{"ً":{"ٌ":132428,"ٍ":"تفسير العثيمين: لقمان","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/FP156054/156054.pdf"]},"ّ":"الكتاب: تفسير القرآن الكريم «سورة لقمان»\nالمؤلف: محمد بن صالح العثيمين\nالناشر: مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية، المملكة العربية السعودية\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٦ هـ\nعدد الصفحات: ٢١٣\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"2.0","ٔ":57,"ٕ":3,"ٖ":1770153793,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"تقديم","level":1,"page":1},{"title":"الآية (١)","level":1,"page":7},{"title":"الآية (٢)","level":1,"page":9},{"title":"الآية (٣)","level":1,"page":12},{"title":"الآية (٤)","level":1,"page":15},{"title":"الآية (٥)","level":1,"page":18},{"title":"الآية (٦)","level":1,"page":20},{"title":"الآية (٧)","level":1,"page":36},{"title":"الآيتان (٨، ٩)","level":1,"page":41},{"title":"الآية (١٠)","level":1,"page":49},{"title":"الآية (١١)","level":1,"page":63},{"title":"الآية (١٢)","level":1,"page":67},{"title":"الآية (١٣)","level":1,"page":74},{"title":"الآية (١٤)","level":1,"page":80},{"title":"الآية (١٥)","level":1,"page":86},{"title":"الآية (١٦)","level":1,"page":96},{"title":"الآية (١٧)","level":1,"page":101},{"title":"الآية (١٨)","level":1,"page":106},{"title":"الآية (١٩)","level":1,"page":109},{"title":"الآية (٢٠)","level":1,"page":115},{"title":"الآية (٢١)","level":1,"page":124},{"title":"الآية (٢٢)","level":1,"page":129},{"title":"الآية (٢٣)","level":1,"page":134},{"title":"الآية (٢٤)","level":1,"page":139},{"title":"الآية (٢٥)","level":1,"page":144},{"title":"الآية (٢٦)","level":1,"page":152},{"title":"الآية (٢٧)","level":1,"page":158},{"title":"الآية (٢٨)","level":1,"page":163},{"title":"الآية (٢٩)","level":1,"page":167},{"title":"الآية (٣٠)","level":1,"page":174},{"title":"الآية (٣١)","level":1,"page":178},{"title":"الآية (٣٢)","level":1,"page":182},{"title":"الآية (٣٣)","level":1,"page":189},{"title":"الآية (٣٤)","level":1,"page":197}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,8":4,"1,9":5,"1,10":6,"1,11":7,"1,12":8,"1,13":9,"1,14":10,"1,15":11,"1,16":12,"1,17":13,"1,18":14,"1,19":15,"1,20":16,"1,21":17,"1,22":18,"1,23":19,"1,24":20,"1,25":21,"1,26":22,"1,27":23,"1,28":24,"1,29":25,"1,30":26,"1,31":27,"1,32":28,"1,33":29,"1,34":30,"1,35":31,"1,36":32,"1,37":33,"1,38":34,"1,39":35,"1,40":36,"1,41":37,"1,42":38,"1,43":39,"1,44":40,"1,45":41,"1,46":42,"1,47":43,"1,48":44,"1,49":45,"1,50":46,"1,51":47,"1,52":48,"1,53":49,"1,54":50,"1,55":51,"1,56":52,"1,57":53,"1,58":54,"1,59":55,"1,60":56,"1,61":57,"1,62":58,"1,63":59,"1,64":60,"1,65":61,"1,66":62,"1,67":63,"1,68":64,"1,69":65,"1,70":66,"1,71":67,"1,72":68,"1,73":69,"1,74":70,"1,75":71,"1,76":72,"1,77":73,"1,78":74,"1,79":75,"1,80":76,"1,81":77,"1,82":78,"1,83":79,"1,84":80,"1,85":81,"1,86":82,"1,87":83,"1,88":84,"1,89":85,"1,90":86,"1,91":87,"1,92":88,"1,93":89,"1,94":90,"1,95":91,"1,96":92,"1,97":93,"1,98":94,"1,99":95,"1,100":96,"1,101":97,"1,102":98,"1,103":99,"1,104":100,"1,105":101,"1,106":102,"1,107":103,"1,108":104,"1,109":105,"1,110":106,"1,111":107,"1,112":108,"1,113":109,"1,114":110,"1,115":111,"1,116":112,"1,117":113,"1,118":114,"1,119":115,"1,120":116,"1,121":117,"1,122":118,"1,123":119,"1,124":120,"1,125":121,"1,126":122,"1,127":123,"1,128":124,"1,129":125,"1,130":126,"1,131":127,"1,132":128,"1,133":129,"1,134":130,"1,135":131,"1,136":132,"1,137":133,"1,138":134,"1,139":135,"1,140":136,"1,141":137,"1,142":138,"1,143":139,"1,144":140,"1,145":141,"1,146":142,"1,147":143,"1,148":144,"1,149":145,"1,150":146,"1,151":147,"1,152":148,"1,153":149,"1,154":150,"1,155":151,"1,156":152,"1,157":153,"1,158":154,"1,159":155,"1,160":156,"1,161":157,"1,162":158,"1,163":159,"1,164":160,"1,165":161,"1,166":162,"1,167":163,"1,168":164,"1,169":165,"1,170":166,"1,171":167,"1,172":168,"1,173":169,"1,174":170,"1,175":171,"1,176":172,"1,177":173,"1,178":174,"1,179":175,"1,180":176,"1,181":177,"1,182":178,"1,183":179,"1,184":180,"1,185":181,"1,186":182,"1,187":183,"1,188":184,"1,189":185,"1,190":186,"1,191":187,"1,192":188,"1,193":189,"1,194":190,"1,195":191,"1,196":192,"1,197":193,"1,198":194,"1,199":195,"1,200":196,"1,201":197,"1,202":198,"1,203":199,"1,204":200,"1,205":201,"1,206":202,"1,207":203,"1,208":204,"1,209":205,"1,210":206,"1,211":207,"1,212":208,"1,213":209},"ٜ":{"1":[5,213]},"ٝ":["1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213"],"ٞ":{"1":[1],"7":[2],"9":[3],"12":[4],"15":[5],"18":[6],"20":[7],"36":[8],"41":[9],"49":[10],"63":[11],"67":[12],"74":[13],"80":[14],"86":[15],"96":[16],"101":[17],"106":[18],"109":[19],"115":[20],"124":[21],"129":[22],"134":[23],"139":[24],"144":[25],"152":[26],"158":[27],"163":[28],"167":[29],"174":[30],"178":[31],"182":[32],"189":[33],"197":[34]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>تقديم</span>\nإنَّ الحمدَ للَّه، نحمدُهُ ونَسْتعينُه ونَسْتغفرُه، ونَعوذُ باللَّه مِن شُرور أَنْفُسنا ومِن سيِّئات أعمالِنا، مَن يَهْده اللَّهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِلْ فَلا هادِيَ له، وأَشْهَد أنْ لا إلَهَ إلا اللَّهُ وحدَه لا شريكَ لَه، وأَشْهَد أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسوُله، أرسلَه اللَّهُ بالهُدَى ودِين الحَقِّ؛ فبلَّغَ الرِّسالةَ، وأدَّى الأمانةَ، ونَصَح الأمَّةَ، وجاهَد في اللَّه حَقَّ جِهادِه، حتَّى أتاهُ اليَقينُ، فصَلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليهِ وعلَى آلِه وأصحابِه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلَى يومِ الدِّين، أَمَّا بَعْدُ:\nفمِنَ الدُّروسِ العِلميَّة المُسجَّلَة صَوتيًّا، والَّتِي كانَ يَعقِدُها صاحِبُ الفَضِيلةِ شَيخُنا العلَّامةُ الوالِدُ محمَّدُ بنُ صالحٍ العُثَيْمِين -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في جامِعِهِ بمَدِينَةِ عُنَيْزَةَ صَباحَ كُلِّ يومٍ أثناءَ الإِجازاتِ الصَّيْفيَّة؛ حَلقاتٌ فِي تَفْسير القُرآن الكَرِيم كانَت بِدايتُها مِن سُورة النُّور وما بَعدَها؛ حتَّى بلَغ قَولَه تَعالَى في سُورة الزُّخرف: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾\nوقَدِ اعتَمدَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالَى في تَفْسيرِه لتِلْكَ السُّور كِتابًا بَيْن يَدَي الطُّلاب هُو (تَفْسير الجَلالَيْنِ) للعلَّامة جَلال الدِّين محمَّد بنِ أَحْمدَ بنِ محمَّدِ بنِ إبراهيمَ المَحَلِّيِّ، المُتوفَّى سَنَةَ (٨٦٤ هـ) (^١)، والعلَّامة جَلال الدِّين عبد الرَّحمن بن أَبِي بَكْر بنِ محمَّد\n_________\n(^١) انظر ترجمته في: الضوء اللامع (٧/ ٣٩)، حُسن المحاضرة (١/ ٤٤٣).","vol":"1","page":5},{"text":"ابنِ سابِق الدِّين الخُضَيْرِيِّ السُّيُوطِيِّ، المُتوفَّى سنة (٩١١ هـ) (^١). تغمَّدهما اللَّه بواسِع رَحمته ورِضوانه، وأَسْكنهما فَسِيحَ جنَّاتِه، وجَزاهُما عَنِ الإِسْلام والمُسلِمِينَ خَيرَ الجَزاءِ.\nوسَعْيًا -بإِذْنِ اللَّهِ تَعالَى- لِتَعْمِيمِ النَّفْع بتِلْكَ الجُهُود المُبارَكة فِي هَذا المَيْدَان العَظِيم باشَر القِسْمُ العِلْمِيُّ بِمُؤسَّسةِ الشَّيخِ مُحمَّد بنِ صالِحٍ العُثَيْمِين الخَيْرِيَّةِ واجِباتِه فِي شَرَفِ الإِعْدادِ والتَّجْهِيز للطِّباعةِ والنَّشْر لِإِخْراجِ ذَلِكَ التُّراث العِلمِي؛ إنفاذًا للقَواعِدِ والضَّوابِط والتَّوْجِيهاتِ الَّتِي قَرَّرها فَضيلةُ الشَّيخِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالَى في هَذا الشَّأْنِ.\nنَسْأل اللَّهَ تعالَى أنْ يَجْعلَ هَذا العَمَلَ خالصًا لِوجهِه الكَريمِ؛ نافِعًا لعِبادِه، وأنْ يَجزِيَ فَضِيلةَ شيخِنا عَنِ الإسلامِ والمسلمِينَ خَيْرَ الجزَاء، ويُضَاعِفَ لهُ المثُوبَةَ والأَجْرَ، ويُعليَ دَرَجَتَهُ في المَهْدِيِّينَ، إِنَّه سَمِيعٌ قَرِيبٌ مجُيبٌ.\nوَصَلَّى اللَّهُ وسلَّم وبارَك علَى عبدِه ورَسولِه، خاتَمِ النَّبِيِّينَ، وإِمامِ المُتَّقِينَ، وسيِّدِ الأوَّلينَ والآخِرينَ، نبيِّنَا محمَّدٍ، وعلَى آلِه وأَصْحابِه والتَّابعينَ لهُمْ بإِحْسانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّين.\nالقِسْمُ العِلْمِيُّ فِي مُؤَسَّسَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ العُثَيْمِين الخَيْرِيَّةِ\n٢٠ جُمَادَى الآخِرَة ١٤٣٦ هـ\n* * *\n_________\n(^١) انظر ترجمته في: الأعلام للزركلي (٣/ ٣٠١).","vol":"1","page":6},{"text":"سورة لقمان\nالحمدُ للَّهِ ربِّ العَالمِينَ، وصلَّى اللَّهُ وسلَّمَ عَلَى نبيِّنَا محُمَّدٍ، وعَلَى آلِهِ وأصحَابِهِ ومَنْ تَبِعَهُم بإحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ. وبَعد:\nيَقول المُفَسِّر (^١) ﵀: [وهي مَكِّيَّة] المَكِّيُّ أَرجَحُ الأقوال -والذي عليه الجُمهور-: أن ما نزَل بعد وصول الرسول -ﷺ- إلى المدينةَ فهو مدَنيٌّ، ولو نزَل بمَكَّةَ، وما نزَل قبل وصوله إلى المدينة فهو مَكِّيٌّ، هذا هو القول الراجِح، فعلى هذا المُعتَبَرُ هو الزمَن لا المكان، وهذا أَريَحُ أيضًا للإنسان.\nيَقول ﵀: [مكِّيَّة، إلَّا: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان: ٢٧]]، وفي نُسخة [أو إلَّا] وبينهما فَرْق؛ لأن قول المُفَسِّر ﵀: [إلَّا ﴿وَلَوْ﴾] أن هذا اقتِصار على قول واحِد وجزَم به، أمَّا على النُّسخة الثانية [أو إلَّا] فهو إشارة إلى أن في المَسأَلة قولين، وأنه لم يُجزَم بأحَدِهما.\nوالصحيح ما سبَقَ لنا أن السورة إذا كانت مَكِّيَّة فإننا لا نَستَثْنِي منها شيئًا إلَّا بنَصٍّ صريح واضِح، وإذا كانت مدَنية فإننا لا نَستَثنِي منها شيئًا إلَّا بنَصٍّ صريح واضِح؛ لأن الأصل أنَّ السورة تَكون مُتَتاليةً، وأن الرسول ﵊ يَضَع كل آية في مكانها، أو يَأمُر بوَضْعها.\n_________\n(^١) المقصود بـ (المفسر) هنا: محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم جلال الدين المحلي، ترجمته في: الضوء اللامع (٧/ ٣٩)، حسن المحاضرة (١/ ٤٤٣).","vol":"1","page":7},{"text":"وعلى هذا فنَقول: إن جاء مَن أَثبَتَ أن قوله ﷾: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾، نزَلَت بعد الهِجرة، وأَثبَت ذلك بنَصٍّ فعَلَى العَيْن والرأس، وإلَّا فالأَصْل أن السورة كامِلة مكِّيَّة.\n* * *","vol":"1","page":8},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n* قالَ اللَّه ﷿: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.\n* * *\n\n[بسم اللَّه الرحمن الرحيم] تَقدَّم الكلام على البَسمَلة إعرابًا ومَعنًى وحُكمًا:\nأما إعرابها فإنها جارٌّ ومجَرور مُتعَلِّق بمَحذوف، فِعْل مُؤخَّر مُناسِب للمَقام، الآنَ نُريد أن نَقرَأ هذه السورةَ فنَقول: بسم اللَّه الرحمن الرحيم أَقرَأُ. أو نُريد أن نُفسِّر نَقول: بسم اللَّه الرحمن الرحيم أُفسِّرُ. ويُريد الإنسان أن يَتَوضَّأ يَقول: بسم اللَّه أَتَوضَّأ، وقدَّرناه فِعْلًا؛ لأن الأَصْل في العامِل أن يَكون فِعْلًا، لا سيَّما وأنه مَحذوف.\nوقدَّرْناه خاصًّا، لم نَقُلْ مثَلًا: بسم اللَّه الرحمن الرحيم أَبتَدِئ. بل قُلْنا: كُنَّا إن كنت تُريد أن تَقرَأ قَدِّر: أَقرَأُ، تُريد أن تَأكُل قَدِّر: آكُلُ، تُريد أن تَشرَب قَدِّر: أَشرَبُ، فاختَرْنا أن يَكون تقديرُه خاصًّا لأَجْل أن يُناسِب كل حال بعَيْنه؛ ولأن الرسول ﵊ قال: \"مَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِسْمِ اللَّهِ\" (^١) فهو إشارة إلى أنه يُقدَّر الفعل المَحذوف بما يُناسِب الفِعْل المُبتَدَأ به.\nواختَرْنا أن يَكون تَقديرُه مُتأخِّرًا؛ لأَجْل البَداءة بـ (بسم اللَّه)، ولإفادة الحَصْر والاختِصاص؛ لأن تَقديم المَعموم يُفيد الحَصْر والاختِصاص، فكأنك تَقول:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري: كتاب العيدين، باب كلام الإمام والناس في خطبة العيد، رقم (٩٨٥)، ومسلم: كتاب الأضاحي، باب وقتها، رقم (١٩٦٠)، من حديث جندب بن سفيان -﵁-.","vol":"1","page":9},{"text":"لا أَبتَدِئ إلَّا بسم اللَّه، هذا هو السبَب في أن نُقدِّره مُتأخِّرًا.\nفهي (اسم) مُضاف، ولفظ الجَلالة مُضاف إليه، و(الرحمن) صِفة للَّه تعالى، و(الرحيم) صِفة للَّه تعالى أيضًا.\nوأمَّا حُكْمها: فإنها آية من كِتاب اللَّه تعالى تَكلَّم اللَّه تعالى بها، وأَنزَلها على الرسول -ﷺ-، لكنها ليسَتْ آيةً من السورة، إنما جُعِلت علامةً على ابتِداء السورة فقَطْ، وليسَتْ منها، وتَجِد في المَصاحِف أنه لم يُكتَب عليها رقمٌ إلَّا في الفاتِحة، فإنها رُقِّمت، والسبَب أنَّ الفاتِحة ذهَب كثير من أهل العِلْم ﵏ إلى أن البَسمَلة منها، والصواب أنَّها ليسَتْ منها، بل كغيرها، وأن أوَّل آية في سورة الفاتِحة هي قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٢ - ٦]، هؤلاء خمسُ آيات والفاتِحة سبعُ آياتٍ، إذن السابِعة: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، هذه السابِعة، هذا هو الصحيح، مع أنك تَجِد في المَصاحِف ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ آية واحِدة بِناءً على أن البَسمَلة هي الآية الأُولى. أي: أن حُكْمها باعتِبار تِلاوتها في الصلاة.\nفإن قُلنا: إنها من الفاتِحة فهي آية منها، ولا بُدَّ من قِراءتها، وتُقرَأُ جَهْرًا كما يُجهَر بالفاتِحة، وإذا قُلْنا: ليسَت منها فإنه لا تَجِب قِراءَتُها ولا يُجهَر بها.\n* * *","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>الآية (١)</span>\n* قالَ اللَّه ﷿: ﴿الم﴾ [لقمان: ١].\n* * *\n\nقال ﵀: [﴿الم﴾ اللَّهُ أَعلَمُ بمُراده به] قوله تعالى: ﴿الم﴾ ثلاثة حُروف هِجائية، يَقول المُفَسِّر ﵀: [اللَّهُ أَعلَمُ بمُراده به]، وفي هذا إثباتٌ، لأن اللَّه تعالى أَراد به شيئًا، لكنه لا يُعلَم، فنَأخُذ من كلام المُفَسِّر ﵀ أنه يَرَى أن لهذه الحُروفِ مَعنًى، ولكن اللَّه أَعلَمُ به، وقال بعضُ أهلِ العِلْم ﵏: إن لها مَعنًى، وجعَلوا يَتَخبَّطون بهذا المَعنَى، ويَجعَلونها رُموزًا لمَّا جعَلوها له، وقال مجُاهِد: إنه لا مَعنَى لها (^١)، فنَقول: لا مَعنَى لها.\nولا نَقول: اللَّهُ أَعلَمُ بما أَراد؛ وذلك لأن القُرآن نزَل باللغة العربية كما قال تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥]، وقال ﷾: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢] وقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣]، واللغة العرَبية ليس لهذه الحُروفِ فيها مَعنًى، وعلى هذا فنَقول: إنه لا مَعنَى لها، ونَقول ذلك لأن هذا هو مُقتَضى اللُّغة العرَبية التي نزَل بها القُرآن.\nفإذا قال قائِل: إذا قلت: لا مَعنَى لها. كيف يَسوغ لك أن تَجزِم بنَفي المَعنَى؟\nفالجَوابُ: نعَمْ، يَسوغ لنا ذلك؛ لأن القُرآن باللغة العربية، وهذه الحُروفُ\n_________\n(^١) أخرجه الطبري في تفسيره (١/ ٢٠٩)، وانظر: تفسير ابن كثير (١/ ٧٠).","vol":"1","page":11},{"text":"الِهجائية بمُقتَضى اللغة العربية ليس لها مَعنًى، فأَجزِم بذلك؛ لأن القُرآن باللغة العربية.\nوإذا كان الأَمْر هكذا؛ فما الفائِدة من وُجودها في القُرآن؟\nالجَوابُ: هذه هي التي قد نَقول: اللَّهُ أَعلَمُ بذلك، ولكن بعض أهل العِلْم التَمَس لهذا حِكْمة، بأنه إشارةٌ إلى أن هذا القُرآنَ الذي أَعجَزَكم ما أَتَى بحُروف جديدة حتى تَقول: واللَّهِ هذه ليسَتْ من حُروفنا، وإنما هو من الحُروف التي يَتَركَّب منها الكلام العرَبيُّ، ومع ذلك أَعجَزَكم.\nقالوا: ولهذا لا يَأتي الابتِداء بهذه الحُروفِ الِهجائية إلَّا وبعده ذِكْر القُرآن، أو ما هو من خَصائِص القرآن: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾، وهناك بعضُ السُّوَر مِثْل: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾، ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾، ليس فيها ذِكْر القرآن، لكن فيها ذِكْر ما هو من خَصائِصه، فـ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ هذا من أمور الغَيْب، ولا يُعلَم إلَّا بالوَحْي، كذلك ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ هذا فيه إخبار عمَّن سبَق، وهو من أُمور الغَيْب أيضًا، ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣].\nوعلى كل حال: هذا الذي ذكَرْناه أخيرًا هو ما ذهَبَ إليه شيخُ الإسلام ابنُ تيميَّةَ (^١) ﵀ وسبَقه إليه الزَّمخشَريُّ في كِتابه (الكَشَّاف) (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) انظر تفسير ابن كثير (١/ ٧١).\n(^٢) الكشاف (١/ ٢٦).","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>الآية (٢)</span>\n* قالَ اللَّه ﷿: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [لقمان: ٢].\n* * *\n\nقال ﵀: [﴿تِلْكَ﴾ أي: هذه الآياتُ ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ القُرآن ﴿الْحَكِيمِ﴾ ذي الحِكْمة، والإضافة بمَعنَى مِن] قوله تعالى: ﴿تِلْكَ﴾: المُشار إليه آيات القُرآن، وتَجِد أن الإشارة هنا بصيغة البَعيد، والقرآن ليس بَعيدًا؛ لأنه بين أَيدينا، ولكنه عالِي المَرتَبة؛ فلهذا أُشير إليه بإشارة البعيد.\nوقوله تعالى: ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ أي: المَكتوب وهو القُرآن، وذكَرْنا فيما سبَق أنه مَكتوب في ثلاثة مَواضِع: في اللوح المَحفوظ، وفي الصُّحُف التي بين يدَي المَلائِكة، وفي الصُّحُف التي بين أَيْدينا.\nوقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ الإضافة هنا يَقول المُفَسِّر ﵀: إنها على تَقدير (مِن) يَعنِي: آيات مِن الكِتاب، والآياتُ كما تَقدَّم كونيةٌ وشرعيةٌ، وآيات الكِتاب من الشَّرْعية.\nوقوله تعالى: ﴿الْحَكِيمِ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [ذي الحِكْمة]، ولكن يُمكِن أن يُقال: ذي الحِكْمة والحُكْم أيضًا؛ لأنه مَرجِع الناس في الحُكْم؛ ولأنه يَشتَمِل على الحِكْمة، وهو أيضًا صالِح لأَنْ يُجعَل بمَعنَى المُحكِم، فيَكون فَعيل بمعنى مُفعِل.","vol":"1","page":13},{"text":"فالقُرآن إذَنْ: حَكيم لاشتِماله على الحِكْمة وعلى الحُكْم بين الناس؛ قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥].\n\nمن فوائد الآيتين الكريمتين:\nالْفَائِدَة الأُولَى: حِكْمة اللَّه ﷾ في إنزال هذه الحُروفِ الهِجائية، وهي ﴿الم﴾ وما أَشبَهها.\nالْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن اللَّه ﷿ يَتكَلَّم بحَرْف، وكذلك بصَوْت؛ لأن ﴿الم﴾ من كَلام اللَّه تعالى، وهي حُروف، وهذا هو مَذهَب أهل السُّنَّة والجَماعة، وقد تَقدَّم لنا البحث فيه مِرارًا، وأن أهل السُّنَّة والجماعة يَقولون: إن كلام اللَّه ﷾ حَرْف وصَوْت.\nالْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: عُلوُّ شَأْن هذا القُرآنِ؛ لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾.\nالْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن القُرآن آية وعلامة على مُنزِلِه، لقوله ﷾: ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾، والإضافة على تَقدير (مِن) فهي إضافة جِنْسية، وهو آية على مُنزِلِه جَلَّ وَعَلَا:\nمن حيث صِدْق أَخباره ومُطابَقَتها لهذا الواقِعِ، ومن حُسْن قِصصه وحُبِّها للنُّفوس، وعدَم مَلَلها منها؛ لأن ما من كلام يُردَّد إلَّا ويُمَلُّ إلَّا القرآن.\nوكذلك من حيث الأحكام: حيث إنها أَحكام عادِلة نافِعة للعِباد في مَعاشِهم ومَعادِهم؛ ولهذا قال اللَّه ﷿: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥].\nالْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن القُرآن مَكتوب كما هو مَقروء، لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾.","vol":"1","page":14},{"text":"الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: الثَّناء على هذا القُرآنِ بهذا الوَصْفِ العَظيم وهو: ﴿الْحَكِيمِ﴾.\nالْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنه لا يُوجَد في القُرآن خبَر سِيق عبَثًا، ولا حُكمٌ أُثبِتَ عبَثًا، يُؤخَذ ذلك من قوله تعالى: ﴿الْحَكِيمِ﴾؛ لأن العبَث يُنافِي الحِكْمة، ولا يُمكِن أن يَكون في القُرآن شيءٌ عبَثًا، لا خبَرًا ولا حُكْمًا.\n* * *","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>الآية (٣)</span>\n* قالَ اللَّه ﷿: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [لقمان: ٣].\n* * *\n\nقوله ﵀: [(هُدًى وَرَحْمَةٌ) بالرَّفْع] هذه محَلُّها من الإعراب خبَر لمُبتَدَأ محَذوف، قدَّرَه المُفَسِّر ﵀ بقوله: [هو (هُدًى وَرَحْمَةٌ)، هُدى: بمَعنَى: دَلالة، ورحمةٌ: بمَعنَى: أن اللَّه رحِم به الخَلْق حيث أَنزَله عليهم، فالقُرآن هِداية ورحمة، مَن تمَسَّك به نجا واهتَدَى، فلا يَضِلُّ مَن تمَسَّك بهذا القُرآنِ ولا يَشقَى، لأنه هُدًى ورَحمة.\nوعلى هذا فنَقول لكل إنسان أَراد العِلْم: عليك بالقرآن، لأنه هُدًى، ولكل إنسان أَراد الرحمة: عليك بالقُرآن، لأنه هُدًى، فهو (هُدًى وَرَحْمَةٌ)، ولكن ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾ الذين أَحسَنوا في عِبادة اللَّه تعالى وأَحسَنوا إلى عِباد اللَّه ﷾، والإحسان ضِدُّ الإساءة، والإساءة إمَّا أن تَكون بتَرْك الواجِب أو بفِعْل المُحرَّم، فمَن ترَكَ ما أَوْجَب اللَّه تعالى عليه لنفسه من الصلاة وغيرها فليس بمُحسِن، ومَن فعَلَ ما حرَّمَ اللَّه تعالى عليه فليس بمُحسِن، ومَن ترَكَ ما يَجِب للناس من صِلة الرَّحِم وبِرِّ الوالِدين والإحسان إليهم فليس بمُحسِن، ومَنِ اعتَدَى عليهم فليس بمُحسِن.","vol":"1","page":16},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾ يُستَفاد منه أنه كلَّما ازداد الإنسان إحسانًا ازداد انتِفاعًا بالقُرآن بالهِداية والرحمة، بِناءً على القاعِدة: أنَّ الحُكْم إذا عُلِّق بوَصْف كان يَقوَى بحسَب وجود ذلك الوَصْفِ.\nوقوله ﷾: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ فهل غير المُحسِنين لا يَهتَدون به ولا يُرحَمون؟\nالجَوابُ: نعَمْ؛ لأن المُحسِنين هم الذين يَنتَفِعون بذلك، وإلَّا فهو هُدًى للناس كلِّهم مَصدَر هِداية للجَميع، لكن لا يَنتَفِع به إلَّا الذين أَحسَنوا.\nقال ﵀: [وفي قِراءة العامة بالنَّصْب حالًا من الآيات] غَريبٌ هذا التَّعبيرُ من المُفَسِّر ﵀ فقوله: [وفي قِراءة العامَّة] يَفهَم منه مَن لا يَعرِف الاصطِلاح أن المُراد بالعامَّة عامَّة الناس، ما سِوى العُلَماء، وهذا ليس كذلك، إنما المُراد بالعامَّة عامَّة القُرَّاء ما عدا قارِئًا واحِدًا الذي قرَأَ بالرَّفْع؛ فقال: [بالنَّصْب حالًا من الآيات، العامِل فيها ما في ﴿تِلْكَ﴾ ومِن مَعنَى الإشارة].\nفقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ حالَ كونها ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾، فإذا قال قائِل: الحال تَحتاج إلى عامِل مثل: الظَّرْف والجارِّ والمَجرور والمَفعول به، فما هو العامِل؟\nفالجَوابُ: العامِل فيها ما في ﴿تِلْكَ﴾ من مَعنَى الإشارة؛ فـ ﴿تِلْكَ﴾ اسمٌ جامِد غير مُشتَرَط، لكنه بمَعنَى: أُشير، فإذا قلت: هذا زيدٌ. المَعنَى: أُشيرُ إليه، فـ ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾ بمَعنَى: أُشير إلى هذه الآياتِ، فلمَّا كانت مُتضَمِّنة لمَعنَى الفِعْل صارت صالحِة لأَنْ تَكون عامِلًا في الحال.","vol":"1","page":17},{"text":"من فوائد الآية الكريمة:\nالْفَائِدَة الأُولَى: التَّرْغيب في هذا القُرآنِ؛ لقوله تعالى: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾، وكل أحَدٍ منَّا يَطلُب الهُدى والرحمة، فهو هدًى في العِلْم ورحمة في العمَل، إذ إن العامِل به يَنال رحمة اللَّه تعالى، والمُهتَدِي به على هدًى وبصيرة.\nالْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن القُرآن الكريم جمَع الخيرَ كلَّه، فهو عِلْم نافِع؛ لقوله تعالى: ﴿هُدًى﴾، وعمَل صالِح؛ لقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَةً﴾؛ لأن الرحمة لا تُنال إلَّا بالعمَل الصالِح.\nالْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الحثُّ على الإحسان؛ لقوله تعالى: ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾.\nالْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن الإحسان سبَب لنَيْل العِلْم والعمَل الصالِح، لما جعَله هُدًى ورحمةً للمُحسِنين.\nالْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنه كلَّما ازداد إحسان العبد ازداد عِلْمه وعمَله الصالِح؛ لأن الحُكْم إذا عُلِّق على وَصْف ازداد بزيادته ونقَص بنَقْصه كما تَقدَّم.\n* * *","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>الآية (٤)</span>\n* قالَ اللَّه ﷿: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [لقمان: ٤].\n* * *\n\nقوله ﵀: [﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ بَيان للمُحسِنين] وعلى هذا فلا تَكون نعتًا، بل تَكون بيانًا أي: عَطْفَ بيان؛ والمُحسِنون هم: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ يَعنِي: يَأتون بها قويمة تامَّة، وقوله ﷾: ﴿الصَّلَاةَ﴾ يَشمَل الفريضة والتَّطوُّع، فإقامتها بفِعْل الواجِبات، وتَرْك المُفسِدات، وكذلك تَتِمُّ الإقامة بفِعْل المُكمِّلات والمُستَحبَّات.\nقوله تعالى: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ أي: يُعطونها، والزكاة هي جُزْء مُقدَّر شرعًا في مال خاصٍّ لطائِفة مخَصوصة، ومَفعول ﴿وَيُؤْتُونَ﴾ الثاني مَحذوف تَقديرُه: ويُؤتون الزكاة أهلَها. وإنما جاز حَذْفه، لأنه فَضْلة، وقد سبَق أن جميع المَفاعيل الفَضْلة يَجوز حَذْفها.\nوقوله تعالى: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ سُمِّيَ هذا المالُ المُؤدَّى زكاةً؛ لأنها تَزكو بها أخلاق المُزكِّي، ويَزكو بها المال أيضًا ويَزيدُ، لأن الزكاة في اللغة النَّماء والزِّيادة.\nولم يَذكُرِ اللَّه من الأفعال إلَّا الصلاة والزكاة، وقرَن بينهما في القرآن كثيرًا، وذلك لأنهما آكَدُ أركان الإسلام بعد الشَّهادتين، وتَرْكهما جميعًا مُوجِب للكُفْر،","vol":"1","page":19},{"text":"وأمَّا تَرْك واحِدة منهما؛ فالصلاةُ: الصحيح أنه يَكفُر، والزكاةُ: الصحيح أنه لا يَكفُر.\nقوله تعالى: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾: ﴿هُمْ﴾ مُبتَدَأ و﴿بِالْآخِرَةِ﴾ جارٌّ ومجَرور مُتعلِّق بـ ﴿يُوقِنُونَ﴾، و﴿هُمْ﴾ الثانية يَقول المُفَسِّر ﵀: [﴿هُمْ﴾ الثانية تَأكيد] تَأكيد لفظيٌّ لـ ﴿هُمْ﴾ الأُولى.\nقال ابنُ مالِك ﵀:\nوَمَا مِنَ التَّوْكيدِ لَفْظِيٌّ يَجِي ... مُكَرَّرًا كَقَوْلكَ: ادْرُجِي ادْرُجِي (^١)\nقوله تعالى: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ المُراد بالآخِرة يوم القِيامة، وسُمِّيَ آخِرة؛ لأنه آخِرُ ما يَكون، فالإنسان له أَربَع مَراحِلَ:\nالمَرحَلة الأُولى: في بَطْن أُمِّه.\nوالمَرحَلة الثانِية: في الدنيا.\nوالمَرحَلة الثالِثة: في البَرزَخ.\nوالمَرحَلة الرابِعة والأخيرة: يَوم القِيامة.\nوقوله تعالى: ﴿بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ الإيمان بالآخِرة ليس مَعناه أن تُؤمِن بأن القيامة ستَقوم فقَطْ، قال شيخ الإسلام ابن تَيميَّةَ ﵀ في العَقيدة الواسِطية (^٢): \"وقد دَخَل في الإيمان باليوم الآخِر: الإيمان بكلِّ ما أَخبَر به النبيُّ -ﷺ- ممَّا يَكون بعد الموت\"، فيَشمَل فِتْنة القَبْر، وعذاب القَبْر، ونعيم القَبْر، والصِّراط، والحِساب، والميزان، والكُتُب التي تُنشَر يوم القيامة، وغير ذلك.\n_________\n(^١) الألفية (ص ٤٦).\n(^٢) العقيدة الواسطية (ص ٩٥).","vol":"1","page":20},{"text":"من فوائد الآية الكريمة:\nالْفَائِدَة الأُولَى: أن إقامة الصلاة من الإحسان؛ لأن ما بعدَها بيانٌ لها: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ﴾.\nالْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن الصلاة أَحبُّ الأعمال إلى اللَّه تعالى؛ لأن اللَّه تعالى قدَّمها على إيتاء الزكاة مع أن إيتاء الزكاة فيه نَفْع فتَعدٍّ للغير، ولكن الصلاة أحَبُّ إلى اللَّه تعالى منها وأفضَلُ.\nالْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الحثُّ على إقامة الصلاة، يُؤخَذ ذلك من: ثَناء اللَّه تعالى على المُقيمين لها، والثَّناء لا يَكون إلَّا على فِعْل شيء مَحبوب مَرغوب من اللَّه تعالى.\nالْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: فَضْل إيتاء الزكاة، وأنها تَلي الصلاةَ في الفضيلة؛ لقوله تعالى: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾.\nالْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: الثناء على مَن أَيْقَن بالآخِرة؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾.\nالْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: إثبات البَعْث.\n* * *","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>الآية (٥)</span>\n* قالَ اللَّه ﷿: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [لقمان: ٥].\n* * *\n\nالقرآن الكريم أحيانًا يُكرِّر الآياتِ بعَيْنها، فهذه الآيةُ مُكرَّرة في سورة البقَرة، وإن كان فيها اختِلاف يَسيرٌ في الآية الأُولى التي قبلها، أمَّا قوله ﷿: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ فهي آية واحِدة.\nقوله تعالى: ﴿عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أَتَى بـ ﴿عَلَى﴾ الدالَّة على الاستِعْلاء، يَعنِي: أنهم على هُدًى يَسيرون عليه، وهم به عالون مُرتَفِعون؛ لارتفاع مَرتَبَتهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ هذه الجُملةُ جُملة اسمِيَّة مُؤكَّد خبَرها بضمير الفصل، وهو قوله ﷾: ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، فإنَّ ﴿هُمُ﴾ ضمير فَصْل، وضَمير الفَصْل يُفيد ثلاث فَوائِدَ:\nالفائِدةُ الأُولى: الفَصْل بين الصِّفة والخبَر.\nوالفائِدةُ الثانِية: الحَصْر.\nالفائِدةُ الثالِثة: التوكيدُ.\nفإذا قلت: (زَيْدٌ القائِمُ)، هذا: مُبتَدَأ وخبَر، لكن يُحتَمَل أن تَكون (القائِمُ) صِفةً لـ (زَيدٌ) وأن الخبَر مُنتَظَر: (زَيدٌ القائِمُ فاضِلٌ) مثَلًا، فإذا قلت: (زيدٌ هو القائِمُ)،","vol":"1","page":22},{"text":"تَعيَّن أن تَكون (القائِمُ) خبَرًا، ففَصَلت الآن بين الصِّفة والخبَر، كذلك إذا قلت: (زَيدٌ هو القائِمُ)، فإنه يُفيد الحصر، (زيدٌ هو) يَعنِي: لا غيره هو (القائِمُ)، كذلك إذا قلت: (زيدٌ هو القائِمُ)، أَبلَغُ في التوكيد من قولك: (زيدٌ القائِمُ).\nفهنا قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ يَعنِي: لا غيرهم، والمُفلِح يَقول المُفَسِّر ﵀: [هو الفائِزُ] والفائِزُ هو السَّعيد، والمُفلِح يَقولون: إنه مَن أَدرَك المَطلوب ونجا من المَرغوب، فحصَل له ما يُريد وسلِم ممَّا لا يُريد.\n\nمن فوائد الآية الكريمة:\nالْفَائِدَة الأُولَى: أن المُتَّصِفين بما تَقدَّم همُ الذين على الهُدَى، فيَتَفرَّع على ذلك: أن مَن خالَف فيما تَقدَّم فليس على هُدًى، وأنه فاته من الهُدى بقَدْر ما فاته من العمَل واليَقين.\nالْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إظهار فَضْل اللَّه ﷾ على هَؤلاءِ الفُضَلاءِ؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾.\nالْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الإشارة إلى أن رُبوبية اللَّه ﷾ نوعان: عامَّة، وخاصَّة؛ فالعامة: لجميع الخَلْق ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾، والخاصَّة: للمُؤمِنين.\nالْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن بهذه الأَعمالِ الفاضِلةِ الجليلة والاعتِقادات النافِعة يَحصُل الفَلاح؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.\nالْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنه لا سَبيلَ إلى الفَلاح إلَّا بذلك؛ وجهُه: الحَصْر في قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.\n* * *","vol":"1","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>الآية (٦)</span>\n* قالَ اللَّه ﷿: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [لقمان: ٦].\n* * *\n\nقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾: (مِن) للتَّبعيض، والجارُّ والمَجرور خبَر مُقدَّم، و﴿مَنْ يَشْتَرِي﴾ مُبتَدَأ مُؤخَّر.\nوقوله ﷿: ﴿مَنْ يَشْتَرِي﴾ مَعنَى الاشتِراء: الاختِيار، يَعنِي: مَن يَختار، وعبَّر عن الاختِيار بالاشتِراء إشارةَ إلى حِرْصهم على هذا الأَمرِ؛ لأن الاشتِراء إنما يَكون بالمُعاوَضة، فكأنهم لقُوَّة اختِيارهم هذا الشيءَ بذَلوا فيه أموالهم ليَنالوه.\nوقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ الفَرْق بين (يَشتَري) و(يَشْري) أن (يَشرِي) بمَعنَى: يَبيع، و(يَشتَرِي) بمَعنَى: يَبتاع، وعند الناس أن الشِّرَى هو الاشتِراء، وليس كذلك، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ يَشرِي نفسه يَعنِي: يَبيعُها، بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١]، اشتَرَى أَنفُسهم فهم بائِعون.\nوقوله ﵀: [﴿لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ أي: ما يُلهِي منه عمَّا يَعنِي] ﴿لَهْوَ﴾ مُضافة إلى ﴿الْحَدِيثِ﴾ من باب إضافة الشيء إلى نَوْعه، فالإضافة على تَقدير (مِنْ) كما يُقال: ثُوبُ خَزٍّ، ثوبُ صُوفٍ، خاتَمُ حَديدٍ، خاتَمُ فِضةٍ، وما أَشبَه ذلك؛ فهي على","vol":"1","page":24},{"text":"تَقدير (مِنْ) وهكذا كلَّما أُضيف الشيء إلى نَوْعه فالإضافة فيه على تَقدير (مِنْ).\nإِذَنْ: ﴿لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ أي: لَهْوًا من الحديث، واللَّهْو كل ما يُلهَى به، والذي يُلهَى به أَغلَبُ ما يَكون في الشيء الباطِل، وقد يُلهَى بالخير عن الشَّرِّ، لكن أكثَر ما يُطلَق اللهو في مَقام الذَّمِّ، وكل لَهْوٍ يَلهو به ابنُ آدَمَ فهو باطِل، إلَّا مُداعَبة أهله، وتَرويض فرَسه، وما أَشبَه ذلك ممَّا يَكون فيه مَصلَحة، وإلَّا فإن الأصل أن ما يُلهَى به باطِل.\nوالذي يُلهَى به نوعان: حديثٌ وهو القول، والثاني: فِعْل. أي: حرَكات، واللَّه ﷾ ذكَرَ هنا لهوَ الحديث فقال ﷾: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ قال ﵀: [أي: ما يُلهَى به عمَّا يَعنِي] كل ما يُلهَى به عمَّا يَعنِي فهو مِن لَهْو الحديث، وأمَّا ما يَعنِي الإنسانَ ولكن يَلهو بالمَفضول عن الفاضِل، فليس هذا من لَهْو الحديث؛ لأن له فائِدةً في اللَّهْو في المَفضول، لكنها فائِدة ناقِصة، ولا شكَّ أن الأقوال مَراتِبُ كما أن الأفعال مَراحِلُ، فلو تَلهَّى الإنسان بحديث فيه فائِدة عن حديثٍ أَفيَدَ منه، فليس هذا من لَهْو الحديث؛ لأن فيه فائِدةً، ليس مجُرَّد لَهْوٍ يَلهو به الإنسان، وإذا كان فيه فائِدة فإننا نَقول لهذا الرجُلِ: إن اختيارك للمَفضول عن الفاضِل يُعتَبر سُوء تَصرُّف منك، والذي يَنبَغي أن تَلهو بالأفضل عن المَفْضول.\nوقوله ﵀: [(لِيَضِلَّ) بفَتْح الياء وضَمِّها] وأمَّا الضادُ فهي مَكسورة على القِراءَتَيْن: (ليَضِلَّ) أي: هو، و﴿لِيُضِلَّ﴾، أي: يُضِلُّ غيره. وفائِدة القِراءَتين هنا اشتِمال هذا الكلِمةِ على المَعنيَيْن، وهُما: الضلال بنَفْسه وإضلال غيرِه.\nوقوله ﵀: [﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ طريق الإسلام] والصَّواب أن يُقال:","vol":"1","page":25},{"text":"(طريق اللَّه وهو الإِسْلام)؛ فسَبيل اللَّه تعالى طريقه المُوصِّل إليه، والذي وضَعه هو ﷾، وهو الإسلام، فسُمِّيَ سبيل اللَّه أو طريق اللَّه؛ لأنه مُوصِّل إليه، ولأنه سبحانه هو الذي وضَعَه وشرَعه لعِباده؛ ويُطلَق على سبيل المُؤمِنين كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥].\nولا تَنافيَ بين الإضافَتين فهو مُضاف إلى اللَّه تعالى؛ لأنه مُوصِّل إليه، وهو الذي وضعه وشرَعه، ومُضاف إلى المُؤمِنين؛ لأنهم همُ الذين يَسلُكونه، ومثله: الصِّراط، أُضيف إلى السالِكين في قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، وأُضيف إلى اللَّه؛ لأنه الذي شرَعه ووضَعَه لعِباده: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣].\nقوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ هذا لا يَعنِي أن هناك لَهْوًا يَضِلُّ به الإنسان بعِلْم، فهي إِذَنْ: صِفة كاشِفة مُبيِّنة لحقيقة الأَمْر، أي: أن فِعْله هذا ناشِئٌ عن الجَهْل باللَّه ﷿، وعن الجَهْل بشَرْعه، وعن الجَهْل بحقيقة ما خُلِق له، إذ كيف تَتَلهَّى بأَمْر لا تَستفيد منه؟ ! هذا جَهْل بما يَنبَغي أن تَعلَمه؛ لتَعتَبِر به.\nولم يُمثِّل المُفَسِّر ﵀، لكن كثيرًا من المُفسِّرين قال: إن المُراد بلَهْو الحديث هو الغِناء، وممَّن قال بذلك ابنُ مَسعود (^١) -﵁-، وكذلك ابنُ عبَّاس (^٢) -﵄-، وجماعة، حتى إن ابنَ مَسعود -﵁- يَحلِف فيَقول: واللَّهِ الذي لا إلهَ إلَّا هو\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١١/ ١٠١)، والطبري في تفسيره (١٨/ ٥٣٤)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٤١١).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١١/ ١٠١)، والبخاري في الأدب المفرد رقم (٧٨٦)، والطبري في تفسيره (١٨/ ٥٣٥).","vol":"1","page":26},{"text":"إنه الغِناءُ، والغِناء يُنبِت النِّفاق في القَلْب.\nوتفسير الصَّحابيُّ حُجَّة، حتى ذهَب الحاكِم (^١) ﵀ وجماعة من أهل العِلْم إلى أن تفسير الصحابيِّ له حُكْم الرَّفْع، يَعنِي: يَكون كالحديث المَرفوع، والصحيح أنه ليس له حُكْم الرفع، إلَّا أن يَكون ممَّا لا مَجالَ للاجتِهاد فيه، فأمَّا مجُرَّد تفسير آية بمُقتَضى اللغة العربية فإنَّ الصحيح أن تَفسير الصحابيِّ ليس في حُكْم الرَّفْع، لكنه مُقدَّم على غيره.\nثُمَّ اعلَمْ أنَّ المُفسِّرين من الصحابة والتابِعين ومَن بعدَهم قد يَذكُرون تفسير الآية على سبيل المِثال، لا على سبيل الحَصْر، فإذا قال ابنُ مَسعودٍ -﵁-: إن المُراد بلَهْو الحديث الغِناءُ، لا يَعنِي أنه لا يَتَناوَل غيره، قد يَكون هذا على سبيل التَّمثيل فقَطْ.\nويَدُلُّك لهذا قوُله ﷾: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣٢]، قال بعضُ العُلماء ﵏ في التَّفسير: الظالِم لنَفْسه هو الذي يُؤخِّر الصلاة عن وقتها. وقال آخَرون: هو الذي لا يُزكِّي، ثُمَّ قال: ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾: إِذَنِ المُقتَصِد هو الذي يَأتِي بالصلاة في آخِر وقتها، وقال آخَرون: هو الذي يُؤدِّي الزكاة المَطلوبةَ فقَطْ، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ قال بعضهم: هو الذي يُصلِّي الصلاة في أوَّل وَقْتها. وقال آخَرون: هو الذي يُؤدِّي الزكاةَ والصدَقاتِ.\nوهذا يَدُلُّ على أن العُلَماء ﵏ قد يُفسِّرون الآية ببعض الأمثِلة، فلا يُنافِي أن تَكون الآية مُتناوِلة لغيرها، فتَفسير ابنِ مَسعود وابنِ عبَّاس -﵄- وغيرهما\n_________\n(^١) معرفة علوم الحديث (ص ٢٠).","vol":"1","page":27},{"text":"لِلَهْو الحديث بأنه الغِناء، لا يَعنِي أنه يَمتَنِع أن يُراد بالآية ما هو أعمُّ.\nوعلى هذا فنَقول: الآية تَشمَل كل لهوِ حديثٍ لا نَفْعَ فيه من الغِناء، ومنه أيضا مُطالَعة ما يُكتَب في الصحُف والمَجلَّات من الكلام الهُراء الذي لا فائِدةَ منه فإنه في الحقيقة مَضيَعة للوَقْت، وإذا كان يَشُدُّ الإنسانَ إلى ما هو أبطَلُ، صار أشدَّ.\nفعلى كل حال نَقول: لهوُ الحديث كل حديث لا فائِدةَ منه، سواء كان ذلك يَجُرُّ إلى مُحرَّم، أو لا يَجُرُّ إلى مُحرَّم، لكن إن جَرَّ إلى مُحرَّم صار أعظَمَ.\nفإذا قال قائِل: الآية يَقول اللَّه تعالى فيها: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، أو (لِيَضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) وأنت قلت: إن لَهْو الحَديث كل ما لا نَفعَ فيه، وما لا نَفْعَ فيه قد يُضِلُّ وقد لا يُضِلُّ.\nفإننا نَقول: إن الإنسان إذا عوَّد نَفْسه على أن يَشتَغِل بهذا اللهوِ الذي لا نَفعَ فيه جرَّته إلى ما فيه مَضرَّة؛ لأن النفس إمَّا أن تَشغَلها بالحَقِّ أو تَشغَلك بالباطِل؛ واللَّام في قوله ﵀: (لِيَضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) أو ﴿لِيُضِلَّ﴾ هل هي للتعليل أو للعاقِبة؟\nالجَوابُ: هي صالحِة للأَمْرين، فإن كان الإنسان يَقصِد بلَهْو الحديث أن يُضِلَّ غيره به، فاللَّام للتَّعليل، وإن كان لا يَقصِد ذلك فاللَّام للعاقِبة، مثال التي للعاقِبة: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]، فاللَّام هنا لا شَكَّ أنها للعاقِبة؛ لأنهم ما أَرادوا أن يَكون لهم عَدُوًّا وحزَنًا، إنما أَرادوا العَكْس، إنما العاقِبة صارت كذلك.\nفإن قال قائِل: تَفسير اللهوِ بالغِناء، هل هو الغِناء المُحرَّم أم كل الغِناء؟\nفالجَوابُ: الغِناء المُحرَّم، أمَّا الغِناء الذي ليس مُحرَّمًا فلا يَدُلُّ في الآية إلَّا إن شغَل عن ما هو أهمُّ منه صار داخِلًا فيه.","vol":"1","page":28},{"text":"فإن قيل: ما ليس فيه فائِدة مِثْل بعض الأشعار التي لا يُستَفاد منها اللغة العربية، ولا يُستَفاد منها مَوْعِظة أو ترقيق قَلْب، هل يَدخُل في لَهْو الحديث؟\nفالجَوابُ: الظاهِر أنها تَدخُل في لَهْو الحديث الذي لا يَنفَع ولا يَضُرُّ، لكنه قد يَجُرُّ إلى ما يَضُرُّ، وإن لم يَكُن من ضرَره إلَّا أنه يُلهِي عمَّا هو أهَمُّ.\nومن لَهْو الحَديث أيضًا: الذي قد يُضِلُّ عن سبيل اللَّه ﷾ ما يُوجَد في قصائِد الصُّوفية البَريئة من الشِّرْك، وإلَّا بعضها شِرْك -والعِياذُ باللَّه- بعضها يُفضِي إلى الحُلول، وأن اللَّه ﷿ حالٌّ في المخلوقات، وهذا مَعروف شأنه حتى لو كان نَثْرًا، فإنه مُحرَّم.\nولكن بعضها ليس كذلك إلَّا أن بعض الناس يَتَلهَّى به عن مَواعِظ القُرآن والسُّنَّة حتى يَكون ذلك دَيدَنَه، وهذا لا يَجوز.\nويُوجَد الآنَ ما يُسمَّى بالأناشيد الإسلامية التي استَوْلت على عُقول كثير من الناس حتى صار كأنما يَقرَأ القرآن، فهي دائِمًا على لِسانه وعلى قَلْبه، وهذا ذَكَر شيخُ الإسلام في الفَتاوى (^١): أن ذلك ممَّا يُلهِي عن الكِتاب والسُّنَّة وحذَّر منه تَحذيرًا كثيرًا.\nولكن عندما يَكون عندك مثَلًا ضَعْف وخوَر وكسَل وتُريد أن تَسمَع هذه الأشياءَ، لتُرقِّق قلبك هذا لا بَأسَ به، ولكن قَصْدي بأُولئك الذين اتَّخَذوها دَيْدنًا لهم؛ فالإكثار منها والاشتِغال بها عن مَواعِظ القُرآن والسُّنَّة هو المَحظور.\nفإن قال قائِل: إذا كان إنسان قد تَعوَّد على الغِناء فترة، ثُمَّ لمدَّة شَهْر أو شهرين أَراد سَماع الأناشيد للمُعالجِة؟\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١١/ ٥٩٤).","vol":"1","page":29},{"text":"فالجَوابُ: أمَّا إذا كانت للمُعالجَة، فالإنسان قد يُعالَج بالسَّمِّ القَتَّال، يُمكِن أن يُعالَج بالسَّمِّ، وهذا نحن الآنَ نَراهم يُعطون الناس حُبوبًا وجُرعاتٍ تَكون قاتِلة، لكن يَتَّخِذونها للعِلاج، فإذا لم يَكُن طريق إلَّا هذا فلا حرَجَ، لكن أيضًا تَكون مع الحذَر الشديد.\nوإن قيل: قد يَكون صوت الغُلام المُنشِد جميلًا، وقد يَكون أشَدَّ تأثيرًا من صوت النِّساء؟\nفالجَوابُ: أنَّ مَسأَلة حُسْن الصوت إن كان يُؤدِّي إلى فَساد وثَوَران شَهْوة فهذا مُحرَّم، وإن كان لا يُؤدِّي ولكنه يَزيد الإنسان استِماعًا، هذا فلا بأسَ منه.\nثُمَّ إن بعض الناس يَجعَل أيضًا مع هذه القَصائِدِ دُفًّا، فيَكون إلى اللَّهْو أقرَبَ منه إلى الذِّكْر.\nوبعض الناس يَقول: هذِه أَهْونُ من الأغاني! فنَقول: لست مجبرًا على فعل أحَد الأمرَيْن حتى تقول: أنا مخُيَّر بينَهما فأختارُ أَيْسَرُهما؛ فقد يَفعَلها الإنسان وهو يَشعُر أنه مُذنِب فيُحاوِل الإقلاع، لكن هذا يَفعَله على أنه مُتقَرِّب إلى اللَّه تعالى بذلك فيَستَمِرُّ عليه.\nوما هذا إلَّا نَظير هؤلاء الذين يَتَحيَّلون على الرِّبا بالخِداع وبيع القماش والهيل وما أشبَهَها، يَقولون: هل هذا أَحسَنُ أمِ الرِّبا الذي في البُنوك؟ !\nفنَقول: ليس الإنسان مُخيَّرًا بين هذا أو هذا، والحمد للَّه فهناك أشياءُ مُباحة يَتمَكَّن من فِعْلها دون أن يَفعَل هذه الأشياءَ التي تَصُدُّه عن القُرآن وعن السُّنَّة.\nإِذَنِ: الضابِط في لَهْو الحديث هو: كل كلام لا فائِدةَ منه، وأمَّا ما فيه فائِدة","vol":"1","page":30},{"text":"ولكن اشتَغَل به عمَّا هو أَفْيَدُ فليس لَهْوًا، لكنه خِلاف الحِكْمة، إذ إن الحِكْمة أن يَشتَغِل الإنسان بالأفضَل عن المَفضول.\nإِذَنْ: لَهْو الحديث هو كل كلام لا فائِدةَ منه، وعاقِبته ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾.\nقوله ﵀: [﴿وَيَتَّخِذَهَا﴾ بالنَّصْب عَطْفًا على (يَضِل)، وبالرفع عَطْفًا على ﴿يَشْتَرِي﴾] قِراءتان (لِيَضل عن سبيل اللَّه) ﴿وَيَتَّخِذَهَا﴾ يَكون عَطْفًا على (يَضل)، أو ﴿وَيَتَّخِذَهَا﴾ عَطفًا على ﴿يَشْتَرِي﴾ يَعنِي: ومن الناس مَن يَتَّخِذها هُزوًا، وبينهما فَرْق؛ لأن قِراءة النصِّ تَجعَل الحامِل على مَن يَشتَرِي لهوَ الحديث أمرين: الضلال، واتِّخاذه هُزوًا، وأمَّا على قِراءة الرفع: فإن الحامِل على شِراء لَهْو الحديث شيء واحِد، لكن من الناس أيضًا مَن يَتَّخِذ آياتِ اللَّه تعالى هُزوًا، أي: مَكانًا للاستِهْزاء.\nوقوله ﵀: [﴿وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾ مَهزوءًا بها] أَشار المُفَسِّر ﵀ بقوله: [مَهزوءًا] إلى أن المَصدَر هنا بمَعنَى اسم المَفعول، وهو كثيرًا ما يَأتي في اللغة العربية، يَعنِي: مَهزوءًا بها.\nواتِّخاذ آيات اللَّه تعالى هُزوًا له أنواعٌ كثيرة:\n١ - منها: أن يَستَهزِئ بالقرآن في نَظْمه وتَرْكيبه.