{"ً":{"ٌ":132424,"ٍ":"الحسبة في الإسلام","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: الحسبة في الإسلام\nالمؤلف: أحمد مصطفى المراغي\nتصحيح: محمد عبد الرحمن الشاغول - مكتب الروضة الشريفة للبحث العلمي\nالناشر: الجزيرة للنشر والتنوزيع\nعام النشر: ٢٠٠٥ م\nعدد الصفحات: ٣٧\nأعده للشاملة: مركز المحتسب http://almohtasb.com\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1328,"ٕ":20,"ٖ":1770155591,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"الحسبة في الإسلام","level":1,"page":2},{"title":"عناصر البحث","level":1,"page":2},{"title":"الحسبة في اللغة","level":1,"page":3},{"title":"معنى الحسبة شرعا","level":1,"page":4},{"title":"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر","level":1,"page":5},{"title":"سبب إحداث الحسبة","level":1,"page":6},{"title":"أصناف المحتسب","level":1,"page":13},{"title":"١ - محتسب يعينه السلطان","level":2,"page":13},{"title":"٢ - محتسب متطوع يرى المنكر فينكره","level":2,"page":13},{"title":"الفرق بين المحتسب والقاضي","level":1,"page":14},{"title":"المحتسب المولى","level":1,"page":15},{"title":"شروط المحتسب","level":1,"page":16},{"title":"١ - أن يكون بالغا","level":2,"page":16},{"title":"٢ - أن يكون مسلما","level":2,"page":16},{"title":"٣ - أن يكون ذا رأي وصرامة وخشونة في دينه","level":2,"page":17},{"title":"أعمال المحتسب","level":1,"page":17},{"title":"١ - أن يأمر العامة بأداء الصلوات الخمس في مواقيتها","level":2,"page":17},{"title":"٢ - أن يأمر بإقامة الجمعة والجماعات لإظهار معالم الدين وشهر شعائر الإسلام","level":2,"page":18},{"title":"٣ - أن ينظر في شئون الوعاظ","level":2,"page":18},{"title":"٤ - وعليه أن يأمر الناس بأداء الأمانات والنهي عن المنكرات من الكذب والخيانة","level":2,"page":20},{"title":"هل للحاكم أن يسعر على الناس في الأسواق","level":1,"page":22},{"title":"حكم الفندق والحمام والمخبز","level":1,"page":23},{"title":"التدليس في الدين - حكمه","level":1,"page":24},{"title":"أعمال أخرى للمحتسب","level":1,"page":24},{"title":"الوظائف الدينية في عصر الفاطميين","level":1,"page":26},{"title":"الوظائف الدينية في الدولة الأيوبية وعصر المماليك بمصر","level":1,"page":28},{"title":"العقوبات الشرعية","level":1,"page":31},{"title":"١ - عقوبات مقدرة","level":2,"page":31},{"title":"٢ - عقوبات غير مقدرة","level":2,"page":31},{"title":"عقوبة التعزير - عقوبة الحد - الفرق بينهما","level":1,"page":32},{"title":"التعزير بالعقوبات المالية","level":1,"page":33},{"title":"جواز التصدق على الفقراء بالسلع المغشوشة","level":1,"page":34},{"title":"الأصل في المثوبة والعقوبة في التشريع الإسلامي","level":1,"page":35}],"ٛ":{"1,3":2,"1,4":3,"1,5":4,"1,6":5,"1,7":6,"1,8":7,"1,9":8,"1,10":9,"1,11":10,"1,12":11,"1,13":12,"1,14":13,"1,15":14,"1,16":15,"1,17":16,"1,18":17,"1,19":18,"1,20":19,"1,21":20,"1,22":21,"1,23":22,"1,24":23,"1,25":24,"1,26":25,"1,27":26,"1,28":27,"1,29":28,"1,30":29,"1,31":30,"1,32":31,"1,33":32,"1,34":33,"1,35":34,"1,36":35,"1,37":36},"ٜ":{"1":[3,37]},"ٝ":[null,"1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37"],"ٞ":{"2":[1,2],"3":[3],"4":[4],"5":[5],"6":[6],"13":[7,8,9],"14":[10],"15":[11],"16":[12,13,14],"17":[15,16,17],"18":[18,19],"20":[20],"22":[21],"23":[22],"24":[23,24],"26":[25],"28":[26],"31":[27,28,29],"32":[30],"33":[31],"34":[32],"35":[33]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"الحسبة في الإسلام\n\nبقلم\nصاحب الفضيلة: أحمد مصطفى المراغي\nأستاذ الشريعة الإسلامية بدار العلوم رحمه الله تعالى\n\nتصحيح\nمحمد عبد الرحمن الشاغول\nمكتب الروضة الشريفة للبحث العلمي","vol":"1","page":null},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>الحسبة في الإسلام</span>\nطلب إلى عزيز لدى أن أكتب كلمة في ذلكم الموضوع الخطير (الحسبة في الإسلام) تجلو حقيقتها، وتشرح أغراضها، ومقاصدها في الدين الإسلامي خاتم الأديان السماوية والشريعة الصالحة لكل زمان ومكان، فأجبته لبيك وسعديك فالموضوع شائق والبحث عنه فيه متعة شائق لأنه يمت بصلة إلى التاريخ الإسلامي في تلك الحقبة من عصور الإسلام الأولى، إلى ما له من رحم واشجة بحكمة التشريع الإسلامي؛ وفيه متعة لأنه يدلي بنسب إلى شرعة التعاون والتناصر بين بني آدم وهم تلك السلائل التي ورثت آدم خليفة الله في أرضه، ويستمتع بها هو وبنوه ويستعمرونها في المدى الذي قدر لبقاء العالم في تلك الدنيا.\nوإنا لنطرق في كلامنا المباحث الآتية:\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>عناصر البحث</span>\nالحسبة لغة. الحسبة شرعًا. فيم كانت الحسبة أولا، وإلام صار أمرها آخرًا. سبب إحداث الحسبة. الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.\nالشروط التي يجب أن تتوافر فيمن يتولى القيام بهما. المحتسب. أصناف المحتسب. الفرق بن المحتسب وقاضي المظالم (القاضي الجنائي) وبين قاضي الحقوق (القاضي المدني). شروط المحتسب. أعمال المحتسب. الفرق بين المتسبب","vol":"1","page":3},{"text":"المولى والمحتسب المتطوع. هل للحاكم أن يسعر على الناس في الأسواق. حكم الفندق والحمام والمخبز. التدليس في الدين وحكمه. أعمال أخرى للمحتسب. الوظائف الدينية في عصر الفاطميين. الوظائف الدينية في الدولة الأيوبية وعصر المماليك بمصر. العقوبات الشرعية. عقوبة التعزير، وعقوبة الحد، والفرق بينهما. التعزير بالعقوبات المالية. جواز التصدق بالسلع المغشوشة على الفقراء. الأصل في المثوبة والعقوبة في التشريع الإسلامي.