خباياه، بإجراء بعض الحسابات، مثل قولهم: إن السنة الضوئية هي عبارة عن مقدار ما يقطعه ضوء الشمس في سنة\n_________\n(١) هذا ما ظهر للرازي ﵀، وهو قبل ما يزيد على (٨٠٠) سنة، فكيف بما حدث من وفته إلى يومنا هذا من الكشف والتوسع الهائل في علوم الفضاء، وعلوم الكائنات الحية من، وعلوم الطب والتشريح؟ ! ! .","vol":"1","page":66},{"text":"بسرعة (١٨٦) ألف ميل في الثانية، وهذا مقياس المسفات بين المخلوقات السماوية \"العالم العلوي\".\nوكذلك إذا أمعن النظر في العالم السفلي، وما لاح فيه من آثار حكم الله - ﷻ - في تخليق الأمهات، والمولدات من الجمادات، والنباتات، وجميع الكائنات الحية، وأصناف أقسامها وأحوالها، علم أن هذه الأنواع لا قدرة للبشر على حصرها، ولا كشف منتهى ما فيها من حكمته سيحانه، وأسرار الخلق والابداع الذي أجراه جلّت قدرته، قال الله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١)، وعلم أن قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ مشتمل على ألف ألف مسألة، أو أقل أو أكثر، هذا قول الرازي\"مليون مسألة\".\nوأقول: بل على مسائل لا يعلم حصرها إلا الله - ﷿ -، ويتبين للناظر أن قوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فيه لفت نظر إلى كل ما ورد ذكره في القرآن الكريم، ولا نريد الإطالة بسرد الآيات الواردة في\n_________\n(١) الآية (١٣) من سورة الجاثية.","vol":"1","page":67},{"text":"التسخير، فهي كثيرة كلها تدل على أن ما في هذا الكون مسخّر للإنسان، للبحث والنظر والاستدلال، وأخذ العبر من نتائجها، وكذلك الآيات الآمرة بالتفكر في آيات الله ومخلوقاته عديدة في كتاب الله - ﷿ -، منها قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (١)، ويدل على النظر في العالم العلوي قوله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥) فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (٣)، وقول الله\n_________\n(١) الآية (١٩١) من سورة آل عمران.\n(٢) الآية (١٠١) من سورة يونس.\n(٣) الآيتان (٩٥، ٩٦) من سورة الأنعام.","vol":"1","page":68},{"text":"﷾: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (١)، ومما يدل على النظر في العالم السفلي، قوله في الآية السابقة: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٢)، وأيضا قوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٣)، وكذلك قول الله ﷾: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ\n_________\n(١) الآية (٩٧) من سورة الأنعام ..\n(٢) الآية (١٠١) من سورة يونس.\n(٣) الآية (٥٠) من سورة الروم.\n(٤) الآية (٢٠) من سورة الذاريات.","vol":"1","page":69},{"text":"السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (١)، وصدق الله ... ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٢)، نلاحظ المكتشفات العلمية في هذا العصر من خلال البحث في خلق الإنسان، وغزو الفضاء بالمراصد لكشف ما فيه من عجائب صنع الله - ﷿ -، ومع ذلك لم يؤد ذلك إلى إيمان أولئك الذين مكنهم الله من كشف بعض من عظيم خلقه سبحانه، ومع ذلك ما آمن منهم إلا قليل، ومما ترشد إليه هذه الآيات ــ التي هي غيض من فيض في كتاب الله - ﷿ - ــ نعلم أن\n_________\n(١) الآية (٩٩) من سورة الأنعام.\n(٢) الآية (١٠١) من سورة يونس ..","vol":"1","page":70},{"text":"المسؤلية التي حمّلها الله - ﷿ - الأمة الإسلامية كبيرة جدا، وأن عليهم النظر والكشف عما أمر به القرآن الكريم أمة محمد - ﷺ -، ولم يكن امتنان الله - ﷿ - على عباده بتعليم داود - ﵇ - صنعة لبوس إلا ليرشد عباده الصالحين في كل زمان ومكان إلى وجوب العمل الجاد، واتخاذ الأسباب الكافية ليكونوا أقوياء أعزاء، من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا، ولا تكون عالية قوية إلا بقوة حراسها والحاملين لواءها، قال الله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ (١)، إنها صناعة الدروع علمها داود - ﵇ - لما فيها من الحماية والتحصين من بأس ما يقابلها من الأسلحة، ولأهمية هذا النوع امتن الله - ﷿ - على داود بقوله: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ (٢)، حيث جعله الله في يديه كالعجين يصنع منه ما يريد من غير مشقة ولا تعب، فلم يكن عبثا أبدا أن يمتنّ الله على أنبيائه ورسله بما علمهم، وبما منحهم من أسباب القوة والمنعة، وقد\n_________\n(١) الآية (٨٠) من سورة الأنبياء.\n(٢) الآية (١٠) من سورة سبأ.","vol":"1","page":71},{"text":"كان نوح - ﵇ - نجارا (١)، إن في هذه وغيرها تنويها إلى ضرورة أن يشتغل المسلمون بأسباب قوتهم ونصرهم، والأنبياء والرسل كلهم مسلمون بنص القرآن الكريم، فما ورد في حق أي نبي من أسباب النصر والتمكين في الأرض، هو وارد في حق غيره من الأنبياء ولا ريب، من نوح - ﵇ - إلى نبينا محمد - ﷺ -، فعباد الله المسلمون مأمورون بإعداد القوة، قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (٢)، فأمر الله تعالى بالإعداد وهو بذل جميع الوسائل الممكنة، للحصول على أكبر قوة في الأرض، بدليل تنكير كلمة ﴿قُوَّةٍ﴾ فإنها لم ترد معرّفة حتى لا تكون قاصرة، فكان التنكير غاية مقصودة وهي الحصول على أي قوة ممكنة على وجه الأرض، وما عمل داود إلا إشارة إلى عمل كل ما فيه دفع لشر السلاح، بجميع أنواعه وأشكاله، وما عمل نوح إلا إشارة إلى ضرورة خوض لجج البحار والمحيطات بقوة عظيمة، صالحة للاستخدام سلما وحربا، ولا نريد التوسع في هذا الأمر فإنه طويل جدا، لكننا نقول: إن ما فيه المسلمون اليوم من البلاء والفرقة والضعف، سببه عدم الوعي لما في الكتاب والسنة من العلم والتوجيه،\n_________\n(١) انظر الآيات (٣٧) من سورة هود (٢٧) من سورة المؤمنون ..\n(٢) الآية (٦٠) من سورة الأنفال ..","vol":"1","page":72},{"text":"فقد فرّط القادة والشعوب في أسباب عز المسلمين، إنني لا ألوم دولة إسلامية بعينها، بل جميع الدول الإسلامية فرّطت في كتاب ربها وسنة نبيها - ﷺ -، واشتغلت بالتناحر والتدابر، وقطع الصلاة ونبذ العمل المشترك وفق الكتاب والسنة، وليس هذا الأمر قريب عهد، بل من أمد بعيد، واليوم إذا ما حدث لبلد إسلامي مكروه، فمن أخذته الحمية من المسلمين اكتفى بالشجب والاستنكار، والاستجارة من الرمضاء بالنار، فيستجيرون من اليهود والنصارى باليهود والنصارى، وربما بررت بعض الدول لعدوان المعتدي، إنها كارثة في حق أمة محمد - ﷺ -، الذي وحدّ أمته على كتاب الله وسنته - ﷺ -، إن العودة إلى الله ورسوله واجبة، ولا فلاح للأمة بدونها، وإن أقلّ ما يجب عمله في هذا العصر أن تقوم الدول الإسلامية، وتلتف حول ميثاق إسلامي، منه ينبثق بناء القوة الإسلامية الموحدة، قوة رادعة وفق ما يقضي به الكتاب والسنة، تكون مرجعا وحيدا بعد الله - ﷿ - للأمة الإسلامية، الأمة الإسلامية الواحدة، بدلا من الأمم المتحدة الظالمة، التي لا تعرف إلا حقوق اليهود والنصارى، إن فرصة المسلمين لبناء قوة إسلامية مؤاتية، ولا يزال الأمل قائما وقويا، وإذا لم تكن للمسلمين قوة تردع الأعداء، فإنهم الغثاء الذي أخبر عنه الرسول - ﷺ - (١)، وحينها يصدق على كل دولة إسلامية على\n_________\n(١) في قوله - ﷺ -: (يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها فقال قائل ومن قلة نحن يومئذ قال بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن فقال قائل: يارسول الله، وما الوهن؟، قال: حب الدنيا وكراهية الموت، سنن أبي داود، حديث (٤٢٩٧).","vol":"1","page":73},{"text":"وجه الأرض المثل الذي يقول: \"أكلت يوم أكل الثور الأسود\" وإذا ما تنبه المسلمون وعادوا لبناء قوتهم وفق ما تقضي به شريعة الإسلام، وفي إطار إتحاد إسلامي، تصدر فيه عملة موحدة لبناء القوة الإسلامية الرادعة، كما فعلت الدول الأوروبية، أنشأت \"الاتحاد النقدي للصناعات\" تحت عملة موحدة لهذا الغرض (اليورو).\nوإذا كنا أطلنا النفس في هذا فلأنه من أهم المهمات، لإنقاذ المسلمين مما هم فيه من الذل والهوان.\nومما أرشدت إليه الفاتحة من خلال قوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ النظر إلى ما في العالم السفلي من عوالم ومخلوقات منها مثلا (١):\nعالم النبات:\nله علم تعرف به صنوفه وأنواعه، واختلاف أشكاله وألوانه، وطعومه وروائحه، وأوراقه وأزهاره، وثماره وحبوبه، وبذوره وصموغه، ولحاؤه وبنية تكوينه، وتربيته لما يخرج منه، كل ذلك في علوم أمر المسلمون بالنظر والكشف عنها والاستفادة مما فيها، بعد الإيمان بأن ذلك تقدير العزيز الحكيم.\nعالم الحيوان:\n_________\n(١) انظر (الجواهر في تفسير القرآن ١/ ١٤ - ١٥).","vol":"1","page":74},{"text":"له علم تعرف به أشكاله وأنواعه وصنوفه المختلفة، وأجناسه مما يسكن البر منه، وما في الهواء والبحر، وما يتعلق بتزاوجها وتوالدها، ومستقرها ومستودعها، وما يتبع ذلك من علوم طب وتشريح.\nعلم التشريح:\nعلم يعرف به بالدرجة الأولى عظم ربوبية الله - ﷿ - لجميع المخلوقات، ومنها الإنسان الذي أودع فيه ربه ﷾ (٢٤٨) عضوا، و(٣٦٠) مفصلا، أوجد لها من الأوردة والشرايين والأعصاب ما لا يعلمه إلا هو سبحانه، وزودها بالدورة الدموية، والتنفسية، والغذائية، والدائرة العقلية، والحواس الخمس، وما في الدماغ من قوى، كل ذلك مندرج تحت قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وقوله: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (١).