\n٢ - ومنها: أن يَستَهزِئ بالقرآن في أَخباره، ويَقول: أساطيرُ الأوَّلين.\n٣ - ومنها: أن يَستَهزِئ بالقُرآن في أَحْكامه.\n٤ - ومنها: أن يَستَهزِئ بالسُّنَّة.\n٥ - ومنها: أن يَستَهزِئ بالرسول ﵊.","vol":"1","page":31},{"text":"٦ - ومنها: أن يَستَهزِئ بمَن تمَسَّك بالسُّنَّة، لا لشَخْصه ولكن لعمَله، وهي كثيرة حتى إنَّ بعض أهل العِلْم ﵏ يَقول: إنَّ الإنسان إذا صلَّى وهو محُدِث، فهذا استِهْزاء بآيات اللَّه تعالى؛ ويَقول: إنه إذا عمِل مُبطِلًا من مُبطِلات العِبادة فهو مُستَهزِئ بآيات اللَّه تعالى.\nوعلى كل حال: كل مَن حوَّل آياتِ اللَّه ﷾ إلى هُزءٍ بالقَوْل أو بالفِعْل أو بالهَيْئة، فإنه يُعتبَر مُتَّخِذًا لها هُزؤًا.\nوالاستِهْزاء بآيات اللَّه ﷿ ليس بالأمر الهَيِّن، حتى إنَّ أهل العِلْم ﵏ يَقولون: مَن قال كُفْرًا أو فعَل كُفْرًا ولو هازِلًا فإنه يَكفُر، واستَدَلُّوا لذلك بقوله ﷿: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦].\nقال اللَّه ﷿: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾: (أُولاءِ) اسمُ إشارة للجَمْع، مع أن الضمائِر التي قَبلها للمُفرَد ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي﴾ ﴿لِيُضِلَّ﴾ ﴿وَيَتَّخِذَهَا﴾ فهي للمُفرَد، وهنا قال ﷾: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ﴾ جمع؛ لأن ﴿مَنْ﴾ اسم مَوْصول تَصلُح للمُفرَد والجماعة، فإن أَفرَدت ما يَعود عليها صِرْت مُتَّبِعًا للَهْوهم، وإن جمَعْته فأنت مُتَّبع لمَعناه.\nويَجوز أن تُراعِيَ لفظها أو مَعناها في كل الكلام ويَجوز أن تُغيِّر، انظُرْ إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ كل هذا على سبيل الإفراد التاج للَّفْظ ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ هذا باعتِبار المَعنَى، ﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق: ١١] باعتِبار اللَّفْظ، فهي آية واحِدة ومع ذلك غُيِّرت فيها الضمائِر من مُراعاة اللَّفْظ إلى مُراعاة المَعنَى إلى مُراعاة اللَّفْظ.","vol":"1","page":32},{"text":"قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾: ﴿أُولَئِكَ﴾ أي: الذين يَفعَلون هذا الفِعْلَ ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ أَتَى بـ ﴿لَهُمْ﴾ -وهو الخبَر- قبل المُبتَدَأ لإفادة الحَصْر، وأَتَى بالجُمْلة الاسْمِية ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ﴾ لإفادة الثُّبوت والدوام والاستِحْقاق لهذا العَذابِ.\nوقوله تعالى: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ﴾ العَذاب بمَعنَى: العُقوبة، و﴿مُهِينٌ﴾ أي: ذو إِهانة. يَعنِي: يُهينهم -والعِياذ باللَّه- فلمَّا كانوا يَستَعِزُّون بأنفُسهم، ويَسخَرون بآيات اللَّه تعالى حتى يَضَعوها عن مَكانها اللائِق بها عُوقبوا بمِثْل جِنايتهم، ودائِمًا: الجزاء من جِنْس العمَل في الدُّنيا والآخِرة، قال ﷾: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ وزِيادة بعدها: ﴿وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧] قال -ﷺ-: \"ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ\" (^١) مِثْلًا بمِثْل، وعلى هذا فقِسْ.\nفالجَزاءُ من جِنْس العمَل، فهذا الرجُلُ الذي اتَّخَذ آياتِ اللَّه تعالى هُزوًا غرَضُه من ذلك أن يَضَعها بين الناس، وأن يَجعَلها مَحلَّ سُخرية، غير مَعبوءٍ بها، ولا مُهتَمٍّ بها، فصار جَزاؤُه -والعِياذ باللَّه- أن اللَّه تعالى يَجزيه بالعَذاب المُهين الذي يُهينه ويُذِلُّه.\n\nمن فوائد الآية الكريمة:\nالْفَائِدَة الأُولَى: ذَمُّ مَن يَرْكَن إلى لَهْو الحَديث، وهو ما لا خَيرَ فيه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي. . .﴾ إلى آخِره.\nالْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: تَحرِيم الغِناء؛ لِأنَّ ابنَ مَسعود -﵁- أَقسَم بالذي لا إلهَ إلَّا هو\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد (٢/ ١٦٠)، وأبو داود: كتاب الأدب، باب في الرحمة، رقم (٤٩٤١)، والترمذي: كتاب البر والصلة، باب ما جاء في رحمة الناس، رقم (١٩٢٤)، من حديث عبد اللَّه ابن عمرو -﵄-.","vol":"1","page":33},{"text":"أنَّه الغِناء، وتَفسيرُ الصحابيِّ حُجَّة، حتى ذهَب الحاكِم وجماعة مِن أهل العِلْم ﵏ إلى أنَّ تَفسيرَه في حُكْم المَرفوع، ولا شَكَّ أنَّ الغِناء المُشْتَمِل على آلَةِ اللَّهْو لا شَكَّ أنَّه حرام؛ لأن نَفْس آلة اللَّهْو حرام، قرَنَها رسول اللَّه -ﷺ- بالزِّنا والخَمْر والحرير، فقال -كما في صحيح البخاري مِن حديث أبي مالِك الأشعريِّ -﵁-: \"لَيَكُونَنَّ أَقْوَامٌ مِنْ أُمَّتِي يَسْتَحِلُّونَ الحرَ وَالحَرِيرَ وَالخَمْرَ وَالمَعَازِفَ\" (^١) فكلِمة \"يَسْتَحِلُّونَ\"، دليل على أنَّها حرام، واستِحْلالهم لها إمَّا باعتِقادِهم أنَّها حلال، وإمَّا بفِعلِهم إيَّاها فِعلَ المُسْتَحِلِّ لها الذي لا يُبالي، والمَوجود الآنَ الأمران، فإنَّ مِن الناس مَنِ استَحَلَّ هذه المَعازِفَ -والعِياذ باللَّه- وقال: إنها حلال، ومنهم مَن يَعتَقِدُ تَحريمها، لكنه يَفعَلها فِعْل المُستَحِلِّ لها بدون مُبالاة.\nولا يَغُرَّنَّكُم ما وقَع فيه الناس اليومَ مِن الانهِماك بِها، فإنَّه أَصبَحَ لها تأثيرٌ عظيم على قُلوبِهم ودِييهم وسُلوكِهم، وانظُرْ إلى المُبْتَلَيْنَ بهذا الأمرِ -والعِياذُ باللَّه- يَكون ما هَمُّهُم إلَّا هذا الأَمرُ، وهُم أَبْعَدُ الناس عن مَعرِفة القُرآن والسُّنَّة ومَواعِظ القُرآن والسُّنَّة.\nولهذا ذَكَر بعضُ أهل العِلْم ﵏ أنَّه لا يَجتَمِع حُبُّ الغِناء، وحُبُّ كِتابِ اللَّه ﷿، قال ابنُ القيِّمِ ﵀:\nحُبُّ الْكِتَابِ وَحُبُّ أَلحَانِ الْغِنَا ... فِي قَلْبِ عَبْدٍ لَيْسَ يَجْتَمِعَانِ (^٢)\nولهذا قال هنا: ﴿يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه معلقًا البخاري: كتاب الأشربة، باب فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه، رقم (٥٥٩٠)، من حديث أبي عامر أو أبي مالك الأشعري -﵁-.\n(^٢) النونية (ص ٣٢٦).","vol":"1","page":34},{"text":"والغِناء بدون آلَةِ إن اشتَمَل على مُحرَّم فهو حرام، وقد يَصِل إلى حَدِّ الشِّرْك، كما لو اشتَمَل على الغُلُوِّ في مَدْح أحدٍ غُلُوًّا يَصِل به إلى درجة الخالِق، وقد يَكون مُحَرَّمًا وفِسْقًا كما لو اشتَمَل على تَحقيق الفِسْق والمُجُون وما أَشبَهَ ذلك، وقد يَكون مُحرَّمًا تَحريمَ الغِيبَة كما لو كان يَسُبُّ شَخْصًا مُعَيَّنًا، المُهِمُّ أنَّه درجات.\nأمَّا إذا كان مُباحًا فإنَّه لا شَكَّ أنه مِن اللَّهْوِ، لكنَّه إذا اسْتُعِين به على شيء مُباح فلا حرَجَ فيه، مِثْل: غِناء العُمَّال الذين يُغَنُّون لِأَجْل أن يَتَقَوَّوْا على ذلك، وقد كان الصحابة -﵃- في حَفْرِ الخَندق يَرتَجِزون، والرسول -ﷺ- يُجِيبُهُم، يَقولون:\nنَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا ... عَلَى الجهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدَا\nوالرسول ﵊ يُجِيبُهُم ويَقول:\nاللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الْآخِرَه ... فَارْحَمِ الْأَنْصَارَ وَالمُهَاجِرَه (^١)\nالرسول ﵊ يَنقُل التُّراب ويَرْتَجِزُ بقول عبد اللَّه بنِ رواحةَ -﵁-:\nاللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا ... وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا\nفَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا ... وَثَبِّتِ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا\nإِنَّ الْأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا ... وَإِنْ أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا\nقال البَراءُ بنُ عازِب -﵁- راوِي الحديث: \"يَمُدُّ صوتَه بِآخِرِها\" (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري: كتاب الجهاد والسير، باب حفر الخندق، رقم (٢٨٣٥)، ومسلم: كتاب الجهاد والسير، باب غزوة الأحزاب، رقم (١٨٠٥)، من حديث أنس -﵁-.\n(^٢) أخرجه البخاري: كتاب المغازي، باب غزوة الخندق، رقم (٤١٠٦)، ومسلم: كتاب الجهاد والسير، باب غزوة الأحزاب، رقم (١٨٠٣).","vol":"1","page":35},{"text":"فهذا لا بأسَ به لمِا فيه مِن الإعانَة على العمَل.\nومِنه حُدَاءُ الإبِل فَإِنَّه كان يُحْدَى بين يَدَيِ الرسول ﵊ في الإِبِل؛ لأنَّ حُدَاءَ الإبِل يَزيدُها مَشْيًا فتُسرِع، فإنهم يَذكُرون مِن أحوالها أَشياءَ عَجيبة عندما يَحدو الحادِي إذا كان حَسَن الصوت تَمشِي مِن غير شُرُود؛ ولهذا كان الرسول -ﷺ- يَقول: \"يَا أَنْجَشَةُ رِفْقًا بِالْقَوَارِيرِ\" (^١) يَعنِي: بِالنساء، وشَبَّهَهَا بالقوارير لِأَجْل أن يَرْفُقَ بِها أكثَرَ؛ لأنَّ القوارِير مَع الحرَكة تَتكَسَّر.\nفالحاصِلُ: أن نَقول: إن الغِناء له الأحوال له التي ذُكِرت، إنِ اقتَرَن بآلة لَهْو كما هو المَوجود الآنَ فهو حرام ولا شَكَّ فِيه؛ لأنَّه داخِل في حديث أبي مالك الأشعريِّ -﵁- إلذي رواه البخاري (^٢) ﵀ فهو حَرام لا رَيبَ فيه، وإذا خَلا فهو على حَسَب الحال.\nالْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ لَهْو الفِعْل أيضًا لا يَجوز التَّساهُل فيه، ويُؤْخَذ ذلك مِن قوله تعالى: ﴿لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ فإنَّ القِياس أنَّ لَهْو الفِعْل كذلك، لأنَّ الكُلَّ لَهْوٌ وضَياعُ وَقْتٍ.\nوعلى هذا فالألعاب التي لا تَزِيد الإنسان نَشاطًا ولا قُوَّةً، ويَضيع بها الوقت تَدْخُلُ في هَذا.\nمسألة: الشِّطْرَنْج فيه خِلاف بين أهل العِلْم ﵏، والصَّحِيح أنَّه حرام.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري: كتاب الأدب، باب ما يجوز من الشعر والرجز، رقم (٦١٤٩)، ومسلم: كتاب الفضائل، باب في رحمة النبي -ﷺ- للنساء، رقم (٢٣٢٣)، من حديث أنس -﵁-.\n(^٢) أخرجه معلقًا البخاري: كتاب الأشربة، باب فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه، رقم (٥٥٩٠)، من حديث أبي عامر أو أبي مالك الأشعري -﵁-.","vol":"1","page":36},{"text":"وقد ادَّعى بعضُهم: أنَّ الشطرنج تَشْحَذُ الأَذْهان، واعتَرَض عليه آخَرُ، فقال: إنَّ الذين يَلعَبونها مِن أبلَدِ الناسِ أَذْهانًا؛ لأنَّهم لا يَعرِفون أشياءَ زائِدةً عمَّا يَتعَلَّق بهذه اللُّعبةِ، فهم بُلَداءُ فيما سواها؛ ولهذا لو نَاقَشْتَهم في أمور لا تَتعَلَّق بهذه اللُّعبةِ لوجَدْتَهم من أبلَدِ الناس؛ لأن أفكارَهم انحَصَرَت في هذه اللُّعبةِ؛ فأينَ ما يُقال: إنه شَحْذ لِلذِّهْن؟ ! .\nفالمُهِمُّ: أنَّه يُؤخَذ مِن فَحوى الآية الكريمة: أنَّ لهْو الفِعْل كَلَهْوِ الحَديث.\nفإن قال قائِل: هل الكُرَةُ تَدخُل في هذا أو لا؟\nفالجَوابُ: أنَّ الكُرَة لا تَدخُل هنا؛ لأنَّ الكُرَة فيها رِياضة بدَنِيَّة إلَّا إذا ترتَّب عليها محذُور شَرعي مِن تَرك واجبٍ أو فِعل محرَّم، أو كانَت تَشتَمِل على كَشْفِ العَورة، كما لو كانوا مثَلًا يُبْدُون أفْخَاذَهم، فإنَّ تكون محرَّمة؛ كالبَيع والشِّراء -الذِي هو جائِز بالإِجْماع- إذا أَلْهى عَن واجِب صارَ حرامًا، لكن إذا انتَفَت عن المَحظُور فلا أَرَى بِها بأسًا؛ لأنَّها تُفِيد البَدَن.\nلكن في بعض الأحيان تَكون الكُرَة مُغالَبة بين فريقَيْن يَنتَميان إلى نادِيَيْن، ثُمَّ إذا غُلِبَ أحدُهما بدَأَ الآخَرون يَحذِفون بالحِجارة أحيانًا ويُكَسِّرُون السيَّاراتِ، فهذه رُبَّما نَقول: مِن هذه الناحيةِ قد تَكون مُحرَّمَة؛ فيَحدُث هذا ممَّن يَنْتَمون إلى النَّوادِي حسبَ ما سَمِعت، وبعضهم قد يَكون مُعْتَدِلًا ولا يَحصُل مِنه هذا الشيءُ.\nلكن افرِضْ أنَّ جماعة مِن الناس خرَجوا إلى نُزْهة، وكان عندهم فَراغ مَثَلًا، وأَرادوا أن يَفعَلوا هذه، فلا نَقول: هذا حرام.\nالمُهِمُّ: أنَّها في الأصل هي مُباحة، فإنِ اقتَرَن بها ما يَقتَضِي التَحْرِيم حُرِّمت،","vol":"1","page":37},{"text":"فكل المُباحات إذا اقتَرَن بها ما يَقتَضي التحريم تَكون حرامًا، وإذا اقتَرَن بها ما يَقتَضي الوجوب صارت واجِبًا؛ لأن المُباح لِذَاته قد تَتَعَلَّق به الأحكام الخَمْسة كما هو مَعروف.\nوأنا أُحِبُّ أن نَفهَم القواعد، فـ (تَحرِيم الحلال أشَدُّ من تَحليل الحرام)؛ لأن اللَّه تعالى محبُّ أن يُيَسِّر على عِباده ويُوسِّع لهم، فلا يُمكِن أن نُقدِم على شيء ونَقول: هو حرام إلَّا بالدليل؛ لأننا مَسؤُولون عن هذا يوم القِيامة، مَسؤُولون عن نِسبته إلى اللَّه تعالى أنَّ اللَّه تعالى حرَّمه، ومَسؤُولون عن التَّضييق على عِباد اللَّه تعالى فيما أَباحَه اللَّه تعالى لهم، فالمَسأَلة ليست هَيِّنةً.\nولْنَكُن مُعتَدِلين لا نَميل إلى قول مَن يَقول: إن الكُرَة تَصِل إلى درجة الاستِحْباب أو الوُجوب. ولا إلى قول مَن يَقول بالتَّحريم مُطلَقًا، نَقول: هي في الأصل مُباحة. هذا رَأْيِي، وإنِ اقتَرَن بها ما يَقتَضي التحريم صارت حَرامًا وإلَّا فَلا.\nفإذا تَضَمَّنت إشغال الإنسان عمَّا هو أهَمُّ، أو عن واجِب لا شَكَّ أنَّها حرام، عمَّا هو أهمُّ خِلَاف العِقْل فيها نوع مِن السَّفَه، ولكن لا نَقول: حرام؛ لأنَّ الإنسان يجوز أن يَشتَغِل بما ليس بأَهَمَّ عن الأهَمِّ إذا لم يَكُن واجِبًا.\nالْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: ذَمُّ كُلِّ ما يَصُدُّ عن سبيل اللَّه تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ثُمَّ إن كان يُضِلُّ عن واجِب صار حرامًا، وإن كان يُضِلُّ عن مُسْتَحَبٍّ لم يَكُن حرامًا، لكنَّه يُذَمُّ بلا شكٍّ.\nالْفَائِدَةُ الخامِسَةُ: تَحريم الهُزْء بآيات اللَّه تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾، والاستِهْزاء بآيات اللَّه تعالى حُكْمُه الكُفْر، فمَنِ استَهْزَأ بآيات اللَّه تعالى فهو كافِر","vol":"1","page":38},{"text":"بِنَصِّ القُرآن: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦] وماذا قال؛ قال ﷾: ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾، فهو صريح في الكُفْر؛ ولهذا قال العُلَماءُ ﵏: إنَّ مَن قالَ قَوْلَ الكُفْر ولو كان هازِلًا أو مازِحًا فهو كافِر، فمَن سبَّ اللَّه تعالى أو رسولَه أو دِينَه ولو كان هازِلًا فهو كافِر، يَعنِي أن هذا -والعِياذ باللَّه- أَعظَمُ مِن أن يَسُبَّهُ جادًّا.\nالْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: الوعيدُ الشديد على مَن هذه حالُه؛ لِقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾.\n* * *","vol":"1","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>الآية (٧)</span>\n* قالَ اللَّه ﷿: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [لقمان: ٧].\n* * *\n\nقوله ﵀: [﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا﴾ أي: القرآن ﴿وَلَّى مُسْتَكْبِرًا﴾ مُتكبِّرًا ﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾].\nقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ﴾ أي: تُقرَأ عليه آياتُنا من أيِّ إنسان: الرسول -ﷺ- أو الصحابة أو التابِعين أو أيِّ إنسان.\nفإذا قُرِئت عليه آياتُ اللَّه تعالى فإنه يُولِّي مُستكْبِرًا ويُعرِض، وليس إعراضًا على وجه المُماثَلة، أو إعراضًا لشُغْل آخَرَ، ولكنه يُعرِض مُستكبِرًا، والعِياذ باللَّه.\nوالاستِكْبار هنا استِفْعال من الكِبْر، والسين والتاء فيه للمُبالَغة، وليسَت للطلَب، لأنَّ السين والتاء تارةً تَكون للطلَب كقولك: أَستَغفِر اللَّه. أي: أَطلُب مَغفِرته، وتارةً تَكون للمُبالَغة مثل: استكبَر، فهنا ﴿وَلَّى مُسْتَكْبِرًا﴾ أي: مُبالِغًا في كِبريائه -والعِياذ باللَّه- وإعراضه عن آيات اللَّه تعالى.\nوقوله: ﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾ هذا تَشبيه في مَوضِع الحال، يَعنِي: كحال الذي لم يَسمَعها في عدَم الانتِفاع بها، لكنه أَخبَثُ منه، لكونه ﴿وَلَّى مُسْتَكْبِرًا﴾ فالذي لم يَسمَعها قد يَكون مَعذورًا، لكن مَن سمِعها وولَّى مُستكبِرًا فهو كالذي لم يَسمَعها","vol":"1","page":40},{"text":"باعتِبار عدَم الانتِفاع، لكنه أشَدّ باعتِبار تَولِّيه مُستكبِرًا.\nثُمَّ قال: [﴿كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ صَمَمًا] الوَقْر: الصمَم، كأن الصمَم يَسُدُّ الأذُن، فليس المعنى أنه -والعِياذُ باللَّه- لم يَسمَع الآياتِ، بل كأن أذُنه التي هي محَلُّ السَّمْع غير مُستَعِدَّة للسَّمْع فهو لم يَسمَع، وليس عنده آلة سَمْع، كأن في أُذُنيه وَقْرًا.\nقال المُفَسِّر ﵀: [وجُمْلَتا التَّشبيه حالان من ضمير ﴿وَلَّى﴾، أو الثانية بَيانٌ للأُولى] إنما هُما في محَلِّ نَصْب على الحالى من فاعِل ﴿وَلَّى﴾، يَعنِي: ولَّى مُستَكبِرًا، مُشابِهًا لمَن لا يَسمَع، ومُشابِهًا لمَن في أذُنَيْه وَقْر.\nوهذا في غاية ما يَكون من بيان حال هذا الرجُلِ في إعراضه، وعدَم انتِفاعه بآيات اللَّه تعالى.\nقوله ﷾: ﴿فَبَشِّرْهُ﴾ البُشرى إذا أُطلِقت فهي بخير، وإن قُيِّدت بالخَيْر صار ذلك تَأكيدًا، كما قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٢٥]، وإن قُيِّدت بالشَّرِّ فهي للشَّرِّ.\nفالبُشرَى إمَّا أن تُطلَق أو تُقيَّد:\nفإذا أُطلِقت فهي بالخير، مثالُه: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤]، ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ [الزمر: ١٧].\nوإن قُيِّدت بالخير فهي خير، ويَكون ذلك تَأكيدًا مثل: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ﴾.\nوإن قُيِّدت بالشَّرِّ فهي للشَّرِّ، لكن هل قيلت فيه على سبيل الحقيقة، أو على سبيل التَّهكُّم؟","vol":"1","page":41},{"text":"الجَوابُ: المُفَسِّر ﵀ وجماعة يَرَوْن أنه قيلت على سَبيل التَّهكُّم؛ لأن الأصل فيها الخير، فإذا قُيِّدت بالشَّرِّ فهو من باب التَّهكُّم به كما في قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] على القول بأن المُراد: العزيز الكريم في تِلكَ الحالِ، لا أنك أنت العَزيز الكَريم في الدنيا من قَبلُ.\nولكن قد يَقول قائِل: إن البُشرى إذا قُيِّدت بالشَّرِّ فهي على حَقيقتها، وأن أصل البُشرى من البشَرة، وهي: الإعلام بما يَتغَيَّر به الوجهُ، فإن تَغيَّر بالسرور والانشِراح فهي بالخير، وإن تَغيَّر بالانقِباض والعُبوس فهي في الشَّرِّ، فكل ما كان مُؤثِّرًا على بشَرة الإنسان فهو بُشرى، لكن هي في الأصل في الخَيْر.\nثُمَّ قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾: ﴿أَلِيمٍ﴾ بمَعنَى: مُؤلِم، ففي الأوَّل عَذاب مُهين، ذو إهانة، وفي الثاني عذاب أَليم ذو إيلامٍ؛ لأنه فعَل أفعالًا أعظَمَ من الأوَّل، هذا الأخيرُ إذا تُتلَى عليه آياتُ اللَّه تعالى ولَّى مُستكبِرًا، فهو أَعظَمُ من الذي يَشتَرِي لَهْوَ الحديث، فالأوَّل يُصاب بعذاب مُهين، والثاني يُصاب بعَذاب أليم، والمَوْصوف واحِد في الحقيقة، لكن أحواله مُتغَيِّرة.\nقال المُفَسِّر ﵀: [وهو النَّضْر بن الحارِث (^١) كان يَأتِي الحِيرة يَتَّجِر فيَشتَري كتُب أخبار الأعاجِم ويُحدِّث بها أهل مَكَّةَ، ويَقول: إن محُمَّدًا يُحدِّثكم أحاديثَ عادٍ وثمودَ، وأنا أُحدِّثكم أحاديث فارِسَ والرومِ، فيَستَحِلُّون حديثه ويَترُكون استِماع القرآن].\nالمُفَسِّر ﵀ يَقول: [وهو النَّضْر]، وتَعيينها بالنَّضْر فقَطْ، لا شكَّ أنه قُصور، والصواب: أنها عامَّة له ولغَيْره، وسواءٌ بهذه الطَّريقةِ التي كان يَتَّخِذها هو أو بغيرها\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان رقم (٤٨٣٠)، عن ابن عباس -﵄-.","vol":"1","page":42},{"text":"كما سبَقَ لنا في الأمثِلة، فالصواب العُموم، لكن المُفَسِّر ﵀ دائِمًا يَخُصُّ القرآن بالعموم، كما تَقدَّم كثيرًا يَحمِل الآياتِ التي تَتَحَدَّث بالكُفْر والشِّرْك على أهل مكَّةَ دائِمًا.\n\nمن فوائد الآية الكريمة:\nالْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ مِن علامات هذا الصِّنْفِ مِن النَّاس إعراضَهم عن سَماعِ آياتِ اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا﴾.\nالْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ هذا الذي تُتْلى عليه آياتُ اللَّه تعالى وهو قدِ اشتَرَى لَهْوَ الحديث يَكون -والعِياذُ باللَّه- كالإنسان الذي به صمَمٌ لا يُمكِن أن يَصِل إلَيْه سماعُ الحقِّ، لقولِه تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾.\nالْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الوعيدُ الشديدُ على مَن إذا تُلِيَت عليه آياتُ اللَّه ﷾ وَلَّى مُستكْبِرًا.\nالْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: ثُبوتُ المَدْح والثَّناء لمَن كان على العكس مِن ذلك؛ لأنَّ الذمَّ على صِفَة يَقتَضي مَدْح مَن اتَّصَف بِضِدِّها، وهذه قاعِدة مُفيدة، فيُؤْخَذ مِنه: مَدْح مَن إذا تُلِيَت عليه آيات الرحمن أَقْبَل إليها واستَمَع إليها، ولهذا قال اللَّه ﷾: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان: ٧٣] لم يَخِرُّوا صُمًّا، يَعنِي: ولا عُمْيَانًا، وإنما يُقْبِلُون إليها بآذان سامِعة، وأَعيُنٍ مُبصِرة.\nفإذا قال قائِل: هل مِن الإعراض عن آيات اللَّه تعالى مَن يَقُول للقارِئ: انْتَهِ مِن القِراءة؟\nفالجَوابُ: لا، بمَعنَى أنك إذا جعَلْت واحِدًا يَقرَأ عليك، ثُم قُلْت: يَكفِي،","vol":"1","page":43},{"text":"ليس مِن هذا، لأنَّه قد ثبَت عن النبيِّ ﵊ أنَّه قال لابن مَسعود -﵁-: \"اقْرَأْ عَلَيَّ\"، فقال: يا رسول اللَّه أَقرَأُ عليك القرآنَ وعليك أُنزِلَ! قال: \"نَعَمْ إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي\"، فتَلا عليه سورة النساء، فلما بلَغ قوله ﷾: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] قال: \"حَسْبُكَ\" يَعنِي: قِفْ، يَقول -﵁-: فرَأَيْتُ النبيَّ -ﷺ- عَيناهُ تَذْرِفانِ (^١).\nوعلى هذا فيَجوز للإنسان أن يَقول للقارِئ: أَوْقِفِ القِراءةَ، كما يَدُلُّ أيضًا على جواز غَلْق (الراديو) إذا كان يَقرَأ القرآن، ولا حرَجَ عليه، وكذلك أيضًا في المُسَجِّل، حتى وإن كان يَتْلو في وسَط القِراءة.\nالْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ البِشَارة تُطلَق على ما يَسُوء؛ لقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه البخاري: كتاب التفسير، باب ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾، رقم (٤٥٨٢)، ومسلم: كتاب صلاة المسافرين، باب فضل استماع القرآن، رقم (٨٠٠)، من حديث عبد اللَّه بن مسعود -﵁-.","vol":"1","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>الآيتان (٨، ٩)</span>\n* قالَ اللَّه ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [لقمان: ٨ - ٩].\n* * *\n\nوهذه طريقة القرآن إذا ذَكَر آياتِ الوَعيد وصِفات مَن يَستَحِقُّون ذلك الوعيدَ، ذكَرَ بعدها آياتِ الوَعْد وصِفاتِ مَن يَستَحِقُّ ذلك الوَعدَ.\nفقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ والإيمان محَلُّه القَلْب، يَعنِي: آمَنوا بما يَجِب الإيمان به، وهو كما قال الرسول -ﷺ-: \"أَنْ تُؤْمِنَ باللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكتُبهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ\" (^١).\nوقوله تعالى: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ يَعنِي: الأعمالَ الصالحاتِ، والعمل الصالِح هو كل ما جمَع بين شَرْطين: الإخلاص للَّه تعالى، والمُتابَعة للرسول -ﷺ-، ولا يَدخُل في ذلك التَّرْكُ، فالذي لا يَزنِي لا نَقول: إنه عمِل.\nإذَنْ: مجُرَّد التَّرْك في الحقيقة ليس بعمَل، لكن إذا اقتَرَن به نية صار عمَلًا؛ لأنه إذا اقتَرَنَت به النية صار كفًّا للنَّفْس، والكفُّ عمَل؛ ولهذا جاء في الحديث: \"مَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ حَسَنهً كَامِلَةً\" (^٢)، لكنه ذكَر عِلَّتها، فقال: \"إِنَّهُ تركَهَا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام، رقم (٨)، من حديث عمر -﵁-.\n(^٢) أخرجه ابن منده في الإيمان رقم (٣٧٦)، والبيهقي في شعب الإيمان رقم (٦٦٤٥)، من حديث أبي هريرة -﵁-.","vol":"1","page":45},{"text":"مِنْ جَرَّائِي\"، أي: من أَجْلي.\nفهذا هو الفَصْل في الخِلاف: هل التَّرْك فِعْل وعمَل أم لا؟ نَقول: التَّرْك ليس بفِعْل ولا عمَل إلَّا إذا اقتَرَن به نِيَّة، فإنه إذا اقتَرَن به نِيَّة صار فيه كفّ للنَّفْس، وحينئذ يَكون بهذا الاعتِبار عمَلًا.\nوقوله تعالى: ﴿لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾: ﴿لَهُمْ﴾ خبَر مُقدَّم، و﴿جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾ مُبتَدَأ مُؤخَّر، والجُملة من المُبتَدَأ والخبَر في محَلِّ رَفْع خبَر (إنَّ).\nوقوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ﴾ جَمْع جَنَّة، وجُمِعت باعتِبار أنواعها، وكذلك تُجمَع باعتِبار مَراتبها، والجَنَّة في اللغة هي: البُستان كثير الأشجار، سُمِّيَت بذلك؛ لأنها تَجِنُّ مَن كان فيها. أي: تَستُرُه وتُغطِّيه، ولهذا سُمِّيَت جَنَّة.\nأمَّا الجنَّة التي وُعِد المُتَّقون، فإنها: (الدار التي أَعدَّها اللَّه لأَوْليائه، فيها ما لا عَيْنٌ رأَتْ، ولا أذُن سمِعَت، ولا خطَرَ على قَلْب بشَر).\nفيَنبَغي أن تُعرَّف الجَنَّة التي وُعِد المُتَّقون بهذا، لا يُقال: إن الجنَّة هي الحائِط الكثير البُستان؛ لأنك إذا قلت هذا في تَعريف الجَنَّة التي وُعِد المُتَّقون لا تَشعُر بأن لها من المَقام والعظَمة ما كنت تَتخَيَّله من قبلُ، ولكنك تَقول: (هي دار النَّعيم التي أَعَدَّها اللَّه ﷾ للمُتَّقين، فيها ما لا عَينٌ رأَتْ، ولا أذُن سمِعَت، ولا خطَرَ على قَلْب بشَرٍ).\nوقوله ﷾: ﴿جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾، النَّعيم كلِمة جامِعة، تَشمَل سُرور القَلْب، وتَرَف البدَن، فالإنسان مُنعَّم فيها، في ظاهِره وباطِنه، أمَّا في الدنيا فلا يُمكِن أن يَجتَمِع الأمران، فالغالِب أن مَن تَنَعَّم بدنُه فإن قلبه يَغتَمُّ بحُزْن وعَذاب، ومن الناس مَن يُجمَع له بين الأمرين -والعِياذ باللَّه- أمَّا أهل الجَنَّة فإنهم جمَع اللَّه ﷾ لهم","vol":"1","page":46},{"text":"بين سُرور القَلْب وبين وترَف البدَن.\nقال ﵀: [﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ حال مُقدَّرة] اعلَمْ أن الحال تَنقَسِم إلى قِسْمين: حال مُقرَّرة، بمَعنَى أن صاحِبها مُتلَبِّس بها الآنَ، وحال مُقدَّرة بمَعنى أنها ستكون لصاحِبها، فهنا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾ فهذا وَعْد، وليس خبَرًا، فلم يَقُل: يَدخُلون جَنات النَّعيم، بل وعَدَهم بأن لهم جناتِ النعيم؛ ثُم قال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾، فهل هم خالِدون فيها حال وَعْدهم بها، أو بعد أن يُبعَثوا؟\nالجَوابُ: بعد أن يُبعَثوا؛ ولهذا قال ﵀: [حالٌ مُقدَّرة؛ أي: مُقدَّرًا خُلودهم فيها إذا دخَلوها] أمَّا الآنَ فليسوا خالِدين فيها؛ لأخهم إلى الآنَ لم يَبعَثوا، ولا وصَلوا إليها، وعليه فنَقول: إنها حال مُقدَّرة، يَعنِي أن صاحِبها لا يَتَلبَّس بها الآنَ.\nوقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ﴾ الخلود هو: المُكْث، إمَّا الدائِم، وإمَّا الطويل، يَعنِي: أنه قد يَكون مُكْثًا دائِمًا، وقد يَكون مُكْثًا طويلًا، فإذا أُكِّد بالتأبيد وقيل: أبدًا، فهو قَطْعًا للمُكْث الدائِم؛ لأنه أُكِّد به.\nوقوله ﷾: ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾، والوعد هو: مثل العَهْد، أي: أن الواعِد يَتعَهَّد بالموعود بما وعَده به، ويُقال: وَعْد ووَعيد، فالوَعْد فيما يَسُرُّ، والوعيد فيما يَسوء.\nوقوله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ عِندنا مَصدَران؛ فقوله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ مَصدَر عامِله مَحذوف، أي: وُعِدوا وَعْدَ اللَّه، أو وعَدَهم اللَّه وعدَ اللَّه، وأمَّا قوله ﷾: ﴿حَقًّا﴾ فهي أيضَّاَ مَصدَر، ولكن عامِلها أيضًا مَحذوف، التَّقدير: أحقَّه حقًّا، أو حقُّه حقٌّ.\nفعليه يَكون اللَّه تعالى أكَّد هذه الجُمْلة الخبَرية بمُؤكِّدين مَعنَوِيَّين:","vol":"1","page":47},{"text":"أحدُهما: أنها وَعْد اللَّه، ووَعْد اللَّه ﷿ لا يُخلِف، لأنه لا يُخلِف الميعاد؛ لتَمام صِدْقه وقُدْرته، والإخلاف للوَعْد إنما يَأتي من أَمْرين:\n١ - إمَّا أن يَكون الواعِد كاذِبًّا فليس محَلًّا للصِّدْق.\n٢ - وإمَّا أن يَكون صادِقًا لكن يَعجِز عن الوفاء بما وعَدَ.\nواللَّه ﷾ قد انتَفَى بحَقِّه الأمران، فهو مُنزَّهٌ عن الكذِب، ومُنزَّهٌ عن العَجْز، فإذا كان مُنزَّهًا عن الكذِب وعن العَجْز لزِم أن يَكون كامِل الصِّدْق والقُدْرة، وحينئذ يَتحَقَّق ما وعَدَ به.\nوأمَّا المُؤكِّد الثاني فهو قوله تعالى: ﴿حَقًّا﴾، يَعنِي: أُؤكِّده تأكيدًا وأَحقَّه حقًّا، وهذا من زيادة التَّوْكيد في الوَعْد.\nوقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ يَقول المُفَسِّر ﵀: [إنه الغالِب الذي لا يَمنَعه شيء من تَنفيذ وَعْده ووَعيده] ولكن سبَق لنا أن العِزَّة التي وصَف اللَّه بها نَفْسه لها ثلاثة مَعانٍ: عِزَّة القَهْر، وعِزَّة القَدْر، وعِزَّة الامتِناع.\nأمَّا عِزَّة القَهْر: فمَعناها أنَّ اللَّه ﷾ هو الغالِب الذي لا يُغلَب؛ ولهذا يُقال: فُلان عزيز. يَعنِي: غالِب في الجِهاد والقِتال، قال اللَّه تعالى: ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح: ٣].\nالثانِي: عِزَّة القَدْر: بمَعنى أنه ذو قَدْر عظيم.\nوالثالِث: عِزَّة الامتِناع: بمَعنَى أنه يَمتَنِع عليه النَّقْص، ومنهم قولهم: أرض عِزاز. للأرض القَويَّة الشديدة الصُّلْبة. نحن نُسمِّيها باللغة العامية: (عَزَا) يَعنِي: قوِيَّة صُلْبة.","vol":"1","page":48},{"text":"إِذَنْ: فـ (العزيز): هو المُتَّصِف بالعِزَّة، وعِزَّته ﷾ ثلاثة أنواع: عِزَّة قَدْر، وعِزَّة قَهْر، وعِزَّة امتِناع.\nفأمَّا عِزَّة القَهْر: فمَعناها أنه ﷾ قاهِر لكل شيء لا يَغلِبه شيء.\nوأمَّا عِزَّة القَدْر: فهو كماله في ذاته أنه ذو قَدْر عظيم.\nوأمَّا عِزَّة الامتِناع: فهو امتِناعه عن كل نَقْص وعِلَّة.\nوقوله ﵀: [﴿الْحَكِيمُ﴾ الذي لا يَضَع شيئًا إلَّا في مَحلِّه] قوله تعالى: ﴿الْحَكِيمُ﴾ تَقدَّم لنا أنه مُشتَقٌّ من الحُكْم والحِكْمة، وأن الحُكْم نوعان: حُكْم كونيٌّ قدَريٌّ، وحُكْم شَرْعيٌّ دِينيٌّ، فما جاءت به الرُّسُل من الأوامِر والنَّواهِي: هذه أحكام شرعية دِينية، وما يَتعَلَّق بالخَلْق والتَّكوين؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، فهذا حُكْم كونيٌّ.\nثُمَّ إن هذين الحُكْمين مَقرونان بالحِكْمة، وهي مُوافِقة الصواب، ومُوافَقة الصواب: مَعناها أن يَضَع كل شيء في مَوضِعه، فكل شيء من أَحكام اللَّه تعالى الكونية وأحكامه الشَّرْعية، فإنه في غاية ما يَكون من الصواب وفي غاية ما يَكون من المُطابَقة لمَحَلِّه، فلم يَخلُقِ اللَّه تعالى شيئًا سفَهًا ولا شرَعَ شيئًا سفَهًا، بل كل مَشروعاته فإنها حِكْمة، وكل مخَلوقاته حِكْمة.\nوتَقدَّم لنا أن الحِكْمة أيضًا نَوْعان: حِكْمة غائِية، وحِكْمة صورية، والصورية مَعناها: أنَّ الشيء على هذه الصُّور المُعيَّنة مُوافِق للحِكْمة، والغائِية مَعناها: أن إيجاد هذا الشيءِ له حِكْمة وغاية مَحمودة.","vol":"1","page":49},{"text":"من فوائد الآيتين الكريمتين:\nالْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ هذا القُرآنَ مِن طريقته أنه إذا ذَكَر العذاب ذَكَر النعيم، وإذا ذَكَر المُؤمِنين ذَكَر الكافِرين، وهكذا، لأنَّه لو ذُكِر الإيمان أو المُؤمِنون ولم يُذْكَر ما يُضَادُّه غَلَبَ على الإنسان جَانِبُ الرجاء، ولو ذُكِرَ التخويف وأهل النار غَلَب عليه جانِبُ الخوف، وهذا يَضُرُّ المرء، وإنَّما يَكون المَرْء آدمَّ إذا صار يَسير إلى اللَّه ﷿ بَيْن الخوف والرجاء.\nالْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: فَضيلةُ الإيمان والعمَل الصالِح، ويُؤْخَذُ ذلك من قوله: ﴿لَهُمْ جَنَّاتُ﴾؛ ووجهُه: أنَّ الثواب بِالحُسنى على العَمَل يَدُلُّ على مَدحِه والثَّناءِ على فاعِلِه.\nالْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ الإيمان لا يَكفِي، بل لا بُدَّ مِن عَمَلٍ صالِح، فمُجَرَّد العقيدة لا تَكفِي إذا لم يَكُن عمل صالِح، بل ربما نَقول: إنَّه إذا لم يَكُن عمَل صالِح فهو دليل على أنَّه لا عَقيدةَ، لأنَّ النبيَّ ﵊ يَقول: \"أَلا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ\" (^١).\nلكن مِن الأعمال مَا لا يُخْرِج مِن الإيمان، لا فِعْلُه ولا تَرْكُه، فيَكون من الكبائر لكن لا يُخْرِج مِن الإيمان، وإنَّما يَدُلُّ على ضعْف العَقيدة والإيمان، ومن الأعمال ما يَكون فِعْلُه أو تَرْكُه كُفْرًا، فلو أنَّ أحدًا غلا بِشخصٍ حتى رفَعَه إلى مَنزِلة الرَبِّ، كان بذلك كافِرًا، وإن كان يَعتَقِد أن اللَّه تعالى مَوْجود، وأن اللَّه لَه الأسباب الكامِلة، ولو أن أحَدًا لم يُصَلِّ كان كافِرًا، ولو كان يَقول: أَشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللَّهُ وأنَّ محُمَّدًا رسولُ اللَّه.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري: كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه، رقم (٥٢)، ومسلم: كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات، رقم (١٥٩٩)، من حديث النعمان بن بشير -﵁-.","vol":"1","page":50},{"text":"قال ابنُ القيِّم (^١) ﵀: لا تَغتَرَّ بِمَن قال: إنَّ رجُلًا يُحافِظ على تَرْك الصلاة، ثُمَّ يَقول: إنه مُؤمِن فإنَّ هذا لا يَدرِي عن أعمال القلوب وشُؤُونِها وأحوالِها، ولا يُمكِن لإنسان يُحافِظ على تَرْك الصلاة ثمَّ يَقول: إنَّه مُؤمِن، لو قال ذلك فهو كافِر، إِذْ إنَّ الإيمان حقًّا لا يَدَعُه يَترُك الصلاة مع عِلْمِه بِفضلِها والوعيد على تَرْكِها.\nفكيف تُؤمِن بأنَّ الرسول -ﷺ- قال: \"مَنْ ترَكَهَا فَقَدْ كفَرَ\" ثُمَّ لا تُصَلِّي؟ وكيف تُؤمِن بأنَّ الرسول -ﷺ- يَقول: \"الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنهمُ الصَّلَاةُ\" (^٢) ثُمَّ لا تُصلِّي! فأين الإيمانُ؟ وكيف تُؤمِن بأنَّ هذه الصلاةَ ما فُرِضَت على الرسول -ﷺ- إلَّا وهو في أعلى مَكان وفي أَشرَفِ ليلة، وبدُونِ واسِطة، وعلى أنَّها خَمسون صلاةً (^٣)، وكلُّ هذا يَدُلُّ على عِناية عظيمة بهذه الصلاةِ، ثُمَّ لا تُحافِظ عليها، وتَقول: إنَّك مُؤمِن! ! .\nأَعتَقِد لو أنَّ أحدًا مِن الناس قال له ملِك من المُلوك: إذا زُرْتَني في بيتي أَعطَيْتُك كذا، وإذا لم تَزُرْني عاقَبْتك بِكَذا. ثُم لَمْ يزُرْه هل يَكون عندَه الثِّقة بِما قال هذا الملِكُ؟ لا يَكون عِنده ثِقَة، لو كان عنده ثِقَة لذهَب بلا شَكٍّ على رأسه لا على رِجْلَيه! فكيف بوَعْدِ اللَّه ﷿ ووعيدِه! ! .\nالْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إثباتُ الجَنَّة؛ لِقوله تعالى: ﴿لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾، وهي مَوْجودة الآنَ، وقد دخَلها النبيُّ ﵊، ورأَى فيها قَصرًا لِعُمَرَ بنِ الخطاب -﵁-.\n_________\n(^١) انظر: الصلاة وأحكام تاركها (ص ٦٣).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد (٥/ ٣٤٦)، والترمذي: كتاب الإيمان، باب ما جاء في ترك الصلاة، رقم (٢٦٢١)، والنسائي: كتاب الصلاة، باب الحكم في تارك الصلاة، رقم (٤٦٣)، وابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء فيمن ترك الصلاة، رقم (١٥٧٩)، من حديث بريدة بن المحصب -﵁-.\n(^٣) أخرجه البخاري: كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، رقم (٣٢٠٧)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول اللَّه -ﷺ- إلى السماوات، رقم (١٦٤)، من حديث مالك بن صعصعة -﵁-.","vol":"1","page":51},{"text":"الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ هذه الجنَّاتِ مُشْتَمِلَة على النعيم الذي هو سُرُورُ القَلْب، وتَرَفُ البدَن، فأبدانُهم في غاية ما يَكون مِن التَّرَف، وقلوبهم في غايةِ ما يَكون مِن السرور؟ قال ﷾: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان: ١١] ﴿نَضْرَةً﴾ في أبدانِهم، ﴿وَسُرُورًا﴾ في قلوبِهم.\nالْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ هذه الجنَّاتِ جَنَّاتُ خُلْد لا مَوتَ فيها؛ لِقوله ﷾: ﴿نَضْرَةً﴾ وقد ورَدَ في عِدَّة آيات مِن القرآن ذِكْر التَأْبِيد لِهذا النعيمِ: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾.\nالْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: الآية تَدُلُّ على أنَّه لا مرَضَ في الجَنَّة، ووجهه قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾؛ لأنَّ المرَض يُنافي النعيم، وعلى أنَّه ليس فيها شَيْخوخة؛ لأنَّ الشَّيْخُوخُة تُنافِي ذلك أيضًا، وعلى أنَّه ليس فيها هَمٌّ أو كَدَر أو تَنغِيص أبدًا، كُلُّ هذا يُنافِي النعيم، اللَّهُمَّ اجعَلْنا من أهلها خالِدين فيها.\nالْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ هذا الوعدَ حَقٌّ لا يُمكِن أن يُخْلَف، لِقولِه تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾؛ ويُمكِن أن يُستَفاد مِنه: أنَّه لا حُجَّةَ لهم بعد أن أَكَّد اللَّه ﷾ هذا الوَعْدَ بهذا التَّأكيدِ، وبعد أَنْ ذكَر أيضًا الوعيد على مَن خالَف.\nالْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: فضلُ اللَّه تعالى عَلى عِباده بِكونِه يُؤكِّد لهم هذه الأمورَ هذه التأكيداتِ، مَع أنَّه جَلَّ وَعَلَا يَكفِي خبَرُه، لكنَّه يُؤَكِّد هذا الخبَرَ وهذا الوعدَ مِن أَجْل أن يَقْوَى الناسُ على الحُصول على هذا النَّعيمِ، وذلك بالإيمان والعمَل الصالِح.\nالْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: إثبات العِزَّة والحِكْمة للَّه تعالى، لِقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، وإثباتُ هذين الاسمَيْن مِن أسماء اللَّه تعالى، وهما: العزيز والحكيم.\n* * *","vol":"1","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>الآية (١٠)</span>\n* قالَ اللَّه ﷿: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [لقمان: ١٠].\n* * *\n\nقال ﵀: [﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ أي: العَمَد جمع عِماد، وهو الأُسطوانة، وهو صادِق بأن لا عَمَدَ أَصلًا] قوله تعالى: ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ جَمْع سَماء، ويُطلَق السماء على كل ما على، ويُطلَق على السموات ذات الأَجْرام المَحسوسة، والمُراد هنا ذات الأجرام المَحسوسة، خلَقها اللَّه ﷿ بغَيْر عمَد.\nوقوله: [والعَمَد جَمْع عِماد كالأُسطوانة]، فالعَمود المَعروف، يَعنِي: ليس لها أَعمِدة تَحمِلها؛ وهل المَعنَى أن لها عمَدًا لا ترى، أو أن المَعنَى أنه لا عمَدَ لها؟\nالجَوابُ: فيه اختِلاف؛ فقيل: إنه لا عمَدَ لها، وهو ما جرَى عليه المُفَسِّر ﵀ قال: [وهو صادِق بأن لا عَمَدَ أصلًا] بمَعنَى أنه يَصلُح أن تَقول: هذا ليس له عمَد تُرَى، يَعنِي: إذا انتَفَت رُؤْيتها انتَفَتْ هي؛ لأنه لو كانت لرأَيْناها كما نَرَى السماء، فلمَّا لم نرَها فمَعناه: أنه لا وُجودَ لها.\nوقال بعضُهم: نعَمْ، هي ليس لها عمَدٌ، لكن الضمير في قوله ﷾: ﴿تَرَوْنَهَا﴾ لا يَعود على العَمَد، إنما يَعود على السماء؛ قال ﷿: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ","vol":"1","page":53},{"text":"بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ أي: السمَواتِ كذلك لا عمَدَ لها.\nوقال بعضُ المُفسِّرين: إن مَعنَى قوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ أن لها عمَدًا، لكن لا تُرَى.\nوالصواب: أنه لا عمَدَ لها، وأن اللَّه ﷿ أَمسَكها بقُدْرته، كما قال تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج: ٦٥]، فكونها لا يَكون لها عمَدٌ أبلَغُ في قُدرة اللَّه ﷿.\nفالآيةُ لها مَعنَيان: الأوَّل: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾؛ أي: لا عمَدَ لها، والثاني: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾، أي: لها عمَدٌ، لكن لا تُرَى، والمَعنَى الأوَّل هو الصحيح، ولكن المَعنى الأوَّل له تَخريجان:\nأحَدُهما: أن يَكون قوله تعالى: ﴿تَرَوْنَهَا﴾ الهاء تَعود على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ يَعنِي: أنكم تَرَوْنها كذلك لا عمَدَ لها، فهي لا عمَدَ لها.\nوالثاني: يَعود على العمَد، أي: بغَيْر عمَد تَرَوْنها، وهو صادِق بأنه ليس لها عمَد أَصْلًا كما تَقول: ليس في هذا المكانِ عَمود أَراه. المَعنى: ليس فيه عَمود.\nوهذا -أَعنِي: كونَه لا عَمدَ لها- أصَحُّ وأبلَغُ في قُدْرة اللَّه تعالى، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾.\nقال ﵀: [﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ جِبالًا مُرتَفِعة] ﴿وَأَلْقَى﴾ بمَعنَى: وضَع ﴿فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ جَمْع راسِية، وهذه الرَّواسِي هي: الجِبال.\nودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ [النازعات: ٣٢] فهي رَواسٍ لنَفْسها، وهي أيضًا مُرْسِية للأرض مُثبِّتة لها.","vol":"1","page":54},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾، قال المُفَسِّر ﵀: [﴿أَنْ﴾ لا ﴿تَمِيدَ﴾ تَتَحرَّك ﴿بِكُمْ﴾] فقَدَّر (لا) النافية بعد (أَنْ)، وهذا مَوْجود، فإنَّ (لا) النافيةَ قد تُقدَّر بعد (أَنْ) مع حَذْفها؛ وقد تُوجَد بعد (أَنْ) وهي زائِدة مثل قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾، فهنا (لا) زائِدة بعد (أَنْ)، والتقدير: لأَنْ يَعلَم أهل الكتاب أَنْ لا يَقدِرون.\nوقد تُحذَف وتَكون مُقدَّرة كما في هذه الآيةِ: أن لا تمَيد بكم؛ لأنّهُ مِن المعلوم أنَّ اللَّه تعالى ما أَلقَى هذه الرواسِيَ لِأَجْل أن تَميدَ بنا، وإنما أَلقاها لئَلَّا تَميد، فتكون (لا) هنا عَيَّنَها السِّياق.\nوقال بعض المُعْرِبين: أنه لا تُقدَّر (لا)، بل يُقدَّر اسم مُناسِب، أي: كراهةَ أن تَميدَ بكُمْ، نعَمْ، وقالوا: إنَّ هذا أَوْلى؛ لئلا نُفسِّرَ الإثباتَ بالنفي؛ لأننا إذا قلنا: التقدير: أن لا تَميد بكم. فسَّرنا الإثباتَ بالنفي، فإذا قُلْنا: كراهةَ أن تَميد بكم. فإننا نُفسِّر الإثباتَ بإثباتٍ، لكن على تَقدير المُضاف.\nوهذا له نظير مِثْل قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]، فالبَيان هنا سبَبٌ لِعدَم الضلال، إِذَنِ المَعنَى: يُبَيِّن اللَّه تعالى لكم كراهةَ أن تَضِلُّوا، على قول، أو أَنْ لا تَضِلُّوا، على قولٍ آخَرَ.\nوقوله تعالى: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾: ﴿تَمِيدَ﴾، قال ﵀: [تَتَحرَّك بِكُمْ]، فَسَّر المُفَسِّر المَيَدَان بِالحرَكة.\nوالصواب: أنَّ المَيَدان حرَكة خاصة، وهو الاضطِراب، وليس مجُرَّد الحرَكة، فاللَّهُ ﷾ أَلقَى في الأرض رَواسِيَ حتى لا تمَيدَ؛ أي: لا تَضطَرِب، وذلك لأنَّ الأرض مَوْضوعة على الماء، فإنَّ جميع جوانب الأرض من كل ناحية ماء،","vol":"1","page":55},{"text":"والجِسْم إذا وُضِع في الماء يَتَحرَّك ويَضطَرِب لا شَكَّ، فإذا كان كذلك فلا بُدَّ مِن شيء يَحفَظُ تَوازُنه، وذلك الشيء هو الجِبال، فجعَل اللَّه ﷾ الجِبال فيها على الأرض حتى لا تَضطَرِب بالناس.\nوقوله تعالى: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾، يَعنِي: أن تَضطَرِب، وعند عُلماء الجُيُولُوجيا مِن هذه الحِكَم والعِلَل شيءٌ كثير؛ لأنه في بعض الأماكن تَكثُرُ الجبال العظيمة الطويلةُ الكبيرة، وفي بعض الأماكِن تَقِلُّ، وهذا يَرجع إلى الحِكْمة التي خلَقها اللَّه ﷿، وقد تَخْفَى علينا، لكنها عند العُلَماء مَعروفة.\nقوله تعالى: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ قوله تعالى: ﴿وَبَثَّ﴾ بمَعنَى: نَشَرَ ووَزَّع ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في الأرض.\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ الدَّابَّة: اسم فاعِل؛ أي: مِن كُلِّ نفسٍ دابَّةٍ، فهي اسم فاعِل من دَبَّ يَدُبُّ، إذا ضَرَبَ ونَشَر، والدابَّة يُطلَق عُرْفًا على ذاتِ الأربَع، ويُطلَق أيضًا في عُرفٍ أخَصَّ على الحِمار فقَطْ.\nأمَّا مَعناها في اللغة العربية فهي: كل ما دَبَّ على الأرض، سواءٌ يَمشِي على أربع، أو على اثنَيْن، أو على أَكثَرَ، أو على بطنِه أو على رِجْلَيْن، كُل ذلك يُسَمَّى دابَّةً.\nونَشَرَ اللَّه ﷿ في الأرض هذه الدوابَّ لحِكمةٍ عظيمة؛ لأنَّ مِن هذه الدوابِّ ما هو نافِع ويَنتَفِعُ الناس به، ومنها ما هو ضارٌّ، فيَحتَرِز الناس عنه، ومنها ما لا نَفعَ فيه ولا ضرَرَ، فيَعرِفُه الناس بما جعَل اللَّه ﷿ فيه مِن الآيات، فيَعرفون به كمالَ قُدرةِ اللَّه تعالى وحِكْمتِه.\nفالأشياءُ النافِعة ظاهِرةٌ حِكمتُها مثل نَفْع العِباد، وقيام مَصالِح دِينِهم ودُنيَاهُم بها، مِثْل قولِه ﷾: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا","vol":"1","page":56},{"text":"مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٧٣)﴾ [يس: ٧١ - ٧٣] هذا نَفْع.\nومِنها ما هو ضارٌّ، والحِكْمة مِن خَلْق الضارِّ كثيرة مِنها:\n١ - بيانُ كَمالِ قُدرةِ اللَّه ﷿ حيث كان قادِرًا على أن يَخلُقَ ما فيه مَنفَعة ومَصلَحَة، وما فيه مَضرَّة، فالكلُّ خَلْقُ اللَّه تعالى، والكُلُّ دَابَّة، والكلُّ مِن مَاء، ومع ذلك هذا نافِع وهذا ضارٌّ، هل العَقْرب أكبَرُ أمِ البَعير؛ ولا يَحتاج أن أَقول: إن البعير أكبَرُ. لكن مع ذلك العَقربُ مؤذِيَة ضارَّة والبعِير بالعَكْس، تَجِد البعير يَأتي الطِّفْل الصغير يَقوده لمِا يُريد، فتَمشِي معه، وهذه حِكْمة.\n٢ - أنَّ الإنسان يَعرِفُ بذلك قَدْرَ نفسِه؛ فإذا الإنسانُ المُتَمَرِّد المُستكبِر يَعرِف قَدْر نَفْسه في هذه المَخلوقاتِ المُؤذِية؛ ولهذا يُقال: إن مَلِكًا جبَّارًا كان جالِسًا وحولَه مِن أهل العِلْم مَن حَولَه، فكان يَقول: ما الحِكْمة مِن خلْق هذه الذُّبابةِ؟ فقال له رجُل: الحِكْمة مِن ذلك أن يُرغِمَ اللَّه تعالى بها أُنوف الجبابِرة مِثلك، فهذه الذُّبابةُ تَقَع على أَنْف أيِّ إنسان وتَذْرِق عليه، فهذا من الحِكْمة: أن يَعرِف الإنسان قَدْر نفسِه، وأنَّه ضعيف بالنِّسبة إلى قُوَّةِ اللَّه ﷿، فالبَعوضة ليست بشيء، ضَعيفة مَهِينَة، ومع ذلك تُقِضُّ مَضْجِع الإنسان حتى لا يَنام، فهذا مِن الحِكْمة.