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>الحسبة في اللغة</span>\nالحسبة لغة كما في لسان العرب اسم من الاحتساب وهو البدار إلى طلب الأجر وتحصيله بالأخذ بأنواع البر والخير، والقيام بها على الوجه المرسوم ابتغاء الأجر المرجو منها، وفي حديث عمر: أيها الناس احتسبوا أمالكم فإن من احتسب عمله كتب له أجر عمله وأجر حسبته؛ واسم الفاعل المحتسب؛ أي: طالب الأجر.\nوفي \"القاموس\": واحتسب عليه الأمر إذا أنكره عليه؛ ومنه المحتسب. فظاهر عبارة اللسان تدل على أن المحتسب مأخوذ من احتسب أجرًا عند الله إذا اعتده وادخره، وصريح عبارة \"القاموس\" ترشد إلى أنه من احتسب عليه الأمر إذا أنكره عليه، ومن البين أن المناسبة جلية في أخذه من المعنى الأول كما أشار إليه صاحب \"اللسان\" إذ طلب الأجر أسبق في الفكر لدى المحتسب من","vol":"1","page":4},{"text":"إنكار عمل غيره ومنعه من فعله، وإن كان هذا يحصل تبعًا وعرضًا لا قصدًا أوليًا من العمل.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>معنى الحسبة شرعًا</span>\nأصل الحسبة الشرعية مشارفة السوق والنظر في مكابيله وموازينه، ومنع الغش والتدليس فيما يباع ويشترى من مأكول ومصنوع، ورفع الضرر عن الطريق بدفع الحرج عن السابلة من الغادين والرائحين، وتنظيف الشوارع والحارات والأزقة إلى نحو ذلك من الوظائف التي تقوم بها الآن المجالس البلدية.\nومفتشو الصحة ومفتشو الطب البيطري، ومصلحة المكاييل والموازين وقلم المرور، ورجال الشرطة الموكول إليهم المحافظة على الآداب العامة إلى غير ذلك.\nثم اتسعت أعمالها فيما بعد حتى كانت من أهم الشئون التي عنى بها الخلفاء والسلاطين، وصار لها ولاية خاصة (مصلحة خاصة) شملت كل أمر بالمعروف، ونهي عن المنكر، كإقامة الصلاة في مواقيتها والنظر في أحوال أئمة المساجد والمؤذنين وإلزامهم بأداء وظائفهم على حسب مقتضى الشرع، ومن ثم قال بعض العلماء: الحسبة أمر بمعروف ظهر تركه، ونهي عن منكر ظهر فعله، وإصلاح بين الناس. وأول من أحدثها في الإسلام عمر بن الخطاب﵁- فقد ولى عبد الله بن عقبة على النظر في الأسواق والتفتيش على المكاييل والموازين ومنع الغش فيما يباع ويشترى. وقد كان الخلفاء والولاة في","vol":"1","page":5},{"text":"الصدر الأول يباشرون أعمالها بأنفسهم يبتغون إصلاح الرعية، ويرجون جزيل الثواب، فقد كان عمر يقوم بوظائف المحتسب، ويشارف السوق ويراقب المكاييل والموازين، ويأمر بإماطة الأذى عن الطريق روى المسيب بن دارم قال: رأيت عمر بن الخطاب﵁- يضرب حمالًا، ويقول: حملت جملك ما لا يطيق (مفتش قلم المرور الآن والرفق بالحيوان).\nوفي \"كنز العمال\": عن زيد بن فياض عن رجل من أهل المدينة قال دخل عمر﵁- السوق وهو راكب فرأى دكانًا (دكة) قد أحدث في السوق فكسره.\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر</span>\nالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دعامة من دعائم الدين، وبه بعث الله النبيين أجمعين، ولولاه لنشطت الضلالة، وعمت الجهالة، وانتشر الفساد، وخربت البلاد، وهلك العباد.\nوإنا لنرى الناس الآن بعد أن استولت على قلوبهم مداهنة الخلق وضعف مراقبة الخالق، قد استرسلوا في الشهوات وركنوا إلى اللذات، وقل أن تجد مؤمنا صادقا لا تأخذه في الله لومة لائم، فمن شمر عن ساعد الجد وسد هذه الثغرة وأدى عمل الحسبة ابتغاء مرضاة ربه أو قلد وظيفتها وقام بأعبائها مراقبا ربه؛","vol":"1","page":6},{"text":"فقد قام بقسط وافر في خدمة دينه ونال رضوان ربه ﴿ورضوان من الله أكبر﴾ [التوبة: ٧٢].\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>سبب إحداث الحسبة</span>\nالسر في إيجاد الحسبة في الإسلام أن الناس لا تتم مصالحهم إلا بالاجتماع والتعاون على جلب المنافع، والتناصر على دفع المضار، ومن ثم قيل: الإنسان مدنى بالطبع.\nوبالاجتماع لابد لهم من أمور يفعلونها يجلبون بها الخير لأنفسهم وأمور يجتنبونها لما فيها من الضرر عليهم.\nولابد لهم من طاعة الآمر بالمنافع الناهي عن المفاسد، كما قال تعالى في صفة نبيه: ﴿يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث﴾ [الأعراف: ١٥٧] وروي عن النبي ﷺ \"مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بني دارًا فأتمها وأكملها إلا موضع لبنة (طوبة) فكان الناس يطيفون بها، ويعجبون من حسنها ويقولون لولا موضع اللبنة، فأنا تلك اللبنة\".\nوقد وصف الله الأمة الإسلامية بما وصف به نبيها فقال: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر﴾ [آل عمران: ١١٠]، وقال عز اسمه: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ [التوبة: ٧١]، وقال عز من قائل: ﴿ولتكن","vol":"1","page":7},{"text":"منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون﴾ [آل عمران: ١٠٤]، وقال: ﴿لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا﴾ [النساء: ١١٤]. وجاء رجل إلى النبي ﷺ وهو على المنبر فقال: من خير الناس يا رسول الله؟ قال: \"أمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأتقاهم لله وأوصلهم لله\"، وقال ﵇: \"مروا بالمعروف وإن لم تعملوا به كله، وانهوا عن المنكر وإن لم تنتهوا عنه كله\".\nوقال على بن أبي طالب﵁: أفضل الجهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسباب المنافقين، فمن أمر بالمعروف شد ظهر المؤمنين، ومن نهي عن المنكر أرغم أنف المنافقين، ومن أبغض الفاسق وغضب لله غضب الله له.\nوقال أبو الدرداء: لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم سلطانًا ظالمًا لا يجل كبيركم ولا يرحم صغيركم، ويدعو خياركم فلا يستجاب لهم وتستغفرون فلا يغفر لكم، وتستنصرون فلا تنصرون. وقال ﵊: \"إياكم والجلوس في الطرقات\" قالوا: ما لنا بد إنما هي مجالسنا نتحدث فيها، قال: \"فإن أبيتم إلا ذاك فأعطوا الطريق حقه\". قالوا:","vol":"1","page":8},{"text":"وما حق الطريق؟ قال: \"غض البصر، ورد السلام، وأمر بمعروف ونهي عن منكر\"، وروى البخاري أن رسول الله ﷺ قال: \"من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وهذا أضعف الإيمان\".\nوروى الحسن البصري أن رسول الله ﷺ قال: \"أفضل شهداء أمتي رجل قام إلى إمام جائر فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر فقتله على ذلك، فذلك الشهيد منزلته في الجنة بين حمزة (عمه) وجعفر (ابن أخي على).\"\nالشروط التي يجب أن تتوافر فيمن يتولى القيام بهما:\nالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أفضل القرب وأكثرها ثوابًا وقبولًا عند الله تعالى، وله شروط إذا لم تتوافر لا تنتج الثمرة المطلوبة.\n(١) أن يعمل الواعظ بما ينصح، لا أن يكون قوله مخالفا لفعله؛ وإلا دخل في الذم، وكان ممن يصدق عليه قول الله تعالى: ﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم﴾ [البقرة: ٤٤].\nوروي أن رسول الله صلى الله قال: \"رأيت ليلة أسري بي رجالا تقرض شفاههم بالمقاريض، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: خطباء أمتك الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم\".","vol":"1","page":9},{"text":"(٢) أن يكون العمل طاعة لله ورسوله، وهو العمل المشروع المأمور به إيجابًا أو استحبابا، وضده المعصية والفجور والظلم والسيئة.\n(٣) أن يكون خالصًا لوجه الله تعالى، فالله لا يقبل من الأعمال إلا ما يراد به وجهه فقد روى أن النبي ﷺ قال يقول الله: \"أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه غيري، فأنا بريء منه، وهو كله للذي أشرك\"، وهذا هو أساس الإسلام والعمود الذي عليه بنى الدين، فحق الله على عباده أن يعبده ولا يشركوا به شيئا، ومن ثم كان عمر بن الخطاب﵁- يقول في دعائه: اللهم اجعل عملي كله صالحًا، واجعله لوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحد فيه شيئا.\nوإذا كان العمل خالصا نشر الله عليه رداء القبول وصادف التوفيق وقدر لفاعله في القلب مهابةً وجلالًا، وتقبل الناس قوله بالسمع والطاعة وقد قال ﷺ: \"من أرضي الناس بسخط الله وكله إليهم، ومن أرضى الله بسخط الناس كفاه شرهم، ومن أحسن فيما بينه وبين الله أحسن فيما بينه وبين الناس، ومن أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن عمل لآخرته كفاه الله أمر دنياه\".\nومما يؤثر في هذا الباب أن أتابك سلطان دمشق طلب محتسبا فذكر له رجل من العلماء فأمر بإحضاره، فلما مثل بين يديه قال له: إني وليتك أمر الحسبة على الناس، فقال له: إن كنت تريدني لما تقول فقم عن هذا الفراش وارفع هذا المتكأ فإنهما من حرير، واخلع هذا الخاتم فإنه من ذهب، وقد قال ﷺ: \"هذان حرامان على ذكور أمتي، حل لإناثها\"","vol":"1","page":10},{"text":"فقال السلطان: سمعا وطاعة، ونهض عن الفراش، وأمر برفع المتكأ، وخلع الخاتم من إصبعه، وقال: ضممت إليك أمر الشرطة (حكمدار بوليس ..)؛ فما رأى الناس محتسبًا أهيب منه.\n(٤) أن يأمر عن معرفة وعلم وفقه بالدين، وإلا كان العمل جهلا وضلالا واتباعا للهوى كما قال عمر بن عبد العزيز: من عبد الله بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح، وكما قال معاذ بن جبل: العلم إمام العمل، والعمل تابعه.\n(٥) أن يكون النصح برفق والتؤدة حتى يؤتي ثمرته المرجوة، فقد قال النبي ﷺ: \"يا عائشة عليك بالرفق فإنه ما كان في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شأنه\"، وقال أيضًا: \"إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله، ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف\".\nومن نوادر المحتسبين وبارع قصصهم: أن رجلا دخل على المأمون وأمره بمعروف ونهاه عن منكر وأغلظ له في القول فقال له المأمون: يا هذا إن الله أرسل من هو خير منك لمن هو شر مني، فقال لموسى وهارون: ﴿فقولا له قولًا لينًا لعله يتذكر أو يخشى﴾ [طه: ٤٤] ثم أعرض عنه ونأى بجانبه.\n(٦) أن يكون الناصح حليما صبورا على الأذى إذ العادة قد جرت بأن يناله الأذى من جراء عمله، فإن لم يحلم ويصبر كان الضرر أكثر من النفع كما قال لقمان لابنه وهو يعظه: ﴿وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر واصبر","vol":"1","page":11},{"text":"على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور﴾ [لقمان: ١٧] وهم القادة الآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر بالاعتصام بالصبر كما قال تعالى لنبيه في بدء رسالته: ﴿يا أيها المدثر قم فانذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر ولا تمنن تستكثر ولربك فاصبر﴾ [المدثر: ٧] فاختتم الأمر بالإنذار وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بطلب الصبر منه.\nوقد جاء هذا الطلب في مواضع عدة كقوله تعالى: ﴿واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا﴾ [الطور: ٤٨]، وقوله: ﴿فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل﴾ [الأحقاف: ٣٥]، وقوله: ﴿فاصبر حكم ربك ولا تكن كصاحب لحوت﴾ [القلم: ٤٨]، وقوله: ﴿واصبر وما صبرك إلا بالله﴾ [النحل: ١٢٧].\nفجماع الأمر بالمعروف ثلاثة: علم قبله، ورفق معه، وصبر بعده، وهذا معنى مجتهد يروى عن بعض السلف: لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان فقيهًا فيما يأمر به، فقيهًا فيما ينهى عنه، رفيقا فيما ينهي عنه، حليمًا فيما يأمر به، حليكمًا فيما ينهى عنه.\n(٧) ألا يتضمن الأمر بالمعروف فوات ما هو أكثر منه نفعًا أو حصول منكر فوقه، وألا يتضمن النهي عن المنكر حصول ما هو أنكر منه أو فوات معروف أرجح منه، ولأجل هذا سكت النبي ﷺ عن عبد","vol":"1","page":12},{"text":"الله بن أبي وأمثاله من أئمة النفاق والفجور لما كان لهم من الأعوان، فلو أزال المنكر بعقاب هؤلاء غضب قومهم وأخذتهم الحمية حمية الجاهلية فينفرون منه حين يسمعون أن محمدا يقتل أصحابه، والمشاهدة التي أرانا الله إياها في الآفاق وفي أنفسنا تدل على أن المعاصي سبب المصائب، والطاعة سبب النعمة كما قال تعالى: ﴿ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك﴾ [النساء: ٧٩]، وقال: ﴿إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم﴾ [آل عمران: ١٥٥] وقال: ﴿أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم﴾ [آل عمران: ١٦٥].