\n_________\n(١) الآية (٢١) من سورة الذاريات، وانظر (الجواهر في تفسير القرآن ١/ ١٥).","vol":"1","page":75},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>النظرة السابعة عشرة\nالمنهج التربوي في سورة الفاتحة:</span>\nلقد تضمنت سورة الفاتحة جوانب تربوية عظيمة منها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>١ ــ الجانب العلمي المعرفي النظري:</span>\nيتمثل ذلك في معرفة المدعو إلى عبادته وحده لا شريك له، وهو الله - ﷿ - فقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عرّف العباد أن الله - ﷿ - هو المختص بالحمد على وجه الكمال، فوجب على كل مسلم أن يعي هذا، وينطلق في تربية نفسه ومن ولاه الله أمرهم من مبدأ أن الله تعالى رب العالمين، الذي أوجدهم ورعاهم وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة، ولذلك تضمن اسمه الكريم ﴿رَبِّ﴾ ثلاثة أمور:\nالرب بمعنى المعبود، والرب بمعنى المربي والمنعم، والرب بمعنى المالك المتصرف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>٢ ــ الجانب العملي التطبيقي:</span>\nويتمثل في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.\nإن المسلم إذا تقرر لديه الجانب النظري، بادر إلى الجانب العملي فإن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل، فتكون عبادته خالصةً لله - ﷿ -، وتوكله عليه وحده، واستعانتة به سبحانه في كل شؤونه، ولا معارضة فيما يحصل بين المسلمين من تعاون فإنه من","vol":"1","page":76},{"text":"باب العون والمساعدة بالنسبة للمخلوق، ومن باب العبادة والتوكل بالنسبة للخالق سبحانه.\nتحديد ثمرة التلازم بين الجانبين السابقين؛ ولا تحصل الثمرة إلا باجتماعهما، وهي: الهداية إلى الطريق المستقيم: ويتمثل في قول الله ﷾: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فطلب الهداية يستلزم البعد عن الضلال، وكل ما يغضب الله - ﷿ -، وتحمل المسؤولية: في سبيل إظهار الحق المشار إليه بقوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ والذين أنعم الله عليهم هم المطيعون لله ورسوله، أعلاهم الأنبياء والرسل، ثم الصديقون والشهداء والصالحون، الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر، وهذا يجعلنا نتعرف على المسؤوليات المنوطة بنا شرعا، ونربي عليها أنفسنا وأسرنا، وبها يقوم المجتمع الإسلامي، ويمارسها واقعا عمليا على قدر الطاقة، ومن خلال الوسائل التي تستخدم في تحقيق الأهداف، ويحسن أن نقدم للقارئ الكريم مثالين لتوضيح ما أسلفنا القول فيه:","vol":"1","page":77},{"text":"المثال الأول: ما وردت الإشارة إليه في قول الله ﷾: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ وقلنا: أعلاهم الأنبياء والمرسلون، حصل لهم ما حصل من الكرامة والنصر والجزاء في الدنيا والآخرة، لأنهم حققوا الجانبين المتلازمين في التربية: الجانب المعرفي النظري، والجانب التطبيقي العملي، فصبروا وصابروا، وقد فصّل الله ذلك في سورة الصافات، إذ ذكر نبيه نوحا - ﵇ -، وذكر من ثمرة معرفته بالله، وتطبيقه عمليا لعبادة ربه، أن استجاب الله دعوته (١)، فحصلت له ولأهله النجاة (٢)، وختم الله ذلك بقوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي\n_________\n(١) قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ سورة الصافات.\n(٢) قال الله تعالى: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦)﴾ سورة الأنبياء.","vol":"1","page":78},{"text":"الْعَالَمِينَ﴾ (١)، وهكذا ذكر الله - ﷿ - الرسل وأثنى عليهم واحدا واحدا، فذكر إبراهيم وتاريخه، وما لقي من المحن، وختم بقوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ (٢)، ثم ذكر موسى وهارون ونجاتهما من فرعون وقومه، وختم بقوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾ (٣)، ثم ذكر إلياس وقصته مع قومه، وختم بقوله ﷾: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ (٤)، ومن هذا نعلم أن الله - ﷿ - ذكر ذلك تربية لنبينا محمد - ﷺ -، وتعليما لأمته أن الله - ﷿ - يجعل الثناء للمجاهدين الأبطال من المكافآت العاجلة، وذلك لإقتدائهم بأنبياء الله ورسله، واستقامتهم على منهج الله، ومن هذا يجب على الأمة الإسلامية أن تعلن فضل الفضلاء من أبنائها، وأن تشيد بعلم العلماء منهم، وحكمة الحكماء، وجهاد الأبطال الذين يعلون كلمة الله في\n_________\n(١) الآية (٧٩) من سورة الصافات.\n(٢) الآية (١٠٩) من سورة الصافات.\n(٣) الآية (١٢٠) من سورة الصافات.\n(٤) الآية (١٣٠) من سورة الصافات ..","vol":"1","page":79},{"text":"الأرض، من أمثال الأئمة الأربعة، ومن تلاهم من علماء الطب والفلك، والرياضيات، والكيمياء، ومن بعدهم من المجاهدين من أمثال صلاح الدين، وشيخا الإسلام ابن تيمية، ومحمد بن عبد الوهاب وغيرهم كثير، وعلى الأمة الإسلامية أن تقوم بنشر فضائلهم، وكشف محاسنهم التي خدموا بها أمتهم الإسلامية، لتقتدي بهم الأجيال المتعاقبة، لكن الأمة الإسلامية اليوم صرفت هذا لأصحاب الرقص والغناء، وغيرهم ممن لا يتفق عملهم مع كتاب ولا سنة، واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير.\nالمثال الثاني: ما وردت الإشارة إليه في قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ وقعوا في الضلال المبين، وهو ما قص الله - ﷿ - عن أهل النار ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ (١)، إلى قوله ﷾: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ (٢)، أنذرهم لشذوذهم في الفكر والسلوك وعدم قبولهم الدعوة التي جاء بها الرسل، فاشتغلوا بالهوى والشهوات، وغرتهم الأماني، وهذا حال الأمة\n_________\n(١) الآية (٢٧) من سورة الصافات.\n(٢) انظر الآيات من (٥٠ - ٧٣) من سورة الصافات.","vol":"1","page":80},{"text":"الإسلامية اليوم في غالب أمرها، سُلبت مقدساتها، انتهكت الأعراض في كثير من بلاد المسلمين، تطاول الكذبة من أعداء الإسلام، على كتاب الله - ﷿ -، وعلى سنة رسوله - ﷺ -، \"والمليار\" من المسلمين يتفرجون، ويحوقل (١)، الصالحون منهم.\nمن هذا المثال يجب أن يعي المسلمون الخطر المحدق بهم، حينما تكون الأهواء دستورا والشهوات منهجا، وحرية الفكر لا حدود لها، أو مطموسة وممنوعة من قول الحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\nومن هنا نعلم أهمية طلب الهداية والتوفيق، وأنها من أعظم الوسائل لتحقيق الغايات النبيلة، فقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إدراك الغاية وهي: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بسبب طلب الهداية، وقصة أصحاب الكهف (٢)، من أبرز الأمثلة على ذلك، ومن السنة قصة أصحاب الغار (٣)، والسبعة الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله (٤)، كان ثمرة لتحمل\n_________\n(١) الحوقلة: أن يقول الإنسان: لا حول ولا قوة إلا بالله، وهذا ما يملكه الصالحون اليوم، وهي معهم في الرخاء والشدة، وهي كنز من كنوز الجنة، وقد صح هذا عن رسول الله - ﷺ -.\n(٢) انظر (القرآن الكريم، سورة الكهف، الآيات: ٩ - ٢٢).\n(٣) انظر: صحيح البخاري، حديث (٢٢٧٢).\n(٤) انظر: صحيح البخاري، حديث (٦٦٠) وإحالاته.","vol":"1","page":81},{"text":"المسؤولية، والصبر عليها، فنتج عن ذلك ما حصل من العاقبة الحسنة، ودوام الذكر الحسن والثناء عليهم إلى يوم الدين.\nوهنا نلحظ قاعدتين تربويتين: تضمنتهما سورة الفاتحة؛ وهي أن التربية لا تقوم إلا على أساسين هامين: هما منهجان إسلاميان تربويان يجب اعتمادهما في حياة الفرد والجماعة:\n١ ــ الرحمة: وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وقد جعل الله تعالى هذا الجانب من التربية غريزة في الأم، فان الطفل يجد عندها الحنان والرأفة والرحمة في منتهى صورها، ولذلك قال رسول الله - ﷺ -: (لله أرحم بعباده من هذه بولدها) (١).\n٢ ــ الثواب والعقاب: وهو أساس هام في التربية، له دور بارز في البناء والإصلاح، ونشوء العدل، والعدل فيه الشدة وإعطاء كل ذي حق حقه، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ الجزاء والحساب، وقد جعل الله - ﷿ - هذا الجانب غريزة في الأب، فانه أحزم في تربية الابن من الأم وأحكم، وهذا يستدعي التوازن في التربية، فلو جعل الأبوين رحيمين مطلقا لفسدت التربية، ولو جعلهما شديدين لفسدت أيضا.\n_________\n(١) أخرجه البخاري، حديث (٥٩٩٩).","vol":"1","page":82},{"text":"ومن هنا نستنتج أن سلوك الوسطية جانب تربوي أيضا، يجب توجيه المسلمين إليه أفرادا وجماعات، شعوبا وحكومات، وذلك لازم في شؤونهم الدينية والدنيوية، وهذا مستفاد من قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾.\nوبالجملة فآثار تربية الله - ﷿ - الفائضة على كل فرد من أفراد الموجودات في كل آن غير متناهية، ويمكن لممعن النظر أن يكشف من أسباب التربية وأسرارها التي أودعها الله في خلقه الشيء الكثير، فسبحان الرب الخالق ما أعظم شأنه، وما أقوى حجته وبرهانه، نسأله تعالى الهداية إلى مناهج العلم والمعرفة، ونسأله العون والتوفيق لأداء حقوق نعمه، لا نحصي ثناء عليه، لا إله إلا هو، نستغفره ونتوب إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>النظرة الثامنة عشرة\nأقسام الناس حسب فهم الفاتحة:</span>\nقبل الشروع في الحديث عن أقسام الناس حسب فهمهم للفاتحة، ومعرفتهم بما تضمنت من مقاصد ودلالات، نرغب في بيان أنه من المهم إيراد هذا الفصل، عقب ما ذكرنا من صلة الفاتحة بأمور الدنيا والآخرة، حتى لا","vol":"1","page":83},{"text":"يتصور أحد أن هذه الآية حمّلها العلماء ما لم تتحمل، من احتواء العلوم الشرعية والكونية، والناس يقرؤونها ولا يلحظون ما ذكر المفسرون، ويكررونها صباح مساء ولا يتهيأ لهم ما يصفونها به، وأن ما ذكره العلماء ورد استطرادا لا استنباطا، وتطويلا لا تأويلا، وتعليما لا تفسيرا، وإكثارا لا استخراجا، فنقول: تمهلوا فإن الأمثلة تزيد الأمر وضوحا وتكسبه جلاء، فتساعد على الفهم والاستيعاب، فلو صورنا سورة الفاتحة بجنة خلق الله فيها من أنواع الثمار والفواكه، وأعطى من البهجة والخضرة ما لا يتصوره خيال، على حد قول الله ﷾: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (١)، فلو جمع الله هذه المذكورات وغيرها من الثمار والأشجار والأزهار في\n_________\n(١) الآية (٩٩) من سورة الأنعام.","vol":"1","page":84},{"text":"مكان واحد، ونظر إليها وتجول فيها ثلاثة عقلاء، متفاوتو القدرات وهم:\nمهندس خبير في الزراعة والأشجار والنباتات، وفلاّح، وطفل صغير.\nونوع رابع هو: دابة يستخدمها الفلاّح في خدمته وخدمة مزرعته، كيف يكون فهم ما حوت المزرعة في نظر كل واحد من الأربعة؟، فهل يكون هؤلاء والحقل أمامهم متفقين في الرأي والفكر بالنسبة لكل منهم،؟ كلاّ إن الأمر مختلف قطعا.\n\nوبيان أقسام الناس على نحو ما يلي:\nإن المهندس الزراعي الخبير بالري وشئون الزراعة، وما يصلحها، وما يفسدها، وفق علم عميق ودراسة دقيقة، وتجارب مخبرية عديدة، يكون وهو أمام الحقل واسع الأفق، كبير المعاني، عالما بقدرة ربه ورب كل مخلوق ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وبما له في هذا المنظر من أسرار الخلق والتكوين، يتجلى منه عظمة الخالق سبحانه.\nوهذا يمثل القسم الأول من أقسام الناس: وهم الذين عرفوا سورة الفاتحة، وعلموا فضلها، وخبروا مقاصدها، وفهموا دلالاتها الظاهرة والضمنية، فكانت عندهم بمنزلة القلب من الجسد، إذا توقف عن العمل، توقفت الحياة عن سائر الجسد، فجرى حرصهم على العمل بالفاتحة نصا وروحا، وكانوا مضرب المثل في الفهم النظري، والتطبيق العملي، وهؤلاء هم أصحاب رسول الله - ﷺ - الذين ربّاهم على وحي ربه، وأرشدهم","vol":"1","page":85},{"text":"إلى العمل بسنته - ﷺ -، فكانوا الصفوة المختارة، ليقتدي بهم من بعدهم من التابعين، فهم العدول المبلغون عن الله ورسوله، وهكذا يتكامل هذا الصنف الواعي جيلا بعد جيل، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، أخرج الإمام البخاري من حديث المغيرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله، وهم ظاهرون) (١)، المعنى المراد منه العبادة والاستقامة على الحق، وهذا أشبه بذلك الفلاح، الذي يقبل على حقله وينظمه ويقوم على شؤونه في حدود علمه ولاشك أن المفسر للقرآن، العالم بمعانيه ومقاصده أرقى بكثير من العابد، فهو أشبه بالمهندس، والعابد أشبه بصاحب الحقل.\nأما الطفل فإنه يقصر عن الاثنين قصورا بينا، فالصبي يروقه منظر الحقل وجماله، وتعجبه أشجاره وأزهاره، ويشتاق لفواكهه وثماره، لكنه لا يفقه من أسرارها شيئا، ولا يعلم كيف وجدت، فهذا مثل القسم الثالث من أقسام الناس: وهم الجهلاء من المسلمين عامة، الذين لا يحسنون فهم الفاتحة، وربما رددوها بتحريف وتصحيف، وإذا سألت أحدهم عن كلمة منها أهي على هذا الوجه، أو على وجه آخر؟، لما عرف الصواب من الخطأ وربما اختار الخطأ فصوبه، وهذا الصنف هم الكثرة الكاثرة، ويدخل فيهم المبتدعون من أصحاب\n_________\n(١) أخرجه البخاري، حديث (٧١).","vol":"1","page":86},{"text":"القبور، ودعاة الأولياء والصالحين، وغيرهم، فلو عرفوا معنى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ ... ما وقعوا في بدعة قط.\nوكم أخشى على كثيرين من القرّاء، الذين يفرحون بنغماتهم بالقرآن في المآتم، والأعراس، والحفلات العامة والخاصة، وكم من محفل يفتتح بالقرآن وفيه من مخالفة الكتاب والسنة ما الله به عليم، فهل عرف أسرار الفاتحة مثل هؤلاء؟ ! .\nأما الدابة: فإنه لا يعنيها من ذلك إلا حاجتها، كل تلك الصورة الجمالية وما فيها من أسرار الخلق والتكوين لا تعنيها في شيء، كل ما تعرفه أن هذا يروق لها أكله، تأكل منه ما تشاء، وتطأ ما تشاء، ولا شيء وراء ذلك، فهذا مثل القسم الرابع من أقسام الناس: وهم الذين فارقوا شرع الله، واتبعوا الهوى، فأصبحوا كالأنعام بل هم أضل، وهم اليهود والنصارى ومن سار في ركابهم أوتشبّه بهم، ولم يعر الإسلام أذنا ولا رفع به رأسا.\nومعلوم أن فاتحة الكتاب يقرؤها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، وأكثرهم بها جاهلون، لا يعقلون معانيها ولا يعرفون مقاصدها، ولذلك تكالب عليهم الأعداء وهم في غفلةٍ معرضون، والعلم مفتاح التفكّر والتدبّر، إذ أن العلماء هم الذين يعرفون أسرار الأشياء،","vol":"1","page":87},{"text":"بما علمهم الله من البحث والنظر، ولذلك حفل كتاب الله وسنة رسوله بالثناء عليهم والإشادة بهم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (١)، ويقول تعالى: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ (٢)، وقوله ﷾: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (٤)، وغير ذلك، فعالم الكتاب والسنة يعقل مرامي الآيات، ومقاصد الأحاديث، وعالم النبات يعقل ما أودع الله فيه من أسرار الخلق والتكوين، وعالم الطب يعقل ما في الأجسام من عجائب الخلق، وكذلك الدارسون للشريعة الإسلامية يعقلون ما فيها من الحكم، وهم بعلم الفاتحة وعقل ما فيها أحرى، فالقرآن والسنة مثل ضوء الشمس منتشر في الجو، لكنه لا يظهر إلا على سطح الأرض، أو على جسم قابل، والهواء لا يعكس ضوءها، لذلك لا يراه الطائر في الجو، كذلك\n_________\n(١) الآية (٢٨) من سورة فاطر.\n(٢) الآية (٤٣) من سورة العنكبوت.\n(٣) الآية (٩) من سورة الزمر.\n(٤) الآية (١١) من سورة المجادلة ..","vol":"1","page":88},{"text":"الأفئدة الخالية من العلم والحكمة، يمر بها القرآن والسنة فلا تشعر بمعانيه، فأم الكتاب يقرؤونها صباح مساء، ولا يدركون ما فيها من الضياء المشرق، ولا نشك في أن هذا العصر صالح لظهور المقصود من القرآن الكريم في بلاد الإسلام، إذا ما توجه المسلمون لذلك وعالجوا جميع قضاياهم من خلال الكتاب والسنة ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>النظرة التاسعة عشرة\nحكم الاستعاذة:</span>\nأجمع العلماء على أن التعوذ ليس من القرآن، ولا آية منه، وهو قول القارئ: \"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم\" وهذا اللفظ هو الذي عليه الجمهور من العلماء، لأنه لفظ كتاب الله تعالى (٢)، في التعوذ، قال الله - ﷿ -: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (٣)، والفاتحة قرآن، والشيطان أحرص ما\n_________\n(١) الآية (٤٠) من سورة الحج.\n(٢) الجامع لأحكام القرآن (١/ ٨٧).\n(٣) الآية (٩٨) من سورة النحل.","vol":"1","page":89},{"text":"يكون على إيذاء المسلم في صلاته، لأنه إذا أفسدها عليه فقد نال ما تمنى، لذلك ورد النص على قراءتها في الاستفتاح عند الدارمي (١)، من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا قام من الليل فكبر قال: (سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه، ونفثه، ونفخه) (٢)، ثم يستفتح صلاته.\nوأخرجه أبو داوود وابن ماجه وابن حبان من حديث جبير بن مطعم - ﵁ - واللفظ لا بن ماجه قال: رأيت رسول الله - ﷺ - حين دخل في الصلاة قال: (الله أكبر كبيرا، الله أكبر كبيرا ــ ثلاثا ــ الحمد لله كثيرا، الحمد لله كثيرا ــ ثلاثا ــ سبحان الله بكرة وأصيلا ــ ثلاث مرات ــ اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم، من همزه، ونفثه، ونفخه) (٣).\n_________\n(١) سنن الدارمي، حديث (١٢٤٢) ونقد الحديث بعض العلماء، وأعله بعلي بن علي بن نجاد الرفاعي، والصواب أن الحديث لا ينزل عن الحسن، فله شواهد، وعلي المذكور، وثقه غير واحد كما ذكر الذهبي في الكاشف (٢/ ٢٩١) وقال ابن حجر: لا بأس به، ويقال: كان يشبه بالنبي - ﷺ -.\n(٢) ورد تفسير هذه الكلمات عند الدارمي عقب الرواية، وكذلك عند أبي داوود وابن ماجة، همزه: المؤتة (وهي الجنون) ونفثه: الشِّعر، ونفخه: الكبر.\n(٣) عند أبي داوود: قال عمرو: لا أدري أي صلاة هي.","vol":"1","page":90},{"text":"وقد جاء ما يدل على تعلق هذا بالصلاة مباشرة، أخرجه الإمام مسلم (١)، من حديث عثمان بن أبي العاص - ﵁ -، أنه أتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي، وقراءتي يلبسها عليّ، فقال الرسول - ﷺ -: (ذاك شيطان يقال له خِنْزِبَ، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه، واتفل على يسارك ثلاثا) قال: فقلت ذلك فأذهبه الله عني.