\n٣ - أنَّ الإنسان يَذوق الألَم بها والعَذاب حتى يَعرِف أنَّ العذاب غير مُلائِم له، فيُوجِبُ له ذلك النُّفورَ مِن مَعصية اللَّه إلى طاعة اللَّه ﷿.\n٤ - أنَّ الإنسان ربما يَحمِله الخوف منها على أن يَقومَ بما يَنبَغي أن يَقومَ به مِن الأوراد والأذكار، فكثيرٌ مِن الناس قد يُورِد ويَقرَأ ما يَعصِمه مِن الأذى ليس بسبَب شَياطين الجِنِّ، ولكن خوفًا ممَّا يُؤذيه حِسًّا، وهذا شيء مجُرَّب ومُشاهَد.","vol":"1","page":57},{"text":"وقد حكَى لي بعض الناس الثِّقات أنَّه كان مِن عادتِه أن يَقرَأ آية الكُرسيِّ كلَّ ليلة يَقول: فنَسِيتها ذاتَ ليلة فلُدِغْتُ بعد النوم. لُدِغ لأنَّه ليس عنده مِن اللَّه تعالى شيءٌ حافِظ، وقد قال -ﷺ-: \"وَمَنْ قَرَأَهَا فِي لَيْلَةٍ لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ وَلَا يَقْرَبُهُ شَيْطَانٌ حَتَّى يُصْبِحَ\" (^١).\nهذه مِن الحِكَم: أن اللَّه ﷾ بَثَّ في الأرض مِن هذه الدوابِّ المُؤذِية.\nأمَّا ما لا نَفعَ فيه ولا ضرَرَ من الدواب فإنَّ الإنسان يَستَدِلُّ به على حِكْمة اللَّه ﷿ وأنه محُطٌ بكل شيء، تَجِد هذه الدوابَّ على كَثْرة أنواعها لا تَستَطيع أن تُحصِي أنواعَها فَضْلًا عن أفرادِها، فما بالُك وقد أَعطاها اللَّه تعالى الهِداية لما هو مِن مَصالحِها؟ ! قال موسى ﵊ لمَّا قال له فِرعونُ: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٤٩ - ٥٠].\nوأنت إذا رأَيْت هذه النَّملةَ الصغيرة كيف هَداها اللَّه ﷾ إلى مَصلَحتِها ومَنفَعتِها؟ كيف تَدَّخِر القُوتَ لها؟ وكيف تَجْلُبُه مِن بعيد؟ وكيف تُكَسِّر أطراف الحُبوب؟ السِّرُّ الذي مِنه تَنْبُت تُكَسِّرُه قبل أن تَختَزِنه، حتى لا يَنبُت؛ لأنَّه إذا جاءَه المَطَر والنَّدى فإنه يَنْبُت، لكن إذا كُسِر أَعلاه الذي هو سِرُّه الذي يَنبُت مِنه فإنَّه لا يَنبُت، مَن الذي أَلَهمَها ذلك؟ هو اللَّه ﷾، هي ما درَسَت في مَدارِسَ، ولا تَخرَّجت في الثانوية، ولا قرَأَت في كُلِّيَّة العُلوم، لكنَّ اللَّه ﷾ هو الذي عَلَّمها ذلك.\nوقد شاهَدْتُ أنا عندما تَسقِي النَّخلة وحولها ذَرٌّ ويَأتِي النَّدى إلى أولادها؛\n_________\n(^١) أخرجه البخاري: كتاب الوكالة، باب إذا وكل رجلًا فترك الوكيل شيئًا، رقم (٢٣١١)، من حديث أبي هريرة -﵁-.","vol":"1","page":58},{"text":"تَخرُج بأولادها حامِلةً لهم -وأولادها بَيْض لم يَحْيَ بعدُ إلى الآنَ- تَجِد كل واحدة مِنهم حامِلة ولَدها تَخرُج به عن هذا الماءِ؛ حتى لا يُصيبَه أو يُهلِكَه، وهذا مِن آيات اللَّه ﷿، يَتَبَيَّن بِه الإنسان حِكْمة اللَّه ﷾، وأنَّه واسِع عليم، وأنه بكل شيء مُحِيط، وأنه لا يَخفَى عليه شيء في الأرض ولا في السَّماء.\nوقد ذكَر ابنُ القيِّم ﵀ في (مِفتاح دار السعادة) (^١) مِن هذه الأمورِ أشياءَ عَجيبةً، وذَكَرَ أنه ذُكِرَ لِشيخِ الإِسلام ابنِ تيميَّةَ ﵀ أنَّ رجلًا وَضَعَ شيئًا من الطُّعْم لِذَرَّة مِن الذرَّات، فلما رأَتِ الطُّعْم هذا لم تَستَطِع أن تَحمِلَه فهو كبير، فذهَبَت إلى أخواتها، فاستَصْرَخَتْهم، فجاؤُوا إلى هذا المكانِ، يَقول: فلما أَقبَلوا نَزَعَ الطُّعْم، فجعَلوا يَبحَثون في مَكان فلم يَجِدوا شيئًا فرَجَعوا، فوضَعه ثانِيةً، فلمَّا وجَدَتْه الذَّرَّة ذهَبَت إلى أخواتها فاستَصْرَخَتْهم فجاؤُوا، ولكن لمَّا أَقبَلوا رفَعَه، فلَمَّا لم يَجِدوا شيئًا رجَعوا، في المرة الثالثة فعَل بهم كذلك، يَقول: فاجتَمَع الذَّرُّ عليها فقتَلوها.\nوقال شيخُ الإِسلام: هذا لأن جميع النُّفوس مَجبولة على بُغْض الكذَّاب الظالمِ، وهذه لمَّا كذَبَتْ عليهم ظلَمَتْهم، فأَخَذَتْهم من بُيوتهم وهم في تعَب وعَناء، والنتيجة لا شيءَ، وهذا شيءٌ عظيم؛ فإذا تَأمَّل الإنسان هذه الأُمورَ يَجِد العجَب العُجاب! سبحان اللَّه!\nوهو ﷾: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ قوله ﷾: ﴿وَأَنْزَلْنَا﴾ يَقول ﵀: [فيه التِفات من الغَيْبة] إلى المُتكَلِّم؛ وقد سبَقَ لنا أنَّ الفائِدة في الالتِفات: تَنبيهُ المُخاطَب أو القارِئ؛\n_________\n(^١) مفتاح دار السعادة (١/ ٢٤٣).","vol":"1","page":59},{"text":"لأنَّه إذا تَغيَّر أُسلوب الكلام لا بُدَّ أن يَنتَبِه، وهنا الفائِدة الثانية في هذا: بَيان القُدرَة أنَّ الأرض مُفْتَقِرَة إلى السماء.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ وهو المَطَر، والمُراد بالسماء هنا العُلُوُّ؛ لأن المطَر ليس يَنزِل مِن السماء التي هي السَّقْف المحفُوظ، وإنما يَنزِل مِن العُلُوِّ.\nوقوله ﷾: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾ في الأرض ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾، يَقول المُفَسِّر ﵀: [﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ صِنْف حَسَن] (صِنْف) تَفسير لـ ﴿زَوْجٍ﴾، و(حَسَن) تَفسير لـ ﴿كَرِيمٍ﴾، وعِندي أن الكريم هو الحسَن وزِيادة، وهو ما يَنتَفِع الناس به مِن هذا النباتِ، كأنَّه رجُل مِعْطَاءٌ يُعطِي ويُغدِق هذا الخيرَ فهو نَبَاتٌ حَسَن، ومع ذلك نافِع بسبَب ما فيه، والزوج يَأتي بمَعنَى: الصِّنْف، ومنْه قوله تعالى: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨)﴾ [ص: ٥٨] ومِنه قوله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢]، أي: أَصنافَهم وأَشكالهَم. واللَّه أَعلَمُ.\n\nمن فوائد الآية الكريمة:\nالْفَائِدَة الأُولَى: إثباتُ خلقِ اللَّه تعالى لِلسَّموات.\nويَتَفرَّع على هذه الفائِدةِ: إبطالُ قولِ الفلاسِفة في قِدَم الأفلاك، فالفلاسِفة يَقولون: إنَّ الأفلاك قَديمة، وأنها لا تَتَغيَّر؛ لأنَّ القديم عندهم الذي لا ابتِداءَ له، ومَا لا ابتِداءَ له لا انتِهاءَ له، فيَكون في هذا إبطالٌ لِقولِ الفلاسِفة: إن الأفلاك قديمة وإنَّها لا تَتَغَيَّر. ومِن ثَمَّ أَنكَرُوا انشِقاقَ القمر إنكارًا شديدًا، وقالوا: القمَرُ لا يُمكِن أن يَنشَقَّ؛ لأنَّه مِن الأفلاك، وإنَّما مَعنَى قوله ﷾: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ [القمر: ١]؛ أي: بَانَ صِدْقُ الرِّسالة، وأَنكَرُوا الأحاديث الوارِدة في ذلك والتي تَلَقَّتْها الأُمَّة بالقَبُول.","vol":"1","page":60},{"text":"الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: بَيانُ قُدْرةِ اللَّه ﷾ في خَلْقِ هذه السمَواتِ العَظيمة؛ قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧)﴾ [الذاريات: ٤٧].\nالْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: بَيَانُ القُدرة مِن وجهٍ آخَرَ، وهي أنَّ هذه السمَواتِ العَظيمةَ والسَّقْف الواسِع بغير عَمَد؛ لقوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾، وأَظُنُّنا لو رأَيْنَا بِناءً واسِعًا ليس فيه أَعمِدة لَكُنَّا نَتَعَجَّب مِن هذا البِناءِ، كيف هذا البِناءُ الواسِع ليس فيه عَمَد؟ ! معَ أنَّ بِناء السَّماء أَوْسَع وأَعظَمُ، ومعَ ذلك بغير عَمَد.\nالْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: بَيَانُ حِكْمَة اللَّهِ ورحمتِه في إلقاء الرَّواسِي؛ لئَلَّا تَميدَ بالخَلْق.\nالْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ الأرض تَدور، يَقولون: لأن قولَه ﷾: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ يَدُلُّ على وجود أَصْل الحرَكة؛ لأنَّ نَفْيَ الأخَصِّ يَدُلُّ على وُجُودِ الأَعَمِّ، أَلَمْ تروْا إلى قولِه تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ حيث كان دليلًا على وُجود أَصلِ الرُّؤية! فقولُه تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ ألَيْس دَليلًا على أنَّ الرؤية مَوْجودة! وهذه الآيةُ استَدَلَّ بها أهلُ السُّنَّة على إثباتِ رُؤْيَة اللَّه تعالى، وأهلُ البِدْعة على نَفي رُؤيةِ اللَّه تعالى، ولكن الصواب مع أهل السُّنَّة؛ لأنَّ نَفْيَ الأخص يَقتَضِي وُجودَ الأعمِّ، إذ ليس مِن المَعقول أن يُنْفَى الأخصُّ مع انتِفَاءِ الأعمِّ، ثُم لا يُتَطَرَّقُ لَهُ؛ ولو كان الأخصُّ مُنْتَفِيًا لوَجَب أن يُنْفَى الأعمُّ لِأَجْل أن يَدْخُل فيه الأخصُّ، لو كان اللَّه تعالى لا يُرَى لقال اللَّه ﷿: لا تَراه الأبصار. حتى تَنْتَفي الرُّؤية ويَنتَفِيَ الإدراك مِن بابِ أَوْلى، فلَمَّا قال تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ﴾ عُلِمَ أنَّ أصل الرؤية مَوجُود، لكنَّه لا يُدْرَك ﷿؛ وهنا لمَّا قال تعالى: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ والمَيَدَان الاضطِراب عُلِم أنَّ أصلَ الحَرَكة مَوْجود، لكن هذه الرَّواسيَ لأَجْل اتِّزان الحرَكة حتى لا تَضطَرِب. هذا هو تَقدير مَن يَرَى أنَّ في الآية دَليلًا على أنَّ الأرض تَدور.","vol":"1","page":61},{"text":"أمَّا الذين يَقولون: فيها دليل على أن الأَرْض لا تَدُور. فتقولون: إننا لا نُسَلِّم أن المَيَدَان مَعناه: الاضطِراب، بل نَقول: إن المَيَدَان هُو الحرَكة، قال تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ أن تَرسوَ ولا تَتَحَرَّك، فيُفسِّرون المَيَدَان بِمُطْلَق الحرَكَة.\nوإذا كان الأمرُ كذلك، فإنَّ الواجب أن نَرجع إلى اللغة العربية، فإذا كانت اللغةُ العربية تَدُلُّ على أنَّ المَيَدَان هو الاضطِراب، فنحن نَقول: إنَّ فيها دليلًا على وُجُود أصلِ الحرَكة. وإذا كانت اللغة العربية تَقول: إنَّ المَيَدَان هو الحرَكة. فإننا نَقول: فيه دليل على أنَّها لا تَدُور. ونحن إذا قُلْنا: إنَّها تَدور لا يَنقُصُ اللَّه تعالى شيئًا، بل هو في الواقِع زِيادة في قُدْرَتِه ﷾؛ حيث تَدور هذِه الأرضُ بجَميع ما فيها مِن بِحَار وأنهَار وأَشْجار ومَدَر وحَجَر وكُلِّ شيء تَدُور، ومَع ذلك بهذا الاتِّزَانِ البَدِيع الذي لا يَتَغَيَّر، هذا دليل على قُدْرة اللَّه ﷿، كما أنَّ سكونَها وهي على الماء دليل على قُدْرَة اللَّه ﷾.\nلكن الشَيْء الذي يَجِب أن يُنْكَر -حتى يَتبيَّن لنا كالشمس- هو القول بأنَّ اخْتِلاف اللَّيل والنَّهار بسبب دَوَران الأرض، فهذا لا نُسَلِّم به، بل نَقول: إنَّ الليل والنهار بسبَب دَوَرَان الشَّمس على الأرْض؛ لأنَّ هذا هو ظَاهِرُ القُرآن، ولا يُمكِن أن نَتَزَحْزَح عَنْه إلَّا بدليل فيه مِثل الشمس.\nفإنَّ اللَّه ﷾ أَثبَت الفِعْل لِلشَّمْس: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ [الكهف: ١٧]، ولم يَقُل: إذا طَلَع الكهفُ عليهم يَتزَاوَر، وأَثبَت ﴿تَزَاوَرُ﴾ ولو كانت الحرَكة للأرض لكانَت الأرض هي التي تَزَاوَر، ﴿وَإِذَا غَرَبَتْ﴾ هذا الفِعلُ الثالِث، ولو كانت الأرض هي التي يَكون بدورانها اختِلاف الليل والنهار لقال: وإذا غرَبَتِ الأرض، أو خَفِيَ جُزءُ الأرض. أو ما أَشبَه ذلك؛ و﴿تَقْرِضُهُمْ﴾","vol":"1","page":62},{"text":"نَفْس الشيء: فِعْل، والنبيُّ ﵊ لمَّا غرَبَتِ الشمس قال لأبي ذَرٍّ -﵁-: \"أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ؟ \" (^١) فأَخبَر أنها تَذهَب هي بنفسِها.\nوهذا هو الصواب بلا شكٍّ، إلَّا إذا ظهَر لنا دَلِيل مِثْل الشمس، فإنَّه يُمكِن أَنْ تُؤَوَّل هذه الآياتُ إلى أن المَعنَى: غَرَبَت وطَلَعَت باعتِبارِ رُؤية الرَّائِي، وإن كان الرائِي هو الطالِع، فأنت تَسِير في سيارة، وفي سَيْرك طلَع عليك مثلًا ناقةٌ تَقول: بينما أَسير إذ طلَعَت عليَّ ناقة؛ فتَقول: طلعَت علينا. مع أنَّك أنت الطالِع عليها، هذا مُمكِن لُغةً، لكنَّا ما دُمْنا لم نَتَيقَّن هذا الأمرَ، وإنما هي نظريَّاتٌ مِن قومٍ لا يُؤْمِنون بالقرآن، ولا يُؤمِنون بالشرائِع، فإننا لا نَقْبَلُ ذلك مِنْهَم، بل نَأخُذ بظاهر كلامِ اللَّهِ ﷿.\nفإِن قال قائِل: إن قولَكم هذا يُناقِض قولَكم بإمكانِ دَوَرَانِ الأَرْض، يَعنِي: إذا أَمكَن دوَران الأرض لزِم أن يَكُون تَعَاقُب الليل والنهار بِسبَب دَوَرَانها.\nفالجَوابُ: إن هذا لا يَلزَمُنا؛ لأنَّه مِن المُمْكِن أن يَدُور هذا وهذا، ويكون حَرَكَةُ الشمس ودورانُها أسرَعَ، وإذا كان أسرَعَ لَزِم مِن ذلك أن تَطُوفَ بِالأَرْض ولَو مَعَ دَوَرَانِ الأرْض، يَعنِي: يُمكِن أن تَكون الأرض تَدور قليلًا وهذه تَكون أكثَرَ، فيُمكِنُها أن تَلُفَّ علَى الأرض.\nفالحاصِلُ: أنَّ هذه المَسائِلَ لا شَكَّ أنَّ الواجِب على المُؤْمِن أن يَأخُذ بِظاهِر القُرآن والسُّنَّة، فإن هذا الواجِبَ في الأمور الغَيْبية وفي الأمور التي لا يُمكِن إدراكُها حِسًّا، ثُمَّ إذا تَبيَّن له بعد ذلك بِالحِسِّ أنَّ ظَاهِر القُرآن غَيْرُ مُرَاد، فإنَّنا يَجِب علينا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري: كتاب بدء الخلق، باب صفة الشمس والقمر بحسبان، رقم (٣١٩٩)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان (١٥٩/ ٢٥٠).","vol":"1","page":63},{"text":"أن نُؤَوِّل ظاهِرَ القرآن؛ لأنه لا يُمكِن أن يَتَعَارَض القرآن مَع الوَاقِع، فمُستَحِيل هذا، ولو أننا جَوَّزْنا ذلك عَقْلًا لَلَزِم أن يَكُونَ في القرآن ما هو كَذِب؛ لأنَّ الكَذِب هو خِلاف الواقِع، وهذا أَمْر مُستحيل.\nولذلك يَجِب علينا أمام هذه النَّظَرياتِ أن نَجعلَها كأحاديث بَنِي إسرائيلَ:\nأوَّلًا: ما وافَقَ القُرآن فهو حَقٌّ وأخَذْنَا بِه، ولكِنَّنَا لا نَأخُذ به على أنَّه هو الذي أَثْبَتَه، بل على أنَّ القرآن هو الذي أَثْبَتَه، وإنما نَقول ذلك: لِئَلَّا يَكُون لهم الفَضْلُ علَيْنَا.\nثانيًا: مَا خَالَفَ القُرآن وَجَبَ عليْنَا رَدُّه.\nثالثًا: ما لا نَعلَمُ مُوافَقَتَه لِلقرآن ولا مُخالفتَه فهذا العَقلُ والشَّرْع يَقتَضِي أن نَتَوَقَّف، ونَقُول: إننَا لا نُصَدِّق ولَا نُكَذِّب. وحينئَذٍ يَحتاجُ الإنسان طَالِب العِلْم إلى أن يَتَعَمَّق ويَتَأَمَّل ويَنْظُر نَظَرًا عَمِيقًا جِدًّا في نُصُوص الكِتاب والسُّنَّة، حتى لا يَحْكُمَ بِأنَّ الوَاقعَ يُخالِفُها، فيَكونُ في ذلك رَدُّ فِعْلٍ لمَن لا يُؤْمِنُ بالإِسلام.\nفمثَلًا لو أنَّ أحدًا أَنْكَر مِثْل هذه النَظَرِّياتِ بِدون تَأَمُّلٍ في دَلالة الكِتاب والسُّنَّة، كما يَفعَل بعض العامَّة فهذا -للحقيقة- ليس مِن خِدْمَةِ الإِسْلام، هذا كأَخْذ الإنسان خِنْجَرًا بيدِه وطَعَنَ بِه صَدْرَه وهو لا يَشْعُر، فالواجِب تُجَاه هذه الأُمورِ كما قُلْت لَكُم: أن نَعْرِضَهَا على الكِتَاب والسُّنَّة، فَمَا وافقَ الكِتَاب والسُّنَّة فهو حَقٌّ؛ لِكونه وافَق الكِتَاب والسُّنَّة، وما خالَفَهما فهو بَاطِل، وما لا تُعْلَم مُوَافَقَتُه ولا مُخَالَفَته فالواجِب فيه التَّوَقُّف وأن يَقول الإنسان: إن تَبَيَّن لي بِحَسَب إدراكِي -وإن كان عِلْمي قاصِرًا في هذه الأُمورِ- فأنا أُصَدِّقُ به، وإذا لم يَظهَر لي فأنا لَسْتُ مُلْزَمًا بأن أُصَدِّق أو أُكَذِّب، أَقِف مِن هذا مَوْقِف المُحَايِد، وهذا هو العَقْل.","vol":"1","page":64},{"text":"فإن قال قائِل هذه النَّظرِيةِ: هذه تُخالِف القرآن. يَعنِي: هناك مَن يَقول: الشمس طالِعة والأرض هي التي تَدور عليها.\nفالجَوابُ: نحن قُلنا: مَسأَلة الشمس ثابِتة أَبطَلنَاها؛ وقُلْنا: هذا لا يَجُوز؛ مع أنهم يَقولون: إن الشمس ليسَتْ بثابِتة، وإنها تَدور في الأَوَجِ العالي تَسير سيرًا عظيمًا، وفي كُتَيِّب صغير اسمُه عِلْم الفلَك القَديم يَقول: تَنطَلِق في الثانية آلاف الأميال.\nالْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: بَيَانُ قُدْرةِ اللَّهِ ﷿ بِبَثِّ هذِه الدوابِّ في الأرض؛ لِقوله تعالى: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾؛ أَي: نَشَر؛ وَجْه دَلالتها على القُدرة: اختِلاف هذه الدوابّ في أجناسِها وأنواعِها وأشكالهِا وأحوالهِا، وقد سَبَق لنا بَيانُ بعضِ الحِكَم في خَلْق ما هو ضارٌّ منها، وذكَرْنا عِدَّة حِكَم في خَلْق هذا الضَّارِّ.\nالْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: بيان قُدْرَة اللَّهِ أيضًا وحِكْمَتِه ورَحْمَتِه في إنزالِ الماء مِن السَّماء، فالقُدْرة أنَّنا نَجِد هذا الماءَ يَنزِل مِن فوقُ، فمَعنَى ذلك أن هناك بِحارًا عَظيمةً تَطوف بِالأرْض -بَيْن السَّماء والأَرض-، وقد قال اللَّه ﷿ في آية أخرى: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ سبحان اللَّه! جِبَال بين السماء والأرض مِن البَرَد يَنْطَلِق مِنْها هذه الأَجزاءُ حتى يَنْزِل الأرض، ولو شاء اللَّه تعالى لَأَنْزَل الجبَلَ جميعًا على الأرض.\nوقُلْنا: فيه أيضًا دليل على الرحمة حيثُ كان نُزولُه مِن العُلُوِّ لأَجْل أن يَشمَل المُرتَفِع والمُنْخَفِض.\nوفيه أيضًا دليل على الرحمة: أنَّ هذا الماءَ لنا فيه فائَدتان عَظيمتان: إنبات ما يَنْبُت مِنْه، والثاني: خَزْنُه في الأرض، قال تعالى: ﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ [الحجر: ٢٢] وقال في آية أُخرى: ﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٢١]، وقال ﷾: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ","vol":"1","page":65},{"text":"أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩)﴾ [الواقعة: ٦٨ - ٦٩]، ففيه أيضًا مَادَّةُ حَيَاةِ الإنسان: في طعامِه وفي شَرابِه.\nالْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: إثباتُ الأَسْباب؛ لِقولِه ﷾: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا﴾، ويُؤخَذ إثبات الأسباب مِن فاءِ السبَبِيَّة ﴿فَأَنْبَتْنَا﴾، وإثباتُ الأسباب مِن حِكْمَةِ اللَّه ﷾، فالمُنْكِر للأسباب طاعنٌ في حِكمةِ اللَّه تعالى لا شَكَّ؛ لأنَّ اللَّه حَكِيم جَلَّ وَعَلَا؛ وكلُّ شيء عِنده بِسبب؛ لِتَقُومَ الأشيَاء وتَمشِيَ على نِظَام.\nالْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: بَيان قُدْرَة اللَّه ﷿ على تَصْنِيف هذا النَباتِ مَع أنَّ أَرْضَه واحِدة ومَاءَه وَاحِد؛ لقوله ﷾: ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾ أي: مِن كل صِنْف، فتَرَى هذه الشجرةَ كَبيرة وهذه صَغيرة، وهذه خَضْراءَ وهذه بُنِّيَّةً، هذه زهرتُها بَيضاءُ وهذه صَفراءُ، وهذه بِلَوْنٍ آخَرَ، ألوان مخُتَلِفة، مع أنَّ الماءَ واحد والأرضَ وَاحِدَة، وهذا دليل على كمالِ قُدرَةِ اللَّه ﷿.\nالْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أن هذا النَّابِتِ فيه مَنفَعتان وهما النَظَر إليه، والبَهْجَة والسرور بِه؛ ولهذا إذا وقَف الإنسان على رَوضَةٍ مُعْشِبَة تَتكفَّأ الرياحُ أَزْهَارَها يَجِد سُرورًا وأُنْسًا، ثانيًا: ما يَحصُل مِن هذا النباتِ مِن المَنافِع لنا ولبَهَائِمنا، قال اللَّه تعالى: ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢)﴾.\nالْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أن السمواتِ أَجْرَامٌ محَسُوسة، ومَن أَنكَرَها فهو مُكَذِّبٌ للقرآن، والمُكَذِّبُ بالقُرآن يَكُون كَافرًا، وهذه مَسْأَلَة خَطِيرَة؛ لأنَّ الآن مَن لا يُؤمِنون باللَّه ﷾ واليوم الآخر لا يُقِرُّون بأنَّ هناك أجرامًا سماوِيَّة، يَقولون: أَفلاك ومَجرَّات ونجوم. وما أَشبَه ذلك، ولا يُقِرُّون بالسَّماء، والذي يُصَدِّقُهم في ذلك مُكذِّبٌ لِلقُرآن، فيَكون كافِرًا به، والعِيَاذُ باللَّه.","vol":"1","page":66},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>الآية (١١)</span>\n* قالَ اللَّه ﷿: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [لقمان: ١١].\n* * *\n\nقوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ المُشَار إليه ما سبَق، وهي خَلْقُ السمَواتِ بغيرِ عَمَد، وإلقاء الرواسِي في الأرض، وبثُّ الدابَّة، والإِنزال الماء مِن السَّمَاء، والإنبات فيها مِن كُلِّ زَوْج كَريم.\nفهذه خمسة أَشياءَ مُشاهَدَةٌ مَحسوسة؛ ولهذا أَشار إليها بالإشارة الحِسِّية فقال: [﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ أي: مَخْلُوقُه] فهو مِن باب إطلاق المَصدَر وإرادة اسم المَفعول، وليس المُرادُ به خَلْقَ اللَّه الذي هو فِعْلُه؛ فإنَ فعلَه لا يُشاهَد وأنَّ المُشاهَد مَفعولُه.\nقال المُفَسِّر ﵀: [﴿فَأَرُونِي﴾ أَخبِروني يا أهلَ مَكَّةَ ﴿مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾] قوله تعالى: ﴿فَأَرُونِي﴾ فسَّر الإراءة هنا بالإخبار، ولكن الأَوْلَى إبقاؤُها على ظاهِرها أنَّ المُراد بالإرَاءَة يَعني: أَبصِروني، أَروني شيئًا خَلَقَه أحدٌ سِوى اللَّهِ ﷿؛ فقوله تعالى: ﴿فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ أبلغُ مِن تَفسير المُفَسِّر ﵀ بقوله: [أَخبِروني]؛ لأنَّ التَّحَدِّيَ فيها ظاهِر، إِذْ مِن المُمْكِن أن يُخْبِرُوه بأمرٍ وهُمْ كاذِبون، فيَقولون: نعَمْ، إنه يُوجَد كذا وكذا خلَقَهُ كذا وكذا. لكن إذا قال: (أَروني) بِالتَّحدِّي بما يُرَى فحِينَئَذٍ يُبْهَتُون.","vol":"1","page":67},{"text":"وقوله ﷾: ﴿فَأَرُونِي﴾ قال ﵀: [يا أهلَ مَكَّةَ] بِناءً على أنَّ كُلَّ خِطاب في سُورةٍ مَكِّيَّة يَتعَلَّق بالكُفَّار فالمُراد به أهلُ مكَّةَ، والصواب: أنَّه عامٌّ؛ ويُمكِن حتى الآنَ أن نَقول بهذا التَّحدِّي في عصرِنا الحاضِر، والأَمْر هنا في قوله تعالى: ﴿فَأَرُونِي﴾ لِلتَّعجيز والتَّهديد.\nوقول المُفَسِّر ﵀: [﴿مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ غيرِه؛ أي: آلهَتِكم حتى أَشرَكْتُموها به تعالى] يَعنِي: أَروني ماذا خَلَقوا، فإذا أَرَيْتُموني أنَّها خَلَقَت شيئًا، فإنَّه قد يَكون عُذْرًا لكم في تَشْرِيكِها مع اللَّه تعالى في العِبادة، أَمَا والأمر ليس كذلك ولا يُمكِن أن يُوجَد خَالِقٌ سِوى الربِّ ﷿، فإنه لا يَجوز أن يُعْبَد معه غيرُه؛ لأنَّه إذا أَقرَرْتم بأنه لا خالِقَ إلَّا اللَّه تعالى يَجِب أن تُقِرُّوا بأنَّه لا مَعبودَ إلَّا اللَّه تعالى، وأنه كما أَقرَرْتم بالربوبية يَجِب أن تُقِرُّوا بِالأُلُوهِيَّة.\nوقوله ﷾: ﴿مَاذَا خَلَقَ﴾ يَقول ﵀: [(ما) استِفْهامُ إنْكَار مُبتَدَأٌ، و(ذا) بمَعنَى (الذي) بِصِلتِه خَبَرُه، و(أَروني) مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَل، وما بعده سَدَّ مَسَدَّ المَفعولَيْن].\nقوله ﷾: ﴿مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ أَعرَبَه المُفَسِّر إعرابًا صحيحًا، ونَقول: (ما) اسمُ استِفْهام و(ذا) اسمٌ مَوْصول مَبنيٌّ على السكون في مَحلِّ رَفْع، و﴿خَلَقَ﴾ فِعْل ماضٍ، والجملة صِلة المَوْصول لا مَحَلَّ لها مِن الإعراب، والعائِد محَذوف، والتقدير: ماذا خلقَهُ الذين مِن دونه، والجُملة ﴿مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِه﴾ جُملة استِفْهام مُعَلِّقَة عَنِ عمَل ﴿فَأَرُونِي﴾.\nوقوله: [وما بعدَه سَدَّ مَسَدَّ المَفعولين] هذا إذا قُلْنا: إنَّ الرؤيا بمَعنَى العِلْم، أمَّا إذا قُلْنا: إنَّ الرُّؤيا بمَعنَى: رُؤَية البصَر، فإنَّ ما بعده سَدَّ مَسَدَّ مَفعولٍ واحِد فَقَط.","vol":"1","page":68},{"text":"وقوله تعالى: ﴿مَاذَا﴾: (ما) أَعْرَبَها على أنَّها غير مُلغَاة، ويَجوز إلغاؤُها، بل قد يُقَال: إن إلغاءَها أَوْلى؛ لأنك إذا ألغَيتَها جعَلْت ﴿مَاذَا﴾ مَفعول مُقدَّم لِـ ﴿خَلَقَ﴾ وحِينئذ لا نَحتاج إلى هذا، والأصل عدَمُ الحذْف، وإلغاؤُها لَه وجهان: إمَّا أن تَكون (ما) اسمَ استِفهام و(ذا) زائِدة، أو تَقول: (ماذا) جميعًا اسمُ استِفْهام.\nوقوله تعالى: ﴿فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي: مَن سِوى اللَّه ﷿، وهذا التَّحَدِّي وكلُّ تحَدِّ في القرآن لا يُمكِن أن يَكون مَوجودًا؛ لأنَّه لو كان الشيء مُمكِنًا لكان التَّحدِّي لَغوًا لا فائِدةَ فِيه.\nقال المُفَسِّر ﵀: [﴿بَلِ﴾ للانتِقال ﴿الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ بَيِّن بإِشْراكِهم وأنتم مِنْهم] يَعنِي: أنَّ الأمرَ واضِحٌ، وأنَّه لا خالِقَ إلَّا اللَّه تعالى، وأنه لا يُمكِن أن يُوجَد أحَد يَخلُق، ولكن استِمْرار المُشرِكين في شِرْكهم يُعتَبَرُ ظُلمًا وضلالًا مُبِينًا؛ ولهذا قال تعالى: ﴿بَلِ الظَّالِمُونَ﴾ أي: المُشرِكون الذين أَشرَكوا مع اللَّه تعالى في العِبادة مع أنَّهم مُؤمِنون بأنَّه لا شريكَ له في الخَلْق.\nوقوله تعالى: ﴿فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [بَيِّن] وكلِمة (مُبِين) تَأتِي بمَعنى: بَيِّن، أي: ظاهِر، وبمَعنَى: مُظْهِر؛ لأنها مُشتَقَّة من (أَبَانَ) الرُّباعِيِّ، و(أَبَان) الرُّباعِيُّ يَأتي مُتَعَدِّيًا، ويَأتي لازِمًا، فيَأتي (أَبَانَ) بمَعنَى: (بَان)، أي: ظَهَر، وحينئذٍ يَكون لازِمًا، ويَأتي بمَعنَى: (أَظهَر) أَبان الشيءَ: أَظهَرَه، وحينَئِذٍ يَكون مُتعَدِّيًا، وفي هذه الآيةِ: ﴿بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ مِن اللازِم؛ ولهذا فسَّرها بقوله: [بَيِّن].\nومثاله من المُتعَدِّي في القرآن الكريم؛ قوله ﷾: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ يَعنِي: البَيَّن بنَفْسِه المُبِين لِلحَقِّ، وكذلك: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾؛ أي: مُظْهِر.\nفالحاصِلُ: أنَّ (مُبِين) لا يُظَنُّ أنها دائِمًا مُتَعدِّيَة، فقد تَكون لازِمةً بمَعنَى: بَيِّن،","vol":"1","page":69},{"text":"وقد تَكون مُتعدِّيَة بمَعنَى: مُظْهِر.\n\nمن فوائد الآية الكريمة:\nالْفَائِدَة الأُولَى: الاستِدلال بِتوحيد الرُّبوبية على توحيد الأُلوهية، لِقولِه تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾، يَعنِي: مَخْلُوقَه، وهم يُقِرُّون بأنه خَلْقُ اللَّه تعالى، فإذا أَقَرُّوا به يَلزَمُهم الإقرار بِتوحيد الأُلوهية، وعلى هذا فنَقول: يُؤخَذ مِن هذه الآية الاستِدلالُ بتوحيدِ الربوبية على تَوحيد الأُلُوهية، ولهذا نَظَائِرُ في القرآن؛ مِنها قوله ﷾: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١]، فقال تعالى: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ كأنَّه يَسْتَدِلُّ بكَونِه ربًّا خالِقًا على أنَّه يَجِب أن تَكُون العِبَادَةُ لَه وَحْدَه، وهذا دَلِيلٌ عَقْليٌّ مُلْزِم.\nالْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: الاسْتِدْلَال بالأظْهَر على ما يُنْكِره الخَصْم، فإنَّ هَذَا اسْتِدْلال بأمْر ظاهِر وَاضِح على أمرٍ يُنكِرُه الخَصم، وهو إنكار انفِراد اللَّه تعالى بالأُلُوهِيَّة.\nالْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: استعمالُ التَّحَدِّي في المناظرة، لِقوله ﷾: ﴿فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾.\nالْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ أولَئِكَ المُنْكِرين لِتوحِيد الأُلُوهية في ضَلال، أنَّهم ظَالمِون وفي ضَلَالٍ مُبِين؛ لِقوله تعالى: ﴿بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.\nالْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: عَجْزُ جَمِيعِ الأصْنَامِ المعْبُودة أن يَخْلُقُوا مِثْل خَلقِ اللَّه تعالى؛ لِقوله تعالى: ﴿فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾، وإذا كانت عاجِزةً عنِ الخَلْق كانت غيرَ مُستَحِقَّةٍ لِلعبَادة، قال اللَّه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ زِدْ على ذلك: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣].","vol":"1","page":70},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>الآية (١٢)</span>\n* قالَ اللَّه ﷿: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [لقمان: ١٢].\n* * *\n\nثُمَّ قال ﵀: [﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾؛ منها: العِلْم والدِّيانة والإِصابة في القول، وحِكَمُهُ كثيرةٌ مَأثُورة].\nقوله: ﴿وَلَقَدْ﴾ الجُمْلة هذه مُؤكَّدة بثلاث مُؤكِّدات هي اللَّه و(قَدْ) والقسَم.\nوقوله تعالى: ﴿آتَيْنَا﴾ أي: أَعطَيْنا، وهذا الإعطاءُ إعطاءٌ كَوْنِيٌّ، أي: آتاه اللَّه تعالى الشيءَ إيتاءً كَونِيًّا.\nوقوله تعالى: ﴿لُقْمَانَ﴾ هو اسمُ رجُل، وأكثرُ أهلِ العِلْم ﵏ على أنه رجُلٌ أَعطاه اللَّه تعالى حِكْمة ودِرايةً في الأمور وليس نَبيًّا.\nقال ابنُ كَثير (^١) ﵀: أكثَرُ الناس على أنَّه ليس بِنَبيٍّ، ويُروى عن عِكْرمةَ (^٢) -إن صَحَّ عنه- هكذا قال: إنه نَبيٌّ. ولكن الصحيح أنَّه ليس بِنَبيٍّ، وإنما هو رجُل حَكيم ذُو أَمْير رَشيد، أَعطاهُ اللَّهُ تعالى هذه الحِكْمةَ، كما قال تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩].\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (٦/ ٢٩٨).\n(^٢) أخرجه الطبري في تفسيره (١٨/ ٥٤٩).","vol":"1","page":71},{"text":"وقوله ﷾: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ الحِكْمة في الأصل هي مُوافَقَةُ الصواب.\nوبمَعنَى هذا قولهُم: إنَّها وَضْعُ الأشياء في مَواضِعِها، فصَاحِبُ الرأي الرشِيد والتَّصَرُّفِ السَّدِيد هذا يُعْتَبرُ حَكِيمًا؛ لأنَّه يَضَع الأشياءَ في مَواضعها؛ وهما بمَعنًى واحِد؛ لأن مُوافقَة الصواب هو وَضْع الشيء في مَواضِعه.\nيَقول ﵀: [منها العِلْم والدِّيانة والإِصابة في القول] الأوَّل: العِلْم تُنال به الحِكْمة، والثاني: الدِّيانة حِكْمة، والثالِث: الإصابة في القول أيضًا حِكْمة، وكذلك الإصابة في الفِعْل حِكْمة.\nقال المُفَسِّر ﵀: [وحِكَمُه كثيرةٌ مَأْثورة، كان يُفتِي قبلَ بِعْثة داودَ، وأَدرَك بِعثتَه، وأَخَذَ عنه العِلْم، وترَك الفُتْيا، وقال في ذلك: أَلَا أَكتَفي إذا كُفِيت. وقيلَ له: أيُّ الناس شَرٌّ؟ قال: الذي لا يُبالي إن رآه الناس مُسِيئًا] قوله ﵀: [كُفِيت] هذه مِن الحِكْمة، فإنَّ الإنسان إذا كُفِيَ يَكتَفي؛ لأنه إذا كُفِيَ ثم عَمِل بما كُفِيَ فيه لم يَكُن مِنه إلَّا إضاعة الوَقْت والتعَب.\nوأمَّا قوله ﵀: [أيُّ الناس شَرٌّ؟ فقال: الذي لا يُبالي إن رآه الناس مُسيئًا] هذا قد يُنازَع فيه؛ لأن هذا الذي لا يُبالي إن رآه الناس مُسِيئًا يُعتَبَر فاقِدَ الحَياءِ فقَطْ، ولا يُعتَبر شرَّ الناس، بل شرُّ الناس -في الواقِع- هو الذي يُشرِك باللَّه ﷿؛ لأنَّ هذا أَظلَم الناس فيَكونُ شرَّ الناس.\nثُمَّ إن هاتين الجُمْلتين قد تَكون صحيحة إلى لُقمانَ ﵇، وقد تَكون غير صحيحة، يَعنِي: لا يُجزَم بها؛ لأنه ليس هناك سَنَد صَحيح إلى لُقمانَ ﵇ مُتَّصِل، ولم يُخْبِر النبيُّ ﵊ بذلك عنه، ومِثْلها جميع الأخبار السابِقة إذا لم تَكُن","vol":"1","page":72},{"text":"عن طريق الرسول ﵊ فإنَّه يُنْظَر فيها؛ لأنَّها تَأتينا بِغير إسناد إِذْ تُؤْخَذ عَن أهلِ الكِتاب، وأهلُ الكِتاب غَيرُ مَأْمُونِين.\nمَسأَلة: ما تَوجيهُ قوله -ﷺ-: \"حَدِّثُوا عَنْ بَني إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ\" (^١)، ومَن كان خارِج بني إسرائيلَ فما حُكْمه؟\nالجَوابُ: إن بني إسرائيلَ عِندهم كِتاب، وأَثارةٌ مِن عِلْم، وإلَّا غيرهم قد لا تَجِد عنده شيئًا، ولكن كل الأحاديث عمَّن سبَقَ لا تَخلو مِن ثلاثة أحوال كما هو مَعروف: إمَّا أن تُوافِق الشَّرْع، أو تُخالِفه، أو لا يَكون فيها مُوافَقة ولا مُخالَفة، فما وافَق الشَّرْع فهو مَقبول، وما خالَفَه فهو مَردود، وما لم تَكُن فيه مُوافَقة ولا مُخالَفة فإنه لا يُصَدَّق ولا يُكَذَّب.\nقال: [﴿أَنِ﴾ أي: وقُلنا له: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ على ما أَعطاك مِن الحِكْمة].\nفقال ﷿: ﴿آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ ثُمَّ قال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾؛ ولو أنَّ أحَدًا قال: إنَّ قوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ تَفسير للحِكْمة يَعنِي ﴿أَنِ﴾ هُنا تَفسير الحِكْمة لم يَكُن بعيدًا.\nأمَّا المُفَسِّر ﵀ فيَرَى أنها مَفْعُولٌ لِقَولٍ محَذوف تَقديره: وقُلْنا له: أنِ اشْكُرْ للَّه. يَعنِي: على ما آتاك مِن الحِكْمة.\nأمَّا على الاحتِمال الأوَّل الذي هو ظاهِر القرآن ولا يَحتاج إلى تَقدير، فالأَمْر ظاهِر أنَّ شُكْرَ نعمةِ اللَّه تعالى مِن الحِكْمة، بل هو رأسُ الحِكْمة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري: كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل، رقم (٣٤٦١)، من حديث عبد اللَّه بن عمرو -﵄-.","vol":"1","page":73},{"text":"وقوله تعالى: ﴿اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ اللَّام هنا لِلاختِصاص والاستِحقاق؛ لأنَّه لا يَختَصُّ بالشُّكْر المُطْلَق، ولا يَستَحِقُّ الشُّكْر المُطلَق إلَّا اللَّه ﷾.\nوالشُّكْر: هو القيام بطاعة المُنْعِم اعتِرافًا بالقَلْب، وثَناءً باللسان، وطاعةً بالأركان.\nفمُتَعَلَّقُ الشُّكْر ثلاثة: اللسان، والقَلْب، والجوارِح، وسببُه واحِد: وهو النِّعْمة؛ ولهذا كان بينه وبين الحَمْد عُمُوم وخُصوص:\nفمِن جِهَة السَّبَب الحَمْدُ أعَمُّ، ومن جِهَة المُتَعَلَّق الشُّكْرُ أعَمُّ، وذلك لأن الحَمْد سببُه أمران: كَمَالُ المَحْمُود وإنْعَام المحْمُود؛ ولهذا تَحْمَدُ اللَّه ﷿ على كَمالِه، وتَحْمَدُهُ على إنْعَامِه.\nولكنَّ الحَمْدَ مِن حَيْث المُتعلَّق يَختَصُّ باللسان فقط، أمَّا الشُّكْر فإنَّه من حيث السبَب أَخصُّ؛ لأنَّه لا يَكون إلَّا في مُقابَلَةِ نِعْمة، لكن مِن حيث المُتَعَلَّق أعَمُّ يَكُون بِالقلْب واللِّسان والجوارِح، وعليه قولُ الشاعِر:\nأَفَادَتْكَمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً ... يَدِي وَلسَانِي وَالضَّمِيرَ المُحَجَّبَا (^١)\nوقوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ قُلْنا: إنَّ اللام هنا للاختِصاص والاستِحقاق، فيَجِب على العَبْد أن يُخْلِص الشُّكرَ له، وأن يَعتَقِد بقلبِه أنَّه لا يَستَحِقُّ الشُّكْرَ المُطلَقَ إلَّا اللَّهُ تعالى.\nقال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾؛ لأنَّ ثواب شُكْرِه لَه ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ بالنِّعمة ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ﴾ عن خَلْقِه ﴿حَمِيدٌ﴾ مَحْمُودٌ في صُنْعِه].\n_________\n(^١) غير منسوب، وانظره في غريب الحديث للخطابي (١/ ٣٤٦)، والفائق للزمخشري (١/ ٣١٤).","vol":"1","page":74},{"text":"قوله ﷾: ﴿وَمَنْ يَشْكُر﴾ الجُملةُ هذِه شَرْطِيَّة، فِعْل الشرط فيها مَجزوم بـ (مَن)، وجواب الشرط: جُمْلةُ قولِه: ﴿فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾، و(إنَّما) أداة حَصْر، و﴿يَشْكُرُ﴾ فِعْل مُضارِع؛ وجواب الشَّرْط هو الجُملة: ﴿فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾، لا قوله تعالى: ﴿يَشْكُرُ﴾ فقط.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ كيف قال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ ثُمَّ قال: ﴿فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾؟ قد يُقال: إن المُتَوَقَّع أن يَقول: ومَن يَشكُر فإنما يَشكُرُ اللَّهَ؟\nولكن نَقول مَثلَما قال المُفَسِّر: إن مَعنَى قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾؛ أي: أنه يَعُودُ ثَوابُ الشُّكرِ إليه، فهو لمِصلحتِه، وليس الشُّكْر يَعود إلى اللَّه ﷾ فيَنتَفِعُ به؛ لأنّه ﷾ يَنْتَفِع بالطاعة، ولا يَتَضَرَّرُ بالمَعصية، وإنما يَعود إليك أنت نَفْسِك.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ وهو ضِدُّ الشُّكْر.\nوقوله ﷾: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ غَنِيٌّ عَنه إذا كفَرَ نِعمَة اللَّه تعالى، و﴿حَمِيدٌ﴾ فَعِيل بمَعنَى: مَفْعُول، ويَجوز أن يَكون ﴿حَمِيدٌ﴾ بمَعنَى: فَاعِل حَامِد، فهو ﷾ مَحْمُودٌ وحَامِدٌ، لأنَّه ﷾ يَصِفُ مَن يَستَحِقُّ الصِّفاتِ الكَامِلَةَ بِمَا يَسْتَحِقُّه؛ ولهذا أَثنَى على أنبيائِه وعلى أَوْليائِه، وهذا حمْدٌ لهم، وهو أيضًا مَحمُود مِن عِبادِه، فهو فَعِيل بمَعنَى: فَاعِل، وبمعنى: مَفعول.\nووجهُ ارتِباط جملة جواب الشرط: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ بالشرط ظاهِر، يَعنِي: مَن كفَر فإنَّه لن يَضُرَّ اللَّه تعالى، ولن يَنْقُصَ مِن مُلكِه؛ لأنَّه غَنِيٌّ، وكذلك لن يَكون في ذلك قُصُورٌ مِن حِكْمته؛ لأنه جَلَّ وَعَلَا حَمِيد، فإيجادُ الشاكِرين ممَّا يُحْمَدُ اللَّه عليه، وإيجاد الكافِرين ممَّا يُحمَد اللَّه ﷾ عليه، ولولا هذا ما عُرِف","vol":"1","page":75},{"text":"قَدْرُ الشُّكْر، ولا عُرِف أيضًا مَضَرَّةُ الكُفْر، فلولا هذا لكان النَّاس على حَدٍّ سواءٍ لا يَتَميَّز فيهِم الطَّيِّب مِن الخَبيث.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ الغَنِيُّ مِن أسماء اللَّه تعالى، والحَميد مِن أسمائِه أيضًا.\nوقول المُفَسِّر: [﴿حَمِيدٌ﴾ محَمود في صُنْعه] هذا قُصُور، فـ ﴿حَمِيدٌ﴾ يَقول المُفَسِّر ﵀ أنها: [محَمود في صُنْعه]، والصواب أنَّه مَحمُود في صُنْعِه وشَرْعِه، وفي جميع صِفاتِه فهو محَمود على صِفاتِه الكامِلة، وعلى أفعالِه وعلى شرْعِه.\n\nمن فوائد الآية الكريمة:\nالْفَائِدَة الأُولَى: بيانُ مِنَّةِ اللَّه ﷾ على لُقْمانَ ﵇ بإعطائِه الحِكْمة؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾.\nالْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ الحِكْمة قد يَنالهُا مَن ليس بِنَبِيٍّ؛ لأنَّ لقمانَ ﵇ على قول الجمهور ليس نَبِيًّا.\nالْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: وجوبُ الشُّكْرِ للَّه تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُر﴾.\nالْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ شُكْرَ اللَّه تعالى مِن الحِكْمَة؛ لأنَّ قولَه تعالى: ﴿أَنِ اشْكُر﴾، هذا مِن تفسير الحِكمة، والشُّكْر للَّه لا شكَّ أنَّه مِن الحِكمة؛ لأنَّ الحِكمة هي مُوافَقَة الصَّواب أو وَضْعُ الشَّيْءِ في مَوضِعِه، ولا شَكَّ أنَّ شُكْرَ اللَّه تعالى مُوَافِق للصَّوَاب، وأنَّهُ وَضْع لِلشَّيْء في مَوْضِعِه.\nالْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ الشَّاكِرَ ثوابُه لِنَفْسِه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾.","vol":"1","page":76},{"text":"الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ كُل مَن مَنَّ اللَّه تعالى عَلِيه بالحِكمة فعليه أن يَشْكُرَ اللَّه تعالى أكثرَ مِن غيرِه.\nالْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ اللَّه تعالى لا يَنْتَفِعُ بطاعةِ الطائِعين، بل طاعَةُ الطائِعين لأنفُسِهِم.\nويَتفَرَّعُ على هذِه الفَائِدةِ: أنَّ أمر اللَّه ﷿ عبادَه بِطاعتِه أو بِعبادِته أنَّه مُجَرَّدُ إحسانٍ إليهم؛ لأنَّ هذا النَّفْعَ لهم كَمَا لو كُنتَ تُرَبِّي الصغير، وتَقول: كُلْ مِن هذا الطعامِ، والبَسْ هذا الثوبَ، واشرَبْ هذا الماءَ. فأنت تَأمُرُه، لكن الأَمْر لمِصلحَتِه هُو.\nالْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ الكافِر لا يَضُرُّ اللَّه تعالى شيئًا؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾، وفي الحديث القُدسيِّ: \"يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذَلَكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا\" (^١).\nالْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: إثباتُ هذين الاسْمَين للَّه ﷾، وهما: الغَنِيُّ والحَميد، وإثبات ما تَضَمَّنَاه مِن صِفَة وهي: الغِنَى والحَمْد، سواء كان حامِدًا أو مَحْمُودًا.\nالْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: اتِّصَافُ اللَّه تعالى بالصِّفَة المُرَكَّبَة مِن الوَصْفَيْن وهُما: الغِنَى والحَمْد، فليس كل غنيٍّ يُحْمَد، وليس كُل مَحْمُودٍ غَنِيًّا، أمَّا اللَّه ﷿ فقدِ اجْتَمَع في حَقِّه الغِنَى معَ الحَمْد، وذلك لِكَمَال جُودِه وكرَمِه ﷾.\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه مسلم: كتاب البر، باب تحريم الظلم، رقم (٢٥٧٧)، من حديث أبي ذر الغفاري -﵁-.","vol":"1","page":77},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>الآية (١٣)</span>\n* قالَ اللَّه ﷿: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].\n* * *\n\nقال المُفَسِّر ﵀: [﴿و﴾ اذْكُرْ إِذْ ﴿قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ﴾ تَصْغِيرُ إِشْفَاق ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ﴾ باللَّه ﴿لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ فرجَع إليه وأَسْلَم].\nقوله ﵀: [﴿و﴾ اذكُرْ إِذْ ﴿قَالَ﴾] أَفادَنا المُفَسِّر ﵀ أنَّ (إِذْ) مَفعولٌ لِفِعْل محَذوف، أو ظَرْف مُتَعَلِّق بفِعْل محَذوف، يَعنِي: اذكُرْ هذا الوقتَ الذي قالَ فيه لُقمانُ ﵇ لابنِه. . إلى آخِرِه.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ﴾ جُمْلة: ﴿وَهُوَ يَعِظُهُ﴾ حالِيَّة، حالٌ مِن فاعِل ﴿قَالَ﴾ وهو لُقمانُ ﵇، يَعنِي: والحال أنه يَعِظُ فيه ابنَه، والمَوْعِظة هي التَّذْكِير المَقرُون بالتَّخويفِ أو التَّرْغِيب.\nقال له: ﴿يَابُنَيَّ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [إنه تَصْغِير إشفَاق] وهو كذلك، وليس تصغِيرَ احْتِقَار؛ لأنَّ المَقَام لا يَقتَضيه، ولكنَه تَصغِير إشفاقٍ عليه.\nوقوله تعالى: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ هذا مَقولُ القول في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ﴾.","vol":"1","page":78},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ أي: لا تَجعَلْ معه شَريكًا في العِبادة، وفي الخَلْق والتقْدِير، وفي أسمائِه وصِفاتِه؛ لأن التَّوْحيد -كما هو مَعروف عند أهل العِلْم- يَنقسِم إلى ثلاثةِ أقسام: تَوحيدُ الرُبُوبِيَّة، وتَوحيد الأُلُوهِيَّة، وتَوْحِيدُ الأسْمَاءِ والصِّفَات.\nفالشِّرْك باللَّه تعالى: أن يُشرِكَ باللَّه تعالى في أحَدِ هذه الأقسام، فمَنِ اعتَقَد أنَّ معَ اللَّه تعالى خالِقًا فهو مُشْرِك في الربوبية، ومَنِ اعتقدَ أنَّ معَ اللَّه تعالى مَن يَسْتَحِقُّ أن يُعْبَد فهو شِرك أُلوهية، ومَن اعتَقَد أن للَّهِ ﷾ مُنازِعًا في أسمائِه وصِفاتِه فهو مِن باب الشِّرْك في الأسماءِ والصفات.\nقال المُفسِّر ﵀: [﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ﴾ باللَّه ﴿لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾] أكَّد لُقمانُ ﵇ كون الشِّرْك ظُلمًا بِمُؤكِّدَيْن وهما: (إنَّ)، واللَّامُ.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ الجُملة تَعليلٌ لمِا قبلَها، وهو قوله تعالى: ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾، فجمَعَ له لُقمانُ ﵇ بَيْن الحُكْم والحِكْمَة، فنَهاه عن الشِّرْك، وبَيَّنَ أنه ظُلْم عَظيم، والظُّلْم في الأصْل النَّقْص، ومِنه قوله ﷾: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣] أي: لم تَنْقُص.\nوأمَّا في الشَّرْع فإنَّ الظُّلم: هو نَقْص كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وعلى هذا فالشِّرْك نَقْصٌ في حقِّ اللَّه ﷿.\nوقولُه ﷾: ﴿لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ هذا مِن باب تَعظِيم الشِّرْك والحذَرِ مِنه، وَلا يُوجَد أَعْظَمُ ظُلْمًا مِن الشِرك؛ لأنه مهمَا كان فإنَّ ظُلْمَ الشِّرْك أعْظَمُ مِن كُلِّ شيء، فالذي خلَقَك أَوْجدَك مِن العدَم، والذي أَمدَّكَ بما تَقومُ به حياتُك هو اللَّه","vol":"1","page":79},{"text":"﷾، والذي أَعدَّكَ وجعَلَك مُستَعِدًّا لمِا تَنتفِعُ به هو اللَّه ﷿، فهو المُوجِد المُعِدُّ المُمِدُّ، وإذا كان كذلك فلا يُوجَد أحَدٌ أعْظَمُ حَقًّا عليك مِن اللَّه تعالى، فإذا نَقصْتَ اللَّه تعالى حقَّه كان ذلك أَعظمَ الظُّلْم؛ ولهذا مَن كان إليك أكثرَ إحسانًا فإن إساءَتَك إليه تَكونُ أعظَمَ مِن غيرِه، فإنَّ الذي يُحسِن إليك ويُعطِيك ويُرْبِيك ثُم تُسيءُ إليه أعظَمُ مِمَّا لو أَسأْتَ إلى أحَدٍ لم يَكُنْ مِنْه ذلك.\nقال: [﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ فرَجَعَ إليه وأَسْلَم] الذي رجَع الابن.\nوعلى كُلِّ حال: لا نَعرِف هل هذه المَسأَلةُ كَما قال المُفَسِّر ﵀؛ أنَّ الابن كان مُشْرِكًا، فلمَّا وعَظَه أبُوه رجَع فأَسلَم، أو أنَّه -أي: الابن- خافَ عليه أبوه مِن الشِّرْك فنَهاه عنْه، وبَيَّنَ لَه أن الشِّرك لَظُلم عظيم.\nولا يَلزمُ مِن النَّهي عنِ الشِّرْك أن يَكونَ الإنسان قد أَشرَك؛ لأنَّه قد يُنْهَى عن الشيء خوفًا مِن وقوعِه لا رَفْعًا لما وقعَ مِنْه، وهذا أمرٌ مَوْجود مُطَّرِد في القرآن، وفي السُّنَّة، وفي كلامِ الناس، فتَقول لِلرَّجُل مثلًا: لا تُصاحبِ الأشرار. فلا يَلزَم مِن هذا النهي أن يَكون مُصاحِبًا لهم، فقد يَكون نهيًا لمِا يُخَاف أن يَحصُل مِنه.\nفكلِمة ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ ليسَت صريحة في أنَّ الابن قد وقَع في الشِّرْك حتى يُقال: إنَّه رجَع وأَسلَمَ، بل قد يَكونُ أبوهُ نهاهُ عن الشِّرْك خوفًا مِن أن يَقَعَ فِيه، والعِلْمُ عِنْد اللَّه تعالى.\n\nمن فوائد الآية الكريمة:\nالْفَائِدَة الأُولَى: مُلَاطَفَة المُخَاطَب لاسْتِدْعَاء قَبُولِه لما يُوَجَّه إليه؛ لِقَوْلِه تعالى: ﴿يَابُنَيَّ﴾، فإنَّ هذا مِن بابِ المُلَاطَفَة.","vol":"1","page":80},{"text":"الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أهَمِّيةُ هذه النَّصِيحةِ؛ لأنَّها صدَرَت مِن أبٍ مُشْفِق إلى ابنِه، فإذن: هي مِن أهَمِّ ما يَكُون مِن الوصَايَا.\nالْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: تحريمُ الشِّرْكِ باللَّه تعالى؛ لِقولِه تعالى: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾، ويَكفي أن نَقول: تَحريم الشِّرْك؛ لأنَّ اللَّه تعالى يَقول: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ [الأعراف: ٣٣]، وقد يَقول قائِل إذا سَمِعَني أَقول: إنَّ الشِّرك حَرام. قال: لا يَكفِي أن يَكون حرامًا؛ ونَقول: بل يَكفِي؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال هذا، لكن هُو أشدُّ المُحَرَّمَات إثمًا وظُلْمًا.\nالْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: وُجوبُ توحيدِ اللَّهِ ﷾؛ لِأنَّ النهيَ عن الشِّرْك يَقْتَضي وُجُوب التوحيد.\nالْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ الشِّرْك ظُلْمٌ عَظِيم؛ لِقولِه تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.\nالْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّه ينْبَغي قَرْنُ الأحْكَام بِعِلَلِهَا لِلفوائد التي سَبَقَتْ، ويُؤْخَذ ذلك من قَولُه تعالى: ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.\nالْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ مِن أهمِّ ما تَنْبَغِي العِنَايَةُ به التَّرْكِيزُ على التَّوحيد وعَدَم الشِّرْك؛ لأنَّه ذَكَر: ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ فبَدَأ بِه قَبْل كُلِّ شَيْء، وكان الرسول -ﷺ- إذا بَعَثَ أحَدًا يَدْعُو إلى الإسْلَام يَأمُره أوَّلَ ما يَبدَأُ بِه الدَّعْوَة إلى التوحيد (^١)؛ لأنَّها هي الأَصْل، وإذا لم يَكُن عِنْد الإنسان تَوحِيد فَمَنْ يَعْبُد؟ !\n_________\n(^١) أخرجه البخاري: كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة، رقم (١٣٩٥)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإِسلام، رقم (١٩)، من حديث ابن عباس -﵄-.","vol":"1","page":81},{"text":"فلا بُدَّ أن يُرَكَّز على التوحيد، ولكن لِكُلِّ مَقَامٍ مَقَال، فإذا كُنَّا في بلدٍ يَكْثُر فيها الشِّرك فإنه يَنبَغي أن يَكُونَ كَلامُنَا في التوحيد أكْثَرَ، وإذا كُنَّا في بَلدٍ بالعكس لكن عِنْدَهُم مُخَالَفَات في أمورٍ أخرى يَنبَغي أن نُرَكِّز عليها أكثَرَ، وذلك مَأخوذٌ مِن طريقةِ القرآن، فَفِي مكَّةَ كانَ التَّرْكيز على التوحيد في آياتِ القرآن أكثَرَ، وفي المدينة كان التركِيز على المُعَامَلات وفُرُوع العِبادات أكثَرَ، فَلِكُلِّ مَقَامٍ مَقَال.\nولذلك قد يَعْتَرِض بعض الناس، ويَقول: لمِاذا لا تُكثِرُون الكلام في التوحيد في المَمْلكة السُّعُودية مثَلًا، ولا سِيَّمَا في نَجْدٍ؟ !\nنَقول: إنَّ الكلامَ في التوحيد لا شَكَّ أنَّه مُهِمٌّ؛ لأنَّه أهَمُّ الأشياء، لكِن إذا كُنَّا في قَومٍ قد وَحَّدُوا -وللَّه الحَمْد- وعرَفوا الأمر وهم بَعِيدُونَ عن الشِّرْك، وإنَّما يُخالِفُون في الأمورِ الأخرى دُونَ الشِّرْك، فَنَحْنُ نُرَكِّز على ما فِيه هذه المُخَالَفَةُ، على أنه لَو طَرَأَ مَا يَكْلُمُ التوحيد يَجِب أن يُرَكَّزَ عليه، كما يُوجَد في الآوِنَة الأخِيرَة مِن ظُهُور بَعض الأشياء الشِّرْكِيَّة والبِدْعِية مِن هذه الكُتَيِّباتِ الصِّغَار التي فيها أذْكَار وأَوْرَاد كُلُّهَا كَذِب أو غالبُها كَذِب، فيَجِب أن يُرَكَّز عليه، كذلك أيضًا وُجِد تَمَائِمُ تُعَلَّق، تمَائِمُ مِن النُّحَاس يُقَال: إنَها تَنْفَع مِن الرُّومَاتِزْم، هذا أيضًا نوع مِن الشِّرْك، وكذلك أيضًا ما وُجِد مِن قَضِية الدّبْلَة وما يَتَعَلَّق بها، فالرجُل يَكتُب اسمَهُ على خَاتَم امْرَأَتِه، وهي تَكتُب اسمَها على خَاتِم زَوجِها، ويَعتَقِدون أنَّ هذا يُوجِب المحَبَّة والاحْتِرام، كأنَّه رِبَاط، هذا أيضًا مِن الشِّرْك، وهو مِن التِّوَلَة، فإذا طَرَأَت مِثْل هذه الأمورِ يَجِب أن تُحارَب، وأن يُركَّز عليها، وأن يُكْثَرَ القولُ فيها حتى لا تَنْتَشِر، فالمُهِمُّ أنه لِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالٌ كما قيل.\nالْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: توجِيهُ المَواعِظ مِن الآباء إلى أبْنَائِهم؛ لأنَّ هذا مِن الحِكْمة؛","vol":"1","page":82},{"text":"لِقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ﴾.\nالْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أنَّه يَنبَغِي لِلإنسان المُوَجِّه أن يَقْرِن توجيهَه بالموعظة؛ لِقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ﴾.\nوهل يَكفِي مَثَلًا أن تَقُول لإنسان: هذا حرام، وهذا واجِب. أو يُنْظَر في حالِ الشخص؟\nالجَوابُ: يُنْظَر في حالِ الشَّخْص، فمِن الناس مَن يَكْفِي أن تَقُول لَه: إنَّه حرام أو واجِب، وَيَمْتَثِل، ومِن الناس مَن لا يَكفِي أن تَقول: هذا حرام أو وَاجِب، حَتَّى تَقْرُنَ ذلِك لَه بِالموْعِظَة، فتَقول: اتَّقِ اللَّه ﷾، اخشَ اللَّه تعالى. مثَلًا، كيف تُصِرُّ على هذا وهو مَعْصِية للَّه تعالى ورسولِه -ﷺ-. وما أشْبَه ذلك.\nفالمُهِمُّ: أنَّه لِكُلِّ مَقَام مَقَال، وكذلك أيضًا تَذْكُر ما وَرَد فِيه مِن الوعيد في القرآن والسُّنَّة، كما لو تَوَدُّ أن تُوَجِّه نصِيحة إلى رَجُلٍ مَغْمُور بالمعامَلِة بالرِّبا هذا لا يَكفي أن تَقول: الرِّبا حرام؛ لأنَّه عارِف، فلا أحدَ يُشْكِل عليه أنَّ الرِّبا حَرَام لكِن يَحْتَاج إِلى مَوْعِظة تُلَيِّنُ قَلْبَه لِلحَقِّ والتَّوبَة مِن البَاطِل.\n* * *","vol":"1","page":83},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>الآية (١٤)</span>\n* قالَ اللَّه ﷿: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤].\n* * *\n\nثُمَّ قال ﷾: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾، هذه الجُملةُ ليسَتْ مِن كلام لُقمانَ ﵇، بل هي مِن كلام اللَّه ﷿، فهي مُعتَرِضَة بين كلام لُقمانَ الأوَّلِ، وكلام لقمان الثاني؛ لأنَّ اللَّه ﷾ دائِمًا يَقرُن حقَّ الوالِدين بحَقِّه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الأنعام: ١٥١].\nقال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ أَمَرْناه أن يَبَرَّهما] ففَسَّر المُفَسِّر ﵀ الوَصِيَّةَ بالأَمْر، ولكنها أَخَصُّ مِن الأمر المُطْلَق، فالوَصيةُ عهْدٌ بما يَنبَغي الاعتِنَاءُ به، ليسَت مجُرَّد أَمْر، بل هي عَهدٌ بما يَنبَغي الاعتِناءُ به، ولا شكَّ أنَّ بِرَّ الوالدَين مما ينبغي الاعتناء به.\nوقوله: [أن يبرَّهما] لو قال: (أن يُحسِن إليهما) لكان أَوْلى؛ لأن اللَّه ﷾ يقول في آية أخرى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف: ١٥] ولكن المُفَسِّر فسَّره بالبِر؛ لأنَّ البرَّ من الإحسان.\nوقوله ﷾: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ﴾ كُلَّما كَبُر الجنِين كَانَ ذَلك أشدَّ وأعظَم،","vol":"1","page":84},{"text":"فإنَّ الإنسان يجِد مِن نفسه أنَّه لو شَبِع وامتلأ بطنُه يتعب معَ أنَّ هذا الغذاء يُمِدُّهُ بِالطَّاقَة، فكَيف بالجنينِ الذي يملأُ بطنَها ويأكُل مِن طاقتِها -لأنَّه يتغذَّى مِن غِذائِها-؛ فيكون هذا أشدّ وأعظَم؛ لأنه جامعٌ بيْن الإثْقال وبيْنَ المُشَاركة في الغِذاء؛ ولهذا تَحتاجُ المرأة الحامِل إلى غِذاءٍ أكثَرَ، ومِن ثَمَّ أَباحَ الشرعُ لها أن تُفْطِر في رمضانَ؛ مِن أَجْل ألَّا يَنْقُصَ الغِذاءُ عليها فَتَتَعَب هِي ويَتَضرَّر الجنين، وهذه مِن حِكمةِ اللَّه ﷿، كذلك أيضًا يَلحَقها وَهَنٌ عِنْد الطَّلْق، فالطَّلْق يُؤْلم ويُوجِع فليس بالأمرِ الهَيِّن؛ لأنَّ الطَّلْق -بإذنِ اللَّه- يَأتي مِن أَجْلِ أن يَنْقِلَب الجنين حتى يَسْتَعِدَّ للخُرُوج.\nفإن وَضْعَ الجنِين في بَطْنِ أُمِّه: أنَّ رأسَه إلى جِهَة رأسِ الأُمِّ، ووجهُه إلى جِهَة ظهْرِ الأُمِّ، وظَهرُه إلى جِهَة بَطنِها، فهو مُعَاكِسٌ لأُمِّه في الاستِقْبَال، وهذه حِكْمة؛ لأنَّه إذا كان وجهُه إلى الظَّهْر صارَ الظَّهْرُ حاميًا لَه؛ لأنَّه عِظَام يَحْمِي وجهَ الجَنين، لو كان وجهُ الجنين إلى وجهِ أمِّه فليس هناك شيءٌ يَحمِيه، وكان أدْنَى ضَرْبة -مثَلًا- أو شَيء تُصِيب وجهَه، لكن مِن حِكْمةِ اللَّهِ ﷿ أنَّه جعَلَهُ هكذا.\nولذلك قال العُلَماء ﵏: لو ماتَتِ امرأةٌ كافِرة كِتَابِيَّة حامِلٌ بِولدٍ مِن مُسْلِم تُدْفَن على جَنْبها الأَيسَر، إن أَمكَن أن تُدْفن وحدَها لا في مَقابِرِ المُسلِمين، ولا في مَقابرِ الكُفَّار فهو أَوْلى، فإِنْ تَعذَّر، فإنَّها تُدفَن في مَقابرِ المُسْلِمين على جنبِها الأيسَرِ؛ لِيكُون الولَد على الجَنْب الأَيْمن مُستَقبِل القِبْلة.\nفالطَّلْق يَحصُل عند انطِلاق هذا الولَدِ، هذا الولَدُ سيَنْقلِب عِند الوضْع لِأجْل أن يَكون رأسُه هو الأسْفَل حتى يَخرُج، وأوَّل ما يَخرُج مِن الجنين هو الرأسُ، وتَتَألَّم مِن هذا الطَّلْقِ بِلا شَكٍّ، ثُمَّ عند الوَلَادة أيضًا تتَألَّم ويَلحَقُها ضَعْف، ورُبَّمَا يَلحَقُها إغماء وتَعَب، وربما تَمُوت، فاللَّهُ ﷾ يُذَكِّرُ الإنسان حالَ الأُمِّ في هذه الأحوالِ","vol":"1","page":85},{"text":"التي كُلُّها أحوال ضَعْف عَلى ضَعْف.\nقال المُفَسِّر ﵀: [﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾؛ أي: ضعُفَت لِلحَمْل، وضعُفَت لِلطَّلْق، وضَصت لِلولادة، ﴿وَفِصَالُهُ﴾؛ أي: فِطامُه ﴿فِي عَامَيْنِ﴾].\nقوله ﷾: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾، يَقول المُفَسِّر ﵀: [فِطامه]، لكن مُخرَجٌ مِنها مُدَّةُ الحمْل؛ لأن اللَّه تعالى قال في آية أُخرى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ فإذا أَسقَطْنَا أقلَّ مُدَّة الحمْل سِتَّةَ أَشهُر بَقِي أربعة وعِشرون شهرًا، وهي عَامَان.\nو﴿عَلَى﴾ هنا للاستِعلاء يَعنِي: وهنٌ مُضافٌ على وَهْن. مِثلما تَقول مثَلًا: وضَعْتُ كِيسًا على كِيس، ولَبِنَةً على لَبِنَة، وما أَشبَه ذلك.\nالوهَن كلُّه بسبَب الحَمْل، ولكن ذاك عند نَشْئِه، والثاني عِند الطَّلْق، والثالث عند الولادة.\nقال ﵀: [﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾، وقُلْنا له: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾] قوله ﷾: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ يَعنِي: أنَّه لا يَنفَصِل مِن أُمِّه إلَّا بعد عامَيْن، فيُضَاف إلى الحمْل مُدَّة الفِصال، ففيها تعَب لا شَكَّ، فإنها تُرضِعُه وتَسْهَرُ لسَهَرِه، ويَتأَلَّم قلبُها لأَلَمِه، وتُصلِحُ شأنَه مِن تَنظيفه، وتَنظيفِ ثيابِه، وحملِه عِند البُكَاء، وغيرِ ذلك، إذن فهي في تعَبٍ مِن حين يُحمَل إلى أن يُفصَل بعدَ ولادتِه في عامين.\nولمْ يَذكُرِ اللَّه ﷿ في حقِّ الأبِ شيئًا، لِأَنَّ الأبَ في الغالِب يُتَّقَى ويُخْشَى، فلا حَاجَةَ إلى أن يُبَيَّنَ ما يَنالُه مِن ابنِه حتَّى يَكُونَ حَافِزًا للابْن على القِيام بحقِّه،","vol":"1","page":86},{"text":"لكنِ الأمُّ لمَّا كانت ضَعيفَةً، ورُبما يَتهاوَن الإنسانُ بِحقِّها ذَكَرَ اللَّه ﷿ مِن أحوالها ما يَكونُ سببًا لِقيام الابْنِ بِواجبِه.\nوهذا تَرَوْنَه كثيرًا في القرآن، فالشيءُ الذي يُخشَى فيه التَّهاوُن يُؤَكَّد؛ مثال ذلك: الوصِيَّة والدَّيْن في التَّرِكَة، فالدَّينُ يُقَدَّم عَلى الوَصِيَّة بالإجماع، ومع ذلك ذَكَر اللَّهُ ﷾ الوصِية في آياتِ المَوارِيث قَبل الدَّيْن، وقدَّمها في الذِّكْرِ على الدَّيْن؛ لأنَّ الوَصِيَّة حقٌّ قَد يَتَهَاوَن بِه الوَرَثَة، والدَّيْن لا يَتَهاوَن بِه الوَرَثَة، فورَاءَه مَن يُطالِب بِه، وهو صاحِبُه، فاللَّه ﷾ قد يَدْعَم الأشياء التي يُخشَى فيها التَّهاوُن بِأوصافٍ تَحمِل على القِيام بما يَنبَغي أن يَقومَ به.\nفهنا لمَّا كانتِ الأُمُّ ضعيفةً، وكان الإنسان قد يَعتَدِي عليها وعلى حقِّها أكثَرَ ذَكَرَ اللَّه تعالى مِن أسباب بِرِّهَا الموجِبَة ما لم يَذكُرْه في حقِّ الأبِ، وأَظُنُّنا كُلنا يَعلَم أنَّ الابِن قَد يَعتَدِي على أُمِّه بالسَّبِّ والشَّتْم، وربَّما بالضَّرب، لكن على أبيه لا يَستَطِيع، ولا يَعتَدي عليه بمِثْل اعتِدائِه على أُمِّه، وإذا لم يَقُم بحَقِّه فإنَّ أباه يَفرِضُ ذلك عليه؛ فلهذا ذَكَرَ اللَّه تعالى هذه الصِّفاتِ في الأُمِ؛ ليَكونَ حَثًّا لنا على القيام بحَقِّها.\n\nمن فوائد الآية الكريمة:\nالْفَائِدَة الأُولَى: عِنَاية اللَّه ﷿ بمُعامَلةِ الوالِدين؛ ولهذا أَوْصَى بها ﷾ وَصِيَّة.\nالْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنه سبحانه أَرْحَمُ بالوالدين مِن أولادهما؛ لأنَّ اللَّه تعالى أَوْصى الأولاد بالوالِدين.\nإِذَنْ: فهو أرحَمُ بالوالدين مِن الأولاد، كما قلنا في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ","vol":"1","page":87},{"text":"فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]: أنَّ في الآية دليلًا على أنَّ اللَّه تعالى أرحمُ بالولَد مِن وَالِدَيْه.\nالْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: بيانُ عِظَمُ حُقُوقِ الوالِدين؛ ولهذا جعَلَها اللَّه وَصِية، والوصية كما سبَقَ هي أن يُعْهَدَ إلى شَخْصٍ بأمْرٍ هَامٍّ، فهذا دليل على عِظَم حُقُوقُ الوالِدَيْن.\nالْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن يُذْكَر لِلمُخاطَب ما يَحْمِلُه على امتِثَال ما وُجِّهَ إليه؛ لقوله تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾.\nالْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّه يَنبَغي تَقْوِيَةُ الجانِبِ الضعيف بما يُقَوِّيه، ويُؤْخَذ ذلك من قوله تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾، فإنَّ اللَّه تعالى ذَكَر ما يَحْسُن للأُمِّ إغراء لِلقِيامِ بِحَقِّها، ولم يَذْكُر ما يَحْسُن للْأَب؛ لأن -كما قُلنا في التَّفسير- الأمَّ ضَعيفة تَحتاج إلى مَن يُقَوِّي جَانِبَها.\nالْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ حَقَّ الأُمِّ أوجَبُ مِن حَقِّ الأَبِ، فاللَّه تعالى ذَكَر ما تُعانيه الأُمُّ مِن المَشَاقِّ إشارةً إلى أنها أحَقُّ، لأنَّه بالنسبة للأبِ لا يَجِد كثيرًا من هذه المَشاقِّ، ولكن الأُمَّ هي التي تَجِد تِلك المَشاقَّ، صحيحٌ أنَّ الأبَ قد يَتَحَمَّلُ مَشَاقًّا أُخرى مثل حُصُول النَّفَقَة، وما أَشبَه ذلك، لكن الأَلَم البدَنيَّ للأُمِّ لا يَكُون لِلأبِ.\nالْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّه يَنبَغي للأُمِّ أن تَصْبِر على ما يَنَالهُا مِن مَشَقَّة الحَمْل؛ لأنَّه أمْرٌ طَبِيعِيٌّ، لِقوله تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾.\nيَتَفَرَّع مِن هذه الفائِدةِ: بيان خَطَأِ بعضِ النِّسَاء اليَوم اللاتي لا يَصْبِرْنَ على وَهْن الحمْل، فتَجِد المرأة تَستَعمِل حُبُوبًا لِمَنعْ الحمْل، تَقول: لأنه يَلحَقهن مَشَقَّة. وما أَشْبَه ذلك، وبعض النساء يُحاوِلْن أن يَلِدْن عن طَرِيق العَمَلِيَّة، تَقول بأنَّه أهْوَنُ.","vol":"1","page":88},{"text":"كل هذا فِرَارًا مِمَّا جُبِلَت عليه المَرأة مِن الضَّعْف عند الحَمْل، وعِند الطَّلْق، وعند الوِلَادة، نعَمْ إِنِ احتاج الأمر إلى عَمَلِيَّة هذا لا بأسَ بِه لِلضرورة، وإلَّا فإنَّه لا يَنبَغي ذلك؛ لأن هذا خِلاف ما فَطَرَ اللَّهُ تعالى عليه المرأة.\nالْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ أقلَّ الحمْل سِتَّةُ أَشْهُر، مِن قَولِهِ ﷾: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾، وقد قال تعالى في سورة الأحقاف: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، فإذا أَسقَطْت عامين مِن ثلاثِين شَهرًا بَقِي سِتَّة أشهُرٍ.\nوذَكَر ابنُ قتيبةَ ﵀ في (المعارِف): أنَّ عبد الملِك بن مَرْوانَ وُلد لِستَّة أَشهُر. وهو الخَليفة المُحَنَّك كما هو مَعْرُوف، ويَقول الخبرَاءُ في هذه الأُمورِ: إنه إذا وُلِد لِسِتَّة أشهر يُمكِن أن يَعِيش لكن لِسبعة أَشهُر قَد لا يَعِيش؛ وهذا حِكْمة لا نَعلَم عنها شيئًا.\nالْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: وُجوب الشُّكْر لِلوالِدين كما يَجِبُ الشُّكْر للَّه تعالى؛ لِقوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾.\nالْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أنَّ شُكْرَ اللَّه تعالى مُقَدَّم على غيره؛ لأنَّه قَدَّمَه في قولِه تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾، فقَدَّم الشُّكْرَ له على شُكْر الوالِدين مع عِظَمِ حَقِّهِمَا.\nالْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّ مَرْجِع الأمُورِ إلى اللَّه تعالى؛ لِقوله تعالى: ﴿إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾، وتقدِيمُ الخبر يَدُلُّ على الحَصْر؛ أي: أنَّه إلى اللَّهِ وَحْدَهُ.\nالْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: التحْذِيرُ والتخْوِيفُ مِن المُخالَفة؛ لأنَّ قوله تعالى: ﴿إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ يَعنِي: وسَأُحَاسِبُك أيها الإنسانُ، فَصِلَةُ هذه الجُملةِ بما قَبْلها أنَّها تُفِيدُ التهدِيد والتحذِير لِلمُخَالِف.","vol":"1","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>الآية (١٥)</span>\n* قالَ اللَّه ﷿: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان: ١٥].\n* * *\n\nالضمير في قولِه تعالى: ﴿جَاهَدَاكَ﴾ ضمير فاعِل يَعُود على الوالِدَين، ومَعنَى ﴿جَاهَدَاكَ﴾ نَقول: لم يَذكُر المُفَسِّر ﵀ مَعناها، لكن مَعناها: بَذَلَا الجُهْد مَعك.\nوقوله تعالى: ﴿عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ يَعنِي: على أن تَجْعَل مَعِي شَرِيكًا لا عِلْمَ لَك بِه.\nوقوله تعالى: ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ هو قَيْدٌ لِبَيَان الواقِع، وليس قَيْدًا احْتِرَازِيًّا؛ لأنَّه لا يُمْكِن أن يُوجَدَ عِلْمٌ بأنَّ للَّه تعالى شَرِيكًا، وهذا كقولِه تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧].\nفإن قال قائِل: ما فَائِدةُ هذا القَيْدِ، وقد عُلِم أنَّه لن يُوجَد؟\nقلنا: الفائِدةُ فيه تَحْقِيق هذا الأَمرِ، حتى لا يُحَاوِل أحَدٌ أن يَبحَث ويَطْلُبَ عِلْمًا أو بُرْهَانًا بأنَّ اللَّه ﷾ لَه شَريك، فكأنَّه يَقول: هذا هو حقيقةُ الواقِع، وما كانَ حقيقةَ الواقعِ فلا يُمكِن أن يَتَخَلَّف، وهذا هو فائِدة قولِه تعالى: ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾.","vol":"1","page":90},{"text":"وقوله تعالى: ﴿مَا لَيْسَ﴾: ﴿مَا﴾ هذه يُحتَمَل أن تَكُونَ اسْمًا مَوْصُولًا، أي: الذي ليس لك به عِلْم، ويُحتَمَل أن تَكُونَ نَكِرَةً مَنصوبةً، أي: أن تُشْرِك بِي شَرِيكًا ليس لك بِه عِلْم.\nوقوله ﷾: ﴿فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ جوابُ الشَّرْط، وهو: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ﴾ إن جاهَداك فلا تُطِعْهما، وتَأمَّلْ قولَه تعالى: ﴿فَلَا تُطِعْهُمَا﴾، ولم يَقُل: فلا تَبَرَّهُمَا، ولم يَقُل أيضًا: فاعْصِهَما، لِأنَّ كَلِمة ﴿فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ أهوَنُ في النَّفْس مِن كلِمة: فاعْصِهما؛ ولهذا كان قولُ إبراهيمَ ﵊ لِأَبيه: ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ [مريم: ٤٣] أهونَ مِن قوله: يا أبَتِ إنك جاهِل بما عندي؛ لذا قال تعالى: ﴿إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾؛ لأنَّ نفيَ الكَمَال أهوَنُ مِن إثْبَات النَّقْص على النُّفوس.\nويُذْكَر أنَّ أحدَ الملوك رأَى في المنام أنَّ أسنانَه قد سَقَطَت، فقال: ادعوا لي مُعَبِّرًا يُعَبِّر هذه الرؤيا. فجاؤُوا برجُل لِيَعْبُرَها، فقَصَّ عليه الرؤيا، فقال: يَموتُ أهلُك. فلَمَّا قال: يَموتُ أهلُكَ. فَزَع الملِك وهَلَع وقال: اجلِدُوه، فَجَلَدُوه وانصرَف. قال: أَعطوني غَيرَه فجاؤُوا برجُلٍ آخَرَ، فقَصَّ عليه الرؤيا، فقال: الملِك يَكون أَطولَ أهلِه عُمُرًا. فأَكرَمَه وأَسْبَغ عَليه النِّعَم، ومعنى ذلك مُتقارِب، فإذا كان أطولَهم عُمُرًا فمَعناه: أنهم يَموتون قبله.\nوالحاصِلُ: أنَّ التعْبِير له أثَرٌ على النَّفْس، فكلمة: ﴿فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ أهوَنُ مِن كَلِمة: اعْصِهما. ثُمَّ قوله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ لم يَقُل: لا تَبَرَّهما، أو: لا تَقُمْ بحَقِّهما، فحَقُّهُما واجِب، ولو أَمَرَاك بالشِّرْك فإذا كان الوالِدان لهما حقٌّ واجِب ولو أمَراك بالشِّرْك، فكيف إذا أمَرَاك بما دُونَ الشِّرْك؟ ! ولهذا حقُّ الوالدين ليس بالأَمْر الهَيِّن.","vol":"1","page":91},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعْهُمَا﴾؛ لأنَّه لا طاعةَ لمِخُلوقٍ في معصِيةِ الخالِق، فإنَّ حقَّ اللَّهِ أوجَبُ مِن حقِّ الوالِدين، هو الذي أَوْجَبَ لهما الحَقَّ فكيف نُضِيع حقَّه مِن أجْلِ حقِّهما؟ !\nقال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ مُوافَقَةً للواقِع] هذا تَفسيرٌ لِقولِه: ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي: أن هذا هو الأمرُ الواقِعُ ليس لك به عِلْم.\nوقوله ﵀: [﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾؛ أي: بالمَعروف: البِرِّ والصِّلَة]، قوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا﴾، كلِمة ﴿فِي الدُّنْيَا﴾ ظَرْفِية لا شَكَّ فيها، ويُحتَمَل أن يَكون المُراد بالدنيا شُؤُونها، يَعنِي: في أمُورِ الدنيا صاحِبْهُما مَعْرُوفًا، أمَّا في أمُورِ الدِّين فلا تَتَعدَّى ما أمَرَك اللَّهُ بِه، ويُحتَمَل أن يَكون في الدنيا؛ أَيْ: في هذه الدُّنيا، لكن المعنى الأوَّل أبلَغُ، لأنَّه مِن المَعُلوم أنَّ المُصاحَبة بَيْن الوالِدين والوَلَد إنما تَكونُ في الدنيا، فلا حاجَةَ إلى التقدِير، فالظاهِر أنَّ المَعنَى ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ أي: فيما يَتَعلَّق بأمُورِ الدُّنْيا صاحِبْهما مَعروفًا.\nقال المُفَسِّر: [بالمعرُوف] ومعنى هذا التَّفسيرِ ﴿مَعْرُوفًا﴾ أنَّ أنْ مَنْصُوبٌ بِنَزْعِ الخَافِض، والنصبُ بِنَزْعِ الخَافِض مع غَيْر (أنَّ) و(أَنْ) ليس بِمُطَّرِد، بل هو شاذٌّ، وإذا كان كذلك فإنَّه لا يَنبَغي أن يُحال القرآن عليه، ولو قيل: إنَّ ﴿مَعْرُوفًا﴾ صِفَة لمِصدرٍ محَذُوف، التقدير: صَاحِبْهما صِحَابًا مَعْرُوفًا، يَعنِي: صُحْبَةً مَعْرُوفَة، ليس فيها عُنْف، وليس فيها تَوبِيخ، ولا لَوْم، وليس فيها نَقْصٌ مِما يَجِبُ لهما لكان هذا أَوْلى.\nقال المُفَسِّر ﵀: [بالبِرِّ والصِّلَة] البِرُّ: كثرة الخَيْر، والصِّلَة: عَدَم القَطِيعَة، فالمَعنَى: صِلْهما وبِرَّهما بما يَستَحِقَّان مِنك، لكن في أُمُورِ الدُّنيا فَقَطْ.","vol":"1","page":92},{"text":"قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ﴾ طَرِيق ﴿مَنْ أَنَابَ﴾ رجَعَ ﴿إِلَيَّ﴾ بالطَّاعَة] قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ﴾: ﴿مَنْ﴾ هذه اسمٌ مَوْصول، والاسمُ المَوْصول يُفيدُ العُموم، فهل هو على عُمومِه أي: اتَّبع سبيل مَن أَناب إلَيَّ مِنْهما أو مِن غيرهِما، أو هُو عامٌّ أُرِيدَ به الخُصُوص، أي: مَن أَناب إلَيَّ مَنهما؟\nالجَوابُ: الأَوْلَى أن نَقُول بالعموم ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ﴾ مِن كُلِّ النَّاس، وعلَيْه فمَن أَنابَ مِن الوالِدَين إلى اللَّه ﷾ يَكونُ اتِّباعُ سبيلِه مِن بابِ أَوْلى.\nوقوله تعالى: ﴿أَنَابَ﴾ بمَعنَى: رَجَع مِن المَعصِية إلى الطاعة، ومن الشِّرْك إلى التوحيد، ومن الفُسُوق إلى الاستِقامة والتَّقْوى.\nويُقال: إن سعدَ بنَ أبي وقَّاص -﵁- لمَّا أَسلَم قالت له أُمُّه: ما هذا الدِّينُ الذي أَتَيْت به؟ فقال: هذا هو الحقُّ. فقالت له: لَتَتْرُكَنَّه أو لَأَدَعَنَّ الطعامَ والشَّرابَ حتَّى أمُوت، فَتُعَيَّرَ بي. فقال: هذا حقٌّ لا أَدَعُه. فأَمْسَكَت عن الطَّعام والشراب يومًا كامِلًا، فلمَّا أَصبَحَت إذا هي مُجْهَدَة -يَعنِي: مُتعَبة مِن الجُوع والعَطَش- فطلَب منها ولَدُها أن تَأكُل وتَشْرَب، وقال: أنا لَن أَرْجع عن هذا الدِّينِ. ولكنَّها أَبَتْ، وفي اليوم الثاني: أَصبَحت أكثَرَ جُهْدًا، فقال لها: كما قال في الأوَّل: إنِّي لن أَدعَ هذا الدِّينَ. فبَقِيت على عِنَادِها، فلمَّا كان في اليَوْم الثَّالِث، وإذا هِي قَد أَصْبَحَت مُجْهَدَة جُهْدًا شَدِيدًا، فقال لها: يا أُمِّي تَعلَمِين أنَّ هذا هُو الحَقُّ، واللَّهِ لو كانت نَفسُكِ مِئَة نَفْس وماتَت كُلُّ نَفْس -يَعنِي: وحدَها- واللَّهِ ما أَدعَ هذا الدِّينَ. فلمَّا رأَت أنَّ الرَّجُل عَازِم أَكَلَتْ (^١).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم: كتاب فضائل الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم، باب في فضل سعد بن أبي وقاص -﵁-، رقم (١٧٤٨)، من حديث سعد بن أبي وقاص -﵁- بنحوه.","vol":"1","page":93},{"text":"فمِثْل هذه الحالِ لا يجوز للإنسان إذا رأَى أن أُمَّه سوف تمَوت أو أبوه سوف يَموت لا يَجوز له أن يُشرِك.\nفإن قال قائِل: لو أَراد أن يَقول: إنَّه مُشْرِك بِلسَانِه مُتَأَوِّلًا هل يَجوز ذلك؟\nفالجَوابُ: لا يَجوز أن يُوافِق ولو بِالتَّأْوِيل، فلْيَصْبِر، ويَقول: أنا ما ضرَرْتُكِ شيئًا، أيُّ شيء تُريدين مِن أمور الدُّنيا فأنا مُسْتَعِدٌّ له. يَعنِي: ما ضرَرْتُك، فإن شِئْتِ فكُلي، وإن شِئْتِ فلا تَأكُلِي.\nالمُهِمُّ: أنه لا يَجوز أن يَقول ولو مُتَأَوِّلًا، إلَّا إذا لو خَافَ على نفسِه هو، وهذا فَرْق بين مَن يَخَاف على نَفْس غيرِه أو على نَفْسِه، فلو خافَ على نَفْسِه هو أن يُقْتَل فلَه أن يَقُولَ ذلك مُتَأَوِّلًا لقولِه تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] على أنَّه -أي: المَسأَلة الأخيرة- لا يَجوز فيما إذا كان فيه نُصْرةٌ للإسلام، فإنَّه إذا كان في ثُبُوتِه نُصْرة للإسلام وفي مُوافقَتِه ظاهِرًا خُذْلانٌ لِلإسلام حَرُم عليه ذلك؛ لأَنَّه حينئذٍ يَدخُل في باب الجِهَاد مِثْل ما حصَل للإمامِ أحمَدَ ﵀، دُعِيَ إلى القَوْل بخَلْقِ القرآن، ودُعِيَ غيرُه أيضًا إلى القولِ بخَلْق القرآن، فَمِن العُلَماء ﵏ مَن تَأَوَّل وأَجابَ ظاهِرًا بما يُدْعَى إليه، ومِنهم مَن أَصَرَّ فقُتِل، ومنْهم مَن أَصَرَّ فحماهُ اللَّه تعالى مِن القتل كالإمامِ أحمدَ ﵀، فالإمام أحمدُ ﵀ لم يُجِبْهم ولو بالتأويلِ؛ لأنَّ الناس يَنظُرُون ماذا يَقولُ الإمامُ أحمدُ ﵀، فلو قال: إنَّ القُرْآن مخَلوق. ولو بالتَّأوِيل، ستقول العامةُ: إنه مَخْلُوق. وتَنطَلي هذه البِدْعةُ على عُمُوم المُسلِمين، فرأَى ﵀ أنه لا يَجوز أن يَتَأَوَّل في هذه الحالِ؛ لمِا في ذلك مِن خُذْلان الحقِّ وإثبَاتِ البَاطِل.\nوقوله ﷾: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ هذا التَّعقيبُ لمَّا ذكَرَ ﷾","vol":"1","page":94},{"text":"أنهما إذا أَمَرا بالشِّرْك فلا تُطِعْهما، وأنَّ الواجِبَ عليك اتِّباع سبيل مَن أَناب إلى اللَّه تعالى، فقال تعالى: ﴿ثُمَّ﴾ أي: بعد هذه المُحاولاتِ مِنهما بأن تُشْرِك باللَّه تعالى، وبعد أن تُطِيع فالمَرجِع إلى اللَّه تعالى.\nوقولُه تعالى: ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ جُملة اسمِيَّة خَبَرية قُدِّم فيها الخبر لِإفادة الحَصْر، ﴿إِلَيَّ﴾ لا إِلى غَيْرِي، ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾ يَعنِي: مَرَدُّكم، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [فاطر: ٤].\nوقوله تعالى: ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ﴾ بمَعنَى: أُخبِرُكم، ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، والإنبَاءُ هذا يَستَلْزِم المُجَازَاة، وقد لا يَكون هناك مجُازَاة؛ ولهذا دائِمًا يُعَبِّر اللَّه ﷿ بالإنبَاء -أي: الإخبار- لأنَّه قد يُجازِي وقد لا يجازِي، فإنَّه يَخلو بعَبْدِه المُؤمِن ويُخبِرُه بذنوبِه ويُقرِّرُه بها، ثم بَعْد ذلك يَقول: \"سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ في الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ\" (^١).\nوقولُه تعالى: ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: بالذي كُنْتم تَعمَلون، وهو شامِل لكل ما يَعمَله الإنسان مِن صَغِير وكبِير دون ما لم يَعمَله، فلو هَمَّ بالشيء فلم يَعمَلْه فإنه لا يُجازَى عليه، لكن قد يُثَاب عليه إذا كان مَعصيةً ترَكَها مِن أَجْل اللَّه ﷿ فإنه يُثَاب على هذا التَّرْكِ.\nقال المُفَسِّر ﵀: [فأُجازِيكم عليه، وجُملة الوَصِيَّة وما بعدَها اعْتِراض] فقول المُفَسِّر ﵀: [فأُجازيكم عليه] كأنَّه جعَل مِن لازِم الإنباء المُجَازاة، ولكن كما قُلْت: ليس لازِمًا؛ ولهذا عبَّر اللَّه ﷿ بالإِنباءِ؛ ليَكونَ الأمرُ جائِزًا أو دائِرًا بين\n_________\n(^١) أخرجه البخاري: كتاب المظالم، باب قول اللَّه تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾، رقم (٢٤٤١)، ومسلم: كتاب التوبة، باب قبول توبة القاتل وإن أكثر قتله، رقم (٢٧٦٨)، من حديث ابن عمر -﵄-.","vol":"1","page":95},{"text":"أن يُجازَى عليه وبَيْن أن لا يُجازَى عليه.\nوقوله ﵀: [وجُملةُ الوَصية وما بعدَها اعتِراض] الوصية مُبتَدَأَة مِن قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ اعتِراض مِن قولِ اللَّه ﷿، وليس ذلك مِن قول لُقمانَ ﵇ لابنِه؛ لأنَّ الذي وصَّى الوالدين إحسانًا ووجَّه الإحسان هو اللَّه ﷿، وإنَّما جاءَتْ هذه الوصيةُ بعد ذِكْر الشِّرْك؛ لأنَّ عُقُوق الوالِدين يَرِد بَعْد حَقِّ اللَّه ﷾، وفي الوصية أيضًا جُمْلَة اعتِرَاضية، هي قوله تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾؛ لأنَّ قولَه تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ﴾ هو المُوصَى به: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾.\nإِذَنْ نَقول في هذا: الوَصِيَّةُ اعتِراضِية بين كَلامَيْ لُقْمانَ ﵇ لابْنِه؛ وقولُه ﷾: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ اعتِراض أيضًا بَين فِعْل الوصية والمُوصَى به.\n\nمن فوائد الآية الكريمة:\nالْفَائِدَة الأُولَى: تَحريمُ طاعَةِ الوالدين إذا أَمَرَا بالشِّرْك؛ لِقَولِه تعالى: ﴿فَلَا تُطِعْهُمَا﴾، ويُقاس على ذلك كل مَعْصِيَة أمَرَا بها فإنهما لا يُطَاعَان؛ لِقَوْلِ الرسول ﵊: \"لَا طَاعَةَ لمِخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ الخَالِقِ\" (^١).\n_________\n(^١) أخرجه بلفظه الطبراني في المعجم الكبير (١٨/ ١٧٠، رقم ٣٨١) من حديث عمران بن حصين -﵁-، ويشهد له ما أخرجه البخاري: كتاب الجهاد، باب السمع والطاعة للإمام، رقم (٢٩٥٥)، ومسلم: كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، رقم (١٨٣٩)، من حديث ابن عمر -﵄- بلفظ: \"السمع والطاعة حق ما لم يؤمر بالمعصية، فإذا أمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة\".","vol":"1","page":96},{"text":"الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ فُسُوقَ الوالدَيْن وكُفْرَهُمَا لا يُسْقِطُ حَقَّهُمَا مِنَ البِرِّ، يُؤْخَذ ذلك مِنْ قَوْلِه تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾، فإنَّه أَمَر بِمُصَاحَبَتِهَما مَعْرُوفًا مَع أنَّهُمَا كَافِرَيْن ويَأمُرَان بالكُفْر.\nالْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: وُجُوب اتِّبَاع سَبِيل المُؤْمِنِين؛ لِقَوْلِه تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾، ويُؤَيِّدهُ قَوُله ﷾: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].\nالْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّ جَمِيعَ الخَلَائِق مُؤْمِنِهِم وكَافِرِهِم مَرْجِعُهُم إِلى اللَّه تعالى؛ لِقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾.\nالْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ الحُكْمَ بَيْن الخَلْقِ إلَى اللَّه ﷾؛ لِقَوْلِه تعالى: ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ فإنَّ تَقْدِيم الخبَر يَدُلُّ على الحَصْر.\nالْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: إحاطَةُ اللَّهِ ﷾ بكُلِّ شَيءٍ عِلْمًا؛ لقوله ﷾: ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فإنَّ الإنْبَاءَ بما نَعْمَل لا يَكُون إلَّا عن عِلْم.\nالْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: إثْبَاتُ الكلامِ للَّه ﷾؛ لقولِه تعالى: ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ﴾ والإنباءُ إخْبَار.\nالْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: تَحذير الْإِنسان مِن الأعمَال السَّيِّئَة فإنَّ قولَه ﷾: ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ﴾ يُفِيدُ التَّحْذِير، حتى لا نَقَعَ في أمْرٍ حَرَّمَهُ اللَّهُ تعالى علينَا.\nالْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: بُلُوغُ الغَايةِ في البَلاغَة في القرآنِ الكَرِيم؛ لِقولِه ﷾: ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ﴾ ولم يَقُل: فأُجازِيكم؛ وذلك أنَّه قد يُنبَأُ الإنسان يَومَ القيامة بِمَا عَمِل،","vol":"1","page":97},{"text":"ثُم يُغْفَر له، فذَكَرَ اللَّه تعالى الإِنباء؛ لأنَّه مُؤَكَّد، أمَّا المُجَازَاة فإن اللَّه تعالى قد يَغفِر عن المُذنِب ذُنوبه.\nالْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: إن قال قائِل: هل يُؤْخَذ مِن الآيةِ الكريمة: وُجُوبُ طَاعةِ الوالِدَين في غير مَعصِية اللَّه تعالى؟\nفالجَوابُ: إذا أَمَرَا بغير المَعصية فالآيةُ سكَتَتْ عن ذلك، فحَرَّمَت الطاعَة في المعصية وسكَتَتْ عمَّا عَدَا ذلك، لكن قد يُقال: إنَّ قولَه تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ يَدُلُّ على وُجُوبِ طاعتِهما في غَيْر المَعْصِيَة؛ لأنَّه لا شَكَّ أن مُصاحَبتَهما في المَعروف بِامتِثَال أمرِهما، وعلى هذا فقَدْ يُسْتَدَلُّ بعُمومِ قوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ على وجوبِ طاعتِهما في غير المَعْصِيَة، ولكنَّه سَبَق لنا أثناء التَّفسير أنَّ شيخ الإِسلام ابنَ تيميَّةَ (^١) ﵀ يَقول: تَجِبُ طاعتُهما فيما فيه نَفْعٌ لهما ولا ضرَرَ عليه فيه، أمَّا ما فيه ضرَرٌ عليه فلا يَجِبُ عليه الطاعة؛ ولهذا لمَّا ذَكَرَ أهلُ العِلْم ﵏ أن لِلأَبِ أن يَتَمَلَّكَ مِن مَالِ ولَدِه ما شاء قالوا: بشَرْط ألَّا يَضُرَّ الولَد، فإِنْ ضَرَّ الولَد فإنه ليس له أن يَتَمَلَّك، بل قالوا: بشَرْط ألَّا يَضُرَّه وألَّا تَتَعَلَّقَ بِه حاجتُه، فإن تَعلَّقَت به حاجتُهُ فليس له أن يَتَملَّكَه.\nوالمَقصود بالحاجة هنا حاجتُه الخاصَّة بمَعنَى أنه مثَلًا لا يَجِد غيره، أو كل شيء يَحتاجه، لكن مثلًا إناء يَحتاجه فيَشتَرِي بدَله، أمَّا (زُهْرِيَّة) يَحتاجُها فلا نَقول للأَبِ: أن تَتَمَلَّكَها؛ لأن هذا يُفَوِّت على الابنِ حاجتَه واستِمْتاعَه بها.\nفإن قال قائِل: قد قال اللَّه تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ\n_________\n(^١) انظر: الاختيارات العلمية (٥/ ٣٨١).","vol":"1","page":98},{"text":"الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤] ألَا يُنافِي ذلك أمرَه بمُصاحَبَتهما بالمَعروف؟\nفالجَوابُ: لا مُنافاةَ بينهما؛ لأنه ليس مَعنَى مُصاحَبتِهما بالمَعروف أن تُبْدِيَ لهما المَحَبَّة والوِلاية، بل أنت تُبغِض ما هُما عليه مِن الكُفْر والشِّرْك، وتُبغِضُهما على هذه الصِّفاتِ التي اتَّصَفا بها، ولكن تُعْطِيهما ما يَجِبُ لهما.\nفإن قال قائِل: هل يَجوز إظهار البَشَاشَة لهما؟\nفالجَوابُ: لا يَمنَع ذلك إذا لم يَكُن هذا سَببه الدِّين، فهذا أَمْر تَقتَضيه الطبيعة، والعَداوة والبَغضاء في القَلْب؛ لأن العَداوة ضِدُّ الولاية، ولكن لا نُؤذِيهم.\nثُمَّ يُقال أيضًا: قد نَقول: لكلِّ مَقَامٍ مَقال. فمثَلًا إذا كان الوالِدان أو غيرهم يَتبَجَّحَان بالكُفْر ويَفتَخِران به، فلنا أن نُعْلِن هذه البَرَاءَةَ والعَدَاوَةَ والبَغْضَاء، وإذا كانا سَاكِتَيْن مُسَالمِيْن فنحن لا نَتَعرَّض لهما، ولكننا نَتبرَّأ -على صِفَةِ العُمُوم- ممَّا هُمْ عليه مِن الدِّين.\nوالمُهِمُّ: أن اللَّه ﷾ يَقول: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا﴾ أمَّا فيما يَتعَلَّق بالدِّين فلا تُصاحِبْهما بمعروف أبَدًا فيما يَتَعلَّق بالدِّين يَجِب أن تَكْرَههما وتَبتَعِد عنها وتُعَادِيهما.\n* * *","vol":"1","page":99},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>الآية (١٦)</span>\n* قالَ اللَّه ﷿: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦].\n* * *\n\nثُمَّ قال اللَّه ﷿ عَوْدًا على وصَايَا لُقْمَانَ ﵇: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦].\nقال المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّهَا﴾ أي: الخَصْلةَ السَّيِّئةَ] فيه قُصور؛ لأنَّ الصواب المُراد ﴿إِنَّهَا﴾ أي: الخَصْلة السَّيِّئة أو الحَسَنة كلُّ شَيء مِن حَسَن أو سَيِّئٍ.\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾: ﴿مِثْقَالَ﴾؛ أي: وَزْن، وسُمِّيَ الوَزْنُ مِثقَالًا؛ لأنه يُعتبر بِثِقَلِه، فإنَّ الشيء يُوزَن لِيُعْلَم ثِقلُه مِن خِفَّتِهِ.\nوقوله تعالى: ﴿حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ هذه حُبُوب معروفَة صَغِيرة.\nوقوله تعالى: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ في صَخْرة في أيِّ مكان مِن الأَرْض؛ لأننا لا نَعرِف صُخُورًا إلَّا في الأَرْض، لكن الذين خرَجوا إلى القَمَر جاؤُوا لَنَا مِنْه بِصُخُورٍ؛ فلا نَدرِي هل هذا صَحِيح أو ليس بِصحِيح، والمَعروف أنَّ الصُّخُور في الأرض، وقوله تعالى: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ إمَّا أن تَكون على سبيل المُبَالَغة، أو يَكون مثلًا في هذه الصَّخرةِ شيءٌ من جِنْس هذا بقَدْر حَبَّة الخَرْدل فيُعْتَبَر فيها، أو يُقال:","vol":"1","page":100},{"text":"إنَّ المُراد أنَّ حَبَّةَ الخَرْدل قد تَكون في شَقٍّ مِن هذِه الصَّخرةِ.\nوأنا شاهَدْتُ في الغضَا (^١) يَخرُج فيه حُبَيْبَات بقدر الأُنمُلة خُضْر مَخْتُومَة تمامًا، إذا فتَحْتَها وجَدْتَ فيها دَابَّة، تَدُبُّ على بَطنِها، وهي مخَتُومة، وفي نَفْس الغُصْن، ليس فيها فتحة، يَعنِي: مخَلوقٌ مِنْها هذا الشَيْءُ.\nقوله تعالى: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: أو في أعلى السَّموَات أو أَنزَلهِا، أو في الأرض في أعلاها أو أَنزَلهِا. قال المُفَسِّر ﵀: [﴿أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: في أَخفَى مَكان مِن ذلك].\nوقوله تعالى: ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾: ﴿يَأْتِ﴾ بحَذْف الياء؛ لأنَّها جواب الشرط في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَكُ﴾ فإنَّ ﴿إِنْ﴾ شَرْطِيَّة و﴿تَكُ﴾ فِعْل مُضاخ مَجزُوم بـ (إِنْ) الشَّرْطِيَّة، وعلامَةُ جَزْمِه السُّكون على النون المحْذُوفة لِلتَّخْفِيف، وقوله ﷾: ﴿يَأْتِ﴾ جوابُ الشَّرْط مَجزومٌ بـ (إِنْ) وعلامَةُ جزمِه حَذْفُ الياء.\nقال المُفَسِّر ﵀: [﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ فيُحَاسِبُ عليها] هذا مِن أَخفَى ما يَكُون، ومع ذلك قال تعالى: ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾، ولم يَقُل: يَعلَمْهَا اللَّه؛ لأنه مِن لازِمِ الإتيانِ بِها العِلْم بها، لكن الإِتْيَان أبلَغُ، اللَّه ﷾ يَأتِي بها ويُجَازِي عليْهَا، فقوله ﷾: ﴿يَأْتِ بِهَا﴾ بمَعنَى أنها لا تَفوت ولا تَهْرَبُ منه، ولا بُدَّ أن يَأتِيَ بها ويُحاسِب عليها، أو يَأتِي بها لِيُظهِرَ قُدرَتَه عليها.\nقال المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ بِاسْتِخْرَاجِهَا ﴿خَبِيرٌ﴾ بِمَكَانِهَا] المُفَسِّر ﵀ دائِمًا يُخَصِّص العُموم بِمُقْتَضَى السِّيَاق، والمعروف عند أهل العِلْم ﵏\n_________\n(^١) الغضا: شجر معروف. انظر تاج العروس (غضي).","vol":"1","page":101},{"text":"أنَّ العِبْرَة بعُمُوم اللَّفْظ، فهنا قال ﷾: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ جعَل اللُّطْف بالاستِخْراج، والخِبْرة بالمَكَان، والصَّواب أنها أعمُّ مِن ذلك، فإنَّ اللطيف مِن أسماءِ اللَّه تعالى، قال ابنُ القيِّمِ ﵀:\nوَهْوَ اللَّطِيفُ بِعَبْده وَلعَبْده ... وَاللُّطْفُ فِي أَوْصَافِهِ نَوْعَانِ (^١)\nفاللَّه تعالى لَطيفٌ بعَبْده ولطيفٌ لعَبْدِه:\nاللُّطفُ الأوَّل: إدرَاك أسرَارِ الأمُور وخَفَايا الأمور.\nوالثاني: اللُّطْفُ عند مَواقِعِ الإحسان -الذي هو الإحْسَان إلى العَبْد- يَلْطُف له بمَعنَى: يُقَدِّم له مِن الإحسان ودَفْع السُّوء ما لا يَعلَمُ به، فيَكون قوله تعالى: ﴿لَطِيفٌ﴾ يَتعَدَّى بالباء، ويَتعَدَّى باللَّام، فإِنْ تَعدَّى بالباء فهو بمَعنَى: العِلْم بِخَفَايا الأمُور، وإن تَعدَّى باللَّام لَطِيفٌ لَهم فهو بمَعنَى الإحسان بِجَلْب المَطْلُوب، ودَفْع المكرُوه أو المَخُوف، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ [يوسف: ١٠٠]، هذا قول يُوسُفَ ﵇، يَعنِي: ومن لُطْفِه أن يَسَّر الاجْتِمَاع بِكُم بعد الفِرَاق ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: ١٠٠].\nفالحاصِلُ: أنَّ اللطيفَ مِن أسْمَائِه تعالى، ولَه مَعْنيَان حسَب ما يُتَعَدَّى به: إِنْ تَعَدَّى باللَّام ﴿لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ فمَعْناه: الإحسان، وإن تَعَدَّى بالبَاء فمَعناه: العِلْم بالخَفَايا، فهو لِكمالِ عِلمِه لَطِيف، كُلُّ شي؛ يَعلَمُ به.\nهناك مَعنًى ثالِثٌ -لكن ما لا نَدرِي هل يَنطَبِق على أوصَاف اللَّه تعالى أم لا؟ - اللطيف هو الرَّقيق عند الناس يَقولون: فُلان لطيف، يَعنِي: رقيق حَسَنُ الخُلُق،\n_________\n(^١) النونية (ص ٢٠٧).","vol":"1","page":102},{"text":"وعندي أنَّ هذا داخِلٌ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ لأنه تَعدَّى باللَّام يَعنِي: مَعناه الإحسان، فإن الإحسان أخصُّ أيضًا مِن حُسْن الخُلُق؛ لأنه يَتضَمَّن الإنعام على مَن لَطَفَ لَه.\nوأمَّا قولُه ﷾: ﴿خَبِيرٌ﴾ الجبير هو العلِيم ببواطِنِ الأمور، وهو مع اللطيف كالمؤكِّدِ لَه، وقُلْنا: العِلْم ببواطن الأمور خِبْرَة، مَأخوذٌ من الخُبَار يَعنِي: الأرض الرِّخْوة التي تُبذَرُ فيها البُذُور وتُدَسُّ فيها، فهو خَبيرٌ ﷿ عالِمٌ ببواطنِ الأمور، ومِنها هذه الحبَّةُ التي مِن خَردَل تَكونُ في صَخْرة أوَ في السَّمَوات أو في الأرض.\n\nمن فوائد الآية الكريمة:\nالْفَائِدَة الأُولَى: في هذه الوَصيةِ فائِدَة: وهي تَحذِيرُ الابْنِ مِن المُخَالَفة؛ لقوله تعالى: ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ فلا تَخفَى عليه ولا تَفُوتُه.\nالْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: عُمُوم عِلْمِ اللَّه ﷿، وتَمَامُ قُدْرته، ويُؤخَذ العُمُوم مِن قوله ﷾: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ﴾ والذي يَكون بادِيًا على الأرض، وليس في الصحراء مِن باب أَوْلى، فيُستَفاد مِنه: عُمُوم عِلْم اللَّه تعالى وإِحَاطَتِه وتمَامُ قدرته أيضًا، وذلك بالإتيانِ بِها.\nالْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثْبَاتُ هَذَيْن الاسمَيْن مِن أسماء اللَّه ﷾ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ وإثباتُ ما تَضَمَّنَاه مِن الصِّفَة.\nالْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ السمَواتِ مُتَعَدِّدةٌ، لقوله تعالى: ﴿أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ وعدَدُها مَعرُوف، وهو سَبْع، وأمَّا الأرض فلم تُذْكَر مَجْمُوعَةً في القرآن، فكلُّ ما في القُرآن","vol":"1","page":103},{"text":"مِن ذِكْرِ الأرض فإنَّه بالإفراد، ولكنَّ اللَّه ﷾ أَشار إلى أنَّها جَمْع في قولِه ﷿: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، فإنَّ قولَه تعالى: ﴿مِثْلَهُنَّ﴾ يُرَاد المِثْلِيَّة في العدَد، إِذْ إنَّ المِثْلية في الكَيْفِيَّة مُسْتَحِيلة، فَلَزِمَ أن تَكون مِثْلِيَّة في العَدَد فقَطْ.\n* * *","vol":"1","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>الآية (١٧)</span>\n* قالَ اللَّه ﷿: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧].\n* * *\n\nهذه أربعةُ أَوامِرَ: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ وانظُرْ إلى الأوَّل فهو نَهيٌ: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، ثُمَّ تَحذير بقوله تعالى: ﴿إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾، ثُمَّ بعد ذلك أَمْرٌ: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾، ولهذا يُقَال: (التَّخْلِيَةُ قبل التَّحْلِيَة)، يَعنِي: مَعناها: أزِلِ الشَّوَائِب، ثُمَّ ائْتِ بالمُكَمِّلَات.\nفقوله تعالى هنا: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ أَمْر بإقَامَة الصَّلَاة، ومَعنَى إقامَتِها: أن يَأتِيَ بها الإنسَان تامَّةً بأركانِها وشُروطِها وواجِباتِها ومُكَمِّلاتِها، وقوله تعالى: ﴿الصَّلَاةَ﴾ شامِل للمَفْرُوضَات والنَّوَافِل.\nوقوله ﷾: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ مَفعول ﴿وَأْمُرْ﴾ مَحذُوف التقدير: النَّاس أو غيرَهم، وَاؤْمُر غيرَك بالمعروف؛ أي: بالقولِ المَعروف والفِعْلِ المَعروف، والمَعْرُوف ما أَمَرَ به الشَّرْع، لأنَّ ما أَمَرَ به الشَّرْع قد أَقرَّهُ الشرع، وأَقَرَّتْه الفِطَرُ السَّلِيمَة.\nفالمَعروفُ إِذَنْ: كل ما أُمِرَ به شَرْعًا، سَواءٌ ما يَتَعلَّق بحقِّ اللَّه ﷿ أو بحَقِّ العِباد.","vol":"1","page":105},{"text":"وقولُه تعالى: ﴿وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ المُنْكَر: كُلُّ ما أَنْكَرهُ الشَّرْع، أي: نَهَى عنه سواءٌ ما يَتعَلَّق بحقِّ اللَّه تعالى، أو بحُقوق العِباد، الأَمْر بالمَعروف والنَّهْي عن المُنكَر واجِبٌ على الكِفَاية؛ لِقوله ﷾: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]، إذا جعَلْنا (مِن) للتَّبعيض، أمَّا إن جعَلْنَا (مِن) لِبَيَان الجِنْس والمَعنَى: ولتكونوا أُمَّةً تَأمُرُ بالمعروف وتَنهَى عن المُنكَر، فإنَّه يَكونُ فَرْضَ عَيْن، ولكن الصَّواب أنه فَرْض كِفَايَة؛ لأنَّ المَقصودَ به إصلاحُ الغَيْر، فإذا حَصَل إصلاحُ الغَيْرِ بغَيرِك حَصَل المَقْصُود، أمَّا إذا لم يَحصُل فإنه يَجِب أن تَأمُر، فإِذَا وجَدْنَا مِن الناس تَهاوُنًا في هذا الأَمْرِ وتَكَاسُلًا صار فرضًا علينا، أمَّا إذا رأَيْنا أنَّ الناس قد استَقامُوا على هذا وصاروا يَأمُرُون بالمعروف ويَنهَوْن عَن المُنكَر، فإنه يَكون في حَقِّنا فَرْضَ كِفَاية.\nوقوله تعالى: ﴿وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ حتى والِدَيك تَأمُرُهما بالمَعروف وتَنهاهُما عن المُنكَر، بل إنَّ حقَّ الوالِدين أَعظَمُ مِن حقِّ غيرِهما؛ لأنَّ الأَمْر بالمَعروف والنَّهي عن المُنكَر إحسانٌ للمَأْمُور والمَنْهِيِّ، وليسى إساءة، فإذا كان كذلك فأَحَقُّ مَنْ تُحْسِنُ إِلَيْه وَالِدَاك.\nفإن قال قائِل: الأَمْر بالمَعروف والنهيُ عن المُنكَر هل هو المَوْعِظَة فقَطْ أم غيرها؟