\nوإذا كان الفسوق والعصيان من أسباب الشر والعدوان فقد يذنب الرجل أو الطائفة من الناس ويسكت الآخرون عن أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر فيكون محسوبا عليهم من ذنوبهم، أو ينكرون عليهم إنكارا منهيا عنه فيكون ذلك من ذنوبهم أيضا؛ بسبب ذلك يحصل التفرقة والفساد، وهذا من أعظم الشرور والفتن في القديم والحديث.\nوإن من تدبر ما وقع من الفتن بين أمراء الأمة وعلمائها علم أن منشأ ذلك إتباع الأهواء والشهوات، والميل إلى البدع والفجور.","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>أصناف المحتسب</span>\nالمحتسب صنفان:\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>(١) محتسب يعينه السلطان </span>أو نائبه للنظر في شئون الرعية والكشف عن أعمالهم فيأمر بما يوافق الشرع، وينهى عما يخالفه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>(٢) محتسب متطوع يرى المنكر فينكره</span>، أو يأمر بمعروف يرى الناس قد تركوه، وبينهما فرق من جهات عدة:\nأ- أن الأمر والنهى فرض عين على الأول بحكم ولايته، وفرض كفاية على الثاني، فإذ قام به غيره سقط عنه الحرج والإثم كصلاة الجنازة ورد السلام على غيره.\nب- أن قيام الأول به من واجبات عمله التي لا يجوز أن يتشاغل عنها بغيرها، وقيام الثاني به من النوافل التي يجوز أن يتشاغل عنها بغيرها.\nجـ- أن الأول له أن يتخذ على الإنكار أعوانا لأنه عمل هو منصوب وإليه مندوب، وليكون أقدر على القهر والغلبة- وليس كذلك الثاني.\nد- أن الأول له أن يعزز في المنكرات الظاهرة بضرب ونحوه، ولا يتجاوز بها حيث تصل إلى الحدود الشرعية المقدرة وليس للثاني ذلك.","vol":"1","page":14},{"text":"و<span data-type=\"title\" id=toc-10>الفرق بين المحتسب والقاضي:</span>\nأنه لا يجوز للمحتسب النظر في الدعاوى الخارجة عن ظواهر المنكرات، فلا ينظر في العقود والقروض ونحو ذلك، إلا إذا كان معترفًا بها، أما ما يداخله الإنكار والجحد ويحتاج إلى البينة أو شهادة الشهود، فهذا وظيفة القاضي لا وظيفة المحتسب؛\nويزيد على القاضي من وجوه عدة:\n(١) أن له أن يتعرض للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن لم يحضر خصم يطلب منه ذلك، وليس للقاضي أن يتعرض لذلك إلا بحضور خصم يشتكي، ولو تعرض لذلك خرج عن حدود وظيفته.\n(٢) أن له من القوة والجبروت ما ليس للقاضي، لأن الحسبة موضوعة على الرهبة والتخويف، فإذا أغلظ المحتسب في القول وكان سليط اللسان لا يعد هذا منه خروجا عن عمله.\n(٣) أن له يبحث عن المنكرات التي ترتكب علانية ليقوم بأداء وظيفته بإنكارها، وليس ذلك لغيره.\nويوافق عمل القاضي من ناحيتين:\n(١) أنه يجوز تقديم الشكوى إليه وسماعه دعوى المشتكي في حقوق العباد التي تتعلق ببخس في ثمن، أو تطفيف في كيل أو وزن، أو تدليس في مبيع أو ثمن، أو تأخير دين مستحق مع إمكان دفعه.","vol":"1","page":15},{"text":"فهذه كلها منكرات ظاهرة وظيفته إزالتها، إذ من أعمال الحسببة إيصال الحقوق إلى ذويها، والمعونة على استيفائها.\nأن له أن يلزم المدعى عليه بدفع الحق الذي وجب عليه اعتراف أو إقرار مع وجود اليسار، لأن في تأخيره له منكرا لقوله ﵊: \"مطل الغني ظلم\".\nوالفرق بين المحتسب وقاضي المظالم (القاضي الجنائي) أن النظر في المظالم يكون فيما يعجز عنخ القاضي، والحسبة فيما يرفه عن القاضي.\nويشتركان في أعمال كل منهما مبنى على الرهبة المستمدة من سلطان الحكومة، وأن كلا منهما لا تعرض إلا لعدوان ظاهر لا خفاء فيه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>المحتسب المولى:</span>\nهو من نصبه السلطان أو نائبه للنظر في أمور الرعية، يأمرهم بما يوافق الشرع وينهاهم عم يخالفه، في أعمالهم الدينية والدنيوية مما ليس من اختصاص القضاة والولاة والجباة، وهو داخل في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فله النظر في كل ما يهم المسلمين في أسواقهم ومجتمعاتهم ومعاملاتهم بعضهم مع بعض وويعين من يراه أهلا لذلك من الأعوان، فهو يبحث عن المنكرات ويعزر عليها (يعاقب) بحسب أهميتها ومقدارها وعلى حسب منزلة مرتكبها، كما سيأتي تفصيل ذلك بعد.","vol":"1","page":16},{"text":"وشرط المنكر الذي يكون للمحتسب التعرض له أن يفعل علانية على مرأى من الناس ومسمع. فمن ارتكب معصية خفية في داره وأغلق عليه بابه لا يجوز للمحتسب أن يتجسس عليه، إلا أن يكون ذلك في انتهاك محرم بدئ في الشروع فيه ولم يتم بعد، كما إذا أخبره من يثق بصدقه أن رجلا خلا بامرأة ليزني بها، فيجوز له حينئذ أن يتجسس ويبحث حذرا من فوات ما لا يستدرك من انتهاك المحارم وارتكاب المحظورات.\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>شروط المحتسب</span>\nللمحتسب شروطا لا يمكنه أن يقوم بعمله دونها:\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>(١) أن يكون بالغا</span>، فلا يجب عليه الأمر بالمعروف إلا إذا كان كذلك، أما إمكانه وجوازه فلا يستدعى إلا العقل فالصبي المراهق (القريب من البلوغ) وإن لم يكن مكلفًا، له إنكار المنكر، فله أن يريق الخمور ويكسر أدوات الملاهي، إذا فعل ذلك يثاب عليه ولم يكن لأحد منعه، إذ هي قربة وهو من أهل القرب كالصلاة وغيرها من القرب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>(٢) أن يكون مسلما</span>، لأن الأمر بالمعروف نصرة الدين، فالخارج عليه لا يمكن أن ينصره- إلى ما فيه من التحكم في المسلمين؛ والكافر لا يستحق ذلك كما قال تعالى: ﴿ولن يجعل الله الكافرين على المؤمنين سبيلًا﴾ [النساء: ١٤١].","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>(٣) أن يكون ذا رأي وصرامة وخشونة في دينه</span>، عارفا بأحكام الشريعة ليعلم ما يأمر به وينهى عنه، إذ لا دخل للعقول في بيان المنكر أو المعروف، ورب جاهل يستحسن بعقله ما قبحه الشرع ويرتكب المحذور وهو غير عارف به، من ثم كان طلب العلم فريضة على كل مسلم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>أعمال المحتسب</span>\nالمحتسب من رجال الضبطية القضائية باصطلاح العصر الحديث، أو هو مفتش بالمجالس المحلية ينظر في كل ما يهم المسلمين، ويعين من يراه أهلا لذلك من الأعوان، ويبحث عن المنكرات التي يفعلها الناس ويأمر بالمعروف الذي يتركه الناس.