\nوأخرج ابن ماجة من حديث ابن مسعود - ﵁ - قال: (اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم، وهمزه، ونفخه، ونفثه) (٢)، فنحن مأمورون بمحاربة عدونا الشيطان في جميع الأحوال عند القراءة سواء في الصلاة أو غيرها (٣)،\n_________\n(١) في الصحيح، حديث (٦٨).\n(٢) سنن ابن ماجة، حديث (٨٠٨) وصححه الألباني (صحيح ابن ماجة ١/ ١٣٥).\n(٣) حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - (أن رسول الله - ﷺ - يقول قبل القراءة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٢/ ٨٦، رقم ٢٥٨٩) وأخرجه أبو داود في السنن (١/ ٤٩٠) كتاب الصلاة، باب (١٢١) حديث (١٢٢) وحديث أبي أمامة - ﵁ - (كان رسول الله - ﷺ - إذا دخل في الصلاة من الليل كبر ثلاثا، وسبح ثلاثا، وهلل ثلاثا، ثم يقول: إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم) أخرجه الإمام احمد (المسند ٥/ ٢٥٣) وحديث جبير بن مطعم - ﵁ - في الاستعاذة في الصلاة، أخرجه أبو داود، حديث (٧٦٤).","vol":"1","page":91},{"text":"وإذا أصبحنا وأمسينا (١)، وعند دخول المسجد (٢)، وعند ثورة النفس، وعند حدوث الغضب (٣)، وحتى عند معاشرة الزوجات (٤)، فندعو كل مسلم إلى الحرص على الاستعاذة في مستهل القراءة في الصلاة، فريضة أو نافلة، وقد نقل القرطبي قول المهدوي: أجمع القراء على إظهار الاستعاذة، في أول قراءة سورة (الحمد) إلا حمزة فإنه أسرَّها (٥)، وهذا إجماع منهم على قراءتها في أول سورة (الحمد) وهذا ما نراه لكل مسلم القراءة بها\n_________\n(١) حديث معقل بن يسار - ﷺ - (من قال حين يصبح ثلاث مرات: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ..) الحديث أخرجه الإمام أحمد (المسند (٥/ ٢٦) وحديث أبي هريرة - ﵁ - في أمره - ﷺ - لأبي بكر أن يقول إذا أمسى وإذا أصبح: .. أعوذ بك من شر نفسى وشر الشيطان وشركه) أخرجه أبو داود، حديث (٥٠٦٧) والترمذي حد يث (٣٣٩٢).\n(٢) حديث عبد الله بن عمر بن العاص - ﵁ - عن النبي - ﷺ - (أنه كان إذا دخل المسجد قال: أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم) أخرجه أبو داود، حديث (٤٦٦).\n(٣) حديث سليمان بن صرد - ﵁ - أخرجه البخاري، حديث (٣٢٨٢، ٦٠٤٨) وأخرجه مسلم، حديث (٢٦١٠) وأخرجه أبو داود من حديث معاذ - ﵁ -، حديث (٤٧٨٠).\n(٤) حديث ابن عباس - ﵁ - (اللهم جنبنا الشيطان ..) أخرجه البخاري، حديث (٣٢٧١) وهذه النصوص وإن تكلم النقاد في بعض رواتها فهو كلام لا يخرج عن حد القول بتظافر الروايات وأنها لا تقل عن درجة الصحيح لغيره.\n(٥) الجامع لأحكام القرآن (١/ ٨٧).","vol":"1","page":92},{"text":"في سورة (الفاتحة) فإن اقتصر بعد ذلك على البدء بها في الركعة الأولى فحسن، وإن قرأها في كل ركعة كان أحسن، ومعلوم ما ورد من الترغيب في الاستعاذة في غير الصلاة، لما فيها من الحرز والحصانة، وهو مما يحرص عليه المسلم، فإن في الاستعاذة إشارة إلى نفي ما لا يجوز من العقائد والأعمال (١)، وهذه حصانة للروح قبل حصانة الجسد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>النظرة العشرون\nتفسير الاستعاذة:</span>\nمعنى الاستعاذة: الاستجارة، وتأويل قول القائل: \"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم\" أستجير بالله من الشيطان، أن يضرني في ديني، أو يصدني عن حق يلزمني لربي - ﷿ - (٢).\nتأويل قوله: (من الشيطان): الشيطان في كلام العرب: كل متمرد من الجن والإنس والدواب، وكل شئ. قال الله - ﷿ -: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ (٣)، فجعل من الإنس شياطين مثل الذي جعل من الجن، ولما ركب عمر بن الخطاب\n_________\n(١) انظر: التفسير الكبير (١/ ٥).\n(٢) جامع البيان عن وجوه القرآن تأويل القرآن (١/ ١١١).\n(٣) الآية (١١٢) من سورة الأنعام.","vol":"1","page":93},{"text":"- ﵁ - \"برذونا\" (١)، فجعل البرذون يتبختر به، أخذ عمر - ﵁ - يضربه فلا يزداد إلا تبخترا فنزل عنه وقال: \"ما حملتموني إلا على شيطان، ما نزلت عنه حتى أنكرت نفسي\" (٢)، وهذا يلفت النظر إلى دقة عمر - ﵁ - في مراقبة أحوال نفسه.\nوقد سمي المتمرد من كل شئ شيطانا، لمفارقة أخلاقه وأفعاله، أخلاق سائر جنسه وأفعاله، وبعده عن الخير، وقول القائل: شطنت داري من دارك: أي بعدت، ومنه قول نابغة بني ذبيان:\nنأت بسعاد عنك نوىً شطون فبانت والفؤاد بهارهين (٣)، تأويل قوله: ﴿الرَّجِيمِ﴾:\nالرجيم: الملعون المشتوم؛ وكل مشتوم بقول رديء أو سب فهو مرجوم، وأصل الرجم: الرمي بقول كان أو فعل، ومن الرجم بالقول: قول أبي إبراهيم، لإبراهيم\n_________\n(١) البرذون: الدابة، وسَيْرَته (البرذنة) والأنثى (برذونةً).\nقال الشاعر:\nرأيتك إذ جالت بك الخيل جولة ... وأنت على برذونة غير طائل\nلم أقف على قائله وهو في (لسان العرب ١٣/ ٥١١٤/ ٢٩٤).\n(٢) أسنده أبو جعفر الطبري (جامع البيان ١/ ١١١) رجاله ثقات وهشام بن سعد حسن الحديث وهو من رجال مسلم.\n(٣) للنابغة الذبياني في (ديوانه ص ٧٢).","vol":"1","page":94},{"text":"- ﵇ -: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ (١)، وقد يجوز أن يكون قيل للشيطان: رجيم، لأن الله جل ثناؤه طرده من سماواته، ورجمه بالشهب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>النظرة الحادية والعشرون\nالقول في تفسير: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾</span>\nإن قول الله - ﷿ -: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ هي الآية الأولى على ما نراه راجحا من أقوال العلماء ﵏، فالله ﷾ أدب نبيه محمدًا - ﷺ -، بتعليمه تقديم ذكر أسمائه الحسنى أمام جميع أفعاله، وأقواله وجميع مهامه، وجعل النبي - ﷺ - ما أدبه به ربه تعالى سنة لأمته يستنون بها، وسبيلا يتبعونه عليها، فباسمه تعالى يكون افتتاح أوائل منطقهم، ومطالع رسائلهم وكتبهم وحاجاتهم، حتى أغنت دلالة ما ظهر من قول القائل: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ من مراده الذي هو محذوف (٢)، فأصبح المسلم ذاكرًا لله - ﷿ - في كل شؤونه، فيقول: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ (٣)، أقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ وأكتب، وأقعد وأقوم، وأنام\n_________\n(١) الآية (٤٦) من سورة مريم.\n(٢) جامع البيان (١/ ١١٤) بتصرف.\n(٣) تكتب بغير ألف (بسم الله) استغناء عنها بباء الإلصاق، في اللفظ والخط لكثرة الاستعمال، بخلاف قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ الآية (١) من سورة العلق، لم تحذف الألف لقلة الاستعمال (جامع البيان ١/ ٩٩).","vol":"1","page":95},{"text":"وأصحو، وأدخل وأخرج، وآكل وأشرب، وأسافر وأعود وغير ذلك من الأقوال والأفعال، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ﴾ (١)، وقال رسول الله - ﷺ -: (أغلق بابك واذكر اسم الله، وأطفئ مصباحك واذكر اسم الله، وخمّر (٢)، إناءك واذكر اسم الله، وأوك سقاءك واذكر اسم الله) (٣)، وقال - ﷺ -: (لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن قدر بينهما ولد في ذلك، لم يضره شيطان أبدًا) (٤)، وقال لعمر بن أبي سلمة: (يا غلام سم الله وكل بيمينك) (٥)، وقال: (إن الشيطان\n_________\n(١) الآية (٤١) من سورة هود.\n(٢) التخمير: التغطية، ومنه خمرت المرأة رأسها ووجهها: إذا غطتهما وسترتهما، والوكاء: الحبل الذي يشد به فم السقاء (القربة).\n(٣) أصله في الصحيحين من حديث جابر - ﵁ - بالشطر الأول منه، انظر: صحيح الإمام البخاري، حديث (٥٦٢٣) وصحيح الإمام مسلم، حديث (٩٧) ..\n(٤) أخرجه الإمام البخاري، حديث (٣٢٧١).\n(٥) أخرجه الإمامان البخاري ومسلم من حديث عمر بن أبي سلمة، انظر: صحيح الإمام البخاري، حديث (٥٣٧٦) وصحيح الإمام مسلم، حديث (١٠٨).","vol":"1","page":96},{"text":"ليستحل الطعام إلا بذكر اسم الله عليه) (١)، وقال: (من لم يذبح فليذبح بسم الله) (٢).\nإن ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ يتبرك بها كل مؤمن ومؤمنة، ويحرص كل منهما على أن يكون ذكرها دائما على لسانه، حتى عند عثور الدابة، أو اصطكاك القدم يبادر إلى قول: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.\nأخرج أبو داود بسند رجاله ثقات، من حديث رديف النبي - ﷺ - قال: كنت رديف النبي - ﷺ - فعثرت دابته فقلت: تعس الشيطان، فقال: (لا تقل تعس الشيطان فإنك إذا قلت ذلك تعاظم، حتى يكون مثل البيت، ويقول: بقوتي، ولكن قل: بسم الله، فإنك إذا قلت ذلك تصاغر حتى يكون مثل الذباب) (٣).\n_________\n(١) أخرجه الإمام مسلم، حديث (١٠٢) من حديث حذيفة - ﵁ -.\n(٢) أخرجه الإمام مسلم، حديث (١٢٣) من حديث جندب بن سفيان البجلي - ﵁ -، وهو عند البخاري من حديثه دون التسمية (صحيح البخاري، حديث (٥٥٦٢) لكنها في رواية أبي عوانة كما ذكر الحافظ في الفتح (١٢/ ٥٣٧) وللمزيد لمن رغب ينظر الجامع لأحكام القرآن (١/ ٩٧).\n(٣) في سننه (٤٩٨٢) وانظر الجامع لأحكام القرآن (١/ ٩١، ٩٢) وعزاه للنسائي وكذلك عزاه المنذري، وهو في اليوم والليلة كما في تحفة الأشراف ١١/ ١٦٥ حديث (١٥٦٠٠).","vol":"1","page":97},{"text":"فإذا علم ما تقدم بيانه وتدوينه فإن ما تنشرح إليه النفس هو قراءة ... ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وأنها آية من سورة الفاتحة، فيقرأ بها سرا في الصلاة عملا بما ثبت من حديث أنس وغيره، وإلى هذا ذهب جمع من الصحابة والتابعين والأئمة العلماء من بعدهم، منهم عمر، وعلي، وابن مسعود، وعمار، وابن الزبير، ﵃، وهو قول الحكم وحماد، وبه قال الإمام أحمد بن حنبل، وأبو عبيد، وروي عن الأوزاعي، وذكره القرطبي وقال: هذا قول حسن وعليه تتفق الآثار عن أنس ولا تتضاد، ويخرج به من الخلاف في قراءة البسملة (١)، ولم نتعرض لأقوال العلماء في الإبانة عن الاسم، أهو المسمى أو غيره، أو صفة له؟، وما ذهب إليه أهل الحق، أن الاسم هو المسمى (٢).\nتفسير لفظ الجلالة:\n﴿اللَّهِ﴾ هو الذي يألهه (٣)، كل شيء، أي: ذو الألوهية والعبودية على خلقه\n_________\n(١) الجامع لأحكام القرآن (١/ ٩٦).\n(٢) انظر (الجامع لأحكام القرآن ١/ ١٠١، ١٠٢).\n(٣) أي يعبده كل شيء، قال رؤبة في ديوان ١٦٥٠):\nلله در الغانيات المده ... سبحن واسترجعن من تألهي\nأي من تعبدي، انظر (جامع البيان ١/ ١٢٣).","vol":"1","page":98},{"text":"أجمعين (١)، وهذا الاسم أكبر أسمائه سبحانه وأجمعها، حتى قال بعض العلماء: إنه اسم الله الأعظم، ولم يتسم به غيره سبحانه.\nولذلك لم يثنّ ولم يجمع (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>تفسير ﴿الرَّحْمَنِ﴾:</span>\nقال ابن عباس - ﵁ -: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ اسمان ــ يعني لله ــ رقيقان أحدهما أرق من الآخر (٣)، ولكل اسم منهما معنى لا يؤديه الآخر، المعني الذي في تسميته - ﷿ - بـ ﴿الرَّحْمَنِ﴾ أنه تعالى موصوف بعموم الرحمة لجميع خلقه، في الدنيا والآخرة، وتسميته تعالى بـ ﴿الرَّحِيمِ﴾ أنه تعالى موصوف بخصوص الرحمة بعض خلقه ﴿الرَّحْمَنِ﴾ اسم مختص بالله\n_________\n(١) جامع البيان (١/ ١٢٣).\n(٢) الجامع لأحكام القرآن (١/ ١٠٢).\n(٣) معالم التنزيل (١/ ٣٨) وفي إسناده إلى ابن عباس - ﵁ - علتان:\n١، - فيه انقطاع بين الضحاك وابن عباس.\n٢، - بشر بن عمارة ضعيف، وكلتاهما غير مؤثرتين في صحة المعنى، وإنما لا يقطع بأنه من قول ابن عباس - ﵁ -.","vol":"1","page":99},{"text":"- ﷿ -، لا يجوز أن يسمى به غيره، قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (١)، فعادل الاسم الذي لا يشركه فيه غيره، وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ (٢)، فأخبر تعالى أن الرحمن هو المستحق للعبادة، ومن أعجب العجب أن مسيلمة الكذاب أخزاه الله تسمى بـ (رحمان) اليمامة، ولم يتسم به حتى قرع مسامعه نعت الكذاب، فألزمه الله تعالى بنعت الكذاب لذلك، وإن كان كل كافر كذابا، فقد صار هذا الوصف لمسيلمة علما يعرف به إلى يوم القيامة.\nفالله - ﷿ - عمّ المؤمنين والكفار برحمته في الدنيا، فأعطاهم أعظم النعم وهي: إرسال الرسل، وإنزال الكتب، لهدايتهم إلى الخير، وهو ما تحصل به حياة القلوب والأرواح، وزادهم من الأفضال، والإحسان والبسط في الرزق، وتسخير السحاب بالغيث، وإخراج النبات من الأرض، وصحة الأبدان والعقول، وسائر\n_________\n(١) الآية (١١٠) من سورة الإسراء.\n(٢) الآية (٤٥) من سورة الزخرف.","vol":"1","page":100},{"text":"النعم التي لا تحصى، والتي يشترك فيها المؤمنون والكافرون، كل ذلك من مقتضى اسمه تعالى (الرحمن) فربنا جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه، رحمن جميع خلقه، في الدنيا والآخرة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>تفسير: ﴿الرَّحِيمِ﴾</span>.\nتقدم القول بأنه تعالى موصوف بخصوص الرحمة بعض خلقه، وذلك في كل الأحوال، أو في بعض الأحوال، فالخصوص الذي في وصفه تعالى بـ ﴿الرَّحِيمِ﴾ لا يستحيل عن معناه في الدنيا، ويكون ذلك في الدنيا أو في الآخرة، أو فيهما جميعا، فإنه تعالى قد خص عباده المؤمنين في عاجل الدنيا، بما لطف بهم من توفيقه إياهم للطاعة، والإيمان به وبرسله، واتباع أمره واجتناب معاصيه، مما خُذِلَ عنه من أشرك به وكفر، ومن خالف ما أمره به، وركب معاصيه، وقد خص الله تعالى عباده المؤمنين في الآخرة بما أعد لهم في جناته، من النعيم المقيم، والفوز المبين، وخصهم برحمته العامة لهم في يوم الجزاء والحساب (٢)، نسأل الله\n_________\n(١) انظر توثيق ما تقدم في: (جامع البيان ١/ ١٢٣ - ١٢٨ والجامع لأحكام القرآن ١/ ١٠٦) بتصرف.\n(٢) انظر: جامع البيان (١/ ١٢٦) بتصرف.","vol":"1","page":101},{"text":"- ﷿ - أن يجعلنا من عباده المخصوصين برحمته، وفضله في الدنيا والآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>النظرة الثانية والعشرون\nتفسير: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾</span>.\nقال ابن عباس - ﵁ -: هو الشكر والاستخذاء (١)، لله والإقرار بنعمته، وهدايته وابتدائه وغير ذلك (٢)، ومعناه: الشكر خالصًا لله جل ثناؤه دون سائر ما يعبد من دونه، ودون كل ما برأ من خلقه، بما أنعم على عباده من النعم التي لا يحصيها العدد ولا يحيط بعددها غيره أحد سبحانه، مع ما بسط لهم في دنياهم من الرزق، وغذاهم به من نعيم العيش، من غير استحقاق منهم ذلك عليه سبحانه، فصحح فيهم الآلات لطاعته، ومكن جوارح وأجسام المكلفين من أداء فرائضه، مع ما نبههم عليه ودعاهم إليه، من الأسباب المؤدية إلى دوام الخلود في دار المقام في النعيم المقيم، فلربنا الحمد على ذلك كله أولًا وآخرا، ومن هنا جاءت (الحمد) معرفة بالألف واللام؛ لأن لها معنى لا يؤديه قول القائل: (حمدا) بإسقاط الألف واللام وذلك أن دخولهما في (الحمد) لاستغراق الجنس من\n_________\n(١) فيه معنى الانكسار والاسترخاء والذل، والخضوع والانقياد، انظر (اللسان ١٤/ ٢٢٥ - ٢٢٦ وترتيب القاموس ٢/ ٢٥).\n(٢) أسند أبو جعفر الطبري (جامع البيان ١٤/ ١٣٥) وتكلم في إسناده.","vol":"1","page":102},{"text":"جميع المحامد، والشكر الكامل لله - ﷿ -، فهو وحده يستحق الحمد بأجمعه، إذ له الأسماء الحسنى والصفات العلى، فله الحمد أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا على الوجه الذي يرضيه سبحانه، ولهذا العموم في معنى الحمد تتابعت قراءات القراء، وعلماء الأمة على رفع ﴿الْحَمْدُ﴾ دون نصبها، الذي يحيل المعنى (١)، وقد تقدم القول في معنى لفظ الجلالة ﴿اللَّهِ﴾.\n﴿رَبِّ﴾: له معان كثيرة، والمراد به هنا: الخالق المالك الرازق، قال ابن عباس - ﵁ -: يقول ــ يعني جبريل - ﵇ - ــ: قل الحمد لله، الذي له الخلق كله، السماوات كلهن ومن فيهن، الأرضون كلهن من فيهن، وما بينهن، مما يعلم ومما لا يعلم (٢).\n﴿الْعَالَمِينَ﴾ جميع المخلوقات مما تقدم بيانه، مماعلم ومما لا يعلم، مالكهم الله - ﷿ -، وكل من ملك شيئًا فهو ربه، والرب: اسم من أسماء الله - ﷿ -، ولا يقال في غيره إلا بالإضافة، ومن العلماء من قال: إنه الاسم\n_________\n(١) انظر توثيقه في (جامع البيان ١/ ١٣٥، ١٢٨ - والجامع لأحكام القرآن ١/ ١٣٣) بتصرف.\n(٢) انظر (جامع البيان ١/ ١٤٢، ١٤٣) في إسناده بشر بن عمارة: ضعيف، ومعناه صحيح.","vol":"1","page":103},{"text":"الأعظم لكثرة الداعين به، فليتأمل ذلك في القرآن الكريم، كما في آخر سورة آل عمران، وسورة إبراهيم، وغيرهما لما يشعر به هذا الوصف من الصلة بين الرب والمربوب، مع ما يتضمنه من العطف والرحمة، والافتقار إليه في كل حال (١).\n\nا<span data-type=\"title\" id=toc-44>لنظرة الثالثة والعشرون\nتفسير: ﴿اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾</span>.\nتقدم بيان هذا في الآية الأولى، لكن من تمام القول في هذا أن الله - ﷿ - أعاد هذين الاسمين العظيمين من أسمائه الحسنى وكلها عظيمة لما يشعر به قوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ من خوف ورهبة منه تعالى، فهو الخالق المالك المربي المتصرف، قرنه بعد ذلك بقوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ لما فيهما من الترغيب في رحمته تعالى وعفوه وكرمه، ليجمع - ﷿ - في صفاته بين الرهبة منه تعالى، والرغبة إليه سبحانه، وهذا منهج الثواب والعقاب في التربية، فيكون أكثر عونا على الطاعة، وأشد تأثيرا في المنع من المعصية،\n_________\n(١) انظر الجامع لأحكام القرآن ١/ ١٣٦، ١٣٧).","vol":"1","page":104},{"text":"كما قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ (١)، وأخرج الإمام مسلم من حديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة، ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة، ما قنط من جنته أحد) (٢)، نسأل الله تعالى عفوه ورحمته، ونعوذ به من عذابه وسخطه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>النظرة الرابعة والعشرون\nتفسير: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾</span>.\nاعلم أنه لا يجوز لأحد أن يتسمى بهذا الاسم، ولا يدعى به إلا الله تعالى، فله الملك المطلق في الدنيا والآخرة، لذلك جاءت هذه الآية تذكر جميع الخلق الإنس والجن، أن الله - ﷿ - هو المتفرد مالك يوم الدين، وحده لا شريك له، فكما أن الله تعالى صاحب الملك المطلق في الدنيا، لكنه خول بعض عباده شيئا من صفة الملك في الدنيا، فمنهم سابق بالخيرات، ومنهم مقتصد، ومنهم ظالم لنفسه، اقتضت حكمته تعالى هذا الإيجاد في الحياة\n_________\n(١) الآيتان (٤٩، ٥٠) من سورة الحجر.