\nفالجَوابُ: لا، نحن ذَكَرْنا فيما سَبَق، أنَّ المُراد: الثَّلَاثَة؛ بَيَانٌ ودَعْوَة، وأَمْر ونَهْي، وتَغْيِير، فالبَيَانُ والدَّعوة واجِبان على كل أحَد، فإنه يَجِب عليه أَنْ يُتين إذا دَعَتِ الحاجَةُ إلى البَيَان أو سُئِلَ عن عِلْم، وكل أحَد عليه أن يُبَلِّغ إذا اقتَضتِ الحالُ ذلك، وأمَّا الأَمْر فهو أخَصُّ مِن الدعوة؛ لأن الأمر أن تُوَجِّهَ أمرًا إلى شَخْص مُعيَّن ما هو","vol":"1","page":106},{"text":"بأن تُبَيِّن أن تَقُوم في الناس، وتَقُول: هذا حَلَال، وهذا حَرَام، هذا يُعْتَبر مَوْعِظَة، وأمَّا التغْيِير: فَأَن تُغَيِّرَ بيدك تَأخُذ هذا المُنكَر تُكَسِّره مثَلًا، نعَمْ، أو تَقول بِلِسانك، إذا عَجَزْت عَن الفِعْل تُغَيِّر باللسان، إمَّا بِرَفْع الأَمْر إلى مَن يَسْتَطيع التغيير، وإمَّا بالانتِهار والتوبِيخ والزَّجْر، فإن لَم تَسْتَطِع هذا ولا هذَا فيَكُون التَّغْيِير بالقَلْب وهو الكراهَة والبَغْضَاء؛ وهذا في الحقيقة لا يَحصُل التغيير المُطْلَق يَعنِي: أنَّ المُنكَر لو تُنكِره بقَلْبِك لا يَزُول، لكن هذا أَدْنى دَرَجاتِ التَّغْيِير، ولهذا قال ﵊ في ذلك: \"وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ\" (^١).\nومن شروط ذلك: الاستِطاعة، وهذا شَرْط في كل واجِب، لقَولِه ﷾: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].\nومن الشُّرُوط أيضًا: أن لا يَخْشَى ضرَرًا محُقَّقًا، فإن خَشِيَ الضرَر في مالِه أو بدَنِه لم يَلْزَمْهُ، فإن خَشِيَ الأذِيَّة لَزِمَه؛ لأنَّه لا بُدَّ مِن أذًى، لكن أذِيَّة ما فيها ضَرَر؛ ولهذا قال ﷾ ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ هَذَا تَوْطِئَة وتَمْهِيد كَأنَّه يَقُول له: إذا أَمَرْت بالمَعروف ونَهيْت عن المُنكَر فلا بُدَّ أن يَحْصُل لك أَذِيَّة فاصبِرْ على هذا.\nوهذا هو الواقِع، فإنَّ الآمِرَ بالمعروف والنَّاهِيَ عن المُنكَر غالبًا يُؤْذَى، يُؤْذِيه المَأمُور والمنْهِيُّ، إمَّا بالقول وإمَّا بالسُّخْرِيَة، ورُبَّما تَصِل الحال إلى أنه يَرْمِيه بالحِجَارة أحيانًا، وربما تَصِل الحال إلى أنَّه يُخَرِّبُ سَيَّارَتَه، أو يَكْسِر بابَه، أو ما أَشبَهَ ذلك، لكن الأخير هذا ضرَرٌ في المال، ولكن لا بُدَّ أن يَكون أمرًا محُقَّقًا، أمَّا إذا كان وَهْمًا عن الضَّرَر فَلَيْسَ بِشَيْء.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، رقم (٤٩)، من حديث أبي سعيد الخدري -﵁-.","vol":"1","page":107},{"text":"وقال ﷿: ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ المُشار إلَيه ما سَبَق مِن الأمُورِ الأرْبَعَة ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ أي: مَعْزُومَاتِهَا التي يُعْزَم عليها لِوُجُوبِها].\nقوله تعالى: ﴿الْأُمُورِ﴾ بمَعنَى: الشُّؤُون والأَحْوال، والعَزْم هنا مَصدَر بمَعنى اسْمِ المَفْعُول، أي: مَعْزُومَاتِهَا التي يُعْزَمُ عليها؛ لِأنَّها وَاجِبَة، واللَّه أَعلَمُ.\n\nمن فوائد الآية الكريمة:\nالْفَائِدَة الأُولَى: أنَّه يَنْبَغِي للآباء أن يُوصوا أبناءَهم بهذه الخِصَالِ الأربَعِ.\nالْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّه يَنبَغي لِلأَبِ أن يَقْرُنَ مَوْعِظتَه لِابنِه بالتَّرْغِيب والتَّرْهِيب، فإنَّ قولَه تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ تَأْكيد وحَقّ على الابنِ أن يَقومَ بهذه الوَصَايا الأَرْبَعِ.\nالْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: مِن كُلِّ هذه الوصايا، قوله تعالى: ﴿يَابُنَيَّ﴾ يُؤْخَذُ مِنه تَلَطُّف الإنسان بِمُخَاطَبة ابنِه، لا سِيَّمَا في مَقَام المَوْعِظَة.\nويَتَفَرَّع على هذا أيضًا: بَيانُ سُوءِ مُعَاملةِ بعض الَاباء إذا أَراد أن يَعِظَ ابنَه عامَلَه بالعُنْف والشِّدَّة، وهذا خَطَأ وقد قال النَّبِيُّ ﵊: \"إِنَّ اللَّهَ يُعْطِي بِالرِّفْقِ مَا لَا يُعْطي عَلَى العُنْفِ\" (^١)، وأنتَ إذا عمِلْتَ بهذا الشَيْءِ فإنَّك سوف تَتعَامَل بالرِّفْق؛ لأنَّ الرَّسُول -ﷺ- أَخْبَر بأن اللَّه تعالى يُعْطِي بالرِّفْق ما لا يُعْطِي على العُنْف، فإذا كان يَحصُل لك مَقْصُودُك بالعُنْف فإنَّ حصُولَه بالرِّفق مِن بَابِ أَوْلَى.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري: كتاب الأدب، باب الرفق في الأمر كله، رقم (٦٠٢٤)، دون الجملة الأخيرة، وأخرجها مسلم: كتاب البر والصلة، باب فضل الرفق، رقم (٢٥٩٣)، من حديث عائشة -﵂-.","vol":"1","page":108},{"text":"وعلى هذا فيَنبَغِي الرِّفْق في الأُمُور لا سِيَّمَا في مَقَامِ الوَعْظ لهوُلَاءِ الأبنَاءِ الذين لا يُحِيطُون عِلْمًا بما هم عليه، أمَّا المُعَانِدُ والمُسْتكْبِرُ فهذا له حَالٌ أُخْرى، لكِنْ كلامُنا في مَقَامِ الدَّعْوة، وفي مَقَامِ التَّوْجِيه والإِرْشَاد، فإنه يَنْبَغي التَّلَطُّف وعَدَم العُنْف.\n* * *","vol":"1","page":109},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>الآية (١٨)</span>\n* قالَ اللَّه ﷿: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨].\n* * *\n\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ﴾ هذه مَعطُوفة على قولِه تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾، فهو إِذَنْ مِن وصايا لُقمانَ ﵇ لابنِه، قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَلَا تُصَعِّرْ﴾ وفي قِرَاءة: (وَلَا تُصَاعِرْ) ﴿خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ لَا تُمِل وَجْهَك عنهم تَكَبُّرًا] التَّصْعِيرُ هُو الإمَالَة، ومِنه: الصَّعَرُ فِي الوَجْه، وهو المَيَال بحيث تَكُون العُنُق مُلْتَوِية، تمَيلُ إمَّا يَمِينًا وإمَّا شِمَالًا.\nوقوله تعالى: ﴿خَدَّكَ﴾ أي: وجهَك، فهو مِن إطْلاقِ البَعْضِ وإرادَةِ الكُلِّ، وقول المُفَسِّر ﵀: [تَكَبُّرًا] نَعَم؛ هذا مَحَطُّ النهي، أن يَفعَلَ ذلك على سَبِيلِ التَكَبُّر، أمَّا لو فعَلَه على سبيل الإِعْراض عَمَّا لا يَجوز النظَر إليه، كمَا لو قابَلَتْه امرأة فَصَدَّ وأَعْرَض فإنَّه لا يَدخُل في الآية، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ وأمَّا إذا صَعَّرْت وجْهِي أو خَدِّي لأَجْل ألَّا أَرَى أيَّ شيءٍ مُحرَم فإنَّه لا يَدخُل في هذه الآيةِ.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ أي: عنْهُم فتُمِله تَكَبُّرًا. وقوله تعالى: ﴿لِلنَّاسِ﴾ عامٌّ، يَشْمَل المُؤْمِن والكَافِر، ولكن الكَافِرَ لا يُعامَل كما يُعامَل المُؤمِن في مِثْل هذه الأُمُورِ، وقد يُقالُ: إنَّ شَرْعَنا وَرَدَ بخِلافِه، وأنَّ الكافِر يُصَعَّرُ له الخَدُّ","vol":"1","page":110},{"text":"ويُعرَض عَنه، وقد يُقال: إنَّ الكافِر إذا جاءَك مُقبِلًا فأَقْبِلْ عليه، فإنَّ هذا مِن باب التَّألِيف على الإسلام، وأمَّا إذا أَعْرَضَ فأَعْرِضْ.\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾: ﴿وَلَا تَمْشِ﴾ هذا مجَزُوم بحَذفِ الياء ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أي: على الأرض ﴿مَرَحًا﴾ قَال المُفَسِّر ﵀: [أي: خُيَلَاءَ]، فالمَرَح بمَعنَى: البَطَرِ والأَشَرِ والخُيلَاءِ مِن ذلك، فلا تَكون مُتبَخْتِرًا في مِشْيَتِك مُتَعَالِيًا في نفسِك، ولكنِ امْشِ مِشْيَةَ المتذَلِّل الجاضِعِ للَّه ﷿، غَيْرُ المُتَعَلِّي على عِبَادِ اللَّه تعالى.\nوقولُه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ ذَكَرَ هنا: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾، فالأوَّل: في مُعَامَلَة النَّاس ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾، والثاني: في هَيْئَتِه بِنَفْسِهِ ألَّا يَمْشِيَ في الأرْضِ مَرَحًا، وإنَّمَا يَمشِي كما يَمشِي عِبَادُ الرحْمَن: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣].\nقال ﵀: [﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ مُتبَخْترٍ في مَشْيِه ﴿فَخُورٍ﴾ عَلَى النَّاسِ].\nقوله تعالى: ﴿مُخْتَالٍ﴾ أي: فَاعِل لِلخُيَلَاء، و﴿فَخُورٍ﴾ أي: مُفْتَخِرٍ بِنَفْسِه، والفرْقُ بينهما أنَّ الاخْتِيَالَ يَكونُ بالنَّفْس، والفَخْر يَكون بالقَوْل، فهذا الرَّجُلُ عِندَه خُيَلَاءُ في نفسِه، واخْتِيالٌ على عِبَادِ اللَّه ﷾، وعنده فَخْرٌ بلسَانِه يَفْخَرُ بنفسِه، ويَقول: أنا فُلَانُ بنُ فُلَان، ويَمْتَدِحُ نفسَه، ولكن هذا ما لم يَكُنْ في الحَرْب، فإن كَان في الحَرْب فلا بأسَ أن يَفْخَرَ الإنْسَان، كما قال النبيُّ ﵊:\n\"أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ ... أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ\" (^١)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري: كتاب الجهاد والسير، باب من قاد دابة غيره في الحرب، رقم (٢٨٦٤)، ومسلم: كتاب الجهاد والسير، باب في غزوة حنين، رقم (١٧٧٦)، من حديث البراء -﵁-.","vol":"1","page":111},{"text":"ورأَى بعضَ أصحابِه يَمْشِي مِشْيَة المُتَبَخْتِر فقال -ﷺ-: \"إِنَّ هَذِهِ لَمِشْيَةٌ يُبْغِضُهَا اللَّهُ إِلَّا فِي هَذَا المَوْقِفِ\" (^١)، ففي بَابِ الحَرْب يَجوزُ للإِنْسَان أن يَفْتَخِر، ويَجوزُ أن يَتَعَاظَمَ في نفسِه؛ لأنَّه أَمَامَ أعداءِ اللَّه تعالى الذِين يَنْبَغِي إذْلَالهم.\n\nمن فوائد الآية الكريمة:\nالْفَائِدَة الأُولَى: ذَمُّ هاتَيْن الخَصْلَتَيْن؛ تَصْعِيرِ الخَدِّ للنَّاس تَكَبُّرًا وتَعَاظُمًا، والمَشْي في الأَرْضِ مَرَحًا، وقد دَلَّتِ الآيَاتُ الأُخْرَى على أنَّهُما مِن المُحَرَّمَات؛ كما في سُورَة الإسْرَاء.\nالْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّه يَنْبَغِي لِلإِنْسَان عِنْد مُحَادَثَةِ غيْرِه أن يَكُونَ مُقْبِلًا إلَيْه بِوَجْهِه؛ لِأنَّ النَّهيَ عن تَصْعِير الخَدِّ يَدُلُّ على الأَمْر بِضِدِّه، وهو أن يَكُون مُقْبِلًا إلَيْه بوجْهِه.\nالْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثْبَاتُ أنَّ اللَّهَ تعالى يُحِبُّ؛ مِن قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ وَوَجْهُ الدَّلَالَة أنَّ نَفْيَ مَحَبَّةِ اللَّهِ تعالى لهولَاء يَدُلُّ على ثُبُوتِها لِغَيرِهم.\nالْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: تَحْرِيمُ الاخْتِيَال والفَخْر، لأنَّ اللَّه ﷾ نَفَى مَحَبَّتَه له، وقَد سَبَقَ الفَرْق بَين الاخْتِيَال والفَخْر، الفَخْر بالقَوْل، والاخْتِيَال بالفِعْل.\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٧/ ١٠٤ رقم ٦٥٠٨).","vol":"1","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>الآية (١٩)</span>\n* قالَ اللَّه ﷿: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩].\n* * *\n\nقال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ تَوَسَّطْ فِيه بَيْنَ الدَّبِيبِ والإِسْراَع، وعَلَيكَ السَّكِينَة ﴿وَاغْضُضْ﴾ اخْفِضْ ﴿مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ﴾ أَقْبَحَهَا ﴿لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ أَوَّلُهُ زَفِير وَآخِرُهُ شَهِيق].\nقوله ﷾: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ القَصْد مَعنَاهُ الوَسَط في الأُمُور، فالوَسَطُ في الأمور مَعناه: أنَّ الإنسان يَكُونُ وَسَطًا في مَشْيِه بين الذي يَمْشِي مُسْرِعًا والذي يَمْشِي مُتبَاطِئًا، والقَصْدُ في كُلِّ شيْءٍ هو الوَسَط، ولهذا وَرَدَ في الدُّعَاء المَأْثُور: \"وَأَسْألكَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى\" (^١)، فمَعنَى (القَصْد) يَعنِي: التَوَسُّط في الأُمُور، قال ﷾: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧].\nوقولُه ﵀: [﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾، تَوَسَّطْ فيه بين الدَّبِيبِ والإسْراع وعليك السَّكِينَةُ والوَقَار] يَعنِي: لا تَدُبَّ دَبِيبًا وأنت تَمْشِي، ولا تُسْرِعْ سُرَعَةً تُخِلُّ بالمُرُوءَة،\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد (٤/ ٢٦٤)، والنسائي: كتاب السهو، باب نوع آخر من الدعاء (أي بعد الذكر)، رقم (١٣٥٥)، من حديث عمار بن ياسر -﵁-.","vol":"1","page":113},{"text":"ولكِنْ لِيَكُنْ مَشْيُك وَسَطًا بيْنَ هذا وهذا، دَالًّا على القُوَّة وعلى النَّشَاط كما كان الرسول ﵊ يَفْعَلُ في مَشْيِه.\nوقوله تعالى: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾: ﴿مِنْ﴾ هذه لِلتَّبعيض، فلَمْ يَقُلِ: اغْضُضْ صَوتَك. بل قال: مِنْهُ. وذلك لأنَّ الإنسان لا يُحْمَد على رَفْعِ الصَّوْتِ جِدًّا، ولا على خَفْضِهِ جِدًّا، والنَّاس مِنهم مَن يَكُون عَالِيَ الصَّوْت إِذَا قَام يَتكلَّم وإذَا هو كأنَّمَا يَتكَلَّمُ على جَمَاعَةٍ بَعِيدِين، ومن الناس مَن يَكُون بالعَكْس، يُكَلِّمُك رُبَّمَا لا تَفْهَمُ مِنْه إلَّا الكَلِمَة بَعْد الكَلِمة، كُلّ هذا لَيْس بِجَيِّد؛ ولهذا قَال تعالى: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾، ولم يَقُلِ: اغْضُضْه كُلَّه. فلا ينبَغِي هذا ولا هذا، بل يَكُون أيضًا قَصْدًا بين رَفْعِ الصَّوْت والإخْفَاء.\nفقولُه تعالى: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ المُرَاد به: عند المُخَاطَبَة، ثُمَّ إنَّ ﴿مِنْ﴾ هنا تُفِيدُ التَّبعيض في الكَيْفِيَّة، وكذلك في الكَمِّيَّة، في بعض أحيان يَكون الأفضَل أن تَرْفَع صَوتَك، افْرِضْ أنَّك تُنَادِي قومًا بعيدِين مُتَرَامِي الأطْرَاف تُريد أن تحثَّهم على قِتَال أو ما أشْبَهَ ذلك؛ فيَجُوز رَفْعُ الصَّوْت؛ ولهذا العَبَّاسُ بنُ عَبْد المُطَّلِب -﵁- في الحديث الصَّحيح لمَّا انصرَفَ الناس أمَرَه النبيُّ ﵊ أن يُنَادِيَ فقال -بأَعلَى صوتِه-: يَا أَهْل الشَّجَرَة، يَا أصْحَابَ سُورَةِ البَقَرَة (^١). بأَعلَى صوتِه، وهذا لا شَكَّ أنَّه ليس غَضًّا مِن الصَّوْت؛ لأنَّ اللَّه تعالى يَقُول: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾.\nفصارَ الغَضُّ مِن الصَّوْت باعتِبَار الكَمِّيَّة وباعْتِبَارِ الكَيفيَّة؛ نَقُول مثَلًا: إذا كُنت تُخَاطِبُ مَن إِلى جَانِبِك لا تَرْفَعِ الصَّوْت ولا تَخْفِضْهُ بِحَيْثُ لا يَسْمَع، هذا باعتِبَار\n_________\n(^١) أخرجه مسلم: كتاب الجهاد، باب في غزوة حنين، رقم (١٧٧٥)، من حديث العباس -﵁-، دون قوله: \"يا أصحاب البقرة\"، وهي في رواية الإمام أحمد (١/ ٢٠٧).","vol":"1","page":114},{"text":"الكَيفِيَّة، أمَّا باعتِبار الكَمِّيَّة فأحيانًا رُبَّمَا تُضْطَرُّ إلى رَفْعِ الصوت، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ يَعنِي: أحيانًا، لكِنْ في بعضِ الأحيان تَسْتَدْعي الحالُ أن تَرْفَعَ صَوْتَك بِقَدْرِ ما تُسْمِع.\nثُمَّ علَّلَ بقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ﴾ يُحتَمَل أن يَكُون مِن كلام لُقْمَانَ ﵇؛ لأنه الأصْل، ويُحتَمَل أن يَكُونَ مِن كلامِ اللَّه تعالى خَتَمَ اللَّهُ به الآيةَ.\nوقولُه: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ﴾ تَعْلِيلٌ لقولِه ﷾: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾، ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ﴾ يَعنِي: أقبحَها وأبْشَعَهَا، ولَيْسَ أعْلَاها، لكِنْ أَنْكَرَهَا، لأنَّ في الحيْوَان مَن هو أعلَى صوْتًا مِن الحِمَار، لَكنْ في القُبْح ليس هناك أَقْبَحُ مِن صَوتِ الحَمِير.\nوقولُه تعالى: ﴿أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ الجُمْلة هذه مُؤَكَّدَة بِمُؤَكّدَين وهي (إنَّ) واللَّام، ووَجْهُ ذلك ما ذكَرَه المُفَسِّر ﵀: أنَّ أوَّلَه زَفِير وآخِرَه شَهِيق.\nوالفَرْق بين الزَّفِير والشَّهِيق أن الشَّهِيق يَكونُ بَاطِنًا في الصَّدْر، والزَّفِير يَكُون خَارِجًا؛ ولهذا قال اللَّه ﷾: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان: ١٢].\nوكذلك الآيةُ الثانية: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦]، هذا باعتِبار السَّاكِنِين، وقال في آيةٍ أُخْرَى: ﴿سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ﴾ [الملك: ٧] فَذكَرَ اللَّه تعالى لِلنار زَفِيرًا وشَهِيقًا كما أنَّ لِسَاكِنِيها -أيضًا- زَفِيرًا وشَهِيقًا، نَعُوذُ باللَّهِ تعالى مِنه.\nقال تعالى: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ انْتَهَتِ الوِصَايَة النَّافِعَة التي هِي مِن الحِكْمَة التي أَعْطَاهَا اللَّهُ تعالى لُقْمَان ﵇.","vol":"1","page":115},{"text":"من فوائد الآية الكريمة:\nالْفَائِدَة الأُولَى: أنَّه يَنبَغي لِلإنسَان أن يَكونَ مَشْيُه قَصدًا لا إِسْراعًا مخُلًّا، ولا دَبِيئا مُتبَاطِئًا، فالإِسْرَاع الذي فِيه التَّهَوُّر والعَجَلَة والطَّيْش مَذْمُوم، والتَّبَاطُؤ والدَّبِيب أيضًا مَذْمُوم.\nفإن قال قائِل: إذا احتاج إلى السرعة في المَشي في بعض الأوقات، فهل له ذلك؟ أو أنه اراد أن يَذهَب إلى عمَله؛ ليَصِل في وَقْته فهل له أن يَمشِيَ كلَّ يوم هكذا؟\nفالجَوابُ: ليس فيه بأسٌ، بل قد يَجِب أحيانًا كما لوِ احتاج لإنقاذ نَفْسه، أو إِنْقاذ غيره من هَلاكه، فكل مَقام له مَقال، فالمَقصود هنا في المَشي العادي؛ أمَّا في شُغْله فالأَوْلى أن يُرتِّب وقته، حتى يَخرُج إلى شُغْله بالمَشي المُعتاد؛ لكن لو فُرِض أنه تَأخَّر في يوم من الأيام فله أن يَفعَل.\nالْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن يُقال: إذا كان هذا في المَشي الحِسِّيِّ؛ فلْيَكُن كذلك في المَشي المَعنَويِّ إلى الآداب والأخلاق، لا يَنبَغي للإنسان أن يُسرِع سُرعة مخُلَّة، ولا أن يَتَباطَأ تَباطُؤًا مُفوِّتًا للمَقصود، أمَّا الإسراع إلى الجيْر فقَدْ أمَر اللَّه تعالى به، ولكنه لا يَتَجاوَز الحَدَّ؛ ولهذا قال النبيُّ -ﷺ-: \"إِذَا سَمِعْتُمُ الْإِقَامَةَ فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ، وَلَا تُسْرِعُوا\" (^١).\nالْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنه يَنبَغي للإنسان أن يَغُضَّ من صوته؛ لقوله ﷾: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾، وذكَرْنا أنه يَشمَل الكِمِّيَّة والكيفية، فإنه في بعض الأحيان\n_________\n(^١) أخرجه البخاري: كتاب الأذان، باب لا يسعى إلى الصلاة، رقم (٦٣٦)، ومسلم: كتاب المساجد، باب استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة، رقم (٦٠٢)، من حديث أبي هريرة -﵁-.","vol":"1","page":116},{"text":"يَنبَغي رَفْع الصوت؛ كما في الأذان والخُطبة وما أَشبَهَه.\nالْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن رَفْع الصوت في غير مَحلِّه مُحرَّم؛ لقوله ﷾: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩]، فإنَّ هذا التَّشبيهَ يَقتَضي التَّنفير منه، وقد قال النبيُّ ﵊: \"لَيْسَ لنَا مَثَلُ السَّوْءِ\" (^١).\nالْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: ذَمُّ أصوات الحَمير؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾.\nويُؤخَذ منها أنَّ للجارِ أن يُطالِب جاره إذا كان عنده حِمارًا نَهَّاقًا ببَيْعه وإزالته وكان نَهيقه غيرَ مُعتاد؛ لأن بعض الحَمير كثيرة النَّهيق؛ فعلى هذا له أن يُطالِب مِثلَما قال الفُقَهاءُ ﵏: إنَّ لَهُ أَنْ يَمنَعه من الرَّحى التي يُطحَن بها دائِما، وكذلك من تَغسيل الثِّياب ودَقِّها دائِمًا، كل ما يُؤذِي الجار فلِجاره أن يَمنَعه منه، فإذا كان اللَّه سبحانه قد وَصَف النَّهيق بأنه أَنكَرُ الأصوات، فإن له أن يُطالِب، فتقول: بعْ هذا الحِمارَ، وإلَّا اجعَلْه في مَكان آخَرَ، حتى لا أَتاَذَّى به.\nفإن قال قائِل: هل له أن يُطالِبه بإزالة آلات اللَّهْو التي هي أعظُمُ من النَّهيق؟\nفالجَوابُ: نعَمْ، له أن يُطالِب جارَه بذلك، يَعنِي: لو أنه صار يَرفَع أصوات المَزامير -والعِياذُ باللَّه- والغِناء، فله الحَقُّ أن يُطالِب، حتى وإِنْ لم تُزعِجْهم؛ لأنَّ هذا مُنكَر.\nولو كان له جار، يَصعَد إلى السَّطْح في أيام الصيف، وعنده مُسجِّل فيه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري: كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها، باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته، رقم (٢٦٢٢)، من حديث ابن عباس -﵄-.","vol":"1","page":117},{"text":"أَشرِطة من القرآن، ثُم يَفتَحها بآخِر صوت، فلجاره أن يُطالِب بالمَنعْ، فلو قال: كيف تمَنَعُني أن أَسمَع القرآن؟ يَقول له: لَسْتُ أَمنَعك، ولكن أَقول: استَمِعْ، لكن اخفِضِ الصوت؛ لأنَّ هذا يُؤذِيني، وليس يُؤذِيني لأني أَكرَه القرآن، ولكن لأني أُريد النَّوْم، وأولادي يُريدون النَّوْم، وأهلي يُريدون النَّوْم، والنبيُّ ﵊ يَقول: \"لَا يَجْهَرْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْقُرْآنِ\" (^١)، فله أن يَمنَعه، رَغْم أنَّ هذه عند العامة أَمْرها كبير، فلو أن أَحَدًا طالَب مَنعْ جاره أن يَرفَع صوته بقِراءة القرآن؛ لحَمْل الناس عليه راية الإنكار، لكن إنكار العامة أو إقرارهم ليس له تَأثير.\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد (٤/ ٣٤٤)، ومالك في الموطأ (١/ ٨٠ رقم ٢٩)، والنسائي في الكبرى رقم (٣٣٤٧)، من حديث البياضي -﵁-.","vol":"1","page":118},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>الآية (٢٠)</span>\n* قالَ اللَّه ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [لقمان: ٢٠].\n* * *\n\nثُمَّ قال اللَّهُ تعالى مُقَرِّرًا ما أَنعَمَ اللَّهُ تعالى به على عِبادِه: [﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾.\nقال ﵀: [﴿أَلَمْ تَرَوْا﴾ تَعْلَمُوا يا مُخَاطَبِين ﴿أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ مِن الشَّمْس والقمَر والنُّجوم، لِتَنتفِعُوا بها ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ مِن الثِّمَار والأنهَار والدوَابِّ ﴿وَأَسْبَغَ﴾ أَوْسَعَ وَأتمَّ ﴿عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً﴾ وهي حُسْنُ الصورة وتَسْوِيَةُ الأعْضَاء وغير ذلك، ﴿وَبَاطِنَةً﴾ وهي العْرِفَةُ وغَيرُها].\nيُقرِّرُ اللَّهُ تعالى في هذه الإلةِ ما أَنْعَمَ اللَّهُ تعالى به على العِبَاد فيَقول تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا﴾ وإنما قُلتُ: (يُقَرّر)، لأنَّ همزةَ الاستِفْهَام إذا دَخَلَتْ على (لَمْ) أَفَادَت التَّقْرِير، فيَنْقَلِبُ الفِعْل المُضَارِع إلى مُؤَوَّلٍ بماضٍ مُؤَكَّدٍ بـ (قَدْ)، فمثَلًا ﴿أَلَمْ تَرَوْا﴾ أي: قد رَأَيْتُم، ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]، أي: قَدْ شَرَحْنَا لَك صَدْرَك.\nإذَنِ: الاستِفْهام للتقرِير؛ لأنَّه إذا دخَلَت همزَةُ الاستِفْهَام على (لَمْ) أَفادَت التقرِير، فيَنقَلِبُ الفِعْلُ المُضارع فِي المعْنَى إلى فِعْلٍ ماضٍ مُؤَكَّدٍ بـ (قَدْ)، فيَكون","vol":"1","page":119},{"text":"مَعنَى ﴿أَلَمْ تَرَوْا﴾ أي: قد رَأَيْتُم؛ ولهذا في سُورَةِ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ قال اللَّه تعالى بعدَه: ﴿وَوَضَعْنَا﴾ فَعَطَفَ فِعْلًا ماضِيًا على ما سَبَق؛ لأنَّ ما قبْلَه بمَعنى الفِعْلِ المَاضِي.\nوقولُه ﷾: ﴿أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ﴾: ﴿سَخَّرَ﴾ بمَعنَى: ذَلَّل، ذَلَّلَها لَكم، أو لِمَصَالحِكُم، ومَنَافِعِكُم ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ يَقول المُفَسِّر ﵀: [مِن الشَّمس والقمَر والنُّجُوم]، وهذا على سبيل التَّمْثِيل، وإلَّا فَإِنَّه قَد سَخَّرَ لَنَا أَيْضًا الرِّيَاح، وهي بَينَ السَّمَاء والأَرْض، وسَخَّر لَنا السَّحاب؛ كما قال ﷿: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤] وهو لنا، فهو عامّ لِكُلِّ مَا سَخَّرَهُ اللَّهُ تعالى من مَصالحِنا.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ مِن الثِّمار والأنهَار والدوَابِّ، وغيرها أيضًا، حتَّى المَعَادِن وغرها سَخَّرَها اللَّه تعالى لنا وذَلَّلَها لَنا، فكُلُّ ما في الأرض مُسَخَّرٌ مُذَلَّل، لكنَّ بَعضَه مُسَخَّرٌ بِطَبِيعَتِه، وبعضُه مُسَخَّر بِوَاسِطَة، فالحدِيد والمعادِن وما أَشبَهَها مُسَخَّرَة، لكنَّها بواسِطَة، والدوَابُّ والأنهار والأشْجَار مُسَخَّرَة بِدُونِ وَاسِطَة، يَجِدُها الإنْسَان مُهَيّأَةً كَامِلَةً.\nوقولُه تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ﴾ فَسَّرَها المُفَسِّر ﵀ بأَمْرَيْن بالسَّعَة والإتمام؛ أي: [أَوْسَعَ وَأتمَّ] ومنه قوله ﵊: \"إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى المَكَارِهِ\" (^١) يَعنِي: إتْمَامُ الوُضُوء، ومَعنَى ﴿وَأَسْبَغَ﴾ يَعنِي: أَوْسَعَ وأتمَّ، أمَّا (أتمَّ) فمِثالُه ما ذَكَرْت: إسْبَاغُ الوُضُوءِ على المَكَاره، وأمَّا (أَوْسَعَ) فَمِنهُ قولُه ﷿: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ: ١١]؛ أي: دُرُوعًا سَابِغَاتٍ: وَاسِعَةً، ومنها أيضًا قولُهم: ثَوْبٌ سَابغ. يَعني: وَاسِع،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم: كتاب الطهارة، باب فضل إسباغ الوضوء على المكاره، رقم (٢٥١)، من حديث أبي هريرة -﵁-","vol":"1","page":120},{"text":"ويَدْخُل فيه الإِتْمَام أيضًا.\nفالمُهِمُّ: أنَّ الإسْبَاغ يَتَنَاوَل شَيْئَيْن: الأوَّل: إِتْمَام الشَيْء، والثاني: تَوْفيره، والنِّعَم التي أَنعَمَ اللَّهُ تعالى بها عَليْنَا شَامِلَةٌ لِلْأَمْرَيْن، فَهِي وَاسِعَة، قال ﷾: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤]، وهي أيضًا تامَّة، ليس فيها نَقْص، كُلُّ ما يَحتاجُه الإنسان في حياتِه، بل وكُلُّ ما يَحتاجُه في دِييه فإنَّ اللَّهَ تعالى قد أَتَمَّه، والحَمْدُ للَّه تعالى.\nوقولُه ﷿: ﴿ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ فسَّر المُفَسِّر ﵀ ﴿ظَاهِرَةً﴾ بأنها الحِسّيَّة الظَّاهِرة، والبَاطِنَة هي المَعرِفَة وغيرُها، فالنِّعَم جعَلَها اللَّهُ تعالى ظَاهِرَةً وَبَاطِنَة: ظَاهِرَة للعَيَان، وذكَرَ المُفَسِّر ﵀ مِن أَمْثِلَتِها حُسْنَ الصُّورَة واسْتِقَامَةَ الخَلْق وما أَشبَه ذلك، والباطِنَة يَقول المُفَسِّر ﵀: [هي المَعْرِفة]؛ لأنَّها في القَلْب غيرُ مَعْلُومة، وهذا لا شَكَّ أنَّه تَفْسِير نَاقِصٌ جِدًّا.\nوأمَّا الظاهِرَة فالصَّوَاب أنَّها أَعَمُّ مِن ذلك فالنِّعَم إمَّا ظَاهِرَةٌ لِكُلِّ أَحَد، وإمَّا باطِنَة لا يَعلَمُهَا إلَّا الإِنْسَان، هذا واحِد.\nوإمَّا ظَاهِرَة أيضًا بحيث كُلٌّ يَعْرَف أنها نِعْمَة، وباطِنة بحيث لا يُرَى أنَّها نِعْمَة إلَّا مِن آثارِها؛ لأن بَعْض الأشيَاء حين وُجُودِها لا تَظُنُّ أنَّها نِعْمَة، لكن إذا عَرَفْتَ آثَارَها وجَدْتَ أنَّها نِعْمَة، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، فإنَّ الإنسان أحيانًا يُصيبُه ما يُصِيبُه مِن قَضَاءِ اللَّه تعالى وقَدَرِه فلا يَرَى أنَّه نِعْمَة حتَّى يَعْرِف آثَارَهَا فِيما بَعْدُ.\nوالمُهِمُّ: أنَّ النِّعَم -والحمدُ للَّه- ظَاهِرة بَيِّنَة لِلعِيَان، وعَامَّة شَامِلَة لِلخَلْق، وشيءٌ باطِنٌ لا يَعرِفُه إلَّا مَن أَنعَمَ اللَّهُ تعالى به علَيه، وأيضًا هناك شيءٌ ظَاهِر وَاضِح","vol":"1","page":121},{"text":"أنَّه نِعْمَة، وشيءٌ باطِن لا يَتبَيَّن أنَّه نِعْمَة إلَّا فِيمَا بَعْدُ.\nثُمَّ قال ﷾: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ قوله ﷿: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾: (مِن) للتَّبعيض، وقدِ اختَلَف المُعرِبون في (مِن) التَّبعيضية، هل هي اسمٌ، لأنها في مَعنَى (بَعْض)، أو أنَّها حَرْفٌ دَالٌّ على هذا المَعنَى.\nوعلى هذا الاختِلافِ يَنبَغي الاختِلافُ في الإِعْراب: فإذا قُلْنا (مِن) اسم بمَعنَى (بَعْض)، فإننا نَقول: (مَن) مُبتَدَأ، و﴿مَنْ يُجَادِلُ﴾ خبَرُه، وإذا قُلْنا: إنها حَرْف، فانها تَكون حرفَ جَرٍّ، والجارُّ والمَجرور مُتعَلِّق بمَحذوف خبَر مُقدَّم، و﴿مَنْ يُجَادِلُ﴾ مُبتَدَأ مُؤخَّر.\nقال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ أي: أهل مَكَّةَ] بِناءً على قاعِدته ﵀ أن كل السُّوَر المَكِّية يُحمَل فيها العُموم بمِثْل هذا السِّياقِ على الخُصوص: وهم أهل مَكَّةَ، والصواب أنَّ ذلك عامٌّ، يَعنِي: من الناس من أهل مَكَّةَ وغيرهم.\nوقوله تعالى: ﴿مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ المُجادَلة مَأخوذة من الجَدْل، وهو فَتْل الحَبْل لإِحْكامه، ومنه ما يُسمَّى الجَدائِل، جَدائل المرأة أي: فَتْل رأسها وإحكامها، هذا مَعناها في اللغة.\nلكن في الاصطِلاخ المُجادَلة: هي المُمانَعة، بمَعنَى: أن كل واحِد من المُتَناظِرين يُحكِم الحُجَّة من أَجْل إفحام خَصْمه، فهي إِذَن إحكام الحُجَّة لإِفْحام الخَصْم وتَعجيزه.\nوالمُجادَلة إن كانت بعِلْم وحِكْمة فهي مَمدوحة بلا شَكٍّ، وقد تَكون واجِبة","vol":"1","page":122},{"text":"أحيانًا كما في قوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، وإن كانت بغَيْر عِلْم فإنها مَذمومة، فمَن يُجادِل بإيراد الحُجَج والعِلَل الواهية؛ لإِفْحام خَصْمه ونَقْض قوله ولو بالباطِل؛ فهذا من المُنكَر المُحرَّم، قال تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ﴾ [غافر: ٥].\nقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ﴾: ﴿فِي اللَّهِ﴾ هل المُراد في ذاته ﷾ أوِ المُراد في رُبوبيته أو أُلوهيته، أو أَسمائه وصِفاته، أو أَحكامه وأَفعاله؟\nالجَوابُ: تَشمَل كل هذا، فمِن الناس مَن يُجادِل في ذات اللَّه تعالى، فهو يُنكِر وجود اللَّه تعالى أَصْلًا، ويُجادِل في ذاته، ومن الناس مَن يُجادِل في وَحْدانيته، يُقِرُّ به، لكن يُنكِر الأُلوهية، ومنَ الناس مَن يُجادِل في أُلوهيته، أي: في تَفرُّده في الأُلوهية، ومن الناس مَن يُجادِل في أَسْمائه وصِفاته، وأكثر ما وقَع فيه الجدَل بين المسلمين في باب الأسماء والصِّفات، وهذا بين المُسلِمين! وليس بين المُسلِمين والكافِرين، لكنِ المُسلِمون الذين يَنتَسِبون إلى الإسلام ويُسمَّوْن أهلَ القِبْلة، هؤلاءِ كثُرَ الجَدَل بينهم في باب أسماء اللَّه تعالى وصِفاته.\nكذلك من الناس مَن يُجادِل في أحكام اللَّه تعالى، وما أكثَرَ المُجادِلين في أحكام اللَّه تعالى! تَجِده يُجادِل، تَقول: هذا الشيءُ حرامٌ. ثُمَّ يَأتِي ويُجادِلك: ما الذي حرَّمَه؟ وما الفَرْق بين كذا وكذا؟ وهاتِ الدليلَ، وهذا الدليلُ مَنقوض، وهاتِ التَّعليلَ، وهذا التَّعليلُ باطِل، وهكذا.\nقوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أما إذا كان بعِلْم فليس فيه ذَنْب، لكن بغير عِلْم ففيه ذنب.\nكذلك من الناس مَن يُجادِل في أفعال اللَّه، فيَقول: لماذا أَنعَم اللَّه ﷾","vol":"1","page":123},{"text":"على هؤلاء الكافِرين بالنِّعَم الكثيرة، ومن المُسلِمين مَن هو في جَهْد شَديد ومرَض وفَقْر وجَهْل، وما أَشبَهَ ذلك؛ كذلك يُجادِل في أفعال اللَّه تعالى في مَسأَلة القَدَر، فتقول مثَلًا: إمَّا أن يَكون اللَّه ﷾ قد قدَّر على الإنسان عمَله أو لا، فإن كان قدَّر عليه عمَله؛ فكيف يُعاقِبه؟ وإن لم يُقدِّر عليه عمَله، فمَعنَى ذلك أن الإنسان مُستَقِلٌّ به، فيَكون مُنفَرِدًا بالحوادِث ومُشارِكًا للَّه تعالى فيها، وما أَشبَه هذا من الجدَل الذي يَكون بغير عِلْم.\nولهذا يَنبَغي للإنسان في مَسائِل الشرع وفي مَسائِل القدَر؛ أن يَستَسلِم لما دلَّ عليه الكِتاب والسُّنَّة، وأن لا يُجادِل؛ لأنه إن فتَح على نَفْسه باب الجدَل فلن يَستَقِرَّ له قدَم أبَدًا، ولهذا قال ابن حجَرٍ ﵀ (^١): \"إن المَسائِل العَقْلية ليس لها دَخْل في الأمور الخبَرية\"؛ لأننا لو أَرَدْنا أن نُحيل هذه الأمورَ على العَقْل، فإن العاقِل قد يُجوِّز ما كان مُمتَنِعًا شرعًا غايةَ الامتِناع، كما أنه قد يَمنَع ما هو جائِز، والمُراد بالعَقْل ما ادعَّى صاحبه أنه عَقْل، أمَّا العَقْل الصحيح الصريح فإنه لا بُدَّ أن يُوافِق النَّقْل الصحيح؛ وإذا شِئْتم أن يَتبَيَّن لكم هذا فاقرَؤُوا كتاب شيخ الإسلام ابنِ تَيميَّةَ ﵀إن أَطَقْتُموه- المُسمَّى بكتاب العَقْل والنَّقْل أو مُوافَقة صريح المَعقول لصحيح المَنقول.\nالمُهِمُّ: أنَّ الجدَل بابُه واسِع، والكلام هنا في المُجادَلة المَذمومة، وهي المُجادَلة بغير عِلْم.\nإذَنْ: ﴿فِي اللَّهِ﴾: في ذاتِه، وفي رُبوبيته، وأُلوهيته، وأَسمائه وصِفاته، وأَحْكامه، وأَفْعاله.\n_________\n(^١) فتح الباري (١/ ١٩٣).","vol":"1","page":124},{"text":"وقوله: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يَعنِي: ما عِنده عِلْم ذاتُه، ولكنه مُكابَرة ومُعانَدة.\nيَقول المُفَسِّر ﵀: [﴿وَلَا هُدًى﴾ مِن رَسول] فهو ليس عِنده عِلْم في نَفْسه يَهتَدِي به، وليس عنده عِلْم من غيره يَهتَدِي به.\nيَقول المُفَسر ﵀: [﴿وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ أَنزَله اللَّه تعالى؛ بل بالتَّقليد]، فهو ليس عِنده عِلْم، ولا اهتِداء بهَدْيِ رَسول، ولا كِتاب أَنزَله اللَّه تعالى فيَهتَدِي به، إِذَنْ فهو يُجادِل بالباطِل، وقال المُفَسِّر ﵀: [بالتَّقليد]؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢١]، فهذا الذي أَوجَب للمُؤلِّف أن يَقول: [بلْ بالتَّقليد]؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾.\n\nمن فوائد الآية الكريمة:\nالْفَائِدَة الأُولَى: بَيان نِعمة اللَّه ﷾ على عِباده، بهذه النِّعمِ.\nالْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ اللَّه جَلَّ وَعَلَا يحبُّ أن يُتمَدَّح بما أَسْدى إلى عِباده من النِّعَم؛ لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ﴾.\nالْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ اللَّه تعالى سخِر لنا ما في السموات وما في الأرض، وهو ظاهِر، وقد قال اللَّه تعالى في آية أُخرى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣].\nالْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: جَواز استِخدام ما في هذا الكَوْنِ في السموات والأرض لمصالحِنا؛ لأنه مُسخَّر لنا، فإذا كان مُسخَّرًا لنا، فلنا أن نَنتَفِع به، فيما أَحَلَّ اللَّه تعالى لنا.\nفلو قال قائِل مثَلًا: هل لنا أن نَأخُذ المعادِن الجارية والجامِدة؟","vol":"1","page":125},{"text":"نَقول: نعَمْ. هل لنا أن نُحاوِل الصعود إلى الكواكِب والنُّجوم لنَرَى ما فيها من الآيات؟ وكيف تَظهَر لنا؟\nالجَوابُ: نعَمْ.\nولكن إذا كان هذا يُكلِّف نَفَقاتٍ باهِظةً، أكثَرَ ممَّا نَستَفيد منه، فإن الحِكْمة تَقتَضي أن لا نَفعَل؛ لأن هذه المُحاولاتِ يَكون فيها من نَفاد الأموال شيء كثير، فإذا قُدِّر أنَّ ما فيها من نَفاد الأموال أكثر بأضعاف وأضعاف ممَّا نَستَفيد منها، فإنَّ العقل يَقتَضي أن لا نَفعَل؛ لأن هذا من السفَه والتَّبذير، والإنسان العاقِل لا يَبذُل المال إلَّا وهو يَرَى أنه يَنتَفِع بأكثَرَ ممَّا يَبذُل.\nفلو فُرِض أنك بذَلْت مالًا قَدْره أَلْف ريال، لتَحصُل على مَنفَعة تُساوِي ألفَيْ ريال؛ فهذا محَمود، وبالعَكْس، فلو بذَلْت مالًا يَبلُغ ألفي ريال؛ لتَحصيل مَنفَعة بقَدْر ألف ريال، هذا مَذموم؛ لأنك أَضَعْت ألف ريال بدون فائِدة، فيَكون هذا من إضاعة المال والإسراف.\nالْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ نِعَم اللَّه ﷿ وافِرة، يَعنِي: كثيرة كامِلة؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ﴾.\nالْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ نِعَم اللَّه ﷾ نوعان: ظاهِرة وباطِنة، سَواءٌ فَسَّرنَا الظَّاهِرة بالأُمور المَحسوسة والباطِنة بالأُمور المَعنوية، أو فسَّرْناها بالظاهِرة التي يَعرِفها كل أحَد، والباطِنة ما لا يَعرِفها إلَّا صاحِبها، أو فسَّرْنا الظاهِر بما هو عامٌّ يَعُمُّ جميع الناس، كالمطَر والخَصْب. والباطن بما هو دونَ ذلك، فالنِّعَم وافِرة وسابِغة من كل وَجْه.","vol":"1","page":126},{"text":"الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: ما أَعطاه اللَّه تعالى للُقْمانَ ﵇ من الحِكَم؛ فإن كل ما أَوْصَى به ابنَه، كلُّه حِكَم مُوافِق للعَقْل، والشَّرْع أيضًا يُؤيِّده.\nالْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ اللَّه ﷿ إذا قصَّ علينا نبَأَ أحَد؛ فإن كان ذلك خيرًا فإنه يُريد مِنَّا أن نَفعَله، وإن كان غير ذلك فإنه يُريد مِنَّا أن نَتَجنَّبه، فلمَّا قصَّ علينا قِصَّة قارونَ قال تَعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٦ - ٧٨]، فقَصَّ علينا ذلك؛ لنَحذَر ونَخاف؛ ولأَجْل أن لا نَسكُت على مَن رَأَيْناه يُبذِّر ويُسرِف في الأرض؛ وهنا قَصَّ علينا قصص لُقمانَ ﵇ من أَجْل أن نَعتَبِر بها في الحِكَم، وأن نَقتَدِيَ به في نصيحة أَبنائنا وأَهْلنا.\nالْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: ذمُّ الجدَل بغير بُرْهانٍ؛ لقوله ﵎: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾.\nالْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أن الجدَل بالعِلْم والهدى والدليلِ من القُرآن لا يُذَمُّ صاحِبه؛ لأنه حَقٌّ، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥].\nالْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أنه يَنبَغي للمُجادِل أن يَكون له دليل من العَقْل أو من النَّقْل؛ لقوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ فهذا العِلْمُ الذاتيُّ الذي يَكون بطريق العَقْل، وقوله تعالى: ﴿وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ هذا العِلمُ المُكتَسَب؛ فالهدى مِن الرَّسول -ﷺ-، والكِتاب المُنير القُرآن.\n* * *","vol":"1","page":127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>الآية (٢١)</span>\n* قالَ اللَّه ﷿: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [لقمان: ٢١].\n* * *\n\nوقوله تعالى: ﴿قِيلَ﴾ هذه مَبنيّ للمَجهول، فالقائِل: اللَّه تعالى، أو الرَّسولُ -ﷺ-، أو المُؤمِنون، كل هذا يُمكِن أن يَكون؛ قال اللَّه تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الأعراف: ٣]، والنبيُّ ﵊ يحثُّ الأُمَّة على اتِّباعه، والمُؤمِنون كذلك يَدْعون الناس إلى اتّباع ما أَنزَل اللَّه تعالى، فيَكون هنا حُذِف الفاعِل لإرادة العُموم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾، فهذا أَعَمُّ ممَّا لو قال: (وإذا قال اللَّه لهم، أو: وإذا قال لهم الرسول، أو: وإذا قال لَهُمُ المُؤمِنون)؛ فقوله ﷾: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾ يَكون أَشمَلَ.\nوقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾: ﴿مَا﴾ مَفعول ﴿اتَّبِعُوا﴾، و﴿أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ المُراد به القُرآن لا شَكَّ؛ لأنَّ اللَّه تعالى أَنزَله؛ وأمَّا السُّنَّة فقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: ١١٣]، قال العُلَماءُ ﵏: الحِكْمة هي: السُّنَّة، إِذَنْ ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ من القُرآن ومن السُّنَّة؛ لأنَّ السُّنَّة وَحْي إن كان اللَّه تعالى أَوْحاها إلى رسوله ﵊، وإلَّا فإِقْراره سبحانه إيَّاها بمَنزِلة الوَحْي؛ ولهذا قال العُلماءُ ﵏: إنَّ إقرار النبيِّ -ﷺ- بمَنزِلة قوله.","vol":"1","page":128},{"text":"وقوله تعالى: ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ﴾: ﴿بَلْ﴾ للإِضْراب الإِبْطاليِّ، يَعنِي: بل لا نَتَّبع ما أَنزَل اللَّه تعالى، وإنما نَتَّبع ما وجَدْنا عليه آباءَنا، واللَّهِ! هذا مُعارَضة حَقٍّ بباطِل؛ لأنهم الآنَ عدَلوا عمَّا أَنزَل اللَّه ﷾ إلى الآراء فقَطْ والأهواء: ﴿مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ ولو كان شِرْكًا، وأيضًا لو كان طاعة، فلو كان طاعةً يَكون اتِّباعُهم لما عليه آباؤُهم؛ لا لأنه شَرْع، ولكن لأنَّ عليه آباءَهم؛ فحينئذ لا يَكون اتِّباع آبائِهم في هذه الحالِ اتِّباعًا للشَّرْع، ولا اتِّباعًا محَمودًا.\nوعلى هذا فنَقول فيمَن دُعِيَ إلى الكِتاب والسُّنَّة، وقال: أنا أُريد أن أتَبع فلانًا -الإمامَ الفُلانِيَّ أو العالِمَ الفُلانيَّ- مع بيان السُّنَّة ووُضوحها: إنه يَكون مُشابِهًا لهؤلاء المُشرِكين.\nوقوله ﷾: ﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾: ﴿أَوَلَوْ كَانَ﴾ هذا استِفْهام يَتْلوه حَرْف عَطْف، وقد تَقدَّم لنا مِرارًا وتَكرارًا أنَّ حرف العَطْف إذا وَلِيَ استِفْهامًا ففي إعرابه قَوْلان:\nأحدُهما: أنَّ همزة الاستِفْهام دخَلتَ على مَحذوف عُطِف عليه ما بعد حَرفْ العَطْف، ويُقَدَّر هذا المَحذوفُ بحسَب السِّياق، وعلى هذا؛ فهَمْزة الاستِفْهام في مَكانها، والمُستَفهَم عنه -يَعنِي: مَسؤول الاستِفْهام- مَحذوف.\nوالقول الثاني: أن الواو حَرْف عَطْف، والمعطوف عليه ما سبَق، ومَحلُّ الهمزة بعد حَرْف العطف، وقلنا: إنَّ هذا أهوَنُ من الأوَّل، فالأوَّلُ: أبلَغُ في التَّقعيد وهذا أَسهَلُ، ووجه سُهولته: أنَّ الأوَّل قد يَخفَى على الإنسان ماذا يُقدِّره، وربما يَصعُب أحيانًا تَقدير شيء مُناسِب، وأمَّا هذه فلا تَحتاج إلى شيء فتكُون مَعطوفة على ما سبَق.","vol":"1","page":129},{"text":"أمَّا المُفَسِّر ﵀ فمَشَى على القول الأوَّل، قال ﵀: [أيَتَّبِعونه ولو كان الشَّيْطانَ]، فحَرْف الاستِفْهام دخَل على شيء محَذوف، وحَرْف العَطْف عاطِف على ذلك الشيء المَحذوف.\nيَقول المُفَسِّر ﵀: [﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ أي: مُوجِباته؟ لا]، يَقول اللَّه ﷾: أيتَّبِعون آباءَهم دون ما أَنزَل اللَّه تعالى حتى في هذه الحالِ، وهو أن الشيطان يَدْعوهم، ﴿يَدْعُوهُمْ﴾ أَظُنُّها تَشمَل أن يَدعوَ الآباء ويَدعوَ هَؤلاءِ.\nوقوله تعالى: ﴿إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ يَعنِي: إلى ما يُوجِب عذاب السَّعير من أعمال الشِّرْك والكُفْر وغيرها.\nوظاهِر كلام المُفَسِّر ﵀ أن الاستِفْهام للإنكار والنَّفي، لقوله ﵀: [لا]، ولكنه للنَّفْي فيه إشكال؛ لأنه لا شَكَّ أنهم يَتَّبِعونه، أمَّا للإنكار فنَعَمْ، يَقول اللَّه ﷿ أَنكَر عليهم أن يَتَّبِعوا آباءَهم والشيطانُ يَدعوهم إلى عَذاب السَّعير.\nوقوله تعالى: ﴿عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ هو عَذاب النار، وأُضيف إلى السعير باعتِبار اللَّفْظ.\n\nمن فوائد الآية الكريمة:\nالْفَائِدَة الأُولَى: بيانُ أن هؤلاءِ المُجادِلين ليس عندهم سِوَى التَّقليد، لقوله تعالى: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾.\nالْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: ذَمُّ مَن خَالَفَ الحقَّ، لاتِّباع الآباء، لقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ هذا الحقَّ، قالوا: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ﴾.","vol":"1","page":130},{"text":"الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: تَحريم التَّقليد مع ظُهور الحُجَّة، ويُؤخَذ ذلك من قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ أيًّا كان المُقلَّد إذا بانت الحُجَّة فإنه لا تَقليدَ، ولكن تُتْبَع الحُجَّة.\nالْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن التَّقليد قد يُسمَّى اتِّباعًا، لقوله تعالى: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ والمَعروف المَشهور بين أهل العِلْم أنَّ الاتِّباع يَكون عن دليلٍ، فيقال للرسول ﵊: اتَّبَعْنا الرسولَ -ﷺ-. والتقليد هو الذي يَكون عن غير دَليل، لكن هذه الآيةَ تَدُلُّ على أن كل مَن تابَعَ أحَدًا فهو مُتَّبع له.\nالْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: بَيان أنَّ هؤلاءِ المُخالِفِين كان عندهم عِلْم بالحقِّ؛ لقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، فيَكون هذا أشَدَّ في ذَمِّهم.\nالْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: ظُهور العَصَبية في هؤلاء؛ لقوله تعالى: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾، وهذا تَعصُّب للآباء، والتَّعصُّب للآباء والقبائِل من شَأْن أهل الجاهِلِية.\nالْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن مخُالَفةَ الدَّليل للتَّقليد من إجابة الشَّيْطان، لقوله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾.\nالْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أن مُخَالَفةَ ما أَنزَل اللَّهُ تعالى سبَب لدُخول النَّار؛ لقوله تعالى: ﴿يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾.\nالْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أن وَسْوسة الشَّيْطان التي يُلْقيها في قَلْب بني آدَمَ من الدَّعْوة؛ لقوله ﷿: ﴿يَدْعُوهُمْ﴾ إِذْ إن الشَّيْطان ليس يَمْثُل أَمامهم، ويَقول: اتَّبِعوا كذا. ولكنه يُوَسْوِس في صُدورهم حتى يَتَّبِعوه، وهكذا الشيطانُ يَأمُر بالشَّرِّ.","vol":"1","page":131},{"text":"الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: الحذَر من وَساوِس الشَّيْطان؛ لأنَّ قوله ﷾: ﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ﴾، هذا للتَّوْبيخِ والإنكار.\nالْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أن كل شيء يُوجِب العُقوبة فهو من تَلْبية طلَب الشَّيْطان والإِثْم، واعلَمْ أنه من تَلْبية طلَب الشَّيْطان، لقوله ﷾: ﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ فمثَلًا لو أَراد الإنسان أن يَسرِق، أو أن يَزنِيَ، أو أن يَشرَبَ الخَمْر، أو أن يَقتُل نَفْسًا محُرَّمة، قُلْنا: هذا من الشَّيْطان، وتَلْبية لطلَبِه؛ لأنَّ الشَّيْطان هو الذي يَدْعو إلى عَذاب السَّعير.\nويُؤخَذ من ذلك أن الشَّيْطان له عَقْل وإرادة، وقد قال اللَّه تعالى في سُورة النِّساء: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠]، فالشَّيْطان له إرادة وله تَزْيين، وله تَلْبيس؛ ولهذا يَجِب الحذَرُ منه غايةَ الحذَر.\nالْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أن مَن دعا إلى ما يُوجِب العِقاب فهو شَبيهٌ بالشَّياطين، بل لنا أن نَقول: إنه شَيْطان، ولهذا قال النبيُّ ﵊ في الذي يُمانِع إذا مُنِع من المُرور بين يدَيِ المُصلِّي قال: \"فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ\" (^١)، وقال اللَّه ﷾: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢].\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه البخاري: كتاب الصلاة، يرد المصلي من مر بين يديه، رقم (٥٠٩)، ومسلم: كتاب الصلاة، باب منع المار بين يدي المصلي، رقم (٥٠٥)، من حديث أبي سعيد الخدري -﵁-.","vol":"1","page":132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>الآية (٢٢)</span>\n* قالَ اللَّه ﷿: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: ٢٢].