\nومن ذلك:\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>(١) أن يأمر العامة بأداء الصلوات الخمس في مواقيتها</span>، ويعاقب من لم يصل بالضرب أو بالحبس لا بالقتل، ويتعاهد الأئمة والمؤذنين، فمن فرط منهم في أداء وظيفته ألزمه أدائها، واستعان على ذلك بقاضي المظالم (القاضي الجنائي) إذا عجز عن القيام بعمله، وذلك أن الصلاة عمود الإسلام وأعظم مناسكه وهي آخر ما وصى به النبي ﵊، وقد خصها الله تعالى بالذكر في مواضع من كتابه وحث عليها كثيرا فقال في","vol":"1","page":18},{"text":"مدح المؤمنين المخبتين: ﴿والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين﴾ [الأعراف: ١٧٠] وطلب إلى المؤمنين أن يستعينوا على القيام في أداء أعمالهم بالصبر والصلاة. وقال عزمن قائل مبينًا فضلها وشديد العناية بها: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]. ومن ثم كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب﵁- يكتب إلى عماله: إن أهم أمركم عندي الصلاة من حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها كان لما سواها أشد إضاعة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>(٢) أن يأمر بإقامة الجمعة والجماعات لإظهار معالم الدين وشهر شعائر الإسلام</span>، ولأجل هذا شدد ﷺ في المحافظة عليها لبيان فضلها فقال: \"لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد\" يقصد نفي الكمال عن صلاته إذ هي صحيحة على ما بها من نقص؛ وفي الحديث: \"صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ (المنفرد) بسبع وعشرين درجة\".\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>(٣) أن ينظر في شئون الوعاظ </span>فلا يمكن أحدا من التصدي لهذه المهمة الشريفة إلا إذا كان مشهورا بالصلاح والتقوى والخير والفضيلة، مع معرفته للعلوم الشرعية واللسانية وأخبار سلف الأمة الصالح، إلى ما له من فصاحة لسان","vol":"1","page":19},{"text":"وعذوبة بيان كما قال تعالى في شأن داود ﴿وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب﴾ [ص: ٢٠].\nفإذا كان مجيدا لكل هذا أقره على عمله وإلا منعه كما اختبر على بن أبي طالب الحسن البصري﵀- وهو يتكلم على المنبر فقال له: ما عماد الدين؟ قال: الورع؛ قال: ما آفته؟ قال: الطمع؛ قال: تكلم إذا.\nوقد كانت مرتبة الوعظ من المراتب الشريفة في الصدر الأول وكفى بها منقبة أن النبي ﷺ صعد على المنبر ووعظ، وصعد عليه الخلفاء الراشدون والملوك والولاة وكل ذي شأن خطير في الأمة.\nوقد كان لا يرقى المنبر إلا رجلين: رجل عظيم الشأن يصعد المنبر واعظًا للناس مبشرًا ومنذرًا حاثًا على العمل الصالح ومحذرًا من ارتكاب العمل الطالح، أو خطيب مسجد مولى من قبل الخليفة وقد كان الفقهاء والأدباء يسمون الوعاظ قصاصًا، والآن قامت وزارة الأوقاف بأداء هذه المهمة، فقسم المساجد يمتحن الوعاظ ويختار منهم الصالحين لأداء هذه المهمة ويوزعهم في أرجاء البلاد، وقد كان لهم أثر نافع في صلاح حال العامة في الديار المصرية، فهم يجوسون خلال الديار مذكرين مبشرين ومنذرين. لا يخفى ما للذكرى من أثر نافع في قلوب المؤمنين ﴿وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين﴾ [الذاريات: ٥٥] فيها تلين القلوب وترقرق الدموع على الخدود.","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>(٤) وعليه أن يأمر الناس بأداء الأمانات والنهي عن المنكرات من الكذب والخيانة</span>، ومن ذلك تطفيف المكيال والميزان كما قال تعالى: ﴿ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين﴾ [المطففين ١: ٦]، وقد قص علينا نبأ شعيب مع قومه وحضه إياهم على العدل في الكيل والميزان فقال: ﴿أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين وزنوا بالقسطاس المستقيم﴾ [الشعراء من ١٨١: ١٨٢] ومنه أيضًا التدليس في البيع والشراء بكتمان العيوب بأن يكون ظاهر المبيع خيرًا من باطنه ففي \"صحيح مسلم\": أن رسول الله ﷺ مر على صبرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللا فقال: \"ما هذا يا صاحب الطعام؟ \" فقال: أصابته السماء (المطر) يا رسول الله، قال: \"أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس. من غشنا فليس منا\"؛ فقد أخبر النبي ﷺ بأن الغاش ليس بمؤمن حقا فلا يستحق الثواب والنجاة من العقاب وإن كان معه أصل الإيمان الذي يفارق به الكفار وفي الصحيحين عن حكم بن حزم: أن النبي ﷺ قال: البيعان (البائع والمشتري) بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك في بيعهما، وإن كتما كذبا محقت بركة بيعهما\".","vol":"1","page":21},{"text":"ومن الغش (النجش) وهو أن يزيد في ثمن السلعة من لا يريد شراءها، وذلك مكر وخديعة لمن يشتري.\nومنه تصرية الدابة اللبون (حبس اللبن في ضرعها يومًا أو يومين قبل بيعها).\nومنه تلقى السلع قبل أن تدخل في السوق لما في ذلك من التغرير بالبائع، إذ يشترى منه المشترى بما دون القيمة، ومن أجل هذا يثبت له الخيار في إمضاء البيع أو عدم إمضائه إذا هبط إلى السوق.\nومن ذلك أيضا أن يبيع البائع بسعر للماكس وسعر للمسترسل الذي لا يماكس أو الجاهل بحقيقة السعر. وقد ورد في الأثر: \"غبن المسترسل ربا\".