\n(٢) صحيح الإمام مسلم، حديث (٢٣) وانظر (الجامع لأحكام القرآن ١/ ١٣٩).","vol":"1","page":105},{"text":"الدنيا، للابتلاء والامتحان، فكان الملك له خالصا يوم الدين، كما قال الله ﷾: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (١).\nأخرج الشيخان (٢)، البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (يقبض الله الأرض، ويطوي السماوات بيمينه، ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض).\nولما كانت الآخرة دار جزاء وخلود اختص الله - ﷿ - بالملك، لينال العباد جزاء سعيهم في الدنيا، ملوكًا وأممًا، على حد سواء، وسواءً كانوا إنسًا أم جنًا، وفي الآية والحديث من تنبيه الغافل، وتحريض النابه ما يجعلهما في غاية الحذر والتحسب لهذا الموقف العظيم، وليعلم العبد أنه في قبضة خالقه ينادى على رؤوس الأشهاد، لمن الملك اليوم؟، فيدفعه هذا إلى محاسبة النفس في الدنيا، إن كان من ذوي الألباب الموفقين.\n_________\n(١) الآية (١٦) من سورة غافر.\n(٢) البخاري، حديث (٤٨١٢) ومسلم، حديث (٢٣).","vol":"1","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>النظرة الخامسة والعشرون\nتفسير: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾</span>.\nيلاحظ القارئ هنا أن أسلوب الآيات تحول من الغيبة إلى الخطاب، ولا غرابة في ذلك، ففيه إشارة إلى أن العبد تشبعت روحه بمعرفة الله تعالى وربوبيته للمخلوقات، ومعرفة أسمائه وصفاته، فتحول الخطاب بناء على هذه المعرفة، كأن العبد يرى ربه فيخاطبه، غير شاك في ألوهيته وأسمائه وصفاته، على حد ما ورد في ركن الإحسان، أن تعبد الله كأنك تراه، ثم إن التحول من الغيبة إلى الخطاب أسلوب عربي معروف، والقرآن نزل بلغة العرب، ومن المعقول عن العرب، أن من شأنهم إذا حكوا، أو أمروا بحكاية، أن يخاطبوا ثم يتحولوا إلى الإخبار عن غائب، ويخبرون عن غائب ثم يعودون إلى الخطاب، لما في الحكاية بالقول من معنى الغائب والمخاطب، كقولهم للرجل: قد قلتُ لأخيك، لو قمتَ لقمتُ، وقد قلتُ لأخيك، لو قام لقمتُ.\nقال أبو كبير الهذلي:\nيا لهف نفسي كان جِدةُ خالد","vol":"1","page":107},{"text":"وبياض وجهكَ للتراب الأعفر (١).\nومنه قول لبيد بن ربيعة:\nباتت تشكى إلي النفس مجهشة\nوقد حملتكِ سبعا بعد سبعينا (٢).\nوفيهما الرجوع إلى الخطاب بعد الغيبة، وهذا في كتاب الله - ﷿ - كثير (٣).\nوالمعنى: نخصك بالعبادة وحدك لا شريك لك، فنخشع ونذل ونستكين، ولا ريب أن الرجاء والخوف لا يكونان إلا مع ذلة، والعبودية عند العرب الذلة تقول: طريق معبد، أي: مذلل قد وطئته الأقدام، وذللته السابلة: جعلته معبدا، ومن ذلك قول طرفة بن العبد:\nتُباري عتاقا ناجيات وأتبعت\nوظيفا وظيفا (٤) فوق مور معبد (٥).\nوقد قدم الضمير ﴿إِيَّاكَ﴾ في الجملتين للإشعار بخصوصية العبادة والاستعانة بالله وحده لا شريك له، ولئلا يتقدم ذكر العبد والعبادة على المعبود، فلا يجوز\n_________\n(١) منسوب لأبي كبير الهذلي، وليس في ديوان الهذليين.\n(٢) في ديوانه (ص ٢٢٥) وقال (قامت) وانظر: (جامع البيان ١/ ١٥٣، ١٥٤) بتصرف.\n(٣) انظر سورة يونس (الآية (٢٢) وسورة الدهر (الآيتين ٢١، ٢٢).\n(٤) المراد به هنا خف الناقة الموصوفة، وانظر (جامع البيان (١/ ١٦١).\n(٥) في (ديوانه ص ٣٥).","vol":"1","page":108},{"text":"\"نعبدك، ونستعينك\" ولا \"نعبد إياك، ونستعين إياك\" فيجب إتباع لفظ القرآن، قال العجّاج:\nإياك أدعو فتقبل ملقي فاغفر خطاياي وكثر ورقي (١).\n﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أي بك يا ربنا نستعين على طاعتك وعبادتك، وعلى كل أمورنا في حالنا ومستقبل عمرنا.\nاللهم إياك نعبد وحدك لا شريك لك، مخلصين لك العبادة، دون ما سواك من الآلهة والأوثان، فأعنا على عبادتك، ووفقنا لما وفقت له من أنعمت عليهم من أنبيائك ورسلك وأهل طاعتك، من السبيل والمنهاج (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>النظرة السادسة والعشرون\nتفسير: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾</span>.\nلما أكمل الله بيان الأحكام والحلال والحرام، وأقام الحجة بأوضح ما يكون البيان والبرهان، وجه عباده إلى طلب المزيد من الهداية والتوفيق والثبات كما قال ابن عباس - ﵁ - في تفسير هذه الآية: ألهمنا الطريق الهادي، وهو دين الله الذي لا عوج فيه (٣)، وهو دين الإسلام، وقد فسره بذلك جابر بن عبد الله - ﵁ - فقال: \"الصراط\n_________\n(١) في ديوانه (١/ ١٧٨) وفي الجامع لأحكام القرآن (١/ ١٤٥).\n(٢) جامع البيان (١/ ١٦٧، ١٦٩).\n(٣) أسنده أبو جعفر الطبري (١/ ١٦٦، ١٧٤).","vol":"1","page":109},{"text":"المستقيم: هو الإسلام\" (١)، وعن النواس بن سمعان - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: (ضرب الله صراطا مستقيما، وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: أيها الناس أدخلوا الصراط جميعا ولا تفرقوا، وداع يدعو من فوق الصراط، فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئا من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه، فالصراط: الإسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، وذلك الداعي على رأس الصراط: كتاب الله، والداعي من فوق واعظ الله تعالى في قلب كل مسلم) (٢)، قال الطبري: أجمعت الأمة من أهل التأويل جميعا على أن (الصراط المستقيم) هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه، وهو كذلك في لغة جميع العرب، فمن ذلك قول جرير بن عطية الخطفي:\nأمير المؤمنين على صراط إذا اعوج الموارد مستقيم (٣)، يريد على طريق الحق، ومنه قول الهذلي أبي ذؤيب:\n_________\n(١) أخرجه الحاكم وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه (المستدرك ٢/ ٤٤٦) ووافق الذهبي.\n(٢) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٤/ ١٨٢ - ١٨٣) وهو حديث حسن في إسناده الحسن بن سوار: صدوق، وبقية رجاله رجال الصحيح، وأخرجه الحاكم وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولا أعرف له علة ولم يخرجاه (المستدرك ١/ ٧٣) ووافق الذهبي.\n(٣) في (ديوانه ١/ ٢١٨).","vol":"1","page":110},{"text":"صبحنا أرضهم بالخيل حتى تركناها أدق من الصراط (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>النظرة السابعة والعشرون\n﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾:</span>\nهذا بيان لنوع الصراط المطلوب الهداية إليه، والثبات عليه، وأنه كما قال ابن عباس: طريق من أنعمت عليهم بطاعتك وعبادتك، من الملائكة والنبيين، والصديقين والشهداء والصالحين، الذين أطاعوك وعبدوك (٢)، فيكون المعني به: وفقنا للثبات على ما ارتضيته، ووفقت له من أنعمت عليه من عبادك، من قول وعمل، وذلك هو الصراط المستقيم، لأن من وفق لما وفق له من أنعم الله عليه، من النبيين والصديقين والشهداء، فقد وفق للإسلام وتصديق الرسل، والتمسك بالكتاب والعمل بما أمر الله به، والانزجار عما زجر الله عنه، واتباع منهج النبي - ﷺ -، ومنهاج أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ﵃، وكل عبد الله صالح، ذلك من الصراط المستقيم (٣).\n_________\n(١) منسوب لأبي ذؤيب الهذلي، وليس في ديوانه هذا البيت، وهو في تفسير القرطبي (١/ ١٠٣) وتفسير الطبري (١/ ١٧٠) والدر المصون (١/ ٦٤).\n(٢) أسنده الطبري ﵀ (جامع البيان ١/ ١٧٨).\n(٣) انظر جامع البيان (١/ ١٧١).","vol":"1","page":111},{"text":"﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ وهنا يتكرر السؤال وطلب العافية، فكما سألوه تعالى أن يهديهم سبيل المؤمنين، سألوه تعالى ألا يضلهم، كما دعوه فقالوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ (١).\nوالمغضوب عليهم: هم العصاة بمختلف معاصيهم، داخلون في غضب الله - ﷿ - بتفاوت، فأعلاهم اليهود، وأدناهم مرتكب الذنب، فالله - ﷿ - يغضب من عمل الذنوب وإن قلَّت.\nوالضالون: هم الجهّال، أعلاهم النصارى، ضلوا طريق الحق، وأدناهم الجهال من العوام، الذين يجهلون أمور دينهم ودنياهم، وقد ذهب الجمهور من العلماء ﵏ إلى أن ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ هم اليهود لتكذيبهم وقتلهم الأنبياء بغير حق، ولقولهم في عيسى - ﵇ -: إنه ابن زانية، فكذبوا الله، ورموا عيسى وأمه، وتجاسروا على الله ﷾ فقالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ (٢)، وقالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ\n_________\n(١) الآية (٨) من سورة آل عمران.\n(٢) من الآية (١٨١) من سورة آل عمران.","vol":"1","page":112},{"text":"مَغْلُولَةٌ﴾ (١)، فباؤوا بغضب من الله، وهم رأس من غضب الله عليهم من عباده من الإنس، قال الله تعالى: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ (٢).\nأما الضالون: فقال الجمهور: هم النصارى لأنهم اتبعوا الهوى فضلوا في أمر عيسى - ﵇ -، وقالوا بالتثليث فأفرطوا في اعتقادهم، وجاوزوا الحد في دينهم، وغلوا في أمر نبيهم المسيح - ﵇ -، فقالوا: إنه إله، وزعموا أنه ابن الله، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، قال الله - ﷿ -: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ (٣).