\n* * *\n\nقوله ﵀: [﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ﴾ أي: يُقبِل على طاعته ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ مُوحِّد ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾] (مَن) هذه شَرْطية جوابها قَولُه تعالى: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ﴾ وقُرِن الجواب بالفاء؛ لأنَّه اقتَرَن ب (قَدْ)، والجوابُ يَقتَرِن بالفاء إذا كان أحَدَ أمور سَبْعة:\nاسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ وَبِجَامِدٍ ... وَبِـ (مَا) وَ(قَدْ) وبـ (لنْ) وَبِالتَّنْفِيسِ\nوهنا اقتَرَن بالجواب (قَدْ)، فوجَب أن يُقرَن بالفاء.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ﴾ مَعناه: يَنقاد له تَمام الانقِياد، بحيثُ يُسلِمه إليه، وهذا غاية ما يَكون من التَّذلُّل والتَّوكُّل فقال تعالى: ﴿يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ﴾، ولم يَقُل: للَّه؛ لأنَّ قوله تعالى: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ أَبلَغُ، كأنه أَعْطاه اللَّه ﷿ وبلَغ غايته بالوصول إلى اللَّه تعالى.\nوقوله تعالى: ﴿وَجْهَهُ﴾ المُراد: وجهُ قَلْبه، وليس وجهَ بدَنِه، يَعنِي: اتِّجاهَه، فهو من الوجهة أي: مَن يَتَّجِه إلى اللَّه قَصْدًا وتَوَكُّلًا واعتِمادًا.\nوقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ الجُمْلة هذه حالية، حال من فاعِل ﴿يُسْلِمْ﴾،","vol":"1","page":133},{"text":"يَعنِي: والحال أنه مُحسِن. والمُراد بالإحسان، يَقول المُفَسِّر ﵀: [مُوحِّد] أي: التوحيد، ولكن الصواب خِلاف كلامه، لأنَّ التَّوْحيد مَفهوم من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ﴾، لكن قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي: مُحسِن باتِّباع شريعة اللَّه ﷾، فيَكون في الآية إشارة إلى الحُكْمين الأَساسِيَّين في العِبادة، وهما: الإخلاص والمُتابَعة، فقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ يَعنِي: في اتِّباع الشريعة، يَعنِي: مُتَّبع لشريعته على وجهِ الإحسان.\nوقوله تعالى: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ استَمْسَك بمَعنَى: تمَسَّك، لكنها أتتْ بهذه الصِّيغةِ (استَفعَل) للمُبالَغة، أي: للمُبالَغة في التَّمسُّك، لأن (استَمْسَك بكذا) أَقوَى من قولك: تمَسَّك به؛ لأنهم يَقولون: إن زيادة المَبنَى تَدُلُّ على زِيادة المَعنَى؛ فلمَّا كثُرَت حروف (استَمْسَك) صارت أَقوى في مَعناها من: (تمَسَّكَ).\nوقوله تعالى: ﴿بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ يَقول المُفَسِّر ﵀: [﴿بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ بالطرف الأَوْثَق، الذي لا يَخاف انقِطاعه، الإنسان عندما يَتمَسَّك بالحبْل، فتارةً يَتَمسَّك به بطرَفه وليس له عُروة، وتارة يَتمَسَّك به بطرَفه وهو مَعقود، وتارةً يَتَمسَّك به بطرَفه وهو مَثنِيٌّ كالعُروة؛ فالأَبلَغُ العُروة؛ لأنَّ الإنسان لو تمَسَّك بطرَفه ربما يُزلَق فيَسقُط، وكذلك بطرَفه مَعقودًا لا يَتمَكَّن مثلما يَتَمكَّن بطرَفه إذا كان عُروة.\n﴿الْوُثْقَى﴾ مُؤنَّث (أَوثَق)؛ لأنَّ العروة التي هي أَوْثَق شيء، ولا ريبَ أن مَن أَسلَم وجهه للَّه تعالى وهو مُحسِن فإنه سيَنجو من كل مَكروهٍ، ويَفوز بكُلِّ مَطلوب؛ لأنَّ هذا هو الطريق الأمثل الذي يُوصِل إلى اللَّه ﷾: أن تُسلِم وجهَكَ إليه وأنت مُحسِن.\nوورد مِثلُها في القُرآن قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ","vol":"1","page":134},{"text":"فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦].\nقوله تعالى: ﴿وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ لمَّا بيَّن أنَّ الذي يُسلِم وجهَه إلى اللَّه تعالى وهو مُحسِن أنه مُستَمْسِك بالعُروة الوُثْقى، وأن الإنسان في حال الإسلام إلى اللَّه تعالى والإحسان قد يَعتَريه أمور يَشُكُّ هل هو مُستَمْسِك بالعُروة الوثقى أم لا؟ مثل أن يَتَخلَّف عنه النَّصر في يوم من الأيام وما أَشبَه ذلك، فيَخشَى أن يَكون على غير حَقٍّ، فبَيَّن اللَّه تعالى أنَّ عاقِبة الأمور إلى اللَّه تعالى.\nوهذا كقوله ﷿: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١]؛ لأنَّ الإنسان قد يَقول: ما قيمة هذه الأشياءِ بالنِّسبة للقَنابل والصواريخ، وما أَشبَه ذلك؟ فبَيَّن اللَّه تعالى أن عاقِبة الأمور للَّه تعالى؛ فأنت ما دُمْت قُمْت بأسباب النَّصْر التي بيَّنها اللَّه تعالى لك؛ فلا يَخْدَعَنَّك ما أُعطِيَ أعداءُ اللَّه ﷾ من القُوَّة المادِّية؛ لأنَّ هذه القُوَّة المادِّية تَتَضاءَل بكلِمة من اللَّه ﷾، فإذا أَراد ﷿ أن يَخسِف بهم جميعًا الأرض، أو يُفسِد عليهم مُعدَّاتهم قال: (كُنْ فيَكون)، ولهذا أَعقَبَها بقوله ﷾: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُور﴾، حتى لا يَستَبعِد الإنسان نَصْر اللَّه ﷿ بسبب ما أُوتِيَ أعداؤُه من القُوَّة؛ لأنَّ العاقِبة للَّه ﷾؛ وهذه مِثلُها أيضًا، فيُسلِم الإنسان وجهَهْ للَّه تعالى وهو مُحسِن، ويَنتابُه بعضَ الأحيان شُكوك، وهل هو على حَقٍّ أم على غير حَقٍّ، وهل هذا الاستِمْساك حقيقيٌّ أم لا؛ فبَيَّن اللَّه تعالى أن عاقِبة الأمور إلى اللَّه تعالى، وأنك متى أَسلَمْت وجهَك إلى اللَّه تعالى وأنت مُحسِن فلا بُدَّ أن تَنجوَ.\nوقوله ﷾: ﴿وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾: (إلى) تُفيد الغاية؛ يَعنِي:","vol":"1","page":135},{"text":"غاية عاقِبة الأمور إلى اللَّه تعالى لا إلى غيره، فهو الذي يُدبِّر الأمور كيف يَشاء حتى تَصِل إلى ما يُريده ﷾.\nوقوله ﷾: ﴿الْأُمُورِ﴾ جَمْع أَمْر، واحِد الأمور، يَعنِي: الشُّؤون، كل الشُّؤون الدِّينية والدُّنيوية العامة والخاصة، كلُّها عاقِبَتها إلى اللَّه تعالى.\nهذا قِسْم من الناس: الذي أَسلَم وجهَه إلى اللَّه تعالى وهو مُحسِن؛ والثاني: الكافِر؛ قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ﴾ يا محُمَّدُ ﴿كُفْرُهُ﴾ لا تَهتَمَّ بكُفْره ﴿إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾. . .] إلخ.\n\nمن فوائد الآية الكريمة:\nالْفَائِدَةُ الأُولَى: الفائِدةُ العَظيمة في الإخلاص والمُتابَعة؛ الإخلاص من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ﴾، والمُتابَعة من قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾.\nالْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ مَن لم يَكُن كذلك فهو هالِكٌ لا مُتَمَسَّكَ له؛ لأنه رَتَّب الاستِمْساك على هَذَيْن: إسلام الوجهِ للَّهِ تعالى مع الإحسان؛ وعلى هذا فمَنْ لم يَأتِ بهما فلَيْس له نَجاةٌ.\nالْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ أَوْثَقَ ما يَستَمْسِكُ به الإنسان من نَجاة هو الإخلاصُ والمُتابَعة؛ لأنَّ كلِمة (الوُثْقَى) اسمُ تَفضيل، فهي مِثْل (أَوثَق) في المُذكَّر.\nالْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: فضيلة الإحسان؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾، وقد سبَقَ لنا أنَّ الإِحْسان يَكون في عِبادة اللَّه تعالى، ويَكون في مُعامَلة عباد اللَّه تعالى.\nالْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ عواقِبَ الأُمور إلى اللَّه ﷿، فهو الذي بيَدِه مَلكوت السمَواتِ والأَرْض، وكَمْ مِن إنسان يُقدِّر، ولكن أَمْر اللَّه تعالى يَأْتي على خِلاف","vol":"1","page":136},{"text":"تَقديره؛ والدَّليلُ قوله تعالى: ﴿وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾.\nالْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: الإشارة إلى أنَّه يَنبَغي لمَن أَسلَم وجهَهُ للَّه تعالى وهو مُحسِن أن يَصبِر، لأن العاقِبة له، فلا يَتعَجَّل أو يَستَبعِد الفرَجَ، أو يَستَبْعِد النَّصْر؛ لأنَّ الأمورَ كلَّها تَرجِع إلى ربِّ العِزَّة ﷾.\nالْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّه لا أحَدَ يَستَطيع أن يُدَبِّر في الكون، ويُؤخَذ ذلك من تَقديم الخبَر الدالِّ على الحَصْر.\n* * *","vol":"1","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>الآية (٢٣)</span>\n* قالَ اللَّه ﷿: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [لقمان: ٢٣].\n* * *\n\nقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ﴾: (مَن) هذه شَرْطية، وفِعْل الشَّرْط ﴿كُفْرُهُ﴾، وجوابه قوله تعالى: ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ﴾، وقُرِن بالفاء؛ لأنَّ (لا) ناهِية.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ هذا عامٌّ من الأقارِب والآباء، لأنَّ الرسول -ﷺ- يَحزَن لكُفْر الكافِرين سواء كانوا أقارِبَ له أم أباعِدَ.\nوقول المُفَسِّر ﵀: [﴿فَلَا يَحْزُنْكَ﴾ يا محُمَّدُ] أَبانَ المُفَسِّر أنَّ الخِطاب في قوله تعالى: ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ﴾ للرَّسول ﵊، ويُحتَمَل أن يَكون مُوجَّهًا للرسول ﵊، ولكل مَن يَصِحُّ خِطابه ممَّن شأنه أن يَحزَن إذا كفَر عِباد اللَّه تعالى؛ فيَكون على هذا المَعنَى أعمَّ ممَّا قال المُفَسِّر ﵀.\nوقوله تعالى: ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ الحُزْن هو ضِدُّ السرور، وإذا قيل: حُزْن وخَوْف؛ صار الحُزْن على الماضي، والخَوْف للمُستَقبَل. وقد يُطلَق الحُزْن على الخَوْف، كما في قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، يَعنِي: لا تَحزَن، أي: لا تَخَفْ، فإنَّ اللَّه تعالى معَنا، على أنه يُحتَمَل أن يَكون المَعنَى: لا تَحزَن على ما فعَلْنا من اللُّجوء إلى هذا الغارِ، فيَكون على الأصل.","vol":"1","page":138},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [لا تَهتَمَّ بكُفْرهم] وظاهِر كلامه: أنَّ الحُزْن هنا بمَعنَى الاهتِمام بالشيء، يَعنِي: لا يُهِمَّنَّك أَمرُهم، ولكن الحزن أَخَصُّ من الاهتِمام، فإبقاء الآية على ظاهِرها وهو أن الرسول ﵊ يَحزَن إذا كفَر الناس، وكذلك مَن كان ناصِحًا للَّه تعالى ولرسوله -ﷺ- يَحزَن إذا كفَر الناس؛ أَقول: إن حَمْلها على ظاهِرها أَوْلى.\nوفِعْلًا فإن الإنسان الناصِح يَحزَن إذا كفَر الناس، يَحزَن لأَمْرين:\nأوَّلًا: رحمةً بهؤلاء الذين كفَروا.\nوثانيًا: حُزْنًا على ما فات الإسلامَ من كثرة المُتَّبِعين، لأن كَثْرة مُتَّبِعي الإسلام عِزٌّ للإسلام.\nوالدليل آيتان تَدُلَّان على أن الكَثرة عِزَّة: قال شُعَيْبٌ ﵊ لقومه: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٦]، وقال تعالى مُمتَنًّا على بني إسرائيلَ: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء: ٦].\nفالكثرةُ عِزٌّ في الدليل الشَّرْعيِّ والواقِعيِّ.\nأمَّا أعداء المُسلِمين الآنَ فيُحبِّذون المُسلِمين أن يُقلِّلوا النَّسْل، فتارةً يَقولون: إذا كثَّرْتمُ النَّسْل ضاق الرِّزْق، كقَوْل الكُفَّار الذين يَقتُلون أولادَهم خَشْية الإملاق، وتارة يَقولون: إذا كثُرَ الأولاد عجَزْتم عن تَرْبيتهم، إساءةَ ظَنٍّ باللَّه ﷿، وتارة يَقولون: إذا كبُر السِّنُّ ضعُفَتِ المرأةُ، ولحَقها الضَّعْفُ. وهكذا؛ وهذا لا بُدَّ منه، فلا بُدَّ أن تَضعُف المرأة، كما قال تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان: ١٤].\nوالحاصِلُ: أنَّ كثرة الأُمَم عِزٌّ لها.","vol":"1","page":139},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ جُمْلة خَبْرية قُدِّم فيها الخبَر لإفادة الحَصْر.\nوقوله تعالى: ﴿إِلَيْنَا﴾ يَعنِي: نحن اللَّه ﷿، لا إلى غَيْره.\nوقوله: ﴿مَرْجِعُهُمْ﴾ مَصدَر مِيميٌّ؛ أي: رُجوعهم؛ فرُجوعهم إلى اللَّه ﷿ لا إلى غيره، وهو الذي يُحاسِبهم على أعمالهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾.\nوقوله تعالى: ﴿فَنُنَبِّئُهُمْ﴾ نُخبِرهم، وإذا أُخبِروا بذلك يُجازَوْن عليه، فإن الكافِر لا بُدَّ أن يُجازَى على ذَنْبه، ولكنه يُجازَى بالعَدْل، ولهذا كانت النار درَكاتٍ بحسَب جُرْم الكافِرين، والمُنافِقون في الدَّرْك الأسفَل من النار؛ فقوله ﷾: ﴿فَنُنَبِّئُهُمْ﴾ أي: نُخبِرهم على سبيل التَّوْبيخ والإهانة، ثُمَّ نُجازيهم بما يَستَحِقّون.\nوقوله تعالى: ﴿إِلَيْنَا﴾ و﴿فَنُنَبِّئُهُمْ﴾ هنا ضَمير جَمْع، لكن المُراد به التَّعْظيم.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ هذا تَكميل للتَّهديد، يَعنِي: أنَّ اللَّه عليم بذات الصُّدور، وذات الصُّدور هي القلوب؛ لأنها فيها، كما قال ﷾: ﴿وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]، فمَعنَى ذاتِ الصُّدور أي: صاحِبة\nالصُّدور، وهي القُلوب؛ وقال تعالى: ﴿بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ دون القُلوب؛ لأنَّ ما كان داخِلَ الصَّدْر مَحجوب عن الخَلْق، لا يَعلَمه إلَّا اللَّه ﷾؛ ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.\nوفي قوله تعالى: ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ دليلٌ على أنَّ الكافِر يُحاسَب على عمَل القَلْب، وهو كذلك، لأنه لولا أنه يُحاسَب لم يَكُن في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ كبيرُ فائِدةٍ.","vol":"1","page":140},{"text":"من فوائد الآية الكريمة:\nالْفَائِدَة الأُولَى: أن الرسول ﵊ كان يَحزَن لكُفْر مَن يَكْفُر، لقوله تعالى: ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾.\nفإن قال قائِل: هذا ليس بصريحٍ على ذلك!\nقلنا: إذا لم يَكُن صَريحًا فإنه يَدُلُّ على أنَّ ذلك مُتَوقَّع من الرسول -ﷺ-، إذ لو لم يَكُن مَوْجودًا أو مُتَوقَّعًا، لكان النَّهيُ عنه لا فائِدةَ منه، وقد قال اللَّه ﷿ في آية أُخرَى ما يَدُلُّ على أنه كان يَحزَن كما في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [الشعراء: ٣]، وقال تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ [هود: ١٢]، وما أَشبَهَ ذلك مِمَّا يَدُلُّ على أن الرسول ﵊ كان يَحزَن.\nالْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ كلامه ﷿ بصَوْت مَسموع؛ لقوله تعالى: ﴿فَنُنَبِّئُهُمْ﴾؛ لأنَّ ما لا يُسمَع لا يَكون فيه إنباءٌ؛ فلا إنباءَ إلَّا بصَوْت مَسموع، وهذا الصوتُ ليس كأصواتِ المَخلوقين، بل هو أَعظَمُ وأجَلُّ؛ ولهذا إذا تكلَّم اللَّه ﷾ بالوَحْي صَعِق أهلُ السَّمَواتِ وارْتجَفَتِ السمَوات، ومَعلوم أنَّ صَوْت أَحَدٍ منَ الخَلْق لا يَحدُث منه هذا الشيءُ، ولكن اللَّه ﷿ أَعظَمُ وأَجَلُّ.\nالْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إئباتُ عِلْمِ اللَّه ﷾؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.\nالْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: التَّخويفُ من مُخالَفة الإنسان باطِنًا، لقوله ﷾: ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ فإيَّاكَ والمُخالَفةَ في الباطِن، لا تَقُلْ: إنني لم أُظهِر، ولا أَحَدَ يَعلَم،","vol":"1","page":141},{"text":"فإنه وإن لم يَعلَمِ الخَلْقُ؛ فاللَّه تعالى يَعلَم مَهمَا تَكتُمِ الشيءَ، فإن اللَّه تعالى يَعلَمه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.\nالْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنه يَنبَغي للإنسان مُراقَبة اللَّهِ ﷾ دائِمًا؛ لقوله تعالى: ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾؛ ولهذا جاء في الحديث: \"أَفْضَلُ الْإِيمَانِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ مَعَكَ حَيْثُما كُنْتَ\" (^١)؛ لأنك إذا علِمْت بذلك، وأَيْقَنْت به، أَوْجَب لك ذلكَ مُراقَبةَ اللَّه ﷿ والرَّغْبة إليه، وأن تَكون هِمَّتُك دائمًا في طلَب ما يُرضِي اللَّهَ ﷾.\nفإذا كان الإنسانُ يُؤمِن بهذا الأمرِ، وبمُراقَبة اللَّه ﷿ لمَا في قَلْبه؛ فإنه لو هَمَّ بمَعصية في أَخفَى ما يَكون في الأرض، فسيَردَعه ذلك الإيمانُ عن هذه المَعصيةِ؛ ولهذا حِماية الإيمانِ لمُعتَنِقيه أعظَمُ بكَثير من حِماية السُّلُطات لما تُوجِّهُ إليه؛ فالشَّعْب المُؤمِن لا يَحتاج إلى مُراقَبة السُّلُطاتِ؛ لأنه يَعلَم أنه مُراقَب من قِبَل مَن يَعلَم خائِنة الأَعْيُن وما تُخفِي الصُّدور؛ لكن إذا ضعُف الإيمان احتاج إلى قُوَّة السُّلْطان، فإِنْ ضَعُف الإيمان والسُّلْطان فسَدَتِ الأَدْيانُ والبُلْدان؛ فإذا اجتَمَعَتِ القُوَّتان: قوَّةُ الإيمان وقوَّةُ السُّلْطان؛ فهذا هو الكَمال، وإن ضَعُفا جميعًا فهذا هو الهَلاك، وإن ضعُف أَحَدُهما دون الآخَر ففيه حَياة ومَوْت.\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط رقم (٨٧٩٦)، واللالكائي في اعتقاد أهل السنة رقم (١٦٨٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧٢٧)، من حديث عبادة بن الصامت -﵁-.","vol":"1","page":142},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>الآية (٢٤)</span>\n* قالَ اللَّه ﷿: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤].\n* * *\n\nقوله ﷾: ﴿نُمَتِّعُهُمْ﴾ يَعنِي: نَجعَلهم يَتَمتَّعون، يَأكُلون ما شاؤُوا، ويَلبَسون ما شاؤُوا، ويَركَبون ما شاؤُوا، ويَسكُنون ما شاؤُوا، ويَتنَعَّمون بكل نعيم الدنيا، ولكنَّ هذا قليل وقليل وقليل، يَقول الرسول ﵊: \"لمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكمْ فِي الجَنَّةِ خَير مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا\" (^١)، فمَوضِع السَّوْط خير من الدُّنْيا، وليسَت هي دُنياك التي أنت فيها فقط، بل من أوَّلهِا إلى آخِرها: \"مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا\".\nفهؤلاء -والعِياذُ باللَّه- يُمتَّعون قليلًا، وما أقلَّ الدنيا ومَتاعَها! كلُّ ما مضَى من الدنيا إلى ساعَتِك الحاضِرة كأنه لم يَكُن، كأنه أضغاث أحلام؛ يُعَمَّر الإنسان فيها ما يُعَمَّر، ومع ذلك يوم يَرَوْن ما يُوعَدون؛ قال تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ﴾ [يونس: ٤٥]، فيُمَتَّعون قليلًا.\nوالقِلَّة هنا باعتِبار نَوْع المَتاع، وباعتِبار زمَنه؛ فنَوْع المَتاع بالنِّسْبة لمَتاع الآخِرة قليل جِدًّا، وليس يُنسَب، قال ابن عباس -﵄-: \"لَيسَ في الدُّنْيا مِمَّا في الآخِرة\n_________\n(^١) أخرجه البخاري: كتاب الجهاد والسير، باب فضل رباط يوم في سبيل اللَّه، رقم (٢٨٩٢)، من حديث سهل بن سعد الساعدي -﵁-.","vol":"1","page":143},{"text":"إلَّا الأَسْماءُ\" (^١)؛ كذلك بالنسبة للزمَن، فالزمَن قليل جِدًّا، ولا يُنسَب أيضًا، يَعنِي: لا يُنسَب إلى زمَن الآخِرة الأَبَديِّ.\nوقد بيَّنَ اللَّه تعالى في آية أُخرى صِفة هذا التَّمتيعِ، وقال جلَّ ذِكْرُه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ﴾ [محمد: ١٢]، ثُمَّ النَّارُ مَثوًى لهم، هذا صِفة هذا التَّمتُّعِ، فهم شَهْوانيُّون ليس لهم إلَّا شَهْوة البَطْن وشَهْوة الفَرْج، كما تَفعَل الأنعام تمامًا.\nوقوله ﷾: ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾: ﴿ثُمَّ﴾ يَعنِي: بعد هذا التَّمتيعِ القليل نَضطرّهم في الآخِرة إلى عَذاب غَليظ، وهو عذاب النار، ولا يَجِدون عنه مَحيصًا، فقوله تعالى: ﴿نَضْطَرُّهُمْ﴾ يَعنِي: نُلجِئُهم، قال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ﴾ [النحل: ١١٥] يَعنِي: فمَنْ ألجئ، وأَصلُه مَأخوذ من الإِلجْاء إلى الضرَر؛ لأنَّ (نَضْطَرّ) أصلها (نَضْتَرُّ)، ولهذا كل شيء يُلجِئ الإنسانَ يُسمَّى ضَرورة، لأنه يُلجِئه إلى هذا الشيءِ.\nوقوله ﷾: ﴿نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾؛ لأنهم هم لا يُريدونه، فلا يُريدون النار، ولا يُريدون هذا العذابَ، لكنهم يُجبَرون عليه -والعِياذُ باللَّه-، لأنهم عمِلوا أَسبابه.\nوقول المُفَسِّر ﵀: [﴿نَضْطَرُّهُمْ﴾ في الآخِرة] المُراد بالآخِرة يوم القِيامة، ويَدخُل فيه القبر، ولهذا قال شيخ الإسلام ابنُ تيميَّةَ (^٢) ﵀ في العَقيدة الواسِطية:\n_________\n(^١) أخرجه الطبري في تفسيره (١/ ٤١٦)، وابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ٦٦)، وأبو نعيم في صفة الجنة رقم (١٢٤).\n(^٢) العقيدة الواسطية (ص ٩٥).","vol":"1","page":144},{"text":"\"وممَّا يَدخُل في الإيمان باليوم الآخِر كلُّ ما أَخبَرَ به النبيُّ -ﷺ- مِمَّا يَكون بعد الموت\"، كلُّه من اليوم الآخِر، فهم بعد هذا المَتاعِ يُلجَؤُون إلى العَذاب -والعِياذ باللَّه-.\nوقوله تعالى: ﴿نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ﴾ العَذاب: العُقوبة، و﴿غَلِيظٍ﴾ يَقول المُفَسِّر ﵀: إنه [عَذاب النار] وضِدُّ غَليظ: رقيق.\nوغِلَظ عذاب النار في كَيْفيته وفي نَوْعه -والعِياذُ باللَّه-:\nأمَّا الكيفيةُ؛ فإِنَّ اللَّه ﷾ يَقول: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦]، ويَقول فيما يُعذَّبون فيه: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧)﴾ [الإسراء: ٩٧]-والعِياذُ باللَّه تعالى-.\nأمَّا نَوْعه: فإنه لا يَخطُر بالبال ولا بالخَيال؛ فيُسْقَوْن ماءً حميمًا، فإذا ماتوا من العطَش واستَغاثوا وطلَبوا الغَوْث فإنهم يُغاثون: ﴿بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٩]، وهو الرَّصاص المُذاب -والعِياذُ باللَّه- ﴿يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف: ٢٩]، فإذا أَقبَل على الوجه شَوَى الوَجْه؛ وإذا نَزَل إلى الأمعاء: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥] وأحيانًا يُسقَوْن من ماء صديد: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: ١٧].\nفهذا العَذابُ -والعِياذ باللَّه- بأنواعه الشديدة العَظيمة، يَستَحِقُّ أن يُوصَف بأنه عَذاب غَليظ، ليس فيه رِقَّة ولا دِقَّة، بل هو غَليظ شديد.\nوقول المُفَسِّر: [وهو عَذاب النار ﴿وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾ [النساء: ١٢١]] قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾ هكذا في القُرآن، يَعنِي: لا يَجِدون مَفَرًّا","vol":"1","page":145},{"text":"﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ [الكهف: ٥٣]، بل إنهم -والعِياذُ باللَّه- يَأْتون إليها وِرْدًا عِطاشًا، وتُمَثَّل لهم كأنها سَراب ماء، والعَطْشان إذا رأَى الماء ولو كان سَرابًا يَظُنُّه ماءً لشِدَّة التِفاتِه إلى الماء، فيَرِدونها على هذا الوجهِ -والعياذُ باللَّه- ويَتَساقَطون فيها.\n\nمن فوائد الآية الكريمة:\nالْفَائِدَة الأُولَى: أن الكافِر قد يُمتَّع في الدنيا أَكثَرَ مِمَّا يُمتَّع المُؤمِن؛ لأنه تعالى قال: ﴿نُمَتِّعُهُمْ﴾ وهذا هو الواقِعُ؛ فإنَّ بعضَ الكُفَّار يَكون أَشَدَّ تمَتُّعًا في الدنيا من المُؤمِنين، ولكنه كما قال اللَّهُ ﷿: ﴿قَلِيلًا﴾.\nالْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن التَّمتيع في الدُّنْيا قليل في زمَنه ونَوْعه، أمَّا زمَنه فظاهِر؛ قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٤٦]، وقال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، وأمَّا نوعُه فقد قال النبيُّ ﵊: \"لمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكمْ مِنَ الجَنَّةِ خَيْم مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا\" (^١).\nالْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ عَذاب الكُفَّار عَذاب غَليظ، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾.\nالْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن الكُفَّار يُضطَرُّون ويَلْجؤون إلى دُخول هذا العذابِ؛ لقوله تعالى: ﴿نَضْطَرُّهُمْ﴾.\nواعلَمْ أنَّ هذا الاضطِرارَ يَكون عند خُروج الرُّوح، ويَكون كذلك في الآخِرة:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري: كتاب الجهاد والسير، باب فضل رباط يوم في سبيل اللَّه، رقم (٢٨٩٢)، من حديث سهل بن سعد الساعدي -﵁-.","vol":"1","page":146},{"text":"أمَّا عند خُروج الرُّوح فإنه قد ورَد في حَديث البَراء الطويلِ: \"أنَّهُ إِذَا حَضَرَ المَوْتُ إِلَى هَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ وَبُشِّرَتْ رُوحُهُ بِالْغَضَبِ مِنَ اللَّهِ ﷾ فَإِنَّهَا تَتَفَرَّقُ فِي بَدَنِهِ؛ تَتَشَبَّثُ فِيهِ، حَتَّى يَنتزِعُوهَا مِنَ الْبَدَنِ، كَمَا يُنْزَعُ السَّفّودُ مِنَ الصُّوفِ المَبْلُولِ\" (^١) يَعنِي: بشِدَّة.\nويَدُلُّ على ذلك قولُه تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ [الأنعام: ٩٣]، فقوله تعالى: ﴿أَخْرِجُوا﴾ يَدُلُّ هذا الأمرُ على أنهم كانوا أَشحَّاءَ في إِخْراجها؛ ثُمَّ قال ﷾: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُون. . .﴾ إلى آخِرِه؛ هذا مَعنَى قوله ﷾: ﴿نَضْطَرُّهُمْ﴾ أي: لا يَأْتون مخُتارِين مُنقادِين، وهذا واضِح.\nوقال ﷾ في الآخِرة: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣] يُدفَعون بعُنْف، حتى يَدخُلوها والعِياذُ باللَّه تعالى.\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد (٤/ ٢٨٧ - ٢٨٨).","vol":"1","page":147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>الآية (٢٥)</span>\n* قالَ اللَّه ﷿: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [لقمان: ٢٥].\n* * *\n\nيَقول المُفَسِّر ﵀: [﴿وَلَئِنْ﴾ لام قسَمٍ ﴿سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾] قوله ﷾: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ يَقول: [لام قَسَم]، مَقرون بـ (إِنِ) الشَّرْطية، حُذِف جَواب الشرط، وبَقِيَ جواب القَسَم؛ وهو ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، وقد قال ابنُ مالِك:\nوَاحْذِفْ لَدَى اجْتِماعِ شَرْط وَقَسَمْ ... جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمْ (^١)\nوقوله ﷾: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ يُحتَمَل أنه الرَّسول ﵊ أو مَن يَتَأتَّى خِطابه.\nوقوله ﷾: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ هذا هو صِيغة السُّؤال: مَن خلَق السمواتِ والأرضَ؟ خلَقها اللَّات أو العُزَّى أو مَناة أو هُبَل أَمْ مَنْ؟\nالجَوابُ: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ فهم يَعتَرِفون بأنَّ خالِق السمواتِ والأرضِ هو اللَّه ﷿.\n_________\n(^١) الألفية (ص ٥٩).","vol":"1","page":148},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ جَواب القسَم، قال المُفَسِّر: [حُذِف منه نون الرَّفع؛ لتَوالِي الأمثال، وهو الضمير لالتِقاء الساكِنَيْن] أصله: (لَيَقولُونَن)، هذا أصلُه؛ لأن هذا فِعْل مُضارع من الأفعال الخمسة، لا بُدَّ فيه من الواو والنون، فنَقول: ليَقولون. وإذا أَرَدْت أن تُؤكِّد المَعنَى: (ليَقولُونَنَّ)، فاجتَمَع عِندنا ثلاثُ نونات كلُّهن زائِدات، ونَفصِل بينهن بحُكْم، يَقول: إن حذَفْنا نون الرَّفْع بَقِيَت نونُ التوكيد، وإن حذَفْنا نون التوكيد بقِيَت نون الرَّفْع؛ فنَحذِف نون الرَّفْع لسبَبَيْن:\nالسبَب الأوَّل: أنَّ نون الرفع اعتِيدَ حَذْفُها، فيما إذا كان الفِعْل مَنصوبًا أو مَجزومًا، بل إنها قد تُحذَف في غير حالَي النَّصْب والجزْم، فتُحذَف للتَّخفيف، كما في قول الرسول -ﷺ-: \"وَاللَّهِ لَا تَدْخُلُوا الجَنَّةِ حَتَّى تُؤْمِنُوا\" (^١) \"لَا تَدْخُلُوا\" هذه ليس فيها لا ناصِبٌ ولا جازِمٌ، حُذِفَت للتخفيف، وأصله: (لا تَدْخُلونَ) حُذِفَت النون للتخفيف.\nالسبَب الثاني: أن النون تُحذَف مع الوِقاية كثيرًا؛ إِذَنْ فهي أحقُّ بالحذف، فتَبقَى نون التَّوْكيد؛ لأننا لو حذَفْنا نون التوكيد فات المَقصود، ونحن نُريد أن نُؤكِّد الفِعْل، وتوكيد الفِعْل هنا واجِب؛ لأنه مُثبَت، في قَسَم، مُستَقبَل، لم يُفصَل بين لامه وبين فِعْله؛ فيَكون تَوكيدُه واجِبًا.\nأمَّا الواو مع نون التَّوْكيد، الواو ساكِنة ونون التوكيد مُشدَّدَة، فالحرْف الأوَّل منها ساكِن، فاجتَمَع ساكِنان، ولا يُمكِن اجتِماع ساكِنَيْن؛ لأن السُّكون والحرَكة نَقيضان، فلا يُمكِن أن يَجتَمِع الشيء ساكِن وساكِن، فإذًا لا بُدَّ من أن نَعمَل عمَلًا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، رقم (٥٤)، من حديث أبي هريرة -﵁-.","vol":"1","page":149},{"text":"يُخرِجنا من اجتِماع الساكِنَيْن؛ فإن كان الحرف الذي قبل الساكِن صحيحًا كسَرْناه، إذا كان الحرف الصحيح الذي قبل الساكِن صحيحًا كسَرْناه، وإن كان الحرف غيرَ صحيح -حرف لين- فإننا نَحذِفه.\nقال ابنُ مالِكٍ ﵀:\nإِنْ سَاكِنَان الْتَقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ ... وَإِنْ يَكُنْ لَيْنًا فَحَذْفُهُ اسْتَحَقْ (^١)\nفهنا الساكِنُ الأوَّل الواو حَرْف لين؛ إذن نَحذِفه، فتَلتَقي اللامُ مع النون، (ليَقُولُنَّ).\nفصار عندنا في هذا الفِعْلِ حَذْفان: حَذْف النون؛ لتَوالي الأمثال، وحَذْف واو الرفْع؛ لالتِقاء الساكِنَيْن، وعلى هذا يَقول المُفَسِّر ﵀: [حُذِف منه نونُ الرَّفْع؛ لتَوالِي الأمثال، وواوُ الضَّمير؛ لالتِقاء الساكِنَيْن].\nإعراب قوله تعالى: ﴿اللَّهُ﴾ في ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ فاعِل لفِعْل مَحذوف، والتَّقدير: (خلَقَهُنَّ اللَّه)، ويَدُل لذلك قولُه تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٩] ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ﴾ فذكَر اللَّه تعالى الفِعْل، أمَّا هنا فالمَحذوف الفِعْل، ويَصِحُّ أن نَقول: إن المَحذوف اسمٌ، التَّقدير (هو اللَّه)، لكِنْ خِلاف الأَوْلى؛ لأن السؤال مُعاد في الجواب، والسؤال بلَفْظ الفِعْل: مَنْ خلَق؟ فتقتَضِي أن يَكون الجَواب كالسُّؤال؛ بالفِعْل: خلَقَهن.\nقوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: ﴿قُلِ﴾ يَعنِي: إذا أَقرُّوا واعتَرَفوا.\nوقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: ﴿الْحَمْدُ﴾ مُبتَدَأ، و﴿لِلَّهِ﴾ خبَره، فالحمد للَّه تعالى\n_________\n(^١) ذكره الصبان في حاشيته على شرح الأشموني (١/ ١٣٤).","vol":"1","page":150},{"text":"على بيان الحُجَّة، وظُهور المَحجَّة، فالآنَ هُمُ اعتَرَفوا بأنهم على ضَلال في شِرْكهم، فالحَمْد للَّه ﷾ هنا على بَيان الحُجَّة وإظهارها، لأنهم خُصِموا في ذلك؛ فإنهم إذا أَقَرُّوا واعتَرَفوا أن خالِق السموات والأرض هو اللَّه تعالى، وأن هذه الأَصنامَ لا تَخلُقُ، فقَدْ أَقَرّوا على أنفسهم بأنَّ هذه الأصنامَ لا تَستَحِقُّ العِبادة؛ ولهذا: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾.\nكما يُمكِن أن نَقول مع ذلك: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على خَلْق السَّموات والأرض، أي: أنه يُحمَد على أنه الخالِقُ ﷿ دون غيره، فيُحمَد على ما له من صِفات الكَمال، ومن جميل الأفعال.\nيَقول المُفَسِّر ﵀: [﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على ظُهور الحُجَّة عليهم]، الحَمْد تَقدَّم لنا مِرارًا وتَكرارًا بأنه وَصْف المَحمود بالكَمال، مع المَحبَّة والتَّعظيم، واللَّام في قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ﴾ للاستِحْقاق والاختِصاص، للاستِحْقاق؛ لأنه هو المُستَحِقّ للحَمْد، كما قال النبيُّ ﵊: \"أَهْلَ الثَناءِ وَالمَجْدِ\" (^١)، وللاختِصاص؛ لأن الذي يَستَحِقُّ الحمد المُطلَق هو اللَّه ﷿.\nوقوله تعالى: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ بل هنا للإِضراب الانتِقاليِّ، فهو انتِقال مِمَّا سبَق للتَّسجيل عليهم بالجَهْل التامِّ، ولهذا قال المُفَسِّر ﵀: [﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وجوبَه عليهم]؛ يَعنِي: التَّوْحيد، وإنما نَفَى العِلْم عنهم، لانتِفاء فائِدته، والشيء قد يُنفَى لانتِفاء فائِدَته، قال اللَّه ﷾: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا﴾ يَسمَعون باَذانهم، ﴿وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢١] نفَى السَّمْع عنهم؛\n_________\n(^١) أخرجه مسلم: كتاب الصلاة، باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع، رقم (٤٧٨)، من حديث ابن عباس -﵄-.","vol":"1","page":151},{"text":"لانتِفاء فائِدته بالنِّسبة إليهم، ففي قوله ﷾: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ نفَى العِلْم عنهم، وإن كانوا يُقِرُّون بأن اللَّه تعالى هو الخالِق، لكنهم لم يَنتَفِعوا بهذا العِلْمِ، وعالم لم يَنتَفِع أشَدُّ قُبْحًا من جاهِل لا يَدرِي؛ لأنه جاهِل مُركَّب، وذاك جاهِل بسيط، ولأنه مُعَانِدٌ مُسْتكبِر، والآخَرُ غير مُعانِد، فالجهْل المُركَّب أَشَدُّ قبحًا، والعِناد عن عِلْم أشَدُّ من العِناد عن جَهْل، يَقول الشاعِرُ بيتين:\nوَمَنْ رَامَ الْعُلُومَ بِغَيْرِ شَيْخٍ ... يَضِلُّ عَنِ الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ\nوَتَلْتَبِسُ الْعُلُومُ عَلَيْهِ حَتَّى ... يَكُونَ أَضَلَّ مِنْ تَوْمَا الحَكِيمِ (^١)\n(تُومَا) جاهِل مُركَّب يُسمُّونه الحَكيمَ، لكنه غرَّه أنهم سمَّوْه الحكيمَ، وبدَأَ يُفتِي في كل شيء، حتى أَفتَى بأنه مَن تَصدَّق على إنسان بابنَتِه فإنه يَدخُل الجنَّة، فقيل:\nتَصَدَّقَ بِالْبَنَاتِ عَلَى رِجَالٍ ... يُرِيدُ بِذَاكَ جَنَّاتِ النَّعِيمِ!\nفلو قال قائِل: ما الفَرْقُ بين الجهْل المُركَّب والجَهْل البَسيط؟\nفالجَوابُ: الجهْل المُركَّب والبَسيط نَظْمُه في البَيْتَيْن الآتِيَيْن:\nقَالَ حِمَارُ الحَكِيمِ تُومَا ... لَوْ أَنْصَفَ الدَّهْرُ كُنْتُ أَرْكَبْ\nلِأَنَّنِي جَاهِلٌ بَسِيطٌ ... وَصَاحِبِي جَاهِلٌ مُرَكَّبْ (^٢)\n_________\n(^١) ذكرهما ابن مفلح في الآداب الشرعية (٢/ ١٢٥)، وعزاهما لأبي حيان النحوي، وانظر: نفح الطيب للتلمساني (٢/ ٥٦٤).\n(^٢) غير منسوب، وانظره في: نهاية الأرب للنويري (١٠/ ١٠٠)، والآداب الشرعية (٢/ ١٢٦)، وزهر الأكم للحسن اليوسي (١/ ١٩٨).","vol":"1","page":152},{"text":"فالحِمار يَقول: إني جاهِل بَسيط، وصاحِبه الذي هو تُوما جاهِل مُركَّب، فالجاهِل هو الذي لا يَدرِي أنه جاهِل، هذا مُركَّب، والبَسيط هو الجاهِل الذي يَعلَم أنه جاهِل.\nويَتَّضِح بالمِثال: إذا قال لك قائِل: متى كانت غَزوةُ بَدْر؟ فقلتَ: لا أَدرِي، نُسمِّي هذا جاهِلًا بَسيطًا، فإنسانٌ لا يَعرِف وعرِف أنه لا يَعرِف، وقال: لا أَعرِف. وقال رجُل لآخَرَ: متى كانت غَزوةُ بَدْر؟ قال: الحمد للَّه الذي فتَحَ على الجاهِلين، كانت غَزوةُ بَدْر في جُمادَى الآخِرة سَنَةَ تِسْع من الهِجْرة؛ فالآنَ هو جاهِل وهو لا يَدرِي أنه جاهِل؛ ولهذا استَفْتَح بقوله: الحمدُ للَّه الذي فتَحَ على الجاهِلين، فيُقال: أنت لم يَفتَحِ اللَّه عليك! لأنك جاهِل.\nومعنى مُركَّب أنه مُركَّب من جَهْلَيْن؛ جهلِه بالواقِع، وجهلِه بحاله.\n\nمن فوائد الآية الكريمة:\nالْفَائِدَة الأُولَى: أن فيها دَليلًا على أنَّ المُشرِكين في عهد الرسول ﵊ يُقِرُّون برُبوبية اللَّه تعالى، لقوله تعالى: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾.\nالْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ هذا التَّوْحيدَ -تَوحيدَ الربوبية- لا يَنفَع مَن أَقَرَّ به فقَطْ؛ لأن هؤلاءِ المُشرِكين لم يَنتَفِعوا بهذا الإقرارِ، بَلْ لا بُدَّ من أن يُضاف إليه تَوْحيد الأُلوهية والأسماء والصِّفات.\nالْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثبات أن خالِق السمَواتِ والأرضِ هو اللَّه ﷿.\nفإن قال قائِل: هل المَخلوق يَخلُق؟\nقُلْنا: لا، المَخلوق لا يُمكِن أن يَخلُق، وخَلْق المَخلوق إنما هو تَحويل شيءٍ إلى","vol":"1","page":153},{"text":"شيءٍ، فيَجعَل الخشَبَ بابًا، ويَجعَل المَدَر بيتًا، وما أَشبَهَ ذلك، ولكن لا يَخلُق خشَبةً ليَجعَلها بابًا، ولا يَخلُق مَدَرًا كي يَجعَله بيتًا؛ فكُلُّ ما في الإنسان من مَصنوعات ومُبتَكَرات ومُبتَدَعات إنما هو تَغيير وتَحويل من شيء إلى شيء، أمَّا إيجاد ذواتِ الأشياء فهو إلى اللَّه ﷿؛ ولهذا يَتبَيَّن مَعنَى قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ وإلَّا فالإنسان يَخلُق، لكن خَلْقه ليس مَعناهُ: إبداعًا وإيجادًا بعد عدَم، ولكن -كما أَقولُه وأُكرِّره حتى يَتبَيَّن لكم- مَعنَى قولِه ﵎: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، فأَثبَت أنَّ مع اللَّه تعالى خَلْقًا، لكنَّ هذا الخَلْقَ ليس خَلْقَ إيجاد، ولكنه خَلْق تَحويل وتَغيير لبعض الأَشْياء، حسَب ما أَعطاه اللَّه ﵎ من قُدْرة عِلْمية وبدَنية.\nالْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إثبات أنَّ السماءَ مُتعدِّدة؛ لقوله تعالى: ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ وقد بُيِّن في آية أُخرى أنَّ عدَدها سَبْع: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٦ - ٨٧].\nالْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن اعتِراف الإنسان بالحَقِّ ممَّا يُحمَد اللَّه تعالى عليه؛ لقوله للرسول ﵊: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ لأنه لا شَك أنَّ إقرار الإنسان واعتِرافه بالحَقِّ إظهار للحُجَّة، وإذا ظَهَرتِ الحُجَّة كان في ذلك من الثناء على اللَّه ﷾ ما هو أَهْل له ﷾.\nالْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ أكثَرَ هَؤلاء المُعانِدين والمُشرِكين كانوا لا يَعلَمون: إمَّا للجَهْل، وإمَّا لعَدَم الانتِفاع بعِلْمهم؛ لقوله تعالى: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\nالْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّه يَنبَغي تَأكيد الكلام في مَوْضِع التأكيد؛ لأنه قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾، ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ فأَكَد اللَّه ﷿ أنهم سيَقولون ذلك؛ لئَلَّا يَقول قائِل:","vol":"1","page":154},{"text":"هل هَؤلاء يُقِرُّون بتَوْحيد الرُّبوبية أو لا يُقِرُّون، فبَيَّن اللَّه تعالى أنهم يُقِرُّون به وأَكَّد ذلك، حتى لا يُقال: كيف يُقِرُّون بتَوْحيد الرُّبوبية ثُمَّ يُنكِرون تَوْحيد الأُلوهية؟ !\n* * *","vol":"1","page":155},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>الآية (٢٦)</span>\n* قالَ اللَّه ﷿: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [لقمان: ٢٦].\n* * *\n\nقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الجُمْلة هنا خبَرِيَّة وفيها حَصْر، وطريقه تَقديمُ الخَبَر؛ لأنَّ تَقديمَ ما حَقُّه التَّأخير يُفيد الحَصْر، فـ ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ يَعنِي: لا لغيرِه، بل هو له وحدَه ﷾.\nوقوله تعالى: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ أي: ما كان فيها، ﴿وَالْأَرْضِ﴾ كذلك، وأَتَى بـ (ما) التي لغير العاقِل؛ لأنه يُراد بها مِلْك الذَّوات والصِّفات، وإذا أُريد بها مِلْك الذوات والصِّفات أُتِيَ بـ (ما)؛ لأنَّها أَكثَرُ؛ فإن كلَّ ذاتٍ لها صِفة، وأيضًا ليس كلُّ الذوات عاقِلة، بل الدوابُّ والبَهائِمُ وشَبَهها من قَسْم غير العاقِل.\nوقوله ﷾: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [مِلْكًا وخَلْقًا وعَبيدًا] والمِلْك يَشمَل مِلْك الذوات، والتَّصرُّف في هذه الذواتِ؛ ولهذا قال: [وعَبيدًا] والمُراد بالعُبودية هنا العُبُودِية العامَّة دون الخاصَّة؛ لأنَّ العُبودية الخاصَّة تَختَصُّ بالطائِعين الذين تَذلَّلوا للَّه ﷾ طاعة بالمَعنَى الشَّرْعي، وأمَّا العِبادة العامَّة فهي تَشمَل كل الخَلْق؛ لأنَّ جميع الخَلْق مُتذلِّل للَّه ﷾ باعتِبار الكَوْن.","vol":"1","page":156},{"text":"والتَّقديرُ: لا أحَدَ يَستَطيع أن يُعارِض قَضاء اللَّه تعالى وقَدْره؛ لكن الكُفَّار يَستَطيعون أن يُعارِضوا شَرْع اللَّه تعالى؛ ولهذا عارَضوا وأَنكَروا الشَّرْع واستكْبَروا عن الحقِّ.\nقال المفسر ﵀: [فلا يَستَحِقُّ العِبادة فيهما غيرُه] في السَّموات والأرض لا يَستَحِقُّ العِبادة إلَّا اللَّه تعالى؛ لأنه بمُقتَضى العَقْل والفِطْرة: أنَّ المالِك الخالِق المُدبِّر يَجِب أن يَكون هو المَعبودَ؛ ولهذا يَستَدِلُّ اللَّه ﷾ على وُجوب العِبادة بالرُّبوبية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١]، وتَقدَّم قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، وهذا ظاهِر أنَّ مَن له الخَلْق يَجِب أن تَكون له العِبادة وحدَه.\nقال ﵀: [﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ عن خَلْقه ﴿الْحَمِيدُ﴾ المَحمود في صُنْعه] الجُمْلة هنا استِئْنافية؛ لبَيان ما للَّه ﷿ من هَذَيْن الاسمَيْن، وما تَضمَّناه من الصِّفة؛ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ﴾ الضَّمير ضَمير فَصْل، ولضَمير الفَصْل ثلاثُ فَوائِدَ:\nالفائِدةُ الأُولى: التَّوكيدُ.\nوالثانيةُ: الحَصْر.\nوالثالِثة: التَّمييز بين الخبَر والصِّفة.\nفإذا قُلْت: زيدٌ الفاضِل. فـ (زَيْد) مُبتَدَأ، و(الفاضِل) يُحتَمَل أن تَكون صِفة لـ (زَيْد)، وأنَّ الخبَر لم يَأتِ بعدُ، وأن التَّقدير: زَيْدٌ الفاضِل مَحبوبٌ مثلًا، فإذا قلت: زَيْد هو الفاضِل. لا يُحتَمَل أن يَكون صِفة، بل يَكون خبَرًا؛ ولهذا سُمِّيَ ضَميرَ فَصْل.","vol":"1","page":157},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [عن خَلْقه] وهو كذلِكَ: غَنِيٌّ في نَفْسه غَنِيٌّ عن غيره؛ فهو غَنِيٌّ في نَفْسه؛ لكَثْرة ما عِنده، لأن كل شيء فهو للَّه ﷾، وهذا تَمام الغِنى، وهو غَنيٌّ عن خَلْقه؛ فلا يَحتاج إلى أحَد؛ والدليل قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧].\nأمَّا مَن سِواه فإنه مُفتَقِر إلى اللَّه ﷿ قبل كلِّ شَيْء، ثُمَّ إن الناسَ بعضهم مُفتَقِر إلى بعض، كما قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: ٣٢]؛ فالناس بعضُهم إلى بَعضٍ في حاجة، بل في ضَرورة أحيانًا، والجميع إلى اللَّه تعالى في حاجة وضَرورة.\nأمَّا الرَّبُّ ﷿ فإنه في غِنًى عن غيره، كما أنه غَنِيٌّ بنَفْسه أيضًا.\nإِذَن: غِناه يَتَضمَّن شَيْئين: الغِنَى الذاتي، بمَعنى: كَثْرة ما يَملِكه ﷾ إذ كلُّ شيء فهو مِلْكه، الثاني: الغِنَى عن الغير، بحيثُ لا يَحتاج إلى أحَد، وغيره مُحتاج إليه.\nوقوله تعالى: ﴿الْحَمِيدُ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [المَحمود في صُنْعه] فقَصَّر في التَّقْدير من وَجْهين:\nالأوَّل: قال الحميد بمَعنَى: المَحمود، والصحيح: أنها بمَعنَى: المَحمود والحامِد، فهو ﷾ حامِدٌ مَن يَستَحِقُّ الحمد، وما أَكثَرَ الثَّناء على مَن يَستَحِقُّون الثَّناء في كتاب اللَّه ﷾، وهو كذلك محَمود على كَمال صِفاته وتمَام إنعامه، فيُحمَد على أمرين: على كَمال صِفاته، وعلى تَمام إِنْعامه.\nالوجهُ الثاني ممَّا قصَّر فيه المُفَسِّر ﵀: أنه قال: [المَحمود في صُنْعه].","vol":"1","page":158},{"text":"والصوابُ: أنه مَحمود في صُنْعه وفي شَرْعه أيضًا؛ فإن شَرْعه ﷿ أكمَلُ الشَّرائع وأَنفَعُها للعِباد، ومَن سنَّ للخَلْق طريقًا تَستَقيم به أُمورهم فهو أهلٌ للحَمْد؛ فالآنَ لو أنَّ أحَدًا دلَّك على طريق بلد في سَفْرة واحِدة من سفراتك فإنك تَحمَده؛ فكيف بمَن دلَّكَ على طريق الآخِرة في كلِّ ما تَحتاج إليه؟ !\nفالصَّوابُ: أنَّ حَميد بمَعنَى حامِد ومَحمود، وحَميد في صُنْعه وفي شَرْعِهِ؛ فصُنْعه الذي هو الخَلْق يُحمَد عليه ﷿ على إيجاده، وعلى إعداده وعلى إِمْداده، وهو أيضًا حَميد في شَرْعه، يُحمَد عليه؛ لمَا في شَرْعه من العَدْل والحِكْمة والرحمة التي لا نَظيرَ لها.\nوما أعظَمَ الفائِدةَ في اقتِران الحميد بالغَنيِّ! لأنه -كما تَقدَّم- أسماء اللَّهِ تعالى كلُّها حُسنَى، وتَدُلُّ على مَعنًى أَحسَنَ؛ لكن قد يَدُلُّ الاسْمان على صِفة ثالِثة حصَلَت باقتِرانهما؛ فالغِنَى مع الحَمْد يَزداد كَمالًا، لأنه قد يَكون الغَنيُّ غنِيًّا، ولكن غِنًى لا يُحمَد عليه، مِثل البَخيل الغَنيِّ، فإنه غَنيٌّ لكن لا يُحمَد على غِناه؛ لأنه لا يُستَفاد من ماله، وقد حرَم نَفْسه من مَصلحة ماله، لكن اللَّه ﷿ له الغِنَى المُقتَرِن بالحَمْد؛ لكمال إِحْسانه على خَلْقه من هذا الغِنَى؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾.\n\nمن فوائد الآية الكريمة:\nالْفَائِدَة الأُولَى: أن مُلْك السَّمَوات للَّه تعالى، وأنه خاصٌّ به، يُؤخَذ من تَقديم الخبَر؛ لأنَّ تَقديم ما حَقُّه التَّأخيرُ يُفيد الحَصْر والاختِصاص.\nالْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ الناس لا يَمْلِكُون أموالهم مِلْكًا مُطلَقًا؛ فمثَلًا: أنا أَملِك بَيْتي وسيَّارتي. وما أَشبَه ذلك، لكن مِلْكي لها ليس مُطلَقًا؛ لأنَّ المِلْك المُطلَق للَّه ﷿؛","vol":"1","page":159},{"text":"ولهذا تَصرُّفي فيها على حسَب ما أَذِن اللَّه تعالى به، ما هو على حسَب ما أُريدُ أنا، وبهذا يَزول الإشكالُ الَّذي يُورَد فيُقال: إذا قُلْتم: إن مِلْك السمَوات والأرض خاصٌّ باللَّه تعالى، أَليْس اللَّه ﷾ قد أَضاف المِلْك إلى الإنسان: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣].\nإِذَنْ: فهذا المِلْكُ ليس مِلْكًا مُطلَقًا بدليل أنه مُقيَّد بإِذْنِ اللَّه تعالى بما أَذِن اللَّهُ تعالى فيه.\nالْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثبات اسمَيْن من أسماء اللَّه تعالى، وهُما: الغَنيُّ والحميد. وما دلَّا عليه من الصِّفة، وهي: الغَناء والحَمْد. وما دلَّ عليه اجتِماعُهما من الصِّفة أيضًا، وهو أنَّ غِنَى اللَّه ﷾ مَقرون بكَوْنه محَمودًا، فيَدُلُّ على أنه غِنًى ذاتِيٌّ، وأنه ﷾ مع كونه غَنيًّا جَوَادٌ يَجود بما عِندَه، إذ ليس كل غَنيٍّ حَميدًا.\nالْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: بَيان أنَّ مِلْك اللَّه للسمَوات والأرض مِلْكٌ مُشتَمِل على الفَضْل والحَمْد؛ لأنه ذكَرَه بعد قولِه تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ﴾، فكونه غَنيًّا يُتمَدَّح ﷾ بغِناه بعد ذِكْر مِلْك السمَوات والأرض؛ يَدُلُّ على فَضْله بهذا الغِنَى، وعلى حَمْده على هذا المِلْكِ، أنه مِلْك مَبنيٌّ على الحَمْد، وهذا كقوله ﷾: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] حَمِد نَفْسه لكونه ربًّا للعالمَين؛ لأن رُبوبيته ﷾ رُبوبية يُحمَد عليها، لما فيها من كَمال الفَضْل والإحسان والعَدْل إلى غير ذلك.\nالْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: افتِقار ما في السمَوات والأرض إلى اللَّه؛ لأنَّ قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ دليل على أن ما في السمَوات والأرض محُتاجون إليه فُقراءُ، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥].","vol":"1","page":160},{"text":"الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: إثبات أنَّ السمَواتِ جَمْع، وعدَدُها سَبْع، تُؤخَذ من قوله تعالى: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ أمَّا تَعيين العَدَد بالسَّبْع؛ فمِن آياتٍ أُخرى.