\nوكذلك احتكار ما يحتاج إليه الناس لما روى أن النبي ﷺ قال: \"لا يحتكر إلا خاطئ\" لما في ذلك من ظلم المشترين بحبس الطعام وإغلائه عليهم؛ ولهذا كان الحاكم أن يكره الناس على بيع ما عندهم بقيمة المثل عند الضرورة الملحة، وقد قال العلماء: من اضطر إلى طعام عند غيره أخذه منه بغير اختياره بقيمة مثله، ولو امتنع من بيعه إلا بأكثر من سعره لم يستحق إلا سعره.","vol":"1","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>هل للحاكم أن يسعر على الناس في الأسواق</span>\nتسعير السلع على ضرين:\n(١) أن يكون للناس سعر غال فيأتي بائع فيبيع بأغلى منه. فهذا يصح منعه إغلاء السعر في مذهب مالك، وكذلك يمنع إذا نقصه عند مالك والشافعي وأحمد مجتمعين بما روى أن عمر بن الخطاب مر بحاطب بن أبي بلتعة وهو يبيع زبيبا بالسوق فقال له عمر: إما أن تزيد في السعر وإما أن ترفع من سوقنا.\nوسر هذا أنه إذا انفرد واحد منهم بسعر خيف من حصول الشغب والفتنة في السوق، هذا إذا كانت السلعة غير مجلوبة من الخارج، فإن كانت كذلك فلا بأس من البيع بما دون الناس.\nوكل هذا فيما عدا الحبوب كالقمح والشعير ونحوهما فإن الجالب لهما يبيع كيف يشاء وإن كثر عدد من رخص السعر، قيل للباقين إما أن تبيعوا كبيعهم وإما أن تخرجوا من السوق.\n(٢) أن يحدد الحاكم ابتداء سعرا خاصا للناس لا يتجاوزونه فهل مثل هذا يجوز؟ جمهور العلماء على منع ذلك وإليه ذهب مالك، وحجتهم في ذلك أن أبا هريرة روى أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ وقال: يا رسول الله سعر لنا فقال: \"بل ادعوا الله يرفع ويخفض، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس لأحد عندي مظلمة\".","vol":"1","page":23},{"text":"وأجازه سعيد بن المسيب وهو رواية أشهب عن مالك خوفًا من إغلاء السعر على الناس، لكن لا يجبر البائع على البيع بالسعر الذي حدد، بل يمنع من البيع بغيره مراعاة لمصلحة البائع والمشتري فلا يمنع البائع الربح ولا يسوغ له ما يضر الناس؛ وأبو حنيفة لا يرى التسعير من السلطان إلا إذا تعلق به ضرر العامة بأن احتكر أحد طعامًا، ورفع أمره إلى القاضي، وعندئذ يأمره ببيع ما فضل من قوته وقوت عياله، فإن لم يمتثل عزره زجرًا له، فإن عجز القاضي عن صيانة مصالح المسلمين إلا بالتسعير سعر بمشورة أهل الرأي والبصيرة، فإذا تعدى هذا السعر أحد بعد ذلك أجبره على البيع.\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>حكم الفندق والحمام والمخبز</span>\nإذا احتاج الناس إلى الانتفاع بالفندق والحمام وكان صاحبهما قد صنعهما للتجارة لكنه أبي أن يدخل الناس إلا بأجر مرتفع قد حدده وهم في حاجة إلى استعمالهما، ألزمه القاضي بإباحة الانتفاع بأجر المثل والتسعير لا وكس ولا شطط، ومثل ذلك الخباز وبائع الدقيق ونحوهما إن أبيا ذلك حتى لا يتضرر الناس.","vol":"1","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>التدليس في الدين - حكمه</span>\nإذا أحدث الشخص بدعة كالمكاء والتصدية في مساجد المسلمين، أو تكذيب أحاديث رسول الله ﷺ التي تلقاها أهل العلم بالقبول، أو رواية الأحاديث المفتراة على النبي ﷺ، أو إظهار خزعبلات سحرية أو شعوذة يضاهي بها كرامات الأولياء ومعجزات الأنبياء ليصد بها عن سبيل الله؛ وجب على المحتسب منعه وعقوبته على ذلك بالتعزير قولا وفعلا، فإن تمادى جازت عقوبته بقتل أو جلد على حسب ما يرى القاضي من العقوبة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>أعمال أخرى للمحتسب</span>\nللمحتسب أن يمنع الحمالين وأرباب السفن من الإكثار من حمل الدواب والسفن خوفًا من الخطر على الناس والحيوان (مفتش قلم المرور الآن)، وله أن يأمر أرباب المباني المتداعية للسقوط بهدمها خوفا من ضرر متوقع منها على السابلة (عمل مصلحة التنظيم الآن).","vol":"1","page":25},{"text":"وله أن يراقب المعلمين في المكاتب وغيرها حتى لا يبالغوا في ضرب الصبية، ولا يعاملوهم بالقسوة (عمل وزارة المعارف الآن).\nوله ختم اللحوم والنظر في صلا حيتها للأكل أو عدم صلاحيتها (عمل مصلحة الطب البيطري)، وله أيضا النظر في الأطبخة التي تقدم في الأسواق والفنادق لمعرفة حالها جودةً ورداءةً (عمل وزارة الصحة الآن).\nكذلك له النظر في ملاحظة السير في الأسواق والشوارع والأزقة حتى لا تتحصل مضايقة للمارة والسابلة (عمل الشرطة الآن).\nوله أن يأمر السقائين بتغظية المياه التي في الروايا بالأكسية حتى لا يعلق عليها غبار ولا أوساخ (مفتش الصحة الآن).\nويطلب إليهم تحديد مقدار الماء الذي يكون في كل قرية وختم عيارها (مصلحة المكاييل والموازين)، وكذلك يطلب إليهم إلا يلبسوا السراويلات القصيرة الضابطة للعورة (بوليس حفظ الآداب).\nوقد كان المحتسب أو نائبه يذهب إلى دار العيار (مصلحة المكاييل والموازين) التي تعير فيها الموازين بأسرها، وكذلك الصنجات ويستدعي جميع الباعة إلى هذه الدار ومعهم موازينهم وصنجاتهم ومكاييلهم لتغير بين فترة وأخرى؛ فإن وجد بها نقص استهلكت وأخذت من صاحبها وألزم بشيء نظيرها بالثمن المقدر لها وقد كان ينفق على هذه الدار من الديوان السلطاني","vol":"1","page":26},{"text":"(الحكومة) فيما تحتاج إليه من الأصناف كالنحاس والحديد والزجاج، وغير ذلك من الأدوات.\nولا يعول على الوزن إلا إذا أمضاه المحتسب، فإن لم يكن مضبوطًا أعاده إلى دار العيار لضبطه.\nهكذا الحال في مصر في العهد الفاطمي، فلما استولى صلاح الدين الأيوبي على السلطة أقرها وجعلها وقفًا على سوق القاهرة؛ ذكر ذلك المقريزي في خططه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>الوظائف الدينية في عصر الفاطميين</span>\nعلى هذا الصلة التي تقدمت نذكر لك الوظائف الدينية التي كانت في عهد الفاطميين وهي:\n(١) قاضي القضاة، وله النظر في الأحكام الشرعية ودور ضرب النقود وتحديد عيارها، وربما جمع له قضاة الديار المصرية والشام والمغرب الأقصى.