\nأما المسلمون: فهم أصحاب الصراط المستقيم، والحمد لله كانوا وسطا بين اليهود والنصارى، فاعتقاد اليهود تفريط، واعتقاد النصارى إفراط، والمسلمون وسط بينهم، آمنوا بالله تعالى وما جاء به أنبياؤه ورسله.\nاللهم أحينا مسلمين مؤمنين، وأمتنا مسلمين مؤمنين، وابعثنا مسلمين مؤمنين، غير خزايا ولا نادمين، والحمد\n_________\n(١) من الآية (٦٤) من سورة المائدة.\n(٢) من الآية (٦١) من سورة البقرة، وفي آيات أخر من كتاب الله العزيز.\n(٣) الآية (٧٧) من سورة المائدة.","vol":"1","page":113},{"text":"لله رب العالمين وصلى وسلم وبارك على أنبيائه ورسله أجمعين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>النظرة الثامنة والعشرون\nمعنى آمين:</span>\nأكثر العلماء على أن معنى آمين: اللهم استجب لنا، وضع موضع الدعاء، وهذا قولٌ حسن، فإن الله - ﷿ - جعل الدعاء في الفاتحة على نصفين، النصف الأول منها مجمع الثناء عليه تعالى، والنصف الثاني فيه مجمع حاجات العباد، وحسن أن يختم الثناء والدعاء بطلب القبول والاستجابة فكأن القائل: آمين يقول: اللهم استجب لنا يا ربنا ثناءنا عليك بما أنت أهله، ودعاءنا الذي به تقضي حاجاتنا، وتجعلنا من عبادك المقبولين، وقد كان الصحابة يختمون الدعاء بآمين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>في \"آمين\" لغتان:</span>\n١ ــ المد على وزن \"فاعيل\" مثل \"ياسين\" قال الشاعر في المد:\nآمين آمين لا أرضى بواحدة حتى أبلغها ألفين آمينا (١)\n٢، ــ القصر: على وزن \"فعيل\" قال الشاعر:\nتباعد مني فطحل إذ سألته ... أمين فزاد الله ما بيننا بعدا (٢).\n_________\n(١) لم أقف على قائله وهو في (تفسير ابن عطية ١/ ١٣٢) وتفسير القرطبي (١/ ٩٠) والدر المصون (١/ ٧٧).\n(٢) لجبير بن الأضبط في (تهذيب إصلاح المنطق ص ٤٣٩).","vol":"1","page":114},{"text":"وهي كلمة عربية لا ريب في ذلك، ومن شدد الميم فقد أخطأ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>النظرة التاسعة والعشرون\nحكم قول آمين:</span>\nثبت عن رسول الله - ﷺ - من حديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: (إذا أمن الإمام فأمنوا، فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه) وقال ابن شهاب: \"وكان رسول الله - ﷺ - يقول: آمين\" (٢).\nوفي حديث أبي موسى الأشعري - ﵁ - أخرجه مسلم وغيره: (وإذا قال: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقولوا: آمين يجبكم الله) (٣).\nفهذه النصوص وغيرها في نظري دالة على وجوب قول: \"آمين\" بعد الفراغ من قراءة الفاتحة.\nوقول القرطبي ﵀: ويُسن لقارئ القرآن أن يقول بعد الفراغ من الفاتحة، بعد سكتة على نون ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾: آمين، ليتميز ما هو قرآن، مما ليس بقرآن (٤)، فيه نظر من حيث أن ما ورد من الأمر بقولها، لا\n_________\n(١) انظر توثيق ما تقدم في (الجامع لأحكام القرآن ١/ ١٢٧، ١٢٨، وروح المعاني ١/ ٩٧) بتصرف.\n(٢) متفق عليه: انظر (البخاري، حديث (٧٨٠) ومسلم، حديث (٧٣ - ٧٦).\n(٣) مسلم، حديث (٦٢) والجامع لأحكام القرآن ١/ ٩٧).\n(٤) الجامع لأحكام القرآن (١/ ١٢٧).","vol":"1","page":115},{"text":"صارف له عن الوجوب إلى السنية، هذا أولا:\nوالثاني: أن الفاتحة قرآن، وقد قرر ذلك ﵀ بقوله: \"وأجمعت الأمة على أنها ــ يعني الفاتحة ــ من القرآن\" (١)، فالقول بوجوب \"آمين\" هو الصحيح إن شاء الله، ولا يجوز تعمد تركها، ومن نسيها لا يجب عليه سجود السهو لقوله - ﷺ -: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان) ولا يعارضه ما ورد فيه النص، وإن أراد بالسنية السكتة ذاتها، ففيه نظر لثبوت النص في المتفق عليه، أن من وافق تأمينه تأمين الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه، فالمبادرة بآمين مطلوبة لذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>النظرة الثلاثون\nأهمية قول آمين:</span>\nأهمية قول آمين بعد قراءة الفاتحة واضحة مما ورد في النصوص الثابتة من أنها سبب في المغفرة، وقد أخرج أبو داود من حديث أبي زهير النمري (٢)، قال: \"خرجنا مع رسول الله ذات ليله، فأتينا على رجل قد ألحَّ في المسألة (٣)، فوقف النبي - ﷺ -، يستمع منه\" فقال النبي - ﷺ -: أوجب إن ختم، فقال رجل من القوم: بأي شيْ يختم؟،\n_________\n(١) الجامع لأحكام القرآن (١/ ١١٤).\n(٢) أسد الغابة وذكر أن أبا زهير كنية لثلاثة اختلف العلماء فيهم فمنهم من عدهم ثلاثة، ومنهم من قال: إنهم شخص واحد وسماه يحي بن نفير (٥/ ٢٠٢).\n(٣) يعني الدعاء.","vol":"1","page":116},{"text":"قال: بآمين، فإنه إن ختم بآمين فقد أوجب\" فانصرف الرجل الذي سأل النبي - ﷺ - فقال: اختم يا فلان بآمين وأبشر (١)، وفي هذا أخبار لا تخلو من مقال وقد يعضِّد بعضها بعضا (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>النظرة الحادية والثلاثون\nالجهر بآمين:</span>\nالصحيح من أقوال العلماء ﵏ الجهر بآمين للإمام والمأموم، والنصوص الدالة على ذلك كثيرة منها ما تقدم وعقد الإمام البخاري ﵀ ترجمتين لذلك.\nقال في الأولى: باب جهر الإمام بالتأمين وقال عطاء: آمين دعاء، أمن ابن الزبير ومن وراءه، حتى إن للمسجد للجة.\nوكان أبو هريرة ينادي الإمام؛ لا تفتنى بآمين (٣).\nوقال في الثانية: باب جهر المأموم بآمين (٤)، وذكر حديث أبي هريرة المتقدم في آخر المبحث الثالث.\n_________\n(١) سنن أبي داود، حديث (٩٣٨) وفي إسناده صبيح بن محرز مقبول.\n(٢) انظر: (الجامع لأحكام القرآن ١/ ١٢٧ - ١٢٨).\n(٣) صحيح الإمام البخاري، حديث (٧٨٠).\n(٤) صحيح الإمام البخاري، حديث (٧٨٢).","vol":"1","page":117},{"text":"وأخرج أبو داود، والدارقطني (١)، من حديث وائل بن حجر - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ -، إذا قرأ ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: \"آمين\" ورفع بها صوته، وأخرجه الترمذي وقال: حديث حسن (٢)، وقال أيضا عقب قول عطاء: وبه يقول غير واحد من أهل العلم، من أصحاب النبي - ﷺ -، ومن بعدهم، يرون أن يرفع الرجل صوته بالتأمين لا يخفيها، وبه يقول الشافعي، وأحمد، وإسحاق (٣)، ولا حجة قائمة لمن قال بالإسرار بآمين، بدعوى أنها دعاء، والله - ﷿ - يقول: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ (٤)؛ لأنه يقال له ثبت ذلك من فعل رسول الله - ﷺ -، والصحابة ﵃، ثم إن إخفاء الدعاء إنما يكون أفضل لما يدخله من الرياء، أما ما يتعلق منه بصلاة الجماعة فشهودها، إشهار شعار ظاهر، وإظهار حق يندب العباد إلى إظهاره، وقد ندب الإمام إلى إشهار قراءة الفاتحة المشتملة على الدعاء والتأمين في آخرها،\n_________\n(١) سنن أبي داوود (١/ ٥٧٤) وانظر سنن الدارقطني (١).\n(٢) سنن الترمذي، حديث (٢٤٨).\n(٣) انظر: (الجامع لأحكام القرآن ١/ ١٢٩).\n(٤) الآية (٥٥) من سورة الأعراف.","vol":"1","page":118},{"text":"فإذا كان الدعاء مما يسن الجهر فيه فالتأمين على الدعاء تابع له، وجار مجراه وهذا بين (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>النظرة الثانية والثلاثون\nكيف يصل المسلم إلى أعلى درجات التقرب:</span>\nإن المسلم مأمور باستشعار عظمة الله - ﷿ -، وقدرته سبحانه على الخلق والإحياء، والإماتة والبعث والجزاء، سيما في حال أداء العبادات، ومعروف أن الصلاة عليها مدار العبادات، وفيها مناجاة متكررة في كل وقت أوجب الله - ﷿ - أداء هذه الفريضة العظيمة فيه، قال الله - ﷿ -: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (٢)، ولما سئل رسول الله - ﷺ - عن الإحسان قال: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) (٣)، وهنا يلزم العبد تدبر ما يقرأ حتى يحصل الاستشعار، ويتم الخشوع، ويتحقق له قول الله - ﷿ -: ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ (٤)، فإذا ما قرأ الفاتحة متدبرا ظهر له من صفات الربوبية في قوله\n_________\n(١) انظر (الجامع لأحكام القرآن ١/ ١٢٠) بتصرف.\n(٢) الآيتان (١، ٢) من سورة المؤمنون.\n(٣) جزء من حديث أبى هريرة عند البخاري، حديث (٤٧٧٧).\n(٤) الآية (١٩) من سورة العلق ..","vol":"1","page":119},{"text":"تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ومن صفات الرحمة في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ والملك في قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وإخلاص العبادة في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ما يجعل المسلم مستشعرا عظمة الله - ﷿ -، كأنه يراه، فيكون قلبه ولسانه يثنيان على الله - ﷿ - بجميع المحامد، وتكون الجوارح في سكون وخشوع كامل، إذ أنه من خلال النصف الأول من الفاتحة استشعر عظمة الله - ﷿ -، من خلال ثنائه وحمده ... الله تعالى، وذكره بالغيبة بأسمائه وصفاته، فلما ... كمل الاستشعار في قلبه وفكره، صارت تلك ... الصفات والمعاني في ذهنه في حكم المشاهد على حد قوله - ﷺ -: (كأنك تراه) فالتفت عن الغيبة إلى الخطاب ... ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وبهذا الاستشعار وذلك التصور الذهني، والخشوع والتذلل الظاهر بين الجوارح، وصل قارئ الفاتحة إلى أعلى درجات التقرب والعبودية لله وحده لا شريك له، ولم يبق بعد هذا الوصول إلا الطلب من المعبود سبحانه،","vol":"1","page":120},{"text":"﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.