\n* * *","vol":"1","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>الآية (٢٧)</span>\n* قالَ اللَّه ﷿: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان: ٢٧].\n* * *\n\n﴿وَلَوْ﴾ هذه شَرْطية، وفِعْل الشَّرْط مَحذوف؛ أي: ولو ثبَت أن ما في الأَرْض من شجَرة. . إلى آخِره، و(ما) اسمٌ مَوْصول بمَعنَى: الذي، و﴿فِي الْأَرْضِ﴾ جارٌّ ومجَرور مُتعَلِّق بمَحذوف صِلة المَوْصول، يَعنِي: ولو أنَّ الذي استَقَرَّ في الأرض، و﴿مِنْ شَجَرَةٍ﴾ جارٌّ ومجَرور بيانٌ لـ (ما) الاسْمِ المَوْصول؛ لأن الاسمَ المَوْصول مُبهَم يَحتاج إلى بيانٍ؛ فـ ﴿مِنْ شَجَرَةٍ﴾ بيانٌ له؛ يَعنِي: لو أن الذي في الأَرْض من الشجَر.\nوقوله تعالى: ﴿أَقْلَامٌ﴾ خبَر (أن)، يَعنِي: ولو أنَّ الذي في الأرض من الأشجار كان أقلامًا هذا المَعنَى، كان أقلامًا يُكتَب بها، (والبَحْرَ) يَقول المُفَسِّر ﵀: [عطف على اسم (أنَّ)]، وفي قِراءة: ﴿وَالْبَحْرُ﴾ وهي المَوْجودة في المُصحَف، لكن المُفَسِّر ﵀ هنا قال: مَنْصوبة. قال: [عطف على اسْمِ (أنَّ)]، ﴿وَالْبَحْرُ﴾ إذا كانت بالرَّفْع فهي مُبتَدَأ، قال ابنُ مالِك ﵀ (^١):\nوَجَائِزٌ رَفْعُكَ مَعْطُوْفًا عَلَى ... مَنْصُوبِ إِنَّ بَعْدَ أَنْ تَسْتكْمِلَا\nوَأُلْحِقَتْ بِإِنَّ لكِنَّ وَأَنْ ... . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n(^١) الألفية (ص: ٢٢).","vol":"1","page":162},{"text":"وهذه (أن).\nقال ﵀: [(والبَحْرَ) عطف على اسم (أنَّ)]، فتكون بالنَّصْب.\nوقوله تعالى: ﴿يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ الخبَر مَحذوف قدَّرَه المُفَسِّر ﵀ بقوله: [مِدادًا] يَعني: لو أن ما في الأرض من الأشجار أقلامٌ، وما فيها من البِحار مِدادٌ، يَعنِي: حِبرًا يُكتَب به، وجوابُ الشَّرْط قوله تعالى: ﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ المُعبَّر بها عن مَعلومات. . . إلى آخِره.\nقوله ﷾: ﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾: (نفِد) مَعناه: انتَهَى، و﴿كَلِمَاتُ﴾ فاعِل؛ فـ ﴿نَفِدَتْ﴾ الكَوْنية، وأمَّا الشَّرْعية فلا تَنفَد؛ لأنه ﷿ لم يَزَل ولا يَزال مُتكَلِّمًا، والخَلْق لا نِهايةَ له؛ لأنَّه إذا دخَل الناس الجَنَّة أو النار يَكون خُلودًا دائِمًا سَرْمَديًّا أبدِيًّا.\nفإِذَن: كل شيء يَخلُقه اللَّه تعالى فإنما يَخلُقه بالكلِمة: (كُنْ فيَكون).\nفإذا كانَتِ المَخلوقاتِ لا تَنتَهي، وكذلك أيضًا أفعال اللَّه ﷾ في الأزَل لا نِهايةَ لها، فإنها لا يُمكِن أن تَنفَد أبَدًا، حتى لو فُرِض أنَّ البَحْر ومِن بعده سَبْعةُ أَبحُرٍ تَمُدُّه، والشجَر -كل الشجَر الذي في الأرض- أَقْلام وصار يُكتَب بها، فإن كلِماتِ اللَّه تعالى لا تَنفَد.\nووجهُ ذلك واضِح؛ لأن المَخلوقاتِ لا تَنفَد، وكلُّ مخَلوق فإنه يَكون بالكلِمة؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢].\nإِذَنْ: يَتبيَّن لنا وَجْه كَوْن هذه الجُمْلةِ الخبَرِية صِدْقًا محَضًا، وهي صِدْق لا شَكَّ، فخبَرُ اللَّه تعالى صِدْق.","vol":"1","page":163},{"text":"لكن قد يَقول قائِل: كيف؟ وما وجهُ هذا؟\nفنَقول: هذا وجهُه؛ إذ إن الإنسان قد يَستَعظِم أن تَكون البِحار -البحر المُحيط ومن ورائِه سَبْعة أَبحُر- مِدادًا، وما في الأرض من الشجَر أقلامًا يُكتَب بها ثُمَّ لا تَنفَد الكلماتُ، قد يَستَعظِم هذا الشيءَ، ولكنه إذا عرَف كَمال قُدْرة اللَّه ﷾ وعظَمته لم يَستَعظِم هذا.\nوقوله ﷾: ﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [المُعبَّر بها عن مَعلوماته بكَتْبها بتِلْك الأَقْلام بذلك المِدادِ، ولا بأَكثَرَ من ذلك، لأنَّ مَعلوماتِه تعالى غير مُتَناهِية]، عفا اللَّه عن المُفَسِّر ﵀، هذا تَحريف! فقد عَبَّر بقوله: إن المُراد بالكَلِمات المعلوماتُ، مَعلوماتُ اللَّه تعالى. يَعنِي: ما نَفِد لا يَعلِمه.\nلكن هذا تَحريف ظاهِر للقُرآن، فاللَّه ﷾ يَقول: ﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ﴾ والكلِمات هي التي تُكتَب، أمَّا المَعلوماتُ فقَدْ تُكتَب وقد لا تُكتَب، فهل كل المَعلومات تَكتُبها؟ ! لكِنَّ كلِماتِك إذا أَرَدْتَ أن تُعبِّر عنها للغَيْر تَنطِق بها وتَكتُبها.\nفالمَعنَى: ما نفِدَت كلماتُ اللَّه تعالى، أي: كلِماته بالحَقِّ حقيقة، يَعنِي: الكلِمات الحقيقية لو أُمِليت على أحَدٍ، وصارت البِحَارُ مِدَادًا لها، والأشجار أقلامًا لها، ما نفِدَتْ. ووجهُ ذلك ظاهِرٌ، وهذا يَدُلُّ على عظَمة اللَّه ﷿ وكَمال قُدْرته.\nقال ﵀: [﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ لا يُعجِزه شيء، ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يَخرُج شيءٌ عن عِلْمه وحِكْمته].\nقوله ﷾: ﴿عَزِيزٌ﴾ يَقول: [لا يُعجِزه شيء] وأحيانا يُعبِّر المُفَسِّر نَفْسه، يَقول: عزيزٌ لا يَغلِبه شيءٌ. وذلك لأنَّ العِزَّة -كما سبَق- تَنقَسِم إلى ثلاثة أقسام:","vol":"1","page":164},{"text":"عِزَّة القدَر، والثاني: عِزَّة القَهْر وهي الغلَبة، والثالِث: عِزَّة الامتِناع، وهي: أنه ﷿ لا يَناله شيء بسُوء أبَدًا، فهو مُمتَنِع عن كل سُوء لِقُوَّته ﷾.\nوأمَّا قوله تعالى: ﴿حَكِيمٌ﴾ فهو هنا قال: [لا يَخرُج شيء عن عِلْمه وحِكْمته] ففَسَّر الحِكْمة بالعِلْم، وقد سبَقَ لنا أن الحكيم مُشتَقَّة من الحُكْم والحِكْمة؛ فهو حَكيم لا يَخرُج عن مُلكِه شيء وحُكْمِه، وحَكيم لا يَخرُج عن حِكْمته شيء، إذَنْ هو حاكِم محُكَم، كلها تُؤخَذ من كلِمة حَكيم.\nوفي قَرْن العَزيز بالحَكيم إثباتُ صِفة ثالِثة غير العِزَّة والحِكْمة، وهي: أن عِزَّته ﷿ مَقرونة بحِكْمة، فتكون عِزَّةً أكمَلَ، وتَكون حِكْمةً أكمَلَ، وذلك أن العزيزَ من الخَلْق قد تَأخُذه العِزَّة بالإِثْم، فلا يَكون حَكيمًا في تَصرُّفه، لكن اللَّه ﷿ عِزَّته مَقرونة بالحِكْمة، لا يُمكِن أن تَخْرُج أفعاله عن الحِكْمة التي هي مُوافَقة الصَّواب.\n\nمن فوائد الآية الكريمة:\nالْفَائِدَة الأُولَى: أن اللَّه ﷾ يَتكَلَّم؛ لقوله تعالى: ﴿كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾.\nالْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: قال بعضُهم: إنَّ كلماتِه تعالى مَسموعة؛ لأنها تُكتَب، ولا يُكتَب إلَّا ما كان مَسموعًا.\nوهذه الفائِدةُ فيها نظَر؛ لأنه يُمكِن أن تَكتُب الشيءَ مجُرَّد كِتابة؛ يَعنِي: أن الإنسان يُمكِن أن يَكتُب كلِماتِه هو دون أن يُسمِع غيرَه.\nإِذَنْ: هذه الفائِدةُ فيها نظَرٌ، لكن يُؤخَذ من إثبات أن اللَّه ﷾ يَتكلَّم بصَوْت: أنَّ الكَلام لا يُسمَّى كلامًا إلَّا حيث يَكون صوتًا، أمَّا مجُرَّد ما في النَّفْس فليس بكَلام.","vol":"1","page":165},{"text":"الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: بَيان أنَّ كلِماتِ اللَّه ﷾ لا نَفادَ لها، تُؤخَذ من قوله تعالى: ﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ ووجهُ ذلك ما تَقدَّم في التَّفسير: أنَّ اللَّه تعالى لم يَزَل ولا يَزال خَلَّاقًا، فعَّالًا لما يُريد، ومن لازِمِ ذلك أن يَكون مُتكَلِّمًا؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢].\nالْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: تمَامُ قُدْرة اللَّه ﷿ حيثُ كان قادِرًا على كلام لا يَنفَد.\nالْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إثباتُ العِزَّة والحِكْمة؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ وإثباتُ الحُكْم أيضًا من قوله تعالى: ﴿حَكِيمٌ﴾، وإثبات هَذَيْن الاسمَيْن عَزيز وحَكيم.\nالْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: ما دَلَّ عليه اجتِماع العِزَّة والحِكْمة من صِفة الكَمال، قُلْنا: إن الاسم قد يَكون له مَعنًى في ذاتِه، ومَعنًى باجتِماعه إلى غيره؛ فاجتِماع العِزَّة مع الحِكْمة يُفيد كَمالًا أكثَرَ ممَّا لوِ انفَرَدَتِ العِزَّة أو الحِكْمة، وهو أنَّ عِزَّة اللَّه ﷾ مَربوطة بالحِكْمة.\n* * *","vol":"1","page":166},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>الآية (٢٨)</span>\n* قالَ اللَّه ﷿: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٨].\n* * *\n\nثُمَّ قال ﷾ مُبيِّنًا كَمال قُدْرته بعد أن بَيَّن عُموم مِلْكه، وكمال كلِماته قال: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ خَلْقًا وبَعْثًا، لأنه بكلِمة (كُنْ) فيَكون؛ لأنه يَعلَم الخَلْق والبَعْث؛ فما خَلْقكم جميعًا إلَّا كنَفْسٍ واحِدة، وما بَعثُكم جميعًا إلَّا كنَفْسٍ واحِدة.\nإِذَنِ: الكَثْرة لا تُعجِز اللَّه ﷾، لأنَّ الكَثْرة عِنده والقِلَّة على حَدٍّ سَواءٍ، إذِ الكُلُّ تَتَعلَّق به القُدرةُ، وهذا كلُّه سَهْل عليه، لأنه يَكون بكلِمة (كُنْ) فاللَّه ﷿ لمَّا خَلَق السمواتِ والأرضَ لم يَحتَجْ إلى عمال وعوامِلَ، ولهذا يُقال: إذا كان البِناء واسِعًا كان أشَقَّ، وإذا كان ضَيِّقًا كان أهوَنَ، لكن عند اللَّه تعالى فلا؛ إنما هو بكلِمة (كُنْ)، وما كان بكلِمة (كُنْ)، فلا فَرْقَ بين أن يَكون كثيرًا، أو قليلًا، ولهذا قال اللَّه ﷿ في آية أُخرَى: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النحل: ٧٧]، يَعنِي: بل هو أَقرَبُ من لمَحِ البصَر، وقال ﷾: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠]، وهذا غاية ما يَكون من السُّرْعة والإنجاز. وقال ﷾: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٣ - ١٤]، فكُلُّ هذا يَدُلُّ على","vol":"1","page":167},{"text":"كَمال قُدْرته ﷿.\nوالجَوابُ عمَّا يُورَد على المَرءِ: لماذا خلَقَ اللَّه تعالى السَّمواتِ والأرضَ في سِتَّة أيام؟ ولماذا يَخلُق الجَنين في بَطْن أُمِّه لمُدَّة تِسْعة أشهُرٍ؟ وما أَشبَهَ ذلك؟\nوالجَوابُ: أنَّ أفعاله مَقرونة بحِكْمة، وأنه ﷾ جعَل الأسباب مَربوطةً بمُسبَّباتها، فلا بُدَّ من أن يَكون هناك سبَب ويَنتُجُ عنه مُسبَّب، ولا بُدَّ من أن يَكون هذا السبَبُ مُطابِقًا مُوافِقًا؛ حتى يَتِمَّ الخَلْق على كَماله.\nفهذا الخَلْق يَحتاج إلى أشياءَ، مُقدِّمات وأَسْباب يَحصُل بها كَمال الخَلْق، فاللَّه ﷾ قادِر على أن يَخلُق الجنين في بَطْن أُمِّه بدون أن يَتَناوَلها الرَّجُل كما حصَل في عيسَى ﵇، ومع هذا فإن اللَّه تعالى قد جعَل لهذا أسبابًا: اتِّصال ماء الرَّجُل بالمرأة، ثُمَّ بعد ذلك الجنينُ يَتطَوَّر شيئًا فشيئًا حتى يَصِل إلى الغاية، ثُمَّ إذا كان قابِلًا لأَنْ يَخرُج إلى الدنيا خرَج، ثُمَّ مع ذلك يَنمو شيئًا فشيئًا، لا يَأتيه العَقْل كامِلًا دفعة واحِدة، ولا يَأتيه النُّموُّ دفعة واحِدة، ولكنه على وَفْق الحِكْمة.\nوقوله تعالى: [﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ يَسمَع كلَّ مَسموع، ﴿بَصِيرٌ﴾ يُبصِر كل مُبصَر، لا يَشغَله شيء عن شيءٍ]؛ قوله ﷾: [﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ يَبصُر كلَّ مُبصَر] وكلُّ مُبصَر فهو خَلْق مخَلوق، فما ثَمَّ إلَّا خالِق أو مخَلوق، فكل مُبصَر يَعنِي: كل ما مِن شَأْنه أن يَتعَلَّق به البصَر، ولو أني أنا ما أُبصِره، لكن اللَّه ﷾ يُبصِره، فنَتَفاوَت؛ فهناك شيء يُبصِره زَيْد ولا يُبصِره عَمرٌو.\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ تَقدَّم أنَّ السميع يَنقَسِم إلى قِسْمين: قِسْم: بمَعنَى مجُيب، وقِسْم: بمَعنَى سامِع، يَعنِي مُدرِك للأصوات؛ فالسَّميع الذي بمَعنَى مجُيب.","vol":"1","page":168},{"text":"مثل قول إبراهيمَ ﵇: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩]، أي: مجُيبُه، ومن المعلوم أيضًا أنه لا يُجيبه إلَّا بعدَ أن يَسمَعه سَمْعَ إدراكٍ، ولكن الفائِدة من الدُّعاء هي إجابة الداعِي، أمَّا مجُرَّد أن يُسمَع دُعاؤُه؛ فلا فائِدةَ له من ذلك حتى يُجاب.\nوتَقدَّم أنَّ سَمْع الإدراك يَنقَسِم إلى ثلاثة أقسام:\nما يُفيد التهديد.\nوما يُفيد التَّأْييد.\nوما يُفيد سَعةَ سَمْع اللَّه ﷾، وإدراكُه لكل مَسموع.\nفمما يُفيد التَّهديد: قوله ﷾: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠].\nومِمَّا يُفيد التأييد قولُه ﷾ لمُوسى وهارونَ ﵉: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦].\nوممَّا يُفيد الشُّمول؛ أي: شُمول سَمْع اللَّه ﷾ لكل ما يُسمَع مثل قول اللَّه ﷿: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١]؛ ولهذا قالَتْ عائِشةُ -﵂-: تَبارَك الَّذي وَسِعَ سَمْعُه الأصواتَ، إني فِي طرَفِ الحُجْرة وإنه ليَخفَى علَيَّ بَعضُ حَدِيثها (^١)، واللَّهُ ﷾ مِن فَوْقِ سَبْع سَمَواتٍ يَسْمَعُ هَذا الحَديثَ والتَّحاوُرَ كُلَّهُ، ولَمْ يَفُتْهُ ﷾ شَيْءٌ.\n_________\n(^١) علقه البخاري: كتاب التوحيد، باب قول اللَّه تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، (٩/ ١١٧)، ووصله الإمام أحمد (٦/ ٤٦)، والنسائي: كتاب الطلاق، باب الظهار، رقم (٣٤٦٠)، وابن ماجه: في المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية، رقم (١٨٨).","vol":"1","page":169},{"text":"أمَّا قوله تعالى: ﴿بَصِيرٌ﴾ فالبَصير بمَعنَى: مُبصِر، أَيْ: مُدرِك ببَصَره ﷿ فلله تعالى بصَرٌ يُبصِر به المُبصَرات، كما جاء في الحديثِ الصحيح: \"حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ\" (^١).\nوقد يَكون البَصير أيضًا دالًّا على العِلْم، مثل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، أي: عَليم به، وعند الناس الآنَ إذا قالوا: فُلان بَصير بالأشياء، يَعنِي: عنده عِلْم بها وخِبْرة.\n\nمن فوائد الآية الكريمة:\nالْفَائِدَة الأُولَى: إثبات الخَلْق والبَعْث، لقوله تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ﴾.\nالْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: كَمال قُدْرة اللَّه تعالى حيث جعَل ﷻ الخَلْقَ والبَعْث لجميع الخَلْق كنَفْس واحِدة، وهذا في غاية ما يَكون من القُدْرة.\nالْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثبات البَعْث، لقوله تعالى: ﴿وَلَا بَعْثُكُمْ﴾.\nالْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: الاستِدْلال بالمَشهود على المَوْعود، فالمَشهود الخَلْق، والمَوْعود البَعْث، وقد قرَنَهما اللَّه ﷾ جَميعًا، لإثباتِ كلِّ واحِد منهما، وأنه كما قَدَر على الخَلْق أوَّلًا فهو قادِر على البَعْث ثانيًا.\nالْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إثبات اسمَي (السَّميع) و(البَصير) للَّه تعالى، وإثبات ما دَلَّا عليه من صِفات، وإثبات الكَمال باجتِماعهما السَّمع والبَصْر، إِذْ ليس كلُّ سَميع بَصيرًا، وليس كلُّ بَصير سميعًا، وقد سَبَق لنا مَعنَى السَّميع ومَعنَى البَصير.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب في قوله -ﷺ-: \"إن اللَّه لا ينام\"، رقم (١٧٩)، من حديث أبي موسى الأشعري -﵁-.","vol":"1","page":170},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>الآية (٢٩)</span>\n* قالَ اللَّه ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٢٩].\n* * *\n\nقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ الهَمْزة هنا للاستِفْهام التَّقريريِّ: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ بمَعنَى: قد رأَيْت، فهو يُقرِّر ﷾ هذه القَضيةَ المُشاهَدةَ المَعلومة لكل أحَدٍ.\nوالخِطاب في قوله: ﴿تَرَ﴾ إمَّا للرسول ﵊، أو لكُلِّ مَن يَصلُح للخِطاب. والمَعنَى الثاني أَشمَلُ وأعَمُّ؛ فتكون شامِلة لكُلِّ مَن يَصلُح له الخِطاب.\nوقوله ﵎: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أيها الرَّائَي المُخاطَب ﴿أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ﴾ يُدخِل ﴿اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ﴾ يُدخِله ﴿فِي اللَّيْلِ﴾، وهذا الإيلاجُ والإِدْخال لا يَكون إلَّا بقُدْرة عَظيمة، يُولِج الليل في النهار، ويُولِج النهار في الليل، فهل المُراد إقبال الليل وإقبال النَّهار؛ لأنك ترَى الليل إذا أَقبَلَ يَدخُل سوادُه في النهار، فيَدخُل على النهار ويَطرُده، وترَى النهار أيضًا إذا أَقبَل يَلِج في الليل فيَطرُده؛ فيَكون هذا عِبارة عن تَقرير طُلوع الفجر وإقبال اللَّيْل.\nوقد أَقسَم اللَّه تعالى بذلك في القُرآن الكَريم ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ [المدثر: ٣٣ - ٣٤]، ولا يُقسِم بشَيْء من المَخلوقات إلَّا لعِظَمه، فيَكون مَعنَى الإيلاج الإِدْخال به؛ أي: إدخال الليل بالنهار أو العَكْس عند كل صَباح وعند كل مَساء.","vol":"1","page":171},{"text":"هذا وَجْه.\nأو أنَّ المَعنَى: يُولِج الليل في النَّهار، بمَعنَى أنه يَزدادُ النَّهار مُدَّةً حتى يَدخُل في الليل، ويَزداد الليل مُدَّة حتى يَدخُل في النهار، يَعنِي: يَطول النهار؛ فإذا طال أَخَذ من الليل، فمَعنَى ذلك أنه دخَل عليه، ويَطول الليل فإذا طال أَخَذ من النَّهار، فيَكون قد دخَل عليه واختَلَس منه، هذا أيضًا مَعنَى لكلِمة الإيلاج.\nوكلاهما مَعنًى صَحيحٌ، ففي إقبال الليل وإدباره آية عَظيمة من آيات اللَّه تعالى، وفي كون هذا يَزيد وهذا يَنقُص أيضًا آيةٌ من آيات اللَّه ﷾؛ لأن الخَلْق لوِ اجتَمَعوا كلُّهم على أن يَأْتوا بالليل في النهار، أو بالنهار في الليل لا يَستَطيعون، لوِ اجتَمَعوا كلُّهم على أن يَزيدوا في النهار دَقيقةً واحِدةً، أو في الليل دَقيقة واحِدة لا يَستَطيعون، مَهما أُوتوا من قُوَّة.\nإذَنْ: فهذا دليل على كَمال قُدْرة اللَّه ﷿.\nثُمَّ إنَّ في إيلاج الليل بالنَّهار على المَعنى الثاني والعكس فيه دَليل على رحمة اللَّهِ تعالى؛ لأن تَناوُب الليل والنهار بالزيادة والنَّقْص فيه مَصلَحة عَظيمة جِدًّا؛ لأن الليل إذا طال حصَل البَرْد والشِّتاء وظهَرَت أَشجار الشِّتاء، وماتَت الحشَرات التي قد يَكون بَقاؤُها ضارًّا بالإنسان والنَّبات.\nوكذلك إذا ازداد النَّهار ازداد الحرُّ فنَضِجت الثِّمار وزال البُخار من الأرض، وماتَتْ بذلك حشَراتٌ كثيرةٌ من أَجْل الحَرِّ، لو أنها بقِيَت وتَنامَت لأَضَرَّت بالناس، فيَكون هذا أيضًا فيه دَليل على كمال الحِكْمة والرَّحْمة مع القُدْرة.\nقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ أي: ذلَّلَهما لمَصالِح العِباد، والدليل","vol":"1","page":172},{"text":"على ذلك قوله تعالى في الآية العامة الشامِلة: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]، ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ﴾ كلِمة ﴿لَكُمْ﴾ إِذَن كل ما ذُكِر من التَّسخير في الكون فهو لبني آدَمَ؛ ولهذا يُقال في بعض الآثار: \"يَا ابْنَ آدَمَ خَلَقْتُكَ مِنْ أَجْلِي، وَخَلَقْتُ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ أَجْلِكَ\"، فاللَّه ﷾ يَقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، ويَقول ﷾: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، ويَقول تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]، أي: لكم أنتُم.\nوذكَر الشمسَ والقَمَرَ بعد ذِكْر الليل والنهار؛ لأن الشَّمْس آيةُ النَّهار، والقمَر آيةُ الليل؛ لقوله ﷾: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ وهو القمَر ﴿وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢]؛ ولذلك القمَرُ لا نُورَ فيه، إنما يَستَفيد نُورَه من الشَّمْس، كلَّما قابَلها ازداد نُورُه، فإذا تمَّتِ المُقابَلة بينه وبين الشَّمْس في ليلة من ليال الإِدْبار كمَلَ نُوره، ثُمَّ كُلَّما ضعُفَتِ المُقابَلة ضعُف نُورُه.\nثُمَّ قال ﵀: [﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ﴾ مِنهما ﴿يَجْرِي﴾ في فَلَكه ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ هو يوم القِيامة] ﴿كُلٌّ يَجْرِي﴾: ﴿كُلٌّ﴾ هذا التَّنوينُ؛ يَقول النَّحويون: إنه عِوَض عن محَذوف، عن كلِمة، يَعنِي: كل واحِد من الشَّمْس والقمَر يَجرِي إلى أَجَل مُسمًّى، العَجيب أنه رُوِيَ عن ابن عَبَّاس -﵄- قال: إن الشَّمْس والقمَر يَجريان في فلَكهما في النهار، ويَجرِيان في فلَكهما تَحتَ الأرض في اللَّيْل (^١). وهذا يَدُلُّ على أنَّ ابن عَبَّاس يَرَى الأرض كُروية؛ لأنَّ إذا كان يَجرِي تَحت الأرض فمَعناه\n_________\n(^١) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (٤/ ١١٥٠ - ١١٥١)، وعزاه ابن كثير في تفسيره (٦/ ٣١٣) لابن أبي حاتم، وانظر: الدر المنثور (٥/ ٤٣).","vol":"1","page":173},{"text":"أنها كُروية، وهو كذلك؛ لأن الشمس والقمَر بالليل يَجريان تَحتَ الأَرْض، كما قال -﵁-.\nوالأرضُ هي أرضُنا هذه، والأرَضون السِّتُّ الباقية تَحتَها، يَعنِي: الأرض طبَقات مثل السماء طبَقات بعضُها فوق بَعْض، ألَمْ ترَ إلى البَيْضة فيها القِشْرة الأعلى، ثُمَّ القِشْرة الثانية والتي يَليها البَياض، ثُمَّ البَياض، ثُمَّ قِشْرة رقيقة، ثُمَّ الأَصْفَر؛ فطبَقات الأرض مثل البَيْضة هكذا، كذلك أيضًا السمَوات نَفْس الشيء طبَقات مُكوَّرَة.\nفإن قال قائِل: هل هي مُنفَصِلة؟\nفالجَوابُ: فيه خِلافٌ؛ بعض العُلماء ﵏ يَقول: إن بَينَهُنَّ فَصْلًا وهَواءً، يَعنِي: مثل ما أنَّ السمَواتِ بينها هَواءٌ وفَصْل. وبعضُهم يَقول: لا فَصْلَ بينها.\nفإن قيل: إذا قُلْنا: إنه تَدور الشمس والقمَر من تَحت الأرَضين السَّبعْ كلِّها؛ فكيف ذلك؟\nفالجَوابُ: الأرَضون السبعُ هي الكُتْلة، فكُتْلة الأرض هذه التي يُسمُّونها الكُرةَ الأَرْضية، هذه مُتَضمِّنة للسَّبْع، فالسَّبعْ في جَوْفها، والدليلُ على هذا قولُه -ﷺ-: \"مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبع أَرَضِينَ\" (^١)؛ لأنه إذا ظلَم الأرض العُليا التي نحن عليها الآنَ، فيَكون قدِ اعتَدى على التي تَحتَها، والتي تَحتَها، والتي تَحتَها إلى السَّبعْ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري: كتاب المظالم، باب إثم من ظلم شيئا من الأرض، رقم (٢٤٥٣)، ومسلم: كتاب المساقاة، باب تحريم الظلم وغصب الأرض، رقم (١٦١٢/ ١٤٢) من حديث عائشة -﵂-.","vol":"1","page":174},{"text":"وقوله ﷾: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ هنا: الرُّؤْية بمَعنَى العِلْم في المَوْضِعين، كما قدَّرها المُفَسِّر ﵀، يَعنِي: أَوَلَمْ تَعلَم أنَّ اللَّه تعالى بما تَعمَلون خَبير.\nفإن قال قائِل: عِلْمي بأنَّ اللَّه تعالى يُولِج الليل في النهار، وأنه سخَّر الشمس والقمَر، عِلْمٌ طريقُه الحِسُّ، فأنا أُشاهِد ذلك، لكن: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ما طريق هذا العِلْمِ، هل هو الحِسُّ الشاهِدُ أو الخبَرُ الصادِقُ؟\nفالجَوابُ: الخبَر الصادِق لا شَكَّ، نحن نَعلَم أن اللَّه تعالى بما نَعمَل خَبير؛ لأنه أَعلَمنا بذلك ﷾ وهو أَصدَق القائِلين، ونحن نَعلَم ذلك أيضًا عن طريق الحِسِّ الشاهِدِ؛ لمِا نُشاهِد من عُقوبات المَعاصِي مثَلًا، ومن ثواب الطائِعين، وممَّا يَحدُث للإنسان نَفْسِه من أثَر الطاعة، ومن أثَر المَعصية، فالإنسان المُؤمِن يَحصُل له من المَعصية أثرٌ سَيِّئ في نَفْسه، حتى إن بعض الناس يَضيق صَدْره، ولا يَدرِي ما السبَبُ، لكن سبَبه مَعصية خَفِيَت عليه كما قال النبيُّ ﵊: \"إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِئَةَ مَرَّةٍ\" (^١) أو كما قال ﵊، فالإنسانُ يُحِسُّ بعِلْم اللَّه ﷿ وخِبْرته بما يَعمَل من الآثار.\nوالحاصِلُ: في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أن نَقول: نحن نَعلَم ذلك عن طَريقين هُما: الخبَرُ الصادِق والحِسُّ الشاهِد؛ فنُحِسُّ بذلك بما نَرى من آثار أعمالنا الصالحِة، أو آثار أعمالنا السَّيِّئة، ومن الفرَج عند الكَرْب، فهذا أيضًا من العَلامات، فالحاصِلُ من هذا: أن يَكون هذا التَّقديرُ: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ تَعلَم، وقيل: للأَمْر الواقِع المُشاهَد المَحسوس، والأَمْر المَعلوم عن طريق الخبَر الصادِق.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم: كتاب الذكر والدعاء، باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه، رقم (٢٧٠٢)، من حديث الأغر المزني -﵁-.","vol":"1","page":175},{"text":"من فوائد الآية الكريمة:\nالْفَائِدَةُ الأُولَى: إثباتُ قُدْرة اللَّه ﷿ بإِيلاج اللَّيْل في النَّهار وإيلاج النَّهار في اللَّيل.\nالْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: بَيان رَحْمة اللَّه ﷿، لأنَّ هذا الإيلاجَ فيه من المَصالِح الكثيرة، ما هو مُشاهَد مَعلوم، وما ليس بمَعلوم.\nالْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: بَيان نِعْمة اللَّه ﷿ على عِباده، بتَسخير الشَّمْس والقمَر؛ لقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾.\nالْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ الشَّمْس والقمَر يَجريان؛ لقوله ﷿: ﴿كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾.\nالْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: بَيانُ كَمال النِّظام في أفعال اللَّه تعالى، لِقَوْله تعالى: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ مُعيَّن لا يَختَلِف لا تَقَدُّمًا ولا تَأخُّرًا.\nالْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: الرَّدُّ على مَن قال: إنَّ الشمسَ والقمَر ثابِتان، لقوله تعالى: ﴿كُلٌّ يَجْرِي﴾ وهذا خبَر مِن خالِقهما ﷾، وهو أَعلَمُ بما خلَق، قال اللَّه تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]، فيَكون فيه رَدٌّ واضِح على الذين يَقولون: إنهما ثابِتان لا يَجريان.\nالْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن لكُلِّ مَوْجود مِن الخَلْق غايةً؛ لقوله تعالى: ﴿كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلَّا الجنَّة والنار؛ فإنهما باقِيان أبَدَ الآبِدِينَ؛ لإبقاء اللَّه تعالى لهما، وليس بَقاؤُهُما ذاتِيًّا؛ لأن (ما جازَ حُدوثه جازَ عدَمُه)، ولكن اللَّه ﷿ قضَى بأَبَدية الجَنَّة والنار، كما تَدُلُّ على ذلك الأدِلَّة الصريحة الصَّحيحة.","vol":"1","page":176},{"text":"إِذَنْ: فكُلُّ مَوْجود له غاية، نَأخُذه بالقِياس على هذا: جَرَيان الشَّمس والقَمَر مع أنهما دائِمًا وأبَدًا كما قال اللَّه ﷾: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ [إبراهيم: ٣٣]؛ فمَعَ كونِهما دائِبَيْن لهما غايةٌ؛ فما سِواهُما مِثْلهما.\nالْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: إثباتُ اسمِ الخَبير من أسماءِ اللَّه تعالى؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.\nالْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: تَحذير المَرْء من المُخالَفة؛ لقوله تعالى: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ يَعنِي: فاحْذَرْ أن تُخالِف في عمَلِك، فإن اللَّه ﷾ عَليم به، وقوله تعالى: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ لا يُستَفاد منه الحَصْر؛ لأنه قدَّم المَعمول؛ ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ لأن أَصلَه؛ وأن اللَّه خَبير بما تَعمَلون. فنَقول: هذا الحَصْرُ إضافيٌّ والغرَض منه التَّحذير، فكأنه يُقال: لو لم يَكُن خَبيرًا بالشيء لكان خَبيرًا بأعمالكم، فإفادةُ الحَصْر هنا: لتَمام التَّحذير، يَعنِي: كأَنْ يُقال: لو لم يَكُن خَبيرًا بشيء لكان خَبيرًا بأعمالكم فاحْذَرُوا المُخالَفةَ.\n* * *","vol":"1","page":177},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>الآية (٣٠)</span>\n* قالَ اللَّه ﷿: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [لقمان: ٣٠].\n* * *\n\nقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ المُشار إليه ما ذُكِر من تَسخير الشَّمْس والقمَر، والقُدْرة على البَعْث والخَلْق، أي: ذلك المَذكورِ السابِقِ.\nوقوله تعالى: ﴿بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ الباء للسَّبَبية، أي: بسبَب أنَّ اللَّه تعالى هو الحقُّ؛ ولكونه جعَله هو الحقَّ صارَت هذه الأُمورُ وتَنَظَّمَت هذه النُّظُمُ؛ لأنه جَلَّ وَعَلَا حَقٌّ في ذاته، وحَقٌّ في أفعاله، وحَقٌّ في أحكامه، وحَقٌّ في أسمائه وصِفاته؛ فرُسُله حَقٌّ، وكِتابه حَقٌّ، ووَعْده حَقٌّ، وثوابه حَقٌّ، وعِقابه حَقٌّ، وكل ما صدَر عنه فهو حَقٌّ.\nوالحَقُّ هو ضِدُّ الباطِل، والباطِل هو اللغوُ والعبَث الذي لا خَيْرَ فيه؛ فيَكون المَعنى: أن كل ما صدَر عن اللَّه ﷿ فإنه حَقٌّ وخَيْر ثابِت.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾: ﴿وَأَنَّ﴾ مهو مَعطوفة على (أنَّ) المَفتوحة.\nوقوله ﷾: ﴿مَا يَدْعُونَ﴾: ﴿مَا﴾ هذه اسمٌ مَوْصول، يَعنِي: وأن الذي يَدْعون، وقوله تعالى: ﴿يَدْعُونَ﴾ يَشمَل دُعاء العِبادة، ودُعاء المَسأَلة؛ لأنَّ الأصنام التي تُعبَد من دون اللَّه تعالى تُدْعى بمَعنَى: تُعبَد، وتُدْعَى بمَعنى: تُسْأَل.","vol":"1","page":178},{"text":"والدُّعاء له مَعنَيان: دُعاء عِبادة، ودُعاء مَسأَلة، فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] دُعاءَ مَسْألة، وقوله ﷾: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]، هذا دُعاءُ عِبادة، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٥٠]. أَيْ: ما عِبادتُهم إلَّا في ضَلال.\nفالدُّعاء إِذَنْ: يَكون بمَعنَى دُعاء المَسأَلة، ودُعاء العِبادة، فقوله تعالى: ﴿مَا يَدْعُونَ﴾ يَشمَل المَعنيَيْن، يَعنِي: ما يَعبُدون، وما يَطلُبون منه الحوائِج.\nقال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ﴾ بالياء والتاء] يَعنِي قِراءَتانِ سَبْعيَّتان: (وَأَنَّ مَا تَدْعُونَ)، ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ﴾ وكِلاهما صحيح، لكن في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ خِطاب، ولا يَكون إلَّا للكافِرين، لأنَّ الخِطاب في مِثْل هذا لا يُمكِن أن يَكون للرسول -ﷺ- ولا للمُؤمِنين من أصحابه.\nوقوله ﷾: ﴿مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي: منِ سِواهُ، وقول المُفَسِّر ﵀: [يَعبُدون] هذا فيه قُصور، والصواب: يَعبُدون ويَسأَلون، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ يَدعو يَعنِي: يَسأَل؛ ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف: ٥].\nفهنا يَنبَغي أن يُضاف: يَعبُدون ويَسأَلون.\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ أي: مِن سِواهُ.\nوقوله تعالى: ﴿الْبَاطِلُ﴾ يَقول المُفَسِّر ﵀: [الزائِل] وهذا فيه نظَر، لأنَّ المُراد الباطِل يَعنِي: الذي لا خَيرَ فيه، ومنه حَديثُ: \"أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالهَا الشَّاعِرُ","vol":"1","page":179},{"text":"كلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ\" (^١) \"بَاطِل\" يَعنِي: لا خَيرَ فيه.\nوهلِ المُرادُ الباطِل في عِبادتهم إيَّاه، أو الباطِل حتى في نَفْسه؛ فليس مُستَحِقًّا للعِبادة؟\nالجَوابُ: كِلَا الأَمْرين؛ فهو باطِل بالنِّسبة لعِبادتهم إيَّاه، وهو باطِل في نَفْسه لا يَستَحِقُ من الأُلوهية شَيْئًا.\nقال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ﴾ على خَلْقه بالقَهْر ﴿الْكَبِيرُ﴾ العَظيم]، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ﴾ هذه الجُملةُ جُملةٌ خبَرية مُؤكَّدة بضَمير الفَصْل.\nوقوله تعالى: ﴿هُوَ الْعَلِيُّ﴾ يَعنِي: لا غيرُه، والعَليُّ صِفة مُشبَّهة؛ لأنها على وَزْن فَعيل، والصِّفة المُشبَّهة يَقول أهلُ العِلْم باللُّغة العرَبية: إنها تُفيد الثُّبوت والاستِمْرار.\nومَعناهُ: العَليُّ بذاته والعَليُّ بصِفاته، فعُلُوُّه ذاتِيٌّ لازِمٌ أبَدًا سواءٌ كان علِيًّا بذاته أو علِيًّا بصِفاته؛ وتَقدَّم لنا من أهل البِدَع مَن يُنكِر العُلوَّ الذاتِيَّ، وأمَّا عُلوُّ المَعنَى فهو مُتَّفَق عليه بين المُسلِمين.\nوقوله ﵀: [﴿الْعَلِيُّ﴾ على خَلْقه بالقَهْر] هذا فيه قُصور؛ لأن الصواب أنه علِيٌّ بذاته وصِفاته.\nوقوله تعالى: ﴿الْكَبِيرُ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [العَظيم] فهو كبير بمَعنَى: عظيم في ذاته وفي صِفاته؛ قال تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري: كتاب مناقب الأنصار، باب أيام الجاهلية، رقم (٣٨٤١)، ومسلم: كتاب الشعر، رقم (٢٢٥٦)، من حديث أبي هريرة -﵁-.","vol":"1","page":180},{"text":"وأَخبَر اللَّه ﷾ أن السمَواتِ: ﴿مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، وأن الأرضَ: ﴿جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٦٧]، وأنه يَطوِي ﴿السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، فكُلُّ هذا يَدُلُّ على عِظَم ذاته ﷾ كما أنه عَظيم في صِفاته.\nوقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ﴾: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ هنا لمَّا ذكَر أن له الحَقَّ، وأن ما دونَه دونَ الباطِل قال: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾، فلِعُلُوه وكِبْريائه ﷾ يَتبَيَّن أن هذه الأصنامَ على الضِّدِّ من ذلك، فهي سافِلة لا عُلوَّ فيها، وهي ذَليلة وصغيرة ليس فيها شيء من الكِبْرياء.\n\nمن فوائد الآية الكريمة:\nالْفَائِدَة الأُولَى: أن اللَّه هو الحَقُّ، والحقُّ ضِدُّ الباطِل، والباطِل كل شيء لا فائِدةَ منه، ولا خَيرَ فيه.\nالْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن كل ما يَصدُر عن اللَّه ﷾ فهُوَ حَقٌّ؛ لأنه لا يَصدُر عن الحَقِّ إلَّا حَقٌّ.\nالْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن عِبادة غيرِ اللَّه تعالى باطِلة.\n* * *","vol":"1","page":181},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>الآية (٣١)</span>\n* قالَ اللَّه ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [لقمان: ٣١].\n* * *\n\nقوله ﵀: [﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ﴾ السُّفُن ﴿تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ﴾ يا مخُاطَبِين بذلك ﴿مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ عِبَرًا ﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾ عن مَعاصِي اللَّه تعالى ﴿شَكُورٍ﴾ لنِعْمَته].\nقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ﴾ هذا الاستِفْهامُ للتَّقرير؛ لأن هذا أَمْرٌ مَرئِيٌّ، فلا يَسأَل عن ثُبوته، ولكن يُقرِّر ثُبوتَه، والخِطاب في قوله تعالى: ﴿تَرَ﴾ يَعود إمَّا للرسولِ -ﷺ-، وإمَّا لكُلِّ مَن يَصِحُّ منه الخِطاب، وهذا أَعَمُّ.\nوقوله تعالى: ﴿أَنَّ الْفُلْكَ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [السُّفُن]، فكأنه حمَلَه على الجَمْع مع أنه يُحتَمَل أن يُراد به المُفرَد؛ لقوله تعالى: ﴿تَجْرِي﴾ والفُلْك كما سبَق كلِمة تُطلَق على الجمْع وعلى الواحِد قال اللَّه ﷾: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢]، فالفُلْك هنا للجَمْع، فقوله: ﴿وَجَرَيْنَ﴾ نونُ النِّسوة جَمْع، ولم يَقُل: وجَرَتْ، وأمَّا هنا أن (الفُلْك تَجرِي) فظاهِر الآية الكَريمة أن المُرادَ بها المُفرَد، إذ لم يَقُلْ: (ألَمْ ترَى أن الفُلْك يَجرِينَ)، ومع ذلك فالمُفرَد يُراد به الجَمْع من حيثُ المَعنَى؛ لأن الفُلْك ليس واحِدًا بالعَيْن، لكنه واحِدٌ بالجِنْس.","vol":"1","page":182},{"text":"وقوله ﷾: ﴿تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾: ﴿فِي﴾ للظَّرْفية، وهل هي على بابها أو بمَعنَى (على)؟\nالجَوابُ: أن الفُلْك التي تُحمَل الأنعام هذه على سَطْحه، لكنها في الحَقيقة في وسَطه في الواقِع لا يُغطِّيها، لكن أَسفَلها مُغطًّى بالماء.\nوقوله تعالى: ﴿فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾ الباء مُتعَلِّقة بـ ﴿تَجْرِي﴾ يَعنِي: تَجرِي بالنَّعَم أي: حامِلةً النَّعَم، ويُحتَمَل أن تَكون الباء للسبَبِيَّة، أي: تَجرِي بسبَب نِعْمة اللَّه تعالى، أي: أن اللَّه تعالى أَنعَمَ على عِباده بجرَيانها، وبين المَعنيَيْن فَرْق؛ لأنها على المَعنَى الأوَّلِ تُفيد أن هذه السُّفُنَ تَحمِل النَّعَم، وأمَّا المَعنَى الثاني تُفيد أن السُّفُن تَجرِي بنِعْمة اللَّه تعالى، يَعنِي: أن جَرَيانها من إنعام اللَّه تعالى علَيْنا.\nوالآية تَحتَمِل المَعنَيَيْن بدون مُناقَضة، وقد ذكَرْنا مِرارًا وتَكرارًا: أن الآيَةَ إذا كانَتْ تَحْتَمِل المَعنيَيْن بدون مُناقَضة حُمِلَت على المَعنَيَيْن.\nفإنها قد تَجرِي فارِغةً ليس فيها شيء، ومجُرَّد تمَكين اللَّه ﷿ لهذه السُّفُن من أن تَجرِي في الماء والماء ليس جِرْمًا صُلْبًا يَحمِل، بل هو جِرْم لَيِّن، لولا أن اللَّه تعالى أن يَسير عليه هذه السُّفُنِ تمَشِي عليه ما مشَتْ، وإذا كانت رُكَّابًا فقط فهي تَكون في المَعنَى الأوَّلِ بإنعام اللَّه ﷾، والغالِب أنه يَكون فيها من نِعَمِ اللَّه تعالى مِن الأرزاق ما هو شيء كثير، لكن -واللَّهُ أَعلَمُ- أنها المَعنَى الثاني.\nقوله تعالى: ﴿تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ﴾ اللَّامُ مُتَعلِّقة بـ ﴿تَجْرِي﴾ وهي لامُ التَّعليل، أي: لأَجْل أن يُرِيَكم، ومَعنَى ﴿لِيُرِيَكُمْ﴾ يُظهِرَه حتى ترَوْه؛ يَعنِي: لأَجْل أن ترَوْا من آيات اللَّه تعالى ما يُبهِر عُقولكم.","vol":"1","page":183},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ﴾: ﴿مِنْ﴾ هنا للتَّبْعيض؛ إِذْ إن السُّفُن والراكِبَ عليها لا يَرَى كلَّ آيات اللَّه تعالى، ولكنه يَرَى بعضًا منها.\nوقوله تعالى: ﴿لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ﴾ أي: ممَّا يَدُلُّ على كَماله في القُدرة والإنعام وغيرِ ذلك، والآياتُ جَمْع آيةٍ وهي في اللُّغة: العَلامة، والمُراد بها كلُّ ما يُستَدَلُّ به على كَمال اللَّه ﷿ في ذاته وصِفاته.\nوالآياتُ التي ترى: ما في البَحْر من الأسماك والحِيتان العَظيمة المُتنَوِّعة، وكذلك أيضًا من آياته ما يُشاهَد في البَحْر في أَمواجه وشِدَّتها وخِفَّتها، وكذلك أيضًا ما يُشاهَد من البحر من الأبخِرة التي تَتَصاعَد وتَتكوَّن سَحابًا بإذن اللَّه ﷿.\nالمُهِمُّ: أن هذه الآياتِ العَظيمةَ أيضًا هي ليسَتْ كلَّ الآيات، ولكنها من آيات اللَّه تعالى بعض آياتِه.\nوقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المُشار إليه: ما ذُكِر في البَحْر من جرَيان السُّفُن بنِعَم اللَّه، وما يُشاهَد في البَحْر من آيات اللَّه تعالى.\nوقولُه تعالى: ﴿لَآيَاتٍ﴾ أي: لعَلاماتٍ كَثيرة و﴿آيَاتٍ﴾ هذه اسمُ (إِنَّ) مُؤخَّر و﴿فِي ذَلِكَ﴾ جارٌّ ومَجرور خبَرها مُقدَّمٌ.\nيَقول المُفَسِّر ﵀: [﴿لَآيَاتٍ﴾ عِبَرًا] يَعتَبِر بها الإنسانُ، وَيَستَدِلُّ بها على كَمال قُدْرة اللَّه ﷾ [﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾ عن مَعاصِي اللَّه ﴿شَكُورٍ﴾ لنِعَمِه].\nوقوله تعالى: ﴿صَبَّارٍ﴾ صِيغة مُبالَغة، يَعنِي: كثير الصَّبْر.\nوقوله تعالى: ﴿شَكُورٍ﴾ صِيغة مُبالَغة أيضًا، أي: كثير الشُّكْر.\nوالمُناسَبة لذِكْر (الصَّبَّار الشَّكور) بعد ذِكْر أن (الفُلْك تَجرِي في البَحْر بنِعْمة اللَّه)","vol":"1","page":184},{"text":"ظاهِرة جِدًّا، لأن هذه الفُلْكَ التي تَجرِي في البَحْر تارةً تَعصِف بها الأمواجُ ويَتأَذَّى الإنسان بذلك وربما يَتَضرَّر فيُقابِل ذلك بالصَّبْر، وقد يَكون الأمر بالعَكْس فيَشْمَل العبورَ على البَحْر، ويَحصُل بذلك خير كثير، فيُقابِل ذلك بالشُّكْر، فلمَّا كانت هذه السُّفُنُ بها سرَّاءُ وضرَّاءُ ختَمَ اللَّه تعالى الآية بقوله: ﴿لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾.\nوعلى هذا فنَقول في قول المُفَسِّر ﵀: [﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾ عن مَعاصِي اللَّه] فيه شيء من القُصور، بل نَقول: لكل صبَّار عن مَعاصيه وعلى أقدارِه المُؤلمِة.\nوفي قوله: ﴿شَكُورٍ﴾ أي: [لنِعَمِه]، كما قال المُفَسِّر ﵀.\n\nمن فوائد الآية الكريمة:\nالْفَائِدَة الأُولَى: تَقريرُ المُخاطَب بهذه النِّعْمةِ وهي جرَيانُ الفُلْك في البَحْر بنِعْمة اللَّه تعالى.\nالْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن جرَيانَ الفُلْك على هذا الماءِ السَّيَّال مع أنها تَحمِل الأثقال الثَّقيلة، من نِعْمة اللَّه، بِناءً على أن الباء للسَّبَبية.\nالْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: حِماية اللَّه ﷾ للخَلْق في إظهار آياته لهم، لقوله تعالى: ﴿لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ﴾.\nالْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن الآياتِ إنما يَنتَفِع مَن جَمَع بَيْن الصَّبْر والشُّكْر؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾؛ صبَّار عند الضَّرَّاء وشَكور عند السَّرَّاء.\nالْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن آياتِ اللَّه ﷾ في خَلْقه: حِسِّيَّة ومَعْنوية؛ فالفُلْك الذي في البَحْر حِسِّيٌّ، وقد جعَلَه اللَّه تعالى مِن آياته، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾.","vol":"1","page":185},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>الآية (٣٢)</span>\n* قالَ اللَّه ﷿: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان: ٣٢].\n* * *\n\nقوله ﵀: [﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ﴾ أي: علَا الكُفَّارَ ﴿مَوْجٌ كَالظُّلَلِ﴾ أي: كالجِبال التي تُظلِّل مَن تَحتَها،، قوله تعالى: ﴿غَشِيَهُمْ﴾ يَقول المُفَسِّر ﵀: [أي: عَلَا الكُفَّارَ] وأَصْل التَّغْشية أي: التَّغْطية، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ وقوله ﷾: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ [الرعد: ٣] أي: يُغطِّيه، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: ١] أي: يُغطِّي وَيَستُر، فأمثِلة ذلك كثيرة، فمَعنَى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ﴾ أي: غَطَّاهم، ولا يُغطِّيهم إلَّا بعد عُلُوِّه عليهم.\nو(المَوْجُ): ما يَحصُل من الماء المتجَمِّع الذي يَعلُو حتى يُغطِّيَ السُّفُن ويُغرِقها.\nوقوله ﷾: ﴿كَالظُّلَلِ﴾ يَقول المُفَسِّر ﵀: [كالجِبال التي تُظلِّل مَن تَحتَها]، وهذا مُشاهَد، فإذا رأَيْت البَحْر في شِدَّة الأمواج تَجِد المِياه تَأتِي كأنها جِبال، وأحيانًا تَتَلاطَم ثُمَّ يَعْلو منها زُمْرَةٌ كبيرة عالية جِدًّا في البَحْر.\nوهذه الأَمْواجُ إذا غشِيَتْهم: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ وهمُ الكُفَّار؛ فيَدْعون اللَّه ﷾ يَسأَلونه ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ لا يَسأَلون غيرَه، ففي هذه الحالِ لا يَقول عابِدو اللاتِ: يا لاتُ أَنْقِذِينا، لأنه يَعرِف أنها لا تُنقِذ، ولا عابِدُ العُزَّى ومَناةَ،","vol":"1","page":186},{"text":"ولا عابِدُ هُبَل ولا غيرها من الأصنام؛ فلا يُمكِن أن يَدْعوَ الأصنام في هذه الحالِ؛ لأنه يَعرِف أنها لا تُنقِذُه، وإنما يَدعو اللَّه تعالى مخُلِصًا له الدِّينَ.\nوقوله تعالى: ﴿لَهُ الدِّينَ﴾ المَقصود به [أي: الدُّعاء بأن يُنجِّيهم أي: لا يَدْعون معَه غيرَه] أَخَذ المُفَسِّر ﵀ قولَه: [دونَ غيرِه] من قوله تعالى: ﴿مُخْلِصِينَ﴾؛ لأن الإخلاص بمَعنَى التَّخليد يَعنِي: أنه يُجعَل لهذا الشيءِ وحدَه؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البيِّنة: ٥]، فهُمْ في هذه الحالِ يَعرِفون اللَّه تعالى ويَدْعونه، وهذا يَدُلُّ على أن شِرْك مَن سبَق أخَفُّ مِن شِرْك مَن لَحِقَ، فهناك أُناس الآنَ إذا غَشِيهم مَوْج كالظُّلَل أو أَصابَتْهم الضَّرَّاء مَن يَدْعون مَخلوقًا، فتَجِده بدَلًا من أن يَقول: اللَّهُمَّ أَنقِذْني! يَقول: يا عليُّ أَنقِذْني! يا عبدَ القادِر أَنقِذْني! يا فلانُ أَنقِذْني! فصار شِرْك هؤلاءِ أقبَحَ من شِرْك الأوَّلين؛ لأن الأوَّلين يَعرِفون الحَقَّ إذا أَصابَتْهمُ الضرَّاء، وأنه لا يَكشِف هذه الضَّرَّاءَ إلَّا اللَّهُ ﷾، وأَمَّا هؤلاءِ فإنهم يَزدادون عمًى إلى عَماهُمْ.\nومن المَعلوم أنه لا يُمكِن أن يَكشِف به مِن الضَّرَّاء لا عَبْدُ القادِر ولا البدَويُّ ولا عليُّ بن أبي طالِب -﵁- ولا غيرهم؛ بل كلُّ هَؤلاءِ -وهُمْ بأنفسهم- لو أصابَتهم الضَّرَّاءُ ما استَطاعوا أن يَكشِفوها عن أنفسهم، فكيف يَكشِفونها عن غيرهم، وهذا مع أنهم قد ماتوا وانقَطَع الرجاء بهم من كل وَجْه؛ لكن لو كانوا أحياءً حاضِرين ربَّما يَستَعين الإنسان بهم، فيَنتَقِل، لكن إذا كانوا أمواتًا فلا يُمكِن أن يَستَغيث بهم إلَّا جاهِلٌ، ولا يُمكِن أن يَأتِيَ عليُّ بن أبي طالب -﵁- من قَبْره من أَجْل أن يُنقِذَك أو عبدُ القادر يَأتِي من قَبْره لأَجْل أن يُنقِذك أو البدويُّ من قَبْره لأَجْل أن يُنقِذك، أو غيرهم ممَّن يُدْعَى عند الشدائِد ليُنقِذ! ! واللَّه أَعلَمُ.","vol":"1","page":187},{"text":"وقوله تعالى: [﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ يَعنِي: [لا يَدْعون غيرَه] ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾] هذه ضُمِّنت مَعنَى الإيصال، يَعنِي: نجَّاهم وأَوْصَلهم إلى البَرِّ لم يَقُل: فلمَّا نجَّاهم من هذه الظُّلَل فقَطْ؛ بل نَجَّاهم إِنجاءً وصَلوا فيه إلى شاطِئ السلامة إلى البَرِّ، والبَرُّ هنا ضدُّ البَحْر، فيَشمَل ما لو نجَّاهم إلى بلد، فإن البلد في هذه الآيةِ من البَرِّ.\nوقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾: (لمَّا) هنا شَرْطية؛ والجَوابُ: ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ يَعنِي: ومِنهم غير مُقتَصِد؛ فالجوابُ إِذَنْ مَحذوف دل عليه قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ أي: فلما نجَّاهم إلى البر انقَسَموا قِسْمين: ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ ومِنهم كافِر.\nو(لمَّا) لها عِدَّة مَعانٍ: تَأتِي شَرْطية، وتَأتِي جازِمة نافية، وتَأتِي بمَعنَى (إلَّا)، وتَأتِي بمَعنَى حين، هذه أربعةُ مَعانٍ.\nفتَأتِي شَرْطية كما في هذه الآيةِ، ومثل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف: ١٦٦].\nوقد تَأتِي بمَعنى (إلَّا) كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤] أي: إلَّا عليها حافِظ.