\n(٢) داعى الدعاة، وهو يتلو في الرتبة قاضي القضاة ويتزيا بزيه ويلبس كملبسه، وعليه يدرس مذهب أهل البيت (مذهب الشيعة) تعرف بدار العلم، ويأخذ العهد على من ينتقل إلى مذهبهم.","vol":"1","page":27},{"text":"(٣) المحتسب، وكان يختار من وجوه العدول وأعيانهم، وإذا خلع عليه قرئ سجله (مرسوم تولتيه) بمصر والقاهرة على المنبر، وتطلق يده في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويقيم نوابًا عنه في القاهرة ومصر، ويجلس جامعي القاهرة ومصر في هذا يومًا وفي الثاني يومًا وهكذا دواليك. وقد تضاف أعمال الحسبة إلى صاحب الشرطة فيهما.\n(٤) وكالة بيت المال (وزارة المالية) وتسند إلى ذي الهيبة والعدل والرأي الصائب، ويفوض إليه الخليفة بيع ما يرى بيعه من أملاك الدولة، ويجوز التصرف فيه شرعًا، وكذلك عتق المماليك وتزويج الإماء وشراء ما يحتاج إلى شرائه، وإنشاء ما يراد إنشاؤه من السفن وغيرها.\n(٥) النائب، وهو الذي يتلقى الوفود الواردة على الخليفة ويترل كلا منهم للمكان الذي يليق به، ولا يمكن أحدًا من الاجتماع بهم، ويذكر صحاب الباب بهم (كبير الأمناء الآن) ويسعى في إنجاز أعمالهم، وهو الذي يقدمهم إلى الخليفة أو الوزير ويستأذن لهم.\n(٦) القراء وهم الذين يقرءون بحضرة الخليفة في مجالسه وركوبه في المواكب ويسمون قراء الحضرة، وأحيانًا يزيدون على عشرة بآيات تناسب المقام وتقع موقع الاستحسان عد الخليفة والحاضرين مجلسه.","vol":"1","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>الوظائف الدينية في الدولة الأيوبية وعصر المماليك بمصر</span>\n(١) من له مجلس بالحضرة السلطانية؛ وهم خمسة.\n(٢) من ليسله مجلس بها؛ ولا حصر لهم.\nوالأولون هم:\n(١) قاضى القضاة، وهو الذي ينفذ الأحكام الشرعية ويفصل بين الخصوم، وينصب النواب فيما يعسر عليه مباشرة أعماله بنفسه من المراكز أو البلاد النائية عنه: ووظيفته أرقى الوظائف الدينية وأعلاها قدرًا وأجلها رتبة. وكان القاضي واحدًا حتى جاء الظاهر بيبرس سنة (٦٦٣) هـ فجعل القضاة أربعة على مذاهب الأئمة الأربعة: الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل. وأضاف إلى القاضي الشافعي النظر في مال الأيتام والأوقاف؛ وكل واحد من هؤلاء ينصب نوابًا عنه يقضون بمذهبه، ويزيد القاضي الشافعي عليهم بأنه ينيب عنه النواب في الوجهين القبلي والبحري ولا يشاركه في ذلك غيره من القضاة.\n(٢) قاضي العسكر، ويحضر بدار العدل (وزارة الحقانية) مع القضاة المذكورين آنفًا، ويسافر مع السلطان إذا سافر؛ وكان لكل مذهب من المذاهب الثلاثة الشافعي والحنفي والمالكي قاضي عسكر رتبته أقل من الأربعة السابقين.","vol":"1","page":29},{"text":"(٣) وكيل بيت المال (وزير المالية)، وعمله النظر فيما يتعلق بمبيعات بيت المال ومشترياته من ضياع وعقار، ولا يولي هذه الوظيفة إلا أهل العلم والدين. ومجلسه بدار العدل، وتارة يكون دون المحتسب وأخرى فوقه بحسب رفع قدر كل منهما في نفسه.\n(٤) المحتسب، وعمله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المعايش والصناعات، والأخذ على يد الخارج عن طريق الصلاح في معيشته وصناعته.\nوكان بالحضرة السلطانية محتسبان أحدهما: بالقاهرة وهو أعظمهما قدرًا وأرفعهما شأنا، وله الحكم وتولية النواب بالوجهين القبلي والبحري خلا الإسكندرية فإن لها محتسبًا خاصًا.\nوثانيهما: بالفسطاط، وهو دون الأول مرتبة، وله النظر في الوجه القبلي.\nوالذي يجلس منها بدار العدل (وزارة الحقانية) أيام المواكب والمواسم هو محتسب القاهرة فقط ومرتبته دون وكيل بيت المال، وربما جلس قبله إذا كان أرفع منه بعلم أو فضل.\nووظائف الصنف الثاني إما تكون مختصة بشخص واحد أو غير مختصة وأرباب الأولى هم:\n(١) نقيب الأشراف، وعمله النظر في أحوال الأشراف من أولاد على من فاطمة البتول بنت رسول الله ﷺ بالفحص عن","vol":"1","page":30},{"text":"أنسابهم وعقاب المعتدي منهم، وهذه الوظيفة كانت تسمى في الدولة العباسية (نقابة الطالبيين).\n(٢) شيخ الشيوخ وهي مشيخة الخانقاه التي أنشأها الناصر محمد بن قلاوون بسرياقوس من ضواحي القاهرة.\n(٣) ناظر الأحباس المبرورة (وزير الأوقاف) وعمله النظر في رزق الجوامع والمساجد والربط من الأراضي الموقوفة على ذلك بالديار المصرية، وأصل هذه الوظيفة أن الليث بن سعد﵀- أحد الأئمة المجتهدين وهو معاصر لمالك بن أنس﵀- وتلقى كل منهما الحديث على الآخر، وقبره معروف بجوار الإمام الشافعي اشترى أرضًا من بيت المال (وزارة المالية) في نواح عدة من بلدان القطر المصري وحبسها على وجوه البر وهي المسماة (بديوان الأحباس)، ثم أضيف إليها رزق كثيرة فيما بعد وخصوصًا في دولة الظاهر بيبرس البندقداري (من دولة المماليك)، وأحيانًا كان السلطان يتولى إدارتها بنفسه، وأحيانًا ينيب عنه غيره في النظر فيها.\n(٤) ناظر البيمارستان (المستشفى) وهو البيمارستان الذي أنشأه المنصور قلاوون بين القصرين- وكان دارًا لست الملك أخت الحكام الفاطمي وكان منقطع النظير في بره وخيره- والناظر عليه عادة من أرباب السيوف (رجال الجندية) من الأمراء بالديار المصرية.","vol":"1","page":31},{"text":"وأرباب الوظائف الأخرى هم:\n(١) الخطباء، ولا يولي منهم من قبل السلطان إلا عدد قليل كخطيب جامع القلعة.\n(٢) المدرسون، ولا يولي في هذه الوظيفة إلا من عظم خطره وجل قدره في الفقه والحديث والتفسير. وكان التدريس في تلك الحقبة بمدارس كثيرة كالجامع الطولوني، والجامع العتيق (جامع عمرو) بالفسطاط، والمدرسة الصلاحية بجوار مزار الإمام الشافعي.\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>العقوبات الشرعية</span>\nالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يؤديان إلى الغاية المرجوة إلا إذا أمكن إيقاع العقوبة الشرعية على من لا يسترشد إذا أرشد، ولا يقبل النصيحة إذا نصح، ومن ثم قيل: ينزع الله بالسلطان ما لا ينزع بالقرآن.