\nالاستعانه هنا لها جانبان:\nالأول: يخص الاستعانه به ﷾ على القيام بما فرض الله - ﷿ -، على عباده من العبادات ومن العون عليها هدايتهم وتوفيقهم لها، ومدهم بالصبر والثبات عليها، قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (٢)، وفي ذلك حبس للنفس عما حرم الله.\nالثاني: يخص الاستعانة به سبحانه على ما أباح للعباد من الطيبات من أمور الدنيا البحتة، كحفظ الصحة والكسب الحلال، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (٣)، وقال - ﷿ -: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ\n_________\n(١) الآية (٤٥) من سورة البقرة.\n(٢) الآية (٣٥) من سورة فصلت.\n(٣) الآية (١٥) من سورة الملك.","vol":"1","page":121},{"text":"الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (١)، وقال الله ﷾: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (٣)، وجميع مهام الحياة، وهي تختلف باختلاف الناس، وما خوّلهم الله فيه من التمكين في الأرض، ابتداء من تهذيب النفس وإدارة أمور الأسرة الصغيرة، وانتهاء برعاية الأمة وحفظ حقوقها، وفيه تدخل جميع الحرف والصناعات، من صناعة الإبرة إلى بناء المفاعلات الذرية، لا يتم للمسلم شيء منها إذا لم يستعن بالله - ﷿ -، وإن حصل لغير المسلمين شيء من ذلك، فهو من المتاع الذي وعد الله به ﴿وَإِذْ\n_________\n(١) الآية (٣٢) من سورة الأعراف.\n(٢) الآية (٢٠) من سورة المزمل.\n(٣) الآية (١٠) من سورة الجمعة.","vol":"1","page":122},{"text":"قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (١)،\nفكونهم يصلون إلى شيء من ذلك المتاع في الصحة والمال والبنين والقوة في شتّى مناحي الحياة دون استعانة منهم بالله، فقد أخبر تعالى أنهم: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ (٢)، وقد أمدهم الله بأسباب ذلك متاعا لهم، وهو استدراج لهم من الله، قال تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ (٣).\nأما المسلمون فقد جمع الله لهم بين الدنيا والآخرة، إذا ما تمسكوا بكتاب ربهم وسنة نبيهم، ومن هنا وجب على المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وشمالها وجنوبها، وفي كل شبر منها، شعوبا وحكاما، جماعات\n_________\n(١) الآية (١٢٦) من سورة البقرة ..\n(٢) الآية (٧) من سورة الروم.\n(٣) الآية (١٧) من سورة الطارق.","vol":"1","page":123},{"text":"وأفرادًا، يجب عليهم العودة إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله، والعمل بهما نصا وروحا، سالكين المنهج النبوي، والخلافة الراشدة، حذو القذة بالقذة (١)، آخذين بأسباب وحدتهم، وقوتهم وعزتهم كما فعل أسلافهم، من الخلفاء الراشدين، ومن بعدهم من الصالحين، من الملوك والقادة الفاتحين، إنهم إذا فعلوا ذلك يستطيع مبعوث المسلمين إلى غيرهم، أن يقول مثلما قال مبعوث سعد بن أبي وقاص - ﵁ -، الصحابي الجليل، النعمان بن مقرن، إلى يزدجرد ملك الفرس أيام حرب القادسية، في زمن الخليفة الراشد عمر - ﵁ -: قال: \"إن الله رحمنا فأرسل إلينا رسولا، يدلنا على الخير ويأمرنا به ــ إلى قوله ــ: وأمرنا أن نبدأ بمن يلينا من الأمم فندعوهم إلى الإنصاف، فنحن ندعوكم إلى ديننا، وهو دين الإسلام، دين حسَّن الحسن، وقبّح القبيح كله، فإن أبيتم فأمر من الشر، هو أهون من آخر شرٌ منه: الجزية، فإن أبيتم فالمناجزة، فإن أجبتم إلى ديننا خلفنا فيكم كتاب الله، وأقمناكم عليه، وعلى أن تحكموا بأحكامه ونرجع عنكم، وشأنكم وبلادكم ... . الخ\" (٢)،\nولاستطاع أن يفعل مفاوض المسلمين مثلما فعل ربعي بن عامر - ﵁ - حينما دخل على رستم بثياب صفيقة، وسيف وترس وفرس\n_________\n(١) ريش السهم واحدتها: قذّة: أي: كما تقدر كل واحدة على قدر صاحبتها وتقطع، يضرب مثلًا للشيئين يستويان، ولا يتفاوتان. (النهاية ٤/ ٢٨).\n(٢) البداية والنهاية (٧/ ٥١، ٥٢) ..","vol":"1","page":124},{"text":"قصيرة، ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط ثم نزل وربطها ببعض الوسائد وأقبل وعليه سلاحه ودرعه، وبيضته على رأسه، فقالوا له: ضع سلاحك، فقال: \"إني لم آتكم فأضع سلاحي بأمركم، وإنما جئتكم حين دعوتموني، فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت، قال رستم: ائذنوا له، فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق فخرق عامتها، فقالوا له: ما جاء بكم؟، فقال: الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام .. الخ\" (١).\nولَوَقَف موقف المغيرة بن شعبة - ﵁ - من رستم أيضا حينما هدد، واستشاط غضبا من المسلمين وأزبد وأرعد، وقال: أمرت لكم بكسوة ولأميركم ألف دينار وكسوة ومركوب.\nفقال المغيرة - ﵁ -: \"أبعد أن أوهنا ملككم، وضعفنا عزكم، ولنا مدة نحو بلادكم، ونأخذ الجزية منكم عن يد وأنتم صاغرون، وستصيرون لنا عبيدا على رغمكم\" (٢).\nوهذا غيض من فيض من مواقف المسلمين وقادتهم العظام، حينما كانوا مع الله ورسوله قلبا وقالبا.\nإن العالم الإسلامي متخم بالدول الإسلامية، الواسعة الأرجاء، المالكة لكثير من الثروات، ذات الدور الفعال في قلب الموازين السياسية والعسكرية في العالم، يلقي\n_________\n(١) البداية والنهاية (٧/ ٤٩).\n(٢) البداية والنهاية (٧/ ٥٠).","vol":"1","page":125},{"text":"بثقل المسؤولية العظمى على الحكام والعلماء، والأعيان والحكماء تجاه دينهم ووحدتهم، وقوتهم وحضارتهم، ويوجب عليهم استغلال الثروات، ومعرفة العلوم والصناعات، ليحفظوا دينهم وحضارتهم، ويقيموا الوزن بالقسطاس المستقيم في شعوبهم، ويكونوا خلفاء الله في الأرض، محققين قول الله - ﷿ -: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢)، وقول رسول الله - ﷺ -: (مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد، بالسهر والحمى) (٣)، بهذا يكونون أولياء الله - ﷿ -، وخلفاؤه في الأرض، كما استخلف الذين من قبلهم، ولمثل هذا فليعمل العاملون.\n_________\n(١) الآية (١٠٣) من سورة آل عمران.\n(٢) الآية (١٠) من سورة الحجرات.\n(٣) أخرجه مسلم، حديث (٦٦) من حديث النعمان بن بشير - ﵁ -.","vol":"1","page":126},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>الخاتمة</span>\nإن من أعظم نعم الله - ﷿ - على هذه الأمة أن بعث منها محمدا - ﷺ -، وأرسله إليها بالهدى ودين الحق، وجعلها خير أمة أخرجت للناس، كرمها بخير رسله، شرفها بدين الإسلام، المنهج الصالح لكل زمان ومكان، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فهو الصراط المستقيم، والمنهج القويم به يسعد البشر، في حياة مليئة بالعدل والمساواة، عامرة بالأمن والاستقرار، وقد تبين لي من هذه النظرات الممتعة في هذه السورة العظيمة ما يلي:\n١ ــ وجوب حمد الله تعالى والثناء عليه بجميع المحامد.\n٢ ــ أنه تعالى المتفرد بربوبية عباده، وسائر المخلوقات.\n٣ ــ كمال رحمته - ﷿ - لسائر خلقه في الدنيا والآخرة.\n٤ ــ التذكير بيوم الحساب والجزاء، وأن الله تعالى هو الملك الديان.\n٥ ــ الإرشاد إلى طلب الهداية ووحدة الأمة في المعبود والمتبوع والمنهج.\n٦ ــ التحذير من سبل أهل الشرك والزيغ والأهواء.\n٧ ــ أن سورة الفاتحة من أعظم السور الموجهة إلى هذه المقاصد.\n٨ ــ وجوب الاعتناء بهذه الأمور والتربية عليها من خلال الفاتحة وغيرها من كتاب الله تعالى.","vol":"1","page":127},{"text":"٩ ــ وجوب تفهم الفاتحة فهي ركن من أركان الصلاة، ومن الأذكار النافعة في كل الأحوال.\n١٠ ــ أن الفاتحة من أعظم شعارات وحدة المسلمين، اعتقادا وقولا وعملا، لا فرق بين عربي وغيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>التوصيات</span>\nيجب على كل مسلم أن يهتم بالفاتحة تلاوة وفهما، فهي من أركان الصلاة، بصحة تلاوتها تصح الصلاة، وعلى المسلم أن يتعلم من كتاب الله وسنة رسوله ما لا يسعه جهله، ومن ذلك ما يلي:\n١ ــ نوصي كل مسلم أن يعلم أن الدين الإسلامي هو المنهج الأمثل لسعادة البشر.\n٢ ــ نوصي كل مسلم أن يعلم أن الدين الإسلامي كفيل بنشر العدل بين الناس، وأنه ناجع في حل الأزمات والمشكلات، العارضة في حياة الناس، في كل زمان ومكان.\n٣ ــ نوصي كل مسلم أن يعلم أن الإسلام دين التقدم والرقي، وأنه لا يحرم النظر والبحث في العلوم الكونية، ولا يمنع من تحقيق الأمن والسعادة من خلالها.\n٤ ــ نوصي كل مسلم أن يعلم أن الإسلام منهج عبادة، ونظام عمل يدعو إلى التقوى والعلم والمعرفة والابتكار.\n٥ ــ نوصي كل مسلم أن يعلم أن الخير فيما أمر به الإسلام، وأن الشر فيما نهى عنه ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا","vol":"1","page":128},{"text":"فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١)، وهذه الآية الكريمة وغيرها العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالله تعالى رقيب على أعمال عباده الخير منها والشر، وهو سبحانه بما يعملون عليم ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (٢).\nالمدينة النبوية في يوم الجمعة ١٥/ ٩ / ١٤٢٥ هـ\n_________\n(١) الآية (١٠٥) من سورة التوبة.\n(٢) الآية (٨٨) من سورة هود.","vol":"1","page":129}]}