\nوتَأتِي جازِمة نافِية كقوله ﷾: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص: ٨]، أي: بل لم يَذوقوا عَذابي.\nوتَأتي ظَرْفًا بمَعنَى حين فقُلْ: زُرْتُك لمَّا سمِعْت بقُدومك أي: حين سمِعْت بقُدومك.","vol":"1","page":188},{"text":"﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾ انقَسَموا إلى قِسْمين، هذا الجوابُ محذوف ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ هذه (من) للتَّبعيض يَعنِي: فبعضُهم مُقتَصِد؛ قال المُفسِّر: [مُتوسِّط بين الكُفْر والإيمان، ومنهم باقٍ على كُفْره] هذا القَسِيمُ الثاني؛ قال ﷾: ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ أي: [مُتوسِّط] والاقتِصاد في كل شيء هو التَّوسُّط فيه؛ فالمعنى أن منهم مَن صار لا مُؤمِنًا ولا كافِرًا إذا ذُكِر عليه نِعْمة اللَّه بالإيمان جاء آمَن وشكَر ربَّه، وإن غَرَّته السلامة كفَر وطغَى فيَكون مُقتَصِدًا.\nومنهم المُقابِل وهو الكافِر، والدليل أن المُراد بالمُقابِل هنا كافِر قوله تعالى: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ وإلَّا فقَدْ يَقول قائِل: مَن الذي يَدُلُّكم عن أن المُقابِل هو الكافِر؛ ألَا يُمكِن أن يَكون المُقابِل هو المُؤمِنَ؟ كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣٢]؟\nقُلْنا: هذا مُمكِن؛ لكن قوله تعالى: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ يَدُلُّ على أن المُقابِل للمُقتَصِد هو الكافِر.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا﴾ الجَحْد بمَعنَى النَّفي والكِتْمان، وقد يُضمَّن مَعنَى التَّكذيب كما هنا، فإنه ضُمِّن مَعنَى التَّكذيب؛ لأن الجَحْد الذي بمَعنَى الكِتْمان يَتَعدَّى بنَفْسه فيُقال: جحَدَه. أي: كتَمَه، لكن هنا ضُمِّن مَعنَى التَّكذيب؛ ولذلك تَعدَّى بالباء فقيل: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا﴾ أي: ما يُكذِّب بها.\nقوله ﵀: [﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا﴾ ومنها الإِنْجاء من الموت ﴿إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ﴾ غَدَّار ﴿كَفُورٍ﴾ لنِعَم اللَّه] أَيْ: ما يَجحَد بآيات اللَّه ﷾ ويُنكِرها ويُكذِّب بها، والمُراد بـ (الآيات) هنا كل ما يَدُلُّ على نِعَمه وتَوحيده من الآيات الشَّرْعية والآيات الكَوْنية: ما يَجحَد بها ويُكذِّب إلَّا من جَمْع هذين الوَصْفين:","vol":"1","page":189},{"text":"الخَتْر وهو الغَدْر، والثاني الكُفْر وهو الاستِكْبار.\nفإذا قال قائِل: كيف الغَدْر هنا؟\nقُلْنا: لأن كل إنسان قد عاهَدَ ربَّه قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، وقال ﷾: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُم﴾ [البقرة: ٤٠]، فكل إنسان قد عاهَد ربَّه بمُقتَضى فِطْرته أن يُؤمِن به، فإذا كفَر صار غادِرَا لم يَفِ بالعَهْد.\n\nمن فوائد الآية الكريمة:\nالْفَائِدَة الأُولَى: أن إرسالَ الأَمْواج من اللَّه ﷿ امتِحان لعِباده، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ﴾ ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾ حتى رحِمَهم.\nالْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إثبات رِسالة الرسول -ﷺ-؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ﴾؛ والرسولُ ﵊ ما ركِبَ البَحْر حتى يَعرِف هذه الأمواجَ، وأنها كالظُّلَل، ولكنه ﵊ عَلِم بها مِن خَبَر اللَّه ﷾: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ﴾؛ ولهذا قال بعضُ العُلَماء ﵏: إن كونَ هذه الآيةِ تُفيدُ كأنَّ الرسول -ﷺ- في وسَط البَحْر وهذا المَوجُ يَغشَى: يَدُلُّ على أنه رسولُ اللَّه حَقًّا، لأنه لم يَركَبِ البَحْر، ولا يُقال: إنه ربَّما أُخْبِرَ بذلك؛ لأن اللَّه أَبطَلَ هذا في قوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣].\nالْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن هؤلاءِ المُشرِكين إذا وقَعوا في الشِّدَّة عرَفوا اللَّه تعالى.","vol":"1","page":190},{"text":"فيَتَفَرَّع على ذلك: أن مَعرِفة اللَّه تعالى في مِثلِ هذه الحالِ لا تُجْدي؛ ولهذا قال النبيُّ ﵊: \"تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ\" (^١).\nالْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن المُشرِكين يُقِرُّون بالرُّبوبية؛ لقوله ﷾: ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾ ولا يَدْعونه إلَّا لأنهم يَعلَمون أنه قادِر على إِنْقاذهم، وإلَّا فلا يُمكِن أن يَدْعوا مَن لا يَعتَقِدون أنه قادِر.\nالْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن المُشرِكين فيما سبَقَ أحسَنُ حالًا من المُشرِكين الآنَ؛ لأن المُشرِكين الآنَ إذا أَصابَتْهم الشِّدَّةُ يَدْعون آلهَتَهم أيًّا كان! ولا يَدْعون اللَّه تعالى، بل يَدْعون الوليَّ الفُلانيَّ والصَّحابيَّ الفُلانيَّ، وما أَشبَه ذلك؛ أمَّا المُشرِكون السابِقون فإنهم يَدْعون اللَّه تعالى.\nالْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن اللَّه ﷿ يُجيب دُعاءَهم مع عِلْمه بأنه سيَكفُرون؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا﴾ وهو يَعلَم ذلك ﷾.\nالْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: إجابةُ دَعْوة المُضطَرِّ ولو كان كافِرًا؛ فهؤلاءِ أَجاب اللَّهُ تعالى دَعْوتهم مع عِلْمه بأنهم كُفَّار وسيَكفُرون؛ ويُؤيِّد هذا عُمومُ قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ ولم يَقُلِ: المُؤمِن. بلِ قال: المُضطَرَّ، وهو عامٌّ، وكذلك أيضًا المَظلوم تُستَجاب دَعْوته ولو كان كافِرًا؛ لعُموم قول الرسول ﵊ لمُعاذِ ابنِ جبَل: \"اتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ\" (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد (١/ ٣٠٧)، من حديث ابن عباس -﵄-.\n(^٢) أخرجه البخاري: كتاب الزكاة، باب أخذ الصدقة من الأغنياء، رقم (١٤٩٦)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، رقم (١٩)، من حديث ابن عباس -﵄-.","vol":"1","page":191},{"text":"الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أن مَن نجا من نِقْمة من النِّقَمَ فإنه إمَّا أن يَقوم بما يَجِب عليه فيَكون مُقتَصِدًا، أو يَرجع إلى كُفْره فيَكون غَدَّارًا خَدَّاعًا، لأنه لمَّا دَعا اللَّه تعالى مُخلِصًا له الدِّينَ في هذه الشِّدةِ كان مُقتَضى ذلك أن يَكون بينَه وبين اللَّه ﷾ عَهْد بأن يَبقَى على إخلاصه، فلو كفَرَ صار غَدَّارًا خَتَّارًا.\nالْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: قُدْرة اللَّه ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ﴾.\nالْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: إثباتُ عِلْمه ﷿.\nالْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: إثباتُ سَمْعه ﷿.\nفالسَّمْع والعِلْم والقُدْرة تُؤخَذ من قوله ﷾: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ﴾؛ لأنه لا يُنَجِّيهم إذا دَعَوْا إلَّا بعد أن يَسمَع دُعاءَهم ويَعلَم بحالهِم ويَقدِر على إزالة ضَرَرِهم.\nالْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أن مَن كان وفيَّ العَهْد فإنه لا يَجحَد بآيات اللَّه تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾.\nالْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: التحذيرُ من الغَدْر؛ لأنه قد يَكون سبَبًا في الكُفْر والجَحْد؛ ولهذا قال الرسولُ -ﷺ-: \"آيَةُ المُنافِقِ ثَلَاثٌ\" وذكَر منها: \"إِذَا عَاهَدَ غَدَرَ\" (^١)؛ فإذا كان لا يَجحَد بالآيات إلَّا الغَدَّار فمَعنَى ذلك أن الغَدْر يَكون سببًا للجَحْد والكُفْر.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري: كتاب الايمان، باب علامة المنافق، رقم (٣٣)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب بيان خصال المنافق، رقم (٥٩)، من حديث أبي هريرة -﵁-، بلفظ: \"وإذا وعد أخلف\"، وأخرجه البخاري: كتاب الإيمان، باب علامة المنافق، رقم (٣٤)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب بيان خصال المنافق، رقم (٥٨)، من حديث عبد اللَّه بن عمرو -﵄-، بلفظ: \"أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا. . . وإذا عاهد غدر\".","vol":"1","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>الآية (٣٣)</span>\n* قالَ اللَّه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: ٣٣].\n* * *\n\nقال ﷾: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ فما دام هو الربُّ فهو الخالِق، وما دامَ هو الخالِق فيَجِب أن يَكون هو الذي يُتَّقى؛ فكأنه يُعلِّل الأمر بالتَّقوى: (اتَّقُوا رَبَّكُم؛ لأنه ربُّكم الذي أَوْجَدكم وأَعَدَّكم وأَمَدَّكم) فهنا إيجاد وإعداد وإنزال، فاللَّه تعالى (أَوْجَد) الناس، و(أَعَدَّهم): هَيَّأَهم لما يَنبَغي أن يَكونوا عليه، و(أمَدَّهُم): أمَدَّهم بالعُقول وأمَدَّهم بالرسُل التي جاءَت بشريعة اللَّه تعالى.\nوقوله ﵀: [﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي﴾ لا يُغنِي ﴿وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ﴾ فيه شَيئًا] قوله تعالى: ﴿وَاخْشَوْا يَوْمًا﴾ الخَشْية تَقدَّم لنا أنها أخَصُّ الخَوْف، لأنها تَكون مع العِلْم بحال المَخشِيِّ؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: ٢٨]؛ ولأن سبَبها قُوَّة المَخشِيِّ، وأمَّا الخَوْف سبَبه ضَعْف الخائِفِ -وهذا هو الغالِب- أمَّا الخَشْية فأخَصُّ، يَعنِي: اخشَوْا هذا اليومَ العَظيمَ الذي صِفَته كيت وكيت، وقد بيَّنَه اللَّه ﷿.\nوقوله اللَّه: [﴿يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ﴾ فيه ﴿شَيْئًا﴾] ومَعنَى ﴿يَجْزِي﴾","vol":"1","page":193},{"text":"يُغنِي؛ فلا أحَدَ يَستَطيع أن يَدفَع عن أولاده شرَّ ذلك اليومِ ابدًا مع أنه بالدنيا يُغنِي عنهم ويُدافِع ربَّما يُلقِي بنَفْسه للتَّهْلكة من أَجْل حَياة أولاده، لكن في الآخِرة لا؛ بل إنه كما قال: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٦]؛ يفرُّ منهم خَشيةَ أن يَتَعلَّقوا به بتَقْصير حَقٍّ قصَّر فيه نحوهم؛ قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١]، فلا أَحَدَ يُسأَل عن أحَد، فكُلٌّ يَقول: نَفْسي نَفْسي؛ لأن الأمر عظيم، إذِ الجِبال تَندَكُّ حتى تَكُون كثيبًا مَهيلًا، ثُمَّ بعد ذلك تَكون كالعِهْن المَنفوش، ثُم تَتَطاير وتَكون هَباءً مَنثورًا هَباءً يَطير في الجوِّ، فالأمرُ أَعظَمُ من أن يُغنِي أو أن يَجزِي والِدٌ عن والِده شَيْئًا.\nوكلِمة ﴿وَالِدٌ﴾ نكِرة في سِياق النفي، يَشمَل الأبَ والجَدَّ والأُمَّ والجدَّة وإن علَوْا؛ وقوله تعالى: ﴿عَنْ وَلَدِهِ﴾ أي: الذَّكَر والأُنْثى؛ لأن الولَد يُطلَق على الذَّكَر والأُنثَى في اللغة العرَبية؛ قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١].\nوقوله تعالى: ﴿مَوْلُودٌ﴾ يَجوز في إعرابِها وَجْهان:\n١ - أن تَكون مُبتَدَأ و﴿هُوَ جَازٍ﴾ الجُمْلة هذه خبَرُ المُبتَدَأ، فـ ﴿مَوْلُودٌ﴾ مُبتَدَأ، و﴿هُوَ﴾ مُبتَدَأ ثانٍ و﴿جَازٍ﴾ خبَر المُبتَدَأ الثاني، والجُمْلة من المُبتَدَأ الثاني وخبَرِه في محَلِّ رَفْع المُبتَدَأ الأوَّل؛ وسَوَّغ الابتِداءَ بالنَّكِرة في قوله تعالى: ﴿وَلَا مَوْلُودٌ﴾ أنها وارِدة في مَقام التَّقسيم.\n٢ - ويَجوز أن يَكون قوله ﷾: ﴿وَلَا مَوْلُودٌ﴾ مَعطوفًا على قوله تعالى: ﴿وَالِدِهِ﴾ يَعنِي: ولا يَجزِي مَولود.\nفعلى الوجهِ الأوَّلِ: لا إشكالَ فيه في المَعنَى، لكن فيه إشكال في تَغيير النَّظْم،","vol":"1","page":194},{"text":"يَعنِي: في تغيير الأُسْلوب حيث أتَى بالنِّسبة للوالِد في الفِعْل، وأتَى بالنِّسبة للمَوْلود بالجُمْلة الاسمِيَّة، والجوابُ على هذا أن يُقال: إنه أتَى بمَوْلود في الجُمْلة الاسمِيَّة؛ لئَلَّا يَطمَع أحَدٌ من المُسلِمين الذين قد أَسلَموا في كِفايتهم عن آبائِهم شيئًا أي: لئَلَّا يَطمَع المَوْلود المُسلِم في الإغناء عن أبيه الكافِر أَتَى بالجُمْلة الاسمِية للدَّلالة على الثُّبوت والاستِمْرار.\nوعلى الوجهِ الثاني: إنه مَعطوف على والِد، وعلى هذا الوجهِ يَرِد إشكال في قوله تعالى: ﴿هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ إِذْ إن المَعنَى يَكون ولا يَجزِي مَوْلود هو جازٍ عن والِده شيئًا قُلْنا: الجواب على ذلك أن مَعنَى ﴿هُوَ جَازٍ﴾ أي: هو أهل لكِفايته، ولكنه في ذلك اليَوْمِ لا يَدرِي وإن كان من أهل الإِجْزاء أو من أهل الجَزاء.\nفإذا قال قائِل: لماذا لم يُقيِّد الوالِد بهذا القَيْدَ أيضًا؟\nقُلْنا: لأن الوالِد غالِبًا أهلٌ لأَنْ يَجزِي، لأنه الوالِد هو الأكبَرُ، ويُمكِن أن يَجزِيَ بخِلاف الولَد، فالولَدُ يُمكِن أن يَكون صغيرًا لا يَجزِي شيئًا؛ ولهذا قُيِّدت بالنِّسبة للمَولود بكَوْنه أَهْلًا لأَنْ يَجزِيَ.\nفقوله تعالى: ﴿هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ إذَنْ ما الذي يَنفَع الإنسان في ذلك اليومِ؟\nالجَوابُ: يَنفَعه ما ذكَره اللَّه تعالى عن إبراهيمَ الخليل -ﷺ-: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٧ - ٨٩]، هذا الذي يَنتَفِع، فقوله تعالى: ﴿مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ أي: سَليم من كل ما يُنَقِّصه من الشِّرْك فما دونَه.","vol":"1","page":195},{"text":"وقوله ﵀: [﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ بالبَعْث] يَعنِي بالبَعْث وما فيه، وليس بالبَعْث فقَطْ، بل بالبَعْث والحِساب والجَزاء من خَيْر وشَرٍّ.\nوقوله تعالى: ﴿حَقٌّ﴾ بمَعنَى: ثابِت واقِع، وهذا من ضِمْن قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ [لقمان: ٣٠] من كونه حَقًّا: أن اللَّه ﷾ حقٌّ، ووَعْدُ غيره قد يَكون حَقًّا وقد يَكون باطِلًا غير مُوفًّى به؛ لأن غير اللَّه ﷿ قد يَتَخلَّف مَوْعوده إمَّا لكذِبٍ في الواعِد وإمَّا لعَجْز فيه.\nفمثَلًا: رجُل قال لك: سآتِي إليك بعد صلاة العَصْر مُباشَرةً بطبَق من الخُبْز وكَأْس من المرَق، وبعد العَصْر لم يَجِئْ لك بشيء، وعنده أطباق الخُبْز وعِنده كُؤوس المرَق؛ لكن لم يَجِئْ بشيء لكَذِبه؛ وفي اليوم الثاني ما جاء لك بشيء؛ لأنه ليس عنده شيء، لا عنده فُلوس يَشتَرِي بها، ولا عنده شيء في البَيْت، فهذا أيضًا أَخلَف المَوعِد للعَجْز.\nومن العَجْز أيضًا النِّسيان؛ لأن النِّسيان في الحقيقة نَقْص في الإنسان، فاللَّه ﷿ وَعْده حَقٌّ لا بُدَّ أن يَقَع.\nفقول المُفَسِّر: [بالبعث] الصوابُ: بالبَعْث وغيرِه، ممَّا يَكون في ذلك اليومِ من الحِساب والجَزاء.\nوقوله تعالى: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ﴾ هنا الفِعْل مُؤكَّد بنون التَّوْكيد، والتَّوكيد في الفِعْل من غير الواجِب؛ فإنه ليس واقِعًا في جواب القَسَم، فما دام في جَواب القَسَم ليس بواجِب فإِذَنْ: هو من غير الواجِب، لكنه كثير.\nوقوله ﷾: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ الغُرور: الخِداع؛ يَعنِي","vol":"1","page":196},{"text":"لا تَخدَعَنَّكم بزُخْرفها ولذاتها ومَسَرَّاتها؛ وذلك عن [الإسلام] وشَرائعه، فـ (عن الإسلام): إن كان الإنسان كافِرًا، و(عن شَرائِعه): إن كان مُسلِمًا.\nوفي قوله تعالى: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ تَزهيد في هذه الحَياةِ؛ لأنه قال: ﴿الدُّنْيَا﴾ والدنيا فُعْلَى من الدُّنُوِّ، وهي دانية الزمَن، دانية المَعنَى والمَرتَبة، فهي دُنيا؛ لأنها سابِقة للآخِرة، ودنيا لأنها ناقِصة، كما تَقول: هذا دون هذا، يَعنِي: أَنقَصَ منه.\nوقوله ﷾: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ نون التَّوْكيد دليل على أن غُرورها شديد، ولهذا أكَّدَ النَّهيَ بالنون: ولا تَغُرَّنَّكم.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [﴿بِاللَّهِ﴾ في حِلْمه وإمهاله] يَعنِي: لا يَغُرَّنَّكم باللَّه، والأمر -كما قال المُفَسِّر ﵀- بإِمْهاله وحِلْمه.\nوقوله تعالى: ﴿الْغَرُورُ﴾ صِفَة مُشبَّهة، ويُراد بها [الشَّيْطان]، كما قال تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء: ١٢٠].\nوالشيطانُ يَغُرُّ الإنسانَ باللَّه ﷾، فمَثَلًا: يَقول له: لو أنك على باطِل لعاقَبَك اللَّه تعالى، أو يَقول له: إن رحمة اللَّه واسِعة واللَّه غَفور رحيم، أو يُمنِّيه بالتَّوْبة يَقول: صحيح أن هذه مَعصية، والإنسان مُعرِّضٌ نَفسَه للعُقوبة، لكن التَّوْبة أمامَك، فالآنَ تَمَتَّعْ بهذه المَعصيةِ وبعدَئِذٍ تَتوبُ.\nومن ذلك ما يُمنِّيه بعض الناس بأن يَقول: لا تُصَلِّ حتى تَبلُغ أربَعين سَنَةً. وهذا مَوْجود عند بعض الناس، فبعض الأجانب يَقولون: إن أهلَهُم يَقولون:","vol":"1","page":197},{"text":"ما تَجِب عليكم الصلاةُ إلَّا بعدَ بُلوغ أَرْبَعين سَنَةً؛ ولهذا يَسأَلون دائمًا عن الصَّلاة الماضية: هل يَقضُونها أم لا؟ فهذا من غُرور الشَّيْطان.\nومن غُرور الشَّيْطان أيضًا أنه يَقول في الشيء الذي يَعتَقِد الإنسان أنه مَعصية: هذه مَسأَلة خِلافية، وما دام فيها خِلافٌ تجَشَّمْها، مع أنه هو يَعتَقِد أنها مَعصية؛ وكذلك من غُروره أنه يَقول في الشيء الذي يَعتَقِد الإنسان أنه واجِب يَقول له: هذه المَسأَلةُ خِلافيةٌ، فيَكون هذا الرجُلُ إنِ احتاج لمُحرَّم قال: المَسأَلةُ خِلافية وافْعَلْهُ، وإن لم يَحتَجْ له قال: الذي أَدِين اللَّهَ به أن هذا مُحرَّم، ولا أَفعَلُه. فيَكون هذا الشيءُ دِينًا بالأمسِ غيرَ دِينٍ اليومَ، أو يَقول مثَلًا إذا هَواهُ فِعْل واجِب: واللَّه هذا واجِب، يَجِب عليَّ أن أَفعَله. فالمُسلِم يَلتَزِم بأحكام اللَّه تعالى، وإذا صار له شُغْل ذاك اليومَ يَقول: المَسأَلة خِلافية، والأَمْر سَهْل ما دامَتْ خِلافية فليس مَجزومًا بها.\nمِثالُ ذلك: الصلاة في المَساجِد جماعةً هذه مَسأَلة خِلافية؛ فصلاة الجَماعة نَفْسُها خِلافية وكونها في المَسجِد خِلافية أيضًا، وهو يَعتَقِد أن الصلاة في المَساجِد جَماعةً واجِبةٌ، وأنه لا يَجوز لإنسان أن يَترُك الجماعة، ولا يَجوز أن يُصلِّيَها جَماعةً في بَيْته، لكن إذا صار له شُغل يَختار: المَسأَلة خِلافية؛ فالحاصِل أن هذا من غُرور الشَّيْطان.\nومن غُرور الشَّيْطان أيضًا أن يُفتِيَ للناس بشيء ويُفتِيَ لنفسه بشيءٍ آخَرَ؛ فيُرخِّص لها ويُسهِّل لها، ولغَيْره يُشَدِّد، فمِثْل هذه المَسائِلِ كلِّها من خِداع الشَّيْطان، والواجِب أن يَكون الإنسان على دِين واحِد: على دِين اللَّه تعالى لنَفْسه ولغيره وفي جميع أحواله.","vol":"1","page":198},{"text":"مَسأَلةٌ: إذا كان يُشدِّد على نَفْسه تَربيةً لنفسه فلا بَأسَ ما دامَ يَعتَقِد أن حُكْم اللَّه ﷾ هو التَّسهيل، لكن يُشدِّد على نَفْسه تَوَرُّعًا، وله من الأصل من الدَّليل فلا بأسَ؛ فمثَلًا: بعض الناس يَتَوَرَّعون عن بعض المأكولات، هو نفسه لا يَأكُل، لكن لا يَقول للناس: لا تَأكلوا؛ لأنه ليس عِنده دَليل، أو يَتَورَّع عن بعض الأَطياب، لكن لا يُحرِّمها على الناس؛ لأنه ليس فيها دَليل، أو مثَلًا يُلزِم نَفْسه بفِعْل شيء ليستِ الأدِلَّة صَريحة بالوُجوب فيه، فهو لا يُوجِبه على الناس، لكن هو لا يُحِبُّ أن يَتأخَّر، فهذا ليس فيه بأسٌ؛ لأن هذا ليس فيه هوًى، فالمُشكِلة الهَوى: بأن يُسهِّل على نَفْسه ويُشدِّد على الناس.\nفإن قال قائِل: أنا أُبيح لنَفْسي فِعْل هذا الشيءِ؛ لأني أَضبِطُ نَفْسي، فلا أَتَجاوَز الحَلال؛ وأَنهَى الناس عنه؛ لأنَّني لو رَخَّصْت لهم فيه يَتَجاوَزون الحَلال فأنا أَمنَعُه؛ لئَلَّا يَتَجاوَزوا الحَلال، وأمَّا بالنِّسْبة لنَفْسي فأنا ضابِط نَفْسي أني لا أَتعَدَّى الحَلال؟\nفالجَوابُ: أن نَقول: لا تَقُلْ: (حرام) على الناس، لكن قُلْ: (أَخشَى عليك أن تَتَجاوَز) وما أَشبَه ذلك؛ هذا الواقِعُ؛ أمَّا أن تَقول له: (حَرام) فتَمنَع هذا الرجُلَ من هذا الشيءِ وأنت تَتَمَتَّع به كما تَشاءُ، فهذا لا يَصلُح، لكن قُلْ له: (أنا أَخافُ عليك أن تَتَجاوَز الحلال أو أن يَقتَدِيَ بك مَن يَتَجاوَز به)، وما أَشبَه ذلك حتى يَتَبيَّن له الأمر: أنَّ حُكْم اللَّه تعالى فيه حلالٌ، ولكنه يَخشَى من أن يَزيد الناس فيه، واللَّه أَعلَمُ.\n\nمن فوائد الآية الكريمة:\nالْفَائِدَة الأُولَى: وُجوبُ تَقْوى اللَّه ﷾؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ فالأمرُ ولا سِيَّما أنه قُرِن بالتحذير باليَوْم الآخِر؛ لقوله تعالى: ﴿وَاخْشَوْا يَوْمًا﴾.","vol":"1","page":199},{"text":"الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إثبات اليومِ الآخِرِ؛ لقَوْله ﷾: ﴿وَاخْشَوْا يَوْمًا﴾، ولولا تَحقُّقه ما حذَّر منه.\nالْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن هذا اليَوْمَ لا يَنفَع فيه قَريبٌ قريبَه؛ فإذا قال قائِل: إن اللَّه ﷾ لم يَذكُر إلَّا الوالِد والولَد؟ فنَقول: إذا انتَفَى الوالِدُ بولَده والولَدُ بوالِده فغيرُه من بابِ أَوْلى؛ لأن الولَد بَضْعة من أَبْيه، فإذا كان البَضعة لا يَنتَفِع بكُلِّه، والكُلُّ لا يَنتَفِع ببَضْعته فمِن بابِ أَوْلى مَن سِوى ذلك.\nالْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: تَأكيدُ هذا اليومِ ووقُوعه؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾.\nالْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: التَّحذيرُ من الدُّنيا وغَدْرها وغُرورها؛ لقوله ﷾: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُور﴾.\nالْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن الدُّنيا من أكبَرِ الأسباب التي تَحول بين المَرْء وبين خَشْيته لليَوْم الآخِر؛ لأنه فرَّع عليه قوله تعالى: ﴿وَاخْشَوْا يَوْمًا﴾، ثُمَّ قال تعالى: ﴿فَلَا﴾ ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ﴾ وهو كذلك.\nالْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: التَّحذير من الشَّيْطان؛ لقوله: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾.\nالْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أن الشَّيْطان خَدَّاع؛ لقوله تعالى: ﴿الْغَرُورُ﴾ فهي إمَّا صِيغة مُبالَغة، وإمَّا صِفَة مُشَبَّهة، وكِلاهما يَدُلُّ على الثُّبوت والكَثْرة.\nويُحتَمَل أنها تَشمَل حتى شَياطينَ الإِنْس، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ١١٢]؛ فإن غرَّه مالُه أو ولَدُه فإنه إذا غرَّه عن الحَقِّ فهو من الشَّياطين، ولكن ظاهِر الآية: ﴿الْغَرُورُ﴾ أن هذا الوَصْفَ لازِم، فيَكون هذا من الشَّيْطان.","vol":"1","page":200},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>الآية (٣٤)</span>\n* قالَ اللَّه ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤].\n* * *\n\nقوله ﷾: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ مَعروفٌ أنَّ اللَّه -لفظ الجلالة- اسمُ ﴿إِنَّ﴾، و﴿عِنْدَهُ﴾ خبَر مُقدَّم، و﴿عِلْمُ﴾ مُبتَدَأ مُؤخَّر، والجُمْلة خبَرُ (إنَّ) الجُمْلة الخبَرية فيها حَصْر، وهو مُستَفاد من تَقديم الخبَر، فقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ يَعنِي: لا عندَ غيرِه ﴿عِلْمُ السَّاعَةِ﴾.\nويَدُلُّ على هذا الحصرِ قولُه ﷾: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف: ١٨٧] حَصْر بقَوْله ﷾: ﴿إِنَّمَا﴾ ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ فلو أن مُدَّعِيًا قال: إن الحَصْر هنا في الخبَر لا في الجُملة كلها، قُلْنا: لكن الخبَر هو الذي دلَّ على انحِصار عِلْم الساعة باللَّه ﷾، ويَدُلُّ عليه ويُؤكِّده الآية التي ذكَرْناها؛ فإذا جاءَتْ مثل العِبارة هذه: ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ فالمَعنَى: لا يَعلَمها إلَّا رَبِّي؛ كما إذا قُلْت: (إِنَّما القائِمُ زَيْد)، فمَعناهُ: لا قائِمَ إلَّا زَيْدٌ.\nقوله ﷾: ﴿عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ متَى تَكون؛ وفي أيِّ وَقْت؛ ولا يَعلَمه إلَّا اللَّهُ تعالى؛ ولهذا سأَل جِبريلُ النبيَّ ﵊ قال: \"أَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ؟ \"","vol":"1","page":201},{"text":"قال: \"مَا المَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ\" (^١)، فتَأمَّلْ: رَسولان أحدُهما أفضَلُ المَلائِكة والثاني أفضَلُ البَشَر، كِلاهما يَقول: لا عِلمَ عِنْدي؛ لأن قوله -ﷺ-: \"مَا المَسْؤُولُ بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ\" يَعنِي: إذا كنتَ أنتَ لا تَعلَم فأنا من باب أَوْلى لا أَعلَمُ.\nفإِذَنْ: عِلْمها يَختَصُّ باللَّه تعالى، ولقَدْ كذَب مَنِ ادَّعى أنه يَعلَمها، ولا سِيَّما بالواسِطة التي ذَكَر أنها دالَّة عليها، كما نُشِر عن شَخْص يُسمَّى رَشاد خَليفة، هذا رجُل في أمريكا، وهو رجُل عِنده عِلْم، لكنه اغتَرَّ اغتِرارًا عَظيمًا بما يُسمِّيه (العدد التاسِعَ عَشَرَ)؛ حيثُ ادَّعَى أن القُرآن كُلَّه مُركَّب على تِسعةَ عَشَرَ حَرْفًا، وأن هذا الماثِلَ عنده: التِّسْعةَ عَشَرَ، استَدَلَّ به على أنه يَعرِف متى تَقوم الساعة، وحدَّدَها -أَظُنُّ- فوق الألفَيْن بسَنوات قليلة.\nوهذا الرجُلُ في الواقِع اللَّه أَعلَمُ: هل هو مُتَأَوِّل، أو مُعانِد؟ ! لكنَّ كلَّ مَنِ ادَّعى عِلْم الساعة فهو كافِر؛ لأنه مُكذِّب للَّه ﷾ ورسوله ﵊ وإجماع المُسلِمين، والمُسلِمون مجُمِوعون إجماعًا قَطعيًّا على أنه لا يَعلَم متى تَقوم الساعةُ إلَّا اللَّهُ ﷿.\nوقوله ﷾: ﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الساعة هي القِيامة، وسُمِّيَت الساعةَ؛ لأنها أَعظَمُ حدَث يَكون، ولأن فيها وَعيدًا للمُكذِّبين؛ ولهذا يُتَوعَّد بالساعة؛ فيُقال مثَلًا: (ساعَتُك عِندي) إذا أَرَدْت أن تُهدِّد إنسانًا تُهدِّده بكلِمة (الساعة)؛ لأنه يَقَعُ فيها حدَث عَظيم.\nوقوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ ولم يَقُل: ويَعلَم متى يَنْزِل الغَيْث، بل قال تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ﴾ فاختِلاف التَّعبير له مَعنًى عَظيمٌ، وإلَّا فإنَّ هذه الخَمْسةَ كلَّها\n_________\n(^١) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب معرفة الإيمان، رقم (٨)، من حديث عمر -﵁-.","vol":"1","page":202},{"text":"من عِلْم الغَيْب، فإن النبيَّ ﵊ فَسَّر قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ بهذه الخَمْسةِ، ولفظ الحَديث: \"وَمَا يَدْرِي أَحَدٌ مَتَى يَجِيءُ المَطَرُ\" (^١)، لكن في القُرآن يَقول اللَّه تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ فكَيْف نَقول: إنه يُراد بها: (لَا يَعْلَمُ مَتى يَنزِل الغَيْثَ إلَّا اللَّه)؟\nنَقول: لأن اللَّه تعالى إذا كان هو الذي يُنزِّل الغَيْث، فلا يَعلَمه إلَّا اللَّهُ تعالى؛ لأنه هو المُنزِّل له، والمُنزِّل للشيء هو الذي يَعلَمه، وغيرُه لا يَعلَمه.\nوقوله ﷾: ﴿الْغَيْثَ﴾ أي: المَطَر وسُمِّيَ غَيْثًا؛ لأن به تَزول الشِّدَّةُ، والاستِغاثة طلَب إزالة الشِّدَّة، ففي المطَر تَزول الشدائِد، شَدائِدُ القَحْط وشدائِدُ الجَدْب، فيَبقَى الناس عندهم ماء ثُمَّ عِندهم مَزارعُ.\nوهناك إِشْكال في قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ فبَعضُهم يَقول: إنه سيَكون غدًا مطَرٌ في النشرة الجَويَّة، فهل هذا من عِلْم الغَيْب؟\nالجَوابُ: لا، ليسَتْ من عِلْم الغَيْب، وأنها تَوَقُّعات بواسِطة الآلات الدَّقيقة التي يَعلَمون بها تَكيُّف الجَوِّ وصلاحيته لأَنْ يَكون مُمطِرًا أم غيرَ مُمطِر، ولهذا أحيانًا لا يَكون الأمر كما تَوقَّعوا، ثُمَّ هُمْ لا يَستَطيعون أن يَتَنبَّؤُوا بالأمطار بعد سَنَوات؛ غاية ما هناك أن يَكون في المُدَّة القَليلة.\nقال المُفَسِّر رَحَمَة اللَّهُ: [﴿وَيُنَزِّلُ﴾ بالتَّخفيف والتَّشديد] (يُنْزل) و(يُنزِّل) وكِلاهما جاء في القُرآن؛ قال ﷾: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [البقرة: ٢٢] هذه على قِراءة التَّخفيف، وقال ﷾: ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ [غافر: ١٣]\n_________\n(^١) أخرجه البخاري: أبواب الاستسقاء، باب لا يدري متى يجيء المطر إلا اللَّه، رقم (١٠٣٩)، من حديث ابن عمر -﵄-.","vol":"1","page":203},{"text":"هذه على قِراءة التَّشديد.\nيَقول المُفَسِّر ﵀: [﴿الْغَيْثَ﴾ بوَقْت يَعلَمه] هذا هو الشاهِدُ الذي بيَّن به المُفَسِّر ﵀ أن المُراد بتَنزيلِ الغَيْث في الوقت الذي يَعلَمه؛ ليَكون هذا من عِلْم الغَيْب.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾: ﴿وَيَعْلَمُ مَا﴾ أي: الذي في الأَرْحام، وعبَّرَ بـ ﴿مَا﴾ لأنها أَعَمُّ وأشمَلُ من (مَن)، إذ إنَّ: (مَن) تَختَصُّ بالعاقِل، هذا من جِهة، ومن جِهة أُخرى: أن ﴿مَا﴾ تَختَصُّ بالصِّفات و(مَن) بالذَّواتِ؛ ألَمْ ترَ إلى قوله ﷾: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَا﴾ [النساء: ٣] ولَمْ يَقُلْ: مَن طاب. مع أن المَنكوحة من ذوات العَقْل، ولكنه قال: ﴿مَا طَابَ﴾ دون (مَنْ)، لأن النِّكاح يَرتَكِز على صِفة المَرأة كما قال النبيُّ ﵊: \"تُنْكَحُ المَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ\" (^١).\nوهنا قال ﷾: ﴿مَا﴾ دون (مَن) لأن عِلْم ما في الأَرْحام من حيثُ الصِّفة أَبلَغُ من عِلْمه من حيث الذات، أي: أَبلَغُ من حيث كونه ذكَرًا أو أنثى، فالجَنين الذي في الرَّحِم ليس العِلْم المُختَصُّ به مجُرَّدَ كونه ذكَرًا أو أُنثَى، أو طويلًا أو قصيرًا، أو صغيرًا أو كبيرًا، بل هناك ما هو أَبلَغُ من ذلك، وهو صِفات هذا الجنينِ، هل يَكون شقيًّا أم سَعيدًا، طويلَ العُمر أم قَصير العُمر، وهل عمَله صالِح أو عمَلُه فاسِد؛ ولهذا جاء التَّعبيرُ بـ ﴿مَا﴾ التي يُلاحَظ فيها الصِّفات، لأن عِلْم ما في الأَرْحام من هذه الوِجهةِ أَعظَمُ من كَوْنه ذكَرًا أو أُنثَى؛ ومن هذا ما يَطَّلِعون على عِلْمه بكَوْنه ذكَرًا أم أُنثَى الآنَ فيَعرِفون ذلك قبل أن يُولَد.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري: كتاب النكاح، باب الأكفاء في الدين، رقم (٥٠٩٠)، ومسلم: كتاب الرضاع، باب استحباب نكاح ذات الدين، رقم (١٤٦٦)، من حديث أبي هريرة -﵁-.","vol":"1","page":204},{"text":"فعلى هذا يَتبيَن بلاغة القُرآن حيث عَبر بـ ﴿مَا﴾ دون (مَن)؛ لأن (مَن) تُحدِّد الشخصية شَخصيةَ عاقِلٍ، وإذا كان غَيرَ عاقِل يُقال: (ما). أمَّا ما يَتَعلَّق بالصِّفات والأعمال فهذه يُعبَّر عنها بـ (ما)، وأنا ضرَبْتُ لكم شاهِدًا قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ﴾ [النساء: ٣] دون مَن طاب.\nوقوله ﷾: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ الأرحام جَمْع رَحِم، وهو وِعاء الجنين، والجنينُ محُاط بثَلاثة جُدران: البَطْن، والرَّحِم، والمَشْيَمَة، فالمَشيمة هذا القُمقُمُ الذي فيه الجنين، وهذا القُمقُمُ -سُبحان اللَّه العظيمِ- مادَّة غَريبة لا هي مائِيَّة مَحضَة، ولا جامِدة محضة، ولكنها لَزِجة سَهْلة لأَجْل أن يَتيَسَّر حرَكة الجنين؛ حتى أُمُّه لا تُحِسُّ بالتَّعَب وهو أيضًا لا يَحِسُّ بالتَّعَب؛ فاللَّه عَليم حَكيم جَلَّ وَعَلَا.\nوهذه الظُّلُماتُ الثَّلاثُ كما قال تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ [الزمر: ٦]، وقال ﷾: ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المرسلات: ٢١]، يَعنِي: لا يَدخُله أيُّ شيء يُؤذِي هذا الجنينَ لا هَواءٌ ولا غَيرُه.\nوقوله تعالى: ﴿مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ مُتعلَّق هذا العِلْم كَونُه ذكَرًا أو أُنثَى، وكذلك ما يَتعَلَّق من صِفات كونُه: سَعيدًا أو شَقيًّا، وكونه عامِلًا عمَلًا صالحًا أو عمَلًا سَيِّئًا، وكونُ رِزْقه واسِعًا أو ضَيقًا، وكون عُمرِه طَويلًا أم قصيرًا؛ فكل هذه تَتَعلَّق بعِلْم الأَجِنَّة، فمِنها شيء لا يُمكِن أن يُعلَم أبدًا، ما يَعلَمه إلَّا اللَّه ﷿، ومنها ما يُعلَم -كالأَمْر المُشاهَد- بالأَمْر المَحسوس، فهذا يُمكِن أن يُشاهَد ويُوصَل إليه الآنَ؛ ولكن هل يُمكِن أن يَعلَموا أن هذا الجَنينَ ذكَر أم أنثَى قبل أن يُخلَّق؟\nالجَوابُ: إلى الآنَ ما وصَلوا إلى ذلك، ولا نَقول: (لا)، بل نَقول: (إلى الآنَ ما وصَلوا)، وقد سمِعْت أن بعضَهم يَستَدِلُّ على أن كَوْنه ذكَرًا أو أُنثَى بنَفْس","vol":"1","page":205},{"text":"الحَيوان المَنوِيِّ، وأنَّ الذكَر له صِفة خاصة والأُنثى لها صِفة خاصَّة، فإذا صَحَّ هذا فلا تَقُل: من أَيْن؟\nفإن قال قائِل: كيف ذلك في نَفْس الحيوان إذ لم تَتَلقَح نفسُ البُويْضة بعدُ؟\nفالجَوابُ: هُمُ الآنَ أَثبَتوا هذا، وصَوَّرها أيضًا، صَوَّروا هذا؛ فقالوا: إن الحَيوان المنَويَّ الذكَر هذا له إشعاع خاصّ، يَنطَلِق بإشعاع خاصٍّ، واللَّهُ أَعلَمُ.\nوعلى كل حال: هم إذا تَوَصَّلوا إلى ذلك فإننا نَقول: مَن يَعلَم أنه سيقدِّر الذكَر أو الأنثى إلَاّ اللَّه ﷾، ثُمَّ الأحوال الأُخرى التي ذكَرْنا أنها مُتعَلّق مَن عِلْم الأَجِنَّة لا يُمكِن أن يَعلَموها.\nوأَقول: يَجِب أن لا نُعارِض الشيءَ هكذا، بل يَجِب أن نَتَرّيث؛ لأننا لو نَدفَع هذا الشيءَ ثُمَّ نَقول: هذا الشيءُ محُال. ثُم يَكون ثابِتًا بمُقتَضى العُلوم الحَديثة، فإنه يُؤدِّي ذلك إلى رَدِّ القُرآن أو التَّشكيك فيه، ونحن نَعلَم أنه لا يُمكِن أن يَتَناقَض أمران يَقِينِيَّان، فكل أَمْرَيْن يَقينِيَّين فإنه لا يُمكِن أن يَتَعارَضا أبدًا، فهذا مُستَحيل.\nفإن قال قائِل: الإنسان الذي يُحاوِل بهذه الأُمور على أن يَعلَم هل يَأثَم أو لا؟\nفالجَوابُ: لا، لا يَأثَم، قال تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ ولم يَقُلْ: لا تَعلَموا، فنحن نَعلَم الآنَ عندما نَتَوصَّل بهذه الوسائِلِ فليس عِلْمَ غَيْب.\nوقوله ﵀: [﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ أذَكَر أم أُنْثَى، ولا يَعلَم واحِدًا من الثلاثة غيرُ اللَّه تعالى] اقتِصاره على [أذَكَر أم أنثى] فيه نظَرٌ، لأن عِلْم ما في الأرحام ليس مُتعَلِّقًا بالذكَر أو الأنثَى فقَطْ، بل ما هو أعَمُّ.\nوقوله ﵀: [وَلا يَعلَم واحِدًا من الثَّلاثة غيرُ اللَّه] هذا قَبْل تَكوينه مُمكِن،","vol":"1","page":206},{"text":"لكن بعد أن يَتكوَّن يَعلَمه غيرُ اللَّه فهذا المَلَك يَعلَم أنه ذَكَر أم أُنثَى.\nوقوله ﷾: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾: ﴿نَفْسٌ﴾ نَكِرة في سِياق النَّفي، و﴿تَدْرِي﴾ بمَعنَى: تَعلَم، والنَّفْس هنا نَكِرة في سِياق النَّفْي فتَعُمُّ كلَّ نَفْس، فأيُّ نَفْس لا تَدرِي ماذا تكسِب غدًا حتى لو كان من أَمهَر الناس في التَّدبير والتَّنظيم لوَقْته فلا يَدرِي ماذا يَكسِب غَدًا؛ وإذا كانت النَّفْس لا تَدرِي ماذا تَكسِب فإنها لا تَدرِي ماذا يَكسِب غيرُها من بابِ أَوْلى؛ وإذا كانَتْ لا تَستَطيع أن تَعلَم ما يَتعَلَّق بعِلْم المَخلوق فكيف تَعلَم ما يَتعَلَّق بعِلْم الخالِق؛ فمِن بابِ أَوْلى أن لا تَعلَمه.\nإِذَنْ: فلا أحَدَ يَدرِي ماذا يَكسِب غَدًا من خيرٍ أو شَرٍّ أو مال أو ولَد أو غير ذلك؛ وقد يَتَوقَّع الإنسانُ الشيء، ولكنه لا يَحصُل له؛ إذ يُصرَف عنه أو يُحال بَينَه وبَينَه بسبَب فلا يَصِل إلى كَسْبه.\nوقوله ﷾: ﴿مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ ما المُرادُ بالغَدِ: اليَوْم المُباشِر ليَوْمك أو كل المُستَقبَل؟\nالجَوابُ: المُرادُ كل المُستَقبَل، فلا تَدرِي ماذا تَكسِب فيه ولو كان بَعيدًا، لقوله ﷾: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨] فهل يَعنِي: ليوم الأَحَد بعد يوم السَّبْت؟\nالجَوابُ: لا، بل ليوم القِيامة، فكُلُّ مُستَقبَل يَصِحُّ أن يُطلَق عليه غَد.\nوكلِمة ﴿غَدًا﴾ مَنصوبة، وهي مَفعول لـ ﴿تَكْسِبُ﴾ مَفعول فيه؛ لأنها ظَرْف؛ يَعنِي: ماذا تَكسِب في غَدٍ؛ ومنه قول الشاعِرِ:","vol":"1","page":207},{"text":"وَأَعْلَمُ عِلْمَ الْيَوْمِ وَالْأَمْسِ قَبْلَهُ ... وَلَكِنَّني عَنْ عِلْمِ مَا فِي غَدٍ عَمِي (^١)\nإِذَنْ: فهِي ظَرْف.\nوقوله ﵀: [﴿مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ من خَيرٍ أو شَرٍّ]، ولكن الذي يَعلَمه اللَّه تعالى؛ ولهذا قال ﵀: [ويَعلَمه إلَّا اللَّه تعالى].\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ نَقول في: ﴿نَفْسٌ﴾ مثل ما قُلْنا في (نَفْس) الأُولى: نكرة في سِياق النَّفي فتَعُمُّ كل نَفْس.\nوقوله ﷿: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ هل هي بأَرْضها التي وُلِدت فيها أو بقَريب منها أو ببَعيد لا تَدرِي، ولا تَدرِي بأيِّ زمَنٍ تمَوت، بل من بابِ أَوْلى؛ لأن المَكان للإنسان فيه اختِيار، فيَختار أن يَكون هنا أو يَختار أن يَكون هناك؛ أو يَختار أن يَكون في محَل آخَرَ ثالِثٍ، لكن الزمَن ليس لك فيه اختِيار؛ فإذا كنت لا تَعلَم المكان الذي تمَوت فيه مع أن لك فيه اختِيارًا فمن بابِ أَوْلى أن لا تَعلَم الزمَن الذي تمَوت فيه.\nوهذه من حِكْمة اللَّه ﷿: أَنْ أَخفَى على الإنسان اليومَ الذي يَعلَم أنه يَموت فيه أو المكان الذي يَعلَم اللَّه تعالى أن الإنسان يَموت فيه؛ لأن الإنسان لو عَلِم بهذا لقَلِقَ في حَياته؛ فما يَكون هَمُّه إلَّا حِسَاب ما بَقِيَ؛ أي: ما بَقِي إلا كذا وكذا من السنَوات أو من الأَشهُر أو من الأيام، ويَتعَب تَعَبًا عظيمًا.\nلكن الآنَ كلُّ يومٍ يَجيء على الإنسان يُؤمِّل فيه وقد يَكون الأجَلُ أَقرَبَ من شِراك نَعْله؛ لكِنِ المُهِمُّ أن عنده أمَلًا في الطول، ولا يَلتَفِت إلى هذه المَسأَلةِ إطلاقًا؛\n_________\n(^١) البيت لزهير بن أبي سلمى من معلقته المشهورة، انظر: ديوانه (ص ٧٠).","vol":"1","page":208},{"text":"لأنه يَعلَم أنه لا عِلمَ له فيها، وأن عِلْمها عند اللَّه، وهذا من رحمة اللَّه ﷿ بِنا.\nوهل الإنسانُ يُقَدِّر أنه يَموت بالأرض الفُلانية؟\nالجَوابُ: قد يُقدِّر هذا، وأحيانًا إذا قيل له: ألَا تُسافِر؟ قال: أبدًا أنا بلَدي فيها أَحْيا وفيها أَموتُ، ولكن عند قُرْب أَجَله يُسافِر، فتَحصُل له حاجة حتى يُحمَل إلى الأرض التي يَموت فيها.\nوأنا أَعرِف رجُلًا ما خرَج من بَلَدِه عنيزةَ أبدًا منذ سنَوات بعيدة، ولمَّا مَرِضَ قُدِّر أن يَكون عِلاجُه في مِصرَ، وهو ما خرَجَ من عنيزةَ عُمرَه إلَّا أَظُنُّه للحَجِّ مرَّةً ولا عِنده نِيَّة، فكَبِر وانتهى عُمُره، لكن سُبحانَ اللَّهِ! لمَّا أَراد أن يَنقُله اللَّه تعالى إلى أَرْضه التي يَموت فيها نُقِل إلى مِصرَ ومات هناك.\nوأَعرِفُ أُناسًا كَثيرين نُقِلوا إلى أماكِنَ بَعيدة ما كانوا يَحلُمون أنهم يَذهَبون إليها، وهناك قِصَّة حدَّثَني بها الثِّقة في المرأة المريضة التي رجَعوا بها من الحجِّ، ولمَّا كانوا في الريع -الجِبال المُحيطة بالحِجاز- ونزَلوا ليلة من الليالي، فلَمّا أَصبَحوا حمَلوا إِبلَهم على أنهم سيَمْشون، وهذا الرجُلُ كان معه أُمُّه مَريضة فتقِيَ ليُوطِّئ لها المكانَ على الراحِلة، فمَشَى الناس وهو في مَكانه، ولمَّا أَنهَى ما أَحَبّ أن يُنهِيَه من تَوْطِئة الرَّحْل لأُمِّه وركِبَت مشَى فضَيَّعهم، لم يَعرِف أين ذهَبوا؛ فدخَل في الريع وظلَّ يَمشِي ويَمشِي ولا يَسمَع حِسًّا ولا حولَه أحَدٌ حتى وصَل إلى خِباءٍ -خِدْر صَغير لبَدْوٍ- ونزَل عِندهم وسأَلَهم عن الطريق قالوا: الطريق وراءَك؛ فقال: سأَرْتاح قليلًا؛ فلمَّا نزَل-سُبحانَ اللَّه العَظيمِ- ونزَّل والِدتُه ماتَتْ في ذلك المَكانِ الذي ما كان هو ولا غيره يَقدِر أن يَأتِيَ إليه، لكن من أَجْل أن تُحمَل هذه المَرأةُ إلى أرضِ مَوْتها حَصَل ما حَصَل من الأسباب.","vol":"1","page":209},{"text":"وهكذا أيضًا تَجِدون الحوادِثَ الآنَ؛ فالإنسان في البلَد لا يُقدِّر أنه سيَموت في مَكان ما من البَرِّ، ولكنه يُنقَل إلى المكان الذي يَموت فيه، حتى إنه يَموت في المكان بالضَّبْط على نفس حَبَّات التُّراب التي قُدِّر أن يَموت فيها، وهذا أَمْر مُشاهَد.\nوفي الزمَن كذلك: لا يَدرِي الإنسان متى يَموت، رُبَّما يَتأخَّر لحَظاتٍ من أَجْل أن يَستكمِل زمَنه ومُدَّته، وهذا له شَواهِدُ؛ منها أيضًا ما حصَل في عنيزةَ: أن رجُلًا جاءَ بسَيَّارته مع الطريق العامِّ، وهناك شَابَّان على (دبَّاب) (دَرَّاجة نارَّية) قد أَتَيا من طريق آخَرَ مُعتَرِض، فلمَّا قرُب الكُلُّ من نِهاية نُقْطة المُلاقاة وقَفَ كلٌّ منهم يَنتَظِر أن يَعبُر الآخَرُ؛ فقال الآخَرُ: سأَمشِي فمشَوْا جميعًا فصَدَمت السيَّارة المُؤخَّر من (الدبَّاب) الذي فيه الشابَّان وماتا في الحال؛ فلماذا وَقَف هذه الوَقْفة التي هي لحظات؟ الجوابُ: من أَجْل أن يُستكمَل الزمَن المُحدَّد.\nوقوله ﵀: [﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ ويَعلَمه اللَّه تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾ بكُلِّ شيء ﴿خَبِيرٌ﴾ بباطِنه كظاهِره] وأيُّهما أخَصُّ: الخبير أو العَليم؟\nالجَوابُ: الخَبيرُ أَخَصُّ؛ لأن العِلْم يَتعَلَّق بالظاهِر والباطِن، والخِبْرة تَتَعلَّق بالباطِن؛ ولهذا قال ﵀: [﴿خَبِيرٌ﴾ بباطِنه كظاهِره]؛ لأن العليم بالباطِن من بابِ أَوْلى أن يَكون عَليمًا بالظاهِر.\nثُم قال ﵀: [روَى البُخارِيُّ عن ابنِ عُمرَ حديثَ: مَفاتِح الغَيْب خَمْسة: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ. . .﴾ (^١) إلخ السُّورة] قال تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري: كتاب الاستسقاء، باب لا يدري متى يجيء المطر إلا اللَّه، رقم (١٠٣٩).","vol":"1","page":210},{"text":"وقد بيَّنَّا في شَرْح صحيح البُخارِيِّ وجهَ كَوْنها مَفاتِحَ فقُلْنا: الساعة مِفتاح الآخِرة؛ وتَنزيل الغَيْث مِفتاح للحياة؛ حياة الأرض والنبات؛ وقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ مِفتاح لحياة الإنسان وابتِداء خَلْقه؛ فأوَّلُ ما يَمُرُّ بعد التَّكوين بالرَّحِم؛ ولهذا الإنسانُ له أربَعُ دُور: الدار الأُولى في بَطْن أُمِّه، والثانية في الدنيا، والثالثة في البَرْزَخ، والرابِعة في الآخِرة؛ قال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣].\nوقوله ﷾: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ مِفتاح للعمَل في المُستَقبَل؛ وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ مِفتاح للآخِرة بالنَسبة لمَوْت كل إنسان بعَيْنه.\n\nمن فوائد الآية الكريمة:\nالْفَائِدَة الأُولَى: أن عِلْم الساعة من خَصائص عِلْم اللَّه ﷿ وحدَه؛ لقوله تعالى: ﴿عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ فقوله تعالى: ﴿عِنْدَهُ﴾ تُفيد الحَصْر.\nالْفَائِدَةُ الثَّانيَةُ: بَيان فَضْل اللَّه ﷿ في إنزال الغَيْث؛ لقوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ والمُنزّل للشيء هو العالِمُ به.\nالْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: اختِصاص اللَّه تعالى بعِلْم الغَيْب.\nالْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن عِلْمَ ما في الأرحام إلى اللَّه ﷾ وحدَه؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَام﴾.\nوإذا نظَرْنا إلى ظاهِر السِّياق ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ لا نَنفِي أن غَيرَه يَعلَم؛ لأن كونَ اللَّه تعالى يَعلَم نحن يُمكِن أن نَعلَم، لكن تَفسير الرسول ﵊","vol":"1","page":211},{"text":"بأن هذه بعِلْم الغَيْب التي لا يَعلَمها إلَّا اللَّه تعالى يَدُلُّ على أنه لا يَعلَم ما في الأَرْحام إلا اللَّه تعالى.\nفإن قال قائِل: لماذا لم تكن بهذه الصّيغةِ: (ولا يَعلَم ما في الأَرْحام إلَّا اللَّه)؟\nفالجَوابُ -واللَّهُ أَعلَمُ-: أنه لمَّا كان عِلْم الأَجِنَة قد يُتَمكَن منه ببعض الأَحْوال قال: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾.\nالْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن الإنسان لا يَعلَم الغَيْب في المُستَقبَل، لقوله ﷿: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ فإذا كانت يَقصِد بـ (ماذا تكسِب) هو نَفسه، فما يَقدِر عليه إلا اللَّه تعالى فجَهْله به من بابِ أَوْلى، وما يَكسِبه غيرُه فجَهْله فيه من بابِ أَوْلى، وعلى هذا فلوِ ادَّعَى مُدّعٍ أن اللَّه تعالى يُقدِّر على هذا الرجُل كذا وكذا فإننا نَجزِم أنه كاذِب؛ لأنه لا يَعلَم ما في غَدٍ إلا اللَّهُ تعالى.\nولما قالَتْ إحدى النِّساء في حَضْرة النبي ﵊: \"وَفِينَا نَبِيٌّ يَعلَم ما في غَدِ\" نَهاها الرسولُ ﵊ وقال -ﷺ-: \"قُولي ببَعْضِ ما تَقولينَ\" (^١)؛ وهذا لا يَجوز على الرسولِ -ﷺ- ولا غيرِه أن يُدَّعَى أنه يَعلَم ما في الغَيْب.\nالْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن الإنسان لا يَدرِي بأيِّ أَرْض يَموت؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾.\nالْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: هل يُقال: إنه لا يُمكِن أن يَموت أحَد فَوقَ الجاذِبِية في فضاء؟ فيه احتِمال؛ لكنه ضَعيف؛ لأنه ﷾ قال: ﴿بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ قد يَكون هذا مَبنيًّا على الغالِب مع أن لدَيْنا آيةً في القُرآن يَقول اللَّه ﷿ فيها: ﴿فِيهَا تَحْيَوْنَ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري: كتاب المغازي، رقم (٤٠٠١)، من حديث الرُّبَيِّع بنت معوذ -﵂-.","vol":"1","page":212},{"text":"وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف: ٢٥]، فتَقديم المَعمول الَّذي هو الظَّرْف ﴿فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ يَدُلُّ على الحصر، وهذا هو الأَصْل، فإن تَبيَّن فيما بعدُ أن يَموت أحَدٌ في الفَضاء ولا يَرجع إلى الأرض فإننا نَقول: إن هذا احتِمال. بِناء على الأَغلَب الكثير، وما سمِعْنا أن أحدًا مات فوقَ الجاذِبية، بل حتى لو مات فالظاهِرُ أنه لا بُدَّ أن يُرَدّ، وليس المَقصودُ الرُّوحَ.\nالْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنه لا يَعلَم أحَدٌ متى يَموت؛ تُؤخَذ: من أن جَهْلنا بمَكان مَوْتنا يُبين جَهْلنا بزمان مَوْتنا، فالجهْل هنا بالزَّمان أوْلى.\nالْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: إثبات اثنَيْن من أسماء اللَّه ﷾ وهُما: العَليم والخَبير، وما تَضَمَّناه من صفتَي العِلْم والخِبْرة.\nالْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أن مَنِ ادَّعى عِلْم شيء ممَا اختُصَّ اللَّه ﷾ بعِلْمه فهو كافِر؛ لأنه مُكذِّب للَّه تعالى، والتَّكذيب للَّه تعالى كُفْر.\n* * *","vol":"1","page":213}]}