\nوالعقوبات الشرعية قسمان:\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>(١) عقوبات مقدرة </span>كقطع اليد في السرقة وحد السكر (ثمانون جلدة).\n(٢) وعقوبات غير مقدرة وتسمى (تعزيرًا)؛ ولا حد لها بل تختلف مقاديرها كما تختلف صفاتها بحسب الذنوب كبيرًا أو صغيرًا وحسب حال الذنب قلة أو كثرة.","vol":"1","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>عقوبة التعزير - عقوبة الحد - الفرق بينهما</span>\nالتعزير لغة: من عزره إذا زجره وأهانه، ويقال أيضًا عزره إذا نصره، وفي كلا المعنيين منع، لأن المعزر يمنع مرتكبي المعاصي عن ارتكابها، والناصر يمنع العدو ويدفعه، وبالمعنى الثاني جاء قوله تعالى في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسله ﴿وتعزروه وتوقروه﴾ [الفتح: ٩] والتعزير الشرعي من حق السلطان أو نائبه، بخلاف الحد والتأديب فإن إقامة الحدود بيد قاضي المظالم (قاضي الجنايات). وضرب الزوج زوجته والمعلم تلميذه يسمى تأديبًا، ولا يسمى تعزيرًا.\nوكل من ارتكب معصية لا حد فيها ولا كفارة كالسرقة ما دون النصاب الشرعي، وشهادة الزور، وما أشبه ذلك من المعاصي التي لا حد فيها، عزر.\nوالغاية من التعزير التأديب واستصلاح حال الناس، والتعزير يختلف باختلاف مراتب الناس ومنازلهم، فتعزير جليل القدر بالإعراض عنه، وتعزير من دونه بزواجر الكلام، وتعزير السفلة بالتوبيخ والتأديب أو بالضرب أو الحبس مدة تطول أو تقصر على حسب عظم الهفوة أو حقارتها.\nأما الحدود المقدرة فهي سواسية لكل الناس.\nوالتعزير إن كان لترك فريضة كالصلاة وأداء الحقوق العينية كأداء الدين مع القدرة عليه أو أداء الأمانة إلى أهلها ضرب الفاعل مرة بعد أخرى حتى يؤدي الواجب، وإن كان على ارتكاب ذنب مضى عزر بقدر الحاجة فقط.","vol":"1","page":33},{"text":"ولا حد لأقل التعزير كما لا حد لأكثره، إلا إذا كان في شيء له حد مقدر فلا نصل به إلى ذلك المقدار، فالتعزير على سرقة ما دون النصاب الشرعي لا نصل به إلى حد قطع اليد، والتعزير على القذف بغير الزنا لا نبلغ به حد الزنا كما أمر أبو بكر وعمر بضرب رجل وامرأة وجدا في لحاف واحد مائةً مائة، والتعزير على فساد لا يستأصل إلا بالقتل يكون القتل هو العقوبات الشرعية كقتل المفرق لجماعة المسلمين والداعي إلى محدثات البدع في الدين كما ورد في الخبر: \"من جاءكم وأمركم على رجل واحد يريد أن يفرق جماعتكم فاضربوا عنقه بالسيف كائنًا من كان\".\nوروي أن النبي ﷺ قال: \"إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما\"، وسئل ﷺ عمن لم ينته عن شرب الخمر فقال: \"من لم ينته عنها فاقتلوه\"، وقد نفى عمر من شرب الخمر إلى أرض خيبر (قرية صغيرة بقرب يثرب)، ونفى صبيع بن عسل لما ابتدع أشياء في الدين إلى البصرة، ونفي نصر بن حجاج لما افتتن به النساء لجماله إلى البصرة أيضًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>التعزير بالعقوبات المالية</span>\nذهب كثير من العلماء إلى جواز العقوبات المالية لمن يخالف الأوامر الدينية، لما روى أن النبي ﷺ أمر بكسر دنان الخمر وشق ظروفها، كما أمر أصحابه بكسر الأوعية التي فيها لحوم الحمر الأهلية في وقعة خيبر","vol":"1","page":34},{"text":"- وهدم مسجد الضرار وحرق موسى العجل الذي اتخذ إلهًا- وأمر بتحريق قصر سعد بن أبي وقاص الذي بناه لما أراد أن يحتجب عن الناس، فأرسل محمد بن مسلمة وأمره أن يحرقه فذهب فحرقه- وأمر أيضا بتحريق حانوت كان يباع فيه الخمر لرويشد الثقفي، وقال له: إنما أنت فويسق لا رويشد- وكذلك أمر على بتحريق قرية كانت تباع فيها الخمر.\nومن ثم أفتى طائفة من العلماء بجواز إتلاف المغشوشات كثياب نسجت نسجا رديئا بتمزيقها أو تحريقها، لما روى أن عمر﵁- رأى رجلا يبيع لبنا مشوبا بماء فأراقه، ورأى على عبد الله بن الزبير ثوبا من حرير فمزقه، فقال الزبير: أفزعت الصبى، فقال: لا تكسوهم الحرير.\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>جواز التصدق على الفقراء بالسلع المغشوشة</span>\nيجوز التصدق على الفقراء بالأشياء المغشوشة، ويكون ذلك كإتلافها كما قال بذلك جمع من العلماء كخبز وطعام له ينضجا وعرضا للبيع، وطعام خلط بصنف رديء وأظهر البائع للمشتري أنه جيد لما فيه نفع الفقراء مع حصول المقصود من إتلافه.","vol":"1","page":35},{"text":"وللحاكم أن يأمر بإزالة الغش أو بيع المغشوش ممن يعلم أنه مغشوش ولا يغش به غيره فيباع عليه اللبن والعسل والسمن الذي يغشه ممن يأكله مع بيان أنه مغشوش.\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>الأصل في المثوبة والعقوبة في التشريع الإسلامي</span>\nالأصل في التشريع الإسلامي أن الثواب والعقاب يكونان من جنس العمل، وهذا هو العدل الذي تقوم به السموات والأرض ما قال تعالى ﴿إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوًا قديرًا﴾ [النساء: ١٤٩]، وقال: ﴿وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم﴾ [النور: ٢٢]، وقال النبي صلى الله عليه ولم: \"من لا يرحم لا يرحم\"، وقال: \"إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا\"، ومن ثم تقطع يد السارق ويد من يحارب الله ورسوله ويسعى في الأرض فسادا؛ وشرع القصاص في الدماء والأموال، فإذا أمكن أن تكون العقوبة من جنس المعصية كان ذلك هو المشروع المطلوب كما روى عن عمر بن الخطاب﵁- أنه أمر بإكاب شاهد زور على دابة مقلوب الوضع وتسويد وجهه، لأنه لما قلب الحديث قلب وجه، ولما سود وجهه بالكذب سود وجهه، وبهذا أخذ أحمد بن حنبل وبعض الأئمة.\nوقد جاء في الأثر: \"الجبارون والمتكبرون على صور الذر يطؤهم الناس بأرجلهم\" - ذاك أنهم لما أذلوا عباد الله أذلهم الله بعباده، وبعكس هذا من تواضع لله رفعه وجعل عباده يتواضعون له.","vol":"1","page":36},{"text":"وفقنا الله لما يحبه ويرضاه من القول والعمل، وله الحمد في الآخرة والأولى، وله الحكم وإليه ترجعون.\n(انتهى)","vol":"1","page":37}]}